الخبر عن نفزاوة وبطونهم وتصاريف أحوالهم
وهم بنو تطوفت بن نفزاو بن لوا الأكبر بن زحيك، وبطونهم كثيرة مثل غساسة ومرنيسة وزهيلة وسوماتة وزاتيمة وولهاصة ومجره وورسيف، ومن بطونهم مكلاتة.
ويقال إن مكلاتة من عرب اليمن وقع إلى تطوفت صغيرا فتبناه، وليس من البربر.
ولمكلاتة بطون متعددة مثل بني ورياغل وكزناية وبني يصلتن وبني ديمان ورمحوق وبني يزناسن ويقال إن غساسة منهم، هكذا عند نسابة البربر مثل سابق المطماطي وغيره ومن بطون ولهاصة ورتدين بن داحية بن ولهاصة وورفجومة بن نيرغاس بن ولهاص.
ومن بطون ورفجومة زكوله رجالة لذكاك بن ورفجوم إلى بطون أخرى كثيرة.
وكان ورفجومة هؤلاء أوسم بطون نفزاوة وأشدهم بأسا وقوة. ولما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبي جعفر المنصور وقتله أخواه عبد الوارث وإلياس وطالبهما ابنه حبيب بالثأر فلحق عبد الوارث بورفجومة، ونزل على أميرهم عاصم بن جميل بأوراس، وكان كاهنا فأجاره وقام بدعوة أبي جعفر المنصور، واجتمعت إليه نفزاوة، وكان من رجالاتهم عبد الملك بن أبي الجعد ويزيد بن سكوم وكانوا يدينون بدين الإباضية من الخوارج، وزحفوا إلى القيروان سنة أربعين ومائة. وفر عنها حبيب بن عبد الرحمن، ودخلها عبد الملك بن أبي الجعد وقتل حبيبا. واستولت نفزاوة على القيروان وقتلوا من كان بها من قريش وسائر العرب، وربطوا دوابهم بالمسجد، وعظمت حوادثهم. ٦/١٥٠
ونكر ذلك عليهم الاباضية من برابرة طرابلس وتولى كبرها زناتة وهوارة فاجتمعوا إلى الخطاب بن السمح ورجالات العرب، واستولوا على طرابلس ثم على القيروان سنة إحدى وأربعين ومائة وقتلوا عبد الملك بن أبي الجعد وأثخنوا في قومه من نفزاوة وورفجومة، ورجعوا إلى طرابلس بعد أن استعمل أبو الخطاب على القيروان عبد الرحمن بن رستم. واضطرم المغرب نارا وعظمت فتنة ورفجومة هؤلاء إلى أن قدم محمد بن الأشعث سنة ست وأربعين ومائة من قبل المنصور فأثخن في البربر وأطفأ نار هذه الفتنة كما قدمناه. ولما اختط عمر بن حفص مدينة طبنة سنة إحدى وخمسين ومائة أنزل ورفجومة هؤلاء بها بما كانوا شيعا له، وعظم غناؤهم فيها عند ما حاصره بها ابن رستم وبنو يفرن.
ثم انتقضوا بعد مهلك عمر على يزيد بن حاتم عند قدومه على إفريقية سنة سبع وخمسين ومائة وولوا عليهم أبا زرجونة منهم، وسرح إليهم يزيد العساكر مع ابنه وقومه فأثخنوا فيهم. ثم انتقضت نفزاوة على أبيه داود، ودعوا إلى دين الاباضية، وولوا عليهم صالح بن نصر منهم فرجعت العساكر إليهم متراسلة وقتلوهم أبرح قتل.
وعليها كان ركود ريح الخوارج بإفريقية وأذعار البربر. وافترق بنو ورفجوم بعد ذلك وانقرض أمرهم وصاروا أوزاعا في القبائل. وكان رجالة منهم بطنا متسعا. وكان منهم رجالات مذكورون في أول العبيديين وبني أمية بالأندلس منهم الرجالي أحد الكتاب بقرطبة، وبقي منهم لهذا العهد فرق بمرماجنة. وهناك قرية ببسيطها تنسب إليهم.
وأما سائر ولهاصة من ورفجومة وغيرهم فهم لهذا العهد أوزاع لذلك، أشهرهم قبيلة بساحل تلمسان اندرجوا في كومية وعدوا منهم بالنسب والخلط. وكان منهم في أواسط هذه المائة الثامنة ابن عبد المكلف استقل برياستهم وتملك بدعوى السلطان بعد استيلاء بني عبد الواد على تلمسان ونواحيها، وتغلب على سلطانهم لذلك العهد كما نذكره عثمان بن عبد الرحمن وسجنه بالمطبق بتلمسان ثم قتله. ومن أشهر قبائل ولهاصة أيضا قبيلة أخرى ببسيط بونة يركبون الخيل ويأخذون بمذاهب العرب في زيهم ولغتهم وسائر شعارهم كما هو شأن هوارة. وهم في عداد القبائل الغارمة ورياستهم في بني عريف منهم، وهي لهذا العهد في ولد حازم بن شداد بن حزام بن ٦/١٥١
نصر بن مالك بن عريف. وكانت قبلهم لعسكر بن بطنان منهم، هذه أخبار ولهاصة فيما علمناه.
(وأما نهاية بطون نفزاوة) فمنهم زاتيمة، وبقية منهم لهذا العهد بساحل برشك، ومنهم غساسة، وبقية منهم لهذا العهد بساحل بوطة حيث القرية التي هناك حاضرة البحر، ومرسى لأساطيل المغرب، وهي مشهورة باسمهم. وأما زهيلة فبقيتهم لهذا العهد بنواحي بادس مندرجون في غمارة وكان منهم لعهد مشيختنا أبو يعقوب البادسي أكبر الأولياء، وآخرهم بالمغرب. وأما مرنيسة فلا يعلم لهم موطن، ومن أعقابهم أوزاع بين أحياء العرب بإفريقية، وأما سوماتة فمنهم بقية فمن نواحي القيروان، كان منهم منذر بن سعيد القاضي بقرطبة لعهد الناصر والله أعلم.
وأما بقايا بطون نفزاوة فلا يعرف لهم لهذا العهد حي ولا موطن إلا القرى الظاهرة المقدرة السير المنسوبة إليهم ببلاد قسطيلة، وبها معاهدون من الفرنجة أوطنوهم على الجزية واعتقاد الذمة عند عهد الفتح، وأعقابهم بها لهذا العهد، وقد نزل معهم كثير من بني سليم من الشريد وزغبة، وأوطنوها وتملكوا بها القفار والضياع. وكان أمر هذه القرى راجعا إلى عامل توزر أيام استبداد الخلافة. فلما تقلص ظل الدولة عنهم، وحدثت العصبة في الأمصار استبدت كل قرية بأمرها وصار مقدم توزر يحاول دخولهم في إيالته فمنهم من يعطيه ذلك ومنهم من يأباه حتى أظلتهم دولة مولانا السلطان أبي العباس، وأدرجوا كلهم في طاعته واندرجوا في حبله، والله ولي الأمور لا رب غيره أه.
الخبر عن لواتة من البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم
وهو بطن عظيم متسع من بطون البربر البتر ينتسبون إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك، ولوا الأصغر هو نفزا وكما قلناه. ولوا اسم أبيهم، والبربر إذا أرادوا العموم في الجمع زادوا الألف والتاء فصار لوات، فلما عربته العرب حملوه على الإفراد وألحقوا به هاء الجمع. وذكر ابن حزم أن نسابة البربر يزعمون أن سدراتة ولواتة ومزاتة من ٦/١٥٢
القبط وليس ذلك بصحيح. وابن حزم لم يطلع على كتب علماء البربر في ذلك. وفي لواتة بطون كثيرة وفيهم قبائل كثيرة مثل سدراتة بن نيطط بن لوا، ومثل عزوزة بن ماصلت بن لوا. وعد سابق وأصحابه في بني ماصلت بطونا أخرى غير عزوزة وهم:
أكورة وجرمانة ونقاعة مثل بني زائد بن لوا، وأكثر بطونهم مزاتة. ونسابة البربر يعدون في مزاتة بطونا كثيرة مثل: ملايان ومرنه ومحيحه ودكمه وحمره ومدونه.
وكان لواتة هؤلاء ظواعن في مواطنهم بنواحي برقة كما ذكر المسعودي، وكان لهم في فتنة أبي يزيد آثار.
وكان منهم بجبل أوراس أمة عظيمة ظاهروا أبا يزيد مع بني كملان على أمره. ولم يزالوا بأوراس لهذا العهد مع من به من قبائل هوارة وكتامة، ويدهم العالية عليهم تناهز خيالتهم ألفا وتجاوز رجالاتهم العدة. وتستكفي بهم الدولة في جباية من تحت أيديهم بجبل أوراس من القبائل الغارمة فيحسنون الغناء والكفاية. وكانت البعوث مضروبة عليهم ينفرون بها في معسكر السلطان. فلما تقلص ظل الدولة عنهم صار بنو سعادة منهم في أقطاع أولاد محمد من الزواودة فاستعملوهم في مثل ما كانت الدولة تستعملهم فيه، فأصاروهم خولا للجباية وعسكرا للاستنفار وأصبحوا من جملة رعاياهم. وقد كان بقي جانب منهم لم تستوفه الإقطاعات، وهم بنو زنجان وبنو باديس فاستضافهم منصور بن مزني إلى عمله. فلما استبد مزني عن الدولة واستقلوا بالزاب صاروا يبعدونهم بالجبلية بعض السنين ويعسكرون عليهم لذلك بأفاريق الأعراب، وهم لهذا العهد معتصمون بجبلهم لا يجاوزونه إلى البسيط خوفا من عادية الأعراب.
ولبني باديس منهم أتاوات على بلد نقاوس المحيطة في فسيح الجبل بما تغلبوا على ضواحيها. فإذا انحدر الأعراب إلى مشاتيهم اقتضوا منها أتاواتهم وخفارتهم. وإذا أقبلوا إلى مصايفهم رجع لواتة إلى معاقلهم الممتنعة على الأعراب. وكان من لواتة هؤلاء أمة عظيمة بضواحي تاهرت إلى ناحية القبلة، وكانوا ظواعن هنالك على ٦/١٥٣
وادي ميناس ما بين جبل يعود من جهة الشرق وإلى وارصلف من جهة الغرب. يقال إن بعض أمراء القيروان نقلهم معه في غزوة وأنزلهم هنالك. وكان كبيرهم أورغ بن علي بن هشام قائدا لعبد الله الشيعي.
ولما انتقض حميد بن مصل صاحب تاهرت على المنصور ثالث خلفاء الشيعة ظاهروه على خلافه، وجاوروه في مذاهب ضلاله إلى أن غلبه المنصور. وأجاز حميد إلى الأندلس سنة ست وثلاثين ومائة وزحف المنصور يريد لواتة فهربوا أمامه إلى الرمال وهرب عنهم ونزل إلى وادي ميناس ثم انصرف إلى القيروان.
(وذكر) ابن الرقيق أن المنصور وقف هنالك على أثر من آثار الأقدمين بالقصور التي على الجبال الثلاثة مبنية بالحجر المنحوت، يبدو للناظر على البعد كأنها أسنمة قبور، ورأى كتابا في حجر فسره له أبو سليمان السردغوس: خالف أهل هذا البلد على الملك فأخرجني إليهم، ففتح لي عليهم، وبنيت هذا البناء لأذكر به، وهكذا ذكر ابن الرقيق، وكان بنو وجديجى من قبائل زناتة بمواطنهم من منداس جيرانا للواتة هؤلاء، والتخم بينهما وادي ميناس وتاهرت. وحدثت بينهما فتنة بسبب امرأة أنكحها بنو وجديجي في لواتة فعيروا بالفقر، فكتبت بذلك إلى قومها ورئيسهم يومئذ غسان فتذامروا واستمدوا من وراءهم من زناتة فأمدوهم بعلي بن محمد اليفرني.
وزحفت مطماطة من الجانب الآخر في مظاهرتهم وعليهم غزانة أميرهم، وزحفوا جميعا إلى لواتة، فكانت بينهم وقائع وحروب هلك في بعضها علاق، وأزاحوا عن الجانب الغربي السرسو، وألجئوهم إلى الجبل الذي في قبلة تاهرت، المسمى لهذا العهد كركيرة، وكان به قوم من مغراوة فغدروا بهم، وتظاهروا جميعا عليهم إلى أن أخرجوهم عن آخر مواطنهم في جهة الشرق بجبل يعود فنزلوا من وراء الجبل المسمى لهذا العهد دارك. وانتشرت عمائرها بتلوله وما وراءه إلى الجبال المطلة على متيجة، وهم لهذا العهد في عداد القبائل الغارمة. وجبل دارك في أقطاع ولد يعقوب بن موسى مشيخة العطاف من ورغة ولواتة أيضا بطون بالجبل المعروفة بهم قبلة قابس وصفاقس ومنهم بنو مكي رؤساء قابس لهذا العهد. ومنهم أيضا بواحات مصر فيما ٦/١٥٤
ذكره المسعودي أمة عظيمة بالجيزة التي بينها وبين مصر. وكان لما قرب من هذه القصور شيخهم هنالك بدر بن سالم، وانتقض على الترك وسرحوا إليه العساكر فاستلحموا كثيرا من قومه، وفر إلى ناحية برقة وهو الآن في جوار العرب بها. ومن زناتة هؤلاء أحياء بنواحي تادلا قرب مراكش من الغرب الأقصى، ولهم هنالك كثرة. ويزعم كثير من الناس أنهم بنواحي جابر من عرب جشم، واختلطوا بهم وصاروا في عدادهم، ومنهم أوزاع مفترقون بمصر وقرى الصعيد شاوية وفلاحين، ومنهم أيضا بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة، ينزلون بسيط تاكرارت من أعمالها ويعتمرونها، فدنا لمزارعهم ومسارح لأنعامهم ومشيختهم لهذا العهد في ولد راجح بن صواب منهم، وعليهم للسلطان جباية مفروضة وبعث مضروب. هؤلاء المعروفون من بطون لواتة ولهم شعوب أخرى كثيرة اندرجوا في البطون وتوزعوا بين القبائل، والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن بني فاتن من ضريسة إحدى بطون البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم
وهم بطون مضغرة ولماية وصدينة وكومية ومديونة ومغيلة ومطماطة وملزوزة ومكناسة ودونة، وكلهم من ولد فاتن بن تمصيب بن حريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ولهم ظهور من البرابر وأخبار، نسردها بطنا بطنا إلى آخرها. مضغرة: وهم من أوفر هذه الشعوب. وكانوا خصاصين آهلين. وكان جمهورهم بالمغرب منذ عهد الإسلام نشبوا في نشر الردة وضروبها . وكان لهم فيها مقامات. ولما استوسق الإسلام في البربر أجازوا إلى فتح الأندلس وأجازت منهم أمم واستقروا هنالك. ولما سرى دين الخارجية أجازوا إلى فتح الأندلس وأجازت منهم أمم واستقروا هنالك.
ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذ مضغرة هؤلاء برأي الصفرية، وكان شيخهم ميسرة، ويعرف بالجفير مقدما فيه. ٦/١٥٥
ولما ولى عبيد الله بن الحبحاب على إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك، وأمره أن يمضي إليها من مصر، فقدمها سنة أربع عشرة ومائة واستعمل عمر بن عبد الله المرادي على طنجة والمغرب الأقصى وابنه إسماعيل على السوس وما وراءه. واتصل أمر ولائهم وساءت سيرتهم في البربر ونقموا عليهم أحوالهم، وما كانوا يطالبونهم به من الوصائف البربريات والأردية العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب، فكانوا يتغالبون في جمعهم ذلك وانتحالة. حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه.
فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر وجورهم عليهم، وامتعض لذلك ميسرة الحسن زعيم مضغرة الحسن وحمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة فقتلوه سنة خمس وعشرين ومائة وولى ميسرة مكانه عبد الأعلى بن خديم الإفريقي الرومي الأصل، كان من موالي العرب وأهل خارجيتهم، وكان يرى رأي الصفرية، فولاه ميسرة على طنجة، وتقدم إلى السوس فقتله عامله إسماعيل بن عبد الله، واضطرم المغرب نارا وانتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد.
وزحف بعض الحجاب إليه من القيروان في العساكر على مقدمة خالد بن أبي حبيب الفهري، فلقيهم ميسرة في جموع البرابرة فهزم المقدمة واستلحمهم، وقتل خالد.
وتسامع البربر بالأندلس بهذا الخبر فثاروا يعاملهم عقبة بن الحجاج السلولي وعزلوه، وولوا عبد الملك بن قطن الفهري، وبلغ الخبر بذلك إلى هشام بن عبد الملك فسرح كلثوم بن عياض المري في اثني عشر الفا من جنود الشام، وولاه على إفريقية وأدال به من عبيد الله بن الحبحاب (القسم الثاني المجلد السادس) وزحف كلثوم إلى البرابرة سنة ثلاث وعشرين ومائة حتى انتهت مقدمته الى اسبو من أعمال طنجة فلقيه البرابرة هنالك مع ميسرة وقد فحصوا عن أوساط رءوسهم ونادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثم هزموه وقتلوه. ٦/١٥٦
وكان كيدهم في لقائهم إياه، وملئوا الشنان بالحجارة وربطوها بأذناب الخيل تنادي بها فتقعقع الحجارة في شنانها، وسربت بمصاف العساكر من العرب فنفرت خيولهم واختل مصافهم وانجرب عليهم الهزيمة فافترقوا، وذهب بلج مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة كما ذكرناه في أخبارهم. ورجع إلى القيروان أهل مصر وإفريقية، وظهرت الخوارج في كل جهة، واقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى أن هلك ميسرة، وقام برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حارث منهم، وكان خلفا لمحمد بن خزر ومغراوة. ثم كان من بعد ذلك ظهور إدريس بالمغرب، فقدم بها البرابرة وتولى كبرها أوربة منهم كما ذكرناه. وكان على مضغرة يومئذ شيخهم بهلول بن عبد الواحد، فانحرف مالك عن إدريس إلى طاعة هارون الرشيد بمداخله إبراهيم بن الأغلب عامل القيروان، فصالحه إدريس وأنبأه بالسلم.
ثم ركد ريح مضغرة من بعد ذلك وافترق جمعهم، وجرت الدول عليهم أذيالها واندرجوا في عمال البربر الغارمين لهذا العهد بتلول المغرب وصحرائه. فمنهم ما بين فاس وتلمسان أمم يتصلون بكومية ويدخلون حلفهم، واندرجوا من لدن الدعوة الموحدية منهم ورياستهم لولد خليفة. كان شيخهم على عهد الموحدين، وبنى لهم حصنا بمواطنهم على ساحل البحر سمى تاونت. ولما انصرفت دولة بني عبد المؤمن واستولى بنو مرين على المغرب قام هارون بن موسى بن خليفة بدعوة يعقوب بن عبد الحق سلطانهم، وتغلب على ندرومة، وزحف إليه يغمراسن بن زيان فاسترجع ندرومة من يده، وغلبه على تاونت. ثم زحف يعقوب بن عبد الحق إليهم وأخذها من أيديهم وشحنها بالأقوات، واستعمل هارون ورجع إلى المغرب فحدث هارون نفسه بالاستبداد، فدعا لنفسه معتصما بذلك الحصن خمس سنين.
ثم صاهره يغمراسن واستنزله على صلح سنة اثنتين وسبعين وستمائة. ولحق هارون بيعقوب بن عبد الحق. ثم أجاز إلى الجهاد بإذنه واستشهد هنالك. وقام بأمر مضغرة من بعده أخوه تاشفين إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعمائة. واتصلت رياستهم على عقبه لهذا العهد. ومن قبائل مضغرة أمة بجبل قبلة فاس معروف بهم. ومنهم أيضا قبائل كثيرون بنواحي سجلماسة وأكثر أهلها منهم. وربما حدثت بها عصبية من جراهم. ٦/١٥٧
ومن قبائل مضغرة أيضا بصحراء المغرب كثيرون نزلوا بقصورها واغترسوا شجرة النخل على طريقة العرب، فمنهم بتوات قبلة سجلماسة إلى تمنطيت آخر عملها، قوم كثيرون موطنون مع غيرهم من أصناف البربر.
ومنهم في قبلة تلمسان وعلى ستة مراحل منها، وهي قصور متقاربة بعضها من بعض ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوي، معدود في آحاد الأمصار بالصحراء، ضاح من ظل الملك والدول لبعده في القفر. ورياسته في بني سيد الملك منهم. وفي شرقيها وعلى مراحل منها قرى أخرى متتابعة على سمتها متصاعدة قليلا إلى الجوف، آخرها على مرحلة من قبلة جبل راشد. وهي في مجالات بني عامر من زغبة وأوطانهم من القفر، وقد تملكوها لحظ أبنائهم وقضاء حاجاتهم حتى نسبت إليهم في الشهرة. وفي جهة الشرق على هذه القصور وعلى خمس مراحل منها دامعة متوغلة في القفر تعرف بقليعة. الآن يعتمرها رهط من مضغرة هؤلاء. وينتهي إليها ظواعن عن الملثمين من أهل الصحراء بعض السنين إذا لفحهم الهجير، يستبردون في تلولها لتوغلها في ناحيتهم. ومن مضغرة هؤلاء أوزاع في أعمال المغرب الأوسط وإفريقية ولله الخلق جميعا.
(لماية) وهم بطون كما ذكرناه أخوه مضغرة، ولهم بطون كثير عد منها سابق وأصحابه بنو زكرمار ومزيزة ومليزة بنو مدنيين كلهم من لماية. وكانوا ظواعن بإفريقية والمغرب، وكان جمهورهم بالمغرب الأوسط موطنين بسحومة مما يلي الصحراء. ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الاباضية ودانوا به وانتحلوه وانتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة وهوارة. وكانوا بأرض السرسو قبلة منداس وزواغة وكانوا في ناحية الغرب عنهم. وكانت مطماطة ومكناسة وزناتة جميعا في ناحية الجوف والشرق، فكانوا جميعا على دين الخارجية، وعلى رأي الاباضية منهم. وكان عبد الرحمن بن رستم من مسلمة الفتح، وهو من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية، وقدم إلى إفريقية مع طوالع الفتح فكان بها. وأخذ بدين الخارجية ٦/١٥٨
والاباضية منهم. وكان صنيعة للمتة وحليفا لهم .
ولما تحزب الاباضية بناحية طرابلس منكرين على ورفجومة فعلهم في القيروان كما مر، واجتمعوا إلى ابن الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافري إمام الاباضية فملكوا طرابلس، ثم ملكوا القيروان، وقتل واليها من ورفجومة عبد الملك بن أبي الجعد، وأثخنوا في ورفجومة وسائر مغراوة سنة إحدى وأربعين ومائة ورجع أبو الخطاب والاباضية الذين معه من زناتة وهوارة وغيرهم بعد ان استخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم. وبلغ الخبر بفتنة ورفجومة هذه واضطراب الخوارج من البربر بإفريقية والمغرب وتسلقهم على الكرسي للإمارة بالقيروان إلى المنصور أبي جعفر فسرح محمد بن الأشعث الخزاعي في العساكر إلى إفريقية، وقلده حرب الخوارج بها، فقدمها سنة أربع وأربعين ومائة ولقيهم أبو الخطاب في جموعه قريبا من طرابلس فأوقع به ابن الأشعث وبقومه. وقتل أبو الخطاب وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان إمارته في القيروان، فاحتمل أهله وولده ولحق باباضية المغرب الأوسط من البرابرة الذين ذكرناهم، ونزل على لماية لقديم حلف بينه وبينهم، فاجتمعوا إليه وبايعوا له بالخلافة. وائتمروا في بناء مدينة ينصبون بها كرسي لإمارتهم، فشرعوا في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل كزول السياح على تلول منداس، واختطوها على وادي ميناس النابعة منه عيون بالقبلة، وتمر بها وبالبطحاء إلى أن تصب في وادي شلف. فأسسها عبد الرحمن بن رستم واختطها سنة أربع وأربعين ومائة فتمدنت واتسعت خطتها إلى أن هلك عبد الرحمن، وولي ابنه عبد الوهاب من بعده، وكان رأس الاباضية.
وزحف سنة ست وسبعين ومائة مع هوارة إلى طرابلس وبها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من قبل أبيه فحاصره في جموع الاباضية من البربر إلى أن هلك إبراهيم بن الأغلب واستقدم عبد الله بن الأغلب لإمارته بالقيروان، فصالح عبد الوهاب على أن تكون الصباحية لهم وانصرف الى مقوسة ولحق عبد الله بالقيروان، وولى عبد الوهاب ابنه ميمونا، وكان رأس الأباضية والصفرية والواصلية. وانصرف إلى مقوسة والصفرية والواصلية. وكان يسلم عليه بالخلافة، وكان أتباعه من الواصلية وحدهم ٦/١٥٩
ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام. ولم يزل الملك في بني رستم هؤلاء بتاهرت وحازتهم جيرانهم من مغراوة وبني يفرن على الدخول في طاعة الأدارسة لما ملكوا تلمسان. وأخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم، إلى أن كان استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية والمغرب سنة ست وسبعين ومائة فغلبهم على مدينة تاهرت وابتزهم ملكهم بها.
وبث دعوة عبد الله في أقطار المغربين، فانقرض أمرهم بظهور هذه الدولة وعهد عروبة بن يوسف الكتامي فاتح المغرب للشيعة على تاهرت لأبي حميد دواس بن صولان الهيصي فغدا إلى المغرب سنة ثمان وتسعين ومائة فأمحى في مؤامرتها الاباضية من لماية وازداجة ولواتة ومكناسة ومطماطة، وحملهم على دين الرافضة وشيخ بها دين الخارجية حتى استحكم في عقائدهم. ثم وليها أيام إسماعيل المنصور ابن صلاص بن حبوس . ثم نزع إلى دعوة الأموية وراء البحر، ولحق بالخير بن محمد بن خزر صاحب دعوتهم في زناتة. واستعمل المنصور بعده على تاهرت ميسورا الحصني مولاه وأحمد بن الزجالي من صنائعه، فزحف إليها حميد والخير وانهزم ميسور.
واقتحموا تاهرت عنده وتعصبوا على أحمد الزجالي وميسور إلى أن أطلقوهما بعد حين.
ولم تزل تاهرت هذه بعد لأعمال الشيعة وصنهاجة سائر أيامهم، وتغلب عليها زناتة مرارا ونازلها عسكر بني أمية راجعة في أثر زيري بن عطية أمير المغرب من مغراوة أيام أجاز المظفر بن أبي عامر من العدوة إلى حربه. ولم يزل الشأن هذا إلى أن انقرض أمر تلك الدول، وصار أمر المغرب الى لمتونة. ثم صار إلى دولة الموحدين من بعدهم، وملكوا المغربين. وخرج عليهم بنو غانية بناحية قابس، ولم يزل يجيء منهم جلب على ثغور الموحدين وشن الغارات على بسائط إفريقية والمغرب الأوسط. وتكرر دخوله إليها عنوة مرة بعد أخرى إلى أن احتمل سكانها وخلا جوها وعفا رسمها لما يناهز عشرون من المائة السابعة، والأرض لله.
(وأما قبائل لماية) فانقرضوا وهلكوا بهلاك مصرهم الذي اختطوه وحازوه وملكوه سنة ٦/١٦٠
الله في عباده. وبقيت فرق منهم أوزاعا في القبائل، ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس، وهم بها لهذا العهد. وقد كان النصرانية من أهل صقلية ملكوها على من بها من المسلمين، وهي قبائل لماية وكتامة مثل: جربة وسدويكش ووضعوا عليهم الجزية وشيدوا على ساحل البحر بها معقلا كافيا لإمارتهم سموه القشتيل. وطال تمرس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية بتونس حتى كان افتتاحها أعوام ثمان وثلاثين من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبي بكر، وعلى يد مخلوف بن الكماد من صنائعه. واستقرت بها الدعوة الإسلامية إلى هذا العهد. إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون لدين الخارجية ويتدارسون مذاهبهم مجلدات تشتمل على تآليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها والله خلقكم وما تعملون.
(مطماطة) وهم إخوة مضغرة ولماية من ولد فاتن بن تمصيت الذين مر ذكرهم، وهم شعوب كثيرة. وعن سابق المطماطي وأصحابه من النسابة أن اسم مطماط مصكاب، ومطماط لقب له وأن شعوبهم من لوا بن مطماط وأنه كان له ولد آخر اسمه ورنشيط، ولم يذكروا له عقبا قالوا: وكان للوا أربعة من الولد: ورماس ومبلاغر ووريكول ويليص . ولم يعقب يليص وأعقب الثلاثة الباقون، ومنهم افترقت شعوب مطماطة كلها، فأما ورماس فمنه مصمود ويونس ويفرين، وأما وريكول فكان له من الولد كلدام وسيده وقيدر ولم يعقب سيده ولا قيدر وكان لكلدام عصفراص وسليايان فمن سليايان وريغني ووصدى وقسطايان وعمرو ويقال لهؤلاء الخمسة بنو وصطلودة سموا بأمهم. وكان لعصفراص زهاص ونهراص فمن عصفراص ورهل وحامد وسكوم ، ويقال لهم بنو تليكشان سموا بأمهم وكان من زهاص بلست وبصلاتين فمن بلست ورسقلاسن وسكر ومحمد ومكريل ودكوال . ومن يصلاسن بان يولى وسمساسن ومسامر وملوسن ويحمد ونافع وعبد الله ٦/١٦١
وعردابين وأما يلاغف بن لوا بن مطماط فكان له من الولد دحيا وتاينة فمن تاينة ماحرسكن وريغ وعجلان ومقام وقرة . وكان لدحيا ورتجى ومحديل. فمن ورتجى مغرين وبور ورسيكم وممجيس. ومن محديل ماكور وأشكول وكفلان ومذكور وفطارة وأبورة . هذه شعوب مطماطة كما ذكر نسابة البربر سابق وأصحابه، وهم مفرقون في المواطن، فمنهم من نواحي فاس من قبلتها في جبل هنالك معروف بهم ما بين فاس وصفروى، ومنهم بجهات قابس والبلد المختط على العين الحامية من جهة غربها، منسوب إليهم. ولهذا العهد يقال حمة مطماطة، ويأتي ذكرها في الدولة الحفصية وممالك إفريقية وبقاياهم أوزاع من القبائل، وكانت مواطن جمهورهم بتلول منداس عند جبل وانشريس وجبل كزول من نواحي تاهرت. وكان لهم بتلك المواطن عزم بدولة صنهاجة واستفحال وصولة. وفي فتنة حماد بن بلكين مع باديس المنصور مقامات وآثار. وكان كبيرهم يومئذ عزانة، وكانت له مع البرابرة المجاورين له من لواتة وغيرهم حروب وأيام.
(ولما هلك) عزانة قام بأمره في مطماطة ابنه زيري فمكث فيهم أياما. ثم غلبت صنهاجة على أمره فأجاز البحر إلى العدوة، ونزل على المنصور بن أبي عامر فاصطنعه ونظمه في طبقة الأمراء من البربر الذين كانوا في جملته، واستظهره على أمره فكان من أوجه رجالهم عنده، وأعظمهم قدرا لديه، إلى أن هلك، وأجراه ابنه المظفر من بعده وأخوه عبد الرحمن الناصر على سنن أبيهما في ترفيع مكانه وإخلاص ولايته، وكان عند ثورة محمد بن هشام بن عبد الجبار غائبا مع أبي عامر في أعراب النعمان مع من كان معه من أمراء البربر وعرفائهم. فلما رأوا انتقاض أمره وسوء تدبيره لحقوا بمحمد بن هشام المهدي فكانوا معه إلى أن كانت الفتنة البربرية بالأندلس إلى أن هلك هنالك. ولا أدري أي السنين كان مهلكه. وأجاز إلى الأندلس أيضا من فصالهم بهلا بهلا من أبي لواي يصلاص ونزل على الناصر، وهو من أهل العلم ٦/١٦٢
بأنساب البربر. (وكان من مشاهيرهم) أيضا النسابة سابق بن سليمان بن حراث بن مولات بن دوياسر وهو كبير نسابة البربر ممن علمناه. (وكان منهم) أيضا عبد الله بن إدريس كاتب الخراج لعبيد الله المهدي في آخرين يطول ذكرهم أه. ٦/١٦٣
وهذا ما تلقيناه من أخبار مطماطة (وأما موطن منداس) فزعم بعض الأخباريين من البربر ووقفت على كتابه في ذلك أنه سمي بمنداس بن مغر بن أوريغ بن لهرر بن المساو وهو هوارة وكأنه والله أعلم يشير إلى أداس بن زحيك الذي يقال إنه ربيب هوار كما يأتي في ذكرهم، إلا أنه اختلط عليه الأمر. وكان لمنداس من الولد شراوة وكلتوم وتبكم . قال: ولما استفحل أمر مطماطة وكان شيخهم لهذا العهد إهاص ابن عصفراص فأخرج منداس من الوطن وغلبه على أمره، واعتمر بنوه موطن منداس ولم يزالوا به أه. كلامه ولقيه هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل أوتبتيش ، لحقوا به لما غلبهم بنو توجين من زناتة على منداس وصاروا في عداد قبائل الغارمة.
والله وارث الأرض ومن عليها.
(مغيلة) وهم إخوة مطماطة ولماية كما قلناه، وإخوتهم ملزوزة معدودون منهم.
وكذلك دونة وكشاتة ولهم افتراق في الوطن. وكان منهم جمهوران: أحدهما بالمغرب الأوسط عند مصب شلف في البحر من صوادر مادونه ، المصر لهذا العهد. ومن ساحلهم أجاز عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ونزل بالمنكب فكان منهم أبو قرة المغيلي الدائن بدين الصفرية من الخوارج ملك أربعين سنة. وكانت بينه وبين أمراء العرب بالقيروان لأول دولة بني العباس حروب ونازل طبنة. وقد قيل إن أبا قرة هذا من بني مطماطة وهذا عندي صحيح. فلذلك أخرت ذكر أخباره إلى أخبار بني يفرن من زناتة.
(وكان) منهم أيضا أبو حسان ثار بإفريقية لأول الإسلام، وأبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين بن يطوفت من مازور الثائر مع أبي قرة سنة خمسين ومائة. وتغلب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش وخليفة بن خياط من علمائهم. وذكروا من رؤسائهم أيضا موسى بن خليد ومليح بن علوان وحسان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن. وكان منهم أيضا دلول بن حماد أميرا في سلطان يعلى بن محمد اليفرني، وهو الذي اختط بلد ايكري على اثني عشر ميلا من البحر، وهي لهذا العهد خراب لم ٦/١٦٤
يبق منها إلا الأطلال ماثلة. ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حي. وكان جمهورهم الآخر بالمغرب الأقصى وهم الذين تولوا مع أوربة وصدينة القيام بدعوة إدريس بن عبد الله لما لحق بالمغرب وأجازه، وحملوا قبائل البربر على طاعته والدخول في أمره. ولم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الأدارسة وبقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس وصفرون ومكناسة والله وارث الأرض ومن عليها.
(مديونة) وهم من إخوة مغيلة ومطماطة من ولد فاس كما قلناه، وكانت مواطن جمهورهم بنواحي تلمسان ما بين جبل بني راشد لهذا العهد إلى الجبل المعروف بهم قبلة وجدة، يتقلبون بظواعنهم في ضواحيه وجهاته. وكان بنو يلومي وبنو يفرن من قبلهم يجاورونهم من ناحية المشرق، ومكناسة من ناحية المغرب وكومية وولهاصة من جهة الساحل.
(وكان) من رجالاتهم المذكورين جرير بن مسعود كان أميرا عليهم، وكان مع أبي حاتم وأبي قرة في فتنتهم، وأجاز إلى الأندلس في طوالع الفتح كثير منهم، فكان لهم هنالك استفحال. وخرج هلال بن أبزيا منهم يشتد به على عبد الرحمن الداخل متبعا شقيا المكناسي في خروجه. ثم راجع الطاعة فقتله وكتب له على قومه، فكان بشرق الأندلس، وشنت مرية. ثم خلفه بها من قومه نابتة بن عامر. ولما تغلب بنو توجين وبنو راشد من زناتة على ضواحي المغرب الأوسط وكان مديونة هؤلاء قد قل عددهم وفل حدهم فداخلتهم زناتة على الضواحي من مواطنهم وتملكوها، وصارت مديونة إلى الحصون من بلاده بجبل ماساله وجبل وجده المعروف بهم. وضربت عليهم المغارم وتمرست بهم بهم الأيام، فلم يبق منهم هنالك إلا صبابة محترفون بالفلح. ومنهم أيضا أوزاع في القبائل مندرجون فيهم. وبنواحي فاس ما بينها وبين صفرون قبيلة منهم مجاورة لمغيلة، والله يرث الأرض ومن عليها.
كومية وهم المعروفون قديما بصطفورة إخوة مطاية ومضغرة، وهم من ولد فاتن كما قدمنا، ولهم ثلاث بطون منها تفرعت شعوبهم وقبائلهم وهي ندرومة ومغارة ٦/١٦٥
وبنو يلول، فمن ندرومة مفوطة وحرسة ومردة ومصمانة ومراتة ومن بني يلول مسيقة ورتيوة وهنشبة وهيوارة ووالغة. ومن مغارة ملتيلة وبنو حباسة وكان منهم النسابة المشهور ماني بن مصدور بن مريس بن نقوط هذا هو المعروف في كتبهم. وكانت مواطن كومية بالمغرب الأوسط لسيف البحر من ناحية أرشكول وتلمسان. وكان لهم كثرة موفورة وشوكة مرهوبة. وصاروا من أعظم قبائل الموحدين لما ظاهروا المصامدة على أمر المهدي وكلمة توحيده. وربما كانوا رهط عبد المؤمن صاحبه وخليفته، فإنه كان من بني عابد أحد بيوتاتهم، وهم عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلي بن مروان بن نصر بن علي بن عامر بن الأمير بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن وريغ بن صطفور هكذا نسبه مؤرخو دولة الموحدين إلى صطفور. ثم يقولون صطفور بن نفور ابن مطماط بن هودج بن قيس عيلان بن مضر. ويذكر بعضهم أن في خط أبي عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن فأما انتسابهم في قيس عيلان فقد ذكرنا أنه غير صحيح. وفي أسماء هذا العمود من نسب عبد المؤمن ما يدل على أنه مصنوع، إذ هذه الأسماء ليست من أسماء البربر وإنما هي كما تراه كلها عربية والقوم كانوا من البرابرة معروفون بينهم، وانتساب صطفور إلى مطماط تخليط أيضا فإنهما أخوان عند نسابة البربر أجمع، وعبد المؤمن بلا شك منهم، والله أعلم بما سوى ذلك.
وكان عبد المؤمن هذا من بيوتاتهم وأشرافهم وموطنهم بتاكرارت، وهو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق. ولما نجح عبد المؤمن منهم وثب وارتحل في طلب العلم فنزل بتلمسان، وأخذ عن مشيختها مثل ابن صاحب الصلاة وعبد السلام البرنسي وكان فقيها صالحا، وهو ضجيع الشيخ أبي مدين في تربته. ولما هلك عبد السلام هذا، ولم يحذق تلميذه بعد في فنونه وكان شيخ عصره في الفقه والكلام. تعطش التلميذ بعده إلى القراءة، وبلغهم خبر الفقيه محمد بن تومرت المهدي، ووصل إلى بجاية، وكان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسي ونسبته إلى السوس. ٦/١٦٦
ولم يكن لقب المهدي وضع عليه بعده.
وكان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه مع تغيير المنكر الذي شأنه وطريقته نشر العلم وتبين الفتاوى وتدريس الفقه والكلام. وكان له في طريقته الأشعرية إمامة وقدم راسخة. وهو الذي أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه، وتشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الأخذ عنه وتفاوضوا في ذلك، وندب بعضهم بعضا إلى الرحلة إليه لاستجلابه، وأن يكون له السبق باتحاف القطر بعلومه، فانتدب لها عبد المؤمن بن علي مكانه من صغر السن بنشاطه للسفر لبداوته، فارتحل إلى بجاية للقائه وترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة، وقد استحكمت بينه وبين العزيز النفرة وبنو ورياكل متعصبون على إجارته منهم، ومنعه من إذايته والوصول إليه. فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب، وأدى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان فوعاها، وشأنه غير شأنهم.
وعكف عبد المؤمن على التعليم والأخذ عنه في ظعنه ومقامه. وارتحل إلى المغرب في صحابته، وصدق في العلم وآثره الإمام بمزيد الخصوصية والقرب، بما خصه الله به من الفهم والوعي للتعليم، حتى كأنه خالصة لإمام وكنز صحابته. وكان يؤمله لخلافته لما ظهر عليه من الشواهد المدونة بذلك. ولما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من موطن العرب الذين ذكرناهم قبل في نواحي المدينة، قربوا إليه حمارا فارها يتخذه له عطية لمركوبه، فكان يؤثر به عبد المؤمن ويقول لأصحابه: أركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة. ولما بويع له بهرغة سنة خمس عشرة وخمسمائة، واتفقت على دعوته كلمة المصامدة وحاربوا لمتونة نازلوا مراكش.
وكانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحدين الألف، فقيل للإمام إن الموحدين قد هلكوا. فقال لهم: ما فعل عبد المؤمن؟ قالوا هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء. فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد. ولما احتضر الإمام سنة اثنتين وعشرين [وخمسمائة] عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن، واستراب من العصبية بين المصامدة فكتم موت المهدي وأرجأ أمره حتى صرح الشيخ أبو حفص أمير هنتاتة وكبير المصامدة لمصاهرته. وأمضى عهد الإمام فيه فقام بالأمر واستبد بشياخة الموحدين وخلافة المسلمين. ونهض سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى فتح المغرب فدانت له غمارة. ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية، ثم إلى ٦/١٦٧
مطالة ثم إلى بني يزناسين. ثم إلى مديونة ثم إلى كومية وجيرانهم ولهاصة، وكانوا يلونهم في الكثرة فاشتد عضده بقومه، ودخلوا في أمره وشايعوه على تمكين سلطانه بين الموحدين وخلافته. ولما رجع إلى المغرب وافتتح أمصاره واستولى على مراكش استدعى قومه للرحلة إليها والعسكرة عليه بحب جمهورهم إلى المغرب واستوطن مراكش لحمل سرير الخلافة والقيام بأمر الدعوة والذب عن ثغورهم والمدافعة، فاعتضد بهم عبد المؤمن وبنوه سائر الدولة، وكانوا بمكانتهم فاتحة الكتاب وتداركه الجماعة. وتقدموا في الفتوح والعساكر وأكلتهم الأقطار في تجهيز الكتائب تدويخ الممالك، فانقرضوا، وبقي بمواطنهم الأولى بقايا منهم: بنو عابدوهم في عداد القبائل الغارقة قد انقلب زمانهم فأمهلهم فحملوا المغرم، وألفوا نهوضهم بالتكاليف. ونظموا مع جيرانهم ولهاصة في سوم الخسف والذل واقتضاء الخراج بالنكال والعذاب، والله مبدل الأمر ومالك الملك سبحانه.
الخبر عن زواوة و زواغة من بطون ضرسة من البرابر البتر والإلمام ببعض أحوالهم
هؤلاء البطون من بطون البرابرة البتر، من ولد سمكان بن يحيى بن ضري بن زحيك ابن مادغيس الأبتر. وأقرب ما يليهم من البرابر زناتة لأن أباهم أجانا هو أخو سمكان ابن أبيه فلذلك كانوا ذوي قربى لهم.
(زواوة) فأما زواوة فهم من بطونهم، وقد يقال إن زواوة من قبائل كتامة، ذكر ذلك ابن حزم، ونسابة البربر إنما يعدونهم من ولد سمكان كما قلناه، والصحيح عندي ما ذكره ابن حزم. ويشهد له الموطن ونحلة الشيع مع كتامة لعبد الله. وعد نسابة البربر ولهم بطون كثيرة: بنو مجسطة وبنو مليكش وبنو كوفي ومشداله وبنو زريقف وبنو كوزيت وكرسفينة ووزلجة وخوجة وزكلاوة وبنو مرانه، ويقال إن بني مليكش من صنهاجة والله أعلم. ٦/١٦٨
ومن قبائلهم المشهور لهذا العهد بنو بجرو وبنو مابكلات وبنو مترون وبنو ماني وبنو بوعردان وبنو تورغ ، وبنو بو يوسف، وبنو عبسي، وبنو بو شعيب، وبنو صدقة، وبنو غبرين، وبنو كشطولة. ومواطن زواوة بنواحي بجاية ما بين مواطن كتامة وصنهاجة أوطنوا عنها جبالا شاهقة متوعرة تنذعر منها الأبصار ويضل في غمرها السالك مثل بني غبرين بجبل زيري، وفيه شعراء من شجر الزان يشهد بها لهذا العهد. ومثل بني فرلوسن وبني سرا ، وجبلهم ما بين بجاية وتدلس وهو أعظم معاقلهم وأمنع حصونهم، فلهم به الاعتزاز على الدول والخيار عليها في إعطاء المغرم، مع أن كلهم لهذا العهد قد امتنع لساهمه واعتز على السلطان في أبناء طاعته وقانون مزاجه.
وكانت لهم في دولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم والحرب بما كانوا أولياء لكتامة، وظهر أولهم على أمرهم من أول الدولة، وقتل بادس بن المنصور في إحدى وقائعه بهم، وشيخهم زيري بن أجانا لاتهامه أباه في أمر حماد. ثم واختط بنو حماد بعد ذلك بجاية وتمرسوا بهم، فانقادوا وأذعنوا لهم إلى آخر الدولة، واتصل إذعانهم إلى هذا العهد إلا تمريضا يحملهم عليه الموثقون بمنعة جبالهم. وكانت رياسة بني يراثن منهم في بني عبد الصمد من بيوتاتهم وكاتب عبد ثعلب السلطان أبو الحسن على المغرب الأوسط شيخة عليهم من بني عبد الصمد هؤلاء اسمها شمسي، وكان لها عشرة من الولد فاستفحل شأنها بهم وملكت عليهم أمرهم.
ولما تقبض السلطان أبو الحسن على ابنه يعقوب المكنى بأبي عبد الرحمن عند ما فر من معسكره بمتيجة سنة ثمان أو سبع وثلاثين وسرح في أثره الخيالة فرجعوه واعتقله. ثم قتله من بعد ذلك حسبما يذكر في أخبارهم. لحق حينئذ بني يراثن هؤلاء خازن من مطبخه فموه عليهم باسمه وشبه بتمثاله ودعا إلى الخروج على ابنه بزعمه فشمرت شمسي هذه عزائمها في إجازته وحملت قومها على طاعته. وسرب السلطان أبو الحسن أمواله في قومها وهما على السلامة فأبته: ثم نمي إليها الخبر بمكره وتمويهه فنبذت إليه عهده، وخرج عنها إلى بلاد العرب كما نذكر بعض ذلك في أخبارهم. ٦/١٦٩
وقدمت على السلطان أبي الحسن في وفد من قومها وبعض بنيها فاستبلغ السلطان من تكريمها، وأحسن صلتها وأجاز الوفد ورجعت بهم إلى موطنها، ولم تزل الرئاسة في هذا البيت.
زواغة
وأما زواغة فلم يتأد إلينا من أخبارهم وتصاريف أحوالهم ما نعمل فيه الأقلام. ولهم ثلاثة بطون وهي: دمر بن زواغ وبنو واطيل بن زحيك بن زواغ وبنو ماخر بن تيغون من زواغة. ومن دمر بنو سمكان وهم أوزاع في القبائل. ومنهم بنواحي طرابلس مفترقون في براريها ولهم هنالك الجبل المعروف بدمر. وفي جهات قسنطينة أيضا رهط من زواغة، وكذلك بجبال شلف بنو واطيل منهم وبنواحي فاس آخرون. ولله الخلق والأمر.
الخبر عن مكناسة وسائر بطون بني ورصطف وما كان لمكناسة من الدول بالمغرب وأولية ذلك وتصاريفه
كان لورصطف بن يحيى، وهو أخو أجانا بن يحيى وسمكان بن يحيى ثلاثة من البطون، وهم: مكناسة وورتناجة وأوكتة. ويقال مكنه وبنو ورتناجة أربعة بطون سدرجة ومكسة وبطالسة وكرنيطه. وزاد سابق وأصحابه في بطونهم هناطة وفولالة، وكذلك عدوا في بطون مكنه: بني درطين وبني فولالين وبني يزين وبني جرين وبني بوعال . ولمكناسة عندهم أيضا بطون كثيرة منها: صولات وبوحاب وبنو ورفلاس وبنو وردنوس وقيصارة ونبعة وورقطنة . وبطون ورصطف كلهم مندرجون في بطون مكناسة، وكانت مواطنهم على وادي ملوية من لدن أعلاه سجلماسة إلى مصبه في البحر، وما بين ذلك من نواحي تازا وتسول. وكانت ٦/١٧٠
رياستهم جميعا في بني ابايرون واسمه مجدول بن تاقريس بن فراديس بن ونيف بن مكناس. وأجاز منهم إلى العدوة عضد الفتح أمم. وكانت لهم بالأندلس رياسة وكثرة، وخرج منهم على عبد الرحمن الداخل شعيا بن عبد الواحد سنة إحدى وخمسين واعتصم بشنتمرية ودعا لنفسه منتسبا إلى الحسن بن علي. وتسمى عبد الله ابن محمد وتلقب بالفاطمي، وكانت بينه وبين عبد الرحمن حروب إلى أن غلبه ومما أثر ضلالته. وكان من رجالتهم لعهد دولة الشيعة مصالة بن حبوس بن منازل اتصل بعبيد الله الشيعي، وكان من أعظم قواده وأوليائه، وولاه تاهرت وافتتح له المغرب وفاس وسجلماسة.
ولما هلك أقام أخاه يصلتين بن حبوس مقامه في ولاية تاهرت والمغرب. ثم هلك وأقام ابنه حميدا مقامه فانحرف عن الشيعة، ودعا لعبد الرحمن الناصر. واجتمع مع بني خزر أمراء جراوة على ولاية المروانية. ثم أجاز إلى الأندلس وولي الولايات أيام الناصر وابنه الحكم، وولي في بعضها تلمسان بدعوتهم. ثم هلك وأقام ابنه لرصل بن حميد وأخوه يباطن بن يصلتين وعلى ابن عمه من ماله في ظل الدولة الأموية إلى أن أجاز المظفر بن أبي عامر إلى المغرب فولي يصل بن حميد سجلماسة كما نذكره. ثم أن رياسة مكناسة بالعدوة انقسمت في بني أبي نزول، وانقسمت مسايل مكناسة بانقسامها. وصارت رياسة مكناسة في مواطن سجلماسة وما إليها من بني واسول بن مصلان بن أبي نزول، ورياسة مكناسة بجهات تازا وتوسول وملوية ومليلة لبني أبي العافية بن أبي نائل بن أبي الضحاك بن أبي نزول. ولكل واحد من هذين الفريقين في الإسلام دولة وسلطان صاروا به في عداد الملوك كما نذكره.
الخبر عن دولة بني واسول ملوك سجلماسة وأعمالها من مكناسة
كان أهل مواطن سجلماسة من مكناسة يدينون لأول الإسلام بدين الصفرية من ٦/١٧١
الخوارج لقنوه عن أئمتهم ورءوسهم من العرب لما لحقوا من المغرب وأسروا على الامتناع وماجت أقطار المغرب لفتنة ميسرة. فلما اجتمع على هذا المذهب زهاء أربعين من رجالاتهم نقضوا طاعة الخلفاء وولوا عليهم عيسى بن يزيد الأسود من موالي العرب ورءوس الخوارج. واختطوا مدينة سجلماسة لأربعين ومائة من الهجرة. ودخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم. ثم سخطوا أميرهم عيسى ونقموا عليه كثيرا من أحواله فشدوه كتافا ووضعوه على قنة جبل إلى أن هلك سنة خمس وخمسين ومائة واجتمعوا بعده على كبيرهم أبي القاسم سمكو بن واسول بن مصلان بن أبي نزول. كان أبوه سمقو من حملة العلم، ارتحل إلى المدينة فأدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس، ذكره عريب بن حميد في تاريخه، وكان صاحب ماشية وهو الذي بايع لعيسى بن يزيد وحمل قومه على طاعته فبايعوه من بعده.
وقاموا بأمره إلى أن هلك سنة سبع وستين ومائة لمنتهى عشر سنين من ولايته.
وكان أباضيا صفريا. وخطب في عمله للمنصور والمهدي من بني العباس. ولما هلك ولوا عليهم ابنه إلياس، وكان يدعى بالوزير. ثم انتقضوا عليه سنة أربع وتسعين ومائة فخلعوه وولوا مكانه أخاه اليسع بن أبي القاسم وكنيته أبو منصور، فلم يزل أميرا عليهم، وبنى سور سجلماسة لأربع وثلاثين سنة من ولايته. وكان أباضيا صفريا. وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة. وهو الذي أتم بناءها وتشييدها، واختط بها المصانع والقصور، وانتقل إليها آخر المائة الثانية، ودوخ بلاد الصحراء وأخذ الخمس من معادن درعة، وأصهر لعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بابنه مدرار في ابنته أروى فأنكحه إياها.
ولما هلك سنة ثمان ومائتين ولي بعده ابنه مدرار ولقبه المنتصر، وطال أمر ولايته.
وكان له ولدان اسم كل واحد منهما ميمون، أحدهما لأروى بنت عبد الرحمن بن رستم، وقيل إن اسمه أيضا عبد الرحمن. والآخر لبغي وتنازع في الاستبداد على ٦/١٧٢
أبيه، ودامت الحرب بينهما ثلاث سنين. وكانت لأبيهما مدرار صاغية إلى ابن أروى فمال معه حتى غلب أخاه فأخذه وأخرجه عن سجلماسة. ولم يلبث أن خلع أباه واستبد بأمره، ثم ساءت سيرته في قومه ومدينته، فخلعوه وصار الى درعة وأعادوا مدرارا الى أمره. ثم حدث نفسه بإعادة ابنه ميمون ابن الرستمية إلى إمارته بصاغية إليه فخلعوه ورجعوا ابنه ميمونا بن التقي، وكان يعرف بالأمير.
ومات مدرار إثر ذلك سنة ثلاث وخمسين ومائتين لخمس وأربعين من ملكه، وأقام ابنه ميمون في استبداده إلى أن هلك سنة ثلاث وستين ومائتين وولي ابنه محمد، وكان أباضيا وتوفي سنة سبعين ومائتين فولي اليسع بن المنتصر، وقام بأمره ولحق عبيد الله الشيعي وابنه وأبو القاسم بسلجماسة لعهده. وأوعد المعتضد إليه في شأنهما، وكان على طاعته، فاستراب بهما وحبسهما إلى أن غلب الشيعي بني الأغلب، وملك رقادة، فزحف إليه لاستخراج عبيد الله وابنه من محبسه، وخرج إليه اليسع في قومه مكناسة فهزمه أبو عبد الله الشيعي، واقتحم عليه سجلماسة وقتله سنة ست وتسعين ومائتين واستخرج عبيد الله وابنه من محبسهما وبايع لهما. وولى عبيد الله المهدي على سجلماسة إبراهيم بن غالب المراسي من رجالات كتامة، وانصرف إلى إفريقية.
ثم انتقض أمراء سجلماسة على واليهم إبراهيم فقتلوه ومن كان معه من كتامة سنة ثمان وتسعين ومائتين وبايعوا الفتح بن ميمون الأمير ابن مدرار ولقبه واسول، وميمون ليس هو ابن المتقي الذي تقدم ذكره وكان أباضيا. وهلك قريبا من ولايته لرأس المائة الثالثة، فولي أخوه أحمد واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حبوس في جموع كتامة ومكناسة إلى المغرب سنة تسع وثلاثمائة، فدوخ المغرب وأخذهم بدعوة صاحبه عبيد الله المهدي. وافتتح سجلماسة وتقبض على صاحبها أحمد بن ميمون بن مدرار وولى عليها ابن عمه المعتز بن محمد بن ساور بن مدرار، فلم يلبث أن استبد وبلغها المعتز، وهلك سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قبيل ملك المهدي، وولي من بعده ابنه أبو المنتصر محمد بن المعتز فمكث عشرا.
ثم هلك وولي من بعده ابنه المنتصر سمكو شهرين، وكانت جدته تدبر أمره لصغره. ٦/١٧٣
ثم ثار عليه ابن عمه محمد بن الفتح بن ميمون الأمير وتغلب عليه، وشغب عليه بنو عبيد الله لفتنة ابن أبي العافية وتاهرت، ثم نقلته إلى أبي يزيد بعدهما فدعا محمد ابن الفتح لنفسه مموها بالدعوة لبني العباس. وأخذ بمذاهب أهل السنة ورفض الخارجية، ولقب الشاكر بالله، واتخذ السكة باسمه ولقبه. وكانت تسمى الدراهم الشاكرية. كذا ذكره ابن حزم وقال فيه: وكان في غاية العدل حتى إذا فزع له بنو عبيد وحمت الفتنة زحف جوهر الكاتب أيام المعز لدين الله في جموع كتامة وصنهاجة وأوليائهم إلى المغرب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فغلب على سجلماسة وملكها.
وفر محمد بن الفتح إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة وأقام به.
ثم دخل سجلماسة متنكرا فعرفه رجل من مضغرة وأنذر به، فتقبض عليه جوهر، وقاده أسيرا إلى القيروان مع أحمد بن بكر صاحب فاس كما نذكره، وقفل إلى القيروان، فلما انتقض المغرب على الشيعة، وفشت بدعة الأمية وأخذ زناتة بطاعة الحكم المنتصر، ثار بسلجماسة قائم من ولد الشاكر وباهي المنتصر بالله. ثم وثب عليه أخوه أبو محمد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فقتله، وقام بالأمر مكانه. وتلقب المعتز بالله.
وأقام على ذلك مدة وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال، وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب عليهم إلى أن زحف حرزون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ست وستين وثلاثمائة وأبرز إليه أبو محمد المعتز فهزمه حرزون وقتله، واستولى على بلده وذخيرته، وبعث برأسه إلى قرطبة مع كتاب الفتح. وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر، فنسب إليه واحتسب له لحدا بقبة ، وعقد لحرزون على سجلماسة، فأقام دعوة هشام بأنحائها فكانت أول دعوة أقيمت لهم بالأمصار في المغرب الأقصى، وانقرض أمر بني مدرار ومكناسة من المغرب أجمع ٦/١٧٤
وأدال منهم بمغراوة وبني يفرن حسبما يأتي ذكرهم في دولتهم، والأمر لله وحده وله البقاء سبحانه وتعالى ٦/١٧٥
الخبر عن دولة بني أبي العافية ملوك تسول من مكناسة وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم
كان مكناسة الظواعن من أهل مواطن ملوية وكرسيف ومليلة وما إليها من التلول بنواحي تازا وتسول والكل يرجعون في رياستهم إلى بني أبي باسل بن أبي الضحاك ابن أبي نزول وهم الذين اختطوا بلد كرسيف ورباط تازا، ولم يزالوا على ذلك من أول الفتح. وكانت رياستهم في المائة الثالثة لمصالة بن حبوس وموسى بن أبي العافية ابن أبي باسل، واستفحل أمرهم في أيامه وعظم سلطانهم وتغلبوا على قبائل البربر بأنحاء تازا إلى الكائي، وكانت بينهم وبين الأدارسة ملوك المغرب لذلك العهد فتن وحروب. وكانوا يقتلونهم على كثير من ضواحيها لما كان نزل بدولتهم من الهرم. ولما استولى عبيد الله على المغرب واستفحل أمره كانوا من أعظم أوليائه وشيعه، وكان مصالة بن حبوس من أكبر قواده لانحياشه إليه، وولاه على مدينة تاهرت والمغرب الأوسط.
ولما زحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس وثلاثمائة، واستولى على فاس وعلى سجلماسة وفرغ من شأن المغرب واستنزل يحيى بن إدريس من إمارته بفاس إلى طاعة عبيد الله وأبقاه أميرا على فاس، عقد حينئذ لابن عمه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة على سائر ضواحي المغرب وأمصاره مضافة إلى عمله من قبل تسول وتازا وكرسيف وقفل مصالة إلى القيروان. وقام موسى بن أبي العافية بأمر المغرب، وناقضه يحيى بن إدريس صاحب فاس لما يظعن له من المظاهرة عليه.
فلما عاود مصالة غرق المغرب سنة تسع وثلاثمائة أنزل ابن أبي العافية يحيى بن إدريس، فقبض عليه واستصفاه وطرده عن عمله فلحق ببني عمه بالبصرة والريف.
وولى مصالة على فاس ريحان الكتامي وقفل إلى القيروان فهلك، وعظم ملك ابن أبي العافية بالمغرب. ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس، وكان مقداما شجاعا ويلقب بالحجام لطعنه في المحاجم دخل فاس على حين غفلة من أهلها، وقتل ريحان واليها، واجتمع الناس على بيعته. ثم ٦/١٧٦
خرج لقتاله ابن أبي العافية فتزاحفوا بفحص أداز ماد بين تازا وفاس، ويعرف لهذا العهد بوادي المطاحن، واشتدت الحرب بينهم، وهلك منهال بن موسى بن أبي العافية في الفتن بمكناسة.
ثم كانت العاقبة لهم وانفض عسكر الحسن ورجع مفلولا إلى فاس، فغدر به عامله على عدوة القرويين حامد بن حمدان الهمداني واستمكن من عاقله، واستحث ابن أبي العافية للقدوم وأمكنه من البلد، وزحف إلى عدوة الأندلس فملكها وقتل عاملها عبد الله بن ثعلبة بن محارب بن محمود، وولى مكانه أخاه محمدا وطالب حامدا بصاحبه الحسن فدس إليه حامد بالفرار تجافيا عن دعاء أهل البيت، وتدلى الحسن من السور فسقط وانكسر ساقه ومات مستخفيا بعدوة الأندلس لثلاث ليال منها. وحذر حامد من سطوة أبي العافية فلحق بالمهدية واستولى ابن أبي العافية على فاس والمغرب أجمع، وأجلى الأدارسة عنهم وألجأهم إلى حصنهم بقلعة حجر النسر مما يلي البصرة، وحاصرهم بها مرارا. ثم جمر عليهم العساكر، وخلف فيهم قائده أبا الفتح فحاصرهم ونهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة وثلاثمائة بعد أن استخلف على المغرب الأقصى ابنه مدين. وأنزله بعدوة القرويين، واستعمل على عدوة الأندلس طوال بن أبي يزيد، وعزل به محمد بن ثعلبة. وزحف إلى تلمسان فملكها وغلب عليها صاحب الحسن بن أبي العيش بن عيسى بن إدريس بن محمد بن سليمان من عقب سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده، فغلب موسى ابن أبي العافية الحسن على تلمسان وأزعجه عنها إلى مليلة من جزائر ملوية ورجع إلى فاس. وقد كان الخليفة الناصر لما فشت دعوته بالمغرب خاطبه بالمقاربة والوعد، فسارع إلى إجابته ونقض طاعة الشيعة، وخطب للناصر على منابر عمله، فسرح إليه عبد الله المهدي قائده ابن أخي مصالة، وهو حميد بن يصلت المكناسي قائد تاهرت، فزحف في العساكر إلى حرمه سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ولقيه موسى بن أبي العافية بفحص مسون فتزاحفوا أياما، ثم لقيه حميد فهزمه ولحق ابن أبي العافية بتسول فامتنع بها، وأفرج قائده أبو الفتح عن حصن الأدارسة فاتبعوه وهزموه ونهبوا معسكره. ٦/١٧٧
ثم نهض حميد إلى فاس ففر عنها أعزل بن موسى إلى ابنه، واستعمل عليها حامد بن حمدان كان في جملته وقفل حميد إلى إفريقية وقد دوخ المغرب. ثم انتقض أهل المغرب على الشيعة بعد مهلك عبيد الله، وثار أحمد بن بكر بن عبد الرحمن بن سهل الجذامي على حامد بن حمدان فقتله، وبعث برأسه إلى ابن أبي العافية فأرسله إلى الناصر بقرطبة واستولى على المغرب. وزحف ميسور الخصي قائد أبي القاسم الشيعي إلى المغرب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وخام ابن أبي العافية عن لقائه، واعتصم بحصن الكأي، ونهض ميسور إلى فاس فحاصرها واستنزل أحمد بن بكر عاملها. ثم تقبض عليه وأشخصه إلى المهدية، وبدر أهل فاس بغدره فامتنعوا وقدموا على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي، وحاصرهم ميسور مدة حتى رغبوا إلى السلم، واشترطوا على أنفسهم الطاعة والإتاوة فتقبل ميسور ورضي، وأقر حسن بن قاسم على ولايته بفاس وانحل إلى حرب ابن أبي العافية فكانت بينهما حروب إلى أن غلبه ميسور فتقبض على ابنه الغوري وغربه إلى المهدية. وأجلى موسى بن أبي العافية عن أعمال المغرب إلى نواحي ملوية ووطاط وما وراءها من بلاد الصحراء، وقفل إلى القيروان.
ولما مر بارشكول خرج إليه صاحبها ملاطفا له بالتحف، وهو إدريس بن إبراهيم من ولد سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر، فتقبض عليه واصطلم نعمته، وولى مكانه أبا العيش بن عيسى منهم. وأغذ السير إلى القيروان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ورجع موسى بن أبي العافية من الصحراء إلى أعماله بالمغرب، فملكها وولى على الأندلس أبا يوسف بن محارب الأزدي، وهو الذي مدن عدوة الأندلس، وكانت حصونا. واحتل موسى بن أبي العافية قلعة كوماط، وخاطب الناصر فبعث إليه مددا من أسطوله، وزحف إلى تلمسان ففر عنها أبو العيش واعتصم بارشكول فنازله وغلبه عليها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ولحق أبو العيش بنكور، واعتصم بالقلعة التي بناها هنالك لنفسه.
ثم زحف ابن أبي العافية إلى مدينة نكور فحاصرها مدة، ثم تغلب عليها وقتل صاحب عبد البديع بن صالح، وخرب مدينتهم. ثم سرح ابنه مدين في العساكر، فحاصر أبا العباس بالقلعة حتى عقد له السلم عليها. واستفحل أمر ابن أبي العافية في المغرب الأقصى واتصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة وصاحب المغرب الأوسط، وبثوا دعوة الأموية في أعمالها، وبعث ابنه مدين بأمره في قومه. وعقد له ٦/١٧٨
الناصر على أعمال ابنه بالمغرب واتصلت يده بيده الخير بن محمد كما كان بين آبائهما.
ثم فسد بينهما وتزاحفا للحرب، وبعث الناصر قاضيه مقدر بن سعد لمشارفة أحوالهما وإصلاح ما بينهما فتم ذلك كما أراده ولحق به سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة أخوه البوري فارا من عسكر المنصور مع أحمد بن بكر الجذامي عامل فاس بعد أن لحقا بأبي يزيد فسار أحمد بن أبي بكر إلى فاس وأقام بها متنكرا إلى أن وثب بعاملها حسن بن قاسم اللواتي وتخلى له عن العمل، وصار البوري إلى أخيه مدين واقتسم أعمال ابنه معه ومع ابنه الآخر منقذ، فكانوا ثلاث الأثافي. وأثار الثوري إلى الناصر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة فعقد الناصر لابنه منصور على عمله وكانت وفاته وهو محاصر لأخيه مدين بفاس، وأجاز أبناه أبو العيش ومنصور إلى الناصر فأجزل لهما الكرامة على سنن أبيهما.
ثم هلك مدين فعقد الناصر لأخيه أبي منقذ على عمله سنة ثم غلب مغراوة على فاس وأعمالها، واستفحل أمرهم بالمغرب وأزاحوا مكناسة عن ضواحيه وأعماله، وساروا إلى مواطنهم وأجاز إسماعيل بن الثوري ومحمد بن عبد الله بن مرين إلى الأندلس فنزلوا بها إلى أن جازوا مع واضح أيام المنصور كما مر عند ما نقض زيري ابن عطية طاغيتهم سنة ست وثمانين وثلاثمائة، فملك واضح المغرب ورجعهم إلى أعمالهم. وتغلب بلكين بن زيري على المغرب الأوسط وغلب عليه ملوكه بني خزر من مغراوة فاتصلت يد مكناسة. ولم يزالوا في طاعة بني زيري ومظاهرتهم. وهلك إسماعيل بن الثوري في حروب حماد مع باديس بشلف سنة خمس وأربعمائة، وتوارث ملكهم في أعقاب موسى إلى أن ظهرت دولة المرابطين، وغلب يوسف بن تاشفين على أعمال المغرب، فزحف إليهم القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية، فاستدعى أهل فاس وصريخ زناتة بعد مهلك معنصرة المغراوي فلقي عساكر المرابطين بوادي صفر فهزمهم وزحف إليه يوسف ٦/١٧٩
ابن تاشفين من مكانه فحاصر قلعة فازاز فهزم القاسم بن محمد وجموع مكناسه وزناتة ودخل فاس عنوة كما ذكرناه في أخباره.
ثم زحف إلى أعمال مكناسة فاقتحم الحصن وقتل القاسم. وفي بعض تواريخ المغرب أن مهلك إبراهيم بن موسى كان سنة خمس وأربعمائة. وولي ابنه عبد الله أبو عبد الرحمن، وهلك سنة ثلاثين وأربعمائة وولي ابنه محمد وهلك سنة ست وأربعين وأربعمائة وولي ابنه القاسم وهلك سول عند اقتحام لمتونة عليه سنة ثلاث وستين وأربعمائة وانفض ملك مكناسة من المغرب بانقراض ملك مغراوة، والأمر لله وحده.
وهي من قبائل مكناسة لهذا العهد بهذه المواطن أفاريق في جبال تازا بعد ما شرست بهم الدول وأناخت بساحتهم الأمم. وهم موصوفون بوفور الجباية وقوة الشكيمة. ولهم عناء في مظاهرة الدولة وحقوق عند الحشد والعسكرة. وفيهم ميدان من الحمالية ، ومن مكناسة غير هؤلاء أوزاع في القبائل لهذا العهد مفرقون في نواحي إفريقية والمغرب الأوسط. «إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز» 14: 19- 20 وهذا آخر الكلام في بني ورصطيف، فلنرجع إلى من بقي علينا من البربر وهم زناتة والله ولي العون وبه المستعان. ٦/١٨٠
أخبار البرانس من البربر ولنبدأ أولا بالخبر عن هوارة من شعوبهم وذكر بطونهم وتصاريف أحوالهم وافتراق شعوبهم في عمالات إفريقية والمغرب
وهوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابه العرب والبربر ولد هوار بن أوريغ بن برنس إلا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن. تارة يقولون من عاملة إحدى بطون قضاعة وتارة يقولون من ولد المسور بن السكاسك بن وابل بن حمير. وإذا تحروا الصواب، المسور بن السكاسك بن أشريس بن كندة وينسبونه هكذا: هوار بن أوريغ بن جنون بن المثنى بن المسور. وعند هؤلاء أن هوارة وصنهاجة ولمطة وكزولة وهسكورة يعرف جميعهم بني ينهل وأن المسور جدهم جميعا وأنه وقع إلى البتر ونزل على بني زحيك بن مادغيس الأبتر. وكانوا أربعة إخوة: لوا وضرا وأداس ونفوس. وأنهم زوجوه أختهم بصكي العرجاء بنت زحيك فولدت منه المثنى أبا هوارة، وتزوجها بعد المسور بن عافيل بن زعزاع أبو صنهاجة ولمطة وكزولة وهسكورة كما يأتي فيما بعد أنهم إخوة المثنى لأمه، وبها عرف جميعهم.
قالوا: وولد المثنى بن المسور خبوز وولد خبوز بن المثنى ريغ الذي يقال فيه أوريغ بن برنس، ومنه عرفت قبائل هوارة. قالوا: إنما سميت هوارة لأن المسور لما جال البلاد ووقع في المغرب قال: لقد تهورنا هكذا عند بعض نسابه البربر. وعندي والله أعلم أن هذا الخبر مصنوع وأن أثر الصنعة باد عليه. ويعضد ذلك أن المحققين ونسابتهم مثل سابق وأصحابه قالوا: إن بطون أداس بن زحيك دخلت كلها في هوارة من ٦/١٨٢
أجل أن هوار خلف زحيك على أم أداس، فربي أداس في حجره وزحيك على ما في الخبر الأول هو جد هوار، لأن المثنى جده الأعلى هو ابن بصكي وهي بنت زحيك، فهو الخامس من زحيك فكيف يخلفه على امرأته. هذا بعيد. والخبر الثاني أصح عند نسابتهم من الأول.
وأما بطون هوارة فكثير وأكثرهم بنو نبه وأوريغ اشتهروا نسبة لشهرته وكبر سنه من بينهم فانتسبوا جميعا إليه. وكان لأوريغ أربعة من الولد: هوار وهو أكبرهم، ومغر وقلدن ومندر ، ولكل واحد منهم بطون كثيرة وكلهم ينسبون إلى هوار. فمن بطون مغر ماوس وزمور وكياد وسواي ذكر هذه البطون الأربعة ابن حزم، وزاد سابق المطماطي وأصحابه ورجين ومنداسة وكركوده ومن بطون قلدن: خماصه وورصطيف وبيانة . وبل ذكر هذه الأربعة ابن حزم وسابق. ومن بطون ملد مليلة وسطط وروفل واسيل ومسراتة ذكرها ابن حزم، وقال: جميعهم بنو لهال بن ملك ، وكذا عند سابق. ويقال: إن ورنيفن أيضا من نهانه .
ومن بطون هوارة بنو كهلان. ويقال: إن مليلة من بطونهم. وعند نسابه البربر من بطونهم غريان وورغة وزكاوة ومسلاتة ومجريس. ويقال إن ونيفن منهم. ومجريس لهذا العهد ينتسبون إلى ونيفن وعند سابق وأصحابه أن بنى كهلان وريجن إحدى بطون مغر، وأن من بطون بني كهلان بني كسى ورتاكط ولشوه وهيوارة. وأما بطون أداس بن زحيك بن مادغيس الأمراء الذين دخلوا في هوارة فكثير. فمنهم هراغة وترهوتة وشتاتة وأنداوة وهيزونة وأوطيعة وضبرة هؤلاء باتفاق من ابن حزم وسابق وأصحابه. ٦/١٨٣
وكانت مواطن الجمهور من هوارة هؤلاء، ومن دخل في نسبهم من إخوانهم البرانس والصمغر لأول الفتح بنواحي طرابلس وما يليها من برقة كما ذكره المسعودي والبكري. وكانوا ظواعن وآهلين، ومنهم من قطع الرمل إلى بلاد القفر وجاوزوا لمطة من قبائل الملثمين فيما يلي بلاد كوكو من السودان تجاه إفريقية، ويعرفون بنسبهم هكارة، قلبت العجمة واوه كافا أعجمية تخرج بين الكاف العربية والقاف. وكان لهم في الردة وحروبها آثار ومقامات. ثم كان لهم في الخارجية والقيام بها ذكر، وخصوصا بالاباضية منها. وخرج على حنظلة منهم عبد الواحد بن يزيد مع عكاشة الفزاري فكانت بينهما وبين حنظلة حروب شديدة. ثم هزمهما وقتلهما وذلك سنة أربع وعشرين ومائة أيام هشام بن عبد الملك. وخرج على يزيد بن حاتم سنة ست وخمسين ومائة يحيى بن فوناس منهم، واجتمع إليه كثير من قومه وغيرهم.
وزحف إليه قائد طرابلس عبد الله بن السمط الكندي على شاطئ البحر بسواريه من سواحلهم، فانهزم وقتل عامة هوارة. وكان منهم مع عبد الرحمن بن حبيب مجاهد ابن مسلم من قواده. ثم أجاز منهم إلى الأندلس مع طارق رجالات مذكورون واستقروا هنالك، وكان من خلفهم بنو عامر بن وهب أمير رندة أيام لمتونة، وبنو ذي النون الذين ملكوها من أيديهم، واستضافوا معها طليطلة وبنو رزين أصحاب السهلة. ثم ثارت هوارة من بعد ذلك على إبراهيم بن الأغلب سنة ست وتسعين ومائة، وحاصروا طرابلس وافتتحوها فخربوها. وتولى كبر ذلك منهم عياض بن وهب، وسرح إبراهيم إليهم ابنه أبا العباس فهزمهم وقتلهم وبنى طرابلس.
وجأجأ هوارة بعبد الوهاب بن رستم من مكان إمارتهم بتاهرت فجاءهم واجتمعوا إليه ومعهم قبائل نفوسة وحاصروا أبا العباس بن الأغلب بطرابلس إلى أن هلك أبوه إبراهيم بالقيروان، وقد عهد إليه فصالحهم على أن يكون الصحراء لهم. وانصرف عبد الوهاب إلى نفوسه. ثم أصبحوا بعد ذلك وغزوا مع الجيوش صقلية، وشهد فتحها منهم زواوة بن نعم الحلفاء. ثم كان لهم مع أبي يزيد النكاري وفي حروبه مقامات مذكورة، اجتمعوا إليه من مواطنهم بجبل أوراس ومرماجنة لما غلب عليه، وأخذ أهلها بدعوته فاغاشوا إلى ولايته وفعلوا الأفاعيل. وكان من أظهرهم في تلك ٦/١٨٥
الفتنة بنو كهلان.
ولما هلك أبو يزيد كما نذكره سطا إسماعيل المنصور بهم وأثخن فيهم، وانقطع ذكر بني كهلان. ثم جرت الدول عليهم أذيالها وأناخت بكلاكلها، وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة من كل ناحية، فمنهم لهذا العهد بمصر أوزاع متفرقون أوطنوها أكرة وعبارة وشاوية، وآخرون موطنون ما بين برقة والاسكندرية يعرفون بالمثانية ، ويظعنون مع الحرة من بطون هيث من سليم بأرض التلول من إفريقية ما بين تبسة إلى مرماجنة إلى باجة، ظواعن صاروا في عداد الناجعة عرب بني سليم في اللغة والزي وسكنى الخيام وركوب الخيل، وكسب الإبل وممارسة الحروب، وإيلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم. قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها بفصاحة العرب، فلا يكاد يفرق بينهم. فأولهم مما يلي تبسة قبيلة وينفن ورياستهم لهذا العهد في ولد يفرن بن حناش لأولاد سليم بن عبد الواحد بن عسكر بن محمد بن يفرن، ثم لأولاد زيتون بن محمد بن يفرن، ولأولاد دحمان بن فلان بعده. وكانت الرئاسة قبلهم لسارية من بطون ونيفن ومواطنهم ببسائط مزماحة وتبسة وما إليهما.
وبينهم قبيلة أخرى في الجانب الشرقي منهم يعرفون بقيصرون ورياستهم في بيت بني مرمن ما بين ولد زعازع وولد حركات ومواطنهم بفحص آبه وما إليها من نواحي الأربس. وتليهم إلى جانب الشرق قبيلة أخرى منهم يعرفون بنصورة، ورياستهم في بيت الرمامنة لولد سليمان بن جامع منهم. ويراد بهم في رياسة نصرة قبيلة وربهامة ومواطنهم ما بين تبسة إلى حامة إلى جبل الزنجار إلى أطار على ساحل تونس وبسائطها. ويجاورهم متساحلين إلى ضواحي باجة قبيلة أخرى من هوارة يعرفون ببني سليم، ومعهم بطن من عرب نصر من هذيل بن مدركة بن ٦/١٨٦
إلياس. جاءوا من مواطنهم بالحجاز مع العرب الهلاليين عند دخولهم إلى المغرب، وأوطنوا بهذه الناحية من إفريقية، واختلطوا بهوارة وحملوا في عدادهم.
ومعهم أيضا بطن آخر من بطون رياح من هلال ينتمون إلى عتبة بن مالك بن رياح صاروا في عدادهم وجروا على مجراهم والظعن والمغرم. ومعهم أيضا بطن من مرداس بني سليم يعرفون ببني حبيب. ويقولون هو حبيب بن مالك. وهم غارمة مثل سائر هوارة وضواحي إفريقية من هذا العهد معهودة لهؤلاء الظواعن ، ومعظمهم من هوارة. وهم أهل بقروشاء وركوب للخيل وللسلطان بإفريقية، عليهم وظائف من الجباية، وضعها عليهم دهاقين العمال بديوان الخراج، قوانين مقررة وتضرب عليهم مع ذلك البعث في غزوات السلطان بعسكر مفروض يحضر بمعسكر السلطان متى استنفروا لذلك.
ولرؤسائهم آراء ذلك قاطعات ومكان في الدول بين رجالات البدو، ويربطون هوارة بمواطنهم الأولى من نواحي طرابلس، ظواعن وآهلين، توزعتهم العرب من دبان فيما توزعوه من الرعايا وغلبوهم على أمرهم منذ ضحا عملهم من ظل الدولة، فتملكوهم تملك العبيد للجباية منهم والاستكثار منهم في الانتجاع والحرب مثل:
ترهونه وورقلة، الظواعن ومجريس الموطنين بزرنزور من ونيفن وهي قرية من قرى طرابلس، ومن هوارة هؤلاء بآخر عمل طرابلس مما يلي بلد سرت وبرقة قبيلة يعرفون بمسراتة لهم كثرة واعتزار، ووضائع العرب عليهم قليلة ويعطونها من عزة. وكثيرا ما ينقلون في سبيل التجارة ببلاد مصر والإسكندرية، وفي بلاد الجريد من إفريقية وبأرض السودان إلى هذا العهد.
(وأعلم) أن في قبلة قابس وطرابلس جبالا متصلا بعضها ببعض من المغرب إلى المشرق، فأولها من جانب الغرب جبل دمر يسكنه أمم من لواتة ويتصلون في بسيطة إلى فاس وصفاقس من جانب الغرب، وأمم أخرى من نفوسة من جانب الشرق. وفي طوله سبع مراحل، ويتصل به شرقا جبل نفوسة تسكنه أمة كبيرة ٦/١٨٧
من نفوسة ومغراوة وسدراتة، وهو قبلة طرابلس على ثلاث مراحل عنها. وفي طوله سبع مراحل، ويتصل به من جانب الشرق جبل مسلاتة، ويعتمره قبائل هوارة إلى بلد مسراتة وبرقة، وهو آخر جبال طرابلس. وكانت هذه الجبال من مواطن هوارة ونفوسة ولواتة. وكانت هنالك مدينة صغيرة بلد نفوسة قبل الفتح. وكانت برقة من مواطن هوارة هؤلاء، ومنهم مكان بني خطاب ملوك زويلة إحدى أمصار برقة، كانت قاعدة ملكهم حتى عرفت بهم، فكان يقال زويلة بن خطاب.
ولما خربت انتقلوا منها إلى فزان من بلاد الصحراء وأوطنوها، وكان لهم بها ملك ودولة حتى إذا جاء قراقوش الغزي الناصري مملوك تقي الدين ابن أخي صلاح الدين كما نذكر في مكانه عند ذكر الغوري [] بن مسوفة وأخباره، وافتتح زلة وأوجلة وافتتح فزان بعدها، وتقبض على عاملها محمد بن خطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنفل بن خطاب آخر ملوكهم، وامتحنه وطالبه بالأموال وبسط عليه العذاب إلى أن هلك، وانقرض أمر بني خطاب هؤلاء الهواريين. ٦/١٨٨
(ومن قبائل) هوارة هؤلاء بالمغرب أمم كثيرة في مواطن من أعمال تعرف بهم، وظواعن شاوية تنتجع لمسرحها في نواحيها، وقد صاروا عبيدا للمغارم في كل ناحية. وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات بسبب الكثرة، وصاروا إلى الافتراق في الأودية بسبب القلة والله مالك الأمور. ومن أشهرهم بالمغرب الأوسط أهل الجبل المطل على البطحاء، وهو مشهور باسم هوارة وفيه من مسراتة وغيرهم من بطونهم، ويعرف رؤساؤهم من بني إسحاق. وكان الجبل من قبلهم فيما زعموا لبني يلومين، فلما انقرضوا صار إليه هوارة وأوطنوه، وكانت رياستهم في بني عبد العزيز منهم. ثم ظهر من بني عمهم رجل اسمه إسحاق واستعمله ملوك القلعة، وصارت رياستهم في عقبه بني إسحاق واختط كبيرهم محمد بن إسحاق القلعة المنسوبة إليهم.
وورث رياسته فيهم أخوه حيون وصارت في عقبه. واتصلوا بالسلطان أيام ملك بني عبد الواد على المغرب الأوسط، وانتظموا في شرائعهم، واستعمل أبو تاشفين من ملوكهم يعقوب بن يوسف بن حيون قائدا على بني توجين عند ما غلبهم على أمرهم، وفرض المغارم عليهم، فقام بها أحسن قيام ودوخ بلادهم، وأذل من عزهم. وبعد أن غلب بنو مرين بني عبد الواد على المغرب الأوسط استعمل السلطان أبو الحسن عبد الرحمن بن يعقوب على قبيلة هؤلاء. ثم استعمل بعده عمه عبد الرحمن، ثم ابنه محمد بن عبد الرحمن بن يوسف. ثم تلاشى حال هذا القبيل وخف ساكن الجبل بما اضطرم بهم دولة بني عبد الواد، وأجحفت بهم في الظلامات.
وانقرض بيت بني إسحاق، والأمر على ذلك لهذا العهد، والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن ازداجة ومسطاسه وعجيسة من بطون البرانس ووصف أحوالهم
أما أزداجة ويعرفون أيضا وزداجة فمن بطون البرانس، وكثير من نسابة البربر يعدونهم في بطون زناتة. وقد يقال إن أزداجة من زناتة ووزداجة من هوارة، وأنهما بطنان ٦/١٩٠
مفترقان وكان لهم وفور وكثرة. وكانت مواطنهم بالمغرب الأوسط بناحية وهران، وكان لهم اعتزاز وآثار في الفتن والحروب. ومسطاسة مندرجون معهم فيقال إنهم من عداد بطونهم، ويقال إنهم إخوة مسطاس أخي وزداج والله أعلم.
وكان من رجالتهم المذكورين شجرة بن عبد الكريم المسطاسي وأبو دليم بن خطاب. وأجاز أبو دليم إلى الأندلس من ساحل تلمسان، وكان لبنيه بها ذكر وفي فقهاء قرطبة. وكان من بطون ازداجة بنو مشقق وكانوا يجاورون وهران ونزل مرس وهران من رجال الدولة الأموية محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون، فداخلوا بني مسكن وملكوا وهران سبع سنين مقيمين فيها للدعوة الأموية، فلما ظهرت دعوة الشيعة وملك عبيد الله المهدي تاهرت وولى عليها دواس بن صولات اللهيصي من كتامة، وأخذت البرابرة بدعوتهم أو عز دواس بحصار وهران فرجعوا إليها سنة سبع وتسعين وأدخلوا بني مسكن في ذلك فأجابوهم، وفر محمد بن أبي عون فلحق بدواس بن صولات واستبيحت وهران وأضرمت نارا.
ثم جدد بناءها دواس وأعاد محمد بن أبي عون إلى ولايتها، فعادت أحسن ما كانت، وأمراء تلمسان لذلك العهد من الأدارسة بنو أحمد بن محمد بن سليمان، وسليمان أخو إدريس الأكبر كما ذكرناه. وكانوا يقيمون دعوة الأموية لذلك العهد.
ثم ولي على تاهرت أيام أبي القاسم بن عبد الله أيا ملك يغمراسن بن أبي سمحة، وانتقض عليه البربر فحاصروه عند زحف ابن أبي العافية إلى المغرب الأوسط بدعوة المروانية، وكان ممن أخذ بها محمد بن أبي عون صاحب وهران وسرح أبو القاسم ميسورا فولاه إلى المغرب وأتاه محمد بن عون بطاعته فقبلها وأقره على عمله، ثم نكث محمد بن عون عند منصرف ميسور من المغرب وراجع طاعته المروانية.
ثم كان شأن أبي يزيد وانتقاض سائر البرابرة على العبيديين، واستفحل أمر زناتة وأخذ بدعوة المروانيين. وكان الناصر عقد ليعلى بن أبي محمد اليفرني على المغرب، فخاطبه بمراوغة محمد بن أبي عون وقبائل ازداجة في الطاعة للعداوة وبين القبيلتين بالمجاورة، وزحف إلى ازداجة فحصرهم بجبل كيدرة، ثم تغلب عليهم واستأصلهم وفرق جماعتهم وذلك لسنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، ثم زحف إلى وهران ونازلها، ثم ٦/١٩١
افتتحها عنوة وأضرمها نارا واستلحم ازداجة ولحق رياستهم بالأندلس فكانوا بها، وكان منهم خزرون بن محمد من كبار أصحاب المنصور بن أبي عامر وابنه المظفر وأجاز إلى المغرب وبقي ازداجة بعد ذلك على حال من الهضيمة والمذلة وانتظموا في عداد المغارم من القبائل.
(وأما العجيسة) وهم من بطون البرانس من ولد عجيسة من برنس ومدلول هذا الاسم البطن، فإن البربر يسمون البطن بلغتهم عدس بالدال المشددة، فلما عربتها العرب قلبت دالها جيما مخففة، وكان لهم بين البربر كثرة وظهور، وكانوا مجاورين في بطونهم لصنهاجة، وبقاياهم لهذا العهد في ضواحي تونس والجبال المطلة على المسيلة، وكانت منهم يسكنون جبل القلعة. وكان لهم في فتنة أبي يزيد أثر. ولما هزمهم المنصور لجأ إليهم واعتصم بقلعة كتامة من حصونهم حتى اقتحم عليه. ثم بادر حماد بن بلكين من بعد ذلك مكانا لبناء مدينة فاختطها بينهم. ونزلها ووسع خطتها واستبحر عمرانها. وكانت حاضرة لملك آل حماد فأخلفت هذه المدينة من جدة عجيسة لما تمرست بهم، وخضدت من شوكتهم وراموا كيد القلعة مرارا، وأجلبوا على ملوكها بالأعياص منهم فاستلحمهم السيف، ثم هلكوا وهلكت القلعة من بعدهم وورثت مواطنهم بذلك الجبل عياض من أفاريق العرب الهلاليين وسمي الجبل بهم، وفي القبائل بالمغرب كثير من عجيسة هؤلاء مفترقون فيهم والله أعلم.
