شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبي صالح القلعي، وقد ساءت حاله وغلبه الدين. وفي ليلة الأحد تاسع عشره قتل الشيخ العميد محسن بن بدواس متولى بيت المال وجابي الضرائب. وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامي، متولى الشرطة السفلى بمصر، بعدما ساءت حاله. وفي رابع عشره توفى الشريف العباسي الرابض لدواب الحاكم بأمر الله، وكان شريرا، فلم يشهد أحد جنازته بغضا له. وفي يوم الخميس سادس شوال توفى أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامي، فصلى عليه الظاهر. وفي تاسعه توفى مخلص الدولة منصور البكجوري، أحد وجوه القواد الحمدانية القادمين من الشام، وترك ستين ألف دينار ورثها ابنه، فدفن في مقابر القاهرة. وفي ثالث عشريه توفى الأمير أبو هاشم العباس بن شعيب بن داود بن عبيد الله المهدي، ولي عهد المؤمنين كان، فدفن في تربة القصر، وترك ولدا اسمه مسلم. وفيه توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن المعز لدين الله؛ وكانت من وجوه عجائز القصر؛ وخلفت أربعمائة ألف دينار. وفي يوم السبت رابع عشر ذي القعدة توفى جعفر بن أبي فروخ الكتامي الذي كان يتولى الشرطة بمصر. وفي سابع عشريه توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتيني الشاعر، ودفن بمقابر القاهرة. ومن شعره: شديد من الدنيا على الحر حاجة ... يؤم بها من ليس من نظرانه وقال من أبيات: وما الناس إلا كالنبات: مصوح ... ليذوي، ومخضر لينمى، ومعشب يسربله ماء الشباب نضارة ... ويفرغ عنه حسنه حين ينضب ومنها: تفرق أنواع المذمات في الورى ... ويجمعها خلق الفتى حين يكذب إذا كان للإنسان عقل، فحيثما ... توجه لاقاه صديق ومكسب
ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه ... فيسعى إلى شيء سواها، وينصب يخرب من أخراه ما ليس فانيا ... ويعمر من دنياه ما يتخرب على أن في الأيام للمرء واعظا ... بليغا، وفي صرف الزمان مؤدب وماتت السيدة العزيزة ست الملك ابنة العزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد، مستهل جمادى الآخرة، بعلة الذرب. وقد دبرت أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر، أعادت فيها للملك غضارته، واستردت بهجته، وملأت الخزائن بأصناف الأموال، وقلدت الأكفاء جلائل الأعمال، واصطنعت الرجال.
سنة ست عشرة وأربعمائة @YY416
فيها أمر الظاهر بنفي من وجد من الفقهاء المالكية وغيرهم. وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام وكتاب الوزير يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا. وجلس الدعاة بالجامع للمناظرة.
سنة سبع عشرة وأربعمائة @YY417
فيها ثار بالناس في مصر رعاف عظيم. وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت القرى. وفيها سقط الظاهر عن فرس، وأرجف بموته، ثم عوفي، فتصدق بمائة ألف دينار، حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار، وإلى بلاد الشام عشرون ألف دينار، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار، وفرق بمصر عشرون ألف دينار.
سنة ثمان عشرة وأربعمائة @YY418
فيها وقعت الهدنة بين متملك الروم وبين الظاهر عن ديار مصر والشام، وكتب بينهما كتاب؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم. وفتح الجامع الذي بقسطنطينية، وعمل له الحصر والقناديل، وأقيم به مؤذن؛ وعند ذلك أذن الظاهر في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس، فحمل إليها ملوك النصارى الأموال والآلات، وأعادوها، وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها في أيام الحاكم بأمر الله. وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذباري، وولى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي. وفيها اجتمع عسكر مصر، ورافع بن أبي الليل مقدم طائفة الكلبيين، وأنوشتكين الدزبري لحرب حسان بن جراح؛ فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر على الأقحوانة؛ فقتل صالح بن مرداس، وانهزم حسان، وقتل عدة ممن معه، واستولى الدزبري على البلاد فقدم شبل الدولة نصر، ومعز الدولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس، وملكا أيضا الرحبة إلى بالس ومنبج.
سنة عشرين وأربعمائة @YY420
فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، قتل فيها جماعة، وكان الظفر للأتراك؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامة لهم، فقتلوا عدة كثيرة من الأتراك، وأخرجوا من بقي منهم عن مصر. وكان خبط عظيم، فأخرج الظاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى الناس، فقبلوا الأرض؛ ثم بعث إليهم بالصلح، فمشى الدعاة بينهم حتى اصطلحوا. وفيه بعث المعز بن المنصور بن بلكين بن زيرى هدية فيها عشرون جارية لم ير كحسنهن، وعى نهودهن حقاق الفضة؛ وثلاثة أفراس، فيها كميت بسرج ذهب زنته قنطار ذهب، وأشقر بسرج لؤلؤ، وأدهم بسرج فضة زنتها قنطار؛ وثلاثة آلاف منا زعفرانا؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج، واثنا عشر صقلبيا؛ وعشرون خادما سودا؛ وألف وخمسمائة ثوب خز وأربعمائة غفارة؛ ورماح كثيرة جدا؛ وألف قنطار شمعا؛ وثياب سوسية وصقلية؛ وعمائم عدة ألوف. فجلس الظاهر في الإيوان على السرير الذهب، وقرئ عليه كتابه، وعرضت هديته في يوم الأحد
ثامن شوال. وبعث إليه بهدية من دق تنيس ودمياط وطرائف الهند واليمن، وزرافة، وبختا خراسانية تحمل قبابا فيها جواري، وأشياء عظيمة. وفيها جهز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري لقتال صالح بن مرداس؛ فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبرية على نهر الأردن، واقتتلا أشد قتال؛ فقتل صالح وولده الأصغر في جمادى الأولى من سنة عشرين هذه، وحمل رأساهما إلى القاهرة. ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح، وأخوه أبو علوان عز الدولة ثمال إلى حلب، فملكاها شركة بينهما. فكانت مدة ملك صالح لحلب أربع سنين وأشهرا.
سنة إحدى وعشرين وأربعمائة @YY421
بايع الناس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر، وعمره ثمانية أشهر؛ فخلع على كافة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطارئين من البلاد، ونثر مال عظيم؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة. واجتمعت العامة تحت المنظرة من القصر، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير المؤمنين، فأشرف عليهم الظاهر من المنظرة، فقبلوا الأرض وانصرفوا. وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع في حلب بعد تملك صالح بن مرداس لها، فكاتب متملك الروم يرغبه في حلب ويعده، إلى أن خرج من القسطنطينية في هذه السنة ومعه ثلثمائة ألف، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس في عشرة آلاف؛ فخاف متملك الروم ورحل، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس في جماعة وولى منهزما لا يلوى على شيء. وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفي فارس في طائفة الأرمن، ونهبوا الروم، فاخذوا من خاص الملك أربعمائة بغلة تحمل المال والثياب، سوى ما ظفروا به لعامتهم، بحيث أبيع البغل في حلب بدينارين؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم. ووجد من الروم آلاف كثيرة موتى عطشا. وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان.
سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة @YY422
فيه نقص النيل نقصانا فاحشا، فتحرك السعر، وحملت غلال كثيرة من الشام إلى مصر؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر، فكثر العجب من ذلك. وكان الدزبري لما استرجع البلاد الشامية من أيدي المتغلبين عليها، إلا حلب فإنها بقيت بيد بني صالح بن مرداس، انهزم حسان بن جراح وإخوته من الدزبري، ولم يجدوا ملجأ، فحملهم ذلك على أن دخل حسان في طاعة ملك الروم، وحمل على رأسه صليبا وصار في جملته. ثم سار في هذه السنة بعسكر الروم وعلى رأسه الصليب، ووصل إلى أفامية، وهي من عمل الدزبري، فهزمها وسبى كثيرا منها. فنادى الدزبري بالغزاة، وخرج؛ فخافه نصر بن صالح وقرر لملك الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم، صرف ستين درهما بدينار، على أن يحميه، وذلك في جمادى الأولى؛ فاتفق مرض الدزبري بدمشق، وأرجف به، ثم عوفى.
سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة @YY423
فيها أمر الظاهر بقتل دعاته، فاضطربت الرعية وكثير من الجند لذلك، وأخذ الدعاة في إفساد أمره والتحدث بخلعه؛ فأنفق أموالا جمة حتى استقر أمره.
سنة أربع وعشرين وأربعمائة @YY424
ركب ولي العهد، ابن الظاهر، من القاهرة إلى مصر وقد زينت، فكان إذا أقبل على الناس قبلوا له الأرض. ونثر يومئذ على العامة خمسة آلاف دينار، ونثر على الخاصة عشرون ألف دينار؛ فكان يوما عظيما. وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قدمت هدية المعز بن باديس، وهي جليلة القدر.
سنة خمس وعشرين وأربعمائة @YY425
فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد، وقلت بها الأموال والرجال؛ فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد في الناس. وفيها ظهرت الطائفة الدرزية بجبل السماق من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر الله. فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام، فخربت ريحا، ونصف الرملة وأكثر عكا في قرى كثيرة، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين، ثم عاد كما كان.
سنة ست وعشرين وأربعمائة @YY426
فيها كثر الفأر بأراضي مصر وأكل زروعا كثيرة. وفيها كثر الوباء بمصر. وفيها قتل الدزبري شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، في شعبان، وملك حلب، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة.
سنة سبع وعشرين وأربعمائة @YY427
فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية. وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة، في يوم الأحد النصف من شعبان؛ فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما. وكانت أيامه كلها سكونا ولينا، وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى، وأمور الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك، وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي، وجيء بأبي هاشم فبايع والسيف على رأسه، ثم جلس فكان آخر
العهد به. وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه. وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن محمد في تدبير الدولة عن رأيها، حتى قتلت ابن دواس، فانفرد عمار بالأمور إلى أن رتبت له في دهليز القصر من قتله. فتحدث حسن بن موسى الكاتب، والأمر لست الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي. فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائي بالتدبير.
المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور
أمه السيدة رصد. ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة؛ والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج؛ والشمس فيه على خمس عشرة درجة، والمشتري فيه على ست درج، وعطارد فيه على اثنتي عشرة درجة؛ والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة؛ وزحل في برج الثور على تسع وعشرين درجة؛ والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة؛ والزهرة في برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة؛ والجوزهر؟ في برج السنبلة على خمس وعشرين درجة. وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة؛ والطالع عند ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة، وزحل في برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة؛ والمشتري في برج الدلو على ثماني درج، والمريخ فيه أيضا على اثنتي عشرة درجة؛ والشمس في برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة؛ والزهرة في برج السرطان على ثلاث درج، وعطارد في برج الجوزاء على ست عشرة درجة؛ والقمر في برج الجدي على ثماني عشرة درجة والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين درجة. وأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام. وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي؛ وأخذ له البيعة على الناس؛ وأطلق للجند
أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة؛ وسكنت الأمور واستقامت الأحوال؛ وكتب له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة. وفيها سير من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة التي منها شرب الكوفة، وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها. وكانت تلك الجهات جارية في إقطاع العربان بالعراق، فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطاعة؛ فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة. فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحق بن المقتدر، فلم يجد مالا يبعثه عوضا من المال المذكور، ولم يمكنه الرد، فدعته الضرورة إلى التغاضي. فشرع البدوي في العمل، ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير.
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة @YY428
فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر، فكاتب ملك الروم، وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية؛ فأشار عليه بالدخول في طاعة المستنصر، فقبل منه. وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير؛ فحصل الرضا عنه، وأضيف إليه أعمال حمص، ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام، شمس الدولة ومجدها، ذي العزمتين. فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق، وأخذ في مناكدة أصحاب نصر بن صالح.
سنة تسع وعشرين وأربعمائة @YY429
فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة، فأخذها. وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه، فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب، فانكسر وقتل في يوم الاثنين نصف شعبان، وحمل رأسه إلى دمشق. فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد، وأخذ قلعتها، واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس، وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي. وشرق بأهله ليستنجد بأخواله بني خفاجة، فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة؛ ثم قدم إليها الدزبري وتسلم القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان، وأخرج منها إلى درباس، واستولى على بالس ومنبج؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين. وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة. وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق. وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس جبل، وأقام دعوة المستنصر؛ وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن. وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي فر بها الحاكم، فأطلق الأسرى، وعمر قمامة، وأطلق عيها مالا جل وصفه.
سنة ثلاثين وأربعمائة@YY430
سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة @YY431
فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران:
سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة @YY432
فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية، وكسر عسكر الدزبري المقيم هناك؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز. وكان ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها، فبعثنا إلى متملك الروم بمال وثياب، فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها؛ فضاق الدزبري ذرعا بذلك وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما، فأجاباه بالاعتذار. وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال الروم، فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم. فبعث الدزبري عسكرا، فلقي الروم فيها حماة وأفامية، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة؛ فأجمع الدزبري على النهوض إليهم، فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه. ثم إن الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة، فقضى عليه أهلها؛ فكاتب مقلد بن منقذ، فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل واجتمع به؛ ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة.
سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة @YY433
وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه المقلد، وحصرا القلعة سبعة أشهر، وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، وقتلا من بها. فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلا بتوليته؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال. وفيها توفى شهم الدولة ميمون، صاحب السيارة في أسفل الأرض، في شهر ربيع الآخر، وحمل إلى مصر، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه، ودفن بتربته بالقرافة. وكان من أهل الخير؛ وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين وأربعمائة.
سنة أربع وثلاثين وأربعمائة @YY434
فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله، وأدعى أنه الحاكم، وبث دعاته سرا في البلاد، وقصد القصر وقت خلوه من العساكر، وقال للخدام: قولوا هذا الحاكم. فارتاع من كان في باب القصر وثارت ضجة؛ فقبض عليه، وصلب، وأخذت أصحابه فقتلوا، ومن جملتهم محمد بن عاني الكتامي أحد دعاته.
سنة خمس وثلاثين وأربعمائة @YY435
فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسي، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية.
سنة ست وثلاثين وأربعمائة @YY436
فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، يوم الأربعاء سادس شهر رمضان. والحاصل يومئذ في بيت المال البراني، تحت يد أمين الدولة مسرة الرومي، برسم النفقات، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف وثمن دينار. ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة، ومائة ألف مثقال من العنبر، وغير ذلك. وكان عالما فطنا نحريرا؛ وقع مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب، فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة. وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما. ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري، فانفسد أمره بسبب أبي سعيد سهل بن
هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم، اليهوديين. وكان من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه، فباع عليه في جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر، فولدت له المستنصر؛ فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظرا في جميع أمور الدولة. فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم، فجبهه غلام له، فأحفظه، وأعلم أخاه أبا سعيد؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي، وكان يهوديا قد أسلم، فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان، ولقب بالوزير الأجل، تاج الرئاسة، فخر الملك، مصطفى أمير المؤمنين. وكان يهوديا موصوفا بالبراعة في ضروب الكتابة. ولى أولا نظر الشم؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه؛ وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به. وقدم إلى القاهرة، فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري، ورقاه، وأشار في مرضه بأن يستوزر من بعده. فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه. وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه. وقبض على ابن الأنباري، وصودر، حتى هلك تحت العقوبة، ودفن بخزانة البنود وكان مسجونا بها. وصار الفلاحي لا يعمل إلا بما يحده له أبو سعيد ويمثله. وكان المستنصر قد بث دعاته سرا إلى الآفاق يدعون إليه، ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته. فلما كان في هذه السنة دفع جماعة منهم إلى ما وراء النهر، ودعوا هناك بعد أن
دعوا بخراسان؛ فاستجاب لهم طوائف من الناس. وحصلوا عند بغراخان، أخي رسلان خان صاحب ما وراء النهر. فلما علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن استمالهم وقربهم، وأطمعهم أنه يريد الدخول فيما هم فيه؛ فأنس به طائفة منهم، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق، فخدعهم بإطلاق المال، واستخبر به ما عندهم، حيث إنه أنفق عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم، حتى اطلع على عددهم، وعرف مواضعهم؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم، ويطلعوه على باطنهم. فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكر به، وقد كتب كتابا على قدر كتابهم وشكله، يقسم فيه بالأيمان المغلظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقربا إلى الله تعالى. ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه، ورد إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه، واستعاده ليحلف به. فلما حصل في يده أخرج الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا يعدل عنه؛ فوثقوا بذلك، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين. ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد قوي، فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب؛ فإن كنتم في عدد قويت به. فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له، وأفضوا إليه بجميع سرهم، ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم عليه. ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم، وفيهم عبد الملك بن محمد البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد، ونصر بن عطاء، وجعلهما
من وراء ستر؛ فذكر الدعاة أسرار مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر عليهم، وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا بعقائدهم. فأخرج حينئذ عبد الملك ونصرا، وقبض على الدعاة وقيدهم، ونادى في الناس ليجتمعوا، وقد نصب جذعا، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد، ورماهم بالنشاب، فقتل منهم ستة عشر رجلا، وذبح منهم واحدا بين يديه، ذبحه بعض عبيده فأعتقه؛ وتصدق بمائة ألف درهم. وتتبع كل من في أعماله من الدعاة، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا، وأوثقهم بالحديد، وألقاهم في جب مظلم؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة. وكتب إلى بغداد بما فعله، فقدم رسوله في هذه السنة، فأجيب بالشكر والثناء. وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاما وخلعا، فلبسها؛ فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك؛ فاعتذر، ولبس السواد، ورجع عن دعوة المستنصر.
سنة سبع وثلاثين وأربعمائة @YY437
اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك الروم، وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه؛ وكان انتقاضها على الحقيقة من مدة أربع سنين مضين. فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية متملك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار. وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة، كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل؛ وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة، فيها آنية الذهب والفضة، منها مائة قطعة بميناء؛ وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله. فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطراز، عمل تنيس ودمياط، ما هو أكثر قيمة مما بعثه.
سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة @YY438
في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود بالقاهرة.
سنة تسع وثلاثين وأربعمائة @YY439
فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري اليهودي وقتله عند خان العبيد. وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد هذا، فأخذها منه الظاهر وتسراها، فولدت له ابنه المستنصر، فرقت أبا سعيد درجة عليه بعد وفاة الظاهر. وكان يخاف الوزير الجرجرائي، فلم يظهر ما في نفسه. فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة، بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي، سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير، وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر. فغض الفلاحي بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه. وذلك أن بني قرة، عرب البحيرة، أفسدوا في الأعمال، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان، وأوقع بهم وقتل منهم، وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم. فثقل على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم، ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة. واتفق مرض ريحان وموته، فاتهم أبو سعيد أنه سمه؛ وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على قتله. فركب من داره على العادة يريد القصر، في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى، في موكب عظيم؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات. فأمر المستنصر بإحضار من قتله، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه. فلم يجد المستنصر بدا من الإغضاء. وقطع الأتراك أبا سعيد قطعا، وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثته بمال. وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته، وحرقوا ذلك بالنار، وألقوا عليه من التراب
ما صار به تلا مرتفعا. وضم أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه سترا، وتركوه في بيت مؤزر بالستور وأوقدوا الشموع، وأقاموا عزاءه. فتعلقت من بعض الشموع شرارة في الستور التي هناك ومضت فيها، فاحترق التابوت بما فيه. وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار. والذي مات عنه الجرجرائي، وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. ورد المستنصر لأبي نصر، أخي أبي سعيد، خزانة الخاص، ولولدي أبي سعيد النظر في بعض الدواوين. وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود. وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين. واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها، حفرت له حفيرة ليوارى فيها، فظهر للفعلة عند الحفر رأس، فلما رفع سئل عنه الفلاحي، فقال هذا رأس ابن الأنباري، وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع؛ وأنشد: رب لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحك من تزاحم الأضداد وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء؛ وتولى ديوان دمشق.
ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف: وحق النعمة على بني إسرائيل، قول الرضي فيه: يهود هذا الزمان قد بلغوا ... غاية آمالهم، وقد ملكوا العز فيهم والمال عندهم ... ومنهم المستشار والملك يأهل مصر إني قد نصحت لكم ... تهودوا قد تهود الفلك وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمد بن أحمد الجرجرائي، ابن أخي الوزير صفي الدين، ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد، علم الكفاة، سيد الوزراء، ظهير الأئمة، عماد الرؤساء، فخر الأمة، ذي الرئاستين، صفى أمير المؤمنين. وفيها ابتدأ أمر أبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري. وكان من خبره أن أباه علي بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور، من ضياع فلسطين، وكان مقدما فيها؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها، وصارت له وكلاء في الضياع. فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس، فرد إليه قضاء بعض أعمال الرملة. ونشأ له ابنان نجيبان، ولي أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده، فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي، فصر بذلك ممنوعا ممن يريده بسوء. واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر، فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة الشريفة، فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة، فجاء بعض الخدام وأيقظه من نومه وقال: أيها الرجل، إنك تلي ولاية عظيمة وقد بشرتك، فلي منك الحباء والكرامة.
ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر، فتقرب بخدمتها، ولازم بابها عندما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحي ويؤانسه، فيبدأه بما في نفسه من أبي سعيد التستري، فيفاوضه في التدبير على المذكور، ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه. فثقل مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحي؛ وهم به، ثم تراخى عنه، حتى كان من أمره ما كان؛ وأمر اليازوري في كل يوم يتزايد وحاله يقوى. إلا أن قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من رد الحكم إليه ببلده، لما يعلم من سوء رأي أبي سعيد فيه، وأنه يريد القبض عليه؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه. واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر، على عادته في كل يوم اثنين، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه، ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك. فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي زكرى والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم؛ فقال له قاضي القضاة: بأمر من جلست ههنا! أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها؟ هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به؛ اخرج، فوالله لا تضرفت على أيامي أبدا. فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه، فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة، فسار وخليفتاه والشهود معه، فسار في أعقابهم، وسبقهم ووقف بباب دار القاضي؛ فلما نزل صنع له استعطافا، فلم يعره طرفه وانصرف. فلقيه القضاعي وقال: يا أبا محمد، كان يجب ألا تريه وجهك عقب ما جرى لك معه. وفارقه. فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء. فرد إلى داره مغموما، فوجد ثلاثين حملا من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير، ولقاضي القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجل عدة الدولة رفق خمسة أحمال، ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال، ولابن أبي زكريا ثلاثة أحمال، وللقضاعي
خمسة أحمال، وفرق حملين على حراسهم. فلم يلتفت أحد منهم إليه، ولا عطف عليه، ما خلا القائد الأجل عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه. وهو مع ذلك يقف بباب البحر، فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه، فيكرمه ويسأل عن حاله، ثم يدخل إلى القصر؛ فإذا خرج وجده واقفا على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره؛ فإذا دخل انصرف عنه. فأقام على ذلك أياما، فخف على قلبه ورغب في اصطناعه؛ فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه، فينزل، ويتحدثان وكان حلو الحديث فيطيل عنده، ثم ينصرف. فصار يشتاقه إذا غاب، ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة. وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت أمور خدمتها، فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها، فامتنع خوفا من الوزير والأتراك؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع. فحضر أبو محمد اليازوري يوما، فجلس عدة الدولة رفق، وجرى بينهما امتناع أبي نصر، أخي أبي سعيد، من خدمة أم المستنصر، فقال له رفق: أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها. فقال أبو محمد: قد كنت أظن جميل رأيك في وإيثارك مصلحة حالي، وأكذبني ظني. فقال: بماذا؟ فقال: الهزء بي، فإني قد أجهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها. فكيف أتعرض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء! فقال له: أما ترضاني سفيرا لك في هذا الأمر، وعلي استفراغ الوسع فيه، لوجوب حقك علي، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل. فأجاب إلى ذلك، وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها، ويخطب خدمتها، ويبذل الاجتهاد فيها؛ وأخذها منه رفق. فلما كان من الغد ركب إلى القصر، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر، وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع؛ حتى أضجرها؛ فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال: يا مولاتنا، قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع الشيخ أبي نصر
مما نريده منه؛ وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكبير المروءة، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك، وهو ثقة ناهض كاف فقالت: من هو؟ فقال القاضي أبو محمد اليازوري، وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر، وقالت: ما تقول فيه؟ فلم يصدق بذلك. فقال يا مولاتنا، هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ذاك منها بالموافقة. فقال لرفق: قل له يجلس في داره غدا حتى أنفذ إليه؛ فسر بذلك وخرج، فإذا أبو محمد في انتظاره على عادته، فسار، ولحق به أبو محمد، فقال له: أقمح أم شعير؟ فقال: بل بر يوسفي، وقص عليه الخبر. فلما كان الغد جاء الرسول مستدعيا له، فركب إلى بابها، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها، الذي هو باب الريح، وجميع أحوالها؛ ونزل. فبلغ ذلك الوزير، فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده، وأنه لا يقبل قوله عند السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد. وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد، فهنئوه بما صار إليه؛ فقام إليهم وتلقاهم، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم، وقال: ما أنا إلا خادم ونائب لموالي الأمر، أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها. ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم. وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه، فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل.
سنة أربعين وأربعمائة @YY440
فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، أمير دمشق، وشجاع الدولة جعفر بن كليد، والي حمص، بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس. وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرر على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا، فأخل الحمل سنتين؛ وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب. فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها، وأخذ المعرة، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر. وحارب ابن مرداس حروبا آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل، في سادس عشر جمادى الأولى. ففي عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال والأمتعة، وعاد إلى دمشق. فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه، وكان المتوسط بينهما أبو نصر إبراهيم، أخو سعيد التستري، فأجيب إلى ذلك؛ وانفصل رسول من الحضرة. فورد الخبر بأن ثمال بعث واليا إلى معرة النعمان، وأنه أساء التدبير، فانحرف عنه الناس، وفر منهم إلى حلب؛ وأن جعفرا، أمير حمص، بادر إلى المعرة، فلقيه مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه، فقتل في الوقعة
لست بقين من شعبان، وحملت رأسه وشهرت بحلب، وأسر كثير من عسكره؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال ورده، وأفهمه ما ورد من المكاتبة. ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم، فما زال يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر الدولة من التوسط بين ثمال والحضرة، وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه عن حلب. فقبض على أبي نصر، وأخذت عامة أمواله، وعوقب حتى مات. وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي، وخرج إليها على جرائد الخيل، فدخلها على حين غفلة، وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور، ونقله إلى الرملة وصودر، وأقام مظفر الخدمة بدمشق. وقبض على راشد بن سنان بن عليان، أمير بني كلاب، واعتقله بصور. وخرج أمير الأمراء المظفر، فخر الملك، عدة الدولة وعمادها، رفق الخادم، في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة، وقوة قوية، وعدة وافرة، وآلات طبله، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا؛ وكان المنفق فيه عينا مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار. فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب، وخرج المستنصر لتشييعه، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره، وأن يترجلوا له إذا لقوه. وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصلح بين المستنصر وبين بني مرداس، ففشل رفق وانخرقت حرمته، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام، فبات يوما ظاهر دمشق.
وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين، النصف من المحرم، بخزانة البنود ودفن فيها. واتفق في وفاته عجب، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري، واعتقله بخزانة البنود، ثم قتله، في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفنه بخزانة البنود. فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة البنود، وقتل فيها، ودفن معه. وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير الجرجرائي ورفيقا للفلاحي وصاحبه، ولما ولي الوزارة تخوف منه، وما زال يعمل عليه حتى قتله، كما تقدم. وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد، ومنزلته ترتفع، وخلع عليه ثانيا، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره؛ فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر، وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما يستحقونه؛ خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره، فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما. فبلغ السيدة ذلك، فقالت له: لا تتحرك لأحد بالجملة، فكان إذا جاءه اعتذار إليه. ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين؛ وترقت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحي. فعظم ذلك على الوزير، لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد اليازوري تحدث طويلا والسيدة من وراء المقطع، ثم يستدعي الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدولة، ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد، فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصواب؟ فيقول المستنصر نعم؛ ثم يخرج الرسول من وراء المقطع ويقول هذا الصواب. فكان الوزير كأنه يعرض على اليازوري الأمور دون الخليفة، فيشق عليه ذلك، ولا يتمكن من مخالفته، ولا يستطيع الصبر على ما به. وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبي المفضل صاعد بن مسعود، وإليه ديوان الشام يومئذ، وهو شيخ خود؛ وكان الوزراء
يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه في أمر اليازوري، وأخذ رأيه فيما يعمل مع؛ فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء، ظنا منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة، فيجد الوزير سبيلا إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوى له الأمر فيه، ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد، وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته، وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم، وهم الذين يوقفون أمور الناس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهدا يعرف بابن عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي والشهود بين يديه، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين، وما يحتاج إليه من إقامة بينة، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض، وما يجري هذا المجرى. وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس يحتاط عليها في قمطر، وتحمل بين يدي القاضي؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة وركب، فتقدم إليه وقبل ركابه، وخضع له وتلطف في أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه، فخر إلى الأرض ميتا. وأخذ الرجل إلى أبي سعيد، فنكل به وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام؛ فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضي؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون، إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما. فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه، واتهامه أن أمور الناس واقفة، وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي.
وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس، ثم في الدار يوم الاثنين مسلما عليه. فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه، فقربه الوزير وسأل عن حاله؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر، والأحكام مردودة إلى خليفته ولهما الحكم دونه، فإذا حضرا فتح باب الحكم، وإذا غابا أغلق بابه. فقال له: كفيت يا قاضي القضاة. وخرج من عنده وحضر بعده القضاعي وابن أبي زكرى، فقال لهما الوزير: ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ويشكو استيلاءكما على الحكم دونه، وأنه لا تنفذ أوامره معكما؟ فقالا: وأي أمر لنا دونه، هل أوقفنا أمر أحكامه، أولنا غلمان يمسكون حجج الناس حتى يصانعوهم عليها؟ يعرضان بغلمان القاضي! إنما نحن في حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه في إمضاء الأحكام؛ وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام فيه. فقال: كفيتما أيها القضاة. وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف القاضي وتولية أبي محمد اليازوري. واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه أياما في داره عن مجلس الخليفة، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة، ثم قال له: أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع، ومقيم مناره، ومنفذ أحكامه؛ وقاضي القضاة إنما ينطق بلسانك، وينفذ الأحكام عنك؛ فإذا اشتهر في الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان سوء السمعة في ذلك على الدولة، وإثارة الشناعة القبيحة عليها؛ وفي الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه، والروم؛ وفي استفاضة ذلك غضاضة على الدولة. ونحن إنما نطول على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذي عفت آثاره في غيرها من الدول؛ وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره. فقال المستنصر: نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حفظك الله وشكرك؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه؟ وما زال حتى قال الخليفة: من في الدولة يجري مجراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين: عبيدك كثير، ومع ذلك فبين يديك من يتحمل
الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك، القاضي أبو محمد. فقال: ذلك في خدمة مولاتنا الوالدة، ولا يفسح له في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هي خلد الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظرا لها من أن تحول بينها وبين ما يجملها؛ ومع ذلك، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام، فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له. وسمع هذه النوبة القائد عدة الدولة، فأوفد إلى أبي محمد يخبره، وقال له تلطف في أمرك كما تريد. فعظم ذلك عليه، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجل الخدم، فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج. فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح، ودخل، وأنفذ يعلم السيدة مكانه؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه، وما الذي دعاه للعناء في هذا الوقت. فقص عليها القصة وقال: إنما الغرض إبعادي عن خدمتك ليقع التمكن مني. فقالت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا هوى الحكم واسع، وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة، ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه؛ وفي هذا شغل كبير. فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابي لك، وخدمتي موفورة عليك، ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا قد قدمت القول أن هوى الحكم كبير واسع، وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك. فقالت: خليفتاك في الحكم، القضاعي وابن أبي زكرى، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه، فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت
ذلك، وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام؛ وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبل الأرض، ودعا، وشكر، وانصرف. وكانت إذا قالت قولا وفت به وثبتت عليه، فإنها كانت وثيقة العقد، حافظة العهد، غير ناقضة له، ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي التغيير عليه، فكيف بمن ترتضي طريقته، وتحمد خلائقه. وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها، طارق الصقلبي المستنصري، دمشق، فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان.
سنة إحدى وأربعين وأربعمائة @YY441
في ثاني المحرم صرف قاضي القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء. وكانت هذه ولايته الثانية، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة أيام. واستدعي إلى حضرة المستنصر القاضي أبو محمد اليازوري وخلع عليه مكانه في رابع عشره، وقرئ سجله في الديوان؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه. واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمدا ولقب بالقاضي الأجل خطير الملك؛ وأقام ابنه الآخر في جهات السيدة. وشرع الوزير في الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه في بابها؛ فامتنعت من ذلك وقالت ما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب. فسقط في يده وقال: أردنا وضعه والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل: أما إذ جرى الأمر بخلاف ما ظنناه فليس إلا مجاملة الرجل. وكان أبو محمد اليازوري لا يسلم على الوزير، ولا يجتمعان إلا يوما في الشهر، يحضر إلى دار الوزير، فإذا حضر إليه احتجب عن كل أحد، وتلقاه قائما، وأجلسه على مخدة، وأعطه من المجاملة فوق ما يؤثره منه؛ وهو مع ذلك يبطن له السوء، ويعمل في التدبير عليه. وكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس، والمصادرات، واصطفاء الأموال، والنفي، ونحو ذلك؛ فكثر الذام له. وكان أيضا يبطش بمن يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه، فتغير خاطر الخليفة عليه، وتكثر منه تغيظه. إلا أن العادة جرت بألا يعترض الوزير فيما يفعله، ويمد له في النفس، ويصبر على ما يكون منه.
وفيها قبض على أبي نصر إبراهيم بن سهل، واتهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى قتل جعفر بن كليد صاحب حمص؛ وسلم إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي فضيق عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة. وكان هو الذي سعى به إلى المستنصر فقال إنه عين لثمال. واتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها في سادس صفر يريد حلب، فوصل إلى جبل جوشن في ثاني عشري ربيع الأول، وأقام هناك؛ ثم بدا له فبعث بما معه من الأثقال إلى المعرة، فظن من معه من العساكر أنه يريد أن ينهزم، فأجدوا في الرحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف؛ فأمر بردهم إليه، فأبوا ذلك عليه. وفطن أهل حلب لهم. فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم؛ وكانت بينهما حرب جرح فيها رفق في عدة مواضع من رأسه وبدنه، وأسر، وانهزم العسكر بأسره. وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس، ومعه جماعة من وجوه عسكره، فلم يحتمل ما أصابه، واختلط عقله، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام، في مستهل ربيع الآخر؛ واعتقل عامة من كان معه من القواد والكتاب بحلب. فلما ورد الخبر بذلك على المستنصر أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال، وقلد إمارة دمشق الأمير المؤيد مصطفى الملك معز الدولة، ذا الرئاستين، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين بن مفلح، في رجب، وخرج معه ناظرا في أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن الماسكي.
ووجد أعداء الوزير أبي البركات الحسين بن محمد الجرجرائي سبيلا إلى إغراء المستنصر به، وأنه تسرع فيما عادت مضرته على الدولة من تجهيز العساكر إلى حلب. فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده بأمور من غير أمر ولا استئذان، فأمر به فقبض عليه ونفى إلى صور في منتصف شوال، فاعتقل بصور. فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. ثم أفرج عنه ومضى إلى دمشق. وبقي الأمر في الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضي القضاة أبي محمد اليازوري بالوزارة وهو يمتنع عليه؛ فأسند إلى أبي الفضل صاعد بن مسعود، من الأمراء، وأقيم واسطة لا وزيرا، وخلع عليه ولقب بعميد الملك زين الكفاة، وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرجال دون الأموال. وكان إذا أراد الاستئذان على ما يفعل جلس اليازوري بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل، فعرض ما يحتاج إليه؛ فيتقدم إليه اليازوري بما يفعله. ويخرج في نفسه من اليازوري ما كان يدور بينه وبين الوزراء في معناه. فأخذ يحمل عليه الرجال ويوهمهم أنه إذا سأل لهم في زيادة أو ولاية يعترضه اليازوري ويفسد عليه. فلما كان في بعض الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته: اعلم أن القاضي له الثناء الجميل الكثير، ونحن شاكرون له، مقيدون بجميله، مفتقرون
إلى جاهه في جميع أمورنا؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمنا إن وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت؛ وهذا الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد في قضاء حوائجهم، وأنه يعترضه بما يبطلها عليهم؛ وفي هذا الأمر ما تعلمه. فقل أنت له عني: يا سيدنا، إما أن تزيد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نياتهم في طاعتك، فادخل في هذا الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك، وشكروه منك وإن أسأت كان عليك ضرره وشره؛ وإلا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال، وإلا أبلغك أبو الفضل. فبلغه الرجل ذلك؛ فقال: أمهلني الليلة ثم بكر إلي. فلما كان في السحر بكر إليه؛ فقال: أعد علي قول ناصر الدولة؛ فأعاده. فقال: أقره عني السلام، وقل له: والله إلا أدخل فيه ويكون لي خيره وشره. وأبلغ ناصر الدولة رسالته؛ فقال: هذا هو الصواب.
سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة @YY442
في سابع المحرم قرىء سجل القاضي أبي محمد اليازوري بالوزارة، ولقب بالوزير الأجل المكين، سيد الوزراء، تاج الأصفياء، قاضي القضاة، وداعي الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين؛ وخلع عليه. فنظر في الوزارة وليس من أهلها، ولا من أرباب الكتابة، فمضى فيها مضي الجواد، ونهض مسرعا نهوضا عز به في وجوه من تقدمه، مع ما بيده من قضاء القضاء، والدعوة، والنظر في ديوان السيدة. وكاتب ملوك الأطراف، فأجابوه، بوفور حقه، إلا معز الدولة بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، فإنه قصر في المكاتبة عما كان يكاتب به من تقدم من الوزراء، فإنه كان يكاتب كلا منهم بعبده فجعل مكاتبته صنيعته. فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة، وكيل ابن باديس بمصر، وعتب صاحبه عنده، وقال: أن معزا ينقصني عمن تقدمني؛ إذا لم أكن من أهل صناعة الكتابة، وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم؛ ومن رفعه السلطان ارتفع وإن كان خاملا، ومن وضع اتضع وإن كان جليلا نبيلا؛ فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب. فكتب إليه بذلك؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه بأنفاسه. فلما وقف على كتاب ابن الإخوة قال: ما الذي يريد مني هذا الفلاح؛ لا كنت عبده ولا كان؛ هذا
لا يكون أبدا، وما كتبت إليه فكثير. فطالعه عيونه بقوله؛ فأحضر ابن الإخوة وقال له: قد جرى صاحبك على عادته في الجهل، فاكتب إليه بما يردعه فيه، وإلا عرفته بنفسي إذ لم يعرفني. فكتب إليه بذلك، فأجاب بما هو أقبح من الأول. فدس إليه الوزير من تلطف في أخذ سكين دواته؛ فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: كنت أظن بصاحبك أن الذي حمله على ما كان منه ثروة الشبيبة، وقلة خبره بما تقضي به الأقدار، وأنه إذا نبه تنبه، فإذا الجهل مستول عليه، وظنه أن بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول إليه بما يكره؛ وقد تلطفنا في أخذ سكين دواته، وها هي ذي، فأنفذها إليه وأعلمه أنا كما تلطفنا في أخذها أنا نتلطف في ذبحه بها. ودفعها إليه. فكتب ابن الإخوة بذلك، فازداد شرا وبطرا. فدس عليه من أخذ نعله، وكان يمشي في الأحذية السندية، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: اكتب إلى هذا البربري الأحمق، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك، وإلا جعلنا تأديبك بهذه. فجرى على عادته في القول القبيح. وفيها توسل ثمال بن صالح في الصفح عنه وأطلق المأسورين، وسعى في ذلك علي ين عياض قاضي صور؛ وسير ثمال زوجته علية بنت وثاب بن جعفر النميري وولده وثابا إلى القاهرة، ومعهما مال سنتين، أربعون ألف دينار. فقام اليازوري بأمرهم، فقبلهم المستنصر، وبالغ في الإحسان إليهم، وزاد في ألقاب ثمال وألقاب مقلد ابن عمه، ولقب قاضي صور عين الدولة. وفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام.
سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة @YY443
فيها أظهر المعز بن باديس صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر، وسير رسولا إلى بغداد ليقيم الدعوة العباسية، واستدعى منهم الخلع؛ فأجيب إلى ذلك. وجهزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشيزري، ومعه العهد واللواء الأسود؛ فمر ببلاد الروم ليعدى منها إلى إفريقية، فقبض عليه صاحب الروم. وبلغ ذلك المعز بن باديس، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم في أمره، فلم يجبه رعاية لحق المستنصر. واتفق قدوم رسول طغرلبك يستأذنه في مسيره إلى مصر؛ فأظهر المودة التي بينه وبين المستنصر، وأنه لا يرخص في أذيته. واتفق قدوم رسول المستنصر إليه بهدية عظيمة، فبعث معه برسول القائم بما على يده، فدخل إلى القاهرة على جمل، وأحرق العهد واللواء والهدية في حفرة بين القصرين؛ وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة التي سيرها إلى محمود بن سبكتكين. ثم أقر المستنصر رد الرسول إلى صاحب القسطنطينية. وكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدم من تقصيره في مكاتبة الوزير اليازوري وما دار في ذلك.
وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح، وهما قبيلتان من العرب، وبينهما حروب وعداوة، فأحضر الوزير مكين الدولة أبا علي الحسن بن علي بن ملهم بن دينار العقيلي، أحد أمراء الدولة، وكان رجلا عاقلا، وسيره إلى زغبة ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة، وأمره أن يصلح ذات بينهما، ويتحمل ما بينهما من ديات، ويفديه بالزيادة في إقطاعاتهما. فلما تم له ذلك أمرهم بالمسير إلى المعز بن باديس، وأباحهم دياره، وتشدد في هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ديار ابن باديس وملكوها، وجمعوا ذيوله عليه، وقلموا أظفاره، وضيقوا خناقه حتى لم يتمكن من قتالهم إلا مستندا إلى حيطان إفريقية. وذلك أنهم ملكوا برقة، فسار إليهم المعز فهزموه، وتبعوه إلى إفريقية، وحصروا المدن، فنزل بأهل إفريقية بلاء لا يوصف، فخرج إليهم المعز في أربعين ألفا وقاتلهم، فهزموه إلى القيروان. ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم، فهزموه، وأكثروا من القتل في أصحابه، وحصروه بالقيروان. وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى سنة تسع وأربعين، فانتقل المعز إلى المهدية في شهر رمضان منها، حتى نفدت أمواله، وقلت عدده، وتفلت منه رجاله، وأشرف على التلف؛ فلم يجد سبيلا غير إعمال الحيلة في خلاصه. فخرج متخفيا في زي امرأة حتى انتهى إلى المهدية، فاستولت العربان على حرمه وداره وغلمانه، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وانتهبوا ما كان في دوره وقصوره؛ وعاثوا في البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون، فخربت القيروان حينئذ إلى اليوم. ووصل كثير مما نهب من قصور بني باديس من الأسلحة والعدد والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة، فكان ليوم دخولها إلى القاهرة أمر عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلب الأحوال. وكان من خبر دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا في البادية، ونجعوا من نجد إلى الحجاز؛ فنزل بنو سليم مما يلي المدينة النبوية، ونزل بنو
هلال في جبل غزوان عند الطائف؛ وكانوا يطرقون العراق في رحلة الشتاء والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق؛ وكانت بنو سليم تغير على الحاج أيام الموسم وزيارتهم المدينة. ثم تجهز بنو سليم وكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم، وصاروا جندا لهم بالبحرين وعمان، وقدموا معهم إلى الشام. فلما غلبت القرامطة في أيام المعز لدين الله أبي تميم معد، ثم في أيام ابنه العزيز بالله أبي منصور نزار، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل العزيز بالله من كان معهم من بني هلال وسليم إلى مصر، وأنزلهم بالجانب الشرقي من بلاد الصعيد. وأقاموا هنالك وأضروا بالبلاد إلى أن ملك المعز بن باديس القيروان في سنة صمان وأربعمائة، وهو ابن ثماني سنين، من قبل الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بأمر الله، فامتدت أيامه حتى قام في الخلافة المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر، واستوزر أبا محمد اليازوري، فأنف من مكاتبته بالمولى؛ وكان ما تقدم ذكره. فحلف المعز بن باديس ليحلون الدعوة إلى بني العباس، ولج في ذلك، وقطع الدعاء للمستنصر، وأزال اسمه من الطرز والرايات، ودعا للقائم أبي جعفر بن القادر في سنة أربعين وأربعمائة، وكتب إليه بذلك. فكتب إليه بالعهد صحبة أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي، فقرأ كتابه بجامع القيروان، ونشر الرايات السود، وهدم دار الإسماعيلية. ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة؛ فأشار اليازوري بتجهيز أحياء هلال بن جشم. والأشروزينية ورياح وعدي وربيعة إلى المغرب، وتولية مشايخهم أعمال إفريقية. فقبلت مشورته. وأرسل إليهم في سنة إحدى وأربعين، وحمل إلى مشايخهم الأموال، وأنعم على سائرهم بفرو ودينار لكل أحد، وأبيح لهم حمى المغرب. وكتب اليازوري إلى المعز بن باديس: أما بعد؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقتضي الله أمرا كان مفعولا.
فسارت العرب إلى برقة، وفتحوا أمصارها؛ وكتبوا لإخوانهم الذين بشرقي الصعيد يرغبونهم في البلاد؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل واحد، ومضوا إلى أصحابهم؛ فتصارعوا على البلاد، فحصل لسليم الشرق، ولهلال المغرب. وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية وسرت. وأقامت بطون من سليم وأحلافها بأرض برقة، وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر، لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه، حتى وصلوا إلى إفريقية سنة ثلاث وأربعين. وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى العنزي؛ فاستماله المعز بن باديس، وكثر عيثهم في البلاد، ونادوا بشعار المستنصر. فبعث إليهم المعز العسار فأوقعوا بها؛ فخرج إليهم في ثلاثين ألفا فهزموه؛ وفر بنفسه وخاصته إلى القيروان، فنهبوا جميع ما كان معه، وقتلوا خلقا كثيرا، وحصروه بالقيروان حتى هلكت الضواحي والقرى. واقتسم العرب بلاد إفريقية في سنة ست وأربعين؛ وكان لزغبة طرابلس وما يليها، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها. ثم اقتسموا البلاد ثانيا، وكان لهلال من قابس إلى المغرب، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح وشداد والخلط وسفيان. ونصوح الملك من المعز بن باديس فركب البحر في سنة تسع وأربعين؛ فدخل العرب القيروان واستباحوه وخربوا مبانيه، فتفرق أهله في البلاد. ثم أخذوا المهدية وحاربوا
زناتة من بعد صنهاجة، وغلبوهم على الضواحي واتصلت الفتنة بينهم فخربت إفريقية بأسرها، وصيروا البربر لهم خولا. ومات المعز بن باديس سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس بن يحيى المرداسي ولاية القيروان وباجة، وأعطى زغبة طرابلس وقابس، وجعل الحسن بن مسرة في ولاية قسنطينة؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه، فاشتد عيثهم وإفسادهم. وفيها كانت وقعة البحيرة. وذلك أنها في إقطاع بني قرة وقد ملكوها وعمروا ضياعها، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم، وخشن جانبهم، وكثر المقدمون فيهم حتى انتشر ذكرهم، وذل لهم عددهم؛ وثقل أمرهم على الولاية بالإسكندرية؛ فجاورهم الطلحيون واستذموا منهم، وكانت لهم واجبات على الدولة من غير إقطاع، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر بالإسكندرية عندما تحمل إليها. فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر الدولة حسين كان واليا بالإسكندرية. فاستحق الطلحيون على الدولة، عن واجباتهم المذكورة، ثلاثة آلاف دينار، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقهم فيهم، فوعدهم؛ وكتب إلى الحضرة يلتمس ذلك؛ فوعده الوزير أنه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ذلك في جملته. وكان قد بقى على حمل المال شهران، فاستبعدوا الصبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته؛ وحملوا القريين على معونتهم
عليه، فاضطروه إلى المسير معهم إلى الحضرة لالتماس ذلك، فسار إلى الجيزة، وطلع إلى الوزير وعرفه الحال؛ فقال ما أخرنا ذلك عنهم إلا أن السنة كثيرة النفقات والطوارئ، وهذه ألف دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باق مالهم مع مال العسكر. فأخذ الألف وعرفهم ما قال الوزير. فامتنعوا عن الأخذ، وأبوا إلا قبض الثلاثة آلاف، وألزموه بالعود. فعاد، وعرف الوزير؛ فاغتاظ، وأمر لهم بألف أخرى. فنزل إليهم، فأبوا إلا أخذ الجميع، وجفوا في الخطاب؛ فعاد إلى الوزير، وعرفه؛ فغضب وقال: إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمعهم طمعهم؛ والله لا أطلق لهم درهما واحدا. واستعاد الألفي دينار، وتقدم بتجريد العسكر لهم؛ فتسرع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابي، ونزل إليهم؛ فإذا هم قد تأهبوا للقائهم. فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما الليل. وبلغ الوزير ذلك، فشق عليه إقدامهم على المحاربة، سيما بنو قرة فإنهم صلوا الحرب وكانوا فيها أشد من الطلحيين. فأخذ الوزير يجرد إليهم العساكر، فانطردوا وجمعوا حشودهم، والتقوا بكوم شريك، وكانت الدائرة عليهم وقتل منهم خلق كثير. وأنهزموا والعساكر تتبعهم، فأحاطت بأموالهم من كل ما يملكونه؛ وفر بنو قرة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون، فانقطع أثرهم من البحيرة إلى اليوم، وصاروا مطردين في قبائل العرب نحوا من أربعين سنة. وكان كل من بالحضرة يفند رأى الوزير في تجهيز العساكر إليهم ويحكمون بأنهم لا يفارقون إلى البحيرة، فجاء الأمر بخلاف ظنهم.
ثم إن الوزير رأى أن في إقامة العساكر في أعمال البحيرة كلفة كبيرة، فأرسل إلى بني سنبس، وكانوا بالداروم وفلسطين، وقد ثقلت وطأتهم هنالك وصعب أمرهم؛ فعدى بهم إلى البحيرة، وهم أعداء قيس، وأوطأهم ديارهم، وأقطعهم أرضهم، فمحى اسم بني قرة من هناك. وكان تجهيزه للعسكر في شهر رمضان، وتسييره لهم إلى بني قرة في مستله شوال، فخطأه الناس في فعله، وقالوا لم يجرد عسكر قط في شوال، فظنوا أنه لا يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر. وكان شمس الدولة زمام الأتراك والقيصرية، وإليه زم القصور والخدمة في الرسالة، وليس أحد في الدولة يجري مجراه جلالة وتقدما، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر، ويغتال له الغوائل؛ فكان ينتظر إنهزام العسكر ليقبض عليه. فلما أراد العسكر أن يسير من الجيزة، ومقدمه ناصر الدولة، قرر معه لقاءهم في اليوم الخامس من شوال بطالع يخبره به؛ وسير معه عدة طيور من الحمام ليطالعه بما يكون يوما بيوم. فلما كان في ذلك اليوم، وهو يوم خميس جلس في داره وقد اشتد قلقه وكثر اهتمامه بما يكون من العسكر؛ واحتجب عن الناس لشغل سره، وجلس ينتظر الطائر. فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من نهاره، فقام ليجدد طهارة، فعبر البستان وقد أطلق الماء في مجاريه، فرأى ورقة تمر على وجه الماء، فأخذها متفائلا بها، فوجدها أول كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله، قد ذهبت طرته وعنوانه وبقى صدره، وهو: كتب عبد مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيم المنصور في الساعة
الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال، وقد أظفره الله عز وجل بعدو الله تعالى وعدو الحضرة المطهرة، أبي ركوة المخذول، وهو في قبضة الأسارى والحمد لله رب العالمين. فلما وقف على ذلك سجد شكرا لله تعالى، وعجب من موافقة اليوم وعدة الأيام من شوال والأعلام بالظفر. ثم تجهز للصلاة، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بني قرة وانهزامهم، وما من الله تعالى به من الظفر بهم. فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر، ودخل إلى المستنصر وأوقفه على الكتاب؛ فسر بذلك؛ وأراه الطير وقال: هذا أعجب يا أمير المؤمنين؛ وحدثه بحديثه، فعجب من هذا الاتفاق. ثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم، فخلع على الوزير، وزيد في ألقابه للدين، غياث الدين؛ فتم له النظر وقوى أمره، وذلك من كان يعاديه؛ فجرى على عادته في العفو والمجاملة. وكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرة، لما فيهم من الشر والغلظة، وطردوا الولاة. وصار إليهم المعز ابن باديس، فملكوه عليهم وقد خرج عن طاعة الدولة، فأساء السيرة فيهم، وثقل عليهم، فوثبوا عليه وأخرجوه منها. وكاتبوا ملك الروم، فسار إليهم بطريق كبير، فولوه أمرهم مدة ثم وثبوا به وأخرجوه عنهم. وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم والعفو عنهم ويسألون إيفاد وال. وكان بصقلية بنو أبي الحسين، لهم رئاسة وفيهم من يؤهل نفسه لولايتها؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص الدولة؛ فمكث فيهم زمانا، ثم نفروا منه، وبعثوا يسألون تغييره عنهم. فسير الوزير
رجلا من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدولة ابن لؤلؤ، وأسر إليه أن يتلطف في إخراج بني أبي الحسين من صقلية ويسيرهم إلى الحضرة. فدخل إليها، وساس أمره، حتى بعث بجميع من كان فيها من بني أبي الحسين. واستقام الأمر في صقلية بخروجهم عنها. وقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلي بن محمد الصليحي يتشيع، فحسن له الدعاة الدخول في نصرة خلفاء مصر، فأعلن ذلك بها، ودعا أهل اليمن إليها، وحمل تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر. وكان أبوه قاضيا باليمن سني المذهب، وزوجته أسماء ابنة عمه شهاب، وكانت أجمل خلق الله، وهي أم الدعاة باليمن، وعرفت بالحرة. وكانت ذات عز وكرم، وتفاخر بنوها بها، ومدحت. وكان باليمن الداعي عامر بن عبد الله الرواحي، فاستمال أبا الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي، وهو صغير، حتى مال إليه، فلما مات عامر أوصى له بكتبه وعلومه، فدرسها حتى تضلع من معارفه وصار من فقهاء الشيعة، وحج بالناس دليلا خمس عشرة سنة. ثم ثار في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وتزايد أمره، ودعا للمستنصر، وكتب إليه بما هو عليه، واستأذنه في المسير إلى تهامة، فأذن له. ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن. وجهز الوزير إلى النوبة، فأضعف عليهم البقط، وحملوه؛ واستقر الأمر على ذلك.
سنة أربع وأربعين وأربعمائة @YY444
فيها كتبت بغداد محاضر تتضمن القدح في نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من الالتحاق بعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ببغداد وأشرافها وقضاتها، وعزوا نسبهم في الديصانية من المجوس. وسيرت المحاضر إلى البلاد، وشنع عليهم تشنيع كبير. وسبب ذلك الغضب ما عمل مع الرسول المرسل من المعز بن باديس، فإنه لما شهر بالقاهرة على جمل مقلوب، وكتاب العقد في عنقه والهدية بين يديه، ثم أحرقت الخلع والتقليد، أعيد الرسول إلى ملك الروم؛ فعز عليه ما فعل واعتذر إليه منه؛ فإنه كان قد ضمن له من مصر إعادته إليه سالما بعد ما جرت مخاطبة في طلبه. ثم أعاده ملك الروم إلى بغداد، فوصل في سنة أربع وأربعين هذه. وسبب عوده أن المعز بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى بغداد في ذلكن فبعث معه الملك طغرلبك، أبا علي بن كبير ليخاطب ملك الروم في رد أبي غالب، وكتب معه كتابا عنوانه: من ركن الدين وغياث المسلمين، بهاء دين الله وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، أبي طالب يمين الخليفة أمير المؤمنين، إلى عظيم الروم. ومضمونه بعد البسملة: الحمد لله القاهر سلطانه، الباهر برهانه، العلي شأنه، السابغ إحسانه؛ ثم مر فيه إلى أن قال: وقد نجم بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه، ويغتر بمن أغواه من حزبه، ويعتقد من الدين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم في الأئمة الأول وهذا العصر، ولا يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر. ثم ذكر رسول أبا غالب وعاتب في أمره، وطلب تسييره مخفورا إلى المعز بن باديس. فقدم إلى قسطنطين. متملك
الروم بالقسطنطينية في صفر من هذه السنة، فتلقاه الملك وأدخله عليه، وسأله عن السلطان طغرلبك؛ فذكر له الرسالة، وطلب منه مقاطعة صاحب مصر، وإطلاق أبي غالب، وإرسال رسول المعز إليه. فقال له: صاحب مصر مجاور لنا، وبيننا وبينه عهود وهدنة، وقد بقي منها سنتان، ولا يمكن فسخها؛ وأما رسل المعز والرسل إليه فهم قوم يسعون في الفساد. وتردد القول إلى أن أطلق أبا غالب وأجازه إلى المعز، وعاد أبو علي ورفيقه إلى بغداد في بقية السنة. وفيها قصر مد النيل، ولم يكن في المخازن السلطانية شيء من الغلال، فاشتدت المسغبة بمصر. وكان لخلو المخازن السلطانية من الغلال سبب، وهو أن الوزير اليازوري لما تقلد وظيفة قضاء القضاة في وزارة أبي البركات الجرجرائي كان ينزل إلى الجامع بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كل جمعة، فيجلس في الزيادة منه للحكم، على رسم من تقدمه من القضاة، وإذا أقبل العصر طلع إلى القاهرة. وكان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم؛ وكانت عادة أخباز مصر في أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغش به. وكان لعريف الخبازين دكان وكان يبيع الخبز، وبحذانها دكان لصعلوك يبيع الخبز أيضا، وكان سعره يومئذ أربعة
أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده، فنادى عليه أربعة أرطال بدرهم ليرغب الناس فيه؛ فمال إليه الزبون فاشتروا خبزه لأجل تسمحه بثمن درهم؛ وبار خبز العريف، فغضب ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم. ووافق ذلك نزول قاضي القضاة إلى الجامع، فاستغاث به، فأمر بإحضار المحتسب وأنكر ما فعله؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق باطن الحال. فأمر القاضي بصرف ذلك العريف وأن يغرم ما أخذ من الخباز؛ والتفت إلى صاحب ديوانه، وقال: ما معك فادفعه إلى هذا الخباز. فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيان، فكاد عقله يطير فرحا. وعاد فنادى على الخبز خمسة أرطال بدرهم، فمال إليه الناس، وهو ينادي بزيادة رطل برطل، إلى أن بلغ عشرة أرطال بدرهم. وانتشر ذلك في البلد جميعه، وتسامح الناس به فتسارعوا إليه، فلم يبق في البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم. وكانت العادة أن يبتاع في كل سنة غلة للسلطان بمائة ألف دينار ويمحل متجرا. فلما عاد القاضي إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرفه ما مر به في يومه من إرخاص السعر بغير موجب؛ وقال: يا مولانا، إن المتجر الذي يقام بالغلة فيه مضرة كبيرة على المسلمين، وربما انحط السعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، فتتغير في المخازن وتتلف، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس فيه، ويفيد أضعاف فائدة الغلة، ولا يخشى عليه من تغير في المخازن ولا انحطاط سعر؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك. فأمضى الخليفة ما رآه، وبطل المتجر في الغلة وتوسع الناس بذلك.
سنة ست وأربعين وأربعمائة @YY446
فيها أيضا قصر مد النيل؛ ونزع السعر؛ ووقع الوباء. ولم يكن في المخازن السلطانية إلا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير، فورد على الوزير من ذلك ما أهمه. وصار سعر التليس ثمانية دنانير، واشتد الأمر على الناس. وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم في القيام للديوان بما يجب عليهم من الخراج، ومطالبة الفلاحين بالقيام به، يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه. فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للديوان، وقاموا عنهم للجند بما يجب عليهم، وكتب ذلك في روزنامج الجند مع مبلغ الغلة؛ فإذا أدركت الغلة وصارت الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم. فمنعهم الوزير من ذلك، وكتب إلى العمال بجميع النواحي أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة، ويحضروا منها ما قام به التجار من المعاملين، ومبلغ الغلة الذي رفع الإيقاع إليه، وأن يقدموا للتجار ما وزنوه للديوان ويربحوهم في كل دينار ثمن دينار؛ ويضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها. فلما تحصلت بالنواحي جهز المراك بحمل العلات، وأودعها المخازن السلطانية بمصر، وقرر ثمن كل تليس ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير. وسلم إلى الخبازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق ووظف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر، فكان ألف تليس في كل يوم، لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلثمائة. فقام بالتدبير أحسن قيام مدة عشرين شهرا، حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها، وزال عنهم الغلاء.
وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم، في أيام وزارة أبي نصر الفلاحي، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم، وكان داهية أديبا شاعرا نحويا فيلسوفا ولد بالروم ونشأ بأنطاكية، ودخل العراق، ولقن من العلوم والآداب ما بعد به صيته، وكان يعرف بابن أصطفانوس؛ والآخر متحمل الهدية، وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل. فرأيا من حسن زي الدولة وجميل سيرتها ما أعجبا به، لا سيما ميخائيل، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه في نفسه. وساروا وقد امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه. فاتفق ملك الروم وتمليك ميخائيل هذا، فبلغه ما بمصر من الغلاء، فحمل إليها مائة ألف قفيز قمحا، وقدم كتابه أمامها يعين الغلة والكيل الذي تستوفي به إذا وصلت؛ فانتهت إلى أنطاكية. وأعد هدية الهدنة على ما جرت به العادة، وهدية من ماله. فلما رأى الروم ذلك ظنوا به الميل إلى الإسلام، فقتلوه في ثامن شوال؛ فكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة سبعة أشهر، وعمره أربع وخمسون سنة وشهر واحد. وأقاموا رجلا يعرف بابن سقلاروس من أهل أنطاكية، وكان لجوجا خبيثا حديدا، فاعترض الهديتين وأخذهما، وقال: أنا أنتفع بهما وأنفق ثمنهما على قتال المسلمين. وكانت للوزير بالقسطنطينية عيون، فكتبوا إليه بذلك، فسير مكين الدولة الحسن ابن علي بن ملهم الكتامي إلى اللاذقية في عسكر لحصارها والتضييق على من فيها؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر. فكتب ابن سقلاروس، متملك الروم، إلى الحضرة يستوضح ما الذي أوجب ذلك؛ فأجيب أن الذي أوجبه ما كان فعله في نقض ما استقر مع من تقدمه من الهدنة، وقبض الهدية، والهدية التي ليست من ماله. فأجاب بأنه يحمل الهدية؛ فاشترط عليه إطلاق من في بلاد الروم الأسرى. فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم أطلق من في بلاد الروم من أسرى المسلمين. فأجيب بأنه
لا يصح التماسه لذلك، لأن من أسر من بلاد الروم تفرقوا في الممالك بالعراق والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك، ويرتجع منها ما صار في أيدي أهلها؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك؛ ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلا بإذن أهلها؛ وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنه لا يطلق من في بلاده من أسرى المسلمين. فاشترط عليه النزول عما صار في أيدي الروم من الحصون الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من حصون المسلمين من حصون الروم سلم ما في أيديهم من حصون المسلمين. فبدل الجيش بجيش آخر، وخرج مع مقدمه الأمير السعيد ليث الدولة، فنازل اللاذقية حتى فتحها، ووقع العنف فيها. وأجيب بأنه لا يصح أن يسلم إليهم ما صار في أيدي المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها البساتين. فقال: يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها، وما أنفقوه فيها، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين. فأجابوا إلى أن يسلموا ما في أيديهم من الحصون الإسلامية. وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هدية من الروم إلى الحضرة تقوم ويحمل إليهم هدية موضعها بثلثي قيمتها، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث؛ فاشترط أن يكون فيمة ما يحمل إليهم من الهدية عوضا عن قيمة هديتهم النصف؛ فأجابوا إلى ذلك أيضا. فاشترط عليهم أن يردوا كل من تضمه دار البلاد، التي هي دار الملك ومحله؛ فامتنع من ذلك. فأمد الجيش بجيش ثالث وعليه أميران، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلي، ومقاد جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم. فأوغلوا في بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها، والرسل والمكاتبات تتردد، إلى أن استقر القيام بالجزية التي التمسها أمراء البلاط، وجهزت الهدية. وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار.
وحمل ذلك إلى أنطاكية؛ فبلغهم قتل الوزير، فأعيدت إلى القسطنطينية. وزينت بلاد الروم لموته، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم، وشدة شكيمته. وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل في بلاد الروم وقارب أفامية وجال في أعمال أنطاكية نهب وسبى، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب في آخر ربيع الآخر. وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان، أمير الكلبيين، فاعتقل بالقاهرة، وردت إمارة بني كليب لنبهان القريطي. وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار، وهو مقيم بظاهر دمشق، ففر إلى غالب بن صالح. فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه تسيير هدية إلى ملك الروم، فتحير في أمره واعتذر.
سنة سبع وأربعين وأربعمائة @YY447
فيها سير المستنصر إلى كنيسة قمامة، فأحتاط بجميع ما فيها. وذلك أن القاضي أبا عبد الله القضاعي كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملك الروم، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من الملكة تيودورا أن تمكن رسوله من الصلاة في جامع قسطنطينية، فأذنت له في ذلك؛ فدخل إليه وصلى به، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي. فبعث القضاعي بذلك إلى المستنصر، فأحاط بما في قمامة وأخذه، وأخرج البطرك منها إلى دار مفردة؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين، وزاد على النصارى في الجزية. وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم والمصريين. وفيها تجمع كثير من التركمان بحلب وغيرها، وأفسدوا في أعمال الشام. وفيها تزايد الغلاء، وكثر الوباء، وعم الموتان بديار مصر. وفيها سار مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم من القاهرة بالعساكر؛ ونودي في بلاد الشام بالغزو والجهاد. واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة، وقرر معه أن يسير في قومه الكلبيين مع ابن ملهم، ثم قبض عليه. وعقدت إمارة الكلبيين لنبهان، وقيل لسنان، فنزل ابن ملهم أفامية، ثم سار إلى حسن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه
بالأمان، في ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين. وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا، فلحقهم وقتلهم، وأطفأ النار من القلعة، وأغار على البلاد؛ فلم يكن بأنطاكية من يذب عنها، وجمع كل طامع في النهب بحجة ابن ملهم. وتوسط ثمال بن صالح للصلح، فلم يتم. وسيرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية، فوصل اللاذقية ثمانون قطعة، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها في جماعة، فظفروا بشينيين للمسلمين معهما الغنائم؛ فسار ابن مهلم نحوهم، وكشف الروم إلى طرف أنطاكية، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا. فدار الأسطول إلى طرابلس وقاتلوا أهلها، فقتل من الفريقين خلائق. وعاد الأسطول الرومي إلى اللاذقية، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتي عشرة ليلة؛ وملك بعدها ميخائيل.
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة @YY448
فيها جهزت الأموال لأبي الحارث البساسيري، فخرج بها المؤيد في الله عبد الله بن موسى، وجملتها ألفا ألف وثلثمائة ألف دينار، العين ألف ألف وتسعمائة ألف دينار، والعروض أربعمائة ألف دينار. وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه، رجل من أهل فسا، إحدى مدائن فارس، فلذلك قيل له البساسيري؛ وتنقل في الخدم حتى صار مقدم الأتراك ببغداد في أيام الخليفة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر، وتلقب بالمظفر. وكان القائم لا يقطع أمرا دونه. فطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعى له على منابر العراق والأهواز، وتجبر. وأراد في سنة ست وأربعين من الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابني المحلبنا، صاحبي قريش ابن بدران صاحب الموصل، فلم يمكنه من ذلك. فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق، وهدم سورها وأخذها قهرا، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان ومائة رجل من بني خفاجة، وكثيرا من أهل الأنبار. ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل في رجليه قيد؛ فصلب كثيرا من الأسرى.
واتفق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيري، فخرج إليه ابن سكرة الهاشمي في جماعة، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابه؛ وكان هو إذ ذاك في نواحي واسط. فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة، فعظمت الوحشة بين وبين الوزير. وسار إلى دبيس بن بدران وهو مستوحش، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم بإظهار الطاعة، فتقرر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبي كاليجار المرزبان ابن سلطان الدولة أبي شجاع، على أن يخطب لطغرلبك ببغداد؛ فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان منها. ثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة، ثم بعث به إلى قلعة السيروان، وفر منه قريش، ثم إنه خلع عليه ورده إلى أهله، وأخذ أموال الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعي في طلب الرزق؛ فسار أكثرهم إلى البساسيري. وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه البساسيري، فالتزم له بذلك. وبلغ البساسيري الخبر، فسار إلى رحبة مالك بن طوق، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له في الدخول إلى حضرته؛ فأشير على المستنصر بألا يمكنه من الحضور، وأن يعده بما يرضيه، وسير إليه الخلع. فبعث يسأل في النجدة، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر وإزالة دولة بني العباس، وأنه يكفي في رد طغرلبك عن قصده البلاد الشامية. فجهزت إليه خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيد في الدين أبي نصر هبة الله بن موسى في سنة ثمان وأربعين، حيث لم يترك في خزائن أموال القصر شيء ألبتة. وخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة في تجمل عظيم، ومعه من كل ما يريد،
حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطين المزروع فيه سائر البقول برسم مائدته. ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما يجل وصفه. فسار إلى القدس، ورحل منها إلى اللاذقية يريد فتحها. فلما كان في شوال منها واقع البساسيري ودبيس قريش ابن بدران العقيلي صاحب الموصل وقتلمش ابن عم طغرلبك، وكان طغرلبك قد سيره إلى سنجار في ألفين وخمسمائة فارس. فكانت الوقعة المشهورة التي لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها. وانهزم قريش وقتلمش، واستولى البساسيري ودبيس على الموصل وأقاما بها الدعوة للمستنصر، وكتبا إليه بذلك؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء العرب. وعمل الشعر في هذه الواقعة. فمن مليح ما قيل لابن حيوس: عجبت لمدعى الآفاق ملكا ... وغايته ببغداد الركود ومن مستخلف، بالهون يرضى ... يذاد عن الحياض ولا يذود وأعجب منهما شعب بمصر ... تقام له بسنجار الحدود وبلغ ذلك طغرلبك، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين، فأوقع بالعرب وألقاهم بين يدي الفيلة، فقتلهم شر قتلة. وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة فقبل منهما. وسار إلى دياربكر؛ وجهز أخاه داود إلى الموصل، فتسلمها وعاد إلى بغداد.
سنة تسع وأربعين وأربعمائة @YY449
فيها تسلم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب في آخر ذي القعدة، وانكفت أيدي التركمان عنها، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت خطبة القائم؛ وذلك بعد حروب عظيمة. وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة، فبقي على ملكها أربع سنين. وفيها قدم كتاب من بخارى أنه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، وخلت الأسواق، وأغلقت الأبواب. وتعدى الوباء إلى آذربيجان فالأهواز والبصرة وواسط، وعامة تلك الأعمال، فكانت الحفيرة تحفر ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات. وكان سببه قلة القوت والجوع، فنبشت الأموات وأكلهم الناس. وكان الموت إذا وقع في دار مات جميع من فيها، وكان المريض ينشق قلبه عن دم المهجة، فيخرج من فمه قطرة فيموت، أو يخرج من في دود فيموت. وكل دار كان فيها خمر مات أهلها كلهم في ليلة واحدة، ومن كانت امرأته حراما ماتا معا، ومات قيم مسجد وله خمسون ألف درهم فلم يقبلها أحد، ووضعت في المسجد تسعة أيام، فدخل أربعة من الشلوح إليها ليلا ليأخذوها فمات الأربعة عليها. وكان يموت الوصي قبل الموصى، وكل مسلمين كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا. وابتدأ هذا الوباء من تركستان، ودب منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة، وعم النساء والصبيان، فمات الصبيان والكهول والفتيان من سائر الناس إلا الملوك والعساكر، فإنه لم يمت منهم ولا من الشيوخ والعجائز إلا القليل!!
سنة خمسين وأربعمائة @YY450
في أول المحرم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدين، غياث المسلمين، أبي محمد اليازوري، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة وقضاء القضاء وداعي الدعاة. وكان للقبض عليه أسباب، منها أن طغرلبك لما ملك بغداد كان بها لليازوري عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها، فوصلت كتبهم بوصوله، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه. فقل لذلك ورأى أن الحيلة أبلغ من الاستعداد له، فكتب إليه يهنئه بوصوله إلى العراق، ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله، وأن مصر وأعمالها بحكمه، وأنه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها فإنه يعلم كثرة الاختلاف، فمن تجاوزها في نسبها، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضا بالخليفة الصحيح النسب، الصريح الحسب، الهاشمي العباسي، وأنه لا يمتنع عن الإقرار له بذلك. وأعطاه صفقة يده على مبايعته، وتسليم الدولة له. وأنه قد اتصل به إزماع حضرته على التوجه إلى الشام، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطأها عساكره مع كثرتها وتجمعها فيخربها ويعفى آثارها، ولا يقع بملكها انتفاع، ولا يرجى لها ارتفاع؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها، ووصول ركابها إليها، على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها، فلها عالي رأيها. فلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل، ويجب أن يعتمد ما أشار به بالإذن للعسكر في عودتهم إلى بلادهم؛ فمضى كل منهم لوجهه. ثم أمر فضرب فساطيطه في الجانب الغربي من بغداد؛ فكتب بذلك عيون اليازوري إليه، فقلق، ثم كتب إليه: لا تغرنك الأماني والخدع بأن أسلم إليك أعمال الدولة، وأخون أمانتي لمن غذاني فضله وغمرني إحسانه، وتتعين علي طاعته وموالاته. فإن كنت تسلم إلي ما في يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلمت إليك ما في يدي لصاحبي، بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة
لابن بنت النبي الذي هو أولى بمكانه من غيره. وإن رغبت في المهادنة والموادعة انتظمت الحال بين الدولتين، وأمن الناس بينهما. فإن أبيت إلا الخلاف، ونزع الهوى بك إلى الظنون الفاسدة، والأطماع الكاذبة فليس لك عندي إلا السيف. فإن شئت فأقم، وإن شئت فسر. فغاظ ذلك طغرلبك وقال: خدعني هذا الفلاح وسخر مني. وكتب إلى إبراهيم بن ينال، أخي طغرلبك لأمه، برد العسكر مسرعا، فلم يتأت له اجتماعهم. وكان اليازوري قد بث عيونه وجواشيه في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة الأماني والمواعيد، مثل خاتون زوج طغرلبك، والكندري وزيره، وابراهيم ينال أخيه وصاحب جيشه؛ فمالوا إليه وقعدوا عن صاحبهم. وحمل خاتون على قتله، فامتنعت من ذلك وواعدته أنها تتحيز بغلمانها، وهم نحو اثني عشر ألفا، عنه؛ فاعتزلت بهم. وكان ذلك ظفر البساسيري بعسكر طغرلبك، وظفر كثير منهم، ورجوع طغرلبك من بغداد طالبا لجمع عسكره الذي تفرق عنه. وهو أنه سار في هذه السنة ملك البساسيري وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها. فخرج طغرلبك يريدهما، فسارا عن الموصل، وهو يتبعهما، إلى نصيبين؛ ففارقه إبراهيم ينال وقصد همذان، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد. ففت ذلك في عضد طغرلبك وترك ما هو فيه، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه، وترك بغداد. فقوى أبو الحارث البساسيري، وكثف جمعه، وقصد أعمال العراق، ففتح بلدا بلدا، وتملك الأعمال والرساتيق طوعا وكرها، والدولة المصرية تمده بما يستعين به على ذلك؛ وهو لا ينفذ في أمر من الأمور إلا بما يقرره اليازوري. فكثرت حساده على ما يتوالى من سعادته في كل يوم، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها حسن آثاره في الدولة، وتأثيراته في جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ومحكم
التدبير الذي يبلغ به غاية آماله، بحيث لا يبلغ غيره بعضها إلا بإنفاق الجمل العظيمة، وتفريغ بيوت الأموال؛ ثم لا يكاد يظفر ببلوغ أمل في جهة من الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل. وصار أعداؤه يتعجبون مما يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار. واستطالوا مدته، فابتغوا له الغوائل، ونصبوا له الحبائل، وركبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقل الناس وأحقرهم، وأدناهم منزلة، وأضعفهم قدرة، وهم من أطراف الخدام. فأقاموا رجلين، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربي كان في حاشيته، والآخر خازن يتولى خزانة الفرش يعرف بتنا؟. وحكوا أنه نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي شمع سبكه وأعده إلى القدس وإلى الخليل، وأنه قد عول على الهرب إلى بغداد؛ واستظهروا بكتابه الذي ذكر إلى طغرلبك؛ مع ما في طبيعة الملك من الحسد والملل، والأنفة من الاستبداد عليهم ومحبة الانفراد بالمجد. وكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من صفي الملك، ولد اليازوري، عمل دعوة يدعوه إليها، فدافعه عن ذلك استعظاما لحضوره عنده؛ فأقام مدة حتى بعثه والده الوزير على تكلف عملها له؛ فتهمم لذلك، واصطنع ما يجب إعداده، وتقرر الحال على يوم يحضر فيه. فلما كان قبل ذلك بيوم حضر صفي الملك عند الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه، فصار معه إلى الدار واستصحب خواصه، فرأى ما يقصر عنه الوصف. وفرش مجلسين بديباج بياض كله، وفيه جامات كبار وحمر منقوش، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ملء المجلس؛ وسراديق وحجلين للصدر والباب كله جديد كما حمل من الأعدال؛ فقدر ذلك بخمسة آلاف دينار. فأقبل كل من حضر يبالغ في صفته ويدعو، وشخص منهم ساكت. فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من تطواف المجالس وعرض كل ما أعده، وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعد في دهليزه من الفرش والآلات والطيب، وداخله من الفواكه والمشمومات كل مستحسن. ودعا الوزير الرجل الذي سكت عند مبالغة من حضر في الوصف، وقال: يا عمدة الملك، مالي لم أسمعك تؤمن على ما قال الجماعة؟ فقال له بد ما سأله الإعفاء عنه وتركه من القول، فأبى إلا أن يقول: سيدنا فيما أعده من هذا الجمال بين أحد رأيين، إما أن يأمر بإزالته ونصب غيره مما قد
استعمل، وإما يحمل إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه. فقال: وما هو هذا؟ أليس هو مما أنعم به وصار إلي من فضله؛ وما قدره حتى تمتد عينه إليه أو تتطلع له نفسه! واما إزالته ونصب غيره فما كنت أكسر في نفس هذا الصب شهوة، فإني متى أمرت بإزالته حزن لذلك. وافترقا. فلما كان الغد جاء المستنصر وأقام يومه ذلك في الدار، وأحضر إليه الطعام مما حوله من الطرف؛ ثم عاد آخر النهار. وحضر عند الوزير أصدقاؤه، فانفرد بذلك الرجل، وقال: يا عمدة الدولة، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس؛ منذ دخل الخليفة إلى الدار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمل الفرش، فإذا وجهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل. فقال له: يا سيدنا أما إذ فات الأمر الأول فلا يفوت الثاني. فقال: والله لا فعلت ولا غممت صفي الملك. واتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع، فلما عاد قال لصديقه: يا عمدة الدولة، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان علي فعجبت من ذلك، فلما مثلت بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدست حتى مد يده إلى الثوب وتلمسه، فزال عجبي منك إذ كان الخليفة يتأمله؛ والملوك إذا أنعموا على أحد استحال التظاهر بإحسانهم حسدا ومللا. وكان راتب مائدته في كل يوم كوائد الملوك في الأعياد والولائم. وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار والمصدر أربعة بدينار، والمسمن ثلاثة بدينار، والفائق اثنان بدينار؛ وكان يعمل لداره ومن فيها المسمن، وأما مائدته فلا يقدم عليها إلا الفائق.
