Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

فإذا فرغتَ

لماذا يقتلنا الفراغ، ومتى تكون العزلة دواءه؟

ابن خلدونالخلوة والعزلةمعنى الفراغ
مداخلُ مغاراتٍ في جرفٍ صخريٍّ رملي فوق سفحٍ أخضر.
المغارات المعروفة اليوم بخلوة ابن خلدون، قرب فرندة في ولاية تيارت بالجزائر. صورة: Musto65، 2015م — رخصة المشاع الإبداعي «النسب – الترخيص بالمثل» 3.0 (CC BY-SA 3.0)، ويكيميديا كومنز.

في سنة 776 للهجرة، كلّف أبو حمّو سلطانُ تلمسان عبدَ الرحمن بن خلدون بمهمة سياسية جديدة: أن يذهب إلى قبائل الدواودة ويستميلها إلى صفّه. خرج ابن خلدون، لكنه لم يصل إلى الدواودة. عدل عن المهمة كلها، ومال إلى أحياء أولاد عريف. استقبلوه «بالتحفّي والكرامة» كما يقول، وأرسلوا من يأتيه بأهله وولده من تلمسان، واعتذروا عنه إلى السلطان. ثم أنزلوه في قلعة ابن سلامة، على هضبة مرتفعة تطل على سهول واسعة في المغرب الأوسط، قرب مدينة فرندة في الجزائر اليوم.

تجاوز ابن خلدون الأربعين يومها. وقضى قبلها أكثر من عشرين سنة في بلاط السلاطين: كاتبًا، وحاجبًا، وسفيرًا بين الملوك. وسُجن في فاس قرابة عامين. عرف السلطة من الداخل، وعرف دسائسها وتقلّباتها، ثم قرر أن يتركها.

ماذا يفعل رجل كهذا في قلعة بعيدة، بلا منصب ولا مجلس ولا خصوم؟ يتوقع أكثرنا أن يأكله الفراغ. لكن ابن خلدون وصف تلك السنوات في سيرته «التعريف» بكلمات قليلة:

«فأقمت بها أربعة أعوام متخليًا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها».

سمّاها هو «خلوة». والشآبيب جمع شُؤبوب، وهو الدفعة القوية من المطر.

هذا المقال عن سؤالين: لماذا يشعر الإنسان بالفراغ القاتل؟ ومتى تكون العزلة دواءه، ومتى تكون داءه؟ والجواب الذي أدافع عنه هنا: الفراغ نقص في المعنى، لا نقص في الناس. والعزلة تشفي حين تكون خلوةً لها عمل ووجهة، وتقتل حين تكون فراغًا بلا عمل ولا وجهة.

ما الذي وُلد في القلعة؟

لم يخرج ابن خلدون من القلعة بكتاب عادي. خرج بالمقدمة التي وضعها لكتابه في التاريخ «العبر»، وفيها أسس علمًا سمّاه «علم العمران البشري». وهو العلم الذي نسميه اليوم علم الاجتماع.

عرف ابن خلدون قيمة ما صنع، ولم يُخفِ ذلك. قال في أول الكتاب إنه سلك في ترتيبه وتبويبه «مسلكًا غريبًا، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مبتدعة وأسلوبًا». ثم وصف العلم الجديد بدقة العالم الذي يعرّف موضوع علمه:

«وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى».

وقال أيضًا إن الكلام في هذا الباب «مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص». ومعنى «مستحدث الصنعة» أنه جديد في صنعه، ومعنى «غريب النزعة» أنه غير مألوف في اتجاهه. ثم أقسم على جِدّته: «ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة».

هذا مدح صريح من مؤلف لكتابه. لكن ابن خلدون لم يجعله دعوى مغلقة. أضاف بعده مباشرة احتمالين: «ما أدري ألغفلتهم عن ذلك، وليس الظن بهم، أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا». فهو واثق مما وجد، ومنصف لمن سبقه في الوقت نفسه.

وأنجز ابن خلدون هذه المقدمة في وقت قصير. ذكر في آخرها أنه أتمّ وضعها وتأليفها، قبل التنقيح والتهذيب، في خمسة أشهر، آخرها منتصف سنة 779 للهجرة.

