القسم ٣ من ٣

طبقات المشايخ بالمغرب

أبو العباس الدرجيني

دين الله أعز من هذا

وذكر عن أبي محمد أنه فتى أبي نوح المقرب من تلامذته، صاحبه في أسفاره وكان له مواتيا موافقا، كان المشهور من أسمائه أن يقال له فتى أبي نوح، كيوشع بن نون وموسى u، فذكر أنه صحبه ذات مرة إلى بني كطوف الذين حول تملى فألفاهم حين ظعنهم، وتمادوا في رحيلهم، فتبعهم الشيخ حين نزلوا، فنزل الشيخ عن فرسه فأرسلها إلى المرعى، فلهى أهل الحي في أشغالهم وغفلوا عن الشيخ حتى ضاق صدرا من قلة التفاتهم، فقال لفتاه: اردد إلي فرسي فإن دين الله أعز من هذا، قال الفتى: فقمت إلى الفرس لأزاوله وأصلح هيئة ركوب الشيخ، وعيني ترمي إلى أهل الحي، فرأيتهم اجتمعوا بجمع يسيرون إلى الشيخ مسلمين متعذرين، فلما أقبلوا قدت الفرس وأقبلت أمشي لمشيهم حتى التقينا عند الشيخ، وصافحوه واعتذروا فقبل عذرهم، ثم إني أخبرته بما كان مني من مماطلة وما اقتضته سياستي في ذلك، فقال: أحسنت يا بني، وناهيك.

للغرماء طبائع مختلفة وذكر أن أبا نوح كان إذا سئل عن مسألة في الفقه يجاوب بأن يقول روى فيها هذا الفتى عن أبي صالح كيت وكيت، ويشير إلى أبي محمد عبدالله بن زورستن، وعن ميمون بن حمودي قال: كنت أقرأ على بعض شيوخي حتى ظننت أني قد استفدت ووعيت ما عنده من العلم، حتى سمعته يوما يقول: رؤية المديان غريمه في تقاضي بعض دينه، فلما قال ذلك ولم أسمعه قبل ذلك قلت: لا تدرك للعلوم غاية، قلت: وهذا الكلام إنما أخرجه فيما يلوح بخاطري في المديانين أنواع، وطبائعهم تختلف، فبعضهم إذا أراد الغريم تقاضى دينه تقاضاه بعنف وإغلاظ، هذا إذا علم فيه لددا، وبعضهم يتقاضاه منه بكلام لين ودون التقاضي الذي وصفته، وبعضهم ينظر إلى الغريم نظرة يفهم منها التقاضي فتقوم عنده مقام مطالبة بأبلغ قول وأشد اقتضاء، هذا إذا كان ممن يستحي ويتقي على عرضه ودينه، فالدين الذي يكون على من هذه صفته هو الذي عنى الشيخ، وهذا مقصده، والله أعلم، لا أنه استوفى بعض حقه، والله أعلم.

تعاونهم على تخريج الطلاب في ثلاث مراحل

وذكر عن أبي يعقوب شيخ كان بنفوسة أمسنان، أنه كان مقصدا للمبتدئين فإذا انتظموا في حلقته علمهم السير وآداب الصالحين، ثم ينقلهم إلى محمد بن سودرين فيجرون قراءة القرآن ويتعلمون اللغة والإعراب ثم ينتقلون إلى أبي عبدالله بن بكر فيعلمهم أصول الدين، والفقه، فكان العزابة في ذلك الزمان يشبهون الشيوخ الثلاثة بثلاث نجارين أحدهم يحسن قطع الخشب من الشعراء، والثاني يشقها وينشرها، والثالث يركب الألواح ويسمرها، فيما يصلح بين الأدوات.

وعن أبي عبدالله محمد بن سودرين أنه قال: بينما أنا أمشي في بلاد الساحل إذ رأيت بابا مفتوحا ورأيت ناسا يدخلون ويخرجون فقصدت إليهم ودخلت، فوجدت بيتا مفتوحا، وإذا برجل جالس في دكان فكل من دخل ناوله الرجل دينارا، فدخلت فناولني الرجل دينارا، فأخذته فسرت غير بعيد ثم راجعت نفسي لائما، مقبحا لفعلي، ثم رجعت إليه فقلت له: أنا على غير مذهبك، فنظر إلي مبتسما وزادني دينارا آخر، ألا ترى أنه لم يقبل صلة من ظن أنه مخالف حتى تحقق بتلك الزيادة أنه أهل لصلته.

اختل الأمن في زمنهم حتى سقط فرض الحج

وذكر أن أبا يعقوب بن أبي عبدالله تذاكر يوما مع أبي محمد فبسط أبو محمد القول في ذم الزمان وعدم الإخوان، فقال له: اكسب يا أخي من المال ما شيءت، فلا أرى الحج إلا وقد سقط عنك لانقطاع السبيل، وجور أهل هذا الزمان، قلت: وقد صدق -رحمه الله- فإن فريضة الحج الاستطاعة، فإذا انقطع السبيل فكان من الجور ما يجحف بالمسافر في زاده فقد عدمت الاستطاعة، وسقط فرض الحج، وميمون ابن حمودى هو الذي يروي عن هود بن محكم أنه جاءه رجل من العزابة يستعين في افكاك كتب له مرهونة عند رجل نكاري في خمسة دنانير، فدعا هو رجلا فقال له: سر مع هذا الرجل إلى أحياء مزاتة فأعلمهم بما جاء به فأعلمهم وتسارع الرجال والنساء كل يجمع ما أمكنه من دنانير ودراهم، حتى اجتمع مال كثير فجاء به إلى هود، فقال له: يا شيخ هذا ما فتح الله على يديك فأنت أولى به وأحوج إليه لكثرة مؤن من يقصدك، فأخذ من ذلك كله خمسة دنانير وترك الباقي، وزعموا أنهم عند ما تداعوا لاعانة الرجل بسطوا بساطا وجعلوا يلقون فيه حتى كاد يضيق عن زيادة حتى ناولوه وضموا أطرافه، وناولوه معه فلا أدري أميمونا أم هودا قال حينئذ: صدق الإمام -رحمه الله- في قوله المشهور بقيام هذا الدين بأموال مزاتة .

حكم أخذ الاجرة على تعلم القرآن واجتمعت بوارجلان بالمسجد الكبير جماعة فيها أهل الدعوة منهم أبو عبدالله محمد بن بكر وابن سودرين وابن زورستن وعبدالله المدوني فسألهم رجل عن مسألة وهي الأجرة هل تؤخذ على تعليم القرآن أم لا؟ فتدافعوا السؤال بينهم، فقال عبدالله المدونى: أجب الرجل عن مسألته، فقال له: نعم تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن لم تؤخذ عليه فعلى ماذا تؤخذ أعلى رعي البقر؟ ! فسكت الفقهاء توقيرا له، مع أنه لم يحسن العبارة تأدبا منهم وفضيلة، قلت: وهذا الجواب غير معروف بالمذهب، والذي أنكر من الإجارة على رعي البقر فهذا الإجارة لا خلاف في جوازها، وكان ينبغي أن يقول بما في المذهب من جواز الأجرة على تعليم الأدب والخط، وصناعة الكتابة وأدواتها دون أن يكون للقرآن ثمن، والعذر عنه -رحمه الله- كره أن يقول لا تجوز فيكون ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفضي ذلك بالناس أن يكونوا أميين لا يعلمون الكتاب، يقول: فإذا جاز لراعي البقر الأجرة وهو يأخذها على إصلاح أحوال الدنيا فالذي يأخذها بسبب إصلاح الآخرة أولى.

----------------------------------

1- تحرج من ذلك لأنها آبقة والعبد الآبق لا يؤى ولا تقدم له المعونة.

أبو محمد عبدالله بن مانوج

ومنهم أبو محمد عبدالله بن مانوج اللمائي -رحمه الله- أحد من نظر"1" فأبصر واستبصر، وذكر حينا فتذكر، تلافى الفوات بعد حين، واعتاض الإجهاد بما ضيع عدد سنين، واطمأن بعد الحزن إلى السهولة، وعالج ما يعالج الشاب وهو في الكهولة، يسر الله له الورود من منهل الوعظ ألفاظا فارتوى، وبادر ولم يتباطأ وجد ولم يثن عن طلب الخير عنانه، ولا أزاح من الاجتهاد فكرته ولاجثمانه، حتى أصبح من العلم مفعم الوعاء ومن القرب من ربه أهلا لإجابة الدعاء.

شيخ حكيم يؤثر في ابن مانوج ويوجهه ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله بن مانوج تاب بعد الكبر وسبب توبته أنه لقي شيخا من لماية وهو يرعى غنما له، فقال له الشيخ: اعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم، وأن لحية تتبع الغنم هي شر اللحى، فوقعت التوبة في نفسه فتاب، وطلع حينئذ إلى المشائخ: أبي مسور،وأبي صالح، وأبي موسى عيسى بن السمح، فمكث عندهم في الجزيرة ما شاء الله ثم رجع إلى أهله فلقي الشيخ المذكور فقال له: اعلم أن الجمال تبرك للحمل عليها ولكن تتفاضل في تبليغ الأحمال فرجع إلى المشائخ فمكث عندهم ما شاء الله ثم رجع فلقي الشيخ المذكور فقال الشيخ: اعلم أن الغدران كلها تأخذ الماء وإنما التفاضل فيما يبقى فيها الماء، فرجع ثالثة إلى المشائخ فمكث عندهم ما شاء الله يقرأ العلم، حتى تفقه وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورة نسبتهم إلى غار امجماج ."2"

أخبار عن قناعة الشيخ وجوده

ومما يذكر من قناعة وقلة تعلقه بعلائق الدنيا ما ذكر أبو الربيع أن عبدالله بن مانوج لم يستسلف من أحد شيئا قط غير دينار واحد، استسلفه مرة ورده بعينه إلى الذي استسلفه منه، وليس منه هذا استغناء بل رضي بما قسم الله له، قال: ومع قلة ماله فإن ضيافته لا تزال حفيلة لا فضل عليها لضيافة ذوي اليسار، ومن ذلك ما ذكر أبو الربيع أن راعي غنم أبي محمد بن مانوج قدم عليه فسأله عن حال الغنم فقال: هي صالحة الحال، وإن وهب الله لها العافية إلى قابل فستكمل مائة فقال أبو محمد: لا أحب أن تكون مائة، كما لا أحب أن أكون يهوديا.

ومن اجتهاده ما ذكر أنه لما كبر وضعفت قواه وكان أعمش وكان يضر بعينيه مرور الماء عليهما، فكان إذا وجب عليه الاغتسال غسل جسده كله إلا وجهه، وإذا توضأ أمر الماء على أعضاء وضوئه إلا وجهه، ويتيمم في كلا الأمرين في مقابلة غسل الوجه، فكان دأبه على ذلك يتخذ مستحما في كل ناحية من نواحي خيمته الأربع بسبب الرياح، فقيل له: فهلا اكتفيت بالتيمم؟ فقال تلك مسئلة" العجزانين" لا آخذ بها.

تحرج الشيخ من الأموال المجهولة

وذكر أنه زاره مرة أبو عمران موسى بن زكرياء فتذاكرا في أنواع من الفوائد، وصنوف من العلم حتى أفضت بهم المذاكرة إلى ذم الزمان، وما صار الناس إليه من ضيق الحال، والتحرج مما يدخل على الناس، وهم لا يعلمون أو يعلمون، فقال أحدهما للآخر: أكثر ما عاش الناس عليه اليوم حمل الأشياء على أحسن وجهها، وقال الآخر: إنما ينبغي أن يرتكب ذلك في أحوال الطهارة والنجاسة، وأما في أموال الناس فلا، واستحسن الآخر ما أتى به.

العبادة هي التقوى والإخلاص

وسئل عن العبادة ما هي؟ فقال: النية والإخلاص لا ما يتخيلونه من الاجتهاد في القراءة وغيرها، إذا لم يصحب ذلك تقوى الله، ألا ترون أن داود يقيم الفتن ويقعدها وهو يحفظ ما بين الدفتين وأكثر، قصده في ذلك ما يقدم به ابنه عما هو ليس بسبيله، وكان ينهى بنيه عن معاضدة داود ومساعدته، خوفا أن يصيبهم ما أصابه، ولم يزل متكدر النفس من أجله لسلوكه غير طريقة أبيه، حتى عادت عليه بركته، فألهمه الله الرشاد وتاب عما كان عليه، وحسنت توبته بهمة الشيخ.

وذكر الشيخ ماكسن بن الخير قال: لما توجهت إلى جربة برسم الطلب كان طريقي على الشيخ أبي محمد عبدالله فاستشرته في أي فن أبتدئى فيه القراءة، الكلام أم الفروع؟ فقال: يا بني اقرأ كليهما فقلت: أرأيت إن كان ذهني يقصر عن ذلك؟ قال: فدينك إذا يا بني يشير إلى علم الفروع، والله أعلم.

لا يرضى منه أن يزروه وعليه دين وذكر أن عبود بن منار زار ذات مرة أبا محمد، فقال له: يا عبود إنك لعظيم القدر عندي، فكيف حالك يا عبود؟ فقال: بخير يا شيخ، إلا أنه علي ديون قال له: أيكون عليك الدين وتزورني؟ ابعد عين يا عبود، فانفصل عنه وأتى إلى موضعه فقال لعلي بن يخلف: أخي سليمان الفقيه بادرني يا علي يما يخلصني من هذا، فأتاه بمن اشترى منه قطعه غنم وعبدا، أو مطمورة شعير، فقضى دينه، فبعد ذلك بأيام أغارت عليه غارة للنكار خرج بها رجل منهم يعرف بمنصور بن فلديك يلقبونه في " زريق " فدافع عبود عن نفسه وماله وأهله، حتى قتل شهيدا فكانت زيارته لأبي محمد فضلا من الله ونعمة، قيل فرآه بعض أهل الصلاح في منامه فقال: مضيت وتركتنا يا عمي، فقال: لا تقل ذلك فإني تركت فيكم سليمان بن يخلف نذيرا بعدي.

وصية لعمروس الزواغي

وزاره مرة عمروس بن عبدالله الزواغي فسأله عن حاله فأعلمه أنه صالح الحال، فكان مما قال له: يا عمروس اجعل تقوى الله جنة فإنها خير جنة، وأحسن معاشرتك للناس فقال له: أي الناس؟ فقال: أحسنت، وفهمت، الناس هم الصالحون.

يختار أن يترك الناس قبل أن يتركوه

قال أبو الربيع كان أبو محمد يقول بعد ما كبر أن من العلماء من يقول أن العالم إذا أحس بعقله ضعفا لعلة أو لكبر فلا يجوز له أن يفتي، وأنا آخذ بهذا القول وأترك الناس قبل أن يتركوني، وكان قد أخر الله في أجله فلم يعرض نفسه لم يجر عليه نقصا.

----------------------------------

1- في نسخة ( أ ) أحد من بصر فأبصر بالبناء للمجهول وهو أنسب لما سيذكره بعد.

2- سيأتي الحديث عنهم فيما بعد.

أبو جعفر أحمد بن خيران ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني -رحمه الله- ذو الاجتهاد العظيم، والتشمير والتصميم، الثابت على الورع وملازمة المنهاج القويم، العامل بما يرجو فيه خلاصه، المؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة ليس بكثير في العلم، ولكنه حاز من التقوى الخلاصه، كان أبو عبدالله محمد بن بكر يقول لأهل الدعوة من أهل قسطيلية: قطع عذركم أحمد بن خيران إن زعمتم أنكم مقلون فكذلك هو، وإن زعمتم أنكم مسلك ومسكنكم في بلاد قائمة الأسواق فكذلك هو.

اهتمام الشيخ بالضيف وابن السبيل

وكان من عادته تأخير العشاء إلى صلاة العتمة فإذا صلى نادى في المسجد: "أهاهنا ضيف؟ ألا لا يبيتن أحد دون عشاء، ثم لا يفته ذلك حتى ينتظر انصراف الناس فإذا انصرفوا طاف على زوايا المسجد بعكازه يفتش هل من طارق؟ هل من ابن السبيل؟.

سماحة الشيخ وسعة صدره

وذكر عنه أنه دفع لجنان جنته في أبان الزراعة زريعة على أنه يزرعها، فكان إذا أتى من الجنة يسأله كيف حال الزراعة؟ فيقول: بخير يا عمي أبا جعفر، فلما كان يوم من الأيام وقد فات وقت الزراعة خرج ليرى زرعه فلم يجد شيئا، فقال للجنان: ما هذا يا فلان!! فتلقاه بكلام مغضب قبيح، فقال له: يا عم يا أبا جعفر أتظن أني أزرع لك الزريعة ويموت أولادي جوعا؟ فخرج وهو يقول سلاما سلاما امتثالا لقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) فلم يسمع منه الجنان ما يسوءه.

قال أبو الربيع سليمان بن يخلف: مررت أنا وخالي عبود بن منار بأبي جعفر، فأخر ج من جيبه صريرة فيها دراهم، فقال: خذا هذه الصريرة فاذهبا بها إلى السوق واشتريا بها خبزا نقيا لغذائكما، فقلنا لا إنا قد تغذينا واكتفينا ودعونا له، فقال: الحمد لله رب العالمين، ثم أعاد الصريرة إلى جيبه.

أبو الخطاب عبدالسلام ومنهم أبو الخطاب عبدالسلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي --رحمه الله- - ممن انتفع بكثرة الاجتهاد، وانتفع به كثير من العباد، أحد نجباء تلامذة ابن زنغيل، والحادي حدوده في كثير من الفعل والقيل، وكان أحد من رتب الحلقة وابتدأ الأساس، وأحكم لها الأمراس وهجر الأهل رغبة في العلم والدين، وخدم الهدى فكان من المهتدين.

إنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات

ذكر أن عبدالسلام كان من التلامذة بكنومة في أيام ابتداء ترتيب الحلقة على أبي عبدالله، فكان يتحرى مجالسة الصلاح، وينتهز الفرصة أينما سنحت، حتى عرفت له هذه الشنشنة، وتناقلتها عنه ألسنة، وكان بها الشيخ أبو محمد يوجين اليفرني، فقال له: يا عبدالسلام يا بني أريد أن يكون رقادك في موضع أعرفه ليتأتى فيه إيقاظك عند خروجيإلى الوضوء فكان عبدالسلام يطيل القعود في المجلس للقراءة، فإذا قام من المجلس ذهب إلى الموضع الذي يعتاده فيه الشيخ، فإذا نام قليلا جاءه الشيخ فأيقظه، فيقول له: يا عبدالسلام يا بني إنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات.

مؤازرة الشيخ للإمام أبو عبدالله

قال: فلما ارتحل الشيخ أبو عبدالله بأهله وتلامذته إلى أريغ قال لعبدالسلام: يا عبدالسلام كن معي فإن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل في الحرب، لا غنى له عمن يؤيده ويرعاه ويرفده، ويداوي جراحه، ويسد خلله، وإلا كان هلاكه وشيكا، فأجابه إلى ذلك وأنكحه ابنة أبي القاسم، فمكث بذلك ما شاء الله.

محمد بن بكر يهجر أهله ويقيم بينهم ليحيى الدين ثم سار إلى عشيرته زائرا فلما وصل إليهم، قالوا له: إن كنت تتركنا فإنا لا نتركك فكن معنا كما كان أبوك لتحيي ما كان أحياه من الدين، وإلا كنت مسؤولا عنا، واعلم أنه لاغنى لنا عنك، فأجاب رغبتهم واعتقد المقام فيهم، فأنكحوه زينب بنت أبي الحسن، وأقام حينا ثم انحدر إلى أريغ واستصحب ما تيسر من صداق بنت أبي القاسم، فقدم على الشيخ أبي عبدالله وأعلمه بما كان من رغبة قومه فيه، وأنه قد قضى الله بفراق ابنة الشيخ وقد جئت بما أمكن من صداقها، والباقي إن شاء الله أوفيه، فأخبر أبو عبدالله أبا القاسم، فقال: معاذ الله أن نأخذ من عبدالسلام عرضا من أعراض الدنيا وإنما جمع بيننا وبينه الدين والتقوى لا الطمع فيما نناله منه، واشهدوا أني قد تحملت جميع ما وجب لها عليه، وتركته له، فلم يقنعه ذلك حتى أبرأته المرأة من نفسها، من جميع ما كان لها عليه من صداق، فلما تخلص بعضهما من بعض قال له الشيخ: يا عبد السلام ما حصلت؟ كأنه يشير عليه بالإقامة معه، فلم يمكنه ذلك، فرجع إلى أهله وأقام فيهم حتى ارتحلت زناتة إلى طرابلس وارتحلت معه مزاتة، فكان عبد السلام معهم مدة إقامتهم، فلما انقلبوا إلى إفريقية قصد عبد السلام إلى جبل نفوسة فأقام هنالك حينا ثم سافلا إلى المشرق للحج فقضى الفريضة، فلما رجع انتقل إلى قسطالية فسكن قلعة بني درجين فكان فيها مرفها.

وكان حينئذ كثيرا ما يقول لزينب: يوشك أن يغلب بنو العلم على بناتك يا زينب، تعرض لها بالنظر إلى زوجة ليهب الله له منها ولدا ذكرا، وكان حينئذ كثير البنات فجرى من قدر الله أن وقعت مجاعة في بلاد طرابلس وسنة شديدة، تسمى سنة فرورار سنة ثلاثين وأربعمائة فانجلى أهل طرابلس في الأفاق،ووقع رجل من ورغمة في قلعة بني درجين فنزل الورغمي في جيرة دار عبد السلام، ومعه عياله وله ابنة، فاستحسنت زينب صورة بنت الورغمي فخطبتها على بعلها، فتزوجها وسكنوا معه في دار واحدة، فطلع هو وزوجته إلى أفريقية ووصلا إلى مزاته ففى مغيبهما نزل عسكر لصنهاجة على قلعة بني درجين فحاصرها حصارا شديدا، وذلك سنة أربعين وأربعمائة فلما اشتد عليهم الحصار ولا صريخ لهم خرجوا عليهم خروج رجل واحد يقاتلون، حتى قتلوا عن آخرهم، واستبيح ما في القلعة وهدمت، فخرجت امرأة ابن أبي وازجون معها بناتها، وجعلت تنادي: يا آل مزاته فسمع دعوتها رجلان من العسكر فحاطاها وبناتها حتى تخلصن ولم ينكشفن فقدم عبد السلام فوجد أحوالا لم يستقر له معها قرار، فأجمع على الارتحال إلى سوف فتسامعت به بنو ورتيزلن فسارعوا إليه بالحمولات وارتحلوا به إلى أجلو، فمنحوه أرضا عظيمة فعمرها.

وولد له من الورغمية ولد فسماه سعيدا، فلما بشر به قال: ولد الشيخ يتيم، إنما قال ذلك شفقة ورقة أولعله كشف له بابن سيكون يتيما، ويمكن أن يكون قال ذلك لئلا يظهر عليه الأشر لأنه سر به سرورا عظيما، ومن هذا المولود تناسلت ذرية هذا الشيخ.

وكان حين قدومه أريغ وجد أبا عبد الله محمد بن بكر في آخر أيامه، فزاره عند احتضاره فوجده في السياق فجعل يتأسف ويظهر الجزع لفراقه، فقال له - -رحمه الله- : يا أخي أقصر عن هذا، ولكن الدعاء الدعاء فصار يكررها حتى قبض -رحمه الله- .

حزن الشيخ على موت الإمام محمد بن بكر وكان عبد السلام يقول بعد موت أبي عبدالله إنما مثلي كمثل رجل يسير في يوم شديد الحر، فبينما هو يمشي إذ وقعت له شجرة عظيمة فقصدها جاريا ليتفيأ ظلها، ويتقي بها حر الشمس، فلما وصل إليها اقتطعت فأزيلت فبقي ضاحيا.

وذكر أن عبد السلام اشترى بأفريقية خرافا من السوق فلما استوجبها وجاء بائعها ليقبض الثمن قال له: " أرا" ومعنى هذه الكلمة بلغة صنهاجة: هات، فغلب على ظنه أنه صنهاجي، فدفع له ثمن الخرفان ثم تصدق بها، ولم يستجز اقتناء غنم غلب على ظنه انه اشتراها من صنهاجي"1" .

وذكر أبو نوح، أن أهل امسنان سألوا عبد السلام عن رجل زنى بامرأة وأقر على نفسه بالزنا، ما الحكم الذي يجرونه عليه؟ فقال: أدخلوه المزبلة وارجموه، ففعلوا، فلما فرغوا عنه، وحضرت صلاة الجمعة صلى ركعتين بخطبة، ثم قال: إن الكتمان يأخذ من الظهور، والظهور لا يأخذ من نفوذه فتدخل أحكام الظهور حينئذ في أيام الكتمان، يعنون أهل الظهور لا ينبغي لهم أن يدخلوا تقية في شيء من الأحكام التي تلزم أهل الظهور، ففعلوا ما لا يحل فعله إلا في الكتمان، والكتمان حينئذ لا تدخل أحكامه في الظهور"2" .

-----------------------

1- مما يذكره المؤرخون أن قبائل صنهاجة هي التي أيدت أمراء العبيدين وخلفائهم بشمال أفريقيا، كآل زيري وآل حماد، وكانوا لا يتورعون من مصادرة الأموال ونهبها وسلب ما يرونه يستحق ذلك عن حق أو باطل، ولو كان مسلما، فلذالك تورع الشيخ من التعامل مع الصنهاجي.

2- صلى الشيخ ظهر يوم الجمعة ركعتي ( أي صلاة الجمعه ) لأن الاباضية لا يوجبون صلاة الجمعه لإ مع الخليفة العادل الذي يقيم الأحكام الاسلامية ويعتبرون صلاة الجمعه من جملة مظاهر الدولة المسلمة المرتبطة بأحكام الإسلام، هذا رأي القدامى منهم.

الشيخ أبو عمران المزاتي ومنهم أبو عمران موسى بن زكرياء المزاتي -رحمه الله- رأس من رؤوس المذهب وأعلم علمائه، وشمس من شموسه الكاشفة لظلمائه، العلم والأدب حليته والكرم والصبر سجيته، شيمته تفوق الشيم، أدرك المشائخ وروى عنهم العلوم والآثار، وسادت تلامذته فكل منهم منير في الدين ومنار، وله كرامات مذكورة، وبركات مشهورة، ولنذكر معه هاهنا أهل غار امجاج السبعة إذ كان رأسهم على أن منهم حينئذ الشيوخ والشبان، لكنهم لما ضمهم مضمار واحد، جرى ذكرهم هنا في نسق وأجروا في ميدان، ولجميعهم فضيلة في هذا الفن وشأن من الشأن.

المشائخ السبعة و تأليفهم للديوان

وهم أبو عمران موسى بن زكرياء هذا، وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح وأبو جبير المزاتي، وأبو عمرو النميلي، وعبد الله بن مانوج اللمائي، وقد تقدم ذكرهما، وأبو يحيى زكرياء، بن جرنان النفوسي -رحمه الله- وسبب نسبتهم إلى غار أمجاج أنهم اجتمعوا به وصنفوا تصنيفا في الفقه مشهورا، في أثنى عشر جزءا. فتولى نسخه أبو عمران لما خصه الله من جودة الخط، فنسب إليه التصنيف، وليس له ما عليهم فضل سوى فضل البنان وإلا فهو كأحدهم في فضل البنيان، شريكا فيما أودعوه شركة عنان، ذكروا أن أبا عمران رأى في منامه أن يده صارت مصباحا فقص رؤياه على معبر الرؤيا، الماهر في تأويل الرؤيا، فقال له: هذا رجل يحيى دين الله بيده فلم يبعد.

يتأسف على ثلاثة فاتته وقال أبو محمد لا أندم على شيء فاتني من الدنيا كندمي على ثلاثة أشياء لتركي إياها قراءة كتاب الجهالات، وزيارة أهل الدعوة، ومجالسة أبي عمران، سافر مرة زائرا لأهل الدعوة فاجتاز بقسطيلية، فنزل عند أبي جعفر أحمد بن خيران، فقال له أبو جعفر هلم بنا إلى زيارة الغاية زوجة الشيخ أبي القاسم، ففعلا، فلما دخلا إليها وسألا عن أحوالها سألتهما عن نازلة نزلت بها وخصصت أبا عمران بالسؤال، فقالت له: ما تقول في امرأة صحبت النساء إلى الوادي فنزلت في الماء ثيابها وجعلت على رأسها سترة؟ فقال لها: أيما امرأة نزلت في الوادي مكشوفة فإنها ستقوم في سبعة أودية من نار جهنم، قال: فتغير لونها لما سمعت ذلك، فقالت له: هل من رخصة؟ فقال لها: إذا كان ما ذكرت من السترة فإنه أشبه شيء وأقرب إلى السلامة، ثم قلب عليها السؤال فقال لها: ما تقولين أنت؟ فقالت: نعم هكذا سمعته من سعيد بن يونس.

