Part III · The State
الدولةُ تُبنى: من الولاة إلى ابن حفصون

كتابٌ بلا سنوات، يحكي كيف بنى بيتٌ غريبٌ دولةً بالموالي والمصاهرة والعهود — ثم كيف تفكّكت.

كتابٌ بلا سنوات

أوّلُ ما يصدم القارئ المعتاد على كتب التاريخ أنّ هذا الكتاب لا يكاد يؤرّخ. لا تجد فيه «ثم دخلت سنة كذا» ولا حولياتٍ ولا تراجم مرتَّبة. تجد بدلاً من ذلك أميراً بعد أمير، وتحت كلِّ أميرٍ حفنةَ أخبارٍ مختارة: مجلسٌ، ومحاورة، وقاضٍ عُزل، وحيلةٌ نجحت.

وقد تحسب هذا نقصاً — وهو نقصٌ إن أردت التسلسل. لكنّه في المقابل يعطيك ما لا تعطيه الحوليات: كيف كانت الدولة تعمل من الداخل. وسأعرض هنا خيطها كما قرأتُه.

من الولاة إلى الأمير: الدولة قبل أن تكون دولة

القسمُ الأول من الكتاب يمرّ سريعاً على عصر الولاة — من عبد العزيز بن موسى إلى يوسف الفهري — وهو يقدّم صورةً واحدة متكرّرة: الأندلس ملحقٌ بإفريقية، ووالي إفريقية يولِّي عليها من أحبّ، والعرب فيها منقسمون قحطانيةً ومضريةً انقساماً يفتك بهم في كل جيل.

ومن أدقّ ما في هذا الباب خبرُ عمر بن عبد العزيز، إذ عهد إلى السمح بن مالك أن يُجلي المسلمين عن الأندلس إشفاقاً عليهم من العدوّ، فكتب إليه السمح يُعرّفه بقوّة الإسلام هناك وكثرة المدائن وشرف المعاقل، فعدَل عن رأيه. خبرٌ في سطرين، وفيه مفترقُ طريقٍ كامل: كان يمكن ألّا تكون هناك أندلس.

عبد الرحمن الداخل: كيف يبني رجلٌ وحيد دولة

هنا يجود الكتاب. فقصةُ دخول عبد الرحمن بن معاوية عند ابن القوطية ليست قصة بطلٍ يعبر البحر، بل قصةُ شبكة.

انظر إلى تسلسلها: يخرج بدرٌ مولاه بوصيّته، فيقصد لا أميراً ولا قبيلة، بل أبا عثمان شيخ الموالي، وصهرَه عبد الله بن خالد. ثم يجتمعان بـالصُّميل بن حاتم — وهو سيّد المضرية ووزيرُ يوسف الفهري، أي الرجل الذي يُفترض أن يكون العدوّ — فيذكّرانه بأيادي بني أميّة عنده وعند سلفه. فيقول أوّلاً: «نعم وكرامة»، ثم يعود في الغد فيقول تلك الجملة التي لا تُنسى:

«فعلمتُ أنّ عبد الرحمن من نسل قومٍ لو بال أحدهم في هذه الجزيرة لغرقنا في بوله

ثم تتوالى البيعات: جدار بن عمرو القيسي يقوم في مصلّى أرجذونة يوم الفطر فيخلع يوسف ويخطب لعبد الرحمن؛ وبنو الخليع موالي بني أميّة يأتون في أربعمائة فارس؛ ثم أبو الصبّاح اليحصبي بإشبيلية، فأهل شذونة، فالغرب كلّه.

فالرجل لم يفتح الأندلس بجيش. ورث فيها زبائن. والولاء الأمويّ — يدٌ أُسديت قبل ثلاثين سنة في دمشق، ومولىً أعتقه جدُّه — كان أصلاً من أصول رأس المال، يُستدعى ويُصرف كما يُصرف المال.

