طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني
طبقات المشايخ بالمغرب
الجزء الأول
تأليف : الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى
? تقديم الكتاب
? مقدمة
? ذكر الفاظ مما اصطلح عليها أهل الطريق وتعارفون بينهم
? ذكر طبقات المشائخ
? ذكر فضائل الفرس من العجم
? فضائل البربر من العجم
? حملة العلم إلى المغرب
? امامة أبى الخطاب عبد الاعلى بن السمح
? بيان مسالة الحارث وعبد الجبار واختلاف الناس فيها
? مقتل أبى الخطاب واصحابه رحمهم الله
? ولاية ابى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزى الهوارى
? ذكر وقعة مغمداس
? مقتل أبى حاتم واصحابه
? امامة عبد الرحمن بن رستم
? أمامه عبد الوهاب بن عبد الرحمن
? أول افتراق في الأباضية
? محاربة الامام عبد الوهاب رحمه الله للواصلية
? نزول الامام عبد الوهاب رحمة الله على مدينة طرابلس
? الافتراق الثاني في الاباضية
? استعمال أبو عبيدة عبد الحميد الجناونى رحمة الله ومحاربته خلف بن السمح
? امامة افلح بن عبد الوهاب
? الافتراق الثالث في الاباضية
? امامة محمد افلح بن عبدالوهاب
? امامة يوسف بن محمد بن افلح
? وقعة مانو وانقراض الإمامة
? انتشار مذهب الشيعة
? ذكر اخبار ابي يزيد مخلد بن كيداد الناكثي
تقديم الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب الذي بنعمته تتم الصالحات
أضع بين يدك أيها القارىء الكريم هذا الكتاب القيم الذي يكتب لهو لأول مرة أن يخرج من حيز المخطوطة وظلمات خزان الكتب بعد أن تحدث الناس عنه كثيرا ونقل منه كتاب السير والتاريخ بالمغرب العربي وخاصة تونس والجزائر ولم يكتب له الحظ أن يعتني أحدا منهم بتحقيقه وإخراجه .
وما أقدمني على هذا العمل المضني وشجعني عليه ألا ما نحن عليه في مغربنا هذا من حاجة إلى احياء تراثنا وابراز معالم شخصيتنا التاريخية وبط حاضرنا المشرق بماضينا المجيد لنبني على دعائم الأصالة والتفتح معا لانفرط ولانفرط ولعلها تكون منا مساهمة متواضعة في دفع مسيرة النهضة وتراثها تلك النهضة الثقافية التي تحياها الجزائر وسائر أقطاب المغرب العربي في هذه الظروف الحساسة .
وقد أعتمد في تحقيق هذا الكتاب ثلاث نسخ خطية رأيت فيهن الغناء من غيرهن وهن قلائل النسخة الأولى نسخة خزانة شيخي الفاضل ابراهيم ابن ابي بكر الفراري وهي أصح النسخ وأشدها تحقيقا ، وقد أهمل الناسخ ذكر تاريخ كتابتها وذكر اسمه ، والنسخة الثانية نسخة الشيخ اطفيش الحاج محمد ، وهي هي نسخة قديمة جدا قريبة من عهد المؤلف يذكر كاتبها أنه فرغ منها سنة 758 هجرية ، والنسخة الثالثة نسخة خزانة القاضي أبو فاره ابراهيم ويرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر الهجري .
وقد حاولة أن أقابل بين النسخ ما استطعت وأثبت النص صحيحا بعد تحقيقه وربما تكون النسخ متفقة في العبارة كما هي مع الإشارة استطعت وأثبت النص صحيحا بعد تحقيقه وربما تكون النسخ متفقة في العبارة كما عدم اتضاح المراد أو استقامة العبارة عند ذلك أثبت العبارة كما هي مع الإشارة إليها وأبداء ما يبدو لي الصواب .
وخدمة للكتاب وتقريبا له لمتناول القارىء أضفت عناوين هامشية لمختلف المساءل والمباحث الواردة في أثناء الكتاب وأثبتها على هامش الصفحات حتى يسهل الرجوع إليها واستجلاؤها كما أضفت للكتاب فهارس العناوين والموضوعات الواردة فيه وللأعلام والأماكن المذكورة وسوف يجد القارىء من حين لآخر تعليقا مني على ما أراه لابد منه للإيضاح أو إزالة اللبس.
وبودي لو أخرج الكتاب وعليه دراسة علمية وتحقيقات تاريخية لتكون الفائدة أكمل وأشمل ولكن أعتقد أن هذا العمل سيكون خطوة ثانية بعد تحقيقه وطبعه وعسى أن يجد أبناءنا الطلبة والرجال المتفرغين للبحث من ينتدب لذلك وحسبي أن أكون قد قمت بأول خطوة في الموضوع.
وقد رجوت من الشيخ الفضل المحقق عبد الرحمن بكلي _ وأنا في أثناء تحقيق الكتاب - أن يقدم له بمقدمة تكون أمس بالموضوع وأنسب بالكتاب أكتفى بها عن التعريف بالكتاب وبالمؤلف فلبي رغبتي ورحب بها فله مني كامل الشكر والتقدير كما أقدم ثنائي وشكري الخالص للأخوان الذين قدموا لي يد المساعدة ولم يبخلوا بأي جهد فساهموا معي في اخراج الكتاب بما قدموه من جهد وخدمات شكر الله سعيهم وجزاهم خيرا.
مقدمة
الحمد لله الذي الذي خلق السمات والأرض وجعل الظلمات والنور يعلم ما يسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ، خلق الأنسان عمله البيان وكل شئ عنده بمقدار سبحان من جعل له عينين ولسانا وشفتين ، وهديناه النجدين ، فسعيد يسره لليسرى وشقى يسره للعسرى ، هو الذي خلقكم وما تعلمون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، احمده من عرف جلاله وكبرياءه واقدس من دون التشبيه صفته واسماءه ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين الذي ارسله الله رحمة للعالمين ونسخ بشريعة دينه كل شريعة ودين ، وعلى آله واصحابه الاكرمين ، وتابعيهم باحسان إلى يوم الدين وتابعي التابعين صلى الله عليهم اجمعين صلاة دائمة إلى يوم الدين .
وبعد : فان العلم دليل يقتدي به ، والي طريق الرشد هاد يهتي به " إنما يخشى الله من عباده العلماء " " والعلماء ورثة الانبياء " وفي الآية والخبر دليل على أن العلم ما صاحبه العمل ، وصادفته الخشية والوجل فإنه من أخشى الله تعالى لما لديه ، ويسعى فيما يقدم بين يديه ، وهل لمن عرى من الخشية فوز بعمل الحسنات ، واستحقاق وراثة تلك الدرجات ؟
وينبغي لمن نزع إلى هذا النزع وطلب هذا العمل الأرفع ، آن يتعرف مناقب السلف والأخبار ، ويحصل سيرهم الصالحة ليقتدي بحميد تلك الآثار ، فإن ذلك مما يقوى الرغبة والاشتياق (1) والحرص على المصير إلى تلك المنازل السنية واللحاق ، ويخص على الطريق الأثوم ، وينهي عن أهواء الهاون في هواء الخسران والندم ، فما أتقمن من عرف طريق الصلاح ان يتبعه ! وما أقبح من جهة أن يضيعه ! وقد استمرت عادة اصحابنا ان اول ما يمرن عليه المبتدئ أذا وصل ، السكينة والوقار وتعليم سير السلف ، لتكون لهم على اتباعهم معينة ، فإاذ أكتسى تلك السلف تلك الحلة قلما بدلها ، ثم بعد ذلك " ما يفتح الله الناس من رحمة قلما بدلها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " . فالله ينفعهم وينفع بهم في الدنيا والدين ، ويجعلنا لآثارهم مقتدين ، لا مبدلين ولا مغيرين وينقذنا برحمته اجمعين ، وهو ارحم الراحمين كتاب ابى زكرياء يحيى بن ابى بكر رضى الله عنه (2)استخلص ذلك وانتقيه فبادرت لاجابة سؤاله ايجابا لعظم حرمة السؤال وان كان ينبغى ان اكون ممن استغفى واستقال فرأيت عصيانه من النكير بل المحظور ، فأخذت في تهذيب الكتاب المذكور واضيف إلى ذلك ما لا بد منه من خطبة وشعر غير مشهور ، على انى معترف بالقصر والفهامة ، وراغب في الاغضاء من ذوى الفطان والنباهة متيقن ان الماء يطيب بطيب موارده ، وان كان اجاجا ، وقد يعود مرا معافا وان كان عذبا ثجاجا ، ولا شك انى قصدت الفن الذي بدأت بذكره لم احفل بعيب عائب ، ولا بشكره فان ظفرت بموافقة من اجيب سؤاله فقد ظفرت بالمرغوب ، فان قصرت فلا غرو لابطاء السكيت (3)عن شاء المجلى والله اسأله . التوفيق والارشاد إلى سواء الطريق ، وقد رأيت ان اقدم مقدمة تكون فراشا للكتاب ، تفهم منها ألفاظ اصطلح عليه اصحابنا المتأخرون ، وفيها عند من لا يعرفها اضطراب ، ثم آتى بتسمية مشائخها وذكر طباقتهم خلفا عن سلف ، على ترتيب يتأتى بيانه ، ليتم المقصود ويتألف ، ثم اجرد السيرة وانقلها من الكتاب المذكور ، على حسب ما وقعت فيه ، وما كان في ألفاظه خشونة نقلت معانية فيكون نفهم ما سئلت سهلا على قارئه .
----------------------------------------------
(1) في نسخة : الاستيثاق
(2) يشر الى تاريخ أبي زكرياء يحي بن أبي بكر الذي لا زال مخطوطل وهو اصل هذا الكتاب
(3) السكيت بصيفة التصغير : آخر الخيل في الحلبة عكس المجلى
ذكر الفاظ مما اصطلح عليها أهل الطريق وتعارفون بينهم فمن ذلك العزابة واحدهم عزابى ، هذه اللفظة أستعملتها لقبا لكل من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير ، وحافظ عليها وعمل بها ، فان حسن جميع هذه الصفات سمي عزابيا ، وان حافظ على السير والعمل بها فقط سمي به ، وأن حصل العلم دون السير والعمل بها والمحافظة عليها لم يسم بهذا الاسم ن واعلم ان لهذا الصنف سيما انفردوا بها ، واحوالا عرفوا بها ، لا يتفضل عليهم فيها سواهم ، وذلك في تسميتهم ، وخطابهم ، ومؤاكلتهم ، ولباسهم ، واوقات نومهم وقيامهم ، واورادهم وصيامهم ، وعبادتهم ، وعندهم في ذلك قوانين يعتادونها وحود لا يتعدونها ، وهذا الاسم مشتق من الغزوب عن الشئ وهو البعد عنه ، فاستعير لمن بعد عن الامور الدنيوية الشاغلة عن الاخرة ، ولو استقصينا وصف تلك الاحوال لا تسع القول فطال ، وسيأتي ذكر ما امكن من ذلك في موضعه ان شاء الله ، واول ما استعمل هذا اللقب في أيام ابي عبدالله محمد بن ابى بكر رضى الله عنه ، لما أسس الحلقة ورتب قوانينها .
الحلقة ، اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلمهم العلم ويلقنه السير ويبصرهم في الدين بحسب ما يفتح الله على كل واحد منه يحصل البعض ، وان أعياه الكل ، " فان لم يصبها وابل فطل " فكانهم محلقون ولو أنهم مفترقون .
التلميذ اسم للواحد المبتدئ عند الدخول في الطريق سواء كان طالب فنو أو مقتصرا على الصلاحية فقط وأصل هذه اللفظة فارسى .
الختمة : اجتماعهم لذكر الله والدعاء عند طلوع الشمس وعند غروبها بشيخ أو بغير ، وكأنهم يختمون به عمل الليل وعمل النهار .
المجتمع والجمع والميعاد ، الفاظ مترادفة على معنى واحد وهو أن يجمعهم الشيخ على وعظ يفيدهم ، أو لتذمير امرمهم يكون شورى من أصلاح فساد أو تلاقي فوات ، أو امر بمعروف أو نهي عن منكر ، فمع الاختيار أن يكون ذلك يوم الاثنين ويوم الاثنيني ويوم الخميس ، ويكون في أي وقت دعت اليه الحال ، ليلا أو نهارا ، في أي يوم كان ، أول من رتبة أبو الحر على بن الحصين بمكة (1)
الهجران والابعاد الفاظ تترادف على معنى واحد وذلك ، او ظهرت عليه خزية أو أتى بنقيصه في قول أو عمل أو تصنيع ، فأنه يهاجره كل اهل الصلاح فلا يكلم ولا يخطر حالت بينه وبين أهل الخير ، فان تاب واستغفر قبل منه ورجع إلى الجماعة ، وزال عنه شين ذلك الوسم ، وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الجرم وصغره ، وتوبة المجرم واصراره ، فمنهم من يتوب فيرجعه في الحال ، ومنهم من يبقى ساعة او ساعتين أو يوما أو يومين أو أياما أو أعواما أو عمره أن عظم الجرم ودوام المجرم على الاصرار وترك الاستغفار ، أسال الله ان يقينا شرا أتفسنا وشر كل ذي شر .
الظهور : تولية أمام عدل يسند إليه الأمور .
الكتمان : ملازمة الأمر سرا بلا امام
ولاية الدفاع : أن يدهم أهل الكتمان بداهمة ، فيولوا عليهم من يدفع عنهم العدو .
------------------------------------
(1) أبو الحر علي بن الحصين العنبري الشاري من أصحاب عبدالله بن يحي طالب الحق وهما من الشراه ، عاش في أوائل القرن الثاني بجنوب الجزيرة العربية رحمه الله
ذكر طبقات المشائخ وتسمية المشاهير منهم جيلا بعد جيل هذا الفصل نقتله مما فعله الشيخ ابو عمار عبد الكافى رضى الله عنه : وذلك أنه لما رأى العزابة يسندون أمر دينهم واحدا عن واحد ، اكابر ذلك ، وثقة عن ثقة ، رأى من حسن نظرة أن يكون ذلك جولة عن جملة ، ولم يتخللها خلل ولا اختلال ، لن ذلك أذا كان واحدا عن واحد دخله الغلط ووقع فيه الطعن ولأن أخبار اآحاد ضعيفة عند اصحاب الحديث فرتبها رحمة الله على المبين من سني الهجرة ، والتاريخ الذي بينه وبين هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ممن أشتملت عليه كل خمسين سنة من المئين المذكورة .
فالذين اجتمعت عليهم الخمسون الأولى من المائة الاولى هم أصحاب رسول الله عليه وسلم ، وفضيلتهم رضي الله عنه ، واسماؤهم ومزاياهم أشهر من أن نحتاج إلى تعدادهم ، فهم مجوم الهدى ومصابيح الدجا ، وأنما نعتت على مكانتهم من أمهاد الفضل ، تبركا بذكرهم ، ولئلا يكون السكوت عن ذكرهم في محالهم من التقدم اعراضا ، أو التجوز عن شرفهم غمضا (1) وأغماضا (2).
وممن اشتملت عليهم الخمسون الخرى من المائة الاولى : جابر بن زيد الازدي ، وعبدالله بن أباض المدنى ، وعمران بن حطان الشيباني ، وجعفر بن السماك العبدى واوب بلال مرادس وعروة ابنا ادية وهي جدة لهما وهما ابنا جدير حنطليان فيما ذكر المبرد ، وصحار العبدي ، وقريب ، وزحاف ، وسالم بن عطية الهلالى ، والخباب بن كليب ، والاحنف بن قيس ، وأياس بن معاوية ، ونظراؤهم كثيرون .
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية : أبو عبيدة مسلم بن ابي كريمة التميمي ، وضمام بن السائب ، وابو مودود حاجب الطائى ، وابو عبيدة عبد الله بن القاسم ، وأبو حمزة بن نوح الدهان ، وعبدالله بن يحيى الكندي ، وابو حمزة المختار بن عوف الشارى ويلج بن عقبة ، وابرهن بان عبد الرحمن ، وابو الحر على ابن الحصين العنبرى ، وابو يزيد الخوارزمي ، وأبو محمد المهدى ،وابو روح ومازن ابنا كنانة ، ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية ومن هنا أنتشار المذهب بالمغرب ، ولذلك كان رجاله شرقيين وغربيين عربا وبربرا تلامذة ابي عبيده وغيرهم ، الربيع أبن حبيب ووائل بن ايوب الحضرمى وابو غسان مخلد بن المعرد ، وعبد السلام بن عبد القدوس ، ومحبوب بن الرحيل ، وأبو الخطاب المعافري وهو عبد الاعلى بن السمح وعبد داود القبلى ، واسماعيل بن درار الغدامسى ،وعبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم ، وابو حاتم الملزوزى وابو سفيان ، ونظراؤهم كثير .
وممن اشتملت عليهم الخمسون الاولى من المائة الثالثة : افلح بن عبد الوهاب ، وابو مرادس ، ومهدى ، وابان بن وسيم ، ومحمد بن يانس ، وبو مهاصر ، وابو زكرياء التوكيتي ، وعبد الحميد ، ونظراؤهم كثير .
ممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الثالثة : محمد بن افلح وبانه يوسف وسعد بن أبي يوسف وعمروس ابن فتح ، ابو منصور الياس ، وابو معروف ، ونظراؤهم كثير.
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الرابعة : حسنون ابن ايوب ، وابو مسور اليهراسنى ، وابو الخطاب وسيل بن سيتتن(3) الزواعي ، وابو القاسم يزيد بن مخلد ، وابو خزر يغلى بن زلتاف ، وهي امه وهو ابن أيوب ، وعبود المزاتى ، وجنون بن يمريان ، وسليمان بن ماطوس ، وسليمان بن زرقون النفوسى ، ومحمد بن مسلم وابو سهل الفارسى ، ونظراؤهم كثير .
وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الرابعة : أبو نوح سعيد بان زنغيل وابو صالح بكر بن القاسم اليهراسنى ، وابو زكرياء فيصل بن ابى مسور ، وابو عمر النملى ، وابو موسى عيسى بن السميح الزواغى ، وابو نوح سعيد بن بخلف المدونى ، وابو محمد ويسلان بان يعقوب ونظراؤهم كثير .
وممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الخامسة : ومن هنا ابتداء العزابة ابو عبدالله محمد بن بكر ، وزكرياء ويونس ابما فصيل بن أبى مسور ، وعبدالله بن مانوج وعبدالله بن زورتين ، وويسلان بن ابى صالح وابو بكر الزواغى وورسفلاس ابن مهدى وعبدالله أبن الخير ، وورسفلاس بن عبدالله ، وابو مكدول مطلكودانس الزنزفى ، وأهل غار " أمجان " وابو جابر بن سدرمام ، وابو عمران موسى بن زكرياء ، وكباب ابم مصلح وابو يحي زكرياء بن جرنان ، وعبدالله المدونى ونظراؤهم كثير .
وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الخامسة : سليمان بن يخلف
، وابو يخلف ، وابو سليمان داود بن أبى يوسف ، وابو العباس احمد بن محمد بن بكر ، وعيسى بن يرشوكسن ويحيى بن ابى بكر ، وزكرياء بن ابى زكرياء ، وماكسن ابن الخير ، ومزين بن عبدالله ن ومصال بن يحيى ، وسليمان ابن موسى ، وعبدالله ابن سلام ، واسماعيل بن ييدير .
وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السادسة : عبد الرحمن بن معلى ، ويحيى بن زكرياء ، وايوب بن اسماعيل بن المعيز ، وعبدالله بن محمد . فالى هنا انتهت تسمية من سمينا - ثم قال فهؤلاء أئمتنا في الدين وقاداتنا في الاسلام رحمهم الله .
" قال الشيخ ابو العباس " فهذا الترتيب الذي رتبه الشيخ ابو عمار عبد الكافى رضى الله عنه حسن في المعنى إلا أنه لم يذكر الطبقة التي فيها شيوخه ومعاضروه إلا بعضا من الكل واستغنى فيها عن كثير من العدد ، وفيمن سمى كفاية ، ولولا قصده الاكتفاء بتسمية من سمى لزدت من معاصره عدة مشائخ ، أئمة أهل علم ودين ، وأصحاب تواليف اضراب عثمان بن خليفه السوفى وقرناؤه ولكنى عدلت عن ذلك إذ المقصور تسمية جماعة فالمحصول قد حصل ، ورأيت ان أذكر جماعة الاشياخ الذين اخذوا عن الجماعة التي أنتهى إليها ترتيب الشيخ الذين أبى عمار واضمهم إلى الخمسين من المائة التي نحن فيها وهم الذين أخذنا عنهم وفي آخر الكتاب أذكر أن شاء الله ما وصل إلى وصح عندى من مناقبهم ، وكراماتهم ، فيتقدم ذكر مناقب من تقديمهم فيكون كل واحد في رتبته ، ويجرى كل سابق في حلبته .
ففمن أشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة السادسة : ابو عمارة عبد الكافى بن يعقوب التناوتي ، وابو يعقوب يوسف بن ابراهيم السدراتى ، وابنه ابراهيم ، وزكرياء ابن صالح ، وفيصل بن ابى مسعود ،وأسحاق بن ابراهيم ومحمد التميجارى ، وموسى النفوسى ، وابو نوح بن يوسف وابنه يحي، ويوسف بن خلفون ، ومحمد بن أبى على السوفى ، وعبد السلام بن عبد الكريم ، والفضل بن أبى سفيان ، اسماعيل بن صالح ، ويوسف بن محمد الوسياني ، وفى هذه الطبقة أدركتهم يعدون جدى سليمان أبن علي ، وجدى يخلف بت يخلف النفوسى ، ونظراؤهم كثير .
ممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السابعة : مشائخ جيلنا فمنهم من صار إلى الله ومنهم الاحياء فمن الاموات محمد بن ابى جميل ، وسعد بن معاذ ، وابراهيم أبن اسحاق ، وابو سهل يحيى ، وابو يعقوب بن عبدالله وميمون بن معدين ، وقد اشير علي بان انظم والدي في سلكهم ومن الاحياء ، يحيى بن فيصل ، وعيسى بن زكرياء وصالح بن سليمان الزواغي ، ويحيى بن داود السعيدى (4) ويبيب بن محمد ، واحمد بن محمد ، وعمر بن يخلف الزواغى ، ومن هذه الطبقة معاصرون من أهل الاجتهاد والزهد والكرامات وليسوا هنالك في العلوم : عبد الكافى ابن ونمو الريغى ، وابراهيم بن عيسى المديونى ، وسليمان أبن يكنى ونظراء النوعين كثير .
فهؤلاء أشياخنا وقادتنا وائمتنا وساداتنا جعلهم الله اعلاما للهدى وجنبنا باتباعهم سبيل الموبقات والردى وحشرنا أجمعين في زمرة اوليائه المتقين.
ثم ناخذ في ذكر ما بسطنا لاجله مقدمة الكتاب ، ونذكر الامم فالامم من اخبار المتقدمين ، ونأتى بعده بمناقب الصالحين ، وربما اندرج ذكر بعض المناقب في أثناء التاريخ والاخبار ، والله الموفق وبه نعتصم وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ومن ها هنا أبتدائ في أستخراج ما أنبه عليه من الكتاب المذكور فأول ذلك ذكر سبب مصير مذهب الاباضية ببلاد المغرب وابتداء امرهم ونقتله من ارض المشرق واخبار العلم الخمسة النفر .
حدث غير واحد من اصحابنا عن الامام افلح عن ابنه عبد الوهاب عن جده عبد الرحمن بن رستم أنه قال : أول من جاء يطلب مذهب الاباضية ونحن بقيروان أفريقية ، سلامة بن سعيد قال قدم علينا من أرض البصرة ومعه عكرمة الاباضية وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية ، فسمعت سلامة يقول وددت ان لو ظهر هذا الامر يعنى مذهب الاباضية يوما واحدا من أول النهار إلى آخر فلا أسف على الحياة بعدة ، فقيام عبد الرحمان مجتهدا في ذلك الامر ، فقال له رجل من أهل الدعوة اذا كنت تريد العلم بما كلفت به وعلقت مطلبه بخاطرك ، فدونك أرض البصرة ، فان بها رجلا عالما يكنى ، أبا عبيدة مسلم بن ابى كريمة التميمي ، فانك تجد عنده ما تطلب ، فلذلك توجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة رحمة الله ، وقيل أن أمه هي التي ارشدته إلى ذلك وله حديث سأذكره بعد أن شاء الله عند الخمسة النفر الذين قرأوا على أبي عبيدة واذكر ما صح عندنا من خبرهم في موضعه من الكتاب .
---------------------------------------------
(1) تساهلا
(2) التجاوز عن الشئ وتركه
(3) اثبته صاحب السير باسم وسيل بن سنتين ، وكذلك صاحب الاباضية في موكب التاريخ وهو أصح
(4) كذا بالنسخ ولعلة نسبة إلى صعيد مصر
ذكر فضائل الفرس من العجم بلغنا أن رسول اله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى : " يايها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه " الآية أشار إلى سليمان الفارسى وكان جالسا بين يديه قال : لعلهم أن يكونو من رهط هذا ، وعنه صلى الله عليه وسلم قال : " أن لله كنزا ليس من ذهب ولا من فضة ، لكنه في بطون ابناء فارس " وذكر ابن داب عن عمر بن الخطاب رصى الله عنه أنه مشى ذات يوم مع المغيرة بن شعبة ، وكان المغيرة اعور ، فقال له عمر رضى الله عنه ك هل أبصرت بعينيك هذه قط شيئا يا مغيرة ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين قال له عمر سيعود الاسلام كما عورت ثم ليعمن حتى لا يدرى من له ولا من عليه ، فاذا أتى علية مائة وستون سنة رد عليه سمعه وبصره ، بوفد كوفد الملوك ، طيبة ارواحهم ، صالحة اعمالهم ، فقال له المغيرة من أي ماء يا امير المؤمنين ؟ امن الحجاز ام من ماء العراق ام من ماء الشام ؟ فولى عنه عمر وتركه ، فوليت الفرس تاهرت على رأس ستين ومائة . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من العجم ، واسعدهم به فارس ، وروى زيد بن اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا وقصها على أصحابه ، فقال رأيت غنما سوداء خالطتها غنم بيض ، فتأولتها ان العجم يدخلون الاسلام فيشتركونكم في نسائكم ، واموالكم ، فتعجبوا من ذلك ، فقال : العجم يدخلون بلادنا يا رسول الله ! فقال : أي ، والذي نفسي بيده لو أن الدين تعلق بالثريا لنالته رجاله من العجم ، واسعدهم به أهل فارس ، ومن طريق آخر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لو تعلق العلم بالثريا لنالته الفرس ، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى :" ستدعون إلى الفرس ، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : "ستدعون إلى قوم أولى باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون " هم بنو جنيفة وقال بعضهم هم فارس .
وذكر أبن قتيبة وعمرو بن بحر الجاحظ وغيرهما من أصحاب التاريخ عن أبن عباس رضى الله عنهما أنه قال لما كان ليلة مولد النبى صلى الله عليه وسلم ، ارتج ايوان كسرى ، فسقطت منه أربع عشرة شرافة فعظم ذلك اهل مملكته فما كان باوشك من أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة ، وكتب إليه صاحب الشام يخبره أن وادى السماوة انقطع تلك الليلة وكتب إليه صاحب طبرية يخبره أن ماء تلك الليلة لم يجر في بحيرة طبرية ، وكتب غليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة فلما تواترت الكتب عليه ابرز سرية وظهر لأهل مملكته فاخبرهم الخبر ، فقال : الموبذان ايها الملك أنى رأيت تلك الليلة رؤيا هالتنى ، قال له وما رايت ؟ قال له : رأيت أبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى أقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا فقال له : لقد رأيت ، فما عندك في اويلها ؟ فقال له : ما عندي فيها ولا في تأويلها شئ ، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فانهم أهل علم بالدثان فبعث إليه رجلا من علمائهم فانهم أهل علم بالحدثان فبعث إليه فوجه إليه عبد المسيح بن نفيلة الغسانى ، فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر فقال : أيها الملك والله ما عندى أخبره كسرى الخبر فقال : ايها الملك والله ما عندى فيها ولا في تأويلها شئ ، ولكن جهزنى إلى خال لى في الشام ، يقال له سطيح فقال : جهزوه ، فلما قدم على سطيح وجده أختصر فناداه فلم يجبه وكلمه فلم يرد عليه فقال عبد المسيح :
فرفع إليه سيطح رأسه فقال : عبد المسيح على جمل مشيخ إلى سطيح بعثط ملك بنى ساسان لارتجاج الايوان وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان ، رأى أبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، حتى اقتحمت الوادى ، وانشرت في البلاد ! عبد المسيح : أذا ظهرت التلاوة ، وغاض وادى السماوة ، وغارت بحيرة ساوة وظهر صاحب الهرواة فليس الشام بشام ، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات ، وكل ما هو آت آت ، ثم قال :
ثم اتى كسرى فاخبره الخبر فغمه وهاله ثم تعزى ، وقال إلى أن يملك أربعة عشر ملكا يدور الزمان ، فملك منهم تسعة إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن قتيبة فالله اعلم ممن التمام ، وليس إلا الخمسة الائمة الذين ولوا بتاهرت من ارض بعض المغرب ، ولوها نيفا على مائة وخمسين فيما ذكر بعض الرواة ، قال أبو العباس احمد رحمه الله . اما قول الشيخ ان التمام كان بالائمة الخمسة وانهم منهم فانا اراد في النسب لا في غيره ، واراد ان ولايتهم اذ ولول صحيحا غلا ان ولايتهم على دين الاسلام ومذهب العدل والقوام .
فضائل البربر من العجم وعن فضائل البربر من العجم ما بلغنى ان عائشة رضى الله عنها ، دخل عليها ذات مرة رجل من البربر وهى جالسة ومعها نفر من المهاجرين والانصار ، فقامت عائشة وسادتها فطرحتها للبربرى دونهم ، فانسل القوم واجلين بذلك ، فلما قضى البربرى حاجته وخرج ارسلت إليهم عائشة ، حتى أجتمعو إليها ، فقالت لهم : ما الذي اوجب خروجهم على تلك الحال ؟ قالوا : لا يثارك علينا وعلى نفسك رجلا كنا نزدريه ، وننتقص قومه ، فقالت انما فعلت ذلك لما قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت اتعرفون فلانا البربري ؟ قالوا نعم ، قالت كنت انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذات مرة جالسين ، اذ دخل علينا ذلك البربرى مصفر الوجه غائر العنين ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ما دهاك ؟ أمرض ؟ فارقتنى بالأمس ظاره الدم فجئتنني الساعة كأنما انتشرت من قبر ، فقال ، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بت في هم شديد ، فقال ما همك ؟ قال : تردد بصرك في بالامس خفت ان يكون نزل في قرآن فقال : لا يحزنك ذلك ، فانما ترديدى البصرة فيك لن جبريل عليه السلام جاءنى ، فقال أوصيك بتقوى الله وبالبربر قلت: وأى البربر ؟ قال قوم هذا ، واشار إليك فنظرت غليك ، فقلم لجبريل ما شأنهم ؟ قال : قوم يحيون دين الله بعد ان كاد يموت ويجدونه بعد أذا يبلى ثم قال جبريل : يا محمد دين الله خلق من خلق الله نشأ بالحجارة واهله بالمدينة ، خلقه ضعيفا ثم ينميه وينشئة ، حتى يعلو ويعظم ، ويثمر كما تثمر الشجرة ثم يقع وانما يقع رأسه بالمغرب ، والشئ إذا وقع لم يرفع من وسطه ، ولا من اسفله ، انما يرفع من عند رأسه.
وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قدم عليه وفد من البربر ، من لواته ارسلهم إليه عمرو بن العاص وهم محلقو الرؤوس واللحا ، فقال لهم عمر من أنتم قالوا من البربر من لواته ؟ فقال عمر لجلسائه : هل فيكم من يعرف هذه القبيلة في شئ من قبائل العرب والعجم ، قالوا : لا ، قال : العباس بن مرادس السلمى عندى منهم علم يا أمير المؤمنين هؤلاء من ولد بنى قيس ، وكان لقيس عدة من الاولاد ، أحدهم يسمى بربر بن قيس ، وفى خلقه بعض الرعونة فقال : اخرق ذات مرة فخرج إلى البرارى فكثر بها نسله وولده ، فكانت العرب تقول تبربروا أى كثروا فنظر إليه عمرو بن الخطاب رضى الله عنه فاستحضر ترجمانا يترجم كلامهم ، فقال لهم مالكم محلقو الرؤوس واللحا ؟ فقالوا شعر نبت في الكفر ، فاحببنا ان نبدله بشعر ينبت في الاسلام ، فقال هل لكم مدائن تسكنونها فقالوا : لا ، قال : فهل لكم حصون تتحصنون فيها ؟ قالوا : لا فقال : هل لكم اسواق تتبايعون فيها ؟ قالوا : لا ، قال : فبكى عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فقال له جلساؤه وما يبكيك يا أمي المؤمنين ؟ قال عمر أبكاني قلة هذه العصابة من المسلمين ، واجتماع أمم الكفر عليها ، فان الله تعالى سيفتح للاسلام بابا من المغرب بقوم يعز بهم الاسلام ويذل بهم الكفر ، أهل خشية وبصائر يموتون على ما أبصروا ، وليست لهم مدائن يسكنون فيها ولا حصون يتحصنون فيها ، ولا أسواق يتبايعون فيها ، فلذلك بكيت الساعة . حين ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ن وما ذكر من الفضل عليهم فردهم إلى عمرو بن العاص وأمره ان يجعلهم في مقدمات العسكر ، واحس إليهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأكرمهم ، وأمرمهم ، وامر عمرو بن العاص أن يحس إليهم ، فكانوا مع عمرو بن العاص حتى قتل عثمان ، فلما كان هذا الخبر في عصابة من أهل المغرب عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجونا أن يكونوا أئمتنا ومن اقتفى آثارهم وأن يكونوا أهل تلك الفضيلة .
