## | بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي حفظ الذكر بحفظ أهله، وشرفهم بوراثة أنبيائه ورسله، وجعل تفاوتهم في علي الدرجات بحسب تفاوتهم في حمله، وأسبغ عليهم سوابغ نعمه ووعدهم بالمزيد من فضله، وصلواته على سيدنا محمد نبيه المخصوص بما لم يختص به نبي من قبله، وعلى آله وصحبه المقتفين سننه القويم والمعتصمين بحبله، صلاة نرجو بها الفوز يوم يبين للمرء ما هو المقبول والمردود من قوله وفعله. (أما بعد) فإنه لما كان طلب العلم اللدني فرضا على الكفاية حينا ومتعينا في الحال، ولم يكن بد في تحصيله من تلقيه عن الرجال، وكان التلقي أما بمباشرة أو عن سند ذي اتصال، وكان المباشر تكفي معرفته، والمسند عنه لا بد أن تعرف صفته، فلذلك اهتم العلماء بذكر الرجال، واستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال ليوضحوا سبيل التحمل، ويبينوا وسيلة التوصل، وقد اختلفت في ذلك مصادرهم ومواردهم، وان اتفقت في بعض الوجوه مقاصدهم، فمنهم من ذكر التجريح والتعديل في المحدثين، ومنهم من ذكر من يعرف بالحفظ والإتقان من المتقدمين، ومنهم من اقتصر على ذكر العلماء المجتهدين، ومنهم من ذكر المؤلفين والمصنفين، ومنهم من ذكر الصلحاء والمتعبدين، ومنهم من ذكر علماء وقته، ومنهم من اقتصر على ذكر مشيخته، وكل ذلك يحصل الإفادة، ويسهل للطالب مراده، وإنما ينبغي أن يعرض في هذا على سبيل المكاثرة، وطريق المباهلة والمفاخرة، كما قصده بعض من قصرت معرفته، ولم ترف إلى درجة أولي النهي درجته، وان يكون القصد في هذا إنما هو ما يتعلق بالأمور الدينية، ويوصل إلى سبيل المرضية، والله تعالى متولي صلاح النية والطوية، وذلك بحيث يعلم طالب العلم الأئمة الذين بهم يقتدى، وبسلوك
سننهم السوي يهتدى، واني قد رأيت أن أذكر في هذا التقييد من عرف من العلماء "ببجاية" في هذه المائة السابعة التي نحن في بقية العشر الذي هو خاتمتها ختمها الله بالخيرات، وجعل ما بعدها مبدءا للمسرات، أذكر منهم من اشتهر ذكره، ونبل قدره، وظهرت جلالته، وعرفت مرتبته في العلم ومكانته، وقد رأيت أن أصل بذكر علماء هذه المائة، ذكر الشيخ أبي مدين (1) والشيخ أبي علي المسيلي (2) والفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي (3) رحمهم الله ورضي عنهم، لقرب عهدهم بهذه المائة، لانهم كانوا في أعقاب المائة السادسة للتبرك بذكرهم، ولانتشار فخرهم .. وأبدأ بهم رضي الله عنهم، ثم أتلوهم بذكر مشيختي، وأعلام إفادتي، ثم أتلوهم بمن سواهم إلى أن يقع الإتيان على جميعهم رحمهم الله. وسميت هذا المجموع (عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية) والله تعالى يجعل السعي في هذا كله موصلا إلى الزلفي لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولنأخذ في ذلك على الله متوكلين، وبه مستعينين.
ذكر الأشياخ الثلاثة ومن يستطرده ذكرهم معهم رضي الله عنهم
## $ 1 - أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي 594ه - 1198م. الشيخ الفقيه المحقق، الواصل القطب، شيخ مشائخ الإسلام في عصره، إمام العباد والزهاد وخاصة الخلصاء من فضلاء العباد، سيدي أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسي من ناحية اشبيلية، ومن حصين يقال له "منتوجب" فتح الله عليه بمواهب قلبية، وأسرار ربانية، استفادها بالتوجه والعمل، وارتقى إلى غاية ما يؤمل؛ كان الشيخ أبو يعزى رحمه الله تعالى، يثني
عليه ويشكره ويقول بلسانه: "إيشار أفان أندلسي" وكان الشيخ أبو يعزى ممن يتبرك بثنائه لعظم خطره، وجلالة قدره. رأيت من كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه، إنه قال: طالعت أخبار الأولياء من عهد أويس القرني إلى زمننا، فما رأيت مثل الشيخ أبي يعزى، وطالعت كتب التذكير فما رأيت مثل كتاب الإحياء. قال الشيخ العارف محي الدين أبو بكر بن العربي الحاتمي الطائي المعروف بابن سراقة، أن الشيخ أبا مدين رحمه الله لم يمت حتى تقطب قبل أن يغر غر بثلاث ساعات، والقطبية للعارف هي منتهى مناله، وغاية آماله. قلت بلغ من ورعه رضي الله عنه، إنه كان لا يأكل البقلة المسماة ببقلة الروم لذكر اسم الروم عليها وإضافتها إليهم،
وهذا تقدم كبير في باب التقوى، ومثل ما ذكر، ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، إنه كان لا يأكل البطيخ، لأنه لم يبلغه كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكله بقشره أو بغير قشره، وهل تناوله رضا أو قطعا أو بالفم، ومثل ذلك ما يحكى عن المحاسبي الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فما أخذ منها شيئا وقال: أن أبي كان يقول بالقدر. وقال صلى الله عليه وسلم، لا يتوارث أهل ملتين. وكابن القاسم الذي مات أبوه وترك كذا وكذا ألف درهم، فأبى أن يأخذها وقال أن أبي كان تاجرا وكان لا يحسن العلم، فربما دخل عليه الربى وهو لا يشعر، وهو الذي اكترى دابة فسافر عليها فجاءه إنسان برسالة وقال له، تحمل هذه معك لفلان، فقال ما اشترطت على رب الدابة حمل هذا. وهذا كله من باب الورع رضي الله عنهم. سمعت عنه
رضي الله عنه، إنه قرأ حتى انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، فظهرت له معالم العلى، وتحلى من مواهب الله بأحسن الحلي، فكانت تلك السورة سدرة منتهاه، وغاية مرماه. أخبرني بعض المشيخة رضي الله عنهم، أن الشيخين القاضيين، أبا علي المسيلي وأبا محمد عبد الحق الاشبيلي رضي الله عنهما، سمعا عنه إنه يأتي من العلم بفنون، وإنه اطلع من أمر الله على سره المكنون، مع إنه لم ينته بالقراءة إلا إلى السورة المذكورة فكانا يتعجبان، ويكادان يحيلان ما عنه يسمعان، فاتفق رأيهما على الاجتماع معه، والاطلاع على ما عنده، فسارا إليه إلى أحد مسجديه الذين كان يجلس فيهما مع بعض خواص أصحابه، فدخلا فألفياه يفيض في أمور، ويستخرج الدرر من قيعان البحور، فجلسا إلى أن فرغ من كلامه، ورجع إلى ما يخصه من مرامه، فسلما عليه وسلم عليهما ولم يكن لهما رؤية قبل فقال لهما أما هذا فالفقيه أبو محمد عبد الحق، وأما هذا فالفقيه أبو علي المسيلي، فقالا نعم، وكان هذا من جملة كراماته، وإن صح أن يقال في هذا إنه مما تقرر عنده من رسم الصفة، فأحق أن ينسب ذلك إلى طريق الكرامة، فسألاه حيث انتهى بدراسته، وعن مبلغ قراءته، وذكرا له أنهما سمعا عنه إنه انتهى إلى سورة تبارك الذي بيده الملك، وإنه لم يزد عليها، فأجابهما رضي الله عنه وقال لهما نعم كانت سورتي، فوجدتها سدرتي، ولو تعديتها لأحرقتني سبحات الوجه الكريم، ثم التفت إليهما مخاطبا بنزعة صوفية مشيرا عن يمينه ويساره وهو يقول "بي قل وعلي دل فأنا الكل" فانفصلا عنه وقد تأكد العلم
عندهما بأن لله مواهب لا تسعها المكاسب وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وأخبرني بعض الأصحاب أن بعض الطلبة وقع بينهم نزاع في بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة: فتردد الكلام بينهم في أن مؤمنين إذا ماتا استحقا الجنة وبقي الناس أجمع دون شيء، فساروا إلى مجلس الشيخ أبي مدين رضي الله عنه ليطلعوا على ما عنده في المسألة، فلما استقر بهم الجلوس في مجلسه وكان حديثه في ذلك المجلس على رسالة القشيري رحمه الله، ترك كلامه الذي كان يتحدث فيه وقال نزيل عن أصحابنا الإشكال، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة، أراد صلى الله عليه وسلم نصف جنته، وإذا كان بعد الحشر يعطى النصف الثاني من جنته، فبعد البعث تكمل له جنته، وفي القبر يعطى نصف جنته، وبين إنه يكشف له في القبر عن مقعده من الجنة وإنه يتنعم برؤيته، وإن أرواح المؤمنين تسرح في الجنة وفي يوم القيامة تتصل الأرواح بالأجساد ويجتمع الجميع في الجنة، وفي هذا من العلم ما لا ينتهي إلى حقيقته إلا أهل الصفاء وخاصة الأولياء، جعلنا الله منهم، وهذه إحدى كراماته رضي الله تعالى عنه حيث أخبرهم بما أتوا إليه قبل أن يخبروه. وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الحق بن ربيع عن أبيه الفقيه أبي الزهر ربيع رحمه الله، أن والده أبا الزهر كان كتب لبعض الولاة ببجاية واكتسب معه مالا ثم رأى رؤيا مهولة وهي أن القيامة قد قامت وإنه يساق ليقذف به في النار
وانه سأل عن السبب فقيل بسبب ما اكتسبت من المال، فسأل واستغاث، فخلي عنه فتاب إلى الله تعالى ونزع نفسه عن الكتابة واشتغل بملازمة العبادة ولزوم القراءة، واستعمل حرفة الخياطة للمعيشة فلم يكفه ما ينتجه من ذلك فضاقت حاله وساءت، فسار يوما إلى والدته فأخبرها بضيق حاله وما انتهى إليه أمره ورغب أن يجد عندها فرجا فقالت له: يا بني، والله ما عندي شيء ولا أعلم لك نفعا سوى هذا الرسم، وهو رسم دار كانت لها، واغتصبها الموارقة حين دخولهم بجاية واستمر الغصب عليها، فخذه واطلب الدار وهي لك. فأخذت ذلك الرسم ومشيت به إلى الفقهاء استفتيهم فيه، فاستفتيتهم فأفتوني بجواز الطلب وإن الحق لمستحقه وجب، فقلت قد استفتيت فقهاء الدنيا ولا بد أن استفتي فقهاء الآخرة، قال فسرت إلى الشيخ أبي مدين رضي الله عنه بالمسجد المعروف الآن بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه بحومة اللؤلؤة فقصصت عليه القصة وسألته الفتيا فيها، فقال لي رضي الله عنه استفت ربك يفتك، فقلت له يا سيدي وهل بلغت أن يفتيني ربي؟ فقال لي استفت ربك يفتك، قال وكان هذا وهو ينتظر صلاة الصبح، فأقام المؤذن الصلاة وتعلقت نفسي بالفتيا، فلما كنت في الركعة الثانية من الصلاة عرض علي
شبه سنة فرأيت مرجا مريعا مخضر الجناب، رائق الجلباب، وفي وسطه بركة ماء كأنها اللجين، وفي ذلك المرج طاووس لا يرى في طواويس الدنيا مثله، وإذا به يخاطبني بلسان فصيح، ونطق بين صريح، يقول لي اطلب حقا واجبا اطلب حقا واجبا، فأتممت الصلاة وجلست بمجلسه المبارك لاستماع الذكر، وبعد فراغه وانصراف الناس عنه أقبل علي وقال لي أفتاك ربك، فقلت له أفتاني يا سيدي. قلت وفي هذا له -رضي الله عنه- كرامات أحدها أحالته على فتيا ربه، والثانية صدور الفتيا له، والثالثة إخباره له بأن ربه أفتاه وأطلعه على ذلك. وكراماته رضي الله عنه وأحواله المباركة الصادرة عنه مما لا يحصى وصفه، ولا يسع نظمه ووصفه. ولما اشتهر أمره ببجاية سعي به عند خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، فأمر بطلوعه إلى مراكش وكتب لوالي بجاية في ذلك وأمر أن يحمله خير محمل، فلما وصل إليه الأمر، اجتمع عليه أكابر أصحابه وعز عليهم فراقه وتألموا من حاله وانفوا عليه، فقال رضي الله عنه لا عليكم، شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي، منيته قدرت بغير هذه البلدة ولا بد من الوصول إلى محل منيته. فقيض الله له من يحمله برفق ويسوقه إلى مرام المقادير أحسن سوق، والقوم لا أراهم ولا يرونني، فطابت بذلك نفوسهم وذهب ضيرهم وبؤسهم، وارتحل رضي الله عنه إلى أن وصل تلمسان ونزل بها بالموضع المسمى بالعباد وهنالك قال لأصحابه رضي الله عنه: لا بأس بالنوم بهذا المكان، فوافته هناك منيته، وشرفت تلك البقاع تربته، وهذه من جملة كراماته رضي الله عنه وقبره هناك معمر مشهود، وحوض مورود، والدعاء عنده مستجاب، وهو
أحد المعالم التي عرف بالتجربة استجابة الدعاء عندها، وكذلك قبر الشيخ أبي زكريا يحيى الزواوي رضي الله عنه ببجاية، وقبر الشيخ أبي مروان اليحصبي ببونة وقبر معروف الكرخي ببغداد، نفعنا الله بخالص النيات، وأعاننا على الاعمال الصالحات. ورأيت في فهرسة أبي عبد الله محمد بن عبد الحق التلمساني بعد ذكره لفضل الشيخ أبي مدين وبعد وصفه إياه ببعض أوصافه الجليلة، إنه قال ظهر فيه صدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت المرء على ما عاش عليه، إذ كان من قوله عند آخر الرمق الله الحي. قلت هذه الخاتمة حسنا ومرتبة عليا، رحمه الله ورضي عنه. وتوفي في نحو التسعين وخمسمائة. وذكر بعض العلماء قال: رأيت ذا القرنين في المنام فسألته عن قوله تعالى {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} ما هذه العين التي تغرب فيها الشمس والشمس أكبر من الدنيا نيفا وستين مرة، وقال لي أين
تغيب السماوات والنجوم والقمر حين يعدم الخلق؟ فقلت لا أدري، فقال لي في عظمة الله وقدرته، والعين هي العظمة والقدرة، فقلت ما عندي غير هذا، فقال ولا عند جبريل، ثم قال لي، قل للشيخ أبي مدين أنت قطب والدراري دائرة بك، وأنت ستر لبجاية الناجية فبثك العلم في بجاية رحمة لهم وعناية، وكان سبب هذا إنه وقع ذكر في هذه العين التي تغرب فيها الشمس، فقال الشيخ أبو مدين لصاحب الرؤيا أن رأيت أحدا من الأنبياء فاسأله عن هذه العين، وقال بعضهم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه أبو مدين وأبو حامد رضي الله عنهما، فسأل أبو حامد الشيخ أبا مدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له، ما روح الروح؟ فقال له أبو مدين المعرفة، فقال له فما روح المعرفة؟ قال اللذة، قال فما روح اللذة؟ قال نظرة إليه، فغشيهم نور عظيم فأخذتهم الملائكة وصعدت بهم حتى غابوا في الهواء. وهنا أنا أثبت من كلامه المبارك ما يدل على علو مقامه، وبديع قصده ومرامه، ولولا الإطالة لألحقت كل كلمة منها بمعالمها، وبينت وجه ارتباطها بما هو من مراسلها، وفي حفظها أن شاء الله والعمل بها ما يرقى إلى منازل الأبرار، ويوصل إلى عالم المقربين الأخيار قال رضي الله عنه: الحق تعالى، مطلع على السرائر والضمائر في كل نفس، وقال: فأيما قلب رآه مؤثرا له حفظه من الطوراق والمحن ومتعاظلات الفتن. وقال: إياك أن تميل إلى غير الله فيسلبك لذة مناجاته. وقال: من رأيته يدعى مع الله حالا لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذره. وقال: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم. وقال: من عرف الله استفاد منه في اليقظة والنوم. وقال:
لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن جمعت له أربعة، الزهد والعلم والتوكل واليقين. وقال: اجعل الصبر زادك، والرضى مطيتك، والحق مقصدك ووجهتك. وقال: من تعلق بدعوى الأماني لم يفارق التوانى. وقال: من اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل. وقال: جعل الله تعالى قلوب أهل الدنيا محلا للغفلة والوسواس وقلوب العارفين محلا للذكر والاستيناس: وقال: لا ينفع مع الكبر عمل ولا يضر مع التواضع بطالة. وقال: الفترة الاشتغال بالخلق عن الخالق. وقال: أهل الصدق قليل في أهل الصلاح. وقال من لم يجد في قلبه زاجرا فهو خراب. وقال: توكل على الله حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلق لم يغنوا عنك شيئا. وقال: بالمحاسبة يصل العبد إلى درجة المراقبة. وقال: من أهمل الفرائض فقد ضيع نفسه. وقال: من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه. وقال: الدعوى من رعونة النفس وقال: أبناء الدنيا يخدمهم العبيد والإماء وأبناء الآخرة يخدمهم الأحرار والكرماء. وقال: من خدم الصالحين ارتفع بخدمته. وقال: من حرم احترام الأولياء ابتلاه الله بالمقت من خلقه. وقال: ثمرة التصوف تسليم كلك وقال من ترك التدبير والاختيار طاب عيشه. وقال: مروءتك إعطاؤك عن تقصير غيرك. وقال: الغيبة عن الحق خيبة. وقال: التعظيم امتلاء القلب بإجلال الرب. وقال: المهمل في الأحوال لا يصلح لبساط الحق. وقال: كل حقيقة لا تمحو أثر العبد ورسمه فليست بحقيقة. وقال: ما عرف الحق من لم يؤثره وما أطاعه من لم
يشكره. وقال المروءة موافقة الإخوان فيما لم يحظره العلم عليك. وقال: قوة العارف معروفة وقوة الغير فمعتادة مألوفة. وقال: من أراد الصفاء فليلزم الوفاء. وقال: أساس هذا الشأن على الزهد والاجتهاد. وقال: التدارك بالبلاء تحقيق بالرضى. وقال: الفقر أمارة على التوحيد ودلالة على التفريد [وحقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه]. وقال: الزهد فريضة وفضيلة وقربة، فالفرض في الحرام، والفضل في التشابه، والقربة في الحلال. وقال: من قطع موصولا بربه قطع به. وقال: من شغل مشغولا بربه أدركه المقت [في الوقت] (يا نفس هذه موعظة لك أن اتعظت). وقال: من استكن إلى غير الله بسره نزع الله الرحمة من قلوبهم عليه وأليسه لباس الطمع فيهم. وقال: علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق. وقال: احذر محبة المبتدعين فهو أبقى على دينك واحذر محبة النساء فهو أبقى على قلبك. هذه كلمات طيبات ونبذ متخيرات من كلامه رضي الله عنه، وكل قضية منها لو اقتصر عليها المقتصر، وتمسك بمجردها الفطن اللبيب المختصر، لأغنته وحصلت له المراد وكفته، فإنها تضمنت من جوامع المعاني ما يطول فيه التفصيل، وتعظم به الإفادة لذوي التحصيل، والله موفقنا ومرشدنا بمنه.
## $ 2 - أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي ... نحو 580ه ... 1185م ومنهم الشيخ الفقيه الفاضل، العلم العامل العابد، المحقق المتقن المحصل المجتهد، الإمام أبو علي حسن بن علي بن محمد المسيلي كان يسمى أبا حامد الصغير، جمع بين العلم والعمل والورع، وبين علمي الظاهر والباطن، له المصنفات الحسنة والقصص العجيبة المستحسنة، له "التذكرة في أصول علم الدين" وهو كتاب حسن طالعته وكررت النظر فيه فرأيته من أجل الموضوعات في هذا الفن، وله "النبراس في الرد على منكر القياس" وهو كتاب مليح على ما أخبرت عنه، ولم أره، وأنا شديد الحرص عليه، ولقد اخبرني بعض الطلبة المتمسكين بالظاهر وهو من أنبلهم إنه رأى هذا الكتاب وإنه ما رأى في الكتب الموضوعة في هذا الشأن مثله، فأنشدته: ومليحة شهدت لها أعداؤها … والحسن ما شهدت له الأعداء فأعجبه ذلك. وله كتاب في علم التذكير سماه كتاب "التفكير فيما يشتمل عليه السور والآيات من المباد والغايات" وهو كتاب جليل سلك فيه مسلك أبي حامد في كتاب "الإحياء" وبه سمي أبا حامد الصغير، وكلامه
فيه أحسن من كلام أبي حامد وأسلم، ودل كلامه فيه على إحاطته بعلم المعقول والمنقول وعلم الظاهر والباطن، ومن تأمل كلامه أدرك ذلك بالعلم اليقين، ولم يفتقر فيه إلى تبيين، وهو كثير الوجود بين أيدي الناس، وكثرة وجود الكتاب دليل على اعتناء الناس به وإيثارهم له. ولقد رأيت على نسخة من نسخه ما قصه "اعلم وفقك الله أن هذا الكتاب حسن في معناه، مخترع في الترتيب ومبناه، قل فيه ما ينتقد، وكثر ما يعتقد، وعليه يعتمد، سلك مؤلفه فيه مسالك المهتدين، وترك مهالك الضالين المعتدين، فهو فيه على صراط مستقيم، ومقصد قويم، طرزه بمعاني الكتاب العزيز، فجاء كالذهب الإبريز، وسلم فيه من غلو الغالين، وتحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، نفعه الله به آمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع الملائكة والنبيين وسلم، والحمد لله رب العالمين" انتهى الكلام. قلت وهذا الكلام واضح السبيل، بارع الغرر والتحجيل، واعتقادي فيه رضي الله عنه أكثر مما ذكر، وأظهر مما ظهر، وكان من النسك والدين حيث كانت الجن تقرأ عليه. أخبرنا شيخنا أبو محمد عبد الحق رحمه الله عمن أخبره، أن الشيخ أبا علي المسيلي كان يأتي إلى الجامع العظم في الثلث الأخير من الليل للتهجد وكان بعض من يتجسس عليه فسمع تجويد القرآن عليه، فقيل أنهم مؤمنو الجن، وهذا كثير الاشتهار عنه رحمه الله. ولي قضاء بجاية ودخل عليه الموارقة وهو قاض والجئوه إلى بيعتهم واكرهوه وغيره عليها، وكانوا يتلثمون ولا يبدون وجوههم فامتنع من البيعة وقال: لا نبايع من لا نعرف هل هو رجل أو امرأة؛ فكشف له الميورقي عن وجهه. وهذا هو منتهى ما بلغ توقفه وهو أمر كبير عند مطالبته بالبيعة
لولا علو منصب الفقيه أبي علي رضي الله عنه ما ساعده عليه. وتأخر عن القضاء وولي بعده بنو الخطيب، فبقي على دراسة العلم والاشتغال بسلوك أولي النهى والفهم، وأحاج إليه الناس في أمور دينهم فمالوا إليه وعولوا عليه، وكان واليا بالبلد بعض سادات بني عبد المؤمن، فتحدث معه القاضي ابن الخطيب في أن يوجه إلى الفقيه أبي علي رحمه الله من يحدثه في أن يشتغل بشأنه ويقتصر على خاص أمره، فوصله رسوله وهو جالس بالجامع الأعظم بمحل تدريسه منه، فأخبره عن حديث السيد وكان من جملة القراء بين يديه حفيد له، فقال له: أقرأ عليه، ولم يأمره بما يقرأه، فاستفتح متعوذا فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمواتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم أن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} فانفصل الرسول وقد انتقع لونه وهو ترتعد فرائضه، ولما حصل في أثناء الطريق وصله رسول السيد يسترجعه ويقول له لا تحدث الشيخ عن شيء، وسبب ذلك أن ساعة انفصال الرسول عنه أصاب السيد وجع كاد أن يقضي عليه، ولما وصله الرسول اخبره بما شاهد من حال الفقيه، وبما كان من قوله وكيف انفصل عنه وهو لا يعرف كيف انفصل، فعرفه السيد بما أصابه بعد انفصاله عنه ورده إليه ليعتذر له ووجه معه بصلة، ولما وصل إليه الرسول وألقى إليه ما ألقى قبل عذره ورد الصلة واستمر على ما كان عليه رحمه الله، واستحسن نبل الحفيد المأمور بالقراءة حيث وافق من غير أن يشعر به، ولقد يعد هذا من كرامات الشيخ رضي الله عنه. وقبره بباب امسيون بالمقبرة التي تقابل الخارج من الباب، والدعاء عنده مستجاب، وهو مجهول في قبور هنالك ثلاثة أو أربعة لا يعلم أيها هو من بينها،
لكن المتبرك يتبرك بجميعها ليوافق المقصود منها. وسمعت عنه رضي الله عنه إنه قال: أدركت ببجاية تسعين مفتيا ما منهم من يعرف الحسن بن علي المسيلي من يكون، كان يقول هذا حين يشار إليه بالتفرد في العلم، والتوحد في الفهم، وهذا من فضله رضي الله عنه. وكان له رحمه الله وللفقيه أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وللفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عمر القرشي المعروف بابن قريشة مجلس أظنه يجلسون فيه للحديث. وكثيرا ما كانوا يجلسون بالحانوت الذي هو بطرف حارة المقدسي وهو المقابل للطالع للحارة المذكورة، وكان الحانوت المذكور يسمى مدينة العلم لاجتماع هؤلاء الثلاثة فيه، الفقيه أبو علي المسيلي، والفقيه أبو محمد عبد الحق، والفقيه أبو عبد الله القرشي. ولم يصلني من أخبار أبي عبد الله القرشي إلا خبر يسير، سمعت الفقيه أبا محمد عبد الحق رحمه الله يصفه بأنه كان من أهل العلم، وكان أكثر حاله النظر في المعقولات، وكان له نظر جليل في التعليم، ومن ولده هم الذين يسمون الآن بني قريشة، وسمعت أن الفقيه أبا زكرياء الزواوي رضي الله عنه كان في نفسه منه شيء، فدخل عليه داخل يوما فسأله من أين أتى، فقال جئت من عند أبي عبد الله القرشي. فقال له: ذلك الزنديق؟ فقال لا تفعل يا سيدي، والله ما دخلت عليه الآن وهو لا يشعر وهو يقرأ المصحف ويبكي، فلما أحس بي غطى المصحف بحيث لا أراه ومسح عينيه وخاض في الحديث معي، وكان ما
عنده من المر الأول خبر. قال: فجعل الشيخ يضرب في رأسه وينتف شعره ويقول عن نفسه إنه هو المغتاب ووجه إلى أبي عبد الله القرشي يسأله في المغفرة. ولا اعرف من أخبار أبي عبد الله غير هذا وهو من جملة الفضلاء وأكابر العلماء رحمهم الله. وذكر لي أن الفقيه أبا علي المسيلي رحمه الله عرض له في مدة ولايته مرض، اقتضى أن يستنيب من ينوب عنه في الأحكام الشرعية فاستناب حفيده، وكان له نبل، فتحاكمت عنده يوما امرأتان ادعت إحداهما على الأخرى إنها أعرتها حليا وإنها لم تعده إليها، وأجابتها الأخرى بالإنكار، فشدد على المنكرة وأوهمها حتى اعترفت وأعادت الحلي. وكان من سيرته إنه إذا انفصل عن مجلس الحكم، يدخل لجده الفقيه أبي علي ويعرض عليه ما يليق عرضه من المسائل، فدخل عليه فرحا وعرض عليه هذه المسألة، فاشتد نكير الفقيه رحمه الله عليه وجعل يعتب على نفسه تقديمه وقال له: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولم يقل صلى الله عليه وسلم الإبهام والتخويف على من أنكر. واستدعى شاهدين وأشهد بتأخيره، وهذا من ورعه ووقوفه مع ظاهر الشرع رحمه الله. وعلى هذا يجب أن يكون العمل وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي
تجويز مثل هذا، فإنه يرى أن القصد إنما هو الوصول إلى حقيقة الأمر، فبأي وجه وصل إليه حصل المقصود، ولأجل هذا يجوزون قضاء الحاكم بعلمه والحق خلافه لقوله صلى الله عليه وسلم فإنما أقضي له على نحو ما أسمع والله الموفق. ويناسب هذا من وجه ما حكي أن واليا كان بالإسكندرية يسمى قراجة وكان بها إذ ذاك الفقيه أبو عبد الله ابن جارة وكان عالما رفيع القدر قد ألبسه العلم والإعراض عن أبناء الدنيا لباس الهيبة، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، واتفق أن عامل رجل يوما بياعا ودفع له درهما جعله البياع في قبضته ثم لم تتم بينهما المعاملة فقال له الرجل: اصرف علي درهمي، فقال البياع لا أعرفه في الدراهم ولكن هذا درهم مكانه فحلف الرجل بطلاق زوجته أن لا يأخذ إلا درهمه بعينه، وكثرت بينهما المراجعة في ذلك إلى أن تداعيا إلى الوالي هذا الرجل المسمى قراجة، فوصفا له القصة فأطرق ساعة ثم قال للبياع ادفع للرجل جميع ما في قبضتك من الدراهم ويدفع لك مكانها دراهم من عنده فيتحلل بذلك من يمينه؛ وكانت فتوى حسنة مرضية صحبها ذكاء، فنهى المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، فنهي المجلس بحاله إلى الفقيه أبي عبد الله ابن جارة فاستحسن فتواه وصوبها، ثم خاف أن يحمله العجب على أن يفتي في غيرها من المسائل بغير علم ولا موافقة شرعية فوجه إلى الوالي حتى وصل إلى باب داره فقال له، أنت المفتي بين الرجلين في أمر كذا؟ فقال نعم، فقال له ومن أباح التسور على فتاوى المسلمين والدخول في أحكام الشرع وإنما أنت صاحب شرطة؟ فلا تتعرض لما لم تؤهل له. فقال له يا فقيه أنا تائب من ذلك، فقال له: أما إذا تبت فانصرف واشتغل بالجد فيما كلفت ولا تتعرض لما ليس من شأنك، أو كما قال.
وحكي أن رجلا من العباد أضاف الشيخ رحمه الله فبات عنده، فلما حان وقت الصلاة أخذ أناء مملوءا بالماء ليتوضأ به فانهرق ثم ملأه ثانية وثالثة فانهرق، فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيمقل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} فسمع هاتفا يقول ما أذن لنا ولا افترينا ولكنا قوم من الجن المؤمن ورد علينا قوم من الجن الكافر فلمسوا الإناء فخفنا أن يلحق بنجاسة فغسلناه خاصة. وحكي أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كان جالسا بإزاء قبر الشيخ أبي علي رحمه الله متبركا به، قال فإذا بفارس وهو يتفصد عرقا، فقال لي أين قبر الشيخ أبي علي؟ قلت هذا، فنزل عن دابته وتضرع وبكى ثم نظر إلي فقال: أنا من موحدي افريقية كان لي صاحب ببجاية وكان واليها توفي، فرأيته على حالة لا تسرني فعز علي ذلك، ثم رأيته بعد مدة طويلة على حالة حسنة فسرني ذلك وسألته عن السبب الموجب لذلك، فقال لي: توفي أبو علي المسيلي ببجاية ودفن بباب امسيون وكان الرجل دفن بجبل الخليفة، قال فغفر الله لما بين ضفتي المدينة فكبت في إحدى الضفتين فغفر لي. ويتصل سندنا بالقاضي أبي علي المسيلي عن الشيخ الخطيب أبي عبد الله الكناني عن أبي محمد بن برطلة عن الشيخ أبي عبد الله ابن حماد عن القاضي أبي علي المسيلي قراءة عليه وألقاه إليه.
