تاريخ افتتاح الأندلس
أسباب الفتح وما رافقه
٧٣أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز قال: حدَّثنا غيرُ واحد من علمائنا منهم الشيخ محمد بن عمر بن لُبَابة، ومحمد بن سعيد بن محمد المُرادي، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، ومحمد بن زكريا بن الطنجية الأشبيلي رحم الله عن جميعهم من شيوخهم، إن آخر ملوك القوط بالأندلس غَيْطِيشة١ توفي عن ثلاثة أولاد أكبرهم المُند٢، ثم رُمُله٣، ثم ارطباس. وكانوا صغاراً عند وفاة أبيهم، فضَبَطَتْ عليهم أُمُّهم مُلكَ أبيهم بِطُليطلة وانحرف لذريق ــ وكان قائداً للملك، أبيهم ــ بمن يطيق به من رجال الحرب فاحتلَّ قرطبة، فلما دخل طارق بن زياد الأندلس أيام الوليد بن عبد الملك، كتب لذريق إلى أولاد الملك غَيْطِيشة٤ وقد ترعرعوا وركبوا الخيل يدعوهم إلى مناصرة المُلك٥ وأن تكون أيديهم واحدة على عدوهم، وحشدوا الثغر وقدموا ونزلوا شقنبدة وما يطمنوا إلى لذريق٦ بدخول قرطبة. فخرج إليهم ثم نهض للقاء٧ طارق، فلما تقابلت
٧٤الفئتان١ أجمع المُندُ وأخواه على الغدر بلذريق، وأوصوا في ليلتهم تلك على طارق يعلمونه أنَّ لذريقاً إنما كان كلباً من كلاب أبيهم وأتباعه، ويسألونه٢ الأمان على أن يخرجوا إليه بالصباح وأن يُمضي٣ لهم ضياع أبيهم بالأندلس وكانت ثلاثة آلاف ضيعة سُميت بعد ذلك صفايا الملوك. فلما أصبحوا انحازوا٤ بمن معهم إلى طارق فكانوا سبب الفتح٥، فلما وصلوا إليه قالوا له: أنت أمير نفسك؟ أم على رأسك٦ أمير. قال لهم: على رأسي٧ أمير، وعلى الأمير أمير، وأذن لهم بلحاق موسى٨ بن نصير بافريقية ليؤكد «سببهم به وسألوه» الكتاب إليه بشأنهم معه وما أعطاهم من عهده ففعل، وساروا نحو موسى فتلقوه ــ في انحداره إلى الأندلس على قربٍ من بلاد البربر ــ بكتاب طارق بما كان إجابتهم إلى الطاعة، وما شرط لهم فوجّههم موسى بن نصير إلى الوليد بن عبد الملك، ووصلوا إليه وأنفذ لهم عهد طارق بن زياد، وعقد لكل واحد منهم بذلك سجلاً، وكان في سجلاتهم ألا يقوموا إلى داخل عليهم، ولا إلى خارج منهم، وقدموا الأندلس وكانوا بهذا الحال إلى أن توفي المُند وتخلَّف ابنته وهي سارة القوطية وابنين صغيرين٩، أحدهما المطران باشبيلية، وعبَّاس المتوفي بجليقية فبسط أرطباس١٠ إلى ضيعهم فقبضها إلى ضيعه وذلك١١ في أول ولاية هشام بن عبدالملك فأنشأت١٢ مركباً باشبيلية، وكان أبوها المُند قد آثر١٣ سكنى اشبيلية، وصار له من الضياع ألف
٧٥ضيعة بغرب الأندلس، وصار لارطباس مثلها في وسط الأندلس ولزم سكنى قرطبة. ــ ومن نسله أبو سعيد القومس ــ «ولارطباس أخبار عقيلة دارت بينه وبين عبد الرحمن بن معاوية، وبين الشاميين الداخلين مع الأمويين والعرب رويناها عن العلماء وسنذكرها في موضعها إن شاء١ الله تعالى، وصار لرُمُلة ألف ضيعة بشرق الأندلس وكان آثر٢ سكنى طليطلة. ومن نسله حفص٣ بن البر قاضي العجم، ثم توجهت بأخويها بمركب إلى الشام حتى نزلت بعسقلان ثم قصدت حتى وقفت٤ بباب هشام بن عبد الملك فانهت خبرها والعهدَ المنعقد لأبيها على الوليد وتظلمت من عمها ارطباس، فأوصلها هشام إلى نفسه ونظرت إلى عبد الرحمن بن معاوية٥ صبياً بين يديه ــ وكان عبد الرحمن يحفظ ذلك لها بالأندلس، وكانت إذا أتت قرطبة أذن له في دخول القصر إلى العيال ــ فكتب لها هشام إلى حنظلة بن صفوان الكلبي عامل إفريقيا بإنفاذ عهد الوليد بن عبد الملك، ويَأمُر بذلك عامله حُسام بن ضرار، وهو أبو الخطاب الكلبي، فتم لها ذلك ــ وأنكحها الخليفة هشام ــ من عيسى بن مزاحم فقدم معها الأندلس، وقبض ضياعها وهو جدّ ابن القوطية وَوُلِدَ له منها ولدان إبراهيم وإسحق ثم توفي عنها في العام الذي دخل فيه عبد الرحمن بن معاوية الأندلس فتنافسها حموة بن ملامس المذحجي وعُمير٦ بن سعيد، عند عبد الرحمن بن معاوية فأنكحه إياها وولدت له حبيب٧ بن سعيد بن عمير، جد بني سيد، وبني حجَّاج، وبني مُسلمة، وبني حجز الجُرْز، وهؤلاء أشراف ولد عُمَيْر بأشبيلية إذ كان له أولاد من غيرها ولم يشرفوا شرف هؤلاء، وهذا الخبر في كتاب عبد الملك بن حبيب في فتح الأندلس في أرجوزة تمام بن علقمة الوزير أو أكثره٨.
بدء الهجوم
٧٦وكان اجتماع طارق ولذريق على وادي بكَّة من شُذُونة فهزم الله لذريق، وثقَّل له نفسه بالسلاح، وترمى في وادي بكَّة فلم يوجد.
ما يقال في أسباب إنكسار لذريق
ويقال إنه كان لملوك القوط بطليطلة بيت فيه تابوت، وفي التابوت الأربعة الأناجيل التي يقسمون بها١، وكان يعظِّمون ذلك البيت ولا يفتحونه، وكان إذا مات الملك منهم كُتِبَ عليه اسمه، فلما صار الملك إلى لذريق جعل التاج، فأنكرت ذلك النصرانية، ثم فتح البيت والتابوت بعد أن نهته النصرانية عن فتحه فوجد فيه صور العرب متنكِّبة قسيها، وعمائمها على رؤوسها وفي أسفل العيدان مكتوب، إذا فُتح هذا البيت وأُخرِجَت هذه الصور دخل الأندلسَ قومٌ في صورهم فغلبوا عليها.
تاريخ الفتح، وأسبابه، وما رأي طارق في نومه
وكان دخول طارق الأندلس في رمضان سنة ٩٢ هـ وكان سبب دخوله الأندلس أن تاجراً من تجار العجم يُسمى يليان كان يختلف من الأندلس إلى بلاد البربر وكانت طنجة٢... عليها. وكان أهل طنجة على النصرانية... ويجلب٣ إلى لذريق عتاق الخيل والبزاة٤ من ذلك الجانب فتوفيت زوجة التاجر، وتركت له ابنة جميلة، فأمره لذريق بالتوجه إلى العدوة، فاعتذر له بوفاة زوجته، وأنه ليس له أحد يترك ابنته معه فأمر بإدخالها القصر، فوقعت عين لذريق عليها فاستحسنها فنالها فأعلمت أباها بذلك عند قدومه، فقال لذريق إني تركت خيلاً وبزاة لم تر مثلها فأذن له في التوجه فيها وبعث معه المال، وقصد طارق بن زياد فَرَغَّبَهُ في
٧٧الأندلس وذكر له شرفها وضعف أهلها، وأنهم ليسوا أهل شجاعة. وكتب طارق بن زياد إلى موسى بن نصير يُعلمه بذلك فأمره بالدخول. فحشد طارق١ فلما دخل السفن مع أصحابه غلبته عينه، فكان يرى في نومه ﷺ وحوله المهاجرون والأنصار٢ قد تقلدوا السيوف، وتنكبوا القسيّ فيمر النبيّ بطارق فيقول له تقدم لشأنك، ونظر طارق في نومه إلى النبي ﷺ٣ وأصحابه حتى دخلوا الأندلس فاستبشر وبشَّر أصحابه. فلما جاوز طارق وصار بعدوة الأندلس كان أول ما افتتحه مدينة قرطاجنَّة٤ وطبخ لحومهم في القدور وعهد بإطلاق من بقي من الأسرى٥، فأخبر المنطلقون بذلك كل من لقوه فملأ الله قلوبهم٦ رعباً، ثم تقدّم فلقي لذريق فكان ما تقدّم، ذكره. ثم تقدّم إلى استجة وإلى قرطبة، ثم إلى طليطلة ثم إلى الفج المعروف بفج طارق الذي منه دخل جليقية فخرق جليقية، حتى انتهى إلى استُرقة.
دخول موسى
فلما بلغ موسى بن نصير ما تيسَّر له، حسده على ذلك وقدم في حشد كبير٧... وبه فلمَّا صار في ساحل العدوة ترك المدخل الذي دخل منه طارق بن زياد، وقصد الموضع المعروف بمرسى موسى، وترك طريق طارق، وأخذ في ساحل شذونة، وكان دخوله بعد طارق على سنة. [وتقدم إلى شذونة ثم] إلى اشبيلية فافتتحها ثم قصد من اشبيلية إلى لقنت، إلى الموضع المعروف بفج موسى في أول لقنت إلى ماردة (فقال بعض أهل العلم) إن أهل ماردة صالحوه ولم
٧٨يأخذهم عنوةً وتقدّم فدخل جليقية من فجّ هو منسوب إليه١ فخرقها حيث دخلها ووافى طارقاً باستُرقة.
الخلاف بين موسى وطارق
ثم أتاهما عهد الوليد بن عبد الملك بالانصراف، فانصرفا وقد دار بينهما اختلاف، وشَدَّ موسى بن نصير حصون الأندلس، واستخلف ابنه عبد العزيز على الأندلس، وأَسكنه اشبيلية وخلَّف معه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، وأقام عبد العزيز يفتتح٢ ما بقي عليه من مداين الأندلس.
موسى في طريقه إلى الشام
وتوجه موسى بن نصير، ومعه من ابناء الملوك العجم أربع ماية، على رؤوسهم تيجان الذهب، وفي أوساطهم مناطق الذهب، فلما قرُب من الشام اعتلّ الوليد العلَّة التي منها مات فأوصى إليه سليمان٣ «أوقف السير ليكون دخولك في أيامي فإنّ أخي لما به» فقال موسى: وكانت فيه صَلابة، وعنده شكر للنعمة لرسوله٤: والله، لا فعلتُ، حسبي أن أسير سيري فإن جرى المقدور بموت وليّ النعمة عندي، قبل وصولي إليه كان ما يريد.
سليمان وموسى
فلما صار الأمر إلى سليمان، وحبس موسى بن نصير، وأغرمه، عهد إلى خمسة نفر من وجوه العرب بالأندلس بقتل ابنه عبد العزيز، منهم حبيب ابن إبي عبيدة الفهري، وزياد بن النابغة التميمي فقصدوا إليه...٥
مقتل عبد العزيز
٧٩فلما أصبح١ خرج إلى المسجد٢ وصار في المحراب، وقرأ بفاتحة الكتاب، وسورة الواقعة، فرفع القوم سيوفهم عليه بمرّة وأخذوا رأسه، وبعثوا به إلى سليمان، وكان ذلك بمسجد ربينة المشرف على مرج اشبيلية إذ كان ساكناً٣ وفي كنيسة ربينة، وإذ كان نكح امرأة من القوط تُسمى أم عاصم، كان يسكن معها في هذه الكنيسة، وكان قد ابتنى على بابها المسجد الذي قتل فيه، وكان دمه فيه على عهد قريب.
وقاحة سليمان
ويبعث سليمان في طلب موسى بن نصير لما ورد عليه الرأس، وأراه إياه في الطست، فقال له موسى: والله لقد قتلته صوّاماً قوّاماً، ولم يكن لسليمان٤ في خلافته، ولم يدرك عليه غير ما فعله بموسى، وكان قتله في آخر سنة ثمان وتسعين.
الوضع في إفريقيا والأندلس بعد مقتل عبد العزيز
ومكثوا٥ سنين لا يجمعهم والٍ، ألَّا إن البربر قدّموا على أنفسهم أيوب بن حبيب اللخمي، ابن أخت موسى بن نصير، ولأيوب هذا عقب٦ بجانب بنَّة من كورة ريّة.
٨٠ثم أن سليمان بن عبد الملك ولَّي إفريقيا وما وراءها من المغرب. عبد الله بن يزيد١ مولى قيس، بعد سخطه على موسى بن نصير وعزله إياه عن إفريقيا وما وراءها من المغرب. فولَّى عبد الله بن يزيد على الأندلس الحرَّ بن عبد الرحمن الثقفي، وكانت الأندلس يومئذ بلا والٍ، ووالي إفريقيا يولِّي على الأندلس من أحبّ. فلم يزل الحرُّ بن عبد الرحمن على الأندلس، حتى استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله فبعث السمح بن مالك الخولاني والياً على الأندلس، وبعث إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم والياً على إفريقيا، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله قد عهد إلى السمح، بإجلاء الأندلس من الإسلام إشفاقاً من دخل عليهم٢ إذ خشي تغَلُّب العدو عليهم، فكتب إليه السمح بن مالك يعرفُهُ بقوة الإسلام، وكثرة مداينهم، وشرف معاقلهم، فوَّجه حينئذٍ جابراً مولاه لِيُخَمِّس الأندلس فنزل بقرطبة٣... المقبرة والمصلى في الربض، ثم أتته وفاة عمر رضي الله عنه فرفع يده عن التخميس، وبنى القنطرة على وادي قرطبة فيما يقابل الخزّان٤. فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة، ولَّى بشر بن صفوان على إفريقيا، فولَّى بشر بن صفوان على الأندلس عنبسة بن سُحيم الكلبي، ثم وليها بعد عنبسة يحيي بن سلامة الكلبي، ثم عثمان بن نسعة الخثعمي، ثم حذيفة بن الأحوص القيسي، ثم الهيثم بن عبد الكافي، ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، ثم عبد الملك بن قطن الفهري. وزعم عبد الرحمن بن عبد الله إن ولاية جدّهم عبد الرحمن الأندلس كانت من قبل يزيد بن عبد الملك، لا من قبل عامل إفريقيا، وبايديهم بذلك ظهير٥، وسكناهم بمرنانة الغافقين من شرف اشبيليا إلخ ثم
٨١[إن]...١ ولي هشام بن عبد الملك الخلافة، فولَّى على إفريقيا عبيد الله بن الحجَّاب، مولى بني سلول بن قيس، فولَّى عبد الله على الأندلس، عقبة بن الحجاج السلولي، وذلك سنة عشر وماية، فلم يزل عليها حتى انتقضت البربر بطنجة على عبيد الله الحجَّاب٢، وثار بهم ميسرة المعروف بالحقير بائع الماءِ٣ بسوق القيروان فقتلوا عاملهم عمر بن عبد الله المُرادي، فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر بطنجة ثاروا على واليهم عقبة بن الحجَّاج، فخلعوه وكان القايم بذلك عبد الملك بن قطن الفهري، ولم يخلع دعوة ولا طاعةً ودانت له الأندلس، ثم إن هشام بن عبد الملك عزل الحجَّاب عن افريقيا وما وراءها من المغرب، وولَّى عليها كلثوم بنِ عياض القيسي وأمره بقتل البربر وجعل الأمر بعدَه إلى ابن أخيه بلج بن بشر القشيري٤، إن هو أُصيبَ، وجعل الأمر بعد بلج إن أصيب، إلى ثعلبة بن سلامة العاملي، فقدم كلثوم إفريقية ومعه وثلاثون ألف عشرة (ألفاً من٥...) بني أمية، وعشرون ألفاً من بيوتات العرب، كانوا يجدون في الروايات انقطاع دولتهم وولاية بني العباس، وإن مُلكَ بني العباس، لا يجاوز الزاب، فتوهَّموه زاب مصر، وكان زاب إفريقيا. فلم تجاوز طاعة بني العباس طُبنة وما حولها وأمر كلثوم بتثقيف أمر إفريقيا فثقَّفها جهده، ثم ناهض البربر وقد تجمعوا إلى حُميد الزناتي، وميسرة الحقير المتقدم ذكره، فاجتمعوا بموضع يقال له نَفْدورة فدارت بينهم حرب عظيمة، ذهب فيها كلثوم وعشرة آلاف من الجيش، وانصرف عشرة آلاف إلى إفريقيا، كانوا بها من الجند الشاميين إلى أيام يزيد بن حاتم المهلب عامل المنصور، ثم أنَّه الحقهم بالرعية وجعل (معهم) الجند القادمين معه من عرب خراسان وهم على ذلك إلى يومنا هذا، وانخذل٦ بلج بن
٨٢بشر في عشرة آلاف، حتى نزل بمدينة طنجة وهي المعروفة بالخضراء١، منهم ألفا مولى، وثمانية آلاف عربي، وجعلت العرب تحاصره، وتحاربه فأوصى إلى عبد الملك بن قطن بذكر ما دار عليه وعلى عمّه كلثوم بن عياض، ويسأله أن يبعث إليه مراكب يحاربه عليها٢ فشاور أهل رأيه في ذلك فقالوا إن دخل عليك هذا الشامي عزلك، فلم يجاوبه فلما يئس منه أنشأ قربات وأخذوا ما فيها من المراكب والسلاح، والعدة؛ وانصرفوا بها إليه، فدخل الإندلس، فحشد الفهري لما بلغه دخوله، فلقيه في جانب الجزيرة، ودارت بينهم حرب عظيمة، هزم فيها الفهري، ثم عاود محاربته فهزمه بلج من الجزيرة إلى قرطبة ثماني عشرة هزيمةً أُسر بها في آخرها، فصلبه عند رأس القنطرة في موضع المسجد ودخل قرطبة، وكان باربونة٣ عبد الرحمن بن علقمة اللخمي عاملاً للفهري، فتعصَّبَ له إذ بلغه ما دار عليه وحشد الثغر وتشايعه على ذلك كثير من عرب الأندلس وبربرها وقدم طالباً ثأره فخرج إليه بلج من قرطبة في عشرة آلاف من الأمويين والشاميين وكان لعبد الرحمن بن علقمة أربعون ألفاً، ودارت الحرب بينهم في قرية من قرى٤... أقوة بُرْطورة من أقليم ولبة فانجلت٥ الحرب في عشى النهار عن عشرة آلاف قتيل من أصحاب ابن علقمة٦ وعن ألف من أصحاب بلج، وقال عبد الرحمن بن علقمة أروني بَلَجَهم (وكان من أرمى الناس بسهم)، فأروه أيَّاه في المعترك٧ ففوَّق إليه السهم فأصاب كمَّ دِرعه ووصل السهم إلى جسمه. وقال أمَّا بلجُهم فقد أصبته، وانجلت الحرب، ومات بلج في اليوم الثاني وتولَّى (أمر قرطبة) والشاميين والأمويين، ثعلبةُ بن سلامة العاملي، وانصرف عبد الرحمن بن علقمة إلى الثغر، وبقي عرب الأندلس وبربرها يحاربون الأمويين والشاميين ويتعصَّبون
٨٣لعبد الملك بن قطن الفهري، ويقولون لأهل الشام بلدنا يضيق بنا، فاخرجوا عنَّا فكانت الحرب تدور منهم في الكُدا التي بقبلي قرطبة، فلما بلغ هشام بن عبد الملك النكبة الدائرة على كلثوم وما اتَّصل بذلك من فساد إفريقيا والأندلس، شاور العباس بن الوليد أخاه، وكان احلَّه في الشورى محلّ أخيه مسلمة بعد هذا الأمر، فقال له: يا أمير المؤمنين ليس يصلح أخر هذا الأمر، إلا بما صلح به أوله، فأصرف نظرك، وحسنَ رأيك إلى هذه القحطانية، فقبل منه ووافق ذلك ورود أبيات كتب بها أبو الخطار الكلبي من إفريقيا إلى هشام:
ولما وردته الأبيات منه، ولَّى حنظلة بن صفوان الكلبي على إفريقيا وأمره أن يولِّي ابن عمّه ابا الخطار الأندلس، ومعه سجل حنظلة بن صفوان عليها ومعه ثلاثون رجلاً، وهي الطالعة الثانية من الشاميين وكان لوآؤه٢ في سن داخل عيبته. فلما نزل على وادي شوش، أصلح من شأنه وركَّب السن باللواء٣ في القناة ثم تقدَّم، فلما أشرف من فجِّ المائدة، والحرب قائمة بين الشاميين والأمويين وبين البلديين البربر ونظر الفريقان إلى اللواء حلُّوا الحرب، وأُسرع كلُّ واحد من الفريقين إليه فقال لهم: «تسمعون وتطيعون» فقالوا: «نعم» فقال لهم: «هذا سجل حنظلة بن صفوان٤ ابن عمي، لي٥ عليكم بعهد أمير المؤمنين إليه» فقال أهل البلد والبربر سمعنا واطعنا، ولكن لا محمل فينا لهؤلاء الشاميين فيخرجوا عنَّا،
٨٤فقال لهم ادخل قرطبة واستريح ثم يكون ما تريدون فقد ظهر لي أمر فيه صلاحُ جميعكم إن شاء الله، ودخل قرطبة ووكَّل على ثعلبة بن سلامة العاملي، وعلى الوقَّاص بن عبد العزيز الكناني، وعلى عثمان بن أبي تسعة الخثعمي من يخرجهم من الأندلس وقال لهم: «قد ثبت عند أمير المؤمنين، وعند عامله حنظلة بن صفوان، إن فساد الأندلس بكم فخرجوا وخلَّفوا إلى طنجة» ونظر في إنزال الشاميين في كور الأندلس وتفريقهم عن قرطبة، إذ كانت لا تحملهم. فأنزل أهل دمشق بالبيرة، وأهل الأردن برَيَّة، وأهل فلسطين بشذونة، وأهل حمص باشبيلية، وأهل قِنسرين بجيان، وأهل مصر بباجة وقطيعاً منهم بتُدْمير، وكان انزالهم على أموال أهل الذمة من العجم، وبقي البلديون والبربر على غنائمهم لم ينتقصهم شيءَ، واظهر أبو الخطَّار في ولايته الميل على المضريّة فتعقبَ عليه فأتوه إلى قرطبة.
قصة عبد الرحمن بن معاوية
وهو على غير استعداد، فخرج إليهم بمن معه بشُقُنْدة١، وكان رئيس المضرية الصُمَيْل بن حاتم الكلابي، فهُزم أبو الخطَّار وفُضَّ جَمْعُهُ، ولجأ إلى بيت الرحا بمنية نصر، وأُخرج من تحت سرير الرحا، وأُتى به الكلابي فضرب رقبته ضرباً٢ واجمعوا على يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري فولَّوه، واتصلت ولايته سنين، والصُمَيْل وزيره والمتغلب على أمره، وأظهر الصُمَيْل التحامل على القحطانية ففرحت قلوبهم لذلك.
