القسم ٦ من ٧

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

سنة عشرين وخمسمائة @YY520

فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوي بخلع سنية وتحف مصرية وثلاثين ألف دينار للأمير البرسقي، صاحب الموصل؛ فلما كان في أثناء الطريق سمع بموته، فرجع بما معه إلى الآمر. وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم، مصنف سيرة الفرنج الخارجين على بلاد الإسلام في هذه السنين، برسالة من صاحب حلب. وفي شوال كان بدء أمر الراهب. وذلك أن راهبا من النصارى، يعرف بأبي نجاح ابن فنا، كتب إلى الآمر رقعة في الكتاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد أخذوا أموال الدولة واستولوا عليها، وضمن أنه يحقق في جهاتهم ما يملأ بيوت الأموال. فتقدم الخليفة بأن يمكن من الدواوين ويساعد على ما يخرجه من الحسبانات، ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء سيد الرؤساء مقدم دين النصرانية، وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين. وكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقي بغير وزير دانت له الدنيا. وكان معظما كثير الجود إلى الحد الذي لا مزيد عليه؛ فكثر الخير في تلك الأيام، وفرح الناس بالفوائد، وتردد المسافرون والتجار، وجلبت البضائع، وزاد الحاصل في الخزائن من كل صنف مضافا إلى ما كان فيها، وحسنت السيرة في الرعية؛ وأباح للناس

والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتجمل؛ فما برح الناس في خيرات دارة ونعم متزايدة إلى أن تمكن الراهب من الدواوين واشتد في مطالبة النصارى وضمن في جهاتهم الأموال، وحملها أولا فأولا؛ وكان قد حصل لهم في أيام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف. فلما تمكن الراهب من النصارى واستطاب ما تحصل منهم ابتدأ يعمل في المسلمين معاملي الديوان من المشارفين والضمناء والعمال. فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادي أبي الحسن علي بن محمد بن سعدون بالقرافة، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة وأفخرها بناء؛ فلما قرب منه سقط عن فرسه إلى الأرض فهنئ بالسلامة، وقيل في ذلك عدة أشعار.

سنة إحدى وعشرين وخمسمائة @YY521

فيها أحضر الموفق في الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، داعي اليمن، الذي سيره الوزير المأمون بن البطائحي، فدخل في يوم عاشوراء على جمل بطرطور، ومعه مشاعلية بهيئة ملائكة، وخلفه قرد يصفعه، وهو يقول بقوة نفس: والله لا ألتفت. فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون. فيها كثرت مصادر الراهب للكتاب والعمال، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب الأموال، وندب معه مقداد والي مصر وسعد الدولة والي القاهرة للشد منه؛ فتنكد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق. وأخذ الراهب يحسن للآمر أن يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم. وفيها مات قاضي القضاة جلال الملك تاج الأحكام، أبو الحجاج يوسف بن أيوب ابن إسماعيل المغربي الأندلسي؛ وكان أولا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون القرآن والنحو، فولاه قضاء الغربية، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ابن الرسعني بوساطة المؤتمن. واستقر بعد وفاته في قضاء القضاة أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسراني. وكان أبو الحجاج عاقلا. عرض عليه الآمر أن يلي الدواوين مضافا إلى ما يتولاه

من قضاء القضاة والمظالم، فاستشار في ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول، فقال: إني لا أحسن صنعة الكتابة؛ فقال له: تجعل بين يديك من يوضح لك الأمر والتدبير ويدلك على سر الصناعة. فقال: ألا ترى إلا أني قد رضيت أن أكون من الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلة وعائد، واستحضرت من يدلني على ما أجهل، فكيف أصنع بين يدي السلطان؟ لقد حكمت إذا على نفسي بحكم حيف وأوردتها خطة خسف. وحمد الله.

سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة @YY522

فيها وصلت رأس بهرام الباطني. وكان طغتكين أتابك، الملقب ظهير الدين، قد وهب له بانياس خوفا من شره، فأفسد جماعة بالشام، وجرت له خطوب آلت إلى قتله، وحملت رأسه إلى الآمر. وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفا على ثقة الدولة ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس، وعمل مصالحة؛ فاستمر إلى أن قتل ابن ميسر ثم بطل، فلم ينظر أحد في هذه المشارفة. وفي رجب عمل للآمر في الخاقانية، وكانت من خاص الخليفة، قصر من ورد فسار إليها وحده بضيافة عظيمة. فلما استقر هناك خرج إليه أمير يقال له حسام الملك أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن، أخي المأمون، في سفره في البلاد التي كان يتولاها وتخاذل مع ابن السلار عنه وهو لابس لأمة حربه، والتمس المثول بين يدي الخليفة. فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه الخليفة من الراحة والنزهة، فمنع من ذلك وصد عنه؛ فقال لجماعة من حواشي الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل

إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه. فأطلعوا الخليفة على أمره، فأمر بإحضاره. فقال: يا مولانا، لمن تركت أعداءك يعني المأمون وأخاه هذا والعهد قريب؛ أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلا وهو على ظهور الرهاويج من الخيل، فلم تمض ساعة إلا وهو بالقصر يمضي إلى مكان إعتقال المأمون أخيه، فوجدهما على حالهما، فزادهما وثاقا وحراسة. فلما كان في ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف، وكان من نشو المأمون وقد سجن معه، وعلي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، المحضر من اليمن، وأخرجوا إلى سقاية ريدان في الرمل قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح، فصلب أبدانهم بغير رءوس وفي صدر كل واحد رقعة فيها اسمه. فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم، وقالوا: هم غير المذكورين. فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم. فيها كانت ولاية ابن ميسر القضاء في ذي الحجة على ما ذكر بعضهم؛ وقيل بل كانت كما تقدم؛ ولقب بثقة الدولة القاضي الأمين سناء الملك، شرف الأحكام، قاضي القضاة، عمدة أمير المؤمنين، أبي عبد الله محمد بن القاضي أبي الفرج هبة الله بن ميسر. فلازم الانتصاب والجلوس، واعتمد التثبت في الأحكام، وعدل جماعة، فبلغت عدة الشهود في أيامه مائة وعشرين شاهدا، وكانوا دون الثلاثين. ثم وردت إليه المظالم؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر، وكان فيهم عدة قد يئسوا من الفرج، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم. وتكلم مع الآمر في أمر التجار وما نزل بهم من المصادرات، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم في معناهم قرئ على المنابر. فيها كثرت وقائع أهل القسر على الناس، وتقرب كثير من الكتاب

الظلمة بعورات الناس إلى الخليفة، فاشتدت مطالبات الناس بالأموال، وقبل قول كل رافع شيئا على أحد، وأخذ الناس بما رموا به، وضمن عدة من الناس أشياء لم تجر عادة بضمانها، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدم. وذلك أنهم لم يقدروا على تصريح القول بالمصادرة، فعملوا ما ذكر؛ فحصلت الشناعة، وخرج من بالبلد من التجار. وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه الجهات. فاتسع عطاء الخليفة حتى وهب يوما لغلامه برغش، المنعوت بالعادل، ثمانين ألف دينار، ثم سأله بعد مدة يسيرة عما فعله فيما وهبه، فقال: يا مولانا تصدقت ووهبت أكثر. فأعجب ذلك الآمر، وفرح، وشكره على فعله. ووهب مرة لغلامة هزار الملك جوامرد، المنعوت بالأفضل، مثل ذلك. وكانا أخص غلمانه وأقربهم منه، وأشرفهم عنده منزلة؛ وكانا أسمح خلق الله؛ وكان الناس في أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر، لا بمصر ولا بالقاهرة، فإن هزار الملوك كانت صدقته في كل يوم جمعة راتبا قد قرره بالقرافة أربعة آلاف درهم في ألف كاغدة، على يد الثقة ابن الصعيدي وغزال الوكيل، وكانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد يقف له ويطلب منه. وكان برغش يعطي الجمل الكبار التي يغني بها الطالب، من المائة دينار إلى المائتين وأكثر. وبلغ علم التي يقال لها جمعة، مكنون الآمرية، أن الآمر سيدها قد وهب لكل من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار، وكان الآمر يحبها، وأصدقها أربعة عشر ألف دينار، وولدت منه ابنة سماها ست القصور؛ فلما دخل عليها عشية اليوم الذي وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها، وقالت: ما تدخل إلي أو تهب لي ما وهبت لكل منهما. فقال: الساعة. وأحضر الفراشين، وحمل كل عشرة كيسا فيه عشرة آلاف دينار

عينا. فلما صار إليها هذا المال، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهبا، فتحت الباب له ودخل.

سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة @YY523

فيها عم البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتاب والسوقة من الراهب، بحيث لم يبق أحد إلا وناله مه مكروه، إما من ضرب أو نهب أو أخذ مال. وكان يجلس في قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص، ويستدعي الناس للمصادرة. فطلب في بعض الأيام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميزين المبجلين في الناس فأهانه وأخرق به، فخرج إلى الجامع في يوم جمعة وقام على رجليه وقال: يأهل مصر، انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه النصراني من المسلمين. فارتج الناس لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فاتصل ذلك بخواص الخليفة، فأبلغوه إياه وخوفوه عاقبة ذلك، وطالعوه بما حل بالخلق. وكان الراهب قد أخذ من شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من مائة ألف دينار، فصار يشكو، وكان كثير البضائع والتجارات والمقارضين، فتظلم واشتهر أمره إلى أن بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو مائة وعشرين سنة، يقال له لامع وكان قد انقطع في منزله بالقصر بعد ما حج غير مرة، وأنشأ جلبة بعيذاب يقال لها اللامعية تحمل الحاج فاتفق جواز الآمر على مكانه فسأل عنه، فقيل له: إنه لا يستطيع النهوض إلى خدمتك. فدخل إليه وسأله عن حاله، فقال: شغلي بسمعة مولانا أشد علي من نفسي. فقال له الآمر: لأي شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تم عليهم من الشدة ما لا أحسن أصفه وربما نسب ذلك إليك. وشرح له أمر الراهب ابن أبي نجاح وصاحبي الديوان جعفر بن عبد المنعم المعروف بابن أبي قيراط وأبي يعقوب إبراهيم السامري الكاتب، وما أخذوه من هذا الخادم. فحلف الآمر إنه ما علم أنهم بلغوا بالناس إلى هذا المبلغ، وأنه يستدعي صاحبي الديوان في كل وقت ويحلفهما على المصحف وعلى التوراة، وأن الراهب لم يجعل إلا مستوفيا لما يستخرج من الأموال وليس له

معهما حديث ألبتة. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إنهم قد اتفقوا على أذى الناس، وقد جعلك الله خليفة في الأرض واسترعاك على عباده، وكل راع مسئول عن رعيته. فشق على الخليفة، وعمل فيه كلام الأستاذ، وخرج؛ فمات بات حتى صرف صاحبي الديوان واعتقلهما، ليستعيد منهما ما أخذاه للناس ظلما؛ واستدعى الراهب، وكان بحضرته رجل من الأشراف، فلما حضر الراهب أنشد: إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب فقال الآمر للراهب: يا راهب، ماذا تقول؟ فسكت. فأمر حينئذ والي مصر بأخذه إلى الشرطة وضربه بالنعال حتى يموت. فمضى به إلى شرطة مصر، وما زال يضرب بالنعال حتى مات، فجر بكعبه إلى عند كرسي الجسر مسحوبا، وسمر على لوح، وطرح في بحر النيل؛ فكان كلما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر دفعوه إلى البحر؛ فلم يزل حتى خرج إلى البحر الملح، واشتهر ذكره، وسارت الركبان بهلاكه. وكان هذا الراهب أولا من أشمون طناح، وترهب على يد أبي إسحاق بن أبي اليمن، وزير ابن عبد المسيح متولى ديوان أسفل الأرض، ثم قدم إلى القاهرة واتصل بخدمة ولي الدولة أبي البركات يحنا بن أبي الليث، كاتب المجلس. فلما قتل الوزير المأمون

اتصل بالخليفة الآمر، وبذل له في مصادرة الكتاب النصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم؛ واسترسل أذاه حتى شملت مضرته كل أحد. وكان يعمل له في تنيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصوف الأبيض المنسوج بالذهب، فيلبسها ومن فوقها غفارة ديباج، ويتطيب بعدة مثاقيل مسك في كل يوم فكانت رائحته تشتم من مسافة بعيدة. وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر. ولما قتل وجد له في مقطع ثلثمائة طراحة سامان محشوة جددا لم تستعمل، قد رصت إلى قرب السقف، وهذا من نوع واحد، فكيف ما عداه! ولما قتل وعرف الآمر ما كان يعمل في الناس من أنواع الأذى خشي من الله واستحيا من الناس؛ وكره مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفارة هذا الذنب لأنه إمام، وشرط الإمام أن يكون معصوما. فسير إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه مجلى، وكان خليفة الحكم، مع من يثق به يستفتيه في أمر الراهب وما يكفر عنه، فقال: يرد ما صار إليه من الأموال إلى أربابها. فرد عليه: إني والله ما أعرفهم ولا أقدر على ذلك؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدق. فقال الفقيه: الخليفة قادر على أن يعتق ويتصدق ولا يتأثر لذلك، ولكن يصوم فإنه عبادة شاقة على مثله. فقال: أصوم الدهر. فقال: لا؛ ولكن الصوم الذي وصفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صوم يوم وفطر يوم. فقال: لا أقدر على ذلك. فقال: يصوم رجب وشعبان ورمضان. ففعل ذلك، وتحرم في صومه وبره هذه الأشهر من كل ما ينكر في الديانة.

سنة أربع وعشرين وخمسمائة @YY524

في ربيع الأول ولد للآمر ولد سماه أبا القاسم الطيب، فجعل ولي عهده؛ وأمر فزينت القاهرة ومصر، وعملت الملاهي في الإيوانات وأبواب القصور، وكسيت العساكر، وزينت القصور. وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشا ومصاغا ما بين آلات وأواني من ذهب وفضة وجوهر، فزين بها؛ وعلق الإيوان جميعه بالستور والسلاح. واستمر الحال على هذا أربعة عشر يوما. وأحضر الكبش الذي يعق به عن المولود، وعليه جل من ديباج، وفي عنقه قلائد الفضة، فذبح بحضرة الخليفة الآمر. وجيء بالمولود فشرف قاضي القضاة ابن ميسر بحمله؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس. ومدت الأسمطة العظيمة بعد ما كتب إلى الفيوم والقيلوبية والشرقية فأحضرت منها الفواكه، وملئ القصر منها ومن غيرها من ملاذ النفوس، وبخر بالعنبر والعود والند حتى امتلأ الجو من دخانه. فيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزارية وتحذيره منهم؛ وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله؛ فتحرز احترازا كبيرا بحيث إنه كان لا يصل أحد من قطر من الأقطار إلا ويفتش ويستقصى عنه. وأقام عدة من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفا جليا. وكلما اشتد الأمر كثر الخوف. واتصل به أن جماعة من النزارية حصلوا بالقاهرة ومصر، فاحترز وتحيل في قبضهم فلم يقدر لما أراده الله؛ وفشا في الناس أمرهم، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم، فاجتمعوا في بيت وقالوا إنه قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا؛ واشتوروا. فقال أحدهم: الرأي أن تقتلوا رجلا منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر

وكان عمره يوم قتل أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما، ومدة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما؛ وما زال محكوما عليه حتى قتل الأفضل، فتزايد أمره عما كان عليه أيام الأفضل. فلما قبض على وزيره المأمون استبد بالأمور، وتصرف في سائر أحوال المملكة، وأكثر من الركوب، ورتب لركوبه ثلاثة أيام من كل أسبوع وهي يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء، فإذا لم يتهيأ له الركوب في أحد هذه الأيام ركب في يوم غيره. فكان يمضي أبدا في يومي الثلاثاء والسبت إلى النزهة في بستان البعل والتاج والخمس وجوه وقبة الهواء، من ظاهر القاهرة، أو إلى دار الملك بمصر، أو بالهودج الذي أنشأه بجزيرة مصر التي يقال لها اليوم الروضة. وكان يتجول في أيام النيل في القصر بخدمه ويسكن في اللؤلؤة المطلة على خليج القاهرة. وكان الناس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ويجلسون للنظر إليه، فيكون كيوم العيد. وصار الناس مدة أيامه التي استبد فيها في لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه، لا سيما غلامه بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد، حتى إنه لا يكاد يوجد في مصر والقاهرة من يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسعهم في العطاء. ثم تنكد عيش الناس بقيام الراهب وكثرة مصادراته، وشره حينئذ الآمر في أخذ أموال الناس، فقبحت سيرته، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس، مع ما فيه من التجرؤ على سفك الدماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح. وفي أيامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشامية؛ فملكت عكا في شعبان سنة سبع وتسعين، وعرقة في رجب سنة اثنتين وخمسمائة؛ واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف في يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين

فتتيقنوا أن حلاكم قد ذكرت له، فتعملوا الحيلة في فراركم من مصر؛ وإن لم يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أن القوم في غفلة. فقالوا: ما يتسع لنا قتل واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا. فقال: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته؛ وما دللتكم إلا على نفسي. وأسرع بسكين فذبح بها نفسه فمات، وأخذوا رأسه ورموها في الليل بين القصرين، وأصبحوا ينظرون ما سبق، فلما رئيت الرأس واجتمع الناس عليها لم يقل أحد إنه عرفها، فحملت إلى الوالي، فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد. فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات فلم يعرفوها. ففرح النزارية واطمأنوا بالإقاقة في مصر لقضاء مرادهم. وكان الآمر كثير الفرج محبا للهو؛ فركب في يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة يريد أن يجيء إلى الهودج الذي بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدرية؛ ومن العادة في الركوب أن يشاع في أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى لا يتفرقوا عنه، فعلم النزارية أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ودخلوا فرنا قبالة الطالع من الجسر إلى البر، ودفعوا إلى الفران دراهم ليعمل لهم فطيرا بسمن وعسل، فبينما هم في أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر من كرسي الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق الجسر. فلما طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسكاكين، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدابة وضربه عدة ضربات. فأدركهم الناس وقتلوهم، وكانوا تسعة، وحمل الآمر في عشاري إلى اللؤلؤة، وكانت أيام النيل، فمات من يومه؛ وحمل من اللؤلؤة وهو ميت إلى القصر.

وخمسمائة؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ذي الحجة منها. وملكوا قلعة تبنين في سنة إحدى عشرة وخمسمائة؛ وتسلموا مدينة صور في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وكثرت المرافعات في أيامه. واستخدم عدة من الكتاب الظلمة الأشرار؛ وضمن أشياء لم تجر العادة بتضمينها، وأخذ رسوما لم تكن فيما تقدم. وعمل دكة عليها خركاة في بركة الحبش؛ وعمر في بركة الحبش مكانا سماه تنيس وموضعا آخر سماه دمياط. وجدد قصر القرافة، وعمل تحته مصطبة للصوفية، فكان يجلس في أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدامه، والشمع موقود والمجامر تعبق بالبخور، والأسمطة تمد بكل صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى. وفرق في ليلة عند تواجد ابن الجوهري الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ألف نصفية، ونثر عليهم من الطاق ألف دينار تخاطفوها. وبنى الهودج لمحبوبته العالية البدرية في جزيرة الروضة. ولهذه البدرية وابن مياح، من بني عمها، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطال وشبهها قد ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب. وكان المنفق في مطابخه وأسمطته شيء كثير، فكان عدة ما يذبح له في كل شهر خمسة آلاف رأس من الضأن خاصة، سوى ما يذبح مما سوى ذلك، وثمن الرأس منها ثلاثة دنانير. وكان أسمر شديد السمرة؛ يحفظ القرآن، وخطه ضعيفا. وكانت نفسه تحدثه

بالسفر إلى الشرق والغارة على بغداد، وأعد لذلك سروجا مجوفة القرابيص وبطنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء، وعمل لها فما فيه صفارة فإذا دعت الحاجة إلى الماء شرب منه الفارس، فكان كل سرج منها سبعة أرطال من ماء، وعمل عدة من حجال الخيل من الديباج؛ وقال في ذلك: دع اللوم عني، لست مني بموثق ... فلا بد لي من صدمة المتحقق وأسقى جيادي من فرات ودجلة ... وأجمع شمل الدين بعد التفرق ومن شعره أيضا: أما والذي حجت إلى ركن بيته ... جراهيم ركبان مقلدة شهبا لأقتحمن الحرب حتى يقال لي ... ملكت زمام الحرب، فاعتزل الحربا وينزل روح الله عيسى بن مريم ... فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا وكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش، وكان حاجرا عليه ليس له معه أمر ولا نهي، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل، ثم وزر له المأمون محمد بن فاتك البطائحي، فصار له في وزارته أمر ونهي، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه قديما؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيام الأعياد والمواسم في دار الملك بمصر حيث كان يسكن. فلما قتل المأمون استبد ولم يستوزر أحدا، ودامت له الدنيا. وقضاته: ابن ذكا النابلسي؛ تم ولى أبو الفضل الجليس نعمة بن بشير، فطلب الإقامة؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصقلي، ومات؛ فاستقر بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسي مرة ثانية؛ ثم صرف بأبي الفتح مسلم بن

الرسعني؛ وعزل بأبي الحجاج يوسف بن أبي أيوب المغربي؛ فلما مات استقر من بعده أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر القيسراني، وقتل الآمر وهو قاض. وكتاب الإنشاء في أيامه: سناء الملك أبو محمد بن محمد الزيدي الحسيني؛ والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبي أسامة الحلبي؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم ابن الصيرفي؛ وابن أبي الدم اليهودي. وكان نقش خاتمه: الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين. وفي أيامه نزع السعر، فبلغ القمح كل أردب بدينار. وكان الناس قد ألفوا الرخاء في أيام الأفضل والمأمون، وبعد عهدهم بالغلاء، فقلقوا لذلك. ومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر في النسب أيضا، ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عم ولا ابن عم غير الآمر. وعرض عليه فصل في التوحيد من جملته: وهو المحذر بقوارع التهديد، من يوم الوعد والوعيد؛ فقال: إذا حذر من الوعد كما يحذر من الوعيد، فما الفرق بينهما؟ وأمر أن يقال: المحذر بقوارع التهديد من هول يوم الوعيد. واستدرك في فصل آخر في ذكر علي، رضي الله عنه، قوله: وهو السابق إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجابته؛ فقال: إن قوله السابق غير مستقيم، لأنه إن أراد التخصيص فذلك غير صحيح، إذ كانت خديجة سبقت إلى الإسلام، والسابق منهم جائز أن يكون واحدا وأن يكون جماعة؛ والله تعالى يقول: " والسابقون السابقون "؛ وليس في ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم على الباقين؛ وذكر مثالا فقال: خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج فيها واحد عن واحد قيل لها السبق، وقيل لكل واحد منها سابق. وأمر أن يقال: أول سابق إلى دعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإجابته.

الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد

ولد بعسقلان في المحرم سنة سبع، وقيل سنة ثمان، وستين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدة؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلاني، ابن عم مولانا. ولما قتل النزارية الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك جوامرد، وينعت بالأفضل، فعمدا إلى الأمير أبي الميمون عبد المجيد، وكان أكبر الجماعة الأقارب سنا، وقالا: إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه، وأنه رأى رؤيا تدل أنها ستلد ولدا ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون. فجلس المذكور كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، يوم قتل الآمر بأحكام الله؛ وتقرر أن يكون هزار الملوك وزيرا، وأن يكون الأمير السعيد أبو الفتح يانس الحافظي، متولى الباب أسفهسلارا، وقرئ سجل في الإيوان بهذا التقرير والحافظ في الشباك جالس؛ تولى قراءته قاضي القضاة ابن ميسر على كرسي نصب له أمام الحافظ، بحضور أرباب الدولة. وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة، وقد اجتمع في بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل، وفيهم رضوان بن ولخشي، أحد الأمراء المميزين أرباب الشجاعة، وهو رأس

الجمع؛ وفي داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شق عليه تقدم هزار الملوك وتقلده الوزارة؛ فنظر إلى أبي علي أحمد بن الأفضل، الملقب كتيفات، وهو جالس، فقال: يا مولاي الأجل، أنا أشح عليك أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الضانع وزيرا فتخدمه ويسومك المشي في ركابه؛ اخرج إلى دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه. وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبي علي وباطنه أنه علم أن أكثر العسكر الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك؛ فدبر أنهم إذا وقعت أعينهم على أبي علي تعلقوا به وأقاموه وزيرا، فيفسد أمر هزار الملوك. فقام أبو علي ليخرج، فمنعه طغج، أحد نواب الباب، وكان فطنا ذكيا؛ فقال له بزغش: لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ فقال: كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلق العسكرية فيقع له ما وقع للآخر. فهزه بزغش وقال له: دع عنك الفضول. وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر؛ فما هو إلا أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشي والجماعة، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنه سيخرج إليهم، فتواثبوا إلى أبي علي وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير. وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء، فلم يقبل منه؛ وطلب له في الحال خيمة وبيت صدار، فضربت في جانب من بين القصرين، وأدخلوه فيها. وقام الصالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرضا به، وصاحوا أن لا سبيل أن يلي علينا هذا الصانع الفاعل، وأعلنوا بشتمه. فغلقت أبواب القصر كلها واشتد الأمر؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، وأطلقوا عليها أميرا يقال له ابن شاهنشاه، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسر، فما الذي خلعتم عليه! ويحصل من ذلك على الخليفة من العوام وسوء أدب جهال العسكر ما لا يتلافى؛ وما هذا شيء والله إلا نصيحة لمولانا، فإنني قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عني بهذا. فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة يسمع القول؛ فقال له الحافظ: ها أنت ذا تسمع ما يقال. فقال: يا مولانا، أنا في

مجلسك ووزارتي بوصية خليفة قبلك، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة. فقال: لا سبيل لفتح باب القصر في مثل هذا الوقت، وقد فعلنا في أمرك ما رتب لك، وهذه الخلع عليك؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لا رأى لمن لا يطاع. واشتد الأمر وكثر تموير العسكر. فقيل لابن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة أبي علي وما نحن له كارهون. فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه، فقالوا: قل له يسلم لنا هزار الملوك. فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا على طلب المذكور ولا بد. فقال الحافظ له. قم واحتجب في مكان عسى ندبر في قضيتك أمرا نصرف به هذا الجمع عنا وعنك. فنزعت الخلع عنه وأحيط به، فصار إلى مكان قتل فيه قتلة مستورة وألقيت رأسه إلى القوم فسكنوا. واستدعي بالخلع لأبي علي، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء خامسه، وركب إلى دار الوزارة والجماعة مشاة في ركابه. فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير تصرف. وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدة ورد له المظالم والنظر في أحوال الجند، وهو نوع من الوزارة؛ وكان ينعت بالأفضل. ووقع النهب في القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثب ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، ومذ بنيت لم يكن فيها أمر يكره، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب والطمع. وطيف برأس هزار الملوك على رمح. واستقرت الوزارة لأبي علي أحمد بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان يلقب بكتيفات، في يوم الخميس سادس

عشر ذي القعدة. فأول ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه في خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد. ويقال إن رضوان بن ولخشي دخل إليه وقيده؛ فقال له الحافظ: أنت فحل الأمراء. فنعت بذلك. وتمكن أبو علي واستولى على جميع ما في القصر من الأموال والذخائر، وحمل الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال في الناس على سبيل الإنعام. وكان السعر غاليا، يباع القمح بنحو الدينار كل إردب، فأراد أبو علي أن يحسن سمعته، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما كان فيها، وكانت مئي ألوف أرادب. ورد على الناس الأموال التي فضلت في بيت المال من مال المصادرة التي كان قد أخذها الآمر في أيام مباشرة الراهب وما كتبت به الخطوط قبل ذلك؛ وكان الذي وجد خمسين ألف دينار. فاستبشر الناس به وفرحوا فرحا ما ثبتت منه عقولهم، وضجوا بالدعاء له في سائر أعمال الديار المصرية؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه، وأقطع الحجرية البلاد، وظهر فرح الناس وابتهاجهم. وأكرم بزغش العادل الذي أشار عليه بالخروج من القصر إكراما كثيرا. وكانت قد ضربت ألواح على عدة أملاك في أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها. وكان إماميا متشددا، فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتى أظهر المذهب الإمامي، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسنوا له الدعوة للقائم المنتظر، فضرب الدراهم

باسمه ونقش عليها: الله الصمد الإمام محمد. وخطب بنفسه في يوم الجمعة، وكان أكثر خلق الله تخلفا وأقلهم علما، فغلط في الخطبة غلطة فاحشة صحفها فلم ينكر عليه أحد. واشتد ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق، وأكثر من إزعاجهم والتفتيش على ولد الآمر وعلى يانس، صاحب الباب، وعلى صبيان الخاص الآمرية. وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته. وكان الآمر لما احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام في حقه يستقبح ذكره، فأقام عليهم الحجة عندما مثلوا بحضرته، وقال: أبوكم الأفضل غلامي ولا مال له. فسفه عليه أحدهم؛ فغضب وقتلهم. فأراد أبو علي بتفتيشه على الحمل الذي ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته؛ فلم يظهر الحمل، ولا قدر أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه، فاعتقله كما تقدم، وخطب للقائم المنتظر تمويها. فنفرت قلوب أهل الدولة منه، وقامت نفسوهم منه. وتعصب قوم من الأجناد من خاص الخليفة، بترتيب يانس لهم، وتحالفوا سرا على قتله، وكانوا أربعين رجلا، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها. وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط وعلى أبي يعقوب ابراهيم السامري، ونهب الجند دورهما؛ وحبسا في حبس المعونة، ثم أخرجا ميتين.

سنة خمس وعشرين وخمسمائة @YY525

فيها رتب أبو علي بن الأفضل في الحكم أربعة قضاة، فصار كل قاض يحكم بمذهبه ويورث بمذهبه؛ فكان قاضي الشافعية سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن رشا، وقاضي المالكية أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المولى بن أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللبني المغربي، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضائل هبة الله بن عبد الله بن حسن بن محمد القاضي فخر الأمناء الأنصاري المعروف بابن الأزرق، وقاضي الإمامية القاضي المفضل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل. ولم يسمع بمثله هنا في الملة الإسلامية قبل ذلك.

سنة ست وعشرين وخمسمائة @YY526

في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم ركب أبو علي أحمد بن الأفضل إلى رأس الطابية ليعرق فرسا في الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة، وللعب بالكرة على عادته؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الذين تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو علي، عادة من يسابق بخيل: راحت، فقال العشرة: عليك، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل. فأدركه أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه. واجتمع الأربعون عنانا واحدا وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس، وكان مستوحشا من أبي علي، فخرجوا الحافظ من الخزانة التي كان معتقلا بها، وفكوا عنه القيد وأجلسوه في الشباك على منصة الخلافة، وقالوا: ما حركنا على هذا إلا الأمير يانس. فاجتمع الناس، وأخذ له العهد على أنه ولي عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه. ونهب في هذا اليوم كثير من الأسواق والدور والحوانيت؛ وصار ذلك عادة مستقرة وشيئا معهودا في كل فتنة. وحمل رأس أبي علي إلى القصر. وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية. وأزال من الأذان قولهم فيه: حي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر؛ وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة؛ واخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر وهو: السيد الأجل الأفضل، سيد ممالك أرباب

الدول، المحامي عن حوزة الدين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحق في حالي غيبته وحضوره، والقائم في نصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى اتباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، رافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف والقلم؛ أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل أبي القاسم شاهنشاه أمير الجيوش. وكانت مدة تحكه سنة وشهرا وعشرة أيام؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير الجيوش، ظاهر باب النصر. وخلع على السعيد أبي الفتح يانس الأرمني، صاحب الباب، خلع الوزارة؛ وكان من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء، وله هيبة، وعنده تماسك في الأمور وحفظ للقوانين. فهدأت الدهماء وصلحت الأحوال؛ واستقرت الخلافة للحافظ؛ وحمل جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات وأعيد إلى القصر. ولم يحدث يانس شيئا؛ إلا أنه تخوف من صبيان الخاص، وحدثته نفسه أنهم قد جسروا على الملوك، وأنه ربما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره؛ وأحسوا منه بذلك فتفرقوا عنه. فلما تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب في خاصته وغلمانه وأركب العسكر، والتقوا قبالة باب التبانين بين القصرين، فقتل ما يزيد عن ثلثمائة فارس من أعيانهم، فيهم قتلة أبي علي أحمد بن الأفضل. وكانوا نحو خمسمائة فارس، فكسر شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ولا يعتد به، فقوي أمر يانس وعظم شأنه. وكانت له في النفوس مكانة، فثقل على الحافظ وتخيل منه، فأحس بذلك، وصار

كل منهما يدبر على الآخر. فبدأ الوزير يانس بحاشية الخليفة، فقبض على قاضي القضاة وداعي الدعاة أبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء وأبي الفتوح بن قادوس فقتلهما. وبلغه شيء يكرهه عن أستاذ من خاص الخليفة، فقبض عليه من غير مشاورة الحافظ، واعتقله بخزانة البنود، وضرب عنقه من ليلته. فاستبدت الوحشة بينه وبين الحافظ، وخشى من زيادة معناه، فقال الحافظ لطبيبه: اكفني أمره بمأكل أو مشرب. فأبى الطبيب ذلك خوفا من سوء العاقبة. ويقال إن الحافظ توصل إلى أن سم يانس في ماء المستراح، فانفتح دبره واتسع حتى ما بقي بقدر على الجلوس. فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك، فلو أن مولانا عاده في هذه المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة؛ وهذا المرض ليس دواؤه إلا السكون ولا شيء أضر عليه من الحركة والانزعاج، وهو كما يسمع بقصد مولانا تحرك واهتم بلقائه وانزعج، وفي ذلك تلاف نفسه. فقبل ذلك وجاء لعيادته. فلما رآه يانس قام للقائه وخرج عن فراشه؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ومحادثته، فلم يقم حتى سقطت أمعاؤه، ومات من ليلته، في سادس عشري ذي الحجة. وكانت وزارته تسعة أشهر وأياما. وترك ولدين كفلهما الحافظ. وكان يانس هذا قد أهداه باديس جد عباس الوزير الآتي ذكره إن شاء الله تعالى إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى في الخدم إلى أن تأمر وتقدم وولى الباب، وهي أعظم رتب الأمراء، وكنى بأبي الفتح ولقب بالسعيد؛ ثم نعت في وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام. وكان عظيم الهمة بعيد الغور، كثير الشر، شديد الهيبة.

وفيها استقرت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لما عمل الحمل. قال الشريف محمد بن أسعد الجواني: رأيت صغيرا في القرافة الكبرى، ويسمى قفيفة، سألت عنه، قيل هذا ولد الآمر: لما ولى الحافظ ولي عهده من يولد، استولى على الأمر، وولد هذا الولد فكتم حاله، وأخرج في قفة على وجهها سلق وكرات، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل. ولما تمكن الحافظ قرئ سجل بإمامته، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزي الخلفاء، في ثالث ربيع الأول؛ ورفع عن الناس بواقي مكس الغلة. وأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدعاء، وهو: اللهم صل على الذي شيدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمة وظهوره، وجعلته آية لمن تدبر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيدنا، وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبي الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر عن قضاء القضاة، في أول ربيع الأول، وقرر مكانه سراج الدين أبو الثريا نجم بن جعفر، وأضيفت إليه الدعوة، فقيل له قاضي القضاة وداعي الدعاة، وذلك وقت العشاء الآخرة من ليلة الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة. ولما مات يانس تولى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحدا وأحسن السيرة. ويقال إن يانس لما قتل القاضي أبا الفخر سلم الحكم إلى سراج الدين أبي الثريا نجم بن جعفر. وفيها جهز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولا في الرابع من ذي القعدة بجواب شمس الملوك، صاحب دمشق، وأصحبه الخلع السنية وأسفاط

الثياب والخيل المسومة ومالا متوفرا. فوصل إلى دمشق وتلقى أحسن تلق، وقبلت الألطاف منه، وقرئ كتابه. وأقام إلى أن أعيد من القابلة. وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر، وكان قد توجه إلى المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد. فبعث الحافظ إلى مقدمي عسكره يستميلهم. فلما وصل دير الزجاج والحمام اغتالوه وقتلوه فانفض جمعه.

سنة سبع وعشرين وخمسمائة @YY527

فيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم وبينه حروب. وفيها سلم الحافظ أمر الديوان إلى الشريف معتمد الدولة علي بن جعفر بن غسان، المعروف بابن العساف، وصرف يوحنا بن أبي الليث لأشياء نقمها عليه، وسعوا فيه عنده بأنه كان سببا فيما عمله أبو علي أحمد بن الأفضل من تفريق ما فرقه من الأموال لأهله وأقاربه. واستخدم الحافظ أيضا أخا معتمد الدولة في نقابة الأشراف وجعله جليسا؛ وكان عنده أدب ومعرفة بعلم الفلك، وكان الحافظ يحب هذا العلم. وفيها قبض على ابن عبد الكريم، تربية الآمر، فوجد له ثلثمائة وستون منديلا مذهبة، وعلى مثالها ثلثمائة وستون بذلة مذهبة؛ فكان يلبس كل يوم بذلة. وكل منديل، وهي العمامة، على مسمار فضة. ووجد له خمسمائة نرجسية ذهبا وفضة؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة؛ ومن الجوهر ما يعجز عن وصفه.

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة @YY528

فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان، وكان أسن أولاده وأحبهم إليه، وأقامه ليسد مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه في أوامره ونواهيه، فمات بعد ولاية العهد بشهرين، فحزن عليه مدة. ثم جعل ابنه حيدرة ولي عهده ونصبه للنظر في المظالم، فشق ذلك على أخيه حسن لأنه كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه، بحيث كان له ديوان مفرد. وما زالت عقارب العداوة تدب بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفية الجيوشية والطائفة الريحانية، وكانت شوكة الريحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسنية. والتقى العسكران؛ فقتل بينهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل. فكانت أول مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها؛ ولم يسلم من الريحانية إلا من ألقى نفسه في بحر النيل من ناحية المقس. واستظهر حسن وصار الأمر إليه، فانضم له أوباش العسكر وزعارهم، وفرق فيهم الزرد وسماهم صبيان الزرد، وصاروا لا يفارقونه ويحفون به إذا ركب، ويلازمون داره إذا نزل. فقامت قيامة الناس، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة؛

وجد في طلب حيدرة. وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه من كونه نغص على أبيه وأخيه، وصاروا يحسنون له كل رذيلة، ويحرونه على أذى الناس. فأخذ الحافظ في تلافي الأمر مع حسن لينصلح؛ وعهد إليه بالخلافة في يوم الخميس لأربع بقين من شهر رمضان، وأركبه بالشعار، ونعت بولي عهد المؤمنين. وكتب له بذلك سجلا قرئ على المنابر، فكان يقال على المنابر: اللهم شيد ببقاء ولي عهد المؤمنين أركان خلافته، وذلل سيوف الاقتدار في نصره وكفايته، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته، واجمع شمله به وبكافة السادة إخوته، الذين أطلعتهم في سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق، وقمعت ببأسهم كل مرتد من أهل الشقاق والنفاق، وشددت بهم أزر الإمامة، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم القيامة. فلم يزده ذلك إلا شرا وتعديا؛ فضيق على أبيه وبالغ في مضرته. فسير الحافظ وفي الدولة إسحاق، أحد الأستاذين المحنكين، إلى الصعيد ليجمع ما قدر عليه من الريحانية فمضى واستصرخ على حسن، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله؛ وسار بهم. فبلغ ذلك حسنا، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج؛ فالتقى الجمعان. وهبت ريح سوداء في وجوه الواصلين، وركبهم عسكر حسن، فلم يفلت منهم إلا القليل، وغرق أكثرهم في البحر وقتلوا؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر. فلما وصل بين القصرين رمى بالنشاب حتى مات، ورمي إليهم من القصر الغربي أستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء. فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن، فيها: يا ولدي، أنت على كل حال ولدي، ولو عمل كل منا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه. ولا يحملني قلبين وقد انتهى الأمر إلي أن أمراء الدولة فلانا وفلانا وسماهم له وأنك قد شددت وطأتك عليهم وخافوك، وأنهم معولون على الفتك بك؛ فخذ حذرك يا ولدي.

فلما وقف حسن على الورقة قامت قيامته. فلما اجتمع أولئك الأمراء في داره للسلام عليه أمر صبيان الزرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم، وأخذ ما في دورهم. فاشتدت مصيبة الدولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان الدولة، وهم أصحاب الرأي والمعرفة، فوهت واختلت لقلة الرجال وعدم الكفاة. ومن حين قتل حسن الأمراء تخوفه باقي الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان جريئا عنيفا بحاثا عن الناس يريد إقلاب الدولة وتغييرها لتقدم أصحابه، فأكثر من مصادرة الناس، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما في يوم الخميس ثامن شوال. وكان أبو الثريا في أول أمره خاملا في الناس، ثم سمع قوله في العدالة أيام الآمر. فلما قبض أحمد بن الأفضل علي أبي الفخر وسجنه عنده بدار الوزارة، وقد كان الداعي أيام الآمر، طلب من يكون داعيا، فاستخدم نجما هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدهاء. فلما كان في وزارة يانس جمع إليه الحكم مع الدعوة؛ فلما مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظي نجم عنده ورقاه إلى أعلى المراتب، وصار يدبر الدولة. وحسن عنده نصرة طائفة الإسماعيلية والانتقام ممن كان يؤذيهم في أيام أحمد بن الأفضل، فتأذى بهذا خلق كثير، وأثبت طائفة سماهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن بن الحافظ. ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادي أمراء الدولة ورؤساءها ولا ينظر في عاقبة وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه فلما تمكن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه جماعة. ورد القضاء لابن ميسر وخلع عليه في يوم الخميس ثاني ذي القعدة. وفيها مات القاضي المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين بن حديد بن حمدون الكناني قاضي الإسكندرية بثغر رشيد، وقد عاد من القاهرة في جمادى الآخرة؛ ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وكانت له مدة في القضاء؛ وهو الذي كان سببا في اغتيال أبي الصلت أمية الأندلس. وقد ذكره السلفي وأثنى عليه، ورثى بعدة قصائد. وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبي الفضل بن الحسين الزاهد الناطق بالحكم، المعروف بابن بشرى الجوهري، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ، في جمادى

الأولى. وكان حلو الوعظ، إلا أنه تعرض في آخر عمره لما لا يعنيه، فنفاه الحافظ إلى دمياط؛ وذلك أن الآمر لما مات ترك جارية حاملا، فقام الحافظ بعده في الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل حتى يكبر، فاتفق أنه ولد وخافت أمه عليه من الحافظ، فجعلته في قفة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكراثا وجزرا حتى لا يفطن به، وبعثته في قماطه تحت الحوائج في القفة إلى القرافة، وأدخل به إلى مسجد أبي تراب الصواف، وأرضعته المرضعة، وخفي أمره عن الحافظ حتى كبر، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة. فلما حان نفعه نم عليه ابن الجوهري هذا إلى الحافظ، فأخذ الصبي وفصده، فمات، وخلع على ابن الجوهري ثم نفاه إلى دمياط فمات بها.