## $ 3 - أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الازدي الاشبيلي 510 - 581 ه 1116 - 1185 م ومنهم الإمام الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي الخطيب أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الأشبيلي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا وكمل بها خبرة، فألف التآليف وصنف الدواوين وولى الخطبة وصلاة الجماعة بجامعها الأعظم، وجلس للوثيقة والشهادة وولي قضاء بجاية مدة قليلة، ولم يشتهر ذلك من أمره ولا أطلعت على ذلك إلا من رسوم وجدتها مسجلا عليه فيها وكان
ذلك في مدة ابن غانية المعروف بالميورقي اللمتوني، سمعت إنه رحمه الله كان يقسم ليله أثلاثا، ثلثا للقراءة، وثلثا للعبادة، وثلثا للنوم. وكان مع ذلك متقللا من الدنيا، مقتصرا على أقل الكافي منها، وكان مصاحبا ومواليا للفقيه أبي علي المسيلي رحمه الله. ومن نقل من أثق بنقله، ما نفله من كلام محيى الدين أبي بكر محمد بن علي ابن العربي الحاتمي الطائي وقد ذكر الشيخ أبا مدين رضي الله عنه فقال: كان الشيخ جمال الحافظ، زين العلماء، عماد الرواة، رأس المحدثين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي الخطيب المحدث قد وأخاه في بجاية وأقر له بالسبق في طريق الحق، وكان إذا دخل سيدنا أبي مدين ويرى ما أيده الله تعالى به ظاهرا وباطنا، كان يجد في نفسه حالة سنية لم يكن يجدها قبل حضوره مجلسه، فيقول عند ذلك: هذا وارث على الحقيقة. انتهى. قلت: كمال حصل في الجانبين وجمال التقى من الطرفين. وله رضي الله عنه تآليف جليلة نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحا وتبينا. له "الأحكام الكبرى" في الحديث "والأحكام الصغرى" فيه، وله كتاب "العاقبة في علم التذكير" وله كتاب "التهجد" وله "اختصار الرشاطي" وهو أحسن من الأصل. وسمعت من شيخنا الفقيه أبي محمد ابن عبادة رحمه الله إنه ألف كتابا كبيرا في الأحكام
في الحديث وهو أضعاف الأحكام الكبرى، سمعت منه أن الكتاب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره، وسمعت من بعض الطلبة إنه ألف كتابا في اللغة سماه "بالحاوي" وهو في ثمانية عشر مجلدا ورأيت كتابا مجموعا من شعره كله في الزهد وفي أمور الآخرة رضي الله عنه. والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هو الاحكامان الكبرى والصغرى والعاقبة. وقد كتب أبو عبد الله ابن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على الأحكام الصغرى نكتا واستلحاقا، وكتب غيره عليها ردا وإصلاحا، وقد اشتهرت كتبه بالمشرق ووقع النقل منها، ونقل عنه صاحب الجواهر الثمينة في آخر كتاب الزكاة من كتابه فصلا نقله أبو محمد عبد الحق في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام ونصه: قال المؤلف، وقال عبد الحق البجائي، وفي بعض نسخ ابن شاس وقال عبد الحق اليماني وهو غلط، وإنما نسبه إلى بجاية لاستيطانه بها وظهور حاله وتصانيفه فيها. وكانت له أخلاق حسنة فاضلة، سمعت شيخنا الفقيه أبا محمد عبد الحق، يقول، كان الفقيه أبو محمد عبد الحق الاشبيلي متخليا عن الدنيا وكان كثيرا ما يجلس مع الفقيه أبي علي المسيلي رحمهما الله، فربما أتته الوصيفة من داره لقضاء
بعض مآرب منزله، فإذا أتته تطلب منه ما يقضي بالشيء اليسير يخرج لها، قال: أضعاف ذلك، وكان ذلك في مدة "البلكيني" فربما قال له بعض الحاضرين هذا أكثر من المطلوب أو من المحتاج إليه، فيقول لا أجمع على أهل المنزل ثلاث شينات، شيخ واشبيلي وشحيح، يكفي ثنتان، وهذا من لوذعته وطيب طينته مع ما هو عليه من جلال العلم وكمال الفهم رضي الله عنه. ولد في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية بعد الخمسين وخمسمائة، وتوفي بها في أواخر ربيع الثاني من عام اثنين وثمانين وخمسمائة وكان تاريخ وفاته مكتوبا في رخامه عند قبره. وحكي أن بعض النصارى أخذ هذه الرخامة وسافر بها إلى بلاده ثم أعادها إلى مكانها لأنه تشاءم بها ثم سرقت بعد ولم تعد. وقبره خارج باب المرسى وهو من القبور المزورة المتبرك بها، وكثيرا ما رأيت الطلبة يقرؤون تآليفه عند قبره رضي الله عنه، وأما الشيخ المبارك أبو علي الاركشي فاني ختمت قراءة العاقبة بين يديه على قبره رحمهما الله، ويتصل سندنا بالفقيه أبي محمد عبد الحق المذكور من طريق الفقيه المقرئ أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن الصدفي عن الفقيه أبي زكرياء بن عصفور عن أبي الحسن علي عن صاحب الصلاة عنه.
## $ 4 - أبو طاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني ... بعد 585ه ... = 1189 م وممن يجب أن يذكر مع هؤلاء الفضلاء الفقيه أبو الطاهر عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، لعلمه وشرفه، هو عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني هكذا وجدته من خط يده رحمه الله، يكني أبا الطاهر، له علم وأدب وفضل ونبل، قضى في بعض النواحي ببجاية. كان متقدما في علم العربية والأدب، وله تأليف في علم الفرائض منظوم، وتواشيحه في نهاية الحسن وبها يضرب المثل، وكثيرا ما يقول الناس عندما يشطط الإنسان على الإنسان في الطلب فيجاوبه وأغني لك موشحا لعمارة. وقد ذكر لي أن شعره قد جمع في ديوان، ولكني ما اطلعت عليه وقد رأيت بعض قطع مستحسنة من شعره وانا اذكرها واذكر سببها قبلها، وذلك أن بجاية كانت بلدة غزاة، وكان غزاة قطعها يدخلون إلى دواخل الجزر الرومانية وغيرها ويسوقون السبي الكثير منها. وينزل الناس لشرائه بحومة المذبح من جهة ربضها وهناك يخمس ويقع الفصل فيه، ولم يزل الحال على ذلك، وبلغ الحال من كثرة سبي الآدميين أن يباع بيضاوان من الروم بسوداء من الوخش، وكانت أجفان إسحاق بن غانية تصل أيضا من ميورقة كما تصل به أجفان
بجاية، وكان إسحاق ابن غانية بجزيرة ميورقة وهو بقية اللمتونيين، فوجه له من مراكش من قبل خليفتها من يطلبه بالبيعة والدخول تحت الطاعة، فامتنع من ذلك، وكان بين يديه ولداه علي ويحيى فقال للرسول أنا لا أراهم ولا يرونني، ولكن قل للموحدين يهيئون ما ينفقون على رأس هذين، وأشار إلى رأس ولديه، فانفصل الرسول عنه وتجهز الولدان بعد كبرهما في طرائد فيها بعض الفرسان ووصلا إلى شاطئ بجاية بمحل بيع السبي منها. وكانت البلدة شاغرة من الجيش، فتلقاهم الناس على عادة تلقيهم لأجل السبي، فنزلت الخيل معدة ولما وصلت له مستعدة، والناس ما عندهم من شأنهم خبر، فطلعوا على جبل الخليفة ودخلوا من باب "اللوز" إلى قصبة البلد وتملكوا البلد، ولم يكن فوق باب اللوز سور في ذلك الزمان، وطلبوا الناس بالبيعة فبايعوهم، وكان الشريف أبو الطاهر عمارة رحمه الله ممن امتدحهم وأنشد بين أيديهم وربما تعرض في بعض مقاله جريا على عادة الشعراء أمثاله، ثم أن الموحدين تجهزوا برا وبحرا من فورهم ليستأصلوا من البغاة شأفة أمرهم فانفصل علي بن غانية عن الحال وتبع الموحدون الناس بما ظهر منهم من مقال أو فعال، وكان من جملة الأمر إنه لما خطب لهم قال الخطيب في خطبته، والحمد لله الذي أعاد الأمر إلى نصابه، وأزاله من أيدي غصابه، فاشتدت وطأتهم على أهل العلم واعتقلوا أناسا منهم وكان من جملة من اعتقل الشريف أبو طاهر عمارة، ولما وصل الموحدون خرج إلى الجهة التي كان بها قاضيا فوجه إليه وجيء به مصفدا في الحديد، فبقي معتقلا مع أصحابه مدة من الزمان وهو يروم أن يقول فلا يجد للقول
سبيلا، إلى أن سمع منشدا ينشد سحرا لعلي بن الجهم. عيون المها بين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري فترك بلباله، وزال عن لسانه عقاله، فكتب بالقصيدة التي منها هذه القطعة للوالي فتلقاها بالقبول، وشفع فيه وفي أصحابه جده النبي الأمي خير شفيع وأكرم رسول، وهي هذه: سلام كعرف المندل الرطب في الجمر … وإلا كما هب النسيم على الزهر فلله در مقلتين بعبرة … تعبر فوق الخد عن كامن السر وقد راعني ايماض برق بذي الغضا … كما ابتسم الزنجي عن بهج الثغر بدا لي أن الليل أروى زناده … ولا نار إلا نور برق له يسري ونار بأكبادي أكابد حرها … وقلب سليم قلب في لظى جمر وما طائر فوق الغصون مسرح … كمن بات مقصوص الجناحين في وكر فلم أنس توديع البنين مصفدا … وأصغرهم يجري وأدمعه تجري أبا زيد إني بالحسين وسيلتي … وجدي شفيع الناس في موقف الحشر وكانت له رحمه الله ابنة تسمى عائشة كانت أديبة أريبة، فصيحة لبيبة، وكان لها خط حسن، رأيت كتاب الثعالبي بخطها في ثمانية عشر جزءا، وفي خاتمة كل سفر منه قطعة من الشعر من نظم والدها رحمه الله، إذا ختم السفر وتم التأريخ يكتب بخط يده، وقال عمارة بن يحيى بن عمارة الشريف الحسني، وتكتب ابنته القطعة بخطها، وهي نسخة عتيقة ما رأيت أحسن
منها ولا أصح، ولقد رأيت منه نسخا كثيرة منتقدة إلا هذه النسخة، ولقد يجب أن تكون هذه النسخة أصلا لهذا الكتاب حيث كان، ويقع التصحيح منها، وهذه النسخة من جملة الخزانة السلطانية ببجاية أبقاها الله وحفظها، ومن الغريب أني رأيت هذا الكتاب في سفر واحد، رأيته بحاضرة قسنطينة عند أمام جامع قصبتها المحروسة وهو المعروف بابن الغازي، وأكثر ما رأيته في ثمانية عشر سفرا وأقل ما رأيته في سفر، وهو بخط بين لا بأس به. ومن شعر الشريفة عائشة رحمها الله: أخذوا قلبي وساروا … واشتياقي أودعوني لا عدا أن لم يعودوا … فاعذروني أو دعوني ويقال أنها بعثت بهما إلى ابن الفكون شاعر وقته، وقالت عارضهما أو زد عليهما، فكتب لها معتذرا عن الجواب، أن الاقتصار عليهما هو الصواب. ولها أيضا. صدني عن حلاوة التشييع … اجتنابي مرارة التوديع لم يقم خير ذا بوحشة هذا … فرأيت الصواب ترك الجميع ولها في معنى المداعبة -وقد خطبها رجل من الأشراف كان أصلع- فلم تجبه إلى مراده، وقالت هذه الأبيات تداعب صاحبتها من الفتيات: عذيري من عاشق أصلع … قبيح الإشارة والمنزع يروم الزواج بما لو أتى … يروم به الصفع لم يصفع برأس حويج إلى كية … ووجه فقير إلى برقع ولها رحمها الله ظرائف أخبار، ومستحسنات أشعار، لكن هذا الموضع لم يقصد به هذا المعنى فيقع منه الإكثار، وإنما المقصود منه صورة التعريف بالرجال، وذكر بعض شواهد الحال.
## $ 5 - أبو عبد الله العربي رضي الله عنه -أوائل القرن السادس الهجري- ومنهم الشيخ المبارك الصالح الفاضل الواصل، أبو عبد الله العربي رضي الله عنه. كان من أولياء الله المقربين، ومن عباد الله الذين هم لمعالم العلي أخص الوارثين. قال أبو بكر ابن العربي الطائي الحاتمي: وهو من الأميين كشيبان الراعي، وكان رضي الله عنه مخفيا لأمره، مستترا بصورة البله مدة دهره، كان يحج من بجاية في بعض العشر من ذي الحجة ويرجع من غير أن يعلم بذلك سوى من هو على السرائر والخفيات مطلع. وكان رضي الله عنه كثيرا ما يركب قصبة كما يفعل الصبيان سترا منه لحاله، ولقد وصل في بعض الأحيان من ناحية الشام جفن في شهر ذي الحجة عهد ثمانية أيام، فبينما الشيخ بحومة باب البحر إذ رآه النصراني صاحب الجفن وقال له: يا سيدي خذ مزودك الذي دفعته لي بالشام، فركب قصبته وانفصل عنه، فحلف النصراني وقال: والله ما دفع لي هذا الشيخ المزود إلا بالشام منذ ثمانية أيام والله ما هو إلا ولي الله. ولما كان في عام الاركش احتزم في يوم من الأيام وركب قصبة ومسك قصبة أخرى في يده عوضا عن مزراق، وجعل يكر ويفر وهو يتفصد عرقا إلى أن رمى بالقصبة من يده ضاربا بها في جهة عدوه وقائلا عند رميها: في سبيل الله، وسقط إلى الأرض من شدة جهده، ومبلغ كده، فأرخ ذلك الوقت من اليوم، فكان هو اليوم الذي هزم فيه النصارى في عام الاركش وهو يوم
الأربعاء التاسع لشعبان الحرام عام واحد وتسعين وخمسمائة، فكان رضي الله عنه في جملة المجاهدين ذلك اليوم، وممن أعان الله به المسلمين وأوقع الهزيمة على يده، وقد يقع في هذا إنكار من ملحد لا علم له وحقه لإعراض عنه وعدم الالتفات إليه، وإن زاد فيصفع في وجهه عوضا عن قفاه، كما جمع الله له الخزي في أولاه وأخراه. ومن كراماته رضي الله عنه، أن رجلين كانا متصاحبين وكان احدهما على حالة لا ترضى، وكان صاحبه لا يزال يراه في منامه على حالة تسوءه ولا تسره، فعز عليه ذلك من أمره، فلما كان في بعض الليالي رآه صاحبه على حالة وصورة حسنة، فقال له: ما هذا الحال؟ قال: غفر الله لي، قال: وبماذا؟ قال: أن سيدي أبا عبد الله العربي خطر بهذه الحومة، فعثر فدميت إصبعه، فقال "اللهم ما وهبت لي من اجر فاني قد وهبته لجماعة الموتى" فغفر الله لجميع من بهذه الناحية وأنا في جملتهم. ووقفت على مثل هذا المعنى في ملخص من "المنتخب المقرب في ذكر بعض صلحاء المغرب" قال: حدثني أحمد بن حسن قال: حدثني يعيش بن شعيب السقطي قال: أتيت من باب إيلان، فلما قربت من باب الدباغين نطرت في المقابر فرأيت قبرا حديث عهد بالدفن فيه، فوقفت وأنا أقول يا صاحب هذا القبر هل أنت ذكر أم أنثى حر أم عبد؟ ثم وقفت عليه ساعة وانصرفت، فلما كان بالليل رأيت في المنام امرأة فقلت لها يا هذه من أنت؟ قالت لي أنا صاحبة القبر الذي وقفت عليه تعتبر ولي إليك حاجة، فقلت لها ما هي؟ فقالت لي أن زوجي رجل قطان اسمه فلان، بن فلان، فاذهب إليه واسأله أن يغفر لي، فلما أصبحت سألت عن الرجل وأعلمته أن زوجته سألته أن يغفر لها، فأبى
أن يغفر لها، فانصرفت عنه مغموما فلما كان بالليل رأيتها في المنام، فقالت لي عسى أن تذهب إلى عمه فلان اللحام لعله يشفعه أن يغفر لي، قال: فلما أصبحت سألت عن الرجل اللحام وأعلمته، فقال لي نعم، فذهبت معه إلى الرجل زوج المرأة فرغبناه أن يغفر لزوجته حقه قبلها فأبى من ذلك، فانصرفنا عنه مغمومين من أجل تلك المرأة، فأقمت مدة ثم رأيتها في النوم على أحسن حالة فقلت لها ما هذا؟ فقالت أتيت لأبشرك بأن الله تعالى قد غفر لي، فقلت لها بماذا غفر الله لك؟ فقالت: دفن بجوارنا رجل صالح فشفعه الله تعالى في كل من يجاور قبره من جهاته الأربع مسافة أربعين ذراعا، فكنت فيمن حاز قبري الأربعون ذراعا، فغفر الله تعالى لي. وقبره رضي الله تعالى عنه عند مسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، بخارج باب المرسى. وعليه وضع الفقيه أبو زكرياء رباطه ملتمسا بركته، ومجاورا ضريحه النير وتربته، ولم يتصل بي من حديثه رضي الله عنه سوى ما ذكرته ولا أعلم له وقت ولادة ولا وفاة ولا نسبا سوى شهرة اسمه، وما عرف من رسمه، رحمه الله ورضي عنه.
## $ 6 - أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي حوالي 540 - 598ه = 1135 - 1202م ومنهم الشيخ الفقيه الجليل، العالم الصدر النبيل، النبيه الذكي السني القدر، الكاتب البارع أبو الفضل ابن محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي من أهل بجاية، واصله قد اشتهر ويعرف بابن محشرة، يكنى أبا الفضل وأبا العلى، كان أبوه قاضيا ببجاية. له علم متسع المدى، وتخصص ووقار بما سبيله فيما يقتدى. كان متمكن المعرفة، حسن الشارة والصفة، له الهمة السنية، والأخلاق المرضية، وكان وجيها مكرما، ومشرفا معظما. استدعاه الخليفة ابن عبد المؤمن إلى حضرتهم بمراكش فارتحل من بجاية وهو كاره لارتحاله، مع علمه إنه استدعاه لمنصب يسمو به على أمثاله، ولكن عزة العلم أغنته عن الناس، وحصبت له من المزية في الأنفس أزيد مما يقاس. أخبرنا شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع أن سبب استدعائه أن كاتب سر الخليفة في ذلك الزمان توفى، واهتم أمير المؤمنين لذلك غاية الاهتمام،
وكان مسعود بن سلطان الرياحي المعروف بمسعود البلطي، وفد على أمير المؤمنين من هذه البلاد، وكانت له عنده مزية، وكان يحضر معه أكثر الأوقات في الخلوات. قال: فدخلت عليه يوما فوجدته مغتما وقد ظهر التغير في وجهه، فقلت له يا سيدي يا أمير المؤمنين ما الذي أهمكم لا أهمكم الله؟ فقال لي أن كاتب سرنا فلانا قد مات، وقد احتجنا إلى من نقيمه مقامه وما وجدنا، لأنه يحتاج في كاتب السر أن يكون على صفة كذا وعلى نعت كذا. فقلت له بشراك يا سيدنا يا أمير المؤمنين، هذا الرجل ببجاية أبو الفضل ابن محشرة، ووصف له من صفاته ما وقع منه موقع القبول، فكتب إليه أمير المؤمنين من حينه، وأمر والي بجاية أن يحتفى به ويحمله خير محمل، فلم يمكنه بعد وصول الأمر إلا طاعة أمير المؤمنين ولم يمكنه التخلف، ولما وصل إلى حضرة مراكش ومثل بين يدي الخليفة رأى من حسن سيمته وروائه ووقاره، ما أغناه عن اختباره، فأكرم نزله، ورفع منزلته ومحله، ولما وقع الاطلاع على ما عنده من فنون العلم علم أن الكتابة التي وقع الاستدعاء بسببها إنما هي بعض صفاته، وإحدى آلاته وأدواته. وكان عادته إنه إذا وجه إليه أمير المؤمنين ليأتي محله، يتأنى ويتربص، ويأتي على التؤدة والتأني والوقار وإصلاح الهيئة واستكمال الزينة، ولم يزل ذلك دأبه إلى أن وشى به عند الملك من غص منه، فقال إنه لا يأتي إلا على قعود عن الخليفة، وقال ما شاء الله أن يقول. فوقع في نفس الملك من ذلك شيء، فاستدعاه واعجله، فتأنى وجرى على عادته، ولما حضر بين يديه عاتبه وقال له: يا فقيه كثيرا ما تبطئ علينا إذا استدعيناك فما هذا منك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت إمام المسلمين، وما أحسب أن محل الإمامة إلا كمحل الصلاة، فكما آتي إلى الصلاة آتي إلى هذا المحل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون واتوها تمشون وعليكم السكينة، فما
أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فاستحسن ذلك منه أمير المؤمنين وزاد في تقريبه، وتركه على حاله، وحاجة الخليفة كانت إليه أكثر من حاجته. وله رواية عن أبي القاسم السهيلي رضي الله عنه وأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي وسمع منه. قال أنشدني أبو محمد عبد الحق لنفسه: قالوا صف الموت يا هذا وشدته … فقلت وامتد مني عندها الصوت يكفيكم منه أن الناس لو وصفوا … أمرا يروعهم قالوا هو الموت توفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وولد سنة أربعين وخمسمائة أو قبلها بيسير. فهؤلاء الفضلاء هم الذين رأيت أن ألحقهم بعلماء هذه المائة السابعة لأنهم كانوا في أواخر المائة السادسة، وقد بقي خلق كثير من أهل المائة السادسة ممن لهم جلال وكمال، ولكن شرط الكتاب منع من ذكرهم، وقد مضى من قول الشيخ أبي علي المسيلي رضي الله عنه إنه قال: أدركت ببجاية ما ينيف على تسعين مفتيا ما منهم من يعرف أبا علي الحسن بن علي المسيلي من يكون، وإذا كان من المفتين تسعون فكم يكون من المحدثين ومن النحاة والأدباء وغيرهم ممن تقدم عصرهم ممن لم يدركه، كان الناس على اجتهاد، وكان الأمراء لأهل العلم على ما يليق ويراد، وها أنا أذكر مشيختي وأعلام إفادتي رضي الله عنهم.
## $ 7 - أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري ... 675ه. ... 1285م. فمنهم شيخنا الفقيه، الإمام العالم المحصل، المحقق المجيد، الصوفي المجتهد، أبو محمد عبد الحق بن ربيع بن أحمد بن عمر الأنصاري. أصله من "أبدة" وجده عمر هو الواصل إلى بجاية مستوطنا. ولد ببجاية وقرأ بها ولقي مشائخ، وكان رحمه الله روح بلده ومصره، وواسطة نظام أهل زمانه وعصره، كان يحمل فنونا من العلم، الفقه والأصلان، أصول الدين وأصول الفقه والمنطق والتصوف، والكتابتان الشرعية والأدبية، والفرائض والحساب، وكان ابن مقلة زمانه، له خطوط جملة وهو في كل واحد منها ابن مقلة زمانه، كان يكتب الشرقي والغربي على فنون من ريحاني وتحساني وديواني وغير ذلك من أنواعه، ومن أبدع حاله في خطة إذا بدأ بنوع حكم عليه إلى آخره حتى لا يوجد فيه حرف واحد من غيره، ولقد رأيت كثيرا ممن يشارك بين خطين فيختلط كتبه. وكانت له -رحمه الله- أخلاق حسان لم تكن لغيره، وكانت فيه دعابة مستحسنة مستطرفة، وكان من أملح الناس نادرة على طريقة أمثاله من
فضلاء أهل العلم والتخلق، وكان إذا اثني عليه بحسن الخلق يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن" ومن لم يكن عنده أول ما يوضع في الميزان لم يكن عنده غيره، لأن هذا إنما يجري مجرى الأساس. تخطط في بلده بالعدالة، وكانت له صفة، وناب عن القضاة في الأحكام مطلقا، وكان هو المشاور عندهم والمعول على ما عنده، وهو كان القاضي على القضاة بالحقيقة لأن مرجع أمرهم إنما كان إليه. وكان له باطن سليم، سمعته رحمه الله يقول "والله ما بت قط وفي نفسي شر لمسلم" فجزاه الله عن نيته، وعامله بالحسنى عن طويته. وكان مسمتا مفوها، حسن العبارة مليح الإشارة، أربى في وثيقته على من تقدم، لو رآه أبو الحسن علي بن يحيى القاسم لأتبعه، ولقد رأيت الشيخ أبا محمد عبد الحق بن سبعين رحمه الله أثنى عليه في بعض كتبه ثناء حسنا، وذكر حاله في الوثيقة، وذكر بعض كتبه في وثيقة ابتياع سفينة فقال: إنه كتب فيها، فقال: "اشترى فلان من فلان السفينة الفلانية بجميع ما يحتاج إليه جارية وراسية: وأعجبه هذا من كتبه، وهذه واحدة من آحاد، وفرد من جملة أفراد" والوثيقة مع هذا إنما هي صفة من صفاته، وإحدى من حاجاته، ولما كانت معرفته باللسان وبمواقع المعاني مجملة ومفصلة، وبالأحكام كلية وجزئية على حال إحاطة، تقدمت وثيقته الوثائق وأماطت الشبه والعلائق. وسمعت عن الفقيه أبي المطرف ابن عميرة إنه قال: أما الكتابة الأدبية
فنحن فيها وإياه على نسق، وأما الشرعية فقد انفرد بها الناس "ولولا الإطالة لذكرت من كتابته الأدبية والشرعية ومن ظرائف أخباره وملح آثاره مما رأيت وشاهدت، ما تصغي له الآذان ويسعد به الفؤاد والجنان". ولقد أجيبت فيه دعوة أبيه، سمعت إنه لما حج دعا له حيث يجب، فقال يا عبد الحق رزقك الله لفظا وخطا، فكان كذلك. وقد نظم في مدة قراءته على الشيخ أبي الحسن الحرالي القصيدة الصوفية، وكانت من نحو خمسمائة بيت، فلخصها له الشيخ رحمه الله لهذه الأبيات انتقاها منها وترك ما عداها وهي: سفرت على وجه الجميل فأسفرا … وبدا هلال الحسن منها مقمرا ودنت فكاشفت القلوب بسرها … وسقت شراب الأنس منها كوثرا ورأيتها في كل شيء أبصرت … عيناي حتى عدت كلي مبصرا وسمعت نطق الناطقين فكلهم … بالحمد والتسبيح عنها أخبرا وبها ركبت زواخرا من حبها … ولبست سر السر ثوبا أحمرا وبها فنيت عن الفناء وغصت في … ماء الحياة مسرمدا ومدهرا في الماء يظهر كل شيء كائن … وبه يرى مثل الوجود مصورا وأنا أرى في كل ماء ماءه … ورأى وراء الماء ماء آخرا فإذا وصلت به إليه فراجعن … تلك المنازل نقله متنكرا فمتى أردت إبانة عن بعض ما … في القلب من سر مصون عبرا فارفع به ظلم الحجاب فرفعها … تجنيك من غرس المنى ما أثمرا فتراه حين تراك ذاتا رافعا … للبس حتى لا ترى إلا العرا فهناك يفتح بابه ولطالما … قد كان دونك مبهما متعذرا إفصاح قولي لا يفي بمواجدي … وبيانه لا يستقل بما جرى لو كان سر الله يكشف لم يكن … سرا ولكن لم يكن ليذكرا
قلت وهذه قصيدة حسنة المعنى، قدسية المبنى، ولقد وقع الحديث معه في حديث مقتضياتها، ونظم مفرداتها بمزدوجاتها. وكان أكثر الناس إنصافا في المذاكرة عرض عليه قضاء بجاية فامتنع منه، ووصل إليه كتاب المستنصر من حاضرة افريقية بقضاء قسنطينة حرسها الله فاعتذر وتلطف في الاستعفاء عنه، وسمعت كثيرا من أهل العلم يثنون عليه ويقولون إنه لم يكن في وقته بمغربنا الأوسط مثله. توفى رحمه الله في الثامن والعشرين لربيع الأول من عام خمسة وسبعين وستمائة ودفن بخارج باب المرسى، وكان له مشهد لا يكون إلا لمثله، وتاريخ وفاته في رخامة وضعت لحدا على قبره وكتب فيها بيتان هما من نظم الأديب الفاضل أبي نصر الجيني بكيتك عبد الحق حقا لأنني … بكيت بك الدنيا وما في جميعها من الدين والأفضال والعلم والحجا … وان كنت زين الدين يا ابن ربيعها وكان رحمه أعلى الناس همة وارفعهم منزلة. وكان إذا أولى المعروف لا يذكره، وربما من فعل معه لا يعلم إنه هو الفاعل له، وإنما قصده وصول النفع علم الموصول إليه ذلك أو لم يعلمه، ومن ذلك ما هو مشهور عند أصحابنا، وهو أن القاضي أبا إسحاق ابن عباس رحمه الله أيام كان ببجاية ساعيا في نيل الخطة وعاملا على تحصيل الحضوة، سعى في شأنه عند القاضي الجليل أبي محمد ابن الطيران يرسمه برسم العدالة ويقدمه للشهادة، فطلبه أن يكتب فيه رسما بتأهله لذلك تحوطا منه، فكتب رسما وشهد فيه وشهد معه شاهد آخر
استكتمه الفقيه في ذلك، وأعطى الرسم للقاضي، فأذن له في الشهادة وبقي القاضي مدة بقائه بها، وانفصل إلى افريقية وانتقل أيضا أبو إسحاق ابن عباس إلى حاضرة تونس واستوطنها وكان أحد عدولها المنتصبين للوثيقة بها، وتوفى القاضي أبو محمد ابن الطيران بعد مدة بتونس ووقع الحضور لتركته وحضر لها شهيدان، لا نعلم هل القاضي أبو إسحاق أحدهما أو ابن عباس، فوجد الرسم في تركته وأطلع عليه القاضي ابن عباس، فتعجب كل العجب وأثنى عليه الشيخ رحمه الله بم وجب. وقال: والله ما شعرت بهذا قط ولا عرفته. ودخلت عليه رحمه الله في مرضه الذي توفى فيه فألمت لألمه وذرفت عيناي لما اعتراه من سقمه، فقال لي يا فلان والله ما بي موتي، وإنما بي ما قاله أفلاطون لأصحابه لما حضرته الوفاة وحضروا عنده، قال: والله ما بي أن أموت وإنما بي أن أموت، ولم أرق بأصحابي إلى مراقيهم التي اقتضتها صفاتهم واستحقتها ذواتهم. فشكرته على ذلك وعلقت الأمل بالحياة وطول البقاء إلى أن يوفي لأصحابه بما جبلت عليه نفسه الكريمة من الوفاء رضي الله عنه.
## $ 8 - أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف 602 - 686 ه. 1205 - 1287 م. ومنهم شيخنا الشيخ الجليل الفقيه، القاضي العالم المتقن المحدث، أبو محمد ويكنى أبا فارس عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، خزانة مالك رضي الله عنه. فصيح اللسان والعبارة، حسن الإشارة، له عكوف على التدريس دءوب عليه، كان له درس بالغداة، ودرس بين الصلاتين، ودرس بين العشاءين، وكلها دروس مشهورة وأوقات باستفادة العلم مقصودة، دأب على هذا مدة طويلة من عمره، واقتصر بعده على تدريس درسين، أحدهما في مسجده بالغداة بين الجزيري والآخر بالجامع الأعظم بين الصلاتين، وكان مبارك التعليم ميمون النقية في التفهيم، درس عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به، وكان أكثر الناس أصحابا، وألينهم جنابا، وكان سليم الصدر، لا يعرف شيئا من الشر. أسند إليه قضاء الانكحة ببجاية عن بعض قضاتها، وولي القضاء مستقلا: بعد ذلك بمدينة بسكرة ثم بمدينة قسنطينة ثم بالجزائر، تكرر إليها مرتين، ومات بها في ثانيتها رحمه الله. وكان مشاورا وعلى فتواه العمل، كانت قراءته ببجاية. لقي بها جملة من الفضلاء كالشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه وأبي بكر بن محرز وأبي
العباس الملياني وأبي زيد اليزناسني وأبي الحسن بن أبي نصر وغيرهم رحمهم الله. جد واجتهد وحصل. قرأت عليه رحمه الله وحضرت دروسه وسمعت منه كثيرا، قرأت عليه "الجلاب" وقرأت بعده "الموطأ" بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره. ولد بتلمسان يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الآخرة من عام اثنين وستمائة، وتوفي بالجزائر في اليوم الثاني عشر لجمادى الآخرة عام ستة وثمانين وستمائة. وكان يحكى في مجلس الدرس إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، قال: فقلت له يا رسول الله كيف رجعت في قضية ذي اليدين هل جالسا أو قائما؟ قال، فالتفت إلي متبسما بعد أن جذبته من ثوبه فقال لي، بل قائما. وقيد الطلبة عنه كثيرا واستكملوا التقييد على "الجلاب" كل إنسان بحسب قوته، ومنهم من قيد على "الموطأ" ورغب في التأليف فامتنع منه، ولو ألف لجرى على طريق القرويين ولم يخرج عن قانون الفضلاء والمحدقين، رأى فيما ألفه أهل المذهب كفاية، رحمه الله.
## $ 9 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي ... 669ه. ... 1071م. ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه المحصل، العدل الرضي التاريخي المحدث، أبو محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن عبادة القلعي من قلعة بني حماد أدركته يدرس بالجامع الأعظم بالغداة بمجلس القضاة منه، وكان حافظا للخلاف العالي والمذهب المالكي، حسن النظر والتوجيه وحافظا للتأريخ وذاكرا لجسد صالح من الحديث، وكان مشاورا شاهدا بالديون، وانتهت الرياسة إليه، وتأخر عنه في التأخر. سمعته رحمه الله يقول في مجلس التدريس: أن لي منذ انتزعت من الديوان ستة أعوام، وان من هو هناك في خطته يقدر إنه اكتسب في هذه المدة ستة آلاف دينار، وإني قد اكتسبت فيها ستة آلاف حديث وحديث بدينار أشرف من دينار.
وكانت قراءته رحمه الله ببجاية، لقي بها مشائخ كالشيخ أبي زكرياء اللفنتي وأبي زيد اليزناسني وأبي العباس الملياني وغيرهم. وكان من أسباب التوفيق له إنه أخذ أسيرا فوافق في الأسر بعض الفقهاء، فشرع في القراءة عليه ثم خلص الله كليهما، فجد بعد خروجه واجتهد إلى أن حصل ما حصل، وقادة زمام التوفيق إلى ما إليه وصل. قرأت عليه رحمه الله وسمعت منه وأخذت عنه، وهو أول من بدأت قراءة الفقه عليه، وكان يبدأ في مجلسه بالرقائق وبعد ذلك بقراءة الفقه والحديث والرواية، وكان محبا في العلم وأهله، ومات على انقطاع الدنيا وتخل عنها واشتغال بنفسه، وكانت وفاته عام تسعة وستين وستمائة، وكانت له ببجاية وجاهة ونباهة، وكانت جموح الأمراء في الأمور المجتمع لها لا تنعقد إلا بوجوده هو، وكان لسان الناس فيها.
