→ العودة إلى المقالة
حسين الخالدي · مقالات  —  تدقيق

مدقّقٌ محايد

تدقيقُ وقائع مقالة «فإذا فرغتَ»

Neutral Fact Checkerتدقيق وقائعفحص اقتباس

قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بمصادرها: «التعريف» و«المقدمة» لابن خلدون في متنهما المنشور في مكتبة الموقع، وكتبُ الحديث والتفسير والتراجم في المكتبة الشاملة، والآياتُ بمصحف حفص عن عاصم، والدراساتُ الحديثة بنصوصها أو ملخّصاتها، و«والدن» لثورو بلغته، ومقالةُ مونتين في ترجمةٍ إنجليزية قديمة. وموضوعُ الفحص الوقائعُ وحدها. هذه صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع؛ فما خرج به الفحص منشورٌ كما خرج، لم يُحذف منه شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه.

الوقائعُ المقصودة هنا هي التواريخ، وألفاظُ الآيات والأحاديث والنقول، وأسماءُ الكتب والأعلام، وما نُسب إلى ابن خلدون وابن تيمية والطبري والجابري، وإلى ويلسون وبلانشفلاور وهولت-لنستاد وغيرهم من أصحاب الدراسات الحديثة، أنهم قالوه أو وجدوه، وصحّةُ الإحالات إلى مواضعها. أمّا أطروحةُ المقالة، أنّ الفراغ نقصٌ في المعنى لا في الناس، وأنّ العزلة تشفي حين يكون لها عملٌ ووجهة، فليست من التدقيق في شيء؛ تلك قراءةٌ يحكم فيها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام لا بحثٌ محكَّم، فلم يُطلب فيها ما يُطلب في البحوث.

المنهج

قُرئ «التعريف» و«المقدمة» في متن ابن خلدون المنشور في مكتبة الموقع، وهو مأخوذٌ من نصّ OpenITI ويحمل في داخله أرقامَ صفحات المطبوع: خبرُ القلعة في «التعريف» (ص186–189)، وفاتحةُ «المقدمة» (ص8 و49)، وخاتمةُ الكتاب الأول منها (ص840). وقُرئت النصوص التراثية الأخرى من المكتبة الشاملة المنزَّلة على القرص (8,417 كتابًا)، قراءةَ الموضع كاملًا لا بحثَ كلمة، مع تمييز المتن من حاشية المحقِّق: جامع البيان للطبري بتحقيق التركي، والوابل الصيّب لابن القيم في طبعتين، وسنن ابن ماجه، والمصنَّف لابن أبي شيبة في طبعتين، وإحياء علوم الدين، والمنتظم لابن الجوزي، والعقود الدرّية لابن عبد الهادي، وتاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف. وقوبلت الآياتُ بالمصحف حرفًا حرفًا.

وقُرئ النصُّ الكامل لدراسة ويلسون وزملائه (2014) مع ملحقها، ولمخطوطة المؤلفَين من دراسة بلانشفلاور وأوزوالد (2008)، ولمراجعة مارجي لاكمان (2004) في علم نفس منتصف العمر. وقُرئ ملخّصُ هولت-لنستاد وزميليها (2010) في PLoS Medicine. وقُرئ «والدن» بالإنجليزية، ومقالةُ مونتين «في البطالة» في ترجمة تشارلز كوتون، وكلاهما في مشروع غوتنبرغ. وفُتّشت صفحاتُ التدقيق السابقة في الموقع كلُّها، فلم يكن فيها ما حسم شيئًا من هذه الدعاوى. وأُجري فحصُ اقتباسٍ على عشر جملٍ عربية وسبعٍ من النسخة الإنجليزية، وقوبل نصُّ المقالة بمقالات الموقع المنشورة.