الخبر عن أوربة من بطون البرانس وما كان لهم من الردة والثورة وما صار لهم من الدعاء لإدريس الأكبر
كانت البطون التي فيها الكثرة والغلب من هؤلاء البربر البتر كلهم لعهد الفتح أوربة وهوارة وصنهاجة من البرانس، ونفوسة وزناتة ومطغرة ونفزاوة من البتر، وكان التقدم لعهد الفتح لأوربة هؤلاء بما كانوا أكثر عددا وأشد بأسا وقوة، وهم من ولد أورب بن برنس، وهم بطون كثيرة، فمنهم بجاية ونفاسة ونعجة وزهكوجة ومزياتة ورغيوتة وديقوسة. وكان أميرهم بين يدي الفتح ستردير بن رومي بن بارزت بن بزريات ٦/١٩٢
ولي عليهم مدة ثلاث وسبعين سنة، وأدرك الفتح الإسلامي ومات سنة إحدى وسبعين، وولي عليهم من بعده كسيلة بن لزم الأوربي فكان أميرا على البرانس كلهم، ولما نزل ابن المهاجر تلمسان سنة خمس وخمسين كان كسيلة بن لزم مرتادا بالمغرب الأقصى في جموعه من أوربة وغيرهم، فظفر به أبو المهاجر وعرض عليه الإسلام فأسلم، واستنقذه وأحسن إليه وصحبه.
وقدم عقبة في الولاية الثانية أيام يزيد سنة اثنتين وستين فاضطغن عليه صحابته لأبي المهاجر وتقدم أبو المهاجر في اصطناعه فلم يقبل وزحف إلى المغرب وعلى مقدمته زهير ابن قيس البلوي فدوخه. ولقيه ملوك البربر ومن انضم إليه من الفرنجة بالزاب وتاهرت فهزمهم واستباحهم، وأذعن له بليان أمير غمارة ولاطفه وهاداه، ودله على عورات البرابرة وردأه بوليلة والسوس وما والاهما من مجالات الملثمين فغنم وسبى، وانتهى إلى ساحل البحر وقفل ظافرا.
وكان في غزاتة تلك يستهين كسيلة ويستخف به وهو في اعتقاله. وأمره يوما بسلخ شاة بين يديه فدفعها إلى غلمانه، وأراده عقبة على أن يتولاها بنفسه، وانتهره فقام إليها كسيلة مغضبا وجعل كلما دس يده في الشاة مسح بلحيته والعرب يقولون ما هذا يا بربري؟ فيقول: هو أجير فيقول لهم شيخ منهم: إن البربري يتوعدكم. وبلغ ذلك أبا المهاجر فنهى عقبة عنه، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب، وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه بدار عزه قريب عهد بالشرك فتفسد قلبه وأشار عليه بأن يوثق منه. وخوفه فتكه فتهاون عقبة بقوله.
فلما قفل عن غزاتة وانتهى إلى طبنة صرف العساكر إلى القيروان أفواجا ثقة بما دوخ من البلاد، وأذل من البربر حتى بقي في القليل ، وسار إلى تهودة أو بادس لينزل بها الحامية. فلما نظر إليه الفرنجة طمعوا فيه وراسلوا كسيلة بن لزم ودلوه على الفرصة فيه فانتهزها، وراسل بني عمه ومن تبعهم من البربر، واتبعوا عقبة وأصحابه رضي الله عنه حتى إذا غشوه بتهودة ترحل القوم وكسروا أجفان سيوفهم، ونزل الصبر واستلحم عقبة وأصحابه رضي الله عنهم ولم يفلت منهم أحد. وكانوا زهاء ثلاثمائة من ٦/١٩٣
كبار الصحابة والتابعين استشهدوا في مصرع واحد، وفيهم أبو المهاجر كان أصحبه في اعتقاله، فأبلى رضي الله عنه في ذلك اليوم البلاء الحسن، وأجداث الصحابة رضي الله عنهم أولئك الشهداء عقبة وأصحابه بمكانهم ذلك من أرض الزاب لهذا العهد.
وقد جعل على قبر عقبة أسنمة ثم جصص، واتخذ عليه مسجد عرف باسمه وهو في عداد المزارات ومظان البركة، بل هو أشرف مزور من الأجداث في بقاع الأرض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه، وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أوس الأنصاري ويزيد بن خلف العبسي ونفر معهم ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة. وكان زهير بن قيس البلوي بالقيروان وبلغه الخبر فخرج هاربا وارتحل بالمسلمين ونزل برقة وأقام بها ينتظر المدد من الخلفاء. واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة، وزحف الى القيروان فخرج العرب منها ولحق بزهير بن قيس ولحق بها أصحاب الذراري والأثقال فأمنهم ودخل القيروان وأقام أميرا على إفريقية ومن بقي بها من العرب خمس سنين وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وفتنة الضحاك بن قيس مع المروانية بمرج راهط وحروب آل الزبير فاضطرب أمر الخلافة بعض الشيء، واضطرم المغرب نارا وفشت الردة في زناتة والبرانس. ثم استقل عبد الملك بن مروان من بعد ذلك وأذهب بالمشرق آثار الفتنة. وكان زهير بن قيس مقيما ببرقة منذ مهلك عقبة، فبعث إليه بالمدد وولاه حرب البرابرة والثأر بدم عقبة. فزحف إليها في آلاف من العرب سنة سبع وستين. وجمع كسيلة البرانس وسائل البربر، ولقيه بجيش من نواحي القيروان واشتد القتال بين الفريقين، ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم وأتبعهم العرب إلى مرماجنة ثم إلى ملوية وذل البربر ولجئوا إلى القلاع والحصون وحدت شوكة أوربة من بينهم واستقر جمهورهم بديار المغرب الأقصى فلم يكن بعدها لهم ذكر.
واستولوا على مدينة وليلى بالمغرب كانت ما بين موضع فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون وأقاموا على ذلك، والجيوش من القيروان تدوخ المغرب مرة بعد أخرى إلى أن خرج محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي أيام المنصور وقتل بالمدينة سنة ٦/١٩٤
خمس وأربعين ومائة. ثم خرج بعده ابن عمه حسين بن علي بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن حسن السبط أيام الهادي وقتل بفخ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة، واستلحم كثير من أهل بيته وفر إدريس بن عبد الله إلى المغرب ونزل على أوربة سنة اثنتين وسبعين ومائة وأميرهم يومئذ بو ليلى إسحاق بن محمد بن عبد الحميد منهم فأجاره وجمع البرابر على دعوته. واجتمعت عليه زواغة ولواتة وسراتة وغمات ونفرة ومكناسة وغمارة وكافة برابرة المغرب، فبايعوه وائتمروا بأمره، وتم له الملك والسلطان بالمغرب. وكانت له الدولة التي ورثها أعقابه إلى حين انقراضها، كما ذكرنا في دولة الفاطميين والله تعالى أعلم.
الخبر عن كتامة من بطون البرانس وما كان لهم من العز والظهور على القبائل وكيف تناولوا الملك من أيدي الاغالبة بدعوة الشيعة
هذا القبيل من قبائل البربر بالمغرب وأشدهم بأسا وقوة، وأطولهم باعا في الملك عند نسابة البربر من ولد كتام بن برنس، ويقال: كتم ونسابة العرب يقولون إنهم من حمير ذكر ذلك ابن الكلبي والطبري. وأول ملوكهم أفريقش بن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة، وهو الذي افتتح إفريقية وبه سميت، وقتل ملكها جرجير، وسمى البربر بهذا الاسم كما ذكرناه. يقال أقام في البربر من حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى اليوم فيهم، وتشعبوا في المغرب وانبثوا في نواحيه إلا أن جمهورهم كانوا لأول الملة بعد تهييج الردة وطفئت تلك الفتن، موطنين بأرياف قسنطينة إلى تخوم بجاية غربا إلى جبل أوراس من ناحية القبلة. وكانت بتلك المواطن بلاد مذكورة أكثرها لهم، وبين ديارهم ومجالات تقلبهم مثل أبكجان وسطيف وباغاية، وبفاس وتلزمه ويتكست وميلة وقسنطينة والسيكرة والقل وجيجل من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية وبونة.
وكانت بطونهم كثيرة يجمعها كلها غرسن ويسودة ابنا كتم بن يوسف فمن يسودة ٦/١٩٥
فالسبد ودنهاجة ومتوسة ورسين كلهم بنو يسودة بن كتم وإلى دنهاجة ينسب قصور كتامة بالمغرب لهذا العهد. ومن غرسن مصالة وقلان وماوطن ومعاذ بنو غرسن ابن كتم، ولهيفة وجيملة ومسألته وبنو بناوة بن غرسن، وملوسة من إيان ولطاية وإجانة وغسمان وأوباست بنو تيطاسن بن غرسن وملوسة من إيان غرسن بن غرسن. ومن ملوسة هؤلاء بنو زيدوي أهل الجبل المطل على قسنطينة لهذا العهد.
وبعد البرابرة من كتامة بنو يستيتن وهشتيوة ومصالة وبني قنسيلة. وعد ابن حزم منهم زواوة بجميع بطونهم وهو الحق على ما تقدم.
وكان من هذه البطون بالمغرب الأقصى كثير منتبذون عن مواطنهم، وهم بها إلى اليوم. ولم يزالوا بهذه المواطن وعلى هذه الحالة من لدن ظهور الملة وملك المغرب إلى دولة الأغالبة. ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة ولا ينالهم تعسف لاعتزازهم بكثرة جموعهم كما ذكره ابن الرقيق في تاريخه إلى أن كان من قيامهم في دعوة الشيعة ما ذكرناه في دولتهم عند ذكر دولة الفاطميين إثر دولة بني العباس، فانظره هنالك وتصفحه تجد تفصيله. ولما صار لهم الملك بالمغرب زحفوا إلى المشرق فملكوا الإسكندرية ومصر والشام واختطوا القاهرة أعظم الأمصار بمصر، وارتحل المعز رابع خلفائهم فنزلها وارتحل معه كتامة على قبائلهم واستفحلت الدولة هنالك وهلكوا في ترفها وبذخها.
وبقي في مواطنهم الأولى بجبل أوراس وجوانبه من البسائط بقايا من قبائلهم على أسمائها وألقابها والآخرون بغير لقبهم وكلهم رعايا معبدون للمغارم إلا من اعتصم بقنة الجبل مثل بني زيدوي بجبلهم وأهل جبال جيجل وزواوة أيضا في جبالهم. وأما البسائط فأشهر من فيها منهم سدويكش ورياستهم في أولاد سواد ولا أدري إلى من يرجعون في قبائل كتامة المسمين بهذه الاسم إلا أنهم باتفاق من أهل ٦/١٩٦
الأخبار، ونحن الآن ذاكرون ما عرفناه من أخبارهم المتأخرة بعد دولة كتامة والله تعالى ولي العون.
الخبر عن سدويكش ومن اليهم من بقايا كتامة في مواطنهم
هذا الحي لهذا العهد وما قبله من العصور يعرفون بسدويكش وديارهم في مواطن كتامة ما بين قسنطينة وبجاية في البسائط منها، ولهم بطون كثيرة مثل سيلين وطرسون وطرغيان وموليت وبني فتنة وبني لمائي وكايارة وبني زغلان والنورة وبني مزوان ووارمسكن وسكوال وبني عيار . وفيهم من لماته ومكلاتة وريغة والرئاسة على جميعهم في بطن منهم يعرفون أولاد سواق لهم جمع وقوة وعدد وعدة. وكان جميع هذه البطون وعيالهم غارمة فيمتطون الخيل ويسكنون الخيام ويظعنون على الإبل والبقر ولهم مع الدول في ذلك الوطن استقامة. وهذا شأن القبائل الأعراب من العرب لهذا العهد. وهم ينتفون من نسب كتامة ويفرون منه لما وقع منذ أربعمائة سنة من النكير على كتامة بانتحال الرافضة وعداوة الدول بعدهم، فيتفادون بالانتساب إليهم. وربما انتسبوا في سليم من قبائل مضر وليس ذلك بصحيح. وإنما هم من بطون كتامة وقد ذكرهم مؤرخو صنهاجة بهذا النسب ويشهد لذلك الموطن الذي استوطنوه من إفريقية.
ويذكر نسابتهم ومؤرخوهم أن موطن أولاد سواق منهم كان في قلاع بني بو خصرة من نواحي قسنطينة ومنه انتقلوا وانتشروا في سائر تلك الجهات. وأولاد سواق بطنان وهم: أولاد علاوة بن سواق وأولاد يوسف بن حمو بن سواق. فأما أولاد علاوة فكانت الرئاسة على قبائل سدويكش لهم فيما سمعناه من مشيختنا، وأن ذلك كان لعهد دولة الموحدين وكان منهم علي بن علاوة وبعده ابنه طلحة بن علي وبعده أخوه يحيى بن علي وبعده أخوهما منديل بن علي عزل تازير بن أخيه طلحة ٦/١٩٧
لما بويع السلطان أبو يحيى بقسنطينة سنة عشر من هذه المائة وقع من تازير انحراف؟ من طاعته واعتلوا بطاعة ابن الخلوف بجاية، فقدم عوضا منه عمه منديل. ثم؟ يستبدل منهم أجمعين بأولاد يوسف، فشمروا في طاعته وأبلوا، وغلب السلطان على بجاية وقتل ابن الخلوف فظهر أولاد يوسف وزحموا أولاد علاوة، وأخرجوهم من لوطن فصاروا إلى عياض من أفاريق هلال، وسكنوا في جوارهم بجبلهم الذي وطنوه المطل على المسيلة. واتصلت الرئاسة على سدويكش في أولاد يوسف وهم لهذا العهد أربع قبائل: بنو محمد بن يوسف وبنو المهدي وبنو إبراهيم بن يوسف والعزيزيون وهم بنو منديل، وظافر وجري وسيد الملوك والعباس وعيسى، والستة أولاد يوسف وهم أشقاء. وأمهم تاعزيزت فنسبوا إليها، وأولاد محمد والعزيزيون يوطنون بنواحي بجاية وأولاد المهدي وإبراهيم بنواحي قسنطينة.
وما زالت الرئاسة في هذه القبائل الأربع تجتمع تارة في بعضهم وتفترق أخرى إلى هذا العهد، وكانت الأخرى دولة مولانا السلطان أبي يحيى اجتمعت رياستهم لعبد الكريم بن منديل بن عيسى من العزيزيين ثم افترقت واستقل كل بطن من هؤلاء الأربعة برياسة، وأولاد علاوة في خلال هذا كله بجبل عياض. ولما تغلب بنو مرين على إفريقية نكر السلطان أبو عنان أولاد يوسف ورماهم بالميل إلى الموحدين، وصرف الرئاسة على سدويكش إلى مهنا من تازير بن طلحة من أولاد علاوة فلم يتم له ذلك، وقتله أولاد يوسف. ورجع أولاد علاوة إلى مكانهم من جبل عياض.
وكان رئيسهم لهذه العصور عدوان بن عبد العزيز بن زروق بن علي بن علاوة، وهلك ولم تجتمع رياستهم بعده لأحد. وفي بطون سدويكش هؤلاء بطن مرادف أولاد سواق في الرئاسة على بعض أحيائهم وهم بنو سكين، ومواطنهم في جوار لواتة بجبل تابور وما إليه من نواحي بجاية، ورياستهم في بني موسى بن ثابر منهم.
أدركنا ابنه صخر بن موسى واختصه السلطان أبو يحيى بالرياسة على قومه، وكان له مقامات في خدمته. ثم عرف بعده في الوفاء ابنه الأمير أبو حفص فلم يزل معه إلى أن وقع به بنو مرين بناحية قابس، وجيء به مع أسرى الوقيعة فقطعه السلطان أبو الحسن من خلاف، وهلك بعد ذلك وقام برياسته ابنه عبد الله وكان له فيها وفي خدمة السلطان بجاية شأن إلى أن هلك لأعوام ثمانين، وولي ابنه محمد من بعده والله وارث الأرض ومن عليها ٦/١٩٨
الخبر عن بني ثابت أهل الجبل المطل على قسنطينة من بقايا كتامة
ومن بطون كتامة وقبائلهم أهل الجبل المطل على القل ما بينه وبين قسنطينة المعروف برياسة أولاد ثابت بن حسن بن أبي بكر من بني تليلان. ويقال إن أبا بكر هذا الجد هو الذي فرض المغرم على أهل هذا الجبل لأيام الموحدين، ولم يكن قبل ذلك عليه مغرم. فلما انقرض ملك صنهاجة وغلب الموحدون على إفريقية وفد أبو بكر هذا على الخليفة بمراكش ونجع بالطاعة والانقياد، وتقرب إليه بفرض المغرم على قبيلة بالجبل، وكان لثابت هذا من الولد علي وحسن وسلطان وإبراهيم، كلهم راسوا بالجبل، وأما حسن منهم فحجب السلطان أبا يحيى لأول دولته وفي عنيته. ولابن عمر لدولة طرابلس أعوام احدى عشر وسبعمائة كما نذكره. فلما تملك السلطان بجاية وقتل ابن خلوف ورجع ابن عمر من تونس إلى حجابته، وجد حسن بن ثابت معسكرا بفرحيرة لانقضاء مغارم الوطن، فبعث إليه من قتله. وكان آخرهم رئاسة بالجبل علي، أدرك دولة بني مرين بإفريقية. وولي بعده ابن عبد الرحمن ووفد على السلطان أبي عنان بفاس. ولما استجد مولانا السلطان أبو العباس دولته بإفريقية استولى عليهم ومحا أثر مشيختهم ورياستهم وصيرهم من عداد جنده وحاشيته.
واستعمل في الجبل عماله وهو جبل مطاوع وجبايته مؤداة لصولته وجواره للعسكر بقسنطينة. ومن بقايا كتامة أيضا قبائل أخرى بناحية تدلس في هضابة مكتنفة بها وهم في عداد القبائل الغارمة، وبالمغرب الأقصى منهم قبيلة من بني سنس بجبل قبلة جبل يزناسن، وقبيلة أخرى بناحية الهبط مجاورون لنصر بن عبد الكريم وقبائل أخرى بناحية مراكش نزلوا مع صنهاجة هنالك، ونسب كتامة لهذا العهد بين القبائل المثل السائر في الدولة لما نكرتهم الدول من بعدهم أربعمائة سنة بانتحالهم الرافضة ٦/١٩٩
ومذاهبها الكفرية، حتى صار كبيرهم من أهل نسبهم يفرون منه، وينتسبون فيمن سواهم من القبائل فرارا من هجنته والعزة لله وحده.
الإلمام بذكر زواوة من بطون كتامة
هذا البطن من أكبر بطون البربر ومواطنهم كما تراه محتفة ببجاية إلى تدلس في جبال شاهقة وأوعار متسنمة، ولهم بطون وشعوب كثيرة، ومواطنهم متصلة بمواطن كتامة هؤلاء، وأكثر الناس جاهلون بنسبهم. وعامة نسابة البربر على أنهم من بني سمكان يحيى بن ضريس، وأنهم إخوة زواغة المحققون من النسابة مثل ابن حزم وأنظاره إنما يعدونهم في بطون كتامة وهو الأصوب. والمواطن أوضح دليل عليه وإلا فأين مواطن زواغة؟ وهي طرابلس بالمغرب الأقصى من مواطن كتامة. وإنما حمل على الغلط في نسبهم إلى كتامة تصحيف اسم زوازه بالزاي بعد الواو وهم إخوة زواغة بلا شك، فصحف هذا القارئ الزاي بالواو فعد زواوة إخوان زواغة. ثم استمر التصحيف جمعا في نسب سمكان والله أعلم، وقد مر ذكرهم هنالك مع ذكر زواغة وتعديد بطونهم ٦/٢٠٠
الخبر عن صنهاجة من بطون البرانس وما كان لهم من الظهور والدول في بلاد المغرب والأندلس
هذا القبيل من أوفر قبائل البربر، وهو أكثر أهل الغرب لهذا العهد وما بعده لا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط، حتى لقد زعم كثير من الناس أنهم الثلث من أمم البربر. وكان لهم في الردة ذكر وفي الخروج على الأمراء شأن تقدم منه في صدر ذكر البرابر، ونذكر منه هنا ما تيسر. وأما ذكر نسبهم فإنهم من ولد صنهاج وهو صناك بالصاد المشمة بالزاي والكاف القريبة من الجيم. إلا أن العرب عربته وزادت فيه الهاء بين النون والألف فصار صنهاج، وهو عند نسابة البربر من بطون البرانس من ولد برنس بن بر، وذكر ابن الكلبي والطبري أنهم وكتامة جميعا من حمير كما تقدم في كتامة، وفيما نقل الطبري في تاريخه أنهم صنهاج بن بر بن صوكان بن منصور بن الفند بن أفريقش بن قيس، وبعض النسابة يزعم أنه صنهاج بن المثنى بن المنصور بن مصباح بن يحصب بن مالك بن عامر بن حمير الأصغر بن سبإ، كذا نقل ابن النحوي من مؤرخي دولتهم وجعله ليحصب. وقد مر ذكره في أنساب حمير وليس كما ذكر والله أعلم. وأما المحققون من نسابة البربر فيقولون هو صنهاج بن عاميل بن زعزاع بن قيمتا بن سدور بن مولان بن مصلين بن يبرين بن مكسيلة بن دقيوس بن حلحال بن شرو بن مصرايم بن حام. ويزعمون أن جزول واللمط وهسكور إخوة صنهاج، وأن أمهم الأربعة بصكي وبها يعرفون وهي بنت زحيك بن مادغيس، ويقال لها العرجاء فهذه القبائل الأربعة من القبائل إخوة لأم والله أعلم. ٦/٢٠١
وأما بطون صنهاجة فكثيرة فمنهم بلكانة وأنجفة وشرطة ولمتونة ومسوقة وكدالة ومندلسة وبنو وارت وبنو يتين . ومن بطون أنجفة بنو مزوات وبنو تثليب وفشتالة وملواقة . هكذا يكاد نقل بعض نسابة البربر في كتبهم وذكر آخرون من مؤرخي البربر أن بطونهم تنتهي إلى سبعين بطنا. وذكر ابن الكلبي والطبري أن بلادهم بالصحراء مسيرة ستة أشهر. وكان أعظم قبائل صنهاجة بلكانة وفيهم كان الملك الأول. وكانت مواطنهم ما بين المغرب الأوسط وإفريقية، وهم أهل مدر. ومواطن مسوقة ولمتونة وكدالة وشرطة بالصحراء، وهم أهل وبر.
وأما أنجفة فبطونهم مفترقة وهم أكثر بطون صنهاجة. ولصنهاجة ولاية لعلي بن أبي طالب، كما أن لمغراوة ولاية لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، إلا أنا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا أصلها. وكان من مشاهيرهم في الدولة الإسلامية ثابت بن وزريون ثار بإفريقية أيام السفاح عند انقراض الأموية، وعبد الله بن سكرديرلك، وعباد بن صادق من قواد حماد بن بلكين وسليمان بن مطعمان بن غيلان أيام باديس بن بلكين. وبني حمدون وورا بني حماد ، وهو حمدون بن سليمان بن محمد بن علي بن علم، منهم ميمون بن جبل ابن أخت طارق مولى عثمان بن عفان صاحب فتح الأندلس في آخرين يطول ذكرهم. وكان الملك في صنهاجة في طبقتين الطبقة الأولى لملكانة ملوك إفريقية والأندلس، والثانية مسوقة ولمتونة من الملثمين ملوك المغرب المسمون بالمرابطين. ويأتي ذكرهم كلهم إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الطبقة الاولى من صنهاجة وما كان لهم من الملك
كان أهل هذه الطبقة بنو ملكان بن كرت، وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمرة إلى ٦/٢٠٢
الجزائر ولمدية ومليناتة من مواطن بني يزيد وحصين والعطاف من زغبة، ومواطن الثعالبة لهذا العهد. وكان معهم بطون كثيرة من صنهاجة أعقابهم هنالك من متنان وأنوغة وبنو مزغنه وبنو جعد وملكانة وبطوية وبنو يفرن وبنو خليل، وبعض أعقاب ملكانة بجهات بجاية ونواحيها. وكان التقدم منهم جميعا لبلكانة وكان أكثرهم لعهده الأغالبة مناد بن منقوش بن صنهاج الأصغر، وهو صناك بن واسفاق بن جريل بن يزيد بن واسلي بن سمليل بن جعفر بن إلياس بن عثمان بن سكاد بن ملكان بن كرت بن صنهاج الأكبر هكذا نسبه ابن النحوي، من مؤرخي الأندلس، وذكر بعض مؤرخي المغرب أن مناد بن منقوش ملك جانبي إفريقية والمغرب الأوسط مقيما لدعوة ابن العباس، وراجعا إلى أمر الأغالبة.
وأقام أمره من بعده ابنه زيري بن مناد، وكان من أعظم ملوك البربر. وكانت بينه وبين مغراوة من زناتة المجاورين له من جهة المغرب الأوسط كما نذكر حروب وفتن طويلة. ولما استوسق الملك للشيعة بإفريقية تحيز إليهم للولاية التي لعلي رضي الله عنه فيهم. وكان من أعظم أوليائهم، واستطال بهم على عدوه من مغراوة فكانوا ظهرا له عليهم، وانحرفت لذلك مغراوة وسائر زناتة عن الشيعة سائر أيامهم وتحيزوا عن المروانيين ملوك العدوة بالأندلس فأقاموا دعوتهم بالمغرب الأوسط والأقصى كما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. ولما كانت فتنة أبي يزيد والتاث أمر العبيديين بالقيروان والمهدية، كان لزيري بن مناد منافرة إلى الخوارج أصحاب أبي يزيد وأعقابهم وشريف بالحشود إلى مناصرة العبيديين بالقيروان كما ستراه.
وأحفظ مدينة واشين للتحصن بها سفح الجبل المسمى تيطرا لهذا العهد حيث مواطن حصين، وحصنها بأمر المنصور، وكانت من أعظم مدن المغرب. واتسعت بعد ذلك خطتها واستبحر عمرانها. ورحل إليها العلماء والتجار من القاصية. وحين نازل إسماعيل المنصور أبا يزيد لقلعة كتامة جاءه زيري في قومه ومن انضم إليه من ٦/٢٠٣
حشود البربر وعظمت نكايته في العدو وكان الفتح. وصحبه المنصور إلى أن انصرف من المغرب ووصله صلات سنية. وعقد له على قومه وأذن له في اتخاذ القصور والمنازل والحمامات بمدينة أشير. وعقد له على تاهرت وأعمالها.
ثم اختط ابنه بلكين بأمره وعلى عهده مدينة الجزائر المنسوبة لبني مزغنة بساحل البحر، ومدينة مليانة بالعدوة الشرقية من شلف، ومدينة لمدونة . وهم بطن من بطون صنهاجة وهذه المدن لهذا العهد من أعظم مدن المغرب الأوسط، ولم يزل زيري على ذلك قائما بدعوة العبيديين منابذا لمغراوة، واتصلت الفتنة فيهم. ولما نهض جوهر الكاتب إلى المغرب الأقصى أيام معد المعز لدين الله أمره أن يستصحب زيري بن مناد فصحبه إلى المغرب وظاهره على أمره. ولما ظهر يعلى بن محمد النفزي اتهمه زناتة بالممالاة عليه. ولما نزل جوهر فاس وبها أحمد بن بكر الجذامي، وطال حصاره إياها، كان لزيري في حصارها أعظم العياء، وكان فتحها على يده. سهر ذات ليلة وصعد سورها فكان الفتح.
ولما استمرت الفتنة بين زيري بن مناد ومغراوة ووصلوا أيديهم بالحاكم المستنصر وأقاموا دعوة المروانية بالمغرب الأوسط، وشمر محمد بن الخير بن محمد بن خزر لذلك، رماه معد لقريعة زيري في قومه واحتشد أهل وطنه وقد جمع له محمد بن الخير وزناتة، فسرح إليهم ولده بلكين في مقدمة، وعارضهم قبل استكمالهم التعبية، فدارت بينهم حرب شديدة بعد العهد بمثلها يومئذ. واختل مصاف مغراوة وزناتة. ولما أيقن محمد بن الخير بالمهلكة وعلم أنه أحيط به مال إلى ناحية من العسكر، وتحامل على سيفه فذبح نفسه وانفض جموع زناتة، واستمرت الهزيمة عليهم سائر يومهم فاستلحموا، ومكثت عظامهم ماثلة بمصارعهم عصورا.
وهلك فيما زعموا بضعة عشر أميرا منهم، وبعث زيري برءوسهم إلى المعز بالقيروان فعظم سروره وهش لها الحكم المستنصر صاحب الدعوة بما أوهنوا من أمره.
واستطال زيري وصنهاجة على بوادي المغرب، وغلب يده على جعفر بن علي صاحب المسيلة والزاب وسما به في الرتب عند الخلافة وتاخمه في العمالة. واستدعى ٦/٢٠٤
معد جعفر بن علي من المسيلة لتولية إفريقية حين اعتزم على الرحيل إلى القاهرة، فاستراب مما كانت السعاية كبرت فيه. وبعث معد المعز بعض مواليه فخافه جعفر على نفسه، وهرب من المسيلة ولحق بمغراوة فاشتملوا عليه، وألقوا بيده زمام أمرهم، وقام فيهم بدعوة الحكم المستنصري. وكانوا أقدم لها إجابة وفاوضهم زيري الحرب قبل استفحالهم فزحف إليهم واقتتلوا قتالا شديدا.
وكانت على زيري الدبرة وكبابه فرسه، وأجلت الهزيمة عن مصرعه ومصارع حاميته من قومه فجزوا رأسه وبعثوا به الى الحكم المستنصر بقرطبة في وفد أوفدوه عليه من أمرائهم يؤدون الطاعة ويؤكدون البيعة، ويجمعون لقومهم النصرة. وكان مقدم وفدهم يحيى بن علي أخو جعفر هذا كما ذكرناه. وهلك زيري هذا سنة ستين وثلاثمائة لست وعشرين سنة من ولايته. ولما وصل خبره إلى ابنه بلكين وهو بأشير نهض إلى زناتة ودارت بينهم حرب شديدة. فانهزمت زناتة وثأر بلكين بأبيه وقومه، واتصل ذلك بالسلطان محمد أثره وعقد له على عمل أبيه بأشير وتيهرت وسائر أعمال المغرب، وضم إليه المسيلة والزاب وسائر عمل جعفر فاستعتب واستفحل أمره واتسعت ولايته وأثخن في البربر أهل الخصوص من أحرابه وهوارة ونفزة وتوغل في المغرب في طلب زناتة فأثخن فيهم. ثم رجع واستقدمه السلطان لولاية إفريقية فقدم سنة إحدى وستين وثلاثمائة واستبلغ السلطان في تكريمه ونفس ذلك عليه كتامة. ثم نهض السلطان إلى القاهرة واستخلفه كما نذكره. وكان ذلك أول دولة آل زيري بإفريقية والله تعالى أعلم.
الخبر عن دولة آل زيري بن مناد ولاة العبيديين من هذه الطبقة بإفريقية وتصاريف أحوالهم
لما أخذ المعز في الرحلة إلى المشرق وصرف اهتمامه إلى ما يتخلف وراء ظهره من الممالك والعمالات، ونظر فيمن يوليه أمر إفريقية والمغرب ممن له الغناء والاضطلاع، وبه الوثوق من صدق التشييع ورسوخ القدم في دراية الدولة، فعثر اختياره على بلكين بن ٦/٢٠٥
زيري بن مناد ولي الدولة منذ عهد أخذه ما بيده من أيدي زناتة وأموالها في سبيل الاباء على الدولة والمظاهرة للدولة.
دولة بلكين بن زيري
فبعث خلف بلكين بن زيري وكان متوغلا في المغرب في حروب زناتة، وولاه أمر إفريقية ما عدا أصهلية كانت لبني أبي الحسين الكلبي، وطرابلس لعبد الله بن يخلف الكتامي وسماه يوسف بدلا من بلكين، وكناه أبا الفتوح، ولقبه سيف الدولة، ووصله بالخلع والأكسية الفاخرة. وحمله على مقرباته بالمراكب الثقيلة وأنفذ أمره في الجيش والمال وأطلق يده في الأعمال. وأوصاه بثلاث: أن لا يرفع السيف عن البربر، ولا يرفع الجباية عن أهل البادية، ولا يولي أحدا من أهل بيته.
وعهد إليه أن يفتح أمره بغزو المغرب لحسم دائه، وقطع علائق الأموية منه. وارتحل يريد القاهرة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ورجع عنه بلكين من نواحي صفاقس فنزل قصر معد بالقيروان، واضطلع بالولاية وأجمع غزو المغرب فغزاه في جموع صنهاجة ومخلف كتامة وارتحل إلى المغرب، وفر أمامه ابن خزر صاحب المغرب الأوسط إلى سجلماسة.
وبلغه خلاف أهل تاهرت وإخراج عامله فرحل إليها وخربها. ثم بلغه أن زناتة اجتمعوا إلى تلمسان فرحل إليهم فهربوا أمامه. ونزل على تلمسان فحاصرها حتى نزل أهلها على حكمه ونقلهم إلى أشير. وبلغه كتاب معد ينهاه عن التوغل في المغرب فرجع. ولما كان سنة سبع وستين وثلاثمائة رغب بلكين من الخليفة نزار بن المعز أن يضيف إليه عمل طرابلس، وسرت وأجدابية فأجابه إلى ذلك وعقد له عليها. ورحل عنها عبد الله بن يخلف الكتامي وولى بلكين عليه من قبله. ثم ارتحل بلكين إلى المغرب، وفرت أمامه زناتة فملك فاس وسجلماسة وأرض الهبط وطرد منها عمال بني أمية، ثم غزا جموع زناتة بسجلماسة وأوقع بهم وتقبض على ابن خزر أمير مغراوة فقتله. وجعل ملوكهم أمامه مثل بني يعلى بن محمد النفزي وبني عطية بن عبد الله ٦/٢٠٦
ابن خزر وبني فلفول بن خزر، ويحيى بن علي بن حمدون صاحب البصرة.
وبرزوا جميعا بقياطينهم إلى سبتة، وبعثوا الصريخ إلى المنصور بن أبي عامر، فخرج بعساكره إلى الجزيرة الخضراء. وأمرهم بمن كان في حضرته من ملوك زناتة ورؤسائهم النازعين إلى خلفاء الأموية بالأندلس بقرطبة بالمقام في سبيل الطاعة، واغتنام فضل الرباط بثغور المسلمين في إيالة الخلفاء. واجتمعت منهم وراء البحر أمم مع ما انضم إليهم من العساكر والحشود، وأجازهم البحر لقصر جعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة، وعقد له على حرب بلكين وأمده بمائة حمل من المال، فتعاقد ملوك زناتة واجتمعوا إليه، وضربوا مصاف القتال بظاهر سبتة. وهرع إليهم المدد من الجزيرة من عساكر المنصور، وكادوا يخوضون البحر من فرائض الزقاق إلى مظاهرة أوليائهم من زناتة. ووصل بلكين إلى تيطاوير وتسنم هضابها، وقطع شعوبها لنهج المسالك والطرق لعسكره، حتى أطل على معسكرهم بظاهر سبتة فأرى ما هاله واستيقن امتناعهم.
ويقال إنه لما عاين سبتة من مستشرفه، ورأى اتصال المدد من العدوة إلى معسكرهم بها قال: هذه أفعى فغرت إلينا فاها وكر راجعا على عقبه. وكان موقفه ذلك أقصى أثره ورجع إلى البصرة فهدمها وكانت دار ملك ابن الأندلسي، وبها عمارة عظيمة.
ثم انفتح له باب في جهاد برغواطة فارتحل إليهم وشغل بجهادهم، وقتل ملكهم عيسى بن أبي الأنصار كما نذكره. وأرسل بالسبي إلى القيروان وأذهب دعوة بني أمية من نواحي المغرب وزناتة مشردون بالصحراء إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة بواركش ما بين سجلماسة وتلمسان منصرفا من هذه الغارة الطويلة.
دولة منصور بن بلكين
ولما توفي بلكين بعث مولاه أبو زغبل بالخبر إلى ابنه المنصور، وكان واليا بأشير وصاحب عهد أبيه، فقام بأمر صنهاجة من بعده ونزل صيره وقلده العزيز نزار بن معد أمر إفريقية والمغرب وكان على سنن أبيه، وعقد لأخيه أبي البهار على تاهرت ولأخيه يطوفت على أشير، وسرحه بالعساكر إلى المغرب الأقصى سنة أربع وسبعين ٦/٢٠٧
وثلاثمائة يسترجعه من أيدي زناتة. وقد بلغه أنهم ملكوا سجلماسة وفاس، فلقيه زيري بن عطية المغراوي الملقب بالقرطاس أمير فاس فهزمه ورجع إلى أشير.
وأقصى المنصور بعدها عن غزو المغرب وزناتة، واستقل به ابن عطية وابن خزرون وبدر بن يعلى كما نذكر بعد.
ثم رحل بلكين إلى رقاده وفتك بعبد الله بن الكاتب عامله وعامل أبيه على القيروان لهنات كانت منه، وسعايات أنجحت فيه فهلك سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وولي مكانه يوسف بن أبي محمد، وكثر التواتر بكتابه فقتلهم وأثخن فيهم حتى أذعنوا، وأخرج إليهم العمال وعقد لأخيه حماد على أشير. وطالت الفتنة مع زناتة ونزل إليه منهم سعيد بن خزرون. ولم يزل سعيد يطيعه إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وولي ابنه فلفول بن سعيد. وخالف أبو البهار بن زيري سنة تسع وسبعين وثلاثمائة فزحف إليه المنصور وفر بين يديه إلى المغرب. وأمد المنصور أهل تاهرت ومضى في أتباع أبي البهار حتى نفد عسكره وأشير عليه بالرجوع فرجع. وبعث أبو البهار إلى أبي عامر صاحب الأندلس في المظاهرة والمدد، واسترهن ابنه في ذلك، فكتب زيري بن عطية صاحب دعوة الأموية من زناتة بفاس أن يكون معه يدا واحدة فظاهره زيري واتفق رأيهما مدة، وحار بهما بدر بن يعلى فهزماه وملكا فاس وما حولها. ثم اختلفت ذات بينهما سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ورجع أبو البهار إلى قومه. ووفد على المنصور سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة بالقيروان فأكرمه ووصله وأنزله أحسن نزل وعقد له على تاهرت، ثم هلك المنصور سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
دولة باديس بن المنصور
ولما هلك المنصور قام بأمره ابنه باديس وعقد لعمه يطوفت على تاهرت، وسرح عساكره لحرب زناتة مع عميه يطوفت وحماد، فولوا منهزمين أمام زناتة إلى أشير.
ونهض بنفسه سنة تسع وثمانين وثلاثمائة لحرب زيري بن عطية راجعا إلى المغرب، فولى ٦/٢٠٨
باديس أخاه يطوفت على تاهرت وأشير، وخالف عليه عمومته ماكسن وزاوي وحلال ومعتز وعزم واستباحوا عسكر يطوفت وأفلت منهم. ووصل أبو البهار متبرئا من شأنهم. وشغل السلطان باديس بحرب فلفول بن سعيد كما نذكره في أخبار بني خزرون وسرح عمه حمادا لحرب بني زيري إخوته. ووصل بنو زيري أيديهم بفلفول ثم رجعوا إلى حماد فهزمهم وتقبض على ماكسن منهم فأطمة الكلاب وقتل أولاد الحسن وباديس كذا ذكر ابن حزم.
ونجا فلهم إلى جبل سنوه فنازلهم حماد أياما وعقد هلم السلم على الإجازة إلى الأندلس فلحقوا بابن عامر سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وهلك زيري بن عطية المغراوي لتسع أيام من مهلك ماكسن، وأقفل باديس عمه حمادا على حضرته ليستعين به في حروف فلفول، فاضطرب المغرب لقفوله، وأظهرت زناتة الفساد وأضروا بالسابلة وحاصروا المسيلة وأشير، فسرح إليهم باديس عمه حماده وخرج على أثره سنة خمس وتسعين وثلاثمائة فنزل تيجست ودوخ حماد المغرب، وأثخن في زناتة واختط مدينة القلعة. ثم طلب منه باديس أن ينزل على عمل تيجست وقسنطينة اختبارا للطاغية فأبى وأظهر الخلاف. وبعث إليه أخاه إبراهيم فأقام معه، وزحف إليهم باديس، ثم رحل في طلبه إلى شلف، ونزل إليه بعض العساكر. ودخل في طاعته بنو توجين وحازوا في مدده. ووصل أميرهم عطية بن دافلين وبدر بن أغمان بن المعتز فوصلها. وكان حماد قتل دافلين. ثم نزل باديس نهر واصل والسرسو وكزول وانثنى حماد راجعا إلى القلعة واتبعه باديس.
ونازلة بها وهلك بمعسكره عليها سنة ست وأربعمائة فجأة، وهو نائم بين أصحابه بمضربه، فارتحلوا راجعين واحتملوا باديس على أعواده. ٦/٢٠٩
دولة المعز بن باديس
ولما بلغ الخبر بمهلك باديس بويع ابنه المعز ابن ثمان سنين، ووصل العسكر فبايعوه البيعة العامة. ودخل حماد المسيلة وأشير، واستعد للحرب وحاصر باعانة ، وبلغ الخبر بذلك فزحف المعز إليه وأفرج عن باعانة، ولقيه فانهزم حماد وأسلم معسكره، وتقبض على أخيه إبراهيم ونجا إلى القلعة، ورغب في الصلح فاستجيب على أن يبعث ولده. وانتهى المعز إلى سطيف وقصر الطين وقفل إلى حضرته، ووصل إليه القائد بن حماد بعمل المسيلة وطبنة والزاب وأشير وتاهرت، وما يفتح من بلاد المغرب، وعقد للقائد ابن حماد على طبنة والمسيلة مقره ومرسى الدجاج وسوق حمزة وزواوة وانقلب بهدية ضخمة. ورفعت الحرب أوزارها من يومئذ، واقتسموا المظلة والتحموا بالأصهار، وافترق ملك صنهاجة إلى دولتين: دولة إلى المنصور بن بلكين أصحاب القيروان، ودولة إلى حماد بن بلكين أصحاب القلعة.
ونهض المعز إلى حماد سنة اثنتين وثلاثين فحاصره بالقلعة مدة سنين، ثم أقلع عنها وانكفأ راجعا ولم يعاود فتنة بعد. ووصل زاوي بن زيري من الأندلس سنة عشر وأربعمائة كما ذكرناه في خبره، فتلقاه المعز أعظم لقاء وسلم عليه راجلا وفرشت القصور لنزله، ووصله بأعظم الصلات وأرفعها، واستمر ملك المعز بإفريقية والقيروان، وكان أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه. نقل ابن الرقيق من أحوالهم في الولائم والهدايا والجنائز والأعطيات ما يشهد بذلك، مثل ما ذكر أن هدية صندل عامل باعانة مائة حمل من المال، وأن بعض توابيت الكبراء منهم كان العود الهندي بمسامير الذهب وأن باديس أعطى فلفول بن مسعود الزناتي ثلاثين حملا من المال وثمانين تختا. وان أعشار بعض أعمال الساحل بناحية صفاقس كان خمسين ألف قفيز وغير ذلك من أخبارهم.
وكانت بينه وبين زناتة حروب ووقائع كان له الغلب في جميعها كما هو مذكور، وكان ٦/٢١٠
المعز منحرفا عن مذاهب الرافضة، ومنتحلا للسنة، فأعلن بمذهبه لأول ولايته ولعن الرافضة. ثم صار إلى قتل من وجد منهم، وكبا به فرسه ذات يوم فنادى مستغيثا باسم أبي بكر وعمر، فسمعته العامة فثاروا لحينهم بالشيعة وقتلوهم أبرح قتل وقتل دعاة الرافضة يومئذ وامتعض لذلك خلفاء الشيعة بالقاهرة. وخاطبه وزيرهم أبو القاسم الجرجاني محذرا، وهو يراجعه بالتعريض لخلفائه والمزج فيهم حتى أظلم الجو بينه وبينهم إلى أن انقطع الدعاء لهم سنة أربعين وأربعمائة على عهد المستنصر من خلفائهم. وأحرق بنوده ومحا اسمه من الطرز والسكة، ودعا للقائم بن القادر من خلفائهم. وأحرق بنوده ومحا اسمه من الطرز والسكة، ودعا للقائم بن القادر من خلفاء بغداد. وجاءه خطاب القائم وكتاب عهده صحبة داعيته أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي، فرماه المستنصر خليفة العبيديين بالمغرب من هلال الذين كانوا مع القرامطة، وهم رياح وزغبه والأثبج، وذلك بمشاركة من وزيره أبي محمد الحسن بن علي البازوري كما ذكرنا في أخبار العرب ودخولهم إلى إفريقية.
وتقدموا إلى البلاد وأفسدوا السابلة والقرى وسرح إليهم المعز جيوشه فهزموهم، فنهض إليهم ولقيهم بجبل حيدران فهزموه، واعتصم بالقيروان فحاصروه وتمرسوا به وطال عيثهم في البلاد وإضرارهم بالرعايا إلى أن خربت إفريقية. وخرج ابن المعز من القيروان سنة تسع وأربعين وأربعمائة مع خفيره منهم، وهو مؤنس بن يحيى الصبري أمير رياح، فلحق في خفارته بالمهدية بعد أن أصهر إليه في ابنته فأنكحه إياها ونزل بالمهدية وقد كان قدم إليها ابنه تميما فنزل عليه، ودخل العرب القيروان وانتهبوها.
وأقام المعز بالمهدية وانتزى الثوار في البلاد فغلب حمد بن مليل البرغواطي على مدينة صفاقس وملكها سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم وصارت تونس آخرا إلى ولاية الناصر بن علناس بن حماد صاحب القلعة. وولى عليهم عبد الحق بن خراسان فاستبد بها واستقرت في ملكه وملك بنيه، وتغلب موسى بن يحيى على قابس وصار عاملها المعز بن محمد الصنهاجي إلى ولايته، وأخوه إبراهيم من بعده كما يأتي ذكره. والثالث ملك آل باديس وانقسم في الثوار كما نذكر في أخبارهم بعد مهلك المعز سنة أربع وخمسين وأربعمائة والله أعلم ٦/٢١١
دولة تميم بن المعز
ولما هلك المعز قام بأمره ابنه تميم وغلبه العرب على إفريقية، فلم يكن له إلا ما ضمه السور، خلا أنه كان يخالف بينهم ويسلط بعضهم على بعض. وزحف إليه حمو بن مليل البرغواطي صاحب صفاقس، فخرج تميم للقائه، وانقسمت العرب عليهما فانهزم حمو وأصحابه، وذلك سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وسار منها إلى سوسة فافتتحها، ثم بعث عساكره إلى تونس فحاصروا ابن خراسان حتى استقام على الطاعة لتميم. ثم بعث عساكره أيضا إلى القيروان، وكان بها قائد بن ميمون الصنهاجي من قبل المعز فأقام ثلاثا، ثم غلبته عليها هوارة، وخرج إلى المهدية، ثم رده تميم إلى ولايته بها فخالف بعد ست من ولايته، وكاتب الناصر بن علناس صاحب القلعة فبعث تميم إليه العساكر فلحق بالناصر وأسلم القيروان.
ثم رجع بعد ست إلى حمو بن مليل البرغواطي بصفاقس وابتاع له القيروان من مهنا ابن علي أمير زغبة، فولاه عليها وحصنها سنة سبعين وأربعمائة، وكانت بين تميم والناصر صاحب القلعة أثناء ذلك فتن كان سماسرتها العرب يجأجؤن بالناصر من قلعته، ويوطئون عساكره ببلاد إفريقية، وربما ملك بعض أمصارها، ثم يردونه على عقبه إلى داره إلى أن اصطلحا سنة سبعين وأربعمائة، وأصهر إليه تميم بابنته.
ونهض تميم سنة أربع وسبعين وأربعمائة إلى قابس وبها ماضي بن محمد الصنهاجي، وليها بعد أخيه إبراهيم فحاصرها، ثم أفرج عنها، ونازلته العرب سنة ست وسبعين وأربعمائة بالمهدية، ثم أفرجوا عنه، وهزمهم فقصدوا القيروان ودخلوها فأخرجهم عنها.
وفي أيامه كان تغلب نصارى جنده على المهدية سنة ثمانين واربعمائة نزلوها في ثلاثمائة مركب وثلاثين ألف مقاتل، واستولوا عليها وعلى زويلة، فبذل لهم تميم في النزول عنها مائة ألف دينار بعد أن انتهبوا جميع ما كان بها، فاستخلصها من أيديهم ورجع إليها، ثم استولى على قابس سنة تسع وثمانين وأربعمائة من يد أخيه عمر بن المعز بايع له أهلها بعد موت قاضي بن إبراهيم. ثم استولى بعدها على صفاقس سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وخرج منها حمو بن مليل إلى قابس، فأجاره مكن ابن كامل ٦/٢١٢
الدهماني إلى أن مات بها. وكانت رياح قد تغلبت على زغبة وعلى إفريقية من لدن سبع وستين وأربعمائة وأخرجوه منها، وفي هذه المائة الخامسة غلب الأخضر من بطون رياح على مدينة باجة وملكوها، وهلك تميم إثر ذلك سنة إحدى وخمسمائة.
دولة يحيى بن تميم
ولما هلك تميم بن المعز ولي ابنه يحيى، وافتتح أمره بافتتاح امكيسة وغلب عليها ابن محفوظ الثائر بها. وثار أهل صفاقس على ابنه أبي الفتوح فلطف الحيلة في تفريق كلمتهم، وراجع طاعة العبيديين ووصلته المخاطبات والهدايا. وكان قد صرف همه إلى غزو النصارى والأساطيل البحرية فاستكثر منها واستبلغ في اقتنائها. وردد البعوث إلى دار الحرب فيها حتى اتقته أمم النصرانية بالجزى من وراء البحر من بلاد إفريقية وجنوة وسردينية. وكان له في ذلك آثار ظاهرة عزيزة. وهلك فجأة في قصره سنة تسع وخمسمائة والله أعلم.
دولة على بن يحيى
ولما هلك يحيى بن تميم ولي علي ابنه، استقدم لها من صفاقس، فقدم في خفارة أبي بكر بن أبي جابر مع عسكر ونظرائه من أمراء العرب. وكان أعظم أمراء عساكر صنهاجة محاصرين لقصر الأجم فاجتمعوا إليه وتمت بيعته. ونهض إلى حصار تونس حتى استقام أحمد بن خرايان على الطاعة، وفتح جبل وسلات. وكان ممتنعا على من سلف من قومه، فجرد إليه عسكرا مع ميمون بن زياد الصخري المعادي من أمراء العرب، فافتتحوه وقتلوا من كان به. ووصل رسول الخليفة من مصر بالمخاطبات والهدايا على العادة، ثم نهض إلى حصار رافع بن مكن بفاس سنة ٦/٢١٣
إحدى عشرة وخمسمائة. ودون لها قبائل بادغ من بني علي إحدى بطون رياح كما نذكره في أخبار رافع. ثم حدثت الفتنة بينه بين رجار صاحب صقلية بممالأة رجار لرافع بن كامل عليه، وإمداده إياه بأسطوله، يغير على ساحل علي بن يحيى ويرصد أساطيله، فاستخدم علي بن يحيى الأساطيل وأخذ في الأهبة للحرب، وهلك سنة خمس عشرة وخمسمائة والله أعلم.
دولة الحسن بن علي
ولما هلك علي بن يحيى بن تميم ولي بعده ابنه الحسن بن علي غلاما يفعة ابن اثنتي عشرة سنة، وقام بأمره مولاه صندل. ثم مات صندل وقام بأمره مولاه موفق. وكان أبوه أصدر المكاتبة إلى رجار عند الوحشة يهدده بالمرابطين ملوك المغرب، ولما كان بينهما وبينهم من المكاتبة. واتفق أن غزا أحمد بن ميمون قائد أسطول المرابطين صقلية، وافتتح قرية منها، فسابها وقتل أهلها سنة ست عشر وخمسمائة، فلم يشك رجار أن ذلك بإملاء الحسن، فنزلت أساطيله إلى المهدية وعليهم عبد الرحمن بن عبد العزيز وجرجي بن مخاييل الأنطاكي. وكان جرجي هذا نصرانيا هاجر من المشرق، وقد تعلم اللسان وبرع في الحساب، وتهذب في الشام بأنطاكية وغيرها، فاصطنعه تميم واستولى عليه، وكان يحيى يشاوره.
فلما هلك تميم أعمل جرجي الحيلة في اللحاق برجار فلحق به، وحظي عنده، واستعمله على أسطوله. فلما اعتزم على حصار المهدية بعثه لذلك، فزحف في ثلاثمائة مركب، وبها عدد كثير من النصرانية، فيهم ألف فارس. وكان الحسن قد استعد لحربهم، فافتتح جزيرة قوصرة، وقصدوا إلى المهدية ونزلوا إلى الساحل، وضربوا الأبنية وملكوا قصر الدهانين وجزيرة الأملس وتكرر القتال فيهم إلى أن غلبهم المسلمون، وأقلعوا راجعين إلى صقلية بعد أن استمر القتل فيهم. ووصل بأكثر ذلك محمد بن ميمون قائد المرابطين بأسطوله، فعاث في نواحي صقلية، واعتزم رجار على ٦/٢١٤
إعادة الغزو إلى المهدية. ثم وصل أسطول يحيى بن العزيز صاحب بجاية لحصار المهدية، ووصلت عساكره في البر مع قائده مطرف بن علي بن حمدون الفقيه، فصالح الحسن صاحب صقلية ووصل يده به، واستمد منه أسطوله. واستمد الحسن أسطول رجار فأمده، وارتحل مطرف إلى بلده.
وأقام الحسن مملكا بالمهدية، وانتقض عليه رجار وعاد إلى الفتنة معه، ولم يزل يردد إليه الغزو إلى أن استولى على المهدية قائد أسطوله جرجي بن مناسل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ووصلها بأسطوله في ثلاثمائة مركب. وخادعهم بأنهم إنما جاءوا مددا له. وكان عسكر الحسن قد توجه صريخا لمحرز بن زياد الفادغي صاحب علي ابن خراسان صاحب تونس، فلم يجد صريخا فجلا عن المهدية، ورحل واتبعه الناس. ودخل العدو إلى المدينة وتملكوها دون دفاع. ووجد جرجي القصر كما هو لم يرفع منه الحسن إلا ما خف، وترك الذخائر الملوكية. فأمن الناس وأبقاهم تحت إيالته، ورد الفارين منه إلى أماكنهم. وبعث أسطولا إلى صفاقس فملكها، وأجاز إلى سوسه فملكها أيضا. وأجاز إلى طرابلس كذلك. واستولى رجار صاحب صقلية على بلاد الساحل كلها، ووضع على أهلها الجزي، وولى عليهم كما نذكره إلى أن استنقذهم من ملكة الكفر عبد المؤمن شيخ الموحدين وخليفة إمامهم المهدي.
ولحق الحسن بن يحيى بعد استيلاء النصارى على المهدية بالعرب من رياح، وكبيرهم محرز بن زياد الفادعي صاحب القلعة، فلم يجد لديهم مصرخا، وأراد الرحيل إلى مصر للحافظ عبد المجيد فأرصد له جرجي فارتحل إلى المغرب، وأجاز إلى بونة وبها الحارث بن منصور وأخوه العزيز. ثم توجه إلى قسنطينة وبها سبع بن العزيز أخو يحيى صاحب بجاية، فبعث إليه من أجازه إلى الجزائر. ونزل على ابن العزيز فأحسن نزله وجاوره إلى أن فتح الموحدون الجزائر سنة سبع وأربعين وخمسمائة بعد تملكهم المغرب والأندلس، فخرج إلى عبد المؤمن فلقاه تكرمة وقبولا. ولحق به وصحبه إلى إفريقية في غزاته الأولى، ثم الثانية سنة سبع وخمسين وخمسمائة فنازل المهدية وحاصرها أشهرا، ثم افتتحها سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وأسكن بها الحسن وأقطعه رحيش فأقام هنالك ثماني سنين. ثم استدعاه يوسف بن عبد المؤمن فارتحل بأهله يريد مراكش. وهلك بتامسنا في طريقه إلى بابارولو سنة ست وثلاثين، ٦/٢١٥
والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ورب الخلائق أجمعين. ٦/٢١٦
الخبر عن بني خراسان من صنهاجة الثوار بتونس على آل باديس عند اضطراب افريقية بالعرب ومبدإ أمرهم ومصاير أحوالهم
لما تغلب العرب على القيروان وأسلم المعز وتحول إلى المهدية، اضطرمت إفريقية نارا. واقتسمت العرب البلاد عمالات، وامتنع كثير من البلاد على ملوك آل باديس مثل أهل سوسة وصفاقس وقابس، وصارت صاغية أهل إفريقية إلى بني حماد ملوك القلعة وملكو القيروان، كما تقدم. وانقطعت تونس عن ملك المعز، ووفد مشيختها على الناصر بن علناس، فولى عليهم عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، يقال إنه من أهل تونس، والأظهر أنه من قبائل صنهاجة، فقام بأمرهم وشاركهم في أمره وتودد إليهم وأحسن السيرة فيهم. وصالح العرب أهل الضاحية على أتاوة معلومة لكف عاديتهم. وزحف تميم بن المعز من المهدية إليه سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في جموعه، ومعه يبقى بن على أمير زغبة، فحاصر تونس أربعة أشهر، إلى أن صالحه ابن خراسان واستقام على طاعته فأفرج عنه.
ولم يزل قائما بأمره إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وأربعمائة فولي ابنه أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق فقتل عمه إسماعيل بن عبد الحق لمكان ترشه، وغربه أبو بكر إلى أن برزت فأقام بها خوفا على نفسه. ونزع أحمد إلى التخلق بسير الملك، والخروج عن سيرة المشيخة، واشتدت وطأته، وكان من مشاهير رؤساء بني خراسان هؤلاء، فاستبد بتونس لأول المائة السادسة، وضبطها وبنى أسوارها. وعامل العرب على إصلاح سابلتها فصلحت حاله، وبنى قصور بني خراسان. وكان مجالسا للعلماء محبا فيهم ونازلة علي بن يحيى بن العزيز بن تميم سنة عشر وخمسمائة وضيق عليه، ودافعه بأسعاف غرضه فأفرج عنه. ثم نازلة عساكر العزيز بن منصور صاحب بجاية فعاد إلى طاعته سنة أربعة عشر وخمسمائة ولم يزل واليا على تونس إلى أن نهض سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة مطرف بن علي بن حمدون قائد يحيى بن العزيز من ٦/٢١٧
بجاية في العساكر إلى إفريقية، وملك عامة أمصارها، فتغلب على تونس وأخرج أحمد بن عبد العزيز صاحبها ونقله إلى بجاية بأهله وولده.
وولى على تونس كرامة بن المنصور عم يحيى بن العزيز فبقي واليا عليها إلى أن مات، وولي عليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور إلى أن مات، وولي مكانه ابن ابنه محمد وساءت سيرته فعزل، وولي مكانه عمه معد بن المنصور إلى أن استولى النصارى على المهدية وسواحلها ما بين سوسة وصفاقس وطرابلس سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وصارت لصاحب صقلية، وأخرج الحسن بن علي كما هو مذكور، فأخذ أهل تونس في الاستعداد والحذر. واستأسدوا لذلك على واليهم، وانتشر بغاتهم وربما ثاروا بعض الأيام عليه فقتلوا عبيده بمرأى منه، واعتدوا عليه في خاصته. فبعث عنه أخوه يحيى من بجاية فركب البحر في الأسطول، وترك نائبة العزيز بن دامال من وجوه صنهاجة، فأقام بينهم وهم مستبدون عليه، وكان بالمعلقة جوارهم محرز بن زياد أمير بني علي من بطون رياح قد تغلب عليها.
وكانت الحرب بينه وبين أهل تونس سجالا، والتحم؟ بينهما المصاف وكان محرز يستمد عساكر صاحب المهدية على أهل تونس فتأتيه إلى أن غلب النصارى على المهدية، وحدثت الفتنة بينهم بالبلد فكان المصاف بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة، وكانوا يرجعون في أمورهم إلى القاضي عبد المنعم ابن الإمام أبي الحسن.
ولما غلب عبد المؤمن على بجاية وقسنطينة وهم العرب بسطيف ورجع إلى مراكش.
انتهت إليه شكوى الرعايا بإفريقية مما نزل بهم من العرب، فبعث ابنه عبد الله من بجاية إلى إفريقية في عساكر الموحدين، فنازل تونس سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وامتنعت عليه. ودخل معهم محرز بن زياد وقومه من العرب، واجتمع جندهم وبرزوا للموحدين فأوقعوا بهم، وأفرجوا عن تونس، وهلك أميرها عبد الله بن خراسان خلال ذلك. وولي مكانه علي بن أحمد بن عبد العزيز خمسة أشهر، وزحف عبد المؤمن إلى تونس وهو أميرها، فانقادوا لطاعته كما نذكره في أخبار الموحدين. ورحل علي بن أحمد بن خراسان إلى مراكش بأهله وولده، وهلك في طريقه سنة أربع وخمسين وخمسمائة وأفرج محرز بن زياد عن المعلقة. واجتمعت إليه ٦/٢١٨
قومه وتدامرت العرب عن مدافعة الموحدين واجتمعوا بالقيروان وبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو منصرف من غزاته إلى المغرب فبعث إليهم العساكر وأدركوهم بالقيروان فأوقعوا بهم واستلحموهم قتلا وسبيا وتقبض على محرز بن زياد أميرهم فقتل وصلب شلوه بالقيروان، والله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه، وهو على كل شيء قدير. ٦/٢١٩
الخبر عن بني الرند ملوك قفصة الثائرين بها عند التياث ملك آل باديس بالقيروان واضطرابه بفتنة العرب ومبدإ دولتهم ومصاير أمورهم
لما تغلب العرب على إفريقية وانحل نظام الدولة الصنهاجية، وارتحل المعز من القيروان إلى المهدية، وكان بقفصة عاملا لصنهاجة عبد الله بن محمد بن الرند وأصله من جرية من بني صدغيان. وكان ابن نحيل هو من بني مرين من مغراوة، وكان مسكنهم بالجوسين من نفزاوة فضبط قفصة وقطع عنها عادية الفساد، وصالح العرب على الإتاوة فصلحت السابلة واستقام الحال. ثم استبد بأمره وخلع الامتثال من عنقه سنة خمس وأربعين وخمسمائة واستمر على ذلك. وبايعته توزر وقفصة وسوس والحامة ونفزاوة وسائر أعمال قسنطينة فاستفحل أمره وعظم سلطانه، ووفد عليه الشعراء والقصاد، وكان معظما لأهل الدين إلى ان هلك سنه خمس وستين وخمسمائة.
وولي من بعده ابنه المعتز وكنيته أبو عمر، وانقاد إليه الناس فضبط الأمور وجبى الأموال واصطنع الرجال، وتغلب على قموده وجبل هوارة وسائر بلاد قسطيلية وما إليها. وحسنت سيرته إلى أن عمي. وهلك في حياته ابنه تميم فعهد لابنه يحيى بن تميم. وقام بالأمر واستبد على حده ولم يزالوا بخير حال إلى أن نازلهم عبد المؤمن سنة أربع وخمسين وخمسمائة. فمنعهم من الأمر، ونقلهم إلى بجاية فمات المعتز بها سنة سبع وخمسين وخمسمائة لمائة وأربع عشرة من عمره وقيل لسبعين، ومات بعده بيسير حافده يحيى بن تميم. وولى عبد المؤمن على قفصة نعمان بن عبد الحق الهنتاتي.
ثم عزله بعد ثلاث بميمون بن أجانا الكنسيفي، ثم عزله بعمران بن موسى الصنهاجي، وأساء إلى الرعية، فبعثوا عن علي بن العزيز بن المعتز من بجاية. وكان بها في مضيعة يحترف بالخياطة فقدم عليهم، وثاروا بعمران بن موسى عامل الموحدين فقتلوه وقدموا علي بن العزيز فساس ملكه وحاط رعيته. وأغزاه يوسف بن عبد المؤمن سنة ثلاث وستين وخمسمائة أخاه السيد أبا زكريا فحاصره وضيق عليه ٦/٢٢٠
وأخذه، وأشخصه إلى مراكش بأهله وماله، واستعمله على الأشغال بمدينة سلا إلى أن هلك وفنيت دولة بني الرند والبقاء لله وحده أه.
يحيى بن تميم علي بن العزيز بن المعتز أبي عمر بن عبد الله بن محمد الرند
الخبر عن بني جامع الهلاليين أمراء قابس لعهد الصنهاجيين وما كان لتميم بها من الملك والدولة وذلك عند فتنة العرب بإفريقية
ولما دخلت العرب إلى إفريقية وغلبوا المعز على الضواحي ونازلوه بالقيروان، وكان الوالي بفاس المعز بن محمد بن لموية الصنهاجي، وكان أخوه إبراهيم وماضي بالقيروان قائدين للمعز على جيوشه فعزلهما، ولحقا مغاضبين بمؤنس بن يحيى، وكان أول تملك العرب. ثم أقام إبراهيم منهم واليا بقابس ولحق المعز بن محمد بمؤنس، فكان معه إلى أن هلك إبراهيم وولي مكانه أخوه ماضي، وكان سيئ السيرة فقتله أهل قابس، وذلك لعهد تميم بن المعز بن باديس، وبعثوا إلى عمر أخي السلطان إلى طاعة العرب، فوليها بكر بن كامل بن جامع أمير المناقشة من دهمان من بني علي إحدى بطون رياح فقام بأمرها، واستبد على صنهاجة. ولحق به مثنى بن تميم بن المعز نازعا عن أبيه فأجابه، ونازل معه المهدية حتى امتنعت عليه، واطلع على قبائح شتى، فأفرج عنها. ولم يزل كذا على حاله في إجابة قابس وإمارة قومه دهمان إلى أن هلك.
وقام بأمره بعده رافع واستفحل بها ملكه، وهو الذي اختط بحر العروسيين من مصانع الملك بها، واسمه مكتوب لهذا العهد في جدرانها.
ولما ولي علي بن يحيى بن تميم فسد ما بينه وبين رافع، وأعان عليه رافع صاحب، ٦/٢٢١
صقلية فغلب أسطول علي بن يحيى على أسطول النصارى. ثم ذوى قبائل العرب والأساطيل، وزحف إلى قابس سنة إحدى عشر وأربعمائة. قال ابن أبي الصلت:
دول الثلاثة الأخماس من قبائل العرب الذين هم: سعيد ومحمد ونحبه، وأضاف إليهم من الخمس الرابع أكابر بني مقدم موافى من كان منهم بفحص القيروان، وفر رافع إلى القيروان وامتنع عليه أهلها. ثم امتنع شيوخ دهمان واقتسموا البلاد، وعينوا القيروان لرافع وأمكنوه. وبعث علي بن يحيى عساكره والعرب المدونة على منازلة رافع بالقيروان، وخرج إلى محاربتهم فهلك بالطريق في بعض حروبه مع أشياع رافع.
ثم أن ميمون بن زياد الصخري حمل رافع بن مكن على مسالمة السلطان وسعى في إصلاح ذات بينهما، فانصلح وارتفعت بينهما الفتنة. وقام بقابس من ذلك رشيد بن كامل. قال ابن بجيل: وهو الذي اختط قصر العروسيين وضرب السكة الرشيدية.
وولي بعده ابنه محمد بن رشيد، وغلب عليه مولاه يوسف، ثم خرج محمد في بعض وجوهه وترك ابنه مع يوسف فطرده يوسف واستبد، وانتهى إلى طاعة رجار فثار به أهل قابس ودفعوه عنهم، فخرج إلى أخيه. ولحق أخوه عيسى بن رشيد وأخبره الخبر فحاصرهم رجار بسبب ذلك مدة من الأيام. وكان آخر من ملكها من بني جامع أخوه مدافع بن رشيد بن كامل. ولما استولى عبد المؤمن على المهدية وصفاقس وطرابلس بعث ابنه عبد الله بعسكر إلى قابس ففر مدافع بن رشيد عن قابس وأسلمها للموحدين، ولحق بعرب طرابلس من عرب عوف فأجاروه سنتين. ثم لحق بعبد المؤمن بقابس فأكرمه ورضي عنه. وانقرض من بني جامع من يؤانس، والبقاء لله وحده أه. ٦/٢٢٢
الخبر عن ثورة رافع بن مكن بن مطروح بطرابلس والعرامى بصفاقس على النصارى وإخراجهم واستبدادهم بأمر بلدهم في آخر دولة بني باديس
أما طرابلس فكان رجار صاحب صقلية لعنه الله قد استولى عليها سنة أربعين وخمسمائة على يد قائده جرجي بن ميخاييل الأنطاكي، وأبقى المسلمين بها واستعمل عليهم، وبقيت في مملكة النصارى أياما. ثم إن أبا يحيى بن مطروح من أعيان البلد مشى في وجوه الناس وأعيانهم، وداخلهم في الفتك بالنصارى فاجتمعوا لذلك وثاروا بهم وأحرقوهم بالنار. ولما وصل عبد المؤمن إلى المهدية وافتتحها سنة خمس وخمسين وخمسمائة وفد عليه أبو يحيى بن مطروح ووجوه أهل طرابلس فأوسعهم برا وتكرمة. وقدم ابن مطروح المذكور عليهم وردهم إلى بلدهم، فلم يزل ٦/٢٢٣
عليهم إلى أن هرم وعجز بعهد يوسف بن عبد المؤمن، وطلب الحج فسرحه السيد أبو زيري بن أبي حفص محمد بن عبد المؤمن عامل تونس فارتحل في البحر سنة ست وثمانين وخمسمائة واستقر بالإسكندرية.
وأما صفاقس فكانت ولاتها أيام بني باديس من صنهاجة قبيلهم إلى أن ولى المعز بن باديس عليها منصور البرغواطي من صنائعه، وكان فارسا مقداما، فحدث نفسه بالثورة أيام تغلب العرب على إفريقية، وخروج المعز إلى المهدية ففتك به ابن عمه حمو بن مليل البرغواطي وقتله في الحمام غدرا. وامتعض له حلفاؤه من العرب وحاصروا حمو حتى بذل لهم من المال ما رضوا به. واستبد حمو بن مليل بأمر صفاقس حتى إذا هلك المعز حدثته نفسه بالتغلب على المهدية، فزحف إليها في جموعه من العرب، ولقيه تميم فانهزم حمو وأصحابه سنة خمس وخمسين وخمسمائة ثم بعث ابنه يحيى مع العرب لحصار صفاقس، فحاصرها مدة وأقلع عنها. وزحف إليه تميم بن المعز سنة ثلاث وتسعين فغلبه عليها. ولحق حمو بمكن بن كامل أمير قابس فأجاره، وصارت صفاقس إلى ملكة تميم ووليها ابنه.
ولما تغلب النصارى على المهدية وملكها جرجي بن ميخاييل قائد رجار سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فغلبوا بعدها على صفاقس وأبقوا أهلها، واستعملوا عمر بن أبي الحسن القرباني لمكانه فيهم. وحملوا أباه أبا الحسن معهم إلى صقلية رهنا. وكان ذلك مذهب إلى رجار ودينه فيما ملك من سواحل إفريقية، يبقيهم ويستعمل عليهم منهم، ويذهب إلى العدل فيهم فبقي عمر بن أبي الحسن عاملا لهم في أهل بلده وأبوه عندهم. ثم أن النصارى الساكنين بصفاقس امتدت أيديهم إلى المسلمين ولحقوا بالضرر. وبلغ الخبر أبا الحسن وهو بمكانه من صقلية، فكتب إلى ابنه عمر، وأمره بانتهاز الفرصة فيهم والاستسلام إلى الله في حق المسلمين، فثار بهم عمر لوقته سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وقتلهم وقتل النصارى أباه أبا الحسن وانتقضت عليهم بسبب ذلك سائر السواحل. ولما افتتح عبد المؤمن المهدية من يد رجار، وصل إليه عمر، وأدى طاعته، فولاه صفاقس، ولم يزل واليا عليها وابنه عبد الرحمن من بعده إلى أن تغلب يحيى بن غانية فرغبه في الحج، فسرحه ولم بعد. ٦/٢٢٤
الخبر عما كان بإفريقية من الثوار على صنهاجة عند اضطرابها بفتنة العرب الى ان محا أثرهم الموحدون
لما كان أبو رجاء الورد اللخمي عند اضطرام نار الفتنة بالعرب، وتقويض المعز عن القيروان إلى المهدية، وتغلبهم عليها قد ضم إليه جماعة من الدعار. وكان ساكنا بقلعة قرسينة من جبل شعيب، فكان يضرب على النواحي بجهة بنزرت ويفرض على أهل القرى الاتاوات بسبب ذلك، فطال عليهم أمره ويئسوا من حسم دائه وكان ببلد بنزرت فريقان أحدهما من لخم وهم من قوم الورد، وبقوا فوضى واختلف أمرهم، فبعثوا إلى الورد في أن يقوم بأمرهم، فوصل إلى بلدهم، فاجتمعوا عليه وأدخلوا حصن بنزرت، وقدموه على أنفسهم فحاطهم من العرب، ودافع عن نواحيهم. وكان بنو مقدم من الأثبج ودهمان من بني علي إحدى بطون رياح هم المتغلبون على ضاحيتهم فهادنهم على الإتاوة وكف بها عاديتهم، واستفحل أمرهم وتسمى بالأمير، وشيد المصانع والمباني وكثر عمران بنزرت إلى أن هلك، فقام بأمره ابنه طراد وكان شهما، وكانت العرب تهابه.
وهلك فولي من بعده ابنه محمد بن طراد، وقتله أخوه مقرن لشهر من ولايته في مسامرة، وقام بأمر بنزرت وسمى بالأمير، وحمى حوزته من العرب، واصطنع الرجال، وعظم سلطانه وقصده الشعراء وامتدحوه فوصلهم. وهلك فولي من بعده ابنه عبد العزيز عشر سنين، وجرى فيها على سنن أبيه وجده، ثم ولى من بعده أخوه موسى على سننهم أربع سنين. ثم من بعده أخوهما عيسى واقتفى أثرهم. ولما نازل عبد الله بن عبد المؤمن تونس وأفرج عنه مر به في طريقه فاستفرغ جهده في قراه وتجمع بطاعته. وطلب منه الحفاظ على بلده فأسعفه. وولى عليهم أبا الحسن الهرغى، فلما قدم عبد المؤمن على إفريقية سنة أربع وخمسين وخمسمائة راعى له ذلك وأقطعه، واندرج في جملة الناس. وكان بقلعة ورغة يدوكس بن أبي علي الصنهاجي من أولياء العزيز المنصور صاحب بجاية، والقلعة قد شادها وحصنها. ٦/٢٢٥
وكان مبدأ أمره أن العزيز تغير عليه في حروب وقعت بينه وبين العرب نسب فيها إلى نفسه الإقدام، وإلى السلطان العجز، فخافه على نفسه، ولحق ببجاية فأكرمه شيخها محمود بن نزال الربغي وآواه وترافع إلى محمود أهل ورغة من عمله، وكانوا فئتين مختلفتين من زاتيمة إحدى قبائل البربر، وهما أولاد مدين وأولاد لاحق. فبعث عليهم بروكس بن أبي علي لينظر في أحوالهم، وأقام معهم بالقلعة. ثم استجلب بعض الدعار كانوا بناحيتها، وأنزلهم بالقلعة معهم واصطنعهم صاهر أولاد مدين وظاهرهم على أولاد لاحق، وأخرجهم من القلعة واستبد بها.
وقصدته الرجال من كل جانب إلى أن اجتمعت له خمسمائة فارس، وأثخن في نواحيه، وحارب بني الورد ببنزرت وابن علال بطبربة، وقتل محمد بن سباع أمير بني سعيد من رياح، وغصت القلعة بالساكن فاتخذ لها ربضا، وجهز إليه العزيز عسكره من بجاية فبارز قائد العسكر وفتك به واسمه غيلاس. وهلك بعد مدة وقام بأمره ابنه منيع، ونازلة بنو سباع وسعيد طالبين بثأر أخيهما محمد. وتمادى به الحصار وضاقت أحواله فاقتحموا عليه القلعة، واستلحم هو وأهل بيته قتلا وسبيا والله مالك الأمور.
وكان أيضا بطبربة مدافع بن علال القيسي شيخ من شيوخها. فلما اضطربت إفريقية عند دخول العرب إليها امتنع بطبربة وحصن قلعتها، واستبد بها في جملة من ولده وبني عمه وجماعته إلى أن ثار عليه ابن بيزون اللخمي في البحرين على وادي مجردة. بإزاء الرياحين. وطالت بينهما الفتنة والحرب. وكان قهرون بن مخنوس بمنزل دحمون قد بنى حصنه وشيده، وجمع إليه جيشا من أوباش القبائل، وذلك لما أخرجه أهل تونس بعد أن ولاه العامة عليهم. ثم صرفوه عن ولايتهم لسوء سيرته، فخرج من البلد ونزل دحمون، وبني حصنا بنفسه مع الحنايا وردد الغارة على تونس، وعاث في جهاتها فرغبوا من محرز بن زياد أن يظاهرهم عليه ففعل.
وبلغ خبره ابن علال صاحب طبرية فوصل ابن علال يده بصهر منه، ونقله إلى بعض الحصون ببلده، وهي قلعة غنوش، وتظافروا على الإفساد. وخلفهما بنوهما من بعدهما إلى أن وصل عبد المؤمن إلى إفريقية سنة أربع وخمسين وخمسمائة فمحا آثار ٦/٢٢٦
الفساد من جانب إفريقية، وكان أيضا حماد بن خليفة اللخمي بمنزل رقطون من إقليم زغوان على مثل حال ابن علال وابن غنوش وابن بيزون وخلفه ولده في مثل ذلك إلى أن انقطع ذلك على يد عبد المؤمن. وكان عماد بن نصر الله الكلاعي بقلعة شقبنارية قد صار إليه جند من أهل الدعارة وأوباش القبائل، فحملها من العرب، واستغاث به ابن قليه شيخ الأريس من العرب، وشكا إليه سوء ملكتهم، فزحف إليهم وأخرجهم من الأريس، وفرض عليهم مالا يؤدونه إليه إلى أن مات وولي ابنه من بعده، فجرى على سننه إلى أن دخل في طاعة عبد المؤمن سنة أربع وخمسين وخمسمائة، والله مالك الملك لا رب غيره وسبحانه أه.
الخبر عن دولة آل حماد بالقلعة من ملوك صنهاجة الداعين لخلافة العبيديين وما كان لهم من الملك والسلطان بإفريقية والمغرب الأوسط الى حين انقراضه بالموحدين
هذه الدولة شعبة من دولة آل زيري وكان المنصور بلكين قد عقد لأخيه حماد على أشير والمسيلة، وكان يتداولها مع أخيه يطوفت وعمه أبي البهار. ثم استقل بها سنة سبع وثمانين وثلاثمائة أيام باديس من أخيه المنصور ودفعه لحرب زناتة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالمغرب الأوسط من مغراوة وبنى يفرن، وشرط له ولاية أشير والمغرب الأوسط وكل بلد يفتحه وأن لا يستقدمه. فعظم عناؤه فيها وأثخن في زناتة وكان مظفرا عليهم. واختط مدينة القلعة بحبل كتامة سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وهو جبل عجيسة وبه لهذا العهد قبائل عياض من عرب هلال. ونقل إليها أهل المسيلة وأهل حمزة وخربهما. ونقل جراوة من المغرب وأنزلهم بها، وتم بناؤها وتمصرها على رأس المائة الرابعة. وشيد من بنيانها وأسوارها واستكثر فيها من المساجد والفنادق، فاستبحرت في العمارة واتسعت في التمدن. ورحل إليها من الثغور والقاصية والبلد البعيد طلاب العلوم وأرباب الصنائع لنفاق أسواق المعارف والحرف والصنائع بها.
ولم يزل حماد أيام باديس هذا أميرا على الزاب والمغرب الأوسط ومتوليا حروب زناتة. وكان نزوله ببلد أشير والقلعة متاخما لملوك زناتة أحيائهم البادية بضواحي ٦/٢٢٧
تلمسان وتاهرت. وحاربه بنو زيري عند خروجهم على باديس سني تسعين وثلاثمائة وهم زاوي وماكسن وإخوانهما فقتل ماكسن وابناه، وألجأ زاوي وإخوته إلى جبل شنون وأجازهم البحر إلى الأندلس. ثم أن بطانة باديس ومن إليه من الأعجام والقرابة نفسوا على حماد رتبته وسعوا في مكانه من باديس إلى أن فسد ذات بينهما. وطلب باديس ان يسلم عمل تيجست وقسنطينة لولد المعز لما قلده الحاكم ولاية عهد ابنه، فأبى حماد وخالف دعوة باديس وقتل الرافضة وأظهر السنة، ورضي عن الشيخين ونبذ طاعة العبيديين جملة، وراجع دعوة آل العباس وذلك سنة خمس وأربعمائة.
وزحف إلى باجة فدخلها بالسيف ودس إلى أهل تونس الثورة على المشارقة والرافضة فثاروا بهم فناصبه باديس الحرب، وعبى عساكره من القيروان، وخرج إليه فنزع عن حماد أكثر أصحابه مثل: بني أبي واليل أصحاب معرة من زناتة، وبني حسن كبار صنهاجة، وبني يطوفت من زناتة، وبني غمرة أيضا منهم، وفر حماد، وملك باديس أشير. ولحق حماد بشلف بني واليل وباديس في اتباعه حتى نزل مواطين فحصر السرسو من بلاد زناتة. ونزل إليه عطية بن داقلتن في قومه من بني توجين، لما كان حماد قتل أباه. وجاء على أثره ابن عمه بدر بن لقمان بن المعتز فوصلهما باديس واستظهر بهما على حماد.
ثم أجاز إليه باديس من وادي شلف وناجزه الحرب، ونزع إليه عامة أهل معسكره فانهزم وأغذ السير إلى القلعة، وباديس في أثره حتى نزل فحاصر المسيلة، وانحجر حماد في القلعة وحاصره. ثم هلك بمعسكره من ذلك الحصار فجأة بمضربه وهو نائم بين أصحابه ست وأربعمائة، فباعت صنهاجة لابنه المعز صبيا ابن ثمان سنين. وتلاقوا من أشير ، وبعثوا كرامة بن منصور لسدها فلم يقدروا، واقتحمها عليه حماد.
واحتملوا باديس على أعواده إلى مدفنهم بالقيروان وبايعوا المعز بالبيعة العامة وزحف إلى حماد بناحية قفصة، وأشفق حماد فبعث ابنه القائد لإحكام الصلح بينه وبين المعز، فوصل إلى القيروان سنة ثمان وأربعمائة بهدية جليلة. وأمضى له المعز ما سأله من الصلح ورجع إلى أبيه. ٦/٢٢٨
وهلك حماد سنة تسعة عشر وأربعمائة فقام بأمره ابنه القائد وكان جبارا فاختار أخاه يوسف على المغرب وويغلان على حمزة في بلد اختطه حمزة بن إدريس. وزحف إليه حمامة بن زيري بن عطية ملك فاس من مغراوة سنة ثلاثين وأربعمائة فخرج إليه القائد، وسرب الأموال في زناتة. وأحس بذلك حمامة فصالحه ودخل في طاعته، ورجع إلى فاس، وزحف إليه المعز من القيروان سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وحاصره مدة طويلة. ثم صالحه القائد وانصرف إلى أشير فحاصرها، ثم أقلع عنها وانكفأ راجعا. وراجع القائد طاعة العبيديين لما نقم عليه المعز ولقبوه شرف الدولة.
وهلك سنة ست وأربعين وأربعمائة وولي ابنه محسن وكان جبارا، وخرج عليه عمه بوسف ولحق بالمغرب فقتل سائر أولاد حماد، وبعث محسن في طلبه بلكين ابن عمه محمد بن حماد، وأصحبه من العرب خليفة بن بكير وعطية الشريف وأمرهما بقتل بلكين في طريقهما، فأخبرا بلكين بذلك وتعاهدوا جميعا على قتل محسن، وأنذر بهم، ففر إلى القلعة وأدركوه، فقتله بلكين لتسعة أشهر من ولايته. وولي الأمر سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وكان شهما قرما حازما سفاكا للدماء. وقتل وزير محسن الذي تولى قبله. وفي أيامه قتل جعفر بن أبي رمان مقدم بسكرة لما أحس بنكثه،؟ مخالف أهل بسكرة بأثر ذلك حسبما نذكره. ثم مات أخوه مقاتل بن محمد فاتهم به زوجته ناميرت بنت عمه علناس بن حماد فقتلها، وأحفظ ذلك أخاها الناصر وطوى على التبييت. وكان بلكين كثيرا ما يردد الغزو إلى المغرب، وبلغه استيلاء؟ يوسف بن تاشفين والمرابطين على المصامدة فنهض نحوهم سنة أربع وخمسين وأربعمائة وفر المرابطون إلى الصحراء، وتوغل بلكين في ديار المغرب، ونزل بفاس، واحتمل من أكابر أهلها وأشرافهم رهنا على الطاعة. وانكفأ راجعا إلى القلعة فانتهز منه الناصر ابن عمه الفرصة في الثأر بأخته، ومالأه قومه من صنهاجة لما لحقهم من تكلف المشقة بابعاد الغزو والتوغل في أرض العدو، فقتله بتساله سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
وقام بالأمر من بعده، واستوزر أبا بكر بن أبي الفتوح، وعقد على المغرب لأخيه كباب وأنزله مليانة وعلى حمزة لأخيه رومان، وعلى نقاوس لأخيه خزر. وكان المعز ٦/٢٢٩
قد هدم سورها فأصلحه الناصر، وعقد على قسنطينة لأخيه بلباز، وعلى الجزائر وسوس الدجاج لابنه عبد الله وعلى أشير لابنه يوسف، وكتب إليه حمو بن مليك البرغواطي من صفاقس بالطاعة وبعث إليه بالهدية. ووفد عليه أهل قسنطينة ومقدمهم يحيى بن واطاس فأعلنوا بطاعته، وأجزل صلتهم وردهم إلى أماكنهم، وعقد عليها ليوسف بن خلوف من صنهاجة ودخل أهل القيروان أيضا في طاعته وكذلك أهل تونس.
وكان أهل بسكرة لما قتل بلكين مقدمهم جعفر بن أبي رمان خلعوا طاعة آل حماد واستبدوا بأمر بلدهم، وعليهم بنو جعفر، فسرح الناصر إليهم خلف بن أبي حيدرة وزيره ووزير بلكين قبله، فنازلها وافتتحها عنوة، واحتمل بني جعفر في جماعة من رؤسائها إلى القلعة فقتلهم الناصر وصلبهم، ثم قتل خلف بن أبي حيدرة بسعاية رجالات صنهاجة فيه، أنه لما بلغه خبر بلكين أراد تولية أخيه معمر، وشاورهم في ذلك، فقتله الناصر وولى مكانه أحمد بن جعفر بن أفلح.
ثم خرج الناصر ليتفقد المغرب فوثب علي بن ركان على تافر بوست دار ملكهم وكان لما قتل بلكين هرب الى إخوانه من عجيسة واهتبلوا الغرة في تافر بوست لغيبة الناصر، فطرقوها ليلا، وملكها علي فرجع الناصر من المسيلة وعاجلهم فسقط في أيديهم، وافتتحها عليهم عنوة وذبح علي بن ركان نفسه بيده. ثم وقعت بين العرب الهلاليين فتن وحروب ووفد عليه رجالات الأثبج صريخا به على رياح، فأجابهم ونهض إلى مظاهرتهم في جموعه من صنهاجة وزناتة حتى نزل للأربس، وتواقعوا بسببه فغدرت بهم زناتة وجروا عليه وعلى قومه الهزيمة بدسيسة ابن المعز بن زيري بن عطية، وإغراء تميم بن المعز فانهزم الناصر، واستباحوا خزائنه ومضاربه، وقتل أخوه القاسم وكاتبه، ونجا إلى قسنطينة في اتباعه.
ثم لحق بالقلعة في فل من عسكره، لم يبلغوا مائتين. وبعث وزيره ابن أبي الفتوح للإصلاح، فعقد بينهم وبينه صلحا وتممه الناصر. ثم وفد عليه رسول تميم، وسعى عنده بالوزير بن أبي الفتوح وأنه مائل إلى تميم فنكسه وقتله. وكان المستنصر بن ٦/٢٣٠
خزرون الزناتي خرج في أيام الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر، ووصل إلى طرابلس فوجد بني عدي بها قد أخرجهم الأثبج وزغبة من إفريقية كما ذكرناه، فرغبهم في بلاد المغرب، وسار بهم حتى نزل المسيلة، ودخلوا أشير. وخرج إليه الناصر ففر إلى الصحراء ورجع، فرجع إلى مكانه من الإفساد، فراسله الناصر في الصلح فأسعفه، وأقطعه ضواحي الزاب وريغه، وأوعز إلى عروس بن هندي رئيس بسكرة لعهده، وولي دولته أن يمكر به، فوصل المنتصر إلى بسكرة وخرج إليه عروس ابن هندي وأحمد نزله، وأشار على حشمه عند انكباب المنتصر وذويه على الطعام فبادروا مكبين لطعنه، وفر أتباعه وأخذوا رأسه، وبعث به إلى الناصر فنصبه ببجاية، وصلب شلوه بالقلعة وجعلوه عظة لغيره. وقتل كثير من رؤساء زناتة، فمن مغراوة أبي الفتوح بن حبوس أمير بني سنجلس، وكانت له بلد لمديه والمرية قبيل من بطون صنهاجة سميت البلد بهم، وقتل معنصر بن حماد منهم أيضا، وكان بناحية شلف فأجلب على عامل مليانه، وقتل شيوخ بني ورسيفان من مغراوة، فكاتبهم السلطان لما كان مشتغلا عنهم بشأن العرب. فزحفوا إلى معنصر وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الناصر فنصبه مع رأس المستنصر . وبعث إليه أهل الزاب أن عمر ومغراوة ظاهروا الأثبج من العرب على بلادهم، فبعث ابنه المنصور في العساكر ونزل وعلان بلد المنتصر بن خزرون وهدمها. وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد واركلا وولى عليها، وقفل بالغنائم والسبي، وبلغه عن بني توجين من زناتة أنهم ظاهروا بني عدي من العرب على الفساد وقطع السبيل، وأميرهم إذ ذاك مناد بن عبد الله، فبعث ابنه المنصور إليهم بالعسكر، وتقبض على أمير بني توجين وأخيه زيري وعمهما الأغلب وحمامة، وأحضرهم فوبخهم وقدر عليهم فغلبه في إجارتهم من أولاد القاسم رؤساء بني عبد الواد، وقتلهم جميعا على الخلاف.