فلم يرعهم إلا إقبال بدر مولى عبد الرحمن بن معاوية (رضي الله عنهما) (وذلك) أن بدراً أتى بوصية مولاه وقد استتر٣ عند بني وانسوس موالي عبد العزيز بن مروان بيلاد البربر، فقصدوا أبا عثمان وهو شيخ الموالي يومئذ، والمنظور إليه فنزل عليه بقرية طُرُش٤، فبعث أبو عثمان في صهره عبد الله بن خالد، فتكلم معه فيما جاء به بدر، وكان يوسف الفهري على الخروج إلى دار
٨٥الحرب غازياً، فقالا لبدر: تمهل حتى تنقضي هذه الغزوة ونجتمع فيها مع أصحابنا، وكان يوسف يُسمي موالي أمية موالينا، ويُظهر الميل إليهم فغزا معهما تلك الغزاة، واجتمعوا مع أبي الصبَّاح اليَحصبي، وهو شيخ اليمانية في غرب الأندلس، ومسكنه قرية مورة من شرف أشبيلية ومع غيره من سادات العرب فمنهم المتعاصي١ ومنهم الراضي حتى انقضت الغزاة وقفلوا عنها، فأمروا أبا عبدة حسَّان بن ملك بملاطفة أبي الصبَّاح إذ كان ساكناً معه باشبيلية وإن يُذَكِّر بيد هشام ابن عبد الملك عنده، فكانت له عنده يد كريمة فأجاب، ثم خاطبوا علقمة بن غياث اللخمي، وأبا علاقة الجُذامي، وهو جد فحيل الشجاع الشذوني، وزيَّاد بن عمرو الجُذامي، جدّ بني زيَّاد الشذونيين، وكانوا رؤساء الشاميين بشذونة فأجابوه، ثم خاطبوا القحطانيين بالبيرة وجيَّان مثل جدّ بني أضحى بالهمدانيين وجد (بني) حسَّان وبني عُمر أصحاب وادي آش الغسَّانيين، وميسرة، وقحطبة الطايين بجيَّان، وخاطبوا الحُصين بن الدجن العُقيلي للتباعد الذي كان بينه وبين الصُميل بن حاتم فلم يمل من المُضرية إلى عبد الرحمن بن معاوية غيره، ولا طمع فيهم لميلهم إلى يوسف بن عبد الرحمن من أجل وزيره الصُميل بن حاتم ولميلهما جميعاً على القحطانية، فلمَّا تمَّ لهم ذلك قالوا لبدر أمضِ فلما أتاه بدر بوصيهم قال: ليس تطيب نفسي على دخول الأندلس إلَّا أن يكون معي واحد منهم، فأنصرف بدر إليهم بجوابه، ويوسف بن عبد الرحمن خارج إلى حرب سرقُسطة إذ كان ثار عليه فيها عامر القرشي العامري، وهو الذي يُنسب إليه باب عامر في المدينة، فقدم أبو عثمان وعبد الله بن خالد صهره قرطبة لمشاهدة خروج يوسف وخشيا أن يطلع على الأمر الذي حاولاه فدخلا على الصُميل بن حاتم وسألاه أن يخلي نفسه لهما ففعل، وذكَّراه بأيادي بني أمية عنده، وعند سلفه وقالا له أنَّ عبد الرحمن بن معاوية نجا إلى بلد البربر، وهو مستتر فيه خائف على نفسه، واتتنا وصيته يسأل الأمان في نفسه، ويتوسل إليك بما قد علمتَه وأنت ذاكر له فقال نعم وكرامة ونضُمُّ يوسف هذا إلى أن يزوُّجه ابنته ويشركه في سلطانه وإلا ضربنا صلعته بالسيف، فخرجا عنه على ذلك فاجتمعا بأصحابهما من الموالي بقرطبة كيوسف بن بخت وأمية بن يزيد، وغيرهم وعقدوا أمرهم ثم عادا إلى الصُميل ليودعاه فقال لهما: فكرت فيما
٨٦عرضتما عليّ، فعلمت أن عبد الرحمن من نسل قوم لو بال أحدهم في هذه الجزيرة لغرقنا في بوله، ولكن اختار١ الله لكما فيما ولَّاكما٢ وعليّ ستر ما أودعتماني فسرّ عليهما وانصرفا فازدادا٣ مع نفسيهما٤ تمام بن علقمة تفاؤلاً٥ باسمه، ومضيا به ثم أوصيا إلى أبي فريعة وكل من٦ اجابهما من الموالي الشاميين وكان له بصر (في) ركوب البحر لتصرفه فيه فوجّهاه، مع تمام بن علقمة ومع بدر.
اجتماعهم بعبد الرحمن في إفريقيا
فلما جاوزوا البحر، واجتمعوا بعبد الرحمن قال: يا بدر بن من هذا (قال) مولاك تمام، وهذا مولاك أبو فريعة٧ فقال تمام: تمَّ أمرنا إن شاء الله، وأبو فريعة افترعنا البلد إن شاء الله، فركبوا البحر حتى نزلوا بالمنكِّب وتلاقاه أبو عثمان وعبد الله بن خالد٨ بالمنكب وأتيا به «طرش من كورة البيرة٩» «إلى الفتنتين١٠» منزل عبد الله بن خالد إذ كان (في طريقهم ثم أتيا به طرش من كورة البيرة١١) منزل أبي عثمان وكانت رياسة العرب بكورة ريّة إلى١٢ جدار بن١٣ عمرو القيسي جد
٨٧بني عقيل، فاوحيا إليه واعلماه بقدومه فقال لهما توافوني به مُصَلَّى أرجذونة١ يوم الفطر، وترون ما يكون مني إن شاء الله، فلما توافوا وأتى الخطيب قام إليه جدار فقال له: «أخلع يوسف بن عبد الرحمن، واخطب لعبد الرحمن بن هشام فهو أميرنا وابن أميرنا» ثم قال: «يا أهل ريّة ما تقولون» فقالوا: «نقول ما تقول». فخطب له وبايعوه عند انقضاء الصلاة وكانت ارجذونة حينئذٍ قاعدة كورة رية٢.
كيف استولى عبد الرحمن على الأندلس
ثم توجّه ابن جدار فانزله عند نفسه، ووصل الخبر إلى بني الخليع موالي يزيد بن٣ الملك بناكُرنا٤ فأتوه٥ في أربع ماية فارس ثمَّ تقدم يريد شذونة٦ فتلقاه جدّ بني الياس٧ في عدد كثير أيضاً، فتفخم جيشه وكثر عدده ثم تلقاه المذكورون٨ من أهل شذونة وعامة عرب شذونة شاميهم وبلديهم، وخرج أبو الصبَّاح من اشبيلية وحيوة بن ملاس٩ وهما سيدا الغرب كله، فتلقياه وبايعاه ونزل باشبيلية في أيام ماضية بن السوال، واتاه أهل الغرب فبايعوه، وتم أمره في جميع عرب الأندلس.
بلوغ الخبر إلى يوسف الفهري
ووقع الخبر على يوسف وهو صادر من غزاته، وقد اسر القرشي العامري الثائر عليه، فقصد يريد اشبيلية حتى نزل حصن نبية، فلما بلغ عبد الرحمن خبره
٨٨خرج يريد قرطبة، وكان الوادي بينهما في شهر آذار فلما رأى يوسف عزم عبد الرحمن في التوجه إلى قرطبة، كرّ راجعاً إليها فنزل عبد الرحمن بقرية بلَّة نوبة البحرين من أقليم طُشَّانة من كورة اشبيلية، فقال المشايخ إمام لا لواء له، خطأ في الرأي، فعزموا على العقد له، وتُطلب في الجيش قناة تُعقد له فيها، فلم توجد في جميعه إلَّا قناة أبي الصُبَّاح المتقدم ذكره، وقناة لأبي عكرمة جعفر بن يزيد جدّ بني السليم الشَّذُونيين١، فعقد له في أحدهما في هذه القرية المذكورة وشهد فرقد السرقسطي عابد الأندلس يومئذ عَقْدَ اللواء، وبنو بحر هؤلاء من بطون لخم. إلخ.
المعركة وتاريخها
فقال عبد الرحمن في أي يوم نحن، فقيل له في الخميس وهو يوم عرفة فقال اليوم عرفة وغداً الأضحى والجمعة، وأمري مع فهري أرجو أنها أخت يوم مرج راهط، وكانت الوقيعة يوم مرج راهط بين مروان بن الحكم، والضَّحاك بن قيس الفهري قائد عبد الله بن الزبير٢ في يوم جمعة، ويوم أضحى ودارت الدائرة لمروان على الفهري. وقُتل معه سبعون ألفاً من قيس وقبائلهم إلخ.
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحكم:
ثم أمر عبد الرحمن بن معاوية الناس بالحركة، ليسري ويصبح على باب قرطبة، فقال لمن معه إِنَّا كلفنا الرِّجالة أن يسيروا معنا، انقطعوا ولم يَلحِموا بنا ولكن يأخذ كل واحد منكم رديفَه، ثم ألتفت إلى غلام وقعت عينه عليه فقال له: «من تكون يا فتى» فقال له: «سابق بن مالك بن يزيد» فقال عبد الرحمن: «سابق
٨٩سبقنا، ومالك ملكنا، ويزيد زدنا. هات يدك أنت رديفي، فعْقبُه بمورور، يقال له بنو سابق الرديف، وهم البرانس، ومن ولده كان أبو مروان الظريف. فأسروا، فأصبح لهم بباييش، وتقدم يوسف فدخل القصر في السحر، فلما اسفر الصبح تحرَّك عبد الرحمن إلى حربه، وقد وافاه في ذلك السحر عربُ البيرة، وعرب جيان، والنهر ممتنع بالميل وقد تقابل الجيشان على المخاضة التي تحت الناعورة، فكان أول من ترامى في الوادي من جيش عبد الرحمن عاصم العُريان جدّ بني عاصم فتقحَّم١ الناس بتقحُّمه بين راكب وراجل، حتى جازوا فلم يرتعد٢ بهم يوسف، ودارت الحرب في المُسارة ساعة، ثم انهزم يوسف ولم يدخل قصره، ثم تقدم عبد الرحمن فدخل القصر، ونزل على مطابخه فتغدى منها أكثر من معه، وخرجت إليه زوجته وابنتاه فقلن له: «يا ابن عمنا أحسن كما أحسن الله إليك» فقال «أفعل، هات صاحب الصلاة» وكان صاحب الصلاة حينئذ جدُّ بني سلمان، هؤلاء القرَّايين، وكان مولى للفهري فأمَرَه بضم النسا إلى داره وبات تلك٣ في القصر، واهدت إليه ابنة الفهري جارية٤ تسمى حُلل، وهي أم هشام رحمه الله، وانخزل٥ من الموكب من باب القصر، وميسرة وقحطبة الطاييان فخلفا النهر إلى دار الصُميل بن حاتم بشُقُندة، وبها كان مسكنه، فانتهبا ما في الدار، والصُميل بن حاتم مشرف على ذلك من سفح٦ الجبل المطل على شُبُلَّار، وكان فيما وجداه له تابوت فيه عشرة ألاف دينار٧ فجعل الصُميل يقول إذ رأى ما رأى:
سياسة عبد الرحمن بن معاوية، وملاقاته للفهري ثانية
وخرج عبد الرحمن بن معاوية في ذلك النهار إلى الجامع فصلى بالناس
٩٠صلاة الجمعة، ووعدهم في خطبته بالخير، وتوجه الفهري إلى غرناطة فضبطها، ثم خرج عبد الرحمن أثره فنازله وحاصره حتى نزل على أمانة، وكان ولد يوسف الفهري بماردة فلما بلغه ما حدث لأبيه١ قدم قرطبة، ودخل القصر في غيبة عبد الرحمن، فانصرف عبد الرحمن إذ بلغه ذلك فلما بلغ ولد يوسف إقباله خرج هارباً من قرطبة يريد طليطلة فبعث عبد الرحمن في عامر بن علي جدّ بني فهد الرصافيين٢، وكان له ثورة وسيادة في القحطانية فاستخلفه في القصر، وتضمَّنه له، ثم عاد عبد الرحمن إلى سفره إلى غرناطة، فكان ما تقدّم ذكره، ثم إن الفهري غدر فخرج هارباً من قرطبة حتى أتى طليطلة فقتله بها أعوانه، واستوسقت الأمور لعبد الرحمن، وامضى عبد الرحمن بن عقبة على ولاية أربونة وما اتَّصل بها إلى طرطوشة، وولَّى طليطلة رجلاً من ولد سعد بن عبادة الأنصاري كان ساكناً بها، ثم رُفع إليه أنَّ أبا الصباح قال لثعلبة بن عبيدة٣ عند انهزام يوسف الفهري ودخول عبد الرحمن القصر «يا ثعلبة هل لك رأي في فتحين، في فتح٤»، قال له ثعلبة: وكيف ذلك، قال أبو الصباح: قد استرحنا من يوسف، فاستراح بنا من هذا، وتكون الأندلس قحطانية». فكشَّف عبد الرحمن عن ذلك ثعلبة فاستحلفه فأخبره بذلك، فقتل بعد ذلك إلى عام، بمكيدة، وقد تقدّم من رياسة ابي الصباح في الغرب ما ذكرناه وكانت الرياسة لبـة٥ لابن عمه عبد الغفَّار، وبباجة٦ لا بني عمه أيضاً عمرو بن طالوت، وكلثم بن يحصب، فتعصَّب جميعهم له بعده وقصدوا يريدون قرطبة، وعبد الرحمن في الثغر، فوقع عليه الخبر فقدم مسرعاً ونزل برصافة، وبها يومئذ عرفية وزيره، فخرج إليه شُهَيْد من القصر، وكان قد استخلفه فيه، وقال له: لو دخلت القصر واسترحت فيه الليلة. فقال له: يا شُهيد، وما في راحة ليلة، إن لم نظفر بما بين أيدينا، ثم أصبح له، فتوجّه فأشرف على القوم وقد
٩١نزلوا على وادي امنبس١ فاضطرب بقرية بنَّش في حارة منها تعرف بالركونين ويسميها العامة الرَّكاكِنة، فلما كان بالعشي، ركب مع ثقات من مواليه، ورجاله، ونفر من العسكر فسمع كلام البربر يتكلمون في العسكر بالبربرية فدعا بمواليه من البربر مثل بني خليع، وبني وانسوس وغيرهم، فقال لهم: خاطبوا بني عمكم وعظوهم واعلموهم أنه إن تغلَّبَ العرب وقطعوا دولتنا فلا بقاء٢ لهم معهم، فلما أظلم الليل دنوا من العسكر وخاطبوهم بالبربرية فأجابوهم إلى ما أحبوه، ووعدوهم إلى أن انحرفوا عن عسكرهم، فلمَّا أصبح لهم قالوا للعرب، أنَّا لا نُحسنُ الحرب إلا فرساناً فاحملوا من بقي منَّا على الخيل فارجلوا العرب، وحملوا البربر على خيلهم ودخلوا رجّالة فخرجوا٣ إلى عبد الرحمن ووقعت الهزيمة على عبد الغفَّار فذهب هو وذهب ممن معه ثلاثون ألفاً والحفرة٤ التي جمعت فيها رؤوسهم خلف وادي منبس معروفة إلى وقتنا هذا، وانصرف عبد الرحمن وقد ظفر. وثار عليه بعد ذلك ثوار كثير بسرقسطة، مثل مُطَرَّف بن الأعرابي وغيره بعده، ورجل تنَسَّب إلى عليّ رحمه الله ثار في الهوارين بجانب جيَّان فَنُصِرَ على جميعهم.
المنصور العباسي يحاول القضاء على صقر قريش
وبعث المنصور إلى العلا بن المغيث الجُذامي، وكان من سكان باجة في الغرب وكانت له فيها رياسة. وبعث إليه بسجل ولواء وقال له: «إن كان فيك محمل لمناهضة عبد الرحمن، وإلا فأبعثُ إليك بمن يعينُكَ.» فقام العلا ودعا إلى نفسه، وتبعه خلق كثير، وتطلَّع أكثر أهل الأندلس إلى خلع عبد الرحمن، وبلغ الخبر عبد الرحمن فخرج من قرطبة إلى حصن قرمونة متحصناً فيه، ومعه ثقات مواليه وخاصتهم، وقدم العلا ونازله بقرمونة فحاصره قريباً من شهرين فلما طال مقامهم انخزل عن العلا أكثر من كان معه، فواحد راقص، وآخر في زاد أعجزه،
٩٢فلما نظر عبد الرحمن إلى تخلخل العسكر، وكان في مثل سبعمائة من ذكور أصحابه وشجعانهم أمر بنار فأُوقدت عند الباب المعروف بباب أشبيلية، ثم أمر بأجفان سيوفهم فطرحت بالنار، فأخذ كل واحد منهم نصل سيفه بيده وخرج، وخرجوا فدارت الحرب بينهم، ثم زلزل الله قدم العلا، وأقدام أصحابه فولوا هاربين، وقُتِل العلا في المعترك١ وأخذ٢ رأسه، وحشاه بالملح والكافور وجعل معه السجل في سفط، وبعثه مع رجل من أهل قرطبة في جملة الحاج، وأمره أن يضع السفط بمكة، فوافق المنصور قد حجّ تلك السنة فوضعه في باب سرادق فلما وصل إلى المنصور نظر إليه وقال عرضناه المسكين للقتل، وقال: «الحمد لله الذي جعل بيننا، وبين مثل هذا من عدونا بحراً». ثم لم٣ تكن بعد هذا حركة إلى أن توفي رحمه الله.
وكان في أول دخول عبد الرحمن قد ألقى بالأندلس معاوية بن صالح الحضرمي فقيه أهل الشام، فوّجهه إلى الشام في أختيه شقيقتيه وبعث معه بمال، فلما قدم عليهما قالتا له السفر لا تؤمن آفَتُه، وقد أمنا بحمد الله، ووسعنا فضل القوم وحسبنا أن نكون في عافية فانصرف عنهما. ووافق يحيى بن يزيد التُجيبي قاضي هشام بن عبد الملك رضي الله عنهما على الشاميين قد توفي، فوّلاه للقضاء، فكان قاضيه إلى آخر أيامه. ولهشام رحمه الله بعده قريباً من العام وهو جدُّ التُجيبيين الذين بقرطبة المتصرفين في الخدمة.
دخول موطأ مالك إلى الأندلس
وفي أيام عبد الرحمن بن معاوية دخل الغازي بن قيس الأندلس بالموّطأ عن مالك بن أنس رحمه الله وقراءة٤ نافع بن أبي نعيم، وكان مكرماً ومتكرراً عليه بالصلة في منزله، وفي أيامه دخل أبو موسى الهوَّاري عالم الأندلس. وكان قد جمع علم العرب إلى علم الدين، وكانت رحلتهما إلى المشرق من الأندلس (بعد
٩٣دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس١)، فحدَّث الشيخ ابن لُبَّابة قال: «أخبرنا العتبي قال كان أبو موسى الهوَّاري إذا دخل قرطبة من قرية بفحص مَوْرور التي كانت فيها سكناه، لم يفتِ أحد من مشايخ قرطبة لا عيسى بن دينار ولا يحيى ابن يحيى، ولا سعد بن حسَّان رحم الله جميعهم حتى يرحل عنهم، وكان أبو المخشي شاعر الأندلس في أيامه، فمدح سليمان بن عبد الرحمن بشعر وتوهم عليه فيه أنه عرض بهشام أخيه، وكانت بينهما مباعدة ومنافسة فتعصَّبَ متعصِّب لهشام فسمل عينيه فقال في العمى شعراً حسناً ثم قصد ابن عبد الرحمن بن معاوية فأنشده ايَّاه فرقّ له واستعبر ودعا بالفي دينار فأعطاه وضاعف له دية العينين وهو الشعر الذي أوله:
وهذا الشعر أنشده عباس بن ناصح للحسن بن هانيء فقال الحسن: «هذا الذي طلبته الشعراء فأضلته، فلما صار الأمر إلى هشام رحمه الله، بعث به إذ كان غَمَّهُ ما كان حدث عليه بسببه فاعطاه الدية مضاعفة أيضاً إلخ.
ولأبي المَخشي، وقيل إنه آخر شعره قوله:
ومن أخبار أرطباس
إن عبد الرحمن بن معاوية أمر بقبض ضياعه التي كانت بيده وأوجب ذلك أنه نظر إلى قبته يوماً في بعض غزواته معه، وحولها من الهدايا غير قليل، إذ كانت الهدايا تتلقاه في كل محلة من ضياعه فنفس ذلك عليه فقبضت منه، وصار عند بني أخيه حتى ساءت حاله فقصد قرطبة وأتى إلى الحاجب بن بخت فقال له: استأذن
٩٤لي على الأمير ابقاه الله فانّي اتيته لا تودَّع منه فدخل الحاجب فاستأذن له فادخله عبد الرحمن بن معاوية إلى نفسه فنظر إليه في هيئة رثة فقال له: يا أرطباس ما بلغ بك هَهُنا فقال له: أنت بلغتني ها هنا حُلتَ بيني وبين ضياعي وخالفت عهود١ أجدادك فيّ بلا ذنب يوجب ذلك عليّ فقال له: وما هذا التوديع الذي تريد أن تتودَّع منيّ، أظنك تريد التوّجه إلى رومة قال لا ولكنه بلغني إنك تريد التوجه إلى الشام قال له ومن يتركني أرجع إليها وبالسيف أخرجت منها قال له ارطباس: «فهذا الموضع الذي أنت تريد فيه أت توطده لولدك بعدك أم تأخذ منه ما اتخذ لك». قال له: «لا والله ما أريده إلا أن أوطده لنفسي ولولدي» قال له ارطباس فعين٢ هذا العمل اعمل فيه ثم عرّفه بأشياء كان الناس ينكرونها عليه وبيَّنها فسرّ بذلك عبد الرحمن بن معاوية وشكره عليه، وأمر له بعشرين ضيعة من ضياعه صرفت إليه وكساه ووصله، وولاه القِمَاسة، فكان أول قومس بالأندلس.
وحكى الشيخ بن لُبَابة رحمه الله عن من أدركه من الشيوخ أن ارطباس، وكان من عقلاء الرجال في أمر دنياه، وإنه دخل عليه عشرة من الشاميين فيهم أبو عثمان وعبد الله بن خالد وأبو عبده ويوسف بن بخت والصُميل بن حاتم فسلَّموا عليه وجلسوا على الكراسي المحيطة بكرسيه، فلما أخذوا مقاعدهم وحيَّا بعضهم بعضا دخل ميمون العابد جدّ بني حزم البوّابين وهو أحد الموالي الشاميين فلما رآه ارطباس داخلاً قام إليه والتزمه وجعل يقوده إلى كرسيه الذي قام منه وكان مصمَّداً بالذهب والفضة فأبى الرجل الصالح من الجلوس عليه وقال له لا يحلّ لي، فجلس على الأرض وجلس معه ثم قال له: ما جاء٣ بمثلك إلى مثلي فقال له ميمون: قدمنا إلى هذا البلد وظننا أن ثوآنا لا يطول فيه ولم نستعد للمقام فحدث من الاضطراب على موالينا بالمشرق ما نتوّهمُ به أنَّا لا نعودُ إلى موضعنا معه وقد وسع الله عليك فأريد أن تُعطيني ضيعة من ضياعِك اعتمرُها بيدي وأؤدي إليك الحق منها وأُخذُ الحق فقال له ارطباس: لا والله ما أرضى أن أعطيك ضيعةً مناصفةً
٩٥ودعا بوكيل له فقال له أدفعْ إليه المجشر١ الذي على وادي شَوش وما فيه من البقر والغنم والعبيد وادفعْ إليه القلعة بجيان وهي المعروفة بقلعة حزم ملكها...٢ فشكر وقام وعاد ارطَباس إلى مقعده فقال له الصُميل: يا ارطباس ما يُعجزك من سلطن أبيك الانفاد٣ الطيبة أدخلُ عليك وأنا سيد العرب بالأندلس ويدخل اصحابي هؤلاء معي وهُم سادات الموالي بالأندلس فلا تزِدُنا من الكرامة على العقود على العيدان ويدخلُ هذا السؤال فتصيرُ من إكرامه٤ إلى حيث صرتَ فقال له ارطباس: يا أبا جوْشَن أهل ديانتك يخبرونَنا إن ادَبهم لم يُخزك ولو اخزاك لم تُنكِر عليّ برّ من بررتُ وكان الصُميل امياً لا يقرأ ولا يكتب، إنكم أكرمكم الله إنما تكرمون عزّ وجلّ وقد روينا عن المسيح عليه السلام أنه قال من أكرم الله من عباده وجبت كرامته على جميع خلقة فكأنما القمة حجراً فقال له القوم دع وانظر فيما قصدنا له حَاجتَنا٥ وحاجة الرجل الذي قصدك وأكرمتَه واحدة فقال انتمُ ملوك وليس يرضيكم إلا الكثير فوهَبهم ماية ضيعة صار منها لكل واحد منهم عشر ضياع منها طُرش لأبي عثمن، والفُتنتين لعبد الله بن خلدٍ، وعُقدة الزيتون بالمدوَّر للصُميل بن حاتم.