أولاً: ما ثبت

ثابت

خبرُ القلعة في «التعريف» بحروفه، وهو أقوى ما ثبت في المقالة. نصُّ ابن خلدون (ص187): «فأقمت بها أربعة أعوام، متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب، الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها». ولا تختلف المقالة عنه إلا في علامات الترقيم، فكلمةُ «خلوة» لفظُه هو كما قالت. وفي الموضع نفسه، قبل ذلك، ما ترويه المقالة على ترتيبه: تكليفُ السلطان أبي حمّو إيّاه السفارةَ إلى الدواودة، ثم «فعدلت ذات اليمين إلى منداس، ولحقت بأحياء أولاد عريف»، ثم «فتلقوني بالتحفي والكرامة»، وبعثُهم عن أهله وولده من تلمسان، وإحسانُهم العذرَ عنه إلى السلطان. فقولُ المقالة «عدل عن المهمة كلها» صدى لقوله «فعدلت». وأنسابُ القبائل في «العبر» كما ذكرتها المقالة: الدواودة من رياح، وأولاد عريف من سويد، وسويد من زغبة. وفي نسخة «العبر» من الخبر نفسه «فسألت»، وهو تصحيفُ ناسخ، والذي في «التعريف» «فسالت» كما في المقالة.

ثابت

الأشهرُ الخمسة ثابتةٌ بنصّ ابن خلدون، والتواريخُ حولها متّسقة. قال في آخر الكتاب الأول (ص840): «أتممت هذا الجزء الأول المشتمل على المقدمة بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة. ثم نقحته بعد ذلك وهذبته»، والمقالة تؤدّيه كما هو. وكان قد وصل إلى تلمسان في عيد الفطر سنة 776، والسفارةُ بعد ذلك، وخرج من القلعة «في رجب سنة ثمانين»، فبين التاريخين نحوُ ثلاث سنين وتسعة أشهر، وهي «أربعة أعوام» كما قال هو. ومولدُه في غرّة رمضان سنة 732 (ص14)، فكان يومئذٍ في الرابعة والأربعين بالسنين القمرية ونحو الثانية والأربعين بالشمسية، وهذا يوافق «تجاوز الأربعين» و«الثانية والأربعين أو نحوها». وسجنُه بفاس «نحوا من سنتين» في نصّه (ص93). ورحيلُه إلى تونس طلبًا لـ«الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار»، وإكمالُه هناك أخبارَ البربر وزناتة، ورفعُه نسخةً إلى خزانة السلطان، كلُّ ذلك في «التعريف» (ص187–189).

ثابت

نقولُ «المقدمة» عن جِدّة العلم بحروفها. في فاتحة الكتاب (ص8 و49): «مسلكًا غريبًا، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مبتدعة وأسلوبًا»، و«وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى»، ثم «ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة» ومعه الاحتمالان اللذان بنت عليهما المقالة وصفَه بالثقة والإنصاف معًا. و«علم العمران البشري» تسميتُه هو.

ثابت

ألفاظُ الأحاديث والآثار كما نقلتها المقالة، ونسبتُها صحيحة. حديثُ ابن ماجه بلفظه في سننه (ص848): «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، وفي رواياتٍ أخرى «أفضل» أو «خير»، والمقالة أخذت لفظ ابن ماجه ونسبته إليه. وأثرُ ابن مسعود «إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة» في مصنَّف ابن أبي شيبة (7/108، رقم 34562 بتحقيق الحوت؛ و19/340، رقم 37282 بتحقيق الشثري)، وهو موقوفٌ على الصحابي، فقولُ المقالة «ويُروى عن» هو الدرجةُ المناسبة. وحديثُ حراء «حُبِّب إليه الخلاء…» بلفظه، وحديثُ «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم…»، وحديثُ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، كلُّها كما في المقالة، ونسبتُها إلى البخاري صحيحة (وانظر الحدود في آخر الصفحة). والكتبُ الثلاثة في العزلة موجودةٌ بأسمائها ووفيات أصحابها: «العزلة» للخطابي البُستي (ت 388هـ)، و«العزلة والانفراد» لابن أبي الدنيا (ت 281هـ)، و«كتاب آداب العزلة» من «إحياء علوم الدين»، وفيه أنّ الحكم «يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص» (2/226).