فلما كان في سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليس ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة. وكان المستنصر يحضر دار اليازوري كل يوم ثلاثاء على عادته، فتقدم إليه المائدة، فإذا هي على ما يعهد لم يخل منها بشيء حتى الدجاج الفائق؛ فقال لصاحب مطبخه: ويلك، يكون راتب مائدة الوزير الدجاج الفائق ومائدتي دون ذلك! فقال: يا مولانا ما ذنبي إذا قصر بك أصحاب دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم، والوزير فلا تتجاسر وكلاؤه أن يقصروا في شيء مما جرت العادة به في راتب مائدته وغيرها، مع تقدمه إليهم في كل يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره. فلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلا في ساعة القبض، فكتب إلى أبي الفرج البابلي وكان قد قدمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين، واستخلصه دونهم، كما يأتي إن شاء الله عند ذكر وفاته بعد البسملة: عرفنا يا أبا الفرج أطال الله بقاءك وأدام عزك تغير الرأي فينا، وسوء النية والطوية؛ فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك فاحفظ الصحبة، وارع واجب الحرمة؛ وإن يكن صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض. على أنا نشير عليك: إن دعيت إليه فأبى عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا. والسلام. ودعى البابلي للأمر، ووزر، لأنه لم يكن في الدولة من يتقدمه لما وطأة اليازوري وأمله من تقديمه وتمييزه. وكان اعتزاله يغطي على عيوبه، فلما ولي الوزارة بان للناس من رقاعته وحدته وكثرة شره ما افتضح به؛ وتجرد لمقابلة إحسان اليازوري بكل قبيح وذكره بما لا يستحق من الغض. وكانت الرقعة التي كتبها إليه من أعظم ذنوبه عنده فكان يقول؛ يخاطبني وهو على شفير القبر بنون العظمة! ولا يذكره إلا بالسفاهة واللغو، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل أحد. ثم لم يقنعه كون اليازري في
الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنيس، في صفر، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته، فاعتقلوا بها. ثم شرع البابلي في التدبير على قتله. قال الشريف فخر الدولة ومجدها، نقيب نقباء الطالبيين: قال لي مولانا يعني المستنصر يا فخر الدولة؛ ما رأيت أوقع من البابلي؛ وذلك أن اليازوري لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم المنزلة إلا بعد أن تقدم له من المآثر والآثار في الدولة وما فتح على يديه ما هو معلوم مشهور، وكان يرتقي بذلك درجة بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه؛ والبابلي فمن أول يوم استخدمناه استدعى المنزلة التي لم يصر ذلك إليها إلا بعد عدة سنين، فأجبته إليها، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن يكون مثل ما كان ذلك الرجل. ومنها أنه كان إذا حضر بين يدي يكثر التثريب على اليازوري ويذكره بالقبيح ظنا منه تطلعنا إلى عوده إلى الأمر، وليثبت في نفوسنا سوء الرأي فيه. ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذي سقت عليه الأتراك ووطئوا دراعته، فإنه لما دخل إلي قال: يا أمير المؤمنين، إنه لا ينفذ لك أمر ولا يتم لي نظر وهذا الكليب في قيد الحياة. فقلت: ومن هو ذلك الكليب؟ فقال: علي ابن عبد الرحمن اليازوري. فقلت: أيها الوزير، اعلم أني لم أصرف الوزير عن خدمتنا ولنا في إعادته رغبة، فطب نفسا ودع ذكره، فأنت آمن مما تخافه من جهته. فقال: والله إن هذا لعجب من حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه مع قبيح فعله، وما هم به من قتلك، حتى إن السقية أقامت تدور في قصرك أسبوعا كاملا. فقلت: أيها الوزير، أقامت السقية تدور علي في قصري أسبوعا كاملا؟ فقال: نعم. فأطرقت متعجبا، وبقيت،
متفكرا في ذلك، أصرف الظن بين تصديقه وتكذيبه، ثم أقول، لو لم يطلع على ذلك لم يذكره. فأمسكت، فظن بإمساكي أنني راض بما يفعله معه؛ وخرج فاستدعى طاهرا كاتب السر وسيره لقتله. ونمى الخبر إلى مولاتنا الوالدة، فأنكرت ذلك ودخلت إلي، فقالت: أنت يا مولانا أمرت البابلي بقتل اليازوري! فقلت: لا. فقالت: قد سير طاهر ابن غلام لقتله. فاستدعيت سعيد السعداء وأنفذته إليه، وقلت له: قل له لم يأمرك بقتله، فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ. فألفاه صاحب الرسالة في الحمام، فاعتذر إليه، فقال: لا بد من الدخول؛ ودخل وأدى الرسالة إليه؛ فقال: أخرج وأسير من يعيده. وطول في الحمام ثم خرج، فإلى أن كتب الكتاب وسير به النجاب سبقه ذلك إلى تنيس، فلم يصل حتى نفذ الحكم فيه. ولما وصل طاهر إلى تنيس أوصل كتاب البابلي إلى جمال الدين صبح يذكر فيه: إنا قد سيرنا طاهرا فيما أنت تقف عليه من جهته، فتثبت منه، وتحضر معه لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى الغد. فقال: وما الذي وصلت فيه؟ فأخرج تذكرة بخط البابلي فيها: إذا وصلت يا طاهر أعزك الله إلى تنيس وقد سغبت ولهثت من العطش، فلا تبل ريقك بقطرة دون أن يحضر علي بن حسن بن عبد الرحمن اليازوري إلى دار الخدمة، وتمضى حكم السيف فيه؛ فد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة بمعونتك على ما يستدعيه ذلك؛ فقدمه ولا تؤخره إن شاء أحد. فقال له: أنت خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان، والأمر الذي وصلت فيه ممتثل، فأمض الحكم فيه. وأنفذ من يحضر اليازوري من معتقله، والصقالبة والسعدية خدام الستر وقوف، والسياف قائم. فقال له طاهر: يا حسن، يقول لك مولانا أين أموالي؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه. فقال له: إياك أخاطب يا حسن بن علي بن عبد الرحمن، يقول لك أمير المؤمنين أين
أموالي؟ فلم تجبه. فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف، وقال لطاهر: يا كلب تجيء وهذا معك، وأشار بيده إلى السياف، وتسألني بعد ذلك؛ ولكن قل له يا مولانا قبض علي وأنا آمن على نفسي، فإن يكن عندي مال، فقد وجدته في داري، وكنت داعيك وثقتك المؤيد في الدين. في القمطرة الفلانية ما يشهد بذكر مالك أين هو. فأشار طاهر إلى أولئك، فأخذوه، وضربت عنقه في ليلة الثاني والعشرين من صفر؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة، وطرحت جثته على مزبلة ثلاثة أيام. ثم ورد الأمر بتكفينه، فكفن بعد أن غسل، وحنط بحنوط كثير، وحمل ليلا ودفن وقد وضع رأسه مع جثته. وكان له من المآثر المرضية، والخلال الحميدة، والأفعال الجميلة، والخلائق الرضية ما يتجمل الملوك بذكره. منها أنه كنت له مائدة يحضرها كل قاض فقيه وأديب جليل القدر، فإذا قدمت فكأنها الرياض من حسنها وسعة نفسه. وكان الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة، فيكون عليها كأحدهم. وقال عميد الدولة: أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له في المبيت والصباح، فكنت أراعيه في حالاته كلها ليلا ونهارا، فلا أرى يتغير علي منها شيء ولا يتبين لي منه غضب من رضا؛ فأقبلت أدقق التأمل له في حالتي غضبه ورضاه شهورا حتى تبين لي، فكان إذ رضى توردت وجنتاه بحمرة، وإذا غضب اصفرت محاجر عينيه، فعرفت أبي بذلك؛ فقال: يا بني هذا غاية في سكون النفس وصحة الطباع واعتدال المزاج. وكانت طبائعه الأربعة على السواء، فإذا أخل عمل طبيعة منها عهده أخذ بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها. وكان لا يعطل شرب الدواء يوما واحدا فيشرب السكنجيين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام؛ ثم يشرب النقوع المغلى في
الشتاء والمنجم منه في الصيف أسبوعا لكل منهما؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا؛ ويشرب ماء الجين ثمانية أيام؛ ويشرب ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند المنقوع كذلك؛ ويريح نفسه بين كل دوائين ثلاثة أيام، لا يخل بذلك في صيف ولا في شتاء. وكان ندي الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفا إلا لضرورة؛ ولم يسمع منه قط في سؤال لفظة لا. بل كان إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم، بانخفاض من طرفه وخفوت من صوته، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا يرفع طرفه؛ وعرف هذا منه فلا يراجع فيه إلا بعد مدة. وكان كل من يحضر مائدته يستدعى منه الحضور بين يديه لئلا يستمروا عنده؛ وكان فيهم من يشرب السكر، فإذا حضروا عرفوا مجالسهم وما قرره لهم، فكان من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينهن ومن يستعمله يجلس عن يساره؛ وبين يدي كل منهم الفواكه الرطبة واليابسة والحلاوة، وستارة الغناء مضروبة؛ فيجلسون وهو مشغول يوقع، وهم يتحدثون همسا وإشارة وإيماء، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع فيستند وينشطهم بالحديث ويقول: قد تجدد اليوم كذا وكذا، فما عندكم فيه. فيقول كل أحد ما يراه وهو يسمع لهم، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على شماله فيقول: من هناك قولوا، فيقولون وهو يسمع ولا يرد على أحد شيئا فلا يصوب المصوب ولا يخطىء المخطىء، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له الصواب، ويصبح يرمي فلا يخطىء. فكانت أفعاله هكذا طول مدته، لا يستبد قط برأيه ولا يأنف من المشورة، بل يقول: المستبد برأيه واقف على مداحض الزلل، وفي الاستشارة كل عقول الرجال. وبهذا تم له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه من الطرز الآثار الباقي ذكرها. وجاء ارتفاع الدولة في أيامه ألفي ألف دينار، يقف منها ويسكن، وينصرف للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة، يحملها كل سنة
إلى بيت المال. فحظى بذلك عند سلطانه، وتمكن منه، وارتفع قدره حتى سأل أن يكتب على سكة نقش عليها: ضربت في دولة آل الهدى من آل طه وياسين، مستنصر بالله جل اسمه، وعبده الناصر للدين سنة كذا، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ثم أمر المستنصر بمنعها، ونهى أن تسطر في السير. وكانت أيام نظره حوامل لتوالي الفتوحات وعمارة الأعمال. وكان شريف الأخلاق، عالي الهمة كريم الطباع، وطىء الأكناف، مستحكم الحلم، واسع الصدر، ندي الوجه، يستقل الكثير، ويستصغر كل كبير. وكان إذا أعطى أهنأ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر الآمال والأماني عنه؛ مع عظيم الصدقة، وجزيل البر الذي عم به أهل البيوتات مما جعله لهم من المشاهرات على مقاديرهم. وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر بالقرافة، فكان يجري عليهم البر والكساء على يد بعض اليهود، ويعرف بابن عصفورة، وكيل السيدة أم المستنصر، فكانوا يظنون أنه من إنعامها؛ فلما زالت أيامه انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من البر، فخاطبوا ابن عصفورة وقالوا: قد جفينا من مولانا ومولاتنا، فلو أدركتهما بنا فقال لهم: ما ترون ما كان يجيئكم حتى يتولى الله ناصر الدين أخي. فقالوا: نحن التمسنا من مولانا المستنصر ومولاتنا السيدة الوالدة ولم نلتمس من ناصر الدين. فقال: ما كان يجيئكم ذاك إلا من الوزير. فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحم عليه. ومما يذكر عنه أنه كتب: العالي بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن الناصر لدين الله علي بن حمود من خالقه إلى مصر مكاتبة يقول فيها: من أمير
المؤمنين العالي بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله. فعيب عليه بمصر قلة تصوره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين في زمان واحد اثنان. ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو مما كتب، وكان اليازوري إذ ذاك وزيرا، فقال أنا أخلص هذه القضية وأعلقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب، وكان صاحب حيل؛ يكتب إليه: من أمير المؤمنين المستنصر بالله معد إلى العالي بالله أمير المؤمنين خالقه؛ وهذا من طريف التخلصات التي تميز بها. وحكى عظيم الدولة متولى السر، قال: كنت في جملة الموكلين على الناصر ثم على البابلي بعده، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول يعني اليازوري على شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته، ومن طيش البابلي وخفته ونقصه ما أعجب منه؛ وهو أني لما كنت موكلا باليازوري كنت أراه ملازما لعتبة باب المجلس في القاعة لا يتغير مكانه منها. وكان البابلي يراسله بما يمضى ويوصينا إذا مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ونروعه بذلك؛ فوالله ما كان يكترث ولا ينزعج. وإذا دخل متولى الستر يكون جلوسه منه في الاعتقال كجلوسه منه في حال نظره، ويخاطب بما يرضى فيجيب بسكون وهدوء وكأنه في الدست جالس. فدخل إليه في أكثر من ثلاثين صقلبيا وبلغهما أوصاه البابلي، فأجابه، ثم نهض وقال: يا سيدي صرفتني من الستر بغير ذنب ثم أعدتني إليه بغير مسألة، فما كان سبب ذلك؟ فرفع طرفه إليه كأنه يخاطبه من دست الوزارة وقال له: كان صرفك في الأول برأيي واختياري ثم أعدتك لما عرفت من ميل مولانا إلى استخدامك. فخرج متولي الستر وهو يعجب من سكون حاله وقلة احتفاله في الجواب، مع حاجته إليه في مثل ذلك الوقت الذي يقدر فيه على الإحسان إليه وعلى الإساءة؛ وكان يظن أنه يعتذر إليه، فلم يكن منه غير ما تقدم ذكره.
وكان أكثر وقته صائما وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب. وكان في حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق، ساكن النفس هادئ الطباع، فكان يظن أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس؛ فلما صار في الاعتقال بعد القبض عليه كان حاله على ما كان مما ذكر. ومن عجيب ما وقع أن خطير الملك محمد بن الوزير اليازوري كان ينوب عن أبيه في قضاء القضاة، فلما سار إلى الشام بالعساكر الكثيرة معه كان في حال من البذخ والتجمل في حال لا يمكن شرحها؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى في مسجد بمدينة فوة يخيط للناس بالأجرة، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ في مطالبة شخص بأجرة ما خاطه له، والرجل يماطله. فلما ألح في المطالبة قال له: يا سيدنا اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك في السفرة الشامية. فقال: دع ذكر ما مضى. فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه، فسأل عبده، فقال الذي ذهب منه في تلك السفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار. فسبحان من لا يزول ملكه. وفيها ولي الوزارة بع اليازوري أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي، وكان أولا من جملة أصحاب الدواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن الجرجرائي، وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطه بها؛ فباع موجوده بستة آلاف دينار وبقي عليه أربعة آلاف دينار، فانطرح على اليازوري وسأله الشفاعة له، وكان يومئذ ينظر لأم الخليفة؛ فسأل الخليفة له في ذلك، فوقع بمسامحته منها بألفي دينار، فلما صرف الوزير أبو البركات وتولى اليازوري الوزارة وقع بمسامحة البابلي بالألفين الباقية، واستخدمه في التوقيع، ورد إليه ديوان تنيس ودمياط، وديوان الخاص وغيره من الدواوين، حتى كان في يده ستة
دواوين. وكان رسم لأصحاب الدواوين أن يحضروا كل يوم بين يدي الوزير، فرفع منزلة البابلي عن ذلك وميزه عن أصحاب الدواوين، فكان لا يحضر عنده إلا في كل ثلاثة من الجمعة؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء، فلا يدخل إلى الوزير أحد ما دام عنده. فمهما قرره مع الوزير لا ينتقض. وإذا عرض له في باقي الجمعة أمر كتب رقعة إلى الوزير فيجيبه في تضاعيف سطوره، فعل الأكفاء بالأكفاء. وبلغ جاريه على ما بيده من الدواوين والتوقيع في كل سنة عشرة آلاف دينار. وكتب مرة إلى الوزير اليازوري رقعة يذكر فيها أنه ليس له دار يسكنها، وأن بجوار داره حماما سلطانيا من جملة المقبوض عن تركة أمير الأمراء رفق، بذل فيها خمسمائة دينار؛ وسأل التوقيع بمبايعته منه على أن يقتطع ثمنه من جاريه، مائة دينار في الشهر؛ فوقع له بذلك، ثم تقدم إلى متولي بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار، ووهبها له. فكتب رقعة ثانية أنه لما شرع في بناء الدار احتاج إلى ما يكمل به عمارتها، وأن في المقبوض من أمير الأمراء أيضا من الأخشاب والرخام ما يسأل الإنعام عليه منه بما يعمرها به؛ فوقع بتسليم جميع ذلك إليه. فعمر الدار، وخدمه فيها جميع من في الدولة؛ فجاءت تضاهي القصور. واتفق أنه مرض في بعض السنين مرضة أشفى فيها على التلف، فكتب إلى الوزير اليازوري رقعة يذكر فيها ما انتهت حاله إليه، وأنه على آخر رمق؛ وأن عليه من الدين ثلاثة آلاف دينار، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ولديه؛ ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما، وأن يقرر حالهما في القيام للعرفاء بما تصل قدرتهما إليه وينجم الباقي عليهما. فلما وقف الوزير عليها استرجع وتغمم له، وقال: ما ظننا إلا أنا قد أغنينا أبا الفرج، وأن حاله لم تصل إلى هذا الحد! ثم رفع رأسه إلى أبي العلاء عبد الغني بن الضيف، وكان يحمل دواة الوزير، ولقبه بالصادق المأمون، وقال:
أسرع إلى أبي العباس الشاشي، وكان يتولى ديوانه؛ فلما حضر قال: ما في حاصلك من إقطاعنا؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار وكسر، فأحضرها، وقال لأبي العلاء: خذ هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلي وخصه بسلامنا، وقل له: قد سوأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك، والله تعالى يهب عافيتك ولا يغمنا بك. فأما ما سألت من مراعاتك في ولديك والمنع منهما، فلو لم تسأل في ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك. وأما ما ذكرته من دينك فقد أنفذنا إليك ما تقضيه به. فلما أخذ المال وخرج من القبة قال ارجع يا عبد الغني، فعاد إليه فأخذ درجا ووقع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار، وكان له فيه إقطاع، وقال امض إلى الجهبذ بهذا التوقيع فإن كان في حاصله هذا القدر، وإلا قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئا فيحمله إليه به عوضا عنها؛ واحمل الجميع إلى البابلي. فلم يحتمل أبو العلاء الصبر عن الكلام وقال: يا سيدنا، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف إليها مثلها فتصير ستة! فقال: يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ما يحتاج أن يستدين بعدها، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين. فقال له: والله يا سيدنا إنك لأكرم نفسا من البرامكة، لأن أولئك كانوا يجودون من سعة وأنت تجود من ضيق، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه. وخرج فأوصلها إليه. فلما قبض على اليازوري كان أعدى العالم له، وكفر نعمته وإحسانه، وتجرد له حتى قتله. وحكى فخر الدولة قال: استدعاني مولانا المستنصر وقال لي يا فخر الدولة، هل
يكون في اختيار الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس أوفى من شخص البابلي، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال: والله لقد ظننت أن الدولة تتضاعف قدرتها بنظره، وينضاف إليها مثلها بحسن تدبيره وأن من وراء هذا الشخص ما وفى عليه؛ فإذا ثيابه لا تسع رقاعته وغمته، والحية قد نشفت قرعته. وذلك أن اليازوري أقام في خدمتنا عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا، وأقام البابلي اثنين وسبعين يوما نقمنا عليه تسعة عشر ذنبا، مع ظاهر كذبه وقلة احتشامه عندي؛ وذلك أنه ذكر لي من حال السقية ما كثر تعجبي منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها، واحتشمت أن أرد عليه فيتحقق تكذيبي له. وكان من إقدامه على قتل اليازوري ما كان، وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله. فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة أمرته بشيء فعارضني وضرب الأمثال بما يصدني عن ذلك الأمر؛ فقلت له أيها الوزير، اعلم أن اليازوري لم تطل مدته معنا وتثبت قدمه إلا أنا كنا إذا أمرناه بشيء انتهى إليه ولم يتجاوزه. فقال لي مجيبا: يا مولانا وكأن اليازوري كان ينقط نقطة إلا ما أمثله له وأوقفه عليه! يريد أنه كان يدبر اليازوري ويعلمه ويفهمه؛ فلم يتأمل ما عليه فيه، ولا ذكر ما كان قاله من حال السقية؛ وأذكرني قوله هذا حال السقية، فقلت له وقد اغتظت منه: يخرس الله الوزير، فإذا كانت السقية برأيه! فلما سمع ذلك مني دهش وقال: أعوذ بالله يا مولانا ولكنني كنت أبصره صواب الرأي، وأشير عيه بما فيه حميد العاقبة. فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه. ووجه كذبه فيما حكاه من ذلك أن الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهم بمثل هذا الأمر في سائسه أو من يجري مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه، فكيف إذا عزم على فعل ذلك مع مثلى، هل يسوغ أن يطلع أحدا عليه؟ ومع هذا فما الذي يدعوه أن يخرج بذلك إلى غيره، وربما نم عليه وتقرب إلي بإطلاعي عليه؛ وإلا تولى بنفسه مع إكثاري كان من زيارته وسكوني إليه، وأني لم أتهمه بذلك فط فآخذ حذري منه، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه مني بحيث
لا يعلم به أحد. فتحقق لي كذبه فيما حكاه؛ وهذا أقوى الأسباب في صرفه، لأن من ليس له عقل يميز به ما يخرج من فمه، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطر الكبير، لم يجز أن يوثق به في تدبير مزبلة، والخوف من جنايته على الدولة برقاعته ونقص عقله أكثر من الطمع في الانتفاع بنظره. وكان صرف البابلي على الوزارة في شهر ربيع الأول وله في الوزارة اثنان وسبعون يوما؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل. وكان النهار لا يكاد يرتفع ويتأخر ما يحمل إليه من الطعام إلا ويتسغيث ويقول: ما يتم حبس وجوع. وكان يبدو منه في محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرقاعة والجهل، فكان الموكلون به يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازوري، فإن ذاك كان ساكن الطباع كثير الصمت شريف النفس مع حداثة سنه، وهذا شيخ يظهر منه من الخفة والطيش والجهل مع الشيخوخة ما يضحك منه. فيها تولى الوزارة بعد البابلي أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن المغربي. وفيها تولى قضاء القضاة عوضا عن اليازوري أبو علي أحمد بن عبد الحكم بن سعيد، إلى ذي القعدة، وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد الرحمن المليجي. وتولى المؤيد في الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعي الدعاة.
فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري الموصل ومعه قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب العقيلي أمير الغرب فملكها. وخرج إليه السلطان ركن الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، ففارقها؛ واتجه طغرلبك إلى نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى همذان، فرجع في إثره؛ وتلاحقت الأتراك، فاستدعى الخليفة القائم دبيس من مزيد، فوصل إليه وقد أرجف بمسير البساسيري إلى بغداد فعظم الخوف منه، فرجع دبيس إلى بلاده. فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة وصل البساسيري إلى بغداد ومعه قريش بن بدران، وخطب في جامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمي وقطع الخطبة لبني العباس، وعقد الجسر وعبر عسكره. فلما كانت الجمعة الثانية خطب بجامع الرصافة للمستنصر. وكانت بينه وبين أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة رئيس الرؤساء وزير القائم والعسكر، وقتل جماعة من الأعيان. ووقع النهب في البلد، ودخل أصحاب البساسيري إلى البلد، ووصلوا إلى باب النوبي الشريف؛ فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة، وبيده السيف وعلى رأسه اللواء، وحوله جماعة بني العباس والخدم بالسيوف المسللة، فرأى الأمر شديدا، فعاد وأبعد المنظرة،
ونادى رئيس الرؤساء: يا علم الدين قريش، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا منه؛ فقال رئيس الرؤساء له: قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك؛ وطلب منه الأمان للخليفة القائم، فأمنه. ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء، وصاروا معه. فبعث إليه البساسيري: تخالف ما استقر بيننا! فقال قريش: لا. وكانا قد تعاهدا على المشاركة في جميع ما يحصل لهما؛ فاستقر الأمر على أن البساسيري يتسلم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلم الخليفة القائم فيكون عنده. فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيري؛ فلما مثل بين يديه قال له: العفو عند المقدرة. فقال البساسيري: أنت صاحب الطيلسان ما عفوت عن داري وحرمى وأطفالي، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف. ثم إن قريش بن بدران سار في خدمة الخليفة، وهو راكب بالصفة التي تقدم ذكرها إلى معسكره، فأنزله في خيمة وهيأ له ما يقوم به، ووقع النهب في دار الخلافة مدة أيام، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة، وبعث منها إلى مصر منديل القائم الذي عممه بيده، قد جعل في قالب رخام لكيلا ينحل، مع ردائه، والشباك الذي كان يتوكأ عليه؛ فعمل في دار الوزارة بالقاهرة. وأما العمامة والرداء فبعثهما السلطان صلاح الدين يوسف، لما استولى على القصر، إلى الخليفة المستضيء ببغداد مع الكتاب الذي كتبه على نفسه القائم وأشهد على نفسه العدول فيه أنه لا حق لبني العباس في الخلافة مع وجود فاطمة الزهراء. وحمل أيضا إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة. وسلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس بن المجلى، وكان رجلا متدينا، فحمله في هودج إلى مدينة عانة وأنزله بها؛ وفر أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك فصاروا في جملته
فلما كان يوم عيد النحر ركب البساسيري إلى المصلى وعلى رأسه ألوية المستنصر، وقد استمال الناس بكثرة الإحسان وإجراء الأرزاق، وكسر منبر المسجد الجامع ببغداد وقال: هذا منبر نحس أعلن عله بغض آل محمد عليهم السلام؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر. ثم أخرج الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم علي بن المسلمة وهو مقيد وعليه جبة صوف وطرطور أحمر من لبد وفي عنقه مخنقة، فشهره ثم أعاده إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة، فألبس جلد ثور طري، وجعل في فكيه كلابين من حديد وعلقه بهما؛ فبقي يضطرب إلى آخر النهار حتى مات، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة، وكان حسن التلاوة للقرآن جيد المعرفة بالأدب. ولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سر سرورا كثيرا، وزينت القاهرة ومصر وجاءت نسب الطبالة، فغنت بالطبل في القصر بين يدي المستنصر: يا بني العباس ردوا ... ملك الأمر معد ملككم ملك معار ... والعوارى تسترد فقال لها المستنصر: تمنى، فلك حكمك؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس، فأقطعها إياها، فعرفت بها وقيل لها إلى اليوم أرض الطبالة. وأمر المستنصر في أن يحمل إلى مهارش
عشرة آلاف دينار ليسير إليه الخليفة القائم على حال جميلة؛ وعزم على أنه إذا وصل تلقاه أحسن لقاء وبالغ في إكرامه. ويقال إنه بنى القصر الغربي لينزله فيه، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرواتب السنية، وأن يقرر له في كل يوم مائة دينار؛ وأنه إذا ركب المستنصر في أوقات ركوبه قدمه بين يديه يحجبه. فإذا أقام على ذلك مدة، وبات وانتشر في الأقطار خبر ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق، وكتب عهده بتقليده إياه، وسيره إليه، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله. فمنعه حادث القدر قبل إدراك ذلك. وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيري لما بعث الكتب إلى المستنصر يعرفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد بن المغربي، وهو ممن فر من البساسيري وصار إلى القاهرة، فحذر المستنصر من البساسيري وخوفه عاقبته؛ فتركت أجوبته مدة، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما أمله البساسيري؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه. وفيها بنيت القبة التي بصحن جامع دمشق، شرقي الجامع على باب مشهد علي، وكتب عليها اسم المستنصر. وفيها ولى المستنصر ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق في شهر رجب
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة @YY451
فيها سار الأمير أبو الحارث البساسيري من بغداد فملك البصرة وواسط، وأقام بهما الدعوة للمستنصر، وخطب له في عامة تلك الأعمال. وبلغ طغرلبك ما كان من أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها، فكاتب ألب أرسلان بن داود أخيه، فقدم عليه في إخوته بعسكر كبير، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ينال، فكانت الغلبة لطغرلبك، فأخذه أسيرا وقتله في تاسع جمادى الآخرة. وتوجه يريد بغداد، وبعث إلى البساسيري وإلى قريش بن بدران يأمرهما برد الخليفة القائم إلى بغداد، وإقامة الخطبة له على عادته، ورده إلى تخت خلافته، ويعدهما أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد، وأنه يقنع بأن يخطب له فيها وتضرب السكة باسمه. فامتنع البساسيري أولاده وحرمه من بغداد إلى واسط ونوى العود. وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش يشكر ما كان من صنيعه مع الخليفة القائم، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار الخليفة؛ فوافى حلة بدر بن مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش في تلك الساعة، فركب هو وابن فورك وأركبا الخليفة وخدماه؛ وأتته هدايا بدر. وبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبي نصر منصور الكندري والأمراء والحجاب
بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة، والخيول العدة بالمراكب الذهب، إلى الخليفة القائم، فرحل وهم في خدمته، وقد خرج طغرلبك إلى لقائه؛ فعندما شاهده وقع إلى الأرض يقبلها، ثم قام وهنأه بالسلامة، وأظهر السرور الزائد والابتهاج الكبير؛ واعتذر عن تأخره بما كان من عصيان إبراهيم ينال. فقال الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه، وسار معه طغرلبك إلى بغداد وجلس على باب النوبى الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة، فعندما شاهده مثل قائما وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة؛ وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي الحجة. ثم عاد طغرلبك إلى معسكره وسير العساكر لمحاربة البساسيري وخرج في إثره؛ فوافت العساكر البساسيري ودبيس بن مزيد، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام دبيس ووقوع ضربة في وجه البساسيري سقط منها عن فرسه، فأخذ، وقتل، وحملت رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم، فطيف بها على قناة في بغداد للنصف من ذي الحجة، وعلقت على باب النوبى. وأحيط بأموال البساسيري ونسائه وأمواله، وجميع حواشيه وأسبابه؛ وقتل في هذه الوقائع من الخلائق ما لا يحصى لهم عدد؛ وفر دبيس إلى البطيحة. وقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة؛ وعادت للقائم كما كانت. وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدولة الفاطمية، فإن الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه، ولم يبق بيدهم غير ملك مصر خاصة
ويقال إن الخليفة القائم بأمر الله كتب لما نكب كتابا يشكو فيه ما يلقاه من البساسيري ونسخته بعد البسملة: إلى الله العظيم من عبده المسكين. اللهم إنك عالم بالسرائر، مطلع على مكنونات الضمائر؛ اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي لك؛ وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وسخر بأناتك، حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا. اللهم قل الناصر، واغتر الظالم، وأنت المطلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من بين يديه، وقد تعزر بالمخلوقين، ونحن نستعين بالله رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك، ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه قدر ما نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم. اللهم فاستلبه عزته، وملكنا بقدرتك ناصيته، يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد خاتم النبين، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما. وبعث به إلى باب الكعبة، وعلق بباب الكعبة ودعي بما فيه؛ فقتل البساسيري في ذلك اليوم.
سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة @YY452
فيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق، وكتب لناصر الدولة أبي علي الحسين بن حمدان أن يكون قائد الجيش؛ فسار من دمشق بعسكر كبير في سادس ربيع الأول يريد محاربة أهل حلب. وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية، وأسقطت بها دعوة بني العباس إلى أيام الظاهر بن الحاكم، فتغلب عليها صالح بن مرداس، أحد أمراء الكلابيين، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري، أحد الغلمان الأتراك، فساس الأمور، وأطاعه كل مارق؛ وراسل الملوك. فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب، وفيهم عدة الدولة حسان بن جراح، وسار لمحاربته، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسان إلى بلاد الروم، وتفرق الجمع. ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدول نصر بن صالح في حلب، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه، وسار لقتاله، فقتل، وملك أمير الجيوش حلب فأقام بها رضي الدولة منجوتكين، أحد غلمانه، فأقام بها سنين. ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس وملكها؛ ولم يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه. فلما كانت وزارة الجرجرائي غمض طرفه عن ثمال، ورأى أن موادعته أخف من إنفاق الأموال في محاربته، فكتب بولايته وقرر عليه الحمل في كل سنة. وتمادى ذلك إلى أيام وزارة اليازوري فلم يرض بهذا، ورأى أن الحيلة أبلغ فيما يؤثره، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك، وإن نابذه ألزم كلفا كثيرة. فاستعمل السياسة والتدبير الخفي، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ووجاهة، يقال له عين الدولة علي بن عياض، قاضي صور، فساس الأمر وأحكم التدبير فيما قرره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به، حتى
نزل من قلعة حلب وسلمها إلى مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم والي الخليفة المستنصر. وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة؛ فلما بلغ رفح اتصل به خبر القبض على اليازوري، فقال والله إني أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبني من ذلك الملك، وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلا بحسن السياسة، وإن رام ذلك مني فليس يتعذر عليه. ورجع ثمال إلى حلب، فاتفق في غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، في مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان، فكانت بينهما حروب كبيرة على قنسرين آلت إلى أن انكسر ناصر الدولة كسرة عنيفة، فأصابته ضربة شلت منها يده؛ ورجع منهزما في مستهل شعبان. فقال عبد العزيز العكيك الحلبي وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه. ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا ... جدواك، مع علمي بأنك باخل فالدولة الزهراء قد غلطت، بأن ... نعتتك ناصرها، وأنت الخاذل إن تم أمرك مع يد لك أصبحت ... شلاء فالأمثال عندي باطل وأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبي ذؤابة عطية بن صالح فسلمه حلب، ودخلها في عاشر شعبان هذا، وأقام بها يوم ثم خرج عجزا عنها؛ فوصل محمود في ثاني عشره وملكها.
وفي تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن المغربي عن الوزارة، وأعيد إليها أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي. وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب في جمادى الآخرة، واستقر عوضه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبي ذكرى، في حادي عشري رجب. وفيها قدمت هدية المعز بن باديس، فقومت بأربعين ألف دينار. منها درقة مرصعة بالجوهر كانت للمهدي. وفيها قدم كتاب علي بن محمد الصليحي بما هو عليه من القوة وإقامة الدعوة؛ واستأذن في المسير إلى تهامة وأخذها؛ فأجيب بذلك؛ فسار إليها وأخذها. وفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب، ومعه منيع بن سيف الدولة، سبعة أيام ثم رحل، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل؛ فملكها أصحاب المستنصر. وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدولة على الفنيدق، فانكسر ابن حمدان؛ ودخل عطية حلب وخرج منها؛ وتسلمها محمود يوم السبت ثاني شعبان؛ ثم وصل عمه معز الدولة فحاصر حلب مدة. وفي هذه السنة سقط تنور قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل، فتطير الناس وقالوا ليكونن في الإسلام حادث عظيم.
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة @YY453
في ثالث محرم صرف البابلي عن الوزارة؛ واستقر عبد الله بن يحيى بن المدبر. وفي صفر توفى قاضي القضاة ابن أبي ذكرى فاستقر في الحكم بعده أبو علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد في رابع عشره، وصرف في خامس صفر. واستقر عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجي، ثم صرف في حادي عشر رمضان. واستقر عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك بن سعيد الفارقي، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن. وصرف ابن المدبر عن الوزارة واستقر بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم، أخو قاضي القضاة. وكان السبب في سرعة العزل وكثرة الولايات أنه لما قتل اليازوري كثر السعاة في الوزارة، فما هو إلا أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين، وتركب عليه المناصب، ويكثر الطعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتسع وقته؛ فيلي بعده من يتفق له مثل ذلك، لمخالطة الناس الخليفة ومداخلتهم الرقاع والمكاتبات الكثيرة إليه؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته. فأحب الناس مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم؛ فتقدم كل سفساف، وحظي أوغاد عدة، وكثروا، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصدور والرؤساء والجلة؛ وتنقلوا في المكاتبة إلى كل فن، حتى إنه كان يصل إلى المستنصر في كل يوم ثمانمائة رقعة؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال. ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقر إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة، وسعت عليه الرجال، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه. فخربت الأعمال وقل ارتفاعها، وتقلب الرجال
على معظمها واستنضوا راخي ارتفاعها، فاتضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع اصطراع الأضداد على السلطان، وواصلوه باقتضاء مالهم من المقررات، ولازموا بابه، ومنعوه من لذاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفوا بهم، وجعلوهم غرضا لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم؛ والمستنصر يوسعهم حلما واحتمالا. فأطغى الرجال ذلك وجرأهم عليه، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوي عشرة ولا يمكن مطالبته. ثم عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقومون أخافوهم، فيقومون ما يساوي ألفا بمائة فما دونها، ولا يتمكن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور واضمحل الملك. ثم لما علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحوا من ست؛ ثم قصر النيل وغلت الأسعار غلاء بدد شمل الناس بأسرهم، وفرق ألفتهم، وشتت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف عليه فيما يأتي إن شاء الله. وفيها اصطلح معز الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب في رابع عشري ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة توفي ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، أبو ذؤابة. وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن علي بن ثعلب، فكتب أبو محمد بن سعد، الشاعر الخفاجي، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات: أتاني وعرض الرمل بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع ومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية.
سنة أربع وخمسين وأربعمائة @YY454
في ثالث المحرم توفي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم في وزارته. وكان أبوه قاضي طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردت الوزارة بعده إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء في صفر بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علي عن الوزارة، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذي الكفايتين بن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلي؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام، فأقام في الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبي الفرج البابلي المقدم ذكره وفيها تولى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بني سليم وبني فزارة، فسار إليها وتسلمها في صفر.
ذكر ابتداء الفتنة التي آلت إلى خراب ديار مصر
وفي هذه السنة ابتدأت الفتنة التي كانت سببا لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب ومعه النساء والحشم إلى جب عميرة، وهو موضع نزهة، ويغير هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة، ومعه الخمر محمول في الروايا عوضا عن الماء، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو الحسين علي بن الحسين بن حيدرة العقيلي المستنصر في ذلك صبيحة يوم عرفة: قم فانحر الراح يوم النحر بالماء ... ولا تضح ضحى إلا بصهباء وادرك حجيج الندامى قبل نفرهم ... إلى منى، فصفهم مع كل هيفاء وعج على مكة الروحاء مبتكرا ... فطف بها حول ركن العود والناء فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرد سيفا في سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدة من العبيد وقتلوه. فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان هذا الذي قتل منا على رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج الأتراك واشتدوا على العبيد يريدون
محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك قتل فيها عدة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمد العبيد بالأموال والسلاح. فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أم المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرءوا عليه بالقول وأغلظوا في المخاطبة؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائما. فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محارة الأتراك. ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربي، الذي كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين. فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور. فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر. وكانت السبب في كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التستري المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت في الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحي معه، فاستمال الأتراك وزاد في
واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قته على الفلاحي، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره. وأخذت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر، وبسطت لهم في الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد بمصر بحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم. وتقدمت إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي أن يغري العبيد بالأتراك ويوقع بينهم، فخاف سوء العاقبة في ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازوري في الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلي، فأمرته بذلك، فشرع فيه. وتغيرت النيات، وصارت قلوب كل من الطائفتين تضمر السوء للأخرى، حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتي. وفيها توفي الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولي قضاء دمشق مرتين. وفي سابع عشر ذي القعدة توفى القاضي الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي؛ وكان يخلف القضاة في الحكم بمصر. وكان إماما محدثا، وله كتاب الشهاب، وكتاب الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو الحسن علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطبيب. وتوفي المعز بن باديس بالقيروان في رابع شعبان.
سنة خمس وخمسين وأربعمائة @YY455
فيها ردت الوزارة والحكم معا إلى أبي علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الكريم بن عبد الحاكم في ثالث عشر المحرم، ثم صرف عنهما في سابع صفر؛ وأعيدت الوزارة لأبي الفضل عبد الله بن يحيى بن المدبر، والحكم إلى أبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب. وفي تاسع عشر جمادى الأولى توفي الوزير أبو المفضل عبد الله بن المدبر، وقد تكررت ولايته للوزارة؛ وسمع الحديث، وكان فاضلا أديبا؛ وهو من ولد ابن المدبر متولي خراج مصر في أيام ابن طولون. واستقر في الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق في الدين المعروف بابن العجمي، ثم صرف وقبض عليه في السابع والعشرين من شعبان. وأعيد إلى القضاء والوزارة جميعا أبو محمد الحسن بن مجلي بن أسد بن أبي كدينة، واستمر فيهما إلى خامس ذي الحجة، فرتب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم بن سعيد، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليا على القضاء. وفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالي لولاية دمشق؛ وندب معه على الخراج الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسني الزيدي. وفيها قدم الصليحي مكة بعد ما ملك اليمن كله سهله وجبله، وبره وبحره،
وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر، وكسا الكعبة حريرا أبيض، ورد حلية البيت إليه؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن، فاشتراها منهم، وأعادها في هذه السنة. واستخلف على مكة محمد بن أبي هاشم، وعاد إلى اليمن.
سنة ست وخمسين وأربعمائة @YY456
في ثالث عشري المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة. وتقلد الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل، وفوض قضاء القضاء لأبي محمد الحسن بن مجلى بن أبي كدينة؛ ثم صرف، وأعيدت الوزارة لأبي غالب عبد الطاهر بن الفضل، وفوض القضاء لأبي الحسن علي بن عبد الحاكم في سابع عشري ربيع الآخر، ثم صرف عن القضاء في خامس جمادى الأولى بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب. ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن عماد الدولة الجرجرائي من صور فحضر إلى مصر ووليها في مستهل رجب، فأقام إلى العشر الأخر من رمضان وصرف عنها؛ وصرف أيضا عن القضاء عبد الحاكم. وجمعا معا، الوزارة والقضاء، لابن أبي كدينة، فباشرهما إلى رابع ذي الحجة، فصرف عن الوزارة وقرر فيها أبو علي الحسن بن أبي سعيد التستري؛ وقرر في القضاء أحمد بن عبد الحاكم. وفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فرارا من أهلها لثورتهم به؛ فقرر المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن النعمان الكناني. وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وأقصرا، فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية.
