القسم ٢ من ٣

طبقات المشايخ بالمغرب

أبو العباس الدرجيني

حاجب الطائي

ومنهم أبو مودود حاجب الطائي -رحمه الله- كان بالاجتهاد موصوفا وبالزهد والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم بيد أنه في الأفاضل معدود، ورسمه في أكثر آثارهم موجود.

حكى أبو سفيان قال: قال المليح: بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا للذكر قال أبو سفيان: وكان المشائخ لا يحضرون معهم بالليل الفتيان، قال المليح: فقلت لرجل من أهل عمان: انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا قال فسرنا حتى جئنا المنزل، فأذن لنا، فوجدنا عنده المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة من المشائخ، قال: فقال لي حاجب: يا مليح اذهب أنت وهذا العماني إلى بلج بن عقبة فأخبراه بمكاننا وقولا له يأتينا، قال: فسرنا إليه فأعلمناه، فجاء، قال المليح: فصلينا العتمة ثم أخذنا في المذاكرة، قال ربما قام أحدهم قائما فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس، فيقوم الآخر كذلك حتى أضاء الصبح، قال المليح: فما رأيت أحدا بعد تلك الليلة، ولا رأيت قبلها متكلما قائما في مجلس، قال: وكان شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، وكانت أخته تحت حاجب قال فجاءه تلك الليلة فأخبر به حاجب، فقال: ردوه، قالوا له: يا أبا مودود سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وترده! فقال: ردوه، فردوه، قال: وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال، قال: وبلغ حاجبا أن في منزل عبد الملك الطويل مجلسا بالليل تكثر فيه الجماعة ويكون لهم كلام يسمعه الجيران، قال فبعث إليهم وقال: يا عبد الملك ارفع عن نفسك ما هذا الذي بلغنا أنكم تفعلونه؟ قال: إنا لنفعل، فإن أمرتنا بتركه تركناه، قال: فانكب طويلا، ثم قال: والله لأن تكونوا تخافون فتعمرون خيرا من أن لا تخافوا وتخربون، اعمروا مجالسكم فان الله يحفظكم، قال: فما بلغنا أنه ظفر بهم في مجلس قط، إلا أنهم كانوا ذات مرة في عهد زياد أو ابنه أتاهم الخبر بان الخيل تريدهم، قال: فخرجوا مسرعين، وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه قال فجاء الشرط فنظروا إلى النعال، فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ما هذه النعال؟ قالت مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها، قالوا: تالله ما ذلك كما ذكرته وإن بهذا الموضع ريبة، قال: فقال:

بعضهم ويحكم قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها أن تكون صادقة، قال: فعافاها الله منهم، قال: ولقد بلغني أنهم كانوا يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب، وغير ذلك يتشبهون بالنساء، قال: وان كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء، أو يحمل جملة متاع كأنه بياع حتى يدخل المجالس لا يدعونها لشيء.

إخوانه يتحملون عنه دينه بعد موته

قال أبو سفيان مات حاجب وعليه دين مائتان وخمسون ألفا أو أكثر، قال: فدخل قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه، قال: فقال لهم قرة: يا قوم ما تقولون في دين هذا الرجل ؟ قال: فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، قال: ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان موسرا فاخبره، قال: فقال لهم الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال، فقالوا له: شأنك، فمات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب، وأوصى إلى أبي عبيده عبدالله ابن القاسم، وإلى امرأته أم الصلت وإلى حبيب بن سابور والى أبي سنان البناني، وكان الفضل لا يولد له ولد، ولم يدع وارثا وكان مولى للأزد فلم يقبل حبيب بن سابور ولا أبو سنان الوصية، قال: ومات أبو عبيدة ورد الوصية إلى أم الصلت، وقال: فباعت داره بالبصرة وداره بعمان حتى أوفت ما كان ضمن الفضل من دين حاجب -رحمه الله- .

إنما الفقيه من يذكر للناس ما يسعهم لا الذي يضيق عليهم وكان للفضل بن جندب على رجل مال فوقع ماله عند قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن بن أخي أبى الحر، قال: فأردنا أن يثبت عنده أن أم الصلت وصي زوجها الفضل ابن جندب فلم يشهد شهودا إلا شهودا يشهدون انه أوصى إليها، وإلى أبي عبيدة، وإلى حبيب بن سابور، وإلى أبي سنان البناني، قال وكان حبيب وأبي سنان لم يقبلا الوصية، قال: فلما لم يقبلا الوصية خفنا أن يدخل القاضي من عنده رجلين في الوصية مكان هذين اللذين لم يقبلاها فيفسد علينا الأمر، قال: فجئنا إلى الربيع بن حبيب فسألناه هل يجوز للشهود أن يشهدوا أن الفضل أوصى إلى امرأته أم الصلت ولا يذكرون أبا عبيدة ولا صاحبيه؟ قال: نعم إنها لوصي زوجها، ولا عليهم إن لم يذكروا غيرها، إلا إن سئلوا فلا بد لهم حينئذ أن يأتوا بالشهادة كما استشهدوا، وان لم يسألوا فلا بأس عليهم، وإن لم يسموا غيرها، قال: أما عبد الله بن القاسم فضاق من ذلك وقال لا يجوز أن يشهدوا إلا كما استشهدوا قال: وقال وائل: إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع الناس فيه مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط.

الخروج على الظلمة لا يجب إلا على من تطوع له وحكى أبو سفيان عن وائل قال: قد قدم حاجب مكة في العام الذي وقع فيه بين أهل حضرموت ما وقع في أمر عبدالله بن سعيد، قال: وكانوا قد أنكروا عليه أشياء حتى شدوه في الحديد، وبايعوا رجلا يقال له حسن، قال: وخالفتهم طائفة يكرهون ما فعل بعبد الله بن سعيد، إلا أن ذلك موافقة من جماعتهم قال فبعث هؤلاء رجالا وبعث هؤلاء رجالا، قال وائل: وكنت فيمن خرج يومئذ قال: فوافقنا حاجبا تلك السنة قد قدم، قال: فدخلنا عليه وهو أرمد، قال: فقال: لقد خرجت من البصرة فما أبصر سهلا ولا جبلا ولا أخرجني بعد ما أرجو من قضاء نسكي إلا أمركم يا أهل حضرموت فإنكم قد غلبتمونا، قال وائل: فقلت رحمك الله يا أبا مودود لا تفعل فإنا لا نخرج عن رأيك، قال: فقال لي: اسكت فوالله ما أريدك ولا أصحابك، قال: ثم تكلم الفريقان، قال: فقال الذين أنكروا علي عبدالله بن سعيد وبايعوا " حسنا" على الشراء: يا أبا مودود من أحق بالقيام المدافع أم الشاري؟ قال بل الشاري أحق، قال: فقال أصحاب ابن سعيد: يا أبا مودود أما إذا شروا فليخرجوا عنا فإنا لا طاقة لنا بالحرب، ولا بما يجرون علينا منها، قال: فقال: صدقوا أخرجوا عنهم، قال: فقالوا: يؤجلوننا شهرا، قال: فقال لهم حاجب: لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم، قال أبو سفيان: وكان حاجب هو القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين والفتاوى.

يتأخر عن رفقته ليشهد الجمعة وقال: حبس حاجب ذات سنة فلم يخرج حتى بقى للموسم ثمانية أيام، فأراد الخروج هو وجماعة معه، قال: وكانوا على نجائب لهم ووافق خروجهم يوم الجمعة فأتاه أصحابه فقالوا له: أخرج بنا يا أبا مودود، قال: في نفسي من الجمعة لشيء قالوا: سبحان الله! إنما بقي للموسم ما تعلم، قال: أخرجوا أنتم وأنا ألحقكم، قال: فخرج القوم وتخلف حاجب حتى صلى الجمعة ثم ركب فلحقهم على مسيرة ليلتين من البصرة، قال: وكان حاجب يقول لعبد الملك الطويل فيما يؤدبه فيه: " يا عبد الملك إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه وبين الله فتشاوروا في أمره وعظوه، وأحضروه مجالسكم، وارفقوا به جهدكم عسى الله أن يتوب عليه، وإذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في خلافهم في الدين، وارادته أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فتقا، فأبدوا عورته واهجروه ولا تحضروه مجالسكم واعلموا الناس به ليكونوا منه على حذر أو يتوب"

أبو عبيدة عبدالله بن القاسم

ومنهم أبو عبيدة عبدالله بن القاسم -رحمه الله- أحد فضلاء من أقام بالأمصار، وفقهاء تلك الأعصار، والمستعين على إقامة الدين من أولئك الأنصار، لا مقصر إن بدا من أحد الاقصار، وكان ممن طبع على القصد والاقتصار، قال أبو سفيان: أقام عبدلله بن القاسم بمكة زمانا وليست له امرأة، قال: فقال له أصحابه: يا أبا عبيدة لو تزوجت؟ قال: ما أريد ذلك، قال: فلم يزالوا به حتى فعل، قال: وكانت امرأة من المسلمين موسرة كثيرة المال، فقالوا له: تزوجها فإنها تكفيك لا تكلفك مؤونة، قال: أما إذا أبيتم إلا ذلك فابلغوا مهرها مهر جيلها(1) ولا تنقصوها شيئا، قال: ففعلوا قال: فتزوجها فلما دخلت عليه طابت له نفسها على الصداق كله وتركته له، قال: وكان يأتي منزل بن جندب ومعه قرصان من خبز وملح، قال: وكان الفضل يطيب الطعام ويكثره، قال: فيقول: سبحان الله يا أبا عبيدة تفعل بي مثل هذا، قال: دعني منك وإلا لم أدخل عليك منزلا، قال: فتركه ولم يلح عليه بعد.

يترك نصيبه في الربح من المال المراب

قال أبو سفيان وكان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم تاجرا خرج إلى الصين ثم رجع فكان في بعض ما يتجر به اشترى قوم عودا، قال: فسألهم أن يشتركوه، ففعلوا قال: فأقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه عما كانوا قد اشتروا به، فظن أبو عبيدة أنهم صادقون فيما قالوا، قال: فلما خرجوا من عنده وكانوا نقدوا الثمن ونقد أبو عبيدة معهم عشرين دينارا، فأقبلوا يمدحون العود، ويقولون ما رأينا مثله، قال: فقال لهم أبو عبيدة: سبحان الله ! تعيبون عود الرجل بلا عيب فيه، ردوا علي رأس مالي ولا حاجة لي في مشاركتكم، قال: فاغتنموا منه فردوا عليه ماله.

يدعو عليه بكثرة المال لأنه يراه شرا

وقال غضب عبدالله بن القاسم بن سابور في أمر وصية الفضل بن جندب وكان سلفا للفضل، قال: فقال أبو عبيدة: لأدعون الله عليك، ثم قال: اللهم أدخل بيته قناطر الذهب والفضة، قال: فقال: يا أبا عبيدة إنك إنما دعوت له! قال: لا والله، ولكني دعوت عليه وأي شر أشد عليه من أن يدخل بيته قناطر الذهب والفضة.

وقال سمعت وائل يقول: لما مات أبو جعفر أخذ الناس في البيعة وأخذ عليهم أبواب المسجد الحرام، قال: وكان عبد الله بن القاسم والفضل بن جندب وعلي الحضرمي ووائل في المسجد فلطف الله بهم فنجوا وخرجوا من المسجد، قال وائل: فقلت يا أبا عبيدة لو أخذت ما تراك صانعا؟ قال تذهب والله نفسي دون أن أعطيهم هذه البيعة.

-----------------------

(1) يعني من هن في مكانتها

أبو نوح صالح الدهان

ومنهم أبو نوح صالح الدهان -رحمه الله- شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، وناهج طرق الصالحين وناقض دعاوى الزائغين الجانحين، أخذ عنه الحديث والفروع وكان ذا خشية لله وخضوع.

عاتكة بنت أبي صفرة تستفتي جابرا أبو سفيان قال: دخل أبو نوح على عاتكة بنت أبي صفرة وكانت من المسلمات فوجدها في البيت، فقال: كأني أري مجلس رجال؟ قالت: نعم، الآن خرج من عندي " الأحول" تعني جابرا قال وكان جابر يغمز بإحدى عينيه من غير علة، قال: فهل ظفرت منه بشيء؟ قالت: نعم سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي، سألته عن لباس الخفين قال: إن كنت تلبسينها من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس وأن تلبسيها لا تبالين أن تنكشفي فلا، وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال فيستعار مني، قال: إن أعرته فإنك ضامنة، وعن عبد كان من أنفس مال عندي و أوثقت في نفسي أن أعتقته لوجه الله ثم استخلفته عن ضيعتي، قال: أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك، قلت: هذه وإن كانت لمناقب جابر صولا فإنما أثبتها هاهنا لتعلم حرص أبي نوح على تحصيل الفوائد من كل من يثق به، لا يأنف عن التقاطها حيث وجدها والبحث عنها في مغانيها.

أبو روح ومازن ابني كنانة

ومنهم أبو روح ومازن ابني كنانة - رحمهما الله - كانا مطبوعين على الصلاح، وحب سلوك مسالك النجاح، وخدمة الأشياخ، وملازمتهم في الغدو والرواح، وإنهما وإن سبقتهما السوابق فكلاهما من غير فتور، مدرك لاحق.

اجتهادهما في التقوى والعبادة روى أبو سفيان عن يسار صاحب البكر، قال أبو سفيان وكان من خيار من أدركته أنه أخبره عن والدته، قال وهي يومئذ ابنة ثمانين سنة، أنها قالت: " أدركت أخوين من بني راسب يقال لأحدهما يبرح والآخر مازن ابنا كنانة، وكانا من خيار من مضى من أهل الدعوة وكانا من نظيري أبي بلال وعروة، في زمانهما، قال: وأما يبرح(1) فكان رجلا عابدا مصليا لا يفتر عن العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كركبة البعير، قال: وكان قد اتخذ سربا في الأرض يعبد الله فيه، قال أبو سفيان: قال يسار: أدركت سربه ذلك، وكنا نلعب فيه قال فحضرت الوفاة يبرح فقعد مازن عند رأسه، قال فرآه يجود بنفسه ثم أفاق، قال: أي أخي أين تراها تعمد؟- يعني النفس- قال: الذي كانت تعبد، قال: وأما مازن فانه لما حضرته الوفاة أقبل يجود بنفسه فصاحت بناته، قال: فأفاق إفاقة، وقال: يا بناتي لا تبكين فان أباكن من ساعة هو الباكي، أو الضاحك، قال يسار أخبرتني أمي قالت: كنت في بعض المجالس وهم يذكرون الله إذ ذاك دخل رجل مقنع بثوبه فهوى، وجلس ناحية من المجلس وهم لا يعرفونه، قال: فلما تفرغ المتكلم قام فنزع ثوبه عن رأسه فإذا هو مازن بن كنانة، قالت: فقام قائما فقال: أني لا أخبركم إلا بما رأت عيني، أو سمعت أذني، أو عن خير من رأى وسمع، قالت: ثم اقتص الفتن المتقدمة واحدة بعد أخرى، ونبه على من أنجاه الله منها، قالت: فما رأيت متكلما مثله، قلت: ويبرح هو المكنى أبو روح فيما زعم لي بعض أصحابنا.

------------------

(1) لعلهم يحرفون اسمه إلى يبرح فنطقت به كما جرت به ألسنتهم كما سينبه الشيخ على ذلك.

أبو محمد النهدي

ومنهم أبو محمد النهدي -رحمه الله- المظاهر المعالن المجاهد غير المداهن الحافظ للتقى، المفارق للأدناس المباين، بصر الله بصيرته الباصرة فلم تكن عن هذه قاصرة، ففاز بالصفقة الرابحة، ووقي الصفقة الخاسرة.

إن لك على طريقتك إخوانا أنت لا تدري حكى أبو سفيان قال: كان رجل من المسلمين يقال له أبو محمد، قال: كان قد أبصر الإسلام من قبل نفسه، قال: وكان بدأ ذلك أنه كان يخرج إلى المغازي فنظر إلى ما يعمل الناس من الغلول والجور، فقال: ما هذا بفعل أولياء الله وأهل الإيمان ثم نظر إلى صلواتهم وقيامهم بالتوحيد والإقرار بالنبوة، قال: وما هذا بفعل المشركين فانصرف إلى البصرة وكان له مسجد يجلس فيه ويحدث ويقص ويذكر، قال: وكان يصف الإسلام ويقول: إن أهل الأحداث من القبلة كفار ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، قال: فبلغ أمره جماعة من المسلمين، فقال بعضهم لبعض: " هذا الرجل قد ترونه وما يصف، فهلموا بنا إليه لنواصفه هذا الأمر فلعله يقبل"، فأتته منهم جماعة فواصفوه الأمر، ووصفوا له ما هو عليه، قال: فقال: هذا هو الحق ومازلت على هذا منذ دهر ولم أجد أحدا يوافقني عليه وما ظننت إذا أن أحدا يقول بهذا القول، قالوا: بلى والله إن لك أعوانا على هذا وأخوانا، قال: فكان أبو محمد من أفاضل المسلمين، قال: وكان يظهر هذا الشأن ويبرح به، وكان يدعو في مسجده على خالد بن عبد الله، وعلى هاشم بن عبد الملك، قال: وكان على البصرة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، قال: وكان طريق بلال على مسجد أبي محمد، قال: فأرسل إليه يأمره بالكف عن ذكرهما فلم يفعل، قال: فقال له: يا أبا محمد إذا رأيتني مقبلا فكف حتى أمضي عنك فلم يكن يلتفت إلى قوله ولا يدع ما هو عليه.

قال أبو سفيان قال أبو محمد النهدي: لا تذكروا الحسن في شيء من القدر فإني عاتبته فيه، فقال: معاذ الله أن أقول ذلك، إنما أفسد علي قلبي واصل بن عطاء أيام كنت عنده مستخفيا فأما أن أقول بالقدر فمعاذ الله، قال: وكان أبو محمد يقول هو أبعد الناس من القدر.

أبو يزيد الخوارزمي ومنهم أبو يزيد الخوارزمي -رحمه الله- أحد النبهاء الحاذقين والموصوفين بالفضل جملة على الإطلاق، والمشار إليه في مشيخة العراق والواقع على إماتة الاصفاق، وعلى الرضى برايه ودينه الاتفاق، ذكر عن أبي يزيد: انه قيل له ما تقول لو أن رجلا لقي عالما يقول له أن الأمر الذي أنت عليه وأنت فيه حرام، فقال له الرجل: فأنا أترك هذا الحرام، ولكن لا آخذ ذلك عنك حتى اسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات؟ قال أبو يزيد: مات هذا مسلما، إذا كان في طلب السؤال تائبا فمات على ذلك.

عبد الله طالب الحق وأبو حمزة الشاري

عبدالله طالب الحق وأبو حمزة الشاري ومنهم طالب الحق عبد الله بن يحيى وأصحابه الشراة كأبي حمزة ومن معه من أولئك الشراة -رحمه الله- أما ابن يحيى فنعم الإمام، الداعي إلى نصرة دعوة الإسلام غير ما كان حدث من الجور حتى عاد به العدل على الكور بعد الحور، فانمحت به ظلم الظلم، فلم يبق حوله إلا داع إلى الإسلام أو السلم كان أسدا في نجدة، وشجاعة في دين الله وخشية لله وطاعة، والبحر جودا وعلما، والطود سموا وصيانه وحلما، وأما أبو حمزة فأشد في الحرب، المستعد للطعن والضرب، ليث في الهيجاء إن ركب، وغيث في الآراء إذا وهب، وبحر عجاج إذا وعظ واختطب، الحصر يعدوه قصر أو أسهب، ذو رفق ولين لأولياء الله المتقين، وذو غلظة على المشاقين، وجميع إخوانهما على هذه الطرائق متخلقون بمحمود الخلائق، ليس من الكل إلا جاهد أو مجاهد، مخالف الأرق ساهد قاطع ليله في الهجود، بالركوع والسجود وتلاوة القرآن والضراعة إلى الرحمن والحراسة في سبيل الله، وكف أعداء الله منفد أيام العمر في إحياء العلوم، ونجدة المظلوم، ومحو ما ارتسم للباطل من الرسوم، هجروا في سبيل الله الأوطان والمال، وربوا بأنفسهم على اتخاذ النشب والمال وآثروا أولياء الله، وقاتلوا أولياء الشيطان وشرفوا أنفسهم ابتغاء الرضوان فلم يلتفتوا إلى زهرة الحياة الدنيا حتى فارقوا ثوب المحيى فودع كل منهم حميدا وأقل بعيدا(1) وسأثبت ما بلغني من أخبارهم على أنها نبذ من بعض آثارهم.

نحن أحوج إلى العمل لا إلى الوصف والقول روى أبو سفيان أن أبا عبيدة كان في مجلس يذكر فيه فذكر النار وما أعد لأهلها، وخوف بها، ثم ذكر الجنة وما أعد فيها لأهلها ورغب فيها، قال: وكان ذلك أيام عبد الله بن علي، والمختار بن عوف، قال: وكان رجل من المسلمين يقال له أبو الوزير قاعدا في المجلس فلما سكت أبو عبيدة وفرغ من كلامه وثب إليه أبو الوزير فقال: يا أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه لجلسنا إلى من هو أوصف لما كنت فيه منك من قومنا، ألا ترى أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم؟ فنحن إلى ذلك أحوج منا إلى ما كنت فيه يعني عبدالله بن يحيى، وأبا حمزة المختار، قال: فقال أبو عبيدة: يا أبا الوزير إنما يتكلم الرجل بقدر ويسكت إلى أجل.

تابع / أخبار ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية >>>>

----------------

(1) كذا في النسخ التي بأيدينا.

أخبار ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية

وروى عن وائل قال لما قدم عطية بن عبد الملك حضرموت وكان مروان بن محمد قد بعثه إلى أبي حمزة المختار بن عوف حين ظهر على مكة والمدينة، قال: فلقي بلجا بوادي القرى فقتله، وكان الفاسق في عسكر فيه ستة آلاف فيما ذكر، فتنحى أبو حمزة إلى مكة، فلحقه بها فقاتله حتى استشهد أبو حمزة ومن استشهد معه من المسلمين رحمهم الله.

قال ثم خرج القاسم يريد اليمن فلقيه الإمام عبدالله بن يحيى بموضع يقال له " حرش" وقاتله حتى استشهد -رحمه الله- ومن استشهد معه.

يتعظ به ميتا فيتوب قال أبو سفيان وكان بها رجل من بني كلاب يقال له نافع، فجاء إلى عطية بن عبد الملك فسأله أن يعطيه جثة عبدالله بن يحيى ليصلبه على بابه، قال: ففعل وكان عطية جسيما، قال: فخرج نافع من بيته فنظر إلى الجثة فإذا عليها نور ساطع فلما عاين ذلك أنزله وكفنه ودفنه، ثم ذهب من " حرش" حتى وقع على الحجاز بقرية يقال لها " القوع" فسكنها ووافق بها قوما من الصفرية فأجابهم إلى الصفرية، قال: وكان الشقي يرى أنهم على مثل ما مات عليه ابن يحيى، قال: وكان لنافع ابن يقال له محمد وهو الذي يحدثنا بهذا الحديث عن أبيه وكان محمد قد أبصر ذلك .

قال أبو سفيان قال وائل فقدم الفاسق عطية بن عبد الملك إلى حضرموت قال وائل فقاتلناه فتحصن في قرية حصينة فأقمنا عليه أربعا وعشرين ليلة نحاصره، فلما طال به الحصار وخاف على نفسه سأل الصلح، فصالحناه عل أن يرد كل ما كان في عسكره مما أصابه أصحابه من أموال المسلمين، قال فدخل المسلمون عسكره فأخذوا كل ما كان لهم، ويأتيه كتاب مروان بن محمد أن دع ما أنت عليه والحق الموسم فصل بالناس، وأمره بالعجل، قال: وتم الصلح بيننا وبينه، قال فخرج منفردا في ستة نفر فبادر الموسم وعسكره على أثره فنزل قرية من قرى اليمن، فوافق فيها رجلين أخوين من المسلمين يقال لهما " ابنا جمانة" فشعرا بمكانه وقالا والله ما جاء هذا الفاسق إلا منهزما، فمشيا إليه في نفرمعهما، فلم يشعر بهم حتى دخلوا عليه وقتلوه وقتلوا من معه وحزوا رؤوسهم وانطلقوا يريدون عسكر المسلمين، ولا يشكون أن عسكره قد مزق، وقتل أهله، فبينما هم سائرون إذ لقوا عسكر عطية والرؤوس معهم، قال: فسألهم أهل العسكر عن عطية فقالوا قد تقدم، فسلمهم الله منهم، ولقد كان أحدهم قاعدا في الجواليق الذي كان فيه رأس عطية ورؤوس أصحابه.

أبو مودود حاجب يتجند لجمع الأموال مددا للثورة وقال أبو سفيان لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى ووجه أبا حمزة المختار بن عوف أقام حاجب فجمع له أموالا كثرة ليعينه بها، قال: فكتب على كل موسر من المسلمين قدر ما يرى، قال: فما امتنع عليه أحد، قال: ودعا أبا طاهر وكان شيخا فاضلا قال عليك بالنساء، وأوسط فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، قال: فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، قال: فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسرعا فيما سألوه، قال: وكان رجل من المسلمين لم يكن أحد يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، قال: فقال له أبو طاهر: أي أخي العيال، فقال: الله لهم والله ما رأيت منذ كنت وجها مثل هذا انفق فيه فإذا وجدته أفأدعه؟ ولا يرجع إلي منها شيء ولكن يا عبد الله لا تخبروا باسمي ما بقيت، قالوا ففعلوا فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، قال: فأتوا حاجبا فأخبروه فسر بذلك، وقال: إن في الناس لبقية بعد، قال: فاشترى بتلك الأموال سلاحا ووجهه ووجه ما بقي إلى أبي حمزة - -رحمه الله- -.

لا تكون للرجل منهم مكانة إن لم يرغب في الشراء

وقال سمعت عبد الملك الطويل يحدث عن أبي حمزة المختار بن عوف الكندي، قال: أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاء في صلاة ولا في صيام ولا في حج ولا في عمرة ولا في وجه من الوجوه، إن عرف منه أنه ليس بشديد الحرص في الشراء سقط من أعينهم ونقصت منزلته عندهم.

وقوع أبي الحر في الأسر وقال أبو سفيان أدركت عيسى بن عمر وهو شيخ كبير يحدثنا أن مروان بن محمد بعث إلى أبي الحر إذ كان بمكة فأخذ فشد في الحديد، وأخذ رجلا من الرافضية يقال له أصفر فشد في الحديد ثم ساروا بهما نحو مروان، قال عيسى: فخرجنا في أربعة عشر رجلا من المسلمين نتبعه قال فلما مشينا أياما أرسلنا إليه أنا نأتيكم الليلة، قال: فقال: لا تفعلوا، مكة منكم قريبة والطلب سريع، فسرنا على طريق الساحل وغلامه يأتينا بخبره ويأتيه بخبرنا، فمازلنا نطلب إليه ونسأله يدعنا حتى نخلصه من أيديهم، قال: فكان يأبى ذلك علينا حتى جاوزنا المدينة بمراحل، فأرسلنا إليه أنا قد قربنا من الشام وقراها فدعنا نأتيهم الليلة، قال: فأبى، قال: فأرسلنا إليه أنا نأتيكم على كل حال، فتباطأ في وضوئك حتى لا تعجل الرحيل لنقعد مقاعدنا، قال: ففعل فتقدمنا فنزلنا عن رواحلنا وعقلناها بعيدا من الطريق، ثم جئنا أمامه إلى الطريق فجثمنا عليه فلما دنوا منا ثرنا في وجوههم بالتحكيم والسيوف في أيدينا مصلتة، فألقوا بأيديهم وقالوا الأمان، الأمان، قال فبادر رجل منا فأعطاهم الأمان، فشق ذلك على أبي الحر، قال: أما إذا فعلتم فلا تختلجوا ولا تهيبوا منهم أحدا، قال: فأسرناهم فأخرجنا بهم الطريق حتى أبعدناهم، فخلينا سبيلهم واحتملنا صاحبنا وفككنا عنه جامعته، وفككنا عن الرافضي، ثم أقبلنا حتى دخلنا مكة ونحن مستخفون، قال: وكان ذلك في أيام الحج، قال: فخرجنا مع أبي الحر إلى منى، ولم نحرم ثم صرنا إلى عرفة ونحن غير محرمين، قال: وكنا إذ ذاك ننتظر أبا حمزة يقدم علينا، قال: ولما كان في وقت الرواح إلى الموقف إذا نحن بنواصي خيل أبي حمزة وقد اطلعت، قال: فلما راءه أبو الحر أمرنا أن نغتسل ونحرم، قال: ففعلنا، ثم خرجنا حتى دخلنا عليهم في عسكرهم، قال: وكان على الموسم إذ ذاك رجل من بني مخزوم يقال له عبد الواحد، قال: فأرسل الخطباء إلى أبي حمزة من قريش وغيرهم ومنهم عبدالله بن الحسن.

اجتماع أبي حمزة بوفود الحجيج ففي الموسم

قال: فأتونا في جماعة قال: فخرج إليهم أبو حمزة وعمامته خضراء وازار متأزر به منتكب قوسه ومتقلد سيفه، قال: فتكلم أولئك الخطباء فعظموا من أبي حمزة الحج ويوم عرفة ما قدروا عليه وأطنبوا في الكلام، قال: فلما فرغوا من كلامهم، تكلم أبو حمزة، فحمد الله و أثنى عليه وصلى على نبينا محمد صلى الله علية وسلم، ثم قال: أما ما ذكرتم من تعظيم هذا اليوم فإنكم لم تبلغوا كنه ذلك ثم ذكر جور بني مروان وما هم عليه من الظلم والفسق والاعتداء، قال فأفحم القوم، وسمعوا كلاما لا يعرفونه، قال: فرجعوا إلى عبد الواحد فأعلموه بقوله، وقالوا: خصمنا الرجل، وما قدرنا على إجابته وليس عندنا ما نجيبه به، قال: فارجعوا إليه واسألوا الموادعة في هذه الأيام على أن لا نعرض له ولا يعرض لنا، قال: فرجعوا إلينا فأعطيناهم ذلك، قال: ووقفنا مع الناس حتى أمضينا إلى جمع ثم إلى منى فنزلنا مؤخر منى في عسكرنا، قال: وكانت حليمة المهلبية إذ ذاك قد حضرت الموسم، وكانت من خيار المسلمات وفضلاهن وهي أم سعيدة، فعالجت لهم طعاما فبعثت به مع أبي وافد وابنه وكانا فاضلين، قال: وأخذهم الحرس، فقالوا: معكم السلاح؟ ففتشوهما فلم يجدوا معهما سلاحا، قال أبو حمزة أرسل إلى الوالي فقل له قد كان نقض من قبلك فان شيءت ناقضناك وإن شيءت نوف بعهدك، قال: فأرسلهما وتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهم، وساروا إلى مكة قال: فخرج عبد الواحد ودخل مكة، قال أبو سفيان: وكان بلج بن عقبة يأتي لرمي الجمار في الخيل والسلاح، قال: وكان أبو حمزة يقول رحمك الله وما يدعوك إلى هذا لو جئت متنكرا حتى ترمي، قال: فكان يقول لا، لا أفعل ولا آمن غدرهم بنا ونقضهم علينا، فإن فعلوا كنا قد استعددنا لهم.

يتجه أبو حمزة ومن معه إلى الشام فيعترضهم أهل المدينة قال: فأقام أبو حمزة بذى طوى، قال: وكان يدخل فيجمع ثم يرجع إلى ذي طوى، قال: فاجتمع إليه من نواحي مكة رجال من خزاعة مسلحون في نحو أربعمائة رجل، قال: وخرجوا معهم إلى المدينة وكان الذين قدموا من اليمن نحو ستمائة رجل، قال: ثم خرج نحو المدينة يريد الشام ولم يكن يريد أن يعرض لأهل المدينة، قال: فخرجوا إليه فقاتلوه بقديد، قال: فمما يراجعهم فيه من الكلام أن يقول: إنا ندعوكم إلى الله وإلى كتاب فإلى من تدعوننا انتم؟ قال: فيقولون ندعوكم إلى طاعة مروان، فيقول: يا سبحان الله؟ ندعوكم إلى طاعة الله وتدعونا إلى طاعة الفاسق مروان، قال: فاقتتلوا فقتل منهم أربعة آلاف، قال: وأصيب مع أبي حمزة يوم مكة أبو عمر وابنه وكانا من أفاضل المسلمين، قلت: وقد وقفت في سيرة عبدالله بن يحيى على الخطبتين اللتين خطبهما بمكة والمدينة متطاولتين بأبلغ ما يأتي به خطيب ثم وقفت عليهما أوجز من ذلك قليلا فيما صححته عن بعض خطب من أهل الخلاف، فآثرت أن أثبتها هنا على نحو ما صححته عنهم لأن شهادة خصمك لك أصح من شهادة أخيك لك.

خطبة أبى حمزة بمكة

روى رواتهم قال خطب أبو حمزة الشاري بمكة حرسها الله فصعد المنبر متنكبا قوسا عربية، فخطب خطبة طويلة فقال:

(( يا أهل مكة تعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباب؟ نعم، شباب مكتهلون عمية عن الشر أعينهم ناكبة عن الباطل أرجلهم انضاء (1) عبادة، وأطلاح سهر قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى تشوقا إليها، وإذا مر بآية فيه ذكر النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه، وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوا نهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة صيامهم، يستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهده، منجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو قد فوقت(2) ، ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انصلتت وأبرقت الكتيبة، وأرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى تخلف رجلاه عن عنق فرسه، وقد رملت محاسن وجهه الدماء وعفر جبينه التراب، وأسرعت إليه سباع الأرض و انحطت إليه سباع الطير، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله! وكم من كف بانت من معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في ركوعه وسجوده! وكم من خد عتيق رقيق قد فلق بعمد الحديد! -رحمه الله- على تلك الأبدان وأدخلهم بفضله في الجنان - ثم قال - الناس منا ونحن منهم، إلا عابد وثن وكفرة الكتاب، وإمام جائر. قلت: وقد حذف راويها منها كثيرا مما خاطب به أهل مكة من أنواع التقريع بما أقام عليهم الحجة وقطع العذر فأثبتت ما أثبته بحسبه.

