في شتاء عام ١٦٩٠م، جلس رجلٌ في الثامنة والأربعين من عمره في غرفته بكلية ترينيتي في كامبريدج يكتب رسالة طويلة إلى صديقه الفيلسوف جون لوك. لم تكن الرسالة في الجاذبية، ولا في تحلل الضوء، ولا في حساب التفاضل والتكامل — وهي الميادين التي كان الرجل قد قلبها رأسًا على عقب قبل ذلك بثلاث سنوات في كتابه «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية». كانت الرسالة عن جملةٍ واحدة وحرفٍ واحد: جملة يقول إنها دُسّت في نص الكتاب المقدس، وحرفٍ يقول إنه غُيّر فيه.
كان الرجل إسحق نيوتن. وبعد سنة ونصف من كتابته تلك الرسالة، أرسل إلى لوك يستعجله: أوقف الطبع. لا تنشرها. اطلب المخطوطة من الناشر واستردها.
لم تُنشر الرسالة في حياته. ولم تظهر إلا بعد سبعة وعشرين عامًا من موته.
الرجل الذي كتم سرّه
لفهم الخوف، لا بد من فهم موقع الرجل. كان نيوتن أستاذ الكرسي اللوكاسي للرياضيات في كامبريدج، وكان النظام الجامعي آنذاك يشترط على شاغلي الكراسي أن يُرسَموا قساوسة في كنيسة إنجلترا. وفي عام ١٦٧٥م حصل نيوتن على إعفاء ملكي خاص يعفيه من هذا الشرط. لم يُعلن سببه، لكن أوراقه الخاصة — التي لم تُدرس دراسة جادّة إلا في القرن العشرين بعد أن اشترى جون مينارد كينز جانبًا منها في مزاد سوذبي عام ١٩٣٦م — تكشف عن السبب: كان نيوتن يرفض عقيدة التثليث.
لم يكن هذا رأيًا يُقال. كان في إنجلترا ذلك الزمان جريمة. وقانون التجديف الصادر عام ١٦٩٧م — أي بعد رسالة نيوتن بسبع سنوات — جعل إنكار التثليث سببًا لفقدان المناصب والوظائف العامة، ثم للسجن عند التكرار. وحين جهر ويليام ويستون، تلميذ نيوتن وخليفته في الكرسي اللوكاسي، برأي مشابه، طُرد من الجامعة عام ١٧١٠م.
فالرجل الذي كتب هذه الرسالة كان يعرف تمامًا ما الذي يخاطر به.
النصّان المشتبه بهما
كان محور الرسالة نصّين اثنين، وهما — إلى اليوم — أشهر نصّين في تاريخ نقد العهد الجديد:
الأول: رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس، العدد السابع. وهو في ترجمة الملك جيمس الإنجليزية وفي الفولغاتا اللاتينية يقول إن الذين يشهدون في السماء ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد. ويُعرف هذا المقطع في الدراسات النقدية باسم «الفاصلة اليوحناوية». وهو أصرح نص في العهد الجديد كله على التثليث — بل هو النص الوحيد الذي يذكر الأقانيم الثلاثة ويقول صراحة إنها واحد.
الثاني: رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس، الإصحاح الثالث، العدد السادس عشر: «عظيمٌ هو سرّ التقوى: الله ظهر في الجسد». وهو من أوضح النصوص التي استُدل بها على ألوهية المسيح.
وأطروحة نيوتن في الرسالة أن النصّ الأول أُدخل إدخالًا، وأن النص الثاني غُيّر فيه حرف واحد.
المنهج: كيف حقّق نيوتن
ما يلفت النظر في الرسالة ليس نتيجتها، بل طريقتها. لم يجادل نيوتن جدالًا لاهوتيًا، ولم يستدل بآية على آية. بل عامل النص معاملة الظاهرة الطبيعية: جمع الشواهد، وصنّفها، وسأل عن السلسلة الزمنية.
اعتمد على ثلاثة أصناف من الشهود، كما سمّاها هو: المترجمون القدماء الذين نقلوا النص إلى لغاتهم، وكتّاب القرون الأولى الذين اقتبسوه، والنسّاخ الذين نسخوا المخطوطات في كل عصر. وقال إن الأصناف الثلاثة كلها تشهد ضد الفاصلة اليوحناوية.
