نزل جيش الصحابة بالحِجر في رجب من السنة التاسعة للهجرة، وقد أضناه الطريقُ الطويل إلى تبوك في قيظ الصيف. رأى الناس ما لم يألفوا: بيوتًا منحوتةً في جوف الصخر، وواجهاتٍ ذات أعمدةٍ وتيجانٍ ونسورٍ منقوشة، وحروفًا ما تزال حادّة الحفر بعد قرون. تفرّق بعضهم إلى الآبار فاستقى منها وعجن بمائها. فلما بلغ ذلك النبيَّ ﷺ أمرهم أن يهريقوا ما استقوا، وأن يعلفوا الإبلَ ذلك العجين، وأن يستقوا من البئر التي كانت ترِدها الناقة وحدها. ثم قال لهم: «لا يدخل أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم».
تأمّل ما في هذا النهي من دقّة. لم يُمنع القوم من رؤية الآثار؛ فقد نزلوا بها ومرّوا بين واجهاتها، ولم يُؤمَروا بأن يُغمضوا أعينهم أو يشيحوا بوجوههم. مُنعوا من شيء آخر تمامًا: من أن يدخلوها كما يدخلها السائحُ متنزهًا. المطلوب لم يكن النظر — النظر حاصلٌ لا محالة — بل ما ينبغي أن يفعله النظرُ بصاحبه. ومن لم يبكِ عند تلك الواجهات فقد رآها ولم يرَ منها شيئًا.
هذا التمييز نفسه — بين أن ترى وبين أن تصنع الرؤيةُ فيك شيئًا — هو الذي يحكم كلمةً واحدة في القرآن، وردت تسعًا وأربعين مرة، ولم ترد اسمًا قط.
الحصر: تسعٌ وأربعون مرة، كلُّها فعل
مادّة «عقل» في القرآن الكريم تسعٌ وأربعون موضعًا. أحصيتُها موضعًا موضعًا في المصحف، فجاءت على خمس صيغ لا سادس لها:
يَعْقِلُونَ، في اثنين وعشرين موضعًا (وفي بعض القراءات أربعة وعشرون). وتَعْقِلُونَ، في أربعة وعشرين. ونَعْقِلُ مرةً واحدة، في قول أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. ويَعْقِلُهَا مرةً واحدة: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وعَقَلُوهُ مرةً واحدة، في وصف فريقٍ من بني إسرائيل: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
اثنان وعشرون وأربعة وعشرون وثلاثة: تسعٌ وأربعون. وهذه الخمس كلُّها أفعال. ليس فيها مصدرٌ ولا اسمُ فاعل ولا صفة. أما لفظ «العقل» — الاسم الذي بنى عليه المتكلمون والفلاسفة أبوابًا وأسفارًا، والذي ندير عليه اليوم أكثر كلامنا عن الإنسان — فلا يرد في المصحف مرةً واحدة، لا مُعرَّفًا ولا منكَّرًا ولا مضافًا. بحثتُ عنه بكل صوره المسبوقة بحرفٍ أو بأداة تعريف، فكانت النتيجة صفرًا.
وهذا وحده أطروحةُ هذه المقالة. لو كان الغرض من الكلمة الإشارةَ إلى جهازٍ في الإنسان أو ملكةٍ يُوصف بها، لجاءت اسمًا؛ فالأسماء هي التي تُمسك الجواهر والأدوات. لكنها جاءت فعلًا في كل موضع من مواضعها التسعة والأربعين. والفعلُ في العربية زمانٌ وحدث: شيءٌ يقع أو لا يقع، يُستأنف أو ينقطع، يُمارَس أو يُعطَّل. فالعقل في التصوّر القرآني ليس عضوًا يُمتلك؛ إنه فعلٌ يُفعَل. ومن هنا كان الذمُّ في القرآن مصروفًا دائمًا إلى تعطيل الفعل — ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — لا إلى نقصٍ في الأداة. لم يقل القرآن لأحدٍ قطُّ: لا عقل لك. قال له: لستَ تعقل.
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين حكمٍ وبين دعوة.