وبلغنا ان رجلا من 1رية ابى بكر الصديق رضى الله عنه عن بعض الخلفاء أنه قال : با أهل مكة ويا أهل المدينة اوصيكم بالله وبالبربر خيرا ، فانهم سياتونكم بدين الله من المغرب بعد أن تضيعوه ، هم الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله :" يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين . يجاهدون في سبيل الله واسع عليم ". لا ينظرون في حسب امرئ غير طاعة الله ، قال البكرى : فمن حين وقعت الفتنة انما نقاتل نحن العرب على الدينار والدرهم وأما البربر فانهم يقاتلون على دين الله ليقيموه قال : وهو يرفع الحديث إلى ابن مسعود رضى الله عنه أن آخر حجة حججنا قام خطيبا فقال : يا أهل مكة ويا أهل المدينة اوصيكم بتقوى الله وبالبربر فأنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب ، وهم الذين يستبدل الله بكم اذ يقول :" وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم " والذى نفس ابن مسعود بيده لو ادركتهم كنت لهم أطوع من امائهم ، واقرب إليهم من دثارهم ، وبلغنا عن عائشة رضى الله عنها انها أبصرت صبيا له ذؤابتان ذا جمال وهيئة فقالت من اى قبيل هذا الصبى الشقى ؟ قالوا من البربر ، قالت عائشة البربر يقرون الضيف ويضربون بالسيف ويلجمون الملوك لجام الخيل .
قلت وانما قدم الشيخ رحمة الله ذكر الفرس والبربر تنبيها على فضيلة ائمتنا اذ كانوا من الفرس وفضيلة من انتهى إليه مذهبنا بالمغرب اذ كانوا جلهم البربر ولم يقصد بذلك تاخير العرب عن الفضيلة اذ فضيلة العرب افضل وشرفهم أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابة ، وعلى ألسنتهم أنزل القرآن ، ومنهم كان أسلافنا من الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين ، ولكل خصلة من الفضل بحسب عطاء الله ويسره له ، والله يؤتى من فضله من يشاء والله واسع عليم .
خبر الخمسة نفر (حملة العلم إلى المغرب) أبو الخطاب عبد الاعلى بن المسيح المعافرى ، وعبد الرحمن بن رستم الفارسى ، وعاصم السدراتى ، واسماعيل أبن درار الغدامسى ، وابو داود القبلى ، وتحدثهم إلى ابى عبيدة رحمة الله وأخبارهم الاول فالاول .
أخبار عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسى رحمه الله
كان مولده بالعراق وكان أبوه منجما وكان يرى في علم مدخر عندهم ان ذريته ستلى أرض المغرب ، وكان أبوه رستم متوجها من العراق ومعه عبد الرحمن أبنه وزوجته ليصل إلى أرض المغرب ، فلما كان بمكه أو قريبا منها ادركته حمامه ، وانتقضت أيامه فلقى عبد الرحمن وامه الحجاج من أهل ارض المغرب بمكة فتزوج رجل من القيروان أن عبد الرحمن ، فأقبل بهما حتى قدموا أرض القيروان ، ونشأ بها عبد الرحمن .
فلما بلغ مبلغ الرجال وقرأ وتصفح ، نظر إليه رجل من أهل مذهبنا ، فقال له يا بنى ، ان كنت جادا فيما أراك تطلبه فاقصد ابا عبيدة مسلم بن ابى كريمه ، تجد عنده ماتطلب . فسار عبد الرحمن بن رستم إلى ابى عبيدة رحمة الله فاجتمع بالنفر الذى ذكرنا ، فصدوا ابا عبيده رحمه فصافحهم ابو عبيده وسألهم عن احوالهم ، ومن أين أقبلوا فاخبروه انهم أرادوا تعلم العلم ، فاجابهم إلى ذلك ، ومكثوا عنده عدة سنين ، وكان أبو عبيدة رحمة الله مستخيفا تخوفا من بعض أمراء البصرة (1) فادخلهم سربا وجعل فيه سللسة وطفق يعمل القفاف بباب السرب فمتى رأى شخصا مقبلا حرك السلسلة فسكتوا فإذا انصرف حركها فيأخذون في دراستهم ، وكان عبد الرحمن شابا جميلا حديث السن وكان أبو عبيدة يجعل بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله ، فلما بلغوا من العلم ما شاء الله وأرادوا الانصراف إلى بلادهم رغب عجائز متصلحات من المذهب إلى ابى عبيده في أن يريهن عبد الرحمن ليودعنه ويزودنه بالدعاء ، فقالت أحداهن : بارك الله فيك كما بارك في عين الشمس ، وقالت الثانية بارك الله فيك كما بارك في انسان العين ، وقالت الثالثة : بارك الله فيك كما بارك في مطيب الطعام من الملح .
فلما عزموا على المسير إلى بلادهم كلموا أبا عبيدة وشاوروه فيما يستقبلون من أمورهم ، فقالوا له : يا شيخنا أرأيت أن لو كانت لنا قوة بالمغرب ووجدنا في أنفسنا طاقة أفنولى علينا رجلا منا ؟ فقال لهم أبو عبيدة توجهوا إلى بلادكم فان يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فان ابى فاقتلوه ، واشار إلى أبى الخطاب رحمه الله تعالى .
قالوا فلما أرادوا الخروج من عنده هيأ الشيخ المركوب لتوديعهم ، ووضع رجله في الركاب فسأله اسماعيل عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الاحكام قبل أن يستوى علة متن الدابة ن فقال له : أبو عبيدة اتريد ان تكون قاضيا يا أبن درار ؟ قال له : أرأيت أن أبتليت بذلك ! فبماذا تأمرنى يرحمك الله ؟ وقد ذكر أنه أنما قال له ذلك في موطن المذكور .
ثم توجهوا إلى المغرب فلما وصلوا عرضوا الامامة على عبد الرحمن فاعتذر بامانة كانت عنده للناس فقبلوا عذره وأرادوا تواية ابى الخطاب رحمه الله .
---------------------------------
(1) هو الحجاج بن يوسف امير الامويين على العراق
امامة أبى الخطاب عبد الاعلى بن السمح
قال الشيخ أبو العباس رحمه الله أنما وضع الشيخ رحمه الله في هذا الموضع من كتابه ذكر ولاية أبى الخطاب ، ثم ولاية الفرس ، لما أعتمده من ذكر ولاية الفرس وأنتشار المذهب وائمتى ونقله إلى أرض المغرب فلما كان ذلك هو المهم جعله أولا ، والذي ينبغى أن نقدم نبدأ بذكر من أستخلف من اصحاب رسول الله صلى الله عليى وسلم ، ثم أمامة عبد الله بن وهب الراسبى رحمه الله ونبدأ من أخباره ، ثم تأخذ السير على التدريج ، ولعل فعله أصلح والذي رآه أنجح ، أذ علم ما عداه قد أنتهى حفظ الاكثرين إليه واغنت شهرته عن الدلالة عليه فنشرع في ذكر ولاية من ولى بالمغرب ، ولنبتدئ بذكر أبى الخطاب رحمه الله ، وله التقدم لسبقه إليه ولاستحقاقه أياه وسبق فضيلة العرب ثم لا بد أن شاء الله من ذكر ما امكن من أخبار من اشرت إليهم في موضع يفرد لذلك أن شاء الله تعالى.
ذكر بعض أصحابنا انه لما قدم ابو الخطاب واصحابه من المشرق الى طرابلس اهتم بامور الناس ومصالح المسلمين من له فيهم نظر من المشائخ والاعيان ، وافاضل الناس ، واجتمعت جماعة ممن وصفته ، ذلك بعد قتل الحارث وعبد الجبار ، والناس حينئذ في الكتمان فكانوا يتفاوضون في عقد الامامة ، وفيمن هو أهل لها ، فاجالوا أفكارهم فيمن يولونه امرهم ، ثم اذا اجتمع رأيهم على أمضاء ذلك جعلوا يرددون النظر فيما عزموا عليه هل لهم به طاقة ؟ وهل يستطيعون مدافعه عدوهم ام لا؟ فكانوا يجتمعون في موضع يقال له " صياد " بخارج مدينة طرابلس ويظهرون أنهم يجتمعون في قضية أرض مشتركة بين قوم أرادوا قسمتها ، وذكر أنما أضهروا أنهم أجتمعوا في قضية لجل وأمراة تخاصما فيها وتفاقم أمرهما فكانهم يريدون أصلاحها ، وكلما أنقضى مجلس وانفصلوا دخل منهم جمع إلى والى المدينة فسلموت عليه مداراة له ، حتى إذا اتفق رأيهم على عقد الاماة اجتمعت كلمتهم على مبايعة ابى الخطاب رحمه الله .
وذكر بعض اصحابنا انهم لما اتفقوا على ذلك جعلوا بينهم موعدا معلوما ليجتمعوا فيه بصياد ، فاتفقوا على ان ياتى كل واحد منهم بجماعة رجال من عشرية واتباعه ، وأن يأتوا بالأسحلة ويجعلوا الدروق في الجواليق ويخفونها بالتبن ، وجعلوا امارة بينهم وبين من في المدينة من مشائخ أهل دعوتهم ومن لا يقدر على النهوض معهم انهم أذا رأوهم دخلو المدينة المدينة بجماعتهم ان يستهروا السلاح ، واخبروهم سرا أن الامام ابو الخطاب فلما كانوا بالموعد الذي يجتمعون فيه بعامة المسلمين من شيوخ القبائل من نفوسه وهوارة وزريشة ، وزناته وغيرهم فتوافوا بصياد ن ومعهم ابو الخطاب ، حين عمدوا لعقد ما اعتقدوا قالوا له امض معنا على بركة الله إلى الذى ترددنا فيه منذ زمان ، قال فخرج معهم أبو الخطاب ولم يدر ما يريدونه فلما وصلوا صياد تكلم متكلمهم ، فقال أليس قد اجتمع رئاينا على ما قد علمتوه ؟ قالوا بلى ، قال فأتموا أمركم إذا فقامت منهم طائفة ناحية فتناجنوا ساعة ن ثم رجعوا فقالوا لابى الخطاب أبسط يديك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيئه صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين ، فقال لهم أبو الخطاب ما حسبت أن لهذا كان خروجى معكم ، فقالوا لا بد لنا من تقليدك أمور المسلمين ، فلما رأى جدهم ، قال لا أقبل أن أتحمل امانتكم ألا على شروط ، قالو كل شرط يجوز فنحن نعطيكه ، ونعطيك فيه ، فقال لهم: شرطى عليكم أن لا تذكروا في عسكرى مسألة الحارث وعبد الجبار ، خوفا من أن يكون في جماعة المسلمين أختلاف وفرقة .
بيان مسالة الحارث وعبد الجبار واختلاف الناس فيها وقد حدث بعض أصحابنا أن مسألة الحارث وعبد الجبار أتصلت إلى المشرق فكان بين اصحابنا الذين في المشرق بهذه المسالة أختلاف وفرقة وفي المغرب أشد من ذلك ، حتى كتب إليهم أبو عبيده وأبو مودود حاجب الطائى رضى الله عنهما بالكف عن ذكرها . قال الشيخ أبو العباس الخلاف الذي في المسالة قديما وحديثا أصلة في الولاية المعينة هل تنتقل إلى الوقوف أم لا إلا أن أنتقلت بحكم كتعين إلى البراءة ؟ وهذه المسألة مبينة في العقائد وفي الفقه ، على اليقين هلى يدفعه الشك ؟ فعند أصحابنا ان اليقين يدفع الشك ولا يدفعه الشك فالولاية لا تنقل إلى الووقف وعند الزيدية أنها تنتقل إلى الوقوف ولهم في ذلك أشكالات ياتى ذكرها ومدافعتها ن وذلك أن الحارث وعبد الجبار كانا رجلين موصوفين بالصلاح ، وهما من أهل الولاية ، فوجدا في موضع واحد مقتولين وسيف كل واحد منهما في جثة الآخر . فوقع الاختلاف فيها ، فقائل يقول ان كلا منهما قتل الاخر ، فينبغي أن نبرأ منهما فهذا ارذل الاقوال ، وقائل بان كل واح منهما قتل الآخر إلا أنا لا ندرى الباغى منها فنبرا منه ولا المبغى عليه فنتولاه فلا يسعنا إلا الوقوف عن ولايتها والبراءة منهما هذا قول اصحاب عبدالله بن زيد ، فقائل أنهما باقيان على ما كانا يستحقانه من الولاية لأن صلاحيتها متيقنة وقتل احهما الآخر مشكوك فيه فلا نتوقف عن وايتها فهذا من الاحتمال ، اذ من الاحتمال الذي سبق إلى الخيال أن يكون البغاة الذين قتلوهما قد أولجوا سيف كل واحد منهما في جثة صاحبة وتركوهما لما أرادوه من هذا الخلاف فهذا قول اصحابنا .
وللزيدية (1) هنا افراط بمسئلتين ، احداهما ان يقع اللعان بين الزوجين وهما من أهل الولاية فلا بد أن يكون البغل قاذفا أو تكون المرأة زاينة ، وكلا الفاحشتين من الكبائر إلا أنا لا ندرى من أرتكيها منها فعلينا الوقوف او البراءة ، والثانية أن ترى من بعد رجلين من أهل الولاية وقد جرد كل واحد منهما سيفه ، وضرب صاحبه حتى ماتا ولست تدرى الباغى ولا المبغى عليه ، قلنا هذا كله احتمالات ولنا في رسول الله اسوة حسنة ، أذا نزل عليه :" وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة ، مردوا على النفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم " ، فلم يبلغنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه توقف عن مواصلة أحد ممن أظهر الايمان من أهل المدينة ولا من الاعراب ولا انه تجنب أحدا مع انه صلى الله عليه وسلم ألم انه لا يعلمهم ، وان الله تعالى يعلمهم ، بل أبقاهم على ما هم عليه من الولاية المتقدم اليقين بها حتى فضحتهم الآية من سور براءة في قوله تعالى : ومهم فلما عرفوا يقينا أنتقلت الولاية إلى البراءة ، فاطلب ذلك في موضعه تجده .
وبلغنى عن ناس من أصحابنا الذين بالشرق . بل قد وقفت عليه من قولهم : أنهم رحجوا قول اصحابنا في القتيلين والمقتولين ، ورحجوا قول الزيدية في الملاعنيين فاعتمد هذاك الله على القرآن وما تعلق به يدحض كل قول يخالفه ، فهذا هو الخلاف الذى في المسئلة .
رجعنا ، فأراد ابو الخطاب رضى الله عنه أن يقطع الاختلاف من جماعة المسلمين بامامته ، فقالوا له لك ذلك علينا فبايعوه على القيام بحقوق الله ، وعلى ما فيه في الكتاب والسنة واتباع الائمة المهتدي ، فقبل مبايعتهم ، وانصرف إلى المدينة ومعه جماعة المسلمين ، وذكر بعض أصحابنا ان ولاية أبى الخطاب كانت على رأس اربعين ومائة سنة ، ثم أجتمع رأيهم على دخول المدينة مدينة طرابلس وبها عامل لابي جعفر المنصور ، فعمدوا إلى رجال باسلحتهم فحملوها في الجواليق افواه الجمال ، وكأنهم عير اقبلت إلى المدينة وقد جعلوا افواه الجواليق إلى داخلها من أسفل ، وجعلوا مع كل جمل رجلين بالسلاح ، فلما توسطوا المدينة ولم يفطن احد بما صنعوا فتحوا الجواليق ، فخرج الرجال والسلاح في أيديهم ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، ولا طاعة إلا طاعة الله وطاعة ابى الخطاب ، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه ، فأبى عليهم أبو الخطاب ، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه فأبى عليهم أبو الخطاب من ذلك ، وقال : أنما دخلنا عليهم بالامان . فلما رءاهم اهل المدينة وقد شهروا السلاح قالوا بالامان : هذه غدرة ، فقال لهم اصحاب أبى الخطاب : لا بأس عليكم لسنا بأهل غدر . فمن أراد العافية منكم فليقم في منزله ، ويخر أبو الخطاب العامل في الاقامة في المدينة وينخلع عن العمل ، أو الخروج بالامان . فاختار الخروج إلى أرض المشرق ، ودفع لابى الخطاب مفتاح بين المال فأخذها منه .
فاحسن ابو الخطاب رضي الله عنه السيرة وعدل في سيرته واحكامه ، وكانت ولاية أبي الخطاب اربع سنين وقد ولي على رأس أربعين ومائة ، وبلغنا ان امرأة من نساء القيروان كتبت بطاقة إلى الامام ابي الخطاب رضي الله عنه تشكو اليه جور (ورفجومة ) تقول فيما كتبت له : ( اما بعد " يا أمير المؤمنين " فان لى ابنة وقد بلغت في الخوف عليها من ورجفومة والحوطة عليها ان حفرت حفرة تحت سريري وصنتها فيها عنهم خشية ان يفسدوها كما فعلوا بامثالها فانظر الينا والسلام ) وكانت ورفجومة ولاة مدينة القيروان فلما وصلت البطاقة الى ابي الخطاب رضي الله عنه صادفته وهو يتوضأ ، فقرأها وجعل يبكي رحمة بما نزل بها ، فنادى ( الصلاة جماعة ) واجتمع اليه الناس وصلى بهم ، ثم صعد المنبر خطيبا ، فحمد الله وانثى عليه ثم أخذ في ترغيب اصحابه في الجهاد وامر رعيته في التأهب والاستعداد ، وان يعزموا على المصابرة والجلاد ، فخرج من المسجد وسل عند بابه سيفه وكسر غمده ، قال : لا حكم إلا لله ترغيبا في الجهاد وغضبا لله ولدينه ، وبلغنا من طريق آخر ان ورفجومة أخرجوا امرأة من القيروان وهي تصيح وتقول : اغيثونى معاشر المسلمين ، فلم تجد احدا يدفع عنها فلما بلغ أبا الخطاب رحمه الله ما نزل بها ، واستغاثتها بمعشر المسلمين فلم تجد أحدا يدفع عنها قال أبو الخطاب مجيبا لها : لبيك لبيك .
وقد ذكر بعض أصحابنا ان امرأة من أهل القيروان طلبها ورفجومة فصاحت من القيروان يا ابا الخطاب اغثنى فمد الله في صوتها فسمعها أبو الخطاب من مدينة طرابلس ، فقال لها : لبيك يا اختاه ، قال الشيخ ابو العباس رحمه الله ولا ينكر هذا وامثاله من كرامات الاولياء يؤيده ما بلغنا عن رسول الله صلى عليه وسلم يقول الله جل وعلا :" لا يوال العبد يخدمنى حتى احبه فإذا أحببته وهبت له عيني فيرى بها وسمعي فيسمع بها" الحديث ، ولا تقل العين والاذن ههنا جارحتان ، بل الكلام عليها كالكلام على امثالهما مما نزل في القرآن وفيما ورد في السنة ، وكل ذلك محمول على قدرة الله تعالى ، قال : فعند ذلك أمر أبو الخطاب مناديه بان ينادى : النفير النفير فعسكر على طرف المدينة حتى أجتمع إليه من اصحابه جموع كثيرة ، ثم أن أبا الخطاب خرج فيمن اجتمع له من أصحابه ومعه عبد الرحمن بن رستم افارسى رضى الله عنه ن فخرجوا في سنة ممحملة ذات جوع وجذب ، فامدهم الله بالجراد ن فإذا نزلوا نزل معهم ، واذا ارتحلوا ارتحل معهم .
وبلغنا ان ابا الخطاب لما خرج امر مناديه فنادى : ايها الناس من له ابوان كبيران أو أحدهما فليرجع ، ومن له عروس قريب عهدها فليرجع ، ومن اراد الرجوع منكم فليرجع بالليل رجعت طائفة من عسكره فلما كان بالغد أمر خيلا تقطع وراءه فوجد أثر من رجع من الناس إلى أهلهم ، ثم فعل ذلك في الليلة الثانية وفي الليلة الثالثة ، حتى رجعت خيلة فاخبرته بانه لم يبق من يرجع ، وانه لم يبق معه إلا من له رغبة في الجهاد . فعرض عسكره في ستة آلاف ، وقال فيما قال : انى لأرجو لمن خرج في عسكرنا ومات مجاهدا ان يكون من أهل الجنة الا من من فيه أحدى ثلاث قتل نفس بغير نفس ، وافتراش في حرام ز واقتناء أرض غصبا ،. فمن كانت فيه هذه الخصال أو واحدة منهن فليعلم انه واجد منهن مخرجا أما قاتل النفس فبان ينقاد لاولياء انه واجد منهن مخرجا أما لم يعلم له ولي ليشهد على نفسه بتركها واما الاثنتان الاخيرتان فانه ليشهد على نفسه بتركهما والتخلى عنهما . وبلغنا ان أبا الخطاب مر بمدينة " قابس " فحاصر أهلها حتى ضعفوا واذعنوا له بالطاعة فجعل على المدينة عاملا ، وارتحل حتى اذا نزل على القيروان فحاصر المدينة عاملا ، وارتحل حتى اذا نزل على القيروان مرض عاصم السدراتى مرضا شديدا ، كان من اخيار أهل العسكر ن وانجدهم ، واشهدهم شوكة على أهل القيروان فسمع بمرضه أهل القيروان وأنه أشتهى القثاء فبعث أهل القيروان ببائع القثاء ، فسممعوا واحدة من قثائه ، وامروه ان لا يبيعها الا لعاصم السدراتى فمضى البياع بما عنده من القثاء إلى المعسكر ، فاشترى لعصم اصحابه تلك المسمومة فأتوه بها فاكلها فثار فيه سمعها ، حتى هلك ، وقد هرب البياع حين باعها فاستشهد عاصم رحمه الله فصاح أهل المدينة أين عاصم السدراتى المقتول بالسم ؟ ثم جعلوا يقولون مات عاصمكم يا بربر .
فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه وبلغ منه موت عاصم مبلغا عظيما ، فقال لاصحابه : أنهم خدعونا وغدرونا ، فسنخدعهم ونغدرهم كما فعلوا ، فخدعهم رحمة الله ، وامر اهل العسكر بان يأخذوا سلاحهم ويخلا اخبيتهم ويخرجوا تحت الليل وياخذوا الطريق شبه الهاربية مذعورين ، فاصبح منزل عسكر ابى الخطاب خاليا ، فظن أهل القيروان أنهم هربوا منهم ليلا ، وقالوا : انهزمت البربر ، واخذوا بآثارهم ن ومضى أبو الخطاب رحمه الله فيمن معه إلى واد وراء فحص رقادة ، وكمن فيه بخلية ورجله ، فأخذ اهل المدينة في طلب ابى الخطاب واصحابه . فلما لحقوا بهم ، وجدوهم معسكرين فثار ابو الخطاب وأصحابه في وجوههم ، فهزموهم فتبعهم أبو الخطاب واصحابه ، يقتلونهم ، حتى دخلوا معهم المدينة فتحصلت المدينة لأبى الخطاب في سنة احدى واربعين ومائة من التاريخ .
فلما ولى ابو الخطاب المدينة أستعمل عليها عبد الرحمن بن رستم رحمه الله ، وقد أمر أبو الخطاب أصحابه حين كان في حصار المدينة ان لا يفسدوا زرعا ولا غيره .
وحدث بعض أصحابنا ان شيخا من شيوخ القيروان بعث ابنا له يرتاد مزرعة كانت له بقرب منزل عسكر ابى الخطاب فقال يا بنى : أذهب وانظر هل بقى في مزرعتنا شئ قال : فخرج الغلام إلى المزرعة فوجدها سالمة لن ينلها فساد ، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره ، فعجب لذلك وعجب الناس لعدل ابى الخطاي وسيرته وطاعة أصحابه له فيما يامرهم به وينهاهم عنه . وكان من مقالة الشيخ المذكور اذ ذاك لمن حضره من أهل القيروان : أتظنون ان ابا الخطاب يشبه من ولي عليكم قبلة دنيا وفضلا ؟ وأن سيرتهم كسيرته حسنا وعدلا ؟ كلا والله . أين مثل أبى الخطاب في سيرته وعدله وفضله !
وبلغنا ان أمرأتين قد خرجتا من القيروان حين فتحها الله لابى الخطاب بعد هزيمة أهلها ، فنظرت احداهما إلى القتلى مزملين في ثيابهم كانهم رقود ، فقالن لصاحبتها : انظرى اليهم كانهم رقود . فسمى ذلك الموضع رقادة إلى اليوم ولما دخل ابو الخطاب المدينة أمر أهل المدينة بان يخرجوا إلى قتلاهم ليدفعوهم .
وقد أمر ابو الخطاب من يتفقد القتلى ، فوجد قتيلا واحدا منهم مسلوبا ، وامر مناديا ينادى في عسكره من نزع عن أحد من القتلى شيئا فليردده ، فلم يردد أحد شيئا فعلم ان سالبه عمل غير صالح ، فلما أيس من رده سلب القتيل المذكور طوعا ، ومخافة من عقاب الله تعالى ، ودعا أبو الخطاب ربه عزوجل أن يفضحه ويظهر على اعين الناس فامر أبو الخطاب فرسان من عسكره بان يخرجوا ويجروا خيلهم بين يديه وكان فيهم رجل فارس ن سدراته فلما اجريت الخيل انقطع حزام سرج السدراتى ن فوجد كساء سفسارية تحت سرجه ، فسقط الكساء على أعين الناس وقيل بل كان جبة حرير . قلت والجراد أيضا عند الاحيتاج إليه واجابه الدعاء على الخائن كل ذلك من الكرامات فأخذه الامام رحمه الله فعزره حسب ما اقتضاه الاجتهاد .
وبلغنا أن أبا الخطاب رضى الله عنه لما هزمهم احسن فيهم السيرة وامر اصحابه ان لا يتعبوا مدبرا ، ولايجهزوا على جريح فقال رجل من لواته من عسكر ابى الخطاب يقال له خالد أناكل من اموالهم كما يأكلون أموالنا ويعتقدون أنها غنيمة احلت لهم ؟ فقال : أبو الخطاب رحمه الله ان فعلنا كما فعلوا فحق على الله ان يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم فنكون كما قال الله تعالى : " كما دخلت امة لعنت أختها فنكون كما قال الله تعالى :" كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى أذا أراركو فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ، وقالت أولاهم لخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون "(2) ثم أن ابا الخطاب توجه إلى المدينة طرابلس وقد استعمل عبد الرحمن بن رستم رحمه الله على القيروان . وعلى ما يليها من المدن ، فاستعمل عبد الرحمن على القيوروان , وعلى ما يليها من المدن ، فاستعمل عبد الرحمن على كتابته رجلا منهم يقال له عبدالله بن عقيب فصلحت أحوال الناس .
وقد كان الرجل السدراتى لما لم لم يتجاوز عنه أبو الخطاب رأى أن قد نزلت عليه مصيبة عظيمة في أجتماع الفضيحة والاعانة عليه ، فسار مغضبا ، متوجها إلى بغداد ليستنفر منها جيشا من تلقاء ابلا جعفر المنصور ، فلما وصل بغداد طلب الدخول على ابى جعفر فوقت على الباب سنة لا يؤذن له في الدخول على ابى جعفر ولا بالانصراف ، فبعد تمام حول اذن له ابو جعفر في الدخول ، فدخل عليه وخلا به ، وسأله عن حاجته ، فقال له : حاجتى أن تنفذ معى عسكرا إلى ناحيتع المغرب ، فامر ابو جعفر بالاستعداد بالمسير إلى أرض المغرب ، فانفذ جيشا وجعل عليه محمدا بن الاشعت الخزاعى اميرا . وذكر بعض أصحابنا ان عدد أهل العسكر خمسون ألفا ، وقال : بعضهم سبعون ألفا ، فجعل على طائفة من العسكر رجلا دون ابن الاشعت ، فتوجه ابن الاشعث قاصدا إلى ابى الخطاب ، فلما انفصل العسكر من مصر أرسل عيونه فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل عيونه فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل منهما إلى الآخر ، وبجميع ما يحدث عندهم فقدمت عيون ابن الاشعث من عند ابى الخطاب فسألهم عن اخباره ، فقالوا له أنجمل ام نفضل ؟ فقال : بل اجملوا ، فقالوا رأينا رهبانا بالليل واسدا بالنهار ، يتمنون لقاءك كما يتمنى المريض الطبيب ، لو زنى صاحبهم لرجموه ولو سرق لقطعوه ، خيلهم من نتاجهم ، ليس لهم بيت مال برتزقون منه وانما معاشهم من كسب ايديهم . فلما سمع بان الاشعت ما وصفوه هاله ذلك ظن فشاور الامير الذى دونه في الرجوع فابى له من ذلك .
ولما رأى أبن الاشعت ذلك وخاف تفرق الكلمة ، عمد إلى رجال من عسكره فامرهم أن يتزيوا بزي الرسل ، كأنهم قدموا من ارض المشرق ، واودعتهم كتاب أستخرجه على لسان ابى جعفر ، وامرهم أن يتنجوا عن العسكر فإذا كان وقت الضحى من الغد اقبلوا كأنهم قادمين من بغداد بكتاب خليفتهم فلما كان الوقت الذى وعدهم بالقدهم فيه اقبلوا ، فلما رءاهم أهل العسكر تبادروا ، وأتوا بهم إلى ابن الاشعث ، فناولوه الكتاب الذى قدموا به فقرأه وأظهر أن ابا جعفر أمره بالرجوع ن فرجع بالعسكر لما أعتل به من أمر ابى جعفر اياه بالرجوع لأمر هو احوج إليهم فيه مما توجهوا إليه ، فرجع ، وكره صاحب ابن الاشعث الرجوع فلما رءاه كذلك أرسل إليه وأمر به فقتل ، فخيل إلى الناس أن أبا جعفر أمره بذلك ن وضم إلى نفسه العسكرين . ثم أنه كر راجعا إلى المشرق وتباطأ في سيره وقرب المراحل ، والعيون تختلف باخبار الفريقين فإذا ارتحل ابن الاشعث أول النهار نزل عند أنتصافه، فإذا كان إذا أرتحل، وعيون ابى الخطاب كلما رأت ابن الاشعث أرتحل مرحلة رجعت منهم طائفة ، وأبن الأشعث كلما ارتحل مرحلة أمر خيلا تقطع الأثر خلفه لتنظر هلى بقى في عسكر ابى الخطاب أم لا ، وعيون أبن الاشعث في عسكره من عيون ابى الخطاب أم لا ، وعيون أبن الاشعث في عسكر ابى الخطاب مقيمه ، فلما وصلت عيون أبى اجتمع إليه من عسكر ابن الاشعث تخبره برجوعه - وقد اجتمع على ابى الخطاب زهاء تسعين ألفا - ابتدرت الناس إلى مواطنهم وذلك في زمان الحصاد ن فقال لهم أبو الخطاب يا قوم : أن العرب أهل مكر وغدر ، فلا تفترقوا عن ملككم ، حتى تستيقنوا برجوع القوم ، وغلبت عليه العمة فإذن لهم بالحاق (3) أهليهم فساروا وتفرقوا عنه ، وفى كل ذلك لم تزل عيون أبن الاشعث في عسكر ابى الخطاب.
فلما تيقنوا تفرق جموع ابى الخطاب اسرعوا بالمسير إلى صاحبهم ، فاخبروه فكر ابن الاشعث راجعا يطوى المراحل ، فلم يشعر ابو الخطاب الا وعسكر ابن الاشعث قد غشي حيز طرابلس ، وأبو الخطاب بها مقيم فقال لاصحابه أن العدو قد غشي حريمى فلا يسعنى القعود عن المدافعة عن رعيتى ، وقد اعلمتكم من قبل بما كنت أتوقعه من مكر العرب ، قال ففرق الرسل أبو الخطاب في البلدان تستنفر عسكره وتستمدهم فارسل إلى عبد الرحمن بن رستم يستحثه ،فأمر أبو الخطاب اصحابه بالخروج فاشار عليه بعضهم بالاقامة حتى تاتيه امداده ، فابى إلا لخروج ، وقال : لا يسعنى المقام، وقل دخل العدو حريم رعيتى ، حتى أدفع ، حتى ادفع عنها ما غشيها أو الحق بالله ، فخرج بمن حضره من أصحابه ومن بقرب المدينة من نفوسه وهو أرة وزويشة وغيرهم يريد محمد بن الأشعث فالتقيا " بتاورغا " وهو على مسيرة ثمانية أيام من طرابلس .
------------------------------
(1) لعله اليزيدية . تأمل
(2) سورة العراف : آيه 37-38
(3) كذا في النسخ لعله باللحاق بأهليهم
مقتل أبى الخطاب واصحابه رحمهم الله حدث غير واحد من أصحابنا أن ابا الخطاب لما سمع برجوع أبن الاشعث إليه بمن خرج بمن حضره من أصحابه فأجد السير إليه ، فوجد أبو الخطاب قد سبق إلى الماء نازلا عليه فقال ابن الاشعث لاصحابه : أن نزل أبو الخطاب واصحابه واسترحوا وسقوا كراعهم ، واستقوا فانكم لا تظفرون بهم بشئ ، ولا طاقة لكم بهم ، ، والا فانتم أقدر عليهم منهم عليكم ، وهذا بتاروغا ، فلما وصلهم ابو الخطاب وعسكره شاقت نفوسهم إلى لقائهم ، والجهاد في سبيل الله على بصيرة فلاقاهم أبو الخطاب في قلة والعدو في كثرة ن فاسرع القتل في أصحاب أبى الخطاب واشتد القتال فكان الرجال بين الصفين تنهدم كالحيطان ، ولم يبرج ابو الخطاب زاصحابه رحمهم الله حتى أستشهدوا جميعا ن وكانوا في أربعة عشر ألفا فيما ذكر الرواة ، وقد ذكر بعضهم أثنى عشر الفا فلم ينج من القتل إلا السير ، فتسامعت رعيته بنقتله فهربوا إلى الجبال ، ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العلية .
وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم رحه الله لما وصلته رسل الامام اسرع ليحلق به ، فلما انتهى إلى مدينة " قابس " تلقاه مقتل الامام وعسكره ، فافترت عساكره وكر راجعا إلى مدينة القيروان ، فلما سمع عبد الرحمن بن حبيب بمصاب ابى الخطاب ومن معه وتفرق العساكر ثار من مدينة القيروان ، وطلب عبد الرحمن بن رستم فلم يجده ، فلم يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل ، فلم يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل من أهل القيروان من أصحاب عبد الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن حبيب شافعا إليه فيه فقال له أيها الامير لى أليك حاجة ، فقال حوائجكم كلها مقضية ألا عبد الرحمن بن رستم ن رضى الله عنه ، فقال أن لم أسألك في عبد الرحمن بن رستم لما اراد أستعمال ابن حبيب على بعض أموال المسلمين لما أراد أستعمال ابن حبيب على بعض اموال المسلمين قال : يا معشر المسلمين أبن حبيب على بعض أموال المسلمين قال : يا معشر المسلمين ، لا تولوا ابن حبيب أمور المسلمين ، فانه أبليس ألا ان عليه بشر ابن آدم فحقدها عليه ابن حبيب .
فلما تفرق جنود ابى الخطاب وجنود عبد الرحمن بن رستم وتخلص من أبن حبيب خرج عبد الرحمن هو وأبنه عبد الوهاب وعبد لهما خائفين مستحقين ، متوجهين إلى أرض المغرب ، وليس معه حمولة ولا مركب غير فرس واحد ، فمات الفرس في بعض الطريق ، فدفنوه مخافة أن تقص أثرهم ، فيطمع فيهم ، وذلك في خارج قسطيلية ، فسمى ذلك الموضع " قبر الفرس " فلما عدموا الفرس وقد ضعفت قوى عبد الرحمن تعاون عليه ابنه يحمله تارة ويحمله العبد اخرى ن فاذا حمله العبد قال عبد الوهاب :أن ادركنا العدو فلا تحطط ابى عن ظهرك لما دون خمسمائة ونحوها ، واذا عيى العبد وحمله عبد الوهاب قال : له العبد كقوله له العبد كقوله له ، فلما وصلوا حول واد ، أجج وهو جبل منبع قصده عبد الرحمن وتحضن به .
وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله عمن حدثه : أن عبد الرحمن لما تحصن بوادى اجج وتحصن بالجبل ، لحقه هنالك ستون شيخا من شيوخ الاباضية من طرابلس ، وسمع ابن الاشعث بذلك ، فأقبل مجدا معدا في طلبه ، فأخبر بأنه قي جبل منيع ، حتى وصله فحاصر عبد الرحمن بن رستم بعد أن عسكر على عسكره مخافة أن يأتيه أبن رستم واصحابه ، فأطال المكث تحته فوخم عسكر أبن الاشعث ووقع فيهم الجدرى ومات منهم خلق كثير ، فجمع أبن الاشعث أصحابه فقال لهم مستشيرا : قد رايتم هؤلاء القوم وما هم فيه من المنعه واقامتنا عليهم لا تجدى شيئا فما ترون في الاقامة عليهم او الارتحال عنهم ؟ فاختلف رأيهم ، فجد هو على الارتحال ، فرجع إلى القيروان وقد يئس من عبد الرحمن وأصحابه ودخلها وتحصن فيها .
ولاية ابى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزى الهوارى رحمه الله حدث غير واحد من أصحابنا ان أبا حاتم ولى مدينة طرابلس في رجب سنة أربع وخمسين وائة ومكث فيها اربع سنين ، وكانت ولايته دفاع ، وطلب الحق يرسل ثقاته بما يجتمع من مال الصدقة إلى عبد الرحمن قبل ظهوره ، وسبب ولاية ابى حاتم ان جماعة من أصحابه من بقية من كان مع أبى الخطاب لما أنسوا من نفوسهم في حيز طرابلس بعد أبى الخطاب قوة ن هموا بالاجتماع لامر ابرموه ن فاظهروا عن انفسهم غيره ، كما فعلوا أول مرة في تولية أبى الخطاب ، فعزموا على القيام على حيز طرابلس وواليها من قبل ابى جعفر المنصور فسمع الوالى باجتماعهم فأخرج إليهم خمسمائة فارس ، وأمر عليهم امير منهم . فلما وصلتهم الخيل ، قال لهم أميرها : أجيبوا بالطاعة لامير المؤمنين ، قالوا اجبنا بالطاعة لامير المؤمنين . لا يعنون أبا جعفر ، وامير الخيل يعتقد أنهم عنوه ، فرجع بخيله إلى والى المدينة ن فاخبروه باجابتهم ن فلم يقنعه ذلك منهم ثم أن جماعة ايعان اهل الدعوة اجتمعوا ليلة منصرف الخيل عنهم ، واتفقوا على عقد الامامة لابى حاتم ولاية الدفاع ، فعقدوها له في ليلتهم تلك ، فلما أصبح خرج إليهم الوالى بنفسه في خيل عظيمة ، فلما أتاهم قال أجيبوا لطاعة امير المؤمنين أبى جعفر المنصور ، فقالوا عليك لعنة الله ، وعلى أي كافر معك ، يعنن أبا جعفر فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمهم أبو حاتم ومن معه من أهل الدعوة ، فاتبعوهم يقتلونهم حتى دخلوا مدينة طرابلس ن فمات من ذوى الجبابرة بشر كثير .
وبلغنا أن أبا حاتم لما هزم الله على يديه العدو وقد كان معه من عوام البربر من لا نظر له في أمور الدين وانما حضروا تسليما لامور المسلمين فعمدوا إلى أسلاب القتلى فنزعوها عنهم ن فغضب أبو حاتم لذلك ، وقال ليس من سيرة المسلمين أذا قتلوا من بغى عليهم من أهل التوحيد أن يسلبوه ، بل يقولون لأهل المدينة أرجعوا إلى قتلاكم فادفنوهم وخذوا ثيابهم . والآن أما رددتم الاسلاب ، وأما اعتزلت اموركم ، وتركت الولاية ، فلما سمعوا ذلك منه أطاعوه وردوا اسلاب القتلى . فدخل ابو حاتم رحمه الله مدينة طرابلس اثر الهزيمة فاقام بها ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى افريقية ، فبلغنا أنه خرج إليه جيش من أفريقية ، فتلقاه أبو حاتم ببعض الطريق ن فقاتلهم فهزمهم الله له ، وأحسن فيهم السيرة ، فلم يجهز على جريح ولم يسلب قتيلا .
فلما نزل بالقيروان حاصره أهلها سنة ن وطال الحصار على أهلها فالقوا السلم واذعنوا واطاعوا ، إلا ما كان من ابن الاشعث فإنه أنحجر في دار الامارة في بقية من أصحابه الذين قدم بهم من أرض المشرق ، فحاصره ابو حاتم سنة أخرى ، بعد دخول المدينة فاجلى أبو حاتم من بها من بقية جندا أبن الاشعث فاعطى كل خمسة رغيفا لزاده ، فتفرق أولئك البقية منصرفين إلى المشرق ، وذكر بعض أصحابنا أن السدراتى المجلود على الخيانه الذي جلب العسكر من ان السدراتى المجلود على الخيانة الذي جلب العسكر من المشرق ندم على ما فعل من أعانة العدو على قومه ، وأهل مذهبه ، واذاءته اياهم ، فخرج ببقية العسكر يريد بهم المشرق ، واظهر لهم أنه يريد أن يردهم إلى بلادهم فأخذ بهم طريقا مضلة فهلكوا عن آخرهم .
ذكر وقعة مغمداس وبلغنا ان أبا حاتم سمع بطوالع أقبلوا من المشرق فخرج من مدينة طرابلس فتلقاهم بموضع يقال له ( مغمداس ) على مسيرة ثمانية ايام من المدينة فلما وصلهم أبو حاتم صفوا واقتلوا قتالا شديدا ن فهزم الله على يديه العدو فقتل منهم سته عشر ألفا ، وبلغنا ان رجلا من الحضر لقى رجلا من أهل الدعوى ، فقال له المخالف ما تفسير تاورغا ؟ ( يقرعه بمقتل ابى الخطاب واصحاب رحمهم الله ) وكان صاحبنا فطينا فاجابة ، بان قال تفسيرها مغمداس فيه أربعة أكداس ، في كل كدس أربعة آلاف ، ثم لما هزمهم رجع إلى طرابلس وحسنت حالته فيها .
مقتل أبى حاتم واصحابه رحمهم الله
وبلغنا ان ابا حاتم لما تكمن في مدينة طرابلس دس الكتب إلى المشرق من بقى من الطوالع بطرابلس والقيروان إلى أبى جعفر ببغداد ، يشكون ابا حاتم . ويستقضون عليه ، فانفر إلى ابى حاتم جيشا كبيرا . وامر عليه يزيد ابن حاتم الازدى قال : فلما أنفصل يزيد بن حاتم من مصر بعساكره ، وسمع أبو حاتم بتوجهة ، جمع أصحابه ومن ولى عليه من القبائل ن فحضهم على الجهاد ورغبهم في الاستشهاد . ولما قرب يزيد من حيز طرابلس خرج إليه ابو حاتم بمن معه من أصحابه ، حين نزل موضعا يقال له " جنى " ومعه قبيلة من البربر يقال لها مليلة ، يزيد بن حاتم على أبى حاتم ، فسأل أبو حاتم من حضره من هوارة هلى أعان ابن حاتم على احد من البربر ؟ فقالوا : ليس أحد من البربر الاقبيلة واحدة من هوارة . يقال لها مليلة فقال أبو حاتم : اللهم أذلل مليلة فاجاب الله دعوته فبقيت فيهم إلى اليوم ، فهم اذل البربر ، قيل وكان مع أبن حاتم رجل من نفوسه يقال له عمر بن مطكود لاغير .
فلما التقى الفريقان أقتتلوا قتالا شديدا ، فاستنجز القتل في اصحابه أبى حاتم ، فلما رأى ذلك أبو حاتم قال لاصحابه : زفونى إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس وقفوا لى قليلا قال ، فتقدم أبو حاتم رحمه الله حتى استشهد ومن معه من اصحابه رحمهم الله .
وبلغنا ان الموضع الذى استشهدوا فيه يرى فيه نور ساطع يضئ في كل ليلة الخميس يبصره من بعيد ن يصعد عمودا في السماء وكذا ذكر من شاهده من أهل عصرنا على الصفة المذكرة . وحدث يعقوب بن يوسف اليجرانى أنه أجتاز هو وصاحب له بالوضع المذكور، فلما هبطاه وهو في مطمئن من الارض ، أضاء لهم النور حتى تبين أثر الحشرات في الارض ، كما تبين نهارا ، فلما خرجا منه دخلا في مظلمة عظيمة ، فالتفتا إلى الموضع فاذا الضياء ساطع في الهواء والظلمة تحفهم من كل جانب فعادا ، إلى الموضع فطفقا يدعون الله تعالى لما تبيناه من كرامة ، وكان يعقوب رجلا شجاعا شديد المرة لا يروعه هول ولا يصيبه خور بل كان ثبتا لا يتهم خبره
امامة عبد الرحمن بن رستم رحمه الله
حدث غير واحد من أصحابنا ان عبد الرحمن بن رستم ولى بتاهرت على رأس ستين ومائة ، وذكر بعضهم أنه ولى سنة اثنين وستين ومائة ، والله اعلم أى التاريخين أصح وسبب ولايته أن جماعة اهل الدعوة اتفقوا على ان ينتخبوا موضعا يبنون فيه مدينة تكون حصنا لهم ، فارسلوا رجالا من ذوى المعرفة ، وفرقوهم في الجهات يتخيرون مكانا يصلح لما حاولوه ، ورجعوا وقد وقع اختيارهم على تاهرت فدلوهم عليها ، فاتفق جمهورهم مع اهل تاهرت القديمة على شئ معلوم يأخذونه على غلتها ، وقد كانت قبل ذلك رياضا لا عمارة فيها إلا السباع والهوام .
فلما أتفقوا على عمارتها أمروا مناديا ينادى بسباعها ووحوشها وهوامها ان أخرجوا فانا اردنا عمارة هذه الارض فأجلوها ثلاثة أيام ، وبلغنا أنهم راوا وحوشها تحمل أولادها خارجة بها منها ن فكان ذلك مما رغبهم في عمارتها وقوى عزمهم على انشائها . ثم أنهم اطلقوا النيران فاحترقت أشجارها ، وبقى أصول ما احترق منها فشق عليهم مؤونة أقتلاعها ، فعمدوا إلى حيس فلثوه بعسل ،وجعلوا تحت أصل كل شجرة منها شيئا قليلا ، فلما جن الليل طرقت الخنازير تلك الاصول ، فجعلت تتبع رائحة الحيس ن وتحفر تحت الاصول ، حتى أتت على آخرها ، فلما أصبحوا وجدوها مقتلعة ، فعمدوا إلى مكان فأصلحوا لصلاتهم ن فلما أرادوا بناءه وقع اختيارهم على اربعة مواضع فاقرعوا عليها أيها يجعل المسجد الجامع ، فوقعت القرعة على المكان الاول الذى اصلحوا لصلاتهم ، فبنوا الجامع به ، ثم أخذوا فى انشائها وعمارتها ، فجعلوها ديارا وقصورا .
ثم أن أهل الخير والصلاح وذوى الآراء السديدة من جماعة أهل الدعوة رأوا ان لهم قوة تجب معها عليهم تولية أمام . فتشاوروا فيمن يرون لذلك أهلا من القبائل ، فوجدوا من كل قبيلة رأسا أو رأسين ، فكل منهم أهل لذلك فقال فضلاؤهم : أن عبد الرحمن بن رستم ممن لا تجهلون فضله ، وهو أحد حملة العلم وعامل الامام أبى الخطاب رحمه الله ، وقد كان المسلمون عرضووا عنها ودفعها عن نفسه فهو أهل للامامة لدينه وعلمه ، وسابقته ، ومكانه ، وغير ذلك من حميد أوضافة ، لا سيما وليست له قبيلة تمنعه أن بدل أو غير . فأن رأيتم توليته أموركم فافعلوا ، فاتفق رأيهم جميعا على توليته ، فبايعوه على الامامة ، بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآثار الخلفاء الراشدين ، فأحسن السرة في أمامته ولم ينقم عليه احد في حكومته ، ولم يكن في أيامه أختلاف ، والاباضية كلها يومئذ مجتمعة متآلفة لم يثر فيها ثأئر.
قال الشيخ أبو العباس وقد وقفت في كتابه المسالك والممالك من ذكر بناء تاهرت على ما هو أوضح وأزيد فائدة ، ورأيت أن أثبته في هذا الموضع وأن كان في بعصه خلاف لما صححناه عن المشائخ . ذكر أبو عبيدة البكرى " أن تاهرت مدينة مسورة أنها أربعة أبواب باب الصفاء وبااب المنازل وباب الاندلس وباب المطاحن ، ولها قصبة مشرفة على السوق وتسمى المعصومة ، وهي على نهر تسمى " نافس " ومنها شرب بساتينها وهي في شئ ، وفيها جميع الثمار وهي شددية البرد كثرة الغيوم ، والثلج . وقال أبو عبد الرحمن بكر بن حماد :(1)
وتاهرت الجديدة على خمسة أيمال منها تاهرت القديمة وهي في شرق الحديثة ، ويقال أنهم لما ارادوا بناء تاهرت كانوا يبنون بالنهار ، فاذا جن الليل واصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم فبنوا حينئذ تاهرت السفلى ، وهي الحديثة وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، بن بهرام بن ذو شراز بن سابور بن بابكان بن سابور ذى الاكتاف الملك الفارسى . كان ميمون رأس الاباضية وأمامهم ، وأمام الصفار ، والواصيلة ، وكان يسلم عليه بالخلافة ،وكان مجتمع الواصيلة قريبا من تاهرت ، وكان عددهم ثلاثين ألفا ، في بيوت كبيوت الاعراب يحملونها .
وتعاقب مملكة تاهرت بن ميمون وبنو اخوية اسماعيل وعبد الرحمن بن الرستمية إلى سنة ستة وتسعين ومائتين فوصل أبو عبد الله الشيعى 00مدينة تاهرت فدخلها بالأمان ثم قتل فيها من الرستمية عددا كبيرا ، وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس ، واطيف بها في القيروان ، ونصبت على باب رقادة . وأقام ملك بني رستم بتاهرت مائة وثلاثين سنة . وذكر محمد ابن يوسف أن عبد الرحمن بن رستم كان خليفة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة أيام تملكه على افريقية ، فلما قتله محمد بن الأشعث الخزاعي وذلك في صفر سنة اربع وأربعين ومائة هرب عبد الرحمن باهله وما خف من ماله ، ونزل القيروان فاجتمعت اليه جماعة من اصحابه واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينه تجمعهم ، فنزلوا موضع تاهرت البرج وهو غيضة اشب ،ونزل عبد الرحمن منها موضعا مربعا لا شجر فيه ، قال البربر : ( نزل تافدمت : تفسيره : الدف شبهوه بالدف لتربيعه ، وادركتهم صلاة الجمعة فصلوها هنالك فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء فاخذ حيا وأوتي به إلى الموضع الذي صلوا فيه فقتل هنالك ، فقال عبد الرحمن بن رستم هذا موضع لا يفارقه سفك دم ، ولا حرب أبدا ، وابتدروا من تلك الساعة فبنوا في ذلك الموضع مسجدا وقطعوا خشبه من تلك الأشجار ، فهو كذلك إلى اليوم ، وهو مسجد جامع وهو من أربع بلاطات ، قال : وكان موضع تاهرت ملكا لقوم مستضعفين من منداس وصنهاجة فراودهم عبد الرحم على البيع ، فوافقهم ان يودوا اليهم الخراج من الأسواق ، ويبيحوا لهم بنيان المساكن فاختطوا وبنوا ، وسمى موضع تاهرت معسكر عبد الرحمن إلى اليوم(2 ) .
قال الشيخ : وبلغنا أن الوالي على أهل عمان في أيام عبد الرحمن رجل يسمى عبد الوارث ، وابو عبيدة حي إذ ذاك وفي أمامة عبد الرحمن رحمه الله . ثم ان ولاية عبد الرحمن بالمغرب اتصلت بمن بالبصرة من أهل الدعوة فبعثوا اليه بثلاثة احمال مالا ، فلما وصلت الرسل تاهرت جعلوا يسألون عن دار الإمارة وقد خلفوا المال بخارج المدينة ، فلما وصلوا الدار ، وجدوا الإمام رحمه الله في أعلى بيت يعمل بيده في السقف ، والعبد يناوله الطين ، فسألوا العبد أن يأذن لهم ، وستأذن عليهم . وقد علم العبد أن سيده يسمع كلامهم ، فقال له : اخرهم قليلا : فنزل وغسل من الطين جسده ، فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا عليه وامر بخبز وسمن فقدم بين ايديهم فلما أكلوا استأذنوا للتنحي عنه للنجوى ، فأذن لهم ، فتناجوا واتفقوا ان يدفعوا له المال ، وانهم راضون ما عاينوه من أحواله . فلما وصلت الأموال ووضعت للامام ، شاور اصحابه فيها فاشاروا عليه بان يأخذها ، ويبثها في فقراء المسلمين ، وفي الاسلام ، وفعل رحمه الله ذلك بمحضر الرسل .
فلما رجعت الرسل إلى المشرق اعلموا اخوانهم بسيرة عبد الرحمن وعدله وفضله ، وبعثوا بعد ذلك باموال أكثر من الأولى ، فلما وصلت إلى عبد الرحمن شاور اصحابه أيضا ، فقالوا : رأيك يا أمير المؤمنين ، فقال اما إذ رددتم إلى الرأي ، فان رايي أن يرد إلى أهله ، فهم أحوج منا إليه فقد قوانا الله واغنانا ، فله الحمد ، فشق ذلك على الرسل وليس لهم بد من طاعة الامام ، فعجب أهل المشرق من زهادة الامام في الدنيا ورغبته في الآخرة فأقروا بامامته ووصلوه بكتبهم . فكانت تاهرت حرزا وحصنا لجماعة أهل الدعوة وسميت المعسكر المبارك . قلت أما كون الإمام رحمه الله وافق اصحابه في صرف المال الأول في الوجوه التي ادلوا بها لما رأى في ذلك من سد الخلل ، وأما رده المال الآخر فلعله تعلق بقوله صلى الله عليه وسلم تؤخذ من اغنيائكم وترد في فقرائكم ، فقصد التخصيص في الاضافة ورأى فقراء مواضع أخذت منه الزكاة بها أولى ، ولعله علم ان في المال الأول مالا غير مال الصدقة ، وان المال الآخر كله من مال الصدقة فرأى فيه الرأي الذي ذكرته من صرفه في فقراء الجهة التي أخذ منها المال .
قال : فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رحمه الله جعل الامامه شورى في ستة نفر كصنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه : احدهم مسعود الاندلسي ، وكان فاضلا فقيها ، ورعا من شيوخ المسلمين ، وابو قدامة يزيد بن فندين اليفرنى ، ومروان الاندلسي ، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن ، وابو الموفق سعدوس ابن عطية ، وشكر بن صالح الكتامى ، فلما مات رحمه الله اجتمع أهل الشورى يتفاوضون فيمن يولونه أمور المسلمين فتدافعها بعضهم إلى بعض . الا ان عامة المسلمين مالت نفوسهم إلى اثنين من النفر المسميين ؛ احدهما مسعود ، والآخر عبد الوهاب فبعضهم أراد توليه هذا ، وبعضهم أراد تولية هذا ، فمكثوا نحو شهرين يرون الرأي ثم ان الجمهور رجحوا مسعود أو مالت نفوسهم إلى توليته ، فبادروا ليبايعوه ، فهرب واختفى فابتدروا عبد الوهاب ليبايعوه فلما سمع مسعود بتركهم اياه وطلبهم عبد الوهاب خرج مبادرا ليكون أول من يبايعه ، وكان أبو قدامة لما لم تمل قلوب الناس إليه ورأى انه قد خلا منها اراد تولية عبد الوهاب وقال : هو منا أقرب رحما من غيره ، فلعل ذلك يعطفه علينا ، وانما قال ذلك لأن ام عبد الوهاب يفرنية فرجوا أن يؤثرهم في الأمر ، فقام ابو قدامه في نفر من اصحابه فأبوا الا مبايعة عبد الوهاب لما يرجونه من يثاره اياهم ومع ذلك فقد تخوفت نفوسهم منه .
----------------------------------------
(1) هو الاديب المشهور والشاعر التاهرتى ولد بها وتوفى سنة 292 ه
(2) راجع المغرب في ذكر بلاد افريقيا والمغرب ، وهو جزء من كتاب المسالك والممالك من ص 66
أمامه عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمهما الله فلما اراد الناس مبايعة عبد الوهاب تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه فعارضه ابن فندين واصحابه بالقول ، فقالوا نبايعه على شرط ان لا يقضى أمرا دون جماعة معلومة ، فقال لهم مسعود : لا نعلم في الإمامة شرطا غير ان يحكم فينا بكتاب الله وسنة نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترك ابن فندين واصحابه الشرط . فتقدم مسعود فبايع عبد الوهاب وبايعه الناس بعد ذلك بيعة عامة وحملوه إلى دار الامارة ولم يتخلف عن بيعته احد ولم ينقم عليه احد في حكومة ولا في أمر من أموره حتى نجم ابن فندين واصحابه .
أول افتراق في الأباضية
مع ان طائفة تنتحل اسم الاباضية يقال لهم ( العمرية ) لم تجمعنا واياهم العمرية من قبل وهم يزعمون انهم اباضية ، وسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله وهم تبع عيسى بن عمير ، وسنفرد كتابا في الرد عليهم ، ونقض ما خالفوا فيه أهل الحق ، ونذكر فيه الإفتراقات والرد على كل فرقه خالفت أهل الحق ، قلت انما نبه الشيخ رحمه الله على ذكر العمرية ليعلم ان الافتراق قد كان من قبل ، وانما عنى هنا أول الافتراق بالمغرب ، قال الشيخ اسماعيل بن صالح رحمه الله سألت الشيخ أبا نوح بن يوسف رحمه الله قلت : أين الكتاب الذي وعد به اشيخ أبو زكرياء ؟ قال قد قام عنه به الشيخ أبو عمار عبد الكافى وهو الكتاب ( الموجز ) (1 ) رجعنا.
فأما سب افتراق الاباضية فيما ذكر غير واحد من اصحابنا فهو : ان عبد الوهاب رحمه الله لما ولى المسلمين استعمل على ولايته كلها أهل الورع والزهد ، وكل من علم انه ليست له رغبة في الولاية ، فاستعان على ما قلده الله من أمور المسلمين باهل العلم والبصائر في الدين . ولما رأى ذلك ابن فندين واصحابه وتحققوا مخالفة ما يرجونه من ايثاره اياهم ، تغيرت قلوبهم وتنكرت صدورهم وساءت ظنونهم وسقط في ايديهم وندموا على ما فرط منهم في مبايعة عبد الوهاب ، واخذوا في العلل والاباطيل ، وقالوا : انما كانت ولاية عبد الوهاب على شرط ان لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة ، ورجعوا في حاجة (2) امرهم الذي لم يجزه لهم اهل البصائر من قبل ، وجعلوا يفتشون ذلك عند الجهال والطغاة ، ومن ليست لهم بصيرة في الدين يستنزلون عقولهم ، ويستفزون افكارهم ، ويحيلون عقائدهم واشاعوا انه حابى عليهم بعض الناس ، وولاهم الامور دونهم ، وزعموا انهم بذلك أولىمن سواهم ، وانه لا ينبغي ان يلي امر جماعة المسلمين احد إذا كان في الجماعة من هو اعلم منه ، فتفاقم امرهم ، وكثر القيل والقال في البلد ، وعظم داؤهم ، وكثر النزاع وانتشر الخلاف ، فتارة يقولون نحن وليناه ، وتارة بقولون كيف يلينا وفينا اعلم منه ، وتارة يقولون انما كانت ولايته على شرط .
ثم ان جماعة المسلمين اجتمع رأيهم مع ابن فندين واصحابه على التوقف ، واصطلحوا على وضع اوزار الحرب ويراسلوا في هذه القضية اخوانهم بالشرق ، فما اجابوهم به وقفوا عنده ، وعملوا به . فبعثوا رسولين وتوجها إلى المشرق ، فلما وصلا مصر وجدا بها شعيب بن المعروف وشيعته فأخبراه بموت عبد الرحمن ومبايعة الناس عب الوهاب وخروج ابن فندين عليه وادعائه في امامة عبد الوهاب ، وما زخرف من الأباطيل ، فلما سمع شعيب ما ذكراه من الاختلاف خلا بطائفة من اصحابه ، منهم ابو المتوكل ، فعزموا على المسير إلى تاهرت ليكونوا التاء على الامام ، ثم ان الرسولين توجها إلى مكة فوجدا أبا عمرو الربيع بن حبيب وابا غسان مخلد بن المعرد رحمهم الله في جماعة من اصحابنا ، واخبراهما بما فيه من ارسال اخوانهم اليهم ، وبما حدث بالمغرب ، فدفعا اليهم كتبهم وقرأوها واجتمعوا ليجاوبوا عنها فكتبوا :
( بسم الله الرحمن الرحيم )، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما . أما بعد ، فقد اتصل بنا ما وقع قبلكم وما كتبتم فيه ، فأما ما ذكرتموه من امر الشرط فليس من سيرة المسلمين ان يجعلوا في الامامة شرطا : ان لا يقطع الامام امرا دون جماعة معلومة . الامامة صحيحة والشرط باطل ، فلو صح في الامامة الشرط لما قام لله حق ولا اقيم له حد ، ولبطلت الحدود والاحكام ، وضاع الحق ، والجماعة يتعذر اتفاقها . على ان الامام ان قدم اليه سارق فلا يمكنه ان يقيم عليه الحق فيقطع يده حتى تحضر الجماعة ، أو زنى أحد فلا يرجم أو يجلد حتى تحضر الجماعة ، ولا يجاهد الامام عدوا ، ولا ينهى عن منكر ، الا بمحضر الجماعة ، فيكونوا كلهم اذا اماما ، وكلهم لا امام ، فهذا ابطال ، وتتبعه غير الاستقامه ، ورمي الامامة به بغي ، والسؤال عن هذا غبي . واما ما ذكرتم من توليه رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم منه فذلك جائز اذا كان مستكملا لشوط الامامة ، وكان من أهل الفضل والدين ولاعدل والسياسة والمنزلة المرضية ، فقد ولى ابو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وزيد بن ثابت افرض منه ، وعلى اقضى منه ، ومعاذ بالحلال والحرام اعرف منه ، وأبي بكتاب الله أقرأ منه ، كل شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ومع هذا فلم يكن احد منهم أولى منه بالامامة ، فالجواب اثبات الولاية وابطال الشرط ، ولو انعقدت عليه ، وتخطئه من اختلفه واحله غير محله )
ومما ضمنوه جوابهم ان الامامة لا تبطل الا بحدث في الامام بعد الاعذار والانذار ، وتمادى المحدث على الاصرار والاستكبار ، فحينئذ يجب القيام عليه . وابطال ما صار من أمر المسلمين اليه .
ونرجع إلى ذكر شعيب وذلك انه لما انتهى اليه الرسولان بما قد تقدم ذكره من وقوع الخلاف بالمغرب توجه إلى تاهرت في نفر من اصحابه ، دون مشاورة من بمصر من المشائخ أهل الدعوة ، بل قد نهاه عن ذلك من فطن به منهم فسار طمعا في الامارة ، فلما وصل هو واصحابه دخل على الامام ولم يكن له بد من الدخول عليه ، فسأله الامام رحمه الله عن الامامة والشرط فأجابه بان الامامة صحيحة والشرط باطل ، وسأله ايضا هل تجوز تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم منه ؟ فاجاب بجواز ذلك . ثم ان شعيبا خرج فتوجه نحو ابن فندين ، واصحابه فأطعموه في الامارة ، فندم على فتياه للامام رحمه الله فوازر(3 ) ابن فندين واصحابه على الامام ، وصار لهم عونا على الخلاف ، فخرج من بالمدينة من اكابر اصحاب ابن فندين إلى المنازل المتدانية من تاهرت ، وجعلوا يستفسدون قلوب أهلهاويجتمعون فيها بحل ما انعقد من الامامة ويتناجون بالاثم والعدوان ، وذلك سموا ( النجوية ) ثم بعد ذلك ولما ادخلوا بذلك شغبا في الاسلام سموا ( الشغبية ) ، ثم الحدوا في اسماء الله تعالى فسموا ( الملحدة ) . وسموا النكاث لنكثهم البيعة بغير حدث ، وبلغنا انهم كانوا يدخلون المدينة بالجماعات ، فتكلم جماعة من المسلمين بذلك ، واشاروا على الامام بان ينهاهم عن ذلك ، فنهاهم الامام فلم ينتهوا ، وعاب عليهم خروجهم من المدينة إلى المنازل فقالوا : هذه مدينتنا وتلك منالنا ، فان رأى الامام في ذلك منكرا تركناه . قال فاعرض عنهم الامام ثم صاروا بعد ذلك يدخلون المدينة بالسلاح ، فاشار أيضا جماعة من المسلمين على الامام بان ينهاهم عن ذلك . فقالوا : ان رأى الامام في امساك السلاح منكرا تركناه قال : فاعرض عنهم الامام ، وامر اهل المدينة بامساك السلاح مخافة منهم من غدر يحدث منهم .
وبلغنا ان نفرا منهم اجتمعوا على غدر الامام فأداروا الامر بينهم ، فقال قائلهم كيف لنا بالوصول إلى قتله ؟ فلم يتجه لهم ذلك . ثم ان رجلا اشار عليهم بأن يحضروا تابوتا فيجعلوه فيه ، ويمضوا بالتابوت إلى الامام كأنهم مختصمون فيه ، وكان الاتفاق قد تعذر ، ليفضي الأمر إلى وضعه على يد الأمين ، ثم لا يرضون الا ان يكون في امانة الامام ، فعمدوا إلى تابوت وادخلوا فيه الرجل المشير ، ومعه سيفه وكان غلق التابوت من داخله ، قأقبلوا بالتابوت إلى الامام رحمه الله ، ففعلوا ما عزموا عليه من الملاحاة . حتى اظهروا ان كادوا يقتتلون ، فقال قائلهم للامام ، يا أمير المؤمنين أفصل بين هؤلاء القوم ، وانزع التابوت من ايديهم جميعا حتى يصطلحوا أو يصح لمن يصح منهم ، فقالوا باجمعهم : قد اصاب فيما اشار به عليك يا امير المؤمنين ، فقال : دونكم وما أشار به . فقال المختصمون : لسنا نثق بامانة أحد الا أن يكون امير المؤمنين ، فتوخى رحمه الله مرضاتهم وساعدهم ، فقال : احملوا تابوتكم إلى حيث آمركم ان تضعوه ، فلما حملوه تبين للامام ان الذي حملوه ثقيل وقال متمثلا ( يا بؤسا للغدر فما اسجاه !! ) ثم ان الامام تأمل التابوت فوجده مغلقا من داخله ، فازداد ريبة وغلب على ظنه انهم ارادوا الغدر . وكانوا قد رغبوا في ان لا يوضع التابوت الا في بيت ينام الامام فيه ، فلما وضعوه خرجوا مستبشرين فرحين ، وظنوا ان قد ظفروا بحاجتهم فخيبهم الله ، ورد عليهم مكرهم وجعل كيدهم في تضليل .
وقد ذكر انهم قالوا لصاحبهم اذا انت قتلت الامام فأذن لصلاة الصبح عند طلوع الفجر ، فاذا سمعوا اذانه ابتدروا لدار الامام ، وان هو لم يؤذن علموا انه لم يظفر بحاجته فلما جن الليل أخذ الامام رحمه الله في صلاته فلما فرغ منها وكانت عادته اذا فرغ منها ان يتناول كابا فيقرأ فيه حينا من الليل ، فلما كانت تلك الليلة عمد الامام إلى زق منفوخ فوضعه على فراشه . والقى عليه ملحفة بيضاء ، فلما قضى حاجته من قراءة الكتاب وحان وقت نومه أخذ مصباحا وأوقده وكب علي غطاء يستره ، وتنحى إلى جانب البيت واقبل على الصلاة بحيث لا يسمعه ولا يراه من بالتابوت . فلما هدأ صوت الامام عن صاحب التابوت ، وظن ان الامام قد نام ، فتح التابوت فخرج منه فنظر في البيت يمينا وشمالا ن فلم ير شيئا الا بياضا في ناحية البيت كهيئة المضطجع ، فظن انه الامام ، فتيممه فجرد سيفه ، والامام رحمه الله يراه فلما وقف على الفراش ضرب الزق بالسيف فظن انه قد قتل الامام فلما سمع الامام وقعة السيف على الزق كشف الغطاء عن المصباح واتاه الامام والسيف في يده فقده نصفين ولفه في تابوته .