سنة سبع وخمسين وأربعمائة @YY457
في النصف من المحرم صرف عن الوزارة أبو علي بن أبي سعيد؛ وصرف عن القضاء أبو أحمد بن عبد الحاكم. وتولى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبي غالب محمد ابن علي بن خلف، وكان أبوه أحد وزراء بني بويه ببغداد؛ ثم صرف عنها ثاني يوم، واستقر في القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبي كدينة في حادي عشريه، فلم يقم غير أربعة أيام وصرف عنها في سادس عشريه. وأعيد أبو شجاع محمد بن الأشرف إلى الوزارة، وتقلد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن عبد الكريم. فأقام ابن الأشرف في الوزارة إلى نصف ربيع الأول، وصرف، وقرر في الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرعباني الرحبي، ثم صرف في آخره. واستوزر ابن أبي كدينة، وأضيف إليه القضاء أيضا في نصف جمادى الآخرة، فباشرهما إلى نصف رجب، وصرف عن الوزارة بأبي المكارم رئيس الرؤساء الشرف بن أسعد، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب. ثم قبض على الوزير أبي المكارم في العشر الأخير من شوال، وتولى الوزارة بعده الأثير أبو الحسن علي بن الأنباري فأقام شهرا، وصرف في ذي الحجة عن الوزارة، ولم يعد إليها.
سنة ثمان وخمسين وأربعمائة @YY458
في سادس عشرين منه صرف ابن أبي كدينة عن القضاء واستقر عوضه جلال الملك أبو أحمد، ونعت بقاضي القضاة الأعظم. وفي تاسع ربيع الآخر أعيد إلى الوزارة أبو القاسم هبة الله محمد الرعباني، وصرف عنها في السادس عشر منه. وفي جمادى الأولى ولى المستنصر أمير الجيوش بدرا الشام بأسره، فخرج إليها بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار. وفي جمادى الآخرة جمع القضاء والوزارة لأبي أحمد جلال الملك، ثم صرف بعد أيام عن الوزارة بأبي الحسن طاهر بن وزير، فباشر أياما يسيرة؛ وصرف بأبي عبد الله محمد بن حامد التنيسي، وأقام يوما واحدا، ثم صرف وقتل. فاستوزر أبو سعد منصور بن زنبور، فلم يقم في الوزارة غير أيام قليلة وهرب؛ فأقيم بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف، فباشر أياما يسيرة وصرف. وكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق في سادس شعبان، وبلغ ما بلغت نفقة المستنصر عليه ألف ألف دينار.
سنة تسع وخمسين وأربعمائة @YY459
فيها قويت شوكة الأتراك واشتد بأسهم وطلبوا الزيادات في واجباتهم ورواتبهم؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون، حتى صار منهم بالقاهرة ومصر وما في ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد، ما بين فارس وراجل. وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة. فبعثت السيدة أم الخليفة المستنصر إلى قواد العبيد تغريهم بالأتراك، وتحثهم على الإيقاع بهم ومحاربتهم وإخراجهم من مصر؛ فجمع قواد العبيد وحشدوا طوائفهم، وصاروا إلى شبرا دمنهور، وساروا إلى الجيزة؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم؛ وقد بلغت النفقة في تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار. فالتقى الفريقان، وكانت بينها حروب انجلت عن كسرة السودان وهزيمتهم إلى الصعيد. وكان مقدم طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدولة أبو علي الحسن بن الأمير أبي الهيجاء ابن حمدان؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة وقد قويت نفسه وعظم قدره، واشتدت شوكته، وثقلت وطأته. وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا في بلاد الصعيد وهم في عدد يتجاوز الخمسة عشر ألف ما بين فارس وراجل؛ فساء ذلك الأتراك وأقلقهم، فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد. فأمرت أم المستنصر جماعة ممن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك فهاجموهم على حين غفلة وقتلوا منهم جماعة. ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر القاهرة، وتسارع إليه الأتراك وقد استعدوا لمحاربة العبيد؛ فخرج إليهم عدة من العبيد الذين كانا بالقاهرة ومصر. فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدة أيام، فحلف منذ ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إما له أو عليه. وثبت كل منهما، فكانت الكرة لابن حمدان على العبيد، فوضع السيف فيهم وتجاوز الحد في كثرة
قتلهم، وتتبعهم في كل مكان حتى لم يدع في القاهرة ومصر منهم إلا قليلا، وهم مقيمون بالصعيد والاسكندرية. فرأى ابن حمدان أن يبدأ محاربة من في الاسكندرية منهم، فسار إليها ونازلها مدة، وحصر العبيد بها، وألح في مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان، فأقام على ولايتها رجلا من ثقاته. وانقضت هذه السنة كلها في قتال العبيد والأتراك. وفي يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن علي بن الجراح، الطائيين، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة. وفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصليحي وأعيدت دعوة بني العباس. وأما الوزراء فإن ابن أبي كدينة صرف في ثامن المحرم، وولى أبو القاسم عبد الحاكم المليحي، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة، وصرف؛ وأعيد ابن أبي كدينة، فأقام أياما وصرف؛ وأعيد المليحي فلم يقم سوى ليالي يسيرة وصرف؛ وأعيد ابن أبي كدينة فأقام إلى ثامن عشري ذي القعدة، وصرف بجلال الملك بن عبد الحاكم. وفيها قتل فتوح الشامي أحد قواد العبيد، وكان المنفق حين قتل خمسمائة ألف دينار.
سنة ستين وأربعمائة @YY460
في المحرم خرج الأتراك مبرزين إلى الرملة حين قتل شهاب الدولة، وقد بلغت نفقه المستنصر فيهم ألف ألف دينار. وفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوة الأتراك عليه وطمعهم فيه، فانخرق ناموسه، وتناقصت حرمته، وقلت مهابته؛ وتعنتوا به في زيادة واجباتهم. وكانت مقرراتهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فبلغت في هذه السنة إلى أربعمائة ألف دينار في كل شهر، فطالبوا المستنصر بالأموال. وركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك، وحصروا المستنصر وأخذوا جميع الأموال، ثم اقتسموا الأعمال؛ وركبوا إلى دار الوزير ابن أبي كدينة يريدون الأموال، فقال: وأي مال بقى؟ الريف في يد فلان والصعيد في يد فلان والشام في يد فلان. فقالوا: لا بد أن تنفذ إلى مولانا وتطلب منه وتعلمه بحضورنا. فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر فيها حضورهم بألقابهم وما يطلبون؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب: أصبحت لا أرجو ولا أتقي ... إلا إلهي، وله الفضل جدي نبيي، وإمامي أبي ... وقولي التوحيد والعدل المال إلى الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير من المنع. " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء. فاضطروه إلى إخراج ذخائره وذخائر
آبائه وبيعها، فأخذ يخرج ذلك شيئا بعد شيء، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ويثمنونها بأقل القيم وأبخس الأثمان. وسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد، وكان قد كثر شرهم وتزايد ضررهم، وعم الكافة أذاهم وإفسادهم؛ فاجتمعوا لحربه واستعدوا للغاية. فسار إليهم في شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه وعلى من معه ألف ألف دينار؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت عن كسرة الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة. فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يدا واحدة على المستنصر، وألبوا عليه، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال في السر ليقويهم على محاربة الأتراك، وجهروا له بالسوء من القول فقال لهم إنه لم يبعث إليهم بشيء ولا أمدهم بمعونة. وأخذ الأتراك في لم شعثهم والتأهب لمحاربة العبيد، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عما نهب السودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار. وساروا إلى قتالهم مرة ثانية، فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرات حتى انهزم العبيد منهم، وقتل كثر من أعدادهم، بحيث لم ينج منهم إلا القليل، وزالت حينئذ دولتهم. وعظم أمر ناصر الدولة واستبد بالأمور، فصرف ابن أبي كدينة من الوزارة وأعاد المليجي فلم يبق غير خمسة وصرف: وأعيد ابن أبي كدينة، وجمع له بين الوزارة والقضاء معا في ربيع الأول، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى؛ وصرف عن القضاء بجلال الملك، فأقيم في منصب القضاء إلى سلخ رمضان، فصرف عن القضاء بالمليجي. فأقام المليجي قاضيا إلى يوم عيد النحر، وصرف، وتولى ابن أبي كدينة.
وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته، فكانت الحروب طول السنة في بلاد الشام وديار مصر قائمة لا تهدأ. وسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق، ومعه أبو الطاهر حيدرة بن مختص الدولة أبي الحسين، ناظرا في أعمالها. وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم تحت الردم. وزال البحر بفلسطين من الزلازل وبعد عن الساحل مسيرة يوم، ثم رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه. وخربت الرملة خرابا لم تعمر بعده. وفيها أنفق في غير استحقاق لمدة خمسة عشر شهرا، أولها عاشر صفر سنة ستين، مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار.
سنة إحدى وستين وأربعمائة @YY461
فيها قوى تغلب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا في بيوت أمواله، واشتدت مطالباتهم بالواجبات المقررة لهم، وسألوا الزيادات في الرسوم. واقتسم مقدموهم دور المكوس والجبايات، وتغلب كل من بقي منهم على ناحية؛ ولم يبق للدولة ارتفاع يعول عليه، ولا مال في القياصر يرجع إليه. وأخرج من الذخائر مالا شوهد فيما بعده من الدول مثله نفاسة وغرابة، وجلالة وكثرة، وحسنا وملاحة، وجودة وسناء قيمة وعلو ثمن؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار شيئا كثيرا، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر مصر وأسواقها من الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس، التي أنفق منها في أعطيات الأتراك وغيرهم لسنة ستين وأربعمائة. فأهلت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد الخوف بمصر، وكثر التشليح في الطرقات نهارا والخطف والقتل. وصار الجند فرقتين، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه. وذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان، لقوة بأسه وتفرده بالأمور دونهم، واستبداده بالدولة عليهم، فنافسوه وحسدوه، وصاروا إلى الوزير خطير الملك وقالوا له: كل ما خرج من الخليفة من مال أخذه ناصر الدولة وتفرق أكثره في حاشيته، ولا ينالنا منه إلا الشيء القليل. فقال لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم، ولولا أنتم لما كان له من الأمر شيء، ولو أنكم فارقتموه لا نحل أمره. واتفقوا على أن يكونوا جميعا عليه، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر. ودخلوا إلى الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدولة بالخروج من البلاد، وتهديده إن لم يخرج؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده؛ فسارع إلى الخروج عن
القاهرة ونزل بالجيزة. فامتدت الأيدي عند خروجه إلى دوره ودور حواشيه وأصحابه، وانتهبتها وأفسدتها. فلما كان في الليلة التي خرج قبلها دخل في خفاء واجتمع بالقائد تاج الملوك شادي وترامي عليه وقبل رجله، وقال له: اصطنعني وانصرني على الوزير الخطير وعلى إلدكز، بأن تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما؛ فوافقه على ذلك وأجابه إليه ورجع ناصر الدولة إلى مخيمه بالجيزة. فلما طلع النهار شرع تاج الملوك في عمل ما تقرر بينه وبين ناصر الدولة، فأحس إلدكز بالمكيدة فسارع إلى اللحوق بالقصر، واستجار بالمستنصر. وأقبل الوزير في موكبه وليس له شعور بما بيت في الليل، فصادفه تاج الملوك على غرة منه، فأوقع به وقتله؛ وسير في الحال إلى ناصر الدولة، فحضر. وحسن إلدكز للمستنصر أن يركب لمحاربة ناصر الدولة، فلبس سلاحه وألبس من معه وركب، ونزل، فصار معه من الجند والعامة ما لا يحصى عددهم كثرة. ووقف ناصر الدولة بمن معه؛ ونشبت الحرب بينهما، فكانت الكسرة على ناصر الدولة، فانهزم وقد قتل كثير من أصحابه؛ فمر على وجهه لا يلوى على شيء في يسير من أصحابه، حتى انتهى إلى بني سنبس بالبحيرة فنزل عليهم، وأقام فيهم واستجارهم، وتزوج منهم. واشتد الغلاء بمصر، وقلت الأقوات في الأعمال، وعظم الفساد والضرر، وكثر الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات، ووقفوا في الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ما عليه، مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم
إلا خالقهم. وخاف الناس من النهب، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذهب والفضة. فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش، والمظال والبنود والعماريات، والمنجوقات والأجلة ومن السروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء والمرصعة بالجوهر، شيء لا يمكن وصفه، مما عمل في دول الإسلام وغيرها. وفي سادس صفر وهب لسعد الدولة، المعروف بسلام عليك، ما في خزانة البنود من الآلات والأمتعة وغيرها، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطية، سوى ما كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود، فسقطت شرارة فيما هنالك فاحترق جميعه؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد. فمما احترق فيها عشرات ألوف من السيوف إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، بحيث إن السلطان بعد ذلك بمدة احتاج إلى سلاح، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد زمرد، ذكر الجوهري أن قيمتها على الأقل ثلثمائة ألف دينار. وكان في المجلس فخر العرب ابن حمدان وابن سنان وأبو محمد الحسن بن علي بن أسد بن أبي كدينة، وغيرهم من المخالفين؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين: كم قيمة هذا؟ فقالوا إنما تعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة له. فاغتاظ؛ وقال ابن أبي كدينة: فخر العرب كثير المؤونة وعليه خرج؛ والتفت إلى كتاب الجيش، فقالوا: يحسب عليه بخمسمائة دينار؛ فكتب بذلك وقبضه.
وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار فكتب بألفي دينار؛ وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبه، فأخذ واحد حبة فجعلها في جيبه، وأخذ ابن أبي كدينة حبة، وأخذ فخر العرب شيئا، وتفرق الباقون سائره، فذهب كأن لم يكن. وأخرج ما أنفذه الصليحي من نفيس الدر وكيل، فجاء سبع ويبات. وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضة بفصوص من بين سائر أنواع الجواهر، مما كان للخلفاء، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب أحدها فصه زمرد واثنان ياقوت غشيم صاف ورماني، كان شراء الفصوص اثني عشر ألف دينار. وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب الخسروانية أكثرها مذهب. وقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدي أكثر من مائة ألف قطعة ولما اشتد على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ابن أبي سعد في إحضار جوهر كان عنده، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة، فأحضر أرباب الخبرة من الجوهريين ليقوموه، فذكروا أنه لا قيمة له ولا يشتري مثله إلا الملوك؛ فقومت بعشرين ألف دينار وكان مشتراه على حده سبعمائة ألف دينار ففرق في الأتراك وقبض كل منهم جزءا بقيمة الوقت. وقسمت خزائن السيوف وآلات السلاح بين عشرة، وهم ناصر الدولة ابن حمدان، وأخواه فخر الدولة علي، ويلدكوش، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين، وسلام عليك، وشاور بن حسين، وتاج الملوك شادي، والأعز ابن سنان، ورضى الدولة بن رضي الدولة، وأمير العرب ابن كيغلغ. فكان من جملتها ذو الفقار، وصمصامة عمرو بن معدي كرب، وسيف عبد الله بن وهب الراسبي، وسيف
كافور الإخشيذي، وسيف المعز لدين الله، ودرع المعز وكانت تساوي ألف دينار بيعت منها كواكب بمائة دينار، وسيف الحسين بن علي، عليه السلام، وكان وزنه ثلثمائة وستين مثقالا، وسيف الأشتر النخعي، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف جعفر بن محمد الصادق. ودخل في بعض الأيام من باب الديلم، أحد أبواب القصر، تاج الملوك شادي، وفخر العرب علي بن ناصر الدولة ابن حمدان، ورضي الدولة بن رضي الدولة، وأمير الأمراء أبجتكين بن سبكتكين، وأمي العرب ابن كيغلغ، والأعز بن سنان، وعدة من الأمراء البغداديين، وصاروا في الإيوان ومعهم أحد الفراشين وفعلة، فانتهوا إلى حائط مجير، فأمروا الفعلة بكشف الجير، فظهر باب فهدم، فإذا خزانة ذكر أنها من أيام العزيزي بالله؛ فوجدوا فيها من السلاح ما زادت قيمته على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك وتفرقوه. وصارت حواشيهم وركابياتهم يكسرون الرماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهارك الفضة. وبيع من الرماح الخطية السمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصناع موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة. وأخذ ما في خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذهب والمجرود والبغدادي والمذهب والخلنج والصيني ما لا يحصى. وأخذ أيضا ما في خزائن الفرش من البسط والستور
والنفائس من الحرير وغيره، ما لا يعرف له قيمة لكثرته. وأخرج في يوم من خزائن من القصر عدة صناديق، فوجد في أحدها أمثال كيزان الفقاع من صافي البللور المنقوش والمجرود شيء كثير، وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره. وبيعت في تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق، بعد قتله، مما كان قد صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، ومرتبة قلمونية بألفين وأربعمائة دينار، وثلاثون سندسية كل واحدة بثلاثين دينارا، وقدح بللور بمائتين وعشرين دينارا، وخردادي بللور بثلثمائة وستين دينارا، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلة بثمانمائة دينار، وعدة صحون ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها. وخرج من القصر خردادي وباطية من بللور في غاية النقاء وحسن الصنعة، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع الباطية سبعة أرطال ماء ويسع الخردادي تسعة أرطال، دفع فيهما ابن عمار بطرابلس ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما. وقال المعتمد أبو سعد النهاوندي أحد الأمناء، وحده دون غيره من أمناء القصر؛ مما أخرج بيع ثماني عشرة ألف فقعة بللور ومحكم، منها يساوي الألف دينار وإلى عشرة دنانير؛ ونيف وعشرون ألف قطعة خسروانية، إلى غير ذلك من الفرش والتعاليق ما بين مذهبة وغير مذهبة. وبيع في مدة خمسة عشر شهرا، أولها عاشر صفر سنة ستين وأربعمائة، سوى ما نهب وسرق، مما خرج من القصر ما تحصل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار، على أنه بيع بأقل القيم وأنزر الأثمان؛ وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحق أحد منهم درهما واحدا منها.
ودخلوا إلى خزانة الرفوف، وكانت خزانة عظيمة بالقصر من جملة خزائن الفرش، فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض، ولكل منها سلم منفرد، فأخرجوا منها ألفي عدل شققا طميما بهدبها من سائر أنواع الخسرواني وغيره لم تستعمل، وكلها مذهب معمول بسائر الأشكال والصور. وجد في عدل منها أجلة للفيلة من خسرواني أحمر مذهب كأحسن ما يكون، وموضع نزول أفخاذ الفيال ورجليه سارج بغير ذهب. وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة من خسرواني أحمر مطرز بأبيض لم تفصل، برسم كسوة البيوت، كل بيت منها كامل بجميع آلاته ومسانده ومخاده ومراتبه وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره، وجميع ما يحتاج إليه فيه. وأخرج من الحصر السامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هي مجومة ومطيرة وطفيلة، ومصورة بسائر الصور، ما لا يحصى كثرة. وأخرج من صواني الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة، المنقوشة بسائر أنواع النقوش، المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا؛ ونيف وعشرون ألف قطعة طميم من سائر الأمتعة. والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة سندس أخضر مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها، فأخرج منها عدل كان العدد المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من المتاع. وأخرج في يوم صناديق سروج محلاة بفضة، وجد فيها صندوق مكتوب عليه: الثامن والتسعون والثلثمائة، وعدة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج. ووجد غلف خيزران مبطنة بالحرير محلاة بالذهب خالية من الأواني، كانت تسعة عشر ألف غلاف، كان في كل غلاف قطعة من بللور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ذلك.
