نبذة من أخبار فتح الأندلس لطارق بن زياد وموسى بن نصير رحمهما الله
١٨٥وقاعدة طليطلة١، كانت دار ملوك العجم من الأول، هي واشبيلية، وإليها كان قصدَ طارقٌ رحمه الله بوجهته حين دخل العدوة بعد مروره بقرطبة، ولم يعرج على غيرها حتى انتهى إليها، ووجد بها من الآثار التي تدلّ على ما كانت به من الخزائن والأموال ما لا حصر له. ومن جملة ذلك المائدة المشهورة، إلَّا أنَّ بعض أهل التاريخ يزعم أن المائدة لم تكن بمدينة طليطلة، وإنها كانت بموضع آخر قريب من طليطلة يُسمى وادي الحجارة، وأن طارقاً لما فتح طليطلة، خرج إلى الموضع المعروف بوادي الحجارة، قرب الفج الذي كان يُنسب إليه خلف الجبل حتى بلغ مدينة المائدة٢ وسُميت بذلك لوجودها بها، وهي المنسوبة إلى سليمان بن داود عليهما السلام.
صفة المائدة
وقيل أنها كانت من زبرجدة حضراء حافاتها منها، وأرجلها، وأنها كان لها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلاً والله أعلم٣. وقيل فيها أنها كانت من ذهب مرصعة وهو الأقرب.
ذكاء طارق
١٨٦قال: فلما تيقن طارق، أن موسى بن نصير لاحق به، وأنَّه سيسمع خبرها ويطالبه بها١، قلع رجلاً من أرجلها ليستظهر به عند أمير المؤمنين الوليد إذا ادعى موسى أنه فتح البلد، وأصاب المائدة. ثم انصرف من مدينة المائدة إلى طليطلة، وقيل أيضاً إنَّه ادرب في وجهته هذه من طليطلة، واقتحم أرض جليقية، وبلغ إلى مدينة استرقة، ثم انصرف إلى طليطلة، وذلك في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة. فلم يزل بها حتى وافاه موسى بن نصير مولاه.
دخول موسى الأندلس
ودخول موسى إلى العدوة كان في سنة ثلاث وتسعين. ودخل معه ثمانية عشر ألفاً من قريش، والعرب ووجوه الناس، فطلب دليلاً من العجم يستدل٢ به، إلى المدن التي لم يفتحها طارق، ووعده إلى ذلك بالحباء والجزاء، فدل به إلى قلعة زعواق، من عمل اشبيلية، فبدا به، وكان طارق لم يعرج عليها، ثم سار منها إلى لبلة، ثم إلى باجة، ثم إلى اكشونبة على سيف٣ البحر، فافتتحها أجمع سلماً، ثم خرج من ذلك القطر على الفج المنسوب إليه من حوز القنت، فانقطع إليه أهل ذلك الموضع، فأقرَّهم على حالهم فسموا مولى موسى، ثم سار حتى انتهى إلى طليطلة، فلما بلغ وادي المعرض اعترض جيوشه، فسمي الوادي بذلك، فعرف من معه. فلما قرب من طليطلة، خرج إليه طارق بن زياد، ونزل بين يديه إعظاماً له، فغضّ موسى منه علانية، وأظهر ما بنفسه عليه وقنعه السوط، ووبخه على استبداده عليه، وإنما كان أمره أن لا يمعن. فاعتذر طارق إليه وخضع له وقال له: إنَّما أنا مولاك وقائد من قوادك، ما فتحته وأصبته فإنَّما هو منسوب إليك، واستلطفه حتى رضي عنه وأحضره والمائدة التي كان أصابها في المغانم، وقيل أنَّها كانت من ذهب منظومة بالدر والياقوت والزمرد، وهي التي يزعم الناسُ أنها مائدة
١٨٧سليمان بن داود عليهما السلام، ولم تكن كذلك. فأتاه بها ناقصة الرجل، وكان قد اختلعها طارق*. فسأل موسى عنها، فقال له: هكذا أصبتها، وأحضر له١ ما صار عنده من الخمس، وكان عظيماً، فزاد رضاه عنه وأمره بالتمادي والمضي إلى الثغر، وبقي موسى بطليطلة حتى ضحَّى٢ بها سنة دخوله.