من أخبار الصُميل
أنَّه خطر يوماً بين الناس بمؤدب يؤدب٦ الصبيان وهو يقرأ «وتلك الأيام نُداوِلها بين الناس٧» فقال الصميل: نُداوِلها بين العرب فقال له المؤدب فقال
٩٦الصميل وهكذا نزلت الآية، قال له نعم هكذا نزلت قال الصميل: والله إني أرى هذا الأمرَ سيشركنا فيه العبيد والسفَّال والاراذل. وخرج الصميل يوماً من١ عبد الرحمن بن معاوية وقد انتهزه وخرج عليه فرآه على باب القصر رجل وقد اعوجت قلنسوته فقال له الرجل: «قوِّم قلنسوتك» فقال الصميل: «إن كان لها قوم فسيقومونها».
وعرض لهشام رحمه الله يوماً عارضٌ وهو صادر عن جنازة ثعلبة بن عبيد إلى داره خرج إليه كلب من دار تجاور مقبرة قريش هذه معروفة فقبض على بنيقة محشو مروى كان يلبسه فخرقه، فقال يُومَرُ٢ عامل قرطبة أن يلزم صاحب هذه الدار درهم طبلٍ إذ اتخذ كلباً في موضع يُضر فيه بالمسلمين، ثم خرج من دار ثعلبة بن عبيد وأمر بإسقاط الدرهم عنه وقال: قد غَمَّنا صاحب الدار أكثر مما غمَّنا في ثوبنا.
وحُكي إن هشاماً لما ولي بعث في الضبَّي المنجم إلى الجزيرة فقال له: لستُ اشكُ أنَّك قد عنيتَ بامري إذ بلغك فناشدتُك الله إلَّا اخبرتني٣ بما ظهر لك فقال له الضبّي: ناشدتُك الله ألَّا اعفيتني٤ من هذا فاعفاه، فلما كان بعد أيام كشف عنه، فقيل له خَاطِرٌ فبعث فيه وقال له: إن الذي اسلُك لستُ والله أُصِدَّقُ به على الحقيقة ولكن أُريد أن اسمعه، وليت اوردتَ عليّ ما يغمُّني لا عافيَّتك ولا حبوتُك ولا كُسُوتُك واكافيك كما كنتُ اكافيك على أن تُورِدَ عليَّ ما يسرُّني فقال له الضَّبي: «ما بين السِتة إلى السبعة» فاطرق عنه ساعة ثم رفع رأسه إليه فقال له: «يا ضبي والله لو أنَّها في سجدة الله لهانت». وكساه وحباه وصرفه إلى بلده، واطرح الدنيا ومال إلى الآخرة رحمه الله إلخ.
سياسة هشام وعدله
وتولى هشام النظر في الرعية بخير ما نظر به ناظر، من الرفق، والعدل
٩٧والتواضُع، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز وقطع العُشُور، وأخذ الزكَوات والاقتصاد في ملبسه ومركبه.
ورحل بعد عام من ولايته، زياد بن عبد الرحمن اللخمي فقيه الأندلس جدّ بني زياد القرطبيين إلى الشرق فلما صار بالمدينة ووصل إلى مالك١ بن أنس رحمه الله سأله عن هشام، فأخبره عن مذاهبه وحسن سيرته فقال مالك: «ليت الله زيّن سُمنا٢ بمثل هذا».
وبنى رحمه الله الجامع بقرطبة والقنطرة على واديها. وافتتح عبد الواحد بن مغيث اربونة في أيامه، وفي الخمس الحاصل منها بني القنطرة والجامع. وكان لما توفِّي التُجيبي يحيى بن يزيد القاضي بقرطبة، قد شاور عبد الرحمن بن معاية وحضر شوراه ابناه سليمان وهشام، فيمن يُولَّي القضاء مكانه فقال له سليمان وهشام: عرفنا بجانب المدوُّر الأدنى إلى قرطبة شيخاً من العرب الشاميين له فضل وصلاح وخير كثير يُسمَّى مُصعَب بن عمران الحمداني فصدَّقهما الوزراء، فبُعث في الشيخ، فلما أوصله عبد الرحمن إلى نفسه أعلمه بما بُعث فيه له فلم يجبه، وكان عبد الرحمن لا يحتمل أن يُخَالَف، فغضب غضباً شديداً حتى جعل يفتل ما اسبل من شاربه وكانت إشارة غضبه وسطوته ثم صرفه الله عنه، ثم قال له نعم؛ فعلى المُشيرين بك لعنة الله وغضبه، ووافق ذلك إقبال معاوية بن صالح من الوجهة التي كان وجَّهه لها فولَّاه القضاءَ وقد تقدَّم ذكره فكان قاضياً إلى أيام هشام ثم توفي.
هشام ومن تولى القضاء في عهده
فبعث هشام في مُصعَب بن عِمْران فأدخله في نفسه وقال له: تَسمع مني ما اقوله لك بالله الذي لا إلاه٣ إلا هو لتجيبني إلى ما ادعوك إليه أو لأسطونَّ بك
٩٨سطوةً تمحو عني اسم العدل والرفق١ ما بقيت إلخ...٢ الأخلاق التي كنتَ تكرههما من أبي، قد أمْكنها الله مني ونفى طيبة عليك لصلاح أمور المسلمين، ولو وضعتَ المنشار٣ على رأسي لم أعترضك فَولَّي القضاء، ووافق ذلك قدوم محمد بن بشير المعافِوي الباجي من الحجّ، فاستكتبه مُصعَبَ بن عمران فكان كاتبه إلى أن توفي مُصعب وَوُلَّي محمد بن بشير القضاءَ بعده في أيام حكم بن هشام.
ومرَّ هشام بابن هندٍ الذي سماه مالك حكيمَ الأندلس فقام إليه وحيَّاه فقال له هشام لقد ألبسك مالك ثوباً جميلاً إلخ.
ولاية الحكم بن هشام وسياسته
ثم ولي الحكم بن هشام رحمه الله فكان جميل السيرة في رعيته، متخيراً لُحكَّامه وعُمَّاله، مؤمّناً للسُبُل، متكرراً بالجهاد، واستقضى أوَّل ولايته خير قضاة الأندلس وأعدلهم محمد بن بشير، وكان محمد بن بشير في حداثته كاتباً للعباس بن عبد الله المرْوَزي بباجة، عامل هشاماً رحمه الله يسيراً ثم رحل إلى المشرق، وحجَّ البيت وسمع من مالك بن أنس سماعاً يسيراً وانصرف، فاستكتبه مُصعَب بن عمران الهمداني المتقدم ذكره وهو قاضي الجند بقرطبة فكان كاتبة إلى أن توفي، واجمع الوزراء على توليته٤ بعده فولى القضاءَ أكثر خلافته ثم توفِّي وَوُلَّي القضاءَ بعده ابنُه سعيد بن محمد بن بشير وكان أيضاً من أخيار القضاة. وكان المتغلب على أمر الحكم٥ طول أيامه حاجبُه عبد الكريم بن مغيث وكان من العقل، وحسن الرأي بمكان كبير.
وقائع الحكم
وكانت للحكم بالأندلس ثلاث وقائع عظيمة: فمنها وقيعة بطليطلة وذلك
٩٩أنهم كانوا من الأسر١ والطغيان والاستخفاف بالعُمَّال ما لم تبلغه قطُّ رعية من ولاتها وكان عندهم غريبٌ الطليطلي الشاعر وكان من أهل الحكمة والدهاء، وكان أهل طليطلة يستندون٢ إلى رأيه فلم يطمع الحكم فيهم أيام غربيب، فلما توفِّي استقدم عمرُوسَ المعروف بالمُولَّد من وشقة وهو جدّ بني عمروس الصيديين فاختصَّه، وقرَّب مكانه ثم استراح إليه بما في نفسه في أهل طليطلة، وقال له لم يقُمْ لي أمل في الانتصاف منهم إلا على يدك إذ رجا ميل أهل طليطلة إليه للدعوة التي هو منها فواثقه على ذلك وولَّاه طليطلة وكتب إلى أهلها كتاباً يخدَعهم في عقولهم ويقول إني اخترتُ لكم رجلاً من أهلكم واعقابكم٣ من موالينا ومن يتصرَّف في عمالتنا٤، وحدَّ لعمروس حدوداً رجا بها بلوغ أمله فيهم فكان مما حدَّ له أن قال: «إذا أنِسَ أهلُ طليطلة إليكَ، وأحلُّوك محلَّ واحدٍ منهم باظهارك لهم في الباطن إنهم أحبُّ إليك من بني اميّة، ومن كلّ من عرفتهم٥ وإنك على كَرَاهة لجميعهم أن تقول لهم أني رأيتُ هذا الشرَّ الحادث بينكم وبين عُمَّال السلطان٦، وإنما هو بمُداخلة الحشم لكم ولبنيكم ونسائكم، فَكُنتُ أرى أن أبني قصبةً في جانب من المدينة يسكنها الحشم فيكونوا بمعزل عنكم وتسّلموا من شرّهم، فأجابوا إلى أن تكون القصبة في وسط المدينة ولا تكون في جانب، فاختاروا٧ الجبل المعروف بجبل عمروس إلى يومنا هذا، فبنى فيه قصراً واستخرج ترابُه من حفرة في وسطه فلما أتمَّ القصر، ورحل إليه وسكنه أعلم
١٠٠الحكمَ بذلك فعهِد إلى بعض قوَّاده في الثغر بأن يُخاطبَ بحركة العدو إليه ويسأل الجندَ والنفير، فاستنفِر الناس بقرطبة وغيرها، وأخرج عبد الرحمن ابنه وهو حينئذٍ ابن أربع عشرة سنة، وأخرج معه ثلاثة من وزرائه، فلما جاور طليطلة وقد كتب الحكم كتاباً مع أحد الخُلفاء، وأمره أن يدفعه إلى الوزراء عند اجتماعهم بعمرُوس فلما صار العسكر بطليطلة لموضع يُعرف بالجَّيارين تلقاه الخبر بانصراف العدو، فقال عمروس لأهل طليطلة أنه يلزمني الخروج إلى الولد ابقاه الله، وواجبٌ عليكم مثل ذلك، فخرج وخرجوا معه حتى أتوه، فلما وصلوا إليه أمر الولد بإيصالهم إلى نفسه وبسط لهم من حُسن رأيه فلما أنسوا إليه، ثم خلا عمروس بالوزراء ودُفع الكتابُ فقَرأوه، فإذا فيه أن يشيرَ عمروسُ على أهل طليطلة بأن يَستجلبوا الولد إلى طليطلة ليكرمهم بذلك، وليكونوا من خوّاصه، ويظهر الولد لهم تَعَصياً١ وإباءً في دخول طليطلة حتى يعزموا عليه، فإذا عزموا، تعاد لهم وصار في داخل القصبة فنظر في إقامة صنيع لهم ليطعمهم ويكسوهم ويصطنعهم بذلك، وكان في عهده إلى عمروس إذا بنى القصبة أن يكون له بابان فسأل القومَ ذلك فتعاصى٢ عليه.
ثم أجابهم فرحل إلى المدينة ودخلها وصار في القصبة ثم أمر بأن يُحَضَر ما يقوم منه الصنيعُ في اليوم الثاني، وأمر بإحضار وجوه أهل طليطلة في الحاضرة والبادية فحضروه وأُمِروا بالدخول من باب، وصُرِفت دوابهم إلى الباب الثاني ليخرجوا منه، ووقف السيَّافون على شفير الحفرة، وكل من دخل ضُربت رقبته حتى أتى٣ القتل منهم إلى خمسة الأف وثلاث ماية ونيف واثبت عبد الرحمن بصرَه في السيف فلم تزل به غمزة في عينه إلى أن مات.
ويُحْكى أن حكيماً من طليطلة لما أتى الباب الذي منه الدخول ولم يلقَ في أقباله أحداً خارجاً، وقد تعالى النهار قال لمن حول٤ الباب من أهل طليطلة يا صحابنا، وأين أصحابُنا الذين دخلوا من غدوة فقيل له على الباب الثاني يخرجون
١٠١قال لم ألقَ١ أحداً منهم منقلباً ثم رفع بصره فنظر إلى بُخار الدّم فقال: يا أهل طليطلة السيف والله يعمل فيكم، هذا بخار الدم لا دُخان المطبخ٢ فكان قوله سبب افتراق الناس وبقاء من بقي منهم. ثم استقامت طاعتُهم بقية أيام الحكم، وأيام عبد الرحمن ابنه كلها إلى أن توفي عبد الرحمن وخلعوه وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله.
مذهب الخارجية في الأندلس
ثم ظهرت بالجزيرة خارِجيَّة تُشْبِهُ مذاهبُهم مذاهب الخوارج أيام ثورتهم على عليّ ومعاوية رضي الله عنهما وَمَنْ بَعْدَهُم، فكتب عباس بن ناصح إلى الحكم شعراً يُغري بهم ويحُضُّ على إنكار ما احدثوا وفي الشعر.
فقال الحكم: أي والله نفعل وخرج بنفسه حتى أتى٤ الجزيرة ونزل على بابها وحمل السيف على أكثر أهلها.
محاولة لخلع الحكم
ثم حدث بقرطبة حادثة الهيج وذلك أنَّ قوماً من أعلام قرطبة أنكروا عليه أشياء رابتهُم فارادوا خلعه وقصدوا إلى ابن عم٥ له يُعرفُ بابن الشمَّاس من ولد منذر بن عبد الرحمن بن معاوية فخاضوا معه في ذلك واردوا تقديمه وخلع الحكم، فاظهر لهم الإجابة وقال لهم عرَّفوني بمن معكم في هذا الأمر فَواعدُوه ليوم بعينه، ثم قصد، بنفسه إلى الحكم٦ وأعلمه٧ بذلك، وقال له أردتَ أن
١٠٢تُغْريني بأعلام بلدي والله لتُصَحِحون هذا عندي أو لا ضَربنَّ رقبتك فقال له ابعثْ إليّ بامينك ليلة كذا فبعث إليه فتاه برنت، وكاتبه بن الخدا جدّ بني الخدا فأقعدهم بمكانٍ يسمعون ما يدور بينه وبينهم، فاتوه واداروا الأُمرَ فقال لهم من معكم في هذا الرأي فقالوا فلان، والكاتب يكتب خلف الستارة فأهلوا١ عدداً كثيراً حتى خَشِي الكاتب أن يُسْمَى فصوَّت بالقلم في الرق فثار القوم وقالوا فعلتها يا عدو الله فمن٢ خَرَجَ من وقته وفرّ نجا ومن توقَّف قُبِض٣ عليه فكان فيمن فرّ عيسى بن دينار فقيه الأندلس، ويحيى بن يحيى وغيرهما وقُبِض على ستَّة من أعلام القوم المشاهير٤ فصُلب منهم يحيى بن نصر اليحصُبي من ساكني قرية شُقُندة، وموسى بن سالم الخولاني وولده، فثار أهل الربض بسبب ذلك، وشهروا السِلاح ودارت الحرب بينهم وبين الجند فلما تكاثر عليهم الحشم صاحوا بالطَّاعة، فأشار بعض الوزراء بأن لا يقبل ذلك منهم، وأشار بعضهم إلى قبول ذلك منهم، وقال إنَّ منهم المُسِىءَ والمُحسِن فأُخذ برأيَ من أشار بالصفح عنهم، وأذن لهم في الخروج عن قرطبة وافترقوا ولحقوا بساحل البربر وصاروا أهلها، وانخزلت منهم طائفة كبيرة نحو [الخمسة العشر الألف]٥، وركبوا البحر حتى أتوا الاسكندرية فملكوها وذلك في أول ولاية الرشيد وسَطَوْا باهلها سطوة منكرة وحملوا السيف على أكثر أهلها٦ وذلك أن جزاراً ضرب وجه رجل مسلم منهم بكرش، فانفوا لذلك، وحملوا السيف على أكثرهم فلما بلغ الرشيد خبرهُم أخرج هرثمة بن٧ أيمن، الحاجب، ليستصلحَ امرَهم فابتاع المدينة منهم بمال كثير، ثم خيرَّهم في النزول
١٠٣حيث شاءوا١ من أعمال٢ مصر وجزاير البحر، فاختاروا جزيرة اقريطش فنزلوها وهم فيها إلى يومنا هذا.
مفاخر الحكم رحمه الله
اذْعَنَت الأندلس كلها بالطاعة٣ للحكم ولم يختلف عليه فيها مختلف حاشى بني قسي في الثغر فإنهم بقوا على عنادهم٤ وللحكم في ذلك أبيات يخاطب بها ابنه عبد الرحمن منها:
وكانت للحكم٥ وقائع بجليقية، آثار كريمة وكان في جملة من أجلب عليه في الربض طالوت بن عبد الجبَّار المعافري وهو أحد من روى عن مالك٦ ونظرائه٧ من أهل العلم، فلما وقعت الوقيعة فرَّ عن داره، وكان مسكنه بالمدينة يُحَاور المسجد والحفرة المنسوبين إليه فاستتر عند رجل من اليهود عاماً حتى سكنت٨ الأحوال وذهبت النائرة وكانت بينه وبين أبي بسَّام الوزير وصلةٌ وهو جدّ بني بسَّام الهرَّايين، فطال عليه الكونُ عند اليهودي فقصد أبا بسَّام الوزير بين العشاءين٩ فلما وصل إليه قال له: أين كنتَ، قال له عند رجل من اليهود فأمَّنه وسكَّنه١٠، وقال له: «الأمير ــ أبقاه الله ــ نادم على ما كان منه». وبات عنده، فلما
١٠٤أصبح قصد أبو البسَّام القصر بعد أن وكَّل عليه من يحرسه١، فلما وصل إلى الحكم قال له: كيف رأيك في كبش سمين على مذودة٢ اليوم سنة، فقال له الحكم اللحم المُشبعُ ثقيل، واللحم الصحراوي أخف وأعذب. قال له أبو البسَّام غير هذا أُريد، طالوت عندي. قال له الحكم: «وأين ظفرتَ به». قال له: «أتى لُطفي عليه». فأمر باحضاره ووُضِع له كرسي، وجيء بالشيخ يُزعج أزعاجاً شديداً، فلما مثل بين يديه قال له: «يا طالوت أخبرني، لو أنَّ أباك أو ابنك مالك هذا القصر، أكان يزيدُك في البرّ والإكرام على ما كنتُ أفعله بك، هل أوردتَ قط عليَّ حاجة لنفسك أو لغيرك إلا سارعتُ إلى إسعافك فيها٣؟ ألم أعدك في عِلَّتك مرَّات، ألم تتوفَّى زوجتُك فقصدتُك إلى بابك، ومشيتُ في جنازتها٤ راجلاً من الربض ثم انصرفتُ معك راجلاً حتى أدخلتُك منزلك، فما بلغ بك وأي عندك أن لم ترض إلا بسفك دَمي، وهتك ستري، وإباحة حرمتي. قال له طالوت: ما أجدُ لنفسي في هذا الوقت مقالاً خيراً إليَّ من الصدق. انقضتك الله فلم ينفعك عندي كلما صنعتَه في نسياً٥، فأخذت الحكم وجهةٌ، ثم قال: «والله لقد بعثتُ فيك، وما في الأرض عقاب إلا وقد مثَلَته بين يديّ لأوقعه بك، فأنا أعلمك أن الذي ابتغضتني له، قد صرفني عنك فانصرف في حفظ الله آمناً و الله لا تركتُ برك، وما كنتُ عليه في جانبك حياتي إن شاء الله، عليه في جانبك حياتي إن شاء الله فليت الذي كان لم يكُنْ» قال له: «لو لم يكُن كان خيراً لك» إلخ ثم قال له: «أين ظفر بك أبو البسَّام» قال والله ما ظفر بي أنا ظفرتُ بنفسي، وقصدتُه لِوصُلة كانت بيني وبينه، قال له: «فأين كنتَ في عامِك هذا» قال له: «عند رجل من اليهود» فقال الحكم للوزير: «يا أبا البسَّام رجل من اليهود حفظ فيه محلَّه من الدين والعلم، وخاطر بنفسه وأهلِه وماله وولده معي، واردتَ أن تُنشِبني فيما أنا نادم عليه». ثم قال لأبي البسَّام: «أخرج عني والله لا رأيتُ لك وجهاً أبداً٦» وأمر برفع فراشه
١٠٥وعزله، ولم تزل ورثته في ارتكاس وسفالٍ إلى وقتنا هذا، وبقي طالوت مبروراً محفوظاً على ما شرط له إلى أن توفِّي فحضر جنازته الحكم.
وطاولت١ الحكم بعد هذا عِلَّةٌ صحبته سبعة أعوام مات في أخرها على ندم وتوبة مما جرى على يده٢، وأخذته في العِلَّة، رقَّة، فكان يسهر بالقرآن إلى أن توفي.
بنو جديد وبنو نادر
وكان جُدَير جدّ بني جدير بَوَّاباً على باب السُّدة في حين هيج الربض وضمَّ النفر المصالحين٣ إلى حبس الدويرة فادخله الحكم على نفسه فقال له: «إذا أظلم الليل أخرج هؤلاء مشايخ السوء وأمر بضرب رقابهم وصلبهم»٤ فقال له: «والله يا مولاي أني لاكرهُ لك ولنفسي أن أكونَ غداً وأنت في زاوية من زوايا جهنم تهرُّ إليَّ واهرُّ إليك لا تنفعني ولا أنفعك» فانتهزه وعزم عليه في انفاذ ذلك فلم يُجبه فأمر بإخراجه وإدخال ابن نادر البَوَّاب صاحبه فنُفِذ ذلك على يديه. فلم يزل بنو جُدير وعقبه من حينئذ ينمون ويعلمون، ولم يزل بنو نادر يسفلون حتى انقطعت بيتهم٥.
رواية محمد بن وضَّاح في الحكم
ورُوي عن محمد بن وَضاح رحمه الله أنه كان يحكي عن الأمير الحكم رحمه الله حكايتان، أحداهما في محمد بن بشير، والثانية في ذكر شيء من
١٠٦الحدثان، وكان محمد بن وضاح يقول عند فراغ الحكايتين لو لم يكُن للحكم عند الله غير هاتين لرجوتُ له الجنَّة.
ذكر عن بعض الخاصَّة أن كريمه من كرايم الحكم رحمه الله ذكرت أن الحكم قام عنها ليلاً فساءَ به ظنُّها على ما يتوهَّم١ النساَء، ويسبق اليهن من وجه الغيرة قالت: «فققوتُ آثاره فوجودته في بعض الأمكان يُصلِّي ويدعو، قالت: فلما انصرف إليّ اعلمتُه بما ظننتُه وبما فعلتُ وما رأيته عليه منا لصلاة والدعاَء»، قالت: «فقال لي كنتُ قلدتُ محمد بن بشير القضاء بين المسلمين، فكانت نفسي عليه طيبة، وقلبي به واثقاً، وكنتُ مستريحاً من أخبار الناس وظلامتهم لما علمتُ من عدله، وثقته حتى أعلمتُ هذه العشية أنه في السياق٢، وإن الموت قد حضره فقلقتُ لذلك وأغتممتُ به، وقمتُ في هذه (الليلة) ادعو الله وابتهل إليه أن يوفق لي رجلاً يكون عِوضاً منه تسكن إليه نفسي فأُوليه قضاء المسلمين بعده».
والحكاية الثانية أنَّ الحكم بن هشام رحمه الله خرج يوماً متنزهاً فنزل متنزلاً للراحة، فقعد ثم استلقى وتنفس الصعداء، ثم نظر إلى بعض الفجاج، فقال: يخرج في آخر الزمان خوارج كأني أراهم من هذه الفجاج يقتلون الرجال، ويسبون الولدان، فيا ليت حكماً كان حياً حتى يُعلم نصره، وذُبه٣ عن الإسلام.