----------------------

(1) جمع نضو وهو الضعيف الرقيق الجسم، وأطلاح جمع طلح من خلا جوفه من الطعام.

(2) من أفاق السهم وفوقه وضع فوقه في الوتر ليرمي به.

روي عن مالك بن أنس قال خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شككت المبصر وردت المرتاب، قلت: وهذه ألفاظ فيها جفاء، وكان ينبغي أن أسقطها، لكنني حكيتها على ما هي عليه، للسبب الذي قدمته، قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله عز وجل، وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، ويعصى العباد في طاعته، والطاعة لله عز وجل ولأهل طاعته، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس مواضعها التي أمر الله بها.

إنما خرجنا بغية إقامة الحق

إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا، ولا لهوا ولا لعبا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيها، ولا لثأر قد نيل ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدين، وعمل بالهوى، وعطلت الأحكام وقتل القائم بالقسط، وعنف القائم بالحق، سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فأجبنا الداعي إلى الله(ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين )(الاحقاف:32) فأقبلنا من قبائل شتى قليلين مستضعفين، فآوانا الله وأيدنا بالنصرة فأصبحنا بنعمة الله إخوانا وعلى الدين أعوانا.

يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر، إنكم أطعتم فقهاءكم وقراءكم فأحالوكم على كتاب الله عز وجل غير ذي عوج بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين فأصبحتم عن الحق ناكثين، أموات غير أحياء، وما يشعرون.

يا أهل المدينة، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصلح أصلكم وأفسد فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، والبصائر بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة، استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، وغرتكم الأماني فأضلتكم، فتح الله لكم بابا في الدين فسددتموه، وأغلق عليكم باب الدنيا ففتحتموه، سراعا إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عمي عن البرهان، صم عن القرآن، عبيد الطمع، حلفاء الجزع، نعم ما أورثتكم آباؤكم لو حفظتموه وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا به وأخذوه، نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل، كان عدد آباءكم قليلا طيبا، وعددكم كثيرا خبيثا، اتبعتم الهوى فأرداكم، واللهو فألهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبركم فلا تعتبرون.

انحراف الولاة وسوء أعمالهم دعانا إلى الخروج

سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم فيهم الذين تعلمونه ونعلمه، أخذوا المال من حله فوضعوه في غير حقه، فجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله عز وجل واستأثروا بالفيء فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء، وفروج الإماء، وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم وحكموا بغير ما أنزل الله فقلتم لا نقوى على ذلك، وددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: والله نحن نكفيكم ثم والله لئن ظفرنا لنعطين كل ذي حق حقه، فجئنا واتقينا الرماح بصدورنا، والسيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم فقاتلتمونا فأبعدكم الله عز وجل، فوالله لو قلتم لا نعرف الذي تقولون، ولا نعلمه لكان أعذر لكم، على أنه لا عذر في الجهل، ولكن أبى الله أن ينطق بالحق على ألسنتكم، ويأخذكم به في الآخرة، ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة حاكم بغير ما انزل الله، ومتبع له وراض بعمله. ثم نزل.

فالله بتولي السرائر من عباده، ويجازى عليها فهذا كلام لا مطعن فيه لطاعن، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. إلى هاهنا انتهى ما رواه".

أبو الحر وطريقته الحكيمة في استصلاح الأحداث

وحكى عن عيسى بن علقمة المصري قال كان أبو الحر بمكة وكان له قلة تأتيه من البصرة وكان موسرا، قال: فكان يأمرهم أن يجعلوا تلك الغلة نقرة واحدة ذهبا، قال: فأوتي بها فقسمها نصفين، ففرق نصفها في فقراء المسلمين، وربعها في نفسه، وربعا يحبسه لنوائبه، ولمن يمر به من إخوانه المسلمين، وفي معونتهم، قال: فكان شاب قد لازم أبا الحر حتى كان هو صاحب أمره، والذي يلي حوائجه، قال: فأوتي بغلة تلك السنة، كما يؤتى بها فقسمها نصفين فأعطى الفقراء نصف وبقي النصف عنده أياما، ثم إنه احتاج إلى ثمنه فدعا الشاب، فقال: يا فلان اذهب بهذه القطعة فبعها، قال: فخرج الفتى بها فلما خلا به الشيطان، قال: لو قلت لأبى الحر أنها ضاعت ما سألني عنها، قال: فأبطأ عنه ثم آتاه فقال: ما حبسك؟ قال: ألا أن القطعة نشلت وذهبت قال أبو الحر: ففي الله الخلف، قال: ولم يسأله عن شيء ولم يعاتبه، قال: فخرج أبو الحر يوما إلى السوق فمر بالصائغ فإذا القطعة بين يديه موضوعة فاستأذن الصائغ في النظر إليها، قال: فنظر فعرفها، ثم وضعها ثم قال: من أين هذه القطعة؟ قال: ناس من بني مخزوم دفعوها إلي لأصوغ منها مرة أخرى فقال له الصائغ: يا أبا الحر إني سألت القوم عن القطعة فأخبروني أن فلانا- يعني الشاب الذي يخدم أبا الحر- هو الذي باعها لهم، قال: فبعث أبو الحر للمخزوميين فسألهم، فأخبروه أن الفتى باعها لهم، قال: فانصرف أبو الحر وكان له مجلس يجلس فيه للذكر يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: فدعا الشيخ الشاب فقال له: يا فلان اذهب إلى فلان وفلان عدة من مشائخ المسلمين فأمرهم أن يحضروا في مجلسنا قال: ففعل، فلما توافى القوم، قال لهم أبو الحر: لا يكون أكثر كلامكم، إلا في تعظيم الأمانة لما عظمها الله، فان صاحبا لكم قد ابتلي، قال: ففعلوا وعظموا من أمر الأمانة حتى انتهى الكلام إلى أبي الحر، فعظم من ذلك ما شاء الله، قال: والفتى جالس قد غمره العرق، ودخله من ذلك ما شاء الله، قال: ثم خرج القوم ولم يبق في البيت إلا أبو الحر والفتى فوثب إليه الفتى، فقال: يا أبا الحر إني بالله ثم بك، قد والله هلكت أنا أخذت القطعة، قال: فقال أبو الحر: الله أكبر، هذا الذي أردت هي لله ولك ولا حاجة لي فيها، قال: فاستغفر الله الفتى، وأقام مع أبى الحر على أحسن ما كان وحسنت حاله حتى مات.

قال وأخبرني علي بن علقمة أن شابا كان يأتي أبا الحر ويلزم مجلسه، ثم فقده فأتى إلى والدته، فسألها عنه فقالت: يا أبا الحر قد والله أخذ في السفه والبطالة، وما يأتينا إلا من الليل إلى الليل، ونصف النهار وقد والله ذهب ما في يده ولم يستتر بشيء، قال: فقال لها أبو الحر: إذا أنا جئت وهو هنا فأذني لي ولا تحبسيني على الباب، قال: فلما كان نصف النهار أتى أبو الحر ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم حتى وقف على الباب، فاستأذن فأذنت له العجوز فدخل فإذا بالفتى في ناحية من البيت في خلق له، قال: وأقبل عليه أبو الحر، ثم قال له: ما أرى منعك عن أن تأتينا إلا العري ونحن أسأنا في أمرك، فاعلم أنا لا نعود إلى مثلها، فخذ هذه الأثواب فاكتس منها بثوبين ولوالدتك ثوبين، ولأختك ثوبين، وهذه الدراهم فأنفقها على نفسك، ثم خرج أبو الحر، قال: فرجع الفتى إلى أحسن ما كان وحسنت حاله، فلم يزل مع أبي الحر حتى قتل معه يوم مكة.

وعن أبي سفيان أن أبا الحر أهدي له من البصرة بساطا، قال: فوجد فيه تصاوير قال: فباعه، قال: فقال له وائل: هذا مما يوطأ أو يتمهد فلا بأس به، فلم يعتبر كلامه حتى باعه، ومن أحسن الأجوبة ما أجاب به أبو الحر فيما ذكر أبو سفيان قال: كان لأبي الحر بمكة مجلس، قال: فقال له: بعض أصحابه: يا أبا الحر إنا لنخاف أن يظهر علينا، قال: ويحك أما سمعت الله يقول: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9)

والله يحفظكم.

الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب

وذكر أبو سفيان أن أبا الحر كان في المسجد جالسا في حلقة فقدم أخوه الحسن من العراق، قال: فأقبل يريده حتى جاء إلى الحلقة، فظن أنه يقوم إليه، فلم يقم إليه وأخذ أخاه بيده، وهو جالس، قال: ولم يكن يراه منذ زمان، قال: فبينما هم كذلك إذ طلع إليه رجل من أهل عمان فلما نظر إليه أبو الحر قام قائما وخرج من الحلقة فتلقاه، فاعتنقه وقبل صفحتي عنقه، ورحب به قال: فسقط في يد أخيه، فقال له: مودة هذا على غير مودتك لأن مودة هذا على الدين وأنت على النسب.

الطبقة الرابعة 150 -200 : 1- الربيع بن حبيب

منهم الربيع بن حبيب -رحمه الله- طود المذهب الأشم، وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصم، ومن تشد إليه حبال الرواحل وتزم، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر، ولزم مجلسه فكان الأول والآخر، روى عنه" المسند " المشهور المتعارف البركة على مر الدهور، وله في الفروع كل قول ومذهب، أجوبته من المعتمدة في المذهب، باين من خالف من محاضريه أهل العدل والصواب ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السنة والكتاب، والصواب عندنا في كل ذلك جوابه، فان سمعت بأصحابه فنحن - والحمد الله - أصحابه.

يتحرج من معونة تقدم إليه بشرط قال أبو سفيان اجتمع وائل بن أيوب، والمعتمر بن عمارة، وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم، قال: فقال: لا أقدر وما عندي ما تحمل به، فمشوا إلى رجل من المسلمين يقال له النظر بن ميمون، وكان رجلا موسرا من تجار الصين، أعلموه بقوله، قال: فأتاه بأربعين دينارا، فقال: حج بها فلم يقبلها منه، وكان به خاصا، قال: فجاءه وائل والمعتمر فقالا له: سبحان الله يا أبا عمرو تعلم حاجة الناس إليك، وكنت اعتللت بأنك لا تجد ما تحمل عليه فلما جاءك الله بما تتمتع به أبيت أن تقبل، قال: إنه قال لي خذها على أنك تحج بها، ولست أقبلها على شرط، قال: فأتوا إلى النظر فاعلموه بما كره من قوله فاعتذر، فقال: والله ما علمت أنه يكره ذلك، والآن فخذوها أنتم فادفعوها إليه، قال: فأبى أن يقبلها بعد ذلك.

قال أبو سفيان كان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول: عليكم بوائل فانه أقرب عهدا بالربيع.

اليمين إنما تنعقد على العلم والأحوط أسلم قال أبو سفيان أخذ أبو جعفر رجلا من المسلمين من أهل الموصل فاستحلفه بالطلاق أن ماله علم برجل اتهم أنه عنده، ولا له عنده مال، قال: فحلف الرجل ماله عنده قليل ولا كثير فخلى سبيله، قال: فرجع الرجل إلى منزله، فوجد نعلا للرجل فكتب مسألة إلى الربيع، فقال: لا أجيبه فيها حتى يأتي الرجل بنفسه، قال فقدم عليه فأمر الربيع أن يجمع أصحابه، قال: فجمعهم فحضر شعيب بن المعروف، وابن عبد العزيز وجماعة ممن من حضره يومئذ، قال فقص الرجل يمينه، قال: فقالوا له: الملوك لا يستحلفون على النعال ولا على ما يشبهها، إنما حاجاتهم الأموال العين، قال فأجمعوا على أنه لا شيء عليه، قال: والربيع ساكت لا يتكلم، قال: فقال: يا أبا عمرو إنما الملوك لا يستحلفون على النعال، قال: صدقت ولكن صاحبنا حلف ماله عنده قليل ولا كثير، وهل تخلوا النعال من أن تكون من القليل أو تكون من الكثير؟ وفي هذه القضيه وجوه منها أنه استحضر محاضريه المذكورين وشاورهم في الفتى وذلك لوجهين أحدهما لعله أن يكون ذلك قبل أن يبرا منهما، فأراد الاشمات بهما، أو أنه استحضرهما بعد أن وقعا فيما وقعا فيه فأراد استعجازهما، وعندي أن الربيع -رحمه الله- شدد في جوابه، لأن في الجواب الذي أصاب صاحبه مخرجا من ذلك الضيق فإن يمينه انعقدت على علمه، ولا علم له بالنعل، وأيضا فان لفظه عندي ما يلزمه منها إلا ما لزمه من ذلك فان فيها تخصيصا لا يقتضيه قصر الحلف لكن لعل أخذه بالاحوط أسلم.

رأي حيان في صلاة الجمعة ورد الربيع عليه وقال أبو سفيان اجتمعت يوما أنا وحيان بن حاجب عند الربيع بن حبيب فقلت: يا حيان أخبرني ما الذي فرض الله على محمد والمسلمين يوم الخميس أن يصلي للظهر؟ قال أربعا، قال: فقلت له: وما فرض الله عليه يوم الجمعة أن يصلي؟ قال فرض الله عليه أن يقيم العدل ويصلي في وقته ركعتين، قال: قلت له: ولم؟ أو لم يفرض عليه في يوم الخميس أن يقيم العدل ويصلي أربعا؟ قال: فلم يجبني بشيء، قال: فقال لي الربيع: أشدد يدك يا محبوب.

مات ولم يوص فاخرج عنه وصية لأنه يدين بها

قال أبو سفيان مات جدي من الرضاعة وكان يسمى المليح، وكان من المسلمين فأتانا الربيع وكان المليح لم يوص فأرسلني إلى بنات له، فقال: أقرئهن السلام وعزهن عني في أبيهن وقل لهن: أن المليح كان عندنا ممن يدين بالوصية، ويراها حقا عليه واجبا، وإنه قد مات وعليه الأمر ولم يوص، وإني أرى لكن أن تخرجن عنه ألف دينار في قراباته ووكرا من بر في كفارات أيمانه، قال أبو سفيان: وكنا نرى تركته تبلغ ثلاثين ألف.

قال أبو سفيان: قال أبو الربيع: جاءتني امرأة في مسألة لم أسمعها من أحد فقالت: ما تقول في مسجد عليه سلم هل للحائض أن ترقى على السلم الذي على المسجد؟ قال: فقال الربيع: لا يسمح ذلك، قال: وكان الربيع يقول: ليس لها أن تصل المسجد بيدها، ولا شيء من جسدها وإن أرادت أن تأخذ منه ثوبا فلتأخذه بعود، وبما شاءت غير جسدها.

أبو عبيدة يقول: في الربيع كفاية عمن سواه وقال لما أصاب أبا عبيدة الفالج وحضر خروج الناس إلى الموسم ومضى حاجب إلى أبي عبيدة وعبد الله بن عبد العزيز ليبعثه مع الربيع إلى الموسم، قال: فأبى أبو عبيده وقال: لا أفعل فقيل له: فالمثنى بن المعرف، قال: نعم فبعث إلى المثنى في ذلك، قال: ما كنت لأفعل، أخرج مع الربيع، والربيع حاله في فضله وسنه ومعرفته على ما تعلمون! فما أشير عليكم أن تبعثوا غلاما حدثا مثلي مع الربيع، فيقال: لم نجد من نبعث إلى الموسم إلا هذا الغلام وفي الربيع كفاية عمن سواه، قال: فبلغ قوله أبا عبيدة فازداد في نفسه له محبة، وازداد عندهم بذلك رضى، قال أبو عبيدة: صدق المثنى، قال: فتوجه الربيع للناس يومئذ، قلت لأبي سفيان: وكيف لم يخرج حاجب؟ قال: لم يكن صاحب فقه، قال أبو سفيان: وسمعت أبا طاهر ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال: فقيهنا وإمامنا وتقينا، قال: وكان الربيع إذا سئل عن مسألة فقيل: يا أبا عمرو ممن سمعت هذه المسألة؟ فيقول: إنما حفظت الفقه عن ثلاثة، عن أبي عبيدة، وأبي نوح وضمام، هذا قول أحدهم، لم يكن يكاد يخفى عليه قول واحد منهم إلا أنه ربما اشتبه عليه قول من المسألة، قال: وقل ذلك.

إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه الناس وقال قدم أبرهة بن عطية من الجزيرة إلى البصرة، فنزل في جوار الربيع (( بالحرسة)) فدخل عليه وسلم، فقال: يا أبا عمرو رجل من إخوانك، فقال: من أي بلاد أنت؟ قال من أهل الشام، فلم يفتش الربيع، قال: وكان يختلف إليه ويسأله عن الفقه ولا يحرك شيئا من أمر القدر، فلبث بذلك أياما حتى دخل على الربيع بعض المسافرين، وقال له الربيع: سلم على أخينا هذا فسلم عليه، ثم قال: ممن أنت يا فتى؟ قال: من أهل الشام قال: ما بالشام أحد من أهل هذه الدعوة، فمن أي الشام أنت؟ قال: من أهل الجزيرة، قال: لعلك ابن عطية، قال: نعم، قال: يا أبا عمرو هذا ابن عطية الذي أهلك أهل نجران هو وأبوه من قبله ، فلا يدخلن عليك ولا تنعمه علينا قال: فقال له الربيع: أسرعت على الرجل قال: فقال ابن عطية: يا أبا عمرو ما سألتك قط عن أمر تنكره إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه الناس من الفقه من الحلال والحرام، قال: فخرج الرجل وأتى " وائل" والمعتمر، وعبد الملك، وجماعة من أصحابنا فأعلمهم بحال الرجل، قال: فمشوا إلى الربيع مغضبين، فدخلوا عليه فقالوا: أنزلت ابن عطية وقربته، قال: فقال لهم: لا يجمل بمثلي أن أرد من يأتيني مع أن الرجل لم يسألني عن شيء أكرهه، ولم أكن علمت به، قالوا: فلا يدخل عليك ولا تفته في مسألة واحدة، قال: فلما غلبوا عليه حمل نفسه على رده، قال أبو سفيان: فأتاه أبرهة كما كان يأتيه فلم يأذن له، قال: فبكى وقال: ما كنت أظن أن الربيع في فضله وورعه وحاله يرد مثلي، وإنما أسأله عما ينتفع به الناس من أمر دينهم، قال فارتحل من " الحرسة" إلى داخل البصرة.

وائل بن أيوب الحضرمي ومنهم وائل بن أيوب الحضرمي -رحمه الله- صنو الربيع وتلوه، ومن له في حلبة الفضائل مثواه، فإنهما رضيعا لبن التفقه في العلوم، وفيما - هو - خير ميراث، فما منهما إلا له فيه مقام معلوم، وإن كان لأبى عمرو فضل وزيادة، وشهرة في الإفاده والاستفادة، فإن لوائل أنواعا من حميد الصفات، أحيا الله بها على يده أعظم الدين الرفات، من طيب شيم، وخلق كريم، واهتبال بالتعلم والتعليم، فكم من ضال هداه الله به إلى صراط مستقيم وسافل أعاده إلى أحسن تقويم، فبركته شاملة في حياته، وبعد الموت، وآثاره المثقفات بالعراق، والمغرب، وعمان، وحضرموت، فله الحظ الأوفر في طريقة المتفقهين، وله في مسالك الصلحاء رتبة وقوانين قد تقدم ما رويناه عن وائل من قوله: إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ الاحتياط قال أبو سفيان: كان عبد الله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول عليكم بوائل فانه أقرب عهدا بالربيع -رحمه الله- .

محبوب بن الرحيل

ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي - رحمه الله - أحد الأخيار الأنجار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار(1) واللف مما يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخيار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، ونبه على مثالب من بدا منه اقصار، والمشعرين التدابر والمولين الأدبار واعتذر عمن قام عذره واستحق قبول الاعتذار، هذا وهو ممن صحت عليه الفتاوى وانتفع به مصاحبه من مرحل وثاوي، وجملة الأمر أن مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة، فقد قامت مقام العيان، وانه لو لم يؤثر عنه إلا عهده الذي جمع فيه المواعظ والحكم والآداب وجعل فيه تنبيها وذكرى لأولى العقول والألباب، لكان بذلك ما تؤدي النفس من المراقي والمناط ولكان كافيا في معناه، عما عداه(2) فكتب به إلى عبد الله بن يحيى وعالج به القلوب الميتة فأحيى ونصه:

عهد محبوب بن الرحيل إلى طالب الحق

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى جعل من طاعته طاعة من عمل بها كانت له درجة ونافلة، وزيادة خير، ومن لم يعمل بها لم يزله عن إسلامه ولا يضره شيء ولم يكفر بها، وعليه حقوق يسئل بلاغها وجعل مما نهى عنه زواجر من انتهك حرمتها لم يقبل الله له صنيعا حتى ينتقل عنها، ومن زواجراه زواجر من أصاب منها شيئا لم يحبط عمله ولم يكن كافرا ولم يحق عليه ما حق على راكب الكبائر الموبقات، المهلكات ما لم يتخذها دينا، فيذكرها فيصر عليها ولا يتوب منها وجعل وظيفة طاعته إيمانا بالله واليوم الآخر والملائكة إلى آخر الآية(3) وصيام رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا، والوفاء بالعهود فهذه عرى الإسلام، ووظائف الدين، وأصل الأيمان، فمن رغبت عنه نفسه ويتبع غيره يكن من الخاسرين، فهذه العزائم من الطاعة، وجعل من طاعته الحج بعد الفريضة، والعمرة والصدقة والصيام بعد رمضان وقيام الليل والإنصات عند قراءة القرآن فمن بلغه الله هذه كانت له الفضيلة ومن لم يستطعها كان مسلما، ما استمسك بوظائف ما كان يعرف قبل ذلك من الحق، وهذا التطوع من طاعته وجعل مما نهى عنه أن لا تشركوا به شيئا، ولا تعبدوا إلا إياه، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، والزنا، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، فهذا كله موجب موبق بمن انتهك منه شيئا حتى يتوب إلى الله متابا، وكل معصية أصابها، مما نهى الله عنه وأوجب الله فيها عذابا في الآخرة ونكالا في الدنيا فإنه يصير بها كافرا، لا يقبل الله منه عملا حتى يتوب إلى الله متابا، ومما نهى عنه أن الله تبارك تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) (الحجرات: من الآية2) الآية، وقال: (لا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) (الاسراء: من الآية110) (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) (النساء: من الآية32. ) (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) (البقرة: من الآية282)، فهذا عيب ودنس من أصاب منه شيئا لم يبلغ الكفر ولم يزله عن إسلامه، ولم تخلع ولايته، ما اجتنب الكبار من المعاصي. وقال(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(النساء: من الآية31) ، وقال: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)(الاحقاف: من الآية16). وقال (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)(الزمر: من الآية53) ، فهذا اللمم من الذنوب من أصابه وهو مسلم يغفره الله، وقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(النساء: من الآية48). ما لم يتخذها دينا يدعو الناس إليها، ويستتاب حين يصيبها فإن أبى وأخذته العزة بالإثم وحمية الجاهلية وأصر على هذا فعند ذلك تخلع ولايته.

بينوا للمذنب ذنبه قبل التبرئ منه إبعاده فاتقوا الله ولا تجعلوا كل من نزل به بلاء من الله كافر فليتب من أنزله تلك المنزلة فإنه يصير على ما ترك من طاعة الله فاسقا كافرا، فإن العامل للمعصية كالتارك للطاعة، فأذكركم الله العظيم لأنفسكم لما اعتقدتم ذلك، فإن لكل منزلة سيرة ولكل شهادة حكما، ولكل حد عقوبة وقد بلغنا أن الرجل يكون فيكم زمانا لا ترون منه إلا ما يعجبكم من الرأي، والاجتهاد، والنسك، ثم أنه يصيب ذنبا فتخلعونه وتحقرونه من غير أن يعلم أنكم قد برئتم منه، ويرى أنكم عنه راضون ثم ينكر منكم أشياء لم يكن يراها قبل منكم، فيأتيكم فينشدكم الله ويسألكم النصيحة وأن تبينوا له ما يريبكم ولا يعجبكم، وأن ترضوا عنه، فتكتمون عنه، ولا تنصحون له، ولا ترضون عنه، وأذكركم الله لم لم تفعلوا ذلك؟ فإنه نقص لكم شديد وعيب في دين الله، ولم يكن ذلك في دين المسلمين قط، وإن كان ما بكم من أجل الذي أصاب فإن الله يغفر عند التوبة فاذكروا ما تصيبون من الذنوب فإن لكم في ذلك عبرة أن تعتبروا، وتقولون إنا إن استتبناه متى يتب فإنه يعود وما يدريكم ما يحدث الله بين الليل والنهار وما يحدث في القلوب؟ فيأتيكم تائبا فتردونه كما أتاكم، ولا تتولونه عند توبته فأذكركم الله العظيم ألا تشرعوا شيئا لم يأذن الله به، وأن لا تبتدعوا شيئا لم يكن في دين الله، ولا سنة رسوله عليه السلام ولا من بعده، وقد أكمل الله الدين ورفع التنزيل وكمل الكتاب ولم تجدوا لذلك يرهانا، لا آية محكمة، ولا سنة ماضية، أن تردوا على تائب توبته، فاتقوا الله فإن ذلك ليس بأيديكم منه شيء ولا تملكونه، وقال الله عز وجل: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الأنفاق)(الاسراء: من الآية100) فإن كان ما بكم تقولون يعني إذا استتبناه من أمر عاد فيه فما يضركم من ضل إذا أنتم مهتدون بولايتهم حين يتوبون وأظهروا لكم المعروف تضلونهم حين عادوا إلى ما نهوا عنه وتابوا منه؟ قال الله تبارك وتعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل)(يونس: من الآية108) وقال (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)(التوبة: من الآية11) وقال: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم)(التوبة: من الآية5).

وإن كان ما بكم أنكم تردون توبتهم فإن تقولوا إنهم يخدعوننا فاتقوا لله فان من يخدع بالله يخدع، ومن يخادع الله فهو المخدوع وتخرج ضغنته لوليه، ولا تأخذوا بالظن في ذلك، وتتركوا اليقين الذي ظهر لكم، ولا يكذبن ظنكم يقينكم.

البشر لا يخلون من عيب ونقص وإن كان بكم أن لا تتولوا إلا كل مجتهد حريص لا يفتر عن صيام وقيام ولا ترون فيه عيبا فإن المرسلين والنبيين لم يزل بعضهم أفضل من بعض، ولم يكن الناس قط فيما مضى ولا فيما غبر اجتهادهم سواء ولا أعمالهم سواء، وقد قال الله تعالى: (الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله )(فاطر: من الآية32) وقال (ويؤت كل ذي فضل فضله )(هود: من الآية3) وقال (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)(البقرة من الآية253) وقال (ولكل درجات مما عملوا)(الأنعام: من الآية132) فاعتبروا من الناس على عهد نبيكم عليه السلام والخلفاء من بعده كل الناس كانوا مسلمين وولايتهم واحده منهم الضعيف والقصير النظر، وهم الذين تكرهون ولايتهم، هم أعلم بالسنة وأدرس للقرآن وأشد اجتهادا من هؤلاء إلا ما شاء الله، ولا تجعلوا هؤلاء الذين كانوا منكم زمانا من أجل ذنب يصيبونه فمن لم يكن منكم غير أن كبر ذنبا وأعظم جرما من الذين كانوا منكم(4) ثم تركتموهم، فلا يعرف دينكم أحد ولا تجالسونه أبدا وإن جاءكم مستجيبا فمتى تفعلوا، هذا الذي أخر بدينكم الذي انتحلتموه لا يستجيب له أحد، فكل دين لا يستجاب له فهو دين الضلالة، إن لم تصح مؤاخاتكم في الله ولا فراقكم، فأذكركم الله العظيم لا تضيقوا ما وسع الله تبارك وتعالى فانه (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد) (الشورى:25-26) فدين الله واسع يجب أن يدخل فيه ويدعو الله(5) فأحبوا ما أحب الله، وارضوا بما رضي الله واهتدوا بهدى من هدي قبلكم ولا تشدوا من الأمور عليكم فتكون لكم فيه هلكة وقد عاب الله تبارك وتعالى أقواما جعل صدورهم ضيقة حرجة كأنما يصعد في السماء إلى آخر الاية(6) ؟

محبوب يشكو أهل زمانه

أما بعد فإن خير الإخوان الناصحون حين يتناصحون، وأفضل الأخلاء من عطف عن التقوى، وأفضل الأخوان الراشدون في المضلات، المذكرون في الغفلات، وهذا يوم تناصح الأحباء، أن الأموات في سكراتهم يعمهون حين عاد الدين غريبا مفقودا وعاد أهله غرباء منفيين وقد استحوذ إبليس على العباد فهم له جند محضرون، وقد نبذوا الكتاب جملة من شدة البلاء وقد توارثوا نبذه عن الآباء، حين مالت بهم الأهواء وجعلوا مكانه تحريفا لكاتبه كذبا وتكذيبا، باعوه بالبخس، وكانوا فيه من الزاهدين، فقد أصح البلاء في زماننا على الأتقياء في الخاصة والعامة، فسموا بصدقهم كاذبين وبأيمانهم كافرين وبهداهم ضالين، فقد بقوا وبقي الكتاب اليوم وأهله غريبين طريدين منفيين نافيين مستغنيين مع ذلك عمن استغنى عنهما، فيا حبذا ذلك الغريبان الطريدان النافيان المنفيان، والناس اليوم قد اجتمعوا على الفرقة، وتفرقوا عن الجماعة فصار أمر سلطانهم بينهم بعد أن كان شورى بينهم وفيئهم بعد قسم الرب دولة وغنيمة، ليس يلون أمر دينهم الرضى ولا عن رضى أهل الرضى إليهم في فعلهم أمام الكتاب، وليس الكتاب له بإمام، يدخل الداخل بينهم لما سمع من حكم القرآن فما يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين لأنه يوضع في يده خلاف القرآن إذا عمل به خرج من الدين، فينتقل من ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن سلطان ملك إلى سلطان ملك، فليس له امام يسوسه ولا على أمر الله يطيعه، فيبقى متحيرا واشتبهت عليه الأمور كما قال: لا بصر أهتدي به ولا بصير يقودني، فإن احتاج إلى العلماء والقراء وجدهم يدينون بطاعة الجبابرة وآخر استحكم حكم القرآن مثل ما عليه الصديقون فاظهر أمر الله، فصار عند علماء أهل زمانه ضالا إذ لم يوافقهم على خلافهم لله، وهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله.

فالناس اليوم على ثلاثة: فرقة تميت الحق وهم علماء السوء طلبا للدنيا وعلوا فيها، فأفتوا بغير الحق ودعوا إلى أنفسهم فنسبوا أهل سنة وجماعة، وهم أهل بدعة وضلالة، وقد قال الله عز وجل: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(البقرة:159)

وأما الفرقة الثانية فهو كما قال فيهم الحكيم الصادق: إن لله عبادا رسخ عظم جلال الله في قلوبهم وركدت شفقة هيبته في صدورهم، وتمكن الحياء منه في ضمائرهم، ووطنت الفكرة أفئدتهم، وتمثلت العبرة بين أعينهم وجرت ينابيع الحكمة من دقائق سرائر إخلاص صدقهم على أطراف ترجمة ألسنتهم، فأنار بهم الدين وانحسرت بهم ظلم البدعة، وبادت بهم سواد الضلال، وارتعد بهم موارق الجهال، وأبت عليهم دعاة العمى، وازدادت بهم هدى نصرة الهدى، أولئك الذين كفوا عن الدين تأويل الزائغين، وتحريف الملحدين، وشكوك المرتابين، واغلاء المعتدين، وحيرة المتحيرين بالدين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أحيانا بمصرع الدنيا، والشراب بكأس أبنائها، ودخولا وابغلا في شعاب هلكاتها، واتيان في سياسة غدراتها، وتسليم الدين خشية آفاتها.

هؤلاء أولى بالاقتداء بهم فاتبع الذين صدقت أقاويلهم أفعالهم - أو قال أعمالهم - وانقطعت من الدنيا آمالهم وكأنما سمعوا بآذانهم إلى صراخ أهل النار فيها أو تشنيش غليان جماجم أهلها، فهم محزونون وإن ابتسموا إلى أخوانهم، وهم المنعمون(7) بسرور الدنيا وإن خالطوا أهلها فيها فأولئك الذين لا تعتريهم سآمة، ولا تجتريهم رغبة، ولا ينظرون إلى الدنيا بعين نقية، ولا يعقدون لها على مودة، ولا يفرحون فيها على زينة، بل ضربوا في السهم الأوفر، ولزموا الطريق الاقصد، وسلكوا السبيل الأرشد، وهم أئمة التقى ونجوم الهدى وإمام الدين، ومنار الإسلام، كلامهم حكمة، وسكوتهم حجة، ومباينتهم حسرة، ومخالطتهم غنيمة، والاستنان بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، فعليك أيها الزائغ عن طريقهم، والراغب عن سبيلهم بالاتباع، فانه ليس الاتباع كالابتداع، وعليك بطريق من كان بالله أعلم وبحلاله وحرامه منك أبصر، ومن طائفتك الشاذة وعصابتك المناكثة التي ليست بهادية ولا مهتدية بل ضالة مضلة، زائغة عن سبيل الرحمن سالكة لسبيل الشيطان.

الشيء يعرف بضده

اعلم يا قارئ القرآن انك لن تتلو القرآن حق تلاوته حتى تعرف الذي حرفه، ولم تعرف الكتاب حتى تعرف الذي نقضه، ولم تعرف الهدى حتى تعرف الضلال، ولم تعرف التقى حتى تعرف البدعة، فإذا عرفت البدعة في الدين والتكييف، عرفت الفرقة والتحريف، وأن من هوى كيف هوى، وأن علم القرآن ليس يعلمه إلا من يخافه، فابصر به من عمى وسمع به من صمم، واحيي به بعد إذ مات ونجا به من السيئات.

