→ العودة إلى المقالة
حسين الخالدي · مقالات  —  تدقيق

مدقّقٌ محايد

تدقيقُ وقائع مقالة «الدليل الغائب»

Neutral Fact Checkerتدقيق وقائعفحص اقتباس

قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بمصادرها الأصلية: ما ثبت منها، وما يحتاج إلى تصحيح، وما تعذّر التحقق منه. والنتيجة منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة على ضوئها.

وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: التواريخُ، والنصوصُ المنقولة، والأسماءُ، والإحالات، والأرقام. أمّا أطروحةُ المقالة — أنّ ما يصلنا هو صورةُ الناجين وحدهم — وطريقةُ عرضها، فليستا من التدقيق في شيء. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام، لا بحثٌ محكَّم، فليس التدقيق تتبُّعاً لدقائق لا تغيّر فهم القارئ.

المنهج

قوبل كلُّ عمودٍ من أعمدة المقالة بمصدره: قصةُ دياغوراس بنصّ شيشرون في «في طبيعة الآلهة» (٣٫٨٩) بطبعة لوب؛ ونصُّ بيكون بالحكمة ٤٦ من «الأورغانون الجديد»؛ وقصةُ والد بإعادة طبعة مركز التحاليل البحرية (CNA, 1980) لمذكراته وبمقالة مانجل وسامانييغو في مجلة الجمعية الإحصائية الأمريكية؛ وأرقامُ الطب بدراستَي روزنتال (١٩٧٩) وتيرنر (٢٠٠٨) وبيان اللجنة الدولية؛ ونصُّ طالب بفصل «الدليل الصامت» من «البجعة السوداء»؛ ونصُّ ابن خلدون بمتن «المقدمة» المنشور في هذا الموقع. ثم أُجري فحصُ اقتباسٍ على عشر عباراتٍ مميّزة من المقالة.

أولاً: ما ثبت

ثابت

مشهدُ المقالة الافتتاحيّ كلُّه — دياغوراس، وجدارُ اللوحات، وردُّه، وساموثراكي نفسها — منصوصٌ في شيشرون حرفياً. فالخبر عنده يقع في ساموثراكي، فلا تعارض بين مطلع المقالة ومصدره. والردّ كما نقله: «إنّ الذين غرقوا في البحر لا صورةَ لهم في مكان». وشيشرون (٤٥ ق.م) أقدمُ مصدرٍ باقٍ للقصة، بعد دياغوراس بنحو أربعة قرون.

ثابت

نصُّ بيكون في «الأورغانون الجديد» (١٦٢٠م، الكتاب الأول، الحكمة ٤٦): إعادةُ قصة اللوحات، وربطُها بأنّ العقل متى تبنّى رأياً جرّ إليه كلَّ شيءٍ وأغفل ما خالفه، وتعميمُها على «التنجيم والأحلام والفأل» — كلُّه بلفظه. ومصطلحُ «أصنام القبيلة» (Idola Tribus) مستعملٌ عنده على وجهه. ونبّه أنّ بيكون يرويها عن رجلٍ لم يُسمِّه، لا عن دياغوراس باسمه — وهو ما راعته المقالة إذ قالت «بنصّها تقريباً».

ثابت

أبراهام والد: رياضيٌّ مجريٌّ يهوديٌّ فرّ من فيينا بعد ضمّها للرايخ، وعضوٌ في «مجموعة البحوث الإحصائية» بجامعة كولومبيا. ومذكراتُه ثمانٍ، عنوانها «طريقةٌ في تقدير هشاشة الطائرة من ضرر الناجين»، كُتبت سنة ١٩٤٣م. وحجّتُه المعاكسةُ للبديهة منصوصةٌ فيها. وموثَّقٌ استشهادُ المقالة بمانجل وسامانييغو (JASA 1984;79(386):259–267).

ثابت

أرقامُ الطب مضبوطةٌ إلى الرقم: روزنتال صاغ «مشكلة درج الملفات» سنة ١٩٧٩م، وصورةُ «الخمسة في المئة مقابل الخمسة والتسعين» هي عبارتُه هو («الرأي المتطرّف» للمشكلة). ودراسةُ تيرنر (٢٠٠٨م، نيو إنغلاند): من ثمانٍ وثلاثين تجربةً إيجابية نُشرت سبعٌ وثلاثون، ومن السلبية دُفن أغلبُها أو صيغ بما يوحي بالإيجاب — كما قالت المقالة تماماً.