وفي الفلسفة — منذ التراث الأرسطي واليوناني، مرورًا بشرّاحه من فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا، وصولًا إلى الفلسفة الحديثة في الغرب — جرى التعامل مع «العقل» بوصفه جوهرًا أو ملكةً مستقلة (Substance or Faculty)، أي أداةً قائمةً بنفسها يُشار إليها بالاسم وتُحلَّل خصائصها ومكوناتها. وكذلك الحَالُ في اللسان الإنجليزيّ المعاصر؛ إذ تُترجَم كلمة «عقل» غالبًا بأسماء متعدّدة مثل Mind أو Reason أو Intellect أو Rationality. وكلُّ هذه الكلمات أسماءٌ شائية تدلّ على شيءٍ يمتلكه الإنسان أو جهازٍ يبحث الفلاسفة والعلماء عن موضعه وآليّة عمله. غير أن الاستعمال القرآني يخرم هذا التقليد الفلسفي واللغويّ رأسا على عقب؛ إذ ينزع عن «العقل» صفة الجوهر والكيان الثابت، ويُعيده إلى أصله البلاغيّ والحركيّ: فعلًا مضارعًا حيًّا يتطلب الممارسة والحضور، لا ملكةً ساكنة يُكتفى بحيازتها.
الكون معروضًا على النظر
أكثرُ ما تجري عليه «يعقلون» في القرآن هو الطبيعة. تختم آياتٌ كثيرة وصفَ الليل والنهار والماء والزرع والثمر بقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤، والرعد: ٤، والنحل: ١٢، والروم: ٢٤، والجاثية: ٥]. والملاحظ في هذه المواضع أن المعروض ليس حجّةً مصوغة ولا دليلًا مرتَّب المقدّمات، بل مشهدٌ خام: سفينةٌ تجري في البحر، ورياحٌ تُصرَّف، وأرضٌ ميتة يصيبها ماء فتهتزّ.
وأدقُّ ما في الباب آيةُ سورة الرعد، تصف أرضًا واحدة وماءً واحدًا وثمرًا مختلفًا: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. («صِنوان» النخلات يجمعهنّ أصلٌ واحد وينفرد كلٌّ منهنّ بجذعه.) المشهد مما يراه الفلاح كل يوم فلا يقف عنده. والآية لا تضيف إليه معلومة؛ إنها تطلب منه أن يُمسك عن العبور، وأن يسأل: ماءٌ واحد وتربةٌ واحدة، فمن أين جاء الاختلاف؟
ما الذي تطلبه هذه الآيات من قارئها؟ لا أن يعرف أن الماء يُحيي الأرض — فهذا يعرفه من لم يقرأ كتابًا قط. بل أن يقف عند ما اعتاده حتى يعود غريبًا عنده. العقل هنا فعلُ استئنافٍ للدهشة، لا فعلُ تحصيلٍ للمعلومة.
كتابٌ أُنزل ليُعقل
يأتي المحور الثاني في وصف الوحي نفسه. يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، ويعيدها في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]. وتتكرر الصيغة في مواضع البيان والتفصيل: ﴿كَذَلِكُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].
ولعلّ أطرف ما في هذا المحور موضعٌ لا يتكلم عن الكون ولا عن العقيدة، بل عن آداب الطعام ودخول البيوت وإلقاء السلام، ثم يختم بالصيغة نفسها: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. فليس «التعقّل» بابًا من أبواب النظر العالي وحده؛ إنه مطلوبٌ في أدب الزيارة كما هو مطلوب في خلق السماوات.
وفي هذا المحور آيةٌ تضع للفهم شرطًا: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. المثَل مضروبٌ للناس جميعًا، معروضٌ عليهم بلا حجاب، ومع ذلك لا يبلغ مقصودَه إلا صنفٌ منهم. المعنى إذن ليس مخبوءًا في النصّ حتى يُستخرج بمفتاح؛ إنه ظاهرٌ على السطح، والذي يتفاوت هو القارئ.