ثابت

الآياتُ كلُّها مطابقةٌ للمصحف، وأرقامُها صحيحة: الأحقاف 15، ومريم 48–49، والكهف 16 (والمقالة تقف عند ﴿مِّن رَّحْمَتِهِ﴾، وهو اقتباسٌ لبعض الآية)، والمدثّر 2، والشرح 5–8.

ثابت

تلخيصُ أقوال المفسّرين عن الطبري أمين. في «جامع البيان» (24/497–500) عن ابن عباس: «فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل الله وارغب إليه وانصب له»، وعن مجاهد: «إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصلِّ»، وعن الحسن: «إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة». واختار الطبري العموم: «ولم يخصص بذلك حالًا من أحوال فراغه». وقولُ المقالة عن مجاهد «فقم إلى عبادة ربك» صياغةٌ لقوله «فصلِّ». وما قالته في تقديم ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ﴾ يؤيّده قولُ الطبري في الآية: «فاجعل رغبتك دون من سواه» (24/500).

ثابت

قولُ ابن تيمية منقولٌ كما في «الوابل الصيّب». في طبعة عطاءات العلم (ص109): «وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رُحتُ فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة»، وفي طبعة دار الحديث (ص48) «إن رُحتُ» و«إن حبسي». فلفظُ المقالة يجمع «أين رحت» من الأولى و«إن حبسي» من الثانية، وكلاهما ثابت. وقولُه «وقال لي» يجعل ابن القيم سامعًا من شيخه، فقولُ المقالة «نقل تلميذه» صحيح.

ثابت

خبرُ المعرّي وأبياتُه. وُلد سنة 363 كما في «المنتظم» لابن الجوزي (16/22)، وفيه أنه أقام ببغداد سنةً وسبعة أشهر «ثم عاد إلى وطنه، فلزم منزله، وسمّى نفسه رهين المحبسين لذلك ولذهاب بصره»، أي البيت والعمى كما قالت المقالة. ويجعل شوقي ضيف بدءَ عزلته سنة 400 (6/167)، ومات سنة 449، فـ«قرابة نصف قرن» صحيح. والبيتان «أراني في الثلاثة من سجوني…» ثابتان له؛ في رسائل ابن السيد البطليوسي (ص39) «الجسد الخبيث»، وعند شوقي ضيف «الجسم الخبيث» كما في المقالة، وهو اختلافُ رواية.

ثابت

أرقامُ دراسة ويلسون وزملائه كما في المقالة. في ملخّص الدراسة (Science 2014;345:75–77) أنّ المشاركين في إحدى عشرة دراسةً لم يستمتعوا غالبًا بقضاء ما بين 6 و15 دقيقة وحدهم. وفي الدراسة العاشرة:«67% of men (12 of 18) gave themselves at least one shock during the thinking period … compared to 25% of women (6 of 24)» ومدّةُ التفكير فيها 15 دقيقة، والنتائجُ مقصورةٌ على من قالوا قبلها إنهم مستعدّون لدفع المال كي لا يُصعقوا مرةً أخرى، وهذا ما ذكرته المقالة.

ثابت

دراسةُ هولت-لنستاد وزميليها (2010) كما وصفتها المقالة. في ملخّصها 148 دراسة، شملت 308,849 مشاركًا، ونسبةُ الأرجحية 1.50 (فاصل الثقة 95%: 1.42–1.59)، أي زيادةٌ في احتمال البقاء على قيد الحياة بنحو 50%، ومتوسّطُ المتابعة 7.5 سنوات. وبيانُ المرجع في القائمة صحيح.

ثابت

نقولُ ثورو ومونتين وباسكال. عبارتا ثورو في «والدن» بحروفهما:«I went to the woods because I wished to live deliberately, to front only the essential facts of life» · «I had three chairs in my house; one for solitude, two for friendship, three for society.» ودخولُه الكوخ في الرابع من يوليو 1845 في نصّه، وخروجُه في 6 سبتمبر 1847، فالمدّة سنتان وشهران ويومان. وما روته المقالة عن مونتين في «في البطالة» قريبٌ من نصّه في ترجمة كوتون:«it is like a horse that has broke from his rider … creates me so many chimaeras and fantastic monsters, one upon another, without order or design … I have begun to commit them to writing, hoping in time to make it ashamed of itself.» وعبارةُ باسكال في «الخواطر» (برنشفيك 139، لافوما 136):«tout le malheur des hommes vient d'une seule chose, qui est de ne savoir pas demeurer en repos dans une chambre.» وبيانُ مقالة إليوت جاك (1965) في القائمة صحيح.

ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح

ثلاثةُ مواضع: رقمان نُسبا إلى دراساتٍ لا تذكرهما، وترتيبٌ للوحي في حراء جاء مختصرًا. وبعدها في القسم الثالث موضعٌ رابع لم أقف له على سند.

خطأ

1) عيّنةُ بلانشفلاور وأوزوالد (قسم «الفراغ بعد الأربعين»). تقول المقالة إنّ الاقتصاديَّين حلّلا سنة 2008 «بيانات نحو مليوني شخص من قرابة 80 دولة». والذي في الورقة غيرُ ذلك، ونصُّ ملخّصها:«using data on 500,000 randomly sampled Americans and West Europeans … a U-shape in age is found in separate well-being regression equations in 72 developed and developing nations … reported depression and anxiety levels among 1 million U.K. citizens.» فالعيّنةُ الأساسية نحو 500 ألف أمريكي وأوروبي غربي، والاختبارُ دولةً دولةً في 72 دولة، والمليونُ عيّنةٌ بريطانية منفصلة للصحة النفسية. ولا يرد «مليونا شخص في نحو 80 دولة» في ورقة 2008، ولم أعرف مصدرَ هذا الرقم؛ وقد يكون من بحثٍ لاحق لبلانشفلاور، وهذا غيرُ ثابت. أمّا شكلُ حرف U فثابت، وأدنى نقطةٍ فيه عند الباحثَين في منتصف الأربعينيات إلى أواخرها تقريبًا، فقولُ المقالة «في منتصف الأربعينيات تقريبًا» تلخيصٌ مقبول. وبياناتُ المرجع في القائمة صحيحة.

رقم مشتق

2) نسبةُ «10 إلى 20%» ممّن يمرّون بأزمةٍ حقيقية (القسم نفسه). تقول المقالة إنّ «الدراسات الأمريكية الكبيرة على منتصف العمر» وجدت هذه النسبة. والرقمُ المنصوص في مراجعة لاكمان (2004) غيرُه:«Approximately 26% of the participants over age 40 report having a midlife crisis» وفي بيان جامعة كورنيل عن تحليل إلين وثنغتون لبيانات دراسة MIDUS أنّ أكثر من نصف من قالوا إنهم مرّوا بأزمة لم يكن ما مرّوا به إلا أحداثًا حياتية ضاغطة (والبيانُ هو ما قُرئ، لا بحثُها نفسه). ونصفُ الربع نحو 12 أو 13%، ومن هنا يأتي رقمُ «10 إلى 20%» في الكتابات الثانوية. فاتجاهُ المقالة صحيح، والأزمةُ الحقيقية حالُ أقليّة، أمّا الرقمُ نفسه فمشتقٌّ لم أجده منصوصًا في دراسةٍ أولية. ومن يرجع إلى الدراسات يجد نحو 26% يقولون إنهم مرّوا بأزمة، وأقلَّ من نصفهم مرّ بأزمةٍ بالمعنى الذي تقصده المقالة.

ترتيب

3) ما ختم خلوات حراء (قسم «ميزان الوحي»). تقول المقالة: «ثم انتهت هذه الخلوات بأمر هو عكس العزلة تمامًا: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾». ولفظُ الآية صحيح (المدثّر 2)، لكنّ الذي ختم خلوات حراء في حديث عائشة نفسه، الذي تستشهد به المقالة، هو الوحيُ الأول في الغار: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق 1–5). أمّا ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ فنزلت بعد فترة الوحي، في حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي…»، ثم نزل أولُ سورة المدثّر. وقد قوبل لفظُ حديث جابر بنقل الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» (2/307)، ولم تُفتح صفحةُ البخاري نفسها. والقارئُ العام سيفهم من جملة المقالة أنّ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيلت في حراء عند انتهاء الخلوات. أمّا ما تبنيه المقالة على ذلك، أنّ الخلوة كانت إعدادًا للخروج إلى الناس، فلا يمسّه هذا الترتيب.