هكذا وُلد علم الاجتماع في خلوة. جاء اسم «السوسيولوجيا» (sociology) بعد ذلك بأكثر من أربعة قرون على يد الفرنسي أوغست كونت (Auguste Comte). لكن كثيرًا من مؤرخي الفكر، عربًا وغربيين، يعدّون ابن خلدون المؤسس الأول لهذا العلم. ووصف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) المقدمة بأنها أعظم عمل من نوعها أنتجه عقل في أي زمان أو مكان.

ملاحظة مهمة: لم تهبط المقدمة على ابن خلدون فجأة في القلعة. يرى محمد عابد الجابري في كتابه «فكر ابن خلدون: العصبية والدولة» أن أبحاثها كانت ثمرة تأمل سبق العزلة بتسع سنوات على الأقل. وهذا لا ينقص من قيمة الخلوة، بل يشرحها. جمع ابن خلدون مادته من عشرين سنة بين القبائل والبلاطات والسجون. ثم جاءت الخلوة فأعطته الهدوء الذي يرتّب فيه ما جمع. وكلمته نفسها تقول ذلك: المعاني «سالت» في الخلوة، والسيل لا يأتي إلا من ماء اجتمع قبله.

ما هو الفراغ إذًا؟

يعرف كثيرون هذا الشعور. يعود أحدنا إلى بيته بعد يوم مزدحم، ويغلق الباب، فيجد في صدره فراغًا ثقيلًا لا يعرف سببه. يفتح هاتفه، ويتنقل بين الشاشات، ثم ينام والفراغ في مكانه.

أعطى الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) هذه الحالة اسمًا. فرانكل نجا من معسكرات الاعتقال النازية، ثم كتب «الإنسان يبحث عن المعنى». وسمّى الحالة «الفراغ الوجودي» (existential vacuum)، أي الشعور بأن الحياة بلا معنى ولا غاية. ولاحظ أنها تظهر أوضح ما تظهر في أيام العطلة، فسمّاها «عُصاب يوم الأحد» (Sunday neurosis). يتوقف العمل في نهاية الأسبوع، فيكتشف الإنسان أنه لا يعرف ماذا يريد من حياته.

الفراغ هنا ليس فراغ الوقت. هو فراغ المعنى. والوقت الفارغ يكشفه فقط.

وقبل فرانكل بثلاثة قرون، كتب الفيلسوف والرياضي الفرنسي بليز باسكال (Blaise Pascal) في «خواطر» أن شقاء الناس كله يأتي من أمر واحد: أنهم لا يعرفون كيف يبقون هادئين في غرفة. ورأى أن الناس يلاحقون اللهو والمشاغل كي لا يفكروا في أنفسهم.

ثم جاءت التجربة. في سنة 2014 نشر فريق من جامعة فرجينيا بقيادة تيموثي ويلسون (Timothy Wilson) دراسة في مجلة «ساينس» (Science). طلب الباحثون من المشاركين أن يجلسوا وحدهم بين 6 و15 دقيقة، بلا هاتف ولا كتاب، وأن يفكروا فقط. وجد أكثرهم التجربة مزعجة. وفي إحدى التجارب وُضع أمام المشاركين زر يعطي صدمة كهربائية خفيفة، سبق أن جرّبوها وقالوا إنهم مستعدون لدفع المال كي لا يتعرضوا لها. ومع ذلك ضغط الزر 12 رجلًا من 18، و6 نساء من 24، مرة واحدة على الأقل خلال 15 دقيقة.

فضّل هؤلاء الألم على البقاء مع أفكارهم. معنى ذلك أننا لا نهرب من الوحدة نفسها، بل مما نجده فيها. والضجيج يعمل عمل المسكّن: يخفف الألم ولا يعالج سببه. وفي مهنة الطب نعرف خطورة المسكّن الذي يخفي الحمّى عن المريض والطبيب معًا.

الفراغ بعد الأربعين

وللعمر أيضًا محطة يكثر فيها هذا الشعور، وهي في الغالب بعد الأربعين. يسميها الناس «أزمة منتصف العمر». وأول من استعمل هذا الاسم المحلل النفسي الكندي إليوت جاك (Elliott Jaques) في مقالة نشرها سنة 1965. درس جاك سِيَر عدد كبير من الفنانين والمبدعين، ولاحظ أن إنتاج كثير منهم تغيّر تغيرًا واضحًا في منتصف الثلاثينيات وما بعدها: بعضهم توقف، وبعضهم بدأ أعظم أعماله. وفسّر ذلك بأن الإنسان في هذه السن يدرك، لأول مرة إدراكًا حقيقيًا، أن عمره محدود وأنه سيموت.