ثابت

طالب في «البجعة السوداء» (٢٠٠٧م) أفرد فصلاً لـ«الدليل الصامت» افتتحه بدياغوراس نفسِه، ومدّه إلى الأعمال والأسواق والسِّيَر. و«المقبرةُ الصامتة» صورتُه هو لا زيادةً من المقالة: «المقبرةُ صامتة، وحفلُ التكريم صاخب».

ثابت

ابنُ خلدون في «المقدمة»: «الكذب متطرّقٌ للخبر بطبعه»، والأسبابُ الأربعةُ التي ذكرتها المقالة كلُّها بلفظه (التشيّع للآراء، والثقة بالناقلين، والذهول عن المقاصد، والتقرّب لأصحاب الجاه)، وعاصِمُها عنده «القانون في تمييز الحقّ من الباطل بالإمكان والاستحالة» وعرضُ الخبر على أصوله وقياسُه بأشباهه. وهو قبل بيكون بنحو قرنين ونصف (المقدمة ١٣٧٧م، الأورغانون ١٦٢٠م).

شيشرون، في طبيعة الآلهة ٣٫٨٩ — ترجمة راكهام (لوب ١٩٣٣)

"Diagoras, named the Atheist, once came to Samothrace, and a certain friend said to him, 'You who think that the gods disregard men's affairs, do you not remark all the votive pictures?… ' 'That is so,' [he replied,] 'it is because there are nowhere any pictures of those who have been shipwrecked and drowned at sea.'"

ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح

  1. «ظلّت هذه المذكرات طيَّ السرّية حتى أُفرج عنها» — الأدقّ: ظلّت مغمورةً غيرَ منشورة، لا سرّيةً ثم رُفع عنها الحظر. فمذكرات والد لم تكن وثيقةً أمنيةً سرّية؛ كانت تُتداول داخل مجموعة البحوث الإحصائية ولم تُنشر خارجياً، ثم أعاد مركز التحاليل البحرية طبعها سنة ١٩٨٠م «لتوسيع تداولها»، والنسخةُ نفسُها مختومةٌ بعبارة Unclassified (غير سرّية). أمّا المعنى الأكبر الذي بنت عليه المقالة مفارقتَها — أنّ أشهرَ قصةٍ في انحياز الناجين ظلّت هي نفسُها غائبةً عن الأنظار نحو أربعين سنة (١٩٤٣ ← ١٩٨٠/١٩٨٤) — فصحيحٌ وقائم.
  2. «واستُخدمت في تلك الحرب ثم في حربَي كوريا وفيتنام» — الموثَّق فيتنام وحدها. يقول مانجل وسامانييغو صراحةً إنهم لا يعلمون هل استُعملت طريقةُ والد في الحرب العالمية الثانية أصلاً (وإن كانت جاهزةً في وقتها)، وإنّ الاستعمال الموثَّق كان في فيتنام (طائرة A-4، وقاذفة B-52 في رايت-باترسون). أمّا كوريا فمذكورةٌ في تقديم مركز CNA وحده بلا تفصيل. فالجزم باستخدامها في الحربَين الأوليَين أوسعُ ممّا تحتمله المصادر.
  3. «منذ سنة ٢٠٠٥م اشترطت اللجنة الدولية…» — البيانُ نفسُه صدر سنة ٢٠٠٤م. أعلنت اللجنةُ الدولية لمحرري المجلات الطبية بيانَها في سبتمبر ٢٠٠٤م، وسرى الشرطُ على التجارب التي تبدأ التجنيد بعد أول يوليو ٢٠٠٥م (وعلى ما سبق من التجارب اعتباراً من سبتمبر ٢٠٠٥م). فـ«منذ ٢٠٠٥» صحيحٌ من جهة نفاذ الشرط عمليّاً، لكنّ البيان أُعلن في ٢٠٠٤م.

وأمرٌ رابعٌ للإتمام لا للتصحيح: عدّ ابن خلدون لأسباب الكذب في الأخبار سبعةٌ لا أربعة، والأربعةُ التي اختارتها المقالة كلُّها منها بلفظه؛ غير أنّ سابعَها — الجهلُ بتطبيق الأحوال على الوقائع وبطبائع العمران — هو الذي يجعله ابن خلدون «سابقاً على جميع ما تقدّم» وأهمَّها. فاختيارُ أربعةٍ تلخيصٌ سائغٌ لقارئٍ عام، لا خطأ.