بقيت تحفّظاتٌ صغيرة لا يستحقّ أحدُها أن يُفرد له بند. يقول ابن خلدون في «التعريف» إنه سكن في القلعة «بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها» (ص187)، لا في مغارة، وتسميةُ المغارات «خلوة ابن خلدون» متأخّرةٌ عنه؛ والتعليقُ على الصورة في رأس المقالة يحتاط لذلك بقوله «المعروفة اليوم»، غير أنّ القارئ قد يتصوّر المغارةَ مسكنًا له حين يقرأ تحت صورتها كلمةَ «خلوة». وباع مونتين منصبَه في برلمان بوردو سنة 1570، واعتزل يوم أتمّ الثامنة والثلاثين في فبراير 1571، فالعمرُ صحيح وسنةُ ترك المنصب متأخّرةٌ عامًا. وكوخُ ثورو على ميلٍ ونصف جنوبَ قرية كونكورد كما يقول في «والدن»، أي نحو 2.4 كيلومتر لا ثلاثة. و«غزير الفائدة» في نقل المقالة عن «المقدمة» هو «عزيز الفائدة» في النسختين اللتين فُتحتا، والطبعاتُ تختلف فيه. وانشغل ابن تيمية بالكتابة أكثرَ مدّة سجنه، لكنّ كتبه وأوراقه أُخرجت من عنده قبل موته بأكثر من ثلاثة أشهر، فتفرّغ بعدها للعبادة والتلاوة (العقود الدرّية، ص443). وابن القيم لا يؤرّخ قولَ شيخه «إن حبسي خلوة»، بل يقدّمه بـ«وقال لي مرة»، فوضعُه تحت سجنه الأخير قراءةٌ معقولة لا نصٌّ.

ثالثاً: ما لم أقف له على سند

لا سند

4) «تسعُ سنوات على الأقل» عند الجابري (قسم «ما الذي وُلد في القلعة؟»). تقول المقالة إنّ محمد عابد الجابري يرى في «فكر ابن خلدون: العصبية والدولة» أنّ أبحاث المقدمة «كانت ثمرة تأمل سبق العزلة بتسع سنوات على الأقل». لم أصل إلى نسخةٍ من الكتاب؛ فليس في المكتبة الشاملة ولا على القرص، ولم يُرجع البحثُ على الشبكة إلا ملخّصاتٍ له لا ذكر فيها لهذا الرقم، و«التعريف» لا يذكر مدّةً كهذه. والحسابُ يشير إلى سنة 767 تقريبًا، فلعلّ الجملة تتبع موضعًا من الفصل الأول في الكتاب، حيث يترجم الجابري لابن خلدون؛ وهذا استنتاجٌ لا نصّ. فالنسبةُ غيرُ مؤكَّدة ولا منفيّة، وموضعُ التحقّق منها ذلك الفصل.

رابعاً: فحص الاقتباس

المخاطرة: منخفضة

يجيب هذا الفحص عن سؤالٍ واحد، هو هل في المقالة نثرٌ لغير كاتبها. وهو ليس فحصًا لأصالة الفكرة؛ فالمقالاتُ التي تتناول موضوعًا واحدًا تلتقي عند المراجع نفسها، وذلك من البحث لا من السرقة.

1) عشرُ جملٍ حاملة، بحثًا عن نصّها الحرفي. اختيرت الجملُ التي تحمل صياغة الكاتب، لا التي تقرّر تاريخًا أو رقمًا، وبُحث عن كلٍّ منها سلسلةً نصيةً بين علامتَي اقتباس:

عشرةُ بحوث، لم يُرجع أيٌّ منها مطابقةً حرفية. وبُحث عن سبعٍ من جمل النسخة الإنجليزية كذلك، ومنها «emptiness is a lack of meaning, not a lack of people» و«Free time here is a hinge between two efforts»، فلم يُرجع أيٌّ منها مطابقة. والقيدُ اللازم أنّ هذه المحرّكات لا تُلزم نفسها بالمطابقة الحرفية داخل علامات الاقتباس، ولا تفهرس كلَّ ما يُنشر، فالصفرُ هنا قرينةٌ على الغياب لا برهانٌ عليه. والجملةُ الأخيرة في القائمة تقرأ «مغبون» القراءةَ المعروفة في شروح الحديث، والفكرةُ مشتركة بين الشرّاح، أمّا الصياغة فللكاتب.

