القسم ٥ من ٧

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

سنة اثنتين وستين وأربعمائة @YY462

فيها بعث ناصر الدولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخاري رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان، ملك العراق، يسأله أن يسير إليه العساكر ليقيم الدعوة العباسية بديار مصر، وتكون مصر له. فتجهز ألب أرسلان من خراسان في عساكر عظيمة، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية، فقطعت دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك. وانتهى ألب أرسلان إلى حلب في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، فأكرمه وأقره على ولايته. وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمر منها إلى مصر، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده؛ فواقع جمائع الروم على خلاط وهزمهم. وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلها، فخرجت عن أيدي المصريين ولم تعد إليهم. وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة إلى ألب أرسلان، فجهز إليه ثلاث عساكر من الأتراك وغيرهم، وتقدم أحد العساكر إليه وهو في أهل البحيرة، فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدم العسكر، وقتل كثير من أصحابه، وانهزام من بقي، والاستيلاء على ما بقي معهم؛ فتقوى به. ووافاه العسكر الثاني ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدم، فكانت الدائرة لابن حمدان عليهم أيضا؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر،

وانتهب عامة ما كان معهم، فكثرت أمواله، وكبرت نفسه، واستأسد على المستنصر واستخف به وبمن معه، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر، وعاث في البلاد؛ ونهب أكثر الوجه البحري. وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط وجميع الوجه البحري، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي. وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ليلا ونهارا، فامتنع الناس من الحركة؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على الزرع، فتفاقم البلاء بالناس واشتد جوعهم وعظمت رزاياهم. وفشا مع ذلك الموت في الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو مصر، فلا يمضي ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من في ذلك البيت. وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفنوهم في الأنخاخ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض، حتى تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار، ثم يهال عليها التراب. ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هربا من الجوع والفتن، فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة، ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التي تقدم ذكر طرف منها. وفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن علي، الملقب بالناصح، ثقة الثقات ذي الرئاستين، ابن عبد الله بن علي بن عياض بن أحمد بن أبي عقيل القاضي، وضايقها؛ فسير عين الدولة إلى الأمير لواء مقدم الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده؛ واتصل ذلك بأمير الجيوش، فخاف من الأتراك، فرحل عن صور. ثم لما اطمأن عاد إلى صور ونازلها فلم يظفر منها بشيء. وفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعي بها للقائم العباسي وللسلطان عضد الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق. وكان سبب انقطاع دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق في كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة في الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار، منها عن الطيب والخلوق والشمع راتبا في كل سنة عشرة آلاف دينار، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف دينار، وعن الجرايات والصدقات وأجرة الجمال

ومعونة من يسير من العسكرية وأمير الموسم وخدم القافلة والضعفاء وحفر الآبار ونفقات العربان ستون ألف دينار. ثم زادت النفقة في وزارة اليازوري حتى بلغت إلى مائتي ألف دينار في السنة؛ ولم تبلغ النفقة على موسم الحج مثل ذلك في دولة من دول الإسلام قط. فلما ضعفت الدولة في هذه السنين وزحف عضد الدولة من خراسان إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبي القاسم الحسني أمير مكة بثلاثين ألف دينار وبخلع سنية وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار؛ وبعث إلى صاحب المدينة عشرين ألف دينار؛ فقطع خطبة المستنصر بعدما قامت الدعوة والخطبة للمستنصر ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة، ودعا للقائم العباسي ولعضد الدولة؛ وقرر عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط.

سنة ثلاث وستين وأربعمائة @YY463

فيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه البحري، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم؛ فوقع الاتفاق بينهم وبينه على أن يكون مقيما بمكانه وتحمل إليه الأموال التي تقرر له، وأن يكون تاج الملوك شادي نائبا عنه بالقاهرة. فتقرر الحال على ذلك ودخلت الغلال إلى البلد، فطابت قلوب الناس، وانجلى الأمر نحو شهر؛ ثم وقع الخلاف بين الأتراك وبينه، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد وحاصرها محاصرة شديدة في ذي القعدة؛ وامتدت أيدي أصحابه فانتهبوا الناس في الدور وأخذوهم من الطرقات، وأحرقوا كثيرا من دور الساحل. ثم عاد إلى البحيرة.

سنة أربع وستين وأربعمائة @YY464

وفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادي وبين ناصر الدولة ابن حمدان، وعادت الفتنة بالقاهرة ومصر. وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لما دخل إلى القاهرة نائبا عن ناصر الدولة تغير عما كان قد تقرر بينهما، واستبد بالأمور فضن بالمال عليه، ولم يصل ابن حمدان منه إلا دون ما كان يؤمله. فقلق لذلك ابن حمدان، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة وأخذها. فسار بهم، ونزل إلى الجيزة، فاستدعى تاج الملوك وغيره من أكابر المقدمين، فخرجوا إليه مطمئنين لأنه واحد منهم يهوى هواهم؛ فما هو إلا أن صاروا إليه حتى قبض عليهم، وزحف بجموعه، وألقى النار في دور السادة، وانبثت أصحابه ينتهبون ما قدروا عليه. فجهز المستنصر إليه عسكرا كانت فيه طائفة لهم قوة وفيهم منعة؛ فوافقوه. وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن هزيمته، ففر على وجهه وتلاحق به أصحابه، وصاروا إلى البحيرة، فقطع خطبة المستنصر من جميع الوجه البحري، وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن يجهز إليه الخلع والألوية السود، فاضمحل قدر المستنصر وتلاشى أمره. وتعاظمت الشدائد بمصر، وجلت رزايا الناس. فلما كان في شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقن عجز المستنصر عن مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له. وموافقتهم لما قرره معهم من محبة؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه المال، فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبهة، وليس عنده غير ثلاثة من الخدم، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة وعظمة الخلافة. فلما أدى إليه الرسالة. قال له المستنصر: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذه الحال؟! فلما سمع بذلك قاصد بن حمدان بكى وخرج، فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر،

وعرفه بما صار إليه من سوء الحال؛ فرق له وكف عنه، وأطلق له في كل شهر مائة دينار. واستبد بسائر أمور الدولة، وبالغ في إهانة المستنصر في الاعتقاد، وزاد في إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه، حتى قبض على أم المستنصر وعاقبها بعقوبات متعددة، واستخلص منها أموالا جمة. فتفرق عن المستنصر جميع أهله، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه، فمنهم من سار إلى المغرب ومنهم من خرج إلى العراق؛ وبقي فقيرا وحيدا خائفا يترقب. وقيل إن أم المستنصر فرت أيضا إلى العراق. وفي شهر ربيع الأول استقر ابن أبي كدينة في الوزارة والدعوة والقضاء. واستمر الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين. وفيها فقد الطعام، فسارت التجار من صقلية والمهدية في الطعام والمرتب. فبيع القمح كل كيل قروي زنته تسعة أرطال بدينار نزاري، ثم بيع بمثقالين، ثم بثلاثة، ثم فقد. وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلا بدرهمين، وبلغ الزيت أوقية بدرهمين، وأوقية اللحم بدرهم، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن، وباع الناس أملاكهم. ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم في النيل بغير أكفان. وفيها مات القاضي الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي بطرابلس الشام، ليلة السبت نصف

رجب. وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة قلبريو، وهي مقابل مدينة جربة، جزيرة صقلية.

سنة خمس وستين وأربعمائة @YY465

فيها قتل ناصر الدين الحسين بن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن عبد الله أبي الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم، أحد الأراقم، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن داغمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معد بن عدنان التغلبي. وكان سبب فنائه أنه لما استولى على أمور الدولة وبالغ في إهانة المستنصر وتتبع أقاربه وحواشيه، وأخذ من قدر عليه منهم، وفر من وجد سبيلا إلى الفرار، كان يولي الرجل بعض الأعمال ويسيره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل حتى يكتب إليه بأن يعود، ويبعث غيره. وشرع في قطع دعوة المستنصر وإعمال الرأي في إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة، وأن يزيل من البلاد دولة الفاطميين ويمحو آثارها، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان والأتباع. وكان من جملة رجال الدولة إلدكز، وهو أحد الأمراء، ففطن لما يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بني العباس، فتشاور هو والأمير يلدكوز، وكانا من أكابر الأتراك، وأنكرا، ما يتفق من ناصر الدولة وتخوفا من عاقبة ذلك. وصارا إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تم لناصر الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا، والرأي مبادرته قبل أن يستفحل أمره؛ فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله. وكان ناصر الدولة قد اغتر بقوته، وظن أنه قد أمن، وأن أعداءه قد تلاشوا وتلفوا، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وأناخ به عواقب بغيه، فلم يشعر إلا وقد ركب الأتراك بأجمعهم

على حين غفلة من ليلة من رجب، ووافوا داره بمصر سحرا، وكان يسكن في منازل العز، فهجموا عليه من غير دستوره ولا طلب إذن، فإذا هو في صحن داره وعليه رداء، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه إلدكز فحز رأسه. وخرج كوكب الدولة مسرعا إلى فخر الدولة أخيه في عدة، فطرقه وهو آمن وقتله واحتمل رأسه، وأخذ سيفه وجارية من جواريه. وامتدت الأيدي إلى من بقي منهم، فقتل أخوهما تاج المعالي وجماعة من بني حمدان؛ وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار مصر، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وما أصدق قول أبي على الفكيك إذ يقول هجاء لناصر الدولة هذا: ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا ... جدواك، مع علمي بأنك باخل فالدولة الغراء قد غلطت بأن ... سمتك ناصرها وأنت الخاذل وقتل في هذه النوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفق بن الدين، ابن العجمي. وفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس.

سنة ست وستين وأربعمائة @YY466

فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركي، والأمير إلدكز والوزير يومئذ ابن أبي كدينة، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله، وكان المستنصر بالله يظن أن في قتل ابن حمدان راحة له، فاستطال إلدكز وابن أبي كدينة عليه وناكداه. فتحير في أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي، وهو يومئذ بعكا، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد والاستيلاء عليها. فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه، وأنه لا يبقى أحدا من عساكر مصر ولا وزرائهم؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك. فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر؛ واستخدم معه عدة من العساكر، وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء، ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء. فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد فسد من إقليم مصر. فترحل بعساكره في المراكب، وأضحت السماء، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء؛ فكان يقال إنه لم ير في البحر قط صحوة تمادت أربعين يوما إلا في هذا الوقت، فكان هذا ابتداء سعادته وأول عظيم جده. فنزل بدمياط، وطلب إليه التجار من تنيس وافترض عليهم مالا.

وقدم عليه سليمان اللواتي، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا، وأوسعهم حالا، وقدم إليه وأضافه، وأمده بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها. وبعث إلى المستنصر سرا بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه. ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه، وبالغوا في إكرامه؛ فأظهر أنه ما جاء إلا شوقا إليهم، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلا بالسوء؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحدانا ورجالا في الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة. ثم أخذ مع الأمراء في الأكل والشرب واللذات، إلى أن اشتد تآنسهم به، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته، وقدموا إليه، وهو آخذ في أسباب ما دعى إليه. فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد لهم، فمضوا إليه، وقضوا نهارهم عنده، وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال؛ وقد رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميرا من الأمراء ويكون له جميع ما بيده. فلما سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه، ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال. فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه، وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له. وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحدا يشار إليه، فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره؛ فحسر عن ساعد الجد، وشمر ساعد الاجتهاد، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم، وتطلبهم في القاهرة ومصر حتى أتى على جميعهم القتل. وفر ناصر الجيوش أبو الملوك، وكان شاه بن يلدكوش، إلى الشام.

وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور، وصار جميع أهل الدولة في حكمه، والدعاة نوابا عنه، وكذلك القضاة إنما يتولون منه. فقلد أبا يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد الفارقي قضاء القضاة. وزيد في ألقاب أمير الجيوش على ألقاب من تقدمه من الوزراء: كافل قضاة المسلمين. واتفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدرون بالجوامع، فقرأ ابن العجمي: " ولقد نصركم الله ببدر "، وسكت عن تمام الآية، فقال له أمير الجيوش بدر: والله لقد جاءت في مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن؛ وأمر له بصلة. فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة، منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة علي بن أحمد المعروف بابن أبي كدينة، وكان عندما قدم بدر إلى مصر هو الوزير، وهو من ولد عبد الرحمن بن ملجم، وتردد في القضاء والوزارة سبع مرات؛ وكان قاسي القلب جبارا، فلما قبض عليه سير إلى دمياط، ودخل عليه السياف ليضرب عنقه، فكان سيفه ثليلا، فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة. وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد، والوزير أبو شجاع محمد بن الأشرف أبي غالب محمد بن علي؛ والوزير عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف.

سنة سبع وستين وأربعمائة @YY467

فيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحري فأوقع بلواتة وقتل مقدمهم سليم اللواتي وابنه، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع الأموال، وأسرف في قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا. وسار إلى دمياط وقتل كثيرا ممن كان فيها من المفسدين، وخرب وحرق، وأصلح عامة أحوال الثغر. ولم يدع بالبر الشرقي وجميع أسفل الأرض مفسدا إلا وقتله أو قمعه. ثم عدى إلى البر الغربي فقتل كثيرا من الطائفة الملحية وأتباعهم؛ وأقام على محاصرة الإسكندرية أياما حتى أخذها قهرا؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين، وعفا عن أهل البلد فلم يعرض لهم. وفيها حاصر شكل التركي، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام، ثغر عكا وأخذه بالسيف، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه، فأحسن إليهم وأكرمهم وقتل والي عكا. ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها. وفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد، يوم الخميس ثالث عشر شعبان، وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام؛ وجلس بعده ابن ابنه أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدين ولقب بالمقتدي. وفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله العباسي أربع سنين. وفيها قتل أمير الجيوش كثيرا من جند مصر وغيرهم ممن يومي إليه بفساد.

سنة ثمان وستين وأربعمائة @YY468

فيها حاصر أطسز بن أرتق، المعروف بالأقسيس، دمشق وألح على قتال من بها من عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين. وكان عليها من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامي، وقد كرهته الرعية لسوء سيرته فيهم وكثرة مصادرته للناس، ففر منهزما إلى بانياس، ثم خرج عنها إلى صور فأقام بها مدة، ثم حمل إلى مصر فقتل بها. وكان قد التحق بأطسز عدة ممن فر من مصر عند قدوم أمير الجيوش، فتقوى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق فرارا من حيدرة لسوء سيرته. فلما ملك دمشق دعا للمقتدي من خلفاء بني العباس وأبطل الخطبة للمستنصر، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم تعد بعد ذلك. وقطعت دعوة المستنصر من مكة أيضا ودعي فيها للمقتدي. فيها مات القاضي الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبي القاسم علي بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب الحسيني النصيبيني، قاضي دمشق، وهو يومئذ متولي القضاء بها، في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة؛ وهو آخر قضاة الخلفاء الفاطميين بدمشق، وسمع الحديث وحدث، وله فيه مقال.

سنة تسع وستين وأربعمائة @YY469

فيها اجتمع بمدينة طوخ من صعيد مصر عدد كبير من عرب جهينة والثعالبة والجعافرة لمحاربة أمير الجيوش، فسار إليهم حتى قرب منهم، فنزل، ثم ارتحل بالليل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات، واشتعلت المشاعل وقد تزايد وقود النيران. وجد في السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة في دفعة واحدة، حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا، وفر منهم طوائف فغرقوا، ولم ينج منهم إلا القليل. وأحاط بأموالهم فحاز منها ما يتجاوز الوصف كثرة، وسيرها إلى المستنصر. وثار كنز الدولة محمد بأسوان وتغلب عليها وعلى نواحيها، وكثرت أتباعه ونجم أمره؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره، فالتقى معهم وحاربهم محاربة طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جم غفير، فكانت هذه الواقعة آخر الوقائع التي قطع فيها دابر المفسدين، وخمدت جمرتهم.

وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملك الديار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام. وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز، وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج، زنة كل حبة منها ينيف على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، وتحفا كثيرة مما كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة، وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد، وهونها عنده. فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام. وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان، فوصل الخبر بمسير أطسز إلى مصر، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش، وكان عند موافاة الخبر إليه في شغل عن ذلك، فقدم أطسز إلى أطراف مصر في جمادى الأولى، وقد أشار عليه ابن يلدكوش بألا تشتغل بالقاهرة ولكن تملك الريف. وقال له: إذا ملكت الريف فقد ملكت مصر. فأقام بالريف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب وأمير الجيوش في إصلاح الصعيد وتدبير أموره، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان وبدر بن حازم بجمائع طي. فلما استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز في جمع تبلغ عدته ما ينيف على ثلاثين ألفا ما بين فارس وراجل، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهز عدة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد. فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم، فاختلفوا عليه في الرأي، فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف، والقوم في كثرة، وعواقب الأمور غير معلومة. وقال له أخوه وابن يلدكوش لا يهولنك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط، لو سمعوا صيحة لفروا عن آخرهم؛ فإياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ولم يبق إلا تملكه. وأشار عليه شكل، أمير طبرية، بموافقة القوم والدخول إلى مصر. فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية. فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا، فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين، فانهزم أطسز، وقتل أخوه وعدة من أصحابه، وعاد

في قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره. ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى. ثم سار إلى دمشق، فدخلها لعشر بقين من شعبان؛ وقد احتوى أمير الجيوش على كثير مما كان معهم، ورجع إلى القاهرة مؤيدا مظفرا. وكان المتولي لكسرة أطسز بدر بن حازم ابن علي بن دغفل بن جراح. فلما جلس أمير الجيوش بدر الجمالي للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة، أحد القراء، " ولقد نصركم الله ببدر "، ولم يتم الآية، يعني بدر بن حازم. فبينا أمير الجيوش بدر في ذلك إذ بلغه اجتماع عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وأوقع بهم، وأكثر من القتل فيهم، وفر من بقي منهم إلى برقة. وفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر، فمات في عشية اليوم الثالث من رجب؛ وكان له على الدولة الفاطمية في كل شهر ثلاثون دينارا وغلة لإصلاح ما يكتب في ديوان الإنشاء، فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه، وإذا حرره أمر به فدفع لأربابه. ثم إنه تخلى عن الخدم السلطانية وانقطع للعبادة حتى مات؛ وكان أبوه واعظا بمصر.

سنة سبعين وأربعمائة @YY470

فيها سير أمير الجيوش عسكرا مقدمه ناصر الدولة الجيوشي، فانتهى إلى دمشق وأقام محاصرا لها مدة؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل. وفيها فوض لأمير الجيوش قضاء القضاة، وزيد في نعوته: كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين. وفيها وصل إلى مكة من بغداد منبر كبير في شهر رمضان منقوش عليه بالذهب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين. مما أمر بعمله محمد بن محمد بن جهير. فاتفق وصوله وقد أعيدت الخطبة للمستنصر، فكسر المنبر المذكور وأحرق. ولم يكن بمصر في سنة إحدى وسبعين كبير شيء.

سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة @YY472

فيها سير أمير الجيوش عسكرا كبيرا، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف على أخذها، فسير أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان وكان قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتد الجوع بأهلها وملكها يستحثه على نصرته وتقويته على المصريين، ويعده أنه يسلم إليه ملك دمشق. فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره؛ فبلغ ذلك عسكر أمير الجيوش، فارتحل وعاد إلى مصر. وقدم تتش فملك دمشق، ودبر على أطسز وقتله بحيلة في ربيع الأول؛ وجهز عسكرا في إثر العسكر المصري فلم يدركه. وفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيادة كنيسة لهم بها، فبعث والي قوص من قبض عليه وحمله إلى القاهرة، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض عليه النعم، وأتحفه بالهدايا الجليلة؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود إلى بلاده. وفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بني العباس.

سنة سبع وسبعين وأربعمائة @YY477

فيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه، وانضم إليه جماعة من العسكر والعربان وتحصن بالإسكندرية؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره، وألح عليه القتال حتى دخل البلد وأخذ ابنه قهرا. وأمر ببناء الجامع المعروف في الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد، وفرغ منه في شهر ربيع الأول؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأمر ببناء جامع، ونقل الخطبة من جامع العطارين إليه. وفي جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل، وجعله ولي عهده في السلطنة. وفيها ابتدأ أمير الجيوش في بناء سور القاهرة.

سنة ثمان وسبعين وأربعمائة @YY478

فيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدي العباسي. فيها مات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين المغربي الملقب بالكامل؛ وكان قد ولي الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها، ثم عاد واتصل بالوزير أبي محمد اليازوري، فأحسن إليه واستخدمه وعني به، فماقته أبو الفرج البابلي. فلما صارت إليه الوزارة بعد اليازوري قبض عليه في جملة من قبض عليه من أصحاب اليازوري، واعتقله، فلم يزل معتقلا إلى أن تقررت له الوزارة وهو في السجن، فأخرج وخلع عليه خلع الوزراة عوضا عن أبي الفرج البابلي، فلم يؤاخذه بما كان منه في حقه، بل قابله بالجميل وأحسن إليه إحسانا كبيرا. ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولي ديوان الإنشاء، فقرر في هذه الرتبة التي يقال لها في زمننا اليوم كتاب السر، فاستقرت من بعده وظيفة ورتبة يتقلدها الأكابر. وفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وأقصرا من بلاد الروم، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان؛ فاسترد منه الفرنج مدينة أنطاكية.

