القسم ٢ من ٧

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

الصناديقي

وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقي على اليمن، وكانت جيوشه بالمذيخرة وسهفنة، وكان ابن أبي الفوارس أحد دعاة عبدان أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان من أهل النرس موضع يعمل فيه الثياب النرسي، وكان يعمل من الكتان فصار إلى اليمن، ودخل في دعوته خلق كثير، فأظهر العظائم وقتل الأطفال، وسبا النساء، وتسمى برب العزة، وكان يكاتب بذلك، وأعلن سب النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، واتخذ دارا خاصة سماها دار الصفوة يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن، ويحفظ من تحبل منهن في تلك الليلة ومن تلد من ذلك، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا، ويسميهم أولاد الصفوة. قال بعضهم: دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول: يا بني، فقال: يا أمة نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا. وكان يقول: إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونوا كنفس واحدة. فعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه، وأجلى السلطان، وقاتل أبا القاسم محمدا

ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني الهادي، وأزاله عن عمله من صعدة ففر منه بعياله إلى الرس، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهي، وهو أن الله جلت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا قتل به أكثر أصحابه في ليلة واحدة، وقلما عرف مثل ذلك في تلك الناحية. وسلط الله عليه الأكلة، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده به فقتله؛ وأنزل الله بالبلدان التي غلب عليها بثرا يخرج في كتف الرجل منهم بثرة فيموت سريعا، فسمى ذلك البثر بتلك البلاد حبة القرمطي مدة من الزمان. وأخرب الله أكثر تلك البلاد التي ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، فاعتصم ابنه بجبال وأقام بها، وكاتب أهل دعوتهم، وعنون كتبه: من ابن رب العزة. فأهلكه الله، وبقي منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادي، ولم يبق للنجار لعنه الله ولا لمن كان على دعوته بقية. وكان قرمط يكاتب من بسلمية، فلما مات من كان في وقته، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء، فاستراب وبعث ابن مليح أحد دعاته ليعرف الخبر فامتنع، فأنفذ عبدان، وعرف موت الذي كانوا يكاتبونه، فسأل ابنه عن الحجة، ومن الإمام الذي يدعو إليه، فقال الابن: ومن الإمام؟ فقال عبدان: محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان. فأنكر ذلك وقال: لم يكن إمام غير أبي، وأنا أقوم مقامه.

فرجع عبدان إلى قرمط؛ وعرفه الخبر، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا من قول صاحب سلمية: لا حق لمحمد بن إسماعيل في هذا الأمر ولا إمامة. وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل، فلما قطعوها من ديارهم لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها امتدت في سائر الأقطار، ومن حينئذ قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية. وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطالقان يبث الدعوة، فلما انقطعت المكاتبة طال انتظاره، فشخص يسأل عن قرمط، فنزل على عبدان بسواد الكوفة، فعتبه وعتب الدعاة في انقطاع كتبهم، فعرفه عبدان قطعهم الدعوة، وأنهم لا يعودون فيها، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما كان أبوه، ويجمع الرجال، فقال زكرويه: إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعي البلد كله والدعاة من قبله، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله. وباطن على ذلك جماعة من قرابته وثقاته، وقال لهم: إن عبدان قد نافق وعصى وخرج من الملة. فبيتوه ليلا وقتلوه، فشاع ذلك، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته، وتنقل في القرى وذلك في سنة ست وثمانين والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين فأنفذ ابنه الحسن إلى الشام، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد، وأمره أن يقصد بني كلاب، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بني العليص ومواليهم وبايعوه، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام، فضم إليه

ابن أخيه فتسمى بالمدثر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأول أنه المذكور في القرآن بالمدثر ويقال إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدي، وأنه تسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق، وعهد إليه صاحب الخال من بعده، وغلاما من بني مهرويه يتلقب بالمطوق وكان سيافا وكتب إلى ابنه الحسن يعرفه أنه ابن الحجة، ويأمره بالسمع والطاعة له، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد بن عبد الله، وقيل علي بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنكر قوم هذا النسب، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه، وكنيته أبو القاسم، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة، وبصاحب الجمل، وهو أخو صاحب الخال، القائم من بعده، فسار حتى نزل في بني كليب، فلقيه الحسن بن زكرويه، وسر به، وجمع له الجمع، وقال: هذا صاحب الإمام، فامتثلوا أمره، وسروا به، فأمرهم بالاستعداد للحرب، وقال: قد أظلكم النصر، ففعلوا ذلك. واتصلت أخبارهم بشبل الديلمي مولى المعتضد في سنة تسع وثمانين، فقصدهم، فحاربوه وقتلوه في عدة من أصحابه بالرصافة من غربي الفرات، ودخلوها فأحرقوا مسجدها ونهبوا. وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف دمشق، وكان عليها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه. وكان القرمطي يحضر الحرب على ناقة، ويقول لأصحابه: لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا ترد لكم راية، إذ كانت مأمورة.

فسمى بذلك: صاحب الناقة فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق، فكتب إلى مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابه وضرب البلد، فأنفذ إليه بدر الكبير غلام ابن طولون المعروف بالحمامي فسار حتى قرب من دمشق، فاجتمع هو وطغج على محاربة القرمطي بقرب دمشق، فقتل القرمطي واحتمى أصحابه وانحازوا، فمضوا، وكان القرمطي قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها: قل جاء الحق وزهق الباطل. وفي الوجه الآخر: لا إله إلا الله، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى. فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله صاحب الناقة بايعوا الحسن بن زكرويه وهو الذي يقال له أحمد بن عبد الله، ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعرف بصاحب الخال، فسار بهم، وافتتح عدة مدن من الشام، وظهر على حمص، وقتل خلقا، وتسمى بأمير المؤمنين المهدي على المنابر وفي كتبه، وذلك في سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين. ثم صاروا إلى الرقة، فخرج إليهم مولى المكتفي وواقعهم فهزموه وقتلوه، واستباحوا عسكره، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى، ويقتلون ويسبون، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير غلام طغج وقاتلهم حتى قتل في خلق من أصحابه. واتصل ذلك بالمكتفي بالله فندب أبا الأغر السلمى في عشرة آلاف وخلع عليه لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين، فسار حتى نزل حلب، ثم خرج فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوق، فانهزم أبو الأغر، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر، ولحق أبو الأغر بطائفة من

أصحابه، فالتجأوا بحلب، وصار في نحو الألف، فنازله القرامطة، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا. وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه، وسار بهم إلى حمص، فخطب له على منابرها. ثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل الرجال والنساء والأطفال، ورجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها. ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمنهم، ودخلها فبدأ بمن فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم. ثم كر على أهلها فقتلهم أجمعين، وخربها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، فلم يمر بقرية إلا أخربها، ولم يدع فيها أحدا، فخرب البلاد وقتل الناس، ولم يقاومه أحد، وفنيت رجال طغج، وبقي في عدة يسيرة، فكانت القرامطة تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة، فكثر الضجيج ببغداد، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضي، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان. ووردت الكتب من مصر إلى المكتفي بخبر قتل عسكرهم الذي خرج إلى الشام بيد القرامطة، وخراب الشام، فأمر المكتفي الجيش بالاستعداد، وخرج إلى مضربه في القواد والجند لاثنتي عشرة خلت من رمضان، ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى نزلها، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلد محمد بن سليمان حرب الحسن بن زكرويه، واختار له جيشا كثيفا وكان صاحب ديوان العطاء. وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين.

وكان الحسن بن زكرويه لما أحس بالجيوش اصطفى مقاتلة ممن معه، ورتب أحوالهم، فلما انهزم أصحابه رحل من وقته، وتلاحق به من أفلت، فقال لهم: أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله؛ وحرضهم على المعاودة إلى الحرب، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فقال لهم: قد كاتبني خلق من أهل بغداد بالبيعة لي ودعاتي بها ينتظرون أمري، وقد خلت من السلطان الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد صاحبي، وكتبي ترد عليه بما يعمل، فاسمعوا وأطيعوا. فضمنوا ذلك له، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر، وصاحبه المعروف بالمطوق، وغلام له رومى، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق، فساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البر، وتجنب القرى والمدن حتى صار قريبا من الرحبة بموضع يقال له الدالية، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب منها خلف رابية، ووجه بعض من معه لابتياع ما يصلحه، فدخل القرية فأنكر بعض أهلها زيه، وسأله عن أمره، فورى وتلجلج، فارتاب به وقبض عليه، وأتى به واليها ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، والدالية قرية من عمل الفرات فسأله أبو خبزة ورهب عليه، فعرفه أن القرمطي الذي خرج الخليفة المكتفي في طلبه خلف رابية أشار إليها، فسار الوالي مع جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا، وتوجه بهم إلى ابن كشمرد، فصار بهم إلى المكتفي وهو بالرقة، فشهرهم بالرقة، وعلى الحسن بن زكرويه دراعة ديباج وبرنس حرير، وعلى المدثر دراعة وبرنس حرير، وذلك لأربع بقين من المحرم.

وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقة ومعه الأسرى فخلف المكتفي عساكره مع محمد ابن سليمان بالرقة، وشخص في خاصته وغلمانه، وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، ومعه القرمطي وأصحابه. فلما صار إلى بغداد عمل له كرسي سمكه ذراعان ونصف، وركب على فيل وأركب عليه، ودخل المكتفي وهو بين يده مع أصحابه الأسرى، وذلك ثالث ربيع الأول، ثم سجنوا. فلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتي عشرة خلت منه أمر المكتفي القواد بتلقيه والدخول معه، فدخل في زي حسن وبين يديه نيف وسبعون أسيرا، فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب، وسور سوارين من ذهب، وخلع على جميع من كان معه القواد وطوقوا وسوروا. وأمر المكتفي ببناء دكة في الجانب الشرقي من مربعة، ذرعها عشرون ذراعا في مثلها، وارتفاعها عشرة أذرع، يصعد إليها بدرج، فلما كان لأربع بقين منه خرج القواد والعامة، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكة، وقتلوا جميعا وعدتهم ثلاثمائة وستون، وقيل دون ذلك. وقدم الحسن بن زكرويه، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما أربعة وثلاثون إنسانا من قبل وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية، وكان الواحد منهم يبطح على وجهه، وتقطع يده اليمنى، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما، ثم يضرب عنقه ويرمى بها. ثم قدم المدثر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب، وضربت عنقه. ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى، وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبر من على الدكة، فكبر الناس وانصرفوا. وحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطي فمكث نحو سنة.

ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة: من عند المهدي، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المستبصرين وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنة سيد المرسلين، وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم كثيرا. كتاب إلى فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد جدي رسول الله. أما بعد: فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين الذين يسعون في الأرض فسادا؛ فأنقذنا عطيرا داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم. فينبغي أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل

يعودنا في كل من مرق عن الطاعة، وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها، ولا تخف عنا شيئا من أمرها إن شاء الله. سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدي محمد رسوله، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا. وكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد. وسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين خليفة الحسن بن زكرويه فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه، فأخبره بخبر القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم، وأنهم اضطربوا فخافهم وتركهم، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا، وقال له: ألا كاتبتني قبل انصرافك إلي؟. ووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان. ثم إنه أعرض عن أبي الحسين، وأنفذ إلى القوم في سنة ثلاث وتسعين رجلا من أصحابه كان معلما يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، ويكنى بأبي غانم، فتسمى نصرا ليعمى أمره، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم، فدار ودعاهم، فاستجاب له طوائف من الأصبغيين، ومن بني العليص، فسار بهم نحو الشام، وعامل المكتفي بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهو بمصر في حرب ابن الخليج، فاغتنم ذلك محمد ابن عبد الله المعلم، وسار إلى بصرى وأذرعات فحارب أهلها، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وقتل مقاتلنهم، وسار يريد دمشق، فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ، فظهروا عليه، وقتلوا عسكره، وأسروه فقتلوه، وهموا بدخول دمشق فدافعهم أهلها، فمضوا إلى طبرية، فكانت لهم وقعة على الأردن غلبوا فيها، ونهبوا طبرية، وقتلوا وسبوا النساء.

فبعث المكتفي بالحسين بن حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد، فدخل دمشق وهم بطبرية، فساروا نحو السماوة، وتبعهم ابن حمدان في البرية، فأخذوا يغورون ما يرتحلون عنه من الماء، فانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، ومال نحو رحبة مالك بن طوق، فأسرى القرامطة إلى هيت، وأغاروا عليها لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين، ونهبوا الربض والسفن التي في الفرات، وقتلوا نحو مائتي إنسان. ثم رحلوا بعد يومين بما غنموه، فأنفذ المكتفي إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداج في جماعة من القواد بجيش كثيف، وأتبعه بمؤنس، فإذا هم قد غوروا المياه، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد، وكتب إلى ابن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة. فلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذئب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك، فأسنيت له الجائزة، وكف عن طلب قومه، وحملت رأس القائم المسمى بنصر المعلم إلى بغداد. ثم إن قوما من بني كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم، ورضيه آخرون، فاقتتلوا قتالا شديدا، وافترقوا فرقتين، فصارت الفرقة التي رضيت قتل المعلم إلى عين التمر، وتخلفت الأخرى؛ وبلغ ذلك زكرويه وأحمد بن القاسم عنده فرده إليهم، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال: أنا رسول وليكم، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذئب بن القائم، وأنكم قد ارتددتم عن الدين. فاعتذروا، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف والحرب، فقال لهم: قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني، يقول لكم وليكم: قد حضر أمركم، وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ومن أهل سوادها أكثر، وموعدكم اليوم

الذي ذكره الله في شأن موسى صلى الله عليه وسلم وعدوه فرعون إذ يقول: موعدكم يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى فأجمعوا أمركم، وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدي الذي جائتكم به رسلي. فسروا بذلك، وارتحلوا نحو الكوفة، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين، فخلفوا هناك الخدم والأموال، وأمرهم أن يلحقوا به على ستة أميال من القادسية. ثم شاور الوجوه من أصحابه في طروق الكوفة أي وقت، فاتفقوا على أن يكمنوا في النجف، فيريحوا الخيل والدواب، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارة والناس في صلاة العيد. فركبوا وساروا، ثم نزلوا فناموا، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفا من الله بالناس، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة، وانصرف الناس وهم متبددون في ظاهر الكوفة، ولأمير البلد طلائع تتفقد، وكان قد أرجف في البلد بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة، فوضعوا السيف وقتلوا كثيرا من الناس وأحرقوا، فارتجت الكوفة، وخرج الناس بالسلاح، وتكاثروا عليهم يقذفونهم بالحجارة، فقتلوا منهم عدة، وأقبل بقيتهم فخرج إليهم إسحق بن عمران في يسير من الجند، وتلاحق به الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا في يوم صائف شديد الحر، فانصرف القرامطة مكدودين، فنزلوا على ميلين من الكوفة، ثم ارتحلوا عشاء نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا لحربهم، فانصرفوا عنها، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد. وسار القرامطة إلى سواد الكوفة، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن مهرويه وكان مستترا فقال للعسكر: هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذي تنتظرونه. فترجل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما، وطافوا به، وسروا سرورا عظيما، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد، فعظم الجيش جدا.

وسير المكتفي جيشا عظيما، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير تعبئة مستخفين بالقوم، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم، فلقيهم القرامطة وقاتلوهم وهزموهم، ووضعوا فيهم السيوف، فقتل الأكثر، ونجا الأقل إلى القادسية، فأقاموا في جمع الغنائم ثلاثا، فكان من قتل من الجيش نحو الألف وخمسمائة، فقويت القرامطة بما غنموا، وبلغ المكتفي فخاف على الحاج، وبعث محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج، وطلب القرامطة، وضم إليه خلقا عظيما. فسار القرامطة وأدركوا الحاج، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من المحرم سنة أربع وتسعين، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا خلقا عظيما، واستولى زكرويه على الأموال. وقدم ابن كنداج فأقام بالقادسية وقد أدركه من هرب من حاج خراسان وقال: لا أغدر بجيش السلطان. وقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى غلبوا، وقتل كثير من الحاج، واستولوا على جميع ما في القافلة، وأخذوا النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها، ومات كثير من الحاج عطشا، ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا، فارتجت بغداد لذلك. وأخرج المكتفي الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة لإحدى عشرة بقيت من المحرم. وخزائن السلاح. ورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى، وبث الطلائع فوافته القافلة التي فيها القواد والشمسة وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا، ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار، وفيها من أنواع المال ما يخرج عن الوصف، فناهضهم زكرويه بالهبير، وقاتلهم يومه، فأدركتهم قافلة العمرة، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة

بعد خروج الحاج، ويخرجون إذا دخل المحرم، ويتفردون قافلة، وانقطع ذلك من تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء، فملك القافلة، وقتل الناس، وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا، وسار فأخذ أهل فيد. وأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا وفيها مصيبة، وعبرة سائلة، وضجيج وعويل، واعتزل المكتفي النساء هما وغما، وتقدم بالمسير خلف زكرويه، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل أكثر من معه، وأسر منهم خلق كثير، وطرحت النار في قبته، فخرج من ظهرها، وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض، فأدركه رجل يعرفه. فأركبه نجيبا فارها، وسار به إلى نحو بغداد، فمات من جراحا كانت به، وصبر وأدخل به إلى بغداد ميتا فشهر كذلك، ومه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى ورءوس من قتل بين يديه في الجوالقات، ومات خبر القرامطة بموت زكرويه. ودعوتهم ذكرها شائع. فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الظط يعرف بأبي حاتم الظطي، فقصد أصحاب البوراني داعيا وهم يعرفون بالبورانية وحرم عليها الثوم والبصل والكرات والفجل، وحرم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البوراني، وأمرهم بما لا يقبله إلا أحمق، وأقام فيهم نحو سنة، ثم زال، فاختلفوا بعده، فقالت طائفة: زكرويه بن مهرويه حي، وإنما شبه على الناس به. وقالت فرقة: الحجة لله محمد بن إسماعيل.

ثم خرج رجل من بني عجل قرمطي يقال له محمد بن قطبة، فاجتمع عليه نحو مائة رجل، فمضى بهم نحو واسط، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية، فقتلهم وأسرهم. ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي، وعمل على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة اثنان سورافيت، إذا احتيج إليها نصبت، وتخلع إذا حملت، فرحل يريد البصرة، فلما قاربها فرق السلاح، وحشى الغرائر بالرمل، وحملها على الجمال، فسار إلى السور قبل الفجر، فوضع السلالم، وصعد عليها قوم، ونزلوا فوضعوا السيف وكسروا الأقفال، فدخل الجيش، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول في الأبواب ليمنع من غلقها، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير، فقاتلوا وقتل الأمير، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام، فخرجوا وقد قتل من الناس مقتلة عظيمة، فباتوا ثم باكروا البلد فقاتلوا ونهبوا. ثم رحلوا إلى الأحساء، فأنفذ السلطان عسكرا وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة فدخل في أثرهم وأسر منهم وعاد. فلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطي فقتل منهم؛ وأدركهم أبو الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم، وأخذ أبو الهيجاء أسيرا، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له: جئناك عبد الله، ولم نكلفك قصدنا. فتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه، وأمر بتمييز الحاج، وعزل الجمالين والصناع ناحية، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم، فردوا بشر حال في صورة الموتى، ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحو عشرين ألف دينار مع أموال لا تحصى كثرة، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر، فورد بغداد. فلما كان في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج، فلقي أبو طاهر القرمطي الحاج بالعقبة، فرجع الحاج إلى الكوفة، فتبعهم القرمطي حتى نزل بظاهرها

لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، فناوشه الناس وانكفأ راجعا، ثم باكرهم بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان، فقاتلهم وهزمهم، وقتل قوادهم وكثيرا من العامة، ونهب البلد إلى العشرين منه، فرحل عن البلد. فلما كان في سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطي من بلده لقتال ابن أبي الساج، وقد كان السلطان أنزله في جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطي، فاستصعب مسيره لكثرة من معه، وثقل عليه سيره في أرض قفر، فاحتال على القرمطي، وكاتبه باظهار المواطأة، وأطمعه في أخذ بغداد ومعاضدته، فاغتر بذلك، ورحل بعيال وحشم وأتباع، وجيشه على أقوى ما يمكنه، وأقبل يريد الكوفة. ورحل ابن أبي الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة، وقد سبقه القرمطي، ودخلها لسبع خلون من شوال، فاستولى عليها، وأخذ منها الميرة، وأعد ما يحتاج إليه؛ وأقبل ابن أبي الساج على غير تعبئة، وعبر مستهينا بأمر القرمطي مستحقرا له، ثم واقعه وهو في جيش يضيق عنه موضعه، ولا يملك تدبيره، وقد تفرق عنه عسكره، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور شيئا كثيرا، فأقبل إليه القرمطي وقاتله، فانهزمت عساكر ابن أبي الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى والجراح، فقتلوا الناس قتلا ذريعا حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أربع، واحتوى على عسكره، ونهب الأكرة من أهل السواد ما قدروا عليه، وأقام أربعين يوما؛ وخرج بعد أن يئس من مجيء عسكر إليه، فقصد بغداد، ونزل بسواد الأنبار، وعبر الفرات إلى الجانب الغربي، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد بغداد، فجيش الجيش إليه؛ وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد، وقاتل القرامطة قتالا شديدا، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال، ويذكر ما لزم من صرف الأموال إلى وقت وصوله. فكتب إليه: إن في مقامنا أطال الله بقاء مولانا نفقة المال، وفي لقائنا نفقة الرجال؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال.