وفي سنة ستين وأربعمائة افتتح جبل بجاية، وكان له قبيل من البربر يسمون بهذا الاسم، إلا أن الكاف فيهم بلغتهم ليست كافا بل هي بين الجيم والكاف، وعلى هذا ٦/٢٣١
القبيل من صنهاجة يأتون لهذا العهد أوزاعا في البربر. فلما افتتح هذا الجبل اختط به المدينة وسماها الناصرية، وتسمى عند الناس باسم القبيلة وهي بجاية، وبنى بها قصر اللؤلؤة وكان من أعجب قصور الدنيا ونقل إليها الناس، وأسقط الخراج عن ساكنيها وانتقل إليها سنة إحدى وستين وأربعمائة وفي أيام الناصر هذا كان استفحال ملكهم وشغوفه على ملك بني باديس إخوانهم بالمهدية، ولما أضرع منه الدهر بفتنة العرب الهلاليين حتى اضطرب عليهم أمرهم، وكثر الثوار عليهم والمنازعون من أهل دولتهم، فاعتز آل حماد هؤلاء أيام الناصر هذا، وعظم شأن أيامهم، فبنى المباني العجيبة المؤنقة، وشيد المدائن العظيمة، وردد الغزو إلى المغرب وتوغل فيهم.
ثم هلك سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وقام بالأمر من بعده ابنه المنصور بن الناصر.
ونزل بجاية سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وأوطنها بعساكر وخاصة بعراعر منازل العرب ، وما كانوا يسومونهم بالقلعة من خطة الخسف وسوء العذاب بوطء ساحتها والعيث في نواحيها، وتخطف الناس من حولها السهولة طرقها على رواحلهم، وصعوبة المسالك عليها في الطريق إلى بجاية لمكان الأوعار، فاتخذ بجاية هذه معقلا وصيرها دارا لملكه، وجدد قصورها وشيد جامعها. وكان المنصور هذا جماعة مولعا بالبناء وهو الذي حضر ملك بني حماد وتأنق في اختطاط المباني وتشييد المصانع واتخاذ القصور وإجراء المياه في الرياض والبساتين. فبنى في القلعة قصر الملك والمنار والكوكب وقصر السلام وفي بجاية قصر اللؤلؤة وقصر أميميون .
وكان أخوه يلباز على قسنطينة منذ عهد الناصر أبيهما وهم بالاستبداد لأول ولاية المنصور، فسرح إليه أبا يكنى بن محصن بن العابد في العساكر، وعقد له على قسنطينة وبونة فتقبض على يلباز وأشخصه إلى القلعة، وأقام واليا على قسنطينة وكأنه، وولى أخاه ويغلان على بونة. ثم بدا له في الخلاف على المنصور وثار بقسنطينة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وبعث أخاه ابن موتة إلى تميم بن المعز بالمهدية، واستدعاه لولاية بونة فبعث معه ابنه أبا الفتوح بن تميم، ونزل بونة مع ويغلان، وكاتبوا المرابطين بالمغرب الأقصى وجمعوا العرب على أمرهم. وسرح المنصور عساكره فحاصروا بونه سبعة أشهر، ثم اقتحموها غلابا، وتقبضوا على أبي الفتوح ٦/٢٣٢
بن تميم وبعثوا به إلى المنصور فاعتقله بالقلعة.
ثم نازلت عساكره قسنطينة واضطرب أحوال ابن أبي يكنى فخرج إلى قلعة بجبل أوراس، وتحصن بها. ونزل بقسنطينة صليصل بن الأحمر من رجالات الأثبج.
وداخل صليصل المنصور في أن يمكنه من قسنطينة على مال يبذله ففعل، واستولى عليها المنصور. وأقام أبو يكنى بحصنه من أوراس، وردد الغارة على قسنطينة فتوجهت إليه العساكر وحاصروه بقلعته. ثم اقتحموها عليه وقتلوه. وكان بنو ومانو من زناتة حيا جميعا وقوما أعزة. وكانت إليهم رياسة زناتة. وكان رئيسهم لعهده ماخوخ، وكان بينهم وبين آل حماد صهر، فكانت إحدى بناتهم زوجة للناصر، وكانت أخرى عند المنصور.
ولما تجددت الفتنة بينه وبين قومهما أغزاهم المنصور بنفسه في جموع صنهاجة وحشوده، وجمع له ماخوخ ولقيه في زناتة، فانهزم المنصور إلى بجاية فقتل أخت ماخوخ التي كانت تحته. واستحكمت النفرة بين ماخوخ وبينه. وسار إلى ولاية أمراء تلمسان من لمتونة وحرضهم على بلاد صنهاجة، فكان ذلك مما دعا المنصور إلى النهوض إلى تلمسان، وذلك أن يوسف بن تاشفين لما ملك المغرب، واستفحل به أمره، سما إلى ملك تلمسان، فغلب عليها أولاد يعلى سنة أربع وسبعين وأربعمائة على ما يأتي ذكره، وأنزلها محمد بن يغمر المسولى وصيرها لعز الملك فاضطلع بأمرها ونازل بلاد صنهاجة وثغورهم، فزحف إليه المنصور وأخرب ثغوره وحصون ماخوخ، وضيق عليه فبعث إليه يوسف بن تاشفين وصالحه.
وقبض أيدي المرابطين عن بلاد صنهاجة، ثم عاود المرابطون إلى شأنهم في بلاده، فبعث ابنه الأمير عبد الله، وسمع به المرابطون فانقبضوا عن بلاده وزحفوا إلى مراكش، واحتل هو بالمغرب الأوسط فشن الغارة في بلاد بني ومانوا، وحاصر الجعبات، وفتحها ثم عاود ذلك مرات كذلك، وعفا عن أهلها، ورجع إلى أبيه.
ثم وقعت الفتنة بينه وبين ماخوخ. وقتل أخوه ولحق ابن ماخوخ بتلمسان، وظاهره ابن يغمر صاحب تلمسان على أمره، واجلبوا على الجزائر فنازلوها يومين، فأعقبهما محمد بن يغمر صاحب تلمسان. ٦/٢٣٣
وولي يوسف بن تاشفين مكان أخيه تاشفين بن يغمر، فنهض إلى أشير وافتتحها، فقام المنصور في ركائبه ومعه كافة صنهاجة . ومن العرب أحياء الأثبج وزغبة وربيعة، وهم العقل من زناتة أمما كثيرة، ونهض إلى غزو تلمسان سنة ست وسبعين وأربعمائة في نحو عشرين ألفا. ولقي اسطقسه وبعث العسكر في مقدمته، وجاء على أثرهم. وكان تاشفين قد أفرج عن تلمسان وخرج إلى تسأله، ولقيته عساكر المنصور فهزموه، ولجأ إلى جبل الصخرة. وعاثت عساكر المنصور في تلمسان فخرجت إليه حوا زوجة تاشفين أميرهم متذممة راغبة في الإبقاء، متوسلة بوشائح الصنهاجية، فأكبر قصدها إليه وأكرم موصلها، وأفرج عنهم صبيحة يومه. وانكفأ راجعا إلى حضرته بالقلعة. وأثخن بعدها في زناتة وشردهم بنواحي الزاب والمغرب الأوسط. ورجع إلى بجاية وأثخن في نواحيها، ودوخت عساكره قبائلها، فساروا في جبالها المنيعة مثل بني عمران وبني تازروت والمنصورية والصهريج والناظور وحجر المعز، وقد كان أسلافه يرومون كثيرا عنها، فتمنع عليهم فاستقام أمره واستفحل ملكه.
وقدم عليه معز الدولة بن صمادح من المرية فارا أمام المرابطين لما ملكوا الأندلس، فنزل على المنصور وأقطعه تدلس وأنزله بها. وهلك سنة ثمان وتسعين وأربعمائة فولي من بعده ابنه باديس، فكان شديد البأس عظيم النظر فنكب عبد الكريم بن سليمان وزير أبيه لأول ولايته، وخرج من القلعة إلى بجاية فنكب سهاما عامل بجاية.
وهلك قبل أن يستكمل سنة، وولي من بعده أخوه العزيز. وقد كان عزله عن الجزائر وغربه إلى جيجل فبعث عنه القائد علي بن حمدون فوصل، وبايعوه، وصالح زناتة وأصهر إلى ماخوخ فأنكحه ابنته. وطال أمر ملكه، وكانت أيامه هدنة وأمنا. وكان العلماء يتناظرون في مجلسه.
ونازلت أساطيله جربة فنزلوا على حكمه وأخذوا بطاعته، ونازل تونس وصالحه صاحبها أحمد بن عبد العزيز وأخذ بطاعته، وكبس العرب في أيامه القلعة وهم ٦/٢٣٤
غارون فاكتسحوا جميع ما وجدوه بظواهرها، وعظم عيثهم، وقاتلتهم الحامية فغلبوهم وأخرجوهم من البلد. ثم ارتحل العرب وبلغ الخبر إلى العزيز فبعث ابنه يحيى وقائده علي بن حمدون من بجاية في عسكر وتعبية، فوصل إلى القلعة وسكن الأحوال. وقد أمن العرب واستعتبوا فأعتبوا وانكفأ يحيى راجعا إلى بجاية في عسكره على عهد العزيز. وهكذا كان وصول مهدي الموحدين إلى بجاية قافلا إلى المشرق سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وغير بها المنكر، فسعى به عند العزيز وائتمر به، فخرج إلى بني ورياكل من صنهاجة كانوا ساكنين بوادي بجاية فأجاروه. ونزل عليهم بملالة وأقام بها يدرس العلم. وطلبه العزيز فمنعوه وقاتلوا دونه إلى أن رحل عنهم إلى المغرب.
وهلك العزيز سنة خمس عشرة وأربعمائة فولي من بعده ابنه يحيى، وطالت أيامه مستضعفا مغلبا للنساء مولعا بالصيد على حين انقراض الدولة وذهاب الأيام بقبائل صنهاجة واستحدث السكة ولم يحدثها أحد من قومه أدبا مع خلفائهم العبيديين، ونقل ابن حماد ان سكته في الدينار كانت ثلاثة سطور ودائرة في كل وجه، فدائرة الوجه الواحد: «واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» 2: 281 والسطور «لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، يعتصم بحبل الله يحيى بن العزيز بالله الأمير المنصور. ودائرة الوجه الآخر: «بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1 ضرب هذا الدينار بالناصرية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة» . وفي سطوره الإمام أبو عبد الله المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين العباسي.
ووصل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى القلعة لافتقادها ونقل ما بقي بها، وانتقض عليه بنو زرا بن مروان، فجهز إليه الفقيه مطرف بن علي بن حمدون في العساكر فافتتحها عنوة وتقبض على ابن مروان وأوصله إليه فسجنه بالجزائر إلى أن هلك في معتقله، وقيل قتله. وبعث مطرف بابنه إلى تونس فافتتحها ونازل في وجهته هذه المهدية فامتنعت عليه، ورجع إلى بجاية وتغلب النصارى على المهدية، وقصده الحسن صاحبها فأجازه إلى الجزائر وأنزله بها مع أخيه القائد، حتى إذا زحف الموحدون إلى بجاية وفر القائد من الجزائر وأسلمها، قدموا الحسن على أنفسهم ولقي ٦/٢٣٥
عبد المؤمن فأمنهم، وأخرج يحيى بن العزيز أخاه سبع للقاء الموحدين فانهزم وملك الموحدون بجاية.
وركب يحيى البحر إلى صقلية يروم الاجازة منها إلى بغداد. ثم عدل إلى بونة فنزل على أخيه الحارس ونكر عليه سوء صنيعه وإخراجه عن البلاد فارتحل عنه إلى قسنطينة، فنزل على أخيه الحسن فتخلى له عن الأمر. وفي خلال ذلك دخل الموحدون القلعة عنوة. ودخل حوشن بن العزيز وابن الدحامس من الأثبج معه وخربت القلعة. ثم بايع يحيى لعبد المؤمن سنة سبع وأربعين وخمسمائة ونزل قسنطينة واشترط لنفسه فوفى له، ونقله إلى مراكش فسكنها. ثم انتقل إلى سلا سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فسكن قصر بني عشيرة إلى أن هلك في سنته. وأما الحارث صاحب بونة ففر إلى صقلية واستصرخ صاحبها فصارخه على أمره ورجع إلى بونة وملكها. ثم غلب عليها الموحدون وقتلوه صبرا. وانقرض ملك بني حماد والبقاء لله وحده، ولم يبق من قبائل ماكسن إلا أوزاع بوادي بجاية ينسبون إليهم، وهم لهذا العهد في عداد الجند، ولهم أقطاع بنواحي البلد على العسكرة في جملة السلطنة مع قواده، والله وارث الأرض ومن عليها أه. ٦/٢٣٦
ملوك بني حبوس (الخبر عن ملوك بني حبوس بن ماكسن من بني زيري من صنهاجة من غرناطة من عدوة الأندلس وأولية ذلك ومصايره
لما استبد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد بن هاد بولاية إفريقية سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ولى عمومته وقرابته ثغور عمله، فأنزل حمادا بأشير أخاه يطوفت بتاهرت، وزحف زيري بن عطية صاحب فاس من مغراوة بدعوة المؤيد هشام خليفة قرطبة إلى عمل صنهاجة في جموع زناتة، ونزل تاهرت وسرح باديس عساكره لنظر محمد بن أبي العون فالتقوا على تاهرت، وانهزم صنهاجة، فزحف باديس بنفسه للقائهم، وخالف عليه فلفول بن سعيد بن خزرون صاحب طبنة ثم أجفل زيري بن عطية أمامه ورجع إلى المغرب، فرجع باديس الى القيروان، وترك عمومته أولاد زيري بأشير مع حماد وأخيه يطوفت وهم زاوي وحلال وعرم ومعنين وأجمعوا على الخلاف والخروج على باديس سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فأسلموا حمادا برمته واستولوا على جميع ما معه، واتصل الخبر بأبي البهار بن زيري، وهم مع باديس فخشيه على نفسه، ولحق بهم واجتمعوا في الخلاف، واشتغل باديس عنهم بحرب فلفول بن يأنس مولى الحاكم القادم على طرابلس من قبله، وانفسح مجالهم في الفساد والعيث ووصلوا أيديهم بفلفول وعاقدوه.
ثم رجع أبو البهار عنهم إلى باديس فتقبله وصالح له، ثم رجعوا إلى حماد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، ولقيهم فهزمهم وقتل ماكسن وابنه. ولحق زاوي بجبل شنوق من ساحل مليانة، وأجاز البحر إلى الأندلس في بنيه وبني أخيه وحاشيته، ونزل على المنصور بن أبي عامر صاحب الدولة وكافل الخلافة الأموية، فأحسن نزلهم وأكرم وفادتهم، واصطنعهم لنفسه واتخذهم بطانة لدولته وأوليائه على ما يرومه من قهر الدولة والتغلب على الخلافة، ونظمهم في طبقات زناتة وسائر رجالات البربر الذين أدال بجموعهم من جنود السلطان وعساكر الأموية وقبائل العرب، واستغلظ أمر صنهاجة بالأندلس واستفحلت إمارتهم، وحملوا دولة المنصور بن أبي عامر وولديه المظفر والناصر من بعده على كاهلهم. ٦/٢٣٨
ولما انقرض أمرهم واضمحلت دولتهم ونشأت الفتنة بالأندلس بين البرابرة وأهلها، فكان زاوي كبش تلك الوقائع ومحش حروبها. وتمرس بقرطبة هو وقومه صنهاجة وكافة زناتة والبربر حتى أثبتوا قدم خليفتهم المستعين سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر الذي أتوه ببيعتهم، وأعطوه على الطاعة صفقتهم كما ذكرناه في أخبارهم. ثم اقتحموا به قرطبة عنوة واصطلموا عامة أهلها وأنزلوا المعرات بذوي الصون منها وبيوتات الستر من خواصها، فحدث الناس في ذلك بأخبارها وتوصل زاوي عند استباحة قرطبة إلى رأس أبيه زيري بن مناد المتصور بجدران قصر قرطبة فأزاله وأصاره إلى قومه ليدفن في جدثه. ثم كان شأن بني حمود من العلوية، وافترق أمر البرابرة واضطرمت الأندلس نارا، وامتلأت جوانبها فتنة، وأسرى الرؤساء من البرابرة ورجالات الدولة على النواحي والأمصار فملكوها، وتحيزت صنهاجة إلى ناحية ألبيرة فكانت ضواحيها وحصل عليها استيلاؤهم، وزاوي يومئذ عضد البرابرة فنزل غرناطة واتخذها دارا لملكته ومعتصما لقومه.
ثم وقع في نفسه سوء أثر البربر بالأندلس أيام الفتنة، وحذر مغبة الفعلة واستعاضت الدولة، فاعتزم على الرحلة وآوى إلى سلطان قومه بالقيروان سنة عشر وأربعمائة بعد مغيبه عشرين سنة، وأنزل على المعز بن باديس حافد أخيه بلكين أجل ما كانت دولتهم بأمر إفريقية، وأترف وأوسع ملكا وأوفر عددا، فلقيه المعز بأحسن أحوال البر والتجلة، وأنزله أرفع المنازل من الدولة وقدمه على الأعمام والقرابة وأسكنه بقصره، وأبرز الحرم للقائه، فيقال: إنه لقيه من ذوات محارمه ألف امرأة لا تحل له واحدة منهن، ووارى إبراهيم مع شلوه بجدثه. وكان استخلف على عمله ابنه ونا فظعن لأهل غرناطة فانتقضوا عليه، وبعثوا عن حبوس ابن عمه ماكسن بن زيري مكانه ببعض حصون عمله، فبادر إليهم، ونزل بغرناطة، فانتقضوا عليه وبايعوه، واستحدث بها ملكا، وكان من أعظم ملوك الطوائف بالأندلس إلى أن هلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة وولي من بعده ابنه باديس بن حبوس ويلقب بالمظفر، ولم يزل مقيما لدعوة آل حمو أمراء مالقة بعد تخلفهم عن قرطبة سائر أيامه، وزحف إليها العامري صاحب المرية سنة تسع وعشرين وأربعمائة فلقيه باديس بظاهر غرناطة فهزمه وقتله وطالت ٦/٢٣٩
أيام ومد ملوك الطوائف أيديهم جميعا إلى مدده فكان ممن استمده محمد بن عبد الله البرز الي لما حاصره إسماعيل بن القاضي بن عباد بعساكر أبيه فأمده باديس بنفسه وقومه وصار إلى صريخه مع ابن بقية قائد إدريس بن حمود صاحب المالقة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ورجعوا من طريقهم. وطمع إسماعيل بن القاضي بن عباد مع صريخه فيهم فاتبعهم ولحق بباديس في قومه، فاقتتلوا، وفر عسكر إسماعيل وأسلموه فقتله صنهاجة، وحمل رأسه إلى ابن حمود.
وكان القادر بن ذي النون صاحب طليطلة أيضا يستدفع به وبقومه استطالة ابن عباد وأعوانه. وباديس هذا هو الذي مصر غرناطة واختط قصبتها وشاد قصورها وشيد حصونها، وآثاره في مبانيها ومصانعها باقية لهذا العهد. واستولى على مالقة عند انقراض بني حمود سنة تسع وأربعين وأربعمائة وأضافها إلى عمله، وهلك سنة سبع وستين وأربعمائة وظهر أمر المرابطين بالمغرب واستفحل ملك يوسف بن تاشفين فولي من بعده حافده عبد الله بن بلكين بن باديس، وتغلب المظفر وعقد لأخيه تميم على مالقة فاستقام أمرها إلى أن أجاز يوسف بن تاشفين إلى العدوة أجازته المعروفة كما نذكره في أخباره. ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين فتقبض على عبد الله بن بلكين واستصفى أمواله وذخيرته وألحق به أخاه تميما من مالقة واستصحبهما إلى العدوة، فأنزل عبد الله وتميما بالسوس الأقصى وأقطع لهما إلى أن هلكوا في إيالته، ويزعم بنو الماكسن من بيوتات طنجة لهذا العهد أنهم من أعقابهم، فاضمحل ملك بلكانة من صنهاجة ومن بيوتات طنجة لهذا العهد أنهم من أعقابهم، فاضمحل ملك بلكانة من صنهاجة ومن إفريقية والأندلس أجمع والبقاء لله وحده أه.
عبد الله بن بلكين بن باديس بن حيوس بن ماكسن بن زيري بن مناد ٦/٢٤٠
الطبقة الثانية من صنهاجة وهم الملثمون وما كان لهم بالمغرب من الملك والدولة
هذه الطبقة من صنهاجة هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب، أبعدوا في المجالات هنالك منذ دهور قبل الفتح لا يعرف أولها. فأصحروا عن الأرياف ووجدوا بها المراد وهجروا التلول وجفوها، واعتاضوا منها بألبان الأنعام ولحومها انتباذا عن العمران، واستئناسا بالانفراد، وتوحشا بالعز عن الغلبة والقهر.
فنزلوا من ريف الحبشة جوارا، وصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزا، واتخذوا اللثام خطاما تميزوا بشعاره بين الأمم، وعفوا في تلك البلاد وكثروا. وتعددت قبائلهم من كذالة فلمتونة فمسوقة فوتريكة فناوكا فزغاوة ثم لمطة إخوة صنهاجة كلهم ما بين البحر المحيط بالمغرب إلى غدامس من قبلة طرابلس وبرقة.
وللمتونة فيهم بطون كثيرة منهم بنو ورتنطق وبنو زمال وبنو صولان وبنو ناسجة، وكان موطنهم من بلاد الصحراء يعرف كأكدم وكان دينهم جميعا المجوسية شأن برابرة المغرب. ولم يزالوا مستقرين بتلك المجالات حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس، وكانت الرئاسة فيهم للمتونة. واستوسق لهم ملك ضخم مذ دولة عبد الرحمن بن معاوية الداخل توارثه ملوك منهم: تلاكاكين وورتكا اوراكن بن ورتنطق جد أبي بكر بن عمر أمير لمتونة في مبتدإ دولتهم، وطالت أعمارهم فيها إلى الثمانين ونحوها، ودوخوا تلك البلاد الصحراوية وجاهدوا من بها من أمم السودان وحملوهم على الإسلام، فدان به كثيرهم. واتقاهم آخرون بالجزية فقبلوها منهم وملك عليهم بعد تلاكاكين المذكور ثيولوثان.
(قال) ابن أبي زرع: أول من ملك الصحراء من لمتونة ثيولوثان، فدوخ بلاد الصحراء واقتضى مغارم السودان وكان يركب في مائة ألف نجيب. وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وملك بعده يلتان وقام بأمرهم وتوفي سنة سبع وثمانين ومائتين، وقام بأمرهم بعده ابنه تميم إلى سنة ست وثلاثمائة، وقتله صنهاجة وافترق ٦/٢٤١
أمرهم أه. كلام ابن أبي زرع. وقال غيره: كان من أشهرهم تيزا وابن وانثبق بن بيزا وقيل برويان بن واشنق بن يزار ملك الصحراء بأسرها على عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر في المائة الرابعة. وفي عهد عبيد الله وابنه أبي القاسم من خلفاء الشيعة، كان يركب في مائة ألف نجيب، وعمله مسيرة شهرين في مثلها، ودان له عشرون ملكا من ملوك السودان يعطونه الجزى، وملك من بعده بنوه. ثم افترق أمرهم من بعد ذلك، وصار ملكهم طوائف ورياستهم شيعا. قال ابن أبي زرع: افترق أمرهم بعد تميم بن بلتان مائة وعشرون سنة إلى أن قام فيهم أبو عبيد الله بن تيفاوت المعروف بناشرت اللمتوني، فاجتمعوا عليه وأحبوه وكان من أهل الدين والصلاح، وحج وهلك لثلاثة أعوام من رياسته في بعض غزواته. وقام بأمرهم صهره يحيى بن إبراهيم الكندالي. وبعده يحيى بن عمر بن تلاكاكين أه كلامه.
وكان لهذه الطبقة ملك ضخم بالمغرب والأندلس أولا، وبإفريقية بعده فنذكره الآن على نسقه.
الخبر عن دولة المرابطين من لمتونة وما كان لهم بالعدوتين من الملك وأولية ذلك ومصايره
كان هؤلاء الملثمون في صحاريهم كما قلناه، وكانوا على دين المجوسية إلى أن ظهر فيهم الإسلام لعهد المائة الثالثة كما ذكرناه، وجاهدوا جيرانهم من السودان عليه فدانوا لهم واستوسق لهم الملك. ثم افترقوا وكانت رياسة كل بطن منهم في بيت مخصوص.
فكانت رياسة لمتونة في بني ورتانطق بن منصور بن وصالة بن المنصور بن مزالت ابن أميت بن رتمال بن ثلميت وهو لمتونة. ولما أفضت الرئاسة إلى يحيى بن إبراهيم الكندالي، وكان له صهر في بني ورتانطق هؤلاء، وتظاهروا على أمرهم. وخرج يحيى بن إبراهيم لقضائه فرصة في رؤساء من قومه في سني أربعين وأربعمائة، فلقوا في ٦/٢٤٢
منصرفهم بالقيروان شيخ المذهب المالكي أبو عمران الفاسي، واغتنموا ما متعوا به.
من هديه وما شافههم به من فروض أعيانهم من فتاويه.
وسأله الأمير يحيى أن يصحبهم من تلميذه من يرجعون إليه في نوازلهم وقضايا دينهم، فندب تلميذه إلى ذلك حرصا على إيصال الخير إليهم لما رأى من رغبتهم فيه. فاستوعروا مسغبة بلادهم. وكتب لهم الفقيه أبو عمران إلى الفقيه محمد وكاك ابن زلوا اللمطي بسلجماسة من الآخذين عنه، وعهد إليه أن يلتمس لهم من يثق بدينه وفقهه، ويروض نفسه على مسغبة أرضهم في معاشه، فبعث معهم عبد الله بن ياسين بن مكو الجزولي، ووصل معهم يعلمهم القرآن ويقيم لهم الدين. ثم هلك يحيى ابن إبراهيم وافترق أمرهم، واطرحوا عبد الله بن ياسين، واستصعبوا عمله وتركوا الأخذ عنه لما تجشموا فيه من مشاق التكليف، فأعرض عنهم وترهب وتنسك معه يحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة، وأخوه أبو بكر، فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحا في المصيف وغمرا في الشتاء، فتعود جزرا منقطعة. فدخلوا في غياضها منفردين للعبادة، وتسامع بهم من في قلبه مثقال حبة من خير، فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم.
ولما كمل معهم ألف من الرجالات، قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين: إن ألفا لن تغلب من قلة، وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه، فأخرجوا بنا لذلك، فخرجوا وقتلوا من استعصى عليهم من قبائل لمتونة وكدالة ومهمومة حتى أنابوا الى الحق واستقاموا على الطريقة، وأذن لهم في أخذ الصدقات من أموال المسلمين، وسماهم بالمرابطين، وجعل أمرهم في العرب إلى الأمير يحيى بن عمر، فتخطوا الرمال الصحراوية إلى بلاد درعة وسجلماسة فأعطوهم صدقاتهم وانقلبوا. ثم كتب إليهم وكاك اللمطي بما نال المسلمين فيما إليه من العسف والجور من بني وانودين أمراء سجلماسة من مغراوة، وحرضهم على تغيير أمرهم، فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأربعمائة في عدد ضخم ركبانا على المهارى أكثرهم، وعمدوا إلى درعة. لا بل كانت هنالك بالحمى وكانت تناهز خمسين ألفا ونحوها.
ونهض إليهم مسعود بن وانودين أمير مغراوة وصاحب سجلماسة ودرعة لمدافعتهم عنها ٦/٢٤٣
وعن بلاده، فتواقعوا وانهزم ابن وانودين وقتل واستلحم عسكره مع أموالهم، واستلحمهم ودوابهم وإبل الحمى التي كانت ببلد درعة. وقصدوا سجلماسة فدخلوها غلابا وقتلوا من كان بها من أهل مغراوة، وأصلحوا من أحوالها وغيروا المنكرات، وأسقطوا المغارم والمكوس، واقتضوا الصدقات واستعملوا عليها منهم وعادوا إلى صحرائهم، فهلك يحيى بن عمر سنة سبع وأربعين وقدم مكانه أخاه أبا بكر وندب المرابطين إلى فتح المغرب فغزا بلاد السوس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وافتتح ماسة وتارودانت سنة تسع وأربعين وأربعمائة وفر أميرها لقوط بن يوسف بن علي المغراوي إلى تادلا واستضاف إلى بني يفرن ملوكها وقتل معهم لقوط بن يوسف المغراوي صاحب غمات وتزوج امرأته زينب بنت إسحاق النفزاوية، وكانت مشهورة بالجمال والرئاسة، وكانت قبل لقوط عند يوسف بن علي بن عبد الرحمن بن واطاس، وكان شيخا على وريكة وهي زوجة هيلانة في دولة امغارن في بلاد المصامدة وهم الشيوخ. وتغلب بنو يفرن على وريكة، وملكوا غمات فتزوج لقوط زينب هذه، ثم تزوجها بعده أبو بكر بن عمر كما ذكرنا. ثم دعا المرابطين الى جهاد برغواطة الذين كانوا بتامستا وإنفا وجهات الريف الغربي، فكانت لهم فيهم وقائع وأيام استشهد عبد الله بن ياسين في بعضها سنة خمسين وأربعمائة وقد أم المرابطين بعده سليمان بن حروا ليرجعوا إليه في قضايا دينهم. واستمر أبو بكر بن عمر في إمارة قومه على جهادهم ثم استأصل شأفتهم ومحا أثر دعوتهم من المغرب وهلك في جهادهم سليمان بن عدو سنة إحدى وخمسين وأربعمائة لسنة من وفاة عبد الله بن ياسين.
ثم نازل أبو بكر مدينة لواتة وافتتحها عنوة وقتل من كان بها من زناتة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. وبلغه وهو لم يستتم فتح المغرب بعد ما وقع من الخلاف بين لمتونة ومسوفة ببلاد الصحراء، حيث أصل أعياصهم ووشايج أعراقهم ومنيع عددهم، فخشي افتراق الكلمة وانقطاع الوصلة، وتلافى أمره بالرحلة. وأكد ذلك زحف ٦/٢٤٤
بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة إلى المغرب سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة لقتالهم، فارتحل أبو بكر إلى الصحراء، واستعمل على المغرب ابن عمه يوسف بن تاشفين ونزل له عن زوجه زينب بنت إسحاق ولحق بقومه. ورفع ما كان بينهم من خرق الفتنة، وفتح بابا من جهاد السودان، فاستولى على نحو تسعين رحلة من بلادهم.
وأقام يوسف بن تاشفين بأطراف المغرب، ونزل بلكين صاحب القلعة فاس وأخذ رهنها على الطاعة، وانكفأ راجعا. فحينئذ سار يوسف بن تاشفين في عسكره من المرابطين ودوخ أقطار المغرب. ثم رجع أبو بكر الى المغرب فوجد يوسف بن تاشفين قد استبد عليه. وأشارت عليه زينب أن يريه الاستبداد في أحواله وأن يعد له متاع الصحراء وما عونها، ففطن لذلك الأمير أبو بكر وتجافى عن المنازعة وسلم له الأمر، ورجع إلى أرضه فهلك لمرجعه سنة ثمانين وأربعمائة.
واختط يوسف مدينة مراكش سنة أربع وخمسين وأربعمائة ونزلها بالخيام وأدار سورها على مسجد وقصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه، وكمل تشييدها وأسوارها علي ابنه من بعده سنة ست وعشرين وخمسمائة. وجعل يوسف مدينة مراكش لنزله ولعسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المصيفة بمواطنهم بها في جبل درن، فلم يكن في قبائل المغرب أشد منهم ولا أكثر جمعا. ثم صرف عزمه إلى مطالبة مغراوة وبني يفرن وقبائل زناتة بالمغرب، وجذب الخيل من أيديهم، وكشف ما نزل بالرعايا من جورهم وعسفهم فقد كانوا من ذلك على ألم (حدث المؤرخون في أخبار مدينة فاس ودولتهم فيها بكثير منه) فنازل أولا قلعة فازاز وبها مهدي بن توالي من بني يحفش.
قال صاحب نظم الجواهر: وهم بطن من زناتة، وكان أبو توالي صاحب تلك القلعة ووليها هو من بعده، فنازله يوسف بن تاشفين. ثم استجاش به على فاس مهدي بن يوسف الكرنامي صاحب مكناسة بما كان عدوا لمعنصر المغراوي صاحب فاس، ٦/٢٤٥
فزحف في عساكر المرابطين إلى فاس، وجمع إليه معنصر ففض جموعه، وارتحل يوسف إلى فاس وتقرى منازلها وافتتح جميع الحصون المحيطة بها، وأقام عليها أياما قلائل، وظفر بعاملها بكار بن إبراهيم فقتله. ثم نهض إلى مغراوة وافتتحها وقتل من كان بها من أولاد وانودين المغراوي ورجع إلى فاس فافتتحها صلحا سنة خمس وخمسين وأربعمائة ثم رجع إلى غمارة ونازلهم وفتح كثيرا من بلادهم. وأشرف على طنجة وبها سكوت البرغواطي الحاجب صاحب سبتة، وبقية الأمراء من موالي الحمودية وأهل دعوتها. ثم رجع إلى منازلة قلعة فازاز، وخالفه معنصر إلى فاس فاستولى عليها وقتل عاملها.
واستدعى يوسف بن تاشفين مهدي بن يوسف صاحب مكناسة ليستجيش به على فاس فاستعرضه معنصر في طريقه قبل أن تتصل بأيديهما، وناجزه الحرب ففض جموعه وقتله، وبعث برأسه إلى وليه ومساهمه في شدته الحاجب سكوت البرغواطي.
واستصرخ أهل مكناسة بالأمير يوسف بن تاشفين فسرح عساكر لمتونة إلى حصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها، وألحوا بالقتال عليها فمسهم الجهد. وبرز معنصر إلى مناجزة عدوه لإحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وهلك. واجتمع زناتة من بعده على القاسم بن محمد بن عبد الرحمن من ولد موسى بن أبي العافية، كانوا ملوكا بتازا وتسول، فزحفوا إلى عساكر المرابطين والتقوا بوادي سيمير فكان الظهور لزناتة. واستلحم كثير من المرابطين، واتصل خبرهم بيوسف بن تاشفين وهو محاصر لقلعة مهدي بلاد فازاز فارتحل سنة ست وخمسين وأربعمائة ونزل عليها عسكر من المرابطين وصار يتنقل في بلاد المغرب فافتتح بني مراسن ثم قبولادة ، ثم بلاد ورغة سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ثم افتتح بلاد غمارة سنة ستين وأربعمائة. وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة نازل فاس فحاصرها مدة ثم افتتحها عنوة قول بمفازتها ثلاثة آلاف من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وقبائل زناتة حتى أعوزت مدافنهم فرادى، فاتخذت لهم الأخاديد وقبروا جماعات منهم، وخلص من نجا منهم من القتل إلى بلاد تلمسان وأمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين القرويين والأندلسيين من عدويتها، وصيرها ٦/٢٤٦
مصرا واحدا، وأدار عليها الأسوار وحمل أهلها على الاستكثار من المساجد، ورتب بناءها، وارتحل سنة ثلاث وستين وأربعمائة إلى وادي ملوية، فافتتح بلادها وحصون وطاط من نواحيها. ثم نهض سنة خمس وستين وأربعمائة إلى مدينة الدمنة فافتتحها عنوة، ثم افتتح حصن علودان من حصون غمارة. ثم نهض سنة سبع وستين وأربعمائة إلى جبال غياثة وبني مكود من أحواز تازا فافتتحها ودوخها، ثم اقتسم المغرب عمالات على بنيه وأمراء قومه وذويه، ثم استدعاه المعتمد بن عباد إلى الجهاد فاعتذر له بمكان الحاجب سكوت البرغواطي وقومه من أولياء الدولة الحمودية بسبتة، فأعاد إليه ابن عباد الرسل بالمشايعة إليهم، فجهز إليهم قائده صالح بن عمران في عساكر لمتونة، فلقيه سكوت الحاجب بظاهر طنجة في قومه ومعه ابنه ضياء الدولة، فانكشف وقتل الحاجب سكوت ولحق ابنه العزيز ضياء الدولة. وكتب صالح بن عمران بالفتح إلى يوسف بن تاشفين، ثم أغزى الأمير يوسف بن تاشفين إلى المغرب الأوسط سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة قائده مزدلى بن تبلكان بن محمد بن وركوت من عشيرة في عساكر لمتونة لمحاربة مغراوة ملوك تلمسان، وبها يومئذ الأمير العباس بن بختي من ولد يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر، فدوخوا المغرب الأوسط وصاروا في بلاد زناتة، وظفروا بيعلى ابن الأمير العباسي فقتلوه، وانكفأوا راجعين من غزاتهم.
ثم نهض يوسف بن تاشفين سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بعدها إلى الريف وافتتح كرسيف ومليلة وسائر بلاد الريف وخرب مدينة نكور فلم تعمر بعده ثم نهض في عساكره المرابطين إلى بلاد المغرب الأوسط فافتتح مدينة وجده وبلاد بني يزتاسن ثم افتتح مدينة تلمسان واستلحم من كان بها من مغراوة، وقتل العباس بن بختي أمير تلمسان وأنزل محمد بن تيغمر المستوفي بها في عساكر المرابطين، فصارت ثغرا لملكه. ونزل بعساكره واختط بها مدينة تاكرارت بمكان محلته، وهو اسم المحلة بلسان البربر. ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس إلى الجزائر، وانكفأ راجعا إلى المغرب فاحتل مراكش سنة خمس وسبعين وأربعمائة ولم يزل محمد بن تيغمر واليا بتلمسان إلى أن هلك، وولي بعده أخوه تاشفين ٦/٢٤٧
ثم ان الطاغية تكالب على بلاد المسلمين وراء البحر، وانتهز الفرصة فيها بما كان من الفرقة بين ملوك الطوائف فحاصر طليطلة، وبها القادر بن يحيى بن ذي النون حتى نالهم الجهد، وتسلمها منه صلحا سنة ثمان وسبعين وأربعمائة على أن يملكه بلنسية، فبعث معه عسكرا من النصرانية فدخل بلنسية وتملكها على حين مهلك صاحبها أبي بكر بن العزيز بين يدي حصار طليطلة. وسار الطاغية في بلاد الأندلس حتى وقف بفرضة المجاز من صريف، وأعيا أمره أهل الأندلس واقتضى منهم الجزية فأعطوها.
ثم نازل سرقسطة وضيق على ابن هود بها، وطال مقامه وامتد أمله إلى تملكها، فخاطب المعتمد بن عباد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين منجزا وعده في صريخ الإسلام بالعدوة وجهاد الطاغية.
وكاتبه أهل الأندلس كافة من العلماء والخاصة فاهتز للجهاد وبعث ابنه المعز في عساكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز، فنازلها برا، وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحرا فاقتحموها عنوة في ربيع الآخر سنة ست وسبعين وأربعمائة وتقبض على ضياء الدولة وقيد إلى المغرب فقتله صبرا، وكتب إلى أبيه بالفتح. ثم أجاز ابن عباد البحر في جماعته والمرابطين، ولقيه بفاس مستنفرا للجهاد، وأنزل له ابنه الراضي عن الجزيرة الخضراء لتكون رباطا لجهاده فأجاز البحر في عساكر المرابطين وقبائل المغرب ونزل الجزيرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ولقيه المعتمد بن عباد وابن الأفطس صاحب بطليوس. وجمع ابن أدفونس ملك الجلالقة أمم النصرانية لقتاله، ولقي المرابطين بالزلاقة من نواحي بطليوس فكان للمسلمين عليه اليوم المشهور سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ثم رجع إلى مراكش وخلف عسكرا بالإشبيلية لنظر محمد ومجون بن سيمونن بن محمد بن وركوت من عشيرة، ويعرف أبوه بالحاج، وكان محمد من بطانته وأعاظم قواد تكاليب الطاغية على شرق الأندلس، ولم يغن فيه أمراء الطوائف شيئا، فزحف إليه من سبتة ابن الحاج قائد يوسف بن تاشفين في عساكر المرابطين فهزموا جميع النصارى هزيمة شنيعة. وخلع ابن رشيق صاحب مرسية، وتمادى إلى دانية ففر علي بن مجاهد أمامه إلى بجاية ونزل على الناصر بن علناس فأكرمه ووصل ابن جحاف قاضي بلنسية إلى محمد بن الحاج مغريا بالقادر بن ذي النون، فأنفذ معه ٦/٢٤٨
عسكرا وملك بلنسية، وقتل ابن ذي النون وذلك سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وانتهى الخبر إلى الطاغية فنازل بلنسية واتصل حصاره إياها إلى أن ملكها سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ثم استخلصتها عساكر المرابطين، وولى عليها يوسف بن تاشفين الأمير مزدلي، وأجاز يوسف بن تاشفين ثانية سنة ست وثمانين وأربعمائة وتثاقل أمراء الطوائف عن لقائه لما أحسوا من نكيره عليهم لما يسمون به عليهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم، فوجد عليهم، وعهد برفع المكوس وتحرى المعدلة، فلما أجاز انقبضوا عنه إلا ابن عباد فإنه بادر إلى لقائه وأغراه بالكثير منهم، فتقبض على ابن رشيق فأمكن ابن عباد منه العداوة التي بينهما. وبعث جيشا إلى المرية ففر عنها ابن صمادح ونزل على المنصور بن الناصر ببجاية، وتوافق ملوك الطوائف على قطع المدد عن عساكره ومحلاته فساء نظره، وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم، وصارت إليه بذلك فتاوى أهل الشرق الأعلام مثل: الغزالي والطرطوشي، فعهد إلى غرناطة واستنزل صاحبها عبيد الله بن بلكين بن باديس وأخاه تميما من مالقة بعد أن كان منهما مداخلة الطاغية في عداوة يوسف بن تاشفين، وبعث بهما إلى المغرب فخاف ابن عباد عند ذلك منه وانقبض عن لقائه وفشت السعايات بينهما. ونهض يوسف بن تاشفين إلى سبتة فاستقر بها، وعقد للأمير سير بن أبي بكر بن محمد وركوت على الأندلس وأجازه فقدم عليها، وقعد ابن عباد عن تلقيه ومبرته فأحفظه ذلك، وطالبه بالطاعة للأمير يوسف والنزول عن الأمر، ففسد ذات بينهما، وغلبه على جميع عمله.
واستنزل أولاد المأمون من قرطبة ويزيد الرائض من رندة وقرمونة واستولى على جميعها وقتلهم. وصمد إلى إشبيلية فحاصر المعتمد بها وضيق عليه، واستنجد الطاغية فعمد الى استنقاذه من هذا الحصار، فلم يغن عنه شيئا، وكان دفاع لمتونة مما فت في عضده، واقتحم والمرابطون إشبيلية عليه عنوة سنة أربع وثمانين وأربعمائة وتقبض على المعتمد وقاده أسيرا إلى مراكش، فلم يزل في اعتقال يوسف بن تاشفين إلى أن هلك في محبسه بأغمات سنة سبعين وأربعمائة ثم عمد إلى بطليوس وتقبض على صاحبها ٦/٢٤٩
عمر بن الأفطس فقتله وابنيه يوم الأضحى سنة تسع وثمانين بما صح عنده من مداخلتهم الطاغية، وأن يملكوه مدينة بطليوس، ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الثالث سنة تسعين وأربعمائة وزحف إليه الطاغية فبعث عساكر المرابطين لنظر محمد بن الحاج فانهزم النصارى أمامه، وكان الظهور للمسلمين.
ثم أجاز الأمير يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وانضم إليه محمد بن الحاج وسير بن أبي بكر واقتحموا عامة الأندلس من أيدي ملوك الطوائف، ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين بن هود معتصما بالنصارى.
وغزا الأمير مزدلي صاحب بلنسية إلى بلد برشلونة فأثخن بها وبلغ إلى حيث لم يبلغ أحد قبله ورجع. وانتظمت بلاد الأندلس في ملكة يوسف بن تاشفين، وانقرض ملك الطوائف منها أجمع كأن لم يكن، واستولى على العدوتين، واتصلت هزائم المرابطين مرارا وتسمى بأمير المسلمين، وخاطب المستنصر العباسي الخليفة لعهده ببغداد، وبعث إليه عبد الله بن محمد بن العرب على يد المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر، فتلطفا في القول وأحسنا في الإبلاغ، وطلبا من الخليفة أن يعقد له على المغرب والأندلس، فعقد له وتضمن ذلك مكتوب الخليفة بذلك منقولا في أيدي الناس، وانقلبا إليه بتقليد الخليفة وعهده على ما إلى نظره من الأقطار والأقاليم. وخاطبه الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر الطرطوشي يحضانه على العدل والتمسك بالخير، ويفتيانه في شأن ملوك الطوائف بحكم الله.
ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الرابع إلى الأندلس سنة سبع وتسعين وأربعمائة وقد كان ما قدمناه في أخبار بني حماد من زحف المنصور بن الناصر إلى تلمسان سنة سبع وتسعين وأربعمائة للفتنة التي وقعت بينه وبين تاشفين بن تيغمر وافتتاحه أكثر بلادهم، فصالحه يوسف بن تاشفين واسترضاه بعدول تاشفين عن تلمسان سنة سبع وتسعين وأربعمائة وبعث إليهما مزدلي من بلنسية، وولي بلنسية عوضا منه أبا محمد بن فاطمة، وكثرت غزواته في بلاد النصرانية. وهلك يوسف على رأس المائة الخامسة، وقام بالأمر من بعده ابنه علي بن يوسف فكان خير ملك. وكانت أيامه صدرا منها وداعة ولدولته على الكفر وأهله ظهور وعزة، وأجاز إلى العدوة فأثخن في بلاد العدو ٦/٢٥٠
قتلا وسبيا؟، وولى على الأندلس الأمير تميم بن وجمع الطاغية للأمير تميم فهزمه تميم، ثم أجاز علي بن يوسف سنة ثلاث ونازل طليطلة وأثخن في بلاد النصارى ورجع، وعلى أثر ذلك قصد ابن ردمير سرقسطة وخرج ابن هود للقائه فانهزم المسلمون ومات ابن هود شهيدا وحاصر ابن ردمير البلد حتى نزلوا على حكمه.
ثم كانت سنة تسع وخمسمائة شأن برقة وتغلب أهل جنوة عليها وأخلوها. ثم رجع العمران إليها على يد مرتانا قرطست من قواد المرابطين كما مر في ذكرها عند ذكر الطوائف. ثم استمرت حال علي بن يوسف في ملكه، وعظم شأنه، وعقد لولده تاشفين على غرب الأندلس سنة ست وعشرين وخمسمائة وأنزله قرطبة واشبيلية، وأجاز معه الزبير بن عمر، وحشد قومه وعقد لأبي بكر بن إبراهيم المسوقي على شرق الأندلس وأنزله بلنسية، وهو ممدوح بن خفاجة ومخدوم أبي بكر بن باجة الحكيم المعروف بابن الصائغ. وعقد لابن غانية المسوقي على الجزائر الشرقية دانية وميورقة، واستقامت أيامه، ولأربع عشرة سنة من دولته كان ظهور الإمام المهدي صاحب واستقامت أيامه، ولأربع عشرة سنة من دولته كان ظهور الإمام المهدي صاحب دعوة الموحدين، فقيها منتحلا للعلم والفتيا والتدريس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، متعرضا بذلك للمكروه في نفسه.
ونالته بجاية وتلمسان ومكناسة أذايات من الفسقة ومن الظالمين، وأحضره الأمير علي بن يوسف للمناظرة ففلج علي خصومه من الفقهاء بمجلسه، ولحق بقومه هرغة من المصامدة، واستدرك علي بن يوسف رأيه فتفقده وطالب هرغة بإحضاره فأبوا عليه فسرح إليهم البعث فأوقعوا به، وتقاسم معهم هنتاتة وتين ملل على إجارته والوفاء بما عاهدهم عليه من القيام بالحق والدعاء إليه حسبما يذكر ذلك كله بعد دولتهم.
وهلك المهدي في سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقام بأمرهم عبد المؤمن بن علي الكومي كبير أصحابه بعهده إليه، وانتظمت كلمة المصامدة وأغزوا مراكش مرارا.
وفشل ريح لمتونة بالعدوة الأندلسية، وظهر أمر الموحدين وفشت كلمتهم في برابرة المغرب. وهلك علي بن يوسف سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وقام بالأمر من بعده ولده تاشفين وولي عهده، وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين كما كانوا على حين استغلظ ٦/٢٥١
أمر الموحدين واستفحل شأنهم وألحوا في طلبه.
وغزا عبد المؤمن غزوته الكبرى إلى جبال المغرب، ونهض تاشفين بعساكره بالبسائط إلى أن نزل تلمسان ونازلة عبد المؤمن والموحدون بكهف الضحاك بين الصخرتين من جبل تيطري المطل عليها، ووصله هنالك مدد صنهاجة من قبل يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية مع قائده طاهر بن كباب، وشرهوا إلى مدافعة الموحدين فغلبوهم، وهلك طاهر واستلحم الصنهاجيون وفر تاشفين إلى وهران في موادعة لب بن ميمون قائد البحر بأساطيله، واتبعه الموحدون واقتحموا عليه البلد فهلك يقال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة واستولى الموحدون على المغرب الأوسط واستلحموا لمتونة. ثم بويع بمراكش ابنه إبراهيم وألفوه مضعفا عاجزا، فخلع وبويع عمه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين. وعلى هيئة ذلك وصل الموحدون إليها وقد ملكوا جميع بلاد المغرب عليه، فخرج إليهم في خاصته فقتلهم الموحدون وأجاز عبد المؤمن والموحدون إلى الأندلس سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وملكوا واستلحموا أمراء لمتونة وكافتهم وفروا في كل وجه، ولحق فلهم بالجزائر الشرقية ميورقة ومنورقة ويابسة إلى أن جددوا من بعده للملك بناحية إفريقية، والله غالب على أمره.
دولة ابن غانية الخبر عن دولة ابن غانية من بقية المرابطين وما كان له من الملك والسلطان بناحية قابس وطرابلس واجلابه على الموحدين ومظاهرة قراقش الغزي له على أمره وأولية ذلك ومصايره
كان أمر المرابطين من أوله في كدالة من قبائل الملثمين حتى هلك يحيى بن إبراهيم فاختلفوا على عبد الله بن ياسين إمامهم، وتحول عنهم إلى لمتونة وأقصر عن دعوته وتنسك وترهب كما قلناه، حتى إذا أجاب داعية يحيى بن عمرو أبي بكر بن عمر من بني ورتانطق بيت رياسة لمتونة. واتبعهم الكثير من قومهم وجاهدوا معه سائر قبائل الملثمين، وكان مسوقة قد دخل في دعوة المرابطين كثير منهم، فكان لهم بذلك في تلك الدولة حظ من الرئاسة والظهور. وكان يحيى المسوفي من رجالاتهم ٦/٢٥٢
وشجعانهم، وكان مقدما عند يوسف بن تاشفين لمكانه في قومه. واتفق انه قتل بعض رجالات لمتونة في ملاحاة وقعت بينهما، فتثاور الحيان وفر هو إلى الصحراء، ففدى يوسف بن تاشفين القتل ووداه، واسترجع عليا من مفره لسنين من مغيبه، وأنكحه امرأة من أهل بيته تسمى غانية بعهد أبيها إليه في ذلك، فولدت منه محمدا ويحيى ونشأ في ظل يوسف بن تاشفين وحجر كفالته.
ورعى لهما علي بن يوسف ذمام هذه الأمور وعقد ليحيى على غرب الأندلس وأنزله قرطبة. وعقد لمحمد على الجزائر الشرقية وميورقة ومنورقة ويابسة سنة عشرين وخمسمائة، وانقرض بعد ذلك أمر المرابطين. وتقدم وفد الأندلس إلى عبد المؤمن وبعث معهم أبا إسحاق براق بن محمد المصمودي من رجالات الموحدين وعقد له على حرب لمتونة كما يذكر في أخبارهم، فملك إشبيلية واقتضى طاعة يحيى بن علي بن غانية، واستنزله عن قرطبة إلى حمال والقليعة، فسار منها إلى غرناطة يستنزل من بها من لمتونة، ويحملهم على طاعة الموحدين فهلك هنالك سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بقصر باديس. وأما محمد بن علي فلم يزل واليا إلى أن هلك، وقام بأمره بعده ابنه عبد الله.
ثم هلك وقام بالأمر أخواه إسحاق بن محمد بن علي، وقيل إن إسحاق ولي بعد ابنه محمد، وأنه قتله غيرة من أخيه عبد الله لمكان أبيه منه، فقتلهما معا، واستبد بأمره إلى أن هلك سنة ثمانين وخمسمائة. وخلف ثمانية من الولد وهم: محمد وعلي ويحيى وعبد الله والغازي وسير والمنصور وجبارة، فقام بالأمر ابنه محمد. ولما أجاز يوسف بن عبد المؤمن بن علي إلى ابن الزبرتير لاختبار طاعتهم، ولحين وصوله نكر ذلك إخوته وتقبضوا عليه واعتقلوه. وقام بالأمر أخوه علي بن محمد بن علي، وتلوموا في رد ابن الزبرتير إلى مرسلة، وحالوا بينه وبين الأسطول حين بلغهم أن الخليفة يوسف القسري استشهد في الجهاد باركش من العدوة، وقام بالأمر ابنه يعقوب واعتقلوا ٦/٢٥٣
ابن الزبرتير وركبوا البحر في اثنتين وثلاثين قطعة من أساطيلهم وأسطوله، وركب معه إخوته يحيى وعبد الله والغازي، وولي على ميورقة عمه أبا الزبير، وأقلعوا إلى بجاية فطرقوها على حين غفلة من أهلها، وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن، وكان بايميلول من خارجها في بعض مذاهبه، فلم تمانعه أهل البلد واستولوا عليها في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة واعتقلوا بها السيد أبا موسى بن عبد المؤمن، كان قافلا من إفريقية يؤم المغرب واكتسحوا ما كان بدار السادة والموحدين.
وكان والي القلعة قاصدا مراكش وهو يستخبر خبر بجاية، فرجع وظاهر السيد أبا الربيع، وزحف إليهما علي بن غانية فهزمهما واستولى على أموالهما، وأسريا ولحقا بتلمسان فنزلا بها على السيد أبي الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وأخذ في تحصين تلمسان ورم أسوارها، وأقاما عند السيد يرومان الكرة من صاحب تلمسان.
وعاث علي بن محمد بن غانية في الأموال وفرقها في ذؤبان العرب ومن انضاف إليهم، ورحل إلى الجزائر فافتتحها، وولى عليها يحيى بن أبي طلحة. ثم افتتح مازونة وانتهى إلى مليانة فافتتحها، وولى عليها بدر بن عائشة. ثم نهض إلى القلعة فحاصرها ثلاثا ودخلها عنوة، وكانت في المغرب خطة مشهورة. ثم قصد قسنطينة فامتنعت عليه واجتمعت إليه وفود العرب فاستنجدهم وجاءوا بأحلافهم. ولما اتصل الخبر بالمنصور وهو بسبتة مرجعه من الغزو، سرح العساكر في البر لنظر السيد أبي زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وعقد له على المغرب الأوسط، وبعث الأساطيل الى البحر وقائدها أحمد الصقلي وعقد عليها لأبي محمد بن إبراهيم بن جامع، وزحفت العساكر من كل جهة فثار أهل الجزائر على يحيى بن أبي طلحة ومن معه، وأمكنوا منهم السيد أبا يزيد فقتلهم على شلف، وعفا عن يحيى لنجدة عمه طلحة، وكان بدر بن عائشة أسرى من مليانة واتبعه الجيش فلحقوه أمام العدو، فتقبضوا عليه بعد قتال مع البرابرة حين أرادوا إجارته، وقادوه إلى السيد أبي يزيد فقتله. وسبق الأسطول إلى بجاية فثار بيحيى بن غانية وفر إلى أخيه علي لمكانه من حصار قسنطينة بعد أن كان أخذ بمخنقها. ونزل السيد أبو زيد بعساكره بتكلات من ظاهر بجاية، وأطلق السيد أبا موسى من معتقله. ثم رحل في طلب العدو فأفرج عن قسنطينة بعد أن كان أخذ ومضى شديدا في الصحراء، والموحدون في اتباعه حتى انتهوا إلى مغرة ونغارس. ثم نقلوا إلى بجاية واستنفر السيد أبا زيد بها وقصد علي ٦/٢٥٤
ابن غانية في قفصة فملكها، ونازل بورق وقسطيلية فامتنعت وارتحل إلى طرابلس وفيها قراقش الغزي المطغري، وكان من خبره على ما نقل أبو محمد التيجاني في كتاب رحلته: أن صلاح الدين صاحب مصر بعث تقي الدين ابن أخيه شاه إلى المغرب لافتتاح ما أمكنه من المدن تكون له معقلا يتحصن فيه من مطالبة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام الذي كان صلاح الدين عمه من وزرائه. واستعجلوا النصر فخشوا عاديته. ثم رجع تقي الدين من طريقه لأمر عرض له ففر قراقش الأرمني بطائفة من جنوده. وفر إبراهيم بن قراتكين سلاح دار المعظم نسبة للملك المعظم شمس الدولة بن أيوب أخي صلاح الدين. فأما قراقش فلحق ششرية وافتتحها وذلك سنة ست وثمانين وخمسمائة وخطب فيها لصلاح الدين ولاستاذه تقي الدين. وكتب لهما بفتح زويلة وغلبه بني خطاب الهواري على ملك فزان وكانت ملكا لعمه محمد بن الخطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنغل بن خطاب وهو آخر ملوكهم، وكانت قاعدة ملكه زويلة. وتعرف زويلة ابن خطاب فتقبض عليه وغلبه على المال حتى هلك، ولم يزل يفتح البلاد إلى أن وصل طرابلس واجتمع عليه عرب دياب بن سليم. ونهض بهم إلى جبل نفوسة فملكه واستخلص أموال العرب، واتصل به مسعود بن زمام شيخ الزواودة من رياح عند مفرة من المغرب كما ذكرناه. واجتمعت أيديهم على طرابلس وافتتحها واجتمع إليه ذؤبان العرب من هلال وسليم، وفرض لهم العطاء واستبد بملك طرابلس وما وراءها. وكان قراقش من الأرمن وكان يقال له المعظمي والناصري لأنه يخطب للناصر صلاح الدين.
وكان يكتب في ظهائره ولي أمير المؤمنين بسكون الميم، ويكتب علامة الظهيرة بخطه. وثقت بالله وحده أسفل الكتاب. وأما إبراهيم بن قراقش صاحبه، فإنه سار مع العرب إلى قفصة فملك جميع منازلها، وراسل بني الزند رؤساء قفصة فأمكنوه من البلد لانحرافهم عن بني عبد المؤمن، فدخلها وخطب للعباسي ولصلاح الدين إلى أن قتله المنصور عند فتح قفصة كما نذكره في أخبار الموحدين. ٦/٢٥٥
رجع الخبر الى ابن غانية
ولما وصل علي بن غانية إلى طرابلس ولقي قراقش اتفقا على المظاهرة على الموحدين واستمال ابن غانية كافة بني سليم من العرب وما جاورهم من مجالاتهم ببرقة وخالطوه في ولايتهم، واجتمع إليه من كان محرفا عن طاعة الموحدين من قبائل هلال مثل:
جشم ورياح والأبثج، وخالفتهم زغبة إلى الموحدين، فاحتفلوا بطاعتهم سائر أيامهم. ولحق بابن غانية فل قومه من لمتونة ومنونة من أطراف البقاع، فانعقد أمره وتجدد بذلك القطر سلطان قومه. وجدد رسوم الملك واتخذ الآلة وافتتح كثيرا من بلاد الجريد وأقام فيها الدعوة العباسية. ثم بعث ولده وكاتبه عبد المؤمن من فرسان الأندلس إلى الخليفة الناصر بن المستضيء ببغداد مجددا ما سلف لقومه من المرابطين بالمغرب من البيعة والطاعة، وطلب المدد والإعانة. فعقد له كما كان لقومه وكتب الكتاب من ديوان الخليفة إلى ملك مصر والشام النائب عن الخليفة بها صلاح الدين يوسف بن أيوب، فجاء إلى مصر فكتب له صلاح الدين إلى قراقش واتصل أمرهما في إقامة الدعوة العباسية.
وظاهره ابن غانية على حصار قابس فافتتحها قراقش من يد سعيد بن أبي الحسن، وولى عليها مولاه وجعل فيها ذخائره. ثم اتصل بها إلى أن وصل قفصة خلعوا طاعة ابن غانية، فظاهره قراقش عليها فافتتحها عنوة. ثم رحل إلى توزر وقراقش في مظاهرته فافتتحها أيضا. ولما اتصل بالمنصور ما نزل بإفريقية من أجلاب ابن غانية وقراقش على بلاد الجريد نهض من مراكش سنة ثمان وثمانين وخمسمائة لحسم هذا الداء واستنقاذ ما غلبوا عليه. ووصل إلى تونس فأراح بها وسرح في مقدمته السيد أبا يوسف يعقوب بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، ومعه عمر بن أبي زيد من أعيان الموحدين، فلقيهم ابن غانية في جموعه بعهده، فانهزم الموحدون وقتل ابن أبي زيد وجماعة منهم، وأسر علي بن الزبرتير في آخرين، وامتلأت أملاك العدو من أسلابهم ومتاعهم. ووصل سرعان الناس إلى تونس، وصمد المنصور إليهم فأوقع ٦/٢٥٦
بهم بظاهر الحامة في شعبان من سنته. وأفلت ابن غانية وقراقش بحومة الوفر وبادر أهل قابس وكانت خالصة لقراقش دون ابن غانية، فأتوا طاعتهم وأسلموا من كان عندهم من أصحابه وذويه فاحتلموا الى مراكش، وقصد المنصور إلى توزر فحاصرها فأسلموا إليه من كان فيها من أصحاب ابن غانية. وبادر أهلها بالطاعة.
ثم رجع إلى قفصة فحاصرها حتى نزلوا على حكمه، وقتل من كان بها من الحشود.
وقتل إبراهيم بن قراتكين، وامتن على سائر الأعوان وخلى سبيلهم، وأمن أهل البلد في أنفسهم وجعل أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة. تم غزا العرب واستباح حللهم وأحياءهم حتى استقاموا على طاعته. وفر ذو المراس كثير الخلاف والفتنة منهم إلى المغرب قبل: جشم ورياح والعاصم كما قدمناه. وقفل إلى المغرب سنة أربع وثمانين وخمسمائة ورجع ابن غانية وقراقش إلى حالهما من الاجلاب على بلاد الجريد إلى أن هلك علي في بعض حروبهما مع أهل نفزاوة سنة أربع وثمانين وخمسمائة أصابه سهم غرب كان فيه هلاكه فدفن هنالك، وعفى على قبره، وحمل شلوه إلى ميورقة فدفن بها. وقام بالأمر أخوه يحيى بن إسحاق بن محمد بن غانية وجرى في مظاهرة قراقش وموالاته على سنن أخيه علي.
ثم نزع قراقش إلى طاعة الموحدين سنة ست وثمانين وخمسمائة فهاجر إليهم بتونس وتقبله السيد أبو زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن وأقام معه أياما. ثم فر ووصل إلى قابس فدخلها مخادعة وقتل جماعة منهم، واستبد على أشياخ دباب والكعوب من بني سليم فقتل سبعين منهم بقصر العروسيين، كان منهم: محمود بن طرق أبو المحاميد وحميد بن جارية أبو الجواري. ونهض إلى طرابلس فافتتحها ورجع إلى بلاد الجريد فاستولى على أكثرها، ثم فسد ما بينه وبين يحيى بن غانية. وسار إليه يحيى فانتهز قراقش ولحق بالجبال وتوغل فيها، ثم فر إلى الصحراء ونزل ودان ولم يزل بها إلى أن حاصره ابن غانية من بعد ذلك بمدة وجمع عليه أهل الثأر من دباب، واقتحمها عليه عنوة وقتله ولحق ابنه بالموحدين. ولم يزل بالحضرة إلى أيام المستنصر. ثم فر إلى ودان وأجلب في الفتنة فبعث إليه ملك كام من قتله لسنة ست وخمسين وخمسمائة.
(رجع الخبر) واستولى ابن غانية على الجريد، واستنزل ياقوت فولى قراقش من ٦/٢٥٧
طرده، كذا ذكره التجاني في رحلته. ولحق ياقوت بطرابلس، ونازلة ابن غانية بها، وطال أمر حصاره. وبالغ ياقوت في المدافعة، وبعث يحيى عن أسطول ميورقة فأمده أخوه عبد الله بقطعتين منه فاستولى على طرابلس، وأشخص ياقوت إلى ميورقة واعتقل بها إلى أن أخذها الموحدون. وكان من خبر ميورقة أن علي بن غانية لما نهض إلى فتح بجاية ترك أخاه محمدا وعلي بن الزبرتير في معتقلهما. فلما خلا الجو من أولاد غانية وكثير من الحامية داخل ابن الزبرتير في معتقله نفر من أهل الجزيرة، وثاروا بدعوة محمد وحاصروا القصيبة إلى أن صالحهم أهلها على إطلاق محمد بن إسحاق فأطلق من معتقله، وصار الأمر له فدخل في دعوة الموحدين، ووفد مع علي بن الزبرتير على يعقوب المنصور. وخالفهم إلى ميورقة عبد الله بن إسحاق، ركب البحر من إفريقية إلى صقلية وأمدوه بأسطول، ووصل إلى ميورقة عند وفادة أخيه على المنصور فملكها، ولم يزل بها واليا. وبعث إلى أخيه علي بالمدد إلى طرابلس كما ذكرناه، وبعثوا إليه ياقوت فاعتقله عنوة إلى أن غلب عليه الموحدون سنة تسع وتسعين وخمسمائة فقتل ومضى ياقوت إلى مراكش وبها مات.
(رجع الخبر) ولما فرغ ابن غانية من أمر طرابلس ولى عليها تاشفين ابن عمه الغازي، وقصد قابس فوجد بها عامل الموحدين ابن عمر تافراكين بعثه إليهم صاحب تونس الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص، فاستدعاه أهلها لما فر عنهم نائب قراقش أخذ ابن غانية لطرابلس فنازل قابس، وضيق عليها حتى سألوه الأمان على أن يخلي سبيل ابن بافراس فعقد لهم ذلك وأمكنوه من البلد فملكها سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وأغرمهم ستين ألف دينار، وقصد المهدية سنة سبع وتسعين وخمسمائة فاستولى عليها وقتل الثائر بها محمد بن عبد الكريم الكرابي .
(وكان من خبره) أنه نشأ بالمهدية وصار من جندها المرتدين، وهو كوفي الأصل، وكانت له شجاعة معروفة، فجمع لنفسه خيلا ورجالا وصار يغير على المفسدين من الأعراب بالأطراف فداخلهم هيبة، وبعد في ذلك صيته وأمده الناس بالدعاء.
وقدم أبو سعيد بن أبي حفص على إفريقية من قبل المنصور لأول ولايته، وولى على المهدية أخاه يونس، وطالب محمد بن عبد الكريم بالسهمان في المغانم، وامتنع ٦/٢٥٨
فانزل به النكال وعاقبه بالسجن فدبر ابن عبد الكريم الثورة وداخل فيها بطانته، وتقبض على يونس سنة خمس وتسعين وخمسمائة واعتقله إلى أن فداه أخوه أبو سعيد بخمسمائة دينار من الذهب العتيق، واستبدل ابن عبد الكريم بالمهدية ودعا لنفسه، وبلغت المتوكل على الله. ثم وصل السيد أبو زيد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن واليا على إفريقية فنازل ابن عبد الكريم بتونس سنة ست وتسعين وخمسمائة واضطرب معسكره بحلق الوادي وبرز إليه جيوش الموحدين فهزمهم وطال حصاره لهم. ثم سألوه الإفراج عنهم فأجاب لذلك، وارتحل عنهم إلى حصار يحيى بن غانية بفاس فنازله مدة. ثم ارتحل إلى قفصة وخرج ابن غانية في اتباعه فانهزم ابن عبد الكريم أمامه ولحق ارتحل إلى قفصة وخرج ابن غانية في اتباعه فانهزم ابن عبد الكريم أمامه ولحق بالمهدية، وحاصره ابن غانية بها سنة سبع وتسعين وخمسمائة وأمده السيد أبو زيد بقطعتين من الغزاة حتى سأل ابن عبد الكريم النزول على حكمه وخرج إليه فقبض عليه ابن غانية وهلك في اعتقاله، واستولى على المهدية واستضافها إلى ما كان بيده من طرابلس وقابس وصفاقس والجريد. ثم نهض إلى الجانب الغربي من إفريقية فنازل باجة، ونصب عليها المجانيق وافتتحها عنوة وخربها، وقتل عاملها عمر بن غالب، ولحق شريدها بالأربس وشقبنارية وتركها خالية على عروشها، وبعد مدة تراجع إليها ساكنها بأمن السيد أبي زيد، فزحف إليها ابن غانية ونازلها، وزحف إليه السيد أبو الحسن أخو السيد أبي زيد فلقيه بقسنطينة، وانهزم الموحدون واستولى على معسكرهم.
ثم نهض إلى بسكرة واستولى عليها وقطع أيدي أهلها، وتقبض على حافظها أبي الحسن بن أبي يعلى، وتملك بعدها بلنسية والقيروان وبايعه أهل بونة، ورجع إلى المهدية وقد استفحل ملكه، فأزمع على حصار تونس وارتحل إليها سنة تسع وتسعين وخمسمائة واستعمل على المهدية علي بن الغازي ويعرف بالكافي بن عبد الله بن محمد بن علي بن غانية، ونزل بالجبل الأحمر من ظاهر تونس ونزل أخوه بحلق الوادي. ثم ضايقوه بمعسكرهم وردموا خندقها ونصبوا المجانيق والآلات، واقتحموها لأربعة أشهر من حصارها في ختام المائة السادسة . وقبض على السيد أبي زيد وابنه ومن كان معه من الموحدين، وأخذ أهل تونس بغرم مائة ألف دينار، وولى ٦/٢٥٩
بقبضها منهم كاتبه ابن عصفور وأبا بكر بن عبد العزيز بن السكاك، فأرهقوا الناس بالطلب حتى لاذ معظمهم بالموت واستعملوا القتل فيما نقل أن إسماعيل بن عبد الرفيع من بيوتاتها ألقى بنفسه في بئر فهلك، فرجع الطلب ببقيتها عنهم.
وارتحل إلى نفوسة والسيد أبو زيد معتقل في معسكره ففعل بهم مثل ذلك، وأغرمهم بالناصر بمراكش ما دهم أهل إفريقية منه ومن ابن عبد الكريم قبله، فامتعض لذلك ورحل إليها سنة إحدى وستمائة. وبلغ يحيى بن غانية خبر زحفه إليه، فخرج من تونس إلى القيروان ثم إلى قفصة واجتمع إليه العرب وأعطوه الرهن على المظاهرة والدفاع. ونازل طرة من حصون مغراوة ، فاستباحها، وانتقل إلى حامة مطماطة. ونزل الناصر تونس، ثم قفصة، ثم قابس، وتحصن منه ابن غانية، في مطماطة. ونزل الناصر تونس، ثم قفصة، ثم قابس، وتحصن منه ابن غانية، في جبل دمر، فرجع عنه إلى المهدية، وعسكر عليها واتخذ الآلة لحصارها.
وسرح الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص لقتال ابن غانية في أربعة آلاف من الموحدين سنة اثنتين وستمائة فلقيه بجبل تاجورا من نواحي قابس، وأوقع به وقتل أخاه جبارة بن إسحاق واستنقذ السيد أبا زيد من معتقله، ثم افتتح الناصر المهدية ودخل إليها علي بن الغازي في دعوة فتقبله، ورفع مكانه ووصله بهدية وافق وصولها برسمه إليه على يد واصل مولاه وكان بها ثوبان منسوجان بالجواهر فوصله بذلك كله، ولم يزل معه إلى أن استشهد مجاهدا.
وولى الناصر على المهدية محمد بن يغمور من الموحدين ورجع إلى تونس. ثم نظر فيمن يوليه أمر إفريقية لسد فرجها والذب عنها ومدافعة ابن غانية وجموعه دونها. فوقع اختياره على الشيخ أبي محمد بن أبي حفص، فعقد له على ذلك سنة ثلاث كما ذكرناه في أخباره. ورجع الناصر إلى المغرب وأجمع ابن غانية النهوض لقتال الموحدين بتونس، وجمع ذؤبان العرب من الزواودة وغيرهم، وأوفد الزواودة يومئذ محمد بن مسعود بن سلطف وتحيز بنو عوف بن سليم إلى الموحدين، والتقوا بشبور من نواحي تبسة فانهزمت جموع ابن غانية، ولجأ إلى جهة طرابلس. ٦/٢٦٠
ثم نهض إلى المغرب في جموعه من العرب والملثمين فانتهى إلى سجلماسة وامتلأت أيدي اتباعه من النهاب، وخرقوا الأرض بالعيث والفساد. وانتهى إلى المغرب الأوسط وداخله المفسدون من زناتة، وأغزوا به صاحب تلمسان السيد أبا عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن فلقيه بتاهرت فهزمه ابن غانية، وقتله وأسروا وافده ، وكر راجعا إلى إفريقية، فاعترضه الشيخ أبو محمد صاحب إفريقية في جموع الموحدين، واستنقذ الغنائم من أيديهم. ولجأ ابن غانية إلى جبال طرابلس، وهاجر أخوه مسير بن إسحاق إلى مراكش فقبله الناصر وأكرمه. ثم اجتمع إلى ابن غانية طوائف العرب من رياح وعوف وهيث ومن معهم من قبائل البربر، وعزم على دخول إفريقية. ونهض إليهم الشيخ أبو محمد سنة ست وستمائة ولقيهم بجبل نفوسة، ففل عسكرهم واستلحم أمرهم، وغنم ما كان معهم من الظهر والكراع والأسلحة. وقتل يومئذ محمد بن الغازي وجوار بن يفرن، وقتل معه ابن عمه من كتاب ابن أبي الشيخ ابن عساكر بن سلطان، وهلك يومئذ من العرب الهلاليين أمير قرة سماد بن نخيل.
حكى ابن نخيل أن مغانم الموحدين يومئذ من عساكر الملثمين كانت ثمانية عشر ألفا من الظهر، فكان ذلك مما أوهن من شدته ووطى من بأسه. وثارت قبائل نفوسة بكاتبه ابن عصفور فقتلوا ولديه، وكان ابن غانية يبعثه عليهم للمغرم. وسار أبو محمد في نواحي إفريقية ودفع سلبهم واستثار أشياخهم بأهلهم، وأسكنهم بتونس حسما لفسادهم. وصلحت أحوال إفريقية إلى أن هلك الشيخ أبو محمد سنة ثمان عشرة وستمائة وولي أبو محمد السيد أبو العلا إدريس بن يونس بن عبد المؤمن، ويقال بل وليها قبيل مهلك الشيخ أبي محمد، فاستطار بعد مهلكه سور بن عبابة، ولخم فعابه رعيته ، ونهض إليه السيد أبو العلا ونزل قابس وأقام بقصر العروسيين، وسرح ولده السيد أبا زيد بعسكر من الموحدين إلى درج وغدامس، وسرح عسكرا آخر إلى ودان لحصار ابن غانية، فأرجف بهم العرب ونهضوا وهم بهم السيد أبو ٦/٢٦١
العلا. وفر ابن غانية إلى الزاب، واتبعه السيد أبو زيد فنازل ببسكرة واقتحمها عليه.
ونجا ابن غانية وجمع أوباشا من العرب والبربر، واتبعه السيد أبو زيد في الموحدين وقبائل هوارة، وتزاحفوا بظاهر تونس سنة إحدى وعشرين وستمائة فانهزم ابن غانية وجموعه، وقتل كثير من الملثمين وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم.
وكان طرأ له يومئذ حماس من بعد ما سعى في هذا الزحف أثر مذكور وبلاء حسن. وبلغ السيد أبا زيد إثر هذه الوقيعة خبر مهلك أبيه بتونس، فانكف راجعا، وأعيد بنو أبي حفص إلى مكان أبيهم الشيخ أبي محمد بن أثال بإفريقية. واستقل الأمير أبو زكريا منهم بأمرها، واقتلعها عن ملكه إلى عبد المؤمن وتناولها من يد أخيه أبي محمد عبد الله. وهذا الأمير أبو زكريا هو جد الخلفاء الحفصيين وماهد أمرهم بإفريقية، فأحسن دفاع ابن غانية عنها وشرده في أقطارها. ورفع يده شيئا فشيئا عن النيل من أهلها ورعاياها. ولم يزل شريدا مع العرب بالقفار، فبلغ سجلماسة من أقصى المغرب والعقبة الكبرى من تخوم الديار المصرية. واستولى على ابن مذكور صاحب السويقة من تخوم برقة، وأوقع بمغراوة بواجر ما بين متيجة ومليانه، وقتل أميرهم منديل بن عبد الرحمن وصلب شلوه بسور الجزائر. وكان يستخدم الجند فإذا سئموا الخدمة تركهم لسبيلهم إلى أن هلك لخمسين سنة من إمارته سنة إحدى وثلاثين وستمائة وقيل ثلاث وثلاثين، ودفن وعفى أثر مدفنه. يقال بوادي الرجوان قتله الأريس يقال بجهة مليانة من وادي شلف، ويقال بصحراء باديس ومديد من بلاد الزاب. وانقرض أمر الملثمين من مسوقة ولمتونة ومن جميع بلاد إفريقية والمغرب والأندلس بمهلكه. وذهب ملك صنهاجة من الأرض بذهاب ملكه وانقطاع أمره. وقد خلف بنات بعثهن زعموا إلى الأمير أبي زكريا لعهده بذلك إلى علجه جابر فوضعن في يده. وبلغه وفاة أبيهن وحسن ظنه في كفالته إياهن، فأحسن الأمير أبو زكريا كفالتهن، وبنى لهن بحضرته دارا لصونهن معروفة لهذا العهد ٦/٢٦٢
بقصر البنات. وأقمن تحت حراسته وفي سعة من رزقه موصولات لوصاة أبيهن بذلك منهن وحفظهن لوصاته. ولقد يقال أن ابن عم لهن خطب إحداهن، فبعث إليها الأمير أبو زكريا فقال لها: هذا ابن عمك وأحق بك، فقالت لو كان ابن عمنا ما كفلنا الأجانب، إلى أن هلكن عوانس بعد أن متعن من العمر بحظ.
أخبرني والدي رحمه الله أنه أدرك واحدة منهن أيام حياته في سني العشر والسبعمائة تناهز التسعين من السنين. (قال) : ولقيتها وكانت من أشرف النساء نفسا وأسراهن خلقا وأزكاهن خلالا والله وارث الأرض ومن عليها.
ومضى هؤلاء الملثمون وقبائلهم لهذا العهد بمجالاتهم من جوار السواد ان حجزا بينهم وبين الرمال التي هي تخوم بلاد البربر من المغربين وإفريقية، وهم لهذا العهد متصلون من ساحل البحر المحيط في المغرب إلى ساحل النيل بالمشرق. وهلك من قام بالملك منهم بالعدوتين، وهم قليل من مسوقة ولمتونة كما ذكرناه، أكلتهم الدولة وابتلعتهم الآفاق والأقطار، وأفناهم الرق واستلحمهم أمراء الموحدين وبقي من أقام بالصحراء منهم على حالهم الأول من افتراق الكلمة واختلاف البين، وهم الآن يعطون طاعة لملوك السودان، يجبون إليهم خراجهم وينفرون في معسكرهم.
واتصل بنيانهم على بلاد السودان إلى المشرق مناظر السلع العرب على بلاد المغربين وإفريقية فكدالة منهم في مقابلة ذوي حسان بن المعقل عرب السوس الأقصى، ولمتونة وتريكة في مقابلة ذوي منصور وذوي عبد الله بن المعقل أيضا عرب المغرب الأقصى، ومسوقة في مقابلة زغبة عرب المغرب الأوسط، ولمطة في مقابلة رياح عرب الزاب وبجاية وقسنطينة، وتاركا في مقابلة سليم عرب إفريقية. وأكثر ما عندهم من المواشي الإبل لمعاشهم وحمل أثقالهم وركوبهم، والخيل قليلة لديهم أو معدومة. ويركبون من الإبل الفارهة ويسمونها النجيب، ويقاتلون عليها إذا كانت بينهم حرب، وسيرها هملجة، وتكاد تلحق بالركض وربما يغزوهم أهل القفر من العرب وخصوصا بنو سعيد من بادية رياح، فهم أكثر العرب غزوا إلى بلادهم ٦/٢٦٣
فيستبيحون من صحبوه منهم يرمونه في بطون مغاير . فإذا اتصل الصائح بأحيائهم وركبوا في اتباعهم واعترضوهم على المياه قبل فصولهم من تلك البلاد فلا يكادون يخلصون، ويشتد الحرب بينهم فلا يخلص العرب من غوائلهم إلا بعد جهد، وقد يهلك بعضهم، ولله الخلق والأمر. وإذ عرض لنا ملوك السودان فلنذكر ملوكهم لهذا العهد المجاورين لملوك المغرب.
ملوك السودان) (الخبر عن ملوك السودان المجاورين للمغرب من وراء هؤلاء الملثمين ووصف أحوالهم والإلمام بما اتصل بنا من دولتهم
هذه الأمم السودان من الآدميين هم أهل الإقليم الثاني وما وراءه إلى آخر الأول بل وإلى آخر المعمورة متصلون ما بين المغرب والمشرق، ويجاورون بلاد البربر بالمغرب وإفريقية وبلاد اليمن والحجاز في الوسط، والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق، وهم أصناف وشعوب وقبائل أشهرهم بالمشرق الزنج والحبشة والنوبة، وأما أهل المغرب منهم فنحن ذاكروهم بعد ما ننسبهم، فبنو حام بن نوح بالحبش من ولد حبش بن كوش بن حام، والنوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي، وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام، والزنج من ولد زنجي بن كوش، وأما سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر، ويقال: هو قبط بن حام.
وعد ابن سعيد من قبائلهم وأممهم سبعة عشر أمة، فمنهم في المشرق الزنج على بحر الهند، لهم مدينة فنقية وهم مجوس، وهم الذين غلب رقيقهم بالبصرة على ساداتهم مع دعي الزنج في خلافة المعتمد. قال: ويليهم بربرا، وهم الذين ذكرهم ٦/٢٦٤
امرؤ القيس في شعره. والإسلام لهذا العهد فاش فيهم، ولهم يومئذ مقاشن على البحر الهندي يعمرها تجار المسلمين ومن غربيهم وحولهم الدمادم وهم حفاة عراة.
قال: وخرجوا إلى بلاد الحبشة والنوبة عند خروج التتر إلى العراق، فعاثوا فيها ثم رجعوا. قال: ويليهم الحبشة وهم أعظم أمم السودان وهم مجاورون لليمن على شاطئ البحر الغربي ومنه غزو ملك اليمن ذي نواس وكانت دار مملكتهم كفرة ، وكانوا على دين النصرانية، وأخذ بالإسلام واحد منهم زمن الهجرة على ما ثبت في الصحيح، والذي أسلم منهم لعهد النبي صلى الله عليه وسلم. وهاجر إليه الصحابة قبل الهجرة إلى المدينة فآواهم ومنعهم، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند ما نعي إليه، كان اسمه النجاشي وهو بلسانهم: أنكاش بالكاف المشمة بالجيم عربتها العرب جيما محضة وألحقتها ياء النسب، شأنها في الأسماء الأعجمية إذا تصرفت فيها، وليس هذا الاسم سمة لكل من تملك منهم كما يزعم كثير من الناس ممن لا علم له بهذا، ولو كان كذلك لشهروا اسمه إلى اليوم لأن ملكهم لم يتحول منهم، وملكهم لهذا العهد اسمه الخطى ما أدري اسم السلطان نفسه، أو اسم العشيرة الذين فيهم الملك. وفي غربيه مدينة دامون وكان بها ملك من أعاظمهم وله ملك ضخم، وفي شماليه ملك آخر منهم اسمه حق الدين محمد بن علي بن واصمع في مدينة أسلم أولوه في تواريخ مجهولة. وكان جده واصمع مطيعا لملك دامون، وأدركت الخطى الغيرة من ذلك فغزاه واستولى على بلاده. ثم اتصلت الفتنة وضعف أمر الخطى فاسترجع بنو واصمع بلادهم من الخطى وبنيه، واستولوا على وفاة وخربوها.
وبلغنا أن حق الدين هلك، وملك بعده أخوه سعد الدين وهم مسلمون ويعطون الطاعة للخطى أحيانا وينابذونه أخرى والله مالك الملك. (قال ابن سعيد) : ويليهم البجاوة وهم نصارى ومسلمون، ولهم جزيرة بسواكن في بحر السوس، ويليهم النوبة إخوة الزنج والحبشة ولهم مدينة دنقلة غرب النيل، وأكثرهم مجاورون للديار المصرية، ومنهم رقيق. ويليهم زغاوة وهم مسلمون، ومن شعوبهم تاجرة ويليهم الكانم وهم خلق عظيم، والإسلام غالب عليهم ومدينتهم حميمي ولهم التغلب ٦/٢٦٥
على بلاد الصحراء إلى فزان. وكانت لهم مهادنة مع الدولة الحفصية مذ أولها، ويليهم من غربهم كوكو، وبعدهم نغاله والتكرور ولمى وتميم وجاى وكورى وأفكزار، ويتصلون بالبحر المحيط إلى غانية في الغرب. أه كلام ابن سعيد.
ولما فتحت إفريقية المغرب دخل التجار بلاد المغرب فلم يجدوا فيهم أعظم من ملوك غانية، كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب، وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك، وحاضرة ملكهم غانية مدينتان على حافتي النيل من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمرا، ذكرها مؤلف كتاب رجار وصاحب المسالك والممالك.
وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف صوصو بصادين مضمومتين أو سينين مهملتين، ثم بعدها أمة أخرى تعرف مالي ثم بعدها أمة أخرى تعرف كوكو ويقال كاغو ثم بعدها أمه أخرى تعرف بالتكرور.
(وأخبرني) الشيخ عثمان فقيه أهل غانية وكبيرهم علما ودينا وشهرة، قدم مصر سنة تسع وتسعين وستمائة حاجا بأهله وولده ولقيته بها فقال: إنهم يسمون التكرور زغاي ومالي انكاويه أه.
ثم أن أهل غانية ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي البربر كما ذكرناه، وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم واقتضوا منهم الاتاوات والجزى، وحملوا كثيرا منهم على الإسلام فدانوا به. ثم اضمحل ملك أصحاب غانية وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أمم السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم. ثم أن أهل مالي كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك، واستطالوا على الأمم المجاورين لهم فغلبوا على صوصو أو ملكوا جميع ما بأيديهم من ملكهم القديم، وملك أهل غانية إلى البحر المحيط من ناحية الغرب وكانوا مسلمين، يذكرون أن أول من أسلم منهم ملك اسمه برمندان هكذا ضبطه الشيخ عثمان. وحج هذا الملك واقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده.
وكان ملكهم الأعظم الذي تغلب على صوصو وافتتح بلادهم وانتزع الملك من أيديهم اسمه ماري جاطة، ومعنى ماري عندهم الأمير الذي يكون نسل السلطان وجاطة الأسد، واسم الحافد عندهم تكن، ولم يتصل بنا نسب هذا الملك. وملك ٦/٢٦٦
عليهم خمسا وعشرين سنة فيما ذكروه. ولما هلك ولي عليهم من بعده منسا ولي، ومعنى منسا السلطان، ومعنى ولي بلسانهم علي، وكان منسا ولي هذا من أعاظم ملوكهم. وحج أيام الظاهر بيبرس، وولي عليهم من بعده أخوه وأتى. ثم بعده أخوهم خليفة وكان محمقا راويا، فكان يرسل السهام على الناس فيقتلهم مجانا، فوثبوا عليه فقتلوه. وولي عليهم من بعده سبط من أسباط ماري جاطة يسمى أبا بكر، وكان ابن بنته فملكوه على سنن الأعاجم في تمليك الأخت وابن الاخت. ولم يقع إلينا نسبه ونسب أبيه.
ثم ولي عليهم من بعده مولى من مواليهم تغلب على ملكهم اسمه ساكورة. وقال الشيخ عثمان: ضبطه بلسانهم أهل غانية سيكرة، وحج أيام الملك الناصر وقتل عند مرجعه بتاجورا، وكانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الأمم المجاورة لهم. وافتتح بلاد كوكو وأصارها في ملكة أهل مالي. واتصل ملكهم من البحر المحيط وغانة بالمغرب إلى بلاد التكرور في المشرق، واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان، وارتحل إلى بلادهم التجار من بلاد المغرب وإفريقية.