التقليد: تعطيل الفعل بالتوارث
يظهر المحور الثالث حيث يُذمّ الاتّباع بغير نظر. والآية الأمّ فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
وينبغي هنا إنصافٌ قبل النقد. الاتّباع في ذاته ليس رذيلة، ولا يستطيع إنسانٌ أن يبتدئ من الصفر في كل مسألة تعرض له؛ فأكثر ما نعرفه إنما تلقّيناه، وأكثر ما نتلقّاه لا سبيل لنا إلى فحصه بأنفسنا. والذي تذمّه الآية ليس أخذَ الخلَف عن السلَف، بل جوابًا بعينه: أن يُعرض عليك دليلٌ فتردّ بأن هذا ما وجدنا عليه آباءنا. الردّ لا يناقش المعروض ولا ينفيه؛ إنه يستبدل بالسؤال سؤالًا آخر، ويحوّل مسألةَ «أهذا حق؟» إلى مسألة «من نحن؟».
ومن هذا الباب موضعٌ في سورة الزمر يبلغ غايةً في الحدّة: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. نفى عن المعبود أن يعقل. فصار العابدُ متعلّقًا بما لا يقع منه الفعل الذي عُوتب هو على تركه.
تطلب هذه الآيات من القارئ شيئًا ثقيلًا: أن يفصل بين صحّة الرأي وبين ألفته. الألفة إحساسٌ صادق لا يكذب على صاحبه، لكنه لا يخبره عن الحق في شيء. وأصعب ما في العقل أنه يبدأ حيث ينقطع هذا الإحساس.
عِلمٌ يُعقَل ثم يُخان
يتناول المحور الرابع صنفًا آخر: لا الجاهل ولا المقلّد، بل من فهم ثم تصرّف في فهمه. وأصرح مواضعه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
قف عند الترتيب: سماعٌ، ثم عَقْل، ثم تحريف. الفعل هنا وقع تامًّا — «عَقَلُوهُ» بصيغة الماضي المحقَّق — ثم جاء التحريف بعده، لا قبله ولا مكانه. وهذه هي المرة الوحيدة في القرآن كلّه التي يرد فيها الفعل ماضيًا مثبتًا منسوبًا إلى فاعلين معيّنين. فما كان التعقّل عاصمًا. من فهم قد يُحرّف عن فهم، والفهمُ نفسه يصير عندئذ أداةَ التحريف الأمضى، لأن المحرِّف الذي لم يفهم يُفسد النصّ فيُفتضح، والذي فهم يعرف أين يضع يده.
ومن هذا الباب أيضًا الآية الموجَّهة إلى من يعِظ ولا يتّعظ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. والخطاب هنا لأهل العلم لا لسواهم؛ فليس النقص في العلم ولا في التلاوة، وإنما في انفصال أحدهما عن العمل. ولهذا جاء التوبيخ بلفظ «أفلا تعقلون» لا بلفظ «أفلا تعلمون».
المسؤولية الفردية والحسرة اللاحقة
يتجلى المحور الخامس في المشهد اللاحق لخسران الفرصة، حيث يصرخ أهل النار بالنكسة المعرفية التي أوردتهم السعير: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. لقد جعل النص السمع والتعقل في كفة واحدة؛ إذ السمع هو نافذة استقبال الخطاب، والتعقل هو ربطه بالمصير والعمل. وعِندئذ لا ينفع الندم حين تنكشف الحقيقة بلا حجاب.
الحقل الدلالي والتدرج المعرفي
وكما افردنا سابقًا بحثًا مستقلاً للتفريق المفهومي في مقالنا «ما بين التفكير والتفكُّر»، فإن كلمة «يعقلون» تعمل داخل حقل دلالي واسع يضم مفاهيم الإدراك القرآني:
- التفكّر (الاستئناف): تحريك الفكر واستئناف الدهشة في مشاهد الكون، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
- التدبّر (العواقب): النظر في أدبار الأمور وعواقبها المحتجبة وغايات النعم والآيات، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].