نظرة موسى إلى طارق بن زياد
وقال عبد الملك بن حبيب يرفعه إلى علي (بن) رباح التابعي الداخل مع موسى، وكان من خيار التابعين، أنه لمَّا اتّصل بموسى أنَّ طارقاً فتح ما فتح من بلاد الأندلس حسده وعزّ ذلك عليه، وغضب عليه، فعبر حتى تجاوز قرطبة٣ التي كانت أكثر قواعد ملوك العجم وأشهرها مع قربها من الساحل، وكان خروجه من أفريقية في رجب سنة ثلاث وتسعين، فعبر إلى الإندلس في شهر رمضان منها، فقيل إنَّ عبوره كان من مدينة تونس، وقيل من جبل القردة المعروف بجبل موسى من قرب سبتة، فلم التقى بطارق عتب عليه، ثم ترضاه فرضي عنه، ووجد عنده من السبي والذهب والفضة والجوهر، ما لم يفتح مثله على المسلمين في غزوة قط.
قال: ولقد كان الرجلان من الداخلين مع طارق يشدان٤ الطنفسة منسوجة بقضبان الذهب والفضة منظومة بالجوهر والياقوت والزمرد، فلا يستطيعان حملها، ولا يتفقان عليها، فيأتيان بالفأس٥ فيضربان وسطها حتى ينقطع، ويأخذ كل واحد منهما على غيره مبالغة ولا تحقيق في قسمها، والناس مشتغلون في كل جهة بمثل ذلك. وقال عبد الملك بن حبيب، عن الليث بن سعد أنَّ إنساناً جاء إلى موسى، لمَّا وصل إلى ناحية طليطلة، فقال له: ابعث معي أدلك على كنز، فبعث معه رجالاً٦ فوقف بهم على موضع، وقال لهم: اكشفوا ها هنا، فظهروا على كنز كبير
١٨٨مترع بالجوهر، والياقوت، والزمرد الزبرجد، فحين رأوها بهتوا وأرسلوا موسى ليحضر.
وقال عبد الملك بن حبيب أيضاً كان ورود موسى بن نصير أولاً إلى أفريقية، إذ عقد له عليها عبد الملك بن مروان، قبل توصيله إلى الأندلس في البربر، وكان أصاب فيها سبياً عظيماً بعث إلى عبد الملك بخمسة منهم، فكان ذلك عشرين ألفاً، ثم غزاهم غزوة ثانية، فحصل منهم في خمس أمير المؤمنين ألفاً أيضاً فأُعجب عبد الملك بذلك، فكان يكتب عليه يؤكد عليه في ذلك، وفي ما ولّاه١ غزوهم، وفتح ما وراءهم حتى فتح الله عليهم الأندلس في أيام أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك.
قال الرازي٢: قال عبد الملك بـن حبيب، دخل الأندلس مع الأمير موسى بن نصير، رجلٌ واحدٌ من أصاغر الصحابة رضي الله عنهم، وهو المنيذر الإفريقي «لم ينسب بأكثره من الإفريقي»٣، إذ كان يسكن أفريقية، وروى عنه أبو عبد الرحمن الحبلي. قال: حدثني المنيذر وكان صاحباً لرسول الله ﷺ أنه سَمعَ رسول الله ﷺ يقول: «من قال رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً فأنا زعيم له، فلآخذنَّ بيده فلأدخلنَّه الجنَّة». والذي دخل الأندلس من التابعين على اختلاف الرواية، موسى بن نصير البكري وعلي بن رباح اللخمي، وحيوة بن رجاء التميمي، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن زياد الأنصاري الحبلي، وحنش بن عبد الله بن عمر بن حنظلة السبائي، وهو الصنعاني نسب إلى صنعاء الشام، ويكنى أبا رشدين، وكان من خيار التابعين، وكان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكوفة، وتوفي بسرقسطة، ودفن عند باب اليهود بقربى المدينة، وكان قبره معروفاً عندهم مشهوراً، وقفل سائر التابعين، بقفول موسى بن نصير وبعده، وهؤلاء المسلمون٤ لا اختلاف في دخولهم، مع موسى ومشاهدتهم معه المغانم
١٨٩والمقاسم في السبي والمتاع، والأرضين الرباع، وخروج بعضهم معه وبعده، والمختلف في دخولهم منهم مع موسى حيوة بن رجاء التيميمي في أقل الروايات، وأبو سعيد الصدفي، في أكثر الروايات.