وذكر أن أبا نوح سعيد ابن يخلف قدم إلى وارجلان فجلس في مسجد " تماواط" فرأى رجالا يغتسلون ويتوضاؤن من ساقيتها ويطلعون إلى المسجد حفاة، يطأون في الطين فانتهرهم ونهاهم عن ذلك، وقال: أرى أن الذي يقوله الناس حق: أن أهل وارجلان سيصيرون مخالفين للمذهب، وإنما حمله على هذا الكلام ما طبع عليه من التحرج والتنزه فيما طهر ونجس، حتى أ، ثياب صلاته غير ثياب لباسه ويجعلها في خرج حسبما تقدم.

واجتمع بها في مجلس هو، وأبو نوح سعيد بن زنغيل فوقع بينهما كلام في مسألة أمة أخذت في الصلاة مكشوفة الرأس فلما قضت بعض ركعات صلاتها، اعتقها ربها فأتمت صلاتها كذلك، فقال أحدهما: عليها إعادة الصلاة لأن حكمها أخيرا غير حكمها أولا، وقال الآخر: ليس عليها إعادة لأنها دخلت في فعل عبادة على وجه جائز لها، فبينما هما في هذا الاختلاف إذ طلع عليهم الشيخ أبو عمران موسى بن زكرياء، فلما رأياه قال أحدهما للآخر: اسكت فقد جاء من هو أعلم مني ومنك، ثم سألاه عنه فأجاب بما وافق أحدهما، قلت: هكذا حكى صاحب الكتاب مبهما، والذي يغلب على الخاطر أنه أجاب بأسهل قوليهما وقياسا على غير هذا قلت: والذي يظهر في قول ثالث بين قوليهما وهو أنها لا تخلوا أن تكون عالمة بوقوع العتق عليها من سيدها أم لا تعلم حتى خرجت من الصلاة، فإن علمت وقد بقي عليها شيء من أركان صلاتها وتمت صلاتها مكشوفة الرأس فأولى، والأصح إعادة الصلاة، وإن لم تعلم فأولى والأصح لا إعادة عليها، فكيف ترى هذا الجواب؟

فضل تعلم العلم ونشره

وعن أبي محمد أن أبا عمران قال مرارا في مجالس كثيرة تعلم حرف واحد من العربية كتعلم ثمانية مسائل في علم الفروع، وتعلم مسألة واحدة كعبادة ستين سنة، ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه ذلك الكتاب فكأنما حمل ألف حمل دقيقا، وتصدق بها على أهل ذلك البلد، وهكذا في فضل العلم وطلبه.

وذكر أن جابر بن سدرمام أضاف أضيافا، فلما استدعاهم وكان ذلك بمحضر صاحب له يعرف بخليفة بن تزوراغت، فرغب إليه جابر في أن يصحبهم فامتنع فألح عليه، فقال له: يعلم الله إني لا أصحبهم، فقال له جابر: أما الآن فإن شيءت فاصحب وإن شيءت فامكث فالكفارة قد وجبت، قال الراوي: وإنما أوجبها لأنه حتم في شيء لا يدري أن يكون أم لا، قلت: وهذا تشديد لأنه لم يذكر شيئا من ألفاظ القسم.

أبو إسماعيل البصير ومنهم أبو إسماعيل البصير إبراهيم بن ملال المزاتي -رحمه الله- شيخ عبادة وورع، واجتهاد في معرفة ما فرض الله وشرع، كثير الملازمة لزوايا المسجد، لالتقاط الفوائد، يغدو إليها ويروح كما يغدو الطير ثم لا يروح إلا بطينا باستفادة كل خير، وعنه يحكي أبو محمد ماكسن أنه كان يعلمه في درب بني ميدول من بني راسين بتوزر، وأنه اكتسب فيها خمسمائة كتاب، وأكل فيها خمسمائة رأس ضانية سوداء، وعنه يحكي أبو محمد ماكسن أنه قال وقد آب من سفر: لقد استفدت في سفري هذا ثلاث مسائل، فذكر المسائل التي يذكرها العزابة ويرددونها كثيرا، وهي مسألة القراد المتعلق بالميت، والطريق في المقبرة، ونخلة المقبرة وغار المقبرة وكذلك بئر المقبرة، فالقراد إن أثر يتيمم للميت، وإن لم يؤثر غسل، قلت: والغسل عندي على كل حال أولى، والمسائل الأخرى يعطى الحكم للمتقدم منها أيهما كان.

لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم وأعلنوا المناكر

وحكي عنه أنه زار أهل الدعوة فاجتاز على بلاد أريغ وعلى كدية بني غمرة، وهم قوم ظلمة فتاكون أهل فساد وغارات، وفي المنزل قوم صالحون، فرغبوا إليه بأن يبيت عندهم ضيفا تلك الليلة، فقال: لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم، وأعلنوا المناكر، فإذا قيل لهم انقادوا إلى الحق لا ينقادون، ولا يذعنون، فتجاوزهم ونزل " بتميرينت" فلم تكن الأيام قلائل حتى نزل عليهم حماد بعسكر فأجلاهم ودمرهم تدميرا.

أبو محمد عبدالله بن الأمير

ومنهم أبو محمد عبدالله بن الأمير اللمائي -رحمه الله- شعار الدين والتقوى مع صبر ورصانة تزوى على رضوى، ومحافظة على السير والآثار، والتحلي بالتواضع، والتخلي عن الاستكبار، إذا رفع عينه إلى السماء فتحت له أبوابها لاستجابة الدعاء، فكان من يعاشره يتقي عقوقه، وكل من يعرفه يعرف في الصغيرة والكبيرة حقوقه.

يفطر من صوم النافلة إرضاء لأخيه في الله ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله بن الأمير زار أبا محمد عبدالله بن مانوج، ومع ابن الأمير لحم مطبوخ وذلك في يوم جمعة، وابن مانوج حينئذ صائم فتناول وأكل منه، وذكر إبراهيم بن يوسف أن ذلك بعد الظهر، لما علم ابن مانوج أنه إنما قصده به على جهة الود خشي أن يسخطه ويعقه أن امتنع من أكله، فآثر رضاه على تتميم صوم هو فضيلة من الفضائل، واعتقد أن رضى الشيخ لاحق بالفرائض.

إحذروا سخط الله فإنه يعم

وحكى إبراهيم بن إبراهيم أن أبا محمد كان يعظ لماية ويحذرهم، ولقد قال لهم يوما فيما أورده عليهم " يا لماية" احذروا أن تؤاخذوا بذنوبكم، ثم قال من فم أبي صالح إلى أذني، الويل لي إن ظلمته، سمعته يقول: السخطة تعم والرحمة تخص، يهلك الصالح بذنب الطالح، قال الله عز وجل (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم )(آل عمران: من الآية152) وقال (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم )(آل عمران: من الآية155).

العمل بالحلال فضيلة ما لم يضر بالآخرة

وقال أبو الربيع جئت لزيارة عبدالله بن الأمير فلم أجده في منزله، فأعلمت أنه في الأندر فقصدته، فوجدته في جبة صوف وقد وضع كساءه وهو يضم أطراف الأندر، فلما رآنى تنحى الى كسائه فلبسه فلاقانى، فصافحته ثم أقبل يعتذر كأنه أساء فى وضع الكساء، وقلت له: وهل فى ذلك من بأس؟ أليس هو العمل فى الحلال؟ فقال: نعم ولكن أين من يحسن العمل فى الحلال؟ إنما يحسن ذلك أبو صالح، فقلت: وكيف عمله، قال: كان في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ناقة له، فإذا كان وقت صلاة الضحى أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثم عقلها، وحل إزاره وأخذ في الصلاة، حتى يصلي ما كان يصلي ذلك، ثم يرجع لناقته، فهكذا العمل في الحلال، إنما هو ما لم يضر بعمل الآخرة.

علف دابة الضيف من جملة إكرامه قال أبو الربيع وجه إلي سليمان بن موسى شيئا، وأمرني أن أشتري به طرفا من المآكل وألطافا فآتى بها إلى عبد الله ابن الأمير ليأكلها، ففعلت من ذلك ما أمكنني ثم توجهت إليه، فمررت في طريقي على كلاء خصيب وكنت على حمار لي، فجمعت من ذلك لحماري ما قدرت أنه يكفيه، فلما وصلت إليه قال لأولاده: اعلفوا حمار سليمان، فقلت له: يا شيخ إنه ليس بحمار يعتاد العلف، وقد جمعت له في طريقي ما يكفيه، فقال: هكذا جرت قصتي مع عبد الله بن مانوج، جئته ذات مرة وأنا على دابة وقد جمعت لها كلأ كثيرا، فقال: اعلفوا دابة عبدالله، فقلت له ما هو حمار علف، فقال: لا بل يعلف، ولا بد من ذلك، فإن علف دابة الضيف يا عبدالله أهم من إطعام الضيف.

وكان عبدالله بن الأمير من أمة سوداء وكان ذلك غالبا على لونه، فذكرعنه أنه صحب في بعض تقلباته شيخا يعرف بعزون، فلما كان في بعض الطريق أراد عزون تكليف أبا محمد أحد الكلفات الكبار المستثقلة، فلم يساعده فقال عزون معرضا لسواده: لو كان العبد من ديباج لكانت أطرافه من تليس، فقال أبو محمد: يا عزون أنفترق بعد هذا الطريق ولابد؟ قال: نعم، قال: تعال فاركب على عاتقي.

أبو زكرياء يحيى بن ويجمن

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن ويجمن"1" الهواري -رحمه الله - الورع الزكى، الفطن الذكي الدين النقي، المقر بفهمه كل شاف قصي، الكاشف بذكائه كل غامض خفي، المذلل بسياسته كل عاص قسي، المعترف بفضله البدوي والحضري، إن نطق جلا المبهم في صورة جلي، وإن صمت فله معتبر في كل شيء.

الناس في شأن علي بين إفراط وتفريط قال أبو عبدالله بن محمد قلت لأبي زكرياء: ما معنى قوله عليه السلام هلكت فيك فئتان يا علي: محبك وبغيضك المفرط؟ فقال: صدق عليه السلام، أما محبه المفرط ففرقة الشيعة الذين قالوا فيه مثل قول النصارى في عيسى عليه السلام أنه نبي، وأنه حي لا يموت، وأنه في جبال رضوى، وأنه إله، وأنه إمام مطاع ومن عصاه فهو كافر، وأنه إمام يجوز له تبديل الكتاب والسنة ونسخهما، وأنه أولى من أبي بكر وعمر، وأنه وصي، وأن الأمة ارتدت إذ لم يولوه، وأما بغيضه المفرط فأصناف، الصفرية الذين اتفقوا على أن كل معصية شرك، وقال قوم كل كبيرة شرك، فجعلوه مشركا لأنه حكم الضالين وقتل المسلمين، فافهم ذلك.

الشيخ يأبى عليه أن يذكر الحديث بدون سنده

وقال أبو محمد كنا في أجلو فجلسنا يوما للمذاكرة، وكان رجل عزابي يقرأ آثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية عبدالله بن صفرة، قلت: وكنت أفسر بلسان البربرية ما يقرأه القارئ فكنت كلما قرأ سند أثر من آثاره تجاوزت السند فلم أتكلم عليه وتركته إلى أن يصل الحديث، أو الأثر فأتكلم عليه فسمعنا أبو زكرياء وكان في ناحية قال: مالك لا تذكر أئمتك؟ فعدت أذكر كلما قرأ فأقول: روى أبو صفرة عن الربيع عن ضمام عن جابر.

وقال أبو محمد كنت إذا سألت ماكسن عن مسألة عويصة توقف فيها، وقال: دعها الآن حتى نسأل عنها صاحب الغوامض أبا زكرياء يحيى.

يحاسب الله العبد على مبلغ عقله وقال أبو محمد اجتمع الشيوخ ذات مرة في مسجد الشيخ يكنول بن الطويل في تمولست وكان الاختلاف بين جماعة " تين وال" وأرادوا أن يصلحوا ذات بينهم وكانوا يقرأون كتابا فمروا في الكتاب، على خبر وهو: " أن رجلا كان في زمن موسى عليه السلام وكان للرجل حمار فقال: يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري، وربطته مع حماري، فهم به موسى عليه السلام فأوحى الله إليه: يا موسى ذلك مبلغ عقل عبدى فتركه موسى عليه السلام" واجتمعت بأثر ذلك جماعة " تين وال" فجعل الشيوخ يعاتبون رجلا يلي الأمر يقال له أيوب بن حمو، فقال لهم أبو زكرياء: اتركوا عنكم البله الذين تمتلئ بهم الجنة، يعنى - الأثر المروى- ألا ترون قصة صاحب الحمار؟ دعونا من هؤلاء وهلموا لمن يثقب الخرزة بكيسه، مثل ياتياسن بن حمو فجاءوه ولحوه حتى تابوا واصطلحوا.

وذكر أن أبا زكرياء يحيى بن ويجمن رأى ليلة القدر في مصلى المسجد عند موضع المحراب الذي يلي الحائط القبلي من مسجد أجلو فبنوا محرابا ملصقا إلى جدار قبلة المصلى، في دار يحيى بن ويجمن وهو اليوم هنالك معروف مما يلي الجانب الغربي، وهو من المواضع المزورة المعروفة بالبركة.

الشيخ يحبس الأب ليؤدي دينه على ابنه

وذكروا أن رجلا ممن ينسب إلى الديانة كان لابنه عليه دين، فماطله فدعاه إلى المشائخ بأجلو وفيهم يحيى بن ويجمن وغيره من جماعة عزابة أجلوا، فجبروا الأب على الدفع وحبسوه وجعلوه في الخطة، وأعلموه أنه لا يبرح حتى يقضي دين ابنه أو يسرح الابن سبيله، فسمع بذلك ماكسن،وقدم من تين وال إلى مشائخ أجلو، فقال لهم: علام يحبس الأب في مال ابنه؟ فقال له أبو زكرياء يحيى بن ويجمن: قد حكم به أبو عبدالله بن بكر بوغلانة، وحكم بها هنا في أجلو ونحن نحكم بها فلا يخرج من تلك الخطة حتى يؤدي ما عليه.

-----------------------

1- أثبته صاحب السير باسم يحيى بن وجمين.

أبو عبدالله محمد بن سليمان ومنهم أبو عبدالله محمد بن سليمان النفوسي -رحمه الله- جال في حلبة المتقين، وجمع الله له بين الدنيا والدين، فكان مرضي الحال موسعا عليه في المال، فكان ينفق مما آتاه الله من سعة عطائه، حتى أنسى كل ذي سخاء بسخائه فإنه يهب من كلتي الذخيرتين لا تغيب هباته، ومهما بدرت أملا في بدره فطيب يخرج نباته، يفيد العلم ويكسو ويمون، فنيله مأمول، وحرمانه مأمون، يحنو على التلامذة حنو أبيهم، ويقويهم دون قرابة ويجتبيهم.

الشيخ يعلم طلبته وينفق عليهم

ذكروا أن أبا عبدالله بن سليمان كانت عليه حلقة عظيمة يعلمهم ويطعمهم ويكسيهم من ماله، وكان إذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء فإذا أقبل الصيف اشترى لهم أكسية خفيفة برسم الصيف، ويدخر الأخرى للشتاء وربما باعها بالثمن الذي اشتراها به ويخرج لهم كل يوم ما يقيم طعامهم وإدامهم، وقال أبو عمرو: قال لي إبراهيم بن يرمون -وكان شيخا صالحا-: دعاني أبو عبدالله يوما فوجدته يلوت عمامته ويصلح نفسه، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ فقال: عزمت على الوصول إلى " شروس" فإن لي فيها شجرة زيتونة مشرفة على السوق، تضيع غلتها فلا انتفع منها بشيء، فأردت بيعها فقلت: بكم تريد بيعها؟ فقال: إذا وجدت عشرة دنانير فأنا أبيعها، قال إبراهيم: فساعدته فأقبلنا ماشيين، حتى وصلنا " شروس" فسيمت منه شجرته بأربعين دينارا، ثم صر الثمن في عمامته صرارا متفرقة، فلما وصلنا إلى موضعه أخذ يفرق الدنانير على العزابة لكل واحد منهم دينارا أو أقل، أو أكثر ودفع لي ستة دنانير، ففرقها حتى لم يبق لنفسه غير عشرة دنانير، فقلت له: ما هذا؟ قال: كنت نويت البيع بعشرة دنانير، فكل ما زاد فهو لله أرى له فيه شيئا قال أبو عمر: سألت عن ذلك أبا العباس فقال: إن من العلماء من يقول الفقراء أحق بتلك الزيادة، والذي فعله حسن جميل.

رأيه في الزواج وإقتناء الحيوان وكان أبو عبدالله يقول: ثلاثة لا أراها إلا في بيت عدو الفرس في رأسه مطحنة، وفي تحته مزبلة، والكلب ينبح فيسمع نباحه فيروع ولو مسلما واحدا، وساق هنا خبرا قال: سرنا ذات مرة مع الشيخ أبي سليمان أيوب في بعض الطريق حتى نبحنا كلب من إحدى الدور، فذعر الشيخ وقال: إن دخلكم الروع مثل ما دخلني فإن صاحب الكلب لا يدخل الجنة، والثالثة المرأة تفشي الأسرار وتهتك الأستار.

وروي أنه لم يملك قط حيوانا ذا روح ولا تزوج قط، فلما علت سنه قال لأصحابه إن أهلي وآبائي قد عرف من عادتهم أنهم إذا كبروا اعترضتهم حبسة باللسان، تؤذنهم بفراق الدنيا، فإذا رأيتم ذلك أصابني فزوجوني امرأة تقوم بي في مرضي، فلما رأوا ذلك نزل به أنكحوه امرأة قامت عليه في مرضه حتى توفي --رحمه الله- - قلت: وفي هذه الحكاية مواضع تحتاج إلى النظر منها: ما قال في اقتناء الكلب ولعله علم أنه كلب غير مباح الاقتناء وكونه لم يتزوج قط فقد حكي ذلك عن غيره من المؤمنين والتزوج أفضل، إلا إن علم من نفسه أنه غير قائم بحقوق الزوجة، وكونه لا يقتني حيوانا - وقد قال عليه السلام ما من نبي إلا ورعى الغنم - لا يلزم منه أن نقول من يكتسب الحيوان مذموم، بل ربما أراد راحة خاطره وتفرغ باله إلى ما هو أوكد وأولى وقوله: إذا رأيتم ذلك فزوجوني نظرا لأمرين أحدهم: أن المريض يصير إلى حالة يحتاج فيها إلى من يطلع على عورته، ويقلبه في مضجعه، والثاني نظرا إلى قوله عليه السلام من مات عازبا مات شيطانا فأخذ بالظاهر وأراد أن لا يموت عازبا، وهذا إذا صح هذا الحديث.

حكم التزوج في مرض الموت

وكونه تزوج في مرضه الذي مات فيه هو جائز عندنا خلافا لمن منعه اللهم إلا إذا علم أن المريض إنما قصد التزوج ليمنع ما لورثته من الميراث، فهاهنا وافقناهم على منع التزوج وأما إن قصد به شيئا مما يقصد بالتزوج غير المحابات فلا يمنع.

الشيخ أبو مكدول الزنزفي ومنهم أبو مكدول مطكو داسن الزنزفي -رحمه الله- هذا الشيخ منسوب إلى صلاح، وزهد في الدنيا واطراح، ويعد في الوعاظ والنصاح، والداعين المرشدين إلى سبيل الفلاح، ويحكى عنه الحكم والأمثال، والإصابة في الأقوال والأفعال، أن أكثر ما يروى عنه إنما هو باللسان البربري، صادر عن صدر رحب، وقلب جرئ، وهو من كل غش برئ ذكر يحيى بن جعفر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء كتب إلى أبي مكدول:

" بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. إلى أبي مكدول أطال الله بقاءه وأدام عليه نعماءه.

أما بعد فإني سمعت أن جماعة من النكار طلعوا قبلكم فإياكم ثم إياكم، أن يردوا أرضكم ولو للضيافة، فإن القوم أخدع الأمة، وأنت ممن لا يحتاج إلى أن يوصى والسلام" فوقف عند ما حد له وكان أهلا لصد ما يخشاه منه من هذا الداء"1" وذكروا أن أبا محمد ماكسن ويخلف التميجاري أضافهما أبو مكدول فقدم لهما طعاما حفيلا ضيافة كاملة، وعلى كمالها فإنها دونها دون قدرهما وقال حين قدمها لهم: كلوا فقد مات من يسلم في نفسه ويسلم معه غيره، فشكرا صنيعه وشكرهما حين رآهما شكرا ولم يذما، وحمد هو الله على اقتران الشكرين، وخطر بباله أن اللعنة مع الضيف مقرونة، فإذا حمد وشكر وقابله المضيف بحمد الله وشكره وقعت على إبليس، لعنة الله عليه وإن لام أحدهما وضجر وقعت عليه، وقد وقفت لأبي مكدول على كلام كثير بالبربرية لم أحصل منه فائدة فاعلقها.

-----------------------------

1- في نسخه من هذا الدعاء.

أبو موسى يزيد المزاتي

ومنهم أبو موسى يزيد المزاتي وابنه ضمام -رحمهما الله- ممن تمسك بالورع بحبل وثيق، وسلك في الصلاح أنهج طريق أتقن مسائل الحلال والحرام، وأشهر نفسه بعلامة المجتهدين من الخدام، وذللها وراضها حتى انقادت لموافقة أهل الإسلام، وبث المعروف في الأجانب وأولي الأرحام وكان من أفاضل تلامذة أبي خزر، وأخذ عنه الآثار والسير.

مساعدة الشيخ لقبائل مزاتة وإنقاذهم

ذكر الشيخ أبو نوح صالح بن إبراهيم أن بلاد أفريقية أصابتها سنة، فاشتدت أحوال أهلها وعدموا القوت، حتى ضمت أهل البوادي وغيرهم إلى بلاد الجريد فانتجعت مزاتة إلى قابس ليمتاروا منها التمر بالدين والقرض فأتوا ضمام بن أبي موسى يدلون عليه بالقرابة والأخوة، وهو حينئذ عند أهل قابس معروف، وبالخير والصلاح موصوف فسألوه أن يستقرض لهم، ويستدين ويتحمل عنهم، وأعلموه بما هم فيه من شدة الحال، وأن جاهه كفيل باستنقاذهم من الجوع فشاور والده في ذلك وأعلمه بما جاء به قومه، وبما طلبوه، فقال له هل يعرفهم أحد؟ قال: لا، قال: وأنت هل يعرفك أهل قابس ويأمنونك؟ قال: نعم، ولا يعرفون غيري فقال له أبوه: دخولك في شيء يستنقذهم من الجوع إذا فرض من الفروض اللازمة، إذ كانوا ينتفعون بجاهك أكثر مما ينتفعون بأموالهم فقضى مآربهم أجمعين.

يسأل المرء عن جاهه كما يسأل عن ماله

وقال أبو نوح صدق أبو موسى وقد قيل: يسأل المرء عن فضل جاهه كما يسأل عن فضل ماله، وقد قيل من تبرم بجاهه فقد تعرض لزواله، قال: فهو كقوله عليه السلام: " إن للله وجوها من خلقه يستخصهم بنعمته ما بذلوها لخلقه، فإذا بخلوا بها بدلها إلى غيرهم" فتحمل عنهم ضمام وأنجز مآربهم فلما أيسروا قضوا ما عليهم إلا أقلهم فقضاه عنهم ضمام، وقد نسب إليه كلام في ذم الحمالة.

أبو يعقوب بن سهلون

ومنهم أبو يعقوب بن سهلون -رحمه الله- العظيم القدر، الكثير البر والغزير الحفظ في فنونه، المتحصن من كل روع بورعه ودينه، لا تهوله الأهوال ولا يغتر بما يرى من حسن الحال.

مصاب الشيخ في لسانه وسبب ذلك فيما قيل ذكر يعقوب بن أبي القاسم أنه وصل ذات مرة إلى وارجلان قال: فرجعت ووجدت أبا عبدالله محمد بن بكر، ومزين بن عبدالله عنده، فقال لي أبو عبدالله: هل رأيت أبا يعقوب يوسف بن سهلون؟ قال: فقلت: لا، فقال انظر يا مزين! أولا تعجب لهذا الذي سافر إلى وارجلان ولم يزر أبا يعقوب؟ فعظم علي ذلك، و رجعت إلى أبي عبدالله فأخبرته بحال أبي يعقوب، وذلك بعد ما أصيب في لسانه ومنع الكلام، وسبب ذلك أن مسألة شنيعة نزلت في وراجلان فاجتمع لها كل من بها من وجوه العزابة، ومن ينسب إلى العلم والرأي وكان دأبهم في ذلك الزمان إذا نزلت مسألة أن يجتمعوا من شأنهم الاجتماع للتشاور في النوازل، فاجتمعوا بالموضع المعروف بمنبر وارجلان فوضعوا المسألة وذلك أن امرأة ادعى تزويجها رجلان وأتى كل واحد منهما ببينة على صحة التزوج، فتراد الشيوخ المسألة حتى انتهت إلى أبي يعقوب، فقال: حرمت على الأول، والأخير، ورجال الدنيا، والآخرة إلا أن تتوب فتحل لرجال الآخرة، فقال رجل من بني ياجرين: هاج الفحل فتفرقت الفصلان، فأصابته عين، فاحتبس لسانه حتى لا يستطيع كلاما.

كيف أعان الشيخ ابنه على بره

وكان أبو يعقوب كثير السياسة كثير الرفق وله ابن يسمى أيوب وكان إذا أراد أن يأمره بشيء أشار إشارة أو ساقه في حكاية لئلا يغلق عليه الأمر فيخالفه فيعق، وكان إذا أشاره بشيء امتثله وأتى به على حسب ما يرضيه ويجئ على وفقه حتى ضرب بهما المثل في بر الابن للأب والأب للابن فقالوا:" الأب كأبي يعقوب والابن كأيوب"

وحكى الشيخ فلفول خلافا وقع بين أبي عبدالله بن بكر، وبين الشيخ أبي يعقوب بن سهلون في مسألة وهو: الرجل يقول فيمن يتولاه: هو مسلم عندي أو مسلم عند الله وعندي، فقال أبو عبدالله: لا يجوز إلا أن يقول مسلم عندي، وقال أبو يعقوب: كلاهما جائز سواء لا فرق بينهما لأنك إذا قلت عند الله فإنك تعني يعلم الله أنه عندي مستحق لهذه المنزلة.

قلت: إماما قاله أبو يعقوب في المرأة التي ادعاها بعلان أنها لا تحل للأول ولا للأخير فتصح على أصل تحريم الزانية: وحرم ذلك على المؤمنين، وهذه المرأة قد تعمدت الزنا بإدخالها بعلا في عصمة آخر، وهذا إذا كانا مقرين بالدخول، وهي أيضا مقره، فإن لم يكن إقرار بالدخول، ولم تقم به شبهة فلا تخلو البينتان أن تثبتا على تاريخ أحد النكاحين أم لا، فإن تثبتا فهي للأول، وإن لم تثبتا أو أحدهما فسخ النكاح، ويتزوجها من شاءت منهما أو من غيرهما.

كتابة عقود النكاح والطلاق تدفع الشك

ولأجل هذه الشنائع وأمثالها تجدني أتلهف وأتأسف على شيء لو أمكنني فعله والإشارة به، هو والله أمر سهل، رافع للالتباس، كاشف لهذا البأس، وهو والله مما ينبغي أن يسعى فيه أهل الخير، وذلك: أن يؤذن في جهة من الجهات على أيدي القضاة أو عن رأي الجماعات بأن لا يشهد في النكاح خاصة أو في النكاح والطلاق إلا رجال معلومون، لا يعدوهم هذا الشأن، يختارون أهل علم ودين، وسنن ويستلزمون كتب التاريخ ولو لم يكتبوا غيره، فكيف والكتاب في جميع فصول النكاح والطلاق أحوط، فإنه إذا كان على هذا الوجه كان قطعا لاشتراك ما لا يشترك، ورفعا للالتباس، والاختلاط في الأنساب، والشك في التوارث والعدد، وفي الخبر: إن أولى ما احتيط عليه الفروج. وأما ما اختلف فيه الشيخان فمسألة تضرب في علم النحو بنصيب، وأرى أبا يعقوب فيها هو المصيب.