- الفِقْه (النفوذ): النفوذ إلى عمق المعنى ولطائفه دون الوقوف عند ظاهره، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
- العَقْل (الإمساك): الربط المحكم والإمساك المعرفي الذي يربط النظر والسمع بالعمل ويحول بين الإنسان والهوى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
- اللُّبّ (الصفاء): خلاصة الفكر المتطهرة من الشوائب والأهواء، والتي وجّه القرآن الخطاب إليها في مواضع أسرار التشريع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقفة عند ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾
بقيت آيةٌ تستحقّ وقوفًا على حدة، لأنها الموضع الوحيد الذي يذكر فيه القرآن للعقل محلًّا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
ما الذي قاله المفسّرون؟ يقول ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) في «زاد المسير» إن المعنى: أفلم يسِر قومك فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها إذا نظروا آثار من هلك، أو آذانٌ يسمعون بها أخبار الأمم المكذّبة. وينقل عن الفرّاء أن الهاء في ﴿فَإِنَّهَا﴾ عمادٌ، وأن المعنى: أن أبصارهم لم تعمَ، وإنما عميت قلوبهم. وأما ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فقال إنه توكيد، «لأن القلب لا يكون إلا في الصدر»، ونظّره بقوله تعالى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ و﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. وعند ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) أن ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السيرَ «بأبدانهم وبفكرهم أيضًا»، وأن العمى المنفيّ ليس عمى البصر بل عمى البصيرة، «وإن كانت القوّة الباصرة سليمة».
فالقدماء إذن لم يقرؤوا الآية تشريحًا. قرؤوها على أن «القلب» موضعُ الإدراك في لسان العرب، وأن قيد ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ توكيدٌ بلاغيّ لا تحديدٌ لمكان.
وقد ظهر في التفسير المعاصر اتجاهٌ آخر يقرأ الآية على أنها إخبارٌ عن فسيولوجيا القلب. من ذلك ما جاء في «تفسير القرآن الثري الجامع» لمحمد الهلال عند هذه الآية، إذ ذهب إلى أن القلب يضخّ الدم إلى الدماغ ولولاه لتعطّل، وأن بين المخّ والقلب اتصالًا باللِّمف والمجال الكهربائيّ والأعصاب، وأن في عضلة القلب خلايا وفيها مستقبِلات أدرينالية وخلايا عصبية لها شأنٌ في الذاكرة والعاطفة، «وهذا ما يفسّر قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾».
وأقول إنه لا يصلح تفسيرًا للآية لثلاثة أسباب:
أولها أن الآية لا تدّعي ما نُسب إليها. سياقها كلُّه سياقُ سيرٍ ونظرٍ واعتبار بمنازل الهالكين، لا سياقُ تعريفٍ بأعضاء البدن. وقد فهم المفسّرون قبل قرونٍ من علم التشريح الحديث ما تريده الآية، وأصابوا مرادها، وهو أن العمى عمى معنى لا عمى حاسّة.
وثانيها أن الاستدلال نفسه لا يستقيم. لو كان مناط الفهم أن القلب يضخّ الدم إلى الدماغ، لصحّ أن يقال إن الإنسان يعقل برئتيه وبكبده وبكلّ عضوٍ يقوم عليه بقاء الدماغ. والعلاقة السببية البعيدة لا تصنع محلًّا للفعل.
وثالثها — وهو أثقلها — أن هذا النوع من التفسير يربط معنى الآية بحالة العلم في لحظةٍ بعينها. فإن تغيّر ما نعرفه عن خلايا القلب بعد عقدين، صار المعنى القرآنيّ في نظر من قرأ هذا التفسير عرضةً للتغيّر معه. والآية أثبت من ذلك وأغنى: هي تتكلم عن رجلٍ يقف بين الأطلال فلا يهتزّ له ساكن، وهذا معنًى لا يبلى ولا ينتظر مصادقة مختبر.
وليس في هذا حطٌّ من قدر صاحب ذلك التفسير ولا من نيّته؛ فالباعث عليه غيرةٌ على النصّ وحرصٌ على أن يُرى موافقًا للعلم. لكن النصّ لا يحتاج إلى هذه النصرة، والذي يُقدَّم إليه بها قد يُؤخذ عليه غدًا.
خاتمة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾
بقي في المصحف موضعٌ واحد يتكلّم فيه الناسُ عن العقل بأنفسهم، لا يُخاطَبون به ولا يُوصَفون. تجده في سورة الملك، في مشهدٍ يُلقى فيه المكذّبون في جهنم فوجًا بعد فوج، فيسألهم خزنتُها سؤالَ من يعرف الجواب: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. فيجيبون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾، ثم ينطقون بالكلمة التي تختم كلَّ ما مضى في هذه المقالة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨–١٠].