ثم أنفذ إلى القرمطي يقول له: ويلك، ظننتني كمن لقيك أبرز لك رجالي، والله ما يسرني أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابي، ولكني أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدي إن شاء الله. وأنفذ يلبق في جيش للإيقاع بمن في قصر ابن هبيرة، فعظم ذلك على القرمطي فاضطرب، وأخذ أصحابه يحتالون في الهرب، وتركوا مضاربهم، فنهب مؤنس ما خلفوه، وسار جيش القرمطي من غربي الفرات، وسار مؤنس من شرقيه، إلى أن وافى القرمطي الرحبة، ومؤنس يحتال في إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة، فكان القرامطة يأخذونها، فكثرت الميتة فيهم، وكثر بهم الذرب، وظهر جهدهم، فكروا راجعين وقد قل الظهر معهم، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين، فدخل الكوفة على حال ضعف وجراحات وعلل لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة فأقام بها إلى مستهل ذي الحجة، ولم يقتل ولا نهب، ثم رحل. فلما كان في سنة سبع عشرة رحل بجيشه، فوافى مكة لثمان خلون من ذي الحجة، فقتل الناس في المسجد قتلا ذريعا، ونهب الكعبة، وأخذ كسوتها وحليها، ونزع الباب وستائره، وأظهر الاستخفاف به، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه وظن أنه مغناطيس القلوب، وأخذ الميزاب أيضا. وعاد إلى بلده في المحرم سنة ثماني عشرة وقد أصابه كد شديد، وقد أخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار، واستملك من النساء والغلمان والصبيان ما ضاق بهم الفضاء كثرة، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده. فلما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة، فعاث عسكره في

السواد، وأسروا خلقا، واشتروا أمتعة، ورجعوا بعد خمسين ليلة أقاموا بها إلى بلدهم. وبعث أبو طاهر سرية في البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف في أهل الساحل، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه من رجل وامرأة وصبي فما نجا منهم إلا من لحق بالجبال، وسبوا النساء، واجتمع الناس، فقتلوا منهم في الحرب معهم خلقا كثيرا، وأسروا جماعة، ثم تحاملوا عليهم، وتبادوا بالشهادة، وجدوا فقتلوا أكثرهم، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد، وحملت الأسرى إلى بغداد مع الرءوس وهم نحو المائة رجل ومائة رأس فحبسوا ببغداد. ثم خلصوا وصاروا إلى أبي طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبي طاهر أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم، وكان سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود، ويطلق الأسرى، ولا يعترضوا الحاج، فجرى الأمر على ذلك. ودخل القرمطي في سنة ثلاث وعشرين إلى الكوفة والحاج قد خرج في ذي القعدة، وعاد الحاج إلى الكوفة، ولم يقدر على مقاومتهم، فظفر بمن ظفر منهم، فلم يكثر القتل، وأخذ ما وجد. وبلغ القرمطي أن رجلا من أصحابه قال: والله ما ندري ما عند سيدنا أبي طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء، وما يفوز بأكثر أموالكم إلا الأعراب والشذاذ من الناس، فلو أنه حين ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدي كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ذلك منهم أحد، وخف عليهم وسهل، وحج الناس من كل بلد، لأنهم ظمأى إلى ذلك جدا، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته، وجاء في كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض وانقاد له الناس؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة، وصار عند الناس هو المانع من الحج. فاستصوب القرمطي هذا الرأي، ونادى من وقته في الناس بالأمان، وأحضر الخراسانية،

فوطأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال في كل سنة، ويكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم؛ وأخرج أهل مصر أيضا عن الحاج ضرائب من مال السلطان؛ ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة، فصار لهم على الحاج رسما بالكوفة. فلما كان سنة خمس وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة، وقبض على شفي اللؤلؤي أميرها بأمان، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال، فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه، وخدموه فيما يلتمسه، وإلا فلا يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم، وبر أبو طاهر شفيعا ووصله، فوصل شفيع إلى السلطان وعرفه، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطي، وملأ صدره من السلطان وأتباعه، فزاده انكسارا، وسار عن البلد، فابتلاه الله بالجدري وقتله؛ فملك التدبير بعده أخوته وابن سنبر. فلما كان في سنة تسع وثلاثين أرادوا أن يستميلوا الناس فحملوا الحجر الأسود إلى الكوفة، ونصبوه فيها على الاسطوانة بالجامع. وكان قد جاء عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين: أن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان. ثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة وأمير مكة معه فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط كان به مصونا، وعلى الحجر ضباب فضة قد عملت عليه، تأخذه طولا وعرضا، تضبط شقوقا حدثت فيه بعد انقلاعه؛ وكان قد أحضر له صانع معه جص يشد به الحجر، وحضر جماعة من حجبة البيت، فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر بيده في موضعه ومعه الحجبة وشده الصانع الجص بعد وضعه وقال لما رده: أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئته.

ونظر الناس إليه وقبلوه والتمسوه، وطاف سنبر بالبيت. وكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الإثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وكان رده يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذي الحجة يوم النحر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. فكانت مدة كينونته عند الجنابي وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام. وكان في سنة ست عشرة وثلاثمائة قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند انصراف أبي طاهر القرمطي عن بغداد إلى نحو الشام، وتداعوا إلى الاجتماع في دار هجرتهم فكثروا، وكبسوا نواحي الوسط، وقتلوا خلقا كثيرا، وملكوا ما حواه العسكر هناك من سلاح وغيره، فقوى أمرهم، وسار بهم عيسى بن موسى والحجازي وهما داعيان وكان الحجازي بالكوفة يبيع الخبز، فصحب يزيد النقاش، واجتمع عليهما غلمان، وساروا فنهبوا وأخافوا، والبلد ضعيف لاتصال الفتن وتخريب البوراني لسواده وضعف يد السلطان، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل إليهم، فاجتمعوا نحو العشرة آلاف، وفرقوا العمال، ورحلوا إلى الكوفة فدخلوها عنوة، وهرب واليها، وولوا على خراجها وعلى حربها، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن فيه، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا، وقتل منهم ما لا يحصى، وغرق منهم وهرب الباقون، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا وصلبوا، وحبس عيسى بن موسى مدة، ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر أيام المقتدر، فأقام ببغداد يدعو الناس، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان الداعي، نسبه فيها إلى الفلسفة، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه، فصار له أتباع، وأفسد فسادا عظيما، وصار له خلفاء من بعده مدة.

وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت بنيسابور، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعراني، وصار منهم خلق كثير هناك من الرؤساء وأصحاب السلاح. وانتشرت في الري من رجل يعرف بخلف الحلاج، وكان يحلج القطن، فصرف بها طائفة الخلفية، وهم خلق كثير، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم، وكان منهم أسفار فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة في أيامه بالري وأخذوا يقتلون الناس غيلة حتى أفنوا خلقا كثيرا. ثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد الساماني، فنفر عليهم وقتلهم مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد، وصار بعضهم إلى مفلح غلام ابن أبي الساج فاستجاب له، ودخل في دعوته. فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقد استعد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد، فورد عليه الخبر بأن القرامطة تقصده، ووافت الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله، ثم جرى بينهم صلح، وصاهر إليهم في ذي الحجة منها، فأقام القرمطي بظاهر الرملة ثلاثين يوما ورحل. وسار جعفر بن فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقتل رجاله، وأخذه أسيرا، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها، فمنعه أهل البلد وقاتلوه قتالا شديدا، ثم إنه دخلها بعد حروب، وفر منه جماعة منهم ظالم بن موهوب العقيلي، ومحمد بن عصودا فلحقا بالأحساء إلى القرامطة، وحثوهم على المسير إلى الشام، فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأن الإخشيدية

كانت تحمل إليهم في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما صارت عساكر المعز إلى مصر مع جوهر، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن القرامطة، فسارت .... بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب، فنزلوا الكوفة وراسلوا السلطان ببغداد، فأنفذ إليهم خزانة سلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، ورحلوا إلى الرحبة وعليها أبو تغلب فحمل إليهم العلوفة والمال الذي كتبا به لهم. وجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعد لحربهم، فتفرق الناس عنه إلى مواضعهم، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، فبعث إليه أبو تغلب يقول: هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسي وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد علي خبرك، فإن احتجت إلى مسيري سرت إليك. ونادى في عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه؛ فقد أذنا له في المسير، والعسكران واحد. فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب، وفيهم كثي من الإخشيدية الذين كانوا بمصر، صاروا إليه لما دخل جوهر من مصر وفلسطين؛ وكان سبب هذا الفعل من أبي تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال له أبو طالب التنوخي من أهل الرملة يقول له: إني سائر إليك فنقيم الدعوة، فقال له أبو تغلب وكان بالموصل: هذا ما لا يتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم. فانصرف من عنده على غير شيء. وبلغ ذلك القرمطي فسره وزاده قوة، وسار عن الرحبة، فأشار أصحاب جعفر لما قارب

القرامطة دمشق أن يقاتلهم بطرف البرية، فخرج إليهم وواقعهم، فانهزم، وقتل لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة. ونزل القرمطي ظاهرة المزة فجبى مالا، وسار يريد الرملة وعليها سعادة ابن حيان فالتجأ إلى يافا، ونزل عليه القرمطي، وقد اجتمعت إليه عرب الشام وأتباع من الجند، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة، وهلك أكثرهم جوعا ثم سار عنها، وترك على حصارها ظالم العقيلي وأبا الهيجا بن منجا، وأقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسودوا أعلامهم، ورجعوا عما كانوا يمخرقون به، وأظهروا أنهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي. ونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتله جوهر على الخندق وهزمه، فرحل إلى الأحساء. وأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق، ونزلوا بظاهرها، فاختلف ظالم العقيلي وأبو الهيجا بسبب الخراج، فكان كل منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطي يولج إليه أموره، ويستخلفه على تدبيره. ورجع الحسن بن أحمد القرمطي من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا وظالم، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم خلى عنه. وطرح القرمطي مراكب في البحر، وشحنها بالمقاتلة، وسيرها إلى تنيس وغيرها من سواحل

مصر، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم، وتأهب للمسير إلى مصر، هذا بعد أن كان القرامطة أولا يمخرقون بالمهدي، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وأن دعوتهم إليه، ويراسلون الإمام المنصور إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدي، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم بمحاربة القائد جوهر لهم، وقتله كثيرا منهم، وكسره القبة التي كانت لهم. فلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي كتابا عنوانه: من عبد الله ووليه، وخيرته وصفيه، معد أبي تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خيبر النبيين، ونجل على أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأوصياء، السالف والآنف منا، صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدي والأبصار، في متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسب ما قال الله جل وعز: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ". و" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ". وقوله سبحانه: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين ".

فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ". أما بعد، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن مماجده، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد في نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضات البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون. أيها الناس: " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها " ليذكر من يذكر، وينذر من أبصر واعتبر. أيها الناس: إن الله جل وعز إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقدوة قادرين، حين لاسماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ولا قمر يسري، ولا كوكب يجري، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوار، ولا كوكب سيار. فنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر في القدم مبرور، فعند تكامل الأمر وصحة العزم، وإنشاء الله جل وعز المنشآت، وإبداء الأمهات من الهيولات، طبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا. وكان من حكمه السابق في علمه ما ترون من فلك دوار، وكوكب سيار، وليل ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في الأقطار من الآثار، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع.

كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدي به الله من كان له لب سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت له منا الحسنى، فدان بالمعنى. ثم إنه جل وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم، آدم وحوا أبوين ذكرا وأنثى، سببا لإنشاء البشرية، ودلالة لإظهار القدرة القوية؛ وزاوج بينهما فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننتقل في الأصلاب الزكية، والأرحام الطاهرة المرضية، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم، وهلم جرا إلى آخر الجد الأول، والأب الأفضل، سيد المرسلين، وإمام النبيين، أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه، وبان غناؤه، وأباد المشركين، وقصم الظالمين، وأظهر الحق، واستعمل الصدق، وظهر بالأحدية، ودان بالصمدية؛ فعندها سقطت الأصنام، وانعقد الإسلام، وانتشر الإيمان، وبطل السحر والقربان، وهبرت الأوثان، وأتى بالقرآن، شاهدا بالحق والبرهان، فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، منبئا عن كتب تقدمت، في صحف قد تنزلت، تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا. وكل ذلك دلالات لنا، ومقدمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات وآيات وشهادات، وسعادات قدسيات، إلاهيات أزليات، كائنات منشآت، مبدئات معيدات فما من ناطق نطق، ولا نبي بعث، ولا وصي ظهر، إلا وقد أشار إلينا، ولوح بنا، ودل علينا في كتابه وخطابه، ومنار أعلامه، ومرموز كلامه، فيما هو موجود غير معدوم، وظاهر وباطن، يعمله من سمع الندا، وشاهد ورأى، من الملأ الأعلى؛ فمن أغفل منكم أو نسى، أو ضل أو غوى، فلينظر في الكتب الأولى، والصحف المنزلة، وليتأمل آي القرآن، وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، فقد أمر الله عز وجل بالسؤال، فقال: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ".

وقال سبحانه وتعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ". ألا تسمعون قول الله حيث يقول: " وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون " وقوله تقدست أسماؤه: " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". وقوله له العزة: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ". ومثل ذلك في كتاب الله تعالى جده كثير، ولولا الإطالة لأتينا على كثير منه ومما دل به علينا، وأنبأ به عنا، قوله عز وجل: " كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب درى، يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولولم تمسسه نار، نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم ". وقوله في تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد صلى الله عليه، وعليه السلام إعلاما بجليل قدرنا، وعلو أمرنا: " ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم ". هذا مع ما أشار ولوح، وأبان وأوضح، في السر والإعلان، من كل مثل مضروب، وآية وخبر وإشارة ودلالة، حيث يقول: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ".

وقال سبحانه وتعالى: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ". وقوله جل وعز: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ". فإن اعتبر معتبر، وقام وتدبر ما في الأرض وما في الأقطار والآثار، وما في النفس من الصور المختلفات، والأعضاء المؤتلفات، والآيات والعلامات، والاتفاقات والاختراعات، والأجناس والأنواع، وما في كون الإبداع من الصور البشرية، والآثار العلوية، وما يشهد به حروف المعجم، والحساب المقوم، وما جمعته الفرائض والسنن، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم، وتصنيف القرآن من تحزيبه وأسباعه، ومعانيه وأرباعه، وموضع الشرائع المتقدمة، والسنن المحكمة، وما جمعته كلمة الإخلاص في تقاطيعها وحروفها وفصولها، وما في الأرض من إقليم وجزيرة، وبر وبحر، وسهل وجبل، وطول وعرض، وفوق وتحت، إلى ما اتفق عليه في جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا، والأوصيا والخلفا، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة، وما في الحساب من أحاد وأفراد، وأزواج وأعداد، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته وتسابيعه، وأبواب العشرات والمئين والألوف، وكيف تجتمع وتشتمل على ما اجتمع عليه ما تقدم من شاهد عدل وقول صدق، وحكمة حكيم وترتيب عليم. فلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى. " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ". " وفوق كل ذى علم عليم ".

ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ". وليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنا كلمات الله الأزليات، وأسماؤه التامات، وأنواره الشعشعانيات، وأعلامه النيرات، ومصابيحه البينات، وبدائعه المنشآت، وآياته الباهرات، وأقداره النافذات، لا يخرج منا أمر، ولا يخلو منا عصر. وإنا لكما قال الله سبحانه وتعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء عليم ". فاستشعروا النظر فقد نقر في الناقور، وفار التنور، وأتى النذير بين يدي عذاب شديد، فمن شاء فلينظر، ومن شاء فليتدبر، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق. فلما دخلنا وقد قدر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم، والصعقة تحل بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم، وإنا لنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فلم أكشف لهم خبرا، ولا قصصت لهم أثرا، ولكني أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باد وحاضر، ومنافق ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى لي سوءته، فاجتمع الموافق والمخالف، والباين والمنافق، فقابلت الولي بالإحسان، والمسيء بالغفران، حتى رجع الناد والشارد، وتساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانبسط القطوب، وزال الشحوب، جريا على العادة بالإحسان، والصفح والامتنان، والرأفة والغفران، فتكاثرت الخيرات، وانتشرت البركات.

كل ذلك بقدرة ربانية، وأمرة برهانية، فأقمت الحدود، بالبينة والشهود، في العرب والعبيد، والخاص والعام، والبادي والحاضر، بأحكام الله عز وجل وآدابه، وحقه وصوابه، فالولي آمن جذلن والعدو خائف وجل. فأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفي عني خبرك، ولا استتر دوني أثرك، وإني منى لبمنظر ومسمع، كما قال الله جل وعز: " إنني معكما أسمع وأرى "، " ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ". فعرفنا على أي رأي أصلت، وأي طريق سلكت: أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة، وبعمل أبي طاهر قدوة؟ أما نظرت في كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم وأشارهم؟ أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟ ألم تعلم أنهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد وفعل حميد، يفيض إليهم موادنا، وينشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كل أمير ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحة منا واسما من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وخيف منهم الفساد والعناد، وأن يكونوا لبني العباس أضداد، فعبئت الديوش، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة، والعدد المهذبة، والعساكر الموكبة، فلم يلقهم جيش إلا كسروه، ولا رئيس إلا أسروه، ولا عسكر إلا كسروه، وألحاظنا ترمقهم، ونصرنا يلحقهم، كما قال الله جل وعز: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا "، " وإن جندنا لهم الغالبون "، وإن حزبنا لهم المنصورون.

فلم يزل ذلك دأبهم، وعين الله ترمقهم، إلى أن اختار لهم ما اختاروه من نقلهم من دار الفناء، إلى دار البقاء، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول، فعاشوا محمودين، وانتقلوا مفقودين، إلى روح وريحان وجنات النعيم، فطوبى لهم وحسن مآب. ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون إلينا، ويدلون علينا، ويأخذون بيعتنا، ويذكرون رجعتنا، وينشرون علمنا، وينذرون بأسنا، ويبشرون بأيامنا، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن، وفي كل جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون، وعنهم يأخذون، وهو قول الله عز وجل. " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ". وأنت عارف بذلك. فيأيها الناكث الحانث ما الذي أرداك وصدك؟ أشيء شككت فيه؛ أم أمر استربت به، أم كنت خليا من الحكمة، وخارجا عن الكلمة، فأزلك وصدك، وعن السبيل ردك؟ إن هي إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين. وأيم لله لقد كان الأعلى لجدك، والأرفع لقدرك، والأفضل لمجدك، والأوسع لوفدك، والأنضر لعودك، والأحسن لعذرك، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك، لتجري على سننهم، وتدخل في زمرهم، وتسلك في مذهبهم، أخذا بأمورهم في وقتهم، وزيهم في عصرهم، فتكون خلفا قفا سلفا بجد وعزم مؤتلف، وأمر غير مختلف. لكن غلب الران على قلبك، والصدى على لبك، فأزالك عن الهدى وأزاغك عن البصيرة والضيا، وأمالك عن مناهج الأوليا، وكنت من بعدهم كما قال الله عز وجل: " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ".

ثم لم تقنع في انتكاسك، وترديتك في ارتكاسك، وارتباكك وانعكاسك، من خلافك الآباء ومشيك القهقرى، والنكوص على الأعقاب، والتسمي بالألقاب، بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الأدبار، وتحملت عظيم الأوزار، لتقيم دعوة قد درست، ودولة قد طمست، إنك لمن الغاوين، وإنك لفي ضلال مبين. أم تريد أن ترد القرون السالفة، والأشخاص الغابرة؟ أما قرأت كتاب السفر، وما فيه من نص وخبر؟ فأين يذهبون إن هي إلا حياتكم الدنيا، تموتون وتظنون أنكم لستم بمبعوثين، " قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ". أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس، وآخر المترايس في الناس؟ أما تراهم " كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية "؟ ختم والله الحساب، وطوى الكتاب، وعاد الأمر إلى أهله، والزمان إلى أوله، وأزفت الآزفة، ووقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وطلعت الشمس من مغربها، والآية من وطنها، وجيء بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون، هنالك الولاية لله الحق ينصر الله من يشاء، " يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". فقد ضل عملك، وخاب سعيك، وطلع نحسك، وغاب سعدك، حين آثرت الحياة

الدنيا على الآخرة، ومال بك الهوى، فأزالك عن الهدى، فإن تكفر أنت ومن في الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد. ثم لم يكفك ذلك مع بلائك وطول شقائك حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك، وحشدت أوباشك وأقلاسك، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح في فئة قليلة من كتامة وزويلة، فتلته وقتلتهم، جرأة على الله وردا لأمره، واستبحت أموالهم، وسبيت نساءهم، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر، ولا حقد ولا أضرار، فعل بني الأصفر والترك والخزر؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع، وأقمت على كفرك ولم تقلع، حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان في زمرة قليلة وفرقة يسيرة، فاعتزل عنك إلى يافا، مستكفيا شرك، وتاركا حربك، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا وصابحا، وغاديا ورائحا، تقعد لهم بكل مقعد، وتأخذ عليهم بكل مرصد، وتقعدهم بكل مقصد، كأنهم ترك وروم وخزر، لا ينهك عن سفك الدماء دين، ولا يردعك عهد ولا يقين، قد استوعب من الردي حيزومك، وانقسم على الشقاء خرطومك. أما كان لك مذكر، وفي بعض أفعالك مزدجر؛ أو ما كان لك في كتاب الله عز وجل معتبر حيث يقول: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما "؟ فحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك وحشرك حين لا مناص، ولا لك من الله خلاص، ولم تستقبلها، وكيف تستقبلها وأنى لك مقيلها؟ هيهات، هيهات، هلك الضالون، وخسر هنالك المبطلون، وقل النصير، وزال العشير؛ ومن بعد ذلك تماديك في غيك، ومقامك في بغيك، عداوة الله ولأوليائه، وكفرا لهم وطغيانا، وعمى وبهتانا. أتراك تحسب أنك مخلد أم لأمر الله راد؟

أم " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ". هيهات لا خلود لمذكور، ولا مرد لمقدور، ولا طافىء لنور، ولا مقر لمولود، ولا قرار لموعود، لقد خاب منك الأمل، وحان لك الأجل، فإن شئت فاستعد للتوبة بابا، وللنقلة جلبابا، فقد بلغ الكتاب أجله، والوالي أمله، وقد رفع الله قبضته عن أفواه حكمته، ونطق من كان بالأمس صامتا، ونهض من كان هناك خائفا، ونحن أشباح فوق الأمر والنفس، دون العقل وأرواح في القدس، نسبة ذاتية، وآيات لدنية، نسمع ونرى، " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا "، " وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ". ونحن معرضون ثلاث خصال والرابعة أردى لك، وأشقى لبالك، وما أحسبك تحصل إلا عليها فاختر: إما قدت نفسك لجعفر بن فلاح، وأتباعك بأنفس المستشهدين معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيان، ورد جميع ما كان لهم من رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير وهي أسله ما يرد عليك. وإما أن تردهم أحياء في صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم ولا سبيل لك إلى ذلك ولا اقتدار. وإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت، وأجريك على إحدى ثلاث: إما قصاص، وإما منا بعد؟ وإما فدى، فعسى أن يكون تمحيصا لذنوبك، وإقالة لعشرتك.

