الفتحُ عند ابن القوطية: نزاعُ أسرةٍ لا غزوةُ أمّة
افتح الكتاب على أوّل سطرٍ منه، وانظر بماذا يبدأ. لا يبدأ بطارق، ولا بالعبور، ولا بالبحر. يبدأ هكذا:
«إنّ آخر ملوك القوط بالأندلس غيطشة توفي عن ثلاثة أولاد، أكبرهم المُنْذ، ثم رُمُلة، ثم أرطباس. وكانوا صغاراً عند وفاة أبيهم، فضبطَتْ عليهم أمُّهم مُلكَ أبيهم بطليطلة، وانحرف لذريق — وكان قائداً للملك أبيهم — بمن يُطيق به من رجال الحرب، فاحتلَّ قرطبة.»
الحكايةُ إذن قائمةٌ قبل أن يصل العرب: مَلِكٌ مات، وأولادُه صغار، وقائدٌ من قوّاده اغتصب المُلك. ولمّا جاء طارق، لم يجد أمّةً تدافع عن نفسها، وجد بيتاً مسلوباً يبحث عمّن ينتقم له. فكاتب أولادُ غيطشة طارقاً من ليلتهم، وقالوا فيما قالوا إنّ لذريقاً «إنما كان كلباً من كلاب أبيهم»، وسألوه الأمان وأن يُمضي لهم ضياع أبيهم — وكانت ثلاثة آلاف ضيعة، سُمّيت بعد ذلك «صفايا الملوك».
ثم كانت وادي بكّة، وغرق لذريق فلم يوجد.
فأنت أمام رواية للفتح لا تجعله فتحاً بالمعنى الذي ألِفناه، بل تجعله تسويةً بين طرفٍ غالبٍ وبيتٍ محلّي ساعده، كُتبت شروطُها في سجلّات، ونُفِّذت في دمشق على يد الوليد بن عبد الملك، وبقيت نافذةً بعد ذلك أجيالاً.
السؤال الذي يجب أن يسأله القارئ
مَن الذي يروي لنا هذا؟
رجلٌ من نسل المُنْذ بن غيطشة.
وهذه ليست ملاحظتي وحدي؛ المحقِّق نفسه يقف عند الموضع فيكتب في الحاشية بصراحة:
«نزعة ابن القوطية: عُرف ابن القوطية بتعصُّبه لعائلة غيطشة، لأنه أحد أحفادها كما سنرى.»
ولستُ أقول إنّ الرجل كذب. الأرجح أنّه روى ما وجده في بيته، وأنّ ما في بيته هو صيغةُ الأسرة عن نفسها: أنّ جدَّهم لم يخُن بلده وإنما استردَّ حقَّه من غاصب، وأنّ ما بأيديهم من ألوف الضياع مكتوبٌ لهم بعهدٍ من خليفة، لا مأخوذٌ بتواطؤ. وهذه صيغةٌ يحتاجها بيتٌ نصرانيُّ الأصل يعيش في دولةٍ إسلامية بعد قرنين ونصف، ويريد أن يبقى في طبقة الأشراف.
ولذلك أقول: اقرأ خبرَ الفتح عند ابن القوطية بوصفه وثيقةَ ملكيّةٍ قبل أن تقرأه بوصفه خبرَ معركة.
سارة القوطية: أنفعُ عشر صفحاتٍ في الكتاب
أطول ما يستوقف القارئ في أول الكتاب ليس المعركة، بل رحلةُ امرأة.
مات المُنْذ وترك ابنته سارة وأخوَين صغيرين، فبسط عمُّهم أرطباس يده على ضياعهم. فماذا صنعت؟ أنشأت مركباً بإشبيلية، وركبت البحر بأخوَيها، ونزلت عسقلان، ثم قصدت حتى وقفت بباب هشام بن عبد الملك وأنهت خبرَها وتظلَّمت من عمّها. فأوصلها إلى نفسه، وكتب لها إلى عامل إفريقية بإنفاذ عهد الوليد، وزوَّجها من عيسى بن مزاحم.
ثم — وهذه هي التفصيلة التي لا تُنسى — تقول الرواية إنّها في مجلس هشام نظرت إلى عبد الرحمن بن معاوية صبيّاً بين يديه؛ وكان عبد الرحمن يحفظ لها ذلك بعد أن صار أميراً بالأندلس، فكانت إذا أتت قرطبة أُذن لها في دخول القصر إلى العيال.