أما المترجمون: فالنص غائب عن السريانية، وعن الحبشية، وعن العربية المصرية المنشورة في «الكتاب المقدس متعدد اللغات» لبريان والتون، وعن الأرمنية، وعن السلافية. وهذه ترجمات تستعملها كنائس الشرق منذ قرون. وقد أوجز نيوتن هذا بأن الأمم الشرقية جميعها غريبة عن هذه القراءة.
وأما كتّاب القرون الأولى، فهنا يقع أقوى ما في الرسالة. ففي القرن الرابع دار في الكنيسة أعنف جدال في تاريخها كله حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب — الجدال الأريوسي. واستُقصيت فيه كل آية يمكن أن تُستدل بها، وكُتبت فيه مجلدات. ثم يسرد نيوتن أسماءهم واحدًا واحدًا: أثناسيوس، وباسيليوس، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس النيصي، وإبيفانيوس، ويوحنا الذهبي الفم، وكيرلس، وهيلاري، وأمبروسيوس، وأغسطينوس، ومجمع سرديكا… ولا واحد منهم يستشهد بالفاصلة اليوحناوية. ولا مرة واحدة.
نصٌّ هو اليوم على كل لسان، ويُعدّ النص الأساس في المسألة — ولم يكن ليغيب عنهم لو كان في كتبهم.
ثم يضيف الملاحظة التي تقلب الحجة إلى برهان: لم يكن غياب النص عن كتبهم أمرًا يمكن أن يمرّ. فلو كان النص موجودًا ثم حذفه الأريوسيون — كما ادّعى بعض المدافعين عنه لاحقًا — للزم أن يكون هؤلاء الأريوسيون قد تواطؤوا في العالم كله في لحظة واحدة، ونجحوا في جمع كل نسخ الناس وتصحيحها دون أن يشعر أحد، ودون أن يتركوا في المخطوطات فراغًا ولا أثرًا، بل محوا الذكرى من رؤوس الجميع حتى لم يعد أثناسيوس نفسه ولا غيره يذكر أنه رآه في كتابه يومًا. وهذه سخرية بالغة الحدّة، لكنها في جوهرها حجة منهجية سليمة: الدعوى التي تحتاج إلى مؤامرة كاملة الإحكام لتفسير غيابها هي دعوى بلا دليل.
كيف تسلّلت الجملة؟
لم يكتف نيوتن بإثبات الغياب، بل رسم مسار الدخول خطوة خطوة، وهذا هو الجزء الأصيل في عمله.
يقول: بدأ الأمر تفسيرًا لا نصًّا. فقد كان بعض اللاتين يفسّرون «الروح والماء والدم» في العدد الثامن تفسيرًا رمزيًا على أنها الآب والابن والروح القدس. وينقل نيوتن عن أوخيريوس أسقف ليون أن كثيرين في زمنه كانوا يفهمونها كذلك، وعن أغسطينوس نفسه أنه فهمها هذا الفهم في كتابه ضد مكسيموس. ثم صار التفسير حاشية على الهامش. ثم انتقلت الحاشية إلى المتن في النسخ.
وأول من يُذكر أنه استشهد بالنص صراحةً — بحسب تتبّع نيوتن — هو أوجينيوس أسقف قرطاجة، في بيان العقيدة الذي قدّمه إلى هونريك ملك الوندال سنة ٤٨٤م، أي بعد أكثر من أربعة قرون من زمن الرسالة نفسها. ثم شاع بعده في إفريقيا، ثم عبر إلى أوروبا. ولم يصر ذا سلطان في المخطوطات اللاتينية إلا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، مع نهضة المدرسانيين.
ويقدّم نيوتن دليلًا ماديًا على أن الجملة دخلت من الهامش: اختلاف المخطوطات في موضعها. ففي أكثرها توضع شهادة الثلاثة في السماء قبل شهادة الثلاثة في الأرض، وفي بعضها بعدها. وهذا — كما يقول — لا يحدث إلا حين يجد الناسخ الجملة مكتوبة على الحاشية فلا يدري أتُقدَّم أم تُؤخَّر.