وإن أبيت إلا فعل اللعين: " فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ". أخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون، فما أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا سماء تظلك ولا أرض تقلك، ولا ليل يجنك، ولا نهار يكنك، ولا علم يسترك، ولا فئة تنصرك؛ قد تقطعت بكم الأسباب، وأعجزكم الذهاب، فأنتم كما قال الله عز وجل: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ". فلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه؛ وحنود الله في طلبك قافية، لا تزال ذو أحقاد، وثوار أهجاد، ورجال أنجاد، فلا تجد في السماء مصعدا، ولا في الأرض مقعدا، ولا في البر ولا في البحر منهجا، ولا في الجبال مسلكا، ولا إلى الهواء سلما، ولا إلى مخلوق ملتجا. حينئذ يفارقك أصحابك، ويتخلى عنك أحبابك، ويخذلك أترابك، فتبقى وحيدا فريدا، وخائفا طريدا، وهائما شريدا، قد ألجمك العرق، وكظك القلق، وأسلمتك ذنوبك، وازدراك خزيك، " كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر "، " هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، " وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ". واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك، ونقف على فحوى

خطابك، فانظر لنفسك يا شقي ليومك ومعادك قبل انغلاق باب التوبة، وحلول وقت النوبة، حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. وإن كنت على ثقة من أمرك، ومهل في أمر عصرك وعمرك، فاستقر بمركزك، وأربع على ضلعك، فلينالنك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود، " وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كل كذب الرسل فحق وعيد "، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد، وعزم سديد، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، بقلوب نقية، وأرواح تقية، ونفوس أبية، يقدمهم النصر، ويشملهم الظفر، تمدهم ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو كمراح غنم؛ فإما نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون، وأنت في القفص مصفودا، ونتوفنيك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، " فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى "، " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ". فليتدبر من كان ذا تدبر، وليتفكر من كان ذا تفكر، وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة، " أن تقول نفس يحسرتي على ما فرطت في جنب الله "، ويا حسرتنا على ما فرطنا، ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوما بورا. والسلام على من اتبع الهدى، وسلم من عواقب الردى، وانتمى إلى الملأ الأعلى، وحسبنا الله وكفى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من عترته، وسلم تسليما. فأجاب الحسن بن الأعصم بما نصه: من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم:

بسم الله الرحمن الرحيم وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقل تحصيله، ونحن سائرون على إثره، والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وسار الحسن بن أحمد القرمطي بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره بلبيس، وبعث إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخي الشريف مسلم، وانبثت سراياه في أرض مصر، فتأهب المعز وعرض عساكره في ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأمر بتفرقة السلاح على الرجال، ووسع عليهم في الأرزاق، وسير معهم الأشراف والعرب. وسير معهم المعز ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسير معه أولاده وجميع أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم، فإنه أعفاه من ذلك. وانبسطت سرية القرمطي في نواحي أسفل الأرض، فأنفذ المعز عبده ريان الصقلبي في أربعة آلاف، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر. ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق، فبرز إليهم المغاربة فهزموهم، ثم كروا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا؛ وفر إليهم علي بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة. وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل في الصعيد، وقتل، واستخرج الأموال، وأسرف في قتل المغاربة وأسرهم، ثم كر راجعا إلى خميم. ولست عشرة خلت منه جمع المعز أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم. وفي سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رؤوس؟

وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جب عميرة، ونزلت عسكر القرمطي نصفين: نصف مع النعمان أخي الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن المعز، ونصف مع الحسن بسطح الجب. فبعث عبد الله العساكر، فأحاطت بالحسن بن أحمد، وعسكر وزحف إلى النعمان فقاتله فانهزم، وقتل مع أصحابه، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ، فإنهم أحاطوا به، وصار في وسطهم؛ فاغتنم فرجة مضى على وجهه؛ ونهب سواده وأخذت قبته، وأسر رجاله، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير، وأخذ جماعة ممن كان مع المصريين. ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم بهزيمة القرامطة وهو بالصعيد، فعدى إلى الجانب الشرقي لينقلب إلى الشام، فبلغه مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربي.

وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه أن عبد الله أخا مسلم قد أخذ، فأرسل المعز إلى أخيه أبي جعفر مسلم يخبره، فخلع على البشير. وكانت في البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخي مسلم، فوقع في أيديهم في الليل رجل بدوي، فقال: أنا عبد الله أخو مسلم فجاء إلى الأمير عبد الله، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله، فلما جيء بالبدوي من الغد إلى الأمير عبد الله وهو في معسكره وكان في مجلسه عبد الله بن الشويخ فقال للأمير عبد الله: ما هذا عمي عبد الله. فبطل القول. وكان خبر هذا البدوي أنه كان مع عبد الله أخي مسلم بالصعيد، وعبر معه يريد الشام، فأراد أن يسقي دوابه، فقال له البدوي: ما نأمن أن يكون على الماء طلب، فدعني أتقدمك، فإن لم أجد أحدا جئتك، وإن أبطأت عليك فاعلم أني أخذت. فلما وافى البدوي البئر أخذ فقال لهم: أنا عبد الله أخو مسلم ليشغلهم عن طلبه، فلما أبطأ البدوي على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه، فكر راجعا وعاد إلى الجانب الغربي، وركب البحر إلى عينونا، ومضى إلى الحجاز. وكان هاروق على عسكر للمعز، فرأى أصحابه عبد الله، فأفلت منهم على فرس دهماء عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه، فظفر هاروق بنوقه، ووصل عبد الله إلى المدينة النبوية، وجلس يتحدث في المسجد، فقبل له: إن الكتب قد سبقتك، وبذل فيك مال عظيم. فنهض لوقته، وتوجه إلى الأحساء، فاستنهض القرامطة، فلم يكن فيهم نهضة، فوبخهم لما رأى من عجزهم، وقال: أروني ما عندكم من القوة التي تقاومون بها صاحب مصر. فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع، فاستقله وقال:

بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب؟. وانصرف عنهم إلى العراق، فأتبعوه برجل يقال إنه من بني سنبر، فسمه في لبن بموضع يقال له النصيرية على ميلين من البصرة فقام مائتي مجلس في ليلة ومات بموضعه، فغسل وكفن وأدخل البصرة، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة. وورد الخبر بذلك إلى المعز، فأخبر الناس بموته وموت المطيع، فإن ابنه سمه أيضا، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم. وأما أخبار القرامطة ففي كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطي من عساكر المعز أن العرب لما أنكت بمسير سراياها أرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم بمخادعة حسان بن الجارح الطائي أمير العرب ببلاد الشام، وكان قدم مع القرمطي في جمع عظيم قوى به عسكر القرمطي؛ فبعث المعز إلى ابن الجارح وبذل له مائة ألف دينا على أن يفل عسكر القرمطي، فأجاب إلى ذلك، وأن المعز استكثر المال، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب، وجعلها في أكياس، ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطي ما تحتها، وشدت الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه لا يغدر بهم، فلما وصل إليه المال تقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب، فلما اشتد القتال ولي ابن الجراح منهزما واتبعه أصحابه وكان في جمع كبير فلما رآه القرمطي وقد انهزم تحير، فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص،

وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم، واتبعوه ودخلوا عسكره، فظفروا منه بنحو من ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى، وانتهبوا العسكر. ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى الشام خلف القرمطي في عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا، فظفر في طريقه بجماعة من أصحاب القرمطي، فبعث بهم إلى مصر. وسار الحسن بن أحمد القرمطي فنزل أذرعات، وأنفذ أبا الهيجا في طائفة إلى دمشق. وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلي لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطي، فاستماله ليكون عونا على القرمطي، فسار يريد بعلبك، فوافاه الخبر بهزيمة القرمطي ونزول أبي الهيجا دمشق، فسار القرمطي ودخل البرية يريد بلده وفي نيته العود. وكان للحسن بن أحمد القرمطي هذا شعر، فمنه في أصحاب المعز لدين الله: زعمت رجال الغرب أنى هبتها ... فدمى إذا ما بينهم مطلول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروى ثراك، فلا سقاك النيل ولما كان في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحق وجعفر الهجريان من القرامطة فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما في النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان من الهيبة ما أن عضد الدولة بن بويه وبختيار أقطعاهم الكثير، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبي بكر بن ساهويه يتحكم تحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما،

فذكرا أن قبض نائبهم هو السبب في قصدهم البلاد، وبثا أصحابهما فجبوا المال، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه وأسروا، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمتهم في جماعة، وأسر عدة، ونهب سوادهم، فرحل من بقي منهم من الكوفة، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم، وزال من حينئذ بأسهم. وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بني المنفق جمعا كثيرا وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل في مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصن منه القرامطة بها، فعدى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشي، وسار بها إلى البصرة ......

ولنرجع إلى بقية أخبار المعز لدين الله أبي تميم معد الفاطمي باني القاهرة فنقول: لما انهزم الحسن بن أحمد القرمطي خرج في شعبان من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الأشراف والقاضي أبو طاهر، والفقهاء، والشهود، ووجوه التجار، وكثير من الرعية إلى المعسكر لتهنئة الأمير عبد الله بن المعز بالفتح، وكان معسكره بظاهر مشتول، فأكرمهم وأضافهم، وانصرفوا من الغد. وللنصف من شعبان صرف المعز الحسن بن عبد الله عن الأحباس بمحمد بن أبي طاهر القاضي، ومحمد بن إقريطش ضمانا بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم في كل سنة، تدفع إلى المستحقين حقوقهم، ويحمل الباقي إلى بيت المال. وطيف بأربين رأسا جيء بها من الصعيد من أصحاب أخي مسلم. وفي أول شهر رمضان دخل الأمير عبد الله بعساكره إلى القاهرة بعد فراغه من قتال القرامطة بالأسارى والرؤوس وهو بمظلته فجلس له أبوه المعز في القبة على باب قصره لينظره، فلما عاين الأمير عبد الله مجلس أبيه المعز ترجل وقبل الأرض، ونزل أهل العسكر كلهم بنزوله، ومشى إلى القصر والناس معه مشاة. وورد الخبر بدخول أبي محمود إلى الرملة بغير قتال، وأنه استأمن إليه جماعة من عسكر القرامطة. وفيه قبض المعز على جماعة من السعاة والعيارين الذين يؤذون الناس وسجنهم. ووافى رسول ملك الروم برسالة، فاجتمع الناس للنظر إليه، وجلس له المعز على السرير الذهب، فدخل إليه، وقبل الأرض مرارا، وأذن له بالجلوس على وسادة، وكان علي بن الحسين قاضي أذنة حاضرا فقال: يا أمير المؤمنين صلى الله عليك، هذا وأشار إلى الرسول آفة على الإسلام، والمؤذي للمسلمين والأسارى.

فنظر إليه المعز منكرا عليه وأخرج؛ وتكلم الرسول في الهدنة، وأخذ المعز كتابه، وأنزل في دار. وفيه أطلق المعز طنجمية؟، وهم عشرة لكل واحد ثمانمائة رباعى ذهبا، وزنها مائتي مثقال. ووردت الأخبار بأن القرمطي فر على وجهه، وتمزقت عساكره، فلم يفلحوا إلى اليوم. وطيف بأسارى من القرامطة على الإبل بالبرانس، وعدتهم ألف وثلاثمائة، مقدمهم مفلح المنجمي ببرنس كبير على جمل بثوب مشهر مكتوب على ظهره اسمه وما عمل، وخلفه جماعة من وجوه القرامطة، وبين أيديهم الرؤوس على الحراب وعدتها آلاف، وكان يوما عظيما واجتماعا كثيرا؛ فلما فرغوا من التطواف أعتقلوا بالقاهرة. وفيه خرج المعز على فرس، وقد اجتمع الناس من الأشراف والقواد والعمال والكتاب والمغاربة، فوقفوا بين يديه، فقال لهم: قد أنعم الله عز وجل وتفضل وخول، ومكن، ونريد الحج وزيارة قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد، فايش يقصر عن هذا؟ إن قلت ليس عندي مال، إني لكاذب؛ وإن قلت ليس عندي كراع وسلاح، إني لكاذب؛ وإن قلت ليس عندي رجال، إني لكاذب؛ اللهم أعني بنية أقوى من نيتي. وفيه خرج الأمر بقتل الأسارى الذين في الاعتقال، فقتلوا عن آخرهم، وحفرت لهم أخاديد ودفنوا، فلما بلغ المعز ذلك قال: والله ما أمرت بقتلهم، ولقد أمرت بإطلاقهم، ويدفع لكل منهم ثلاثة دنانير. واغتم لذلك وتصدق وأعتق. وورد الخبر بقتل علي بن أحمد العقيقي من الأشراف، وابنه ذا من يح كذا الحسيني وأن البادية قتلهم بالصعيد، وكانوا من أصحاب أخي مسلم. وفيه قبض أبو إسماعيل الرسي على ابنه علي بن إبراهيم، وأخبر المعز، فقال له المعز: يكون عندك محتفظا به، وكان أيضا من أصحاب أخي مسلم الذين ظاهروا مع القرمطي.

وبعث أبو محمود بعمال الشام، فجاسوا في بستان الإخشيد بالقاهرة. وفي يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب. وفيه ورد الخبر بدخول أبي محمود إبراهيم بن جعفر إلى دمشق، وتمكن سلطانه بها وقوته، وأنه قبض على جماعة أبي الهيجاء القرمطي وابنه، واستأمن إليه جماعة من الإخشيدية والكافورية، وأخذ محمد بن أحمد بن سهل النابلسي، وسيره مع الجماعة إلى المعز. وكان من خبر أبي محمود إبراهيم بن جعفر أنه سار من الرملة، ونزل على أذرعات، وقد سار ظالم بن موهوب العقيلي نحو دمشق بمراسلة أبي محمود ليتفقا على أبي الهيجاء القرمطي، وكان أبو الهيجاء بن منجا القرمطي بدمشق في نحو الألفي رجل، وقد طلب منه الجند مالا، فقال: ما معي مال، ووافى ظالم بن موهوب العقيلي عقبة دمر، فخرج إليه أبو الهيجاء وابنه بمن معه، ففر عدة من الجند، ولحقوا بظالم مستأمنين إليه، فقوى بهم، وسار بهم فأحاط بأبي الهيجاء، فلم يقدر على الفرار، فأخذه وابنه، بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب العسكر كله مع ظالم، فملك دمشق لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين، فحبس أبا الهيجاء وابنه، وقبض على جماعة من أصحابه، وأخذ أموالهم. ثم إنه طلب شيخا من أهل الرملة يقال له أبو بكر محمد بن أحمد النابلسي كان يرى قتال المغاربة وبغضهم ويرى أن ذلك واجب ويقول: لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة وواحدا في الروم. وكان الحسن بن أحمد القرمطي لما انهزم عن مصر، سار أبو بكر النابلسي إلى دمشق، فأخذه ظالم بن موهوب وحبسه، ونزل أبو محمود على دمشق لثمان بقين من رمضان، فتلقاه ظالم، فأنس به أبو محمود، فأخرج إليه أبا الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه وأبا بكر بن النابلسي، فعلم لكل واحد منهم قفصا من خشب، وحملهم إلى مصر، فدخلوا إلى القاهرة في شوال، فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود، وابن النابلسي ببرنس على جمل وهو مقيد، والناس يسبونه ويشتمونه ويجرون برجله من فوق الجمل.

وكان معهم بضع وعشرون رجلا من القرامطة على الإبل، فلما فرغوا من التطواف، ردوا إلى القصر، فعدل بأبي الهيجا وابنه وبقية القرامطة إلى الاعتقال، وسيق ابن النابلسي إلى المنظر ليسلخ، فلما علم بذلك رمى بنفسه على حجارة ليموت، فرد على الجمل، فعاد ورمى نفسه ثانيا، فرد وشد وأسرع به إلى المنظر، فسلخ وحشى جلده تبنا، ونصبت جثته وجلده على الخشب عند المنظر. وأقام أبو محمود بدمشق وهي مضطربة قد كثر فيها الغوغاء وحمال السلاح، وعظم النهب في القرى، وأخذت القوافل، فلم يقدر أبو محمود على ضبط أصحابه لقلة ماله، فلم يكونوا يفكرون فيه ولا يرجعون عن شيء ينهاهم عنه، وأخذوا في النهب، وظالم بن موهوب يأخذ أموال السلطان من البلد ولا يدفع إلى أبي محمود شيئا منها، ويحتج أنه أخذ البلد من أبي الهيجاء وسار إليه بمكاتبة المعز له. هذا وكل من الفريقين يخاف الآخر، وقد علم ظالم أن أهل دمشق تكره المغاربة، فكان يدارى الأمر، وكثر قطع المغاربة للطريق، فامتنع الناس من الذهاب والمجيء، وهرب أهل القرى إلى المدينة، وأوحش ظاهر البلد، فوقع بين المغاربة وبين أهل البلد الحرب أياما كثيرة، قام فيها ظالم مع أهل البلد وقاتل المغاربة، فانهزم وسار إلى بعلبك، ووقع الحريق في البلد، واشتد القتال، فخرج وجوه أهل البلد إلى أبي محمود ولطفوا به، فقال لهم: ما نزلت لقتالكم، وإنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب عنكم يعني أصحابه. ففرح الناس واستبشروا وجاءوا إلى خيمته، واختلطت الرعية بأصحابه، وزال عنهم الخوف، ودخل المغاربة فيما يحتاجون إليه، فولى أبو محمود الشرطة لرجلين: أحدهما مغربي، والآخر من الإخشيدية، فدخلا في جمع عظيم إلى المدينة بالزمر، فجلسوا في الشرطة، وكان يطوف لهم طوف في الليل، ومع ذلك فلم ينكسر حمال السلاح ممن يطلب الفتنة، فرهب أبو محمود على مشايخ البلد وتهددهم، فثار أهل الشر من الدماشقة، ورأس الشطار فيهم ابن الماورد بسبب منازعة أهل البلد مع مغربي بسبب صبي، فأراد المغربي أخذه، فرفع البلدي السيف وقتل المغربي في السوق، فعادت الفتنة، وشهروا السلاح، فاضطرب البلد، وغلقت

الأسواق، وثار العسكر من جهة المقتول، وصاح الناس في البلد بالنفير، وكبروا على الأسطحة، وخرج ابن الماورد في جماعة، فاشتد القتال بين الفريقين، وألقى المغاربة النار في الدور، فخرج وجوه البلد ومشايخهم إلى أبي محمود، وما زالوا به حتى بعث إلى العسكر وقد كادوا يغلبون أهل البلد فكفهم عن القتال؛ وكان ذلك في آخر ذي الحج، فسكن الأمر، وخرج الناس إلى أبي محمود، ودخل صاحب الشرطة المغربي، إلا أن أهل الغوطة كانوا قد أووا إلى البلد خوفا من النهب، وكان فيهم ذعار، وفي المدينة قوم من أهل الشر، فاجتمعوا يأخذون المستضعفين، ويجبون مستغلات الأسواق، ويكبسون المواضع وينتهبونها، فحسنت أحوالهم، وكانوا يكرهون تمكن السلطان، فهلك لذلك كثير من الناس. ومر صاحب الشرطة في الليل وهو يطوف البلد برجل معه سيف، فأخذه وقتله، فأصبح أهل الشر وقد خشوا من تنديد؟ السلطان لهم، فثاروا بالسلاح إلى صاحب الشرطة، ففر منهم هو وأصحابه إلى معسكرهم، وصعد العامة إلى المآذن، فصيحوا: النفير إلى الجامع. فثار الناس بالسلاح، وركب عسكر أبي محمود وطرحوا النار فيما بقى، واشتد القتال، وكثر القتل والحريق، وعظم الخوف على البلد، وعلا الضجيج، وذلك لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وستين. فبات الناس على ذلك، وأصبحوا وقد اشتدت الحرب وقويت الدماشقة ونشأ فيهم من أهل الشر غلام يقال له ابن شرارة وقد ترأس، وآخر يقال له ابن بوشرات وابن المغنية، وقسم لكل واحد منهم حزب بأعلام وأبواق، فأظهرت المغاربة قوتها وبذلوا سيوفهم في كل من قدروا عليه من الرعية ممن وجدوه بظاهر البلد. واستمر القتال أكثر من المحرم، فخرج قوم المستورين إلى أبي محمود وما زالوا به حتى أجابهم إلى الصلح، وصرف صاحبي شرطته، وولى أبا الثريا من بانياس أميرا كان على الأكراد، فعبر البلد أول صفر وقد أكمن له عدة من أهل الشر، فثاروا به، ووضعوا السلاح في أصحابه، فقتل من أصحابه، وانهزم إلى أبي محمود، فركب العسكر وأخذوا كثيرا من

الناس، ووقع النفير في البلد، واستمر القتال بين الفريقين صفر وربي الأول، ثم وقع الصلح في أثناء ربيع الآخر. وولى محمود جيش بن الصمصامة البلد، فأقام أياما؛ ثم إن الناس ثاروا وقتلوا عدة من المغاربة، وساروا يريدون جيشا، ففر منهم، ونهبوا ما كان له، فعادت الحرب وطرح النار في المواضع. وأمر أبو محمود بأن تقصد أهل الشر دون غيرهم من الناس، غير أن الرعية كانت تقاتل معهم، فاشتد القتال إلى أول جمادى الأولى، ونصبوا الحرب يوما بعد يوم من بكرة النهار إلى آخره، والبلد ممتنع في جميع هذه الحروب، والقتال من ظاهره، ومعظمه على باب كيسان إلى باب شرقي، وباب الصغير إلى باب الجابية. وكان عسكر أبي محمود من المغاربة عشرة آلاف سوى من تبعهم من غيرهم ومن حضروا من الساحل، فكانت الحرب مستمرة، تارة تظهر المغاربة على الدماشقة، وتارة تهزم الدماشقة المغاربة، وكانت المغاربة لا تظفر بأحد إلا قطعوا رأسه، فقتلوا خلقا كثيرا. وخلت الغوطة بحيث لم يبق فيها أحد، وانحصر البلد فلم يقو واحد يدخل إليه بشيء البتة، فغلت الأسعار، وبطل البيع والشراء، وقطع الماء عن البلد، فعدم الناس القنى والحمامات، فكانت الأسواق مغلقة، والنساء جلوس على الطرق، والرجال تصيح: النفير، فساءت حال كثير من الناس في هذه الفتنة، وماتوا على الطرق من القر والبرد، وهم مع ذلك مجتهدون في القتال، ونصبوا العرادات على أبواب البلد، فلم تبطل الحرب يوما من الأيام، وفي الليل تضرب الأبواق فيثور الناس من فرشهم، ويسيرون بالمشاعل فيقيمون إلى الصباح. فلما تفاقم الأمر، واشتد البلاء، وقوى أهل الشر من أهل البلد، وأكلوا أموال الناس، كتب مشايخ البلد إلى محمود في الصلح، وأحضروا ابن الماورد وابن شرارة وزجروهم، وانصرفوا على أن أحدا لا يعارض السلطان في البلد، وقد فتح المسلمون المصاحف، والنصارى الإنجيل، واليهود التوراة، واجتمعوا بالجامع، وضجوا بالدعاء، وداروا المدينة وهي منشورة على رؤوسهم.

وبلغ المعز ما وقع بدمشق من الحروب، وما صارت إليه من الخراب، فكتب إلى ريان الخادم وهو بطرابلس أن يسير إلى دمشق، وينظر في أمر الرعية، ويصرف أبا محمود عن البلد؛ فقدم ريان إلى دمشق، وأمر أبا محمود بالرحيل، فسار في عدد قليل من عسكره، وتأخر أكثرهم مع ريان، ونزل أبو محمود في الرملة، وورد عليه كتاب المعز يوبخه؛ وكان صرف أبي محمود عن دمشق في شعبان سنة أربع وستين. هذا ما كان من خبر دمشق. وأما القاهرة فإنه طيف فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وستين بنيف وأربعين رأسا جيء بها من الصعيد. وفي ذي الحجة نودى أن لا تلبس امرأة سراويل كبارا، ووجد سراويل فيه خمس شقاق، وآخر قطع من ثماني شقاق دبيقي. وفيه هلك رسول ملك الروم، فسيره المعز في تابوت إلى بلد الروم. وركب المعز لكسر الخليج. وفيها منع المعز من وقود النيران ليلة النيروز في السكك ومن صب الماء يوم النوروز. وكثر الإرجاف بمسير الروم إلى أنطاكية. وفي يوم عرفة نصبت الشمسة في القصر.

وصلى المعز صلاة العيد، وخطب على الرسم الذي تقدم ذكره، وانصرف إلى القصر، فأطعم على الناس. وانتهت زيادة ماء النيل إلى سبع عشرة ذراعا، وجرى الرسم في الجائزة والخلع والحملان لابن أبي الرداد على العادة. وفيها حدث وباء بمصر فمات خلق كثير. ومات القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون.

ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة والخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله معد. والخراج ووجوه الأموال إلى يعقوب بن كلس وعسلوج. والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد. والشرطة السفلى إلى جبر بن القاسم. والشرطة العليا إلى جبر المسالمي. وصاحب المظلة شفيع الخادم الصقلبي. والطبيب موسى بن العازار. وإمام الجمعة عبد السميع بن عمر العباسي. وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب. وإمام الخمس الحسن بن موسى الخياط. والمحتسب عبد الله بن ذلال. وفي المحرم قدم أفلح الناشب من برقة، فخرج إليه بالجيزة وجوه الدولة والقاضي والرعية وأنزل بمكان. وورد الخبر بخلع نفسه وبيعة ابنه الطائع. وأطلق أبو الهيجاء بن منجا القرمطي وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة. ولست بقين من ربيع الآخر توفيت أم المعز. وفي جمادى الأولى أطلق المعز الجائزة لوفد الحجاز من الأشراف وغيرهم، ومبلغها أربعمائة ألف درهم.