الحكام الجورة لا يقفون عند حدود الله واعلم يا قارئ القرآن أن العهد بالرسول قد طال ولم يبق من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه، وأن الله لم يجعل ما قسم بيننا نهبا، ولا ليغلب قوينا ضعيفنا، ولا كثيرنا قليلنا، بل قسم علينا برحمته الأقسام والعطايا بالعدل والإحسان، فمن اجترأ على الله ممن زعم أن له أقساما بين العباد سوى ما حكم به الكتاب، فبيننا وبينه الحكم، والعدل والشاهد الذي لا تكذب شهادته ولا تبطل عدالته، فلو كانت الأحكام كما حكم به أهل الجور والآثام لما كان بيننا خصام ولا تداعينا إلى حاكم كما لا يستأذن بعضنا بعضا في اللحا والألوان، وتمام الخلق والنقصان، وقديما اتخذت الجبابرة عباد الله خولا، ودينه دغلا، وماله دولا، واستحلوا الخمر بالنبيذ والمكس بالزكاة، والسحب بالهدية، يأخذونها من غضب الله وينفقونها في معصية الله.

واتخذوا على ذلك خونة العلم أعوانا، ومن الوراع أعوانا، ومن الصناع إخوانا، ووجدوا على ذلك من المستأكلين أعوانا، فهؤلاء الأعوان خطبة أهل الجور على المنابر، وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في العساكر، وبهؤلاء الأعوان أخيف العالم فلا ينطق ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل، وبهؤلاء الاعوان مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقية والكتمان فهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله، واعلم بأنك في زمان وجد فيه من لا يوجب الميعاد، قد رفعت لهم الجبابرة أعلام التكاثر فتناقشوا فيها وتشاحنوا عليها حتى محلتهم الفتن بعبارات القرآن، فتلك معالم الطغيان وأذنت - هم - تلك المحلة بالعداوة والهجران(8) .

وأعلم إن في معاينتهم مشبة اشتعال النار، وأحكامهم الحرص والتحضيض على الشهوات وفي معاشرتهم ذم للقناعة وتصغير للنعم، وهم كما جاء فيهم الحديث مساجدهم في ذلك الزمان عامرة، وأنه قد بدل على ما كان فيها من الهدى، سكانها وعمارها أجابت إلى الخطيئة في مساجدهم فهي أظهر منها في الريبة لأن أهل الريبة إذا رأوا من لا يريد ما عندهم اختفوا بالخطيئة، فهؤلاء قد بارزوا بالمحاربة، وكذبوا على الله في العلانية، فواحدنا يقول سمعت وما أكذب، ونطقت ما أكذب، وذلك أني لم أدرك من الإسلام إلا رسما عافيا، وعلما منقطعا باليا، فصرت ميتا بين الأموات وحيرانا بين المتحيرين فلو أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر لم أكن للظالمين ظهيرا، ولا لمن يدين بطاعتهم مواليا، ولا كنت كالمستعطي بكفه حتى يظهر حكم ربي.

جملة ما يدين به أهل الدعوة ويدعون إليه الحمد لله الذي جعل في كل زمان وأوان أقواما يذبون عن دينه، عارفين بحكمه تابعين لسنة نبيه أحمد صلى الله عليه وسلم، أخذ من الدنيا قوته كفافا، ولم ينازع أهله فيها عفافا، وقال يدعو إلى الله وإلى كتابه وإلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونجيب من دعانا إليها: الله ربنا ومحمد عليه السلام نبينا، والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، رضينا بحلاله حلالا، وبحرامه حراما، لا نبتغي به بدلا، ولا عنه حولا، وندعو إلى فرائض مثبتات، وآيات محكمات، وإنا في آثارها مقتدون بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، إن الذي ندين لله به الدعاء إلى سبيل المقتدين قبلنا، والأخذ منه بسبيلهم، والاعتراف فيه لهم بفضلهم الذي فضلهم الله به من سابقتهم، وفراق الناس جميعا على المعصية وإنزالهم حيث أنزلوا أنفسهم، والسيرة فيهم على قدر منازلهم، والأمر بالمعروف والمعروف طاعة، والنهي عن المنكر، والمنكر معصية الله، وفراق أهله كله مع شهادة أن لا له إلا الله، فردا واحدا ليس كمثله شيء، ومعرفة الموت والبعث والحساب والجنة والنار والإيمان بما أنزل الله من كتاب وبما أرسل من رسول، ونتولى الله ورسوله والذين آمنوا ونخلع ما سواهم ونقر له بجميع ما أمر به وجميع ما نهى عنه بحق السمع والطاعة".

وعنه أنه قال: كان رجل من " ضنو" هو ابن عم المسيب ابن زهير، وكان صفريا وكان من أصحاب شبيب، وكان الحجاج بن يوسف طلبه فهرب إلى البصرة، فنزل عندنا في دربنا في الازد واكتتم عندنا، قال: فدعاه المسلمون إلى الإسلام فأجابهم، وكان يسمى مصقلة ويسمى بعد ذلك بسطاما، أبا النظر، فغلب عليه بسطاما، قال: فكان يقول لهم إلى من تدعونني؟ فقالوا له: إنا ندعوك إلى ولاية من علمته أنه يقول الحق ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممن علمت أنه يقول بخلاف الحق ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمن لا تعلم حتى تعلم. قال أبو النظر؟ فلما سمعت هذا من كلامهم علمت أنه دين الله الذي ارتضاه، قال: فقبل الإسلام وكان خيرا فاضلا وله فضل في المسلمين وشرف، قال: ويحضر المجالس فأول من يتكلم هو، وقد قال الإمام أفلح -رضي الله عنه-: عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة لا سيما كتب أبي سفيان.

----------------------------------

1- يعني بهذا سيرته التي كتبها في التابعين وم بعدهم من أئمة الاباضية رحمهم الله وقد اعتمدها صاحب الطبقات ونقل عنه كثيرا وهو المعني بأبي سفيان.

2- هكذا العبارة في جميع النسخ فتأملها.

3- يعني آية البر من سورة البقرة

4- لعل الصواب كمن لم يكن منكم

5- لعل الصواب وأن يدعى إليه بالبناء للمجهول.

6- ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )

7- كذا في النسخ ولعل الصواب وهم الممتنعون عن سرور الدنيا

8- لعلك تلاحظ أيها القاريء شيئا من الغموض في الفقرات الأخيرة وهذا هو ما وجدناه في النسخ التي اعتمدناها جميعا وما يوجد بين مطتين زيادة منا لتستقيم العبارة.

أبو غسان مخلد ومنهم أبو غسان مخلد بن المعرد -رحمه الله- أحد علماء علم الفروع والكلام، والمناضلين عن كلمة أهل دعوة الإسلام، وممن نجب من أصحاب أبي عبيدة وضح يده في العلوم وأيده، إن أفتى فالشمس مشرقة الشعاع، وإن ناظر فالقمر مقتد في البقاع، وهو أحد من أفاد واستفيد منه، ورويت الأحاديث والفتاوى عنه.

قال أبو سفيان جاء رجل إلى مخلد بن المعرد فقال له: يا أبا غسان، إن عبد الله بن عبد العزيز وجماعة معه يقولون من أفتى الناس بما لا يعلمونه حقا، فان لهم أن يقفوا عنه، فقال له أبو سفيان: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فارجع إليه وقل له: يا ابن عبد العزيز ما تقول فيما أفتيتنا به من أمر حجتنا فإنا لا نعلم ما تقول حقا ألسنا يجب لنا أن نقف؟ قال: ففعل الرجل فقال له ابن عبد العزيز: أنت رجل شغب، ولم يجب بشيء فانصرف الرجل إلى أبي غسان فاعلمه بذلك، فقال أبو غسان: إن الذي قال لا يجوز في الدين ولا يسع نقض ولاية أهل الدين إلا بما يسع مفارقتهم.

ومن هذه الطبقة حملة العلم الخمسة وقد تقدم من ذكر مناقبهم وسيرهم وأحوالهم، في أثناء ما بسط من الأنباء للدولة الرستمية، ما فيه كفاية، -رحمه الله- عليهم أجمعين.

الطبقة الخامسة 200-250ه : 1- أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني

منهم الإمام أفلح بن عبد الوهاب - -رحمه الله- - هو ومن ولي من ذريته قد تقدم أيضا من أخبارهم في مواضعها ما أغنى عن إعادته.

ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني -رحمه الله- قد ذكرنا من نفوذه في الأمور وامضائه وقيامه بالمدافعة عن نفوسة وضيائه، وأدائه الأمانة ووفائه، أحوالا مستحسنة المواقع، مستحلات في المسامع، إلى ما طبع عليه من الورع واطراح الحرص في الدنيا وترك الطمع وهو أحد علماء نفوسة، الموصوفين بالأخلاق النفسية.

أبو زكرياء التكوتى ومنهم أبو زكرياء التكوتي، وأبو مرداس مهاصر- رحمهما الله - بلغا في العلوم النهاية، وجريا في أمر الصلاح إلى أقصى غاية، إلا أن أبا مرداس ممن هرب، وقنع بالخمول واعتمد على أن ما عدا أمر المعاد فصول، وأما أبو زكرياء فكان علما لكل الفضائل، ومعلما لكل ناهل، وذكر أن أبا مرداس كان يصلي في المسجد إذ سمع قائل يقول: من يعطيني شيئا الليلة، ينجيني وكان ذلك في مجاعة عظيمة فلما قضى أبو مرداس صلاته، قال: ما يقول هذا ؟ فأخبروه، فقال لهم: بادروه فقد أقام عليكم الحجة فابتدورا إليه فوجدوه خلف جدار المسجد ميتا ففرضوا ديته، فأدى أبو مرداس ما ينوبه منها، وذكر أبو الربيع عن شيوخه أن أبا مرداس كان إذا أراد زيارة إخوانه بتاهرت يجمع ما بالجبل من أموال الوصايا مما كان فيها من فضل عما عينت له فيحمله معه إلى تاهرت ليقوى به بيت مال المسلمين، ويتوخى في ذلك انتفاع أصحاب الوصايا.

أبو مرداس مهاصر يتحرج من إراقة دماء الموحدين

وذكر أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه قال: ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي يحل بها أو بأحدها إراقة دماء الموحدين، فذكرت أحدها فتنكر وكره، فأمسكت عن باقيها ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من فعل شيئا فكيف لو سمعها أبو مرداس كلها على تحرجه.

وعن أبي مرداس أنه رأى خطأ من غير قصد امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة كفارة على ذلك لكثرة اجتهاده، وكان ذلك في أيام الربيع وقد خرج الناس ولم يبق في البلد إلا أبو مرداس فنظرت المرأة في البلد فقالت: ما بقي في البلد غير أبي مرداس ومثله لا أتحفظ عنه فرقت الدرج، فرآها، وذكر أن أبا مرداس فرغ ماء وضوئه فخرج يطلب الماء فطلبه من سبعة أبيات من جيرانه فلما لم يجد رأى أن قام عذره فعدل إلى التيمم، وعنه أنه قال: قد كفرت جارتنا اليوم مرارا، وذلك أنه سمع صوتها من خيمة إلى خيمه، وبينهما سبع قامات، ولعل الذي نسب إليها من الكفر إنما هو ألفاظ لم يقصد بها الكفر، وربما كانت ممن لا ينبغي مخاطبتها بالتعليم والإرشاد، فقال هذا القول منه ليسمعه من كان ينهاها ويعلمها، وذكر عنه أنه كان إذا قدم تاهرت فحصد الناس زروعهم، ولقط اللقاطون السنابل التي تبقى بعد اللقاطين ورعي المواشي تعقبهم أبو مرداس فيلقط ما يقوم بقوت عام، فيعتقد أن الذي بقي بعد اللقاطين ورعي المواشي إنما هو متروك.

ستشملنا اللعنة إذا سكتنا عن المنكر

وذكر عنه أنه كان بتاهرت ذات مرة فسمع رجلا يدعو رجلا آخر إلى الحق، فلم يجب دعوته وأعرض عنه فجاء أبو مرداس إلى دار الإمام فجعل يضرب فيها بالحجارة ويقول: بهلة"1" الله اليوم على من سكن هذه البلدة، فقال رجل للإمام: كيف نحن وهذه التي يذكر أبو مرداس، فقال نحن في وسطها إذا لم نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، والإمام حينئذ مشتغل بغسل يوم الجمعة، وكان أبو مرداس إذا نزلت عنده نازلة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزاني يستفتيه، فيكون العمل بما يجاوبه به، وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها.

وبلغنا أن رجلا من أصحابنا من أهل المشرق أقبل من بلاده يريد زيارة أهل الدعوة بالمغرب، فاجتاز بجبل نفوسه فتصفح أحوال أهل الجبل واختبر كل من يأويه إليه منهم، ثم توجه إلى الإمام بتاهرت، ولما وصلها تصفح أحوالها وأحوال من بها فسأله أهل تاهرت عن جبل نفوسة فقال لهم: الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فكالغزال نفسي، نفسي، وأما أبو العباس ففتى مقرعي - يصفه بالشدة والنجدة - فلما رجع المشرقي إلى الجبل سألته نفوسة عن أهل تاهرت، فقال: ليس بها أحد غير الإمام ووزيره مزور بن عمران.

وبلغنا أن أبا مرداس كلف بأمر آخرته فأضاع أمر دنياه وكان مقترا عليه، يذكر أنه شاور بعض أخوانه في التزوج وسأله أن يخطب له امرأة تصلح به فطاف بالجبل فلم يجد أيما إلا واحدة مجنونة، فأخبرها أن أبا مرداس أرسله ليخطب عليه امرأة، فقالت له: فأنا أجبت خطبته، قال: فأتى الرجل إلى أبي مرداس فأعلمه بما كان من جواب المرأة وعرفه بحالها، فقال أبو مرداس: أما إذا اختارتني فأنا أتزوجها، فتزوجها أبو مرداس ومكث معها دهرا وكانت من أفضل نساء نفوسة وأحسنهن وأرفعهن ذكرا وذلك ببركة الشيخ وموافقته، قلت لعل الذي ذكر في وصفها بالجنون إنما هو الوسوسة وشراسة الأخلاق، أو ممن يجن ويفيق، وإلا فكيف ينعقد النكاح على مجنونة لا تفيق؟ وأما ما أذهب الله عنها فلا ينكر، وهي أيضا من الكرامات نحو ما تقدم من أمثال ذلك في هذا الكتاب.

-----------------------

1- اللعنة والطرد

أبو ميمون الجطالي

ومنهم أبو ميمون من أهل ايجطال من نفوسة الجبل -رحمه الله- ممن له في الآخرة رغبة وترغيب ولم يكن له في دنياه أكثر نصيب، وكان ذا جد في العلم، والاجتهاد وسعي في العبادة ومنافع العباد، وكان ممن يعد في الشيوخ وممن قدمه في العلم ذا رسوخ، وكان ذا تفقد لمواضع المعروف وذا إيثار على ما كان عليه من الإقلال والإقتار.

أبو ميمون تصدق فيه فراسة أمه ذكر جماعة من الشيوخ أنه كان بجبل نفوسة بايجطال امرأتان ولكل واحده منهما ابن صغير فسألت كل واحده منهما الأخرى ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟ فقالت إحداهما: أراه أن يكون عالما، وقالت الأخرى: أراه أن يكون عابدا، فسألت كل واحدة منهما صاحبتها بماذا استدللت على ما قلت؟ فقالت أم العابد: أرى ذلك لأني إذا كنت في الصلاة سكن وترك البكاء والتنغيص، فإذا خرجت من الصلاة واشتغلت بغيرها أكثر البكاء والتنغيص، فقالت الأخرى: أرى ذلك لأني إذا شهدت مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك، وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق، فصدقت فراسة كل واحدة منهما فكان العالم منهما أبو ميمون المذكور قيل وكانت حلقة تجتمع على أبي ميمون يدرسون العلم ويأخذون السير إذ خطر ببال أبي ميمون أن ينظر في التزويج من بلد غير بلده، فمضى ومضى معه تلامذته وهم متمادون على دراستهم واجتهادهم ولم يغتروا في مقام، ولا في رحيل فتزوج أبو ميمون وابتنى بامرأته فكان التلامذة مواظبين على درسهم عاكفين على عزمهم.

وذكر أن زوج الشيخ قالت: لما رأيتهم أقبلوا أبصرته أقصرهم قامة، فلما حلقوا عليه وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأيت حينئذ الشيخ أطولهم أعظمهم.

معاذ الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين وذكر أبو الربيع عن أبي محمد عبدالله بن محمد وسمعته من غير واحد، أنه قال: استودع رجل عند أبي ميمون وديعة دنانير، وسافر عن جبل نفوسة وطالت غيبته، فوقعت في جبل نفوسة مجاعة عظيمة واشتدت عليهم الشدة، حتى اضطروا إلى أكل الميتة، ثم إن صاحب الوديعة قدم فقصد دار الشيخ أبي ميمون، فسلم عليه ورحب به، فوجد قدرا يفور باللحم، فسأله الرجل عن الوديعة فقال له: هي حيث دفنتها فاحفر عنها وارفع وديعتك فحفر في الموضع الذي دفنها فيه قال المخبر: وفي أثناء ذلك وقع في قلب صاحب الوديعة شيء مما يقع في القلوب من التغيير وساء ظن نفسه بالشيخ، لما لم يعرض عليه المقام لتناول الطعام، وهو قادم بعد طول المغيب وبعد عهد بالمزار، مع ما تعهده في الشيخ من الإيثار، فلم يتمالك إن تكلم بما في قلبه ولم يكف عن غربه في عتبه، حتى إذا استوفى ما عنده قال له الشيخ: احمل وديعتك وعد عما سواها، فإن الذي في البرمة مباح لنا وليس لك بمباح، قال: وما هو؟ قال: الميتة اضطرنا إليها الجوع والقرم، ولست أنت بمعدم، قال: معاذ الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين حتى تستوجبوا أكل الميتة فدفع له عشرين دينارا، فقبلها منه وأمر بانكفاء القدر وعالج من العشرين دينار ما أكلوا وأطعموا ضيفهم.

أبو المنيب محمد بن يانس ومنهم أبو المنيب محمد بن يانس-رحمه الله- المجالد لنفسه المتصف بالمآثر في أهل جنسه ذو الدعوات المجابات، والخشوع والإنابة، وكرامات تضاهي المعجزات يخل بالدنيا، ويفرغ لأعمال الطاعات قد تقدم من وصف أحواله وما كان عليه من المجاهدة والقيام والصيام وخدمة أصحابه الذين وفدتهم نفوسة مددا للامام، ما يدلك أنه أهل لإجابة الدعاء، لا تسد دونه أبواب السماء، وهو ممن سمع العلم وسمع منه، وأخذه عن أهله وأخذ عنه، لدعائه المستجاب وكراماته التي هي العجب العجاب، وسنذكر من ذلك ما أمكن وأن أسره فقد أبى الله إلا أن يعلن، ذكر عن أبى زكرياء التكوتى أن محمدا بن يانس كانت له غنيمة لا راعي لها، فكان إذا أصبح وأراد أن يرسلها إلى المراعي يقول لها: أنهاك أن تضري أحدا وأنهى أن يضرك أحد، امضى في حفظ الله، قال فتسرح فتمر في أوساط الزرع فلا تضر شيئا، ولا تأكل غير الحشيش والمباح الذي لا حق فيه للناس، حتى تروح على ربها سالمة، لا يطمع فيها سارق ولا يضرها ذئب، ولا ضبع ولا سبع.

محمد بن يانس يتفرغ للحسبة قيل وكان دأبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يتفقد المزارع والجنات والطرقات محتسبا ثواب لله، فمتى وجد أحدا هم بإفساد شيء من ذلك، أو بإدخال ضر على أحد من المسلمين صرفه عن ذلك، وحال بينه وبينه، وكان لا تمسه غفلة عن هذا الشأن، ومع كثرة عبادته فقد جعل هذا من أوكدها، قيل فلما كان ذات يوم وجد ثلاثة أخوة وقد عزموا على ضرر قد قصدوا به غيرهم، وقد أخذوا في عمله، فنهاهم عن ذلك فقاموا إليه ونالوا منه وعاملوه أقبح معاملة، فسمعت قبيلته وأهل منزله بالذي ناله من القوم، وأرادوهم بضر، فنهاهم محمد عن ذلك وقال ما نالوا منى شيئا إلا وقد نلت منهم أكثر وأعظم، فسار أحد الاخوة الثلاثة فطلع إلى كبار رآها متعلقة بالجبل فوقع فلم يصل إلى الأرض إلا وقد تمزقته جروف الجبل، فلم يجمع لحمه الا بالإبرة فيما ذكر، ومضى الثاني إلى بئر يسقي منها، فسقط في البئر فوجدوا رأسه موشوقا كرأس بصلة بين الصخور، ودخل الثالث داره فبلاه الله بالانتفاخ فانتفخ حتى انشق بطنه، وكان ذلك في يومهم الذي كان فيه ما كان منهم إلى الشيخ، نعوذ بالله من العقوق.

كرامة يظهرها الشيخ لرفيقه

وذكر عنه أيضا أنه كان له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل فكان لا تفوته الصلاة في كل مسجد منها كل ليلة وهو شيخ كبير.

وذكر عنه رافق رجلين لا أدري إلى الحج أم إلى تاهرت، فلما كانوا ببعض الطريق قال أحدهما: أتتمنى الآن ماء عين كذا- يعني عينا ببلده - وقال الآخر: أتمنى هاهنا لبنا، فقال لهما محمد: إن كتمتما ما تريانه يحضر ما تمنيتماه، فحل فم سقاء فصب منه لبنا على الصفة التي تمناها صاحبه، ثم صب للآخر ماء لا يشكون أنه ماء العين المذكورة التي تمنى ماء من ماءها، وكلاهما من سقاء واحد لم يتقدم فيه غير ماء من مياه المكان الذي كانوا فيه وذلك بقدرة الله عز وجل وإكرامه وعرفه وخدمته.

قيل ودخلوا في توجههم هذا مدينة من المدن فمرت بهم امرأة في أيدي الشرط يغلونها، وهي تصيح: أغيثوني معاشر المسلمين فأغاثها محمد بن يانس، وسل سكينه ودافعهم حتى خلصها منهم، فحملوه إلى السلطان وقد هرب أصحابه، فقال: ما حملك على انتزاع المرأة من أيدي خدامي؟ قال: سمعتها تصيح بالله وبالمسلمين فلم أتمالك ولم أر في ديني أن أسلمها فأمعن النظر فيه طويلا، ثم قال: تركناها لله وإجلالا لحقك يا حاج، فرجع إلى أصحابه فوجدهم مستخفين، فقال لهم: ما حملكم على هذا؟ قالوا: خفنا من سوء عاقبة ما اجترأت عليه، فقال: إنما كان قيامي في الله وهو أعلم فليس بمضيعى ولا خاذلنى ولم اغضب لله قط إلا ونصرني ونجاني ثم تلا: ) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون( (الزمر:61)

وفي هذه الحكاية ما يدل على انهم إنما كانوا في طريق الحج والله أعلم.

يقتصر على القليل من الزاد أثناء تفرغه للعبادة

وذكر عنه أنه كان إذا مضى إلى غار يتعبد فيه يعد زادا قليلا فليبث في الغار المذكور المدة الطويلة التي يفنى في بعضها أضعاف ذلك الزاد، فكانت هذه حالته حتى ساء ظن امرأته وحسبت أنه قد تزوج غيرها، وأن التي تزوج هي التي تقوم بطعامه المدة التي يفنى فيها زاده فتوجهت امرأته إلى الغار، فدخلته في خفية على حين غفلة، وكمنت بحيث لا يشعر بها بعلها وراقبت إلى وقت افطاره، فلما صلى ما شاء الله كما كان يصلي قبل تلك الليلة تحول إلى شجرة رتم أم تمام فأخذ منها فافطر عليه، وأكل منه ما اقتات به، حتى اكتفى فلما وجدت الأمر على خلاف ما حسبت، وعاينت ما عاينت، قالت له: أو دأبك على هذا؟ فقال لها: كلي يا أمة الله فأكلت طعاما نهاية في الحلاوة، ثم حملت ما قدرت عليه من ذلك الطعام وأتت به إلى البلد، وأخبرت أهل البلد بما شاهدت وناولتهم وقالت لهم: كلوا فلما ذاقوه وجدوه مرا مضرا.

أبو خليل اليدركلي ومنهم أبو خليل من أهل ايدركل -رحمه الله- شيخ الجماعة النفوسية الأخيار وأول من أخذ عن الخمسة حملة العلم الأخيار، ومن أثبتت أخباره في مشهور الأخيار ورويت عنه السير والآثار، ذكر أبو الربيع أن أبا خليل -رحمه الله- يقول: والله ما أنتم إلا على الجادة، ولا تركتكم إلا على الواضحة المنيرة، وما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير ثلاثة لم أرهم وذلك لأنه أخذ عن ابن عباس وعن غيره من الصحابة رضى الله عنهم وروايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، .

شهادة المشائخ له عند احتضاره

وذكر شيوخ من أصحابنا أن أبا خليل لما حضرته الوفاة اجتمعت عليه الشيوخ فقال لهم: كيف حالي عندكم؟ فقالوا له: خير حال عبدت ربك العمر الطويل وتعلمت العلم وعلمته وعلمت السير والأخلاق، فقال لهم: أبهذا تشهدون لي عند الله؟ قالوا نعم، قال: اكتبوها هاهنا فكتبوها في رقعة، فقال لهم: إذا مت فاجعلوا الرقعة فيما يلي جسدي تحت الكفن فتوفي - رحمه الله - على مائة وعشرين سنة وعقله محفوظ، فلما جهزوه جعلوا الرقعة بين جسده وكفنه فلما أصلحوا القبر وألحدوه ورمسوه، وقفوا وخطوا عليه الحريم، فإذا كتابهم الذي فيه شهادتهم ملقى فوق تراب القبر، فرفعوه فإذا فيه غير خطهم الذي كتبوه فقرأوه فوجدوا فيه: هو عندنا كما هو عندكم.

يقتل الجاني خوفا على أولاده أن يكونوا جناة وذكر أبو الربيع أن ولدا لأبي خليل قتل وترك يتامى فأخذ الشيوخ قاتله، فقادوه لأبي خليل، ثم سألوه أن يعفو عنه فقال لهم: دعوني الليلة أدبر رأيي فمضوا وتركوه عنده، فأمر بالجاني فأضجع وذبح فلما أصبح غدوا إليه فوجدوا القتيل مذبوحا، فاستعظموا ذلك وأنبوه عليه، فكان مما خاطبوه به أن قالوا: اجتمعت في قصتك هذه ثلاثة أشياء: ائتمناك عليه، وسألناك العفو، واستعنت عليه بغيرك! فقال لهم: أما قولكم أمانة فمحال وإلا فما تقولون في رجل أتى إلى رجل بمال، فقال: هذا ملك أمانة عندك هل يأكله أم لا ؟ وأما سؤالكم العفو وهو خير فصحيح، ولكني خفت على أولادي أن يكونوا جناة بأن يقتلوا غير القاتل أو يقتلوه، وليس ذلك لهم، وأما قولكم استعنت عليه بغيري، فما تقولون في شأن الضحية هل على من استعان عليها بغيره من جناح.

قلت لعل اليتامى الذي خلف ابنه إناثا لا ذكر معهن، ولو كان معهن ذكر لكان أولى بالدم من أب المقتول، ولا يصح غير هذا، إذ لا ينسب إلى أبي خليل هذه السقطة على جلالته وصلاح حالته، ومكانه في العلم والدين أن يتعمد قتل من لا سبيل له عليه.

يحث أولاده على ملازمه مجلس العلم والبحث عنه

وروي أن أبا خليل كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى، فان رجلا قد سار من الجبل إلى فزان والي غدامس، وإلى الساحل، رغبة في الحلقة وفيما يستفيده، فلقيه في الطريق قطاع، فدافع عن نفسه حتى جرح سبعة عشر جرحا فظنوا أنه قد مات فتركوه فوجد في نفسه النهوض فنهض، ودخل موضعا يقال له وعمان، ومكث فيه أربعين ليلة بلا طعام ولا شراب غير أنه يرى في نومه من يطعمه ويسقيه، وخرج من الموضع وهو أصح شيء، وكأنه لم يصبه ألم وذلك بفضل الله وحسن نية الرجل وجميل قصده.

أبان بن وسيم ومنهم أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي -رحمه الله- طود العلم الشامخ، وحصن الورع الباذخ، ودع أهل الدنيا بعد حين، ورجع إلى الله فهو في حلبة المفلحين، وأحيى السنة من البلى وذلك ببركة الصالحين، وكان ذا سعة في المال والعلم وممن وسع أهل زمانه ما لديه من المعروف والحلم، فكان أمضى من الحسام متى أفتى، جامعا من المحامد لمعان شتى، وقد أوتي من كرامات الأولياء ما أوتي أمثاله، لم تزل ملازمة الصلاح أحواله، مصدقة أقواله أفعاله.

كان الشيخ يجل ويحترم من يتعلم العلم لله كان أبان ممن قرأ على أبي خليل وكان معه طالب آخر يعرف بابن مؤنسة، يقرآن جميعا على أبي خليل، فكان أبان متى دخل على الشيخ فوجده مضطجعا أو متكئا أو مسغشيا ثيابه انحفز واستوفز"1" وجلس ومستويا، فأخرج رأسه من ثيابه احتفالا به، واهتبالا لشأنه، وإذا دخل عليه ابن مؤنسة فوجده على أي حال كان، بقي عليه لم يتحرك، ولم يتحول استخفافا به، فكانوا على هذه الحالة الموصوفة مع كل واحد منهما، حتى قال حفيد الشيخ أو ابن أخت له: هل علمت ياشيخ أن قد تكلم فيما تقابل به كل واحد من تلاميذك؟ قال له الشيخ بالبربرية " يا مبتلى" أفطنت لهذا يا بني أن أبانا يتعلم العلم لله، وابن مؤنسة إنما يتعلم العلم ليؤذي به، ويؤذى، فكانا كما تفرس فيهما الشيخ - -رحمه الله- - وذكر أن أبانا تزوج امرأة فلما انعقد عليها نكاحها زارها في بيتها، ورام ارخاء الستر عليها هنالك، فلما وصل بيتها استأذن عليها، ففتحت الباب فقالت: من هذا؟ فقال: أنا ابان قد زوجنيك وليك، فأغلقت الباب في وجهه، وقالت: إنك وإن كنت أمينا لمحتاج إلى أمناء، قلت: ولعمرك إن هذه لمن زلات العلماء، وإن المرأة لأولى بالصواب منه لوجوه كثيرة ولم نذكر هذه الحكاية لتطلع منها( على) عورة الشيخ، بل لتعلم إنها نظرت بمرآته واستضاءت بنوره، وشملتها بركته، وكان الأولى أن يعلمها بذلك وليها، وشهود عقد النكاح، وحينئذ يحاول في أهه ما شاء، ولئن فعل فإنه لم يأت أثما ولا حاب حوبا.

أبان سهل للناس في ثلاث مسائل شددوا فيها ومما شكره عليه الشيوخ بجبل نفوسة أنه رخص للناس في ثلاث مسائل: أفتى فيها وشهد له كلهم بالصواب، الأولى: أن النساء قد كن في رمضان متى كن في انتظار أيام الحيض إذا أقبل الليل يوقدن النار الليل كله خشية أن يفاجئهن الأمر ولا علم عندهن، فكان ذلك أشد شيء عليهن تعبا ونصبا، فقال لهن أبان: أيما امرأة منكن أحست شيئا من ذلك فلتجعل علما فكل ما رأت على علمها بعد الصبح فاستدلت به، حكمت بذلك ويجزيها، الثانية: أن نساءهن المرضعات كن يرين أن وضوءهن منتقض بأفواه أولادهن فمتى أرضعن أعدن الوضوء في كل وقت صلاة لأجل أفواه الرضع، فقال لهن: أيما امرأة حفظت فم ولدها ومسحته فأرضعت وهي متوضئة فلا ينتقض وضوؤها، الثالثة: أنهن إذا عملن غزلا قد صبغها اليهودي، فمسته رأين أن وضوءهن قد انتقض لمسه، لأن اليهودي نجس، فقال لهن: أيما امرأة مست صباغ اليهودي فليس عليها إلا غسل يديها، وليس عليها إعادة وضوء.

مكانة أخيه تحفزه على التعلم والاجتهاد رغم الكبر ذكر غير واحد أن بدأ أمر أبان بن وسيم ورجوعه إلى الله وتركه ما كان فيه من الخوض في غمرات الدنيا، أنه كان هو وأخ له اسمه سعيد يكنى أبا محمد مريضين، وكان أخوه أسن منه، وكان متقدم التوبة فاضطجعا في غار واحد، وكان مضطجع أبي محمد داخل الغار، وأبان مما يلي باب الغار، وكان الشيوخ والعواد يدخلون ليعادة أبي محمد فيدخلون، ويتجاوزون أبان، وينتهون إلى سعيد فيجلسون إليه، ويؤنسونه، ويحفون به ويختلفون إليه ويسألونه عن حاله، وعما يشتهي، فإذا كان عند انصرافهم دعوا الله أن يشفيه، ثم يتجاوزون على أبان لا يختلفون وغايتهم أن يقولوا كيف حالك يا أبان؟ يا ضعيف؟ وربما دعوا له بالشفاء، فكان ذلك لما أراد الله به من الخير والصلاح زجرا له عما كان عليه، وردعا، فإذا سألوه هذا السؤال قال: فإن فرج الله على أبان سيريكم ما يصنع وتقفون على خبره، إن شاء الله، وفرج الله عليه فوفى بما اعتقد، وتاب ورجع إلى الله تعالى، فكان في حلقة أبي خليل مواظبا للدراسة، عاكفا على القراءة، والمطالعة، حتى بلغ الغاية بالعلم والورع والاجتهاد في العبادة.

لكن زمان نذير وأنت نذير زمانك

فبلغنا أن شيخه أبا خليل قال له يوما وقد أعجبه ما هو عليه واستسر بما انتهى إليه: اعلم أن لكل زمان نذيرا، وأنت نذير زمانك، يا أبان افت الناس بما لا بأس به من الرخص يكون ذلك لهم عذرا، عند مولاهم، فسأله رجل: عمن أكل يوما يحسب أنه أكل ليلا وهو صائم فإذا هو أكل بعد الصبح فتجهم له وأغلظ عليه، وشدد حتى بدا في لسانه تلجلج والتواء، وقال: يحمل أحدكم الشره والنهم حتى يأكل صباحا، ثم يطلب المخلص ثم أفتى له بأن صومه لا ينهدم، وأمره أن يقضي يوما مكانه.