عبد الرحمن بن الحكم
ثم ولي عبد الرحمن بن الحكم رضي الله عنهما، فسار بخير سيرة والتزم إكرام٤ أهل العلم، وأهل الأدب والشعر في دولته، وإسعافهم في مطلبهم كلها فعاش بخير، وكانت رعيته معه بخير، وله في دار الحرب غزوات، مرَّة بنفسه، ومرَّة بقوَّاده وكان يلتزم من إعظام يحيى بن يحيى وبرّه ما لا يلتزم الابنُ البارُّ للاب الحانّي، وكان لا يُولِّي القضاءَ أحداً إلا عن رأيه، فمن قُضاته سعيد بن محمد بن
١٠٧بَشير، وجده على القضاء لأبيه فامضاه بعده، ومحمد بن شراحيل المعافري جد بني شراحيل١ الذي يُنْسَبُ إليه المسجد والدرب، وأبو عمر بن بَشير، وفرج بن كنان الشذوني ويحيى بن معمر اللاهاني الاشبيلي ثم عزله لرفع يحيى بن يحيى عليه، وولى الإشوار بن عقبة الجيَّاني، ثم ولى بعده جدّ بني صفوان القرشي، ثم عزله لكلمة خاطبته بها امرأة فلم يُنكِرها قالت له: «يا بن الخلايف انظر منِّي نظر الله إليك» فلم يُنكِر ذلك فذكر أنَّه رفع ذلك إليه موسى بن جُدَيْر، الخازن الأكبر وقال له: «تُشرك في سلطانك من يتسمَّى باسمك» فهو الذي أوجب عزله، ثم ولى أحمد بن زياد جدَّ بني زيَّاد، ثم يحيى بن معمر اللاهاني٢ الاشبيلي ثانية، ثم يخامر بن عثمان الجياني فاستعفاه بعد أن ولَّاه فأعفاه وولَّى أخاه معاذاً، ثم ولَّى بعده سعيد بن سليمان الغافقي البلوطي.
وكان أخص٣ الناس بعبد الرحمن من أهل الأدب عبيد الله بن قرْلمان بن بدر الداخل. وغنى زرياب عنده يوماً، وعبيد الله حاضر، أبيات العبَّاس بن الأحنف
فقال عبد الرحمن أن البيت الثاني منقطع من الأول غير متصل به، وأوَجب أن يكون بينهما بيت يتصل به المعنى، فقال عبيد الله بن قرْلمان بديهةً:
فسُرّ بذلك عبد الرحمن وحباه وكساه.
وكان عبد الرحمن بن الشمر قريب المحل منه أيضاً لصحبة كانت له به وهو ولدٌ، وذُكِر أنه دخل عليه يوماً وقد ولَّى الخلافة وقُرِبتْ خاصَّةُ٥ ابن الشمر منه،
١٠٨وعليه ثوب عراقي وغفارة عراقية١ فقال له: يا ابن الشمرِ تظاهرُ العرافي على العراقية٢ ما فعلت غُفَيْرتك التي كُنتَ تختلف إليّ بها وأنا ولدٌ، فقال له قطعتُ منها جُلاً ويرقعاً لبغلك الأشهب لعبد الرحمن وهو ولد ولم يكن٣ إلا ذلك البغل والأشهب، إذ كان له أخَ يعمره٤ ويُرجا للأمر. وحُكي لنا أنَّ عبد الرحمن الحكم أحتلم بمدينة وادي الحجارة وهو غازٍ إلى الثغر فقام إلى الطُهر، فلمَّا تقضَّى طُهره، والوصيف يُجَفِف رأسَه دعا بابن الشمر فلما وصل إليه قال يابن الشمر:
فأجابه:
فهيجَه ذلك وطَرَّبه إلى بعض من كان يأنس به كرايمه فقوَّد على الجيش ابنَه الحكم وانصرف إلى قرطبة، ولابن الشمر في القفل من هذه السفرة.
وعبد الرحمن أوَّل من رتب اختلاف الوزراء إلى القصر، والتكلم في الرأي على ما هو جار إلى اليوم، وكان له وزراء لم يكُنْ للخلفاءُ قبله ولا بعده مثلهم، بعد عبد الكريم بن مغيث الحاجب الكاتب المتقدّم ذكره، فمنهم عيسى بن شُهَيْد، ويوسف بن بُخْت، وعبد الله بن أميَّة بن يزيد، وعبد الرحمن بن رُستم، ولما تُوُفِي
١٠٩عبد الكريم بن مغيث في صدر خلافته تنافس الوزراء كلهم في خطة الحجابة واضطرَّه كل واحد إلى ألَّا يولِّي غيره فأخذته ضجرة فأقسم١ ألا يولي واحداً منهم، وأمر بالإقراع بين الخُزَّان، وكان الخزَّان٢ يومئذ موسى بن جُدَيْر شيخ الخزَّان، وابن بسيل المَّلقب بالغماز، وطاهر بن أبي هارون، ومَهْران بن عبد رَبّه من البربر لا قديمَ له وكان له به اتصال وهو ولدٌ، فخرجتْ إليه القرعةُ فولي الحجابة أعواماً٣. ثم مات فولى عبد الرحمن ابن غانم، ثم مات عبد الرحمن بن غانم فصارت الحجابة بين عيسى بن شُهَيْد وعبد الرحمن بن رُستم على ما ذكرناه، ثم توفي عبد الرحمن بن رُستم فاتصلت الحجابة لعيسى بن شيهد، إلى أن توفي عبد الرحمن وحجب لمحمد رحمه الله نحو العامين.
والأمير عبد الرحمن أمر بالزيادة في جامع قرطبة، فتمَّت في أيامه، إلا يسيراً أتمَّه الأمير محمَّد، وعبد الرحمن بني الجامع بأُشبيلية وبنى٤ سور المدينة بسبب تغلب المجوس عليها عند دخولهم سنة ثلاثين ومائتين «أول تاريخ يذكره». وكان دخولهم في أيامه فذُعر الناس وفرُّوا بين أيديهم وأخلى أهلى أُشبيلية، أُشبيلية، وفرُّوا منها إلى قرمونة، وإلى جبال اشبيلية ولم يتعاط أحدٌ من أهل الغرب مقاتلتهم، فاستُنْفِر الناسُ بقرطبة وما والاها٥ من الكور وخرج الوزراء بأهل قرطبة ومن جاورها من الكور وقد كان استُنْفِر أهل الثغر من أوَّل حركة المجوس عند احتلالهم٦ أوَّل الغرب وأخذهم بسيط لشبُونة، فحلَّ الوزراء ومن معهم بقرمونة، ولم يقدِروا على مقارعة٧ القوم لشِدَّة شوكتهم حتى قدم عليهم أهل
١١٠الثغر، وقدم من أهل الثغر موسى بن قَسِي بعد استلطاف عبد الرحمن بن الحكم له وتذكيره له بوَلاية للوليد بن عبد الملك، وإسلام جدّه على يديه فَلانَ بعض اللين، وقدم في عدد كثيف، فلما قابل قرمونة انخزل عن سائر أهل الثغر وعن عسكر الوزراء، واضطرب بجانب١ فلما اجتمع أهل الثغر بالوزراء سألوا عن حركة القوم فاعلموهم أنها تخرج لهم في كل يوم سرايا إلى جهة قريش ولقنت، وإلى جهة قرطبة ومورُور، فسألو عن مكمن بمكان أن يستتر فيه بقرب من حاضرة أُشبيلية، فدلُّوا على قرية كنْتُش مُعَافِر التي بقبلي اشبيلية فخَرجوا إليها في جوف الليل، وكمنوا فيها وبها كنيسة أولية صعَّدوا فيها نظوراً في أعلاها على رأسه حزمة حطب، فلما انبلج الصبح خرجت لهم يد فيها ستة عشر ألفاً، منهم يريدون جانب مُوَرُورَ فلما قابلوا القرية أشار إليهم الناظور٢ فتوقَّفوا عن الخروج إليهم حتى ابعدوا فلما ابعدوا قطعوا بينهم وبين المدينة وحُمل السيف على جميعهم، ثم تقدَّم الوزراءِ فدخلوا اشبيلية والقوا العامل فيها محصوراً فيه قصبتها فخرج إليهم، وتراجع الناس وقد كان خرج من المجوس يدان سوى اليد المقتولة، يد إلى جانب لَقنت، ويد إلى جانب قرطبة، إلى جانب بني الليث، فلما أحسَّ من في المدينة من المجوس بالخيل وإقبال الجيش وقتل اليد الخارجة إلى جهة مَوْرُور فرُّوا إلى مراكبهم٣ فارتفعوا فوق اشبيلية إلى جانبِ قلعة الزَعوَاق وتلاقوا أصحابهم، ودخلوا المراكب وانحدروا والناس يُناهِشونهم ويرمونهم بالحجارة والأوَظاف. فلما صاروا تحت أُشبيلية بميل، صاحوا إلى الناس إِن أَحْبَبْتُم الفدا فكُفُّوا عنَّا، فكُفَّ عنهم وأباحوا الفدا فيمن كان عندهم من الأسارى، ففُدي الأكثر منهم ولم يأخذوا في فَدائهم ذهباً ولا فضة إنما أخذوا الثياب والمأكول، وانصرفوا عن اشبيلية وتوجهوا إلى ناكور واسروا٤ بها جدّ ابن صالح، وفداه الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وهي يدّ بني أميَّة عند بني صالح، ثم هتكوا الساحلين جميعاً حتى بلغوا بلد الروم، بلغوا الاسكندرية في تلك السفرة، فكانوا في هذا
١١١أربع عشرة سنة. وأشار الوزراء ببنيان سور اشبيلية، فوجه لذلك عبد الله بن سنان رجلاً من الموالي الشاميين، وكان قريب الخاصّة بعبد الرحمن بن الحكم وهو ولدٌ، ثم استقدمه وهو خليفةٌ، ثم حج البيت، وقدم من الحجّ ووافق١ هذه الحركة فأُخرِج لبُنيان السور باشبيلية واسمه على أبوابها.
كسوف الشمس في عهد عبد الرحمن
وكسِفت الشمس في أيام عبد الرحمن كسوفاً، مُرعباً جُمع الناس له في الجامع بقرطبة وصلى بهم القاضي يحيى بن مُعمر، ولم يكن قبله ولا بعده صلاة كسوف بالأندلس جُمع لها إلى وقتنا هذا.
وكان عبد الرحمن بن الحكم يرى في نومه عند تمام جامع اشبيلية أنه يدخله فيجد النبي ﷺ ميتاً مُسْجىً عليه في قبلته فانتبهَ مغموماً، فسأل أهل العِبارة عن ذلك، فقالوا: هذا موضع يموت دينُه فحدث فيه أثر ذلك ما كان من غلبة المجوس على المدينة٢.
وحدَّث غير واحد من شيوخ اشبيلية أنهم كانوا يحمون سهامَهم في النار ويرمون بها سماء٣ المسجد فكان إذا احترق ما حول السهام سقط. وآثار السهام في سمائه٤ إلى وقتنا هذا ظاهرة، فلما يئسوا من إحراقه جمعوا الخشب والحُصر في أحد البلاطات ليدخِلوا النار ويتصل بالسَقف. فخرج إليهم من جانب المِحُراب فتى فاخرجهم عن المسجد ومنعهم دُخوله ثلاثة أيام حتى حدثت٥ الوقعية فيهم وكان المجوس يصفون الحَدَثَ الخارج لهم بجمالٍ تام.
أعمال عبد الرحمن بن الحكم، واستعداده لملاقاة المجوس
واستعدَّ الأمير عبد الرحمن بن الحكم فأمر بإقامة دار صناعة باشبيلية، وأنشأ المراكب، واستعدَّ برجال البحر من سواحل الأندلس فألحقهم ووسَّع عليهم،
١١٢فاستعدَّ بالآلات والنفط، فلما قدموا القدمة الثانية سنة أربع وأربعين ومائتين، في أيام الأمير محمد تلقوا في مدخل نهر اشبيلية في البحر فهُزِموا فحُرقت لهم مراكب فانصرفوا.
الفتن في عهده
وكان قد تحرك في أخريات أيام الأمير الحكم رحمه الله بجانب مَوْرُور رجل يُقال له قَعْنب تُنْسَب إليه فتنة، فضرَّب بين العرب والموالي وبين البُتر والبَرانس حتى قامت فتنة أطفأها الله في صدر أيام عبد الرحمن ابن الحكم وفرَّ قَعْنب إلى جانب ماردة وما والاها١، فأقام فيها أيضاً فتنة بين البربر وبين المولدين قتله الله فيها. واتصل بذلك قيام محمود وأُخت له تُسَمَّى جمُلَة بقرب وادي تاجة بجوفيّ «ماردة» وما والاها، فدارت بينهما فتنة، وكانت جَمُلة تدعو إلى الطاعة، وأخوها محمود إلى الخلاف والمعصية ثم أطفأها الله بموت محمود.
قدوم زرياب إلى الأندلس
وقدِم زِرياببُ على عبد الرحمن بن الحكم رحمه الله، وكان بالمحل القريب من الأمير محمد بن هارون الأمين، وكان المأمون الوالي بعد الأمين٢ فعدَّد عليه أشياء فلما قُتل الأمين فرَّ إلى الأندلس فحل من عبد الرحمن بن الحكم بكل محل، وكان أهلاً لذلك في أدبه وروايته وتقدّمه في الصناعة التي كانت بيده، فمن أخباره أنه غناه يوماً صوتاً استحسنه فقال يأمُر٣ الخُزَّان أن يدفعوا إليه ثلاثين ألف دينار، فأتاهم صاحب الرسائل٤ بالعهد، وكان الخُزَّان يومئذِ المذكورون قبل هذا في التقارع على الحجابة غير سفيان٥ بن عبد ربّه الذي خرج إلى الحجابة، فنظر الخُزَّان بعضهم إلى بعض، فقال لهم موسى بن جُدير، وكان شيخهم قُولوا، فقال
١١٣له اصحابه ما لنا قول مع قولك، فقال لصاحب الرسائل «نحن وإن كُنَّا خُزَّان الأمير ابقاه الله، فنحن خُزَّان المسلمين نجبي أموالهم ونُنِفقُها في مصالحهم، لا والله ما ينفُذُ هذا، ولا مِنَّا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غداً، أن نأخذَ ثلاثين١ ألفاً من أموال المسلمين وندفعها إلى مغن في صوت غناه فليدفع إليه الأمير أبقاه الله٢ ذلك مما عنده فانصرف صاحب الرسائل، وقال للخليفة الخارج بالصك نافق الخزان، ثم دخل الخليفة وقال مثل ذلك للأمير، فقال زرياب ما هذه طاعة، فقال عبد الرحمن بن الحكم هذه الطاعة، (ولأولينهم) الوزارة على هذا الأمر وصدقوا فيما قالوا، ثم امر بدفعة إلى زرياب مما عنده.
وزارة محمد بن السَّلم
ومن أخبار عبد الرحمن بن الحكم أنه تكررت الشكوى عليه بولاة المدينة واحِد بعد واحد، فأقسم ألَّا يُوَلَي المدينة رجلاً من أهل قرطبة فكشف عن من يستحق هذا من سُكَّان الكور من مواليه فأُشير له إلى محمد بن السَّلِم، ووُصِفَ عنده بالحجّ وحُسن العقل والتواضُع٣ فبعث فيه وولَّاه٤ المدينة، فلما ركبَ أوَّل يوم وُلِّى فيه المدينة إلى القصر، قيل له قتيل بالقصَّابين في شيرة فقال نُؤتى٥ به، فلما صار بين يديه أمر بانزال القتيل في الرصيف لعله يمرُّ به أحدٌ ممن يعرفه، وأمر بتقديم الشيرة إليه فنظر إلى شيرة٦ جديدة فقال علي بالحصَّارين كلهم، تجارهم وعمَّال الأيدي. فلما أُتي بهم، قدم إلى نفسه، وجوههم فقال لهم: «عمل الشيرات والقفاف مشتبه أو يعرف بعضهم عمل بعض». فقالوا له: «بل يعرف بعضنا أعمال بعض، ونعرف أعمال أهل الكور من أعمالنا بقرطبة» فأمر بإبراز الشيرة إليهم فقالوا: «هذه من عمل فلان وهو في الجماعة واقف». فأمر بتقديمه
١١٤فقُدِم إليه فقال نعم هذه الشيرة اشتراها مني بالأمس فتى عليه هيئةِ١ خدمةِ السلطان ووصفه كذا، فقال الشرطُ والمشتَرونَ هذه صِفة فلان الأخْرَس الساكن برُصافة، فنهض إليه وفُتِش عليه فوُجدت ثيابُ القتيل عنده فلما بلغ الخبر عبد الرحمن أمر بتوليته الوزارة مع المدينة، فلما دخل البيت صاروا له كلهم تبعاً في الرأي.
مفاخر الأمير محمد رحمه الله
ثم ولي الأمير محمد رحمه الله، وكان من أهل الأناة وقلَّة العَجلة والتنزه عن العقوبة، مكرماً لإعلام الناس من أهل العلم والموالي والأجناد، متخيراً لعُمَّاله إلى أن ولَّي أمرَه هشاماً فأفسد عليه. فترك طريقة اختياره العُمَّال من الكهول والشيوخ ومال إلى الأحداث وشاطرهم أزْباحَهم فكان العُمَّال يسمون المناصفين ففسد بذلك الأمرُ وكان ما سيأتي ذكره. وأمضى سعيد بن سليمان على القضاء بقرطبة حتى تُوفِّي ثم ولَّى بعده محمدَ بن زياد وكان صالحاً وكان سعيد بن سليمان يشبه في الصلاح والفضل، واستعفى من القضاء. وخرج من القضاء للحج، ومات بمصر قبل أن يحجّ، وولي بعده عمرو بن عبد الله المعروف بالقُبَعَة وكان من العقل والرأي بمكان كبير، وكان مُستقضاً باستجة، ثم عزله عن القضاء لحادث حدث في مجلسه، وذلك أن رجلاً يُعرف بالقُصبي كانت له وجهةٌ، وكان يُوفده عبد الرحمن بن الحكم إلى قَارله ملك الأفرنجة٢ وإلى مالك الروم فتوفي عن ثلاثة الألف دينار فضة٣ وترك أيتاماً. ووجب على القاضي تثقيف المال وتحصينه، فلما جُلِبَ إليه، وصار بين يديه ذهب المال، فأُتهم به ابنه المكنى بأبي عمرو، وأُتهم به كاتبه حتى قالت الشعراء في ذلك، فمما قاله مؤمن بن سعيد:
١١٥فلما بلغ محمد الخبر اعظمه واسَاءَهُ ما نزل بالايتام في مالهم لمكان أبيهم منه ومن أبيه قبله، فجمع أهل العِلم وشاورهم فيه، فأشار جميعُهم باستحلاف القاضي حاشى بقي بن مخلد فإنَّه قال إنَّ من الشمات بنا عند اليهود والنصارى أن نستحلف قاضياً، والمأمون على فروج نسائنا واحسابنا١ وأيتامنا، أرى للأمير اصلحه الله أن يجبُرَ هذا من بيت المال، فصار إلى رأيه وأمر بعزله، وولِّي سليمان بن اسْوَد البلوطي ابن أخ٢ سعيد بن سليمان. وبعث إليه بديوان٣ الخليفة فاستحلفه سراً في بيته، بالمصحف الذي يُنْسَب إلى عثمان بن عفَّان، رضي الله عنه فدخل على عمرو ابن عبد الله بعض الشيوخ في أثر خروج الخليفة عند فأنشده:
فقال له الرجل الداخل عليه ما هذا المعني، فقال له أتاني هذا الفتى الخارج فاستحلفني بالمصحف المنسوب إلى عثمان رضي الله عنه، ووالله إن لَصادقٌ فيما حلفتُ به. وجبر٤ الأمير محمد المال على الايتام، ثم استقضى عمرو بن عبد الله على سرقسطة، فأقام بها أعواماً حتى كتب يذكر رغبته بوصول الضيعة إلى أهله وولده، وضياع ما تخلفه، فأُمِر بالإقبال إلى قرطبة. فلما قدمِها عُزل سليمان بن اسودَ وأُعيد إلى قضاء الجمعة، وهو أول ما تسمَّى بقرطبة قاضي الجماعة، إذ لم يكُنْ من الجند فينسبُ إليهم. وكان القضاء قبله من أجناد العرب فكان قاضياً إلى أن تُوفي الأمير محمد. وكان عبد الرحمن بن الحكم يبني الزيادة في جامع قرطبة على ما تقدم ذكره، وبقيت بقية اتمَّها الأمير محمد، وخرج بنفسه إليها عند تمامها وصلى فيها، فقال في ذلك قومس:
وأمضى عيسى بن شهيد على الحجابة، ولم يختِلف مختلِف من شيوخ،
١١٦الأندلس أنه يخدم بني أمية بالأندلس أكرم منه عِناية وأكثر إطاعة١ وكان عبد الكريم بن مغيث، الحاجب الكاتب بهذه الصفة، إلا أنَّه كان يقبل الهدَية والمكافأة على قضاء الحاجة، وكان عيسى بن شهيد لا يقبل شيئاً من ذلك، وكان عيسى بن شهيد لا يرضى في من عنى به إلا بغاية التشرّف٢. فمن ذلك أن عبد الواحد الاسكندراني قدم الأندلس، وهو حدث متظرف يشير إلى الغناء فقصده بتأميله٣ وهو حاجب لعبد الرحمن بن الحكم٤، فلما عرف ما قصده (به)، قال له أمسك عن الغناء فلا تذكره، معك من الأدب كفاية، فأوصله إلى عبد الرحمن وقرَّب مكانه حتى استقدمه. ثم لم تزل عنايته تصحبه حتى ولاه الوزارة والمدينة. وكان قد خرج عيسى بن شُهَيْد، وهو وزير قبل الحجابة في أيام عبد الرحمن إلى اشبيلية مستنفراً لأهلها إلى الجهاد، وكانت الخلفاء تأمرُ بإخراج الوزراءَ للاستنفار إلى الجهاد خاصَّة. فوافق خُرُوجه إلى اشبيلية عِلَّة كاتبه فكَرِه أن يستكتب كاتباً في تلك٥ الحركة لئلا٦ يغُم كاتبه، فلما ورد اشبيلية واجتمع إليه٧ أهلها قال لهم: واطلبوا٨ فيما عندكم حدثاً يكفيني الكتابة فإن خلفتُ كاتبي عليلاً، فاشاروا إلى فتى من أهلها يُسمى محمد بن موسى، من أهل كنيسة الماء من بيت من العرب يُقال لهم بنو موسى ونسبهم غافق، وكان بنو عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي عامل الأندلس المتقدم ذكره يدعون أنهم مواليهم فضمَّه إلى كتابته فلما امتحنه زكا عنده واغتبط به، فلما تقضَّتْ حاجته إليه باشبيلية، أخرج إليه صلةً وكسوة، فقال له الكاتب أملي فيك فوق هذا ولم اغْتلِق حبلك ومذهبي الخروجُ من خدمتك، فقدِم معه قرطبة، وكان أوَّل ما حركه له وِلاية خزانة المال، ثم نقله عنها إلى وكالة
١١٧محمد، فحلَّ من محمد بكل مكان. فلما ولى الخلافة استوزره واستندم أخاه مؤملًا١ وهو أبو عبد الله بن مؤمل المعروف باليمامة وكان من الأدباء العرفاء. ولما ولي محمد بن موسى هذا، الوزارة، بعث في بني عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وكان لهم عدد وثورة بمرنانة الغافقين من شرف اشبيلية، فقال لهم إنكم تدعون أمراً لو كان حقّاً وعلمناه لم يحلّ لنا الانكفاء٢ عنه، فهلمَّ إلى أن تخلطونا بأنفُسكم وتدعُون أهلاً، فإن كُنَّا مواليكم كما تقولون فنحن منكم، وإن كُنَّا من العرب فنحن بنو عمكم، فأجابه القوم وشكروا على ذلك وصاروا أهلاً، وصاهر بعضهم بعضاً، وانقطعت تلك الادعاءاتُ من يومئذٍ.