وروى عن عمرو بن العاصي، فاختلفت الروايات في التابعين الداخلين، فمنهم من قال أنهم أربعة، وهو الذي لا اختلاف فيه، فمنهم من قال خمسة بالصدفي المختلف فيه. قال محمد بن مزين: وجدت في خزانة باشبيلية سنة إحدى وسبعين وأربع ماية، أيام الراضي بن المعتمد سفراً صغيراً من تأليف محمد بن موسى الرازي، سمَّاه بكتاب الرايات١ ذكر فيه دخول الأمير موسى بن نصير، وكم راية دخلت الأندلس معه من قريش والعرب، فعدّها نيفاً وعشرين راية، منها رايتان للأمير موسى بن نصير، عقد له أحدهما الأمير عبد الملك بن مروان على إفريقية وما وراءها، والأخرى عقد له أمير المؤمنين، الوليد بن عبد الملك على إفريقية أيضاً، وما يفتحه من وراءها إلى المغرب وراية ثالثة لأبنه عبد العزيز الداخل معه وسائر الرايات، لمن دخل معه من قريش ومن قوَّاد العرب ووجوه العمال، وذكر فيه سائر البيوتات ممن دخل دون راية.
وقال فيه إنَّ موسى بن نصير، أجاز بمن معه من العرب من جبل القردة، وهو الموضع المعروف اليوم بمرسى موسى، إلى جهة الخضراء يرومون التوغّل في الأندلس، فأقاموا فيها أياماً مريحين ومصلحين من شأنهم، وحين عزم على الحركة منها جمع حوله رايات الأعراب ووجوه الكتايب، وتفاوضوا في الرأي، وكيف يكون دخولهم. فاتَّفق رأيهم على المشي إلى اشبيلية، وأن يُبدأ بغزو ما بقي من غربها إلى أقصاه، سائر البحر باكشنوبة، وافتتاحه. فقيل إن اجتماعهم لهذا المشهد الكريم، كان في الموضع الذي كان مسجد الرايات في الجزيرة الخضراء، وإنه باجتماع الرايات في ذلك اليوم يسمى، وبها سمى الرازي كتابه. وقال: إن موسى بن نصير لم يبرح موضعه، ولا فارق مشهده حتى أمر بتخطيط الموضع واتّخاذه مسجداً٢.
١٩٠قال محمد: فمشوا على رأيهم، وفتحوا غرب الأندلس إلى أقصى أكشبونة، وحين تم افتتاح المسلمين، قسمها موسى بن نصير البكري التابعي بين الجيوش الذين دخلوها، كما قسم بينهم سبيها وسائر مغانمها، وأخرج من أرضها وباعها الخمس، كما أخرجه من سبيها ومتاعها، واختار من خيار السبي وصغاره ماية ألف وحملهم إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وترك سائر الخمس من كبل١ والسبي، وخش٢ الرقيق في الخمس من الأرضين يعمرونها ليثلُث مال المسلمين، وهم أهل البسايط، وكانوا يعرفون الأخماس، وأولادهم بنو الأخماس.
مع أهل البلاد
قال: وأمَّا سائر النصارى الذين كانوا في المعاقل المنيعة، والجبال الشامخة، فأقرَّهم موسى بن نصير على أموالهم، ودينهم بأداء الجزية، وهم الذين بقوا على ما حيز من أموالهم بأرض الشمال، لأنهم صالحوا على جزاء منها مع إداء الجزية في أرض النمرة، وأرض الزرع على ما فعله خير من افتدى به ﷺ، بيهود خيبر في نخلهم وأرضيهم. قال: فلم يبق٣ بالأندلس بلدة دخلها المسلمون بأسيافهم، وتصيرت ملكاً لهم، إلا قسم موسى بن نصير بينهم أراضيها إلَّا ثلاثة بلاد، وهي شنترين وقلنبرية في الغرب، وشية في المشرق وسائر البلاد، خُمست وقسمت بمحضر التابعين الذين كانوا مع موسى بن نصير، وهم حنش الصنعاني والحبلي، وابن رباح، ثم توارث أراضيها الأبناء عن الأبناء، والذي ذكره الناس والعلماء من أرض٤، وأرض العنوة بالإندلس فإنما هو مال الخمس، هو أرض العنوة، وما صولحوا عليه فهو حال الشمل من أرض شجر، لا سائر أموال الناس، وقال بعض علماء السلف، بأمر الأندلس، إنما أكثرها إنما فتح صلحاً إلا الأقل من مواضعَ معروفة، وإنه لما هزم لذريق لم يقف المسلمون بعد ذلك ببلد إلا اذعنوا
١٩١إلى الصلح. ولذلك، بقي الروم فيها على أرضهم وأموالهم يبيعون ويباع منهم، ولما وصل خبر فتحها إلى أمير المؤمنين الوليد، ووفد عليه موسى، وجماعة من المستفتحين الأندلس معه، يستأذنونه في إخلائها والرحيل عنها إلى أوطانهم، فقرَّبهم وآنَّسهم، وأقطعوا الاقطاعات فيها واقرَّهم على١، ولم يفعل لهم سبيلاً إلى الخروج منها ولا أوسعهم عذراً في إخلائها وردَّهم إليها، وإلى جيرانهم بجوابه.