وقلد أبا الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن الحسيني الكوفي قضاء الشامات، ودار الضرب، والحسبة، وحمل على بغلة وبرذون ومعه ثلاثة عشر تخت، وستة آلاف درهم، وكتب له سجل. وضمن أبو عبد الله الحسن بن إبراهيم الرسي، وأبو طاهر سهل بن قمامة خرج الأشمونين وحربها، وخلع عليهما، وسارا بالبنود والطبول. وضمن أبو الحسن على بن عمر العداس كورة بوصير وأعمالها، وخلع عليه وحمل، وسار بالبنود والطبول. واعتل الأمير عبد الله بن المعز، ومات لسبع بقين منه بعد جدته بتسعة عشر يوما فجلس المعز للعزاء، ودخل الناس بغير عمائم، وفيهم من شوه نفسه وأظهر الجزع الشديد، فكان المعز يسكنهم ويقول: اتقوا الله، وارجعو إلى الله. وغلقت الأسواق، ثم جلس الناس بزيهم، ومنهم قيام، فأمر القاضي محمد بن النعمان بغسله، والمعز يتحدث، ويسأل عن آي من القرآن، وعن معانيها، لأن القراء كانوا يقرءون، ووصف ابنه عبد الله بالفضل والبر، فقال له أبو جعفر مسلم: أعوذ بالله من فقد الولد البار فقال له المعز: فما تقول في الولد العاق والأخ العاق؟ يعرض له بابنه جعفر وبأخيه عبد الله، وكونهما مع القرامطة. فقال له أبو جعفر مسلم: إذا بليت بالولد العاق والأخ العاق كان في الله وفي بقاء مولانا منهما عوض. فقال له المعز: لا صان الله من لا يصونك، ولا أكرم من لا يكرمك، ولا أعز من لا يعزك، ولا أجل من لا يجلك.

فقام أبو جعفر وقبل الأرض هو وجماعة من في المجلس، وشكروه على قوله. ثم خرج تابوت عبد الله، وحوله أهل الكوفة بالصراخ والبكاء، فصلى عليه المعز، ودخل معه حتى واراه في القصر. وفي جمادى الآخرة ورد الخبر بموت عبد الله أخي مسلم بظاهر البصرة كما تقدم، وبموت المطيع ببغداد، وأن موته كان في المحرم، وأن ابنه الطائع سمه، وأن فتنة وقعت ببغداد بين الترك والديلم، وبين الرعية والشيعة، وغلا السعر، ونهبت الأسواق والدور، وأن أبا تغلب بن حمدان رحل إلى بغداد متوسطا بين الطائع وبختيار. وفيه سار نصير الخادم الصقلبي عبد المعز إلى الشام في عسكر كثير، ودخل بيروت. وفي أول رجب أصلح جسر القسطاط، ومنع الناس من ركوبه، وقد كان أقام ستين معطلا. وركب المعز إلى المقس، وسار على شط النيل، ومعه أبو طاهر القاضي يحدثه، حتى عبر الجسر إلى الجزيرة، فمضى إلى المختار. وفيه وردت رؤوس من المغرب عدتها ثلاثة آلاف، فطيف بها، وذلك أن خلف بن جبر صعد في بني هواس إلى قلعه منيعة، فاجتمع عليه كثير من البربر، فزحف إليه يوسف ابن زيرى، فكانت بينه وبينهم حروب عظيمة قتل فيها خلائق كثيرة حتى أخذ القلعة في عاشر شعبان، ففر خلف، وقتل بها آلافا كثيرة، بعث منها سبعة آلاف رأس إلى القيروان، فطيف بها، ثم حمل منها إلى مصر ما ذكر. وفيه وقع الجدري في كثير من الناس، وأقام شهورا. وكانت وقعة مع الروم بطرابلس. وفي شعبان وصل أفتكين بعسكر من الأتراك إلى دمشق، وورد كتابه على المعز وهو يستأذن في المسير، فشاور المعز أبا جعفر مسلم، فقال:

هم قول غدر، فإن تأذن لهم غلبوا على دمشق. فشرع المعز في تعبئة العساكر وإنفاذها لقتاله. وكان من خبر أفتكين أن الديلم والأتراك اختلفوا ببغداد، فأراد عز الدولة أبو منصور بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي سلطان العراق أن يقبض على سبكتكين التركي، وكانت الأتراك تتعصب معه وهم في أربعة آلاف هو أميرهم، فغلبوا بختيار وخرج عن بغداد، وغلب سبكتكين التركي عليها، وكان في قوة من المال والسلاح والرجال، فلم تطل مدته بعد غلبته على بغداد وهلك، فاستخلف من بعده على الأتراك أفتكين الشرابي مولى معز الدولة بن بويه، وكان شجاعا ثابتا في الحرب، فسار بالأتراك من بغداد لحرب الديلم، فجرى بينهم قتال عظيم. وقاتل أفتكين حتى تفرق من حوله إلا يسيرا، وانهزم صاحب رايته، فلحقه وضربه باللت وأخذها من يده، وحمل على الديلم فقتل منهم كثيرا باللتوت، ثم حمل عليهم الديلم فانهزموا وأفتكين في نحوا الأربعمائة من الأتراك، فأخذ على الفرات حتى نزل الرحبة، ثم أخذ في البر وقد أظهر من المهابة ما لم يتجاسر العرب على نهبه، فنزل جوشية من قرى الشام، فجمع له ظلم بن موهوب العقيلي وهو حينئذ على بعلبك من قدر عليه من العرب، وأنفذ إلى أبي محمود قبل أن يسير عن دمشق يطلب منه عسكرا، فأنفذ إليه جماعة، وخرج يريد أفتكين وهو في ألفين فسار يريد جوشية. وبعث أبو المعالي ابن حمدان بشارة الخادم من حمص في ثلاثمائة رجل إلى جوشية مددا لأفتكين على ظالم، فبعث بشارة إلى ظالم فصرفه عن محاربة أفتكين وعاد إلى بعلبك، وسار بشارة بأفتكين، فنزل بأفتكين بظاهر حمص، ووعده عن مولاه أبي المعالي بكل جميل، وحمل إليه أبو المعالي وأكرمه، فسار إلى أبي المعالي، فأجلسه على كرسي. وسأله أفتكين أن يوليه كفر طاب ويكون تبعا له، فما هو إلا أن ورد عليه رسول بن الماورد الشاطر من دمشق بأن يسير إلى دمشق، وأنه يخرج إليه بأهل البلد، ويقاتلوا عسكر المغاربة، ويملكوه عليهم، فوقع ذلك منه بموقع، فبعث إلى أبي حمدان يقول:

إني نظرت في الذي وليتني فإذا هو لا يقوم بمن معي من الغلمان، وإني أريد أن أرجع إلى بغداد. فقال: افعل ما تراه. فسار كأنه يريد أن يأخذ طريق البلد إلى بغداد، وأخذ نحو دمشق، وقد نزل ريان عليها، وجاءته أخبار طرابلس: بأن العدو قد خرج، ونحن نخاف علي البلد أن يؤخذ، فانزعج وخاف على طرابلس، وإذا بالخبر ورد عليه بأن أفتكين قد توجه نحوه بموافقة أهل البلد، فعرض عساكره، وبرز يريد عقبة دمر. وأصبح أفتكين على ثنية العقاب، ولم يعلم بأن ريان الخادم قد ارتحل عن البلد بجميع أصحابه حتى لم يبق منهم أحد، فوصل إلى البلد وقد أجهده وأصحابه التعب لأيام بقيت من شعبان. ونزل بظاهر البلد، فخرج الناس إليه، واستبشروا به، وسألوه أن يملكهم ويزيل المصريين ويكف عن الأحداث، فأجابهم، واستحلف على الطاعة والمساعدة، وحلف لهم على الحماية وكف الأذى عنهم منه ومن غيره. وقطع خطبة المعز وخطب للطائع، وقمع أهل العبث، فهابته الكافة، وصلح به كثير من أمر البلد، وأقام أياما، وشاع خبر العدو أنه قد أقبل في جيش عظيم، فاستعدوا لقتاله، ونزل العدو على حمص، فلم يعرض لأحد بأرض حمص، لهدنة كانت بينه وبين أبي المعالي ابن حمدان. وسار أفتكين إلى بعلبك في طلب ظالم، ففر منه، فنزل أفتكين بعلبك، وكانت العرب قد استولت على ما خرج عن سور دمشق، فأوقع بهم أفتكين، وقتل كثيرا منهم، وظهر منه حسن تدبيره وقوة نفس وشجاعة، فأذعن الناس له، وأقطع البلاد، فكثر جمعه، وتوفرت أمواله، وثبت قدمه، وملك بعلبك من ظالم بن موهوب، فقصده الروم وعليهم الدمستق، فقاتلهم أشد قتال، ثم كثروا عليه فانهزم.

ودخل الروم بعلبك، فأخذوا منها ومما حولها سلبا كثيرا، وأحرقوا؛ وذلك في شهر رمضان، وانتشرت خيلهم وسراياهم في أعمال بعلبك والبقاع تحرق وتسبى، وامتدوا إلى الزبداني، فأخذ الناس عليم المضايق، ومنعوهم من الدخول إلى الوادي. وخرج من دمشق قوم فخاطبوا كبير الروم في الهدنة، فطلب منهم مالا لينصرف عن البلد، فخرج إليه أفتكين ليخاطبه عن البلد، وأهدى إليه من كل ما كان معه من بغداد، فأكرمه وقربه، فخاطبه أفتكين في أمر البلد، وأعلمه بأنه خراب ليس فيه غير حمال السلاح ولا مال فيه، فقال له: ما جئنا لنأخذ مالا، وإنما جئنا لنأخذ الديار بأسيافنا، وقد جئتنا بهدية، وقد أجبناك إلى ما طلبت، وغرضنا فيما نأخذه من المال أن يقال بلد ملكناه فأخذنا هديته. فقال أفتكين: هذا بلد ليس لي فيه إلا أيام يسيرة، ولم آمر فيه ولم أنه، وقد خرج معي إليك رجل له يد في البلد، يمنعني من كل ما أفعله. وقد كان خرج معه علاء بن الماورد، فقال: ومن يدفعك عما تريد؟ قال: هذا وأصحابه. فأمر بالقبض على بن الماورد، فقبض وقيد، وجرت الموافقة مع أفتكين على أنه يجبي المال ويكون على سبيل الهدنة، ويكف عن دمشق وأعمالها، فعاهده ملك الروم على ذلك، وعاد أفتكين إلى دمشق، افثار أصحاب ابن الماورد بالسلاح يريدون أفتكين، فمنعهم الناس. وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر حينئذ بطبرية، فبلغه خروج أفتكين إلى الروم، فسير جيش بن الصمصامة في نحو الألفين ليأخذ دمشق، فسرى من طبرية، وكان شبل بن معروف العقيلي على شينيه وليس لجيش به علم، فركب إليه شبل في جمع من العرب فواقعوه فانهزم، وأتى الخبر إلى أفتكين وقد خرج من عند ملك الروم، فخرج الأتراك وأدركوهم فقتلوا منهم

كثيرا، وأخذ جيش أسيرا، فبعث به أفتكين إلى الروم وهو مقيم على عين الجر ينتظر المال. وجبى له أفتكين من دمشق ثلاثين ألف دينار بالعنف، ورحل فنزل على بيروت وبها نصير الخادم من قبل المعز، فلم يزول الرومي يراسل أهل بيروت: إني لا أريد خراب بلدكم، وإنما أريد أن تسلموا إلي هذا الخادم ومن معه، وأجعل عندكم من قبلي من يدفع عن بلدكم. حتى خرج إليه نصير ومن معه، فأخذهم، وولى على بيروت من قبله شخصا في مائتي رجل. وسار فنزل على طرابلس وفيها ريان الخادم الذي كان على دمشق في خلق من المغاربة، فقاتلوه أشد قتال. ونزل بالرومى مرض فرحل إلى بلده، وهلك في الطريق. وتمكن أفتكين من دمشق، فأنفذ شبل بن معروف العقيلي إلى طبرية، ففر عنها أبو محمود بمن معه إلى الرملة. وقدمت جيوش المعز، وفيها كثر مخافتهم العرب، واقتتلوا بجوار بيت المقدس مع العرب، فظهر العرب عليهم وهزموهم، وقتلوا كثيرا منهم وسيروا عدة منهم إلى دمشق، فطيف بهم في الأسواق على الجمال، وملأوا بهم الحبوس، فأقاموا في ضر، ثم ضربوا أعناقهم؛ وكان مع ذلك أفتكين طوال مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه. وركب المعز يوم عيد الفطر، فصلى وخطب على رسمه المعتاد، وورد عليه الخبر بوقعة ريان بالرومى وهزيمة الروم وقد أسر ريان منهم وقتل وغنم فسر المعز بذلك وتصدق، ودخل الناس عليه فهنأوه، وقال الشعراء في ذلك، وفي خلع المطيع شعرا كثيرا. وبعث إلى الحجاز بالأموال والنفقة وكسوة الكعبة. ووردت رؤوس من المغرب فطيف بها. وقدم إليه من المغرب ماء للشرب من العين التي أجراها. وأنفذ رسولا إلى القرامطة برسالة إلى الأحساء.

وفيه ثارت فتنة بين المصريين والمغاربة، فقبض على جماعة وضربوا. وفي ذي القعدة نودي لخمس خلون منه في الجامع العتيق: الحج في البر. وكان قد انقطع منذ سنين. وفيه مات عبد الله بن أبي ثوبان، وكان قد نصبه المعز للنظر في مظالم المغاربة، فتبسط في الأحكام بين المصريين، وقال في كتبه: قاضي مصر والاسكندرية، وشهدت عنده شهود مصر من المعدلين. وفيه خاطب المعز علي بن النعمان بالقضاء، وأذن له في النظر في الأحكام، فجلس في داره ومسجده ونظر في الأحكام. وطيف برؤوس من الأعراب والروم وردت من الشام ومن الصعيد. وقدم للنصف منه جواب القرامطة من الأحساء، فخلع على الرسول وعلى جماعة معه، وحملوا. وفيه طلع نجم الذنب عند الفجر وله شعاع كبير، فأقام أياما، واضطرب الناس، ولما رآه المعز استعاذ منه. وطلبت العبيد الصقالبة من جميع الناس، وأخذوا بالثمن. وانفرد عسلوج بن الحسن بالديوان والنظر في أبواب المال كلها. وفي مستهل ذي الحجة طيف برؤوس على رماح يقال عدتها إثنا عشر ألف رأس، وردت من المغرب، فيها رأس خلف بن جبر، وقد ثار بالمغرب واجتمع عليه البربر، فظفر به يوسف ابن زيرى، وقتل لخمس خلون من رمضان هو وجماعة من أهله. واعتقل جماعة من الإخشيدية والكافورية وطولبوا ببيع عقارهم ورد ما باعوا منه. ووردت هدية أبي محمود من الشام، وهي مائة فارس، وأحمال مال. وبرز ركب المعز يوم عيد النحر على رسمه، فصلى وخطب، وأطعم الناس بالقصر. وكسر الخليج، ولم يركب إليه المعز.

وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق وعملوا فيلة، وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات في اللعب بالأسواق، فأمر بالنداء أن يكف عن اللعب، وأخذ قوم فطيف بهم وحبسوا. وأمر أن يكون في الشرطة السفلى فقيهان يجلسان، ثم صرفا. وورد الخبر بوقعة كانت لأبي محمود مع ابن الجراح الطائي بناحية طبرية. وأمر المعز بتغيير المكاييل والموازين، وجعلت الأرطال من رصاص. وأمر المعز القاضي أبا طاهر وشهوده أن يرفعوا إليه أخبار البلد ولا يكتموه شيئا، ونصبوا لذلك رجلا فامتنع. وبلغ النيل بزيادة الجديد سبع عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا، فأمر لابن أبي الرداد بالجائزة والخلع والحملان على عادته. ومات في هذه السنة: أبو جعفر أحمد بن القاضي النعمان بن محمد بمصر يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول. وحسن بن سعيد الأفرنجي بالقاهرة، فصلى عليه المعز ودفن بها. وإسماعيل بن لبون الدنهاجي، وصلى عليه المعز. وعلي بن الحرسي صاحب الخراج. ومات حسن بن رستق الدنهاجي. ومات أيضا أبو الفرج محمد بن إبراهيم بن سكرة في ربيع الآخر

ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة @YY365

والأمر على حاله إلا أن القضاء بيد أبي طاهر محمد بن أحمد، واشترك معه القاضي علي بن النعمان، فكان كل منهما ينظر في داره. وتثاقل يعقوب بن كلس عن حضور الديوان، وانفرد بالنظر في أمور المعز في قصره. وفي المحرم عمرت كنيسة بقصر الشمع. وورد سابق الحاج فأخبر بإقامة الدعوة بمكة ومسجد إبراهيم يوم عرفة ومدينة الرسول، وسائر أعمال مكة، وبتمام الحج. وكان هذا أول موسم دعى فيه للمعز بمكة ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر المعز بذلك، وتصدق شكرا لله. وورد كتاب أمير مكة جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكتاب أخيه الحسن بن محمد الحسني وهو أخو صفية امرأة عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم يسأل الإحسان إلى أخته صفية وكانت مستترة فأمر برد ضياعها وريعها وتسليم ذلك إليها، فأحضر يعقوب بن كلس القاضي أبا طاهر وشهوده، وأشهدهم في كتاب عن المعز أنه أمره برد ضياعها ورياعها إليها، فظهرت وأمنت. وكتب جعفر بن محمد الحسني أمير مكة يسأله في بني جمح أن يرد حبسهم إليهم الذي بمصر، وفي ولد عمر وبني العاص أن يرد حبسهم بمصر إليهم، فأطلق المعز ذلك لبني جمح. وورد رسول ملك الروم، فغلقت الحوانيت، وخرج الناس تنظر إليه.

قال ابن الأثير وكان سبب موت المعز أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولا كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به المعز بعض الأيام، وقال له: أتذكر إذ أتيتني رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلن علي وأنا بمصر مالكا لها؟ قال: نعم قال: وأنا أقول لك لتدخلن علي ببغداد وأنا خليفة. فقال له الرسول: إن أمنتني ولم تغضب، قلت لك ما عندي. فقال له المعز: قل وأنت آمن. فقال: بعثني إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا غطى بصري، ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، أشرفت على مدينتك فرأيتها في عيني سوداء مظلمة، ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلا، وإنه الآن بضد ما كان عليه. فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات.

وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: إن المعز أنفذ إلى ابن السوادكي فقال: من لك بالحجاز من التجار تكاتبه، اكتب إلى من تراه منهم بأن يكتب إلى عدن بحمل ما يقدر عليه من خشب الأبنوس الحسن التلميع التام الطول، الغليظ مما لا غاية وراءه. فكتب إلى تاجر بمكة، وأكد عليه، فما كان إلا نحو شهرين حتى عاد جوابه أنه وجد منه ما ليس له في الدنيا نظير، وحمله في مركب، فسر بذلك، وبكر إلى المعز فأخبره الخبر، وأنه في القلزم، فأطرق وتغير لونه، فقال له: يا مولانا هذا يوم فرح وسرور بأن تطلب أمرا يكون بعد مدة فيسهله الله في أقرب وقت. فقال: يا محمد ليس يدري إلى حيث خرجت. ثم سار خارجا إلى ظاهر القاهرة وهو يقرأ سورة الفتح إلى آخرها، ويرددها كلما فرغ منها، ورجع فاعتل بعد جمعة، وترددت به العلة، فمات في الشهر الخامس، وما طلبه منى، ولا أذكرته به، وكان قد تأول أن أجله نعى إليه حين رأى الأشياء منقادة له. قال ابن زولاق: ولأربع خلون من صفر ورد حاج البر، وقد كان البر أقام سنين لم يسلك. وفيه حضر على بن النعمان القاضي جامع القاهرة، وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار، وكان جمعا عظيما. وفي ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم في الطاعة. وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم وهو على سرير الملك، فصاح به رجل منهم:

يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: " ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ". يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون. وقال: صدق الله، كذا قال عز وجل، ونسأل الله التوفيق. واعتل المعز لثمان خلون من ربيع الأول، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما، ووصف له البطيخ البرلسي يؤخذ ماؤه، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة دنانير، ثم وجد منها ثماني عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا، وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون، والذي يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده جوهر. فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلة. وعرف باجتماع الناس وكثرة الرقاع في الظلامات والحوائج، وسئل فيمن ينظر في ذلك، فأمر أن ينظر فيه ولي عهده نزار فاستخلفه، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا. وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه، وخرج إليه إخوته وعمومته وسائر أهله فبايعوه، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد، فابتهج الناس بذلك. ودخل عليه من الغد القاضي أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه بولاية العهد، وقبلوا له الأرض، فرد عليهم أحسن رد، وأخبرهم بأن المعز بخير، قال: مولانا صلوات الله عليه في كل عافية وسلامة في أحواله، وفي رأيه لكم وانصرفوا. وكان يوم جمعة، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسي على منبر الجامع العتيق بعد أن دعا للمعز، فقال: اللهم صل على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، ومعدن الفضل والإمامة، عبد الله معد أبي تميم الإمام المعز لدين الله، كما صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه المنتخبين من قبله.

اللهم أعنه على ما وليته، وأنجز له ما وعدته، وملكه مشارق الأرض ومغاربها. واشدد اللهم أزره، وأعز نصره بالأمير نزار أبي المنصور ولي عهد المسلمين، ابن أمير المؤمنين، الذي جعلته القائم بدعوته، والقائم بحجته. اللهم أصلح به العباد، ومهد لديه البلاد، وأنجز له به ما وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. وتوفي المعز لدين الله عشية هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل يوم الجمعة حادي عشر، وقيل ثالث عشر، ولم يظهر ذلك ولا نطق به أحد مدة ثمانية أشهر. وقيل إن السيدة لما اشتدت علة المعز أحضرت القائد جوهر وهو ملتف في برد من ... وحضر يعقوب بن يوسف بن كلس وعسلوج القائد وأفلح الناشب، وطارق الصقلبي، فقالوا للمعز: نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر. فلم يجبهم، فقال له جوهر: قد كنت سمعت منك قولا في هذا استغنيت به عن إعادة السؤال، غير أنهم أكرهوني على الدخول. وقال لهم: قابلتموني بما لا يجب وبكى. فخرجوا، فلما كان اليوم الثالث مات، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر. قال ابن زولاق: وكان يعني المعز في غاية الفضل والاستحقاق للإمامة، وحسن السياسة.