وقال الحاج يونس ترجمان التكروري إن الذي فتح كوكو هو سغمنجة من قواد منسا موسى، وولي من بعده ساكورة وهذا هو ابن السلطان ماري جاطة. ثم من بعده ابنه محمد بن قو، ثم انتقل ملكهم من ولد السلطان ماري جاطة إلى ولد أخيه أبي بكر فولى عليهم منسا موسى بن أبي بكر، وكان رجلا صالحا وملكا عظيما، له في العدل أخبار تؤثر عنه. وحج سنة أربع وعشرين وسبعمائة، لقيه في الموسم شاعر الأندلس أبو إسحاق إبراهيم الساحلي المعروف بالطونجق وصحبه إلى بلاده. وكان له اختصاص وعناية ورثها من بعده ولده إلى الآن، وأوطنوا والاتر من تخوم بلادهم من ناحية المغرب، ولقيه في منصرفه صاحبنا المعمر أبو عبد الله بن خديجة الكومي من ولد عبد المؤمن، كان داعية بالزاب للفاطمي المنتظر، وأجلب عليهم بعصائب من العرب فمكر به واركلا واعتقله، ثم خلى سبيله بعد حين، فحاض إلى السلطان منسا موسى مستجيشا به عليهم، وقد كان بلغه توجهه للحج، فأقام في انتظاره ببلد غدامس يرجو نصرا على عدوه ومعونة على أمره لما كان عليه منسا موسى من استفحال ٦/٢٦٧
ملكه بالصحراء الموالية لبلد واركلا وقوة سلطانه فلقي منه مبرة وترحبا ووعده بالمظاهرة والقيام بثأره واستصحبه إلى بلدة أخرى وهو الثقة.
(قال: كنا نواكبه أنا وأبو إسحاق الطونجق دون وزرائه ووجوه قومه نأخذ بأطراف الأحاديث، نتمتع وكان متحفا) في كل منزل بطرف المآكل والحلاوات قال:
والذي تحمل آلته وحربته من الوصائف خاصة اثنا عشر ألفا لابسات أقبية الديباج والحرير اليماني.
(قال الحاج يونس ترجمان هذه الأمة بمصر) : جاء هذا الملك منسا موسى من بلده بثمانين حملا من التبر، كل حمل ثلاثة قناطير، قال: وإنما يحملون على الوصائف والرجال في أوطانهم فقط، وأما السفر البعيد كالحج فعلى المطايا.
(قال أبو خديجة) : ورجعنا معه إلى حضرة ملكه فأراد أن يتخذ بيتا بمقعد سلطانه محكم البناء مجللا لغرابته بأرضهم، فأطرفه أبو إسحاق الطونجق ببناء قبة مربعة الشكل استفرغ فيها إجادته. وكان صناع اليدين واضفى عليها من الكلس ووالي عليها بالأصباغ المشبعة فجاءت من أتقن المباني، ووقعت من السلطان موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم، ووصله باثني عشر ألفا من مثاقيل التبر مثوبة عليها، إلى ما كان له من الاثرة والميل إليه والصلات السنية. وكان بين هذا السلطان منسا موسى وبين ملك المغرب لعهده من بني مرين السلطان أبي الحسن مواصلة ومهاداة سفرت بينهما فيها الأعلام من رجال الدولتين، واستجاد صاحب المغرب من متاع وطنه وتحت ممالكة مما تحدث عنه الناس على ما نذكره عند موضعه، بعث بها مع علي بن غانم المغفل وأعيان من رجال دولته. وتوارثت تلك الوصلة أعقابهما كما سيأتي واتصلت أيام منسا موسى هذا خمسا وعشرين سنة. ولما هلك ولي أمر مالي من بعده ابنه منسا مغا، ومغا عندهم محمد، وهلك لأربع سنين من ولايته، وولي أمرهم من بعده منسا سليمان بن أبي بكر وهو أخو موسى، واتصلت أيامه أربعا وعشرين سنة. ثم هلك فولي بعده ابنه منسا بن سليمان وهلك لتسعة من ولايته، ٦/٢٦٨
فولي عليهم من بعده ماري جاطه بن منسا مغا بن منسا موسى واتصلت أيامه أربعة عشر عاما وكان أشر وال عليهم بما سامهم من النكال والعسف وإفساد الحرم. وأتحف ملك المغرب لعهده السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن بالهدية المذكورة سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان فيها الحيوان العظيم الهيكل المستغرب بأرض المغرب المعروف بالزرافة، تحدث الناس بما اجتمع فيه من مفترق الجلي والشبه في جثمانه ونعوته دهرا.
(وأخبرني القاضي الثقة أبو عبد الله محمد بن وانسول من أهل سجلماسة. وكان أوطن بأرض كوكو من بلادهم واستعملوه في خطة القضاء بما لقية منذ سنة ست وسبعين وسبعمائة، فأخبرني عن ملوكهم بالكثير مما كتبته وذكر لي عن هذا السلطان جاطه أنه أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم، وكاد أن ينتقض شأن سلطانهم. (قال) : ولقد انتهى الحال به في سرفه وتبذيره أن باع حجر الذهب الذي كان في جملة الذخيرة عن أبيهم، وهو حجر يزن عشرين قنطارا منقولا من المعدن من غير علاج بالصناعة ولا تصفية بالنار، كانوا يرونه من أنفس الذخائر والغرائب لندور مثله في المعدن، فعرضه جاطه هذا الملك المسرف على تجار مصر المترددين إلى بلده وابتاعوه منه بأبخس ثمن إذ استهلك من ذخائر ملوكهم سرفا وتبذيرا في سبيل الفسوق والتخلف.
(قال) : وأصابته علة النوم، وهو مرض كثيرا ما يطرق أهل ذلك الإقليم وخصوصا الرؤساء منهم يعتاده غشي النوم عامة أزمانه حتى يكاد أن لا يفيق ولا يستيقظ إلا في القليل من أوقاته، ويضر صاحبه ويتصل سقمه إلى أن يهلك. (قال) : ودامت هذه العلة بخلطه مدة عامين اثنين وهلك سنة خمس وسبعين [وسبعمائة] وولوا من بعده ابنه موسى فأقبل على مذاهب العدل والنظر لهم، ونكب عن طرق أبيه جملة وهو الآن مرجو الهداية ويغلب على دولته وزيره ماري جاطه، ومعنى ماري عندهم الوزير وجاطه تقدم وهو الآن قد حجر السلطان واستبد بالأمر عليه، ونظر في تجهيز العساكر وتجهيز الكتائب، ودوخ أقطار الشرق من بلادهم وتجاوز تخوم كوكو وجهز إلى منازلة تكرت بما وراءها من بلاد الملثمين، كتائب نازلتها الأول الدولة، وأخذت بمخنقها، ثم أفرجت عنها وحاطهم الآن هدنة.
وتكرت هذه على سبعين مرحلة من بلد واركلا في الجانب القبلي الغربي وفيها من الملثمين يعرف بالسلطان، وعليهم طريق الحاج من السودان، وبينه وبين أمير الزاب ٦/٢٦٩
وواركلا مهاداة ومراسلة. (قال) : وحاضرة الملك لأهل مالي هو بلد بني بلد متسع الخطة معين على الزرع مستبحر العمارة نافق الأسواق، وهو الآن محط لركاب البحر من المغرب وإفريقية ومصر، والبضائع مجلوبة إليها من كل قطر. ثم بلغنا لهذا العهد أن منسا موسى توفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة وولي بعده أخوه منسا مغا ثم قتل لسنة أو نحوها، وولي بعده صندكي زوج أم موسى صندكي الوزير. ووثب عليه بعد أشهر رجل من بيت ماري جاطة. ثم خرج من بلاد الكفرة وراءهم وجاءهم رجل اسمه محمود ينسب إلى منساقو بن منسا ولي بن ماري جاطه الأكبر، فتغلب على الدولة وسلك أمرهم سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ولقبه منسا مغا، والخلق والأمر لله وحده.
الخبر عن لمطة وكزولة وهسكورة بني تصكي وهم إخوة هوارة وصنهاجه
هؤلاء القبائل الثلاث قد تقدم لنا أنهم إخوة لصنهاجة، وأن أم الثلاثة تصكي العرجاء بنت زحيك بن مادغيس، فأما صنهاجة فمن ولد عاميل بن زعزاع، وأما هوارة فمن ولد أوريغ وهو ابنها ابن برنس، وأما الآخرون فلا تحقيق في نسبهم. (قال ابن حزم) : إن صنهاجة ولمطة لا يعرف لهما أب، وهذه الأمم الثلاث موطنون بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء وجبال درن ملئوا بسائطه وجباله. (فأما لمطة) فأكثرهم مجاورون الملثمين من صنهاجة ولهم شعوب كثيرة، وأكثرهم ظواعن أهل وبر ومنهم بالسوس قبيلتا زكن ولخس، صاروا في عداد ذوي حسان من معقل، وبقايا لمطة بالصحراء مع الملثمين ومعظمهم قبيلة بين تلمسان وإفريقية وكان منهم الفقيه وكاك بن زيرك صاحب أبي عمران الفاسي وكان نزل سجلماسة. ومن تلميذه كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية على ما مر. ٦/٢٧٠
(وأما كزولة ) فبطونهم كثيرة، ومعظمهم بالسوس ويجاورون لمطة ويحاربونهم.
ومنهم الآن ظواعن بأرض السوس، وكان لهم مع المعقل حروب قبل أن يدخلوا السوس، فلما دخلوه تغلب عليهم، وهم الآن من خولهم وأخلافهم ورعاياهم.
(وأما هسكورة) وهم لهذا العهد في عداد المصامدة وينسبون إلى دعوة الموحدين، وهم أمم كثيرة وبطون واسعة ومواطنهم بجبالهم متصلة من درن إلى تادلا من جانب الشرق إلى درعة من جانب القبلة وكان دخول بعضهم في دعوة المهدي قبل فتح مراكش، ولم يستكملوا الدخول في الدعوة إلا من بعده، فلذلك لا يعدهم كثير من الناس في الموحدين، وإن عدوا فليسوا من أهل السابقة منهم لمخالفتهم الإمام أول الأمر، وما كان من حروبهم معه ومع أوليائه وشيعته. وكانوا ينادون بخلافهم وعداوتهم ويجهرون بلعنهم، فتقول خطباؤهم في مجامع صلواتهم: لعن الله هنتاتة وتين ملل وهرنة وهرزجة ، فلما استقاموا من بعد ذلك لم يكن لهم مزية السابقة كما كانت لهنتاته وتين ملل وهرغة وهزرجة فاستقامتهم على الدعوة كان بعد فتح مراكش.
وبطون هسكورة هؤلاء متعددون فمنهم مصطاوة وعجرامة وزمراوة وانتيفت وبنو نفال وبنو رسكونت إلى آخرين لم يحضرني أسماؤهم. وكانت الرئاسة عليهم آخر دولة الموحدين لعمر بن وقاريط المنتسب، وذكره في أخبار المأمون والرشيد من بني عبد المؤمن خلاف الموحدين بمراكش. ثم كان من بعده مسعود بن كلداسن، وهو القائم يأمر دبوس والمظاهر له على شأنه، وأظنه جد بني مسعود، الرؤساء عليهم لهذا العهد من فطواكة المعروفين ببني خطاب لاتصال الرئاسة في هذا البيت، ولما انقرض أمر الموحدين استعصوا على بني مرين مدة واختلف حالهم معهم في الاستقامة والنفرة، وكانوا ملجأ النازعين عن الطاعة من عرب جشم، ومأوى للثائرين منهم. ثم استقاموا وأذعنوا لأداء الضرايب والمغارم وجبايتها من قومهم، والخفوف إلى العسكرة مع السلطان متى دعوا إليها شأن غيرهم من سائر المصامدة. ٦/٢٧١
(وأما انتيفت فكانت رياستهم في أولاد هنوا، وكان يوسف بن كنون منهم اتخذ لنفسه حصن تاقيوت، وامتنع به، ولم يزل ولده علي ومخلوف يشيد أنه من بعده، وهلك يوسف وقام بأمره ابنه مخلوف، وجاهر بالنفاق سنة اثنتين وسبعمائة. ثم راجع الطاعة وهو الذي تقبض على يوسف بن أبي عياد المتعدي على مراكش أيام أبي ثابت سنة سبع وسبعمائة كما نذكر في أخباره، لما أحيط به، فتقبض عليه مخلوف وأمكن منه. وكانت وسيلته من الطاعة وكان من بعده ابنه هلال بن مخلوف، والرئاسة فيهم متصلة لهذا العهد.
(وأما بنو نفال) فكانت رياستهم لأولاد تروميت، وكان منهم لعهد السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن، كبيرهم علي بن محمد، وكان له في الخلاف والامتناع ذكر، واستنزله السلطان أبو الحسن من محله لأول ولايته بعد حصاره بمكانه، وأصاره في جملته تحت عنايته وإمرائه إلى أن هلك بتونس بعد واقعة القيروان في الطاعون الجارف. وولي بنوه من بعده أمر قومهم إلى أن انقرضوا، والرئاسة لهذا العهد في أهل بيتهم ولأهل عمومتهم.
(وأما فطواكة) وهم أوسع بطونهم وأعظمهم رياسة فيهم وأقربهم اختصاصا بصاحب الملك واستعمالا في خدمته. وكان بنو خطاب منذ انقراض أمر الموحدين قد جنحوا إلى بني عبد الحق، وأعطوهم المقادة واختصوا شيوخهم في بني خطاب بالولاية عليهم. وكان شيخهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب محمد بن مسعود، وابنه عمر من بعده. وهلك عمر سنة أربع وسبعمائة بمكانه من محله، وولي بعده عمه موسى بن مسعود وسخطه السلطان لتوقع خلافه، فاعتقله. وكان خلاصه من الاعتقال سنة ست وسبعمائة، وقام بأمر هسكورة من بعده محمد بن عمر بن محمد بن مسعود.
ولما استفحل ملك بني مرين وذهب أثر الملك من المصامدة وبعد عهدهم صار بنو مرين إلى استعمال رؤسائهم في جباية مغارمهم لكونهم من جلدتهم. ولم يكن فيهم أكبر رياسة من أولاد تونس في هنتاتة. وبني خطاب هؤلاء في هسكورة فداولوا بينهم ولاية الأعمال المراكشية وليها محمد بن عمر هذا من بعد موسى بن علي وأخيه محمد ٦/٢٧٢
شيوخ هنتاتة. فلم يزل واليا منها إلى أن هلك قبيل نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان. ولحق ابنه إبراهيم بتلمسان ذاهبا إلى السلطان أبي الحسن. فلما دعا أبو عنان إلى نفسه رجع عنه إلى محله، وتمسك بما كان عليه من طاعة أبيه، ورعاه أبو عنان لعمه عبد الحق، وقلده الأعمال المراكشية فلم يغن في منازعة إلى أن لحق السلطان أبو الحسن بمراكش، فكان من أعظم دعاته، وأبلى في مظاهرته. فلما هلك السلطان أبو الحسن اعتقله أبو عنان وأودعه السجن، ثم قتله بين يدي نهوضه إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وقام بأمره من بعده أخوه منصور بن محمد إلى أن ملك الأمير عبد الرحمن بن أبي يغلوسن مراكش سنة ست وسبعين وسبعمائة فاستقدمه وتقبض عليه، واعتقله بدار ابن عمه نحوا من العام ابن مسعود بن خطاب كان في جملته، وكان هو وأبوه نازعا إلى بني مرين خوفا على أنفسهم من أولاد محمد بن عمر لترشحهم للأمر، فلما استمكن منه بداره معتقلا وثب عليه فقتله واستلحم بنيه معه، وسخطه السلطان لها فاعتقله قليلا ثم أطلقه، واستقل برياسة هسكورة لهذا العهد والله قادر على ما يشاء.
الطبقة الثالثة من صنهاجة
وهذه الطبقة ليس فيها ملك، وهم لهذا العهد أوفر قبائل المغرب، فمنهم الموطنون بالجانب الشرقي من جبال درن ما بين تازى وتادلا ومعدن بني فازان حيث الثنية المفضية إلى آكرسلوين من بلاد النخل ومقصد تلك الثنية من بلادهم وبلاد المصامدة في المغرب من جبال درن. ثم اعتمروا قنن تلك الجبال وشواهقها، وتنعطف مواطنهم في تلك الثنية إلى ناحية القبلة إلى أن ينتهي إلى آكرسلوين. ثم ترجع مغربا من آكرسلوين إلى درعه إلى ضواحي السوس الأقصى، وأمصاره من تارودانت وأيفري الى فوتان وغيرها. ويعرف هؤلاء كلهم باسم صناكة حرفت إليها من اسم صنهاجة، وأسموا صاده زايا وأبدلوا الجيم بالكاف المتوسطة المخرج عند العرب لهذا العهد بين الكاف والقاف أو بين الكاف والجيم، وهي معربة النطق. ٦/٢٧٣
ولصنهاجة هؤلاء بين قبائل المغرب أوفر عدد وشدة بأس ومنعة، وأعزهم جانبا أهل الجبال المطلة على تادلا ورياستهم لهذا العهد في ولد عمران الصناكي ولهم اعتزاز على الدولة ومنعة عن الهضيمة والانقياد للمغرم. وتتصل بهم قبائل خباتة منهم ظواعن يسكنون الخص وينتجعون مواقع القطر في نواحي بلادهم بتيغانيمين من قبيلة مكناسة إلى وادي أم ربيع من تامسنا في الجانب الشمالي من جانبي جبل درن ورياستهم في ولد هيدي من مشاهيرهم ولهم اعتياد بالمغرم وروم على الذل.
وتتصل بهم قبائل دكالة في وسط المغرب من عدوة أم ربيع إلى مراكش، ويتصل بهم من جهة المغرب على ساحل البحر قبيلة بناحية آزمور ، وأخرى وافرة العدد مندرجة في عداد المصامدة وطنا ونحلة وجباية وعمالة، ورياستهم لهذا العهد في دولة عزيز بن يبروك ، ورئيسهم لأول دولة زناتة، ويأتي ذكره ويعرف عقبه الآن ببني بطال، ومن قبائل صنهاجة بطون أخرى بجبال تازى وما والاها مثل بطوية وبخاصة وبني وارتين إلى جبل لكائي من جبال المغرب معروف ببني الكائي إحدى قبائلهم، يعطون المغرم عن عزة، وبطوية منهم ثلاثة بطون: بطوية على تازى، وبني ورياغل على ولد المزمة، وأولاد علي بتافرسيت. وكان لأولاد علي ذمة مع بني عبد الحق ملوك بني مرين، وكانت أم يعقوب بن عبد الحق منهم فاستوزرهم. وكان منهم طلحة بن علي وأخوه عمر على ما يأتي ذكره في دولتهم.
ويتصل ببسيط بالمغرب ما بين جبال درن وجبال الريف من ساحل البحر الرومي حيث مساكن حماد الآتي ذكرهم قبائل أخرى من صنهاجة موطنون في عضاب وأودية وبسائط يسكنون بيوت الحجارة والطين مثل قشتالة وسطه وبنو ورياكل وبنو ٦/٢٧٤
حميد وبنو مز جلدة وبنو عمران وبنو دركول وورتزر وملواتة وبني وامرد. ومواطن هؤلاء كلهم بورغة، وأمركو يحترفون بالحياكة والحراثة، ويعرفون لذلك صنهاجة البز، وهم في عداد القبائل المغارمة ولغتهم في الأكثر عربية لهذا العهد وهم مجاورون بجبال غمارة.
ويتصل بجبال غمارة من ناحيتهم جبل سريف موطن بني زروال من صنهاجة وبني مغالة لا يحترفون بمعاش ويسمون صنهاجة العز لما اقتضته منعة جبالهم. ويقولون لصنهاجة آزمور الذين قدمنا ذكرهم صنهاجة الذل، لما هم عليه من الذل والمغرم.
والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وقد يقال في بعض مزاعم البربر أن بني وديد من صنهاجة وبنو يزناسن وباطويه هم أخوال واصل بن ياسن أجناسن ومعناه بلغة الغرب الجالس على الأرض .
الخبر عن المصامدة من قبائل البربر وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب ومبدإ ذلك وتصاريفه
وأما المصامدة وهم من ولد مصمود بن يونس بربر فهم أكثر قبائل البربر وأوفرهم، من بطونهم: برغواطة وغمارة وأهل جبل درن. ولم تزل مواطنهم بالمغرب الأقصى منذ الأحقاب المتطاولة. وكان المتقدم فيهم قبيل الإسلام وصدره برغواطة. ثم صار التقدم بعد ذلك لمصامدة جبال درن إلى هذا العهد. وكان لبرغواطة في عصرهم دولة، ولأهل درن منهم دولة أخرى ودول حسبما نذكر، فلنذكر هذه الشعوب وما كان فيها من الدول بحسب ما بدا إلينا من ذلك. ٦/٢٧٥
الخبر عن برغواطة من بطون المصامدة ودولتهم ومبدإ أمرهم وتصاريف أحوالهم
وهم الجيل الأول منهم، كان لهم في صدر الإسلام التقدم والكثرة وكانوا شعوبا كثيرة مفترقين، وكانت مواطنهم خصوصا من بين المصامدة في بسائط تامسنا وريف البحر المحيط من سلا وأزمور وأنقى وأسقى. وكان كبيرهم لأول المائة الثانية من الهجرة طريف أبو صبيح وكان من قواد ميسرة الخفير طريف المضفري القائم بدعوة الصفرية ومعها معزوز بن طالوت. ثم انقرض أمر ميسرة والصفرية، وبقي طريف قائما بأمرهم بتامسنا، ويقال أيضا إنه تنبأ وشرع لهم الشرائع. ثم هلك وولي مكانه ابنه صالح، وقد كان حضر مع أبيه حروب ميسرة وكان من أهل العلم والخير فيهم.
ثم انسلخ من آيات الله، وانتحل دعوى النبوة، وشرع لهم الديانة التي كانوا عليها من بعده، وهي معروفة في كتب المؤرخين. وأدعى أنه نزل عليه قرآن كان يتلو عليهم سورا منه، يسمي منها سورة الديك وسورة الجمل وسورة الفيل وسورة آدم وسورة نوح وكثير من الأنبياء، وسورة هاروت وماروت وإبليس، وسورة غرائب الدنيا، وفيها العلم العظيم بزعمهم، حرم فيها وحلل، وشرع قص، وكانوا يقرءونه في صلواتهم، وكانوا يسمونه صالح المؤمنين كما حكاه البكري عن زمور بن صالح بن هاشم بن وراد الوافد منهم على الحاكم المستنصر الخليفة بقرطبة من قبل ملكهم أبي عيسى بن أبي الأنصاري سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
وكان يترجم عنه بجميع خبره داود بن عمر المسطاسي. قال: وكان ظهور صالح هذا في خلافة هشام بن عبد الملك من سنة سبع وعشرين من المائة الثانية من الهجرة. وقد قيل إن ظهوره كان لأول الهجرة، وأنه إنما انتحل ذلك عنادا ومحاكاة لما بلغه شأن النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح. ثم زعم أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان، وأن عيسى يكون صاحبه ويصلي خلفه، وأن اسمه في ٦/٢٧٦
العرب صالح وفي السريان مالك وفي الأعجمي عالم وفي العبراني روبيا وفي البربري وربا ومعناه الذي ليس بعده نبي، وخرج إلى المشرق بعد ان ملك أمرهم سبعا وأربعين سنة، ووعدهم أنه يرجع إليهم في دولة السابع منهم، وأوصى بدينه إلى ابنه إلياس، وعهد إليه بموالاة صاحب الأندلس من بني أمية، وبإظهار دينه إذا قوي أمرهم.
وقام بأمره بعده ابنه إلياس ولم يزل مظهرا للإسلام مسرا لما أوصاه به أبوه من كلمة كفرهم. وكان طاهرا عفيفا زاهدا . وهلك لخمسين سنة من ملكه، وولي أمرهم من بعده ابنه يونس، فأظهر دينهم ودعا إلى كفرهم وقتل من لم يدخل في أمره حتى حرق مدائن تامسنا وما والاها، يقال إنه حرق ثلاثمائة وثمانين مدينة، واستلحم أهلها بالسيف لمخالفتهم إياه، وقتل منهم بموضع يقال له تاملوكاف، هو حجر عال نابت وسط الطريق فقتل سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين.
(قال زمور) : ورحل يونس إلى المشرق وحج، ولم يحج أحد من أهل بيته قبله ولا بعده، وهلك لأربع وأربعين سنة من ملكه، وانتقل الأمر عن بنيه، وولي أمرهم أبو غفير محمد بن معاد بن اليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك برغواطة وأخذ بدين آبائه واشتدت شوكته وعظم أمره، وكانت له في البربر وقائع مشهورة وأيام مذكورة أشار إليها سعيد بن هشام المصمودي في قوله:
قفي قبل التفرق وأخبرينا ... وقولي واخبري خبرا يقينا
وهذي أمة هلكوا وضلوا ... وغاروا لاسقوا ماء معينا
يقولون: النبي أبو غفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا
ألم تسمع ولم تر لؤم بيت ... على آثار خيلهم ربينا
وهن الباكيات فبين ثكلى ... وعادمة ومسقطة جنينا ٦/٢٧٧
ستعلم أهل تامسنا إذا ما ... أتوا يوم القيامة مقطعينا
هنالك يونس وبنو أبيه ... يقودون البرابر حائرينا
إذا زر ياور طافت عليهم ... جبهتهم بأيدي المنكرينا
فليس اليوم يومكم ولكن ... ليالي كنتم متيسرينا
واتخذ أبو غفير من الزوجات أربعا وأربعين، وكان له من الولد مثلها وأكثر. وهلك أخريات المائة الثالثة لتسع وعشرين سنة من ملكه، وولي بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله فاقتفى سننه وكان كثير الدعة مهابا عند ملوك عصره يهادونه ويدافعونه بالمواصلة، وكان يلبس الملحفة والسراويل ويلبس المخيط، ولا يعتم أحد في بلاده إلا الغرباء. وكان حافظا للجار وفيا بالعهد، وتوفي سنة إحدى وأربعين من المائة الرابعة لأربع وأربعين سنة من ملكه، ودفن بأمسلاخت وبها قبره. وولي بعده ابنه أبو منصور عيسى ابن اثنتين وعشرين سنة، فسار سير آبائه وادعى النبوة والكهانة، واشتد أمره وعلا سلطانه ودانت له قبائل المغرب.
(قال زمور) : وكان فيما أوصاه به أبوه: يا بني! أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك صالح بن طريف. قال زمور: وكان عسكره يناهز الثلاثة آلاف من برغواطة وعشرة آلاف من سواهم مثل جراوة وزواغة والبرانس ومجاصة ومضغرة ودمر ومطماطة وبنو وارزكيت. وكان أيضا بنو يفرن وآحدة وركامة وايزمن ورصافة ورغصرارة على دينهم، ولم تسجد ملوكهم إلا له منذ كانوا أه. كلام زمور وكان لملوك العدوتين في غزو برغواطة هؤلاء وجهادهم أثناء هذا وبعده آثار عظيمة من الأدارسة والأموية والشيعة. ولما أجاز جعفر بن علي من الأندلس إلى المغرب وقلده المنصور بن أبي عامر عمله سنة ست وستين وثلاثمائة فنزل البصرة، ثم اختلف ذات بينه وبين أخيه يحيى واستمال عليه أخوه الجند وأمراء زناتة، فتجافى له جعفر عن العمل وصرف وجهه إلى جهاد برغواطة معتده من صالح عمله، وزحف إليهم في أهل المغرب وكافة الجند الأندلسيين فلقوه ببسيط بلادهم، وكانت عليه الدبرة، ٦/٢٧٨
ونجا بنفسه في فل من جنده، ولحق بأخيه بالبصرة. ثم أجاز بعدها إلى المنصو باستدعائه، وترك أخاه يحيى على عمل المغرب. ثم حاربتهم أيضا صنهاجة لما غزا بلكين بن زيري المغرب سنة ثمان وستين وثلاثمائة بعدها وأجفلت زناتة أمامه وانزووا إلى حائط سبتة، وامتنعوا منه بأعوادها فانصرف عنهم إلى جهاد برغواطة، وزحف إليهم فلقيه أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار في قومه، وكانت عليهم الهزيمة.
وقتل أبو منصور وأثخن فيهم بلكين بالقتل، وبعث سبيهم إلى القيروان وأقام بالمغرب يردد الغزو فيهم إلى سنة اثنتين وسبعين [وثلاثمائة] وانصرف من المغرب فهلك في طريقه إلى القيروان. ولم أقف على من ملك أمرهم بعد أبي منصور. ثم حاربتهم أيضا جنود المنصور بن أبي عامر لما عقد عبد الملك بن المنصور لمولاه واضح إمرة برغواطة هؤلاء فيمن قبله من الأجناد وأمراء النواحي وأهل الولاية، فعظم الأثر فيهم بالقتل والسبي. ثم حاربهم أيضا بنو يفرن لما استقل أبو يعلى بن محمد اليفرني من بعد ذلك بناحية سلا من بلاد المغرب. واقتطعوهم من عمل زيري بن عطية المغراوي بعد ما كان بينهما من الحروب.
وانتساب أولاد يعلى هؤلاء إلى تميم بن زيري بن يعلى في أول المائة الخامسة، وكان موطنا بمدينة سلا ومجاورا لبرغواطة، فكان له أثر كبير في جهادهم، وذلك في سني عشرين وأربعمائة، فغلبهم على تامسنا وولى عليها من قبله بعد أن أثخن فيهم سبيا وقتلا. ثم تراجعوا من بعده إلى أن جاءت دولة لمتونة وخرجوا من مواطنهم بالصحراء إلى بلاد المغرب، وافتتحوا الكثير من معاقل السوس الأقصى وجبال المصامدة. ثم بدا لهم جهاد برغواطة بتامسنا وما إليها من الريف الغربي فزحف إليهم أبو بكر بن عمر أمير لمتونة في المرابطين من قومه، وكانت له فيهم وقائع استشهد في بعضها صاحب الدعوة عبد الله ابن ياسين الكبروي سنة خمسين وأربعمائة، واستمر أبو بكر وقومه من بعده على جهادهم حتى استأصلوا شأفتهم ومحوا من الأرض آثارهم وكان صاحب أمرهم لعهد انقراض دولتهم أبو حفص عبد الله من أعقاب أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي غفير محمد بن معاد بن اليسع بن صالح بن طريف، فهلك في حروبهم وعليه كان انقراض أمرهم وقطع دابرهم على ٦/٢٧٩
يد هؤلاء المرابطين ، والحمد لله رب العالمين. وقد نقل بعض الناس في نسب برغواطة فبعضهم يعده في قبائل زناتة، وآخرون يقولون في صالح إنه يهودي من ولد شمعون بن يعقوب نشأ برباط ورحل إلى المشرق، وقرأ على عبد الله المغربي واشتغل بالسحر، وجمع فنونا وقدم المغرب ونزل تامسنا فوجد بها قبائل جهالا من البربر فأظهر لهم الزهد وسحرهم بلسانه، وموه عليهم فقصدوه واتبعوه، فادعى النبوة وقيل له برباطي نسبة إلى الموطن الذي نشأ به، وهو برباط واد بحصن شريش من بلاد الأندلس، فعربت العرب هذا الاسم وقالوا برغواط، ذكر ذلك كله صاحب كتاب الجوهر وغيره من النسابين للبربر وهو من الأغاليط البينة. وليس القوم من زناتة ويشهد لذلك موطنهم وجوارهم لإخوانهم المصامدة. وأما صالح بن طريف فمعروف منهم وليس من غيرهم، ولا يتم الملك والتغلب على النواحي والقبائل لمنقطع جذمة دخيل في نسبه. سنة الله في عباده وإنما نسب الرجل برغواطة وهم شعب من شعوب المصامدة شعب معروف كما ذكرناه والله ولي المتقين.
الخبر عن غمارة من بطون المصامدة وما كان فيهم من الدول وتصاريف أحوالهم
هذا القبيل من بطون المصامدة من ولد غمار بن مصمود، وقيل غمار بن مسطاف ابن مليل بن مصمود وقيل غمار بن أصاد بن مصمود. ويقول بعض العامة أنهم ٦/٢٨٠
عرب غمروا في تلك الجبال فسموا غمارة، وهو مذهب عامي، وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تحصر. والبطون المشهورة منهم بنو حميد ومثيوه وبنو فال وأغصاوه، وبنو وزروال ومجكسة، وهم آخر مواطنهم يعتمرون رحاب الريف بساحل بحر الدر من عن يمين بسائط المغرب، من لدن غساسة فتكرر فبادس فتبكيساس فتيطاوين فسبتة فالقصر الى طنجة خمس مراحل أو أزيد، أوطنوا منها جبالا شاهقة اتصل بعضها ببعض سياجا بعد سياج خمس مراحل أخرى في العرض إلى أن يتخطى بسائط قصر كتامة ووادي ورغة من بسائط المغرب، ترتد عنها الأبصار وتنزل في حافاتها الطيور لا بل الهوام وينفسح في رءوسها وبين قننها الفجاج، سبل السفر ومراتع السائمة وفدن الزراعة وادواح الرياض.
ويتبين لك أنهم من المصامدة بقاء هذا النسب المحيط سمة لبعض شعوبهم يعرفون بمصمودة ساكنين ما بين سبتة وطنجة، وإليهم ينسب قصر المجاز الذي يعبر منه الخليج البحري إلى بلد طريف، ويعضده أيضا اتصال مواطنهم بمواطن برغواطة من شعوب المصامدة بريف البحر الغربي وهو المحيط، إذ كان بنو حسان منهم موطنين بذلك الساحل من لدن آزغر وأصيلا إلى أنفى، من هنالك تتصل بهم مواطن برغواطة ودوكالة إلى قبائل درن من المصامدة فما وراءها من بلاد القبلة.
فالمصامدة هم أهل الجبال بالمغرب الأقصى إلا قليلا منها وغيرهم في البسائط. ولم تزل غمارة هؤلاء بمواطنهم هذه من لدن الفتح، ولم يعلم ما قبل ذلك.
وللمسلمين فيهم أزمان الفتح وقائع الملاحم وأعظمها لموسى بن نصير وهو الذي حملهم على الإسلام واسترهن أبناءهم وأنزل منهم عسكرا مع طارق بطنجة. وكان أميرهم لذلك العهد يليان وهو الذي وفد عليه موسى بن نصير وأعانه في غزو الأندلس، وكان منزله سبتة كما نذكره، وذلك قبل استحواء تاتكور وكانت في غمارة هؤلاء بعد الإسلام دول قاموا بها لغيرهم وكان فيهم متنبئون، ولم تزل الخوارج تقصد جبالهم للمنعة فيها، كما نذكره إن شاء الله تعالى . ٦/٢٨١
الخبر عن سبتة ودولة بني عصام بها
نت سبتة هذه من الأمصار القديمة قبل الإسلام، وكانت يومئذ منزل يليان ملك ارة، ولما زحف إليه موسى بن نصير صانعه بالهدايا وأذعن للجزية، فأقره عليها سترهن ابنه وأبناء قومه، وأنزل طارق بن زياد بطنجة للجزية، وضرب عليهم مسكر للنزول معه. ثم كانت إجازة طارق إلى الأندلس فضرب عليهم البعوث، كان الفتح لا كفاء له كما مر في موضعه. ولما هلك يليان استولى العرب على مدينة سبتة صلحا من أيدي قومه فعمروها. ثم كانت فتنة ميسرة الحقير وما دعا إليه من سلالة الخارجية، وأخذ بها الكثير من البرابرة من غمارة وغيرهم، فزحف من برابرة سنجة إلى سبتة وأخرجوا العرب منها وسبوها وخربوها فبقيت خلاء.
نزل بها ماجكس من رجالاتهم ووجوه قبائلهم، وبه سميت مجكسة فبناها ورجع إليها الناس وأسلم. وسمع من أهل زمانه إلى أن مات فقام بأمره ابنه عصام ووليها هرا. ولما هلك قام بأمره ابنه مجير فلم يزل واليا عليها إلى أن هلك، ووليها أخوه يرضي ويقال إنه ابنه، وكانوا يعطون لبني إدريس طاعة مضعفة كما نذكره. ولما سما لناصر أمل في ملك المغرب، وتناول حبله من أيدي بني إدريس المالكين ببلاد لهبط وغمارة حين أجهضتهم كتامة وزناتة عن ملكهم بفاس، وقاموا بدعوة لناصر وبثوها في أعمالهم نزلوا حينئذ للناصر عن سبتة، وأشاروا له إلى تناولها من بني عاصم، فسرح إليها عساكره وأساطيله مع قائده نجاح بن غفير، فكان فتحها سنة ٦/٢٨٢
تسع عشرة وثلاثمائة، ونزل له الرضي بن عصام عنها وآتاه طاعته وانقرض أمر بني عصام. وصارت سبتة إلى الناصر حتى استولى عليها بعد حين بنو حماد واستحدثوا بعدها دولة أخرى كما نذكره.
الخبر عن بني صالح بن منصور ملوك نكور ودولتهم في غمارة وتصاريف أحوالهم
لما استولى المسلمون أيام الفتح على بلاد المغرب وعمالاتها واقتسموه وأمدهم الخلفاء بالبعوث إلى جهاد البربر، وكان فيهم من كل القبائل من العرب. وكان صالح بن منصور الحميري من عرب اليمن في البعث الأول. وكان يعرف بالعبد الصالح فاستخلص نكور لنفسه، واقطعه إياها الوليد بن عبد الملك في أعوام إحدى وتسعين من الهجرة، قاله صاحب المقياس، وبلد نكور ينتهي من المشرق إلى زواغة وجراوة ابن أبي الحفيظ مسافة خمسة أيام وتجاوره من هنالك مطماطة، وأهل كدالة، ومرنيسة وغساسة أهل جبل مزك وقلوع جاره التي لبني ورتندي، ولميد وزناتة، وينتهي من المغرب إلى مروان من غمارة، وبني حميد إلى مسطاسة وصنهاجة ومن ورائهم أوربة، حزب فرحون وبني ولميد وزناتة وبني يرنيان وبني واسن حزب قاسم صاحب صا والبحر جوفي نكور على خمسة أميال، فأقام صالح هنالك لما اقتطع أرضها وكثر نسله واجتمع إليه قبائل غمارة وصنهاجة مفتاح وأسلموا على يده وقاموا بأمره، وملك تكسامان ، وانتشر الإسلام فيهم. ثم ثقلت عليهم الشرائع والتكاليف وارتدوا وأخرجوا صالحا وولوا عليهم رجلا من نفزة يعرف بالرندي.
ثم تابوا وراجعوا الإسلام وراجعوا صالحا فأقام فيهم إلى أن هلك بتلمسان سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وولي أمره من بعده ابنه المعتصم بن صالح، وكان شهما شريف النفس كثير العبادة. وكان يلي الصلاة والخطبة لهم بنفسه، ثم هلك لأيام ٦/٢٨٣
يسيرة وولي من بعده أخوه إدريس، فاختط مدينة نكور في عدوة الوادي ولم يكملها. وهلك سني ثلاث وأربعين ومائة وولي من بعده ابنه سعيد، واستفحل أمره، وكان ينزل مدينة تكسامان، ثم اختط مدينة نكور لأول ولايته ونزلها وهي التي تسمى لهذا العهد المزمة بين نهرين أحدهما نكور مخرجه من بلاد كزنارية ومخرجه من مخرج وادي ورغة واحد، والثاني غيس ومخرجه من بلد بني ورياغيل، يجتمع النهران في آكال ، ثم يفترقان إلى البحر ويقال نكور من عدوة الأندلس بزليانة.
وغزا المجوس نكور هذه في أساطيلهم سنة أربع وأربعين ومائة فغلبوا عليها واستباحوها ثمانيا. ثم اجتمع إلى سعيد البرانس، وأخرجوهم عنها، وانتقضت غمارة بعدها على سعيد فخلعوه وولوا عليهم رجلا منهم اسمه مسكن وتزاحفوا فأظهره الله عليهم وفرق جماعتهم وقتل مقدمهم واستوسق أمره إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين ومائة لسبع وثلاثين من أيامه. وقام بأمره ابنه صالح بن سعيد فتقبل مذهب سلفه في الاستقامة والاقتداء وكان له مع البربر حروب ووقائع إلى أن هلك سنة خمسين ومائتين لاثنتين وسبعين سنة من ملكه.
وقام من بعده ابنه سعيد بن صالح وكان أصغر ولده فخرج إليه أخوه عبد الله وعمه الرضي وظفر بهما بعد حروب كثيرة، فغرب أخاه إلى المشرق ومات بمكة وأبقى على عمه الرضي لذمة صهر بينهما. وقتل سائر من ظفر به من عمومته وقرابته، وأنهض لهما سعادة الله بن هارون منهم، ولحق ببني يصليتن أهل جبل أبي الحسن ودلهم على عورته. وبيتوا معسكره واستولوا عليه، وأخذوا الآلة، وقتل منهم خلقا، ونجا سعادة الله بتلمسان وتقبض على أخيه ميمون فضرب عنقه. ثم سار سعادة الله إلى طلب الصلح فأسعفه وأنزله معه مدينة نكور، ثم غزا سعيد بقومه وأهل إيالته من غمارة بلاد بطوية ومرنيسة وقلوع جاره ورتندي وأصهر بأخيه إلى أحمد بن إدريس ٦/٢٨٤
بن محمد بن سليمان صاحبه. وأنزله مدينة نكور معه. وتوطأ الأمر لسعيد في تلك النواحي إلى أن خاطبه عبد الله المهدي يدعوه إلى أمره وفي أسفل كتابه لهم:
وإن تستقيموا أستقم بصلاحكم ... وإن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكم ... وأدخلها عفوا واملؤها قتلا
فكتب إليه شاعره الأحمس الطليطلي بأمر يوسف بن صالح أخي الأمير سعيد:
كذبت وبيت الله ما تحسن العدلا ... ولا علم الرحمن من قولك الفضلا
وما أنت إلا جاهل ومنافق ... تمثل للجهال في السنة المثلى
وهمتنا العليا لدين محمد ... وقد جعل الرحمن همتك السفلى
فكتب عبد الله إلى مصالة بن حبوس صاحب تاهرت، وأغزى إليه فغزاه سنة أربع وثلاثمائة لأربع وخمسين من دولته، فغلبهم سعيد وقومه أياما. ثم غلبهم مصالة وقتلهم، وبعث برءوسهم إلى رقادة، فطيف بها وركب بقيتهم البحر إلى مالقة، فتوسع الناصر في إنزالهم إجارتهم واستبلغ في تكريمهم وأقام مصالة بمدينة نكور ستة أشهر. ثم قفل إلى تاهرت وولى عليها دلول من كتامة، فانفض العسكر من حوله، وبلغ الخبر إلى بني سعيد بن صالح وقومهم بمالقة، وهم إدريس والمعتصم وصالح، فركبوا السفن إليها، وسبق صالح إليها منهم، فاجتمع البربر بمرسى تكسامان وبايعوه سنة خمس وثلاثمائة، ولقبوه القيم لصغره، وزحفوا إلى دلول فظفروا به وبمن معه وقتلوهم، وكتب صالح بالفتح إلى الناصر، وأقام دعوته بأعماله وبعث إليه الناصر بالهدايا والتحف والآلة، ووصل إليه إخوته وسائر قومه وأتوا طاعة.
ولم يزل على هدى أوليه من الاقتداء إلى أن هلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة وولي بعده ابنه عبد البديع، ولقب المؤيد، وزحف إليه موسى بن أبي العافية القائم بدعوة العبيديين بالمغرب، فحاصره وتغلب عليه فقتله، واستباح المدينة وخربها سنة سبع عشرة وثلاثمائة. ثم راجع إليها وقام بأمرهم أبو نور إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور وأعاد المدينة التي بناها صالح بن منصور وعمرها وسكنها ثلاثا. ثم أغزى ميسور مولى أبي القاسم بن عبد الله صندلا مولاه عند ما أناخ على فاس، فبعث عسكرا مع صندل هذا فحاصر جراوة، ثم ٦/٢٨٥
عطف على نكور وتحصن منه إسماعيل بن عبد الملك بفلعة اكدى. وبعث إليه صندل رسله من طريقه فقتلهم فأغذ السير وقاتله ثمانية أيام.
ثم ظفر به فقتله واستباح القلعة وسباها، واستخلف عليها من كتامة رجلا اسمه مرمازو، ووصل صندل إلى فاس فترافع أهل نكور وبايعوا الموسى بن المعتصم بن محمد بن قرة بن المعتصم بن صالح بن منصور وكان عند أبي الحسن عند يصليتن وكان يعرف بابن رومي.
وقال صاحب المقياس: هو موسى بن رومي بن عبد السميع بن رومي بن إدريس بن صالح بن إدريس بن صالح بن منصور، وأخذ مرمازو ومن معه وضرب أعناقهم، وبعث برءوسهم إلى الناصر. ثم ثار عليه من أعياص بيته عبد السميع بن جرثم بن إدريس بن صالح بن منصور، فخلعه وأخرجه عن نكور سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ولحق موسى بالأندلس ومعه أهله وولده وأخوه هارون بن رومي وكثير من عمومته وأهل بيته، فمنهم من نزل معه المرية ومنهم من نزل مالقة. ثم انتقض أهل نكور على عبد السميع وقتلوه. واستدعوا من مالقة جريج بن أحمد بن زيادة الله بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور، فبادر إليهم وبايعوه سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فاستقامت له الأمور وكان على مذهب سلفه في الاقتداء والعمل بمذهب مالك إلى أن مات آخر سنة ستين وثلاثمائة لخمس وعشرين سنة من ملكه، واتصلت الولاية في بنيه إلى أن غلب عليهم أزداجة المتغلبون على وهران، وزحف أميرهم يعلى بن أبي الفتوح الأزداجي سنة ست وأربعمائة، وقتل سنة عشر فغلبهم على نكور وخربها، وانقرض ملكهم بعد ثلاثمائة سنة وأربعة عشر سنة من لدن ولاية صالح، وبقيت في بني يعلى بن أبي الفتوح وأزداجة إلى أعوام ستين وأربعمائة والله مالك الأمور لا إله إلا هو أه. ٦/٢٨٦
الخبر عن حاميم المتنبي من غمارة
كان غمارة هؤلاء عريقين في الجاهلية بل الجهالة والبعد عن الشرائع بالبداوة والانتباذ عن مواطن الخير، وتنبأ فيهم من مجكسة حاميم بن من الله بن جرير بن عمر بن رحفو بن آزوال بن مجكسة يكنى أبا محمد وأبوه أبو خلف. تنبأ سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة بجبل حاميم المشتهر به قريبا من تطوان، واجتمع إليه كثير منهم وأقروا بنبوته وشرع لهم الشرائع والديانات من العبادات والأحكام، وصنع لهم قرآنا كان يتلوه عليهم بلسانه. فمن كلامه: «يا من يخلى البصر، ينظر في الدنيا، خلني من الذنوب يا من أخرج موسى من البحر آمنت بحاميم وبأبيه أبي خلف من الله وآمن رأسي وعقلي وما يكنه صدري، وما أحاط به دمي ولحمي، وآمنت تبانعنت عمة حاميم أخت أبي خلف من الله» ، وكانت كاهنة ساحرة إلى غير هذا، وكان يلقب المفتري، وكانت أخته دبو ساحرة كاهنة، وكانوا يستغيثون بها في الحروب والقحوط، وقتل في حروب مصمودة بأحواز طنجة سنة خمسة عشر وثلاثمائة، وكان لابنه عيسى من بعده قدر جليل في غمارة، ووفد على الناصر. ورهطهم بنو زحفوا موطنون وادي لاو ووادي راس قرب تطوان، وكذلك تنبأ منهم بعد ذلك عاصم بن جميل اليزدجومي، وله أخبار مأثورة، وما زالوا يفعلون السحر لهذا العهد. وأخبرني المشيخة من أهل المغرب أن أكثر منتحلي السحر منهم النساء العواتق. قال: ولهم علم استجلاب روحانية ما يشاؤنه من الكواكب، فإذا استولوا عليه وتكنفوا بتلك الروحانية تصرفوا منها في الأكوان بما شاءوا والله أعلم.
الخبر عن دولة الادارسة وهي غمارة وتصاريف أحوالهم
كان عمر بن إدريس عند ما قسم محمد بن إدريس أعمال المغرب بين إخوته برأي ٦/٢٨٨
جدته كثيرة أم إدريس اختص منها بتكيباس وترغه وبلاد صنهاجة وغمارة، واختص القاسم بطنجة وسبتة والبصرة وما إلى ذلك من بلاد غمارة. ثم غلب عمر عليها عند ما تنكر له أخوه محمد واستضافها إلى عمله كما ذكرنا في أخبارهم. ثم تراجع بنو محمد بن القاسم من بعد ذلك إلى عملهم الأول فملكوه، واختص منهم محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم قلعة حجر النسر الدانية وسبتة معقلا لهم وثغرا لعملهم. وبقيت الإمارة بفاس وأعمال المغرب في ولد محمد بن إدريس. ثم أدالوا منهم بولد عمر بن إدريس، وكان آخرهم يحيى بن إدريس بن عمر وهو الذي بايع لعبيد الله الشيعي على يده مصالة بن حبوس قائده، وعقد له على فاس، ثم نكبه سنة تسع وثلاثمائة.
وخرج عليها سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة من بني القاسم الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس وتلقب الحجام لطعنه في المحاجم، وكان مقداما شجاعا، وثار أهل فاس بريحان وملكوا الحسن، وزحف إليه موسى ففله ومات. واستولى ابن أبي العافية على فاس وأعمال المغرب، وأجلى الأدارسة وأحجرهم بحصنهم حجر النسر، وتحيزوا إلى جبال غمارة وبلاد الريف، وكان لغمارة في التمسك بدعوتهم آثار ومقامات، واستجدوا بتلك الناحية ملكا توزعوه قطعا، كان أعظمها لبني محمد هؤلاء ولبني عمر بتيكيسان ونكور وبلاد الريف. ثم سما الناصر عبد الرحمن إلى ملك العدوة ومدافعة الشيعة فنزل له بنو محمد عن سبتة سنة تسع وثلاثمائة وتناولها من يد الرضي بن عصام رئيس محكمة، وكان يقيم فيها دعوة الأدارسة فأفرجوا له عنها ودانوا بطاعته وأخذها من يده ولما أغزا أبو القاسم ميسورا إلى المغرب لمحاربة ابن أبي العافية حين نقض طاعتهم ودعا للمروانية وجد بنو محمد السبيل إلى الانتصار والانتقام منه بمظاهرة ميسور عليه، وما لأهم على ذلك بنو عمر صاحب نكور.
ولما استقل ابن أبي العافية من نكسته ورجع من الصحراء سنة خمس وعشرين ٦/٢٨٩
وثلاثمائة منصرف ميسور من المغرب نازل بني محمد وبني عمرو هلك بعد ذلك. وأجاز الناصر وزيره قاسم بن محمد بن طملس سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة لحربهم، وكتب إلى ملوك مغراوة محمد بن خزر وابنه الخير بمظاهرة عساكره مع ابن أبي العيش عليهم، فتسارع أبو العيش بن إدريس بن عمر المعروف بابن وصالة، الى الطاعة، وأوفد رسله إلى الناصر فعقد له الأمان، وأوفد ابنه محمد بن أبي العيش مؤكدا للطاعة، فاحتفل لقدومه وأكد له العقد، وتقبل سائر الادارسة من بني محمد مذهبهم.
وسألوا مثل سؤالهم، فعقد لجميع بني محمد أيضا، وكان وفد منهم محمد بن عيسى ابن أحمد بن محمد والحسن بن القاسم بن إبراهيم بن محمد، وكان بنو إدريس يرجعون في رياستهم إلى بني محمد هؤلاء منذ استبد بها آخرهم الحسن بن محمد الملقب بالحجام في ثورته على ابن أبي العافية، فقدموا على أنفسهم القاسم بن محمد الملقب بكنون بعد فرار موسى بن أبي العافية، وملك بلاد المغرب ما عدا فاس مقيما لدعوة الشيعة إلى أن هلك بقلعة حجر النسر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وقام بأمرهم من بعده أبو العيش أحمد بن القاسم كنون، وكان فقيها عالما بالأيام والأخبار شجاعا ويعرف بأحمد الفاضل، وكان منه ميل للمروانية فدعا للناصر، وخطب له على منابر عمله ونقض طاعة الشيعة. وبايعه أهل المغرب كافة إلى سجلماسة.
ولما بايعه أهل فاس استعمل عليهم محمد بن الحسن ووفد محمد بن أبي العيش بن إدريس بن عمر بن مصالة على الناصر عن أبيه سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة فاتصل به وفاة أبيه وهو بالحضرة فعقد له الناصر على عمله وسرحه، وهجم عيسى ابن عمه أبي العيش أحمد بن القاسم كنون على عمله بتيكيسان في غيبة محمد، فملكها واحتوى على مال ابن مصالة ولما أقبل محمد من الحضرة زحف برابرة غمارة إلى عيسى المذكور ابن كنون ففظعوا به وأثخنوه جراحة، وقتلوا أصحابه ببلاد غمارة. وأجاز الناصر قواده إلى المغرب، وكان أول من أجاز إلى بني محمد هؤلاء سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة أحمد بن يعلى من طبقة القواد، أجازه إليهم في العساكر ودعاهم إلى هدم تطوان فامتنعوا، ثم انقادوا وتنصلوا وأجابوا إلى هدمها.
ورجع عنهم فانتقضوا فسرح إليهم حميد بن يصل المكناسي في العساكر سنة تسع ٦/٢٩٠
وثلاثين وثلاثمائة وزحفوا إليه بوادي لاو فأوقع بهم فأذعنوا من بعدها، وتغلب الناصر على طنجة من يد أبي العيش أمير بني محمد وبقي يصل على بيعة الناصر. ثم تخطت عساكر الناصر إلى بسائط المغرب فأذعن له أهله، وأخذ بدعوته فيه أمراء زناتة من مغراوة وبني يفرن ومكناسة كما ذكرناه، فضعف أمر بني محمد واستأذنه أميرهم أبو العيش في الجهاد فأذن له وأمر ببناء القصور له في كل مرحلة من الجزيرة إلى الثغر، فكانت ثلاثين مرحلة، فأجاز أبو العيش واستخلف على عمله أخاه الحسن بن كنون، وتلقاه الناصر بالمبرة وأجرى له ألف دينار في كل يوم، وهلك شهيدا في مواقف الجهاد سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة ولما أغزا معد قائده جوهرا الكاتب الى المغرب واستنزل عماله، وتحصن الحسن بن كنون منه بقلعة النسر معقلهم. وبعث إليه بطاعته فلم يعرض له جوهر. ولما قفل من المغرب راجع الحسن الطاعة للناصر إلى أن هلك سنة خمسين وثلاثمائة فأشحذ الحكم عزمه في سد ثغور المغرب وإحكام دعوتهم فيه. وشحذ لها عزائم أوليائهم من ملوك زناتة، فكان بينهم وبين زيري وبلكين ما ذكرناه. ثم أغزى معد بلكين بن زيري المغرب سنة اثنتين وستين وثلاثمائة أولى غزواته، فأثخن في زناتة وأوغل في ديار المغرب. وقام الحسن بن كنون بدعوة الشيعة ونقض طاعة المروانية، فلما انصرف بلكين أجاز الحكم عساكره إلى العدوة مع وزيره محمد بن قاسم بن طملس سنة اثنتين وستين وثلاثمائة لقتال الحسن بن كنون وبني محمد، فكان الظهور والفلاح للحسن على عسكر الحكم.
وقتل قائده محمد بن طملس وخلقا كثيرا من عسكره وأوليائه. ودخل فلهم إلى سبتة واستصرخوا الحكم، فبعث غالبا مولاه البعيد الصيت المعروف بالشهامة، وأمده بما يعينه على ذلك من الأموال والجنود، وأمره باستنزال الأدارسة وأجاز بهم إليه، وقال سريا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حيا منصورا أو ميتا معذورا. واتصل خبره بالحسن بن كنون فأفرج عن مدينة البصرة واحتمل منها أمواله وحرمه وذخيرته إلى حجر النسر معقلهم القريب من سبتة، ونازلة غالب بقصر مصمودة فاتصلت الحرب بينهم أياما.
ثم بث غالب المال في رؤساء البربر من غمارة ومن معه من الجنود وفروا وأسلموه، وانحجز بقلعة جبل النسر ونازلة غالب وأمده الحكم بعرب الدولة ورجال الثغور، ٦/٢٩١
وأجازهم مع وزيره صاحب الثغر الأعلى يحيى بن محمد بن إبراهيم التجيبي فيمن معه من أهل بيته وحشمه سنة ثلاث وستين وثلاثمائة فاجتمع مع غالب على القلعة، واشتد الحصار على الحسن، وطلب من غالب الأمان فعقد له وتسلم الحصن من يده. ثم عطف على من بقي من الأدارسة ببلاد الريف فأزعجهم وسيرهم شردا، واستنزل جميع الأدارسة من معاقلهم وسار إلى فاس فملكها واستعمل عليها محمد بن علي بن قشوش في عدوة القرويين، وعبد الكريم بن ثعلبة الجذامي في عدوة الأندلس. وانصرف غالب إلى قرطبة ومعه الحسن بن كنون وسائر ملوك الأدارسة، وقد مهد المغرب وفرق عماله في جهاته، وقطع دعوة الشيعة، وذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة، وتلقاهم الحكم وأركب الناس للقائهم. وكان يوم دخولهم إلى قرطبة أحفل أيام الدولة.
وعفا عن الحسن بن كنون ووفى له بالعهد، وأجزل له ولرجاله العطاء والخلع والجعالات، وأوسع عليه الجراية وأسنى لهم الأرزاق ورتب من حاشيتهم في الديوان سبعمائة من أنجاد المغاربة. وتجنى عليه بعد ثلاث سنين بسؤاله من الحسن قطعة عنبر عظيمة تأدت إليه من بعض سواحل عمله بالمغرب أيام ملكه، فاتخذ منها أريكة يرتفقها ويتوسدها، فسأله حملها إليه على أن يحكمه في رضاه، فأبى عليه مع سعاية بني عمه فيه عند الخليفة، وسوء خلق الحسن ولجاجته، فنكبه واستصفى ما لديه من قطعة العنبر وسواها.
واستقام المغرب للحكم وتظافر أمراؤه على مدافعة بلكين، وعقد الوزير المنصوري لجعفر بن علي على المغرب، واسترجع يحيى بن محمد بن هاشم وغرب الحسن بن كنون الأدارسة جميعا إلى المشرق استثقالا لنفقاتهم، وشرط عليهم أن لا يعودوا، فعبروا البحر من المرية سنة خمس وستين وثلاثمائة، ونزلوا من جوار العزيز معد بالقاهرة خير نزل، وبالغ في الكرامة ووعد بالنصرة والترة. ثم بعث الحسن بن كنون إلى المغرب وكتب له إلى آل زيري بن مناد بالقيروان بالمظاهرة، فلحق بالمغرب ودعا لنفسه. وبعث المنصور بن أبي عامر العساكر لمدافعته فغلبوه وتقبضوا عليه، وأشخصوه إلى الأندلس فقتل في طريقه كما ذكرناه في أخبارهم. وانقرض ملك ٦/٢٩٢
الأدارسة من المغرب أجمع إلى أن كان رجوع الأمر لبني حمود منهم ببلاد غمارة وسبتة وطنجة كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٦/٢٩٣
الخبر عن دولة حمود ومواليهم بسبتة وطنجة وتصاريف أحوالهم وأحوال غمارة من بعدهم
كان الأدارسة لما أجلاهم الحكم عن العدوة إلى المشرق، ومحا آثارهم من سائر بلاد المغرب واستقامت غمارة على طاعة المروانية، وأذعنوا لجند الأندلسيين، ورجع الحسن بن كنون لطلب أمرهم، فهلك على يد المنصور بن أبي عامر فانقرض أمرهم، وافترقت الأدارسة في القبائل ولاذوا بالاختفاء إلى أن خلعوا شارة ذلك النسب، واستحالت صبغتهم منه إلى البداوة. ولحق بالأندلس في جملة البرابرة من ولد عمر بن إدريس رجلان منهم وهم علي والقاسم ابنا حمود بن ميمون بن أحمد ابن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس، فطار لهما ذكر في الشجاعة والإقدام. ولما كانت الفتنة البربرية بالأندلس بعد انقراض الدولة العامرية، ونصب البرابرة سليمان ابن الحكم ولقبوه المستعين، واختص به أبناء حمود هذان، وأحسنوا العناء في ولايته، حتى إذا استولى على ملكه بقرطبة وعقد للمغاربة الولايات، عقد لعلي بن حمود هذا على طنجة وأعمال غمارة فنزلها وراجع عهده معهم فيها.
ثم انتقض ودعا لنفسه وأجاز إلى الأندلس، وولي الخلافة بقرطبة كما ذكرناه فعقد على عمله بطنجة لابنه يحيى. ثم أجاز يحيى إلى الأندلس بعد مهلك أبيه علي منازعا لعمه القاسم، واستقل أخوه إدريس من بعده بولاية طنجة وسائر أعمال أبيه بالعدوة من مواطن غمارة. ثم أجاز بعد مهلك أخيه يحيى بمالقة فاستدعى رجال دولتهم، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على عملهم بسبتة وطنجة، وأنفذ نجا الخادم معه ليكون تحت نظره واستبداده. ولما هلك إدريس واعتزم ابن بقية على الاستبداد بمالقة أجاز نجا الخادم لحسن بن يحيى من طنجة فملك مالقة ورتب أمره في خلافته ورجع إلى سبتة. وعقد لحسن على عملهم في مواطن غمارة حتى إذا هلك حسن أجاز نجا إلى الأندلس يروم الاستبداد. واستخلف على العمل من وثق به من الموالي الصقلبية، فلم يزل إلى نظرهم واحدا بعد آخر إلى أن استقل بسبتة وطنجة من موالي بني حمود هؤلاء الحاجب سكوت البرغواطي، كان عبدا للشيخ حداد من مواليهم اشتراه من سبي برغواطة في بعض أيام جهادهم. ثم صار إلى علي بن حمود فأخذ ٦/٢٩٥
النجابة بطبعه إلى أن استقل بأمرهم واقتعد كرسي عملهم بطنجة وسبتة، وأطاعته قبائل غمارة.
واتصلت أيام ولايته إلى أن كانت دولة المرابطين، وتغلب ابن تاشفين على مغراوة بفاس. ونجا فلهم إلى بلاد الدمنة من آخر بسيط المغرب مما يلي بلاد غمارة، ونازلهم يوسف بن تاشفين سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ودعا الحاجب سكوت إلى مظاهرته عليهم، فهم بالانحياش ومظاهرته على عدوه. ثم ثناه عن ذلك ابنه القائل الرأي.
فلما فرغ يوسف بن تاشفين من أهل الدمنة وأوقع بهم وافتتح حصن علودان من حصون غمارة من ورائه، وانقاد المغرب لحكمه، صرف وجهه إلى سكوت فجهز إليه العساكر وعقد عليها للقائد صالح بن عمران من رجال لمتونة، فتباشرت الرعايا بمقدمهم وانثالوا عليهم. وبلغ الخبر الى الحاجب سكوت فأقسم أن لا يسمع أحدا من رعيته هدير طبولهم، ولحق هو بمدينة طنجة ثغر عمله. وقد كان عليه من قبله ابنه ضياء الدولة المعز، وبرز للقائهم فالتقى الجمعان بظاهر طنجة وانكشفت عساكر سكوت، وطحنت رحى المرابطين، وسالت نفسه على ظباهم، ودخلوا طنجة واستولوا عليها، ولحق ضياء الدولة بسبتة.
ولما تكالب الطاغية على بلاد الأندلس، وبعث ابن عباد صريخه إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مستنجزا وعده في جهاد الطاغية والذب عن المسلمين، وكاتبه أهل الأندلس كافة بالتحريض إلى الجهاد، وبعث ابنه المعز سنة ست وسبعين وأربعمائة في عسكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز، فنازلها برا وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحرا، واقتحموها عنوة. وتقبض على ضياء الدولة، واقتيد إلى المعز فطالبه بالمال لانحائه فأساء إيجابه فقتله لوقته، وعثر على ذخائره وفيها خاتم يحيى بن علي بن حمود. وكتب إلى أبيه بالفتح، وانقرضت دولة بني حمود وانمحى آثارهم وسلطانهم من بني غمارة ، وأقاموا في طاعة لمتونة سائر أيامهم.
ولما نجم المهدي بالمغرب واستفحل أمر الموحدين بعد مهلكه، تنقل خليفته عبد المؤمن في بلادهم في غزاته الكبرى ففتح المغرب سنة سبع وثلاثين وما بعدها قبل استيلائه على مراكش كما نذكره في أخبارهم، واتبعوا أثره ونازلوا سبتة في عساكره. ٦/٢٩٦
وامتنعت عليهم، وتولى كبر امتناعها قائدهم عياض الطائر الذكر رئيسهم لذلك العهد بدينه وأبوته وعلمه ومنصبه. ثم افتتحت بعد فتح مراكش سنة إحدى وأربعين فكانت لغمارة هؤلاء السابقة التي رعيت لهم سائر أيام الدولة.
ولما فشل أمر بني عبد المؤمن وذهبت ريحهم، وكثر الثوار بالقاصية، ثار فيهم ابن محمد الكتامي سنة خمس وعشرين، كان أبوه من قصر كتامة منقبضا عن الناس وكان ينتحل الكيميا وتلقنه عنه ابنه محمد هذا. وكان يلقب أبا الطواحن فارتحل إلى سبتة ونزل على بني سعيد وادعى صناعة الكيميا فاتبعه الغوغاء. ثم ادعى النبوة وشرع شرائع، وأظهر أنواعا من الشعوذة فكثر تابعه. ثم اطلعوا على خبثه ونبذوا إليه عهده. وزحفت عساكر سبتة إليه ففر عنها، وقتله بعض البرابرة غيلة.
ثم غلب بنو مرين على بسائط المغرب وأمصاره سنة أربعين وستمائة، واستولوا على كرسي الأمر بمراكش سنة ثمان وستين وستمائة فامتنع قبائل غمارة من طاعتهم واستعصوا عليهم، وأقاموا بمنجاة من الطاعة، وعلى ثبج من الخلاف، وامتنعت سبتة من ورائهم على ملوك بني مرين بسبب امتناعهم وصار أمرها إلى الشورى، واستبد بها الفقيه أبو القاسم العزفي من مشيختهم، كما سنذكر ذلك كله، إلى أن وقع بين قبائل غمارة ورؤسائهم فتن وحروب، ونزعت إحدى الطائفتين إلى طاعة السلطان بالمغرب من بني مرين فأتوها طواعية.
وأدخل الآخرون في الطاعة تلوهم طوعا أو كرها، فملك بنو مرين أمرهم، واستعملوا عليهم، وتخطوا إلى سبتة من ورائهم فملكوا أمر العزفيين سنة سبع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره بعد عند ذكر دولتهم. وهم الآن على أحسن أحوالهم من الاعتزاز والكثرة يؤتون طاعتهم وجبايتهم عند استقلال الدولة، ويمرضون فيها عند التياثها بفشل واشتغال بمحاربها فتجهز البعوث إليهم من الحضرة حتى يستقيموا على الطاعة، ولهم بوعورة جبالهم عز ومنعة وجوار لمن لحق بهم من أعياص الملك، ومستأمني الخوارج إلى هذا العهد. ولبني يكم من بينهم الحظ الوافر من ذلك لإشراف جبلهم على سائرها وسموه بقلاعه إلى مجاري السحب دونها وتوعر مسالكه بهبوب الرياح فيها. وهذا الجبل مطل على سبتة من غربيها ورئيسه منهم وصاحب ٦/٢٩٧
أمره يوسف بن عمر وبنوه، ولهم فيه عزة وثروة، وقد اتخذوا به المصانع والغروس وفرض لهم السلطان بديوان سبتة العطاء، وأقطعهم ببسيط طنجة الضياع استئلافا لهم وحسما لزبون سائر غمارة بإيناس طاعتهم، ولله الخلق والأمر بيده ملكوت السموات والأرض.
الخبر عن أهل جبال درن بالمغرب الأقصى من بطون المصامدة وما كان لهم من الظهور والأحوال ومبادئ أمورهم وتصاريفها
هذه الجبال بقاصية المغرب من أعظم جبال المعمور ربما أعرق في الثرى أصلها وذهبت في السماء فروعها، ومدت في الجو هياكلها، ومثلت سياجا على ريف المغرب سطورها تبتدئ من ساحل البحر المحيط عند أسفى وما إليها، وتذهب في المشرق إلى غير نهاية. ويقال إنها تنتهي إلى قبلة برنيق من أرض برقة، وهي في الجانب مما يلي مراكش قد ركب بعضها بعضا متتالية على نسق من الصحراء إلى التل. يسير الراكب فيه متعرضا من تامسنا وسواحل مراكش إلى بلاد السوس ودرعه من القبلة ثمان مراحل وأزيد، تفجرت فيها الأنهار، وجلل الأرض، حمراء الشعراء وتطابقت بينها ظلال الأدواح. وزكت فيها مواد الزرع والضرع، وانفسحت مسارح الحيوان ومراقع الصيد، وطابت منابت الشجر، ودرت أفاويق الجباية يعمرها من قبائل المصامدة أمم لا يحصيهم إلا خالقهم، قد اتخذوا المعاقل والحصون وشيدوا المباني والقصور واستغنوا بقطرهم عن سائر أقطار العالم، فرحل إليهم التجر من الآفاق، واختلفت إليهم أهل النواحي والأمصار، ولم يزالوا مذ أول الإسلام وما قبله معتمرين بتلك الجبال قد أوطنوا منها أقاليم تعددت فيها الممالك والعمالات بتعدد شعوبهم وقبائلهم، وافترقت أسماؤها بافتراق أجيالهم .
تنتهي ديارهم من هذه الجبال إلى ثنية المعدن المعروفة ببني فازان حيث تبتدئ مواطن صنهاجة ويحفون بهم كذلك من ناحية القبلة إلى بلاد السوس وقبائل هؤلاء ٦/٢٩٨
المصامدة بهذه المواطن كثيرة فمنهم: هرغة وهنتاتة وتين ملل وكدموية وكنفيسة ووريكة وركراكة وهزميرة ودكالة وحاحة وأمادين وازكيت وبنو ماكر وإيلانة ويقال هيلانة. ويقال أيضا أن إيلان هو ابن بر، أصهر المصامدة فكانوا حلفاء لهم .
ومن بطون أمادين مصفاوة وماغوس، ومن مصفاوة دغاغة وبوطنان، ويقال إن غمارة ورهون وأمل من أمادين والله أعلم.
ويقال إن من بطون حاحة زكن وولخصن الظواعن الآن بأرض السوس أحلافا لذوي حسان المتغلبين عليها من عرب المعقل. ومن بطون كنفيسة أيضا قبيلة سكسباوة الموطنون بأمنع المعاقل بهذه الجبال المطل جبلهم على بسيط السوس من القبلة وعلى ساحل البحر المحيط من المغرب، ولهم بمنعة معقلهم ذلك اعتزاز على أهل جلدتهم نذكره بعد. وكان لهؤلاء المصامدة صدر الإسلام بهذه الجبال عدد وقوة وطاعة للدين ومخالفة لإخوانهم برغواطة في نحلة كفرهم. وكان من مشاهيرهم كثير بن وسلاس بن شملال بن أمادة وهو يحيى بن يحيى راوي الموطأ عن مالك. دخل الأندلس وشهد الفتح مع طارق في آخرين من مشاهيرهم استقروا بالأندلس. وكان لأعقابهم بها ذكر في الدولة الأموية. كان منهم قبل الإسلام ملوك وأمراء. ولهم مع لمتونة ملوك المغرب حروب وفتن سائر أيامهم حتى كان اجتماعهم على المهدي وقيامهم بدعوته فكانت لهم دولة عظيمة أدالت من لمتونة بالعدوتين، ومن صنهاجة بإفريقية حسبما هو مشهور ونأتي الآن بذكره إن شاء الله، وبالله التوفيق، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه. ٦/٢٩٩
الخبر عن مبدإ أمر المهدي ودعوته وما كان للموحدين القائمين بها على يد بني عبد المؤمن من السلطان والدولة بالعدوتين وإفريقية وبداية ذلك وتصاريفه
لم يزل أمر هؤلاء المصامدة بجبال درن عظيما، وجماعتهم موفورة وبأسهم قويا، وفي أخبار الفتح من حروبهم عقبة بن نافع وموسى بن نصير حتى استقاموا على الإسلام ما هو معروف مذكور إلى أن أظلتهم دولة لمتونة فكان أمرهم فيها مستفحلا، وشأنهم على أهل السلطان والدولة مهما، حتى لما اختطوا مدينة مراكش لنزلهم جوار ٦/٣٠٠
مواطنهم من درن ليتميزوا عمن سواهم ويذللوا من صعابهم. وفي عنفوان تلك الدولة على عهد علي بن يوسف منها نجم إمامهم العالم الشهير محمد بن تومرت صاحب دولة الموحدين المشتهر بالمهدي، أصله من هرغة من بطون المصامدة الذين عددناهم يسمى أبوه عبد الله وتومرت، وكان يلقب في صغره أيضا أمغار، وهو محمد ابن عبد الله بن وجليد ابن بامصال بن حمزة بن عيسى فيما ذكر ابن رشيق وحققه ابن القطان. وذكر بعض مؤرخي المغرب أنه محمد بن تومرت بن نيطاوس بن ساولا ابن سفيون بن الكلديس بن خالد . وزعم كثير من المؤرخين أن نسبه في أهل البيت، وأنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان ابن سفيان بن صفوان بن جابر بن عطاء بن رباح بن محمد من ولد سليمان بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي إدريس الأكبر. الواقع نسب الكثير من بيته في المصامدة وأهل السوس. كذا ذكر ابن نحيل في سليمان هذا، وأنه لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس، ونزل تلمسان وافترق ولده في المغرب قال: فمن ولده كل طالبي بالسوس، وقيل بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب، وأن رباحا الذي في عمود هذا النسب إنما هو ابن يسار العباس بن محمد بن الحسن، وعلى الأمرين فإن نسبة الطالبي وقع في هرغة من قبائل المصامدة ورسخت عروقه فيهم، والتحم بعصبيتهم فلبس جلدتهم، وانتسب بنسبتهم وصار في عدادهم.
وكان أهل بيته أهل نسك ورباط. وشب محمد هذا قارئا محبا للعلم، وكان يسمى أسافو، ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد لملازمتها. وارتحل في طلب العلم إلى المشرق على رأس المائة الخامسة، ومر بالأندلس ودخل قرطبة وهي إذ ذاك دار علم. ثم أجاز إلى الإسكندرية وحج ودخل العراق ولقي جلة من العلماء ٦/٣٠١
يومئذ وفحول النظار، وأفاد علما واسعا وكان يحدث نفسه بالدولة لقومه على يده لما كان الكهان والحزاء يتحينون ظهور دولة يومئذ بالمغرب. ولقي فيما زعموا أبا حامد الغزالي، وفاوضه بذات صدره بذلك فأراده عليه لما كان فيه الإسلام يومئذ بأقطار المغرب من اختلال الدولة وتقويض أركان السلطان الجامع الأمة، المقيم للملة بعد أن ساء له عمن له من العصابة والقبائل التي يكون بها الاعتزاز والمنعة، ونشأ بها يتم أمر الله في درك البغية وظهور الدعوة. وانطوى هذا الإمام راجعا إلى المغرب بحرا متفجرا من العلم، وشهابا واريا من الدين. وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الانتصار للعقائد السلفية والذب عنها بالحجج العقلية الدافعة في صدر أهل البدعة. وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل وإقرار التشابهات كما جاءت. ففطن أهل المغرب في ذلك وحملهم على القوم بالتأويل والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد، وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم وألف العقائد على رأيهم مثل المرشدة في التوحيد. وكان من رأيه القول بعصمة الإمام على رأي الإمامية من الشيعة، وألف في ذلك كتابه في الإمامية الذي افتتحه بقوله: أعز ما يطلب وصار هذا المفتتح لقبا على ذلك الكتاب، وأحل بطرابلس أول بلاد المغرب معنيا بمذهبه ذلك مظهرا النكير على علماء المغرب في عدولهم عنه، آخذا نفسه بتدريس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع، حتى لقي بسبب ذلك أذيات في نفسه احتسبها من صالح عمله . ولما دخل بجاية وبها يومئذ العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس ابن حماد من أمراء صنهاجة. وكان من المترفين فأغلظ له ولأتباعه بالنكير. وتعرض يوما لتغيير بعض المنكرات في الطرق، فوقعت بسببها هيعة نكرها السلطان والخاصة وائتمروا به، فخرج منها خائفا ولحق بملالة على فرسخ منها، وبها يومئذ بنو ورياكل من قبائل صنهاجة. وكان لهم اعتزاز ومنعة، فآووه وأجاروه وطلبهم السلطان صاحب بجاية بإسلامه إليه فأبوا وأسخطوه، وأقام بينهم يدرس العلم أياما. وكان يجلس إذا فرغ على صخرة بقارعة الطريق قريبا من ديار ملالة، وهي لهذا العهد ٦/٣٠٢
معروفة. وهناك لقيه كبير صحابته عبد المؤمن بن علي حاجا مع عمه فأعجب بعلمه، وانتهى عزمه عن وجهه ذلك، واختص به وتشمر للأخذ عنه. وارتحل المهدي إلى المغرب وهو في جملته. ولحق بوانشرس. وصحبه منها البشير من جملة أصحابه. ثم لحق بتلمسان وقد تسامع الناس بخبره فأحضره القاضي بها ابن صاحب الصلاة ووبخه على منتحله ذلك، وخلافه لأهل قطره. وظن أن من العدل نزعه عن ذلك، فصم عن قبوله. واستمر على طريقه إلى فاس، ثم إلى مكناسة ونهى بها عن بعض المناكير فأوقع به الشرار من الغوغاء. فأوجعوه ضربا، ولحق بمراكش وأقام بها آخذا في شأنه. ولقي علي بن يوسف بالمسجد الجامع في صلاة الجمعة فوعظه وأغلظ له القول. ولقي ذات يوم الصورة أخت علي بن يوسف حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زي نسائهم فوبخها، ودخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريعه، ففاوض الفقهاء في شأنه بما وصل إليه من شهرته. وكانوا ملئوا منه حسدا وحفيظة لما كان ينتحل مذهب الأشعرية في تأوي المتشابه وينكر عليهم جمودهم على مذهب السلف في إقراره كما جاء. ويرى أن الجمهور لقنوه تجسيما، ويذهب إلى تكفيرهم بذلك أحد قولي الأشعرية في التكفير فمال الرأي فأغروا الأمير به فأحضره للمناظرة معهم فكان له الفتح والظهور عليهم، وخرج من مجلسه ونذر بالشر منهم فلحق من يومه بأغمات، وغير المناكير على عادته وأغرى به أهلها علي بن يوسف وطيروا إليه بخبره فخرج عنها هو وتلميذه الذين كانوا في صحابته، ودعا إسماعيل بن أيكيك من أصحابه وهو من أنجاد قومه ، وخرج به إلى منجاة من جبال المصامدة. لحق أولا بمسفيوه، ثم بهنتاتة. ولقيه من أشياخهم عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي، وهو أبو حفص ويعرف بيته ابن هنتاتة ببني فاصكات.
وتقول نسابتهم إن فاصكات هو جد وانودين، ويقال لهنتاتة بلسانهم هنتي فلذلك كان يعرف عمر بهنتي وسيأتي الكلام في تحقيق نسبهم عند ذكر دولتهم. ثم ارتحل المهدي عنهم إلى ايكيلين من بلاد هرغة، فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة. وبنى رابطة للعبادة اجتمعت إليه الطلبة والقبائل يعلمهم المرشدة في التوحيد باللسان البربري. وشاع أمره في صحبته واستدرك فقيه العلمية بمجلس ٦/٣٠٣
الأمير علي بن يوسف وهو مالك بن وهيب أغراه به. وكان حزاء ينظر في النجوم وكان الكهان يتحدثون بأن ملكا كائن بالمغرب لأمة من البربر ويتغير فيه شكل السكة لقران بين الكوكبين العلويين من السيارة يقتضي ذلك في أحكامهم، وكان الأمير يتوقعها، فقال: احتفظوا بالدولة من الرجل فإنه صاحب القران.
والدرهم المربع في كلام سفساف بسجع سوقي يتناقلها الناس نصه وهو: أجعل على رجله كبلا لئلا يسمعك طبلا وأظنه صاحب الدرهم المربع، فطلبه علي بن يوسف ففقده وسرح الخيالة في طلبه ففاتهم، وداخل عامل السوس، وهو أبو بكر ابن محمد اللمتوني بعض هرغة في قتله، ونذر بهم إخوانهم فنقلوا الإمام إلى معقل أشياعهم ، وقتلوا من داخل في أمره. ثم دعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد، وقتال المجسمين دونه سنة خمسة عشر وخمسمائة، فتقدم إليها رجالاتهم من العشرة وغيرها. وكان فيهم من هنتاتة أبو حفص عمر بن يحيى وأبو يحيى بن يكيبت ويونس بن وانودين وابن يغمور، ومن تين ملل أبو حفص عمر بن علي الصناكي ومحمد بن سليمان وعمرو بن تافراتكين وعبد الله بن ملويات. وأهب قبيلة هرغة فدخلوا في أمره كلهم، ثم دخل معهم كيدموية وكنفيسة، ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي وكان لقبه قبلها الإمام. وكان يسمى أصحابه الطلبة، وأهل دعوته الموحدين، ولما تم له خمسون من أصحابه سماهم ايت الخمسين. وزحف إليهم عامل السوس أبو بكر بن محمد اللمتوني بمكانهم من هرغة، فاستجاشوا بإخوانهم من هنتاتة وتين ملل فاجتمعوا إليهم وأوقعوا بعسكر لمتونة فكانت مقدمة الفتح. وكان الإمام يعدهم بذلك فاستبصروا في أمره، وتسابق كافتهم إلى الدخول في دعوته، وترددت عساكر لمتونة إليهم مرة بعد أخرى ففضوهم، وانتقل لثلاث سنين من بيعته إلى جبل تين ملل فأوطنه، وبنى داره ومسجده بينهم حوالي منبع وادي نفيس.
وقاتل من تخلف عن بيعته من المصامدة حتى استقاموا فقاتل أولا هزرجة وأوقع بهم مرارا، ودانوا بالطاعة. ثم قاتل هسكورة ومعهم أبو دوقة اللمتوني فغلبهم وقفل فاتبعه ٦/٣٠٤
بنو واسكيت فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا. ثم غزا بلد غجرامة وكان قد افتتحه وترك فيه الشيخ أبا محمد عطية من أصحابه فغدروا به، وقتلوه فغزاهم واستباحهم. ورجع إلى تين ملل وأقام بها إلى أن كان شأن البشير وميز الموحد من المنافق. وكانوا يسمون لمتونة الحشم فاعتزم على غزوهم، وجمع كافة أهل دعوته من المصامدة، وزحف إليهم فلقوه بكيك، وهزمهم الموحدون واتبعوهم الى أغمات فلقيهم هنالك زحوف لمتونة مع بكر بن علي بن يوسف وإبراهيم بن تاعباشت فهزمهم الموحدون. وقتل إبراهيم واتبعوهم إلى مراكش، فنزلوا البحيرة في زهاء أربعين ألفا كلهم راجلين إلا أربعمائة فارس.
واحتفل علي بن يوسف الاحتشاد وبرز إليهم لأربعين من نزولهم خرج عليهم من باب إيلان فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وسبيا، وفقد البشير من أصحابه. واستحر القتل في هيلانة، وأبلى عبد المؤمن في ذلك اليوم أحسن البلاء. وكانت وفاة المهدي لأربعة أشهر بعدها. وكان يسمى أصحابه بالموحدين تعريضا بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم. وكان حصورا لا يأتي النساء. وكان يلبس العباءة المرقعة. وله قدم في التقشف والعبادة، ولم تحفظ عنه فلتة في البدعة إلا ما كان من وفاقه الإمامية من الشيعة في القول بالإمام المعصوم والله تعالى أعلم.
الخبر عن دولة عبد المؤمن خليفة المهدي والخلفاء الأربعة من بنيه ووصف أحوالهم ومصاير أمورهم
لما هلك المهدي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة كما ذكرناه وقد عهد بأمره من بعده لكبير صحابته عبد المؤمن بن علي الكومي المتقدم ذكره، ونسبه عند ذكر قومه، فقبره بمسجده لصق داره من تين ملل. وخشي أصحابه من افتراق الكلمة وما يتوقع من سخط المصامدة ولاية عبد المؤمن بن علي لكونه من غير جلدتهم، فأرجئوا الأمر إلى أن تخالط بشاش الدعوة قلوبهم، وكتموا موته، زعموا ثلاث سنين ٦/٣٠٥
يموهون بمرضه، ويقيمون سنته في الصلاة والحزب الراتب. يدخل أصحابه إلى البيت كأنه اختصهم بعبادته، فيجلسون حوالي قبره ويتفاوضون في شئونهم بمحضر أخته زينب ثم يخرجون لإنفاذ ما أبرموه، ويتولاه عبد المؤمن بتلقينهم حتى إذا استحكم أمرهم وتمكنت الدعوة من نفوس كافتهم كشفوا حينئذ القناع عن حالهم، وتملأ من بقي من العشرة على تقديم عبد المؤمن. وتولى كبر ذلك الشيخ أبو حفص، وأراد هنتاتة وسائر المصامدة غلبه فأظهروا للناس موت المهدي، وعهده لصاحبه وانقياد بقية أصحابه لذلك.
وروى يحيى بن يغمور أنه كان يقول في دعائه إثر صلواته: «اللهم بارك في الصاحب الأفضل» فرضي الكافة وانقادوا وأجمعوا على بيعته بمدينة تين ملل سنة أربع وعشرين وخمسمائة فقام بأمر الموحدين وأبعد في الغزوات فصبح تادلا، وأقام بها وأصاب منهم. ثم غزا درعة واستولى عليها سنة ست وعشرين وخمسمائة ثم غزا تاسعون وافتتحها وقتل واليها أبا بكر بن مازرو ومن كان معه من قومه غمارة بني وزار وبني مزدرع ثم تسابق الناس إلى دعوتهم أفواجا، وانتقض البرابر في سائر أقطار المغرب على لمتونة، فسرح علي بن يوسف ابنه تاشفين لقتالهم سنة ثلاث وستين وخمسمائة فجاءهم من ناحية أرض السوس، وأحشد معه قبائل كزولة وجعلهم في مقدمته، فلقيهم الموحدون بأوائل جبلهم وهزموهم. ورجع تاشفين ولم يلق حربا، ودخل كزولة من بعدها في دولة الموحدين، وأجمع عبد المؤمن على غزو بلاد المغرب، فغزا غزاته الطويلة منذ سنة أربع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ولم يراجع فيها تين ملل حتى إذا انقضت بالفتح والاستيلاء على المغربين، خرج إليها من تين ملل، وخرج تاشفين بعساكره يحاذيه في البسائط، والناس يفرون منه إلى عبد المؤمن وهو ينتقل في الجبال في سعة من الفواكه للأكل والحطب للدفء إلى أن وصل إلى جبل غمارة، واشتعلت نار الفتنة والغلاء بالمغرب، وامتنعت الرعايا من المغرم وألح الطاغية على المسلمين بالعدوة.
وهلك خلال ذلك علي بن يوسف أمير لمتونة ملك العدوتين سنة سبع وثلاثين ٦/٣٠٦
وخمسمائة، وولى أمرهم تاشفين ابنه، وهو في غزاته هذه، وقد أحيط به. وحزن بعد أبيه على فتنة بني لمتونة ومسوقة ، ففزع أمراء مسوقة مثل بدران بن محمد ويحيى بن تاكصتن ويحيى بن إسحاق المعروف بأنكار، وكان والي تلمسان، ولحقوا بعبد المؤمن فيمن إليهم من الجملة، ودخلوا في دعوته، ونبذ إليهم لمتونة العهد، وإلى سائر مسوقة، واستمر عبد المؤمن على حاله فنازل سبتة وامتنعت عليه، وتولى كبر دفاعه عنها القاضي عياض الشهير الذكر. كان رئيسها يومئذ بدينه وأبوته ومنصبه.
ولذلك سخطته الدولة آخر الأيام حتى مات مغربا عن سبتة بتادلا مستعملا في خطة القضاء بالبادية، وتمادى عبد المؤمن في غزاته إلى جبال غياثه وبطوية فافتتحها، ثم نزل ملوية فافتتح حصونها. ثم تخطي إلى بلاد زناتة فأطاعته قبائل مديونة. وكان بعث إليهم عساكر من الموحدين إلى نظر يوسف بن وانودين وابن يرمور فخرج إليهم محمد بن يحيى بن فانو عامل تلمسان فيمن معه من عساكر لمتونة وزناتة فهزمهم الموحدون وقتل ابن فانو وانقض عسكر زناتة، ورجعوا إلى بلادهم.