قال: فلما ولي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الخلافة زاد اعتناءً بها وانزلها عن عمال إفريقية، وأفرد لها عاملاً، فوردها في جندٍ سوى جندها الأول، فأراد النزول معهم في أموالهم ومشاركتهم فيما بأيديهم، فوفد لهم وفد على أمير المؤمنين عمر، وشكوا إليه ذلك، ورغبوا إليه في الرجوع إلى بلادهم وأدالتهم بمن ورد مع٢، فمنعهم من ذلك وآنَّسهم، وعقد لهم، وأشهد في عقدهم على اقرارهم في أموالهم وأقطع الواردين مع٣ اقطاعات غيرها، وقال هذه الثغور الهندية لولا اقطاعات عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الجند فيها لم يشدها، فكيف بتلك الناحية، فإنَّا نستخير الله في اجلاء المسلمين عنها، ثم أنه لم ينفُذ ذلك ليبلغ الكتاب أجله. وفي رواية أخرى، أن ابن نصير قسم وخمس بعض البلاد وأعجلته حركته منها، وإن سأل أمير المؤمنين الوليد فيه عن استيفاء ذلك. فلمَّا ولاها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز٤ ابن مالك الخولاني امره أن يخمس ما بقي منها، ففعل ذلك وأخرج إلى جهات من توَّلاه وأنفذه في كل ناحية.
قال: ثم وردت طائفة أُخرى من الذين فتحوا الأندلس مع موسى بن نصير، وطارق بن زياد مولاه على الوليد بن عبد الملك، فأقرَّهم على ما قسم بينهم وسجَّل لهم به، وأقطع من دخل الأندلس بعدهم من الخمس اقطاعات كثيرة.
موقف عمر بن عبد العزيز من أهل البلاد
١٩٢وقال عبد الملك بن حبيب، لما ولي الأندلس السمح بن مالك الخولاني سنة ماية في خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، دخل معه الأندلس جيش من العرب، فأرادوا النزول مع الأولين والمشاركة معهم في رباعهم وأموالهم، فشخصت منهم طائفة إلى عمر بن عبد العزيز وأخبروه بما صنع موسى بن نصير عندما١ قسم الأرض بعد إخراج الخمس وإقرار الوليد لهم على ذلك، واستظهروا بسجلاته التي سجَّلها لهم، فأقرهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على ما أقرَّهم عليه الوليد بن عبد الملك، وعلى ما قسمه بينهم موسى بن نصير، وأمضى لهم ذلك من أمره وسجَّل لهم بمثله، وكتب لهم إلى السمح بن مالك بالوقوف عند عهده، وأمضاه ما أمر لهم به، وانصرفوا إلى من تخلَّفوه مسرورين ومبشرين بما لقوه من فضله وعدله. وكتب إلى السمح أن يقطع الجند الذين دخلوا معه من الأخماس.
قال غيره من العلماء: لم تزل أموال الأخماس بالأندلس معلومة معمورة لبيت مال المسلمين مدة الأمراء فيها، ثم في دول الأئمة من بني أمية، فعمر باسمائهم أيضاً إلى أن ثار الرؤساء في كل وجهة وكثرت الفتن فعمرت٢ بطول المدة واختلاف الدول والولاة، والله وارث الأرض ومن عليها٣ وهو خير الوارثين.