تحفظ من المطر لطاعتها لزوجها وذكر أن ابنة لأبان جاءته زائرة فصب مطر غزير يمنع من التصرف، فقال لها: بيتي الليلة عندنا، فقالت: لم يأذن لي في المبيت، إنما أذن لي في الزيارة فقط، تعنى بعلها، قال: فتمادى المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ أن الذي قالته هو الواجب، وأن امتناعها من أجابته هو الصواب، فقال لها: إذا فسيري في حفظ الله وستره، فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد فأدركته والمطر يضرب ولم تقطر قطرة مطر، ولا وقعت على ثيابها، فمرت بناس في سباط المنزل قد حبسهم المطر، وجمعهم هناك، فلما رأوها وكيف حفظها الله عز وجل بدعوة والدها، جعلوا يتعجبون ويذكرون الله عز وجل ولطفه بعبادة الصالحين.

كيف كان الناس وكيف أصبحوا

ومما حفظ من كلامه في ذم الزمان وأهله، أنه قال: " قد أدركنا الناس الذين هم الناس محادثتهم ذكر الله تعالى، وزيارتهم في الله تعالى، ومعانقتهم في الله تعالى، ومحبتهم في الله تعالى، وبقينا حتى أدركنا ناسا محادثتهم ذكر الدنيا، وزيارتهم لتقاضي الحوائج ومعانقتهم نطاح"2" ومن كراماته أن ذئبا أذاه في بستانه فدعا عليه، فوجده من الغد منتفخا، وذكر أن أبانا قال يوما لأبي عبيدة عبد الحميد: علينا ولاية الأشخاص فأبى له أبو عبيدة، فلما رآه أبان كذلك دخل بيته وأخذ سلاحه وخرج، وقال له: لتعتقدن هذا وتدين به، قال: فلما رأى أبو عبيدة صر يمته وعزيمته، قال: من أين أخذتها يا أخي؟ قال: أخذتها من الذي أوجب علينا طاعتك يعني الإمام عبد الوهاب، فقبل أبو عبيدة الحق وتبين له.

----------------------------

1- جلس مستويا متهيئا للقيام

2- يعني أنهم يتعانقون بأبدانهم ومشاربهم وأفكارهم مختلفة فعناقهم كأنه نطاح لا لمحبة وأخوة.

أبو مهاصر موسى بن جعفر ومنهم أبو مهاصر موسى بن جعفر- -رحمه الله- - شيخ النسك والتبتل، والمكرم بالدعاء المستجاب، المتقبل، رفض شهوات النفس وباعدها، فبان بأسنى المنازل، واستوجب الرقي في درجات الرقي في درجات الأفاضل، ازدرى أهل الدنيا وهم يرون أن قد أزدروه، وباع حظه منها حين بذلوا فيها نفائسهم واشتروه، وتحقق أن من اشترى الدنيا غبن، وجاء عليه الدرك فمن عرف ما تلاك هان عليه ما ترك، وما هو في تحصيل العلوم بذي تقصير، ولا باعه فيها بتقصر، إلا أن النسك أغلب عليه، والمجاهدة أقوى يقينه.

يذم البادية لأنه لا يتمكن فيها من الطهارة حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو وعمروس بن فتح - رحمهما الله - فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك حتى قال ذاما لهذه الحال: قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت: سلامة الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لإتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل، فقال فيهم: ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا )(مريم: من الآية59) فرد عليه عمروس بأن قال له: ليس في ذلك ما تخافه فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي المجاهل من الأرض، وقال: (وابتغوا من فضل الله ) (الجمعة: من الآية10) وقال: (عابري سبيل ) (النساء: من الآية43) وقال: (فلم تجدوا ماء ) (النساء: من الآية43) فلن يقنع ذلك جميعا أبا مهاصر بل ارتحل راجعا إلى منزله، قيل وأنه استصحب معه من الزبد وغيره ما يتحف به أهل منزله، فلما وصل جعل يهدي إلى كل دار من ديار قريته ما أمكن، حتى لم يبق بقريته أحد إلا وقد قات من ذلك قدر له، حتى يهودي ضعيف كان معهم ساكنا، فأناله من ذلك، وقال اليهودي: وأنا أيضا لم ينسني اللهم لا تنسه من رحمتك برحمتك، فقال عند ذلك: وهذا ما أردته منك يا يهودي يعنى الدعاء، قلت: ولعله أراد ما يعطفه ويلين، فيدخل الإسلام، وإلا فمثل أبي مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله )(المجادلة: من الآية22) قيل وجمع أبو مهاصر من الصبيان فأعطاهم حتى هرة كانت معهم، وقد قيل جروة فدعا له الصبيان ربهم، ولقد شوهدت الهرة عند اختلافهم وهم في الدعاء شائلة يدها معهم كهيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه، فقال من شاهد ما شاهد: أن الله خلق الرأفة والرحمة وأسكنها قلوب المؤمنين، وخلق القسوة والجفوة وأسكنها قلوب الكافرين، وجواب أبي مهاصر قد حكي مثله عن أبي مسعود رضى الله عنه.

لم تضحكون ممن أتاني وقد أقامت عليكم الحجة؟

وحدث الشيخ أبو نوح عن غير واحد أن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع مرات، وعادته إذا خرج متوجها إلى الحج، سار حتى إذا وصل مصلى له كان يتعود الركوع فيه، فيقف هناك يدعو الله، فتنهق الأتان هناك نهقة، فنهيقها يعرفه أهل قريته بانفصاله، ثم لا تنهق حتى يعود، فإذا عاد ووقف بذلك المصلى يصلي، فيدعو فتنهق أيضا، فيعرف أهل قريته أنه قد رجع فيضحك عوامهم وجهالهم، ويقولون: أتسمعون أتانه نهقت؟ فيقول لهم أبو مهاصر: لم تضحكون عليها وقد أقامت عليكم الحجة، وانقطع عذركم في استطاعة السبيل؟ وذكر أن أبا مهاصر خرج ذات مرة في بعض شؤونه فمر بغزاله ترضع طلاها فلما رأته ذعرت، وفرت، وعزلت طلاها، فقال لها أنا أبو مهاصر، ارجعي إلى ولدك، فرجعت، وذكر أنه سمع نقنقة ضفدعة فنزل إليها فوجد علقة متعلقة بعينها فنزعها وقال: آذتك يا ضعيفة ؟ فأومت برأسها: أي نعم.

أبو عثمان المزاتي

ومنهم أبو عثمان المزاتي الدكمي -رحمه الله- ذو الإيثار والسخاء وكرامات الأولياء، المفزع إليه لاستجابة الدعاء، المقصود في الشدة والرخاء، سلك في النسك والزهد أنهج المسالك وتحرى جهده فيما يبعده عن المهالك، وأما العلم فليس هو هنالك، وأبو عثمان هذا ممن سكن بجبل نفوسة، وليس الجبل قديما له بدار لكنه نزله فاستقر خير استقرار، ووسعه ما وسعه في الإسار والإعسار، ولمصيره كأحدهم غلب على أسمه ما غلب على ذلك اللسان، فكان أسمه مشهورا باللغة النفوسية فإذا ذكروه قالوا( باثمان).

باثمان يتعظ بالحيوان الذي يسعى ولا يدخر فمن كرامته ما ذكر أن مجاعة وقعت بجبل نفوسة فكان عند باثمان غرفة موسوقة شعيرا، فخرج يوما يستقي فلم يجد على البر أحدا يستعين به، فنظر فإذا ذئب فقال له: باثمان بلسان البربرية كلاما ترجمته بالعربية، لم نجد اليوم على الماء سواك فهلم فامسك لي فم السقاء يا آفة الغنم، فأنطق الله الذئب فأجابه باللسان أيضا بما ترجمته أنا ساع في تحصيل معيشتي، إذ لست مثلك يا باثمان، تدخر الشعير الحولي، فذكر أن الذئب أقبل حتى أدخل رأسه بين علاقة السقاء، وأمسك بفمه فم السقاء، فملأ بأثمان سقاءه، وسار الذئب وانقلب باثمان إلى البلد، فألهم أن ذلك تنبيه من الله عز وجل، وعناية به، فعمد إلى الغرفة فتصدق بجميع ما فيها.

باثمان يدعو الله فيستجيب له

وذكر أن الجبل أقحط سنة من السنين، ولباثمان بستان فجفت أغصانه وتساقطت أوراقه، فقالت امرأة باثمان لابن له: سر إلى أبيك فقل له يدعو الله أن يسقي بستاننا فقد هلك، وسار الصبي حتى قدم على أبيه فلما رآه قال: أبعثتك أمك لاستقي لكم البستان؟ من غير أن يعلمه الصبي بشيء، فقال له: نعم، فدعا باثمان ربه فأرسل الله سحابه فحامت على بستان الشيخ فسقته، حتى فاضت جسوره وسكوره"1" ، فأصبح مهتزا، مخضرا، ولم تجاوز السحابة بستان الشيخ، فاجتاز به شخص كثير الإصابة بالعين، فنظر إلى اخضراره، فقال عجبا لهذا البستان كأنه في النيل ولم يلبث أن جف وذبلت أشجاره، فبلغ الشيخ ذلك فدعا على العائن بان يميته الله فريدا بلا وصية، قيل فخرج من منزله فغدا إلى الحصادين فوجد في طريقه ميتا، فريدا، وقد كتب وصيته فنسفتها الريح، وقيل بل دخل في سرب يحفر طفلا، فانهدم عليه، ومات . وعلى كلا الخبرين قد علم ذلك من نفسه متقدما فلم يغض طرفه، ولم يكف لسانه، وإلا فأي ذنب على من نظر مستحسنا خلق الله، أو تكلم متعجبا من صنع الله.

نساء يتمنين التفاني في خدمه الغير رجاء ما عند الله وذكر الشيوخ أن ثلاث نسوه صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة، وتحدثن فأمضى بهن التحدث إلى الأماني حتى قالت أحدا هن: أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه، من أمور دينهم فيرحمني الله بما أعلمهم من فضل العلم والتعليم، وقالت الثانية أتمنى أن لوآوى إلي نفر من المسلمين في ليلة ذات مطر وبرد وقد بللهم المطر، وتمكن منهم البرد والجوع، فانهض فأعالج لهم ما يذهب عنهم البرد والجوع، فيرحمني الله بهم، لفضل الصدقة وحرمة الصالحين. وقالت الثالثة أتمنى لو تزوجني رجل ذو غلظة وفضاضة فيحملني ما يعجز عنه مثلي، ويكلفني من خدمة فوق طاقتي، ويؤذني بأنواع من سوء العشرة، فاصبر على ذلك واطيعه، فأنال بذلك خيرا فيرحمني الله لفضل حسن التبعل، والصبر على الأذى قيل، فقضى الله عز وجل أمنية كل واحدة منهن.

منزو بنت باثمان وأمنيتها المتعبة وكانت المتمنية البعل السوء العشرة، منزو بنت باثمان فأنكح باثمان بنته رجل من قومه مزاتيا، فلما تزوجها ركب على جمل له ومضى، حتى مر بنساء على ماء فقال: إن كانت منزو فيكن فأنى لا آذن لها في المقام بعدي، وكانت فيهن فقامت فأخذت ردائها فارتدت وسارت في اثر بعلها حافيه، راجلة، فمشت حتى وجيت"2" ، فصارت إذا رفعت قدما إذ الدم في موضع القدم، إلى أن ينزلا فإذا نزلا قامت وابتدرته بردائها فوسدته، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتا بنبذة عن الناس، فكن يسيء إليها وتحسن، ثم تزوج عليها امرأة فكان ما تلقاه ابنة الشيخ من سوء العشرة في زيادة، وكان الذي يبدو منها من الإحسان والصبر في زيادة، فلما كان ذات يوم إذا قافلة لأهل جادوا قد مرت بها، فتكلمت بكلام له وزن في غناء البربر، وترجمته( ألا أحد يزورني في الله فيذهب غم النفوس، ويزيل الوحشة؟) فوقع كلامها في مسامع بعض أهل القافلة فحدوا بها جمالهم، حتى وصلوا جادوا، وتذاكروا كلامها، ففطن بذلك أبو زكرياء يحيى ابن يونس السدراتى، فعلم أنه كلام بنت الشيخ فمشوا في جماعة من المشائخ يندبهم إلى زيارتها، حتى تيسر له مراده من ذلك، فخرج إليها المشائخ، ومعهم باثمان، حتى وصلوا إليها فوجدوها منفصلة في قميص تصلح خيمتها، خارجا من الخيمة فقال لها أبو زكرياء: إني لأختار أن أجد جنازتك خارجا ولا أراك على هذا الحال واستتابها، فتابت مما كان منها، ومكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف، فرغبت إليهم في إقامة ثلاثة أيام أخرى، ففعلوا فلما مضت ست ليال، وأرادوا الانفصال واجتمعوا لوداعها قالت لأبي زكرياء:: انصب لي هاهنا قدمك لأذكركم بها، وتذهب عني الوحشة، ففعل، فأكفأت عليها قدحا، فقالت له: أزلت عني الوحشة وعلمتني العلم يا سدراتى، لا عطشت يوم المرورات، فقال لها: لا تقولي يوم المرورات بل قولي يوم الشدائد، لان المرورات المفاوز في الدنيا، - والشدائد - ما يكون في الآخرة، ثم قال باثمان: يا بنتي سبق القضاء بان أنكحتك من لا أحبه ولا تحبينه، فعاملك بما أرى فلا تجزعي، ولكن اصبري فإني أرجو الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا ويموت من يموت، ويفرج الله عليك، وينقطع عنك النصب، وهذا القول بكلام بربري موزون أيضا، قال فودعوها ومضوا، قيل: فلما كان العاشر من يوم وداعها أورد بعلها ابله على بئر لهم، فجعلوا يمتحون ويسقون حتى انقطع الرشاء وسقط الدلو في البئر، فهم أحد عبيده بالنزول إلى الدلو، فأبى إلا أن يكون هو الذي ينزل، وذلك لما سبق في علم الله، فنزل وشدها، ثم قال لهم: ارفعوني فرفعوه إلى أن حادى بحفير في البئر، فإذا حنش عظيم قد رصد له، فقال أيضا: أنزلوني فأنزلوه فلم يزل حاله: أنزلوني، ارفعوني حتى أيقن بالهلاك وقال لهم: ارفعوني فلما قابل مكان الحنش أخذه وجذبه إلى غاره، فما سمعوا إلا تضعضع عظامه، وكفى الله المؤمنين القتال.

وقد ذكر الشيخ أبو نوح: أنه حين جلبها يسيران نهارهما، فإذا نزلا قامت من حينها فعالجت العشاء بنفسها وأصلحت جميع شؤونها، ثم قامت إلى التهجد فلا تزال راكعة ساجدة إلى طلوع الفجر فتصلي الصبح فكان هذا دأبها إلى أن وصلت منزل بعلها.

سوء تصرف العجائز وذكر المشائخ أن بأثمان صحب أبا مهاصر موسى بن جعفر، يريدان التوجه إلى الحج وأبو مهاصر يتوهم أنه خرج معه مودعا له، حتى وصلا مصلى أبي مهاصر فوقفت به أتانه، فدعا الله، فقال له: ابق في حفظ الله يا بأثمان فقال له باثمان: أو تقول ذلك يا موسى بن جعفر؟ أو ترى أني أقيم بعدك؟ لعلنا نرعى الإبل والغنم فقال أبو مهاصر: فإذا عزمت فتوكل على الله، فاصطحبا ومؤونة باثمان على أبي مهاصر، حتى قال له رجل ممن سار معهما إلى الحج، اترك باثمان إلي لأقوم به، ففعلوا، ومضوا وباثمان يمونه الرجل المتكلف بمؤو نته. حتى وصلوا أرض الحجاز، فقالت عجوز للمكتلف بباثمان: دع هذا، فإلى متى تحمله؟ فأخذ بقولها، وخلى باثمان، فعاد إلى أبي مهاصر، كما كان أولا فبقيت في نفس باثمان مضاضة من كلام العجوز، فتكلم بما معناه: وصلنا أرض الحجاز وموضع كرب النفوس، فذهبت المرأة وثبت الدين لمن كان عليها فياسيل إياك، إياك الرجال، ودونك العجائز - لا تدع منهن من يعبر أو كما قال، قيل فأرسل الله سيلا فهلك فيه ثلاثمائة عجوز، ولم يضر أحدا من الرجال، قيل، وقد حفظ من كلام عمر- رضى الله عنه- في العجائز ما ينبغي معه الحذر منهن، روي عنه أنه قال: لأن أجد في بيتي سبعين سارقا، أحب إلي من أن أجد فيها عجوزا واحدة، وإن كان هذا من غير هذا المعنى.

روي أن باثمان زارته ابنته " تكفا" فلما أرادت الرجوع صحبها أبوها ليبلغها إلى منزل بعلها، وقد قيل أن ذلك إنما كان في وقت اهدائها لبعلها، فأصابها مطر وكانت على أتان، فقالت: يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، وأنت تعلم حال العروس، واحتياجها إلى الثياب الجديدة، وما ينبغي لمثلها من النظافة والنقاء، فما الحيلة؟ قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها، ولم يبتل شيء من ثيابها، وابتل باثمان وأتانه وما ركبت عليه، قلت: وما ذلك على الله بعزيز.

-------------------

2- وجيت / رقت قدمها وآذاها المشي حافيه.

مهدى النفوسي

ومنهم مهدى النفوسي -رحمه الله- قوم الجدال. ومدرة النضال. المقدم في علم البرهان والاستدلال، المحتج على إمكان الممكن، واستحالة المحال، وعلى الفرق بين الحلال والحرام، ولنعم الدرع إذا دعيت نزال، الرادع لقيام أهل البدع والضلال قد مضى من ذكر أنبائه في وفوده على الإمام، وما كان من ادحاضه حجج الملحدين، في ذلك المقام، ما هو مشهور في الآفاق، ومغن عن زيادة اعلام.

وذكر مشائخ أن مهديا هو أحد من صد مكائد نفاث، وقمع أن يشيع في نواحيه تلك الأحداث حتى ضرب بعضهم الأمثال، فيما شوهد من تلك الأحوال، واستحسنت أحوالهم وسارت مسير الشمس وإن كان في وضعها وألفاظها بعض السير فإنا اعتذرنا عنها، إنما وضعها واضعها باللسان البربري ليتناقلها البربر، فكالهم بصاعهم لم يطغف ولم يبخس ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب ولا أغرب بحيث يتوهمونه، ذكروا عن أبي مهاصر بن جعفر - رحمه الله- وكان شديد الغضب في والله إن كان في العلم ليس بمنتهاه، أنه ضرب مثلا في نفسه في نفاث، وقال تنبح جروة أبي مهاصر لئلا يأكل الذئب الغنم، وقد كاد يأكلها حتى أتت سلائق " ويغو" فهرب الذئب وأمنت الغنم يعني الجروة نفسه لضعفه في العلم، ويعني بالذئب نفاث بن نصر، ويعني بالغنم نفوسة، ويعني السلائق مهديا وعمروسا، وهما من منزل يقال له: ويغو، يعني بأكل الذئب الغنم استحواذ نفاث على أهل الجبل، واستفزازه إياهم بأن يدعوهم إلى ما أحدث من التبديل، واعتقد من الأضاليل فصادف الفحلين فجعل الله بهما كيده في تضليل وأرسل الله من بيانهما طيرا ترميه بحجارة من سجيل.

أبو مسور يصنيتن ومنهم أبو مسور يصنيتن النفوسي - رحمه الله-، أحد الشيوخ المجتهدين في أفعال البر، المخلصين في العلانية والسر، أكل الدهر عليه وشرب، وعمرت معاني قلبه وإن كان بنيان جسمه قد خرب، أفنى العمائم الثلاث، وليس بغير محاسبة نفسه اكتراث، ولئن كان دون غيره في درجة العلم، فقد فاق في الورع والحلم.

الشيخ عمر حتى صار غريبا في غير جيله

كان مما حفظ من أقواله: إذا وقعت الفتن أمسكنا أيدينا، وأموالنا، وألسنتنا، وعيوننا، وأرجلنا، ووكلنا أمر قلوبنا إلى الله عز وجل وفوضنا أمرنا إليه، قيل وكان هذا الشيخ قد عمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم، وكان يقول: عشت حتى لم أجد في الأيام ما أريده، ولا في نفسي، ولا في الإخوان، ولا في الأولاد، ولا في القبيلة، فأدعو الله أن يريحني مما أنا فيه، وقال: الشيخ أبو نوح لم يقل هكذا، وإنما كان في زمان الإمام عبد الوهاب - رحمه الله- وعاش بعده زمانا فلعله لما ضعف جسمه وقل ما بيده وقصر عما كان يبدي من الصلات وفقد ما أدرك في ريعان الشباب، من مرضي الحالات، لامه أولئك الأقارب ووخزوه بشبات ألسنه كأذناب العقارب، وأنكروا ما عرفوا من معرفته وعرفانه لما عدموا مع العدم ما كانوا وجدوه حين الجدة من إحسانه وتغير الزمان بتقلب الحدثان، وكتم ما أصابه احتسابا، واعتقد أن يدخر بكتمانه ثوابا، فغايته أن قال: لم أجد من نفسي ما أحب، ولما سمع المشائخ هذا الاعتذار استحسنوه، وحفظوه عنه، وأتقنوه، وتحققوا صوابه، وأيقنوه، لأن الشيخ في غير جيله غريب، مخطيء ولو أنه مصيب، وكذلك أنا لما استحسنتها واستصوبتها أعطيتها حقها من الترتيب وهذبتها.

إبنة الشيخ وآراؤها المصيبة وذكر أن ابنة له سألته عن مسألة من مسائل الحيض ووصفت له إمارات من ذلك، ثم قالت له: أتراني أن أصلى بهذا أو لا؟ فقال لها: ألا تستحي منى يا ابنتي؟ فقالت: أخشى أن استحيت في أمور ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة، فاستيقظ الشيخ فقال: لا يمقتك الله يوم القيامة يا ابنتي، قيل وكانت ابنته هذه عظيمة القدر في أهل زمانها، وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة، فمما روي عنها مع ابيها أيضا أنها جلست معه ذات يوم، حتى قال المسلمون أفضل من أقوالهم، فقالت هي: أقوالهم أفضل، لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم ينتفع بها بعدهم، إلا إن كنت تريد فضل الأجسام على الأعراض، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات، قيل وجلسا يوما يتحدثان وقد غسلا ثيابهما ونشراها للشمس، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب، فقال: تمنيت أن الله عز وجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب، فقالت: تمنيت أن يكون بيدي تطهير قلبي فاطهره كهذه الثياب، وأرسله إلى مولاه، فقال لها: انك لأبلغ مني حتى في الأماني.

أبو محمد عبدالله بن الخير

ومنهم أبو محمد عبدالله بن الخير - رحمه الله- شيخ التقى والإخلاص، والمتحري مسالك الخلاص، المعمر في الطاعة، الذي لم يخل من العبادة يوما ولا ساعة، وكان عالما كبيرا، فاضلا أثيرا، كانت الأمثال تضرب به فمنها أنهم كانوا يقولون: من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبدالله بن الخير.

الطهارة تغلب النجاسة مهما وجدت لها وجها ذكر أنه ذات مرة أصابه سعال فأمر أن يتداوى باصطباحه حليب ناقة، وكانت عند أفلح بن العباس ناقة فكان يجيئه كل صباح بحلبها، فجاء يوما فرأى زيتا يسيل على ساق زيتونه، فقال: ما هذا؟ فقال: حضر غدائي فقدم ملثوثا بزيت في إناء مشغوب مرئب بالحديد، فأصابت يدي حديدة فرفعت يدي فإذا دم فاكفأت الإناء بما فيه على الزيتونة، فقال له: أخطأت ولعل دمك لم يسل إلا بعد أن رفعت يدك، لان العلماء يقولون إذا النجس يتوجه من تسعة وتسعين وجها، والطهارة من وجه واحد، غلبت الطهارة، فما جعل الله علينا في الدين من حرج، وكان إماما لمسجد موضعه وكان ثقيل السمع فجعل يجهر في صلاة السر، حتى يسمع من خلفه قراءته وقال له يحيى بن يونس: ما يسعنا في الصلاة خلفك وأنت لم تكلف إلا ما تسمع؟ فقال: لم أكلف سماعك يا ابن يونس، وتمادى على ذلك فلما أسن وضعف صار يجلس جلوس قومنا، فقال له: ما حال صلاتنا خلفك وأنت لم تكلف إلا طاقتك؟ فلما سمع ذلك منه تأخر فلم يؤم بعدها -رحمه الله- .

أبو زكرياء يحيى بن يونس

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس-رحمه الله- كان من أهل الورع والزهد، وممن أخذ نفسه بالمعهود والجهد ساعيا في الصلاح، داعيا إلى طرق الفلاح، هاديا إلى الرشاد، مغيرا للفساد، متحيز القطريات أين تصوب ليس لمناهل بره غور ولا نضوب.

صلاة الشيخ وتبتله ليلا

ذكر أن أبا زكرياء كان من عادته إذا صلى صلاة المغرب وصل بينهما وبين صلاة العشاء بالركوع والسجود حتى يصلي العشاء ثم ينفل ما اعتاد التنفل به، ثم يوتر ثم يحتاط لجميع الصلوات، فكان هذا دأبه -رحمه الله- وقد ذكر مثل هذا عن أبي زكرياء بن أبي مسور اليراسني - رحمه الله-.

الشحيح محروم من خير الدنيا والآخرة وذكر أن يحيى بن يونس زار عجوز ا تدعى أم زكار، وكانت صالحة مجتهدة، فوجدها هالكة جوعا ليس فيها إلا رمقا، وذلك في سنة مجاعة وبؤس، فسمع من قولها: أشتهي لبنا، قيل فمضى أبو زكرياء إلى شيخ يقال له باكبت، فاستدعى منه لبنا واعلمه بمحتاج أم زكار إليه وشهوتها فيه، وكان باكبت المذكور رجلا مكثرا، ممسكا، بخيلا، فقال: والله لا نبيض لها به مصرانا، وعنده إذ ذاك وضبان عظيمان مملوءان لبنا. لا يمخضها إلا أمتان تمسك كل واحده منهما بعروة من عرى الوضب لعظمهما، فلما أيس أبو زكرياء من خير باكبت رجع وعالج للعجوز حيسا وجاءها به وقد وجدها قد اختلفت أسنانها من الجوع، وجعل يحتال في تحصيل الحساء في فيها بعود شيئا فشيئا حتى عادت نفسها وقوي رمقها، فقالت: من هذا الذي أنقذ عظامى من الجوع؟ أنقذ الله عظامه من النار فاستوت جالسة ثم ابتدرت الانتقال لصلاتها وطاعة الله ربها، فأنت ترى ما نسب إلى أبي زكرياء في هذه الحكاية من الفضائل فإنها اشتملت على فصول من الصفات المحمودة، ذلك لتعلم أن الرجل ونظراءه إنما كان همهم أمر آخرتهم، لا يعوقهم عنه عائق ولا يطرقهم من الاغترار بزهرة الحياة الدنيا طارق.

الطبقة السادسة 250-300ه : 1- الإمامان محمد بن أفلح وابنه وهم الذين تجرعوا أفاوق الغصص رغما، وتبدلوا بعد راحة الأنفس غما، وصاروا بعد صفو العيش إلى كدره، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، فانهم أدركوا عصر الظهور وهو أحسن الأعصار، وبدلوا به وسلبوه ذلا في آخر الأعصار، وفيهم من قبض وشمس الإمامة عند الطفل، وبعضهم لم يأفل إلا وبدرها قد أفل، كانوا في ظل عدل الإمامة، فصاروا يغتبطون لساعة يجدون فيها السلامة، ومع ذلك فلم يضرهم ما هم فيه، على الاجتهاد في سخط ما أسخط الرب، وبذل الاجتهاد فيما يرضيه، فمنهم الإمامان محمد ويوسف رضي الله عنهما -ما- وقد نبهت على أن مناقبهما جمة خطيرة، وقد تقدم ذلك، مع ذكر أسلافهما عند التاريخ والسيرة، وهاهنا ندبت تعيين إيراد ما في فضائل أفلح ومحمد وعبد الوهاب، فإنها على إنفرادهما في أصل الكتاب.

الإمامان محمد بن أفلح وابنه:

الأئمة الثلاثة يجمعون بين العلم والصلاح

ذكر أن محمدا - رضي الله عنه - لم يأل الإمامة إلا بعد أن ألف تأليفا مشتملا عل أربعين جزاء في الاستطاعة، وأن أباه - رضى الله - عنه لم يلها حسب ما تقدم إلا وقد جلس لثلاث حلق في ثلاثة أنواع من العلم، وقام في الإمامة تسعة وأربعين سنة، وما أعاد خطبة قط، وأنه قد كان أراد السفر إلى " جوجو" فسأله أبوه - رضى الله عنه - عن مسائل الربا، فتوقف في مسألة واحدة لم يجب عنها ولم يعرفها، فأمره أبوه بالرجوع من السفر، فقال له: أقم لئلا تدخل علينا الربا، فرجع، بعد أن تجهز وأبرز رحله، وهذا على ما هو عليه من التناهي في العلم خشي أبوه أن يرتطم في الشبهات وفي ذلك كله ما يشعرك بفضيلة كل واحد منهم - رضي الله عنه -م.

عمروس بن فتح ومنهم عمروس بن فتح - رضي الله عنه - بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، ولم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ( (الانبياء:103) فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم، وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس، لتمسكه ببقية الحوائج العظائم وتصحيحه ما قيد عن الخراساني أبي غانم"1 "، وله مصنفات في الفروع والعقائد، تولت فوائدها الصدور والقلائد، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به، وذكر أو الربيع سليمان بن عبد السلام عن أشياخه أن عمروسا كان أعلم أهل زمانه.

عزم على تأليف كتاب في الفقه يرد كل مسألة إلى أحد الأصول الثلاثة

بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته، عزم أن يفرق العلم على ثلاثة أوجه: التنزيل، والسنة، والرأي، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة، وصرف إلى ذلك وجه العناية والاكتراث، حتى يكون تأليفه طراز لما صنف في علوم شرائع الإسلام، فلم يقدر الله ذلك بل قضى له باعجال الحمام، ونرجو به أن يكون له ثواب ما نواه، فجزاه على الكمال والإتمام.

وذكر عنه أنه كان ذات يوم جالسا في مجلس الحكم أيام أن ولاه القضاء أبو منصور إلياس، إذ حضر مجلسه خصمان لطلب أحدهما الآخر في حق تعلق به عليه، فلما أدلى بحجته سكت المطلوب، فقال: للمطلوب أجبه فلم يجب، فكرر عليه ثلاثا، فلما رآه لا يجيب وتبين له لدده قام إليه فركضه برجله، فقال له: جلساؤه عجلت يا عمروس فجمع عمروس أصابع يده ثم أطلقها، وقال: لهم كم هذه؟ فقالوا: خمس، قال: هذه منكم عجلة إذ أجبتم قبل أن تعدوها ثم قال: لإلياس إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، والدال على عورات المسلمين.

وذكروا أن جماعة قطاع أغاروا على رفقة فاستباحوها جميعا وخلوا سبيل أصحابها، ثم صحبوهم إلى جبل نفوسة فلما انتهوا جميعا على الجبل، وأبو منصور إذ ذلك والي، قال وعمروس قاضي، فتشاجر أصحاب الرفقة والقطاع وترافعوا إلى أبي منصور فكلهم يدعي الرفقة وينسبها إلى نفسه، فحار في أمرهم ورفعهم إلى عمروس فقال: احكم بينهم، فعزل عمروس أهل الرفقة ناحية وجعل يسألهم واحدا واحدا، عن رحله، وجملته وعدده، وصفته وعلامة متاعه وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة، ثم استحضر القطاع، فسألهم كما سأل الأولين وقيد مقالة كل واحد منهم أيضا بشهادة، ثم أمر بحل الحمولة واستخراج ما فيها، فوجدوا وفق ما قال أصحاب الرفقة، ووجدوا قول القطاع مختلف مخالفا، متناقضا فقال عمروس: لإلياس هؤلاء أصحاب الرفقة، وأولئك أضيافك، فأنزلهم. يعني بذلك عن حبسهم وتنكيلهم فحكم بحمولة الرفقة لأربابها، فردها عليهم.

وجلس معه ذات مرة داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون -رحمه الله- فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق، وأهل الكذب، وذكروا أهل شروس، فقال الشيخان: أن أهل شروس لا يكذبون فأظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه على ذلك، فقال لهما: إنما حكمت بشهادتكما، إذ زكيتما جميع أهل شروس، فقالا: ما أردنا ذلك، فوقف عن الحكم بشهادة غير المعدلين، قلت: وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاور، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما قالاه ظهر له أن في ذلك القبول مجازفة، إذ برءا من الكذب جميع أهل شورس جملة من غير تعديل، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله، لا ينسب إليه غير هذا.

استنساخ عمروس لمدونة أبي غانم وذكروا أن أبا غانم بشر بن غانم الخراسانى خرج من المشرق متوجها إلى المغرب ليفد على الإمام عبد الوهاب - رضي الله عنه - ومعه مدونته المشهورة التي رواها عن تلاميذه أبي عبيدة -رحمه الله- وقيد سماعها عنهم، فاجتاز على جبل نفوسة فاستودع عمروس الكتاب المذكور، وتمادى إلى تاهرت بعد أن استأذنه عمروس في انتساخ الكتاب المذكور فلم يأذن له، وعمروس حينئذ حدث فحسن عمروس الظن وحمله الحرص في العلم على انتساخه، فواضبه وعكف على النسخ وأخته تملي عليه، وكان إذا جلس للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس فينتقل إلى الظل والأصل في يدي أخته وعينه في الكتاب لا يتحول حرصا في إحياء العلم، فما رجع أبو غانم من تاهرت إلا وقد أكمل عمروس انتساخ الكتاب، ورده في المكان الذي وضعه فيه فلما تناول الكتاب رأى في أحد أجزاءه نقطة حبر، فقال: أاسترقت هذه؟ قال نعم، سماني سارق علم، اخبارا لا أمرا وكان الكتاب في اثني عشر جزاء وفي اثر هذا كان ما كان من تلف ديوان تاهرت غصبا وحرقا، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه.