سنة تسع وعشرين وخمسمائة @YY529

فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته، وتأكدت العداوة بينه وبين من بقي من الأمراء والأجناد واشتد خوفهم منه، وعزموا على خلع الحافظ من الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر. فاجتمعوا بين القصرين، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم. فعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه سوى الراجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء. فتحير ولم يجد بدا من الفرار منهم إلى أبيه، فصار إليه، وكان قد نزل بالقصر الغربي، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقي من تحت الأرض، وتحصن بالقصر. فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيده، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه. فبعث إليهم يقبح مرادهم منه أن يقتل ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وضمن لهم أنه لا يتصرف أبدا؛ ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ذلك، وقالوا: إما نحن وإما هو. وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر؛ وبالغوا في الجرأة على الحافظ. فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم، فألجأته الضرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل. فرأى أنه لا ينفك من هذه النازلة العظيمة إلا بقتل ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التي لا يأمن إن استمرت أن تأتي على نفسه هو، فإنهم لم يبرحوا من بين القصرين. فاستدعى طبيبيه، أبا منصور وابن قرقة، فبدأ بأبي منصور اليهودي وفاوضه في عمل سقية لابنه، فتحرج من ذلك وأنكر معرفته كل الإنكار، وحلف برأس الخليفة وعلى

التوراة أنه لم يقف على شيء من هذا. فتركه وأحضر ابن قرقة، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج، وفاوضه في ذلك؛ فقال: الساعة، ولا يتقطع منها الجسد بل تفيض النفس لا غير. فأحضرها من يومه، وألزم الحافظ ابنه حسنا بمن ندبه من الصقالبة، فأكرهوه على شربها، فمات في يوم الثلاثاء ثالث عشري جمادى الآخرة. ونقل للقوم سرا: قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم. فلم يثقوا بذلك، وقالوا لا بد أن يشاهده منا من نثق به؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة والصر يقال له المعظم جلال الدولة محمد، ويعرف بجلب راغب الآمري، فدخل إلى حيث حسن بن

الحافظ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه سكينا وغرزه في عدة مواضع من بدنه حتى تيقن أنه ميت، وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم فتفرقوا. وكان تاج الدولة بهرا الأرمني قد انفلت من حسن بن الحافظ وولي الغربية؛ فلما علم أن النفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعي الغربية والأرمن والعربان وطلب القاهرة، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ، فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده في القرى والضياع ونهبوها. وعندما وصل إلى القاهرة، يوم الخميس وقت العصر، الحادي عشر من جمادى الآخرة التف عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيوشية والإسكندرية والفرحية ومن يقول بقولهم من الغز الغرباء. ونهب أوباش الناس ما قدروا عليه. ولما قتل حسن وسكنت الدهماء قبض الحافظ على الطبيب ابن قرقة وقتله بخزانة البنود، وارتجع جمع أملاكه وموجوده، وكان يلي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح والسروج. وأنعم على أبي منصور الطبيب وجعله رئيسا على اليهود وصارت له نعم جليلة. وفيها كانت وزارة بهرام الأرمني النصراني الملقب تاج الدولة. وكان السبب في ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسودان عندما قتل حسن بن الحافظ قوي فيها السودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة، فإن السودان كانوا مع حسن دون الأجناد، فإنهم

الذين حملوا أباه الحافظ على قتله. وقدم بهرام بالحشد كما تقدم، فوجد حسنا قد مات، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله في يوم الخميس، بعد العصر، الحادي عشر من جمادى الآخرة، لتولية الوزارة؛ فخلع عليه في يوم الأحد، رابع عشره، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره، خلع الوزارة، ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة، وهو نصراني، مع كراهة الحافظ لذلك، لتسكن الفتنة، ولم يرد إليه شيئا من الأمور الشرعية. فلم يدخل في مشكل لأنه كان عاقلا سيوسا حسن التدبير. وتقدم كثير من حواشي الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه نصرانيا، وقالوا: لا يرضى المسلمون بهذا، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر في الأعياد ليزرر عليه المزررة الحاجزة بينه وبين الناس، والقضاة نواب الوزير من زمن أمير الجيوش، ويذكرون دائما النيابة عنه في الكتب الحكمية النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال: إذا رضينا نحن فمن يخالفنا؛ وهو وزير السيف؛ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه قاضي القضاة؛ وأما ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل أمير الجيوش. فشق على الناس وزارته، وتطاول النصارى في أيامه على المسلمين. وكان هو قد أحسن السيرة وساس الرعية، وأدى الطاعة للخليفة، وأنفق في الجند جملة من الأموال، ودبر الأمور فاستقامت له الأحوال، وراسله الملوك، وزال ما كان في البلد من الفتن؛ فلم ينكر عليه سوى أنه نصراني. وكان يقعد يوم الجمعة عن الصلاة فلا يحضر، بل يعدل إلى دكان بمفرده حتى يصلي الخليفة بالناس. وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كل جهة حتى صار بها منهم عالم عظيم. ووصل إليه ابن أخيه، وكان يعرف بالسبع الأحمر، فكثر القيل والقال؛ وأطلق أسيرا من الفرنج كان من أكابرهم، فأنكر الناس ذلك ورفعوا فيه النصائح للحافظ، وأكثروا من الإنكار.

وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب، وهو شجاع كاتب، فبلغ بهرام أنه يهزأ به في قوله وفعله، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة، وولى أخاه الباساك قوص وفيها توفى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله الجروي الجذامي الإسكندراني، المعروف بالحداد. بمصر.

سنة ثلاثين وخمسمائة @YY530

فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان؛ وقيل بل كان خروجه في سلخ رجب من السنة الماضية. فلما وصل إليها وجد فيها جماعة من الأرمن قد وصلوا في البحر يريدون القاهرة، فناكدهم ومنع كثيرا منهم؛ فبلغ ذلك الوزير بهرام، فشق عليه، وصرفه عن عسقلان واستدعاه؛ فقدم إلى القاهرة. وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة، فلم يطق بهرام إقامته معه، فولاه الغربية في صفر إبعادا له عنه. وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية جربة؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها

سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة @YY531

فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته، وأهله وقومه؛ ومجيئهم من ناحية تل باشر وكانوا مقيمين بها، ولهم فيها كبير منهم يتولى أمرهم؛ وقدموا أيضا بلاد الأرمن، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان. فعظم ضررهم بالمسلمين وكثرت استطالتهم، واشتد جورهم، وتظاهروا بدين النصرانية، وأكثروا من بناء الكنائس والديارات، وصار كل رئيس منهم يبني له كنيسة بجوار داره. وتفاقم الأمر. فخاف الناس منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ويغلبوا على البلاد فيردوها دار كفر؛ فتتابعوا في الشكاية من أهل بهرام وأقاربه. ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك، أخا بهرام، قد جار على الناس واستباح أموالهم، وبالغ في أذيتهم وظلمهم، فاشتد ذلك على الناس، وعظم على الأمراء ما نزل بالمسلمين؛ فبعثوا إلى أبي الفتح رضوان بن ولخشى وكان مقدما فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى بالغربية يشكون إليه ما حل بالمسلمين ويستحثونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم. فلما وصلت إليه كتب الأمراء تشمر لطلب الوزارة، ورقى المنبر خطيبا بنفسه فخطب خطبة بليغة حرض فيها الناس على الجهاد في سبيل الله والاجتماع لقتال بهرام وشيعته النصارى من الأرمن. وكان حينئذ بمدينة سخا، ثم نزل وحشد الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا، فأخرج لهم كتب الخليفة الحافظ إليه

بالتقدم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبين أن ليس من أهل الملة. وسار بهم إلى دجوة، وبهرام لا ينزعج. فلما قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم: اعلموا أننا قوم غرباء لم نزل نخدم هذه الدولة؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيامنا، وما كنت بالذي أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصبا فلما بلغني الكبر أقاتلهم؛ لا ضربت في وجوههم بسيف أبدا. سيروا. وأخذ أمراء الدولة وعساكرها يخرجون شيئا بعد شيء إلى رضوان. واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه في أمره؛ فقال تحلبني الإسلام عليك. فأيس حينئذ، وجمع الأرمن، وكانوا كلهم منقادين إليه لا يخالفونه في شيء من الأشياء، وسار بهم نحو بلاد الصعيد يريد أخاه الباساك بقوص، قاصدا أنه يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوون بالنوبة أهل دينهم. وقد ذكر أن بهرام خرج يريد محاربة رضوان في عساكر مصر. فلما وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرماح، فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك؛ فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خف حمله، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء، وقت العصر، حادي عشر جمادى الأولى، وسار يريد الصعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه. فعندما رحل اقتحم رعاع الناس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها، وعملوا كل مكروه؛ فكان هذا أول نهب وقع في دار الوزارة. وامتدت الأيدي إلى دور الأرمن التي

كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح، فنهبوها، ونهبوا كنيسة الزهري، ونبشوا قبر البطرك، أخي بهرام. وطار خبر انهزام بهرام في سائر إقليم مصر، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل وصول بهرام، فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثلوا به، وجعلوا في رجله كلبا ميتا، وألقوه على مزبلة. فلما كان بعد قتله بيومين قدم بهرام في طائفة الأرمن، وهم نحو الألفي فارس، رماة، فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر، فقتل جماعة من أهل قوص ونهبها. وسار عنها إلى أسوان، فنزل بالأديرة البيض، وهي أماكن حصينة في غربي أخميم، فتفرق عنه عدة من الأرمن وساروا يريدون بلادهم. وأما رضوان فإنه لما وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين، واستأذن الحافظ فيما يفعله، فأشار بنزوله في دار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل. فاستدعى بالأموال من الخليفة، وأنفق في الجند، ومهد الأمر. ورضوان أول وزير لقب بالملك. فلما كن في اليوم الثالث من استقراره في الوزارة سير أخاه الأوحد إبراهيم ومعه العسكر شرقا وغربا، والأسطول بحرا، في طلب بهرام، وبيده أمان له ليعود مكرما وطائفته على إقطاعاتهم. فسار إلى الأديرة، وتقرر الحال من غير قتال على إقامة بهرام بها؛ وذلك أن أسوان امتنعت عليه بكنز الدولة وأهلها، فاضطر إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه

أكثر الأرمن، فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين، فسأل لهم مواضع يسكنونها، فأفردت لهم جهات، منها سمالوط وإبوان وأقلوسنا والبرجين في صعيد مصر، وضيعة أخرى بأعمال المحلة. وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه أهله وولده. وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن ميسر عن قضاء القضاة في يوم الأحد لسبع خلون من المحرم، والوزير إذ ذاك بهرام، ونفي إلى تنيس، فأقام بها إلى يوم الاثنين ثاني ربيع الأول، وقتل. وهو من قيسارية، وقدم منها مع أبيه وهو صغير في وزارة أمير الجيوش بدر الجمالي عند حضوره إلى المستنصر في سني الشدة، وبعثه إلى البلاد الشامية لإحضار أرباب الأموال واليسار؛ وكان من جملة من أحضر والد القاضي، وكان له مال جزيل، ففوض إليه خطابة الجامع بمصر؛ وفتح دار وكالة، وأقام بها مدة حتى مات. فترقى ولده إلى أن ولي القضاء عدة مرار؛ وكان له أفضال ومكارم، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة، وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر. وهو الذي أخرج الفستق الملبس بالحلوى، فإنه بلغه أن أبا بكر محمد بن علي المادرائي عمل الكعك الذي يقال له افطن له، وعمل عوضا من حشو السكر دنانير، فلما مد السماط في يوم العيد قال أحد الخدام لصديق له كان على السماط: افطن له؛ ففهم عنه وتناول من ذلك، وصار يخرج الذهب من فمه ويخفيه حتى تنبه الناس لذلك، فتناولوا بأجمعهم منه. فأرادوا القاضي ابن ميسر

أن تشبه بأبي بكر المادرائي في ذلك، فعمل صحنا منه لكن جعل فستقا قد لبس حلوى وذلك الفستق من ذهب، وأباحه أهل مجلسه؛ ولم يقدر على علم ذلك سوى مرة واحدة. ثم إنه لما تناهت مدته عاداه رجل يعرف بابن الزعفراني، فنم عليه عند الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لما كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه الشعراء كان فيهم علي بن عباد الإسكندري، وأنه أنشد قصيدة يذم فيه خلفاء مصر ويذكر سوء اعتقادهم، منها في ذم الحافظ: هذا سليمانكم قد رد خاتمه ... واسترجع الملك من صخر بن إبليس فعندما قال هذا البيت قام ابن ميسر وألقى عرضيته طربا بهذا البيت. فأمر الحافظ بإحضار هذا الشاعر، وقال: أنشدني قصيدتك: فأنشدها إلى أن بلغ فيها إلى قوله: ولا ترضوا عن الخمس المناحيس. يعني الحافظ وابنيه وأباه وجده؛ فأمر الغلمان بلكمه، فلكموه حتى مات بين يديه. وقبض على ابن ميسر ونفي ثم قتل. وكان ينعت بجلال الملك، وكانت علامته الحمد لله على نعمه. وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهري في جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة. وفيها ولي قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل، ونعت بقاضي القضاة الأعز أبي المكارم. وفيها ثار بناحية برقة رجل من بني سليم وادعى النبوة، فاستجاب له خلق كثير، وأملى عليهم قرآنا منه: إنما الناس بالناس ولولا الناس لم يكن الناس، والجميع رب الناس. ثم تلاشى أمره وانحل عنه الناس. وفيها جلس الوزير رضوان في ذي القعدة لاستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى. واستجد ديوان الجهاد، واهتم بتقوية الثغور واستعد لتعمير عسقلان

بالعدد والآلات، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج، وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف. وكان قد مهد الأمور، وأعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته، وكثرة عدله وعمارته البلاد، وقوة نفسه وشجاعته. وأحضر جميع الدواوين وكتبها ورثبها، ورتب الأمور أحسن تدبير. وكان من جملة الضمان في أموال الدولة هبة الله بن عبد المحسن الشاعر؛ فلما عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال في ضمانه، فكتب له في المجلس: أنا شاعر وصناعتي الأدب ... وضمان مثلي المال لا يجب أنا مستميحكم، وليس علي ... من جاء يطلب رفدكم طلب وإذا الباقي علي فما ... من حاصل، ورق ولا ذهب فسامحه فيما عليه من الباقي. وفيها أحضر من الصعيد الأعلى في رمضان جماعة تقدمهم رجل. بجاوي يدعى فيه أصحابه أنه إله، فصلبوا.

سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة @YY532

فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلي، صاحب باب بهرام، من الاعتقال وولاه الإسكندرية. فيها تشدد رضوا على الأنصاري من أصحاب بهرام وصادره، وقتلهم بالسيف، وأباد أكثرهم. وتطلع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام، وأحسن إليهم، وزاد في أرزاقهم. ووجد نصرانيا قد توصل في أيام بهرام إلى ديوان النظر، يعرف بالأخرم، وبذل في كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات؛ فآذى المسلمين وشق عليهم، فصرفه رضوا واستخدم بدله رجلا يقال له المرتضى المحنك بغير ضمان. وتقدم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجل في الوضع من النصارى واليهود؛ فأنشأه أبو القاسم ابن الصيرفي، منعوا فيه من إرخاء الذوائب وركوب البغلات ولبس الطيالسة، وأمر النصارى بشد الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم، وألا يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا؛ فما رئي في أيامه يهودي ولا نصراني يجوز على الجامع راكبا، لكنه ينزل ويقود دابته. وأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب وهم وقوف أسفلها. ومنعهم من التكني بأبي الحسن وأبي الحسين وأبي الطاهر، وأن يبيضوا قبورهم. وضمن ذلك كله السجل؛ فعمل به. وفيها نزع السعر لتوقف النيل، فنال الناس مجاعة؛ فأمر الحافظ بفتح

الأهراء والبيع منها على الناس بأوساط الأثمان، فلم يمض الوزير بذلك، وأخذ يهين حواشي الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح في مذاهبه، لأنه كان سنيا، وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميا. فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيرا، وأخذ يعمل في الخلاص منه؛ فتنافر كل منهما من الآخر. وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت، فهم بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام، وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصح. وأحضر الفقيه أبا الطاهر ابن عوف وابن أبي كامل فقيه الإمامية وابن سلامة داعي الدعاة، وفاوضهم في الخلع واستخلاف شخص عينه لهم؛ وألزم كلا منهم أن يقول ما عنده. فقال ابن عوف: الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا. وقال ابن أبي كامل: السلطان، أبقاه الله، يحملني على أن أتكلم على غير مذهبي في الإمامة. قال: لأجل عمل مذهبك؟ فقال: مذهبي معلوم، يعني أن الإمامية للحاضر من إخوته، ولأنه لا ينبغي لمن لم تكن له إمامة أن يخلع. فخلص من هذا وقال الداعي: أنا داعي ومولى لهم، وما يصح لي خلعه، فإني أصير فيما مضى كأني أدعو لغير مستحق، فأكون قد كذبت نفسي فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك، ولا يؤثر قولي فيما تريدون؛ ولم تجر العادة على الفاطميين بخلع حتى نأتي به. فقابله على هذا القول بالسب وإقامته أقبح قيام. فقال الفقيه النحاس، وكان حاضرا،

كل عظيمة، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ. وفيها أحضرت من تنيس امرأة بغير ثديين في موضع ثدييها مثل الحلمتين، فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل باليدين من رقم وخط وغير ذلك. فجاء لها في المجلس بدواة فتناولت برجلها اليسرى الأقلام قلما قلما، ثم تناولت السكين برجليها وبرت قلما، واستدعت ورقة وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرجل اليسرى رقعة بأحسن خط تكتبه النساء، وحمدت الله في آخرها، وناولتها الوزير، فإذا فيها سؤال بأن يزاد في راتبها. فوقع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها. وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة به في ثغر الإسكندرية، وجعل في تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف.

سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة @YY533

فيها زاد السعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للإردب، فبيعت الغلال التي كان الأفضل خزنها، وقد تغيرت وأرادوا رميها في النيل، فكانت تقطع بالفئوس وتباع بأربعين دينارا كل مائة إردب، وكذلك الأرز الذي كان مخزونا بمصر فإنه أبيع بعشرة دنانير المائة؛ فوجد الناس بذلك رفقا. فيها كثر سعي الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوف كل منهما من الآخر، وقبض الوزير على عدة من خواص الحافظ، منهم أبو المعالي بن قادوس، وابن شيبان المنجم، ورئيس اليهود، وجماعة؛ فقتلهم. فسير الحافظ من أحضر إليه بهرام في رمضان؛ فلما حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه، وشق ذلك على رضوان. وكان الحافظ قد تلطف برضوان في أمر بهرام وقرر معه أ، يستدعيه وينزله في القصر، وحلف له أنه لا يوليه أمرا ولا يمكنه من تصرف؛ فتسامح رضوان في أمره. واستدعى فحضر بأهله وأنزل في دار بالقصر قريبة من المحول، وهو قريب من سكن الحافظ، فكان يستحضره في غالب الليالي ويستشيره ويعمل برأيه. ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم يلبسه أحد من الوزراء في مثل ذلك اليوم، وعاد إلى القصر وفي نفس الحافظ منه أشياء تبينها رضوان

في وجه الحافظ وعلمها منه، فاشمأزت نفسه مع ما كان فيه من الطيش، فركب في تاسع شوال وزحف إلى القصر؛ فكلمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة التي تطل على باب الذهب، وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة. وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب، فانتفض الناس لذلك بالقاهرة ومصر، وكثرت الأراجيف. وفي تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هاربا إلى رضوان، وكان شيخا ومعه ولد له، ليقيمه خليفة، فلم يكترث به، وأحضر إسماعيل بن سلامة الداعي، وقال له: ما تقول في هذا الرجل، هل يصلح لما التمسه؟ فقال: الخلافة لها شروط ونواميس ما في هذا منها شيء، وتحتاج إلى نصوص، ولولا أنم مولانا الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس. فلم يحصل سوى أنه كان مشئوما على نفسه وأهله، فإن الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة. ثم إن الحافظ لما رأى فعل رضوان وتعديه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل في التدبير عليه وأرسل إلى صبي من الجند يعرف بشومان، وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاص، فأحضره إليه من أحد السراديب سرا وأرسله إلى علي بن السلار، أحد أمراء الدولة، يأمره بالتدبير على رضوان، وأنفذ معه مالا إليه ليستعين به على ذلك. وكان علي بن السلار عاقلا صاحب حزم ويقظة وحسن تأت مع قوة وصرامة. فلما جاءه القاصد بالمال وبلغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى جماعة من صبيان الخاص وقرر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا واحدا وهم يصيحون: الحافظ يا منصور؛ وفرق فيهم ما أرسله إليه الخليفة.

فلما كان يوم الاثنين، الثالث عشر من شوال، اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون: يا للحافظ، الحافظ يا منصور؛ فما وصلوا إلى الشرايحيين الذي يعرف اليوم بالشوايين، حتى صاروا نحو الخمسمائة، وما وصلوا بين القصرين إلا والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم، ولم يبق من الصبيان والعوام أحد حتى خرج النساء، وأشرف النساء من الطاقات، وصاروا بأجمعهم يصيحون: يا للحافظية. فلما سمع رضوان الضجيج أراد أن يركب، فمنعه بعض غلمانه فأبى عليه لأنه كان واثقا بنفسه وبمن معه؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف، فلقي الناس بنفسه وطردهم يمينا وشمالا، وظهر منه شجاعة تعجب منه من شاهدها، فإنه لقي ألوفا من الناس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملة بعد حملة إلى أن قتل منهم عدة. وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر، فركب من داره وأمسك عنه من يجيئه من ناحية قصر الشوك، وشدت الريحانية ورجعوا إليه من ناحية زيادة الجامع الحاكمي ودرب الفرنجية. فلما طال عليه وتيقن أن القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه، وكان قد انقضى من النهار أربع ساعات، وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الريح من أعالي القصر يرشقونه بالنشاب ويرمونه بالطوب، تحير. وكان ابن أخته والي مصر، فبلغه الخبر، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله، فوجد عند باب زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه؛ فسار من ناحية باب البرقية ومعه بوقات وطبول، فسمع إبراهيم، أخو رضوان، أصوات البوقات والطبول من جهة باب البرقية، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له: قد تفرق علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشوك، وقد قاطع الراجل علينا من ناحية باب النصر.

فلما بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف، فما زال يتأخر قليلا قليلا حتى صار في رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء، وبعث إلى داره، التي هي دار الوزارة من أخذ له شيئا منها على سبيل الخطف، وأوصى إلى أخيه، فانضم إليه هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبي الفوارس وقدارة بن أبي عزة وشاور بن مجير السعدي، وجماعة من خواصه، وخرجوا من باب النصر. فما هو إلا أن صار بظاهر القاهرة اقتحم الناس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئا. وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش إلا وقد تلاحق كثير من المغافرة، وكان قد أسلف عند العرب أيادي وأفاض عليهم نعما وأحسن إليهم إحسانا كثيرا في مدة وزارته، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل، أحد شياطين الإنس، وحسن له المسير إلى الشام. واشتغل الناس بنهب دار الوزارة، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السلاح والعدد والآلات والغلال، فانتهب جميع ذلك، وأحرقت أخشاب تعب الملوك في تحصيلها. وكان نهب دار الوزارة أول ضرر دخل على الدولة. وطلب رضوان الشام، فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله، وتوجه أخوه إلى الحجاز وأقام بها حتى مات؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات. وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد، فنزل على أمين الدولة كمشتكين صاحبها

فأكرمه وأبره، وأقام عنده ثلاثة أشهر. ثم أنفذ إلى دمشق، واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه. وفيها خربت الأثارب من زلزلة؛ وزلزلت دمشق أيضا. وفيها مات الأعز قاضي القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عقيل، في شعبان، فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر؛ ثم اختير الفقيه أبو العباس أحمد ابن الحطيئة في ذي القعدة، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة، فلم يمكن من ذلك. وكان الوزير رشوان قد تقدم إلى الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد المولى بن عبد الله محمد بن عقبة اللخمي، المعروف بابن اللبني، المغربي المالكي، أن يعقد الأنكحة. فلما كان في الحادي عشر من ذي القعدة قرر الحافظ في قضاء القضاة القاضي فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن محمد الأنصاري الأوسي، المعروف بابن الأزرق.