ما الذي يحدث في هذه السن بالتحديد؟ يكون الإنسان قد حقق أكثر ما خطط له في شبابه: الشهادة، والوظيفة، والزواج، والبيت. ثم يلتفت فيجد أن الأهداف التي كانت تملأ حياته قد انتهت، أو أنه لن يبلغها أبدًا. ويرى والديه يكبران، وأولاده يستقلون، وجسده يتغير. فيسأل نفسه سؤالًا لم يكن له وقت من قبل: وماذا بعد؟

ولهذا الشعور شاهد من الأرقام. في سنة 2008 حلل الاقتصاديان ديفيد بلانشفلاور (David Blanchflower) وأندرو أوزوالد (Andrew Oswald) بيانات نحو مليوني شخص من قرابة 80 دولة. ووجدا أن الرضا عن الحياة يأخذ شكل حرف U: ينخفض تدريجيًا من الشباب حتى يبلغ أدنى نقطة في منتصف الأربعينيات تقريبًا، ثم يرتفع من جديد مع التقدم في السن.

ملاحظة مهمة: انخفاض الرضا شيء، و«الأزمة» شيء آخر. وجدت الدراسات الأمريكية الكبيرة على منتصف العمر أن نسبة قليلة فقط، في حدود 10 إلى 20%، تمر بما يمكن تسميته أزمة حقيقية. أما أكثر الناس فيمرون بهذه السنوات دون انهيار، وكثير منهم يعدّها من أفضل مراحل حياته. فمنتصف العمر ليس أزمة حتمية، لكنه وقت يظهر فيه الفراغ لمن لم يجهز له جوابًا.

ولاحظ أن رجلين من أبطال هذا المقال كانا في هذه السن نفسها. كان ابن خلدون في الثانية والأربعين أو نحوها حين نزل القلعة. وكان مونتين في الثامنة والثلاثين حين صعد إلى برجه. كلاهما وصل إلى منتصف العمر وقد انتهى من المرحلة الأولى في حياته، وكلاهما حوّل سؤال «وماذا بعد؟» إلى عمل.

والقرآن الكريم جعل الأربعين محطة، لكنه لم يجعلها أزمة. قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]. في الآية الموضوعات نفسها التي تشغل هذه السن: الوالدان، والذرية، والعمل. لكنها لا تأتي في صورة قلق، بل في صورة شكر ومراجعة ودعاء. فالأربعون في الآية ليست نهاية الصعود، بل بداية عمل جديد: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. وهو المعنى الذي سنجده في ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾.

متى يكون الفراغ مرضًا؟

قبل أن نمضي، لا بد من التفريق. ليس كل فراغ سؤالًا عن المعنى. إذا استمر الشعور أسبوعين أو أكثر، ومعه فقدان المتعة بما كان ممتعًا، واضطراب في النوم أو الشهية، وشعور باليأس أو بانعدام القيمة، فهذه علامات الاكتئاب. والاكتئاب مرض له علاج. والشعور المزمن بالفراغ الداخلي أيضًا أحد معايير اضطراب الشخصية الحدّية (borderline personality disorder). في هذه الحالات لا تكون العزلة حلًا، بل قد تزيد الحال سوءًا. والطريق هنا هو الطبيب.

ويجب أيضًا التفريق بين الخلوة والوحدة. الخلوة يختارها الإنسان لغاية، ويعرف متى يخرج منها. أما الوحدة فتُفرض عليه، أو يقع فيها بلا قصد. وأضرار الوحدة ثابتة طبيًا. في سنة 2010 جمعت جوليان هولت-لنستاد (Julianne Holt-Lunstad) وزملاؤها نتائج 148 دراسة شملت أكثر من 300 ألف شخص. ووجدوا أن أصحاب العلاقات الاجتماعية القوية كانوا أكثر احتمالًا للبقاء على قيد الحياة بنحو 50% خلال مدة المتابعة. فهذا المقال ليس دعوة إلى ترك الناس.