وكان لطروب أُمّ عبد الله بن عبد الرحمن على عبد الرحمن بن الحكم تحكم أوجبتْ به صرفَ الأمر إلى ابنها عبد الله، فكانت تصتنع أهل القصر من النساء والفتيان وأكثرَ الخدمة طمعاً في ذلك، وكان نصرٌ مبغضاً لمحمد مائلاً مع عبد الله بن طروب، وكان قد مال عبد الرحمن آخر عمره إلى ابنه محمد، فشقَّ ذلك على نصر فاراد قتل مولاه لِيُقَدِّمَ عبد الله ويقتُلَ محمداً، فبعث في الحرَّاني الطبيب وقال له: كيف رأيك في حُسن رأيّ، فقال له: ذلك الأمَل لو بلغتُه. فقال له: هذه ألف دينار، وأعمل لي بشونَ٣ الملوك، فلم يمكنه عصيانُه، وقبض الألف دينار منه وعمل البشون وأوصى إلى فخر فأعلمها بالأمر وسألها أن تحذَّرَ الأمير من شُربه. ثم قال نصرٌ لعبد الرحمن أن يتوحش للدَّوَاء، فأراه ذلك فيموت به في اليوم الثاني... أمره بشُربه فشربه ثم قصد إلى داره، فبعث في الحرَّاني فشكا إليه ما دار عليه فأمره بأخذ لَبن الماعز٤ فعجَّل عليه وانقضت حاجتُه. فلما توفي عبد الرحمن رحمه الله، وكانت موته بغتةً واطَّلع على ذكر أكابر الفتيان، ستروا الأمر إلى أن أُغلقت أبواب القصر، وأُذِن بالعَتمة، ثم امروا بجميع الفتيان صغيرهم، وكبيرهم، في دار الكامل، فقالوا لهم يا أصحابنا نزل أمرٌ، صغيرنا فيه
١١٨ككبيرنا، فأحسن الله عزاكم١ في مولانا، فرفعوا أصواتهم بالبكاء، فقالوا لهم دعوا البُكاءِ؟ ستبكون انظروا بنا لأنفُسنا وللمسلمين قبلُ، فإذا تمَّ ذلك بكينا فما ترونَ، فدفعوا كلهم بِلسان واحدٍ سيدنا وابن سيدنا المربية لنا والمحسنة إلينا، فقال لهم منهم فتى من الخلفاء يكنى بابن المُفرج وكان له حجّ وفضل، على هذه٢ رأى جميعكم، قالوا نعم، قال لهم وأنا أعلمكم أن رأيي كرأيكم وإني أشكرُ للسيدة لفضْلِها عليّ دونكم، ولكنه امرٌ إن ينفذ فهو سبب لقطع أثارِنا من الأندلس، وإن واحداً منا لا يخطر في طريق، ولا يمرُّ بجماعة، إلا قال الناس اللهمَّ العنْ هذه الوجوه فإنهم ملكوا أمر المسلمين، فولوا شرَّ من يعرفونه، وتركوا خير من يعرفونه، وقد عِلمْتُم عبد الله وحاله ومن يطوف به، والله لئن٣ ملك شيئاً٤ من أُمُوركم وأُمور المسلمين ليحدثنَّ فيكم وفيهم الأحداث فيسألكم٥ الله عنهم وعن أنفسكم، فكأنَّ ذلك وقى بانفُسهم، فقالوا له: من تراه، فقال لهم: الصالح العفيف محمد، فقالوا له هو بهذه الصفة إلا أنه لئيم٦ شديد، فقال لهم وبماذا يجود إذا أولى وملك بيوت الأموال سيجود إن شاء الله، فقالوا له رأينا ما رأيت، فدعا بالمُصحف واستحلف جميعهم، وكان من الخلفاء أثنان قد استبلغا في الاستخراج إلى محمد في رضى طروب، وهما سعدون وقاسم، فقال لهم سعدون: إذ قد عزمتم على هذا الرأي، فتراموا إليه وقولوا به هب لنا ذنب صاحبنا، فوعدوه بذلك. وكانت لمحمد ابنة صغيرة، وكان أبوه عبد الرحمن يأنس٧ بها ويبعث فيها، فخرج سعدون الفتى من باب الجنان ومعه مفاتيح٨ باب القنطرة، ففُتح له الباب، وعبد الله بن طروب يشرب في قصبته، وكانت داره على باب القنطرة، وأما محمداً فالفاه في الحمام، فاستأذن عليه فأذن له، وخرج من
١١٩الحمام إليه فقال له ما جاء بك يا سعدون، قال له أتيتك لأمضي بك إلى ولاية الخلافة عن إجماع منَّا، توفي أبوك رحمه الله، وهذا خاتمة، فقال له يا سَعْدُون اتق الله، ولم تبلغ عدواتك لي، إلَّا١ إلى سفك دمي، دعني بلدُ الله لي واسعٌ، فأقسم له بكل يمين أنه ما أتا إلَّا عن إجماع، وعن رضى من جميعهم به، وحكى له أنَّه أخذ٢ بيعة جميعهم وإيمانهم في المصحف وما اتيتُك إلا وقد سألتُ أصحابي أن يؤثروني بالإقبال فيك لأحُل من نفسك بعض موجدتك عليَّ، فقال له قد عفا الله عنك، وقبل منه وقال له: أمهل علَّي أبعث في وكيلي محمد بن موسى المتقدم ذِكرُه، فبعث فيه فأعلمه الخبر، فقال له وكيله: هذا غرور وخطر، كيف تخطُر بباب ابن طروب وأعوانه وحَفَدَتُه بحضرته، قال له، وما تراه، فقال نمضي إلى يوسف بن بسيل فنأخذ أعوانه، وكان عددهم ثلاثماية، فتوَّجه إليه وأنهى وصيَّة محمَّد، فقال له يا أبا عبد الملك هذه منازعة، وإنما نحن موالي من دخل القصر وملكه، فانصرف وأعلمه كلامه٣، فقال له وكيله من لم يخاطر لم يربح، أركب على عون الله، فركب متقنعاً، وسعدون بين يديه، ووكيله عند ركابه، فلما قابلوا دار عبد الله بن طروب والغناء والزمير في القصبة، أنشد محمد:
وكان أعوانه يشربون في الغرفة على باب الدار، فأحسُّوا بالحركة، ففتح أحدهم الباب ونظر إليهم، فقال من هؤلاء٤، فانتهزه سعدون وأغلق الباب، ولم يشك هو وأصحابه أنها ابنة محمد، فتوجه إلى القصر وكان محمد في إقباله من داره إلى باب القنطرة، وطُرِحَ القفل على الباب، التفت إلى وكيله فقال له يا محمد التزم هذا المكان حتى أبعث إليك من يضبطه معك، وتقدَّم فدخل، فلما صار في اسطوان باب الجنان، قام ابن عبد السلَّام البواب، فقال لسعدون أرى شخصاً غير شخص الابنة التي كانت تدخُل عليَّ، وليس والله يجاوز هذا الباب إلا من أعرفه، فقال له: ويحك، هكذا يُكُشَف الحُرُم، فقال له: لستُ أدري ما الحُرُم، وأُشار
١٢٠إلى الأمير بإخراجه، فكشف محمد وجهه وقال له: يا ابن عبد السلام اتق الله فيّ، فإني أتيتُ لوفاة والدي رحمه الله، قال هذا والله والله أكبر ليس بالله تتجاوز هذا الباب حتى أعرف إن كان أبوك حياً أو ميتاً، قال له الخليفة أدخل وأغلق الباب على محمد، وإبقاه في الاسطوان، ودخل معه سعدون الخليفة حتى وقعت عينه على عبد الرحمن ميتاً فبكى١ ودعا وخرج وأُقبل على يد محمد وقال له أدخل خار٢ الله لك وللمسلمين فيك، فدخل وتمت بيعته تلك الليلة، وبعث في الوزراء والخدمة والموالي، واستوزر في ذلك الصباح محمد بن موسى وكيله هذا، وعبد الرؤف بن عبد السلم جد بني عبد الرؤف، وفرَّ ابن عبد السلَّام البواب خوف العقوبة، فلما عرف محمد بذلك أمر بتأمينه، وحباه وكساه على ما كان منه في تلك الليلة وقال ليت خدمة القصر كلهم مثل هذا، وأمضى الأمير محمد رجال أبيه على الوزارة وعلى الكتابة عبد الله بن أمية بن يزيد نحو العامين، ثم اقعدته عِلَّة عن الركوب أعواماً، أقام فيها قومس بن انثنيان النصراني للخدمة، فلما توفي عبد الله بن أميَّة، قال الأمير محمد لو أنَّ قومساً كان مسلماً ما استبدلناه، فلما بلغه الخبر أشهد على إسلامه، فولاه الكتابة، وكان قومس مع مع بلاغته وقيامه بالخدمة يأوي إلى عقل ثقيف، وكان يتعرض هاشماً في كثير من أمره حتى شجى به.
فحدث القائد٣ ابن أبي عبدة أنه كان جالساً عند هاشم حتى دخل عليه محمد بن الكَوْثر وهو أحد بُلغاء الأندلس فقال له: يا أبا عبد الله إن من عجائب الزمان، أن يكون مثلك في قدرك وأُبوتك ومنصبك خلواً من الخدمة، ويكون صاحب قلم بني أميَّة الأعلى، وكاتبهم العظيم قومس النصراني٤ ابن انثُنْيان المتتكي، من هذا إلى الله تبارك وتعالى٥، فأوقد الشيخ وانصرف إلى بيته، وكتب
١٢١إلى محمد أن من أعجب العجب أن يبلغ خلائف١ بني العبَّاس بالمشرق أن بني أميّة بالمغرب اضطروا في كتاباتهم٢ العظمى وقلمهم الأعلى أن يولَّوا٣ قُوْمِساً النصراني ابن انتنيان بن يلَيَانَة النصرانية، فيا ليت شعري ما الذي أعملك عن اختيار الأفضل ومن تتزيَّنُ به الخدمة، ومن يشفع إليه بوراثة النعمة، أنا أصلح لها، وحامد الزجالي، وابن مُرين، ومحمد بن سفيان، ومن رجال الاجناد، أضحى ابن عبد اللطيف بالبيرة، وابن أبي فُريعة وابن جَوْشِن بَريَّة، وابن٤ اسيد بشذُونَة، وحجاج بن عمر باشبيلية، هؤلاء ابناء نعم الخلفاء من تزدانُ بهم الخِدمةُ، وتقع منهم في موقعها النعمة، اختر من شئت٥ فهؤلاء لها أهل. فلما قرأ محمد الكتاب قال: ايا ايْدُون تعرَّف إن كان حامداً الزجالي حاضراً فَوُجِد، ثم قال له أمُر بالصيد إلى رُصَافة، وتعهد إلى حامد بأن يُصَابح إلى باب الجبل برُصافة فتم ذلك. وخرج محمد في السحر، ونزل برُصافة متروحاً حتى صلى الصبح، وكانت الخيل بيد هاشم فلزمه حُضُور الركوب، فهو واقف على باب الجبل ينتظر خروج الأمير، إذ وقعت عينه على حامد، وكان صديقاً له، فقال لوصيف له: امض٦ إلى أبي مروان وقل له: يقول لك مولاي، ما جاء بك هاهنا. قال: أتاني عهد بأن أصابح المنية، فلما خرج محمد واستقبل الجبل قال يُدعا بحامدٍ، فتقدَّم وسلم وصار إلى مراكبته وقال له: تردُني لك، كتب تُعْجبني، فهل تهممتَ بشيء من أُمور الكتابة، فقال له: تنصرف بغَدٍ، وَلَّيناك٧ الكتابة، ودعا بأيدون وقال له: تبعث معه من ينزل في بيت الكتابة، ثم دعا بهاشم فقال له: رأينا إعادة خُطَّةِ الكتابة إلى طريقها، وقد ولَّينها حامداً، فقال هاشم أيضاً بما حضره، ممَّا زيَّن له أمرَ حامد، فقال له محمد إلا أنَّه قبيح الخط٨ جدّاً، فقال له: يا مولاي هو أكيس له، وانحرف الأمير
١٢٢إلى الرُصافة، فأمر بالكتاب إلى حامد يأمره بالكتاب إلى عبد الله بن حارث، وهو صاحب الثغر بالحزْم والعزْم والتحفُظ من بني قسى، إذا كانوا المعاندين في ذلك الجانب، فشرع١ هاشم بالكتاب إلى حامد «أتتك محنة يمتحن بها صبرُك وقيامك بما قُلِدتَّه، فاركب إلى دارك واجتمع مع كل من ترجُو عونه» فركب وبعث في المذكورين الكتابة، وكانوا له اخْواناً فأرَاهم ما أمر به وكلفهم٢ أن يُخَاطب كل واحد منهم عن نفسه كأنَّه المأمور، ففعلوا ثم جمعت النُسَخ فَاختار٣ منها نسخة واحدة. وغدا بها إلى القصر فلما صَار وأوصلها وقعت بموضع استحسان، وأُمِرَ له بفراش للوزارة وفيه يقول مؤمن بن سعيد:
وكان أكثر وزرائه٤ مُقدَّمين في العقل والفضل، وحُسن السيرة كعبد الله بن أُميَّة وزير أبيه وكاتبه، ووليد بن غانم، وأُميَّة بن عيسى بن شُهيد، وكان المتقدم عندهم محمد بن موسى الاشبيلي وكان يُديل في المدينة بني أميَّة بن عيسى ووليد بن غانم لمعرفته بفضلها، وكانا لا ينفذِان في أحكام المدينة الأمور٥ العظام فيها، إلا بما وافق الحق.
وذكر أن أمية قيل له أن هاشماً بن عبد العزيز طلب٦ رجلاً بدار تجاوره، فامتنع عليه فحبسه «في داره فدخل أمية بيت الوزارة، فقال لأصحابه بلغني أن بعضهم منع جار له دخول داره»٧ فحبسه عند نفسه، وبالله لئن صحَّ هذا عندي لا ركبنَّ إلى الدار ولأعُدنَّ على ما فيها ولأعْدِمنها، فارعدَ هاشم في فراشه، ودعا بوصيفه وقال له اطلع إلى الدار واطلق المحبوس.
وفرَّ رجل من أهل العلم من أهل بعض الكور أمام عامله إلى قرطبة، فكتب
١٢٣ذلك العامل إلى الأمير محمد يغريه به ويقول: «إنَّه أفسد عليه حشده ولا يصلح لي أمري إلا بضمّهِ إلى السجن»، فأمر بذلك أمية فقال للخليفة الخارج إليه، لا والله ما أحبس رجلاً من أهل العلم، والرواية: فرَّ عن جور ظالم مشهور بالظلم، ولو كان فيه خير ما فرَّ مثله عنه، فأمر الأمير محمد بالكتاب إلى ذلك العامل يوبخه بما فعله واضطره إليه. واستخلفه الأمير محمد بعض المغازي، وأبقى بعض ولده في السطح وكان للولد وكيل متدِلل، فتظلم منه إلى أميَّة، فأوصى إلى الولد بأن يزجره١ ويمنعه مع الاستطالة، فلم ينزجر، فلما تكرَّرت الشكوى به بعث فيه وأباحَه، فأهبط إليه فتى من فتيانه يقول له، «يقول لك الولد، بالله لئن تكُفَّ عن٢ وكيلي لاهبطنَّ بنفسي وبمن معي ولا غِلبك عليه فضحك، وكان لم يُر في المدينة ضاحكاً إلا لهذا يومئذ، ولأمر نزل (بعد) لا يحسن ذكرُه فقال للرسول، بالله الذي لا إله٣ إلا هو لئن جاوز باب السطح حيث ولاه أبوه لاطرحنَّه٤ في الدويْرة في كلبين يكون بهما، حتى يقفل أبوه أو يأتني عهده باطلاقه، ثم قال عليّ بالبوابين فأمرهم بمثل ذلك، وتمادى في تأديب٥ الوكيل حتى استبلغ فيه.
المجاعة في الأندلس
ووافقت مجاعة سنة ستين، وليدَ بن غانم والي المدينة، وكانت سنة لم يزرع فيها بالأندلس حبَّةٌ، ولا رُفعت فاوصله محمد إلى نفسه فقال له العشور ما ترى فيه، قال إنما يُؤخَذ الشعور بسبب الزراعة والرفع، ولم تزرع رعيتُك، ولا رفعت فانفق من اهرايك وبُيوت اموالك فلعل الله أن يأتني في العام المقبل٦ بخير فرامه، فقال لا، والله لا تقلَّدْتَ تحريك حبَّة واحدة منه واتصل الخبر بالناس وما دار فيه فرفع حمدون بن بسيل، المعروف بالاشهب، وكان من الطغاة البغاة، فسأل ولاية المدينة على أن يتضمَّن إيراد العشور حتى هتك الستور، وضرب الظهور، وقتل
١٢٤الانفُس بالتعليق، ففرَّ الناس إلى الله عزَّ وجلّ منه فأماته الله بغتةً وقبضه إلى سخطه، فاتصل الخبر بمحمد، وما نال الناس منه، فأوْصل إلى نفسه وليد بن غانم، واعتذر إليه وسأله أن يرجع إلى المدينة ليُصلح ما أفسد الميت قبله، فقال إمَّا وقد صرتُ عندك في محلٍ من يديره١ حمدون بن بسيل أو مثله فلا والله لا خدمتك في المدينة أبداً فولى غيره.
فاضطربت الأحوال في آخر أيامه. فأول فتن حدثت٢ عليه، خروج عبد الرحمن بن مروان، المعروف بالجليقي من قرطبة إلى الغرب وكان في جملة الحشم، وكان أصله من جهة الغرب، وكان من المولدين. وكان بجانب الغرب أيضاً رجل من المولدين يُعْرف بسعدون السرنباقي وكان المولدون يغْلون٣ فيه، فيقولون إنما هو السرور الباقي، وكان لابن مروان من العقل والكيد والبصر بالشرّ بحيث لا متقدم له فيه. فاجتمع بالسرنباقي٤ وضافرا الشرك، واحدثا في الإسلام إحداثاً عظيمه يطول ذكرها، وصارا في القفر بين الإسلام والشرك.
وخرج الأمير المُنذِر، وهو ولي عهد، وهاشم قائد الجيش معه لمحاربتهما، فلما قرب الجيش منهما تقحَّم عليهما هاشم في الوعر فهزماه فيه واسرا هاشماً، وقُتل حوله من إشراف الموالي والعرب خمسون٥ رجلاً ورفعاه إلى الفونش فافتدى منه بماية ألف وخمسين ألفاً.
ثم ظهر ابن مروان ظهوراً صار بذلك ريس المولدين في الغرب وصار السُرنباقي تابعاً له، وخرج بعد قفل العسكر عنه في جيش عظيم فبلغ إلى كورة اشبيلية وتوسَّط أعمالها، وغنم حصن طلياطة بمن فيه، ثم تقدم فشق كورة لبلة، ثم دخل أكشُنوبة، وضبط فيها جبلاً يقال له منت شاقُر فجبلَ الغرب كله وأفسده، فلما طال غمُ الأمير محمد به، وجه إليه أميناً فقال له: يا هذا، قد طال غمُّنا بك
١٢٥وغمُّكَ بنا عرِفنا بمذهبك. فقال لهم: مذهبي أن يُباح لي البشرنَل ابتنيها وأُمَدِنُها وأُعمرها وأُقيم الدعوة، ولا تلزمني جباية ولا طاعة في أمر ولا (في) نهي، والبشرنل هذه تقابل بطلُيوس وبينهما النهر، فأُجيب إلى أن يبني بطليُوسَ دون النهر، ليكون في حزب الإسلام على ما شرطه. ففعل وصفت طاعته إلى أن طمع١ هاشم بأخذ الثأر فيه، وقال للأمير محمد: إنما كان تعاصى أمر ابن مروان علينا، بإنه كان هو وأصحابه على ظهور٢ خيولهم ينتقلون من موضع إلى موضع، وقد صار الساعة في مدينة، ودوْر وقصور، وبساتين محيطة بها فنخرج إليه، فإني أرجو أن يظفر الله به، ويخرج معي الولد عبد الله، فقد كان لابن مروان إليه انحراف عند كَوْنه بقرطبة، فخرج إلى أشبيلية ثم انتقل إلى لبلة، فلما بلغ ابن مروان الخبرُ أدرك الأمَر بعقله وذكائه٣، فكتب إلى الأمير محمد: بلغني أن هاشماً خرج إلى جهة الغرب، ولستُ أشُكُ أنَّه قد أطمعه في أخذ الثأر مني كَوْني في حصنٍ مغْلقٍ، وبالله لئن جاز لبلة إليَّ لا ضر منَّ بطليوس بالنار، ثمَّ أعودُ إلى حالي الأول معك. فلما قرأ محمد كتابه، أمر بصرف الولد، وصرف هاشم من الطريق فانصرفا.
ثورة عمر بن حفصون
وثار عمر بن حفصون بِيَشْتَر من كورة رَيَة، وكان أبوه من مَسالِمة أهل الذُمة، وكان سبب ثورته أنه ظفر به أحد من بني خالد المعروف بدوَنكِير، وكان عامل ريّة في فساد أخذه فيه، فضربه بالسياط، فجاوز البحر إلى تيهرت، فصار فيها عند رجل من الخيَّاطين كان أصله من ريَّة، وكان يخيط عنده، فبينما هو جالس في حانوته إذ أتاه شيخ معه ثوب يقطعه، فقام إليه الخيَّاط ووضع له كرسياً فقعد عليه، فسمع الشيخ كلام ابن حفصون، فأنكره عند الخيَّاط، فقال له من هذا، فقال غلام من جيراني بريَّة أتى ليخيط عندي، فالتفت الشيخ إليه فقال له: متى عهدك بريَّة. قال له: منذ أربعين يوماً، قال: تعرف جبل بيشْتَر، فقال له: أنا
١٢٦ساكن عند أصله، قال له الشيخ، فيه حركة. قال لا، قال قد أزهله١ ذلك، ثم قال له: هل تعرف فيما يجاوره رجلاً يُقال له عُمر بن حفصون، فذُعر من قوله، وأحدَّ الشيخ النظر إليه، وكان ابن حفصون افْض٢ الثنية، فقال له: يا منحوس تُحاربُ الفقر بالإبرة، أرجع إلى بلدك، فأنت صاحب بني أميَّة، وسيلقون منك غياً، وستملك ملكاً عظيماً فقام من فوره، وذلك خوفاً أن ينبش٣ الأمر وأن يتقَّبض عليه بنو أبي اليقَظان، وكانو مالكي تيهرت وولاؤهم لبني أمية، فأخذ خبزتين من الخباز، وألقاهما في كمه وخرج، فأتى٤ الأندلس فلم يقدِم على أن يظهر لأبيه إذ كان شديداً عليه، فأتى عَمَّه مُظاهراً، فأعلمه بما أعلمه به الشيخ فقال له وعسى، فجمع له من أحدائه نحو الأربعين رجلاً، ودخل الجبل فضبطه، وثار في جبل الجزيرة بثورته، رجل يقال له لب بن منذريل وآخر يقال له ابن أبي الشعرا، فخرج هاشم فاستنزلهما، واستنزل ابن حفصون وقدم بجميعهم قرطبة والحقهم في الحشم، وغزا ابن حفصون في ذلك العام مع هاشم إلى الثغر، فلقوا العدوَ بموضع يقال له فنت٥ فرب، فدارت حرب عظيمة أبلى فيها ابن حفصون بلاء حسناً، فوقعت عليه عينُ بعض الشيوخ من أهل الثغر، فكشف عنه، فأخبر به فدنا إليه، فقال له: أرجع إلى حصنك الذي نزلت منه، فليس يُنْزِلك منه إلا الموتُ، وستملك من الأندلس قطيعاً٦ عظيماً، وستحارب قرطبة على بابها، وفي هذه الحرب ظهر طريف المعروف بالوليدفان، وهو حينئذ وصيف لمروان بن جهور، فانصرف ابن حفصون من تلك الغزاة٧، وولى المدينة محمد بن وليد بن غانم، المعروف بالبُرعَاني، وكان مباعداً لهاشم، فجعل يتعرض كلما يغُمُّ هاشماً
١٢٧في خواصه وصنائعه، فأخرج ابن حفصون من نزالة إلى نزالة، وأمر الهرايين أن يعطوه من شر الأطعمة١. فحدَّث أحمد بم مسلمة قال: أخبرني عُمرُ بن حفصون قال: أُخذت من الخبز المعمول من ذلك الطعام، فتصديتُ به إلى ابن غانم صاحب المدينة فقلت له يرحمك الله يمكنُ أن يعاشَ من هذا، قال: فقال لي من أنت يا شيطان، فانصرفتُ عنه ولقيت هاشماً سائراً٢ إلى القصر فأعلمته، فقال لي: جهلك القوم عَرَّفهم بنفسك، فانصرفتُ إلى أصحابي فقصصتُ عليهم كل ذلك، وخرجتُ عن قرطبة يومي ذلك وأتَيتُ عمي مظاهراً واعلمتُهُ بما قال هذا وذا.