ومن أذكى ما في هذا الباب خبرُ وادي مَنْبَس: نزل عبد الرحمن على خصمه، فسمع في عسكر العدوّ كلاماً بالبربرية، فدعا بمواليه من البربر — بني الخليع وبني وانسوس — وقال لهم: «خاطبوا بني عمّكم، وأعلموهم أنّه إن تغلَّب العربُ وقطعوا دولتنا فلا بقاء لهم معهم.» فلمّا أظلم الليل خاطبوهم بلسانهم فمالوا إليه. ثم كانت الحيلة الأخيرة: طلب البربرُ من العرب أن يُحملوا على الخيل لأنّهم «لا يُحسنون الحرب إلّا فرساناً»، فأُنزل العربُ رجّالةً وركب البربر، ثم خرجوا إلى عبد الرحمن بالخيل كلّها.

تقرأ هذا فتفهم لماذا دام هذا البيت في الأندلس قرنين ونصفاً: لأنّه كان يعرف مَن يكلّم، وبأيّ لسان.

الحكم والقسوة والندم

عند الأمير الحكم بن هشام يبلغ الكتاب أقسى صفحاته، وأصدقَها في تصوير الحكم.

يوم الحفرة بطليطلة: أهلُ طليطلة لا تُطاق طاعتُهم، فيستقدم الحكمُ عَمروساً المولَّد من وشقة — رجلاً من جنسهم ومن دعوتهم — ويولّيه عليهم، ويكتب إليهم كتاباً يخدعهم فيه: «إني اخترتُ لكم رجلاً من أهلكم وأعقابكم». ويأمره أن يبني قصبةً بحجّة إبعاد الحشم عنهم، وأن يجعل لها بابَين. ثم تُقام الوليمة، ويُدخَل الوجوهُ من بابٍ وتُصرَف دوابُّهم إلى الباب الآخر، والسيّافون على شفير الحفرة. ولا ينجو منهم إلا من فطن رجلٌ حكيمٌ إلى الأمر فقال:

«يا أهل طليطلة، السيف والله يعمل فيكم — هذا بخار الدم لا دخان المطبخ

وثورة الرَّبَض بقرطبة: قومٌ أنكروا على الحكم أشياء فأرادوا خلعه، فوشى بهم أحدُهم، ودارت الحرب، ثم أُذن لأهل الربض في الخروج، فلحق أكثرهم بساحل البربر، وركب نحو خمسة عشر ألفاً منهم البحر حتى ملكوا الإسكندرية، ثم اشترى منهم هرثمةُ المدينةَ بمال، فخيَّرهم في النزول حيث شاءوا، فاختاروا جزيرة إقريطش (كريت) فنزلوها. سطران في كتابٍ أندلسيّ، وفيهما نشأةُ إمارةٍ في شرق المتوسط دامت قرناً ونصفاً.

ثم يضع ابن القوطية إلى جانب هذا كلِّه خبرَ طالوت بن عبد الجبّار — الفقيه الذي أجلب على الحكم، ففرَّ فاستتر عند رجلٍ من اليهود عاماً كاملاً، ثم قصد صديقَه أبا البسّام الوزير فوشى به. فلمّا مثَل بين يدي الحكم عدَّد عليه إحسانَه إليه، ثم عفا عنه؛ وقال للوزير:

«يا أبا البسّام، رجلٌ من اليهود حفظ فيه محلَّه من الدين والعلم، وخاطر بنفسه وأهله وماله وولده معي، وأردتَ أنت أن تُنشِبني فيما أنا نادمٌ عليه.» ثم عزله وأمر برفع فراشه.

في هذا الخبر مفتاحُ أخلاق الكتاب كلِّه: ليس بطلاً وشرّيراً، بل رجالٌ يفعلون الفظيع ثم يندمون، ويكافئون الوفاء ولو جاء من غير أهل ملّتهم، ويعاقبون الوشاية ولو نفعتهم.

عبد الرحمن الثاني: الدولة تصير حضارة — ثم تصير أسطولاً

مع عبد الرحمن بن الحكم يتغيّر مزاجُ الكتاب: يدخل الشعرُ والغناء والوزراء وترتيب الخدمة. هنا زرياب يقدم من المشرق فيحلّ من الأمير بكل محلّ؛ وهنا الخبرُ الذي أُحبّه: أمر الأميرُ الخزّان أن يدفعوا لزرياب ثلاثين ألف دينار على صوتٍ غنّاه، فردّ الخزّان الأمر وقالوا:

«نحن وإن كنّا خزّان الأمير، فنحن خزّان المسلمين، نجبي أموالهم ونُنفقها في مصالحهم... فليدفع إليه الأميرُ ذلك ممّا عنده.»