ووجود مائة كأن بازهر على أكثرها اسم هارون الرشيد، ووجد ستور حريرية منسوجة بالذهب، تقارب الألف، مختلفة الألوان والأطوال، فيها صور الدول وملوكها والمشاهير فيها، مكتوب على صورة كل واحد منهم اسمه ومدة أيامه وشرح حاله. ووجد في خزانة عدة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة بنسب مختلفة من سائر الجواهر. ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع الدوى المربعة والمدورة والصغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصندل والعود والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاة بالجوهر والفضة والذهب، وسائر أنواع الحلى الغريبة، والصنعة المعجزة الدقيقة، بجميع آلاتها؛ فيها ما يساوي الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر، وصناديق مملوءة مشارب ذهبا وفضة محرقة بالسواد، صغارا وكبارا، بأحسن ما يكون من الصناعة. وصناديق مملوءة أقلاما مبرية من سائر أنواع القصب، فيها ما هو من براية أبي علي محمد ابن مقلة، وابن البواب ومن يجري مجراهما، وعدة مصاحف بخطيهما وخط نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللازورد. وعدة أزيار صيني كبار مملوءة كافورا قنصوريا؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر الشجري؛ وكثير من قوارير المسك؛ ومن شجر العود مقطعة شيء كثير. ووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصيني، منها أجاجين كبار، محمولة
كل إجانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسباع والناس والبهائم، قيمة كل قطعة منها ألف دينار، معمولة لغسل الثياب. ووجدت له خزائن مملوءة من سائر أنواع الصواني المدهونة، سعة كل واحدة منها من العشرة أشبار إلى ما دونها، شيء في جوف شيء، حتى تكون أصغرها سعة الدرهم. ومن سائر أنواع الأطباق الخلنج الذي بهذه الصفة. ومن الموائد الخلنج الكبار والصغار ألوف؛ ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض الفضة التي لا يقدر الجمل القوي على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوي المائة دينار وما فوقها. ووجد من الدكك والمحاريب والأسرة العود والصندل والأبنوس والعاج وغيره شيء كثير. وعدة أقفاص مملوءة من بيض صيني معمول على هيئة البيض في خامته وبياضه يعمل فيها ما في البيض اليشم سبت يوم الفصاد؛ وكيزان من صيني صغار وكبار على خلقة كيزان الفقاع يشرب فيها الفقاع. ووجد كثير من الأعدال مملوءة عقالا من اليمن مما أهداه الصليحي. وأخرجت حصير من ذهب زنتها ثمانية عشر رطلا ذكر أنها الحصير التي جلبت عليها بوران بنت الحسن علي المأمون. وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناء مجرى بالذهب، لها كعوب تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الروم للعزيز بالله، قومت كل صينية بثلاثة آلاف دينار، فأخذها كلها ناصر الدولة ابن حمدان. ووجد عدة صناديق مملوءة مرايا حديد صيني وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة، وجميعها محلاة بالذهب المشبك والفضة، ومنها ما هو مكلل بالجوهر في غلف الكهمخت وغيره من أنواع الحرير والخيزران كلها
مضببة بالذهب والفضة، ومقابض المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس وغيره. وأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات وغير ذلك من أنواع الخيام المعمولة من الدبيقي والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير المثقل، مما هو منقوش ومصور بسائر الصور العجيبة الصنعة، وسائر أعمدتها مكسوة بالفضة المذهبة، ولها الصفريات الفضة والحبال القطنية والحريرية. فكان منها ما تحمل الخيمة منه على عشرين بعيرا وأكثر. وأخرجت المدورة الكبيرة؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستون ذراعا بالكبير، ودور مكللته عشرون ذراعا، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع، ودور المدورة خمسمائة ذراع، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة، كل قطعة منها تحزم في عدل، وتحمل على مائة جمل، وفي صفرتها ثلاثة قناطير فضة يحملها من داخلها قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال، وفي زخرفتها صور سائر الحيوانات، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا. كان عملها لليازوري في وزارته، فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعا نحو تسع سنين، وصرف عليها ثلاثون ألف دينار؛ أراد بها محاكاة القاتول الذي عمله العزيز بالله فجاء أعظم منه وأحسن. وبعث إلى متملك الروم في طلب عودين للفسطاط طول كل منهما سبعون ذراعا، فأنفذهما إليه؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار؛ فعمل أحدهما في الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع، وأخذ الآخر ناصر الدولة ابن حمدان لما خرج إلى الإسكندرية.
وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقا وقومت على المذكورين من المارقين بأقل القيم، فتمزقت وأخرج مسطح من قلمون، عمل بتنيس للعزيز وسمى دار البطيخ، يقوم على ستة أعمدة، وفيه أربع قباب بين كل قبتين رواق يقوم كل منها على أربعة أعمدة، وطول كل عمود ثمانية عشر ذراعا. ومسطح عمله الظاهر في تنيس، كله ذهب طميم بستر صفارى بللور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ألف دينار. إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع الحرير، وعدة من الحمامات المعمولة من البللور والطالقاني ومن الأدم المذهبة المنقوشة بحياضها ودككها، ومساطبها وقدورها، وزجاجها وسائر عددها وأخرجت المدورة الكبيرة التي عملت بحلب في سني بضع وأربعين وأربعمائة، فبلغت النفقة عليها ثلاثين ألف دينار، وكان طول عمودها أربعين ذراعا، ودور فلكه أربعة وعشرين شبرا، وزنة صفرتيه قنطارين من فضة سوى أنابيب الحديد، ويحملها سبعون جملا، ولا ينصبها إلا نحو المائتي رجل، وهو شبه القاتول العزيزي. وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل. وأخرج من الصناديق، والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا والمداخن من الكيمخت والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقم المحلى جميعها بالذهب والفضة المغشاة بأغشية الأدم والحرير ما لا يحد كثرة. ومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته. وأخرج من خزائن الفضة ما ينيف على ألف ألف درهم، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب، فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة، فبيع جميعه عشرون
درهما بدينار، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار. وأخرج غير ذلك عشاريات موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال، ومنجوقات وأعلام وقناديل وصناديق وبوقات وزواريق وقمطرات، وسروج ولجم ومناطق العماريات وغير ذلك ما يجاوز ألف ألف فضة، بيعت كما بيع غيرها. وأخرج من الشطرنج والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحد كثرة ونفاسة؛ ومن دسوت الفصاد مثل ذلك؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظال والأعلام ما لا يمكن وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب؛ فقطع جميع ذلك وبيع. وأخرج مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري قد عملها، فيها ما يساوي السرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ألف دينار، شبك جميعها وفرق في الأتراك، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب الخليفة. وأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها، صنع بها مثل ذلك. وأخذ منها آلات فضية وزنها ثلثمائة ألف وأربعون ألف درهم، تساوي ستة دراهم بدينار. وأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب معدومة المثل صنعة وحسنا، عدتها أربعمائة قفص كبار، شبكت كلها في إيوان القصر وفرقت. ومعظم ذلك كان في وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم في هذه السنة. كان من جملة ما في الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العواري خاصة. وأخرج في بعض أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة
برسم الخيم. وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الروم فيما أخرج عدة كثيرة من صواني الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة، ملئت كلها جوهرا فاخرا، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس، وألفا بنفسجية كذلك. وأخرج من خزائن الطريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور وغيره. وكان مبلغ ما قوم من نصب سكاكين، بأقل القيم، ستة وثلاثين ألف دينار. وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة، أقل تمثال منها وزنه اثنا عشر منا وأكبره يتجاوز ذلك بكثير؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحد كثرة، منها ثمانمائة بطيخة كافور، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة. وأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة، في كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته. وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنيس ودمياط وبرقة وصقلية وسائر أقطار الأرض ما لا يحد كثرة ولا يعرف له قيمة. وفي هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة، المعروف بالمخنوق، هو والوزير أبا محمد بن أبي كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقي لغلمانه، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه، وقال فابعث من يقوم ذلك ويقبضه؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة، قومت وحملت إليه في حادي عشر صفر. وفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلوتة المرصعة بالجوهر، وكانت من غريب ما في القصر ونفيسه، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار، وقومت عليهما بثمانين ألف دينار، وقسمت بينهما بالسوية، فجاء وزن ما فيها من الجوهر سبعة عشر رطلا
بالمصري. فصار إلى فخر العرب من جملة ما وقع في سهمه منها قطعة بلخش زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا، فأنفذها مع باقي ما حصل له منها إلى الفخرية، وكانت بثغر الإسكندرية، فحملت بعد ذلك إلى تنيس مع غيره من رجالاتهم، فصار جميعه عند أمير الجيوش بالشام. وصار إلى تاج الملوك منها حبات در، زنة كل حبة ثلاثة مثاقيل وعدتها مائة حبة؛ فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى الصعيد، فقتل وأخذ منه. وأخرج من خزائن الطيب مما أخرج خمسة صواري عود هندي، طول كل واحد منها ما بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع؛ وكافور قنصوري زنة كل حصاة منه من خمسة مثاقيل إلى ما دونها؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة آلاف مثقال، فوهب ذلك لناصر الدولة، فحاز منه ما لا حد له ولا قيمة. وحمل إليه من القصر متارد صيني، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على صورة السباع وغيرها، يسع كل منها مائتي رطل وما فوقها؛ وعدة قطع يشب وبازهر، منها جام سعته ثلاثة أشبار ونصف وعمقه شبر، مليح الصورة. وأخرج من القصر منديل نسيج من زغب ريش بدائر يسمى السمندل، طوله تسعة أشبار، لا يحترق بالنار، فاشتراه بعض المسافرين التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه. وصار إلى ناصر الدولة قطرميز بللور فيه صور ناتئة عن ضبته يسع سبعة عشر رطلا، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا؛ وقصرية يصب كبيرة جدا؛ وعدة كاسات يصب؛ وطابع ند فيه ألف مثقال عمله فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة ابن بويه الديلمي وكتب عليه فخر الدولة شمس الدولة، وكتب عليه أبياتا، منها:
ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبة ... فنده طابع من ألف مثقال فاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء. وصار لناصر الدولة أيضا طائر من ذهب مرصع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت أحمر وريشه من الميناء المجري بالذهب كهيئة ريش الطاووس. وديك من ذهب له عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر، مرصع كله بسائر الدر والجوهر، وعيناه من ياقوت أحمر، كان يحيره ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه وملاحتها. وغزال مرصع بنفيس الدر والجوهر، بطنه أبيض منطور من در رائع يخاله الناظر حيوانا. ومجمع سكارج مخروط من بللور فظ، وفيه سكارج من بللور يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار في مثلها، محكم الصنعة في غلاف من خيزران مذهب، فسمح به لفخر العرب. وأخرج بطيخة من كافور في شباك من ذهب مرصع، وزن كافورها سبعون منا سوى الذهب، اقتسمها فخر العرب وتاج الملوك، فخص فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب؛ وقطعة عنبر تسمى الخروف زنتها سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منا؛ وعدة قطارميز بللور فيها صور مجسمة بارزة، يسع كل منها عشرين رطلا. وطلب الأتراك من المستنصر نفقة، فماطلهم بها، فهجموا على التربة التي للقصر وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلي المحاريب، فجاء منه خمسون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق رقيق بديع الصنعة منسوج بالذهب وسائر أنواع الحرير تنبيتا، عمله المعز، فيه صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها، وفيه صورة مكة والمدينة، وفي آخره: مما أمر بعمله المعز لدين الله
شوقا إلى حرم الله، وإشهارا لمعالم رسول الله، في سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرة؛ من ذلك مائدة يصب كبيرة قوائمها منها؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالا أشد صفاء من الياقوت الأحمر؛ وبيت أرمني منسوج بالذهب عمل للمتوكل على الله العباسي لا مثل له ولا قيمة؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذا مليح التقدير، قوم عليه مما خرج من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى، وبساط خسرواني دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه؛ ومائدة جزع يقعد عليها جماعة، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة. سوى ما قبضة شاور بن حسين لناصر الدولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة، وآنية الجوهر وعقوده، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح، مما قوم بمئين ألوفا وكانت قيمته ألوف ألوف دينارا. وصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكللة بجوهر بديع ودر رائع، في إجانة من ذهب، تجمع الطلع والبلح وسائر ألوان البسر والرطب، بشكله ولونه، وصفته وهيئته من ألوان الجوهر، لا قيمة لها. وكوز على مثال كوز الزير من بللور يسع عشرة أرطال ماء مرصع بنفيس الجوهر لا قيمة له، وصورة مكللة بحب لؤلؤ نفيس، فيها ما وزن الجبة منه مثقال، ومنه ما يزن مثقالين مرصعة بياقوت. وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدم، ونجارته وكسوة رحله التي عملها الوزير علي بن أحمد الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كان فيها مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة، غير ما أطلق للصناع من أجرة صياغة وثمن ذهب لطلائه، وهو ألفان وتسعمائة دينار؛ وكان سعر الفضة في ذلك الوقت كل مائة درهم بستة دنانير وربع، بسعر ستة عشر درهما بدينار. وأخرج حلي العشارى الفضي الذي عمله أبو سعيد إبراهيم بن سهل التستري لما ولي الوساطة في سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة
المستنصر، وكان الحلي مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة، وإلى ذلك أجر الصباغة ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل. فأخرج عدة العشاريات التي برسم القوة البحرية، وعدتها ستة وثلاثون عشاريا، وكان قد انصرف عليها في حلاها من مناطق ورؤوس منجوقات وأهلة وصفريات وكساها أربعمائة ألف دينار. وأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذهب الإبريز الخالص فكان مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال. وأخرج الستر الذي أنشأه أبو محمد اليازوري فجاء فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال، وكان مرصعا بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر من سائر الألوان. وأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهبا وعشرون ألف درهم فضة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر، وأخرجت الشمسة التي لم تتم فوجد فيها من الذهب سبعة عشر ألف مثقال. وأخرج من خزانة عدة مناكين فضة، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها. وأخرج بستان أرضه فضة محرقة مذهبة، وطينه ند معجون، وأشجاره فضة مصنوعة، وأثماره عنبروند، زنته ثلثمائة وستة أرطال بالمصري. وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر وزنهما عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر مدورتان وزنهما ستة آلاف مثقال. وأثواب مصمتة، منها أربعة يفصل كل ثوب منها اثنين، وثلاثون قميصا تاما، ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهما ونصف، أخذ من موجود اليازوري وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله. وأخرج لؤلؤ زنة كل حبة منه مثقالان؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كل قطعة منه سبعون درهما؛ ومن الزمرد ما وزن كل قطعة منه ثمانون درهما؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من زمرد لا قيمة له. وأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة، وألفان وأربعمائة ختمة في ربعات بخطوط منسوبة محلاة بذهب وفضة. وأخذ جميع ذلك الأتراك ببعض قيمته. وأخرج في المحرم منها في يوم واحد خمسة وعشرون جملا موقرة كتبا صارت إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن المعز، واقتسمها هو والخطير ابن الموفق في الدارين
بخدمات وجبت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين؛ وأن حصة الوزير أبي الفرج قومت عليه بخمسة آلاف دينار، وكانت تساوي أكثر من مائة ألف دينار، نهبت بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر في صفر، مع غيرها مما نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما. وأخرج ما في خزائن دار العلم بالقاهرة. وصار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب، ثم انتقل منها كثير، بعد مقتله، إلى المغرب وأخذته لواتة، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب الجليلة المقدار ما لا يعد ولا يوصف، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالا في أرجلهم، وأحرق ورقها تأولا منهم أنها خرجت من القصر وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، فصار رمادها تلالا عرفت في نواحي أبيار بتلال الكتب، وغرق منها وتلف، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف. وأخرج من بعض الخزائن التي بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض النعام محلاة بذهب، فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة مما له خطر وقدر؛ فقال بعض الحاضرين هذه بيضة نعامة، فتغافل بعض من حضر من الأتراك عنها، وأخذوا النفائس من الذخائر وانصرفوا. فسئلا المستنصر من بعض الخدم عن هذه البيضة، فقال: هي بيضة حية أهداها بعض الملوك إلى جدي القائم بأمر الله، وكان يحتفظ بها، وهذه الرقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها والسنة التي أهديت فيها. وأخرج من القصر في ثلاثة أيام من المحرم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ألف دينار وستمائة وستة وسبعون دينارا وثمن دينار، منها قيمة متاع ثلاثة عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون دينارا وثلت وثمن، وقيمة جوهر ثمانية آلاف وثمانمائة وخمسة وأربعون دينارا وثلثان؛ هذا على أن ما يساوي ألف دينار يقوم بمائة دينار وما دونها. فإذا كان هذا في ثلاثة أيام فكيف يكون في مدة سنتين ليلا ونهارا!
وتسلم جلال الدولة بن بويه من العين، له ولمن يجري مجراه وعدتهم عشرة نفر، من عطية واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف دينار ومائة وثلاثين دينارا. ووصل إلى بغداد على يد التجار مما خرج من القصر، على ما وقفت في تاريخ بعض البغداديين، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف سيف محلى، وثمانون ألف قطعة بللور وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج. وبيع طشت وإبريق من بللور باثني عشر ألف دينار؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة من الثياب، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار. قال ابن ميسر: رأيت مجلدة تجيء نحو العشرين كراسة، فيها ذكر ما خرج من القصر من التحف والأثاث والثياب والذهب وغير ذلك. وفيها صرف الوزير محمد بن جعفر ابن المغربي عن الوزارة في رمضان، وتقرر جلال الملك أبو أحمد، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي. وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشريف أبا طاهر حيدرة، ناظر دمشق، لإحن كانت في نفسه منه، وكان يعد من الأجواد. وفيها تغلب الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة الكتامي على دمشق واقتحمها قهرا بالسيف في شوال، فأساء السيرة في الناس. وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية الماء دينارا، وبيع دار ثمنها تسعمائة
دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق. وعم مع الغلاء وباء شديد؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد. فانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر. وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج! خراج! فبلغ أربعة عشر درهما؛ وبيع أردب قمح بثمانين دينارا. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز، حسابا عن كل دار رغيف، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر. وأكل الناس نحاتة النخل؛ ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا. وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السقوف قريبة ممن يسعى في الطرقات، فأعدوا سلبا وخطاطيف، فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه. قال الشريف أبو عبد الله محمد الجواني في كتاب النقط: حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فتقول: أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدة، فأخذني إنسان، وكنت ذات جسم وسمن، فأدخلني بيتا فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل، فأضجعني على وجهي وربط في يدي ورجلي سلبا إلى أوتاد حديد، عريانة، ثم شرح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا؛ ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو؛ فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد، وأعان الله على الخلاص، وخلصت، وحللت الرباط، وأخذت خروقا من داره
ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس، فحملت إلى بيتي، وعرفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالي فكبس عليه وضرب عنقه؛ وأقامت الدماء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح، وبقي هكذا حفرا. وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير؛ وتعطلت دواوينه وذهب وقاره، وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن: الجوع الجوع، وهن يردن المسير إلى العراق، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة، ومتن جوعا. جاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة، فأمر بهم فشنقوا، فاجتمع الناس على المشنقين وأكلوهم. وعدم المستنصر القوت جملة حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء، حتى أنفقت مالها كله، وكان يجل عن الإحصاء، في سبيل البر؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه، وهو مرة واحدة في اليوم، لا يجد غيره. وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت، فسير الأمير عبد الله إلى عكا فنزل عند أمير الجيوش، وأرسل الأمير أبا علي معه؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان، وسيره أولا إلى دمياط؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبي القاسم أحمد. وبعث المستنصر يوما إلى أبي الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهري الواعظ، فدخل القاهرة من باب البرقية، فلم يلق أحدا إلى القصر؛ فجاء من باب البحر، فوجد عليه شيخا، فقال استأذن علي؛ فقال: ادخل فهو وحده؛ فدخل، فلم ير أحدا في الدهاليز ولا القلعة، فأنشد:
يا منزلا، لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك، لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى فإذا هو خلف باب المجلس، فبكى وبكيت طويلا، وحادثته ساعة؛ ثم ناوله الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا. ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها، إلى أن رق لها رجل وباعها به تليس دقيق، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النهابة، وسارت تريد منزلها بالقاهرة، فسلمه الحملة إليها عند بابي زويلة، فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر الناس عليها، وانتهبوه منها فانتهبت هي أيضا منه مع النهابة، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره، فعجنته وشوته، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع، ورفعت القرصة في يدها حتى يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: يأهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقومت علي هذه القرصة بألف دينار. ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرح إلى أن أحضر المستنصر، فلما وقف بين يديه قال: يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين دينارا كل حبة قمح بدينار، في أيامك، وهو، أني اشتريت إردبا بسبعين دينارا فنهب مني ولم يبق في منه سوى ما وقع بيدي وانتهابي منه مع من نهب، فعددت ما في يدي فجاء سبعين حبة من قمح، وإذا كل حبة بدينار. فقال المستنصر: الآن فرج الله على الناس فإن أيامي حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار. ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض. وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحري، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد، وتغلب
الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة، وتحاربوا. وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازوري في سنة خمسين كما تقدم؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختل، ورسومها تتغير، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتي ستين وإحدى وستين، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب. وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين، وكان أشدها مدة سبع سنين، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كل شر، وهلك فيها معظم أهل الإقليم. ثم أخذ البلاء ينجلي من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر في سنة ست وستين، كما سيأتي ذكره إن شاء الله. فكانت السبع سنين المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل في أوقاته، فلا يوجد في الإقليم من يزرع الأراضي ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب، وانقطاع الطرقات في البر والبحر إلا بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر؛ ولم يوجد ما يبذر في الأراضي للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتي دينار، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة. وفيها صرف ابن أبي كدينة عن القضاء في ثالث عشر صفر، وتولى المليحي؛ وصرف جلال الملك عن الوزارة، وصرف معه أيضا المليحي عن القضاء في يوم واحد، وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازوري فباشرهما إلى شوال، ثم صرف عنهما. فاستقر فيهما بعده ابن أبي كدينة إلى ذي القعد؛ وأعيد المليحي بعده. وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين، النصف من شعبان، بعد العصر، وسببه فتنة
بين العسكرية وأهل البلد، فأضرموا النار في بعض الأسواق واتصل بالجامع، فاحترق الجانب الغربي جميعه من الرواق الباقلاني والقبة الكبيرة، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التي لم يكن في الإسلام مثلها.