وكان هاشم قد أمر عند انزال ابن حفصون من ببشتر ببُنيان دار في أعلى الجبل، ورتَّب فيها التجوبي العريف، فجمع له عمه احداثاً إلى من كان معه فطردوا التجوبي من الجبل، وأخذ ابن حفصون جاريته، المعروفة بالتجوبية، وهي أُمُّ ولده المكنى بأبي سليمان، وظهر أمره واستفحل في كل يوم حتى ملك ما بين الجزيرة وتُدمير، وضبط عليه التجوبي في حين هبوطه صخرة جوذارش بغربي ببشتر، فكان على أن يخرجه من الجبل حتى أقفل عنه وتولى غيره.
أخبار أمية بن عيسى
ثم نرجع إلى أخبار أمية بن عيسى بن شُهيد، فمن أخباره أنه خطر بدار الرهائن المجاورة لباب القنطرة، ورهائن بني قسى يُنْشدون شعر عنترة، فقال لبعض الأعوان آتني٣ بالمؤدب٤، فلما نزل في فراش المدينة وأتاه المؤدب فقال له: لولا أني أعذرك بالجهل لأدَّبتُك تعْمدُ إلى شياطين قد شجى الخلفاء بهم، فترويهم الشعر الذي يزيدُهم بَصيرةً في الشجاعة كُفَّ عن هذا ولا ترويهمْ إلا خمريات الحسن بن هانيء وشبهِها من الأهزال.
١٢٨وكان يحكى عنه، أنه كان يمُرُّ في طريقه إلى القصر بالأعرج ابن مطروح الفقيه، وهو صاحب الصلاة يومئذٍ، فكان إذا سلَّم أمية بن عيسى عليه جَاوَبه بما يكره، فحُدَّثَ أميةُ بذلك، فأمهل حتى حان وقتُ الحصَادِ والدراس وقال لعامل العشور: آمر١ أهل قَرية فلانة، بأن يتعدَّوا على أنظار٢ ابن مطروح إذ ذُريَ، ثم يهبطوا إلى قرطبة ويدعوا عليه العشور، ففعلوا ورافعوه٣ إليه، وقد خرج ابن مطورح وهو يقول لهم في طريقه يا قتلة الأنبياء، فلما دخل إليه في غرفة المدينة أدناه وقرب مجلسه، ثم قال له: يا أبا عبد الله، بالله لولا هذا الظالم وأمثاله وقصرنا ايْدي الظلمة والمعتدين٤ لسُلبت رِداؤك من دارك إلى الجامع على قرب ما بينهما، فأنت ترى جيرانك في البادية لم يحفظوا علمك ولا نسبك ولا صلاتك بالمسلمين، وأعلم أنه يقدر على الشر أكثر الناس، ولا يقدر على الخير إلا من وفقه الله، وبي وبأمثالي يدفع الله عنك وعن أمثالك، فعلِم الشيخ من أين٥ أُتِي عنده، وقال تائب إلى الله عز وجل، ثم إليك، فقال له: قبل الله توبتك. ثم أمر العامل بأن لا تضيع له حبَّة فما فوقها، فانصرف إليه كلما أخذ له.
ومن كريم فعلات الأمير محمد أنه غزا الثغر، فقال له رجل ــ من تجار قرطبة من القلاسين٦ يعرف بابن الباقر ــ أيها الأمير قال الله تبارك وتعالى٧ «الذي قال لهم الناس، إن الناس قد جمعوا لكم فاخْشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيلُ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمْسَسْهم سوءٌ واتبعوا
١٢٩رضوان الله١» إلى آخر الآية، فقال له الأمير رحمك الله أيها الشيخ، والله ما عدوتَ ما في نفسي، غير أن لا رأي لمن لا يطاعُ، ولستُ استطيعُ أن أُجاهد وحْدي. فقال له العُتْبي الفقيه: والله ما أراه قذف على لسانه إلا ملك، فاستخر الله في يومك، وخرجوا عنه، فقر إلى الله عز وجل في يومه ذلك وفي ليلته، فأراه الله الرشَادَ في المناجزة والمقارعة، فأعاد إلى نفسه أهل الثغر كما أصبح، فقال لهم إن كنتم تشكرون للخلفاء، رضي الله عنهم، نعمة، وترجون مني مكافأةً، فاريحوني من هذا العدو، وَوحدوا جهدكم لإزالته، من الفج٢، فإن انتحاري واتكائي على سيفي أهون٣ عليّ من أن يُقال ولول عليه العَدُوُ من شاهق٤ الجبل ففرَّ عنه، وكان المنذر محباً٥ إلى العامة بالسماع الذي كان فيه، فقالوا له: والله ليلق العَدُو ولكن تأمُر صاحب الحشم بارجاء٦ اخفاء الحشم، وتأمر أمراء الأجناد بمثل ذلك لنُقَدِمَهُم في صدورنا ففعلوا. ودارت حرب عظيمة ثم أنزل الله النصر عند ارتفاع النهار، فهزموا وأُجلوا عن الفج وما اتصل به، ولم يؤذَّنْ بالظُهر إلا وقد اجتمع على باب المظل٧ ثلاثون ألف رأس، وصعد المؤذن وأذن بالظهر على الكُدْس٨.
وحدث على الأمير محمد في صدر ولايته [أحداث كان أحداثٌ من بني السليم الساكنين بشَذُونة لمّا أتاهم خبر عبد الرحمن بن الحكم، وكانوا مع]٩ أحداث. ثملوا١٠ على شراب نهضوا إلى العامل وهجموا عليه في دار الأمانة،
١٣٠وأخـذوا قطيعاً من الجباية، ووقع الخبر على شيوخهم وأهـل العقل منهم، فقصدوهم وانتزعوا المال منهم وصرفوه إلى العامل. واتصل الخبر بالأمير محمد فوَّجه من أتى بهم، فصاروا في حبسه نحو العشرين سنة، فلما طال بهم الحبس استألفوا١ أهل الحبس وحرقوه٢ ليلًا، وخرُج في آثارهم فلُحقوا في بعض قرى٣ القنبانية، وكان الآخذُ لهم محمد بن نصر، صاحب الحشم حتى لحق بهم هاشم، فجعل السيف على جميعهم حاشى بني السليم، فلما أتى بهم إلى باب السُدَّة أمر الأمير محمد بضرب رقابهم، وثار عبيد الله بن عبد العزيز، أخو هاشم عليه فيمن كان يطيق به جبل طُرش من البيرة، فأخرج إليه محمد بن أمية الوزير ومن معه، فنُفذ إليه العهد في ضرب رقابهم كلهم، فكتب محمد بن أمية يستعفي من قتل أخي هاشم، فأخرج ايدون الخليفة فضرب رقبته، وأتي برأسه ورُفع على باب السدة، وهاشم حينئذٍ قائد في الثغر، فلما بلغه الخبرُ وغدا الناسُ إليه في العسكر قال لهم: فلم استحق عنده مع استبلاغي في نصيحته وما أتولَّاه، أن يغفر لي ذنبَ أخي، والله لا نصحتُه أبداً. فكُتِب بهذا الخبر إلى الأمير محمد فسكتَ عليه.
خبر موسى بن موسى
لنرجع إلى ما بقي من خبر موسى بن موسى، حشد فأتى إِرْزاقَ بن منت٤ صاحب وادي الحجارة وثغرها، وكان على طاعة موروثَةٍ للخلفاء، وكان من أجمل٥ الناس، فلما نازله موسى بن موسى وتحرك إليه إِرزاق لمحاربته، فقال له موسى مشافهةً يا إِرزاق٦ لم آت٧ لمحاربتك٨ إنما أتيتُ لمصاهرتك. نشأت
١٣١لي اينة جميلة ليس بأندلس أجمل منها، فأردتُ أن لا أنكحها إلا من أجمل أحداث الأندلس وأنت هو، فأجابه إِزراق إلى ذلك وعقد النكاح، وتوجه موسى بن موسى راجعاً إلى ثغره، وبعث إليه بزوجته، فلما بلغ الخبر محمداً أقامه وأقعده، وعلم أنه سيخسر الثغر الأدنى، كما خسر الثغر الأقصى، فوجه إليه أميناً يمتحن طاعته وما هو عليه، فصرف الأمين وقال: سيظَهرُ ما أنا١ عليه من الطاعة أوالمعصيَّة٢، فلما تشفَّى من زوجته، خرج في نفر يسير من أتباعه، فلم يسلك محجَّة ولا وقعت عليه عين أحدٍ يعرفه، حتى وقف على باب الجنان، فقامت في القصر رجَّة وتبادر الفتيان إلى الأمير محمد يُبشرونه، فأمر بإيصاله، وعنَّفه على مصاهرة عدوه، فأعلمه ازراق بالأمر كيف كان، ثم قال له: ما يضُركَ أن يكون وليِّك يطأ ابنة عدوك، أن أمكنني أن استألفه بهذه المصاهرة إلى الطاعة فعلتُ، وإلا أنا في جملة من يُقاتله في طاعتك، فاستندمه أياماً ثم حباه وكساه وصرفه. فلما بلغ ذلك موسى بن موسى حشد إليه وحصره بوادي الحجارة، فإنَّ ازراقاً راقد في القصبة المطلة٣ على نهر وادي الحجارة، ورأسه في حجر زوجته، وقد انتشر أهل وادي الحجارة إلى كرومهم وبساتينهم، فدفع عليهم موسى بن موسى بمن معه فألقاهم في الوادي فسُرَّت الجارية بوالدها فنبهت إِزْراقاً وقالت له: انظر ذلك السبعَ ما يعمل، فقال لها: وكأنَّك تفخرين٤ عليّ بأبيك، أهو أشجع مني، أولا كرامة له، ثم أخذ درعه فألقاها على نفسه، ثم خرج فتلاحق بموسى، وكان إِزراق من أرمى الناس برُمْح، فانتزعه بزرقة لم تعد قدمه، فأحسَّ منها ما أحس، ففوض راجعاً، فمات قبل أن يبلغ تُطيلة، ثم صار الأمر بعده إلى ابنه لُب بن موسى، ثم اتصل أمرهم إلى إن انقطع سنة اثنتي٥ عشرة في خلافة عبد الرحمن بن محمد رضي الله عنه، واجلى جميعهم عن الثغر، وصرف الثغر إلى يحيى بن محمد بن عبد الرحمن التجيبي، وسيأتي ذكر التجيبيين في موضعه إن شاء الله تعالى٦.
أيام المنذر بن محمد رحمه الله
١٣٢فكان من أهل العقل والسخاء والإكرام لأهل العلم والصلاح والاصطناع لكل من أخذ بحظ١ من علم وأدب، وعزل سليمان بن أسود البلوطي عن القضاء، واستقضى أبا معاوية بن زياد اللخمي، وكان من الصلاح والفضل بمكان كبير، وتمسك بوزراء أبيه، وأعاد تماماً بن علقمة ومحمداً بن جهور [إلى الوزارة، وكانا خاملين، ونوى الصفح عن ذُنوب هاشم إليه، فوَّلاه الحجابة، ثم بلغه عنه ما جدَّد عليه سُوءَ الرأي فيه، فسطا به السطوة المعروفة، وكان محمد بن جهور]٢ من أشدّ الناس طلباً له [عنده فأتت حِيلَة هاشم، فرَشَا عمر خادم الوزراء فسمَّ له]٣ البنيس الذي دعا به ليشربه فمات، وحضر٤ هاشم جنازته، فقال على قبره: يا رُبَّ عُقدة حَلَّها٥ الموت، وكان محمد بن جهور يقول عند الموت: يا رُبَّ صنيع دبَّرته لستُ أشهده، ثم شمَّر إلى ابن حفصون، وأخذه بالعزم، وكان قد أوفى به لولا أن المنية فاجأته وهو محاصره، وكان أخوه عبد الله بن محمد الوالي بعده معه في الجيش، فأجمع من حضر الغزاة من الخدمة والقريش٦ والموالي والأجناد عليه، فبُويع، وكان منذر على القفل، فنفذ عهده إلى أبي عزْوة وحفص بن بسيل صاحب المدينة بإخراج بني هاشم بن عبد العزيز من الحبس، وسعيد بن سليمان كاتب هاشم، ومطرف بن أبي الربيع صهره، وحملهم على الخشب وصلبهم، ليدخل وتقع عينه عليهم في يوم حدَّد له دخوله فيه، فلمَّا هاجته المنية وصار الأمر إلى عبد الله، كتب إلى أبي عزْوة يأمره بإطلاقهم وضمَّهم إلى القصر، وكونهم بين
١٣٣يديه على باب السُدَّة، إلى أن يقدم، وأتاهم الفرج في الوقت الذي كانوا يتنظرون فيه البلاء. ويقال أن ميسوراً فتاه، سمَّ له القُطْنَ المعجول في جُرح الفصد، إذ كان قد تهدده لشيء استقصره فيه، إنه يُوقع به عند انصرافه إلى قرطبة، فلمّا هجم عليه الدمُ، فجر تفجير ضرورة بتره١، فعاجله الموت.
ولاية عبد الله بن محمد
واستفْحل أمرُ ابن حفصون، وانتزى٢ ذلك أكثر أهل الأندلس، وعزل أبا معاوية عن القضاء، وولى النصر بن سلمة، ثم عزل النصر، وولى موسى بن زياد الجُذَامي الشذوني، ثم عزل موسى وأعاد النصر، ثم عزل النصرَ وولاه الوزارة، واستقدم أخاه محمد ابن سلمة من قبرة، ومنها كانت أُصولهم، فاستقضاه فعدل، واذكر من سيرة القُضَاة الصالحين ثم توفي، فولى الحبيب بن زياد فكان قاضيه، إلى أن توفي عبد الله، واستقدم سعيد ابن محمد بن السلم، وكان له خاصَّة أيام كونه وهو ولدٌ بشذونة فولاه السوق ثلاثين يوماً، ثم قدَّمه إلى الوزارة والحجابة، فملك أمره خمس عشرة سنة، ثم عزله عشرة أعوام، فبقي خاملاً بها إلى أن مات عبد الله، وعُزل تمام بن علقمة عن الوزارة، وعبد الرحمن بن أمية بن عيسى بن شُهيد عن الحجابة، وهو المعروف بدُحيم، وكان منذر قد ولاه الحجابة بعد هاشم، وأغرم صنايعُ منذر، واستفحل أمرُ ابن حفصون، فعرَّض عدداً من رجاله القيادةَ، منهم أحمد بن هاشم وموسى بن العاصي، فلم يغنوا عنه، واستوزر سليمان بن وانسوس وقال لعبد الملك بن عبد الله بن أمية بن يزيد، وهو وزيره وكاتبه، قد ضمَّتْ٣ الضرورة إليك، ولستُ أجدُ من أدفعُ به هذا العدو غيرك، فصرف إليه القيادة، واستوزر عبد الله بن محمد الزجالي، وصرف إليه الكتابة، وتولَّى ابنُ أمية حربَ ابن حفصون، فقام به وقعد، إلى أن قتله مطرف وابنه باشبيلية، وصارت القيادة إلى أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وكان يومئذٍ وزيراً وصاحب المدينة.
١٣٤وكان سبب قتل مطرف له أنه كان قبيح النية في أبيه عبد الله وكان ينوي خلعه، وكان يقول أنه لا يمكنه ذلك مع ابن أمية بن عبد الله، وقد كان عبد الله يحذَر ذلك عليه، وقد كان قال لمطرف: قد سوَّغْتُك قتل أخيك محمد إذ عانَد وخَالف، وبالله لئن أحدثتَ في ابن أمية حدثاً لاقتلنَّك به، وقد كان أيضاً حذَّر ابنَ أمية منه إذ كان قد أطلع على باطنه، وقال له لا يجمعنَّك به السُّرادق، ولا تراه إلا على ظهر دابتك، فلما خرج مطرف وابن أميَّة يريدان أُشبيلية ثم شذونة وقابلًا١ أشبيلية، أوصى مطرف إليهم يقول لهم: قد عرفتُم عداوة ابن أميَّة لكم، وقبح أياديه عندكم أيام ولايته لكم، وهو على تلك الطريقة حتى الآن باغراء الأمير أبقاه الله لكم، فإن أرْحتُكم منه تخرجُوا إليَّ، وكانت اشبيلية يومئذ ممتنعة مضبوطة، وكان ضابطها كريب٢ بن خلدون وإبراهيم بن حجَّاج، وأجابوه إلى الطاعة فقتله فبعث برأسه إليهم، وكان قتله في السُرادق، فخرجوا، فشكر لهم طاعتهم وأمرهم بالتأهب للخروج معه إلى شذونة، ليجمع طاعتهم إلى طاعة بني عبد الملك، ثم ينفذ ما كان نواه من خلع أبيه، فلما بلغ قتل ابن أمية أباه أقلقه، وظهر له بذلك سوء نيَّة مطرف فيه، فخاطب أهل اشبيلية وأهل شذونة يحذرهم٣ أمره ويأمرهم بأن لا يطوعوا٤ له، فمنعه بنو عبد الملك أنفسهم، وأراد ابن حجَّاج وابن خلدون خرق عسكره، فبغى عليهما ابن ديسم الأشبيلي فنقض٥ عليهما وعلى من كان معهما، وعلم إن قد قطع به عن أمَله، فكتب إلى أبيه يسأله٦ الأمان فأمنه، فلما قدم قرطبة وصار في داره في المدينة، بلغت الوزراء وأكابر الناس بلاغات منكرة، منها إن الشيخ ابن لبَّابة، وأبا صالح وابن الصفَّار وعبيد الله بن يحيى ومثلهم، من أكابر المسلمين وأعلامهم، دخلوا عليه مُسَلِّمين ومهنئين العافية بقدومه من السفر وبتأمين أبيه له، فقال عند خروجهم عنه لكاتبه
١٣٥مروان بن عبيد الله بن بسيل إِن عِشتَ قليلاً لاطمعنَّك اسفريا من لحوم هذه الجُزر ما أكلتَ مثلها قط، فنقل ذلك الكاتب إلى عبيد الله بن يحيى إذ كان وصيَّه والناظر عليه، فاجتمع عبيد الله بن يحيى باصحابه، وعرَّفهم بما كان من قوله، فأجمعوا على قتله واستحلُّوا دمه بالزندقة المنسوبة إليه، فقصدوا الحاجب ابن السليم، فقالوا إنا قد بغينا على الجلاء عن دورنا بإخافة مطرف لنا ورغبته إلينا في البيعة له وخلع أبيه، فإن كنتم تحمونا، وإلا صرنا إلى الجلاء، فمعنا علوم لسنا نفقد من يكرمنا بها حيث توَّجهنا، فانهى الحاجب ذلك إلى عبد الله أبيه، فوَّجه إليه عبيد الله بن محمد صاحب الخيل، وعبد الله بن مصر صاحب المدينة، فحارباه يومين وأُخذ في اليوم١ الثالث، فتوجَّه ابن مضر، وبقي عبيد الله بن محمد في داره فوقَّفه ابن مُضَر في دار الوزراء، وأُدخِل فأعلم بحضوره، فقال له الحاجب: ولما ذا سُقْتَه، ارجع به إلى داره فاضرب رقبته وادفنه، فكان ذلك.
وصرفت القيادة إلى أحمد بن محمد بن أبي عبدة بعد قتل ابن أمية. وقد كان مطرف اغتال أخاه محمداً فقتله في القصر، بعد أشياء كثيرة معلومة دارت بينهما، فأخذه الله بدمّه إذ كان خيراً وأصحَّ ديانة، فقام ابن أبي عبدة بحرب ابن حفصون وغيره من المتنزين بالأندلس، واستجلب الشجعان من الرجال من كل بلد وضمَّهم إلى الحق، فاجتمعت حوله عُقدة من ثلاث٢ مائة فارس لم يجتمع بالأندلس قبله ولا بعده مثلها، فلم يزَل يدْفعُ ابن حفصون عن استطالته وانبساطه، حتى حاربه على بابه، وقوي أمر الأمير عبد الله به، حتى خرجت الطوائف٣ من قرطبة إلى جوانب الأندلس، وأوْرَدَ كثيراً من جبايتها في كل عام من ذلك.
خروجه إلى ديسم بن إسحاق صاحب تدمير
وقد كان استكثر من الرجال وشجعان، الثغر وابتياع العبيد، حتى بلغ عددهم٤ خمسة الآف فارس سوى الرجال، فلما قرب من دَيْسم بن إسحاق بمثل
١٣٦محلتين، كتب إليه يأمره بإيراد ما يجبُ عليه من الجباية، إذ كانت توقَّفت عنده الأعوام، فلما قرأ كِتَابَه استخفّ به وأظهر التهاونُ بأمره، وشاورَ أصحابه، فقالوا له: ايْذَن لنا نأتيك به الساعة، ثم قالوا له: إذا قرُبت محلتُه منَّا، طالعنا عَسْكره حتى نرى١ قدره، فإنه بلغنا إن عدده قليل، فاطَّلعوا المحلَّة فرأوا عدداً احتقروه وطمعوا به، فلما كان بالصباح ونهضوا إليه، الفوْءُ قد تحمل وبين يديه ثلاثماية سيف مسلولة، فقلوا جمع ابن إسحاق بعزم، فلم يرتفدوا لهم ساعة، فصُرع منهم في المحلة التي ينزلون فيها ألف وستماية، ثم تقدَّم القائد حتى نزل على النهر وأمر أحد العرفاء بأن يقول: ياهْل تدمير، فيكم ديسمُ بن إسحاق، فقالوا: نعم، يسمعك فقال له: القائد ابقاه الله، يقول لك يا كلب يابن الكلب، بذلناك٢ العافية فأبيتَ إلا العناد، حتى صِرتَ سبباً لذهاب أرْوَاح هذه الجيف المطروحة، ورأس الأمير ابقاه الله، لئن لم تُضعِف ما أمرناك به لا تبدِينّ بتغيير هذه النعم فلا ابقي بتُدمير حضراً، فصاح بلسانه الطاعة الطاعة، وأوْرد المال عليه في عشي ذلك اليوم وانصرف.