2) الاستعادةُ الذاتية. قوبل نصُّ المقالة بمقالات الموقع المنشورة كلّها (أربعون مقالة) وبصفحاتها الإنجليزية، فلم تظهر جملةٌ مشتركة. وفي مقالة «تغريبة بني هلال» ذكرٌ لقلعة ابن سلامة وإقامة ابن خلدون فيها أربع سنين، بصياغةٍ أخرى، وفي «كان الناس أمة واحدة» الثانية ذكرٌ لمونتين وباسكال في حجّةٍ أخرى. وكلاهما ذكرٌ عارض لا استعادةٌ لنثر سابق. وإحالةُ المقالة إلى «ما بين التفكير والتفكّر» إحالةٌ إلى مقالةٍ موجودة، وليس بينهما نصٌّ مشترك.

3) المصادرُ الأجنبية. أكبرُ ما يُخشى في مقالةٍ تستند إلى مصادر إنجليزية وفرنسية هو الترجمةُ القريبة بلا نسبة. وعبارتا ثورو منقولتان بين علامتَي اقتباس ومنسوبتان إليه. وما جاء عن مونتين وباسكال وفرانكل صياغةٌ بألفاظ الكاتب، مع تسمية أصحابها في المتن وفي قائمة القراءة. وأرقامُ ويلسون وهولت-لنستاد أرقامُ الدراستين، والجملُ التي تحملها ليست جملَ مَن نقلها في الصحافة. والنقلُ عن ابن تيمية بين علامتَي اقتباس ومنسوبٌ إلى «الوابل الصيّب».

4) المصدرُ المشترك في وصف القلعة. قولُ المقالة إنّ القلعة «على هضبة مرتفعة تطل على سهول واسعة» يوافق الوصفَ الشائع في صفحات التراث الجزائرية وويكيبيديا العربية («تطل على سهول فرندة وواد التحت»). ومرجعُ ذلك كلّه سلسلةٌ واحدة من الأوصاف الحديثة للموضع، والصياغةُ مختلفة، فهو أساسٌ وقائعيّ مشترك لا اقتباس.

فلم يقع الفحص على شيءٍ من الخطر العالي ولا المتوسط، والمخاطرةُ منخفضة.

حدودُ هذا التدقيق

الحكم

أقوى ما في المقالة نقولُها عن ابن خلدون. كلُّ ما وضعته بين علامتَي اقتباس من «التعريف» و«المقدمة» وُجد بحروفه في موضعه، ومعه الأشهرُ الخمسة وتواريخُ القلعة كلُّها. والآياتُ مطابقةٌ للمصحف، وألفاظُ الأحاديث والآثار ونسبتُها صحيحة، وتلخيصُ الطبري أمين. ومن المصادر الحديثة جاءت أرقامُ ويلسون ونقولُ ثورو كما هي في أصولها.

أمّا ما ينبغي أن يُقرأ بتحفّظ فقسمُ «الفراغ بعد الأربعين»، لأنّ رقمَ العيّنة المنسوبَ إلى بلانشفلاور وأوزوالد لا يرد في دراستهما، ولأنّ نسبةَ «10 إلى 20%» مشتقّةٌ لا منصوصة، وإن كان اتجاهُ القسم صحيحًا. وفي قسم «ميزان الوحي» جملةٌ تختصر ترتيب الوحي في حراء. وتبقى نسبةُ «التسع سنوات» إلى الجابري معلّقةً حتى يُفتح كتابه.

هذه الصفحةُ صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع. نُشر فيها ما ظهر كما ظهر، ولم يُحذف منها شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه. → العودة إلى المقالة

© 2026 حسين الخالدي