سنة أربع وثلاثين وخمسمائة @YY534

فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشي من صلخد في جمع فيه نحو الألف فارس، وكان الناس في مدة غيبته يهتفون بعوده، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب الفتوح، فلم يطق مقابلتهم؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد، وذلك يوم الثلاثاء مستهل صفر. فاهتم الحافظ بأمره، وبعث إليه بعسكر من الحافظية والآمرية وصبيان الخاص، عدتهم خمسة عشر ألف فارس؛ مقدم القلب تاج الملوك قايماز، ومقدم الآمرية فرج غلام الحافظ. فلقيهم رضوان في قريب ثلثمائة فارس، فانكسروا، وقتل كثير منهم، وغنم معظمهم؛ وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة. وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت، وأراد العود إلى صلخد فلم يقدر، لقلة الزاد وتعذر الطريق، فتوجه بمن معه من العربان إلى الصعيد. فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال في عسكر ومعه أمان، فسار خلفه، وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر، فعفا عنه الحافظ، ولم يؤاخذ أحدا من الأتراك الذين حضروا معه من الشام. واعتقله عنده بالقصر قريبا من الدار التي فيها بهرام. وفيها أضيف لقاضي القضاة هبة الله بن حسن الأنصاري، في سابع عشر جمادى الآخرة، تدريس دار العلم بالقاهرة، فمضى إليها؛ وكان مدرسها أبو الحسن علي بن إسماعيل، فجرت بينهما مفاوضات أدت إلى الخصام الشنيع؛ فخرج القاضي إلى القصر ماشيا وقد تخرقت ثيابه وسقطت عمامته. فعظم على الحافظ خروجه في الأسواق على هذه الهيئة، وغضب لذلك؛ فصرفه ورسم عليه، وغرمه مائتي دينار، وألزمه داره. وأمر بطلب أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري، فخلع عليه وقرره مكانه، ونعته الموفق في الدين، ولم يكتب له سجل؛ فأقام إلى آخر ذي الحجة، ولم يتناول على القضاء معلوما؛ وكان

جاري الحكم في كل شهر أربعين دينارا؛ وقنع بجاري التقدمة على الدعاة وهو ثلاثون دينارا في الشهر. وفيها ولي الحافظ لدين الله الأمير المفضل نجم الدين أبو الفتح سليم بن مصال المالكي تدبير الأمور.

سنة خمس وثلاثين وخمسمائة @YY535

فيها هلك بهرام الأرمني بالقصر، وكان الحافظ لما أقدمه من الصعيد إلى عنده أنزله في القصر ولم يمكنه من التصرف، وكان يشاوره في تدبير أمور الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله. فلما مات في العشرين من ربيع الآخر حزن عليه حزنا كثيرا ظهر بسببه على القص غمة، وهم أن يغلق الدواوين ولا يفتحها ثلاثة أيام. وأحضر بطرك الملكية وأمره أن يجهز بهرام، فقام بتجهيزه. وأخرج نصف النهار في تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر، ومن حوله النصارى يبخرون باللبان والصبار وسن العود، وجميع الناس مشاة، فلم يتأخر أحد من أعيان الوقت عن جنازته. وخرج الخليفة علة بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان؛ فسار خلف التابوت، وسار والناس تبكي والأقساء يعلنون بقراءتهم، والخليفة سائر؛ إلى دير الخندق من ظاهر القاهرة. فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على شفير القبر وبكى بكاء شديدا. وكان عاقلا مقداما في الحرب، حسن السياسة، جيد التدبير؛ وكان أولا يقوم بأمر الأرمن، وسكناهم يومئذ في ناحية تل باشر، فتعصب عليه جماعة منهم وولوا غيره؛ فخرج مغضبا وقدم إلى القاهرة، فترقى في الخدم إلى أن ولي المحلة فقام بولايتها. ومنها سار في زي حسن إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله، فاستوزره الحافظ. وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسي في آخر جمادى الآخرة.

سنة ست وثلاثين وخمسمائة @YY536

في ليلة الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة الجامع العتيق. في شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير، فبلغ القمح كل إردب إلى تسعين درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم، والويبة من الشعير إلى سبعة دراهم، والزيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل، والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهما للمائة، والزيت الحار إلى درهم ونصف للرطل، والقلقاس كل رطلين بدرهم؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر على شيء منه. وعم الوباء، وكثر الموتان. وفيها مات أحمد بن مفرج بن أحمد بن أبي الخليل الصقلي الشاعر، المعروف بتلميذ ابن سابق؛ وكان فاضلا ذكيا يتصرف في عدة فنون، وله رسائل حسنة وشعر جيد. وكان الشعراء في أيام الحافظ قد أطنبوا في المديح وتناهوا في إطالة القصائد حتى صار الإنشاد يؤدى إلى قصر الوقت الذي جرت العادة باستماع أشعارهم فيه، لطول مثولهم بالخدمة؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ينشدونه من الأشعار. فقال أحمد بن مفرج يخاطب الخليفة: أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا ... لم لا أمرت ندى كفيك يختصر والله لا بد أن تجرى سوابقنا ... حتى يبين لنا في مدحك الأثر فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة في الإنشاد.

سنة سبع وثلاثين وخمسمائة @YY537

فيها عظم الوباء بديار مصر، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة. وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولا إلى رجار ملك صقلية لمحاربته أهل صقلية؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر، فصنفت له تصانيف، وكان عنده محبة للأدب؛ ومدحه ابن قلاقس الشاعر وغيره.

سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة @YY538

فيها خرج محمد بن رافع اللواتي بنواحي البحيرة، فاجتمع له عدد كثير من الناس، فخرج إليه طلائع بن رزيك، وهو يومئذ والي البحيرة، فكانت بينهما حروب قتل فيها. وفيها غلت الأسعار بمصر.

سنة تسع وثلاثين وخمسمائة @YY539

فيها سير الحافظ الرشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير رسولا إلى اليمن بسجل يقرؤه عليهم، فخرج في ربيع الأول. وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظي صاحب الباب وقال له: اجعلني خليفة وأنا أوليك الوزارة، فطالع الحافظ بذلك، فأمر القبض عليه، فقبض واعتقل. وفيها قدم، في جمادى الآخرة، من دمشق الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وإخوته وأهله، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق، معاضدين له، فأكرم مثواهم وأنزلوا، وأفيضت عليهم العطايا، وتواترت الإنعامات.

سنة أربعين وخمسمائة @YY540

فيها أعيد نظر الدواوين والأتراك والخزائن إلى القاضي الموفق أبي الكرم محمد بن معصوم التنيسي في جمادى الأولى.

سنة إحدى وأربعين وخمسمائة @YY541

فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختار، يطلب الوزارة، بأرض الصعيد، فندب إليه عسكرا عليه سلمان مؤنس اللواتي، فمضى إليه وحاربه، فانهزم وهو من ورائه، حتى أدركه وأخذه أسيرا وقتله. وفيها قدم صافي الخادم، أحد خدام المتقي، من بغداد فارا، في ثالث عشري جمادى الأولى، خوفا؛ فأكرمه الحافظ. وفيها منع من التعرض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال في جرائد المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقي والفاضل في هذه السنة. وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حلب بعد أبيه. وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها رجلا من بني مطروح.

سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة @YY542

فيها صرف أبو الكرم التنيسي في ربيع الآخر، وأعيد نظر الدواوين للقاضي المرتضى المحنك. وفيها سير الحفاظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعا وتحفا. وفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر. وذلك أن الحافظ لما اعتقله بالقصر أرسل يسأله في أشياء، من جملتها زيارة نجم الدين بن مصال له في الوقت بعد الوقت، فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال. فحضر في يوم من الأيام ابن مصال لخدمة الخليفة، وبدأ بزيارة رضوان، فدخل إليه ومعه مشدة فيها رقاع بجوائج الناس ليعرضها على الحافظ، وكانت عادته ذلك؛ فاحتاج إلى الخلاء، فترك مشدته عند رشوان ودخل الخلاء. فأخذ رضوان الرقاع ووقع بخطه عليها كلها بما يسوغ التوقيع به، وأتر بها وطواها في المشدة. وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على الحافظ، وقد علم أنه كان عند رضوان، فقال له: كيف ضيفنا؟ فقال: على غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره. وأخرج رقة من تلك الرقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التوقيع بخط رضوان، فأمسكها وأخرج غيرها، فإذا هي موقع عليها أيضا. وكان الحافظ يراه، فقال: ما هذا؟ فاستحيا ابن مصال عندما تداول الخليفة الرقاع وعليها توقيع رضوان. فقال له الحافظ: يا نجم الدين، ما زلت مباركا علينا والله يشكر لك ذلك؛ لقد فرجت عنا غمة. فقال: كيف يا مولانا قال:

رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربما يشركنا في كثير من أمرنا؛ فالحمد لله إذ كان هذا. وكتب على الرقاع أمضاها بخطه، وخلع على ابن مصال. فلما طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من موضعه الذي هو فيه إلى تجاه فندق أبي الهيجاء، وخرج النقب عن سور القصر. وكان قياس ما نقبه خمسة وثلاثين ذراعا، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي القعدة، في الجيزة، فالتف عليه جماعة من لواتة وعدة من الأجناد؛ وسمع به الطماعون، وكان للناس فيه أهوية. فندم الحافظ على تركه بغير حارس؛ وأخذ في العمل. فلما كان ثالث يوم عدي رضوان من اللوق وسار إلى القاهرة؛ فخرج إليه عسكر الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون، فهزمهم، وسار في إثرهم إلى القاهرة، فدخلها في الرابعة من نهار الجمعة سادس عشريه، ونزل بالجامع الأقمر. فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به. فأحضر رضوان أرباب الدولة والدواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد، وأخذ أموالا كانت خارجة من القصر، وأنفق في طوائف العسكر. وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا؛ فسير إليه صندوقا فيه مال وقال له: هذا الحد الذي أراده الله، فاسترض على نفسك.

وأتت هتافات الناس إلى رضوان؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدمي السودان سرا وقال له: إني بكم واثق. فقال: ما ادخرنا هذا إلا لمولانا. فقال: كم أصحابك؟ قال: عشرة. قال: لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجي علينا وعليكم، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا. فقالوا: يا مولانا السمع والطاعة. ورتبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر: الحافظ يا منصور. فلما فعلوا ذلك قلق وقال لمن حلوه: ما كل مرة يصح لهؤلاء الكلاب مرادهم. فحسنوا له الركوب ظنا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه. فعندما ركب ضربه واحد من السودان في فخذه ضربة شديدة، وتداركه آخر بضربة، وتوالت عليه الضربات؛ فقتل في الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ. فسكنت الفتنة، وهدأت الغوغاء. ثم إن الحافظ بعث بالرأس إلى امرأة رضوان، فلما وضعت في حجرها قالت: هكذا يكون الرجال. وكان رضوان سنيا حسن الاعتقاد، شجاعا، مقداما، قوي الغلب، شديد البأس. ولد ليلة عيد الغدير من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وترقى في الخدم إلى أن ولي قوص وإخميم في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. إلا أنه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات، لا يحسن التدبير، ولا يتأتى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه. ومن جملة ما كتب له في تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبي القاسم ابن الصيرفي: ... لأنك أذهبت عن الدولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنسها من استعارها. ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحدا؛ وأعاد النصراني المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة، على ما تقدم، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله، وطلب منه المال فلم يسمح بشيء. فركب الحافظ يوما ووقف على باب السجن الذي هو فيه من القصر، وأمر به، فأحضر إليه. وقال له: كم تتجالد؟ أريد منك مالي على لسان صاحب الستر. فبينا الخليفة

يخاطبه إذ أخذ كفا من تراب وجعله في فيه؛ فقال له الحافظ: ما هذا؟ مالا ينبغي نقله إلى مولانا، صلوات الله عليه. فغضب عليه، وأمر بإحضار أبيه وأخيه، وكانا معتقلين، فأخرجا؛ وقتل الأخرم وأخاه، وأبوهما ينظر قتلهما، ثم قتل الأب. وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا. فيها مات الشيخ تاج الرياسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان، المعروف بابن الصيرفي الكاتب، في يوم الأحد لعشر بقين من صفر؛ ومولده في يوم السبت الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وكان أبوه صيرفيا وجده كاتبا؛ وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج؛ وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش. ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء. ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدي الحسيني؛ ثم تفرد بالديوان فصار فيه بمفرده. وله الإنشاء البديع والشعر الرائع، والتصانيف المفيدة في التاريخ والأدب.

سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة @YY543

فيها توجه العسكر، في ثالث صفر، لقتال لواتة وقد تجمعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادعى أنه ولد نزار بن المستنصر. فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات وانهزم منهم العسكر؛ فجهز الحافظ عسكرا آخر، ودس إلى مقدمي لواتة مالا جزيلا، ووعدهم بالإقطاعات؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الحافظ. ورجعت العساكر في ربيع الأول. وفيها صرف القاضي المكين الموفق في الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري عن القضاء، لسبع خلون من المحرم؛ واستقر على الدعوة الموفق الأمير كمال الدين، واستخدم في وظيفة القضاء؛ وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة. وفيها توفى أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي القرشي، المعروف بجوامرد، خطيب القدس. وفيها بلغ النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، ففاض الماء حتى

بلغ إلى الباب الجديد أول الشارع، خارج باب زويلة، فكان الناس يتوجهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه. فلما بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع، فسأله بعض خواصه عن ذلك، فأخرج له كتابا وقال: انظر هذا السطر، فإذا فيه: إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد. ثم قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا، وما يأتي بعدها. فاتفق أنه لم تنسلخ هذه السنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت. وفيها انقرضت دولة بني باديس. وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وخلت القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية. فاغتنم رجار متملكها الفرصة وبعث جرج، مقدم أسطوله، على نحو مائتين وخمسين شينيا، فنزل على المهدية ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس؛ ففر بأخف حمله وتبعه الناس. فدخل جرج المهدية بغير مانع، واستولى على قصر الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات.

وعزم حسن على المجيء إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز، صاحب بجاية، ووكل به وبأولاده، وأنزله في بعض الجزائر، فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته. فلما ملك المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله. فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدتهم، من سنة إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون سنة. وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله، مائتين وخمسين من الشواني، مع جرجي بن ميخائيل، فجد في حصارها حتى أخذها في صفر منها، وملك سوسة وصفاقس؛ وملك رجار بونة.

سنة أربع وأربعين وخمسمائة @YY544

فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية، فكانت بينهما حروب شديدة قتل فيها عدة من الفريقين؛ وامتنع الناس من المضي إلى القاهرة ومن الذهاب إلى مصر. وابتدأت الحرب بينهم في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى؛ وتوالت في يوم السبت رابع جمادى الآخرة؛ فانهزمت الريحانية إلى الجيزة. وهم العسكر بخلع الحافظ من الخلافة، فمات بقصر اللؤلؤة، وقد نقل إليه وهو مريض، بكرة يوم الأحد، وقيل ليلة الاثنين، لخمس خلون من جمادى الآخرة؛ واشتغل الناس بموته. وكان له من العمر يوم مات ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام، منها مدة خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما. وأصابته في ولايته شدائد، واعتقل، ثم لما أعيد تحكم عليه الوزراء حتى قبض على رضوان. فلم يستوزر بعده أحدا، وإنما أقام كتابا على سنة الوزراء أرباب العمائم ولم يسم أحدا منه وزيرا؛ وهم: أبو عبد الله محمد بن الأنصاري، وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرف تصرف وزراء الأقلام، وصعد المنبر مع الخليفة في الأعياد والجمع؛ والقاضي الموفق محمد بن معصوم التنيسي؛ وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النصراني. وكان الحافظ حازم الرأي، جماعا للأموال، كثير المداراة، سيوسا عارفا. ولم يكن أحد ممن ولي قبله أبوه غيره خليفة سواه. وكان يميل إلى علم النجوم؛ وكان له من المنجمين سبعة، منهم؛ المحقوف، وابن الملاح، وأبو محمد بن القلعي، وابن موسى النصراني.

وفي أيامه عملت الطبلة التي كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الريح؛ وما زالت بالقصر إلى أن كسرت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل، ويوسف، وأبا المنصور إسماعيل. وكان مطعونا عليه، فإنه ولي بغير عهد وإنما أقيم كفيلا عن منتظر في بطن أمه، فلم يظهر للحمل خبر. ومن محاسن ما يحكى عنه أنه كان يخرج في كل ستة أشهر عسكر من القاهرة إلى عسقلان لأجل الفرنج تقوية لمن بها من المركزية الكنانية وغيرهم. ويقدم على العسكر عدة، فيجعل على كل مائة فارس أمير، ويقدم على الجميع أمير تسلم إليه الخريطة فيكون أمير المقدمين؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الديون بالحضرة ليتفق مع والي عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها. ويصدر التعريف من كاتب الجيش هناك إلى الديوان بالحضرة بذلك، ويسلم إليه مبلغ من المال لنفقته معونة لمن فاتته النفقة من العسكر، فإن النقباء الذين للطوائف يجردون من كان من الطوائف حاضرا ومن كان مسافرا في إقطاعه، فيأخذ صاحب الخريطة أوراقا بمن سافر وهو في إقطاعه ليوصل إليه نفقته. وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير، وللأجناد ثلاثون دينارا لكل جندي. واتفق مرة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب،

الذي اتفق منه في حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدم ذكره؛ فلما سير إليه مائة دينار، نفقته، تجهز للسفر في جملة الناس، وسلمت الخريطة لأميرهم. فلما دخلوا على الحافظ ليودعوه ويدعو لهم بالنصر والسلامة على العادة، قضوا حق الخلافة وانصرفوا إلا جلب راغب فإنه وقف؛ فقال الحافظ: قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك، ألك حاجة؟ فقال: يأمرني مولانا بالكلام. قال: قل. فقال؛ يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غيرك؛ وقد كان السلطان استزلني فسفهت نفسي وأذنبت ذنبا عظيما عفوا مولانا أوسع منه وأعظم. فقال له الحافظ: قل ما تريد غير هذا فإنا غير مؤاخذيك به. فقال: يا مولانا قد توهمت أنك تحققت أني ماض في حالة السخط، وقد آليت على نفسي أن أبذلها في الجهاد فلعلي أموت شهيدا، قد صنع ذلك سخط مولانا علي. فقال له الحافظ: انته عن هذا الكلام، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك، فأي شيء تقصد؟ فقال: لا يسيرني مولانا تبعا لغيري، فقد صرت مرارا كثيرة مقدما، وأخشى أن يظن أن هذا التأخير للذنب الذي أنا متعرف. قال: لا، بل مقدما وصاحب الخريطة. وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي تقرر للتقدم والخريطة إلى جلب راغب، وأعطى مائتي دينار وقال: له استعن بهذه. فعد هذا من الحلم الذي ما سمع بمثله. وكان الغالب على أخلاقه الحلم. وكان مقدم المطالبين يجيء إلى الخليفة الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر؛ فجاء يوما وأخبر أنه وجد حوضا لطيفا قريبا من معلف الجمال، فلم يتعرض له. فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به، فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو واضع أصبعا في فيه وأصبعا أخرى في دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ذلك؛ فلما أخذ الصنم ضرط ضرطة عظيمة، فألقاه من يده وقد اشتد خجله. فقام موفق، أحد الأستاذين المحنكين، ليناوله إياه فضرط أيضا. فأمر الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج. ووجد في مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ مفضل،

المعروف بصدر الباز، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال، وعيناه من ياقوت أحمر، وفي فمه جرس من ذهب. فأعلم به الحافظ، فلم يزل يبحث عن خبره حتى أحضرت له عدة أحناش كبار، وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرة أو مرتين وتسقط ميتة. وكان الحافظ حريصا على علم السيميا. فظهر في أيامه الشيخ أبو عبد الله الأندلسي، شيخ بني الأنصاري أوحد زمانه في علم السيمياء، فسأله الحافظ أن يريه شيئا من ذلك؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجة ماء، فيها سفينة متعلقة وشواني حرببات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها؛ والحافظ يرى لمعان السيوف ومرور السهام وخفقان البنود، ورءوس الرجال وهي تسقط عن كواهلها، والدماء تسيل؛ حتى سلم أصحاب السفينة لأصحاب الشواني فساروا بها والأبواق تزعق والطبول تضرب، إلى أن غابت عن الأبصار في لجج البحار. ثم كشف عن الحافظ فإذا هو قصره. ثم أمره أن يريه شيئا آخر: فقال: لنخرج من في مجلس أمير المؤمنين إلى منزله؛ فأمرهم؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة بباب القصر، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلا ن رأى فرسه كأنه ثور وقرناه كأعظم ما يكون من القرون؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا، فضحك وقال: افدوا دوابكم منه. فقطع كل واحد منهم على نفسه شيئا فأمر له به. وما زال مقيما بمصر حتى مات. وكان في أيام الحافظ أيضا ابن محفوظ، سأله أن يريه شيئا من أعماله؛ فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر، فلما وضعت بين يديه امتلأت ياسمينا في غير أوانه، وصار يعلو على كل طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض، إلى أن صار كأربعة أعمدة من رخام متقابلة

الظافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد ابن المستنصر بالله

ولد يوم الأحد، النصف من ربيع الآخر، سنة سبع وعشرين وخمسمائة؛ وبويع في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله، وهو كما تقدم يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام؛ بوصية من أبيه له بالخلافة. وكان أصغر أولاده وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل، وهما أسن منه؛ وركب بزي الخلافة. واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال، بوصية الحافظ بذلك أيضا، ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة؛ وهو يومئذ من أكابر الأمراء، وهو شيخ لين متواضع. فسكن دار المأمون البطائحي. وصار أبو الكرم التنيسي من ذوي رأيه. وأول ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع في القصر، ووقف بباب الملك بالإيوان المجاور للشباك؛ وأحضر ابني الأنصاري، وهما أبو عبد الله وأبو واستدعى متولى الستر، وهو صاحب العذاب، وأحضرت آلات العقوبة؛ وضرب الأكبر

بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك، وثنى بأخيه كذلك، ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلت ألسنتهما من أقفيتهما، وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني فأقاما زمانا ثم وضعا. وكان سبب قلتها أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصلا بالحافظ، فاستخدمهما في ديوان الجيش، فوثبا على رؤساء الدولة وأعيان كتابها وخواص الخليفة من الأستاذين المحنكين، مثل الأجل الموفق كاتب الدست وكان موضع سر الخليفة ومحل مشورته في الأمور العظام من أحوال الممالك ومن يليه، كالقاضي المرتضى المحنك، والخطير ابن البواب، وتجرآ على المذكورين وغيرهم مع قلة دربة. فكثر حسادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات في كل سنة، ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير، فيصير ذلك الخرج إلى عالم الإقطاعات، وهو تحته. فذكرا في أحد الخروجات كلاما طريفا ليؤخذ عليه خطهما ليوقف عليه الخليفة حتى يتبين له جهلهما، وهو: حبطست حبطست، وفي النهر قد غطست، بغلالة أرجوان، صفراء بزعفران. فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطهما؛ وخرج من أيديهما، فأحضر إلى الأجل الموفق ابن الحجاج، كاتب الدست؛ فأخذه ودخل به إلى الخليفة الحافظ، وقال: يا مولانا، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه الدولة ومن يتولاها، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها، يقصد التشنيع عليها. فقال له الحافظ: يا مولاي الموفق، هبهما لي. فقال: يا مولانا، كلنا مماليكك. وخرج؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا؛ فزاد أمرهما في الدولة على الخليفة والاستعلاء على الناس. وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهرا ليراه الناس، فجدد له ديوانا سماه

ديوان الترتيب، وجمع فيه من يخدم في ترتيب الأعمال صفقة صفقة، وأن يكون أميرهم بجار يقرر له وهذا الترتيب يقال له في غير هذه الدولة صاحب البريد فكان يكاتب متولى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمة بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه. فورد كتاب بعض أصحاب الترتيب بقضية، فأجابه بكلام، وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى، فحرفها وقالها على غير ما أنزلت؛ ووقع الجواب للموفق، فأخذ في كمه مصحفا ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصاري، وقال: يا مولانا، هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك، وهو المنزل على جدك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشكو إليك جناية ابن الأنصاري عليه، فخذ بحقه لهذه الجنايات، والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره، فإن المملوك لم يزل يتتبع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدولة فيشيعوا ذلك في الدول المخالفة لها. فقال له الحافظ: أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت؛ وقد كنت سألتك فيهما مرة، وهذه الثانية، فإن لهما علينا خدمة. فقال: العفو يا مولانا. وانصرف ولم ينل منهما غرضا. فأمر الحافظ ابن الأنصاري الأكبر أن يمضى إلى الأجل الموفق ويخدمه في داره. وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوما بين أبي المكارم ابن أسامة وبين الموفق، إلا أن ابن أسامة لا يلتفت لأمر الديوان لكثرة شغله بدنياه، فاستناب ابنه أبا المنصور عنه، وكان يحلق بأبيه في الاشتغال بأمر دنياه عن النيابة، فصار اعتماد الخليفة في الديوان بأجمعه على الأجل الموفق؛ وكان ينفذه ولا يشق ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة. ثم لما مات أبو المكارم أسامة، وكان في الظن أن ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه، سبق ابن الأنصاري وسأل الحافظ فاستخدمه في النصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا للموفق فيه؛ وانفرد الموفق بالإنشاء. ونعت ابن الأنصاري بالقاضي الأجل سناء الملك، وأمره الحافظ بخدمة الموفق وأن يقنع معه بمجرد الرتبة. فشق ذلك على الموفق وصبر على ضر. وقرر أبو المنصور بن أسامة في ديوان الترتيب مكان ابن الأنصاري. وتجند ابن الأنصاري الأصغر وتأمر في يوم واحد، وخلع عليه بالطوق، ورتب في زم

الإمرية، وهي إمرة طوائف الأجناد. فكثر الأعداء وتعددت الحساد؛ واشتغل الناس بهما وأطلقوا الألسنة بذمهما، فكان يقال: هذا الأمير الطاوي، ابن الأنصاري. ولج الناس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم، حتى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظافر ما تقدم ذكره. وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدة من المفسدين ببعض القرى، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتى كسرهم. وكان الأمير المظفر سيف الدين معد الملك ليث الدولة علي بن إسحاق بن السلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والي الغربية. فلم يرض ابن السلار بوزارة ابن مصال، وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه، بالغربية واتفقا على القيام وإزالة ابن مصال. فبلغه ذلك، فأعلم به الخليفة الظافر؛ فجمع الأمراء في مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول: هذا نجم الدين وزيري ونائبي فمن كان يطيعني فليطعه ويمتثل أمره. فقال الأمراء: نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون فرجع الزمام بهذا الجواب. فقال أمير من الأمراء، شيخ يقال له درى الحرون، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن السلار: إن سمع مني ما أقول قلت. فقال له الوزير:: قل. قال: مولانا، صلوات الله عليه، يعلم وأنت تعلم أن ما في الجماعة من يضرب في وجه ابن السلار بسيف، وأولهم أنا؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر لله وله. فلما سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر، وشدوا على خيولهم، وساروا يريدون ابن السلار.

فلما غلب الظافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالا كثيرا، وأمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده. وسار ابن السلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة له به، فخرج إلى جهة الصعيد، وعدي إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان، عندما سمع بوصول المظفر. وقدم ابن السلار إلى القاهرة في يوم الأربعاء خامس عشر شعبان، فوقف على القصر وسير إلى الظافر وإلى من يدبره من النساء يعلم بحاله. فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة؛ ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش، شرف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين. وبقي يحقد على الظافر ميله مع ابن مصال؛ وفي نفس الخليفة نفور منه أيضا. وسكن دار الوزارة. وجمع ابن مصال كثيرا من السودان ومن العربان ولواتة وغيرهم، وانضم إليه بدر بن رافع، مقدم العربان، وسار بهم. فندب ابن السلار ربيبه المظفر أبا منصور ركن الدين عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس في عسكر، فنزل بركة الحبش. وقدم ابن مصال أمامه الماجد في عسكر، فطرق عباسا على حين غفلة وقتل من عسكره كثيرا، وانهزم جماعة؛ وثبت عباس حتى أتته النجدة من الغد فكر على أصحاب ابن مصال وقاتلهم، فلم يفلت منهم إلا من سبحت به فرسه في النيل؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه. فسار ابن مصال إلى بلاد الصعيد بجميع الأجناد والعربان. وشرع ابن السلار يجهز عباسا فجهزه في جيش كثيف وبادر بالخروج خوفا من الاجتماع على ابن مصال؛ فسار إلى دلاص ومعه طلائع بن رزيك، وهو أحد المقدمين، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدة وجوه؛ فانجلت الوقائع عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع مقدم العربان في يوم الأحد التاسع عشر من شوال. ويقال إنه بلغت عدة

القتلى سبعة عشر ألفا. فعاد عباس وقد قوي ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة، فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشري ذي القعدة، وحمل أهله وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة؛ وخلع على ابن السلار. وكان ابن مصال من أهل برقة. وخدم أولا في البيدرة والصيد هو وأبوه، فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة. واتفق أنه مر في وزارته مرة فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره: سليم ووزرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وزرت وبقي أحد. فضحك وأمر لها بصلة. وكان العادل ابن السلام منذ استقر في الوزارة أخذ ينظر في أمر الأجناد المعروفين بالنهضة والعزم وزاد في أرزاقهم، وتفقد خزائن السلاح، وحفظ النواميس، وشد من مذهب أهل السنة، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية. وقدم عليه مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ، فأكرمه. إلا أنه كان يستوحش من الظافر وخائفا على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخوذ نحو الستمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين في كل يوم نوبة؛ وأوهم أن الخليفة خبأ له قوما يغتالونه بالقصر. فنقل جلوس الخليفة من القاعة التي يدخل إليها من الدهاليز المظلمة إلى الإيوان في البراح والسعة. فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلهم، فيجلس الخليفة في الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه ومع هذا يبالغ في الخدمة ويظهر الطاعة، ولا يخل بها في قول ولا فعل. وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاص وفيهم

من هو أمير؛ فبلغ ابن السلار أنهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا عليه وهو في داره ليلا ويقتلوه. فلما كان في سادس عشري رمضان أغلق القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاص وقتلهم؛ وفر منهم عدة، فكتب إلى الولاة بقتل من ظفر به منهم. وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم. وأصل هذه الطائفة التي كانت تعرف بصبيان الخاص أن من مات من الأمراء والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع في أماكن مخصوصة ويؤخذ في تعليمه أنواع الفروسية من الرمي وغيره؛ ويقال لهم صبيان الخاص. وأخذ ابن السلار في الاحتفال بأمر عسقلان وسد خللها، وحمل إليها من الغلال والأسلحة شيئا كثيرا. وولي عضد الدولة ناصر الدين نصر بن عباس ربيبه مصر بشفاعة جدته أم عباس، وكان فيه جرأة، فاستدناه الخليفة الظافر وقربه واختص به. وفيها قتل الموفق أبو الكرم محمد بن معصوم التنيسي في يوم الجمعة الرابع من شوال وكان يتولى نظر الديوان. وذلك أن ابن السلار لما كان في بداية أمره من جملة الصبيان الحجرية دخل يوما على الموفق بن معصوم برسالة وأعادها عليه مرارا وأغلظ له في القول فنفرت منه نفس ابن معصوم. فكتب له مرة منشور بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته. فلما رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانة له وكراهة فيه؛ فقال له ابن السلار وقد تكرر سؤاله وهو يعرض عنه: ما تسمع؟ فقال له الموفق: كلامك ما يدخل في أذني أصلا. فولى ابن السلار وخرج من غير أن يكتب له. وصرف الدهر ضرباته، وصار ابن السلار وزيرا وابن معصوم ناظر الدواوين؛ فلما دخل عليه قال له: يا قاضي، ما أظن كلامي يدخل أذنك، فتلجلج وقال: عفو السلطان. فقال: قد استعملت العفو بخروجي

من عندك. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة، وقال: والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت. وأمر به فجر وضرب المسمار في أذنه حتى نفذ من الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة وعلق عليها ميتا، ثم أنزل بعد أيام. وفيها رمي برأس سعيد السعداء الخادم من القصر في سابع عشر شعبان، ثم أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق. وهو هذا الذي تنسب إليه دويرة سعيد السعداء التي هي اليوم خانقاه برحبة باب العيد. وفيها قتل تاج الرئاسة ابن ... المأمون البطائحي في رابع عشر صفر. وفيها مات أبو الحسن علي بن الحسن البيساني، والد القاضي الفاضل عبد الرحيم ابن علي، وكان قاضي بيسان والناظر فيها؛ ومولده في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذي الحجة سنة ستين وأربعمائة

سنة خمس وأربعين وخمسمائة @YY545

فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها، وحرقوها وأخربوها، في رجب

سنة ست وأربعين وخمسمائة @YY546

فيها جهز أبو منصور علي بن إسحاق، المعروف بالعادل ابن السلار، المراكب الحربية بالرجال والعدد، وسيرها في ربيع الأول إلى يافا، فأسرت عدة من مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها. ثم توجهوا إلى ثغر عكا فأنكوا فيهم؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس فأبلوا بلاء حسنا، وظفروا بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم. وبلغ ذلك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ملك الشام، فعزم على قصد الفرنج ومحاربتهم في البر، ولو قدر ذلك لقطع الله دابر الفرنج، لكنه اشتغل بإصلاح أمور دمشق. وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلثمائة ألف دينار. وسبب مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما. وفيها قطع العادل بن السلار جميع الكسوات المقررة للناس في الدولة فعم ذلك الأمراء والدواوين وغيرهم.

سنة سبع وأربعين وخمسمائة @YY547

فيها صرف ابن السلار أبا الفضائل يونس عن القضاء، وكان من الأعيان النزهين الأنفس، الكبيرين الهمم، العظيمين القدر، لم يشرب قط ماء النيل بل ماء الآبار، ولم يأكل خبز السلطان. وقرر عبد المحسن بن محمد بن مكرم من بعده؛ ثم صرفه وولى بعده بدر بن ثمال بن نصير، وقيل بل الذي تولى بعده أبو المعالي محمد بن جميع ابن نجا الدسوقي الشافعي.

سنة ثمان وأربعين وخمسمائة @YY548

فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج، وكانوا قد نزلوا عليها في السنة الخالية. وكانت العادة أن يخرج في كل ستة أشهر عسكر بدلا من العسكر الذي بالثغر. فلما قدم البدل كانت النوبة لركن الدين المظفر أبي منصور عباس بن تميم ربيب العادل. فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عباس والأمير ملهم والضرغام وأسامة ابن منقذ وغيره، وكان لأسامة بعباس اختصاص كبير. فلما نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكر عباس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدو، فتأوه عباس أسفا على مفارقته لذاته بمصر، وأخذ يلوم العادل ويثرب عليه من أجل كونه أخرجه. فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر. فقال: وكيف لي بذلك؟ فقال: هذا ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمك، فإنه يحبك ويكره عمك؛ فإذا أجابك فاقتل عمك. فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله، فاستدعى ابنه وأسر إليه بما تقرر بينه وبين أسامة وسيره سرا إلى القاهرة. وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عباس بالخليفة الظافر، وقال لعباس وأمه والله ما ينبغي اجتماع نصر بالخليفة؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربما نتج من شابين ما لا ينبغي. وقال لأم عباس: لا يدخل ابنك داري إلا بإذني. فكأنه يوحي بأنه قاتله. فلما سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل أمكنته فيها الفرصة، فاجتمع بالظافر وأعلمه بالحال التي قدم من أجلها، فأعجبه ذلك وأذن فيه، لما كان في نفسه من قتل ابن السلار لصبيان الخاص وغير ذلك. ففارق نصر

الخليفة وقد قوى عزمه، وأتى إلى دار جدته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة العادل، وأخبر العادل بأن أباه سمح له بالعود إلى القاهرة شفقة عليه وخوفا من وعشاء السفر فقبل ذلك ومشى عليه. فلما أصبح العادل يوم الخميس سادس المحرم مضى من أول النهار إلى مصر لتجهيز المراكب الحربية والنفقة في رجالها وعرضها؛ فظل نهاره في تهيئة ذلك ليلحق عباسا، وعاد في أثناء النهار إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقة وتعب تعبا كثيرا. فلما استلقى على الفراش لينام، وكانت امرأته جدة نصر قد توجهت إلى الحمام وخلا له البيت؛ فجاء إلى باب السر ودخل منه ومعه سيف، فإذا العادل قد نام وقت القائلة، فاخترط سيفه وضربه وهو خائف، فوقعت الضربة على رجله، فثار من فراشه وأبصره، فقال: إلى أين يا كليب! وخرج نصر يعدو، وكان قد أعسته جماعة من أصحابه، فلما صار إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له: قد قتلت نفسك وقتلتنا! ودخلوا وهو معهم، فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو يحدثه فقتلوه وأخذوا رأسه، فطلع بها نصر إلى الظافر. وماج الناس في القاهرة. وسرح الطائر للوقت بطلب عباس من بلبيس، فقام من فوره وصار إلى القاهرة، فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرم، ثاني يوم قتلة العادل؛ فوجد جماعة من الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم مما وقع؛ فأخذ يسكن أمرهم، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه. وخرجوا يدا واحدة فساروا إلى دمشق. وكانت قتلة العادل في يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم، وله في الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر. ولما حملت رأسه إلى الظافر أشرف من باب الذهب، ونصبت الرأس ليراها الناس، ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس، وما تحرك لها ساكن، ولا تكلم أحد. إلا أن نائحة كانت تسمى خسروان كانت قد مهرت في صناعة النياحة على الأموات، وصارت تنشىء في نواحها الروائع، فقالت فيه ترثيه سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة: ما تقبل الغفلة يا شهيد الدار يا شبيه ذي النورين صاحب المختار

وبطل مسير العساكر إلى عسقلان. فسر الفرنج ما جرى، وكانوا محاصرين لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن؟ فلما صح الخبر لهم وهنوا لانقطاع المدد عنهم حتى أخذها الفرنج وتقووا بأخذها. واستعرضوا كل جارية ومملوك بدمشق من النصارى، وأطلقوا قهرا من أراد منهم الخروج من دمشق إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى. ولما وصل عباس خلع عليه الظافر خلع الوزارة في يوم الجمعة المذكور، ونعت بالأفضل ركن الإسلام، فباشر وضبط الأمور، وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد لينسيهم العادل. واستمر ولده نصر على مخافطة الخليفة، عن كل أحد، وأبوه لا يعجبه ذلك. وواصل الخليفة الطافر نصر بن عباس بن تميم بالعطاء الجزيل، فأرسل إليه في يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار؛ ثم أغفله أياما وحمل إليه كسوة من كل نوع؛ وأغفله أياما وبعث إليه خمسين صينية فضة فيها خمسون ألف دينار؛ وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثون بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها وحبالها. وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل في قتل نصر لابنه عباس كما قتل زوج جدته العادل ابن السلار، فبلغ ذلك أباه على لسان أساة بن منقذ فلاطفه واستماله. وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس، التي هي اليوم المدرسة المعروفة بالسيوفية. فخاف عباس من جرأة ابنه وخشى أن يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السلار، فعتبه سرا ونهاه عن ملازمة الخليفة وابنه، فلم يفد فيه القول.

وفيها وصلت مراكب من صقلية، فملكوا مدينة تنيس. وفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية، وقام من بعده ابنه وليالم بن رجار بن رجار، فاسترد المسلمون سواحل إفريقية والمهدية.

سنة تسع وأربعين وخمسمائة @YY549

فيها استدعى الظافر ناصر الدولة نصر بن عباس وأخرج له صينية من ذهب فيها ألف حبة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرد أخضر ذبابي، وأمر له من بيت المال بعشرة آلاف دينار مصرية، فقتله بعد هذه الهدية بستة أيام. وذلك أنه خرج الخليفة الظافر متنكرا من قصره في ليلة الخميس سلخ المحرم ومعه خادمان، وسار على عودته إلى دار نصر بن عباس، فقتله نصر، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه؛ وقتل سعد الدولة، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر، وفر الآخر. وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عندما علموا أنه هو الذي حسن لعباس قتل ابن السلار وتحدثوا بقتله، وقيل للظافر عنه إنه غريب ومن دولة أخرى وإن في تركه وقوع ما لا يمكن تداركه. فلما بلغ أسامة ذلك أخذ يغري عباسا بابنه نصر ويبالغ في القصة حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك واتهامهم الخليفة أنه يفعل به ما يفعل بالنساء. فشق على عباس ولام ابنه، فلم يصغ إلى لومه. فلما أنعم الظافر على نصر بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة، وكان

حاضرا، ما هي بمهرك غالية. فامتعض لذلك عباس وقال لأسامة: كيف الحيلة في الخلاص مما بلينا به؟! فقال: هين؛ هذا الخليفة في كل وقت يأتي إلى عند ولدك في داره خفية، فمره إذا جاء أن يقتله. فاستدعى عباس ابنه وقال: يا بني قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدث الناس في حقك بما أوجع باطني، وقد يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول. فاحتد نصر وقال له: أيرضيك قتله؟ فقال: أزل التهمة عنك كيف شئت. فأخذ نصر يعمل الحيلة في قتل الظافر وسأله أن يخرج إلى داره ليلا في سر من الخدم ليتفسحا في منزله ليلة واحدة؛ وكان منزله دار المأمون البطائحي. فخرج إليه في عدة يسيرة من الخدم؛ فلما تحصل عنده اغتاله، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الذين قتل بهم العادل ابن السلار، ورمى بهم في جب عنده، وغطى رأس الجب بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام المجلس، فخفى أمره. ثم مضى نصر إلى أبيه وعرفه قتل الظافر. وكان الظافر من أحسن الناس صورة، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما، منها مدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان محكوما عليه من الوزراء. وفي أيامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها، وظهر الوهن والخلل في الدولة، فإنه كان كثير اللهو واللعب مع جواريه، مقبلا على سماع المغنى. وهو الذي أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين في خط الشوايين من القاهرة.

وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين، فسار أبق إلى بغداد، وبها مات. وكان عند الإمام الظافر في قصر الروض ببغاء بيضاء تقرأ المعوذتين وتستدعي كثيرا من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم.

الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله أبي المنصور وإسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد

يقال في اسم أمه ست الكمال، ويقال إحسان. ولد يوم الجمعة حادي عشر المحرم، وقيل لتسع بقين من المحرم، سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وبويع له عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما وكان من خبره أنه ما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر في ليلة الخميس أصبح الوزير عباس متوجها إلى القصر في يوم الخميس على العادة، فلما صار إلى مقطع الوزارة وطال جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى زمام القصر مفلحا وقال له: إن كان مولانا ما يشغله عنا في هذا اليوم عدنا إليه في الغد. فمضى الزمام وهو حائر لا يدري ما يعمل وأعلم أخوي الظافر، يوسف وجبريل، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل، فأخبرهما بالقصة، ولم يكن عندهما من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عباس خبر ولا علما إلا في تلك الساعة؛ فلم يشكا حينئذ أنه قتل، وقالا للزمام: هبك اعتذرت اليوم هل يتم لك هذا مع الزمان؟ فقال: فما تأمراني؟ فقالا: اصدقه وحاققه. فعاد إليه وقال: ثم سر ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين. فقال: ما ثم إلا الجهر. فقال: إن الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك فلم يعد بغير العادة. فقال: تكذب يا عبد السوء، وإنما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل اللذين حسداه على الخلافة واغتالاه فاتفقتم على هذا القول. فقال: معاذ الله. قال: فأين هما؟ فخرجا إليه ومعهما ابن عم لهما يقال له أبو التقى صالح بن حسن بن عبد المجيد ابن محمد بن المستنصر، فقال: حضرا. فقال لهما: أين الخليفة؟ فقال الثلاثة: هو بحيث يعلم ابنك ناصر الدين، قال: لا، وإنما أنتما قتلتماه حسدا له. قالا: هذا بهتان

منك لأن بيعة أخينا في أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ذلك، وإننا لفي طاعته بوصية أبينا. فكذبهما، وأمر غلمانه يقتلونهم، الثلاثة. وكان في القصر ألف سيف مجردة، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى فيه من البغي الذي ينكره الله تعالى وجميع الخلق. وقال لزمام القصر: أين ابن مولانا؟ فقال: حاضر. قال: فدلني إلى مكانه. فدخل بنفسه إليه، وكان عند جدته لأمه، فحمله على كتفه وأخرجه للناس قبل أن يرفع القتلى، وبويع بالخلافة، ولقب بالفائز بنصر الله؛ وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب، وما زال مدة خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كل قليل.