ومن أخباره، إن إبراهيم بن حجاج بن حجاج ضافر ابنَ حفصون قطع٣ الدعوة ومنع الجباية، فأتاه ابن حفصون زايراً إلى قرمونة بعد تضافرهما بعامين، وقد كان ابن حجاج وجَّه خيله إلى ابن حفصون معنياً له، فانتفع بها بالبيرة وتُدمير وبجيان، فلما كان في العام الثالث قال له ابن حفصون عند اجتماعه به، اجمع لي خيلك وكل شُجاع فيها، وابعث إليَّ بها مع العربي الشريف، يُريدُ فجيل بن أبي مسلم الشذوني، وكان يتولى قيادة خيل ابن حجاج فإني أعزمُ على لقاء ابن أبي عَبْدَة في أول حوز من أحوازي، وأرجو أن أقلعه ثم نغتنم٤ قرطبة في اليوم الثاني، فقال له فجيل، وكان صحيح العقل، صحيح البأس يا أبا حفص لا تستَقلل عدد ابن أبي عبدة، فإنهم قليل كثير، ولو جمع لهم أهل الأندلس كلهم لما سمحوا٥ لهم
١٣٧بالهزيمة عنهم، فقال له يا سيد العرب لا يجبنني عنه، وما مقداره ومن معه، ومعي ألف وستمائة شُجاع، ومع ابن مستَنة خمس مائة، ولعل معكم أنتم خمسمائة، فإذا اجتمع هؤلاء كلهم أكلناهم، فقال له فجيل: لعل رذْعَةً أو هزيمة، فما أطمعك فيه لأني أعرف من أصحابه ما تعرفه، فدفع إليه ابن حجاج حَلْبته وأتى بهم ببُشتر، وقد بث العيون على ابن أبي عبدة، فأتوه يعلمونه أنه قد خلَّف وادي شنيل وأنه في حوز بنَّة واستبة، فنهض إليه فألفاه مضطرباً فتحرك إليه القائد بمن معه، فدارت على القائد وعلى من معه حلة، ذهب فيها خمس مائة وثلاثة وأربعون ممن قُطِف رأسه من الحشد، ونفل١ العسكر، وانعقد رجال الحرب، فسلم جميعهم فلم يُصب منهم أحدٌ، وانصرف ابن حفصون وفَجيل إلى مضربهما٢، وكانا إذا اجتمعا لم يكن لابن حفصون أمرٌ ولا نهي ولا تقديم٣ ولا تأخير معه، فلما نزل ابن حفصون في المضرب، وكان جيشه خيلاً لا رجل معهم، بعث إلى ببشْتَر وإلى ما جاوزه من الحصون في رجالتهم، فاجتمع عنده في تلك العشية نحو من خمسة٤ عشر ألف راجل، فلما أعجبه كثرة عددهم ركب بكل من معه، ثم أتى فَجيل فقال له بسم الله يا سيد العرب، فقال له فَجيل إلى أين قال له إلى ابن أبي عبدة، قال يا أبا حفص خصلتين في نهار واحد، تحكم على الله، واستغلال لما أنعم الله، قد لطمتَه لطمة يتكوَّر في ذلها عشرة أعوام، حتى تمكن منك مثلها، فاحترز منه جُهدك، وتحفظ طاقتك، فقال له: نكاثره ونهجم عليه في العسكر، فنُغْطيه وكثيرٌ له أن يركب فرسه، فهرب حتى٥ نجا أيضاً. فقام فجيل ودعا بسلاحه، وقال: اللهمَّ إني بَرِيءٌ من سوء هذا الرأي، ونهض القوم فألفياه قد أُذْن له بالعصر وصلَّى ووضع طعامه ليأكل وأصحابه حوله، إذْ نظر إلى الرمح قد قام، فاستوى الروطيُّ عبد الواحد على نفسه، وكان ممن جمع له العقل والشجاعة فقال: يا أصحابنا طُمع والله فينا، وكأني أرى ابن حفصون مقبلاً بركبه ورجله، فثار القوم إلى
١٣٨سلاحهم وصاروا على خيلهم، ثم قال بعضهم لبعض: اطرحوا الرماح من أيديكم وحولوها إلى السيوف ففعلوا، وصدموا ابن حفصون ومن معه صدمة لم يرتفدوا بها حتى بلغت الهزيمة إلى معسكر ابن حفصون فأُصيب ممن كان معه ألف وخمس مائة، وكان العاقبة للمتقين١.
وكان لابن حفصون ابن أخ مرتهن عن صلحه الأول، ولإبراهيم بن حجَّاج ابنه المسمى بعبد الرحمن، فلما صابح قرطبة الخبر، خرج الأمير عبد الله إلى السطح، وأمر بإخراج ولد ابن حجَّاج وابن أخ ابن حفصون، وضَرْب رقابهما فنفذ قتل ابن أخ ابن حفصون أولاً، وكان بدرٌ واقفاً على رأسه في جملة الوصفاء، فقال له: يا مولاي قد نفذ قتل (ابن أخ) ابن حفصون، فإن قُتل ولد ابن حجَّاج معه، عقدت ما بينهما إلى الموت وابن حجاج يُرجى، وابن حفصون لا يُرجى، فدعا بالوزراء وشاورهم فصوَّبوا رأيه، ثم أشار بدرٌ عند خروج الوزراء عنه بمكارمة ابن حجاج وإسلام ابنه إليه، وتضمَّن بدر طاعته وفيئته، ودسَّ إلى الخازن التجبي٢، فكتب إلى الأمير يُصَوب رأي بدر ويتضمَّن ذلك معه فأُطلق، وسُجِّل له على اشبيلية، ولأخيه محمَّد على قرمونة، وأُسلم عبد الرحمن بن حجاج إلى التجيبي الخازن، وتوجَّه به إلى إبراهيم أبيه، فحلّ ما بينه وبين ابن حفصون من المناصرة والمعاونة، وأما المراسلة والمتاحفة، فلم ينضم إلى قطعها عنه، وبقيا على ذلك بعضها لبعض إلى أن مات، وصفت طاعة ابن حجاج لعبد الله، وأورد الجباية والهدايا وصَلُحت أحوال أهل قرطبة بانفتاح باب أُشبيلية إليها، وكان سبباً بانفتاح باب الغرب كله بالميرالية٣، وقدم بسبب ذلك بدر إلى محل الوزارة والشورى.
١٣٩وكان الأمير منذر قد ولَّى أحمد بن البراء بن مالك القُرشي سرقسطة وثغرها، محارباً لبني قَسى، فعلاًّ أمرُ ابن البراء بن١ مالك (واستكثر من الرجال، فلما ولي الأمير عبد الله، وكان أبوه البراء بن مالك)٢ وزيراً في البيت، فنُقِل عن الوزير إلى عبد الله بعض ما غمَّه وخافه به، لشيء أطلقه في البيت سمعه جميع الوزراء، وكان محمد بن عبد الرحمن التجيبي، جد التجيبيين المكنى بأبي يحيىٰ له اتصال بالأمير عبد الله، وهو ولد، فكتب إليه كتاباً يأمر فيه إن استطاع أن يفتك بأحمد بن البراء فليفعل، وبعث إليه في الباطن بسجله على سرقسطة وما والاها، فاطلع أباه عبد الرحمن بن عبد العزيز على ذلك ووازره٣ عليه، فأدار أمراً بلغا به ما أحبَّا بأن رشيا أعوان أحمد بن البراء فقتلوه، فلما أتى بخبر قتله، عزل أباه عن الوزارة، وملك التجيبيون سرقسطة من يومئذ إلى وقتهم هذا. وحاصر محمد بن لب التُجيبي بسرقسطة٤ ثماني عشرة سنة، حتى قتله رجل من الفرَّانين على بابها، وبين بساتينها انتزعه بزَرْقة فقتله. فلم يزل أمر بني قسى في وهي وأُدبار من يومئذ وباستطالة شانجة عليهم من بنبلونة إلى أن ولى الخلافة عبد الرحمن بن محمد رحمه الله فصحبه سعْدٌ، لم يقابل به شيئاً كان مستضعفاً إلا وطاع له، وصار جميع ثوار الأندلس يرتزقون ويقتطعون في حَشَمه، وكانت له غزوات بجليقية عظيمة قمع الله بها العَدُوَّ وأهلك كثيراً منهم.
وفي سنة اثنتي٥ عشرة وثلاثمائة استنزل بني قسى وأجلى جميعهم من الثغر الأعلى، وصار (الأمر) إلى أبي يحيى محمد بن عبد الرحمن التُجيبي وإلى أولاده، وصاروا هم في حشمه وجنده، وتوفي ابن حفصون في أول ايامه، بعد أن كان
١٤٠صار إلى المنادمة١ وإقامة الدعوة، ثم تولى ابنه جعفر فعاند حتى قتله الله، ثم تولى سليمان أخو جعفر فأفرط في المعاندة، واستبلغ في الحرب بالشجاعة التي كانت به، حتى قتله الله بسقطة من فرسه في الحرب، وأُتي برأسه وجثته، فصُلب على باب السدَّة، ثم يولى الأمرَ حفصٌ أخوهم، فصارَ إلى العناد أيضاً، فغزاه عبد الرحمن بنفسه وبنى عليه، وأبقى عليه القوَّاد يتداولونه، وكان آخر من تولى حربه سعيد بن المنذر المعروف بابن السليم فضايقه بالحصار حتى أذعن بالطاعة، وكتب يسأل تأمينه وأن يُخرَج إليه أحمدُ بن محمد بن جُدير الوزير، ليكون خروجه على يده، إذ لم يأمن ابن السليمَ فخرج، واستنزله وقدم به قرطبة، ثم خرج عبد الرحمن إلى بُبَشْتَر، فهدمها وبنى قصبة في جانبها، ثم حارب بعد ذلك ابن مروان... ثم طليطلة، ثم سرقسطة فلم يبق عليه مخالف إلا وصار في قبضته.
حكى عبد الله بن مؤمَّل النديم المعروف باليمامة قال: كنَّا عند عثمان ابن الأمير محمد مع جماعة من أدباء قرطبة وشعرائها٢، في يوم عنصرة، إذ دخل عليه أخوه إبراهيم، وكان اسنَّ منه، فقام إلي وقبَّل يده وأجلسه وفعلنا مثل ذلك، فقال له: يا أخي تطلبتُ اليوم في المدينة أحداً آنسُ به فلم أجده، وذُكِر لي أنَّ جميعهم عندك، فقصدتُ راغباً في الإنس بك وبهم، فعُرض عليهم الطاعمُ، فقال له: قد طعمتُ٣ وكذلك أتيتُ، فالتفت عثمان إلى ناحية الستر، فخاطب جاريتَه بزيعة المعروفة بالإمام، وكانت واحدة زمانها في التجويد بأن تغني، وقال أخي وسيدي وشيخي آثرني بنفسه في هذا اليوم، فهاتي كل حسن عندك فاندفعت وغنت:
فجمع عثمان بين عينيه وظهرت النكراء في وجهه، فلما انقلبنا عنه ودخل إليها أخذ السوط بيده، وقال لها تغني لدخول أخي ويفرح٤ قلبي أن أرى الزور
١٤١منكم، لستُ والله أشكُ١ أنَّك تعشقِته واوقع بها، واتصل بنا الخبر فقلنا: أمر قد فات ليس للكلام فيه وجهةٌ... قال عبد الله فأنا عند عثمان في مثل ذلك المجلس إلى أيام كثيرة إذ دخل علينا إبراهيم أخوه، فقام إليه وأجلسه، ثم قال لبزيعة مثل مقالته الأولى، فاندفعت تغني:
فاستوى إبراهيم قائماً وقال: يا أخي لدخولي تُغني بمثل هذا، فقام عثمان إليه وقال له: يا سيدي اضربها الساعة خمسمائة سوط، ثم دعا بالسوط، وكان في المجلس أبو سهل الاسكندراني، وكان من أملح الناس وأظرفهم وأحضرهم جواباً، فقام إلى إبراهم وقال له: بذمَّة الله وذُمتك، لا تهلك الشقيةُ بسببك مرَّتين، فقد نالها بسبب غنائها لك منذ أيام، ويفرحُ قلبي أن أرى الزور منكم ما غمها فلو رمتك بالحجارة لكانت معذورةً، فقال له إبراهيم: وها هنا بلغت بك الغيرة يا أخي عليَّ لله عهد، إلا دخلتُ لك داراً بعدها وخرج.
انتهى تاريخ ابن القوطية والحمد لله حق حمده.
حواشي المحقِّق
حواشي الدكتور عبد الله أنيس الطبّاع كما أثبتها في طبعته، مرتَّبةً على صفحات المطبوع.
- هكذا في الأصل، بينما المقري وغيره يعرضونه غطيشة.↩
- دون نقطة فوق الدال بينما hà llase يكتبه المُنَذّ.↩
- المقري يذكره Romulo رُمُلهُ.↩
- رجحنا هنا الأسم الذي ذكره المقري وغيره.↩
- لم تكن كلمة «الملك» هذه مذكورة ويرجح ريبيرا ضرورة وجودها أو وجود كلمة الأندلس، ونحن نوافقه على ضرورة وجود أحدى الكلمتين.↩
- اوردها ريبيرا كما جاءت في الأصل لذريق.↩
- أردها ريبيرا عن الأصل وعن نسخة مدريد للقا.↩
- أوردها ريبيرا عن الأصل وعن نسخة مدريد هكذا الفيتان.↩
- أوردها ريبيرا عن الأصل وكذلك في نسخة مدريد ويسلونه.↩
- وردت في نسخة مدريد يمض وهذا خطأً.↩
- أوردها ريبيرا الخاسوا وكذلك في نسخة مدريد.↩
- نزعة ابن القوطية: عرف ابن القوطية بتعصبه لعائلة غيطشة لأنه أحد أحفادها كما سنرى.↩
- أوردها ريبيرا راسك دون همزة على الألف.↩
- أوردها ريبيرا راسي.↩
- أوردها ريبيرا عن الأصل وكذلك هي في نسخة مدريد «بلحاق بموسى».↩
- أوردها ريبيرا صاغرين.↩
- ارطباس هو أحد عمّيهم الذي قصد مع أخويه المند ورُمله الوليد بن عبد الملك في دمشق.↩
- في الأصل فكان.↩
- يعني بها سارة القوطية.↩
- وردت أثر.↩
- وردت إن شا.↩
- وردت أثر أيضاً.↩
- في نسخة مدريد «جعفر» ويؤكد ذلك ريبيرا.↩
- أوردها ريبيرا وقفت وارجح وقفت.↩
- هو عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، فيما بعد.↩
- يقول ريبيرا أنها كتبت في الأصل عمر.↩
- يقول ريبيرا أنها كتبت في الأصل حيلبب.↩
- يعنى أكثر هذا الخبر.↩
- أوردها ريبيرا: «الأربعة الإنجيلية التي يقتسمون بها»، وهذا خطأ فادح، والأناجيل الأربعة هي المعروفة عند المسيحيين: انجيل يوحنا، انجيل لوقا، انجيل متى، انجيل مرقص.↩
- يوجد هنا امكنة فارغة في المخطوط اشير إليها بنقط عديدة، هذا ما أورده ريبيرا وهذا ما وجدناه عند مقابلتنا لمخطوط مدريد.↩
- يقصد به التاجر يليان.↩
- البزاة: ج الباز: نوع من الطيور يصاد به.↩
- تنقص هنا كلمة قواه، أو جيشه.↩
- يعزو بعض المستشرقين إلى أن فتح الأندلس كان فتحاً دينياً نسبة إلى هذا الحلم وهذا ما رددنا عليه في المقدمة.↩
- لم تكن مذكورة في الأصل.↩
- في الأصل قرطجنَّة.↩
- أوردها ريبيرا الاسراء ويصح ذلك لغوياً.↩
- وردت في الأصل قلوبها وهذا خطأ.↩
- يوجد فراغ في المخطوط، أشير إليه بنقاط متعددة.↩
- هكذا في الأصل ولكن يظهر أنه يجب أن تقرأ: «من فج منسوب إليه؛ أو نسب إليه».↩
- وردت في الأصل يفقتح ولعله خطأً مطبعي.↩
- هو سليمان بن عبد الملك أخو الوليد.↩
- ويلاحظ ضعف التركيب اللغوي. هذا وأمثاله دفع ريبيرا إلى القول بأن أحد تلامذة ابن القوطية هو الذي دوَّن هذا التاريخ.↩
- هنا يوجد فراغ في المخطوط.↩
- يقصد عبد العزيز بن موسى بن نصير.↩
- أوردها ريبيرا: خرج إلى مسجد.↩
- أوردها ريبيرا ساكانا وكذلك وجدناها أيضاً في نسخة مدريد، والأصح ساكناً.↩
- عرف عن سليمان أنه كان معجباً بنفسه مزهواً متكبراً، وقد مات إثر مرض لم يمهله سوى أيام. يقال إنه نظر إلى نفسه في المرآة فأعجب بها، وكان في طريقه لتأدية فريضة الجمعة. وبدأ خطبته بصوت جهوري ثم ما لبث هذا الصوت أن أخذ يضعف، وما أنهى الصلاة حتى نقل إلى بيته، ولم يلبث أن مات.↩
- نعني بهم عرب الأندلس.↩
- أعقَب فلان: مات وخلَّف عَقِباً أي ولداً.↩
- كانت الأندلس في عهد خلفاء بني أمية تابعة إلى والي إفريقيا، كما تقدم حتى عهد عمر بن عبد العزيز فاصبحت تابعة للخلافة في دمشق، ثم عادت إلى ما كانت عليه.↩
- هنا نرى المعنى غير مستقيم واعتقد أن كلمتيّ «من دخل» زيدت خطأ وإذا حذفتا يستقيم المعنى «إشفاقاً عليهم».↩
- هنا يوجد فراغ في المخطوط.↩
- هكذا وجدت في نسختيّ باريز ومدريد ولعلها الخزّان.↩
- وردت في الأصل ظَهِر التي تعني الكلمة نفسها، ظهير معناه دليل وإثبات من سجل أو وثيقة. وفي المغرب العربي تستعمل اليوم كلمة ظهير بمعنى مرسوم ملكي أو وزاري.↩
- هنا يوجد فراغ في المخطوط.↩
- أوردها ريبيرا الحجبب، وفي نسخة مدريد الحجباب وفي موضع أخر الحجاب ولعلها أصح وقد اعتمدناها لكثرة ورودها على هذا الشكل.↩
- وذكرها ريبيرا بايع الماء.↩
- هكذا أوردها ريبيرا وجاءت في نسخة باريز وفي نسخة مدريد «العنبري».↩
- يرى ريبيرا أن يُكتب ألفاً من (موالي).↩
- اردها ريبيرا «انحزل».↩
- أوردها ريبيرا بالخضرا وطنجة حتى اليوم تسمى «بالمدينة الخضراء».↩
- أوردها ريبيرا يجاز به عليها، وقرأناها في نسخة مدريد يحاربه عليها.↩
- يعني بها اراغون وهو اسمها بالإسبانية.↩
- يوجد فراغ في المخطوط.↩
- أوردها ريبيرا فانجلب.↩
- وردت في نسخة مدريد ابن عقبة ولكن نرجح ابن علقمة لتكرار وردوها هكذا.↩
- إن الكلمات الموجودة داخل هلالين لم نعثر عليها في نسخة مدريد، وأما كلمة المعترك فقد أوردها ريبيرا المتعرك.↩
- في النسخة الأصلية الجهل. والحبل، هنا أصح.↩
- أوردها ريبيرا: لوآءه.↩
- أوردها ريبيرا: باللوآ.↩
- أوردها ريبيرا: صفران.↩
- ولعل المقصود ولِّي بدل لي.↩
- يقول ريبيرا: هكذا وردت في الأصل.↩
- أوردها ريبيرا صبراً، واعتقد أن الأصح ضرباً حتى يستقيم المعنى على أنها مفعول مطلق.↩
- أوردها ريبيرا: استتر ويبدو أن ذلك خطأ مطبعي.↩
- يقول ريبيرا: إنها في الأصل قرية طَرُش.↩
- يقول ريبيرا: المتعصي ووجدناها في نسختي مدريد وباريز المتعاصي.↩
- أوردها ريبيرا: خار واعتقد أن الأصح اختار.↩
- أوردها ريبيرا: مولاكمًا.↩
- أوردها ريبيرا: فازداد.↩
- أوردها ريبيرا: أنفسهما والأصح نفسيهما.↩
- أوردها ريبيرا: تفالا.↩
- يقول ريبيرا: هكذا وجدت في الأصل ويبدو أن الناسخ قد اخطأ وعليه أن يقول «وكان ممن».↩
- وردت في نسخة مدريد أبي وهذا خطأً.↩
- أوردها ريبيرا خلد وعثمن على طريقة حذف بعض الألف اللينة من بعض اسماء الأعلام: خالد عثمان إبراهيم إلخ.↩
- عثرنا على هذه الجملة في نسخة مدريد.↩
- لم نعثر عليها في نسخة مدريد ولعلها اسم الموضع في البيرة.↩
- يرجى الملاحظة في التقديم والتأخير، وهذه الجملة ليست موجودة في نسخة مدريد، وإذا حذفناها من موضعها هنا استقام المعنى ووضح.↩
- لم نعثر على (إلى) في نسخة مدريد وعليها في الأصل، ويكون ريبيرا قد أحسن صنعاً في ذلك، حتى يستقيم المعنى.↩
- يقول ريبيرا هكذا وجدها في الأصل «جداران بن» ويعتقد أنه يجب أن يكون جدار ابن، وأرى أن ريبيرا هنا قد اخطأ لأن الف ابن تحذف بين اسمين علمين على أن يكون الأول ابناً للثاني (جدار بن).↩
- أوردها ريبيرا: ارجدونة وعثرنا عليها في نخسة مدريد ارجذونة.↩
- هكذا أوردها ريبيرا وفي نسخة مدريد قايدة والمعنى: أنها مركز الإقليم.↩
- يقول ريبيرا: هكذا وجدت في الأصل والأرجح أن يحل محلها «عبد».↩
- اسم مدينة إسبانية «تراكون».↩
- عثرنا عليها كذلك في نسخة مدريد واوردها ريبيرا انوا.↩
- الأصح كما أرى: تقدم إلى شذونة.↩
- عثرنا عليها المحياس في نسختي مدريد وباريز.↩
- أوردها ريبيرا المذكورون ولعلها خطأ مطبعي.↩
- وردت في الأصل ابن ملامس، وعثرنا عليها في نسخة مدريد ابن ملامس، أما كلمة حيوة فيجب أن تكتب حياة، لأن كل اسم يوقف عليه بالهاء يكتب بتاء مربوطة بما في ذلك الأعلام كعزة إلخ...↩
- يقول ريبيرا: إنها وجدت في الأصل الشذنيين، والأصح أن تكتب الشذونيين نسبة إلى شذونة كما أثبتناها.↩
- أوردها ريبيرا: الزهير وكذلك عثرنا عليها في نسخة مدريد والمعروف أن الموقعة كانت بين الأمويين وعبد الله بن الزبير.↩
- ابذعرت: ابذعر الناس: تفرقوا. وفي حديث عائشة: ابذَعَرَّ النفاق، أي تفرق وتبدد.↩
- جاءت في الأصل فتفحم، واعتقد، فتقحم: بمعنى تقحم الفرس النهر: دخل فيه.↩
- يقول ريبيرا: إنها جاءت في الأصل يرتفد ويثبتها يرتعد، ونحن نوافقه على يرتعد.↩
- أوردها ريبيرا: هذى وعثرنا عليها في نسخة مدريد تلك واعتقد أنها هنا أصح، ويقصد بذلك، تلك الليلة.↩
- أوردها ريبيرا: بجارية وعثرنا عليها في نسخة مدريد وباريز جارية.↩
- أوردها ريبيرا: انحزل، والاصح انخزل بمعنى تخزَّل الرجل، مشى في تثاقل أو تراجع.↩
- أوردها ريبيرا: صفح.↩
- أوردها ريبيرا: «دينار درهم» واعتقد أن هذا لا يصح.↩
- إذا قلنا ما حدَثَ يجب أن نقول لأبيه، وإذا أوردناها كما أوردها ريبيرا حَدُثَ يجب أن نقول أيضاً لأبيه وكان ريبيرا قد أوردها على أبيه.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد الرهافيين.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد هكذا وقد أوردها ريبيرا عبيد.↩
- أعتقد أن هناك نقصاً في المخطوط لأنه لم يوضح ما هما الفتحان.↩
- اسما موضعين.↩
- اسما موضعين.↩
- هكذا أوردها ريبيرا ويرى Cherbonneau منبسَّر y امتبِسَر.↩
- أوردها ريبيرا بقا.↩
- أوردها ريبيرا نحزنوا، واعتقد أنها فخرجوا.↩
- يقول ريبيرا أنها في الأصل: الحوفة وهذا خطأ.↩
- اثبتها ريبيرا المتعرك.↩
- تنقص هنا كلمة عبد الرحمن، وإذا اثبتناها كما أوردها ريبيرا أخِذَ كان عليه أن يبني الفعل الثاني وهو حشي للمجهول فيقول: حُشِيَ.↩