مخاوف الوليد
وقال الرازي عن عبد الملك بن حبيب، وفي مستهل سنة أربع وتسعين، دخل موسى إلى بلاد إفرنجة، فأوغل فيها٤ حتى انتهى إلى مفازة كبيرة، وأرض سهلة ذات٥ فأصاب فيها صنماً عظيماً قائماً على سارية مكتوباً عليه بالنقر، كتابةً
١٩٣عربية، قرأتها١ فإذا هي يا بني٢ انتيتهم فارجعوا ذلك. وقال: ما هذا إلا لمعنى كبير. وانصرف بالناس قافلاً حتى احتلَّ قرطبة فضحى فيها اضحى هذه السنة المؤرخة. قال: واتصل بأمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، تلوّم الأمير موسى بن نصير بالمسلمين في الأندلس وتقحمه٣ بهم أرض العدو، من غير مؤامرة، فأقلقه ذلك، وبعث مولاه مغيثاً إليه وأمره أن يعنّفه ويقفله إلى إفريقية، فقدم مغيث على موسى وهو في قرطبة، فوهبه موسى الموضع الذي ينسب إليه في عهد المسلمين، وهو بلاط مغيث بجميع أرضه، من أرض الخمس، وغزا مغيث إلى جليقية فاستبطأ الوليد قدوم موسى واستقصر مغيثاً. فبعث رسولاً آخر يعرف بأبي نصر إلى الأندلس، وأمره أن يتوكل بموسى بن نصير، حتى يصدره إليه، فورد عليه في صدر سنة خمس.
قال غيره: وقد جاء في الأثر أنَّ موسى بن نصير خمس قرطبة وخرج في خمسة البطحاء التي بقفليها، التي هي اليوم مقبرة، فلم ولى عمر بن عبد العزيز رضي الله، السمح بن مالك الأندلس أمره أن يجعلها مقبرة للمسلمين، وكان السمح بن مالك هذا من خيار أهل زمانه ثقة وعدالة.
وروى أحمد الرازي في تاريخه، وهي رواية أخرى في صحة تخميس الأندلس، قال عبد الملك بن حبيب يرفعه إلى بعض التابعين الداخلين بالأندلس. قال: كان الخلفاء من بني أمية إذا وردت عليهم الجبايات، استقدموا مع جباية كل موضع، عشرة رجال من وجوه رجالها وخيارهم، فلا يدخل بيت المال من الجباية دينار ولا درهم، حتى يحلف الوفد بالله الذي لا إله إلا هو، ما فيها دينار ولا درهم أُخذ إلا بحقِه، وإنه فقد أُعطيات أهل البلاد من العيال والذرية. قال: فأتى وفدُ أفريقية بخراجها في آخر أيام سليمان. قال: فلمَّا أمروا أن يحلفوا حلف ثمانية، ونكل رجلان، وهما إسماعيل بن عبيد الله، ومولى بني مخزوم، والسمح بن مالك الخولاني، فأعجب عمر بن عبد العزيز بفعلهما، فلما ولي الخلافة ضمَّهما إلى نفسه، فاختبر منهما ديناراً وخيراً، فولَّى إسماعيل بن عبيد الله أفريقية، وولى
١٩٤السمح بن مالك الأندلس، وأمره أن يخمس ما بقى من أرضها وعقارها، ويخرج منها خمس الله تعالى، يقرّ القرى بأيدي أربابها، وأن يكتب إليه بصفة الأندلس وبحرها وأنهارها وهيئة مجازها قال: وكان رأيه أن يقفل أهلها منها، لانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين. قال: فقدم السمح الأندلس، وعزلها عن أفريقية بأمر أمير المؤمنين عمر، وميَّز أرض العنوة من أرض الصلح، ليصح الخمس، فينزل القسم بتخميس قرطبة، وأخرج البعوث بمثل١، وأُخرجت البطحاء المعروفة بمصلى، بقبلي قرطبة في الخمس، فلما أكمل السمح ما أراد، خاطب أمير المؤمنين بما عمله في أرض العنوة، وأرض الشمل، وهي التي فتحت صلحاً، فإنَّ أهلها صولحوا على الجزية٢ مع اجزاء من الأرض. منها مثالثة ومرابعة، كيف ما كان طيب الأرض وغلته، حسبما فعله رسول الله في خيبر٣ ويستأذنه في بناء القنطرة، من صخر السور، فإنه كان لا يعرف يومئذ في جهة قرطبة مقطع صخر، فورد جواب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، بأن يجعل البطحاء التي حصلت في الخمس بقبلي قرطبة مقبرة، وأن تبنى القنطرة من صخر السور، ويجبر ما تثلَّم٤ منه باللبن، فصارت البطحاء المذكورة مقبرة للمسلمين من يومئذ من خبَّاسة٥ أمير المؤمنين عمر. قال: وكذلك القنطرة من بنيانه أيضاً. ومن بعض قضايا التابعين المشاهدين لفتح الأندلس، مع موسى بن نصير على ما حكى بعض الرّواة أنهم لمَّا غزوا إفرنجة، وصاروا من غزاتهم، تولى حنش بن عبد الله، وأبو عبد الرحمن الحبلي تأسيس جامع قرطبة وتجديده بالبناء، وقوَّما محرابه وأسَّساه بايديهما (وورد في)٦ الأثر أنها روضة من رياض الجنة، وبقيت إلى٧ بني أمية، وبني بنياناً آخر لم يهدم المحراب، ومشى على حمر حشب إلى أن وقف في
١٩٥موضعه اليوم تبركاً به، لما توليا بنيانه بايديهما رحمة الله عليهما فهو كذلك إلى اليوم.