الطبقة العاشرة: 450 500 ه : 1- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي -رحمه الله- الأصولي الفقيه، الزكي النبيه، أفنى في الدراسة أيام الشباب، وفي حفظ كتب الفقه كتابا بعد كتاب، حتى برز وبعدت عنه محائبه، وظهرت بين النجباء نجائبه، ولما بانت فضيلته سبقت بين السوابق، وحمدت منه الخلائق تصدر للتدريس، وإفادة كل جليس، فأحيى الله به طرق الصلاح، وفتح له أبواب الخيرات أي افتتاح، وخرج من تلامذته كل نجيب، وقيد عنه كل جواب مصيب، وتصنيف عجيب.

ذكر أبو عمار أن جماعة عزابة اجتازوا على قرية من قرى نغزاوة فإذا هم مقدمها رجل يسمى "أبا علي"، فقالوا له: (احذر عقوق الوهبية)، فقال لهم ارغبوا إليهم وقولوا لهم يدعوا علي. فوصلوا جربة يوم جمعة، فوجدوا الشيوخ قد أقبلوا إليها بجماعة التلامذة، وفيهم الشيخ أبو الربيع فسلموا وصافحوهم، وأخبرهم بما بلغ أهل الدعوة من ضرر المذكور، وقوله لهم، فقال أبو الربيع: رب كلمة سلبت نعمة، اللسان يلعب بالبلاء، فاجتمعوا وبدأ أبو الربيع بالدعاء فأداروا الدعاء، وختم أبو الربيع، فأصاب الملعون في تلك الساعة وجع فجعل يصيح من شدة الوجع، ويقول: (قتلني الأعور، يعني أبا الربيع، حتى مات، ولم تماطله دعوة أبي الربيع.

الحكم الشرعي في الوصية للوارث

وروي عن أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه - أنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره: (اشهدوا أن الجنان الذي على العيون لابني يوسف)، فلما سمعت امرأته ذلك حسبت أن به غفلة أو ذهاب عقل، فقالت له: ما هذا يا شيح؟ تنبهه، فكرر الإشهاد على نفسه بما قال أولا، ولم يرجع عنه، فقال لامرأته إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع فيه إلى علمك ورأيك، وكان ابنه أحمد إذ ذاك عند أبي الربيع سليمان بن يخلف فبلغه وفاة أبيه وقد بقيت بيده بقية من نفقته فكف عن الأكل منها، ورأى أن ذلك قد صار ميراثا، فقال له أبو الربيع: أمسك ما بيدك ولا حرج عليك ولا تلزمه العدالة بينكما.

قلت: أما فعل أبي عبدالله فلا ينفد لوجوه: منها أنه عطية في المرض الذي توفي فيه فلا يجوز إلا بإجازة الورثة، الثاني أنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ، والثالث أنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم، وإليه مال كثير أصحابنا فيما علمت والشيخ أبو الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الارب، وأقول والله أعلم: إن ذلك إنما جاز لإجازتهم له إياه أبرارا بالشيخ -رحمه الله- .

وعن غير واحد من تلامذته قال لما كان عام واحد وسبعين وأربعمائة رجعنا من عنده فشيعنا إلى المصلى الذي فوق عيون تونين، فوقفنا لموادعته، فقال أحدنا: أوصنا يا شيخ، قال: لقد عزمت على ذلك ولو لم تقله لي، ثم قال: (امضوا بالسلام. فإذا وصلتم إن شاء الله منازلكم فإياكم والدنيا أن تستقبلوها بوجوهكم، فان من استقبلها أغرقته ومن استدبرتا فلا بد أن تأخذ منه، وعليكم بالألفة والنصيحة، والتزاور، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس والتقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام).

وكنا قد أردنا إذ نحن بتمولست الطلوع إلى جبل (دمر) برسم دراسة الكتب، فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا ذكرياء يحيى بن أبي بكر فشيعنا أبو ذكرياء يحيى، فقال: اعلموا أنكم أن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا، وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم.

وذكر إن تلميذين من تلامذة أبي الربيع قال أحدهما للآخر: (زوجتك أختي)، وقال الآخر: (قبلت) فلما لفظ بالقبول داخله ما وسوس عقله وشغل خاطره، وجعل يسأل الطلبة واحدا بعد واحد هل عليه من هذا شيء؟ ولب على خاطره ان النكاح قد انعقد، فجعل يسأل العزابة الحل عازما على الانفصال، فقال أبو الربيع لما رأى ما رأى من حاله: ما نال فلانا؟ فأخبروه خبره، فقال لهم: قولوا له فليقم وليشتغل بالقراءة، فانه لم ينعقد عليه نكاح، ولا عليه شيء، ولو أجازته، قلت وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها وليست بمطلقة وذلك أن أخا المرأة لا يخلو أن يكون وكيلا مع كونه وليا أو لا يكون وكيلا، فان وكان وكيلا فالنكاح قد انعقد بلا خلاف، وان كان أنكح فضولا بغير توكيل ثم أجازته بقرب العقد فالأولى جوازه، وقيل يكون موقوفا على قبولها وامتناعها، ولعل أبا الربيع -رحمه الله- عر في هذه القضية بعينها ما أوجب امتناعها كترك وقع متقدما مع ما خاطب أو عقد تقدم مع ولي تقدم مع خاطب آخر، والله أعلم. وذكر أبو عمرو عثمان بن خليفة أن أبا يعقوب محمد بن يدير سئل عن مسألة في مجلسه، فأخطأ في الجواب، وذلك انه قال: علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها، وكان يزيد بن يخلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن يخلف في المجلس حينئذ، فلما سمع يزيد ذلك قال يا سليمان ما الذي أخذت عن أبي عبدالله بن بكر في هذه المسألة قال: إذ لزم فعل شيء لزم العلم به، وان له في فعله الثواب، وانه فرض وعدل، وكان قد باتا في حلقته فلم يقل لهما رجعت عن قولي، ولا قالا له: ارجع عنه ولا أدناهما من المجلس، وجوابه في هذه المسألة جواب النكار وهو خطأ وجوابهما جواب أصحابنا وهو الصواب إن شاء الله، وهو قول جمهور الأمة لأنه كيف يمتثل الأمر من جهله؟ وكان هذا حال الشيخ أبي الربيع لا يعجل بتخطئة أحد، ولا يسمعه جفاء.

وتوفي -رحمه الله- عام أحد وسبعين وأربعمائة، فبلغ خبر وفاته المشائخ ببلاد أريغ أمثال ماكسن، ومزين، ويوسف بن ابي عبدالله بن بكر، وغيرهم فجل عندهم الخطب وسامرهم الرثاء والندب، واجتمع اليهم اعيان تلك النواحي يعزونهم، وهيهات، فقد لازموا العويل والاكتئاب الطويل، حتى قال لهم ابو يعقوب كفوا عافاكم الله فان هذا لا يغني عنكم شيئا، وعليكم بالتمسك بما أخذتموه عنه، وعن غيره من الأشياخ، وكونوا لها كإبراهيم بن أبي إبراهيم للأمانة، وذلك أن رجلا أودع الشيخ إبراهيم دينارا، وقال له: (ادفعه إلى فلان، واحذر أن يسقط، فقال له: (تسقط هاتان ولا يسقط يا عماه)، وأشار إلى عينيه.

الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله الوسيانيان

ومنهم الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله الوسيانيان -رحمهما الله- كانا ممن تنسب إليهما أنواع من الفضائل، وترفع إليهما عند وقوعها المسائل وترجى بدعائهما عند الله الوسائل، ويستشفى برأيهما متى نزلت الخطوب النوازل، وتتيممهم للبركة القنابل(1) والقبائل، وممن يفصل الخطة لما أعيت كل فاصل، فليس منها إلا عائل.

قال أبو عبدالله: كان مزين يقول: (الرأي إشارة، وأما الموارئة(2) فقتال، لا تدخلن بين العصا ولحائها)، وذكر أبو محمد قال: دخل علي ينجاسن بن حمو ذات يوم كأنه ذاهل، فاستلقى مضطجعا، فقلت له مالك؟ ومن أين أقبلت؟ قال: (من عند مزين، جئته أستفتيه في تباعة تعلقت بذمتي في قرية من قرى وارجلان، وسألته كيف الخلاص منها قال لي: أتعرف الموضع؟ قلت: نعم، قال: أتعرف صاحب التباعة؟ قلت لا، قال تجد من يشهد لك بأن تلك التباعة لفلان بن فلان؟ قال:لا، قال: فتصدق بها إذا في موضعك، وأقم ولا تتكلف حركة). فحاربها -لله أعلم- إنما بسبب كونه لا يدري من يصرف إليه تلك الصدقة فيكون لها أهلا ولأنه ذكر عنه أنه قال حينئذ: خائن حازم، خير من أمين مضيع فداخله من ذلك شغل شاغل.

وذكروا أن " أبا ويدران" الفطناسي استخلف على وصيته مزين فعمد إلى خيار ماله وما تكثر فيه رغبة المشتري فباعه، وجعل ينفذ منه الوصية فشكته زوجة أبى " ويدران" وبناته إلى الشيخ أبي عبدالله وقلن له: أنه قد باع أفضل المال إن في التركة أطرافا لو باعها لم يصبنا لفقدها جزع، فقال له مالك ولهؤلاء؟ قال: أعلم أني لم أشتغل بمصلحة هؤلاء لكن بفكاك رقبتي ورقبة أخي في الله.

كيف كان الشيخ أيام التلمذة ورفق شيخه به

وذكرا أبو الربيع أن أبا محمد ماكسن كان من أعاجيب الزمان، وذلك أنه أصيب في بصره وهو ابن سبعة أعوام وقيل سبعة أيام، فجاءت أمه إلى أم يوسف زوج المعز بن باديس فأعلمتها بما أصاب ابنها فقالت لها: رديه في الكتب، فانه يستفيد لما رأته من حدة فكره، وحضور ذهنه وذكائه ففعلت فحفظ القرآن تلقينا في أسرع وقت ثم قصد جربة وحضر حلقة أبي محمد واسلان ابن أبي صالح، فكان أنجب تلميذ حضرها وكان كل من رآه يستغرب ذكاءه وبراعته، وكثرة حفظه، إلا أنه كان مع ذلك سريع الغضب حاد الكلام، فكان الطلبة يقولون لأبي محمد: اطرد عنا هذا السريع الغضب الحاد الكلام، فيقول لهم: والله لا أسمع قولكم فيه ولا أقبله ولا أخرج عليه لما تفرس فيه من الخير والبر وإحياء الدين والسير ويقول لهم: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له: ( لم تكون الخفة في المؤمن؟ فقال: لغزارة في قلبه)، وقيل لابن عباس - رضي الله عنه - إنك لخير لو لا خصلة فيك قال وما هي؟ قال الخفة، فقال ابن عباس: عبتنى بخير الخصال.

وكان ماكسن إذا ذكر هذا القول يقول -رحمه الله-: أن أبا محمد لو سمع في قولهم وطردني لرفعت رأسي وكنت في غير هذا المذهب فأضل وأهلك، فلم يكن إلا مدة يسيره حتى تفقه وعظمت منزلته فأعجب بيتيم عديم مكفوف البصر ينتهي إلى هذه الغاية في أسرع وقت ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان ابن يخلف كان مفتاح باب الخير عليه لأنه كان محاضره فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه الكتاب فإذا قرأ بابا رددا معا مسائله هكذا كانت عادتهما وكان كل واحد منهما بارا بالآخر حفيا به، كان أبو الربيع كما ذكرنا لا يأل جهدا فيما ينتفع به صاحبه فلا يعرف له طريق مصلحة إلا تحراه وكان ماكسن على نحو ذلك فيما له عليه قدره حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤولة مع كونه دونه في السن، وهذه الدعوة لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبي الربيع.

ولقد تنازعا يوما في مسألة حتى تغاضبا وكان ماكسن يصلي بثوب أبي الربيع فحضر وقت الصلاة ولم ير ماكسن انه تصح له صلاة بثوب أبي الربيع، وحسب أنه يجد منه في نفسه شيئا وأراد نزع ثوبه، فقال له: صل عافاك الله فإنه لم يحدث عندي شيء.

وذكر أن أول مسكن الشيخ ماكسن بوارجلان وذلك بعد انفصاله عن القيروان ومجيئه من جربة، فأقام بوارجلان حتى سافر منها إلى الحج وقضى الفريضة وتنفل وتزوج بوارجلان وقطن به، وجاءه رجل من أهل أجلو يقال له أبو العزيز داود، فقال له: أقم هنا يأكل أولادك تحف أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا فسمعت كلاما أذن واعية ووقع في نفس ماكسن الانتقال إلى أريغ، فلقي الشيخ عيسى بن أبى الحجاج فقال له: اجعلني يا أخي في حل فإني عازم على الارتحال فقال: بل اسأل الحل في قولك لي اجعلني في حل فقد أدخلت علي روعة، فقال له: اعلم أنه لا يصح لك انتقال عن وارجلان حتى أموت وتغسلني وتكفنني ثم انتقل، بعد ذلك أو أقم وأما وأنا حي فلا أذن لك في المسير، فوافقه وأقام حتى قضى الله بموت الشيخ عيسى، فتولى عنه ما سأله أن يتولاه، وأجمع على المسير إلى أريغ، فقال له عبدالله بن عيسى الوسياني من أهل " كرناداس": ألم تقدر في سفرتنا يا ماكسن؟ فقلت: قد عولت عليكم وهيأت لكم، فساروا جميعا إلى أريغ فأقام ماكسن بأريغ مدة وليس لأولاده مؤدب، فجاءه أبو العزيز داود فقال له : أقم هكذا يا ماكسن حتى تموت وتبيع أولادك كتبك، فأيقظه وعلم إنما نبهه على أولاده فاستأجر مؤدبا يعلمهم.

الشيخ يتعجب من ثلاث مسائل والحكم الشرعي فيها وكان أبو محمد ماكسن يتعجب من ثلاث مسائل أحدها قولهم" يموت الرجل ولا يقذف" ثم اجازوا له إذا خاف أن يقول: ليس هذا بابن فلان، أو ليس من القبيلة الفلانية فينفيه، والثانية قولهم: " يموت ولا يتعرى" ثم أجازوا له أن يتعرى عند الاختتان وعند الطبيب والقابلة، وقياس الجراح، والثالثة قولهم في امرأة المفقود:" عدتها عدة المتوفى عنها زوجها" ومع ذلك قالوا: لا تخرج حتى يطلق عنه أولياؤه، قلت: أما الأولى فمن باب الكذب المباح لا من باب القذف والثانية ضرورة تعارض فيها حكمان فلا بد من أرجحهما والثالثة أخذوا في العدة بالحوطة ونظروا في تسريح المرأة خشية الضرار وجعلوا التطليق إلى الأولياء، على أنه لا حكم على غائب.

يحمل أولاده على الحق

ومن تحرجه ما ذكر أن أولاده بنوا بابا وزادوا في حائطه شيئا من الطريق فقال لهم: اهدموا هذا البنيان وردوا الشيء بحاله فقالوا: إن الطريق واسعة بحيث لا يضرها ما نقصناه منها، فقال لهم: لا بد من هدمه ولا انصرف حتى يهدم فهدموه وحينئذ طابت نفسه على الانصراف.

وذكر أبو الربيع قال: أغارت غارة" لبنى يوجين" على رأس وادى أريغ فساقت غنمهم، فاتبعتهم عدة من المشائخ منهم ماكسن، وأبو العباس الوليلي، وعيسى بن يرصوكسن وعبدالله الدمري فلم يلتحقوا بهم إلا بعد أحيائهم فلبثوا مدة يستردون حتى استردوا الغنم بجملتها، وما استردوها إلا وقد نفدت أزوادهم أو كادت، قيل وفيهم عجوز مرابطة، وقد اطلعت على حال المشائخ وعلمت أن أزوادهم نفدت، وأن طعام قومها لا يرون أكله تورعا، فرغبت إليهم أن يأذنوا لها في أن تعالج لهم طعاما من مالها فأجابوا، فاستعملت طعاما ولما حان وقت صلاة المغرب وصلوا جاءتهم العجوز تسألهم عن مسائلها، والشيخ أبو العباس الوليلي حينئذ يركع ولم يتفرغ من ركوعه، فعاد كلما سلم من ركعتين قال لهم: أبعدوا العجوز عنكم واطردوها عن أنفسكم، ولم يفطنوا لما أراد، حتى سألتهم ما تقولون في قومي هؤلاء إذا غاروا غارة وغنموا وأخذوا وأعطوني زكاة ما أخذوا فهل في ذلك من حرج؟ قالوا: إذا فأنت على هذا الحال المذمومة يا عجوز؟ أبعدي عنا، فقال لهم أبو العباس: ألم أقل لكم من قبل؛ أبعدوها عن أنفسكم فانصرفت ولم يذوقوا طعامها فقالت " بنويوجين" لماكسن: إن رخصت لنا في ثلاث مسائل رجعنا إلى مذهبك وهي: أموالنا، وأولادنا، وأزواجنا كلها حرام، فأذن لنا بالمقام فيها فقال لهم: لا يحل ذلك في مذهبي، قالوا فإنا نجد من يرخص لنا في ذلك كله.

وغارت غارة لبعض العرب على وارجلان فساقوا عدة من الإماء، فلحقهم الشيخ ماكسن" بالدرمون" فوق بئر الكاهنة، فسألهم بالله أن يردوا عليه ما أخذوا من أموال المسلمين فكان في القوم رجل يعرف بابن يلبان، فقال لهم: أجيبوا سؤال العزابي، فردوا عليه جملة الإماء إلا واحدة مولودة(3) ، فزينها الشيطان في أعينهم فرغبوا في الابتناء عليها، فقال لهم الشيخ: إنها حرة، فقالوا: عريقة؟ قال لهم: نعم قالوا له: أتحلف؟ قال نعم، قالوا بالطلاق؟ قال لا يحلف بالطلاق مسلم فلا أحلف به، قال: فردوها له، ثم سئل بعد ذلك ما أردت بقولك حرة؟ قال: أمي، قيل ما أردت بقولك عريقة؟ قال فخدي.

أهل جربة يبتهجون بمقدمهم في سمت حسن وأبهه

وذكر عن الشيخ ماكسن أنه قال: أقبلت أنا وأصحابي من الحج، وكنا في أثنى عشر رجلا كسليمان بن موسى الزلفيني، وعبد السلام بن عمران النكسي، ومحمد بن عيسى بن إبراهيم، وأمثالهم، ووصلنا طرابلس فاشترينا منها كسوتنا ؛ كسوة سنية، ودخلنا جربة، فشكروا ذلك منا واستحسنوه، ودخل عليهم من السرور ما لا يتصف، حتى قال لهم زكرياء بن الشيخ أبي زكرياء فصيل - رضي الله عنه-: لقد عاملتمونا في زورتكم هذه بما لا نستطيع أن نودي حقه وقلدتمونا عظيمة لا تقوم ألسنتنا بشكرها وإن إختصاصكم إيانا بقدومكم علينا عند مقدمكم في تلك المشاهدة الشريفة ومشاهرتكم لنا ليقوم عندنا مقام قدوم جميع من سلف من أئمتنا، وأشياخنا، من لدن أبى عبيدة إلى اليوم فالله يتولى متوليكم وأكثر ما أدخل عليهم السرور قدومهم في أحسن زي واشارة فإنهم باهوا بهم جيرانهم النكارة وظهر من جلالة أقدارهم ما زاد في جيرانهم الحقارة.

فتن أهله في وغلانة وتينتلات وسوء مصيرها وذكروا أن قافلة خرجت من وارجلان من أهل ريغ متوجهين إلى أهل ريغ فلما وصلوا إلى " ونو" يعني: البئر ازدحموا عليه يستسقون حتى اقتتلوا فقتل رجل من بنى سيتتن رجلا من " وغلانة" ورأى الوغلانيون أن لا طاقة لهم ببني سيتتن، لكونهم جميعا يكون طريقهم على بني سيتتن فخافوهم على أنفسهم فافترقوا من هنالك وجعل الوغلانيون طريقهم على بني ينجاسن فعاهدوهم على أن يكون معهم ألبا على طلب حقهم فلما وصلوا منازلهم عيبوا ونهضوا إلى بني سيتتن ثائرين بصاحبهم فلما وصلوا قرية " خيران" خرج إليهم أهلها يريدون إنزالهم ويحسبونهم أضيافا، فقالوا لهم: مكنونا من القود بصاحبنا، فقالوا: نعم، لكم القود، فألقى الشيطان في أسماعهم، أن لا يصلح لكم القود، فلم يلبثوا أن وثبوا عليهم بالسلاح، فدافع يعقوب بن يسفا وأمثاله حتى قتلوا، في ثمانين قتيلا من بني سيتتن، وكان رجل من وغلانة أدرك يعقوب على بغلة فعقرها، قال: فأدركته الرجالة، فقتلوه فأوصى عاقر البغلة بدية يعقوب، واستخلف على وصيته يعلو بن صالح فدفعها إلى ورثة يعقوب، فلما رأى أهل تينتلات أنفسهم في قلة بعد موت العدد المذكور عزموا على الرجوع إلى أهل الخلاف، وكادوا يفعلون، فبلغ ذلك ماكسن فقال: من ذا الذي يعرض لأهل المذهب من تنتلات؟ فانتقل إليهم بحلقته فوجد أعلام الخلاف قد نصبت، فلم يزل يكف شرهم، ويدحض عزمهم، حتى انقطع الاختلاف ولم يبق إلا الإئتلاف، فحينئذ ارتحل عنهم، ومدة إقامته عندهم ثلاث سنين.

وسبب ارتحاله عنهم فيما ذكر أنه كان ذات يوم هتف به هاتف: يا ماكسن اهرب، اهرب إلى حيث طاب الزمان، فالجبن خير من الجرأة إذا الفتنة تمكنت عروقها، قيل ولما ارتحل عزم من بها من أهل الخلاف وهم في غاية الحقارة والضعف على أن يبنوا لأنفسهم مسجدا، ورأوا أن الفرصة قد أمكنتهم بعد انفصال الحلقة، فاستفزوا ضعفاء العقول من أهل الموضع، وشاوروهم في ذلك، فأذنوا لهم في بنيانه، وكان ذلك في مغيب أبي يوسف بن زيري وهو من أعيان القوم، فاستحضروه للمشورة، فلما حضر تكلم متكلمهم فقال: عزمنا على أن نبتني هنا مسجدا لإخواننا قال: لا يبنى إلا أن يبنى على رأسي، فانحل عقدهم، ومن سمع بجواب أبي يوسف شكره ودعا له، ويتصل بهذا ما ذكر أن يعلو بن صالح خرج فارا بنفسه، غضبا لما فعل أهلها ببني سيتتتن وذلك أنهم لما رجعوا من قتالهم دخلوا من باب وخرج هو من باب آخر، فمر بيعقوب بن أبي موسى الزواغي وكان بينهما قرابة، فصحبه وسارا حتى لقيا أبا عبدالله بن الخير فقال له: يا يعلوا بني سيتتن صرعوا قتلى لم يدفنوا بعد، وأنت تغدوا وتروح عليهم، فقال له يعقوب: هذه منك سقطة يا أبا عبدالله، أتخاطب بهذا رجلا خرج مهاجرا مراغما لأهل الظلم طلبا للسلامة فلتلقاه بهذا القول وأنت لا تقدر له على شيء؟ فمن ذلك اليوم سار إلى أجلو.

----------------------

1- جمع قنبلة بفتح القاف جمع من الناس.

2- كذا في النسخه ولعل الصواب المؤاربة.

3- لعل الصحيح مولدة.

2- أبو سليمان داود بن أبي يوسف

ومنهم أبو سليمان داود بن أبي يوسف -رحمه الله- أحد المشائخ المذكورين، والفقهاء المشهورين، استفاد وأفاد، وخدم حتى ساد، فكان شيخ حلقة، يعرف كل أحد حقه، وسعهم علما وخلقا، وسيرا حميدة وتقى، ولا يجتنبه الطالب، ولا يخيب أمل الراغب.

ذكر أن جماعة من شيوخ العزابة توجهوا إلى »تنومة« فيهم أبو عبدالله محمد بن بكر، وأبو سليمان داوود بن أبي يوسف، وكان على داوود دين لرجل من تنومة، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا زنغيل بن نوح بن الشيخ أبي نوح، فسألوه عن الرجل صاحب الدين، فقال: تركته على آخر وقته، فرجع أبو سليمان فشق عليه ما سمعه، وتكدر خاطره، فقال له أبو عبدالله: إن لي على صاحبك دينا أكثر مما له عليك، وقد وهبت لك من ذلك مقدار ما له عليك، فقاصصه بذلك فيما عليك، ففعل، وهذه الفضيلة لأبي عبدالله -رحمه الله- .

وذكر أن الشيخ أبا عبدالله -رحمه الله- كان على جلالة قدره إذا أقبل الشتاء وفرغ من حرث ضيعته طلع بحلقته إلى أبي سليمان يقرأون عليه، فيقيمون حتى يسمعوا صيى البعوض فينزل إلى ضيعته، وجاء رجل من أهل وارجلان فسألوه عن حال أبي سليمان فقال له: لما به أما أدركتموه وأما لم تدركوه فمضى الشيخ ماكسن يجد السير فوجده على آخر وقته، فقال: كيف تجدك فقال متمثلا:

فأقام عنده حتى توفي -رحمه الله- عليه.

وذكر أنه لما كان عام اثنين وستين وأربعمائة توفي داود بن أبي يوسف وبلغ خبر وفاته المشائخ وهو إذ ذلك في زنزفة عند انحدار الشيخ أبي الربيع من زنزفة إلى منزله بتمولسة فشيعه المشائخ إلى قلعة بني علي، منهم علي ابن منصور وإبراهيم بن يوسف وغيرهم فوقفوا للرجوع فكرهوا مفارقة أبى الربيع إلا وقد عزوه في أبي سليمان فتناجوا أيهم يجسر على مخاطبته بذلك وخشوا أن يدخلوا عليه روعة، إذ لم يتقدم عنده علم، فدنا أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف والشيخ حينئذ راكب على فرس لرجل من بني زنزفة فقال له: أحسن الله عزاك في الشيخ، وآجرك في المصيبة فيه فقال له: ومن الشيخ؟ قال: أبو سليمان داود بن يوسف فلما سمع ذلك نزل على الفرس فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون"، فلما توادعوا وقضوا حق التعزية فرجعوا عنه قال: وسرنا معه نحن إلى " تمولسة" فأخذ يحدثنا أخبار السلف ويذكر سيرهم ومناقبهم وما صبروا عليه وما صابروا وكابروا وكابدوا ويتوجع لما صار الناس إليه من فساد الزمان، وما نزل بهم من ذهاب الخير وأهله، وانقراض العلم وحملته حتى قال انقطعت آثارنا من المغرب.

مصيبة الأخيار تكون أحيانا في أبنائهم

وذكر حديثا للرجلين الذين أقبلا من المشرق يريدان زيارة بكر بن حماد الشيعي، فلما وصلا مصر سمعا بوفاته فقال أحدهما للآخر: انقطعت آثارنا من المغرب، فرجع من موضعه وقال الآخر: أما أنا فلا أرجع حتى آتي أولاده، فتمادى به السير حتى انتهى إلى تاهرت، فسأل عمن خلف بكر بن حماد فقيل له خلف ولدا لا يستحق أن يسأل عنه، فأبى إلا رؤيته، فطلبه فوجده ينوح مع النساء فلما رءاه قال: " إنا لله مصيبة الأخيار في أبنائهم" وإنما أورد هذا تفجعا وتوجعا لفقد أبي سليمان، وكونه لم يخلف من يقوم مقامه.

الشيخ يشكو من جهل الناس بأحكام الشريعة وسرنا طريقنا كله وهو يكرر انقراض الخير واندراس الدين، وفقد العلماء وانطماس الآثار، حتى قال: فقد الناس من مسائل الحلال والحرام والفقه أكثر مما فقدوا من مسائل علم الكلام والجدال، ولا أعلم اليوم من يقرأ عليه علم الفروع إلا أن يكون أحد من تلامذة أبي سليمان هذا " يعني ابن أبي يوسف" فإن منهم جماعة بوارجلان، وقال إبراهيم ابن أبي إبراهيم رأيت أبا سليمان في منامي بعد موته فقلت لعلك ظفرت يا شيخ؟ قال: نعم، ثم قال: قل للعزابة عليكم بالدعاء، وقيام الليل والمعروف.

أبو القاسم يونس ابن أبي الحسن

ومنهم أبو القاسم يونس بن أبي الحسن -رحمه الله- من جملة الفضلاء، المكرمين باستجابة الدعاء، المنتظمين في سلك العلماء وإن كان السيماء مقصورة على شيم الصلحاء.

