وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٦–١١٨]
في أزقّة الإسكندرية، حوالي سنة ٣١٨ للميلاد، كان البحّارة في الميناء والطحّانون في الأسواق يردّدون أناشيد غريبة على غير عادة أغاني المدن. لم تكن أغاني حبّ ولا أهازيج عمل، بل عقيدة لاهوتية منظومة شعرًا. صاغها قسٌّ ليبيّ الأصل، طاعنٌ في السن، طويل القامة، معروفٌ بالزهد وقوة البيان، اسمه آريوس. جمع أناشيده في ديوان سمّاه «ثاليا» (الوليمة)، وفيه بيتٌ واحد كان كافيًا لإشعال الإمبراطورية كلها من أقصاها إلى أقصاها:
«كان ثمّة حينٌ لم يكن فيه الابن»
جملة واحدة. لكنها كانت تعني أن المسيح ـ مهما علت مكانته ـ مخلوقٌ له بداية، وأن الله وحده هو الأزليّ الذي لا بداية له. ومن هذه الجملة انفجر أطول نزاع عقدي في تاريخ النصرانية، نزاعٌ استدعى تدخّل الأباطرة، وعقد المجامع، ونفي الأساقفة، وحرق الكتب، وامتدّ أثره من مصر إلى إسبانيا، ومن القرن الرابع إلى يومنا هذا.
قبل آريوس: لم تكن هناك نصرانيةٌ واحدة
يخطئ من يتصوّر أن التثليث كان عقيدةً جاهزة مكتملة منذ اليوم الأول، وأن آريوس خرج عليها خروجَ المبتدع على الأصل الراسخ. الصورة التي يرسمها مؤرخو العقائد المعاصرون مختلفة تمامًا: القرون الثلاثة الأولى كانت زمن تعدّدٍ واسع في فهم شخص المسيح وعلاقته بالله، ولم تكن ثمة سلطة مركزية تحسم الخلاف.
فمن أقدم الجماعات «الأبيونيّون»، وهم نصارى من أصل يهودي رأوا في يسوع المسيحَ المنتظَر ونبيًّا بشريًّا مؤيَّدًا من الله، وتمسّكوا بشريعة موسى، ورفض كثيرٌ منهم رسائل بولس. وظهر في روما أواخر القرن الثاني «التبنّويّون» أتباع ثيودوتس البيزنطي، القائلون بأن يسوع إنسانٌ صالح «تبنّاه» الله وحلّت عليه القوة الإلهية عند معموديته. ثم جاء بولس السميساطي، أسقف أنطاكية نفسها، يعلّم قريبًا من هذا، حتى عزله مجمعٌ محلي سنة ٢٦٨م.
وحتى الذين مهّدوا لفكرة الثالوث لم يقولوها بصيغتها النهائية. ترتليانوس القرطاجي هو أول من صكّ الكلمة اللاتينية «trinitas» نحو سنة ٢٠٠م، لكنه كان يرى الابن دون الآب مرتبةً وحادثًا بمشيئته. وأوريجانوس، أعظم علماء الإسكندرية، علّم أن الابن «إلهٌ من الدرجة الثانية» تابعٌ للآب. أي أن التراتبية بين الآب والابن ـ التي سيُدان بها آريوس لاحقًا ـ كانت هي السائدة عند أعلام اللاهوت قبله بقرن كامل. لم يأتِ آريوس بفكرة من فراغ؛ بل دفع تيارًا قديمًا إلى منتهاه المنطقي، في لحظة لم تعد الإمبراطورية تحتمل فيها الغموض.
ماذا قال آريوس بالضبط؟
جوهر تعليم آريوس يقوم على مقدّمة واحدة صارمة: الله واحدٌ، غير مولود، لا بداية له، ولا يشاركه أحدٌ في جوهره. فإذا كان الابن «مولودًا» من الآب ـ كما تقول النصوص ـ فمعنى الولادة أن له بداية؛ ومن كان له بداية فليس أزليًّا؛ ومن ليس أزليًّا فهو مخلوق. نعم، هو عند آريوس أولُ الخلائق وأشرفُها، خُلق قبل الزمان، وبه خلق اللهُ العالم، وهو فوق الملائكة والبشر جميعًا ـ لكنه يبقى مخلوقًا، لا يساوي الآبَ في الجوهر ولا في الأزلية.
لم يكن آريوس ـ في نظر نفسه وأتباعه ـ منتقصًا من المسيح، بل حارسًا لوحدانية الله المطلقة من أن يُشرَك فيها أحد. وكان خصومه يرون العكس تمامًا: أن مسيحًا مخلوقًا لا يستطيع أن يخلّص البشر، وأن الخلاص نفسه ينهار إن لم يكن الفادي إلهًا كاملًا. هذا هو عصب النزاع: ليس جدلًا لفظيًّا في مصطلحات يونانية، بل سؤالان متصادمان: كيف نحفظ توحيد الله؟ وكيف نفسّر عمل المسيح؟
والملاحظ للمؤرخ أن آريوس فهم شيئًا لم يفهمه كثير من خصومه: أن العقيدة تنتشر بالغناء أسرع مما تنتشر بالرسائل الأسقفية. فصاغ لاهوته أناشيدَ للعامة، فحفظها الملّاحون والحمّالون، وصار الخلاف اللاهوتي حديث الحمّامات والأسواق، حتى شكا أحد الكتّاب لاحقًا أنك إن سألت صرّافًا عن سعر الخبز أجابك بمحاضرة عن المولود وغير المولود.