في هذا الخبر وحده يجتمع كلُّ ما يميّز الكتاب:
- المكان: من إشبيلية إلى دمشق ذهاباً وإياباً، بأمرٍ شخصيّ.
- الدولة: عهدٌ مكتوب من خليفةٍ في الشام يُنفَّذ على عاملٍ في القيروان وعاملٍ في الأندلس.
- الشبكة: صبيٌّ رآها في مجلس جدّه، ثم صار الرجلَ الذي تدخل عليه في قصره بقرطبة بعد أربعين سنة.
- الأثر: وُلد لها من زوجها الثاني عُمير بن سعيد حبيبٌ، جدُّ بني حجّاج وبني سيد وبني مسلمة — وهم أشراف إشبيلية الذين ستقرأ أخبارهم في آخر الكتاب وهم يفاوضون الأمير عبد الله ويحالفون ابن حفصون.
فأنت تقرأ في أول الكتاب نسبَ أسرةٍ، ثم تجدها في آخره قوّةً سياسية تصنع وتفكّ التحالفات. وهذا — لا سردُ المعارك — هو ما يجيده هذا الكتاب.
مادّةُ العجائب: بيتُ الأقفال وصورُ العرب
في الكتاب موضعٌ من طرازٍ آخر تماماً: البيتُ المقفل بطليطلة، الذي كان كلُّ ملكٍ يضع عليه قفلاً ولا يفتحه، حتى جاء لذريق فأبى إلا فتحه، فوجد فيه صور العرب متنكِّبة قِسيَّها وعمائمها على رؤوسها، وتحتها مكتوب: إذا فُتح هذا البيت دخل الأندلسَ قومٌ في صورهم فغلبوا عليها.
هذه القصة ليست تاريخاً، وليست ادّعاءَ تاريخ. هي قَدَريّة مسبوكة في صورة: أنّ الأمر كان مكتوباً، وأنّ الملك الغاصب هو الذي جرَّه على نفسه. ووظيفتُها في السياق واضحة: تُعفي الجميع من المسؤولية — الغالبَ والمغلوب معاً.
وممّا يستحقّ الانتباه أنّ القصة نفسها ترد في الأقسام الثلاثة من هذه الطبعة، بصياغاتٍ متقاربة. وهذا في ذاته درسٌ في كيفية انتقال الأخبار: مادّةٌ واحدة تُروى في قرطبة وفي المشرق وفي رسالةٍ متأخرة، فتُقرأ عند غير المدقِّق على أنّها ثلاث شهاداتٍ مستقلّة، وهي في الحقيقة صدىً واحد.
وكذلك قصة يليان التاجر وابنته، التي جعلها الناسُ بعد ذلك سبب الفتح كلَّه؛ يوردها ابن القوطية موجزةً، ولا يبني عليها شيئاً.
حلمُ طارق، ودخولُ المحقِّق على الخطّ
ومن المواضع التي ينبغي للقارئ أن ينتبه فيها إلى صوتين لا صوتٍ واحد: خبرُ رؤيا طارق. يروي ابن القوطية أنّ طارقاً نام في السفينة فرأى النبيَّ ﷺ ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلَّدوا السيوف، فمرَّ به فقال له: «تقدَّم لشأنك»، فاستبشر وبشَّر أصحابه.
فيقف المحقِّق عند الكلمة ويكتب في الحاشية:
«يعزو بعض المستشرقين إلى أنّ فتح الأندلس كان فتحاً دينياً نسبةً إلى هذا الحلم، وهذا ما رددنا عليه في المقدمة.»
وهذه حاشيةٌ من القرن العشرين لا من القرن الرابع. المحقِّق هنا يخوض معركةً حديثة — معركة تفسير الفتح — ويستعمل نصَّ ابن القوطية فيها. والقارئ الذي لا يميّز بين الطبقتين سيخرج بانطباعٍ عن الكتاب ليس فيه.
ولهذا نُشر المتنُ هنا بحواشيه: لا لأنّ الحواشي جزءٌ من النصّ، بل ليرى القارئ بعينه أين ينتهي كلامُ ابن القوطية وأين يبدأ كلامُ من حقّقه.