ذكر أبو سليمان أن الوباء وقع في أجلو سنة من السنين فأضر بأهلها في جناتهم وآذاهم أذى كثيرا، واقتضى نظرهم أن يجتمعوا ويصوموا يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ولما صلوا صلاة العصر يوم الجمعة خرجوا إلى محراب المقبرة وهو موضع معروف بالبركة، واستجابة الدعاء، واجتمعوا عنده وقرأوا وتطوعوا بالمعروف، وعادتهم أن يحضروه ويدعوا، ثم حضرت صلاة المغرب وصلى بهم إمامهم يونس بن أبي الحسن، فلما صلى دعا الله أن يرفع عنهم الوباء، ولم يصبح حتى لم يجدوا له آثرا.

وذكروا عنه أنه كتب إلى من بقسطيلية من طلبة مزاتة " أما بعد فاجعلوا حوائجكم بكريات، وإذا وجدتم ما ترعون فارعوه رعى النهماء من الغنم، ولا تمجوه مج الريان الماء" في كلام كثير ينشطهم به إلى القراءة والاجتهاد في الطلب.

أبو الربيع سليمان الزلفيني

ومنهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني -رحمه الله- ذو النفس الألفية، والخلق المرضية، والدعوات المتسجابات الدينية، المحافظ على الأمور الدينية والدنيوية.

كان الشيخ مجاب الدعوة عند الله وعنه يحكى أنه نظر فرج ابنته ففارق أمها وعنه يحكى أنه قال: أن أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم في أي قرية من قراهم بعثوا إلى أهل القرى ليحضروا جنازته، فكانت هذه عادتهم، فلا يعجلون بدفن من يموت عندهم حتى يشهدوا جنازته جماعتهم، قال فمات رجل في "يمطنون" يسمى " صالح الصادق" فبعثوا إلى أهل " تينبماطوس" قالوا: فحضرنا جنازة الرجل وكنا قد وجدناه قبل أن تخرج جنازته وجدنا داره مشحونة بالناس، قال: فقعدنا على باب الدار، فجئ بالنعش فإذا الباب ضيق قصير عنه، فجهزوا الميت وأخرجوا النعش ولما صلوا إلى الباب خرجوا أسهل خروج، فاختلف من حضر داخل الدار وخارجها فقال بعضهم: إنما خرج من العتبة، وقال بعضهم: بل اتسع الباب وخرج النعش ببركة الله تعالى.

وذكروا أن أبا محمد بن سليمان العرجا ورد من القلعة(1) على أبي الربيع فقال له: إني تركت عبدالله بن حسن وولده في الجيش القلعي، فادع الله أن يهلكهما، فقال له: كن في غيرهما، وأما هما فقد هلكا، فكان كما قال، وسمع ماكسن يدعو على بني ظافر فقال له: ادع على غيرهم، وأما هم فقد هلكوا فكان كما قال، وكان العزابة يقولون: إذا أردت أن تعرف عدد عيال أبي الربيع فراقبه وقت التطوع بعمل المعروف يعني أنه يتطوع على كل رأس بمعروف، وكانت له حركة في جسده فيها دلالة يعرف بها أمورا خفية، فكان الشيوخ إذا دعوا وحس بما يدله على استجابة دعائهم يقول لهم: قد أجيب دعاؤكم وإلا سكت ومثل هذا من الكرامات لا تنكر.

يأبى من ارتكاب المكروه ولو أنه يجر منفعة

وعزم أبو الربيع سليمان بن موسى على أن ينكس عينا أو يحفرها، وهي التي في شرق مسجد تامولسة فأعانه إخوانه بخدمة عبيد، فلما حضره العبيد وشرعوا في الخدمة جعلوا يتغنون، ويقولون ما يقول أمثالهم، فقال لهم " اطلعوا من عيني فإن كانت لا تحفر إلا بمعصية الله فلا حفرت، قال أبو مرداس هلاك في طاعة خير من نجاة في معصية" فلما رأوا ذلك منه تركوا ما كره.

الشيخ أبو الربيع يكرم ابن أبي وايدران تقديرا لأبيه

وذكر أن الشيخ معاذ بن أبي علي كان مسكنه بقصر بني وليل من بلاد قبلة أريغ، فكان دأبه أن يأتي في كل ليلة الجمعة إلى أجلو فيبيت مع الحلقة، يحيي ليله ثم يقيم حتى يشهد مجلس يوم الجمعة، ثم يصلي العصر ثم ينصرف إلى أهله، فصادف مجيئه ليلة من الليالي مجيء فتى من ولد أبي ويدران الفطناسي المزاتي يسأل المعروف وكان هذا الفتى أقرع وكان أبو ويدران المذكور أول غريب دخل هذه البلاد الريغية وهو الذي بنى مسجد تينسلمان، على مصلى حبيب بن زلفين قيل فلما رأى معاذ المذكور الفتى المذكور ازدراه وانتهره، فقال له: ما ها هنا إلا التلامذة وإلا فأهل المنزل قد خرجوا في طلب الربيع، وكان الشيخ أبو الربيع بحيث يسمع كلام معاذ فانتهره، وقبح عليه ما قابل به الفتى، وقال له: قال الله تعالى ( وكان أبوهما صالحا) (الكهف: من الآية82)ثم التفت إلى أهل الموضع فقال لهم: أعطوه ما أعطاه وقته، فأعطوه ما أربى على مأموله، وانقلب شاكرا، ثم إن الشيخ أبا الربيع قابل معاذا بأشد من الوجه الذي قابل به الفتى، وأنبه كل التأنيب بكلام طويل.

-----------------

1- يعني قلعة بني حماد بنواحي أمسيلة.

أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر

ومنهم أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه-ما- كانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في كل فضيلة، شركة عنان، فلعل أحدهما أعلم والآخر أزهد، فلكلا الوصفين دلائل تشهد فإن المنسوب إلى أحدهما تأليف كتاب، وتهذيب جواب والمنسوب إلى الآخر دعاء مستجاب واستعداد لمآب، وبينا أنهما حائزان على هذا السباق، ومن دون اغبارهما تقطعت الأعناق، ولا غرو لأمثالهما في جميع أحوالهما فإن مفيض ضيائهما بدر باهر النور بهيجه وهل ينبت الخطى إلا وشيجة؟

فضل أبي العباس وخدمته للمذهب قال أبو محمد اجتاز بنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر فخرجنا معه مودعين وكان فيما أورده من القول عند وداعنا أن قال: إن أقل ما نزل من السماء إلى الأرض التوفيق وقل ما يدعو به المرء إلا استجيب له، ثم قال: رحم الله أحمد بن محمد فقد كان رحمة لأهل مذهبنا حيا وميتا، وذلك أنه كان في حياته بيت العلم يفيد به كل طالب وكل ذي حاجة، ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتابا وكتابا آخر تركه في الألواح (1).

يتعجب من أحوال الناس يفعلون خلاف ما يعتقدون

وذكر داود بن يخلف عن أبي العباس أنه قال: الناس إذا أتاهم خبر خوف انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود الخبر ولو كانوا في حر وبرد، وأخذوا لأنفسهم بالحذر والتحرز، ولعل ذلك الخبر يكون أو لا يكون وليسوا منه على يقين ولقد أنذرهم الله النار وخوفهم من الشيطان، وكان ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا المرسل والمرسل، وأيقنوا بذلك وتركوا التحرز، وأغفلوا الاستعداد لذلك، والحذر من سوء ما يتوقع من ذلك ونسوا فقد إخوانهم وتفقد أحوالهم، ويا عجبا الناس يكرمون أضيافهم خوفا من اللؤم والذم وأضياف الله الكرام الكاتبون معهم وهم يعملون ويتيقنون أنه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ق:18)، (له له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)(الرعد: من الآية11) ومع ذلك فلا يعبأون ولا يكترثون.

سبب إقبال الشيخ على التأليف

وعن أبي محمد أن سبب تأليف أبي العباس كتابه الذي تسميه العزابة" أبا مسألة" أن أبا عبدالله محمد النفوسي كتب إليه من " أبيدلان" يرغب إليه في مختصر، مشتمل على مسائل في الفروع فتدبر كيف يضع هذا التأليف فنام فرأى في منامه قائلا يقول له: اذكر أبا مسألة، فجعله في جزءين فسماه العزابة أبا مسالة وأما أبو محمد فكان يسميه جامع الشيخ أبي العباس.

وروى أبو محمد وأبو نوح عن أبي العباس قال: أتاني آت في منامي رجل أبيض فتقدمني واتبعته حتى دخل في قرية " تنزاج" من قرى نفزاوة ثم أتى المسجد وقصد المحراب، فقال لي: احفر فحفرت حتى استخرجت قصعة المحراب، فقال لي: أحفر فحفرت حتى استخرجت قصعة كبيرة، فوجدت فيها دينارا، فقال لي: خذا إرث والدك فسألت " بقابس" عن تأويل رؤياى رجلا حاذقا بتفسير الرؤيا، فقال لي: القصعة العلم والخير والدينار الصافي دين والدك فرجعت إلى " تمولسة" قال فبلغ فيها في العلم مبلغا عظيما وصنف بها عشرين كتابا وكتابين معروضين عليه، وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب واحد تركه في أجلو مبيضا في الألواح ورغب إليه الأشياخ في وصولها إليهم " بايفران" من قرى وارجلان فعرضها عليهم ولده، وهم: إسماعيل وحمود بن المعز، وأيوب بن إسماعيل، وداود بن واسلان وأبو سليمان الزواغي.

انكباب الشيخ على المطالعة زمن التلمذة

وروى أبو عمرو عن أبي العباس أنه قال: كنت أقرأ على الشيخ سعدون وأحضر مجالسه فأول ما وقعت فيه المذاكرة عنده مسألة ذبيحة الأقلف، هل تؤكل أم لا؟ وقال: في المسألة قولان ولم يزد على هذا شيئا قال أبو العباس وكان الديوان في نفوسة مشتملا على تصانيف في المذهب فلازمت الدراسة أربعة أشهر لم أذق فيها نوما ليلا ولا نهارا إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر فنظرت في أثناء ذلك فيما هناك من كتاب المذهب التي وصلت من المشرق فإذا هي نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء فتخيرت أكثرها فائدة فقرأتها حينئذ.

الفتنة التي وقعت بين أهل الدعوة بأريغ وخروج المشائخ منها وذكر أنه وقعت فتنة ببلاد أريغ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وهي فتنة " خيران" " وتاغمارت" هي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ فلم يمكن أبا يعقوب بن الشيخ مقام فهرب إلى وارجلان فكان " بتماواط" وهرب أبو صالح من " وغلانة" فقضى الله بوفاة أبي يعقوب بتماواط فأوصى واستخلف على تنفيذ وصية الشيخ أخاه أبا العباس، فجاء أبو العباس إلى محمد بن أخيه فلم يجد عنه ما ينفذ منه وصية والده غير دينار واحد، لأنهم كانوا في عسر شديد عظيم، بعد رجوعهم إلى عين يونس، فقبض منه الدينار فصرفه في أوكد وجوه الوصية، ولم يزل يستخرجها برفق حتى أنفذها كلها.

وبلغ أبا محمد أن أبا العباس احتضر وكان قد استخلف أبا موسى على وصيته فجاء أبو محمد مبادرا إلى " أجلو الغربي" فوجدوه في دار يحيى بن جعفر في السياق، فأعلم بقدومه هو ومن معه فقال: إئتونى به وبأصحابه فلم يدخلوا عليه إلا وقد توفي --رحمه الله- - وكان قد أوصى بأن يصلي عليه أبو محمد، فجهزوه وصلى عليه ودفنوه وكانوا قد ألقوا على القبر سترة، فقال بعضهم: إنما هذا للنساء، وقال بعض: نصنعها للرجال وللنساء، فهو أحسن من أن لا تكون سترة فلما دفنوه دخلوا وعزى بعضهم بعضا، وعزوا أهله فتمثل أبو محمد عند دفن الشيخ أبي العباس بقول الشاعر:

وكانت وفاة أبي العباس بذي الحجة سنة أربع وخمسمائة -رحمه الله- عليه-.

---------------------------------------

1- يشير إلى المؤلفات التي تركها الشيخ أبو العباس بعضها مفقود وبعضها لا زال ضمن المخطوطات ككتاب أصول الأرضين في ستة أجزاء والسيرة في الدماء والجراحات والجامع المعروف بأبي مسألة وتبين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء وبعض هذه الكتب أصل لكتاب النيل وملخص لها.

أبو العباس أحمد الوليلي أبو العباس أحمد الوليلي --رحمه الله- - ممن رزق على العبادة والطاعة طاقة، وأيد بالرضا والصبر على العدم والفاقة، وكان ذا كرامات يتناقلها الراوون وبركات لم ير مثلها الراؤون وكان له حسن اعتقاد كثرة قناعة واقتصاد.

ساعة تجل ظهرت لأبي العباس

ذكروا أن أبا العباس أحمد الوليلي طلع سنة من السنين إلى جبل بني مصعب، في أيام الربيع، فصادفه هنالك شهر رمضان فلازم ربوة (1) يتعبد فيها عاكفا على القيام والصيام فلما كان في الليلة السابعة والعشرين من رمضان وكانت ليلة جمعة أقبل على ركوعه وسجوده، فبينما هو كذلك إذ رأى كل شيء معه ساجدا، فلما سلم رأى نورا ساطعا وأبواب السماء مفتحة، وإذا بحورتين(2) قد نزلتا من السماء فقصدتا نحوه وقد التفتا في لحاف واحد، إحداهما كبيرة والأخرى دونها صغيرة لم يرى مثل صورتهما ولا مثل نورهما الذي أضاء البر، فقعدتا أمامه والصغيرة خلف الكبيرة، فخاطبتاه وجرى بينهما كلام، حتى أعلمتاه أنهما زوجتاه في الجنة، فحاول الدنو منهما فقالت له الكبرى: إليك، إليك عنا، فإن فيك نتن الدنيا، ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة الجمعة كدية الطبل من تينسلمان، وهو منزل أبي العباس قال: فصعدتا ثم اتبعتهما ببصري حتى غابتا في السماء، وغلقت الأبواب دونها فسار أبو العباس بأثر ذلك إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت جاء إلى أريغ فمر بالشيخ أبي العباس ابن محمد بتينيسلا فرغب إليه هو والعزابة في المبيت، فأبى وجاء إلى أبي العباس وأخبره أن الميعاد بينه وبين الحور العين ليلة الجمعة المقبلة، فقال لهم أبو العباس: دعوه فإن الدولة عنده الليلة المقبلة، فتوجه إلى الرملة فإذا الحورتان كاسفتا اللون كأن بهما كآبة، وكان أبو العباس إذا وصفهما يقول كأن العين منهما كالقدح، والاشفار كجناح النسر، وارنبتيهما كناحية قصر بني يخلف، فسألهما عن تغيرهما فقالت: لبوحك بسرنا، ولأن أولياء الله يقتلون على أمرهم بالحق، وذلك حين قتل عبد الحميد الوليلي، واستخف بأهل دين الله وماكسن بن الخير يرجم بالحجارة لأمره بالقسط، قيل: وقد ذكرت له ألا بدال حينئذ، إن إبدال وقتهم سبعة: عبدالله بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل وإبراهيم بن معاذ ويحيى بن عيسى والنعيم بن الولي، وقيل سليمان بن عبدالله، وصالح بن محمد، وقيل يوسف بن ونماواي، وقيل عبدالله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم رجال صالحون، ثم قالت له ليلة الاثنين تبيت عندنا وصعدتا إلى السماء، فلما صلى صلاة الظهر يوم الأحد بعد أن ودع أهله وقضى جميع ما أراد قضاءه موقنا بما لا بدله منه، فقال لهم: أحسست صداعا فما هو إلا أن صلى العصر فمات --رحمه الله- -.

-----------------------------

1- وتعرف الربوة الآن في ميزاب بجبل أبي العباس ومصلاه فيها معروف يقصد للدعاء والتبرك.

2- هكذا ثناها الشيخ رحمه الله وإلا فالقياس حوراوين.

أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأخوه أبو يحيى زكرياء -رحمهما الله- كانا من الأفاضل المقتفين آثار الأوائل، لم تزل نفس الديانة بحياتهما حية، وطرق البر ناهجة والصلاحية وطلب علوم المذهب، وسير من تنسك أو ترهب، ولهما في علوم النظر أطول باع، بأدلة ذات إقناع وحجج تملأ القلوب والأسماع، وتغني عند المحاضرة ما لا تغني المشرفية عند القراع فكانا مراد الفارين على تباعد الدارين.

ما عليه أهل وارجلان في عهد الشيخ أبي يحيى

ذكروا أن أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر توجه ذات سنة إلى وارجلان زائرا، ثم رجع فمر بجماعة من أصحابه بقنطرار، فسألوه عن أحوال أهل وارجلان وكان ذا فطنة وبصيرة، فقال: أما أنا ذهب بصري فلا أرى شيئا، ولا رأيت أحدا، وأما وارجلان خلت فما بها أحد.

وحكي أن أهل وارجلان قالوا له حين وصل إليهم: أقم عندنا قليلا نتآنس بك، فقال لهم: قالوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك، وذلك لما اطلع عليه من سوء طريقتهم، ورداءة أحوالهم(1).

وذكر غير واحد من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب، ونحن جماعة نقرأ بتمولسة، فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا يحيى زكرياء فمضينا على ذلك فشيعنا أبو يحيى فقال: اعلموا أن سوء الرأي إنما يخرج منه من دخل فيه بالرجوع عنه، لا بالتمادي عليه، وقال لهم أيضا: أنكم إن مضيتم إلى أهليكم على هذه الحالة كنتم كمن تعمد إماتة الدين، وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم.

وكان كثيرا ما يوصيهم فيقول لهم: إياكم والتسارع إلى قبول صنائع الناس وهداياهم فإنه قيل كن عبدا لله ولا تكن عبدا للناس، وأنشد في ذلك:

وكما قيل: اترك الطمع يتركك الفقر، واحمل نفسك على مالك يحملك وارض بقليل من الرزق يرض الله عليك بقليل من العمل.

وكتب أبو زكرياء إلى أبي نوح محمد في مسئلتين: إحداهما خلغ الفضول هل ينعقد؟ وذلك مثل رجل يقول للآخر قد رددت ل ما لامرأته عليك على وجه الطلاق، فيقول: قد قبلت فيبلغ ذلك المرأة فترضاه، فأجابه بان ليس في ذلك شيء، ولو أجازته ألانه تقدم بغير أمر، والثانية الوالد والولد والزوج والزوجة هل يجوز لكل واحد منهما حوز مال الآخر أم لا؟ فأجاب بأنه يجوز ذلك للأب والزوجة ولا يجوز ذلك للابن والبعل ألانهما خديمان وقيل فيهما غير ذلك، قلت أما المسئلة الأولى فعلى اصل قول أبى الشعثاء -رحمه الله- لا ينعقد الطلاق لذلك على كل حال، ألانه عنده فسخ نكاح، وأما على قول أبى عبيدة فتخرج المسئله على انه أن قال له تركت لك صداق امرأتك على أن يطلقها، فيقول قبلت، فتجيز المرأة الترك ويقبل الخروج من العصمة فهذا ينعقد، وألا فتحتمل الخلاف. وأما الثانية فان الابن إذا كان في حجر أبيه جاز له، وان كان غير محجور فله من مال أبيه النفقة والكسوة والمؤن، وفي مذهبنا العتق في الظهار، وليس له التصرف في غير ذلك، وللمرأة في مال بعلها ما لمثلها على مثله فقط.

ينبغي للإنسان أن يتزوج كفاه وشاور رجل أبا يحيى زكرياء في التزوج، وأي امرأة يتزوجها؟ فقال: إذا جئت إلى شجرة فأي ثمارها أيسر عندك؟ ما مددت إليه يدك نحو فمك، أم ما أشرف إليه عنقك، أم ما طأطأت إليه رأسك؟ فقال: بل ما مددت إليه يدي، وما كان أمامي فلم أحتج فيه إلى مد يدي إلى الأشراف ولا أن أطأطئى إليه رأسي، قال: عليك بقرينتك.

وروى أبو عمرة عن أبي زكرياء بن أبي بكر أنه كان كثيرا ما يردد قول يحيى بن معاد الرازي: للتوبة ثلاثة مقامات، الندم، والاستغفار، والحقيقة، فالندم عند التحول - والشعور- بمرارة المعاصي، والاستغفار طلب الغفران بصحة الإرادة، والحقيقة الأوبة إلى الله عز وجل فآفة الندم الأمل، وآفة الاستغفار الغفلة، وآفة الحقيقة الشهوة فيستحسن فيعمر به مجالسه.

من ينبغي أن يجالس

وروى أبو عمرو عن أبي يحيى قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: من نجالس بعدك يا روح الله؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله قال أبو زكرياء، مثل أبي يحيى، وقال أبو عمرو مثل أبي زكرياء.

--------------------------------

1- كان أولى بالشيخ رحمه الله أن يقيم بينهم فترة لينير لهم الطريق خير من الهروب كما فعل من سبقه من المشائخ ولعله رحمه الله أدرى بالأحوال فرأى ذلك أسلم

مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى

ومنهم مصالة بن يحيى، وفلفول بن يحيى -رحمهما الله- لكل واحد من هذين الشيخين مآثر، وفضائل مخلدة في بطون الدفاتر ينقلها عن الأوائل الأواخر، معدودين في أهل العلم والديانة والبصائر.

وكان الشيخ عظيم الثقة في الله تعالى

ذكروا أن مصالة بن يحيى كان كثير الثقة بالله عز وجل، وكان يقول: إنما استدللنا على أن الله عز وجل قد استجاب دعاءنا الذي ندعوه به في أمر الآخرة بما شاهدناه من إجابة فيما نسأله في الدنيا.

وذكروا أن مصالة بن يحيى أوصى داود بن أبي يوسف فقال: إذا عمل أهل وارجلان عملا مما لا تعلم فاحمل نفسك على أنك لا تعلم، وإن كان مما تعلم أنه سوء عمل فاحمل نفسك على الكتمان، ودع عنك الاختلاف وقد حكاه آخر عن أبي عبدالله، وقال أبو نوح كان مصالة إذا سئل بماذا تصلي هذه الفضيلة أو هذه النافلة من القرآن ؟ يقول: القرآن كله قدح عسل فما والاك منه وجدت عسلا.

احتفاؤه بالتلامذة

وعن جماعة من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: لما انفصلنا عن " تمولست" وتوجهنا إلى بلادنا جزنا على ناحية أريغ، فسلكنا من "وغلانة" ومررنا بفلفول بن يحيى فأكرم مثوانا، وأحسن نزلنا، وكان يقول مع ذلك معتذرا قريتنا صغيرة، ودراهمنا قليلة، ويتمثل بالبيتين:

وأقبل تلك الليلة على مؤانستنا وإفادتنا بغرائب الأخبار والسير، حتى كاد الفجر يطلع، فمما حفظناه تلك الليلة أرجوزة في الوعظ أوردها علينا وهي قول الراجز:

وقال: لما مات أبو عبدالله محمد بن بكر قلت للمشائخ " اقتفوا بنا آثاره مادامت جديدة غير مندرسة، قالوا مهلا عليك، فساعدتهم حتى عفا الأثر، ودرست السير . ولما انفصلنا شيعنا فقال له أحدنا: ارجع، فقال آه، لا يقال كذلك إنما يقال انظر في الرجوع ولم يزد بعد هذا خطوة، لأنه قال: إنه ما جوز ما لم يقل له ارجع، وكان هذا الشيخ شديدا في الأمر والنهي والذب عن دين الله، فروي أنه حين احتضر كان يتمثل بقول عمران بن حطان --رحمه الله- -:

فتح عليه بالقسم الأخير، وعجز عن الأول، فطفق يسأل من حضر كيف القسم الأول من هذا البيت؟ فكان هذا من آخر كلامه -رحمه الله-.

أبو موسى عيسى بن يرصوكسن ومنهم أبو موسى عيسى بن يرصوكسن --رحمه الله- - الشريف منسبا، الطيب مكسبا، الرفيع مطلبا، الهاشمي العربي، وابن عم النبي، نماه عبد المطلب والعباس، فانتمى إلى أشرف بناء قائم على أثبت أساس، الدين حليته والحياء والكرم جبلته، والسخاء سجيته، وهو ممن يتعلم منه الورع والعلم، وممن يطعم ولا يطعم.

الشيخ أحيى مواتا وعمره فظهرت فيه البركة

فروي أن عيسى بن يرصوكسن شاور أبا يعقوب يوسف المعروف بالطرفي في نزوله المنزل المعروف " بتلاعيسى" المنسوب إليه، فأخبره بحال البلد، فدله على ذلك وشكره له، إلا إنه قال: إذا توطنت هذا الموضع فلا تمش راجلا ولا تشرب ماءه إلا ممزوجا ولا تشربه صرفا، واستخدم ولا تخدم بنفسك، وكن للناس كالسمار مع الماء إن علاه الماء خضع، وإنا علا الماء سطع، فبلغ في هذا المنزل مبلغا عظيما هو وبنوه من بعده، يحيى وداود، وعبدالله بن يحيى، وانضم إليه الناس وسكنوها معهم وغرس بها الشيخ عيسى الأشجار من النخيل، وصار في النخيل ودايا كثيرة، وكان إذا قلع الودايا الراكبات في الأمهات يسلخها ويرفع جمارها إلى "باماوط" مع لحم ما يصيده من الوحش والظباء والأرانب والظلمان، والبيض، والحبارى وغير ذلك، فيهدي ذلك إلى المشائخ العزابة فيأكلون اللحم والجمار فكان يتبرك بذلك فبارك له ربه في كل ما يحاوله، وسعى في إصلاح فساد المفسدين من بني وليل حتى أصلح الله فسادهم، فاستقامت عمارة هذا الموضع واشتهرت بركته وعمره جماعة معه من المشائخ، وانضافوا إليه ومنهم من ضرب في العقار بسهم وإن لم يستوطن المنزل، والجماعة المذكورة هم: أبو عبدالله بن بكر، ومحمد بن الخير، وماكسن بن الخير، ومعاد بن علي، وعبد السلام بن أبي وزجوف، وأن آثارهم بها إلى اليوم معروفة.

خبر خيل الميروقي عندما وصلت الموضع ولقد حدثني رجل ينتمي إلى "لمتونة" يعرف بابن القابلة، ورد توزر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، قال"وكنت في خيل يحيى بن اسحق الميروقي(1) متوجها بعسكره من أريغ إلى وارجلان، أو قال من وارجلان إلى أريغ، فنزل "تلاعيسى"، وأراد الأجناد والأعراب أن يطلقوا خيلهم في الزرع فأنذرهم بعض من معهم ممن عرف قديما حال الموضع وأهله، وحذرهم، فقال: هذا موضع منسوب إلى رجال عزابة، صلحاء مساكين، يتقى عقوقهم فإياكم وإياهم، فمن الجند من تنحى ومنهم من توقف، فقال لهم عمران كاتب الميروقي: " أبكلام هذا السخيف أمنع فرسي هذا الخصب، قال لهم: فليدعوا على فرسي، وأطلقهما في الزرع ترعى واقتدى به غيره في هذا الضلال، والاستخفاف بقدر أولياء الله، قال: وكانت فرس عمران تسوى أربعمائة دينار، قال: فوالله ما رفع من هناك إلا رستها وسرجها وإنها السابقة سبعة وعشرين فرسا للمستخفين من الأعراب، والأجناد، كلها صرعى هلكى عبرة لاولى الأبصار.

ويروى أن جماعة من دعار بني وليل بلغهم أن الشيخ عيسى عزم على المسير إلى أريغ، فهموا بقتله، ورصدوه، فركب بغلته وصرف وجهها إلى ناحية أريغ فشمست وامتنعت عن المشي، فضربها فتولت وذبحت برأسها فلما رأى ذلك استخار الله تعالى في الرجوع، فلما رجع إلى أهله شعر بمكر أعداء الله فقال: قد وقفت عند كل ما أوصاني به الشيخ أبو يعقوب إلا الخدمة فإني لم أجد بدا من الخدمة بنفسي، يريد لو لا سبب ركوبي ما نجوت من مكر أعداء الله.

---------------------------------

1- هكذا أثبتت نسبته النسخ المعتمدة.

إسماعيل بن يدير

ومنهم إسماعيل بن يدير -رحمه الله- لم يتأخر عن تلك الطبقة ولا فاته أحد من تلك الحلبة ولا سبقه، بل هو معدود في المبرزين، نقي من درن إعجاز المعجزين، وإذا عد الحفاظ كان أولهم تحصيلا، أو سمى المجتهدون فهو الذي لا يفتر بكرة وأصيلا.