وولى ابن تاشفين على تلمسان أبا بكر بن مزدلي، ووصل إلى عبد المؤمن بمكانه من الريف أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن بدر أمراء بني مانو، فبعث معهم ابن يغمور وابن وانودين في عسكر من الموحدين، فأثخنوا في بلاد بني عبد الواد، وبني باجدي سبيا وأسرا، وأمدتهم عساكر لمتونة ومعهم الزبرتير قائد الروم وتزلوا منداماس ، واجتمعت عليهم زناتة في بني يلومي وبني عبد الواد، وشيخهم حمامة ابن مطهر، وبني نيكاس وبني ورسفان وبني توجين، فأوقعوا في بني مانو واستنقذوا غنائمهم، وقتل أبو بكر بن ماخوخ في ستمائة من قومه، وتحصن الموحدون وابن وانودين بجبال سيرات، ولحق تاشفين بن ماخوخ بعبد المؤمن صريخا على لمتونة وزناتة، فارتحل معه إلى تلمسان. ثم أجاز إلى سيرات وقصد محلة ملتونة وزناتة، ٦/٣٠٧
فأوقع بهم ورجع إلى تلمسان فنزل ما بين الصخرتين من جبل بني ورتيك ونزل تاشفين بأصطفصف ووصل مدد صنهاجة من قبل يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية لنظر طاهر بن كباب من قواده، أمدوا به تاشفين وقومه لعصبية الصنهاجية. وفي يوم وصوله أشرف على معسكر الموحدين، وكان يدل باقدام وبأس فزاري بلمتونة وأميرهم لقعودهم عن مناجزة الموحدين، وقال: إنما جئتكم أؤمنكم من صاحبكم عبد المؤمن هذا، وأرجع إلى قومي، فامتعض تاشفين لكلمته وأذن له في المناجزة، فحمل على القوم فركبوا وصمموا للقائه، فكان آخر العهد به وبعسكره.
وكان تاشفين بعث من قبل ذلك قائده على الروم الزبرتير في عسكر ضخم كما قلناه، فأغار على بني سندم وزناتة الذين كانوا في بسيطهم ورجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من عسكر عبد المؤمن فقتلوهم، وقتل الزبرتير وصلب ثم بعث بعثا آخر إلى بلاد بني مانو، فلقيهم تاشفين بن ماخوخ ومن كان معه من الموحدين وأوقعوا بهم.
واعترضوا عسكر بجاية عند رجوعهم فنالوا منهم أعظم النيل. وتوالت هذه الوقائع على تاشفين فأجمع الرحلة إلى وهران، وبعث ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش في جماعة من لمتونة، وبعث كاتبا معه أحمد بن عطية، ورحل هو إلى وهران سنة تسع وثلاثين وخمسمائة فأقام عليها شهرا ينتظر قائد اسطوله محمد بن ميمون إلى أن وصله من المرية بعشرة أساطيل، فأرسى قريبا من معسكره وزحف عبد المؤمن من تلمسان وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى وبني مانو من زناتة، فتقدموا إلى بلاد بني يلومي وبني عبد الواد وبني ورسيفين وبني توجين وأثخنوا فيهم حتى دخلوا في دعوتهم.
ووفد على عبد المؤمن برؤسائهم، وكان منهم سيد الناس ابن أمير الناس شيخ بني يلومي فتلقاهم بالقبول، وسار بهم في جموع الموحدين إلى وهران ففجعوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم، ولجأ تاشفين إلى رابية هناك فأحد قوابها وأضرموا النيران حولها حتى غشيهم الليل، فخرج تاشفين من الحصن راكبا على فرسه، فتردى من بعض حافات الجبل، وهلك لسبع وعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ٦/٣٠٨
وبعث برأسه إلى تين ملل. ونجا فل العسكر إلى وهران فانحصروا مع أهلها حتى جهدهم العطش ونزلوا جميعا على حكم عبد المؤمن يوم الفطر من تلك السنة. وبلغ خبر مقتل تاشفين إلى تلمسان مع فل لمتونة وفيهم أبو بكر بن ولحف وسير بن الحاج وعلي بن فيلو في آخرين من أعيانهم، ففر معهم من كان بها من لمتونة. وقدم عبد المؤمن فقتل من وجد بتاكرارت بعد أن كانوا بعثوا ستين من وجوههم، فلقيهم يصليتن من مشيخة بني عبد الواد فقتلهم أجمعين.
ولما وصل عبد المؤمن إلى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كان أكثرهم من الحشم، وعفا عن أهل تلمسان، ورحل عنها لسبعة أشهر من فتحها بعد أن ولى عليها سليمان ابن محمد بن وانودين، وقيل يوسف بن وانودين. وفيما نقل بعض المؤرخين أنه لم يزل محاصرا تلمسان والفتوح ترد عليه، وهنالك وصلته بيعة سجلماسة. ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب، وترك إبراهيم بن جامع محاصرا لتلمسان، فقصد فاس سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقد تحصن بها يحيى الصحراوي ولحق بها من فل تاشفين من تلمسان فنازلها عبد المؤمن، وبعث عسكرا لحصار مكناسة، ثم رحل في اتباعه وترك عسكرا من الموحدين على فاس، وعليهم الشيخ أبو حفص وأبو إبراهيم وصحابة المهدي العشرة، فحاصروه سبعة أشهر.
ثم داخلهم ابن الجياني مشرف البلد وأدخل الموحدين ليلا، وفر الصحراوي إلى طنجة، وأجاز منها إلى ابن غانية بالأندلس، وبلغ خبر فاس إلى عبد المؤمن وهو بمكانه من حصار مكناسة، فرجع إليها وولى عليها إبراهيم بن جامع وولى على مكناسة يحيى بن يغمور، ورحل إلى مراكش وكان إبراهيم بن جامع، لما افتتح تلمسان ارتحل إلى عبد المؤمن وهو محاصر لفاس فاعترضه في طريقه المخضب بن عسكر أمير بني مرين ونالوا منه ومن رفقته، فكتب عبد المؤمن إلى يوسف بن وانودين عامل تلمسان أن يجهز إليهم العساكر، فبعثها صحبة عبد الحق بن منقاد شيخ بني عبد الواد، فأوقعوا ببني مرين وقتل المخضب أميرهم.
ولما ارتحل عبد المؤمن من فاس إلى مراكش وصلته في طريقه بيعة أهل سبتة، فولى عليهم يوسف بن مخلوف من مشيخة هنتاتة، ومر على سلا فافتتحها بعد مواقعة ٦/٣٠٩
قليلة، ونزل منها بدار ابن عشرة، ثم تمادى إلى مراكش وسرح الشيخ أبا حفص لغزو برغواطة فأثخن فيهم ورجع. ولقيه في طريقه ووصلوا جميعا إلى مراكش وقد ضموا إليها جموع لمطة، فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا، واكتسحوا أموالهم وظعائنهم، وأقاموا على مراكش تسعة أشهر وأميرهم إسحاق بن علي بن يوسف، بايعوه صبيا صغيرا عند بلوغ خبر أبيه. ولما طال عليهم الحصار وجهدهم الجوع برزوا إلى مدافعة الموحدين، فانهزموا وتتبعهم الموحدون بالقتل، واقتحموا عليهم المدينة في أخريات شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل عامة الملثمين، ونجا إسحاق في جملته وأعيان قومه إلى القصبة حتى نزلوا على حكم الموحدين وأحضر إسحاق بين جملته وأعيان قومه إلى القصبة حتى نزلوا على حكم الموحدين وأحضر إسحاق بين يدي عبد المؤمن فقتله الموحدون بأيديهم وتولى كبر ذلك أبو حفص بن واكاك منهم وامحى أثر الملثمين واستولى الموحدون على جميع البلاد.
ثم خرج عليهم بناحية السوس ثائر من سوقة سلا يعرف محمد بن عبد الله بن هود وتلقب بالهادي، وظهر في رباط ماسة، فأقبل إليه الشراد من كل جانب، وانصرفت إليه وجوه الأغمار من أهل الآفاق وأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة وركراكة وقبائل تامسنا وهوارة، وفشت ضلالته في جميع العرب، فسرح إليه عبد المؤمن عسكرا من الموحدين لنظر يحيى أنكمار اللمتوني النازع إليه من إيالة تاشفين بن علي. ولقي هذا الثائر المآسي، ورجع مهزوما إلى عبد المؤمن فسرح الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى وأشياخ الموحدين، واحتفل في الاستعداد فنهضوا إلى رابطة ماسة، وبرز إليهم الثائر في نحو ستين ألفا من الرجال وسبعمائة من الفرسان، فهزمهم الموحدون، وقتل داعيتهم في المعركة مع كثرة أتباعه، وذلك في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وكتب الشيخ أبو حفص بالفتح إلى عبد المؤمن من إنشاء أبي حفص بن عطية الشهير الذكر، كان أبوه أبو أحمد كاتبا لعلي بن يوسف وابنه تاشفين، وتحصل في قبضة الموحدين فعفا عنه عبد المؤمن.
ولما نزل على فاس اعتزم أبو حفص هذا على الفرار فتقبض عليه في طريقه، واعتذر فلم يقبل عذره وقتل. وكان ابنه أحمد كاتبا لإسحاق بن علي بمراكش ٦/٣١٠
فشمله عفو السلطان فيمن شمله من ذلك الفل، وخرج في جملة الشيخ أبي حفص في وجهته هذه وطلبه للكتاب في ذلك، فأجابه واستحسن كتابه عبد المؤمن لما وقف عليه فاستكتبه أولا. ثم ارتفع عنده مكانه فاستوزره، وبعد في الدولة صيته، وقاد العساكر وجمع الأموال وبذلها، ونال من الرتبة عند السلطان ما لم ينله أحد في دولته إلى أن دبت السعاية إلى مهاده الوثير، فكان فيها حتفه، ونكبه الخليفة سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وقتله بمحبسه حسبما هو مشهور.
ولما انصرف الشيخ أبو حفص من غزاة ماسة أراح بمراكش أياما. ثم خرج غازيا إلى القائمين بدعوة الماسي بجبال درن، فأوقع بأهل نفيس وهيلانة وأثخن فيهم بالقتل والسبي حتى أذعنوا بالطاعة ورجع. ثم خرج إلى هسكورة وأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم. ثم نهض الى سجلماسة فاستولى عليها ورجع إلى مراكش، ثم خرج ثالثة إلى برغواطة فحاربوه مدة ثم هزموه، واضطرمت نار الفتنة بالمغرب، وانتقض أهل سبتة، وأخرجوا يوسف بن مخلوف التينمللي وقتلوه ومن كان معه من الموحدين، وأجاز القاضي عياض البحر إلى يحيى بن علي بن غانية المسوقي الوالي بالأندلس، فلقيه بالخضراء وطلب منه واليا على سبتة فبعث معه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الذي كان بفاس منذ منازلة عبد المؤمن لها. وذكر أنه لحق بطنجة فأجاز البحر إلى الأندلس ولحق بابن غانية بقرطبة وصار في جملته.
وبعثه ابن غانية إلى سبتة مع القاضي عياض كما ذكرناه. وقام بأمرها ووصل يده بالقبائل الناكثة لطاعة الموحدين من برغواطة ودكالة على حين هزيمتهم للموحدين كما ذكرناه. ولحق بهم من مكانه بسبتة وخرج إليهم عبد المؤمن بن علي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فدوخ بلادهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرءوا من يحيى الصحراوي ولمتونة، ورجع إلى مراكش لستة أشهر من خروجه، ووصلته المرعبة من مشيخة القبائل في يحيى الصحراوي فعفا عنه وصلحت أحوال المغرب. وراجع أهل سبتة طاعتهم فتقبل منهم، وكذلك أهل سلا فصفح لهم وأمر بهدم سورهم والله أعلم. ٦/٣١١
فتح الأندلس وشئونها
ثم صرف عبد المؤمن من قصره إلى الأندلس، وكان من خبرها أنه اتصل بالملثمين مقتل تاشفين بن علي، ومنازلة الموحدين مدينة فاس. وكان علي بن عيسى بن ميمون قائد أسطولهم قد نزع طاعة لمتونة وانتزى بجزيرة قادس، فلحق بعبد المؤمن بمكانه من حصار فاس، ودخل في دعوته وخطب له بجامع فاس أول خطبة خطبت لهم بالأندلس عام أربعين وخمسمائة. وبعث أحمد بن قيسي صاحب مرتلة ومقيم الدعوة بالأندلس أبا بكر بن حبيس رسولا إلى عبد المؤمن فلقيه على تلمسان وأدى كتاب صاحبه فأنكر ما تضمنه من النعت بالمهدي، ولم يجاوب. وكان سدراتي بن وزير صاحب بطليوس وباجة وغرب الأندلس قد تغلب على أحمد ابن قيسي هذا، وغلبه على مرتلة فأجاز أحمد بن قيسي البحر إلى عبد المؤمن من بعد فتح مراكش لمداخلة علي بن عيسى بن ميمون ونزل بسبتة، فجهزه يوسف بن مخلوف، ولحق بعبد المؤمن، ورغبه في ملك الأندلس، وأغراه بالملثمين فبعث معه عساكر الموحدين لنظر براز بن محمد المسوقي الناظر إلى عبد المؤمن من جملة تاشفين، وعقد له على حروب من بها من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر موسى بن سعيد، وبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صالح الصنهاجي، ولما أجازوا إلى الأندلس نازلوا بالغمر بن عزرون من الثوار بشريش، وكانت له مع ولده . ثم قصدوا لبلة وبها من الثوار يوسف بن أحمد البطروجي فأعطاهم الطاعة، ثم قصدوا مرتلة، وهي تحت الطاعة لتوحيد صاحبها أحمد بن قيسي. ثم قصدوا شلب فافتتحوها، وأمكنوا منها ابن قيسي. ثم نهضوا إلى باجة وبطليوس فأطاعهم صاحب سدراتي بن وزير.
ثم براز في عسكر الموحدين إلى مرتلة حتى انصرم فصل الشتاء فخرج إلى منازلة ٦/٣١٢
إشبيلية فأطاعه أهل طليطلة وحصن القصر، واجتمع إليه سائر الثوار وحاصروا إشبيلية برا وبحرا إلى أن افتتحوها في شعبان من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وفر الملثمون بها إلى قرمونة وقتل من أدرك منهم. وأتى القتل على عبد الله بن القاضي أبي بكر بن العربي في هيعة تلك الدخلة من غير قصد. وكتبوا بالفتح إلى عبد المؤمن بن علي. وقدم عليه وفودهم بمراكش يقدمهم القاضي أبو بكر فتقبل طاعتهم وانصرفوا.
بالجوائز والأقطاعات لجميع الوفد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وهلك القاضي أبو بكر في طريقه ودفن بمقبرة فاس. وكان عبد العزيز وعيسى أخوا المهدي من مشيخة العسكر بأشبيلية ساء أثرهما بالبلد واستطالت أيديهما على أهله، واستباحوا الدماء والأموال. ثم اعتزما على الفتك بيوسف البطروجي صاحب لبلة فلحق ببلده وأخرج الموحدين الذين بها، وحول الدعوة عنهم. وبعث إلى طليطلة وحصن القصر، ووصل يده بالملثمين الذين كانوا بالعدوة وارتد ابن قيسي في مدينة شلف، وعلي بن عيسى بن ميمون بجزيرة قادس ومحمد بن الحجام بمدينة بطليوس وثبت أبو الغمر بن عزرون على طاعة الموحدين بشريش ورندة وجهاتهما.
وتغلب ابن غانية على الجزيرة الخضراء، وانتقض أهل سبتة كما ذكرناه، وضاقت أحوال الموحدين بأشبيلية، فخرج منها عيسى وعبد العزيز أخوا المهدي وابن عمهما يصليتن بمن كان معهم. ولحقوا بجبال بستر وجاءهم أبو الغمر بن عزرون، واتصلت أيديهم على حصار الجزيرة حتى افتتحوها وقتلوا من كان بها من لمتونة، ولحق أخو المهدي بمراكش، وبعث عبد المؤمن على إشبيلية يوسف بن سليمان في ٦/٣١٣
عسكر من الموحدين وأبقى براز بن محمد على الجباية، فخرج يوسف ودوخ أعمال البطروجي بلبلة وطليطلة وعمل ابن قيسي بشلب ثم أغار على جبيرة وأطاعه عيسى بن ميمون صاحب شنت مرية، وغزا معهم وأرسل محمد بن علي بن الحاج صاحب بطليوس بهداياه فتقبلت ورعيت له، ورجع يوسف إلى إشبيلية. وفي أثناء ذلك استغلظ الطاغية على يحيى بن علي بن غانية بقرطبة وألح على جهاته حتى نزل له عن بياسة ورندة، وتغلب على الاشبونة وطرطوشة ولاردة وافراغة وشنت مرية وغيرها من حصون الأندلس، وطالب ابن غانية بالزيادة في بيته أو الإفراج له عن قرطبة، فراسل ابن غانية براز بن محمد واجتمعا باستجة وضمن له براز إمداد الخليفة على أن يتخلى عن قرطبة وقرمونة ويدال منها بجيان فرضي بذلك وتم العقد ووصل حطاب عبد المؤمن بإمضائه فارتحل ابن غانية إلى جيان ونازلة الطاغية بها فغدر بأقماطه واقتلعهم بقلعة ابن سعيد وافرج الطاغية عن جيان ولحق هذا بغرناطة وبها ميمون بن بدر اللمتوني في جماعة من المرابطين، قصده ابن غانية ليحمله على مثل حاله مع الموحدين فكان مهلكه بها في شعبان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وقبره بها معروف لهذا العهد. وانتهز الطاغية فرصته في قرطبة فزحف إليها ودفع الموحدون بأشبيلية أبا الغمر بن عزرون لحمايتها، ووصل إليه مدد يوسف ٦/٣١٤
البطروجي من لبلة وبلغ الخبر عبد المؤمن فبعث إليها عسكرا من الموحدين لنظر يحيى بن يغمور في طلب الأمان من عبد المؤمن. ثم تلاحقوا به بمراكش فتقبلهم وصفح لهم ونهض إلى مدينة سلا سنة خمس وأربعين وخمسمائة واستدعى منها أهل الأندلس فوفدوا عليه وبايعوه جميعا، وبايعه الرؤساء من الثوار على الانخلاع من الأمر مثل سدراتي بن وزير صاحب باجة، وباثورة والبطروجي صاحب لبلة، وابن عزرون صاحب شريش ورندة وابن الحجام صاحب بطليوس، وعامل بن مهيب صاحب طلبيرة، وتخلف ابن قيسي وأهل شلب عن هذا الجمع فكان سببا لقتله من بعد. ورجع عبد المؤمن إلى مراكش وانصرف أهل الأندلس إلى بلادهم واستصحب الثوار فلم يزالوا بحضرته والله تعالى أعلم.
فتح افريقية وشئونها
ثم بلغ عبد المؤمن ما هي عليه إفريقية من اختلاف الأمراء واستطالة العرب عليها بالعيث والفساد، وأنهم حاصروا مدينة القيروان، وأن موسى بن يحيى الرياحي المرداسي دخل مدينة باجة وملكها، فأجمع الرحلة إلى غزو إفريقية بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وأبا إبراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه. وخرج من مراكش في أواخر سنة ست وأربعين وخمسمائة موريا بالجهاد حتى انتهى إلى سبتة واستوضح أحوال أهل الأندلس، ثم رحل عن سبتة موريا بمراكش، وأغذ السير إلى باجة فدخل الجزائر على حين غفلة، وخرج إليه الحسن بن علي صاحب المهدية، فصحبه واعترضه جيوش صنهاجة بأم العلو فهزمهم وصبح بجاية من الغد فدخلها.
وركب يحيى بن العزيز البحر في أسطولين كان أعدهما لذلك، واحتمل فيهما ذخائره وأمواله والحق بقسنطينة إلى أن نزل بعد ذلك منها على أمان عبد المؤمن. واستقر ٦/٣١٥
بمراكش تحت الجراية والعناية إلى أن هلك رحمه الله.
ثم سرح عبد المؤمن عساكر الموحدين وعليهم ابنه عبد الله إلى القلعة، وبها جوش بن عبد العزيز في جموع صنهاجة فاقتحمها واستلحم من كان بها منهم، وأضرم النار في مساكنها وقتل جوش. ويقال إن القتلى بها كانوا ثمانية عشر ألفا وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم والسبي، وبلغ الخبر إلى العرب بإفريقية من الأثبج وزغبة ورياح وقسرة فعسكروا بظاهر باجة، وتآمروا على الدفاع عن ملكهم يحيى بن العزيز، وارتحلوا إلى سطيف وزحف إليه عبد الله بن عبد المؤمن في الموحدين الذين معه وكان عبد المؤمن قد قفل إلى المغرب ونزل متيجة، فلما بلغه الخبر بعث المدد لابنه عبد الله، والتقى الفريقان بسطيف واقتتلوا ثلاثا، ثم انفضت جموع العرب واستلحموا وسبيت نساؤهم واكتسحت أموالهم وأسر أبناؤهم.
ورجع عبد المؤمن إلى مراكش سنة سبع وأربعين وخمسمائة ووفد عليه كبراء العرب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم، ورجعوا إلى قومهم. وعقد على فاس لابنه السيد أبي الحسن، واستوزر له يوسف بن سليمان، وعقد على تلمسان لابنه السيد أبي حفص واستوزر له أبا محمد بن وانودين. وعلى سبتة لابنه السيد أبي سعيد واستوزر له محمد بن سليمان. وعلى بجاية للسيد أبي محمد عبد الله واستوزر له يخلف بن الحسين، واختص ابنه أبا عبد الله بولاية عهده. وتغير بذلك كله ضمائر عبد العزيز وعيسى أخوي المهدي فلحقا بمراكش مضمرين الغدر وأدخلوا بعض الأوغاد في شأنهم فوثبوا بعمر بن تافراكين وقتلوه بمكانه من القصبة. ووصل على أثرهما الوزير أبو حفص بن عطية وعبد المؤمن على أثره فأطفآ نار تلك الثورة وقتل أخو المهدي ومن داخلهم فيها والله أعلم.
فتح بقية الأندلس
وبلغه بمراكش سنة تسع وأربعين وخمسمائة أن يحيى بن يغمور صاحب إشبيلية قتل أهل لبلة بما كان من غدر الوهبي لها. وتقبل معذرتهم في ذلك فسخط يحيى بن يغمور وعزله عن إشبيلية بأبي محمد عبد الله بن أبي حفص بن علي التينمللي، وعن ٦/٣١٦
قرطبة بأبي زيد بن بكيت، وبعث عبد الله بن سليمان فجاء بابن يغمور معتقلا إلى الحضرة، وألزمه منزله إلى أن بعثه مع ابنه السيد أبي حفص إلى تلمسان واستقام أمر الأندلس. وخرج ميمون بن بدر اللمتوني عن غرناطة للموحدين فملكوها، وأجاز إليها السيد أبا سعيد صاحب سبتة بعهد أبيه عبد المؤمن إليه بذلك، ولحق الملثمون بمراكش، ونازل السيد أبو سعيد مدينة المرية حتى نزل من كان بها من النصارى على الأمان. وحضر لذلك الوزير أبو حفص بن عطية بعد أن أمدهم ابن مودهشي الثائر بشرق الأندلس والطاغية معه، وعجزوا جميعا عن المدافعة. ثم وفد أشياخ إشبيلية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ورغبوا من عبد المؤمن ولاية بعض أبنائه عليهم، فعقد لابنه السيد أبي يعقوب عليها، وافتتح أمره بمنازلة علي الوسيني الثائر بطلبيرة ومعه الوزير أبو حفص بن عطية حتى استقام على الطاعة. ثم استولى على عمل ابن وزير وابن قيسي، واستنزل تاشفين اللمتوني من مرتلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وكان الذي أمكن الملثمين منها ابن قيسي واستتم الفتح. ورجع السيد إلى إشبيلية وانصرف أبو حفص بن عطية إلى مراكش فكانت فيها نكبته ومقتله. واستوزر عبد المؤمن من بعده عبد السلام الكومي، كان يمت إليه بذمة صهر فلم يزل على وزارته والله أعلم.
بقية فتح إفريقية
لما بلغ عبد المؤمن سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ما كان من إيقاع الطاغية بابنه السيد أبي يعقوب بظاهر إشبيلية، ومن استشهد من أشياخ الموحدين وحفاظهم، ومن الثوار مثل ابن عزرون وابن الحجام، نهض يريد الجهاد، واحتل سلا، فبلغه ٦/٣١٧
انتقاض إفريقية، وأهمه شأن النصارى بالمهدية، فلما توافت العساكر بسلا استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب، وعقد ليوسف بن سليمان على مدينة فاس، ونهض يغذ السير حتى نزل المهدية وبها من نصارى أهل صقلية ، فافتتحها صلحا سنة خمس وخمسين وخمسمائة واستنقذ جميع البلاد الساحلية مثل صفاقس وطرابلس من أيدي العدو.
وبعث ابنه عبد الله من مكان حصاره للمهدية إلى قابس فاستخلصها من يد بني كامل المتغلبين عليها من دهمان، بعض بطون رياح. واستخلص قفصة من يد بني الورد، وورغة من يد بني بروكسن وطبرقة من يد ابن علال وجبل زغوان من يد بني حماد بن خلفة وشقبنارية من يد بني عباد ، بن نصر الله، ومدينة الأربص من يد من ملكها من العرب حسبما ذلك مذكور في أخبار هؤلاء الثوار في دولة صنهاجة.
ولما استكمل الفتح وثنى عنانه إلى المغرب سنة ست وخمسين وخمسمائة بلغه أن الأعراب بإفريقية انتقضوا عليه، فرجع إليهم عسكرا من الموحدين، فنهضوا إلى القيروان وأوقعوا بالعرب، وقتل كبيرهم محرز بن زياد الفارغي من بني علي إحدى بطون رياح والله تعالى أعلم.
أخبار ابن مردنيش الثائر بشرق الأندلس
كان بلغ عبد المؤمن وهو بإفريقية أن محمد بن مردنيش الثائر بشرق الأندلس خرج من مرسية ونازل جيان. وأطاعه واليها محمد بن علي الكومي، ثم نازل بعدها قرطبة ورحل عنها وغدر بقرمونة وملكها، ثم رجع إلى قرطبة وخرج ابن بكيت لحربه فهزمه وقتله، فكتب إلى عماله بالأندلس بفتح إفريقية، وأنه واصل إليهم. وعبر إلى جبل الفتح، واجتمع إليه أهل الأندلس ومن بها من الموحدين، ثم رجع إلى مراكش وبعث عساكره إلى الجهاد، ولقيهم الطاغية فهزموه. وتغلب السيد أبو يعقوب على ٦/٣١٨
قرمونة من يد ابن همشك صهر ابن مردنيش. وكان السيدان أبو يعقوب صاحب إشبيلية وأبو سعيد صاحب غرناطة ارتحلا لزيارة الخليفة بمراكش، فخالف ابن همشك إلى مدينة غرناطة وعلا ليلا بمداخلة من بعض أهلها. واستولى عليها وانحصر الموحدون بقصبتها، وخرج عبد المؤمن من مراكش لاستنقاذها فوصل إلى سلا.
وقدم السيد أبا سعيد فأجاز البحر ولقيه عامل إشبيلية عبد الله بن أبي حفص بن علي، ونهضوا جميعا إلى غرناطة، فنهض إليهم ابن همشك وهزمهم. ورجع السيد أبو سعيد إلى مالقة، وردفه عبد المؤمن بأخيه السيد أبي يعقوب في عساكر الموحدين، ونهضوا إلى غرناطة وكان قد وصلها ابن مردنيش في جموع من النصارى مددا لابن همشك، فلقيهم الموحدون بفحص غرناطة وهزموهم. وفر ابن مردنيش إلى مكان في المشرق، ولحق ابن همشك بجيان فنازله الموحدون. وأقبل السيدان إلى قرطبة فأقاما بها إلى أن استدعي السيد أبو يعقوب بمراكش سنة ثمان وخمسين وخمسمائة لولاية العهد والادالة به من أخيه محمد، فلحق بمراكش وخرج في ركاب أخيه الخليفة عبد المؤمن لما نهض للجهاد. وأدركته المنية بسلا في جمادى الأخيرة من هذه السنة ودفن بتينملل إلى جانب المهدي والله أعلم.
دولة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن
لما هلك عبد المؤمن أخذ البيعة على الناس السيد أبو حفص لأخيه أبي يعقوب باتفاق من الموحدين كافة، ورضا من الشيخ أبي حفص خاصة. واستقل في رتبة وزارته ورجعوا إلى مراكش وكان السيد أبو حفص هذا وزيرا لأخيه عبد المؤمن، واستوزره عند نكبة عبد السلام الكومي، فرجعه من إفريقية سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وكان أبو علي بن جامع متصرفا بين يديه في رسم الوزارة إلى أن هلك عبد المؤمن فأخذ أبو حفص البيعة لأخيه أبي يعقوب. ثم هلك إثر وفاة عبد المؤمن ابنه السيد أبو الحسن صاحب فاس والسيد أبو محمد صاحب بجاية في طريقه إلى الحضرة. ثم استقدم أبو يعقوب السيد أبا سعيد من غرناطة سنة ستين وخمسمائة فقدم ولقيه السيد ٦/٣١٩
أبو حفص بسبتة.
ثم صرح الخليفة أبو يعقوب معه أخاه السيد أبا حفص إلى الأندلس في عسكر الموحدين لما بلغه ان إلحاح ابن مردنيش على قرطبة، بعد أن احتشد معه قبائل العرب، زغبة ورياح والأثبج، فأجاز البحر وقصد ابن مردنيش، وقد جمع جموعه وأولياءه من النصارى، ولقيتهم عساكر الموحدين بفحص مرسية، فانهزم ابن مردنيش وأصحابه وفر إلى مرسية من سبتة، ونازلة الموحدون بها ودوخوا نواحيه.
وانصرف السيد أبو حفص وأخوه أبو سعيد سنة إحدى وستين وخمسمائة إلى مراكش، وخمدت نار الفتنة من ابن مردنيش. وعقد الخليفة على بجاية لأخيه السيد أبي زكريا، وعلى إشبيلية للشيخ أبي عبد الله بن إبراهيم. ثم أدال عنه بأخيه السيد أبي إبراهيم، وأقر الشيخ أبا عبد الله على وزارته، وعقد على قرطبة لأخيه السيد أبي إسحاق، وأثر السيد أبا سعيد على غرناطة. ثم نظر الموحدون في وضع العلامة في المكتوبات بخط الخليفة، فاختاروا الحمد لله وحده لما وقفوا عليها بخط الإمام المهدي في بعض مخاطباته، فكانت علامتهم إلى آخر دولتهم والله تعالى أعلم.
فتنة غمارة
وفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة تحرك الأمير أبو يعقوب إلى جبال غمارة، لما كان ظهر بها من الفتنة التي تولى كبرها سبع بن منغفاد ونازعهم في الفتنة صنهاجة جيرانهم فبعث الأمير أبو يعقوب عساكر الموحدين لنظر الشيخ أبي حفص، ثم تعاظمت فتنة غمارة وصنهاجة فخرج إليهم بنفسه وأوقع بهم، واستأصلهم. وقتل سبع بن منغفاد وانحسم داؤهم، وعقد لأخيه السيد أبي علي الحسن على سبتة وسائر بلادهم. وفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة اجتمع الموحدون على تجديد البيعة واللقب بأمير المؤمنين، وخاطب العرب بإفريقية يستدعيهم إلى الغزو ويحرضهم. وكتب إليهم في ذلك قصيدة ورسالة مشهورة بين الناس، وكان من إجابتهم ووفودهم عليه ما هو معروف ٦/٣٢٠
أخبار الأندلس
لما استوسق الأمر للخليفة أبي يعقوب بالعدوة وصرف نظره إلى الأندلس والجهاد، واتصل به ما كان من غدر العدو، دمره الله بمدينة ترجالة . ثم مدينة يابرة ثم حصن شبرمة ثم حصن جلمانيه إزاء بطليوس، ثم مدينة بطليوس، فسرح الشيخ أبا حفص في عساكر من الموحدين احتفل في انتقائهم، وخرج سنة أربع وستين وخمسمائة لاستنقاذ بطليوس من هوة الحصار، فلما وصل إلى إشبيلية بلغه أن الموحدين وبطليوس هزموا ابن الرنك الذي كان يحاصرهم بإعانة ابن ادفونش، وأن ابن الرنك تحصل في قبضتهم أسيرا وفرجوا ندة الجليقي إلى حصنه، فقصد الشيخ أبو حفص مدينة قرطبة، وبعث إليهم إبراهيم بن همشك من جيان بطاعته وتوحيده ومفارقته صاحبه ابن مردنيش لما حدث بينهما من الشحناء والفتنة، فألح عليه ابن مردنيش بالحرب، وردد إليه الغزو، فبعث إلى الشيخ أبي حفص بطاعته.
وكان الشيخ أبو حفص في عساكر الموحدين، فنهض من مراكش سنة خمس وستين وخمسمائة وفي جملته السيد أبو سعيد أخوه، فوصل إلى إشبيلية وبعث أخاه أبا سعيد إلى بطليوس، فعقد الصلح مع الطاغية وانصرف، ونهضوا جميعا إلى مرسية ومعهم ابن همشك فحاصروا ابن مردنيش. وثار أهل لورقة بدعوة الموحدين، فملكها السيد أبو حفص. ثم افتتح مدينة بسطة وأطاع ابن عمه محمد بن مردنيش ٦/٣٢١
صاحب المرية فحص بذلك جناحه.
واتصل الحبر بالخليفة بمراكش، وقد توافت عنده جموع العرب من إفريقية صحبة أبي زكريا صاحب بجاية والسيد أبي عمران صاحب تلمسان، وكان يوم قدومهم عليه يوما مشهودا، فاعترضهم وسائر عساكره، ونهض إلى الأندلس. واستخلف على مراكش السيد أبا عمران أخاه فاحتل بقرطبة سنة سبع وستين وخمسمائة ثم ارتحل بعدها إلى إشبيلية، ولقيه السيد أبو حفص هنالك منصرفا من غزاته. وكان ابن مردنيش لما طال عليه الحصار ارتاب ففتك بهم، وباد أخوه أبو الحجاج وهلك هو في رجب من هذه السنة. ودخل ابنه هلال في الطاعة، وبادر السيد أبو حفص إلى مرسية فدخلها وخرج هلال في جملته، وبعثه إلى الخليفة بأشبيلية. ثم ارتحل الخليفة غازيا إلى بلاد العدو فنازل رندة أياما وارتحل عنها إلى مرسية. ثم رجع إلى إشبيلية سنان ثمان وستين وخمسمائة واستصحب هلال بن مردنيش واصهر له في ابنته، وولى عمه يوسف على بلنسية وعقد لأخيه السيد أبي سعيد على غرناطة.
ثم بلغه خروج العدو إلى أرض المسلمين مع القومس الأحدب، فخرج للقائهم وأوقع بهم بناحية قلعة رياح، وأثخن فيهم ورجع إلى إشبيلية وأمر ببناء حصن القلعة ليحصن جهاتها، وقد كان خرابا منذ فتنة أبي حجاج فيه مع كريب بن خلدون بمدة ازمان المنذر بن محمد وأخيه عبد الله من أمراء بني أمية.
ثم انتقض ابن أذفونيش وأغار على بلاد المسلمين، فاحتشد الخليفة وسرح السيد أبا حفص إليه فغزاه بعقر داره، وافتتح قنطرة بالسيف، وهزم جموعه في كل جهة.
ثم ارتحل الخليفة من إشبيلية راجعا إلى مراكش سنة إحدى وسبعين وخمسمائة لخمس سنين من إجازته إلى الأندلس، وعقد على قرطبة لأخيه الحسن، وعلى إشبيلية لأخيه علي، وأصاب مراكش الطاعون فهلك من السادات أبو عمران وأبو سعيد وأبو زكريا، وقدم الشيخ أبو حفص من قرطبة فهلك في طريقه، ودفن بسلا.
واستدعى الخليفة أخويه السيدين أبا علي وأبا الحسن، فعقد لأبي علي على سجلماسة ورجع أبو الحسن إلى قرطبة، وعقد لابني أخيه السيد أبي حفص: ٦/٣٢٢
لأبي زيد منهما على غرناطة، ولأبي محمد عبد الله على مالقة. وفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة سطا بذرية بني جامع وغربهم إلى ماردة . وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة عقد لقائم بن محمد بن مردنيش على أسطوله وأغزاه مدينة الأشبونة، فغنم ورجع. وفيه كانت وفاة أخيه السيد الوزير أبي حفص بعد ما أبلى في الجهاد وبالغ في نكاية العدو. وقدم ابناه من الأندلس وأخبر الخليفة بانتقاض الطاغية، واعتزم على الجهاد وأخذ في استدعاء العرب من إفريقية والله تعالى أعلم.
الخبر عن انتقاض قفوصة واسترجاعها
كان علي بن المعزو يعرف بالطويل، من أعقاب بني الرند ملوك قفصة قد ثار سنة خمس وسبعين وخمسمائة كما ذكرناه في أخبارهم. وبلغ الخليفة خبره فنهض إليها من مراكش، وسار إلى بجاية وبقي عنده يعلى بن المنتصر الذي كان عبد المؤمن استنزله من قفصة أنه يواصل قريبه الثائر بها ويخاطب العرب، فتقبض عليه، ووجدت المخاطبات عنده شاهدة بتلك السعاية واستصفى ما كان بيده، وارتحل إلى قفصة ونزلها. ووفدت عليه مشيخة العرب من رياح بالطاعة فقتلهم ولم يزل محاصرا لقفصة إلى أن نزل على ابن المعز، وانكفأ راجعا إلى تونس. وأنفذ عساكر العرب إلى المغرب، وعقد على إفريقية والزاب للسيد أبي علي أخيه، وعلى بجاية للسيد أبي موسى وقفل إلى الحضرة والله تعالى أعلم. ٦/٣٢٣
معاودة الجهاد
لما قفل من فتح قفصة سنة سبع وسبعين وخمسمائة وفد عليه أخوه السيد أبو إسحاق من إشبيلية، والسيد أبو عبد الرحمن يعقوب من مرسية، وكافة الموحدين ورؤساء الأندلس يهنونه بالإياب فأكرم موصلهم وانصرفوا إلى بلادهم. واتصل به أن محمد ابن يوسف بن وانودين غزا بالموحدين من إشبيلية إلى أرض العدو فنازل مدينة يابرة وغنم ما حولها، وافتتح بعض حصونها ورجع إلى إشبيلية، وأن عبد الله بن إسحاق بن جامع قائد الاسطول بأشبيلية التقى بأسطول أهل أشبونة في البحر فهزموهم وأخذوا عشرين من قطائعهم مع السبي والغنائم.
ثم بلغ الخبر بأن أدفونش بن شانجة نازل قرطبة وشن الغارات على جهات مالقة ورندة وغرناطة. ثم نزل أستجة وتغلب على حصن شنغيلة. وأسكن بها النصارى وانصرف، فاستنفر السيد أبو إسحاق سائر الناس للغزو ونازل الحصن نحوا من أربعين يوما. ثم بلغه خروج أذفونش من طليطلة بمدده فانكفأ راجعا. وخرج محمد بن يوسف بن وانودين من إشبيلية في جموع الموحدين ونازل طلبيرة وبرز إليه أهلها، فأوقع بهم وانصرف بالغنائم، فاعتزم الخليفة أبو يعقوب على معاودة الجهاد، وولى على الأندلس أبناءه وقدمهم للاحتشاد، فعقد لابنه أبي إسحاق على إشبيلية كما كان، ولابنه السيد أبي يحيى على قرطبة، ولابنه السيد أبي زيد الحصرصاني على غرناطة. ولابنه السيد أبي عبد الله على مرسية.
ونهض سنة تسع وسبعين وخمسمائة إلى سلا، ووافاه بها أبو محمد بن أبي إسحاق بن جامع من إفريقية بحشود العرب. وسار إلى فاس وبعث في مقدمته هنتاتة وتين ملل ٦/٣٢٤
وحشود العرب. وأجاز البحر من سبتة في صفر من سنة ثمانين وخمسمائة فاحتل جبل الفتح، وسار إلى إشبيلية فوافته بها حشود الأندلس. وسخط محمد بن وانودين وغربة إلى حصن غافق، ورحل غازيا إلى شنترين فحاصرها أياما. ثم أقلع عنها واستمر الناس يوم إقلاعه، وخرج النصارى من الحصن فوجدوا الخليفة في غير أهبة ولا استعداد، فأبلى في الجهاد هو ومن حضره، وانصرفوا بعد جولة شديدة. وهلك في ذلك اليوم الخليفة، يقال من منهم أصابه في حومة القتال، وقيل من مرض طرقه عفا الله عنه.
دولة ابنه يعقوب المنصور
ولما هلك الخليفة أبو يعقوب على حصن شنترين سنة ثمانين وخمسمائة بويع ابنه يعقوب، ورجع بالناس إلى إشبيلية فاستكمل البيعة. واستوزر الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص، واستنفر الناس للغزو مع أخيه السيد أبي يحيى فأخذ بعض الحصون وأثخن في بلاد الكفار. ثم أجاز البحر إلى الحضرة ولقيه بقصر مصمودة السيد أبو زكريا ابن السيد أبي حفص قادما من تلمسان مع مشيخة زغبة، ومضى إلى مراكش فغير المناكير وبسط العدل ونشر الأحكام، وكان من أول الأحداث في دولة شأن ابن غانية .
الخبر عن شأن ابن غانية
كان علي بن يوسف بن تاشفين لما تغلب الغدو على جزيرة ميورقة وهلك واليها من موالي مجاهد، وهو مبشر، وبقي أهلها فوضى، وكان مبشر بعث إليه بالصريخ، والعدو محاصر له، فلما أخذها العدو وغنم وأحرق وأقلع، وبعث علي بن يوسف واليا عليها وأنور بن أبي بكر من رجالات لمتونة، وبعث معه خمسمائة فارس من ٦/٣٢٥
معسكره، فأرهب لهم حدة، وأرادهم على بناء مدينة أخرى بعيدة من البحر فامتنعوا، وقتل مقدمهم فثاروا به وحبسوه. ومضوا إلى علي بن يوسف فأعفاهم منه، وولى عليهم محمد بن علي بن يحيى المسوقي المعروف بابن غانية. وكان أخوه يحيى على غرب الأندلس، وكان نزله بأشبيلية. واستعمل أخاه على قرطبة فكتب إليه علي بن يوسف يأمره بصرف محمد أخيه إلى ولاية ميورقة فارتحل إليها من قرطبة ومعه أولاده عبد الله وإسحاق وعلي والزبير وإبراهيم وطلحة، وكان عبد الله وإسحاق في تربية عمهما يحيى وكفالته فتبناهما. ولما وصل محمد بن علي بن غانية إلى ميورقة قبض على وأنور وبعثه مصفدا إلى مراكش، وأقام على ذلك عشرا، وهلك يحيى بن غانية وقد ولى عبد الله ابن أخيه محمد على غرناطة، وأخاه إسحاق بن محمد على قرمونة. ثم هلك علي وضعف أمر لمتونة، وظهر عليهم الموحدون فبعث محمد عن ابنيه عبد الله وإسحاق فوصلا إليه في الأسطول وانقضى ملك لمتونة.
ثم عهد محمد إلى ابنه عبد الله فنافسه أخوه إسحاق، وداخل جماعة من لمتونة في قتله فقتلوه، وقتلوا أباه محمدا. ثم أجمعوا الفتك به فارتاب بهم وداخل لب بن ميمون قائد البحر في أمرهم فكبسهم في منازلهم وقتلهم سنة ست وأربعين وخمسمائة. وبقي أميرا لميورقة. واشتغل أول أمره بالبناء والغراسة، وضجر منه الناس لسوء ملكته. وفر عنه لب ميمون إلى الموحدين. ثم رجع أخيرا إلى الغزو، وكان يبعث بالأسرى والعلوج للخليفة أبي يعقوب إلى أن هلك قبيل مهلكة سنة ثمانين وخمسمائة وخلف من الولد: محمدا وعليا ويحيى وعبد الله وسير والمنصور وجبارة وتاشفين وطلحة وعمر ويوسف والحسن، فولى ابنه محمد وبعث إلى الخليفة أبي يعقوب بطاعته، فبعث هو علي بن الزبرتير لاختبار ذلك منه، وأحس بذلك إخوته فنكروه وتقبضوا عليه.
وقدموا عليا منهم. وبلغهم مهلك الخليفة وولاية ابنه المنصور فاعتقلوا ابن الزبرتير وركبوا البحر في أسطولهم إلى بجاية، وولى على ميورقة أخاه طلحة وطرق بجاية في وركبوا البحر في أسطولهم إلى بجاية، وولى على ميورقة أخاه طلحة وطرق بجاية في أسطوله على حين غفلة، وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان خارجها في بعض مذاهبه، فاستولوا عليه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وتقبضوا على السيد أبي الربيع والسيد أبي موسى عمران بن عبد المؤمن صاحب إفريقية، وكان بها مجتازا واستعمل أخاه يحيى على بجاية، ومضى إلى الجزائر فافتتحها، وولى عليها يحيى ابن أخيه طلحة، ثم إلى مليانة فولى عليها بدر بن عائشة. ونهض إلى القلعة، ٦/٣٢٦
ثم إلى قسنطينة فنازلها. واتصل الخبر بالمنصور وهو بسبتة مرجعه من الغزو، فسرح السيد أبا زيد ابن عمه السيد أبي حفص، وعقد له على حرب ابن غانية. وعقد لمحمد بن أبي إسحاق بن جامع على الأساطيل، وإلى نظره أبو محمد بن عطوش وأحمد الصقلي.
وانتهى السيد أبو زيد إلى تلمسان وأخوه يومئذ السيد أبو الحسن كان واليا وقد أمعن النظر في تحصينها، ثم ارتحل بعساكره من تلمسان ونادى بالعفو في الرعية، فثار أهل مليانة على ابن غانية فأخرجوه وسبقت الاساطيل إلى الجزائر فملكوها وقبضوا على يحيى بن طلحة وسيق بدر بن عائشة من أم العلو فقتلوا جميعا بشلف. وتقدم القائد أحمد الصقلي بأسطوله إلى بجاية فملكها ولحق يحيى بن غانية بأخيه علي بمكانه من حصار قسنطينة فأقلع عنها. ونزل السيد أبو زيد الهكلان وخرج السيد أبو موسى من اعتقاله فلقيه هنالك. ثم ارتحل في طلب العدو فأفرج عن قسنطينة، وخرج إلى الصحراء واتبعه الموحدون إلى مقره بفاس. ثم قفلوا إلى بجاية واستقر السيد أبو زيد بها، وقصد علي بن غانية قفصة فملكها، ونازل توزر فامتنعت عليه، ولحق بطرابلس. وخرج غزي الصنهاجي من جموع ابن غانية في بعض أحياء العرب فتغلب على أشير وسرح إليهم السيد أبو زيد ابنه أبا حفص عمر، ومعه غانم بن مردنيش فأوقعوا بهم واستولى على حللهم. وقتل غزي وسيق رأسه إلى بجاية ونصب بها، وألحق به عبد الله أخوه. وغرب بنو حمدون من بجاية إلى سلا لاتهامهم بالدخول في أمر ابن غانية. واستقدم الخليفة السيد أبا زيد من مكانه ببجاية، وقدم مكانه أخاه السيد أبا عبد الله وانصرف إلى الحضرة. وبلغ الخبر أثناء ذلك باستيلاء علي بن الزبرتير على ميورقة. وكان من خبره أن الأمير يوسف بن عبد المؤمن بعثه إلى ميورقة لدعاء بني غانية إلى أمره. لما كان أخوهم محمد خاطبه بذلك، فلما وصل ابن الزبرتير إليهم نكروا شأنه على أخيهم محمد واجتمعوا دونه وتقبضوا عليه وعلى ابن الزبرتير في أمره، وداخل مواليهم من العلوج في تخلية سبيله من معتقله على أن يخلى سبيلهم بأهليهم وولدهم إلى أرضهم، فتم له مراده منهم وصار بالقصبة واستنفذ ٦/٣٢٧
محمد بن أبي إسحاق من مكان اعتقاله، ولحقوا جميعا بالحضرة. وبلغ الخبر علي ابن غانية بمكانه من طرابلس فبعث أخاه عبد الله إلى صقلية، وركب منها إلى ميورقة ونزل في بعض قراها. وأعمل الحيلة في تملك البلد فاستولى عليه وأضرم نار الفتنة بإفريقية.
ونازل علي بن غانية بلاد الجريد وتغلب على الكثير منها، وبلغ الخبر باستيلائه على قفصة فخرج المنصور إليه من مراكش سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ووصل فاس فأراح بها، وسار إلى رباط تازى، ثم سار على التعبية إلى تونس، وجمع ابن غانية من إليه من الملثمين والأعراب، وجاء معه قراقش الغزي صاحب طرابلس، فسرح إليهم المنصور عساكره لنظر السيد أبي يوسف ابن السيد أبي حفص، ولقيهم بغمرة فانقض جموع الموحدين وانجلت المعركة عن قتل علي بن الزبرتير وأبي علي بن يغمور، وفقد الوزير عمر بن أبي زيد، ولحق فلهم بقفصة فأثخنوا فيهم قتلا، ونجا الباقون إلى تونس. وخرج المنصور متلافيا خبر الواقع في هذا الحال، ونزل القيروان، وأغذ السير إلى الحامة فتشاور الفريقان وتزاحفوا فكانت الدبرة على ابن غانية وأحزابه، وأفلت من المعركة بذماء نفسه ومعه خليلة قراقش، وأتى القتل على كثيرهم فصبح المنصور قابس فافتتحها ونقل من كان بها من حرم ابن غانية وذويه في البحر إلى تونس. وثنى العنان إلى تونس فافتتحها وقتل من وجد بها، ثم إلى قفصة فنازلها أياما حتى نزلوا على حكمه. وأمن أهل البلد والأغراب أصحاب قراقش، وقتل سائر الملثمين ومن كان معهم من الحشود، وهدم أسوارها وانكفأ راجعا إلى تونس، فعقد على إفريقية للسيد أبي زيد، وقفل إلى المغرب سنة أربع وثمانين وخمسمائة ومر بالمهدية، واستجر على طريق تاهرت، والعباس بن عطية أمير بني توجين دليله إلى تلمسان، فنكب بها عمه السيد أبا إسحاق لشيء بلغه عنه وأحفظه.
ثم ارتحل إلى مراكش، ورفع إليه أن أخاه السيد أبا حفص والي مرسية الملقب بالرشيد، وعمه السيد أبا الربيع والي تادلا عند ما بلغهم خبر الوقيعة بغمرة، حدثوا أنفسهم بالتوثب على الخلافة، فلما قدموا عليه للتهنئة أمر باعتقالهما برباط الفتح خلال ما استجلى أمرهما، ثم قتلهما وعقد للسيد أبي الحسن ابن السيد أبي حفص ٦/٣٢٨
على بجاية، وقصد يحيى بن غانية قسنطينة فزحف إليه السيد أبو الحسن من بجاية فهزمه ودخل قسنطينة ودخل ابن غانية إلى بسكرة فقطع نخلها وافتتحها عنوة. ثم حاصر قسنطينة فامتنعت عليه فارتحل إلى بجاية وحاصرها، وكثر عيثه بإفريقية إلى أن كان من خبره ما يذكر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
اخباره في الجهاد
لما بلغه تغلب العدو على قاعدة شلب، وأنه أوقع بعسكر إشبيلية، وترددت سراياهم على نواحيها، واقتحم كثيرا من حصونها، وخاطبه السيد أبو يوسف بن أبي حفص صاحب اشبيلية بذلك. استنفر الناس للجهاد وخرج سنة ست وثمانين وخمسمائة إلى قصر مصمودة فأراح به. ثم أجاز إلى طريف وأغذ السير منها إلى شلب، ووافته بها حشود الأندلس فتركهم لحصارها. وزحف إلى حصن طرش فافتتحه ورجع إلى إشبيلية. ثم رجع إلى منازلة شلب سنة سبع وثمانين فافتتحه.
وقدم عليه ابن وزير بعد أن كان افتتح في طريقه إليه حصونا أخرى. ثم قفل إلى حضرته بعد استكماله غزانة. وكتب بعهده لابنه الناصر.
وقدم عليه سنة ثمان وثمانين وخمسمائة السيد أبو زيد صاحب إفريقية، ومعه مشيخة العرب من هلال وسليم فتلقاهم مبرة وتكريما، وانقلب وفدهم إلى بلادهم. ثم بلغه سنة تسعين وخمسمائة استفحال ابن غانية بإفريقية وكثرة العيث والفساد بها، فاعتزم على النهوض إليها، ووصل إلى مكناسة فبلغه من أمر الأندلس ما أهمه فصرف وجهه إليها، ووصل قرطبة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فأراح بها ثلاثا وإمداد الحشود تتلاحق به من كل ناحية. ثم ارتحل للقاء العدو ونزل بالأرك من نواحي بطليوس، وزحف إليه العدو من النصارى وأمراؤهم يومئذ ثلاثة: ابن أذفونش وابن الرند والبيوح . وكان اللقاء يوم كذا سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وأبو محمد بن أبي حفص يومئذ على المطوعة، وأخوه أبو يحيى على العساكر والموحدين، فكانت ٦/٣٢٩
الهزيمة المشهورة على النصارى واستلحم منهم ثلاثون ألفا بالسيف.
واعتصم فلهم بحصن الأرك، وكانوا خمسة آلاف من زعمائهم، فاستنزلهم المنصور على حكمه وفودي بهم عددهم من المسلمين. واستشهد في هذا اليوم أبو يحيى ابن الشيخ أبي حفص بعد أن أبلى بلاء حسنا، وعرف بنوه بعدها ببني الشهيد. وانكفأ المنصور راجعا إلى إشبيلية. ثم خرج منها سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة غازيا إلى بلاد الجوف فافتتح حصونا ومدنا وخربها. كان منها ترجالة وطلبيرة. وأطل على نواحي طليطلة، فخرب بسائطها واكتسح مسارحها، وقفل إلى إشبيلية سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فرفع إليه في القاضي أبي الوليد بن رشد مقالات نسب فيها إلى المرض في دينه وعقله. وربما ألف بعضها بخطه فحبس. ثم أطلق وأشخص إلى الحضرة وبها كانت وفاته.
ثم خرج المنصور من إشبيلية غازيا إلى بلاد ابن أذفونش حتى احتل بساحة طليطلة، وبلغه أن صاحب برشلونة أمد ابن أدفونش بعساكره، وأنهم جميعا بحصن مجريط، فنهض إليهم. ولما أطل عليهم انفضت جموع ابن أذفونش من قبل القتال، ثم انكفأ المنصور راجعا إلى إشبيلية. ثم رغب إليه ملوك النصرانية في السلم فبذله لهم.
وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد ابن الخليفة، وعلى مدينة بطليوس للسيد أبي الربيع ابن السيد أبي حفص، وعلى المغرب للسيد أبي عبد الله ابن السيد أبي حفص. وأجاز إلى حضرته سنة أربع وتسعين وخمسمائة فطرقه المرض الذي كان منه حتفه، وأوصى وصيته التي تناقلها الناس. وحضر لوصيته عيسى ابن الشيخ أبي حفص، وهلك رحمه الله سنة خمس وتسعين وخمسمائة في آخر ربيعها، والله تعالى أعلم.
الخبر عن وصول ابن منقذ بالهدية من قبل صاحب الديار المصرية
كان الفرنج قد ملكوا سواحل الشام في آخر الدولة العبيدية منذ تسعين سنة وملكوا بيت المقدس، فلما استولى صلاح الدين بن أيوب على ديار مصر والشام اعتزم على جهادهم، وصار يفتح حصونها واحدا بعد واحد حتى أتى على جميعها. وافتتح ٦/٣٣٠
بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهدم الكنيسة التي بنواحيها ، وانفضت أمم النصرانية من كل جهة واعترضوا أسطول صلاح الدين في البحر فبعث صريخه إلى المنصور سنة خمس وثمانين وخمسمائة يطلب إعانته بالأساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس. ووفد عليه أبو الحرث عبد الرحمن بن منقذ بقية أمراء شيزر من حصون الشام، كانوا أشروا به عند اختلال الدولة العبيدية. فلما استقام الأمر على يد صلاح الدين، وانتظم ملك مصر والشام واستنزل بني منقذ هؤلاء ورعى لهم سابقتهم، وبعثه في هذه إلى المنصور بالمغرب بهدية تشتمل على مصحفين كريمين منسوبين، ومائة درهم من دهن البلسان، وعشرين رطلا من العود، وستمائة مثقال من المسك والعنبر، وخمسين قوسا عربية بأوتارها، وعشرين من النصول الهندية وسروج عدة ثقيلة. ووصل إلى المغرب ووجد المنصور بالأندلس فانتظره بفاس إلى حين وصوله، فلقيه وأدى الرسالة فاعتذر له عن الأسطول وانصرف. ويقال إنه جهز له بعد ذلك مائة وثمانين أسطولا، ومنع النصارى من سواحل الشام، والله تعالى أعلم.
دولة الناصر بن المنصور
لما هلك المنصور وأمر ابنه محمد ولي عهده، وتلقب الناصر لدين الله، واستوزر أبا زيد بن يوجان وهو ابن أخي الشيخ أبي حفص. ثم استوزر أبا محمد ابن الشيخ أبي حفص، وعقد للسيد أبي الحسن ابن السيد أبي حفص على بجاية، وفوض إليه في شئونها. وبلغه سنة ست وتسعين وخمسمائة إجحاف العدو بإفريقية، وفساد الأعراب في نواحيها، ورجوع السيد أبي الحسن من قسنطينة منهزما أمام ابن غانية، فأنفذ السيد أبا زيد بن أبي حفص إلى تونس في عسكر من الموحدين لسد ثغورها. وأنفذ أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص فتغلب ابن غانية خلال ذلك على حصن المهدية. وثار بالسوس سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ثائر من كزولة يعرف بأبي ٦/٣٣١
قفصة، فسرح الناصر إليه عساكر الموحدين فقصدوا جموعه وقتل. وفي أيامه كان فتح ميورقة على ما نقلوا من خبرها.
فتح افريقية
وكان من خبرها أن محمد بن إسحاق لما فصل إخوته علي ويحيى إلى إفريقية، وولى على ميورقة أخاهم طلحة، داخل محمد بعض الحاشية، وخرج من الاعتقال هو وابن الزبرتير، وقام بدعوة المنصور، وبعث بها مع ابن الزبرتير، فبعث المنصور أسطوله مع أبي العلا بن جامع لتملك ميورقة، فأبى محمد عن ذلك، راسل طاغية برشلونة في المدد بجند من النصارى يستخدمهم فأجابه، وانتقض عليه أهل ميورقة لذلك، وخشوا عادية المنصور فطردوا محمد بن إسحاق وولوا عليهم أخاه تاشفين.
وبلغ ذلك عليا وهو على قسنطينة، فبعث إخوته عبد الله الغازي فداخلوا بعض أهل البلد وعزلوا تاشفين وولوا عبد الله، وبعث المنصور أسطوله مرارا مع أبي العلا بن جامع. ثم مع يحيى ابن الشيخ إبراهيم الهزرجي فامتنعوا عليهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وقوي أمره وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ثم لما هلك المنصور بعث الناصر أسطوله مع عمه السيد أبي العلا والشيخ أبي سعيد بن أبي حفص فنازلوه وانخذل عنه أخوه تاشفين بالناس، ودخل البلد عنوة، واستفتحت وقتل. وانصرف السيد إلى مراكش وولى عليها عبد الله بن طاع الله الكومي، ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد، وجعل ابن طاع الله على قيادة البحر. وبعد السيد أبي زيد وليها السيد أبو عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن، ثم أبو يحيى علي بن أبي عمران التينمللي، ومن يده أخذها النصارى سنة سبع وعشرين وستمائة، والله تعالى أعلم.
خبر إفريقية وتغلب ابن غانية عليها ولاية أبي محمد بن أبي الشيخ أبي حفص
لما هلك المنصور قوي أمر ابن غانية بإفريقية، وولى الناصر السيد أبا زيد والشيخ أبا ٦/٣٣٢
سعيد بن أبي حفص، ويقال ان المنصور ولاهما، وكثر الهرج بإفريقية وثار بالمهدية محمد بن عبد الكريم الرجراجي، ودعا لنفسه، ونازع ابن غانية الموحدين الأمر، وتسمى صاحب قبة الأديم محمد بن عبد الكريم الركراكي. ونزل تونس وعاث في قراها سنة ست وتسعين وخمسمائة ونازل ابن غانية بفاس فامتنع عليه، وكان محمد ابن مسعود البلطي شيخ رياح من أشياعه فانتقض عليه، وراجع ابن غانية فأتيح له الظهور على محمد بن عبد الكريم وقصده وهو على قفصة فهزمه. واتبعه إلى المهدية فنازله بها. وبعث إلى صاحب تونس في المدد بأسطوله فأمده، فضاقت حال ابن عبد الكريم، فسأل الأمان من ابن غانية فأمنه، وخرج إليه فتقبض عليه واستولى على المهدية سنة تسع وتسعين وخمسمائة وقتله.
وبعث الناصر أسطوله في البحر مع عمه أبي العلا وعساكر الموحدين مع السيد أبي الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن. ونازلوا ابن عبد الكريم قبل استيلاء ابن غانية عليها، فادعى ابن عبد الكريم بأنه حافظ للحصن من العدو، ولا يمكنه إلا لثقة الخليفة. وانصرف السيد أبو الحسن إلى بجاية موضع عمله، وقسم العسكر بينه وبين أخيه السيد أبي زيد صاحب تونس وصلحت الأحوال. ثم أن ابن غانية لما تغلب على المهدية وعلى قراقش الغزي صاحب طرابلس، وقد مرت أخباره في أخبار ابن غانية. ثم تغلب على بلاد الجريد، ثم نزل تونس تسع وتسعين وخمسمائة وافتتحها عنوة، وتقبض على السيد أبي زيد، وطالب أهل تونس بالنفقة التي أنفق وبسط عليهم العذاب. وتولى ذلك فيهم كاتبه ابن عصفور حتى هلك في الامتحان كثير من بيوتاتهم. ثم دخل في دعوته أهل بونه وبنزرت وشقبنارية والاربص والقيروان وسبتة وصفاقس وقابس وطرابلس. وانتظمت له أعمال إفريقية وفرق العمال وخطب للعباسي كما ذكرناه في أخباره. ثم ولى على تونس أخاه الغازي ونهض إلى جبال طرابلس فأغرمهم ألف ألف دينار مكررة مرتين ورجع إلى تونس. واتصل بالناصر كثرة الهرج بإفريقية واستيلاء ابن غانية عليها وحصول السيد أبي زيد في قبضته، فشاور الموحدين في أمره، فأشاروا بمسالة ابن غانية. وأشار أبو محمد بن الشيخ أبي حفص بالنهوض إليها والمدافعة عنها فعمل على رأيه، ونهض من مراكش سنة إحدى وستمائة، وبعث الأسطول في البحر لنظر أبي يحيى بن أبي زكريا الهزرجي، فبعث ابن غانية ذخيرته وحرمه إلى المهدية مع علي بن الغازي بن محمد بن علي. وانتقض ٦/٣٣٣
أهل طرابلس على ابن غانية وأخرجوا عاملهم تاشفين بن الغازي بن محمد بن علي ابن غانية، وقصدهم ابن غانية فافتتحها وخربها.
ووصل أسطول الناصر إلى تونس فدخلوها وقتلوا من كان بها من أتباع ابن غانية، ونهض الناصر في أتباع ابن غانية فأعجزه ونازل المهدية، وبعث أبا محمد بن الشيخ أبي حفص للقاء ابن غانية فلقيه بتاجرا فأوقع به وقتل أخاه جبارة. وكاتبه ابن اللمطي وعامله الفتح بن محمد. قال ابن نخيل: وكانت الغنائم من عسكره يومئذ ثمانية عشر ألفا من أحمال المال والمتاع والخرثي والآلة. ونجا بأهله وولده فأطلق السيد أبا زيد من الاعتقال بعد أن هم حرسه بقتله عند الهزيمة. ثم تسلم الناصر المهدية من يد علي بن الغازي المعروف بالحاج الكافي على أن يلحق بابن عمه فقبل شرطه ومضى لوجهه. ثم رجع من طريقه واختار التوحيد فناله من الكرامة والتقريب ما لا فوقه.
وهلك في يوم العقاب الآتي ذكره. ثم فرض الناصر على المهدية، واستعمل عليها محمد بن يغمور الهرغي، وعلى طرابلس عبد الله بن إبراهيم بن جامع، ورجع إلى تونس فأقام إلى سنة ثلاث وستمائة. وسرح أخاه السيد أبا إسحاق في عسكر من الموحدين لاتباع العدو فدوخوا ما وراء طرابلس. واستأصلوا بني دمر ومطماطة وجبال نفوسة وتجاوزوها إلى سويقة بني مذكور. وقفل السيد أبو إسحاق بهم إلى أخيه الناصر بتونس وقد كمل الفتح. ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب وأجمع رأيه على تولية أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص، وكان شيخ دولته وصاحب رأيه فامتنع إلى أن بعث إليه الناصر في ذلك بابنه يوسف، فأكبر مجيئه وأناب لذلك على أن يقيم بإفريقية ثلاث سنين خاصة خلاف ما يستحكم صلاحها، وأن يحكم فيمن يقيم معه من العسكر فتقبل شرطه.
ورجع الناصر إلى مراكش فدخلها في ربيع سنة أربع وستمائة، وقدم عبد العزيز بن أبي زيد الهنتاتي على الأشغال بالعدوتين وكان على الوزارة أبو سعيد بن جامع، وكان صديقا لابن عبد العزيز. وعند مرجعه من إفريقية توفي السيد أبو الربيع بن عبد الله ابن عبد المؤمن صاحب بجاية، وقد كان أبو الربيع هذا ولي بجاية من قبل، وهو الذي جدد للربيع . وكان بنو حماد شيدوها من قبل، فأصابها الحريق وجددها ٦/٣٣٤
السيد أبو الربيع. وفي سنة خمس وستمائة بعدها عقد للسيد أبي عمران بن يوسف ابن عبد المؤمن على تلمسان، أدال به من السيد أبي الحسن فوصل إلى تلمسان في عساكر الموحدين وتطوف أقطارها، وزحف إليه ابن غانية هنالك فانفض الموحدون وقتل السيد أبو عمران. وارتاع أهل تلمسان وأسرع السيد أبو زكريا من فاس إليها فسكن نفوسهم خلال ما عقد الناصر لأبي زيد بن يوجان على تلمسان، وسرحه في العساكر فنزل بها. وفر ابن غانية إلى مكانه من قاصية إفريقية ومعه محمد بن مسعود البلط شيخ الزواودة من رياح وغيره من أعراب رياح وسليم. واعترضهم أبو محمد بن أبي حفص فانكشفوا واستولى الموحدون على محلاتهم وما بأيديهم، ولحقوا بجهات طرابلس. ورجع عنهم سير بن إسحاق آخذا بدعوة الموحدين، وفي هذه السنة عقد الناصر على جزيرة ميورقة لأبي يحيى بن أبي الحسين بن أبي عمران، أدال به من السيد أبي عبد الله بن أبي حفص، وعقد على بلنسية وعلى مرسية لأبي عمران بن ياسين الهنتاتي، أدال به من أبي الحسن بن زاكاك . وعقد للسيد أبي زيد على كورة جيان، أدال به من أبي موسى بن أبي حفص، وعقد للسيد أبي إبراهيم بن يوسف على إشبيلية ولأبي عبد الله بن أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص على غرناطة إلى أن كان ما يذكر إن شاء الله تعالى.
أخباره في الجهاد
لما بلغ الناصر تغلب العدو على كثير من حصون بلنسية أهمه ذلك وأقلقه، وكتب إلى الشيخ أبي محمد بن أبي حفص يستشيره في الغزو، فأبى عليه فخالفه، وخرج من مراكش سنة تسع وستمائة ووصل إشبيلية واستقر بها واستعد للغزو. ثم رجع من إشبيلية وقصد بلاد ابن أذفونش فافتتح قلعة شلبطرة والبخ في طريقه. ونازل الطاغية قلعة رياح وبها يوسف بن قادس وأخذ بمخنقه فصالحه على النزول، ووصل إلى الناصر فقتله وصار على التعبية إلى الموضع المعروف بالعقاب. وقد استعد له ٦/٣٣٥
الطاغية، وجاءه طاغية برشلونة مددا بنفسه، فكانت الدبرة على المسلمين.
فانكشفوا في يوم بلاء وتمحيص أواخر صفر سنة تسع وستمائة. وانكفأ راجعا إلى مراكش فهلك في شعبان من السنة بعدها. وكان ابن أذفونش قد ناظر ابن عمه اليهوج صاحب ليون في أن يوالي الناصر ويجر الهزيمة على المسلمين ففعل ذلك. ثم رجعوا إلى الأندلس بعد الكائنة للإغارة على بلاد المسلمين، فلقيهم السيد أبو زكريا ابن أبي حفص بن عبد المؤمن قريبا من إشبيلية فهزمهم، وانتعش المسلمون بها، واتصلت الحال على ذلك والله أعلم.
ثورة ابن الفرس
كان عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الفرس من طبقة العلماء بالأندلس ويعرف بالمهر، وحضر مجلس المنصور في بعض الأيام وتكلم بما خشي عاقبته في عقده وخرج من المجلس فاختفى مدة، ثم بعد مهلك المنصور ظهر في بلاد كزولة وانتحل الإمامة وادعى أنه القحطاني المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يقود الناس بعصاه يملأها عدلا كما ملئت جورا» ، إلى آخر الحديث. وكان مما ينسب إليه من الشعر:
قولوا لأبناء عبد المؤمن بن علي ... تأهبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء سيد قحطان وعالمها ... ومنتهى القول والغلاب للدول
والناس طوعا عصاه وهو سائقهم ... بالأمر والنهي بحر العلم والعمل
وبادروا أمره فالله ناصره ... والله خاذل أهل الزيغ والميل
فبعث الناصر اليه الجيوش فهزموه وقتل وسيق رأسه الى مراكش فنصب بها والله أعلم. ٦/٣٣٦
دولة المستنصر بن الناصر
لما هلك محمد الناصر بن المنصور بويع ابنه يوسف سنة إحدى عشرة وستمائة وهو ابن ست عشرة سنة ولقب المستنصر بالله، وغلب عليه ابن جامع ومشيخة الموحدين فقاموا بأمره. وتأخرت بيعة أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص من إفريقية لصغر سن المستنصر. ثم وقعت المحاولة من الوزير ابن جامع صاحب الاشغال عبد العزيز بن أبي زيد فوصلت بيعته، واشتغل المستنصر عن التدبير بما يقتضيه الشباب، وعقد للسادة على عمالات ملكه، فعقد للسيد أبي إبراهيم أخي المنصور، وتلقب بالظاهر على فاس، وهو أبو المرتضى. وعقد على إشبيلية لعمه السيد أبي إسحاق الأحول.
واستولى ألفنش على المعاقل التي أخذها الموحدون، وهزم حامية الأندلس، ووفد رسوله ابن الفخار فحاوله ابن جامع في السلم فعقده ثم صرف ابن جامع عن الوزارة بعد مهلك ابن أبي زيد بسعاية أبي زيد بن يوجان، واستوزر أبا يحيى الهزرجي وولى على الأشغال أبا علي بن أشرفي ثم رضي عن ابن جامع وأعاده، وعزل أبا زيد ابن يوجان من ولاية تلمسان بأبي سعيد بن المنصور، وبعثه إلى مرسية فاعتقل بها.
واستمرت أيام المنصور في هدنة وموادعة إلى أن ظهر بنو مرين بجهات فاس سنة ثلاث عشرة وستمائة، فخرج إليهم واليها السيد أبو إبراهيم في جموع الموحدين فهزموه وأسروه. ثم عرفوه وأطلقوه، ثم وصل الخبر بمهلك أبي محمد بن أبي حفص صاحب إفريقية فولى عليها أبا العلى أخا المنصور، وكان واليا بأشبيلية فعزل. وولى على إفريقية سعاية بن مثنى خاصة السلطان فتوجه إليها كما يذكر في أخبار بني أبي حفص. وخرج بناحية فاس رجل من العبيديين انتسب للعاضد، وتسمى بالمهدي، فبعث السيد أبو إبراهيم أخو المنصور والي فاس إلى شيعته وبذل لهم المال فتقبضوا عليه، وساقوه إليه فقتل. وفي سنة تسع عشرة وستمائة عقد المستنصر لعمه أبي محمد المعروف بالعادل على مرسية، وعزله عن غرناطة. وهلك سنة عشرين وستمائة وقد التاثت الأمور فكان ما نذكر، والله تعالى أعلم ٦/٣٣٧
الخبر عن دولة المخلوع أخي المنصور
لما هلك المستنصر في الأضحى من سنة عشرين وستمائة اجتمع ابن جامع والموحدون وبايعوا للسيد أبي محمد عبد الواحد أخي المنصور، فقام بالأمر وأمر بمطالبة ابن أشرفي بالمال. وكتب أخوه لأبي العلا بتجديد الولاية على إفريقية بعد أن كان المستنصر أو عز بعزله، فأدركته الولاية ميتا فاستبد بها ابنه أبو زيد المشمر كما نذكره في أخبار إفريقية. وأنفذ المخلوع أمره بإطلاق ابن يوجان فأطلق. ثم صده ابن جامع عن ذلك وأنفذ أخاه أبا إسحاق في الأسطول ليغربه إلى ميورقة كما كان المستنصر أنفذه قبل وفاته. وكان الوالي بمرسية أبو محمد عبد الله بن المنصور وأغراه ابن يوجان بالتوثب على الأمر، وشهد له أنه سمع من المنصور العهد له بالخلافة من بعد الناصر. وكان الناس على كره ابن جامع. وولاة الأندلس كلهم بنو منصور فأصغى إليه، وكان مترددا في بيعة عمه، فدعا لنفسه وتسمى بالعادل. وكان إخوته أبو العلى صاحب قرطبة، وأبو الحسن صاحب غرناطة، وأبو موسى صاحب مالقة، فبايعوه سرا.
وكان أبو محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن المعروف بالبياسي صاحب جيان وعزله المخلوع بعمه أبي الربيع بن أبي حفص فانتقض وبايع للعادل وزحف مع أبي العلى صاحب قرطبة وهو أخو العادل إلى إشبيلية، وبها عبد العزيز أخو المنصور والمخلوع فدخل في دعوتهم وامتنع السيد أبو زيد بن عبد الله أخي البياسي عن بيعة العادل، وتمسك بطاعة المخلوع. وخرج العادل من مرسية إلى إشبيلية فدخلها مع أبي زيد بن يوجان، وبلغ الخبر إلى مراكش فاختلف الموحدون على المخلوع.
وبادروا بعزل ابن جامع وتغريبه إلى هسكورة. وقام بأمر هنتاتة أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى السيد ابن أبي حفص، وبأمر تين ملل يوسف بن علي، وبعث على اسطول البحر أبا إسحاق بن جامع، وأنفذه لمنع الجواز من الزقاق. وكان أسر إلى ابن جامع حين خرج إلى هسكورة أن يحاول عليه من هنالك فلم يتم أمره، وقتل بمكان خفي في ربيع سنة إحدى وعشرين وستمائة وبعث الموحدون ببيعتهم إلى العادل، والله أعلم ٦/٣٣٨
الخبر عن دولة العادل بن المنصور
لما بلغت بيعة الموحدين للعادل وكتاب ابن زكريا بن الشهيد بقصة المخلوع، قارن ذلك تغييره للبياسي فانتقض عليه، ودعا لنفسه ببياسة، وتلقب الظافر وشغل بشأنه، وبعث أخاه أبا العلى لحصاره فامتنع عليه، وبعث بعده ابنه أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص فامتنع عليه أيضا، واختلت الأحوال بالأندلس على العادل وكثرت غارة النصارى على إشبيلية ومرسية وهو مقيم بها. وانهزمت جيوش الموحدين على طليطلة وأغراه خاصته بابن يوجان فأخذ إلى سبتة. وعظم أمر البياسي بالأندلس وظاهر النصارى على شأنه، فأجاز العادل إلى العدوة وولى أخاه أبا العلى على الأندلس. ولما كان بقصر الحجاز دخل عليه عبو بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص، فقال له كيف حالك فأنشده:
حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان اليه منها تائبا
فاستحسن ذلك وولاه إفريقية. وكتب للسيد أبي زيد ابن عمه بالقدوم، ووصل إلى سلا فأقام بها. وبعث عن شيوخ جشم، وكان لابن يوجان عناية واختصاص يهلال بن حمدان بن مقدم أمير الخلط، فتثاقل ابن جرمون أمير سفيان عن الوصول، وأقبل الخلط وسفيان، وبادر العادل إلى مراكش فدخلها واستوزر أبا زيد بن أبي محمد بن الشيخ أبي حفص، وتغير لابن يوجان ففسد باطنه. وتغلب على الدولة ابن الشهيد ويوسف بن علي شيخا هنتاتة وتين ملل. ثم خالفت هسكورة والخلط وعاثوا نواحي مراكش، وخرج إليهم ابن يوجان فلم يغن شيئا فخربوا بلاد دكالة فأنفذ إليهم العادل عسكرا من الموحدين لنظر إبراهيم بن إسماعيل بن الشيخ أبي حفص وهو الذي كان نازع أولاد الشيخ أبي محمد بإفريقية كما نذكره فانهزم وقتل.
وخرج ابن الشهيد ويوسف بن علي إلى قبائلها للحشد ومدافعة هسكورة، فاتفقا على خلع العادل والبيعة ليحيى بن الناصر، وقصدوا مراكش فاقتحموا عليه القصر ونهبوه، وقتل العادل خنقا أيام الفطر من سنة أربع وعشرين وستمائة والله تعالى أعلم. ٦/٣٣٩
الخبر عن دولة المأمون بن المنصور ومزاحمة يحيى بن الناصر له
كان المأمون لما بلغه انتقاض الموحدين والعرب على أخيه، وتلاشى أمره لنفسه بأشبيلية فبويع وأجابه أكثر الأندلس وبايع السيد أبو زيد صاحب بلنسية وشرق الأندلس.
ثم كان ما قدمناه من انتقاض الموحدين على العادل وقتله بالقصر وبيعتهم ليحيى ابن أخيه الناصر، فكاتب ابن يوجان سرا وعمل على إفساد الدولة، فداخلهم هسكورة والعرب في الغارة على مراكش، وهزم عساكر الموحدين وفطن ابن الشهيد لتدبير ابن يوجان فقتله بداره. وخرج يحيى بن الناصر إلى معتصمه كما ذكرناه فخلع الموحدون العادل وبعثوا بيعتهم إلى المأمون.
وتولى كبر ذلك الحسن أبو عبد الله العريقي والسيد أبو حفص بن أبي حفص فبلغ خبرهم إلى يحيى بن الناصر وابن الشهيد، فنزلوا إلى مراكش سنة ست وعشرين وستمائة وقتلوهم وبايع للمأمون صاحب فاس وصاحب تلمسان محمد بن أبي زيد بن يوجان، وصاحب سبتة أبو موسى بن المنصور، وصاحب بجاية ابن أخته ابن الأطامي وامتنع صاحب إفريقية وكان ذلك سببا لاستبداد الأمير أبي زكريا على ما يذكر. ولم يبق على دعوة يحيى بن الناصر إلا إفريقية وسجلماسة.
وزحف البياسي إلى قرطبة فملكها، ثم زحف إلى إشبيلية فنازل بها المأمون والطاغية معه، بعد أن نزل له عن مخاطة وغيرها من حصون المسلمين فهزمهم المأمون بنواحي إشبيلية ولحق البياسي بقرطبة فثاروا به إلى حصن المدور، فغدر به وزيره ميورك ، وجاء برأسه إلى المأمون بأشبيلية. ثم ثار محمد بن يوسف بن هود وملك مرسية واستولى على الكثير من شرق الأندلس كما ذكرناه في أخباره. وزحف إليه المأمون وحاصره وامتنع عليه فرجع إلى إشبيلية، ثم خرج سنة ست وعشرين وستمائة ٦/٣٤٠
إلى مراكش لما استدعاه أهل المغرب، وبعثوا إليه ببيعاتهم، وبعث إليه هلال بن حميد ان أمير الخلط يستدعيه. واستمد الطاغية عسكرا من النصارى وأمره على شروط تقبلها منه المأمون، وأجاز إلى العدوة. وبادر أهل إشبيلية بالبيعة لابن هود، واعترضه يحيى بن الناصر فهزمه المأمون واستلحم من كان معه من الموحدين والعرب، ولحق يحيى بجبل هنتاتة. ثم دخل المأمون الحضرة وأحضر مشيخة الموحدين وعدد عليهم فعلاتهم وتقبض على مائة من أعيانهم فقتلهم، وأصدر كتابه إلى البلدان بمحو اسم المهدي من السكة والخطبة، والنعي عليه في النداء للصلاة باللغة البربرية، وزيادة النداء لطلوع الفجر وهو: «أصبح ولله الحمد» وغير ذلك من السنن التي اختص بها المهدي وعبد المؤمن، وجرى على سننها أبناؤه. فأوعز بالنهي عن ذلك كله. وشنع عليهم في وصفهم الامام المهدي بالمعصوم، وأعاد في ذلك وأبدى.
وأذن للنصارى القادمين معه في بناء الكنيسة بمراكش على شرطهم، فضربوا بها نواقيسهم. واستولى ابن هود بعده على الأندلس، وأخرج منها سائر الموحدين، وقتلهم العامة في كل محل . وقتل السيد أبو الربيع ابن أخي المنصور وكان المأمون تركه واليا بقرطبة. واستبد الأمير أبو زكريا بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص بإفريقية، وخلع طاعته سنة سبع وعشرين وستمائة للسيد أبي عمران ابن عمه محمد الخرصان على بجاية مع أبي عبد الله اللحياني أخي الأمير أبي زكريا. وزحف إليه يحيى بن الناصر فانهزم، ثم ثانية كذلك، واستلحم من كان معه ونصبت رءوسهم بأسوار الحضرة. ولحق يحيى بن الناصر ببلاد درعة وسجلماسة.
ثم انتقض على المأمون أخوه أبو موسى ودعا لنفسه بسبتة وتسمى بالمؤيد، فخرج المأمون من مراكش وبلغه في طريقه أن قبائل بني فازان ومكلاتة حاصروا مكناسة وعاثوا في نواحيها، فسار إليها وحسم عاملها واستمر إلى سبتة فحاصرها ثلاثة أشهر، واستمد أخوه أبو موسى صاحب الأندلس لابن هود فأمده بأساطيله.
وخالف يحيى بن الناصر المأمون إلى الحضرة فاقتحمها مع عرب سفيان وشيخهم ٦/٣٤١
جرمون بن عيسى، ومعهم أبو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة، وعاثوا فيها، فأقلع المأمون عن سبتة يريد الحضرة وهلك في طريقه بوادي أم الربيع مفتتح سنة ثلاثين وستمائة وحين إقلاعه دخل أخوه السيد أبو موسى في طاعة ابن هود، وأمكنه من سبتة فأداله منها، والله تعالى أعلم.
الخبر عن دولة الرشيد بن المأمون
لما هلك المأمون بويع ابنه عبد الواحد ولقب الرشيد، وكتموا موت أبيه وأغذوا السير إلى مراكش، ولقيهم يحيى بن الناصر في طريقهم بعد أن استخلف بمراكش أبا سعيد بن وانودين فهزموه، وقتل أكثر من معه. وصبح الرشيد مراكش فامتنعوا عليه بأشياعهم، ثم خرجوا إليه واستقاموا على بيعته. وكان وصل في صحبته عمه السيد أبو محمد سعد فحل من الدولة بمكان، وكان إليه التدبير والحل والعقد، وبعد استقرار الرشيد بالحضرة وصل إليه عمر بن وقاريط كبير الهساكرة بمن كان عنده من أولاد المأمون السيد وإخوته، جاءوا من إشبيلية عند ثورة أهلها بهم، واستقروا بسبتة عند عمهم أبي موسى، ومنها إلى الحضرة عند استيلاء ابن هود على سبتة ومروا بهسكورة، وكان ابن وقاريط حذرا من المأمون ومعتقدا أن لا يعود إليه، فتذمم بصحبة هؤلاء الأولاد، وقدم على الرشيد فتقبله واعتلق بوصله من السيد أبي محمد سعد وصحبه لمسعود بن حمدان كبير الخلط.
ولما هلك السيد أبو محمد لحق ابن وقاريط بقومه ومعتصمه، وكشف وجه الخلاف، وأخذ بدعوة يحيى بن الناصر، واستنفر له قبائل الموحدين ونهض إليهم الرشيد سنة إحدى وثلاثين وستمائة واستخلف على الحضرة صهره أبا العلى إدريس وصعد إليهم الجبل، فأوقع بيحيى وجموعه بمكانهم من هزرجة واستولى على معسكرهم. ولحق يحيى ببلاد سجلماسة وانكفأ الرشيد راجعا إلى حضرته، واستأمن له كثير من الموحدين الذين كانوا مع يحيى بن الناصر فأمنهم ولحقوا بحضرته. وكان كبيرهم أبو عثمان سعيد بن زكريا الكدميوي، وجاء الباقون على أثره بسعيه بعد أن شرطوا عليه ٦/٣٤٢
إعادة ما كان أزال المأمون من رسوم المهدي فأعيدت. وقدم فيهم أبو بكر بن يعزى التينمللي رسولا عن يوسف بن علي بن يوسف شيخ تين ملل، ومحمد بن يوزيكن الهنتاني رسولا عن أبي علي بن عزوز، ورجعا إلى مرسليهما بالقبول، فقدما على الحضرة وقدم معهم موسى بن الناصر أخو يحيى وكبيره. وجاء على أثرهم أبو محمد ابن أبي زكريا وأنسوا لإعادة رسوم الدعوة المهدية.
وكان مسعود بن حمدان الخلطي قد أغراه عمر بن وقاريط بالخلاف لصحبة بينهما، وكان مدلا ببأسه وكثرة جموعه. يقال: إن الخلط كانوا يومئذ يناهزون اثني عشر ألفا سوى الرجل والأتباع والحشود، فمرض في الطاعة وتثاقل عن الوفادة، ولما علم بمقام الموحدين أجمع اعتراضهم وقتلهم تمكينا للفرقة والشتات في الدولة فأعمل الرشيد الحيلة في استدعائه، وصرف عساكره إلى باجة لنظر وزيره السيد أبي محمد، حتى خلا لابن حمدان الحو وذهب عنه الريب، واستقدمه فأسرع اللحاق بالحضرة، وقدم معه معاوية عم عمر بن وقاريط، فتقبض عليه وقتل لحينه.
واستدعى مسعود بن حمدان إلى المجلس الخلافي للحديث فتقبض عليه وعلى أصحابه وقتلوا ساعتئذ بعد جولة وهيعة، وقضى الرشيد حاجة نفسه فيهم. واستقدم وزيره وعساكره من باجة فقدموا، ولما بلغ خبر مقتلهم إلى قومهم قدموا عليهم يحيى ابن هلال بن حمدان ، وأجلبوا على سائر النواحي، وأخذوا بدعوة يحيى واستقدموه من مكانه بقاصية الصحراء.
وداخلهم في ذلك عمرو بن وقاريط، وزحفوا لحصار الحضرة، وخرجت العساكر لقتالهم ومعهم عبد الصمد بن يلولان فدفع ابن وقاريط في جموعه من العساكر فانهزموا، وأحيط بجند النصارى فقتلوا وتفاقم الأمر بالحضرة، وعدمت الأقوات.
واعتزم الرشيد على الخروج إلى جبال الموحدين فخرج إليها. وسار منها إلى سجلماسة فملكها، واشتد الحصار على مراكش وافتتحها يحيى بن الناصر وقومه من هسكورة والخلط، وسار أمرهم فيها وتغيرت أحوال الخلافة. وتغلب على السلطان السيد ٦/٣٤٣
أبو إبراهيم بن أبي حفص الملقب بأبي حاقة، وفي سنة ثلاث وثلاثين وستمائة خرج الرشيد من سجلماسة بقصد مراكش، وخاطب جرمون بن عيسى وقومه من سفيان، فأجازوا وادي أم الربيع وبرز إليه يحيى في جموعه، والتقى الفريقان فانهزمت جموع يحيى واستحر القتل فيهم، ودخل الرشيد إلى الحضرة ظافرا.
وأشار يحيى بن وقاريط على الخلط بالاستصراخ بابن هود صاحب الأندلس، والأخذ بدعوته، فنكثوا بيعة يحيى وبعثوا وفدهم إلى ابن هود صحبة عمر بن وقاريط على الخلط بالاستصراخ فاستقر هنالك. وخرج الرشيد من مراكش وفر الخلط أمامه، وسار إلى فاس وسرح وزيره السيد أبا محمد إلى غمارة وفازاز لجباية أموالها، وكان يحيى بن الناصر لما نكث الخلط بيعته لحق بعرب المعقل فأجاروه ووعدوه النصرة، واشتطوا عليه في المطالب، وأسف بعضهم بالمنع فاغتاله في جهة تازى، وسيق رأسه إلى الرشيد بفاس فبعثه إلى مراكش، وأوعز إلى نائبة بها أبي علي ابن عبد العزيز بقتل العرب الذين كانوا في اعتقاله وهم: حسن بن زيد شيخ العاصم، وقائد وفائد ابنا عامر شيخا بني جابر، فقتلهم وانكفأ الرشيد راجعا إلى حضرته سنة أربع وثلاثين وستمائة وبلغه استيلاء صاحب درعة أبي محمد بن وانودين على سجلماسة، وذلك أن الرشيد لما فصل من سجلماسة استخلف عليها يوسف بن علي التينمللي، فاستعمل ابن خالته من بني مردنيش، وهو يحيى بن أرقم بن محمد بن مردنيش، فثار عليه ثائر من صنهاجة وقتله في خبائه. قام ابنه أرقم يطلب الثأر، ولو بلغ منه ما أراد. ثم حدثته نفسه بالانتقاض خوفا من عزل الرشيد إياه فانتقض.