ابن تيمية: سجنٌ صار خلوة

لم يختر ابن تيمية عزلته الأخيرة. سُجن في قلعة دمشق سنة 726 للهجرة، وبقي فيها حتى مات سنة 728. وانشغل في سجنه بالكتابة والتلاوة.

نقل تلميذه ابن القيم في «الوابل الصيب» أنه كان يقول:

«ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني. إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة».

الجدران نفسها التي تحبس رجلًا تكون خلوة لرجل آخر. والفرق في المعنى الذي يحمله كل منهما في صدره. لم يجد ابن تيمية في السجن فراغًا، لأنه دخله ومعه ما يملأ وقته وقلبه.

برجٌ حجريٌّ مستدير بسقفٍ مخروطي، تحيط به الأشجار.
برج ميشيل دي مونتين في قصره، حيث كتب «المقالات». صورة: Henry Salomé، 2009م — رخصة المشاع الإبداعي «النسب – الترخيص بالمثل» 4.0 (CC BY-SA 4.0)، ويكيميديا كومنز.

مونتين: حين تولّد العزلة الوحوش

في سنة 1571، وهو في الثامنة والثلاثين، ترك ميشيل دي مونتين (Michel de Montaigne) منصبه قاضيًا في مدينة بوردو الفرنسية. صعد إلى برج مستدير في قصره، وجعل طابقه العلوي مكتبة. وكتب على جدارها باللاتينية نقشًا يعلن فيه اعتزاله الحياة العامة ليقضي ما بقي من عمره في هدوء وحرية بين الكتب.

توقع مونتين أن يرتاح عقله. لكنه اعترف بالعكس في مقالة قصيرة عنوانها «في البطالة» (De l'oisiveté). قال إن عقله، حين تُرك بلا عمل، صار مثل حصان هارب، وأخذ يلد الأوهام والوحوش العجيبة واحدة بعد أخرى بلا نظام. فبدأ يكتبها، لعله يجعل عقله يخجل منها مع الوقت.

من هذه الكتابة خرجت «المقالات» (Essais). وخرج معها فنّ أدبي جديد هو المقالة الذاتية، التي سمّيت باسم كتابه.

في قصة مونتين درسان. الأول: العزلة بلا عمل لا تمنح الراحة، بل تولّد الأوهام. والثاني: العزلة نفسها، حين وجد لها عملًا، أنتجت فنًّا لم يكن موجودًا. ففي القلعة الجزائرية وُلد علم، وفي البرج الفرنسي وُلد فنّ أدبي، وكلاهما وُلد من خلوة لها عمل.

كوخٌ خشبيٌّ صغير بسقفٍ مائل ومدخنةٍ واحدة بين الأشجار.
الكوخ المعاد بناؤه لهنري ثورو عند بحيرة والدن في ولاية ماساتشوستس. صورة: John Phelan، 2021م — رخصة المشاع الإبداعي «النسب» 4.0 (CC BY 4.0)، ويكيميديا كومنز.

ثورو: الكرسي الثالث

في الرابع من يوليو 1845، انتقل الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو (Henry David Thoreau) إلى كوخ صغير بناه بيده على شاطئ بحيرة والدن قرب بلدة كونكورد في ولاية ماساتشوستس. أقام فيه سنتين وشهرين ويومين. وشرح السبب في كتابه «والدن» (Walden): ذهب إلى الغابة لأنه أراد أن يعيش عن قصد، وأن يواجه حقائق الحياة الأساسية وحدها.

والإنصاف يقتضي أن نقول إن عزلة ثورو لم تكن في البرية. كان الكوخ على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من البلدة، وكان يزور أهله وأصدقاءه، ويستقبل الزوار. وكتب في «والدن» أن في بيته ثلاثة كراسي: واحد للعزلة، واثنان للصداقة، وثلاثة للمجتمع.

لم يقطع ثورو الناس، بل قطع الزائد. وهذا ما فعله ابن خلدون قبله بخمسة قرون. قال إنه أقام في القلعة «متخليًا عن الشواغل كلها»، ولم يقل متخليًا عن الناس. وكان أهله وولده معه طوال تلك السنوات.