اتكال موسى على الله وتضرعه إليه في فتح حصن من حصون الأندلس
قال: ولما أكمل هاذان التابعان بناء الجامع على ما تقدم ذكره، انصرفوا مع أميرهم موسى بن نصير، واجتمعوا في جبل المائدة على النهر بقبلي طليطلة، ودعوا لأهل الأندلس، وقد جاءت في فضلهم وإجابة دعوتهم آثار كثيرة، منها أنَّ موسى بن نصير حاصر حصناً من حصون شرق الأندلس بضعاً وعشرين ليلة، ولحّ في قتاله فلم يقدر عليه بمنعته وحصانته، فلما طال عليه ذلك نادى في الناس، قال: فظننا أن قد بلغته مادّة من العدو، وأنه يريد التحوّل عنه، فأصبحنا على تعبئة فقام، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس إنِّي متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبَّرت وحملت فكَبِّروا واحملوا، فقال الناس: سبحان الله، إنَّ هذه لغفلة، يأمرنا أن نحمل على الحصن، وما لا سبيل إليه، وأين المجال. قال: فتقدم أمام الصفوف حيث يرى الناس، ورفع يديه إلى السماء، وأقبل على الدعاء والرغبة والتضرع والبكاء، ونحن وقوف ننتظر وقوفه وتكبيره، ثم كبَّر وحمل على سور الحصن، وكبَّر الناس معه وحملوا، فانهدت الناحية التي تليه من الحصن وجالت الخيل على هدمه، وفتحه الله عزَّ وجل على أوليائه وعبيده المسلمين.
قال: ومنها أنه قال، قاتل حصناً آخر كان فيه للعدو عدد ظاهر، وعدّة ظاهرة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وجال المسلمون جولة عظيمة، فأمر موسى بن نصير بسرادقه فقشط عن نسائه وبناته ليبرزهن، وأقبل على الدعاء وحمى المسلمون، والتحم القتال، ففتحه الله تعالى عليه، وكان يغزو بأهل بيته، يرى أن ذلك أقرب لإجابة دعوته.
رجوع موسى إلى المشرق
وهذه النبذة من أخبار رجوع موسى بن نصير إلى المشرق، ففي صدر سنة خمس وتسعين، ورد أبو نصر، رسول أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك المؤجه في الأمير موسى بن نصير، فأمره بالرحيل، وخرج من قرطبة معه، ومع طارق،
١٩٦ومن معه من التابعين، وكل ما أراد الرجوع والتخلف على الأندلس١، وترك معه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري مؤازراً له، وأقام معهما ببلد الأندلس كل من أراد سكناها في مواضعهم التي كانوا اختطوها واستوطنوها، وقفل معه الرسولان مغيث، وأبو نصر حتى احتلوا اشبيلية، فأقرّ موسى فيها ابنه المستخلف على الأندلس لاتصالها بالبحر، نظراً للحال لقربها من مكان المجاز، وركب موسى البحر مع جماعة القفَّال، فمضى لسبيله راجعاً إلى المشرق، وهو متلهف على ما فاته من الجهاد، متأسف لحقه من الأزعاج، وذلك في شهر رمضان منه يعني خروجه من أشبيلية.