سنة تسع وسبعين وأربعمائة @YY479

فيها قدم الحسن بن الصباح، رئيس الطائفة الباطنية من الإسماعيلية، إلى مصر في زي تاجر، واتصل بالمستنصر واختص به، والتزم أن يقيم له الدعوة في بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق. وكان الحسن هذا كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام بالري، فكاتب المستنصر، ثم قدم عليه. ثم إن المستنصر بلغه عنه كلام، فاعتقله، ثم أطلقه. وسأله ابن الصباح عن عدة مسائل من مسائل الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه. ويقال إنه قال له: يا أمير المؤمنين، من الإمام من بعدك، فقال له ولدي نزار. ثم إنه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدة وأنعم عليه بنعم وافية. فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثها في تلك الأقطار، وحدث منه من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر في أخبار المشرق. ثم قام من بعد المستنصر بدعوة ابنه نزار، وكان بسبب ذلك في مصر من الانقلاب ما نهتم به إن شاء الله تعالى. وأخذ ابن الصباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم، حتى اجتمعوا له في شعبان سنة ثلاث وثمانين، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت، وكانت لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام، وهي من الحصانة في غاية. واجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن عطاش، وملكوا قلعتين عظيمتين؛ إحداهما يقال لها قلعة الدر. وكانت لأبي القاسم دلف العجلي،

وجددها وسماها ساهور؛ والقلعة الأخرى تعرف بقلعة جان، وهما على جبل أصبهان. وبث الحسن بن الصباح دعاته، وألقى عليهم مسائل الباطنية التي ذكرتها في هذا الكتاب عند ذكر داعي الدعاة في أخبار بناء سور القاهرة، عند ذكر خطط المعزية القاهرة. فساروا من قلعة ألموت، وأكثروا من القتل في الناس غيلة. وكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب أرسلان، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصباح؛ فناظرهم؛ وألف كتابه المسمى بالمستظهري، وأجاب عن مسائلهم. واجتهد ملك شاه في أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها. وفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدي.

سنة ثمانين وأربعمائة @YY480

فيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى، المعروف بابن الجوهري، الواعظ المصري في العشر الأواخر من شوال؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر، وتصدى سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص. حدث عن جماعة؛ وله كلام في الزهد والمواعظ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ. ولما كانت أيام الشدة والغلاء بمصر اجتمع إليه الناس في بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق، فقال: من يحضر عندي ومن بقي؟ فقالوا: لا بد من ذلك؛ فجلس، وكان من كلامه: أبشروا هذه سنة ثلاث، وأشار بيده، وهي متعلقة كلها، وسنة حل سنة أربع ويفتح الله، ورفع بنصره؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله؛ ورفع خنصره. فكان كما قال. وأنشد مرة في بعض مجالسه: ما يصنع الليل والنهار ... ويستر الثوب والجدار على كرام بني كرام ... تخيروا في القضا وخاروا ومن كلامه: قد اختل امر الدين والدنيا، وتعذر الوصول إليهما، فمن طلب الآخرة لم يجد معينا علينا، ومن طلب الدنيا وجد فاجرا قد سبقه إليها. وأنشد مرة الخليفة المستنصر: عساكر الشكر قد جاءت مهنئة ... وللملوك ارتياب في تأتيها بالباب قوم ذوو ضعف ومسكنة ... يستصغرون لك الدنيا بما فيها وفيها بعث بردويل ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكرا عليه أجار إلى صقلية فملكها من المسلمين.

سنة إحدى وثمانين وأربعمائة @YY481

سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة @YY482

فيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدم عليه ناصر الدولة الجيوشي؛ فسار وفتح ثغري صور وصيدا، ثم فتح جبيل وعكا. وكان تتش قد ملكها، فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشي، وقتل جماعة من أصحاب تتش، وأخذ كثيرا من ذخائره. ومضى إلى بعلبك، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص، ودخل في الطاعة، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش، فسير إليه الخلع والطوق.

سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة @YY483

فيها توفى الحافظ أبو اسحق ابراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصري الإمام، صاحب التاريخ، في سادس ذي القعدة، ومولده في سنة إحدى وسبعين وثلثمائة؛ ودفن بالقرافة. وفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت في شعبان، وأظهر دعوة المستنصر بالله.

سنة خمس وثمانين وأربعمائة @YY485

فيها نقل أمير الجيوش بابي زويلة وزاد من ورائهما قطعة، وبنى باب زويلة الكبير الموجود الآن، ورفع أبراجه على ما هي عليه، ولم يجعل له باشورة كما هي عادة أبواب الحصون أن يكون في أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم على الحصن عند الحصار، بل عمل في بابه زلاقة من حجارة صوان، حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته. فلم تزل هذه الزلاقة باقية إلى أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فأمر بنقضها لما زلت به فرسه وسقط عنها.

سنة ست وثمانين وأربعمائة @YY486

فيها جرد أمير الجيوش عسكرا إلى ثغر صور، وكان المتولي به قد خرج عن الطاعة. فسار العسكر ونزل على الثغر، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش، فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله، وقبضوا على أميرها وعلى جماعة من الناس وسيروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم؛ وبعث بفريضة ستين ألف دينار على أهل صور؛ وكان ذلك في رابع عشر جمادى الآخرة. وفيها نمى قتل أبي علي حسن بن عبد الصمد بن أبي الشحناء العسقلاني صاحب الرسائل والشعر، وكان بديوان الإنشاء، وشعره ورسائله مشهورة. ويقال إن القاضي الفاضل عبد الرحيم كان جل اعتماده على رسائله. ومن شعره: أصبحت تخرجني بغير جريمة ... من دار إكرام لدار هوان كدم الفصد يراق أرذل موضع ... أبدا، ويخرج من أعز مكان ثقلت موازين العباد بفضلهم ... وفضيلتي قد خففت ميزاني

سنة سبع وثمانين وأربعمائة @YY487

في شهر ربيع، وقيل في جمادى الأولى، توفي أمير الجيوش بدر الجمالي من مرض نزل به من أول السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ثمانين سنة؛ وجنسه أرمني؛ وكان مملوكا لجمال الدولة ابن عمار، فلذلك قيل له بدر الجمالي. وما زال يأخذ نفسه بالجد من شبيبته فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم فيما يرومه، ويتنقل في الرتب العلية، حتى ولي بلاد الشام وتقلد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرتين، وثار عليه أهلها، وكانت في إمارته الفتنة العظيمة التي احترق فيها قصر الإمارة وجامع بني أمية. ثم إنه رحل عن دمشق إلى مصر، وقلده المستنصر عكا. فلما فسدت أحوال مصر وتغيرت أمورها وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيدا عن مصر. فلما كاتبه المستنصر ودخل إلى القاهرة تحكم في بلاد مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر من أمر، وألقى إليه مقاليد مملكته، وسلم إليه أمور خلافته، فضبطها أحسن ضبط. فاشتدت مهابته في قلوب الخاصة والعامة، وخاف سطوته كل جليل وكبير، لعظم بأسه وكثرة بطشه، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه. وبقتله أكابر المصريين من الأمراء والقواد والوزراء والأعيان، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وثغر دمياط وتنيس والإسكندرية، الذين كانوا قد تمرنوا على الفساد، ونشأوا في الفتن واعتادوا مضرة الخلق، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصرية بعد فسادها، وعمرت بعد خرابها، وزال عكس المستنصر وابتدأت سعادته.

وكان من جميل أفعاله أنه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم أطلق الخراج للمزارعين، ولم يأخذ منهم شيئا ثلاث سنين، حتى صلحت أحوال الفلاحين. واستغنى أهل مصر في أيامه، ودرت عليهم أخلاف النعم بعد توالي الشدائد الكبيرة، ومقاساة الألم. وكثر ترداد التجار في أيامه إلى مصر بعد نزوحهم عنها، وخروجهم لشدة البلاء والجور فيها. وكانت مدة تحكمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة. وكان عزوف النفس شديد البطش، عالي الهمة عظيم الهيبة، حسن التأتي جميل السياسة، مظفرا، سعيد الجد، سخيا، مفضالا. قصده علقمة بن عبد الرزاق العليمي، فلما وافى بابه شاهد أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ومقامهم، ولا يصلون إليه. فبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد، فخرج في أثره وأقام معه حتى رجع من صيده؛ فعندما قاربه وقف على تل من رمل، ورمى برقعة كانت في يده، وأنشد: نحن التجار، وهذه أعلاقنا ... در، وجود يمينك المبتاع قلب، وفتشها بسمعك، إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم، وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك، والرجا ... من دونك السمسار والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم، ولا كعب، ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... والناس بعدك كلهم أتباع يا بدر، أقسم، لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك، جميعهم، ما ضاعوا وكان بيد بدر باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات، وهو معه، إلى أن استقر في مجلسه. فلما اطمأن قال للحاضرين عنده؛ من أحبني فليخلع عليه. فبادر حينئذ الحاضرون، ولم يبق منهم إلا من ألقى له ما قدر عليه، حتى صار إليه منهم ما حمله على سبعين بغلا عندما خرج من المجلس؛ ومع ذلك أمر له أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم.

قال قاضي الرشيد أحمد بن الزبير في كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف: ولما مات أمير الجيوش بدر المستنصري خلف سبعمائة غلام، كل غلام له من المال ما ينيف عن المائة ألف غلام. وخلف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم في دار الوزارة؛ ومن الجوهر والياقوت أربعة صناديق ومن القضب الفضة والذهب والمراتب، ومن السروج المحلاة، ما يعجز عن وصفه. وخلف ألف قصبة زمرد، لأنه كان له به غرام عظيم، جمعت له من جميع الأقطار. ولما مات أمير الجيوش كان أجل غلمانه من الأمراء نصر الدولة أفتكين، ويليه في الرتبة أمين الدولة صافي، ويقال لاون، فبعث لاون لكل جماعة من الأمراء الجيوشية مالا والتمس منهم الرضا به أن يلي الوزارة مكان أستاذه أمير الجيوش، فوافقوه على ذلك فأقر أمره مع المستنصر؛ فطلبه بعد موت أمير الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس في الشباك عند الخليفة ليتولى على العادة. وكان نصر الدولة أفتكين قد بلغه ذلك من قبل، فركب وطاف على الأمراء، كل واحد بمفرده، وغلطه فيما عزم عليه، وقبح أن يكون أحد خشدا شيته يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم؛ مع ما قد عرف من بخل لاون، ونحو ذلك من القول، حتى رجعوا عن لاون. فعندما طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة في جميع الأمراء بالسلاح وصاروا إلى القصر، ووقفوا في الصحن؛ فشق ذلك على المستنصر وعلى من بحضرته من خواصه. وشرع الأمراء في مخاطبة المستنصر في إبطال وزارة لاون، وهو يأبى عليهم، حتى طال الخطاب. فقال المستنصر إذا أقمنا قصبة قبل أمرنا. فقال الأمراء، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه السيوف؛ وجردوا سيوفهم،

ولم يبق إلا وقوع الشر. فقال المستنصر لهم خيرا، وأمر بإحضار الأفضل بن أمير الجيوش، وقرر في الوزارة مكان أبيه، وبطل أمر لاون، فاستمر إلى ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. وفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد، فلما كان عند موته حصل رعد عظيم وبرق كثير ومطر غزير؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر؛ منها في خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، مرت به فيها أهوال عظيمة، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخ، لا يجد من القوت إلا ما تتصدق به عليه الشريفة ابنة صاحب السبيل في كل يوم، فلا يأكل غير مرة واحدة في اليوم من قعب فتيت تبعث بها إليه، كما قد تقدم ذلك. وكان قد قوي أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته في الخلافة وزير أبيه علي بن أحمد الجرجرائي، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات، فحكمت أمه في الدولة وولت أبا سعيد ابراهيم اليهودي التستري وزارتها، فصار هو الذي يلي الوساطة ويدبر الأموال إلى أن قتل. فلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت الأمور وتعاظم الأمر، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره. وولي وزارته أربعة وعشرون وزيرا، وهم: أبو القاسم الجرجرائي إلى أن مات وزيرا في سنة ست وثلاثين؛ فولي أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي إلى أن قتل في سنة تسع وثلاثين؛ فولي عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائي مرتين إلى أن عزل في سنة أربعين؛ فولي صاعد بن مسعود أبو الفضل وصرف في سنة اثنتين وأربعين؛ فاستقر أبو محمد اليازوري مضافا إلى القضاء والتقدمة على الدعاة، ولم يجمع ذلك لأحد قبله، إلى أن قبض عليه في محرم سنة خمسين؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي ثم صرف بعد شهرين وأربعة عشر يوما. واستقر أبو الفرج محمد بن جعفر بن

محمد بن علي بن الحسين المغربي ثم صرف في سنة اثنتين وخمسين؛ وأعيد البابلي ثم صرف بعد أربعة أشهر. وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر في صفر سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في رمضان منها إلى أن توفي في محرم سنة أربع وخمسين؛ فتولى بعده أخوه أبو علي أحمد سبعة عشر يوما وصرف؛ فأعيد البابلي كرة ثالثة في ربيع الأول، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكي؛ ثم صرف بأبي أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء؛ وصرف بابن المدبر، فأقام إلى أن توفي؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم في ذي الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوما؛ وصرف بأبي غالب عبد الطاهر بن فضل العجمي، فتولى غير مرة، وكان جده من دعاة الدولة؛ فولي مرة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة أشهر، وولي أخرى في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما، وفي ثالثة في أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذي بالقاهرة في سنة خمس وستين. وولي الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة، وجمع له بين القضاء والوزارة سبع مرات، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل بدمياط. وولي أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش؛ ثم وزر بعده أبو علي الحسن ابن أبي سعيد التستري عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهوديا فأسلم. ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعباني مرتين، كل منهما عشرة أيام؛ ثم ولي الأمير أبو الحسن بن الأنباري أياما وصرف. فتولى أبو علي الحسن بن سديد الدولة الماسكي أياما، وهذه وزارته الثانية؛ ثم صرف بأبي شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف، فسار إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله؛ وأبو غالب جده كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة ملك العراق. ثم ولي بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسي ثم صرف، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء؛ فولي بعده أبو عبد الله محمد بن أبي حامد التنيسي يوما واحدا وقتل،

فوجد له مال كثير. ثم ولي أبو سعد منصور بن أبي أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور، وكان نصرانيا فأسلم، ويقال إنه لم يسلم؛ ثم ولي بعده أبو العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف وصرف. فلما قدم أمير الجيوش تسلمها. ولما قدم أمير الجيوش من عكا صار وزير السيف والقلم، وولي القضاء أيضا، وزيد في ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين. ثم لما مات وزر من بعده ابنه الأفضل. وأما قضاته، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة. والذين أفردوا بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته؛ ثم تقلد القضاء القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان؛ ثم أبو يعلى، ويقال أبو الحسن، أحمد بن حمزة بن أحمد العرقي ومات؛ فولي أبو الفضل القضاعي؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار. وولي الفضل ابن نباتة، ثم أبو الفضل بن عتيق، ثم أبو الحسن علي بن يوسف بن الكحال، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم، وكان في أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا. وكان نقش خاتمه: بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم. ومما رثى به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي التنوخي الشاعر، من أبيات: وليس ردى المستنصر اليوم كالردى ... ولا قدره أمر يقاس به أمر لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى ... ففاجأه ليلا وما طلع الفجر فأجرى عليه، حين مات، دموعنا ... سماء، فقال الناس: لا؛ بل هو القطر وقد بكت الخنساء صخرا، وإنه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصخر وقلدنا المستعلى الطهر حسب ما ... عليه قديما نص والده الطهر

الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم

المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور

ولد في ثامن عشر المحرم، وقيل في العشرين من المحرم، سنة ثمان وستين وأربعمائة، وبويع له في يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، حين مات أبوه المستنصر. وذلك أن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي عندما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقبه بالمستعلى، وبعث فأحضر إليه نزارا وعبد الله وإسماعيل، أولاد المستنصر؛ فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا من ذلك، فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم: تقدموا وقبلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر، قبل وفاته، للخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك، وقال كل منهم إن والده وعده بالخلافة؛ وقال نزار: إن قطعت ما بايعت من هو أصغر سنا مني وخط والدي عندي بأني ولي عهده وأنا أحضره؛ وخرج مسرعا ليحضر الخط، فمضى من حيث لا يشعر به أحد وتوجه في خفية إلى الإسكندرية. فلما أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله بالحضور، فلم يوجد، وفتش عليه في القصر فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف توجه فاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجا شديدا. وقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزارا، لأنه أكبر أولاده، وجعل إليه ولاية العهد من بعده، فلما قربت وفاته أراد أن يأخذ له البيعة على رجال الدولة،

فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات؛ وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة، وكان في نفس كل منهما مباينة من الآخر لأمور، منها أن نزارا خرج ذات يوم من بعض أماكن القصر فوجد الأفضل قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب، فصاح به: انزل يا أرمني يا نجس؛ فحقدها الأفضل عليه، وظهرت كراهة أحدهما الآخر. ومنها أن الأفضل كان يعارض نزارا في أموره أيام حياة أبيه ويرد شفاعاته ويضع من قدره، ولا يرفع رأسا لأحد من غلمانه وحاشيته، بل يحتقرهم ويقصدهم بالأذى والضرر. فلما عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل بالأمراء الجيوشية وخوفهم من نزار، وحذرهم من مبايعته، وأشار عليهم بولاية أخيه أحمد فإنه صغير لا يخاف منه، ويؤمن جانبه؛ فرضوا بذلك وتقرر أمرهم عليه بأجمعهم ما خلا محمود بن مصال اللكي، من قرية يقال لها لك برقة، فإنه لم يوافق لأنه كان قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل؛ فلما اطلع على ما قرره الأفضل من ولاية أبي القاسم أحمد مع الأمراء وأنهم قد وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك. وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقب بالمستعلى بالله. وأصبح في بكرة يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة فأخرجه إلى الإيوان، وأجلسه على سرير الملك، وجلس هو على دكة الوزارة؛ وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الإمام علي بن نافع بن الكحال، والشهود، فأخذ البيعة على مقدمي الدولة وأمرائها ورؤسائها وجميع الأعيان؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدي المستنصر، وكانا في مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعة يحفظونهما، فقال لهما: إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما تبايعاني أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة، إن الله اختاره علينا؛ ووقفا قائمين على أرجلهما وبايعاه؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج، فقرأه الشريف

سناء الملك محمد بن محمد الحسيني الكاتب بديوان الإنشاء، على عادة الأمراء وجميع أهل الدولة. وكانت الدعاة عندما بلغهم موت المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده، فدعا بركات، وهو أمين الدعاة، لعبد الله المستنصر ونعته بالموفق؛ فقبض الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحال. ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن مصال اللكي بنصر الدولة، وأن نصر الدولة أفتكين التركي، أحد مماليك أمير الجيوش وكان على ولاية الإسكندرية، قد بايعة والقاضي ابو عبد الله محمد بن عمار واهل الاسكندرية قد بايعه، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عمار، وأهل الإسكندرية، وأنه تلقب بالمصطفى لدين الله. فأهم الأفضل ذلك وأخذ في التأهب لمحاربتهم. وفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد الدولة، ذي الكفايتين، محمد الماسكي؛ وكان ممن وزر للمستنصر في سنة أربع وخمسين، فلما صرف عن الوزارة سار إلى مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين؛ ثم إنه رجع إلى مصر وخدم مشارفا بالإسكندرية بعد الوزارة، ثم صرف عن المشارقة. وكان من أماثل الكتاب وأحد الأدباء الفضلاء. ومن شعره: توصل إلى رد كيد العدو ... توصل ذي الحيلة الحازم وصانع ببعض الذي حزته ... تعش عيشة الآمن الغانم ودع ما نعمت به في القدي ... م، واعمل لذا الزمن القادم لعلك تسلم مما تخاف ... ولست، إخالك، بالسالم وله عدة مصنفات ورسائل.

سنة ثمان وثمانين وأربعمائة @YY488

في آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية لمحاربة نزار وأفتكين، فخرجا إليه في عدة كبيرة وحارباه؛ فكانت بينهما عدة وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد القاهرة؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري. ووصل الأفضل إلى القاهرة، وشرع يتجهز ثانيا لمسيره. ودس إلى أكابر من انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلي عنه، واستمالهم بما حمله إليهم من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها. وخرج وقد أعد واستعد. فسار إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار والتجائه إلى المدينة؛ فنزل الأفضل عليها، وحاصرها، ونصب عليها المجانيق وألح عليها بالقتال، ومنع عنها الميرة. فلما كان في ذي القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ماله وفر إلى جهة المغرب في ثلاثين قطعة، يريد بلده لك برقة من أجل رؤيا رآها، وهي أنه رأى في منامه كأنه قد ركب فرسا وسار والأفضل يمشي في ركابه؛ فقص هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكن في علم التعبير، فقال له الماشي على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدل على أن الأفضل يملك البلاد. وكانت الأنفس قد ملت طول الحصار. فلما فر ابن مصال ضعفت نفس نزار وأفتكين وتخوفا ممن حولهما؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان، فأمنهما، وتمكن من البلد. وقبض على نزار وأفتكين، وسير بهما إلى مصر؛ فيقال إنه سلم نزارا لأهل القصر من أصحاب المستعلى، وأنه بنى عليه حائط ومات؛ وقيل إنه قتل بالإسكندرية؛ والأول أصح.

وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. والاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أن المستنصر كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدينار والطرز، وأن المستنصر قال للحسن بن صباح إنه الخليفة من بعده. وكان للمستنصر أولاد فروا إلى المغرب، منهم محمد وإسماعيل وطاهر، وعاد منهم في خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له. وأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر. أما ابن مصال فإنه وصل لك ولقيه أهلها، وكان قد خرج منها صبيا فقيرا، فأقام عندهم أياما. واتفق أن رأى عجوزا عرفته، فقالت له: كبرت يا محمود! فقال لها: نعم. فقالت له: لعلك جئت مع صاحب هذه المراكب. فقال: أنا صاحبها. فقالت: ماذا يعمل عدم الرجال. ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه، فلزم داره مدة، ثم رضي عنه الأفضل وأكرمه. وكان الأفضل لما قبض من نزار وتمكن من الإسكندرية تتبع جميع من كان معه ومن مالأه أو أعانه، فقبض على كثير من وجوه البلد، منهم قاضي الثغر أبو عبد الله محمد بن عمار واعتقله مدة ثم قتله؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من نخب العقد؛ وحظى عنده بنو حارثة، وكانوا من عدول البلد، لأنهم لم يبايعوا نزارا ولم يدخلوا في شيء من ذلك، وكانوا يهادون الأفضل سرا. ولى قضاء الإسكندرية عوضا عنه القاضي أبا الحسن زيد بن الحسن بن حديد، وبالغ في إكرامه وإكرام أهل بيته. وكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج أمه فتطوف في كل يوم، وهي متنكرة، بالأسواق، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد والربط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبه ومن يبغضه؛ فدخلت يوما إلى مسجد أبي طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحي وقالت له: يا سيدي، ولدي في العسكر مع الأفضل، الله تعالى يأخذ

لي منه الحق، ما فعل خيرا، وأنا ما أنام خوفا على ابني، ادع الله أن يسلم ولدي. فقال لها: يا أمة الله، أما تستحين، تدعين على سلطان الله في أرضه، المجاهد عن دين الله تعالى، الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك، ما هو إن شاء الله تعالى إلا منه وهو مؤيد مظفر، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه، وأتى على أحسن قضية وأجمل طوية، فلا يشغل لك سر، فما يكون إلا الخير إن شاء الله. ثم اجتازت بالفار الصيرفي بالسراجين من القاهرة، فوقفت عليه تصرف منه دينارا وكان إسماعيليا متغاليا فقالت له: ولدي مع الأفضل وما أدري ما خبره. فقال لها: لعن الله المذكور الأرمني الكلب العبد السوء بن العبد السوء، مضى يقاتل مولانا ومولى الخلق؟ كأنك والله يا عجوز برأسه جائزا من هنا على رمح قدام مولانا نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء الله تعالى، والله يلطف بولدك؛ من قال لك تخلينه يمضي مع هذا الكلب المنافق. ثم وقفت يوما آخر على ابن بابان الحلبي، وكان بزازا بسوق القاهرة، تشتري منه شيئا وكان نزاريا فقالت له كقولها للفار الصيرفي، فقال لها كما قال أيضا، وبالغ في لعن الأفضل وسبه. فلما أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة، وفتح الإسكندرية، وقدم إلى القاهرة في يوم حدثته أمه الحديث بنصه. فلما خلع عليه في القصر بين يدي الخليفة المستعلى في يوم وعاد إلى مصر اجتاز بالبزازين وهو بالخلع، ونظر إلى ابن بابان الحلبي وقال: أنزلوا هذا. فنزلوا به، فضربت عنقه تحت دكانه، ثم قال لعبد علي، أحد مقدمي ركابه، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن يأتي أهله فيتسلموا قماشه. ثم وصل إلى السراجين، فلما تجاوز دكان الفار الصيرفي التفت إلى جهته وقال: انزلوا بهذا. فنزلوا به؛ فقال: رأسه. فضربت عنقه، وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمي الركاب: احتط على حانوته

إلى أن يأتي أهله وتسلموا موجوده، وإياك ماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه؛ كان لنا خصما أخذناه وفعلنا به ما نردع به غيره عن فعله، ومالنا في ماله ولا في فقر أهله حاجة. ثم أتى إلى الشيخ أبي طاهر الإطفيحي وقربه وتخصص به، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردد إليه، وأجرى الماء إلى مسجده، وبنى له فيه حماما وبستانا وغير ذلك من المباني. فعظم قدر الإطفيحي به، وكثر غشيان الناس مسجده، وطار ذكره، وشاع خبره، وكثرت حاشيته، وصار المشار إليه بالديار المصرية حتى مات. وفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهاني فتكلم بأن نسب الخلفاء الفاطميين صحيح، فقبض عليه واعتقل حتى مات. وخرج الأمر بجمع الناس إلى بيت النوبة ببغداد، فجمعوا في تاسع ربيع الآخر، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى الديوان؛ وقرئ توقيع أوله خطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه، وتذكر طاعة الأئمة وفضل العباس وما جاء فيه من الأخبار، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين، وشاع تفرق كلمة المسلمين ليبلوا الله المجاهدين فيهم والصابرين، ويصلي أكثر العاكفين نار جهنم التي أعدت للكافرين. وهذه الطائفة المارقة من الباطنية الملحدين، والكفرة المستسلمين، انتهكوا المحارم، واستحلوا الكبائر، وأراقوا الدماء، وكذبوا بالذكر، وأنكروا الآخرة، وجحدوا الحسنات والجزاء، وفصلوا أعضاء المسلمين، وسملوا أعين الموحدين؛ فكادوا الدين وفقهاءه، وأعلنوا بالشرك ونداءه. ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال؛ وقال: شاعرهم يقول: حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح

سنة تسع وثمانين وأربعمائة @YY489

فيها خرج خلف بن ملاعب من عند الأفضل لولاية فامية، فسار إليها وتسلمها. وكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن يجهز إليهم من يلي أمرهم، فوقع الإختيار على خلف بن ملاعب، وكان قد ولي مدينة حمص وساءت سيرته في أهلها، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من قبض عليه وحمله إليه بأصفهان، فاعتقله بها إلى أن مات، فأطلق وسار إلى مصر فأقام بها حتى خرج إلى فامية.

سنة تسعين وأربعمائة @YY490

فيها وقع بمصر غلاء ومجاعة. في سادس عشر صفر قدم على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب وأنطاكية وهم بن الهلال بن كاتب عز الدولة ابن منقذ، صحبة رسول الأفضل الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبي وقدم معهم شرف الدولة الباهلي الشاعر، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالي، ثم في نوبة أفتكين؛ وهو يبذل الطاعة في إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله في بلاد الشام، فأجيب بالشكر والثناء وخطب بها للمستعلى بالله في يوم الجمعة سابع عشر رمضان. وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على أخذ دمشق من أخيه دقاق. فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق أنكر على رضوان ذلك، فقطع خطبة المستعلى، وأعاد الخطبة لبني العباس، فكان مدة الخطبة للمستعلى أربعة أشهر.

وفي ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا في عدة وافرة لأخذ صور فسار إليها وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف خلقا كثيرا؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن الطاعة وعصى على الأفضل. وفيها كان ابتداء خروج الإفرنج من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من أيدي المسلمين، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها. ومنها دبوا إلى بلاد الساحل. وفيها تجمع الرعاع والعامة في يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة وجهروا بسب

الصحابة، وهدموا عدة قبور؛ فسير الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك؛ وأدب ذخيرة الملك ابن علوان، والي القاهرة، جماعة وضربهم. وفيها حرر الأفضل في المحرم عيار الدينار وزاد فيه.

سنة إحدى وتسعين وأربعمائة @YY491

فيها خرج الأفضل في عساكر جمة، ورحل من القاهرة في شعبان، وسار يريد أخذ بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازي، ابني أرتق، وكانا به في كثير من أصحابهما؛ فبعث إليهما يلتمس منهما أن يسلما البلد ولا يحوجاه إلى الحرب، فأبيا عليه، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيفا وأربعين منجنيقا، وأقام عليها يحاصرها نيفا وأربعين يوما حتى هدم جانبا من السور، ولم يبق إلا أخذها، فسير إليه من بها ومكناه من البلد. فخلع على ولدي أرتق وأكرمهما، وأخلى عنهما، فمضيا بمن معهما. وملك البلد في شهر رمضان لخمس بقين منه، وولى فيه من قبله، ثم رحل عنه إلى عسقلان؛ وكان فيها مكان قد دفن فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فأخرجه وعطره وحمله في سفط إلى أجل دار بها، وعمر مشهدا مليح البناء. فلما تكامل حمل الرأس في صدره وسعى به ماشيا من الموضع الذي كان فيه إلى أن أحله في مقره. ويقال إن أمير الجيوش هو الذي أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان، وأن ابنه الأفضل شاهنشاه كمله. ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة، فوصل إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشت بأبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه، ثم هبت ريح سوداء شديدة، فظن الناس أن الساعة قد قامت. واستمرت الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح. ولم يصل في ذلك اليوم أحد صلاة الظهر ولا العصر، ولا أذن في القاهرة ولا مصر.

سنة اثنين وتسعين وأربعمائة @YY492

فيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدي المسلمين؛ فملكوا مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرة فملكوها؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان فقتلوا من به؛ ووصلوا عرقة فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها. ونزلوا على حمص، فهادنهم جناح الدولة حسين؛ وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا. ثم أخذوا الرملة في ربيع الآخر، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا المدينة؛ وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم؛ فجد الفرنج عندما بلغهم مسيره إليها في حصار المدينة، وكان نزولهم عليها في شهر ربيع الآخر، حتى ملكوها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان بعد أربعين يوما. وهدموا المشاهد وقبر الخليل عليه السلام، وقتلوا عامة من كان في البلد؛ وكان فيه من العباد والصلحاء والعلماء والقراء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم حصر، فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير. وانحازت عدة من المسلمين إلى محراب داود عليه السلام فحاصرهم الفرنج نيفا وأربعين يوما حتى تسلموه بالأمان في يوم الجمعة ثاني عشريه. وأحرقوا ما كان ببيت المقدس من المصاحف والكتب، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل الذهب والفضة والآلات، وكان مبلغا عظيما. ويقال إنه قتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وأنهم لحقوا من فر من المسلمين مسيرة أسبوع يقتلون من أدركوه منهم.

ووصل الأفضل إلى عسقلان في الرابع عشر من شهر رمضان، فبعث إلى الفرنج فوبخهم على ما كان منهم؛ فردوا إليه الجواب، وركبوا في إثر الرسل فصدفوه على غرة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرا. وانهزم منهم بمن خف معه فتحصن بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك في شجر الجميز، فأضرموا النار حتى احترقت بمن تعلق فيها، فهلك خلق كثير وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جل قدره، ولا يمكن لكثرته حصره. ونازلوا عسقلان، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه، إلا أن الله سبحانه أوقع فيهم الخلف فاضطروا إلى الرحيل عن عسقلان؛ فاغتنم الأفضل رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله، وذهبت أمواله، وقتلت رجاله، وسار إلى القاهرة. ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه في حرب ألبتة. وكان ملك الفرنج بالقدس كند فرى. وفيها توفى أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلي الحنفي المحدث، في ثامن عشر ذي الحجة.

سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة @YY493

فيها رحل عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فرارا من الفرنج والغلاء. وفيها عم الغلاء أكثر البلاد؛ ومات من أهل مصر خلق كثير. وفيها مات قاضي القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء، وتولى بعده أبو الفرج محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسي. ومات علي بن محمد بن علي الصليحي، قتله سعد بن نجاح الأحول، وقتل أخاه عبد الله وجميع بني الصليحي بمكة في ذي القعدة. وولى الحسن بن علي بن أحمد الكرخي الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام، وصرف وصودر من أجل أنه أخذ عصابة من القصر في أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه.

سنة أربع وتسعين وأربعمائة @YY494

في شعبان جهز الأفضل عسكرا كثيفا لغزو الفرنج؛ فساروا إلى عسقلان، ووصلوا إليها في أول رمضان، فأقاموا بها إلى ذي الحجة؛ فنهض إليهم من الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم. فكانت بين الفريقين عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدولة الطواشي، مقدم العسكر، في القلب، وقاتل قتالا شديدا؛ فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا، وقتلوا منهم عدة وأسروا كثيرا. وقتل كند فرى ملك الفرنج بالقدس، فجاء أخوه بغدوين من القدس وملك بعده، وسار بالفرنج إلى أرسوف. وفيها مات القمص رجار بن تنقرد، صاحب جزيرة صقلية، فقام من بعده ابنه رجار بن رجار. وفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها؛ وتسلموا أرسوف بالأمان؛ وملكوا قيسارية عنوة في آخر شهر رجب وقتلوا من بها؛ وملكوا مع ذلك يافا، مع ما بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين.

سنة خمس وتسعين وأربعمائة @YY495

فيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر في ليلة السابع عشر من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوما، ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما. نقش خاتمه الإمام المستعلى بالله. وفي أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم؛ وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج؛ فإنهم، خذلهم الله، دخلوا بلاد الشام، ونزلوا على أنطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة وتسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين؛ وأخذ وامعرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين؛ وأخذوا الرملة ثم بيت المقدس في شعبان؛ ثم استولوا على كثير من بلاد الساحل، فملكوا قيسارية في سنة أربع وتسعين بعد ما ملكوا عدة بلاد. وفي أيامه أيضا افترقت الإسماعيلية فصاروا فرقتين: نزارية، تعتقد إمامة نزار وتطعن في إمامة المستعلى، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده يتوارثونها بالنص؛ والفرقة المستعلوية، ويرون صحة إمامة المستعلى ومن قام بعده من الخلفاء بمصر. وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل فيما يقال وقتل الآمر، كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر، فإن الأفضل كان يدبر أمر الدولة تدبير سلطنة وملك لا تدبير وزارة.

وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة، هم الأمير أبو علي المنصور، والأمير جعفر، والأمير عبد الصمد. وكانت قضاة مصر في خلافته أبو الحسن ابن الكحال، ثم عزل بابن عبد الحاكم المليجي، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا، ومات المستعلى وهو قاض. وقيل إن المستعلى مات مسموما، وقيل بل قتل سرا. وكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر، فمات قبل أن يبني عليها، وكان أمير الجيوش قد جهزها جهازا عظيما وأكثر من شراء الجواهر العظيمة القدر لها، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه. وفيها أخذ صنجيل، أحد ملوك الفرنج، طرابلس، فصار للفرنج القدس وفلسطين إلا عسقلان؛ ولهم من بلاد الشام يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبرية، والأردن، ولاذقية، وأنطاكية؛ ولهم من الجزيرة الرها، وسروج. ثم ملكوا جبيل، ومدينة عكا، وأفامية، وسرمين من أعمال حلب؛ وبيروت، وصيدا، وبانياس، وحصن الأثارب.

الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن المستعلى بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد

ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من المحرم سنة تسعين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر أيام، في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين. أحضره الأفضل وبايع له، ونصبه مكان أبيه، ونعته بالآمر بأحكام الله. وكتب ابن الصيرفي سجلا عظيما، أبدع فيه ما شاء، بانتقال الإمام المستعلى إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر، وقرئ على رءوس الكافة من الأمراء والأجناد وغيرهم. وأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنانة يمدح الآمر. وركب الأفضل فرسا وجعل في السرج شيئا أركب الآمر عليه لينموا شخص الآمر وصار ظهره في حجر الأفضل.

سنة ست وتسعين وأربعمائة @YY496

فيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدولة ويعرف بالطواشي على عسكر لقتال الفرنج، فلقيهم بغدوين على تبنا، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة فمات، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه. وبلغ الأفضل ذلك فجرد في أول شهر رمضان عسكرا قدم عليه ابنه شف المعالي سماء الملك حسينا، وسير الأسطول في البحر، فاجتمعت العساكر بيازور، من بلاد الرملة؛ وخرج إليهم الفرنج، فكانت بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة. ونزل شرف المعالي على قصر كان قد بناه الفرنج قريبا من الرملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج، فقاتلوه خمسة عشر يوما، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ثلثمائة. وكان أصحاب شرف المعالي قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها، ورأى بعضهم أن يسيروا إلى القدس. فبينا هم في ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة قمامة، فندبهم بغدوين للغزو معه؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف المعالي وامتنع بها، وكانت حصينة؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا. وعاد شرف المعالي إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق، صاحب دمشق، يستنجده لقتال الفرنج، فتقاعد عن المسير واعتذر.

فجرد الأفضل أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم بمن معه عسقلان، ونزل ابن قادوس على يافا؛ وبعث يستدعي تاج العجم ليتفقا على الحرب، فلم يجبه، وتنافرا. فلما بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولى تاج الملك رضوان تقدمة العسكر وسيره إلى عسقلان، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى قدم شرف المعالي بعساكر مصر. وفيها مات تنكري ملك الفرنج بالساحل، فقام بعده سرجار ابن أخيه.

سنة سبع وتسعين وأربعمائة @YY497

فيها نازل بغدوين ملك الفرنج وصاحب القدس، ثغر عكا وحاصر أهله وألح عليهم حتى ملكه. وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدولة بنا الجيوشي، ففر إلى دمشق؛ وصار إلى ظهير الدين أتابك، فأكرمه وأحسن إليه، ثم جهزه إلى الأفضل فأنكر عليه وهدده على تضييع الثغر. ولم تعد بعدها عكا إلى المسلمين.

سنة ثمان وتسعين وأربعمائة @YY498

فيها جمع الأفضل جموعا كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجهزهم صحبة العساكر مع ابنه شرف المعالي؛ وكتب لظهير الدين أتابك، صاحب دمشق، بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج؛ فاعتذر عن حضوره بما هو مشغول به من مضايقة بصرى، فإن أرتاش بن تاج الدولة صاحب بصرى كاتب الفرنج وأغراهم بقتال المسلمين وأطمعهم في البلاد. فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى؛ وجهز عسكرا إلى شرف المعالي تقوية له على الفرنج، وقدم عليه إصبهبذ صبا وجهارتكين، وعدته ألف وثلثمائة فارس من الأتراك، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف فارس. وأتاهم بغدوين في ألف وثلثمائة فارس وثمانية آلاف راجل. فاجتمعت عساكر المسلمين بظاهر عسقلان، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها في الرابع عشر من ذي الحجة فيما بين عسقلان ويافا؛ فانكسرت عساكر المسلمين واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والي عسقلان، وأخذ الفرنج رايته؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشي. وقتل ألف ومائتان من الفرنج، ورجعوا وقد كانت الكرة لهم على المسلمين. وعاد عسكر دمشق إلى أتابك وهو على بصرى. وفيها مات كنز الدولة محمد في ثامن شعبان، وقام من بعده أخوه فخر العرب هبة الله.

سنة تسع وتسعين وأربعمائة @YY499

في سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية، قتله طائفة من الباطنية وملك الفرنج عكا عنوة في سلخ شعبان من زهور الدولة بنا الجيوشي فسار إلى دمشق ثم قدم مصر.

سنة خمسمائة @YY500

أهلت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله، ومدبر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وليس للآمر معه حل ولا ربط وليس له من الأمر سوى اسم الخلافة، والذي في مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا غير. وفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطىء النيل من لدن مصر. وفيها سار متولى صور فأوقع بالفرنج على تبنين، فقتل واسر جماعة، وعاد إلى صور؛ فسار بغدوين إليه من طبرية؛ فركب طغتكين من دمشق، وأخذ الفرنج حصنا بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم. وفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، صاحب قونية، الموصل في شهر رجب، فقتل في ذي القعدة منها، وقام بعده بقونية وأقصرا ابنه مسعود.