ثالثاً: دقائقُ لا ترقى إلى تصحيح

ثلاثةُ مواضع قد تبدو مآخذَ وليست كذلك: ساموثراكي ليست زيادةً من المقالة، فشيشرون نفسُه يذكرها موضعاً للقصة. والأرقامُ المدوّرة — «أربعة قرون» بين دياغوراس وشيشرون (والدقيقُ نحو ٣٧٠ سنة)، و«خمسةٌ وعشرون قرناً» — مقبولةٌ في مقالٍ عام. ومثالُ المليارديرات تاركي الجامعة وذِكرُ ساموثراكي في سياق طالب: عرضتهما المقالة على أنهما توضيحٌ لفكرة طالب لا نصٌّ منقولٌ عنه بحروفه، وهو كذلك.

رابعاً: فحص الاقتباس

سُلّطت عشرُ عباراتٍ من العبارات الحاملة لبصمة الكاتب على الشبكة — منها «القصةُ التي تحكي عن الناجين هي نفسُها ناجية»، و«دليلٌ غائبٌ يعشش في جوف أداة كشف الدليل الغائب»، و«الطبيبُ الذي يقرأ المجلات وحدَها كان يرى جدارَ ساموثراكي»، و«وللغرقى… شهادةٌ لا يسمعها إلا من تعلّم أن يسأل عنهم» — فلم تُرجِع واحدةٌ منها مطابقةً لأيّ نصٍّ منشور. (وهذه المحرّكاتُ لا تُلزم بالمطابقة الحرفية، فالصفرُ دليلُ غيابٍ لا برهانُ عدم.)

ولا نقلَ عن مصدرٍ لاتينيّ بغير عزو: فقرةُ بيكون معلّمةٌ بأنها «بتصرّف» وبمكانها من الكتاب، وفقرةُ طالب منسوبةٌ إليه صراحةً بمصطلحاته بين قوسين، وأسبابُ ابن خلدون معزوّةٌ إلى «المقدمة». وقوبل النصُّ بمقالات الموقع الأخرى فلم يُوجد تكرارٌ لفقرةٍ من مقالٍ سابق. فالنتيجة: لا اقتباسَ من مرتبة عالية ولا متوسطة — والنثرُ التحليليّ والبلاغيّ أصيلٌ كلُّه؛ وما تشارَكَ فيه المقالُ مع غيره أفكارٌ ومراجعُ معروفة، كلُّها مذكورةٌ بأسمائها.

حدودُ هذا التدقيق

أرقامُ دراسة تيرنر حُقِّقت من ملخّص المجلة الموثوق (نيو إنغلاند / ببمِد) لا من الجدول الكامل، إذ تحجب المجلةُ نصَّها الكامل عن الجلب الآلي — والملخّصُ قاطعٌ ومطابقٌ لِما في المقالة. و«البجعة السوداء» لم تُقابَل بنسخةٍ من الكتاب نفسه، بل بمراجعاتٍ للفصل واقتباساتٍ حرفية منه. أمّا مذكرات والد ومقالةُ مانجل وسامانييغو فقوبلتا بإعادة طبعة CNA (١٩٨٠م) وبنصّ المجلة الكامل.

الحكم

هذه من أدقّ ما قوبل على هذا الموقع. أعمدتُها الأنتيكية (دياغوراس وشيشرون وساموثراكي) وبيكون وابن خلدون ثابتةٌ بلفظها في مصادرها، وأرقامُ الطب مضبوطةٌ إلى الرقم الواحد، بل تتجنّب المقالةُ أسطورةَ «الطائرة والنقاط الحمراء» التي تُنسب خطأً إلى والد فتردّ الفضلَ إلى رياضياته لا إلى الرسم. والموضعُ الوحيد الذي يُقرأ بتحفّظٍ يسير هو فقرةُ والد في سطرين: «طيّ السرّية ثم أُفرج عنها» صوابُها «مغمورةٌ غيرُ منشورة»، و«كوريا وفيتنام» الموثَّقُ منه فيتنام وحدها. وما عدا ذلك فالمقالة تتحرّى الدقّة تحرّياً يليق بموضوعها.

قوبلت وقائعُ المقالة بشيشرون (لوب ١٩٣٣) وبيكون (الحكمة ٤٦) وإعادةِ طبعة CNA لمذكرات والد ومقالةِ مانجل وسامانييغو ودراستَي روزنتال وتيرنر وبيان اللجنة الدولية ومتنِ «المقدمة»؛ ونُشرت النتيجةُ من غير تعديلٍ على المقالة. ← العودة إلى المقالة