وكان مولده سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أدرك من أيام المهدي جد أبيه أربع سنين، وتوفي القائم وللمعز ست عشرة سنة. واجتمع للمعز بمصر ما لا يجتمع لآبائه، وذلك أنه حصل له بالمغرب أربعة وعشرون بيتا من المال: منها أربعة عشر خلفها المهدي، ولم يخلف القائم عليها شيئا، وخلف المنصور بيتا واحدا وكسوة، وأضاف إليها المعز تسعة، فصارت أربعة وعشرين بيتا، أنفق أكثرها على مصر إلى أن فتحت ودخلها، وحصل له من مال مصر أربعة بيوت سوى ما أنفقه وسوى ما قدم به معه. واجتمع له أن خلفاءه بمصر استخرجوا له ما لم يستخرج لأحد بمصر، فاستخرج له في يوم واحد مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار. وهزمت القرامطة في أيامه أربع مرار: مرتين في البر على باب مصر، ومرتين في البحر، وما تم عليهم هذا قط منذ ظهر أمرهم. وأقيمت له الدعوة يوم عرفة في مسجد إبراهيم عليه السلام وبمكة والمدينة وسائر أعمال الحرمين، ولم ترد له راية. وسار ابن السميسق ملك الروم إلى ريان عبد المعز وهو بطرابلس فانهزم وأخذت غنائمه وأسر رجاله. وكتب اسمه على الطرز بتنيس ودمياط والقيس والبهنسي قبل أن يملك مصر. وتتابعت له الفتوح. ودعى لفاطمة ولعلي عليهما السلام في أيامه على المنابر في سائر أعماله وفي كثير من أعمال العراق. ونصبت الستائر على الكعبة وعليها اسمه. ونصبت له المحاريب الذهب والفضة داخل الكعبة وعليها اسمه.

وكاتب أهل العراق وأهل اليمن وأهل خراسان وأهل الحرمين والترك بالخلافة. وكان على التجهز للمسير للحج ثم إلى قسطنطينية للجهاد. وكان مقامه بمصر سنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام. قال ابن الأثير: وأمه أم ولد. وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة. ومات وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا. وكانت ولايته الأمر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام. وهو أول الخلفاء العلويين، ملك مصر وخرج إليها. وكان مغرى بالنجوم. ويعمل بأقوال المنجمين، قال له منجم إن عليه قطعا في وقت كذا، وأشار عليه بعمل سرداب يختفي فيه إلى أن يجوز ذلك الوقت، ففعل ما أمره، وأحضر قواده وقال لهم: إن بيني وبين الله عهدا أنا ماض إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزار، فاسمعوا له وأطيعوا. ونزل السرداب، فكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا، نزل وأومي إليه بالسلام ظنا منه أن المعز فيه، فغاب سنة ثم ظهر، وبقي مدة ومرض وتوفى، فستر ابنه نزار العزيز موته إلى عيد النحر من السنة، فصلى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه، وعزى بأبيه. وذكر القاضي عبد الجبار بن عبد الجبار البصري في كتاب تثبيت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم المعز لدين الله، وقال: واحتجب عن الناس مدة، ثم ظهر وجلس في حرير فائق أخضر مذهب، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت، وأوهم أنه كان غائبا، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما يأتيه أهل الأخبار في حال غيبته، وتوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب. وتعرض بالجمل دون التفصل.

قال مصنفه رحمة الله عليه: ليس الأمر كما قال ابن الأثير، فقد حكى الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب سيرة المعز وقد وقفت عليها بخطه رحمه الله أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات يوما يوما، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر قبل موته بيومين؛ وذكر أن سبب العهد إليه اجتماع الناس بباب القصر وكثرة الرقاع، وأنه سئل فيمن ينظر في ذلك، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر فيه فاستخلفه؛ وقد ذكرت ملخص هذه السيرة فيما مر من أخبار المعز؛ وأن ابن زولاق أعرف بأحوال مصر من ابن الأثير خصوصا المعز، فإنه كان حاضرا ذلك ومشاهدا له، وممن يدخل إليه ويسلم مع الفقهاء عليه، ويروى في هذه السيرة أشياء بالمشاهدة، وأشياء مدته بها ثقات الدولة وأكابرها، كما هو مذكور فيها؛ إلا أن ابن الأثير تبع مؤرخي العراق والشام فيما نقلوه، وغير خاف على من تبحر في علم الأخبار كثرة تحاملهم على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم، ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية، فكثيرا ما رأيتهم يحكون في تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويرده الحذاق العالمون بأخبار مصر؛ وأهل كل قطر أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى بماجرياته، وفوق كل ذى علم عليم. قال ابن الأثير: وكان المعز عالما فاضلا جوادا جاريا على منهاج أبيه، حسن السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره، وأمر الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به. وقال ابن سعيد في كتاب المغرب: إن جوهر القائد لما كان على عسقلان، وهجم عليه العدو، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم، ترجل جوهر وقبل الأرض وقال:

حذرني مولانا المعز بالمغرب، وقال لي: احذر النار في عسكرك ببرقة فلما جزت بها تحفظت من النار، فلما صرت في مصر: قلت الحق ما يقول مولانا، وما هو إلا أن أعود إلى المغرب، فيكون ذلك فيها، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه يقال له برقة، وكنت والله خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا. قال: ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال له: أنت عندي موثوق به، غير مستراب بك، قل له يا يوسف، تغير ما أمرتك به، وتنسب ما فعلته لي؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك، ولئن أتيتك لا تركت من آل مناد أحدا، بل من بلكانه، لا بل من صنهاجة؛ أخرج ابن الأديم فاردده إلى النظر في الخراج على رسمه، وامتثل جميع ما أمرتك به، ولا تخالف شيئا منه. قال: فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده، فسرت إليه، فلما رآني نزل وقبل الأرض لما ترجلت له، وقيل بين عيني، وقال: هذه العين الذي رأت مولانا. وأوصلت إليه السجل، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه، وأديت إليه الرسالة بيني وبينه، فعهدي به يرتعد وينتفخ ويسود، ويقول: نفعل والله، وكتب برد زيادة الله بن الأديم إلى نظره، وأقمنا مدة. قال ابن سباط: فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجاب بكتاب لطيف، فقرأه عليه راكبا الترجمان، فرأيته ضرب الفرس وحركه فأقامه وأقعده، وهز رمحه في وجوه رجاله يمينا وشمالا، وجعل يقول: أبلكين، أمليح اسم أمه؟ أزيرى، أمليح اسم أبيه؟ أمناد، أمليح اسم جده؟. قال: فقلت في نفسي: خبر ورد إليه سره، وأدرت فكري فوقف في أن مولانا المعز مات.

فنظر إلى وجهي متغيرا، فأخذني ونزل إلى دار إمارته، فأدار إلى وجهه، وقال: مالك تغير وجهك؟. فقلت له: مات مولانا المعز، فأحسن الله عزاك عنه. فقال: من أخبرك؟. قلت: أنت أخبرتني. قال: وكيف!. قلت: رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك. فقال: قد صدقت، قد مات مولانا المعز. قلت له: فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده في مجلسه. فقال: لا بد من ذلك. فقلت له: ينبغي أن تنتظر كتاب ولده الذي أتى من بعده، فسيأتيك ما تحب. قال: صدقت، واكتم ما جرى، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب، وقد صار المغرب والله في أيدينا إلى دهر طويل.

وأقمت، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه، فسر وخلع علي، وسيرني. قال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب. وأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه يقول فيها: وأعوذ بالله أن أقول ما شنعه أهل الزور والجحود، بل أنا عبد من عبيده، أيدني بنور هدايته، وألبسني قميص حكمته، وتوجني بعز سلطانه، وحملني أثقال علم ربوبيته، واختصني بنفس كلايته، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه الشاعر تميما ثم عزله، وولى ابنه عبد الله إفريقية، ثم ولى ابنه بمصر العزيز الذي صحت له الخلافة بعده. قال ابن سعيد: وهذا أعجب ما سمعته في تولية العهد، لا أعلم لهذه الكائنة نظيرا. وقال ابن الطوير: لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله وكان منجما: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا. فقال المعز: العاقبة. فقال حميدة. قال المعز: الحمد لله. ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانىء فيه: إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله ... فسائل عليه الوحي المنزل تعلم فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله ... عن الله، لم يعلم ولم يتوهم وأي قوافي الشعر فيك أجولها ... وهل ترك القرآن من يترنم وكان نقش خاتمه: بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم. وكان يشبه في بني العباس بالمأمون في سفره من القيروان.

العزيز بالله أبو المنصور ابن المعز لدين الله أبي تميم معد ابن المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ابن المهدي عبيد الله

أمه أم ولد، واسمها درزان. ولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. وولى العهد بمصر وبويع لسبع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة. ومن كتاب ابن مهذب: سمعت مولانا العزيز يقول: خرج مولانا المعز يوما بمصر يمشي في قصره، وأنا، وأخي تميم، وعبد الله، وعقيل، نمشي خلفه، فخطر ببالي أن قلت: ترى بصير هذا الأمر إلي، أو إلى أخي عبد الله، أو إلى أخي تميم؛ وإن صار إلي، ترى أمشي هكذا وهؤلاء حولي؟. قال: وانتهى مولانا المعز إلى حيث أراد، ووقفنا بين يديه، وانصرفت الجماعة، وأراد

لانصراف، فقال: لا تبرح يا نزار، فوقفت حتى إذا لم يبق أحد بين يديه غيري استدناني وقال: بحياتي يا نزار إذا سألتك عن شيء تصدقني؟. قلت: نعم يا مولانا. قال: التفت إليك فرأيتك وقد أعجبتك نفسك، وأنت تنظر إلي وإلى نفسك وإلى أخوتك، وأنا أسارقك النظر وأنت لا تعلم،، فقلت في نفسك: ترى هذا الأمر بصير إلي وإخوتي حولي؟. قال: فاحمر وجهي، ودنوت منه فقبلت بين يديه، وقلت وقد غلبني البكاء: يجعل الله جميعنا فداك. فقال: دع عنك هذا؛ كان كذا؟. قلت: نعم يا مولانا، فكيف عرفته؟. قال: حزرته عليك، ثم لم أجد نفسي تسامحني في إعجابك بنفسك على شيء سوى هذا الأمر، فهو صائر إليك، فأحسن إلى إخوتك وأهلك، خار الله لك ووفقك. وقد تقدم أن المعز لما مات كتم موته إلى يوم النحر فأظهرت وفاته، فركب العزيز بالمظلة، وخطب بنفسه، وعزى نفسه، والناس تسلم عليه بالخلافة، وركب إلى قصره فسلم عليه عماه: حيدرة وهاشم، وعم أبيه: أبو الفرات، وعم جده: أحمد بن عبيد الله. وقال ابن الأثير: لما استقر العزيز في الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، وكان هو يدبر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره؛ ثم سير إلى المغرب دنانير عليها اسمها فرقت في الناس؛ وأقر يوسف ابن بلكين على ولاية إفريقية، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهي

طرابلس وغيرها، فاستعمل عليها يوسف عماله، وعظم أمره، وأمن ناحية العزيز، واستبد بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل تحتها. وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها، وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقى أهلها شدة شديدة. وأما أخبار الشام: فإن أفتكين لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز في هذه السنة، وكان الذي وافى منهم: إسحاق، وكسرى، وجعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا في البلاد وقت وقعته مع الديلم، لقوهم بالكوفة في الموقعات، فأركبوهم الإبل، وساروا بهم إلى دمشق، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل؛ فقوى عسكره بهم وتلقى أفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا إلى الرملة وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فالتجأ إلى يافا، ونزل القرامطة الرملة، ونصبوا القتال على يافا حتى مل كل من الفريقين القتال، وصار يحدث بعضهم بعضا. وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر، وظن أن القرامطة قد كفوه ذلك الوجه، وعمل على أخذ الساحل، فسار بمن اجتمع إليه، ونزل على صيدا، وبها ابن الشيخ، ورؤساء المغاربة، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي، فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم عنهم أميالا،

فخرجوا إليه، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم، وصار ظالم إلى صور؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من عساكر المغاربة، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق، فطيف بها. ونزل أفتكين على عكا، وبها جمع من المغاربة، فقاتلوه، فسير العزيز القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام في عسكر عظيم لم يخرج قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع والسلاح والمال والرجال، بلغت عدتهم عشرين ألفا بين فارس وراجل، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكا، والقرامطة بالرملة، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية، وخرج القرامطة من الرملة، ونزلها جوهر. وسار إسحق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء، لقلة من معهم من الرجال الذين يلقون بها جوهر، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو بطبرية، وقد بعث فجمع في حوران والبثنية؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية، فرحل أفتكين، واستحث الناس في حمل الغلة من حوران والبثنية إلى دمشق، وصار أفتكين إلى دمشق، ومعه جعفر القرمطي، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فيما بين داريا والشماسية، فجمع أفتكين أحداث البلد، وأمن من كان قد فزع منه، فاجتمع حمال السلاح والذعار إليه، ورئيسهم قسام.

وأخذ جوهر في حفر خندق عظيم على عسكره، وجعل له أبوابا، وكان ظالم بن موهوب معه، فأنزله بعسكره خارج الخندق، وصار أفتكين فيمن جمع من الذعار، وأجرى لكبيرهم قسام رزقا. ووقع النفي على قبة الجامع والمنابر، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع وحروب شديدة وقتال عظيم، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة، فجرى بينهم إثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذي الحجة. ولم يزل إلى الحادي عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة، انهزم فيها أفتكين بمن معه، وهم بالهرب إلى أنطاكية، ثم إنه استظهر. ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم، فأرسل في الصلح، فلم يجب أفتكين، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطي بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق: إني سائر إلى الشام، وبلغ ذلك جوهر، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرر الأمر أن جوهر يرحل، ولا يتبع عسكره أحد، فسر أفتكين بذلك، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة الظهر عنده؛ وبقي من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه، ورحل عن دمشق في ثالث جمادى الأولى. وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطي إلى عمه جعفر بمجيئه، وبلغ ذلك جوهر، فجد في السير، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج، فأسرع بالمسير من طبرية،

ووافى الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية، فوجد جوهر قد سار عنها، فبعث خلفه سرية أدركه، فقابلهم جوهر، وقتل منهم جماعة، وسار فنزل ظاهر الرملة، وتبعه القرمطي، وقد لحقه أفتكين، فسارا إلى الرملة؛ ودخل جوهر زيتون الرملة، فتحصن به، فلما نزل الحسن بن أحمد القرمطي الرملة هلك فيها، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة. ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبي جعفر القرمطي، فرجع عنه إلى الأحساء، وكان حسان ابن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي أيضا مع أفتكين على محاربة جوهر، فلم ير منه ما يحب، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين، وقدم القاهرة على العزيز، واشتد الأمر على جوهر، وخاف على رجاله، فسار يريد عسقلان، فتبعه أفتكين. واستولى قسام على دمشق وخطب للعزيز، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق، فقاتله قسام ومنعه، فسار إلى طبرية. وأدرك أفتكين جوهر، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم في آخرها جوهر، وأخذ أصحابه السيف، فجلوا عما معهم، والتحقوا بعسقلان، فظفر أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره، واستغنى به ناس كثيرون. ونزل أفتكين على عسقلان، فجد جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما، وغلت عنده الأسعار، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا، وأخذت كتامة تسب جوهر وتنتقصه، وكانوا قد كايدوه في قتالهم، فراسل أفتكين يسأله: ماذا يريد بهذا الحصار، فبعث إليه: لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤديه إلي عن أنفسكم. فأجابه إلى ذلك؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير، فجمع من كان معه من كتامة، وجمع منهم مالا؛ وبعث إليه أفتكين يقول: إذا أمنتكم لا بد أن تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف وأمنهم، وعلق السيف على باب عسقلان، فخرجوا من تحته.

وسار جوهر إلى مصر، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا بقية سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع وستين. وقدم جوهر على العزيز، فأخبره بتخاذل كتامة، فغضب غضبا شديدا، وعذر جوهر في باطنه، وأظهر التنكير له، وعزله عن الوزارة، وولى يعقوب بن كلس عوضه في المحرم سنة ثمان وستين. وخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومى عليها صفرية فضة، فخرج إليه أهل البلد كلهم حتى غلقت الأبواب، وسألوه في التوقف عن السفر، فقال: إنما أخرج للذب عنكم، وما أريد ازديادا في مال ولا رجال. وصرفهم. ومنع العزيز في هذه السنة وهي سنة سبع وستين النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس: من الاجتماع، ونزول الماء، وإظهار الملاهي، وحذر من ذلك. وسار العزيز، وعلى مقدمته حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي، فتنحى أفتكين عن الرملة، ونزل طبرية. واتفق أن عضد الدولة أبا شجاع فناخسرو بن ركن الدين أبي يحيى الحسن بن بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار بن أحمد بن بويه، فسار بختيار إلى الموصل، واتفق مع أبي تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ابن حمدان على قتال فناخسرو، فسار إليهم فناخسرو وأوقع بهم، فانهزموا، وأسر بختيار وقتله، وفر حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة المرزبان، وأبو كاليجار وعماه: عمدة الدولة أبو إسحاق، وأبو طاهر محمد، ابنا معز الدولة أحمد بن بويه، وساروا

إلى دمشق في عسكر، فأكرمهم خليفة أفتكين، وأنفق فيهم، وحملهم وصيرهم إلى أفتكين بطبرية، فقوى بهم، وصار في اثنى عشر ألفا، فسار بهم إلى الرملة، ووافى بها طليعة العزيز، فحمل عليها أفتكين مرارا، وقتل منها نحو مائة رجل، فأقبل عسكر العزيز زهاء سبعين ألفا، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر أفتكين، وأخذوا رجاله، فصاح الديلم الذين كانوا معه: زنهار، زنهار، يريدون: الأمان، الأمان. واستأمن إليه أبو إسحق إبراهيم بن معز الدولة، وابن أخيه إعزاز الدولة، والمرزبان بن بختيار؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة، وأخذ أكثرهم أسرى، ولم يكن فيهم كبير قتلى، وأخذ هفتكين نحو القدس، فأخذ وجيء به إلى حسان بن علي بن مفرج ابن دغفل بن الجراح، فشد عمامته في عنقه، وساقه إلى العزيز، فشهر في العسكر، وأسنيت الجائزة لابن الجراح.

وكانت هذه الوقعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين. فورد كتاب العزيز إلى مصر بنصرته على أفتكين، وقتل عدة من أصحابه وأسره، فقرىء على أهل مصر فاستبشروا وفرحوا. وكتب أبو إسماعيل الرسي إلى العزيز يقول: يا مولانا: لقد استحق هذا الكافر كل عذاب، والعجب من الإحسان إليه. فلم يرد عليه جوابا. وسار العزيز ومعه أفتكين مكرما من الرملة، وبقية الأسرى إلى مصر. قال المسبحي: فخرج الناس إلى لقائه وفيهم أبو إسماعيل الرسي، فلما رآه العزيز قال: يا إبراهيم: قرأت كتابك في أمر أفتكين، وفيما ذكرته، وأنا أخبرك: اعلم أنا وعدناه الإحسان والولاية فما قبل، وجاء إلينا فنصب فازاته وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف فلج وقاتل، فلما ولى منهزما وسرت إلى فازاته ودخلتها سجدت لله الكريم شكرا، وسألته أن يفتح لي بالظفر به، فجيء به بعد ساعة أسيرا؛ ترى يليق بي غير الوفاء؟!. فقبل أبو إسماعيل رجله. ودخل العزيز إلى القاهرة ومعه أفتكين والأسرى، وعليه تاج مرصع بالجوهر، فأنزل أفتكين في دار، وأوصله بالعطاء والخلع حتى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله ونظري إليه مما غمرني من فضله وإحسانه، فلما بلغ العزيز ذلك، قال لعمه حيدرة:

يا عم: أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهرة ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي. وبلغ العزيز أن الناس من العامة يقولون: ما هذا التركي؟ فأمر به فشهر في أجمل حال، فلما رجع من تطوافه وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه، وأمر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من أضافه، وقاد إليه، وقاد: يديه دوابا. ثم سأله العزيز بعد ذلك: كيف رأيت دعوات أصحابنا فقال: يا مولاي: حسنة في الغاية، وما فيهم إلا من أنعم وأكرم. وكان الذي أنفق العزيز على هفتكين حتى أسره ألف ألف دينار وقال العزيز عند خروجه إلى حربه لحسين الرابض: كم عدد ما تحت يدك من الدواب؟ فقال: عشرة آلاف رأس. فقال العزيز: لقد أوجلتني يا حسين. وفيها نافق حمزة بن نعله الكتامي متولى أسوان، فخرج إليه جعفر بن محمد

ابن أبي الحسين الصقلي، وأخذه وأتى به وبأمواله، فأنعم بها العزيز على هفتكين، ودفعه إليه فقتله شر قتلة. وفيها قدم حسان بن علي بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي على العزيز، فخلع عليه، وحمل على خمسة أرؤس من الخيل، وقاد إليه بين يديه خمسة أحمال مال، وأنزله دارا. وفيها جهز الفضل بن صالح على جيش إلى الشام، وقلد الشام كله، ولقب بالقائد، وخلع عليه ثوب مذهب، ومنديل مذهب، وقلد بسيف محلى بذهب، وحمل على فرس، وبين يديه أربعة أفراس بمراكبها، ومائة ألف درهم، وخمسون قطعة من الثياب الملونة؛ فركب بالطبول والبنود، وسار. وخرجت قافلة الحاج في ذي القعدة، وفيها صلات الأشراف، والقمح والشعير والدقيق والزيت، وسائر الحبوب والزيت، ومحراب من ذهب للكعبة. وفيها كان بمصر وباء عظيم، مات في خلائق، فحكى بعض من سمع نواب السلطان يقول: الذي قبر من الديوان سبعة آلاف وسبعمائة وستون، سوى من لم يعلم بموته، أما من دفن بلا كفن فكثير.

وكان الماء في المقياس خمسة أذرع وثلاثا وعشرين إصبعا، وبلغ خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. وأما بلاد المغرب فإن الأمير أبا الفتوح يوسف بن زيرى كتب إلى العزيز في سنة سبع وستين يسأله في طرابلس وسرت وأجدابيه، وكان عليها عبد الله بن خلف، فأنعم له بها، فرحل عنها عبد الله، وتسلمها أبو الفتوح. وفي سنة ثمان كتب أبو طالب أحمد بن أبي القاسم محمد بن أبي المنهال قاضي المنصورية إلى العزيز يسأله في القدوم، فأجابه إلى ذلك، فسار بأهله وأولاده في آخر شوال، وقدم القاهرة، فأجرى له العزيز في كل سنة ألف دينار. وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يشاوره من يولى القضاء؟ فكتب إليه: قد رددت هذا الأمر إليك، فول من شئت. فاختار محمد بن إسحق الكوفي، وولاه آخر ذي الحجة سنة ثمان وستين، وكتب إلى العزيز يخبره بذلك، فأجاز فعله، وبعث إليه سجلا بالقضاء. وفي يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وستين سير الأمير أبو الفتوح الهدية من رقادة، ومعها المال مع محمد بن صالح صاحب بيت المال، وعيسى بن خلف المرصدي، وقائد المهدية زروال بن نصر، فقدموا إلى القاهرة والعزيز آخذ في حركة السير لحرب هفتكين، فأمر برد المال الذي أحضره الأمير زيرى مع الهدية، وذلك أن عبد الله بن محمد الكاتب لما وصل إليه السجل من العزيز بموت أبيه المعز وقيامه بعده في الخلافة، قرأه على الناس بالمنصورية من القيروان، وفرق ما بعثه العزيز من الدنانير والدراهم التي ضربت باسمه على رجال الدولة، ثم بسط رداءه، وألقى فيه دنانير، وقال:

ليلق كل واحد فيه ما يستطيع من التقرب. ثم جمع أهل القيروان وصادرهم، فأخذ من عشرة آلاف دينار إلى دينار واحد، حتى عم أكثر أهل البلد وسائر أعمال إفريقية، فجبى زيادة على أربعمائة ألف دينار عينا. فلما بلغ ذلك العزيز كتب برد المال لأربابه، فرأى عبد الله بن محمد برد المال نقضا عليه وحمله إلى العزيز مع الهدية، وجعل مال الهدية خاصة في صرر، وكتب على كل صرة اسم صاحبها، فرد العزيز صررا نفسية إلى أصحابها، وهم يومئذ بمصر، وأمر برد باقي المال إلى المغرب ليفرق على أربابه، فقال له الوزير يعقوب بن كلس: هذه أموال عظيمة، ونحن محتاجون إليها للنفقة على هذه العساكر، وإن رجعت أمرت يردها إليهم من بيت المال. فقبل منه، وأنفقها على العسكر.

ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة @YY369

في أول ......... وفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله، ورسم لهم الأكل معه على مائدته. وفيها أرسل فلح أمير برقة للعزيز هدية، فيها مائتا فرس مجللة، ومائة بغل مجللة، ومائة وخمسون بغلا بأكف، وخمسمائة جمل، ومائة نجيب، ومائة صندوق فيها المال. وفيها سار ناصر الدول أبو تغلب من طبرية إلى الرملة في المحرم وبها الفضل بن صالح، وقد انضم إليه دغفل بن مفرج بن الجراح، فقاتلا أبا تغلب قتالا كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه، فولى منهزما، وأتبعوه، فأخذ وقتل، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، وعدة أسارى، فأمر العزيز بإطلاق الأسرى، وقدم هديته وهي: أحمال محزومة، ومائتا فرس، وخمسون بختيا، ومائة بغل، ومائة ناقة، فخلع عليه، وأركب على فرس، وقيد بين يديه خمسة أفراس، ومائة قطعة من الثياب، وعشرون ألف دينار. وكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرملة بأفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرج بن دغفل بن الجراح الطائي، فأنفذ إلى دمشق واليا من المغرب، يقال له حميدان بن جواس العقيلي في نحو مائتي رجل، وقد غلب عليها قسام التراب السقاط عندما وردت عليه كتب العزيز عند مسيره إلى محاربة أفتكين ...... من ورائه فأظهر

سام الكتب وقرأها في الجامع، ووعد الرعية بالإحسان، وبترك الخراج لهم إن منعوا أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشي نائب أفتكين عنه، لقوة قسام، وكثرة أصحابه، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهرا القائد ومنعوه من البلد، فأخذ الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشي، فتمكن وأمن، وكثر الطامع في البلد، فولى أفتكين رجلا يقال له تكين من الأتراك، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب على دمشق من أهل الشر، فلما نزل أخوا بختيار دمشق قوى تكين، وأراد أن يقهر قساما، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة، ثم اصطلحا. وكان من مجيء القرامطة ما ذكر، فنزلوا على دمشق، فمنعهم قسام من البلد، وعمل على قتالهم، فصار له بذلك يد عند العزيز، فلما رحلوا إلى بلادهم، وتمكن ابن الجراح من فلسطين إلى طبرية، استولت فزارة ومرة على حوران والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها، وجلا أهلها، فهلكوا من الضر، وصار كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب، فعمرت بهم البلاد. ثم إن قساما وقع بينه وبين حميدان العقيلي، فثار به ونهبه، ففر منه، وقوى قسام، وكثرت رجاله، وزاد ماله، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود في نفر يسير، فكان تحت يد قسام، لا أمر له ولا نهى. واتفق في هذه السنة أن ولي دمشق ظالم بن موهوب العقيلي، والقرمطي، ووشاح، وحميدان، وأبو محمود. وكانت واقعة فناخسرو مع بختيار بالعراق، فكان ممن انهزم أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ابن حمدان، فسارت خلفه عساكر فناخسرو، وكتب فيه إلى الأكراد والروم أن لا يجيره أحد، ففر أبو تغلب إلى آمد، وسار منها إلى الرحبة، وكتب إلى العزيز أن يقيم في عمله، وسار في البر إلى حوران، فنزل على دمشق، وكتب العزيز إلى قسام يمنعه من البلد، فمنعه، ثم أذن أن يتسوق أصحابه من المدينة. وطمع أبو تغلب في ولاية دمشق من قبل العزيز، فخافه قسام، وأشير على العزيز في مصر

أن لا يمكن ابن حمدان من دمشق، فإنه إن مكن عظم شره، فكوتب بكل ما يحب، وكتب إلى قسام بأن لا يمكنه. هذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزة، فأقام شهورا، وثقل على قسام مقامه، وخاف أن يلي البلد، فأكمن لأصحابه في البلد، وأخذ منهم سبعين، وقتل جماعة، وسلب الباقي؛ فلحقوا بأبي تغلب، فلم يطق فعل شيء، وكتب إلى العزيز، وكتب قسام أيضا: بأن أبا تغلب قد حاصر البلد، ومد يده إلى الغوطة، وقتل رجالي، ونحن على الحرب معه، فخرج الفضل بن صالح كما تقدم ونزل الرملة، وبعث إلى ابن الجراح من مصر بسجل فيه ولايته على الرملة. وكان أبو تغلب قد سار عن دمشق، وسار الفضل، فنزل طبرية، واجتمع به أبو تغلب بمكاتبة، وقرر معه أن يكون على الرملة، وقدم الفضل دمشق. فجبى الخراج، وزاد في العطاء، واستكثر من الرجال، وخرج عنها، فأخذ طريق الساحل. وكان أبو تغلب قد استولى على أهراء كانت بحوران والبثنية، فاجتمعت إليه العرب من بني عقيل، فيهم شبل بن معروف العقيلي، فسار بهم إلى الرملة فخرج منها ابن الجراح، وأخذ في جمع العرب، وهو واثق بأن الفضل معه على أبي تغلب، وفي ذهن أبي تغلب أن الفضل معه على ابن الجراح، ونزل الفضل عسقلان، فواقع ابن الجراح بجموعه أبا تغلب، وأدركه الفضل، فاجتمع العسكران، وفر من كان مع أبي تغلب، فلحقوا بالفضل، ووقع القتال، فانهزم أبو تغلب، وأدركه القوم، فأخذ وحمل إلى ابن الجراح، فأركبه جملا، وشهر بالرملة، ونزع جميع ما عليه حتى بقي بثوب رقيق، وحبسه، فطلب شيئا يتوسد عليه، فقال ابن الجراح:

اجعلوا تحته شوكا يتوسده. فحمل إليه، وقالوا له: توسد بهذا. فأغلظ في القول، وشتم ابن الجراح، فبلغه ذلك، فغضب، وأمر بقتله، فقتل، وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين، وبعث برأسه إلى العزيز مع الفضل، وخلة الديار لابن الجراح، فأتت طي عليها فتعطلت الزروع من القرى. وكان فناخسرو البويهي قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر، فخالف عليه أخ له، واستنجد بصاحب خراسان، فأمده بعساكر عظيمة، فسير إليه فناخسرو العساكر من بغداد، فشغل بذلك عن مصر. وفيها ولد للوزير يعقوب بن كلس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهدا من صندل مرصعا وثلاثمائة ثوب، وعشرة آلاف دينار عزيزية، وخمسة عشر فرسا بسروجها ولجمها، منها اثنان ذهب، وطيب كثير، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار. وعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتي ألف دينار، وأعطى الذي كتب الكتاب ألف دينار، وخلع على القاضي والشهود، وحملهم على البغال، فطافوا البلد بالطبول والبوقات. وبعث متولى برقة هدية، وهي: أربعون فرسا بتجافيف، وأربعون بغلا بسروجها ولجمها، وستة عشر حملا من المال، ومائة بغلة، وأربعمائة جمل. وجهز الحاج وكسوة الكعبة، وصلات الأشراف، والطيب والشمع والزيت فبلغ مصروف ذلك مائة ألف دينار

وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين، فنودي: برئت الذمة من أحد قال هذا، وحلت به العقوبة، فلا يحلفن إلا بالله وحده. فانتهى الناس. وفيها قدم كتاب ومغنين ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارين من سجن أخيهما الأمير أبي الفتوح يوسف بن زيرى، فأكرمهما العزيز، وخلع عليهما، ووصلهما. وفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة في خيل كثيرة إلى مكة مع الحاج، فلما وصل إلى مكة أنا الطرارون فقالوا: نتقبل هذا الموسم بخمسين ألف درهم. فقال لهم: اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم. فلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا، فقطعوا أجمعين. وأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف، فنزل الرملة وبها ابن الجراح فتباعد، وقد استوحش كل منهما من صاحبه، فأقام أياما، ورحل إلى دمشق، فوجد قساما قد غلب عليها، فنزل بظاهر البلد، وقد ثقل على قسام، وأراد سلمان يأمر وينهي في البلد فلم يقدر على ذلك، وطال مقامه في غير شيء، وقل المال عنده، وأراد إقامة الحرمة فأمر قساما ألا يحمل أحد السلاح، فأبوا عليه، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح: وأن لا يعارضوا السلطان في بلده، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ الخفارة ضربنا عنقه. فقال لهم قسام: لا نفكر فيه، كونوا على ما أنتم عليه، وطاف العسكر الغوطة، فوجدوا قوما يحملون السلاح، ويأخذون الخفارة، فقطعوا رءوسهم، فثار قسام ومن معه إلى

الجامع، وثار الغوغاء، وأخرج إلى سلمان قوما فقاتلوه، وأقام بالجامع ومعه شيوخ البلد، وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل فناخسرو، وأغلق البلد وقاتلهم، وكتب بما جرى، وسير ذلك إلى العزيز، فبعث إلى سلمان أن يرحل عن دمشق، فرحل بعد ما أقام شهورا. وقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح في نفر، وخرج الفضل بن صالح من عند العزيز ليحتال على ابن الجراح وعلى قسام، وأظهر أنه يريد حمص وحلب، ليأخذ تلك البلاد، فنزل على دمشق، وفطن ابن الجراح لما يريده، فأخذ حذره، وسار عن الفضل، فرحل في طلبه، ومعه شبل بن معروف، فكانت بينه وبين ابن الجراح وقعة في صفر سنة سبعين، فأوقع ببني سنبس، فقتل شبل بن معروف، طعنه بعض بني سنبس، فمات. وبعث ابن الجراح إلى العزيز يتلطف به، ويسأله العفو، فأرسل إلى الفضل يأمره بالكف عن ابن الجراح، وأن لا يعرض له، فوافاه ذلك وهو يجهز العساكر خلف ابن الجراح، فكف عن قتاله، وعاد إلى مصر. ورجع ابن الجراح إلى بلاد فلسطين على ما كان، فأهلك العمل حتى كان الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من الضر، ومات أكثرهم. هذا ودمشق تمتار من حمص، وكان عليها بكجور من قبل أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ابن حمدان، وقد عمر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. واتفق خراب دمشق كما تقدم، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق، ودمشق قد طمع في عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة، وأبو محمود إبراهيم بن

جعفر واليا عليها تحت مذلة قسام، فهلك في صفر سنة سبعين، فكاتب بكجور العزيز، فوعده بولاية دمشق، فورد الخبر بموت فناخسرو، فأمن العزيز مما كان يخاف، وجهز عسكرا عليه رشيق المصطنع. وكان بشارة الخادم الإخشيدي قد فسد أمره مع أبي المعالي بحلب، ففر منه في مائة رجل إلى مصر، فأكرمه العزيز، وولاه طبرية، فاستمال رجالا من أهل حلب، وضبط البلد وعمره فقوى أمره، وابن الجراح بفلسطين يخرب ويأخذ الأموال. وقدم أيضا على العزيز رخا الصقلي في ثلاثمائة غلام من الحمدانية، فولاه عكا، وقدم رخا في عدة منهم، فولاه أيضا قيسارية.

فلما كان في سنة اثنتين وسبعين @YY372

خرج عسكر من مصر إلى الشام عليه بلتكين التركي أحد أصحاب أفتكين ليكون على دمشق بدل رشيق، وكوتب بشارة بمعاونة العسكر على حرب ابن الجراح، ونزل العسكر الرملة، وسار بشارة من طبرية، واجتمعت العرب من قيس إليهم، فكانت الحرب بينهم وبين ابن الجراح، فانهزم، وقتل كثير من أصحابه؛ وصار إلى أنطاكية مستجيرا بصاحبها. وكان الروم قد خرجوا من القسطنطينية في عسكر عظيم يريدون أرض الشام، فخاف ابن الجراح، فكاتب بكجور، وسار بلتكين فنزل على دمشق في ذي الحجة، فجمع قسام الرجال من الغوطة وغيرها، ورم شعث السور وضبط الأبواب بالرجال، ونصب .... وكان مع قسام في البلد منشا اليهودي على عطاء العسكر وتدبيره، وجيش بن الصمصامة شبه وال في طائفة من المغاربة، قد ولى بعد خاله أبي محمود، فخرج إلى بلتكين بمن معه، وقد صار معه أيضا بشارة بعسكره، فبعث إلى قسام أن يسلم البلد، ويكون آمنا هو ومن معه، فأبى.

فلما كان التاسع عشر من المحرم سنة ثلاث وسبعين.@YY373

ابتدأ القتال مع قسام، ووقع النفير في البلد، فلم يخرج مع قسام إلا حزبه من العيارين، وقوم من أهل القرى كانوا يأخذون الخفارة، ويطلبون الباطل، وقد كره جمهور الناس قساما وأصحابه، فلما تقاصر عنه أهل البلد انكسر قلبه، وأصحابه ثابتون على القتال، وقتلوا جماعة من الجند، وكثر فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين، وتبين الانكسار على قسام لتقصير الرعية عن معاونته ومقتهم إياه، وقوة أمر السلطان، وكان قد كثر عليه الصلب من أصحابه للمال وقت الحرب، فأمسك عنهم، وشح بماله، فقالوا: على أي شيء نقتل أنفسنا؟ فتفرقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته. واستمر القتال أياما، فاجتمع الخلق إلى قسام في أن يخرج إلى بلتكين ويصلحوا الأمر معه، فلان وذل بعد تجبره، وقال: افعلوا ما شئتم. وكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلموه في ذلك، فأمر بكف العسكر عن القتال، وأمر قساما وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه وهو ساكت حائر قد تبين الذل في وجهه، واجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد احترقت داره وهم كثير بقسام: انتقم الله ممن أذلنا وأحرق دورنا، وشتتنا، وتركنا مطرحين على الطرق. فعجب قلبه من سماع صياحهم، وقال: أسلم البلد. فولى بلتكين حاجبا يقال له خطلخ، فدخل المدينة في خيل ورجل، فلم يعرض لقسام ولا لمن معه، فتفرق عن قسام أصحابه، فمنهم من استأمن، ومنهم من هرب، ومنهم من أخذ، واختفى قسام بعد يومين، فأصبح القوم أول صفر وقد علموا باختفائه، فأحاطوا

بداره، وأخذوا ما فيها، ونزلوها وما حولها من دور أصحابه، وبعثوا الخيل في طلبه فلم يوقف له على خبر، ونودي في البلد. من دل على قسام فله خمسون ألف درهم، ومن دل على أولاده فله عشرون ألف درهم. وكان له من الأولاد: أحمد، ومحمد، وبنت. فظفروا بامرأته وابن لها معها، فحبسا. فلما مضى لقسام جمعة وهو مختف قلق وجاء في الليل إلى منشا بن الغرار اليهودي، فأوصله إلى بلتكين، فقيده وحمله إلى مصر، فعفا عنه العزيز. وكان قسام من بطن من العرب يقال لهم الحارثيون، من قرى الشام، فنشأ بدمشق وكان يعمل على الدواب في التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له ابن الجسطار، ممن يطلب الباطل ويحمل السلاح، فصار من حزبه، وترقى إلى ما تقدم ذكره. وكتب بكجور إلى العزيز يسأله في إرسال جيش ليأخذ به حلب، فأنفذ إليه عسكرا من دمشق، وجمع بني كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها، فقدم دمشق الروم إلى أنطاكية، وقصد أن يكبس بكجور، فكتب إليه ابن الجراح يحذره، فارتحل عن حلب، فسار عسكر الروم خلفه، ونزلت حمص، وبعث بأمواله إلى بعلبك، وارتحل إلى جوسية.

ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد، ورحل يريد طرابلس، وسير يريد مالا من حمص، فامتنع أهلها، فرجع ونهب، وسبا، وأحرق الجامع وغيره، فاحترق كثير من الناس، وذلك في تاسع عشر جمادى الأولى، وهي دخلة الروم الثانية حمص. ويقال أن أبا المعالي بن حمدان لخوفه من بكجور سير إلى برديس ملك الروم أن يخرب حمص، وفارق أصحاب بلتكين بكجور، وصاروا إلى دمشق، فبعث بكجور إلى العزيز يسأله ولاية دمشق، فورد جوابه: إنا قد وليناك، فبعث إلى بعلبك واليا، وإلى بعلبك غلامه وصيف، فأبى عليه بلتكين، لكتاب ورد عليه من الوزير يعقوب بن كلس، فتحير بكجور، وما زال بشارة والي طبرية يتوسط لبكجور في ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير، فسار إلى القابون، ثم تسلم البلد بعد أمور. ورحل بلتكين أول رجب وفي نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلس لمعارضته له في ولاية دمشق، فعمل على كاتبه ابن أبي اليهودي حتى قتله بعض الأحداث الذين كانوا مع قسام في غيبته عن دمشق ببلاد حوران، فعظم ذلك على الوزير، وأخذ بكجور في ظلم الناس، وجمع الأموال، ومخالفة ما يأمر به من مصر، وبعث غلامه وصيف فأخذ الرقة في سنة ست وسبعين، فعصى عليه بها. وأخذ الوزير في قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهموا به، فلم يتم لهم، وظفر بهم بكجور، وقبض على من أراد ذلك، وقتلهم في شهر رمضان سنة سبع وسبعين، فازداد حنق الوزير، وعلم بكجور بما دبره الوزير، فأخذ يعارضه في ضياعه، ويهين عماله، وتحزق بابن أبي العود الصغير، وكان قد ولى بعد قتل أخيه. واشتد جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم، وكثرت مخالفته لما يرد عليه من العزيز، فخرج إليه منير الخادم من مصر في سنة ثمان وسبعين بعسكر كبير، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجراح، فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والي طبرية، وأنزل ابن الجراح السواد وأطمعه في ضياع الوزير، وجعله ضد البشارة، وكاشف بالعصيان

فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة، وسار إلى عمان، فسار إليه منير، وصاروا جميعا إلى عمل دمشق، فجمع بكجور بني كلاب، وبعث منير سرية إلى ابن الجراح وهو في طرف عمل دمشق، فأوقعوا بقومه، وغنموهم، فانهزم. وكتب منير إلى بكجور: إنا لم نجيء لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجراح من العمل، لأنه أفسد وعصى، فتكون معينا لنا في هذا الأمر، لنسير إلى حلب وأنطاكية. فعلم أن هذا خداع، وقد اشتد خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم، وجوره وتعديه لئلا يثوروا به، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير، وأقام بالبلد، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها، فخاف وبعث إلى منير: أني أسلم البلد وأرحل عنه، فأجيب إلى ذلك. ورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجراح يريد الرقة، وتسلم منير دمشق، وسير إلى مصر بذلك، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا، فبعث العزيز إلى بكجور على لسان الوزير يقول: ما أردنا أن تبرح عن البلد، وإنما بعثنا إلى ابن الجراح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه، وما كان لك من الغلات والضياع فهو على رسمه، أفعل فيه ما أحببت، فما لنا فيه من حاجة. فأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولى أمرها، وبقى بالرقة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله، ويراسل كرديا قد غلب على ميافارقين يقال له باد، ويكاتب أبا المعالي سعد الدولة، واسمه شريف بن سيف الدولة علي بن حمدان بحلب أن يرده إلى حمص، فولاه حمص، فبعث من يتسلمها، فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلس، فبعث إلى ناصح الطباخ وهو بعمان أن يسير إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور، فأسرى إليها وقد حذروا منه، وخرجوا قادمين بأموالهم، فأخذهم وسار إلى دمشق، فبعث بكجور إلى صاحب بغداد فلم ير منه ما يحب، ووقع بينه وبين أبي المعالي.

سنة سبعين وثلاثمائة @YY370

فيها تمكنت حال يعقوب بن كلس مع العزيز، فأذل كتامة وقهرهم، وقدم الأتراك، عزل القائد جوهر عن الوزارة، وكان العزيز يستشيره في الباطن.

سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة @YY371

فيها تقدم العزيز إلى بعض من فيه جرأة وشهامة بالتوجه إلى بغداد، ليسرق السبع الفضة الذي على صدر زبزب عضد الدولة فسار إلى بغداد وسرقه، فعجب الناس من ذلك.

سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة@YY373

في يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن كلس وعلى الفضل بن صالح وأخوته، وحمل ما في دورهم إلى القصر، فكان ما حمل من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار، واعتقل كل واحد بمفرده، فارتجت المدينة، ونهبت الأسواق، وكانت الدواوين تجلس في دار الوزير، فنقلوا إلى القصر. وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البر فبلغت ألف دينار كل شهر، فأمر العزيز باجرائها على أربابها، ثم أفرج عنهم بعد شهرين، وأعيد موجودهم، وأعيد الوزير إلى وزارته، ورد إليه المائة ألف دينار التي أخذت له، وأعيد اسمه إلى الطراز بعد ما محى. وفيها كان غلاء عظيم عم بلاد الشام والعراق. وفيها مات هفتكين، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمه، فقبض عليه. ومات القاضي محمد بن الحسن بن أبي الربس. ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية.