سنة إحدى وخمسمائة @YY501

فيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصنا مقابل حصن صور على تل المعشوقة. وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين، أحد المماليك الأفضلية، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور. وفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبي علي عمار بن محمد بن عمار من طرابلس وكثير من أمواله وذخائره. وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم، فخرج من طرابلس في سنة خمسمائة ومعه هدايا جليلة؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق، فأكرمه ووافقه على السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه؛ فسارا. ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق، فثار في هذه المدة أبو المناقب ابن عمار على ابن عمه فخر الدولة، ونادى بشعار الأفضل، وأرسل يطلب منه من يتسلم منه طرابلس. فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدولة ابن أبي الطيب، فدخل إلى طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله؛ ففت ذلك في عضد فخر الدولة. وفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبي شجاع فاتك بن الأمير مجد الدولة أبي الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبي علي حسن بن تمام المستنصري الأحول الإمامي الشيعي المعروف بالمأمون ابن البطائحي، بخدمة الأفضل أبي القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصري. وسبب ذلك تغير الأفضل على تاج المعالي مختار الذي كان اصطنعه وفخم أمره وسلم إليه خزائن أمواله وكسواته، فسلم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه،

فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مد أيديهم إلى أمواله وذخائره، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم، فتغير عليهم، وأخرج مختارا إلى الولاية الغربية وخلع عليه. فلما انحدروا إليها سير صاحب بابه سيف الملك خطلخ، ويعرف بالبغل، وكان من غلمان أبيه، فقبض عليه وعلى إخوته من العشارى، وكبل بالحديد ورمى بالاعتقال؛ وأشيع أن مختارا كاتب الفرنج؛ وجعل هذا هو العذر في القبض عليه، وأنه كان أراد قتل الأفضل. فلما جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلم ما كان بيد مختار من الخدمة، فتصرف فيها. وقرر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصة دون الإقطاع، وهو مائة دينار في كل شهر وثلاثون دينارا عن جارى الخزائن، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة، وحسن عند الأفضل موقع خدمته، فسلم له جميع أموره، وصرفه في كل أحواله. ولما كثر الشغل عليه استعان بأخويه، أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر؛ فأطلق لهما الأفضل ما وسع به عليهما؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن فاتك بالقائد. فيها فتح ديوان سمي بديوان التحقيق، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبي الليث النصراني. وكان يتولى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف، وكان قد كبر وضعف فتحدث ابن أبي الليث مع القائد أبي عبد الله في الدواوين والأموال والمصالح، وفاوض في ذلك الأفضل. واتفق موت ابن الأسقف، فتسلم ابن أبي الليث الدواوين واستمر فيها حتى قتل في سنة ثمان عشرة وخمسمائة.

وفيها تحدث ابن أبي الليث في نقل السنة الشمسية إلى العربية، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فأجاب الأفضل إليه، وخرج أمره إلى الشيخ أبي القاسم ابن الصيرفي بإنشاء سجل به، ثم رأى اختلال أحوال الرجال العسكرية والمقطعين، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم، لقلة المتحصل منها، ولأن إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها؛ وصار في كل ناحية للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل بين الديوان بسببها. فحملت الإقطاعات كلها على أملاك البلاد، وامر ضعفاء الجند بلزيادة في الاقطاعات التي للاقوياء فتزايد والى ان انتهت الزيارة فكتبت السجلات بأنها باقية في أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد. وأمر الأقوياء أن يبذلوا في الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد ما تحتمله كل ناحية، فتزايدوا فيها حتى بلغت إلى الحد الذي رغب كل منهم فيه فكتبت لهم السجلات على الحكم المتقدم؛ فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم، وحصل للديوان بلاد مفردة بما كان مفرقا في الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار. وفيها فرغ بناء دار الملك؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحول إلى مصر، وسكن دار الملك على النيل واستقر بها، فقال الشعراء فيها عدة قصائد. وفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات، فانقطعوا عنه واستقروا بالقاهرة في دار القباب التي كانت سكن أبيهم الأفضل، وهي الدار التي عرفت بدار الوزارة؛ ولم يبق من أولاده من يتردد إليه سوى سماء الملك فإنه كان يؤثره ويميل إليه. وأفرد الأفضل للقائد أبي عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة.

وفيها وردت الأخبار بأن متملك النوبة قد تجهز برا وبحرا وعول على قصد البلاد القبلية؛ فسير الأفضل عسكرا إلى قوص، وتقدم إلى والي قوص بأن يسير بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة؛ فورد الخبر بوثوب أخير الملك عليه وقتله. واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبي في الملك، فأرسلت أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألا يسير إليهم من يغزوهم. فكتب لوالي الصعيد الأعلى بأن يسير عسكرا إلى أطراف بلاد النوبة ويبعث إليهم رسولا يجدد عليهم القطيعة الجاري بها العادة، وهي كل سنة ثلثمائة وستون رأسا رقيقا بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم في السنين المتقدمة. فلما دخلت العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة، وكتبوا المواضعات، وسألوا في الإعفاء عما يخص السنين، وحملوا ما تيسر لهم؛ وعادت العساكر كاسبة. وفيها كثر خوض الناس في القرآن، هل هو محدث أو قديم، وتفاقم الأمر؛ فعرف الأفضل، فأمر بإنشاء سجل بالتحذير من الخوض في ذلك؛ وركب بنفسه إلى الجامع بمصر، وجلس في المحراب بجوار المنبر، وصعد الخطيب أربع درجات منه وقرأ السجل على الناس. وفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا، فقام بعده ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وقسم أعماله بين أولاده.

سنة اثنتين وخمسمائة @YY502

في رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدولة عند خروج فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبي يوسف الطائي منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار الفرنج لها، وغلا السعر بها. وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان بالشام في السنة التي كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمار تسليمها إليه، فامتنع وغلق الباب في وجهه؛ وأقام سماء الملك عليها مدة بالعساكر إلى أن نازلها الفرنج ورحلوه عنها إلى عسقلان. فلما سمع الأفضل أن أهل الثغر نادوا بشعاره سير إليهم شرف الدولة ابن أبي الطيب ومقدم الأسطول، وأمره يأخذ المراكب التي على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة للمسلمين. فلما وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق وأمهلوا المسلمين، فأنفذ من كان بها وحمل في المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم، وفيهم صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل، وحمل من دار ابن عمار ذخائره ومصاغه، وكان بقيمة كبيرة.

وحمل أخا ابن عمار المعروف بفخر الدولة وأهله إلى مصر، فأكرمهم الأفضل، واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود. وفي العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب. وفيها جدد حفر خليج القاهرة، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة، وجعل حفره بأبقار البساتين التي عليه، فيحفر بأبقار كل بستان ما يحاذيه، فإذا أنتهى أمر البساتين عمل في البلاد كذلك؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية؛ ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئا. ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبي الليث صاحب الديوان، وحدث أن تبجح على الأفضل بخدمته، وكان سبعمائة ألف دينار، خارجا عما أنفق في الرجال، فجعل في صناديق بمجلس الجلوس. فلما شاهد الأفضل المال قال: يا شيخ تفرحني بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا، لأضربن رقبتك. فقال: وحق نعمتك لقد حاشا الله أيامك فيها بلد خراب أو بئر معطلة. فتوسط القائد له بخلع؛ فقال: لا والله حتى أكشف عما ذكر. وفيها وصل بغدوين إلى صيدا ونصب عليها البرج الخشب؛ فوصل الأسطول من مصر للدفع عنهم، وقاتلوا الفرنج، فظهروا في مراكب الجنوية، فبلغهم أن عسكر دمشق خارج في نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر. وفي شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى حادي عشر ذي الحجة، ومقدمهم ريمند بن صنجيل؛ وأسندوا أبراجهم إلى السور؛ فضعفت نفوس

المسلمين لتأخر أسطول مصر عنهم، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة والنجدة فردته الريح لأمر قدره الله. فشد الفرنج في قتالهم وهجموا من الأبراج، فملكوها بالسيف في يوم الاثنين الحادي والعشرين من ذي الحجة، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها؛ فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر. وسلم الوالي لها في جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ذلك؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم، ونزل بهم أشد العذاب. وتقرر بين الفرنج والجنويين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويين والثلثان لريمند ابن صنجيل؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به. ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رحال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس فأرسى على صور في اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر فيها، فأقام مدة، وفرقت الغلة في جهاتها. وتمسك أهل صور وصيدا وبيروت به لضعفهم عن مقاومة الفرنج، فلم تمكنه الإقامة، وعاد إلى مصر.

سنة ثلاث وخمسمائة @YY503

فيها سار الفرنج نحو بيروت، وعملوا عليها برجا من الخشب، وزحفوا، فكسره أهل بيروت. وقدم الخبر بذلك على الأفضل، فجهز تسعة عشر مركبا حربية، فوصلت سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج، وغنيمت، ودخلت إلى بيروت بالميرة والنجدة، فقوي أهلها بذلك. وبلغ بغدوين الخبر، فاستنجد بالجنوبية، فأتاهم منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة؛ فزحف على بيروت في البر والبحر، ونصب عليها برجين، وقاتل أهلها في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال؛ فعظمت الحرب، وقتل مقدم الأسطول وكثير من المسلمين، ولم ير للفرنج فيما تقدم أشد من حرب هذا اليوم. فانخذل المسلمون في البلد، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهرا؛ وخرج متولى بيروت في أصحابه وحمل في الفرنج، فقتل من كان معه، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد، وسبوا من فيه وأسروا، واستصفوا الأموال والذخائر. فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلثمائة فارس إلى الأردن تريد بيروت، فخرج عليها طائفة من الفرنج، فانهزموا إلى الجبال، فهلك منهم جماعة. وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها، فاتفق وصول ابن كند ملك الفرنج في عدة مراكب لزيارة القدس والجهاد في المسلمين؛ فزار القدس، وسار هو وبغدوين إلى صيدا، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب، وزحفا عليها؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها.

سنة أربع وخمسمائة @YY504

في ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة، فبعثوا قاضي البلد في عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان، فأجابهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، وحلف على ذلك. فخرج الوالي والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس، وتوجهوا إلى دمشق، لعشر بقين من جمادى الآخرة. وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما. وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنيس ودمياط ومصر وأقلعوا في البحر، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار، وعاقبوهم حتى افتدوا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها. وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان، فراسله أميرها شمس الخلافة أسد حتى استقر الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه. وقرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة أشهر. فقدم الخبر بذلك في شوال على الأفضل، فأنكر ذلك وكتمه عن كل أحد، وجهز عسكرا كثيفا إلى عسقلان، وقدم إليه عز الملك الأعز ليكون مكان شمس الخلافة، وندب معه مؤيد الملك رزيق، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا. فسار إلى قريب عسقلان، وبلغ ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمده بالرجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوضه عنها. فبلغ ذلك الأفضل. فكتب إليه يطيب قلبه ويغالطه، وأقطعه عسقلان، وأقر عليه إقطاعه

بمصر، وأزال الإعتراض عما له بمصر من خيل وتجارة وأثاث. فخاف شمس الخلافة على نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرهم عنده. وفي يوم الأحد العشرين من شوال حدثت ريح حمراء بالقاهرة. وفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد الجبار ابن إسماعيل، المعروف بابن عبد القوي لعماد الدولة زيادة على إخوته. وفيها هبت بمصر وأعمالها في هذه الأيام ريح سوداء مظلمة، وطلع سحاب أسود أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده، وسفت رمادا حتى ظن الناس أنها القيامة، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه؛ ولم يزل ذلك من وقت العصر إلى غروب الشمس. ثم انجلى ذلك السواد وعاد إلى الصفرة والريح بحالها؛ ثم انجلت الصفرة، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدور إلى الصحراء. ثم ركدت الريح وأقلع السحاب، فعاد الناس إلى منازلهم.

سنة خمس وخمسمائة @YY505

في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عز الملك أنوشتكين الأفضلي وبنى عليها أبرجة خشب، طول البرج سبعون ذراعا، يسع كل برج ألف رجل، وهو موضوع على شيء يسمى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض، وفي كل برج من أسفله عشرون فرنجيا يصيح أحدهم بالفرنجية: صند ماريا، فيصيح الباقون كذلك، ويدفعونه بأجمعهم، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه؛ وكانت ستائر كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف. فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار، فعلقت بالخشب، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه، واحترق؛ فتناول المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم، فوصل إليهم ثلاثمائة درع. وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلا؛ فظفر به المسلمون. وكانت الريح على المسلمين ثم صارت معهم، وملأوا جرارا بالعذرة ورموها على الفرنج، فصاحوا وذلوا ورحلوا، فعاثوا؛ ثم عادوا وقد قطعوا النخل أنابيب ورموا بها في الخندق.

وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس، وأنفذ إليهم مائتي غلام تركي عليهم جليل من الأتراك؛ فقاتل الفرنج وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وأكثر النكاية فيهم. وأغار طغتكين على بلاد الفرنج، فأخذ لهم موضعا، فرجعوا عن صور بغير شيء. وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين، فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه في أحسن زي، وأخذ أهل صور في رم ما شعثه الفرنج في البلد. وفيها حدث بمصر وباء مفرط، هلك به تقدير ستين ألف نفس.

سنة ست وخمسمائة @YY506

فيها حفر البحر المعروف ببحر أبي المنجا، فابتدئ في حفره في يوم الثلاثاء السادس من شعبان، وأقام الحفر فيه سنتين. وكان أبو المنجا يهوديا وكان يشارف على الأعمال الشرقية؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبي المنجا. فغير اسمه ودعي بالبحر الأفضلي، فلم يتم ذلك ولا عرف إلا بأبي المنجا. وفيها أعلن شمس الخلافة أسد، والي عسقلان، بالخلاف، فعهد إلى صاحب الترتيب والقاضي فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له؛ وإلى العسكر الذي كان يخاف شوكته؛ فأوهمهم أنه يسيرهم إلى بلاد العدو. فلما حصلوا خارج الثغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم؛ وكان قد سير قبل ذلك العسكر من الباب على جهة البدل. فلما علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة الفرما أنفذ إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدو قد تعداهم، فامتنعوا من التوجه إلى عسقلان. فلما بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه. ثم رأى أن إعمال الحيلة أنجع؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوب رأيه فيما فعله في صاحب الترتيب والبدل، ولم يغير مكاتبته عن حالها، ولا تعرض لإقطاعاته ورسومه وأصحابه؛ وسير في الباطن من يستفسد الكنانية والرجال المذكورة ويبذل لهم الأموال في أخذه. ولم يزل يدبر عليه حتى اقتنصت المنية مهجته؛ وذلك أن أهل بيروت أنكروا أمره، فوثب عليه طائفة وهو راكب، فجرحوه، وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا عليه، ونهبوا داره وماله، وتخطفوا

بعض دور الشهود والعامة. فبادر صاحب السيارة إلى البلد وملكه، وبعث برأس شمس الخلافة إلى الأفضل، فسر بذلك وأحسن إلى القادمين به. وكان قدوم الرأس في يوم الأربعاء رابع المحرم، صحبة ثلاثة من الكنانية، فخلع عليهم؛ وطيف بالرأس، وزينت البلد سبعة أيام. وفيه خلع على ولده مختار ولقب شمس الخلافة، وأنعم عليه بجميع مال أبيه. وسير بدله مؤيد الملك خطلخ، المعروف برزيق، واليا على الثغر. وفيها وصل يانس الناسخ من الشام، فاستخدم في خزانة الكتب الأفضلية بعشرة دنانير في الشهر وثلاث رزم كسوة في السنة، والهبات والرسوم. وفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه، فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها. وفيها تسلم نواب طغتكين صور من عز الملك أنوشتكين الأفضلي خوفا من بغدوين أن يأخذها، وقام بأمرها مسعود؛ فاستقرت بيد الأتراك وأقروا بها الدعوة المصرية والسكة على حالها. وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع لينزل على صور، وأن أهلها استنجدوني، فبادرت لحمايتها، ومتى وصل من مصر أحد سلمتها إليه. فكتب يشكره على ما فعل. وتقدم بتجهيز الأسطول إلى صور بالغلة معونة لها.

سنة سبع وخمسمائة @YY507

في أولها خرج الأسطول من مصر بالغلات والرجال إلى صور، وعليه شرف الدولة بدر بن أبي طالب الدمشقي وكان متولى طرابلس عند أخذ الفرنج لها، فوصل إلى صور سالما؛ ورخصت بها الأسعار، واستقام أمرها. وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصه، ولمسعود متولى صور. ثم أقلع في آخر شهر ربيع الأول. فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود، فأجابه، وانعقد الأمر بينهما.

سنة تسع وخمسمائة @YY509

في ذي القعدة قفز على الأفضل عند باب الزهومة من دكان صيرفي يعرف بالغار وسلم، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصيرفي وصلب على دكانه. وورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما، فسير الراجل من العطوفية، وسير إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين إليها، ويتقدم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا في الطوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر، وأن يسير بنفسه؛ فاعتد ذلك؛ ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي. فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج؛ فخاف بغدوين من يلاحق العساكر، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النيران، وهدم المساجد، وعزم على الرجوع، فأدركته المنية ومات. فأخفى أصحابه موته، وساروا وقد شقوا بطنه وحشوه ملحا، وشنت العساكر الإسلامية الغارات على بلاد العدو، وخيموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا. وكانت الكتب قد نفذت من الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، بعتبه ويقول له: لا في حق الإسلام ولا في حق الدولة التي ترغب في خدمتها والانحياز

إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الديار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ولا تتبعهم، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد. فلما وصل إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان، فتلقاه المقدمون، ونزل أعظم منزل، وحملت إليه الضيافات. وحمل إليه من مصر الخيام وعدة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، وطوق ذهب، وبدنة طميم، وخيمة كبيرة معلمة، ومرتبة ملوكية، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما تحتاج إليه من آلات الفضة. وجهز لشمس الخواص، وهو مقدم كبير كان معه على عدة كثيرة من العسكر، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب؛ وجهز برسم المتميزين من الواصلين خلع مذهبة وحريرية، وسيوف مغموسة بالذهب. فتواصلت الغارات على بلاد العدو، وقتل منهم وأسر عدد كبير. فلما دخل الشتاء وتفرق العسكر والعربان، استأذن ظهير الدين على الإنصراف، فأذن له، وسيرت إليه وإلى من معه الخلع ثانيا؛ فحصل لشمس الخواص خاصة في هذه السفرة ما مقداره عشرة آلاف دينار؛ وتسلم الأمير ظهير الدين الخيمة الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار. وذكر أن المنفق في هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار. ورعشت يد الأفضل، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة على الكتب، فأقر أخاه أبا محمد جعفر المظفر في العلامة، وجعل له خمسمائة دينار في الشهر مضافا إلى رسمه، فعلم عنه. واستهل شهر رمضان، فجرى الأمر في نيابة الأجل سماء الملك، ولد الأفضل، عنه في جلوسه بمحل الشباك، وقرر له على هذه النيابة في هذا الشهر خمسمائة دينار، وبذلة مذهبة، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها. ولم يزل هذا الرسم مستقرا إلى أن أخذه

عباس بن تميم في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة عند توليته حجبة بابه. والبذلة وحدها تساوي خمسمائة دينار. وفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة والحسبة، فظلم وعسف، وبنى مسجدا عرف بمسجد لا بالله.

سنة عشر وخمسمائة @YY510

سنة إحدى عشرة وخمسمائة @YY511

في ذي الحجة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفي بني عبد القوى، فنفوا إلى الأندلس بأهاليهم. وفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها، وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره، ورحل وهو مثخن مرضا، فمات قبل العريش، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك، فهو يرجم إلى اليوم، ويعرف مكانه بسبخة بردويل؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس. وقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرها بعهده إليه. ونزل الفرنج حوران، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت؛ وملكوا مدينة صور. وفيها خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء ومضى إلى بجاية

سنة اثنتي عشرة وخمسمائة @YY512

فيها مات الأمير نور الدولة أبو شجاع فاتك، والد القائد أبي عبد الله بن فاتك، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدي دبيقي ونصافي، وطيبا وبخورا وشمعا، وحمل له من القصر أضعاف ذلك. وخرج الأفضل والأمراء، وجميع حاشية القصر، إلى الإيوان، فخرج الخليفة وصلى عليه؛ ثم أخرج فدفن. وتردد الناس إلى التربة. وفرقت الصدقات إلى تمام الشهر. وكان بيد نور الدين زمر الضاحكية والفراشين وصبيان الركاب والسلاح الخاص بجار ثقيل ورسوم كثيرة. وهؤلاء الضاحكية كانوا يعرفون بهذه الرسوم قديما عند وصولهم مع المعز إلى مصر، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون الثياب بالأكمام الواسعة، وفي أرجلهم الصاجات؛ وفي الأعياد يشدون أوساطهم بالعراضى الدبيقي، ولا يتقدمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم في المغرب. وفيها قفز على الأفضل ثانيا، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسكاكين، فقتلوا، وعاد سالما؛ فاتهم أولاده، وصرح بالقول فيهم، وأخذ دوابهم، وأبعد حواشيهم، ومنعهم من التصرف؛ وبالغ في الاحتراز والتحفظ.