نيقية ٣٢٥م: حين دخل الإمبراطورُ علمَ العقيدة
كان قسطنطين قد وحّد الإمبراطورية بالسيف سنة ٣٢٤م، فوجد كنيستها ممزّقة بجدال الإسكندرية. ولم يكن الرجل لاهوتيًّا ولا كان يومَها معمَّدًا أصلًا، لكنه كان يدرك أن إمبراطوريةً موحّدة تحتاج دينًا موحَّدًا. فدعا أساقفة العالم إلى مدينة نيقية صيف سنة ٣٢٥م، في أول مجمع «مسكوني» في التاريخ، وحضره على المشهور ثلاثمئة وثمانية عشر أسقفًا، وتكفّلت خزينة الدولة بنفقاتهم ـ سابقةٌ لم تعرفها النصرانية في قرونها الثلاثة الأولى التي كانت فيها دينًا مضطهَدًا.
انتهى المجمع إلى إدانة آريوس، وصاغ قانون الإيمان النيقاوي الذي ينصّ على أن الابن «مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر». والكلمة المفصلية هنا «هوموأوسيوس» (من الجوهر نفسِه) ـ وهي كلمة يعترف الجميع بأنها ليست في الكتاب المقدس أصلًا، وإنما أُدخلت اصطلاحًا فلسفيًّا لسدّ الباب على تأويلات آريوس. ثم نُفي آريوس، وأمر قسطنطين بحرق كتبه، وجعل إخفاءها جريمةً عقوبتها الموت. هكذا وُلد في نيقية شيئان معًا: صيغةُ المساواة في الجوهر، وسابقةُ تدخّل سلطة الدولة بالقوة في حسم العقيدة.
غير أن التاريخ يحتفظ هنا بمفارقةٍ بليغة: قسطنطين نفسه، الذي رعى إدانة آريوس، عاد بعد سنوات فاستقبل الآريوسيين في بلاطه، وأعاد آريوس من منفاه، ثم تعمّد على فراش موته سنة ٣٣٧م على يد أسقفٍ آريوسيّ هو يوسابيوس النيقوميدي. أما آريوس فقد مات فجأةً في القسطنطينية سنة ٣٣٦م عشيةَ إعادته رسميًّا إلى الكنيسة؛ وقد شاعت عن ميتته روايةٌ درامية مصدرها خصمه اللدود أثناسيوس، والمؤرخون المعاصرون يتعاملون معها بحذرٍ شديد لأنها رواية خصمٍ في معرض الاحتجاج.
القرن الآريوسي: حين «تأوّه العالم»
الظنّ الشائع أن نيقية أنهت المسألة. والواقع أن العقود الخمسة التالية كانت أقرب إلى انتصار الآريوسية منها إلى هزيمتها. فالإمبراطور قسطنطيوس الثاني، ابن قسطنطين، مال إلى الصيغ الآريوسية وشبه الآريوسية، ونُفي أثناسيوس ـ بطل نيقية ـ عن كرسيّه خمسَ مرات، وتعاقبت المجامع تصوغ وتنقض: أنطاكية، وسِرميوم، وأريمينوم (ريميني)، وسلوقية.
وفي سنة ٣٥٩م حمل مجمعا ريميني وسلوقية أساقفة الشرق والغرب معًا على التوقيع على صيغةٍ تقول إن الابن «شبيهٌ بالآب» وتُسقط عمدًا كلمة «الجوهر» النيقاوية. وعن تلك اللحظة كتب القديس جيروم عبارته الشهيرة التي صارت عنوانًا للحقبة كلها: إنّ العالم تأوّه وذُهل حين وجد نفسه آريوسيًّا. أي أن الأغلبية الرسمية للكنيسة، في لحظة من لحظات القرن الرابع، وقفت على غير عقيدة نيقية.
وينبغي هنا تدقيقٌ يغفل عنه كثير من الكتّاب: لم يكن «الآريوسيون» كتلةً واحدة. كان فيهم المتشددون «الأنوميون» القائلون إن الابن مخالفٌ للآب في الجوهر، و«شبه الآريوسيين» القائلون إنه شبيهٌ بالآب في الجوهر لا مساوٍ له، و«الهومويون» الذين اكتفوا بكلمة «شبيه» وحرّموا الخوض في الجوهر أصلًا. وقد جرت العادة أن يُطلق الخصوم لفظ «آريوسي» على هذا الطيف كله تشنيعًا، كما تُطلق ألقاب الفرق في كل جدلٍ ديني توسيعًا للتهمة.
٣٨٠–٣٨١م: متى صار التثليثُ هو الفكرة الشائعة؟
الجواب الدقيق عن سؤال المقال الرئيس يقع في هاتين السنتين. ففي سنة ٣٨٠م أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول «مرسوم تسالونيكي»، وفيه أُعلنت العقيدة النيقاوية دينَ الدولة الرسمي الوحيد، ووُصف مخالفوها في نصّ المرسوم نفسه بأنهم «مجانين وحمقى»، ومُنِعوا أن يُطلَق على مجتمعاتهم اسمُ «الكنائس»، وهُدّدوا بعقاب السلطة الأرضية فوق ما ينتظرهم من العقاب الإلهي. ثم انعقد مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م فأكمل البناء: أُعلنت الألوهية الكاملة للروح القدس ـ ردًّا على منكريها ـ وبذلك اكتملت صيغة الثالوث: ثلاثة أقانيم متساوية في جوهرٍ إلهيّ واحد.