اجتماع عمروس بالشيخ ابن محبوب في مكة

وذكروا أن عمروسا كتب وصيته في كتاب، ودفعها لأولاده وورثته، فقال لهم: هذا كتاب وصيتي فاعملوا بمضمونه، وأنا خصمكم بين يدي الله. وذلك - والله أعلم - عندما كان مرهقا إلى الخروج للقاء العدو يوم وقعة قصر " مانو" وفيها ستشهد حسب ما تقدم ذكره، فلم يعقب من ورائه الأخيرا، وانتقم الله من أعدائه الأغالبة ومزقوا كل ممزق قتلا، وغرقا، وكان مصرع البغي مرتع وخيم"2 ".

وذكروا أن عمروسا وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجاجا فلما نزلوا مكة وجدوا بها محمد بن محبوب -رحمه الله- ، فدخلوا عليه في مجلس فوجدوه مع أصحابه فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم إجلالا للجنس، دون معرفة الأشخاص. فلما تبوأوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبدالله عن مسالة فقال: ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ولا يرد إلا منه، فقالوا له: أنه هو السائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لما عرفه، وزاد دنوه من مجلسه، ثم جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حتى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال، فعند ذلك قال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال واحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا ففعلوا فلما قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلم ما تكلفتم به، فقالوا له: لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا. ثم أن عمروسا أعادها مسألة، فمسألة، عن آخرها.

أم عمروس توكله على وصيتها وهو صغير وذكر أن أم عمروس حضرتها الوفاة وعمروس رضيع فأوصت بوصايا وأشهدت بها شهود الوصية، فقالوا لها إلى من تفوضين تنفيذ هذه الوصية؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدى، فأشارت إلى عمروس، فكان خليفتها على الوصية قيل فلما كبر عمروس وبلغ مبلغ الرجال شرع في وضع الوصايا مواضعها، وتنفيذها في وجهها حتى لم يبق منها شيء، قيل وأنه لما وجد في الوصية الحج توقف عنه، واشكل عليه الآمر وجعل يسأل في جهات نفوسة عن أحوال والدته فلم يجد من يعف حالها وتولاها غير امرأة واحده، فتولاها لذلك وحج عنها، أخذ في ذل بقول من قال أن الحجة تقوم في ولاية الدين بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممن يقبل قوله، وتقوم به الحجة ولم يستجز أن يحج عنها أخذا بقول من يقول: بأن من يحج عن غير متولي فأنه غير مرضي الفعل، ولا مشكور الحال، فهذا الذي أوجب توقفه لا أنه استصعب الحج، ولا استعظمه، وإلا فالأمر يسير.

ذكر الأشياخ أن أهل جبل نفوسة كانوا في ذلك الزمان أكثر الناس حجا فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم حتى أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، فما ظنك بعدد من لم يولد له ذكر ومن لم يولد له أصلا ومن ليس معهم.

---------------------------------------------------

1- يشير إلى ما قام به من نسخ مدونة أبي غانم الخرساني بمعونة أخته وسيأتي خبر ذلك.

2- لعل في النسخ تحريف والمؤلف يشير إلى قول المتنبي/ والغي مرتع مبتغيه وخيم.

الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد

ومنهم أبو معروف ويدران"1" بن جواد - رحمه الله - ناهيك بأبي معروف ذي الآثار والمعروف، الموصوف بدراسة العلوم والمطروف، الراقي ذراها البواذخ، المتقن لما أخذ عن أبي خليل وغيره من المشائخ، المنتفع بما تعلم وعلم، المصيب متى رقم أو تكلم، وله في النوازل والأسئلة المعضلات أجوبة بديهة، كاشفة أشكال المشكلات، وكان متى قصده آمل فاز بالأمل لأنه جمع ما بين العلم والعمل.

لغز في مسألة إرث ذكر أبو الربيع أن أبا معروف دخل عليه رجل يسأله عن مسألة معضلة، فوجده مريضا مرضه المتصل بوفاته -رحمه الله- فسأله الرجل عن المسألة وهي: ثلاثة رجال ونساؤهم ثلاث دخلوا بستتهم على مريض فقالوا له: أوص في مالك، فقال بماذا أوصي؟ ومالي يصير بينكم بالميراث أسداسا لكل واحد منهم سدسه، فقال أبو معروف: ذلك رجل ترك أما وأختين لأم وثلاثة بني عم له، وقد تزوج أحدهم الأم وتزوج الآخران الأختين.

يصون مال اليتيم بحيلة

وعنه -رحمه الله- أن صبيا يتيما جاءه كالمستغيث فقال له: يا عمي رأيت سيف أبي في يدي دلال في السوق ليبيعه، وإنما ناوله إياه بعل أختي وحقي في السيف باق فاستحضر ابو معروف الدلال فقال له: أشهر نصيب الابنة دون نصيب أخيها ففعل، فلم يجد من يسومه بقليل ولا كثير، فكان ذلك سببا لصونه على اليتيم.

وروي أن المعز أمير القيروان أهدى سيفا لمشائخ الجبل يريد تشتيت أمرهم، واختلافهم، لا التحافهم وإلطافهم فلما وردت عليهم هدية عدو الله، اختلفوا، فقال بعضهم: ردوه، فهو أولى به لأن صاحب الريبة أحق بالوقوع فيها وقال بعضهم: لا تفعلوا، فان ذلك عون له على ما هو عليه من الباطل والجور، وقال: آخرون اكسروه وادفنوه. فهؤلاء كلهم رأيهم مقصور على التحرج والورع والخمود على الوقوف دون الشبهات لأن ذلك شأنهم وما رابوا عليه لا يزيغون عنه. قيل: وقال آخرون أمسكوه، فإن عطايا الملوك جائزة لمن يأخذها ما لم يلامس أمورهم الفاسدة، فهو المشهور عند جمهور الأمة، قيل، وأصيب من أدلى بهذا الرأي في بصره لما جاءهم من الفتيا بما لم يعهدوا العمل به، فقال ابن ماطوس: الحمد الله الذي جازاه في أن جعل له عقوبة ذلك في بدنه، وما يختص بدنياه، ولم يجعل له عقوبة في آخرته، قيل والمصاب ببصره هو أبو معروف.

أبو معروف يفقد بصره قيل ولما أصيب أبو معروف ببصره وجه كتابا إلى الشيخ عبد الحميد الفزانى، وكان عالما كبيرا من أهل الدعوة، وكان قاطنا ببلد السودان يستمد منه دواء العين، فلما ورد عليه كتابه قال: عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله دواء لداء الذنوب وهو يسأل ما يزيله عنه. فبلغ قوله أبا معروف فقال: أترى الفزاني يهزأ بي ويعدني صبيا يرضع إبهامه؟

فعبد الحميد إنما يعني أجر المصيبة والسلامة مما يكتسب بالعين من الآثام، وأبو معروف يرى أنه حرم بفقد البصر أنواعا من الخير كالاعتبار، والتعجب بصنع الله عز وجل، ومطالعة كتب العلم، والمشي إلى بيوت مجالس الذكر، وكلاهما ذهب مذهبا حسنا ورأى رأيا مصيبا. قلت أما كونهم اعتقدوا أن الذي أصابه عقوبة على فتياه مع علمهم أنه لم يخرج عن أقوال العلماء غير أنه مال إلى الأسهل وترك الأحوط فإنهم عدلوا إلى ما قاله قبل المشائخ في أمثالهم، وحفظ من أقوالهم، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكونه تكلم بالعلم حسنة بالنسبة إلى من لا يلتفت للعلم، وكونه ترك الأحوط سيئة بالنسبة إلى أحوال من اعتاد محاسبة نفسه، وإلا فحاشهم أن يعدوا كلام العلماء سيئة على الإطلاق.

وذكر غير واحد من أصحابنا أن أبا معروف كان تاجرا حينا من الدهر جالسا في دكان دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة، فلما حضرته الوفاة أوصى بعشرين دينارا احتياطا من تباعة الميزان، وذكر أن أم أبي معروف مرضت فدخل عليها لتوصي فاستفتت شهود الوصية في وصيتها، أي الوجوه أولى أن يصرف فيه أكثرها؟ فقالوا: كفارات الأيمان، قيل: فأوصت بثلاثمائة كفارة، فأنفذ أبو معروف جميعها.

يحسم النزاع والتهور بحسن تصرفه وذكر أن رجلا رمى طائرا بحجر على غصن زيتونة، فتطاير بعض الحجر فأصاب رجلا فقتله، وذكر في زمان أبي معروف فترافع إليه أولياء القاتل والمقتول فأخذ أبو معروف القاتل إليه، فقال أولياؤه يا شيخ إن صاحبنا لم يتعمد، إنما رمى الطائر، فقال لهم أبو معروف: امسكوا، واصبروا لئلا أدفعه بمرأى منكم ولا قدرة لكم على رده، قيل وكان أولياء المقتول يقولون ادفع إلينا يا شيخ قاتل ولينا فإنه قتل مظلوما، فيقول لهم: امسكوا واصبروا، وإلا دفعته إلى إخوانه ولا تقدرون على رده، ثم حكم بالدية، فكان الذي خاطب به كل فريق من الخصماء قطعا للتشاجر والاختلاف، وكان توقفه لما علم في المسألة من الخلاف حتى حكم بينهم بما رآه أسد الأقوال، وتفرقوا على أيسر الأحوال.

يلوم شيخه لأنه رآه على صورة غير لائقة

ومما يذكر من تواضعه وبرائه من الكبر، ومحافظته على السير، وإنصافه من نفسه ما حكي أن أبا مسور اليراسني في مدة قراءته على شيخه أبي معروف، تيممه يوما فوجده في بستان له يعمل فيه بيده، وهو محتزم سراويل ليس على بدنه غيره، فإنه لما أخذ في العمل خلع عنه ثيابه فحين عاين التلميذ شيخه على هذه الحالة لم يرضها له، فأخرجه الخطة"2" فجعل الشيخ يتوب ويستغفر معترفا بالخطأ اعترافا استوجب به الرجوع، ثم أن أبا مسور أراد لومه، فقال له: قد كان اللوم متوجها قبلي قبل التوبة وأما بعدها فقد ارتفع اللوم.

--------------------------------

1- أثبته صاحب السير باسم أبو معروف ويار بن جواد

2- يبدو أن في العبارة سقطا فهي هكذا: فأخرجه إلى الخطة أو فألزمه الخطة.

أبو منصور الياس ومنهم أبو منصور إلياس - رحمه الله - الملاين المتخاشن الجامع أطراف المحاسن، جمع الأنفة والسيادة والتواضع والزهاده فهو لأولياء الله أطوع من النعل وأخضع وأحلى من العسل وأنفع، وعلى أعدائه أشد من الجبل وأمنع، وأمر من الموت وأفضع، وفي منازل الشرف أسنى من النجم وأرفع، وفي بحر العلم والجود أفيض من اليم وأوسع، إن قام في الله فالرئبال حول الأشبال، وإن دافع فالحمام للحمام"1"، ولي فعدل، وقال ففصل، يرعى حقوق الله حفظا، ولا يرى في ذات الله لذي حظ حظا.

ثلاث مكارم لم يخل منها آل أبي منصور

وكانت له كرامة في أهل مذهبه فقد جعلها باقية في عقبه، ذكر المشائخ أنه لم ينقطع من بيت أبي منصور وذريته ثلاثة أشياء، ولم تتبدل منذ فارقوا النصرانية، ورجعوا في دين الإسلام إلى الوقت الذي وقع فيه ذكرهم بذلك، وهي: الصلاحية، وزريعة القمح، وتناسل الغنم، الأولى بدعوة سابقة، والثانية والثالثة بالورع والتحرج وذلك كله بمساعدة وتوفيق من الله عز وجل.

وذكر أن رجلا تاجرا مات بغتة في أيام ولاية إلياس فلم تمكنه الوصية، وكان معروفا بودائع الناس، قيل، فطلب الناس ودائعهم ورفعوا أمرهم إلى أبي منصور إلياس، فسأل طريقا يتوصل به إلى معرفة ما يدعيه كل مودع منهم، فاشتد ت عليهم طريق الشهادة، واستقبح أن يحكم بغير بينه، واستقبح أن يمنع المدعين، فطلب بتلطف رأيه وسياسته طريقا إلى الحكم بدون الشهادة فقال هاتوا رحله وأرزمته فأحضروها، فكل من وجد له اسما على شيء حكم له به وإلا منعه قلت: وأراه إنما حكم في القضيه بهذا الحكم لأنه لما تعذر عليه إقامه البينه، رجع إلى الحكم بالوجهين وفي أحدهما ضعف في المذهب،لكنه رجع إليه عند الضروره وهما العادة والشهادة على الخط.

الام أولى بالحضانة وأحق ومما يذكر من إطراحه حقوق الآدميين، وإسقاطه حظوظ ذوى الحظوظ رعيا لحقوق الله تعالى، ما يذكر أن امرأة عم لأبي معروف رفعت أبا معروف إلى مجلس أبي منصور طالبة نفقة ابنة لها هي ابنة عم أبي معروف يتيمة فتخاصما، فقال أبو معروف لأبي منصور: وإنما أضم إلي ابنة عمي، إنها بعد كبيرة. فقال له أبو منصور: لئن فعلت لأ نكلن بك حتى تكون هزؤة لفتيان أهل ويغوى، قلت: وهذا على ظاهره ليس بالمرضي في جانب أبي معروف فإنه أجل وأورع من أن ينسب إلى أن يعامله وإلى الإمام بمثل هذه المعاملة، وهذا عندي إذا صح فإنه محتمل إما أن يكون وصيا على ابنة عمه، أو اتهم الكافلة بأنها لا تحسن تربية اليتيمة، ولا تحفظ عليها نفقتها، ولا هي أهل لحظانتها، فهو أولى بكفالتها بالقرابة والايلاء وأنه قد ثبت ذلك بالبينة فكان أبو منصور أراد تنزيه أبي معروف عن هذه القبيحة ورأى الستر على الحرائر أجمل، وإما أن يكون أبو معروف أراد بذلك أن ينكحها نفسه ورآها أبو منصور صغيرة مع يتمها، وفي نكاحها خلاف، فأراد أبو معروف ارتكاب أضعف ما قيل وتحرى أبو منصور الأخذ بالأحوط. فكلاهما قصد مقصدا جميلا وقد تقدم من وصف أحواله السنية عند ذكر الدولة الرستمية، ما يدلك على علو شأنه ومكانته في الفضائل ومكانه.

------------------------------

1-الحمام بالضم السيد الشريف.

5- الشيخ يعقوب بن سهلون

ومنهم أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدارتي المعروف بالطرفي - رحمه الله - العالم الفقيه، الفطن النبيه، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر، كان يلقب شيخ الرأي الناصح، وكانت قراءته على الائمة بتاهرت قبل انطفاء تلك المصابح، هو الذي استشاره الشيخ عيسى بن يرزكشن في نزوله بتالا، وهي إذ ذاك عامرة، فقال تصلح للناس والعبادة، ولا يخلو من ذي حافر إلى أريغ، وإلى وارجلان، فنزلها وبلغ فيها مبلغا عظيما وذريته بعده.

وصية الشيخ لابنه ولما حضرت الوفاة أبا يوسف قال له ابنه: أوصني، قال له: لا أراك تقبل الوصية يا ابن الرديئة فتردد في ذلك ثلاثة أيام فلما رأى جده قال له: لا يكن ندبك الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك إليه، ولا يكن غيرك أسبق إلى الحرث منك، وكن للناس كالميزاب وكالسيل للأدران وكالسماء للماء.

وقصده رجل من دمر في مجاعة يسأله ما يتبلغ به فقال له: عرفني بأرخص ما في السوق، فأعلمه برخص الجمال، وكانت بيده أربعة وعشرون دينارا وديعة، فقال له: اشتر بها جمالا، فاشترى بها ثلاثة جمال وأمره أن يعزبها في أرض مزرعة مربية بين وارجلان واندرار موضع يقال له: " ايفدانن طوم" وزوده، ففي أيام قليلة صلحت أحوال الجمال، فوافق ذلك قدوم رب الوديعة فقال له سق أحد الجمال فسومه فبلغت قيمته أربعة وعشرين دينارا، فباعه ودفعها لصاحب الوديعة، وقال للدمري: بع أحد الجمال واشتر بثمنه ما تحمل على الآخر إلى أهلك، وبادر أهلك، وسر في حفظ الله، قلت: ومن شأن العزابة وأهل المذهب قديما إذا وضع عند أحد منهم وديعة أن يستأذن ربها في التصرف فيها في المصالح بغير تعد فيها، فإذا أذن تصرف، وفعل أبي يوسف من هذا النوع.

وذكر أنه كان في مدة قضائه كان يقضي بين الناس وهو يعمل أشغال داره لا يلهيه شيء عن شيء، وذلك لذكائه وقلة كبره، وكان منتهى الفتيا بوارجلان، وله مصلى معروف بوارجلان لاستجابة الدعاء، هو بين تينمصيون، وتينماطوس بمقربة من بئر الأجر.

6- أبو محمد ملي

ومنهم أبو محمد ملي الايدرفي - رحمه الله - ممن يعزى إلى الورع والصلاح، لا ممن ضرب في المدارسة بقداح، أو أديرت عليه من راح المذاكرة أقداح، إلا أن التقوى أظهر حاله ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (البقرة: من الآية282)

يأبى أن يأكل طعامه لأنه يحمل له شهادة ذكر أن أبا محمد ملي كان يحفظ شهادة بحق رجل نفوسي، فلما أراد منه أن يؤديها عمل طعاما واستدعاه إليه، فلما وضع بين يديه ذكر له الشهادة وأعلمه أنه يريد أداءها، فلما ذكره فيها وعلم أن الطعام إنما كان بسبب الشهادة المذكورة، قال له: " ارفع طعامك فإن عندي لك شهادة، فقال له: كل يا شيخ، فأبى عليه، فقال له: كل واشهد أني تركت لغريمي مالي عليه من حق شهادتك فانصرف، فأحضر أبو محمد قمحا صالحا واستدعى الرجل المذكور، فقال له خذ هذا الطعام فاصرفه فيمن تراه محتاجا والقمح إنما احتاط به لما أتلف من الطعام بسببه، فحمل القمح مساعدة للشيخ وصنع منه طعاما وحمل أبو محمد معه زيتا وكسى به الطعام، وقال للرجل: كل أنت، وعيالك، ومن عندك.

تغير النعم من سوء تصرف الناس

وكان أبو محمد أحد المستجابين دعاءهم، الكثير اجتهادهم ورفعتهم في درج الكرامات، وسنائها، فمن ذلك ما ذكر أنه كانت له بقرة يحلبها وعادتها إذا أصبح قامت امرأته فتناولت القدح فتحلبها ساكنة لا تتحرك، ولا تنفر، فلما كان ذات يوم قامت إليها لتحلبها على حسب العادة، فركضتها برجلها، فانكب القدح، وتبدد اللبن، فقامت المرأة فذكرت ذلك لبعلها، فقال: ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل، فأخذ عكازه وخرج مبادرا، فأتى جمع أهل الجبل، فوجدهم محتفلين على رجل ينكل ويجلد فسألهم عن شأنه. فقالوا له: جاء في كتاب من الوالي، فقال أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال يا معشر المسلمين، فقالوا لعمروس: جاوبه، فقال إذا قيل الحق بطل الجواب، قال: ثم سألوا فوجدوا الرجل المكتوب فيه غير هذا المظلوم، فلما علموا أنهم قد تعدوا وأنه برئ قوموا جنايتهم عليه، وغرموها.

يتحرج من أخذ غلة أرض حرثها بدون رضى صاحبها وذكروا أنه حرث ذات سنة أرضا فلما حصد الزرع ودرسه وصير الحب في التلاليس إذا برجل قد وقف على الشيخ، ومعه ولده، فقال له الرجل: اللهم إنك تعلم أني لم آذن في حرث أرضي، ولا بعت ولا وهبت، وإنها لأرضى لم تخرج عن ملكي، فقال الشيخ لابنه أفرغ الطعام لربه ففعل ومضى الشيخ وابنه راضيين بسلامة دينهما.

7- الشيخ سعد بن أبي يوسف

ومنهم سعد بن أبي يوسف -رحمه الله- ذو الأخلاق الحميدة. والآراء السديدة، والاجتهاد في طلب العلوم لا يعتاقه"1"، عنها إلا ما ليس فيه بملوم، قرأ على الإمام أفلح وتخدم فاستفاد وأفلح، وحافظ على طريق إمامه، وتساوى حاله في زمن رحيله عنه ومقامه، وفى بواجب البيعة لما نكث الناكث، ولم تمل به عن الطاعة علائق الشهوات، وقد مضى في السيرة الرستمية من ذكر صفته وأخلاقه، ما يدلك على طيب شيمه وكرم أعراقه، ومن تمسكه بعصم الدين وأسبابه، ما تعرف به سبقه في ضروب من الفضائل على كثير من أضرابه، وتقدم له من المناقب، ما هو أضوى من النجم الثاقب.

-----------------------

1- هكذا في النسخ ولعل الصواب لا يعوقه عنها.

8- الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين

ومنهم الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين - رحمهما الله - شيخا نسك وزهد، واجتهاد في العبادة وجد،وقد ذكر أنهما خرجا ذات سنة من السنين إلى البادية في فصل الربيع، فكانا متوافقين، فلما عزما على الافتراق أو قبل أن يفترقا قال ياكرين لداود: أوصني يا أخي، قال: لا تستنج بيمينك، ولا تنزل أهلك إلا في موضع الدراء والسترة، ولا تسكن أزواجك في بيت واحد، وغيرهم كثير أخفاهم الخمول، وحب الاختصار.

الطبقة السابعة 300-350ه : 1- الشيخ أبو مسور يسجا منهم أبو مسور يسجا بن يوجين اليراسني -رحمه الله- الشريف المنصب، الكريم المنسب، الطالب أرفع مطلب، الكاسب أنفع مكسب، الناهج أوضح طريق ومذهب، العاجز كنه أوصافه كل بليغ أوجز أو أطنب، خدم الدين فخدمته الدنيا، ورفضها فنال منها الدرجة العليا، طلب العلوم فحوى عيونها، وورد مناهل الخير والصلاح فحاز معانيها، فكان موئلا للقاصد، ومنهلا للوارد والقاطع سبيل الفساد والهادى إلى طريق الرشاد، بيته في المذهب أكبر البيوتات، لم تزل مذ لم يزل مخصوصا بالبركات، ولم يزل قط منهم نقات مقتفية آثار الأباء نجباء الأعقاب وقد مضى من مناقبه، وذكر كريم مذاهبه في أثناء الكتاب ما هو كاف، ولو اقتصر منه على أدنى باب، وسنذكر في هذا الفصل نبذا من أخباره التي هي علم في الفضل دالة على ما كان عليه من السيادة والنبل.

الشيخ أبو مسور يعرض عن شاتميه حسما للفتنة فمن ذلك ما يذكر أنه حضر مجلسا حضره جمع وافر من أهل جزيرة جربة، وهبيتها ونكارتها، وكان فيمن حضر من النكار رجل يقال له: خلف بن أحمد وهو خال لأبي مسور فكان النكار يقعون في أبي مسور يقولون: رجل غريب ما عسى أن يكون له من القدر؟ في أنواع من قبح القوم، وضروب من الهمز واللمز، بحيث يسمع وبحيث لا يسمع، فكان يتغافل عنهم وينزه سمعه من أن يصغي إليهم، وينزه لسانه عن مجاوبتهم فبلغ ذلك أهل المذهب في الأقطار فاستعظموا ذلك، قيل وكان حينئذ أهل الجزيرة إذا اختلفوا كان محفلهم واحدا، وهبيتهم ونكارهم فبينما هم ذات يوم مجتمعين وقد احتفل مجلسهم، إذا بكتاب قد ورد إلي أبى مسور من قبل زواغة البادية، ومن معهم من الوهبية فقرأ الكتاب فإذا فيه قد سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ويهمزون ويلمزون، ويتحركون في أمرك ويتحاولون أذاك فان صح ذلك فاخبرنا نلق عنا ثيابنا ونصرخك، وليس علينا غير الازر والسلاح رغبة في نصرتك، وقرعا لمن يرومك ويحاول ضيمك، فقال: لم أسمع بهذا أولا لي به علم، قيل ولم يفرغ من قراءة الكتاب المذكور إلا وكتاب آخر قد ورد من جهة دمر، فقرأه أيضا فوجد فيه: يا شيخ بلغنا أن النكار يتحركون ويسيئون إليك ويلوكون أمرك، فان صح ذلك فأخبرنا نصرخك بعسكر يكون أوله عندك وآخره عندنا، فقال أبو مسور: ما لي بهذا علم، ولم يفرغ من قراءة الكتاب الثاني إلا وكتاب ثالث قد ورد من جهة جبل نفوسة، فيه مثل ما في الكتابين المتقدمين، إلا أنهم قالوا فإن صح ذلك فأخبرنا نكسر أغماد السيوف ونصلك والسيوف مصلتة في أيدينا، فقال: لا علم لي بذلك ولم أسمع به، وكل ذلك في مجلس واحد كما ذكر، كأنهم تواعدوا، وكل ذلك لرغبتهم في نصرة الدين والذب عنه وكثرة الحزم والتحفظ عنه، وعن القبيلة، قيل فكان خلف بن أحمد بعد ذلك يقول: ابن اختي إمامنا أجمعين، لحمي ودمي، رئيس الكل، وجعل يكرر ذلك في مجالسه، وحيثما حضر، وكان عميد القوم وفقيههم.

رأي العالم له جانب من الصواب

قيل اختلف أبو مسور والنكار في مسألة وخلف غائب حينئذ عن جزيرة جربة، فلما قدم سأله عنها أصحابه واعلموه بما قالوه فيها، وبما قاله أبو مسور فقال: أخطأتم وأصاب يسجا، فبلغ أبو مسور قوله لهم، فقال: لهذا أو أمثاله يقول العلماء: لا يعوج قول عالم ولو أنه مخالف.

ما ينبغي أن يقرأ على المحتضر

وسئل أبو مسور عما يقرأ عند احتضار المريض فقال: ما سألني عنه أحد منذ فارقت أبا معروف إلي اليوم ثم قال: قول الله تعالى: ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) (الفجر:27 إلى 30) ومن حسن أخلاقه ودهائه ما ذكر أنه وضع طعاما بين يدي التلامذة بعد أن غسلوا أيديهم، وخرج لم يقل لهم كلوا، فأمسكوا عن الأكل حتى دخل عليهم بعد وقت فوجد أيديهم مرسلة، فقال: ما لكم لم تأكلوا؟ خشيتم أن أغرمكم، كلوا وإن شئنا غرمناكم، ومات له ابن فجاءه الشيوخ يعزونه، فجلسوا يتذاكرون ويوردون ما فيه تسلية، فقال لهم الشيخ: أخبروني ما الصبر الجميل؟ وكيف صفته؟ فقالوا له: الجواب من عندك، فقال هو: أن لاتظهر المصيبة في وجه صاحب المصيبة ولا يبين من بين جلسائه ثم قال: هذا صعب، فهل أيسر منه؟ فقالوا: الجواب من عندك، فقال لهم ما لم يتغير وجهه ويسدم ويوجم، ثم قال: وهذا صعب فهل أيسر منه؟ فقالوا وما هو؟ قال ما لم يصح ويدع بالويل والثبور، لأن البكاء قد يكون بالرأفة والرحمة في النفس.

2- الشيخ سحنون بن أيوب ومنهم سحنون بن أيوب - رحمه الله - فقيه أوانه وعمدة مكانه، علقت عنه مسائل، وفتاوى في كثير من النوازل، ورويت عنه في العلوم روايات وكان يعد في أهل الذاريات، وله آثار محفوظة غير منسية بل منتشرة في الجهات الطرابلسية، إلا أني لم أحفظ له سيرة، ولا وقفت في تعاليق له على مسألة من مسائله صغير ة ولا كبيرة، وليس ذلك بباخس حظه في الفضل، ولا قاعد به عن أولية السبق، وأوليه الحصل، فإنه في الأئمة الثقات المثبتة أسماؤهم في صدور الطبقات، وقد أذنت بل رغبت لمن يقف على ذا الكتاب من الفضلاء، أن يثبت له فيما يحفظه عنه من طيب الأنباء فليعلق في حاشية الكتاب وهو إن شاء الله مأجور مثاب"1".

------------------------------------------

1- راجع سير الشيخ أحمد الشماخي ص292 ط الباروني.

3- أبو الخطاب وسيل

وكذلك أبو الخطاب وسيل بن ستتن الزواغي"1" - رحمه الله- معدود في هذه الطبقة، مذكور فيمن أفنى بدنه في العبادة، وماله في الصدقة موسوم بسمة الصلاح وتسميته، مرسوم في ديوان علماء وقته، لا بطيئا في السباق، ولا قاصرا عند اللحاق، هذا فيما أدركتهم يتداولون ويتعاطون من أوصافه ويتناولون، وما يخرجني إلى الخطة إذ لم أحفظ عنه رواية، فأطرز برد طبقته بما أمكن عنه من ذلك ولو حكاية، فيكفي نهلها عن العمل، ويكون لي جهد المقل"2".

---------------------------------

1- النهل بالتحريك مصدر نهل شرب أول مرة والعمل والعلل الشرب مرة ثانية أو تباعا.

2-أخطأ وعدل عنه.

4- الشيخان أبو القاسم مخلد وأبو خزر يغلا ومنهم الشيخان أبو القاسم، وأبو خزر، الوسيانيان - رحمهما الله - لا يمكن فيهما مزيد على ما قدمناه في هذا التصنيف ولا يحتاج مع شهرتهما إلى زيادة تعريف، فانهما إماما أهل التوحيد، وفخر من نشأ بقسطيلية وغيرها من بلاد الجريد، ولكل واحد منهما أخبار سارده وفضيعة فاطلب ذلك فيما مضى من الشيعة، وسنذكر هاهنا مسائل وقع بينهما فيها اختلاف وكل أصاب سهمه الغرض وما ضاف"1"، فمن هذه المسائل ما نبهنا عليه وسنذكره، والخير لا يسأم من يكرره.

لا تتسرع إلى الحكم السيء ما وجدت احتمالا

فمن ذلك رجل قال: لا إله فسكت، ولا حول ولا قوة، ما الحكم فيه؟ فقال: أبو خزر، أشرك، لأنا إنما يلزمنا الحكم بالظاهر وقال: أبو القاسم بل في المسألة احتمال، لعله يعني لا إله في الأوثان وأضمر في نفسه تتميم الكلام، ولا نظن بالمسلم إلا خيرا، ولا نخرجه إلى الشرك بالاحتمال، وهذا كما قيل عن الإمام أفلح -رحمه الله- أن من دين الله أن أحدا إذا جاء بوجه يحتمل وجوها حمل على أحسنها.

الأم أولى الأبوين بالبر وأحق

واختلفا في الأبوين أيهما أعظم حقا قال أبو خزر الأب أعظم حقا، لأنه المأخوذ بحقوق الولد، وقال أبو القاسم: بل الأم أعظم حقا لأنها أعظم مؤونه، فقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سأله عن ذلك سائل: فقال التي حملتك بين الجنبين، وأرضعتك بالثديين، ووسدتك الفخذين، قلت: وهذا إنما هو مجرد حكاية، ولا ينبغي لكل واحد منهما على مكانه في العلم وجلالة القدرأن ينكر ما قاله صاحبه أو يعتقده خلافا، بل لكل وجهة يصدقها ما يجري من أحكام الميراث، وما قاله رضي الله عنه لما سأله سائل يا رسول الله (من أحق الناس مني بالصحبة؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أبوك)، فالأول لأبي خزر، والثاني لأبي القاسم أفترى أن أحدهما يجهل ما تمسك به صاحبه؟.

حكم من لم يجاهد نفسه ولم يحملها على الجد وذكر أيضا أن أبا خزر قال: من جاهد نفسه من أهل الدعوة فإما نال خيرا، وإما لم ينله، وأما من لم يجاهدها فلا ينال خيرا، فقال أبو القاسم في الأول أنه ينال خيرا على كل حال، وفي الثاني محتمل، قلت: وهذا أيضا غير بعيد من الأول ولكل واحد منهما تأويل يحمل عليه لفظه لا يمكن أن ينكره الآخر، ولا أن يعتقد خلافه.

--------------------------------

1- أخطأ وعدل عنه.

أبو صالح جنون بن يمريان

ومنهم أبو صالح جنون بن يمريان - رحمه الله - ذو الورع والسخاء وبركات صالح الدعاء، وهو أحد الأبدال، وأصحاب الكرامات والأحوال، وأحد أقطاب الدين وثمال اليتامى والمساكين، إن لم يكن مقدما في العلوم فمقدم في المعارف، وإن لم يكاشف أجسام الدواوين فهوا لأرواحها مكاشف بل إن قيس بسواه في عمله ودرايته، وجد سواه يقصر دون أدنى طلقه، فكيف بغايته، وقد مضت في هذا الكتاب جمل من أخباره ونكت من حميد آثاره.

حال الشيخ يوافق ما يقال عنه وذكر أن ثلاثة من فقهاء جربة أحدهم أبو صالح بكر بن قاسم، والثاني أبو موسى عيسى بن السمح، والثالث أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور، توجهوا إلى جهة ريغ ووارجلان زائرين إخوانهم وأهل دعوتهم، قيل فوصلوا وارجلان ودخلوا على أبي صالح وصافحوه وتبركوا بمشاهدته، ثم تساءلوا فيما بينهم عن حال أبي صالح؟ فقال أحدهم: لما رأيته توليته، وقال الثاني: لما عانقته توليته، وقال الثالث: لما تكلم توليته، قلت: وهذا مستحسن من وجه ومستقبح من وجه فوجه الاستحسان حسن التوسم من مثلهم في مثله، ووجه الاستقباح إذا حمل على ظاهر ما رواه الراوي، كونهم إنما تولوه بعد هذه المشاهدة من رؤية وعناق واستماع كلام، أتراهم كانوا قبل ذلك يبرأون منه؟ ويقفون فيه بل لم يزل قبل ذلك وبعده أهلا لتوليتهم، فان حمل اللفظ على ظاهره لم يصدق عليه المعنى، لكنهم أرادوا - والله أعلم - أنهم لما شاهدوه مع ما كان متقدما عندهم من توليته شاهدوا منه مصداق ما تقدم عندهم، فإنه تقدم على طريق السماع، والاستفاضة، فلما شاهدوه تحققوا ذلك عيانا، لا يحمل كلامهم على غير هذا.