فلما كان الغد اجتمعوا فسألوا من لقيهم ، هل حدث حادث فلم يخبروا بشيء فقال بعضهم لبعض : اسمع احد منكم عن الامام وصاحبكم شيئا ؟ فكل قال : لا ، فقالوا : امضوا بنا لنأخذ تابوتنا ، فنقول قد اتفقنا . ففعلوا ذلك فقال لهم الامام : امضوا إلى حيث وضعتموه فخذوه . فمضوا حتى دخلوا البيت فوجدوا تابوتهم في الموضع الذي تركوه فيه فحملوه ، فما وصلوا إلى مأمنهم فتحوا التابوت فوجدوا صاحبهم قتيلا مقدودا نصفين ، فخيب الله سعيهم ، واخلف ظنهم ، والحد لله ، فخرجوا من المدينة خوفا من ان يوقع بهم الامام والمسلمون لسوء صنعهم .
ثم ان شعيبا خرج من عند الامام قال لابن فندين واصحابه ماذا تنتظرون به فبادروه ورعيته لتظفروا بغفلته وانما قال ذلك استعجلا وخوفا ان يأتي الجواب من المشرق فتكون عليهم الحجة ويفترق عنه أهل الشغب وقد علم ان الصواب ما افتى به أولا ثم رجع عن الصواب حين طمع فيما طمع فيه ، وكان ابن فندين واصحابه يتربصون الدوائر بالمسلمين ، ويتوقعون فرصة ينتهزونها ويترقبون من أهل المدينة غرة يجدونها ، والامام كما ذكرنا قد قد أمر بامساك السلاح رعيته واصحابه ، فهم على ذلك فلما كان ذات يوم خرج الامام لبعض حاجاته ، فبادر يزيد بن فندين واصحابه المدينة ليدخلوها على حي غفلة من أهلها فقامت في المدينة الصيحة فتبادر الناس من كل مكان فخرج افلح بن الامام في سلاحه مبادرا فوجدهم على باب المدينة ، وقد كادوا يدخلونها ، فوقف افلح على الباب واثبت احدى رجليه في صفات الباب( 4) حتى انسلخ جلد قدمه إلى العرقوب وجعل يتقى بدرقته ، حتى لم يجد فيها حصنا يتقى به شيئا ، فرمى بها ، فاقتلع باب المدينة فتترس به ، وعادة يتقى به الطعن ، والضرب ، فتكامل عنده أهل المدينة فوجدوا يزيد بن فندين مقالبلة ، وعلى رأس ابن فندين بيضتان ، وضربه افلح بالسيف فقد البيضتين والرأس ونشب السيف في عمود الباب ، فخر ابن فندين صريعا ، فوجد افلح في يده بعض الشدة حين ضربه فظن ان صلابة في رأس ابن فنديم ، فقال ( ما اقوى رأسك يا بربري يا مشوم ) ولما رءاه اصحابه صريعاص ولوا منهزمين ، فقتل منهم جماعة كثيرة فكان عدد القتلى اثنى عشر ألفا فعثر بهم شؤمهم أول مرة في هلاك هذا العدد الكثير . وبلغنا ان دم قتلاهم سالت على باب المدينة كالسيل لكثرتهم .
ثم ان أهل المدينة اجتمعوا في عدد وحاولوا أن يردوا الباب كما كان لم يستطيعوا ذلك ، فقالوا لأفلح اردد ما نزعت فقال : ردوا علي غضبي آنفا اردده لكم ، ثم إن الإمام رحمه ال رجع إلى المدينة فوجد على بابها المقتلة فهاله ما رأى بسأل عن ذلك فاخبر بما كان من ابن فندين واصحابه فامر بجمع القتلى فجمعوا ، وصلى عليهم رجاء للصلح وطلبا للعافية لعامة المسلمين ثم ان شعيبا لما انهزم القوم هرب إلى مدينة طرابلس ،فاظهر مخالفة الامام والبراءة منه واستقبل الحجاج بذلك ، واتصل ذلك بالربيع رحمه الله وبمن بالمشرق من أهل الدعوة فبرؤوا من شعيب وابن فندين ن ومن قتل معه ، ومن سلك سبيله ، الامن تاب .
وكان الربيع يقول في مجالسه : عبد الوهاب امامنا وتقينا وامام المسلمين ويظهر البراءة ممن خالفه ، فقيل له : كيف تبرأ من شعيب بغير حدث ؟ فقال : أي حدث أعظم من خلافة لعبد الوهاب وبراءته منه ؟ ثم ان بقية اصحاب ابن فندين الذين لم يصابوا يوم قتل عمرت صدورهم ضغائن واحقادا فتنحوا ناحية عن المدينة ، فاجتمعوا بكدية ، فسميت كدية النكار ، وجعلوا يفشون الخلاف والفساد سرا وجهرا ، وفي كل ذلك لم يزل شرهم يعود عليهم ، وبعد ان أهلك الله ابن فندين واصحابه قدم الرسولان بالجاب من فقهاء المشرق مشتملا على ماتقدم ذكره م ولاية عبد الوهاب واستحقاقه الامامه ، وتخطئه ابن فندين واصحابه ، والبراءة منهم .
فزاد ذلك يقينا كل من شرح الله صدره للطاعة ، وحمدا لله على ما وهب له من سلامة دينه ودنياه ، وثبوت عقائدهم على صحة يقينهم .
وبلغنا ان ميمون بن عبد الوهاب قتل ليلا وقطع لحمه اربا اربا ، فلما اصبح وجده اهل المدينة على تلك الحال فأوتي به إلى الامام رحمه اله فنظر إليه الامام فقال : أي بني ، اجتمعت في مصيبتي فيك ثلاث امثال للعامة ، احدهما قولهم فيمن مرت الخيل بكسائه ، والثانية قولهم فيمن اصيب بليل ، والثالثة قولهم اذا مسست ابن السلطان فأمسسه مس عنيفا . ثم جهز ابنه ودفنه ، ولم يدر من قتله وذلك بعد مصاب ابن فندين واصحابه ورجوع الجواب . ثم ان ابنا لميمون خرج ساعيا ، فلما وصل إلى النكار نادوه يا ابن المهدور دمه ، فرجع إلى جده عبد الوهاب فاخبره الخبر ، فجعل يبحث عن قاتله حتى حقق ان النكار قتلوه ، فاخرج اليهم عسكرا وامر عليه ابن ميمون فأدركهم بعد أيام فألفاهم مجتمعين على اهبة ينتظرون . فصادفوه فقاتلهم فهزمهم الله له ، وقتل منهم عددا كثيرا فقصر الناس عن احصاء عدد القتلى ، فقالوا : أي اسماء القوم اقل عددا فصححوا ان أقل اسماءهم هارون ، فقالوا احسبوا كم قتيلا اسمه هارون ، فوجدهم ثلاثمائة ، فما ظنك بسوى هارون فاومن الله قوتهم ورد كيدهم واذلهم .
وكان بيت الرستميين بيت العلوم وجامعا لفنونها ، من علم التفسير والحديث ، والفرائض ، والاصول ، والفروع وعلم اللسان ، وعلم النجوم ، وقد حكي عن بعضهم انه قال : معاذ الله ان تكون عندنا امة لا تعرف منزلة القمر ، وبلغنا ان عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى اخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا ، فاقتضى نظرهم ان يشتروها ورقا وتطوعوا بالمداد واجرة النساخ والمفسرين ، حتى اكملوا ديوانا عظيما فبعثوا به اليه فشق(5 ) جميع الديوان فقال الحمد لله اذ ليس فيه مسألة عزبت عنى الا مسألتان ولو سئلت عنهما لاجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب .
----------------------------------
( 1) -لا زال الكتاب من جملة المخطوطات ن وقد قام الدكتور عمار الطالبي من جامعة الجزائر اخيرا بدراسة عليه ، واخبرني انه يقوم بطبعه .
(2) - كذا في النسخ ، ولعل الصواب : ورجعوا إلى لجاجة أمرهم
(3) - من وزارة موازرة على الامر عاونه وقواه ن مقلوب آزره
(4) - كذا في الأصل ، وفي نسخه في صفات بالباب
(5) - كذا بالنسخ ، لعله فشقق جميع الديوان ، فيكون من شقق الكلام : اخرجه اسحن مخرج ، في الحديث : ( تشقيق الكلام عليكم شديد )
محاربة الامام عبد الوهاب رحمه الله للواصلية
حدث غير واحد من اصحابنا ان الامام عبد الوهاب رحمه الله لما أوهن الله على يديه كلمة النكار واورثهم الخزي والعار ، تحرك الواصلية بعض الحركة ، وهم قوم من البربر اكثرهم من زناتة ، وذلك لما احسوا بوقوع التفرق وحاولوا ان ينتهزوا فرصة ، فبلغ الامام ذلك فاعذر اليهم مرة بعد مرة ، وقد نشأ في الواصلية شاب حدث السن شجاع لا يقوم له شيء ، وهو ابن اميرهم ، وفيهم رجل ينتحل المناظرة فتتكاتفت كلمة الواصلية ، واجتمعوا من كل أوب منحازين من تاهرت ، واكثرهم أهل البادية . فاظهروا مخالفة الامام رحمه الله ، فاعذر اليهم ، ثم خرج اليهم ، بعساكر كثيرة فقاتلهم مرة بعد مرة فكان الشاب الواصلي لا يدرك احدا الا قتلة ، وابوه يحرضه على القتال .
فلما رأى ما نزل به منهم ، وان حربهم مقيم ، أرسل إلى أهل نفوسه ستمدهم طالبا منهم جيشا نجيبا يكون فيهم رجل مناظر عالم بفنون الرد على المخالفين ، ورجل علام بفنون التفاسير ، ورجل شجاع ، يستعده لمبارزة الشاب الواصلي ، ولما وصلت رسل الامام رحمه الله إلى جبل نفوسه ائتمروا فيمن يرسلونه إلى الامام ، فاجتمعوا على ان يبعثوا اربعة نفر احدهم مهدى الويغوي ، والثاني ايوب بن العباس ، والثالث ابن يأنيس ، والرابع قيل اسمه محمد ابو محمد ، وقيل ابو الحسن الابدلاني رحمهم الله ، فاستحضرهم عامل جبل نفوسه فملا حضروا اعلمهم بما كان من استمداد الامام ، واتفاق الجماعة على توجيههم وامروهم ان يتأهبوا للمسير .
فبلغنا ان النفر تساءلوا فيما بينهم فقال لهم مهدي اما انا فاكفيكم المناظرة ، وقال محمد بن يأنيس وانا تفسير القرآن ، قد اخذته عن الثقات ، واعتمدوا على أيوب في المبارزة . وأخذ النفر في اهبة السفر فخرجوا من جبل نفوسة متوجهين إلى تاهرت ، فلما انفصلوا عن الجبل رغب اليهم محمد بن يأنيس في ان يكون لهم خادما فأبوا عليه ، فالح عليهم إلى أن اجابوا رغبته فجعلوا كلما رحلوا ، ساروا نهارهم الى الليل ، فاذا نزلوا عمد محمد بن يأنيس إلى خيلهم فعلفها ، ثم اخذ في معالجة معيشتهم فإذا طعموا أو ناموا اقبل على الصلاة راكعا ساجدا إلى الفجر ، وكان صائما نهاره وقائما ليله ، فكان هذا دأبه ودأبهم ، فلما رأوا تماديه على ذلك شق عليهم ، واشفقوا عليه . فرغبوا اليه ان يرفق بنفسه أو يدع عن بعض ما تكلفه في سفره ، وينام ساعة من ليله ، فأبى ، فعزموا عليه ان يترك ، والا نظروا في خادم سواه ، فلما تحقق جدهم وخشي ان يعزلوه عما تولى من خدمتهم . قال : قد اجبت ، على ان تأذنوا لي في ركعتين لا غير ، فطابت انفسهم وأذنوا له في الركعتين فلما كان في الليلة المقبلة وقد فرغ من خدمتهم قام ليأتي بالركعتين فقرأ في الركعة الاولى نصف القرآن ، وفي الثانية النصف الآخر ، فطلع عليه الفجر ، فلما كان من الغد وعلم اصحابه بما كان منه شق عليهم اشد مما كان قبل ، فرغبوا اليه في ان يعودوا الى الحالة الأولى ، ورأوا ذلك ارفق به مما صار اليه .
وبلغنا انهم ناموا ذات ليلة فاستيقظ احدهم فرأى ابن يأنيس قائما يصلي وكانت ليلة مطيرة شديدة البرد والريح فسمع لكساء بن يأنيس صريرا اذا ضربته الريح ، فقال : ان كان لا يدخل الجنة الا من كان مثلك يا ابن يأنيس فستستوحش فيها . بل الله لطيف بعباده ورحمته واسعة .
وبلغنا ان الامام رحمه الله لما سمع بخروجهم من جبل نفوسه متوجهين اليه قال لعبيدة من بشرني منكم بقدومهم فهو حر ، وكان العبيد اذا اصبح خرجوا من المدينة ينظرون يمينا وشمالا ، وكان احد عبيد الامام أعرج لا يستطيع النهوض مع العبيد فكان يرقى سور المدينة فلما كان يوم قدومهم أبصرهم العبيد الذين كانوا في خارج المدينة ، فلما تحققوا ذلك بادروا يتسابقون ليخبروا الامام فلما رءاهم الاعرج عن بعد ، عجل إلى الامام فبشره ، فخرج حرا فجاءه اصحابه فوجدوا الاعرج قد سبقهم بالبشارة فقالوا ( فاز بها الاعرج ) فلما وصل النفر المدينة اخبروا الامام بانهم اربعة فساءه ذلك ، وكان ينتظر قدوم عسكر كبير فلما دخلوا على الامام رحمه الله ، سألهم عن احوالهم وعن قدومهم في اربعة نفر دون عسكر . فاخبره كل واحد منهم بما تكفل به ، واعلمه انهم بمعونة الله عز وجل ومساعدة الأمام يقومون مقام العسكر . فامر الامام رحمه الله بانزالهم في دار الضيافة ، فاقاموا في أبر حال .
وبلغنا ان الامام اجل قبل ذلك الواصلية أجلا ، قبل قدوم النفوسيين ، فلما قدموا قال لهم : تأهبوا للخروج قالوا له : دعنا حتى نستريح وتستريح دوابنا فقد اساءها السفر ، فأسعفهم ، ولما جرى ذكر المناظرة بينهم وبين الامام واعلمهم مهدى انه يكفيهم المناظرة قال لهم الامام : انه جرى بيني وبين الواصلي المنتحل المناظرة كلام ، اريد ان اعرضه عليك فقال : افعل يا امير المؤمنين ، فجعل الامام يعرض عليه ما وقع بينهما من مناظرة ، ويذكر سؤال كل واحد منهما ، وجواب الآخر فكلما وجد من كلام الواصلي حيدة ، قال : يا امير المؤمنين زاغ في الحجة ، وزاغ عن الحجة ، حتى اطلع الامام رحمه الله على جميع ما لبس فيه المعتزلى ، ومواضع حيداته ، فوثق بان مهديا سيظفر بالمعتزلي.
وبلغنا ان مهديا لما صار بتاهرت - جعل - يغيب عن اصحابه اياما لا يدرون له مستقرا ، حتى ساءت ظنونهم ، فلما كان ذات ليلة قدم عليهم ، فقالوا له: قد استبطأناك ففيم كان مغيبك ؟ فقال لهم : انى قد رددت الى مذهب الحق سبعين عالما من أهل الخلاف .
ثم ان الامام بعث إلى رئيس المعتزلة بانه سيخرج اليهم في يوم كذا ، فلما كان ذلك اليوم وقد ساءت ظنون المعتزلة وامتلأت قلوبهم رعبا يتوقعون ما سيجلى لهم من أمر نفوسة فكانوا في غم شديد ، فامر الامام رعيته بالخروج الى الواصلية والحضور لمناظرة مهدى للمعتزلة .
فقال له ايوب بن العباس يا امير المؤمنين بخيل نركبها ، فامر الامام رحمه الله ايوب بدخول دار الدواب فدخل الاصطبل فجعل كلما رأى فرسا حسن الصورة ، أخذ بناصيته وجذبه فلا تثبت حوافره على الأرض يكاد يسقط على رأسه ، حتى أتى على آخرها فلم يعجبه منها شيء فقال ايوب للامام اجمع(1) فرسي فان تعبه علي احسن إلى من غيره ، فامر الامام بفرسه فاحضر ، فلما جذبه كما فعل بكل فرس اجتذبه قبل ولم يال جهدا في جبذه فاقنع الفرس برأسه في الهواء طامحا ، ولم تزل له حوافر مثبتة في موضعها ، ثم ردد النظر في الفرس فوجد به الحفاء ، فامر باحراق الرمل حتى حمي ، وفرش ، وأمر عليه فرسه يطأ ذلك الرمل بحوافره ، ففعل به ذلك ثلاثة ايام ، فبعد ذلك امر الناس بالخروج ، فخرجوا والتقى العسكران والناس ينظرون الى ايوب ، فيتعجبون بما يسمعون عنه من اشجاعة ، وانه لا يلقى شجاعا الا قتله ، فاعذر الامام الى المعتزلة ودعاهم الى ترك ما به ضلوا ، فأبوا الا المناصبة وسألوا المناظرة ، وقد صفت الصفوف فخرج مهدى لمحمد بن يأنيس أخرج اليه فناظرة ، فقال له ابن يانيس رحمه الله : بل اخرج اليه انت ، ولست باعلم منا ، ولكن اخشى ان يعقدني العرق الذي من قبل ذلك اسملته نفسه فارسل إلى مهدى في خفية من اصحابه : ان انا ناظرتك فظفرت بي سترت علي ، وان ظفرت بك سترت عليك ، فليس منا احد يدري لمن يكون الظفر . فارسل مهدى إلى اصحابه ان علامة ظفري بالمعتزلي ان أنزع القلنسوة عن رأسي ، واضعها تحت ركبتي ، ثم تناظرا فجرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولون ،فلم يظفر احد بصاحبه ، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها احد غير الامام ، ثم دخلا في وجه لم يفقهها أحد ولا الامام ، فما كان باوشك من ان ظفر به مهدى والقى القلنسوة ، فكبر اصحاب مهدى لعلمهم بظفره بالمعتزلي ، فلما رأى المعتزلي ذلك قال غدرت يا مهدى .
وافترقا عن مجلس المناظرة ن وقد اظفر الله مهديا ، ونصر حجة أهل الحق ولله الحمد . ثم خرج الفتى المشهور بالشجاعة يطلب المبارزة ، فأخذ ايوب بن العباس في اهبة الخروج اليه فجبنذ فرسه حتى استوى بين الصفين واراد ركوبه بحيث يراه كلا الفريقين ، فتجاهل في ركوبه ، فضحك منه عامة الفريقين وازدروه ، فقال لهم ابو الفتى الواصلي الآن جاء من يقتل ولدي ، افلا ترون ان فرسه لما ركبه ادلى واسترسل ، ولا يفعل الفرس ذلك الا تحت الفارس الحاذق الممارس ، فخرج ايوب الى لفتى فبارزه فتطاردا قليلا ،وتضاربا حينا ، فحمل عليه ايوب فضربه وقتله ، وذكر بعض أصحابنا اه شكه بالرمح واحتمله كالجرادة ، فلما رات المعتزلة رئيسها وفارسها صريعا ، ولوا منهزمين بعد ما حمى الوطيس وقتل الرئيس واستنجر القتل في المعتزلة وكان أفلح بن عبد الوهاب يضرب ناحية وايوب يضرب ناحية أخرى ، وكان سيف ايوب بن العباس ليس له الا حد واحد ، وقيل ان ذلك اذا عيى حمله على عاتقه ، فلما امعن اهل العسكر في قتل الواصلية ودخوهم ، وضعت الحرب اوزارها ، ولم يكن بقى من المعتزلة إلا اليسير وصار المسلمون يعدونهم من قتلة أفلح من قتله أيوب فوجدوا احدهما يزيد على الآخر واحدا ، قيل وصاحب الزيادة هو افلح ، وذكر بعض اصحابنا ان قتلى افلح اربعمائة . ولما أوهن الله المعتزلة ، ونهزموا وعسكر الامام ي سافلتهم ، بلغنا ان ايوب بن العباس رأى شخصا قائما كهيئة ارجل فى حومة القتال ، فخاله رجلا فضربه بالسيف فأحس شدة ، فلما رجع قال لاصحابه : انى ضربت شيئا فيه ولم ادر ما هو فتصفحوا القتلى فوجدوه عمودا قائما ، فلمسوه بأيدهم ، فسقط منفصلا من الموضع الذى أصابته ضربة ايوب .
ثم بعد ذلك بزمان أرسلت المعتزلة إلى أيوب بن العباس بان يأتيهم بعد فعله الافاعيل فيهم ، فعزم على المسير إليهم فمنعه أصحابه فأبى إلا المسير فحذروره الغدر ، فلم يعبا بهم ، فسار أيوب حتى وصل بعض احيائهم ، فتيممه فإذا برجال من احي ينتظرون المامه بهم ، فانزلوه في خص ورحبوا به فلما جن الليل قدموا له العشاء وهي جفنة طعام عليها شاة ووطب من لبن ، قال أسند ظهره إى دعامة الخص وجعل يتلو القرآن ، حى طلع الفجر ، فصلى الصبح بوضوء العشاء ، فلما طلعت عليه الشمس، أمرهم بان يقدموا فرسة ، فقدموه وهم عازمون على غدره فلما ركب فرسه تكلم متكلمهم فقال : يا ايوب ان فتيان الحي راغبون في أن تلاعبهم على فرسك ، فقال ايوب ال ، ثم ان فتيان الحى ركبوا خيلهم ، فتناولوا قضبانا يترامون بها ، وفيهم رجل شجاع قد تكفل لهم بغدر ايوب فلاعبهم ايوب قليلا ، ولم يشعر الا والرجل خلفه قد ش عليه بالرمح ، فتغافل عنه ايوب حين علم به ، فلما اراد أن يضربه اتقى ايوب ضربته ، وشد عليه اويوب فقتله فحمل على اصحابه فقتل منهم ثمانية ، ثم حمل أخرى فقتل ثمانية أخرى ، فصاح ايوب بنساء الحي هلى يكفيكن ، أو ازيدكن ؟ فقلن : قد اكتفينا ، قال فتوجه ايوب فمر بواد فوجد فيه اسدا ولبوة وأشبالهما ، فشد عليها بالسيف فقطع ارجلهما فتركهما يزحفان ، واجتاز بحى من احياء البربر ، فقال يا أهل الحى من اراد منكم اللحم المكروه فليقصد الوادى عند السدرة فابتدر الحى إلى الوادى فوجدوا الاسد واللبوة وأشبالهما فطفق القوم يأكلون .
وذكر بعض اصحابنا ان مهديا كان رجلا ورعا زاهدا في الدنيا طالبا للآخرة ، وكان له أخ أو ابن خالة طالبا لللاخرة من غير أعراض عن خطة من الدنيا فاختصما يوما بتاهرت إلى الامام ، فقال ، مهدى : يا امير المؤمنين ان هذا أخي قد شغلته دنيا حتى كاد يضر بآخرته ، فقال الآخر : ان هذا اخى قد شغله رفض دنياه حتى كاد يضر بآخرته ن فاعرض عنهما ودعا لهما بخير .
ولما توجه الامام رحمه الله الى جبل نفوسة اصابه مطر بين منازل نفوسة وهو مرتحل ، فقصد دار مهدى فوجدها دار عابد زاهد ليست له رغبة في الدنيا ، فلم يجد بها ما يقى عن نفسه القطر ، فرغب اليه ابن خالته الذي له حظ من الدنيا وسأله انتقال الإمام ومن معه الى داره ، واعمله ان ذلك ارفق بالامام لما هو فيه من اليسار ، واخف عن مهدى لما علمه فيه من الاقتار ، فاجابه سؤاله ، فخرجوا الى دار ابن خال مهدى ، ومهدى معه ، فلما دخلوا داره وجدوها دار ذي نعمة وبسطة ، وسعة رزق ، فخلع على كل واحد منهم ثيابا جديدة لم يصبها مطر ، وفرش فرشا وثيرة واحضر أطعمة حفيلة وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الامام غاية الاستحسان ن حتى استدعى منه ان قال لمدى : الآن خضمك ابن خالتك(2) فيما اختصمتما ، وبان ان حجته قامت على حجتك .
وبلغنا ان مهديا خطب امرأة بجبل نفوسة فاستشارت في أمره شيخا من المشائخ . فقال لها : ان مهديا رجل له رغبة في الآخرة وزهد في الدنيا واجتهاد في الصلاح وله أرض كريمة محثوت لها سد فوق سد ، قد انهدمت سدودها وخربت رها ، ولم تدعه نفسه الى اصلاح شيء منها ، ولا يستطيع اصلاحها العدد القليل من الناس ، واراد ان يتزوجك ، فلا تصلح جسوره الا بتراب تنقليه على رأسك فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحية وتزوجها مهدى ، وهي تنقل التراب على رأسها لاصلاح الجسور ، فذكرها الشيخ فيما اعملها من قبل به ، فحمدت الله على ما اعطاها من خدمة ولي من أوليائه . قال اشيخ ابو العباس وانما ساق الشيخ رحمه الله هذا الخبر قبله ليعلمك بمراتب الرجال وما حووا من درجات الكمال ، وهم مع نذلك لا يعتورهم كبر ولا استنكاف ، بل قد سلكوا سبيل من درج من اخيار الاسلاف ، فالله ينفعنا ببركتهم اجمعين .
---------------------------------
(1) - في نسخة القطب اجمع على فرسي
(2) - أي غلبك في الخصام
نزول الامام عبد الوهاب رحمة الله على مدينة طرابلس حدث غير واحد من اصحابنا ان الامام رحمه الله أراد المسير الى الحج فاخذ في اهبة السفر ، ثم سار متوجها ، فلما وصل الى جبال دمرا استعمل عليها رجلا من أهلها يقال له فزار ، ثم توجه إلى جبل نفوسه ، فاجتمعت عليه جموع نفوسه فاخبرهم بما عزم عليه من تيممه الحج .فقالوا يا امير المؤمنين ان رايت المقا م فعلت ، فانا نخشى عليك من المسودة(1 ) ، فانهم ان علموا بمسيرك عن بلادك وتوجهك الى بلادهم لم تسلم من افة تصيبك منهم ، من قتل ، او سجن ، او نكال . وقد تعين عليك القيام بأمور المسلمين ، والنظر فيما يجمع كلمتهم ، ويصلح شأنهم فاقامتك فيهم آكد وواجب . فقد علمت انك لو غبت عنهم لضاعت الحقوق وتفرقت الكلمة ، قال فأرسل الامام رحمه الله إلى اخوانه بالمشرق وكان المقدم في ذلك العصر في العلم والورع والفضل أبا الربيع بن حبيب ، رحمه الله وابن عباد المصري ، فلما وصلهم الرسل والقوا اليهما من القول ما دار بين الامام وبين جماعة نفوسة ، واخبروهما ان الامام يستفتيهما مستضيئا علما من نورهما ، مع ما وهب الله له من العلم ، معتمدا ان فتيا غيره في نازلة مختصة به أولى ، وانهى للنفس عنالهوى . فاجابه الربيع بان من كان مثلك في العناية بأمور المسلمين ومحل امانتهم وخاف على نفسه من أهل الجور والبغي ، فينبغي له ان يستأجر من يحج عنه وهو حي . واجاب ابن عباد بان من كان على هذه الصفة فليس عليه حج ، لان امان الطريق من الشروط التي هي مشترطة في وجوب الحج . فمكث الامام رحمه الله ينتظر رسله ، فلما قدمت الرسل بالجوابين أخذ بجواب الربيع وارسل من يحج عنه .
وأقام بجبل نفوسة في تلك الحالة سبعة أعوام يستدرجهم في تعليم مسائل الصلاة ، وانفصل عنه فيما ذكر قبل تكميلها . قال ابو العباس احمد بن الشيخ ابي عثمان سعيد ، وذلك لان نوازل مسائل الصلاة كثيرة ، وهي أول ما يحافظ عليه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أول ما يحاسب به العبد الصلاة )) .
قال وكان الامام رحمه الله لما صرف الرسل الى المشرق جمع جموعا كثيرة وعسكرا ونزل على مدينة طرابلس محاصرا لها ومحاولا دخولها في الطاعة ، والمصير إلى ما عليه أهل الحق ، فحاصرها اشد الحصار ، ثم رأى له الصواب في الارتحال عنها فإرتحل عنها .
--------------------------------
(1) -لقب العباسيين
الافتراق الثاني في الاباضية
حدث جماعة من اصحابنا ان الامام رحمه الله لما اراد التوجه الى تاهرت اجتمعت جموع أهل بلاد طرابلس ، فسألوا واليا يوليه عليهم ، وأراد ان يولى عليهم بعض وزرائه فلم يوافق ذلك مرادهم ، ورغبوا في ان يولى عليهم وزيره السمح ابن عبد الاعلى رحمه الله ، لما رأوا محبة الإمام فيه ، وحسن ظنه مع كونه ابن إمامهم . فلما علم الإمام عبد الوهاب رحمه الله إن رغبتهم في السمح ، اذ لا يقوم مقامه في نصيحة وعناية وحسن محبة احد ، ثم قال لهم ومع هذا فانى أو ثركم به على نفسي ، فاستعمله عليهم وارتحل إلى تاهرت .
فلما ولى السمح على حيز طرابلس احسن فيهم السيرة ، وعدل في احكامه ، فصلحت أحوالهم فلم يزل مقرا بإمامة عبد الوهاب وناصحا له في رعيته حتى حضرته الوفاة ، وقد كانت عماله على نواحي طرابلس سالكين مسلكه ، في حسن السيرة ، فاجتمع اليه اصحابه فقالوا له : اوصنا وأمرنا بأمرك ، فانا مطيعوك في الحياة وبعد الممات ، فانك لم تال بيننا رشدا جزاك الله عن رعيتك وعن الاسلام خيرا . فقال لهم السمح رحمه الله أوصيكم ونفسى بتقوى الله ، والعمل بما أمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه ، وطاعة امامكم عبد الوهاب وتأييده ما دام على الحق الذي عليه سلفه ، وجهاد من خالفه ، فبذلك تستقيم احوالكم ، وينتظر شملكم ، ويتم خير دينكم ودنياكم . وتوفي رحمه الله ، فلما توفي عظم مصابه وبلغ في الناس فقده مبلغا عظيما .
وخلف ولدا اسمه ( خلف ) فلشدة محبة الناس في السمح وعظم منزلته فيهم أحسنت العامة الظن ( بخلف ) وأراد من ليست له بصيرة في الدين ولا نظر في العواقب توليته عليهم ، فقال أهل البصائر : لا ينبغي لكم ان تفتاتوا على امامكم في شيء مما قلده الله من أموركم ، وولاه من صالح جمهوركم ، فقال ذوو العقول القاصرة : اما ان فعلنا ذلك رجونا ان يكون وفق ارادة امامنا ، وقال فريق منهم : نوليه على انفسنا ريثما يصل من الامام أمر نقف عنده ، فان اثبته اثبتناه ، وان عزله عزلناه . فأبى ذلك كله أهل الصلاح كابى منيف اسماعيل بن درار الغدامسى وابى الحسن ايوب ، وامثالهما . فغلبت العامة وولوه من غير اذن الامام ، ولا رضى من أهل الصلاح فولوه على انفسهم . وكاتبوا الامام بموت عامله ، واقامتهم ولده مقامه ، على انه ان اجاز اجازوه والا عزلوه . فلما وقف على ما خاطبوه جاوبهم بما نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه " أما بعد فانى آمركم بتقوى الله تعالى ، والاتباع بما آمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه ، والذي كتبتموني به من وفاة السمح وتولية بعض الناس خلفا ، خلفا منهم ورد أهل الخير ذلك ، فان مولى خلفا بغير اذن امامه قد أخطأ سيرة المسلمين ، ومن ابى توليته فقد اصاب ، فاذا اتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله السمح الى عمله الذي ولي عليه ، الاخلف بن السمح ، فحتى يأتيه أمرى وتوبوا الى ربكم لعلكم تفلحون "
فلما وصل جواب الامام أهل بلاد طرابلس بما تضمنه من رد العمال الى اعمالهم ، وتخطئة من ولى خلفا ، وتصويب من توقف عن توليته ، قلقوا فكتبوا الى الامام يراجعونه في أمر خلف ، ويسألونه ان يجيز توليتهم اياه . فجاوب رحمه الله بكتابين احدهما الى الجماعة ، والآخر أفراد به خلفا ، يعلمهم ان ذلك لا يسعه من قبل الله تعالى ، وانه لا سبيل الى بقائه على عمل . ثم اقتضى نظر الامام رحمه الله ان يوجه امناء من قبله الى جهة طرابلس مختبرين لاحوالها ، وعلم(1 ) اليهم بتولية خلف على جهات طرابلس ان وجدوه قد اعتزل واطاع الله ، وامر التقدمة . وان هم وجدوه مصرا على الخلاف نابذا امر الامام وراءه ظهريا ، رفضوه . حتى يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين .
قال فوصل امناء الامام فوجدوا خلفا في عتوه واستنكاره ، فدفعوا له كتابا بالاعتزال ، فابى . وشايعه على ذلك اصحابه الذين ولوه وانهم لما وصل كتاب الامام بتخطئتهم كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتاب الامام بتخطئتهم كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتابا وجهوه اليه بالمشرق ، وهو اذاك رأس جماعة أهل الدعوة هنالك ، والمقدم عليهم بعد انقراض طبقة الربيع ومعاصريه ، رافعين اليه ماصدر عن الامام فيهم ، وقدروا ما هم عليه من اصابتهم بزعمهم ، وحسنوا تولية خلف ورجوا ان يكون منه جواب يوافق نظرهم الفاسد ، فوصلهم جوابه رحمه الله بتخطئتهم وتصويب من امتنع عن توليته ، وتوجيب طاعة امامهم .