وفيها وردت التجار من عيذاب ذاكرين أنه خرج عليهم في مراكب شنها قاسم بن أبي هاشم، صاحب مكة، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم. فغضب الأفضل وقال: صاحب مكة يأخذ تجارا من بلادي، أنا أسير إليه بنفسي بأسطول أوله عيذاب وآخره جدة. ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما فعله أمير مكة، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدولة تاجر ولا حاج إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجار. وكتب إلى والي قوص بأن يسير بنفسه أو من يقوم مقامه، إلى عيذاب، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا يمكن أحدا من الركوب فيها، وأن يتشوف ما يدخل عيذاب من الشواني والحراريق، فمهما كان يحتاج إلى إصلاح ومرمة ينجز الأمر فيه؛ ويشعر أهل البلاد بوصول الرجال والأموال لغزو البلاد الحجازية. وتقدم إلى المستخدمين بصناعة مصر بتقديم خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز. فلما وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتد الأمر عندهم وتحرك السعر، فبعثوا رسولا من أميرهم، فلما وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا أجرى عليه ضيافة، وقيل له: ما يقرأ لك الكتاب، ولا يسمع منك خطاب دون إعادة المأخوذ من التجار إليهم. وشاهد مع ذلك الجد والاهتمام بأمر الأساطيل وتجهيز العساكر إلى صاحبه، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار، وسأل التوقف قبل الإسراع بما عول عليه من قصد صاحبه؛ وأجل لعوده أجلا قريبا. فأجيب إلى ذلك، وسار. فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع

ما أخذ من التجار من البضائع والأموال؛ فحملت إلى الجامع العتيق بمصر بمحضر من الرعايا، وهم يعلنون بالشكر والدعاء. واحتاط متولى الحكم عليه إلى أن تحضر جماعة التجار ويجري الأمر على ما توجبه الشريعة. وخلع على الرسول وأحسن إليه ووصل. ومرض الأفضل بحمى حادة ثم عوفي، فدفع للطبيب ثلثمائة دينار

سنة خمس عشرة وخمسمائة @YY515

فيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع وخمسون سنة، لأن مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وكان سبب ذلك أنه لما كان ليلة عيد الفطر جهز ما جرت العادة بتجهيزه من الدواب والآلات لركوب الخليفة، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب والسلاح؛ ثم عاد وأدى ما يجب من سلام الخليفة فتقدم إلى القائد أبي عبد الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السير أن يصف العساكر إلى صوب باب الخوخة. وركب الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم، وخرج من باب الخوخة قاصدا دار الذهب، فلما حصل بها وقع التعجب من الناس في نزوله ليلة الموسم، ولم يعلم أحد ما قصد؛ وكان قصده أن يكمل تعليق المجلس الذي يجلس فيه. فصلى بدار الذهب الظهر، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنا منهم أنه يبيت فيها. فسار إلى الزهري فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون والرهجية قد اتجهوا لخدمته، وكان قد ضجر وتغير خلقه ولا سيما في الصيام. فلما رأى اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم، فتقدموا ووقفوا عند باب الساحل، فأنفذ أيضا يخرج من أبعدهم، وبقى في عدة يسيرة، وأبعد صبيان السلاح من ورائه؛ فوثب عليه من دكان دقاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلما اشتغل من حوله واحد خرج

غيره؛ فرمى من الفرس إلى الأرض، وضربوه ثمان ضربات. وكان القائد بعيدا منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق الصدقات على الفقراء بالطريق؛ فلما سمع الضوضاء أسرع إليه ورمى نفسه إلى الأرض عليه، فوجده قد قضى نحبه. وحمل على أيدي مقدمي ركابه والقائد راجل، وهم يبشرون الناس بالسلامة. وقتل من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا وأحرقوا، وسلم الرابع، وكان اسمه سالما، ولم يعلم به إلا لما ظفر به مع غيره بعد مدة. ولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكن أحد من الوصول إليه إلى أن دخل به على مرتبته التي كان يجلس عليها أو يمطى. وقال القائد للخليفة أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه. وصار أي من لقيه يهنئه بسلامة السلطان ويوهم أهله أن الطبيب عنده، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه. وعاد إلى قاعة الجلوس فوجدها قد غصت بالناس، فرد عليهم السلام وهنأهم، وأظهر قوة عزم؛ ثم عاد إلى القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولى المائدة الأفضلية واستأذنه على السماط المختص بالعيد فقال له اذبح ووسع، فالسلطان بكل نعمة وهو الذي يجلس على السماط في غد؛ ومع ذلك فكان في قلق وخوف شديد من أن يبلغ أولاد الأفضل فيجري عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدار. فلما أصبح الصباح وركب الخليفة ودخل إلى الدهليز الذي كان يركب منه الأفضل ومعه الأستاذون المحنكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة: عن إذن مولانا أفتح الباب؛ وكان قد منع من الدخول إلى الدار؛ فقال الخليفة: نعم ففتح على الأفضل وقال له القائد: الله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح في مدته ويورثه أعمار مماليكه؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى، وهذا ملكه يتسلمه. ثم ضربت للوقت المقرمة على الأفضل؛ وأمر الخليفة بإحضار من بالقاعة من الأمراء والأجناد، فدخل الناس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا بين

يدي الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة، فقال الخليفة للأمراء: هذا وزيري قد صار إلى الله تعالى، ومنكم إلي ومني إليكم، وقد كان القائد واسطته إليكم وهو اليوم واسطتي إليكم. فشكر الحاضرون ذلك؛ هذا والقائد وولده مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا عليه. وتقدم إلى الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة أن يكتب إلى الأعمال بذلكن وأمر الأمراء بالانصراف. ثم قال القائد: يا مولانا؛ الأموال والجواهر على اختلافها في الخزائن الكبار عنده، وهي مقفلة ومفاتيحها عندي، وختم عليها وهي في بيت المال المصون؛ وكذلك المفضض التي عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب المرصعة والتي بغير ترصيع، والبلور التي برسم استعماله؛ جميع ذلك مثبت عند متولي دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التي برسم ملبوسه ما عندي منها خبر، فأمر من يدخل ويختم عليها. فأمر متولي الخزائن الخاص، وكان سيف الأستاذين، ومتولي بيت المال ومتولي الدفتر، وهم كبار الأستاذين المحنكين بأن يدخلوا ويجتمعوا، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا لأحد من عياله. فتوجهوا وقرعوا الباب. فلما شاهدهم النساء تحققوا الوفاة، وقام الصراخ من جميع جوانب المواضع؛ وكانت ساعة أزعجت كل من بمصر والجيزة والجزيرة؛ ثم أسكتوا. وأنفذت الرسل لختم الخزائن التي بمصر. فبينما هم على ذلك في الليل إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة، من رجلين من جملة الحاشية، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدة وشنعت حاشيتهم أن في بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون في طلب الوزارة لأخيهم الأكبر فامتعض الخليفة لذلك، وهم بالإرسال إليهم وقتلهم؛ ثم تقرر الأمر على أن يودعوا الخزانة من غير إهانة ولا قيود؛ فتوجه إليهم، فإذا جميع حاشيتهم وغيرها عندهم، والخيل قد شدت، فأودعوا الخزانة.

فلما أصبح الصباح كان قد حمل من القصر في الليل طوافير فيها عدة موائد للفطر في يوم العيد، وحمل برسم فطر الخليفة الصواني الذهب وعليها اللفائف الشرب المذهبة. وكان قد هيئ للخليفة من الليل موضع للمبيت بحيث يبعد عن الأفضل، وعين من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل. فلما كان السحر من عيد الفطر جئ بين يدي الخليفة بما أحضر من قصوره في مواعينه الذهب المرصعة، وعليها المناديل المذهبة من التمر المحشو والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضي إلى باب الحرم لإحضار الأجل المرتضى ابن الأفضل؛ فمضى لذلك، فأبت أمه من تمكنهم منه؛ فما زال بها حتى أسلمته إليه بعد جهد. فأتى به الخليفة فسلم به، وضمه الخليفة إليه وقبله بين عينيه، وأجلسه عن يمينه والقائد عن شماله، وبقية الخواص على مراتبهم. ثم كبر مؤذنو القصر، فسمى الخليفة وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد، ثم ناول الثانية لولد الأفضل؛ فقام كل منهما وقبل الأرض ولم يجلس. وتقدم كل من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة من التمر ووقف. فاستدعى القائد الفراش الذي معه الصينيتان النحاس، وأمر فراشي الأسمطة بنقل ما في الأواني التي بين يدي الخليفة في الصواني لتفرق في الأمراء الذين بالقاعة والدهاليز، فنقلت إليها وحملت إلى المقرمة التي الأفضل وراءها وختم المقرئون. ثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره، فتلثم وتلثم جميع المحنكين والحاشية، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة، وأمر حسام الملك، حاجب الباب، بإحضار القاضي والداعي والأمراء، فدخل الناس على طبقاتهم. فلما رأوا زي الخليفة اشتد البكاء والعويل، وخرق كل أحد ما عليه، ورميت المناديل، يعني العمائم، إلى الأرض، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة. ثم سأل القائد الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر، ففعل ذلك. ثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلم الناس عنه: فقال: أمير المؤمنين يرد السلام

عليكم، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه بوزيره ومدبر دولته ودولة آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم، وقد أفطر بمشاهدتكم، وأمركم بالإفطار. فمسح الخليفة بيده على الصواني، وتقدم القائد إلى الخليفة وصار يناوله من الصواني بيده؛ فأول ما مد إلى القاضي ثم الداعي، ونزل الناس للأكل. ورفعت الصواني، فأخذ القائد يد الداعي وقربه من الخليفة، فناوله الخليفة الخطبة، وكانت على يساره ملفوفة في منديل شرب بياض مذهب، فقبلها الداعي وجعلها على رأسه، وضمها إلى صدره. وتقدم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ويطلعون إلى المصلى بالقاهرة لقضاء الصلاة، فتوجهوا في زي الحزن والمؤذنون بين أيديهم. فصلى الداعي بالناس، ثم صعد المنبر فوقف على الدرجة الثالثة منه، وخطب. وكانت الخطبة مبيتة فيها الدعاء للأفضل والترحم عليه وعندما توجه الناس إلى المصلى أمر ولد الأفضل بالمضي إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ليرد عليهم السلام من أمير المؤمنين ويفطرهم. وخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر؛ فقام إلى خزانة كانت قد بنيت برسم الأفضل، فوجد بها خيمة، ففتحها وأخرج قمطرين عليهما حلية ذهب مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح؛ وقمطرا فيه إحدى عشرة شرابة طول كل شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر؛ وصناديق فضة مملوءة مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصعة بجواهر نفيسة. ففتحت كلها، فشاهد الخليفة منها ما لا يوصف؛ فسر بذلك سرورا كبيرا، وشكر القائد وقال: والله إنك المأمون حقا مالك في هذا النعت شريك. فقبل الأرض ويديه. ولهذا النعت قضية. وذلك أنه لما كان في الأيام المستنصرية، وعمر القائد يومئذ اثنتا عشرة سنة، وكان من جملة خاصة المستنصر يرسله إلى بيت المال وخزانة الصاغة في مهماته، فيجد منه النهضة والأمانة، فيقول هذا المأمون دون الجماعة. ودرجت

السنون، فذكرها الخليفة الآمر في ذلك الوقت فقال له: أنت المأمون على الحقيقة لأجل ذلك. ثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب، والداعي وجميع الأمراء من المصلى، ومثلوا بين يدي الخليفة. ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل؛ وتقدم إلى زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة، وتقدم إلى ريحان متولى بيت المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم؛ فمضيا. وتقدم إلى حسام الملك بإعلام الأمراء والاجناد والشهود والقضاة والمتصدرين والمقربين وبنى الجوهري الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن. فعاد زمام القصور ومتولى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة في عراض دبيقي بياض مملوءة صندلا مطحونا، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا، وفي صدر الآخر منديل ديباج فيه ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم. ووصلت أيضا الموائد على رءوس الفراشين، وهي مائة شدة، صحبة متولى المائدة الآمرية؛ فمد السماط بين يدي الخليفة، ومد سماطان، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء، والآخر برسم القاضي والداعي والشهود والمقربين والوعاظ والمؤمنين، وحمل إلى الجهات الأفضليات شيء كثير. فلما انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة، وذكر أنه ختم على الأفضل في هاتين الليلتين واليوم نيف وخمسون ختمة. فلما انقضى معظم الليلة، الثاني من شوال، تقدم الخليفة بإحضار داعي الدعاة، ولي الدولة ابن عبد الحقيق، وأمره بغسل الأفضل على ما يقتضيه مذهبه، وكفن بما حضر من القصر، وأخرج للداعي بذلتان مكملتان، مذهبة وحرير، عوضا عما كان على الأفضل من ثياب الدم، فإنها لم تنزع عنه، وعند كمال غسله دفع للداعي ألف دينار. فلما كان في الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثاني شوال خرج التابوت بالجمع الذي لا يحصى،

والناس بأجمعهم رجالة، وليس وراءهم راكب إلا الخليفة بمفرده وهو ملثم. فلما خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب القائد والمرتضى ولد الأفضل، وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة ركب حمارا، فلما وصلت الجنازة إلى باب زويلة ترجل القائد والمرتضى ومشيا؛ وبعث الخليفة خواصه إلى أخويه أبي الفضل جعفر وأبي القاسم عبد الصمد، وأمرهما إذا وصل التابوت إلى باب الزهومة أن يخرجا بغير مناديل، بعمائم صغار وطيالس؛ فإذا قضيا ما يجب من حق سلام الخليفة سلما على القائد أبي عبد الله بمثل ما كانا يسلمان على الأفضل، ويمشيان معه وراء التابوت. فاعتمدا ذلك. فاستعظم الناس هذه الحالة والمكارمة؛ ولم يزالا مع الناس وراء التابوت إلى أن دخل من باب العيد.

فلما صار التابوت في وسط الإيوان هم الخليفة بأن يترجل، فسارع إليه القائد والمرتضى، وصاح الناس بأجمعهم: العفو يا أمير المؤمنين. عدة مرار. فترجل الخليفة على الكرسي، وصلى عليه، ورفع التابوت فمشى وراءه، وركب الخليفة الفرس على ما كان عليه؛ ونزل التربة ظاهر باب النصر ووقف على شفير القبر إلى أن حضر التابوت. واستفتح ابن القارح المغربي وقرأ: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " الآية. فوقعت من الناس موقعا عظيما، وبكوا، وبكى الخليفة، وهم بنزول القبر ليلحده بيده؛ ثم أمر الداعي فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته، ثم ركب من التربة والناس بأجمعهم بين يديه إلى قصره. وأخرج من قاعة الفضة بالقصر ثلاثون حسكة، وثلاثون بخورا مكملة، وخمسون مثقال ند وعود، وشمع كثير، فأشعلت الشموع إلى أن صلى الصبح وأطلق البخور، واستقر جلوس الناس؛ فصلى القاضي بالناس، وفتح باب مجلس الأفضل المعلق بالستور الفرقوبي الذي لم يكن حظه منه إلا جوازه عليه قتيلا. ورفعت الستور، وجلس الخليفة على المخاد الطرية التي عملت في وسطه؛ وسلم الناس على منازلهم، وتلي القرآن العظيم. وتقدمت الشعراء في رثائه إلى أن استحق الختم فختم. ثم خرج القائد والأمراء إلى التربة فكان بها مثل ما كان بالدار من الآلات والبخور. وعمل في اليوم الثاني كذلك. وكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة، ومدة ولايته ثمانية وعشرون عاما

ويقال إن الآمر وافق المأمون على قتله، فرتب له من قتله. ثم أمر أن يكتب سجل بتعزية الكافة في الأفضل والثناء على خصائصه ومساعيه، وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومد رواق العدل عليهم؛ وتفريقه على نسخ تتلى على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد. فكتب ما مثاله: هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بما رآه وأمر به من تلاوة على كافة من بمدينة مصر حرسها الله تعالى من الأشراف والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم، فارسهم ومترجلهم وراجلهم، والقضاة والشهود والأماثل، وجميع الرعايا، بأنكم قد علمتم ما أحدثته الأيام بتصاريفها، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها من فقد السيد الأجل الأفضل ونعوته قدس الله روحه، ونور ضريحه، وحشره مع مواليه الطاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه الذي كان عماد دولة أمير المؤمنين وحمال أثقالها، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعولها، وتخطى الحمام إليه، واخترام المنية إياه وتسلطها عليه؛ وما تدارك الله الدولة به من حفظ نظامها، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها؛ وما رآه أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السعيد، ومباشرته إياها بعزمه الشديد ورأيه السديد، واهتمامه بمصالح الكافة، وإسباغ ظل الإحسان عليهم والرأفة، حتى أصبحت الدولة الفاطمية بذلك ظليلة المناكب، منيرة الكواكب، محروسة الأرجاء والجوانب. ولما كانت همة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم، والنظر في مصالحكم، والإحسان إليكم، وتأمين سربكم، وإعذاب شربكم، ومد رواق العدل عليكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وضعيفكم من قويكم، ومشروفكم من شريفكم، وكف عوادي المضار بأسرها عنكم، وتمكينكم من التصرف في أديانكم على ما يعتقده كل منكم، جارين على رسمكم وعادتكم، من غير اعتراض عليكم رأى ما خرج به عالي أمره من كتب هذا السجل وتلاوته على جميعكم، لتثقوا به، وتسكنوا إليه، وتتحققوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم؛ وأنه لا يشغله عن مصالح الكافة شاغل، وأن باب رحمته مفتوح لمن قصده، وإحسانه عميم شامل، وله إلى تأمل أحوال الصغير والكبير منكم عين ناظرة،

وفي إحسان سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة. والله تعالى يمده بحسن الإرشاد، ويبلغه المراد في مصالح العباد والبلاد، بمنه وعونه. فاعلموا هذا من أمير المؤمنين ورسمه، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى المعونة بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كل من سمعه، ويصل علم مضمونه إلى من لم يحضر قراءته، ليتحققوا ما ذكر فيه وأودعه؛ وليحمل الناس على ما أمرتهم فيه، وليحذر من مجاوزته وتعديه. وليقرأ بالجامع المذكور ليقع التصفح والتأمل في اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى. ثم أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى، مضمونه: خرج أمر أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بإنشاء هذا المنشور بأن يعتمد في ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدولة، قاصيها ودانيها، قريبها ونائيها، إمضاء ما كان السيد الأجل الأفضل قرره، وخرجت به توقيعاته الثابتة عليها علامته في الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال، إذ أمر أمير المؤمنين راض بأفعاله، محقق لأقواله، حامد لمقاصده، ممض لأحكامه، عارف بسداد رأيه في نقضه وإبرامه، على أوضاعها وأحكامها، وتقريراته في كل منها. فليحذر كافة الأمراء وسائر الولاة نصرهم الله وأظفرهم وجميع النواب والمستخدمين، والكتاب والمتصرفين بجميع الأعمال من تأول فيه، أو تعقيد بغير شيئا من أحكامها على ما قرره وأمر به. وليجلد هذا المنشور في ديوان التحقيق والمجلس بعد ثبوته في جميع الدواوين، وليصدر الإعلان به إلى كافة الجهات بهذا المرسوم، تثبيتا لهذا الأمر المذكور المحتوم، إن شاء الله تعالى وفي السادس والعشرين من شوال عمل تمام الشهر على تربة الأفضل، كما عملت الصبحة والثالث. فلما انقضى الختم وانصرف الناس ركب الخليفة بموكبه. ونزل إلى التربة، وترحم عليه وعاد. ذكر هذا جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في تاريخه. وقال ابن ميسر: وأقام الخليفة في دور الأفضل، وفي دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما، والكتاب بين يديه يكتبون ما ينقل إلى القصور؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى.

فيما وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا، وفي بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف دينار وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار؛ ومائتين وخمسين إردبا دراهم ورقا؛ وثلاثين راحلة من الذهب العراقي المغزول برسم الرقم؛ وعشرة بيوت في كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملونة؛ وخمسمائة صندوق من دق دمياط وتنيس برسم كسوة بدنه؛ ولعبة من عنبر على قدر جسده برسم ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة؛ ومن الطيب والآلات ما لا يحصى عدده؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبان ونتاجه في سنة نحو أربعين ألف دينار؛ ودواية يكتب منها مرصعة بالجواهر، قوم جوهرها باثني عشر ألف دينار؛ وخمسمائة ألف مجلدة من الكتب العلمية. قال: وأخذ الآسر في نقل ما بدار الأفضل إلى القصر، وهو يرتب ما يحمل بنفسه، هو وأصحابه؛ واستمر ذلك مدة شهرين وأيام، والأموال تحمل على بغال وجمال إلى القصر، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كل غداة ويقيم حتى يرتفع النهار ويرتب ما يفعل. وذكر متولي الخزابة بالقصر أن مما وجد في دار الأفضل ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار؛ وسبعمائة طوق ما بين ذهب وفضة؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات والأباريق والقدور والزبادي الذهب والفضة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة؛ ومن براني الصيني الكبار المملوء بالجواهر التي بعضها منظوم كالسبح وبعضها منثور شيء كثير. وكان الأفضل في أوقات الشرب يصف في مجلسه صواني الذهب وبينها البراني المملوءة بالجواهر، فإذا أحب فرغب البرنية في الصينية فتكون ملئها. ووجد له من أصناف الديباج وما يجري مجراه من عتابي ونحوه تسعون ألف ثوب وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلها دبيقي وشرب عمل تنيس ودمياط،

على كل صندوق شرح ما فيه وجنسه. وخزانة الطيب مملوءة أسفاطا، فيها العود وغيره، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه؛ وبراني بها المسك والكافور وشيء كثير من العنبر. ووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار متقابلات، أربع منهن بيض من كافور وأربع سود من عنبر، قيام في المجلس، عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلى، بأيديهن مذاب من أعظم الجوهر؛ فإذا دخل من باب المجلس ووطىء العتبة نكسن رءوسهن خدمة له بحركات قد أحكمت؛ فإذا جلس في صدر المجلس استوين قائمات. ووجد له من المقاطع والستور والفرش والمطارح والمخاد والمساند الديباج والدبيقي الحريري والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر، كل حجرة مملوءة من هذا الجنس. ووجد له عدة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقي برسم الاستعمال. ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة، ملبسة بالذهب والفضة، مرصعة بالجوهر؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظية لكل واحدة حجرة وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف. وكان في مخازنه تحت يد عماله والجباة وضمان النواحي من المال والغلال والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه. وحمل من داره أربعة آلاف بساط، وستون حملا طنافس، وخمسمائة قطعة بلور، وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب، وتسعة آلاف سرج. قال ابن ميسر: وكان الأفضل من العدل وحسن السيرة في الرعية والتجار على صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديما وشوهد أخيرا، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط عليه. ولما حصر الاسكندرية كان به يهودي يبالغ في سبه وشتمه ولعنه، فلما دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدمه للقتل وقد عدد عليه ذنوبه، فقال اليهودي: إن معي خمسة آلاف دينار، خذها مني وأعتقني واعف عني. فقال: والله لولا خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك؛ وعفا عنه ولم يأخذ منه شيئا. وكان إذا غضب على أحد اعتقله ولم يقتله، فلما مات أطلق من سجنه عشرة آلاف إنسان، فإنه كان إذا اعتقل أحدا نسيه ولا يرى بإخرابه.