ونهض إليه الرشيد سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فلم يزل أبو محمد بن وانودين يعمل الحيلة في استخلاصها حتى تمكن منها وعفا عن أرقم. وكان ابن وقاريط لما فصل إلى ابن هود سنة أربع وثلاثين وستمائة ركب البحر في أسطول ابن هود، وقصد لسلا وبها السيد أبو العلى صهر الرشيد، فكاد ان يغلب عليها. وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة بايع أهل إشبيلية للرشيد ونقضوا طاعة ابن هود، وتولى كبر ذلك أبو عمر بن الجد، واستخف بنو حجاج إلى سبتة ووصل وفدهم إلى الحضرة ومروا في طريقهم بسبتة، فاقتدى أهلها بهم في بيعة الرشيد، وخلعوا أميرهم اليانشي الثائر بها على ٦/٣٤٤
ابن هود وقدموا على الحضرة، وولى عليهم الرشيد أبا علي بن خلاص منهم. ولأيام من مقدمهم وصل عمر بن وقاريط معتقلا من إشبيلية، أغراهم بالقبض عليه القاضي أبو عبد الله المؤمناني، كان توجه رسولا إلى ابن هود عن الرشيد، فأمكنهم من ابن وقاريط. وبعث إلى الرشيد في وفد من رسله فاعتقله بأزمور وقتل وصلب برباط هسكورة، بعد أن طيف به على جمل. وانصرف وفد إشبيلية وسبتة، واستقدم الرشيد رؤساء الخلط فتقبض عليهم، وبعث عساكره فاستباحوا حللهم وأحياءهم. ثم أمر بقتل مشيختهم وقتل معهم ابن وقاريط، وقطع دابرهم. وفي سنة ست وثلاثين وستمائة وصلت بيعة محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر الثائر بالأندلس على ابن هود. وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة اشتدت الفتنة بالمغرب، وانتشر بنو مرين وقتلوهم قتلا ذريعا. وكان الرشيد استقدم أبا محمد بن وانودين من سجلماسة سنة خمس وثلاثين وستمائة وعقد له على فاس وسجلماسة وغمارة ونواحيها من أرض المغرب، فكان هنالك. ولما انتشر بنو مرين بالمغرب زحف إليهم فهزموه، ثم زحف ثانية وثالثة فهزموه، وأقام في محاربتهم سنتين ورجع إلى الحضرة. واشتد عدوان بني مرين بالمغرب، وألحوا على مكناسة حتى أعطوا الإتاوة لبني حمامة منهم، فأسفوا بني عسكر بذلك، واتصل عيثهم في نواحيها. وفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة قتل الرشيد كاتبه ابن المؤمناني لمداخلة له مع بعض السادة، وهو عمر بن عبد العزيز أخي المنصور، وقف على كتابه إليه بخطه. وغلط الرسول بها فدفعها بدار الخليفة.
وفي سنة أربعين وستمائة بعدها كانت وفاة الرشيد غريقا، زعموا في بعض حوائز القصر. ويقال إنه أخرج من الماء وحم لوقته، وكان فيها مهلكه، والله تعالى أعلم.
(الخبر عن دولة السعيد بن المأمون) لما هلك الرشيد بويع أخوه أبو الحسن السعيد بتعيين أبي محمد بن وانودين، وتلقب المقتدر بالله واستوزر السيد أبا إسحاق بن السيد أبي إبراهيم ويحيى بن عطوش. ٦/٣٤٥
وتقبض على جملة من مشيخة الموحدين واستصفى أموالهم واستخلف لنفسه رؤساء العرب من جشم. واستظهر بجموعهم على أمره وكان شيخ سفيان كانون بن جرمون كبير مجكسة ولأول بيعته انتقض عليه أبو علي بن الخلاص البلنسي صاحب سبتة، وكذلك أهل إشبيلية وبايعوا جميعا للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية.
ثم انتقض عليه بسجلماسة عبد الله بن زكريا الهزرجي لمقالة كانت منه يوم بيعة الرشيد اسرها له فبايع للأمير أبي زكريا. ثم وصلته في هذه السنة هدية يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان، فنهض الأمير أبو زكريا صاحب إفريقية بسبب ذلك إلى تلمسان، واستولى عليها. ثم عقد عليها ليغمراسن حسبما نذكر في أخباره. وخرج السعيد من مراكش لتمهيد بلاد المغرب سنة اثنتين وأربعين وتغير لسعيد بن زكريا الكدميوي فتقبض عليه من معسكره بتانسفت وفر أخوه أبو زيد ومعه أبو سعيد العود الرطب، ولحقوا بسجلماسة فاستصفى أموالهم بمراكش، وارتحل بقصد سجلماسة وأخذ واليها عبد الله الهزرجي في أسباب الامتناع، فغدر به أبو زيد بن زكريا الكدميوي، وداخل أهل سجلماسة في الثورة عليه وملك البلد. واستدعى السيد لها فوصل وقتل الهزرجي. وفر أبو سعيد العود الرطب إلى تونس. ثم رجع السعيد إلى المغرب وقتل سعيد بن زكريا ونزل المقرمدة من أحواز فاس. وعقد المهادنة مع بني مرين وقفل إلى مراكش فتقبض على أبي محمد بن وانودين واعتقله بأزمور. واعتقل معه يحيى بن مزاحم ويحيى بن عطوش لنظر ابن ماكسن، فأعمل الحيلة في الفرار من معتقله.
وخلص ليلا إلى كانون بن جرمون فأركبه وبعث معه من عرب سفيان من أوصله إلى قومه هنتاتة. وراسله السعيد على أثرها وسكنه واعتذر له، وأسعفه بسكنى تافيوت من حصون عمله بأهله وولده.
ثم انتقض على السعيد كانون بن جرمون وسفيان، وخالفهم إليه بنو جابر والخلط، وخرج من مراكش واستوزر السيد أبا إسحاق ابن السيد أبي إبراهيم إسحاق أخي المنصور. واستخلف أخاه أبا زيد على مراكش، وأخاهما أبا حفص عمر على سلا وفصل من مراكش سنة وجمع له أبو يحيى بن عبد الحق جموع بني ٦/٣٤٦
راشد وبني ورا وسفيان، حتى إذا تراءى الفريقان للقاء، خالف كانون بن جرمون الموحدين إلى أزمور. واستولى عليها ورجع السعيد أدراجه في أتباعه، ففر كانون واعترضه السعيد فأوقع به، واستلحم كثيرا من سفيان قومه، واستولى على ماله من مال وماشية، ولحق كانون في فل بني مرين ورجع السعيد إلى الحضرة. وفي ثلاث وأربعين وستمائة ثارت العامة بمكناسة على واليها من قبل السعيد فقتلوه. وحذر مشيختها من سطوته فحولوا الدعوة إلى الأمير أبي زكريا بن أبي حفص صاحب إفريقية، وبعثوا إليه ببيعتهم، وكانت من إنشاء أبي مطرف بن عميرة، وذلك بمداخلة أبي يحيى بن عبد الحق أمير بني مرين ووفاقه لهم على ذلك. وشارطوا أبا يحيى بن عبد الحق بمال دفعوه إليه على الحماية.
ثم راجعوا أمرهم وأوفدوا صلحاءهم ببيعتهم فرضي عنهم السعيد ورضوا عنه، وفي هذه السنة بعث أهل إشبيلية وأهل سبتة بطاعتهم للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية.
وبعث ابن خلاص بهديته مع ابنه في أسطول أنشأه لذلك فغرق عند إقلاعه من المرسي. وفي سنة ست وأربعين كان استيلاء الطاغية على إشبيلية لسبع وعشرين من رمضان ولما بلغ السيد بيعة أهل إشبيلية وسبتة للأمير أبي زكريا إلى ما كان من تغلبه على تلمسان، وأخذ يغمراسن بدعوته، ثم ما كان من بيعة أهل مكناسة وأهل سجلماسة أعمل نظره في الحركة إلى تلمسان ثم إلى إفريقية. وخرج إلى مراكش في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين وستمائة ووافاه كانون بن جرمون فعاوده الطاعة واستحشد سفيان وجاء في جملة السعيد مع سائر القبائل من جشم.
ولما احتل السعيد بتازي وافاه وفد بني مرين عن أميرهم أبي يحيى بن عبد الحق، فأعطوه الطاعة وبعثوا معه عسكرا من قومهم مددا له.
ثم ثار السعيد إلى تلمسان فكان مهلكه بتامزردكت على يد بني عبد الواد في صفر سنة ست وأربعين وستمائة حسبما يشرح في أخبارهم. ويقال إن ذلك كان بمداخلة من الخلط فاستولوا على المحلة وقتلوا عدوهم كانون، وانفض العسكر إلى المغرب وقد اجتمعوا الى عبد الله بن السعيد واعترضهم بنو مرين بجهات تازي، فقتلوا عبد الله بن السعيد ولحق الفل بمراكش فبايعوا المرتضى كما نذكر إن شاء الله تعالى. ٦/٣٤٧
الخبر عن دولة المرتضى ابن أخي المنصور
لما لحق فل العسكر بعد مهلك السعيد بمراكش، اجتمع الموحدون على بيعة السيد أبي حفص عمر بن السيد أبي إبراهيم إسحاق أخي المنصور، واستقدموه لها من سلا، فلقيه وافدهم بتامسنا من طريقه ومعه أشياخ العرب فبايعوه وتلقب المرتضى، وعقد ليعقوب بن كانون على بني جابر ولعمه يعقوب بن جرمون على عرب سفيان بعد أن كان قومه قدموه عليهم، ودخل الحضرة فاستوزر أبا محمد بن يونس وتقبض على حاشية السعيد، ثم وصل أخوه السيد أبو إسحاق من الفل آخذا على طريق سجلماسة فاستوزره واستبد عليه واستولى أبو يحيى بن عبد الحق وبنو مرين إثر مهلك السعيد على رباط تازي من يد السيد أبي علي أخي أبي دبوس وأخرجوه فلحق بمراكش.
ثم استولوا بعدها على مدينة فاس سنة سبع وأربعين وستمائة كما يذكر في أخبارهم بعد. وفي هذه السنة ثار بسبتة أبو القاسم العزفي وأخرج ابن الشهيد الوالي على سبتة من قرابة الأمير أبي زكريا صاحب إفريقية، وحول الدعوة للمرتضى حسبما يذكر في أخبار الدولة الحفصية وأخبار بني العزفي وفي سنة تسع وأربعين وستمائة وفد على المرتضى موسى بن زيان الونكاسي وأخوه علي من قبائل بني مرين وأغروه بقتال بني عبد الحق فخرج إليهم ولما انتهى إلى أمان إيملولي أشاع يعقوب بن جرمون قضية الصلح بينهما فأصبحوا راحلين، وقد استولى الجزع على قلوبهم فانفضوا ووقعت الهزيمة من غير قتال. ووصل المرتضى إلى الحضرة فعزل أبا محمد بن يونس عن الوزارة لشيء بلغه عنه، وأسكنه بحملته مع حاشيته، وفر من حملته علي بن بدر إلى السوس سنة إحدى وخمسين وستمائة، وجاهر بالعناد. وسرح إليه السلطان عسكرا من الجند فرجعوا عنه ولم يظفروا به، وتفاقم أمره سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وجمع أعراب الشبانات وبني حسان وحمل أموال ونازل تارودانت فحاصر من كان بها. وسرح المرتضى إليه عسكرا من الموحدين فأفرج عنها. ثم رجع بعد قفولهم إلى حاله، وعثر المرتضى على خطابه لقريبة ابن يونس وكتاب ابن يونس إليه بخطه، فاعتقل هو ٦/٣٤٨
وأولاده ثم قتل.
وفي هذه السنة استدعى مشيخة الخلط إلى الحضرة وقتلوا لما كان منهم في مهلك السعيد. وفيها خرج أبو الحسن بن يعلو في عسكر من الموحدين إلى تامسنا ليكشف أحوال العرب، ومعه يعقوب بن جرمون، وعهد إليه المرتضى بالقبض على يعقوب ابن محمد بن قيطون شيخ بني جابر، فتقبض عليه وعلى وزيره ابن مسلم وطير بهما إلى الحضرة معتقلين.
وفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس ونواحيها من يد بني مرين المتغلبين عليها، فوصل إلى بني بهلول، وزحف إليه بنو مرين وأميرهم أبو يحيى فكانت الهزيمة على الموحدين بذلك الموضع. ورجع المرتضى مفلولا إلى مراكش، ورعى بني مرين من بعد ذلك سائر أيامه. واستبد العزفي بسبتة، وابن الأمير بطنجة كما نذكره في أخبارهم.
وفي سنة خمس وخمسين وستمائة بعث المرتضى إلى السوس عسكرا من الموحدين لنظر أبي محمد بن أصناك فلقيهم علي بن بدر وهزمهم واستبد بأمره في السوس. وفي هذه السنة استولى أبو يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وتقبض على واليها عبد الحق بن أصكو بمداخلة من خديم له يعرف بمحمد القطراني بنواحي سلا، فصرف عبد الحق ابنه محمد هذا في مهمة وقربه من بين أهل خدمته، وحدثته نفسه بالثورة فاستمال عرب المعقل أولا بالمشاركة في حاجاتهم عند مخدومه، والإحسان إليهم حتى اشتملوا عليه.
ثم داخل أبا يحيى بن عبد الحق في تمكينه من البلد فجاء بجملته، وقدم وفده إلى البلد رسلا في بعض الحديث فتقبض محمد القطراني على عبد الحق بن أصكو وأخرجه إلى أبي يحيى بن عبد الحق فقاده وسرحه إلى مراكش. وكان القطراني شرط على أبي يحيى أن يكون والي سجلماسة فأمضى له شرطه، وأنزل معه بها من رجالات بني مرين حتى إذا هلك أبو يحيى بن عبد الحق أخرجهم محمد القطراني واستبد بأمر سجلماسة، وراجع دعوة المرتضى واعتذر إليه واشترط عليه الاستبداد فأمضى له شرطه إلا في أحكام الشريعة . ٦/٣٤٩
وبعث أبا عمر بن حجاج قاضيا من الحضرة، وبعض السادات للنظر في القضية ، وقائدا من النصارى بعسكر للحماية، فأعمل ابن الحجاج الحيلة في قتل القطراني وتولاه قائد النصارى. واستبد السيد بأمر سجلماسة بدعوة المرتضى، واستفحل أمر بني مرين أثناء ذلك. ونزل يعقوب بن عبد الحق بسائط تامسنا، فسرح إليهم المرتضى عساكر الموحدين لنظر يحيى بن وانودين فأجفلوا إلى وادي أم ربيع، فاتبعهم الموحدون فرجعوا إليهم، وغدر بهم بنو جابر فانهزم الموحدون بأمر الرجلين . ولحق شيخ الخلط عيسى بن علي ببني مرين وارتحلوا إلى أوطانهم.
وكان المرتضى قدم يعقوب بن جرمون على قبائل سفيان، وكان محمد ابن أخيه كانون يناهضه في رياسة قومه، وغص به فقتله، وثأر به أخواه مسعود وعلي بفدفد فقتلاه. وولى المرتضى مكانه ابنه عبد الرحمن فاستوزر يوسف بن وازرك ويعقوب ابن علوان. وشغل بلذاته وتصدى لقطع السابلة، ثم نكث الطاعة ولحق ببني مرين، فولى مكانه عمه عبد الله بن جرمون ويكنى بأبي زمام. وعقد له المرتضى، ثم أدال منه بأخيه مسعود لعجزه. ووفد على المرتضى عواج بن هلال من أمراء الخلط نازعا إلى طاعته ومفارقا لبني مرين، فأنزل معه أصحابه بمراكش وجاء على أثره عبد الرحمن بن يعقوب بن جرمون، فتقبض على عواج ودفعه إلى علي بن أبي علي فقتله، وكان تقبض معه على عبد الرحمن بن يعقوب ووزيره فقتلوا جميعا، واستبد برياسة سفيان مسعود بن كانون، وبرياسة بني جابر إسماعيل بن يعقوب بن قيطون.
وفي سنة ستين وستمائة عند رجوع يحيى بن وانودين من واقعة أم الرجلين، خرج عسكر من الموحدين إلى السوس لنظر محمد بن علي الزلماط ولقيه علي بن بدر فهزم جموعه وقتله، وعقد المرتضى من بعده على حرب علي بن بدر للوزير أبي زيد بن بكيت، وسرح معه عسكرا من الجند، وكان فيهم دنلب من زعماء النصرانية، فدارت الحرب بين الفريقين، ولم يكن للموحدين فيها ظهور على كثرتهم وقوة جلدهم وحسن بلائهم، فسلبهم عن ذلك تكاسل دنلب وخروجه عن طاعة ٦/٣٥٠
الوزير. وكتب بذلك للمرتضى فاستقدمه، وأمر أبو زيد بن يحيى الكدميوي باعتراضه في طريقه وقتله. وفي سنة اثنتين وستين وستمائة أقبل يعقوب بن عبد الحق في جموع بني مرين فنازلوا مراكش واتصلت الحرب بينهم وبين الموحدين بظاهرها أياما هلك فيها عبد الله أنعجوب بن يعقوب، فبعث المرتضى إلى أبيه بالتعزية ولاطفه وضرب له أتاوة يبعث بها إليه في كل عام، فرضي وارتحل عنهم، والله أعلم.
الخبر عن انتقاض أبي دبوس وتغلبه على مراكش ومهلك المرتضى وما كان في دولته من الأحداث
لما ارتحل بنو مرين عن مراكش بعد مهلك أنعجوب فر من الحضرة قائد حروبه السيد أبو العلى الملقب بأبي دبوس ابن السيد أبي عبد الله محمد بن السيد أبي حفص بن عبد المؤمن لسعاية تمكنت فيه عند المرتضى، وصحبه ابن عمه السيد أبو موسى عمران بن عبد الله بن الخليفة، فلحقا بمسعود بن كلداسن كبير هسكورة فأجاره.
ثم لحق بيعقوب بن عبد الحق بفاس صريخا به على شأنه. واشترط له المقاسمة في العمالة والذخيرة فأمده بالمال، يقال خمسة آلاف دينار عشرية. وأوعز إلى ابن أبي علي الخلطي بمظاهرته وإعطائه الآلات. ورجع إلى علي بن أبي علي الخلطي فأمده بقومه. ثم سار إلى هسكورة ونزل على صاحبه مسعود بن كلداسن فأطاعه قبائل هسكورة وهزوجة.
وبعثوا إليه عزوز بن ببورك كبير صنهاجة في ناحية أزمور، وكان منحرفا عن طاعة المرتضى إلى جملة يعقوب بن عبد الحق، ووفد عليه جماعة من السادة الموحدين والجند والنصارى، وارتاب المرتضى بمسعود بن كانون شيخ سفيان، وبإسماعيل بن قيطون شيخ بني جابر، فتقبض عليهما واعتقلهما، وصار الكثير من قومهما إلى أبي دبوس. وقتل إسماعيل بن قيطون في معتقله، فانتفض أخوه ثائرا ولحق بهم، وحذر علوش بن كانون مثلها على أخيه فاتبعهم، وزحف أبو العلى إلى مراكش. ولما بلغ أغمات وجد بها الوزير أبا يزيد بن بكيت في عساكر لحمايتها فناجزه الحرب فانهزم ابن بكيت وقتل عامة أصحابه. وسار أبو دبوس إلى مراكش، وأغار علوش بن كانون على باب الشريعة والناس في صلاة الجمعة، وركز رمحه بمصراعه. ٦/٣٥١
ودخلت سنة خمس وستين وستمائة والمرتضى بمراكش غافل عن شأن أبي دبوس والأسوار خالية من الحراس والحامية، وقصد أبو دبوس باب اغمات فتسور البلد من هنالك ودخلها على حين غفلة. وقصد القصبة فدخلها من باب الطبول وفر المرتضى ومعه الوزير أبو زيد بن يعلو الكومي، وأبو موسى بن عزوز الهنتاتي، فلحقوا بهنتاتة وألفوهم قد بعثوا بطاعتهم فرحل إلى كدميوة، ومر في طريقه بعلي بن زكدان الونكاسي كان نزع إليه عن قومه، ولم يفد عليه بعد، فنزل به المرتضى ورحل معه علي بمن معه إلى كدميوة، وكان فيها وزيره أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الكريم، فأراد النزول عليه فمنعه ابن سعد الله، وسار إلى شفشاوة، ووجد بها عددا من الظهر فمنحها علي بن زكدان. وكتب إلى ابن وانودين بمعسكره من حاجة. وإلى ابن عطوش بمعسكره من ركراكة باللحاق به فأقلعا إلى الحضرة.
وخاطب أبو دبوس علي بن زكدان يرغبه في القدوم عليه، فارتاب المرتضى لذلك ولحق بأزمور فتقبض عليه واليها ابن عطوش. وكذا صهره واعتقله، وطير بالخبر إلى أبي دبوس، فأمر وزيره السيد أبا موسى ان يكاتبه في كشف أماكن الذخيرة، فأجابه بإنكار أن يكون ذخر شيئا عندهم، والحلف على ذلك. وسألهم بالرحم، فعطف أبو دبوس عليه وجنح إلى الإبقاء. وبعث وزيره السيد أبا موسى ومسعود بن كانون في إزعاجه إليه. ثم بدا له في استحيائه بإشارة بعض السادة، فكتب خطه إلى السيد أبي موسى بقتله، فقتله واستقل أبو دبوس بالأمر، وتلقب الواثق بالله والمعتمد على الله. واستوزر السيد أبا موسى وأخاه السيد أبا زيد، وبذل العطاء ونظر في الولايات ورفع المكوس عن الرعية، وحدث بينه وبين مسعود بن كلداسن وحشة فارتحل إليه لإزالتها. وقدم عبد العزيز بن عطوش سفيرا إليه في ذلك. وبلغه أن يعقوب بن عبد الحق نزل تامسنا فأوفد عليه حميد بن مخلوف الهسكوري بهدية فقبلها، وأكد بينهما العهد وانكفأ راجعا إلى وطنه. ورجع حميد إلى الواثق، ووافق وصول عبد العزيز بن عطوش بطاعة مسعود بن كلداسن، فرجع أبو دبوس إلى ٦/٣٥٢
مراكش بعد أن عقد لأبي موسى بن عزوز على بلاد حاحة. وبلغه في طريقه عن عبد العزيز بن السعيد أنه حدث نفسه بالملك، وان ابن بكيت وابن كلداسن داخلوه في ذلك. وساءل عن ذلك السيد أبا زيد بن السيد أبي عمران خليفته، وأخبره بما سمع، وأمره بالقبض عليه وقتله، فأنفذ ذلك.
ثم ارتحل إلى السوس لتمهيده، وحسم علل ابن بدر فيه. وقدم يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وكنفيسة وصناكة وغيرهم، وسار يتقرى المنازل ويستنفر القبائل، ومر بتارودنت فوجدها قفرا خلاء إلا قلائل من الدور بخارجها. ونزل على حميدي صهر علي بن بدر وقريبه بحصن تيسخت على وادي السوس، كان لصنهاجة فغلبهم عليه ابن بدر وملكه منازله أبو دبوس وحاصره أياما، وهزم فيها جموعه وداخل حميدي علي بن زكداز في إفراج أبي دبوس على سبعين ألف دينار يؤديها إليه، فأعجله الفتح عن ذلك ونجا بدمائه إلى بيته. وطولب بالمال، وبقي معتقلا عند ابن زكداز، وامتنع ابن بدر بحصنه. ثم أطاع ووصلت رسله بطاعته، فانصرف الواثق إلى حضرته ودخلها سنة خمس وستين وستمائة. وبلغه الخبر بانتقاض يعقوب بن عبد الحق وأنه زاحف إلى فبعث بهديته إلى تلمسان صحبة أبي الحسن بن قطرال وابن أبي عثمان رسول يغمراسن، وخرج بهم من مراكش ابن أبي مديون السكاسني دليلا. وسلك بهم على القفر إلى سجلماسة، وبها يحيى بن يغمراسن، فبعثهم مع بعض المعقل إلى أبيه فألفوه بجهة مليانة، فأقام ابن قطرال بتلمسان ينتظره. وكان يعقوب بن عبد الحق لما بلغه ذلك نهض إلى مراكش بجيوش بني مرين وعسكر المغرب، ونزل بضواحي مراكش وأطاعه أهل النواحي ونهض إليه أبو دبوس في عساكر الموحدين فاستجره يعقوب إلى وادي اغفو، ثم ناجزه الحرب فاختل مصافه وفر عسكره. وانهزم يريد مراكش، والقوم في اتباعه فأدرك وقتل. وبادر يعقوب بن عبد الحق فدخل مراكش في المحرم فاتح سنة ثمان وستين وستمائة وفر بقية المشيخة من الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الواحد بن أبي دبوس، وسموه المعتصم مدة خمسة أيام وخرج في جملتهم، وانقرض أمر بني عبد المؤمن، والبقاء لله وحده. ٦/٣٥٣
وأما هسكورة
وهم أكثر قبائل المصامدة، وفيهم بطون كثيرة أوسعها بطن هسكورة. وأما سواهم من بطون كنفيسة فأنفقتهم الدولة بما تولوا من مشايعتها، وإبرام عقدتها، فهلك رجالاتهم في إنفاقها سبل الأمم قبلهم في دولهم، وأما هسكورة فكان لهم بين الموحدين مكان واعتزاز بكثرتهم وغلبهم إلا أنهم كانوا أهل بدو ولم يخالطوهم في ترفهم ولا انغمسوا في نعيمهم. وكان جبلهم الذي أوطنوه من حاله دون القنة منها والذروة. واعتصموا منه بالآفاق الفدد واليفاع الأشم والطود الشاهق، قد لمس الأفلاك بيده ونظم النجوم في مفرقه. وتلفع بالحساب في مروطه، وآوى الرياح العواصف الدجوة وألقى إلى خبر السماء باذنه، وأظل على البحر الأخضر بشماريخه، واستدبر القفر من بلاد السوس بظهره، وأقام سائر جبال درن في حجره. ولما انقرض أمر الموحدين وتغلب بنو مرين على المصامدة أجمع، وساموهم خطة الخسف في وضع الضرائب والمغارم عليهم، فاستكانوا لعزهم وأعطوهم يد الطواعية، واعتصم هسكورة هؤلاء بمعقلهم واعتزوا فيه بمنعتهم، فلم يغمسوا في خدمتهم يدا، ولا أعطوهم مقادا، ولا رفعوا بدعوتهم راية، إنما هي منابذة لأمرهم وامتناع عليهم سائر الأيام. فإذا زحفت الحشود وتمرست بهم العساكر دافعوهم بطاعة معروفة وأتاوة غير ملتزمة، ورئيسهم مع ذلك يستخلص جبايتهم لنفسه ويدفعهم في المضايق لحمايته، وربما تخطاهم إلى بعض قبائل الجبل ومن قاربه من أهل بسائط السوس يعسكر بذلك للرجل من قومه هسكورة وكنفيسة، وبالحشد من العرب الموطنين بأرض السوس.
وسفيان وهم بطن الحارث ومن المعقل وهم بطن الثبانات، وكان رئيسهم في ذكرنا بعد انقراض عبد المؤمن بن يوسف، وحرروا لسان الأعجمين، هو عبد الواحد، وكان له في الاستبداد والصرامة ذكر. وهلك سنة ثمانين وستمائة وكان منتحلا للعلم واعية له جماعة لكتبه ودواوينه، حافظا لفروع الفقه. يقال إن المدونة كانت من محفوظاته، محبا في الفلسفة مطالعا لكتبها، حريصا على نتائجها من علم الكيمياء والسيمياء والسحر والشعوذة، مطلعا على الشرائع القديمة والكتب المنزلة بكتب ٦/٣٥٤
التوراة. ويجالس أحبار اليهود حتى لقد اتهم في عقيدته ورمي بالرغبة عن دينه، ثم ولي من بعده ابنه عبد الله، وكان مقتفيا سنن أبيه في ذلك وخصوصا في انتحال السحر والاستشراف إلى صنعة الكيمياء. ولما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن أخيه عمر، وسكن فتنة المغرب ودوخ أقطاره وحل معتصمه بالعساكر وأوطأ ساحاته لكتائب رجاله دون من يمده من أعراب السوس من ورائه، بما كان من تغلبه على بلادهم واقتضائه بطاعتهم وإنزال عماله بالعساكر بينهم، فلاذ منه عبد الله السكسيوي بطاعة معروفة رهن فيها ابنه، واشترط للسلطان الهدية والضيافة، فتقبل منه ومنحه جانب الرضى.
ولما كانت نكبة السلطان بالقيروان، واضطرب المغرب فتنة وخلا جو البلاد المراكشية من المشايخ اجتمع رأي الملأ من المصامدة على النزول إلى مراكش، وأحكموا عقد الاتفاق بينهم وأجمعوا تخريبها بما كانت دارا للأمرة ولمقام الكتائب المجمرة، وزعم عبد الله السكسيوي هذا بإنفاذ ذلك فيها، وضمن هو تخريب المساجد لتجافيهم عنها فكانت مذكورة على الأيام. ثم انحل عزمهم وافترقت جماعتهم وكلمتهم بما كانت من استقامة الدولة بفاس واجتماع بني مرين على السلطان أبي عنان كما يذكر بعد فانحجر كل منهم بوجاره.
ولما فرغ أبو عنان من شأن أبيه واستولى على المغرب الأوسط وغلب عليه بنو عبد الواد، ولحق أخوه أبو الفضل بن مطرح اغترابه في الأندلس بالطاعة يروم الإجازة إلى المغرب لطلب حقه، فأركبه السفير إلى مراحل السوس فنزل به، ولحق بعبد الله السكسيوي فآواه وظاهره على أمره. فجرد أبو عنان العزائم إليهم وعقد لوزيره فارس ابن ميمون بن وادرار على حربهم. واستخرج جيوش المغرب وأناخ بساحته سنة أربع وخمسين وستمائة واختط بسفح الجبل مدينة لحصاره سماها القاهرة. وأخذت بمخنقه وزاحمت بمناكبها أركان معقلة حتى لاذت للسلم، واشترط أن ينبذ العهد إلى أبي الفضل المصري عنده يذهب حيث يشاء فتقبل منه. وعقد له سلما على عادته وأفرج عنه. وخرج على عبد الله السكسيوي لأيام السلطان أبي سالم ابنه محمد المعروف في لغتهم ايزم ومعناه الأسد، فغلبه على أمره ولحق عبد الله بعامر بن محمد الهنتاتي كبير المصامدة لعهده، وعامل السلطان عليهم، فاستجاش به ووعده عامر النصرة وأمهله عاما ونصفه حتى وفد على السلطان، واستوهب في ذلك. ثم أجمع ٦/٣٥٥
على نصره من عدوه فجمع له الناس وخاطب أهل ولايته أن يكون معه يدا. وزحف عبد الله حتى نزل بالقاهرة وأخذ بمخنق أبيه وأشياعه. ثم داخله بعض بطانته ودله على بعض العورات اقتحم منها الجبل وثاروا بابنه ايزم فصاح به عبد الله وقومه. وفر محمد أمامهم فأدرك بتلاسف من نواحي الجبل وقتل واسترجع عبد الله ملكه، واستقلت قدمه إلى أن مكر به ابن عمه يحيى بن سليمان حين بلغ استبداد الوزير عمر ابن عبد الله على سلطان المغرب واستبداد عامر بن محمد بولاية مراكش، وثأر منه يحيى هذا بأبيه سليمان وهو عم عبد الله، كان قتله أيام إمارته الأولى وأقام مملكا على سكسيوة إلى سني خمس وسبعين وستمائة، فثار عليه أبو بكر بن عمر بن خرو فقتله بأخيه عبد الله، واستقل بأمر سكسيوة ومن إليهم. ثم خرج عليهم لأعوام من استقلاله ابن عم له من أهل بيته لم ينقل لي من تعريفه إلا أن اسمه عبد الرحمن، لأن ثورته كانت بعد رحلتي الثانية من المغرب سنة ست وسبعين وستمائة، فأخبرني الثقة بأمره وأنه ظفر بأبي بكر بن عمر وقتله. واستبد بأمر الجبل إلى هذا العهد فيما زعم وهو سنة تسع وسبعين وستمائة ثم بلغني سنة ثمان وثمانين وستمائة أن عبد الرحمن هذا ويعرف بأبي زيد بن مخلوف بن عمر آجليد قتله يحيى بن عبد الله بن عمر، واستبد بأمر هذا الجبل وهو الآن مالكه، وهو أخو ايزم بن عبد الله والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
(وأما بقية قبائل المصامدة) من سوى هؤلاء السبع مثل هيلانة وحاحة ودكالة وغيرهم ممن أوطن هضاب الجبل أو ساحته فهم أمم لا تنحصر. ودكالة منهم في ساحة الجبل من جانب الجوف مما يلي مراكش إلى البحر من جانب الغرب. وهناك رباط آسفي المعروف ببني ماكر من بطونهم وبين الناس اختلاف في انتسابهم في المصامدة أو صنهاجة، ومجاورهم من جانب الغرب في بسيط ينعطف ما بين ساحل البحر وجبل درن في بسيط هناك يقضي إلى السوس، يعمره من حاحة هؤلاء خلق أكثرهم في خمر الشعراء من الشجر المعروف بأرجان، يتحصنون بملتقها وأدواحها ويعتصرون الزيت لادامهم من ثمارها. وهو زيت شريف طيب اللون والرائحة والطعم يبعث منه العمال إلى دار الملك في هداياهم فيطرفون به.
وبآخر مواطنهم مما يلي أرض السوس وفي القبلة عن جبل درن بلدة دنست وبها معظم هذه الشعراء ينزلها رؤساؤهم، ورياستهم في بطن منهم يعرفون بمغراوة وكان شيخهم ٦/٣٥٦
لعهد السلطان أبي عنان إبراهيم بن حسين بن حماد بن حسين، وبعده ابنه محمد بن إبراهيم بن حسين وبعده ابن عمهم خالد بن عيسى بن حماد واستمرت رياسته عليهم إلى أعوام ست وسبعين وسبعمائة أيام استيلاء السلطان عبد الرحمن بن بطوسن على مراكش، فقتله شيخ بن مرين علي بن عمر الورتاجي من بني ويغلان منهم وما أدري لمن صارت رياستهم من بعده، وهم دكالة جميعا أهل مغرم واسع وجباية موفورة فيما علمناه، ولله الخلق والأمر وهو خير الوارثين.
كان الواثق جهز لحرب أحد أمراء المصامدة، فكان وزيره داخله في ذلك وسائل من ذلك السيد أبا زيد ابن السيد أبي عمران خليفته وأخبره بما سمع، وأمره بالقبض عليه وقتله فأنفذ ذلك. ثم ارتحل الى السوس لتمهيده، وحسم هلال بن بدر فيه وقدم يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وكنفيسة وصناكة وغيرهم، وسار يتعدى المنازل ويستنفر القبائل وهو بتارودنت فوجدها قفرا خلاء إلا قليلا من الدور بخارجها، ونزل على حميدين صهر علي بن بدر وقريبه بحصن تيسخت على وادي السوس، كان لصنهاجة فغلبهم عليه ابن بدر وملكه فنازله أبو دبوس وحاصره أياما وهزم فيها جموعه.
وداخل محمد بن علي بن زكدان في إفراج أبي دبوس على سبعين ألف دينار يؤديها إليه، فأعجله الفتح من ذلك ونجا بدمائه إلى بيته، وطولب بالمال وبقي معتقلا عند ابن زكدان، وامتنع على ابن بدر بحصنه، ثم أطاع ووصلت رسله بطاعته فانصرف الواثق إلى حضرته ودخلها سنة خمس وستين وستمائة وبلغه الخبر بانتقاض يعقوب بن عبد الحق وأنهى إليه فبعث بمرتبة إلى تلمسان صحبة أبي الحسن بن قطرال وابن أبي عثمان رسول يغمراسن. خرج إليهم من مراكش ابن أبي مديون الونكاسي دليلا وسلك بهم على الثغر إلى سجلماسة، وبها يحيى بن يغمراسن فبعثهم مع بعض المعقل إلى أبيه، وألفوه بجهة مليانة فأقام ابن قطرال بتلمسان ينتظره. وكان يعقوب بن عبد الحق لما بلغه ذلك نهض إلى مراكش بجيوش بني مرين ونزل بضواحي مراكش، وأطاعه أهل النواحي ونهض إليه أبو دبوس بعساكر الموحدين فاستجره يعقوب إلى وادي أعفر. ثم ناجزه الحرب فاختل مصافه وفر عسكره وانهزم يريد مراكش والقوم في اتباعه، فأدرك وقتل وبادر يعقوب بن عبد الحق فدخل مراكش في المحرم فاتح سنة ثمان وستين وستمائة، وفر بقية المشيخة من الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا ٦/٣٥٧
بايعوا عبد الحق أحد بني أبي دبوس وسموه المعتصم مدة من خمسة أيام وخرج في جملتهم وانقرض أمر بني عبد المؤمن والبقاء لله وحده أه. ٦/٣٥٨
الخبر عن بقايا قبائل الموحدين من المصامدة بجبال درن بعد انقراض دولتهم بمراكش وتصاريف أحوالهم
هذا العهد لما دعا المهدي إلى أمره في قومه من المصامدة بجبال درن وكان أصل دعوته نفي التجسيم الذي آل إليه مذهب أهل المغرب باعتمادهم ترك التآويل في المتشابه من الشريعة، وصرح بتكفير من أبى ذلك آخذا بمذهب التكفير بالمثال فسمى لذلك دعوته بدعوة التوحيد، وأتباعه بالموحدين نعيا على الملثمين مثال مذاهبهم إلى اعتقاد الجسمية، وخص بالمزية من دخل في دعوته قبل تمكنها، وجعل علامة تمكنها فتح مراكش، فكان إنما اختص بهذا اللقب أهل السابقة قبل ذلك الفتح، وكان أهل تلك السابقة قبل فتح مراكش ثماني قبائل سبعة من المصامدة: هرغة وهم قبيلة الإمام المهدي وهنتاتة و
تين ملل
وهم الذين بايعوه مع هرغة على الإجارة والحماية، وكنفيسة وهزرجة وكدميوة ووريكة. وثمانية قبائل الموحدين: كومية قبيلة عبد المؤمن كبير صحابته، دخلوا في دعوته قبل الفتح فكانت لهم المزية بسابقة عبد المؤمن وسابقتهم فاختص هؤلاء القبائل بمزية هذه السابقة واسمها. وقاموا بالأمر وحملوا سريره وأنفقوا في مذاهبه وممالكه في سائر الأقطار على نسبة قربهم من صاحب الأمر وبعدهم. وبقي من بقي منهم بمحالهم ومعاقلهم بقية حتوف. وجرت عليهم ذيل زناتة من بعد الملك أذيال الغلب والقهر حتى أبقوهم بالاتاوات، وانتظموا في عدد الغارمين من الرعايا، وصاروا يولون عليهم من زناتة تارة ومن رجالاتهم أخرى، وفي ذلك عبرة وذكرى لأولي الألباب، والملك لله يورثه من يشاء.
هرغة
فأما هرغة وهم قبيل الإمام المهدي قد دثروا وتلاشوا وانتفقوا في القاصية من كل وجه لما كانوا أشد القوم بلاء في القيام بالدعوة، وأصلاهم لنارها بقرابتهم من صاحبها ٦/٣٥٩
وتعصبهم على أمره. ولم يبق منهم إلا أخلاط وأوشاب أمرهم إلى غيرهم من رجالات المصامدة لا يملكون عليهم منه شيئا.
تينملل
وكذا تين ملل إخوتهم في التعصب على دعوة المهدي والاشتمال عليه والقيام بأمره حتى تحيز إليهم وبنى داره ومسجده بينهم، فكان يعطيهم من الفيء بقدر عظمهم من الابتلاء ، وأبعدوا في ممالك الدولة وعمالاتها فانقرض رجالاتهم، وملك غيرهم من المصامدة أمرهم عليهم، وقبر الإمام بينهم بهذا العهد على حاله من التجلة والتعظيم وقراءة القرآن عليه أحزابا بالغدو والعشي، وتعاهده بالزيارة وقيام الحجاب دون الزائرين من الغرباء لتسهيل الإذن، واستشعار الأبهة وتقديم الصدقات بين يدي زناتة على الرسم المعروف في احتفال الدولة، وهم مصممون مع كافة المصامدة أن الأمر سيعود وأن الدولة ستظهر على أهل المشرق والمغرب وتملأ الأرض كما وعدهم المهدي، لا يشكون في ذلك ولا يستريبون فيه.
هنتاتة
وأما هنتاتة وهم تلو القبيلتين في الأمر، وكل من بعدهم فإنما جاءوا على أثرهم وتبعا لهم، لما كانوا عليه من الكثرة والبأس، ومكان شيخهم أبي حفص عمر بن يحيى من صحابة الإمام والاعتزاز على المصامدة. وكانت لهم بإفريقية دولة كما نذكرهم، فاتفقت الدولتان منهم عوالم في سبيل الاستظهار بهم، وبقي بموطنهم المعروف بهم من جبال درن، وهو الجبل المتاخم لمراكش على توسط من الاستبداد والخضوع ولهم في قومهم مكان بامتناع معقلهم وإطلاله على مراكش. ولما تغلب بنو مرين على المصامدة، وقطعوا عنهم أسباب الدعوة كان لرؤسائهم أولاد يونس انحياش إليهم بما ٦/٣٦٠
كانوا مسخوطين في آخر دولة بني عبد المؤمن، فاختصوهم بالإثرة والمخالصة.
وكان علي بن محمد كبيرهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق خالصة له من بين قومه. وهلك سنة سبعين وستمائة على يد ابن الملياني الكاتب بكتاب لبس فيه، وأنفذه على السلطان لابنه أمير مراكش فقتل رهط من مشيخة المصامدة في اعتقاله، كان منهم: علي بن محمد فقام السلطان لها في ركائبه، وندم على ما فرط من أمره في إفلات ابن الملياني على ما يذكر من أمر هذه الواقعة في أخبار السلطان يوسف بن يعقوب. ولما ولي السلطان أبو سعيد وانقطع عن المصامدة ما كان لهم من أثر الملك والسلطان، وانقادوا للدولة رجع بنو مرين إلى التولية عليهم من رجالاتهم، ودالوا بينهم في ذلك وأخبار السلطان بعد صدر من دولة موسى بن علي بن محمد للولاية على المصامدة وجبايتهم، فعقد له وأنزله مراكش فاضطلع بهذه الولاية سنين ورسخت فيها قدمه، وأورثها أهل بيته، وصار لهم بها في الدولة مكان انتظموا له في الولاية، وترشحوا للوزارة. ولما هلك موسى عقد السلطان من بعده لأخيه محمد، وأجراه على سننه إلى أن هلك فاستعمل السلطان بنيه في وجوه خدمته، وعقد لعامر منهم على قومه. ولما ارتحل السلطان أبو الحسن إلى إفريقية صحبه عامر فيمن صحبه من أمراء المصامدة وكافة الوجوه، حتى إذا كانت نكبة القيروان سنة تسع وأربعين وسبعمائة عقد له على الشرطة بتونس على رسم الموحدين من بيوت الخطة وسعة الرزق. وأسام إليه فيها فكفاه همها، ولما فصل من تونس ركب الكثير من حرمه وخطاياه السفن لنظر عامر هذا، حتى إذا غرق الأسطول بالسلطان أبي الحسن بما أصابهم من عاصف الريح رمى الموج بالسفينة التي كانوا بها إلى المرية من ثغور الأندلس، فأنزل بها كرائم السلطان لنظره وبعث عنهن ابنه أبو عنان المستبد على أبيه بملك المغرب، فامتنع من إسلامهن إليه وفاء بأمانته في خدمتهم.
وخلص السلطان أبو الحسن بعد النكبة البحرية إلى الجزيرة سنة خمسين وسبعمائة وزحف إلى بني عبد الواد ففلوه ونهض إلى المغرب، وسلك إليه القفر حتى نزل سجلماسة فقصده أبو عنان فخرج منها إلى مراكش وقام بدعوته المصامدة وعرب جشم، فاحتشد، ولقي ابنه بأغمات بجهات أم ربيع فكانت الدبرة عليه، ونجا إلى ٦/٣٦١
جبل هنتاتة. وكان عبد العزيز بن محمد شيخا عليهم منذ مغيب عامر، وكان في جملته، وخلص معه فأنزله عبد العزيز بداره، وتآمر هو وقومه على إجارته والموت دونه فاعتصم بمعقلهم. وجاء السلطان أبو عنان في كافة بني مرين إلى مراكش فخيم بظاهرها واحتشد لحصارهم أشهرا حتى هلك السلطان أبو الحسن كما نذكره بعد، فحملوه على الأعواد ونزلوا على حكم أبي عنان فأكرمهم ورعى لهم وسيلة هذا الوفاء، وعقد لعبد العزيز على إمارته، واستقدم عامرا كبيرهم من مكانه بالمرية، فقام بهن لأمانته من حظايا السلطان وحرمه فلقاه السلطانة مبرة وتكريما، وأناله من اعتنائه حظا.
وتخلى له أخوه عبد العزيز عن الأمر فأقره نائبا. ثم عقد السلطان لعامر سنة أربع وخمسين وسبعمائة على سائر المصامدة واستعمله لجبايتهم فقام بها مضطلعا، وكفاه هم الأعمال المراكشية حتى عرف عناءه فيها وشكر له كفايته. وهلك السلطان أبو عنان واستبد على ابنه السعيد ووزيره الحسن بن عمر المودودي . وكان ينفس عليه ما كان له من الترشيح للرتبة، وبينهما في ذلك شحناء، فخشي بادرته وخرج من مراكش، إلى معقلة في جبل هنتاتة، وحمل معه ابن السلطان أبي عنان الملقب بالمعتمد. وكان أبوه عقد له يافعا قبيل وفاته على مراكش لنظر عامر فخلص به إلى الجبل، حتى إذا استوت قدم السلطان أبي سالم في الأمر واستقل بملك المغرب سنة ستين وسبعمائة وفد عليه عامر بن محمد مع رسله إليه، وأوفد ابن أخيه محمد المعتمد فتقبل السلطان وفادته، وشكر وفاءه، وأقام ببابه مدة. ثم عقد له على قومه، ثم استنفره معه إلى تلمسان، ولم يزل مقيما ببابه إلى قبيل وفاته فأنفذه لمكان إمارته.
ولما هلك السلطان أبو سالم واستبد بالمغرب بعده عمر بن عبد الله بن عمر على ما نذكره، وكانت بينه وبين عامر بباب السلطان صداقة وملاطفة، وصل يده بيده، وأكد العهد معه على سد تلك الفرجة، وحول عليه في حوط البلاد المراكشية وأن لا يؤتى من قبله، وكان زعيما بذلك. وعقد له على الأعمال المراكشية وما إليها إلى وادي أم ربيع. وفوض إليه أمر تلك الناحية، واقتسما المغرب شق الأبلمة وخلص إليه الأعياص من ولد السلطان أبي سعيد أبو الفضل بن السلطان أبي سالم، وعبد ٦/٣٦٢
المؤمن بن السلطان أبي علي، فاعتقل عبد المؤمن وأمكن أبا الفضل من إمارته على ما نذكر بعد. وساءت الحال بينه وبين عمر ونهض إليه من فاس بجموع بني مرين وكافة العساكر، واعتصم بجبله وقومه واستبد على الأمر من بعده . ووصل عبد المؤمن من معتقله يجأجئ به بنو مرين لما كانوا يؤملون من ولايته واستبداده لما آسفهم من حجر الوزراء لملوكهم. فلما رأوا استبداد عامر عليه أعرضوا عنه، وانعقد السلم بينه وبين عمر بن عبد الله على ما كان عليه من مقاسمته إياه في أعمال المغرب، ورجع واستقل عامر بناحية مراكش وأعمالها، حتى إذا هلك عمر بن عبد الله بيد عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن كما نذكره، حدثت أبا الفضل بن السلطان أبي سالم نفسه بالفتك بعامر بن محمد كما فتك عمه بعمر بن عبد الله. ونذر بذلك فاحتمل كرائمه وصعد إلى داره بالجبل، ففتك أبو الفضل بعبد المؤمن ابن عمه لأنه كان معتقلا بمراكش. واستحكمت لذلك النقرة بينه وبين عامر بن محمد. وبعث إلى السلطان عبد العزيز فنهض من فاس في جموعه سنة تسع وستين وسبعمائة.
وفر أبو الفضل فلحق بتادلا، وتقبض عليه عمه السلطان عبد العزيز وقتله كما نذكر في أخباره. وطلب عامرا في الوفادة فخشيه على نفسه، واعتصم بمعقله فرجع إلى حضرته، واستجمع عزائمه. وعقد على مراكش وأعمالها لعلي بن أجانا من صنائع دولتهم، وأوعز إليه بمنازلة عامر فدافعه عامر وقومه عن معتصمه، وأوقع به وتقبض على طائفة من بني مرين وصنائع السلطان في المعركة أودعهم سجنه، فحرك بها عزائم السلطان، ونهض إليه في قومه من بني مرين وعساكر المغرب وأحاط به ونازلة حولا كريتا . ثم تغلب عليه سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وانفضت جموعه.
وتقبض عليه عند اقتحام الجبل فسيق أسيرا إلى السلطان فقيده، وقفل به إلى الحضرة. ولما قضى نسك الفطر من سنته أحضره ووبخه. ثم أمر به فتل إلى مصرعه، واثخن جلدا بالسياط وضربا بالمقارع حتى فاض عفا الله عنه. وعقد السلطان على قومه لفارس ابن أخيه عبد العزيز، كان نزع إليه بين يدي مهلك عمه، وعفا عن ابنه أبي يحيى بسابقته إلى الطاعة قبيل اقتحام الجبل عليهم، أشار ٦/٣٦٣
عليه بذلك أبوه نظرا له فظفر بالسلامة والحظ ، وأصاره السلطان في جملته. ثم هلك بعد ذلك فارس بن عبد العزيز، واضطرم المغرب فتنة بعد مهلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة وصارت أعمال مراكش في إيالة السلطان عبد الرحمن بن علي الملقب بأبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي. ونزع إليه أبو يحيى بن عامر فعقد له على قومه. ثم أتهمه باحتمال الأموال منذ عهد أبيه وشره إلى اسطفائه، ونذر به ابن عامر فلحق ببعض قبائل المصادمة جيرانهم بأطراف السوس، ونزل عليهم. وكان مهلكه فيهم أعوام ثمانين وسبعمائة، والله وارث الأرض ومن عليها.
كدميوة
وأما كدميوة وكانوا تبعا لهنتاتة وتين ملل في الأمر، وجبلهم بصدف جبل هنتاتة، وكان رؤساءهم لعهد الموحدين بنو سعد الله. ولما تغلب بنو مرين على المصامدة ووضعوا عليهم الضرائب امتنع يحيى بن سعد الله بعض الشيء بحصن تافرجا وتيسخنت من جبلهم وخالفه عبد الكريم بن عيسى وقومه إلى طاعة بني مرين، واختلفت إليهم العساكر إلى أن هلك يحيى بن سعد الله سنة أربع وتسعين وستمائة، وعساكر يوسف بن يعقوب مجمرة على حصاره، فهدموا حصونه، وأذلوا من قومه.
واستخلص السلطان يوسف بن يعقوب عبد الكريم بن عيسى منذ عهد أبيه فعقد له عليهم. ثم تقبض على أمراء المصامدة واعتقله فيمن اعتقل منهم، حتى إذا فعل ابن الملياني فعلته في استهلاكهم لعداوة عمه بما لبس الكتاب على لسان السلطان لابنه على أمير مراكش، فقتل عبد الكريم فيمن قتل منهم، وقتل معه بنوه عيسى وعلي ومنصور، وابن أخيه عبد العزيز بن محمد. وامتعض السلطان لذلك وأفلت ابن الملياني من معسكره لحصار تلمسان فدخلها. ٦/٣٦٤
ثم قام بأمر كدميوة عبد الحق بن الملياني سعد الله أيام السلطان أبي الحسن وابنه أبي عنان، وكانت بينه وبين عامر بن محمد فتنة جرها منصب العمالة، شأن المجاورين من القبائل، وقديم العداوة بين السلف. فلما استفحل أمر عامر بالولاية على مراكش وسائر المصامدة، نبذ إلى عبد الحق العهد ونحلة الخلاف والمداخلة للسكسيوي شيخ الفتنة المستعصي منذ أول الدولة، فصمد إليه سنة سبع وخمسين وسبعمائة في قومه ومشايخ السلطان التي كانت بمراكش لنظره فاقتحم عليه معقلة عنوة وقتله. واستولى على كدميوة ولحق بنو سعد الله بفاس، فأقاموا بها حتى إذا خاض السلطان أبو سالم البحر إلى ملكه بعد أخيه أبي عنان ونزل بغمارة، نزل إليه يوسف بن سعد الله واعتقد منه ذمة سابقيته تلك. فلما استولى على البلد الجديد واستقل سلطانه، عقد له على قومه رعيا لوسيلته، فأقام في ولايته مدة السلطان أبي سالم.
وكان عامل مراكش محمد بن أبي العلى من حاشية السلطان وبيوت الولاة بالمغرب معولا فيها على مظاهرته.
ولما هلك السلطان ابو سالم واستبد عمر بن عبد الله على الملوك بعده، بادر لحين ثورته بالعقد لعمر على أعمال مراكش ليستظهر به، وطير إليه الكتاب بذلك، ونزل إلى مراكش وقتل بها يوسف بن سعد الله، ونكث ابن أبي العلى، ثم قتله وألحقه بابنه عبد الحق ، وذهبت الرئاسة من كدميوة برهة من الدهر، ثم رجعت إليهم في بني سعد الله، والله تعالى قادر على ما يشاء، وبيده تصاريف الأمور لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
وريكة
فهم مجاورون لهنتاتة، وبينهم فتنة قديمة وحروب متصلة ودماء مطلولة، كانت بينهم سجالا، وهلك فيها من الفريقين أمم إلى أن غلبهم هنتاتة باعتزازهم بالولاية، ٦/٣٦٥
فخضدوا منهم الشوكة وأصاروهم في الجملة، والله وارث الأرض ومن عليها. والله تعالى أعلم بغيبه وهو على كل شيء قدير ٦/٣٦٦
الخبر عن بني يدر أمراء السوس من الموحدين بعد انقراض بني عبد المؤمن وتصاريف أحوالهم
كان أبو محمد بن يونس من جملة وزراء الموحدين من هنتاتة، وكان المرتضى قد استوزره ثم سخطه، وعزله سنة خمسين وستمائة وألزمه داره بتاء مصلحت، وفر عنه قومه وحاشيته وقرابته. وكان من أهل قرابته علي بن يدر من بني باداسن ففر إلى السوس وجاهر بالخلاف سنة إحدى وخمسين وستمائة ونزل بحصن تانصاحت بسفح الجبل حيث يدفع وادي السوس من درن، وشيده وحصنه وتغلب على حصن تيسخت من أيدي صنهاجة وشيده، وأنزل فيه ابن عمه بوحمدين . ثم تغلب على بسيط السوس، وجأجأ بني حسان من أعراب المعقل من مواطنهم بنواحي ملوية إلى بلاد الريف، فارتحلوا إليه وعاث بهم في نواحي السوس، وأطاع له كثير من قبائله فاستوفى جبايتهم. وأجلب على عامل الموحدين بتار ودانت وضيق عليه المسالك، وتفاقم أمره. واتهم الوزير أبو محمد بن يونس بمداخلته وعثر على كتابه إلى علي بن يدر فأمر المرتضى باعتقاله وقتله سنة اثنتين وخمسين وستمائة وأغزى أبا محمد ابن أصال إلى بلاد السوس في عسكر الموحدين والجند، وعقد له عليها فنزل تارودانت وتحصن علي بن يدر في تيونودين . وزحف إليه ابن أصناك في عسكره فهزمه ابن يدر وقتل كثيرا منهم، ورجع إلى مراكش مفلولا. وأقام علي بن يدر على حاله من الخلاف، وأغزاه المرتضى محمد بن علي أزلماط في عسكر من الموحدين سنة ستين وستمائة فهزمهم، وقتل ابن أزلماط فعقد المرتضى من بعده على السوس لوزيره أبي زيد بن بكيت فزحف إليه ودارت الحرب بينهما مليا، وانقلب من غير ظفر، واستفحل ابن يدر ببلاد السوس واستخدم الأعراب من الشبانات وذوي حسان.
وأطاعته القبائل من كزولة ولمطة وزكن ولخس من شعوب لمطة وصناكة. وجبى الأموال واستخدم الرجال، يقال كان جنده ألف فارس، وكان بينه وبين كزولة فتن ٦/٣٦٧
وحروب يستظهر في أكثرها بدوي حسان.
ولما استولى أبو دبوس على مراكش سنة خمس وستين وستمائة وفرغ من تمهيد ملكه بها، اعتزم على الحركة إلى السوس، ورحل من مراكش، وقدم بين يديه يحيى بن وانودين لاحتشاد القبائل ومن بالجبل، ثم أسهل من تامسكروط إلى بسيط السوس، ونزل على بني باداسن وقبيلة ابن يدر على فرسخين من تيونودين. وقصد تيزخت ومر بتارودنت وعاين آثار الخراب الذي بها من عيث ابن يدر، ولما بلغ حصن تيزخت خيم بساحته وحشد أمما من القبائل لحصاره، وكان بو حمدين ابن عم علي بن يدر فحاصره أياما. ولما اشتد عليه الحصار داخل علي بن زكدان من مشيخة بني مرين، كان في جملة أبي دبوس فداخله في الطاعة، وتقبل السلطان طاعته على النزول عن حصنه.
ثم أعجله الحرب واقتحم عليهم الجلب ولجئوا إلى الحصن وفر حمدين إلى بيت علي بن زكدان فأمره السلطان باعتقاله. واستولى السلطان على الحصن، وأنزل به بعض السادة لولايته. وارتحل أبو دبوس إلى محاصرة علي بن يدر فحاصره أياما، ونصب عليه المجانيق. ولما اشتد عليه الحصار رغب في الإقالة ومعاودة الطاعة، فتقبل وأقلع السلطان عن حصاره، وقفل إلى حضرته. ولما استولى بنو مرين على مراكش سنة ثمان وستين وستمائة استبد علي بن يدر وتملك سوس واستولى على تارودنت ايغري وسائر أمصاره وقواعده ومعاقلة، وأرهف حده للأعراب فزحفوا إليه. وكانت عليه الدبرة، وقتل سنة ثمان وستين وستمائة وقام بأمره علي ابن أخيه عبد الرحمن بن الحسن مدة. ثم هلك وقام بأمرهم علي بن الحسن بن بدر. ولما صار أبو علي بن السلطان أبي سعيد إلى ملك سجلماسة يصلح عقده مع أبيه كما يذكر في أخبارهم، فنزلها وشيد ملكه بها، واستخدم كافة عرب المعقل فرغبوه في ملك السوس وأطمعوه في أموال ابن يدر فغزاه من سجلماسة، وفر ابن يدر أمامه إلى جبال نكيسة. واستولى السلطان أبو علي على حصنه نانصاصت وسائر أمصار السوس، واستصفى ذخيرته وأمواله، ورجع إلى سجلماسة.
ثم استولى السلطان أبو الحسن من بعد ذلك عليه وانقرض ملك بني يدر. ولحق به ٦/٣٦٨
عبد الرحمن بن علي بن الحسن، وصار في جملته. وأنزل السلطان بأرض السوس مسعود بن إبراهيم بن عيسى البريتاني من طبقة وزرائه، وعقد له على تلك العمالة إلى أن هلك، وعقد لأخيه حسون من بعده إلى أن كانت نكبة القيروان. وهلك حسون وانقض العسكر من هنالك، وتغلب عليه العرب من بني حسان والشبانات، ووضعوا على قبائله الأتاوات والضرائب. ولما استبد أبو عنان بملك المغرب من بعد أبيه أغزى عساكره السوس لنظر وزيره فارس بن ودرار سنة ست وخمسين وستمائة فملكه واستخدم القبائل والعرب من أهله، ورتب المشايخ بأمصاره، وقفل إلى مكان وزارته، فانفضت المشايخ ولحقت به.
وبقي عمل السوس ضاحيا من ظل الملك لهذا العهد، وهو وطن كبير في مثل عرض البلاد الجريدية وهوائها المتصل من لدن البحر المحيط إلى نيل مصر الهابط من وراء خط الاستواء في القبلة إلى الاسكندرية. وهذا الوطن قبلة جبال درن وعمائر وقرى ومزارع ومدن وأمصار وجبال وحصون، ويحدق به وادي السوس ينصب من باطن الجبل إلى ما بين كلاوة وسيكسيوة، ويدفع إلى بسيطه، ثم يمر مغربا إلى أن ينصب في البحر المحيط والعمائر متصلة حفا في هذا الوادي ذات المدن والمزارع، وأهلها يتخذون فيها قصب السكر. وعند مصب هذا الوادي من الجبل في البسيط مدينة تارودنت وبين مصب هذا الوادي في البحر ومصب وادي آش مرحلتان إلى ناحية الجنوب على ساحل البحر، وهناك رباط ماسة الشهير المعروف بتردد الأولياء وعبادتهم. وتزعم العامة أن خروج الفاطمي منه.
ومنه أيضا إلى زوايا أولاد بو نعمان مرحلتان في الجنوب كذلك على ساحل البحر، وبعدها على مراحل عصب الساقية الحمراء وهي منتهى مجالات المعقل في مشايتهم وفي رأس وادي السوس جبل زكنون قبلة جبل الكلاوي، وفي قبلة جبال درن جبال نكيسة تنتهي إلى جبال درعه ويعرف الآخر منها في الشرق بابن حميدي ويصب من جبال نكيسة وادي نول ويمر مغربا إلى أن يصب في البحر. وعلى هذا ٦/٣٦٩
الوادي بلدتا كاوصت محط الرفاق والبضائع بالقبلة، وبها سوق في يوم واحد يقصده التجار من الآفاق، وهو من الشهرة لهذا العهد بمكان. وبلد إيفري بسفح جبال نكيسة بينها وبين تاكاوصت مرحلتان، وأرض السوس مجالات لنزول لمطة ، فلمطه منهم مما يلي درن وكزولة مما يلي الرمل والقفر. ولما تغلب المعقل على بسائطه اقتسموها مواطن، فكان الشبانات أقرب إلى جبال درن. وصارت قبائل لمطة من أحلافهم، وصارت كزولة من أحلاف ذوي حسان. والأمر على ذلك لهذا العهد، وبيد الله تصاريف الأمور، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
علي عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الرحمن علي بن بدر من بني باداسن
الخبر عن دولة بني حفص ملوك افريقية من الموحدين ومبدإ أمرهم وتصاريف أحوالهم
قد قدمنا أن قبائل المصامدة بجبل درن وما حوله كثير مثل: هنتاتة وتين ملل وهرغة وكنفيسة وسكسيوة وكدميوة وهزرجة ووريكة وهزميرة وركراكة وحاحة وبني ماغوس وكلاوة وغيرهم ممن لا يحصى. وكان منهم قبل الإسلام وبعده رؤساء وملوك. وهنتاتة هؤلاء من أعظم قبائلهم وأكثرها جمعا وأشدها قوة، وهم السابقون للقيام بدعوة المهدي والممهدون لأمره وأمر عبد المؤمن من بعده، كما ذكرنا في أخباره. واسم هنتات جدهم بلسان المصامدة حتى كان كبيرهم لعهد الإمام المهدي الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى، ونقل البيذق أن اسمه بلسانهم فارصكات .
وهنتاتة لهذا العهد تقول إنه اسم جدهم، وكان عظيما فيهم متبوع غير مدافع، وهو أول من بايع الإمام المهدي من قومه، فجاء يوسف بن وانودين وأبو يحيى بن بكيت ٦/٣٧٠
وابن يغمور وغيرهم منهم على أثره. واختص بصحابة المهدي فانتظم في العشرة السابقين إلى دعوته. وكان تلو عبد المؤمن فيهم، ولم تكن مزية عبد المؤمن عليه إلا من حيث صحابة المهدي.
وأما في المصامدة فكان كبيرهم غير مدافع، وكان يسمى بين الموحدين بالشيخ كما كان المهدي يسمى بالإمام، وعبد المؤمن بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي بن أحمد بن والال بن إدريس بن خالد بن اليسع بن إلياس بن عمر بن وافتن بن محمد ابن نجية بن كعب بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هكذا نسبه ابن نخيل وغيره من الموحدين. ويظهر منه أن هذا النسب القرشي وقع في المصامدة والتحم بهم، واشتملت عليه عصبيته شأن الأنساب التي تقع من قوم إلى قوم وتلتحم بهم كما قلناه أول الكتاب. ولما هلك الإمام وعهد بأمره الى عبد المؤمن، وكان بعيدا عن عصبية المصامدة إلا ما كان له من أثرة المهدي واختصاصه فكتم موت المهدي وعهد عبد المؤمن ابتلاء لطاعة المصامدة. وتوقف عبد المؤمن عن ذلك ثلاث سنين، ثم قال له أبو حفص نقدمك كما كان الإمام يقدمك فعلم أن أمره منعقد. ثم أعلن ببيعته وأمضى عهد الإمام بتقديمه وحمل المصامدة على طاعته، فلم يختلف عليه اثنان. وكان الحل والعقد في المهمات إليه سائر أيام عبد المؤمن وابنه يوسف، واستكفوا به نوائب الدعوة فكفاهم همها. وكان عبد المؤمن يقدمه في المواقف فبلى فيها . وبعثه على مقدمته حين زحف إلى المغرب الأوسط قبل فتح مراكش سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وزناتة كلهم مجتمعون بمنداس لحرب الموحدين مثل بني ومانو وبني عبد الواد وبني ورسيغان وبني توجين وغيرهم، فحمل زناتة على الدعوة بعد أن أثخن فيهم. ولأول دخول عبد المؤمن لمراكش خرج عليه الثائر بماسة، وانصرفت إليه وجود الغوغاء وانتشرت ضلالته في النواحي وتفاقم أمره، فدفع لحربه الشيخ أبا حفص فحسم داءه ومحا أثر غوايته.
ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية حركته الأولى لم يقدم شيئا على استشارة أبي حفص. ولما رجع منها وعهد إلى ابنه محمد خالفه الموحدون، ونكروا ولاية ابنه، فاستدعى أبا حفص من مكانه بالأندلس، وحمل الموحدين على البيعة له. ٦/٣٧١
وأشار بقتل يصلاتي الهرغي رأس المخالفين في شأنه فقتله، وتم أمر العهد لابنه محمد. ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية سنة أربع وخمسين وخمسمائة وحركة الثانية لفتح المهدية استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب، وينقل من وصاة عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية لبنيه أنه لم يبق من أصحاب الإمام إلا عمر بن يحيى ويوسف بن سليمان، فأما عمر فإنه من أوليائكم، وأما يوسف فجهزه بعسكره إلى الأندلس تستريح منه. وكذلك فافعل بكل من تكرهه من المصامدة. وأما ابن مردنيش فأتركه ما تركك وتربص به ريب المنون، وأخل إفريقية من العرب وأجلهم إلى بلاد المغرب، وأدخرهم لحرب ابن مردنيش إن احتجت إلى ذلك.
ولما ولي يوسف بن عبد المؤمن تخلف الشيخ أبو حفص عن بيعته، ووجم الموحدون لتخلفه حتى استنبل غرضه في حكم أمضاه بمقعد سلطانه، وأعجب بفضله وأعطاه صفقة يمينه، وأعلن بالرضا بخلافته فكانت عند يوسف وقومه من أعظم البشائر، وتسمى بأمير المؤمنين سنة ثلاث وستين وخمسمائة. ولما ولي يوسف بن عبد المؤمن وتحركت الفتنة بجبال غمارة وصنهاجة التي تولى كبرها سبع بن منقفاد سنة اثنتين وستين وخمسمائة عقد للشيخ أبي حفص على حربهم فجلى في ذلك. ثم خرج بنفسه فأثخن فيهم وكمل الفتح كما ذكرناه. ولما بلغه سنة أربع وستين وخمسمائة تكالب الطاغية على الأندلس وغدره بمدينة بطليوس، واعتزم على الإجازة لحمايتها قدم عساكر الموحدين إليها لنظر الشيخ أبي حفص، ونزل قرطبة وأمر من كان بالأندلس من السادة أن يرجعوا إلى رأيه، فاستنفذ بطليوس من هذا الحصار، وكانت له في الجهاد هنالك مقامات مشهورة. ولما انصرف من قرطبة إلى الحضرة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة هلك عفا الله عنه في طريقه بسلا ودفن بها، وكان ابناؤه من بعده يتداولون الإمارة بالأندلس والمغرب وإفريقية مع السادة من بني عبد المؤمن، فولى المنصور ابنه أبا سعيد على إفريقية لأول ولايته، وكان من خبره مع عبد الكريم المنتزي بالمهدية ما ذكرناه في أخباره. واستوزر أبا يحيى بن أبي محمد بن عبد الواحد، وكان في مقدمته يوم المعركة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فجلى عن المسلمين، وكان له في ذلك الموقف من النصرة والثبات ما طار له به ذكر. واستشهد في ذلك الموقف، وعرف أعقابه ببني الشهيد آخر الدهر، وهم لهذا العهد بتونس.
ولما نهض الناصر إلى إفريقية سنة إحدى وستمائة، لما بلغه من تغلب ابن غانية على ٦/٣٧٢
تونس فاسترجعها، ثم نازل المهدية فتعاونت عليه ذئاب الأعراب. وجمعهم ابن غانية ونزل قابس فسرح الناصر، اليهم أبا محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص في عسكر من الموحدين، فأوقع بابن غانية بتاجرا من نواحي قابس سنة اثنتين وستمائة، وقتل جبارة أخو ابن غانية، وأثخن فيهم قتلا وسبيا، واستبعد منهم السيد أبا زيد بن يوسف بن عبد المؤمن الوالي كان بتونس، وأسره ابن غانية ورجع إلى الناصر بمكانه من حصار المهدية. فكان سببا في فتحها. وكان ذلك مما حمل الناصر على ولاية الشيخ أبي محمد بإفريقية حسبما يذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن إمارة أبي محمد بن الشيخ أبي حفص بإفريقية وهي أولية أمرهم بها
لما تكالب ابن غانية واتباعه على إفريقية واستولى على أمصارها، وحاصر تونس وملكها، وأسر السيد أبا زيد أميرها، ونهض الناصر من المغرب سنة إحدى وستمائة كما ذكرناه فاسترجعها من أيديهم وشردهم عن نواحيها. وخيم على المهدية يحاصرها، وقد أنزل ابن غانية ذخيرته وولده بها وأجلب في جموعه خلال ذلك على قابس، فسرح الناصر إليه الشيخ أبا محمد هذا في عساكر الموحدين. وزحف إليهم بتاجرا من جهات قابس فهزمهم واستولى على معسكرهم وما كان بأيديهم، وأثخن فيهم بالقتل والسبي واستنفذ السيد أبا زيد من أسرهم، ورجع إلى الناصر بمعسكره من حصار المهدية ظافرا ظاهرا. وعاين أهل المدينة يوم هزمه بالغنائم والأسرى فبهتوا وسقط في أيديهم، وسألوا النزول على الأمان. وكمل فتح المهدية ورجع الناصر إلى تونس فأقام.
بها حولا إلى منتصف سنة ثلاث وستمائة. وسرح أثناء ذلك أخاه السيد أبا إسحاق ليتتبع المفسدين، ويمحو مواقع عيثهم، فدوخ ما وراء طرابلس، وأثخن في بني دمر ومطماطة ونفوسه، وشارف أرض سرت وبرقة، وانتهى إلى سويقة ابن مذكور. وفر ابن غانية إلى صحراء برقة وانقطع خبره. وانكفأ السيد راجعا إلى تونس. واعتزم الناصر على الرحلة إلى المغرب وقد أفاء على إفريقية ظل الرضى وضرب عليهم ٦/٣٧٣
سرادق الحماية. وبدا له أن ابن غانية سيخالفه إليها، وأن مراكش بعيدة عن الصريخ، وأنه لا بد من رجل يسد فيها مسد الخلافة، ويقيم بها شئون الملك، فوقع اختياره على أبي محمد بن الشيخ أبي حفص، ولم يكن ليعدوه لما كان عليه هو وأبوه في دولتهم من الجلالة، وأن أمر بني عبد المؤمن إنما تم بوفاق الشيخ أبي حفص ومظاهرته، وأن أباه المنصور كان قد أوصى الشيخ أبا محمد به وبإخوته. وكان يوليه صلاة الصبح إذا حضره شغل وأمثال ذلك.
وسار الخبر بذلك إلى أبي محمد فامتنع، وشافهه الناصر به فاعتذر، فبعث إليه ابنه يوسف فأكرم موصله. وأجاب على شريطة اللحاق بالمغرب بعد قضاء مهمات إفريقية في ثلاث سنين، وأن يختار عليهم من رجالات الموحدين وأن لا يتعقب عليه في تولية ولا عزل، فقبل شرطه ونودي في الناس بولايته، ورفعت بين الموحدين رايته. وارتحل الناصر إلى المغرب ورجع عنه الشيخ أبو محمد من بجاية فقعد مقعد الإمارة بقصبة تونس في السبت العاشر من شوال سنة ثلاث وستمائة، وأنفذ أوامره، واستكتب أبا عبد الله محمد بن أحمد بن نخيل ورجع ابن غانية إلى نواحي طرابلس، فجمع أحزابه واتباعه من العرب من سليم وهلال.
وكان فيهم محمد بن مسعود في قومه من الزواودة، وعاودوا عيثهم، وخرج إليهم أبو محمد سنة أربع وستمائة في عساكر الموحدين. وتحيز إليه بنو عوف من سلم وهم مرداس وعلاق فلقيهم بشير فتواقعوا واحتربوا عامة يومهم، ونزل الصبر. ثم انفض عسكر ابن غانية آخر النهار واتبعهم الموحدون والعرب واكتسحوا أموالهم، وأفلت ابن غانية جريحا إلى أقصى مفرة ورجع أبو محمد إلى تونس بالظفر والغنيمة.
وخاطب الناصر بالفتح واستنجاز وعده في التحول عن الولاية فخاطبه بالشكر والعذر بمهمات المغرب عن إدالته، وأنه يستأنف النظر في ذلك. وبعث إليه بالمال والخيل والكسى للإنفاق والعطاء. كان مبلغها مائة ألف ألف دينار اثنتان وألف وثمانمائة كسوة، وثلاثمائة سيف، ومائة فرس، غير ما كان أنفذ إليه من سبتة وبجاية، ووعده ٦/٣٧٤
بالزيادة. وكان تاريخ الكتب سنة خمس وستمائة فاستمر أبو محمد على شأنه وترادفت الوقائع بينه وبين يحيى الميورقي كما نذكره إن شاء الله تعالى.
وقيعة تاهرت وما كان من أبي محمد في تلافيها واستنفاذ غنائمها
كان يحيى بن غانية لما أفلت من وقيعة أشير بدا له ليقصدن بلاد زناتة بنواحي تلمسان، وقارن ذلك وصول الشيخ أبي عمران بن موسى بن يوسف بن عبد المؤمن واليا عليها من مراكش، وخروجه إلى بلاد زناتة لتمهيد أنحائهم وجباية مغارمهم.
وكتب إليه الشيخ أبو محمد نذيرا بشأنه، وأن لا يعرض له وأنه في اتباعه فأبى من ذلك، وارتحل إلى تاهرت وصبحه بها ابن غانية فانفض معسكره. وفرت زناتة إلى حصن بها، وقتل السيد أبو عمران. واستبيحت تاهرت، فكان آخر العهد بعمرانها، وامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي، وانقلبوا إلى إفريقية فاعترضه الشيخ أبو محمد في موضع فأوقع بهم واستنفذ الأسرى من أيديهم، واكتسح سائر مغانمهم، وقتل فيها كثير من الملثمين ولحق فلهم بناحية طرابلس إلى أن كان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.
واقعة نفوسة ومهلك العرب والملثمين بها
كان ابن غانية بعد واقعة أشير واستنفاذ أبي محمد تاهرت من يده خلص إلى جهة طرابلس، وتلاحق به فل الملثمين وأولياؤه من العرب. وكان المجلي معه في مواقف الزواودة من رياح، وكبيرهم محمد بن مسعود فتدامروا واعتزموا على معاودة الحرب، وتعاقدوا على الثبات والصبر، وانطلقوا يستألفون الأعراب من كل ناحية، ٦/٣٧٥
حتى اجتمع إليهم من ذلك أمم كان فيهم رياح ورغب والشريد وعوف ودباب ونغات. واحتلفوا في الاحتشاد وأجمعوا دخول إفريقية، فبادرهم أبو محمد قبل وصولهم إليه. وخرج من تونس سنة ست وستمائة وأغذ السير إليهم، وتزاحفوا عند جبل نفوسة، واشتدت الحرب، ولما حمي الوطيس ضرب أبو محمد أبنيته وفسطاطه، وتحيزا إليه بعض الفرق من بني عوف بن سليم واختل مصاف ابن غانية واتبعه الموحدون إلى أن دخل في غيابات الليل وامتلأت أيديهم بالأسرى والغنائم، وسيقت ظعائن العرب. وقد كانوا قدموها بين أيديهم للحفيظة أفذاذا في الكر والفر، فأصبحت مغنما للموحدين وربات خدورها سبيا.
وهلك في المعركة خلق من الملثمين وزناتة والعرب، وكان فيهم عبد الله بن محمد بن مسعود البليط بن سلطان شيخ الزواودة، وابن عمه حركات بن الشيخ بن عساكر ابن السلطان وشيخ بني قرة وجرار بن ويفرن كبير مغزاوة ومحمد بن الغازي بن غانية في آخرين من أمثالهم. وانصرف ابن غانية مهيض الجناح مفلول الحد عفوفا باليأس من جميع جهاته، وانقلب أبو محمد والموحدون أعزة ظاهرين، واستفحل أمر أبي محمد بإفريقية وحسم علل الفساد واستوفى جبايتها وطالت مواقف حروبه، ولم تهزم له راية. وهلك الناصر وولي ابنه يوسف المستنصر واستبد عليه المشيخة لمكان صغره، وشغلوا بفتنة بني مرين وظهورهم بالمغرب، فاستكفى بالشيخ أبي محمد في إفريقية وعول على غنائه فيها، وضبطه لأحوالها وقيامه بملكها فأبقاه على أعمالها، وسرب إليه الأموال لنفقاتها وأعطياتها، ولم يزل بها إلى أن هلك سنة ثمان عشرة وستمائة والله أعلم.
الخبر عن مهلك الشيخ أبي محمد بن الشيخ أبي حفص وولاية عبد الرحمن ابنه
كانت وفاة الشيخ أبي محمد فاتح سنة ثمان عشرة وستمائة ولما هلك ارتاع الناس لمهلكه، وافترق أمر الموحدين في الشورى فريقين بين عبد الرحمن بن الشيخ أبي ٦/٣٧٦
محمد وإبراهيم ابن عمه إسماعيل بن الشيخ أبي حفص، فترددوا مليا ثم اتفقوا على الأمير أبي زيد عبد الرحمن ابنه، وأعطوه صفقة إيمانهم، وأقعدوه بمجلس أبيه في الإمارة، فسكن الثائرة وشمر للقيام بالأمر عزائمه. وأفاض العطاء وأجاز الشعراء، واستكتب أبا عبد الله ابن أبي الحسن، وخاطب المستنصر بالشأن. وخرج في عساكره لتمهيد النواحي وحماية الجوانب إلى أن وصل كتاب المستنصر بعزله لثلاثة أشهر من ولايته حسبما نذكره فارتحل إلى المغرب ومعه إخوانه وكاتبه ابن أبي الحسين ولحق بالحضرة.
الخبر عن ولاية السيد أبي العلا على افريقية وابنه أبي زيد من بعده وأخبارهم فيها واعتراضهم في الدولة الحفصية
لما بلغ الخبر إلى مراكش بمهلك أبي محمد بن أبي حفص، وقارن ذلك عزله السيد أبي العلا من إشبيلية، ووصوله إلى الحضرة مسخوطا: وهو أبو العلا إدريس بن يوسف عبد المؤمن أخو يعقوب المنصور، وعبد الواحد المخلوع المبايع له بعد ذلك.
وعول على الوزير ابن المثنى في جبر حاله، فسعى له عند الخليفة، وعقد له على إفريقية. ووصل الخطاب بولايته ونيابة إبراهيم بن إسماعيل بن الشيخ أبي حفص عنه خلال ما يصل، واستقدام أبناء الشيخ أبي محمد إلى الحضرة. وقرئ الكتاب شهر ربيع الأول من سنة ثماني عشرة وستمائة، فقام الشيخ بالنيابة في أمره، واستعمل أحمد المشطب في وزارته، وغلب عليه بطانته، وأساء في الموالاة لقرابته.
واختص أبناء الشيخ أبا محمد بقبيحة، وظن امتداد الدولة له. ووصل السيد أبو العلا شهر ذي القعدة من السنة، فنزل بالقصبة ونزل ابنه السيد أبا زيد بقصر ابن فاخر من البلد، ورتب الأمور ونهج السنن.
ولشهر من وصوله تقبض علي محمد بن نخيل كاتب الشيخ أبي محمد، وعلى أخويه ٦/٣٧٧
أبي بكر ويحيى، واستصفى أموالهم واحتاز عقارهم وضياعهم. وكان المستنصر عهد إليه بذلك، لما كان أسفه بفلتات من القول والكتاب تنمى إليه أيام رياسته في خدمة أبي محمد، فاعتقلهم السيد أبو العلا، ثم قتله وأخاه يحيى لشهر من اعتقالهما بعد أن فر من سجنه وتقبض فقتل. ونقل أبو بكر إلى مطبق المهدية فأردع به .
وخرج السيد أبو العلا من تونس سنة تسع عشرة وستمائة في عساكر الموحدين إلى نواحي قابس لقطع أسباب ابن غانية منها، فنزل قصر العروسيين، وسرح ولده السيد أبا زيد في عسكر من الموحدين إلى درج وغدامس من بلاد الصحراء لتمهيدها وجبايتها. وقدم بين يده عسكرا آخرا لمنازلة ابن غانية بودان، وواعدهم هناك منصرفة من غدامس فأرجف بهم العرب في طريقهم بمداخلة ابن غانية. ومال بذله في ذلك فانفض العسكر، وزحفوا إلى قابس. وأهمل السيد ابو زيد في غدامس إليهم فلقيه خبر مفرهم. فلحق بأبيه وأخبره بالجلي في أمرهم، فسخط قائد العسكر وهم بقتله. وطرق السيد أبا العلا المرض فرجع إلى تونس. وبلغه أن ابن غانية نهض من ودان إلى الزاب، وأن أهل بسكرة أطاعوه، فسرح السيد أبا زيد في عساكر الموحدين إليه، ودخل ابن غانية الرمل فأعجزهم.
ورجع السيد أبو زيد إلى بسكرة فأنزل بهم عقابه من النهب والتخريب، ورجع إلى تونس. ثم بلغه أن ابن غانية قد رجع إلى جوانب إفريقية، واجتمع إليه أخلاط من العرب والبربر، فسرح السيد أبا زيد إليه في العساكر ونزل بالقيروان، وخالفه ابن غانية إلى تونس فقصده السيد أبو زيد ومعه العرب وهوارة بظعائنهم ومواشيهم.
وتزاحفوا بمجدول فاتح إحدى وعشرين وستمائة، واشتد القتال وعضت الموحدون الحرب، وأبلى هوارة وشيخهم بعرة بن حناش بلاء جميلا. وضرب ابنتيه وتناغوا في الثبات والصبر فانهزم الملثمون وانجلت المعركة عن حصيد من القتلى من أصحاب ابن غانية، واستولى الموحدون على معسكرهم.
وكان بلغ السيد أبا زيد خبر مهلك أبيه السيد أبي العلا بتونس في شعبان سنة عشرين وستمائة. فلما فرغ من مواقعة ابن غانية رجع إلى تونس واقصر عن متابعته. وخاطب المستنصر بمهلك أبيه وواقعة الملثمين، وكان المستنصر قد عزله واستبدل منه بأبي ٦/٣٧٨
يحيى بن أبي عمران التينمللي صاحب ميورقة، ولم يصل إليه الخبر بعزله بعد.
وهلك الملك المستنصر إثر ذلك سنة عشرين وستمائة، وولي عبد الواحد المخلوع بن يوسف بن عبد المؤمن فنقض تلك العقدة، وكتب إلى السيد أبي زيد بالإبقاء على عمله، ونقض ما أصدر المستنصر من عزله، فأرسل عنانه في الولاية، وبسط يده في الناس بمكروهه، وتنكرت له الوجوه، وانحرف عنه الناس، بما كانوا عليه من الصاغية لأبي محمد بن أبي حفص وولده، الى أن عزل واستبدل بهم كما نذكره، وركب البحر بذخائره وأهله فلحق بالحضرة.
الخبر عن ولاية أبي محمد عبد الله بن أبي محمد بن الشيخ أبي حفص وما كان فيها من الأحداث
لما هلك المخلوع وولي العادل، ولى على إفريقية أبا محمد عبد الله بن أبي محمد عبد الواحد. وولى على بجاية يحيى بن الأطاس التينمللي، وعزل عنها ابن يغمور.
وكتب إلى السيد أبي زيد بالقدوم. وكتب أبو محمد عبد الله إلى ابن عمه موسى بن إبراهيم بن الشيخ أبي حفص بالنيابة عنه خلال ما يصل، فخرج السيد أبو زيد في ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة، واستقل أبو عمران موسى بأمر إفريقية، واستمرت نيابته عليها زهاء ثمانية أشهر. وخرج أبو محمد عبد الله من مراكش إلى إفريقية.
ولما انتهى إلى بجاية قدم بين يديه أخاه الأمير أبا زكريا ليعترضه طبقات الناس للقائه، فوصل إلى تونس في شعبان من هذه السنة بعد أن أوقع في طريقه بولهاصة. وكان أولاد شداد رؤساؤهم قد جمعوا لاعتراضه بناحية بونة، فسرح أخاه الأمير أبا زكريا لحسم دائهم ولخروج الطبقات من أهل الحضرة للقائه فكان كذلك. وخرج في رمضان من سنته، وخرج معه الناس على طبقاتهم فلقوه بسطيف، ووصل إلى الحضرة في ذي القعدة من آخر السنة، وتزحزح أبو عمران عن النيابة. ثم لحقه من المغرب أخوه أبو إبراهيم في صفر سنة أربع وعشرين وستمائة، فعقد له على بلاد قسطيلية وعقد لأخيه الأمير أبي زكريا على قابس وما إليها، وذلك في جمادى من ٦/٣٧٩
هذه السنة.
وبعد استقراره بتونس بلغه أن ابن غانية دخل بجاية عنوة، ثم تخطى كذلك إلى تدلس، وأنه عاث في تلك الجهات فرحل من تونس وعقد لأخويه كما ذكرناه.
وأغذ السير إلى فحص أبة فصبح به هوارة، وقد كان بلغه عنهم السعي في الفساد، فأطلق فيهم أيدي عسكره، واعتقل مشايخهم وأنفذهم إلى المهدية. ثم مر في اتباع ابن غانية، فانتهى إلى بجاية، وسكن أحوالها، ثم إلى متيجة ومليانة فأدركه الخبر أن ابن غانية قصد سجلماسة فانكفأ راجعا إلى تونس، ودخلها في رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، ولم يزل مستبدا بإمارته إلى أن ثار عليه الأمير أبو زكريا، وغلبه على الأمر كما نذكر.
الخبر عن ولاية الأمير أبي زكريا ممهد الدولة لآل أبي حفص بإفريقية ورافع الراية لهم بالملك واولية ذلك وبدايته
لما قتل العادل بمراكش سنة أربع وعشرين وستمائة، وبويع المأمون بالأندلس بعث إلى أبي محمد عبد الله بتونس ليأخذ له البيعة على من بها من الموحدين. وكان المأمون قد فتح أمره بالخلاف، ودعا لنفسه قبل موت أخيه العادل بأيام، فامتنع أبو محمد ورد رسله إليه، فكتب بذلك لأخيه الأمير أبي زكريا وهو بمكانه من ولاية قابس.
وعقد له على إفريقية فأخذ له البيعة على من إليه، وداخله في شأنها ابن مكي كبير المشيخة بقابس. واتصل ذلك بأبي محمد فخرج من تونس إليهم. ولما انتهى إلى القيروان نكر عليه الموحدون نهوضه إلى حرب أخيه، وانتقضوا عليه وعزلوه. وطير بالخبر إلى أخيه في وفد منهم فألفوه معملا في اللحاق برحاب بن محمد وأعراب طرابلس، فبايعوه ووصلوا به إلى معسكرهم. وخلع أبو محمد نفسه، ثم ارتحل الأمير أبو زكريا إلى تونس فدخلها في رجب من سنة خمس وعشرين [وستمائة] ، وأنزل أخاه ٦/٣٨٠
أبا محمد بقصر ابن فاخر، وتقبض على كاتبه أبي عمرو طرا من الأندلس. واستكتبه ابو محمد فغلب على هواه، وكان يغريه بأخيه، فبسط الأمير أبو زكريا عليه العذاب إلى أن هلك. ثم بعث أخاه أبا محمد في البحر إلى المغرب فاستبد بملكه، واستوزر ميمون بن موسى الهنتاتي، واستقامت أموره.
الخبر عن استبداد الأمير أبي زكريا بالأمر لبني عبد المؤمن
لما اتصل به ما أتاه المأمون من قتل الموحدين بمراكش، وخصوصا هنتاتة وتين ملل.
وكان منهم أخواه أبو محمد عبد الله المخلوع وإبراهيم، وأنه أشاع النكير على المهدي في العصمة، وفي وضع العقائد والنداء للصلوات باللسان البربري، وإحداث النداء لصبح وتربيع شكل الدرهم وغير ذلك من سننه. وأنه غير رسوم الدعوة، وبدل صول الدولة. وأسقط اسم الإمام من الخطبة والسكة وأعلن بلعنه. ووافق بلوغ الخبر بذلك وصول بعض العمال إلى تونس بتولية المأمون فصرفهم، وأعلن بخلعه سنة ست وعشرين وستمائة. وحول الدعوة إلى يحيى ابن أخيه الناصر المنتزي عليه بجبال الهساكرة. ثم اتصل به بعد ذلك عجز يحيى واستقلاله، فأغفله واقتصر على ذكر الإمام المهدي، وتلقب بالأمير ورسم علامته به في صدور مكتوباته. ثم جدد البيعة لنفسه سنة أربع وثلاثين وستمائة، وثبت ذكره في الخطبة بعد ذكر الإمام مقتصرا على لفظ الأمير، لم يجاوزه إلى أمير المؤمنين. وخاض أولياء دولته في ذلك حتى رفع إليه بعض شعرائه في مفتتح كلمة مدحه بها:
الأصل بالأمير المؤمنينا ... فأنت بها أحق العالمينا
فزحزحهم عن ذلك وأبي عنه، ولم يزل على ذلك إلى آخر دولته.
الخبر عن فتح بجاية وقسنطينة
لما استقل الأمير أبو زكريا بالأمر بتونس، وخلع بني عبد المؤمن، نهض إلى قسنطينة ٦/٣٨١
سنة ست وعشرين وستمائة، فنزل بساحتها وحاصرها أياما. ثم داخله ابن علناس في شأنها وأمكنه من غرتها فدخلها، وتقبض على واليها السيد ابن السيد أبي عبد الله الخرصاني بن يوسف العشري. وولى عليها ابن النعمان. ورحل إلى بجاية فافتتحها، وتقبض على واليها السيد أبي عمران ابن السيد أبي عبد الله الخرصاني وصيرهما معتقلين في البحر إلى المهدية. وأجريت عليهما هنالك الأرزاق، وبعث بأهلهما وولدهما مع ابن أوماز إلى الأندلس، فنزلوا بأشبيلية. وبعث معهما إلى المهدية في الاعتقال محمد بن جامع وابنه وابن أخيه جابر بن عون بن جامع من شيوخ مرداس عوف، وابن أبي الشيخ بن عساكر من شيوخ الدواودة، فاعتقلوا بمطبق المهدية وكان أخوه أبو عبد الله اللحياني صاحب أشغال بجاية فصار في جملته، وولاه بعدها الولايات الجليلة، وكان يستخلفه بتونس في مغيبه. وفي هذه السنة تقبض على وزيره ميمون بن موسى واستصفى أمواله، وأشخصه إلى قابس فاعتقل بها مدة. ثم غربه إلى الإسكندرية، واستوزر مكانه أبا يحيى بن أبي العلا بن جامع، إلى أن هلك، فاستوزر بعده أبا زيد ابن أخيه الآخر محمد إلى أن هلك.
الخبر عن مهلك ابن غانية وحركة السلطان الى بجاية وولاية ابنه الأمير أبي يحيى زكريا عليها
لما استقل الأمير أبو زكريا بإفريقية وخلع طاعة بني عبد المؤمن صرف عزمه أولا إلى مدافعة يحيى بن غانية عن نواحي أعماله، فكانت له في ذلك مقامات مذكورة، وشرده عن جهات طرابلس والزاب وواركلا. واختط بواركلا المسجد لما نزلها في أتباعه، وأنزل بالأطراف عساكره وعماله لمنعها دونه. ولم يزل ابن غانية وأتباعه من العرب من أفاريق سليم وهلال وغيرهم على حالهم من التشريد والجلاء، إلى أن هلك سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وانقطع عقبه فانقطع ذكره، ومحا الله آثار فتنته من الأرض. واستقام أمر الدولة ونبضت منها عروق الاستيلاء واتساع نطاق الملك. ٦/٣٨٢
ونهضت عزائمه إلى تدويخ أرض المغرب فخرج من تونس سنة اثنتين وثلاثين وستمائة يؤم بلاد زناتة بالمغرب الأوسط. وأغذ السير إلى بجاية فتلوم بها. ثم ارتحل إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها. ثم نهض منها إلى بلاد مغراوة فأطاعه بنو منديل بن عبد الرحمن. وجاهر بنو توجين بخلافه، فنزل البطحاء وأوقع بهم. وتقبض على رئيسهم عبد القوي بن العباس فاعتقله، وبعث به إلى تونس ودوخ المغرب الأوسط وقفل راجعا إلى حضرته. وعقد مرجعه من المغرب لابنه الأمير أبي يحيى زكريا على بجاية وأنزله بها. واستوزر له يحيى بن صالح بن إبراهيم الهنتاتي وجعل شواره لعبد الله بن أبي تهدى، وجبايته لعبد الحق بن ياسين، وكلهم من هنتاتة. وكتب إليه بوصيته مشتملة على جوامع الخلال في الدين والملك والسياسة، يجب إثباتها لشرف مغزاها وغرابة معناها ويأتي نصها فيما بعد.
الخبر عن سطوة السلطان بهوارة
كان لهوارة هؤلاء بإفريقية ظهور وعدد منذ عهد الفتح، وكانت دولة العبيديين قد جرت عليهم بكلكلها لما كان منهم في فتنة أبي يزيد كما نذكره في أخبارهم. وبقي منهم فل بجبل أوراس وما بعده من بلاد إفريقية وبسائطها إلى أبة ومر ماجنة وسبيبة وتبرسق. ولما انقرض ملك صنهاجة بالموحدين وتغلب الأعراب من هلال وسليم على سائر النواحي بإفريقية، وكثروا ساكنها، وتغلبوا عليهم أخذ هذا الفل بمذهب العرب وشعارهم وشارتهم في اللبوس والزي والظعون وسائر العوائد. وهجروا لغتهم العجمية إلى لغتهم، ثم نسوها كأن لم تكن لهم، شأن المغلوب في الاقتداء بغالبه. ثم كان لهم انحياش أول الدولة إلى الطاعة بغلب عبد المؤمن وقومه. فلما استبد الأمير أبو زكريا، وانقلبت الدولة إلى بني أبي حفص ظهر منهم التياث في الطاعة، وامتناع عن المغرم، وأضرار بالسابلة، فاعتمل السلطان في أمرهم. وخرج من تونس سنة ست وثلاثين وستمائة موريا بالغزو إلى أهل أوراس، وبعث في احتشادهم فتوافدوا في معسكره. ثم صبحهم في عسكره من الموحدين والعرب ففتك بهم قتلا وسبيا، واكتسح أموالهم وقتل كبيرهم أبو الطيب بعرة بن حناش وأفلت من أفلت منهم ناجيا ٦/٣٨٣
بنفسه، عاريا من كسبه، فألانت هذه البطشة من حدهم وخضدت من شوكتهم، واستقاموا على الطاعة بعد.
الخبر عن ثورة الهرغي بطرابلس ومنال أمره
كان هذا الرجل من مشيخة الموحدين وهو يعقوب بن يوسف بن محمد الهرغي ويكنى بأبي عبد الرحمن، وكان الأمير أبو زكريا وقد عقد له على طرابلس وجهاتها، وسرح معه عسكرا من الموحدين من أعراب دباب من بني سليم، فقام بأمرها واضطلع بجباية رعاياها. واستخدم العرب والبربر الذين بساحتها وكان بينه وبين الجواهري مصدوقة ود. فلما قتل الجواهري سنة تسع وثلاثين وستمائة كما قدمناه استوحش لها يعقوب الهرغي واستقدمه السلطان فتلكأ، وبعث عنه أخاه ابن أبي يعقوب فازداد نفاره، وحدثته نفسه بالاستبداد لما كان أثرى من الجباية وشعر لها أهل البلد. فانطلقوا وهم يتخافون أن يعاجلوه قبل مداخلته العرب في أمره، فتقبضوا عليه وعلى أخيه وعلى أتباعهما ليلة أجمعوا الثورة في صباحها. وطيروا بالخبر إلى الحضرة فنفذ الأمر بقتلهم فقتلوا، وبعث برءوسهم إلى باب السلطان، ونصبت أشلاؤهم بأسوار طرابلس، وأصبحوا عبرة للمعتبرين وأنشد الشعراء في التهنية بهم وقامت للبشائر سوق لكائنتهم.
وكان ممن قتل معه محمد ابن قاضي القضاة بمراكش أبي عمران بن عمران. وصل علقا إلى تونس وقصد طرابلس فاتصل بهذا الهرغي، ونمي عنه أنه أنشأ خطبة ليوم البيعة فكانت سائقة حتفه. وكان بالمهدية رجل من الدعاة يعرف بأبي حمراء اشتهر بالنجدة في غزو البحر، وقدم على الأسطول فردد الغزو حتى هابه الغزى من أمم الكفر، وأمنت سواحل المسلمين من طروقهم. وطار له فيها ذكر ونمي أنه كان مداخلا للجواهري والهرغي، وأن القاضي بالمهدية أبا زكريا البرقي اطلع على دسيستهم في ذلك، فنفذ الأمر السلطاني للوالي بها أبي علي بن أبي موسى بن أبي ٦/٣٨٤
حفص بقتل ابن أبي الأحمر، وإشخاص القاضي إلى الحضرة معتقلا، فأمضى عهده. ولما وصل البرقي إلى تونس فحص السلطان عن شأنه فبرئ من مداخلتهم، فسرحه وأعاده إلى بلده. وقتل بالحضرة رجل آخر من الجند أتهم بمداخلتهم وسعايته في قيامهم، وكان له تعلق برحاب بن محمود أمير دباب، فأوعز السلطان إلى بعض الدعار من زناتة، فقتله غيلة ثم أهدر دمه. وتتبع أهل هذه الخائنة بالقتل حتى حسم الداء، ومحا شوائب الفتنة.
الخبر عن بيعة بلنسية ومرسية وأهل شرق الأندلس ووفدهم
لما استقل أبو جميل زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الحجاج بن سعد بن مردنيش بملك بلنسية، وغلب عليها السيد أبا زيد بن السيد أبي حفص، وذلك عند خمود ريح بني عبد المؤمن بالأندلس، وخروج ابن هود على المأمون، ثم فتنته هو مع ابن هود، وثورة ابن الأحمر بأرجونة، واضطراب الأندلس بالفتنة. وأسف الطاغية إلى ثغور الأندلس من كل جانب. وزحف ملك أرغون إلى بلنسية فحاصرها، وكانت للعدو سنة ثلاث وثلاثين وستمائة سبع محلات لحصار المسلمين:
اثنتان منها على بلنسية، وجزيرة شقر وشاطبة. ومحلة بجيان ومحلة بطبيرة ومحلة بمرسية ومحلة بلبلة، وأهل جنوة من وراء ذلك على سبتة.
ثم تملك طاغية قشتالة مدينة قرطبة، وظفر طاغية أرغون بالكثير من حصون بلنسية والجزيرة، وبنى حصن أنيشة لحصار بلنسية. وأنزل بها عسكره وانصرف، فاعتزم زيان بن مردنيش على غزو من بقي بها من عسكره، واستنفر أهل شاطبة وشقر وزحف إليهم فانكشف المسلمون، وأصيب كثير منهم. واستشهد أبو الربيع بن سالم شيخ المحدثين بالأندلس، وكان يوما عظيما، وعنوانا على أخذ بلنسية ظاهرا. ثم ترددت عليها سرايا العدو. ثم زحف إليها طاغية أرغون في رمضان سنة خمس وثلاثين وستمائة فحاصرها واستبلغ في نكايتها. وكان بنو عبد المؤمن بمراكش قد فشل ريحهم، وظهر أمر بني أبي حفص بإفريقية، فأمل ابن مردنيش وأهل شرق ٦/٣٨٥
الأندلس الأمير أبا زكريا للكرة، وبعثوا إليه بيعتهم، وأوفد عليه ابن مردنيش كاتبه الفقيه أبا عبد الله بن الأبار صريخا، فوفد وأدى بيعتهم في يوم مشهود بالحضرة، وأنشد في ذلك المحفل قصيدته على روي السين، يستصرخه فيها للمسلمين وهي هذه:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
عاش مما تعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للنائبات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربة إجحاف نائبة ... تثني الأمان حذارا والسرور أسا
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان وارتحل الإيمان منبئسا
وصيرتها العوادي عائثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
ما للمساجد عادت للعدى بيعا ... وللنداء يرى أثناءها جرسا
لهفا عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارسا للمثاني أصبحت درسا
وأربعا غنمت أيدي الربيع بها ... ما شئت من خلع موشية وكسا
كانت حدائق للأحداق مونقة ... فصوح النصر من أدواحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجب ... يستوقف الركب أو يستركب الجلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا ... عيث الدبا في مغانيها التي كبسا
وابتز بزتها مما تحيفها ... تحيف الأسد الضاري لما افترسا ٦/٣٨٦
فأين عيش جنيناه بها خضرا ... وأين غصن جنيناه بها سلسا
محا محاسنها طاغ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حينا وما نعسا
ورج أرجاءها لما أحاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا
خلا له الجو وامتدت يداه إلى ... إدراك ما لم تنل رجلاه مختلسا
وأكثر الزعم بالتثليث منفردا ... ولو رأى راية التوحيد ما نبسا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فما ... أبقى المراس لها حبلا ولا مرسا
وأحي ما طمست منها العداة كما ... أحييت من دعوة المهدي ما طمسا
أيام صرت لنصر الحق مستبقا ... وبت من نور ذاك الهدي مقتبسا
وقمت فيها لأمر الله منتصرا ... كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلم ... والصبح ماحية أنواره الغلسا
هذي رسائلها تدعوك من كتب ... وأنت أفضل مرجو لمن يئسا
وافتك جارية بالنجح راجية ... منك الأمير الرضى والسيد الندسا
خاضت خضارة يعلوها ويخفضها ... عبابه فتعاني اللين والشرسا
وربما سبحت والريح عاتية ... كما طلبت بأقصى شدة الفرسا
تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبي ... حفص مقبلة من تربه القدسا
ملك تقلدت الأملاك طاعته ... دينا ودنيا فغشاها الرضى لبسا
من كل غاد على يمناه مستلما ... وكل صاد إلى نعماه ملتمسا
مؤيد لو رمى نجما لأثبته ... ولو دعا أفقا لبى وما احتبسا
إمارة تحمل المقدار رايتها ... ودولة عزها يستصحب القعسا
يبدي النهار بها من ضوئه شنبا ... ويطلع الليل من ظلمائه لعسا ٦/٣٨٧
كأنه البدر والعلياء هالته ... تحف من حوله شهب القنا حرسا
له الثرى والثريا خطتان فلا ... أعز من خطتيه ما سما ورسا
يا أيها الملك المنصور أنت لها ... علياء توسع أعداء الهدى تعسا
وقد تواترت الأنباء أنك من ... يحيى بقتل ملوك الصفر أندلسا
طهر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة ما لم تغسل النجسا
وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم ... حتى يطأطئ رأس كل من رأسا
وانصر عبيدا بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم أدمعا تهمي زكاء وخسا
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت ... داء متى لم تباشر حسمه انتكسا
املأ هنيئا لك التمكين ساحتها ... جردا سلاهب أو خطية دعسا
واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه ... لعل يوم الأعادي قد أتى وعسا
فأجاب الأمير أبو زكريا داعيتهم، وبعث إليهم أسطوله مشحونا بمدد الطعام والأسلحة والمال، مع أبي يحيى بن يحيى بن الشهيد أبي إسحاق بن أبي حفص. وكانت قيمة ذلك مائة ألف دينار. وجاءهم الأسطول بالمدد وهم في هذا الحصار، فنزل بمرسى دانية واستفرغ المدد بها ورجع بالناض إذا لم يخلص إليه من قبل ابن مردنيش من يتسلمه. واشتد الحصار على أهل بلنسية، وعدمت الأقوات وكثر الهلاك من الجوع، فوقعت المراودة على إسلام البلد فتسلمها جاقمة ملك أرغون في صفر سنة ست وثلاثين وستمائة، وخرج عنها ابن مردنيش إلى جزيرة شقر، فأخذ البيعة على أهلها للأمير أبي زكريا. ورجع ابن الأبار إلى تونس، فنزل على السلطان وصار في جملته، وألح العدو على حصار ابن مردنيش بجزيرة شقر، وأزعجه عنها إلى دانية فدخلها في رجب من سنته، وأخذ عليهم البيعة للأمير أبي زكريا.
ثم داخل أهل مرسية، وقد كان بويع بها أبو بكر عزيز بن عبد الملك ابن خطاب في مفتتح السنة، فافتتحها عليه في رمضان من سنته وقتله، وبعث ببيعتهم إلى الأمير أبي زكريا. وانتظمت البلاد الشرقية في طاعته، وانقلب وفد ابن مردنيش إليه من تونس بولايته على عمله سنة سبع وثلاثين وستمائة، ولم يزل بها إلى أن غلبه ابن هود ٦/٣٨٨
على مرسية، وخرج عنها إلى لقنت الحصون سنة ثمان وثلاثين وستمائة، إلى أن أخذها طاغية برشلونة من يده سنة أربع وأربعين وستمائة، وأجاز إلى تونس، والبقاء لله.
الخبر عن الجوهري وأوليته ومآل أمره
اسم هذا الرجل: محمد بن محمد الجوهري، وكان مشتهرا بخدمة ابن أكمازير الهنتاتي والي سبتة وغمارة من أعمال المغرب. وكان حسن الضبط متراميا إلى الرئاسة. ولما ورد على تونس وتعلق بأعمال السلطان نظر فيما يزلفه ويرفع من شأنه، فوجد جباية أهل الخيام بإفريقية من البرابرة الموطنين مع الأعراب غير منضبطة ولا محصلة في ديوان، فنبه على أنها مأكلة للعمال ونهبة للولاة، فدفع إليها فأنمى جبايتها وقرر ديوانها، وصارت عملا منفردا يسمى عمل العمود وطار له بذلك بين العمال ذكر، جذب له السلطان أبو زكريا بضبعه، وعول على نصيحته واثره باختصاصه. ووافق ذلك موت أبي الربيع الكنفيتي المعروف بابن الغريغر صاحب الأشغال بالحضرة، فاستعمل مكانه، وكان لا يلي تلك الخطة إلا كبير من مشيخة الموحدين، فرشحه السلطان لها لكفايته وغنائه، فظفر منها بحاجة نفسه، واعتدها ذريعة إلى أمنيته، فاتخذ شارة أرباب السيوف، وارتبط الخيل واتخذ الآلة في حروبه مع أهل البادية إذا احتاج إليها.
وأسف أثناء ذلك أبا علي بن النعمان وأبا عبيد الله بن أبي الحسن بعدم الخضوع لهما، فنصبا له، واغريا به السلطان، وحذراه غائلة عصيانه. وكان فيه إقدام أوجد به السبيل على نفسه، ويحكى أن السلطان استشاره ذات يوم في تقويم بعض أهل الخلاف والعصيان، فقال له: عندي ببابك ألف من الجنود أرم بها من تشاء من أمثالهم، فأعرض عنه السلطان واعتدها عليه. وجعلها مصداقا لما نمي عنه. ولما ٦/٣٨٩
قدم عنه عبد الحق بن يوسف بن ياسين على الأشغال ببجاية مع زكريا بن السلطان، أظهر له الجوهري أن ذلك بسعايته، وعهد إليه بالوقوف عند أمره والعمل بكتابه، فألقى عبد الحق ذلك إلى الأمير أبي زكريا فقام لها وقعد، وأنف من استبداد الجوهري عليه. ولم تزل هذه وأمثالها تعد عليه حتى حق عليه القول فسطا به الأمير أبو زكريا وتقبض عليه سنة تسع وثمانين وستمائة، ووكل امتحانه إلى أعدائه ابن لمان والندرومي، فتجلد على العذاب وأصبح في بعض أيامه ميتا بمحبسه. ويقال خنق نفسه وألقي شلوه بقارعة الطريق فتفنن أهل الشمات في العبث به، وإلى الله المصير.
الخبر عن فتح تلمسان ودخول بني عبد الواد في الدعوة الحفصية
كان الأمير أبو زكريا منذ استقل بأمر إفريقية واقتطعها عن بني عبد المؤمن كما ذكرناه متطاولا إلى ملك الحضرة بمراكش والاستيلاء على كرسي الدعوة. وكان يرى أن بمظاهرة زناتة له على شأنه يتم له ما يسمو إليه من ذلك، فكان يداخل أمراء زناتة فيه ويرغبهم ويراسلهم بذلك على الأحياء من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين ومغراوة.
وكان يغمراسن منذ تقلد طاعة آل عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزا إليهم سلما لوليهم وحربا على عدوهم. وكان الرشيد منهم قد ضاعف له البر والخلوص، وخطب منه مزيد الولاية والمصافاة، وعاوده الإتحاف بأنواع الألطاف والهدايا تيمما لمسراته، وميلا إليه عن جانب أقتاله بني مرين المجبلين على المغرب والدولة، فاستكبر السلطان أبو زكريا اتصال الرشيد هذا يغمراسن وألزمهم من جواره بالمحل القريب.
وبينما هو على ذلك إذ وفد عليه عبد القوي أمير بني توجين وبعض ولد منديل بن عبد الرحمن أمراء مغراوة صريخا على يغمراسن فسهلوا له أمره، وسولوا له الاستبداد على تلمسان. وجمع كلمة زناتة، واغداد ذلك ركابا لما يرومه من امتطاء ملك ٦/٣٩٠
الموحدين بمراكش، وانتظامه في أمره، وسلما لارتقاء ما يسمو إليه من ملكه، وبابا لولوج المغرب على أهله، فحركه إملاؤهم وهزه إلى النعرة صريخهم، وأهاب بالموحدين وسائر الأولياء والعساكر إلى الحركة على تلمسان. واستنفر لذلك سائر البدو من الأعراب الذين في طاعته من بني سليم ورياح بظعنهم، فاهطعوا لداعيه .
ونهض سنة تسع وثلاثين وستمائة في عساكر ضخمة وجيوش وافرة. وسرح إمام حركته عبد القوي بن العباس وأولاد منديل بن محمد لحشد من وافى بأوطانهم من أحياء زناتة وذؤبان قبائلهم، وأحياء زغبة أحلافهم من العرب. وضرب معهم موعدا لموافاتهم في تخوم بلادهم. ولما نزل صحراء زاغر قبلة تيطري منتهى مجالات رياح وبني سليم من المغرب، تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان، وتلووا بالمعاذير فألطف الأمير أبو زكريا الحيلة. زعموا في استنهاضهم وتنبيه عزائمهم، فارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحدين وحشود زناتة وظعن العرب بعد أن كان قدم إلى يغمراسن الرسل من مليانة بالأعذار والدعاء إلى الطاعة، فرجعهم بالخيبة. ولما حلت عساكر الموحدين بساحة البلد، وبرز يغمراسن وجموعه للقاء بصحبتهم ناشية السلطان بالنبل، فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الأسوار، فاستمكنت المقاتلة من الصعود. ورأى يغمراسن أن قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتفا في ذويه وخاصته. واعترضه عساكر الموحدين فصمم نحوهم وجندل بعض أبطالهم فأفرجوا له، ولحقوا بالصحراء وتسللت الجيوش إلى البلد من كل حدب، فاقتحموه وعاثوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الأموال.
ولما تجلى غشي تلك الهيعة، وخسر تيار الصدمة، وخمدت نار الحرب، راجع الموحدون بصائرهم وأنعم الأمير أبو زكريا نظره فيمن يقلده أمر تلمسان والمغرب الأوسط، وينزله بثغرها لإقامة دعوته الدائلة من دعوة بني عبد المؤمن والمدافعة عنها.
واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتبرأ أمراء زناتة ضعفا عن مقاومة يغمراسن علما بأنه الفحل الذي لا يقرع أنفه، ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته.
وسرح يغمراسن الغارات في نواحي المعسكر فاختطف الناس من حوله، واطلعوا من ٦/٣٩١
المراقب عليه. ثم بعث وفده متطارحين على السلطان في الملامة والاتفاق، واتصال اليد على صاحب مراكش طالب الوتر في تلمسان وإفريقية. وان يفرده بالدعوة الموحدية فأجابه إلى ذلك. ووفدت أمه سوط النساء للاشتراط والقبول فأكرم موصلها وأسنى جائزتها، وأحسن وفادتها ومنقلبها، وسوغ ليغمراسن في شرطه بعض الأعمال بإفريقية، وأطلق أيدي عماله على جبايته، وارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله.
وفي أثناء طريقه وسوس إليه الموحدون باستبداد يغمراسن، وأشاروا بإقامة منافسيه من زناتة وأمراء المغرب الأوسط شجى في صدره، ومعترضا عن مرامه، وإلباسهم ما لبس من شارة السلطان وزيه، فأجابهم وقلد كلا من عبد القوي بن عطية التوجيني، والعباس بن منديل المغراوي ومنصور المليكشي أمر قومه ووطنه، وعهد إليهم بذلك وأذن لهم في اتخاذ الآلة والمراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم، فاتخذوه بحضرته وبمشهد من ملأ الموحدين. وأقاموا مراسمها ببابه. وأغذ السير إلى تونس قرير العين بامتداد ملكه، وبلوغ وطره والإشراف على إذعان المغرب لطاعته وانقياده لحكمه، وإدالة دعوة بني عبد المؤمن فيه بدعوته، فدخل الحضرة واقتعد أريكته وأنشده الشعراء في الفتح، وأسنى جوائزهم وتطاولت إليه أعناق الآفاق نذكره. الله أعلم.
الخبر عن دخول أهل الأندلس في الدعوة الحفصية ووصول بيعة إشبيلية وكثير من أمصارها
كان بأشبيلية أبو مروان أحمد الباجي من أعقاب أبي الوليد وأبو عمرو بن الجد من أعقاب الحافظ أبي بكر الطائر الذكر، ورثا التجلة عن جدهما وأجراهما الخلفاء على سننهم. وكانا مسمتين وقورين متبوعين من أهل بلدهما مطاعين في أفقهما. وكان السادة من بني عبد المؤمن يعولون على شوراهما في مصرهما. وكان بعدوة الأندلس التياث في الملك منذ وفاة المستنصر، وانتزى بها السادة وافترقوا. وثار بشرق الأندلس ابن هود وزيان بن مردنيش، وبغربها ابن الأحمر. وغلب ابن هود الموحدين ٦/٣٩٢
وأخرجهم عنها. وملك ابن هود إشبيلية سنة ست وعشرين وستمائة واعتقل من كان بها من الموحدين. ثم انتقضوا عليه سنة تسع وعشرين وستمائة بعدها وأخرجوا أخاه أبا النجاة سالما، وبايعوا الباجي وتسمى بالمعتضد، واستوزر أبا بكر بن صاحب الرد، ودخلت في بيعته قرمونة، وحاصره ابن هود فوصل الباجي يده بمحمد بن الأحمر الثائر بأرجونة وجيان بعد أن ملك قرطبة.
وزحف ابن هود إليهم فلقوه وهزموه، ورجعوا ظافرين، فدخل الباجي إلى إشبيلية وعسكر بخارجها، ثم انتهز فرصته في إشبيلية وبعث قريبه ابن اشقيلولة مع أهل أرجونة والنصارى إلى فسطاط الباجي فتقبضوا عليه وعلى وزيره وقتلوهما سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ودخل ابن الأحمر إشبيلية، ولشهر من دخوله إليها ثار عليه أهلها ورجعوا إلى طاعة ابن هود، وولى عليهم أخاه أبا النجاة سالما. ولما هلك محمد بن هود سنة خمس وثلاثين وستمائة صرف أهل إشبيلية طاعتهم إلى الرشيد بمراكش، وولوا على أنفسهم محمد بن السيد أبي عمران الذي قدمنا أنه كان واليا بقسنطينة، وأن الأمير أبا زكريا غلبه عليها واعتقله، وبعث ولده إلى الأندلس فربي محمد هذا في كفالة أمه بأشبيلية. ولما سار أهل إشبيلية للرشيد قدموه على أنفسهم، وتولى كبر ذلك أبو عمرو بن الجد، وبعثوا وفدهم إلى الحضرة فأقر السيد أبا عبد الله على ولايتهم. واستمرت في دعوة الرشيد إلى أن هلك سنة أربعين وستمائة. وقد ملك الأمير أبو زكريا تلمسان وأشرف على أعمال المغرب، فاقتدوا بمن تقدم إلى بيعته من أهل شرق الأندلس ببلنسية ومرسية، وبايعوا للأمير أبي زكريا بن أبي محمد بن أبي حفص واقتدى بهم أهل شريش وطريف، وبعثوا إليه وفدهم ببيعته سنة إحدى وأربعين وستمائة. وسألوا منه ولاية بعض أهل قرابته فولى عليهم أبا فارس ابن عمه يونس بن الشيخ أبي حفص، فقدم إشبيلية وقام بأمرها، وسلم له ابن الجد في نقضها وإبرامها.
ثم انتقض عليه سنة ثلاث وأربعين وستمائة وطرده من البلد إلى سبتة واستبد بأمر إشبيلية، ووصل يده بالطاغية. وعقد له السلم وضرب على أيدي أهل المغاورة من الجند وأسقطهم من ديوانه فقتلوه بإملاء قائدهم شفاف واستقل بأمر إشبيلية. ٦/٣٩٣
ورجع أبا فارس بن أبي حفص وولاه بدعوة الأمير أبي زكريا فسخطهم الطاغية لذلك وانتقض عليهم وملك قرمونة ومرشانة. ثم زحف إلى حصرهم وسألوه الصلح فامتنع. وصار أمر البلد شورى بين القائد شفاف وابن شعيب ويحيى بن خلدون ومسعود بن خيار وأبي بكر بن شريح، ويرجعون في أمرهم آخرا إلى الشيخ أبي فارس بن أبي حفص.
وأقاموا في هذا الحصار سنتين ونازلهم ابن الأحمر في جملة الطاغية، وبعث إليهم الأمير أبو زكريا المدد، وجهز له الأسطول لنظر أبي الربيع بن الغريغر التينمللي.
وأوعز له إلى سبتة بتجهيز أسطولهم معه فوصل إلى وادي إشبيلية، وغلبهم أسطول الطاغية على مرسية فرجع. واستولى العدو عليها صلحا سنة ست وأربعين وستمائة بعد أن أعانهم ابن الأحمر بمدده وميرته. وقدم الطاغية على أهل الدخن بها عبد الحق بن أبي محمد البياسي من آل عبد المؤمن، والأمر لله.
الخبر عن بيعة أهل سبتة وطنجة وقصر ابن عبد الكريم وتصاريف أحوالهم ومال أمرهم
كان أهل سبتة بعد إقلاع المأمون عنهم، ونزول أخيه موسى عنها لابن هود قد انتقضوا وأخرجوا عنهم القشتيني والي ابن هود، وقدموا عليهم أحمد الينشتي وتسمى بالموفق.
ثم رجعوا إلى طاعة الرشيد عند ما بايعه أهل إشبيلية سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وتقبضوا على الينشتي وابنه وأدخلوا السيد أبا العباس ابن السيد أبي سعيد، كان واليا بغمرة فولوه عليهم. ثم عقد الرشيد على ديوان سبتة لأبي علي بن خلاص، كان من أهل بلنسية واتصل بخدمة الرشيد فجلى فيها. ودفعه إلى الأعمال فضبطها، فولاه سبتة فاستقل بها. وولى على طنجة يوسف ابن الأمير قائدا على الرحل الأندلسي وضابطا لقصبتها. حتى إذا هلك الرشيد سنة أربعين وستمائة، وقد استفحل أمر الأمير أبي زكريا بإفريقية، واستولى على تلمسان وبايعه الكثير من أمصار الأندلس، فصرف ابن خلاص وجهه إليه.
وكان قد اقتنى الأموال واصطنع الرجال، فدخل في دعوته، وبعث الوفد ببيعته.
واقتدى به في ذلك أهل قصر ابن عبد الكريم فبعثوا بيعتهم للأمير أبي زكريا. وعقد ٦/٣٩٤
لابن خلاص على سبتة وما إليها، فبعث بالهدية إليه في أسطول أنشأه لذلك سماه الميمون، وأركب ابنه أبا القاسم فيه وافدا على السلطان، ومعه الأديب إبراهيم بن سهل، فعطب عند إقلاعه. ولما رجع الأسطول من إشبيلية كما قدمناه على بقية هذا العطب وحزن أبي علي بن خلاص على ابنه، رغب من قائده أبي الربيع بن الغريغر أن يحمله بجملته إلى الحضرة، فانتقل بأهله واحتمل ذخيرته. ولما مر الأسطول بمرسي وهران نزل بساحلها فأراح، وأحضر له تين فأكله فأصابه مغص في معاه هلك منه فجأة سنة ست وأربعين وستمائة. وعقد السلطان على سبتة لأبي يحيى ابن زكريا ابن عمه أبي يحيى الشهيد بن الشيخ أبي حفص. وبعث معه على الجباية أبا عمر بن أبي خالد الإشبيلي، كان صديقا لشفاف وعدوا لابن الجد. ولما قتل شفاف لحق بالحضرة فولاه الأمير أبو زكريا أشغال سبتة، استمرت الحال إلى أن كان من استبداد العزفي بسبتة ما نذكره.
الخبر عن بيعة المرية
لما هلك محمد بن هود بالمرية سنة خمس وثلاثين وستمائة كما ذكرناه واستبد وزيره أبو عبد الله محمد بن الرميمي بها، وضبطها لنفسه وضايقه ابن الأحمر فبعث ببيعته سنة أربعين إلى الأمير أبي زكريا حين أخذ أهل شرق الأندلس بطاعته. ولم يزل ابن الأحمر يحاصره إلى أن تغلب عليه سنة ثلاث وأربعين وستمائة كما ذكرناه في أخباره.
وخرج منها إلى سبتة بأهله وذخيرته، وأحله أبو علي ابن خلاص محل البر والتكرمة، وأنزله خارج المدينة في بساتين بنيونش، وأجمع الثورة بأبي خلاص، فنذر به وتغير له. فلما رجع الأسطول من إشبيلية ركبه الرميمي ولحق بتونس، فنزل على الأمير أبي زكريا وحل من حضرته محل التكرمة. واستوطن تونس، وتملك بها الضياع والقرى، وشيد القصور إلى أن هلك والبقاء لله وحده.
الخبر عن بيعة ابن الأحمر
كان محمد بن الأحمر قد انتزى على ابن هود ببلده أرجونة، وتملك جيان وقرطبة ٦/٣٩٥
وإشبيلية وغرب الأندلس وطالت فتنته مع ابن هود وراجع طاعته. ثم انتقض عليه وبايع للرشيد سنة ست وثلاثين وستمائة عند ما بايعه أهل إشبيلية وسبته، فلم يزل على ذلك إلى أن هلك الرشيد على حين استفحال ملك الأمير أبي زكريا بإفريقية وتأميله للنصرة والكرة، فحول ابن الأحمر إليه الدعوة، وأوفد بها أبا بكر بن عياش من مشيخة مالقة فرجعهم الأمير أبو زكريا بالأموال للنفقات الجهادية. ولم يزل يواصلها لهم من بعد ذلك إلى أن هلك سنة سبع وأربعين وستمائة، فأطلق ابن الأحمر نفسه من عقال الطاعة واستبد بسلطانه.
الخبر عن بيعة سجلماسة وانتقاضها
كان عبد الله بن زكريا الهزرجي من مشيخة الموحدين واليا بسجلماسة لبني عبد المؤمن.
ولما هلك الرشيد وبويع أخوه السعيد سنة أربعين وستمائة، ونميت إليه عن الهزرجي عظيمة من القول خشن بها صدره وبعث إليه مستعتبا فلم يعتبه. ومزق كتابه فخشيه الهزرجي على نفسه، واتصل به ما كان من استيلاء الأمير أبي زكريا على تلمسان ونواحيها، فخاطبه بطاعته وأوفد عليه بيعته، فعقد له الأمير أبو زكريا على سجلماسة وأنحائها، وفوض إليه في أمرها ووعده بالمدد من المال والعسكر لحمايتها. وخطب له عبد الله بسجلماسة، وفر إليه من مراكش أبو زيد الكدميوي بن واكاك، وأبو سعيد العود الرطب، فلحق بتونس. وأقام أبو زيد معه بسجلماسة. وزحف إليه السعيد سنة إحدى وأربعين وستمائة، وقيل سنة أربعين، ومن معسكره كان مفر أولئك المشيخة.
وخاطب السعيد أهل سجلماسة وداخلهم أبو زيد الكدميوي فغدروا بالهزرجي وثاروا به، فخرج من سجلماسة وأسلمها، وقام بأمرها أبو زيد الكدميوي. وطير بالخبر إلى السعيد فشكر له فعلته، وغفر له سالفته. وتقبض على عبد الله الهزرجي بعض الأعراب، وأمكن منه السعيد فقتله وبعث برأسه إلى سجلماسة فنصب بها، ورجع من طريقه إلى مراكش وأقامت سجلماسة على دعوة عبد المؤمن إلى أن كان من خبرها ما نذكره في موضعه ٦/٣٩٦
الخبر عن بيعة مكناسة وما تقدمها من طاعة بني مرين
كان بين بني عبد الواد وبين بني مرين منذ أوليتهم وتقلبهم في القفار فتن وحروب، ولكل منهما أحلاف في المناصرة وأشياع. فلما التاثت دولة بني عبد المؤمن غلب كل منهما على موطنه، وكانت السابقة في ذلك لبني عبد الواد ليعدهم عن حضرة مراكش حيث محشر العساكر ويعسوب القبائل. ولما استبد الأمير أبو زكريا بأمر إفريقية، ودوخ المغرب الأوسط وافتتح تلمسان، وأطاعه بنو عبد الواد، حذر بنو مرين حينئذ غائلتهم. وخافوا أن يظاهرهم الأمير أبو زكريا عليهم، فألانوا له في القول ولاطفوه على البعد بالطاعة، وخاطبوه بالتمويل، وأوجبوا له حق الخلافة، ووعدوه أن يكونوا أنصارا لدعوته وأعوانا في أمره، ومقدمة في عسكره إلى مراكش وزحفه. وحملوا من تحت أيديهم من قبائل المغرب وأمصاره على طاعتهم، والاعتصام ببيعتهم. ولم تزل المخاطبات بينهم وبين الأمير أبي زكريا في ذلك من أميرهم عثمان بن عبد الحق وأخيه محمد من بعده. ورسلهم تفد عليه بذلك مرة بعد أخرى إلى أن هلك الرشيد. وقد استولى الأمير أبو زكريا على تلمسان، ودخل في دعوته قبائل زناتة بالمغرب الأوسط واستشرف أهل الأمصار من العدوتين إلى إيالته.
وكان أهل مكناسة قد اعتصموا بوصلة الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، وجاءهم وال من مراكش وأساء فيهم السيرة فتوثبوا به وقتلوه. وبعثوا إلى الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، فحملهم على بيعة الأمير أبي زكريا فأنفذوها من إنشاء قاضيهم أبي المطرف بن عميرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وضمن أبو يحيى بن عبد الحق حمايتهم خلال ما يأتيهم أمر السلطان من تونس ومدده وبلغ الخبر إلى السعيد فأرهف حده واعتزم على النهوض إليهم فخامرهم الرعب، وراجعوا طاعته وأوفدوا صلحاءهم وعلماءهم في الإقالة واغتفار الجريرة، فتقبل ذلك إلى أن كان من حركته بعد ذلك ومهلكه ما هو معروف ٦/٣٩٧
الخبر عن مهلك الأمير أبي يحيى زكريا ولي العهد بمكان إمارته من بجاية وتصيير العهد الى أخيه محمد
كان الأمير أبو زكريا قد عقد لابنه أبي يحيى زكريا على ثغر بجاية قاعدة ملك بني حماد، وجعل إليه النظر في سائر أعمالها من الجزائر وقسنطينة وبونة والزاب سنة ثلاث وثلاثين وستمائة كما ذكرناه، فاستقل بذلك، وكان بمكان من الترشيح للخلافة بنفسه وجلاله، وانتظامه في سلك أهل العلم والدين وإيناس العدل. فولاه الأمير أبو زكريا عهده سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وأحضر الملأ لذلك وأشهدهم في كتابه، وأوعز بذكره في الخطبة على المنابر مع ذكره. وكتب إليه بالوصية التي تداولها الناس من كلامه ونصها:
أعلم سددك الله وأرشدك، وهداك لما يرضيه وأسعدك، وجعلك محمود السيرة، مأمون السريرة. إن أول ما يجب على من استرعاه الله في خلقه، وجعله مسئولا عن رعيته في جل أمرهم ودقه، أن يقدم رضي الله عز وجل في كل أمر يحاوله، وأن يكل أمره وحوله وقوته لله، ويكون عمله وسعيه وذبه عن المسلمين، وحربه وجهاده للمؤمنين، بعد التوكل عليه، والبراءة من الحول والقوة إليه. ومتى فاجأك أمر مقلق، أو ورد عليك نبأ مرهق، فريض لبك، وسكن جأشك، وارع عواقب أمر تأتيه، وحاوله قبل أن ترد عليه وتغشيه. ولا تقدم إقدام الجاهل، ولا تحجم إحجام الأخرق المتكاسل. وأعلم أن الأمر إذا ضاق مجاله، وقصر عن مقاومته رجاله، فمفتاحه الصبر والحزامة والأخذ مع عقلاء الجيش ورؤسائهم، وذي التجارب من نبهائهم. ثم الإقدام عليه، والتوكل على الله فيما لديه، والإحسان لكبير جيشك وصغيره الكثير على قدره، والصغير على قدره. ولا تلحق الحقير بالكبير فتجري الحقير على نفسك، وتغلطه في نفسه وتفسد نية الكبير وتؤثره عليك، فيكون إحسانك إليه مفسدة في كلا الوجهين، ويضيع إحسانك وتشتت نفوس من معك.
واتخذ كبيرهم أبا وصغيرهم ابنا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة 17: 24 وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين 3: 159. واتخذ نفسك صغيرة، وذاتك حقيرة، وحقر أمورك، ولا تستمع أقوال الغالطين المغلطين، بأنك ٦/٣٩٨
أعظم الناس قدرا، وأكثرهم بذلا، وأحسنهم سيرة وأجملهم صبرا، فذاك غرور وبهتان وزور.
واعلم أن من تواضع لله رفعه الله. وعليك بتفقد أحوال رعيتك والبحث عن عمالهم والسؤال عن سير قضاتهم فيهم، ولا تنم عن مصالحهم، ولا تسامح أحدا فيهم.
ومهما دعيت لكشف ملمة فاكشفها عنهم، ولا تراع فيهم كبيرا ولا صغيرا إذا عدل عن الحق. ولا تراع في فاجر ولا متصرف إلا ولا ذمة، ولا تقتصر على شخص واحد في رفع مسائل الرعية والمتظلمين. ولا تقف عند مراده في أحوالهم.
واتخذ لنفسك ثقات صادقين مصدقين، لهم في جانب الله أوفر نصيب، وفي مسائل خلقه، إليك أسرع مجيب. وليكن سؤالك لهم افذاذ ، فأنك متى اقتصرت على شخص واحد في نقله ونصحه، حمله الهوى على الميل، ودعته الحمية إلى تجنب الحق، وترك قول الصدق. وإذا رفع إليك أحد مظلمة، وأنت على طريق، فأدعه إليك وسله حتى يوضح قصته لك. وجاوبه جواب مشفق مصغ إلى قوله، مصيخ إلى نازلته ونقله، ففي إصاختك له وحنوك عليه أكبر تأنيس، وللسياسة والرئاسة في نفوس الخاصة والعامة، والجمهور أعظم تأسيس.
وأعلم أن دماء المسلمين وأموالهم حرام على كل مؤمن بالله واليوم الآخر إلا في حق أوجبه الكتاب والسنة، وعضدته أقاويل الشرعية والحجة، أو في مفسد عاثت في طرقات المسلمين وأموالهم جار على غيه في فساد صلاحهم وأحوالهم، فليس إلا السيف فإن أثره عفاء ووقعه لداء الأدمغة الفاسدة دواء، ولا تقل عثرة حسود على النعم، عاجز عن السعي، فإن إقالته تحمله على القول، والقول يحمله على الفعل، ووبال عمله عائد عليك. فاحسم داءه قبل انتشاره، وتدارك أمره قبل إظهاره، واجعل الموت نصب عينيك، ولا تغتر بالدنيا وان كانت في يديك. لا تنقلب إلى ربك إلا بما قدمته من عمل صالح ومتجر في مرضاته رابح.
واعلم أن الإيثار أربح المكاسب وأنجح المطالب، والقناعة مال لا ينفد. وقد قال بعض المفسرين في قوله عز من قائل: «وتركنا عليه في الآخرين» 37: 78 إنه النبأ الحسن في الدنيا على ما خلد فيها من الأعمال المشكورة، والفعلات الصالحة المذكورة. ٦/٣٩٩
فليكفك من دنياك ثوب تلبسه وفرس تذب به عن عباده. وأرجو بك متى جعلت وصيتي هذه نصب عينيك، لم تعدم من ربك فتحا ييسره على يديك، وتأييدا ملازما لا يبرح عنك إلا إليك، بمن الله وحوله وطوله. والله يجعلك ممن سمع فوعى، ولبى داعي الرشد إذ دعا، أنه على كل شيء قدير، 22: 6 وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تمت الوصية المباركة، فعظم ترشيح الأمير أبي يحيى لذلك، وعلا في الدولة كعبه، وقوي عند الكافة تأميله، وهو بحالة من النظر في العلم والجنوح للدين، إلى أن هلك سنة ست وأربعين وستمائة، فأسى له السلطان، واحتفل الشعراء في رثائه وتأبينه، فكانوا يثيرون بذلك شجو السلطان، ويبعثون حزنه، وعقد العهد من بعده لأخيه الأمير أبي عبد الله محمد، بحضور الملأ، وإيداع الخاصة كتابهم بذلك في السجل، إلى أن كان من خلافته ما نذكره بعده.
الخبر عن مهلك السلطان أبي زكريا وما كان عقبه من الاحداث
كان السلطان أبو زكريا قد خرج من تونس إلى جهة قسنطينة للاشراف على أحوالها، ووصل إلى باغاية فعرض العساكر بها، ووافته هنالك الدواودة، وشيخهم موسى بن محمد. وكان منه اضطراب في الطاعة فاستقام. وأصاب السلطان هنالك المرض فرجع إلى قسنطينة. ثم أبل من مرضه، ووصل منها إلى بونة، فراجعه المرض. ولما نزل بظاهر بونة اشتد به مرضه. وهلك لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة لاثنتين وعشرين سنة من ولايته، ودفن بجامع بونة. ثم نقل شلوه بعد ذلك إلى قسنطينة سنة ست وستين وستمائة بين يدي حصار النصارى تونس. وبويع إثر مهلكه ابنه ولي عهده أبو عبد الله محمد كما نذكره. وطار خبر مهلكه في الآفاق، فانتقض كثير من أهل القاصية، ونبذوا الدعوة الحفصية، وعطل ابن الأحمر منابره من الدعوة الحفصية. وتمسك بها يغمراسن بن زيان صاحب المغرب الأوسط، فلم ٦/٤٠٠
يزالوا عليها حينا من الدهر، إلى أن انقطعت في حصار تلمسان كما نذكره. ولما بلغ الخبر بمهلكه إلى سبتة، وكان بها أبو يحيى بن الشهيد من قبل الأمير أبي زكريا كما نذكره، وأبو عمرو بن أبي خالد، والقائد شفاف، فثارت العامة وقتل ابن أبي خالد وشفاف، وطردوا ابن الشهيد فلحق بتونس. وتولى كبر هذه الثورة حجبون الرنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي.
واتفق الملأ على ولاية العزفي، وحولوا الدعوة للمرتضى، وذلك سنة سبع وأربعين وستمائة. وتبعهم أهل طنجة في الدعوة، واستبد بها ابن الأمير، وهو يوسف بن محمد بن عبد الله أحمد الهمداني، كان واليا عليها من قبل أبي علي بن خلاص. فلما صار الأمر للعزفي والقائد حجبون الرنداحي، خالفهم هو إلى الدعوة الحفصية، واستبد عليهم. ثم خطب للعباسي وأشرك نفسه معه في الدعاء، إلى أن قتله بنو مرين غدرا كما نذكره، وانتقل بنوه الى تونس ومعهم صهرهم القاضي أبو الغنم عبد الرحمن بن يعقوب من جالية شاطبة، انتقل هو وقومه إلى طنجة أيام الجلاء، فنزلوا بها وأصهر إليهم بنو الأمير ، وارتحلوا معهم إلى تونس. وعرف دين القاضي أبي القاسم وفضله ومعرفته بالأحكام والوثائق، واستعمل في حطة القضاء بالحضرة أيام السلطان، وكان له فيها ذكر.
ولما بلغ الخبر بمهلك الأمير أبي زكريا إلى صقلية أيضا، وكان المسلمون بها في مدينة بلرم قد عقد لهم السلطان مع صاحب الجزيرة على الإشراك في البلد والضاحية، فتساكنوا حتى إذ بلغهم مهلك السلطان بادر النصارى إلى العيث فيهم فلجئوا إلى الحصون والأوعار، ونصبوا عليهم ثائرا من بني عبس، وحاصرهم طاغية صقلية بمعقلهم من الجبل. وأحاط بهم حتى استنزلهم. وأجازهم البحر إلى عدوته، وأنزلهم بوجاره من عمائرها. ثم تعدى إلى جزيرة مالطة فأخرج المسلمين الذين كانوا بها، وألحقهم بإخوانهم. واستولى الطاغية على صقلية وجزائرها. ومحا منها كلمة الإسلام بكلمة كفره، والله غالب على أمره. ٦/٤٠١
الخبر عن بيعة السلطان أبي عبد الله المستنصر وما كان في أيامه من الحوادث
لما هلك الأمير أبو زكريا بظاهر بونة سنة سبع وأربعين وستمائة كما قدمناه اجتمع الناس على ابنه الأمير أبي عبد الله، وأخذ له البيعة عمه محمد اللحياني على الخاصة وسائر أهل المعسكر، وارتحل إلى تونس فدخل الحضرة ثالث رجب من السنة، فجدد بيعته يوم وصوله وتلقب المستنصر بالله. ثم جدد البيعة بعد حين، واختار لوضع علامته: «الحمد لله، والشكر لله» وقام بأعباء ملكه، وتقبض على خاصة أبيه الخصي كافور، كان قهرمان داره، فأشخصه إلى المهدية، وأوعز إلى الجهات بأخذ البيعة على أهل العمالات فترادفت من كل جانب. واستوزر أبو عبد الله بن أبي مهدي، واستعمل على القضاء أبا زيد التوزري وكان يعلم ولد عمه اللحياني الثائر عليه كما نذكره، والله تعالى أعلم.
الخبر عن ثورة ابن عمه محمد اللحياني ومقتله ومقتل أبيه
كان للأمير أبي زكريا من الإخوة اثنان: محمد وكان أسن منه ويعرف باللحياني لطول لحيته، والآخر أبو إبراهيم، وكان بينهم من المخالصة والمصافاة ما لا يعبر عنه.
ولما هلك الأمير أبو زكريا، وقام بالأمر ابنه أبو عبد الله المستنصر، واستوزر محمد بن أبي مهدي الهنتاتي، وكان عظيما في قومه، فأمل أن يستبد عليه لمكان صغره، إذ كان في سن العشرين ونحوها. واستصعب عليه حجر السلطان بما كان له من الموالي العلوجيين ، والصنائع من بيوت الأندلس. فقد كان أبوه اصطنع منهم رجالا، ورتب جندا كثروا الموحدين وزاحموهم في مراكزهم من الدولة. فداخل ابن أبي مهدي السلطان، وبعث عندهما الأسف على ما فاتهما من الأمر، فلم يجد عندهما ما ٦/٤٠٢
أمل من ذلك. فرجع إلى ابن محمد اللحياني، فأجابه إلى ذلك. وبايعه ابن أبي مهدي سرا، ووعده المظاهرة. ونمي الخبر بذلك إلى السلطان من عمه محمد اللحياني وحذره من غائلة ابنه، وأبلغه ذلك أيضا القاضي أبو زيد التوزري منتصحا.
وباكر ابن أبي مهدي مقعده للوزارة بباب السلطان لعشرين من جمادى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وتقبض على الوزير أبي زيد بن جامع. وخرج ومشيخة الموحدين معه، فبايعوا لابن محمد اللحياني بداره، واستركب السلطان أولياءه. وعقد للقائد ظافر على حربهم فخرج في الجند والأولياء، ولقي الموحدين بالمصلى خارج البلد، ففض جمعهم، وقتل ابن أبي مهدي وابن وازكلدن وسار ظافر مولى السلطان إلى دار اللحياني عم السلطان فقتله وابنه صاحب البيعة، وحمل رءوسهما إلى السلطان.
وقتل في طريقه أخاه أبا إبراهيم وابنه، وانتهب منازل الموحدين وخربت. ثم سكنت الهيعة وهدأت الثورة، وعطف السلطان على الجند والأولياء وأهل الاصطناع، فأدر أرزاقهم ووصل تفقدهم. وأعاد عبد الله بن أبي الحسين إلى مكانه بعد أن كان هجره أول الدولة، وتزحزح لابن مهدي عن رتبته، وتضاءل لاستطالته، فرجع إلى حاله واستقامت الأمور على ذلك. ثم سعى عند السلطان بمولاه الظافر، وقبحوا عنده ما أتاه من الافتيات في قتل عميه من غير جرم. ونذر بذلك فخشي البادرة ولحق بالدواودة، وكان المتولي لكبر هذه السعاية هلال مولاه، فعقد له مكانه واستنفر ظافر في جوار العرب طريدا، إلى أن كان من أمره ما كان.
الخبر عن الآثار التي أظهرها السلطان في أيامه
فمنها شروعه في اختطاط المصانع الملوكية، وأولها المصيد بناحية بنزرت. اتخذه للصيد سنة خمسين وستمائة، فأدار سياجا على بسيط من الأرض قد خرج نطاقه عن التحديد، بحيث لا يراع فيه سرب الوحش، فإذا ركب للصيد تخطى ذلك السياج إلى قوراء في لمة من مواليه المتخصين وأصحاب بيزرته ، بما معهم من ٦/٤٠٣
الجوارح بزاة وصقورا وكلابا سلوقية وفهودا، فيرسلونها على الوحش في تلك القوراء، وقد وثقوا باعتراض البناء لها من أمام فيقضي وطرا من ذلك القنيص سائر يومه، فكان ذلك من أفخم ما عمل في مثلها. ثم وصل ما بين قصوره ورياض رأس الطائبة بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقا سالكا ما بينهما، وعلى ارتفاع عشرة أذرع يحتجب به الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين عن ارتفاع العيون عليهن، فكان ذلك مصنعا فخما وأثرا على أيام الدولة خالدا.
ثم بنى بعد ذلك الصرح العالي بفناء داره ويعرف بقبة أساراك. وأساراك باللسان المصمودي هو القوراء الفسيحة. وهذا الصرح هو إيوان مرتفع السماك متباعد الأقطار متسع الأرجاء يشرع منه إلى الغرب، وجانبيه ثلاثة أبواب لكل باب منها مصرعان من خشب مؤلف الصنعة ينوء كل مصراع منها في فتحه وغلقه بالعصبة أولي القوة.
ويفضي بابها الأعظم المقابل لسمت الغرب الى معارج قد نصبت للظهور عليها عريضة ما بين الجوف إلى القبلة بعرض الإيوان، يناهز عددها الخمسين أو نحوها، ويفضي البابان عن جانبيه إلى طريقين ينتهيان إلى حائط القوراء. ثم ينعطفان إلى ساحة القوراء يجلس السلطان فيها على أريكته مقابل الداخل أيام العرض والفود ومشاهد الأعياد، فجاءت من أضخم الأواوين وأحفل المصانع التي تشهد بأبهة الملك وجلالة الدولة.
واتخذ أيضا بخارج حضرته البستان الطائر الذكر المعروف بأبي فهر، يشتمل على جنات معروشات وغير معروشات، اغترس فيها من شجره كل فاكهة من أصناف التين والزيتون والرمان والنخيل والأعناب، وسائر الفواكه وأصناف الشجر. ونضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السدر والطلح والشجر البري، وسمى دوح هذه بالشعراء واتخذ وسطها البساتين والرياض بالمصانع والحوائز وشجر النور والنزه من الليم والنارنج والسرو والريحان، وشجر الياسمين، والخيري والنيلوفر وأمثاله. وجعل وسط هذه الرياض روضا فسيح الساحة، وصنع فيه للماء حائزا من عداد البحور ، جلب إليه الماء في القناة القديمة، كانت ما بين عيون زغوان ٦/٤٠٤
وقرطاجنة تسلك بطن الأرض في أماكن، وتركب البناء العادي ذا الهياكل الماثلة والقسي القائمة على الأرجل الضخمة في أخرى، فعطف هذه القناة من أقرب السموات إلى هذا البستان. وأمطاها حائطا وصل ما بينهما حتى ينبعث من فوهة عظيمة إلى جب عميق المهوى، رصيف البناء متباعد الأقطار مربع القنا مجلل بالكلس، إلى أن يغمره الماء فيرسله في قناة أخرى قريبة الغاية، فينبعث في الصهريج إلى أن يعبق حوضه، وتضطرب أمواجه يترفه الحظايا عن السعي بشاطئه لبعد مداه فيركبن في الجواري المنشئات ثبجه فيتبارى بهن تباري الفتح، ومثلت بطرفي هذا الصهريج قبتان متقابلتان كبرا وصغرا على أعمدة المرمر، مشيدة جوانبها بالرخام المنجد، ورفعت سقفها من الخشب المقدر بالصنائع المحكمة والأشكال المنمقة، إلى ما اشتملت عليه هذه الرياض من المقاصير والأواوين والحوائز والقصور غرفا من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وتأنق في مبانيه هذه واستبلغ وعدل عن مصانع سلفه ورياضهم إلى متنزهاته من هذه، فبلغ فيها الغاية في الاحتفال وطار لها ذكر في الآفاق.
الخبر عن فرار أخيه أبي إسحاق وبيعة رياح له وما قارن ذلك من الأحداث
كان الأمير أبو إسحاق في إيالة أخيه المستنصر، وكان يعاني من خلقه وملكته عليه شدة، وكان السلطان يخافه على أمره وخرج سنة إحدى وخمسين وستمائة لبعض الوجوه السلطانية، ففر الأمير أبو إسحاق من معسكره، ولحق بالدواودة من رياح، فبايعوه بروايا من نواحي نقاوس، واجتمعوا على أمره. وبايع له ظافر مولى أبيه النازع إليهم واعتقد منه الذمة والرتبة، وقصدوا بسكرة وحاصروها، ونادى بشعار طاعتهم فضل بن علي ابن الحسن بن مزني من مشيختها. وائتمر به الملأ ليقتلوه، ففر إليه وصار في جملته. ثم بايع له أهل بسكرة ودخلوا في طاعته. ثم ارتحلوا إلى قابس فنازلوها، واجتمعت عليه الأعراب من كل أوب. وأهم السلطان شأنه، وتقبض ٦/٤٠٥
على ولده فحبسهم بالقصبة جميعا. ووكل بهم من يحوطهم وألطف ابن أبي الحسين الحيلة في فساد ما بين الأمير أبي إسحاق ومولاه ظافر، بتحذير ألقاه إلى أخته بالحضرة تنصحا، فبعثت به إلى أخيها، فتنكر لظافر وفارقه، وسار إلى المغرب. ثم لحق بالأندلس، وافترق جموع الأمير أبي إسحاق فلحق بتلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس. ونزل على السلطان محمد بن الأحمر فرعى له عهد أبيه، وأسنى له الجراية. وشهد هنالك الوقائع، وأبلى في الجهاد. ولم يزل السلطان المستنصر يتاحف ابن الأحمر ويهاديه، ويوفد عليه مشيخة الموحدين مصانعة في شأن أخيه واستجلاء لحاله، إلى أن هلك. وكان من ولاية أخيه أبي إسحاق ما نذكر. ولحين مهلكه أجاز ظافر من الأندلس إلى بجاية. وأوفد ولده علي الواثق مستعتبا وراغبا في السبيل إلى الحج. وقلق المستولي على الدولة بمكانه، وراسل شيخ الموحدين أبا هلال عياد بن محمد الهنتاتي صاحب بجاية في اغتياله عن قصده، فذهب دمه هدرا وبقي ولده عند بني توجين حتى جاءوا في جملة السلطان أبي إسحاق، وبيد الله تصاريف الأمور.
الخبر عن بني النعمان ونكبتهم والخروج أثرها إلى الزاب
كان بنو النعمان هؤلاء من مشيخة هنتاتة ورؤسائهم، وكان لهم في دولة الأمير أبي زكريا ظهور ومكان، وخلصت ولاية قسنطينة لهم يستعملون عليها من قرابتهم.
واتصل لهم ذلك أول دولة المستنصر، وكان كبيرهم أبو علي وتلوه ميمون وعبد الواحد، وكان لهم في مداخلة اللحياني أثر. فلما استوسق للسلطان أمره، وتمهدت دولته نكبهم وتقبض عليهم سنة إحدى وخمسين وستمائة، فأشخص أبا علي إلى الإسكندرية، وقتل ميمون وانقرض أمرهم. وظهر أثر ذلك بالزاب خارج تسمى بأبي حمارة، فخرج السلطان من تونس وقصده بالزاب، فأوقع به وبجموعه وتقبض عليه، وسيق إلى السلطان فقتله، وبعث برأسه إلى تونس فنصب ٦/٤٠٦
بها. وقفل السلطان إلى مقره فنزل بها، وسخط وجوها من سليم: من مرداس ودباب، كان فيهم رحاب بن محمود وابنه، فاعتقلهم واشخصهم إلى المهدية فأودعهم بمطبقها ورجع إلى تونس ظافرا غانما.
الخبر عن دعوة مكة ودخول أهلها في الدعوة الحفصية
كان صاحب مكة ومتولي أمرها من سادة الخلق وشرفائهم ولد فاطمة، ثم من ولد ابنها الحسن صلوات الله عليهم أجمعين، أبو نمى وأخوه إدريس، وكانوا قائمين بالدعوة العباسية منذ حولها إليهم بمصر والشام والحجاز صلاح الدين يوسف بن أيوب الكردي، وأمر الموسم وولايته راجعة إليه، وإلى بنيه ومواليه من بعده إلى هذا العهد. وجرت بينهم وبين الشريف صاحب مكة مغاضبة وافقها استيلاء الططر على بغداد، ومحوهم رسم الخلافة بها، وظهور الدعوة الحفصية بإفريقية، وتأميل أهل الآفاق فيها وامتداد الأيدي إليها بالطاعة. وكان أبو محمد بن سبعين الصوفي نزيلا بمكة، بعد أن رحل من بلده مرسية إلى تونس، وكان حافظا للعلوم الشرعية والعقلية، وسالكا مرتاضا بزعمه على طريقة الصوفية. ويتكلم بمذاهب غريبة منها، ويقول برأي الوحدة كما ذكرناه في ذكر المتصوفة الغلاة، ويزعم بالتصوف في الأكوان على الجملة، فأرهق في عقيدته، ورمي بالكفر أو الفسق في كلماته، وأعلن بالنكير عليه والمطالبة له شيخ المتكلمين بأشبيلية. ثم بتونس أبو بكر بن خليل السكوني، فتنمر له المشيخة من أهل الفتيا وحملة السنة وسخطوا حالته.
وخشي أن تأسره البينات فلحق بالمشرق ونزل مكة، وتذمم بجوار الحرم الأمين، ووصل يده بالشريف صاحبها. فلما أجمع الشريف أمره على البيعة للمستنصر صاحب إفريقية، داخله في ذلك عبد الحق بن سبعين وحرضه عليه، وأملى رسالة بيعتهم، وكتبها بخطه تنويها بذكره عند السلطان والكافة، وتأميلا للكرة ونصها:
بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1 صلى الله على الإسوة المختار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا ٦/٤٠٧
عزيزا، هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عليما حكيما 48: 1- 4.
هذا النوع من الفتح أعني المبين هو من كل الجهات داخل الذهن وخارجة، وهو الذي خصت به مكة، وهو أعظم فتح نذر في أيام الدهر والزمان الفرد منه خير من أيام الشهر، وبه تتم النعمة، ويستقيم صراط الهداية، وتحفظ النهاية، وتغفر ذنوب البداية، ويحصل النصر العزيز، ونور السكينة، وتتمكن قواعد مكة والمدينة.
وكلمة الله عاملة في الموجودات بحسب قسمة الزمان. ثم لا يقال إنها متوقفة على شيء، ولا في مكان دون مكان.
وهذا الفتح قد كان بالقصد الأول والقدر الأكمل، للمتبوع الذي أفاد الكمال الثاني كالسبع المثاني، فإنه هو الإسوة صلى الله عليه وسلم، وكل نعمة تظهر على سعيد ترجع إليه مثل التي ظهرت على خليقته وعلى يديه. وإن كانت نصبة مولده صلى الله عليه وسلم ورسالته تقتضي ختم الأنبياء بهذا القرن الذي نحن فيه، وأمامنا فيه هو ختم الأولياء. فمن فتح عليه بفتح مكة تمت له النعمة، ورفعت له الدرجة، وضفت عليه الرحمة. ومن وصل سلطانه إليها فقد هدي الرشد وسار على صراطه، ورجح ميزان ترجيحه على أقرانه وأرهاطه. ومن حرم هذا فقد حرم من ذلك، والأمر هكذا.
وسنة الله كذلك، وصلى الله على رسوله الذي طلع المجد من مدينته بعد ما أطلعه من بلده، ورضي الله عن خليفته المنتخب من عنصر خليفة عمر صاحب نبيه، ثم من عمر صاحبه ووليه والحمد لله على نعمه.
بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1 وصلى الله على سيد ولد آدم محمد. «حم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم، أمرا من عندنا، إنا كنا مرسلين رحمة من ربك، إنه هو السميع العليم» 44: 1- 6. قد صح أن هذه الليلة فيها تنزل الآيات وترتقب البينات، وفيها تخصيص القضايا الممكنة وأحكام الأكوان ويفرق الأمر، ويفسر الملك الموكل بقبض الأرواح بحمل الآجال في الأزمان، وفيها تقرر خطة الإمامة والملك، وتقيض الإمامة بالهلك، وهي في القول الأظهر في أفضل الشهور، وفي السابع والعشرين منه كما ورد في الحديث المشهور. ثم هي في أم القرى وفي حرمها تقدر بقدر زائد، ويعم فضلها إلا للحائد عن الفائد، ٦/٤٠٨
وإنما قلت هذا ورسمته ليعلم من وقف على الخطبة التي اقتضبتها، والليلة التي فيها قرأتها، أنها من أفضل المطالب التي قصدت، وأن القرائن التي اجتمعت فيها ولها، زادت على الفضائل التي لأجلها رصدت، وأيضا تأخر فيها مجد إمام عن إمام، وبعد مجد إمامه وراء إمام هو وراء الإمام، ورحمت فيها نفس خليفة عبرت وتلقب وعظمت فيها ذات خليفة تحيي التي سلفت، فهذه نعمة بركة ينبغي أن يقرر حدها ويتحقق مجدها، ولا يقدر قدرها فإنها ليلة قدر، ليلة قدرها.
والحمد لله حمدا وأصلا: بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1، وصلى الله على واحد الله في عنايته سيدنا محمد طسم، تلك آيات الكتاب المبين 28: 1- 2 إلى قوله منهم ما كانوا يحذرون 28: 6 الحق الشاهد لنفسه المتفق من جميع جهاته، وفي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل والمتعارف من عادته التي ربطها بحكمته التي تعدل ولا تعدل، أن لكل هداية نبوية ضلالة فرعونية، وكذا الحال في الأولياء، ومع كل مصيبة فرج، ولا ينعكس الأمر في الأتقياء. ولكل ظلم ظالم متجبر قهر قاهر متكبر، وعند ظهور ظفر المبطل يظهر قصد المحق المفضل. وفي عقب كل فترة أو فيها كلمة قائم بحق يغلب لا يغلب، وفي كل دور أو قرن أمامة تطلب بشخصها ولا تطلب، وكواكب الكفر إذا طلعت على أفق الإيمان فيه نكب آفلة، وكلمة الله إذا عورضت تكر معارضتها قافلة. وإنما ذكرت ذلك بعد الذكر المحفوظ ليتذكر بالآيات الظاهرة إلى الآيات القاهرة. وليعلم كل مؤمن أن كلمة الله متصلة الاستصحاب والسبب، وعاملة في الأشياء مع الأزمان والحقب، وأن رجال الملة الحنفية أعلى المنازل والرتب. ولذلك يقول في نوع فرعون الأذل، ونوع موسى الأجل: أشخاصها متعددة، وأكوانها متحدة، والله غالب على أمره. وقد قيل إن الملة الحنفية المضرية تنصرها السيرة العمرية المحمدية المستنصرية.
ولعل الذي أقام الدين وأطلعه من المشرق وأتلفه منه، يجيره من المغرب ولا ينقله عنه، فينبغي لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله، وبما يجب كما يجب أن لا يتغير قصده ولا يتوقف عند سماع المهلكات حمده، قد قيدت أقدام قوم بشرك الشرك، وحملهم الضجر إلى الهلك بطاعة الترك وكع كيد الكنود هلك كنعان وكل بصر ٦/٤٠٩
بصيرته، ولبس لهم ثوب الذل بالعرض، وجعل مصيبة الدين تفئته مع جحوده لسلطان السنة والفرض. وأما هامان المرتدين فليس هم بالمؤمنين، وعلا فرعون الشر في الأرض، والله يمن على المستضعفين في الأرض بنصر من عنده، ويهلك المفسدين بجند من رفده. وينبغي أو يجب أن نضرب عن ذكر كائنة مدينة السلام، فإنها تزلزل الطبع وتحمل الروح إلى ساحة الشام أو تفزع في صلاة كسوف شمس سرورها إلى التسليم بالاستسلام وتكبر أربع تكبيرات على الأنس ويودع بعد ذلك وعد وسلام، وينتظر قيامه بقيام أمر محيي الدين والإسلام، والحمد لله على كل حال.
بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1 وصلى الله على الذي أعجزت خصاله العد والحد، مسلم والطبقة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا. وقال صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعد. زاد أبو العباس الهمداني، وأشار بيده إلى المغرب. وذكر بهاء الدين التبريزي في ملحمته التي زعم أنه لا يثبت فيها من الأخبار إلا ما صححته روايته، ولا يذكر من الأحكام المنسوبة إلى الصنائع العملية إلا ما أبرزته درايته. ولا يعتبر من الأعلام الدينية إلى ما أدركته هدايته. قال في الترجمة الأولى: إذا خرجت نار الحجاز يقتل خليفة بغداد، ويستقيم ملك المغرب وتبسط كلمته في الأقطار، ويخطب له على منابر خلفاء بني العباس، ويكثر الدر بالمعبر من بلاد الهند.
ذكرت هذا ليعلم المقام أيده الله أنه هو المشار إليه، وأنه الذي يعول في إصلاح ما فسد بحول الله عليه. ومن تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان الحديث، تبين له ما أردناه وذلك يظهر من وجوه، منها: أن الخليفة المذكور لم يسمع به فيما تقدم، ولا ذكر في الدول الماضية، ولو ذكر لرددنا القول به وأهملناه لأجل تقييده بآخر الزمان. والثاني: أن آخر الزمان الذي يراد به ظهور الشروط المتوسطة، وأكثر العلامات المنذرة بالساعة هو هذا بعينه. الثالث: لا خليفة لأهل الملة في وقتنا هذا غير الذي قصدناه.
وهذه أقطار الملة منحصرة ومعلومة لنا من كل الجهات، والذي يشاركه في الاسم ويقاسمه في إطلاقه فقط لا يصدق عليه، إذ هو أضعف من ذرة في كرة، ومن نملة في رملة. وأفقر من قصد طالب السراب، ويده مع هذا أيبس من التراب فصح ٦/٤١٠
السبر والتقسيم، وبتصفح الموجودات والأزمان والدول والمراتب والنعوت إنه هو لا شريك له فيها، والمصحح لذلك كله، والذي يصدق وينطبق عليه مدلول الحديث كرمه الذي يعجز عنه الحد، ولا يتوقف فيه العد. وهذا خليفة الملة كذلك، وهذه دلائله هي أوضح من نار على علم. وهذه خصاله شاهدة له بفضائل السيف والقلم، وهذه خزائنه تغلب الطالب وتعجز عن الدافع، وهذه سعوده في صعوده، وهذه متاجر تعويله على الله رابحة وهذه أخواله بالكلية صالحة، وهذه سعايته ناجحة.
ثم هذه موازين ترجيحه راجحة، والحمد لله كما يجب.
وما النصر إلا من عند الله وصلى الله على عبده محمد بن عبد الله إنه من بكة وإنه للحق وإنه بسم الله الرحمن الرحيم 1: 1، وإنه إلى خضر لا تحصر الحصر ويحدر فيها الندر ويحافظ على سنة الرؤوف الرحيم. صلى الله عليه وسلم أما بعد فبهداهم اقتده، الحمد لله الذي أحسن بمقام الإحسان وتمم النعمة، وبين لمن تبين علم البيان، وحكم لمن أحكم الحكمة وسبقت في صفات أفعاله صفة الرحمة وذكر الهداية في كتابه بعد ذكر النعمة، هو الرؤوف بالبرية وهو الرحيم والحفي بالحنفية، وهو القاهر الماضي المشيئة الذي يقبض ويبسط ويمضي المشيئة. شهد له بالكمال الممكن الذي أبرزه وخصصه وعرفه بالجلال من يسره لذلك وخلصه. هو الذي استعمل عليها من اختاره لإقامة النافلة والفرض، وأعمى من أهلها من توسل له بنية العرض وأعتق العقاب وسر العقاب وأهمل العقاب بطاعة من يستعمر به الربع المعمور، وأنعم على المستضعفين في الأرض بإمام نجر المجد في بحر خصاله يعد بعض البعض.
سنته محمدية، وسيرته بكرية وسريرته علوية، وسلالته عمرية. فهذه ذرية وأنواع مجد بعضها من بعض، بل هذه خطوط فصل الطول فيها مثل العرض. عرف بالرياسة العالية، ووصف بالنفاسة السالية، وشهد له بذلك الخاص والعام ونزه من النقائص. النزيه النفس ومن نزهه في سلطانه علمه العام. صلى الله على الإسوة الرؤوف بالمؤمنين، سيدنا محمد الذي أنزل عليه التنزيل، وكتب اسمه في صحيح القصص والنصوص، ونبي الله به وبأئمة أمته الذين شبههم بالبنيان المرصوص، ٦/٤١١
وعلى آله وصحبه الكرام البررة الذين اصطفاهم وطهرهم، ثم أيدهم فطهروا الأرض من الكفرة الفجرة. وأخرج من ظهورهم ذرياتهم بالدين أظهرهم، ويسر بهم السبيل ثم السبيل يسرهم.
ومنهم الخليفة المستنجد بالله المفضل على الناس، ولكن أكثرهم ورضي الله عنهم وعنه، وضاعف للمحب الثواب الدائم منهم ومنه. وبعد خدمة يتقدم فيها بعد الحمد والتصلية والدعاء للدولة الدالة على قبول الدعوة أصلية، تحية بعضها مكية وكلها ملكوتية، وروضة ريحها حضرة القدس ونشرها يدرك فيه صحبة النفث، روح القدس. وتكبر عن أن تشتبه بالعنبر والند والورد وأزهار الربى والرياض. لأن المفارق للمادة مفارق لغير المفارق لها مفارقة السواد للبياض. ثم هي مع هذا واجبة القصد عذبة الورد، تذكر الذاكر الذكي بعرفها الذكي لمدركات جنة الخلد والنعيم. وفي مثل هذه فليتنافس المتنافسون.
وتدرك النفس النفيسة لذة النعيم لأنها ظاهرة طيبة، وكريمة صبية، واقفة على حضرة الملك والسلطان، ومدار فلك النسك ومستقر الإمامة والجلالة، ومعقل الهداية والدلالة، وأصل الأصالة ودار المتقين، وبيت العدالة وحزب اليقين. وإنسانها الأعظم معلي الموحدين على الملحدين وقائم الدين وقيمه، ومقر الإسلام ومقدمه، القائم بالدعوة العامة بعد أبيه إمام المجد والفخر، ثم الأمة الذي إذا عزم أوهم بتخصيص مهمل، اتخذ في خلده ما هو بالفعل مع ما هو بالقوة، وأن يعرض له في طريق إعراضه الممكن العسير يسره سعده وساعده ساعد القوة وإن سمع بالحمد في جهة حد به بخاصة خصاله بعد مجد الأبوة وفخر النبوة، لا يذكر معه ولا عنده صعب الأمور إلا بالضد، فإنه مظهر العناية الإلهية، ومرآة المجد والجد.
هو علم العلم ثم هو محل الحلم، اسمه متوحد في مدلوله كالاسم العلم، وعهده لا يتوقف على اللسان ولا على رسوم القلم.
كتب في السماء وسمع به في الكرسي وكذلك العرش، وما هنا إنما هو مما هنالك فهو الأعلى. وإن كان في الفرش هو شامخ القدر ظاهر الفضل شديد البطش. ثم هو مما ظهر عليه علم أن الشجاعة لم تتنقل من الإنسان إلى الأسد. ولا يقال هذا بحر العلم ٦/٤١٢
فينقل من الطبيعة إلى بحر الخلد، لأن ذلك كله فيه بوجه أكمل وبه وعليه، وفي يديه بنوع أفضل بلغ ذروة النهاية المخصوصة، بالمطالب العالية وحصل في الزمان الفرد ما حصله الفرد في الأيام الخالية. وبلغ في تبليغ حمده بصفاته ما بلغ الأشد عمره ونال غاية الإنسان، ويتعجب منه في القيامة عمره، ويسره أمره طلعت سعوده على مولده، ومطالعه كلمة مجده لأحكام الفلك وطالعة. إن حرر القول فيه وفهم شأنه، قيل هو من فوق الأطلس والمكوكب، وإن قيس سعده بالكمالات الثلاثة كان كالبسيط مع المركب.
أي غاية تطلب بعد طاعته، وأي تجارة تنظر مع بضاعته، له الحمد بيده الملك والأمانة، بل له الكل بفضل الله وفيه المقصد والسلامة، لا بل له الفتح المبين وتتميم النعمة والهداية ونور السكينة، وفيه الإمارة والعلامة. منير مكة بإزاء بيت بكة خطب بخطبته، والذي ذهب بالمدينة يطلب فلعله يسعفه في خطبته أفئدة السر تطير إذا سمعت بذكره، والمهندات البتر تلين لباس ساعده. ويقول طباع أربابها بشكره دولة التوحيد، توحدت له إذ هو واحدها الأوحد، وسياسة التسديد تحكمت له فهو مدبرها الأرشد. ومع هذا كتابته أهملت صيت الصادين، وكورت شمس الفتح، ثم الفتح والصادين.
وكذلك الثلاثة الذين من قبلهم لا نذكر معه الأديب حبيب في رد الأعجاز على الصدور، فإنه الذي يعتبر في ذلك والذي يصدر عنه هو واقع في الصدور، وأفعل في طباع المهرة وفي نفوس الصدور يتأخر عن شعره شعر الرجلين. وبعده نذكر الطبقة، ثم شعراء نجد، والخبب والجبلي والولد بعده والهذلي، والمؤكد هو تقديمه في المغرب من ذلك. والهذلي علوم الأدب، الخمسة تممها وسادسها وسابعها زاده من عند نفسه. وخليل النحو لو حضر عنده كان خليله في تحصيل نوعه وجنسه، والفارسي تلميذه ثم الآخر بعده والأخفش الكبير ثم الصغير ما ضرب لهم من قبل في مثله بنصيب. وأقام أئمة النحو تنحو نحوه بنحو ينحوه نحو نحوه، ثم لا يكون كالمصيب. وكل كوفي بل كل بصري يحب الظهور إذا سمع به اختفى، والمنصف منهم هو الذي بنحوه اكتفى. أقيسة الفقه الثلاثة هذبها وحصلها، وأصوله كما يجب علمها وفصلها. والمسائل الطبولية تكلم على مفصلها ومجملها، وسهل الصعب من مخصصها ومهملها. ٦/٤١٣
وإن فسر كتاب الله المعجز عجز أرباب البلاغة بإعجاز بعد إعجازه، وإن تعرض لعوارض ألفاظه أظهر العجب في اختصاره وإيجازه. وإن شرع في شرح قصصه وجدله، وفي تفسير ترغيبه وترهيبه. ومثله يبصر الناظر فيه والمستمع لما لم يسمع وما لم يبصر، فإنه سلك بقدم كماله وتكميله على قنطرة بعد لم تعبر ويضطر الزعيم به بتحصيله إلى تجديد قنطرة أخرى، وبعد هذا يفتقر في بيانه إليه في الأولى وإلى الله في الأخرى. وإن تكلم على متشابهه ومحكمه علم الاصطلاح. ثم بيان النوع للخبير به وبمحكمه، وكذلك القول على الناسخ والمنسوخ والوعد والوعيد. وإن يشاء طول في مطولاتهم واختصر من مختصراتهم، فبيده الزيادة وضد المزيد، وأما تحرير أمره ونهيه وأسراره ورقائقه، وفواتح سوره وحقائقه. والذي يقال إنه لا من جنس الذي يكتسب والذي هو أعظم من الذي يرد، وإليه الأحوال تنتسب فهو الشارح لها والخبير بها، وإن تأخر. وينوع في ذلك ويزيد غير الأول وإن تكرر. وأما علوم الحديث وأنواعها السبعة فهو بعلمها، وصناعته بجملتها للعلماء يعلمها. والوراقة والضبط والخط وقفت عليه مهنة غايتها، وحمله الأمر علوم الشريعة كلها عرفها ووعاها ورعاها حق رعايتها. وكل العلوم العقلية والنقلية ورجالها على ذهنه الطاهر من دنس النسيان، والمقامات السنية المستنزلات العلوية أدركها بعد التبيان. فمن أراد أن يمدحه ويعدل عن إطلاق القول فقد اقترف أعظم الذنب. ومن ذكره ولم يتلذذ بذلك فقد جاء بما ينضح حمله الخبب، ونعوت جمالها يمنع عن إدراكها نور المتصل، وحضرة جلاله محفوظة بجدها وجدها وقاطعها المنفصل. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، 5: 54 قل اللهم مالك الملك 3: 26 الله أعلم حيث يجعل رسالته. 6: 124 هذه كلها. آياته والرابعة: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها 16: 18 فإنها هباته إن حدث المحدث بكرمه يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده، ونصر الله إذا جاء لا يرده، وفتحه من ذا الذي عن السعيد يصده، والمؤرخ يتذكر بتذكره الكلمات الهذلي من حيث المطالب، إذ قال: وقد سئل عن الإمام علي بن أبي طالب هو الإمام وفيه أربعة وهو واحدها حتى في رفع التشبيه وقطع السبب، العلم والحلم والشجاعة وفضل الحسب، يسر ٦/٤١٤
بحكمته ويغتبط بها متى يتبع جملته، الباحث الحكيم ولا يشعر بشعره إذا تصفح نعوته الشاعر العليم، وينشد طبعه في الحين والوقت والحزة ويخرج الحروف من مخارج الهمزة.
شهدت لقد أوتيت جامع فضله ... وأنت على علمي بذاك شهيد
ولو طلبت في الغيب منك سجية ... لقد فر موجود وعز وجود
أدام الله له المجد الذي يسلك به على النجدين، وحفظ عليه مقامه الذي لا يحتقر فيه إلا جوهر النقدين، وبسط له في العلم والقدرة، وبارك له في نصيب النصرة، وجهز به العسرة، ورد به على الشرك والفتن الكرة، وعرفه في كل ما يعتزمه صعا جميلا، ولطفا خفيا جليلا. وكفاه الشر المحض وخير الشرين، كما كشف له عن الخير المحض وعلم السرين، وأيده بروح منه في السر والسريرة، وحفظه في حركاته وسكناته من الصغيرة والكبيرة. وجعل كلمته غالبة للضد والجند، وبلغ صيته الجزائر والبربر، ثم الى السند والهند. وخلد ملكه وسلم فلكه، ورفعه على أوج المجد بحده الطويل العريض. وأهبط عدوه من الشرف الأعلى إلى الحضيض.
وفتح الله به باب الفتح في المشرق والمغرب بعد فتح الثغور، وشرح بنصره وفتحه أوساط الصدور، وما استنبطته الضمائر من نفثات الصدور وجبر به كسر الظفر، ووصل به ما انقطع من الأسباب. وعصم جنده من ضد الدنف الأنف، وردهم إلى ردم الأبواب وقدس كلمته بعد الحرمين في البيت المقدس، وسلك به مسالك السبل في المقيل والمعرس. وبعد هذا فهذه أدعيتنا، بل هذه أوديتنا، وهذه مسائلنا بل هذه وسائلنا، وهذه تحية حياها ذو الفطرة السليمة، وهذه خدمة يفتخر بها طبيعة النفس العليمة. واستنبت فيها الكتاب واستثبت فيها الجواب، والموجب لإصدارها محبة أصلها ثابت وفرعها في العلى وحفز عليها حافزان: شوق قديم، ورعاية الآخرة والأولى، بل الأمر الذي هو في خير الأمور من أوسطها، وإذا نظم في عقد الأسباب الموجبة لهذه الخطابة يكون في وسطها، فإنه يحكي أحكام الشأن والقصة، ويعلم المقام أيده الله الذي حصل له في حرم الله وحرم نبيه من النصيب والحصة، وفيه ينبغي أن تذهب الألفاظ وتلحظ عيون الأغراض وينفح المقاصد ويحمل على جواهر ٦/٤١٥
الكمالات كالأعراض، فمن ذلك ذكر الملة التي كملت وكبرت، والأخرى التي كانت ثم غمرت وصغرت. والمنبر الذي صعد خطب خطبته على الخطيب، وعرج إلى سماء السمو وهو على درجه، والآخر الذي درج عنه خطيبه وضاق صدره الأمر حرجه، وقرئت سورة الإمام بحرف المستنجد المستبصر، لا بحرف المستعصم بن المستنصر.
بسط القول وأطلق ترجمة عبد الله بعد ما قبضه الذي أمات وأحيا، وقبض على مقامه ودفع للإمام محمد بن يحيى، وكان ذلك في يوم وصول الخبر بمصيبة الاختبار، ثم في ليلة الآيات والاعتبار. ومن ذلك أيضا بعمة الحمد والدعاء الظاهر القول والمقبول في الحرم الشريف، وانقياد الذي ظهر على طائفة الحق والسيد والشريف. ومن ذلك صعود علم الأعلام على جبل معظم الحج ومقر وفوق الحاج، ووقف به المتكلم في مقام من كانت له سقاية الحاج، وذكر كما يجب بما يجب في موقف الإمام مالك، وعرف هنالك أنه الإمام والمالك لكل مالك، وتعرفت نكرة دعوة التوحيد بتخصيص خصوصية المخصوص بعرفة، وتعارف بها من تعارف معه هناك ونعم التعارف والمعرفة.
ثم ذكر عند المشعر الحرام وفي جهات حدود حرم المسجد الحرام، وعظم اسمه بعد ذكر الله وذكر الوالدين، وطلع الذاكر بالتركيب إلى الجدين الساكنين في الخلد والخالدين. فلما وصل الحجيج إلى عقبة الجمرات، ذكر مع السبع الأولى سبع مرات. وكذلك عند الركوع في مسجد الخيف، وكل كلمات تمجيده بالكم والكيف، وعند التوجه من هناك ويوم النفر قررت آياته المذكورة في كتاب الجفر.
ثم جدد الذكر حول البيت العتيق بالحمد والشكر. فلما وصل العلم بانتقال بيت الملك والسلطان من بغداد في شهر رمضان، أظهر الخفي المكنون فكان ذلك مع التسبيح والقرآن، وكان الخادم في الزمان الأول وفي الذاهب ينتظر الخطفة من نحو عراق والمغرب. والآن وجد نفسها من نحو اليمن إقليم الأعراب والعرب.
والذي حمل على هذا كله طاعة كاملة وغبطة عاملة، والله تعالى بفضله يعصمه من كيد المعاند، فإنه في إظهار دعوة التوحيد كالمجاهد والمكابد، ومعاد التحية على المقام الأرفع والمقر الأنفع، وعلى خدام حضرته العلية، وأرباب دعوته الجلية وأنواع رحمته تعالى وبركاته. والحمد لله كما يجب وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم. ٦/٤١٦
كتب تجاه الكعبة المعظمة في الجانب الغربي من الحرم الشريف، والحمد لله رب العالمين. ولما وصلت هذه البيعة استحضر لها السلطان الملأ والكافة، وقرئت بمجمعهم وقام خطيبهم القاضي أبو البراء في ذلك المحفل فاسحنفر في تعظيمها والإشادة بحسن موقعها، وإظهار رفعة السلطان ودولته بطاعة أهل البيت والحرم ودخولهم في دعوته. ثم جار بالدعاء للسلطان وانفض الجمع فكان من الأيام المشهودة في الدولة.
الخبر عن الوفود من بني مرين والسودان وغيرهم
كان بنو مرين كما قدمناه قد تمسكوا بطاعة الأمير أبي زكريا ودخلوا في الدعوة الحفصية، وحملوا عليها من تحت أيديهم من الرعايا مثل: أهل مكناسة وتازى والقصر، وخاطبوا السلطان بالتمويل والخضوع. ولما هلك السلطان وولي ابنه المستنصر، وقارن ذلك ولاية المرتضى بمراكش. ثم كان بينهم وبين المرتضى من الفتنة والحرب ما ذكرناه ونذكره، فاتصل ذلك بينهم وبعث الأمير أبو يحيى بن عبد الحق بيعة أهل فاس، وأوفد بها مشيخة بني مرين على السلطان وذلك سنة اثنتين وخمسين وستمائة فكان لها موقع من السلطان والدولة. وقابلهم من الكرامة كل على قدره، وانصرفوا محبورين إلى مرسلهم. ولما هلك أبو يحيى بن عبد الحق، واستقل أخوه يعقوب بالأمر أوفد إليه ثانية رسله وهديته، وطلب الإعانة من السلطان على المرتضى وأمر أهل مراكش على أن يقيموا بها الدعوة له عند فتحها. ولم يزل دأبهم إلى أن كان الفتح.