فلما وصلهم جواب محبوب بما خالف مواقفهم نبذوه واخذوا في مسلك طرق الضلال ، حتى اعلنوا بنبذ امامة عبد الوهاب وقالوا ما هو لنا بامام ، وانما امامنا خلف ، اذ هو في حوزتنا ، والحافظ لجماعتنا ، والجامع لكلمتنا . واما عبد الوهاب فانه في حوزة غير حوزتنا ، وغير أهل لجماعتنا ،فبرأ منهم أهل الدعوة وليس بيننا وبينهم خلاف الا في مسألة الاقرار بامامة عبد الوهاب .
--------------------------------------------------
(1) - يريد عهد اليهم وامرهم
استعمال أبو عبيدة عبد الحميد الجناونى رحمة الله ومحاربته خلف بن السمح
ذكر جماعة من اصحابنا ان عامل الامام عبد الوهاب رحمه الله ابو الحسن ايوب ادركته منيته فكتبت نفسة ومن حولهم من بلاد طرابلس الى الامام ، يخبرونه ويستدعون منه استعمال عامل ، فكاتبهم بان يعلموه برجل يرضى لاعمالهم وتتفق عليه كلمة أهل الفضل منهم ، فسموه له ، فكاتبوه باتفاق كلمتهم على ابى عبيدة عبد الحميد الجناوني ، فكتب بتوليته على اعمالهم والنظر في امورهم ، ولا علم له بما أرادوه . ونفذ به امر الإمام فاجتمعت جموع أهل بلاد طرابلس من نفوسة وغيرهم على أبي عبيدة ليسمعوا منه ويطيعوا ، فلما قرأ كتاب الامام تنصل من الولاية وقال : انا ضعيف قالها مرارا فكتب الىالامام متنصلا ومقرا بالعجز والضعف فلم يقبل منه الامام عذرا فكتب اليه بالاقامة على ما ولاه من القيام على أمور المسلمين .
وكتب فيما كتب به اليه ( ان كنت ضعيفا في المال فبيت مال المسلمين تقويك ، وان كنت ضعيف البدن فالحق يقويك وان كنت ضعيفا في العلم فعليك بابى زكرياء اللالوتي فاستعن به فيما يستقبل من امورك ) . فاجتمعت عليه أيضا الجموع فقال لهم انتظروني ، فغاب عنهم ما يدرون ما يحاول فسار الى عجوز نفوسية مشهورة بالعلم والدين والصلاح ، فاستشارها في تحمل ما تقلد أو الفرار ، فقالت له هلتعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت له هل تعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت به واحق بتقليد ما تقلدت ؟ قال : اما في امور الرجال فلا ، قالت فادخل اذا فيما قلدك الامام ، والا فانى اخشى ان تهشم عظامك في نار جهنم ، فقد قامت عليك الحجة ، فرجع اليهم وتقلد ما قلده من أ/ورهم فكانت جماعة نفوسة يذكرون فضلها ، ويعترفون بها .
فلما ولى عبد الحميد احسن السيرة وقام بحقوق الله عز وجل وعمل بطاعته . فلما سمع خلف بن السمح بتولية الامام عبد الحميد بلغ ذلك منه مبلغا عظيما ، واستكبر ، واستخف اشياعه من الضلال فأطاعوه ، وجعل يشن الغارات على رعية عبد الحميد ، ويدس اللصوص ، فوجه اليه أبو عبيدة الحميد يأمره بالكف عن الرعية ، فلم يكف ، فكتب أبو عبيدة الى الامام يخبره بما نزل بالرعية فكتب اليه الامام ان يعامله بالملاطفة والملاينة ما استطاع ، لعله يتذكر أو يخشى ، فقال له : ان لم تجد بدا من المدافعة فمدافع عن الرعية . فمكث يلاطفة حينا الى ان ورد عليه الخبر بوفاة الامام رحمه الله .
امامة افلح بن عبد الوهاب رحمه الله ولما توفي عبد الوهاب تدانى العدو من تاهرت طمعا في الاستيلاء عليها ، ورجوا الظفر بها وباهلها لما ظنوه من عجزهم عن المدافعة ، اذا اضحوا بلا امام ، فابتدر جماعة أهل الدعوة ، فبايعوا افلح بن عبد الوهاب ، فعقدوا له الامامة فكان ميمون النقيبة ، فسكن الله به البلاد ووقية من الفساد . وما بلغ ابا عبيدة موت الامام وتولية ابنه افلح الامامة ، كتب ابو عبيدة الى افلح يستشيره في امر الخبيث بن الطيب ويستأذنه الدفاع ، فكتب اليه بمثل ما كتب به ابوه رحمه الله .
فلما بلغ خلفا وفاة الامام وتولية افلح انف واستكبر ولم يقر بامامته ، ولا دان بطاعته ، وانحاز بمن معه الى موضع يقال له ( تيمتى ) فسلط اشياعه على الطعام ، وشن الغارات على رعايا الامام ، واستباح الاموال ، واخرب الديار ، وقتل الرجال ، حتى قتل عدة من اصحابه ، يحسب انهم من رعية ابي عبيدة عبد الحميد ، ثم عظمت صولته واشتدت شوكته حتى استمال كثيرا من الناس فمالوا اليه ، واكثر ميلهم خصب جانب خلف ، وجذب حيز ابي عبيدة ، فكانوا معه طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا وكانوا معه على رأيه وبدعته .
ولما رأى قلة اصحاب ابي عبيدة وكثرة من معه من الضلال سولت له نفسه الخبيث انتهاز الفرصة ومبادرة ابي عبيدة واصحابه ليستأصل شافتهم ، فجمع عساكره وتيمم أبا عبيدة فلما سمع به أبو عبيدة أمر اصحابه بالخروج فخرجوا . فعسكر ببعد من الجبل ولما تدانى العسكران بعث خلف رعيلا من خيله نحو أربعمائه فارس ، فهم اصحاب عبد الحميد بأن يخرجوا إلى محاربتهم فمنهم عبد الحميد من ذلك رقوبا ما عند الامام، وطلبا للسلامة ، فقصدت الخيل قرية يقال لها " ويدوف " من رعيته عبد الحميد، فانتهبوا ما امكنهم من الاموال وقتلوا ما قدروا عليه من الرجال وكان أكثر الخيل أخذه خلف واهل بيته ومواليه ومماليكه .
فلما تحقق عبد الحميد بغيهم ولم يجد بدا من قتالهم امر أصحابه بقتالهم . فالتقوا وانهزمت خيل خلف وقتل منهم عدد كثير . فاراد أصحاب عبد الحميد أتباعهم فناهم عن ذلك . واحسن السيرة ولما رأى خلف ما أصاب اصحابه من الهزيمة والتقل ، كر راجعا إلى الموضوع الذي منه خرج وهو موضع يقال له تيمتى فأقام به ، ورجع عبد الحميد إلى موضعه وأمر أصحابه بالرجوع إلى مواضعهم ، وظن ان القوم لا يريدون بعد ذلك باسا ن ثم أرسل إلى خلف أذا ما فعلت فكن في حيزك ، واكون في حيزى ، وضع الحرب فأبى خلف إلا المحاربة وجعل يشن الغارات على رعية عبد الحميد ، وسلط عليها من يسومها أنواع العذاب لا يألوا فسادا وقتلا في الاموال ، والانفس ، ثم أن خلفا أزدهى بكثرة من اجتمع له العدد ، فأمر أبو عبيده اصحابه بالخروج ، فخرجوا وهم في عدد قليل ، ولكنهم أهل بصائر يموتون على ما بايديهم من الحق . لا يأسفون على ما فاتهم من دنياهم ولا يعدون زايدا الا تقوى بهم ، ولا مطلبا الا ما يقدمونه لأخراهم .
وقد اختلف في عددهم فقيل سبعمائة وقيل عدد اصحاب بدر ثلاثماءة وثلاثة عشر ، فاقبل خلف بمن اجتمع له وقد غره بالله الغرور ، ولم يدر ( ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) فجاء في أربعة آلاف فارس فارسل الىابي عبيدة رسولين بخلع ولاية افلح ويقر له بالولاية ، فلما قدم رسولاه بذلك الىابي عبيدة حاجهم ابو عبيدة في امر الائمة ، فقال : هل احدث افلح أو أبوه في الاسلام حدثا يحل لكما معه خلع ولايتهما ؟ واحتج عليهم بطاعة السمح لعبد الوهاب رحمه الله ، فاعتلا بانقطاع الحوازات ، فقال لهما : السمح قد اقر بطاعته عى اختلاف الحوازات ، فقال له احدهما انا نخاف ان لم نجب الى طاعة هذا الرجل هراقة الدماء ، فقال ابو عبيدة : ايهما اعظم هراقة الدماء ام الترك للقيام بدين الله تعالى ؟ فقال له الرجل : هراقة الدماء اعظم ، قال له عبد الحميد : لو كان الامر كما ذكرت ما افترق اصحاب النهراوان وغيرهم ، واصحاب النخيلة ، وابو بلال واصحابه وعبدالله بن يحيى ، وابو حمزة واصحابهما ، وابو الخطاب ومن معه ، وابو حام ومن تبعه ، ولأذعنوا للطاعة دون هراقة الدماء ، انما قاتلوا وقتلوا في القيام بدين الله ، ولم ينكلوا خوفا من اراقة الدماء بل قد بذلوا مهجتهم ، مجاهدين على آثارهم خير متقدمين ، لا نبغى عنهم بدلا ولا عنهم حولا . فمن حاول منا غير ذلك فالله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين ، ثم قال للرسولين : فان استعظمتم هراقة الدماء ، فارجعا الى صاحبكما فقولا له : ان هذا يوم الخميس فدعونا ، فاذا كان غدا يوم الجمعة نصوم لله تعالى ونطلع ، أنا ، وهو ،وابو المنيف اسماعيل بن درار ، فنبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين ، ونسأل الله ربنا ان يفتح بيننا وهو خير الفاتحين .
فرجع الرسولان الى خلف فاخبراه بما جرى بينهما وبين ابي عبيدة من القول فامر خلف عساكره بالتهيء للقاء ابي عبيدة ، فلما قرب عسكره عسكر ابي عبيدة ، تقدم رجل من اصحاب خلف ممن يرى تصويب ابي عبيدة ، واصحابه تميل نفسه اليهم ويشفق عليهم ، فقال لابي عبيدة : تنح باصحابك الىسفح الجبل فان كانت الدائرة لكم ادركتم ما رجوتم ، وامنتم ما خفتم ، وان تكن عليكم كنتم في حصن ولا يضركم ذلك .
فقال ابو عبيدة لاصحابه هذه نصيحة قد اخرجها الله من عدوكم وعدوه ، فامر اصحابه بالتنحي ، واسندوا ظهورهم الى جبل فظن خلف ان ذلك على جبن وهلع فقدم سرعان خيله ، ورعيان رجله ، فلما جاء والعساكر على اثره ، وغشوا ابا عبيدة دعا ابو عبيدة بوضوء فتوضأ مستترا برجال ، وصلى ركعتين وابتهل وتضرع الى الله تعالى عز وجل ، وسأل ان يقل شوكتهم وقال : ( يا من لم اعرض عنه منذ استقبلت أمره لا تفرق هذه العصابة على يدي ) وبلغنا ان رجلا من اصحاب خلف دنا من عسكر ابي عبيدة فقال لرجل منهم ما الذي أوقفكم ؟ قال وقفنا ندععو الله ، فقال الخلفي فما بال السلاح ، فقال للدفاع في سبيل الله ، قال من تدفعون ؟ فقال : ندفع من بغى علينا ، فقال له آخر من اصحاب ابي عبيدة لصاحبه مالك النت له القول؟ فقال له : طمعا في الصلح ورغبة في تأخير بعض الشر ، يا اخي ، ثم تدانى القوم بعضهم من بعض ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وذلك في عشية الخميس الثالث عشر من رجب سنة احدى عشرة ومائتين ، قال وكان في عسكر ابي عبيدة رجل شجاع ، حاذق بالطعن يقال له البعاس ،ولد ايوب بن العباس ، فنظر اليه ابو عبيدة فرآه يضرب يمينا وشمالا ، وقد حمى الميمنة والميسرة والقلب ، فقال ابو عبيدة وقد ركزه اه لحمي المعقبات ، وقاه الله نار العقاب ، وذكر عن العباس انه ضرب رجلا بسيفه فأطار رأسه ، وقال العباس للرأس : الى النار وقال الراس : وبئس المصير ، وكان ممن يكثر النسك والاجتهاد قبل ذلك ، فقال العباس : هذا جسد كنت ادعوا له بالجنة زمانا ، وانه لمن وقود النار ، انا لله وانا اليه راجعون ، نسأل الله خواتم الخير .
ثم انهزم اصحاب خلف واسرع القتل فيهم ، فقتل منهم عدد كثير ، فأمر أبو عبيدة اصحابه ان لا يتبعوا مدبرا ،ولا يجهزوا على جريح ، واحسن فيهم السيرة ، فانحاز خلف وبقية اصحابه الى الموضع الذي يقال له تيمتي ، وامر باخراج جميع من فيها من نفوسة ، واجلهم ثلاثة أيام ، وقال من وجد فيها بعد الثلاثة ايام فمهدور الدم ، وباخراج اليتامى ، والارامل ، ومن لا ذنب له ، فخرجوا من ديارهم كرها . ولما رأى اصحابه ما نزل بهم من خسار الدين والدنيا ، تفرقوا عنه الا قليلا منهم .
ثم سار من تفرق عنه منهم يقرأون على أبي عبيدة السلام ، تائبين ، فمن جاء منهم قبل توبته ، فاوهن الله شوكة خلف فلم تكن له بعد ذلك حركة ثم مات في زيغه ثم ابنه مات ، ولم تكن له حركة . ثم ولد ابن خلف بعدهما فانحاز الى جزيرة جربة وما جاورها ، وسنذكر خبره اذا وصلنا اليه ان شاء الله .
ثم ان الامام افلح رحمه الله تمكن في امامته واستقامت له الاحوال واستقامت به ، ولم يبق في ايامه بعد خلف منازع ولا في جهاته طالع ، وبلغنا انه كان في العلوم متفقها وعلى انواعه متطلعا ، ولقد ذكر انه كان يجلس لأربع حلق وذلك قبل بلوغه الحلم . وقام أبو عبيدة على ما ولاه الامام ملازما طاعة الله وحفظ ما اوجب عليه حفظه ، من حدود الله وحقوق رعيته الى ان توفي رحمه الله . ثم استعمل الامام رحمه الله العباس على ما كان عليه عبد الحميد ، فأحسن السيرة وعامل رعيته بما عاملها به اب عبيدة عبد الحميد من الرفق والحنان والعدل والاحسان الى ان توفي العباس رحمه الله .
الافتراق الثالث في الاباضية
الافتراق الثالث في الاباضية : خروج نفاث وهو فرج بن ناصر حدث غير واحد م اصحابنا ان الامام رضي الله عنه استعمل على قنطنار ابا يونس وسيم بن يونيس النفوسي ، فولى قنطنار وما ولاها ، فاحسن السيرة . ووسيم هذا من نفوسة الجبل ، ومنها خرج تحرجا من تباعات الناس ، وذلك انه كان له اماء يحتطبن من غير املاكه ، فخرج ذات مرة لما شعر بذلك فوجد الواضع التي يحتطبن منها قد دمرت وتهدمت جسورها ، لاستنقاع الماء بها لماصنع الامام فلم ير السلامة الا في الهروب بدينه ، فولاه الامام قنطنار لما علم من صلاحيته وورعه ، وكان له ابن اسمه سعد ، وكان ذا فهم وذكاء ، فسار سعد الى تاهرت ليطلب العلم بها فكان هو ونفاث بن نصر يحضران معا مجالس الامام رحمه الله ، يقرآن عليه ، فكان كل واحد منهما يجتهد ويجهد نفسه في دراسة العلم ، حتى حصلا ما رأيا فيه مقنعا ، وتشوقا الى بلادهما ، وذلك بعد وفاة وسيم ، فخرجا متوجهين الى بلادهما ، وكان الامام لما بلغه موت ابي يونس عازما على استعمال عامل يلي جهات قنطنار ، فنظر في ذلك فلم ير له اهلا الا سعدا لما تحققه من صلاحيته واختبره من حسن حاله ، فكتب كتابا باستعمال سعد ، فطواه ،وختم عليه بخاتمه ،وأودعهما اياه ، ولم يعلمهما أيهما العامل وقال لهما حين دفعه اليهما : لا تفكاه حتى تصلا قنطنار .
فسار فلما كان ببعض الطريق غلب الشره على نفاث فاستخفه حب الرئاسه ، فاستغل سعدا وتخلف الى رحلهما ، فقص خاتم الكتاب وقرأه ، فوجد سعدا هو العامل ، فظنت نفسه الظنون ، واعتقد العداوة واضمر الغش لاستمال الامام سعدا دونه ، ولما وصلا قنطنار قرأ بها كتاب الأمام ، فسمع أهلها واطاعا فاقام سعد واليا عليهم ، محسنا للسيرة ، عاملا بطاعة الله عز وجل ، وتمادى نفاث الى بالده ، فسئل عن الامام واحواله ، فاظهر الطعن فيه ، وقال انه اضاع امور المسلمين ويزيد في الخلقة اذا مشى ، ويلبس الطرطور ،ويخرج الى الصيد ن ويصلى بالاشبور(1 ) ، فبلغ الامام طعنه فيه ، وارسل الامام اليه بان يحضره بما نقم عليه فقا لان كان ما تقول حقا قبلنا ورجعنا اليه ، وان كان باطلا فاءة ، وهذه الكلمة فيها معنى الوعيد ، فلما بلغ ذلك نفاثا ، قال ايه من السلطان هو القتل .
وله مسائل انتحلها لا اصل لها منها زعمه ان الخطبة بدعة ومنها قوله ان ابن الاخ الشقيق أولى بالميراث من الأخوة للأب ، وانهم يحجبونهم ، ولما انتشر ذلك عنه وسمعه مشائخ أهل الدعوة ن قالوا لو لم يكن له جرم الا فتياه هذه لكان بها أهلا للضلال ، فكيف والضلال محيط به في جميع الاحوال ، فمن مذموم احواله ما بلغنا انه دخل قرية وجاء الى دار رجل من اهلها فلم يجده فانصرف ، فلما اتى صاحب الدار اعلمه اهله بمجئ نفاث يسأل عنه ، فابتدر الرجل وكب دابته وخرج يطلب نفاثا ، ليرجع الى مذهبه ، فسار الى الليل فادرك نفاثا يعاتب نفسه ويقول : ضللت وأضللت يا نفاث ، فمحمد الرجل ربه ورجع الىاهله ، واقام على مذهب اهل الحق ، وبلغنا ان ابن اخت لنفاث اتاه فقال له : عبر لى رؤيا رأيتها ، رأيت رجلا جمع شعيرا فجعله صبرة كبيرة فرقى سنور اعلاها ، فقال له ذلك رجل جمع علوما فاستولى عليه الشيطان ،فقال انت هو الرجل يا خالي .
وبلغنا انه بلغ عظيما في تحصيل العلوم واوتي فهما ، الا انه فسد ذلك بما طبع عليه من الحسد ، وغلب عليه من حب الخوض في غمرات الدنيا ، فم فهمه ان امرأة سألته عن بيض طاهر طبخ في ماء نجس ، هل سنجس البيض ام لا ، فقال لها قفى مكانك حتى اخرج اليك ، فدخل الدار واخذ نيلجا فجعله في ماء ، وطبخ فيه بيضا حتى نضج ، فلما قشر البيضة وجد لون النيلج قد خلط الى داخل البيضة ، فعلم ان القشر لا يمنع النجس فخرج الى المرأة ، فأعلمها ان البيض غير طاهر . وبلغنا ان سعدا خرج في اثر نفاث ليتلافى أهل جبل نفوسة ، قبل استفساد نفاث نثم شرع في بناء دار مجاورة لنفاث وجعل اخوانه يحسنون عونه في البناء ، وفي اثناء ذلك لم يزل نفاث يلازم العمل معه بيده ، وكان يحسن صناعة البناء فكلما رأىذلك منه خاف توهم النفوسيين انه راض عن نفاث ، فكان يقول له بمحضر جمعهم الى متى انت مقيم على كفرك يا نفاث ؟ فقال معاذ الله من الكفر( 2) يا شيخ فاذا خلا سعد باصحابه قاله لهم ، ما كان جزاء من يحسن عوني ان اعامله بقبح من القول ، ولا ان اقابله الا يحسن عوني ان اعامله بقبح من القول ، ولا ان اقابله الا بالاكرام ، وانما خفت ان يراه معي اهل الموضع فيحسنون به الظن ويجد سبيلا الى فتنتهم .
وذكر عن نفاث انه توجه الى ارض الشرق ووصل بغداد ومكث فيها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد ، ويجالسه وبينما هما ذات يوم جالسان ، اذ سمع نفاث مناديا ينادي فقال لصاحبه ما هذا ؟ فقال مسألة وقعت في مجلس امير المؤمنين ، فمن اجابه عنه فله سؤاله ، ومناه فقال له نفاث انا اجيب امير المؤمنين عن مسألته ، فقال له صاحبه اخشى عليك من القتل ان لم تجبه بعد تكلفك بالجواب . فقال له بل اجيبه عن كل ما سأل .
فاجتاز به خدمة السلطان فسأله عن احواله، وبلديه ونسبه ومولده، فقال له نفاث: يا أمير المؤمنين أنا رجل من البربر والبربر لا أدب عندهم فان رأى أمير المؤمنين الصفح عن العبد ان أساء والتجاوز عنه ان بدا منه الجفاء فعل؟ فقال له السلطان: قل ما بدا لك فسأله السلطان عن المسألة فاجاب عنها، ثم سأله عن مسألة أخرى فاجاب، ثم سأله عن اخرى فاجاب، وذلك بمحضر الفقهاء الأكابر من أهل بغداد، فطفق كل منهم يسأله فيجيب حتى نفذ السؤال فلم يقف عن جواب. فنظر اليه السلطان نظرة مزدر برثاثة حالة على ما اوتى من العلم، فقال نعم العسل في ظرف سوء، ففطن به نفاث، فقال معرضا: ونعم الرجل في قبر سوء، يعني ديوان جابر بن زيد رحمه الله فانى في خزانة السلطان لا ينتفع به احد، فغضب السلطان لذلك وهم به. وتذكر ما قدم من اذنه في ان يقول ما شاء، فامسك، ثم انه قال له: سل حاجتك ن فقال لا حاجتى ان تهب لي ديوان جابر بن زيد رحمه الله لاستنسخه، فاجابه السلطان الى ذلك. فلما خرج نفاث قال للسلطان بعض وزرائه، يا أمير هذا ديوان معدوم غير موجودا الا في خزانتك ن فكيف تسمح لسواك فيخرجه فيصير في غير خزانتك، وفي غير بلدك، ويزداد به هذا المغربي فخامة. ما هذا براي، فقال لهم انى قد وعدت الرجل ومثلى لا ينبغي له ان يخالف وعدا، فما الحيلة فاشار عليه احدهم ان يخيره في يوم وليلة مقبلة من ايام اقامته فينسخ فيهما ما قدر عليه، ففعل فاختار يوما وليلة واعلمه بهما ثم اعد جميع ما قد رأى ان فيه كفاية، من حبر واقلام مبرية، وورق وكاغد واستأجر جماعة من الوراقين.
فلما كان اليوم الذي عزم فيه على أخذ الديوان وقد هيأ كل ما يحتاج الي ، فرق الديوان على الوراقين ، وجعل لكل ناسخ دينارا ولكل ممل نصف دينار دينار ،فلما كان آخر النهار استدعى آخرين ،وجعل لكل ناسخ دينارين ،ولكل ممل دينارا فالأجرة الأولي على عمل النهار ،والأخرى على عمل الليل ،فما انقضى الليل آلا والديوان كله قد كمل نسخه ،آلا سفرا واحد .فجاءه رسول السلطان يطلب الديوان ،فدفعه الى من تناوله له ،أبقى في يديه السفر الذي لم ينسخه ،فشقه في مجلس السلطان مرة واحده فحفظه كله ،فاعلم السلطان بذلك أمر بامتحانه فاخذ منه الكتاب فقراه سردا بلا نظر ،فعجب السلطان بذلك ،ففصل نفاث من مجلسه أملا السفر على من نسخه فكمل له الديوان ،وأعملت الحيلة في القبض عليه .واعمل هو حيله في التخلص ،وسلك طريقا مجهولة ،حتى نفذ الى بلده ومعه الديوان ،قيل بأنه سبعة أحمال .فلما وصل إلى بلاد طرابلس وجد أصحابه الذين ضلو لضلالته قد قلوا وضعفوا ،فساء ظنه وخشى ان اظهر الديوان تكون جماعة اهل الدعوة هم المنتفعون به ،فلم تسمح نفسه الخبيثه باظهاره ،فحفر حفره ودفن فيها الديوان بحيث لا يعلم له موضع ،ففقد الى يومنا هذا ،ومات نفاث وكان بدء امره نفاقا وكفرا وعاقبته حسدا،فنعوذ بالله من علم لا ينفع وعمل للكلم الطيب لا يرفع ،ولم يبق ببلادنا من يقول بقول نفاث وينصر حجته الا فريق من مطماطة فمنهم من بالجملة ومنهم بالجمل واليه ينسبون ، فيقال لهم النفاثية ، فوقى الله الإمامة شره ،ودحض عزه .
واقام الامام رحمه الله بتاهرت سالمة ايامه من الشوائب متصفا بجميل الخير وحميد المناقب ، رادعا لكل باغ وظالم لا تاخذه في الله لومة لائم ، الى ان توفي رحمه الله عليه . وكانت مدة امامته ستين سنه . فولى بعده ابنه ابو بكر وكان ابنه محمد غائبا بارض المشرق لقضاء فريضة الحج فدل عليه واخذ بمكه وحمل الى بغداد وسجن بها حينا ،ثم اطلق واحسنت جائزته . فتوجه يريد المغرب ، فزعموا انه لما انفصل من بغداد كان ببغداد من اهل التعديل من اعلمهم انه سوف تكون له ولايه ، فجدوا في طلبه يريدون به شرا ، فنجاه الله من شرهم ووصل الى تاهرت فوجد اهلها مجتمعين في أمر ابي بكرلما بينه وبين ابن عرفة. وذلك ان ابن عرفة من اعيان اهل تاهرت فكانت بينه وبين ابي بكر مواقعه افضت الىحرب وكاد الافتراق ان يقع والفتن لا ترفع بينهما، فبينما الناس في ذلك اذ اصبح ابن عرفة قتيلا. فنسب الى ابي بكر وهذا ما منع من وقوع الاتفاق على طاعته، فلما يسر الله بقدوم محمد كان رافعا للخلاف، وقاطعا لقبائح الاوصاف فاعتزل ابو بكر الولاية وانسلخ منها. ولم يجد الناس لمحمد محيدا عنها، فعقدوا له بيعة، والتزموا سمعه وطاعته.
-----------------------------------------
(1) -في بعض النسخ الثبور
(2) - لا تنس ان الاباضية تطلق كلمة كفر على اقتراف المعصية والاصرار على الذنب على حد قول الرسول عليه السلام للصحابه ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ).
- هو الامام الجليل والمحدث الثقة ، وهو أول من نقل عنه المذهب الاباضي ويبدوا ان ديوانه هذا مجموع الاحاديث والآثار المروية عن الصحابة على الطريقة الاولى التي انتهجتها كتب الحديث ،وتوفي رحمه الله سنة
96ه
امامة محمد افلح بن عبدالوهاب رحمه الله حدث غير واحد من اصحابنا ان محمدا بن افلح اجمعت على توليته جماعة المسلمين ، فولوه على انفسهم فلم يختلف عليه اثنان ،وبلغ الغايه فى العدل والفضل والاقتداء بمن سلفه ، فكانت نفوسه فيما قيل لا يعدلون ايامه وسيرته الا بايام جده عبد الرحمن وسيرته الا بايام جده عبد الرحمن وسيرته وذلك انهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد ، فطائفه يصلون ، وطائفه يقرأون الكتاب ، وطائفة يتذاكرونفي فنون العلم ،ومكث في امامته اربعين سنة على هذا الحال ، محمود السيره مجتهدا في الصلاح قائما بالحق قاضيا بالعدل الى ان علت سنة ورق عظمه ، وتوفي رحمه الله ، وله تاليف في الرد على اهل الخلاف لا يشق فيها غباره ولا تياره ، فولى ابنه يوسف ابن محمدا بن افلح رحمه الله .
امامة يوسف بن محمد بن افلح رحمه الله
ولما مات محمد رحمه الله ولى ابنه يوسف ، فمكث في الامامه اثنى عشر سنة ، وقد اطردت له الامور ، وكان عامله على جبل نفوسه ابا منصور الياس على ما كان علية في ايام ابيه، وايام جده، وكان قاضية اذ ذاك عمروس فتح رحمة الله وكان عالما كبيرا وله تواليف تأليف في الاصول والفروع. وكان قد عزم على ان يؤلف تأليفا مرضيا على ثلاثة قواعد : الكتاب، والسنة، والرأى، ويجعل كل قاعدة بمعزل فادركه اجله عجلا قبل تأليفه " فانا لله وانا اليه راجعون " ، وفي ايام يوسف كان طلب أبى منصور ولد ابن خلف على ما سيأتي ذكره . وذلك ان ابا منصور كان فاضلا مستجاب الدعاء ،اذ كرامات، ذكر عنه انه اذا خرج في عسكر ركب بغله وكان لا يتقي النبال ، وكانت النبال تتحادى عنه وعن بغلته يمينا وشمالا ، وهو مقتحم الحروب، لا يقع شئ منها عليه ولا عليها ، قلت ولعل ركوبه البغلة لان ينشط العامة، ويشجعهم ولان يعلموا انه لا يحدث نفسه بفرار فيتاسوه به، وان كانت البغله ليست بمركوب لقتحم الحروب .
وحديث يعقوب بن ابى يعقوب ان ابا منصور رحمه الله حرج فى طلب ولد ابن خلف فى اخر ولاية الرستميين وقد هرب منه وسار الى زواغة والتأمت رواغة . واجمعوا أن يمنعوه ، وكانوا على مذهب ابيه فسمعوا قوله واطاعوه واقبلوا مجيبين دعوته إلى أن من الله عليهم بأبي منصور فردهم عن مذهبه ، إلى مذهب الحق حسبما يأتي ذكره أن شاء الله ، قال فسار أبو منصور بعسكر من نفوسة فلما وصل ريضة بخارج جزيرة جربة وجد بها جموع زواغة ، في اعداد كثيرة محدقين على ولد ابن خلف ، عازمين على منعه من ابي منصور ، قال : فقام فيهم شيخ من بني يوراسن يقال ابو سلامة ، فقال : يا معشر زواغة عندي لكم نصيحة ، وذلك أن تختاروا واحدة من ثلاثة اما ان تتركوا بادية زيرة ، وتدخلوا جزيرة جربة فتمتنعوا باخوتكم وتمنعوا صاحبكم ، واما ان ترسلوا وفدا الى الامام ، فترغبوا اليه في ان يفردكم بعامل ، فتخرجوا من طاعة نفوسة ، فلا يكون لهم عليكم سبيل . واما ان تدفعوا لي ابن خلف فانطلق به الى نفوسة تحت امان وانا كفيل بسلامته ، وانهم لا يخرجون فيه عن قانون الحق ، فلما سمعت زواغة مقالته قام رجل من عامتهم فقال ما اراد هذا اليوراسنى الأ الأيقاع بخليفتنا ، فقال ابو سلامة : كيف قلت ؟ فابتدر الجواب رجل من علمائهم ، فقال اعرض عنه يا ابا سلامة ، فأنه جاهل ، فقال قد اعرضت عنه ، وقام منصرفا عن محفلهم .
ثم ان زواغة اجتمعت على مناصبة ابي منصور فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت زواغة ، وكان اكثر شجر الريضة قريب عهد بالأنشاء ، وكانوا لما غرسوه حفوه باعواد اثبتوها في حفر ووصلوا ما بينها بالحبال لترد عنها الوحش لئلا يفسدها ، فاكثر تلك الأرض على هذه الصفة ، فلما خرج القوم اعترضتهم تلك الجبال ، فكلما راموا مهربا وطلبوا ملجأ حالت الحبال بينهم وبين ما يطلبون، فطفق اصحاب ابى منصور يقتلونهم في كل مكان ، حتى مات منهم عدد كثير ، فرجع عنهم . واجتمع من ابقته الوقيعة منهم فلجأوا الى جزيرة جربة واستجار ولد ابن خلف برجل من زواعة يقال له معقل من بنى تامستاوت، فادخله في قصر من قصور جربة ، يقال له غردان فسار اليهم أبو منصور بعسكره ، فلما دنا من جزيرة جربه وجه رجلا من بنى يراس الى الزواغى مجير ولد ابن خلف، وارسل معه مائة دينار مصارفة ، ودخل الرجل جربة فلما وصل الى الزواغى سلم عليه وجعل يصافحه ويصب الدنانير من كمه الى كم الزواغى فلما أحس بالدنانير جعل يسأله عن أحوال الشيخ ويقول له: لو اتيت الى اولادنا لدفعناهم اليك. وكان ابو منصور رحمه الله لما قدم الى جربة وصل اليها بعد ثلاثة أو قريبا منها لان من سيرته اذا كان مرتحلا بعسكره وحضر وقت الصلاة نقر في الطبل فيقف أول العسكر وآخره ثم ينزل فيصلى بهم ، فاذا صلوا ارتحلوا .