ديوان العزابة والذين تعاونوا على تأليفه ذكر غير واحد من المشائخ أن جميع الطلبة العزابة لما اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب، يسهل على المبتدئين حفظه وجعلوه خمسة وعشرين جزاءا، انفرد الشيخ إسماعيل بكتاب الصلاة، فجاء فيما نحوه أحسنهم تأليفا، وجاء تأليفه أحسن من تلك التواليف رتبة، وأكثرها فائدة وقيل بل جمع إسماعيل كتاب الصلاة كما ذكر، وجمع أبو العباس بن بكر كتاب الحيض، وجمع يخلفتن بن أيوب كتاب النكاح، وجمع محمد بن صالح كتاب "الوصايا" ولما مات أبو سليمان داود بن أبي يوسف اجتمع تلامذته على تأليف الكتابين المنسوبين إليه، وليس هو مؤلفهما وقال أبو العباس: وأما الذين ألفوا كتاب العزابة فهم ثمانية شيوخ عزابة طلبة مخلصون، منهم من نفوسة: امسنات يخلفتن بن أيوب، ومحمد بن صالح و ومن قنطرار: يوسف بن موسى. ومن أريغ عبد السلام بن أبي سلام، وجابر بن حمو، وإبراهيم بن أبي إبراهيم، وعرضت هذه الأجزاء على أبي العباس وأبي الربيع ماكسن، وقال أبو الربيع لا يطعن في هذا التأليف إلا شيطان، ولست أدري هل الأجزاء المتقدمة الذكر داخلة في تكميل الخمسة والعشرين أم زائدة عليها.

الطبقة الحادية عشرة 500ه 550 : 1- عبد الرحمن بن معلى

منهم عبد الرحمن بن معلى --رحمه الله- - ورضي عنه- ذو المقامات الكريمة، والكرامات العظمية أول من أسس بمسجد تقورت الحلقة وأنهج طرقها، وأحكم عقودها وأوثقها، وقيدها ووقتها، وحجر على تلامذته أزقتها، وقسط موازينها، وحقق قوانينها، فتخلق كلهم بحميد هذه الأخلاق وتيممها طلاب الخير من جميع الآفاق، يشاهدون البراهين والعبر، يشهدون المنافع الكبيرة، ويأخذون السنن عن الثقاة والسير، ويصدقون المخبر والخبر، فلا يكلفهم بمحمل العلوم، حتى يتجاوزوا هذا المقام المعلوم.

رؤى الشيخ وبشارته بالجنة حدث أبو الربيع عن شيوخ عدة أن الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- لما حانت وفاته وبشر بلقاء الله وتحقق قربه استدعى إخوانه، وتلامذته، فاجتمعوا عنده في جمع كبير فاعلموا أنه يروم سفرا، فأراد توديعهم وأن يوصيهم، قال: فحضروا بقلوب كليه غير كليلة، وكآبة كثيرة غير قليلة، فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله، وملازمة ما انتم عليه، وإن لا تبدلوا ولا تغيروا فإنكم والله على طريقة الهدى، فإن أهل هذا الطريق لمفلحون واسمعوا أحداثكم ما رأيته البارحة، رأيت كأن القيامة قد قامت والناس من قبورهم ينتشرون، وإلى ربهم يحشرون، فانتشرت من قبري، فرأيت جمعا كبيرا نظر الوجوه بيض الثياب باهر حسنهم، وجمالهم، صالحة شؤونهم وأحوالهم قد انتشرت من مقبرة بتجديت، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء العزابة الوهبية، فوهب الله لي جناحين فطرت بهما، حتى اتصلت بهم فكنت أحدهم، فبشرت بالخير، ثم نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت أناسا كالجذوع المحروقة، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء الأعراب، وبنو((تاكسنيت))، ولقد رأيت في الجمع الاول رجالا اعرفهم بأعينهم، من جباة بني سيتتن، فقلت لهم بم فارقتم أهل الشقاوة؟ فقالوا بمخالطة أهل الدعوة، فإذا كان بملازمة أولئك فما ظنك بالمجتهدين، وبأهل الفضل والدين؟ ثم قال: ومصداق كل ما قلت لكم: أني إذا مت وغسلتموني وأردتم تكفيني فان طراز الكفن يجئ على عاتقي فتريدون تحويله، فتحولوه ثلاث مرات فيجئ على عاتقي، فتبقونه حينئذ على حاله، ثم إذا حملتم جنازتي وخرجتم تبعتكم عشر حمامات بيض تتبع النعش، حتى تضعوني في المصلى لتصلوا علي فإنكم تصطفون فتكون الحمامات صفا من ورائكم، فإذا هممتم بتقديم من يؤم بكم في الصلاة علي فإن جماعة من صلحاء أهل قرى قبلة اريغ سيقدمون برسم زيارتي فيعلمون بموتي وخروج جنازتي، فيخرجون ليصلوا على فيرونكم في أهبة من تقدمون فيقولون لكم من بعيد: رويدا؛ لا تعجلوا، فتنتظرونهم، فإذا وصلوكم كان الذي يؤم بكم أحد القادمين وهو لي من أولياء الله، فساءهم وانالهم من الجزع عليه كلما حدثهم، حتى إذا كان عند التكفين كان ما أعلمهم به فتذكروه، ثم كان من شأن الحمام والزائرين ما أعلمهم به، فلما وصلوا قدم الجماعة أبا عبدالله محمد بن الخير، فهو الولي وإنه لذلك لحري، قلت لعل المذكورين من الجباة من لا يتقلد التباعات، وكذلك فيما بلغنا كانت تلك الجماعات، وأن الجباة إذ ذاك محسنون عدول في الجهات.

2- أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل

ومنهم أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل -رحمه الله- . بحر تتقاذف في غواربه السفن، وبدر يقتدي به من بحر تتقدى به من اقتفى من المقتفين، إن سئل في العلم أجاب فاقنع، وإن استسيل غيث سمائه في سماحة صاحب فأوسع، وإن استقسي فيهما معا أروى فانفع، وملأ الآذان والأيدي، بالافادتين وانزع، وهو ممن وقف على علاماته وشوهد عجائب كراماته شيخ شيوخ أكثرهم ساد، وقل ما روى من تلامذته إلا من استفاد.

الخبر عن دار الطلبة والضيوف حدث جدي يخلف بن يخلف التميجارى -رحمه الله- قال: كان شيخنا أبو سليمان أيوب بن إسماعيل كثير الأبرار لتلامذته، وكانت له داران بوارجلان متقابلتان، يفصل بينهما طريق، وفوق الطريق ساباط وصل بين الدارين من علو، فإحدى الدارين دار سكناه والأخرى مطلقة للتلامذة، والاضياف فما كان في دار سكناه من تحف وضيافة يتحف بها تلامذته، أو يكرم بها أضيافه فأتينا يوما بجماعة من تلامذته إلى الدار التي أبيح لنا فيها التصرف فوجدنا بابها مغلوقا، فقرعناه فلم يجبنا أحد؛ فوقفنا فإذا الباب مفتوح فدخلنا فلم نجد أحدا فعجبنا لكلا الأمرين فإنا لكذلك إذ نزل الشيخ من جهة الساباط فصادفنا عند دخولنا الدار، فقال: من أين دخلتم؟ وأنا أغلقت الباب فقلنا: أو لست فتحته أو أمرت من فتحه؟ قال: لا ولكني أعلم أن في الدار من فتحه لكم ممن لا ترونه، وإلا فليس في الدار غير الهرة التي ترونها، وكنا شاهدنا آيات ذلك مرارا، فمنها أن أحد عمار دارهم إليهم نشير وعنهم يكني، وإنا لا نراهم أنثى ذات ولد، كان يخاطبها وتجاوبه إعلانا وكان يوما من الأيام ملازما للدعاء وكان الزوار يدخلون مثنى وفرادى لا يعرضهم مكروه، حتى دخل شخص غريب لا رفق معه، فلما دخل صرخ ورأيناه في اسوأ حال، فقال الشيخ: مالك ولهذا الشيخ المسكين الضعيف؟ فسمعنا صوتا مجاوبا له يقول: إنه ظلمني، كنت عند عضادة الباب وابني في حجري، فكل من دخل استأذن وبسمل فأنحي ابني عن الطريق، فلا يؤذيني أحد ولا ولدى، حتى دخل هذا الجافي فلم يستأذن ولم يبسمل حتى ركض ابني برجله، فآلمه، فجازيته على ذلك بمثله، فقال لها: ومع ذلك كله غريب مسكين قليل الحيلة قليل القدرة فأزيلي عنه ما أصابه منك، قال سمعا لك وطاعة يا شيخ، فذهب في الحال ما كان من سوء الحال، ومثل هذا كثير.

وكان والدي -رحمه الله- متألما ذات يوم لعلة كانت تعتاده فحاولت ما أسلى به نفسه، واريح به ألمه فناولت تعليقة فيها شعر الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي -رحمه الله- فصادفت القصيدة البائية فجعلت أسرد أبياتها بحيث يسمع فأصغي إلي سمعه وسلا ما كان به، فقال: أعلم أن هذه القصيدة قالها أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم يرثى بها شيخه أبا سليمان أيوب إبن إسماعيل، ثم قال: وأن فيه الدلالة على صحة خبر كنت سمعته في صغري من أبى -رحمه الله- فقلت وما هو قال: كان أبي في زمان شبيبته مهاجرا بوارجلان يقرأ على شيخه أبي سليمان أيوب بن إسماعيل حتى قضى حاجته من الطلب فانفصل فجاء إلى قسطيلية فأقام بموضعه بكنومة ما شاء الله، فبلغه موت عم له كان مهاجرا بوارجلان قاطنا بها بتماواط وليس له وارث سواه، قال أبى فسافرت إلى وارجلان سفرة ثانية طالب ورث لا طالب علم، فلما وصلتها سألت عن شيخنا أبي سليمان لأزوره، فأخبرت بان الله قد ابتلاه في جسده ببعض ما ابتلى به أولياءه فعم جسده الجذام، ولازمه اشد لزام ولازم المضجع لا حركة له، فجئت عجلان ولهان، فلما دخلت عليه نظر إلي وعرفني فتقدمت إليه لاسلم عليه، فخاطبني خطاب محذر أن أعافه واتقذره، فقال إليك إليك يا سليمان يا ولدى، فليس في حالي ما تدنو منه، فقلت: حاشا لله أن أتقذرك يا شيخنا، وسقطت منكبا عليه أعانقه واقبله وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال سعيد: ما علمت أن أبي حكاها قط إلا بكى وأبكى، ولا علمت إني حكيتها قط إلا بكيت وأبكيت، قال سليمان: وأقمت مدة إقامتي بها لا افتر عن الدخول عليه حتى اقتضيت ما كان لي من حق، فلما أردت السفر قافلا وودعت الشيخ وزودني بالدعاء وعموم البركة فانفصلت وقد بشرني بأن سيخلصني الله من شدة عظيمة فلما صرنا من وارجلان واريغ وكنا في رفقة كبيرة فيها أموال جليلة ومعي مال صالح، مما خف وثقل فاغرات علينا خيل كثيرة، وقد نسيا أحمد من أي العرب هي، قال: فبادرت ودفنت كل ما معي فعلمته بحربة كنت دفنت عودها وتركت السن بارزا ليكن لي علامة، وكانت الحربة صقلية واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة من قليل وكثير وجليل وحقير، واسروا الرجال، فلطف الله تعالى به وعجل فرجه قال فآمنوني ولم يعرضني أحد منهم بمكروه، وصحبتهم كأني أخ لهم، فلما كان من الغد جددوا لي الأمان في نفسي ومالي فاستأجرت أحدهم وصحبني إلى الموضع الذي دفنت فيه ما كان معي فرأيت سنان الحربة من بعيد، فمشيت إليه واستخرجت كل ما دفنت فحملته وحلمت الأجير والمتاع، وجئنا حتى وصلنا، والعجب للحربة إذ لم يرها أحد من العرب بالأمس، وهي ظاهرة تلمع، وقدمت إلى أهلي سالما من جميع الآفاق، وما ذلك إلا بفضل الله وبركة الشيخ -رحمه الله- .

والقصيدة هي هذه:

------------------------------------------------

1- الألهوب اسم من الهب الفرس اجتهد في الجري والعدو

2- تلاحكت الحوادث تداخلت والتصق بعضها ببعض ومثله تلابك الأمر أو الشي اختلط وتلبس

3- أبو زكرياء يحيى

ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء -رحمه الله- كثير الغضب في الله وعلى دينه شديد الغيرة مستشعر خشية الله عز وجل، لا يخشى غيره، وقف عندما حده المشائخ، واعتقد أن طريقهم لجميع الطرق ناسخ فهو على بصيرة في دين راسخ، قرأ العلوم أتقنها ووضع المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم العلوم وعلمها.

روى أبو عمرو عن الشيخ أبي زكرياء أنه وجد الشيخين عبدالله بن عيسى، ويوسف بن موسى متصارمين، فسعى بينهما حتى أزال ما وجد بينهما من وحشة، وما كان له علم بسبب ذلك ما هو فقال له يوسف: أما ترى يا أخي ما نالني منه من العقوق وأنا أقرأ في جزء من كتاب "الأشراف على مسائل الخلاف؟" فتوجه إلى "تونين" فاجتمع بالمشائخ فأعلمهم بما رأى فبعثوا إلي بالهجران، فأسرعت في اللحاق بهم فلاموني ثم قبلوا توبتي فسعى في طيب نفس كل واحد منهما على الآخر حتى طابت نفوسهم وله في الأدب نبذ تذكر في مواضعها إن شاء الله.

أبو محمد عبدالله اللواتي

ومنهم أبو محمد عبدالله بن محمد اللواتي -رحمه الله- هو عبدالله بن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير الإمام أفلح -رضي الله عنه- وتربته القديمة "بمرقة(1) " فيما ذكروه، نجيب النجباء وإمام الأدباء، المعتني بحفظ الأخبار وتقييد سير الأخيار، درس العلوم زمانا وصحب الأشياخ ضروبا وألوانا، حتى غدا وافر البضاعة في كل الفنون، مقلدا في كل مفروض ومسنون مميزا في مكيل ومذروع وموزون، قرأ عليه جماعة من التلامذة فنجبوا، وطلبوا ففازوا بما طلبوا.

إننا جعلنا الله أحرارا لنملك أمر نفوسنا

ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله قدم إلى أريغ سنة خمسين وأربعمائة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان في حلقة الشيخ يزيد ين يخلف الزواغي وله لوح طويل فلما وصلوا إلى "أجلو" خرج إليهم الشيخ "ماكسن" فصافح العزابة ورجع إلى أهله فلحقته خارجا، فقلت له: يا شيخ إن العزابة قد اتفقوا أن لا يفترقوا فهل يجوز لي أن أفارقهم إن رأيت في مفارقتهم مصلحة؟ فقال لي: إنما جعلنا الله أحرارا لنملك أمرنا فصحبته فكان هذا أمره مع أبي محمد ماكسن.

سفر الشيخ إلى القلعة بحثا عن تفسير الإمام عبد الرحمن وذكروا أن سبب سفر أبي محمد إلى القعلة، فكان مما عرفه به مدوار أن قال له: تركت كتابا في تفسير القرآن من تآليف الإمام عبد الرحمن ينادى عليه بالبيع في سوق القلعة، فسافر وليس له هم ولا أرب غير الكتاب المذكور، واستبضع شيئا من الشب يظهر أنه تاجر، وغرضه أن نستتر به فيما اعتمده، وكان وصوله إليها في فصل الخريف فلما وصلها جعل يسأل عن الكتاب في خفاء برفق وسياسة، فبينما هو يسأل ذات يوم لقي رجلا نكاريا يدعى علم مسائل الفروع، فسأله عن الكتاب المذكور فقال له: متأسفا على فواته، قد بيع قبل قدومك، قال أبو محمد: وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف "بمحمد بن عصمة"، متفقه مدرس عليه حلقة فكنت أحضر مجلسه وأعد من جملة أهل حلقته، فحضرنا عنده ذات يوم فقال لابن له: سمعت بأن أغناما لبني ينجاسن دخلت السوق، وما ضرنا أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أيام فإن من العلماء من يقول: إذا دخل السوق ريبة فدع الشراء ثلاثة أيام ثم لا حرج بعدها في شراء، قال أبو محمد: فأعجبني ما قاله، فجلسنا يوما عنده حتى تذاكروا الفقهاء وذكروا أبا حنيفة فقلت: أليس قد قال مالك: أبو حنيفة شيطان قذفه اليم، أبو حنيفة أضل لهذه الأمة من شيطان رجيم؟ وذلك لوجهين أحدهما كونه يقول بالإرجاء، والآخر لنقضه السنن بالرأي فلما قلت لهم ذلك وقعت عليهم وجمة وعلتهم كآبة، ودهشوا فقام إلى رجل منهم وفي لسانة ثقل فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقلت له: إني لم أقل من عندي شيئا إنما هو قول قاله مالك، فقال لي: حسبك بالعلماء بينهم كالضرائر، قال أبو محمد: فاشتريت كتبا ووجهتها في رفقة فأصيبت ثم استأنفت النظر في شراء كتب أخرى فبلغ أصحابي أن كتبي التي وجهت قد أصيبت فقالوا لي: ألا تكلم السلطان في حقك لتكون من قبله معونة في الذي تحاوله من تحصيل الكتب فإنه شغل ليس بحقير؟ قلت لهم: لا، بل إن كانت لي حاجة في شيء رجعت إليكم، ثم استعنت بكم، قال ثم اشتريت كتبا أخرى فلقيني الرجل النكاري فسلم علي فرددت عليه السلام، فلما انصرف قالوا لي: مالك تسلم على مثل هذا؟ فقلت مالكم تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا على رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأفحمتهم، ولم يجدوا جوابا، ورآني رجل منهم في موقف الشب وهو مكان معروف بأهل وارجلان، فقال لي وارجلاني والله! فقلت له: أيحل لك أن تخاطب بهذا رجلا مسلما؟ فقال له أهل سوق ذلك الموضع: بئس ما قلت! وكان ذلك في مدة قتل فيها أهل وارجلان جماعة من الأشعرية وسمعت رجلا منهم يقول: قال لهم فليخرجوا أو يظهروا أو نقتلهم، فلما رأيت ذلك أسرعت في قضاء حوائجي ثم إن السلطان أخرج عسكرا فخرجت معه، فلما حضرت الصلاة قال لي قائد العسكر: ماذا تصلي يا عبدالله، وقد علمت الذي خرجنا إليه؟ فقلت له اشتغل بنفسك يا إنسان، وسرنا حتى وصلت "وغلانة" سالما، وسمع شيوخ "وغلانة" بما أصابني في الكتب فاجتمعوا وأجمع رأيهم على أن ينظروا في إعانتي بقدر ما أصيب مني ليخلفوه علي - فالله يحسن عونهم، ويخلف عليهم - فلما أحسست بالذي عزموا عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت بالهاجرة فلم يشعروا بي إلا وأنا خارج البلد، فوصلت "تنوال" سالما والحمد لله رب العالمين.

فهذا الذي كان منه في مواطن كثيرة من هذه الحكاية من تقية وستر حسن جميل لا كما زعمه الحاسدون ونسبوه إليه، فانه وإياهم كما قال ابن أبي ربيعة شعرا:

وذلك أنهم زعموا أنه بدل وغير، وطول وقصر، وحاشا فضيلته من ذلك.

قائد لبني حماد يحاصر وغلانه وذكر أبو الربيع عن أبي محمد أن أبا زعبل الخزري حاصر "وغلانة" فاجتمع هو وأمثاله من المشائخ فدعوا عليه، فسلط الله على جنوده مطرا وابلا هطالا، فأوهنهم وأركسهم حتى أنه لاشيء لأحد منهم قبل منهم بشيء، فتحققوا هذه العبرة، فقال أبو زعبل، أيكون لهذه الخوارج دولة بعد هذا وإن فيها لدلائل استقامة أحوالهم وأيامهم؟ فقال له وزراؤه: إنما أرسل الله إليهم هذا المطر ليهدم الحيطان ويكسر شوكتهم، حتى ندخل عليهم بغير قتال، فدام المطر أياما فجعله الله على أبي زعبل عذابا واصبا، وجعله لأهل وغلانة خصبا ورفقا وتثبيتا وأذل الله أعداءه وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فلما يئسوا منها ارتحلوا صاغرين داحضين.

على الأب أن يعين ولده على بره

قال أبو الربيع تحدثت مع أبي محمد حتى ذكر أولاده ونظر في أمرهم فهونت عليه وقلت: إنهم ذكران، رجال، فلا يهمك أمرهم فقال: لا تقل هذا القول فإن على الأب أن يعين ولده على إبراره، وقد قال بعض المفسرين في الذين سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، ثم قلت له: كيف حالك وابنك أحمد ويوسف إذا جاءا من المكتب؟ قال كيف حال ولدي العجوز، يعني الدنيا وأنشد:

وقال أبو الربيع قعدت أنا وأبو محمد على طريق فمرت بنا امرأة فالتفت إليها، فقال لي: لا يجوز قعود على الصعدات إلا لمن أدى حقها، قلت: وما حقها؟ قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وما حقه؟ قال: إغاثة الملهوف، وهداية الأعمى، وغض البصر عن المحرمات وإماطة الأذى).

وصية أبي محمد اللواتي لأهل الدعوة وله كلام وعظ في أثر ما مضى يقول فيه: "ثم إني موصيكم أخواني ونفسي بتقوى الله العظيم في السر والإعلان، وباتباع آثار دعوة المسلمين فإن الاتباع أولى بالهدى من الابتداع، وعليكم بالائتمار لما أمر الله به من طاعته، والانتهاء عما نهى عنه من معصيته، فاقتفوا آثارهم، فان الله أوعد بالنار من خالفهم كما أوعد بها من خالفه وخالف رسوله، إذ قال تبارك وتعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)(النساء:115) فاتقوا الله أخواني واحذروا مخالفة أئمتكم في القليل والجليل، فإنه قيل في المثل: حيثما مال الحمل وقع، واحذروا كثرة مجالسة المخالفين، ففى ذلك أثر مشهور عند المسلمين، كالذي يروى عن أبي نوح وأبي خزر -رضي الله عنهما- وتجنبوا مخالطتهم والميل إليهم، وكثرة مطالعة كتبهم، وحذروا من ذلك سواكم، ألا ترون مسألة السخط والرضا قد وقعت عند من وقعت من أهل الدعوة من كتاب أحمد بن الحسن الضليل، فرسخت في قلوبهم ودانوا بها فضلوا وأضلوا، وكذلك خبر سليمان بن يعقوب بن الإمام وما تفرس فيه أبوه أنه سيضل بقراءته ديوان ابن الحسين، فضل وقال بمسائل لم يوافقه عليها أحد من الأئمة إلا الشاذ الذي لا يخرج على قوله، حتى برأ منه أبو صالح وكان معه من المباهلة ما هو مشهور، وأحذركم الترك بعد الحج، وعليكم بالحذر من الانهماك في الشر والخلاف بعد الزجر عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وغضب منه وقال: (أمنهمكون أنتم فيها بعد ما جئتكم بها بيضاء نقية سمحة سهلة؟) وقد قال الإمام -رضي الله عنه-: بلغنا أنه قد ألقى في ديوان المسلمين ألف مسألة من مسائل الزنادقة فكيف ديوان غيرهم؟ وليس عليكم رحمكم الله إلا الأتباع فإنهم سنوا لكم ما ترشدون به.

ولقد بلغنا عن أبي عبيدة الحميد الجناوني -رحمه الله- أنه قال لأهل الجبل "والله ما تركتكم إلا على الواضحة النيرة، ما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث رجال لم أرهم، وفي بعض الروايات أن أبا خليل هو المتكلم بهذا الكلام، وقال النفوسي : " نحن أصحاب آثار لو سلكوا بنا على جدار لسكناه" فكيف يقول هذا بل قل قد سلكوا بنا على ظبات المرهفات، وسلكناها، فكيف الجدار؟ وبلغنا عن أبي عبدالله بن يزيد الفزاري قال: " إنما غلبنا أصحاب الربيع باتباع الآثار" وقال أبو صالح يعلو: "السبيل محفور إلى الركبة، فلا يؤخذ منه مخرج إلا بالوثنية" وقد حكى أبو سفيان -رحمه الله- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال:" قد بينت الأمور، وقامت الحجة، وانقطع العذر، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام" وقد روي عن الإمام أفلح رضى الله عنه أنه قال:"عليكم بدراسة كتب المسلمين لاسيما هذا الكتاب، يعنى كتاب أبي سفيان محبوب -رحمه الله- " فإنا لله وإنا إليه راجعون على موت الصلحاء والأولياء، وذهاب سيرهم وآثارهم، وقد بلغنا عن أبى مسرور -رضى الله عنه- أنه قال: ما أرى رميات الاولين مخطئتكم، ولقد صدق نبينا عليه السلام حيث قال:" بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء في ذلك الزمان قيل ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس ويحيون من سنتي ما أماته الناس". وقد قال أبو محمد واسلان بن أبي صالح -رحمه الله-: ما مر قط على هذا الدين شر من هذا الزمان قيل له: ما يئس الناس، بل نحن في جموع وجماعات وحلق وظهور، غير مستخفين ولا خائفين من أحد، لم نكن كالأولين مختفين مكتتمين معتزلين في الجبال والمغارات،.

والبراري والقرى، فقال لهم: هيهات لم ير زمان منذ قام هذا الدين إلا ولهم إمام إما ظهور وإما دفاع، وإما شراء، يقتلون ويقتلون ولا يهابون القتل في ذات الله تعالى، القتل عندهم آثر من الحياة في رغد عيش، ولا يريدون غير إظهار الدين ودعوة الإسلام (تبين للناس ما نزل إليهم )(النحل: من الآية44) ( ولتستبين سبيل المجرمين )(الأنعام: من الآية55) ( ليهلك من هلك ) (لأنفال: من الآية42) فهل حال أضعف من حال أهل هذا الزمان؟ هذا قوله -رحمه الله- ، فكيف بنا وقد قل العلماء، وكثر الجهال فلا تابع ولا متبوع، إلا من شاء الله.

لا يموت الإسلام حتى يفر عنه أهله ويتدافعون

وقد بلغنا في بعض الأخبار: " أنه لا يذهب الإسلام حتى يتدافعه الناس وكل منه خال، فنعوذ بالله من إماتة مذهب المسلمين ورفض سيرهم.

وقد بلغنا من سليمان بن موسى أنه قال: أثبتوا ثلاثا حرمة الإسلام، والحق، وصلة الرحم، خذوا لأنفسكم اخواني منها واتبعوا لها مجالس الذكر، واختاروا لها الأرشد، ولا تأخذوا بمتروك العلم الذي جفاه المسلمون، فقد قال جماعة من العلماء: "من عمل بمتروك العلم وأخذ به لا يموت حتى يفارق الإسلام، ولا يموت إلا محتاجا" نعوذ بالله من خالفة المسلمين ونبذ سيرهم، وقالوا: لا يذهب الإسلام وتبقى سيره وأعلامه ولكن تذهب سيره وأعلامه ثم يذهب واحذروا غمض الحق وتغميضه، فإن من سفه مقالته المسلمين فقد طعن وأباح دمه، وتسفيه سيرهم وآثارهم كل ذلك طعن في الدين.

روي عن أبي الربيع سليمان بن يخلف -رضى الله عنه-: أنه قلما يقوم من المجلس إلا قال: نعوذ بالله من تهوين رأي المسلمين وتخطئتهم، ومن الترك بعد الاجتهاد ومن الحور بعد الكور، ومن ذم ما يأتي، ومن تحسين القول وتقبيح الفعل، وقد قال ابن بركة العماني -رضى الله عنه- قلما تعسف أحد مذاهب المسلمين بغير فهم إلا حرم التوفيق، وقال أيضا: أعوذ بالله من مسامحة الآراء، وتقليد الآباء والكبراء، واتباع الأمراء.