ومن طريف ما وقع في هذا اليوم أن الوزير عباسا لما أراد الدخول إلى المجلس وجد بابه قد قفل من داخل، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ يقال له أمين الملك؛ فاحتالوا في الباب حتى فتحوه ودخلوا، فإذا أمين الملك خلف الباب وهو ميت وفي يده المفتاح. وفي أثناء ذلك حضر الخادم الذي أفلت من نصر إلى القصر وحدثهم بكيفية قتلة الظافر، فكثرت النياحة عليه بالقصور. وظن عباس أن الأمر قد استقام له، فجاء خلاف ما أمل. وأخذ أهل القصور في إعمال الحيلة عليه؛ وكان الأمراء والسودان قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ، وأضمروا له العداوة والبغضاء. فاختلفت عليه الكلمة، وهاجت الفتنة، وصار العسكر أحزابا ولبسوا السلاح. فخرج إليهم عباس في يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، فكانت بينه وبينهم محاربة انكسروا فيها منه، وقتل منهم جماعة. هذا وأهل القصر في تدبير العمل عليه، فبعثت عة الفائز إلى فارس المسلمين أبي الغارات طلائع بن رزيك، وكان واليا على الأشمونين والبهنسا، بالكتب وفي طيها

شعور النساء تستصرخ به على عباس؛ وكتب إليه أيضا الجليس بن الحباب. فامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء، وجمع العربان والأجناد مقطعي البلاد. وبلغ ذلك عباسا، فخرج من القاهرة بالعساكر في عاشر صفر، وجعل ابنه ناصر الدين بالقاهرة، وأنفذ إلى طلائع بحسين بن أبي الهيجاء، زوج ابنته، ليرده عما عزم عليه. فلما خلا به قال له: تقاتل عباسا وله خمسة آلاف مملوك!! قال: أقتاله بنفسي ونفسك. قال: أما الآن فنعم. ففت ذلك في عضد عباس لشهرة حسين وشجاعته. وعندما نزل عباس إلى إطفيح في بكرة يوم الثلاثاء، خامس عشره، لحق أعراب إطفيح بابن رزيك، فوافوه على أبويط، فسار بهم ونزل دهشور، فاضطرب عباس ورجع إلى القاهرة، وتفرق عنه الناس إلى طلائع بن رزيك، وصار من أهل البلد في مناكدة. وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال في الشوارع، فاستظهر عليهم عباس وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له. واتفق أنه مر يوما فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون، ورمى مرة بقدر مملوءة طعاما حارا؛ فقال: ما بقي بعد هذا شيء. وعزم على الفرار فلم يقدر، وغلقت أبواب القاهرة. واشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبر في الخروج من القاهرة، فأشار عليه بعض خواسه بتحريق القاهرة فأبى وقال: يكفي ما جرى. فلما عدى طلائع بن رزيك إلى حمول عول

عباس وولده نصر على المسير من مصر بكل ما يملكانه من مال وسلاح وما قدرا عليه من حواصل الدولة وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدي الرجال، ومائتا بغل رحل، وأربعمائة جمل تحمل أثقاله في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول بعد ما حلف الأمراء ألا يخونوه. وأحضر مقدمي العرب من رزيق وجذام وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة، وحلفهم. فلما كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة؛ وبلغ ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس في عشية نهاره، وخرج الناس إلى المقابر. وبات في عشاري، وأصبح، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره، فركب يريد القصر وقد خرج الأمراء إليه، منهم من قاتله ومنهم من انضم إليه؛ فلم يكن غير ساعة حتى انجلى الأمر عن فرار عباس وولده وابن منقذ؛ فنهب الناس دورهم. ودخل طلائع إلى القاهرة وشقها بعساكره في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول، وهو لابس ثيابا سوداء، وأعلامه وبنوده كلها سود، وشعور النساء التي أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح. فكان هذا من الفأل العجيب، فإن الأعلام العباسية السود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض بعد خمس عشرة سنة. ونزل طلائع بدار المأمون التي كان يسكنها نصر بن عباس. وأحضر الخادم الذي كان مع الظافر لما قتل، فأعلمه بالحال، فمضى راجلا من القصر إلى دار نصر بن عباس، واستخرج الظافر والأستاذ الذي كان معه، وغسلهما وكفنهما؛ وحمل الظافر في تابوت مغشى الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شق ثيابه ومعه الناس بأجمعهم حتى

وصل إلى القصر، فصلى عليه الخليفة الفائز، ودفن في تربة القصر مع آبائه. وجلس الفائز بقية النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر، وخلع على ولديه، ونعت بالأجل الناصر، سند الإمام، زعيم الأنام، مجير الإسلام، خدن أمير المؤمنين. وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل الوزارة؛ وخلع على حواشيه. وأجرى في الخلع مجرى الأفضل بالطيلسان المقور، وأنشىء له سجل عظيم نعت فيه بالملك الصالح، ولم يلقب أحد من الوزراء قبله بالملك، وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر. وكتب في سجله، على طرفه، بخط الفائز: لوزيرنا السيد الأجل الملك الصالح، ناصر الأئمة، كاشف الغمة، أمير الجيوش، سيف الإسلام، غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، هادي دعاة المؤمنين، أبي الغارات طلائع بن رزيك الفائزي؛ عضد الله بن الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى أبدا كلمته، من جلالة القدر، وعظيم الأمر، وفخامة الشان، وعلو المكان، واستيجاب التفضيل، واستحقاق غايات المن الجزيل، ومزية الولاء الذي بعثه على بذل النفس في نصرتنا، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحق مشايعتنا وطاعتنا، مما يبعثنا على التبرع له ببذلك كل مصون، والابتداء من ذاتنا بالاقتراح له بكل شيء يسر النفوس ويقر العيون؛ والذي يعمله هذا السجل من تقريظه وأوصافه، فالذي تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه، ولذلك شرفناه بجميع التدبير والإنالة، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من الكفالة. والله تعالى يعضد به دولتنا، ويحوط به حوزتنا، ويمده بمواد التوفيق والتأييد، ويجعل أيامه في وزارتنا ممنوحة غاية الاستمرار والتأبيد إن شاء الله تعالى.

وكان سجلا في غاية الطول والكبر، من إنشاء الآجل الموفق أبي الحجاج يوسف ابن علي بن الخلال. ونزل الملك الصالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدولة مشاة في ركابه إلى دار الوزارة، فجلس للهناء، وتقدم الشعراء فأنشدوا عدة مدائح ذكروا فيها هذه الحالة والواقعة. وكانوا عدة، منهم عبد الرحيم بن علي البيساني، والقاضي الأجل الرشيد أحمد بن الزبير،

والقاضي الجليس عبد العزيز بن الحسنين بن الحباب، والقاضي السعيد جلال الملك الأشرف ضياء الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن كاسيبويه، وأبو محمد يحيى ابن خير، الملقب ديك الكرم الشاعر، وغيرهم وأما عباس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال في الخروج إلى عباس، وأباحتهم جميع ما معه، وأن يعبثوا به إلى القاهرة، فأجابوا إلى ذلك، وخرجوا إليه. فلما أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه، فخذله أصحابه وفروا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام، فقاتل الفرنج حتى قتل؛ وأسر ابنه نصر فعمل في قفص حديد وحمل إلى القاهرة، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين سابع عشري ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج من يوم الاثنين الثامن عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى، وصلب سحرا على باب زويلة، فكان يوم عظيما عند الناس. واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم. ولما سير الفرنج بنصر بن عباس إلى القاهرة أنشد عندما عاين البلد: بلى؛ نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وخرج الناس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا في سبه ولعنه، وبصقوا عليه، حتى دخل القصر؛ وعرض في القفص وقتل؛ قتله الجواري نخسا بالمسال وصفعا بالنعال

وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إياه حتى مات، ثم أخرج وصلب على باب زويلة، وأحرق بعد ذلك. وتتبع الصالح من كان مع نصر بن عباس في قتل الظافر، فقتل قايماز وفتوح الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه في جماعة معهم. وثبتت أموره فنعت نفسه بفارس المسلمين نصير الدين، الصالح؛ ومدحه الشعراء بذلك. وشرع الصالح في الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم؛ وتتبع أرباب البيوتات والنعم والأعيان فسلبهم نعمهم. وقبض على عدة من الأمراء وقتلهم في ثالث عشر ربيع الأول، وعلى عدة من أرباب العمائم، منهم أبو الحسن علي بن سليم بن البواب ناظر الدواوين، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة، مليح الشعر والترسل، جيد الكتابة. وأخذ يعمل على الأمراء المتقدمين في الدولة، مثل ناصر الدين ياقوت، صاحب الباب، وكان قد ناب عن الحافظ مرة في مرضة مرضها مدة ثلاثة أشهر وكاد يوليه الوزارة؛ ومثل الأوحد بن تميم، والي دمياط وتنيس، فإنه كان قد تحرك لما سمع قضية عباس وسار يريد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزيك بيوم، فصار يحقد عليه كونه هم بأمر ربما نال به الوزارة، غير أنه لم يسعه إلا إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدقهلية والمرتاحية وهو يسر له المكر. وكان من أمراء الدولة تاج الملوك قايماز، وهو من أكابر الأمراء، ويليه ابن غالب؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما. ثم إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه، فنقله من ولاية دمياط وتنيس

إلى ولاية سيوط وأخميم؛ فخلت له القاهرة. وأظهر مذهب الإمامية وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدة ستة أشهر فقط؛ فتضرر الناس من كثرة ترداد الولاة عليهم. وضيق مع ذلك على أهل القصر طمعا في صغر سنة الخليفة. وجعل له مجلسا يحضره أهل الأدب في الليل وطارحهم فيه الشعر فهرع إليه الناس ودونوا ما ينظمه من الشعر، وكان ابن الزبير يعنه على إصلاحه وتنميقه.

فيها صرف الصالح عن قضاء القضاة أبا المعالي مجلى بن جميع، الفقيه الشافعي، وولى القاضي المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم في أخريات شعبان. فيها بلغ التليس ستة دنانير. فيها مات القاضي المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسي، المعروف بالمحنك، وكان قد ولي نظر الدواوين والخزائن؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه على الحافظ. ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام، أخو الوزير المأمون بن البطائحي، وصلى عليه الصالح. وفيها كتب المقتفي لأمر الله العباسي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي، صاحب دمشق بولاية مصر والساحل، وبعثه إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها لما بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير، وقيل له قد اختلت أحوال الدولة بمصر.

سنة خمسين وخمسمائة @YY550

فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها، وعاد مظفرا بعدة مراكب فيها حجاج من النصارى وغيرهم، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة. وفيها خرج على الصالح الأمير الأوحد بن تميم، والي إخميم وأسيوط، وجمع جمعا موفورا، فسير إليه الصالح عدة من العسكر، فكانت بينهما عدة وقائع أسفرت عن قتله الأوحد في يوم الأربعاء سابع عشر رجب. وفيها قدم الفقيه نجم الدين عمارة بن أبي الحسن علي، اليماني الحكمي في شهر

ربيع الأول، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين؛ فأحضر في قاعة الذهب من القصر يوم السلام، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك والأمراء، على العادة؛ فأدى الرسالة وأنشد: الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النعم لا أجحد الحق، عندي للركاب يد ... تمنت اللجم فيها رؤية الخطم قربن بعد مزار العز من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفدا إلى كعبة المعروف والنعم فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم وللإمامة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوة آيات تنص لنا ... على الخفيين من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلا ألسن تثنى محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذاخ ترفعها ... يد الرفيعين: من مجد ومن همم أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النجاة وأجر البر في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفراج للغم اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصنعين: السيف والقلم

وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم قد ملكته العوالي رق مملكة ... تعير أنف الثريا عزة الشمم أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنها من جملة الحلم يوم من العمر لم يخطر على أملى ... ولا ترقت إليه رغبة الهمم ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمى ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متهم عواطف علمتنا أن بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرحم خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلا على مفرق الإسلام والأمم زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى منة الديم فكان الصالح يستعيد أبياتها في حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون يذهبون في الاستحسان كل مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهبة، ومنح له الصالح خمسمائة دينار، وأخرجت إليه السيدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين خمسمائة دينار أخرى؛ وحمل المال معه إلى منزله، وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة؛ وتهادته أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم. واستحضره الصالح للمجالسة، ونظمه في سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليه صلاته، وعمره ببره. وصار يحضر في الليل عنده مع الشيخ الجليل أبي المعالي ابن الحباب، والشيخ الموفق ابن الخلال، وأبى الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبي محمد الحسن بن

الزبير، وولد الصالح مجد الإسلام رزيك، وصهره، الأجل المظفر الأمين، سيف الدين حصن المسلمين، ذي الفضائل والمناقب، يمين أمير المؤمنين، أبي عبد الله الحسين بن الأمير فارس الدولة أبي الهيجاء الفائزي الصالحي، وأخيه فارس المسلمين بدر بن رزيك؛ وقريبه عز الدين حسام، وضرغام، وعلي بن الزبرد، ويحيى بن الخياط، ورضوان بن جلب راغب، وعلي هوشات، ومحمد بن شمس الخلافة. وهؤلاء أهل مجلس الليل. وأنشده يوما وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة منها: دعوا كل شمتم غير بارق ... يلوح على الفسطاط صادق نشره وزوروا المقام الصالحي، فكل من ... على الأرض ينسى ذكره عند ذكره ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى ... فتجنوا على مجد المقام وفخره ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها ... فكل امرئ يرجى على قدر قدره فرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعيا. ومدحه في شعبان بقصيدة فدفع إليه الخريطة، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا.

ثم لما عزم على الرجوع ودع الخليفة والصالح بن رزيك بقصيدة، فأوسعاه إكراما وإنعاما، ورسم أن يكون تسفيره خمسمائة دينار كما كانت وفادته، وبعثت إليه السيدة مثل ذلك؛ وخلع عليه للسفر، ودفع له الصالح مائة دينار. وكتب له إلى ناصر الدولة والي قوص بمائة إردب من القمح وحملها من مال الديوان إلى مكة. وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران، صاحب عدن، ببراءته من ثلاثة آلاف دينار وإسقاطها عنه. وسار في شوال إلى مكة فتسلم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال الديوان. ولما وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار وأسقطها عنه، فسير إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك؛ فلما وقف عليها قال: قد فرطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا، ولقد كان إمساكه للخدمة والصحبة أولى. ثم عاد بعد ذلك بمدة، واستقر بعد ذلك من جملة خدام الدولة وخواصها. فيها مات الفقيه أبو المعالي مجلى بن جميع بن نجا المخزومي القرشي الأرسوفي الشافعي، صاحب كتاب الذخيرة في الفقه.

سنة إحدى وخمسين وخمسمائة @YY551

فيها نزع السعر ووقع الغلاء بديار مصر، فلحق الناس منه شدة

سنة اثنين وخمسين وخمسمائة @YY552

فيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين، فشرع الصالح في النفقة على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد الفرنج. فأخرج سرية في سابع عشر جمادى الأولى وأتبعها بأخرى في رابع عشر جمادى الآخرة؛ فوصلت الأولى إلى غزة ونهبت أطرافها، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت مظفرة غانمة. ثم ندب سرية ثالثة، فمضت إلى الشريعة فأبلت بلاء حسنا وعادت ومؤيدة. وسير المراكب الحربية فانتهت إلى بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج وأسرت منهم وغنمت. وسير عسكرا في البر إلى بلاد الشوبك فعاثوا فيها وغاروا ورجعوا بالغنائم في رجب ومعهم كثير من الأسرى. ثم سير الأسطول إلى عكا فأسروا نحوا من سبعمائة نفس بعد حروب كثيرة، وعاد الأسطول في رمضان. وجهز سرية فغارت على بلاد الفرنج وعادت بالغنائم في رمضان. ثم بدأت سرية في أول ذي القعدة وأردفها بأخرى في خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا غانمين. وفيها قدم رسول نور الدين محمود صاحب دمشق.

وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية، فقبض عليهم نائب الثغر وجهزهم. وفي سلخ ذي الحجة قبض الصالح على الأمير ناصر الدولة ياقوت والي قوص وعلى أولاده واعتقلهم من أجل أنه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصالح وأخذ الوزارة. وكان ناصر الدولة في ولاية قوص من أيام عباس، ولما استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر الدولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر، فأعاد جوابه يظهر الزهد في ذلك وأنه تركه من أيام الخليفة عن قدرة، ظنا منه أن طلائع لا يصلح ولا يتم له ما يريد من مقاومة عباس؛ فخاب رجاؤه. ولم يزل به الصالح حتى أودعه السجن، ولم يزل به حتى مات فيه في رجب من الآتية. وفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة، طوله من رأسه إلى قدمه أربعة أشبار، وله عدة أولاد؛ فدخل على الصالح حتى رآه. في هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر، وأكثر حماة وبعض كفر طاب وأفامية؛ وزلزلت في حلب وغيرها من البلاد؛ وكانت بدمشق خفيفة لم تخرب شيئا، ودامت مدة بأرض الشمال.

وفيها سقطت دار بخط سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها، من جملتهم امرأة ترضع ولدا أخرجت من تحت الردم ميتة، وأخرج الطفل ابنها في ثاني يوم وهو حي، فسلم إلى من ترضعه، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال. واتفق أيضا في هذه السنة أن السديد أبا النقباء صالحا كان يخدم في عمالة الرباع السلطانية بمصر، ومما يجري فيها دار ابن معشر عند فم السد الذي يفتح كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النيل، فإذا كان قرب الوفاء رسم بمرمة هذا الدار، فرممت وأسكنت في موسم الخليج، فيتحصل من أجرتها في يوم وليلة ما يتحصل من أجرة سنة كاملة. فرمها في هذه السنة وأسكنها على العادة، وسكن في بيت تحتاني منها، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحدا، فسقطت وهلك جميع من فيها إلا هو، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه رمق فبرأ وعاش مدة طويلة، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الروم من القاهرة اندقت ساقه في درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه.

سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة @YY553

في المحرم جهز الصالح أربعة آلاف وأمر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ضرغاما للغارة على بلاد الفرنج، فساروا في صفر إلى تل العجول وحاربوا الفرنج في النصف منه، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم. وسير عسكرا في آخر في شعبان، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدة غنائم ما بين خيول وأموال. وفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكي؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون في الصلح؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدة له على صاحب صقلية. وفيها خرجت من القاهرة سرية إلى بيت جبرين وعادت غانمة. وسار الأسطول في يوم الجمعة ثالث عشري ربيع الآخر فانثنى إلى تنيس في الثامن من شعبان وأقعل منه إلى بلاد الفرنج. وفي سادس عشري ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدي الغزاة بالغنائم. وفي ربيع الآخر سار عسكر إلى وادي موسى فنزل على حصن الدميرة وحاصره ثمانية أيام، وتوجه إلى الشوبك وأغار على ما هنالك؛ وأقام أميران على الحصار وعاد بقية العسكر.

وفي التاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرب وعاد بالغنائم. وورد الخبر بوقعة كانت على طبرية كسر فيها الفرنج وانهزموا، فأخذ الصالح في النفقة على طوائف العسكر، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار. فلما تكامل تجهيزهم سير خمس شوال في الخامس من شعبان، فتوجهت لسواحل الشام، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى في الثاني والعشرين من رمضان. وخرج العسكر في البر وقد ورد الخبر بحركة متملك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد، فلما بلغه سير العسكر لم يتحرك، ورجع العسكر. وجهز رسول محمود بن زنكي بجواب رسالته ومعه هدية فيها من الأسلحة وغيرها ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له على جهاد الفرنج. وكتب إلى الصالح كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال الفرنج، فوصلت إليه في سادس عشر من شهر رمضان، ولبس نور الدين خلعة الملك الصالح طلائع؛ وانقضت السنة في تجهيز العساكر في البر والبحر ومسيرها وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة، منهم أخو القمص صاحب قبرص، فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية. وكثرت الغنائم من الفرنج بالقاهرة حتى امتلأت الأيدي بها. وقال الصالح في هذه الغزوات عدة قصائد مطولة.

وفيها مات القاضي المفضل كافي الكفاة محمود بن القاضي الموفق إسماعيل بن حميد القاضي، المعروف بابن قادوس، في سابع المحرم؛ فحضر الصالح إلى داره بمصر ومشى في جنازته حتى صلى عليه، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام بالقرافة. وكان من أماثل المصريين وأعيان كتابهم، مقدما عند الملوك. وله ديوان شعر.

سنة أربع وخمسين وخمسمائة @YY554

في شهر ربيع الأول، في خامسه، قدم رسول الفرنج بهدية لطلب الهدنة. وقدم رسول نور الدين يخبر بأنه متوجه نحو بلاد الفرنج، وأشار بإخراج عسكر نحوهم؛ فخرجت سرية إلى غزة. وعاد رسول نور الدين، وهو الحاجب محمود المسترشدي، وصحبته الأمير عز الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب الآمري؛ وكانا قد توجها إلى نور الدين في السنة الخالية وخرجا من دمشق في نصف صفر. فندب الصالح العساكر للغارة، وأنفق في ستة آلاف وخمسمائة فارس، فساروا في سادس جمادى الأولى. وتوجه الأسطول في البحر، وذلك أن ملك القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدين بذلك، فكتب نور الدين يستنجد الملك الصالح على الفرنج، فأنجده بذلك. وفي سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما. وفي هذه السنة خرج الأمير عز الدين أبو المهند حسام ابن الأمير الأسد جلال الدين فضة، وهو ابن أخت الملك الصالح، على عسكر لقتال طرخان بن سليط بن طريف والي الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصالح. فيها بنى الصالح على بلبيس حصنا من لبن. فيها توفى أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس ابن عبد الرحمن بن الليث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمي

في شهر رمضان بالإسكندرية. وقد حدث فسمع منه السلفي؛ وهو آخر من حدث عن الخيال. ومولده لست بقين من ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة. وتوفى الفقيه أبو الحسن وحشي بن عبد الغالب العادلي السعدي بمنية زفتى؛ وأخذ عن الطرطوشي وغيره. وتوفى بمصر أبو القاسم عبد السلام بن مختار اللغوي؛ سمع من بركات وغيره؛ وقرأ على العقبى. وله مدائح في الصالح بن رزيك وكان متصدرا بالجامع العتيق.