وكانت محاسنه كثيرة. وهو أول من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من التركات على العادة القديمة، وأمر بحفظها لأربابها، فإذا حضر من يطلبها وطالعه القاضي بثبوت استحقاقه أمره في الحال بإطلاق ما ثبت له. واجتمع بمودع الحكم من مال المواريث التي تنتظر وصول مستحقها من شرق الدنيا وغربها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، فرفع إليه قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن علي الرأس عيني لما ولى أن قد اعتبرت ما في مودع الحكم من مال المواريث فكان مائة ألف دينار، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها في المودع، فإن لها السيرة الطويلة لم يطلب شيء منها. فوقع رقعته: إنما قلدناك الحكم ولا رأي لنا فيما لا نستحقه، فاتركه على حاله لمستحقيه ولا تراجع فيه. فأخذها هذا القاضي غرفا. وبلغ ارتفاع خراج مصر في أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار، ومتحصل الأهراء ألف ألف إردب. وبنى في أيامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة بالجرف المعروف بالرصد والمسجد المعروف بالجيوشي على سطح الجبل. وبنى مئذنة جامع عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة وجامع الجيزة. وعمل خيمة الفرح التي سميت بالقاتول، اشتملت على ألف ألف وأربعمائة ألف ذراع من الثياب، وقائم ارتفاع

العمود الذي لها خمسون ذراعا بذراع العمل، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ألف دينار. وللشعراء فيها عدة مدائح. وكان الأفضل يقول الشعر. فمن شعره في غلامه تاج المعالي: أقضيب يميس، أم هو قد ... أو شقيق يلوح، أو هو خد أنا مثل الهلال خوفا عليه ... وهو كالبدر حين وافاه سعد وكان شديد الغيرة على نسائه. اطلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه متطلعة إلى الطريق، فأمر بضرب عنقها. فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد: نظرت إليها وهي تنظر ظلها ... فنزهت نفسي عن شريك مقارب أغار على أعطافها من ثيابها ... ومن مسك لها في الذوائب ولي غيرة لو كان للبدر مثلها ... لما كان يرضى باجتماع الكواكب قال: وكان عدة الوعاظ والقراء والمنشدين في عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين شخصا، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كل واحد منهم ثمانين دينارا، الصغير مثل الكبير؛ فقال ابن أبي قيراط: يا مولانا، هذا مال كثير. فقال: إنفاذ أمرنا هذا من بعض حقه علينا. فجاء مبلغ ما دفع نحوا من أربعة وثلاثين ألف دينار.

قال: والأفضل هو الذي أنشأ بستان البعل، والمنتزه المعروف بالتاج، والخمس وجوه، والبستان الكبير، والبستان الخاص بقيلوب؛ وجدد بستان الأمير تميم ببركة الحبش، وأنشأ الروضة بحرى الجزيرة، وكان يمضي إليها في العشاريات الموكبية؛ رحمه الله. في مستهل ذي القعدة خلع على القائد أبي عبد الله بن فاتك بذلة مذهبة بشدة الخليفة الداعية، وحلت المنطقة من وسطه؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلت منطقته أيضا؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك. واستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهل ذي الحجة؛ ففي يوم الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاص الشريف في فرد كم مجلس العيد، وطوق بطوق ذهب مرصع، وسيف ذهب مرصع؛ وسلم على الخليفة، فأمر الخليفة الأمراء وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه.

ومشى في ركابه القواد على عادة من تقدمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل على باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم وأطلق الهبات. وفي خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن أبي أسامة، فحضر بالسجل في لفافة خاص مذهبة فسلمه الخليفة إلى الأجل المأمون من يده، فقبله وسلمه لزمام القصر، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن يمينه، وقرئ السجل على باب المجلس؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان. ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل نسبة الأمراء والمحنكين والناس جميعهم من الآمري إلى المأموني، ولم يكن أحد قبل ذلك ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش. وقدمت للمأمون الدواة فعلم في مجلس الخليفة؛ وتقدم للأمراء والأجناد فقبلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان. وأحضرت الخلع؛ فخلع على حاجب الحجاب حسام الملك وطوق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب؛ وخلع على الشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست، وعلى الشيخ أبي البركات بن أبي الليث، وعلى أبي الرضا سالم بن الشيخ أبي الحسن، وعلى أبي المكارم أخيه، وعلى أبي محمد أخيهما، وعلى أبي الفضل يحيى بن سعيد الميمذي ووصل بدنانير كثيرة بحكم أنه قرأ السجل. وخلع على أبي الفضائل بن أبي الليث صاحب مغفر المجلس. ثم استدعى غذى الملك سعيد ابن عمار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين الحضرة من جميع الجهات وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه. وفي الأيام الأفضلية لم يكن أحد يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجاب ولا غيرهم سوى غذى الملك هذا فإنه كان يقف من داخل العتبة؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من أجل الخدم وأكبرها. وقال أبو الفتح ابن قادوس في مدح المأمون، وقد زيد في نعوته: قالوا أتاه النعت، وهو السيد ال ... أمون حقا، والأجل الأشرف

ومغيث أمة أحمد، ومجيرها ... ما زادنا شيئا على ما نعرف وذلك أنه نعت في سجله المقروء على الكافة بالأجل المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين. ثم تجدد له في نعوته بعد ذلك الأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا. ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجل المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي رعاة المؤمنين. ولما استمر نظر المأمون للدولة بالغ الخليفة في شكره، فقال له المأمون: ثم كلام يحتاج إلى خلوة. فأمر بخلو المجلس. فقال: يا مولانا امتثال الأمر متعب، ومخالفته أصعب؛ وما تتسع خلافة قدام آمر الدولة وهو في دست خلافته ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير. فتغير الخليفة وأقسم: إن كان لي وزير غيرك! فقال المأمون: لي شروط؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد في النعوت وحل المنطقة فلم أفعل؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكوني قد خنته في المال والأهل، وما كان والله العظيم ذلك مني يوما قط، ومع ذلك معاداة الأهل جميعهم، والأجناد، وأرباب الطيالس والأقلام، وهو يعطيني كل ورقة تصل إليه منهم وما يسمع كلامهم. فقال الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته، إيش يكون فعلي أنا؟ فقال: يعرفني المولى ما يأمر به فأمتثله بشرط ألا يكون عليه زائدا. فأول ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تبقى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز

والثغور إلا إليه ولا تفرق إلا منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه؛ وتوسع في رواتب القصور من كل صنف؛ وزيادة رسم منديل الكم. فقال المأمون: سمعا وطاعة؛ أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلا بالقصور، وأما توسعة الرواتب فما ثم من يخالف الأمر، وأما منديل الكم فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا يكون في كل يوم مائة دينار؛ ومولانا، سلام الله عليه، يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات وأسمطة الأعياد وغيرها. ففرح الخليفة. وقال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه ألا يلتفت لحاسد ولا ينقبض؛ ومهما ذكر عني يطلعني عليه، ولا يأمر في بأمر سرا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسي وانحطاط قدري، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي، فإذا توفيت تكون لأولادي ولمن أخلفه بعدي. فحضرت الدواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد الله في آخرها على نفسه. فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف وقبل الأرض وجعله على رأسه، وكان الخط نسختين، فلما قبض على المأمون في رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، كما سيأتي إن شاء الله، أنفذ الخليفة طلب الأمان، فأنفد إليه نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت. وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة، وكان مكانه دكاكين علافين. في هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان.

سنة ست عشرة وخمسمائة @YY516

في المحرم كان المولد الآمري. وتقرر السلام على الخليفة في يومي الاثنين والخميس فأما في يومي السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجية إلى القصر ويركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنزهة؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس الوزير المأمون في داره على سبيل الراحة. في صفر سب أحد صبيان الخاص الآمري صاحب الشرع وشهد عليه، فضربت عنقه وصلب. فيه وصل فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن عمار، صاحب طرابلس. وكانت الدولة، قد حولت الثغر في أيديهم على سبيل الولاية، فلما جاءت الشدائد تغلبوا عليه؛ ثم جاءت الدولة الجيوشية فخافوا مما قدموه فلم يرموا أيديهم في يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصفح عن ولاتهم. ومضى ذلك السلف، وخلفهم القاضي فخر الملك هذا في الأيام الأفضلية فجرى على تلك الوتيرة، ودفع إلى محاصرة الفرنج له مدة سبع سنين،

فضاق خناقه، وأيس؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا. واختلت أحواله، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر. وقال في: كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلا وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحق به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، وفخر يكفر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنة كريمة، وإن خفف عنه فتخليده في السجن أحب إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدوله. فلما عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كل من الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود. فقال المأمون للخليفة: قد أجل الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، فإن العفو زكاة القدرة عليه؛ ويشمله ما شمل أمثاله. فأعجب الخليفة الآمر ذلك، وخرج الأمر بأن تعدد على ابن عمار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك. فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له: قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين؛ إما أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإما أن تؤثر الإقامة بفناء الدولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك وتترك التعرض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات. فلما خوطب بذلك قبل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلما خوطب في رفعه قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زماني وتمتلئ مسامعي بألفاظ مغفرته. فبلغته الحضرة النبوية ما تمناه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار أعدت له وجعل فيها شهوات السمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرد برسم خدمته حاجب معه عدة مستخدمين. فأقام أياما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التي لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله. وقرر له، راتبا في كل شهر، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التحف المستظرفة ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له

في المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة حمدت منه، فاستمر إليه الإحسان؛ وصار يركب في يومي الركوب ويومي السلام وغيرهما. وفيه أفرج عن الأمير عضب الدولة عز الملك أبي منصور بنا، وكان له في الاعتقال ثلاث عشرة سنة، لأنه كان والي عكا وسلمها إلى الفرنج، فلما وصل رماه الأفضل في الاعتقال، فلما أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه للاصطبلات والخزائن، وولي البحيرة. وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين؛ منهم أبو المصطفى جوهر، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ، وكانت مدة اعتقاله خمس عشرة سنة. فيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة، الذي حضر في الأيام الأفضلية بسبب أموال التجار، ومعه كتاب بتهنئة المأمون، فجهز إلى الأعمال القوصية بالاهتمام بالجناب الديوانية وترميم ما يحتاج إلى المرمة، وتجديد عوض ما تلف؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبا برسم مكة وتخوت ثياب وخلع ومال وبخور. وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج؛ فكتب المستخدمون في الخزائن ومشارفة الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفي المشاهد عوضا عن الزيت الطيب الزيت الحار، فخرج الجواب بالتحذير من ذلك وبألا يطل إلا الزيت الطيب، ولا يلتفت إلى غلو السعر في الخدم التي هي من حق الله تعالى فلا يجب الرخصة فيه ولا بنقص من المطلق شيء. وبلغ المأمون أن مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرض لشيء منه، فأنكر ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوم من ماله بثمن الزيت الذي فيه الصبر، ويطلق الزيت المستقر إطلاقه على تمامه. وقيل له: قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا يقتاتون إلا من فضلات وقود كنائسهم، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرم عليهم البيع. وتقدم الأمر بعمل حساب الدولة من الهلالي والخراجي على جملتين، إحداهما إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة؛ فانعقدت على جملة كثيرة من عين وأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها. فلما حضرت أمر بكتابة سجل

بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة؛ ومبلغ ما سومح به من البواقي ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم، ومن الغلة ثلاثة آلاف الف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبا، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفود والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلي شيء كثير؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وخمسة رءوس؛ ومن البسر والنخيل والجريد والسلب والأطراف والملح والأشنان والرمان وعسل النحل والشمع وعسل القصب شيء كثير؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا؛ ومن الدواب والسمن والجبن والصوف والشعر شيء كثير. وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجل عند ذكر الخراج من هذا الكتاب. وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع مما يعتمد في الدواوين من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافة من المعاملين والضمناء من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم. فيه تحول الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة وأقام فيها مدة النيل على الحكم الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها، وتحول معه الوزير المأمون بن البطائحي والشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة كاتب الدست وحاجب الحجاب وحسام الملك، ورتبت الرهجية والحرس، وأطلق لهم ما يقوم بهم. وصار الخليفة يمضي في السراديب من اللؤلؤة إلى القصر في يومي السلام، فلا يراه أحد سوى الأستاذين والخواص، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة، ويركب في يومي الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات. فيه تقدم الوزير بتجديد المشاهد التسعة التي بين القرافة والجبل.

وكانت العادة جارية من الأيام الأفضلية في آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن تغلق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر وتختم، ويحذر من بيع الخمر؛ فرأى الوزير أن يكون ذلك في سائر الأعمال، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادي بأن من تعرض لبيع شيء من هذين الصنفين أو لشرائهما سرا وجهرا فقد عرض نفسه لتلافها وبرئت الذمة من هلاكها. لما كان مستهل رجب عملت الأسمطة على العادة، فقال الخليفة الآمر لوزيره المأمون: قد أعدت لدولتي بهجتها، وقد أخذت الأيام نصيبها من ذلك، وبقيت الليالي وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها؛ وهي ليالي الوقود الأربع. فامتثل الأمر، وعملت. واستجد في كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصين الآمري والمأموني قنطار سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان، وتشد في قعاب وسلال صفصاف، وكان يسمى بالقعبة، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار المأمون. ووصلت كسوة الشتاء، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلثمائة وخمس قطع. ووصلت

كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار، وكان عندهم الموسم الكبير، ويسمى بعيد الحلل لأن الحلل فيه تعم الجميع وفي غيره للأعيان خاصة. وعمل الختم في آخر شهر رمضان بالقصر، وعبئ سماط الفطرة في مجلس الملك بقاعة الذهب من القصر، فكان سماطا جميعه من حلاوة الموسم. وصلى الخليفة الآمر بالناس صلاة العيد في المصلى ظاهر باب النصر وخطب، وكان ذلك قد بطل في الأيام الجيوشية والأفضلية. وكان الذي أنفق في أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة، خارجا عن التوسعة المطلقة أصنافا برسم الخليفة وجهاته، وخارجا عن العطية، وخارجا عن رسم القراء والمسحرين وخارجا عن الأشربة والحلاوات من ألعاب، ستة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا. وجملة ما قدر على المنفق في شهر رمضان، بما تقدم شرحه، والتوسعة والصدقات والفطرة وكسوة الغرة والعيد، مائة ألف دينار عينا. وضرب في خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خروبة، وكانت العادة أن يضرب في كل سنة خمسمائة دينار. وفي شوال هذا وصل شاور من أسر الفرنج، وكان مأسورا من الأيام الأفضلية وطالت مدة أسره، وبذلت عشيرته في افتكاكه جملة كبيرة، فلم يقبل منهم، وطلب فيه أسير من الفرنج، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنه كان لا يطلق أسيرا أبدا. فلما ولي المأمون الوزارة وميز رديني، مقدم العربان الجذاميين، وقبيلته وشاور من بني سعد، فخذ من جذام وقف مجير، أخو شاور، وإخوته للمأمون، وما زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاورا في شوال، وأثبت في الطائفة المأمونية؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور.

وفيه تنبه ذكر الطائف النزارية، وقرر بين يدي الخليفة بأن يسير رسولا إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيلية والإمامية، وهم لي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة، وجميع دعاة الإسماعيلية، وأبو محمد بن آدم متولى دار العلم، وأبو الثريا ابن مختار فقيه الإسماعيلية، ورفيقه أبو الفخر، والشريف ابن عقيل، وشيوخ الشرفاء، وقاضي القضاة، وأولاد المستنصر، وجماعة من بني عم الخليفة، وأبو الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست، وجماعة من الأمراء؛ وقال لهم المأمون: ما لكم من الحجة في الرد على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية، فقال كل منهم: لم يكن لنزار إمامة، ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحل ووجب قتله؛ وإن كان والده المستنصر نعته ولي عهد المسلمين ونعت إخوته، منهم أبو القاسم أحمد بولي عهد المؤمنين، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم مؤمن، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز. وذكر حسين بن محمد الموصلي أن اليازوري لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب اسمه على الدينار وهو ما مثاله: ضربت في دولة آل الهدى ... ومن آل طه وآل ياسين مستنصرا بالله جل اسمه ... وعبده الناصر للدين في سنة كذا؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشهر، فاستعيدت وأمر ألا تسطر. ودليل يعضد ذلك أنه لما جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسير أولاده، وهم: الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش، ثم أتبعه أبي علي والأمير أبي القاسم، والد الحافظ،

إلى عسقلان، وسير نزارا إلى ثغر دمياط سير الأعلى إلى، ولم يسمح بسفر الإمام المستعلى ولا خروجه من القصر لما أهله له من الخلافة، ولا أبعده خوفا من حضور المنية، فلما وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها وتأمينها ورغب الإمام المستنصر في عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ابنته، أخت الأفضل، وعقد النكاح بنفسه، سماه في كتاب الصداق مولى عهد أمير المؤمنين؛ وعلم عليه بخطه. ثم عند وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى بما شاهده كل حاضر، وبما ذكرته السيدة ابنة الإمام الظاهر شقيقه الإمام المستنصر في صحة إمامته. فكتب الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضنا بشهادة الجماعة بذلك. ثم وصل في أثناء ذلك كتب من خواص الدولة تتضمن أن القوم قد قويت شوكتهم واشتدت في البلاد طمعتهم، وأنهم يسيرون المال مع التجار إلى قوم يخبرون أسماءهم، وأنهم سيروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النجوى وبرسم المؤمنين الذين ينزل الرسل عندهم ويختفون في محلهم، فتقدم المأمون بالفحص عنهم والاحتراز التام على الآمر في ركوبه ومتنزهاته، وحفظ الدور غيرها. ولم يزل البحث التام في طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم من أهل البلد، فاعترفوا بأن خمسة منهم هم الرسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقية، فراموا قتلهم، فأشار المأمون بتركهم. وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصيرفي، وأمر بكتب سجل يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ما ذكر من نفي نزار عن الإمامة وشهر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا، وامتنع الآمر من قبض الألفي دينار الواصلة للنجوى وأمر بحملها إلى بيت المال، وأن تنفق في السودان عبيد الشراء خاصة. وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير المبلغ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهبا وقنديلين فضة؛ وأن يحمل قنديلان، ذهبا وفضة، إلى مشهد الحسين بعسقلان، وقنديلان كذلك إلى التربة. وأطلق

المأمون من ماله ألفي دينار، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضة برسمه على قياس أحضر من عسقلان، وأن يصاغ على المصحف الذي بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمصر من فوق الفضة ذهب. وأطلق من حاصل الصناديق التي تشتمل على مال النجاري برسم الصدقات عشرة آلاف درهم تفرق في الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع القرافة، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور. وأطلق من الأهراء ألفا إردب قمحا وتصدق عدة من الجهات بجملة كثيرة. واشتريت عدة جوار من الحجر وكتب عتقهن وأطلق سراحهن. قال ابن ميسر، وقد ذكر هذا المجلس: وقد كانت أخت نزار في قاعة بجانب الإيوان من القصر، وعلى الباب ستر، وعلى الستر إخوتها وبنو عمها وكبار الأستاذين. فلما جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء الستر وقال: من وراء هذا الستر؟ فعرف بها إخوتها وبنو عمها، وأنه ليس غيرها وراء الستر. فلما تحقق الحاضرون ذلك قالت: اشهدوا علي يا جماعة الحاضرين، وبلغوا عني جماعة المسلمين بأن أخي شقيقي نزارا لم يكن له إمامة، وأنني بريئة من إمامته جاحدة لها لا عنة لمن يعتقدها، لما علمته من والدي وسمعته من والدتي، لما أمر المستنصر بمضيها هي والجهة المعظمة والدة عبد الله أخي إلى المنظرتين اللتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة؟ للنزهة أيام النيل جرى بينهما مشاجرة في ولديهما، فأحضرهما المستنصرين يديه وأنكر عليهما، وقال: ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر، صاحبه معروف في وقته. وشاهدت والدي المستنصر في مرضته التي توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه معه في فراشه، وقبل بين عينيه، وأسر إليه طويلا وقد دمعت عيناه؛ وفي اليوم الذي انتقل والدي في ليلته استدعى عمتي بنت الظاهر فأسر إليها من بيننا، ومد يده إليها فقبلها وعاهدها، وأشهد الله تعالى معلنا ومظهرا. فلما انتقل في تلك

الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الداعي والأمراء والأجناد، ووقف بظاهر المقرمة، ثم جلس وكلهم قيام، وأخذ في التعزية، ثم قال: يا مولاتنا من ارتضاه للخلافة؟ فقالت: هي أمانة قد عاهدني عليها، وأوصاني بأن الخليفة من بعده ولده أبو القاسم أحمد. فحضر وبايعته عمتي، وبايعه أخوه الأكبر عبد الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه، وأمر بالتوكيل على نزار وتأخيره، فأخر إلى مكان لا يصلح له. واستدعى الأفضل الداعي وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن الموالي والأستاذين. وسألت عمتي الأفضل في نزار فرفع عنه التوكيل عليه بعد أن كلمه بكلام فيه غلظة؛ ووالله ما مضى أخي نزار إلى ناصر الدولة أفتكين بالإسكندرية لطلب إمامة ولا لادعاء حق، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال أمره لما فعله معه. والله يلعن من يخالف ظاهره باطنه. فشكرها الناس على ذلك. وكان سبب حضور أخت نزار في هذا المجلس أن المأمون قال للآمر: قد كشفت الغطاء وفعلت ما لا يقدر أحد على فعله، وأما القصر فما لي فيه حيلة. ولوح أن أخت نزار وأولادها لا يمكنني كشف أمرهم. فلما بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى الخليفة الآمر لتبرئ نفسها، ورغبت أن تخرج للناس لتقول ما سمعته من والدها وشاهدته ليكون قولها حجة على من يدعي لأخيها ما ليس له. فاستحسن الآمر ذلك منها؛ وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى، واتفقوا على يوم يجتمعون فيه. فلما كان في شوال عمل المجلس المذكور. وأما النزارية فإنها تقول إن المستنصرمات والأفضل صاحب الأمر والمستحوذ على المملكة والجند جنده، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه؛ وكان نزار، لما يرى من غلبة الأفضل على الدولة، يتكلم بما بلغه، فينكره، فلما مات المستنصر والأفضل متخوف من شر نزار أقام أحمد ابنه، المستعلى، لأنه زوج أخته ولأنه صغير. وفيها أراد الآمر أن يحضر إلى دار الملك في يوم النوروز الكائن في جمادى الآخرة ويركب إليها في المراكب على ما كان عليه الأفضل، فمنعه المأمون من ذلك، وقال:

يا مولانا، الأفضل لا يجري مجرى أمير المؤمنين. وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم جهاته ماله قيمة جليلة. وفي شوال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع، فتقدم إلى بعض خواصه وخلع عليه، فسار وبنى جامعا على شاطىء النيل بمنية زفتى، وقرر فيه خطيبا وإماما ومؤذنين، وفرش، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع. وفيه وصل الفقيه أبو بكر محمد بن محمد الفهري الطرطوشي من الإسكندرية بالكتاب الذي حمله: سراج الملوك، فأكرمه وأمر بإنزاله في المجلس المهيأ للإخوة، وتقدم برفع أدوية الكتاب وأوطئة الحساب وسلام الأمراء، وعمل السماط، وسارع إلى البادهنج، واستدعى بالفقيه. فلما شاهده وقف، ونزل عن المرتبة، وجلس بين يديه؛ ثم انصرف، ومعه أخو المأمون، إلى مكان أعد له، وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالي أن يحمل له في كل يوم خمسة دنانير بمقتضى توقيع مقتضب، فامتنع الفقيه وأبي أن يقبل غير الدينارين اللذين كانا له في الأيام الأفضلية. وصار المأمون يستدعيه في يومي راحته، ويبالغ في كرامته، ويقضي شفاعاته. وكان السبب في حضوره أنه تكلم في الأيام الأفضلية في أمور المواريث وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام، وهو ربع العشر، وأمر توريث الابنة النصف،

فلم يقبل ذلك، ففاوض المأمون فيه وقال: هذه قضية وجدتها وما أحدثتها وهي تسمى بالمذهب الدارج، ويقال إن أمير الجيوش بدر هو الذي استجدها، وهي أن كل من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه، وقد مر على ذلك سنون وصار أمرا مشروعا، فكيف يجوز تغييره. فقال له الفقيه: إذا علمت ما يخلصك من الله غيرها فلك أجرها. فقال أنا نائب الخليفة، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزيدي، والإمامي والإسماعيلي أن الإرث جميعه للابنة خاصة بلا عصبة ولا بيت مال، ويتمسكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم، وأبو حنيفة، رحمه الله، يوافقهم في القضية. فقال الفقيه: أنا مع وجود العصبة فلا بد من عدتها. فقال المأمون أنا لا أقدر أن أرد على الجماعة مذهبهم، والخليفة لا يرى به وينقضه على من أمر به؛ بل أرى بشفاعة الفقيه أن أرد الجميع على رأى الدولة فيرجع كل أحد على حكم رأيه في مذهبه فيما يخلصه من الله، ويبطل حكم بيت المال الذي لم يذكره الله في كتابه ولا أمر به الرسول عليه السلام. فأجاب إلى ذلك. وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عما يقتضونه من ربع العشر بتقرير جار لهم في كل شهر من مال الديوان على المواريث الحشرية وأخذ الفقيه في ذكر بقية حوائج أصحابه؛ وكتب منه توقيع فرغت منه نسخ منها ما سير إلى الثغور وكبار الأعمال، وشملته العلامة الآمرية وبعدها العلامة المأمونية. ونسخته بعد البسملة: خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور عندما طالعه السيد الأجل المأمون أمير الجيوش ونعوته والدعاء وهو الخالصة أفعاله في حياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا والدين، والهمة الموقوفة على الترقي إلى درجات المتقين، والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافة أجمعين؛ شيمة خصه الله بفضيلتها جبلة أسعد بجلالها وشريف مزيتها. والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة، وأنحاء

الميامن كافلة ضامنة، من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدارجون بتغاير نظرهم، وقرروه من تغيير عما كان يعهد بتغلب آرائهم، وما دخل عليها منهم من الفساد، والخروج بها عن المعهود المعتاد؛ وهو أن لكل دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته؛ فيخلص لحرم ذوي التشيع الوارثات جميع موروثهم؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ". ويحمل من سواهن على مذهب مخلفيهن، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم، ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلها الله لهن بعدهم، عدولا عن محجة الدولة، وخروجا عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة، فهم قراء القرآن، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان، وإليهم سلم المؤمنون، وعلى هديهم وإرشادهم يعول الموقنون؛ فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ذلك على قاعدة واهية الأصول، بعيدة من التحقيق خالية من المحصول، ولم ير إلا العود فيه إلى عادة آبائه المطهرين، وأسلافه العلماء المهديين، صلوات الله عليهم أجمعين. وخرج أمره إلى السيد الأجل المأمون بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملك النائب في الحكم عنه، بتحذيره، والأمر له بتحذير جميع النواب في الأحكام بالمعزية القاهرة ومصر وسائر الأعمال، دانيها وقاصيها، قريبها ونائيها، من الاستمرار على تلك السنة المتجددة، ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة واستئناف العمل في ذلك بما يراه الأئمة المطهرة، وأسلافه الكرام البررة، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم إلى المعهود من رأي الدولة فيها، والإفراج عنها برمتها لمستحقيها، من غير اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها؛ وأن يضربوا عما تقدم صفحا، ويطووا دونه كشحا، منذ تاريخ هذا التوقيع، وفيما يأتي بعده مستمرا غير مستدرك لما فات ومضى، ولا متعقب لما ذهب وانقضى. وليوف الأجل المأمون، عضد الله به الدين، بامتثال هذا المأمور، والاعتماد على مضمون هذا المسطور؛ وليحذر كلا من القضاة والنواب، والمستخدمين في الباب، وسائر

الأعمال، من اعتراض موجود أحد ممن يسقط الوفاة وله وارث بالغ رشيد، حاضر أو غائب، ذكرا كان أو أنثى، من سائر الناس على اختلاف الأديان بشيء من التأولات أو تعقب ورثته بنوع من أنواع التعقبات، إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشرعيات الواجبات، نظرا إلى مصالح الكافة، ومدا لجناح العاطفة عليهم والرأفة، ومضاعفة للأنام وإبانة عن شريف القصد إليهم والاهتمام. فأما من يموت حشريا ولا وارث له حاضر ولا غائب، فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السليمة، والقوانين المعلومة القويمة، إلا ما يستحقه خرج إن كان له أو دين عليه يثبت في جهته. وإن سقط متوفى وله وارث غائب فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميا، وقانونا شرعيا مصونا من الاصطلام، محروسا من التفريط والاخترام؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك في مجلس الحكم بالباب، على الأوضاع الشرعية الخالصة من الشبه والارتياب، طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد يقبضه عليه. وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أن شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء مما يجري في المواريث من الترك التي يتولاها الحكام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع، فيعود ذلك بالنقيصة في أموال الأيتام، والتعرض إلى الممنوع الحرام، اصطلاحا استمروا على فعله، واعتمادا لم يجر الأمر فيه على حكمه؛ فكره ذلك وأنكره. واستفظعه وأكبره، واقتضى حسن نظره في الفريقين، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام، وتعويض من يباشر ذلك من الشهود جاريا يقام لكل منهم من الإنعام؛ وأمر بوضع هذا الرسم وتعفيته، وإبطاله وحسم مادته. فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك بالباب، وليصدر الإعلام إلى سائر النواب، سلوكا لمحجة الدين، وعملا بأعمال الفائزين السعداء المتقين، بعد تلاوة هذا التوقيع في المسجدين الجامعين بالمعزية القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد، ليتساوى في معرفة مضمونه كل

قريب وبعيد وحاضر وباد؛ ولتفرغ منه النسخ إلى جميع النواب عنه في الأعمال، وليجلد في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلس والخاص الآمري، وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة في اليوم وما بعده. وكتب لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة. ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير، وعرفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد بظاهر الثغر على البحر، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيره، وأن يبالغ في إتقانه وسرعة إنجازه، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون مال الدولة. وتوجه فبنى المسجد المذكور على باب البحر. وأما المسجد الذي بالمحجة فإن المؤتمن عند مقامه بالثغر بناه. وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا ليس بها جمعة تقام، فأمر ببناء جامع بها، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذنون، وأطلق لهم ما هي عادة أمثالهم. وقيل إن الذي أنشأه المأمون في وزارته وفي أيام الأفضل أحد وأربعون مسجدا، مع ما أمر بتجديده، بعد وزارته، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز مائتي مسجد. فيه بنيت دار ضرب بالقاهرة ودار وكالة.

وفي ذي القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر، والي قوص. وركب المأمون إلى الجامع الأزهر، فلما كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضي القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن علي الراسعيني وصلى؛ فلما قرأ الفاتحة لحقه زمع شديد وارتعد، فلحن في الفاتحة؛ وقرأ: " والشمس وضحاها "، فلما قال: " ناقة الله وسقياها " أرتج عليه، فرد المؤتمن حيدرة، أخو المأمون، عليه، فاشتد زمعه، فكرر عليه الرد، فلم يهتد وقال: " وسقناها " بالنون: فقرأ المأمون بقية السورة وسجد الناس. وقام في الركعة الثانية وقد دهش فلم يفتح عليه بشيء؛ فقرأ المأمون الفاتحة " وقل هو الله أحد "، وقنت وهو معه يلقنه. فلما انقضت الصلاة اشتد غضب المأمون وأمر متولى الباب بأن يختم المقرئون. وتخيل المقام وخرج من الجامع، فوكل بالقاضي من يمضي به إلى داره ويأمره بالمقام بها من غير تصرف حتى يحفظ القرآن؛ وقرر له راتبا فيما بعد؛ ولزم داره. وأنفذ للوقت إلى القاضي أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي، من قضاة الغربية، فأحضره وخلع عليه في القصر بذلة مذهبة، وسلم به على الخليفة، وسلم إليه السجل في لفافة مذهبة بنيابته في الكم العزيز والخطابة والصلاة وديوان الأحباس ودور الضرب بسائر أعمال المملكة؛ ونعت فيه بالقاضي جلال الملك تاج الأحكام؛ فقبله ووضعه على رأسه. وتلى على منابر القاهرة ومصر. وكان يحضر في يومي الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدي المأمون، ويستعرض القصص ويناقش فيها، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء، فزاد المأمون في إكرامه، ورد إليه وكالة الخليفة؛ وكتبت له الوكالة، وشرف بالخلع. وتولى قوص الأمير مؤيد الملك وخلع عليه؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب، وجهز معه مهندسين وضرابين وسكك العين والورق، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف درهم

فضة؛ فضربت هناك دنانير ودراهم؛ وصار كل ما يصل من اليمن والحجاز من الدنانير العدنية وغيرها يضرب بها. وصار ما يضرب باسم الآمر في ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، وصور، والإسكندرية. وقرر للشيخ أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه بن يوسف، الإسرائيلي الأصل، لما قدم من الأندلس وصار ضيف الدولة، جار وكسوة شتوية وعيدية ورسوم، وأقطع دارا بالقاهرة، وكتب له منشور نسخته بعد البسملة. ولما كان من أشرف ما طرزت السيرة بقدره، وأنفس ما وشحت الدول بجميل أثره، تخليد الفضائل وإبداء ذكرها، وإظهار المعارف وإيضاح سرها، لا سيما صناعة الطب التي هي غاية الجدوى والنفع، وورود الخبر بأنها قرينة إلى الشرع. لقوله صلى الله عليه وسلم: العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان خرج أمر سيدنا ومولانا لما يؤثره بعلو همته من إنماء العلوم وإشهارها، واختصاص الدولة الفاطمية بإحياء الفضائل وتجديد آثارها، ليبقى جمال ذلك شاهدا لها على مر الأيام، متسقا بما أفشاه لها من المآثر الجمة والمفاخر الجسام، لشيخنا أبي جعفر يوسف بن أحمد بن حسديه، أيده الله، لصرف رعايته إلى شرح كتب أبقراط التي هي أشرف كتب الطب وأوفاها، وأكثرها إغماضا وأبقاها، وإلى التصنيف في غير ذلك من أنحاء العلوم، مما يكون منسوبا إلى الأوامر العالية، ورسم التوفر على ذلك والانتصاب له، وحمل ما يكمل أولا أولا إلى خزائن الكتب، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصناعة، وعرض من يدعيها واستشفافه فيما يعانيه؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على رسمه، ومن كان مقصرا فليستنهضه. واعتمدنا عليه في ذلك لكونه مميزا في البراعة في العلوم متصرفا في فنونها، مقدما في بسطها وإظهار مكنونها، ولأنه يبلغ الغرض المقصود في شرح هذه الكتب ويوفى عليه، ويسلك أوضح السبل وأسدها إليه، وفي جميع ما شرع له. فليشرع في ذلك مستعينا بالله، منفسح الأمل

بإنهاضنا له، وجميل رأينا فيه، بعد ثبوته في الدواوين إن شاء الله تعالى. وكتب في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة. فانتصب لطالبي علم الطب وأقبل أطباء البلدين إليه، واجتمع في أيدي الناس من أماليه كثير، وجعل له يومين في الجمعة يشتغل فيهما، ويتوفر في بقية الأسبوع على التصنيف، وحمل ذلك إلى الخزائن؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما يؤلفه. ولما أهل ذو الحجة جرى الحال في الهناء ومدائح الشعراء في القصر بين يدي الخليفة وبالدار المأمونية على الحال المستقرة، واستقبله المأمون بالصيام، وأخرج من ماله ما زاد عن المستقر في كل عام، برسم الأطفال من الفقراء والأيتام، من أهل البلدين وغيرهم؛ ولم يتعرض لطلب ذلك من المميزين بحكم ما يعملونه من السنين المتقادمة. ومما ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن استعمل ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل، وفتح باب طاقة في الروشن من سور داره؛ فصار إذا مضى شطر الليل وانقطع المشي طرت السلسلة ودلى الميقاط من الطاق، وعلى هذا المكان جماعة مبيتون بحقه من المغاربة؛ فمن حضر من الرجال والنساء بتظلمه سدد قصة في الميقاط بيده ويحركه بعد أن يقف من حضره على مضمون الرقعة؛ فإن كانت مرافعة لم يمكنوه من رفعها، وإن كانت ظلامة مكنوه من ذلك ويعوق صاحبها إلى أن يخرج الجواب. وكان القصد بعمل ذلك أنه من حدث به ضرر من أهل الستر، أو كانت امرأة من غير ذات البروز ولا تحب أن تظهر، أو كانت مظلمة في الليل تتعجل مضرتها قبل النهار فلتأت لهذا الميقاط. وحضرت كسوة عيد النحر، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها، خارجا عما أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته، فكان منها سبعة عشر ألفا وستمائة دينار برسم القصور جميعها، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة، دون الوزير، في ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا؛ منها نوق مائة وثلاثة عشر، وبقر ثمانية عشر رأسا، وجاموس خمسة عشر، والبقية كباش، ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة

أيام، خارجا عن أسمطة الوزير، ألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا، ومن السكر ثمانية وأربعون دينارا. وعمل عيد الغدير على رسمه. وركب الخليفة إلى قليوب، ونزل بالبستان العزيزي لمشاهدة قصر الورد، على العادة المستقرة والسنة المتقدمة، وفرقت الصدقات في مسافة الطريق، وضربت الخيم، وقدمت الأسمطة. ثم عاد في آخر النهار إلى قصره. وفي هذه السنة سير المأمون وحشي بن طلائع إلى صور، فقبض على مسعود بن سلار، واليها لمخالفته، وأحضره. وفيها تجهز الأسطول وسارت المراكب، فيها خمسة عشر ألف أردب قمحا وأقوات كثيرة، إلى صور. فلما وصل خرج إليه سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين، فلما سلم عليهم سألوه النزول إليهم؛ فلما حصل في المركب اعتقل، وأقلع الأسطول به إلى مصر، فأكرم وأنزل في دار، وأطلق له ما يحتاج إليه وسبب القبض عليه كثرة شكوى أهل صور منه. وفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة.

سنة سبع عشرة وخمسمائة @YY517

في غرتها عمل برسم أول العام؛ ثم حزن عاشوراء، فالمولد الآمري على ما جرى به الرسم. وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبي تراب حيدرة، أخي الوزير المأمون، بدلة مذهبة خاص من لباس الخليفة، وطوق ذهب، وسيف ذهب بغير منطقة، وشرف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه؛ وسلم إليه تقليد في لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحرية؛ وشدت له الأعلام القصب والفضة والعماريات، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة. وحجبه الأمراء والأستاذون، وقبل أبواب القصر، ومضى إلى داره؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر الإسكندرية على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار. وثار اللواتيون وغيرهم بالصعيد الأدنى، وقتلوا زين الدولة علي بن تراب الوالي، وعاثوا في البلاد وأفسدوا. فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج الدولة بهرام زنان الأرمن في عدة وافرة، فانهزموا بين يديه، وأحاط بما خلفوه من المواشي.

وبلغه نزول مراكب الروم والبنادقة، وهي بضع وعشرون مركبا، على الإسكندرية، فبادر إليها المؤتمن؛ فلما شاهده العدو أقلع، فأخذ منهم عدة قطع. وقدم على المؤتمن مشايخ اللواتيين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار في نظير جنايتهم، وأن يعفى عنهم؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك؛ وحمل المال مع الرهائن. وكان المؤتمن لما قدم إلى الثغر خيم بظاهره، وقبل من القاضي مكين الدولة أبي طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمد بن حمدون، المعروف بابن حديد، متولى الأحكام والإشراف بها، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيام، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصة. وأظهر كتاب أخيه الوزير بأن الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق، وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة. وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا هدية. وأظهر كتابا آخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كل يوم من ارتفاع الثغر من العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر. وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود. وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها، وأمر بإعادتها إلى أربابها؛ فأخذ مكين الدولة يتلطف في أن يكون عوض ذلك طرفا وطيبا؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا. واستمرت الأسمطة في كل يوم؛ ولم يقبل لأحد هدية. واتفق أن المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضي مكين الدولة حاضر، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره ليحضر الدهن المذكور، فلم يكن أكثر من مسافة الطريق حتى أحضر صرا مختوما فك عنه، فوجد فيه منديل لطيف مجاوم مذهب على مداف بللور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر؛

بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بغير طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته. فلما رآه المؤتمن والحاضرون عجبوا من علو قيمة القاضي وجليل رئاسته وسعة نفسه؛ وحلف القاضي الحرام إن عاد إلى ملكه. فقال المؤتمن؛ قد قبلته منك ليس لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها. وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار. وخلع المؤتمن على القاضي بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير، وقدم له دابة بمركب حلى ثقيل؛ ثم خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك. وخلع على أخيه حلتين مكللتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريرية مما يختص بالنساء. وأنعم على كل من حواشيه وأصحابه. وعاد إلى القاهرة، فمدحه عدة من الشعراء. وورد رسل ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، وآق سنقر، صاحب حلب، بالحث على غزو الفرنج، وكبيرهم علي بن حامد، الحاجب. فلما وصلا باب الفتوح ترجلا وقبلاه، ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك؛ وأوقفا عند باب البحر

قدر ما جلس الخليفة. فجهز عسكر في البر مقدمه حسام الملك النرسي، وسار الأسطول في أربعين شينيا فوصلوا إلى عسقلان؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة. فاجتمعت طوائف الفرنج، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر، ويلقى الفرنج عليه ولا يتعداه، فخالف ذلك، وتوجه مخفا بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر. فعندما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى فلقيهم هناك، فانهزم العسكر من غير قتال، وقتل الراجل بأسره، وعاد من بقي مهزوما إلى عسقلان. ووصل الخبر بذلك فأهم الآمر والمأمون، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء تدبيره؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل. فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وإلزام المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا. ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدة من الفعلة بالطواري والمساحي، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما. وعمل بعض التجار لابنته فرحا في إحدى الآدر المعروفة بالأفراح، فتسور ملاك الدار على النساء وأشرفوا عليهن والعروس في المجلى، فأنكر عليهم ذلك، فأساءوا وأفسدوا على الرجل ما صنعه؛ فخرج مستغيثا، فخشوا عاقبة فعلهم؛ فما زالوا به حتى كف عن شكواهم. فلما حضر والي مصر بالمطالعة في الصباح إلى الوزير على عادته، قيل له: لم لا ذكرت في مطالعتك ما جرى للتاجر الذي عمل فرح ابنته؟ فاعتذر بأن المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السلامة والعافية ولم يتصل به ما جرى في الفرح. فأسمعه ما أمضه، وبين عجزه وتقصيره، وقال له، والسلامة والعافية أن يخرج بالرجل ويهان وتنتهك حرمته ولا يجد ناصرا!!.

فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين، وتوجهوا إلى سائر الدور المختصة بالأفراح وإحضار ملاكها، فمن رغب في استمرار ملكه على حاله فليزل التطرق إليه ويكتب عليه حجة بالقسامة بذلك. ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد. فامتثل ذلك. وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة. وكتب لجميع الأعمال، خلا قوص وصور وعسقلان، بمطالعة كل وال منهم في مستهل كل شهر بمن حواه السجن والموجب لاعتقاله، ويبين كل منهم ذلك ويعتمد فيه الحق. وسبب ذلك أنه رفع إلى المأمون أن بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه اعتقال، لطلب رشوة، فتطول مدته. وفيه قرر برسم رش ما بين البلدين، مصر والقاهرة، في كل يوم من اليومين اللذين يركب فيهما الخليفة مما يصرف للسقائين دينار واحد؛ فاستمر ذلك يطلق لهم إلى الأيام الحافظية. وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون أن واليي القاهرة ومصر يأخذان جميع السقائين أرباب الجمال والدواب لرش ما بين البلدين سخرة بغير أجرة. وفي جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، وكتب له بذلك، وفخم فيه وعظم، ونعت بسيف امير المؤمنين؛ وجهزت إليه الخلعة، وهي بدلة طميم منديلها طوله مائة ذراع شرب، فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة بذهب عراقي، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقي، سلف المنديل والثوب ألف دينار، وثوب دبيقي وسطاني،

وثوب سقلاطون داري، وثوب عتابي، وشاشية دبيقي، ولفافة؛ وجميع ذلك في تخت مبطن عليه لفافة دبيقي؛ وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه. وجهز الأمين الدولة جمشتكين، صاحب صلخد، بذلة مذهبة ومنديلها، وعدة ثياب، وغيرها. في شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين، وقد غنموا شينيين من شواني الفرنج وبطشة كبرى، وعدة من النساء والرجال. وذكر للمأمون أن الأسرى المذكورين يؤخذ منهم في الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا؛ فقال: والله لا أبقي منهم أحدا؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف، وقد أظفر الله بما يكون دية عنهم؛ لا يشاع عنا أنا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم عوضا عن رجالنا. وركب الخليفة بما جرت به العادة، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة؛ وعاد، وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرؤساء. وحضرت الحجاب، المندوبين لقتل الفرنج، بأنهم لما شاهدوا الحال بذلوا في خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك؛ فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السيف فيهم؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجوا بالتهليل والتكبير عند قتلهم، فكان أمرا مهولا. وقد ذكر هذا اليوم عدة من الشعراء. وجرى الرسم في أسمطة شهر رمضان، والركوب إلى الجمع، وفي كسوة غرة شهر رمضان على العادة.

وفيه سير هلال الدولة سوارا رسولا إلى حرة اليمن وصحبته برسمها من التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب المذهبة والشقق النفوسى والمغربي المقصور والإسكندراني المطرز جملة كثيرة في تخوت مدهونة مبطنة، وسلال مملوءة من لحم الناقة التي نحرت بالمصلى، واثنى عشر مجلسا من المساطير التي تقرأ كل خميس وعليها علامة الخليفة، وكثير من النحاس القضيب والمرجان. وكتب إليها كتابا في قطع الثلثين أوله: من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، ابن الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين، صلى الله عليهما، إلى الحرة الملكة السيدة الرضية، الطاهرة الزكية، وحيدة الزمن، سيدة ملوك اليمن، عدة الإسلام، خالصة الإمام، نصيرة الدين، عصمة المسترشدين، كهف المستجيرين، ولية أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين، أدام الله تمكينها ونعمتها، وأحسن توفيقها ومعونتها. وفي آخره: وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك، ومعرفة أنبائك، فتواصلى بإنهاء المتجدد منها إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ويطوى مدورا ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل في خريطة. فيه قرئ بالجامع العتيق منشور، نسخته بعد التصدير:

بأننا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، الأمور، وعولت على كفايتنا في سياسة الجمهور، وردت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها، وفوضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها، وعبيدها ورعيتها، في محاسن الأقعال ناظرين، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافة متوفرين، وبحسن توفيق الله تعالى لنا واثقين، وبمراشده الهادية مسترشدين، فلا ندع وجها من دعوة البر إلا قصدناه، ولا بابا من أبواب الخير إلا ولجناه، ولا نعلم أمرا فيه قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلا أتيناه ولا شيئا يعود بثواب الله وحسن الأحدوثة إلا اعتمدناه؛ شيمة خصنا الله تعالى بميزتها، وسجية أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها؛ وعملا في ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، وجميل سيرتها، واستمرارا على منهج الدولة الزاهرة، خلد الله ملكها، وكريم عادتها، وذهابا في ذلك مع سجيتها الحسنى، ونشرا لأرج ذكرها في الأبعد والأدنى. والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح الدنيا والدين، ويقضى لنا بالفوز المبين، ويصلح لنا وبنا كل فاسد، وينظم لنا عقود السعود والمحامد بمنه. ولما كان أحسن ما تطرز به محاسن السير، وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر، وتجنى ثمرته في الدنيا والآخرة، وتحمد مغبته في العاجلة والآجلة، التقرب إلى الله تعالى في كل أوان، وابتغاء ثوابه في كل زمان، لا سيما شهر رمضان، الذي تزكوا فيه أفعال البر والصلاح، وتتضاعف فيه الحسنات في الغدو والرواح؛ رأينا ما خرج به أمرنا من كتب هذا المنشور بمسامحة كافة سكان الرباع السلطانية بالقاهرة ومصر من الأدر والحمامات والموانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس، وجميع ما يجري في الرباع خارجا من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها فيما يجري هذا المجرى من وجوه البر، بأجرة شهر رمضان من كل سنة، لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها، إحسانا يسير ذكره كل مسير، وتعظيما. لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير، الذي فضله الله على جميع الشهور، وأنزل فيه قرآنه المجيد، وفرض صيامه على أهل التوحيد؛ وحضهم فيه على الأفعال المزلفة لديه،

ووعد من عمل فيه خيرا بمضاعفة الجزاء عليه. فليعتمد العمل بما تضمته هذا المنشور، وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدم منسوبا ذلك إلى القرب الصالحة والتجارة الرابحة، ويفسح في جميع الدواوين حجة بمودعه، وليجلد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر، منعا لمن يروم المطول فيه، أو يفض شيئا من وصفه، إن شاء الله. فلما قرئ هذا المنشور ضج العامة بالدعاء ونظم فيه عدة من الشعراء وجرى الرسم في وصول كسوة العيد، وهي العدة الكثيرة، وتفريقها على العادة. وعمل الختم في آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد؛ وحصل الاهتمام بالعيد؛ وركب الخليفة إلى المصلى على العادة، وصلى بالناس صلاة العيد، وخطب، وحضر السماط. وجرى الحال في يوم عاشوراء، وفي المولد الآمري، على المألوف. فيه كان المولد العيسوي، ففرق ما جرت به العادة من الجامعات القاهرية والجامات السميذ، وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية، والبورى، على أصحاب الرسوم. وعمل في شهر ربيع الأول المولد الكريم، وفرق المال على الرسم. وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبي منصور حسن بن علي بن يحيى بن تميم بن معز ابن باديس، صاحب المهدية، يخبر بانحيازه للدولة، وأن رجار بن رجار، صاحب صقلية تواصلت أذيته وقد استعد لمحاربته؛ وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ذلك. فسير إليه مصطنع الدولة علي بن أحمد بن زين الخد، فأصلح بينهما. وفيها نقل المأمون الرصد من الجبل المطل على راشدة إلى علو باب النصر بالقاهرة. وفيها توفى ولي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة، فاستقر عوضه أبو محمد

حسن بن آدم، وكان يدعى بالقاضي لأبوته وسنه واشتهاره بالعلم. فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحا، فذكر المأمون أن أكثر المجالس التي كانت تعمل في أيام النعمان بخط أبيه، وأن أبا الفخر حدث السن ولا يماثل المذكور في العلم؛ وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب. وورد الخبر بأن الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيرا من المسلمين. وكان صاحب حلب قد أسره في وقعة له مع الفرنج. وعمل ما جرى به الرسم في مواسم السنة. وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية. وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من الغلال.

سنة ثمان عشرة وخمسمائة @YY518

فيها ملك الفرنج مدينة صور، واستمرت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطمية. وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة، وتقاصر المأمون عن نجدتهم، وأعانهم طغتكين صاحب دمشق، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج؛ فاستقر الأمر على أن الفرنج تستولي عليها بالأمان، فخرج أهلها بما خف حمله، وتفرقوا في البلاد. وكان تملكهم لها في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة. وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرج الناس فيها عند كسر خليج القاهرة بالكراء. وذلك أن الناس عند كسر الخليج كانوا يصنعون أخشابا متراكبة بعضها على بعض، يجلسون فوقها للتفرج يوم كسر الخليج، ولم يكن هناك غير دار الأمير أبي عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر. ولم تزل هذه الأدر الثلاثة إلى أن احترقت في نوبة شاور.

فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية، وقد تقدم أنه ورد مصر في أيام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته، واستولى على قلعة ألموت واعتقد إمامه نزار بن المستنصر، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر. وانتدب عدة لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلما تقلد المأمون البطائحي وزارة الآمر بعد قتل الأفضل بلغه أن ابن صباح والباطنية فرحوا بموت الأفضل، وأنهم تطاولوا لقتل الآمر والمأمون، وأنهم بعثوا طائفة لأصحابهم بمصر بأموال. فتقدم المأمون إلى والي عسقلان بصرفه وإقامة غيره، وأمره بعرض أرباب الخدم بها، وألا يترك فيها إلا من هو معروف من أهل البلاد؛ وأكد عليه في الاجتهاد والكشف عن أحوال الواصلين من التجار وغيرهم، وأنه لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم وكناهم وبلادهم، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرق بينهم ويبالغ في الاستقصاء. ومن يصل ممن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ويطالع بحاله وما معه من البضائع، ولا يمكن جمالا من دخول مصر إلا أن يكون معروفا مترددا إلى البلاد؛ ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدم كتابه إلى الديوان بعدة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمالين وذكر أصناف البضائع، ليقابل بها في مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب، وأنه يكرم التجار ويكف الأذى والضرر عنهم. ثم تقدم المأمون إلى والي مصر ووالي القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعا شارعا وحارة حارة وزقاقا زقاقا وخطا خطا، ويكتبا أسماء سكانها، ولا مكنا أحدا من النقلة من منزل إلى منزل حتى يستأذناه ويخرج أمره، بما يعتمد في ذلك. فمضيا لذلك، وحررا الأوراق بأسماء جميع سكان القاهرة ومصر وذكر خططهما، والتعريف بكنية كل واحد وشهرته وصناعته وبلده، ومن يصل إلى كل خط وحارة من الغرباء. فلما عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنية ومطالعته بجميع ما يشاهدنه فيها؛ فكانت أحوال كافة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكني مصر والقاهرة تعرض عليه، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء ألبتة. فامتنع لذلك الباطنية مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفهم عن دخول البلد.

ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم في جهات البلدين، وأمرهم بالقبض على جماعة عينهم، فقبض على جماعة كثيرة، منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة الآمر، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيرهم بمال لينفق على من بمصر ممن يرى رأيهم. فكان هذا معدودا من عظيم الحزم، وقوة التدبير. ومع ذلك كان له القصاد والجواسيس وأصحاب الخبر في كل قطر، فإذا خرج الباطني من قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئا بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتى يرد بلبيس، فيسير إليه من ينقض عليه في مكانه الذي نزل فيه ويأتيه به فيقتله. وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كل جليل وحقير من سائر مملكته، حتى كان يرى ويسمع كل ما يتفق في ليل أو نهار. وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة، وحصن العليق، والكهف، ومصياث، والخوابي، وحصن الأكمة، وقلعة العيدين؛ ثم امتدت مملكته بعد موته إلى حد شرقي آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان.

سنة تسع عشرة وخمسمائة @YY519

فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من أهله وخواصه، واعتقله. فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرضع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه. ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، ومائتا سلة ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها، ومائة برنية مملوءة كافور قنصوري؛ ومائة سفط مملوءة عودا؛ ومن ملابس النساء ما لا يحد. حمل جميع ذلك إلى القصر، وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين. ويقال إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى، أخي الآمر، يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة؛ فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل، أبا الحسن علي بن أبي أسامة، كاتب الدست، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وكان المأمون يؤذيه كثيرا. فبلغ الخليفة الحال، وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره أن يضرب السكة ويكتب عليها: الإمام المختار محمد بن نزار. ويقال إنه سم مبضعا ودفعه لفصاد الخليفة، فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع. ومولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقيل في سنة تسع. وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول، كريما، واسع الصدر، سفاكا للدماء، شديد التحرز، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة؛ فكثر الواشون والسعاة بالناس في أيامه

ويقال إن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وأنه مات ولم يخلف شيئا، فتزوجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق بمصر، وأنه دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو الكلام، فأعجب به، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان، فلم يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته، وعلت درجته. وهذا ليس بصحيح فإنه من أجناد المشارقة، وقد تقدم أن أباه مات في زمن الأفضل بعد ما ترقت أحول ولده، وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة. ورثى بعدة قصائد. وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه بالمأمون. على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا أنه كان يرش الماء بين القصرين، وكل ذلك غير صحيح. وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن أخبار الناس وأحوالهم، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث في ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون، ولا سيما أخبار الولاة وعمالهم. ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت، وساس الرعايا والأجناد وأحسن سياسته، إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يدا عند الخليفة الآمر، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلة عند الأفضل ومتحكما في جميع أموره. وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرب به من الإحسان إليهم، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة الحسنة، بحيث لو قدر موته لزار الناس قبره تبركا به. واتهم أيضا بأنه هو الذي قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر، وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير، فقتلوا بأجمعهم، ولم يبق منهم سوى صغير

نحيف يسمى أحمد أبا علي ويلقب بكتفيات، فيقال إنه احتقره لما كان يرى فيه من العي والانقطاع؛ فكان منه ما يأتي خبره إن شاء الله تعالى. واتهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين، صاحب الباب، في أيام الأفضل لتخوفه منه؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرة على الآمر للسلام، فلما خرج قال الآمر: والله إنك لأمير حسن؛ فإنه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه. فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ في العمل عليه حتى أخرجه في العساكر التي يقال إن عدتها عشرون ألفا، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف، وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودس عليه من قتله. قال ابن الطوير: ولما دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل، وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل في الوساطة دون الوزارة، ونعته بجلال الإسلام. واستمر على ذلك، ثم كمل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقور، فباشرها، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إياه. وكان بالدار التي بالسيوفيين بالقاهرة، وهي اليوم مدرسة للحنفية، وأخذ يصب على تغلب الأفضل مع الآمر، فصار يتغلب على الآمر في واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام، والآمر يملى له ويحتمله، حتى استوحش كل منهما من الآخر. وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبي تراب حيدرة، فرأى من الرأي أن يولي أخاه جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النجدة ردءا إذا قصده الخليفة بضرر، فإنهما دام أخوه يكون حاميا له، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج. وجرد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم، وأضاف إليهم أمثالهم، مثل علي بن السلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل، وكل واحد من هؤلاء جيش بمفرده؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه. وزاد في معناه حتى قيل إن الخليفة اطلع على أنه ادعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهي حامل عندما خرج نزار

إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك. ثم إنه سير إلى اليمن الموفق علي بن نجيب الدولة، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية، ليحقق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته، فلما قيل للآمر هذا، ما شك فيه، وأخذ يتحيل في الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربية والبحيرة والجزيرتين والدقهلية والمرتاحية؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها، فسير أستاذا من ثقاته، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه في العلم على المأمون وأخيه، وقال له: أحرص على اجتماعك بعلي ابن السلار في المسايرة وسلم عليه عنا، وقل له وقل له إننا ما زلنا نلتفت إليه وندخره لمهماتنا ونتحقق فيه الموافاة لنا، وإنا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا، وقد تلونت أحوال المأمون وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا. ومقصودنا أن تكتم عنا ما نقول لك. فلما بلغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السمع والطاعة لمولانا، وأنا مملوكه وأذل نفسي في خدمته. فقال الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال ابن السلار: فما يأمر به؟ قال: تحد رجالك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن، أنت ومن تثق به. فلما تقرر ذلك اتفق علي بن السلار وهو وقايماز ودرى الحرون، وكانوا أمراء الجماعة فتفرقوا عنه وتبعهم الباقون، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك؛

فما اتسع له أن يتتبع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه، لعلمه بتغير الخليفة عليه، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا. فحضر إلى الخليفة يوم سلام، على عادة الوزراء، وتقدم وقال: يا مولانا، صلوات الله عليك، وصل كتاب أخي يتذمم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له في العودة إلى بابه الكريم فقال: مرحبا وأهلا، وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنما قصدنا رضاك فيما رتبته له. يقدم على بركة الله. فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتب في ولاياته من يرضاه. فامتثل ذلك. ودخل القاهرة؛ فجلس الخليفة له في غير وقت الجلوس، فمثل بين يديه، وأكرمه وأدناه، وخلع عليه بالتشريف المفخم. فلما دخل شهر رمضان، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب، ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السماط أول ليلة، فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما مما كانت يده فيه، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السماط مع أخيه؛ فلم يتسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع. وحضرا ثاني ليلة فزاد في إكرامهما، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصة دون أخيه، فدخل إليه؛ ولم يتقدمه أحد من الوزراء بمثل ذلك، يعنى بهذه المنزلة. وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا، وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدارية. ثم حضرا ثالث ليلة، فاستدعى المأمون إلى الخليفة، فلما جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن، واستدعاه، فدخل، وصارا في قبضته. وكان قد رتب لهما من يأخذهما؛ فعند خروجهما للمضي قبض عليهما واعتقلهما عنده في خزانة، وسير بالحوطة على دورهما. ثم أمر بإحضار الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة، كاتب الدست، لينشيء شيئا في شأنهما يقرؤه على المنبر غدا، فوجد الشيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض؛ فتقدم إلى والي القاهرة في الليل بأن يمضي إلى مصر لإحضاره. فظن والي القاهرة أنه طلب لغير ذلك، وكان يقال له سعد الدولة الأحدب، فمضى إليه وأزعجه من مكانه، وسبه أقبح سب، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا. فأحضره إلى الخليفة وهو ميت لا حراك به،

فقال له ما هذا؟ فأخبره بقضيته مع الوالي، فغضب على الوالي وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما، حتى تقطعا على قفاه، وصرفه من الولاية. وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه؛ فقال يا مولانا: هما نشو أيامك ومماليك دولتك. فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشيخ وصوبه إلى المذكورين لينظرهما في اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما. فأدخله إليهما، فرآهما مكبلين في الحديد، وعليهما احتياط عظيم، فأنشأ للوقت سجلا كان من استفتاحه: أما بعد؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح، واستصلح فما صلح؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط، وقابل الإحسان إليه بدواعي القنوط. وكل ذلك في تلك الليلة. فلما أصبح الصباح جلس الخليفة في الشباك بالإيوان، ونصب كرسي الدعوة أمامه، وطلع قاضي القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرتب والعوام؛ فلم ينتطح فيها عنزان. ويقال إن الخليفة كان يقول: أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر. وبقيا في الاعتقال، هما وأميران اتهما، في خزانة البنود. وسير لإحضار الذي كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا. وتفرغ الآمر لنفسه، ولم يبق له فعل ولا مزاج، وبقي بغير وزير. وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج بما يجب من زكاة ومقس أحدهما مسلم يقال له

جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط والآخر سامري يقال له أبو يعقوب إبراهيم، وأقيم معهما مستوف لهاتين المعاملتين وكان راهبا؛ فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه، ويدخل صاحبا الديوان إلى الآمر في كل وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حق. فيحملها في ذلك على الصدق، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته، فتأذى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه. واستمرا على ذلك مديدة.