وبلغنا عن رجال من أهل هذا الزمان، أنهم قد صاروا إلى ما حذر منه السلف الأولون من التعسف وقلة التعفف، ولقد بلغنا عن بعض أهل العلم من أصحابنا أنهم قالوا: بقيت فرقة ستخرج من هذا المذهب، نعوذ بالله من سوابق الشقاء، ومما يعوق عن التقى نعوذ بالله من اتباع الهوى المضل ومن قسوة القلب، وجفاء الذكر، وعليكم أخواني بالنظر لأنفسكم مما يخلصها من نار عذابها طويل، ليس لها من آخر، ولا تغرنكم هذه الدار الفانية الغرارة، ولا ترغبوا فيما يفنى، وتذروا ما يبقى فإن الموت من قريب سيفاجئكم، ولا تغفلوا عن الاستعداد لحياة الآخرة فإنكم لم تخلقوا لهذه الفانية، إنما خلقتم للباقية، رحم الله عبدا أخذ من نفسه لرمسه، ومن داره لغاره، ومن مره لحلوه، ومن مرتحله لمنزله، قطنتم فظعنتم، ورجفتم ففجعتم، والدنيا قد أذنت بصرم، وأنذرت بكلم، يا إخواني بيعوا ما يفنى تربحوا ما يبقى فإن الله لا يعذر جاهلا مرتكبا لمعاصيه، وعليكم بأن تعملوا ما يهديكم وينجيكم، إخواني ألم تروا التغيير في الناس فاشيا؟ وقد ذهب الأخيار فزالوا، وبقي الأشرار فاستطالوا، فلا مذكر يذكر، ولا موقظ يوقظ، فاتقوا الله وجدوا، واجتهدوا، وعضوا بالنواجذ على ما أدركتم عليه الأخيار، فإن الدعاة إلى الضلال كثير، واستعينوا بالله، واصبروا، (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)(البقرة: من الآية197) (2)(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )(البقرة: من الآية195) وقيل أن الكلام لإسماعيل بن صالح -رحمه الله- فالله أعلم.

وذكر أبوعمرو عن أبي محمد عبدالله بن محمد أنه تلقى جماعة عزابة "بايرغت" وقد قدموا من فحص "قسطيلية" فقال: لهم إنما ينبغي أن نلقاكم في "سوف" وإلا ففي "وغلانة" ولكن الزمان غير مساعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزال أمتي بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت)، جعل الله مجيئكم مجئ أبي مودود إلى حضرموت، فقام عندهم هذا الكلام أشرف مقام.

----------------------------------------------------------

1- في نسخه برقه.

2- يعني الشيخ أبي عبيدة الجناوني رحمه الله.

5-أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي

ومنهم أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي -رحمه الله- شيخ المشائخ وأستاذهم، ومن إذا التجأوا فهو ملاذهم منه تقتبس الفوائد، وفي منهله العذب تطيب الموارد، نور هداه يكشف الغماء، وغيث حياته يروي فيشفى الظماء، كثير الانبساط والانقباض، والإقبال والإعراض، إن أحب في الله انبسط وأقبل، وإن أبغض في الله انقبض لا يتأول ولا يتأمل.

حكم من رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك قال أبو الربيع لما أسن عبد السلام بن أبي وزجون جلس ذات يوم مجلسا يكلم في العقائد، وقد حضر فيه جماعة ممن ينسب إلى النهوض في الفن الذي بسط فيه القول، فقال: إن من رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك فليس على من سمعه أن يشركه، إلا أن يكون المرمي من أهل الولاية، فلما سمع الطلبة كلامه حملوه على الضعف والخرف والكبر، ولم يردوا عليه في مجلسه ذلك بكلمة واحدة، وكان في المجلس عبدالله بن محمد اللنثي وغيره، فأجمعوا بعد قيامهم من المجلس على أن يتكلموا غدا عن المسألة، ويصرحوا بتشريك الرامي، فلما كان الغد جعلوا منهم من سأل عن المسأله فاتفقوا على أن الرامي مشرك، لم يخالف أحد من الطلبة في هذا الجواب، وبلغه ما اتفقوا عليه وفطن أنه تعريض بما جرى أمس في المجلس، فلما انتهى السؤال إليه أجاب كجواب أمس، فلم يخجلوه أيضا إجلالا لسنه وتعظيما لقدره، قال الشيخ أبو عمرو: إن ادعى التأويل كان الرامي منافقا كالصفرية وإن لم يدع التأويل كان مشركا.

تصرف أهوج يثير فتنه وكانت لأبي محمد حلقة في تينزارتين ولم يزل به الحلقة قائمة، قد رتبت على الشيخ أبي محمد لا يخشون أحدا ولا يمسهم سوء، حتى جعل الله لخروجها سببا، وسبب ذلك فيما ذكر أبو الربيع فيما ساقه من هذه الحكاية، قال: كان تلامذة، أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل سوف، وأريغ، ووارجلان، وميزاب، وقسطيلية، حلقوا على أبي محمد في تين زراتين، وكانت الفتنة حينئذ بين بني " تاكسينت: وهبيتهم، ومالكيتهم، والوهبيه منهم قبيلة يقال لها " بنو يرويتن" والمالكية من عداهم من قبائل بني تاكسينت، فكانت بينهم الفتنة، والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، فقدر بأن حضر بنو يريتن فرقى على السور رجل جاهل ممن شملته الحلقة، يقال له: توزين من أهل قنطرار، فقال لأهل العسكر: أنصتوا واسكتوا. فقال لهم: فلان وفلان وفلان حتى عد جماعة من أئمتهم عليهم اللعنة ولهم سوء الدار، فلما سمعوا ذلك منه تركوا القتال، واستدعوا شيخا لهم، يقال له: مظهر بن نفاط، فأخبروه الخبر، فقال أسمعتم ذلك حقا؟ قالوا: نعم، فقال لهم: احرقوا، واسبوا، واقتلوا، فلما سمع العزابة ذلك خرجوا ليلا وتفرقوا إلى اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

أبو عمرو عثمان بن خليفة

ومنهم أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي -رحمه الله- هو في أهل المذهب أحد الاعلام، الكاشف بحسن بيانه ونور منطق لسانه دياجى الظلام، المفتي في العلوم لا سيما علم الكلام، المجاحش المدافع عن كلمة الإسلام، حتى إن له في موطن اللين قراعا بلسان مخدام، وربما كان في محل هدنة فاشتعل الاضرام، ولم يعبأ بمن قال، كل مقال له مقام.

مجادلة بالباطل تؤدي إلى انقراض أهل الدعوة من حامة قابس فمن ذلك ما حكى أبي -رحمه الله- وقد سأله بعض الجلساء ما سبب انقراض المذهب من الحامة؟ قال: إن الحامة لم تزل في أدبار منذ عهد أبي القاسم وأبى خزر رحمهما الله وما طرأ على كل واحد منهما وعلى من بعدهما، حتى إذا كان في زمان الشيخ عثمان بن خليفة فورد الحامة، وليس فيها من أهل المذهب إلا أطلال بالية، ومساجد عامرة كالخالية، وكان أبو عمرو عابر سبيل فأراد أن يذاكر من هناك من أهل المذهب بما يثبتهم في الدين، ويمسكهم في عقائدهم على يقين، وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم بانقراض مذهبنا من بلدهم وضعف من بقي من أهله، فلما سمعوا بقدوم أبي عمرو بما شرع فيه عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم، وأرادوا ما يفضح أبا عمرو إذا ناظروه، فتشاوروا في ذلك فجعل كل منهم يدلي برأيه فقال فريق منهم اعلموا أن الرجل عالم ذو قدرة على المناظرة ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه في الطريق المهيع، لكن إن سلكتم معه بنات الطريق وجادلتموه بالباطل أوقعتموه في آذان العوام، وإن طلتم فإنكم تظفرون به، فقالوا: وكيف يمكن الظفر به من طريق الباطل؟ قالوا: يسأله أحدكم هل يجوز في مذهبكم تزوج نسائنا؟ فإنه حينئذ يقول الحق ويجيب بأن يستعظم هذا، ويقول: يا سبحان الله قد جاز عندنا تزوج اليهوديات والنصرانيات فكيف نساؤكم؟ فإذا قال هذا ألزمناه الذنب بأن نقول نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى، فنكفره ونفحمه، وإن هو أجاب بنعم فقد استأنفنا سؤالا ثانيا، فلما كان غدا أجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم، وحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم بما أعد من مسألة النكاح، فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه، فلما قال ذلك قال مدرة القوم: ألا إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا وضربا، وطردا عن نفوسهم من البلد وأكرهوا كثيرا ممن بقي من أهل المذهب على الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد الوهبية، وغسلوه بمياه كثيرة، حتى جرت أنهارا وسالت في الطرقات، وخرجت من البلد هامية يعتقدون أن ذلك تطهيرا للمسجد، قال: ودعوا عليهم فأجاب الله دعاءهم ولكن بعد حين، فلما دخلها إسحاق الميرقي قتل فيها سبعمئة رجل حتى سالت واختلطت عجاجا شبهه، من رآه بالوادي الذي أجروه ليطهروا به المسجد فيما زعموا، قال: فلم يبق إلا مستضعف لم يكن على بصيرة، أوهارب بدينه إلى حيث أمكنه من البلاد.

وقال عثمان خرجت من وارجلان أريد ناحية بلادنا فخرج معي أيوب ابن إسماعيل وموسى بن علي يودعاني فقال لي أيوب "يا عثمان العلم والوطوطة لا يجتمعان" وقال له موسى الحجر المتقلب لا يثبت على بناء، فرأيت ما أشار به هو الصواب.

الحكم في العطايا

وقال أبو الربيع قال لي الشيخ أبو عمرو عثمان: العطايا أربع: اثنتان جائزتان؛ عطية لما عند الله وعطية لثواب الدنيا، واثنتان غير جائزتين عطية إكراه وخوف، وعطية على وجه الركون.

الطبقة الثانية عشر 550ه 600ه : 1-أبو عمار عبد الكافي

منهم أبو عمار عبد الكافي -رضي الله عنه- هو ابن أبي يعقوب التناوتي، تدارك المذهب قد أقبر فأنشره نشورا، ونوه به وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فأحيى الله به رفاته، وجمع ببركته شتاته خدم العلم دهرا حتى وعاه، وأوعى منه الأوعية، ثم أخذ يفتيه ويعلمه، فسالت منه الأودية، في تصنيف كتاب، أو تهذيب جواب، أو تدرب متكلم، أو إفادة متعلم وهو الذي أزرى بموجزه(1) على الماضين، وأتعب الحاضرين والآتين، فإنه رتب مقدماته أرتب تقديم، وقوم فصوله أحسن تقويم، وقسم الفرق أبين تقسيم، بألفاظ عذبة وقصد مستقيم، وله تصانيف يشفى بريها هيام النفوس الهيم، وأما الورع والسخاء فهما أقل صفات خلاله، فذكرهما الشيخ بالنسبة إلى حلاله.

ما كان من الشيخ أبي عمار وهو بتونس ذكر شيوخنا أن أبا عمار لما عزم على طلب العلوم رأى أن أهم ما يقدمه إصلاح اللسان ثم إصلاح الجنان بعلوم القوانين والبراهين، فهاجر إلى تونس فأقام فيها أعواما يدرس الليل والنهار ولا يحضر بباله ذكر الأهل والدار، والذي توخاه في قصده تونس شيئين أحدهما ملاقاة من يشغل خاطره عن ذكر أهله، والثاني أراد أن ينقطع عن اللسان البربري بالبعد عمن يخاطبه به، والتدرب على لسان العربية، بكثرة مخالطة به، وكان أبو عمار موسعا عليه فكانت تأتيه من بلده في كل عام ألف دينار، وبطاقة فيضع البطاقة في موضع، ويقسم الدنانير نصفين فيدفع النصف إلى شيخه ويصرف النصف في نفقته وكسوته، وشراء ما يحتاجه من الكتب، فلما كان عند عزمه على السفر وقد رأى أنه قضى حاجته من طلب العلوم التي اعتمدها هنالك أعلم شيخه بذلك، وأجمع على الارتحال فأخذ في قراءة الكتب الواردة من بلده كتابا بعد كتاب فوجد في الكتاب الأول إعلاما بوفاة أحد أبويه وفي الثاني وفاة الثاني، ووجد شواغل لا علم له بها، فأطلع على ذلك شيخه وأصحابه فعزوه وانفصل إلى بلده، ولقد حدثني بعض الطلبة النفطين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبا من أهل وارجلان قرأ معهم على شيخهم إذ ذاك، قالوا: أدركناهم يتعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه، وسخائه ودلاله نفسه وسعة خلقه، قالوا: ولم ير مثله من العرب ولا من البربر، قال لي: وكانوا يذكرون أنهم اطلعوا على كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد فما هذا الكتاب؟ فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل هذا نسخة غير محلوله، ولما حله ابن وصاف(2) لم يرد بلادنا حتى ورد به الشيخ أبو موسى عيسى بن زكرياء وأعلمته أن الطالب المذكور هو أبو عمار، وأطلعته على كتاب الدعائم لما ذكره وسأل عنه، فلما رآه جعل يتعجب منه فنظر منه بعض قصائد العقائد وهي الرائية التي في الرد على القدرية، فقال معرضا ما أرى هاهنا إلا موافقة أهل السنة، فقلت له: وما خالف هذا الكتاب فهو خلاف السنة.

وكان أبو عمار ذا كرامات فمن كراماته ماحدثنا به في وارجلان شيخ من أهل الصدق والبر حكاه عن ثقات، قال: خرج أبو عمار في سنة من السنين في فصل الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية، تتبعا لطلب المرعى، حتى قربوا من جبال "بني راشد" فلما كان يوما من الأيام قال أبو عمار لأهله اشتغلوا بعشاء عمار الليلة المقبلة، وكان هذا القول منه غدوة، وكانوا قد عهدوا عمار بوارجلان، إلا أنهم لم يمكنهم إلا امتثال أمر الشيخ، فوافق وقت إعلامه إياهم توجه عمار من وارجلان إلى قصور بني مصعب، فلما أصبح صباح يومئذ، قال لمضيفه: انظر لي دليلا استأجره أن يصحبني إلى موضع الشيخ، بشرط أن يكون على نجيب مثل نجيبي، ليكون مبيتي عند الشيخ فإني شديد الاشتياق إليه، فقال له: ليس لها إلا "فلان" فأرسلوا إليه فوجدوه ينضح زرعا له بالطبق، فقال: أخشى على زرعي ولا بد من موافقة ابن الشيخ، قال: فاستأجره بدينار فركب كل واحد منهما نجيبه، وصارا يرجفان ويجدان السير بجهدهما، قال: وكان نجيب المصعبي أسبق من نجيب عمار، وكان إذا تقدم قال له: مالك يا هذا الوارجلاني؟ هلكت زرعي عطشا يعني أجهد ليكون رجوعي إلى زرعي سريعا، فقال وكان بين الموضع الذي فيه الشيخ وبين القصر الذي خرجا منه مسيرة ثلاثة أيام، فما صلى الشيخ إلا عمار وصاحبه قد أناخوا عندهم، وأكلوا العشاء معهم.

وذكر عيسى بن أحمد أن أبا عبدالرحمن الكرثي كتب إلى جماعة الشيوخ بوارجلان كتابا يسئلهم سؤال مسترشد قال: فلما ورد عليهم كتابه لم يروا نفوسهم أهلا لمجاوبته إلا أبا عمار، فجاوبه عن جميعها حسبما يفسر.

أسئلة الشيخ أبي عبدالرحمن الكرثي والإجابة عنها

( سؤال) ما اليقين والقدر وما الفرق بينهما؟

( الجواب): اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب ومن أفضل أفعال العباد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله على الرضى واليقين، وإلا ففى الصبر على ما تكره خير كثير" وقال: "لو ازداد يقينا لمشى على الهواء، والقدر ما قدره الله قبل أن يكون" قال عليه السلام في الإيمان: " أن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله"

(سؤال): هل يقال لله تعالى بالبربرية ايراد؟

( الجوال): ما سمعنا أحدا أجازه إلا أبو سهل، ولعل هروبهم من جوازه اشتراك اللفظة في لغة البربر، فإنهم يسمون الداجن من الطير الوحش "ايرادن" ولمن أخلف الوعد " يردى" وهذا على حسب اللغات، والهروب من المشكل إلى الواضح أولى.

(سؤال): ما الحكم فيمن قال أن الله ليس بييكش؟

( الجواب): إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال: "إن الله ليس بإله" ومن قال ذلك فهو مشرك، فقال بعض من حضر أراك أدرجت المسألة فقال أو تشكون في ربكم؟ فقال حينئذ عبدالله بن سجممان سمعت شيخنا أيوب بن إسماعيل يقول: من قال أن ايكش السلحافة فهو مشرك بالله العظيم.

( سؤال) ما أعلام الساعة؟

( الجواب) أنها خمس اثنتان منصوصتان واثنان مستخرجتان من النص وواحدة من الحديث، فالمنصوصتان قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ......الآية) (الانبياء:96) وقوله في عيسى عليه السلام ( وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها.....الآية) (الزخرف: من الآية61) والمستخرجتان من النص طلوع الشمس من مغربها قال الله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها)(الأنعام: من الآية158) والدابة، قال الله تعالى (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) (النمل:82) والحديث قوله عليه السلام:" نار تخرج من عدن تطرد الناس إلى محشرهم وحبشي يعلو على الكعبة بفأسه يهدمها، وخسف بجزيرة العرب".

قلت وهذه الأجوبة أنها هي على قدر وسع السائل لا بكونه مقدار المجاوب، بل إنما عرض في تلك السوق ما أشبهها من المتاع وما ينفذ فيها، وادخر الخز والديباج لأشكاله، اللهم إلا في جواب السؤال الأخير.

وقال أبو عمار حضرت أنا، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، مجلس شيخنا أبي زكرياء يوما فقصصت رؤيا رأيتها، وذلك أني رأيت إبراهيم عليه السلام نزل من السماء إلى "تموصين" قرية من قرى وارجلان فتعلقت نفس الشيخ أبي زكرياء إلى الرؤيا فجعل يقول كيف رؤياك يا عبد الكافي؟ يحب أن أكررها عليه فالتفت إلى أبي يعقوب فقلت له: لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان إلا هذا الشيخ وأني لأحسب أنه سيموت في هذا العام، فمات فيه بعد أشهر، وهذه الحكاية من مناقب أبي زكرياء إلا أن لأبي عمار فيها صدق الرؤيا وإصابة التأويل.

حكم مال من استشهد بالإغارة والنهب وسأل الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم أبا عمار -رحمهما الله- بمحضر من أصحابهما وذلك بجبال مكة، فقال: عجبا منا نتنزه من أموال العرب(3) التي بأيديهم، وننهى عن الدنو منها، وعن الدنو ممن يدنو منها، ونتجهم في وجوه من يصاحبهم إذا كنا ببلادنا، ها نحن الآن نأكل منها ونحمل عليها، ونتزود منها، ونحن في أكرم بقعة وأبرك بلدة ونحن عايناهم يأخذون أموال الحجاج، ويسلبونهم، ويقتلون من دافع منهم عن نفسه أضراب"بنى مجزية" وغيرهم ممن شهر بالنهب والغصب، فقال أبو عمار: هذه جزيرتهم إلا قعد فيما بأيديهم والأغلب عليه الحلال، وتلك جزيرة البربر أنهم فيها غارة وكل ما بأيدي الغارة ريبة، إلا من أبصر شيئا عيانا فلا يحل له الدنو منه في بدو ولا حضر، فأنهم في بلادنا غارة ونحن البربر في جزيرتنا كالعرب في جزيرتهم.

قلت هكذا وجدتها وأقول والله أعلم، أن الذي استثناه من قوله "من أبصر شيئا عيانا فيجبتنبه" إنما ذلك في بلاد العرب وجزيرتهم، والصواب أن يذكر أولا قبل ذكر بلاد المغرب .

رأي الشيخ في أهل الفتنة

وروي أن أبا عمار كان يقول: إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحب إلي أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحب إلي أن لا تغلب فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك، وكأن سيفه يقطر دما، وروى عنه عيسى بن أحمد أنه قال السلامة عندي أن يكون في البراءة سواء، لا يرجح إحدى الطائفتين.

-----------------------------------

1- يشير إلى كتاب الموجز في الكلام والعقائد، وقد تقدمت الإشارة إليه في اول الكتاب.

2-هو محمد بن وصاف العماني من مشائخ الإباضية بالمشرق شرح دعائم أحمد بن النظر وهو مجموعة قصائد في العقيدة والأحكام الشرعية والشرح في ثلاثة أجزاء وهو من المخطوطات القيمة.

3- يعني بهم قبائل الأعراب التي تعيش الإغارة والنهب واتخذتها حرفة وعرفت بذلك وخاصة زمن اضطراب شمال افريقيا في عهود المؤلف (راجع ابن خلدون ج6)

2- ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي وابنه أبو إسحاق إبراهيم رحمهما الله

نبدأ بذكر أبي يعقوب في صدر الأسلوب فنقول: هو بحر العلم الزاخر، المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر، الرفيع القدر والهمة، الجامع لفضائل كل أمة، المحتوي على علوم جمة، كأن التوحيدي ينظر إليه في وصفه للقاضي أبي حامد،وما اشتمل عليه من صنوف الفوائد، إذ كان له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، وهذا الشيخ له يد في علم القرآن، وفي علم اللسان، وفي الحديث والأخبار، وفي رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية وعباداتها والأحكام، وعلم فرائض المواريث، ومعرفة رجال الأحاديث، ولم يخل من اطلاع على علوم الأقدمين، بل حصل مع ملازمة السنة قطعة من علم الحكماء المنجمين.

وأما أبو إسحاق إبراهيم فإمام في علم الأدب، وإن ذاكر في الفروع فيا للعجب، لقد تمسك من الحديث والأصول بسبب أقوى سبب، وعند كليهما من الورع والزهد والتواضع والاقتصاد، ما ليس يدركه أحد من المتنسكين وذوى الاجتهاد، وإن تقاربا في نظم القريض فإن للشيخ قدرة على تأليف التواليف، وله من ذلك الصدر الفسيح الغليظ، وقد كان لا تهمه عظائم المهمات، إلا خدمة العلم منذ نشأ حتى مات.

انقطاع الشيخ إلى خدمة العلم وذكروا عنه أنه أقام سبعة أعوام ملازما داره لا ينصرف فكان متى زاره أحد من الزوار وجده إما ينسخ وإما يدرس، وإما يقابل، وإما يبرئى الأقلام، وإما يطبخ الحبر، وإما يسفر كتابا، لا يعدل عن هذا الفن إلى ما سواه إلا إن قام لاداء فريضة، وكان إذا اعتمد تأليفا أو نسخ ديوان لا يهوله ولا يستعظم فيه صعوبة ولا كثرة فإن له على ذلك قدرة، ولقد حدثنا بعض الثقاة قال: وقفت ببلادنا قسطيلية وسوف وأريغ ووارجلان على سبع نسخ أو ثمان من كتاب العدل والإنصاف(1) تأليف أبي يعقوب كلها بخط يده، وأما أنا فرأيت منها ثلاثا.

حرص أهل وارجلان على الاستفادة منه

وكان إذا جاء إلى موضع الوضوء في مسجد في وارجلان انصرف كل من حول المتوضى، فيضع من يده سفرا ومفتاحا ويضع عمامته وكساءه، ويقعد في ثوب واحد فيدخل المطهرة، فيرجعون ويأخذ أحدهم شيئا منها ويأخذ الآخر شيئا آخر، حتى يرجع الشيخ فلا يجد شيئا فيقول ردوا علي علائقي، فيقول أحدهم: أرد بعوض فيسأل عن مسألة في النحو ثم يجيب فيرد ما أخذ، ثم يسأل الآخر عن فريضة ويسأل الآخر عن مسألة فقهية ويسأل الآخر عن تأويل آية، ويسأل الآخر عن تأويل رؤيا وعن غير ذلك، فيجيب كلهم فحينئذ يردون عليه ما أخذوا، فكان هذا دأبه -رحمه الله- حتى لقي الله.

وحدثني أبي -رحمه الله- قال حدثنا بعض أصحاب أبي سليمان أيوب بن نوح قال: سألت أبا سليمان عما حصل من علم النجامة قال: رحم الله شيخنا أبا يعقوب عمد إلى العلوم النافعة كعلم القرآن والفقه وعلم اللسان فحملها ابنه أبا إسحاق، ووجد عندنا أفهاما قابلة لعلم لا ينفع يعنى علم النجامة فعلمناها، وقلت له: ما غاية المنجم المحقق أيعلم يومه متى يكون؟ قال: أعلم أن غاية المنجم العالم يعرف أسعيد هو أم شقي، وكان أيوب هذا يقول يكون أجلي يوم كذا، فكان كما قال(2) .

وصول الدعوة الموحدية إلى وارجلان وحدثنا بعض أهل وارجلان أن أول داع وصل إلى وارجلان من دعاة الدعوة المهدية العيتروسي وصلها في خيل، فلما قدم إليهم دعاهم إلى إجابة الدعوة، فتشاوروا فيما يأتون وما يذرون، فأجمع رأي أكثرهم على قتله وأصحابه، حتى لا يظهر لهم ذكر، فقال علماؤهم: ما ضرنا أن نصل إلى الفقيه أبي يعقوب نعلمه بما وقع في نفوسنا ونأخذ ما عنده، فجاؤوه بجمعهم، فقالوا له: إن هذه خيل تدعو إلى سلطان قد ظهر، وقد جمعنا على أن نقتلهم قبل أن يعرفوا بلدنا، فإنا نخاف أن يخربوا بلادنا إن عرفرها، فقال لهم: هؤلاء لا يخربون بلدكم بل تنالون في أيامهم عزا وإقبالا، وتلقون منهم في بلادهم خير لقاء وإكراما وإحسانا، أكثر مما تلقونه في بلادكم فأجيبوا دعوتهم تفلحوا فليسوا بالذين يخربون بلدكم، وأما الذي يخرب بلدكم فيخرج من سلجماسة يموت في البحر وإن خرج من البحر فإنه يموت في سلجماسة، وهو المتلثم، فإذا ظهر فلا بد أن يرد بلادكم قاعا صفصفا، وسمعت هذا الخبر سنة عشرين وستمائة فلما كان سنة ست وعشرين أوسبع وعشرين دخلها يحيى بن إسحاق الميروقي المتلثم، فهدم كل ما دار عليه سورها إلى المسجد، وعاد وارجلان كان لم تغن بالأمس(3) .

الحديث عن حجازية أبي يعقوب وبلغنا أن أبا يعقوب كان في عصر شبيبته يقرأ بقرطبة ففيها أتقن هذا الفن وفيها حصل بضاعة وافرة من اللغة غير مزجاة، وفيها قرأ جملة من كتب الحديث، ومما يدلك على سعة ما عنده من هذه الفنون قصيدته الحجازية المتطاولة فإنه أودعها فصولا على ما ذكرته من ذلك، أبياتها عدد أيام العام بدأ فيها بغزل رقيق، ثم الرحلة عن وارجلان، والتنبيه عمن صحبهم في ذلك الركب، وذكر الطريق منزلة منزلة في سيرهم حتى وصلوا، وذكر المناسك، ثم فعل كذلك حتى خرج، ثم خرج إلى شيء من علم الحدثان ثم وعظ أحسن وعظ وتذكير، ففيها ما يشهد له باتساع الفن، فكنت اعتقدت أن أودعها هذا الكتاب وأشرحها إجابة لرغبة من رغب إلى ذلك، لكن منعتني العجلة في تعليق هذا الكتاب، وكوني أيضا لم أجد من يرويها عن أبي يعقوب فأرويها عنه على صحة وأعرف مقاصده فأحدو حدوها، ولعمر الله أن فيها لفوائد كثيرة.

ولأبي يعقوب تآليف كثيرة، أحسنها فيما ذكر لي أبو العباس ابن محمد كتاب الدليل والبرهان هو في علم الأصول، وأما أنا فلم أقف عليه لأني إذ كنت بوارجلان لم أعلق همتي بنظر هذا الفن، فلا قوة إلا بالله، وأيضا فإن الأمهات منه قليلة.

وسمعت في وارجلان من جماعة من شيوخ إن أبا إسحاق رأي في منامه كان نخلتين صنوان أحدهما باسقة والأخرى قصيرة وكان والده في الطويلة منهما يجتني منها ثمارا وكأنه عالج الطلوع فقدر على الصغيرة، فلما صار إليها عالج طلوع الكبيرة إلى حيث كان أبوه فلم يطق، فقصها على أبيه فقال يا بني أنك تحاول منزلة أبيك في العلم وأنت دونها.

-------------------------------------------

1- كتاب له قيم في أصول العقائد والفقه لا زال مخطوطا.

2- لا يخفى ما في هذا الكلام من مبالغة ففي القرآن الكريم ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي أرض تموت إن الله عليم خبير) هذا مع قطع النظر عما قيل في مثل هذه المعلومات إن صح أن تسمى معلومات من التنجيم وغيره.

3- يشير إلى خراب سدراته على يد الميروقي وما أصاب وارجلان.