## $ 10 - أبو عبد الله محمد بن الحسن بن ميمون التميمي القلعي ... 673 ه. ... 1274م. ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل التاريخي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن ميمون التميمي القلعي من قلعة بني حماد، كان جده ميمون قاضيا بها، نشأ بالجزائر وقرأ بها وانتقل إلى بجاية مستوطنا، وبها قرأ وبرع، لقي بها مشائخ منهم الشيخ أبو الحسن الحرالي، والفقيه أبو الحسن ابن أبي نصر، والفقيه أبو بكر ابن محرز، والفقيه أبو المطرف ابن عميرة، وأبو زيد ابن السطاح وغيرهم. وقرأ بالجزائر على أبي عبد الله ابن منداس وغيره. كان في علم العربية بارعا مقدما محكما لفنونها الثلاثة، النحو واللغة والأدب، وكان له درس يحضره من الطلبة فضلاؤهم ونبهاؤهم، وتجري فيه المذكرات المختلفة في التفسير والحديث، وأبيات الغريب وغيرها، وتمضى في ذلك من المعاني المنقحة ما لا يكاد أن يوجد مثله في نوادر الكتب. وكان رحمه الله قويا في علم التصريف ومحبا في التعليل، وكان جاريا فيه على سنن أبي الفتح ابن
جني وكان كثير التلامذة والأصحاب، وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية ويقوم على جميعها أحسن قيام، وهو أفضل من لقيت في علم العربية، لزمت عليه القراءة ما ينيف على عشرة أعوام واستمتعت به كثيرا واستفدت منه كبيرا، قرأت عليه الإيضاح من فاتحته إلى خاتمته، وقرأت عليه قدر النصف من كتاب سيبويه وقرأت عثيه قانون أبي موسى الجزولي وقرأت
عليه جملة من "الأمالي" ومن "زهر الأدب" ومن "المقامات" وقصائد متخيرات من شعر حبيب ومن شعر المتنبي وحضرت قراءة "المفصل" ومضى في الميعاد في مدة قراءتي عليه أضعاف أضعاف ما قرأته بلفظي عليه.
له كتاب سماه "بالموضح في علم النحو" وله "حدق العيون في تنقيح القانون" وله "نشر الخفي في مشكلات أبي علي" هو على الإيضاح، وكان يؤثر كتاب الإيضاح على غيره من الكتب. وكان فيه فضل سخاء ومروءة وانتخاء، وكانت يده ويد الطلبة في كتبه سواء لا مزية له عليهم فيها، وكان في ذلك على نحو قول الأول: كتبي لأهل العلم مبذولة … يدي مثل أيديهم فيها أعارنا أشياخنا كتبهم … وسنة الأشياخ نمضيها وكان سخي الدمع سريع العبرة، سمعته يقول إنه رأى رب العزة جل جلاله في المنام، فقال له يا محمد قد غفرت لك. فقال يا رب وبماذا؟ قال بكثرة دموعك. وكان بارع الخط حسن الشعر، ومن نظمه رحمه الله في الزهد ومدح النبي صلى الله عليه وسلم [قوله] أمن أجل أن بانوا فؤادك مغرم … وقلبك خفاق ودمعك يسجم وما ذاك إلا أن جسمك منجد … وقلبك مع من سار في الركب متهم ومن قائل في نظمه متعجبا … وجسم بلا قلب فكيف رأيتم ولا عجب أن فارق الجسم قلبه … فحيث ثوى المحبوب يثوى المتيم وما ضرهم لو ودعوا أودعوا … فؤادي بتذكار الصبابة يضرم عساكم كما أبدوا صدودا وجفوة … يعودون للوصل الذي كنت أعلم وأني لأدعو الله دعوة مذنب … عسى انظر البيت العتيق والثم فيا طول شوقي للنبي وصحبه … ويا شد ما يلقى الفؤاد ويكتم توهمت من طول الحساب وهوله … وكثرة ذنبي كيف لا أتوهم وقد قلت حقا فاستمع لمقالتي … فهل تائب مثلي يصيح ويفهم
وذلك في القرآن أوضح حجة … وما ثم إلا جنة أو جنهم إليك رسول الله أرفع حاجتي … فأنت شفيع الخلق والخلق هيم فقد سارت الركبان واغتنموا المنى … واني من دون الخلائق محرم فيا سامع الشكوى أقلني عثرتي … فانك يا مولاي تعفو وترحم ويا سامعين استوهبوا لي دعوة … عسى عطفة من فضله تنسم وهبني عصيت الله جهلا وصبوة … فمن يقبل الشكوى ومن يرحم وقد أثقلت ظهري ذنوب عظيمة … ولكن عفو الله أعلى وأعظم وأختم نظمي بالصلاة مرددا … على خير خلق الله ثم أسلم ومن شعره أيضا في هذا المعنى: الخبر أصدق في المرأى من الخبر … فمهد العذر ليس العين كالأثر واعمل لأخرى ولا تبخل بمكرمة … فكل شيء على حد إلى قدر وخل عن زمن تخشى عواقبه … أن الزمان إذا فكرت ذو غير وكل حي وان طالت سلامته … يغتاله الموت بين الورد والصدر هو الحمام فلا تبعد زيارته … ولا تقل ليتني منه على حذر يا ويح من غره دهر فسر به … لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر انظر لمن باد تنظر آية عجبا … وعبرة لأولي الألباب والعبر أين الألى جنبوا خيلا مسومة … وشيدوا إرما خوفا من القدر لم تغنهم خيلهم يوما وان كثرت … ولم تفد إرم للحادث النكر بادوا فعادوا حديثا أن ذا عجب … ما أوضح الرشد لولا سيئ النظر تنافس الناس في الدنيا وقد علموا … أن المقام بها كاللمح بالبصر أودى بدارا وأودى بابن ذي يزن … وفل غرب هرقل إنه لحر
ولم يفد سبأ مال ولا ولد … ومزقته يد التشتيت في الأثر ولتفتكر في ملوك العرب من يمن … ولتعتبر بملوك الصين من مضر أفناهم الدهر أولاهم وآخرهم … لم يبق منهم سوى الأسماء والسير وكان يسلك في شعره على طريق حبيب بن أوس، وكان صاحبه أبو عبد الله الجزائري يسلك في شعره سلوك المتنبي، وكانا يتراسلان الأشعار يجاوب كل واحد منهما الآخر على طريقته، فكان الأستاذ رحمه الله ينحو نحو حبيب والأديب أبو عبد الله الجزائري ينحو نحو المتنبي، ولولا الإطالة لأتيت من شعر كل واحد منهما ما يستظرف معناه ويروق محياه. وشهرته بالأديب سماه بذلك الشيخ أبو الحسن الحرالي، وذكر أن سبب هذه التسمية إنه جرى بين يدي الشيخ رضي الله عنه ذكر ما قاله الرجل "واترك الريحان برحمة الرحمن للعاشقين" وتكلم في معناه فقال بعض من حضر أشار إلى العذار لأن ولوع القائل كان به، قال فقلت إنما أشار إلى دوام العهد لأن الأزهار كلها تنقضي أزمانها والريحان يدوم عهده، فاستحسن ذلك الشيخ رحمه الله وقال أنت أديب، فجرى عليه اسم الأديب. وهو أكثر الناس شعرا، وقد شرع في تدوين شعره في عام ثلاثين وستمائة، وهو في كل عام يقول منه ما يكتب في ديوان، وعاش بعد شروعه في تدوين شعره ثلاثا وأربعين سنة، ولو تم له تدوينه لكان في مجلدات كثيرة، ولكن بأيدي الناس منه كثير، وتواشيحه حسنة جدا، وتوفي رحمه الله ببجاية عام ثلاثة وسبعين وستمائة رضي الله عنه.
## $ 11 - أبو العباس أحمد بن خالد من أهل مالقة نحو سنة 660ه. 1262م. ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الأصولي المشارك المحصل أبو العباس، أحمد بن خالد من أهل مالقة، قرأ بالأندلس وقرأ بمراكش، ولقي جملة أفاضل ولازم الفقيه الإمام أبا عبد الله المومناني ملازمة كثيرة، سمعته يقول إنه لازمه مدة عشرين سنة، وكان يقول أن مثل هذه المدة لازم أرسطو لأفلاطون. كان متحملا لأصول الفقه ولأصول الدين على طريقة الأئمة المتقدمين، وكان لا يرى بطريقة فخر الدين ويرى فيها تخليطا في إدخاله طرفا من المنطق في الأصلين، وكانت له شركة في الطب، وله مشاركة في الحكمة في الطبيعيات والإلهيات، وكان قليل الكلام كثير الملكة في إمساك نفسه في البحث. جلس للإقراء ببجاية وكان يقرأ عليه في منزله. قرأت عليه جملة من "الإرشاد"، وجملة من "المستصفى"، وقرأت عليه في بدء أمري بعض "معيار العلم" في علم المنطق، وقرأ عليه بعض أصحابنا "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا من فاتحتها إلى خاتمتها، وكان مسدد النظر حسن الفكر، وكان يعد نفسه رحمه الله من أهل التوكل ويقول إني ما ادخرت قط شيئا وإنما جريان الحال بحسب ما يحتاج إليه الوقت، وكذلك كانت حاله رحمه الله لم يكن عنده شيء وكانت حاجته لشيء. وكان أحسن الناس خلقا وأطيبهم نفسا،
كنا إذا تحدثنا معه رحمه الله في تصور الحركة وفيما قال الناس فيها يستبعد الأمر في تصورها ويستعظمه، وكان رحمه الله يقول إنه كان يوما على شجرة لاقتطاف جني وهو يفكر في معنى الحركة، فلما أن لاحت له حقيقة المعنى وتصوره سقط عنها وبقي في ظلها مغشيا عليه قدر نصف يوم، وكان له تحقيق في أمر يظن الناس إنها حاصلة، وهي بالحقيقة غير حاصلة. توفى رحمه الله ببجاية في عشر الستين وستمائة ودفن بحومة باب امسيون، بالمقبرة التي الشجرة المسماة بزاد رخص بها، وهي شجرة عظيمة وليس في تلك الناحية ولا في غيرها من نواحي البلد شجرة زاد رخص سواها.
## $ 12 - أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الأموي ... 674ه. ... 1275م. ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الحكيم الحاذق الفاضل، أبو القاسم محمد بن أحمد ابن محمد الأموي المعروف بابن اندراس من أهل مرسية، ورد على بجاية في عشر الستين وستمائة مستوطنا، وتبسط للطب طبيبا باحثا جيدا، وله معرفة بعلم العربية وله شركة في أصول الدين جيدة، ويشارك مع هذا في فنون غير هذه مشاركة حسنة، وكانت له حدة ذهن وجودة فكر. تبسط لإقراء الطب والعربية، وكان حاذقا في عربيته، حضرت لإقرائه قانون أبي موسى الجزولي فكان بحثه فيه جيدا ونظره فيه حسنا، ولقد جرت مسألة علم الجنس عند ذكرى أبي موسى لها في قوله العلم ضربان، ضرب للفرق بين الأشخاص وضرب للفرق بين الأجناس، فكان فيه من الحديث معه ما يعجز عن تصوره حذاق النحاة، لأن هذه المسألة مما يعتقد كثير ممن يتعاطى العربية إنه يعرفها وهو لا يعرفها ولا يعرف إنه لا يعرفها. قرأت عليه أرجوزة ابن سينا قراءة إتقان وجودة بيان، وكان يحضر لذلك نبهاء الطلبة ويجري فيها من الأبحاث ما يعجز الكتب عنه، وحضر لمجالس من القراءة عليه القاضي الجليل أبو عبد الله ابن يعقوب في المرة التي اجتاز فيها على بجاية حين وصوله من طنجة، والفقيه الحكيم أبو بكر ابن القلاس، وقرأت جملة من كليات القانون
بعد قراءة الأرجوزة، وكانت الأبحاث في كل ذلك جارية على القوانين النظرية والاستدلالات الجلية. وكان رحمه الله إذا سئل عن المسألة الطبية كثيرا ما يتوقف عن الجواب إلا بعد نظر، ورأيت غيره من الأطباء ممن يقصر عن معرفته إذا سئل ساعة ما يسأل يجيب، وربما اعتقد هذا المسرع في الجواب أو غيره من الأغبياء أن سرعة المسرع هي لمعرفته وان إبطاء المبطئ هو لتقصيره، وهذا هو اعتقاد الأغبياء في أمثال هذا، وإنما الإبطاء في الجواب دليل العلم لأنه بين السائل للطبيب الغرض العارض للعليل، ولابد أن يقع له النظر في الأسباب وتمييزها والحدس على السبب الفاعل أن تعارض وينظر أنسب الأودية، وحينئذ يقع الجواب، وهكذا هو حال حذاق الأطباء، وأما عوامهم ومن يعد منهم في أعداد القوابل، فعندما يسأل يجيب بغير علم، ولقد رأيت بعض من كان مبخوتا في الطب يعالج المرضى فتخفى عليه الشكاية فيعالجها بالحار تارة وبالبارد تارة أخرى، بحيث ينظر فان انجح فيها احدهما استمر عليه، ويحرم على الإنسان أن يمكن نفسه ممن حاله مثل هذه الحال ويحرم على من هذه صفته أن يطب، وهذه الصناعة هي أشد الصنائع ضياعا في بلاده لأنه يتعرضها الغث والسمين، ولا يقع بينهما التمييز إلا عند القليل من الناس. وكان رحمه الله متوليا لطب الولاة ببجاية هو وبعض خواص الأطباء بها، ورحل إلى حاضرة أفريقية باستدعاء أمير المؤمنين المستنصر له بعد أن سمع به وعرف خبره، فحضر مجلسه وسئل فأجاب ووافق طريق الصواب، وانتظم في سلك أطبائه، وكان من جملة جلسائه. وله "رجز" نظم فيه بعض الأدوية واستكمله وهو ببجاية، وكان رحمه الله شرع في نظم الأدوية المفردة من القانون، وكلفني بنظم بعض الأدوية على سبيل التعاون فنظمت له بعضها وما علمت استكملها بعد أم لا، وتوفي بتونس حرسها الله في عام أربعة وسبعين وستمائة.
## $ 13 - أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الأستاذ الأديب، النحوي اللغوي، أبو الحجاج يوسف بن سعيد بن يخلف الجزائري، له علم بعلم العربية، واللغة والنحو والأدب، وكان يقرأ عليه الفقه، وكانت بضاعته فيه مزجاة، وأما علم اللغة والنحو والأدب فكان فيه جيدا، وكان له مجلس واسع الحضور يحضر فيه كثير من الطلبة ويقرأ كل واحد منهم باختياره، حضرت مجلسه يقرأ فيه "الإيضاح" و"الجمل" و"المفصل" وقانون أبي موسى الجزولي ومقدمة ابن بابشاذ و"إصلاح المنطق" ويعرب فيه شعر حبيب والمتنبي والأشعار الستة والمعري و"الحماسة" لغير واحد، ويقرأ فيه من الأدب "المقامات" و"الأمالي" وغير ذلك من الكتب الأدبية والنحوية واللغوية، ويطول مجلسه لكثرة الطلبة وكثرة تفننهم فيما يقرئون، وكان حسن الإيراد مبارك الإقراء،
انتفع به خلق كثير كل على قدره، ولقد حضرت مجلسه يوما فذكر القارئين عليه من الطلبة واستكثرهم، وأخذ يعد من على ذكره منهم ممن له نبل وقدر، فعد منهم نحو الثمانين ما منهم إلا من قد تخطط بخطة اقلها الكتابة، خلاف الغائبين ومن لم يحضر ذكره ومن هو غير مخطط. قرأت عليه وسمعت منه وأخذت عنه، ولم يكن له رحمه الله عمل إلا الاشتغال بالإقراء، وكان يلي قضاء بعض النواحي بتولية قضاة البلد، وكانت له نفس طيبة وأخلاق حسنة، وكانت له فكاهة مستعذبة مستملحة رحمه الله.
## $ 14 - أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني 614 - 699 ه 1217 - 1297 م ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه الخطيب، النحوي الأستاذ المقرئ الصالح، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني من أهل شاطبة، رحل إلى العدوة واستوطن ببجاية ولقي المشائخ بالعدوتين، وروى ودرى واستجار وأجار، وروى وأقرأ، واستمتع واستنفع به خلق كثير، كان رضي الله عنه عالم بعلم القراءات متقن فيها مجيد لها، وله معرفة بعلم العربية النحو واللغة والأدب، وله رواية متسعة في الحديث وفي غيره، وروايته عالية من جهات كثيرة، وله شعر حسن ومن شعره: جعلت كتاب ربي لي بضاعه … فكيف أخاف فقرا أو إضاعه وأعددت القناعة رأس مالي … وهل شيء أعز من القناعه وأنشدني لبعض أصحابه: ما ميلق العالم إلا الذي … يخبره العالم في الميلق ذك الذي يكشف أسراره … فيفضح الفاجر المتقي وقال رحمه الله لقيت أبا بكر ابن محرز بن طاهر بر محرز ببجاية وكانت بيني وبينه قراءة وصحبة فقال لي على سبيل النصيحة والوصية:
سلكت أبا عبد الإله ابن صالح … سبيلا فكم يفضي قويما لصالح يرجح عند الله ميزانكم غدا … إذا لم يكن ميزان قوم براجح فإياه فاسلك طول عمرك واستمع … وصاة محب مخلص لك ناصح قال: وكان ذلك في أول سنة أربع وخمسين وستمائة. وأنشدنا أيضا عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي الحسن ابن جبير يفضل المشرق من الأندلس على المغرب: لا يستوي شرق البلاد وغربها … الشرق حاز الفضل باستحقاق فانظر لحسن الشمس عند طلوعه … بيضاء تسحب بردة الإشراق وانظر لها عند الغروب كئ … صفراء تعقب ظلمة الآفاق وكفى بيوم طلوعها من غربه … أن تؤذن الدنيا بوشك فراق قال الفقيه الخطيب أبو عبد الله ابن صالح: ونقلت من خط شيخنا أبي عبد الله
القضائي قال قرأت بخط الأستاذ أبي عبد الله بن أبي البقاء من شعر الوزير أبي بكر محمد بن أبي مروان أبي العلاء ابن زهر الأيادي: يا من يذكرني بذكر أح … طاب الحديث بذكرهم ويطيب أعد الحديث علي من جنباته … أن الحديث عن الحبيب حبيب ملأ الضلوع وفاض من أحنائ … قلب إذا ذكر الحبيب يذوب ما زال يخفق ضاربا بجناح … يا ليت شعري هل تطير قلوب وأنشد إلي أبي بكر الالبيري: من ليس يسعى في الخلاص لنف … كانت سعايته عليها لا لها أن الذنوب بتوبة تمحى كم … يمحو سجود السهو غفلة زلها
وأنشد لبعض أشياخه: دنياك مهما اعتبرت جيفة … قد عرضت فرصة انتهاب أن شئتها فاحتمل أذاه … واصبر على خلطة الكلاب قلت: والخطيب أبو عبد الله ابن صالح أحد من كثرت القراءة عليه والرواية عنه ببجاية، تخطط فيها بالعدالة وهي صفته، وولي النظر في الانكحة نائبا عن قضاتها مدة، وولى إقامة الفريضة والخطبة بجامعها الأعظم ما ينيف على ثلاثين عاما، وهو إلى هذا الوقت وهو عام التسعة والتسعين وستمائة إمام مبارك أبقاه الله ووقاه. ومن الغريب في ذلك إنه لم يعرض له، مع طول هذه المدة، أن ناب عنه أحد في خطبة الجمعة. يقرأ كتب العربية فيجيد وأجود ذلك "مفصل" الزمخشري قرأه وأحكمه، وهو كذلك يقرئه ويجيد فيه، وتقرأ عليه دواوين الأشعار تفقها كشعر حبيب والمتنبي والمعري والأشعار الستة وغير ذلك، وكل ذلك على إتقان وإحكام وجودة إيراد. له خلق حسن، ونية صالحة، وطوية سالمة، ودعوة مباركة، من تعرض له بالاذاية يجزى. ذكر لي مرارا إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فدعا له وقال له "الله يسترك بستره" فنفعه الله بهذه الدعوة، وهي دعوة لمن يكرم عليه. جلس للوثيقة والشهادة، فكان سمحا سهلا ولم يقع له قط وقوع في ذلك لحسن نيته وسلامة طويته. ولد بشاطبة في الليلة التاسعة والعشرين لذي القعدة، من عام أربعة عشر وستمائة، ولقي مشائخ جملة، منهم أبو بكر ابن محرز وأبو المطرف ابن عميرة
وأبو بكر ابن سيد الناس وابن قطرال وأبو القاسم الولي وأبو عثمان ابن زاهر وأبو محمد ابن برطلة وأبو عبد الله الابار وأبو الحسن ابن السراج وأبو الحسين ابن فتوح ومشيخة غير هؤلاء حسبما تضمنه برنامجه، وسيأتي من ذكر هؤلاء الأشياخ ما يوافق شرط هذا الكتاب أن شاء الله تعالى.
## $ 15 - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي ... 674ه ... 1276م ومنهم، شيخنا الشيخ الفقيه المقرئ المحصل الرواية، الضابط المتقن المجود أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي، لقي المشائخ ببجاية، أبا بكر ابن محرز وأبا عثمان ابن زاهر وأبا عبد الله الابار وأبا المطرف ابن عميرة وأبا بكر ابن سيد الناس وأبا الحسن ابن السراج وأبا عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبا الحسن ابن أبي نصر وغيرهم. وأجاز له أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن عصفور العبدري التلمساني والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي والحاج أبو بكر ابن محمد بن عبد الله بن داود بن مطروح الشريشي وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف المري وأبو يحيى عبد الرحمن ابن
عبد المنعم الخزرجي (عرف بابن الفرس) وأبو بكر ابن طيب العتقي المرسي وأبو زيد عبد الرحمن بن عمر اليزناسني، وأبو العباس أحمد بن يوسف بن فرتون السلمي الفاسي نزيل سبتة، وغيرهم من فضلاء الأشياخ، له رواية واسعة ومعروفة بالقراءات، ما رأيت أتقن منه في القراءات ولا أضبط منه في طريق الروايات. ألف كتابا في "مرسوم الخط" وهو كتاب حسن كثير الفائدة، وألف أيضا جزءا في بيان "تمكين ورش" حروف المد واللين الثلاثة، الألف والواو والياء إذا تقدمتهن الهمزة، وألف أيضا جزءا آخر في بيان مذهب ورش في تفخيم اللام وترقيقها. كان رحمه الله، ناصحا مجدا مجتهدا، يرغب الطالب في الأخذ عنه ويعينه على ذلك، ولم يكن له عمل سوى الاشتغال بالقرآن على حال عفاف ونسك، وتخلى عن الناس إلى أن توفى رحمه الله. روينا عنه بعض كتب الحديث، واستفدنا منه بالمشافهة في علم القراءات، وفي طريق الضبط ما حصلت به المنفعة بفضل الله، وقل ما كان بخير في طريق القراءات إلا بعد التحصيل الجيد لأنه كان مشددا في هذا المعنى، ولم يكن عنده فيه من المسامحة شيء.
حدثنا أبو العباس أحمد بن خضر قال: أنشدني أبو محمد ابن برطلة الخطيب ببجاية لنفسه: أسلمني للبلى وحيدا … من هو في ملكه وحيد قضى علي الفناء حتما … فلم يكن عنه لي محيد وكيف يبقى غريق ترب … بذاته أو لا صعيد يعيده آخر إلي … من نعته المبدئ المعيد وله أيضا: أيا ناظرا نحوي ترحم لراح … أتته المنايا في ثياب مقيم فلم يلتمس زادا سوى حسن ظن … ومن يرتضي زادا لقصد كريم حدثنا أبو العباس ابن خضر عن الخطيب أبي بكر ابن سيد الناس عن أبي العباس ابن مقدام عن الحافظ أبي بكر ابن العربي قال: قال لي محمد بن
عبد الملك الواعظ حجبنا مع أبي الفضل الجوهري فلما دخلنا على باب بني شيبة، أخضل دمعه، وجعل عند ما رأى الكعبة وعليها أنماط الديباج ذات الحوك الفائق والرواء اللائق ينشد: ما علق الدر على نحره … إلا لما يخشى من العين تقول والدر على نحوها … من علق الشين على الزين وحدثنا أبو العباس، عن أبي الحسن ابن السراج، عن أبي محمد ابن عبيد الله الحجري، عن القاضي عياض بن موسى بن عياض عن أبي الحسن علي بن
أحمد بن علي بن عبد الله الربعي المقدسي الشافعي التاجر، قال: لقيته بسبتة وحدثني بأشياء وأجازني جميع رواي عن شيوخه أبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الخطيب وذكر لي أن الخطيب أجازه جميع كتبه وروايته، وإنه سمع منه بعض تصانيفه، ومن جملة ما حدثنا عن الخطيب قال: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو بكر محمد بن محمد الجرجاني حدثنا الحسين بن أحمد
الكاتب بهمذان، حدثنا نفطويه قال: كنت عند المبرد فمر بنا إسماعيل بن إسحاق فوثب إليه وقبل يده وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا … حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي ل … فإن الكريم يجل الكراما قال القاضي عياض: وأخبرنا رحمه الله عن الخطيب قال: قال له رجل اكتب العلم ولا يعلم ما كتب، مالك إلا طول أرقك، وتسويد ورقك، قال: وحدثنا الخطيب قال: حدثنا الحسن بن أبي طالب، حدثنا عبيد الله ابن محمد
المقرئ حدثنا أبو بكر الصولي حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي قال: جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة فعبرها له، فقال لم أفهم، فأعاد فقال لم أفهم، فقال أن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم، فتفهم بالإعادة، وإن كنت لم تفهم، فهذا داء لا دواء له. وحدثنا أيضا عن أبي زكرياء ابن عصفور، عن أبي الحسن صاحب الصلاة، عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي قال: أنشدني لنفسه: لا يخدعك عن دين الهدى نفر … لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا عمي القلوت عروا عن كل معر … لأنهم كفروا بالله تقليدا وتوفي أبو العباس أحمد بن خضر ببجاية يوم السبت الموفى عشرين لذي حجة عام أربع وسبعين وستمائة.
## $ 16 - أبو العباس أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغماري ... 682ه ... 1283م ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه، القاضي الجليل النبيل، أبو العباس أحمد بن عيسى ابن عبد الرحمن الغماري رحل إلى المشرق وقرأ وجد واجتهد، وحصل وأتقن، ولقي جملة مشائخ منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيره، له علم بأصول الفقه، وحظ من أصول الدين، ومشاركة في علم الأدب. وكان ممن يستفاد بالنظر إليه، والمثول بين يديه، وكانت دروسه منقحة الإيراد، عذبة المورد بقريب ما يستفاد، حضرت دروسه وشاهدتها، كان
يبدأ بين يديه رحمه الله بقراءة الرقائق أولا وبعد ذلك بالفقه وأصول الفقه، وكان يقرأ التهذيب عليه ويقرأ الجلاب فيكثر البحث وتحتد القرائح ويجيء بالمسألة الخلافية فيرتضي أحد وجهيها، فيبحث عليه إلى أن يظهر الرجحان ويقع التسليم، ثم يأخذ الطرف الآخر ويلزم أصحابه ما كان هو يناظر عليه، فلا يزال إلى أن يظهر الرجحان في ذلك الطرف ويقع التسليم أيضا، وهذا من حدة فكره وجودة نظره، وكان له لسان يستنزل به العصم، وكان جادا طلبا، مناصبا لهم، وسيوسا مع ذلك لهم. كان قاضيا بذات العلمية، وولي المنصب مع ذلك في بلاده وفي بجاية كرتين، وتوجه رسولا إلى ملك المغرب مرارا من المستنصر بالله وما زال ناجح السعي، سديد الرأي. وكان سريع البديهة بالجواب، يطبق المفصل بموافقة الصواب.
ومن ملح جوابه إنه كان ببجاية في ولايته الثانية، ونزل أمير المؤمنين المستنصر على قسنطينة، وجه عنه واعتنى به وسأله عن بجاية وأهلها، فأجاب بما يليق به الجواب، ثم قال له الملك: يا فقيه سمعنا أن والي بجاية لو أراد أن يبنيها لبنة فضة ولبنة ذهبا لفعل فقال له مبادرا، يا مولانا، يكون ذلك بالتفاتكم إليها وعطفكم عليها، فسكت. وهذا جواب حسن، مانع لمقصد الملك بسهولة مأخذ. وسأله في مجلسه ذلك عن المشرف بالبلد فقال له: سمعنا إنه مسرف ... فقال مجاوبا: إنما رأيته إذا وقع الحضور في النهار لا يزال ناعسا ونائما، فأشار له بذلك إلى سهره بالليل فيما يعرف. وأجوبته كلها مستحسنة مستعذبة ملخصة مهذبة، ولقي من أصحاب فخر الدين جملة من فضلائهم واستفاد بهم، وكان رحمه الله يحكي عن بعضهم إنه كان يقول له لما رأى من نبله وفضله، والله لو رآك مولانا الفخر لأحبك، وكان رحمه الله يثني على الفخر كثيرا ولا يرى له نظيرا وكان يؤثر قراءة كتبه على غيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين.
## $ 17 - أبو القاسم بن أبي بكر اليمني 1224 - 691 ه 62 - 1292 م ومنهم شيخنا الشيخ الفقيه القاضي، الإمام المجد المجتهد، جمال علماء المغرب، أبو القاسم بن أبي بكر اليمني، الشهير بابن زيتون، من أهل تونس توفي بها في رمضان المعظم عام أحد وتسعين وستمائة، لقيته ببجاية وتونس. هو رجل له علم وجلال، وأبهة وكمال، وفضل واعتدال، رحل إلى المشرق مرتين، وقرأ وحصل. له علم بأصول الفقه والعقائد الكلامية والفقيه والخلاف والجدل والمنطق، وله مشاركة في الحكمة، وفقهه جار على قوانين النظر والاجتهاد، وله فصاحة في الإيراد وبراعة، وكان من أجمل الناس منظرا وأحسنهم مخبرا، وكان أجرى مع الطلبة كثير الاعتناء بهم والاهتمام بأمرهم، توجه في الرسالة لبعض ملوك المغرب عن المستنصر بالله مرتين، فشكرت رسالته وحمدت همته وسياسته. وولي قضاء حاضرة افريقية، وكان قبل ذلك من أشياخ البيت في المدة
التي كان البيت بيتا وكان مصدرا للفتيا، ولم يزل مطوقا بالرياسة، مشتهرا بالسيادة والنفاسة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
## $ 18 - أبو العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي 607 - 678 ه 1209 - 1271 م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه الصدر الكبير، العابد المبارك، أبو العباس أحمد ابن عثمان بن عجلان القيسي أحد أعلام الدين، وإمام من أئمة المسلمين، من مشائخ التقوى والورع، منزه عن الميل والطمع، له علم وعمل، وصلاح مكتمل، استوطن بجاية مدة من الزمان واقرأ بها وانتفع به الناس علما وعملا. وكان إذا جلس للإقراء يحضر بين يديه الكتب المقروءة عليه، فإذا فتح الطالب الكتاب، أخذ هو الكتاب في يده، ويقرأ الطالب وتقع المعارضة، وحينئذ يقع الشرح منه لما يقرأه القارئ وهذا من تثبته وتحوط رضي الله عنه. لقيته بتونس، ولما وقع بصري عليه أدركني من الوقار له والخشية لله ما لم أكن أقدره، ودمعت عيناي، ووجدت نفسي نشاطا وسرورا بلقياه. وكان معتنيا بحمل علم الفقه والحديث والقراءات وعلم العربية وطريق الصالحين، وكان كثير الانزواء، يحب الخمول على طريق السلف الصالح، رضي الله عنهم. عرض عليه قضاء حاضرة افريقية فتمنع منه، وطلب منه أمير المؤمنين
المستنصر الاجتماع به فاعتذر عن ذلك وقال إني لا أصلح لذلك لعدم معرفتي بلقائهم، وطلب المستنصر أن يصل منزله بنفسه، فاستعفى من ذلك. وذكر لي، إنه لما كان الصلح الواقع بين المسلمين والنصارى عام نزول الفرنسي على تونس، كتب رسم شهد فيه مشائخ الفقهاء أن الصلح المذكور صلاح وسداد في حق المسلمين، وطلب الفقيه أبو القاسم ابن البرا رحمه الله، أن يكون من جملة شهوده الفقيه أبو العباس ابن عجلان، فاستحضر بدار الأمر وبمحضر الفقهاء وفيهم الفقيه أبو القاسم بن البرا وأمير المؤمنين، بحيث يسمع، فقيل له: تشهد في هذا الصلح؟ فقال إني لا أعلم الحال، يشهد من يعرف الحال، فقال له الفقيه أبو القاسم: هذا الصلح جائز أو غير جائز؟ فقال له مجاوبا: أن كان صلاحا وسدادا في حق المسلمين فهو جائز وإن لم يكن كذلك فهو غير جائز، فقال له هو صلاح وسداد أو لا؟ فقال له لا علم لي بالحال، فقال له لابد لك من الجواب، فسمع نقر أمير المؤمنين من وراء الحجاب وهو يشير إلى انقضاء المجلس، فانفض ولم يشهد، وحمد في جوابه ومقاله، واستحسن ذلك من حاله. ولما حللت بحاضرة افريقية، اجتمع جمع من الطلبة وكلفوني بالجلوس للإقراء فأسعفتهم بذلك، وسرت إليه فأعلمته بالقضية وسألته هل تقع البداية في السبت أو يوم الأحد؟ فقال لي رحمه الله: من أشياخي رحمهم الله من كان يختار البداية يوم السبت، ومنهم من كان يختار يوم الأحد، ولم يجبني بالتعيين، وخرج عن خاطري في الوقت أن أسأله عن اختياره لنفسه كيف كان. وسألته رحمه الله تعالى عن اختيارات أصحابنا المتأخرين من الفقهاء،
كاللخمي وابن بشير وغيرهما، هل تحكى أقوالا عن المذهب فيقال مثلا، في المذهب ثلاثة أقوال بما يقوله اللخمي أولا، فقال لي إنما تكون الحكاية بحسب الواقع، فيقال في المذهب قولان، ويقال وقال اللخمي كذا، أو فلان ويعزى إليه ما قال، وسألت عن هذه القضية شيخنا الفقيه أبا القاسم ابن زيتون، فقال لي نعم، يحكى قول اللخمي وغيره قولا في المذهب، كما يحكي قول من تقدم من الفقهاء في المذهب، وهذان الجوابان جيدان، أما جواب الفقيه أبي العباس، فإنه مبني على سبيل التوقف والورع، وأما جواب الفقيه أبي القاسم، فإنه مبني على سبيل النظر، لأنه رأى أن كل جواب بني على أصول مذهب مالك وطريقته فإنه من مذهبه، والمفتي به إنما أفتى على مذهبه، فيصح أن تضاف هذه الأقوال إلى المذهب وتعد منه. ولما أقمت المدة التي أقمتها بتونس، وأردت الانفصال إلى بجاية، جئت لوداعه فودعته وتبركت به، ولما أردت الانصراف قال لي أن رجعت نريك فعجبت من كلامه ذلك، لأني انفصلت وفي نيتي عدم العود، وكان القوم على السير في البحر، فركبت البحر بجملتي وتعذر علينا الهواء فأصبحت في المرسى أجفان غزوانية للنصارى، فهبطنا إلى البر خيفة منها، وبعد أيام قاتلت
الجفن المعروف بجفن الحراني وأخذته بالمرسى، فوقع العود إلى البلد، واجتمعت بالشيخ أبي العباس، فقال لي رجعت؟ فقلت له قد أشرتم بذلك عند وداعي لكم، ثم تيسر لي السفر في البر فودعته وسافرت، وهو آخر عهدي به، وكانت هذه من جملة ما رأيت له من الكرامات رحمه الله، وتوفي بتونس في عشر السبعين وستمائة أيام الواثق بحاضرة أفريقية رحمه الله.
## $ 19 - أبو زكرياء يحيى بن زكرياء بن محجوبة القرشي السطيفي ... 677ه ... 1278م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح المبارك، أبو زكرياء يحيى بن زكرياء ابن محجوبة القرشي السطيفي باطنة شيخ شيوخنا، الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه. كان من المتعبدين لزهاد الأولياء، رحل إلى المشرق ولقي مشائخ، واقتصر على أبي الحسن الحرالي، واستفاد منه علم الظاهر والباطن، وحصل من هديه الجلي والكامن، لقيه بالديار المصرية وصحبه هناك مدة طويلة، وهناك ظهرت له حقائق، وانقطعت عنه عوارض العلائق، وكان للشيخ رضي الله عنه هنالك، أصحاب قد أدركوا المدراك، وجاوزوا سبيل السالك، وكانوا يريدون ترقي الشيخ أبي زكرياء إلى بعض مداركهم، والانتظام في سلكهم وما زالوا إلى أن ظهر له بعض التحقيق، واعتمد جادة الطريق، فأنهوا ذلك إلى الشيخ أبي الحسن رحمه الله، فأنشده في معنى ما ظهر له، وبين له الحال فيما لم يظهر له، هذه الأبيات. جلت لك ليلى من مثنى نقابها … طريقا وأبدت لمعة من جمالها فطبت بها عيشا وتهت لذاذة … وفيأك الالماع برد ظلالها فكيف ترى ليلى إذا هي أسفرت … ضحاء وأبدت وارفا من دلالها وكيف بها أن لم يغب عنا شخصها … ولم تخل وقتا من منال وصالها
وكيف يكون الأمر أن كنتها … وكانتك تحقيقا فحلت لحالها وكان رحمه الله ممن تخلى عن الدنيا وتركها، وكان صاحب كرامات، وكان مستجاب الدعوة. سمعت عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، إنه عين أصحابه بعده، فقيل إنه قال: أصحابي ثمانية وعشرون، منهم أربعة تستجاب دعوتهم، وعين من الأربعة الشيخ أبا زكرياء رضي الله عنه، وربما زاد الناقلون في العدد أو نقصوا منه، وروح المسألة أن الشيخ أبا زكرياء أحد الأربعة الذين تستجاب دعوتهم وسمعت أن منهم السيخ أبا محمد ابن عبد المسير الاطرابلسي رحمه الله. وكان في علم التصوف مقدما، وكانت له أخلاق حسنة، ومن فضائل وزهده، إنه عرض عليه في مدة الأمير أبي يحيى برد الله ضريحه، أن يجعل له مرتب من أعشار الديوان في كل شهر فامتنع من ذلك وقال: أن اسمي في ديوان الوجود المطلق فلا أجعله في لديوان المقيد، لأن الإطلاق أوسع من التقييد وهو في ديوان الحق فلا اجعله في ديوان الخلق. ورأيت له تأليفا حسنا في "شرح أسماء الله الحسنى" وله في التصوف "تقاييد" كثيرة، وله نظم حسن وقطع مستحسنة كلها في المعاني الصوفية. وكنت في زمان الشباب نظمت القصيدة الصوفية الهمزية التي مطلعها. واحيرة العشاق بالرقباء … حرموا الوصول لطيبة الوسعاء وهي نحو أربعين بيتا، فحملتها إليه، وأنشدتها بين يديه، ففرح بها غاية الفرح وجعل يدعو ويقول: بصرك الله لمعنيها وأطلعك على ما فيها، لأن الحال كان حال شبيبة، فاعتقد الشيخ رحمه الله أن ما أتيت به فيها إنما هو على
سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهود، والله يؤتي الفضل من يشاء. توفي رحمه الله ببجاية في غرة ذي القعدة عام سبعة وسبعين وستمائة. ومن شعره رحمه الله. أتت والليل ممدود الجن … تعود مسهدا رطب الجراح فقالت كيف أنت ولا جنا … فقلت العود يذهب بالجناح فوالهفي على الشكوى لسار … وواجزعي لا عجال الصباح
## $ 20 - أبو الحسن عبيد الله بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي 601 - 691 ه 1204 - 1292م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الولي الصالح العابد الزاهد، الموفق المنقطع المتخلي، أبو الحسن عبيد الله بن أحمد بن عبد المجيد بن عمر بن يحيى الازدي، من أهل رندة رحل إلى العدوة وتخير استيطانه ببجاية فاستوطنها. كان على سنن الفقهاء، وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له علم ووقار، وعمل مرضي مختار إذا رآه الناظر تبينت له ولايته، وظهرت له أن خير السعاية سعايته، وذكر من رآه قول النبي صلى الله عليه وسلم من أولياء الله فقالالذين إذا رءوا ذكروا اللهوكان منقطعا عن الناس، غير مخالط لهم، وكان يزوره القضاة والأمراء ومن دونهم، وكان لا يدخل نفسه في شيء معهم، وقلما يسأل أو يوجه في المسائل، وإن رغب السائل مع رغبة الناس أن يسألهم، ولكنه إذا تحدث في الشيء يقضي بفضل الله. وله دعاء مستجاب، وكرامات يستحسن ذكرها ويستطاب، وأكثر ما كان الناس يقصدونه ليدعو لهم فيعترفون ببركة دعائه. وكان متنزها عن مقالة المتلبسين، وشعوذة المشعوذين، غير مسامح في شيء مما يخالف ظاهر الشريعة ولا عامل على شطحات المتصوفة. ولقد مضى بمسجده أبو الحسن الفقير، المعروف بالطيار، مع صحب له من
الفقراء، ودخلوا عليه في وقت يحيا فيه المسجد فجلسوا من غير تحية، فأمرهم بالتحية، فقال له الطيار " ولذكر الله أكبر " وامتنع من الركوع، ووقع بينه وبينهم في هذا كلام، ولما ظهر منهم التوقف مع هذا المقال، وعدم النزوع عن هذا الحال، وقع العمل على نفيهم إلى المغرب، وإخراجهم من البلد. والنفي في حق هؤلاء وأمثالهم قليل، وإنما الواجب أن يعاملوا بأسوأ التمثيل. وهؤلاء جملة أغبياء لا علم ولا عمل ولا تصوف ولا فهم. وهم مع ذلك يجهلون الناس، ويعتقدون أن مبناهم على أساس، وما زال رحمه الله، متصل الأعمال، صالح الأحوال، إلى أن توفي رحمه الله ببجاية، في النصف الأول من ليلة الثلاثاء السابع لرجب عام إحدى وتسعين وستمائة، ودفن بعد صلاة الظهر بمقربة من الباب الجديد. وكان له مشهد عظيم، وقبره اليوم هناك مزور رحمه الله. وولد في عام واحد وستمائة.
## $ 21 - أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا الصدفي الطرابلسي 606 - 684 ه 1210 - 1285 م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، العالم المجتهد المحصل المتقن، الصالح المبارك، أبو محمد عبد المجيد بن أبي البركات بن أبي الدنيا، الصدفي الطرابلسي، وهذا الشيخ تعين ذكره وإن لم يوافق شرط الكتاب، لأنه لم يكن ببجاية، لكني لقيته بحاضرة افريقية وانتفعت برؤيته وتبركت بمشاهدته، وهو من الفضلاء الذين لا يسوغ الإخلال بذكرهم في المشيخة. هو أحد المشائخ الجلة بحاضرة أفريقية، رحل إلى المشرق وحج، ولقي الأفاضل عز الدين ابن عبد السلام وغيره، وقرأ وحصل ورجع إلى طرابلس واشتغل بها بالإقراء، وظهر أمره واشتهر خبره، فوجه إليه من حاضرة تونس واستدعى للسكنى بها من قبل ملك أفريقية رحمه الله، فوصل مرفع القدر جليل الخطر، وكان له رواء وسمت حسن، وكان له علم بالفقه وأصول
الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين، وكان في الفقه على طريقة القرويين، ولا يرى بالطريقة المتأخرة في الأصلين طريقة فخر الدين ومن تبعه، وكان ينكر علم المنطق، وكان يجلس للإقراء فتقرأ عليه الفنون الثلاثة الفقه وأصوله وأصول الدين. وله "عقيدة" في علم الكلام، وكان الطلبة يحفظونها ويقرؤونها عليه. وكان مقدما للفتيا بحاضرة افريقية، وما زالت فتاويه تصل إلى بجاية، وأما العدالة فهي صفته والموضوعة رقى عنها لأنه واضعها. وكان ذا ديانة، وفضيلة وصيانة، وما زال قدره رفيعا، وجنابه مكرما منيعا. ولي قضاء حاضره افريقية وهو من يتجمل القضاء به لأهليته الدينية والعلمية. ومن ديانته رحمه الله، إنه كان إذا عرض عليه الرقيق للشراء، وحصل بمنزله وحضر وقت الصلاة، يأمر أهل منزله بتعليمه الفاتحة وسورة، ويأمره بالصلاة، فان تم الشراء بينه وبين البائع، استمر الرقيق على حاله وإلا فيعود وقد حصل ما يحصل له الفريضة. أخبرني بهذا من عرض عليه رقيقه للشراء ولم يتم البيع بينهما، فعاد الرقيق لربه وأخبره بهذه الصورة. وهذا من العقل المرضي وديانته وصيانته وروعه معلوم لا يشك فيه. توفي بحاضرة أفريقية في عشر الثمانين وستمائة.
## $ 22 - أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن عتيق الغساني ... بعد 680ه ... 1281م ومنهم الشيخ الفقيه، القاضي الفاضل، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف ابن عتيق الغساني، من أهل الجزائر لقي المشيخة التي لقيها الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع، وكانت قراءتهما معا، ولقي الفقيه أبا علي ابن عبد النور الجزائري بالجزائر، ولقي بها أبا عبد الله ابن منداس وكان له فقه وأدب وعلم بالفرائض وإحكام لصناعة الوثائق، كان فيها تلو الفقيه أبي محمد عبد الحق السابق، وهو المصلي، ولم يكن أحد بعدهما يلحق بهما في وقتهما. وكانت له نزاهة ووجاهة ونباهة وديانة وصيانة، وله شعر رائق، وكتب أدبي فائق، وكان ينشئ البياعات والخطب والكتب السلطاني إنشاء وجوابا، تخطط بالعدالة وهي صفته، وتخطط بالقضاء ببجاية وطالت هدته فيه، وكان حاله فيه حال نزاهة وطهارة وعفاف، وقيام بحق الله على الواجب، وكان كثيرا ما يشاور أهل العلم والفضل، ويقف عند قولهم ويعمل على رأيهم وكان له رواء وسمت حسن، وكانت له فصاحة لسان، وتمام بيان، وكان معظما عند أهل بلده وعند ولاة الأمر، وبحضوره كان انعقاد المجلس، وكان مجلسه القاضوي معتدلا لا هو بالموسع ولا هو بالمضيق، ولقد جرت في مدته
خصومة لبعض الفقهاء، وكان يتحفظ فيها كثيرا فتارة قائم وتارة قاعد، فكان يقول إنما مثله كما قال الشاعر:- لا تظن ابن أقلش … ضل في الحكم يرتشي إنما الشيخ هلهل … فهو يصحو وينتشي فترى الحكم غدو … وترى النقض بالعشي وكان كثير ما يجري على لسانه رحمه الله هذا البيت: فياليت شعري أين أو كيف أو متى … يقدر ما لا بد أن سيكون وكان يحب الجري على طريقة سحنون ويؤثره، ولا جرم أن سحنونا هو قاضي قضاة المغرب، وما كان العمل بالمغرب إلا على قوله، كما كان العمل بالديار المصرية إلا على قول ابن المواز. صحبناه واستفدنا منه واهتدينا بهديه وتعرفنا بركة رأيه، رحمه الله وغفر له، توفي في عشر الثمانين وستمائة ومن شعره: لكل نبي دعوة مستجابة … وسيدهم طرا خباها لأمته إلى يوم لا يغنى عن المرء منط … فصيح ولا يدلي البليغ بحجته ويوم يفر المرء من ولد له … حبيب ولا يجزى أب بأبوته ترى الناس فيه بين باك وصارخ … وذاكر ما قد فات من فرط زلته فكل به حيران يندب شجوه … وسكران لا من خمرة بل بغمرته
وكل نبي يسأل الله نف … ويضرب صفحا عن سؤال لامته خلا شافع فينا كريم مشفع … به يشمل الله العباد برحمته إذا لم يطق شخص فعالا مخل … ولم يلف ما ينجيه من غمر حسرته يعمهم المختار أحمد بالذي … خبا لهم للحشر من فضل دعوته فمن ذا له فضل كفضل محمد … على امة أو من له مثل نعمته فيا ربه بلغ عبيدك قبر … ليحظى بتقبيل لطاهر تربته ويأنس في الدنيا به في جوار … ويدخل يوم العرض في أهل طيبته وجازه عنا بالذي أنت أهله … أعز الورى أنت الكفيل بمنته وصل عليه كلما لاح كوكب … وأجلى عمود الصبح ظلما لليلته
## $ 23 - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجي الشاطي ... 691ه ... 1292م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه القاضي العدل، الصدر المحصل المتقن المجيد، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى بن حزب الله بن محمد بن خلف الله بن عبد الرحمن بن يعقوب الخزرجي، الأنصاري ثم الشاطبي، وجده يعقوب هو الداخل هكذا اخبرني رحمه الله، لقيته ببجاية في مدة اجتيازه عليها إلى المشرق، ولقيته بعد ذلك في مدة قضائه بها. له علم محكم، وعقد صحيح مبرم، رحل وحج، وكانت رحلته بعد تحصيله فزاد فضلا إلى فضله، ونبلا كثيرا إلى نبله. كان له علم بالعربية وأصول الفقه، وله مشاركة في أصول الدين وفي قوانين الطب. له شرح على الجزولية سمعت عنه ولم أره، والذي يقع في النفس إنه جيد وكثيرا ما كانت المذاكرة تقع معه فيما يعد إنه من مشكلات القانون، فيجيد في الجواب عليه، وكان بحثه في أصول الفقه جيدا، وكان متأنيا في
فقهه لا يستحضر من النقل الكثير ولكنه يستحضر ما يحتاج إليه. وكانت له ديانة متينة، وكان سري الهمة رفيع القدر، تخطط بخطة القضاء في غير ما بلد، وكان أبوه قاضيا وبيتهم بيت علم وقضاء وتوارث سؤدد، ثم قضى ببجاية فكان في قضائه على سنن الفضلاء وطريق الأولياء والعقلاء، قائما بالحقوق، وقافا مع الصدق، معارضا للولاة فيما يخالف طريق الشرع ومبائنا لهم. ثم أنصرف عن بجاية فولى قضاء حاضرة أفريقية، فكان له فيها الظهور في أحكامه، والمضاء في قضائه ما اشتهرت آثاره، وتواترت أخباره. ولما توفى رحمه الله، عجز القضاة بعده هنالك على سلوك منحاه، واقتفاء سننه الذي اقتفاه، وكان رحمه الله، كثير التشديد في أمر الشهادة والشهود، يرى التنصل عنها عملا وتقديما، ولقد أخبرني رحمه الله، إنه ما شهد قط إلا شهادة واحدة دعته الضرورة إليها، وكان لا يرى أن يقدم الشهود إلا عند الحاجة، وأما إذا كان من تقع به الكفاية فلا يقدم، ويرى أن الكثرة مفسدة، وقلما كان يقدم رحمه الله. ولقد ذكر لي إنه عرض عليه في مدة ولايته بحاضرة أفريقية، أن يقدم رجلا من أهلها، ووقعت العناية به حتى بلغ الأمر إلى عناية الملك به، إلى أن شابه فيه فتمنع من ذلك وقال له: إذا شئتم أن تقدموه اخبروني وقدموا من تقدمونه، فقبلوا قوله فأقروه ولم يقدم الرجل، وكان إذا جرى الأمر في تحرير معنى الشهادة ويجري فيه ما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره، من أنها قول قبول الغير على الغير دليل، يرى أن هذا من الأمر العظيم الذي لا يليق أن يمكن منه إلا الآحاد، الذي تبين فضلهم في الوجود، وكان يرى أن جنايات الشاهد إنما هي في صحيفة من يقدمه من باب قوله، عليه السلام، من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة، وهذا كله باب احتياط وديانة، والشهادة أولى ما وقع التحوط عليه والنظر في أمره، ومنصب الشهادة من الأمر العظيم والخطب الجسيم.
وقد سئل الجنيد رحمه الله ورضي عنه، من أولياء الله؟ فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة، والشهادة إذا كانت صفة فلا شيء أجل منها، وإذا كانت خطة لا صفة، فلا شيء أنجس منها. توجه من قبل ملك أفريقية رسولا إلى صاحب الديار المصرية، فحمد مسعاه وشكر منحاه. وأخبرني رحمه الله، إنه لما كانت وقعة بني مرين بطنجة، عرض عليه أهلها أن يقدم وان يبايعوه، وكان قادرا على ذلك ومتمكنا بمعرفته ودهائه، فتمنع من ذلك وقال: "والله لا أفسد ديني ودنياي" وهذا من دينه وفضله وعقله ونبله، جازاه الله خيرا. توفي بتونس في الثامن عشر لصفر عام أحد وتسعين وستمائة.
## $ 24 - أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن ابن الغماز الأنصاري 609 - 693 ه 1212 - 1294 م ومنهم شيخنا، الشيخ الفقيه، الفاضل الجليل، القاضي الكبير الشهير، العدل الرصن، أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن، ابن الغماز الأنصاري من أهل بلنسية، ورحل إلى بجاية واستوطنها، ولقي المشائخ بها كأبي بكر ابن محرز وأبي المطرف ابن عميرة وأبي الحسن ابن أبي نصر وغيرهم وتخطط بها بالعدالة وهو بها حقيق، وجلس للوثيقة وكان ممن يشار إليه بالنباهة والرياسة والسياسة. ثم ارتحل إلى حاضرة أفريقية واستوطنها، وثبتت له بها خطة العدالة والشهادة، واستمر على التصدي للوثيقة فظهر وأشهر ونبل قدره وكبر. ثم ولي قضاء بجاية وولي إقامة صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، فظهر من
نبله في القضاء ومعرفته بوجوه الرد والإمضاء، ما عجز عنه من تقدمه من القضاة، وكان مقدما في فصل الأحكام وعارفا بمواقعها على التمام، وكانت له صلابة وسياسة ووقوف مع الحق، وكان في مدة ولايته ببجاية بعض ظلمة العمال، وكان يوافقه الموافقة التي تحمد، ويسلك من سبيل السياسة ما يعينه على حصول المقصد؛ ولما انفصل جيش بجاية مع جيش افريقية لحصار مليانة وبقيت البلاد شاغرة، عاث المفسدون في الخارج وأفسدوه وامتدت الأيدي ووقع هرج عظيم، فقام بأمر الناس، ووقف خير موقف، وحفر الحفير على البلاد وشيد ما احتاج إلى التشييد من الأسوار، وظهر من عقله وفضله ونبله وجده واجتهاد ما حمد به أمره وجل به قدره، وبعد انقضاء هذا العارض ورجوع الجيش إلى الوطن، استدعى لحاضرة أفريقية وقدم للقضاء بها، فظهر من أمره بها أضعاف ما ظهر ببجاية، وفصل من الأحكام ما كان متلبسا في المدة الطويلة قبله، وظهر قاضيا عمليا محكما، وسما عند المستنصر بالله وجاوز الحد والقياس، ولم يزل يخلع ولاية القضاء بحاضرة افريقية ويلبسها خلعا أحسن من لبس، ولبسا أحسن من خلع، لأنه كان لا يخلعها إلا لمثلها وما هو أسنى منها، ولم يكن الخلع لشيء أصلا. توجه إلى المغرب لبعض ملوكه عن المستنصر بالله، فكان يوصف من رياسته وعلو همته ما دل على فضيلته وانتخاب طينته، وكان محبوبا عند الناس لقربه منهم. تخلى في آخر عمره، رحمه الله، وجلس للرواية والتصحيح إلى أن مات رحمه الله. ولقد أخبرني بعض الطلبة، إنه كان يروي عنه وبقي عليه قدر يسير من الكتاب الذي كان يرويه، فحضه رحمه الله على تكميله وقال له: انك قد لا تجدني بعد هذه الأيام، قال: ولم يقعد بعدها إلا قدر ثمانية أيام وتوفي رحمه الله. رأيته ببجاية ولقيته بها ورأيته أيضا بتونس رؤية جيدة، واستفدت من أخلاقه ومن الاطلاع على أحكامه بحضوري مجلسه، ما انتفعت به كثيرا، ولد
بتاريخ يوم عاشوراء عام تسعة وستمائة، وهو يوم العقاب وكان يوم الاثنين الرابع عشر لصفر من عام تسعة وستمائة المذكور من ناحية جيان، وتوفي بتونس في يوم عاشوراء من عام ثلاثة وتسعين وستمائة. ومن نظمه بالزهد رحمه الله. هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة … وأنت على سوء الفعل عاكف وإياك أن تمضي من الدهر ساعة … ولا لحظة إلا وقلبك واجف وبادر بأعمال تسرك أن ترى … إذا نشرت يوم الحساب الصحائف ولا تيأسن من رحمة الله إن … لرب العباد بالعباد لطائف وله رحمه الله: أما أن للنفس أن تخشعا … أما أن للقلب أن يقلعا أليس الثمانون قد أقبلت … فلم تبق في لذة مطمعا تقضى الزمان ولا مطمع … لما قد مضى منه أن يرجعا تقضى الزمان فواحسرتي … لما فات منه وما ضيعا ويا ويلتاه لذي شيبة … يطبع هوى النفس مهما دعا وبعدا وسحقا له إذ غدا … يسمع وعظا ولن يسمعا
## $ 25 - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ المتصوف، الصالح العابد الزاهد، الولي المتخلي، أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم السجلماسي. لقي مشيخة فاضلة بالمغرب والمشرق، وأجل من يعتمد عليه الشيخ أبو محمد صالح رضي الله عنه، لقيته، قال بالمغرب ولزمته وأقمت في خدمته مدة، واخبرني إنه بقي أربعة أعوام على صورة المحرم بوزرة في وسطه وشملة على كتفيه، في خدمة الشيخ أبي محمد رضي الله عنه إلى أن ظهرت له الأسرار وتجلت له الأنوار. وكان قويا في علم التوحيد، وكان يرى أن التوصل إلى الحقائق إنما هو بالتوحيد، والترقي إلى أعلى المراقي إنما هو في التوحيد، ولا جرم أن هذا هو الأمر السديد، لأن أول الأمر إنما هو التوحيد، وآخره إنما هو التوحيد، ومصداق ذلك قوله عليه السلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللهوقوله عليه السلام: أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللهومنتهى الأمر قوله عليه السلام: من مات وهو يعلم لا إله إلا الله دخل الجنةفالتوحيد عصمة في الدنيا وعصمة في الآخرة، وهو مطلوب ابتداء وانتهاء وما بينهما. وكان رحمه الله، إذا وقع الاجتماع به، يشير بالسبابة والوسطى مفتوحتين ويقول: الدخول من ها هنا، يشير إلى أنها "لام ألف" وإنه يشير بها إلى "لا إله إلا الله" وكان يحض على أن يكون هجيرا للإنسان "لا إله إلا الله" وهذه
إشارة إلى جلال أبي بكر رضي الله عنه، وكان أيضا يشير أحيانا بأن يكون الهجيرلا إله إلا الله الحق المبين. وكان يرى أن اسم الله الأعظم هو في قوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وكثيرا ما يذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا إله إلا الله حصني من دخله أمن من عذابي) قلت وهذه المعاني كلها إنما هي التوحيد. وكان زاهدا لا يملك من الدنيا شيئا ولا يلتفت إلى الملك والملك ولا غير ذلك. وصحبته كثيرا وأخذت عنه واستفدت منه، وهو أحد من أخذت طريق التصوف عنه، عن الشيخ أبي محمد صالح، عن الشيخ أبي مدين، عن الشيخ أبي يعزى، عن مشائخهم رضي الله عنهم، وسند ذلك عندي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. توفي بقلعة بني حماد، وقبره مزور متبرك به، رحمه الله ورضي عنه.
## $ 26 - أبو الحسن علي بن محمد الزواوي -القرن السابع الهجري- ومنهم شيخنا الشيخ العابد الزاهد، المتقي الولي لله تعالى، أبو الحسن علي بن محمد الزواوي اليتورغي من جملة الأعلام المتقين، ومن الأكابر الذين يجب اعتقادهم في الدين، له عبادة وديانة، وصلاح وانقطاع، وزهد وولاية. وكانت له كرامات ظاهرة متواترة، وكان على سنن السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ليس عنده من التحريف ولا من التبديل ولا من خزعبلات المتلبسين شيء. ولقيته رخمه الله ببلد بني يتورغ بموضع سكناه منها وأنا على أول السن، ففرح بي وسر بي واستدناني لنفسه، وأخذ يقرأ ويقول ويمسح على رأسي ويجبذ بأذني إلى أن استوفى ما أراد أن يقرأه، وما شاء الله من ذلك، وأنا يومئذ في المكتب، وكان ذلك منه غير سؤال سأله وإنما فعله من تلقاء نفسه، فوجدت بركة ذلك وتعرفت يمنه وهو أحد أشياخي المباركين رحمهم الله. وأخبرني بعض من وثقت به، إنه لما حضرته الوفاة حضر ولده وبكوا عليه لفراقه واستوحشوا، فقال: "لا عليكم، مهما أصابكم أمر أو عارض فأتوا إلى قبري واذكروا شكواكم واسألوا الله يفرج عنكم" وما زال أولاده بعده مهما
عرض لهم عارض يفعلون ذلك فيجدون نفعه. وأخبرني بعض من وثقت به، أن رجلا ممن عرضت له ضرورة قوت أتاه يسأله أن ينظر له نظرا يستعين به، وكانت للرجل عائلة، قال: فدخل إلى منزله فأخرج لي أربعة أمداد قمحا وقال لي: " لا تتناول منها إلا وأنت على طهارة، ولا تناول منها امرأة ". فحملتها ولزمت ما قال لي، وكان ذلك في آخر الشتاء أوائل الربيع، فكفاني ذلك وعائلتي حتى وصلنا إلى الآكل من حراثتنا بعد دخول زمان الصيف. وهذه من كراماته رحمه الله ورضي عنه ونفعنا به آمين. فهذه المشيخة التي لقيتها وتخيرتها للمشيخة علي وانتقيتها، نفع الله بها وعرف العارفة الحسنى بسببها. ... وهذا أوان ذكر من بقي من العلماء الذين اشترطت في هذا الكتاب ذكرهم، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين.
## $ 27 - أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي ... - 611ه ... - 1214م فمنهم الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الولي الزاهد على التحقيق، المتوجه إلى الله بكل وجهة طريق، أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي وهو عندما يكتب اسمه يكتب الحسني "منسوب إلى بني حسن" من أقطار بجاية، والناس ينسبون فيه الحسناوي. ولد في "بني عيسى" من قبائل "زواوة" وقرأ رضي الله عنه أول أمره "بقلعة بني حماد" على الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن الخراط وغيره ثم ارتحل إلى المشرق، ولقي الفضلاء والأخيار والمشائخ من الفقهاء والمتصوفة وأهل طريق الحق. وكان، رحمه الله، منذ ظهر بانيا على ترك الدنيا والانقطاع إلى الدار الآخرة. استوطن بجاية رحمه الله بعد رجوعه من المشرق، وجلس بها لنشر العلم وبثه والدعاء إلى الله تعالى، فانتفع الخلق على يديه وظهرت عليهم بركته وفعلت فيهم سريرته الصالحة ونيته، ولم يكن أحد أجلد منه على القيام والصيام، وما كان عيشه، رضي الله عنه، إلا من المباح كالبقول المطروحة وما جرى مجراها وإذا اشتهى اللحم ينزل إلى البحر فيصيد السماك على الأحجار، وهي لحمه رضي الله عنه، وما من ناحية من النواحي إلا وله فيها مسجد معلم، وكلها معروف البركة. وكراماته رضي الله عنه أكثر من أن تحصى، ولو كتبت
لكانت مجلدات وأحواله كلها كرامات. وكان يجلس لعلوم الحديث ولعلوم الفقه ولعلوم التذكير، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخوف، ما يمر بمجلسه إلا ذكر النار والأغلال والسعير، وتكاد تفيض قلوب الحاضرين في مجلسه، هذا هو حاله دائما. وهذه الطريق، هي أحسن الطريق في الدعاء إلى الله تعالى، إذ جبل الله الخلق على أنهم لا ينفعلون غالبا إلا بالخوف، ولأجل هذا كان أكثر الشريعة تخويفا. وما زال رضي الله عنه مستمرا على هذا الحال إلى يوم وفاته، يبسط أمل الناس ورجاءهم في رحمة الله وفي سعة مغفرته، ومناهم بما عنده من كثرة الثواب، وإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه، وهذا طريق حسن، لأنه لم يبق عند لقاء الله إلا الطمع في رحمته والرغبة فيما عنده، لأن الخوف فائدته إنما هي الحض على العمل، وحين الموت انقطع العمل، ولم يبق إلا قوة الأمل لتلقى الله طيبة نفسه، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، حسبما اقتضاه الحديث. ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته، بخط الشيخ المقرئ، أبي العباس ابن الخراط وأنا أذكره بنصه، قال رحمه الله: أن وفاته كانت بعد صلاة العصر من يوم الجمعة، الرابع عشر من شهر رمضان المعظم من عام أحد عشر وستمائة، وتوفى في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض، وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم، وعلم من نحواها ما لم نعلم، إذ وثب قائما طيلسانه وطرح رداءه، وحسر رأسه وبسط يديه ومد ذراعيه، فأمسك عن القراءة، فتعوذ بصوت رفيع وبسمل، فافتتح بقول الله تعالى {قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ولم يزل يرددها ويكررها بتحذير وترنين، ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع، وأخذ يبين
لهم ما أعد الله من سعة الرحمة وأضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ثم قال: يا إخواني سألتكم بالله إلا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي، ولا تنسوني فإني جار لكم، ولست أنساكم، وأكثر من هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر إنه راحل من الدنيا، وان ذلك وداع منه للناس، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهودة منه، ولما حانت صلاة الجمعة وأخذ الناس في الرواح وجلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذن، خرج على الناس من زاويته، وجلس منصتا لاستماع الخطبة، فلما قضيت الصلاة، نصبوا له كرسيه واستوى عليه، وازدحم الناس ينظرون إليه، فأخذت في قراءة كتاب المسند الصحيح، من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصنيف الإمام الحافظ، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه، وهو ينظر إلي، فاعتراه شبه غشي أماله على جانبه الأيمن، فبادرت إليه مع بعض من قرب خشية السقوط، فحملناه وأدخلناه زاويته وأطبقنا الباب دونه، فبادر إليه من كان يخدمه من أهله وجلسنا ننتظر عاقبة أمره، إلى أن أذن مؤذن العصر وأخذ الناس في التنفل، ثم أقيمت الصلاة، فسمعنا في الزاوية حركة اغتسال نفهم منها تجديد طهارة، ثم سكنت تلك الحركة، وقد أدرك فضل صلاة الجماعة، ثم استلقى مستقبلا فقبض طاهرا صائما صامتا معتكفا في الجامع الأعظم، صحيحا سويا، دون مرض ولا ألم، قدس الله روحه، وبرد ضريحه، ونفع به وبصالح دعائه. وفشا الخبر في الناس، فتسابقوا إليه، وحشروا من كل ناحية عليه، وارتفع صراخهم واشتبكت أصواتهم، ونما ذلك إلى من كان له الأمر ببجاية حينئذ، فوجهوا نقيبا لصيانة جثته الطاهرة الزكية من ابتذال من يلي بها
ويقتحم للتبرك بما بين ثوبها. فلما جن الليل أمروا بحمله إلى روضته، وكلفوا أمناء بجهازه، ثم بادروا بأنفسهم وشهدوا الصلاة عليه على شفير قبره، ضحى يوم السبت، الخامس عشر المتقدم الذكر، ووقفوا حتى واروه عن الناس، وعزى الناس عن مصابهم بعضهم بعضا، رحمة الله عليه. انتهى كلامه رحمه الله. ومن أشياخه، الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، روى عنه الموطأ، والقاضي أبو سعيد مخلوف ابن جاره روى عنه "المصابيح" وكتبا عدة إجازة وسماعا، والإمام أبو طالب أحمد بن رجا اللخمي، قرأ عليه وأخذ عنه الأصلين حفظا واتقانا، والحافظ أبو طاهر السلفي صحبيه
وأخذ عنه إعجاز القرآن للخطابي، ومن شعر أبي طاهر: ما لي لدى ربي جزيل وسيلة … إلا اتباع نبيه ويقيني والدين حصن للفتى وعقيدتي … أن القليل من اليقين يقيني ومن شيوخه، رضي الله عنه أيضا، الإمام أبو عبد الله ابن بكرة الكركني قرأ عليه المذهب رواية ودراية، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي الضرير، والفقيهان الأخوان أبو عبد الله وأبو العباس الحضرميان عنهما الشهاب [أي شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والأدب من الأحاديث النبوية]
للقاضي والفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن سلامة، والزاهد أبو عبد الله المغاور، والشيخ أبو عبد الله السلاوي، وغير هؤلاء، رضي الله عنهم ونفعنا بالجميع آمين.
## $ 28 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعافري القلعي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه النحوي، الأستاذ المقرئ، الصالح المبارك، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد المعافري القلعي المعروف بابن الخراط، أحد الثقاة الاثبات، الصلحاء الرواة. قرأ بقلعة "بني حماد" ولقي بها مشائخ، منهم الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن عثمان التميمي، والأستاذ أبو الحسن علي بن شكر بن عمر القلعي، وأخذ عن الخطيب المقرئ النحوي، أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن محمد، المعروف بابن عفراء، والفقيه الفاضل الزاهد، أبي عبد الله محمد بن عبد المعطى، المعروف بابن الرماح، وغير هؤلاء. وانتقل إلى بجاية واستوطنها وأقرأ بها، وجلس للأستاذية وانتفع الناس به، وكان معروفا بالصلاح، وكان مرفعا مكرما. وكان حسن التلاوة صادق القراءة، كان إذا أحيا ليلة سبع وعشرين، يرغب الناس في القيام خلفه، لصدق قراءته والتبرك به، وسمعت أن أبا عبد الله
ابن يؤمن، والي بجاية في ذلك الزمان، كان يحضر الإحياء بالجامع ليلة سبع وعشرين، فما دام الأستاذ أبو عبد الله يقرأ، [فهو] يصلي ولا يركن إلى الجلوس، فإذا قرأ غيره ممن يعينه يجلس، وذلك بجامع القصبة المحروسة شرفه الله بذكره، خطب بالجامعين، الجامع الأعظم ثم غلب على الخطبة بجامع القصبة، لما علم من فضله وعلم من جلاله وصالح عمله.
## $ 29 - أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الموفق الموهوب من عطايا الله السنية، ما صار به اسمه المبارك جامعا بين اعتبار الإضافة والعلمية، وهو أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني جمع بين العلم والعمل، وبلغ في مراقي التقوى غاية الأمل. سمعت ممن أثق به، أن وليين من أولياء الله تعالى، وردا على منزله ضيفين وهو حديث السن، وكان بعيد الحفظ، فتوسما فيه سمة العلم والتقوى، وقوى في باطنهما إنه ممن يستحق مناصب أولي العلم والنهى، فاتفقا على الوجهة إلى الله تعالى في أمره، والضراعة إليه أن يفيض عليه من خيره، فأخذاه وأجلساه بين أيديهما، وجعلا يجذبان شعر رأسه وأذنيه ويقرءان عليه، ولا يظهر لهما في أمره جلاء وهما يقولان "لن تغلبا عليه لن تغلبا عليه" فلم يزالا كذلك إلى أن ظهر لهما أنجح حاله، وعقب مآله، فأرسلاه من أيديهما فظهرت عليه ظواهر الأنوار، وتبدت له غرائب وأسرار، وكان في نهاية الحفظ والإتقان لا يطالع شيئا إلا حفظه من ساعته. ولقد سمعت من بعض الشيوخ، رحمهم الله، إنه سمع بكتاب غريب عند بعض الطلبة، وإنه وجه إليه في نسخة فتعلل عليه، فطلبه أن يعيره له ليلة واحدة، فأسعفه لذلك فطالعه من أوله إلى آخره، فحفظه من ليلته فأعاد الكتاب إليه ثم أملاه من صدره.
وذكر لي أن اسمه الذي سمي به لم يكن "عطية الله" وإنما سمي بعطية الله بعد ظهور هذا الأمر عليه، فكان يقال عطية الله يكنى عن هذه المواهب التي وهبه الله. ثم غلب عليه هذا الاسم حتى أتسمه، وصار لا يعرف بسواه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ورزقنا الله بركة أوليائه وجعلنا من خواص الأصفياء بفضله.
## $ 30 - علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله 606 - 652 ه 1209 - 1254 م ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد الورع المبارك، أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله، من أهل بجاية، ولد بها سنة ست وخمسمائة وتوفي بها ليلة التاسع والعشرين لجمادى الأخيرة، من عام اثنين وخمسين وستمائة. كان له فضل وعلم ونسك وصلاح وديانة ووجاهة ونباهة، رحل إلى الأندلس وبعدها إلى المشرق، واستقر قراره ببجاية، وكان بها يروي ويسمع ويتفقه عليه، وله علو سند في الحديث. وانقطع في آخر عمره عن الناس وما زال رحمه الله منقطعا، وكان ملك الوقت يزوره في منزله ويغتنم مسرته، ويتلقى باليد والقبول حاجته. وكان ممن ظهرت له الكرامات وعرف بالأحوال السابقات. أخبرني غير واحد عن الفقيه أبي يوسف الزواوي رحمه الله إنه قال "مشيت إلى الفقيه أبي
الحسن رحمه الله رسولا عن الفقيه أبي العباس ابن عجلان أسأله في مسألة القائل "الحلال علي حرام" فلما وصلت إلى المنزل قبل أن أضرب الباب قال الفقيه لمن حضره في المجلس افتحوا لأخيكم فلان، فإنه جاء يسأل في مسألة الحلال علي حرام، قال ففتح الباب، فدخلت فسلمت على الشيخ، فقال لي: أمرك الفقيه أبو العباس أن تسألني عن مسألة الحلال علي حرام، سلم عليه وقل له أنت أولى بهذا مني، فإنك أنت اليوم مشتغل وأنا تارك". وهذه كرامات لا واحدة، وانظر إلى فضله رضي الله عنه، حيث أبي أن يفتي فيها وتورع عن ذلك الأمر إلى غيره، ولم يظهر إلا أن ذلك لاشتغال غيره وقصوره هو وذلك من فضله. ومن كراماته رحمه الله إنه كان له بنات كن مستترات، فسأل الله تعالى أن لا يطلع عليهن أحد، فمتن في حياته. وسمعت عنه، رضي الله عنه، إنه حج ثمان عشرة حجة، بعضها في آخر المائة السادسة، وبعضها في هذه المائة، نفعه الله بذلك. وقبره بمقربة من قبر الفقيه أبي زكرياء الزواوي رحمهما الله، وله رابطة بخارج باب أمسيون وهي اليوم دائرة. وشيوخه منهم أبو محمد ابن يونس بن يحيى الهاشمي سمع منه بمكة شرفها الله تعالى، وسمع ببيت المقدس من أبي الحسين ابن جبير وسمع بدمشق من أبي
القاسم عبد الصمد محمد المارستاني ومن أبي محمد عبد الواحد بن إسماعيل بن طاهر الدمياطي، وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الحسن بن عبد السلام، ويتصل سندنا بالفقيه أبي الحسن بن أبي نصر المذكور، من قبل الفقيهين أبي محمد بن ربيع، وابن كحيلة وغيرها. وسنده في البخاري عن الشريف أبي محمد ابن يونس بن يحيى بن أبي الحسن ابن أبي البركات، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن داود الداودي عن عبد الله بن أحمد ابن حمويه عن محمد بن يوسف عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل
البخاري المذكور، وهذا السند عال وقد روى عنه الأندلسيون ببجاية، لقصور سندهم عن هذا السند. روى عنه أبو بكر ابن محرز، فإن سند أبي بكر في البخاري، سند قاصر عن هذا السند، وهذا السند أعلى منه، وهو من أعلى الأسانيد ومن أحسن ما تلقى، وذكر الشيخ الصالح أبو عبد الله ابن القائد القصار رحمه الله، قال حضرت مع السيدين الصالحين، العالمين العاملين، أبي زكريا الزواوي، وأبي الحسن بن أبي نصر فتح بن عبد الله، نفع الله بهما ورضي عنهما، في عام خمسة وستمائة مجلسا، سأل فيه الشيخ أبو زكرياء الشيخ أبا الحسن عن رحلته إلى المشرق، وما رأى من الغرائب وما شاهد من العجائب، فقال له: حضرت بعض دروس العلم في عام اثنين وستمائة مع حفيد من حفدة سلالة الشيخ الطاهر المبارك عمار المعمر بما سبق له من بركة دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، ورغبت منه يرينيه لأتبرك به ففعل، ودخلت معه إليه، رضي الله عنه، فوجدته في مهد ملفوفا بقطن وعيناه تتقدان كأنهما اليواقيت، ولحيته كحلاء وقد تجددت بعد سقوطها، فسلمت عليه فرد علي فقال له حفيده: يا جداه هذا طالب من المغرب يقرأ معي، ورغب مني أن يراك ويتبرك بك وتدعو له، قال: فدعا لي رضي الله عنه بصوت خفي مفهوم سمعته، وقلت له يا سيدي، أنت رأيت سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم، فعساك تحدثني أرويه عنك وأرويه، فقال نعم، كان سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم يوصينا أن نكثر من القرآن بسور قلائل من
الكتاب العزيز، ويقول هي أمان من الفقر؟ قلت: هذه رتبة عظيمة حصلت لهذا العالم فإنه يعد بها من التابعين، وهذه القضية معلومة النقل عن الشيخ رحمه الله، وذكر أن سكنى هذا المعمر، بلدة "قطنة" وهي آخر بلاد الترك من
جهة اليمين عن يمين السد، سد اسكندر المحجوب، به ياجوج وماجوج. وهذا سد يعلي المتأخرين ويلحقهم بأكابر المتقدمين نفعنا الله بهم.
## $ 31 - أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي ... 638ه ... 1241م ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المطلق، الزاهد الورع، بقية السلف وقدوة الخلف، نسيج وحده، أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي. كان بدء أمره بمراكش، ثم تخلى عن الدنيا ورحل إلى المشرق، وكان ذلك بعد أن حصل من العلم ما سبق به أبناء وقته، ثم قذف قلبه من نور الله تعالى، ما اقتضى إخلاص العمل لآخرته. ولقي بالمشرق جلة العلماء ونقاية الفضلاء من جملة من لقي بالمغرب أبو الحسن ابن خروف وأبو الحجاج ابن هوى وممن لقي بالمشرق الإمام أبو
عبد الله محمد القرطبي إمام الحرم الشريف. قال رحمه الله، تعلمنا عليه الفاتحة في نحو من ستة أشهر، وكان يلقى في التفسير قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، إلى أن من الله ببركات ومواهب لا تحصى، مما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، وعلى أحكام تلك القوانين، وضع هو، رحمه الله تعالى، الكتاب المسمى "مفتاح الباب المقفل على فهم القرآن المنزل" وهو ممن جمع العلم والعمل. أما علمه، رحمه الله، فإنه قد جمع فنون العلم بجملتها واستولى على كليتها، أما علم الأصول، فأصول الدين وأصول الفقه هو اعلم الناس بها، وقد صنفت فيها، وأما معقولات الحكماء فهو أعلم الناس بالمنطق، وله فيه تصنيف سماه "بالمعقولات الأول" وأما علم الطبيعيات والإلهيات فكان أعلم الناس بها. أخبرني شيخنا أبو محمد عبد الحق، رحمه الله، قال لي: كنا نقرأ عليه "النجاة" لأبي علي ابن سينا فكان ينقض عراه نقضا، وذلك بعد أن يوضح منه ما يليق، ويقرره بأحسن طريق، ثم ينقضه ويوهنه.
وأما علم التعاليم فكان أعلم الناس بها، وأما علم الفقه فكان اعلم الناس به منقوله ومعقوله، وقد توهم بعض من لا يعرفه، لما رأى من استغرق الشيخ رحمه الله، في فنون من العلم إنه قاصر فيه. وأخبرني شيخنا، الفقيه أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، رحمه الله، قال: لما ظهر للشيخ رحمه الله من فقهاء وقته، أنهم اعتقدوا، إنه لا يعرف فقه مذهب مالك، رضي الله عنه، علم معرفتهم به، قال فكان إذا أقرأ "التهذيب" يبين في كثير من مواضعه، إنه مخالف لأصل المدونة ومغاير لها، ويأمر بالأصل فيقاس فيبين المخالفة بينها وبين ما وقع لمالك وأصحابه في الكتب التي وقع فيها النقل، حتى يقررهم في طريقهم. وأما علم التفسير، فكان يورد الآي ويناسقها نسقا بديعا ويتكلم فيها بما لم يسبق إليه، وله "تفسير" على كتاب الله تعالى، سلك فيه سبيل التحرير، وتكلم عليه لفظة لفظة وحرفا حرفا. وكان وقوع الكلام بينه وبين الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، إمام الديار المصرية في زمانه، على التفسير، وطلب أن يقف على شيء منه، ولما وقف عليه قال أين قول مجاهد أين قول قتادة أين قول ابن عباس وأكثر القول في
هذا المعنى، ثم قال يخرج من بلادنا، ولما بلغ كلامه الشيخ رضي الله عنه وأمره بما أمره به، قال هو يخرج ويقيم عبد الله، فكان كذلك. ووقع بينه وبين صاحب الديار المصرية كلام، فقال له البلاد لك أو لنا؟ قال لك، فقال أخرج من بلادنا، فخرج من البلاد، وكان ذلك من إحدى كراماته رضي الله عنه. والشيخ رحمه الله، سلك في تفسيره مسلك البيان والإيضاح، على نحو ما يقتضيه علم العربية وعلم تنقيح المعقول، وما يبقى وراء هذا، سوى علم الأسباب التي عند النزول، وعند الحاجة إليها لابد من ذكرها. وعلم الحديث كان له فيه تقدم وعلو سند، وعلم العربية لغة وأدبا ونحوا كان متقدما فيه. له التآليف الحسنة، وله الشعر الفائق الرائق غزلا وتصوفا، وله في علم الفرائض ما لم يسبق إليه. وأما علم التصوف فهو فيه الإمام، وله التآليف الحسنة فيه البينة السهلة. وبالجملة فحيث تكلم في علم، يعتقد الناظر إنه لا يعرف غيره، وأكثر كلامه إنما هو إصلاح العلم وحال العلماء. ومن طالع كلامه وتأمله، يعرف ذلك، وما من علم إلا وله فيه تصنيف وتأليف، وهو من أحسن التصانيف وأجل التآليف، ولعمري أن كتابه في علم الفرائض المسمى بالوافي ما رأيت مثله في ذلك الفن، لأنه أعطى الفرائض موصلة مفصلة معللة باخصر بيان وأوضح تبيان، وكذلك كل ما طالعته من كلامه
في أصول الفقه، وأصول الدين، وعلم المنطق، وعلم العربية، وعلم التصوف، وعلم الفرائض، وغير ذلك من سائر ما تحدث فيه، رضي الله عنه، له فيه التقدم والتحكم. وأما خلقه، رضي الله عنه، فكان أحسن الناس خلقا، ولقد سمعت عنه، رضي الله عنه، إنه قال: أقمت عازما في جهاد النفس مدة من سبعة أعوام حتى استوى عندي من يعطيني دينار أو يذرني. ومن حسن خلقه، رضي الله عنه، إنه كان مبتلي بإطلاق الناس عليه وإسماعهم ما لا يليق في جهته، فجاءه رجل يوما وسكين نصلة في يده، فقال له جئت لقتلك، فلاطفه وقال له اجلس واسترض على نفسك، فجلس، فقال له على ماذا تقتلني؟ فقال له قيل لي عنك إنك كافر، فقال له: الناقل أن كان عندك كاذبا فما يحل لك قتلي، وإن كان صادقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فجدد الرجل إيمانا بين يدي الشيخ، وتاب على يديه وصار من تلاميذه. وكان معظما لأهل البيت، محترما لهم معترفا بالاسترقاق لهم والعبودية، وإذا قدم عليه أحد من أهل البيت يقوم له من مجلسه ويتمثل بين يديه حتى ينفصل. ولقد دخل عليه يوما رجل غريب، ذكر له إنه شريف، فعظمه واحترمه، وكان عليه طاشور مليح يساوي جملة كبيرة من الدراهم، فنزعه ودفعه للرجل، ولما انفصل الرجل، قال له رجل ممن حضر، هذا رجل غريب وهو فلان من أهل مراكش، فقال له الشيخ عرفنا من عاملنا، يعنى إنه فعل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان الرجل صادقا فجيد وإلا فقد بلغت النية. [أحوال زهده وكراماته رضي الله عنه] : أما زهده فإنه كان زهدا
حقيقيا بالظاهر والباطن، بالترك للدنيا كلها وعدم الميل إلى شيء منها، وكان ذلك عن طيب نفس ورضى بأن الدنيا لم تكن عنده شيئا، وكان كل ما يرد عليه منها ينفصل عنه من ساعته ولا يتمسك منه إلا بحاجة وقته، ولقد زهد، رضي الله عنه، حتى في الكتب، فإنه لم يكن عنده منها شيء، وكان لا يفتقر في مواعيده إلى مطالعة أو مراجعة شيء، لإحاطته وتحصيله، وجميع ما صنفه من الكتب ما كان يراجع فيه كتابا ولا يطالع فيه سوى مجرد فكره وتسديد نظره. وسمعت انه، رحمه الله، أصبح يوما ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت له جارية هي أم ولده تسمى كريمة، وكانت سيئة الخلق، فاشتدت عليه في الطلب وإن الاصاغر لا شيء لهم، فقال لها الآن يأتي من قبل الوكيل ما ينتفعون به فبينما هم كذلك، وإذا الحمال يضرب الباب بشكارة قمح، فقال لها يا كريمة ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: وما يصنع بالقمح ومتى يصنع، فأمر به فتصدق به، وقال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيرا وبدا لها في صدقته وتكلمت بما لا يليق من القول، فبينما هم كذلك، وإذا بحمال بشكارة سميد، فقال لها هذا السميد أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك ولا رضيت، وتكلمت بمثل ما سبق من كلامها، فأمر أيضا بصدقته، ولما تصدق به زادت في المقال، فبينما هم كذلك وإذا برجل على رأسه كاملة فقال لها يا كريمة، قد كفيت المئونة، هذا الوكيل قد علم بحالك، فأغناك عن أعمالك. وعلى مثل ذلك، كان حاله رضي الله عنه، وهذه المسألة جمعت الزهد والكرامة، وأنا أن شاء الله أذكر من كراماته ومكاشفاته، ما يدل على قدره وبهجة أمره رضي الله عنه.
حدثنا شيخنا الفقيه أبو عبد الله التجيبي الأديب قال: اجتمعنا في مدة قراءتنا عليه بجمع من الطلبة في نزهة، واجتمعنا على ما يجتمع عليه الشباب من أهل الطلب، وأسقطنا المحاشمة وجرينا على حال الطيب والمكارمة، وكان من جملة ما صنعناه أن أخذنا حليا من زينة النساء وحلينا به بعض أصحابنا، وأصبحنا للحضور بمجلس الشيخ رحمه الله على جري عادتنا، ولما جرت موجبات الاستدعاء للمحاورة ومقتضيات المذاكرة، أخذ صاحبنا الذي كان الحلي في يده يتحدث ويشير بيده، فقال له الشيخ رحمه الله: "يد يجعل فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد" فبهتنا وقلنا؛ كما اطلع الشيخ على هذا كذلك اطلع على غيره، فجددنا المتاب واجمعنا على ما يقتضى صلاح المئاب. ومن كراماته رضي الله عنه، ما ذكره من أمره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم السلاوي، قال: كنت ببجاية، فأصاب الناس جفوف عظيم، وقلت المياه، وجف أمسيون ووصل الزق إلى أربعة دراهم، وكان الناس يملئون الماء من الوادي الكبير، قال فبعثني رحمه الله إلى بعض دور أصحابه وسقيت برمة ماء من ما جلها إلى داره رحمه الله، وأمرني رضي الله عنه، أن أسوق منها الماء للفقراء يشربون، قال: فامتنعت كريمة وانتهرتني، فسمع كلامها، فقال لي: قل لها يا كريمة، والله لا شربن من ماء المطر الساعة، وهو قائم بالمسجد، مسجد الإمام المهدي رضي الله عنه، قال: فرمق السماء بصره ودعا الله تعالى، ورفع يديه وشرع المؤذن في الآذان، فانعقدت السحب وتراكمت، ولم يختم المؤذن أذانه بقول "لا إله إلا الله" حتى كان المطر كأفواه القرب، وروى الناس وأغدقوا، فرأيته قال: ينصب يده المباركة للمطر ويشرب ويغسل وجهه، ويقول: مرحبا بقريب عهد من ربه. ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثني شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق
بن ربيع رحمه الله، قال: لما قدم شيخنا الفقيه أبو الحسن بجاية أراد الجلوس بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، ولما حل به، منعه المؤذن من ذلك وقال له: هذا الموضع محترم، ولا يتكلم فيه إلا عن أمر، فقال له يأذن الفقيه في ذلك ويقع الكلام أن شاء الله. ثم سار إلى قبر الشيخ أبي زكرياء رحمه الله وصلى في مسجده ركعتين، وجلس عند قبره المبارك وتحدث، وقال من كان معه من أصحابه قد أذن رضي الله عنه، ولما كان بالغد أتى المسجد فوقف المؤذن فسلم عليه، وقال الشيخ وصلك الأذان؟ فقال له نعم يا سيدي الفقيه، رأيت سيدي الفقيه وقال لي يتكلم أخونا، فتكلم في مسجده عن إذنه رحمه الله. ومن كراماته رضي الله عنه، ما سمعت عن غير واحد ممن أثق به، إنه كان يوما يسير إلى باب البحر وبعض من خواص أصحابه معه، وإذا بشخص يتمايل سكرا، فألقى يده في الشيخ وقال له: يا سيدي ادفع لي ما أتم به هذه السكرة، فانتهره الناس، فقال لهم لا عليكم دعوه، فتركوه، فأخذ سرواله ودفعه إليه لأنه لم يكن عنده غيره، فانفصل الرجل والسروال في يده، فنقد هذا بعض من رآه، وسلم بعض من هو من أهل الباطن، وسار الفقيه مع أصحابه إلى المسجد، فبعد ساعة وإذا بالرجل قد وصل تائبا منيبا، وهذا بظاهره معترض وبباطنه لأهله مسلم، وما هي إلا قضية حضرية. ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثنيه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمه الله، قال: كانت امرأة من معارف الشيخ رحمه الله، وكان لها ولد يشرب الخمر ويجني على نفسه، فكانت تشكو للشيخ رحمه الله، فكان يقول لها قولي له يشرب بالكؤوس الكبار، لماذا يشرب بالكؤوس الصغار، فكانت تجد من ذلك في نفسها وتقول: أسأله ليدعو لي ليخفف أمره، فيأمره بالإكثار، قال فسألناه عن ذلك، فقال: قد جرى القدر بمقادير يشربها من الخمر، ولا بد من نفوذ ما جرى به القدر، فإذا شربها بالكؤوس الصغار طالت المدة وإذا
شربها بالكؤوس الكبار قصرت مدتها. قلت وحقيقة هذه المسألة أن الشيخ رحمه الله كشف له عن أمره وعن حقيقة خبره، قال: ولم يمض من المدة إلا مقدار يسير، ثم أن الشاب قد تاب وحسن حاله ببركة الشيخ رحمه الله. ومن كراماته رضي الله عنه، ما حدثني به غير واحد من أشياخي عنه، إنه وصف كل واحد منهم بوصفه، ووسمه بوسمه، من خطة وتحصيل وغير ذلك، ممن انتهت إليه أحوالهم وسمت إليه آمالهم، فمن وصفه بالقضاء رقي إليه، ومن خصه بالتدريس والفتيا اظهر عليه، ومن خصه بالزهد واستجابة الدعوة عرف ذلك منه، هذا في أصحابه ببجاية وغيرها. وهذا من مكاشفته رضي الله عنه. أما الفقهاء، الفقيه أبو محمد ابن عبد العزيز بن كحيلة والفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع والفقيه أبو محمد عبد المنعم بن عتيق فقد أخبرهم عن أحوالهم وعن مآل أمرهم، وأخبر الفقيه أبا محمد عبد المنعم بن عتيق رحمه الله، بالمحنة التي عرضت له في آخر عمره، وما زال رحمه الله يتوقعها، وكثيرا ما كان ينشد رحمه الله هذا البيت، ويضرب على يده اليمنى باليسرى وهو: فياليت شعري أين أو كيف أو متى … يقدر ما لا بد أن سيكون حتى قدر وكان. ومن هذا ما ذكره أبو عبد الله السلاوي قال: كنت جالسا معه ومعنا عبد الواحد الكاتب، وعبد الحق الفقير خديم الفقراء، فقال الشيخ: عهدي بعبد الواحد يتعلم السماع المشرقي ويسير إلى المغرب، ويصحب ملكه، وينال معه عزا وجاها في الدنيا، وأما هذا السلاوي فحيث
ما حل يكون إمام المسلمين ويعلم القرآن العظيم، وأما عبد الحق فإنه يدرس حتى يموت، قال: فكان الأمر كما قاله الشيخ. قلت عبد الواحد الكاتب هو المعروف بأبي دينار، وقد نال مع أمير المؤمنين المستنصر فوق ما ينال، وأزيد مما يقدر إنه تعالق به الآمال. وها نحن نذكر بعض ما تخيره ذكرا، ونورد طرفا من تصوفه شعرا. كانت له رحمه الله ورضي عنه، أذكار وأوراد، فمن جملة أذكاره حزبه الذي كان يلازمه بعد صلاة الصبح، كان رضي الله عنه، يجلس في مصلاه بعد صلاة الصبح متربعا ويقول: استغفر الله العظيم، الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم، مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين، مائة مرة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله أكبر وسبحان الله، وبحمده ولا حول ولا قوة إلا بالله استغفر الله، الأول الآخر الظاهر الباطن، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ سبحان من في السموات عرشه، سبحان من في الأرض موضع أثره، سبحان من في البحر سبيله، سبحان من في الجنة رحمته، سبحان من في النار عقابه، سبحان من سبقت رحمته غضبه، سبحان من لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، عشر مرات؛ يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك، مائة مرة؛ يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، عشر مرات؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، إلى قوله وكذلك تخرجون. [ومن قوله تعالى] {هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} إلى آخر السورة، ثلاث مرات؛ ثم الأسماء الحسنى التي تضمنها الحديث، {هو الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} إلى آخرها، وهو اسمه تعالى الصبور، ويختمها بقوله: {هو الله الذي لا إله إلا
هو} والحمد لله رب العالمين. ويذكر بعد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو مضمونه، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سأله عن سببه أو عن سنته، فقال المعرفة رأس ما في، العقل أصل ديني، الحب أساسي، الشوق مركبي، ذكر الله أنسي، الثقة كنزي، الحزن رفيقي، العلم سراجي، الصبر ردائي، الرضى غنيمتي، الفقر تجري، الزهد حرفتي، اليقين قوتي، الأرق شفعتي، الطاعة حسبي، الجهاد خلقي، قرة عيني في الصلاة. وفي رواية وثمرة فؤدي في ذكره، رغمي لأجل شوقي إلى ربي، ثم يقرأ سورة "يس" و"الدخان" و"الواقعة" قراءة بطيئة، بتأمل وتفهم. هذا هو منتهى حزبه رضي الله عنه. وتوفي رحمه الله بحماه من بلاد الشام، سنة سبع وثلاثين وستمائة، هكذا ذكر القضاعي في التكملة، وذكر بعض الناس إنه لما رجع من المغرب إلى بلاد مصر، كانت إقامته منها ببلاد بلبيس، واجتمع عليه بها كبراء أهلها وأخذوا عنه وأتبعوه، وكان قصده التوجه إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتهيأ له إليها مسير، فتوجه إلى الشام ولم يستصحب معه ولده ولا أحدا من أصحابه إلا زوجة خاصة، وذلك والله أعلم لما علم إنه يموت هنالك، فلما وصل إلى الشام كانت إقامته منها بحماه حرسها الله، فأقبل عليه وأخذوا عنه، فلما قرب موته قال لأصحابه: "إذا كان يوم الثاني عشر من شعبان، نسافر عنكم" فقرب الشهر ولم يروا عليه أهبة السفر، فتعجبوا من ذلك، وكان به الإسهال، فلم يزل يزيد به الإسهال حتى انحله، ولم ينقص من أوراده شيئا رضي الله عنه مع
قلة الأكل، فلما كانت ليلة الثاني عشر من شعبان، دعا خواص أصحابه وأمرهم أن يحضروا عنده وأن يوقدوا الشمع ويؤنسوه بقراءة القرآن، ففعلوا ذلك، وأمرهم أن يأتوه بماء زمزم ليشرب فأتوه فشرب؛ وكانوا معه ليلتهم، فلما أصبحوا أمرهم أن يأتوه بكفن على وفق السنة فأتوه به، فأمرهم أن يحفروا قبره في موضع اختاره، ثم قال لهم إذا أذن العصر أموت، فقالت له زوجته: كيف أصنع ما لي صبر؟ فقال لها: يصبرك الله. ولقد شهد الحاضرون أنهم لم يروا لها جزعا بعد موته، فلما كان عند العصر سأل أصحابه: هل حان الوقت؟ فقالوا له هذا المؤذن يؤذن بالعصر، وحكى المؤذن، فلما كان آخر الأذان توفى رحمة الله عليه ورضوانه لديه، وكان قال لهم لا يحملني إلا الفقراء، ولا تخبروا بي أحدا حتى أجعل على الألواح وذكرت زوجته إنه لما كان قرب موته قال لها: إني رأيت سليمان الفارسي وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، جاءوا ليأخذوني معهم، فتوفي رحمه الله عند أذان العصر في اليوم الثاني عشر لشهر شعبان المكرم عام ثمانية وثلاثين وستمائة. وقال بعض أصحابه: لما كان عند موته ذكر جميع أصحابه ودعا لهم،
وقال قبل ذلك "إن الله وعدني أن يكون لي اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون صاحبا" شك الراوي في ذلك، وقال أربعة من أصحابي التمسوا منهم الدعاء، فذكر منهم، أعني من الأربعة، فخر الدين أبا الطاهر عبد المجيد بن سراقة رضي الله عنه ونفعنا به وبمحبتنا فيه، وحشرنا معه بمنه وكرمه، إنه منعم كريم وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. ومن شعره رحمه الله في التحقيق: ومذ عنك غبنا ذلك العام إننا … نزلنا على بحر وساحله معنى وشمس على المعنى تطالع أفقنا … فمغربنا فينا ومشرقها من ومست يدانا جوهرا منه ركبت … نفوس لنا لما صفت فتجوهرنا فما السر والمعنى وما الشمس قل لنا … وما غاية البحر الذي عنه عبرنا حللنا وجودا اسمه عندنا الفضا … يضيق بنا وسعا ونحن فما ضقنا تركنا البحار الزاخرات وراءن … فمن أين يدري الناس أين توجهنا وله أيضا رحمه الله: ما لنا من سوى الحال العدم … ولبارينا وجود وقدم نحن بنيان بنته حكمة … وخليق بالبنا أن ينهدم نحن كتب الله ما يقرأه … غير من يعرف ما معنى القلم أحرف الكتب الذي أبدعه … كلما لاحت معانيه انعجم أشرقت أنفسنا من نوره … فوجود الكل عن فيض الكرم فترق النفس عن عالمها … باختباء ليس تدنيه الهمم ليس يدري من أنا إلا أنا … ها هنا الفهم عن العقل انبهم عجبا للكل فيما يدعي … وتأتي الكل إلا ما حكم كلما رمت بذاتي وصلة … صار لي العقل مع العلم جلم يقطعاني بخيالات الفنا … عن وجود لم يقيد بعدم
## $ 32 - أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي الشهير بسيدي محي الدين بن عربي 560 - 638 ه 1165 - 1240 م ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الحافظ المتصوف المحقق، أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي المعروف بابن سراقة، ويلقب بمحي الدين، ويعرف بابن العربي، أصله من مرسية وسكن اشبيلية. له من التآليف ما هو أكثر من
الكثير كلها في علم التصوف. وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلما طلب الزيادة يزداد. رحل إلى العدوة ودخل بجاية في شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة من الأفاضل. وذكر لي إنه دخل بجاية في التاريخ المذكور، قال: رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم في السماء إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية، ثم لما كملت نكاح النجوم، أعطيت الحروف فنكحتها، ثم عرضت قصتي هذه على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، فقلت للذي عرضتها عليه لا تذكرني، فلما ذكر المنام له استعظم ذلك وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلوية، وعلوم الأسرار وخواص الكوكب، ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة وقال: أن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة، فهو هذا الشاب الأندلسي الذي وصل إليها. قال: ثم شرع في السفر واستقر به القرار، واطمأنت به الدار، وألف التآليف وكثر التصانيف، وفيها ما فيها أن قيض الله من يسامح ويسهل ويتأول الخير سهل المرام، ويسلك فيه سبيل الأفاضل الكرام، وإن كان ممن ينظر بحسب الظاهر، ولا يسامح في نظر ناظر، فالأمر صعب، والمرتقى وعر. وقد نقد عليه أهل الديار المصرية ما صدر عنه من المصادرات، وعملوا على إراقة دمه كما أريق دم الحلاج وأشباهه، وكان الشفيع له في تلك القضية
والمخلص له في تلك المحنة، الشيخ أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله البجائي رحمه الله، ما زال ساعيا في أمره ومظهرا من وجوه التأويل في شأنه ما اقتضى الإعراض عن زلته، والمسامحة في هفوته. ولما وصل إليه بعد خلاصه، قال له الشيخ رحمه الله: كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له: يا سيدي، تلك شطحات في محل سكر ولا عيب على سكران. وتوفي رحمه الله في نحو الأربعين وستمائة. وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي، وقد روى عن غيره وأجاز لأهل عصره وان أحب الرواية منه.
فهرست مؤلفات ابن عربي 1
بسم الله الرحمن الرحيم [أ-ب] قال الشيخ الإمام الأكمل الأوحد الفرد الراسخ أبو عبد الله محمد ابن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي رضي الله عنه. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد فقد سألني بعض الأخوان أن أقيد له في هذه الوراق جميع ما صنفه وأنشأته في طريق الحقائق والأسرار على طريق التصوف، وفي غير هذا الفن، فقيد له -وفقه الله- في هذا الفهرس ما سأل. إلا أن بعض هذه الكتب التي أنا ذاكرها هنا أن شاء الله تعالى، وهي قليلة، كنت أودعتها عند شخص لأمر طرأ، فلم يردها علي ذلك الشخص إلى الآن. وكل ما بأيدي الناس اليوم إنما هو مما لم نودعه عنده. ومنها ما كمل -وهو الأكثر- ومنها ما لم يكمل -وهو القليل-. وما قصدت في كل ما ألفته مقصد المؤلفين ولا التأليف، وإنما كان يرد علي من الحق تعالى موارد تكاد تحرقني: فكنت أتشاغل عنها بتقييد ما يمكن منها، فخرجت مخرج التأليف لا من حيث القصد. ومنها ما ألفته عن أمر إلهي أمرني به الحق في نوم أو مكاشفة.
وأنا أبتدئ بذكر الكتب التي أودعتها وليست بيدي اليوم ولا بيد غيري فيما أظن. فإني ما أطلعت لها على خبر من ذلك الوقت إلى الآن. ثم أذكر الكتب التي بأيدي الناس اليوم، والتي بيدي وما خرجت إلى الناس لانتظاري في إظهارها ما عودنيه الحق من صدق الخاطر الرباني، وهو الأمر الإلهي الذي عليه العمل عندنا، وبالله نستعين.
فصل في ذكر الكتب المودعة. فمنها في الحديث
(1) اختصرت المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج لنفسي. (2) وكذلك اختصرت مصنف أبي عيسى الترمذي. وكنت ابتدأت كتابا سميته. (3) المصباح في الجمع بين الصحاح. وكذلك ابتدأت في (4) اختصار المحلى لابن حزم الفارسي و (5) كتاب الاحتفال فيما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سني الأحوال. [2 - ا]. وأما ما كان منها من علوم الحقائق في الطريق الصوفي: فمن ذلك (6) كتاب الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل: أكملت منه إلى قولهوإذ قال موسى لفتاه لا أبرح. وجاء بديعا في شأنه، ما أظن على البسيطة من نزع في القرآن ذلك المنزع: وذلك أني رتبت الكلام فيه على كل آية على ثلاثة مقامات: مقام الجلال أولا، ثم مقام الجمال، ثم مقام الاعتدال، وهو البرزخ من حيث الورث الكامل المحمدي: فهو مقام الكمال. فآخذ الآية من مقام الجلال والهيبة فأتكلم والهيبة فأتكلم عليها حتى أردها لذلك المقام بألطف إشارة وأحسن عبارة. ثم آخذها بعينها وأتكلم عليها من مقام الجمال -وهو يقابل المقام الأول- حتى أردها كأنها إنما أنزلت في ذلك المقام خاصة. ثم أخذ تلك الآية
بعينها وأتكلم عليها من مقام الكمال بكلام لا يشبه الوجهين المتقدمين. وفي هذا المقام أتكلم على ما فيها من أسرار الحروف والكلمات، والحروف الصغار التي هي الحركات والسكون الحي والسكون الميت أن كان فيها من ذلك شيء، والنسب والإضافات والإشارات وما أشبه ذلك. فإذا فرغت من ذلك انتقلت إلى الآية التي تجاورها وما فيه كلمة لأحد أصلا إلا أن كان استشهادا وهو قليل. و (7) كتاب الجذوة المقتبسة والخطرة المختلسة. و (8) كتاب مفتاح السعادة في معرفة المدخل إلى طريق الإرادة. و (9) كتاب المثلثات الواردة في القرآن مثل قول الله تعالى {لا فارض ولا بكر، عوان} وقوله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} و (10) كتاب المسبعات الواردة في القرآن مثل قوله {خلق سبع سموات}، وقوله تعالى {وسبعة إذا رجعتم} و (11) كتاب الأجوبة على المسائل المنصورية: وهي نحو مائة سؤال سألني عنها صاحب لي اسمه منصور. و (12) كتاب مبايعة القطب في حضرة القرب: [2 - ب] يحتوي على مسائل جمة من مراتب الأملاك والمرسلين والنبيين والعارفين والروحانيين ما سبقت في عملي إليه. و (13) كتاب مناهج الارتقاء إلى افتضاض أبكار البقاء المخدرات بخيمات اللقاء: يحتوي على ثلاثمائة باب في كل عشرة مقامات. فهو يتضمن ثلاثة آلاف مقام. و (14) كتاب كنه ما لا بد منه. و (15) كتاب المحكم في المواعظ والحكم وآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم. و (16) كتاب الجلا في استنزال روحانيات الملأ الأعلى. و (17) كتاب كشف المعنى عن سر أسماء الله الحسنى. و (18) كتاب شفاء الغليل في إيضاح السبيل في الموعظة. و (19) كتاب عقلة المستوفز في أحكام الصنعة الإنسانية وتحسين الصفة الإيمانية. و (20) كتاب جلاء القلوب. اتفق في هذا الكتاب عجيبة: وذلك أني لما وضعته أخذ منه كل واحد من إخواننا كراسة أو اثنتين ليطالعها. وأما صدر الكتاب فكان في نحو عشرين ورقة.
فخرجنا ليلة خارج البلد مع جملة من أصحابنا فقعدنا في ربوة نطالع فيه وكان من أبدع الموضوعات، فلما فرغنا من قراءته وضعناه في الأرض فاختطف. فما أدري اختطفه جن أم بشر ممن يحتجب عن الأبصار؟ وما عرفت له خبرا إلى الآن. وأما بقية الكتاب فما جمعته بعد ذلك ولا رده إلي. وكل من كان عنده منه شيء فتلف. فهذا (ما) كان من شأنه. و (21) كتاب التحقيق في شأن السر الذي وقر في نفس الصديق. و (22) كتاب الأعلام بإشارات أهل الإلهام. و (23) الإفهام في شرح الأعلام. و (24) كتاب السراج الوهاج في شرح كلام الحلاج. و (25) المنتخب من مآثر العرب. و (26) كتاب نتائج الأفكار وحدائق الأزهار. و (27) كتاب الميزان في حقيقة الإنسان. فهذه أسماء الكتب المودعة. وما أدري خرج عن ذكري منها شيء أم لا، فإن العهد تقادم والخاطر غير مصروف لما كان في الزمان الماضي حذرا من فوت الوقت.
فصل في أسماء [3 - ا] الكتب التي بأيدي الناس اليوم مما ينسب إلينا:
فمنها في الحديث (28) كتاب المحجة البيضاء: صنفته بمكة، أكملت منه كتاب الطهارة والصلاة في مجلدتين، وبيدي الآن المجلدة الثالثة أنا في كتاب الجمعة منها. و (29) كتاب مفتاح السعادة جمعت فيه بين متون مسلم والبخاري وبعض أحاديث من الترمذي. و (30) كتاب كنز الأبرار فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية والإذكار. و (31) كتاب مشكاة الأنوار فيما روي عن الله تعالى من الأخبار. و (32) كتاب الأربعين المتقابلة. و (33) كتاب الأربعين المطولات. و (34) كتاب الغين. ولا أدري هل خرج عن ذكري منها في هذا الفن شيء أم لا لشغل الخاطر وعدم الالتفات للماضي.
وأما ما بأيدي الناس من كتبنا في طريق الحقائق فمنها. (35) كتاب التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية: حذوت فيه حذو أرسطو في كتاب سر الأسرار الذي ألفه للأسكندر، وبسبب ذلك الكتاب وضعت هذا السر إلى أخينا أبي محمد عبد الله بن الأستاذ الموروزي في ذلك. و (36) كتاب سبب تعلق النفس بالجسم وما تقاسي من الألم عند فراقه بالموت. و (37) كتاب إنزال الغيوب على مراتب القلوب فيما لنا من سجع وشعر. و (38) كتاب الإسرا إلى المقام الأسرى. و (39) كتاب مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية. و (40) كتاب الجلي. و (41) كتاب المنهج السديد في ترتيب أحوال الإمام البسطامي أبي يزيد رضي الله عنه. و (42) كتاب مفتاح أقفال الإلهام الوحيد، وإيضاح إشكال إعلام المريد في شرح أحوال الإمام البسطامي أبي يزيد رضي الله عنه. أمرني الحق تعالى بشرحها في النوم بساحل سبتة ببلاد المغرب، فقمت مبادرا قبيل الفجر، وكان لي ناسخان فأمليت عليهما وكتبا فما طلعت الشمس حتى تقيد منه كراستان. و (43) كتاب أنس المنقطعين برب العالمين: وضعته لنفسي ولغيري. و (44) كتاب الموعظة الحسنة مثله. و (45) كتاب البغية في اختصار كتاب الحلية لأبي نعيم الحافظ مثله. وضعته في حق نفسي [3 - ب]. و (46) كتاب الدرة الفاخرة في ذكر من انتفعت به في طريق الآخرة. و (47) كتاب المبادئ والغايات فيما تحوي عليه حروف المعجم من العجائب والآيات. و (48) كتاب مواقع النجوم ومطالع أهله الأسرار والعلوم. و (49) كتاب الانزالات الوجودية من الخزائن الجودية. و (50) كتاب حلية الابدال وما يظهر عليها من المعارف والأحوال: وهو كتاب ساعة وضعته بالطائف بدرب أبي أمية: تكلمت فيه على الجوع والصمت والسهر والخلوة. و (51) كتاب أنوار الفجر في معرفة المقامات والعاملين على الأجر وعلى غير الأجر. وإنما سميته بهذا لأني لا أقيد منه حرفا إلا في وقت الفجر إلى أن يكاد يبدو حاجب الشمس. و (52) كتاب الفتوحات المكية، وهو كتاب كبير في مجلدات مما فتح به علي في مكة،
يحتوي على خمسمائة باب وخمسة وستين بابا في أسرار عظيمة من مراتب العلوم والمعارف والسلوك والمنازل والمنازلات والأقطاب وشبه هذا الفن. و (53) كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل: مخاطبات بيني وبين الكعبة شرفها الله وهو سبع رسائل. و (54) كتاب روح القدس في مناصحة النفس. و (55) كتاب التنزلات الموصلية في أسرار الطهارات والصلوات الخمس والأيام المقدرة الأصلية. و (56) كتاب إشارات القرآن في عالم الإنسان. و (57) كتاب القسم الإلهي بالاسم الرباني. و (58) كتاب الجلال والجمال. و (59) كتاب المدخل إلى العمل بالحروف. و (60) كتاب المقنع في إيضاح السهل الممتنع. و (61) كتاب لأمر المربوط في معرفة ما يحتاج إليه أهل طريق الله تعالى من الشروط. و (62) كتاب رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة على الترتيب من الأسرار. و (63) كتاب عنقاء مغرب. و (64) كتاب المعلوم من عقائد علماء الرسوم. و (65) كتاب الإيجاد الكوني والمشهد العيني بحضرة الشجرة الإنسانية والطيور الأربعة الروحانية. و (66) كتاب الإشارات في أسرار الأسماء الإلهية والكنايات. و (67) كتاب الحجب المعنوية عن الذات الهوية. و (68) كتاب إنشاء الجداول والدوائر والدقائق والرقائق. [4 - ا] والحقائق. و (69) كتاب الأعلاق في مكارم الأخلاق. و (70) كتاب روضة العاشقين. و (71) كتاب تسعة وتسعين: تكلمنا فيه على الميم والواو والنون لانعطاف أواخرها على أوائلها: م ي م: وا و: ن ون. و (72) كتاب المعارف الإلهية واللطائف الربانية في بعض ما لنا من النظم. فهذا ذكر ما بأيدي الناس من كتبنا في طريق الحقائق. ومما بأيدي الناس. (73) كتاب المبشرات: ذكرت فيه ما تذكرته من رؤيا رأيتها تفيد علما وتحرض على خير. و (74) كتاب ترتيب الرحلة: ذكرت فيه ما لقيته في رحلتي إلى بلاد المشرق، وحررت جزءا فيه ذكر مشايخنا الذين رأيناهم وسمعنا عنهم: أذكر الشيخ رضي الله عنه، وأذكر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وحكاية مفيدة وأبياتا من الشعر أما له أو من روايته. و (75) كتاب فيه مما رويته من الأحاديث العوالي ولم أشترط فيه الصحة. أما الكتب التي أمرني الحق تعالى في قلبي بوضعها ولم يأمرني إلى الآن بإخراجها إلى الناس وبثها في الخلق، فمنها كتاب (خا) وهو (76) كتاب الأحدية. ويتضمن هذا الكتاب الوحدانية والفردانية والوترية والأحدية ونفي الكثرة من الوجود العددي، وأن الواحد يظهر في مراتب فتنشأ الأعداد، ويغيب فتبقى. و (وي) وهو (77) كتاب الهو: يتضمن هذا الكتاب معرفة الضمائر وإضافات النفس. و (وق) وهو (78) الكتاب الجامع: يتضمن معرفة الجلالة بما تدل عليه من الجمع والإطلاق. وبما تدل عليه من التقييد مثل قول الملهوف يا ألله أغثني. و (قب) وهو (79) كتاب الرحمة: ويتضمن معرفة التخصيص فيها والتعميم، والعطف والحنان، والرأفة والشفقة. و (وع) وهو (80) كتاب العظمة: فيه إشارات من الجلال والكبرياء والجبروت والهيبة و (ب) وهو (81) كتاب المجد والبقاء. و (ك) وهو (82) كتاب الديمومة. و (ده) وهو (83) كتاب الجود: ويشار فيه إلى العطاء والوهب والمنح والكرم والسخاء والإيثار والرضا والهدايا. و (وج) وهو (84) كتاب القيومية [4 - ب]. و (وش) وهو (85) كتاب الإحسان. و (ول) وهو (86) كتاب الفلك والسماء. و (ود) وهو (87) كتاب الحكمة المحبوبة. و (وم) وهو (88) كتاب العزة: ويشار فيه إلى المهن والقهر والغلبة والحمى والعجز والقصور، و (وت) وهو (89) كتاب الأزل. و (وه) وهو (90) كتاب النور: يشار فيه إلى الضياء والظل والإشراق والظهور. و (ون) وهو (91) كتاب السر. و (وث) وهو (92) كتاب الإبداع والاختراع. و (وو) وهو (93) كتاب الأمر والخلق، و (وز) وهو (94) كتاب الصادر والوارد من الموارد والواردات. و (وس) وهو (95) كتاب القدم. و (وح) وهو (96) كتاب القدم. و (وع) وهو (97) كتاب الملك. و (وذ) وهو (98)
كتاب القدس. و (وح) وهو (99) كتاب الحياة. و (وف) وهو (100) كتاب العلم. و (وص) وهو (101) كتاب المشيئة: ويشار فيه إلى التمني والإرادة والشهرة والهاجس والعزم والنية والقصد والهم. و (وط) وهو (102) كتاب الفهوانية. وربما وقع اسمه كلمة الحضرة، وربما وقع اسمه القول. يشار فيه إلى الكلام والنطق والحديث والسمر وشبهه. و (وظ) وهو (103) كتاب الرقم: يشار فيه إلى الخط والكتابة والإشارة والحروف والرقمية. و (104) كتاب الرقيم. و (يا) وهو (105) كتاب العين يشار فيه إلى الرؤية والمشاهدة والمكاشفة والتجلي واللمح والطالع والذوق والشرب والباده والهاجم وشبه هذا. و (فا) وهو (106) كتاب الباه: يشار فيه إلى التوالد والتناسل. و (غا) وهو (107) كتاب كن: يشار فيه إلى حضرة الأفعال والتكوين. و (غب) وهو (108) كتاب المبدأين والمبادئ: يشار فيه إلى أن الإعادة مبدأ وأن العالم في كل نفس في مبدأ. و (بخ) وهو (109) كتاب الزلفة. و (فج) وهو (110) كتاب الدعاء والإجابة. و (عج) وهو (111) كتاب الرمز في حروف أوائل السور. و (عد) وهو (112) كتاب المراقبة. و (قد) وهو (113) كتاب البقاء. و (غد) وهو (114) كتاب [5 - ا] القدرة. و (به) وهو (115) كتاب الحكم والشرائع الصحيحة والسياسة. و (قه) وهو (116) كتاب الغيب. و (غه) وهو (117) كتاب مفاتيح الغيب. و (قو) وهو (118) كتاب الخزائن العلمية. و (كا) وهو (119) كتاب الرياح اللواقح وكتاب الريح العقيم. و (لا) وهو (120) كتاب الكتب: القرآن والفرقان، وأصناف الكتب كالمسطور والمنشور والحكم المبين، والمحصى والمتشابه وغير ذلك. و (ما) وهو (121) كتاب التدبير والتفصيل. و (نا) وهو (122) كتاب اللذة والألم. و (سا) وهو (123) كتاب الحق. و (عا) وهو (124) كتاب الحمد. و (يا) وهو (125) كتاب المؤمن والمسلم والمحسن. و (صا) وهو (126) كتاب القدر. و (دا) وهو (127) كتاب الشأن. و (شا) وهو (128) كتاب الوجود. و (تا) وهو (129) كتاب
التحويل. و (ثا) وهو (130) كتاب الحيرة. و (ثا) وهو (130) كتاب الحيرة. و (خا) وهو (131) كتاب الوحي. و (ذا) وهو (132) كتاب الإنسان. و (ضا) وهو (133) كتاب التحليل والتركيب. و (ظا) وهو (134) كتاب المعراج. و (كب) وهو (135) كتاب الروائح والأنفاس. و (لب) وهو (136) كتاب الملك. و (مب) وهو (137) كتاب الأرواح. و (نب) وهو (138) كتاب الهياكل. و (سب) وهو (139) كتاب التحفة والطرفة. و (عب) وهو (140) كتاب الغرقة والحرقة. و (فب) وهو (141) كتاب الأعراف. و (صب) وهو (142) كتاب زيادة كبد النون. و (رب) وهو (143) كتاب الأسفار عن نتائج الأسفار. و (شب) وهو (144) كتاب الأحجار المتفجرة والمتشققة والهابطة. و (يب) وهو (145) كتاب الجبال. و (تب) وهو (146) كتاب الطير. و (خب) وهو (147) كتاب النمل. و (ذب) وهو (148) كتاب البرزخ. و (ضب) وهو (149) كتاب الحشر. و (ظب) وهو (150) كتاب القسطاس. و (ضح) وهو (151) كتاب القلم. و (كج) وهو (152) كتاب اللوح. و (طج) وهو (153) كتاب العرش من مراتب الناس إلى الكثيب. و (دح) وهو (154) كتاب الكرسي. [5 - ب] (ونج) وهو (155) كتاب الفلك وكتاب الفلك المشحون. و (حج) وهو (156) كتاب الهباء. و (مج) وهو (157) كتاب الجسم. و (ثج) وهو (158) كتاب الزمان. و (بج) وهو (159) كتاب المكان. و (تج) وهو (160) كتاب الحركة. و (سج) وهو (161) كتاب العالم. و (شج) وهو (162) كتاب الآباء العلويات والأمهات السلفيات والبنات والمولدات. و (عج) وهو (163) كتاب النجم والشجر. و (رج) وهو (164) كتاب سجود القلب. و (فج) وهو (165) كتاب الأسماء. و (صج) وهو (166) كتاب النحل. و (كد) وهو (167) كتاب الرسالة والنبوة والولاية والمعرفة. و (ظد) وهو (168) كتاب الغايات. و (طد) وهو (169) كتاب التسعة عشر. و (ضد) وهو (170) كتاب النار. و (ظد) وهو (171) كتاب
الجنة. و (ند) وهو (172) كتاب الحضرة. و (دد) وهو (173) كتاب العشق. و (سد) وهو (174) كتاب المناظرة بين الإنسان والحيوان. و (شد) وهو (175) كتاب المفاضلة. و (عد) وهو (176) كتاب الإنسان الكامل والاسم الأعظم. و (177) كتاب المبشرات لا الأحلام فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار في المنام. و (178) محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار. و (179) كتاب الأولين. و (180) كتاب ترجمان الأشواق. و (181) كتاب العبادلة. و (182) كتاب تاج التراجم. و (183) ما لا يعول عليه طريق الله. و (184) كتاب إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن. و (185) كتاب المعرفة. و (186) كتاب شرح الأسماء. و (187) كتاب الذخائر والأعلاق في شرح ترجمان الأشواق. و (188) كتاب الوسائل في الأجوبة عن عيون المسائل. و (189) كتاب النكاح المطلق و (190) كتاب فصوص الحكم. و (191) كتاب اللوائح في شرح النصائح. و (192) كتاب نتائج الأذكار. و (193) كتاب اختصار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. و (194) كتاب الأجوبة العربية عن المسائل اليوسفية. و (195) كتاب اللوامع والطوالع. و (196) كتاب الحرف والمعنى. و (197) كتاب الاسم والرسم. و (198) كتاب الفصل والوصل. و (199) كتاب الوجد. و (200) كتاب الطالب والمجذوب. [6 - ا [. و (201) كتاب الأدب. و (202) كتاب الحال والمقام والوقت. و (203) كتاب الشريعة والحقيقة. و (204) كتاب التحكيم والشطح. و (205) كتاب الحق المخلوق به. و (206) كتاب الأفراد وذوي الأعداد. و (207) كتاب الملامية. و (208) كتاب الخوف والرجاء. و (209) كتاب القبض والبسط. و (210) كتاب الهيبة والأنس. و (211) كتاب النشأتين. و (212) كتاب النواشي الليلية. و (213) كاب الفناء والبقاء و (214) كتاب الغيبة والحضور. و (215) كتاب الصحو والسكر. و (216) كتاب القريب والبعد. و (217) كتاب المحو والإثبات. و (218) كتاب الخواطر. و (219) كتاب الشاهد والمشاهد.
و (220) كتاب الكشف. و (221) كتاب الوله. و (222) كتاب التجريد والتفريد. و (223) كتاب الفترة والاجتهاد. و (224) كتاب اللطائف والعوارف. و (225) كتاب الرياضة والتجلي. و (226) كتاب السحق والمحق. و (227) كتاب البوادة والهجوم. و (228) كتاب التلوين والتمكين. و (229) كتاب الرغبة والرهبة. و (230) كتاب المكر والاصطلام. و (231) كتاب اللمة والهمة. و (232) كتاب القربة والغربة و (233) كتاب الفتوح والمطالعات. و (234) كتاب الوقائع. و (235) كتاب التدلى والتداني. و (236) كتاب الرجعة. و (237) كتاب الستر والجلوة. و (238) كتاب النون. و (239) كتاب الختم والطبع. و (240) كتاب الجسم والجسد. و (241) الظلال والضياء. و (242) كتاب القشر واللباب. و (243) كتاب الخصوص والعموم. و (244) العبارة والإشارة و (245) الحق والباطل. و (246) كتاب الملك والملكوت و (247) كتاب الحد والمطلع. و (248) كتاب الفرق بين الاسم والنعت والصفة. و (249) كتاب السادن والأقليد. و (250) كتاب النوم واليقظة. و (251) كتاب العد والرب. تمت بعون الله وحسن توفيقه في غرة ذي الحجة سنة تسعة وثمانين وستمائة نسخة العبد الضعيف إبراهيم بن محمد بن مطهر الشيخي.
## $ 33 - أبو الفضل قاسم بن محمد القرشي القرطبي ... 662ه ... 1264م ومنهم، الشيخ الفقيه، المنقطع الصالح الزاهد، الورع المتعبد المستجاب الدعوة، أبو الفضل قاسم بن محمد القرشي القرطبي. مولده بقرطبة وبها نشأ، حبب إليه العمل الصالح وبغضت له الدنيا، فخرج من بلده دون العشرة الأعوام مهاجرا إلى الله مقبلا على العبادة بعد أن ترك مالا وعقارا، وقصد نحو الشيخ أبي أحمد رضي الله عنه وكان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين، ظهرت عليه البركات، وفاضت عليه ينابيع الخيرات. كراماته لا تعد، وفضائله جاوزت الإحصاء والعد. فمنها ما حكي عن بعض فقراء بجاية، وكان هذا الفقير من المتجردين، قال: أصبحت يوما وليس لنا قوت ولا شيء من الأشياء، وقد ولدت المرأة طفلة، فانقبض باطني بانقباض وقتي، وتشوش علي حالي واشتد قلقي، فخرجت هائما بنفسي إلى أن دخلت مسجد النطاعين، فجلست فيه، وإذا برجل قد دخل علي في المسجد وأتى إلى القبلة فركع ركعتين خفيفتين وجلس متوجها، قال الفقير: فقلت في نفسي، أن هذا الرجل الداخل خفف في تحيته، ولو أطال قليلا لكان أحسن، قال الفقير: فرأيت الرجل المذكور قد التفت إلي وقال لي: أيهما عندك أحسن؟ الذي يخفف في صلاته أو الذي تلد امرأته فيهرب عنها ويتركها دون شيء؟ قال: فاقشعر بدني وتوهمت ثم قلت: آه والله يا سيدي قد فعلت وكان ما ذكرت، فادع الله لي، قال: فمد يده وناولني صرة فيها دراهم وقال لي: أنفق منها
ولا تعدها، قال الفقير المذكور: فقلت له بالله من أنت؟ قال: أنا قاسم القرطبي، فعرفته من تلك الساعة، ثم خرج وخرجت إلى السوق فأنفقت منها أشياء غير واحدة والصرة بحالها، ثم حملت ذلك إلى البيت، واتسع الحال إلى يوم من الأيام دخلت سوق الصوف، فرأيت خرقة أعجبتني، فاشتريتها بثلاثين درهما، وغلبتني نفسي إلى عد الصرة ففعلت، فلم ألبث إلا قليلا وفرغت، فجئت لأزوره، فلما رآني تبسم وقال لي على البديهة: ألم أقل لك لا تعدها؟ وحدثني أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد المعطي، بتدلس، قال: خرجنا مع الشيخ نفع الله به وركبنا البحر، وحملنا آلة الصيد للحوت، ولم نزل نتصيد إلى قريب الظهر فلم يفتح لنا بشيء، ثم نظر إلينا وسكت ساعة ثم أخذ في الكلام في الأحوال والمعارف إلى أن انهمك فيها، وتمكن وقت الصلاة ثم رجع إلى حاله، فصلينا الفريضة بالساحل ثم عدنا نتصيد، فقال: الآن يفتح لكم به، قال: فرأينا على وجه الماء حيتانا قد أخرجت رؤوسها من الماء كالمصابيح، ثم صارت تترامى علنا في الرزق حتى امتلأ حوتا، فلله ما أطيب وقتنا حينئذ وما أبركه، لقد خشعنا وبكينا وتواجد بعضنا وجددنا التوبة مع الله، والاعتقاد والعهد مع الشيخ رضي الله عنه في الاستغفار والثناء على الله. وقال أبو العباس ابن الخطيب: حضرنا مع الشيخ بوادي بجاية في بعض الجنات، فتكلم كثيرا إلى أن أخذ في شرح أقاويل الشيوخ أن العارف فوق ما يقول، وان العالم دون ما يقول، فخطر ببالي إنه من خواص العارفين، فالتفت إلي وقصدني بنظره وهو يتبسم فقال: نعم يا أحمد كما قلت ونويت. وذكر عبد الله السلاوي -وكان من أصحاب الشيخ أبي الحسن الحرالي- قال: مرض سيدي أبو الفضل القرطبي فزرته، فلما جلست إليه جعلت ابكي، فقال لي: لم تبكي؟ فقلت: يا سيدي ابكي خوفا من فقدك وفراقك، قال لي: لا تخف، فاني لا أموت في هذه المدة بل أفيق وأرجع إلى الصحة، وما
ثم موت، وإنما هي نقلة من محل إلى محل، والموت للعارفين واضحة للحق، وسبب للقاء وشيء يوصل الحبيب إلى المحبوب، وان المعرفة تنقلب في الآخرة مشاهدة، فمن زرع نواة أنبتت تمرا، ومن زرع نبقة انبتت شوكا. وذكر معاوية الزواوي وهو من خدامه قال: جئت يوما لأراه، فلما وقفت عند باب الزاوية أصابتني هبة، وسمعت كلاما بداخلها ومذاكرة، فتأدبت ووقفت، ثم بعد ساعة سكنت الأصوات، فلما أردت الاستئذان عليه ناداني ادخل يا معاوية فمسست الباب فوجدته مفتوحا، فدخلت عليه وسلمت، ونظرت فلم أر أحد، فتعجبت من ذلك وجلست، فرأيت شيئا من خبز وتين، فنظر إلي وتبسم وقال لي: كل من هذا فإنه بقية قوم صالحين. ومن المشهور عنه، إنه بات مع قوم من خواصه في موضع "بتازروت"، فعمل لهم ميعادا طيبا وأصاب القوم وجد وخشية، فلما مضى من الليل أكثره، نفذ الزيت من المصباح فطلبوا له دهنا فلم يجدوه، فقال لأبي زكرياء الكماد: اجعل في المصباح ماء، فصبه من الإبريق، فاتقد المصباح وأضاء إلى الصباح. وذكر أبو يزيد محمد بن عنوان قال: ركبت يوما بغلا قاصدا لزيارة الشيخ أبي الفضل، وسرت إلى موضع فنزلت لقضاء الحاجة وكنت وحدي في أرض خالية، فتفلت البغل من يدي وتقطع رسنه ولجامه فهرب، واتبعته فزاد هربا إلى أن عييت وسئمت، فقلت: اللهم بحرمة سيدي أبي الفضل وببركاته يسر لي هذا الأمر، قال: فرأيت البغل على بعد مني قد وقف، ثم قلب رأسه إلي وأتى قاصدا نحوي، فأدركته وأخذته، فعلمت أن ذلك ببركاته.
وذكر مسعود بن عمر قال: زرت الشيخ بعد أن غبت عنه نحو العام، فلما وقفت بباب الزاوية هبت أن أضرب الباب فبقيت متوقفا، فناداني من داخلها: أدخل يا مسعود، فمسست الباب فانفتح، ودخلت وسلمت عليه وجلست، وكنت تحت خوف من موجب حاكم الوقت به، فأردت شرح أمري إليه ليدعو لي، فأجابني عن الغرض المقصود قبل إخباري له، وقال لي: "يخلصك الله بفضله ويصرف عنك الأذى بمنه" قال: مسعود، فانصرفت وباطني بحمد الله طيب مطمئن، وأذهب الله عني كل هم ببركاته. وقال الشيخ أبو زكرياء ابن محجوبة: قال لي الفقيه أبو الحسن بن أبي نصر: لقد طالعت كثيرا من مقامات الأكابر وتعرفت أحوالهم، فرأيت الشيخ أبا الفضل نفع الله به، جامعا لذلك كله وزيادة عليه، ولكنه لم يكن للناس بصيرة يعرفونه بها، ولا بواطن فتعقل عنه، فأخفى الله أحواله وكراماته على أهل الوقت غيرة منه عليه رضي الله عنه ونفع به. وتوفى ضحى يوم الاثنين الثاني عشر لربيع الأول من عام اثنين وستين وستمائة، هكذا ذكره ولده أبو زكرياء. وقبره قريب من قبر الشيخ أبي زكرياء الزواوي، رضي الله عنه ونفعنا به وبأمثاله.
## $ 34 - أبو زكرياء المرجاني الموصلي ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الزاهد الورع، الناسك المكاشف، أبو زكرياء المرجاني الموصلي أحد الأتقياء الأبرار، ممن اختصه الله بخالصة ذكر الدار. كان مسجده الذي يجتمع فيه إليه، المسجد المشهور الآن به بحومة اللؤلؤة، وهو المعروف الآن بمسجد المرجاني، وكان يجتمع إليه فيه الأفاضل والصلحاء والمتعبدون، وكانوا يسمعون منه غرائب، ويطلعون من أحواله على عجائب. وكل ذلك مقيد بالكتاب والسنة على سنة السلف الصالح رضي الله عنهم. واتصل حال المنفعة به إلى أن أراد الله سفره فرجع إلى بلاده، وكان سبب ذلك أن بعض السوداوات من غسالات الثياب، كانت على رأسها رزمة من الثياب فأخذت لها في الزحام في سوق باب البحر، فسارت إليه متلهفة ضارعة مستغيثة وأخبرته بقصتها، فقال: أنت ما تغسلين ثياب الفقراء، لو غسلت ثياب الفقراء ما ضاعت لك الرزمة، ثم أخذ عكازه في يده وسار معها إلى رواء هو للوزير أبي عبد الله ابن ياسين، فدخل الرواء وصعد إلى غرفة فيه
وأخرج الرزمة من وراء القصيل الذي هو علف الدواب وأعطاها الرزمة وانفصلت ورجع إلى موضعه، واشتهرت القصة ورفعت إلى السلطان ولبتت عنده، فوجه الوزير إليه وقال له بعد حديث كثير: السلطان يرغب منك أن تعرفه الوجه الذي توصلت به إلى هذا، ما هو؟ فقال له: أنت وزيره، ولو كان بينك وبينه سر تعرفني به؟ قال: لا، قال له: سلم على الملك وقل سر بين العبد ومولاه لا يطلع عليه سواه فانفصل عنه. ثم رجع إليه بعد وقت وقال له: سمع السلطان انك تسافر فأين تريد مغربا أو مشرقا؟ قال له مشرقا أن شاء الله. قال: فيعينك على سفرك بزاد، قال: لا، يكفيني ما عند الجواد، فانفصل إلى المشرق إلى بلده بالموصل. وحكي أن في يوم وصوله إلى البلد وصل والناس منصرفون عن قبر أبيه وكان له مال جليل، فطلبه إخوته بالحضور معهم لقسم الميراث، فقال لهم: إني أحب أن لا أرث ولا أورث، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقةوسلم لهم الميراث وانفصل في سياحته واستمر على عبادته إلى أن مات رحمه الله ونفع به وبأمثاله آمين.
## $ 35 - تقي الدين الموصلي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الجليل الفاضل، الحكيم الأمي، تقي الدين الموصلي وصل إلى بجاية في مدة الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، وكان الشيخ يقول عنه إنه من أساطين الحكمة وإنه كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. هداه الله إلى الحق بموجدة نفسه من غير اكتساب، وتوصل إلى ما يتوصل إليه أهل البراهين من خالص الصواب وقد قال السهروردي صاحب "حكمة الإشراق" إنه قال: كشفت له تلك المعاني التي أثبتت في الكتاب وإنه طلب البرهان عليها فوجدتها. وكذلك كان هذا الرجل كشف له عن الحق وسخرت له أقاليم الدنيا، لم يبق عليه من الأقاليم إقليم إلا سلكه، وكان يحدث عن غرائب وعجائب.
ومن جملة الأقاليم التي دخلها إقليم صقلية في مدة "الانبرور" فعرف الانبرور به وعرف عنه، وسأل حضوره بمجلسه فحضر، فقال له الاقساء تقع المناظرة بيننا وبينك في أمر محمد وعيسى عليهما السلام، فقال للملك: هذا يكون بشرط، أن قبلتموه ناظرتكم وإلا فلا، قالوا: وما هو الشرط؟ قال: أن لا تتعصبوا انتم لعيسى ولا أتعصب أنا لمحمد، وإنما نسق التعصب من بيننا ونبحث طالبين للحق، فعلم الانبرور والحاضرون معه إنه ما قصد بهذا الكلام إلا إفحامهم، لأنهم ليس عندهم إلا مجرد التعصب، فامتنعوا من مناظرته وحملوه على الإكرام والبر إلى أن انفصل عنهم، وكذلك كان في كل إقليم يدخله من أقاليم المجوس من الترك والطرر والسودان وغيرهم لا يعارض فيه أصلا. وكان يواصل أربعين يوما، ومن جملة ما عرض له في بلاد النصارى أنهم قالوا له: أن عيسى عليه السلام كان يواصل أربعين يوما، فقال لهم أواصل لكم أربعين يوما، فجعلوه في بيت مع من يخدمه ويساق له الماء لوضوئه للصلاة وأقام أربعين يوما، ولقد سمعت في هذه الحكاية إنه قال لهم وأزيدكم أربعين يوما أخري، وإن الاقساء سألوا من الملك أن يصرفه لئلا يفسد عليهم ملتهم واعتقادهم في عيسى عليه السلام، فصرفه بالحسنى.
وأقام ببجاية مدة من الزمان ثم انصرف إلى المغرب، وكان يقول إنه جال بلاد المشرق أجمعها وإنه لم يبق عليه إلا إقليم المغرب، وان قصده إنما هو التطلع على ملكوت الله، ولم يعلم له بعد خبر، ولا ظهر من حديثه أثر. والغالب إنه مات رحمه الله ورضي عنه.
## $ 36 - أبو العباس الجدلي الشريف -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الفاضل المحدث، الجدلي الحكيم المحصل، أبو العباس الجدلي الشريف هو من أهل اصبهان، ودخل بلاد المشرق والصين والهند والعراقين، العربي والعجمي، وبلاد الدروب، ثم أقام الله في خاطره دخول المغرب فوصل إلى افريقية في خلافة المستنصر بالله رحمه الله، فنمى إليه خبره واستحضره وحضر معه بين يديه بعض الطلبة فسأله عن البلاد التي دخلها وعن الغرائب التي اطلع عليها، فذكر له ما حضره. ومن جملة ما ذكر، إنه رأى في بلاد الهند صبغة إذا خضب بها الخاضب يقيم ثلاثين سنة لا يفتقر إلى خضاب، وكان من جملة الحاضرين بالمجلس أبو الحسن المروزي من فضلاء الأطباء، فأنكر هذه القضية وأنكرها الخليفة، وهي بواجب أن تنكر، لأن هذا أما أن يمنع النمو ويحيل الطبيعة أو وجه غير هذين، والكل مستحيل، فكأنه سقط من عين الخليفة بهذه الحكاية، ولكنه ذكر لي أن المجلس انفصل على وقوع النظر في القضية وعلى أن يكتب فيها كل
من له علم بما يظهر له، وان مدعيها كتب فيها كتابا ولكنه لم يقع عليه اطلاع، ولا وقع للخليفة به بعده اجتماع. وذكر لي أن الخليفة سأله في ذلك المجلس عن قصد وجهته فقال له: جئت في طلب أخ لي بالمغرب، وألغز في هذا عليه لأنه إنما كان للإمامة، والأخ الذي أشار إليه بالمغرب، هو الإمام المهدي رضي الله عنه. ثم انفصل من افريقية وورد على بجاية وأقام بها مدة، ثم انفصل إلى المغرب. وذكر لي القاضي الفاضل أبو عبد الله ابن يعقوب إنه اجتمع به بسبته ومنها انفصل لدرعة وتوفي بالمغرب رحمه الله. وكان عالما بجدل العميد محكما له، باحثا على طريقته، ووقفت من تقييده في أصول الدين على مقال محكم الإيراد، عر عن الانتقاد. رحمه الله تعالى.
## $ 37 - أبو النجم هلال بن يونس بن علي الغبريني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، العابد المتقي، الولي المبارك، أبو النجم هلال بن يونس بن علي الغبريني، من أصحاب الشيخ الفقيه أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه. كان رحمه الله مل أهل الجد والاجتهاد، وممن يعد في أولياء العباد، مع هيئة وسكينة ووقار، وجاه ووجاهة اقتضاهما منصبه الرفيع المنار. وظهر فيه صدق قوله عليه السلام " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". سمعت عن الشيخ أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه إنه كان يقول فيه: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هلال بن يونس". وكان الفقيه أبو زكرياء رضي الله عنه بعيد أن يصرح بمثل هذا في احد، لأنه كان رجلا الغالب عليه الخوف، نفع الله به. ناب عن الشيخ رضي الله عنه في صلاة الفريضة في الجامع الأعظم، وكان منقطعا عن الناس متخليا عنهم مقتصرا مقتصدا، وكانت عيشته من مستغلات ارض كانت له محررة بظهائر من قبل عبد المؤمن رحمهم الله، وكان يصرف أكثرها في الصدقات. وداره التي بها سكناه هي الدار المشهورة الآن "بدار المقدسي" بحومة باب باطنة، وتعرف بدار الفقيه هلال. وقد ذكر لي إنه لا يستقر له بالدار قرار إلا أوقات الغداء والعشاء، وأوقات ضرورات الإنسان، وإنه كان ملازما للجامع الأعظم ليله ونهاره للعبادة والدراسة والقراءة، رحمه الله ونفع به وبأمثاله، آمين.
## $ 38 - أبو عبد الله محمد بن علي القصري ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الفاضل العالم، العرف العابد، الزاهد الولي، أبو عبد الله بن علي القصري أحد خواص شيخنا أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه. كان عالما بالفقه وأصول الفقه وأصول الدين، بارعا في علم العربية متقدما في علم التصوف، سيدا في طريق الانقطاع والعبادة متواضعا موصوفا بالتقوى، على ما عليه السلف الصالح رضي الله عنهم. وكان إذا قرئت عليه رسالة القشيري يأتي عليها بما لم يسبق إليه، وربما لو سمعه أبو القاسم القشيري لعلم إنه العالم بمعانيها، المحكم لأصول مبانيها. وكان رحمه الله يكشف أصحابه بأحوالهم ويطلعهم على أخبارهم. وعرض عليه أن يشهد وان ينتصب لمناصب العدول فامتنع من ذلك. وعرض عليه القضاء فامتنع منه، ثم طلب به فتخلص منه بحسنى، وقال لإمام الوقت: إني أحتاج أن أغنى من بيت المال، وأمكن من خزانة علمية للمطالعة
لأستعين بها على ما يعرض لي ويطلق لي الحكم بما أراه وارتضيه، فعسر على طالبه مطلبه فتركه. ووقع بينه وبين قضاة بجاية وفقهم الله كلام في مسائل علمية أفضى الأمر فيها لأن يحشر صدر القاضي، فهم في أمر يسوء في أمر شأن الفقيه رحمه الله فامسك عن الكلام، ولم تمض إلا أيام وأخر القاضي ممن له الأمر بافريقية، فاخبرني من باشره بالحديث رحمه الله إنه قال: لما وصلني عنه ما وصل صليت ركعتين، وألجأت في أمره إلى الله تعالى، فلو كانت ثانيتهما مثل أولاهما لقضيت عليه، ولكنها قصرت عنها فجاءه العزل. وكان له رحمه الله مجلس لتدريس العلم مشهور وكان أصحابه أخيارا، وما رأيت من أصحابه إلا من هو مفلح لاهتدائهم بهديه، وعملهم على كريم سعيه. رحمه الله ورضي عنه.
## $ 39 - أبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الجبار المتوسي الملياني ... 644ه ... 1246م ومنهم، الشيخ الجليل، الفاضل الكامل، المحصل المتقن المجتهد، أبو العباس أحمد بن عثمان بن عبد الجبار المتوسي الملياني رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل والجلة، ثم رجع إلى المغرب وسكن بجاية وأقرأ بها واسمع. له علم بالعربية والفقه وأصول الدين، وحظ من التصوف ونصيب من العبادة، وكان موقرا محترما مهابا، وكان له في "التلقين" تقدم ونظر لم يكن لغيره، ولم يكن له مثل في غيره من الكتب، وان كان الرجل إماما في الفقه، ولكنه في هذا الكتاب أجل من غيره من الكتب، وله عليه "تقييد" فيه تنبيهات خفية. وسمعت إنه كمل بعض ما فات المازري على "التلقين" غير أني سمعت شيخنا الفقيه
أبا محمد ابن عبادة يحكي عن بعض أشياخه إنه سئل عن كلام الرجلين على التلقين فقال: "بينهما ما بين بلديهما" هكذا سمعت منه رحمه الله في مجالس متكررة. والفقيه أبو العباس ممن لا يجهل قدره، ولا ينكر خيره. ولقد استدعاه الأمير الأجل أبو زكرياء رضي الله عنه إلى حضرة افريقية وحضر مجلسه، وجعل بعض الحاضرين يلقي بعض المسائل النحوية بحضرته ليحركه للكلام فلم يتحرك للجواب، وكانت المسائل من المبادئ، فرأى أن الكلام في المبادئ لا يفيد ولا يجدي ولا تظهر فيه فضيلة الفاضل، ولا جهل الجاهل. فظهر ذلك للحاضرين وأجلوه إجلاله، وعرفوا فضله وكماله. وقبره بمليانة، وتوفى بها سنة أربع وأربعين وستمائة، وهو ممن تلتمس البركة بشهوده، ويظفر زائره بمقصوده. ويتصل إسنادي عنه من جهة شيخنا الفقيه أبي محمد عبد العزيز وأبي محمد عبد الحق بن ربيع وغيرهما رحم الله جميعهم آمين يا رب العالمين.
## $ 40 - أبو عبد الله ابن شعيب ومنهم، الشيخ الفقيه، الإمام العالم، العامل الجليل الفاضل، المجتهد العابد الموفق، أبو عبد الله ابن شعيب من أهل العلم والعمل، له التفنن في العلوم، عالم بالأصلين والفقه والتصوف، محصل لمذهب مالك كما يجب. أصله من هسكورة من المغرب، وقرأ بالمغرب ثم ارتحل إلى المشرق. ولم يرتحل إلى المشرق حتى كان يدرس بالمغرب ويقرأ عليه. وسمعت إنه كان يستظهر كتاب اللخمي قبل سفره إلى البلاد، وذكر لي إنه قال: "دخلت البلاد وحضرت دروس أهلها فلم يتبين لي ما يقولون لعدم معرفتي باصطلاحاتهم، فأقمت سنة لا أتحدث في شيء، وبعد السنة علمت الاصطلاح وشاركتهم وأربيت عليهم بالحفظ". حج بيت الله الحرام ولازم الاشتغال والاجتهاد وأقام في البلاد ثلاثا وعشرين سنة بثغر الإسكندرية المحروسة، ثم رجع إلى حاضرة تونس حرسها الله تعالى وبها ظهر حاله، وعرف علمه وجلاله. وتبسط للإقراء ودرس عليه الناس وانتفعوا به. وكان أصحابه أفضل الطلبة وأنجبهم، وولي المدارس فزانها بنظره، وجملها بحميد أثره.
عرض عليه القضاء فامتنع منه، فشد عليه فيه، فأشار عليه بعض أصحابه أن يلي ويتصرف في أموره التصرف الشرعي، ليكون ذلك سببا لقوله فكان كذلك. ولي بلدة "القيروان" فوقعت معارضة بين المكاس وبين بعض أهلها فدعي إليه، وقال لهم: ليس في الشريعة مكس وضرب المكاس وطيف به، فنهى الأمر إلى الولاة بحاضرة افريقية فأمروا بعزله وقالوا هذا لا يصح للولاية، فوصل مرفعا مكرما وما زال عاكفا على العلم والعمل إلى أن مات رحمه الله. دخل بجاية في مدة اجتيازه إلى المشرق، وذكر لنا صاحبنا الفقيه أبو عبد الله الحدميوتي (كذا) وفقه الله عنه إنه قال: وصلت وصحبني رجل من أعلام المتقين ومن عباد الله الصالحين من أهل المغرب، فلما حللنا بالجزائر عرضت له إقامة هناك فتقدمته إلى بجاية، فأقمت بها الذي أقمت وانفصلت عنها، ثم وصل الرجل المذكور بعدي فتلقاه الناس وأقبلوا عليه فاستضافه رجل من أهلها وأخذ في إكرامه، ولما حضر وقت صلاة المغرب: صلى الفرض وصلى بعده ركعتين ولم يزد على ذلك شيئا ولما حضر وقت صلاة العشاء صلى الرجل ركعتين قبل العشاء وأدى الفريضة والوتر بشفعه ولم يزد على ذلك، ولما أصبح الناس لزيارة الرجل والتبرك به، تلقاهم رب المنزل وهو يشير لهم إنه ليس هناك كبير عمل، فكوشف الشيخ بذلك وكان على قدم الحركة مستعجلا، فاستخار الله فصرف أصحابه وخدامه وطلب الإقامة عند الرجل الذي انزله، فأقام عنده ثلاثين يوما وليلة لم يأكل فيها طعاما ولا يشرب فيها ماء، ولا زاد في حال العبادة شيئا سوى أداء الفرائض، وإنما هو مجرد وصال، ولما تمت الثلاثون يوما قال للرجل: أنا أنصرف، وقال له: ما أقمت عندك هذه المدة إلا لئلا تزدري بأولياء الله تعالى إذا رأيتهم يؤدون الفرائض ويقتصرون عليها، وأي فضل أعظم من أداء الفرائض إذا فعلها الفاعل على حقيقتها وارتكب جميل طريقتها؟ وهذا الرجل إنما كان من أهل العرفان، وإنما كانت عبادته في فكرته، ولكن العامة ما يرون الفضل إلا لمن يكثر الركوع والسجود والصيام وإن كان جاهلا، وذلك لعدم تمييزهم وقلة علمهم.
ولقد ذكر لي بعض أصحابنا عن الشيخ الجليل الفاضل أبي محمد عبد الجليل صاحب "شعب الإيمان" إنه كان إذا ورد على طنجة لزيارة بعض أصحابه كابي العباس الفتجيري وغيره إنه لا يبيت إلا في الجامع ولا يبيت بمنزل احد، وإنه كان إذا دخل الجامع يضطجع، وإذا كان وقت صلاة الصبح يقوم فيصلي من غير تجديد طهارة، وان بعض المؤذنين بالجامع رآه على هذه الحالة وتكرر هذا منه، فتكلم فيه وقال إنه يصلي بغير طهارة، ونمى الخبر إلى أبي العباس الفتجيري فأمر المؤذن المذكور بالتوبة وقال له: ذلك رجل ورده في مضجعه، فاستغفر الله مما وقعت فيه. وسمعت أن المؤذن أصيب بمصاب بسبب وقوعه فيه، وسمعت أن الشيخ أبا محمد عبد الجليل كوشف بهذه القضية، وكان إذا عرض له المبيت بالجامع يقوم من آخر الليل ويقول: ائتوني برطل من الماء لأزيل الشك عن المرتاب، وسبب هذا أن العامة لا يدركون إلا الأحوال الظاهرة ولا علم لهم بالأسرار الباطنة، يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهو عن الآخرة هم غافلون، أعاد الله علينا من بركات أولياء الله بفضله.
## $ 41 - أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي ... - 642ه ... - 1244م ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المجيد المجتهد، أبو الحسن عبيد الله ابن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي من أهل شاطبة. قبره بحومة رابطة المتمني خارج بجاية، توفى ليلة الخميس مستهل جمادى الأولى من عام اثنين وأربعين وستمائة. كان من أهل العلم والفضل والدين، مستبحرا متفننا عالما بالفقه وأصوله، وعلم العربية والنحو واللغة والأدب، له شعر بارع وأدب غض يانع، استفدت الكثير من حديثه عن شيخنا الفقيه الخطيب أبي عبد الله ابن صالح رحمه الله، وأنشدني كثيرا من شعره. وكان له تقدم في علم المنطق وله "تقييد" على "كتاب المفصل"، وكان يقوم عليه قياما جيدا، وله "اختصار" "حلية الأولياء" لأبي نعيم رواها الخطيب أبو عبد الله عنه ورواها.
وهو ممن يجب أن يثبت في حلية أبي نعيم، وان يكون أحد الأولياء مطلقا، وبلغ من الزهد والورع مبلغا فاضلا، وكان على ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم في ملبسه ومطمعه وتصرفه وفي قضاء حاجته، وكان يملأ إناء الماء لشربه ويسوقه على كاهله ويحمل خبزه ليخبز له بيده، ويرغب إليه أخيار الناس في حمله عنه تبركا به فيمتنع ويأبى من ذلك، وكان إذا مشى لا يعلم من على يمينه ولا على يساره، وكذلك كان إذا صلى لا يعلم من على يمينه ولا يساره، ولا يتكلم مع أحد إلا في أمر ديني أو دنيوي يرجع إلى ديني عند دعوى الضرورة فيه.
## $ 42 - أبو محمد عبد الله الشريف -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ السمي السني، الشريف بنسبه ومنصبه، الفقيه المعتبر، المتعبد المتزهد المتكلم، أبو محمد عبد الله الشريف كان له بأصول الدين معرفة وكان يقوم على "الإرشاد" لأبي المعالي قياما حسنا، وله في علم العقائد باع وساع، وفكر مطاع. يميط شبه الملحدين، ويثبت صور الحق بواضح البراهين. وكان يحضر له خواص من الطلبة يلتمسون بركته، فيجدون منفعته، ويجتنون أحسن الجنى ثمرته. وكان يأكل من كد يده من الخياطة وبعض التجارة، وكان بسوق الصوافين من بجاية، فكان أهل السوق يحاشونه في وظيفتهم ولا يحملونه شيئا من تكاليفهم رعيا لما هو عليه من علمه ودينه ونسبه، فلما كان في مدة من المدد كلفوا من ناحية الآمر بتكليف جروا فيه على عادتهم في محاشاته، ومعاملته بالبر ومماشاته، فنظر رحمه الله إلى أكثر أهل السوق وظيفة، فجاءهم بمثل وظيفته ودفعه إليهم عن نفسه، فتمنعوا من ذلك ورغبوا إليه وسألوه واستعطفوه في أن لا يكون ذلك الحال، فأبى وامتنع إلا
الأداء معهم والانتظام في سلكهم، فقبلوا ذلك منه وهم على حال اعتذار واستغفار، وسئل رضي الله عنه عن السبب الموجب لفعله هذا الفعل فقال: رأيت القيامة قد قامت ورأيت الموازين قد وضعت وأعمال العباد توزن، ورأيت لطوائف من الناس حسنات توضع في موازينهم كأمثال الجبال منهم أهل السوق المذكور وغيرهم، فنظرت أن يكون في ميزان حسناتي مثل ذلك فما رأيته، فسألت عن ذلك فقيل لي ليس لك من هذا شيء، هذه هي أجور المغارم التي يغرمونها والتكاليف التي يكلفونها، وأنت مبرأ منها ومنزه عنها، وكان ذلك -قال- سببا لرجحان موازينهم، فعهدت إلى الله أن لا يفوتني معهم تكليف ما دمت حيا. وهذا من علمه وعمله رحمه الله، فسبحان من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. نفعنا الله به وبأمثاله.
## $ 43 - أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات -القرن السابع الهجري- ومنهم الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل المتعبد، أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات حافظ لمذهب مالك رحمه الله، محصل له متقن مجيد، كان ممن يقرأ عليه ويجتمع إليه. فرأى بالأندلس وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرا بها وانتفع الناس بعلمه ودينه، ثم رحل إلى حاضرة افريقية واستوطنها وأقرأ بها وانتفع به. وكانت تقرأ عليه سائر الكتب المذهبية، التهذيب والتلقين والجلاب والرسالة وكان يحفظ تنبيه ابن بشير ومنتقى الباجي وغيرهما من الأمهات، أخبرني بذلك من وثقت بحديثه من أهل
افريقية، وبها توفي رحمه الله. وكان يأكل من كد يمينه، وكان معرضا عن خطط الفقهاء ولو أرادها ما تعذرت عليه، وكان تلو شيخنا أبي العباس ابن عجلان في علمه ودينه، رحمهما الله ورضي عنهما ونفعنا بهما آمين.
## $ 44 - أبو تمام الواعظ الوهراني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، العابد الصالح المبارك، المتعفف المذكر، أبو تمام الواعظ من أهل وهران، سكن بجاية واشتغل بها بعلم التذكير واستدعى الخلق لباب الله تعالى، وكان له مجلس يروق الحاضرين ويسر الناظرين، وكان جلوسه بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، وكان يوجد لكلامه في النفس أثر، وكان الغالب عليه الخوف، وكذلك كان مجلسه إنما هو التخويف، وكان له أتباع من الجمهور وكان له تبتل وكد في العبادة، ورأيت من أصحابه المتعبدين من كاشفني بالكرامات ورأيتها منه غير مرة. رحم الله جميعهم واعلقنا بحبهم بالحبل المتين آمين.
## $ 45 - أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني الصواف ... بعد 69ه ... 1291م ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المنقطع المتبتل، الزاهد الولي، أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني السواف. نشأ منشأ بني على الهدى والرشاد، والعمل على التخصيص وجميل الاعتقاد. قرأ ببجاية على أكابر مشائخها ثم ارتحل إلى المشرق في عشر الستين وستمائة، وحج بيت الله الحرام ولقي أفاضل، وانقطع وتعبد وتبتل مع اشتغال دائم، وفكر متصل ملازم. وأظهر أمره بالديار المصرية ظهورا كليا ورغب الناس إليه والملوك أن يزوروه فتمنع من ذلك، ولم يتمسك بشيء من الدنيا، لا بمال ولا بجاه، وكان الناس يرغبون في الأخذ عنه فيمتنع من ذلك قصدا للخلاص والسلامة، وكان يرغب في الفتيا فإذا أفتى ترجح قوله على كل قول وحق له ذلك. ولقد أخبرني بعض الطلبة الذين توجهوا إلى المشرق برسم الحج قال: خرجت معه من الديار المصرية في الركب المصري وهو متوجه نحو الحج، فبلغته لأتبرك به، فلم يزد في سفره على حاله في البلد شيئا، خرج بقميص وعمامة ومئزر وقرقه الذي يمشي به في الحاضرة وعكاز وركوة ماشيا
على قدميه، وأخيار الأمراء يرغبون أن يحملوه على رؤوسهم فضلا أن يحملوه على المحامل، وهو يمتنع من ذلك، فكان إذا نزل الركب ركز عكازه واستظل تحت مئزره. وأخبرني إنه: إذا اشتد مشي الركب وألحوا في السير واشتدوا كنت أراه لا يزيد على نقل قدمه على الثاني شيئا، وأنا أكد وراءه جريا فلا أدركه إلا بتعب، ومشقة ونصب. وظهر من كراماته في حرم الله الشريف عجائب، ووقف له منها على غرائب. قال المخبر: وما كنت اعلم له وجها لمعيشته في الركب ولا كيف تناولها. توفى رحمه الله في عشر التسعين وستمائة.
## $ 46 - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري عرف بابن السراج 560 - 657 ه 1165 - 1259 م ومنهم، الشيخ الفقيه المسن المعمر، الراوية المسند، الصالح الفاضل، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري، عرف بابن السراج، من أهل اشبيلية أعادها الله دار إسلام، وهو ابن أخت الفقيه أبي بكر بن محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي المقرئ، أخذ عنه وشاركه
في الأخذ عن أبي القاسم ابن بشكوال وأخذ أيضا عن أبي عمر ابن عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري، وعن أبي القاسم السهيلي وأجاز له الإمام أبو عبد الله بن زرقون وأبو محمد عبد الله الحجري وأبو القاسم عبد
الرحمن بن عمر بن غالب عرف بابن الشراط وغيرهم. رحل إلى العدوة واستوطن بجاية. كان على سنن الفقهاء وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له رواية عالية متسعة، أخذ عنه ببجاية جلة منهم، الشيخ الفقيه أبو الحسن الرندي والفقيه أبو عبد الله القضاعي عرف بابن الآبار والفقيه الرئيس أبو عثمان ابن حكم والخطيب أبو بكر ابن سيد الناس وغيرهم من مشيخة الأندلسيين. وتوفي ببجاية ضحى يوم الأحد، السابع لصفر من عام سبعة وخمسين وستمائة، ودفن بخارج باب البنود بحومة بئر مسفرة، بالمقبرة المعروفة بابي علي رسمية، ومولده في الثامن والعشرين لرجب الفرد من عام ستين وخمسمائة.
## $ 47 - أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي ... 686ه ... 1287م ومنهم، الشيخ الفقيه الصالح، الأديب المفوه، المبارك الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي، رحل إلى المشرق ولقي أكابر العلماء وأخيار الفضلاء، كالرشيد بن عوف والشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيرهما، كان منقطعا عن الدنيا متعبدا متزهدا، وكف بصره في آخر عمره، وكان حسن الحديث مستطرف الرواية بديع الحكاية، وله نظم حسن وكلام في النثر مستحسن. ولقد رأيته نظم شعرا تفرس فيه معاني، وحدس فيه على وقوع أمر فيه تواني. واستكتم من نظمه أن لا يظهره إلا بعد ظهور ما فيه، فكان علم الله كما نظم، وعلى نحو ما توسم ورسم. ويحتمل عندي والله اعلم، أن يكون ذلك من جملة المكاشفات، ومما شاهده في مرآته الصقيلة كما يشاهد في المرآة، فإنه كان أهلا لذلك، لسلوكه من سبيل الخير والبر أفضل المسالك. توفى رحمه الله ببجاية يوم الاثنين الرابع لشعبان المكرم من عام ستة وثمانين وستمائة رضي الله عنه.
## $ 48 - أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي ... 584ه ... 1189م ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحصل المتقن، أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي رحل إلى المشرق وكانت قراءته وصحبته مع القاضي أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي ووصلا معا من المشرق إلى مراكش ودخلا على الخليفة بها، وكان الفقيه أبو عبد الله يكبر أبا تميم المذكور ويقول: هو شيخي، وخرجا معا وليين القضاء بجزيرة الأندلس كل واحد لبلدة مستقلة، وولي بها بلادا، وولي أبو تميم المذكور قضاء بجاية مدة قليلة، وقد رأيت التسجيل عليه في بعض كتب القضاء الكائنة بمودع بجاية حرسها الله. وكانت له نفس سرية وهمة علوية، ومن جملة البلاد التي وليها بالأندلس حاضرة بلنسية سنة ثمان وستين وخمسمائة، ثم صرف عن ذلك منقولا إلى قضاء بجاية، واستقدم إلى مراكش من بجاية ليتولى قضاء مرسية، فتوفي في طريقه إليها بتلسمان سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وممن أخذ عنه، الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن عبد الحق التلمساني سنة
أربع وثمانين. وممن أخذ عنه أبو عبد الله ابن حماد قال: "قرأت عليه معيار العلم من أوله إلى آخره، قراءة تفهم وتعلم، في بيت الكتاب من قصر بجاية سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وقرأت عليه المقاصد بالموضع المذكور وفي التاريخ المذكور".
## $ 49 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي ... 612ه ... 1215م ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المتكلم، العالم المجتهد، النبيل الفاضل الجليل، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي، من أهل بجاية. رحل إلى المشرق ولقي العلية والجلة من أهل العلم. وولي قضاء المدن بجزيرة الأندلس واستخلف بمراكش، وولي قضاء بجاية ثلاث مرات وصرف عن آخرها سنة ثمان وستمائة، وتوفى ببجاية بين عيد الأضحى والفطر سنة اثنتي عشرة وستمائة. له فضل وجلال وتقدم علمي رقي فيه إلى غاية الكمال، وكان جلدا صلبا قوي
الجأش، وكان إذا حضر مجلس أمير المؤمنين ابن عبد المؤمن وتقع المذاكرة بين يديه، يسامحه الحاضرون من الطلبة في المذاكرة، وكان هو لا يسامحه في شيء، وكان أمير المؤمنين يجد منه في مجلسه ويعرف له مع ذلك فضلا فلا ينقصه شيئا من حقه. وكان بينه وبين القاضي أبي الوليد ابن رشد إخاء وصفاء، ولما وقعت الواقعة التي تكلم عليها أبو الوليد في كتاب "الحيوان" له حيث قال: "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وهم أمير المؤمنين بالفتك به، لم يكن سبب نجاته غيره مع موافقة القدر، وتسبب في ذلك بوجهين، احدهما كان جرى بمجلسه أمير المؤمنين منع العمل بالشهادة على الخط، ولما وجد هذه القضية هم بالعمل بها، فحاج أمير المؤمنين وقال له: منعتم الشهادة على الخط في الدرهم والدينار وتجيزونها في قتل المسلم، والوجه الثاني إنه قال: إنما الكتب "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وإنما جاء فيه زيادة ونقص وهذا أحسن، وكل ذلك من قوة الجأش. ومن طرفه، رحمه الله، إنه لما وقع الحضور بمجلس أمير المؤمنين وأحضرت فيه لآليء نفيسة في طبق وعرضت على الحاضرين في المجلس واستحسنوها فعدت وفقدت منها واحدة، فهم أمير المؤمنين بتفتيش الحاضرين، فأشار عليه بسوق قلة من ماء مملوءة، ويدخل فيها كل إنسان يده سترا على الفاعل،
فسيقت القلة وابتدئ بمن عن يمين الفقيه أبي عبد الله أو من عن يمين أمير المؤمنين، وكان هو على يساره، فلما انتهت القلة إليه ليدخل يده فيها امتنع وقال: صبوها فان وجدتم حاجتكم وإلا فهي عندي، فصبوها فوجدوها، فخلص من الشك فيه. وهذا من نبله وسياسته رحمه الله. وكان له علم بالفقه والأصلين والخلافيات والجدل، وله في المعقول الحكمي نظر. وسئل في التصنيف فامتنع وقال: قد سبق الناس بذلك وما عسى أن يأتي به، فعد هذا من عقله؛ وسمعت بعض الطلبة يقول أن له تقييدا على "المستصفى" لأبي حامد (الغزالي) وأظنه صحيحا ولعله إنما علق عليه. ورأيت بخطه رحمه الله تأليفا في الموسيقى، وقال لي بعض الطلبة: إنه من تصنيفه وما وثقت بذلك، ويظهر لي إنه كلام أبي علي ابن سينا. وكانت فيه دعابة وفكاهة لا تخل برتبته ولا تحط من منصبه، ولقد سمعت إنه وقعت بينه وبين بعض أصحابه من الطلبة مخاشنة فقال له صاحبه: تعاملني بهذا وأنا أسن منك وأسنى وأجل؟ فقال له: نعم أسن بموسى وأسنى بسانية وأجل في مربطك، فتضاحكا واصطلحا. وكان مؤثرا لأهل الطلب، قابلا على أهل الأدب. أخبرني الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع رحمه الله قال: كان الفقيه أبو عبد الله القاضي ابن إبراهيم الأصولي ينتابه من يتكرم عليه ممن له رتبة عند خلو مجلسه من الطلبة فيجلس بإزائه، فإذا جاء طالب أفسح له بينه وبينه، ثم كلما أتى طالب فعل ذلك، حتى يعود الاحظى عنده، القريب المجلس عنده، أبعد الناس مجلسا منه، فكان لا يرى الحضرة إلا للعلم. وكان شديدا على ولاة الأمر الذين يكونون معه ببلد قضائه، لا يسامحهم في شيء من أمورهم ويجاهدهم بم يكرهون في حق الله وفي حقوق المسلمين، وقد
جرى يوما بينه وبين والي بجاية كلام كانت فيه غلظة، فقال له الوالي: والله لقد أصاب سيدنا أمير المؤمنين المنصور فيكم، فقال له: أن كان أصاب أمير المؤمنين فقد أخطأ فينا أمير المؤمنين الناصر فأفحمه، ورجع فاسترضاه. وكان أمير المؤمنين المنصور كتب في شأنه وشأن أبي الوليد ابن رشد إلى البلاد، وكان من أمرهم ما رأيت الإمساك عنه ثم جاء أمير المؤمنين الناصر بعده وأحسن إليهم وعطف عليهم، ولولا صورة استطرد الكلام ما ذكرت هذا، لأني ما زلت أنقد على من يذكر فضل أهل العلم ثم يغمز في شأنهم ويشير إلى القادح فيهم، فلا أريد أن اذكر إلا الخير أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.
## $ 50 - أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، النبيه التالي، المحصل المدرس المجيد، أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان، شهير الذكر نبيل القدر، من أصحاب الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الأصولي وعنه أخذ أكثر ما أخذ ومنه تلقى، وبه في معالم العلم والرياسة ترقى. وكان أبو عبد الله الأصولي يعتمد عليه، ويشير في مجالسه إليه. وكان له خط بارع، ورأيت كثيرا من كتب الحكمة بخطه في نهاية الإتقان وجودة الخط، عليها تنبيهات وتطريرات تدل على نبل مستنبطها. وكان مشاركا في العلوم وهو أحد العدول المعول عليهم ببجاية، والفضلاء المشهور لهم بالمعرفة والدراية.
## $ 51 - أبو بكر عبد الكريم بن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المتقن، المحصل المجيد، أبو محمد عبد الكريم ابن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي، من أهل قلعة حماد، صاحب الرابطة المعروفة الآن برابطة ابن يبكي بداخل باب "أمسيون" من أعلى سند بجاية، وبها قبره رحمه الله، وهو الموفق لا وقافها المعروفة الآن بها. كان من جملة أهل العلم ومن أكابر أولي النهي والفهم وكان معروفا عند خلفاء بني المؤمن، وكان ينحو للظاهر، وكانت له وجاهة وعلو قدر ورفعة في الدين والعلم وسمو نظر، وهو من نظراء العالم أبي عبد الله محمد بن عبد الحق ابن سليمان التلمساني واليه كان مرجع الفتيا وعلى قوله العمل، وكان له مع ذلك انقباض عن الناس واشتغال وجد خرجا عن القياس، نفعنا الله به.
## $ 52 - أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحدث المحصل، أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان من أهل قلعة حماد، بها ولد وتوفي أبوه وخلفه صغيرا، ولما أخذ في سن البلوغ تعلق بالجندية واتخذها حرفة، فرأى في منامه رؤيا قال له: يا محمد ليس الجندية من شأنك فاشتغل بالقراءة. فترك الجندية واشتغل بقراءة العلم، فاجتهد وحصل، ثم رحل إلى بجاية مستوطنا واخذ عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وغيره. وكان له علم بالحديث والفقه والوثيقة، وأكثر تخاطيطه إنما هو التحدث وقضاء بعض البلاد المغربية، وكان نائبا عن القاضي أبي عبد الله الأصولي في (قضاء) الانكحة في مدة ولايته ببجاية، وكان يقرأ عليه السيد أبو الحسن ابن عبد المؤمن "الموطأ" قراءة تفهم، وكان له مجلس دراسة بعلو سقيفة داره فيجتمع إليه خواص الطلبة، وكان له جلال وفضل وعلم وعمل، وهو أحد المشهورين الذين لا يحتاجون. يستكثر من خيرهم لاشتهار أمرهم رضي الله عنه.
## $ 53 - أبو عبد الله ابن أمة الله -القرن السابع الهجري- ومنهم، السيخ الفقيه، العالم الأصولي المحقق، أبو عبد الله ابن امة الله كان من أهل العلم بأصول الدين، وكان له من الاشتهار في هذا العلم والظهور فيه والمعرفة به ما أربى به عن المتقدمين، وكان يحل الشبهات، ويفك المغلقات المستعصبات. وكانت دروسه تميل إليها نفوس الناس وترجح على غيرها من الدروس، مع نسك وعفاف واقتصاد وكفاف، رضي الله عنه ونفعنا به آمين.
## $ 54 - أبو جعفر ابن أمية -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم الفاضل، المحقق المتقن، أبو جعفر ابن أمية وهو ابن مقلة زمانه بارع الخط، حسن الضبط، مليح التنبيه. ووقفت على جملة كتب وعليها خطه في تنبيهات وتقييدات في كل فن من كتب الحكمة وكتب العربية وكتب تفسير القرآن العزيز، فما منها كتاب إلا وفي كثير من مواضعه بخطه تنبيه، أما تقييد المطلق وإما تخصيص العام وإما تفسير اللغة أو بيان وجه إعراب، وكل ذلك مما يروق خطه ولفظه ومعناه، هذا فيما قابله أو طالعه، وأما ما نسخه فأعجب من ذلك ولا يكاد أن يوجد فيه غلط بوجه. له تقدم في العلوم وتفنن في علوم الحكمة وعلوم الشريعة وعلم الأدب والعربية، وله كتابة بارعة وأشعار رائقة، أنشدني بعض أصحابنا من شعره في التحقيق هذين البيتين وهما حسنان في معناهما:- ظهرت فلم تعرف لشدة غفلة … عرضت فأنكرت النفوس ظهورها ولقد أطالوا الخبط فيها عشوة … وهي التي قد أشهدتهم نورها وله شعر كثير في النسب والحكمة والتصوف، ومما استحسنه:- أأمسك دمعا وقد أرسلت … علي من الهجر ريح عقيم غفت مقلة الوصل إغفاءة … كنومة أهل الرقيم فإن كان نهج الرضى مائلا … فان صراط المستقيم مستقيم
ولي مقلة نظرت في النجوم … قضت لي أن فؤادي سقيم وله أيضا:- قال أنيسي حين فاوضته = وما درى أن مقامي عسير أقم فقلت الحال لا يقتضي … قال فسر قلت جناحي كسير وله رحمه الله عليه:- بمركز قلبي أو محيط جوانحي … هوى لمنال الجود ليس بنازح وما ذاك إلا أن أرى ومشيئتي … إلي وسر العلم طي جوانحي فهل سعة الجود الإلهي تقتضي … مرادي فقد ضاقت علي مسارحي وله قصائد مطولات، ومقطعات متخيرات، ولكن ليس المقصود من هذا التقييد الإسهاب، وإنما هو الإشارة إلى الباب.
## $ 55 - أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن عيسى بن أبي بكر الصنهاجي ... 628ه ... 1231م ومنهم، الشيخ الأجل، العقيه الرئيس الأكمل، العالم الأوحد، أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن أبي عيسى بن أبي بكر الصنهاجي أصله من قرية تعرف "بحمزة" من حوز قلعة بني حماد، وهو من أهل قلعة بني حماد، من كبراء الأئمة وفضلائهم، قرأ ببلده بالقلعة وكانت حاضرة علم، وقرأ ببجاية ولقي بها جلة منهم الشيخ أبو مدين رضي الله عنه. قال: في "برنامجه" إنه سمع عليه كتاب "المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى" من فاتحته قراءة تفقه، قال: فأول مجلس حضرته عليه أردت أن أقيد ما يقوله على الكتاب، قال: فمشيت إلى داري وقيدت ما علق بخاطري من كلامه، فلما كان من الغد ووقع الحضور للدرس، كان أول ما افتتح به الشيخ كلامه أن قال: أنا لا أريد أن يقيد علي شيء مما أقوله على هذا الكتاب، أو كلاما ما هذا معناه، فكانت تلك إحدى كراماته رضي الله عنه التي شاهدتها منه، فأمسكت عن التقييد، قال: وكان ذلك بداره ببجاية سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ومنهم القاضي المحدث العالم أبو محمد عبد الحق الازدي الاشبيلي، روى عنه مباشرة ببجاية كتاب "الموطأ" وغيره من الكتب،
وروى عنه بواسطة عن الأستاذ أبي ذر مصعب بن محمد عنه، وهذا مما يدل على فضله، فان المألوف أن الإنسان إذا شارك في الشيخ لا يروى عنه بواسطة، غير أن هذا إنما هو من رعونات النفس، والحق أن الإنسان كيف ما وجد الفائدة تلقاها. ومنهم القاضي الإمام أبو علي المسيلي، ومنهم القاضي ميمون بن جبارة وأبو العباس ابن مبشر، ولقي غير هؤلاء بالقلعة والجزائر وتلمسان وغيرها من بلاد المغرب. ومن جملة من أخذ عنه، القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان التلمساني وغير هؤلاء من صدور العلماء، ورأيت له "برنامجا" ذكر فيه شيوخه ومقرؤاته من الكتب يشتمل على مائتين كتابا واثنين وعشرين كتابا، كلها مسندة إلى مؤلفيها مذكور السند فيها، وما رأيت برنامجا أحسن منه، لأن أكثر البرنامجات تقع فيها الإحالات، أما في الكل أو في البعض، إلا هذا البرنامج، فإنه ما أحال فيه على كتاب أصلا، وذكر فيه إنه لخص كتاب الطبري، يعني تاريخه وكل من روى عنه فما هو إلا من الجلة الأعلام، واشتهر عنه رحمه الله من التحصيل والعلم أكثر مما اشتمل عليه برنامجه، والذي يدل عليه برنامجه من علومه، هو علم القرآن العزيز وعلم الحديث وعلم الأصول وعلم النحو وعلم الأدب والتاريخ وعلوم الرقائق والأذكار، وكان له في كل فن من هذه الفنون حظ وافر وعلم ماهر. ولي قضاء الجزائر الخضراء ثم صرف عنها وولي قضاء "سلا" سنة ثلاث عشر وستمائة.
وله تآليف، منها كتاب "الإعلام بفوائد الأحكام" لعبد الحق الاشبيلي، وشرح "مقصورة ابن دريد" وله تاريخ سماه "بالنبذ المحتاجة في أخبار صنهاجة بافريقية وبجاية" وتوفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقال ابن زيتون في عشر الأربعين وستمائة، وكان ينيف على الثمانين، رحمه الله. ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيه أبي عبد الله الخطيب عن أبي محمد بن برطلة عنه.
## $ 56 - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد السلام عرف بابن الطير نحو 643 بعد 699ه 1246 - 1300 م ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل، الرضي الأصولي، أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن عبد السلام عرف بابن الطير من أهل افريقية. قرأ ببجاية وبحاضرة تونس، وارتحل إلى المشرق وحج بيت الله الحرام ولقي ناسا، ورجع حاضرة افريقية وتخطط بها بالعدالة وهي صفته. وكان له باع بالفقه وأصوله، وله نزاهة ورياسة وعلو همة. ولي قضاء بجاية محمولا عليه وهو لا يريد، ولما استقر تخير رئيسين من رؤسائها وفقهائها وولى أحدهما قضاء الانكحة وولى الآخر النظر في الأحكام مدة إقامته بها، إلا ما يطالعه به الفقيهان اللذان استنابهما وما يشاركانه فيه لا غير ذلك. وكان يقرأ عليه مدة مقامه بها من الطلبة الخواص، يقرءون عليه الفقه على طريقة الأقدمين، ولما وصله كتاب العزل سجد شكرا لله، وبعد أن وصله كتاب العزل ركب في بعض خواص أصحابه وخرج متطلعا على خارج البلد وعلى حال أهله على وجه الاستكتام، فلم يشاهد إلا خيرا ولا اطلع إلا على ما أرضى، ولما حضر بين يدي الخلافة شكر أهل البلد وأثنى عليهم بخير وأزال ما عرض في النفس منهم، جزاه الله أفضل الجزاء. وسمعت إنه اختصر كتاب "المستصفى" اختصارا حسنا، سمعت ذلك من شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الله بن عبادة رحم الله جميعهم، وأعاد علينا من بركاتهم، آمين.
## $ 57 - أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي المعروف بابن الحجري -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي، الأستاذ المدرس البارع، أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي، المعروف بابن الحجري أحد المنتصبين للأستاذية والإقراء، لقي مشائخ بافريقية منهم أبو زيد عبد الرحمن بن إسماعيل ابن الحداد التونسي. وأخذ عنه العلم ناس ببجاية، منهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي، المذكور في هذا الكتاب وأجاز له، وكان رحمه الله أكثر الناس اعتدالا واقتصادا، مقتصرا على حال نفسه، معرضا عن أبناء جنسه.
## $ 58 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحيى الاغماني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي المنطقي، الأستاذ الجليل، اللغوي التاريخي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحي الاغماتي، من أهل اغمات من المغرب، ولقي بالمغرب جملة من الأفاضل ومنهم ابن خروف وغيره، واستوطن بجاية وولي القضاء ببعض جهاتها. وكان مشتغلا بالتدريس بها، وقرأ عليه الشيخ الأجل أبو إسحاق ابن عمران أيام ولايته السلطانية ببجاية. وكان في علم العربية بارعا، وله تحصيل لكتاب سيبويه وكان كثيرا ما ينظر مسائله بعضها ببعض، أخبرني شيخنا الأستاذ أبو عبد الله عنه، إنه كان اعلم الناس بكتاب سيبويه، وما رأيت أعرف منه بمقاصد كتاب سيبويه ولا أشد منه تنظيرا وفهما لمسائله، وأما كراس أبي موسى الجزولي ومفصل الزمخشري فكانا عنده من المبادئ. وكان له تحصيل لعلم المنطق، وكان جيد الفقه حسن النظر، وذكر لي بعض أصحابنا الطلبة، إنه ليلة يبيت علي الفقه ويتعمد على كثرة النقل، إنه يضاهي
شيخنا أبا محمد عبد العزيز بن كحيلة في نقله، ولكنه لم يكن كثير الاشتغال بالفقه وإنما اشتهر وظهر في علم العربية والمنطق وما يتبعهما، وكانت له أخلاق كريمة، وطريقة قويمة. ويتصل إسنادي عنه من طريق شيخنا أبي عبد الله الأديب، وشيخنا أبي محمد عبد الحق بن ربيع رحمهم الله.
## $ 59 - أبو عثمان سعيد بن عبد الله المعروف بالجمل -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المحصل المحقق، أبو عثمان سعيد بن عبد الله، المعروف بالجمل، من أصحاب الشيخ أبي إسحاق ابن البرا المعروف بابن دهاق له علم بأصول الدين وأصول الفقه والتصوف، وهو من كبار أهل العلم، جلس للإقراء ببجاية ودرس عليه ناس. وكان نافذ النظر في أصول الدين وهو أعظم علومه، وكان له جلال ووقار وانعزال عن الناس واقتصار على الاشتغال بالعلم، وكانت له كفاية أعانته على التخصص وسلوك الخير واقتفاء طرق البر.
## $ 60 - أبو علي عمر بن مالك المرساوي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الفاضل المحقق، الأصولي الحافظ، المتقن المجيد، أبو علي عمر ابن ملك المرساوي. وكان اعلم وقته بعلم الكلام، وكان محققا له محصلا لمعانيه كليا وجزئيا، وكان أحفظ الناس بدقائق تفاصيله. وذكر لي بعض أصحابنا، أن له فصاحة وطلاقة لسان، وإنه في حفظه لعلم الكلام ولحصر كلياته ولتفاصيل جزئياته، كشيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي في مذهب مالك رضي الله عنه، وما رأيت فيمن رأيت أحفظ منه لمذهب مالك رضي الله عنه. وكل من كان له مشاركة في أصول الدين ببلدنا، فما كان أصل أخذه إلا عن طريق أبي علي المرساوي، وكان طريقه في ذلك كله على طريق الأقدمين، على طريقة أبي المعالي وأبي بكر ابن الطيب. وكان له علو قدر وسمو رتبة، وكان من العدل المرضيين خطة وصفة.
## $ 61 - أبو الحسن علي بن عمران بن موسى الملياني عرف بابن أساطير ... بعد 670ه ... 1271م ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي الجليل الفاضل، المحصل الحكيم أبو الحسن علي ابن عمران بن موسى الملياني، عرف بابن أساطير. لقي المشيخة ببجاية كالشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، وغيره، وكان من خواص أصحابه ومن فضائلهم. كان له علم الفقه وأصول الدين والتصرف وعلوم الحكمة، وكان له علم بالوثيقة، وكان من عدول بجاية وخيارها، وكان متخصصا متزهدا متقللا من الدنيا متعففا مقتصدا، ومضى له زمان وهو فيه غاية التخلي والانقطاع في مدة الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه، وكان يحمل خبزه إلى الفرن بيده، وكان يرغب في أن يحمل عنه فيمتنع من ذلك، وكثيرا ما كان يشتري ما يحتاج إليه من ضروريات منزله بيده ويحمله بنفسه ولا يترك أحد يحمله عنه، ولم يكن ذلك منه إلا قصدا للبراءة من الكبر، لأنه كانت له رياسة وهمة وعلو منزلة، ولم يكن من هو دونه يفعل مثل ذلك. وكان أبو محمد عبد الحق رحمه الله يقول فيه: العالم المطلق. وكان يعظمه
كما كان يعظم مشيخته، وما رأيته يعظم أحد من أصحابه مثل تعظيمه له، وكان يقرأ عليه بعض خواص أصحابنا كتاب "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا وكان بحيث تقرأ عليه العلوم التي ذكرت إنه يحملها لو تبسط لها. وكان أعقل أهل وقته وأبعدهم عن الشر. توفي ببجاية في عشر السبعين وستمائة.
## $ 62 - أبو علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي 631 - 131 ه 1234 - 1331 م ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المتفنن، أبو علي منصور بن أحمد ابن عبد الحق المشدالي من أصحابنا ومعاصرينا في نفس الوقت، رحل إلى المشرق ولقي أفاضل، منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام والشيخ صدر الدين سليمان الحنفي وشرف الدين ابن السبكي وشمس الدين الاصبهاني وأفاضل
غير هؤلاء، قرأ وحصل. له علم بالفقه وأصول الدين، وله مشاركة في علم المنطق وعلم العربية وكل هذه تقرأ عليه، ودروسه حسنة منقحة، وله عبارة جيدة، وهو كثير البحث، ومحبته في البحث أكثر من محبته في النقل، ويتكلم على تفسير كتاب الله تعالى وحديث رسول صلى الله عليه وسلم فيجيد وهو من أهل الشورى وأهل الفتيا. وله شرح على رسالة أبي محمد ابن أبي زيد ولم يستكمله، وهو لا بأس به، وتحصيله لأصول الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين وعلى طريقة المتأخرين، وهو ممن ينفع بالأخذ عنه والسماع منه.
## $ 63 - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب -أواخر القرن السابع الهجري- ومنهم، صاحبنا الفقيه، الجليل النبيل، الفاضل النبيه، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب من الأفاضل الحذاق، وممن له الذهن الثاقب على الإطلاق كان له علم بالنحو والمنطق وأصول الدين والفقه والحكمة والتصوف، وكان أنبه الطلبة، وكان مليح النظم، وكان أحسن الناس تقييدا، واقتطف قبل أن يستكمل الأربعين، ولو بقي لظهر عليه من العلوم كثير، وما هو إلا كما قال صاحب "المطمح" في ابن باجة: إنه مات قبل أن تظهر خزائن علمه. ومن نظمه في التصوف قوله: روض المعارف حضرة العرفاء … وجنى التفكر جنة العقلاء ونعيم أهل الحق درك حقائق … لاحت بأفق القلب حال صفاء فاركب براق القلب سرت مسلما … واحذر عليك تجسس الرقباء واعبر عوالم تقف بمعال … واحذر عوالم شره الرفقاء واقرأ سطور الكون في منشورها … بعيان عين أو بفرط ذكاء واكسر حروف خطوط أعلام بدت … تجد المعالي مصبحات مساء تتلو بسورتهن سورة حسنها … معنى أمر مدارك الخطباء وانظر إلى الأكوان كيف تمايلت … طربا لسر لاح عند خفاء أن المظاهر كلها ظهرت به … وبه الملا أضحوا من الظرفاء وكسا عوالم أنسها من جوده … حللا وحرم مشية الخيلاء وأفاض عن بحر الجمال أهلة … بهرت محاسنهن بدر سماء
فهبطن عن أفق العلى بمظاهر … فجلت حلاها بعد أي جلاء شغفت بها ألفتها فألفنها … وشكت بهن منهن طول عناء وتذكرت نجدا فهاج لذكر … وجد ونادى الشوق بالبرحاء فأتت سرايا القوس تنفل شمسها … عن غور حمأتها لطول حماء وخلعت لبس الكون عنها فارت … نصفا جواهرها رداء بهاء ونعمن عينا عند عين وجودها … وحللن صدر مجالس الخلفاء ورأت به كل العوالم أحكمت … فتزينت وتوشحت بضياء ونفى التوهم غيره بأدلة … نقشت ببعض خواتم الصعداء
## $ 64 - أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن عبد القادر ... بعد 680ه ... 1281م ومنهم، من أصحابنا الفقهاء، الفضلاء الأذكياء، المحصلين النبلاء الذين أربوا على من تقدم، الفقيه الفاضل، أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن عبد القادر أحد الأفاضل الذين قل أن يسمح الزمان بمثلهم، قرأ ببجاية ولقي بها أناسا، ورحل إلى المشرق ولقي عالما من الأفاضل، وحج بيت الله الحرام مرتين، وكان له تحصيل في الفقه جيد، وله علم بأصول الدين وأصول الفقه ومعرفة بالحكمة وبراعة في علم المنطق، وخصوصا على طريقة المتأخرين ولم يكن في وقته أعلم منه بكشف الأسرار الذي وضعه الخونجي في علم المنطق، أعلم به من واضعه مع أخلاق حسان ونزاهة وعفافة وعدم التفات إلى ما عند الناس. قضي جملة من بلاد افريقية نحو "توزر" و"قفصة" غيرهما، وكان مع هذا غير موفي الحظ، إنما كان حظه أن يكون له التقدم على أكابر
وقته وأفاضل أهل عصره، ولكن الحظوظ لا تجري على العقول، والأرزاق قسم والعقول مثلها، والحظوظ كذلك، توفى رحمه الله بتونس في عشر الثمانين وستمائة رحمه الله ونفعنا به آمين.
## $ 65 - أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن أبي دلال -أواخر القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه المتقن، العدل المحصل الفاضل، أبو زيد عبد الرحمن ابن علي بن أبي دلال، من أصحابنا الفضلاء الذين لهم السبق والتقدم، له مشاركة في الفنون وتحصيل للعلوم، لقي مشائخنا ولقي أبا بكر ابن محرز الزهري وأبا بكر بن سيد الناس اليعمري. له مشاركة في عقلي العلوم ونقليها، له حظ من علم أصول الدين وله حظ من علم المنطق. وله رجز فيه الآيات البينات لابن الخطيب، واستلحاق المقولات رجزه أحسن ترجيز، استوفى فيه المعنى وأوجز في الألفاظ وصرح بالمراد. وأحسن ما استحسنه من الأراجيز في العلوم رجزان، رجز ابن سينا "في الطب" ورجز ابن عبد النور في العربية وهو عندي أحسن منهما، وسماه "جوهرة اللافظ وغنية الحافظ" وكان فقيه النفس، وكان أديبا شاعرا خطيبا حسن النظم، وكانت له أخلاق حسنة مرضية. ومن نظمه في بعض أصحابه، هذه القصيدة السينية اللزومية، وهي قصيدة سهلة المأخذ وهي خارجة اللزوميات لعدم تكفلها وقلة تعسفها. وهي: سرى النسيم نسيم النفس والنفسا … فاستخبرن نشره واستفهمنه عسى واستعمل السير واستمط أسرته … واستصحب العيس وأسرج للسرى قبسا
وسل سليلا لسيد الناس كاسمهم … أبا الحسين السري السيد الندسا مسدي السؤال ومستدعي السجال س … فاستوطأ السدرة السامية القدسا وساجل السحب فانسابت سواكبه … فاستوقفت السيل فاسأل سائلا يبسا شمس السما وسمت تسعى مساعيه … لتستمد سناه باسما عبسا سحت سحائبه تسقي مغارسه … فاستغلظت واستوت سوق السنا غرسا وسدد السعي للاحسان سؤدده … فاستطرد البأس والإفلاس والفلسا = شمس وليس سوى أسيافه كنسا سنت أسنته للمففسدين أسى … وأنست طرسه مستوحشا يئسا واستألفت أنفسا ساءت وساوسه … فاستشعرت سكنا واستألفت عرسا واستفتحت سبلا سدت مسالكها … حسنى سياسته فاستسرجت فرسا يا محسنا حسنت في الناس سيرته … وساوت الرأس بالمرؤوس فارتأسا واستحفظت سنة الإسلام سنته … وسار سير سراة أسسوا الأسسا واستسنمت بسنام النسك اسرته … واستوطأت سرطانا بالسعود رسا أنست محاسن حسان محاسنه … واستحبست خرسا سحبان فاحتبسا ويسرت سبل اليسرى سجيته … فاستطمعن عسلا واسترشفت لعسا موسى سماحته استسقى لسائله … واستضربت بسناه السود فانبجسا يا شمس يا سعد يا مسرى السماح ويا … سامي السناء ويا مستنطقا خرسا أسمى نفائس أنفاسي سمت رسلا … يستاق سائقها مستعصبا شرسا أسنى السلام سنيا باستلامكم … وأرسل السعد مستدعى وملتبسا
## $ 66 - أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين المرسي 613 - 669 ه 1216 - 1270 م ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل النبيه العارف، الحاذق الفصيح البارع، أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين من أهل مرسية، له علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وبلاغة وفصاحة، رحل إلى العدوة وسكن بجاية مدة، ولقيه من أصحابنا أناس، واخذوا عنه وانتفعوا به في فنون خاصة. له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان وطلاقة قلم وفهم وجنان. وهو أحد الفضلاء وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف اباجد، وله تسميات مخصوصات في كتبه وهي نوع من الرموز، وله
تسميات ظاهرة هي كالاسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، في مراقي أهل الطريق. كتابته مستحسنة في طريق الأدباء. وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، واستلزامه الاعتمار على الدوام، وحجه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام. ولقد مشى له المغارب في الحرم الشريف بحظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أصحاب مكة شرفها الله وأكرمهم يهتدون بأفعاله، ويعتمدون على مقاله. توفى رحمه الله يوم الخميس التاسع لشوال عام تسعة وستمائة رحمه الله ورضي عنه.
## $ 67 - أبو الحسن علي بن عبد الله النميري الششتري ... 668ه ... 1270م ومنهم، الشيخ الفقيه، الصوفي الصالح العابد، الأديب المتجرد، أبو الحسن علي النميري الششتري من الطلبة المحصلين، ومن الفقراء المنقطعين. له معرفة بالحكمة ومعرفة بطريق الصالحين الصوفية، وله تقدم في علم النظم والنثر على طريقة التحقيق، وشعره في غاية الانطباع والملاحة، وتواشحيه ومقفياته ونظمه الهزلي الزجلي في غاية الحسن. وكان من الطلبة يرجحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وكان رحمه الله يقول: اذا ذكر هذا إنما ذلك لعدم اطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم، توفى رحمه الله بالشام بمدينة دمياط. وأخبرني بعض الطلبة أصحابنا، إنه وصل إليها وهو بساحلها قال لهم: ما
اسم هذه البلدة؟ قالوا له الطينة، قال لهم: حنت الطينة إلى الطينة. وبها توفى رحمه الله. ومما يؤثر عنه، إنه كان في بعض أسفاره في البرية وكان رجل من أصحابه قد أسر، فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقال له أحدهم: يا سيدي من أحمد الذي ناديته في هذه البرية؟ فقال: من تسرون به غدا أن شاء الله فلما من الغد، ورد الشيخ وأصحابه بلدة "قابس" فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء هنيئا لنا باقتحام العقبة صافحوا أخاكم المنادي. ومن مناقبه نفع الله تعالى به، إنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف بمسجد الصهريج، جاءه الشيخ الصالح المبارك أبو إسحاق الورقاني نفع الله تعالى به وجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الفاضل الصالح المبارك الوالي أبي عبد الله الصنهاجي نفع الله به مع جملة أصحابه للزيارة أيضا، فوجدوا الشيخ أبا الحسن، رضي الله عنه، قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم خلوة، فجلسوا منتظرين إليه، فلم يمكث إلا قليلا إذا أقبل الشيخ على هيئة معتبرة متفكرا، فلما دخل الرباط سلم على الواصلين برسم الزيارة، وحي المسجد وأقبل على الفقراء -وأثر العبرة على وجنته- فقال ايتوني بمداد، فلما أحضر بين يديه تأوه تأوها كاد أن يحرق بنفسه جلساءه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات: لا تلتفت بالله يا ناظري … لا هيف كالغصن الناضر يا قلب واصرف عنك وهم النقا … وخل عن سرب حمى حاجز ما السرب ما البان وما لعلع … ما الخيف ما ظبي بني عامر
جمال من سميته داثر … ما حاجة العقل بالداثر وإنما مطلبه في الذي … هام الورى في جنسه الباهر فالشعب والعبر لمثلي ألا … إني من أجل الأول الآخر أفاد للشمس سني كالذي … أعاره للقمر الزاهر أصبحت فيه مغرما حائرا … لله در المغرم الحائر ومن ذلك، إنه كان يوما ببلدة "مالقة" حرسها الله، وكان كثيرا ما يجود عليه كتاب الله تعالى، فقرأ يوما طالب قوله تعالى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنيفقال معجلا رضي الله تعالى عنه وقد فهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لا يعلم: انظر للفظ أنا يا مغرما فيه … من حيث نظرتنا لعل تدريه خل ادخارك لا تفجر بعارية … لا يستعير فقير من مواليه جسوم أحرفه للسر حاملة … أن شئت تعرفه جرد معانيه ومن ذلك، إنه كان ببجاية حرسها الله تعالى، فدخل عليه شخص من أهلها يعرف بابي الحسن ابن علال من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دينارا شكرا لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به، أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ، ليكون للفقراء زادا، فلما كان في الليل، رأى مناما فيه "النبي صلى الله عليه وسلم" ومعه أبو بكر وعلي، رضي