وكان هذا دأبه فهو سبب مهله في السير، فلما حل بهم أبو منصور تقدم الى معقل ولد ابن خلف ، فقال : انزل ايها الامير فقد طالما ارملت نساء زواغة، فقال ولد ابن خلف ليتكم لم تسمونى اميرا وناداهم نداء فيه جفاء ، قال فدفعوه الى ابى منص2ور فساد به ولم يكن بجزبة حينئذ حركة ولا قتال ، فاحتمل ولد ابن خلف الى الجبل فسجنوه هنالك ، ولم يزل مسجونا حتى نزلت عنده نازلة في قطع رجل لص ، فاختلفوا فيها فاحتاجوا اليه، فانه، كان عالما فتوجهوا نحوه وسألوه من أين تقطع رجل السارق فافتاهم بانها تقطع دون العقب، فقال عند ذلك مقالة جابر بن زيد لما استفتى فى السجن وخبره مشهور وسيأتي ذكره، وقد ذكر بعض اصحابنا ان الفتى تاب ورجع الى مذهب أهل الحق ، وحسنت حاله، ثم ان أبا منصور توفي رحمه الله وولى مكانه افلح بن العباس بنفوسة من قبل الامام فكان حسن السيرة كأبيه .
وقعة مانو وانقراض الإمامة
حدث غير واحد من اصحابنا ان نفوسة كانوا اطوع رعيا بالدولة الرستمية وأكثرها عونا على الخير وأشدها بأسا في النصر على الاعداء، وفي ذلك يقول الامام رحمه الله : انما قام هذا الدين بنفوس نفوسة وأموال مزاته، وانشهر الصيت على نفوسة حتى اشتهر في بلاد المشرق عند سلوك المسودة، لمكتبات أهل بلاد القيروان وأهل طرابلس وغيرها من بلاد المغرب التي انتشرت بها دعوتهم، واستقامت بها مملكتهم، وبهم ظهروا على من سواهم وكان ذلك في أيام المتوكل ببغداد.
فلما تواترت الكتب اليه من الجهات الغربيه ان دعوة الرستميين قد تمت وأيامهم قد استقامت لا ينازعهم فيها منازع ولا يدافعهم عنا مدافع، ويستنفرون من عنده جيشا ينتظم به اليهم ملك طرابلس والمغرب فاهتز لذلك وتحرك اليه خاطره، فوجه عسكرا الى المغرب وأمر عليه ابراهيم بن احمد بن بني الاغلب فتوجه ابراهيم بعسكره الى المغرب قاصدا تاهرت، فلما قرب من طرابلس سمعت بخبره نفوسة فاجتمعوا، واجتمع رأيهم على ان يتركواه وما اراده من المسير الى تاهرت، دون ان يناصبوه. فاتصل به ما عزموا عليه، فوجه اليهم ان اتركوا الي ساحل البحر مقدار نشر عمامتي لأجتاز فيه انا ومن معي ، فأبوا من ذلك فلما رأى ابراهيم ان لا بد من رجوعه الى المشرق أو مناصبتهم عزم على لقائهم، فقال لأصحابه: خذوا اسلحتكم وشمروا وجوزوا على الساحل و لا تتعرضوا لهؤلاء القوم فان تركونا و طريقنا . . . والا قاتلناهم، فبلغ نفوسة ما عزم عليه ابراهيم، فقال بعضهم دعوا هذا الرجل يجتاز ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى الأكثرون ذلك وكان ممن كره تعرضهم يعد بن ابي يونس وأشار بالكف عنهم، فقال له بعض العامة: يا سعد تشوقت الى شداخ قنطنار فجزعت من القتل في سبيل الله. فقال لهم يا قوم ليس في ما تقولون، ولكن خشيت ان تذبح البقرة فيتبعها عجلها- يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطنار- ثم خرجوا الى العسكر يمنعونه السلوك الى المغرب.
فلحقوه بموضع يقال له مانو ، وهو قصر على ساحل البحر من ابنية الامم السالفة فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير أشد منه بالمغرب فى ذلك العصر فخرج رجل من عسكر المشرق يطلب المبارزة من عسكر نفوسة فلم يخرج اليه احد الاقتله، فأراد الخروج اليه افلح بن العباس وهو امير الجيش، فأبى ذلك أصحابه فقال لابد من ذلك فخرج اليه فقتله افلح واشتد بينهم واسرع القتل في الفريقين وكثر القتل والجراح في نفوسة حتى هموا بألانهزام، فلما رأى ذلك افلح أمر أمر صاحب البند ان يركزه في الارض حتى لاينهزم احد على البند، فأبى صاحب البند من ذلك . ثم اقتتلوا مليا، ثم رجع فقال اركز البند فأبى فقال لابد ان تحفر للبند فتركزه فقال له صاحب البند انى قد امسكته مع جدك ومع ابيك ومع اخيك ، ولم يأمرنى احد منهم بأن احفر له ، وها انا حفرت له حفر الله لك . فلما ركزه فى الحفرة، ولى أفلح منهزما وتركهم يلوذون به، ولم يستجيزوا ان ينهزموا ويتركوا البند قلئما ، فقتل منهم بشر كثير . وقد كان أفلح فيما بلفنا قد كره خروجهم الى ابراهيم، وقتالهم اياه، ولذلك فعل بهم ما فعل . ثم ان رجلا من ذوى البصيرة فى دين الله ردد بصره في البند فرآه قائما والناس يلوذون به ويصرعون حوله فعمد اليه وقال انى لارى انك لم يبق لك حظ في النصر، وانك منهزم، فضربه بسيقه فسيط. فلما رأى من بقى من عسكر أفلح ان البند قد سقط ولوا مدبرين، فافلت من افلت منهم . فذكر من يوثق به ان عدة القيلى اثنا عشر ألفا، فمن نفوسة يومئذ اربعة آلاف ومن سائر القبائل ثمانية آلاف، وكان في القتى اربعمائة عالم، ولم يبق بعدهم عالم يفتى في النوازل الا ابو القاسم البغطورى، وعبدالله بن الخير. ثم تلامذتها بعدهما. وبلغنا ان عمروس ابن فتح كان في آخر العسكر وتحته فرس سابق وكان يحمى صاحبه، فاذا طلب لحق واذا طلب سبق، فنصبوا له حبالا واضطروه اليها، فعثر به الفرس واخذ أسيرا.
ومضوا به الى ابراهيم بن أحمد ، فاشار الى عمروس بان يستعفى فيعفى عنه، قال عمروس تلك كلمة لا يسعها منى، ولكن أسال ان لا تنزعوا عنى سروايلى هذا فانى أوقن بالهلاك ، فجعلوا يقطعون اعضاءه فقطعوه أنملة فأنملة، فلما وصلوا بالقطع الى عضده استثهد رحمه الله .
ثم ان بقية نفوسة بعد الواقعة رجعوا الى جبل نفوسة فتحصنوا فيه، وتشاوروا فى عزل أفلح بن العباس وتولية له ابو بكر بن يوسف النفوسى، رحمه الله ، ووحه اليه ، فأخذته رسله من تيزاج، وهى قرية من قراها، فلما أخذوه سألهم الشيخ ان يدعوه حتى يركع ركعتين، فتركوه فصلى واخذ فى الدعاء والتصرع الى الله عز وجل ، فارسل الله عليهيم ريحا صرصرا، فأظلمت الارض اشد من ظلمة الليل فحيل بينهم وبين الشيخ مكفوف البصر، ومضى الى تناوته، وهم اهل القرية المعروفة بشيطان، من قرى نفزاوة، فنجاه الله من كيدهم.
ثم ان عدو الله توجه الى القيروان بالثمانين رحلا الذين هم فى وثاقه، من قنطنار، وفيهم رجل يقال له ابن تتيت مقطوعالعرقوب_ ولم تطلب نفسه بالهروب دون اذنهم _ فأذنوا له، فسل رجله من القيد وهرب . فأخذ اصحابه ، فقتلوا باجمعهم ، فكان ما ابقته من الضعف هذه الواقعة وما اتصل بها سببا لانقراض الدعوة، وذلك لان نفوسة كانوا عمدتها، قامت بقيامهم، وانقطعت لانقطاعهم، فلما ضعفوا انتهكت الحرمة. واستفزت الامامة. حتى انقرضت حسبما ياتى ذكره.
انتشار مذهب الشيعة
نبدأ بنبد من أخبار عبيد الله ووقوعه بأرض المغرب وانتشار مذهب الشيعة بها، وما يتصل بذلك من الاخبار التى ذكرها، ويفتقر هذا الكتاب اليها ، حتى لا يخلو منها ، لارتباطها بشئ سلفنا
رأيت باستخارة الله ان اختزل اكثر ما ذكره الشيخ رحمه الله ، فى هذا الموضع، لقلة فائدته، واذكر منها موضع الحاجة، واستخلصه عن مقتضى ما ذكره "الرقيق" في تاريخ أفريقية ما تدعوا اليه الحاجة.
فاقول : عبيد الله هذا هو الذى يكنى ابا القاسم ، وسموه المهدى محمد، وهو الذى يسمى : الامام القائم بن على بن موسى ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين ، بن على بن ابى طالب فيما ذكره الرقيق.
وقد ذكر الرقيق ان المهدى هو ابو محمد ، وانت الخليفة بعده ابنه القائم ابو القاسم محمد بن المهدى وبعده ابنه المنصور اسماعيل بن بن القائم ، وبعده ابنه المعز،معد بن المنصور ، ومعد هو ابو تميم ، وسيأتى ذكر شئ عنه فى اثناء أخبار هذا الكتاب .
وقد قال بعض الناسبين، واصحاب التواريخ ان انتسابهم الى أهل البيت غير ثابت ، وكان هذا قد حصل به شئ من علم الحدثان، وكان يرى ان امره بعزلاعة من ارض اليمن ، ومنها تفرق دعاتهم ، وان بأرض المغرب تتم الدولة ، ويعم ذكرها ورأى بالعلامات ان ابا القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى هو الداعى باليمن ، الى ان انتشرت به الدعوة الشيعية وان عبدالله الحسن بن احمد بن زكرياء الكوفى المعروف بصاحب البدر هو الداعى بأرض المغرب ، فوجهه اليها وامره انيبدأ بلقاء ابى القاسم الداعى باليمن ويتمنى سيرته، وينتظر مخارج افعاله، فيجتهد بها ، ففعل.
ثم خرج الى مكه فصادف بها جماعة من كتامة، ممن حج تلك السنة، وكان منهم من تقدم له شئ من التشبع ، فصاحنهم حتى أنزلوه قلة ايكجان بنظر ميلة، من بلاد كتامة، فلدلك قيل له الكجانى، ثم انتقل الى تاصروت ،
فأقام ببلاد كتامة داعيا مدة سنتين، تمكنت به الدعوة الشعبية، وانتشرت فيما يليها من الجهات بعد ان عبأ العساكر، وكابر الحروب ، وقارع غير واحد من الاغالبة،ة وقوي ، وافتتح البلاد في أخبار تطول ، وانما قصدنا من ذلك الاختصار.
وفي اثناء هذه المدة توفى الامام بالعراق، وعهد الى ابنه المهدى عبيد الله ، فجاءته في الكتاب عبيد الله يعلمه ان الامور قد تمهدت، او كادت ، فتوجه الى المغرب مجاهدا قاصدا سلجماسة، فاجتاز في طريقه على وأرجلان فاستخف به سفهاؤها، وحتوا في وجهه التراب يقولون: هذا الذى جاء من الشرق يطلب الملك ، وكان اشر الناس عليه أهل قصر بكر، وكان عند وصوله حسبما يأتى ذكره حرق المسجد الكبير ، وكان عند وصوله: غيلر فتطير بهذا الاسم.
فتوجه الى سلجماسة فوجد صاحب سلجماسة اليسع بن مدرار فأكرم مثواه ، وأسكنه عالية دار لرجل من أهل سلجماسة ساكن في اسفلها ، فلما كان ليلة من الليالى رأى السلمجاسى في منامه كأن ثعبان عظيما فى داره مضطجعا، فانتيه مذعورا، فقص الرؤيا على ضيفه من غير ان يعلمه انه الذى لرأها ، فقال له ان صح ما ذكرت فهذا ملك يملك المغرب والمشرق ، فقبل يده وقالب : والله يا مولاى انى رأيت الرؤيا وليس معى في دارى غيرك ، فازداد بذلك أنسا وازال وحشه، واقام بسجلماسة الى ان فتح ابو عبدالله طبنة وبغاي وطرابلس والقيروان وقفصة وما يتخلل هذه المدن من القرى، واستولى على جميع افريقية، واجلى عنها من كان فيها الاغلبة، فلما طاعت له البلاد واستقامت له الامور عزم على المسير الى سلجلماسة في طلب المهدى عبيد الله فخرج ابو عبيد الله من رقادة الى سجلماسة ، فاجتاز على تاهرت فكان منها ما كان من غدر بنى اليقظان بالامام يوسف بن محمد بن افلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم رحمه الله ، وشكى من بتاهرت ونظائرها من الشيعة والواصلية وغيرهم الى الشيعة أمارة الفرس ،وسألوه أن يستأصل شافتهم ، وخرجت دوس بنت الأمام يوسف رحمه الله ، تشكو الى عبدالله الشيعي غدر بني يقظان اباها ، ووعدته ان يتزوجها ان هو أخذ لها ثار ابيها ، فجاءه فيمن جاءه من أهل الموضع ومعهم ابوهم ، فسأله ابو عبدالله الكجاني من انت ؟ قال : أنا يقظان فقال بل انت حيران ، مالذي دعاكم الى قتل اميركم فاسلبتم ملكه ، واطفأتم نور الأسلام بغير سبب ، والقيتم بأيديكم الينا بغير قتال ؟ ثم امر بهم فقتلوا جميعا ، ثم ان يعقوب بن الأمام وابنة اخيه دوس خرجا في خفاء الى جهة وارجلان حتى نزلاها وانما خرج بها خوفا من ابي عبدالله الشيعي أن يستنجز الوعد ، فطلبها فلم يجدها ، ودخل المدينه فانتهبها وانتهك حرمتها ، واجلى كثيرا من أهلها ، وجعل اعزة اهلها اذلة .
وكان دخوله المدينة بالامان فلما دخلها غدر وقتل اهل بيت الامامة من الرستميين واهل الملك وأهلك الحرث والنسل ، فانقطعت الأمامة بموت الأمام يوسف رحمه الله ومن قتل معه ومن قتل بعد دخول المدينة وذكر انه وجد صومعة مملوءة كتبا وهي المشتملة على ديوان تاهرت الذي يذكره العزابة ، فانتقى منه ما انتقى واحرق الباقي ، فلم يبق لشي من الديوان اثر أصلا .
ولما علم عبيد الله بقدوم ابي عبد الله خرج ليلقاه وقد علم جميع الدعاة والقيادةانه صاحب الوقت ، وان له يدعو بعد ما خاف عليه الغدر من ابن مدرار ، فلما قدم على عسكر ابي عبدالله جاء معه ابنه القاسم فقدم لهما ابو عبدالله فرسين فركبا وحفت بهم العساكر ، ومشى عبيد الله والدعاة بين يديه وأبو عبد الله يقول : هذا مولاي ومولاكم ، وابن ابنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي كنتم تنتظرون ، وجميع الناس يسمعون كلامه ، وعقدوا له البيعة فلما دخل افريقية وذلك في عام سبعة وتسعين ومائتين ، وقد تمكنت دولته ، وجه عسكرا عظيما الى وارجلان ، فلما سمع اهله باقبال العسكر تحصنوا بالكدية المعروفة بكريمة ، وهي كدية حصينة شاهقة بينها وبين وارجلان قدر ستة اميال ، فملأوا مؤاجل بها ماء ، واخرجوا ما قدروا عليه وما امكنهم ، فلما وصلهم العسكر دمر الديار وحاصروهم في الكدية ، وطوق بها سبعة اطواق ، وهم بالمقام معهم ، حتى يهلكوا عطشا ، فقال لهم رجل ممن كان معهم ويقال انه يهودي لعنه الله هاتوا قصاعا كبارا ، فملأوها زيتا ، ونصبوها علىحرف((كريمة )) بحيث يراهم أهل العسكر وجعلوا كانهم يمتجون الماء ويصبونها للجمال تشرب ، ومعهم جمال كثيرة وقد تمكن منها العطش ، فجعلت الجمال كلما رأت القصاع مملوءة حسبتها ماء ، فقصدتها فكلما كرعت وجدته زيتا فقنعت برؤوسها ، وتنفض مشافرها ، وتنشر بأنوفها ، فلما رأى ذلك اهل العسكر قالوا ما هذا الا عن ماء جم لا تكنسه الدلاء ففيم المقام ؟ وارتحلوا وقد كانوا حين انتهاب الديار وجدوا بيضة نعامة مملوءة شعيرا فحملوها معهم فلما وصلوا رملة ايفران لحقهم رجل من وارجلان ممن اراد هلاك المسلمين فوالاه من العسكر ناس سدراتيون فقال لهم لم ارتحلتم عن القوم وليس معهم ماء ؟ وانما تلك حيلة احتالوها عليكم ، فارجعوا فانكم ستظفرون فابتدره السدراتيون ، فقتلوه خوفا ان يسمع مقالته احد من أهل العسكر .
وانما فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم ان يظفر بهم اهل العسكر . وإنما فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم أن يظفر بهم أهل العسكر ، ولما وصل أهل العسكر الى صاحبهم بالقيروان لامهم ، ونسب اليهم التقصير ، فقالوا : كيف نقاتل حصنا هكذا ؟ ورشقوا رغيفا بأعلى ذرع طويل وهذه مطامرهم ، واخرجوا له البيضة المملوءة شعيرا.
قالوا كيف نقاتل هؤلاء وأي فائدة تفيد بقتالهم ؟ فنجاهم الله عز وجل . ويسر اسباب سلامتهم ، ولما تمكن امر عبيد الله بالقيروان واستحكمت دولته بلغ عن ابي عبد الله انه عازم على غدره فلما تحقق ذلك منه بذاته وبمن صافوه على ذلك من الكتاميين ، فقتلهم اجمعين ، وذلك في جمادى الثانية سنة 98 ثمان وتسعين ومائتين وسلم له ملك افريقية حتى قبض وولى بعده ابنة القاسم وفي ايامه ظهر ابو يزيد بن كيداد اليفرني.
ذكر اخبار ابي يزيد مخلد بن كيداد الناكثي حدث بعض اصحابنا أن أبا يزيد رجل من بني يفرن وكان مسكنة بقلعة" سدادة " من تفيوس ، قلت أما نسب سدادة فوهم أو غلط . وأن كان هذا النسب قد وقع أيضا ليس هكذا في كتاب الرقيق ، وإنما ذكر اصلة من بني ويسيان توزر ، ثم نشأ بتفيوس وليس كذلك . انما كان مسكنة في منزل يلي جهة سدادة وهو اليوم خال دارس في الجانب الغربي منه كانت مدرسة ابي يزيد على عين ماء ، هي معروفة بعين النكارة الى يومنا هذا ، وعشيرته من أهل تطاوين ، وهم رهط "بني كندل" قال : وله حديث مع ابي الربيع سليمان بن زرقون فى ابتداء اشغالهم بطلب العلم ورجوع ابي يزيد الى مكان مذهب النكارة وتركه لمذهب الوهبية نستدركه في موضعه ان شاء الله ، وإنما قصدنا هنا أن نذكر قيامه على القاسم بن عبيد الله ، وما أل إليه أمره فاول ما اوقع في نفسه القيام أنه لما توجه الى المشرق يريد الحج حين فراره من عبيد الله لما طلبه ، فلما وصل الى مصر وقد حلق رأسه وقال له : غط رأسك أيها الثائر فلما سمعها ابو يزيد وقع في نفسه ما وقع من ذلك فسار متوجها . فطولب في بعض البلاد التي سلكها بمكس ، فاستعظمه ولما رجع ووصل الى قرب جبل نفوسة فارقة من كان معه من أهل جبل نفوسه ، قاصدين منازلهم . فقال لهم أبو يزيد: اقرأوا اخواننا السلام ، وقولوا لهم قد فاتنا منكم كثير وفاتكم منا كثير ، وانه ليس لله علينا أن نشتري حجة ، يشير بهذا الى المكس الحقير الذي طولب به ، ويريد بهذه الرسالة اختلاف القلوب .
ثم سار حتى وصل موضعه بتقيوس ، فجعل النكار يجتمعون عليه في المكان المعروف به واطلع منهم من اطلع على عزم من القيام حتى اشتهر خبره ، وفشى وسمع به ابن المهدي القاسم ، فكاتب والى قسطالية بمطالبته والبحث عنه ، لأنه كان يرى أن قائما يقوم عليه من زناته فيلقى منه شغبا ، وسمع من علامات ابي يزيد ما دله على أنه الذي أنه الذي يقوم عليه.
فوجه اليه والى قسطالية من توزر فأخذ وسجن في توزر مكبولا ، فطال مقامه في السجن حتى قنط ويئس من السلامة واشتدت عليه أبواب الحيل . فبلغ خبره جماعة من النكار ، فتشاورا في أمره ، فأجمعوا على أن يختاروا أربعة رجال أهل شدة ونجدة ، فساروا أخر النهار ودخلوا مدينة توزر ، فوقف احدهم على باب المدينة وتقدم ثلاثة الى السجن وكسروا بابه وقتلوا السجان ، واخرجوا جميع من في السجن، فاخرجوا صاحبهم في كبوله،فحمله أحد الثلاثة على ظهره وجرد الأخران سيوفهم ، فجعل احدهما أمامة والأخر وراءه فكل من قام اليهم قتلوه ، حتى خرجوا من المدينة ، فلم يتبعهم أحد. فلما وصلوا موضعا بين الحامة وتوزر وهناك صخرة حطوه عليها ، وكسروا الكبول ، حتى أطلقوه ، والصخرة معروفة بصخرة ابي يزيد الى اليوم ، فتوجهوا بصاحبهم الى صحراء سماطة قاصدين بني درجين ، وكان بها حينئذ عدد كثير زهاء ثمانية عشر ألف فارس ، فيما ذكروا ورجوا أن يمنعوه فلم يكترثوا به، إذ كان غير المذهب.
فسار من عندهم مستخفيا حتى وصل جبل أوراس، وكان عند اخوانه بالجبل مكرما ولم يزل البحث عنه حتى علم موضعه فوجه اليه القاسم بن عبيد الله جيشا عظيما، فحاصروه بجبل أوراس سبع سنين، وبلغت نفوسهم التراقي حتى قال قائلهم لما نزل بهم ما نزل من البلوى والضرر، وقال :"جبل لا يصعد ، ومطر سكب، وفتى مستقص، وشيخ لا يثنى ونحن المبتلون". ولما رأى القوم ما نزل بهم اتوا ابا يزيد، وقالوا له قد رأيت ما نزل بنا من هلاك هذا الفتى، ولا طاقة لنا بمدافعته، ولا صبر على أكثر مما أصابنا من الضرر، وهلاك رجل واحد أيسر من هلاك جماعة كبيرة، فقال لهم ابو يزيد امهلوني هذه الليلة.
فلما اظلم الليل امر بخمسمائة ثور ، وان يشد بكل قرني ثور حزمة حلفا، وفي ذنبه أخرى، وأمر بخمسمائة رجل من أصحابه من ذوي النجدة والبأس واخذوا سلاحهم واستاق كل رجل منهم ثورا ، حتى اذا قربوا من العسكر أطلق كل رجل منهم نارا في حلفا ثوره فلما احست الثيران حرارة النيران ، ركضت وخاضت العسكر ، والرجال في ساقتها بالسيوف مسلطة ، يضربون بها كل من ادركوه من أهل العسكر ، وجعل الله ذلك سببا لهزيمة العسكر ، فانهزموا وابو يزيد وأصحابه يقتلونهم حتى قتلوا عددا كثيرا ، ولما اصبح عرض أبو يزيد عسكره فعرض في اثنى عشر ألف فارس ممن صار اليه من عسكر الشيعة خاصة ممن كان عدوه بالامس وسار في طلب عسكرهم ، فتسامعت به القبائل فجاءوة منكل مكان ، وطار إسمه في الأفاق فاجتمعت له عساكر عظيمة ، حتى عدوا في عسكرة ألف ألف أبلق فيما قيل ، ومعه جماعة كبيرة من مزاتة فجعل يفتح المدن والقرى حتى افتتح الساحل كله،واقبل يريد قسطالية ، التي منها خرج فافتتحها . فلما احس من نفسه قوة ورأى كثرة من معه ، قال له بعض عزابته الى متى ننتظر بثأر يزيد بن فندين يومى الى امامهم المقتول بتاهرت ، فقال له أبو يزيد أن نحن تخلصنا وتفرغنا من نسج الكساء اشتغلنا بفليه.
قال وكان حوله جماعة من مزاتة فيهم مسارة بن غني وهو يومئذ رأسهم فسمع مقالة أبي يزيد وفهم المثل الذى ضربه ، فقال له: لا تظن أن الوهبية خرجوا معك فانهم في مساجدهم وانما خرجنا معك نحن نشاركك في أكل هذه الميتة ، فدع ما تحدث به نفسك والا اقتتلنا قتال كلاب الحي ، يريد بالميتة الاموال التي كانوا ينتهبونها ،ثم أنه سار يريد القاسم بالقيروان ، فكل مدينة وقرية مروا بها اخربها وسبي النساء واستباح الأموال ، كفعل نافع بن الأزرق وغيره من الخوارج ، بل قد زاد عليهم ، وكان ينكر عليه، ويقول ان هذا لهو الخروج من الدين ، ولما رأى أبو يزيد ذلك منه خشي أن يفسد عليه قلوب العامة ، فامر بقتله ليلا، فلم يعلم خبرة . فلما سمع القاسم باقبال ابي يزيد اليه بجنود لا قبل لهم بها خرج من القيروان ، يريد المهدية وخلف على القيروان واليا من قبيلة.
فلما نزل أبو يزيد على القيروان حاصرها حصارا شديدا حتى أشرف أهلها على الهلاك ،فانهب طائفة من المدينة وحاز كثيرا من اطرافها ، والقوا اليه بايديهم ، وخرجوا باجمعهم الا قاضي المدينة ،فانه انحجز في دار الامارة بأموال جسيمة فوجه اليه أبو يزيد بان يخرج فأبى أن يخرج الا عن أمان فأمنه فلما خرج شاور أبو يزيد في أمره وزراءه فقال أحدهم( وكان يكنى أبا عمارة ) ألم تعلم ما قال في كتاب كليلة ودمنه؟ قال وما الذي قال؟ قال : ( ليس شيء اروح للقلب من قتل عدو ، وان بلغ في الضعف النهاية) فامر ابو يزيد بقتله فقتل بعد أخذه بالامان ،واخذ جميع تلك الأموال.
وذكر أن عدة ما خربت من القرى على يديه في أفريقية ثلاثون ألف قرية ،وفعل في أفريقية من الفسوق والفجور والعصيان وأنواع الفساد ما لم تفعله الفراعنة ولا أحد من ملوك أهل الكفار.
وبلغنا أنه عوتب يوما على ما يفعله أهل عسكره من الفساد واستباحة المحارم ،فقال :وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا "وكان في هذه الحركات كلها يركب على حمار أوتي به من مصر ،فكان يعجز الخيل أن مشى وعدا ،وبلغنا أن الشيخ أبا القاسم يزيد بن مخلد الوسياني رحمه الله قال يوما وقد وصف له ما اخرب أبو يزيد من البلدان فذكر قومنا فقال لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا ، ألا أنه لم يحسن السيرة ، وبلغنا أنه مر بعسكره على قابس درهم فامر بافسادها . فاقام عليهم مدة يدمر ويخرب ، فلما أراد الإرتحال عنها قومت بدرهم ،فصار يطالب أهل قابس بما بين القيمتين . وبلغنا أنه نزل الساحل فأخذ أهل عسكره صبيتين جميلتين ، فجاءته أمهما شاكية ، فقالت له: ياشيخ أن العزابة أخذوا ابنتين سبوهما وغصبوهما وهما حرتان فلم يجبها ، غير أنه قال : وهل في أفريقية حرة؟ فخافت المرأة على نفسها ، فهربت ونجت بنفسها، وبلغنا عنه أنه لا يبيت كل ليلة الا على اربع ابكار من بنات الأحرار.
ثم أن أبا يزيد سار من القيروان يريد المهدية حتى نزلها وحاصر بها القاسم زمانا طويلا وكان قد نزل بالرملة التي بباب المدينة وبني حول المدينة مصلى هو اليوم معروف بمصلى أبي يزيد ، ولم يزل محاصرا الى أن توفي القاسم وولى إبنه إسماعيل فسمع ، أهل العسكر بوفاة القاسم.
طبقات المشايخ بالمغرب
الجزء الثاني
تأليف : الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى
شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
الطبقة الأولى : 1- عبدالله بن وهب الراسبي
2- حرقوص بن زهير السعدي
الطبقة الثانية : 1- جابر بن زيد
2- عبدالله بن أباض
3- أبو بلال وعروة
4- عمران بن حطان
5- جعفر بن السماك
6- صحار العبدي
7- الأحنف بن قيس
8- إياس بن معاوية
الطبقة الثالثة : 100- 150 ه : 1- أبو عبيدة مسلم
2- ضمام بن السائب
3- حاجب الطائي
4- أبو عبيدة عبدالله بن القاسم
5- أبو نوح صالح الدهان
6- أبو روح ومازن ابني كنانة
7- أبو محمد النهدي
8- أبو يزيد الخوارزمي
9- عبدالله طالب الحق وأبو حمزة الشاري
*** ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية
**** خطبة أبي حمزة بمكة
*****خطبة أبي حمزة بالمدينة
****** أبو حر وطريقته في استصلاح الأحداث
الطبقة الرابعة 150-200: 1- الربيع بن حبيب
2- وائل بن أيوب الحضرمي
3- محبوب بن الرحيل
4- أبو غسان مخلد
الطبقة الخامسة200-250 : 1- أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني
2- أبو زكرياالتكوتي
3- أبو ميمون الجطالي
4-أبو المنيب محمد بن ياسن
5- أبو خليل البدركلي
6- أبان بن وسيم
7- أبو ماهر موسى بن جعفر
8- أبو عثمان المزاتي
9- مهدي النفوسي
10 -أبو مسور يصنيتن
11- أبو محمد عبدالله بن الخير
12- أبو زكريايحيى بن يوسن
الطبقة السادسة 250-300 ه: 1- الإمامان محمد بن أفلح وابنه
2- عمروس بن فتح
3- الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد
4- أبو منصور الياس
5- الشيخ يعقوب بن سهلون
6- أبو محمد ملي
7- الشيخ سعد بن أبي يوسف
8- الشيخ باكرين وداودين باكرين
الطبقة السابعة: 300-350 ه : 1- الشيخ أبو مسور يسجا
2- الشيخ محنون بن أيوب
3- أبو الخطاب وسيل
4- الشيخان أبو القاسم مخلد وأبو خزر يغلا
5- أبو صالح جنون بن يمريان
6- الشيخ أبو محمد جمال المدوني
7- سليمان بن زرقون وابن ماطوس 8- الشيخ أبو سهل الفارسي
الطبقة الثامنة 350-400 ه : 1- أبو نوح سعيد بن زنغيل
2- أبو صالح بكر بن قاسم
3- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور
4- أبو عمرو النميلي
5- أبو موسى عيسى الزواغي
6- أبو نوح سعيد بن يخلف
7- أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي
8- أبو صالح الياجراني
الطبقة التاسعة 400-450 ه :1-أبو عبدالله محمد بن بكر
2- أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس
3- الشيوخ الثلاثة الكنومون ك أبو عبدالله بن محمد بن سوردين وأبو محمد عبدالله بن زورستن وميمون حمودى ابن زورستن الوسيانيون
4- أبو محمد عبدالله بن مانوج
5- أبو جعفر أحمد بن خيران
6- أبو الخطاب عبدالسلام
7- الشيخ أبو عمران المزاتي
8- أبو اسماعيل البصير
9- أبو محمد عبدالله بن الأمير
10- أبو زكرياء يحيى بن ويجمن
11- أبو عبدالله محمد بن سليمان
12- الشيخ أبو مكدول الزنزفي
13- أبو موسى يزيد المزاتي
14- أبو يعقوب بن سهلون
الطبقة العاشرة 450-500 ه :1- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي
2- الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله الوسيانيان
3- أبو سليمان داود بن أبي يوسف
4- أبو القاسم يونس ابن أبي الحسن
5- أبو الربيع سليمان الزلفيني
6- أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر
7- أبو العباس أحمد الوليلي
8- أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء
9- مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى
10- أبو موسى عيسى بن يرصوكسن
11- اسماعيل بن يدير
الطبقة الحادية عشر 500-550 ه :1- عبدالرحمن بن معلى
2- أبو اسماعيل أيوب بن اسماعيل
3- أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء
4- أبو محمد عبدالله اللواتي
5- أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي
6- أبو عمرو عثمان بن خليفة
الطبقة الثانية عشر 550 -600ه :1- أبو عمار عبد الكافي
2- أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي
3-أبو يعقوب يوسف بن خلفون
4- أبو عبدالله محمد بن علي
5- أبو يحيى زكرياء اليراسني 6- أبو يحيى فصيل بن مسعود
7- الشيخان أبو عبدالله محمد ، وأبو الربيع سليمان
8- أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي
9- عبد السلام بن عبدالكريم
10- أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى
11- ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد
12- أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام
13- الشيخ سليمان بن علي
14- يوسف بن سد ميمان
الطبقة الأولى : 1- عبدالله بن وهب الراسبي
قد قدمنا في الجزء الأول أن الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن فضيلتهم أشهر، ومزاياهم وأسماءهم أظهر من أن تحتاج إلى تسميتهم، فأقول الآن: أن الصحابة رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين، ومن آثارهم محفوظا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف وانتحال تأليف، وحسبهم أن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يشقى من رآني )، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أفضل أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وأحاديث كثيرة من فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من الصحابة من لا يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظا من الإنصاف، عند كثير من أهل الخلاف، وهم معدودون عندنا في جملة أخبار الأسلاف، فلنذكر منهم من أمكن ذكره، ووجب علينا وإن عاب الغير شكره.