أبو يعقوب يوسف بن خلفون

ومنهم أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي -رحمه الله- المحقق الوصول إلى الغاية في علم الفروع والأصول، إن درس فلقن أحسن تلقين، وإن أفتى فمغترف من عذب معين، لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الاطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، وكثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف، وله تعليقات عجيبة، وأجوبة محافظ على بيضة الدين، محصن للمذهب أمنع نحصين، مقنعة مصيبة، إلا أنه كان مع محافظته وكثرة حفظة يعجب من ضعف بخته مع الأخوان، وقلة حظه، فإنهم لم يقيلوه في العشرة أنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافا، بل قد أذاقوه العقوق أصنافا، وجرعوه منه مرا زعافا.

خبر اختلاف الشيخ مع العزابة في مطالعة كتب المخالفين للمذهب حدثني غير واحد من أصحابنا أن أبا يعقوب يوسف بن خلفون كان كثير المطالعة في كتاب الأشراف(1) وغيره من تصانيف علم الخلاف، فكان العزابة يكرهون ذلك وينتقمون عليه، وينهون عنه، حتى أنه ربما شافهه بعضهم يقول"تركت المذهب، أو رغبت عن المذهب" وأظهروا له الكيل بهذا الصاع، فلم يكن رغبة عما أكرهوه ولا إقلاع، قال فلم يروه معرضا عن سلوك ذلك المنهاج ورأوا منه التمادي واللجج فأوجبوا عليه كلمة الهجران وقالوا له: لا تقربنا من الآن فإنك أسهبت في المناقضة أي إسهاب، ورغبت عن طريقة إمامك عبد الوهاب، فعند ذلك التفت إليهم وقد ولى فقال لهم: "والله ما فيكم وهبي غيري" ومما نقموه منه إعلان القول بأن يقول لهم: والله ما علمت لكم كتابا غير كتاب "اختلاف الفتيا" و "والغانمي" فكانوا ينسبوه بذلك إلى تعجيز العزابة وذم تواليفهم، والبحث عن معايبهم والتصريح عما يضع منهم، وحاشاه بل لو قال الآن أحد هذا القول لم أنسبه إلى نقص ولا تنقيص، والذي يظهر في هذا الشأن أن كلهم مصيب، فإن العزابة إذا فضلوا كتب العزابة وعصبو الترجيح غيرها عليها فوجه العذر لهم وللمولعين بين ظاهر، وهو أن الذي صنفه الأشياخ إنما جاءوا به على حسب موافقة المبتدئين أهل اللسان البربري، وذلك جهد طاقتهم، فإذا أوجبوا الذنب على أمثال أبي يعقوب فإنما اقتدوا بقول من قال من المشائخ لما وقف على الخمسة والعشرين جزاء، لا يطعن في هذا التأليف إلا منافق، يتخيلون أن قد حقت عليهم كلمة الخلاف، وأنه لم يبلغه هذا القول، ولعله إذ بلغه جعل للمطعن وجها وللنفاق وجها غير الوجهين الذين ذهبوا إليهما، وينبغي أن يحمل ذلك على أحسن محتملاته، تزكية للفضلاء، وقياما بحق أولياء الله العلماء.

ووجه العذر له في ترجيح الكتابين ظاهر، وهو أنهما كلام عربي غير متكلف مع كثير ما تجد في مسائلهم المسند إليه، والمعتمد فيهما غير المبتدئين، فكأنهما أرفق لنفوس النجباء مثل أبي يعقوب، ولقد حدثني أبو الربيع عن أبي الحاج أبي عبدالله محمد بن سعيد -رحمه الله- ، أنه يحكي عن جدي يخلف حكاية تدل على براءته مما قذف به، قال أبو عبدالله: خرجنا حجاجا مع شيخنا يخلف بن يخلف حتى إذا كنا "بعقاب" قدم علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه، فرأيناه يسأل عنا، فقال له يخلف: من هذا السائل؟ وممن هو؟ قال أنا ابن صباح المزاتي، فاستحال ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت، قال أبو عبدالله وما رأيته قط عجل بسوء معاملة قاصدا إلا تلك الليلة، ثم تدارك فسأله ما شأنك؟ وما وراءك؟ قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون وأعلمه بأمور دلت على صدقه فجعل يستغفر الله ويتوب مما فرط منه فقال له: وأين عمك يوسف؟ قال يبيت عندكم الليلة المقبلة، قال أبو عبدالله: فلما كان في الليلة المقبلة لحق بنا هو ومن معه، فلما حل بنا أبو يعقوب لم يمكنا إقبال عليه لأنا قد خرجنا من بلادنا والعلم عندنا بأنه في الهجران، ولا علم عندنا بتوبته ولا غيرها، فجهدنا أنا نتأسى بشيخنا فلما تقدم فيه تقدمنا، قال فلما نزل الشيخان وضع شيخنا يده في يد أبي يعقوب وتنحيا عنا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما نسبوه إليه بتثريب، لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر خطيئة خط بإصبعه في الأرض فكلما عد عليه شيئا ذكر وجهه وسببه واعتذر، واستغفر، حتى أتى على جميعها وظهرت براءته وكان الشيخ يخلف يقول له في تثريبه: يا ابن خلفون كيت وكيت ثم يخط، ويقول: يا ابن خلفون كيت وكيت، وأطال العتاب، وأبو يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئا ذكر عذره ووجهه، وسببه حتى توجه عند الشيخ عذره فسمعنا شيخنا يقول الحمد لله رب العالمين، وقاما معا واعتنقا وقمنا نحن أيضا وسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وسلم علينا وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخواننا أهل عمان، ومعهم فقيههم الذي حج بهم يسمى ناجية بن ناجية، قال أبو عبدالله: فحججنا حجة لم يحججها مغربي قبلنا ولا بعدنا وذلك أنه لا يضيق الحال بأحد من أصحابنا أو تنزل عليه نازلة من مسائل المناسك أو غيرها من مسائل الدنيا إلا والاها أحد الفقهاء الثلاثة، فيجد عنده الشفاء فيما يأتي أو يذر، ورجعنا إلى بلادنا وأبو يعقوب راض مرضي عنه.

وبلغنا عن بعض من عاصره أنه قال قدمت من جهة طرابلس بعد قراءتي فيه على الشيخين أبي محمد عبدالله و أبي عمران موسى النفوسيين مسائل المذهب فقصدت جهة وارجلان لألاقي الشيخ "أبا رحمة اليكشي" وأعرض عليه ما أخذت، قال فاجتزت على"تينبماطوس" وبها الشيخ أبو يعقوب ثم جئت إلى أبي رحمة "بايفران" فلما رآني قال لي: على "تينماطوس" كان طريقك؟ قلت: نعم، قال: هل سلمت على فلان؟ قلت: لا، قال: لو سلمت عليه لم أسلم عليك، فهذا الخبر وشبهه لعله كان قبل أبي يعقوب إلى الحج، أو كانت وحشة بين الشيخين لا ذنب فيها على أحدهما، أو لا ذنب فيها على أبي يعقوب، وإلا فليكن صحيح اعتقادك على ما حكاه أبو عبدالله بن سعيد.

ومما قيد من تعليقات أبي يعقوب للأجوبة عن المسائل التي سأله عنه سائل فكتب بها إليه وبين ما في جميعها من أقاويل العلماء، فوجه ما قال أصحابنا، واستدل على صحته بأدلة قاطعة، رسالته إلى أهل جبل نفوسة مشتملة على فقه ووعظ.

-----------------------------------

1- لعل الكتاب هو كتاب الأشراف على مذاهب الأشراف لأبي بكر النيسابوري الشافعي المتوفى سنة318 ه جمع فيه المذاهب الإسلامية وقد علق عليه الشيخ أبي سعيد الكدمي العماني وسمى كتابه زيادات الأشراف وكتابه هذا من ضمن المخطوطات أما إنكار العزابة منه مطالعة مثل هذا الكتاب فرأي شخصي وقد وجهه المؤلف وليس رأيا عاما لعلماء المذهب الإباضي كما يدل على ذلك صنيع الشيخ أبي سعيد الكدمي.

أبو عبدالله محمد بن علي

ومنهم أبو عبدالله محمد بن علي السوفي -رحمه الله- ذو السخاء والفتوة والدين والمروءة، والقيام والصيام، والسهر إذا الناس نيام المتحرى الاورع، والوقور الأروع، الحازم ولم يفرط، الزاهد ولم يقرط، سلمت له ديناه مع سلامة الدين، وكان يذكر في الهادين الهتدين، وممن تجري الصالحات على يديه، ويفزع في الصغائر إليه، فإنه لحليم أواب، وذو دعاء مستجاب، وله يد في مسائل المذهب، وفي المواعظ إذا رغب أو رهب.

الصلح الذي تم على يده بين أهل درجين وحدثونا أنه وقعت فتنة ببلاد درجين السفلى الجديدة، فأفضت إلى حرب الأوطان وذهاب الأنفس والأموال، وأشفى كلا فريقيها على التلاشي فبلغ ذلك أهل الدعوة في الجهات الشرقية والغربية، فعظم عليهم ما نال أهل درجين من الضعف واستبدال أحوالهم، واستبعدوا استصلاح حالهم بعدم الأسباب المعينة على ذلك، فحرك الله سبحانه إلى ذلك أبا عبدالله محمد ووفقه لما يحبه ويرضاه من امتثال أمره في الإصلاح بين الفئتين من المؤمنين إذا اقتتلوا، ونصرة السبيل الذي منه يتوصل إلى إصلاح ذات بينهم فقدم من سوف إلى أن وصل "درجين" فتمادى إلى خارج ربض "نفطة" ولم يدخل درجين، فنزل إليه من يربط نفطة من العزابة، فيهما الحاجان يخلف بن يخلف، ومحمد ابن سعيد، فرغب إليه يخلف في النزول إلى الضيافة فامتنع، وقال أنا جئت لمهم ولا أبدأ بغيره حتى يقضيه الله وييسره وأنا أحب معاونتكم بأن تستحضروا له كل مهاجر إليكم، وفارق لوطنه بسبب هذه الفتنة، وترغبوا إليهم في الدخول في هذا الصلح، فإنهم عندي أشد ممن في درجين، وأرجوا أن أجد ممن في درجين من المطاوعة ما لا أجده فيمن عندكم، فأغيثوني بإحضارهم و هلموا بهم إلى خارج درجين، فصحبه عزابة الربض ومعهم من طاوعهم من أضيافهم من بني درجين والأكثر قد طاوعوا أو أنابوا، ولما صاروا بأجمعهم مع الشيخ أبي عبدالله حول مسجد قنطرأر الفوقية خرجت إليه جماعة بني درجين من كلا الفريقين، فيهم الواتر والموتور، ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا عنها، وندب جميعهم إلى الصلح فأجابوا، وعقد بينهم الصلح، فلما اصطلح الفريقان استدعى سبع حصيات من أيدي سبعة رجال حجاج حضروا حينئذ، ثم قال: هذه حصيات تناولتها أيد قد استلمت الحجر الأسود، وحفر في الأرض على قدر ذراعين حتى غاب عاتقه ودفن الحصيات، ثم قال: هذه فتنة أهل درجين قد دفنت فمن أثارها جعل الله بأسه في رأسه، فآمنوا كلهم على دعائه، وقطع الله تلك الفتنة إلى اليوم، وكان الذين تخلفوا بالربض وأبوا أن يحضروا الصلح وأن يرجعوا إلى البلد ثلاثة أشخاص، فدعا عليهم فلم يعقبهم خيرا، ودعا للذين عفوا عن الدماء وأنابوا إلى الصلح فنموا وكثروا.

وذكروا عنه أنه قال: دعوى القبائل هي التي تحرك الفتن فادعوا الله على من دعا بها، ففعلوا، فلما انعقد الصلح دخل وتضيف وحمد الله تعالى وشكره على ما جرى على يديه من الخير والصلح.

وذكروا عنه أنه لما عزم على السير إلى الحج أودع عند الشيخ أفلح المرغني مائتي دينار، فلما قدم بعد عامين، قال له: ما فعلت الوديعة يا أفلح؟ قال: أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله تعالى.

وكان أبو عبدالله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه، ولا يجحد حقه، ولا ينكر فضله فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الحجازية وقد حضرت الفقيه أبي العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان شعر أبي يعقوب فإذا قرأ لنا القصيدة المذكورة وبلغ قوله فيها

إلى قوله: ومغراوة عليا زنانة كلها يقول لنا لم يسافر في ذلك الركب من مغراوة غير أبي، يعني الشيخ أبا عبدالله فيسلم له بذلك جميع من حضر من مغراوة، وناهيك بواحد يقوم مقام جماعة في مثل تلك القصيدة التي بقيت تاريخا.

5- أبو يحيى زكرياء اليراسني ومنهم الشيخ أبو يحيى زكرياء بن صالح اليراسني -رحمه الله- ، علم المذهب ومناره، المحمود فيه عينه وآثاره، وناصره متى قلت وكلت أنصاره، وعامر ربعه متى ولت واعتلت عماره، أتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أشهره الله في خدمته فأطال عن خدمة الدنيا وسنه، وأوسع عليه في الأخلاق والأرزاق والأعمال والمال والعطاء والثناء سعة تناقلتها الألسنة. ومنحه من البركة ويمن الحركة ما أقام في ساعة من العمر مقام سنة، وهو الذي فضله الله بأشياء فضل بها الإله الأموات والأحياء: الورع و والسخاء، ولزوم السيرة، ونفوذ عين البصيرة، وتساوى صلاح العلانية والسريرة، واليد العليا في الكبيرة من الصلاة والصغيرة.

ما كان منه وهم في الطريق إلى نفزاوه ومعهم أموال سمعت من غير واحد من المشائخ حكايات في مناقب الشيخ أبي يحيى زكرياء بن صالح، منها ما هو في باب الجود والكرم، ومنها ما هو في الكرامات وعجائب البطائن، ويمن الناصية وبركة الرأي فمن ذلك ما سمعته مرارا عن أبي -رحمه الله- قال: وصل الشيخ أبو زكرياء ذات مرة من سلجماسة إلى وارجلان، ثم خرج من وارجلان متوجها إلى جربة في جماعة من أصحابه يكونون خمسة وعشرين راكبا، أو عشرين راكبا ومعهم قريب من مائتين وخمسين مثقالا ذهبا تبرا، لما صاروا ببعض الطريق بين وارجلان ونفزاوة وأصبحوا راحلين غادين بين كثبان رمل أشرفوا من أعلى كثب فرأوا نعما كثيرا في المرعى، ومن ورائها أحياء فأيسوا من السلامة، إلا إنهم تضاموا وأخفوا شخوصهم قبل أن يراهم أحد، ثم تشاوروا فيما بينهم، فقائل يقول " ندفع ما معنا" وقائل "نولى خلفنا" وقائل " نرسل إليهم من يجاعل على سلامتنا بجزء مما معنا" ثم قالوالي: ما عندك ياشيخ البركة؟ فقال: إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمى، فإن أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به، وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى، وكذلك نحن، وعندي رأى هو بمنزلة القدح فإن فعلنا ونجونا فبلطف من الله، وإن عطبنا فنحن عاطبون من قبل ذلك، قالوا: وما رأيك المبارك إن شاء الله ؟ قال: أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النعم الذي رأيناه، فنخرج إلى القطيع على حين غفله من أرباب الإبل ورعاتها، ثم ندخل في وسط القطيع، ثم نقول لهم: نحن دخلاء هذه الإبل، ففعلوا فعند مروقهم من بين الكثبان ودخولهم الإبل رأتهم فرسان، فما كان بأسرع من اتيان الخيل إليهم مثنى وفرادى متوجهين مرجفين، فإذا هم من "المغترف" وللمغترفين إذ ذاك أحساب طيبة، وإذا برب القطيع من أشرف أول فارس، فقال لراعى ابله: ما هذا ؟ قال: لا أدرى،إلا أن الإبل كانت ترعى فلم أشعر إلا والركبان كانت في وسطها، وقالوا: نحن دخلاء لصاحب هذا الإبل، وقال الفارس لهم: أمان الله، وإذا بالخيل تركض فقال لهم: لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا، قال: فأنزلهم وأكرم مثواهم، ثم صحبهم أو أصحبهم من خيله من بلغهم إلى مأمنهم من قراى "نفزاوة" .

مكانة الشيخ لدى العبيديين بمراكش

وسمعت من جماعة منهم أبي -رحمه الله- أن الشيخ أبا زكرياء يحيى كان بمراكش في أيام ولاته لها، فلبغت عندهم منزلته مبلغا عظيما وكان له بها جاه عظيم لما أشتهر من أمانته وصلاحه، ومحافظته على دينه، ولما ظهر من كراماته وبركاته، وكان مختصا بيعقوب(1) وهو إذ ذاك وزير أبيه وقبل أن يلي الوزارة فكان يلبي له كل مطلب، ولا يكاد يحرجه في كثير من المسائل إلى أبيه إلى أن قال يوما عرفني بكل سبب تأمله عند أمير المؤمنين لأتكفل لك به عنده وأسعى لك في كتاب كريم يكون لك ظهيرا، وأتمشى لك به كلما تحب، فقال له: بل إن عندي شيء أريد أن ألقيه إليك، قال: وما هو؟ قال: صح عندي بدليل لا أرده أنك الذي تلي الخلافة بعد أبيك دون من سواك من بنيه، وأراك أن تكتب لي ظهيرا بما ذكرته فيكون منك، ولا أحب أن يكون من سواك، فقال له: إن كتابي لا ينفعك شيئا، ثم من أين لك ما ذكرته؟ قال له: ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا، فكن منه على يقين، ولا أعتقد النفع إلا في كتابك، فاستبشر وكتب له بما أحب، فلما ولى انحدر إلى إفريقية بعسا كره فوقف إليه وذكره الموطن وأحضر كتابه، فضاعف إكرامه وقضى مسائله، وأعلى منزلته وشفعه في كل من شفع فيه، وانتفع بعنايته جميع أهل الجزيرة بل أكثر أهل المذهب إلا ما شاء الله.

------------------------

1- هو يعقوب المنصور من أحفاد عبدالمؤمن مؤسس الدولة الموحدية وله أعمال هامة في بجاية والمهدية مات سنة 580ه.

6- أبو يحيى فصيل بن مسعود ومنهم أبو يحيى فصيل بن مسعود -رحمه الله- شيخ الانبساط والانقباض، والعزوب عن الدنيا والإعراض والاحتقار لما يستعظم الناس فيها من الأعراض، وسلامة الصدر من الشهوات والأعراض، المجدد لما كان من السير قد أشفى على الإنقراض، المزري بجزيل معرفته ومعروفه على البحر الفياض، المفني أيام عمره في الصلاح فتساوى عنده مستقبل وماض، الموفي لله عز وجل بما تعين عليه من الافتراض.

7- الشيخان أبو عبدالله محمد، وأبو الربيع سليمان

ومنهم الشيخان أبو عبدالله محمد بن داود وأبو الربيع سليمان بن داود -رحمهما الله- كلاهما بحر العلم والسماح، وعمادا أهل التقوى والصلاح فسيحا الجنان وإن كان في اللسان تعذر إفصاح، نصيحان في الله متى عدم النصاح، إن وعظا أو ذكرا فنور الإيمان يمتاح، وكذا الزيغ والفساد ينكشف عن مستمعه أي انكشاف وينزاح، لا يرى عند مرضاة الخالق بسط المخلوق من جناح، طالت أيام أبي الربيع فعمت السعادة غدوها والرواح، وشملت بركته أهل القرب والانتزاح.

حدث أبو الربيع عن أبيه قال حججنا وقفلنا إلى بلادنا فتشبث رجال من أصحابنا من نفوسة الجبل بشيخنا يخلف -رحمه الله- ، فلما وصلنا حيز طرابلس رغبوا إليه كل الرغبة في أن يصحبهم إلى بلدهم، ليبين حدودا جهلوا في نسبهم ونشبهم، ورجوا أن يجدوا عند حفظ ما يخلصهم في دينهم ومذهبهم، قال فأجاب رغبتهم وأذن لنا في التقدم عنه، فودعناه وتقدمنا، فلما فارقته وجدت من الوحشة لفراقه أضعاف ما كنت وجدت من التأنس به، فكنت المطلق المسجون، والمؤالف الشجون، فما راقني من لقيت بعده حتى قدمت على الشيخ سليمان بن داود -رحمه الله- وذلك بمنزله "بتونين" قال فلما لقيته لقيت شيخا جليلا عظيم القدر، متناهيا في الصلاح ووجدت منه تأنيسا وأفادة، حتى سلوت عن كل هم، وكان مما حفظت عنه عند التسليم أني قلت: أدع، فقال: بل أدع أنت، ففي الأثر "استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي" وحضرت الصلاة وهي رباعية وأظنها صلاة الظهر، قال: فأقام الصلاة وقدمني، فقلت: إني مسافر، فقال لي: اعتقد الإقامة هنالك، وصل بنا، فامتنعت منه كل الامتناع، فقال: ساعد، فما من ذلك بد، قال: فلما قضيت الصلاة وحضرنا طعامه أوتي بزجاجه فيها شراب، فعرض علي الشراب فامتنعت فلم يكرر علي، وشرب هو، وقال هذا شراب حلاب أقتات به، إذ لا أقدر على الطعام لضعفي، ولما أكلنا تناول بإصبعه من الفضلة، فقال آكل هذا تبركا وإن كنت لا أقدر عليه.

الشيخ أبو عبدالله يعظ أهل جربة وينهاهم عن المداينة الشوحدث بعض أصحابنا أن أبا عبدالله محمد بن داود -رحمه الله- دخل جربة سنة من السنين زائرا فجلسوا عنده ذات يوم فجعل يعظهم ويذكرهم ويخصهم واحدا بعد واحد، حتى أفضت النوبة إلى الشيخ أبي مسعود؟ فقال وما هو؟ قال بلغني عنك انك تداين ضعفاء أهل جربة في حال العسر ثم تأتيهم لتقاضي دينك، فإذا رأوك من بعيد أدخلت الروعة على المرأة والطفل، وأثمت فيهم، ويروع المديان منك، واستدعيت منه بذلك ضعف دينك وقلة مروءتك، وما هو إلا أن يروك ويقولوا هذا ابن أبي زكرياء قد أقل، فعل الله به وصنع، أترضى لنفسك ومنزلتك وأبويتك ومنصبك أن تكون هذه منزلتك؟ كلا والله، ولكن جانب المداينات ما استطعت، فإن لذلك رجالا فقال إني تائب يا شيخ ولا أعود.

أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي

ومنهم أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي -رحمه الله- ممن يقدمونه إذا عد الأتقياء، وينسبون إليه السخاء متى عد الأسخياء، وكان لتحرجه لا يتحرى من الطرق إلا ما يجري فيه خلاصه، ومن جوده الذي حيل عليه كان من المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

الشيخ يدخر كرائم ماله لإكرام الضيف حدثني بعض العزابة عن الشيخ عبدالله عن علي قال خرجت من أريغ أريد وارجلان في جماعة من العزابة، فسلكنا على تلا منزل الشيخ عبدالله بن يحيى، قال فخرج إلى العزابة فسلم عليهم، وأنزلهم للضيافة، فلما دخلنا موضعه قدم لنا تمرا كبيسا معسلا، ولبنا عجيبا، فلما أكلنا من ذلك ما اشتهينا أحضر صحفة ثريد، يقدر كل واحد منا أن يأتي على آخرها وحده، أو هو وآخر حتى لا يبقى منها شيئا ولا يدره، قال: وعليها من الزبد ما أخرجه من اللبن الذي شربناه أولا مع التمر، قال: فينظر كل واحد منا إلى صاحبه تعجبا منه كيف قابلنا بالطعام القليل ونحن تسعة أو عشرة، قال: ووضعنا فيه أيدينا وكلنا قد استقله، قال: فوالله لقد صدرنا شباعا غاية الشبع، وفضلت منه فضلة صالحة، قال: فلما أراد العزابة الخروج عدت إليه لأخبره، بذلك فوجدته يفرق تلك الفضلة على الجيران، ثم دخلت عليه فصادفته على مرضخه وبين يديه حشف أحرش يابس وكوز ماء، وكلما رفع حشفة رضخها وأزال نواتها وأكلها، وأتبعها بجرعة ماء من الكوز، وفض النواة لعلف الغنم، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ هلا أكلت من التمر الذي أطعمتنا منه؟ فقال: يا بني إن من أكل خيار ماله فقد أكل دم وجهه، وذلك مدخر لأمثالكم، وإن الذي بين يدي مع العافية كثير.

يعرض عليه الإقامة والنفقة ليحفظه القرآن ثم قال هل لك يا عبدالرحمن في رأي هو خير لك من السفر؟ قلت: وما هو؟ قال: أن تقيم هنا وتنتفع بتحصيل القرآن، وفوائد ولا تعدم ما تتزود به من المال؟ قال: فقبلت بنصحه وأقمت عنده، وكان قوي الحفظ لكتاب الله العزيز، فكنت عنده في أرغد عيش وفي اجتهاد وعكوف على درس القرآن قال: وأقبل فصل الربيع وخرجت أغنامهم إلى المنزل الموالي للبرية طلبا للمرعى، ولينتفعوا بألبانها، وخرج بعض العيالات، وكان الشيخ مقيما فيمن أقام إلا أنه لإبراره بي قال: يا بني إني لأكره أن يفوتك اللبن وهو في هذا الفصل غنم، والاغتذاء به نعم، وأرى لك أن تخرج مع العيال إلى المنزل والبراني، وتخرج معك مصحفا ولوحك، فإذا حفظت محوت كلتي صفحتيه ثم كتبتها من المصحف، ثم جئتني فتعرضه علي، ثم تخرج وتكون هنالك حتى تحفظ ما تحصل في اللوح، فلا يزال ذلك دأبك مدة الربيع، قال: ففعلت وأمر من تكفل بمعيشتي أن يخرج تمرا طيبا برسمي وأمر المتكلف بعيشي أن يجعل وصيبا مملوءا برسمي لا يتناوله غيري، فكنت على ذلك حينا حتى نلت ما مناني به من حفظ القرآن والسير والفوائد، وإفادة المال.

عبدالسلام بن عبدالكريم

ومنهم عبدالسلام بن عبدالكريم المزاتي -رحمه الله- الورع الجواد الكثير الاجتهاد، كم تردد على الخلق حتى استفاد، وتكرر في زيارة الشيخ حتى فاز بالمراد.

حكي عنه أنه قدم أول قدومه من الحلقة فسأله يوسف بن أبي حسان عن ثلاث مسائل مما يستعجز به المبتدؤون العاجزون، فلم يجبه عن واحدة، فقال: عجلت بالرجوع يا عبدالسلام وأنت محتاج إلى الحلقة فليت شعري ما الذي جاء بك؟ قال: وقد أخجله بكلام شافهه به، فكان ذلك سببا لرجوعه إلى الحلقة، قال: فرجعت إلى عيسى بن أحمد فقرأت عليه ما شاء الله، ثم رجعت فأجبت السائل الذي سألني عن مسائله وعن غيرها، قيل وكان مفتيا لأهل مكانه يحتاج إليه أهل زمانه، وعنه يحكون أنه قال: سافرت مرات فأحسن سفرة سافرتها أني سافرت مرة ومعي أصحابي عزابة قدر ثلاثين رجلا، فإذا دعا أهل الرفقة بالكلام الذي هو إشعار بالأكل حط العريف الزاد عن البعير، فما يحطه إلا وأصحابي محدقون به لم يغب منهم أحد، وأحسن كتاب قرأته كتاب كتب إلي به الشيخ أبو عبدالله محمد بن داوود وكتب لي فيه أخبار أهل الدعوة كلهم، وأحسن مركوب ركبته حمار صحبت به خيل الأعراب، فكانوا يهمزون يولهم بالأشابر وحماري لم يتخلف عنهم.

أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى ومنهم أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى -رحمهما الله- لكليهما فيضان في العلوم يزري بفيضان البحر، ونظم يزري بالدر، يباهي قلائد النحر، بل تزان به فوائد الدهر، ومآثر حميدة الذكر، لها أنفاس نفيس العطر، وهما اللذان أحيا ما ورثاه عن جدهما محمد بن بكر، وبقيت فيهما بركته تتوارث إلى هذا العصر، بل هي باقية إن شاء الله إلى يوم الحشر، وكان كل واحد منهما شديد الغضب في الله متى قام في إنكار المنكر، معتمدا على الحق في السر والجهر، فأما أبو نوح فقد كان ساعية دأبه في تنمية الصلاح، ومحو آثار الفساد بحيث ما كان لا يفتر عن هذا الفن، وكان مطاعا مسخرا إلى القوي والضعيف، والقريب والبعيد من أهل مذهبه وغيرهم، وكان أوسع بضائع حفظه سير أهل الدعوة وأخبار السلف، فمتى رأيت في هذا الكتاب أو في غيره من كتب المشائخ رواية عن أبي نوح فهو هذا الشيخ فاعرفه، وأما أبو زكرياء فحدثوني عنه أنه كان أكثر حفظا من أبيه وله تأليف في المذهب، وله فضائل مشهورة منها القصيدة الحجازية، وقصيدة في الاعتقاد، ومخاطبته إلى الفقيه أبي إسحاق وغيره، أمسكت عن تقييد لك كله اختصارا.