وصف خروج موسى من الأندلس
قال عبد الملك بن حبيب يرفعه إلى أبي نعيم التجيبي: لما خرج موسى ابن نصير من قرطبة، بعد أن وصل إليه (رسول) أمير المؤمنين للوليد وأخذ بعنان دابته يخرجه من الأندلس، على ما أمره به. قال: فلمَّا بلغنامعه فج الماء من وراء شقندة، انبعث موسى إلى قرطبة راجعاً، تحته بغلة شهباء، ومعه التابعون ووجوده الناس، حتى بلغ الفج وأظل على قرطبة فوقف، وقال: يا قرطبة، حبَّذا أنت ما أطيبك، وأطيب ليلك ونهارك، وما أحسن اعتدال هوائك، ثم ردّ وجه دابته على طريقه ثم خرج من اشبيلية بعد أن صام وعيَّد فيها عيد الفطر.
وقال عبد الملك توّجه موسى بن نصير يريد المشرق فطوى القيروان، ولم يدخلها، وضحَّى أضحى هذه السنة بقصر الماء على ميل منها، وكان الناس قد قحطوا وأجدبوا جدباً شديداً، فخرج موسى بالناس واستسقى، وخطب الناس فلما فرغ من خطبته قيل له ألا تدعو لأمير المؤمنين قال ليس هذا اليوم ذلك، فسقُوا سقياً كثيراً. قال: ثم مضى إلى أمير المؤمنين الوليد ومعه طارق، وكل ما أصاب من الأموال والجواهر والغنائم وخيار السبي نساءً وصبياناً والمائدة، قيل إنها قومت بمايتي إلف دينار بما فيها من الجوهر، قال: وذكر بعض أهل الأخبار في أمر المائدة أنها سيقت من بيت المقدس في الزمن الأول، وذلك أن أوّل من احتل
١٩٧قاعدة الأندلس واختطها وملكها اشبان بن طوبال بن يافث بن نوح عليه السلام وبه عرفت الأندلس اصبانيا، وأنهم كانوا أكثر من ماية ملك ملكوا في تاريخ أربعة الآف سنة، وهم هبوط آدم عليه السلام، وعلى تاريخ ألف سنة من الطوفان، وهو أوّل ملك اليونان، فيها وإنَّ اليهود لمَّا أدَّعت قتل عيسى بن مريم عليه السلام حميت النصرانية، حيث كانت فكاتب أملاكها، وكان صاحب الأندلس منهم يسمى ببطرش، وقيل هرفلش فإلى أن يلقى من زبل الأندلس في بيت المقدس، فغزا من الأندلس، وأحتمل كثيراً من الزبل، وغز أيضاً ملك رومة، وملك أرمينية، وتحركوا على موعد، واحتلَّ جميعهم بيت المقدس وحاربوا من كانوا فيه حتى غلبوا عليه، وقتلوا من اليهود ماية ألف، وسبوا ماية ألف وفرّقوا في الآفاق ماية ألف واقتسموا ما وجدوا في البيت من الفوائد والغرائب النفيسة، فخرج في سهم ملك الأندلس يومئذ المائدة وأنها التي وجدت بجهة طليطلة، وخرج في سهم ملك ورمة حُلَّة آدم عصا١ موسى عليهما السلام، وخرج في سهم ملك أرمينيه ياقوتة ذي القرنين. وقيل أيضاً أنها الياقوتة التي أصابها موسى بن نصير مع القيلة في ماردة، وأنها وقعت في يد ملك الأندلس مع المائدة فأصابها موسى في طليطلة وماردة وكانت تضى عنها..... وحمل جميع ذلك إلى أمير ألمؤمنين الوليد. قال وفيما رواه عبد الملك بن حبيب السلمي أن نحت نصَّر حشد جميع أقطار الأرض لحرب بيت المقدس. فكان فيمن حشد ملك الأندلس فحضر الغارة ووقعت في سهمه مائدة سليمان فجاء بها إلى الأندلس.