المعري: عزلة بلا طمأنينة

ولا بد من مثال معاكس. عاد أبو العلاء المعري من بغداد إلى بلدته معرّة النعمان سنة 400 للهجرة، ولزم بيته حتى مات سنة 449، أي قرابة نصف قرن. وسمّى نفسه «رهين المحبسين»: العمى والبيت. ثم أضاف محبسًا ثالثًا في شعره:

أراني في الثلاثة من سجوني ... فلا تسأل عن الخبر النبيثِ

لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسم الخبيثِ

أنتجت عزلة المعري أدبًا عظيمًا: «اللزوميات» و«رسالة الغفران» وغيرهما. لكن شعره بقي مثقلًا بتشاؤم عميق من الحياة. ولا أقصد هنا الحكم على الرجل، ولا تشخيص حاله بأثر رجعي. أقصد أمرًا واحدًا: العزلة وعاء يعطيك ما تضعه فيه. قد تمنحك الإنتاج، ولا تمنحك الطمأنينة بالضرورة.

التراث يزن العزلة

لم يتعامل علماء التراث الإسلامي مع العزلة على أنها شعار. ألّف الخطابي (ت 388هـ) كتابًا سمّاه «العزلة». وألّف ابن أبي الدنيا «العزلة والانفراد». وخصص الغزالي في «إحياء علوم الدين» كتابًا كاملًا لآداب العزلة، عدّد فيه فوائدها وآفاتها، وانتهى إلى أن الحكم يختلف باختلاف الشخص وحاله وزمانه.

السؤال عندهم إذن لم يكن: هل العزلة خير؟ بل: لمن؟ ومتى؟ ولأجل ماذا؟

جبلٌ صخريٌّ مرتفع تحته مبانٍ متفرّقة.
جبل النور في مكة المكرمة، وفيه غار حراء. صورة: Adiput، 2006م — ملكيةٌ عامة، ويكيميديا كومنز.

ميزان الوحي

روى البخاري في حديث بدء الوحي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ «حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك».

في هذه الجملة القصيرة أربعة أمور. الخلوة كانت محبوبة مختارة. ولها غاية: التعبد. ولها مدة: «الليالي ذوات العدد». ولها عودة: «قبل أن ينزع إلى أهله». ثم انتهت هذه الخلوات بأمر هو عكس العزلة تمامًا: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. كانت الخلوة إعدادًا للخروج إلى الناس.

وفي قصة إبراهيم عليه السلام قال لقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم: 48]. ثم جاء بعدها: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: 49]. اعتزل إبراهيم الباطل، فلم يكن جزاء عزلته وحدة، بل أهلًا وذرية.

وكذلك أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16]. والعزلة في الآيتين عزلة عن الشرك وأهله، لا عن الناس لذاتهم.

وجمعت السنة بين الأمرين. ففي البخاري: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن». وفي سنن ابن ماجه: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فالأصل المخالطة، والعزلة استثناء له سبب: فتنة يفرّ منها الإنسان بدينه، أو خلوة يتزوّد فيها ثم يعود.

ملاحظة مهمة: لا يصح أن نساوي التحنث في حراء بخلوات «التأمل» الحديثة ومنتجعات الاسترخاء. الشبه بينهما في الشكل فقط: الانفراد والصمت. أما الغاية فمختلفة. التحنث عبادة متجهة إلى الله، والخلوة الحديثة في الغالب عناية بالنفس وراحتها. ولا أنكر فوائد الثانية، لكن تشابه الصورة لا يعني تشابه الحقيقة.

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾

في آخر سورة الشرح، بعد الوعد المكرر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، جاء الأمر: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ • وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8].

«فرغ» في اللغة: انتهى من الشيء وخلا منه. و«نَصِب»: تعب واجتهد، ومنه «النَّصَب» أي التعب. فالمعنى الحرفي: إذا انتهيت من عمل فاتعب في غيره.

واختلف المفسرون في تحديد العمل. جمع الطبري أقوالهم في «جامع البيان». فعن ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة فاجتهد في الدعاء. وعن مجاهد: إذا فرغت من أمر دنياك فقم إلى عبادة ربك. وعن الحسن: إذا فرغت من الجهاد فاجتهد في العبادة. واختار الطبري المعنى العام: كلما فرغت من عمل كنت مشتغلًا به، من أمر الدنيا أو الآخرة، فانصب في عبادة ربك.

ما يلفت النظر في الآية أنها لا تجعل الفراغ محطة يقف عندها الإنسان. الفراغ فيها مفصل بين جهدين. لم تقل: إذا فرغت فاسترح، بل قالت: إذا فرغت فانصب. ثم جاءت الآية الثانية بالوجهة: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾. وتقديم «إلى ربك» على الفعل يفيد الحصر: اجعل رغبتك إليه وحده. فالجهد في الآية ليس حركة بلا اتجاه.

في هاتين الآيتين دواء الفراغ الذي وصفناه في أول المقال. للفراغ صورتان: فراغ بلا عمل، وهو حصان مونتين الهارب. وحركة بلا وجهة، وهي التنقل بين الشاشات حتى منتصف الليل. والآيتان تعالجان الصورتين معًا: ﴿فَانصَبْ﴾ للأولى، و﴿فَارْغَب﴾ للثانية.

وقد يسأل القارئ: كيف يكون الفراغ قاتلًا، والنبي ﷺ عدّه نعمة في قوله: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري)؟ الجواب في كلمة «مغبون». الغَبن أن تبيع الشيء بأقل من ثمنه. فالفراغ نعمة حين يُستعمل، وخسارة حين يُترك. هو مادة خام، والفراغ القاتل هو هذه المادة حين تبقى بلا صنعة.

ويُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: «إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة». ولاحظ أنه ذمّ الفراغ من النوعين. فعمل الدنيا النافع يملأ الفراغ أيضًا، وليس العلاج محصورًا في العبادة الخاصة.

والخلوة التي فيها نَصَب ورغبة هي موضع التفكر الذي مدحه القرآن، كما بيّنت في مقال «ما بين التفكير والتفكر».

وصفة

  1. قِس الفراغ قبل أن تعالجه. اجلس ربع ساعة بلا هاتف ولا كتاب. ما تجده في هذه الدقائق ليس من صنع الصمت؛ الصمت كشفه فقط.
  2. افحص العلامات. إذا استمر الفراغ أسبوعين أو أكثر، ومعه فقدان المتعة واضطراب النوم أو الشهية واليأس، فابدأ بالطبيب لا بالعزلة.
  3. اعتزل الشواغل لا الناس. هذه عبارة ابن خلدون نفسه، وكان أهله معه. وتذكّر كراسي ثورو الثلاثة.
  4. اجعل للخلوة عملًا. كتابة، أو قراءة، أو مشروعًا، أو تدبرًا. الخلوة بلا عمل هي حصان مونتين الهارب.
  5. اجعل لها وجهة. اسأل نفسك قبل أن تعتزل: لماذا أعتزل؟ ولأجل ماذا؟ ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾.
  6. حدّد لها مدة. «الليالي ذوات العدد». ساعة في اليوم، أو يوم في الأسبوع، أو فترة محددة لمشروع واحد.
  7. إذا فرغت فانصب. لا تترك الفراغ بين عملين يطول. خطّط للعمل التالي قبل أن تنتهي من الحالي.
  8. عُد بما وجدت. الخلوة الناجحة تنتهي بين الناس، ومعك شيء تعطيهم إياه.

عودٌ إلى القلعة

في سنة 780 للهجرة، نزل ابن خلدون من قلعة ابن سلامة. أتمّ المقدمة، لكن كتاب التاريخ نفسه احتاج إلى كتب ودواوين لا توجد إلا في المدن الكبيرة. فرحل إلى تونس، وهناك أكمل أخبار البربر وزناتة، ورفع نسخة من الكتاب إلى خزانة سلطانها.

أعطته الخلوة ما تستطيع أن تعطيه: الفكرة. وإكمال الفكرة احتاج إلى الناس والكتب من جديد. نزل ابن خلدون من القلعة بعد أربع سنوات إلى المدن والسلاطين والخصوم مرة أخرى، لكنه نزل وفي يده المقدمة.

للاستزادة

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها، فثبتت أكثرُ نقولها وتواريخها، ولم يثبت رقمان نُسبا إلى دراستين في قسم «الفراغ بعد الأربعين»، ولا ما يوحي به قسم «ميزان الوحي» من أنّ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ هي ما ختم خلوات حراء. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.