تأمّل صيغة الاعتراف. لم يقولوا: لو كان لنا سمعٌ وعقل. لم يشكوا نقصًا في الأداة ولا عطبًا في الجهاز؛ فالنذير جاءهم فسمعوه بآذانٍ سليمة، وردّوا عليه بألسنةٍ فصيحة، وما يجادل إلا من يملك أدوات الجدال. قالوا: لو كنّا نسمع أو نعقل — فعلان مضارعان بعد «كان»، وتلك صيغة العربية لِما كان في وسعك أن تفعله فتركتَه. اعترفوا بتعطيل الفعل، لا بفقد الملكة. وهكذا ثبت المصحف على قاعدته حتى في كلام أهل النار: جاءت الكلمة في تسعةٍ وأربعين موضعًا فعلًا، فلمّا تكلّم الخاسرون عن خسارتهم جرت على ألسنتهم فعلًا كذلك. حتى الندم صيغ فعلًا.
وانظر بعد الصيغة إلى التوقيت. جاء الاعتراف صحيحًا كلَّ الصحة، لكنه جاء في الموضع الوحيد الذي لا ينفع فيه. فليس عزيزًا أن يُدرك المرءُ أن العقل فعلٌ يُفعَل؛ العزيز أن يدركه والبابُ مفتوح. ولهذا جاء عتاب القرآن للأحياء عرضًا وحضًّا — ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — لأن الفعل ما دام صاحبه حيًّا ممكنٌ مستأنَف. فإذا انطبق الباب انقلبت الصيغة من مضارع الاستئناف إلى ماضي الحسرة: لو كنّا.
وهنا تكتمل حجّة المقالة من طرفها الأخير. بدأنا بإحصاء: تسعٌ وأربعون مرة كلُّها فعل، ولا اسم واحد. وجاء التصديق من حيث لا يُرَدّ: من أفواه قومٍ جرّبوا العاقبة. لم يفقدوا شيئًا يُملَك فيُبكى على ضياعه؛ فقدوا شيئًا يُفعَل وقد كان في أيديهم كلَّ صباح. والسؤال الذي أهملوه — أتعقل؟ — ما يزال يُعاد على كلِّ حيٍّ كلَّ صباح، غير أنه لا يُعاد إلى الأبد.
على أنّ في المسألة بابًا لم تفتحه هذه المقالة. فإذا كان العقلُ فعلًا يُفعَل، فما الذي يعطّله والأداةُ سليمة؟ ونعود إلى الآية التي وقفنا عندها، فإنها تضع العلّةَ في موضعها الدقيق: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فالبصرُ سليمٌ والخبرُ واصل، وإنما العطبُ فيما وراءهما. وتلك مسألةٌ أخرى، لها مقالٌ آخر بإذن الله.
المصادر والمراجع
- الحصر الوارد في هذه المقالة — تسعةٌ وأربعون موضعًا لمادة «عقل»، وستة عشر لـ«الألباب»، وأربعةٌ للتدبُّر، وموضعان لـ«أولي النُّهى»، وموضعٌ واحد لـ«ذي حِجْر» — أُجري على النصّ القرآنيّ مباشرةً، صيغةً صيغة، برواية حفص عن عاصم.
- ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، عند سورة الحج: ٤٦.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، عند سورة الحج: ٤٦.
- البغوي، معالم التنزيل، ج ٢ ص ٢١٢، في خبر نزول النبي ﷺ بالحِجر في غزوة تبوك؛ والحديث أخرجه البخاري (٤٣٣، ٤٤٢٠، ٤٧٠٢) ومسلم (٢٩٨٠).
- محمد الهلال، تفسير القرآن الثري الجامع، ج ١٧ ص ١٥٨، عند سورة الحج: ٤٦.
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
راجع مدقّقٌ محايدٌ وقائعَ المقالة — حصرَ المواضع التسعة والأربعين وأرقامَ الآيات، وخبرَ نزول النبيّ ﷺ بالحِجر وتخريجَه، وما نُسب إلى ابن الجوزي وابن كثير والفرّاء والبغوي ومحمد الهلال — ولم ينظر في أطروحتها. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.