سنة خمس وخمسين وخمسمائة @YY555

فيها خرج إسماعيل، المعروف بروق، من القاهرة في ليلة الخميس حادي عشر المحرم، ولحق بأخيه طرخان والي الإسكندرية وقد جمع لحرب الصالح، فخرج إليه المظفر عز الدين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدين ورد على عسكر، ولحقهم المظفر سيف الدين حسين. وقد برز إسماعيل من الإسكندرية في جموعه وخيم على دمنهور، وتلقب بالملك الهادي؛ فطرقه العسكر، فهرب واختفى بالجيزة، فقبض عليه في سابع عشره. وعاد العسكر في ثالث عشريه، فهرب طرخان من معتقله في رابع ربيع الآخر، وظفر به في سادسه، فصلب على باب زويلة. ثم ضربت رقبة إسماعيل في ثامنه، وصلب إلى جانب أخيه. وكان أبو طرخان فرانا، فترقى طرخان في أيام الفتن حتى ولاه الصالح الإسكندرية في سنة ثلاث وخمسين. وقال الشعراء في صلبه عدة قصائد. وفيها مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب؛ ومولده يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستة أيام، منها مدة خلافته ست سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما.

ولم يلتذ بالخلافة ولا رأى فيها خيرا؛ فإن أباه لما قتل وبكر عباس إلى القصر وفحص عن الخليفة الظافر وقتل أخويه وابن عمه لينفي عن نفسه وابنه التهمة، دعي إلى القصر واستدعى ابن الظافر هذا وحمله على كتفه وله من العمر نحو الخمس سنين، ووقف به في صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه. فلما مثلوا بالقاعة قال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة اضطرب منها الطفل وداخله من تلك الصيحة، مع ما شاهده من رؤية عمه والخدام وهم في دمائهم، ما خبل عقله، وبال على كتف عباس، فسيروه إلى أمه؛ وأقام مختلا يصرع وجدته تكفله. وركب في الأعياد مغررا به؛ وخطب عنه قاضي القضاة وهو معه على المنبر. وقطع الخليج في أيامه في الليل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر، إلى غير ذلك من التحويزات. ثم وزر الصالح بعد عباس واستبد بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهي، ولا تعود كلمة. فدبرت عمة الفائز في قتل الصالح، وفرقت في ذلك نحو خمسين ألف دينار. فبلغ ذلك الصالح، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصقالبة سرا، والفائز في واد آخر من الاضطراب والاختلال. ونقل كفالته إلى عمته الصغرى، وطيب قلبها، وراسلها.

العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد

ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة؛ وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيام. وذلك أنه لما مات الخليفة الفائز ركب الصالح بن رزيك إلى القصر بثياب الحزن، واستدعى زمام القصر، وسأله عمن يصلح في القصر للخلافة؛ فقال: ههنا جماعة. فقال: عرفني بأكبرهم. فسمى له واحدا، فأمر بإحضاره. فتقدم إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سرا: لا يكن عباس أحزم منك رأيا حيث اختار الصغير وترك الكبير واستبد بالأمر. فمال إلى قوله، وقال للزمام: أريد منك صغيرا. فقال: عندي ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله، وهو دون البلوغ. فقال: علي به. فأحضر إليه بعمامة لطيف وثوب مفرط، وهو مثل الوحش، أسمر، كبير العينين، عريض الحاجبين

أخنس الأنف، منتشر المنخرين، كبير الشفتين. فأجلسه الصالح في البادهنج، وكان عمره إحدى عشرة سنة. ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء، وهي لبس ولي العهد إذا حزن على من تقدمه، وقام وألبسه إياها. وأخذوا في تجهيز الفائز؛ فلما أخرج تابوته صلى عليه وحمل إلى التربة. وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه، وأمر أن تحمل إليه ثياب الخلافة، فألبسها؛ وبايعه، ثم بايعه الناس؛ ونعته بالعاضد لدين الله. وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين. وأبوه أحد الأخوين اللذين قتلهما الوزير عباس. ولما بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلة؛ وركب الصالح بين يديه، وخرج من التربة قاصدا قصره. وكانت عادة الخلفاء أنه إذا ورد البشير إلى أخص أهل من يبايع يعطى ألف دينار؛ فلما بويع العاضد حضر المبشر إلى عمته فأعطته نزرا، فلما راجعها في الزيادة أبت عليه؛ فسئلت في السبب فقالت: هذا قاطع الخلفاء. وهكذا كان. واستقر العاضد اسما والصالح معنى، فتمكن وقويت حرمته، واستولى على الدولة وتمكن منها، ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، وأساء السيرة باحتكار الغلات، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة.

وفيها ولي الصالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السعدي الصعيد، فظهرت كفايته واستمال الرعية. وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدين محمود صاحب دمشق، فلبسها. وفيها توفى بمصر أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم، المعروف بنفطويه الحضرمي، المقرئ الأديب؛ رحل فسمع ببغداد وميافارقين وبمصر. وتوفي بعيذاب الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي، أخو القاضي الجليس؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها، وصنف كتاب مساوئ الخمر؛ وكتاب الحجة لسلف هذه الأمة في تسمية الصديق وارد على من أنكر ذلك؛ وكتاب تهذيب المقتبس في أنباء أهل الأندلس. وكان من الصالحين. وتوفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوار بن المختار بن الغرناطي بمصر، وكان من أعيان غرناطة، وله معرفة جيدة بالنحو؛ وكتب عن السلفي.

سنة ست وخمسين وخمسمائة @YY556

فيها عقد العاضد على ابنة الصالح ابن رزيك في مستهله بعدما امتنع من ذلك فحبسه الصالح حتى أجاب. وقصد الصالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولدا فيجتمع لبني رزيك الخلافة مع الملك. وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب، ودعا إلى نفسه، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقب بالمستنصر؛ وعزم على المسير إلى أذخ القاهرة، فخدعه الأمير عز الدين حسام بن فضة بن رزيك ووعده بالقيام بدعوته، وما زال يتلطف به حتى صار عنده في خيمته، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة، فقتل في شهر رمضان. وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، أبو الغارات طلائع بن رزيك. وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر، أخذت السيدة العمة ست القصور، وهي أخت الظافر الصغرى، في العمل على قتله، ورتبت مع قوم من السودان الأقوياء أن يقيموا منهم في باب السرداب من الدهليز المظلم الذي يدخل منه إلى القاعة جماعة، ويقيموا آخرين في خزانة هناك وأرسلت إلى ابن الراعي، وإلى الأمير المعظم بن قوام الدولة صاحب الباب وقررت معه أن يخلى الدهاليز من الناس

حتى لا يبقى بها أحد. فأعدوا في حجرة في دهليز القصر، وردوا عليهم طرف الضبة. فلما كان في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصالح على عادته للسلام على الخليفة، فلما انفصل من خدمة السلام بقاعة الذهب وخرج إلى الدهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الريفي، وأوقفه، وذكر له حديثا طويلا؛ فتقدم رزيك ابن الصالح، فخرج رجلان وثبا على الصلاح، ووقعت الصيحة، فعثر الصالح بأذياله، فتقدم إليه ابن الراعي وطعنه بسيف قطع أحد وريديه، وضربه العبيد بالسيوف فقطعوا عذيته ونزلت في لحمه وشلت سلسلة ظهره. فوضع يده على جرحه وأنشد: إن كان عندك يا زمان بقية ... مما تهين به الكرام فهاتها وضرب رزيك بن طلائع في عضده الأيمن. وتكاثروا على الصالح فسقط على وجهه منكبا واستفرغ بالدم فأدركه الأمير ابن الزبد وألبسه منديل ضرغام بن سوار، وكان

قد نزع منديله عن رأسه، وحمل حتى أركب على فرسه، وهو لا يفيق. وبقي حسين ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم خمسين رجلا. ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكبا، فقالت: رحنا والله. فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول: رحمك الله يا عباس، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته خليفة؛ فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به. وأنشد عند موته: وما ظفروا لما قتلت بطائل ... فعشت شهيدا ثم مت شهيدا فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء، العشرين من شهر رمضان، مات ودفن بالقاهرة، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته. ومولده في سنة خمس وتسعين. وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أياما. وكان فاضلا. سمحا في العطاء، سهلا في اللقاء، محبا لأهل الفضائل، جيد الشعر وخطه دون شعره. ويقال إنه من المغرب، وقد قصد أبوه زيارة قبر علي بن أبي طالب بالنجف فرأى أمام المشهد عليا وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر، فقدمها، وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال.

وأنشد له ابن خلكان: كم ذا يرينا الدهر من أحداثه ... غيرا وفينا الصد والإعراض ننسى الممات وليس يجري ذكره ... فينا، فتذكرنا به الأمراض وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة. بلغه أن أبا محمد ابن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو: تجنب سمعي ما يقول العواذل ... وأصبح لي شغل من الغزو شاغل فجهز له هدية سنية ليرسلها إليه، فقتل قبل إرسالها. وبلغه أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية. وكان وافر العقل رضي النفس، بصيرا بالتجارب عالما بأيام الناس، بصيرا بالعلوم الأدبية، محببا إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم والفساد. إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفا لما عليه مذهب العاضد وأهل الدولة. فلما بايع للعاضد وركب من القصر سمح ضجة عظيمة، فقال: ما الخبر؟ فقيل إنهم يفرحون بالخليفة. فقال: كأني بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا؛ وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم. وجرى من بعض الأمراء في مجلس السمر عنده انتقاص بعض السلف، وكان الفقيه عمارة جالسا فقام وخرج معتذرا بحصاة تعتاده، وانقطع في منزله ثلاثة أيام، ورسول الصالح يرد إليه كل يوم بالطبيب، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو في بستان مع جلسائه

في خلوة، فاستوحش من غيبته، فأعلمه أن لم يكن به وجع ولكنه كره ما جرى في حق السلف، فإن أمر السلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان في الأرض سعة وفي الملوك كثرة. فعجب الصالح من ذلك. وقال: سألتك بالله ما تعتقد في أبي بكر وعمر؟ فقال: أعتقد أنه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية، وما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه. ثم قرأ: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " فضحك الصالح، وكان هذا من رياضته، فإنه مخالف لمذهبه مخالفة لا يحتملها مثله إلا أنه مرتاضا حصيفا قد لقي الفقهاء وسمع كلامهم. وبعث يوما إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعة بخطه فيها هذه الأبيات يدعوه فيها إلى مذهبه: قل للفقيه عمارة: يا خير من ... أضحى يؤلف خطبة وكتابا اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى ... قل حطة، وادخل إلينا البابا تلق الأئمة شافعين، ولا تجد ... إلا لدينا سنة وكتابا وعلى أن يعلو محلك في الورى ... وإذا شفعت إلي كنت مجابا وتعجل الآلاف، وهي ثلاثة ... صلة، وحقك لا تعد ثوابا فأجابه عمارة: حاشاك من هذا الخطاب خطابا ... يا خير أملاك الزمان نصابا لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خرابا ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك، أطاعكم وأجابا

فاشدد يديك على صفاء محبتي ... وامنن علي، وسد هذا البابا وهو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة؛ ووقف ثلثي المقس على الأشراف، وتسعة قراريط على أشراف المدينة، وقيراطا على بني معصوم إمام مشهد علي الذي بشره بالمنام. ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني. وكان أبوه يسمى أسد رزيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر؛ وتوفى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ومن العجب أنه ولي الوزارة في التاسع عشر، وقتل في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر. وهو أول من خوطب بالملك في ديار مصر ونعت به. ومن عجيب الاتفاق أن عمارة أنشد مجد الإسلام رزيك بن الصالح بدار سعيد السعداء في ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها: أبوك الذي تسطو الليالي بحده ... وأنت يمين إن سطا، وشمال لرتبته العظمى، وإن طال عمره ... إليك مصير واجب ومآل تخالسك اللحظ المصون، ودونها ... حجاب شريف لا انقضى وحجال

فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام. قال عمارة: ودخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني رقعة فيها بيتان من شعره وهما: نحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنينا ... ليت شعري، متى يكون الحمام! فكان آخر عهدي به. ومما رثاه عمارة به قوله: أفي أهل ذا النادي عليم أسائله ... فإني، لما بي، ذاهب العقل ذاهله سمعت حديثا أحسد الصم عنده ... ويذهل واعيه، ويخرس قائله فقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الدست منصوبا وما فيه كافله وأنى أرى فوق الوجوه كآبة ... تدل على أن الوجوه ثواكله دعوني، فما هذا بوقت بكائه ... سيأتيكم طل البكاء ووابله ولم لا نبكيه ونندب فقده ... وأولادنا أيتامه وأرامله أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيسكن، أم تطوى ببين مراحله فيا ليت شعري بعد حسن فعاله ... وقد غاب عنا، ما بنا الدهر فاعله! قال عمارة: وكانت أحوال الصالح تارة له وتارة عليه؛ فما هو عليه فرط العصبية في المذهب، وجمع المال واحتجانه، والميل على الجند وإضعافهم والقص من أطرافهم. وأما التي له فلم تكن مجالس أنسه تنقضي إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية، وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته. وكان مرتاضا قد سمر أطراف المعالي وتميز عن أخلاق الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجردة.

وكان شاعرا يحب الأدب وأهله، ويكثر من جليسه، ويبسط من أنيسه. وكان كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنف كتابا سماه: الاعتماد في الرد على أهل العناد. وله قصيدة سماها: الجوهرية في الرد على القدرية ولما مات الصالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس في مرتبة أبيه، وبعث إلى العمة ست القصور من أهل القصور فسلمت إليه، فخنقها بمنديل ورميت قدامه، فبعثت السيدة العمة أختها إلى سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء، صهر الصالح، وحلفت له أنها لم تدر ما جرى على الصالح وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة. وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزيك بن الصالح فخلع عليه الوزارة، فإن الصالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبي الهيجاء الكردي مدبر أمره، ونعت بالسيد الأجل مجد الإسلام الملك العادل الناصر أمير الجيوش؛ وفسح له في أخذ من ارتاب به في قتل أبي، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الذي شغل الصالح بالحديث. واستحسن الناس سيرته، وسامح الناس بما عليهم من البواقي الثابتة في الدواوين. وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين؛ وسير على يد الأمير محمد بن شمس الخلافة نحوا من خمسة عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم، أمير الحرمين، برسم إطلاق الحاج. وظفر بقتلة أبيه ظفرا عجيبا بعد تشتتهم في البلاد.

وكان زفاف أخته إلى العاضد في وزارته فحمل معها بيوت الأموال. ونقل تابوت أبيه إلى القرافة. وسير إلى والي الإسكندرية بحمل عبد الرحيم بن علي البيساني، الملقب بالقاضي الفاضل، واستخدمه بين يديه في ديوان الجيش. وترامت الحال في أيامه بالأمير عز الدين حسام، قريبه، وعظم صيته، واستولى على تدبير كثير من أموره، وعظم غلمان أبيه. وكان فارسا شجاعا، له مواقف معروفة. وكان أبوه الصالح قد ولى شاور بن مجير بن نزار السعدي قوص، ثم ندم على ولايته وأراد عوده من الطريق، ففاته، وحصل بها؛ وطلب منه في كل شهر أربعمائة دينار، وقال لا بد لقوص من وال، وأنا ذلك؛ والله لا أدخل القاهرة، ومتى صرفني دخلت النوبة. فتركه. ولما جرح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات، إحداها ولاية شاور الصعيد الأعلى، والثانية بناء الجامع على باب زويلة، فإنه مضرة على القاهرة، والثالثة خروجي بالعساكر إلى بلبيس وتأخيري إرسالها إلى بلاد الفرنج؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتي ألف دينار. وأوصى ابنه رزيك ألا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا تأمن عصيانه والخروج عليك. فلما استمر رزيك بن الصالح في الوزارة حسنت له بطانته صرف شاور عن قوص ليتم الأمر له، وأشار عليه سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء بإبقائه، فقال ما أنا آبي ولا لي طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطي. فقيل له: ما يدخل أبدا. فلم يقبل، وخلع على الأمير نصير الدين شيخ الدولة ابن الرفعة بولاية قوص.

فيما خرج ملك النوبة إلى أسوان في اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين عالما عظيما. فيها مات بالقاهرة، في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من رجب، القاضي أبو الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الصويبي؛ وصويب قبيلة بن جذام. ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم، وتولى خزانة الكتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وولي قضاء فوة وعملها في محرم سنة سبع وأربعين. ومات بالصعيد كنز الدولة أبو الطليق يوسف، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه أبو العز فتوح في حادي عشر محرم.

سنة سبع وخسمين وخمسمائة @YY557

في عاشر المحرم أفرج العادل رزيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصالح ابن رزيك في ثالث عشري ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وهم صبح بن شاهنشاه، وأسد الغاوي ومرتفع الظهير. وفيها أنشأ الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام. وفي آخر ذي القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزيك. وذلك أن الأمير نصير الدين لما خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتابا إلى شاور بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة. فلما وصل إلى إخميم كتب كتابا إلى شاور وفي طيه كتاب رزيك، فلما وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر، قولا واحدا، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان.

سنة ثمان وخمسين وخمسمائة @YY558

فيها زالت دولة بني رزيك. وذلك أن مماليك الصالح وغلمانه، مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار، اشتد ظلمهم؛ وكان الصالح قد قدمهم حتى صار لكل منهم نحو المائتي مملوك، وطغوا في أيام رزيك حتى ضج الناس منهم. وقال بعضهم: أمنتم يا بني رزيك جهلا ... فذاك الأمر يتبعه الأماني أباد الله دولتكم سريعا ... فقد ثقلت على كتف الزمان وكان شاور بن مجير السعدي لما بلغه أن الناصر رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك عزله عن ولاية قوص وولي غيره اضطرب وخرج من قوص في جماعة قليلة، فسار على طريق الواحات في البراري حتى صار في تروجة، فاجتمع عليه الناس وقوي أمره وتزايد. فاهتم لذلك رزيك ورأى في منامه وكأنه قد صار رواسا في حانوت؛ فلما قص هذه الرؤيا على حسين بن أبي الهيجاء نظر عابرا، كان تاجرا حاذقا، يعرف بابن الأرتاحي، وأخبره بما رأى، فغالطه في التفسير، وفهم ذلك حسين. فلما خرج ألزمه أن يصدقه بتأويله ما رآه رزيك، فقال يا مولاي القمر عندنا هو الوزير كما أن الشمس الخليفة، والحنش المستدير عليه جيش مصحف، وكونه رواسا أقلبها تجدها شاورا مصحفا؛ وما وقع لي غير هذا. فقال اكتم هذا عن الناس. وأخذ حسين يحتاط لنفسه، وتجهز إلى الحجاز.

فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة. فوقع الصائح في بني رزيك، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام، ويحيى بن الخياط وبنو الحاجب ونظراؤهم، وصاروا إلى شاور. فأسقط في أيدي العسكر الباقي مع بني رزيك. وكان أول من نجا بنفسه حسين بن أبي الهيجاء، خرج فارا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام، فأجاره وحمله من أيلة في البحر إلى المدينة النبوية؛ فجاور بها مدة ومات، فدفن بالبقيع. ولما فر حسين فت ذلك في عضد رزيك ولم يثبت، وخرج رزيك من القاهرة في نصف المحرم ومعه جماعة من غلمانه وعدة بغال موقرة من المال والجواهر والثياب الخاص. وتحير فلم يدر أين يذهب، فوقع بظاهر إطفيح عند مقدم العرب سليمان بن الفيض، فأخذه وكل ما معه. ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير، ومعه أولاده طي وشجاع والطاري، فنزل دار سعيد السعداء، وأحضر إليه ابن الفيض رزيك مكبلا، فاعتقله وأخاه جلال الإسلام. فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه طلب مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذي في رجليه ليهرب، فدخلوا إليه وقتلوه. ومولده في ذي القعدة سنة ثلاث، أو اثنتين، وخمسمائة. وأنفقوا على أخيه لهذه النصيحة، وبقي من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات. وقيل إن هذا كان من فعلات طي بن شاور وحشمه حتى قتل العادل. وكان سليمان بن الفيض من لخم؛ وهو ممن أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وخوله في نعم جمة، فلم يرع يدا، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور، ونهب أصحابه ماله. فلما قدم به عليه قال يا سليمان، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك

فأسلمته لي، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدي. ثم أمر به فشنق. وانقطع بنو رزيك؛ وبزوالهم زالت الدولة. فكانت مدة بني رزيك في الوزارة تسع سنين وشهرا وأياما. وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته في يوم الأحد ثاني عشري المحرم. ولما استقر في الوزارة تلقب بأمير الجيوش. وانثالت عليه على ولده طي أموال بني رزيك وودائعهم من عند الناس، حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده، فظفر هو من أموالهم سوى السلاح والكراع وغيره، وسوى ما أخذه أولاده، بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا. فبعث بذلك كله مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون: لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح. وزاد تمكنهم له حتى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر؛ ونهبوا غلات الحوف، واستخفوا المقطعين؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء. وكان الصالح بن رزيك قد قرر للفرنج في كل سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم، فوافت رسلهم تطلب ذلك. ولما قتل رزيك بن الصالح في رمضان قدمت رأسه في طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة، فقال في ذلك الفقيه عمارة: أعزز علي أبا شجاع أن أرى ... ذاك الجبين مضرجا بدمائه ما قلبته سوى رجال قلبوا ... أيديهم من قبل في نعمائه وجلس شاور بعد قتل الناصر رزيك بن الصالح بدار الذهب، وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك، وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخياط أسفهسلار العسكر، وغيرهما؛ فقال عمارة:

زالت ليالي بني رزيك وانصرمت ... والحمد والذم فيها غير منصرم كأن صالحهم يوما وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم هم حركوها عليهم وهي ساكنة ... والسلم قد تنبت الأوراق في السلم كنا نظن، وبعض الظن مأثمة ... بأن ذلك جمع غير منهزم فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعا من ذلك الرخم ولم يكونوا عدوا ذل جانبه ... وإنما غرقوا من سيلك العرم وما قصدت بتعظيمي عداك سوى ... تعظيم شأنك، فاعذرني ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمي يوما بذمهم ... لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي والله يأمر بالاحسان عارفة ... منه وينهى عن الفحشاء في الكلم فشكر شاور عمارة على الوفاء لبني رزيك، ونقم عليه ضرغام قوله: فمذ وقعت ... البيت، وكان يقول له: نحن عندك من الرخم. ثم إن شاور جهز الخلع إلى العادل نور الدين بالشام، فلبسها يوم الاثنين ثاني عشري رمضان، وقبض المال المسير إليه. وكتب للأجناد والعرب وحواشي القصر من الرواتب والزيادات نظير مالهم عشر مرات، وهو غير ظاهر للناس والأبواب مغلقة عليه خيفة. وذلك أن الصالح بن رزيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقية، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدمهم، ثم صار صاحب الباب؛ فطمع في شاور، وكان فارسا كاتبا، فجمع رفقته؛ وتخوف منه شاور. وصار العسكر فرقتين: ضرغام ومن معه فرقة، وحرب ومن معه حزب. فأما ضرغام فأظهر المباينة، وأما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور وعاشروه ولازموه.