المطبعة، وإرازموس، والمخطوطة التي لم يرها أحد
وتبقى الحلقة الأخيرة، وهي أطرف ما في القصة.
حين طُبع العهد الجديد باليونانية أول مرة، لم تكن الجملة فيه. لم تكن في طبعة إرازموس الأولى سنة ١٥١٦م، ولا في الثانية سنة ١٥١٩م، ولا في طبعة ألدوس بالبندقية سنة ١٥١٨م، ولا في طبعات هاغناو وستراسبورغ وباريس. ويعدّها نيوتن واحدة واحدة.
فهاجم إرازموسَ خصومُه: الإنجليزي إدوارد لي، والإسباني ستونيكا. فأجاب إرازموس — بحسب نقل نيوتن — أنه راجع أكثر من سبع مخطوطات يونانية فلم يجدها في واحدة منها، وأنه لو وجدها في مخطوطة واحدة لأثبتها. فجاءه الخبر من إنجلترا أن ثمة مخطوطة فيها النص. فأثبته في طبعته الثالثة سنة ١٥٢٢م — ومنها انتقل إلى «النص المستلم»، ومنه إلى ترجمة الملك جيمس، ومنها إلى معظم الترجمات الحديثة إلى وقت قريب.
ثم يسأل نيوتن سؤاله: وأين تلك المخطوطة؟ فلْيُخبرنا من عنده مثل هذه المخطوطة أين هي.
يقول إنه بحث فلم يجد أن أحدًا في إنجلترا سمع بها إلا من إرازموس نفسه، وأن إرازموس لم يرها بعينه قط، وأنه ظلّ يشكك في صحتها في كتاباته سنوات، وأن خصومه لم يجيبوه ولم يدلّوه على مكانها — بل «ألقوا بها، إن كانت عندهم، كتقويم انقضى عامه». ويرجّح نيوتن أنها لم تكن إلا حيلة دُبّرت له ليُستدرج إلى إثبات النص.
والمخطوطة معروفةٌ اليوم: هي «المونتفورتيانوس» (رقم ٦١ في التصنيف الحديث)، وقد ثبت أنها كُتبت في مطلع القرن السادس عشر — أي أنها معاصرة للجدال نفسه، لا شاهدة عليه.
الحرف الواحد
أما النص الثاني فحجّته من نوع آخر، وهي حجة في علم الخطوط لا في التاريخ.
كانت المخطوطات اليونانية القديمة تُكتب بحروف كبيرة متصلة، وتُختصر فيها الأسماء المقدسة اختصارًا اصطلاحيًا: فكلمة «الله» (ΘΕΟΣ) تُكتب بحرفَيها الأوّل والآخر، وفوقهما خطّ: ΘΣ. والكلمة الأصلية في النص — بحسب نيوتن — هي ΟΣ، أي «الذي». فلم يكن بين القراءتين إلا خطٌّ صغيرٌ داخل الحرف الأوّل وخطٌّ فوقه.
فيصير المعنى الأصلي: «عظيمٌ هو سرّ التقوى: الذي ظهر في الجسد» بدلًا من «الله ظهر في الجسد».
وأدلته هي هي: الترجمات القديمة — اللاتينية والسريانية والحبشية — كلها تقرأ «الذي». وكتّاب القرون الخمسة الأولى، وقد كتبوا مجلدات في ألوهية الابن، لا يستشهدون بهذا النص. ويسرد أسماءهم مرة أخرى. ثم يقدّم شاهدًا بارعًا: في الجدال النسطوري في القرن الخامس، استدلّ نسطوريوس بالنص على أن الذي ظهر في الجسد مخلوق — ولو كانت كلمة «الله» في نصّه لما أمكنه ذلك. والأعجب أن خصومه، وعلى رأسهم كيرلس الإسكندري ويوحنا كاسيان، لم يتّهموه بتحريف النص، بل ناقشوه في تفسيره فقط. وهذا — كما يستنتج نيوتن — يعني أن الطرفين كانا يقرآن «الذي».
ويذكر نيوتن روايةً ينقلها عن ليبراتوس شماس قرطاجة في القرن السادس: أن مكدونيوس بطريرك القسطنطينية نُفي في مطلع ذلك القرن بتهمة تحريف الأناجيل، وتحديدًا بتغيير هذا الحرف.