عبدالله بن وهب الراسبي فمنهم عبدالله بن وهب الراسبى الأزدي العماني -رحمه الله- ، لما كان من أمر الحكمين ما كان، ونجاة من نجى من تلك المحن والافتتان، وانحياز من انحاز الفريقين، وتبين الاعتدال والعدل، عن كلا الطريقين، أرادوا تولية رجل منهم يعتمدون عليه في أمورهم ويطبق على طاعته، رأى جمهورهم فعزموا على تولية عبدالله بن وهب، فتكره ذلك وأباه، فلم يريدوا غيره ولم يرضوا سواه، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم استبيتوا الرأي -أي دعوه يغيب- وتأتي عليه ليلة، فندبر عواقبه، وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري، فبايعوه وكان ذا رأي وحزم، ودين وعلم، وقع به الائتلاف وارتفع في أيامه الاختلاف، فلم يزل يقول بالحق، ويحكم بالعدل، ويلطف بالرعية ويقسم بالسوية، حتى قبض -رحمه الله- عليه.
حرقوص بن زهير السعدي
ومنهم حرقوص بن زهير السعدي، كان حرقوص من أهل النسك والعبادة والتقشف والزهادة، وكان ذا نجدة وبأس وشدة، وكان أحد الأمراء والأجناد في أيام عمر رضي الله عنه، وهو الذي فتح الأهواز في أيام عمر، وكان له هناك آراء سديدة وآثار حميدة، وشكره عمر -رحمه الله- واستحسن ما كان منه حينئذ فإنه صبر وصابر، حتى أظفره الله تعالى، واطلب ذلك في أخبار فتوح العراق تجده، وكان حرقوص ممن شهد صفين، وأبى تحكيم الحكمين، وكان في أصحابه حتى قتل -رحمه الله- .
الأحاديث المنتحلة فيه والرد عليها وحرقوص هذا هو الذي ينتحل"1" أحاديث لا يبعد أن تكون مصنوعة فإن فيها ما يدل على سقمها لتناقض مثبوتها، ولكن أكثرها منتحل، ورواها على طرق، فمنها ما نسب إليه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم خيبر: (ما عدلت منذ اليوم) فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال: إنه يكون لهذا أو لأصحابه نبأ، ومنها ما نسب إليه أنه لما قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ ثم قال لأصحابه واحدا بعد واحد: أيكم يقتله؟ فقال له الأول: وجدته راكعا، وقال الثاني: وجدته ساجدا، وقال الثالث: لم أجده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قتل هذا ما اختلف في الله اثنان، ومنها أنه قال وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا ورد عليه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم، فزعموا أنه قال: "لقد رأيت قسمة لا أريد بها وجه الله" فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورد خده، ثم قال: أمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنني؟! فقام عليه عمر -رحمه الله- فقال: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال:" سيكون من ضئضئ"2" ، هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين -إلى قوله- وتتمارى في الفوق" ففي هذه الأخبار دلائل على سقمها من أوجه كثيرة، أحدها: أنه لو صح عنه أنه غير عدل إذ قال ما عدلت منذ اليوم ما آمن ولا أقام على دينه ولا صلى إلى قبلته، والثاني: لو صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه خاض بالطعن في النبوءة لما أهمله، ولكان هو المبتدر إلى قتله، ولم يكله إلى غيره، الثالث: أنه لو صح ذلك عند عمر رضي الله عنه وأنه من المأمورين بقتله، وأعلمه أنه مارق من الدين فكيف يستعين به على الجهاد؟ وهو أعظم أركان الدين، فيجعله أميرا على جنوده المؤمنين، وظهيرا على قتال الكافرين، الرابع: أنه لو صح عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك وأنهم مأمورون بقتله لم يتراخوا في قتله، بل يجعلونه أوكد فرائضهم، فكيف تسامحوا حتى خرج ثم لم يكترثوا به، الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم منزه عن أن ينتسب إلى كلامه الغلو والمجازفة، حتى يقول لو قتل هذا ما اختلف في الله اثنان، فيلزم على هذا أن تكون حياة حرقوص سببا لكفر اليهود والنصارى، والصابين والمجوس، وعبدة الأوثان، والمعطلة والزنادقة وغيرهم، وهذا من المحال الذي ينكره الحس ويأباه العقل، ويقوى الدليل على بطلانه، إذ لو شاء لضلوا جميعا قبل وجود حرقوص وبعد موته، لكنهم (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (هود:118-119) فقد اتفقوا واختلفوا وبينهم من هو خير من حرقوص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اتفقوا واختلفوا وفيهم شر منه وهو أبو جهل، لعنه الله، فهذا يبعد أن يكون من كلام من لا ينطق عن الهوى، السادس انه قد شهد من ضئضه من حرق القرآن قلبه، وصدع كبده فضلا عن مجاوزة الحنجرة وشوهد من مخاليفهم من لا يصل لسانه فضلا عن الحنجرة، أعنى في العمل به والامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، السابع ذكر المروق. فرأيك أعلم بالمارق وباللص السارق، وقد حقق كثير منهم ممن عامل بالأنصاف أن القوم إنما قاتلوا هروبا من اتباع الهوى واطراحا لزهرة الحياة الدنيا ورغبة فيما يرجونه عند الله في الدار الآخرة، وفيها أدلة كثيرة غير ما ذكرناه، فحرقوص مبرأ مما قالوه، ومما إليه نسبوا.
---------------------
الطبقة الثانية 50-100ه : 1- جابر بن زيد الازدي منهم جابر بن زيد الازدى -رحمه الله- . بحر العلوم العجاج"1" وسراج التقوى، ناهيك به من سراج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به أعلامه، صاحب ابن عباس رضى الله عنه، وكان امهر من صحبه، وقرأ عليه، والمقدم ممن يشار في الفتيى إليه، ذكر أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب قال ابن عباس -رحمه الله- : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه، وعن اياس بن معاوية قال: لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد وعن الحصي بن حيال انه قال: لما مات جابر بن زيد بلغ موته انس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض أو قال مات خير أهل الأرض، وعن ابن عباس أيضا انه قال: جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه انه كان يقول عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون ألينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه، وله آثار كثيرة مذكورة، وكرامات، ومقامات في العلم تعلو المقامات سيأتى ما أمكن. إن شاء الله.
جابر بن زيد يدعو الناس للاعتبار
فمن ذلك ما ذكر أبو سفيان* قال: أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح، ورعد، ففزعوا إلى المساجد قال فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس فيه يذكر الله، والناس في تضرع وضجة، قال فلما انجلت تلك الريح وتلك الظلمة أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم قال: فدعا قوما كانوا قريبا منه فقال لهم ما كنتم تظنون هذا الأمر؟ قالوا خفنا أن تكون القيامة قد قامت قال إنما خفتم طي الدنيا والإفضاء إلى الآخرة، قالوا نعم قال لقد خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه، ثم قال أين تذهبون الآن؟ قالوا إلى منازلنا قال لقد خفتم أمرا عظيم ففزعتم إلى الدعاء، ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا، فالآن إذ رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل وأما ما كنتم فيه فلو كان الأمر ما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا.
وذكر أبو سفيان: أن جابر بن زيد دخل المسجد الحرام فإذا برجل من الحجاج يصلى على ظهر الكعبة، قال، فقال: جابر بن زيد من المصلى؟ لا قبله له، قال، وكان ابن عباس في ناحية المسجد، فسمع قوله أو اخبر به، فقال إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه، قال فنظر فإذا هو جابر بن زيد.
جابر بن زيد يسأل عائشة ويستفيتها
وقال أبو سفيان أن جابر بن زيد وأبا بلال دخلا على عائشة رضى الله عنها، فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل قال فاستغفرت الله تعالى، وتابت مما كانت قد دخلت فيه وقال أبو سفيان دخل جابر بن زيد على عائشة رضى الله عنها فاقبل يسألها. مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن جماع النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف كان يفعل، وإن جبينه يتصبب عرقا، وهي تقول سل يا بني، ثم قالت له ممن أنت؟ قال من أهل المشرق من عمان، قال أبو سفيان فذكرت شيئا له لم احفظه إلا أنى أظنها قالت. النبئ صلى الله عليه وسلم، قال: ليكثرن وراد حوضى من أهل عمان أو شبه هذا.
جابر يتمنى لقاء الحسن البصري قبل أن يموت ولما حضرت جابر بن زيد الوفاة أتاه ثابت البناني وقال يا أبا الشعتاء، هل تشتهى شيئا؟ قال إني لا أشتهى إلا أن ألقى الحسن قبل أن أموت، قال فخرج ثابت البناني فدخل على الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد قال وكان الحسن إذ ذاك مستخفيا، فقال: كيف لي بذلك؟ قال اركب بغلتي على السرج وأنا أردف خلفك، وأعطيك طيلسانى وأرجوا أن لا يعرض لنا. قال ففعل، ودخل على أبى الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه الحسن وهو يقول يا أبا الشعثاء قل لا اله إلا الله فرفع جابر عينيه، فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، فقال له الحسن يا أبا الشعثاء، قل لا إله إلا الله، قال فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، ثم قال: يا أبا سعيد ) ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ( (الأنعام:158) قال فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم، ثم قال يا أبا سعيد حدثني بحديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في المؤمن إذا حضرته الوفاة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا) فقال جابر الله أكبر، والله إني لأجد بردا على كبدي.
يحبس لكي لا يذهب إلى الحج قال وكان جابر بن زيد يحج كل سنة فلما كان ذات سنة بعث إليه والي البصرة أن لا يبرح العام فان الناس إليه محتاجون، فقال لا أفعل: فحبسه، فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا أصلحك الله قد هل هلال ذى الحجة فأرسل إليه وأخرجه من السجن. قال فأتى إلى داره وله ناقة قد أعدها للخروج فأخذ يشد عليها الرحل، ويقول ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، ثم قال: يا آمنة"2" عندك شيء؟ قالت نعم، قال فاجعليه في جرابي، قال فهيئت له زاده، ثم قال من سألك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا قال فخرج من ليلته، قال فانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، قال فضربت بجرانها الأرض، وتجلجلت فقال الناس: ذكها ذكها يا أبا الشعثاء، فقال حقيق لناقة رأت هلال ذى الحجة بالبصرة أن تفعل هذا ثم سلمها الله، قال وكان قد سافر عليها أربعا وعشرين سفرة، في حجة وعمرة.
جابر يحاجج المستحلين لدماء من خالفهم
وقد بلغنا عن جابر بن زيد أن امرأة كانت له جارية فقالت له: يا أبا الشعثاء إن فلانا يخطب إلي جاريتي فما ترى؟ قال: لا تزوجيه، فانطلقت فعاد إليها الرجل فعادت إلى جابر، وقال لا تزوجيه فانطلقت فعاد إليها الرجل فقال إن لم تزوجيها وقعتها حراما، فأتت جابرا، فأعلمته بالذي كان من قول الرجل، فقال زوجيها الآن فهذا خوف العنت.
وقال: حدث ضمام أن جابر بن زيد كان يلقى الخوارج فيقول: أليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ قال: فيقولون بلى. قال: ويقولوا وحرم ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ قال فيقولون بلى، فهل أحل ما عدا هذا بدين؟ قال فيسكتون ولا يجيبونه بشيء. قلت وهؤلاء أصحاب نافع بن الأزرق ومن قال بقولهم، في استحلال أموال المسلمين بدين.
حكم عطاء الجبابرة وقال: تكلمت نساء من المسلمين بعد جابر في المال الذي تجمعه الجبابرة فقلن انه حرام، قال: ثم أفشينه حتى لقين رجلا يقال له أبو الوزير، فأجابهن إلى ذلك فقال صدقتن قال وهممن أن يرفعن ذلك إلى ضمام وأبي عبيدة، قال: فلم يزل بهن حتى لقين أبا حمزة الأشعث فكلمنه في ذلك فقال لهن أبو حمزة: ومن وافقكن على ما تقلن؟ قلن: أبو الوزير، فقال أبو حمزة: أو قد بلغ من ضعف أبي الوزير ما أرى؟ قال: ثم نهاهن وأعظم ذاك عليهن فقال: أما إذ زعمتن ذلك فانكن تتقدمن على جابر بن زيد وأبي بلال واصحابه، فانهم ماتوا وهم يأخذون أعطيتهم، قال: وبلغ ذلك ضماما فاشتد في ذلك وأعظم قولهن قال: فرجعن واستغفرن الله ولم يعدن إلى ذكر شيء من ذلك .
قال: ولما مات جابر بن زيد أتى قتادة وهو إذ ذاك قد عمي وقال: أدنوني من قبره قال: فأدنوه حتى وضع يده على قبره ثم قال: اليوم مات عالم العرب، وقال: لقي جابر امرأة من أهل الدعوة فوقف ساعة يكلمها وتكلمه قال: فلما أرادا أن يفترقا قال لها إني أحبك ثم افترقا فانطلق غير بعيد، ففكر في قوله لها إنى أحبك، فانصرف إليها وقال: في الله قال: فقالت له: وما تظن أني حملت ذلك على غير الحب في الله؟ أي والله في الله.
لا نكافي الإساءة بمثلها
وقال خرجت آمنة زوج جابر إلى مكة ذات سنة، فأقام جابر تلك السنة قال: فلما رجعت سألها عن كريها"3" فذكرت منه سوء الصحبة، ولم تثن عليه بخير، قال: فخرج إليه جابر فأدخله الدار فأمر باشتراء لابله علفا، وعولج له طعام فلما تغدى خرج به إلى السوق، فاشترى له ثوبين فكساهما إياه، ودفع إليه ما كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك من آلات السفر، قال فقالت له آمنة أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت معه ما أرى، قال: أفنكافيه بمثل فعله فنكون مثله؟ لا بل نكافيه بسوء خيرا. وبالإساءة إحسانا.
رأي جابر في الهرم العاجز عن الصوم وقال أبو سفيان كانت جدة أبي يقال لها أم الرحيل والرحيل أبي وبه يسمى، واسم جدي العنبر وكانت أم الرحيل قد كبرت حتى لم تطق الصيام، قال فأت بها ابناها الرحيل والعنبر إلى جابر، فقالا: يا أبا الشعثاء إن أم الرحيل قد كبرت فلا تطيق الصيام قال: وأنها لحية بعد، قالا نعم، قال: فصوما عنها قال فتنافسا في ذلك قال: وكان الرحيل أكبر من العنبر، فصام عنها الرحيل، فلما كان في العام الثاني أتياه فأعلماه أيضا بحالها، فقال ما كنت أمرتكم به في العام الأول؟ قال: أمرتنا أن نصوم عنها، قال: فأطعما عنها فأطعم عنها العنبر.
وقال جاء أبو الحر إلى أبي عبيدة ذات سنة قال يا أبا عبيده أقم للناس بعد الموسم خمسة أيام فامتنع وقال: لأ بي الحر عليك بضمام بن السائب فانه يفعل، قال: أو عنده من العلوم ما يكتفي الناس به؟ قال نعم، وأكثر من ذلك، قال: فأتاه فأقام الناس فاجتمع إليه من حضر الموسم، فجعلوا يسألونه عن أشياء كثيرة من مسائل دينهم، قال: فكان جوابه أن يقول سألت جابرا، أو سئل جابر أو سمع جابرا، أو قال جابر قال أبو سفيان وكان ضمام قد حفظ عن جابر ما لم يحفظه عنه أبو عبيدة ولا أبو نوح ولا أحد من تلاميذه وقال: بعثت هندة بنت المهلب إلى جابر جزورا في رمضان فنحرها وعالج للناس طعاما، فلما غابت الشمس أتانا بالجفان في المجلس فوضعت للناس وكان مؤذنه يقال له أبو هارون وكان فاضلا، وقال له: يا أبا هارون أرى أن تهبط فتأكل معهم ولا تعجلهم الإقامة، حتى يتفرغوا من طعامهم.
وقال: اطلع أبو الشعثاء يوما فإذا برجل من الاكارين يبكي ويصيح. فقال: مالك ويحك؟ فقال: ؟إن فتيان دربكم هذا نزعوا منى قنوي نخل جئت بهما إلى صاحب الأرض، فأخاف أن لا يصدقني قال: فبعث جابر إلى رجل من أصحابه له نخل، فأخذ قنوين فدفعهما إليه.
جابر يتهرب من القضاء ووفد جابر بن زيد فيما كان يفد فيه إلى يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، وكان به خاصا، قال: فأدخله أبو مسلم على الحجاج: فكان فيما كان يسائله أن قال له: أتقرأ؟ قال نعم، قال: أتفرض؟ قال: نعم، فعجب الحجاج، ثم قال: ما ينبغي لنا أن نؤثر بك أحدا بل نجعلك قاضيا بين المسلمين، قال: فقال: جابر إني أضعف من ذلك، قال وما مبلغ ضعفك؟ قال يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما، قال: إن هذا لهو الضعف، ثم قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم وما هي؟ قال تعطيني عطائي وترفع عني المكروه، فقال الحجاج: هذا أمر لا يستقيم أن أعطيك من بيت مال المسلمين، ولا نستعملك لهم فقال له يزيد بن أبي مسلم: أصلحك الله أن هاهنا خصلة تخف على الشيخ وفيها عون للمسلمين، قال: وما هي؟ قال: تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة، قال: وذلك، قال: فلما خرج من عنده قال له جابر: يا هذا ما صنعت شيئا أتراني أن أكون عونا لصاحب الديوان؟ قال له يزيد: اكتب إلى صاحب الديوان أن لا يكلفك مؤونة، ويعطيك عطائك كاملا، قيل وكان عطاؤه سبعمائة أو ستمائة درهم قيل وكان في ديوان المعاملة.
رأي جابر في القدر
وقال وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر، فدعا كتابه يزيد بن أبي مسلم قال: ويحك يا يزيد وقع في نفسي شيء من القدر فهل عندك فرج؟ قال: سأكتب لك إلى رجل بالبصرة عنده من ذلك علم، قال فكتب إلى جابر بن زيد، أما بعد فإن الأمير وقع في نفسه شيء من أمر القدر فاكتب إليه بما تفرج به عنه، قال: قل للأمير يكثر ترديد خطبته فإن فيها بيانا لما سأل عنه، قال: فأعلمه بذلك يزيد، قال: فرددها مرارا كل ذلك لا ينتبه منها بشيء حتى إذا كان بعد ذلك انتبه، فقال من يهدى الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال يا يزيد ويحك ما أعلم صاحبك!.
مما يؤثر عن جابر وقال: خرج جابر بن زيد وهو يريد الجمعة فلما أتى المسجد تلقاه الناس متفرقين، قال: فشق ذلك عليه مشقة عظيمة شديدة وقال: اللهم لك علي أن لا أعود، وقال: استأذن عمارة بن حيان على جابر بن زيد فقال له ارجع، فلما ذهب قال ردوه فردوه فقال: أراك وجدت في نفسك أما انه أزكى لك إذ رجعت، وقال دخل العنبر على جابر في ليلة صافية مظلمة وآمنة قاعدة إلى جانبه في الدار. وقال فأخذت عليها صلاته فحدثها جابر، وقال: إن الله جعل الليل لباسا، قال: يقول أن الخمار والمقنعة بالليل يجزيان عن رداء.
وقال: قال: جابر بن زيد ليس للعالم أن يقول لجاهل أعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك وليس للجاهل أن يقول للعالم اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإذا قال العالم ذلك للجاهل قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل ذلك للعالم قطع عذر الجاهل.
وقال: مر رجلان من أهل الدعوة على أبي الشعثاء وهو قاعد في سقيفة باب داره ولم يرياه وهما يتذاكران رجلا فقالا: عليه لعنه الله، فقال أبو الشعثاء: لعن الله من لعنتما، قال فانصرفا حين سمعا كلامه، فقالا: ما رأيناك ولا علمنا بمكانك ثم قالا: يا أبا الشعثاء أتلعن رجلا ولم يثبت عندك أمره؟ قال: وأي شيء أثبت منكما وقد أجمعتما على لعنه؟ وعن الربيع بن حبيب عن شيخ من أهل البصرة. أنه قال: دخل جابر على عائشة رحمهما الله فسألها عن مسائل ثم انصرف فقالت عائشة لقد سألني عن مسائل لم يسألني عنها مخلوق قط تعني جابرا. وعن الربيع بن حبيب عن بعضهم قال أتيت جابر بن زيد في بعض الفتيى مما يبتلى به الناس فما أعلم أني كلمت فقيها ولا عالما ولا أميرا أعلم منه، ولا أعقل منه.
جابر تمنى من الله ثلاث فحققها له وعن الحصين عن جابر بن زيد أنه قال: سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم، وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم ولا علي دين، وعن قتادة أن الحجاج أرسل إلى جابر بن زيد يسأله عن الخنثى كيف يورث؟ فقال، تحبسونني وتستفتونني! ثم قال: يورث من قبل مباله قلت: وعلى ذلك العمل.
------------------------------
1- البحر أو النهر العجاج بالمبالغة الذي تسمع له عجيجا أي دويا عظيما.
2- في نسخ تذكر باسم أمينه.
3- الكرى بشد الياء المكاري.
عبدالله بن أباض
ومنهم عبدالله بن أباض المرى التميمي -رحمه الله- : كان عبدالله بن أباض إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات، والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات، والمؤسس لأبنية هي مستندات الأسلاف، والمهدم لما اعتمده أهل الخلاف، وكان رأس العقد، ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار والمتقدم في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار، قعد عن اللحاق فاشتراه من غير إنكار، وقنع بالخمول من غير قصور ولا اقصار، وقلى ما اعتقده ابن الأزرق في المحمدية"1"، وعدل عن طريقي البيهسية، والنجدية وسلك محجة العدل، وكان قدوة لأهل الفضل، فإليه النسبة اليوم في العقائد، معدولا بها عن اسم الولد إلى اسم الوالد طلبا للتخفيف واختصاص الأشهر، وذلك في اللغة معروف لا ينكر، ولابن أباض فضائل مشهورة في الآفاق، وآثار حميدة مخلدة في بطون الأوراق.
--------------------------------
1- يعني أمة محمد عليه السلام من تحلة دماءهم وأموالهم مما يراه غلاة الخوارج كالفرق التي ذكرها بعد.
أبو بلال وعروة
أبو بلال وعروة الشاريان ومنهم أبو بلال مرداس وعروة أبنا أدية رحمهما الله بلغا في الورع والديانة، والعلم والصيانة الأمد الأقصى ولكل منهما فضائل لا تحصى، يعجز عن وصفها كل قائل فلا تكاد تحصى ولكل منهما أيام الخروج، وأيام القعود كل موطن مرضي وكل مقام محمود، من أمر بالطاعة ونهي عن المحارم لا تأخذه لومه لائم، وأما التشمير والتصميم في الدين والأنفة عن طريق المهادنين، فذلك عليهما وقف، لا وهن ولا ضعف يدركهما"1".
أبو بلال يحذر غيلان الضبى
ثبت عندنا من طريق صحيح أن أبا بلال -رحمه الله- كان في المسجد الجامع فسمع زيادا يقول على المنبر: والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم، فقام -رحمه الله- إليه فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم عليه السلام إذ يقول (وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن وأن سعيه سوف يرى) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) (لنجم:من 37 إلى 41)
وانك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، قيل وفي عقب ذلك اليوم كان خروجه -رحمه الله- عليه، وروي أن غيلان بن خوشت الضبى سمر ذات ليلة عند ابن زياد ومعه جماعة فذكر أمر أبي بلال وأصحابه فأحنى عليهم غيلان ثم انصرف بعد الليل إلى منزله فلقيه أبو بلال فقال له: يا غيلان قد بلغني ما كان منك الليلة عند الفاسق من ذكر هؤلاء القوم الذين يشرون أنفسهم، وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، ما يؤمنك أن يلقاك رجل أحرص والله على الموت منك على الحياة فينفذ حصنك برمحه، فقال غيلان: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة.
وعن غير واحد من أصحاب التواريخ أن أول سيف سل للمحكمة سيف عروة بن أدية وذلك أن الأشعث بن قيس لما جاء بصحيفة دعوة أهل الشام في صفين إلى الحكمين جعل الأشعث يطوف بها في منازل أهل عسكر العراق من منزل إلى منزل، حتى أتى بني تميم فسل عروة سيفه وأقبل على الأشعث، فقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرط أوثق من شرط الله؟ ثم ضربه بالسيف والأشعث مولى فأصاب بالسيف عجز البغلة، فشبت البغله فنفرت اليمانية، وكانوا جل أهل العسكر، فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وحارثة بن قدامة ومسعود بن فدكيك"2" وشيبة بن ربعى إلى الأشعث، فسألوه الصفح ففعل.
صراحة عروة وتقواه
وذكر المبرد أن عروة لم يزل باقيا مدة من أيام معاوية حتى أتى به زياد، ومع عروة مولى له فسأل زياد عروة عن أحوال الخلفاء والولاة حتى سأله عن نفسه، فقال: أولك لزنى وآخرك لدعوى، وأنت بعد عاص لربك ثم أمر به فضربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أطنب أم اختصر؟ فقال: اختصر، فقال ما أتيته بطعام نهارا قط ولا فرشت له فراشا بليل قط، ومن كامل المبرد قال: وكان مرداس بن حدير أبو بلال"3"أحد بنى ربيعه بن حنظلة يعظمه الخوارج وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خوشت الظبي فقال يا أبا بلال: أني سمعت البارحة الامير عبدالله بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسع عن المؤمنين في التقية فاستتري فان هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك فقالت: إن يأخذني فهي أشقى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأوتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق فمر بها أبو بلال والناس مجتمعون وقال: ما هذا ؟ فقالوا: البلجاء فعرج إليها ثم عض لحيته فقال لنفسه: لهذا أطيب نفسا على بقية الدنيا منها يا مرداس؟"4"
قال ثم إن عبيد الله اتبع أبا بلال وأصحابه يحبسهم، فحبس مرداسا فرأى صاحب السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه فقال: إني أرى مذهبا حسنا وإني لأحب أن أوليك معروفا أفرأيت أن تركتك تنصرف إلى بيتك ليلا أتروح إلي؟ قال: نعم فكان يفعل ذلك فلج عبدالله في قتلهم وحبسهم. فكلم في بعضهم فأبى. وقال اقمعهم قبل أن ينجموا كلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع"5" قال: فلما كان ذات يوم قتل رجل منهم رجلا من الشرط فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا يقتل رجلا منهم فتك بقاتله، لأقتلن من في حبسي منهم، وقد أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما كان السحر تهيأ للرجوع فقال له أهله: اتق الله في نفسك فانك إن رجعت قتلت. فقال: ما كنت لألقى الله غادرا، فرجع إلى السجان فقال: أني علمت ما عزم عليه صاحبك فقال: أو علمت ورجعت؟!
قال ويروى إن مرداسا مر بإعرابي هنأ بعيرا فهرج البعير فسقط مرداس مغشيا عليه، فظن الأعرابي أنه صرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق قال له الأعرابي أني قد قرأت في أذنك فقال مرداس: ليس في ما خفته علي، ولكن رأيت بعيرك هرج من القطران، فذكرت به قطران جهنم، فأصابني ما رأيت، فقال له: لا جرم، والله ما فارقتك.
رأي الشراة في السكوت عن الظلمة وخروجهم عنهم قال فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جده في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانفين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا نشذ عنهم ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل السدسى وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم مرداسا فلما مضى بأصحابه لقيه عبدالله بن زياد الأنصاري"6" ، وكان له صديقا فقال له يا أخي أين تريد؟ فقال أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال أعلم بكم أحد؟ قال لا، قال: فارجع، قال: أتخاف علي مكروها؟ قال نعم، وأن يؤتي بك قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيف ولا أخيف أحدا ولا أقاتل الا من قاتلني ثم مضى حتى نزل آسك وهو ما بين ( رام هرمز) و ( أرجلان) فمر به مال يحمل إلى ابن زياد وقد قارب أصحابه أربعين فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه، ورد الباقي على الرسل. وقال لهم: قولوا لصاحبكم إنما قبضنا اعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام تدع لهم الباقي وهو فئ؟ فقال لهم إنما يقسمون الفئ كما يقيمون الصلاة. أفنقاتلهم على الصلاة؟
ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترنا منها قوله:
قال: ويروى أن رجلا من أصحاب ابن زياد قال خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدين لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا وأخي فدخلنا زربا، فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخى: أجئتم لقتالنا؟ قلنا: لا إنما نريد خراسان، قال: فابلغوا من لقيكم اننا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل الا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفئ إلا اعطياتنا ثم قال: أندب الينا أحد؟ قلنا: نعم أسلم بن زرعة الكلابى، قال: فمتى ترون يصل الينا؟ قلنا يوم كذا وكذا فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وجهز عبيد الله بن زرعة في أسرع وقت، ووجهه إليهم في ألفين، وقد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا: فلما صار اليهم أبن زرعة صاح به ابو بلال: اتق الله يا مسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجن فيئا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال: وأن قتلكم ! قال تشرك في دمائنا، قال أذن الله بأنه محق وأنت مبطلون، فصاح به حريث بن حجل: هو ممن يطيع الفجرة وهو أحدهم ويقتل بالظنة، ويخص بالفئ ويجور في الحكم أما علمت أنه قتل بابن سعادة أربعة براء، وأنا أحد قتلته؟ ولقد وضعت في بطنه دراهم كانت معه"8".
ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه بغير قتال، قال وكان معبد أحد الشراة قد كاد أن يأخذه، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا، وقال: ويحك أتمضي في ألفين وتهزم لحملة من أربعين رجلا؟ وكان مسلم يقول: لأن يذمني ابن زياد وأنا حي أحب إلي من أن يمدحني وأنا ميت. وكان إذا خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك، وربما صاحوا به يا أبا سعيد"9" خذه، فشكى ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكف الناس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك التميمي من بني تيم اللات بن تغلبة في كلمة له:
قال ثم ندب أبن زياد لهم الناس فاختار عباد بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف فنهد لهم، ويزعم أهل العلم: أن القوم قد كانوا تنحوا عن دار ( بجرد) بأرض فارس فصار إليهم عباد وكان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداهم أبو بلال اخرج إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك، فخرج إليه( فقال له أبو بلال ) ما الذي تبغي؟ قال أن آخذ بأقفائكم ونردكم إلى الأمير عبدالله بن زياد، قال أو غير ذلك؟ قال وما هو؟ قال أن ترجع، فإنا لا نخيف سبيلا، ولا نذعر مسلما، ولا نحارب إلا من حاربنا، ولا نجبى إلا ما حمينا. فقال له عباد الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد؟ فقال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذلك بد. قال وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج، فلما رأى الجمعين قال ما هذا؟ قيل له الشراة، فحمل عليهم ونشبت الحرب فأخذ القعقاع أسيرا، فأوتى به أبا بلال، فقال له من أنت؟ قال لست من أعدائك وإنما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه فرجع إلى عباد، فاصلح من شأنه ثم رجع فحمل عليهم ثانية وهو يقول.
فحمل عليه حريث وكهمس فأسراه فقتلاه،. ولم يأتيا به أبا بلال.
تابع الموضوع >>>>
-------------------------------------
(1) راجع بعض أخبارهما في كامل المبدر من 190 ج3 تحقيق أحمد محمد شاكر.
(2) كذا بالنسخ وذكره في الكامل باسم مسعود بن فدكي بن عبد وذكر من بعده باسم شبت بن ربعي الرياحي راجع الكامل ج3 ص909
(3) هو اسم أبيه وأما اضافتهما هو وأخوه إلى أدية فهي جدتهما، كما ذكر ذلك المبرد وتجد نسبهما كاملا عنده.
(4) عبارة الكامل : لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس.
(5) اليراع : القصب.
(6) حققه الشيخ أحمد محمد شاكر في الكامل بعبد الله بن رباح الأنصاري قال أنه من الثقات مات 90ه
(7) رواية المبرد فيها بعض خلاف فراجعها إن أردت.
(8) كذا في النسخ التي بأيدينا.
(9) عبارة المبرد يا معبد خذه.
يقتلون غدرا لأجل محافظتهم على الصلاة
فلم يزل القوم يتجلدون إلى وقت الصلاة صلاة يوم الجمعه، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فدعونا حتى نصلى وتصلوا صلاة الجمعه قالوا لك ذلك، فرمى القوم أجمعين بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه، وأبو بلال وأصحابه بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعا، وأتي برأس أبى بلال وكان في القوم كهمس وكان ابر الناس بأمه فقال يا أماه لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بني قد وهبتك لله ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك.
وقال عمران بن حطان:
قال: ثم أن عبادا لبث في المصر محمودا لما كان منه حتى ائتمر به جماعة من الشراة، أن يفتكوا به، وذمر بعضهم بعضا على ذلك فجلسوا له في جمعة، وقد أقبل على بغلة له، وابنه رديفه فقام إليه رجل منهم، فقال أسألك عن مسألة؟ قال: قل قال: أرأيت رجلا قتل رجلا بغير حق والقاتل ذو جاه وقدر وناحية عند السلطان، ألولي ذلك المقتول أن يفتك به أن قدر عليه؟ قال: بل يرفعه إلى السلطان قال: إن السلطان لا يعدى عليه لمكانه منه قال: أخاف عليه من أن يقتله به قال: دع ما تخافه هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم، فرمى عباد بابنه فنجا، وتنادى الناس، قتل عباد فأخذوا أفواه الطرق، وكان مقتل عباد، سكة بني مازن فحارب بنو مازن قتلة عباد حتى قتلوهم.
قيل، وكان ذلك سببا لجد ابن زياد في تتبعه الشراة حتى بعث إلى خليفته بالصرة، أن وجه إلى بعروة بن أدية فلم يزل يطلبه حتى دل عليهفي سرب العلا بن سوية المنقري. فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد فقرئ عليه الكتاب: أن أصبناه في شرب فتهانف(2) به عبيد الله فقال له: صفحت ولؤمت، إذ هو في سرب العلا بن سوية ولوددت أنه ما كان ممن يشرب النبيذ قلت: وهذا الخبر قد تقدم معناه، وفي الرواية بعض المخالفة للخبر المتقدم من ذكر عروة.
الحوار الذي دار بين ابن زياد وعروة قيل، فلما أقيم عروة بين يديه أخذ يحاوره وقد أختلف في خبره وأصحه عندنا أنه قال له: أجهزت أخاك علي؟ فقال: والله لقد كنت به ضنينا، وكان لي عرى(3) ولقد أردت له ما أريد لنفسي، فعزم عزما فمضى عليه، وما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج، قال: فأنت على رأيه، قال: كنا نعبد ربا واحدا قال: أما والله لا مثلن بك. اختر لنفسك من القصاص ما شئت فأمر به فقطعوا يديه ورجليه ثم قال له كيف ترى؟ قال أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك، ثم أمر به فقتل ثم صلب علي باب داره، ثم دعا مولاه فسأله عنه فأجابه بجواب قد مضى ذكره، وقال أبو سفيان لما قطع الفاسق عبيد الله بن زياد يدي عروة ورجليه جاءه أعرابي، فقال: من هذا؟ قالوا رجل أراد الأمير عذا به، قال: هلم إلي بسيف فأعطاه سيفا فضرب عنقه، قال: فاجتمع لذلك نفر من الشراة فأتوا إلى امرأة منهم فقالوا لها: قاتل عروة دلينا على موضعه، فقالت: اقتلوه في بيتي وعلى أن آتيكم به فعمدوا إلى موضع في البيت فحفروا فيه حفرة. ثم القوا عليها شيئا ثم ذهبت إليه فعرضت عليه شيئا يشتريه أو اشترت منه شيئا، وأقبلت فأدخلته الدار عليها، فألقوه في الحفرة فردوا عليه الحجارة والتراب ثم غيبوه، وألحقه الله إلى النار وبئس المصير.
إذا كنت في مجلس فاحسن حمل رأسك
وقال أبو سفيان مر أبو بلال يوما بجماعة من قومه في ناديهم على فرس له، فوقف فسلم، فقال شاب منهم يا أبا بلال فرسك حروري، فقال أبو بلال: وددت والله أني أوطأته بطنك في سبيل الله، قال: فمضى أبو بلال وقد وقع في نفس الفتى قولة أبي بلال قال: فقال:لأصحابه أني مقتول، قالوا: لا تخف، قال: دعوني إني مقتول قال فمشت إليه جماعة منهم بالفتى فقالوا: يا أبا بلال زلة كانت، فاصفح عنها. قال: فعلت، ولكن يا فتى إذا كنت في مجلس فأحسن حمل رأسك.
خشية أبي بلال وخوفه من الله وقال خرج أبو بلال مع صاحب له فبينما هو يسير في الطريق إذ مر بحدادين فنظر إليهم، فغشي عليه ولم يزل به الرجل يرش على وجهه الماء حتى أفاق، ثم سار فبينما هما يسيران استقبلتهما امرأة جسيمة بهية عليها من الكسوة والهيئه ما الله به عالم، فلما نظر إليها غشي عليه، ولم يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق ثم سار حتى استقبلهما رجل على برذون في نزهة وهيئة عجيبة وخلفه غلمان، فلما نظر إليه غشي عليه، فلم يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق فقال يا أبا بلال رحمك الله ما هذا؟ قال: أما المرة الأولى فقد علمت أنك عاينت النار فحدثني عنك حين رأيت المرأة والرجل فقال: أما المرأة فإنى لما رأيت عظمها وحسنها وما هي فيه من الهيئة ذكرت تقلبها في النار فكان ما رأيت، وأما الرجل فإني كنت أراه كثيرا يشهد مجالس المسلمين فذكرت سوابق الشقاء. فنسأل الله العافية، وذكر أبو سفيان لما رفع أهل الشام المصاحف قال عروة -رحمه الله- :
-------------------------------------
(1) انظر تتمة المقطوعة في الكامل
(2) تهانف : ضحك وتبسم.
(3) في نسخه كان لي عزا
عمران بن حطان
ومنهم عمران بن حطان الشاري -رحمه الله- ورضي عنه هو النهاية في الورع والصلاح واطراح الدنيا كل الاطراح لما خصه الله عز وجل من فنون العلم والنزاهة والحلم وشهامة الجنان، وفصاحة اللسان، إن خطب أبلغ وأطنب أو أوجز، وإن نظم سحر بيانه وأعجز، فمن ذلك ما حكى المبرد قال لما قتل أبو بلال -رحمه الله- قال عمران بن حطان:
وقال يرثيه في أبيات قد تقدمت. وأولها ( يا عين أبكي لمرداس ومصرعه) وقالها أبو بلال قبل الخروج، وقد نسبت لغيره، قيل والصحيح إنها له، ذكرها ابن السيكت وغيره وهي قوله:
ومن هاهنا أخذ عمران قوله لقد زاد الحياة إلى بغضا قال المبرد كان عمران رأس العقد وخطيبهم وشاعرهم، قال وكان من حديثه أنه لما طرده الحجاج كان ينتقل في القبائل فكان إذا نزل في حي انتسب نسبا يقرب منه وفي ذلك يقول:
ثم خرج حتى نزل عند روح بن زنباع الخدامى وكان روح يقرى الأضياف وكان مسامرا لعبد الملك بن مروان أثيرا عنده، وانتمى له من الازد وفي غير هذا الحديث إن عبد الملك ذكره وقال ما أعطى أحد ما أعطي أبو زرعه أعطي فقه أهل الحجاز ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام قال وكان روح بن زنباع لا يسمع شعرا نادرا ولا حديثا غريبا عند عبد الملك، فيسأل عنه عمران إبن حطان إلا عرفه وزاد فيه، وذكر ذلك لعبد الملك بن مروان وقال أن لي جارا من الازد ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا إلا عرفه وزاد فيه، وقال: أخبرني ببغض أخباره فخبره وأنشده، فقال إن اللغة عدنانية وإني لأحسب ضيفك عمران بن حطان حتى تذاكر الليلة بيتين من الشعر، فلم يدر عبد الملك لمن هما فرجع روح فسأل عمران عنهما، فقال هما لعمران بن حطان فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال ضيفك عمران بن حطان اذهب فجئني به فرجع إليه فقال: أمير المؤمنين قد احب أن يراك، فقال عمران: قد أردت أن أسألك ذلك فاستحيت منك، فامض فإني بالأثر فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال عبد الملك: أما إنك سترجع فلا تجده فرجع وعمران قد ارتحل وخلف رقعة فيها:
ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث الكلابي أحد بني عمرو بن كلاب فانتسب له أوزاعيا فكان عمران ممن يطيل الصلاة، وكان غلمان بني عمرو يضحكون منه فأتاه رجل يوما ممن رآه عند روح بن زنباع، فسلم عليه فدعاه زفر فقال: من هذا؟ قال رجل من الازد رأيته ضيفا لروح بن زنباع، فقال له زفر: ما هذا؟ أزديا مرة وأوزاعيا أخرى! أن كنت خائف أمناك وان كنت فقير جبرناك . فلما أمسى خلف في منزله رقعة - وهرب - فيها:
ثم ارتحل حتى أتى عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه فاظهر أمره فيهم فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عمان فيه، فهرب عمران حتى أتى قوما من الازد فلم يزل فيهم حتى مات -رحمه الله-. وهو يقول:
ومر عمران بالفرزدق على باب بعض الملوك الطائيين ينشد شعرا يمدحه به فسمعه قد تجاوز النهاية في المدح وغلا غلوا عظيما فقال عمران:
وذكر غير واحد من أهل التواريخ انه لما أوتي الحجاج بعمران بن حطان أسيرا قال يا حربي أضرب عنق ابن الزانية، فقال له عمران: ( بئس ما أدبك به أهلك يا حجاج: أبعد الموت منزلة أصانعك عليها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثلها)؟ ! فاستحى الحجاج فأطلقه وذكر أن أصحابه اجتمعوا إليه فقالوا: إنما أطلقك الله لما رأى في رجوعك إلينا هلم إلى محاربة الحجاج فقال: هيهات غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها، والله لا أحاربه أبدا، فجعل ينتقل في الأحياء مختفيا كما تقدم.
جعفر بن السماك
ومنهم جعفر بن السماك -رحمه الله- . شيخ الصيانة والنزاهة، وركن الديانة والفقاهة(1)، المحافظ على طريق الصديقين والمطرح في حرمة الخالق حرمة المخلوقين الآتي بيت الصلاح من بابه، إلا فيما ليس باللائق باضرابه له الكعب العالي في أهل زمانه، والتقدم في فضله ومكانه .
وفوده مع جماعة على عمر بن عبد العزيز :
قال أبو سفيان وفد جعفر بن السماك العبدي وكان شيخ أبي عبيده وكان ما حفظ عنه أبو عبيدة أكثر مما حفظ عن جابر قال فخرج جعفر بن السماك، والخباب بن كليب، وسالم الهلالي في جماعة من اخوانهم إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، قال فدخلوا عليه فكلموه، فقال لهم: هل تنكرون من أمر الأحكام شيئا؟ قالوا: لا، قال: فكلما كلموه يفزع إلى الأحكام قال فبايعوه وذكروا أمر الولاة قبله فأخذ يعتذر عنهم، يريد أن ينصرفوا عنه قال فقال الخباب: فضربت على ركبته، وقلت: أو إنك لها هنا تذر الظلمة؟ وتفعل؟ فقال عمر: يا عبد الله أمسك عليك يدك فأني لو أمرت، قال: وكان جعفر ألطفهم به قال: فقال: ما فيكم أرفق من الأشج وكان جعفر مشجوجا في جبهته. قال: فأجابهم عبد الملك بن عمر وقبل ما دعوه إليه، قيل وسئل جعفر وأصحابه حين رجعوا من عند عمر عن عمر فقال: هو مثل الحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وذكر أبو سفيان عن الحسن أنه كان يقول انهم وان قرنت بهم برأ دينهم فان ذل المعاصي في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه(2)
----------------------
(1) مصدر فقه يفقه فقها وفقاهة كان الفقه سجية فيه.
(2) يعني الحسن بهذا بني أمية.
صحار العبدي
ومنهم صحار العبدى -رحمه الله- . ذو المآثر الأثيرة، ومن كان يدعو إلى الله على بصيرة، حمل فقها جزيلا، وكان باعه في العقائد طويلا، وكان أحد الزهاد، وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدي الاعتقاد، قال أبو سفيان كان أبو عبيده يضعف أمر القدر، ويقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل، ولا انتحار هجرة ولا حكم بغير ما انزل الله، إنما هو رأي أحدثه الناس فيما بينهم فمن أقر بأن الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقر بالقدر قال أبو سفيان: وذلك أن صحار يقول: كلمهم في العلم فان أقروا به نقضوا أقوالهم وان أنكروه كفروا.
قريب بن مالك وزحاف ومنهم قريب ( و) زحاف ابنا مالك رحمهما الله كانا بالفضل بمكان، وبمن يعد الإمكان متبتلين للعبادة وكانت عنهما هفوة كفرتها الشهادة، حدث أبو سفيان قال لما ألح ابن زياد في أخذ الشراة أخذ جماعه منهم فمنهم العرب والموالى، قال فأمر الموالى بضرب أعناق العرب فأبوا وقالوا: لا نقتل أهل ولايتنا وأهل نعمتنا قال: وأمر العرب بضرب أعناق الموالي فضربوا أعناقهم، فلما فعلوا ذلك خلي سبيلهم، قال: فلما خرجوا من عنده قالوا: ما صنعنا! قتلنا إخواننا وأولياءنا قال: فأتوا إلى أوليائهم وقالوا: استقيدوا منا قالوا: تالله لانفعل عمدتم إلى أوليائكم فقتلتموهم وقد دعوا إلى مثل ما دعيتم إليه فأبوا ستلقونهم غدا عند الله. قال وكان فيهم قريب وزحاف وآخر يسمى كعبا وغيرهم، فندموا أشد الندامة قال وكان أحدهم إذا تيمم مجلسا من مجالس المسلمين يستأذن فلا يؤذن له ويخاطب بأقبح الخطاب، فيقف يبكى ما شاء الله ثم ينصرف، قال: فأما كعب فانه لم يذكر ذلك الموقف قط إلا صعق، قال: فخرج ذات مرة من البصرة إلى مكة مع أبي عبيده قال: وكان ذات ليلة في مضجعه إذ انتبه فتذكر فصعق ووقع عن الجمل فأتاه أبو عبيده فنزل إليه وجعل يرفع رأسه ويقول: إني لأرجو أن لا يعذب الله كعبا، فكان هذا ما سمع فيه من أبي عبيده، وأما قريب وزحاف فانهما لما أعياهم الأمر خرجا في سبيل الله فقاتلا حتى قتلا وكان فيما يزعمون يقول أحدهما كلما ضرب عضو منه اللهم عضو بعضو حتى قتلا، وحدث عن حاجب بن مسلم، عن جابر والأسود ابن قيس بن أبي وقاص " أو أبي فقعس" انهما كانا يلقيان ابن عباس في الموسم فجاء جابر وحده، فقال له ابن عباس: أين صاحبك؟ قال أخذه عبيد الله بن زياد قال ابن عباس: وانه لمنهم؟ فقال له جابر: نعم. أو ما أنت منهم؟ قال اللهم لا، وذكروا أن " أشجع بن قرة" كان واليا عليهم بعد عبدالله بن حوش حتى قتلوا جميعا وقد كانوا هزموا عدوهم مرتين.
الناس يومئذ ثلاثة أصناف حدثت أم نافع بن خليفة: أن الناس يومئذ على ثلاثة أصناف صنف جبابرة وأتباعهم وصنف فساق يشربون النبيذ ويضيعون الصلاة ويعملون بالفواحش وليس هنالك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا شكاك، وإنما الذي يسمون: القراء يدينون بقتال الجبابرة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ الأدلاء عليهم، ويأخذهم فيقتلهم فلما رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلهم على فرشهم، فحدثني من لا أتهم أن أول من خرج عليهم قريب وزحاف ابنا مالك وكان خال حصين بن عدي بن حاتم، فحدث حصين بن همام الكندي عن يسرة أبي يسار، وكانت فاضلة قالت: لقد قالا شاعرا بني ذهل يومئذ تعني قريبا وزحاف:
الأحنف بن قيس
ومنهم الأحنف بن قيس تضرب به الأمثال في الحلم، وأكثر صفات الكمال فسل عن أنبائه من لقيت من الركاب، أو فاطلع على ما أمكنك في هذا الفن من ديوان تجده المشار إليه في كرم الشمائل، والمعتمد عليه في كثير من الفضائل.
إياس بن معاوية
ومنهم إياس بن معاوية وتضرب به الأمثال في الذكاء وتحري الصواب في القضاء أو ما سمعت قول أبى تمام:
ومن طريف ما يؤثر عنه ما حكى أبو الحسن على بن عبد الحسن التنوخي أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المدوني، والقاسم بن ربيعة الحوني، ولينظر أيهما أنفذ في الحكم يقلده إياه فلما وقف على الكتاب أحضرهما فقرأه عليهما قال إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سرين، واسمع مني ومنه، وقال: قل. فقال بالله الذي لا اله إلا هو- وحلف يمينا مستوفية جامعة لمعاني الحلف - إن إياس بن معاوية أصلح للحكم مني وأنفذ فيه فان كنت عندك صادق فقلده، وان كنت كاذبا فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذا اليمين كاذبا، فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فانك حيث جئت به إلى شفير جهنم فافتدى نفسه بيمين حلف بها كاذبا إن يقع فيها يكفر عنها ويستغفر الله وينجو، فقال الأمير: أو ليس قد فطن بها؟ أنت لها يا ابن إياس، وقلده الحكم بين الناس ولكل من سميناه في طبقتهم مآثر، قد عمر بها صدور الرجال وسطور الدفاتر، ولكلهم في أعلى الدرجات منابر وان غيبت أشخاصهم المقابر.
الطبقة الثالثة 100-150ه : 1- أبو عبيدة مسلم
منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- كبير تلامذة جابر وممن حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم وحملهم العلوم وما شفى الله به وبهم من الكلوم، وكان عالما مع الزهد في الدنيا والتواضع مع نيل الدرجات العليا، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع.
فمن ذلك ما حدث أبو سفيان قال: كان أبو عبيدة يضعف أمر الشفعة يقول لا تحبس على اليتيم حتى يكبر ولا على غائب، قال: فابتلى بها رجل من أصحابه فجاءه يسأله فقال اذهب إلى أشياخ البصرة فاسأل هل فيها لجابر أثر فجاء إلى منزل المحصر(1)، فأخبر أن جابر كان يراها ويوجبها فأمرهم أن يأخذوا بمقول جابر.
أبو عبيده لا يشك فيه
قال أبو سفيان شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضي البصرة قال: فقال المشهود عليه: أصلحك الله إن الذين شهدا إنما شهدا عندك على شهادة فلان، قال: ويحك إني به عارف ولو جاز في أن أحكم برجل واحد لحكمت بشهادته.
أبو عبيده يتسم بالتشدد
قال وكان رجل من المسلمين يقال له حيان بن سالم من أهل عمان من طي، وكان فاضلا وكان يقول لأبي عبيدة إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، ولو كنت أنت نبيا ما أجابك أحد لما ترى من تشديد على الناس فضحك أبو عبيدة من قوله وقال يالها موتة كموتة حيان(2) وحكى المليح قال: دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة وقلنا: يا أبا عبيدة ما تقول في رجل دخل على امرأة فادخل يده من تحت ثيابها فنهضت المرأة فأنكرت ذلك إنكار الحرة أله أن يتزوجها؟ قال: لا قال: فبينما نحن عنده إذ دخل أبو نوح صالح الدهان فقلنا من يسأله قال الفضل بن جندب أنا أسأله قال فسأله الفضل، فقال: نعم له أن يتزوجها ويعطيها ماله إن شاء،فقال له أبو عبيدة إنها الفروج يا أبا نوح قال: صدقت، ثم قال أبو نوح: يا معشر الفتيان، ألم أنهكم أو قال إني أنهاكم أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا.
حد الغبن في البيع كما يراه أبو عبيده وقال خرج أبو عبيدة ذات مرة إلى مكة ومعه سابق العطار، وكان سابق من خيار من أدركت قال فبينما هم نازلون في بعض المنازل إذ وقفت عليهم إعرابية معها لبن وسمن وجدي. فاشترى منها سابق اللبن والسمن والجدي بقارورة خلوف وقلادة قال ثم جاء باللبن إلى أبي عبيدة قال، فقال: أخر عنا لبنك يا سابق قال لم يا أبا عبيدة؟ قال ويحك يا سابق كم ثمن القلادة؟ قال دانق أو نحوه قال فكم ثمن القارورة؟ قال دانق أو نحوه قال ويحك يا سابق إنما الغبن أن تكون العشرة باثنين أو العشرة بالخمسة أو الدرهم بالدرهم، وأما مثل هذا فلا. فأرسل سابق إلى الأعرابية فجاءت، فقال لها أبو عبيدة: كم ثمن اللبن عندكم؟ فقالت: لا ثمن له عندنا، قال: وبكم ثمن السمن؟ قالت: درهمان، قال بكم ثمن الجدي؟ قالت: درهمان قال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها، فقال أبو عبيدة: هلم لبنك إلينا يا سابق.
وقال كان أصحابنا من أكثر الناس حجا وكان لغير وأحد نجائب يحمل عليها إلى مكة، قال وكان جد سلامة يدعى بأبي سالم، وكان من خيار المسلمين وفضلائهم وكان فيمن حبسه الحجاج مع أبي عبيدة وضمام في السجن وقال: كان أبو سالم يذكر ذلك، قال: قرمنا إلى اللحم، قال وكان رجل يدخل علينا فسألناه أن يشتري لنا دجاجة ويشويها لنا، ويأتينا بأربعة أرغفة قال: وكان أبو سالم موسرا كثير المال قال: فقال للرجل: صانع فيها حتى توصله إلينا، قال فصانع صاحب الحبس، فأرسلها إليه قال: فلما جاءنا بها قسمناها على أربعة أجزاء، قال فإذا نحن بجلبة نحو البيت الذي نحن فيه قال: فخفنا أن يكون فطن بنا، فرمينا بالدجاجة والأرغفة في الكنيف، قال: ولم يكن فطن بنا، قال وكان طرحنا إياها في الكنيف بعدما عايناها أشد من قرمنا اللحم ولما آمنوا استدركوا خطاياهم.
قال وجاء رجل من المسلمين إلى أبي عبيدة فقال: يا أبا عبيدة إنهم يتعرضون لنا في المجالس قال أبو عبيدة: هل سموا أحدا؟ قال: لا، قال فمن يعلم ما تقول؟ فأشار إلى شيخ يقال له أبو محفوظ وكان من خيار من أدركته، قال: فما تقول يا أبا محفوظ؟ قال: صدق، فهل سموا أحدا؟ قال: لا، قال أبو عبيدة وإن القرآن يتعرض للناس فمن عرف من نفسه شيئا فأبعد الله من أبعده.
حجة أبي عبيدة في القدر ورأيه فيه
اجتمع ابن الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى، فقال ابن الشيخ له: يا أبا عبيدة هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟ قال: ما اعلم أن الله خير العباد على طاعته أو معصيته؟ ولو كنت قائلا أن الله جبر أحدا لقلت جبر أهل التقوى عل التقوى لعظم تخويفه لهم وشدة ترغيبهم به إياه، قال: يا أبا عبيدة، فالعلم(3) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟ قال: لا، ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم وكان منهم ما علم الله، وقال كان حمزة الكوفي يقول بشيء من القدر فهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه فقال يوما: عجبا بأبي عبيدة يأمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقول: أراد وشاء، وأحب ورضي وهو يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم! قال فبلغ قوله أبا عبيدة فقال قبح الله رأيه إن هؤلاء أرادوا إثبات القدر فقالوا فيه وحمزة يريد إزالته وليس مثبته كمزيله.
وقال: قيل لأبي عبيدة لا يستطيع الكافر الإيمان فقال: لا أقول أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلى ركعتين ولا أقول انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله تعالى.
اختلاف أبي عبيدة مع بعض أصحابه في الرأي أحيانا وقال: دخل سهل بن صالح وعبد الله بن زريق الهداوي وجماعة من الفتيان على أبي عبيدة فقالوا يا أبا عبيدة ما تقول في غربة من الأرض ( وفيها رجل) على دين عيسى عليه السلام ولم تأته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: مسلم ما لم تأته الحجة فيدفعها قال: فقالوا له: فما ترى إن هو دعا رجلا من المجوس إلى دينه فأجاب؟ قال: هو مسلم، فقالوا له: انظر في هذا، قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا نقول: الرجل مسلم والمستجيب كافر، قال: فقال لهم: الشيخ ألستم تزعمون أن الرجل مسلم على دين الله وطاعته؟ قالوا: بلى، قال فكيف يكون ويحكم الداعي إلى دين الله وطاعته مسلم ويكون المستجيب لدين الله وطاعته كافر!! قال فرادوه الكلام، قال: فغضب عليهم وبرئ منهم فقال: أخرجوا عني فخرجوا عنه منكسرين، فأتوا حاجبا فقالوا له: أغثنا فانه عجل علينا بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه، قال: فركب إليه حاجب فأعلمه انهم تائبون، قال: فقال له: أخرجهم فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس فليعلموهما بتوبتهم قال: ففعلوا، قال الربيع: فأتوني وأنا لا أعرف قصتهم فتابوا فأتينا أبا عبيدة فأعلمناه، قال: فقبل منهم وأمر بهم فدخلوا المجالس.
فتيا أبي عبيدة في ضمان المكترى وقال وائل كنا بمنى في خباء أبي عبيدة، وحاجب حاضر، ومحمد بن سلامة المدني ومحمد بن خليفة المدني، وكان محمد بن حبيب من العباد الأخيار، قال: ولم ير أبا عبيدة قام يسلم عل أحد إلا على محمد بن سلامة، ومحمد بن حبيب فانه إذا رآهما قام إليهما واعتنقهما، قال وائل: وفي الخباء مشائخ من أهل حضرموت فقهاء علماء، قال: فسألتهم عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم، فجاوز الموضع، فعطبت الدابة، قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة، قال: فقلت له: فما ترون في الكراء؟ قالوا لا نرى عليه كراء، إنما ضمناه الدابة، قال وكان أبو عبيدة غائبا أو نائما فاستيقظ فقال حاجب يا حضرمي اسأل الشيخ عن مسألتك، قال فسألته، قال: يضمن ثمن الدابة والكراء، قال فقال له محمد بن سلامة من أين يا أبا عبيدة ؟ قال: من حيث لا تعلم.
وقال أبو سفيان جاء رجل من الازد يقال له النظر أبو محمد إلى أبي عبيدة يسأله عن مسألة، فوجده في شكاة فأجابه بجواب ثم يقال اذهب إلى الربيع فائت به قال: فجاء الربيع ودخل الربيع ودخل على أبي عبيدة وهو مستلق وعلى صدرة صحفة فيها فتات خبز يأكل منه، قال: فقال: أسأل الربيع عن مسألتك، قال فسألته فأجاب بغير جواب أبي عبيدة، قال: فقال: له أبو عبيدة أليس المقوم فيها كذا وكذا يعني الجواب الذي أجاب به الرجل أو لا، فقال له الربيع: أم الذي حفظت عنك فغير هذا، قال: أوقد حفظت عني ؟ قال نعم، قال فقال للرجل فخذ به فانه قد حفظ عنى قال أبو سفيان كأن الشيخ أحس من نفسه لأجل تشاكيه أنه وهم فيها.
أمره بهجران حمزة الكوفي لرأيه في القدر وقال أبو سفيان جاء حمزة الكوفي إلى أبي عبيدة في منزله، فقال من جاء بك إلي؟ فقال: وإلى من أذهب يا أبا عبيدة! أني أريد أن أذكرك بعض هذا الأمر، قال فعليك بمنزل حاجب قال: وما أصنع به ولست حاضرا؟ قال فإني آتيك هناك، قال فخرجا حتى أتيا منزل حاجب قال فدخلا البيت فتكلما كلاما كثيرا، فكان آخر ما سمع من أبي عبيدة أن قال: يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان، قال: فخرج أبو عبيدة ثم كلمه حاجب قال: فكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة، قال: فقال حمزة: إنما أخذت هذا الكلام من عند المسلمين قال: فقال له حاجب: لم تدرك أحدا إلا وقد أدركته ولقيته إلا جابرا، فمن من أخذت هذا القول؟ قال: منك أخذته قال: فقال: فإني أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعت قال: فقال: أرفق بي يا أبا مودود واقبل مني ما أقول لك. قال: هات قال أقول: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (النساء: من الآية79) فالحسنات من الله والسيئات من العباد وأقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة:286)
قال: فقال له حاجب: أما من غيرك فمقبول منه هذه الجملة وأما منك فأنا اعر ف مذهبك فيه أولا، قال: فخرج حمزة من عنده قال فسئل عنه حاجب، فقال: ارفقوا بحمزة، ولا تقولوا فيه إلا خيرا، قال: فمكث بذلك ما شاء الله ثم بلغهم انه مشى إلى النساء فكلمهن في ذلك وإلى الضعفاء، قال: فلما بلغ ذلك أبو عبيدة وحاجبا أمر أبو عبيدة حاجبا أن يجمع له الناس فمشى إليهم وأعلمهم ووعدهم فاجتمعوا ولا يعلمون ما يريد أبو عبيدة وحاجب، قال: فتكلم المتكلمون وحاجب ساكت لا يتكلم، قال: فلما فرغوا تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن حمزة وعطية والحارث أحدثوا علينا أحداثا فمن آواهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم، قال: فتفرق الناس وطردوهم من المجالس ولم يقربهم أحد.
بعض ما يؤثر عن أبي عبيدة قال أبو سفيان قال المعتمر بن عمارة قلت لأبي عبيدة انك أحب إلي من أبي، قال: فذلك ينبغي لك يا معتمر أن تكون لأنك بذلك بذلت لي ما تبذل له، يعني الولاية، وقال خبرني بعض بني يسر، قال: قدم إلينا أبو عبيده مرة حاجا ومعه امرأة من المهلبيات، قال: وهي جدة ( سعيدة) أو عمتها قال فلما فرغوا من حجهم قالت: يا أبا عبيدة إني أريد المقام بمكة، قال: لا تقيمي، الخروج أفضل لك قال ابن مسروق، فقلت: وأنا أخرج معكم يا أبا عبيدة قال فقال: أما أنت فأقم، قال: فقلت: تأمر هذه بالخروج معك وتأمرني بالقيام؟ قال: لأنك أنت قريب من مكة ونحن بعيد منها قال ومسكنهم إذ ذاك بزرة (4) قال أبو سفيان يعني بقوله أنتم قريب منها يعني الطواف وبعيد من شر أهلها كأنه يكثر المقام بها للتجارة.
أبو عبيدة يوصي الربيع لينوب عنه في الموسم وقال لما بعث أبو عبيدة الربيع للناس أيام مرضه، قال له الربيع: يا أبا عبيدة قد كنت تحضر أنت وحاجب وحافظ الوائلى فما تكاد ولا تقومون لما يرد عليكم فكيف بي؟ فقال له أبو عبيدة: يا ربيع إنه ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف، من جاءك موافق لك يقول بقولك فبها ونعمت ومن أتاك مخالفا عليك فأبعد الله من أبعده وقل بما تعرف ودع الناس لما هم فيه وقال جاء المختار ابن عوف إلى منزلنا فخرج إليه أخ لي صغير كان أكثر من "مجبر" فأخذه وقبله، فقال له الصبي: يا عم زوجني ابنتك، قال: قد فعلت يا بني وابنته يومئذ صغيرة، فلما خرج أبو حمزة وقع في قلبه مما قال الفتى شيء فمضى حتى دخل على أبي عبيدة فقص عليه القصة فقال: يا أبا حمزة هما على نكاحهما حتى يبلغا فيعلمان الخبر، فان رضيا كان نكاحهما جائزا، وإن كرها فلا شيء، قال أبو حمزة: يا أبا عبيدة فكيف القول في الصداق، قال: ما قال الغلام، قال وكان أبو حمزة قد قال للغلام يا بني فما تعطيها؟ قال: من سرير جدي إلى الباب دراهم، قال أبو عبيدة: فهو كما قال، إن قال درهم إلى درهم إلى الباب وإن قال مرة واحدة أو هكذا لك، فالقول ما قال قلت: وهذا كله فيه نظر غير أن أبا عبيدة لا يترك القوم سدى.
أبو عبيدة يفحم واصل بن عطاء وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد كان يتمنى لقاء أبي عبيدة، ويقول: لو قطعته قطعت الإباضية، قال: فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه، فقيل لواصل هذا أبو عبيدة في الطواف قال: فقام إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني أنك تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، لكن قلت أن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول أن الله يعصى بالاستكراه، قال: فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة، فسألته فخرج وسألك فلم تجب! فقال واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم، فلم أقعد ولم أبرح مكاني.
--------------------------
(1) كذا في النسخ.
(2) لعله يعني أنه أحيانا كانت تنقصه حرارة القلب والإندفاع إلى التمسك الشديد بالشرع فشبه ذلك بالموت فقال قولته.
(3) يعني علم الله بالقدر وما سبق في الأزل
(4) اسم قرية وفي نسخ برزه
ضمام بن السائب ومنهم ضمام بن السائب- -رحمه الله- - كهف اليتامى والأرامل، المفزوع إليه في النوازل، فطال ما أوصى عليه أبو عبيدة قي الفتاوى والمعضلات، فانكشفت بأجوبته ظلم المشكلات، وكان ذا رفق وتلطف واجتهاد وتقشف حكى أبو سفيان قال: اشتكى ضمام بن السائب شكاة، فدخل عليه الربيع يعوده، فوجد رجلا من المسلمين يسمى " عمران" وهو يقول يا أبا عبدالله إن في نفسي لشيئا وإني لأضيق عنه، أن يكون الله أمر العباد بأمر ثم يحول بينهم وبينه! قال: فقال له الربيع: يا عمران أخبرني هل توفيق الله وتسديده وإحسانه ومنه وفضله على أبي بكر وعمر كتوفيق الله وتسديده وإحسانه ومنه وفضله على أبي جهل؟ قال: لا والله، قال: فقال ضمام: اشدد يدك يا ربيع يعني قم بالحجة عليه، قال: ثم قال ضمام: ما هو إلا ما ترى.
تفنن الحجاج في تعذيب المساجين
وقال بلغنا عن ضمام حين سجنه الحجاج هو وأبو عبيدة قال أدخلنا في سجن قال فلم يكن يوصل إلينا، ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم، قال: وإنما كنا نقص شواربنا بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل، قال: وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش، قال: ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن ثم يضرب حتى تخرج رغوته ثم يقال: يا أهل السجن خذوا ماءكم، قال: فمن أخذ من أوله كان أمثل قليل،ا وأما من أخذ من أسفله فهو العذاب، قال: فكان ضمام ربما ضاق فيقول له أبو عبيدة ويلك ما هناك على من تضيق وعلى من تدل؟ قال فلم يخرجوا من سجنه حتى مات الفاسق.
قال: وعمد إلى ثلاثة رجال من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بيتا من قصب وطلى داخلة وخارجه بالعذرة ثم أدخلهم فيه، فقاموا ثلاثة أيام فماتوا، ثم وقع الموت في أهل السجن فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إلى طبيب له مجوسي فقال له: ويحك إن أهل السجن وقع فيهم الموت وإني لأحب تعذيبهم. قال اجعل طعامهم الزيت والكراث، قال أبو سفيان قال ضمام: لما جاءنا بالزيت والكراث قوينا عليه وسمنا، قال: فيقال للمجوسي ويحك ماذا أردت بهذا لو تركتهم فماتوا لكان أروح لهم، قال: وأي راحة لهم في الموت؟ ولعل هذا أن يموت فيخرجوا، ومن مات فلا مطمع فيه.
وكان رجل من أهل خراسان من المسلمين وكان بمنزلة عظيمة بأبي عبيدة وضمام والمشائخ، وله قدر في أهل بلده، أتاه يوما ضمام فذكر رجلا من المسلمين فتنقصه، فقال ضمام: مه، لا تفعل فعاد فنهره، قال: فقال: تبرأ الله منه قال بل يتبرأ منك، قال: فقال: أتبرأ مني يا ضمام؟ قال أنت أحللت لي ما ترى، وألجأتني إليه، أترى أنك تتبرأ من رجل نتولاه فأتولاك؟ بئس ما ظننت، قال: فإني أستغفر الله وأتوب إليه، قال: غفر الله لك.