فقال زرياب: «ما هذه طاعة». فقال عبد الرحمن: «هذه الطاعة»، ودفع له من ماله الخاصّ.

ثم يقع الحدث الذي يغيّر بنية الدولة: دخول المجوس (النورمان/الفايكنج) سنة ٢٣٠هـ. أخلى الناسُ إشبيلية وفرّوا، ولم يتعاطَ أحدٌ من أهل الغرب قتالهم، حتى استُنفر أهل قرطبة والثغر، وكانت الكمائن في كنيسة قرية بقبليّ إشبيلية، ثم أُحرقت مراكبُهم. والنتيجة التي سجّلها الكتاب في سطر:

«واستعدَّ الأميرُ عبد الرحمن بن الحكم فأمر بإقامة دار صناعة بإشبيلية، وأنشأ المراكب، واستعدَّ برجال البحر من سواحل الأندلس... فاستعدَّ بالآلات والنفط، فلمّا قدموا القدمة الثانية سنة أربع وأربعين ومائتين، تُلقّوا في مدخل نهر إشبيلية في البحر فهُزموا.»

هذه هي الطريقة التي تُبنى بها القوّة البحرية: ضربةٌ مذلّة، ثم عشرون سنةً من الاستعداد، ثم ردٌّ في البحر لا في البرّ.

محمد وعبد الله: الدولة تتفكّك

آخرُ الكتاب أسودُ لونًا. في أيام الأمير محمد يبدأ الخلل من موضعٍ يبدو صغيراً: تَرَك الأميرُ اختيار العمّال من الكهول والشيوخ ومال إلى الأحداث، وشاطرهم أرباحهم، حتى صار العمّال يُسمَّون «المُناصفين». ومن هنا يمضي كلُّ شيء إلى أسفل: عمّالٌ شركاء في النهب، ورعيّةٌ تنفر، وثائرٌ في كل ناحية.

ثم يظهر عمر بن حفصون — وهو أطولُ حضورٍ لشخصٍ واحد في الكتاب بعد عبد الرحمن الداخل. يرويه ابن القوطية روايةً غريبة الطابع: رجلٌ من مسالمة أهل الذمّة، ضُرب بالسياط فهرب إلى تيهرت، وجلس يخيط عند خيّاطٍ من أهل رَيّة، حتى دخل عليه شيخٌ فتفرّس فيه وقال:

«يا منحوس، تُحارب الفقر بالإبرة؟ ارجع إلى بلدك، فأنت صاحب بني أميّة، وسيلقَون منك غيّاً، وستملك ملكاً عظيماً.»

ولا يُخفي المؤلِّف موقفه منه في النهاية؛ فحين ينكسر ابن حفصون أمام ابن أبي عَبْدة يعلّق بجملةٍ واحدة: «وكان العاقبةُ للمتّقين».

ومع ابن حفصون يجري في الغرب عبد الرحمن بن مروان الجِلِّيقي — المولَّد الذي خرج من الحشم فصار سيّد الغرب، والذي انتزع من الدولة اعترافاً صريحاً بأن يبني بطليوس ويقيم الدعوة ولا تلزمه جبايةٌ ولا طاعة. وهذه من أوضح صفحات الكتاب في تصوير كيف تتحوّل الدولة إلى مساومة.

الخيط الذي يجمع الكتاب

إن كان لهذا الكتاب موضوعٌ واحد، فهو في تقديري هذا:

كيف يحكم بيتٌ غريبٌ بلداً بعيداً بغير جيشٍ يكفيه؟

والجواب الذي يعرضه الكتاب في كل صفحة: بالموالي، والمصاهرة، والعهود المكتوبة، والذاكرة الطويلة للأيادي — وحين يُخفق ذلك، بالحفرة والسيف. ولذلك تجد الكتاب معنيّاً بأنساب البيوت ومواضع سكناها وضياعها أكثر ممّا هو معنيٌّ بالمعارك: لأنّ تلك، لا هذه، كانت أدوات الحكم.