وفي سنة خمس وخمسين وستمائة وصلت هدية ملك كانم من ملوك السودان، وهو صاحب برنو مواطنه قبلة طرابلس، وكان فيها الزرافة وهو الحيوان الغريب الخلق المنافر الحلي والشيات، فكان لها بتونس مشهد عظيم برز إليها الجفلى من أهل البلد حتى غص بها الفضاء، وطال إعجابهم بشكل هذا الحيوان وتباين نعوته، وأخذها من كل حيوان بشبه. وفي سنة ثمان وخمسين وستمائة وصل دون الرنك أخو ملك قشتالة مغاضبا لأخيه، ووفد على السلطان بتونس فتلقاه من المبرة والحباء بما يلقى به ٦/٤١٧
كرام القوم وعظماء الملوك، ونزل من دولته بأعز مكان. وكان تتابع هذه الوافدات مما شاد بذكر الدولة ورفع من قدرها.
الخبر عن مقتل ابن الأبار وسياقة أوليته
كان هذا الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية، وكان علامة في الحديث ولسان العرب، وبليغا في الترسيل والشعر. وكتب عن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ببلنسية. ثم عن ابنه السيد أبي زيد. ثم دخل معه دار الحرب حين نزع إلى دين النصرانية، ورجع عنه قبل أن يأخذ به. ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما دلف الطاغية إلى بلنسية ونازلها بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان وأنشد قصيدته على روي السين يستصرخه، فبادر السلطان بإغاثتهم وشحن الأساطيل بالمدد إليهم من المال والأقوات والكسى فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية. ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان، ورشحه لكتب علامته في صدور رسائله ومكتوباته، فكتبها مدة. ثم إن السلطان أراد صرفها لأبي العباس الغساني لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي، وكان آثر عنده من الخط المغربي فسخط ابن الأبار أنفة من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى مكان العلامة منه لواضعها فجاهر بالرد ووضعها استبدادا وأنفة، وعوتب على ذلك فاستشاط غضبا ورمى بالقلم وأنشد متمثلا.
واطلب العز في لظى وذر الذل ... ولو كان في جنان الخلود
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته، ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب، واعتب. وسماه أعتاب الكتاب. واستشفع فيه بابنه المستنصر فغفر السلطان له وأقال عثرته، وأعاده إلى الكتابة. ولما هلك الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا يحضرونه من أهل الأندلس ٦/٤١٨
وأهل تونس، وكان في ابن الأبار أنفة وبأو وضيق خلق، فكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصره في مداركه، فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولايتها عليه.
وكانت لابن أبي الحسين فيه سعاية لحقد قديم، سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت، وخاطب ابن أبي الحسن بغرض رسالته، ووصف أباه في عنوان مكتوبة بالمرحوم. ونبه على ذلك فاستضحك وقال: إن أبا لا تعرف حياته من موته لأب خامل. ونميت إلى ابن أبي الحسين فأسرها في نفسه، ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه من بجاية. ثم رضي عنه واستقدمه ورجعه إلى مكانه من المجلس. وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان فاستبهم، فعدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها، فاتهم بتوقع المكروه للدولة والتربص بها كما كان أعداؤه يشنعون عليه، لما كان ينظر في النجوم فتقبض عليه. وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع، وألقى أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها:
طغى بتونس حلف سموه ظلما خليفة
فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه، ثم بقتله قعصا بالرماح، وسط محرم من سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثم أحرق شلوه وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه.
الخبر عن مقتل اللياني وأوليته وتصاريف أحواله
أصل هذا الرجل من لليانة قرية من قرى المهدية، مضمومة اللام مكسورة الثانية، وكان أبوه عاملا بالمهدية، وبها نشأ ابنه أبو العباس. وكان ينتحل القراءة والكتاب حتى حذق في علوم اللسان. وتفقه على أبي زكريا البرقي، ثم طالع مذاهب الفلاسفة، ثم صار إلى طلب المعاش من الإمارة فولي أعمال الجباية. ثم صودر في ولايته على مال أعطاه وتخلص من نكبته، فنهض في الولايات حتى شارك كل عامل ٦/٤١٩
في عمله بما أظهر من كفايته وتنميته للأموال حتى قصر بهم وأديل منهم.
وكان الكثير منهم متعلقا من ابن أبي الحسين رئيس الدولة بذمة خدمة، فأسفه بذلك وأغرى به بطانة السلطان ومواليه، حتى سعوا به عند السلطان، وأنه يروم الثورة بالمهدية، حتى خشن له باطن السلطان. فدخل عليه ذات يوم أبو العباس الغساني فاستجازه السلطان في قوله: «اليوم يوم المطر» فقال الغساني: «ويوم رفع الضرر» فتنبه السلطان واستزاده فأنشد: «والعام تسعة كمثل عام الجوهري» فكانت إغراء باللياني، فأمر أن يتقبض عليه وعلى عدوه ابن العطار، وكان عاملا. وأمر أبا زيد بن يغمور بامتحانهما فعذبهما حتى استصفى أموالهما، والميل في ذلك على اللياني. وكان في أيام امتحانه يباكر موضع عمله. ثم نمي عنه أنه يروم الفرار إلى صقلية، وبوحث بعض من داخله في ذلك فأقر عليه، فدفع إلى هلال كبير الموالي من العلوج فضربه إلى أن قتله، ورمى بشلوه إلى الغوغاء فعبثوا به وقطعوا رأسه، ثم تتبع أقاربه وذووه بالنكال إلى ان استنفدوا.
الخبر عن انتقاض أبي علي الملياني بمليانة على يد الأمير أبي حفص
كان المغرب الأوسط من تلمسان وأعمالها إلى بجاية في طاعة السلطان منذ تغلب أبوه الأمير أبو زكريا عليه، وفتح تلمسان وأطاعه يغمراسن وكان بين زناتة بتلك الجهات فتن وحروب شأن القبائل اليعاسيب، وكانت مليانة من قسمة مغراوة بني ورسيفان، وكانوا أهل بادية. وتقلص ظل الدولة عن تلك الجهات بعض الشيء. وكان أبو العباس الملياني من مشيخة مليانة صاحب فقه ورواية وسمت ودين، رحل إليه الأعلام وأخذ عنه العلماء، وانتهت إليه رئاسة الشورى ببلده. ونشأ ابنه أبو عليه علي من الخلال متهالكا في الرئاسة متبعا غواية الشبيبة، فلما رأى تقلص ظل الدولة وفتن مغراوة مع يغمراسن ومزاحمته لهم، حدثته نفسه بالاستبداد فخلع طاعة آل أبي حفص ونبذ دعوتهم، وانبرى بها داعيا لنفسه. وبلغ الخبر إلى السلطان فسرح إليه أخاه الأمير أبا حفص، ومعه الأمير أبو زيد بن جامع، ودن الرنك أخو الفنش، ٦/٤٢٠
وطبقات الجند. فخرج من تونس سنة تسع وخمسين وستمائة وأغذ السير إلى مليانة فنازلها مدة، وشد حصارها حتى اقتحموها غلابا. وفر أبو علي الملياني ولحق ببني يعقوب من آل العطاف أحد شعوب زغبة فأجاروه وأجازوه الى المغرب الأقصى، إلى أن كان من خبره ما نذكره بعد.
ودخل الأمير أبو حفص مليانة ومهد نواحيها وعقد عليها الى ابن منديل أمير مغراوة فملكها مقيما فيها لدعوة السلطان شأن غيرها من عمالات مغراوة. وقفل الأمير أبو حفص إلى تونس، ولقيه بطريقة كتاب السلطان بالعقد له على بجاية وإمارتها، فكره ذلك غبطة بجوار السلطان. وترددت في ذلك رغبته فأديل منها بالشيخ أبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي، وعقد له على بجاية. ولحق الأمير أبو حفص بالحضرة إلى أن كان من خلافته ما نذكر بعد. وهلك شقيقه أبو بكر بن الأمير أبي زكريا ثانية مقدمه إلى تونس سنة إحدى وستين وستمائة، فتفجع له الخليفة والقرابة والناس وشهد السلطان جنازته، والبقاء لله وحده.
الخبر عن فرار أبي القاسم بن أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد وخروجه في رياح
كان أبو القاسم بن أبي زيد هذا في جملة ابن عمه الخليفة، وتحت جرايته، وأبوه أبو زيد هو القائم بالأمر بعد أبيه الشيخ أبي محمد. ولحق بالمغرب. وجاء أبو القاسم في جملة الأمير أبي زكريا، وأوصى به ابنه إلى أن حدثته نفسه بالتوثب والخروج.
وخامرة الرعب من إشاعة تناقلها الدهماء، سببها أن السلطان استحدث سكة من النحاس مقدرة على قيمته من الفضة، حاكى بها سكة الفلوس بالمشرق تسهيلا على الناس في المعاملات بإسرافها وتيسيرا لاقتضاء حاجاتهم. ولما كان لحق سكة الفضة من غش اليهود المتناولين لصرفها وصوغها، وسمى سكته التي استحدثها بالحندوس.
ثم أفسدها الناس بالتدليس وضربها أهل الريب ناقصة عن الوزن، وفشا فيها الفساد. واشتد السلطان في العقوبة عليها فقطع وقتل، وصارت ريبة لمن تناولها.
وأعلن الناس بالنكير في شأنها وتنادوا بالسلطان في قطعها وكثر الخوض في ذلك وتوقعت الفتنة. وأشيع من طريق الحدثان الذي تكلف به العامة أن الخارج الذي ٦/٤٢١
يثير الفتنة هو أبو قاسم بن أبي زيد، فأزال السلطان تلك السكة وعفا عليه، وأهمه شأن أبي القاسم ابن عمه، وبلغه الخبر فخامره الرعب الى ما كان يحدث نفسه من الخروج، ففر من الحضرة سنة إحدى وستين وستمائة، ولحق برياح ونزل على أميرهم شبل بن موسى بن محمد رئيس الدواودة، فبايع له وقام بأمره. ثم بلغه اعتزام السلطان على النهوض إليه فخشي بادرته واضطرب أمر العرب من قبيله. ولما أحس أبو القاسم باضطرابهم وخشي أن يسلموه إذا أزادهم السلطان عليها، تحول عنهم ولحق بتلمسان وأجاز البحر منها إلى الأندلس، وصحب الأمير أبا إسحاق ابن عمه في مثوى اغترابهما بالأندلس. ثم ساءت أفعاله وعظم استهتاره. وفشا النكير عليه من الدولة فلحق بالمغرب وأقام بتينملل مدة. ثم رجع إلى تلمسان، وبها مات. وقام الأمير أبو إسحاق بمكانه من جوار ابن الأحمر إلى أن كان من أمره ما نذكره.
الخبر عن خروج السلطان الى المسيلة
لما اتصل بالسلطان شأن أبي قاسم ابن عمه أبي زيد وفصاله عن رياح إلى المغرب بعد عقدهم معه، خرج من تونس سنة أربع وستين في عساكر الموحدين وطبقات الجند لتمهيد الوطن، ومحو آثار الفساد منه، وتقويم العرب على الطاعة. وتنقل في الجهات الى أن وصل بلاد رياح فدوخها ومهد أرجاءها، وفر شبل بن موسى وقومه الدواودة الى القفر، واحتل السلطان بالمسيلة آخر وطن رياح. ووافاه هنالك محمد من عبد القوي أمير بني توجين من زناتة مجددا لطاعته، ومتبركا بزيارته، فتلقاه من البرور تلقي أمثاله، وأثقل كاهله بالحباء والجوائز، وجنب له الجياد المقربات بالمراكب المثقلة بالذهب، واللجم المحلات. وضرب له الفساطيط الفسيحة الارجاء من ثياب الكتان وجدل القطن، الى ما يتبع ذلك من المال والظهر والكراع والأسلحة. واقطع له مدينة مقرة وبلد أوماش من عمل الزاب، وانقلب عنه الى وطنه.
ورجع السلطان إلى تونس وفي نفسه من رياح ضغن إلى أن صرف إليهم وجه تدبيره كما نذكره، ولثانية احتلاله في الحضرة كان مهلك مولاه هلال، ويعرف بالقائد، ٦/٤٢٢
وكان له في الدولة مكان بمكان تلادا للسلطان، وكان شجاعا جوادا خيرا محببا سهلا مقبلا على أهل العلم وذوي الحاجات، وله في سبل الخير آثار منقولة صار له بها ذكر، فارتمض السلطان لمهلكه، والله أعلم.
الخبر عن مقتل مشيخة الدواودة
كان شبل بن موسى وقومه من الزواودة فعلوا الأفاعيل في اضطراب الطاغية، ونصب من لحق بهم من أهل هذا البيت للملك، فبايعوا أولا للأمير أبي إسحاق كما ذكرناه، ثم بعده لأبي القاسم ابن عمه أبي زيد، وخرج إليهم السلطان سنة أربع وستين وستمائة ودوخ أوطانهم، ولحقوا بالصحراء ودافعوه على البعد بطاعة ممرضة فتقبلها، وطوى لهم على البت . ورجع إلى تونس فأوعز إلى أبي هلال عباد عامل بجاية من مشيخة الموحدين باصطناعهم واستئلافهم لتكون وفادتهم عليه من غير عهد، وجمع السلطان أحلافه من كعوب بني سليم ودباب وأفاريق بني هلال، وخرج من تونس سنة ست وستين وستمائة في عساكر الموحدين وطبقات الجند، ووافاه بن عساكر ابن السلطان إخوة بني مسعود ابن السلطان من الزواودة فعقد لمهدي ابن عساكر عن إمارة قومه وغيرهم من رياح، وفر بنو مسعود ابن السلطان مصحرين والسلطان في أثرهم حتى نزل نقاوس وعسكروا بثنايا الزاب، ورسلهم تختلف إلى أبي هلال إيناسا للمراجعة على يده للدخلة في الساحة ، فأشار عليهم بالوفادة على السلطان وفاء بقصده من ذلك، فتقبلوا إشارته. ووفد أميرهم شبل بن موسى بن محمد بن مسعود وأخوه يحيى، وبنو عمهما أولاد زيد بن مسعود: سباع بن يحيى بن دريد وابنه، وطلحة بن ميمون بن دريد، وحداد بن مولاهم بن خنفر بن مسعود وأخوه، فتقبض عليهم لحينهم، وعلى دريد ابن تازير من شيوخ كرفة. وانتهبت أسلابهم وضربت أعناقهم ونصبت أشلاؤهم بزوايا من جهات نقاوس حيث كانت ٦/٤٢٣
بيعتهم لأبي القاسم بن أبي زيد، وبعث برءوسهم إلى بسكرة فنصبها بها، وأغذ السير غازيا إلى أحيائهم وأحلهم بمكانها من ثنايا الزاب.
وصحبهم هنالك فأجفلوا وتركوا الظهر والكراع والأبنية، فامتلأت أيدي وسدويكش منها، ونجوا بالعيال والولد على الأقتاب، والعساكر في أتباعهم إلى أن أجازوا وادي شدى قبلة الزاب وهو الوادي الذي يخرج أصله من جبل راشد قبلة المغرب الأوسط ويمر إلى ناحية الشرق مجتازا بالزاب إلى أن يصب في سبخة نفزاوة من بلاد الجريد.
فلما جاز فلهم الوادي أصحروا إلى المفازات المعطشة والأرض الحرة السوداء المستحجرة المسماة بالحمادة، فرجعت العساكر عنهم، وانقلب السلطان من غزاتة ظافرا، ظاهرا وأنشده الشعراء في التهنئة، ولحق فل الزواودة بملوك زناتة فنزل بنو يحيى بن دريد على يغمراسن بن زيان، وبنو محمد بن مسعود على يعقوب بن عبد الحق، فأجازوهم وأوسعوهم حباء وملئوا أيديهم بالصلات، ومرابطهم بالخيل، وأحياءهم بالإبل ورجعوا إلى مواطنهم فتغلبوا على واركلة وقصور ريغة واقتطعوها من إيالة السلطان. ثم انحرفوا إلى الزاب فجمع لهم عامله ابن عتو وكان موطنا بمقرة، ولقيهم على حدود أرض الزاب فهزموه واتبعوه إلى بطاوة فقتلوه عندها، واستطالوا على الزاب وجبل أوراس وبلاد الحصنة إلى أن اقتطعتهم الدول إياها من بعد ذلك، فصارت ملكا لهم، والله تعالى أعلم.
الخبر عن طاغية الافرنجة ومنازلته تونس في أهل نصرانيته
هذه الأمة المعروفة بالإفرنجة وتسميها العامة بالإفرانسيس نسبة إلى بلد من أمهات أعمالهم تسمى إفرانسة، ونسبهم إلى يافث بن نوح، وهم بالعدوة الشمالية من عدوتي هذا البحر الرومي الغربي ما بين جزيرة الأندلس وخليج القسنطينة، مجاورون الروم من جانب الشرق والجلالقة من جانب الغرب. وكانوا قد أخذوا بدين النصرانية مع ٦/٤٢٤
الروم، ومنهم لقنوا دينها. واستفحل ملكهم عند تراجع ملك الروم وأجازوا البحر إلى إفريقية مع الروم فملكوها ونزلوا أمصارها العظيمة مثل سبيطلة وجلولا وقرطاجنة ومرناق وباغاية ولمس وغيرها من الأمصار وغلبوا على من كان بها من البربر حتى اتبعوهم في دينهم وأعطوهم طاعة الانقياد.
ثم جاء الإسلام وكان الفتح بانتزاع الأعراب من أيديهم سائر أمصار إفريقية، والعدوة الشرقية والجزر البحرية مثل أقريطش ومالطة وصقلية وميورقة ورجوعهم إلى عدوتهم. ثم أجازوا خليج طنجة وغلبوا القوط والجلالقة والبشكنس، وملكوا جزيرة الأندلس وخرجوا من ثناياها ودورها إلى بسائط هؤلاء الإفرنجة فدوخها وعاثوا فيها.
ولم تزل الصوائف تتردد إليها صدرا من دولة بني أمية بالأندلس، وكان ولاة إفريقية من الأغالبة ومن قبلهم أيضا يرددون عساكر المسلمين وأساطيلهم من العدوة حتى غلبوهم على الجزر البحرية، ونازلوهم في بسائط عدوتهم فلم تزل في نفوسهم من ذلك ضغائن، فكان يخالجها الطمع في ارتجاع ما غلبوا عليه منها.
وكان الربع أقرب إلى سواحل الشام وطمع فيها. فلما وصل أمر الروم بالقسطنطينة ورومة، واستفحل ملك الفرنجة هؤلاء، وكان ذلك على هيئة سمو الخلافة بالمشرق.
فسموا حينئذ إلى التغلب على معاقل الشام وثغوره، وزحفوا إليها وملكوا الكثير منها واستولوا على المسجد الأقصى وبنو فيه الكنيسة العظمى بدل المسجد، ونازلوا مصر والقاهرة مرارا حتى جاد الله للإسلام من صلاح الدين أبي أيوب الكردي صاحب مصر والشام في أواسط المائة السادسة جنة واقية، وعذابا على أهل الكفر مصبوبا، فأبلى في جهادهم وارتجع ما ملكوه، وطهر المسجد الأقصى من إفكهم وكفرهم، وهلك على حين غرة من الغزو والجهاد. ثم عاودوا الكرة ونازعوا مصر في المائة السابعة على عهد الملك الصالح صاحب مصر والشام، وأيام الأمير أبي زكريا بتونس، فضربوا أبنيتهم بدمياط وافتتحوها وتغلبوا في قرى مصر. وهلك الملك الصالح خلال ذلك، وولي ابنه المعظم وأمكنت المسلمين في الغزو فرصة أيام فيض النيل، ففتحوا الغياض وأزالوا مدد الماء فأحاط بمعسكرهم وهلك منهم عالم، وقيد سلطانهم أسيرا ٦/٤٢٥
من المعركة إلى السلطان فاعتقله بالإسكندرية، حتى مر عليه بعد حين من الدهر وأطلقه على أن يمكنوا المسلمين من دمياط فوفوا له. ثم على شرط المسالمة فيما بعد فنقضه لمدة قريبة، واعتزم على الحركة إلى تونس متجنيا عليهم فيما زعموا بمال أدعياء تجار أرضهم، وأنهم أقرضوا اللياني فلما نكبه السلطان طالبوه بذلك المال وهو نحو ثلاثمائة دينار بغير موجب يستندون إليه، فغضبوا لذلك واشتكوا إلى طاغيتهم فامتعض لهم ورغبوه في غزو تونس لما كان فيها من المجاعة والموتان.
فأرسل الفرنسيس طاغية الإفرنج واسمه سنلويس بن لويس وتلقب بلغة الإفرنج روا فرنس ومعناه ملك إفرنس، فأرسل إلى ملوك النصارى يستنفرهم إلى غزوها، وأرسل إلى القائد خليفة المسيح بزعمهم فأوعز إلى ملوك النصرانية بمظاهرته، وأطلق يده في أموال الكنائس مددا له. وشاع خبر استعداد النصارى للغزو في سائر بلادهم، وكان الذين أجابوه للغزو ببلاد المسلمين من ملوك النصرانية ملك الإنكتار وملك اسكوسيا وملك نزول وملك برشلونة واسمه ريدراكون وجماعة آخرون من ملوك الإفرنج، هكذا ذكر ابن الأثير وأهم المسلمين بكل ثغر شأنهم وأمر السلطان في سائر عمالاته بالاستكثار من العدة، وأرسل في الثغور لذلك بإصلاح الأسوار واختزان الحبوب، وانقبض تجار النصارى عن تعاهد بلاد المسلمين. وأوفد السلطان رسله إلى الفرنسيس لاختبار رحاله ومشارطته على ما يكف عزمه. وحملوا ثمانين ألفا من الذهب لاستتمام شروطهم فيما زعموا، فأخذ المال من أيديهم وأخبرهم أن غزوة إلى أرضهم. فلما طلبوا المال اعتل عليهم بأنه لم يباشر قبضه ووافق شأنهم معه وصول رسول عن صاحب مصر، فأحضر عند الفرنسيس واستجلس فأبى وأنشده قائلا من قول أبي مطروح شاعر السلطان بمصر:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من وزير نصيح
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد نصارى المسيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب ان الزمر بالطبل ريح
فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح ٦/٤٢٦
وكل أصحابك أودعتهم ... بسوء تدبيرك بطن الضريح
سبعون ألفا لا يرى منهم ... إلا قتيل أو أسير جريح
ألهمك الله إلى مثلها ... لعل عيسى منكم يستريح
إن كان باباكم بذا راضيا ... فرب غش قد أتى من نصيح
فاتخذوه كاهنا إنه ... أنصح من شق لكم أو سطيح
وقل لهم إن أزمعوا عودة ... لأخذ ثار أو لشغل قبيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح
يعني بدار ابن لقمان موضع اعتقاله بالإسكندرية والطواشي في عرف أهل مصر هو الخصي. فلما استكمل إنشاده لم يزد ذلك الطاغية إلا عتوا واستكبارا، واعتذر عن نقض العهد في غزو تونس بما يسمع عنهم من المخالفات، عذرا دافعهم به، وصرف الرسل من سائر الآفاق ليومه. فوصل رسل السلطان منذرين بشأنهم وجمع الطاغية حشده وركب أساطيله إلى تونس آخر ذي القعدة سنة ثمان وستين وستمائة فاجتمعوا بسردانية وقيل بصقلية. ثم وأعدهم بمرسى تونس وأقلعوا ونادى السلطان في الناس بالنذير بالعدو والاستعداد له، والنفير إلى أقرب المدائن، وبعث الشواني لاستطلاع الخبر واستفهم أياما .
ثم توالت الأساطيل بمرسى قرطاجنة وتفاوض السلطان مع أهل الشورى من الأندلس والموحدين في تخليتهم وشأنهم من النزول بالساحل أو صدهم عنه، فأشار بعضهم بصدهم حتى تنفد ذخيرتهم من الزاد والماء فيضطرون إلى الإقلاع. وقال آخرون إذا أقلعوا من مرسى الحضرة ذات الحامية والعدد صبحوا بعض الثغور سواها فملكوه واستباحوه، واستصعبت مغالبتهم عليه فوافق السلطان على هذا وخلوا وشأنهم من النزول فنزلوا بساحل قرطاجنة بعد أن ملئت سواحل رودس بالمرابطة بجند الأندلس والمطوعة زهاء أربعة آلاف فارس لنظر محمد بن الحسين رئيس الدولة.
ولما نزل النصارى بالساحل وكانوا زهاء ستة آلاف فارس، وثلاثين ألفا من الرجالة فيما حدثني أبي عن أبيه رحمهما الله قال: وكانت أساطيلهم ثلاثمائة بين كبار وصغار، ٦/٤٢٧
وكانوا سبعة يعاسيب كان فيهم الفرنسيس وإخوة جرون صاحب صقلية وصاحب الجزر، والعلجة زوج الطاغية تسمى الرينة، وصاحب البر الكبير، وتسميهم العامة من أهل الأخبار ملوكا ويعنون أنهم متباينون ظاهروا على غزو تونس وليس كذلك.
وإنما كان واحدا وهو طاغية الفرنجة وإخوته وبطارقته، عد كل واحد منهم ملكا لفضل قوته وشدة بأسه، فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة. وكانت ماثلة الجدران اضطرم المعسكر بداخلها، ووصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها وأداروا على السور خندقا بعيد المهوى وتحصنوا. وندم السلطان على إضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها. وأقام ملك الفرنجة وقومه متمرسين بتونس ستة أشهر والمدد يأتيه في أساطيله من البحر من صقلية والعدوة بالرجل والأصلحة والأقوات.
وسلك بعض المسلمين طريقا في البحيرة واتبعهم العرب فأصابوا غرة في العدو فظفروا وغنموا وشعروا بمكانهم، فكلفوا بحراسة البحيرة وبعثوا فيها الشواني بالرماة ومنعوا الطريق إليهم، وبعث السلطان في ممالكه حاشدا فوافته الأمداد من كل ناحية، ووصل أبو هلال صاحب بجاية وجاءت جموع العرب وسدويكش وولهاصة وهوارة حتى أمده ملوك المغرب من زناتة، وسرح إليه محمد بن عبد القوى عسكر بني توجين لنظر ابنه زيان وأخرج السلطان أبنيته وعقد لسبعة من الموحدين على سائر الجند من المرتزقة والمطوعة وهم: إسماعيل بن أبي كلداسن وعيسى بن داود ويحيى بن أبي بكر ويحيى بن صالح وأبو هلال عياد صاحب بجاية ومحمد بن عبو، وأمرهم كلهم راجع ليحيى بن صالح ويحيى بن أبي بكر منهم.
واجتمع من المسلمين عدد لا يحصى، وخرج الصلحاء والفقهاء والمرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم والتزم السلطان القعود بإيوائه مع بطانته وأهل اختصاصه وهم:
الشيخ أبو سعيد المعروف بالعود، وابن أبي الحسين، وقاضيه أبو القاسم بن البراء، وأخو العيش. واتصلت الحرب والتقوا في منتصف محرم سنة تسع بالمنصف، فزحف يومئذ يحيى بن صالح وجرون فمات من الفريقين خلق، وهجموا على المعسكر بعد العشاء وتدامر المسلمون عنده، ثم غلبوا عليه بعد أن قتل من النصارى زهاء ٦/٤٢٨
خمسمائة، فأصبحت أبنيته مضروبة كما كانت. وأمر بالخندق على المعسكر فتعاورته الأيدي، واحتفر فيه الشيخ أبو سعيد بنفسه، وابتلي المسلمون بتونس، وظنوا الظنون واتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان.
ثم إن الله أهلك عدوهم وأصبح ملك الفرنجة ميتا يقال حتف أنفه، ويقال أصابه سهم غرب في بعض المواقف فأبته ويقال أصابه مرض الوباء، ويقال وهو بعيد أن السلطان بعث إليه مع ابن جرام الدلاصي بسيف مسموم وكان فيه مهلكه. ولما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط سمي بذلك لميلاده بها فبايعوه، واعتزموا على الإقلاع. وكان أمرهم راجعا إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يبذل لها ما خسروه في مؤنة حركتهم، وترجع بقومها فأسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الانصراف إلى مشاتيهم.
وبعث مشيخة الفقهاء لعقد الصلح في ربيع الأول سنة تسع وستين وستمائة فتولى عقده وكتابه القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاما. وحضر أبو الحسن علي بن عمرو وأحمد بن الغماز وزيان بن محمد بن عبد القوى أمير بني توجين، واختص جرون صاحب صقلية بسلم عقده على جزيرته. وأقلع النصارى بأساطيلهم وأصابهم عاصف من الريح أشرفوا منه على العطب، وهلك الكثير منهم وأغرم السلطان الرعايا ما أعطى العدو من المال فأعطوه طواعية. يقال إنه عشرة أحمال من المال وترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقا. وخاطب السلطان صاحب المغرب وملوك النواحي بالخبر ودفاعه عن المسلمين وما عقده من الصلح، وأمر بتخريب قرطاجنة وأن يؤتي بنيانها من القواعد، فصير أبنيتها طامسة ورجع الفرنجة إلى دعوتهم فكان آخر عهدهم بالظهور والاستفحال ولم يزالوا في تناقص وضعف إلى أن افترق ملكهم عمالات.
واستبد صاحب صقلية لنفسه، وكذا صاحب نايل وجنوده وسردانية، وبقي بيت ملكهم الأقدم لهذا العهد على غاية من الفشل والوهن. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ٦/٤٢٩
الخبر عن مهلك رئيس الدولة أبي عبد الله بن أبي الحسين وأبي سعيد العود الرطب
أصل هذا الرجل من بني سعيد رؤساء القلعة المجاورة لغرناطة، وكان كثير منهم قد استعملوا أيام الموحدين بالعدوتين، وكان جده أبو الحسن سعيد صاحب الأشغال بالقيروان. ونشأ حافده محمد هذا في كفالته. ولما عزل وقفل إلى المغرب هلك ببونة سنة أربع وستمائة ورجع حافده محمد إلى تونس والشيخ أبو محمد بن أبي حفص صاحب إفريقية لذلك العهد فاعتلق بخدمة ابنه أبي زيده. ولما ولي الأمر بعد وفاة أبيه غلب محمد هذا على هواه. ثم جاء السيد أبو علي من مراكش وعلى إفريقية محمد ابن أبي الحسين في جملته إلى أن هلك في حصار هسكورة بمراكش كما قدمناه ورجع ابن أبي الحسين إلى تونس واتصل بالأمير أبي زكريا لأول استبداده فغلب على هواه، وكان مبختا في صحابة الملوك. ولما ولي المستنصر أجراه على سنته برهة.
ثم تنكر له إثر كائنة اللحياني، وعظمت سعاية أعدائه من الباطنية وأشاعوا مداخلته لأبي القاسم بن عزومة أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد فنكبه السلطان واعتقله بدارة تسعة أشهر. ثم سرحه وأعاده إلى مكانه وثأر من أعدائه، واستولى على أمور السلطان إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين وستمائة وكلف ابن عمه سعيد بن يوسف بن أبي الحسن أشغال الحضرة، وكان قد اقتنى مالا جسيما ونال من الحضرة منالا عظيما. وكان الرئيس أبو عبد الله متفننا في العلوم مجيدا في اللغة والشعر ينظم فيجيد وينثر فيحسن ، وله من التآليف: كتاب ترتيب المحكم لابن سيده على نسق الصحاح للجوهري واختصاره، وسماه الخلاصة. وكان في رياسته صليب الرأي قوى الشكيمة عالي المهمة، شديد المراقبة والحزم في الخدمة، وله شعر نقل منه التيجاني وغيره، ومن أشهره ما نقل له يخاطب عنان بن جابر عن الأمير أبي زكريا لما خالف واتبع ابن غانية، وهي على روي الراء، وكان قبلها أخرى على روي ٦/٤٣٠
الدال. وكان له ولد اسمه سعيد وترقى في حياة أبيه في المراتب السلطانية. ثم اغتبط دون غايته وفي ثالث مهلكه كان مهلك الشيخ أبي سعيد عثمان بن محمد الهنتاني المعروف بالعود الرطب، ويعرف أهل بيته بالمغرب ببني أبي زيد. وكان منهم عبد العزيز المعروف بصاحب الأشغال كان فر من المغرب أيام السعيد لجفوة نالته، ولحق بسجلماسة سنة إحدى وأربعين وقد كان انتزى بها عبد الله الهزرجي، وبايع للأمير أبي زكريا فأجازه عبد الله إلى تونس، ونزل على الأمير أبي زكريا ونظمه في طبقات مشيخة الموحدين وأهل مجلسه. ثم حظي عند ابنه المستنصر بعد نكبة بني النعمان حظوة لا كفاء لها. واستولى على الرأي والتدبير إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين وستمائة فشيع طيب الذكر ملحقا بالرضوان من الخاصة والعامة، والله مالك الأمور.
الخبر عن انتقاض أهل الجزائر وفتحها
كان أهل الجزائر لما رأوا تقلص ظل الدولة عن زناتة وأهل المغرب الأوسط حدثوا أنفسهم بالاستبداد والقيام على أمرهم، وخلع ربقة الطاعة من أعناقهم فجاهروا بالخلعان. وسرح السلطان إليهم العساكر سنة تسع وستين وستمائة وأوعز إلى صاحب القفر صاحبه وهو أبو هلال عياد بن سعيد الهنتاتي فقدم إليها في عساكر الموحدين سنة إحدى وسبعين وستمائة ونازلها مدة حول، وامتنعت عليه فأقلع عنها ورجع إلى بجاية، وهلك بمعسكر ببني ورا سنة ثلاث وسبعين وستمائة.
ثم إن السلطان صرف عزمه إلى منازلتهم سنة أربع وسبعين وستمائة وسرح إليهم العساكر في البر وأنفذ الأساطيل في البحر وعقد على عسكر تونس لأبي الحسن بن ياسين وأوعز إلى عامل بجاية بإنفاذ عسكر آخر فأنفذه لنظر أبي العباس بن أبي الأعلام، ونهضت هذه العساكر برا وبحرا إلى أن نازلتها وأحاطت بها من كل جانب، واشتد حصارها. ثم افتتحها عنوة وأثخن فيهم القتل وانتهبت المنازل وافتضح الكرائم في أبكارهن. وتقبض على مشيخة البلد فنقلوا إلى تونس وصفدين، واعتقلوا بالقصبة إلى أن سرحهم الواثق بعد مهلك السلطان والله تعالى أعلم ٦/٤٣١
الخبر عن مهلك السلطان المستنصر ووصف شيء من أحواله
كان السلطان بعد فتح الجزائر قد خرج من تونس للصيد وتفقد العمالات، فأصابه في سفره مرض ورجع إلى داره، واشتدت علته وكثر الإرجاف بموته، وخرج يوم الأضحى سنة خمس وخمسين وستمائة يتهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض وجلس للناس على منبر متجلدا. ثم دخل بيته وهلك لليلته تلك رضوان الله عليه، وكان شأن هذا السلطان في ملوك آل حفص عظيما. وشهرته طائرة الذكر بما انفسح من أمر سلطانه، ومدت إليه ثغور القاصية من العدوتين يد الاعتصام به.
وما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على ابنه وخصوصا الأندلس من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أورع وشجاع أهيش متفيئين ظل ملكة متناغين في اللياذ به لطموس معالم الخلافة شرقا، وغربا على عهده، وخفوت صوت الملك إلا في إيوانه .
فقد كان الطاغية التهم قواعد الملك بشرق الأندلس وغربها، فأخذت قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وبلنسية سنة ست وثلاثين وستمائة بعدها وإشبيلية سنة ست وأربعين وستمائة، واستولى التتر على بغداد دار خلافة العرب بالمشرق وحاضرة الإسلام سنة ست وخمسين وستمائة، وانتزع بنو مرين ملك بني عبد المؤمن، واشتملوا على حضرة مراكش دار خلافة الموحدين سنة ثمان وستين وستمائة، كل ذلك على عهده وعهد أبيه ودولتهم أشد ما كانت قوة وأعظم رفاهية وجباية وأوفر قبيلا وعصابة، وأكثر عساكر وجندا، فأمله أهل العلم للكرة، وأجفلوا إلى الإمساك بحقويه. وكان له في الأبهة والجلال أخبار، وفي الحروب والفتوح آثار مشهودة، وفي أيامه عظمت حضارة تونس، وكثر ترف ساكنها. وتأنق الناس في المراكب والملابس والمباني ٦/٤٣٢
والماعون والآنية، فاستجادوا وتناغوا في اتخاذها وانتقائها إلى أن بلغت غايتها رجعت من بعده أدراجها، والله مالك الأمور ومصرفها كيف يشاء.
الخبر عن بيعة الواثق يحيى بن المستنصر وهو المشهور بالمخلوع وذكر أحواله
لما هلك السلطان المستنصر سنة خمس وسبعين وستمائة كما قدمناه، اجتمع الموحدون وسائر الناس على طبقاتهم إلى ابنه يحيى، فبايعوه ليله مهلك أبيه، وفي غدها وتلقب الواثق. وافتتح أمره برفع المظالم وتسريح أهل السجون وافاضة العطاء في الجند وأهل الديوان، وإصلاح المساجد، وإزالة كثير من الوظائف عن الناس. وامتدحه الشعراء فأسنى جوائزهم، وأطلق عيسى بن داود من اعتقاله ورده إلى حاله. وكان المتولي لأخذ البيعة عن الناس والقائم بأمره سعيد بن يوسف بن أبي الحسين لمكانه من الدولة ورسوخه في الشهرة، فقام بالأمر ولم يزل على ذلك إلى أن نكبه وأدال منه بالحببر والله أعلم.
الخبر عن نكبة ابن أبي الحسين واستبداد ابن الحببر على الدولة
هذا الرجل اسمه يحيى بن عبد الملك الغافقي وكنيته أبو الحسن أندلسيا من أعمال مرسية، وفد مع الجالية من شرق الأندلس أيام استيلاء العدو، وكان يحسن الكتابة ولم يكن له من الخلال سواها، فصرف في الأعمال، ثم ارتقى إلى خدمة أبي الحسين فاستكتبه، ثم رقاه إلى ولاية الديوان فعظمت حالته، وكانت له أثناء ذلك مداخلة للواثق ابن السلطان، واعتدها له سابقة. فلما استوثق الأمر للواثق رفع منزلته واختصه بالشورى، وقلده كتاب علامته. وكان سعيد بن أبي الحسين مزاحما له؟ منافسا لما كان أسف من تقديمه. فأغرى به السلطان ورغبه في ماله فتقبض على أبي سعيد بن أبي الحسين لستة أشهر من الدولة سنة ست وسبعين وستمائة واعتقل ٦/٤٣٣
بالقصبة. واستقل على معلة ابن ياسين وابن صياد الرجالة وغيرهم. وقدم على الأشغال مدافعا في الموالي المعلوجين. ووكل أبا زيد بن أبي الأعلام من الموحدين بمصادرة ابن أبي الحسين على المال وامتحانه.
ولم يزل يستخرج منه حتى ادعى الاملاق واستحلف فخلف. ثم ضرب فادعى مؤتمنا من ماله عند قوم استكشفوا عنه فأدوه. ثم دل بعض مواليه على ذخيرة بداره دفينة فاستخرج منه زهاء ستمائة ألف من الدنانير، فلم يقبل بعدها مقاله، وبسط عليه العذاب إلى أن هلك في ذي الحجة من سنته، ودفن شلوه بحيث لم يعرف مدفنه.
واستبد أبو الحسن الحببر على الدولة والسلطان، وبعث أخاه أبا العلاء واليا على بجاية، وأسف المشيخة والبطانة بعتوه واستبداده وما يتجشمونه من مكابرة بابه إلى أن عاد وبال ذلك على الدولة كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن إجازة السلطان أبي إسحاق من الأندلس ودخول أهل بجاية في طاعته
كان السلطان المستنصر قد عقد على بجاية سنة ستين وستمائة لأبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي، وأدال به من أخيه الأمير أبي حفص، فأقام واليا عليها إلى أن هلك ببني ورا سنة ثلاث وسبعين وستمائة كما قدمنا وعقد عليها من بعده لابنه محمد، وكان له غناء في ولايته واضطلع بأمره إلى أن هلك المستنصر وولي ابنه الواثق، فبادر إلى انقياد طاعته، وبعث وفد بجاية ببيعتهم. ثم قلد أبو الحسن القائم بالدولة أخاه إدريس ولاية الأشغال ببجاية، فقام بها وأفنى الأموال وتحكم في المشيخة. وأنف محمد بن أبي هلال من استبداده عليه فهم إدريس بنكبته، فخشي محمد بن أبي هلال بادرته وداخل بعض بطانته في قتله. وفاوض الملأ فيه فعدوا عليه لأول ذي القعدة سنة سبع وسبعين وستمائة بمقعده من باب السلطان فقتلوه ورموا برأسه إلى الغوغاء والزعانف فبعثوا به. ٦/٤٣٤
ووافق ذلك حلول السلطان أبي إسحاق بتلمسان، وكان عند بلوغ الخبر إليه بمهلك أخيه المستنصر أجمع أمره على الإجازة لطلب حقه بعد ما تردد برهة. ثم اعتزم وعاد إلى تلمسان، ونزل على يغمراسن بن زيان فقام لمورده، واحتفل في مبرته، وفعل أهل بجاية وابن أبي هلال فعلتهم وخشوا بوادر السلطان بالحضرة فخاطب السلطان أبا إسحاق وأتوه ببيعتهم، وبعثوا وفدهم يستحثونه للملك، فأجابهم ودخل إليها آخر ذي القعدة من سنته، فبايعه الموحدون والملأ من أهل بجاية. وقام بأمره محمد بن هلال. ثم زحف في عساكره إلى قسنطينة فنازلها، وبها عبد العزيز بن عيسى بن داود، فامتنعت عليه فأقلع عنها إلى أن كان من أمره ما نذكره.
الخبر عن خروج الأمير أبي حفص بالعساكر للقاء السلطان أبي إسحاق ثم دخوله في طاعته وخلع الواثق
لما بلغ الخبر إلى الواثق ووزيره المستبد عليه ابن الحببر بدخول السلطان أبي إسحاق بجاية، شيع العساكر إلى حربه، وعقد عليها لعمه أبي حفص. واستوزر له أبا زيد بن جامع، فخرج من تونس واضطرب معسكره بجباية. وعقد الواثق على قسنطينة لعبد العزيز بن عيسى بن داود لذمة صهر كانت له من ابن الحببر، فتقدم إلى قسنطينة، ومانع عنها الأمير أبا إسحاق كما ذكرناه. ثم اضطرب رأي ابن الجيد في خروج الأمير أبي حفص، وأراد انفضاض عسكره فكتب الواثق إلى أبي حفص ووزيره ابن جامع يغري كل واحد منهما بصاحبه، فتفاوضا واتفقا على الدعاء للأمير أبي إسحاق، وبعثوا إليه بذلك. واتصل الخبر بالواثق وهو بتونس منتبذا عن الحامية والبطانة. فاستيقن ذهاب ملكه، وأشهد الملأ، وانخلع عن الأمر لعمه السلطان أبي إسحاق غرة ربيع الأول من سنة ثمان وسبعين وستمائة وتحول عن قصور الملك بالقصبة إلى دار الأقورى وانقرضت دولته وأمره، والبقاء لله وحده ٦/٤٣٥
الخبر عن استيلاء السلطان أبي إسحاق على الحضرة
لما بلغ السلطان أبا إسحاق كتاب أخيه الأمير أبي حفص وابن جامع من بجاية، يادر مغذا إليهم. ثم وافاه خبر انخلاع الواثق ابن أخيه بتونس، فارتحلوا جميعا وسائر أهل الحضرة على طبقاتهم إلى لقائه، وآتوا طاعتهم ودخل الحضرة منتصف الحجة آخر سنة ثمان وسبعين وستمائة ومحمد بن هلال شيخ دولته. وعقد على حجابته لأبي القاسم بن الشيخ كاتب أبي الحسين، وعلى خطة الأشغال لابن أبي بكر بن الحسن ابن خلدون . كان وفد مع أبيه الحسن على الأمير أبي زكريا من إشبيلية لذمة رعاها لهم، لما كانت أم ولده أم الخلائف من هدايا ابن المحتسب أبي زكريا محلهم.
ورحل الحسن إلى المشرق ومات هنالك، وبقي ابنه أبو بكر بالحضرة فاستعمله الأمير أبو إسحاق لأول دخوله في خطة الأشغال، ولم يكن يليها إلا الموحدون كما قلناه.
وعقد لفضل بن علي بن مزني على الزاب، ولم يكن أيضا يليها إلا الموحدون. لكن رعى لفضل بن مزني ذمة اغترابه معه إلى الأندلس، فعقد له على الزاب، ولأخيه عبد الواحد على بلاد قسطيلية. ثم تقبض على أبي الحببر وأمر باعتقاله ودفعه إلى موسى بن محمد بن ياسين للمصادرة والامتحان. ووجد مكان التمائم عليه طوابع وطلسمات مختلفة الأشكال والصور، وتسحر بها فيما زعموا مخدومه فحاق به وبالها.
وكان شأنه في الامتحان والاستحلاف والهلاك بالعذاب شأن سعيد بن أبي الحسين أيام صولته ، إلى أن هلك في شهر جمادى الأولى من سنته، والله لا يظلم مثقال ذرة.
ولما اعتقد السلطان أبو إسحاق كرسي ملكه، واستوثق عرى خلافته، تقبض على محمد بن أبي هلال وقتله بجر نكبته سنة ست وسبعين وستمائة لما كان يتوقع منه من المكروه في الدولة وما عرف به من المساعي في الفتنة والله أعلم. ٦/٤٣٦
الخبر عن مقتل الواثق وولده
لما انخلع الواثق عن الأمر وتحول إلى دار الأقوري فأقام بها أياما. وكان له ثلاثة من الولد أصاغر: الفضل والطاهر، والطيب، فكانوا معه. ثم نمي عنه للسلطان أبي إسحاق أنه يروم الثورة وأنه داخل في ذلك بعض رؤساء النصارى من الجند، فأقلق مكان ترشيحه واعتقله بمكان اعتقال بنيه، وهو من القصبة أيام أخيه المستنصر. ثم بعث إليهم ليلتهم فذبحوا جميعا في شهر صفر سنة تسع وسبعين وستمائة واستوثق له الأمر وأطلق من عنان الإمارة لولده إلى أن كان من شأنهم ما يذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن ولاية الأمير أبي فارس ابن السلطان أبي إسحاق على بجاية بعهد أبيه والسبب في ذلك
كان للسلطان أبي إسحاق من الأبناء خمسة: أبو فارس عبد العزيز وكان أكبرهم، وأبو محمد عبد الواحد، وأبو زكريا يحيى، وخالد، وعمر، وكان السلطان المستنصر قد حبسهم عند فرار أبيهم إلى رياح في أيامه ببعض حجر القصر، وأجرى عليهم رزقا فنشئوا في ظل كفالته وجميم رزقه، إلى أن استولى أبوهم السلطان أبو إسحاق على الملك فطلعوا بآفاقه. وطالت فروعهم في دوحه، واشتملوا على العز واصطنعوا أهل السوابق من الرجال، وأرخى السلطان لهم ظلهم في ذلك. وكان المجلي فيها كبيرهم أبو فارس لما كان مرشحا لولاية العهد، وكان ممن اصطنعه وألقى عليه رداء محبته في الناس وعنايته أحمد بن أبي بكر بن سيد الناس اليعمري، وأخوه أبو الحسين لسابقة رعاها لهما، وذلك أن أباهما أبا بكر بن سيد الناس، كان من بيوت إشبيلية حافظا للحديث راوية له، ظاهريا في فقهه على مذهب داود وأصحابه. وكانت لأهل إشبيلية خصوصا من بين الأندلس وصلة بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص وبنيه، منذ ولايته غرب الأندلس. ٦/٤٣٧
فلما تكالب الطاغية على الدولة والتهم ثغورها واكتسح بسائطها، وأشف إلى قواعدها وأمصارها، أجاز الأعلام وأهل البيوت إلى أرض المغربين وإفريقية. وكان قصدهم إلى تونس أكثر لاستفحال الدولة الحفصية بها. فلما رأى الحافظ أبو بكر اختلال أحوال الأندلس وقبح مصايرها، وخفة ساكنها، أجمع الرحلة عنها إلى ما كان بتونس من سابقته عند هؤلاء الخلفاء. فأجاز البحر ونزل بتونس فلقاه السلطان تكرمه، وجعل إليه تدريس العلم بالمدرسة عند حمام الهواء التي أنشأتها أمه أم الخلائف.
ونشأ بنوه أحمد وأبو الحسين في جو الدولة وحجر كفالتها للاختصاص الذي كان لأبيهم بها. وعدلوا عن طلب العلم إلى طلب الدنيا، وتشوقوا إلى مراتب السلطان، واتصلوا بأبناء السلطان أبي إسحاق بمكانهم من حجر القصر حيث أنزلهم عمهم بعد ذهاب أبيهم، فخالطوهم واستخدموا لهم. ولما استولى السلطان على الأمر ورشح ابنه أبا فارس للعهد، وأجراه على سنن الوزارة فاصطنع أحمد بن سيد الناس، ونوه باسمه وخلع عليه ملبوس كرامته. واختصه بلقب حجابته، وأخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنوة. ونفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا إسحاق بابنه وخوفوه شأنه. وأن أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة. وتولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قائد الكلاعي من علية الكتاب ووجوههم. كان يكتب للعامة يومئذ، فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع وستين وستمائة آخر ربيع، استدعى إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبرا. ووري شلوه ببعض الحفر. وبلغ الخبر إلى الأمير أبي فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن، فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر والخديعة بالدولة. وأماط سواده بيده، ونجا أبو الحسين من هذه المهلكة. واعتقل في لمة من رجال الأمير أبي فارس بعد أن توارى أياما إلى أن أطلق من محبسه، وكان من أمره ما نذكره بعد. واستبلغ السلطان في تأنيس ابنه، ومسح الضغينة عن صدره، فعقد له على بجاية وأعمالها، وأنفذه إليها أميرا مستقلا. وأنفذ معه في رسم الحجابة جدي محمد ابن صاحب أشغاله أبي بكر بن ٦/٤٣٨
الحسن بن خلدون، فخرج إليها سنة تسع وستين وستمائة وقام بأمرها، ولم يزل أميرا بها إلى آخر دولته كما نذكر والله أعلم.
الخبر عن ثورة ابن الوزير بقسنطينة ومقتله
اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى، ونسبته في كوميه من بيوت الموحدين.
كان مستخدما لابن كلداسن الوالي بقسنطينة بعد ابن النعمان من مشيخة الموحدين أيام المستنصر. ووفد ابن كلداسن على الحضرة، وأقام ابن وزير نائبا عنه بقسنطينة، فكان له غناء وصداقة . وولاه السلطان أبو إسحاق حافظا على قسنطينة. واتصلت ولايته، وهلك المستنصر واضطربت الأحوال. ثم ولاه الواثق، ثم السلطان أبو إسحاق وكان ابن وزير هذا طموحا جموعا لأموال الناس لا يمل.
وعلم أن قسنطينة معقل ذلك القطر وحصنه فحدثته نفسه بالامتناع بها، والاستبداد على الدولة. وساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبي إسحاق، واستعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل الحرابة من الطاغية . وكتب هو بالاعتذار والنكير لما جاء به، فتقبله وأغضى له عن هناته. ولما مر به الأمير أبو فارس إلى محل إمارته من بجاية سنة تسع وسبعين وستمائة قعد عن لقائه وأوفد إليه جمعا من الصلحاء بالمعاذير والاستعطاف، فمنحه من ذلك كفاء مرضاته، حتى إذا أبعد الأمير أبو فارس إلى بجاية، اعتزم على الانتزاء. وكاتب ملك أرغون في جيش من النصارى يكون معهم في ثغره يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه ووعده ببعث الأسطول إليه، فجاهر بالخلعان، وانتزى بثغر. قسنطينة داعيا لنفسه آخر سنة ثمانين وستمائة.
وزحف إليه الأمير أبو فارس من بجاية في عساكره، واحتشد الأعراب وفرسان ٦/٤٣٩
القبائل إلى أن احتل بميلة. ووفد عليه من أهل قسنطينة جمع من الرعية بعثهم ابن وزير فأعرض عنهم، وقصد قسنطينة في أول ربيع سنة إحدى وثمانين وستمائة فثار بها وجمع الأيدي على حصارها. ونصب المجانيق وقرب قواعد الرماة، وقاتلها يوما أو بعض يوم، وتسور عليهم المعقل من بعض جهاته. وكان المتولي لتسوره صاحبه محمد ابن أبي بكر بن خلدون، وأبلى بن وزير عند الصدمة حتى أحيط به، وقتل هو وأخوه وأشياعهما، ونصبت رءوسهم بسور البلد. وتمشى الأمير في سكك البلد مسكنا ومؤنسا، وأمر برم ما تثلم من الأسوار وبإصلاح القناطر. ودخل إلى القصر وبعث بالفتح إلى أبيه بالحضرة. وجاء أسطول النصارى إلى مرسى القل في مواعدة ابن وزير، فأخفق مسعاهم، وارتحل الأمير أبو فارس ثالثة الفتح إلى بجاية، فدخلها آخر ربيع من سنته، والله أعلم.
الخبر عن قيادة ابن السلطان العساكر إلى الجهاد
كان السلطان يؤثر أبناءه بمراتب ملكه، ويوليهم خطط سلطانه شغفا بهم وترشيحا لهم، فعقد في رجب سنة إحدى وثمانين لابنه الأمير زكريا على عسكر من الموحدين والجند، وبعثه إلى قفصة للإشراف على جهاتها. وضم جبايتها فخرج إليها وقضى شأنه من حركته، وانصرف إلى تونس في رمضان من سنته. ثم عقد لابنه الآخر أبي محمد عبد الواحد على عسكره، وأنفذه إلى وطن هوارة لانقضاء مغارمهم وجباية ضرائبهم وفرائضهم، وبعث معه عبد الوهاب بن قائد الكلاعي مباشرا لذلك وواسطة بينه وبين الناس، فانتهى إلى القيروان، وبلغه شأن الدعي وظهوره في دباب بنواحي طرابلس، فطير بالخبر إلى السلطان وأقبل على شأنه. ثم انتشر أمر الدعي وانكفأ راجعا إلى تونس، والله تعالى أعلم. ٦/٤٤٠
الخبر عن صهر السلطان مع عثمان بن يغمراسن
كان السلطان لما أجاز البحر من الأندلس لطلب ملكه، ونزل على يغمراسن بن زيان بتلمسان، فاحتفل لقدومه وأركب الناس للقائه، وأتاه ببيعته على عادته من سلفه لما علم أنه أحق بالأمر، ووعده النصرة من عدوه والمؤازرة على أمره، وأصهر إليه في إحدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان تشريفا خطبه منه، فأولاه إسعافا به . ولما استولى السلطان على حضرته واستبد بأحوال ملكه بعث يغمراسن ابنه إبراهيم المكنى بأبي عامر في وفد من قومه لإتمام ذلك العقد، فاعتمد السلطان مبرتهم وأسعف طلبتهم، وأقاموا بالحضرة أياما، وظهر من إقدامهم في فتن الدعي مقامات، وانصرفوا بظعينتهم سنة إحدى وثمانين وستمائة مجبورين محبورين. وابتغى بها عثمان لحين وصولها فكانت من عقائل قصورهم ومفاخر دولتهم، وذكرا لهم ولقومهم إلى آخر الأيام.
الخبر عن ظهور الدعي أبي عمارة وما وقع من الغريب في أمره
كان أحمد بن مرزوق أبو عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيلة، نشأ ببجاية وسيما محترفا بصناعة الخياطة غرا غمرا. وكان يحدث نفسه بالملك لما كان يزعم أن العارفين يخبرونه بذلك. وكان هو يخط فيريه خطه ذلك. ثم اغترب عن بلده ولحق بصحراء سجلماسة واختلط بعرب المعقل وانتمى إلى أهل البيت، وادعى أنه الفاطمي المنتظر عند الأغمار، وانه يحيل المعادن إلى الذهب بالصناعة، فاشتملوا عليه وحدثوا بشأنه أياما. أخبرني طلحة بن مظفر من شيوخ العمارية إحدى بطون المعقل أنه رآه أيام ظهوره بالمعقل ملتبسا بتلك الدعوى حتى فضحه العجز. ثم لما زهدوا فيه لعجز مدعاه ذهب يتقلب في الأرض حتى وصل إلى جهات طرابلس، ونزل ٦/٤٤١
على دباب وصحب منهم الفتى نصيرا مولى الواثق بن المستنصر، ويلقب بري ولما رآه تبين فيه شبها من الفضل ابن مولاه فطفق يبكي ويقبل قدميه، فقال له ابن أبي عمارة: ما شأنك؟ فقص عليه الخبر، فقال: صدقتني في هذه الدعوى وأنا أثئرك من قاتلهم.
وأقبل نصير على أمراء العرب مناديا بالسرور بابن مولاه، حتى خيل عليهم. ثم نزل بادس إلى ابن أبي عمارة من محاورات وقعت بين العرب وبين الواثق، قصها عليهم ابن أبي عمارة نفيا للريب بأمره، فصدقوا واطمأنوا، وأتوه ببيعتهم. وقام بأمره صرغم بن صابر بن عسكر أمير دياب وجمع له العرب ونازلوا طرابلس، وبها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتي وشهر بعنق الفضة، فامتنعت عليهم، ورحلوا إلى بحر بين الموطنين بزيزور وجهاتها من هوارة فأوقعوا بهم. ثم سار في تلك النواحي واستوفى جباية لماية وزواوة وزواغة، وأغرم نفوسة وغريان ونفزة من بطون هوارة وضائع ألزمهم إياها واستوفاها. ثم زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكي في رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة وأعطاه صفقته طواعية، وفاه بحق آبائه فيما طوقوه وذريعة إلى الاستقلال الذي كان يؤمله، وأعلن بخلافته ونادى بقومه واستخدم له بني كعب بن سليم ورياستهم في بني شيخة لعبد الرحمن بن شيخة، فأجابوا داعيه وأنابوا إلى خدمته، وتوافت إليه بيعة أهل حزبه والحامية وقرى نفزاوة. ثم زحف إلى توزر وبلاد قسطيلية فأطاعوه. ثم رجع إلى قفصة فبايع له أهلها، وعظم أمره وعلا صيته. فجهز إليه السلطان أبو إسحاق العساكر من تونس كما نذكره. والله تعالى أعلم.
الخبر عن انفضاض عساكر السلطان وتقويضه عن تونس
لما تفاقم أمر الدعي بنواحي طرابلس، ودخل الكثير من أهل الأنصار في طاعته، ٦/٤٤٢
جهز السلطان عساكره وعقد لابنه الأمير أبي زكريا على حربه، فخرج من تونس ونزل القيروان، واقتضى منها غرائم ووضائع استأثر منها بأموال. ثم ارتحل إلى لقاء الدعي وانتهى إلى تموده، وبلغه هنالك ما كان من استيلاء الدعي على قفصة فأرجف به العسكر وانفضوا من حوله، ورجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته، وارتحل الدعي على أثره من قفصة واحتل بالقيروان، فبايع له أهلها واقتدى به أهل المهدية وصفاقس وسوسة فبايعوا له، وكثر الإرجاف بتونس، فاضطرب السلطان وأخرج معسكره بظاهر البلد في وسط شوال. وضرب الغزو على الناس واستكثر من العدد، وخرج إلى معسكره بالمهدية وتلوم بها لإزاحة العلل.
وارتحل الدعي من القيروان زاحفا إليه فتسربت إليه طبقات الجنود ومشيخة الموحدين، رضي الله عنهم بمكانه وطاغية بني المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم، ورحمة لما نال الواثق وأبناءه من عملهم ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم الموحدين، ولحق الدعي بطريقة، فاحتل أمر السلطان وانتقضت عرى ملكه، وفر إلى بجاية كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن لحاق السلطان أبي إسحاق بجاية ودخول الدعي بن أبي عمارة الى تونس وما كان من أمره بها
لما انفض معسكر السلطان أبي إسحاق آخر شوال من سنة إحدى وثمانين وستمائة ركب في خاصته وبعض جنوده ذاهبا إلى بجاية، ومر بتونس فوقف عندها ثم احتمل أهله وولده وسار في كلب البرد، فكان يعاني من قلة الأقوات وتعاور المطر والثلج شدة.
وكان يصانع القبائل في طريقه سلما له . ثم مر بقسنطينة فمنعه عاملها عبد الله بن توفيان الهرغي من دخولها وقرب إليه بعض القرى من الأقوات، وارتحل إلى بجاية ٦/٤٤٣
وكان من أمره ما يذكر. ودخل الدعي بن أبي عمارة إلى الحضرة، وقلد موسى بن ياسين وزارته، وأبا القاسم أحمد بن الشيخ حجابته، وتقبض على صاحب الأشغال أبي بكر بن الحسن بن خلدون فاستصفاه وصادره على مال امتحنه عليه. ثم قتله خنقا، وصرف خطة الجباية إلى عبد الملك بن مكي رئيس قابس. واستكمل ألقاب الملك، وقسم الخطط بين رجال الدولة، وصرف همه إلى غزو بجاية، والله تعالى أعلم.
الخبر عن استبداد الأمير أبي فارس بالأمر عند وصول أبيه إليه
لما وصل السلطان أبو إسحاق إلى بجاية في شهر ذي القعدة من سنته طريدا عن ملكه غافلا عن كرسي سلطانه، انتقض عليه ابنه الأمير أبو فارس ومنعه من الدخول إلى قصره، فنزل بروض الرفيع، وأراده على الخلع فانخلع له. وأشهد الملأ من الموحدين ومشيخة بجاية بذلك، وأنزله قصر الكوكب ودعا الناس إلى بيعته آخر ذي القعدة، فبايعوه وتلقب المعتمد على الله. ونادى في أوليائه من رياح وسدويكش.
وخرج من بجاية زاحفا إلى الدعي، واستخلف عليها أخاه الأمير أبا زكريا. وخرج معه الأمير أبو حفص وأخواه، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن زحف الأمير أبي افرس للقاء الدعي ثم انهزامه أمامه واستلحامه وإخوته في المعركة وما كان أثر ذلك من مهلك أبيهم السلطان أبي إسحاق وفرار أخيهم الأمير أبي زكريا الى تلمسان
لما بلغ الخبر إلى الدعي باستبداد الأمير أبي فارس على أبيه واستعداده للقائه، ٦/٤٤٤
تقبض على أهل البيت الحفصي، فاعتقلهم بعد أن هم بقتلهم. وخرج من تونس في عساكر من الموحدين وطبقاتهم الجند في صفر اثنتين وثمانين وستمائة فانتهى إلى مر ماجنة، وتراءى الجمعان ثالث ربيع الأول فاقتتلوا عامة يومهم. ثم اختل مصاف الأمير أبي فارس، وتخاذل أنصاره فقتل في المعركة، وانتهب معسكره وقتل إخوته صبرا: عبد الواحد قتله الدعي بيده، وعمر وخالد وأبو محمد بن عبد الواحد وبعث برءوسهم إلى تونس فطيف بها على الرماح ونصبت بأسوار البلد. وتخلص عمه الأمير أبو حفص من الواقعة إلى أن كان من أمره ما نذكر.
وبلغ خبر الواقعة إلى بجاية فاضطرب أهلها وماج بعضهم في بعض، وخرج السلطان أبو إسحاق وابنه الأمير أبو زكريا إلى تلمسان، فقدم أهل بجاية عليهم محمد بن السيد قائما فيهم بطاعة الدعي، وخرج في أتباع السلطان فأدركه بجبل بني غبرين من زواوة، فتقبض عليه، ونجا الأمير أبو زكريا إلى تلمسان، وبقي السلطان أبو إسحاق ببجاية معتقلا ريثما بلغ الخبر إلى تونس، وأرسل الدعي محمد بن عيسى بن داود فقتله آخر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وستمائة وانقضى أمره ولله عاقبة الأمور، لا رب غيره ولا معبود سواه.
الخبر عن ظهور الأمير أبي حفص وبيعته وما كان على أثر ذلك من الأحداث
قد ذكرنا أن الأمير أبا حفص حضر واقعة بني أخيه مع الدعي بمرماجنة، فخلص من المعركة راجلا، ونجا إلى قلعة سنان معقل هوارة القريب من مكان الملحمة، ولاذ به في ذهابه إلى منجاته ثلاثة من صنائعهم: أبو الحسين بن أبي بكر بن سيد الناس، ومحمد بن القاسم بن إدريس الفازازي، ومحمد بن أبي بكر بن خلدون، وهو جد المؤلف الأقرب. وربما كانوا يتناقلونه على ظهورهم إذا أصابه الكلال. ولما نجا إلى قلعة سنان تحدث به الناس وشاع خبر منجاته إليها. وكان الدعي قد أشف العرب وثقلت وطأته عليهم بما كان يسيء الملكة فيهم، فليوم دخوله شكا إليه الناس ٦/٤٤٥
عيثهم فتقبض على ثلاثة منهم وقتلهم وصلبهم. ثم سرح شيخ الموحدين عبد الحق تافراكين لحسن عللهم وأوعز إليه بالإثخان فيهم. فاستلحم من لقي منهم. ثم تقبض على مشايخ بني علاق وأودع سجونه منهم نحوا من الثمانين ، فساء أثره فيهم وتطلبوا أعياص البيت، وتسامعوا بخبر الأمير أبي حفص بمكانه من قلعة سنان، فرحلوا إليه وأتوه ببيعتهم في ربيع سنة ثلاث وثمانين وستمائة وجمعوا له شيئا من الآلة والأخبية، وقام بأمره أبو ليل بن أحمد أميرهم. وبلغ الخبر إلى الدعي فداخلته الظنة في أهل دولته. وتقبض على أبي عمران بن ياسين شيخ دولته، وعلى أبي الحسن بن ياسين وابن وانودين، وعلى الحسين بن عبد الرحمن يعسوب زناتة فامتحنهم واستصفى أموالهم. ثم قتلهم آخرا وتوجع لهم الناس واضطرب أمر الدعي إلى أن كان ما نذكره انتهى.
الخبر عن خروج الدعي ورجوعه واستيلاء السلطان أبي حفص على ملكه وغلبه ومهلكه
لما ظهر السلطان أبو حفص وبايعه العرب تسامع به أهل الحضرة واجتمع إليه الناس وأوقع الدعي بأهل الدولة فمقتوه، وخرج من تونس يريد قتاله فأرجف به أهل العسكر ورجع منهزما، ودخلت البلاد في طاعة السلطان أبي حفص ونهض إلى تونس فنزل بسحوم قريبا منها. وعسكر الدعي بظاهر البلد تجاهه وطالت بينهما الحرب أياما والناس كل يوم يستوضحون خبء الدعي ومكره إلى أن تبرؤا منه وأسلموه، ورحل من مكان معسكره ولاذ بالاختفاء، ودخل السلطان البلد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة واستولى على سرير ملكه، وطهر من الدنس قاصية ودانية ، واختفى الدعي بتونس وغاص في لجة ساكنيها وأحاط به البحث فعثر عليه لليال من مدخل السلطان بدور بعض السوقة يعرف بأبي قاسم القرمادي فهدمت لحينها. وثل إلى السلطان فأحضر له الملأ، ووبخه وساء له فاعترف بإدعائه في نسبهم فأمر بامتحانه وقتله. وذهب في غير سبيل مرحمة، وطيف بشلوه ونصب ٦/٤٤٦
رأسه. وكان عبد الله بن يغمور المباشر لقتله، وكان خبره من المثلات. واستبد السلطان بملكه وتلقب المستنصر بالله، وبادر الناس إلى الدخول في طاعته. وبعث أهل القاصية ببيعتهم من طرابلس وتلمسان وما بينهما. وعقد للشيخ أبي عبد الله الفازازي على عساكره على الحروب والضاحية، وأقطع البلاد والمغارم للعرب رعيا لذمة قيامهم بأمره، ولم يكن لهم قبلها أقطاع، وكان الخلفاء قبله يتحامون عن ذلك لا يفتحون فيه على أنفسهم بابا، وأقام متمتعا في ماله وفي حضرته إلى أن كان ما نذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن استيلاء العدو على جزيرة جربة وميورقة ومنازلته المهدية واجلابه على السواحل
كان من أعظم الحوادث، تكالب العدو في أيام هذا السلطان على الجزر البحرية، فاستولت أساطيلهم على جزيرة جربة في رجب من سنة ثمان وثمانين وستمائة ورياستها يومئذ من محمد بن مهو بن شيخ الوهبية . ويخلف ابن امغار شيخ النكازة وهما فرقتا الخوارج. وزحف إليها المراكيا صاحب صقلية نائبا عن الغدريك بن الريداكون ملك برشلونة في أساطيله البحرية وكانوا فيما قيل سبعين أسطولا من غربان وشواني، وضايقهم مرارا. ثم تغلبوا عليها فانتهبوا أموالها وحملوا أهلها أسرا وسبيا.
فقيل إنهم بلغوا ثمانية آلاف بعد أن رموا بالرضع في الجبوب ، فكانت هذه الواقعة من أشجى الوقائع للمسلمين. ثم بنوا بساحلها حصنا واعتمروه وشحنوه حامية وسلاحا. وفرض عليهم المغرم مائة ألف دينار كل سنة، وأقام على ذلك المراكيا إلى رأس المائة. وبقيت الجزيرة في ملك النصارى إلى أن عادوا إلى مالقة أواخر الأربعين والسبعمائة كما نذكره. ٦/٤٤٧
وفي سنة خمس وثمانين وستمائة ظفر العدو بجزيرة ميورقة، ركب إليها طاغية برشلونة أساطيله في عشرين ألفا من الرجال المقاتلة ومروا بميورقة كأنهم سفر من التجار وطلبوا من أبي عمر بن حكم ورئيسها النزول للاستسقاء فأذن لهم. فلما تساحلوا آذنوا أهلها بالحرب فتزاحفوا ثلاثا يثخن فيهم المسلمون في كلها قتلا وجراحة بما يناهز آلافا، والطاغية في بطارقته قاعد عن الزحف، فلما كان اليوم الثالث واستولت الهزيمة على قومه زحف الطاغية في العسكر فانهزم المسلمون، ولجئوا إلى قلعتهم فانحصروا بكعابها، وعقدوا لابن حكم ذمة في أهله وحاشيته، فخرجوا إلى سبتة ونزل الباقون على حكم العدو، وسار إلى ميورقة واستولى على ما فيها من الذخيرة والعدة والأمر بيد الله وحده.
وفي سنة ست وثمانين وستمائة بعدها غدر النصارى بمرسى الخزور فاقتحموها بعد أن ثلموا أسوارها واكتسحوا ما فيها، واحتملوا أهلها أسرى وأضرموا بيوتها نارا. ثم مروا بمرسى تونس وانصرفوا إلى بلادهم. وفيها أو في سنة تسع وثمانين وستمائة بعدها نازل أسطول العدو مدينة المهدية، وكان فيها الفرسان لقتالها فزحفوا إليها ثلاثا ظفر بهم المسلمون في كلها. ثم جاء مدد أهل الأجم فانهزم العدو حتى اقتحموا عليهم الأسطول، وانقلبوا خائبين وتمت النعمة.
الخبر عن استيلاء الأمير أبي بكر زكريا على الثغر المغربي بجاية والجزائر وقسنطينة وأولية ذلك ومصايره
كان للأمير أبي بكر زكريا ابن السلطان من الترشيح للأمل بهداه وشرف همته وحسن ملكته، ومخالطته أهلا لعلم ما يشهد له بحسن حاله، وهو الذي اختط المدرسة للعلم بإزاء دار الأقوري حيث كان سكناه بتونس، ولما لحق بتلمسان بعد منجاته من مهلك أبيه ببجاية، نزل على صهره عثمان بن يغمراسن بتلمسان، وجاء في أثره أبو الحسن بن أبي بكر بن سيد الناس صنيعة أبيه وأخيه بعد أن خلص مع السلطان أبي حفص من الواقعة إلى مرماجنة. فلما بايع له العرب وبدت مخايل الملك، رأى أبو ٦/٤٤٨
الحسن إيثار السلطان للفازازي عليهم فنكب عنه، ولحق بالأمير أبي زكريا بتلمسان واستحثه لطلب ملكه. واستقرض من تجار بجاية مالا أنفقه في إقامة أبهة الملك له، وجمع الرجال واصطنع الأولياء.
وفشا الخبر بما يرومه من ذلك، فصده عثمان بن يغمراسن عنه بما كان تقلد من طاعة السلطان أبي حفص على سننهم من الخلفاء بالحضرة قبله، فاعتزم الأمير أبو زكريا على شأنه، وخرج من تلمسان موريا بالصيد الذي كان ينتحله أيام قيامه بينهم، ولحق بداود بن هلال بن عطاف أمير بني يعقوب، وكافة بني عامر من زغبة، أوعز عثمان بن يغمراسن إلى داود برده إليه فأبي من إخفار ذمته، وارتحل معه بقومه إلى آخر بلاد زغبة، ونزلوا على عطية بن سليمان بن سباع من رؤساء الزواودة، فتلقاه بالطاعة وارتحلوا جميعا إلى ضواحي قسنطينة فدخل العرب سدويكش في طاعته.
ونزل البلد سنة ثلاث وثمانين وستمائة وعاملها يومئذ أبو نوفيان من مشيخة الموحدين، وكان صاحب بجاية بها أبو الحسن بن طفيل. كان له من العامل صهر فداخل الأمير أبا زكريا في شأن البلد، وشرط لنفسه وصهره فأمضى السلطان شرطهم وأمكنوه من البلد. وأقاموا بها دعوته، وارتحل إلى بجاية وكان قد حدث فيها اضطراب بين أهلها أدى إلى الخلاف والتباين، واستحثوا الأمير أبا زكريا فأغذ السير إليهم ودخلها سنة أربع وثمانين وستمائة ويقال إن ملكه ببجاية كان سابقا على ملكه بقسنطينة وهو الأصح فيما سمعناه من شيوخنا. وبعث إليهم أهل الجزائر بطاعتهم فاستولى على هذه الثغور القريبة ، وتلقب المنتخب لإحياء دين الله. وأغفل ذكر أمير المؤمنين أدبا مع عمه الخليفة بالحضرة، حيث مالأ الموحدين أهل الحل والعقد من الجماعة. ونصب للحجابة أبا الحسين بن سيد الناس فقام بها، ورسخ ملكه وملك بنيه بهذه الناحية الغربية، وانقسمت به الدولة إلى أن خلص الأمر للملوك من عقبه واستولوا على الحضرة كما نذكره إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق. ٦/٤٤٩
الخبر عن حركة الأمير أبي زكريا الى ناحية طرابلس ومنازلة عثمان بن يغمراسن بجاية في مغيبه
لما استولى الأمير أبو زكريا على الناحية الغربية، واقتطعا من أعمال الحضرة اعتمد في الحركة على تونس، فنهض إليها في عساكره سنة خمس وثمانين وستمائة ووفد عليه عبد الله بن رحاب بن محمود من مشيخة ذباب ومانعه الفازازي عن أحواز تونس فنازل قابس وحاصرها، وكان له في قتالها أثر واستولت الهزيمة على مقاتلتها ذات يوم فأثخن فيهم قتلا وأسرا، وهدم ربضها وأحرق المنازل والنخل، وارتحل إلى مسراته وانتهى الى الأبيض وأطاعه الجواري والمحاميد وآل سالم وعرب برقة، وبلغه بمكانه من مسراته أن عثمان بن يغمراسن أسف الى منازلة بجاية وكان من خبره أن الأمير أبا زكريا لما فصل من تلمسان لطلب ملكه على كره منه، وامتنع جاره داود بن عطاف من رده، وامتلأ له عداوة وحقدا، وجدد البيعة لصاحب تونس، وأوفد بها علي ابن محمد الخراساني من صنائعه. وكان له أثناء ذلك ظهور على بني توجين ومغراوة بالمغرب الأوسط وضاق ذرع أهل الحضرة بمكان الأمير أبي زكريا من مطالبتهم وتدويخه لقاصيتهم، فداخلوا عثمان بن يغمراسن في منازلة معقلة بعد بجاية ليردوه على عقبه عنهم، فزحف إلى بجاية سنة ست وثمانين وستمائة ونازلها أياما وامتنع عليه سائر ضواحيها فلم يظفر بأكثر من الأطلال عليها. وانكفأ الأمير أبو زكريا راجعا إلى بجاية سنة ست وثمانين وستمائة إلى أن كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن فاتحة استبداد أهل الجزيرة
كان في بعض الأيام بين سدادة وكثومه من عمل تقيوس فتنة قتل فيها ابن شيخ سداده، وأقسم ليثأرن فيه بشيخ كثومة نفسه، وكان عامل توزر محمد بن يحيى بن ٦/٤٥٠
أبي بكر التينمللي من مشيخة الموحدين فتذمم شيخ كثومة به، وبذل له مالا على نصره من عدوه، فكاتب الحضرة وأعلن بخلاف أهل سداده واحتشد لهم أهل نفطة وتقيوس، وخرج في حشد أهل توزر وغزاهم في بلدهم ولاذ بإعطاء الرهن، وبذل المال فلم يقبل فأمدهم أهل نفزاوة وزحفوا إليه، فانهزمت جموعه وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا إلى توزر، وذلك سنة ست وثمانين وستمائة. ثم عاود غزوهم عقب ذلك ففتحوا عليه ثم عقد لهم سلما على الوفاء بمغارمهم واشترطوا أن لا حكم عليهم في سواها، وأن رؤساء نفزاوة منهم، فأمضى شرطهم وكان أول استبداد أهل الجريه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن خروج عثمان ابن السلطان أبي دبوس داعيا لنفسه بجهات طرابلس
كان أبو دبوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش لما قتل سنة ثمان وخمسين وستمائة، وافترق بنوه وتقلبوا في الأرض، لحق منهم عثمان بشرق الأندلس، ونزل على طاغية برشلونة فأحسن تكريمه، ووجد هنالك أعقاب عمه السيد أبي زيد المتنصر أخي أبي دبوس في مثواهم من إيالة العدو. وكان لهم هنالك مكان وجاه لنزوع أبيهم السيد أبي زيد عن دينه إلى دينهم، فاستبلغوا في مساهمة قريبهم هذا الوافد، وخطبوا له عن الطاعة خطبا . ووافق ذلك حصول مرغم بن صابر بن عسكر شيخ الجواري من بني دياب في قبضة أسره، وكان قد أسره الغزى من أهل صقلية بنواحي طرابلس سنة اثنتين وثمانين وستمائة وباعوه من أهل برشلونة فاشتراه الطاغية، وقام عنده أسيرا إلى أن نزع إليه عثمان بن أبي دبوس هذا كما ذكرناه. وشهر بطلب حق الدعوة الموحدية وأمل الظفر في القاصية لبعدها عن الحامية، فعبر البحر إلى طرابلس، وكان من حظوظ كرامته عند الطاغية أن أطلق له مرغم بن صابر، وعقد له حلفا معه على مظاهرته، وجهز له أساطيل وشحنها بالمدد ٦/٤٥١
من المقاتلة والأقوات على مال شرطوه، فنزلوا على طرابلس سنة ثمان وثمانين وستمائة واحتشد مرغم قومه وحملهم على طاعة ابن أبي دبوس، ونازلوا البلد معه ومع جنده من النصرانية فحاصروها ثلاثا، وساء أثرهم فيها. ثم رحل النصارى بأسطولهم وسروا بأقرب السواحل إلى البلد وتنقل ابن أبي دبوس ومرغم في نواحي طرابلس بعد أن أنزلوا عليها عسكرا للحصار، فاستوفوا جباية المغارم والوضائع مالا دفعوه للنصارى في شرطهم، وانقلبوا في أسطولهم، وأقام ابن أبي دبوس يتقلب مع العرب. واستدعاه ابن مكي من بعد ذلك لأن يشتد به في استبداده ، فلم يتم أمره إلى أن هلك بجربة، والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن مهلك أبي الحسين بن سيد الناس حاجب بجاية وولاية ابن أبي حي مكانه
قد قدمنا سلف هذا الرجل وأوليته، وأنه لحق بالأمير أبي زكريا بتلمسان، وأبلى في خدمته، فلما استولى الأمير أبو زكريا على الثغر الغربي واقتطعه عن أعمال الحضرة، ونزل بجاية وظاهر بها تونس، عقد لأبي الحسين بن سيد الناس على حجابته، وفوض إليه فيما وراء بابه وأجراه في رياسته على سنن أبي الحسين الرئيس قبله في دولة المستنصر الذي كانوا يتلقنون طرقه، وينزعون إلى مراميه، بل كانت رياسة هذا في حجابته أبلغ من رياسة ابن أبي الحسين لجلاء جو الدولة ببجاية من مشيخة الموحدين الذين يزاحمونه، كما كان ابن أبي الحسين مزاحما بهم، فاستولى أبو الحسين بن سيد الناس على الدولة ببجاية، وقام بأمر مخدومه أحسن قيام، وصار إلى الحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وتمكن في يده الزمام، إلى أن هلك سنة تسعين وستمائة أعظم ما كان رياسة وأقرب من صاحبه مكانا وشرفا ، فأقام الأمير أبو زكريا مكانه كاتبه أبا القاسم بن أبي حي ولا أدري من أوليته أكثر من أنه من جالية الأندلس، ورد على الدولة، وتصرف في أعمالها، واتصل بأبي الحسين بن سيد ٦/٤٥٢
الناس فاستكتبه، ثم رقاه واستخلصه لنفسه، وأجره رسنه، وتناول زمام الدولة من يد سيد الناس، فقادها في يد مظفر خدمته حتى اجتمعت عليه الوجوه وأمله الخاصة، وأطلع السلطان على اضطلاعه وكفايته في أمور مخدومه. وهلك أبو الحسين ابن سيد الناس، فرشحه السلطان بخطته فقام بها سائر أيامه وصدرا من أيام ابنه الأمير أبي البقاء حتى كان من أمره ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى من أمره.
الخبر عن خروج الزاب عن طاعة الأمير أبي حفص الى طاعة الأمير أبي زكريا وانتظام بسكرة في جماعته
كان السلطان أبو إسحاق قد عقد على الزاب لفضل بن علي بن مزني من مشيخة بسكرة كما قدمناه، فقام بأمره. ولما هلك السلطان عدا عليه بعض أفاريق العرب الموطنين قرى الزاب بمداخلة قوم من أعدائه، وقتلوه سنة ثلاث وثمانين وستمائة كما نذكره، وأملوا الاستبداد بالبلد فدفعهم عنها المشيخة من بني زيان ، واستقلوا بأمر بلدهم وبايعوا للأمير أبي حفص صاحب الحضرة ودانوا بطاعته على السنن.
وتوقعوا عادية منصور بن فضل بن مزني. وكان لحق بالحضرة عند مهلك أبيه فخاطبوا فيه السلطان أبا حفص ورموه بالدواهي فأمر باعتقاله، وأودع السجن سبع سنين إلى أن فر منه ولحق بكوفة من أحياء هلال بن عامر، وهم العرب المتولون أمر جبل أوراس، ونزل على الشبه بأفاريقهم فأركبوه وكسبوه ولحق ببجاية سنة اثنتين وتسعين وستمائة فنزل بباب السلطان، ورغبه في ملك الزاب، وصانع الحاجب ابن أبي حي بأنواع التحف، وضمن له تحويل الدعوة بالزاب للسلطان الأمير أبو زكريا وتسريب جبايته إليه، فاستماله بذلك وعقد له على الزاب وأمده بالعسكر، ونازل بسكرة فامتنعت عليه ورأى مشيختها بنو رمان بعدهم عن صريخ تونس. وإلحاح عدوهم منصور بن فضل عليهم فأعلنوا بطاعة الأمير أبي زكريا وبعثوا إليه ببيعتهم ووفدهم ودفع عادية بن مزني عنهم، فأرجعهم بما أملوه من القبول، وأن تكون ٦/٤٥٣
أحكامهم إلى قائد عسكره. ونظر ابن مزني مصروفا إلى بجاية ولما وصل الوفد إلى بسكرة خرجوا إلى القائد ومنصور بن مزني، فأدخلوه البلد ودانوا بالطاعة، وتصرفت الأمور على ذلك إلى أن كان من أمر منصور بن مزني ما نذكره في أخباره، ولم يزل الزاب في دعوة الأمير أبي زكريا وبنيه إلى أن استولى على الحضرة بعده بنوة لهذا العهد، كما تراه في الأخبار بعد إن شاء الله تعالى.
الخبر عن مهلك عبد الله الفازازي شيخ الموحدين والحاجب أبي القاسم بن الشيخ رؤساء الدولة
كان أبو عبد الله الفازازي من مشيخة الموحدين، وكان خالصة للسلطان أبي حفص، وعقد له على العساكر كما قدمناه ودفعه إلى الحروب وتمهيد النواحي، فقام في ذلك المقام المحمود، ودوخ الجهات واستنزل الثوار ودفعهم، وجبى الخراج وكانت له في ذلك آثار مذكورة، وفي بلاد الجريد ومشيختها تصاريف وأحوال، وهو الذي امتحن أحمد بن بهلول بسعاية المشيخة من أهل توزر، وكبح عنانه من مراميه إلى الرئاسة عليهم، وهلك آخر حركاته إلى بلاد الجريد على مرحلتين من تونس سنة ثلاث وتسعين وستمائة ولسنة منها كان مهلك الحاجب أبي القاسم بن الشيخ، وكان من خبر أوليته أنه قدم من بلده دانية إلى بجاية سنة ست وعشرين وستمائة واتصل بعاملها محمد بن ياسين فاستكتبه وغلب عليه.
واستدعى ابن ياسين إلى الحضرة وابن الشيخ في جملته، والتمس السلطان من يرشحه لكتابته ويخف عليه، فاطنب ابن ياسين في وصف كاتبه أبي القاسم بن الشيخ وحلاه، وابتلاه السلطان فلم يرضه وصرفه، ثم راجع رأيه فيه واستحسنه ورسمه في خدمته، وأمر ابن أبي الحسين بتلقينه الآداب وتصريفه في وجوه الخدمة ومذاهبها.
فكان له في ذلك غناء وخفة على مخدومه إلى أن هلك ابن أبي الحسين. وكان الخراج بدار السلطان موقوفا على نظره من جملة ما إليه، وكان قلمه عاملا فيه، فأفرد ابن الشيخ بذلك بعد مهلكه إلى آخر أيام السلطان المنتصر. ولما ولي السلطان ٦/٤٥٤
الواثق استبد ابن أبي الحسين عليه كما قلناه، فأبقاه على خطته واختصه لنفسه ودرجه في جملته. ثم جاءت دولة السلطان أبي إسحاق فأقامه في رسمه وزاحمه بأبي بكر بن خلدون صاحب أشغاله. وكانت الرئاسة الكبرى على عهده لبنيه أبي فارس، ثم أبي زكريا عبد المؤمن من بعده. ثم كانت قضية الدعي ، فاستولى على ملكهم فاستخلص أبا القاسم بن الشيخ، واستضاف له إلى خطة التنفيذ كتاب العلامة في فواتح السجلات. فلما ارتجع للسلطان أبي حفص ملكه وقتل الدعي، خافه ابن الشيخ لما كان من رتبته عند الدعي، فلاذ بالصلحاء لإثارة من الخير والعبادة وصلت بينهم وبينه فشفعوا له وتقبلها السلطان، وأظهر لهم ذات نفسه في الحاجة إلى استعماله، وقلده حجابته مجموعة الى تنفيذ كتاب العلامة في فواتح السجلات. فلما ارتجع السلطان أبو حفص ملكه وقتل الخارج وصرف العلامة إلى غيره من طبقة الدولة، فلم يزل على ذلك إلى أن هلك سنة أربع وتسعين وستمائة وبقي اسم الحجابة من بعده في هذه الخطط الثلاث وأمر التدبير والحرب ورياستهما راجع إلى مشيخة الموحدين إلى أن تصرفت الأحوال، وأديل بعضها من بعض كما يأتيك أثناء الأخبار، وقلد السلطان من بعد ابن الشيخ حجابته لأبي عبد الله المحبي من طبقة الجند فقام بها إلى آخر الدولة، والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن مهلك السلطان أبي حفص وعهده بالأمر من بعده
لم يزل السلطان أبو حفص على أكمل حالات الظهور والدعة إلى أن استوفى مدته، وأصابه وجع أول ذي الحجة من سنة أربع وتسعين وستمائة ثم اشتد به الوجع وأهمه أمر المسلمين وما قلده من عدتهم فعهد لابنه عبد الله بالخلافة ثاني أيام التشريق ونكره الموحدون لتخلفه عن المراتب لصغره وأنه لم يحتلم وتحدثوا في ذلك. وأفضى الخبر إلى السلطان فأسخطه، وعدل عنهم إلى الشورى مع الولي أبي محمد المرجاني. وكان ٦/٤٥٥
رأيه فيه جميلا وظنه به صالحا. وكان الواثق بن المستنصر لما قتل هو وبنوه بمحبسهم فرت إحدى جواريه، وقد اشتملت على حمل منه إلى رباط هذا الولي فوضعته في بيته، فسماه الشيخ محمدا، وعق عليه وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة، فلقب بأبي عصيدة إلى آخر الدهر. ثم صار بعد الاختفاء ودواعيه إلى قصورهم ونشأ في ظل الخلفاء من قومه، حيث شب وبقيت له مع الولي أبي محمد ذمة يثابر كل منهما على الوفاء بها، فلما فاوضه السلطان أبو حفص في شأن العهد وقص نكير الموحدين لولده، أشار عليه الشيخ بصرف العهد إلى محمد بن الواثق فتقبل إشارته وعلم ترشيحه، وأنفذ بذلك عهده بمحضر الملأ ومشيخة الموحدين، وهلك آخر ذي الحجة سنة أربع وتسعين وستمائة وإلى الله المصير أه.