وصية الشيخ أبي صالح لبنيه قيل وأوصى بنيه بثلاث، وكل واحدة منهن تشتمل على ثلاث، فتلك تسع، قال: يابني إذا كان إبان غلتكم فولوها بأنفسكم، ولا تولوها غيركم، حتى توصلوها موضع حرزكم، فان لم تكونوا أصحاب غله ولم يكن لكم بد من شرائها فاشتروها ما دامت في أصولها، ولا تتركوها حتى تصل الحرز فيصعب إخراجها، فان لم تكونوا أصحاب غلة ولا قادرين على الشراء وتنزلتم إلى طلبها فاطلبوها قبل دخولها إلى الحرز، يسهل إعطاؤها، والثانية إن كنتم في بلد فأول ما تلتمسون أنفسكم وأموالكم المسكن. فإن من سكن في غير مسكنه فإما أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرا، فإن كان غنيا ووسع على نفسه سماه الناس مبذرا، وإن ضيق سموه مقترا ممسكا، وإن كان فقيرا قالوا ليس وراء هذا إلا الدخول والخروج وإن كان في مسكنه يستر على غنائه وفقره ولا يعرف الناس له عيبا، والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم، فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبدا والذي تخلفونه من مجرد ثيابكم وخلقها فيه بقية ومنفعة، فإن أعين الناس وألسنتهم متسلطة على من معهم، يتحسسون للكبيرة والصغيرة، وهذه الوصية ليس فيها من أمور الدين شيء إلا النهي عن إضاعه الحال والمال، وفي ذلك مصالح كثيرة، ومنافع جمة.

منابت النخل أغنى من مزراع القمح

وذكر أن إبن عم له كتب إليه كتابا من المغرب: يا ابن عمي ائتنى فانك قمت في أرض الفقر، فإن عندنا أرضا كريمة، قدر الكساء يحمل البعير وسقه حبا فأجابه أبو صالح: يا ابن عمي أيبتنى، فإن عندنا أرضا قعدة الرجل يحمل البعير وسقه عسلا، وفي هذه الحكاية حسن الجواب المسكت، وفيها ما يدل على القناعة وعلى الرصانة وعدم الطيش.

للرجل الفقير أن يأخذ زكاة زوجته لا العكس وذكر أن رجلا من أهل قصر بكر، أحد قصور وارجلان كان رجلا مقلا، وله امرأة كثيرة المال فسأل أبا صالح: هل يجوز أن يأخذ زكاة امرأته؟ فتوقف عن الجواب تحرجا إلى أن قدر الله بوصول أبي نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان، حين فراره من أبي تميم الشيعي، فسئل عن المسألة فأباح ذلك، وأعلمهم أن للرجل أن يأخذ زكاة مال امرأته، وليس للمرأة أن تأخذ زكاة بعلها، وهذه المسألة مشهورة ليس في هذه الحكاية ما يدل على قله علم أبي صالح، بل يدل على ورعه وتنزهه.

وذكر أن ابنا له، اشترى كتابا، فكان يقرأه على أبيه، فكان أبو صالح يخاطب الكتاب ويقول: باعك من يعرفك واشتراك من لا يعرفك، وهذه الحكاية تدل على أن هذا الكتاب كتاب عجيب، وأن الولد ولد غير نجيب، ولكن خاطب ابنه بما يفهم من هذا الوجه ولم يقابله بقبح الزجر.

تضربه المرأة فيصبر لذلك احتسابا

ومما يذكر من سعة صدره، وقلة ضجره، وكثرة صبره، أنه جلس ذات مرة مع امرأته وهي تعجن عجينا، فخاطبها بكلام لم يقع منها موقع الموافقة، فلطمته حتى ارتسمت آثار أصابعها في خد أبي صالح، فتكدر خاطره، فلم يمكنه الشكوى إلى أحد، ولم يكن له بد الشكوى إلى شيخ أبي يوسف يعقوب الطرفي، فجاءه شاكيا فلما بثه حاله، قال الشيخ: أترى هذه؟ وأشار إلى زوجته، فقال ما لها؟ قال: ضربتني البارحة بمقلى فصيرته طوقا في عنقي فقال أبو صالح أنت، أنت، يريد أنت أصبر مني ثم والله لا أشكوها بعد اليوم.

الشيخ أبو محمد جمال المدوني

ومنهم أبو محمد المدوني -رحمه الله- فقيه الأسلاف المتلافي في سيرهم حين التلافي، الشامل ما أشرف على الشتات المؤلف للجمع بعد ما صدر الأشتات، تدارك المريض فأقامه، وقد أراد أن ينقض فرده إلى أحسن حاله، وعالجه بحسن رأيه وإيالته فالممسك فيه به اقتدى، وهو من السابق في العلم والورع والندى وله في معاملاته أمور سنية، وأحوال مرضية.

يختلفان لأجل كتاب فيفصل بينهما الشيخ برأي مصيب ذكر أبو الربيع أن رجلا من مزاتة قارض رجلا بمال فكان يتجر به، فبينما هو ذات يوم في بعض شؤونه، إذا بكتاب تفسير القرآن لهود بن محكم الهواري يعرض للبيع، فاشتراه وجاء به إلى رب المال، فقال له: إني اشتريت هذا الكتاب وهو لي دونك، وإنما لك رأس المال، فقال له رب المال: بل هو لي دونك وإنما لك نصيبك من الربح، إن كان في متجرك ربح، فتخاصما وتشاتما حتى قامت مع كل واحد عشيرته متعصبة، وتآمروا على القتال، وتواقف الفريقان وقد اشرفوا على أن يتفانوا، فبلغ ذلك أبا محمد جمالا، فجاء مبادرا فقال: ايتوني بالكتاب الذي أراكم تريدون أن تقتتلوا عليه، فأتوه به ففتح وقصد موضعا منه، فإذا بين النصفين ورقتان بيضاوان، ففصل ما بين النصفين، وضم إلى كل نصف ورقة بيضاء وقطعة بسكين وأعطى لكل واحد من الخصمين نصفا، وقال: من شاء منكم الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته فاصطلح الفريقان وافترقا على خير، وزعم بعض الناس أن منتسخ الكتاب تفرس أو كشف أن أمره يؤول إلى تفرق بالحديد، فاحتاط عليه وترك ورقتين غير مكتوبتين، وهذا الذي زعموا لا حاجة لنا إليه، وإنما المقصود ما ذكرناه من بركة هذا الشيخ، وحسن سياسته.

يشح على نفسه وعياله فيطعمه الشيخ قسرا وذكر أن أبا محمد جمالا كان جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة، فيطفئ سغب نفسه وعياله فبلغ ذلك أبا محمد فجاءه فوجده في خيمة لا حركة له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل وفي يده حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء لم ير في إبل الرجل أحسن منها، ولا أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، فقال: لعل غيرها يا أبا محمد؟ فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نحرها قال لهم: قوموا، وكلوا، فلما أصبح أغارت عليهم غارة، فاكتسحت إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، قيل تبلغوا بشحم الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة.

على العالم أن ينظر للجاهل ما يصلح به

وذكر أن عاملا خرج على عشيرة أبي محمد من قبل السلطان فكان هذا العامل يماكسهم، ويشدد عليهم فلما كان يوما من الأيام قال لهم العامل: إن أعطيتموني اليوم كذا وكذا مضيت عنكم، وإن بت الليلة ضاعفت عليكم وكلما بت ضاعفت قيل فلم يدفعوا له شيئا ولم يعبأوا بقوله، فكان يضاعف عليهم فلما رأى أبو محمد العامل يضاعف عليهم الغرامة كل ليلة، ورأى قومه غير مكترثين به حماقة، وخرقا لا قدرة وعزا، قال للعامل وخدامه: قفوا على ترع الأحياء ولا تتركوا مالهم يسرح، فلما رأى أصحاب الأموال ماشيتهم يأكل بعضها بعضا جوعا، أدوا إلى العامل ما لزمهم، وانصرف فجعل جهالهم يطعنون في الشيخ، ويعيبون فعله، حتى قال قائلهم: ما هذا إلا معونة الظلمة الفجار على الضعفاء والمساكين، فقال لهم أبو محمد: لله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه.

يقنت في الصلاة وهو لا يرى ذلك موافقة للجماعة وعنه أنه كان يصلي بجماعة أكثرهم أهل الخلاف ممن يرى القنوت في الصبح، فكان أبو محمد يقنت بآي القرآن التي فيها الدعاء الذي في آخر سورة البقرة، وكالآية من آل عمران، ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) (آل عمران: من الآية8) الآية، وما أشبه ذلك. لعلمه أن ذلك لا يفسد الصلاة على مذهب الامتناع من القنوت فكانوا يشكرونه ويثنون عليه وقيل: بل الذي فعل ذلك فتوح بن أبي حاجب المزاتي، وهو أيضا من طبقة أبي محمد في العصر والتحصيل للعلوم، وعن فتوح - رحمه الله - أنه سمع رجلا يطعن في دين الوهبية من المخالفين فغضب، وأخرجه ذلك وأحنقه حتى قال: ما ههنا أحد من أولاد المشومات؟ فسمعه جماعة من شبان مزاتة وفتاكهم، ممن يغضب لغضبه، فعلموا أنه عرض بفعلة تفعل بالرجل وأنه رأى أن دمه مباحا، فلما كان الليل نام الرجل في أعلى داره فتسوروا إليه وخنقوه حتى مات وذلك في بعض قرى بعض الزاب، فلما مات رموا به في الزقاق فلما أصبح وجده الناس لا روح فيه، ففتشوا ليجدوا فيه أثر جرح أو ضربه فلم يجدوه، فقالوا: والله ما قتله إلا الملائكة، قيل ثم أن الفاعلين لذلك مروا بالشيخ بعد عام فوجدوه يدرس زرعا، فقالوا يا شيخ هل هنا أحد من أولاد المشومات أم لا؟ يذكرونه فعلتهم فأثنى عليهم وشكر فعلتهم.

حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض بالزمن وذكروا أن جماعة من المشائخ توجهوا نحو طرابلس فركبوا البحر، ونزلوا بجزيرة جربة، وحضروا بها مجلسا، قد حضرته فقهاء أهل جربة، ومشيخته كأبي مسور وأمثاله، فتذاكروا في الطهارة حتى وردت بينهم مسألة فوقع فيها الاختلاف بينهم، وهي: ما كان من نبات الأرض من الثياب هل يطهره من النجس ما يطهر الأرض والنبات لأنها من نجسها أم لا؟ فاجتمعوا على أن الثياب كلها حكمها في ذلك إذا نجست حكم واحد، لا يطهرها إلا الغسل بالماء لا يطهره سواه بخلاف العناصر فخالفهم أبو محمد جمال وحده فقال لهم: حكم الأرض ونباتها وما يعمل منها من ثياب جميعا واحد يطهرها تداوم الشمس والرياح عليها، إذا أبرزت المدة الطويلة، ما لم تبق عين النجاسة، قائمة، قيل فنبهه بعض أصحابه وأعمله بما كان من اتفاق الجميع وان إتفاقهم هو الصواب، فأقام أبو محمد الحجج على صحة مذهبه وقوله، ولم يرجع عنه فقال لهم أبو مسور: كفو عنه فان العالم كالأجدل"1" إذا حلق ضرب.

ما نقل عن الشيخ وقيل عنه وهو في طريقه إلى الحج وذكر أنه توجه إلى المشرق للحج فصحبه الشيخ مطكداسن، وعبد الله بن الأمير ومع أبي محمد جمال حينئذ أثني عشر جملا فأراد عند الركوب أن يحملها فاستدعى مطكداسن ليعينه، فقال: ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذا ؟ قال: الدواة والقلم، حسبك بأني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فاستحسن ما أجابه به ولم يكلفه شططا، وساروا حتى نزلوا مدين فرأى رجلا يطفف الكيل فلطمه،فقال ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ) (الشعراء:181) فرفع إليه رأسه وقال: فينا والله نزلت يا مغربي، وإنما خاطبهم أبو محمد بالآية لأنهم المخاطبون بها ولما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى بلادهم كان فيمن جاء لتهنئتهم عبدالله بن مانوج، فقال لابن الأمير لما رآه سالما في ماله ونفسه: لعلك يا أبا محمد ما أصبت في سفرك هذا بشيء؟ فقال: قد سلمني الله وعافاني من ذلك، فقال له ابن مانوج: قد كنت أود لو احتسبت بشيء تصاب به فأصبح أحد عشر جملا من جماله جيفا. وإنما قصد ابن مانوج في ذلك وجوها منها قوله صلى الله عليه وسلم :" من يرد الله به خيرا يصب منه" ومنها خشية العين، ولم يكن ابن مانوج ممن يتمنى العطب لأخيه في الله تعالى، بل أراد ما يوفر به الأجر.

-----------------------

1- الأجدل العقاب يريدان العقاب إذا حلق في الجو ضرب فيه وأوغل شبه به العالم يتوسع في الحجج وذكر العلل.

7- سليمان بن زرقون وابن ماطوس

ومنهم سليمان بن زرقون وابن ماطوس - رحمهما الله - كانا بدري الفراقد وكلاهما مطلب للناشد ومعلم للراشد، إن تباعدت بقاعهما فقد جمعهما أصل واحد، وعصر واحد ولكل منهما تأليف في علوم الدين كم هدى الله بهما من المهتدين؟ ونفى بهما من فساد المفسدين؟ وقد تقدمت لأبي زرقون في هذا الكتاب أخبار وسير، فيها مقنع لمن عليها اقتصر، وسنذكرها هنا من أخبار كل منهما ما أمكن، فكلاهما مستملح مستحسن.

التعبد بدون علم يوقع في الخطا ذكر أن سليمان بن زرقون -رحمه الله- كان مسافرا ومعه رجلان من أصحابه، ممن ينتمي إلى العلم والصلاح وحضر وقت صلاة من الصلوات، فاجتازوا على غدير ماء، ذلك في فصل يجمد فيه الماء من شدة البرد، فلما وقف عليه أبو الربيع توقف وغلب على ظنه أنه وجب عليه العدول إلى التيمم، ولا يتعمد بإلقاء نفسه إلى التهلكة ونزل أحد صاحبيه إلى الغدير فغسل يديه، واقتصر على الزيادة على غسل اليدين، لما وجد من ألم برد الماء، ونزل الثالث وغسل في محزر فشج عصبه، ووقع ملقى فنزلا إليه فلفاه في ثيابه وحملاه وقالا له: ألا تهون على نفسك التيمم لصلاة واحدة؟ فتيمم الآن لصلوات فأي الاثنين الأفقه عندك؟ وإني لأراه أبا الربيع وأما صاحبهما فتعبد بلا علم.

الفاهم لعلة الحكم هو الفقيه لا المتمسك بألفاظه وذكر أن أبا صالح اليراسني وأبا موسى ومن معهما من التلامذة، ساروا إلى أبي الربيع سليمان بن ماطوس، ليقرأوا عليه فاقاموا يقرأون عليه ما شاء الله، ثم انتقلوا إلى موضع بافريقية يقال له" سلام ليك" فاقاموا به يدرسون الكتب زمانا، ثم إنهم رجعوا إلى ابن ماطوس ليعرضوا عليه ما قرأوا في تلك المدة فلقوا بكر بن أبي بكر بنفزاوة، وصحبهم فساورا إلى وقت صلاة الظهر، ومعهم رجل فقال لهم: ما الذي أصلي أقصرا أم تماما؟ فقالوا كلهم: صل صلاة المقيم، حتى تجاوز ستة أميال، إلا بكر بن أبي بكر فقال له: صل صلاة المسافر إذا نويت خروج ستة أميال، ثم مروا بامرأة تغسل صوفا نزع من شاة ميتة فقالوا لها: لا يطهر صوف الميتة حتى يترب في سبعة أمكنة بسبع أتربة، وسبع قضبان، ثم يغسل بعد هذا، فقال لها بكر: اغسلي صوفك كما تغسلين غيره من الصوف، ولا يلزمك مما قالوا شيء وقالوا في رجل تيمم ويده منجوسة أن اليد تطهر وأن التراب ينجس، فقال بكر: أن اليد تطهر وأن التراب لا ينجس، فقالوا له: فأين ذهبت نجاسة اليد؟ قال: ذهبت بين الضربات، فساروا حتى وصلوا ابن ماطوس فأعلموه بالمسائل الثلاث، وبجواب بكر، فقال لهم: الفرسطائي عالم، ثم أخذوا في تصحيح ما قرأوه ونظروه على ابن ماطوس فصححوه في ستة أشهر، ورجعوا إلى أهاليهم، وهذا بمناقب بكر بن أبى بكر أشبه، وأولى وذكر أن ابن ماطوس قال لبعض من يرد عليه من بعض نواحي بلادهم: بلغنا عن رجال منكم أنهم يأخذون الصدقات ويردون منها على من أخذوها منه، فأزجرهم فانه مما لا يرضى الله تعالى.

الشيخ أبو سهل الفارسي ومنهم أبو سهل الفارسي - رحمه الله - غلبت عليه هذه العزوة الفارسية وليس بفارسي، وإنما هو نفوسي ولا شك أ ن أمه رستمية من بيت الإمامة، فغلب نسبها عليه واشتهر به، وقيل هو رستمي، أبا وأما، وأن أباه ولد لميون بن عبد الوهاب - رحمه الله - تمسك من العلوم بسبب، فليس برأس فيها ولا بذنب، إلا أن الغالب من أحواله، همل الدموع، والتلهف على فائت ليس له رجوع، فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله، والبكاء عليه بوابل الدمع وطله، حتى دونت الدواوين من كلامه، وانتشر في الآفاق حسن نظامه، وقد أعجز المراثي بما أوعظ، فلها بذلك في النفوس أحسن موقع وأوفر حظ، وجميع ما حفظ من ذلك فإنما هو بلسان البربر، أكثره بالصواب حدا، فقف على دواوينه تكن عليه مترجما، ولا ترمها إذا لم تجد لها مترجما.

الديوان الذي نظمه بالبربرية وهو في جزائر بني مزغنه وعن أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر أن رجلا من العرب من موالي لواتة قنطنار، يسمى سعيدا، اطلع إلى البادية فانتهى إلى موضع أبي سهل، بمرسى الخزر، وقيل بمرسى الدجاج، وهو الصحيح، وهو بجزائر بنى مزغنان، قال: فأكرمه وسأله عن أهل الدعوة، فقال له: أي فن يسرهم أن أدونه لهم؟ قال: انتظم لهم بلغة البربر كلاما يكون فيه وعظ وتذكير وتخويف، وكان أبو سهل فصيحا بلغة البربر، ولقد كان ترجمان جده الإمام أفلح، وقيل بل ترجمان خاله يوسف الإمام، قال فقيد له أثنى عشر كتابا في المواعظ، وفيها جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكاري شطرها، وبقي له ستة أجزاء فكان إذا أراد قراءتها أدخل رأسه في ثيابه وقرأها على الناس حذرا عليها، فلما كان ذات يوم قرأ منها ألفاظا دلت على أنه أتحف بها أهل الدعوة، فأمر الشيوخ خلوف بن وحنين أن يخاصم ويطالب سعيدا محتسبا في حق أهل الدعوة، حتى يسترج لهم منه هديتهم، ففعل فكتب منها العزابة، ما كتبوا فلما أخذت قلعة بني درجين وأحرقت أحرق ما وجد من هذا الكتاب، وحينئذ تلافى أبو عبدالله ما تحصل في صدور العزابة فقيد منها أربعة وعشرين بابا، فلذلك قد تجد فيها قلة الاتزان والزيادة والنقصان، وذكر أن قبر أبي سهل بالموضع المذكور ويزار حتى أن صنهاجة كانت حينئذ تزوره، وربما قال قائلهم: انطلقوا بنا إلى قبر النادب ذنبه ودينه، وهذا مما يصحح أنه بجزائر بني مزغنان، لانها بلاد صنهاجة.

الطبقة الثامنة 350-400ه : 1- أبو نوح سعيد بن زنغيل

ومنهم أبو نوح سعيد بن زنغيل- رحمه الله - لا مزيد له على ما تقدم في الكتاب من المناقب، فلكل فصل منها في دجى العلم شهاب ثاقب، هو في الأوصاف الحميدة نهاية فاطلبها في موضعها ففيه كفاية.

2- أبو صالح بكر بن قاسم ومنهم أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني- رحمه الله - أنجب من طالع ودرس، وأحد من أحيى ما كان عفى ودرس، جبلته طلب الصلاحية والعلم، وسمته الاعتصام بالوقار والحلم نوره يلتاح صامتا أو متكلما، وبركته ظاهرة متعلما أو معلما فبهمته انتشرت الخيرات، وتلاميذه المفيضون للبركات، وكان أحد من يوصف بالاجتهاد والتصميم، لا فرق في الحق عنده بين العدو والحميم.

ذكر أن أبا صالح نكل برجل من تلامذة أبي مسور، فأقبل الرجل مستغيثا بأبي مسور، شاكيا إليه ما لقي من أبي صالح، فقال له: ألا ترى ما بي؟ فقال له أبو مسور: وطن نفسك على ما تلقى من أبى صالح وأمثاله، فإن المسلم في الحق كالحديدة المحماة ما أوقع عليها أحرقته، وما وقعت عليه أحرقته والحق أحق أن يتبع، وإن كان مرا، قيل: ثم تعين على الرجل المذكور حق من الحقوق مرة ثانية فعيد به إلى أبي صالح، فنكل به مرة ثانية فجاء إلى أبي زكرياء شاكيا إليه، كما شكى إلى أبيه، وكان من قوله: ألا ترى ما فعل في وضربني مبينا"1" ؟ فانتهره أبو زكرياء وتجهم في وجهه، وقال له: لا، وأخذ الله الشيخ فيما ترك قبلك من الحق، فإن أباك جاءني شاكيا بك، وذكر أنك تنتف لحيته، وما ذلك بقليل.

شدة الشيخ على الجناة قيل وكان أبو صالح في أول أمره بالبادية، في موضع يقال له" أزارق" وهو إذ ذاك شديد على العصاة حديد على العتاة، ومع ذلك كان لا يضرب السراق من صنهاجة متى عثر عليهم تقية، لا مداهنة، وكان متى وقع عليه جان بين يديه، وثبت عليه حق، أخذ خشبة عظيمة قد اسردت فيها حلق، وسلاسل فجعل رجل الجاني في حلقة من تلك الحلق، ثم يقلب الخشبة على رجليه لئلا يهرب، قيل فكانوا بالليل يصيحون صياح التيوس، من شدة الحر والبرد، مع ما هو فيه، قيل فلما اشتد الحال في البادية وكثرت الزلازل، واضطرمت نيران الفتن، انتقل إلى جربة فعمد إلى تلك الخشبة وما معها فرماها في بئر، فتكلم في ذلك بعض العزابة، وقال: ما دعاه إلى رميها في البئر؟ فقال لهم ولده أبو محمد: إنما اتخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده له، وإذ تخلى عن ذلك فلا ينبغي أن ينتفع بما في غيره.

العرف له اعتباره في المعاملات

وذكر أن رجلين اختصما إليه بجزيرة جربة، أحدهما باع للآخر سلعة بستين ولم يسم أي الجنس هي من الأثمان فقال المشتري: إنما اشتريت بقراريط الحندوس، وقال البائع: إنما لي عليه ذهب، وقال المشتري: لا أعرف الذهب، قال أبو صاح للبائع: خذ منه ما ذكر، وإلا فخذ سلعتك لأن أهل جربة إنما يعرفون التبايع بالحندوس، ولا يعرفون الذهب، قلت: وهذا الكم شبيه بالصلح، ولعله عرف أن البائع كان من بلاد جرى العرف فيها بالتبايع بالذهب وعرف أن المشتري لا يعرف إلا الحندوس، فاكتفى عن البينة واليمين بما عرف، والنظر إلى أشبه قوليهما.

الحق لا يختلف باختلاف الناس في مذاهبهم قيل وكان لرجل نكاري على رجل وهبي دينار، فمات الذي عليه الدين فخلف ابنا عزابيا، ولم يترك مالا يورث عنه سوى شاة واحدة فطلب النكاري دينه من ولد الميت فقال: إن غريمك لم يخلف إلا شاة، فبعها وخذ منها دينك، فقال النكاري: بع أنت، وادفع لي: فقال: بيني وبينك أبو صالح، فترافعا إليه، فلما قربا من مجلسه قال النكاري للعزابي: سر إليه أنت، وحدك، واستفته، فما أفتى به أمضيته على نفسي، ورضيته فجاء العزابي، وعرفه ما بينه وبين صاحبه، فقال أبو صالح: صدق صاحبك، بع وادفع إليه الثمن، فقال بعض من حضره من العوام هذه إعانة للنكاري على الوهبي، فقال لهم: إن الحكم لا يختلف.

الحكم فيما إذا تخلى الورثة عن التركة للغرماء

فقال أبو محمد لو كان أبو صالح تتبدل فتياه لتبدلت في هذه القضية، وأخذ بقول من قال أن الورثة إذا أخلوا بين التركة وبين الغرماء فليس عليهم غير ذلك، قلت: الوجه في المسألة إن كان المديون لا مال له غير الشاة، أن يجتهد الحاكم في النداء حتى تبلغ أقصى غاية قيمة الوقت ولا يكون ذلك إلى أحد من الخصمين، فإنه أرأيت إن باعها ولد المدين بأقل من قيمتها، ثم قام عليه غريم آخر، فحاصص الغريم الأول فيما أخذ أليس قد ضيع بذلك حق الغائب والحاضر إذا كانت في البيع حطيطة إليهم؟ اللهم إلا إن تطوع الوارث بقضاء جميع الدين سواء كان في التركة وفاء أو لم يكن.

وذكر أن أبا صالح سار ذات مرة في بعض شؤونه ومعه ابنه أبو محمد، فلما كانا بعض الطريق وجدا شاة لا يدري أحد منهما لمن هي والشاة على آخر رمق فقال أبو صالح لابنه: اذبحها، فامتنع فكرر عليه، فامتنع. وكان الشيخ راكبا فنزل عن مركوبه، فذبح الشاة فتركها وانصرف فقال لابنه أبي محمد: أنتم أهل هذا الزمان لا تجزون على أحد صغيرة ولا كبيرة، ثم قال لابنه: اقطع لي قضيبا أسوق به الحمار، فقطع له قضيبا فاستحسنه وألقى الذي في يده، ثم قال: هكذا المتروك الذي يسميه العلماء متروكا.

وذكر أن أهل الحي شكوا إليه شاة تشرب من الآنية، فقالك ائتوني بها، فأتوه بها فضربها ضربة واحدة بين إذنيها، فصاحت صيحة منكرة، فلم تعد بعد ذلك إلى شرب اللبن.

شفقة الشيخ على الحيوان

وغاب عن أهله ذات مرة في بعض شؤونه وخلف ناقة له وعليها الصرار، فلم ينزعوه عنها فلما قدم وجد خيط الصرار قد أثر في غارب الناقة، حتى أحدث فيها قرحا، فاستعظم ذلك وأظهر غضبا، وابتدر ليحل الخيط عن الناقة، والصديد يقطر على كمي جبته، فقال أبو محمد: وكنت أضم كميه لئلا يصيبهما الصديد، فانتهرني وقال: تنح عني لا بأس بذلك.

يتحمل الشيخ المشاق للإبقاء على أثر الصالحين

وذكر أن أبا صالح سمع بالنكارة أنهم استولوا على جبل دمر بحلقة كانت لهم تطوف في الجبل فتكدر خاطره، فتوجه إليهم بالحلقة، ومعه ابنه أبو محمد وذلك في سنة ممحلة، وكان الشيخ يكابد الجوع والوعر، وصعود الجبل كل ذلك في الله وإحياء لسيرة المسلمين، وابقاء لذكرى الصالحين وفي ذلك كان ولده أبو محمد يرفده من وراميه لما صعد الجبل، لئلا يقع، حتى وصل إلى رئيسهم ومقدمهم " زيري بن كلمين" فعاتبه أبو صالح وقال له: ما هذا الذي بلغنا عنكم يا زيري من مرور النكار عليكم وحلقتهم بين أظهركم وأنت بالحياة؟ فقال له زيري: إن عذرنا يا شيخ بين أما سمعت المثل السائر في كلام البربر؟ وخاطبه ببيت بربري ترجمته: المرأة متى لم يزرها بعلها ابتغت السفاح، وهذا الكلام له بالبربرية وزن، وطلاوه ومساغ، غير ما يظهر من تركيبة العربية، وقال له الشيخ: منع من ذلك شجة الزمان، وما يدركنا من الشقفة عليكم فقال له زيرى فترفعون أزواجكم! فخصمه وأصاب، لأن الله أثنى على المؤمنين فقال: ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيض الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ومن أعظم الجهاد الجهاد في الدين.

الشيخ يفضل تآليف أهل المشرق ( عمان)

وكان أبو محمد يقرأ على ابنه مختصر ابن محبوب فكان أبو صالح يقول، هذا كلام محقق، فقيه، أصولي ولم يقع منه هنا إلا الجزء السادس وهو سبعون جزاء. هذا منه تحريض على العلم، وعلى تحصيل الدواوين، وذكر عنه أنه كان يقرأ عليه الكتاب المعروف بالنسخ الثلاث في الحيض، وكان كلما قرأ في النسخة الأولى يقول: هذا الفقيه العالم وفي الثانية يسكت لم يمدح ولم يذم، وفي الثالثة يقول: خلط، خلط، ذلك ليعلم أن تأليف أهل المشرق مفيدة، دون ما سواها"2" .

ومن فضيلته أن رجلا من نفوسة يدعى أبا يخلف، وكان عندهم بجربة وكان هذا النفوسي متقنا لمسائل الحيض، فمتى وردت مسألة من مسائل الحيض على أبي صالح رفعها إلى أبي يخلف فتكلم فيها بما عنده بعد ما يقول لا أرى نفسي أهلا لذلك، ويسأل من أبي صالح الجواب.

وذكر أنه لم تسمع منه لفظة شر قط إلا مرتين، إحداهما أنه سئل عن بئر إذا كانت في الجنان هل هي عيب؟ فقال: هي شر العيوب"3" ، والأخرى ذكر له رجل وكل رجلا أن يزوج له فزوج له أربع نسوة، فقال: هو شر الوكلاء.

وذكر أن رجلا نكاريا سأل الشيخ أبا صالح: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ قال: نعم، إذا كان ساترا، فقال النكاري: إنما عنيت الشاشية، فقال أبو صالح: إنما قلت لك إذا كان ساترا، وسأله مبكتا، أيجوز صوم العيد؟ فقال: لا، قال فلم تصومون يوم الجمعة وقد علمتم أنه عيد؟ قال: أرأيت إن كان في رمضان؟ فلم يجد جوابا.

وذكر أبو صالح قال: ما أفتى سليمان بن ماطوس قط في رخصة إلا في ثلاث مسائل: أحدهما أن من باع سلعة بقراريط وهو يعني دراهم الحندوس أن ذلك جائز، لأن القراريط في أوزان الذهب، والدراهم في الفضة، الثانية رجل تحقق في أعضاء وضوئه نجاسة، أو في عضو واحد منها فتوضأ حتى انتهى إلى موضع النجاسة فجعل مرور الماء على العضو النجس إزالة للنجاسة، وأداء لفريضة الوضوء، أن ذلك يجزيه ولو لم يقصد، فقال له أبو محمد: لا أعلم هذا إلا أن ترجعوا إلى جواب غيركم، والثالثة رجل سأل من رجل خمسين دينارا قراضا وخمسين سلفا، فأتاه بمائة دينار جميعا ودفعها له، ولم يبين ما للقراض ولا ما للسلف أن ذلك جائز.

يجوز الرجوع إلى الرضى بعد الإنكار لا العكس

وقال أبو صالح في امرأة عقد نكاحها وليها فأنكرت، ثم رضيت أن ذلك جائز لأن لها أن ترجع إلى الرضى بعد الإنكار ولا يرجع إلى الإنكار بعد الرضى، في قول أبي عبيدة - رحمه الله - فقال له أبو محمد: النكار أولى بالصواب في هذا الجواب، فقال له: النكار أولى من أبي عبيدة بالصواب يا هذا؟ فقال: لا ولكنهم أخذوا بقول أبي نوح صالح الدهان، وهو أظهر وأصح فصادفه النكار فرجحوه.

يهتم به تقديرا لأبيه

وذكر أن رجلا من ولد أبى مسور متخلفا، خرج من جربة إلى بلاد أهل الدعوة، يستجدي ويستعين، فعظمت مصيبته على أبي صالح لكونه خرج في شيء لم يخرج إليه سلفه، فعز على أبي صالح أن يجتمع عليه فيه مصيبتان الاستجداء وأن لا يعرف قدره، فجعل يسأل كل من يرد عليه من النواحي التي توجه إليها، ويبحث عن منزلته عندهم، وهل عرف له حظ أم لا؟ وهل أكرم إجلالا لآبائه؟ فقال له ابنه أبو محمد: إن فلانا لم يبلغ قدره هذا الاهتمام الذي اهتممت له، فقال له أبو صالح: يا هذا لا تقل هذا فإن ذلك ابن أبي مسور، ( وكان أبوهما صالحا) (الكهف: من الآية82).

وذكر أن تلميذا من تلامذة أبي صالح كان يقرأ عليه كتابا بحضور رجل نكاري يرد عليه، وأكثر الرد عليه في غير موضع الرد، ففهم أبو صالح عن النكاري أنه ينتفخ بما ليس عنده، فقال للتلميذ: ناول الكتاب من هو أجود منك قراءة، فناوله النكاري فلما أخذه بقي حائرا لم يحسن القراءة ولو حرفا واحدا فبهت وخزي.

عادة أهل جبل دمر في أخذ جزء من الدية واستنكار ذلك

وذكر أن رجلا يكنس مربدا بجبل دمر، فرفع حجرا من المربد فرمى به وراء ستر، فصادف رجلا فقتله فترافع أولياء القاتل مع صاحب المربد إلى أبي صالح فحكم فيه بالدية، فسر بذلك رئيسهم زيري، لأن عادة أهل الجبل متى وجبت دية على أحد وأخذها مستحقها فإنه يجيزها المقدم بثلثها، وزعم أهل جبل دمر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمة، ومعاذ الله، فبلغ ذلك أبا صالح فأنكره عليهم وغيره، وكره أن يتخذوه سنة، فيشتهر ذلك عنهم فيزداد في الشريعة ما ليس منها.