وأما المغرب فإن العزيز بالله بعث في سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن الداعي الخراساني إلى القيروان، فأكرم إكراما كثيرا، ثم توجه إلى بلاد كتامة، فدعاهم، وعظم عندهم، حتى ضرب السكة، وركب في عساكر عظيمة. ثم بعث العزيز في سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزان، فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى، فسبهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو الفهم، ووكل بهما، ثم خرج وهما معه في طلب أبي الفهم، حتى أخذه وقتله شر قتلة، وأخذه العبيد فشرحوا لحمه وأكلوا كله، وأمر أبا العزم ورفيقه أن يمضيا إلى مصر، ويخبرا العزيز بما شاهداه، فقدما عليه وقالا: رأينا شيئا ............... ومن خط ابن الصيرفي: كان رجل من التجار الغرباء ينزل في قيسارية الإخشيد التي

يسكنها البزازون خلف الجامع العتيق، فقتل في منزله، وأخذ ماله، فأصبح رشيق

غلام ميمون دبة صاحب الشرطة السفلى فاعتقل جماعة من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد، فشنع الناس عن رشيق أنه دس على الرجل من قتله وأخذ ماله، ورفع إلى العزيز ذلك، وأنه اعتقل أبرياء مستورين، فوقع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: سلم الله الوزير، وأبقى نعمته عليه. هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس، الوزير سلمه الله يطلع عليها ويتدبرها، والأمر والله فظيع، يسوء الأولياء، ويسر الأعداء، وبالأمس كنا نضحك من فناخسرو، واليوم ألجمنا بعار منى علينا في بلد نحن ساكنوه، والأخبار تسير به في البلدان، وحسبك بقتل الأنفس في مواضع الأمن والطمأنينة في وسط عمارة المسلمين وتؤخذ الأموال، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله عز وجل ولا يتقيانه، والدنيا فانية، والاجال متقاربة، وإن أصبح الناس فما يدري أنه يمسي .... الله عز وجل .... هذه الجرائم .... عليه منها يحرم أجره .... في .... المتغافل عنه، فوالله لو جرى مثل هذا في بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله فيه، فكيف تحت كنفنا وفي بلدنا؟! فليستقص الوزير سلمه الله عن هذه القصة، ويوتر الله ويوترنا، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به. فوالله الذي لا إله إلا هو، وحق جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتبت إلى الوزير سلمه الله هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله جل اسمه، لكثرة تغافلنا وإهمالنا، إلى أن صارت المعاملة في الدماء وقتل الأنفس، فليس على هذا صبر، ولا بد لك من

الاستقصاء على هذه القصة، فأوثق الناس إلى أن تنكشف، فينتقم من فاعلها، وتبرأ إلى الله تعالى منه. فليعمل الوزير سلمه الله في ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره، ولا يتوانى عنه، فليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله جل وعلا، وعند عبيده من بعد. وأنا أقسم على الوزير بحياتي ألا يتوانى عن هذا الأمر، وليسرع بالفراغ منه، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مد يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلما وعدوانا، والشرط والولاية قد صارت إرثا، فلينظر الوزير سلمه الله أن يولى الشرطتين إنسانين يخافان الله عز وجل ويتقيانه، فلا جمع الله ما لهما، ولا ما يجيء منهما بتقلد، فقدم ما أمرناك به في الوجوه، وأظهره في الناس لتطيب أنفسهم، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا الله فيه رضى، ولهم فيه صيانة. والله حسبي، وعليه توكلي. والسلام على الوزير ورحمة الله. قال ابن الصيرفي: فنسخ أهل مصر كافة هذا التوقيع، وصار الصبيان في المكاتب يعلمونه كما يعلمون الحمد. وصرف الوزير ..... ورشيقا عن الشرطتين.

سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة @YY378

في سابع عشر ذي الحجة حدث بالقاهرة ومصر رعد شديد ورياح عاصفة، فاشتدت الظلمة حتى شنعت، وظهر في السماء عمود نار، ثم احمرت السماء والأرض حمرة زائدة، وظهرت الشمس متغيرة إلى يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة تسع وسبعين، وظهر كوكب له ذؤابة فأقام اثنين وعشرين يوما. وفيها مات أبو الحسين أحمد أخو طغج في المحرم.

وفي رجب سنة ثمانين

خرج الناس في لياليه على رسمهم في الليل، ليالي الجمعة وليالي النصف إلى جامع القاهرة عوضا عن القرافة، فزيد في الوقيد. وفي يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلة فخطب وصلى. وفيه خط أساس الجامع الجديد مما يلي باب الفتوح وبدىء بالبناء فيه، وتحلق الفقهاء الذين يتحلقون بجامع القاهرة فيه، وخطب به العزيز وصلى يوم الجمعة النصف منه، وحمل يانس الصقلي صاحب الشرطة السفلى السماط، وبنيت مصاطب ما بين القصر والمصلى ظاهر باب النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يصل التكبير من المصلى إلى القصر، وتقدم أمر القاضي محمد بن النعمان بإحضار المتفقهة والمؤمنين، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها، وركب العزيز فصلى وخطب. وفي ذي القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملا. وفي النصف منه سارت قافلة الحاج في البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات، فجلس العزيز للنظر إليهم، وكانت قافلة عظيمة.

وفيها مات الوزير يعقوب بن كلس يوم الخامس من ذي الحجة، فكفن في خمسين ثوبا ما بين وشى، ومثقل، وشرب ديبقي مذهب، وجفت كافور، وقارورتين من مسك، وخمسين منا ماء ورد، وصلى عليه العزيز، فكان ما كفن به وحنط به عشرة آلاف دينار.

وحزن عليه العزيز حزنا شديدا، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة، ولا حضر أحد للخدمة وأقام كذلك ثلاثا، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر، وأوفى العزيز عنه دينه، وهو ستة عشر ألف دينار. وكان إقطاعه في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، سوى الرباع. واشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار، سوى ما سوى لابنته، وهو مائتا ألف دينار. وفي يوم عرفة حمل يانس السماط، وصلى العزيز، وخطب يوم النحر، ونحر النوق بيده، ومضى إلى القصر، ونصب له السماط والموائد، وفرق الضحايا على أهل الدولة. وطمع بكجور في أخذ حلب، فسار، وجمع له أبو المعالي ابن حمدان، وواقعه أول صفر، فانهزم بكجور، فبعث إليه وسيق له، فضرب عنقه ثاني صفر وصلبه، وسار فملك الرقة، وأخذ ما كان فيها، وملك الرحبة وعاد. وبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد، فجهز عسكرا عليه منجوتكين فيمن اصطنعه من الأتراك، وأعطاه مالا وسلاحا، وولاه الشام، فبرز إلى منية الأصبع في صفر سنة إحدى وثمانين، وخلع عليه، وحمل إليه مائة ألف دينار ومائة قطعة من الثياب الملونة، وعشر قباب بأغشية، ومناطق مثقلة، وأهلة وفرش، وخمسين بندا، وعشر منجوقات، وعشرة أفراس، فأقام بمنية الأصبغ شهرين وسبعة عشر يوما يخرج إليه العزيز في كل غدوة وعشية، وينفذ إليه في كل يوم الجوائز والخلع، ورفع من منية الأصبغ في رابع عشرين جمادى الأولى، وخلع على ابن الجراح وحمل، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث شعبان، فسار وودعه العزيز، وجد في السير، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ألف دينار ونيف، وقدم قبل مسير ابن أبي العود الصغير، وكان على الخراج بدمشق، وكاشف بالعصيان، فسار العسكر إلى الرملة، ولقيه بشارة والي طبرية، وكتب إلى والي طرابلس نزال، وجمع منير رجاله،

واعتد للحرب، وسار إليه، فالتقى مع منير بمرج عذرا، وكانت الحرب، فانهزم منير في تاسع عشر رمضان، وأخذ فحمل إلى منجوتكين، فشهره على جمل ومعه قرد يصفعه في مائة من أصحابه، وقائل ينادي: هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا جزاء من نافق على الله عز وجل، وعلى مولانا العزيز بالله. وأقام منجوتكين في دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم في الناس. ومات أبو المعالي بن حمدان في رمضان، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من الحمدانية، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبي المعالي، فقاتله أشد قتال، وأقام نحو الشهرين، ثم عاد إلى دمشق، وترك معضاد على حمص. سنة ثمانين وثلاثمائة فيها طمع باد صاحب ديار بكر في أبي طاهر إبراهيم وأبي عبد الله الحسين ابني ناصر الدولة بن حمدان، وقاتلهما، فقتل باذ، فسار بن أخته أبو علي بن مروان إلى حصن كيفا، وبه امرأة خاله باد وأهله، فخدعها حتى صعد إليها، وملك الحصن وغيره من بلاد خاله، وجرت بينه وبين ابني ناصر الدولة عدة حروب، وقدم القاهرة على العزيز بالله، فقلده تلك النواحي، وعاد إليها حتى ثار به عبد البر شيخ آمد، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن دمنة، واستولى عبد البر على ما بيده، وزوج ابن دمنة بابنته، فوثب ابن دمنة على عبد البر وقتله، وملك آمد. وكان ممهد الدولة أخو أبي علي بن مروان لما قتل أخوه أبو علي سار إلى ميافارقين وملكها في عدة من بلاد أخيه، فثار عليه سروة أحد أكابر أصحابه وقتله، وقتل غالب بني مروان، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة.

ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة @YY381

فورد سابق الحاج أول محرم، فأخبر بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز، فخلع عليه، وطيف به المدينة. ووصل مفرج بن دغفل بن الجراح، فخلع عليه. وأمر العزيز بازالة المنكرات، وهدم مواضعها، فكسر لرجل واحد خمسون ألف جرة وردت من الصعيد. وولد لأبي القاسم علي بن القائد الفضل بن صالح ولد، فبعث إليه العزيز ثلاثين ثوبا فاخرة، وعشرة أردية، وعشر عمائم، وثوبا مثقلا، ومنديلا طوله مائة ذراع، ومنديلا دونه، وخمسمائة دينار، وحملت إليه السيدة العزيزية مائة ثوب صحاحا من كل فن، وثلاثمائة دينار، ومهدين، أحدهما أبنوس محلى بذهب، والآخر صندل محلى بفضة مخرقة، ولهما أغشية ومخاد وثياب وفرش مثقلة. وركب العزيز لفتح الخليج. وفي جمادى الآخرة زفت أخت كاتب السيدة العزيزية إلى زوجها بلتكين التركي، ومعها جهاز بمائة ألف دينار، سوى صناديق محملة على ثلاثين بغلا، وعمل له صنيع ذبح فيه عشرون ألف حيوان، ما بين كبش وخروف وجدي وأوزة ودجاجة وفروج، ونزلت إليه في عشرين قبة، وخلع عليه وحمل، وأقامت عنده خمسة أشهر وأحد عشر يوما، ومات.

وفي رجب كان عيد الصليب، فمنع العزيز من الخروج إلى بني وائل، وضبط الطرقات والدروب، فإنه كان يظهر فيه من المنكرات والفسوق ما يتجاوز الوصف. وبعث العزيز إلى منجوتكين إنعاما بمائة ألف دينار، وكان المهرجان، فسير إليه أيضا هدايا، وأهدى خواص الدولة إلى العزيز في المهرجان. وفي ليلة النصف من شعبان كان الاجتماع بجامع القاهرة. وفي رمضان صلى العزيز الجمع وخطب بجامعه، وعليه طيلسان وبيده القضيب، وفي رجله الحذاء، وصلى أيضا بجامع القاهرة وخطب. واعتل منصور بن العزيز، فتصدق العزيز على الفقراء بعشرة آلاف دينار، وحمل السماط للعيد على العادة. وصلى العزيز صلاة عيد الفطر، وخطب على رسمه. وأهدت إليه امرأة من البلدة سبعا قد ربته، فكانت ترضعه ولا يصرعها، وهو في قدر الكبش الكبير. وسارت قافلة الحاج في رابع عشر ذي القعدة بكسورة الكعبة والصلات. واعتل القائد جوهر، فركب العزيز إليه، وبعث له خمسة آلاف دينار، ومزينة بمثقل، وبعث إليه منصور بن العزيز خمسة آلاف دينار؛ وتوفي لسبع بقين من ذي القعدة، فكفن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشى مذهب، وصلى عليه العزيز؛ وخلع على ابنه الحسين، وجعله في رتبة أبيه، ولقبه القائد ابن القائد، ولم يعرض لشيء مما تركه. ومن بديع توقيعات القائد جوهر ما حكاه أبو حيان التوحيدي في كتاب بصائر القدماء قال: كتب جوهر عبد الفاطمي بمصر موقعا في قصة رفعها أهلها إليه:

سوء الاجترام، أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام، أخرجكم من حفظ الذمام، فاللازم فيكم ترك الإنجاب؟ واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة تقتضي إلا التبرم بكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم. وحملت أسمطة عيد النحر على العادة، وصلى العزيز بالناس صلاة العيد، وخطب، ثم نحر بالقصر ثلاثة أيام، وفرق الضحايا. وفي غد يوم النحر وصل منير الخادم من دمشق، فشهر على جمل بطرطور طويل، فخرجت الكافة للنظر إليه، ومعه سبعمائة رأس على رماح فطيف به، ثم خلع عليه وعفى عنه. وعمل عيد الغدير على رسمه. وضرب رجل وطيف به المدينة، من أجل أنه وجد عنده موطأ مالك رضي الله عنه. وفي تاسع عشره جلس علي بن عمر العداس بالقصر، فأمر ونهى، ونظر في الأموال، ورتب العمال، وتقدم أن لا يطلق لأحد شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ إلا ما قدره وأمر به ألا يرتفق ولا يرتزق ولا تقبل هدية ولا يضيع دينار ولا درهم. وفيها كان بدمشق زلزلة عظيمة سقط منها ألف دار، وهلك خلق كثير، وخسف بقرية من قرى بعلبك، وخرج الناس إلى الصحارى؛ وكان ابتداؤها في ليلة السبت سابع عشر المحرم، وخرج الناس إلى الصحراء؛ ولم تزل الزلازل تتابع إلى يوم الجمعة سابع عشر صفر بلاء.

ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة @YY382

فورد سابق الحاج بتمام الحج، وإقامة الدعوة للعزيز بالموصل واليمن، وضربت السكة باسمه في هذه البلاد. وقدم رسول القرامطة بأنهم في دعوة العزيز ونصرته. وفي صفر سير إلى منجوتكين خمسون حملا من المال، وأربعون حملا من ثياب محزومة، وخزانة سلاح، وخمسمائة فارس. وقدمت قافلة الحجاج في سابع عشره. وجرى في الأسعار ما يعجب منه، وهو أن اللحم أبيع في أول ربيع الأول رطل ونصف بدرهم، ثم أبيع في سادسه عشر أواقى بدرهم، ثم أبيع أربعة أرطال بدرهم، ولحم البقر ستة أرطال بدرهم، والخبز السميذ اثنا عشر رطلا بدرهم، وما دونه سبعة عشر رطلا بدرهم، والدراهم كل خمسة عشر درهما ونصف بدينار، وبلغت القطع الدراهم سبعة وسبعين درهما بدينار، ثم وصلت كل مائة درهم منها بدينار، واضطربت الأسعار والصرف، فضربت دراهم جدد، وبيعت القطع المسبك كل خمسة دراهم منها بدرهم جديد، وكان على الدرهم الجديد: الواحد الله الغفور.

وفي الوجه الآخر الإمام أبو المنصور. وفي ربيع الآخر ورد الخبر بفتح منجوتكين حمص وحماة وشيزر، وأنه محاصر لحلب، فجعل الطائر الذي قدم بالخبر في قفص عليه ثوب ديباج وطيف به القاهرة ومصر. وسعى بعض النصارى بالكتاب إلى العزيز فانكف عيه وهدد، فقيل إنه جائع، فرتب في كل شهر عشرون دينارا، ونهى عن العود لمثل ذلك، فخاف السعاة وانكفوا. وخلع القاضي محمد بن النعمان على مالك بن سعيد الفارقي، وقلده قضاء القاهرة، فركب بالخلع وشق الشارع إلى القاهرة. وفي جمادى الأولى ورد الخبر على جناح الطائر بأن سعد الدولة شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بذل لمنجوتكين ألف ألف درهم، وألف ثوب ديباج، ومائة فرس مسرجة، ليرحل عنه، فامتنع، وقدم الروم فواقعهم منجوتكين، وقد استخلف على قتال حلب عسكرا، وكان منجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا، والروم في سبعين ألفا، وانهزم الروم عند جسر الجديد، وأخذ سوادهم، وقتل منهم وأسر كثير، فقرأ العزيز الكتاب بنفسه على الناس، ونزل القاضي محمد بن النعمان فقرأه على الكافة فوق المنبر بالجامع العتيق، وقال في كلامه: فاحمدوا الله أيها الناس، فإن الله تعالى قد صانكم وصان أموالكم بمولانا وسيدنا الإمام العزيز بالله عليه السلام، فما بالعراق تاجر معه عشرة دنانير أو أكثر إلا وتؤخذ منه. وسقط الطائر بعده بأن منجوتكين غنم غنيمة عظيمة من الأموال والرجال والدواب، وأنه ظفر بعشرة آلاف أسير فأخذهم، وأنهم قاتلوا معه وهو محاصر للروم في أنطاكية، فقرأ القاضي الكتاب على المنبر، وتصدق العزيز بصدقات كثيرة. وسقط الطائر بوصول منجوتكين إلى مرعش، وعاد إلى حلب. وركب العزيز لفتح الخليج بالمظلة، وعليه قميص ديباج مثقل، وتاج مرصع بالجوهر.

ولأربع عشرة خلت من رجب كان عيد الصليب، فجرى الناس في الاجتماع فيه للهو على ما كانوا عليه. وسقط الطائر بعود منجوتكين عن حلب إلى دمشق ليشتى بها. وردت الحسبة إلى حميد بن المفلح، وخلع عليه، فطاف البلد بالطبول والبنود، وضمن ضياعا بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار ليقوم بالعلف. وخطب العزيز في رمضان في جامع القاهرة، وصلى، وركب يوم الفطر فصلى بالناس، وخطب على الرسم. وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة. ونودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال كي لا يدنسوا ثياب الناس. وعمل سماط عيد نحر، وركب العزيز فصلى بالناس صلاة عيد النحر، وخطب على رسمه، ونحر، وفرق الضحايا. وعمل عيد الغدير على العادة. وفيها سار بكجور من الرقة إلى قتال سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بحلب، فاقتتلا، وانهزم بكجور، ثم قبض عليه، وحمل إلى سعد الدولة أسيرا فقتله. وفيها كتب العزيز سجلا بولاية العهد بالمغرب لأبي مناد باديس بن منصور بن زيرى بعد أبيه، فسر بذلك أبوه.

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة @YY383

في المحرم ردت الحسبة إلى الوبرة النصراني ضمانا مع السواحل، فأمر أبو محمد الحسن ابن عمار بالنظر في الظلامات وحوائج الناس، وتدبير الأموال، ومحاسبة أرباب الدواوين، فجلس لذلك، ثم أعفي منه، وأمر القائد الفضل بن صالح بالجلوس لذلك، فجلس بالقصر ومعه القاضي محمد بن النعمان. وقدم سابق الحاج فخلع عليه، وطيف به. ومحرج العزيز إلى الجيزة لصيد سبع، وعاد وهو بين يديه على بغل وظهر بمصر جراد لم يعهد مثله، فبيع بالأسواق منه شيء يجل عن الوصف، وكان يباع أربعة أرطال بدرهم. ووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر. وعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك، وابتدىء فيه بمصروف مؤونته ومطابخه وموائده فحذفه، ولعن من عمله، وقال: أشبع أنا وتجوع الناس، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار، فقد كدت أن أعطل المائدة وفي أول ربيع الأول أمر العزيز الكتاب كلهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو الفضل جعفر ابن الفرات، فركبوا إليه، وأمر ونهى، وتكلم في الدواوين. وكانت وقعة في البحر مع الروم بنواحي الإسكندرية، وأسر فيها من الروم سبعون. وأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء؛ ووقود المصابيح على الدور وفي الأسواق وقرىء سجل بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حق طبع، وألا يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا.

ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية، فسار إليها العسكر في البر، والأسطول في البحر، فولوا من غير حرب إلى الشام، فسار الأسطول إليهم، وزيد فيه ثمانية عشر مركبا، مشحونة بالسلاح والمقاتلة. وذكر عند العزيز كتاب العين في اللغة، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من خزانته، منها واحد بخط الخليل بن أحمد مؤلفها. وحملت إليه نسخة من تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر الخزان فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه. وذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة وفيها ركب العزيز لفتح الخليج بزيه. وظهر رجل من الرسيين يقال له القاسم بن علي يطلب الخلافة بأعمال الحجاز. وفي جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب، وهي: مائة وخمسون فرسا. وخمس عشرة بغلة مسرجة. ومائة وثمانون فرسا ذكورا. وخمسون حجرة. وخمسون بغلة بأجلة. وثلاثمائة بغل بأكف، منها مائة بغل تحمل صناديق المال. وخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر وغيره، وثلاثمائة عليها أحمال المال.

وكلاب الصيد. وخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز، وعشرون فرسا بأجله. وخمسة عشر خادما صقالبة. وجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة، وسارت العساكر بين يديه قبيلة قبيلة، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم في كل سنة. وحضر الفقهاء وغيرهم في رجب بجامع القاهرة في ليالي الجمع، وفي ليلة النصف على العادة. وفي تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له، ومرت العساكر بالخيل والجواشن والخوذ، فمروا قائدا قائدا، كل واحد بعسكره في حجابه وشاكريته وبنوده، وكانوا مائة وستين قائدا، فيهم من عسكره ثلاثة آلاف إلى ألفين، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر. واستعفى جعفر بن الفرات من النظر في الأموال، فأعفى وحوسب، وضمن عدة من الكتاب القيام بوجوه الأموال، وألزم ابن الفرات بمال. وخطب العزيز في رمضان بجامعه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ومعه ابنه منصور، فجعلت المظلة على الأمير منصور بن العزيز، وصار العزيز بغير مظلة، وصلى أيضا صلاة عيد الفطر، ومعه ابنه على الرسم. وسارت قافلة الحاج للنصف من ذي القعدة بالكسوة للكعبة والصلات، فخرج حاج كبير، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، وبلغت النفقة على الكسوة والصلات ثلاثمائة ألف دينار. ووصل البقط من النوبة إلى العادة، ومعهم فيل وزرافة.

وفيها كثر بخس الباعة في البيع من المكاييل والموازين، فكتب سجل في الأسواق بالنهي عن ذلك، وخوفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ثلاث وفيها عيب حلت به العقوبة، كائنا من كان من ساكن في عقار الدواوين الخاصة والأملاك أو في رباع أحد من خواص الدولة، أو ظهر عليه بأنه بخس الناس أو غش. وحمل سماط العيد، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيه، وفرق الضحايا ونحر. وخرج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار، فألزم بذلك، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها، فأصابه عنت عظيم. وعمل عيد الغدير على العادة. وفي هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها في سلخ جمادى الآخرة، فأظلمت الدنيا وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفه، ثم انجلى الكسوف آخر النهار. وفيها حمل من تنيس صبي يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قط، فاعتبر حاله بها فكان كذلك، وسقي أدوية مدرة للبول فلم يبل، فأحسن غليه، وأعيد إلى تنيس، وأقام بها مدة حتى مات.

سنة أربع وثمانين وثلاثمائة @YY384

في المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسني أمير مكة بالقاسم بن علي الرسي الثائر بالحجاز، فأكرمهما العزيز، وأحسن إليهما. ووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر. ونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب، وعلى الصبي شاشية مرصعة، وبين يديه أسطال فضة، وثلاثون شمعة موكبيه، وشمع معنبر، فشق الشارع نهارا إلى الكنيسة. وفي ربيع الأول جلس منصور بن العزيز في المكتب. وورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة، والجمال، فخلع عليه وحمل. وفيه حمل إلى القصر بستان من فضلة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع الأزهار، كل ذلك من فضة. وفي ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق في ثلاثين ألفا لقتال ابن حمدان بحلب، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية، فأقام بفامية، وسير إلى ما حول أنطاكية من القرى فأخربها. ثم رحل عنها لكثرة الحر والذباب إلى جبلة، فأخذها وما حولها، فنال منها شيئا كثيرا. وسار إلى حلب، فحاصرها نحوا من شهرين، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان بحلب، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب، فبرز إليهم منجوتكين، وواقعهم فهزمهم، وقتل منهم نحو خمسة آلاف، ومضى من بقي منهم إلى إنطاكية، وذلك في شعبان.

فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين، فنزل على حلب، وضايق أهلها بالحصار والقتال: حتى أكلوا الميتة من الجوع، وخرج منها خلق كثير إلى منجوتكين، وأقام على حصارها بقية السنة. وفي جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير، فزينت القاهرة ومصر أعظم زينة، وركب العزيز وابنه منصور، وشقا الشوارع، ثم ركب في عشاري، ومعه العشاريات سائرة إلى المقس، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان يوما عظيما لم ير بمصر مثله، وقال فيه الشعراء. وفي جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم الثائر. واشتدت المطالبة على ابن الفرات، وأحيل عليه بمال، فأعنته المحتالون عليه، ولحقه منهم مكروه، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه، وامتدت أيديهم إليه، فالتجأ إلى دار القائد أبي عبد الله الحسين بن البازيار، فأصلح قضيته. وجهزت هدية إلى ابن زيري بالمغرب، وهي: فيل. ومائة فرس مسرجة ملجمة.

وبغال ونوق، وبخاتى. وثلاثون قبة مثقلة. وأحمال محزومة، فيها بز وكسوة من عمل تنيس ودمياط وغيره. وبلور، وصيني، وغرائب. وعشر خلع مذهبة بمناديلها. وعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب. وركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتي دينار إلا بعد عرضها على من يلي ديوان الأملاك. وورد سبكتكين من صقلية، فخلع عليه؛ ووردت هدية متولي صقلية، وهي: خيل، وجمال، وصناديق مال. وصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه، ومعه ابنه في أيام الجمع من شهر رمضان، وعمل في آخره سماطا للعيد، وصلى العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب على الرسم. وتسلم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين، ونظر في جميعها، وأمر ونهى، وخاطب سائر الكتاب عن العزيز، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس في مهماتهم وتوقيعاتهم. وقدم يحيى بن النعمان من تنيس ودمياط والفرما بأسفاط وتخوت وصناديق مال، وخيل وبغال وحمير، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة. ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة، فنصب له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب بصفرية فضة، وفازة مثقل، وقبة مثقل بالجوهر،

وضرب لابنه منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، فكانت مائة عسكر، وأحضرت أسارى الروم، وهم مائتان وخمسون، منهم ثماني بطارقة، وثمانية عشر من أصحاب ابن حمدان: وطيف بهم؛ وخلع على الحمدانية، فكان يوما عظيما. وسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات. وصلى العزيز صلاة عيد النحر وخطب بالمصلى على رسمه، ونحر وفرق الضحايا. وجرى الرسم في عيد الغدير على العادة.

سنة خمس وثمانين وثلاثمائة @YY385

في المحرم ورد سابق الحاج، وأخبر أنه لم يحج سوى أهل مصر واليمن. وحضر العزيز لمنجوتكين مائة ألف دينار وعسكرا يتبع بعضه بعضا. وورد البقط من النوبة. ووصل الحاج في ثامن صفر. وجلس في ربيع الأول القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر لقراءة علوم آل البيت، وحضره الناس، فمات في الزحام أحد عشر رجلا. ووردت من منجوتكين أسرى من الروم والحمدانية، وعدة رءوس، فعفا عن الحمدانية، وطيف بمن عداهم. وورد من برقة أربعة وأربعون صندوقا على اثنين وعشرين جملا فيها المال. وبعث مفرج بن دغفل الجراح برجل من أعمال الشام، زعم أنه السفياتي، فشهر على جمل وهو يصفع. وفي ربيع الآخر ورد الخبر بوصول الروم إلى أنطاكية، فأخرجت مضارب العزيز إلى منية الأصبغ، وذلك أن منجوتكين لم يزل محاصرا لابن حمدان بحلب من شعبان سنة أربع إلى ربيع الأول من هذه السنة، حتى أشرف على أخذ البلد، وراسل ابن حمدان يرد على ملك الروم بما هو فيه. وكانت في هدنة الروم وبني حمدان أنه إن جاء إلى حلب عدو يدفعه ملك الروم، فخاف بسيل ملك الروم من العزيز أن يتمكن عساكره من حلب، فيأخذ أنطاكية من الروم، فجمع نحو أربعين ألفا، وسار من قسطنطينية، فكد أصحابه في السير، والجنائب والبغال تتقطع، حتى وصل إلى أعزاز في سبعة عشر يوما، وهي مسافة شهرين لسير الاتصال، وقد تقطع

أصحابه حتى بقى في سبعة عشر ألفا، فأنفذ إلى ابن حمدان يعلمه بنزوله أعزاز، وكان قد وكل بالدروب والمضائق، ومنع أن يخرج أحد من بلاده حتى يخفى خبر مسيره على منجوتكين، فيأخذه على غفلة، فلما بعث إلى ابن حمدان يعلمه بأنه قد نزل بنفسه أعزاز فأقيموا الحروب مع منجوتكين من الغد حتى .... وهو في الحروب. وكانت هذه الرسالة مع رجلين من قبله، فلقيهما رجل من أصحاب منجوتكين في الليل فسألهما: من أين جئتما؟. فظناه من الحمدانية، فأخبراه، فقبض عليهما، وأتى بهما إلى منجوتكين، فأخبراه أن بسيل ملك الروم على أعزاز، فلما أصبح طرح النار في خزائن السلاح، وفي بيوت وحوانيت كان قد بناها عسكره، فاحترقت؛ ورحل في آخر ربيع الأول إلى دمشق، ووقع الصارخ في الناس بأن منجوتكين قد انهزم عن حلب، وأن عسكر الروم يطلبه، فهرب الناس من المدن والقرى، من دمشق إلى حلب، وغلت الأسعار، وكانت أيام الحصاد، فترك الناس غلالهم ودورهم. وسار ملك الروم، فنزل إلى حلب، واجتمع بابن حمدان، ثم سار عنها إلى فامية، وبها طائفة من عسكر منجوتكين، فقاتلهم يوما واحدا، ثم سار فنزل على طرابلس، وراسل أهلها، ووعدهم بالإحسان إن يثبتوا على ما يكون بينهم وبينه من العهد، فخرج إليه ابن نزال والي البلد ليوافقه على أمر، فاجتمع أهل البلد على أن ينصبوا أخاه مكانه، ويمنعونه من الدخول، ولا يسلموا البلد إلى الروم، فلما رجع منعوه من الدخول، فصار إلى ملك الروم. وصار ملك الروم عن طرابلس، فنزل على انطرسوس وهي خراب، فعمر حصنها، وجعل فيه أربعة آلاف، وسار إلى انطاكية، فكثرت فيه الاعلال، فسار بمن معه إلى القسطنطينية.

وخرج منجوتكين من دمشق في شوال، فنزل على انطرسوس، فأقام يقاتل من فيها نحوا من شهر، ثم عاد إلى دمشق. وأخذ العزيز لما بلغه مسير ملك الروم إلى بلاد الشام في التأهب للمسير، وأطلق خمسين ألف دينار لابتياع ما يحتاج إليه، وأخرج للكتاميين أربعة آلاف فرس، وأمر أن يشتري لهم ألف فرس أخرى، وأخرج الفازة الكبيرة وهي بعمود واحد طوله أربعة وأربعون ذراعا، وفتح الفلكة التي على رأسه سبعة عشر شبرا، وطول ثيابها خمسون ذراعا، وفي رأسها صفرية فضة زنتها سبعة عشر ألف درهم، ويحمل هذه الفازة سبعون بختيا. وقرئ سجل في الأسواق بالنفير فاضطربت البلد. ووصلت هدية من الهند فيها شجرة عود رطب. وظهر بمصر من الوطواط شيء كثير. واجتمع من الرعية وطوائف الناس بالسلاح للسفر مع العزيز ألوف كثيرة، وخرج جيش ابن الصمصامة في عسكر كبير إلى الشام، وسير لابن الجراح خمسون ألف دينار، ولمنجوتكين مائة ألف وخمسون ألف دينار. وخرج العزيز بسائر العساكر إلى منية الأصبغ في عاشر رجب، فأقام شهرا ثم رجع إلى منا جعفر، وقتل هناك الذي زعم أنه السفياني. وأحصيت الخيول التي سارت مع العزيز في اسطبلاته فكانت اثني عشر ألفا، والجمال

المحملة للعزيز ولوجوه خاصته فكانت ثلاثين ألفا، سوى ما هو مع وجوه الدولة، وحملت الخزانة السائرة على عشرين جملا سوى خزائن الوجوه والخاصة، وكان معه من المال خمسة آلاف جمل، على كل جمل صندوقان كبيران مملوءان مالا، وألف وثمانمائة بختية وبختي، على كل واحد صندوقان في كل منهما مثل ما في الصندوقين المحمولين على الجمل. وخرج خلق من التجار ووجوه الرعية مرتين إلى العزيز يسألونه المقام، وأن لا يخرج من مصر ويسير العساكر، فشكرهم، وقال: إنما أسير لنصرة الإسلام والذب عن بلدانه، وصيانة أهله. فقدم رسول ملك الروم يخبر بوصوله إلى بلده، ويعتذر عن مسيره، ويسأل الهدنة، فأجيب إلى الصلح. وورد كتاب ابن حمدان يسأل فيه العفو وأن يقر على عمله، فأجيب بالعفو عنه، وخلع على رسوله، وحمل. ونودي في رمضان بالقاهرة ومصر: من كان من أهل السلاح فليخرج ليأخذ الرزق الكثير. وأنفذت العساكر لحفظ الأطراف. وسير إلى الإسكندرية والصعيد بالعساكر. وصلى منصور بن العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب بمنا جعفر على رسم أبيه وزيه، وعليه المظلة والجوهر. وفي نصف شوال ماتت أم ولد العزيز وزوجته بمنا جعفر فحملت إلى القصر، وصلى عليها العزيز، وكفنها بما مبلغه عشرة آلاف دينار، وأخذت الغاسلة ما كان تحتها من الفرش وعليها

من الثياب، فكان مبلغ ما نالها ستة آلاف دينار، ودفع إلى الفقراء ألفا دينار، وللقراء الذين قرأوا على قبرها ثلاثة آلاف دينار. ورثاها جماعة من الشعراء فأجيزوا، ففيهم من كانت جائزته خمسمائة دينار. ورجع العزيز إلى مضاربه، وأقامت ابنتها على قبرها شهرا تقيم العزاء، والعزيز يأتيها كل يوم، والناس تطعم كل ليلة أصناف الأطعمة والحلوى، وفرق في الشعراء ألفي دينار. وسارت قافلة الحاج بالكسوة والصلات في سادس عشر ذي القعدة. وتوفيت أم العزيز، فرجع العزيز إلى القاهرة، وصلى عليها، وأمر بالصدقة، ورجع إلى مضاربه. وصلى العزيز بالناس صلاة عيد النحر وخطب في مضاربه ونحر

سنة ست وثمانين وثلاثمائة @YY836

في محرم ورد سابق الحاج، فخلع عليه بالمخيم، وقدم الحاج لثمان بقين من صفر. وفي ربيع الأول جهزت المراكب الحربية، وأشحنت بالمقاتلة. وفي العشرين منه رفع العزيز إلى غيفة فنزل بالعقارية بعد أن أقام في مناخه أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما، فأقام بها ليلة، ورفع إلى بلبيس فنزل بظاهرها. ونودي في البلد لا يتأخر أحد عن المسير في الأسطول، فوقعت في الأسطول نار، فاحترق وقت صلاة الجمعة لست بقين من ربيع الآخر، فأتت على ما فيه من عدة وسلاح، حتى لم يبق منه غير ست مراكب، لا شيء فيها، فاتهم بذلك الروم الأسارى، وكانوا في دار بجوار الصناعة بالمقس، فنهبتهم العامة، وقتلوا منهم مائة وسبعة أنفس. وحضر عيسى بن نسطورس ويانس الصقلبي متولي الشرطة إلى الروم، فاعترفوا بأنهم أحرقوا الأسطول، فكان ما ذهب في النهب نحو تسعين ألف دينار، فنودي برد النهب، وتوعد عليه. وشرع عيسى بن نسطورس في إنشاء اسطول جديد، وظفر بعدة من النهابة، فقتل بعضهم، وحبس بعضهم بعد الضرب الشديد، فأحضر كثير مما نهب. ووردت غزاة البحر بمائتي أسير وعشرين أسيرا طيف بهم البلد. ووصل من برقة ستون فرسا، منها عشرة بسروجها ولجمها، وعشرون بغلة عليها صناديق المال، وخمسمائة جمل عليها قطران وغيره، وعدة من صبيان وعلوج من السبر؟

ونزع السعر، فمنع من بيع القمح لغير الطحانين ولخمس بقين من رجب ابتدأ بالعزيز المرض، فأقام به إلى ثامن عشرين رمضان، فاستدعى القاضي محمد بن النعمان والحسين بن عمار لليلتين بقيتا منه، وخاطبهما في أمر ولده، ثم استدعى ولده وخاطبه. ثم توفي من يومه بين صلاتي الظهر والعصر من مرض القولنج والحصاة في مسلخ الحماد ببلبيس، فلم يكتم موته. ورحلت سيدة الملك ابنة العزيز في الليل، وسار بمسيرها القيصرية لأنهم كانوا برسمها، ومعهم القاضي محمد بن النعمان، وريدان صاحب المظلة، وأبو سعيدا ميمون دبة، فوافوا القاهرة، وأقيم المأتم والصياح بالقصر، وضبط الناس أحسن ضبط، فلم يتحرك أحد، ولم يبق شارع ولا زقاق. إلا وفيه صراخ ونحيب. وبادر برجوان إلى أبي علي منصور بن العزيز فإذا هو على شجرة جميز يلعب في دار ببلبيس، فقال له: بسك تلعب؟ انزل. فقال له: ما أنزل والله الساعة. فقال له: انزل، ويحك! الله فينا وفيك، وأنزله، ووضع على رأسه العمامة بالجوهر وقبل له الأرض، وقال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وأخرج به إلى الناس، فقبل جميعهم له الأرض، وسلموا عليه بالخلافة. وخرج الناس من الغد للقائه، فدخل إلى القاهرة، وبين يديه البنود والبوقات بالمظلة يحملها ريدان، والعساكر كلها معه، والعزيز بين يديه على عمارية، وقد خرج قدماه منها ونودي في البلد:

لا مؤنة ولا كلفة، وقد أمنكم الله على أنفسكم، فمن عارضكم أو خاطبكم فقد حل دمه وماله. وتولى القاضي ابن النعمان غسل العزيز، ودفن مع آبائه في تربة القصر بعد عشاء الأخيرة. وأصبح الناس والأحوال مستقيمة. وقد لقب أبو علي المنصور الحاكم بأمر الله. فاتفق كل المغاربة واشترطوا أن لا ينظر في أموالهم إلا ابن عمار. وباتوا ليلة العيد وأصبحوا يوم الفطر، فصلى بالناس القاضي محمد بن النعمان، وهو متقلد للسيف، فعندما صعد المنبر قبل موضع جلوس العزيز وبكى، فضج الناس بالبكاء والنحيب، وخطب فندب العزيز وبكاه، ودعا للمحاكم، وعاد إلى القصر، والعساكر صفين من المصلى إلى باب القصر، فحضر الحاكم اسماط. وكانت مدة العزيز في الخلافة بعد أبيه المعز إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر ونصف، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة، وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما. وكان نقض خاتمه: بنصر العزيز الجبار، ينتصر الإمام نزار. وخلف من الولد: ابنه منصورا، وسيدة الملك وولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وكان أسمر طوالا، أصهب الشعر، أعين، أشهل، عريض المنكبين، شجاعا، حسن العفو والقدرة، لا يعرف سفك الدماء، حسن الخلق، قريبا من الناس، بصيرا بالخيل وجوارح الطير، محبا للصيد، مغرى به، حريصا على صيد السباع خاصة. ووزر له: يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما.

ثم أبو الحسن علي بن عمر العداس بعد ابن كلس سنة واحدة ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة. ثم أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر. ثم أبو محمد بن عمار شهرين. ثم الفضل بن صالح أياما. ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر. وكانت قضاته: أبو طاهر محمد بن أحمد. ثم أبو الحسن علي بن النعمان. وكانت خرجاته إلى السفر: أولها ثامن صفر سنة سبع وستين، ثم عاد من العباسة. والثانية سار إلى الرملة، وظفر بأفتكين التركي. والثالثة سار إلى مضربه بعين شمس في صفر سنة اثنتين وسبعين، ورجع منه بعد شهر والرابعة نزل منية الأصبغ في ربيع الأول سنة أربع وسبعين، ثم عاد بعد ثمانية أشهر واثني عشر يوما. والخامسة برز في عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، فأقام مبرزا أربعة عشر شهرا وعشرين يوما، وفيه مات. وهو أول من اتخذ من أهل بيته وزيرا أثبت اسمه على الطرز، وقرنه باسمه. وأول من لبس منهم الخفتان والمنطقة.

وأول من اتخذ منهم الأتراك، واصطنعهم، وجعل منهم القواد. وأول من رمى منهم بالنشاب. وأول من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك، وضرب بالصوالجة، ولعب بالرمح. وأول من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان، يفطر عليها أهل الجامع العتيق. وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان واتخذ الحمير لركوبه إياها. وتجدد في أيامه من العمائر: قصر الذهب بالقاهرة. وجامع القرافة. وجامع القاهرة. المعروف بجامع الحاكم وبستان سردوس. والفوارة بالجامع العتيق.

والقصور بعين شمس. والمصلى الجديد بالقاهرة. وحصن الرسيين. والمنظرة على الخليج. وقنطرة الخليج القديمة التي بناها عبد العزيز بن مروان وقنطرة بني وائل. والحمامات التي بالقاهرة. ودار الصناعة التي بالمقس. والمراكب مما لم ير مثله قبله كبرا ووثاقة وحسنا. وهو أول من ركب في الجمع شهر رمضان وصلى بالناس. وأول من بنى دار الفطرة، وقرر فيها ما يحمل إلى الناس في العيد. وبلغت عدة جواريه عشرة آلاف جارية. وبلغ راتب مطبخه ومائدته في كل يوم مالا عظيما، فلم يكن أحد من الأتراك والعبيد إلا وله وظيفة راتبة كل يوم.

وكان يعلف له من الخيل في كل يوم والبغال والحمير والجمال عشرون ألف رأس، منها لركوبه ألف فرس، سوى البغال. وقال ابن سعيد عن كتاب سيرة الأئمة لابن مهذب: قال: كتب أبو جعفر محمد ابن حسين بن مهذب صاحب بيت المال إلى العزيز: يا مولانا صلى الله عليك: ربما سألني أهلي وكتابي وبعض الكتاب المتصرفين من عبيد الدولة الموثوق بهم في قرض مال، ومالي لا يحتمل ذلك، ومال مولانا فلا تبسط فيه يدي إلا بإذنه، وقد كتبت هذه الرقعة إلى مولانا أستأذنه فيما أعول عليه. فوقع العزيز عليها: يا محمد: سلمك الله، من أتاك من أهلك وكتابك وخزانك والمتصرفين معك، ومن سائر عبيدنا والمتمسكين بأذيالنا يطلب منك سلفا، ورأيت منه ما يدل على صحة ما شكاه من ضرورته، وعلمت صدقه في ديانته، فادفع إليه ما رأيته، وخذ منه خطه، ولا تطلب منه؛ فإن رده إليك عفوا من ذات نفسه، فخذ منه؛ وإن لم يرده إليك، وعلمت أن يده لا تصل إلى رده، فاعذره في تأخير ما قبضه؛ وإن طلب زيادة زدته على شرطه، واسكت عن طلبه؛ ومن عرفت أنه قادر على رد ما قبضه، ولم يعده إليك، فأمسك عن طلبه، وامنعه من مثله. وأنفذ العزيز إلى أبي عبد الله حسين بن البازيار ببلبيس وقد اشتد به الوجع، فبكى رأه، فقال له العزيز: تبكي يا حسين؟! لا تبك علي الساعة، ولكن إذا ضرب مولاك الأمير ابني بيده على لحيته فابك البكاء الطويل إن قدرت. فلما كان في سنة أربع وتسعين قتل الحاكم ابن البازيار عند خروج لحيته. وكان رشيق الحمداني يقول عن الحاكم: هذا يقتلني. فسئل عن ذلك، فقال:

دخلت على العزيز وهو مطرق كأنه يخاطب نفسه، فبعد وقت رفع رأسه، وقال: أي وقت جئت؟ فقلت: من ساعة. فقال: كنت مفكرا في قوم أشجو صدري، وملأوا بالغيظ قلبي، ولا أدري ما أعمل. فقلت: يا مولانا ابعث إليهم فاقتلهم. فقال: ما هذا يكون بيدي، ولكنه والله سوف يجيء من يقتلهم ويقتلك معهم. وأرى الحاكم قد قتل جماعة ولا بد له مني. وكذا كان. وقال القرطي: كان المثل يضرب بأيام العزيز في مصر، لأنها كانت كلها أعيادا وأعراسا. وقال ابن الأثير: قيل إنه ولي عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديا اسمه منشا إبراهيم بن القزاز، فاعتز بهما النصارى واليهود، وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس، فيها: بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك، إلا كشفت ظلامتي. وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها؛ فلما رآها أمر بأخذها، فإذا الصورة من قراطيس، فعلم ما أريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى بن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليهودي شيئا كثيرا. وكان يحب العفو ويستعمله، فمن حلمه:

أنه كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كلس وزير العزيز، وكاتب الإنشاء من جهته أبا نصر عبد الله بن الحسين القيرواني، فقال: قل لأبي نصر كاتب القصر ... والمتأتي لنقض ذلك الأمر انقض عرى الملك الوزير ... تفز منه بحسن الثنا والذكر واعط وامنع، ولا تخف أحدا، ... فصاحب القصر ليس في القصر وليس يدري ماذا يراد به، ... وهو إذا درى فما يدري فشكاه ابن كلس إلى العزيز، وأنشده الشعر، فقال: هذا شيء اشتركنا فيه في الهجاء فشاركني في العفو عنه. ثم قال هذا الشاعر أيضا وعرض بالفضل القائد: تنصر، فالتنصر دين حق، ... عليه زماننا هذا يدل وقل بثلاثة عزوا وجلوا، ... وعطل ما سواهم فهو عطل فيعقوب الوزير أب، وهذا ... العزيز ابن، وروح القدس فضل فشكاه الوزير إلى العزيز، فامتعض منه، إلا أنه قال: اعف عنه. فعفا عنه. ثم دخل الوزير على العزيز، فقال: لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غض من السياسة، ونقص لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن رباح نديمك، وسبك بقوله: زيارجي نديم، وكليسي وزير ... نعم، على قدر الكلب يصلح الساجور فغضب الوزير، وأمر بالقبض عليه، فقبض عليه لوقته، ثم بدا للعزيز إطلاقه، فأرسل إليه يستدعيه، وكان للوزير عين في القصر فأخبره بذلك، فأمر بقتله فقتل، فلما وصل رسول العزيز في طلبه أراه رأسه مقطوعا، فعاد إليه وأخبره، فاغتم له.

وقال ابن الأثير: أبو الفتيان محمد بن حيوس: لما مات العزيز وحضر الناس للتعزية بالقصر، واجتمع الناس على اختلاف طبقاتهم افحم الناس بأجمعهم عن أن يوردوا في ذلك المقام شيئا مما يليق بالوقت، ومكثوا مطرقين، فقام صبي من أولاد الأمراء الكتاميين. وأنشد: انظر إلى العلياء كيف تضام، ... ومآتم الأحساب كيف تقام خبرتني ركب الركاب ولم يدع ... للسفر وجه ترحل فأقاموا فاستحسن الناس من إيراد الصبي لذلك، وطرق الناس إلى إيراد المراثي، ونهض الشعراء والخطباء فعزوا، وأنشد كل إنسان ما عمل في التعزية. وكان الصبي هو الذريعة إلى إيراد ما أوردوه، وكشف ما نزل بهم من المهابة والمخافة.

الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم