الله تعالى عنهما، قال الرجل: فنهضت إليه بسرور رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادع الله تعالى لي، فالتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: يا أبا بكر، أعطه، فإذا به رضي الله عنه قسم رغيفا كان بيده وأعطاني نصفه، ثم أفاق الرجل من منامه وأخذه وجد من رؤية مثل هذه الرؤيا المباركة، فأيقظ أهله واستعمل نفسه في العبادة، فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها، فلما قدمها للشيخ، قال له الشيخ: يا علي، أقرب، فلما قرب منه قال له: يا علي، لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكامله. توفي في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر عام ثمانية وستين وستمائة.
## $ 68 - أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي الخطيب -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي الجليل، الفاضل الوجيه، أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي الخطيب هو أول بيت بني الخطيب ببجاية، ولي قضاءها من مراكش. وكان له صلابة في الأحكام، وقلة مبالاة بأحد من الحكام. وكان إذا حكم أمضى، وإذا وصل أرضى، وإذا خشي كشف العورة أغضى. وربما كان يتفرس في الأحكام أحيانا فراسة تخرجه عن قانون الشريعة، ولا تستهويه أن يكون حكمه كسراب بقيعة. واستمرت مدته، وطالت ولايته. وكان أكثر الناس حظوة عند بني عبد المؤمن، ولقد أسهموه ما لم يسهموا أحدا من صنف الطلبة، وما زال ظل شرفه ضافيا على عقبه، مسبلا أثواب النعمة على ذوي نسبه. رحمه الله آمين.
## $ 69 - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي الفاضل الوجيه، أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان التميمي، هو ولد أبي العباس المذكور أبوه آنفا. أحد قضاة العدل، وولاة الدين والفضل. لقي أبا محمد عبد الحق الاشبيلي وأخذ عنه وسمع منه، وأجاز له أبو الطاهر السلفي وولي قضاء "سبتة" بالعدوة، وبالأندلس قضاء بلنسية. وكان بقاؤه في القضاء على أصالة، وعلو منصب وجلالة. وكان من الوجاهة والنباهة بمحل، وله من التحصيل ما لا يشغله عنه شاغل في الحل والمرتحل. وتوفي بمدينة تونس في شهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة رحمه الله.
## $ 70 - أبو محمد عبد الله بن حجاج بن يوسف ... بعد 640ه ... 1242م ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل، المرضي العفيف، أبو محمد عبد الله بن حجاج ابن يوسف كان أبوه رجلا من أهل العلم، أخذ عن أبي بكر بن العربي وغيره، وأخذ عنه العلم ناس، وكان رجلا صالحا فاضلا، وكان قاضيا بالجزائر، وبها نشأ أبو محمد عبد الله، ثم انتقل إلى بجاية قاضيا بعد تأخير أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي، وكان من أهل العلم والفضل والدين، وقافا مع الحق، عاملا على الصدق، مشاورا لأهل العلم. وطالت مدته في القضاء، وكان أحسن الناس سيرة، وأنقاهم باطنا وسريرة. ودخل الأندلس. وله رواية عن أبي موسى الجزولي وغيره، وكان رحمه الله في مدة ولايته القضاء ببجاية -مع طول مدة ولايته القضاء ببجاية- لا يأكل من مرتبه شيئا، وإنما كان يصرفه في الصدقة وصلة أهل البر والخير، وما كان يتناول إلا من شيء يصله من فوائد عقاره ببلد الجزائر مما ورثه عن أبيه. وتوفى رحمه الله في عشر الأربعين وستمائة. وخلف خمسة من الولد، عبد الرحمن وعبد الواحد واحمد ومحمد وعمر، كلهم ساد، وبنى على مكارم من سلف وأجاد. أما الفقيه أبو زيد عبد الرحمن فإنه ولي قضاء قسنطينة والجزائر. وأما الفقيه أبو عبد الله، فكان أحسن سيرة وأفضلهم طريقة وأكثرهم
تخصصا، وكان كثير المعروف يضعه في مواضعه، وسمع عن شيخنا أبي الحسن الزيري رحمه الله إنه كان يقول: ما رأيت اعرف بطريق ايلاء المعروف منه. وأما الفقيه أبو محمد عبد الواحد، فولي الخطبة بجامع الموحدين، ولم يزل خطيبا إلى أن توفى رحمه الله وذلك يزيد على ثلاثين سنة، وولي قضاء بجاية وكان من الصلحاء الفضلاء لا تأخذه في الله لومة لائم. وأما الفقيه أبو علي عمر، فولي القضاء ببعض اكوار بجاية ثم ولي قضاء الانكحة، -في مدة ولاية أخيه أبي محمد القضاء بها-. وأما أبو العباس، فكان من الصلحاء الفضلاء، كثير الصدقة كثير الانزواء عن الناس، لم يدخل نفسه بسببه مع الناس في شيء من أمر دنياهم، وإنما كان مقتصرا على حال نفسه مشغولا بآخرته، وبيتهم بالجملة بيت كريم، وأحوالهم جارية على المنهج القديم، والصراط المستقيم.
## $ 71 - أبو محمد عبد الكريم بن عبد الواحد الحسني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل المدرس، أبو محمد عبد الكريم بن عبد الواحد الحسني من أصحاب الشيخ أبي زكرياء الزواوي رضي الله عنه، ومن قرابته، كان من أهل العلم والفضل والوجاهة والنزاهة. ولما كان من أمر الفقيه أبي زكرياء الزواوي في شأن ابن حزم ما قد اشتهر، وتعصب له ناس ورفعوا القضية للخليفة بمراكش، اقتضى نظر الفقيه أبي زكرياء رضي الله عنه، أن يتوجه عنه الفقيه أبو محمد عبد الكريم لمراكش، فتوجه وحمل تأليف الفقيه ورده على ابن حزم المسمى حجة الأيام وقدوة
الأنام، ولما وصل حضرة مراكش استحضره أمير المؤمنين بين يديه بمحضر الفقهاء وعرض تأليفه الفقيه عليهم، وكان الفقيه أبو محمد عبد الكريم هو النائب في الحديث، فأحسن وأجاد، واطلع أمير المؤمنين ومن حضر من الفقهاء على كلام الفقيه رضي الله عنه ما دله على فضله ودينه وعلمه، فكان من قول الخليفة بترك هذا الرجل على اختياره، فأن شاء لعن وأن شاء سكت، وانقلب أبو محمد عبد الكريم وهو المبرور، وسعيه المشكور، رضي الله عنه وأرضاه.
## $ 72 - أبو محمد عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الاريسي ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، العدل المرضي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الاريسي من نظراء الفقيه أبي علي عمر بن عزون. كان مشاورا مفتيا معمولا على قوله، موقوفا على ما عنده. وعليه وعلى الفقيه أبي علي ابن عزون كان اعتمادا القاضي أبي محمد ابن حجاج وبينهما كان جلوسه، وهما المشاوران عنده، وله جلال ووقار، وهمة علوية، وأخلاق مرضية. وكان في غاية الجودة في الخط المشرقي، وله لطائف علم ورقائق فهم، وبه كان انفكاك ما يخفى معناه من الأمور الفقهية والنوازل الشرعية، رضي الله عنه وأرضاه.
## $ 73 - أبو علي بن عزون السلمي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الفاضل المحصل المتقن، أبو علي عمر بن عزون السلمي رحل إلى بلاد المشرق وقرأ بها ومهر، ووصل إلى بجاية وظهر واشتهر وحظي بها، وكان المشاور والمفتي، وعليه وعلى الفقيه أبي عبد الله الاريسي المتقدم الذكر، كان يتوقف أمر القاضي أبي محمد عبد الله بن حجاج الشهير باوسكاتر وكانت عنده كتب جليلة، ووصل ببعض كتب أبي حنيفة، وكان يجري أبحاثهم في مذهب مالك رضي الله عنه فقويت حجته وظهرت طريقته، وسمعت إنه وصل بعض الفقهاء من المشرق لمناظرته، فلما ضمه الحضور معه، قال له الفقيه بحكم ادلال العلم، وارتفاع الوهم: وصلت إلى بحر لا تدركه الدلاء " وظهرت الدعوى، بصريح النص ومفهوم الفحوى. وسمعت عنه رحمه الله إنه كان له حانوت يجلس فيه للتجر بسوق قيسارية ببجاية مع تمكن علمه وبراعة فهمه، رحمه الله.
## $ 74 - أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الوجيه السري، الفاضل العدل، أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري من أهل بونة ممن عرف بالدراية والعلم والأمانة والحفظ والصيانة. وكانت له وجاهة، وناب عن القضاة في حضرة بجاية، كلأها الله، نيابة مطلقة تنزلت منزلة الأصالة، وكان ذلك لنهوضه في الأحكام، ومعرفته بوجوه الحلال والحرام. ولم يزل نبيه الذكر، معروف القدر، موصوفا بالخير، وذلك بعد طول مدة من وفاته، وليس ذلك إلا لوفور حظه في وقته وشهرته. رحمه الله وغفر له آمين.
## $ 75 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين الخشني -النصف الأول من القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، المشاور المجيد المحصل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين الخشني من أهل بجاية، وكان فقيها مدركا مقدما، وكان مشاركا مشاورا، وعليه كان اعتماد الفقيه أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي وكان في صناعة التوثيق إماما، وعليه كان أكثر الاعتماد ببجاية في وقته، وله خط بارع وله رواية ومقروءات، واستجار الفقيه العالم أبا عبد الله محمد بن عبد الحق [اليعفري] التلمساني فأجازه، وكتب إليه بما نصه بعد البسملة والتصلية: يرغب إلي جلال الشيخ الأجل، الفقيه الزكي العالم الحافظ المفيد المتفنن العلامة الأكمل، بقية الجلة الفضلاء الأكابر أهل العلم، أبي عبد الله ابن الشيخ الفقيه الزكي الزاهد المرحوم أبي محمد عبد الحق بن سليمان أكرمهم الله برضاه، وحرس مجدهم وتولاه، معظم مقدارهم، وملتزم برهم ومقدارهم، وتوقيرهم وإيثارهم، العارف بحقهم، العليم بتقديمهم وسبقهم، محمد بن محمد بن الحسين الخشني، في الإنعام عليه بإجازة هذا البرنامج الذي تضمن ذكر أشياخه الجلة الفضلاء، رضوان الله عليهم وعليكم أجمعين، بحيث يحمل ذلك عنكم، ويتشرف بأخذه منكم، وفضلكم بذلك كله كفيل، وثوابكم عليه عند الله جزيل، والله يبقي ببركاتكم الانتفاع، ويحسن عن إرجائكم الوقاع، وأفضل سلام الله عز وجل وأوفى تحياته وأزكاها، وأعطرها عرفا وأذكاها، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته.
فأجابه بما نصه: أجبتك بأحسن تحية، وامتثالا لما جاء به خير البرية. نعم وأجبتك إلى ما سألته وطلبته، إجابة من يعلم أنك أهل له. وإذن من تحقق أنك قائم به لشواهد طلبك، وبوارع أدبك. إجابة عامة بشرطها فتلقها تلقي أمثالك، وأعمل بحسبها عمل نظرائك. والعمل جمال العلم وخادم له ومرتبط به لمن أراد السعادة وسعى لها، قال الله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، مع شروط الإجازة عند أهلها القائلين بإجازتها، جعلنا الله وإياكم ممن استمع القول واتبع أجمله، وممن ختم بالحسنى عمله، آمين. قاله وكتبه حامدا ومصليا على نبيه، محمد بن عبد الحق بن سليمان في ذي حجة عام ثلاثة وستمائة. وكتب السائل عندي أبرع من جواب المجيب، ولقي القاضي الازدي والقاضي المسيلي والشيخ أبا مدين وغير هؤلاء من أهل العلم نفعنا الله بهم، أجمعين.
## $ 76 - أبو زكرياء يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني -النصف الأول من القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المشاور، أبو زكرياء يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني، كان أحد الفقهاء المشاورين والجلة المفتين ببجاية، وهو نظير أبي عبد الله الخشني، وهو من جملة من يعتمد عليه القاضي الأصولي وغيره من قضاء وقته، وكانت له نباهة ومعرفة ثابتة بعلم الوثائق والتقدم في ذلك. أخبرني عنه وعن أبي عبد الله الخشني، شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق ومنه تعرفنا خبرهما، وخطوط شهادتهما الآن معروفة وما يوجد من وثائقهما وكتبهما يدل على تحصيلهما وفضلهما. لقي الشيخ أبا مدين رضي الله عنه والفقيه أبا علي المسيلي وأبا محمد عبد الحق الاشبيلي وأبا عبد الله القرشي وغير هؤلاء. وكتب للفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عبد الحق التلمساني يستجيزه بإجازة، ونص ما كتبه إليه:- يرغب إلى الشيخ الفقيه، الزكي المحصل الأفضل، أبي عبد الله محمد، ابن الشيخ الفقيه الصالح الزاهد الفاضل أبي محمد عبد الحق بن سليمان [اليعفري] أدام الله كرامته، وأبقى بركته، ووصل رفعته مجل قدره، ومؤثر بره.
الراغب في بركاته دعائه، وإلى الله تعالى في إطالة بقائه، يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الهمداني، في الإنعام عليه بإجازة ما اشتمل عليه برنامج روايته عن أشياخه رضي الله عنهم، وما سند عنه من قراءته ومسموعاته وإجازته ومناولاته وتآليفه في فنون العلم، وماله من نثر ونظم، منعما ومتفضلا عليه بالإسعاف بمطلوبه من ذلك والإجابة إليه، والله عز وجل يعين على بره ويمتع ببركاته وبصالح دعائه، والسلام الاتم الجزيل المبارك الحفي يخصه ورحمة الله تعالى وبركاته. فأجابه رحمه الله: "أجزت لكم أكرمكم الله جميع ما سألتموه، وأبحت لكم من ذلك ما طلبتموه، إجازة عامة على شروطها المعمول بها عند القائلين، إذ انتم أهل لذلك نفعكم الله ونفع بكم، فلتستعمل نفسك ولتتوج هديك في العمل بمقتضى ما علمك الله من ذلك، أبلغكم الله أملكم، وختم بصالح عملنا وعملكم. قاله وكتبه حامدا لله ومصليا على نبيه محمد وعلى آله، بتاريخ جمادى الأخرى من سنة خمس عشرة وستمائة، محمد بن عبد الحق بن سليمان". قلت، وكان له من الشهرة وعلو المنصب في وقته، ما اوجب له بقاء الذكر بعد مضي عصره، وانقضاء المدة الطويلة من دهره. رحمه الله وغفر له آمين.
## $ 77 - أبو إسحاق بن العرافة -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل "أبو إسحاق ابن العرافة" كان له منصب وحظ ووجاهة وتخصيص، وولي صلاة الفريضة والخطابة بالجامع الأعظم من بجاية، وكان معتكفا على ما هو بسبيله منزويا عن الناس، ولقي من أفاضل أهل العلم ببلده من أخذ عنه واستفاد منه، وكان له مجلس للتدريس بالجامع الأعظم يدرس الرواية والدراية.
## $ 78 - أبو سعيد ابن تونارت الدكالي -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الصالح، المتزهد المتعبد، أبو سعيد ابن تورنات الدكالي، أحد الفقهاء المحصلين لمذهب مالك رضي الله عنه. كان من المدرسين ببجاية، وحافظا للفقه محصلا للمدونة، جيد الإلقاء مليح التفهيم، حسن الابتداء والتتميم. ولم يكن له حرفة ولا عمل ولا مشاركة لأحد من الناس ولا في شيء من أحوال الدنيا ولا مناصب أهلها ولا غير ذلك سوى الاشتغال بالعلم وكان ممن يعمل على فتواه، وكان أكثر اشتغاله بالمدونة، ولا أعلم له مشاركة في غير الفقه. واستفاد عنه ناس، لم يكن بهم باس. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
## $ 79 - أبو زيد عبد الرحيم اليزناتني -القرن السابع الهجري- ومنهم الشيخ الفقيه، العالم الفاضل، المحصل المتقن المجيد، المجتهد، أبو زيد عبد الرحيم بن عمر اليزناتني، أحد العلماء الذين لهم السبق، وهو بالتقديم أولى وأحق. رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل وجد واجتهد وحصل، وكان مصاحبا لنجم الدين ابن شاس وسمعت -ويغلب على ظني إنه من شيخنا أبي محمد عبد العزيز رحمه الله- أن الفقيه أبا زيد قال: استشاري الشيخ نجم الدين في وضع هذا الكتاب الذي هو "الجواهر الثمينة" فأشرت عليه أن لا يفعل، قال: فلم يضعه، ثم انفصلت إلى أداء الفريضة فما رجعت حتى وجدته قد وضعه. ووصل إلى بجاية حرسها الله واشتهر بها، وعكف على التدريس وكان محصلا لمذهب مالك ولأصول الفقه على طريقة الأقدمين ومن أهل الاجتهاد، وكان لا شيء له من الدنيا، ورفع إلى والي الأمر أمره وجلاله وإنه لا شيء له، فوجه إليه بطعام كثير وجملة من مال فرده عليه ولم يقبله منه.
ويتصل إسنادي عنه، من جهة شيخنا أبي محمد عبد العزيز وشيخنا أبي محمد ابن عبادة. وارتحل بعد ذلك إلى المغرب بعد أن روى عنه وحصل ما يجب أن يحصل منه، واستوطن مدينة فاس إلى أن توفي رحمه الله، وكان له بها ظهور وتقدم رضي الله عنه.
## $ 80 - أبو زكرياء يحيى بن أبي الحسن اللفتني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، المحدث الحافظ المتقن الوجيه أبو زكرياء يحيى بن أبي الحسن اللفتني من أهل الأندلس. رحل إلى بجاية واستوطنها وقرأ بها وأسمع، وهو أحد من أخذ عنه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبادة رحمه الله رواية وتفقها ودراية، وكان جلوسه بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، وكان ذلك في عشر الثلاثين وستمائة. ولقد وقعت مسألة في ذلك الزمان بمجلس أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه، في حكم الغسلات الثلاث إذا أتى بها المكلف، فحكى الشيخ رحمه الله عن بعض أهل العلم إنه قال: أن جميعها واجب، فبلغ ذلك الفقيه أبا زكرياء فأنكره نقلا وفقها، فذكر الشيخ رحمه الله أن ذلك نقل وفقه، وأحال في النقل على كتب ابن بطال في شرح البخاري، وأما الفقه أن هذا يكون كخصال الكفارة في قول من يقول أن جميعها واجب ويسقط الفرض بالواحد منها، ومسند هذا أن الله تعالى أمر بالغسل، والغسل مصدر يدل على القليل والكثير، فالواحدة من مضمنه وكذلك الاثنان والثلاثة، وأورد عليه على هذا أن يزيد على الثلاث، لأن المصدر يتناول ذلك، وقال: يمتنع لقوله عليه الصلاة والسلام، الثلاث شرف، والزيادة سرف، والإجماع أورد عليه جواز الترك،
فقال: يسقط الفرض بالواحد، وإذا أتى بالجميع كان في حيز الواجب، ومشى بعض طلبة الشيخ حتى ذاكر أبا زكرياء اللفتني في المسألة وناظره فيها. ورحل إلى حاضرة تونس باستدعاء الملك، ولما مثل بين يديه سأله عن حاله وعن طلبته فعين له من نجبائهم أحادا منهم شيخنا أبو محمد ابن عبادة. وبها توفي رحمه الله.
## $ 81 - أبو سليمان داود بن مطهر الوجهانى -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، المجيد المتقن، الفاضل المبارك، أبو سليمان داود بن مطهر الوجهاني، رحل إلى المشرق وحج بيت الله الحرام، وقرأ ودرس ورأس واجتهد وحصل كان له علم بالفقه وعلم بأصول الفقه، وله مشاركة في العربية وفي أصول الدين، وكان نظارا قياسا، وهو أحد الأخيار المجتهدين والأكابر المفتين. كان رحمه الله متقللا من الدنيا، عاكفا على العلم، معرضا عن أهلها مقبلا على الدار الآخرة، مختصرا في لباسه ومشيه، وكانت معيشته من أرض له ببلده يتناول أقلها ويتصدق بأكثرها. رحمه الله ورضي عنه.
## $ 82 - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد ين أبي بكر ابن السطاح ... 629ه ... 1232م ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي الأستاذ اللغوي العدل الرضي، أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر ابن السطاح أصله من الجزائر، ورحل إلى اشبيلية وقرأ بها ولقي أبا الحسين ابن زرقون وأبا بكر ابن طلحة وأبا عبد الله محمد بن علي بن طرفة وغير هؤلاء، وروى وحصل، وأجاز له أبو الحسين ابن زرقون أجازة خاصة وعامة؛ خاصة فيما نص عليه، وعامة فيما لم يعنيه، حسبما اقتضى ذلك كله رسم أجازته له، وكتب له بذلك بخط يده، وذلك في عقاب ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة. وهو أول من أدخل كتاب "الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار" إلى
العودة نسخة بخط يده. وكان بارع الخط، حسن الضبط. استوطن بجاية وأقرأ بها وتخطط بالعدالة وناب عن القضاة في الانكحة، وكان فاضلا خيرا مرضيا. ويتصل إسنادي عنه، عن شيخنا أبي عبد الله القلعي، عنه، عن أبي الحسين ابن زرقون، عن أشياخه رحمهم الله. توفي في سنة تسع وعشرين وستمائة.
## $ 83 - أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنجلاتي ... 690ه ... 1291م ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح المتعبد، الوجيه المبارك، أبو يوسف يعقوب بن يوسف الزواوي المنجلاتي، من أصحابنا الذين جمعنا معهم عصر واحد، له معرفة بالفقه وأصول الفقه، وله مشاركة في علم العقائد، قرأ ببجاية ورحل إلى حاضرة افريقية ولقي بها المشائخ، ولازم الشيخ الإمام أبا عبد الله ابن شعيب رحمه الله، وقرأ على الفقيه أبي العباس ابن عجلان وحضر مجلس شيخنا أبي محمد عبد العزيز رحمه الله قبل رحلته إلى تونس ثم رجع إلى بجاية وأقرأ بها وظهر أمره وأشتهر، وكان مجلسه من المجالس المعتبرة، وكانت تقرأ عليه الكتب المذهبية، وكان يقوم عليها قياما حسنا، وكان نظره في التهذيب نظرا جيدا، وكان أحد المفتين والمشاورين في وقته، وكان منقبضا عن الناس منقطعا عنهم ومشرفا ومكرما، فيهم، وزاره بعض ملوك وقته في منزله، وانقطع في آخر عمره انقطاعا كليا حقيقيا، وانزوى عن الناس إلى أن توفى بتيكات في الثلث الأخير من ليلة يوم السبت الحادي عشر لجمادى الأولى عام تسعين وستمائة، ودفن بالموضع المذكور وقت الضحى من اليوم المذكور، رحمه الله.
## $ 84 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر المنصور القلعي ... بعد 660ه ... 1265م ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد، العدل المسن الموقر، أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر، المنصور القلعي، من قلعة بني حماد، كان له علم بالفقه والفرائض علما وعملا، وكان له علم بالحساب سبق فيه الأوائل، لو لقيه الحصار وابن وهب وغيرهما ما أمكنهم إلا الأخذ عنه والاستماع عنه، وكانت له طريق في الفرائض ملخصة في نهاية القرب، ولم يكن ببجاية في وقته أحد يريد قراءة هذا العلم إلا قرأه عليه، وكان يقصد من البلاد لقراءة هذا العلم عليه. وكان أحد العدول المرضيين، وكان له مجلس يقرأ عليه "التهذيب"
أحيانا، وكان عالما بأحكام الوثائق والشروط، وكان موثق الوقت، وكان له في مدة ولاية ابن حجاج القضاء ببجاية ظهور، وكان له به اعتناء، وكان كاتبهم والمشاور عندهم، وكانت وثيقته محكمة مطولة لا يقصد فيها الإيجاز بل يقصد فيها الإتقان والأحكام، وكان لا يلتفت إلى قول المكتوب له بحيث يبني الشيء على غير أصله، بل لا يبني وثيقته إلا على الأصول التي تترتب الإفادة عليها، ولو رضي المكتوب لهما بالكتب من غير إحضار ما يبني عليه صحة الأمر، فإنه يصرفهما عن نفسه ويقول لهما سيرا لغيري يكتب لكم. توفى ببجاية في عشر الستين وستمائة رحمه الله ورضي عنه.
## $ 85 - أبو علي عمر بن أحمد العمري ... بعد 660ه ... 1262م ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المبارك، أبو علي عمر بن أحمد العمري، من أهل بجاية، رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل وحج بيت الله الحرام، ورجع إلى بجاية بعد تحصيل واستفادة، فكان أحد عدولها المرضيين، وانتصب للتدريس بها، وكان يقرأ عليه الفقه والأصلان، وهو أحد من أخذ عنه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع رحمه الله. وأخبرني بعض الطلبة، إنه رأى له تقييدا رد فيه على الوصية التي أوصى بها فخر الدين ابن الخطيب رحمه الله عند موته. وشارك الشيخ العالم أبا الحسن الحرالي رضي الله عنه في جملة من مشائخه الذين قرأ عليهم بالمشرق. وتوفى رحمه الله ببجاية في عشر الستين وستمائة.
## $ 86 - أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي 544 - 633 ه 1150 - 1235 م ومنهم، الشيخ الفقيه، المحدث الحافظ المتقن، النحوي اللغوي التاريخي، أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي من كبار المحدثين، ومن
الحفاظ الثقات الإثبات المحصلين. استوطن بجاية مدة أبي عبد الله ابن يرمور وكان ولده أبو علي يقرأ عليه، وروى بها واسمع، وكان معتنى به، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملا غالبا عليه، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده والله أعلم، أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره من الناس، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، لأنهم انفردوا به واشتهروا فيه، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية الكلبي. رأيت من كلامه كثيرا في رسائل ومخاطبات، كلها مغلقات مقفلات، ومن جملتها، ما ذكر إنه كان له خديم يخدمه، واحتاج الوالي إلى تجهيز قطع في البحر يبعث فيها للمغرب، فأخذ خديمه في جملة الغزاة، فكتب لأبي علي ابن يرمور هذه الرسالة ينبهه على خديمه ليسرحه وهي: الشيخ الفقيه الأديب
الجحجاح الهرماس أبو فلان جحمظ الله قعثبان شفترته هذا الغطريس في اليم أخذ رجلا لا يملك حذر فوتا فيري الزبرقان فيخاله حوارى ويرى الجعل فيحسبه زعبجا وله قرحة أمحشت من الحر وتعطل كبرها فأبعث إلى هذا العثري من يخضد شوكته والسلام. ولما وصلت هذه الرسالة لأبي علي ابن يرمور لم يفهم لغتها، فاستحضر كتب اللغة الصحاح وغيرها ليفك معماها، ويظهر له معناها. فلم تتضح له إلا بعد أيام، حتى سافرت الأجفان، فكتب كتابا في حق الرجل واشخص به رقاصا، فوصل قطع بوهران فصرف الرجل وزود، ولولا إبطاء الريح ما وصلت الشفعة إلا بعد خلاص مسألته، وهذا أقل عوارض الخروج عن العادة، وعدم سلوك السبيل الجادة. وكان رحمه الله إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير
ذلك، يكتب ابن دحية ودحية معا المشبه بجبريل وجبريل ويذكر ما ينيف على ثلاث عشرة لغة المذكورة في جبريل ويقول عبد فاطر السموات والأرض، وهذا نوع أنفرد به عمن سواه من أهل العلم. قد رأيت له تصنيفا في رجال الحديث لا بأس به. وارتحل إلى المشرق في مدة بني أيوب فرفعوا شأنه، وقربوا مكانه، وجمعوا له علماء الحديث وحضروا مجلسا اقروا فيه بالتقدم، واعترفوا له إنه من أولي الحفظ والإتقان والتفهم. وسمعت أنهم ذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها، وإنه أعاد المتون المحولة وعرف عن تعبيرها ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية. وأخبرني شيخنا أبو عبد الله الخطيب أن مثل هذه الحكاية اتفقت لأبي عمر ابن عات بمراكش في كتاب مسلم ببيت الطلبة منها. ومن شعر أبي الخطاب ما وقعت عليه في ورقة بخط بعض المشارقة ونصه، قال الحسن بن أحمد بن عبد الرحيم البيساني، كتب إلي الفقيه الحافظ أبو الخطاب عمر ابن دحية، وأجازني الرواية عنه وشافهني بالإجازة، قال: كتب إلي السلطان الأجل الملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب هذه القصيدة: مالي أسائل برق بارق عنكم … من بعد ما بعدت دياري منكم وبمنحنى الأضلاع بل وادي الغضا … من مهجتي يا راحلين نزلتم فمحلكم قلبي وأنتم بالحشا … لا بالعقيق ولا برامة أنتم وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم … يا مالكين، وفيتم أو خنتم
أظننتم إني سلوت وأنني … خنت العهود فخنتم وغدرتم هيهات هل يسلو بذكر مالك … من حبكم من للغرام متيم أمنازل الأحباب أين أحبتي … فهم إذا جن الظلام الأنجم ولقد وقفت بربع عزة منشدا … يا ربع أين ترى الأحبة يمموا نزلوا الحطيم وماء زمزم أوردوا … نعم الحطيم بهم ورقت زمزم وسروا وقد أسروا الفؤاد وحرموا … طيب الهجوع علي لما أحرم ناديتهم وهم المنى بمنى وق … ضربوا بها حمر القباب وخيموا لم تسكنوا البلد الحرام وإنما … حرم الفؤاد المستهام سكنتم هم في السواد وفي السويدا خيموا … ما أعرفوا ما أيمنوا ما اشأموا وهم الذين إذا سئلت من الذي … تهواهم قلت الذين هم هم أنا باخع نفسي على آثارهم … أسفا فلا خلت المنازل منهم أحبابنا طال المطال بوعدكم … لي بالوصال وطال ليلى فيكم عودوا يعود الليل صبحا مسفرا … والصبح بعدكم سناء مظلم والذنب ذنبي في الهوى وخطيئتي … من دونكم وأنا المسيء المجرم حكمتكم في مهجتي فحكمتم … فيها بما شاء الغرام وشئتم ورحلتم بالقلب يوم رحلتم … وظعنتم بالصبر يوم ظعنتم ولقد كتمت هواكم حتى وشى … سقمي بذاك ودمع عيني الملزم والسقم يفصح بالصبابة والأس … والدمع يكتب ما المعنى يكتم حاشاكم من أن تجوروا في الهوى … ونعم ظلمتم بالعباد وجرتم والعدل بالملك الهمام محمد … بادي المنار لكل من يتظلم عز الملوك الكامل الشرف الذي … لعلائه السبع الكواكب تخدم فالمشتري كالمشتري لسعوده … يمسي ويصبح حيث أم يؤمم
والقوس يرمي عن إرادة عزمه … غرض المقاصد والمقادير أسهم فدع التحرش يا منجم واتئد … فالحكم عندي غير ما قد تحكم ما كوكب المصباح ذو الترب الذي … في القرب من بعد الغروب يعتم علم لما رحمت بل علم له … رفيع لا يرام معظم وقعت له الأملاك منه سجية … ملك السماك الرمح وهو محرم اوتاسل وافى ليخدم رامحا … فينال منه مكانة ويقدم لما اعتدى في الجند يخدم سابعا … بهرام سياف النجوم الضيغم ونسيت بل ملك أشار بأصبع … يوي إليه بل عليه يسلم هذا الصحيح من المقالات التي … فيها بمكنون الغيوب يرجم لذوي النهى والفهم سر حكومة … قد حار فيها كاهن ومنجم واقصد مرادك حيث سرت مظفرا … فالله يكلأ والكواكب نوم وليهنك الشهر السعيد تصومه … وتفوز فيه بالثواب وتغنم فلأنت في الدنيا كليلة قدره … قدرا فقدرك في الملوك معظم أثني عليك لأن شكرك واجب … إذ أنت في الخلق المغيث المنعم وكذا الأيادي البيض سحب نوالها … تسري كما يسري السحاب المسجم ولقد أسى مينا تقل لمثلها … مدحي الذي تقدم فيه أنظم ولي السواري في علاك مدائحا … كالشهب تنجد في البلاد وتتهم فبقيت ما بقيت حمامة أيك … من فوق غصن يابس تترنم تحمى فلا متهضم يسطو ولا … متحرم يشكو ولا متظلم
وكتب السلطان جوابا في ورقة عن القصيدة: الحمد لولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درها. وليس من البديع أن يقذف البحر درا، وينظم الجليل شعرا. وقد اتخذت الورقة لا تنزه في معنيها واستفيد بما أودعه فيها. فالله لا يخلينا من فوائد فكرته. وصالح ادعيته. قال الراوي، وأجازنا أيضا قصيدة يمدح السلطان بها أيضا: شجتني شواج في الغصون سواجع … ففاضت هوام للجفون هوامع وهيجن شوقا للأراجع باللوى … وأين اللوى مني وأين الاراجع مرابع لو أن المرابع أنجم … لكان نجوم الأرض تلك المرابع رعى الله أياما لها ليت أنه … إلي وقد ولى الشباب رواجع ليالي لا ليلى إذا رمت وصل … يلوح لها من صبح شيبي مواقع وما محنتي في الحب غير عزيزة … هي البدر في ليل النوائب طالع
يقد فؤادي قدها وهو ذابل … على إنه غصن من البان يانع وتجرح أحشائي بعين مريضة … كما لأن متن السيف والحد قاطع خضمت لها في الحب من بعد عزة … وكل محب للأحبة خاضع وماذا أجنت من أزاهر جنة … كمائم من ريط تسمى البدائع وفوق شبيه الورد يلحظ عكسه … لواذع في قلبي لها ولواذع وقالوا بدور والنجوم حنادس … وهن شمرس في الغصون طوالع ودعت وديعة لدى حاكم الهو … ولي للهوى قلب مطيع وسامع ولا حاكم أرضاه بيني وبينها … سوى ملك دهري له اليوم طائع يدافع عني الضيم قائم سي … إذا عز من للضيم عني يدافع هو الكامل الأوصاف والملك الذي … تشير إليه بالكمال الأصابع وبيض أياديه الكريمة في الورى … قلائد في الأعناق هن الصنائع ويوماه يوماه اللذان هما هما … إذا جمعت غلب الملوك المجامع فيوم بدا فوق السرير مرف … ويوم ربا تحت اللواء براقع بأسيافه في الأرض هدت كنا … وشيد للإسلام فيها جوامع كتائبه منصورة بكتائب … من الملأ الأعلى وجبريل وازع يهيم بمقراه جلال وهمة … وتغني بمغناه نفوس نوازع فلا تطمعن فيه العدى فل حده … ففي غير أمر الله يطمع طامع ليهنك يا عز الملوك بشائر … توالى بها في المشركين وقائع تدال بها أرض العدى بالعمى هد … يكسر ناقوس وتبنى صوامع
وتفتح قسطنطينة وقلاعها … يتاح لها أمر من الله قالع فيا ملك رقى المكارم ملكه … وما تبع إلا له اليوم تابع وأمحى ملوك الأرض في أجمة الغضا … وأعداهم بالسيف حين يماسع ومن نحوه يوم الجدال عوامل … خوافض للهامات منها روافع به كل ثغر باسم برشاشه … عيون أعاديه دوام دوامع شكرت أياديك الجسام اصطناعها … كما شكرت فعل السيوف المسامع فما روضة غناء مر بها الصبا … بنشر شذاها الطيب النشر ذائع له من شكير الدهر برد مفوف … أتيح له من ارض صنعاء صانع فراقك منها أخضر الثوب ناضر … وشاقك منها أصفر اللون فاقع وأحمر قان كالخدود مورد … وابيض كالثغر المفلج ناصع بأحسن من توشيح مدحي الذي به … بدائع من وشى البديع رصائع وما صائغ من نشر شكري الذي به … تأرجت الأرجاء عندك ضائع ولو لم يقيدني نداك لكان … مجال فسيح في البسيطة واسع فأنت الذي لي والأعادي كثيرة … فويق مكان النجم في الأفق دافع ومن عجب يا من سما مجده … له في كدى العليا الرماح الشوافع
فإني وقد أعلنت بالجاه موضعي … بدار تحاكيها الديار البلاقع وما لي إلا حسن رأيك وحده … لديك إذا ما كان للناس شافع بقيت لعبد جده دحية الذي … يشابه جبريل له ويضارع وجدته الزهراء بنت محمد … عليه السلام الدائم المتتابع ولا عدمت منك الممالك مالكا … يقرب للآمال ما هو شاسع فمنك عيون للمهمات يق … وعنك عيون الحادثات هواجع
## $ 87 - أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير 565 - 634 ه 1170 - 127 م ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب المحدث، الحامل المحصل المجيد المتقن، أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير، له علم بالحديث ومعرفة برجاله، حافظ لأسانيده، محصل لمعنيه، من أهل الضبط والحفظ. وأما الأدب فشأوه فيه لا يدرك، سبق فيه أهل الزمان وأربى، ولمثله في الفصاحة والبلاغة تحل الحبى. سمعت عن شيخنا أبي الحسن الحرالي رضي الله عنه إنه كان يقول: بلغ "كثير" في رتبة البلدان أن يكون كأوائل العرب يحتج بشعره، وذلك لما كان انتهى إليه من الفصاحة والبلاغة حتى صارت له طبيعة، وكان سريع البداهة يكتب
عنه ولا يقف، ويورد أحسن إيراد، وله في غير ما فن من الأدب، النظم والنثر. ولقد ذكر لي بعض الطلبة، إنه رأى قصيدة في نحو خمسمائة بيت على هذا الروي يصف فيها حاله ويعاتب وقته، ومطلعها يقول عن نفسه: الحمد لله ليس لي بخت … ولا ثبات يضمها نحت ومضى على هذا الإيراد بأجود لفظ وأحسن معنى، ولقد بحثت عنها كثيرا فلم أجدها. وكان لسان نقد على المؤلفين والمصنفين والمتكلمين، ومن جملة نقوده ما كان يقوله على كتاب الإحياء لأبي حامد يقول: ومتى ماتت العلوم حتى تحيى علوم الدين؟ ما زالت حية ولا تزال " وكان إذا ذكر الشعر يقول: "شاعر أعم من شيء" يشير إلى أن الشعراء كثير والمرضى منهم قليل. وكانت له همة ونزاهة على إقلاله، وضعف حاله. سمعت أن بعض الأمراء في وقته عتبه عتابا أغلظ عليه فيه، ثم استرضاه فبعث إليه بثلاثمائة دينار، وبعث إليه بكتاب ابن عطية ليقابله له، وكانت نفسه قد تغيرت عليه، فاخذ في الارتحال وطلع في جفن قاصدا للرئيس أبي عثمان سعيد بن حكم ابن عمر بن حكم القرشي صاحب منورقة وترك الكتاب والثلاثمائة دينار وكتب معها رقعة وانفصل، ولم يشعر به أحد، ولم يرض بأخذ تلك الصلة وتركها مع الكتاب، واستحسن ذلك غاية الاستحسان منه وشكره
الناس عليه، ولما وصل الرئيس أبا عثمان أنزله خير منزل، وأحله منه خير محل، وبقي معه إلى أن مات رحمه الله. قرأ بالأندلس، وارتحل إلى حاضرة مراكش ولقي أبا موسى الجزولي وغيره. وكان شيخنا أبو عبد الله الأديب يحكي عنه إنه كان يقول: لقيت أبا موسى الجزولي بمراكش، واتفق إنه ركب البحر في بعض الأسفار فألقته الريح في جزيرة صقلية، فدخلها مع أهل الجفن وطال مقامهم بها وفرغ زاده، فافتقر إلى الجلوس بها لكتب الرقاع للمسلمين الذين بها، فأتته امرأة تشكو للملك بشكوى فكتب لها رقعة لم يعد فيها عن لفظها، فوصلت الرقعة إلى الملك فرأى خطا لا يوافق اللفظ فقال: علي بهذا الكاتب، فحضر بين يديه فقال له: هذا خطك؟ قال نعم، قال له: هذا الخط لا يوافق اللفظ، فقال له: هي أمانة قلدتها والقصد تصوير الواقع بين يديك، والكاتب نائب عن حضور صورته، وأظهر ذلك أن يكون بعين لفظه، حتى يقدر أن صورته حاضرة بين يديك، وتزيين الكلام يرفع قريحة الرافع، فاستحسن ذلك منه وقال له: تقيم عندنا نحسن إليك وتكون ممن يحضر معنا، فقال له: "لو كان الشرع يحيز ذلك لفعلته، فأنك خير من يقام عنده" فزوده وانصرف، وهذا من عقله وفهمه.
## $ 88 - أبو عبد الله محمد بن اراهيم الوغليسى -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل، المحكم الضابط، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كانت له نباهة ووجاهة ونزاهة ورفعة وهمة، وهو أحد المقتدى بهم والمعول عليهم، وكان عالما بالكتابتين الأدبية والشرعية متقدما عليها وعليه كان المعتمد في وقته في المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا، وعليه كان اعتماد القضاة في التسجيلات، وإليه كان يهرع أهل البلد فيما يحتاجون إليه من الوثائق المحكمات والأمور المستغربات وولي الخطابة بجامع القصبة المحروسة من بجاية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط. ولقي أبا محمد عبد الاشبيلي والقاضي أبا علي المسيلي والأستاذ أبا زيد عبد الرحمن بن الحجري وكان شيخنا أبو محمد عبد الحق كثير الإجلال له والتعظيم لقدره، وكان يعده من أشياخه رضي الله عنهم أجمعين.
## $ 89 - أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن محمد الزهري ويعرف بابن محرز 569 - 655 ه 1173 - 1258 م ومنهم، الشيخ الفقيه، الحافظ اللافظ، المحدث المتقن، اللغوي التاريخي، الأديب الكامل، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن
محمد الزهري، من أهل بلنسية ويعرف بابن محرز، قرأ بالأندلس ولقي بها أفاضل من أهل التحصيل. جمع بين الرواية وعلو المنصب وبعد الهمة. وله مكارم هو بها أولى وأطلق، وبها قمره المنير أحق. لقي جماعة من العلماء الفاضل منهم والده وخالاه أبو بكر وأبو عامر، ولدا أبي الحسن علي بن هذيل المقرئي وابو عبد الله محمد بن خلف بن مرزوق وأبو عبد الله بن نوح وأبو العطاء وهب بن لب بن نذير الفهري وأبو الخطاب ابن واجب
وأبو بكر ابن حمزة وأبو محمد ابن حوط الله ورحل إلى أبي محمد عبد الله بن عبد الله الحجري فسمع منه ومن أبي عبد الله ابن غاني بسبتة وأجاز له أبو جعفر ابن مضا وأبو جعفر ابن حكم وأبو محمد ابن
مليح وأبو الحسن ابن نقرات وغيرهم، ومن أهل المشرق أبو القاسم البصير وأبو عبد الله الكركيسي وأبو الحسن ابن المفضل ووفد على حاضرة مراكش ولقي بها الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الملك بن القطان. ثم ارتحل إلى بجاية بعد الأربعين وستمائة واستوطنها، وكان معظما عند أهلها محترما وكان عند الملك بها حظيا مكرما، وروى بها عن الشيخ العالم العابد أبي الحسن علي بن أبي نصر رحمه الله، وروى عنه بها كثير واشتغل عليه اشتغال التحصيل والتعليم. والتبيين والتفهيم. كانت تقرأ عليه الكتب الفقهية، وكتب الحديث وكتب اللغة والأدب. كان محصلا لهذه الفنون مجيدا فيها، ولا يخلو له وقت عن الاشتغال بالعلم أما الرواية وإما التدريس وإما المقابلة وإما عرض المسائل على سبيل المذاكرة. وكان أحسن الناس خلقا وألينهم للطلبة جانبا محبا في علم الأدب.
ورأيت له نظما ونثرا لا بأس بهما، ورأيت له خطبا في عقود النكاح حسنة. وقيد أصحابه عنه كثيرا. وذكر لي بعض أصحابنا أن له "تقييدا" على "التلقين" صغير الحجم. وجميع ما طالعته من الكتب التي يوجد عليها خطه في غاية الجودة تقييدا وإصلاحا وتطريرا، وقد رأيت له هذا في فنون كثيرة من الفقه والخلافيات والحديث والأدب واللغة، وكل ذلك يدل على مشاركته وتحصيله. وهو كان رأس الجماعة الأندلسية ببجاية. كل كان يأتي إلى منزله وعنده مجتمعهم، أبو عبد الله الابار وأبو المطرف ابن عميرة وأبو بكر ابن سيد الناس وأبو عبد الله الجنان وغيرهم. كان هو شيخ الجماعة وكبيرهم. توفي رحمه الله ببجاية يوم الأحد الثامن عشر لشوال سنة خمس وخمسين وستمائة، ومولده في آخر شهري جمادى سنة تسع وستين وخمسمائة، وصلى عليه على شفير القبر تلميذه أبو الحجاج ابن أيوب بوصيته بذلك، وكان يوم وفاته مشهدا عظيما كأنه يوم عيد ولم يبق من لم يحضره. ولقد اتفق في وقت الحضور للصلاة عليه أن الإمام المذكور تأخر وتقلق الناس، وكان شيخنا أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة أحد الحاضرين والخاصين به من طلبته، فقال: ننظر من يصلى ينصرف الناس " فقال له بعض الحاضرين: الحق في هذا لوليه أبي عامر وأبي جعفر وكانا بالحضرة، فقال الفقيه أبو محمد عبد العزيز ما تكلمت إلا بألسنتهما، فقال له أبو عبد الله الأبار: يا فقيه ويجوز بلسانيهما -منكتا عليه في إنه أورد الجمع محل التثنية- فقال الفقيه أبو محمد مجاوبا: نطقت بما نطق الله به في القرآن، قال الله تعالى {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} وهذا هو الصواب وغيره خطأ. وبعد انقضاء الصلاة وانصراف
الناس اجتمع الفقيهان وتراضيا. رحم الله جميعهم. وحكى لي بعض الطلبة عنه إنه قال: كان بالزنقة التي كنت ساكنا بها ببلنسية مسجد، وكنت اصلي فيه خلف إمامه الراتب، فلما حضر وقت طلوعنا من بلنسية إلى حاضرة مراكش على جري العادة في كل عام، ووقع العزم على السفر، ووصل إلى إمام المسجد المذكور وسألني في أن أتوسل له في ظهير بزيادة في مرتبه من قبل أمير المؤمنين على الإمامة بالمسجد المذكور، وكتب لي رقعة يذكرني بها حاجته، فأخذتها منه وجعلتها في خرج فيه أسبابي، فلما وصلت إلى حاضرة مراكش وأردت الرجوع رفعت مسائلي وأردت قضاء حوائجي، فقضيت ووادعت من يجب وداعه وعدت إلى منزلي بمراكش، ألفيت رقعة الإمام فتذكرت حاجته بعد أن كنت أنسيتها فخرجت من الغد على هيئة السفر وتعرضت إلى الشيخ أبي محمد عزون صاحب الأشغال بمراكش فسلمت عليه فقال لي: ما هذا؟ أليس قد وادعتني بالأمس؟ فقلت له بقيت لي حاجة، فقال لي: وكذا تكون أنت بحوائجك. وأنشدته هذه الأبيات: عذرا بإلحاحي عليك مؤملا … لا غرو أن تلقى الكريم فتسألا ألقاك مزدادا لكونك باذلا … ومعاودا وردي لكونك منهلا ومكثرا من قول هات لأنني … أبدا أراك مقللا من قول لا فاستحسنها والتفت إلى كاتبه وقال له: انزل بموضعك ويبقى الفقيه راكبا على هيئته واكتب له ظهيرا عن أذن أمير المؤمنين بزيادة ستة دنانير للإمام وبزيادة مدين من القمح في كل يوم. فانصرفت له شاكرا ولأياديه ذاكرا.
## $ 90 - أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الانصاري البلنسي 577 - 654 ه 1181 - 1256 م ومنهم، الشيخ الفقيه، المقرئ الأستاذ الصالح المتعفف المبارك العدل، أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الأنصاري من أهل بلنسية. لقي بالأندلس رجالا منهم، الفقيه أبو عبد الله محمد بن نوح الغافقي وأبو جعفر أحمد بن علي بن يحيي بن عون الله الألبيري عرف بالحصار وأبو علي الحسن ابن يوسف بن أحمد الأنصاري عرف بابن زلال وغير هؤلاء. ثم رحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرأ بها وروى وأسمع وأخذ عنه، واستفيد منه. له علم بالقراءات وحظ من العربية، محكم الرواية، متقن
الدراية. وله زهد ونسك وتقلل من الدنيا، ولم يكن له عمل ولا حرفة ولا خلطة للناس سوى الاشتغال بإقراء القرآن رواية وتفهيما، وبسطا وتعليما. وتخطط بالعدالة ببجاية وكانت صفته. وتوفي بها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين الثالث لجمادى الأولى عام أربعة وخمسين وستمائة ودفن بخارج باب امسيون بمقبرة الفقيه القاضي أبي محمد عبد الله بن حجاج، وولد ببلنسية سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيهين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر، رضي الله عنهم أجمعين.
## $ 91 - أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى بن محمد بن محمد ابن سيد الناس اليعمري الاشبيلي 597 - 659 ه 1201 - 1261 م ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث، الحافظ المتقن المجيد، اللغوي التاريخي، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري الاشبيلي. كذا رأيت نسبه بخط يده رحمه الله. وأصله من "أبدة" عمل "جيان" وهي وما والاها دار اليعمريين بالأندلس. قرأ باشبيلية ولقي مشائخ، من جملتهم والده الفقيه أبو العباس، وأبو محمد عبد الرحمن بن علي بن أحمد الزهري وأبو العباس أحمد بن محمد بن
مقدام الرعيني وأبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي وأبو عمران موسى بن حسين القيسي الزاهد وأبو الحجاج ابن الشيخ وأبو ذر مصعب بن محمد الخشي وأبو الحسن ابن خروف النحوي وأبو الحسين ابن
جبير وأبو القاسم الملاحي وغيرهم، وأجاز له من أهل المشرق أبو محمد ابن يونس بن أبي البركات الهاشمي وأبو عمر عثمان ابن عبد الرحمن المعروف بابن الملاح وأبو اليمن الكندي وأبو القاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري الحرستاني وأبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي وغيرهم. كان رواية، حافظا بالحديث، عارفا برجاله وبأسمائهم وبتاريخ وفاتهم ومبلغ أعمارهم، وكان يقوم على البخاري قياما حسنا، وكان إذا قرأ الحديث
يسنده إلى أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا انتهى الإسناد رجع إلى ذكر رجاله، فيبدأ من الصحابي رضي الله عنهم فيذكر اسمه ونسبه وصفته وتاريخ ولادته ووفاته وحكايته أن عرفت له، ثم يتلوه بالتابعي كذلك، ولا يزل يتبعهم واحدا فواحدا إلى أن ينتهي إلى شيخه فيقول، أما فلان شيخنا فيقول: ويذكر ما ذكر فيمن تقدم، ويزيد على ذلك بأنه لقيه وقرأ عليه كذا، وسمع منه كذا، وبعد الفراغ من ذلك يذكر لغة الحديث وعربيته، ويتعرض لما فيه من الفقه والخلاف العالي، ولدقائقه ورقائقه والمستفادات منه. كل ذلك بفصاحة لسان، وجودة بيان. وله سعة علم ورواية، ومعرفة ثابتة ودراية. وهو في معرفة القراءات إمام، وولي صلاة الفريضة والخطبة بالجامع الأعظم ببجاية، وروى بها وأقرأ وأسمع، وكثر الآخذون عنه والسامعون منه والمقتدون به. ولما اشتهر حاله وعلمه ونقل الناقلون ذكاءه وفهمه، نهى خبره إلى المستنصر بالله بحاضرة افريقية رحمه الله فاستدعاه، وقرب مثواه. ولما دخل عليه أمره أن يقرأ بين يديه آية من كتاب الله تعالى، فاستفتح بالاستعاذة وقرأفبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين، فاستحسن المستنصر بالله قراءته وقصده، وكان ذلك سببا في حظوته فقرب منزله، وأجزل عطيته وجائزته، ووفر جرايته. وكان من اخص الحاضرين من الطلبة بمجلسه. ويذكر إنه كان رحمه الله يستظهر عشرة آلاف حديث بأسانيدها
ويذاكر بأضعافها، خلاف ما يتبع ذلك من فنون اللغة وأوضاع النحاة وضروب المقالات، وسمعت عنه رحمه الله إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ومسح بيده المباركة على صدره، قال: فما حفظت شيئا فنسيته، وهذه من كراماته ومن دلائل فضله وعلاماته. وكان يكتب جيدا وينظم نظما حسنا. ودفع لي ولده الفقيه الجل أبو الحسن يوما قطعة كاغد وفيها قصيدة على قافية الغين في قصد الحج، وذكر لي إنه سئل عنها في نظمها في ذلك الروي وعلى تلك القافية، وهي: أيا سائرا نحو الحجاز وقصده … إلى الكعبة البيت الحرام بلاغ ومنه إلى قبر النبي محمد … يكون له بالروضتين مراغ فبلغت ما أملت كم ذا اراغه … أناس نسوا قصد السبيل فراغ وقوم أولوا وجد وجد ونجدة … اراغهم الجد العثور فراغوا فيا أسفى كم ذا تمنيت قصده … فأدفع عن قصدي له وأراغ وقصر بي جدي إذا الأمر في يدي … جميع وعندي ثروة وفراغ فالآن وقد خط المشيب بمفرقي … وكلل رأسي من حلى وصياغ أعلل نفسي بالمنى وتصدني … ذنوب لها عند الفراق مصاغ إذا ما أجلت الدهر فيه فكيف لي … يسوغ شراب أو يلذ مصاغ عسى توبة قبل الممات وزورة … فينضح من شين الذنوب رداغ وألقى شيوخا يؤنس المرء منهم … أحاديث صدق تجتلي وتصاغ توفي رحمه الله بحاضرة تونس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لجمادي الأخيرة سنة تسع وخمسين وستمائة، ومولده في حدود سنة ستمائة.
وكان والده الفقيه أبو العباس هو سبط أبي الحسن ابن سليمان اللخمي روى عنه وعن أبي بكر ابن خير وأبي إسحاق ابن ملكون وأبي بكر ابن الجد وأبي عبد الله ابن زرقون وأبو بكر ابن صافي وأبي عمرو ابن الطفيل وأخذ عنهم القراءات. وروى أيضا عن ابن بشكوال
وابن حبيش والسهيلي وابن عبيد الله وأبي محمد ابن بونة وابن الفخار وأبي الحجاج ابن الشيخ وغيرهم، وأجاز له جماعة من أهل المشرق. وكان معتنيا بالحديث، دءوبا على تقييده ولقاء رواته، مشاركا في القراءات وغيرها، واستفاد به بعض الأمراء لبنيه فأقرأهم القرآن والعربية ولم يتصدر لذلك. مولده منتصف جمادى الأخيرة سنة أحدى وستين وخمسمائة، وتوفي منتصف جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة، وهو ابن ست وخمسين سنة واحد عشر شهرا.
## $ 92 - أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن حسين بن عميرة المخزومي 582 - 658 ه 1186 - 1260 م ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي، من أهل جزيرة "شقر" سكن بلنسية مدة وكتب عن ولاتها، وفاق الناس بلاغة وأربى على من قبله، وتهادته الدول وولى القضاء بأريولة وشاطبة من الأندلس، وسلا ومكناسة من العدوة، وقسنطينة وقابس من بلاد افريقية وغيرها.
استوطن بجاية مدة طويلة وأقرأ بها ودرس، له علم بالفقه وأصوله، وحديث حسن في معقوله ومنقوله، وله أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره. والكثير من الطلبة بعتقدون، أن الفقيه إنما هو أديب ليس إلا لاشتهار أدبه اشتهارا غطى على ما عداه من طلبه. والناس يتداولون كتبه ويستحسنونها ويؤثرونها على كتب غيره ويفضلونه، وبالواجب علم الله، أن يكون ذلك لسلوكه حسن منهجه الذي هو فيه أول سالك. وما رأيت من الكتاب ما أعجبني مثل كتب الفقيه أبي المطرف إلا كتب أبي جعفر ابن عطية، والكتاب كثير وكتب هذين الرجلين عندي مقدم على غيرهما، ولقد بلغني إنه كتب عن المستنصر باستدعاء أبي عبد الله الابار من بجاية بما نصه:- على قدر حبي قد أتتك بشارتي … وحسبك ما أجملته من إشارتي هنيئا هنيئا قد رفلت من المنى = بأفخر ملبوس وأجمل شارة أنعمت الخلافة العزيزة العليا المنصورة أيد الله أوامرها، وأخلد مفاخرها، بقدومكم على حضرتها السعيدة المباركة التي هي مركز راية الحق، ومجتمع وفود الخلق أمرت عبدها، أعلى الله جدها، وأمضى حدها، أن نخاطبكم بذلك، فاعزموا بحول الله على الحركة، وبادروا إليها على الخيرة والبركة. فقد تعين لكم الزاد الكريم، واستقبلكم من خير النظر ما به يبرأ السقيم، ويسعد الظاعن والمقيم والله يوزعنا معشر عبيد المقام الكريم، شكر نعم لولا
فضله لم نكن أهلها، ويحمل عنها حقوقها فانا لا نستطيع حملها، وهو تعالى يديم عزتكم، ويحفظ مودتكم بمنه، والسلام الكريم يخصكم به مجل قدركم، وموجب بركم، أخوكم الحافظ لعهدكم، المقيم على ودكم، ابن عميرة، ورحمة الله وبركاته. كتب بتاريخ كذا سنة سبع وخمسين وستمائة. ومما خاطب به أيضا أبو المطرف الفقيه أبا بكر ابن خطاب: المحل العلى العلمي شكر الله طوله، وأعلى فعله وقوله، علو المقاصد، والحنو على المقاصد، فسؤاله شرف، ونواله معترف، وحسب بني الرجاء، ولو كانوا ملء الأرجاء، من التفاته طرف، وحامل الخوبة فلان من أهل بلنسية وممن له فيهم أصل نابه، ونسب في الحسب متشابه، إلى حظ من الطلب أحرزه، ومكان من الصون والذكاء ميزه، وقصد تلكم الجهات المباركة يرجو أن يكون له عند أهل الاتصال تعرف، وفي بعض الأشغال تصرف، وفي سعة الرأي الكريم أدنى من ظله، واعتاه لا شيء له كمثله، أبقى الله فخره على الأيام مخلدا، ومجده بحسام العلياء مقلدا بمنه، والسلام. والذي أوجب تقدم الفقيه أبي المطرف في كتابته، إنما هو الرجل من أهل بلنسية من أهل العلم، فكتابته علمية أدبية وكتابة غيره مقتصرة
على نوع من الأدباء، فكتابته جامعة بين كتابة العلماء والأدباء، وكتابة غيره مقتصرة على نوع الأدباء، وهذا المعنى هو الذي تميز به عمن سواه. وقد رأيت له تعليقا على كتاب "المعالم في أصول الفقه" لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل، وكان الطلبة مدة كونه ببجاية يقرءون عليه تلحيقات السهروردي وهي من مغلقات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب، وكذلك كان قبل ظهور ما اخترعه المتأخرون من الطرق المقفلة والقوانين المغلقة في أصول الفقه. رحل إلى حاضرة أفريقية واتصل بالخليفة المستنصر واستقضاه "قابس" ورأيت بينه وبين شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الحق مراسلة قل أن يوجد مثلها في الزمان، ولولا الإطالة لأثبتها. ثم استدعاء المستنصر وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته ومن فقهاء دولته. توفي رحمه الله بتونس، ليلة الجمعة الموفى عشرين لذي الحجة من عام ثمانية وخمسين وستمائة ومولده بجزيرة شقر في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيوخ الثلاثة الفقيه أبي محمد عبد الحق والخطيب أبي عبد الله ابن صالح والمقرئ أبي جعفر ابن محمد الصدفي رحم الله جميعهم آمين.
## $ 93 - أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي 610 - 680 ه 1204 - 1281 م ومنهم، الشيخ الفقيه الأجل، الرئيس المكرم المرفع الفاضل، أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي دخل بجاية وبقي
بها مدة، ثم انتقل إلى تونس ومنها انتقل إلى ثغر ميورقة وفيها مستبدا. جمع بين الرواية والدراية وعلو المنصب وبعد الهمة، وله مكارم أخلاق وسخاء ومروءة وانتخاء، وكانت صلاته تصل في كل وقت إلى جماعة من الفقهاء والصالحين ببجاية، منهم الفقيه أبو بكر ابن محرز الزهري وأبو العباس ابن خضر وأبو الحسن الزهري وأبو عبد الله محمد بن ثابت القسنطيني الساكن بخارج امسيون، وغيرهم. له علم بالعربية والأدب، وله نظم ونثر وكتابة مستحسنة، وله مشاركة في العلوم، وله رواية عالية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله. وكثيرا ما كان يقصده الطلبة وغيرهم فينزل كل واحد منهم خير منزل، ويحله منه خير محل فمن جملتهم الفقيه الأديب البارع أبو الربيع سليمان كثير والفقيه الرواية أبو عبد الله التلمساني والطيب أبو الحكم ابن فتلة وغيرهم.
لقي مشائخ جملة، منهم الشيخ الجليل أبو القاسم بن يزيد بن بقي والفقيه أبو الحسن محمد بن محمد بن زرقون والقاضي أبو بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون والأستاذ أبو علي عمر بن محمد الازدي عرف بالشلوبين والفقيه أبو الحسن علي بن جابر اللخمي عرف بالدباج والفقيه أبو بكر ابن جابر بن علي بن سعيد السقطي وأبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن السراج الاشبيلي والفقيه الصالح أبو الحسن علي بن أبي نصر البجائي وغيرهم ممن يكثر تعدادهم.
توفي أبو عثمان المذكور بثغر ميورقة في آخر الساعة الرابعة من يوم السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم عام ثمانين وستمائة، وولد ليلة السبت منصرف الناس من صلاة العشاء لست خلون من جمادى الأخيرة من عام أحد وستمائة رحمه الله.
## $ 94 - أبو علي الحسن بن موسى بن معمر ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل الفصيح، الأديب اللافظ، أبو علي الحسن بن موسى بن معمر من افريقية. كان أديبا لبيبا، لسنا فقيها فصيحا، مليح الحكاية بارع الخط حسن النظم والنثر، وهو من خواص أصحاب الفقيه العالم أبي زكرياء البرقي. كان من العدول المرضيين بحاضرة افريقية، وكان صاحب العلامة المستنصرية وكان له عند المستنصر حظ، وتوجه عنه في الرسالة لبعض ملوك المغرب، وكان المستنصر يستظرف حديثه ويعجبه، وكان يوم دخوله عليه وجلوسه عنده يطول الأمر على الواقفين بين يديه، فلا يكون عليهم أشد من ذلك اليوم وما كان ذلك إلا لاستحسانه حديثه واستظرافه إياه. ولى قضاء بجاية فحسنت فيه سيرته، واستحسنت طريقته. وكان محببا للناس مشكورا عندهم. وسمعت ممن وثقت بحديثه، إنه لما وفد على المستنصر من وجهته التي وجهه فيها لملك النصارى، وقف على الأجوبة التي وصل بها فأنكر بعض الأجوبة لإنكاره المسائل التي ترتب الجواب عليها وقال له: ما قلت لك هذا، فقال له: هكذا سمعت منكم، والتزم هو الجزم على إنه كذلك كان.
قال، وانفصل من بين يديه وهو مغضب عليه، وبعد أيام كتب بهذين البيتين اللذين اذكرهما بعد، وبعث بهما لأبي القاسم ابن الشيخ فوافق أن يناظرهما بين يدي المستنصر، وكان لا يقرأ بين يديه شيء إلا سأل عنه، فسأل ما الذي يقرأ فأوقفه عليهما وهما:- واحسرتي في مقام بين أظهركم … قوم رجاؤهم باليأس مفضوح صدوا وسدوا عن المضطر بابهم … وما دروا أن باب الله مفتوح فذرفت عينا أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأظهر له وجه البر والرضى، وغفر له وعفا عما مضى، والبيت الثاني منها مليح القصد، وأما الأول فظاهر فيه وجه النقد.
## $ 95 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي الشهير بابن الابار 575 - 658 ه 1180 - 1260 م ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث المقرئ، النحوي الأديب المجيد، اللغوي الكاتب البارع التاريخي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، الشهير بابن الابار هكذا رأيت نسبه بخط يده رحمه الله، هو من أهل بلنسية وأصله من اجردة وهي وما والاها دار القضاعيين بالأندلس. أخذ القراءات عن أبي عبد الله ابن نوح
وأبي جعفر الحصار وسمع منهما، وأبي الخطاب بن واجب وأبي الحسن بن خيرة وأبي سليمان بن حوط الله وأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة. صحب أبا الربيع ابن سالم بضعا وعشرين سنة، وهو ندبه إلى وضع كتاب "التكملة" ل"صلة" أبي القاسم ابن بشكوال وكتب إليه أبو بكر بن جمرة وأبو عمر ابن عات وأبو عبد الله ابن عبد الرحمن التجيبي
نزيل تلمسان وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأندلسي. ومن أهل المشرق، أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب وأبو الحسن علي بن يوسف بن بندار من أصحاب أبي الوقت وأبو الطاهر إسماعيل بن ظافر القلعي وغيرهم، ولا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية، أما بعموم أو خصوص. ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيخين المقرئين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر. رحل إلى العدوة واستوطن بجاية، ودرس بها واقرأ وروى واسمع وصنف وألف، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله، له تآليف حسنة، ونزعات في علم الأدب بارعة مستحسنة. وكان أول وصوله من الأندلس إلى العدوة رسولا عن والي بلنسية، وقضى رسالته عند ملك افريقية في حديث طويل، ورجع إلى الأندلس ثم رجع إلى العدوة قاصدا استيطانها، فتخير سكنى بجاية، ثم استدعاه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضرته فدخل عليه فأعجبه منطقه ورواه من نبله وفضله أضعاف ما قدر أن يراه، وأول إنشاده لما مثل بين يديه: بشراي باشرت الهدى والنورا … في قصدي المستنصر المنصورا وإذا أمير المؤمنين لقيته … لم الق إلا نصرة وسرورا
كيف لا، والاسمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والكنية المباركة أبو عبد الله، والعلامة العلية الحمد لله، والشكر لله، والسمة السلطانية المستنصر بالله المنصور بفضل الله، ومن كان لله كان الله له، وانشد بين يديه رحمه [الله]: أمير المؤمنين لنا غياث … فعند المحل تستقي الغيوث فلا جوع ويمناه الغوادي … ولا خوف وقتلاه الليوث فحظي عنده، وبلغ لديه مأموله وقصده. وتآليفه وتقييداته وأشعاره وكتائبه متداولة بين الناس، ومرغوب فيها عندهم وموجودة لديهم، ولو لم يكن له من الشعر إلا القصيدة التي رفعها لمقام الأمير أبي زكرياء رحمه الله، يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري: تكلم بالقول المضلل حاسد … وكل كلام الحاسدين هراء ولو لم يكن له من التآليف إلا الكتاب المسمى بكتاب "اللجين في مرائي الحسين" لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته. فكيف لا وله تصانيف، وجملة تآليف. ومن شعره رحمه الله ورضي عنه: ساق من روض الاماني أرجه … ولأمر ما شجا لي مدرجه خيلت لي أنها تعدني … وخيالات الفتى تستدرجه
فلذا اكذب شيء فجرها … ولقد غر الحجى منبلجه يا شقيق النفس أوصيك وإن … شق في الإخلاص ما تنتهجه لا تبت في كمد من كبد … رب ضيق عاد رحبا مخرجه وبلطف الله أصبح واثقا … كل كرب فعليه فرجه توفي رحمه الله بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم عام ثمانية وخمسين وستمائة. ومولده في آخر شهري ربيع سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
## $ 96 - أبو محمد بن علوان -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب المنشئ، أبو محمد عبد الله بن علوان، من أصحابنا الذين هم في وقتنا. لقي مشائخنا أبا الحسن الحرالي رضي الله عنه رؤية عين وتبرك، وأكثر نظره على شيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي وأبي العباس الغماري. تخطط بالعدالة وهي صفته، وله فقه جيد، وهو جامع بين الكتابتين الأدبية والشرعية، وهو شيخ كتاب الكتابة الشرعية في وقته، وعلى شهادته العمل في الديار السلطانية العلية أعلى الله أمرها، وله تخصص ووقار، ورواء حسن واعتبار. وله نظم في الفرائض سلك فيه على طريقة الحجازيين والنجديين، ينحو فيه إلى اللطافة، ويتجانب عن الكثافة. وله توقف وتثبت في الأمور، وجرى على الطريقة المحمودة عند الخواص والجمهور. وهو النائب في صلاة الفريضة بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، ومن نظمه: من أرض نعمان هبت نسمة ال … جاءت بنشر عبير طيب عطر نمت بسر خزامى الجزع واحتمل … ما ضاع من نفحات البان والسمر لله ما هيجت من وجد مكتئب … وما أثارت من الأشجان والفكر فاستشفت منها فمن نحو الحمى نفحت … تخبر عن ساكنيه طيب الخبر يا ليت أيام وصل فيه عائدة … بشادن نلت منه منتهى وطري
يبدي لمبصره من وجهه قمرا … على قضيب لجين ناعم نضر وإن تثني ثنى من قده غصنا … وان رنا سل أسيافا من الحور مهفهف بت أسقى من مراشفه … خمرا فاسقي الظما من بارد حصر يفتر عن أقحوان يانع عبق … وعن عقيق وعن نور وعن درر ما لاح لي بارق من أفق مبسمه … إلا استهلت دموع العين كالمطر ولا تطلع من ازرار حلته … إلا زرى بضياء الشمس والقمر
## $ 97 - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري ومنهم، الشيخ الفقيه المقرئ المتقن، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل المقدم، أبو عمرو وقته في علم القراءات، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري قرأ على أبيه بالقلعة الحمادية بجامعها الأعظم في عشر التسعين وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية، فلقي بها أفاضل منهم والده أبو عبد الله ابن عبد الله ومنهم الشيخ أبو زكرياء الزواوي رضي الله عنه كان ملازما له وعاكفا عليه، والقارئ بين يديه، ولقي أبا عبد الله ابن حماد وغيره. وكان أستاذ الأساتيذ في وقته، وكان جلوسه للقراءة والرواية بالجامع الأعظم ببجاية شرفه الله بذكره، وقرأ عليه عالم واستفاد منه خلق كثير وكل من أخذ عنه، فإنه يوصف بالإتقان والدراية، وجودة الرواية. وكان لا يتسامح في إجازة بوجه ولا يمكن منها إلا بعد التحصيل، ومن ظفر من الطلبة بإجازته فقد ظفر بالغاية القصوى، ووصل إلى المرتبة العليا. وما أدركت من أدركت من الطلبة إلا وهم يفخرون بلقائه والقراءة عليه. واختصر كتاب "التيسير" لأبي عمرو الداني اختصارا بليغا وجيزا يدل على علمه، وجودة فهمه. وتوفي رحمه الله ببجاية عن جملة تلاميذ، وفضلاء أساتيذ. رضي الله عنهم.
## $ 98 - أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور 597 - 669 ه 1200 - 1271 م ومنهم، السيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي، المحصل الجليل الفاضل، أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور، شهير الذكر، رفيع القدر. من أهل اشبيلية، قرأ بها على جماعة من أكابر
العلماء منهم أبو علي الشلوبين فحصل ما لم يحصل غيره، وكل من قرأ على أبي علي الشلوبين ببلده نجب، واجلهم عندي رجلان، الأستاذ أبو الحسن هذا، والأستاذ أبو الحسن ابن أبي الربيع، واجل الأستاذين الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور، وما أعتقد في المتأخرين من الأساتيذ اجل منه، جمع رحمه الله بين الحفظ والإتقان، والتصور وفصاحة اللسان. هو حافظ متصور لما هو حافظ له، قادر على التعبير عن محفوظه، وهذه هي الغاية، وهي أن يكون المرء حافظا له متصورا معتبرا، وقل أن يجمع مثل هذا إلا الآحاد. درس مع شيخه أبي علي الشلوبين باشبيلية، وكان له ظهور وشفوف، وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية، وكان بها أستاذا للأمير يحيى برد الله ضريحه. وارتحل إلى حاضرة افريقية فحظي بها عند المستنصر بالله وكان أحد خواص مجلسه، وقبل انتقال الإمارة إليه كان يقرأ عليه. وقرأ عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكل من قرأ عليه وكل من ظهر من أصحابه فمن المبرزين. ومن أحسنهم علما وخلقا وفضلا ورياسة ولفاسة، صاحبنا الفقيه الجليل الكامل أبو زكرياء يحيى اليفريني رجل من أهل الكمال، في كل وجهة وحال، ولولا أن ذكره هنا إنما جاء بالاستطراد، لذكرت من فضائله ما يعلم إنه أربى على من سبقه وزاد. وتآليف أبي الحسن رحمه الله في العربية هي من أحسن التصانيف، ومن أجل الموضوعات والتآليف. له "المقرب" وهو كتاب بارع والشروحات عليه وعلى الجمل، وله على "الإيضاح" وله شرح أبيات "الإيضاح" ولم يسبقه أحد بمثله. وكلامه في جميع تآليفه سهل منسبك محصل، والذي قيد عنه أصحابه أكثر من تآليفه التي ألفها. واخبرني بعض أصحابنا، إنه شرح جزءا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكا لم يسبق إليه من الإيراد والإصدار والأعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو اعنني الوقت وأمدني الله بالمعونة منه وأكمل هذا الشرح
على هذا المنزع، لكان ذخيرة العالم. وهو ممن له القدرة على هذا، وهو أولى الناس بشرح كتاب الله تعالى، وتدل تآليفه النحوية على أن له مشاركة في علم المنطق ولأجل ذلك حسن ايرداه فيها تقسيما وحدودا واستعمال الأدلة وبالجمة، فيليق أن يكون كلامه مقدما على غيره من المعبرين من النحاة. توفي رحمه الله بتونس حرسها الله في عشر السبعين وستمائة.
## $ 99 - أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي المجيد، المحصل المتقن، الفصيح البليغ البارع، أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني. رأيت من كتابته ما دل على بلاغته، وبراعته وطلاقة قلمه وفصاحته. وكان له حظ وافر من الفقه، وكان مليح المذاكرة، حسن المحاضرة، ممن يعد في أعداد الفضلاء الأخيار، ويعول عليه في العلم واليه يشار. ولي القضاء ببعض اكوار بجاية، وكان معروفا بالعفاف، والاقتصاد والاقتصار على الكفاف. رحمه الله ورضي عنه.
## $ 100 - أبو الحكم مروان بن عمار يحيى ... 610ه ... 1214م ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب النحوي اللغوي، أبو الحكم مروان بن عمار بن يحيى من أهل بجاية سمع أبا محمد عبد الحق الاشبيلي ودخل الأندلس فسمع أبا محمد عبد المنعم بن الفرس وأبا القاسم ابن حبيش وأبا عبد الله ابن حميد فأخذ عنه بعض سيرته. وكان من الأدباء النبهاء، مشاركا في أبواب من العلم، حسن الخط جيد الضبط. كتب للولاة ثم ولي قضاء المرية ثم أخر عن ذلك. رحمه الله ورضي عنه آمين.
## $ 101 - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي 580 - 661 ه 1184 - 1263 م ومنهم، الشيخ الفقيه الخطيب، القاضي العدل المرضي، المحدث الراوية المتقن، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي. من أهل مرسية يعرف بابن برطلة. وسكن بجاية وولي بها صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، وروى عنه بها، وقضى مدينة الجزائر وغيرها، وكان من الثقات الاثبات وله براعة في الأدب. وسمعت عنه إنه كان خطيبا بمرسية، وإنه لم يعد مدة ولايته الخطابة بها خطبة واحدة، وكان يخطب في كل جمعة بخطبة من إنشائه. وتتصل روايتي عنه من طريق الخطيب أبي عبد الله ابن صالح.
لقي جماعة من العلماء منهم أبو عمر ابن عات وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أغلب الخولاني المعروف بالزروالي وأبو محمد ابن حوط الله وأخوه أبو سليمان وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن اصبغ وأبو عبد الله ابن مرج الكحل وأبو الربيع سليمان بن سالم وأجاز له أبو القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون الهلالي وأبو زكرياء يحيى بن عبد الرحمن الدمشقري الواعظ نزيل غرناطة، وأبو جعفر أحمد بن يحيى وهو أحد
من حدث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي وأبي موسى الجزولي. وبيته غريق في العلم، وأبوه وجده مذكوران في التكملة وكان متقللا من الدنيا قانعا بالقليل منها. وكان قدومه على حاضرة افريقية بعد الأربعين وستمائة، وبعد ذلك استأذن في الحج فأذن له، وحج في عام ستة وخمسين وستمائة، وعاد ولم يزل منوها مخططا إلى أن توفي مأخوذا عنه رحمه الله، وكانت وفاته بتونس ظهر يوم الأحد السادس والعشرين لجمادي الأخيرة عام أحد وستين وستمائة، ودفن ظهر يوم الاثنين بعده بحومة المصلى من غربيها، وكانت جنازته مشهود وأهيب شعار الصالحين بين يديه، ومولده في حيز الثمانين وخمسمائة رضي الله عنه.
## $ 102 - أبو محمد عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي ... 636ه ... 1239م ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الكاتب المحصل، الفاضل الأديب، أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي، نشأ بتونس وتوفي بقسنطينة عام ستة وثلاثين وستمائة. أحد الأشياخ المنتصبين للتدريس والرواية، قرأ عليه ناس وسمعوا منه، منهم شيخنا أبو عبد الله التميمي وغيره. وأخبرني أبو عبد الله المذكور، إنه شرع في شرح "مقامات الحريري" وإنه كتب على خطبتها نحوا من خمسة عشر كراسا بالقالب الكبير، وكان يذكر عنه إنه كان في علم الأدب مستبحرا، وكان مشرفا ببجاية في مدة السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن، وكان المشارف في ذلك الزمان على سنن العدل، والتزام طرق الفضل. ولما أخذت البلاد من يد السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن على ما عرف وأخذت حاشيته معه، فكان الفقيه أبو محمد أحد المأخوذين ومن جملة المعتقلين، ولما كان بعد ليلة أو ليلتين من اعتقاله، رأى محل الإمارة العلية برد الله ضريحه، النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام وأمره أن يسرح أبا
محمد ابن نعيم من اعتقاله، فاستيقظ وبعث إليه الفتيان في بقية ليله، فارتاع كل من كان في الثقاف في ذلك الموضع واستشعروا شرا، فاستدعى أبو محمد ابن نعيم من بينهم وسيقت له بغلة وكسوة وسرح وأحسن إليه. فسئل رحمه الله عن السبب في ذلك فقال: إنه لم يكن له سبب سوى إنه خمس القصيدة الجيمية عند دخوله السجن، وهي المعروفة بالشيخ أبي الفضل بن النحوي رحمه الله، وهو تخميس حسن لا بأس به، وها هو يذكر مع القصيدة التماسا لبركاتهما وإظهارا لمزيتهما رضي الله عنهما ونفعنا بهما وبأمثالهما آمين:- لا بد لضيق من فرج … والصبر مطية كل شج وبدعوة أحمد فأبتهج … اشتدي أزمة تنفرجي فد آذن ليلك بالبلج يا نفس رويدك لا حرج … وثقي بالله عسى فرج وكذا ما ضاق له فرج … وظلام الليل له سرج حتى يغشاه أبو السرج فلكل محاولة قدر … وقضى لا يدفعه حذر ورجوعك عن هذا غرر … وسحاب الخير لها مطر فإذا جاء الإبان تجي
في لطف الله لنا أمل … لا يدني مطلبه عجل ولكل محاولة أجل … وفوائد مولانا جمل لسروج الأنفس والمهج ما أن خلق الإنسان سدى … والعقل بذاك لنا شهدا وإذا هبت أرواح هدى … ولها أرج محي أبدا واقصد محيا ذاك الأرج وتلاف هديت حيا حيا … أن أنت ظفرت به تحيا واقصد بالجد لما أحيا … فلربتما فاض المحيا ببحور الموج من اللجج فعليك بصافي مورده … لتكون الفائز في غده والله مصرف مقصده … والخلق جميعا في يده فذوو سعة وذوو حرج خطت في اللوح جموعهم … وأصولهم وفروعهم ونزيلهم ورفيعهم … ونزولهم وطلوعهم فعلى درك وعلى درج قد حاز الخير مراقبهم … ونجا في الحشر مصادقهم واستقلت فيه مناقبهم … ومعائشهم وعواقبهم ليست في المشي على عوج فهناك معان قد كتمت … ولقد كشفت حتى فهمت لعقول صافية سلمت … حكم نسجت بيد حكمت ثم انتسجت بالمنتسج
وانظر لأمور قد وشجت … لما مزجت ثم امتزجت وبأول عنصرها لهجت … فإذا اقتصدت ثم انعرجت فبمقصد وبمنعرج لا يصحب ذا علم لجج … والعلم تفيض له لجج فلكم مرت لهم حجج … شهدت لعجائبها حجج قامت بالأمر على الحجج تفويضك للرحمن رجا … كم جاء صباح بعد دجا ويكون الصبر له درجا … ورضى بقضاء الله حجى فعلى مركوزته فعج فتحر بما تلقى رشدا … لا يمضي عمرك عنك سدى واقطع أيامك مجتهدا … وإذا انفتحت أبواب هدى فأعجل لخزائنها ولج وتلق بعزم رايتها … واقرأ وتدبر آيتها فلعلك تبلغ غايته … وإذا حاولت نهايتها فاحذر إذ ذاك من العرج لا تلف لعين الدين قذا … فتكون بظهر منتبذا فأصدع بالحق إذا نفذا … لتكون من السباق إذا ما جئت إلى تلك الفرج قامت في العالم حجته … وبدت للخلق محجته فإذا انفتحت لك فرجته … فهنالك العيش وبهجته فلمبتهج ولمنتهج
طوبى لنفوس قد سعدت … فعلت وزكت لما زهدت فأتهم آمالك أن فقد … وهج الأعمال إذا ركدت فإذا ما هجت إذا تهج ظلمات النفس محاجتها … احذر تغشاك لجاجتها فتغشى النور زجاجتها … ومعاصي الله سماجتها تزدان لذي الخلق السمج فحذار تلم بساحتها … فتكون رهينة راحتها والله يمن براحتها … ولطاعته وصباحتها أنوار صباح منبلج لا تقرب أمرا مشتبها … ودع الدنيا لتقلبها واضرب عن لذة مشربها … من يخطب حور العين بها يظفر بالحور وبالغنج فاجعل مهرا الحورآ أرقا … بقيام الليل وزد فرقا واسلك بالجد لها طرقا … وكن المرضي لها بتقى ترضاه غدا وتكون نجي يلج الأنوار على نفذ … فلها عوذ أسنى العوذ وتحر مقالة كل بذي … واتل القرآن بقلب ذي حزن وبصوت فيه شجي تأخير التوبة آفتها … وتميت القلب سلافتها وحياة النفس مخافتها … وصلاة الليل مسافتها فاذهب فيها بالفهم وجي
فإذا أبصرت مبانيها … فانظر إذ ذاك معانيها واذكر بالفكر غوانيها … وتأملها ومعانيها تأت الفردوس وتنفرج ومتى ما فزت بمنظرها … فاستنشق ريح معطرها وأعجب لجمال معصفرها … واشرب تسنيم مفجرها لا ممتزجا وبممتزج أنفاسك قد ذهبت صعدا … وذنوبك لا تحصى عددا بجيوش العقل اجعل مددا … مدح العقل الآتية هدى وهو متول عنه نهج ألهوى أسبتك عضاضته … وظننت تقيك مفاضته حتى عضتك مضاضته … وكتاب الله رياضته لعقول الخلق بمندرج فالخلق جرت عاداتهم = يدعون بهم ساداتهم وهم في الحشر لذاتهم = وخيار الخلق هداتهم وسواهم من همج الهمج خذها من قول من احتفلا … ودعا لنصيحته الجبلا واحذر من نجمك أن أفلا … وإذا كنت المقدام فلا تجزع في الحرب من الرهج دع عنك أخا يبدي لذذا … أجرى في الغي لغير مدى واصحب من فازو من رشدا … فإذا أبصرت منار هدى فاظهر فردا فوق الثبج
بأبي نفسي لما انفردت … فعلى الرحمن قد اعتمدت وحداها الشوق لما قصدت … وإذا اشتاقت نفس وجدت ألما بالشوق المعتلج أيام العمر مماحكة … وثغور الحق مضاحكة وليالي الغفلة حالكة … وثنايا الحسنى ضاحكة وتمام الضحك على الفلج أعلام الدين قد ارتفعت … ونجوم العلم به طلعت وحمام الموت لنا سجعت … وعياب الأسرار اجتمعت بأمانتها تحت الشرج العجب يطيش براكبه … فتجنب ذروة غار به والصبر عليك بلا حبه … والرفق يدوم لصاحبه والخرق يصير إلى الهرج فاصدع لإلهك بالحمد … فيما تخفيه وما تبدي فلقد أذكى سرج السعد … صلوات الله على المهدي الهادي الناس إلى النهج وعلى السادات وعترته … وعلى الأنصار وعشرته وعلى من فاز بعشرته … وأبي بكر في سيرته ولسان مقالته اللهج ومن استهدى بإماماته … وغدا في ظل غماماته وجنى من زهر كماماته … وأبي حفص وكراماته في قصة سارية الخلج
وعلى من جاء على بي … يبغي الإسلام بلا مين خوفا من غاسية الحين … وأبي عمرو ذي النورين المستحي المستحيا البهج وعلى من بمقالتهم أخذ … وتحامى الهدى حين حذا ومعالي نثرته نبذا … وأبي حسن في العلم إذا وافى بسحائبه الخلج وما زالت هذه القصيدة معلومة الإفادة، ظاهرة الزيادة. وهذا التخميس قد ظهر من أمره ومن العناية بمنشئه ما دل على خلوص نيته، وصلاح طويته. وهذه القصيدة التي هي الأصل مع وصيته رحمه الله، أرويها عن الشيخين أبي عبد الله ابن رحيمة الباني وأبي العباس ابن خضر الصدفي رحمهما الله، والوصية هي:- بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الحفيظ، هذا ما أروع العبد يوسف الرب الذي خلق الأشياء، ورزق الأحياء، وملك العالمين، وحفظ السموات والارضين، أودعه جميع ولد أبيه، وأهله وأهل أخيه، وجميع ما خولهما من نعمه، وملكهما من قسمه، ظاهرا وباطنا، وصير ذلك إلى أمانته، وأسلمه إلى رعايته، واستحفظه في ذلك كله، وتبرأ إليه من حوله وقوته، ولم يلج سوي فضله وطوله، هو الحفيظ الذي لا يهمل، الوكيل الذي لا يغفل، العليم الذي لا يجهل، الجواد الذي لا يبخل، الأول الذي ينعم ويتطول، هو الأخير الذي لا يزال ولا يتحول، السالم من سلمه، والغانم من عصمه، والمفلح من كرمه، قد رضيه مستودعا، ووثق به مستحفظا، ولم يحتج معه إلى ما يحتاج إليه من الأمانات، وتحصيل التقبيضات، وانتقال المآلات، في ضروب التصريفات،
فإن الكل تحت قبضته، والخلق عبيد ربوبيته، فالتبرؤ تفويض، والثقة تسليم، والركون إليه إقرار بالملك، والرجاء إيذان بالنجح، وذلك بعد أن ثبت لديه الشهادات الصادقة، واتضحت لديه البراهين الصادعة، على ألسنة الدلالات، وفي أمكنة الاحتجاجات، بحضرة العدول، من صحة العقول، ولما كشفت عن وجهها مسفرة، وتبدت ضاحكة مستبشرة، قبلها بقلبه، ونفذ قضيتها بعزمه، وأمكن وثيقتها بحزمه، ومن المودع المحمود، أول الخير وآخره، وباطن الجود وظاهره، بصدق جميل جزائه، ويلحق جزيل عطائه، لم يشارك في جود، ولم يماثل في الوجود، ومن التجأ إليه فقد رشدت مساعيه وسعدت أمانيه، واستحكمت تدبيراته، واستكملت تمييزاته، وحسن النظر لنفسه، وبلغ العرض بحسه، اشهد العبد يوسف المذكور على هذا الإيداع الموصوف الرب المودع وحده، فلا شاهد بعده، وأمضى على نفسه حكمه، فلا يخاف أحد ظلمه، قد رضيه ربا، وعبده عبدا. وذلك بعد أن قرأ ما سطره، وعرف سره وجهره. وهو صحيح العقل، جيد النقل، نافذ الميز في تاريخ لا ينساه المودع، ولا يتعداه في ساعة المراد، من يوم الرشاد، في شهر التوفيق، من عام التحقيق، وحسب المودع في وديعته من أودعه، وعليه أوقف رغبته وتضرعه، ولم يشارك أحدا معه، بل افرده وصرف إليه الهم أجمعه. أسأل الله أتم الصلاة وأزكاها، واعم البركة وأنماها، لرسوله محمد المصطفى وآله وسلم تسليما.
## $ 103 - أبو علي حسن بن الفكون -أول القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، علي حسن بن الفكون من الأدباء الذين تستظرف أخبارهم، وتروق أشعارهم. غزير النظم والنثر، وكأنهما أنوار الزهر. رحل إلى مراكش وامتدح خليفة بني عبد المؤمن وكانت جائزته عنده من أحسن الجوائز. وله "رحلة" نظمها في سفرته من قسنطينية إلى مراكش، ووافق في مقامه بمراكش طلوع الخليفة لزيارة قبر الإمام المهدي رضي الله عنه فنظم في ذلك. وله ديوان شعر، وهو موجود بين أيدي الناس ومحبوب عندهم. وهو من الفضلاء النبهاء، وكان مرفع المقدار، ومن له الحضوة والاعتبار. وكان الأدب له من باب الزينة والكمال، ولم يكن يحترف به لإقامة أود أو إصلاح حال. واصله من قسنطينة من ذوي بيوتاتها، ومن كريم اروماتها. وتواشيحه مستحسنة ومن مليح شعره:- دع العراق وبغداد وشامها … فالناصرية ما أن مثلها بلد بر وبحر وموج للعيون به … مسارح بان عنها الهم والنكد حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع … حيث الغنى والمنى والعيشة الرغد
والنهر كالصل والجنات مشرفة … والنهر والبحر كالمرآة وهو يد فحيثما نظرت راقت وكل نوا … حي الدار للفكر للأبصار تتقد أن تنظر البر فالأزهار يانعة … أو تنظر البحر فالأمواج تطرد يا طالبا وصفها أن كنت ذا نصف … قل جنة الخلد فيها الأهل والولد ومن نظمه رحمه الله، هذه القصيدة القافية، والقطعة الميمية التي تذكر بعدها، نظمها في بعض سادات بني عبد المؤمن رحمهم الله تعالى. قال في سياق ذكره وقد ذكروا جمال قصر الربيع:- عشونا إلى نار الربيع وإنما … عشونا إلى نار الندى والمحلق ركبنا بواديه جياد زوارق … نزلنا إليها عن ضوامر سبق وخضنا حشاه والأصيل كأنه … بصفحته تبدى مروق زنبق وسيدنا قد سار فيه لأنه … بزورقه إنسان مقلة أزرق فقلت وطرفي يجتلي كل عبرة … وزورقه يهوى به ثم يرتقي أيا عجبا للبحر عب عبابه … تجمع حتى صار في بطن زورق ولما نزلنا ساحة القصر راعن … بكل جمال مبهج الطرف مرتق فما شئت من ظل وريف وجدو … وروض متى تلمم به الريح يعبق وشادي مغاني الحسن في نغماته … يطارحه هدر الحمام المطوق فيا حسن ذاك القصر لا زال آهلا … ويا طيب ريا نشره المتنشق رتعنا به في روضة الأنس بعدما … هصر نابه غصن المسرة مورق ويضحكنا طول الوصا وربما … يمر على الاوهام ذكر التفرق فتضحى موصونات الدموع هدالة … ونحن على طرف من الدهر أبلق لمثلهما من منزه ونزاهة … يجرر ذيل الذيل كل موفق
فله ساعات مضين صوالح … عليهن من زي الصبا أي رونق خلعنا عليها النسك إلا أقله … وان عاودت، نخلع عليها الذي بقي ولما نضب ماء الأصيل، ورق نسيمه العليل، وهم العشي بانصرام، وودع النهار بسلام، وأرخى الليل فوقنا سدوله، وجرر على الأفق ذيوله، عدنا إلى زورقنا ذلك، ومحيا الجو غير محتجب، ووجه الأفق غير متلفع بثوب الغمام ولا منتقب، وقد تشكلت الكواكب في الماء، فكأنما يجري بنا زورقنا في السماء، فأمروا أعزهم الله بوصف تلك الحالة، فبادرتهم بهذه العجالة: وليل مسرة ما زلت منها … أمر على صراط مستقيم لبست ثيابه عزا إلى أن … تحدرت الرجوم من النجوم فنهر كالسجلجل قد تراءت … على شطيه جنات النعيم يسر النفس في نظر وشيم … من المرأى الوسيم أو النسيم تشكلت الكواكب فيه حتى … جرت في قعره شهب الرجوم وأشكل منظرا علوا وسفلا … من الفلك الأثير إلى التخوم فما تمتاز أرض من سماء … وحوت الماء من حوت النجوم رضي الله عنه آمين.
## $ 104 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري -أواسط القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري: هو حفيد الفقيه الجليل أبي عبد الله الأريسي المتقدم ذكره في هذا الكتاب من أدباء الكتاب وهو من نظراء شيخنا أبي عبد الله التميمي في علم النظم والقريض ومن أصحابه، كان حسن النظم والنثر، مليح الكتابة حسن الوراقة في البطاقة، وكان سهل الشعر، وكان كثير التجنيس يأتيه عفوا من غير تكلف، ولأجل ذلك حسن نظمه. وكان مليح التواشيح، أن طال في شعره أعرب، وان اقتصر واقتصد أعجب. وكان شيخ كتبه الديوان ببجاية. وله شعر كثير في كل فن من فنون الشعر، ومن نظمه رحمه الله: يا من على جوده المعهود أتكل … ويا ملاذي إذا ضاقت بي الحيل غرقت في بحر آثامي فخذ بيدي … وامنن بعفو فاني خائف وجل وله أيضا:- أدرها فقد هب نسيمة دارين … ونم بسر الروض نشر الرياحين وقام خطيب الورق يدعو هزيله … وغنى فأغنى عن ضروب التلاحين
وذكر أيام الصبابة والصب … ولذة عيش كان لي غير ممنون فثار كمين الوجد من مستقره … وبحت بسر بين جنبي مخزون قيا ساكني نجد أأطرق حيك … وارجع مغلوبا بصفقة مغبون ويا ساكني الجرعاء أن كان عندكم … نصيب من الصبر الجميل فراسوني تركت فؤادي عند خيمة زينب … وما سحر عينيها علي بمأمون أغارت عليه حين لم يلف ناصرا … وأغرته بي حتى تعلم يجفوني فكم خلت أن الحب لا يستفزني … وأن التصابي خلقة لا تواتيني وكم صنت عن نظم القريض وصنته … إلى أن رأت عيني، علي بن ياسين وله أيضا: لعلك بعد الهجر تسمح يا بدر … بوصل فقد أودى بمهجتي الهجر أبيت كما ترضى الكآبة والأسى … وأضحى كما تهوى الصبابة والفكر إذا قنطت نفسي ينادي بها الرجا … رويدك كم عسر على إثره يسر وإن ذكرت يوم الفراق تقطعت … علائق آمال يرحمها الذكر ولا أنس يوما للسرور وبيننا … عتاب كبرد الماء لكنه الجمر ولا كأس إلا ما سقاني به اللمى … ولا نقل إلا ما حباني به الصدر تقول وقد مالت بمعطفها الطلا … وخفت لأن تخطو فأثقلها السكر وقد جاذبت ريح الصبا فضل مرطها … فأومض لي برق تضمنه الثغر أمن يومنا بالجزع أنت موله … تفيض من الاماق أدمعك الحمر دع العتب فالعتبى أحق بيومنا … وعد عن الشكوى فقد قضي الأمر علمنا وإن لم يعلم الحب إنه … ذلول الهوى صعب وحلو النوى مر
وليل اللقاء صبح وصبح النوى دجى … وشهر الرضى يوم ويوم النوى شهر فو الله ما ادري لطيب حديثها … اضمن سحرا لفظها أم هو السحر فيا حبذا يوم فقدت به الحجى … وودعني إذ ودعت شمه الصبر خليلي قولا أن بدا لكما الحمى … أهيل الحمى مشغوفكم مسه الضر على م تناسيتم حديث عهودكم … وليس له ذنب وليس له عذر أهيل الحمى منوا بطيف خيالكم … عسى نلتقي أو يلتقي النوم والشفر بما بيننا لا تقبلوا من وشاتنا … فما ضاع لي ود وما ذاع لي سر فكم رمت أن أقضي فريضة حقكم … فلما أردت السعي أثقلني الوزر ومن نظمه رحمه الله: أهل الحمى لكم عن قصتي خبر … وان ليلى بليلي كله سهر وفي ضلوعي نيران يضمره … دمع على صفحات الخد ينهمر لما رأيت بدور الحي سافرة … عن النقاب بدا لي إنه السفر ولا عوامل إلا من قدودهم … ولا صوارم إلا ما انتضى الحور سألتك الله يا حادي المطي بهم … رفقا علي لعل الصدع ينجبر كرر علي فلي قلب يميل إلى … حديث من قتلوا من ومن أسروا وأنت يا سعد أن غنت ظباؤهم … قفف تعاين فؤادي كيف ينفطر ورب ليل بليلي بت أسهره … وحسدي نوم والليل معتكر تبدو كشمس الضحى تعلو قضيب نقا … وتنثني مثل غصن فوقه قمر تقول والحسن يطغيها فتظلمني … ولا موازر إلا صارم ذكر دع الحسام وضع حمل السلاح فما … في كل وقت يفيد الحزم والحذر
ما للمهند حكم في محلتنا … بل للمهند فيها الحكم والنظر وللظبا فتكات بين أرحلنا … ترنو وتعنو الظبي المضروبة البتر فإن طمعت بلين في لواحظنا … فنحن أهل قلوب مثلها الحجر وإن حلت لك ألفاظ نرددها … ما بيننا فهناك الصاب والصبر إنا لنجرح من ألحاظ مبصرنا … لكننا من سواد القلب ننتصر فارحم شببك وارحل دون مغلبة … واقبل من الحسن ما أعطاكه النظر فعندها أيقنت نفسي لغيبتها … وأقسمت مهجتي أن لست أصطبر وقمت ألقط من ألفاظها دررا … وانظم السحر حتى أقبل السحر
## $ 105 - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام -القرن السابع الهجري- ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام أصله من تدلس وسكن بجاية ولقي المشائخ وبرع في الأدب، وله علم بالتاريخ وله حظ من الفقه، ولي القضاء ببعض اكوار بجاية، وما كان يحب أن ينسب إلا إلى إنه من الفقهاء لا من الأدباء، ولكن الغالب عليه إنما هو الأدب، وكان له سمت حسن واستحسان، وكانت عقائده أحسن العقائد، وكان له حظ في علم الطب علمية وعملية، وكان مزاولا ومعالجا، وله خط بارع، وكتابة حسنة، وأشعار مطولات، ومختصرات رائقة. ومن شعره:- ولو لم ينبني غير أني أحبه … سعدت بذاك القدر عمري ولا أشقى كفى بي عزا إنه لي سيد … وأني عبد لا أريد له عتقا وما لي والعتق المكدر عيشتي … رضيت بأن أبقى لمن شفني رقا فلم يبق مني غير نفس رقيق … تميل لأن أهوى من الحسن ما رقا وبي رشأ يحوي الملاحة حسنه … يريك خفي السر جهرا وإن رقا يخالط مني الروح حتى كأنني … أرى مخ عظمى في الهوى يرى قد دقا بحسبي التلذاذا بالذي هو صانع … وما من عناء في محبته ألقى وصبري على ذل الغرام وهونه … وما زاد من حمل علي وما ألقى
وإني لراض أخذه من حشاشتي … دما رمق بعض الحياة به أبقى وإن يبقى لي مما استباح بقية … فرق له تلك البقية ما أبقى ألا بأبي من لا أرى في الهوى سوى … محياه شمس أو سنا ثغره برقا ولا خمر إلا من لماه ولحظه … ولا غصن إلا القد لا ما ارتقت ورقا ولا زهر إلا من رياض بخده … بماء النعيم اعتاد ناظره يسقى تخال به الخيلان حسا حوارسا … كمائم ورد صدر مئزرها شقا هناك يهون الصعب في بذل مهجة … يميل لما أهواه حتما وان شقا ويجتمع الضدان نار وأدمع … فلا كبد تروى ولا عبرة ترقى لئن لدغت قلبي عقارب صدغه … فريقته الترياق لي وبها أرقى تهوم هواه البحر والبحر زاخر … ترى مهج العشاق في لجج غرقى ولي مذهب في عشقه وطريقة … مسالكها في الحب لا تشبه الطرقا حلوم ذوي الأحلام تسبي لأنه … يلاحظ منه السر لا الخلق والخلقا تعلمت من عينيه عشقى لحسنه … فلله ألحاظ تعلمني العشقا فلو أن هاروتا رأى سحر ظرفه … أقر بأن السحر من لحظه اشتقا ولو أن عشاق الجمال كما أرى … رأوه لهاموا عند رؤيته شوقا وكل محب في الجمال يرى به … إلى العالم العلوي همته ترقى عسى الرفق بي يوما يمر بباله … قصارى مرام العبد من ملك رفقا فيا طامعا في الوصل منه تسل، هل … سمعت بإشراك تصاد بها العنقا وله هذا التخميس المركب على هذه القطعة القافية، وهذه القطعة كان بعض الأدباء من المشرق يزعم أنها له وأنشدناها، وسئل أبو عبد الله ابن عبد السلام تخميسها فخمسها ولا بأس به، وان ظهر في بعض أشطاره تباين مع الأصل، فإذا أرجع البصر صلح النظر:-
أعاذلتي فيم الملام ترفقي … أما هذه آثار سر التشوق تلوح فتغني عن عبارد منطق … حنانيك قد حنت إلى البان أينقي ومن أين لي أن يرجع الركب نلتقي تقولين تبكي أن نأيت عن اللوى … ولم لا وثم القلب رهنا لدى الهوى ومن شفني ما رام عذرا ولا نوى … وقد كنت ابكي قبل أن يبرق النوى وبي فرق من اجل يوم التفرق ولما شجاني فاستزدت علاقة … حمامة أيك تجلب الشوق طاقة بنوح أراق الدمع مني إراقة … سبكت لها حب الفؤاد حداقة فأصبح طوقا فوق جيد مطوق لقاضي الهوى حكم لظلمى تعرضا … أسال دموعي مذهبا ومفضضا رضيت بما يقضي وان جار في القضا … وسائلة ما بال دمعك أبيضا فقلت لها يا عار هذا الذي بقي عهود الصبا ولت وأدبر عصره … وليلى شبابي قد تبلج فجره فلا تنكري حالا تحول أمره … ألم تعلمي أن البكا طال عمره فشابت دموعي عند ما شاب مفرقي ديار لسلمى جادك القطر فاسلمي … فكم ظل دمعي في ربوعك ينهمي هواك برى جسمي وأنحل أعظمي … وعما قليل لا دموعي ولا دمي ولم يبق إلا زفرتي وتحرقي وله هذه الأبيات من قصيدة مطولة حسنة اختصرت منها هذه لطولها: شمس السعادة لا سنى النبراس … حلت بأفق على بن سيد الناس وبطائر اليمن ارتقت لسمائه … تختال بين كواكب أخراس
من معشر بذل النوال شعارهم … وهم الأسود لدى احتدام الناس يذكون نيران الوغى بأسنة … ولدى القرى يذكون بالاقباس حب القلوب نثاره وكباؤه … نسمات جودك لا نسيم الآس وشماعه شهب الكواكب زينت … أفق العلى وحمته من أرجاس وهو الربيع وزهر سعدك اقبلا … يتصافحان بروضة مقياس فأهنا بشمس الدجن يا قمر الدجي … وانعم بطيب العيش والايناس والبس رداء الفخر جرر ذيله … أنت المحلى بالعلى والكاس واشرب صبوحك من سعودك واغتبق … خمر المسرة روقت في الكاس فلك الفخار على الأنام بسؤدد … أورثته فبنيت فوق أساس
## $ 106 - أبو جعفر أحمد بن يوسف القهري اللبلي 623 - 691 ه 1226 - 1292 م ومنهم، الشيخ الفقيه النحوي، الأستاذ اللغوي التاريخي، أبو جعفر أحمد ابن يوسف الفهري اللبلي يكنى أبا العباس وأبا جعفر، قرأ بالأندلس على مشائخ، من أفضلهم الأستاذ أبو علي الشلوبين ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية وأقرأ بها مدة. ثم ارتحل إلى المشرق لقصد الحج وحج بيت الله الحرام، ولم يستفد بالمشرق علما لأنه ما ارتحل إلا بعد الأستاذية والاقتصار على ما علم، ثم إلى حاضرة تونس واتخذها وطنا واشتغل بالإقراء إلى أن مات رحمه الله. كان له علما بالعربية، وكان يتبسط لإقراء كتبها، وله علم باللغة وتآليف كثيرة، منها على الجمل ومنها شرح "الفصيح" لثعلب ورأيت له تأليفا
في "الأذكار" وله عقيدة في علم الكلام، ورأيت له مجموعا سماه "الإعلام بحدود قواعد الكلام" تكلم فيه على الكلم الثلاث "الاسم والفعل والحرف" وله تآليف عن غير هذه. وهو من أساتيذ افريقية في وقته، وممن أخذ عنه واستفيد منه. رحمه الله.
## $ 107 - أبو العباس أحمد بن محمد القرشي الغرناطي ... 692ه ... 1292م ومنهم، الشيخ الفقيه، الحافظ المتقن، التاريخي المدرس المحدث، أبو العباس أحمد بن محمد القرشي الغرناطي ويعرف بالغرناطي ويعرف بالغرناطي، حافظ من الحفاظ سمعت عنه إنه يحفظ تاريخ الطبري، وذكر لي بعض أصحابنا إنه يحفظ الثعلبي، في شرح القرآن وهو ممن لا يشك فيه حفظه. وإذا حفظ هذين الكتابين استتبع حفظهما كثيرا من غيرهما، وسمعته في مدة خطوره على بجاية وقد جلس يتكلم بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، فظهر من كلامه ما دل على حفظه واتقىنه في نقله، وهو على طريقة جمهور المعتبرين، له اعتناء بالرواية وبالبحث عن الأخبار ومعرفة الرجال، من أهل العصر ومن المتقدمين. وله تآليف وتصانيف، منها على كتاب الله تعالى طالعت بعضها، وكان له اعتناء بأهل العصر، شرع في تأليف ذكر فيه المصنفين من أهل العصر من أهل المشرق والمغرب، وكتب إلى بلاد المشرق للتطلع على ذلك، وبذل في ذلك وسعه وجده، وبالغ فيه جهده. وكان أعلم الناس بالكتب المصنفة وأحفظهم لأسمائها، وكانت له فصاحة
لسان، وعذوبة بيان. وفي مدة خطوره على بجاية اجتمع بمشائخنا رحمهم الله وسألهم عما صنفوه، فأما شيخنا أبو عبد الله التميمي فأعلمه بما صنفه وذكره في تأليفه، وأما غيره فلم يكن منهم من ألف. وانفصل إلى المغرب فبلغ أقصاه، ولقي من به من العلماء، وعرف من اشتمل عليه من الفضلاء. وقضى بعض مدته، ثم رجع إلى حاضرة افريقية، ولم يزل عاكفا على التدريس والتذكير مشتغلا بعلم الرواية والتفسير إلى أن مات رحمه الله.
## $ 108 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الجنان ... نحو 610ه ... 1214م ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الخطيب الكاتب البارع الحافل، الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الجنان من أهل الرواية والدراية، والحفظ والإتقان، وجودة الخط، وحسن الضبط. وهو في الكتابة من نظراء أبي المطرف المخزومي وكثيرا ما كانا يتراسلان بما يعجز عنه الكثير من الفصحاء، ولا يصل إليه إلا القليل من البلغاء. ونشره ونظمه كله حسن.
وأي نوع انتقلت إليه من فرعي أدبه قلت إنه أحسن، ونظمه غزير وأدبه كثير. وهو مشهور بين أيدي الناس. ومن مستحسن نظمه القصيدة الدالية:- يا حادي الركب قف بالله يا حادي … وارحم صبابة ذي نأي وإبعاد ما ينبغي عنك إلا أن تصيخ له … سمعا ليسأل عمن حل بالوادي فهل لديك عن الأحباب من خبر … وهل نزلت بذاك الربع والنادي حيث اللوى يرتقى سامي اللواء به … ويلتقي عنده الحاضر والبادي وحيث تلك القباب البيض قد رفعت … يلتاح من فوقها ذاك السنى البادي بالله أن كنت قد خيمت عندهم … بالمنحنى بين أنجاد واجواد هات الحديث عن المغنى وساكنه … وارفع إلى سنة العلياء إسنادي وروني من حديث القوم أعذبه … فإنه الذي يشفي علة الصادي بين الجوانح نار للجوى وقدت … فإن قدرت فأخمد بعض إخماد هيهات تستطيع إخمادا وذكرهم … يزيد نار ضلوعي نار إيقاد وجدي بهم وجدذات الظمء حيل بها … عن وردها صرف رواد ووراد اشتاقهم فإذا رمت الوصول بهم … ألفي القواطع عن إلفي بمرصاد من لي بهم والنوى تبدي مناقضتي … وتبدل الوعد لي منها بإيعاد هم علتي وروائي كيف لي بهم … أنا العليل ولكن أين عوادي من بعد بعدهم دار الاساجد لي … فهل أرى نشده من بعد إنجاد لله عهدهم ما كان لى كرم … كم أكرموني بإسعاف وإسعاد وكم معاهد انس لي بأربعهم … وفي مها الحسن والحسن بميعاد رقت ورقت معانيها فمن قمر … حيا بغرته أو شادن شادي يا طيب عيشي بهم لو أن ساعته … تفدي لكان لها عمري هو الفادي تلك الحياة وهم أرواحنا فإذا … ما فارقونا فلا نفع بأجساد
يا ويح نفسي لما حملت من مضض … من يوم يدلت من جمع بإفراد البين يقتلني والصبر يخذلني … فمن يصبر يرى في الله أنجادي من يطلب الثأر من دهري فأسهمه … قتلة قلبي بإصماء وإفصاد فانظر إلى أدمعي تنهيك حمرتها … فإنها رشح أحشائي وأكبادي وأعجب لحالي وأعجب من تسامر … من سابق لكرام العيس أو هادي واذهب وأب في ضمان الله مكتنفا … بحفظه بين إصدار وإيراد وان مررت بدار القوم ثانية … فقف وصف مخبري للرائح الغادي واقرأ سلامي على تلك الخيام كما … يرضى الوفاء بتكرير وترداد وقل غريبكم في الغرب ناء به … يا حادي الركب قف بالله يا حاد وله: ترك النزاهة عندنا … أدنى إلى وصف النزاهة ما ذاك إلا أنها … تدعو الوقور إلى الفكاهة وإذا امرؤ نبذ الوقام … فقد تلبس بالسفاهة وليس القصد في هذا الأنموذج الاستكثار من كتب الكتاب وشعر الشعراء، وإنما القصد الإيذان والإعلام بما يستدل به على أن المرء من العلماء وفي أعداد الفضلاء.
برنامج مشيخة المؤلف
برنامج مشيخة المؤلف
قال المؤلف، رضي الله عنه وأرضاه، وإني أردت لما أتيت على ذكر ما شرطت ذكره من علماء هذه المائة السابعة ومن انضاف إليهم فيمن كان في آخر المائة السادسة، نفع الله بهم وجعله خالصا لوجه الكريم، رأيت أن أذكر بعد ذلك طريق استفادتي مما استفدته، ووجه تلقي ما تلقيته من العلم ورويته، لينتفع بذلك من له أرب، وليجده منظوما كيف يريد من له عليه بحث وطلب. ويتنوع ما أورد من ذلك إلى نوعين احدهما علم الدراية. والآخر علم الرواية. (النوع الأول الدراية) وجملة العلوم التي احتاج إلى ذكرها في هذا الموضوع يحتمل الدراية، وهي علم الفقه وعلم الأصلين أصول الدين وأصول الفقه وعلم التصوف وعلم المنطق، هذه هي علوم الدراية التي اذكرها في هذا الموضع. أما (علم الفقه) فاني تلقيته تعلما وتفهما وتبسطا بالقراءة على الفقيهين أبي محمد عبد العزيز القيسي وأبي محمد عبد الله بن عبادة قرأت عليهما
وسمعت منهما وتفقهت بهما، وما زلت أحضر مجلسها للاستفادة والنفع، وسمعت من المقروءات عليهما أضعاف ما قرأته، بلفظي وما من شيء من الكتب المذهبية إلا وكان يقرأ عليهما من التهذيب إلى الرسالة وما بينهما الجلاب والتلقين ومختصر ابن أبي زيد وغير ذلك. وأما موطأ مالك رحمه الله فهو أصل دروسهما وكل ذلك على إتقان، وتحصيل وجودة بيان، بتفريغ وتأصيل وإجمال وتفصيل، وإيراد الأسئلة والجمع والفرق وغير ذلك مما جرت العادة بإيراده عند أفاضل الفقهاء، وأكابر العلماء، وأما بالمذاكرة والمباحثة وإلقاء الأسئلة وإيراد المشكلات، وحل المقفلات، فوقعت الاستفادة بذلك عن كثير من أشياخي رحمهم الله. وأما شيخنا أبو محمد عبد الحق بن ربيع فكثرت الاستفادة عنه والبحث والمباشرة والتكرار في أكثر الأزمنة وإلقاء الصعاب وحلها بالكتب والمجاوبة حتى جرى ذلك مجرى الدرس. وأما شيخنا أبو العباس الغماري فبسماع دروسه والاستفادة منها وبإلقاء
الأسئلة وحل مقفلها. وأما الأشياخ الفقيه أبو القاسم ابن زيتون والفقيه أبو محمد عبد المجيد والفقيه ابن عجلان والفقيه أبو عبد الله ابن يعقوب فالاستفادة عن هؤلاء بالمذاكرة والمباحثة ويكثر ذلك ويقل. فأما الفقيه أبو عبد الله ابن يعقوب فكثر ذلك معه بوقتنا في حال خطوره على بجاية إلى أفريقية وقت مدة ولايته القضاء ببجاية، ولم يزل يبحث معه في الفنون التي يحملها ومن جملتها الفقه. وأما الفقيه أبو القاسم فذلك ببجاية وحاضرة افريقية لأنه تكرر لبجاية مرتين، ورأيته أيضا بحاضرة أفريقية، ولمحة من الفاضل تكفي، وإشارة منه تغني، فكيف وقد تكرر ذلك.
وأما الشيخان أبو العباس ابن عجلان وأبو محمد عبد المجيد فذلك بالمذاكرة في مدة إقامتي بافريقية، فهذا أحد وجوه الاستفادة الفقهية. وأما (علم الاصلين) فإني استفدته بالقراءة على شيخنا الفقيه أبي العباس ابن خالد وقرأت عليه "المستصفى" و"الإشارة" وسمعت عنه غيرهما بقراءة غيري وقرأت "المعالم" على بعض محصليها من الطلبة وسمعتها عن شيخنا أبي العباس الغماري. وأما المباحثة وإلقاء الأسئلة فمع شيخنا أبي محمد عبد الحق كثيرا ومع الفقيه أبي القاسم ابن زيتون ومع الشيخ أبي محمد عبد المجيد فيما قل من المسائل. وأما (علم العربية) فمن الشيخ أبي عبد الله التميمي وأبي الحجاج ابن سعيد وأبي عبد الله الكناني. أما أبو عبد الله التميمي فإني لازمته المدة الطويلة، وما رأيت في علم العربية مثله، وانتفعت به ما لم انتفع بغيره، وقرأت عليه النحو واللغة والأدب والتصريف. وأما أبو الحجاج ابن سعيد فقرأت عليه وأعربت، وسمعت بقراءة الحاضرين وكان ميعاد مشحونا بالطلبة، والذي يقرأه هذا غير الذي يقرأه هذا، والذي يعربه هذا غير ما يعربه هذا، فوقع الانتفاع به بالقراءة والسماع. وأما أبو عبد الله الكناني فقرأت عليه أول الأمر بعض النحو وبعض اللغة وأعربت عليه وسمعت بقراءة غيري. وأما (علم المنطق) فبقراءتي على شيخنا أبي العباس ابن خالد وعلى بعض الطلبة المجتازين على بجاية، وقرأته على الطريقتين، طريقة الأقدمين أبي نصر
الفارابي وغيره، وطريقة المتأخرين محيي الدين وغيره، وعلى طريقة الأوسطين كابن سينا وغيره. وأما (علم التصوف) فعن الشيخ الفقيه أبي محمد عبد الحق بن ربيع [وأبي عبد الله السجلماسي] والشيخ أبي الحسين الرندي والفقيه أبي زكرياء ابن محجوبة. أما الفقيه أبو محمد عبد الحق فعن أبيه عن الشيخ أبي مدين وعنه عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله عنهم. وهذه الطريقة تنتهي إلى أعلام. وأما أبو عبد الله السجلماسي فعنه عن الشيخ أبي محمد صالح عن الشيخ أبي مدين. وأما أبو الحسن الرندي فعنه عن أبي العباس ابن مكنون. وما أبو زكرياء ابن محجوبة فعنه عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي الله
عنهم وهذه الطريقة تنتهي إلى أعلام، وترقى إلى سادات عرفوا بالفضل كرام، ولقيت كثيرا من مشائخ الصوفية استفدت منهم، وأخذت عنهم. وحدثوني عن أناس فضلاء، فمن أحسن ذلك ما حدثني غير واحد عن الشيخ أبي إسحاق ابن عيبوس، ومنه ما حدثني غير واحد عن الشيخ أبي محمد عبد الحق بن سبعين وبسط رموزهم، وفتح مقفل كنوزهم، ليس هو المقصد في هذا الإيراد وإلا لطال الكلام، واتسع النظام، فهذا وجه تلقي ما تلقيته من علوم الدراية. وأما (علوم الرواية) فحصلت لي عن جملة من شيوخي المتقدم ذكرهم وهم شيخنا أبو محمد عبد الحق بن ربيع الأنصاري وشيخنا أبو محمد القيسي وشيخنا أبو محمد ابن عبادة وشيخنا أبو عبد الله الكناني وشيخنا أبو العباس الصدفي، هؤلاء عمدة من تقع الرواية عنهم فيما نذكر بعد بحول الله. وقد تتفق أسانيدهم وقد تختلف بحسب الاتفاق في المشائخ والافتراق، وها أنا اذكر من ذلك بعض ما هو ضروري من اتصال أسانيدي وروايتي عنهم رحمهم الله تعالى على الوجه الأعم الشامل لحصول الرواية بأي وجه حصل، أورد ذلك على اتصال الإسناد واذكر منه معظم ما يقصد من المرويات ويراد. والمقصود المهم، والمعظم الذي يعتني به اللبيب ويلم، هو علوم تفسير القرآن العزيز، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلوم العربية، وعلوم التصوف، والتذكير وان عرض بعد هذا شيء فعلى حسب الاستطراد والتبع، والله ولي المعونة والنفع. أما (علوم تفسير القرآن العزيز) فحدثني بكتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي المقرئ أبو العباس أحمد
بن محمد بن خضر الصدفي الشاطبي عن الفقيه أبي زكرياء ابن عصفور عن الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان عن أبي الحسن علي بن عتيق بن مؤمن الأنصاري عن الشريف أبي محمد عبد الله بن العثماني عن أبي بكر المبارك ابن كامل عن أبي منصور بن عتيق عن أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي عنه أي مؤلف. وحدثني بكتاب أحكام القرآن لأبي الحسن علي بن محمد الطبري -من طبرستان من بلاد خراسان- أبو جعفر بن محمد الصدفي عن أبي زكرياء ابن عصفور عن أبي عبد الله ابن عبد الحق التلمساني عن أبي بكر ابن خير
الأموي عن أبي الحسين محمد بن خلف بن صاعد الغساني عن يوسف بن عبد العزيز اللخمي عن المؤلف. وحدثني بكتاب "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" تأليف أبي العباس أحمد بن عمار المهدوى الأستاذ أبو العباس أحمد بن محمد المكتب قال لنا أبو الحسن ابن السراج عن أبي محمد عبد الله عن القاضي أبي الفضل عياض عن محمد بن سليمان النفري عن خاله الأديب
أبي محمد ابن غانم عن المؤلف. وحدثني بكتاب الوجيز في شرح كتاب الله العزيز تأليف القاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي غير واحد عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبيد الله عنه. توفي القاضي أبو محمد عبد الحق المذكور بلورقة عام أحد وأربعين وخمسمائة.
وحدثني بكتاب "الكشاف عن حقائق التنزيل" لأبي القاسم محمود الزمخشري الفقيه أبو عبد الله الكناني عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي عبيد الله السلفي عن المؤلف. وأما (علوم الحديث) فحدثني بكتاب الموطأ للإمام أبي عبد الله مالك ابن أنس رضي الله عنه وأرضاه، الفقيه الخطيب العدل المبارك، أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني قال نا الفقيه القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري وهو ابن قطرال -توفي بمراكش سنة إحدى وخمسين وستمائة وولد سنة أربع وستين وخمسمائة- عن الرواية أبي محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري عن أبي بحر سفيان بن العاصي
عن الإمام أبي عمر ابن عبد البر عن سعيد بن نصر عن قاسم بن اصبغ ووهب ابن مسرة عن محمد بن وضاع عن يحي بن يحيى الليثي -وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين- عن مالك، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة وله أربع وثمانون سنة. قال الواقدي توفي وهو ابن تسعين سنة، وقيل ولد سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وقيل سنة خمس وتسعين. وحكى أبو الحسن علي بن
يحيى ابن القاسم وأبو عمر ابن عبد البر في وثائقه أن مالكا حملت به أمه ثلاثين شهرا، وقال بعضهم أن مالكا أقام بالمدينة مفتيا ستين سنة، وحصلت له رياسة في الحديث والفقه لم تحصل لأحد في زمانه ولا بعده. ومن الغريب المستبشع ما ذكره أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الاصيلي في كتاب الدلائل أن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عمرت طويلا حتى أدركها مالك فرأت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى مالك عائشة. وأبو محمد من الأئمة الموثوق بهم. وحدثني بكتاب الموطأ أيضا المقرئ الماهر أبو العباس أحمد بن محمد بن
خضر الصدفي قال حدثنا أبو الحسن ابن السراج عن أبي عبد الله ابن زرقون عن الخولاني عن عثمان بن أحمد عن يحيى بن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك رحمه الله. وعن أبي الحسن ابن السراج المذكور بالإجازة العامة بسنده المذكور "جامع" البخاري و"مسند" مسلم و"سنن" أبي داود و"جامع" الترمذي و"جامع" النسائي.
وحدثني بجامع الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الفقيه الخطيب أبو عبد الله بن صالح عن القاضي أبي الحسن بن قطرال عن أبي القاسم أحمد بن رشد القيسي، والراوية أبي محمد بن بوتة عن الإمام أبي بحر الاسدي عن الإمام أبي العباس العذري عن أبي ذر عبد الرحمن بن أحمد الهروي عن أبي أحمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي وسهراه وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد السلمي ببلخ وابن الهيثم محمد بن المكثري بن محمد بن زراع الكشميهني قالوا كلهم نا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن
مطر الفربري عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لاثنتي عشرة ليلة وقيل ثلاث عشرة خلت من شوال أربع وتسعين ومائة، وتوفي يوم السبت عند صلاة العشاء غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين وقيل سنة خمس وخمسين ومائتين رحمه الله. وحدثني "بمسند كتاب" مسلم بن الحجاج أبو عبد الله محمد بن صالح الشاطبي عن القاضي أبي الحسن بن قطرال عن الراوية أبي محمد بن بونة عن أبي بحر بن سفيان بن العاصي عن الإمام أبي العباس أحمد بن عمر بن انس العذري الدلائي عن الإمام أبي العباس أحمد بن الحسن بن بندار الرازي قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج المذكور. وتوفي يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وقد تمكن في سن الكهولية وهو ابن خمس وخمسين سنة.
وحدثني أيضا بالسنن لأبي داود السجستاني، الإمام أبو عبد الله بن أبي التقي العدل عن أبي عثمان بن زاهر عن الفقيه أبي عبد الله بن نوح عن القاضي أبي عبد الله بن سعادة عن أبي عمران بن أبي تليد عن أبي عمر بن عبد البر النمري عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الزيات عن أبي بكر ابن داسة عن أبي داود السجستاني. ولد أبو داود المذكور سنة اثنتين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ومائتين وله ثلاث وسبعون سنة. وحدثني أيضا المذكور بجامع أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي عن القاضي أبي الحسن علي بن قطرال عن الحاج أبي الحسن علي ابن أحمد بن محمد كوثر المحاربي عن الشيخ أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم بن أبي سهل الكرخي قال: وحدثني عن أشياخه الثلاثة القاضي أبي عامر محمد بن القاسم الازدي وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي
وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد العروضي قالوا كلهم: حدثنا أبو محمد عبد الجبار ابن محمد الجذامي عن الإمام أبي العباس أحمد بن محبوب المروزي عن أبي عيسى الترمذي. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين، وترمذ مدينة من خراسان. وحدثني بجامع أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي -ويقال النسوي- المقرئ أبو العباس أحمد بن محمد الصدفي قال: حدثنا المقرئ أبو عثمان ابن زاهر عن الحافظ أبي الربيع سليمان عن الإمام أبي القاسم بن حبيش عن أبي الحسن بن يونس بن محمد بن مغيث عن محمد بن فرج مولى
ابن الطلاع عن القاضي يونس بن عبد الله عن أبي بكر ابن
الأحمر عن أبي عبد الرحمن النسائي ولد سنة أربع وعشرة ومائتين وتوفي بالرملة ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة. وحدثني بكتاب التمهيد والاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عمر بن عبد البر النمري من النمر بن قاسط في ربيعة وهو من أهل قرطبة أبو جعفر أحمد بن محمد الأندلسي عن أبي عثمان سعيد بن علي البلنسي عن ابن نوح عن ابن هذيل عن ابن داود عن أبي عمر المذكور ولد أبو عمر
سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وتوفي بشاطبة سنة اثنتين وستين وأربعمائة وقيل لخمس بقين من ربيع الأخير سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وحدثني بكتاب المنتقى للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب بن وارث الباجي قال الحافظ أبو علي الغساني: سمعته يقول مولدي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة وبقي بالمشرق ثلاثة عشرة عاما وتوفي بالمرية لسبعة عشرة ليلة خلت من رجب الفرد سنة أربع وسبعين وأربعمائة ليلة الخميس بين العشائين، غير واحد عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد بن عبد الله عن
علي بن موهب. وحدثني بكتاب "المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار" للفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان التلمساني، الفقيه أبو القاسم بن خضر عن أبي زكرياء ابن عصفور عنه. وأما علوم الفقه: فحدثني بكتاب المعونة والمختلطة لسحنون بن سعيد التنوخي واسمه عبد السلام وسحنون لقب. وتوفي في رجب سنة أربعين ومائتين، الفقيه القاضي الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن عمر القيسي قال حدثنا الفقيه أبو بكر محمد بن محرز عن أبي محمد بن عبيد الله عن أبي الحسين
ابن الصفار عن أبي عمر بن الحذاء عن عبد الوارث بن سفيان عن محمد بن عبيد الله بن أبي دليم عن محمد بن وضاح عنه. وحدثني بكتاب التهذيب لأبي سعيد البرذاعي غير واحد عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن محمد بن عبيد الله عن القاضي عياض عن محمد بن
أحمد الطليطلي عن جماهر بن عبد الرحمن عن أبي بكر ابن عتيق بن فرج عنه. وحدثني بكتاب عبد الله بن عبد الحكم من موالي عثمان بن عفان رضي الله عنه، الخطيب العدل أبو عبد الله بن صالح عن ابن السراج عن أبي القاسم بن
بشكوال عن أبي بكر ابن العربي عن محمد بن أبي داود عن محمد بن فرج مولى ابن الطلاع عن أبي محمد ابن الوليد عن أبي محمد عبد الله بن زيد الفقيه عن محمد بن مسرور عن المقدم بن داود بن عبد الله بن عبد الحكيم. ولد سنة خمسين ومائة وتوفي أربع عشر ومائتين.
وحدثني بكتاب التفريغ لأبي القاسم عبيد الله ابن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري الفقيه أبو العباس بن خضر عن أبي الحسن بن السراج عن الإمام أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون عن أحمد بن محمد الخولاني عن المسدد عنه. وحدثني بكتاب الواضحة لعبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي من موالي سليم. قال ابن حارث: هو من أنفسهم ويقال إنه أدرك مالكا في آخر عمره. وقال الفقيه أبو عبد الله القضاعي عرف بابن الابار: هو من ولد العباس بن مرداس توفي بقرطبة في شهر رمضان المعظم من عام ثلاثة وثلاثين ومائتين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقيل مات في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومائتين. الفقيه المدرس المفتي أبو فارس عبد العزيز بن عمر مخلوف القاضي عن الإمام أبي بكر بن محمد بن أحمد الزهري عن القاضي أبي بكر بن أبي جمرة المرسي عن أبيه وعن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد قالا: أبو العباس أحمد بن عمر
العذري قال: حدثنا الحسين بن عبد الله بن يعقوب عن أبي عثمان بن مخلوف عن أبي عمر يوسف بن يحيى عن عبد الملك بن حبيب.
وحدثني بكتاب الرسالة لأبي محمد ابن أبي زيد، الفقيه الأجل أبو محمد ابن كحيلة عن أبي بكر ابن محرز عن ابن عبيد الله عن ابن الصفار عن أبي عمر ابن الحذاء عن أبي القاسم الحضرمي البيدي عنه. توفي أبو محمد ابن أبي زيد سنة ست وثمانين وثلاثمائة. وبهذا السند احمل كتاب أبي الحسن القابسي. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة. وحدثني بكتاب التلقين للقاضي أبي محمد عبد الوهاب، الشيخ الفقيه الحافظ أبو فارس عبد العزيز بن عمر القاضي قال: حدثنا أبو بكر بن محرز قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله عن القاضي أبي محمد عبد الحق بن
عطية عن أبي الحسن بن اليمان عنه. توفي أبو محمد عبد الوهاب بمصر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وحدثني بكتاب المقدمات لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الخطيب الإمام أبو عبد الله محمد بن رخيمة الشاطبي قال: حدثنا الفقيه التاريخي أبو عبد الله القضاعي عن القاضي أبي بكر محمد بن أحمد المرسي عنه. توفي أبو الوليد ليلة الحادي عشر لذي القعدة من سنة عشرين وخمسمائة، وولد سنة خمسين وأربعمائة. وحدثني بكتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي الفقيه المفتي القاضي الإمام أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة عن الفقيه أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبيد الله الحجري عن الإمام أبي عبد الله المازري عنه.
وحدثني بكتاب الإمام أبي بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الفهري عرف بالطرطوشي -ومنها أصله ويعرف بابن أبي رندقة- غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن أبي بكر بن العربي عنه. توفي أبو بكر محمد بن الوليد المذكور بثغر الإسكندرية في شعبان المكرم سنة عشرين وخمسمائة. وحدثني بكتاب الإمام القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعارفي عرف بابن العربي وسمع ببلده اشبيلية من أبي عبد الله ابن منظور وابن خزرج وسمع بقرطبة من أبي عبد الله ابن عتاب وابن السراج.
وخرج إلى الحج مع أبيه يوم الأحد مستهل ربيع الأول من عام خمسة
وثمانين وأربعمائة وسنه يومئذ سبعة عشر عاما، وقد كان تأدب وقرأ القراءات فلقي شيوخ مصر أبا الحسن ابن مشرف ومهريا الوراق وأبا الحسن الفاسي ولقي بالشام أبا حامد الغزالي وأبا الفتح المقدسي وأبا سعيد الزنجاني وأبا الوليد الطرطوشي، ولقي بمكة عبد الله الطبري وأبا عبد الله الحافظ وسمع بالعراق من أبي الحسن الطيوري وأبي الحسن بن أيوب البزاز وأبي بكر بن طرخان وأبي طاهر بن سوار وأبي زكريا التبريزي. وتوفي
أبوه بالإسكندرية سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ثم انصرف إلى الأندلس سنة خمس وتسعين وأربعمائة فدرس وسمع وصنف في غير ما فن تصانيف حسنة مفيدة، كان من أهل التفنن في العلوم، واستقضى ببلده فنفع الله به أهله لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، ثم انصرف عن القضاء واقبل على نشر العلم وبثه ولد ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان المكرم عام ثمانية وستين وأربعمائة وتوفي رحمه الله في اقبله من مراكش بمغيلة على مقربة من فاس ودفن بها اثر صلاة المغرب لثلاث خلون من ربيع الأول من عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة. اوجب الله له الجنة ورحمه. غير واحد عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي القاسم ابن بشكوال عنه. وحدثني بكتاب الإمام عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري التميمي -المستوطن المهدية توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة وقد نيف على الثمانين- الفقيه أبو عبد الله التميمي القلعي النحوي عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبد الله عنه. وحدثني بكتاب الإمام القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي وبها ولد منتصف شعبان المكرم عام ستة وسبعين وأربعمائة
وتوفي بمراكش ليلة الجمعة التاسعة من جمادى الأخيرة عام أربعة وأربعين وخمسمائة ودفن يوم الجمعة بحومة باب ايلان منها وكان من أهل التفنن في العلوم والذكاء واليقظة والفهم، أخذ عن جماعة من العلماء منهم أبو عبد الله بن أحمد وسراج بن عبد الله بن سراج وأبو محمد بن عتاب والقاضي أبو بكر بن العربي والقاضي أبو الوليد بن رشد والإمام أبو بكر الطرطوشي والإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري والفقيه أبو بكر ابن خلف بن فتحون الاريولي والحافظ أبو طاهر السلفي والحافظ أبو علي الغساني والأستاذ النحوي أبو عبد الله محمد بن السيد البطليوسي والفقيه أبو بكر بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي وغيرهم. وأما (علوم العربية) فحدثني بكتاب أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، -وهو سيبويه الفقيه النحوي- أبو عبد الله محمد بن ميمون التميمي القلعي شهر بالأديب قال: حدثنا أبو بكر بن محرز قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبيد الله عن محمد بن عبد الرحمن بن معمر المالقي الازدي وأبي الحسن
الصفار قالا: نا أبو بكر محمد بن هشام القيسي قال: نا محمد بن فتحون بن مكرم التجيبي عن محمد بن يحيى الازدي عن أبي جعفر بن النحاس عن أبي إسحاق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: قرأت نحو ثلثه على أبي عبد الله الجرمي وتوفي في ابتدائه ثم على أبي عثمان المازني فقرأه
المازني علي أبي الحسن سعيد بن مسعدة الاخفش عن سيبويه. وحدثني بكتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، الفقيه النحوي أبو عبد الله الأستاذ الكاتب قال: حدثنا أبو محمد عبد الله الحجري عن القاضي الأجل أبي بكر بن العربي عن شجاع بن فارس عن أبي الحسن هلال بن الحسن الكاتب عن أبي علي المذكور. وحدثني بكتاب الجمل للزجاجي، الفقيه النحوي أبو عبد الله الأديب قال: حدثنا الفقيه أبو بكر ابن محرز عن ابن عبد الرحمن الحوضي عن أبي علي الغساني عن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد الخزرجي عن الإنطاكي عن أبي القاسم الزجاجي.
وحدثني بكتاب العقد لأبي عمر بن عبد ربه -أستاذ الأساتيذ في وقته- أبو عبد الله القلعي عن الزهري عن الحجري عن ابن معمر عن محمد بن هشام عن أبيه عن زكرياء بن الاشج عنه. وحدثني بكتاب القانون لأبي موسى الجزولي، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن أبي عبد الله محمد بن قاسم بن منداس النحوي من أهل الجزائر -عمل بجاية- وأصله من أشير، أخذ العربية عن أبي موسى الجزولي المذكور، لقيه بالجزائر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وتوفي أبو عبد الله ابن منداس في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة وولد أول ليلة من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة وهو ابن ست وثمانين سنة إلا شهرا. وحدثني بكتاب المفصل للزمخشري غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي عبيد الله عن السلفي عنه. وحدثني بآداب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غير واحد عن أبي بكر بن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن الصفار عن ابن الحذاء عن عبد الوارث بن سفيان عن قاسم بن اصبغ عنه. وحدثني بكتاب الحماسة اختيار أبي تمام حبيب بن اوس الطائي، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن أبي بكر ابن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن عطية القاضي قال: أخبرنا صاحب أحكام القضاء بغرناطة أبو عبد الله محمد
بن فتوح بن علي وليد الأنصاري عن علي بن إبراهيم التبريزي عن عبد السلام بن الحسين عن أحمد بن أبي هشام قال: أنشدنا أبو تمام كتاب الحماسة. وحدثني بكتاب المقامات لأبي محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحريري غير واحد عن أبي الحسن ابن السراج عن أبي بكر ابن خير عن يوسف ابن علي القضاعي عن المؤلف. وحدثني بمقصورة أبي بكر ابن دريد، الفقيه أبو عبد الله الأديب عن الفقيه أبي زيد ابن السطاح عن القاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون عن أحمد بن محمد الخولاني عن أبي عمر عن أبي مسلم عن أبي بكر ابن دريد، وتوفي رحمه الله سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وأما (علم التصوف والتذكير) فحدثني برسالة في فضل مكة زادها الله
شرفا تأليف أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري واسم أبيه يسار مولى الأنصار، وروى أن أمه كانت خادما لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وربما بعثها في حاجة فيبكى الحسن فتناوله ثديها، فرأوا أن تلك الحكم التي رزقها الله الحسن من بركات ذلك. وروى أن أم سلمه أخرجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا له فقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس "وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: اسألوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ" وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه ومات بالبصرة سنة عشر ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وحدثني بالرسالة المذكورة الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد الصدفي قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأشبيلي عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن أبي الحسن علي بن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر عن عبد الوارث بن
سفيان عن قاسم بن أصبغ عن ابن وضاح عن ابن مشرف عن أبي القاسم ابن الحارث عن الحسين بن أحمد عن فارس عن أبيه عن عبد الرحمن بن الحسن عن أحمد بن محمد بن غالب عن سليمان البصري عن حاتم بن منصور الشاشي عن عبد الله بن آدم عن عبد العزيز بن عبد الله عن الحسن البصري. وحدثني بكتاب "قوت القلوب ومعرفة الطريق إلى معاملة المحبوب" تأليف أبي طالب محمد بن علي المكي، الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد المكتب،
عن الشيخ أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية عن والده عن أبي بكر محمد بن نعمة القرشي، عن عبد الحكم بن محمد الصقلي، عن محمد بن شعيب المقرئ عنه. وحدثني بالرسالة المنسوبة للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الخطيب أبو عبد الله بن صالح عن أبي الحسن أحمد بن محمد الحمصي عن أبي القاسم ابن بشكوال عن القاضي أبي بكر ابن العربي عن محمد بن طاهر وأبي الفضائل محمد بن أحمد البغدادي عنه. وحدثني بكتاب الإمام أبي الفرج الجوزي غير واحد عن الخطيب أبي محمد بن برطلة الازدي عن محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري عنه.
وأما (علم أصول الدين وأصول الفقه): فحدثني بكتاب الإمام أبي بكر أحمد بن علي الخطيب الباقلاني، الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد المقرئ عن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم بن السراج الأنصاري الراوية -وتوفي ببجاية ضحى يوم الأحد السابع لصفر عام سبعة وخمسين وستمائة ودفن بخارج باب البنود بالمقبرة المعروفة بابن سمية أحد تيجان بجاية- عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله الحجري -وتوفي أول ليلة من صفر عام أحد وتسعين وخمسمائة وولد في ذي الحجة عام خمسة وخمسمائة- عن
القاضي أبي بكر ابن العربي عن أبي عبد الله التميمي عن الازدي والموصلي عن أبي بكر المذكور. وحدثني بكتاب الإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك، الفقيه النحوي أبو عبد الله محمد بن أبي التقى الخطيب، عن أحمد بن محمد الأنصاري عن الحجري عن علي بن موهب عن القاضي أبي الوليد الباجي عن أبي بكر محمد بن علي المطوي عنه. وحدثني بكتاب الإرشاد لأبي المعالي، الفقيه الأستاذ النحوي أبو عبد الله الكناني الأندلسي عن الشيخ الراوية أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد عبيد الله عن الإمام أبي بكر بن العربي عن أبي منصور التركي عن إسماعيل الطوسي عنه.
وحدثني بكتاب المستصفى لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد الصدفي عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن قاسم عن أبي بكر ابن خير عن أبي بكر ابن العربي القاضي عنه. توفي أبو حامد في عام خمسة وخمسمائة بعد أن دام في الخلوة والعزلة أحد عشر عاما وكان خروجه من بغداد عام ثمانية وثمانين وأربعمائة نفعنا الله به. وحدثني بكتاب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي المكي رضي الله عنه، وهو المسمى "بالسنن" الفقيه القاضي أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مخلوف القيسي عن الفقيه أبي بكر بن محرز عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله الحجري عن ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر النمري عن أحمد
ابن عبد الله الباجي عن الميمون حمزة عن أبي جعفر الطحاوي عن إسماعيل بن يحيى المزني عنه. وولد أبو عبد الله الشافعي سنة خمسين ومائة وتوفي في آخر يوم من رجب الفرد عام أربعة ومائتين وله أربع وخمسون سنة وقيل توفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
وحدثني بكتاب الليث بن سعد البصري، غير واحد عن الشيخ المسن أبي الحسن ابن السراج عن الحجري عن ابن موهب عن أبي محمد الاصيلي عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه عن الليث المذكور. وحدثني بالكتاب المسمى ب"جامع الخيرات" تأليف سفيان بن عيينة المكي، غير واحد عن أبي الحسن بن السراج عن أبي محمد بن عبيد الله عن
ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد النمري عن أحمد بن إبراهيم عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه. ولد سفيان المذكور سنة سبع ومائة. وحدثني بالكتاب المسمى ب"المسند الكبير" -وذكر إنه في مائة جزء وعشرة أجزاء (1) - من تأليف الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (2) البغدادي، الفقيهان المقرئان الخطيب أبو عبد الله بن صالح بن أحمد الكناني وأبو العباس أحمد بن محمد الصدفي قالا: حدثنا الحسن بن السراج عن أبي محمد عبد الله بن عبيد الله عن ابن موهب عن أبي عمر ابن عبد البر النمري عن عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن (3) عن أحمد بن جعفر بن حمدان بن ملك (4) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل (5) عن أبيه أحمد بن
حنبل ولد أحمد المذكور سنة أربع وستين ومائة وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ... وليقع الاقتصار على هذا القدر من الرواية، ففيه بحول الله كفاية. والله تعالى ينفع المؤلف والكاتب والقارئ والراوي، ويجعل قصد الجميع فيه من أفضل المقاصد وأحسن المساعي. وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.