ينفق ماله احتسابا فيشتكي منه أبناؤه

وذكر أن رجلا من بني يراسن تاب في آخر عمره، وكان موسرا وكان يتصدق بماله فجاء بنوه إلى أبي صالح شاكين بأبيهم، ذكروا له أنه أتلف المال وتركهم فقراء فيما زعموا فقال له أبو صالح: مالك وبنيك؟ زعموا أنك أتلفت المال فقال له: يا أبا بكر، أفعل كفعل الذي نزلت فيه آية الكنز ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)(التوبة: من الآية34) ؟فكان أبو صالح يستحسن ذلك ويتعجب من كونه صدر من رجل عامي.

وزاره جماعة من العزابة في مرض أصابه فدخلوا عليه في عريش له بمقربة من موضع وضوئة فجعلوا يحفظون ثيابهم أن يصيبها شيء من ثرى موضع الوضوء فقال لهم: لا تحذروا، فإني لم آته قط بنجاسة وكان من عادة أبي صالح إذا أكمل ركوع النوافل التي اعتاد ركوعها دعا من يقرأ آيات سجدات القرآن. فكلما قرأ منها آية سجد، حتى أتى على آخرها.

قلة ذوي الفضل في آخر الزمان

وذكروا عن أبي صالح أنه قال: يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل طعامه فلا يجده، ويود من يستشير فلا يجده، ويود من يرفع إليه أمر النازلة تنزل عليه في أمر دينه، فلا يجده، لا لقلة الناس بل لقلة الفضلاء، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فليتمسك بما حفظ من دين الله، وليعض عليه النواجذ.

-----------------------------

1- في نسخه مئتين.

2-هكذا في النسخ فتأمل.

3- كان وجود البئر في الجنان عيبا لأن الناس يقصدونها للسقي ولا يمنع الماء عن المحتاج إليه فيكون ذلك البستان عرضة لإفساد الدواب ولا يمتنع عن الأيدي

أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور

ومنهم أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور - رحمه الله - الطيب موردا ومرعى، الكريم أصلا وفرعا، المبارك عينا وآثارا، المحمود خيرا وأخبارا ورث المجد عن أمجد الآباء، وأورثه نجباء الأبناء، وأبقاه فيهم مخلدا لا يفنى إلى يوم الفناء فهم شجرة الدين، لأن أصلها ثابت وفرعها في السماء، إن ذكرت السباق في حلبة العلم كان المبرز، وإن ذكرت المخلصين وجدته لخصال الخير بأسرها قد أحرز، قد تقدم من ذكر أحواله في التعلم والتعليم، وماله في طريق الصلاح من رتب حديث وقديم، وفي كل مسموع طيب وثناء كريم، وسنذكر ماله من المناقب، وكريم المذاهب، وما وهب الله على يده من المواهب، ما يحسن مرئيا عند الشاهد والغائب. من فضائل مشهورة، سائرة بها الركبان، لو سكت عنها لأثثت الحقائب.

تسلط ابن وانموى على الجزيرة في زمن الشيخ ذكر أن قائدا من قواد السلطان يعرف بابرايهم بن وانموي، مزاتي وهو من أهل المذهب من مزاتة القيروان، إلا أنه كان جائرا، فاسقا توجه إلى جزيرة جربة، وكتب قبل وصوله إليها إلى أبي زكرياء فصيل، أن تنح بأهلك وعشيرتك إلى المسجد الكبير، لئلا يدركهم من إضراره شيء أو تصيبهم من الجيش معرة، ففعل أبو زكرياء فاستباح القائد جربة نهبا وغصبا، ووقى شره بني يراسن فإنهم في جنب الشيخ لم يصبهم شيء مما أصاب أهل الجزيرة ببركته، قيل فلما قضى ابن وانموي من أهل الجزيرة إربه، وصل إلى أبي زكرياء، فأعلمه أن أهل جربة أفسدوا على السلطان رعيته، ولم يؤدوا حق طاعته، فلذلك نزل بهم ما نزل، ولكن يا أبا زكرياء ما الذي تعلم من أحوال بني يراسن؟ قال ضعفاء، قال أما يقدرون على أدني شيء؟ قال يقدرون على دينارين، قال قد قنعت بدينارين منهم، وتقدم أبو زكرياء وغرم له الدينارين من ماله وقد تقدم له في الكتاب نحو من هذا "1" - رحمه الله - قيل وكان ممن انضم إلى الشيخ أبي زكرياء من بني يراسن رجل يسمى أبا ملدين، فأصيبت له جدي وعنز فأعلم بذلك ابن وانموى، قال: أما العنز فلك، وأما الجدي فلا، فقال: بل كلاهما لي، فقال له القائد: يطلقان جميعا فإن صحب الجدي أمه فلك، وإلا فلا، فاطلقا فأخذ كل واحد منهما طريقا غير طريق الآخر، فقال له القائد: كيف ترى دعواك يا ملدين؟ قال: قد والله نالهما من رعبك ما نالنا فدهشا كما دهشنا، فضحك حينئذ، وسلمهما إليه وإنما ذلك كله ببركة الشيخ.

يطعم الجبابرة تقية ويتبرع بمثل ذلك للفقراء[COLOR] وكان أبو زكرياء ربما عامل ابن وانموي وأشباهه بالإكرام، وقابلهم بإطعام الطعام، فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله للعزابة، فالأولى وقاية للعرض وابقاء للحرمة، والثانية تكفيرا عن الأولى على أنه يقول: من حرث زرعا وحصده، ودرسه، وطحنه، وعجنه، وأطعمه الجبابرة، بمنزلة من أطعمه الأولياء، فلكليهما حظ من الثواب، وكلاهما يكتب عند الله صدقة، كما روي في الخبر.

[COLOR=darkblue]اهتمام الشيخ بالطلبة و إعانتهم سرا

وكان يقول: " منزل التلامذة كشجرة الخروب" يعني أنه لا ينبت حول الخروب نبات، فإن نبت كان ضعيفا لأن الخروب يشتف، وكذلك ما كان حول منزل التلامذة، فإنه يكون اهتمام أهله لما يصلح شأن التلامذة فجهدهم مكابرتهم، والطافهم، والقيام بمئونتهم، وكأني به - رحمه الله - يخاطب بذلك أهله وحشمه، ليكون لهم من الاهتمام والاهتبال بأمورهم، والقيام بحقوقهم، ما لا يكون عند غيرهم من ذلك فيقتفون آثاره، ولا يستعظمون ما ينفقون في جانب التلامذة، وما يخرج من مصالحهم وكان - -رحمه الله- عليه - يصرف الدنانير بالدراهم، ويجعل الدراهم في القراطيس، والصرر، ثم يعلقها في ألواح التلامذة، وربما يجعلها في أوعية دفاترهم، وربما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون، وكل ذلك منه رغبة في كتمان الصدقة فلما مات أبو زكرياء - رحمه الله- عليه - انقطع عن التلامذة ما كانوا يعتادونه من ذلك فعلموا أنه إنما كان يفعل ذلك أبو زكرياء وتحققوا ذلك.

وبلغه عن أبي بكر الزواغي أنه كان يقول: لسنا في دفاع ولا في ظهور ولا في كتمان، ولا في شراء، ولكن زماننا سائب لتضييع الناس القيام بالحق، ولا يعني أن السائب وجه من الدين خامس، فقال الشيخ أبو زكرياء لما بلغه ذلك عنه: أخبروه أن مسالك الدين أربعة: الكتمان وهو الأمر السابق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم الظهور كحاله بالمدينة ثم بعده أن أمر بالجهاد، ثم الدفاع كدفاع أهل النهروان الراضين بحكم ابن العاص وعبدالله بن قيس، ثم الشراء، كأبي بلال - رضي الله عنه- - فلو رأيا زماننا وأهله لاستحالوا التمسك بشيء من الدين.

-----------------------------------

1- للشيخ علي معمر صاحب كتاب الإباضية في موكب التاريخ كلام ونقد لموقف الشيخ أبو زكرياء فراجعه إن شيءت ولعل الذي جعل الشيخ يقف هذا الموقف من القائد الظالم أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا فرضي أن ينجو بنفسه وبعائلته.

4- أبو عمرو النميلي

ومنهم أبو عمرو النميلى -رحمه الله- الراسخ القدم، المؤثر موسرا وذا عدم، التارك الآثار والتبعات، المعمر في اكتساب البر وأفعال الطاعات، الذي كان الورع خدينه، والعلم في كل وجهة قرينه، وهو أحد أقطاب الجزيرة، وما يجري فيها الفرض والسنة والسيرة.

ذكر أبو الربيع أن أبا محمد واسلان بن أبي صالح زار أبا عمرو النميلي، بعد ما كبر وعلت سنه، وقيل أبو عمرو لما كبر زار أبا محمد، فقال: يا وأسلان يا بني، ذاكرنى بشيء أنتفع به فسكت عنه أبو محمد فلم يجبه، فقال: مهلا عليك يا واسلان، مهلا عليك، إن كنت استثقلت سؤالي فإني أخفف عنك وإلا فعلام تركت سؤالي، ولم تجبني؟ ولما رأى أبو محمد تغير أبي عمرو أقبل عليه، يذاكره، بما اعتقد أنه ينتفع به فهكذا كانت أحوال السلف وأخلاقهم، وتسارعهم إلى الخير، وسباقهم، لا يضيعون الوقت، ولا يفوتون الغائب.

جند المعز ينكلون بعدة مشائخ في جربه وكان أبو عمرو قد عاش مائة وعشرين سنة، وقتل شهيدا قتله بنو وتران زولية وذكر أنهم ذبحوه وخرج من مذبحه شيء كاللبن يسيل، وهؤلاء الذين قتلوه هم عسكر أخرجه المعز بن باديس فيما ذكر، فقتلوا عدة من مشائخ جربه، كأبي عمرو، وأبي صالح، وأبي موسى"1" وذكر أن رجلا خرج ليلا إلى المقتلة، يتفقد القتلى، هل فيهم من بقيت فيه بقية نفس، فسمع قائلا يقول باللسان البربري يا قاتل أبي عمرو النميلي، شتت الله شملك، وأزال عزك، فلم يلبث إلا أياما فخرج عليه يونس بن يحيى الطنبري ومزق ملكه، وقتل رجاله، وخرب سلطانه ونفاهم من القيروان إلى المهدية.

---------------------------------------

1- كان ذلك في الحملات الارهابية وأعمال القمع التي قام بها أمراءهم ليحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي بعد أن تمذهب به هو فعانت من جراء ذلك بقية الطوائف الاسلامية وهذه الأعمال الوحشية قام بها في الجنوب التونسي سنة 431ه.

أبو موسى عيسى الزواغي

ومنهم أبو موسى عيسى بن السمح الزواغي -رحمه الله- شيخ أهل الاخلاص والتقوى، المعتمد على قوله في الفتوى، ذو الرصانة والحلم، والمتقدم في فنون العلم، جوابه عند السؤالة رونق وبلاغة، وألفاظه حسنة الوصف والصناعة، وحسبك بأول من فخرت به زواغة، فإنه صدق في التجرد والإنابة فأتاه الله مع العلم والاجتهاد الدعوات المستجابة.

المسائل الثلاث التي انتقدها منه المشائخ وجوابه عنها ذكر المشائخ أن أبا موسى كان يتحرى الصواب ويتحفظ بالجواب، لكنهم انتقدوا عليه ثلاث مسائل إحداها قوله له أن الأمر والنهي مرفوعان عن أهل الكتمان لا يلزمهم من ذلك شيء، والثانية قوله: الرياء لا يكون بين العبد والناس وإنما يكون بين العبد وربه، والثالثة أنه لما أصيب قومه ايرءبان، لازم الفرائض مضطجعا اغتماما لما أصابهم من إخوانهم " بني تاتيتن" عذروه على الأولى، أنهم قالوا إنما يعني سقوط الأمر والنهي في أهل الخلاف، فهذا لا بأس به، وهو قريب من جواب أبي محمد جمال وهو قوله كل ما أجازه أهل الخلاف في مذهبهم، ولم يجز في مذهبك، فليس عليك إنكاره ولا يسمى هذا تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجمهور من أصحابنا يأبون ذلك، ويوجبون النهي عن جميع المناكر، ما لم يمنع من ذلك ضعف أو خوف، فيسقطه عند ذلك، وعن الثانية أن قول من يقول لا يكون في الفرائض وإنما يكون في النوافل، وعن الثالثة اعتذر عن نفسه وذلك أنه لما سمع به الشيوخ جاءوه معاتبيين، فقالوا: حججت، وتصدقت وأعتقت وأنفقت، وأنفذت وصيتك بيدك، ومع ذلك فإن الوهبية غير راضين أحوالك، لكلفك بقومك حتى بلغ بك إلى هذا الحال، وأظن المتكلم منهم أبو صالح بكر بن قاسم، فأجابهم بأن قال: يا أبا بكر ألستم تقولون أن من إذا نال خيرا نلته معه، وأن من ناله شر نالك معه، فإنه مهما أصابه مكروه فتوجهت وتوجعت شفقة عليه أن ذلك ليس بحمية؟ فقال لهم أبو صالح: اسألوا من صاحبكم المحاللة، فإنه قد أجابكم بمخ العلم.

تركناهم وطلبنا العلم فرجعنا ولم يفتنا شيء

وذكر عنه أنه قال: خرجنا من هؤلاء - يعني قومه وأهله - وتركناهم أصحاب شياه وبقرات، وقرأنا العلم ورجعنا وجمعنا مثل ما جمعوا من شياه وبقرات، لا أقول أن أبا موسى -رحمه الله- قال هذا القول فخرا وافتخارا، بل تحريضا على طلب العلم والاجتهاد في الخير والصلاح، وإعلاما بأن طلب الدنيا مدرك لا يفوت، وأن المتعين طلب العلم والدين.

أبو نوح سعيد بن يخلف

ومنهم أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي -رحمه الله- ممن سلك مسالك الأخيار، وحافظ على إحياء السير والآثار، وأخذ نفسه بما تلقى عن ذلك الأبرار، وكان ذا سعة في العلم والمال، رحيب الصدر فيهما عند السؤال، ولا يضجر من المسائل، ولا ينبو عن جوابه السائل، والورع في كل ذلك دليله، والرفق خليله.

ذكروا أن أبا نوح كان له أربعون فرسا، وكان يصطفي منها فرسا عتيقا، كان يبذل فيه الأثمان الجليلة، والأموال الجزيلة، فيضن به، ولا يسمح بخروجه عن ملكه لما خبر من صبره وشدة أسره، وكان يعده للشدائد والمرامي البعائد، حتى وصل به إلى بلاد المشرق، فقضى عليه فريضة الحج، وعليه سافر إلى " تادمكت"، ولعل كثرة ما اقتنى من الخيل لكثرة ما بأمله من الخير في نصرة الدين، ومدافعة المعتدين.

وذكر أن أبا نوح لم يصل صلاة بالتيمم على كثرة سكناه بالبادية، ولم يلبس الثياب المعدة للصلاة إلى غيرها قط، بل إذا قضى الصلاة طواها وأوعاها في الخرج، ولم تفته ركعات الضحى قط، ولم يفته نوم القائلة، فهذه خلال اعتادها لا يقطعهما عنه ما يقوم به من الأسفار ولا يتركها بعذر من الأعذار فكان إذا سافر وحان وقت المقيل نزل عن فرسه ثم نام، ثم يقف غلامه عند رأسه ممسكا له الفرس، حتى ينتبه فيصلي ثم يركب فيدرك الناس، لم يفوتوه، وكذلك يفعل في جميع الصلوات، فرضها ونفلها، وكان كثير المال كثير الأضياف لا يرد بابه دون أحد، وكان له أربع زوجات وكل واحدة منهن في خيمة فإذا نظرت إلى خيامه رأيت جلود الشياه منشورة، وعليها لفائف قطن، لكثرة ما يغشاه من الأضياف، فيكثر الذبائح.

رأيه في التصرف في مال الغير جلبا للمصلحة وكان يقول كلما تصرفت في أموال الناس في وجوه المصالح لتدخل عليهم بذلك نفعا، أو تكف ضررا، فليس عليك في ذلك تباعة، ذكرأنه رأى بقر الناس في زرع فأخرج البقر وطرده عن الزرع، وهو على فرس أنثى يتبعها مهر، فلم ير على نفسه حرجا في دخول فرسه ومهره في الزرع، لما أنه إنما قصد بذلك إزالة الضرر.

وكان -رحمه الله- مطرحا حظوظ النفس، لا يقف عند مراعاة الظواهر، إنما كان عنده القصد والإخلاص، فذكر عنه أنه كان عند أهله في ناحية من نواحي طرابلس في عام الأبراج وهو العام الذي وقع فيه الحرب بين زناتة وصنهاجة فهزمت صنهاجة، وكان بنواحي إفريقية زلازل عظيمة، وأحوال شديدة، فتشمر حينئذ من كان بنواحي أفريقية من مزاتة فصاروا بجهات إخوانهم بنواحي بلاد طرابس، فنزل إليه أبو نوح سعيد بن زنغيل، وكان عنده ضيفا، فلم يجد عنده غير الشعير واللبن، قيل فكان إذا قدم إليه شيئا من ذلك قال له: كل يا شيخ فأني لا أعتذر لمن أدعو له بالجنة، وأرجو أن يكون من أهلها، ألا ترى حسن هذه العبارة ولطافة هذه الإشارة؟ - رحمه الله- عليهما-.

قيل وفي هذه السنة انضم عبد السلام بن أبي وزجون فيمن انضم من مزاتة إلى جهة طرابلس، وفيها سئل عن السخط والرضى وعن تلك المسائل، فقال: إنها صفات الله فعيب هذا الجواب وطرد، وسافر إلى المشرق للحج، قلت: ولعل الجماعة رضوا عنه، وحينئذ توجه إلى الحج، وإلا فلا يمكنه أن يقصد إلى الحج وهو في وحشة الهجران، بل بعد أن يتوب وتقبل توبته.

أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي

ومنهم أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي -رحمه الله- لم يقصر عن مدى أصحابه، وإن كان غير منتفع بشبابه، وذلك أنه قضى أيام الشباب في لا شيء، ثم توجه إلى الله فبدل الرشاد بعد الغي، فسعى وحفد وجد واجتهد، حتى فتح الله عليه في مدة يسيرة، بما ناله غيره في الأعوام الكبيرة فكان بالمجاهدة مذكورا، وبالعلم والورع مشهورا.

ينتقل من رعي الغنم إلى طلب العلم ذكروا أن أبا محمد واسلان كان راعي غنم، فأتى عليه حين من العمر وهو لم يدر ما الصلاح، ولا أهله وكان عادته إذا خرج في رعاية أن تجتمع الرعاة، فيغني لهم، وكان حسن الغناء، فإذا كان آخر النهار ختم غناءه بكلمات، فيذكر الله فيها ويدعوه، فكانوا إذا سألوه أن يغني لهم فراغه من الدعاء يقول لهم: أما بعد إذ ختمت فلا، ويمتنع فلا يعود إلى الغناء على كل حال، وكانت له هذه خيرة، فهداه الله إلى الطريق المرضي فتاب ورجع إلى الله، ولحق بتلامذة القرءان في أيام أبي القاسم يزيد بن مخلد فابتدأ في قراءة القران على تكلف شأن التعلم على الكبر كما في كريم علمك وكان جهير الصوت فمر به رجل فوجده يعالج من ذلك ما يعالجه المبتدئ فقال له: يا واسلان هلا رجعت إلى أهلك فلازمت الصلاح واصطناع المعروف؟ فان ذلك أنفع لك وأجزى عنك وكأنه أياسة من التعلم، فساءه ذلك فخرج من المسجد ولوحه في يده، وعبرته تخنقه، بل دموعه تسيل، فوجده رجل آخر على هذا الحال فقال له: ما شانك يا واسلان؟ فأخبره بما قال له الرجل وأياسه إياه من روح الله، فقال له الرجل هات لوحك وكان قد رماه فقال له: اقرأ فقرأ فقال له: أي عالم يخرج منك يا واسلان! فارتاح لقوله، ورجع إلى تعلم القرآن، حتى حفظه، ثم تعلم علم الكلام وحصل الأصول على شيخه أبي القاسم - رحمه الله-.

فذكر أنه كان في أيام قراءته على أبي القاسم حضر يوما إلى منزله، فوجده راقدا فطفق يتناظر هو وزوج الشيخ في مسألة من علم الكلام، قال: فلما أفاق قال له: هل سمعت ما نحن فيه! قال: نعم سمعتكما تتراميان بالخزف،يريد ضعف حجتهما في المناظرة، فلما قضى واسلان من هذا الفن وطره شاقت نفسه إلى تعلم الفروع فاستأذن أمه في السفر، والغز عليها في الاستيذان، فقال لها: أتأذنين لي في الطلوع إلى الجبل، فقالت: نعم، فذهبت هي إلى الجبل بمقربة من منزلهم، وذهب هو إلى جبل نفوسة، فجعل يقرأ العلم حتى حفظ في الفقه كتبا كثيرة، وكان في أثناء هذه المدة إذا وصله كتاب من تلقاء أهله رمى به في الكوة لا يقرأه، حتى قضى وطره من علم الفروع وعقد النية على الرجوع إلى أهله، فقرأ الكتب فوجد في الأول التعزية بأمه ووجد في كل كتاب مالو اطلع عليه لكان شاغلا عما قصد إليه من الخير، قيل ولما خرج مسافرا عن جبل نفوسة شيعه المشائخ مودعين، فلما أراد الانفصال قال لهم: أخبروني يا معشر نفوسة عن رجل حلف بالله ثم حنث ما يجب عليه؟ قالوا: العتق أو الإطعام أو الكسوة هو مخير في الثلاثة إن كان مستطيعا، فقال لهم: هو مخير؟ قالوا: نعم فقال: هذا ما كنت أحاول أن أسمعه منكم، وقد ظفرت به منكم، فإني متى سألني سائل عن مذهب أهل جبل نفوسة، قلت: التخيير فقالوا له: إلى هذا كان قصدك.!!

قيل: وكانت إقامته فيهم سبع سنين فحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرس عند أهله، وكانوا إذا رأوه يقرأه في الشتاء، قالوا له: يبتل كتابك ببلل أندية الشتاء، ويقول لهم: سيأتي الصيف ويجف فان كان الصيف قالوا: يحترق كتابك ويتقبض بحر الشمس، ويقول لهم: سيأتي الشتاء، وينبسط. وكان -رحمه الله- لا يفتر عن القراءة في كل زمان.

يتعجبون من حلمه فيمتحنونه ومما يذكر عنه من رحب الصدر وكثرة الصبر، ما حكاه جماعة من أصحابنا أن قوما من أهل القيروان ذكروا أبا محمد واسلان وما وهب الله له من العقل والفضل، والعلم والحلم، وسعة الصدر، فتعجبوا، وقالوا: أيكون هذا من أخلاق بربري؟ قال أحدهم أنا أمتحنه لكم اليوم فقعد له في طريقة حتى مر فرفع إحدى رجليه ليخطو فجذب رجله الأخرى فصرعه، ثم قام ومسح التراب عن وجهه، ثم قال: الحمد الله، ولم يكترث بذلك.

أبو صالح الياجراني

ومنهم أبو صالح الياجراني -رحمه الله- هذا الشيخ أعبد العباد، وأزهد الزهاد، وكان لكثرة زهده يحسب أن ذلك بله، ولفرط حزنه على الآخرة يظن أن الذي به وله، لا يكترث إلا بخدمة ربه، ولا يعمل لشيء غير حبه، حتى خصه بالكرامات التي خص بها الاولياء، وأفاض عليه نور معرفته وكساه الآلاء.

تهجد الشيخ وملازمته المسجد

ذكر أبو الربيع عن خاله عبود بن منار، أنه كان يذكر عنده أن أبا صالح ينتقل في كل ليلة في جميع مساجد وارجلان، يطوف عليها مسجدا، بعد مسجد، قال: فأتبعته ليله وقد قام لتهجده، فجعل كلما أتى مسجدا ركع ما شاء الله أن يركع، فإذا انصرف قفوت أثره، وهو لا يشعر ثم يأتي مسجدا آخر، فيركع كذلك أيضا، وأنا خلفه أركع، حتى مر ببعض المساجد وأخذ بالركوع فغلب علي النوم فاستندت إلى بعض المساجد أساطين المسجد، فلم أستيقظ إلا وقد خرج، وغلب على ظني أنه أتى مسجدا آخر حتى يطوف على جميعها، فحققت ما كان يقال عنه.

بعض ما ذكر من كرامات الشيخ وكان هذا الشيخ يحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر، فحضر مجلسه ذات يوم، فكان أكثر ما أورد فيه الوعظ والتخويف، وأسهب ما أمكنه، فقال له أبو صالح: يا محمد، أليس يقولون الجنه في آخر الزمان أرخص من حمار أدبر؟ فقال: نعم، أرأيت إذا وجدت في السوق جملا بقيراط واحد أتكون لك قدرة لتحصيل الجمل ما لم تملك القيراط ؟ وذكر عيسى بن يرزكشن قال: مررنا بأبي صالح في الغيران المعروفة " ببني أجاج" بخارج وارجلان وكنا في جماعة من العزابة، قال فأضافنا أبو صالح وبتنا عنده تلك الليلة فلما كان وقت من الليلة وأخذ العزابة في القراءة جعلت الجن ترد عليهم، يسمعون الأصوات، ولا يرون الأشخاص وذلك دأبهم مع أبي صالح، ولعلهم من مؤمني الجن، تأنسوا بأبي صالح، وتأنس بهم، لأن من هرب من الناس وتوحش منهم تأنس بما يتوحشون.

وذكر من كرامات أبي صالح أنه إذا أتى ليلا إلى الغار الذي هو مصلاه من غيران: بني أجاج" وأراد الدخول ليتنفل على حسب العادة أسرج له سراجان أحدهما عن يمينه، في الجانب الغربي، والآخر عن شماله في الجانب الشرقي، ولا يعلم ولا يرى من يسرجهما له.

خروج الشيخ من وارجلان اعتزالا للفتنة

ووقعت فتنة بوارجلان فلم يكن أبا صالح المقام بها فخرج مهاجرا إلى ناحية أدرج، وكانت له بها إبل، فمكث عند إبله مدة سبع سنين حتى صرف الله الشر عن بلاد وارجلان، وانتشرت فيها العافية فأراد أبو صالح الرجوع إلى الوطن، وكان حينئذ ببلاد أدرج شيخ من المشائخ الكبار، وكانت عنده حلقة عظيمة فيها نحو ثلاثمائة تلميذ يقرأون العلوم، وسير أهل الخير والصلاح فكان أبو صالح يستأنس به، ويستفيد منه، فلما خرج مسافرا خرج الشيخ معه، وتلاميذه مودعين، وجعلوا يودعونه جماعة بعد أخرى، حتى لم يبق غير الشيخ.

الدعاء الصالح من خير المكاسب فدار بينهما من الكلام المفيد أنواع، فكان آخر ما دار بينهما أن قال أحدهما للآخر: أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا، وسعة الأرزاق فيها أبالتجارة أم بالزراعة أم بالصناعة؟ فلم يجبه طلبا لأخذ الفائدة وليكون الجواب من عند السائل فقال: إن أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا أغثت ملهوفا أو سددت فاقة مضطر، وذكر أنه استسلف حينئذ من تلك النواحي عشرة دنانير صرفها فيما لابد له منه، فلما قدم على أهله وأحضر الدنانير المذكورة وأراد تبليغها منه ولم ير ما يخلصه منها إلا أن يؤديها بنفسه، فلما ارتحل عن أهله اجتاز بقوم يعملون المعروف ويتطوعون به لسد خلة أو نفقة على أنفسهم، فكل رجل منهم يتنفل بما عنده، ويتطوع بما قدر عليه، فارتاح أبو صالح واهتز ورآها فرصة تنتهز، لكن تردد ما بين الفرصتين أداء الاتباعة لمستحقها أو اصطناع المعروف في محله ثم أنه رأى تقديم ما يخاف فواته على ما ليس بفائت واستخار الله عز وجل، وتطوع له بدينار من العشرة دنانير، ودفعه لهم عازما على استئناف اغترامه لصاحب السلف، فلم ير بذلك باسا لأن ذمته كانت عامرة بالكل، وتبقى عامرة بالبعض، فبعد دفعه الدينار تمادى في طريقه حتى وصل إلى صاحب السلف، فدفع له الصرة فعدها فوجد فيها عشرة دنانير، والشيخ لا يعرف أكثر من تسعة، فقال له: أعد عدها، فأعاد، فوجد عشرة فعلم أن ذلك من عند الله.

تحرج الشيخ وشدة ورعه ومما يحكى من الأخبار التي لم ينسج أحد على منواله ما ذكر أنه جلب من إبله أبعرة إلى وارجلان للبيع، فاشترى وارجلاني منها بعيرا، فلما أراد أن ينقده الثمن قال له: إن ثمن جملك في تادمكت، وكان له جمل أراد المسير عليه، فقال له رجل من أهل وارجلان: أتحمل لي على جملك هذا حمل متاع إلى تادمكت فتبيعه لي هناك؟ فقال: بكم أبيع حمله، فقال: بكذا وكذا، وكان بعدد سماه له، فلما وصل تادمكت وسوق تلك الوديعة، نقص من العدد الذي سمى شيء يسير، قيل قدر ثلاثة أرباع قيراط، فقال لا يمكن البيع بدون ما سمى لي فرجع بالحمل إلى وراجلان قالوا: فلم ير حمل رجع من تادمكت إلى وارجلان غيره، ولا سمعنا به، وهذا في التحرج شيء بعيد.

قوة إيمانه ويقينه

وكان لأبي صالح ولدان أحدهما يسمى صالحا وبه يكنى، والآخر يسمى سليمان وكان إذا أراد أن يسأل عن ولديه يقول: ما فعل ابني صالح؟ وأما سليمان فقد رضى عنه المسلمون، وكان يقول: إذا نظرت إلى ولدي سليمان، وإلى عمران بن زيرى وسدري بن سليمان احترقت نفسي، وعلمت أني محتاج إلى التوبة والإنابة، واستئناف العمل، وكان هؤلاء النفر الثلاثة يقول بعضهم لبعض: سيروا بنا إلى زيارة الأخيار، ودعونا من هذا الشيخ - يعنون أبا صالح- فإنه لو سكن بين أظهر المشركين ما تبدل، ولا تغير، ومما يحكى أيضا من إطراحه الاستعمال أنه كان ربما قصد مع أبي عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- حتى تذاكر معه في الصغيرة والكبيرة، حتى كان مما ذكره أبو صالح أن قال له: يا محمد يا ولدي ما عسى أدركت منى وشعر رأسي كالثغامة، ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل، ولو علمت ما علي من القوة والشجاعة والعبادة، لو رأيتني حينئذ لرأيت شيئا عجيبا تعجب أن تراه، أفتراه -رحمه الله- يريد بذلك تفاخرا وسمعة؟ حاشاه، ثم حاشاه، إنما ذلك دليل على صفاء باطنه وكونه لا يحذر شيئا يحذره أهل الدنيا - رحمه الله-.

الطبقة التاسعة400-450 ه : 1- أبو عبدالله محمد بن بكر منهم أبو عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- الطود الذي تظاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد، بيت أهل المذهب والمشهور بالبركات، والمعتمد عليه فيما أصل للحركات والسكنات أسس قواعد السيرة وله في كل فن تآليف كثيرة، وأكثرها الحجج والبرهان لأنه كان فيها ركن الأركان، وحفظ عنه في الأخلاق حكم قد خلدت في بطون الأوراق، وله الدعوات التي ترتجى وتتقي عواقبها، وهي باقية لذريته يتوارثها بدورها وكواكبها.

كرامات تحكى عن الشيخ أبي عبدالله

وصنوف فضائل أبي عبدالله أكثر من أن تحصى، لكن أذكر منها ما تيسر، فمن كراماته أنه أضاف جماعة من أهل الخير والصلاح؛ ممن ينبغي معه الاحتفال، وممن لا يقابل بالمحال وكانت غنم الشيخ في مرعاها بالبادية، ولم يحضر ما يسنى به طعام أضيافه ولا وجدوه له بوجه الشراء فقال لهم: انظروا العريش هل فيه شيء أم لا، وكان في داره عريش فنظروا العريش، فإذا فيه كبش عظيم، فجهز به ضيافة أضيافه فبعد ذلك قدم رعاء الغنم فسألهم عن حال الغنم فقالوا: ما علمنا بأسا إلا أن الكبش الكبير الفلاني دارت عليه زوبعة ريح في يوم كذا وكذا، فتشنا عنه فلم نجده، وهذه الحكاية روتها جماعة ممن لا يرد ما ذكر، ومثلها لمثله، لا ينكر، ومن كرامته ما ذكر الفقيه أبو الربيع -رحمه الله- قال: كنت عنده ذات يوم وحوله عمال يعملون فقدم لهم بسرا ليأكلوه، فقال لي: كل يا سليمان، فامتنعت، فقال: كل يا سليمان، إن من يطاوع لمشكور الحال، محمود الخلائق، فأردت أن أقول ولو فيما لا ينبغي، فأمسكت فاطلع على ما كتمت، وكوشف بما عنه سترت فقال لي: يا سليمان ذلك ليس بمطاوع فنطق به قبل أن أظهره له.

وكانت في أيام أبي عبدالله امرأة كثيرة التخدم لتلامذته، محسنة القيام بمعائشهم، وكثير من مهماتهم، فتزوجها رجل وغاب عنها في نواحي طرابلس في بعض أحياء مزاته، فأضر بها مغيبه عنها، وبلغ ذلك في الشيخ مبلغا عظيما، لكثرة اهتباله بها، فوجه رجلين إلى ناحية طرابلس في شأنها، أحدهما علي بن يعقوب، والآخر عمرو بن يحيى، وأشهدتهما على نفسها أنه متى فارقها فقد أسقطت عنه المهر، فلما استوثقا منها سارا إلى جهة طرابلس، فوصلا إلى الرجل فأشهدهما أنه خلى سبيلها، فكرا راجعين إلى أريغ، ثم انقلب علي بن يعقوب إلى جبل نفوسة ثم أراد الرجوع، فمر بقرية خاملة الذكر، فيها عجوز يجتمع إليها الناس يسألونها عن مسائل دينهم، ولها مصلى تصلي فيه، قال علي فصليت فيه صلاة الصبح مع أهل المنزل، فتفرقوا.

خير الجني الذي قيل أنه كلم الناس ثم جلست أتلو القرآن حتى غلبتني سنة، فما أيقظني إلا صوت قاريء يقرأ بازائي، أسمع صوته ولا أرى شخصه،ثم سمعت صرير ثياب لها تحرك وهي جديدة، فارتعت ارتياعا شديدا، فقال في الصائت: لا تخف فإني جني ممن لا يخشى أذاه فسألته عن كثر من الأنباء فأعلمني بما سألته عنه من الأشياء البعيدة عنا، ثم سألني عن السبب الباعث لي على السفر إلى ناحية طرابلس، فذكرت له خبر المرأة وبعلها وما كلفني به الشيخ أبو عبدالله من إصلاح حالها، ثم وضع سؤالا فسألني به، فقال: كيف ولايتنا لكم، وولايتكم لنا؟ فقلت: الجواب من عندك، قال: نعم أما ولايتكم لنا فبالجملة، وأما ولايتنا لكم فبالأشخاص، فسمعت العجوز تجاوبنا، فجعلت تسبح وتكثر التعجب ثم شكوت إليه ما استقبلته من الحركة وأتوقعه من خوف الطريق، فقال: اقرأ هذه الآية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) (البقرة:من 136 إلى 137) فكررها علي حتى حفظتها، ولم تقنعه قراءتي معه حتى قال لي: اقرأ وحدك، فقرأت، فقال: الآن قد تحققت أنك قد حفظت، ثم قال: إن لنا موعدا بالجزيرة اليوم، لا يمكنني المغيب عنه، فلا تغب عن هذا المكان حتى أعود إليك إن شاء الله، فإنا لنتحدث إذ طلعت الشمس فقال لي: هذا وقت الختمة، فخذ بنا في الدعاء فقلت له: الدعاء من عندك، فقال: بل الدعاء منك لأنكم أفضل، فدعوت، ثم دعا، ثم قال: زيدي من الدعاء يا عجوز، فدعت وأكثرت التسبيح، ثم مضى الجني وانتشر الخبر في القرية أن الجني تكلم وحار الناس وتنحيت عن الناس بحذاء القرية في خربة، ثم نمت فيها، فلما استيقظت أقبلت أنظر ميعاد صاحبي، وجئت إلى العجوز فأعلمتني أن الجني أقبل، وسأل عنك، فلم يجدك فناولني حصيات، وقال ادفعها إليه إذا جاء، وقد انصرف وترك الحصيات برسمك، فهاكها، فأخذت الحصيات فوجدت عليها خطا رقيقا، لا أكاد أبينه، فعزمت على التوجه إلى ناحية بلادنا، فسلكت على نفزاوة، ثم على تقيوس، ثم قال وقد اشتريت كساء طاقيا"1" من نفزاوة، فلما صرنا في السبخة التي بين نفزاوة وبين تقويس من طريق بشرى وتوسطنا السبخة واجهتنا خيل لا نستطيع الهروب منها فقصدناها وقصدتنا وأنا في ذلك أردد الآية التي علمنيها الجنى، فلما وصلناهم حفوا بنا والكساء الطاقى على عاتقي، فردد في أميرهم نظره وصعد فينا بصره وصوبه وقد غشينى زبد فرسه، فقال لنا من أنتم ؟ فقلنا: عزابة تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين، قال: وقد كنت أتوقع أن يقول ضع الكساء فسلمني الله، وذلك بفضل الله ثم ببركة الشيخ أبي عبدالله فإني ما تحركت إلا مساعدة له وموافقة لمراده، قال: فكانت معي تلك الحصيات فوصلت بها إلى تادمكت لم أزل أتعرف ببركتها فلم أرزأ قليلا ولا كثيرا مذ ظفرت بها.

جملة من الأحكام الشرعية استجوب فيها القاضي أبا الحكم وذكر يعقوب بن أبي القاسم أن أبا الحسن أفلح كان من أصحاب أبي عبدالله وكان أبو الحسن تلامذة حمو بن اللؤلؤ فاحتاج بنو ورتيزلن إلى أن يقوم عليهم أبو الحسن قاضيا فقدمه عليهم الشيخ أبو عبدالله قاضيا، فمكث سنين فيهم قاضيا يحكم بالعدل، حتى ملوه وضجروا منه، فوقعوا فيه عند الشيخ أبي عبدالله وأكثروا الشكوى وكرروا القول فلما طال ذلك على أبي عبدالله وكان من جبلته الغيرة على أهل الفضل فاستحضر جماعة بني ورتيزلن ومن يليهم من تلك النواحي وحضروا في جمع جم، وحضر أبو الحسن وحلق القوم حلقة واحدة عظيمة فسكتوا طويلا، فقال لهم أبو عبدالله: ما الذي نقمتم من أبي الحسن؟ فقال قائلهم: أن أبا الحسن يحكم بين بعض منا دون بعض، فقال الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ فقال: نعم، فقال لهم الشيخ: ثم ماذا؟ قالوا: حكم على رجل بصداق امرأة بغير إقرار ولا شهادة، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال نعم فقال لهم: ثم ماذا؟ قالوا له اختصم عنده رجلان في شفعة فأبطلها من يد القائم فيها، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال: نعم، قال لهم: ثم ماذا، قالوا: مات رجل بقرانا فأوصى في ماله بوصية فاستأثر بها أبو الحسن، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ فقال له: سأخبرك بما فعلت فيها، قال لهم الشيخ: ثم ماذا، فلم يجدوا زيادة .

فقال له أبو الحسن: يا محمد أيثبت الحاكم الخصومة في الأرض المشاعة التي لم يتعين لها رب؟ قال: لا، قال فإن هؤلاء القوم حين دخلت هذه البلاد قالوا لي: ما بين فلانة إلى فلانة مشاعة لبني ورتيزلن، فجعلوا يعمرون هذه الأرض دون أن يسلم بعضهم لبعض، فهو ما لم أحكم فيه بينهم، ثم قال: ما تقول في رجل أقر بالنشوز هل يحكم عليه بالصداق أم لا؟ قال: نعم، قال: اختصم إلي الخير وامرأته تازوراغة، فأقر بالنشوز، فحكمت عليه بصداقها، ثم قال أبو الحسن: ما تقول في نخل نبت في أعلى مجرى العامة هل يحكم فيها بالشفعة لبعض دون بعض؟ قال: لا، ثم قال: إن رجلين اختصما عندي في نخله هي في مجرى العامة، فطلبها رجل بالشفعة من مشتريها وهو واحد من تلك العامة، فلم أحكم له بها، وأما أمر الوصية فإن الرجل الذي مات من بني ورتيزلن استخلف امرأته على تنفيذ الوصية، فقالت ليك أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ هذه الوصية، فأرسلت معها ولدي فبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما، ولم أره، ولم آكله، ثم قال إن عندي كلاما لا أريد أن ألقيه إليك فقال: دع كلامك فحلف أبو الحسن أن لا يتكلف قضاء بينهم سبع سنين، فصاح فيهم الشيخ، فتفرق كل واحد على جهة، وقام أبو الحسن منصرفا فقال الشيخ ليعقوب بن أبي القاسم: اردد أبا الحسن، فرده ومضى معه إلى الغار، فقال الشيخ ليعقوب: أنظرني، وذلك في أول الليل، فلما أصبح لم يخرجا ثم إلى غروب الشمس فلم يخرجا، ثم إلى الصبح فخرجا فتوادعا، فقال يعقوب: فقمت إلى أبي عبد الله فقال من هذا فقلت: أنا يعقوب فقال: أو أنت قاعد هنا إلى الآن؟ فقلت: أجل، فقال: إن أبا الحسن لم يزل يسئلني عن مسائل الأحكام، ولم يفتر عن السؤال إلا إذا قمنا إلى الصلاة، ثم قال: إن جيرانك يصارعون من لا يصرعونه.

ومن الكرامات ما ذكر علي بن يعقوب قال: رأيت في منامي بعد موت أبي عبدالله كأني أتيت إلى تين يسلى، فسألت عائشة زوج الشيخ عنه، فقالت لي قد خرج، فأنا في ذلك إذ أقبل على فرس ادهم، فنظرت إلية فإذا هو كحيل العينين، ناعم الجسم والوجه، فنظر إلي فقال: امض بنا فقلت يا شيخ أني غير ماض بعد؟ فنظر إلي فقال تركته للناقضين الذين يموت الدين على أيديهم"2"، فتوجه نحو المشرق.

مشائخ يتسابقون إلى قضاء دين أخيهم

ومن فضائله ما ذكر أبو الربيع أن رجلا نفوسيا كان صاحبا ليكنول بن عيسى المزاتي، وكان بتاجديت وكان لازمه ويسعى في أموره وحاجاته، حتى ترتب للنفوسي على يكنول عشرون دينارا، فمات يكنول في بلاد إفريقية في غير بلاده، فسار النفوسي في طلب ماله قبل يكنول، فلقي المشائخ بتاجديت، فقالوا له: إن يكنول قد مات في غير بلده ولم يترك وارثا سوى بنتا له طفلة ولم يوص بما ذكرت، فلما أيس النفوسي من الخلاص على أيديهم وسمع بمشائخ أهل الدعوة قدموا إلى قسطالية ونزلوا قنطرار وفيهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر ومحمد بن الخير وداود بن يوسف وسعيد بن إبراهيم -رحمه الله- جميعا في جماعة كبيرة قصدهم النفوسي، فأعلم الشيخ أبا عبدالله بقضيته وشكى إليه بعدم خلاصه، فجمع أبوعبدالله أصحابه وقص عليهم قصة النفوسي ويكنول، وما شكى به النفوسي، فقام داود بن يوسف فقال:علي قضاء دين يكنول من مالي، فقال له الشيخ أبو عبدالله: اجلس فلا يصح لك إلا نصيبك ثم قام سعيد فقال كقول داود، فقال له أبو عبدالله مثل ما قال لداود، فقام محمد بن الخير فقال: علي دينه لسعة مالي، فأجابه أبو عبدالله بمثل جواب أصحابه، فلما رأى النفوسي تبرعهم ورغبتهم ومسارعتهم إلى الخير واهتمامهم بقضاء دين يكنول. فقام فقال لهم: تركت لليكنول ديني عليه، فقال له المشائخ: اجلس فجلس فجمعوا له دينه.

ومن تحرجه ما ذكر أبو الربيع قال: دعاني أبو عبدالله محمد ذات مرة، فقال: إني قمت البارحة فلم أجد ما أتوكأ عليه إلا هذه الجريدة ولا أدري لمن هي فأخذتها على وجه الدلالة على العزابة عموما، فسل عن صاحبها وادفعها له.

الجماعة أولى وأهم من الفرد

وتوجه إلى وغلانة فوجد بين أهلها تنازعا وتدابرا وفيها رجل من لواتة يسمى أبد الله من ذرية أبد الله السكاك، يعنتهم في الأمور وينزع إلى الخلاف والتشاغب، فقال له أبو عبدالله لما علم أنه أحد أسباب الخلاف بين جماعتهم: اعلم يا أبد الله أنه ليس واحد أفضل من جماعة غير النبي عليه السلام، واعلم يا أبد الله أن من يتكلم وقد أحتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببليه، ومن يتكلم ولم يحتج إلى كلامه فقد ابتلى ببليتين.

ضيوف الله أولى بالإكرام

ومن إيثاره وحسن آثاره ما ذكر أنه قدم وغلانة وبها جماعة من التلامذة العزابة، فجلس أبو عبدالله في ظل النخيل التي عند رأس تغرمات، فأطرفه أبو عمران موسى بن كنون برطب بني باكور وقثاء، فعلم -رحمه الله- أن ذلك لا يؤثر به غيره وأن العزابة الغرباء قد يكون بهم تشوق لمثل هذا مما يستغرب فلم ينفرد بذلك دونهم فقال له: يا موسى أعلي تتجرأ بمثل هذا، وتجهم في وجهه، فقال: وما ذلك؟ قال: تتحفني بمثل هذه التحفة ومعك أضياف الله لا يتحفهم أحد بمثل هذه التحفة، وهم أولى من أوثر بها فاذهب وادفع ذلك إليهم وطب نفسا بما يقر عيونهم، فقال: إن هذا شيء يسير لا يجزي فيهم، ولا يقوم لهم مقاما، فقال: بل يقوم لهم أي مقام فجز القثاء على عددهم، أو أكثر من عددهم ثم ضعه على الرطب، ثم ادفع إليهم، ففعل ولا يبعد أنه تناول لنفسه مثل نصيب أحدهم لا زيادة وكل ذلك ليبقيه سيرة يقتدي بها من رآه أو سمع به.

ومن الكرامات ما ذكر أبو الربيع أن الجراد نزل" بتين يسلى" وكاد يتلف ضيعة الشيخ أبي عبدالله فدعاني، فقال لي: صل إلى الضيعة فاقرأ هذه الآية (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)(الرعد:من 10 إلى11) ثم ناد يا من هنا من إخواننا يستعين بالله ثم بكم الشيخ الضعيف الأعمى، على دفع الجراد عن ضيعته، قال: ففعلت ما أمرني به، فانكشف الجراد وانقشع بإذن الله، ونحو ذلك ما ذكر أنه كان نازلا بالبادية في فصل الربيع بالناحية الغربية إلى بلاد أريغ، فنفرت بغلة الشيخ وصارت متوجه إلى بلاد أريغ، فلم يستطيعوا ردها، فقال: قوموا يا إخواننا ردوا على الشيخ الضعيف الأعمى بغلته ففعلوا فرجعت البغلة دون أن يردها أحد.

ومن حكمه وأمثاله في ذم الزمان وأهله قوله: أن أهل زماننا هذا كالسبخة، إن ابتلت أزلقت، وإن جفت خدشت وكالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا، وإن افترقوا تصايحوا وقال: قطيعة الرحم كقطع عضو من الجسد، لا يخاط ولا يربط، ولا يناط.

خروج الشيخ من أريغ وذكروا أن بني ورزمار طغوا وأكثروا من الفساد وقطع الطرق وأنواع الأذى، فاجتمعت جماعة أهل أريغ عند الشيخ أبي عبدالله فوعظهم وذكرهم على حسب ما جرت به العادة في مجالسه ثم ذاكرهم فيما تدمر به السالكون في الطرق، والمستضعفون في الأرض من أضرار بني ورزمار بهم، وأنهم ينبغي لهم النظر في حسم هذه العادة، وأكثروا القول في ذلك، فأجاب قائلهم بأن قال: لا طاقة لنا، وما عسى أن نقدر عليه؟ فقال لهم الشيخ: نحن نقدر إذا على أنفسنا فارتحل بأهله وعياله ونزل أيفران من قرى وارجلان، فأقام فيهم عاما فضاعت أحوال أريغ لفقدهم أبا عبدالله، وما كان يصلح من أحوالهم وفسادهم فاجتمعوا في جمع كثير، وقصدوه ورغبوا إليه في الرجوع إلى موضعه وكان من قولهم أن قالوا له: لم تركت ضيعتك وقد أقبلت منفعتها وأقبل خيرها؟ فقال: هي عندي وهذه" الزيتا" واحد -و أشار إلى شجر" الزيتا"3" حوله كأنه يراها - وما الذي في ضيعتي من فائدة إذا كنت منكم كالفريسة يعتادها السباع من كل مكان؟ أولا ترونني أقصد من الآفاق؟ يقصدني العزابة للاستفادة فيقتلون بنواحي أريغ! وعدد عليهم أشياء قبيحة.

فلما أيسوا من رجوعه معهم تلك المرة رجعوا، فاجتهدوا في قطع الفساد جهدهم، واستعملوا الصلاح وتحلوا بحيلة الخير، وتعاونوا على البر حتى ارتدع عتاتهم، وانقمع غواتهم، فلما بلغه ما هم عليه من الخير وسألوه الرجوع رجع.

منشأ الخلاف الاستبداد والعناد

وقد كان محمد بن سليمان زاره إذ هو بايفران ورغب إليه في المسير إليه، فقال: تصل إلى وارجلان فترى الناس ويرونك ويتبركوا بك، فقال: مالي ولقوم عمدوا إلى مكتل عظيم فجعلوا فيه القدور والملاقي"4" والشقف والملاحف، وخلطوا ما لا ينبغي أن يخلط قال الشاعر:

وعن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه أوصى بعض تلامذته عند وداعه إياه منفصلا إلى أهله فقال: اذهب إلى منزلك وأهلك فإن وجدت من تقدمه في الأمور فتكتفي به فاتبعه فإن لم تجده ووجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البر والتقوى، وإن لم تجده ووجدت من يقتدي بك في الخير فكن إماما، وإن لم تجد من هؤلاء أحدا فألزم الطريق وحدك، وجانب الناس.

وعنه أيضا قال: خرجنا في حلقة زائرين أهل الدعوة فلما صرنا في بلاد الساحل خرج أهل المنزل فتلقونا فأدخلونا وأحسنوا نزولنا، وإذا فيهم رجل ممن كنت أعرفه من تلامذة شيوخي، وممن قرأ معي، وإذا هو قد لبس كساء حشميا"5" وفي رجلية قرق قلعي، وعلى رأسه شاشية حمراء وفي يده مزراق يرفعه ويضعه فأدخلواني المنزل وقد عزمت على هجران صاحبنا المذكور، ثم أن الرجل أدخلنا بيتا وأدخل معنا رجالا من أعوان الجبابرة فأزددت عليه حنقا، وتضاعف غيظي عليه، وقلت لابد من الخطة فأكلنا طعاما إلى آخره وفرغت القصعة وجعل الفور يتصاعد من قعرها، ولم أرى قبلها قصعة تفور بعد فراغ الطعام، وذلك لشره الأعوان وشدة أكلهم وقلة أدبهم وكان ذلك مما زاد في حنقى وقوى عزمي على هجرانه، إلا أنه كان من لطف الله أن حبست نفسي ولم أعجل عليه، قال فبعد انصرافهم أدخلنا بيتا آخر ليس إلا العزابة فيه، وأحضر طعاما حفيل،ا فقال: كلوا فلعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله،............."6" ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الاسم، ثم قال: ما دعانا إلى ما ترون من مؤاكلة غير الجنس إلا المداراة عليكم وعلى المذهب قال: فانحل بعض ما اعتقدت ثم دعونا وانفصلنا إلى المسجد فلما كان وقت الصلاة الأولى فإذا بالرجل قد جاء - وأذن فانحل بعض ذلك أيضا ثم جاء وركع ما شاء الله، ثم أقام الصلاة فلم يجد من يقدمه ليؤم فتقدم وأم بالجماعة فانحل بعض ذلك أيضا، ثم دعا فقام وركع ما شاء الله، ثم جلس وأخذ الكتاب وجعل يقرأ ويفسر ما أشكل منه، فانحل جميع ما اعتقد عليه، وحمدته واستحسنت حاله، وحمدت الله إذ لم تكن مني إليه عجلة بنشاط، ولا معاملة بمكروه.

وعن أبي عبدالله -رحمه الله- قال مثل الجماعة كالخشب ومثل من يستغني برأيه كالوتد الذي يضرب في الخشبة فتفريق الجماعة إنما يكون بسببه، وذلك إذا استبد برأيه في أمر تنبغي فيه المفاوضة كان حريا بأن يخطئ فإذا أخطأ فلا بد من اجتماع الجماعة للنظر في أمره، فإذا أخذوا في الكلام في قضيته لم يعدموا من يقوم غضبا للخاطئ يدافع عنه فيكون خاطئا ثانيا، فهو كوتد ثان يضرب في الخشبة في سمة الوتد الأول، ثم إذا حاول الجماعة النظر في أمر الوتد الثاني قام الثالث يدافع عنه فهو بمنزلته وتد ثالث في سمة الوتدين، فعند قيام هذا الثالث تتفرق الجماعة، ألا ترى أن الخشبة بعد الوتد الثالث تصير اثنين؟ فلا ينبغي الاستبداد فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " من استغنى برأيه ضل، ومن هجم على الأمور عطب".

رأيه في بعض كتب الفقه وبلغنا أن محمد بن سليمان النفوسي ومحمد بن غمرة زاراه حينئذ فسألهما عن مقدمهما، فاعلماه أنهما قدما من غيران بني" أجاج" وأنهما بها يدرسان الكتب كتب الفقه فاستحسن عكوفهما في دراسة الكتب، وقرر لديهما أن من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع الثمر إلى غرارته وأن كتاب أبي غانم قد أوضح قول كل عالم من مشائخه، وأسنده إليه وأن أجوبة الأئمة هي مخ الفقه، قلت: إنما يعني أن ملتقطات العزابة مختلطة كمن يجمع في غرارة واحدة من كل نوع من الثمر وكذلك هي قد تشتمل ورقة واحدة على مسائل شتى من أبواب شتى، فلا مسألة تنتظم مع أختها، ولا باب من أبواب الفقه يستوعب ويستقصي له فهي قليلة الفائدة جدا والغناء، كثيرة التعب والعناء، وأن الغانمي قد نظمت مسائله في أبوابه منسوبة إلى أصحابها، فمتى حفظت بابا عرفت مسائله، ومن قال بها ومستند كل قول منهم، فهي بالمصلحة عائدة، قنيه باجتلاب الفائدة، وأجوبة الأئمة مليحة في معناها، فإنك تعرف منها وضع السؤال فتفرغ ذهنك لما في جوابه، كما فرغ المجاوب خاطره، واستجم فكرته للجواب عن فصوله مستقصات، فهي مخ كما قال.

الآخرة تقوم أحيانا بالدنيا

قيل وزار أبو محمد بعض أصحابه وقد كان عهده قبل ذلك على حالة سنية ورفاهية، فرآه في حالة ركيكة وثياب رثه، فساءه ما راءه فيه من سوء الحال، فقال له: ما هذا يا أخي؟ فقال له: نحن في زمان من فقد فيه دنياه فقد أخرته وكان السلف في زمان من فقد دنياه لم يفقد أخرته، فالسعيد من احتاط على سلامة آخرته.

وقدم رجل من لمطة يسمى " منزو" إلى أريغ وقصد أبا عبدالله وتاب على يديه، وتعلم السير، وسلك سبيل الصلاح، فكان من حاشية أبي عبدالله ومن المقربين عنده فذكر أن أبا عبدالله أرسله في غنم له بجبال بني مصعب سائمة، فخرج فكانت الغنم تحت يده وله فيها غنم قد جمعها فيها جميعا، فأغارت خيل بني غمرة عليه، فاستاقوا الغنم كلها فاتبعهم يطلب أن يردوها له، فأبوا، فألح عليهم، فأخرج أحدهم رجله من الركاب فركله بها، فتيبست رجله، بإذن الله، فلم يطق ردها في الركاب فلما رأى أصحابه ما نزل به رغبوا إليه أن يحالله فيغفر له، فامتنع فكرروا الرغبة ففعل بلا نية، فقالوا: لكن نرغب إليك أن يكون ذلك منك بنية، ففعل فانطلقت رجله سوية، كما كانت أول حال، فلما تحققوا ما هو عليه صاروا يتجنبون أذاه، ولا يتعرضون له بمكروه، فلما كان أيضا ذات مرة أغاروا عليه، وعنده غنم الشيخ أبي عبدالله أيضا، فقال لهم: خذوا غنمي واتركوا غنم الشيخ، فإنه أفضل مني، وإنما نالني بعض بركته فأبوا عليه، فكان عاقبتهم خسرا.

الخوض من جديد في مسألة الحارث وعبد الجبار وذكروا أن أبا عمران موسى بن زكرياء -رحمه الله- ضاق في الوقوف في الحارث وعبد الجبار والذين وقع فيهم الاختلاف، فقال فيهما عبدالله المدوني بالوقوف لانهما لم يبلغنا صلاحهما إلا مقرونا بفسادهم فتنازعا فيهما فورد عليهم يوسف بن نفاث فسألاه عنهما، فسمع مقالة المدوني، فقال: هذه نكارية بعينها واستحسن ما قال أبو عمران ثم كان بعد ذلك بأيام مجلس آخر حضره جل العزابة المشائخ، فيهم أبو عمران فسألهم أبو عمران ما تقولون فيمن وقف لكم في أئمة المسلمين؟ فأداروا السؤال بينهم حتى انتهى إلى المدوني، فقال: من وقف فيهم دون أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، فلم يقنع السائل بهذا الجواب ثم قدم عليهم يوسف بن سهلون فسألوه عنها وعلم ما كان من جواب كلا الشيخين، فقال لهم: كفوا عن منازعة الشيخ فلعله لم يبلغه ما تقوم به عليه الحجة فيهما قبل حد ثهما،فكتب أبو عمران إلى الشيخ أبي عبدالله سؤالا عن هذه المسألة وكتب لهأاخبرني بما حفظت فيها عن شيخنا أبي نوح -رحمه الله- فأجابه ما نصه - الله أعلم- في الحارث وعبد الجبار، وأما رجل لم يبلغك صلاحه إلا مقرونا بحدثه فليس عليك منه شيء والسلام، فلم يقنعهم الجواب ووقف عليه يعقوب بن أبي محمد واسلان فقال: أما أنا فقد ظفرت بهذا الجواب ولا أبالي في الحارث وعبد الجبار.

وعن أبي يعقوب بن أبي عبدالله قال: أوصى أبي بألف دينار ثم استكثرها، وأوصى بخمسمائة دينار، ثم قال: يا يوسف يا بني هذه وصيتي فانفذها ولا جعلك الله في حل إن دفعت زائدا على أربعة دراهم لشخص، أي شخص كان، فإنما هي حوطة من أموال أهل الدعوة، وما أطعمتكم منها عشاء ولا غذاء إلا أنهم ربما أرادوا وجها فصرفته في غير الوجه الذي أرادوه.

ومن تواضعه ما ذكر ياجر بن جعفر قال كنا في حلقة أبي عبدالله نقرأ عليه، فكان العزابة أرادوا كنس الغار فكنس معهم الشيخ أبو عبدالله وجعل يرفع معنا الكناس على عاتقه، فقال له يوما بعضنا وهو ينقل معنا: أقعد يا شيخ فإن العزابة يكفونك، قال أو يحملون عني ذنبي؟

فكان يرفع قليلا قليلا جهد طاقته، فقلت له: ارفع إذا أكثر من هذا، فقال: لو كان رأيك يؤخذ لأخذنا به آنفا، وكان أبو الربيع إذا شبه الشيوخ وضرب بهم المثل قال: إنما مثل أبي عبدالله كما قال الله تعالى: (ولوا إلى قومهم منذرين )(الاحقاف: من الآية29)"7" .

وكان أبو عبدالله إذا سئل عن أحد فإن علم به خيرا قاله، وإن علم غيره سكت، و توفى -رحمه الله- سنة 440 أربعين وأربعمائة ودفن في مقبرة بمقربة غارة في أجلو وهو موضع معروف بالبركة"8" .

-----------------------------------

1- كذا في النسخ وفي الأصل كتاب ( الموجز ) كساءة أنطاكية.

2 - يبدو في العبارة نقص ولعل الصواب هكذا: قلت: لمن تركت المذهب فنظر إلي فقال ...إلخ.

3- نوع من أشجار البرية قصير لا يصلح لشيء حتى للإيقاد وهو كثير الدخان.

4- لعل الصواب المقالي جمع مقلاة والشقف بالتحريك قطع الخزف ويعني بهذا التشبيه اختلاط الأشياء المختلفة وتكدسها بدون نظام أو تصنيف.

5- نسبة إلى حشم الرجل أتباعه ومن اصطنعه ويعني به أتباع الظلمة وذوي الجور من الحاكمين فلهم لباس يميزهم وفي نسخه جسيما.

6- بياض في الأصل.

7- يعني آية سورة الأحقاف ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ).

8- لازال قبره رحمه الله معروفا إلى الآن في مسجد بقرية بلدة عمرو بدائرة تيقورت وهو مشهور عند الأهالي باسم سيد محمد السائح وإلى هذا الوصف تنسب ذريته في الناحية حسب ما أفادني به بعض الشيوخ الأفاضل.

أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس ومنهم الشيخان أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس بن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور اليراسني - رحمهما الله - ورضي عنهم أجمعين - لما علم الشيخ أبو عمار نجابة هذين الشيخين وتصرفهما في فنون المسائل، وسبقهما في حلبة الفضائل، أثبتهما في طبقة شيخهما الذي قرأ عليه، واستمدا في رواية العلوم إليه، لعلمه بأنهما لم يقصرا عن مداه ولازاغا عن هداه، بل الكل فرسان حلبة وكلهم سابق، والساعي في أثرهم لاحق أو متلاحق، ولكل واحد من هذين الشيخين مزايا، وسجايا يالها من سجايا، جود كالسحاب، ودعاء كالشهاب، وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم الحقيقية والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة، وما عسى يقال في هذين الشيخين وهما فرعا تلك الجرثومة، والناميان في أكرم أرومة فطاب منهما الخبر والمخبر، وكيف لا والأب فصيل والجد أبو مسور وقد تقدم في أول الكتاب من فضائلهما فصول، كلها فضل وما عداها فضول.

حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض

ذكر أبو الربيع أن أبا زكرياء يحيى بن كرنان قدم إلى ناحية طرابلس زائرا، وكان بها زكرياء بن فصيل فاجتمع الناس يوما على ابن كرنان يسألونه عن أمر دينهم وذلك في مجلس محفل عظيم، وكان ممن حضر هذا المجلس زكرياء بن فصيل، فسأل ابن كرنان سائل عما يعمل من نبات الأرض كالحصير وما أشبهها هل تطهره الشمس إذا أصابتها نجاسة ؟ فقال: نعم تطهره الشمس، فقال أبو زكرياء: ليس هذا الجواب من المعمول به يا شيخ، كأنه لم يرض بهذا الجواب فقال ابن كرنان: بل المعمول به وكرر صحته وكرر ابن أبي زكرياء المنع، فقال ابن كرنان: فإن الذي يقال في أولاد الشيوخ أنهم غير منقادين صحيح؟ فقال ابن أبي زكرياء: هل علمت أن عقبة المستجاب"1" قال لأولاده: إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون.

أخوة تصل إلى حد الدلالة والتدلل.

وذكروا أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء وأبا نوح صالح قدما على أبي محمد عبدالله بن مانوج زائرين له، فلما أديا حق الزيارة وانفصلا عن موضعه متوجهين إلى موضعهما مرا بشجر تفاح قد أينع ثمره واحمر، والشجر لأبي محمد، فقال له أبو نوح: ألم ترها يا يونس حمراء؟ وكانا راكبين، فنزل أبو القاسم وخلع ما كان في رجليه وجعل يمشي في رمل هنالك وأكثر المشي في موضع يتيسر فيه بيان الأثر لئلا يقع الشك في غيره، فعمد إلى الأغصان واجتنى من ثمارها ما رأى فيه كفاية، ودفع إلى أبي نوح فرد أبو نوح بعضه إلى أبي القاسم، وسارا إلى أهليهما فجاء أبو محمد فقال: هذا أثر أبي القاسم، وهذه منه دلالة لم يستبدل عندي ولم يزل مثله يدل في مال أخيه له ولغيره، وذلك يثبت المودة بينهما فقد حكي عن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه قال: من كان له أخ كأخي حاجب فليأكل وليرفع.

وكان أبو القاسم ممن يزور أبا محمد عبد الله بن مانوج فزاره مرة فتواردا ما يرد بين أمثالهما، فقال أبو القاسم لأبي محمد إن وكليلك على الحج قد أخذ وأخذنا معه فإن أذنت لنا أن ننظر إليك شيئا تستعين به فعلت فنظر له خمسا وعشرين دينارا ليدخرها لقضاء فريضة الحج، وأراد أن يحدب عليه فلم يقبله، واستحسن أبو محمد إيثاره على نفسه وذلك لحسن ظنه ولا عجب في مثلها من مثلهما -رحمه الله- عليهما.

--------------------------------

1- في نسخه - ب - عقبة المستجابة.

الشيوخ الثلاثة الكنوميون ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو عبد الله محمد بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن زورستن وميمون حمودى ابن زورستن الوسيانيون، ثلاثتهم من أهل كنومة -رحمه الله- كان هؤلاء النفر الثلاثة علماء زمانهم، وفخرا لإخوانهم وطرازا لمكانهم درسوا علوم النظر وأتقنوها، وأحرزوا معاني الألفاظ بصيانة الكلام، ودونوها فلم يقدم حينئذ من المخالفين مجادل، ولا نجم من خيالهم مناضل وهم لبنيان رتبة الحلقة دعائم وعندهم ابتدأت وقامت، فكانوا لها من القوائم بعد أن جالوا في تحصيل العلوم وطلابها، وأخذوها كما يجب عن أربابها، فكانوا بدورا بأفق تقيوس تميل بهيجة بهم النفوس.

الشيخ يتحرج من تقديم معونة لآبق

ذكر أبو الربيع أن أبا محمد توجه إلى أبي صالح فسار هو وأصحابه حتى وصلوا وسط السبخة التي بين نفزاوة وقسطيلية فرأى أبو محمد في السبخة شخصا أسواد فحين رآه على بعد ظن أنه غراب، فقال: لأصحابه ما ذلك الشخص فيما تظنون؟ فلما نظروا إلى الشخص تسارعوا إليه، فإذا الشخص أمة، فضموها ورفعوها، وأظنها أبقت فذكر أنه تكدر من أجلها خاطره وتنكر، فلم يهنأ له عيش وحار في وجه تخلصه من هذه الورطة، فلما وصل جربة قصد أبا صالح إلى المسجد، قال: وحان وقت صلاة الظهر وحلقت الجماعة وناولوني كتابا، فكنت أقرأ وأفسر حتى جاء أبو صالح وأمسكت عن التفسير، فقالوا له: فسر فجعلت أقرأ الكتاب، فقال لي بعض من في المجلس: فسر لنا، وكان في المجلس أبو عمرو النميلي ولم أعرفه قبل ذلك، قال فطفقت أقرأ فقالوا له: فسر لنا يا شيخ فأحال أبو صالح على أبي عمرو النميلي، فكنت أقرأ ويفسر فأصابني خجل لما فرط مني إذ تكلفت التفسير بمحضر منه، ولم أعرف مكانه قال أبو محمد ثم سألت أبا صالح عن مسألتي -أعني- تلافي الأمة وكنت السبب في تلافيها"1" ، وأوضحت له المسألة، طلبا أن يدلني على الخلاص فقال لي: لا بأس عليك، لأنك لم ترد إلا خيرا، وما تعمدت إتلاف مال أحد ولا أتلفته أنت.