- أوردها ريبيرا: لن.↩
- أوردها ريبيرا قراة، وكان أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي ثم تحولوا إلى مذهب مالك.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد ولعل الناسخ اسقطها سهواً.↩
- أوردها ريبيرا: عهوداً اجدادك وهذا خطأً والأصح كما أوردناها.↩
- ذكرت في الأصل فغير وهذا ما اعتمده Cherbonneau، ولكن اظن أنه يجب أن تقرأ فعين كما ذكرناها، وهذا رأي ريبيرا.↩
- أوردها ريبيرا: جا.↩
- الأصل يذكر المجن ولكن لم اتردد في تصحيح خطأ الناسخ ومجشر هو حقل أو مكان للكلأ وفي مقاطعة مالطة قرية تسمى مشجر أبي يحيى واليوم نسميها mocharairya.↩
- يوجد في النسخة بعض الفراغ المشار إليه بنقاط.↩
- أوردها ريبيرا: نفاد.↩
- أوردها ريبيرا: اكرامة.↩
- يقول ريبيرا: أن الناسخ أوردها خطأ حاجتا والأصح حاجتنا.↩
- أوردها ريبيرا: بمودب يودب.↩
- الآية الكريمة من سورة آل عمران آية: ١٤٠. ويقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما سمع تلاوة هذه الآية الكريمة قال: «يا رعاة الغنم أبشروا».↩
- تنقص هنا كلمة «عند».↩
- والمقصود يؤمر.↩
- أوردها ريبيرا: أخبرني وهذا لا يصح.↩
- أوردها ريبيرا: أعقبتني وهذا خطأ مطبعي كما يبدو واضحاً.↩
- أوردها ريبيرا: ملك.↩
- هكذا وردت عند ريبيرا، واللفظة على هذه الصورة لا تؤدي المعنى، ولعل وجه الصواب: سماءنا، بتخفيف الهمزة وإسقاط الألف، وفي القرآن تكتب: السموات بدون ألف، وفي قوله تعالى: وزينا السماء الدنيا.↩
- أوردها ريبيرا: «الله».↩
- أوردها ريبيرا: الرفق وهذا كما يبدو خطأ مطبعي.↩
- بعد علامة اختصار يوجد بياض قليل كما لو أنه تنقص هنا كلمة في النسخة الأصلية.↩
- أوردها ريبيرا: الميشار.↩
- أوردها ريبيرا: توليه بعده.↩
- أوردها ريبيرا: حكم.↩
- أوردها ريبيرا: الأثير ويقول أنها كانت في الأصل الاتر واعتقد أن ذلك خطأ والأصح الأسر: مصدر أسر.↩
- أوردها ريبيرا: يسندون إلى رأيه، ولما لم يكن هناك مفعول به وجب أن تكون يستندون والفاعل هم أهل طليطلة.↩
- أوردها ريبيرا: واعقبيكم واعتقد أنها اعقابكم كما اثبتناها: أي من ذريتكم.↩
- لقد عثرنا عليه في نسخة مدريد «عمالاتنا» ولما كان معناها هنا لا يستقيم فقد أثبتناها كما أوردها ريبيرا عن الأصل.↩
- أوردها ريبيرا: عرفهم ولما كان الحكم يخاطب عمروس فقد وجب أن يقول له عرفتهم أنتَ.↩
- أوردها ريبيرا: السلطن.↩
- أوردها ريبيرا: فاختروا وهذا خطأ مطبعي كما يبدو.↩
- أوردها ريبيرا: التعاصي والإباية.↩
- أرى أن المعنى هنا غير مستقيم ومن الأصح أن نضيف: عليه.↩
- أوردها ريبيرا: «اتاا» والأصح أن تكتب بألف مقصورة: أتى، مضارعها: يأتي.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد حفل والأصح كما أوردها ريبيرا، لأننا لو أخذنا بها كما جاءت في نسخة مدريد لوجب علينا أن نقول «حفل بالباب».↩
- أوردها ريبيرا: لم الق وهذا خطأ لأن الفعل المقصور يجزم بحذف حرف العلة ولما كان حرف العلة الألف الألف وجب أن تأخذ القاف فتحة للدلالة على الألف المحذوفة.↩
- أوردها ريبيرا: المطبخة وهذا خطأ والأصح المطبخ.↩
- أوردها ريبيرا: «اتاا» وقد ذكرنا ذلك قبلاً.↩
- أوردها ريبيرا: ابن عمه له وهذا لا يصح.↩
- أوردها ريبيرا: إلى حكم.↩
- أوردها ريبيرا: علمه.↩
- أوردها ريبيرا: بمكاني.↩
- أوردها ريبيرا: فأهلوا والأصح فأملوا.↩
- يقول ريبيرا: إنها في الأصل فيمن ونحن نرى رأي ريبيرا كما اثبتها.↩
- أوردها ريبيرا: لقبض والأصح أن تكون: «قبض» من غير لام.↩
- يقول ريبيرا: إنها في المخطوط المتاهير ولما كانت تدل على معنى واضح فهو يرجح أن تكون المتاخير أو المتأخرين، لا نرى رأي ريبيرا وما دام يقول من أعلام القوم فنرجح أن تكون المشاهير.↩
- هكذا أوردها ريبيرا، والأصح الخمسة عشر ألفاً.↩
- أوردها ريبيرا: أهلها وعثرنا عليها في نسخة مدريد أهلها لأن الضمير يعود إلى الأسكندرية.↩
- أوردها ريبيرا: ثمة وعثرنا عليها في نسخة مدريد هر ثمة ونرجح ذلك. أيضاً: أورد ريبيرا: هرثمة ابن، والصواب ما أثبتناه.↩
- أوردها ريبيرا: شاوا والأصح أن تكتب شاءوا.↩
- أوردها ريبيرا: عمل والأصح أن تكتب أعمال أي بلاد أو مقاطعات.↩
- أوردها ريبيرا: لحكم وهذا خطأ.↩
- أوردها ريبيرا: غيادهم وأرجح عنادهم لأنه اعتبرهم من الذين تخلفوا عليه، «للحكم» كان ريبيرا قد أوردها له فاستبدلناها «للحكم» ليستقيم المعنى.↩
- أوردها ريبيرا: لحكم وعثرنا في نسخة مدريد للحكم وهذا أصح.↩
- أوردها ريبيرا: ذلك، وعثرنا عليها فيه نسخة مدريد ملك والأصح مالك ويعني به الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب الذي ساد في الأندلس.↩
- أوردها ريبيرا: ونظرآيه.↩
- أوردها ريبيرا: سكت والأصح سكنت بمعنى هدأت.↩
- يقول ريبيرا: أنها في الأصل العتاًين، والأصح العشاءين، ونحن نوافقه على هذا التصحيح.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد ومسكنه والأصح كما أوردها ريبيرا.↩
- أوردها ريبيرا: يحرمه، والأصح يحرسه.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد مذوده لا مذوذة كماأوردها ريبيرا.↩
- أوردها ريبيرا: فيك وعثرنا عليها في نسخة مدريد فيها وهذا أصح، ويعني الحاجة.↩
- أوردها ريبيرا: جنازتك وعثرنا عليها في نسخة مدريد جنازتها إشارة إلى زوجته وهذا أصح.↩
- أوردها ريبيرا: نسيا، وعثرنا عليها في نسختيّ باريز ومدريد نسا.↩
- أوردها ريبيرا: بدا يبدو والأصح ابداً مجاراة للكلام.↩
- ويقول ريبيرا: إنها وردت طاولت وقد صححها طالوت، وكما جاءت أصح: وطاولت بمعنى أصابت.↩
- يعني ما جرى على يده لطالوت وأبي بسام، والأمور الأخرى التي عرف فيها في حياته.↩
- أوردها ريبيرا: المصالحون، وعثرنا عليها بلا ميم في نسخة مدريد وإذا اعتبرنا الفقر مفعولاً به وجب أن تكون الصالحين أو المصالحين لأنها صفة.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد ووجودها هنا ضروري لسياق الكلام، وقد أوردها ريبيرا: إذ أظلم الليل فأخرج. وارى ضرورة كتابة مشايخ السوء لا المشايخ السوء كما أوردها ريبيرا.↩
- أوردها ريبيرا: بيتهم.↩
- أوردها ريبيرا: يتوهم.↩
- السياق: سيق على المجهول: شرع في نزع الروح.↩
- ذبَّ عن الشيىء: دافع عنه.↩
- أوردها ريبيرا: إكراماً أهل وهذا لا يصح لغوياً فإما أن يقول اكراماً لأهل، أو أكرام أهل كما اثبتناها لأن الاسم المنون يحذف تنوينه عند الإضافة.↩
- يقول ريبيرا: إنها في الأصل شراحل.↩
- كما أوردها قبلا.↩
- عثرنا عليها كذلك في نسخة مدريد أوردها ريبيرا: اخاص.↩
- لم نعثر على المقطع في نسخة مدريد ولعل الناسخ اسقطه سهواً.↩
- أوردها ريبيرا خاصة ويقول: أنها في المخطوط خاصة ونحن نرجح ما جاء في المخطوط.↩
- يقول ريبيرا إنه عثر عليها في المخطوط «عراقي» ويعتقد أنها يجب أن تكون عراقية، ونحن نؤيده فيما ذهب إليه.↩
- كان على ريبيرا أن لا يقع في الخطأ الأول، فقد أوردها «عراقي» وسها عن التصحيح السابق الذي أورده.↩
- أوردها ريبيرا: وليس كان.↩
- أوردها ريبيرا: يغميزه، وعثرنا عليها في نسخة مدريد يعمره بمعنى يكبره. وهذا أصح.↩
- أوردها ريبيرا: مَّجيا.↩
- أوردها ريبيرا: طيباً والأصح ظبياً وهو خطأ مطبعي كما يبدو. وهكذا ورد البيتان وقد اثبتناهما كما جاءا في الأصل، والوزن فيهما غير مستقيم.↩
- أوردها ريبيرا: قاسم وعثرنا عليها فاقسم في نسخة مدريد وهذا أصح.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد الخزاز ولما لم نجد هذا الأسم فيما أوردنا من اسماء فلعله يعني الخزان بمعنى الذي يخزن.↩
- أوردها ريبيرا: اعوما ويبدو واضحاً أنها تنقص الفاً.↩
- أوردها ريبيرا: بنا والأصح أن تكتب بالألف المقصورة بنى يبني أو بنيت باسناد الفعل إلى تاء الفاعل. أوردها بنا: راجع ماذكرنا قبلاً.↩
- أوردها ريبيرا: ولاها، والأصح كما أوردناها والاها، أي ما حولها.↩
- أوردها ريبيرا: «احتلا» في آخر السطر و«لهم» في أول السطر الثاني على طريقة كتابة المقاطع في اللغات الاجنبية وهذا لا يصح مطلقاً في العربية.↩
- أوردها ريبيرا: مقاعرة والأصح مقارعة.↩
- يبدو أن المعنى هنا لم يستقم.↩
- يقول ريبيرا: هكذا وجدها في الأصل ولكن يصح أن تكون ناطوراً أو نظوراً والمعنى متشابه.↩
- أوردها ريبيرا: مرلكبهم، والأصح مراكبهم.↩
- أوردها ريبيرا: اساروا والأصح اسروا.↩
- يقول ريبيرا: إنها كانت وافى ثم اصلحها كما هي ونحن نوافقه على هذا التصحيح.↩
- إذا صحت الرواية صح تأويل الحلم، وهو خروج الإسلام من الأندلس ــ (المحقق).↩
- أوردها ريبيرا: سما.↩
- أوردها ريبيرا: سمايه.↩
- أوردها ريبيرا: حدث والوقيعة مؤنث.↩
- أوردها ريبيرا: ولاها والأصح والاها.↩
- بعرض المؤلف هنا شيئاً من واقع زرياب في بغداد.↩
- أوردها ريبيرا: يومر.↩
- أوردها ريبيرا: الرسَايل.↩
- يقول ريبيرا: هكذا وجدها في الأصل ولكن كان يجب أن تكون مهران كما جاءت قبلاً. بشأن الخزان، راجع صفحة ٨٣ من هذا الكتاب.↩
- أوردها ريبيرا: ثلثين وكان قد أوردها ثلاثين في الصفحة السابقة.↩
- لم تكن ولادة في الأصل وقد زدناها ليستقيم المعنى.↩
- أوردها ريبيرا: التوضُع.↩
- أوردها ريبيرا: ووالاه.↩
- أوردها ريبيرا: نوتى.↩
- عثرنا عليها في نسخة: الشره ولعل الناسخ أسقط الياء سهواً.↩
- أوردها ريبيرا: هثة.↩
- أوردها ريبيرا: إفرنجة.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد فاصة، ولما كانت ناضة هنا لا تعطي مدلولاً صحيحاً وكذلك فاصة، فرجحنا أن تكون فضة.↩
- أوردها ريبيرا: احباسنا.↩
- أوردها ريبيرا: ابن أخي.↩
- أوردها ريبيرا: يدوّن.↩
- جَبَرَ: جَبْراً وجِبَارة، الفقير: اغناه.↩
- يقول ريبيرا: أنه في الأصل مظاعاً واثبتها امظاعاً، ونحن لم نوافقه على هذا التصحيح لأن امظاعاً هنا لا تعطي المعنى المطلوب.↩
- كان ريبيرا قد أوردها: التشريف.↩
- اسم موضع.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد: لعبد الرحمن، واسقط ريبيرا ابن الحكم.↩
- أوردها ريبيرا: ذلك.↩
- أوردها ريبيرا: ليلا.↩
- أوردها ريبيرا: إليها.↩
- أوردها ريبيرا: تطلبوا.↩
- أوردها ريبيرا: موملا.↩
- أوردها ريبيرا: الانتفاء.↩
- لم نعثر على «بشون» في معاجم اللغة ولعله نوع من السم أو خلافه يوضع في الطعام. وفي المحيط البشنة، نبات أو حبُّ نبات تأكله الناس والبهائم وأكثره هنديّ.↩
- أوردها ريبيرا: الماعن.↩
- أوردها ريبيرا: مراكم.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد هذا، واثبتناها كما أوردها ريبيرا هذه.↩
- أوردها ريبيرا: لين.↩
- أوردها ريبيرا: شيا.↩
- أوردها ريبيرا: فيسئلكم.↩
- أوردها ريبيرا: لئيم.↩
- أوردها ريبيرا: يانس.↩
- أوردها ريبيرا: مفاتح.↩
- يقول ريبيرا هكذا وجدها في الأصل ولكنه يرى أن «الا» زائدة.↩
- أورد ريبيرا هنا كلمة بيعهم، ونحن لم نشأ أن نثبتها لأنها زائدة.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد كلامه، وكان ريبيرا قد اثبتها كلاماً.↩
- أوردها ريبيرا: هولا.↩
- وجاءت في الأصل: فبكا.↩
- خاره يخوره خوْراً. أصاب خورانه. يقال طعنه فخاره أي أصاب خوارنه. وخار الرجل، والحرُّ يخر خؤوراً وخَوِر يخور خَوَراً: ضعف وفتر وجبن وانكسر. وترانا نشك في صحة معنى هذه الكلمة هنا.↩
- أوردها ريبيرا: القايد.↩
- لم نعثر على كلمة النصراني في نسخة مدريد.↩
- أوردها ريبيرا: تعلى.↩
- أوردها ريبيرا: خلايت.↩
- أوردها ريبيرا: كتابهم.↩
- أوردها ريبيرا: يولوه.↩
- أوردها ريبيرا: «بن» وهنا عادة يجب أن تأخذ الفاً لأنها لم تقع بين اسمين علمين.↩
- أوردها ريبيرا: شيت.↩
- أوردها ريبيرا: امضي.↩
- أوردها ريبيرا: ولينك ولعلها صحيحة.↩
- أوردها ريبيرا: الفطس.↩
- أوردها ريبيرا: فشعر.↩
- أوردها ريبيرا: وكلمهم وهذه تصح أيضاً.↩
- جاءت في الأصل: فاختر.↩
- جاءت في الأصل وزرآيه.↩
- أوردها ريبيرا: والأمور.↩
- أوردها ريبيرا: طالب.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد ولعل الناسخ اسقطها سهواً.↩
- أوردها ريبيرا: يرجوه.↩
- أوردها ريبيرا: من وعثرنا عليها في نسخة مدريد عن وهي اصح فائبتناها.↩
- أوردها ريبيرا: الله.↩
- أوردها ريبيرا: لاطرحناه.↩
- أوردها ريبيرا: تادب.↩
- أوردها ريبيرا: المستقبل.↩
- أوردها ريبيرا: يديله، ولما لم يكن هذه الكلمة معنى، ووفقاً للسيّاق أثبتنا كلمة يديره بمعنى يشرف عليه وينظمه.↩
- أوردها ريبيرا: حدت.↩
- أوردها ريبيرا: يعلون.↩
- أوردها ريبيرا: السرنباقي ولما تكررت كذلك أثبتناها كما جاءت.↩
- أوردها ريبيرا: خمسون.↩
- جاءت في الأصل: أزله، والأصح على أغلب الظن: أذهله.↩
- وجاءت في الأصل: أفضم.↩
- أوردها ريبيرا: ينتش.↩
- أوردها ريبيرا: اتا.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد: قنت.↩
- هكذا جاءت في الأصل، والقطيع كما جاء في اللسان وغيره كأمير: طائفة من الليل من أوّله إلى ثلثه.↩
- هكذا جاءت في الأصل. وقال ثعلب: إذا قيل الغزاة، فهو عمل سنة، وإذا قيل غزوة فهي المرة الواحدة في الغزو.↩
- أوردها ريبيرا: أمر.↩
- أوردها ريبيرا: اندر، وعثرنا عليها في نسخة مدريد انظار فائبتناها كما عثرنا عليها.↩
- أوردها ريبيرا: ورافعوا، وعثرنا عليها في نسخة مدريد: ورافعوه والأصح ورفعوه. وكان ريبيرا قد أثبت: في هذه الجملة يهبطون ويدعون دون أن يفطن إلى أن هاتين الكلمتين معطوفتان على: يتعدوا.↩
- أوردها ريبيرا: المعتدين.↩
- أوردها ريبيرا: أي.↩
- القلَّاس: فعّال للمبالغة: صانع القلنسوة.↩
- أوردها ريبيرا: تعلى.↩
- الآية الكريمة ١٧٣ من سورة آل عمران.↩
- كانت في الأصل وجدّوها جهدهم عن إزالته.↩
- أوردها ريبيرا: اهوان.↩
- جاءت في الأصل شاهك، والأصح شاهق بمعنى مرتفع.↩
- أوردها ريبيرا: مجياً.↩
- أوردها ريبيرا: رجا، واعتقد من الأصح أن تكون «بارجاء» بمعنى تأجيل.↩
- هكذا أوردها ريبيرا وعثرنا عليها في نسخة مدريد «المطل».↩
- كدّس الحصيد: جعله أكداساً. الكُدْس ج أكداس.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد، والأصح أن يقول كانت أحداث لا كان احداث.↩
- جاءت في الأصل: مثلم، والأصلح ثمل. ويبدو أن كلمة تنقص في المخطوط وهي: «وعندما ثملوا على شراب...» وذلك مجاراة للمعنى.↩
- استألفوا: بمعنى اجتمعوا.↩
- يقول ريبيرا: إنها في الأصل: خرفوه.↩
- وجاءت في الأصل: قرا.↩
- يقول ريبيرا: إنها في الأصل ابن منت، وعثرنا عليها في نسخة مدريد: ابن منتي، واثبتناها كما أوردها ريبيرا، لعل له رأياً.↩
- أوردها ريبيرا: إجمال.↩
- سبق لريبيرا أن أوردها: ازراق.↩
- أوردها ريبيرا: لم آتي، ولم يفطن لأداة (لم) التي تجزم بحذف حرف العلة.↩
- أوردها ريبيرا: لمحرابتك.↩
- يقول ريبيرا: يبدو أنه كان يقول «هو».↩
- الأصح: المعصية لأنها معطوفة على الطاعة، وكانت في الأصل معصية.↩
- جاءت في الأصل: المطلعة، والأصح المطلة.↩
- أوردها ريبيرا: تفخر.↩
- أوردها ريبيرا: ثنتي.↩
- أوردها ريبيرا: تعلى كعادته في اختصار الألف.↩
- أوردها ريبيرا: بخط.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد، واثبتناها كما أوردها ريبيرا ولعل الناسخ كان قد اسقطها سهواً. وكان ريبيرا قد أثبتها: تمام، ومحمد، وكان.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد، واثبتناها كما أوردها ريبيرا ولعل الناسخ كان قد اسقطها سهواً.↩
- أوردها ريبيرا: وحاضر.↩
- أوردها ريبيرا: خلها.↩
- هكذا جاءت في الأصل، ولم نعثر لها على مدلول يتفق والمعنى. فهي ليست هنا القبيلة العربية المعروفة، وأغلب الظن أنها كلمة من الدخيل.↩
- جاءت في الأصل: ببشتر، ونرى بتره، بمعنى قطعه.↩
- انتزى انتزاء: تشرع إلى الشر.↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد: صمت، ولعل الصواب «قضت».↩
- يقول ريبيرا: إنها كانت في الأصل قاتلاً، وقد اثبتناها كما صححها.↩
- يقول ريبيرا أنها كانت في الأصل حريث، وقد اثبتناها كما صححها.↩
- أوردها ريبيرا: يحذرهم.↩
- (أطاع يطُوع ويَطاع طوعاً) لفلان انقاد فهو طائع.↩
- هكذا جاءت في الأصل، والأصح: فانقض.↩
- أوردها ريبيرا: يسله.↩
- أوردها ريبيرا: نرا.↩
- أوردها ريبيرا: وقطع، فحذفنا الواو ليستقيم المعنى.↩
- جاءت في الأصل: بذلناك العافية.↩
- جاءت في الأصل: نغتم.↩
- أوردها ريبيرا: لم اسمحوا.↩
- نفل القائد الجند: جعل لهم ما غنموه.↩
- وجاءت في الأصل: مضطربهما.↩
- أوردها ريبيرا: تقدم.↩
- يقول ريبيرا لأنها في الأصل خمسين، وهذا خطأ كما يبدو.↩
- أرى أن «حتى» هنا أصح، وكانت في الأصل: أن.↩
- كان عمر بن حفصون من نصارى الأندلس ثم أسلم وقام بحركات عدائية ضد الخلافة الإسلامية، وقد اجتمع له خلق كثير، وقويت شوكته وانتصر في عدة معارك. وفي الواقع أن الإسلام لم يكن يدخل قلب ابن حفصون إيماناً مطلقاً، لذلك كان يقوم بهذه الاضطرابات لغاية في نفسه، وكان في آخر أيامه قد ارتد عن الإسلام فخذله حشد كبير ثم انهزم وقتل. من أجل ذلك يقول ابن القوطية وكانت العاقبة للمتقين. (المحقق).↩
- عثرنا عليها في نسخة مدريد: التجي.↩
- يعني بها بالميرة أي خزن الحبوب.↩
- عثرنا عليها كذلك في نسخة مدريد واثبتناها؛ وإن لم يكن ريبيرا قد ذكرها ولم يعثر عليها في المخطوط الأول؛ وذلك ليستقيم المعنى.↩
- لم نعثر على هذه الجملة في نسخة مدريد.↩
- وزاره: بمعنى شد أزره، ومن وازر جاءت كلمة الوزير.↩
- أوردها ريبيرا: سرقسطة دون أن يفطن إلى المعنى عند حذف الباء، وجاءت في نسخة مدريد بسرقسطة.↩
- أوردها ريبيرا: ثنتي، كما أوردها سابقاً ولم يفطن أن همزة الوصل هنا للتخلص من الابتداء بالساكن.↩
- أوردها ريبيرا: المنادمة، وعثرنا عليها في نسخة مدريد المنادمة، وهي أصح فأثبتناها.↩
- أوردها ريبيرا: شعرآها، وهي هنا في محل عطف على اسم مجرور.↩
- أوردها ريبيرا: طمعت.↩
- أوردها ريبيرا: يفرج، وفي البيت جاءت يفرح وهي خطأ مطبعي.↩