فلما كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري رمضان وقد جمع له، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طي بن شاور، وهو أكبر أولاده، وقتل أخوه سليمان الطاري وهو الأصغر، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده. وكان بين قتل طي بن شاور وقتل العادل رزيك نيف وثلاثون يوما. وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشي، وقد كان رفيقا له إذ ذاك، وذلك أول شوال، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه، وذهب جميع ما نالوه من مال بني رزيك. وقتل الكامل علي بين القصرين وتركت جثته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسان تربية شاور. فكانت وزارته تسعة أشهر. وكانت أخلاق شاور في وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة، ولم يكن فيها أقبح من قتل رزيك بن الصالح فإنها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره. وكان كرمه إليه المنتهى، وشدة بأسه في مواطن الحرب شهيرة؛ وكان شديد الثبات كثير الوثبات. ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلة كانت تحمل على رأسه، وتحكم على أبيه، وترفع على الأمراء وعسفهم. ولما فر شاور ونزل بفاقوس عند بني منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقب بالملك المنصور، في سابع عشري رمضان، فشكر الناس سيرته، فإنه كان فارس عصره، كاتبا، جميل الصورة، فكه المحاضرة، عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه. إلا أنه كان أذنا متخيلا على أصحابه، وإذا ظن بإنسان شرا جعل الشك يقينا. وكان في وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام. وقيل إن ملهما وضرغاما لما علما تغير الناس على شاور وأولاده أخذا في مراسلة رزيك في سجنه وإفساد الناس له؛ فبلغ الخبر طي بن شاور، فدخل إليه وقال: بلغني أن ملهما

وضرغاما قد تحدثا لرزيك في الأمر وقد حلفا له جماعة من الأمراء، وأنت غافل عن هذا الأمر. فقال له شاور: اسكن ولا تعجل؛ أنا أكشف عن هذا، فإذا تحققته حكمته. فقال: لا غنى بي عن قتل رزيك فإني إذا قتلته أمنت. فقال له شاور: لا يمكن قتله فإنه أولاني جميلا بسببه صرت في هذا المحل. فمضى طي إلى رزيك وقتله؛ فقامت قيامة شاور. وبلغ ذلك ضرغاما فثار وأثار من خلفه وقرر معهم أمر رزيك وزحف بهم، فانهزم شاور. فكان في هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم: رزيك بن الصالح بن رزيك، وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي أبو الأشبال. وفيها اختلت الدولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولي الرأي فيها. فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير. وورد الخبر في ثاني شوال بوصولهم إلى فاقوس؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماما، وكان شجاعا، فالتقى معهم وحاربهم، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقا. وكان شاور قد انضم إلى بني منصور لأنه من فخذهم، وكان قائما على كوم عال. ثم إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس في شوال وملكوا بعض السور فردهم عنه همام وبنو كنانة. وتفرق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كل من ظفروا به. وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدة، ورجع الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطوري من أكابر الأمراء. فلما صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه في الوزارة، كل منهما يوقع ويقطع، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنه نهب. وفيها ولي الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص الإسكندرية برجاء إبعاده عنه، فلما صار إليها ظفر بقوم رتبهم ضرغام لقتاله، فتأكدت الوحشة بينهما، وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك. وفيها قدم شاور دمشق في ذي القعدة وترامى على نور الدين، فبعث الوزير ضرغام إليه

بعلم الملك ابن النحاس بأن يقبض على شاور، فأجاب في الظاهر وأضمر غير ذلك. وفيها قتل ضرغام عدة من الأمراء في دعوة جمعهم فيها، وأعد لهم من خرج على الجميع وقتلهم في داره. وكان قاع النيل خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعا، وبلغ أربع عشرة ذراعا وثماني أصابع.

سنة تسع وخمسين وخمسمائة @YY559

فيها وصل رسل الفرنج في طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل عنهم بقدوم شاور. وفي ثامن عشر ربيع الأول قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد الغاوي وعلي بن الزبد في عدة تبلغ نحو السبعين من الأمراء سوى أتباعهم؛ وذلك أنه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاورا ووعدوه القيام معه. ثم أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم؛ فاختلت الدولة بقتل رجالها وذهاب فرسانها. وفيها وجه ضرغام بأخيه ناصر الدين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير مرتفع ابن مجلي المعروف بالخلواص، متولي الإسكندرية، وقد جمع وسار؛ فعندما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقية فتروا عن القيام معه وطمعوا فيه، ووثب به قوم من بني سنبس وقبضوا عليه، وأتوا به إلى همام، فقدم به إلى القاهرة، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب زويلة؛ فنفرت القلوب من ضرغام. وكان شاور قد وصل في ثالث عشري ذي القعدة من السنة الماضية إلى دمشق متراميا على السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، مستجيرا به على ضرغام، فأكرم مثواه وأحسن إليه، فتحدث مع السلطان في أن يرسل معه العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر، ويتصرف هو بأوامر نور الدين واختياره. فبقي نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى، فتارة يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادة في ملكه وتقوية له على الفرنج؛ وتارة يخشى خطر الطريق وكون الفرنج فيه،

ويخاف من شاور أنه إذا استقرت قدمه في مصر خاس في قوله ويخلف بما وعد. ثم قوي عزمه على إرسال الجيوش، فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها. واتفق أن الواعظ زين الدين بن نجا الأنصاري سمع بسعة أرزاق مصر فقدم إليها في وزارة الصالح ابن رزيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه ومما أخذه له من العاضد في ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار، وسوغه عدة دور بتوقيع. فسمع بالزاهد أبي عمرو ابن مرزوق يتحدث الناس عنه بأنه مهما قاله لهم وقع، وأنه يركب كل سنة في نصف شعبان حمارا له ويأتي معه جماعة إلى ذيل الجبل ويودعونه ويمضون، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل؛ ويلقاه الناس في الليلة الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد، ويركب حماره، والناس تحته، وينتظر، وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمع الناس في الأسطحة والدكاكين والطرقات، والشيخ يعمل الختمات. فوصل إليه وأقام حتى انفض الناس، فخلا به وتعرف إليه؛ فكان مما قال له: أتعرف بالشام أحدا يقال له شيركوه. فقال: نعم، أمير من أمراء نور الدين. فقال: هذا يأتي إلى هذه البلاد ويملكها، وكل ما تراه من هذه الدولة يزول حتى لا يبقى له أثر عن قرب. وانصرف ابن نجا عن الشيخ أبي عمرو وقد تعجب من قوله. فلما قضى أربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين وحكى له قول الشيخ أبي عمرو؛ فقال له: لا تخبر أحدا بذلك. ومضى اليوم وما بعده، إلى أن قدم شاور على السلطان نور الدين وقوي عزمه على تجهيز العساكر معه؛ فوقع اختيار السلطان على الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان، أحد أمرائه، فاستدعاه من حلب، فوصل إلى دمشق مستهل رجب منها، وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور،

فامتنع وقال: لا، أمشي بألف فارس، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شيني فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء، وهم مستوطنون في أوطانهم قريبة منهم خزائنهم، ونأتي نحن من تعب السفر بهذه العدة القليلة. فتركه وأرسل إلى ابن نجا، فلما جاء قال له: حديث الرجل الزاهد الذي بمصر أخبرت به أحدا؟ فقال: معاذ الله؛ والله ما سمعه مني أحد سوى السلطان. فقال: امض إلى أسد الدين شيركوه واحك له الخبر. فمضى إلى شيركوه وقص عليه الحديث بنصه، فطابت نفسه للسفر. وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى، وقد أقر نور الدين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن ثار عليه. وخرج نور الدين إلى أطراف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدين ويحفظوا بلادهم. وأخذ شيركوه في سيره إلى مصر على شرقي الشوبك حتى نزل أيلة، وسار منها إلى السويس؛ فلم يدر ضرغام، وقد وصل إليه رسل الفرنج في طلب مال الهدنة المقرر لهم في كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ويماطلون، إلا بطيور البطائق قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدين، متولي بلبيس، في يوم الأحد

خامس عشري جمادى الأولى، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدين شيركوة ومعهما من الأتراك خلق كثير؛ فانزعج وتأهب لتسيير العسكر. وأصبح الناس يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم، فخافوا على أنفسهم وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء. وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أول يوم من جمادى الآخرة، وهم نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدروع الثمينة والسلاح العجيب، وقد أعجبوا بأنفسهم واطمأنوا بأنهم ظافرون. فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه، فوافاهم شاور بالعسكر الشامي يوم الاثنين، فباتوا ليلة الثلاثاء، وأصبحوا وقد توهم منهم أسد الدين شيركوه وقال لشاور: يا هذا لقد غررتنا وقلت إنه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشرذمة. فقال: لا يهولنك ما تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاحون يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا؛ فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب. وأما الأمراء فإن كتبهم وعهودهم معي؛ وسترى إذا التقينا، لكني أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد. فلما ترتبوا نهاهم عن القتال، فتحرك المصريون وتأهبوا وأقاموا حتى حمى النهار، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحدا يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم وأقاموا الخيم، وألقى بعضهم السلاح. فلما عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم، فثار المصريون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر الشامي؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحدا من عسكره، فكان أشجعهم من يصير على ظهر فرسه. وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس، وغنم العسكر الشامي جميع ما كان معهم، فقووا به، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم، ثم منوا عليهم وسيروهم في جمعهم. ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح، واختفى الأمير حسام في مدينة بلبيس فدل عليه بعض الكنانية فأسر وقيد.

وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه، فنزلوا عند التاج بظاهر القاهرة، وانتشر العسكر في بلاد يريدون الأكل والعلف. وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك، فضمهم إليه ومعهم الريحانية والجيوشية وجعلهم في داخل القاهرة؛ فأقام شاور بمن معه على التاج حتى استراحت خيولهم. ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ولا يسلمونه، ولا ينهزمون إلا عن غلبة. ومع هذا فإن طوائف من العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطبالة، وخرج أهل منية السيرج فقتلوا من الترك جماعة، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالا شديدا. وأقام شاور بمن معه في ناحية الخرقانية وشبرا دمنهور، ثم سار من ناحية المقس يريد القاهرة؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا

عليه، فخاف من كان معه من الأمراء الذين كانوا مع همام أخي ضرغام ولحقوا بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة. فسر بذلك ضرغام، وأحضر قاضي القضاة وأمره بحمل ما في مودع الحكم من مال الأيتام؛ فحملها إليه. وكان شاور لما انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرصد فملك ما هنالك، وأخذ مدينة مصر وأقام بها أياما، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر الدولة وأولاد حسن؛ فقيد شيركوه ابن شمس الخلافة دون الناس كلهم. وكره الناس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء وغيرهم، وعلموا عجزه عن شاور. وكان شاور يركب كل يوم في مصر ويؤمن أهلها ويمنع الأتراك من التعرض إليهم، فمال الناس إليه. وبلغهم عن ضرغام أنه يتوعدهم إذا ظفر بشاور أنه يحرق مصر على أهلها من أجل أنهم أمكنوا شاورا من دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه. فتحول شاور عن مصر ونزل اللوق، وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالا خفيفا. وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة، وطرحوا النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور. وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير. فلما كان الليل اجتمع مقدموا الريحانية وفد فني منهم كثير، وأرسلوا إلى شاور يطلبون الأمان وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم فأمنهم. ولما رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرماة بالكف عن الرمي، فخرج الرجال إلى شاور في الصباح، فسر بهم. وفترت همة أهل القاهرة، وأعمل كل منهم الحيلة في الخروج؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة، وجعلوا يترددون من باب إلى باب، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبي الخليل وجماعة مذكورون، فكانوا يطاردون من طاردهم. وأمر ضرغام بضرب البوقات والطبل على الأسوار

ليجتمع الناس؛ فلم يخرج إليه أحد وانفل الناس عنه. فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرحبة من أبواب النصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس، فوقف وطلب الخليفة أن يشرف عليهم من الطاق. فبلغ ذلك شاورا فسرح في الحال ابنه سليمان الطاري إلى باب القنطرة ليملكه ويقف. فلما طال وقوف ضرغام نادى: أريد أمير المؤمنين يكلمني لأسأله عما أفعل. فلم يجبه أحد. فصاح: يا مولانا كلمني، يا مولانا أرني وجهك الكريم يا مولانا بحرمة أجدادك على الله؛ وهو يبكي فلم يجبه أحد. وقويت الشمس فصار إلى الظل حتى قرب الظهر، فأمر بعض غلمانه أن يركض في قصبة القاهرة ويقول بصوت عال: ما كانت إلا مكيدة على الرجال، قد قتل الترك أصحاب شاور الريحانية. فما هو إلا أن سمع الناس ذلك وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كل جانب مثل السيل، فرأوا ضرغاما على تلك الهيئة، والطاق لم يفتح له والخليفة لم يكلمه، فسقط في أيديهم وقالوا ارجعوا فهي كناية والغلبة لشاور؛ ورجعوا من حيث أتوا. فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارسا، ووردت إليه رقعة فيها: خذ لنفسك وانج بها. فأيس من الظفر. وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه في الدخول إلى القاهرة؛ فأذن له. فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة، وهو عند القنطرة، فدخل وضربت أبواقه، وكانت من أبواق الترك التي لم تعهد بمصر، فما هو إلا أن علم به ضرغام، فمر على وجهه إلى باب زويلة، فتخطف الناس من معه، وعطعطوا عليه ولعنوه. فأدركه بعض الشاميين في غلمان شاور وطعنه فأرداه، ونزل إليه واحتز رأسه بالقرب من مشهد السيدة نفيسة، وذلك قريبا من الجسر الأعظم، في يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة. وفر ملهم إلى مسجد تبر، فقتل هناك وترك مطروحا، وأتى برأسه إلى عند شاور. وقتل ناصر الدين

أخو ضرغام عند بركة الفيل؛ وقتل فارس المسلمين. وبقى جسد ضرغام ملقى يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها. وكان من الاتفاق العجيب أن ابن شاور قتل في يوم الجمعة حادي عشري رمضان سنة ثمان وخمسين، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع؛ وقتل مع ابن شاور حسان ابن عمته فقتل مع ضرغام.. وكانت وزارة شاور الأولى تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر. وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان، يجيد اللعب بالكرة والرمي بالسهام، ويكتب كتابة ابن مقلة، وينظم الموشحات الجيدة، كريما عاقلا، يحب العلماء والأدباء ويقربهم، إلا أنه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب خبرا عن عدو بل يعاقب سريعا.

ولما جيء برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها؛ فقال الفقيه عمارة: أرى حنك الوزارة صار سيفا ... يحد بحده صيد الرقاب كأنك رائد البلوى، وإلا ... بشير بالمنية والمصاب فكان كما قال عمارة. وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام في مخيمهما بناحية المقس يومي السبت والأحد. فلما كان يوم الاثنين طلع الوزارة في ثالث شهر رجب، وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم، أخي ضرغام، وكان معتقلا بها؛ وخرج معه القاضي الفاضل، وكان معه في الاعتقال، وقد تأكدت بينهما مودة، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه، فسماه حينئذ بالقاضي الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضي الأسعد. وفرح العاضد بدخول شاور. ولما خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة، وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة. وركب شيركوه إلى مصر ورآها، وقصد الفقهاء مثل الكيزاني وابن حطيه، واجتمع بالشيخ أبي عمرو بن مرزوق وأخبره

كما أخبر ابن نجا أنه يملك الديار المصرية ويزيل هذه الدولة، لكنه لا يملكها إلا بعد أن يرجع إلى الشام ويأتيها ثانيا، ثم يرجع ويعود إليها ثالث مرة وحينئذ يملكها. وسأله عن بيت المقدس فقال: لا يكون فتحه على يدك وإنما يكون فتحه على يد بعض من في خدمتك من أقاربك. وهكذا جرى؛ فإن شيركوه لم يملك مصر إلا في مجيئه إلى القاهرة المرة الثالثة، ولم يفتح بيت المقدس إلا على يد صلاح الدين يوسف بن أخي شيركوه. وفي رابع رجب قرئ سجل شاور بالوزارة. واستمر شيركوه في مخيمه ويخرج إليه في كل يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ومائتا قنطار خبزا ومائتا إردب شعيرا. وأعد له العاضد ملبوسا وسريرا مرصعا بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله، وأمره بالدخول ليخلع عليه، فامتنع. وأرسل إلى شاور يقول: قد طال مقامنا في الخيم وضجر العسكر من الحر والغبار؛ ويستنجز منه ما وعد به السلطان نور الدين. فأرسل إليه ثلاثين ألف دينار وقال: ترحل الآن في أمن الله وحفظه. فبعث يقول له: إن الملك العادل نور الدين أوصاني عند انفصالي عنه إذا ملك شاور تكون مقيما عنده، ويكون لك ثلث مغل البلاد، والثلث الآخر لشاور والعسكر، والثلث الثالث

لصاحب القصر يصرفه في مصالحه. فأنكر شاور ذلك وقال: إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلي عادوا؛ وقد سيرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضي نور الدين. فقال شيركوه: لا يمكنني مخالفة نور الدين ولا أنصرف إلا بإمضاء أمره. فأخذ شاور عند ذلك يستعد لمحاربة شيركوه، واستعد أيضا شيركوه، وبعث بابن أخيه صلاح الدين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس. فغلق شاور أبواب القاهرة، وتغلب صلاح الدين على الحوف، وبث خيله، وحاز الأموال والغلال. وتقدم إلى جزيرة قويسنا، فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار الناس من الصعيد؛ وثار ابن شاس، والي جزيرة قويسنا، على الترك وقاتلهم حتى هزمهم وغرق منهم جماعة. فعاد صلاح الدين إلى عمه شيركوه، فتجهز ونزل بحري التاج. وأخرج شاور خيمه وضربها في أرض الطبالة. فلما كان يوم الأربعاء الثالث والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه في كوم الريش، فانكسر شاور إلى باب القنطرة ونهبت خيمه، وأسر أخوه صبح وجوهر المأموني؛ ودخل القاهرة فرمى بحجر من باب القنطرة

فدخل الكافوري مغشيا عليه. وفي ذلك اليوم أحرق صف الخليج، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة؛ وبقي الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان. وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة بلبيس يوم السبت حادي عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها. ولما كان في خامس عشر ذي الحجة تقرر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ورهائن على صبح، أخي شاور، وعاد إلى دمشق. ورجع الفرنج. وقدم شاور إلى القاهرة في سادس عشر ذي الحجة. فكان مقامه على بلبيس نيفا وتسعين يوما. وأخرج شاور العساكر والحشود مما يلي البستان الكبير خارج باب الفتوح، وزحف شاور، فخرج إليه شيركوه وحاربه، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم، ووقعت نشابة في عين الطاري، ابن شاور، اليمني، فبقي معه النصل مدة إلى أن قلعت وخرج منها بكلفة. فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها، وحاصره شيركوه طول النهار.

فلما كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللؤلؤة، كما فعل أولا، واشتد الأمر، وصار كل من يخرج من عسكر مصر يقتل. فركب شاور وخرج ثم عاد وقد ازدحم الناس على السور لتنظر إلى الحرب، فسقطت شرفة من شرفات السور على ابن شاور وغشى عليه، ودخلوا به إلى الكافوري وقد أيس منه؛ فجاء رئيس الأطباء وعصر في أذنه حصرما فأفاق. وأتاه الشراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه. واشتد قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه، واحترقت الدور التي بجانبه من حارة زويلة. وانضم إليه بنو كنانة وكثير من عسكر المصريين. وبعث طائفة إلى حارة الريحانية وفتحوا ثغرة، فكان هناك قتال شديد. فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج، فتسارع الصبيان وغيرهم إلى الثغرة وقاتلوا الترك والكنانية حتى أوصلوهم إلى منازلهم، وسدوا الثغرة. وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم بزيادة القطيعة التي لهم، فامتنع ملكهم وقال لا يأتي إلا بأمر الخليفة وأما من الوزراء فلا يقبل فلما تحقق شاور أنه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مري ملك الفرنج بالساحل يستنجده ويخوفه من تمكن عسكر نور الدين من مصر، ويقول له متى استقروا في البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا؛ وضمن له مالا وعلفا، ويقال إنه جعل له عن كل مرحلة يسيرها ألف دينار؛ وسير إليه بذلك مع ظهير الدين بدران. فسر الفرنج بذلك وطمعوا في ملك مصر.

وخرج مري من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار. فلما بلغ شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعد له ابن أخيه من الغلال وغيرها، وانضم معه الكنانية، فخرج شاور في عسكر مصر، فاجتمع بالفرنج وخيم على بلبيس وأحاط بها، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر. وانقطعت الأخبار عن نور الدين، وبلغه سير الفرنج إلى مصر. وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعينا بهم. فبينا الفرنج في محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدين لحارم ومسيره إلى بانياس، فسقط في أيديهم وعولوا على الرجوع إلى بلادهم. فراسلوا شيركوه في طلب الصلح وعوده إلى الشام وتسليم ما بيده إلى المصريين. فأجاب إلى ذلك. وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمد ابن مختار إلى شيركوه، فقرر معه الصلح على ثلاثين ألفا فحملها إليه. وكانت الأقوات قد قلت عنده، وقتل من أصحابه جماعة. وأبطأت نجدة نور الدين فلم يأته منه أحد. وخرج من بلبيس أول ذي الحجة.

وممن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان، صاحب صرخد، بسهم أصابه، فأنشد وهو يجود بنفسه: يا مصر، ما كنت في بالي ولا خلدي ... ولا خطرت بأوهامي وأفكاري لكن إذا قالت الأقدار كان لها ... قوى تؤلف بين الماء والنار وقتل من الكنانية عالم عظيم. وحصل للفرنج من شاور أموال جمة، فإنه كان يعطيهم عن كل يوم ألف دينار. وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق، فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة. فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل، المعروف بالقاضي المفضل ضياء الدين بن كامل الصوري، عن قضاء القضاة، وولي مكانه القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة، المعروف بالعوريس.