فإذا أردنا الدقة التاريخية قلنا: العقيدة تبلورت اصطلاحيًّا بين ٣٢٥ و٣٨١م، لكنها لم تصبح «الفكرة الشائعة» بقرار المجامع وحده، بل بقوة القانون الإمبراطوري بعد سنة ٣٨٠م، حين صار الخروج عليها جريمةَ دولة لا رأيًا لاهوتيًّا. ثم تولّت مؤسساتُ الإمبراطورية ـ التعليم والقضاء والكراسي الأسقفية ـ ترسيخها جيلًا بعد جيل. أي أن بين ظهور النصرانية وبين صيرورة التثليث بصيغته النهائية عقيدةً رسمية ملزمة نحوًا من ثلاثمئة وخمسين سنة.
وثمّة شاهدٌ نصّي يؤيد هذا المسار: الآية الوحيدة في العهد الجديد التي تذكر الثالوث بصيغة صريحة مجموعة ـ المعروفة عند النقّاد بـ«الفاصلة اليوحنّاوية» في رسالة يوحنا الأولى (٥: ٧) ـ قد أطبق النقد النصّي الحديث، بما فيه دارسو النصوص من المسيحيين أنفسهم، على أنها إقحامٌ متأخر دخل النصّ اللاتيني ثم تسرّب إلى المخطوطات اليونانية المتأخرة، ولذلك تحذفها الطبعات النقدية والترجمات الحديثة المعتمدة. وكان إسحاق نيوتن ـ كما سيأتي ـ من أوائل من فصّلوا القول في هذا التحريف.
آريوسيةُ الممالك: من القوط إلى إسبانيا
انتصر التثليث داخل حدود الإمبراطورية، لكن الآريوسية لم تمت؛ بل خرجت من الباب ودخلت من النافذة ـ نافذة الشعوب الجرمانية. ففي منتصف القرن الرابع، وقبل حسم ٣٨١م، كان الأسقف وولفيلا (أولفيلاس) قد بشّر القوطَ وراء نهر الدانوب بنصرانيةٍ آريوسية الطابع، وترجم لهم الكتاب المقدس إلى لغتهم القوطية ـ وهي من أقدم النصوص المكتوبة بلسانٍ جرماني أصلًا. فلما اجتاحت هذه الشعوب الإمبراطوريةَ الغربية وأسقطتها سنة ٤٧٦م، قامت على أنقاضها ممالكُ آريوسيةُ المذهب: القوط الغربيون في إسبانيا وجنوب غالة، والقوط الشرقيون في إيطاليا، والوندال في شمال إفريقية، والبرغنديون، ثم اللومبارد.
أي أن المفارقة التاريخية الكبرى هي هذه: في الوقت الذي كانت فيه الآريوسية «هرطقةً» مطاردةً في القسطنطينية، كانت دينَ الملوك والدولة في نصف أوروبا الغربية وشمال إفريقية. وقد بلغ الأمر بالوندال في قرطاجنّة أن قلبوا الآية فاضطهدوا أصحاب المذهب النيقاوي اضطهادًا مشهودًا. ولم تُطوَ صفحة الآريوسية السياسية إلا تدريجيًّا: تحوّل الفرنجة إلى المذهب النيقاوي مباشرةً، وسقط الوندال والقوط الشرقيون بسيوف جستنيان، وأما إسبانيا القوطية فظلت مملكةً آريوسية حتى أعلن الملك ريكاريد تحوّله سنة ٥٨٧م، ثم صدّق مجمع طليطلة الثالث سنة ٥٨٩م على تحوّل المملكة كلها. واستمر اللومبارد في إيطاليا على آريوسيتهم إلى أواخر القرن السابع.
ولقارئ سلسلتنا الأندلسية أن يتوقف هنا لحظة: الأرض التي ستصير بعد قرنٍ ونيّف أندلسًا إسلامية، كانت إلى سنة ٥٨٩م مملكةً مذهبُها الرسميُّ الآريوسيةُ، يدين ملوكها بأن المسيح مخلوقٌ دون الله. فالتثليث لم يصبح «الفكرة الشائعة» في عموم أوروبا الغربية بمعناها الكامل إلا في مطلع القرن السابع تقريبًا ـ أي قبيل ظهور الإسلام بجيلٍ واحد.
من هم النسطوريون واليعقوبيون؟ خريطة الانقسام التالي
حين حُسم سؤال آريوس سنة ٣٨١م لصالح التثليث، لم تهدأ الكنيسة؛ بل انتقل النزاع فورًا إلى سؤالٍ جديد مختلفِ المحور تمامًا: إذا كان المسيح إلهًا كاملًا وإنسانًا كاملًا، فكيف يجتمع اللاهوت والناسوت في شخصه؟ ومن هذا السؤال الثاني ـ لا من سؤال آريوس ـ وُلد النسطوريون واليعقوبيون اللذان سيجاوران العربَ قرونًا. والتفريق بين السؤالين ضروري: سؤال آريوس كان «هل الابن مساوٍ للآب؟»، وسؤال القرن الخامس كان «كيف تتحد الطبيعتان في المسيح؟» ـ وكل أطراف السؤال الثاني ثالوثيون مؤمنون بألوهية المسيح.