قيام الشيخ بإحقاق الحق في وغلانة

احتفاء أهل وغلانة بالشيخ وقيامه بالعدل والإصلاح وحدثنا بعض تلامذته قال: انتقل الشيخ أبو زكرياء وبعض آله من »تينيسلي« إلى وغلانة فأنزلهم أهل وغلانة، وأكرموهم إكراما بليغا، ووهبوا لهم أنواع المواهب حتى ملكوهم أنواع الأملاك العظيمة من مركوب ومسكن وجنات وعيون، وأكثر ذلك لأبي زكرياء وكان فيها بحلقته على أبر الأحوال، وكان متى سمع عن أحد من أهل قرى أريغ فعلة شنيعة عن فساد أو فعل شيء من الكبائر أو ما يفضي إلى الفتنة وتخريب العمار كائنا ذلك ما كان فإنه ينهض إليه بالحلقة، وإن احتاج إلى عسكر استنهضه حتى يتمكن من الفاعل، فإذا ثبت ذلك عليه واستحق ووجب حد أن قتل قتل، وإن سجن سجن، وإن تعزير بالحد أو بالنكال أنفذ ذلك كله، قال: فلقد كنت في جملة تلامذة حلقته مرة من المرات، وكان في فصل الشتاء وكان البرد في ذلك العام شديدا، فنال التلامذة ألمه فآثره بعض أهل الموضع بقطيفة، فكانوا يتدثرون بها في الليل في بيت بالمدرسة، مكان مبيتهم، وكان إذ ذك ببلاد »تنتمرنت« رجل عات من أفتك الفتاك، وأشهر الدعار، فبات التلامذة ليلة من الليالي فنزع عنهم القطيفة، فقاموا ليدافعوه عنها فأصاب بعضهم بجراحات، فلما أصبح وقد عرف الفاعل استعظم أهل الموضع ذلك، فخرج الشيخ وقد بلغت فيه هذه الفعلة مبلغا عظيما لتعديه على غرباء مساكين منقطعين إلى الله، وكان الفاعل ليس من أهل المذهب وفي بلد ليس فيه أحد من أهل المذهب، فأجمع رأي جميعهم على أن يخرجوا بعسكر عظيم وينزلوا على البلد، ويطلبوا من أهله أن يدفعوا لهم الجاني فإن دفعوه لهم ارتحلوا عنهم، وإن أبوا قاتلوهم، فرحلوا بعسكرهم حتى نزلوا تنتمرنت فدفعوا لهم الجاني وارتحلوا عنها، فلما صاروا ببعض الطرق ابتدره بعض العبيد فقتلوه.

ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد ومنهم ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد الوسياني -رحمهما الله- كلاهما لخلال الخير جامع، وقد ألجأهما إلى سكنى درجين زمان غير مطاوع، فكان كل ما حفظاه من المسائل كالضائع، وإن كان أحدهما أكثر حفظا بل الآخر أفقه في الشرائع، وأعلم بالأجوبة المقاطع.

ذكروا أن الشيخ ميمون بن أحمد كان ذا فطنة وذكاء، وعقل وذهن، وكان مصدرا بدرجين من قبل مقدمهما مولاهم أبي علي والجماعة، فكان حكمه عدلا، وقوله فصلا، إلا أنه طال عمره، حتى كف بصره، فتخلى عن التشديد، وكان يتمنى أن يلقى من يسأله من المسألة سؤال مستفيد، فقلما ظفر بسائل، أو بلقاء عارف، أو معترف بما أوتي من الفضائل.

حدثني أبي -رحمه الله- قال: دخلت حلقة بني درجين وأنا صبي قبل أن أكمل حفظ القرآن فكان الشيخ ميمون سببا لتمرني على قراءة الكتاب، لأنه كان يعظمني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد دعاني وقال اقرأ فآخذ الكتاب فأقرأ، فمتى توقفت في بعض ما يشكل علي قال لي: حرك ولا ترهب، فإذا قرأت حرفا فأصبت أو صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي: لما كف بصره اقرأ علي سورة كذا وكذا، وكان لا يخليني من فائدة وحدثني من لا أتهم عن جدي يخلف أنه كان متى حضرته تحفة ذكر عندها الشيخ ميمون وكان يحض على إكرامه، ويقول: أكرموا ميمون بن أحمد، قد اجتمعت فيه الصفات الثلاث عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين الجهال.

وأما يوسف بن أحمد فلا يبعد أن يكون حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإنه كان حفاظا، ولكن لا يحسن التصريف فيما يحفظه.

بلغني أن رجلا من أهل توزر قدم نفطه ثم حضر إلى درجين فطلب مناظرا من أهل مذهبنا، فيمن ينسب إلى التفقه، فأبرزوا له يوسف، فذاكره في مسألة يحفظها سردا فتلعثم فيها ولم يتكلم بفائدة تقنع، فبلغ ذلك الشيخ ميمون فغاظه واستقبحه، وقال: أقدمتم ذلك الجبان لمناظرة المخالف؟ وبئسما فعل، وكان الشيخ يوسف كثير الورع والاجتهاد، ذا خمول واقتصار ممن يتعلم منه ويستفاد.

أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام

ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام الوسياني -رحمه الله- أحد شيوخ الحلق الكبار، الحافظ للسير والآثار، المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الإعصار، وجملة أوصافه باختصار أنك متى وجدت في هذا الكتاب أو غيره رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخيار.

يخلف بن يخلف وعلي بن يخلف

ومنهم يخلف بن يخلف وابنه علي -رحمهما الله- أما الشيخ فعلامة نسابة، ذو خشوع وإنابة، وأجوبة في فنونه معلنات الإصابة، وأدعية سريعة الإجابة، وفتوة على ذي الجنابة والغرابة، يستطيب بذل المعروف كل الاستطاب إن كهم قلمه فاللسان قد حدث الآداب غرابة، وأما الابن ففصيح اللسان، ذكي الجنان، كثير الإصابة والبيان، ممن يقلد في فنون الآداب وعلوم الأديان.

مكانة الشيخ يخلف لدى أهل الدعوة وغيرهم وحدثني من لا أتهم أنه كانت جماعة البربر وجماعة العرب من قبائل مختلفة، ومذاهب مفترقة يقصدون الشيخ يخلف، فيجتمعون عنده أفواجا يقضي بينهم في الجراحات وغيرها، كلهم راضون بحكمه، لا يرغب عنه أحد لمخالفة مذهبه، ولا يرد عليه قوله، وأما سكان الحاضرة فكانوا مفتقرين إلى علمه، وحدثني أبو عبدالله بن بهلول النفطي قال: ورد بعض الزوار على شيخنا أبي علي حسنون بن محمد النفطي، قال: فأخذ جلساؤه من أهل بيته نفطة في ذكر مناقب يخلف العزابي وبنيه وأهل بيته، فأوسعوا في القول والزائر الغريب يستحسن ويستغرب، حتى قال أحد الجلساء للشيخ: أترى يا سيدي أنهم يرجى لهم الخير عند الله لهذه الأوصاف؟ وهم على ذلك المذهب فلم يجبه بغير الصمت؟ فقال الزائر للشيخ: يا سيدي وما مذهبهم؟ قال الصلاح، وانقطع الكلام.

وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا يوما أنا والشيخ يخلف من جنته بغابة نفطة فلقينا محمد بن عمران والد أبي علي المرابطي فسلم، وسأل عن الحال، ثم قال: يا يخلف ما منزلتي عندكم جملة العزابة؟ قال: منزلة مشمش ومفشفش يعني جلوازين حسينين كان بين يدي قاضي نفطة، فاستعظم ذلك لما سمعه وكرهه، ثم قال: بماذا؟ قال: لأنك تقول تدخل النار ثم تخرج منها، وهما يقولان أنهما يدخلان النار ثم يخرجان منها، فانبسط بعد الانقباض، فقال: أهاهنا عدت؟ قال: نعم، قال: والله إنكم لمعذورون وإن حجتكم لقاطعة.

وقوع الشيخ والركب الذي معه في ضائقة عند رجوعهم من الحج وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا من أرض الحجاز بعد قضاء الحج ووصلنا الإسكندرية وقد قل ما بأيدينا فأجمع الرأي على الخروج من زي هؤلاء المشاة، لأنا لا نقدر على ركوب البحر، ولا نجد ما نشتري به أبعرة، فنحمل عليها، فاقتضى نظر الشيخ أن اشترينا بثمن ما بعناه من ثيابنا ومن فضلة ما بأيدينا سقط المتاع كالإبر والمسلات وما خف من عطر، ثم خرجنا متوجهين إلى المغرب ونحن نسير في قبائل الأعراب كل يوم، فإذا كان في آخر النهار بعنا فيما والانا من الأحياء بما نقتات به من ذلك السقط، فما خرجنا من برقة إلا وقد نفذ الزاد، وانقطع الأحياء من طريقنا، وليس لنا رفيق ولا دليل إلا الله تعالى، وقال لنا الشيخ يخلف: توكلوا على الله واستخيروه وسيروا، قال: فسرنا في مهامه لا شيء فيها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض، وسلكنا جرزا لا نبات بها وليست بمسلك معتاد لسالك، فسرنا يومين أو ثلاثة، وليس منا من ذاق طعاما، فلما كان في ضحى الثالث أو الرابع قام أمامنا شيء لونه مخالف للون الحمرة، فتيممناه حتى وقفنا عليه، فإذا هو لبنة من جبن عجيب، قال العزابة: ما ترى في هذا؟ فقال الشيخ يخلف: ما هذه بأرض عمارة، ولا بطريق فنقول لعل له ربا، وما هذه إلا كرامة أكرمكم الله بها، فاقبلوا كرامته، ثم تناول ذلك الجبن فقسمه بخنجر كان عنده على عددنا، ثم تقدم يقطع الأرض، ونحن نتبعه، وقد اقتات كل واحد منا بنصيبه، ثم تمادينا نجد السير إلى الغد، وقد كدنا نهلك جوعا فشكونا إليه ما أصابنا فأخرج من جيبه ما كان أخذ بالأمس فإذا هو لم يذقه، فقسمه على عددنا وأكل معنا سهمه من هذه القسمة الثانية، ثم سرنا غير طويل فلطف الله بنا ووصلنا ما والانا من البلاد على أحسن حال، والحمد لله.

اشتغال الشيخ بالفقه وميل بعض أصحابه إلى الأشعار وسمعت جماعة ممن أدركه وممن أدرك من أدركه يروون عنه ألفاظا من منثور الحكم هو منشئها لو قيدت صارت دواوين كلها نافعة للدنيا والدين، وكان ابنه قد أسرع التنقل عن سلوك طريقة المتفحصين إلى النظر في علوم الدين، وبقي أصحابه جاعلين شعارهم الأشعار، فربما عاتبهم على ذلك وبين أن في الاستغراق في الغر والعار، وهم يصدون عنه، ولا يسمعون منه فمنهم الخلف بن الخلف المنبوز بالزناد الوارجلاني، وعظه يوما فقال: أقلع عن هذه الأشعار فقد أكثرت، واشتغل بالفقه، فقال مرتجلا:

ولا أقول إن هذا في الزناد مجون أو نقلته مما عبر عنه لسان شجون، بل إنما حنينه إلى الأدب فجعل له صفات الحجون.

مقابلة مع ابن العمودي المتصوف

وكان القاضي عمر بن غزوة النفطي يقول له: ما رأيت مثل علي بن يخلف من الناس، فمن عجيب ما رأيته منه أن أبا القاسم بن العمودي كان من مشائخ المتصوفين قدم من توزر ومعه طلبته، فأكرمه طلبة نفطة وصوفيتهم وبالغوا في إكرامه، فقلت: لا ينبغي أن يغيب أبو الحسن علي بن العزابي عن مثل هذا الحضور، فأحضرته وقد حضروا، فلما رآه ابن العمودي قال لي: من هذا الجالس معنا؟ قلت: هذا الفقيه أبو الحسن ابن العزابي، فقال: أهو من الذين يبغضون عليا؟ فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه وندمت على الاشتغال بإكرامهم أو إذا اشتغلت بإكرامه، لم جنيت على نفسي وعلى صاحبي فما أغناني وإياه عن هذا الحضور، فلما سمع علي منه هذا قال له: من أنباك هذا يا شيخ؟ قال: كذا يذكرون عنكم، قال: فهل رأيت أحدا يسمي ولده باسم عدوه؟ قال: لا، قال: كان أبي من فقهاء الوهبية وقد سماني عليا، قال: ثم أخذ معه في مذاكرة تشفي الصدور، حتى استمال قلبه وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال أبو الحس: أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي بهذا البلد، وانفصل ابن العمودي يحمده ويحمد مذهبه.

سفرة الشيخ إلى غانة ودخول الإسلام إليها على يده

وحدث جماعة من أصحابنا أن علي بن يخلف سافر إلى غانة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فانتهى إلى مدينة »مالي« فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان هذا الملك مشركا وتحته مملكة عظيمة كل أهلها مشركون، وتحته اثنا عشر معدنا يستخرج منها الذهب التبر، فكان الملك قلما يجلس مجلسا إلا أجلسه معه إكراما له، وكان يتعجب من خلقه وخلقه، وكثرة عبادته ومحافظته على دينه، حتى عقد النية على الانفصال، وقد قضى حاجته، وكان ذلك في سنة قحط شديد فشكت الرعية ما أصابهم إلى ملكهم، فأمرهم بالاستسقاء فجعلوا يستسقون ويتقربون بقربانهم التي يعتادونها في ملتهم، وذبحوا أنواع الحيوان من البقر والغنم والحمير، حتى الأناسي والسنانير، فلم يسقوا، فقال الملك: لعلي ألا تدعو إلهك الذي تعبده أن يسقينا؟« فقال له: لا يسعني ذلك وأنتم تكفرون به وتعصونه، وتعبدون غيره، فإن آمنتم به وأطعتموه فعلت ذلك ورجوت أن يسقيكم، فقال له الملك: علمني الإسلام وفرائضه حتى أتابعك عليه، وتستقي لنا، فعلمه كيف يقر بالشهادتين فعلمهما، ثم قال اصحبني إلى نهر النيل ففعل، فعلمه كيف يتطهر فتطهر، ولبس ثيابا طاهرة ورقى به ربوة فوق النيل(1) فعلمه الصلاة فصلى، ثم قال إن أنا صليت فافعل ما تراني أفعل، وإذا دعوت فقل آمين، فباتا ليلتهما في عبادتهما وضراعة إلى الله عز وجل، فلما كان بعد صلاة الصبح أنشأ الله سبحانه سحابة فما حاولا الانحدار من الربوة حتى حالت السيول بينهما وبين المدينة، فجاءهما زورق في النيل، فركبا حتى دخلا المدينة ودامت السحابة سبعا غير مقلعة تسيح ليلا ونهارا، فزادت المؤمن إيمانا واستدعت إيمان الكافر، فلما رأى الملك صنع الله تعالى دعا جميع أهل بيته إلى الإسلام، فأجابوا ثم دعا أهل المدينة فقالوا: نحن عبيدك فأجابوا، ثم دعا من دنا من المدينة من رعيته فأجاب أكثرهم ثم دعا الأقصين فقالوا: نحن عبيدك ولك منا الطاعة وتتركنا على ما ألفينا عليه آباءنا فسمح لهم، ثم حكم بأن المدينة لا يدخلها إلا من آمن بالله ورسوله ومتى رؤي فيها كافر قتل، ثم قال له: علمني القرآن وشرائع الإسلام فجعل يعلمه حتى تعلم جملة ينتفع بها، فبينما هو عنده في ذلك إذ ورد عليه كتاب أبيه يستدعي منه المجيء ويحجر عليه في الإقامة، فقال للملك: أعلم أني على السفر فقال: لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد أن أبصرتنا دين الهدى، فقال أعلم أن من فرائض هذا الدين إبرار الوالدين وقد حجر علي والدي المقام، وهذا كتابه فلما رأى جده أحسن منقلبه وانفصل، وبقوا على الإسلام والحمد لله رب العالمين.

ومن عجائب ما يحكى أن يخلف بن يخلف وجماعة من أصحابه صلوا صلاة الصبح بمسجد ربض نفطة فقرءوا ما شاء الله وختموا، وذلك في يوم من أيام الشتاء فقال لهم على وجه الدعابة، والبسط والدلال: من يغدينا اليوم ونوليه الإمارة على أنفسنا؟ أومأ إلى موسى بن الياس المزاتي، فقال أنا أغديكم، وأكون أميركم، وكان قريب عهد بالقدوم من البادية وقد صحبه من غلة غنمه ما يجهز به غداءهم فقام فاحتفل لهم بالغداء، فلما أكلوا ودعوا بالبركة، قال له الشيخ يخلف: أما إمارتك فلا تمكن فإنك واحد منا، ولكن إن شاء الله سيولد لك ولد من الحمل الذي عندكم، وتسميه أفلح على اسم إمام المسلمين، ونرجوا أن يكون عنده غنى وتكون فيه بركة إن شاء الله قال رواة هذا الحديث فقدر أن ولد له ولد من ذلك الحمل، هذا الشيخ المبارك أبو سعيد أفلح، فسرت فيه همة الشيخ يخلف وأصحابه، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مطاعا متبعا في كل ما تقدم فيه من أفعال الخير، فهذا أمر شاهدناه عيانا، ألا ترى أن ذلك بفضل الله ثم بركة الشيخ وأصحابه؟.

---------------------------

1- لعله يقصد نهرا من أنهار غانا كنهر النيجر مثلا لا النيل المعروف.

الشيخ سليمان بن علي ومنهم سليمان بن علي -رحمه الله- ذو سخاء ونزاهة نفس وورع، وكان فرضيا متقنا لمسائل الفروع في المذاهب ناظما للقريظ إلا أن بضاعته من النحو مزجاة، وإن اتسع في اللغة، فلذلك قد يوجد في شعره ما لا يجيزه أهل الصناعة، إلا أن أشعاره في الوعظ قد رويت وانتفع بها وله قصيدة وعظية بلسان البربر، وهي مقفاه وإنها لمن العجائب، ومن أهم أموره المحافظة على المذهب وله كرامات.

إن كانوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم

وأما سخاؤه فقد قال أبي -رحمه الله- : كان والدي -رحمه الله- ذا مال بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتى أنفذه ولم يبق لنفسه غير دويرة وبستانين، وكان كلما رأوا فيه من كثرة الأضياف وقلة المبالاة بتلف المال لم يعدم ناصحا يقول: ابق لأولادك بقية، واتق الله فيهم، فيقول: إن يكونوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم وإن يكونوا غير ذلك فأنا أولى بمالي منهم، قال: وكان دأبه إذا قام من نومه إلى صلاة الصبح يقول: "اللهم، أرضني بما قضيت علي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا أحب تأخير ما عجلت" قال وكان كذلك.

يرفض إعانته ويدعوه أن يقوم بالواجب بنفسه

وأما نزاهة نفسه فحدثوني أنه لما قل ماله ولم تنقص أفعاله أوصاه بياضة بن عزوز وصاية نصيح مشفق، قال له: يا شيخ إن مالك قد قل، ومؤونتك قد كثرت، فهل لي في خمسين ويبة تمرا أو مائة شاءة من أحمد تكون من عندي في كل عام تستعين بها على أضيافك، وأضياف المسجد، وضعفاء أهل الدعوة، فقال له: لا والله إن فيما أبقى الله لكفاية أؤدي منها حقوق من ذكرت ولو على عسر، ولكن إذا كنت فاعلا فقم بحقوقهم كما قام به غيرك، وتولى ذلك بنفسك ومالك.

اعتزاله للفتنة والهروب منها وأما ورعه فإن وهيبة كنومة لما خرجوا منها لمكيدة كانت من نكارتها خرج جدي من البلد يلتحق بإخوانه غير معلن فتنة ولا مسعرها، فقاموا إليه بجمع من أهل الفتنة من النكار، فقال قائلهم: كيف نترك فقيه القوم ينجو وضربوه بل طعنوه طعنة من أراد قتله، فنجاه الله منهم، وخرج جريحا وكان معه بعض أصهاره فافلتوه، واستحوذوا على دور الوهبية فلم يدعوا فيها شيئا إلا انتهبوه، وكانوا قد أصابوا له ذخرا كثيرا، أفلا ترى أنهم قد أذوه في النفس والحصن والمال والآل؟ ومع ذلك فلم يكن منه إلى أحد منهم أذى في شيء من الأشياء قبل الفتنة ولا بعدها.

وأما نظمه فقد سمعته من أبي وامتنع أن يروي لي شيئا من شعر أبيه أو شعر نفسه، فإنه كان يقول لي أنت أشعر مني وأنا أشعر من أبي، وحدثوني أن رجلا جاء إلى جماعة في "كنومة" بعد موته فشكا علة مزمنة أشرفت به على الموت لا يدري ما هي، ولم يدع علاجا إلا عالجها فلم يجد الشفاء فقال له رجل منهم: هلم بثلاث بيضات من بيض الدجاج فأتاه بها، فقال له: إذا كان الغد فجئني فقال له اطبخ هذه البيضات في ثلاثة أيام كل يوم واحدة وكلها متواليات كل صباح واحدة، وفعل الرجل العليل ما أمره به فبرئ بإذن الله في أسرع وقت، فجعلوا يتعجبون ثم سألوا الرجل العالج ما زدت في البيضة من خصائص؟ فقال: ما زدت فيها شيئا، غير أني رأيت علة أعيت الأطباء فعلمت أنها لا تبرأ إلا بمنة من الله الذي ابتلاه، فناجتني نفسي أن أتوسل إلى الله ببعض أوليائه فخرجت إلى قبر سليمان العزابي فلما كان الصباح استخرجتها فكان فيها ما رأيت من البركة.

ومما حدثني به أبي عنه -رحمهما الله- أن أهل قرى "تقيوس" كانوا يعمرون جنات غاباتهم بالمناصفة، فيكون لهم النصف من تمرتها وللسلطان النصف، ثم يؤدون العشر من النصف فكانوا بذلك في ضيق شديد، وكان كل واحد منهم يحتال فيما يتخلص به من ذلك قبل امتداد يد عامل السلطان، ولما كان سنة من السنين خرج الخراصون إلى "تقيوس" يخرصون التمر، فلما قربوا من جنة الشيخ وعلى أنهم يدخلونها بعد غد وكان ذلك يوم الجمعة، فتقدم الشيخ إلى الخدام فقال: أريد تخفيف ما قدرنا عليه لنسلم من أن يخرص علينا، فجعلوا يقتلعون العراجين من كل نخلة نصف غلتها والثلث والربع على حسب ما يأمنون غائلة العامل، فلما جمعوا ما أرادوا جمعه من التمر وجعلوا يحتالون في تنقيله حتى يدخلوه البلد ليلا إذا بالخراصين قد دخلوا في طرف الجنة، لأنهم قالوا نريد أن تخرص هذه الجنة ونطلع لئلا تفوتنا صلاة الجمعة، فلما رأوهم وبين أيديهم كدس عظيم يراه الأعمش عن بعد فخاف ما يخاف أمثاله، وقال: "اللهم لا تفضح شيبتي" قال: فوالله لقد اجتازوا إلى الجنة وخرصوا ثمرها فأعماهم الله عن الكدس فلم يروه ولا خرصوا النخل التي هو فيها، فقال: أما الآن فنرفع ثمرنا علانية والحمد لله رب العالمين.

يوسف بن سد ميمان ومنهم يوسف بن سد ميمان -رحمه الله- من المعدودين في القوامة بالليل، والصوامين بالقيل، والداعين المستجابين المصيبين والصابرين وإن كانوا مصابين، حدث أبي -رحمه الله- قال كان هذا الشيخ آخر أشياخ أهل الدعوة من أهل "دقاش" يعني منزله من قرى "تقيوس" وكان في آخر عمره وقد أصيب بصره، وقل ماله فلم يزدد بذلك إلا رضى بقضاء الله، واجتهادا في طاعته، وكان الزوار يقصدونه من كل ناحية تبركا به، قال فقصده يوما عزابة كنومة يزورونه وفيهم أخي محمد، وكان حدثا، وذلك بعد وفاة أبيه، قال محمد: فدخلنا عليه فصافحناه وسلمنا عليه، وقال للعزابة من هذا معكم أسمع صوته ولا أعرفه؟ قالوا له: إن هذا من أولاد الشيخ سليمان قال ثم بكى عند ذلك، وقال إلي يا ابن الحبيب ثم أنشد متمثلا:

قال ثم أورد علينا من المواعظ والحكم والأمثال، ما لم أسمعه من أحد قبله ولا في حلقة من الحلق.

الشيخ يأبى من أكل المال المراب

وحدثنا أبو الربيع أن يوسف بن سد ميمان سار من درجين يريد توزر فصحب ناسا من العرب فكانوا في إبلهم ووجدوا في الطريق خصبا عظيما لم تسمح نفوسهم بأن يتجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فساروا ثلاثة أيام بين نفطة وتوزر، قال والشيخ معهم لم يذق طعامهم ولا شرابهم، قال فلم يدخل توزر إلا وقد آذاه الجوع والعطش، فكان أول من لقي بها جماعة من أهل درجين فرغبوا إليه أن يتغدى معهم، وقد عرفوا ما دلهم على شدة ما ناله من الجوع، قال: ومعهم صرة ينفقون منها ويقضون بها حوائجهم فأخذوا منها ما اشتروا به غذاءهم وغذاء الشيخ فأكلوا ودعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قال الدرجينيون فأقمنا أياما ننفق من تلك الصرة ونقضي بها حوائجنا وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ينتقص منها شيء، والحمد لله رب العالمين.

تم كتاب الطبقات بحمد الله العظيم.

وحسن عونه الكريم والله الموفقومنهم يوسف بن سد ميمان -رحمه الله- من المعدودين في القوامة بالليل، والصوامين بالقيل، والداعين المستجابين المصيبين والصابرين وإن كانوا مصابين، حدث أبي -رحمه الله- قال كان هذا الشيخ آخر أشياخ أهل الدعوة من أهل "دقاش" يعني منزله من قرى "تقيوس" وكان في آخر عمره وقد أصيب بصره، وقل ماله فلم يزدد بذلك إلا رضى بقضاء الله، واجتهادا في طاعته، وكان الزوار يقصدونه من كل ناحية تبركا به، قال فقصده يوما عزابة كنومة يزورونه وفيهم أخي محمد، وكان حدثا، وذلك بعد وفاة أبيه، قال محمد: فدخلنا عليه فصافحناه وسلمنا عليه، وقال للعزابة من هذا معكم أسمع صوته ولا أعرفه؟ قالوا له: إن هذا من أولاد الشيخ سليمان قال ثم بكى عند ذلك، وقال إلي يا ابن الحبيب ثم أنشد متمثلا:

قال ثم أورد علينا من المواعظ والحكم والأمثال، ما لم أسمعه من أحد قبله ولا في حلقة من الحلق.

الشيخ يأبى من أكل المال المراب

وحدثنا أبو الربيع أن يوسف بن سد ميمان سار من درجين يريد توزر فصحب ناسا من العرب فكانوا في إبلهم ووجدوا في الطريق خصبا عظيما لم تسمح نفوسهم بأن يتجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فساروا ثلاثة أيام بين نفطة وتوزر، قال والشيخ معهم لم يذق طعامهم ولا شرابهم، قال فلم يدخل توزر إلا وقد آذاه الجوع والعطش، فكان أول من لقي بها جماعة من أهل درجين فرغبوا إليه أن يتغدى معهم، وقد عرفوا ما دلهم على شدة ما ناله من الجوع، قال: ومعهم صرة ينفقون منها ويقضون بها حوائجهم فأخذوا منها ما اشتروا به غذاءهم وغذاء الشيخ فأكلوا ودعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قال الدرجينيون فأقمنا أياما ننفق من تلك الصرة ونقضي بها حوائجنا وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ينتقص منها شيء، والحمد لله رب العالمين.

تم كتاب الطبقات بحمد الله العظيم.

وحسن عونه الكريم والله الموفق