قال: ثم دخلت سنة ست وتسعين ففيها لحق موسى بن نصير بجميع مغانم الأندلس بحضرة أمير المؤمنين الوليد قبل وفاته بشهرين أو نحوهما، فأحضر موسى بين يديه جميع ما يحمله وقدَّم المائدة فاهداها إليه وأدَّعى أنه أصابها، فكذَّبه طارق وقال: بل أنا أصبتها، والدليل على ذلك هذه الرجل الناقصة منها معي ثم أخرجها فصدَّقه الوليد وقبل قوله وأعظم جائزته، وأقام موسى قبل الوليد حتى توفي. قال: فلما مات أمير المؤمنين الوليد وولى أمير المؤمنين سليمان أخوه أخذ موسى بن نصير ومن كان معه من عمَّال المغرب بما بلغه من اقطاعاتهم لقرى
١٩٨الأخمـاس، ومـا غلـوا فيه من الحـال فغرمـوا وأغرم موسى مـاية ألف طلبـة بها١.... ماية ألف استجار بيزيد بن المهلَّب، وكان سليمان بن عبد الملك، يجد على موسى بن نصير أبداً ويسمَّيه الشيخ الكذاب من أجل ما ادَّعى أنه أصاب المائدة، وكان ذلك مما يعاب به سليمان فإن موسى لم يكن كذَّاباً ولا كذب في قوله أنه أصاب المائدة فإن كان هو لم يشاهد أمرها، فإنما أصابها عامله ومولاه والموجه ذلك بسعيه وأمره كما أنَّ فتح الأندلس ينسب إليه.
حواشي المحقِّق
حواشي الدكتور عبد الله أنيس الطبّاع كما أثبتها في طبعته، مرتَّبةً على صفحات المطبوع.
- وجاءت في الأصل: هي كانت.↩
- نجد في هذا النص تفسيراً لأسم المائدة، لم نعثر عليه من قبل عند ابن القوطية وعند ابن قتيبة.↩
- هذه العبارة التقليدية التي كان يستعملها المؤرخون الأول في الإسلام، عندما ينقصهم الدليل المادي على ما يقولون.↩
- اضفنا قد ليستقيم المعنى وإشارة إلى ما ذكره المؤلف قبلاً.↩
- وجاءت في الأصل: وأحضره.↩
- ضحى بها بمعنى أنه حضر فيها حلول عيد الأضحى وقدم لله أضحيته.↩
- كانت قرطبة قاعدة الدولة الأموية.↩
- وجاءت في الأصل: يشدان.↩
- راجع ما ذكر عن هذه الطنفسة في القسم الثاني من هذا الكتاب.↩
- رجالاً، وجاءت في الأصل: رجلاً.↩
- وجاءت في الأصل: وفي مولاه.↩
- تعتبر عائلة آل الرازي في طليعة المؤرخين الأندلسيين، انظر المقدمة ص ٢٣ الحاشية.↩
- هكذا جاءت في الأصل، ويبدو أن المعنى غير مستقيم، والأصح: ونسب بأكثره إلى الفريقي.↩
- وجاءت في الأصل: المسمون.↩
- راجع ما ذكرناه في المقدمة من كتاب الرايات، الذي استندنا إليه عندما بنينا فكرتنا القائلة بأن العرب مع موسى بن نصير، لم يدخلوا الأندلس قوة واحدة كما سبق لهم أن دخلوا البلاد الأخرى.↩
- وجاءت في الأصل: مسجد.↩
- (الكَبْل والكِبل) القيد أو أعظم ما يكون من القيود ج كبول وأكبل الكبل أيضاً: الكثيرة الصوف من الفراء.↩
- الخش مص المطر القليل. الخش التل. (خشّ خشاً) فيه: دخل ــ السحاب: أتى بالخشّ ريداً طعنه ــ البعير: جعل في أنفه الخشاش. يبدو أن المعنى هنا لا يتفق وروح النص.↩
- وجاءت في الأصل: يبقي.↩
- تنقص في المخطوط كلمة في هذا الموضع.↩
- تنقص هنا كلمة في المخطوط.↩
- تنقص هنا كلمة في المخطوط.↩
- تنقص هنا كلمة في المخطوط.↩
- هنا تنقص كلمة في الأصل.↩
- جاءت في الأصل: عندما.↩
- هنا تنقص كلمة في المخطوط.↩
- وجاءت في الأصل: ومن عليه.↩
- وجاءت في الأصل: فيه.↩
- هنا ينقص المخطوط كلمة.↩
- هنا نقص كلمة في المخطوط.↩
- وجاءت في الأصل: الجزاية.↩
- هكذا جاءت في الأصل.↩
- وجاءت في الأصل: تتلمّ.↩
- لقد صححت هذه الكلمة على الأصل بحرف آخر: «خماسة».↩
- ما وضع بين هلالين كتب بخط حديث يختلف عن خط المخطوط.↩
- ما وضع بين هلالين كتب بخط حديث يختلف كل الاختلاف عن خط المخطوط.↩
- هنا يوجد بياض في المخطوط.↩
- وجاءت في الأصل: عصى.↩
- راجع ما ذكر ابن قتيبه في تاريخه.↩