فأما النسطوريون فنسبتهم إلى نسطور، بطريرك القسطنطينية، الذي اعترض على تسمية مريم «والدة الإله» ورأى أن الأليق «والدة المسيح»، لأن الذي وُلد ونما وجاع وصُلب هو الناسوت لا اللاهوت؛ فمال إلى إبراز التمايز بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح مع اتحادهما اتحادَ مشيئة ومقام. أدانه مجمع أفسس سنة ٤٣١م وعُزل ونُفي، لكنّ لاهوته ازدهر خارج حدود الإمبراطورية في «كنيسة المشرق» ومركزُها في بلاد فارس، التي امتدت إرسالياتها إلى الهند والصين ووصلت أوجَها في العصر العباسي، وكان أطباؤها ومترجموها ـ كآل بختيشوع وحنين بن إسحاق ـ من أعمدة النهضة العلمية في بغداد.
وأما اليعقوبيون فهم على الضدّ من نسطور في اتجاه التشديد على الوحدة: قالوا إن للمسيح بعد الاتحاد طبيعةً واحدة متجسّدة من لاهوت وناسوت، لا طبيعتين متمايزتين ـ ولذلك يسميهم الدارسون «الميافيزيين» (أصحاب الطبيعة الواحدة المتحدة). رفضوا مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١م الذي قرر أن للمسيح طبيعتين كاملتين في شخصٍ واحد، فانشقت على إثره كنائس مصر (الأقباط) والشام وأرمينية. ونسبتهم إلى يعقوب البرادعي، الأسقف السرياني الذي جاب المشرقَ في القرن السادس متخفّيًا في أسمالٍ بالية يرسم الكهنةَ والأساقفة سرًّا، فأنقذ كنيسته من الذوبان تحت الملاحقة البيزنطية، وبه سُمّي السريان الأرثوذكس «يعاقبة».
ولهذه الخريطة أهمية مباشرة لموضوعنا: فالإمبراطورية البيزنطية اضطهدت الميافيزيين والنساطرة اضطهادًا طويلًا بوصفهم خارجين على خلقيدونية، حتى ذهب مؤرخون كُثر إلى أن هذا الاضطهاد كان من أسباب فتور أهل مصر والشام في الدفاع عنها أمام الفتح الإسلامي، إذ وجد كثير منهم في الحكم الجديد ـ الذي لم يتدخل في خلافاتهم الكرستولوجية ـ ما لم يجدوه عند إخوتهم في الدين.
وماذا عن نصارى جزيرة العرب؟
يشيع في بعض الكتابات المعاصرة ربطُ نصارى الجزيرة العربية بالآريوسية، وكأنّ توحيد آريوس كان هو النصرانية التي جاورت العرب. وهذا الربط ـ على جاذبيته ـ لا يسنده الدليل التاريخي القوي، والأمانة تقتضي التنبيه عليه. فالذي تثبته المصادر أن نصارى نجران كانوا في جملتهم على المذهب اليعقوبي الميافيزي، وأن نصارى الحيرة ـ «العِباد» ـ كانوا نساطرة تابعين لكنيسة المشرق، وأن الغساسنة في الشام كانوا ميافيزيين. وهذه الفرق الثلاث ـ كما بيّنا في الفقرة السابقة ـ على اختلافها الحادّ في مسألة طبيعة المسيح، كلها فرقٌ ثالوثية تقول بألوهيته.
نعم، لا يُستبعد وجود أفرادٍ وجيوبٍ على عقائد توحيدية متنوعة في أطراف الجزيرة، فقد كانت المنطقة ملجأً لمن ضاقت بهم أقاليمُ الإمبراطورية بعد أن صار الخلاف العقدي جريمة قانونية؛ لكن الانتقال من هذا الاحتمال إلى القول بأن آريوسيةً منظّمة كانت الحاضرَ الرئيس في الجزيرة قفزةٌ لا تحتملها الوثائق. وهذا مثالٌ آخر على قاعدةٍ لازمَتْنا في هذه السلسلة: الرواية الجميلة المتماسكة ليست بالضرورة هي الرواية الصحيحة، والدليل الغائب لا يُعوَّض بحسن الحبكة.
هل سهّلت الآريوسيةُ دخولَ أهل إيبيريا في الإسلام؟
هذه أطروحة قديمة رددها بعض الكتّاب: أن شعوبًا ألِفت قرونًا القولَ بأن المسيح مخلوقٌ دون الله ـ في إسبانيا القوطية وشمال إفريقية الوندالية ـ وجدت في عقيدة الإسلام عن المسيح شيئًا مألوفًا، فسهُل عليها الدخول فيه. وقد صاغها بعض الباحثين في منتصف القرن العشرين صياغة صريحة عن شمال إفريقية خاصة. فهل تصمد أمام التدقيق؟
الفحص المتأني يُظهر أن الأطروحة ـ في صورتها القوية ـ أضعف مما تبدو، لثلاثة اعتبارات. أولها الزمن: الآريوسية أُلغيت رسميًّا في إسبانيا سنة ٥٨٩م، أي قبل الفتح الإسلامي (٧١١م) بمئة واثنتين وعشرين سنة ـ خمسة أجيال كاملة نشأت فيها البلاد على المذهب النيقاوي وتحت كنيسةٍ قوية عقدت مجامع طليطلة المتوالية. وثانيها الطبقة: الآريوسية في إسبانيا كانت في جوهرها مذهبَ النخبة القوطية الحاكمة، وهي أقلية ظلت قرونًا متمايزة عن الأغلبية الإيبيرية الرومانية التي كانت نيقاويةً أصلًا ولم تعتنق الآريوسية يومًا. وثالثها ـ وهو الأهم ـ إيقاع التحول نفسه: فدراسات معدلات التحول إلى الإسلام في الأندلس، وأشهرها منحنى ريتشارد بوليت المبني على تتبع الأنساب والأسماء، تشير إلى أن الإسلام لم يصبح دينَ أغلبية سكان الأندلس إلا نحو منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ـ أي بعد الفتح بقرنين ونصف. ولو كان «الاستعداد العقدي» الآريوسي هو المحرك لتوقعنا تحولًا سريعًا في الجيل الأول، لا مسيرةً بطيئة يفسّرها المؤرخون بعوامل الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والإداري.
لكن الإنصاف يقتضي تسجيل ملاحظة في الاتجاه الآخر: ففي سبعينيات القرن الثامن الميلادي ـ تحت الحكم الإسلامي نفسه ـ ظهرت في طليطلة حركة «التبنّوية الإسبانية» بقيادة إليباندوس أسقف طليطلة، التي علّمت أن المسيح بحسب ناسوته «ابنٌ بالتبنّي»، فأدانتها الكنيسة الفرنجية في مجمع فرانكفورت سنة ٧٩٤م. وقد رأى بعض الدارسين في نشوء هذا اللاهوت داخل بيئةٍ إسلامية أثرًا للجوار العقدي الجديد، ورأى آخرون أنه امتداد لتقاليد لاهوتية إسبانية محلية قديمة ـ والمسألة ما تزال موضع أخذ وردّ أكاديمي. فالخلاصة المنضبطة: لا دليل كافيًا على أن الآريوسية «سهّلت» أسلمة إيبيريا، والصورة الأرجح أن التحول كان عمليةً اجتماعية بطيئة متعددة الأسباب؛ وأما أثر الجوار الإسلامي في تحريك أسئلة الكرستولوجيا عند نصارى الأندلس فظاهرة موثقة، لكنها جرت بعد الفتح لا قبله.
«الموحِّدون» (Unitarians): عودة السؤال بعد ألف عام
لم يمت سؤال آريوس؛ بقي كامنًا تحت رماد القرون، حتى نفخ فيه الإصلاحُ البروتستانتي من حيث لم يحتسب. فحين رفع المصلحون شعار «الكتاب وحده» مرجعًا، فتحوا البابَ لمن يقرأ الكتاب فلا يجد فيه صيغة نيقية والقسطنطينية نصًّا. وهكذا وُلدت في القرن السادس عشر حركاتُ «مناهضة التثليث» (Antitrinitarianism)، ودفعت ثمنًا باهظًا من الطرفين معًا: الكاثوليك والبروتستانت.
وأما الاسم الذي استقر لهذا التيار في الكتابات الحديثة ـ «الموحِّدون» أو «Unitarians» ـ فله قصة تستحق التسجيل: ظهر اللقب اللاتيني «unitarius» أول ما ظهر في ترانسيلفانيا أواخر القرن السادس عشر وصفًا للكنيسة القائلة بوحدانية الله في مقابل «الثالوثيين» (Trinitarians)، ثم انتقل إلى الإنجليزية في أواخر القرن السابع عشر، وصار منذ القرن الثامن عشر الاسمَ الرسمي للكنائس التوحيدية في إنجلترا وأمريكا. فكل من يقرأ اليوم عن «Unitarian Church» إنما يقرأ عن أحفاد هذا التيار الذي نؤرخ له هنا.
أشهر شهداء هذا التيار الطبيب الإسباني ميخائيل سيرفيتوس ـ وهو، بالمناسبة، أول من وصف في أوروبا الدورةَ الدموية الرئوية التي سبق إليها ابنُ النفيس، وهنا يلتقي خيطا سلسلتنا ـ فقد ألّف سنة ١٥٣١م كتاب «في أخطاء التثليث»، فطارده الكاثوليك، ثم قُبض عليه في جنيف الخاضعة لنفوذ كالفن، فأُحرق حيًّا سنة ١٥٥٣م وكتابُه معلّقٌ في عنقه. وفي بولندا قامت جماعة «الإخوة البولنديين» الذين عُرفوا لاحقًا بالسوسينيين نسبةً إلى فاوستو سوتسيني، وأصدروا «تعليم راكوف» سنة ١٦٠٥م، وهو أنضج صياغة لاهوتية توحيدية في عصرهم، قبل أن يُطردوا من بولندا طردًا.
أما في ترانسيلفانيا فقد بلغ الأمر ذروةً فريدة: تبنّى الملك يوحنا سيجيسموند المذهبَ التوحيدي بتأثير واعظه فرنتس دافيد وطبيبه بيانْدراتا ـ فكان الملكَ الموحِّد الوحيد في تاريخ أوروبا ـ وصدر في عهده «مرسوم توردا» سنة ١٥٦٨م، وهو من أقدم مراسيم التسامح الديني في التاريخ الأوروبي، إذ أقرّ حرية الجماعات في اختيار واعظها ونصّ على أن «الإيمان هبة من الله» لا يُكره عليه أحد؛ ولا تزال الكنيسة التوحيدية قائمةً في ترانسيلفانيا إلى اليوم منذ أربعة قرون ونصف.
وفي إنجلترا سُجن جون بيدل مرارًا في القرن السابع عشر لإنكاره التثليث، ثم أسّس ثيوفيلوس ليندسي سنة ١٧٧٤م أول كنيسة توحيدية معلَنة باسمها في لندن. والأدهش من هذا كله أن إسحاق نيوتن نفسه ـ أعظم علماء عصره وأستاذ كرسي الرياضيات في كامبردج ـ كان موحِّدًا مناهضًا للتثليث في سرّه، وكتب بحثًا لم يجرؤ على نشره في حياته عنوانه «بيانٌ تاريخي لتحريفَين شهيرَين في النص المقدس»، فصّل فيه القولَ في الفاصلة اليوحنّاوية التي مرّ ذكرها؛ ولو أعلن رأيه لخسر منصبه ومكانته، إذ كان إنكار التثليث في إنجلترا حينها جريمةً قانونية. ثم حمل الرايةَ العالِمُ الكيميائي جوزيف بريستلي ـ مكتشف الأكسجين ـ ففرّ من إنجلترا إلى أمريكا بعد أن أحرق الغوغاء بيته ومختبره، وهناك نمت الكنائس التوحيدية على يد أمثال وليم تشانينغ في القرن التاسع عشر.
وفي حاضرنا تتوزع الكرستولوجيا التوحيدية على طوائف شتى متباينة فيما بينها: من شهود يهوه الذين يقولون بمسيحٍ مخلوقٍ على نحوٍ يذكّر بصيغ آريوس، إلى الكريستادلفيان، إلى «التوحيديين الكونيين» الذين تطوّر كثيرٌ منهم من لاهوتٍ توحيدي إلى جماعةٍ تعددية فضفاضة. وهي على قلّة أتباعها قياسًا بالكنائس الثالوثية الكبرى، شاهدٌ حيّ على أن السؤال الذي غنّاه بحّارة الإسكندرية قبل سبعة عشر قرنًا ما زال يُطرح.
الإسلام والتوحيدية الأوروبية: أثرٌ مباشر أم توازٍ؟
وهنا يفرض سؤالٌ نفسَه على قارئ التاريخ المسلم: هذه الحركات التوحيدية الأوروبية كلها نشأت بعد الإسلام بقرون، والإسلام دين توحيدٍ صريح يجاور أوروبا ويحاجّها؛ فهل كان له أثر فيها؟ الجواب الأمين يحتاج تفكيكًا، لأن الأثر جرى في ثلاث قنوات مختلفة القوة والدليل.
القناة الأولى: الإسلام بوصفه برهانَ إمكان
أوثق ما يمكن قوله إن وجود حضارة عالمية كبرى تعبد إلهًا واحدًا بلا ثالوث كان بذاته حجةً صامتة دائمة على أن التوحيد الخالص ممكنٌ وقائم. وقد صرّح بعض رواد التيار بهذا الاستدلال: فسيرفيتوس ـ كما يذكر دارسوه ـ قرأ نقدَ علماء اليهود للتثليث واطّلع على القرآن (في ترجمته اللاتينية التي طُبعت في بازل سنة ١٥٤٣م بمقدمة لوثر نفسه)، ورأى أن عقيدة التثليث هي الحاجز الأكبر الذي يصدّ اليهود والمسلمين عن النصرانية، وأن العودة إلى توحيد ما قبل نيقية تُسقط هذا الحاجز. أي أن الإسلام حضر في وعي مؤسسي التيار حضورَ الشاهد والحجة، لا حضور المصدر المباشر لعقيدتهم التي بنوها على قراءتهم للعهد الجديد نفسه.
القناة الثانية: المظلة السياسية العثمانية
أما الأثر الأوضح توثيقًا فسياسيّ: فترانسيلفانيا ـ مهد أول كنيسة توحيدية رسمية وأول لقب «Unitarian» ـ كانت إمارةً تابعة تبعيّةَ حمايةٍ للدولة العثمانية بعد معركة موهاكس (١٥٢٦م)، بعيدةً عن يد محاكم التفتيش الكاثوليكية وعن سيف جنيف البروتستانتية معًا. وفي هذا الفضاء المحميّ وحده أمكن أن يصدر مرسوم توردا (١٥٦٨م) وأن يجاهر ملكٌ أوروبي بالتوحيد. وقد ذهبت الباحثة سوزان ريتشي في دراستها عن «باشا بودا ومرسوم توردا» إلى أن نموذج التسامح العثماني مع أهل الملل كان مؤثرًا مباشرًا في صياغة تجربة التسامح الترانسيلفانية ـ وهي أطروحة تلقى قبولًا متزايدًا وإن ظل مداها موضع نقاش. والشاهد الأبعد دلالةً أن اللاجئين الموحّدين حين ضاقت بهم أوروبا كانت وجهتهم أرض الإسلام: فآدم نويزر، اللاهوتي الألماني الموحّد من هايدلبرغ، انتهى به المطاف إلى اعتناق الإسلام والإقامة في إسطنبول، ولم يكن الوحيد.
القناة الثالثة: تهمة «التتريك» والاشتباك العلمي
وثمة قناة ثالثة عكسية الاتجاه لكنها كاشفة: فخصوم الموحّدين أنفسهم رأوا القرابة بين المذهبين، فكان أشهر ما يُرمى به الموحّدون في القرنين السادس عشر والسابع عشر أنهم «محمديون مستترون» وأن مذهبهم «تتريكٌ» للنصرانية ـ حتى صار لفظ «الإسلام السوسيني» مصطلحًا في الأدبيات الجدلية. ولم تكن التهمة محض افتراء في جانبها العلمي: فقد وثّق الباحثون المعاصرون ـ ومنهم مارتن مولزوف في دراسته عن السوسينية والدراسات العربية ـ عناية بعض أعلام التيار ومحيطهم بالاستشراق العربي وبنصوص المسلمين في نقد التثليث. وفي إنجلترا كتب هنري ستَبّ في القرن السابع عشر دفاعًا غير مسبوق عن الإسلام ونبيّه بوصفه استعادةً للتوحيد الأول، وتبعه جون تولاند في كتابه «الناصريون» ـ وكلاهما من محيط التيار التوحيدي العقلاني.
فالخلاصة المنضبطة: لا يصح القول إن التوحيدية الأوروبية «أخذت» عقيدتها من الإسلام، فأصحابها بنوها على نقدٍ داخلي لنصوص العهد الجديد وتاريخ المجامع؛ ولكن لا يصح أيضًا إغفال أن الإسلام كان حاضرًا في المشهد حضورًا ثلاثيًّا: برهانَ إمكانٍ حيًّا، ومظلةً سياسية وفّرت لأول كنيسة توحيدية أرضًا تقوم عليها، وقرابةً فكرية اعترف بها الخصوم قبل الأصدقاء.
سؤال المدقّق: هل التثليث «وراثةٌ سلطوية لا تمتّ للمسيح بصلة»؟
يصل بنا هذا كله إلى السؤال الذي لا بد أن يطرحه قارئ هذه الرحلة على نفسه: هل يصح ـ بمعيار البحث التاريخي ـ أن نقول إن عقيدة التثليث عقيدةٌ وراثية سلطوية لا تمت للمسيح بصلة؟ الجواب الأمين يقتضي فصل العبارة إلى شطرين، لأن حظّهما من الدليل مختلف.
الشطر الأول ـ أن في العقيدة بُعدًا وراثيًّا سلطويًّا ـ يسنده التاريخ في جوانب محددة يمكن للباحث إثباتها بالوثائق: فالصيغة النهائية للتثليث صيغةٌ اصطلاحية متأخرة لا توجد نصًّا في الكتاب، ومفتاحها «هوموأوسيوس» كلمةٌ فلسفية أُدخلت إدخالًا في القرن الرابع؛ وفرضُها العام تمّ بمرسوم دولةٍ وعقوباتٍ قانونية سنة ٣٨٠م لا بإقناعٍ حرّ؛ وانتقالُها عبر الأجيال بعد ذلك جرى في الغالب بالوراثة الاجتماعية داخل مؤسساتٍ تجرّم الخروج عليها ـ وقد رأينا أن إنكار التثليث ظل جريمةً يُحرق بها سيرفيتوس ويُخفي بسببها نيوتن أوراقه إلى ما بعد موته. فمن قال إن «الشيوع» هنا صناعةُ سلطةٍ ووراثة، فقد قال قولًا يملك عليه شواهد تاريخية حقيقية.
وأما الشطر الثاني ـ «لا تمتّ للمسيح بصلة» ـ فهنا يجب على المؤرخ أن يتوقف ويميّز أدواته. فالمنهج التاريخي يُظهر أن التكريم الفائق للمسيح أقدم من قسطنطين بقرون: فرسالة بلينيوس الأصغر إلى الإمبراطور تراجان (نحو ١١٢م) ـ وهي وثيقة رومانية وثنية لا مصلحة لكاتبها ـ تصف نصارى بيثينيا يرتّلون «للمسيح كما لإله»، ورسائل بولس وافتتاحية إنجيل يوحنا تحمل كرستولوجيا عالية يتجادل الدارسون في مداها لا في وجودها، وصيغة التعميد الثلاثية واردة في متى. أي أن مادة الخلاف ـ نصوصًا وتعبّدًا ـ أقدم من المجامع، والمجامع لم تخترعها من عدم بل اختارت من تأويلاتها المتنازعة تأويلًا وفرضته. بل إن آريوس نفسه كان يعبد الابن ويصلي له وهو يقول بخلقه.
ثم تأتي الخطوة الأخيرة في العبارة ـ ماذا علّم المسيح نفسه؟ ـ وهي خطوة تقع خارج ما يستطيع المؤرخ حسمَه بأدواته، لأن أقدم مصادره عن يسوع نصوصٌ كُتبت بعده بعقود وتحمل طبقات تحرير، والوصول منها إلى «كلامه هو» بيقينٍ وثائقي أمرٌ يقرّ نقّاد النصوص أنفسهم بحدوده. فالمسلم يجزم بأن عيسى عليه السلام لم يدعُ إلا إلى التوحيد، لكن مصدر جزمه القرآن ـ وهو عنده وحيٌ فوق التاريخ ـ لا الحفريات الوثائقية. ولذلك كانت الصياغة الدقيقة التي يحتملها المنهجان معًا هي: إن صيغة التثليث الاصطلاحية بناءٌ لاحقٌ بثلاثة قرون ونصف، حُسِمت بسلطة الدولة وورّثتها المؤسسات، ولا سبيل إلى إسناده إلى تعليم المسيح المباشر بأدوات التاريخ؛ وأما الجزم بنفي كل صلة فحكمٌ عقديّ مشروعٌ في بابه، ينبغي أن يُقال بلسان العقيدة لا أن يُلبَس لَبوس النتيجة التاريخية المحايدة. وهذا التمييز نفسه هو ما يجعل الكتابة التاريخية جديرة بثقة القارئ من كل ملّة.
خاتمة: العقيدة والسلطان والزمن
ماذا يخرج به قارئ التاريخ من هذه الرحلة؟ ثلاث خلاصات على الأقل. الأولى: أن «الفكرة الشائعة» ليست بالضرورة هي الفكرة الأقدم؛ فالشيوع صناعةٌ تاريخية تتضافر فيها النصوص والمجامع والأباطرة والقوانين والمدارس، وقد رأينا أن صيغة التثليث النهائية استغرق تبلورها ثلاثة قرون ونصفًا، وأن فرضها العام احتاج إلى مرسوم دولةٍ وعقوباتٍ قانونية وقرونٍ إضافية خارج حدود الإمبراطورية.
والثانية: أن لحظة نيقية كانت لحظةَ تحوّلٍ في العلاقة بين الدين والسلطة لا في اللاهوت وحده؛ فمنذ دخل الإمبراطورُ قاعةَ المجمع، صار الاختلاف العقدي شأنًا من شؤون الدولة، وصار المنفى والمصادرة والحرق أدواتٍ في الجدل اللاهوتي، وورث هذا الميراثَ الجميعُ: نيقيّون وآريوسيون، كاثوليك وبروتستانت، كلٌّ اضطهد مخالفه حين ملك ـ ولم يجد الموحّدون ملاذًا آمنًا أول أمرهم إلا في ظلّ إمارةٍ تحميها دولة الإسلام.
والثالثة ـ وهي وصيّة هذه السلسلة الدائمة ـ: أن قراءة تاريخ الأفكار تحتاج صبرَ المؤرخ لا حماسةَ الخصم. فالآريوسيون لم يكونوا شياطين كما رسمهم خصومهم، ولا كان خصومهم مجرّد أدواتٍ للسلطة كما يرسمهم بعضُ المعاصرين؛ كانوا جميعًا بشرًا يتنازعون أعظم سؤالٍ يمكن أن يُطرح: من هو الله؟ وما زال صدى أناشيد ذلك القسّ الإسكندراني العجوز يتردّد في القاعات الأكاديمية والكنائس الصغيرة على السواء، شاهدًا على أن الأفكار قد تُنفى وتُحرق كتبها، لكنها لا تموت بمرسوم.
- ٣٢٥نيقية — إدانة آريوس، وإقرار «هوموأوسيوس»
- ٣٥٩ريميني وسلوقية — إسقاط لفظ «الجوهر» من الصيغة
- ٣٨٠مرسوم تسالونيكي — النيقاوية دينَ الدولة، والخروجُ عليها جريمة
- ٣٨١القسطنطينية — اكتمال صيغة الثالوث
- ٤٣١أفسس — إدانة نسطور
- ٤٥١خلقيدونية — الطبيعتان، وانشقاق كنائس مصر والشام وأرمينية
- ٥٨٩طليطلة الثالث — إسبانيا القوطية تترك الآريوسية
- ١٥٥٣جنيف — إحراق ميخائيل سيرفيتوس
- ١٥٦٨توردا — أول مرسوم تسامح، وأول كنيسة توحيدية
- ١٧٧٤لندن — ثيوفيلوس ليندسي يفتتح أول كنيسة توحيدية معلَنة
هذا المقال مراجعةٌ تاريخية تعتمد المصادر الأكاديمية في تاريخ العقائد، وغايته وصف ما جرى كما تُثبته الوثائق والمجامع والنصوص، لا الجدل المذهبي. وحيثما اختلف المؤرخون أو ضعُف الدليل نبّهنا على ذلك صراحةً، فالأمانة في نقل التاريخ مقدَّمةٌ على جمال الحكاية. وقد ميّزنا في مواضع من المقال بين ما يثبته المنهج التاريخي وما يبقى حكمًا لاهوتيًّا خارج أدواته.
In brief
In the docks of Alexandria around 318 CE, sailors sang a line of theology that would split an empire: there was when the Son was not. This essay follows that claim through seventeen centuries. It argues that before Arius there was no single Christianity — Ebionites, Adoptionists, and even Tertullian and Origen had ranked the Son below the Father — so Arius pushed an old current to its conclusion rather than inventing a heresy. Nicaea condemned him in 325 and gave the church homoousios, a philosophical term found nowhere in scripture. Yet the fifty years that followed looked more like an Arian victory than a defeat, and Jerome wrote that the world groaned to find itself Arian. The decisive moment, the essay argues, was not a council but a law: the Edict of Thessalonica in 380, which made dissent a crime of state. Arianism then survived two more centuries as the faith of Gothic and Vandal kings; Visigothic Spain abandoned it only in 589, a generation before Islam. A closing section follows the question into the Reformation — Servetus, the Socinians, the Transylvanian Unitarians, Newton — and asks carefully what Islam contributed: a living proof that pure monotheism was possible, an Ottoman umbrella under which the first Unitarian church could stand, and an intellectual kinship that the movement’s enemies named before its friends did. It ends by separating what a historian can establish from what belongs to creed.
Read the full essay in English →مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — قانونُ نيقية ومرسومُ تسالونيكي في نصّيهما، ورسائلُ آريوس، وأثناسيوس وجيروم وغريغوريوس النيسي، ودراساتُ هانسون وويليامز ومولزوف — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.