ما الذي بقي بعد سقوط النصّين؟
هنا يصير السؤال الذي تتّجه إليه هذه المقالة كلها سؤالًا محدّدًا يمكن الإجابة عنه: إذا سقط هذان النصّان، فهل بقي في العهد الجديد نصٌّ صريح يقرّر عقيدة التثليث؟
ولا بد قبل الجواب من ضبط السؤال. فالمسألة هنا ليست محاكمة عقيدة ولا حكمًا على صحّتها، بل مسألة نصّية بحتة: هل يوجد في الكتاب موضعٌ يجمع الأقانيم الثلاثة ويقرّر وحدتها في الجوهر تقريرًا صريحًا؟ وهذا سؤال يُجاب عنه بالفحص، لا بالجدل.
وأول ما يُلاحظ أن لفظ «الثالوث» نفسه لا يرد في العهد الجديد أصلًا. وأقدم ظهور معروف للفظ اليوناني (τριάς) عند ثاوفيلوس الأنطاكي نحو سنة ١٨٠م، وللفظ اللاتيني (trinitas) عند ترتليان بعده بقليل — أي بعد أكثر من قرن من زمن كتابة الرسائل. أما المصطلح الذي تقوم عليه الصياغة كلها، وهو «المساوي في الجوهر» (ὁμοούσιος)، فليس لفظًا كتابيًا البتّة؛ بل صيغ في مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، وكان هو نفسه موضع نزاع حادّ لأنه غير وارد في النصّ.
والنصوص التي يُستدل بها بعد سقوط النصّين هي نصوص «ثلاثية» لا «تثليثية»: أي تذكر الثلاثة معًا من غير أن تحدّد العلاقة بينهم. من ذلك صيغة العماد في إنجيل متّى ٢٨: ١٩، والبركة الختامية في رسالة كورنثوس الثانية ١٣: ١٤، ومطلع إنجيل يوحنا. وهذه — بالميزان النصّي وحده — تُثبت اجتماع الثلاثة في سياق واحد، ولا تُثبت الصياغة النيقاوية. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين ذكرٍ وتعريف.
وأصدق شاهد على هذا التمييز يأتي من داخل التقليد نفسه لا من خارجه. فتقرّر دائرةُ المعارف الكاثوليكية الجديدة أن صيغة «إله واحد في ثلاثة أقانيم» لم تستقرّ استقرارًا راسخًا، ولم تندمج اندماجًا تامًّا في حياة الكنيسة وإقرارها الإيماني، قبل أواخر القرن الرابع؛ وأن آباء الجيل الرسولي الأول لم يكن عندهم ما يقارب هذا التصوّر ولو من بعيد. وهذا كلام أهل الدار عن دارهم.
ولا بد هنا من وضع الحدّ الذي تقف عنده هذه المقالة. فإثبات أن العقيدة لا نصّ صريح لها ليس إثباتًا أنها بلا أساس عند القائلين بها؛ إذ هم لا يدّعون أنها منصوصة في آية واحدة، بل يبنونها على استدلال مركّب من مجموع نصوص، وعلى ما استقرّ عليه المجمعان في القرن الرابع. فالفرق بين «لا نصّ صريح» و«لا أساس» فرقٌ حقيقي، ومن خلط بينهما فقد بنى خصمًا من قشّ وهدمه.
لكن يبقى ما ثبت ثابتًا: أن أوضح نصّين كان يمكن أن يُستدلّ بهما استدلالًا مباشرًا — وهما اللذان فحصهما نيوتن — لا يصمد أحدهما أمام النقد النصّي. وأنّ العقيدة، أيًّا كان الحكم عليها، عقيدةٌ مستنبطة لا منصوصة. وهذا وحده هو ما تدّعيه هذه المقالة، ولا تتجاوزه.
لماذا خاف؟
أرسل نيوتن الرسالة إلى لوك، فأرسلها لوك بدوره إلى هولندا — حيث حرية الطبع أوسع — لتُنشر بلا اسم مؤلف، على يد العالم جان لوكليرك. ثم تراجع نيوتن. كتب إلى لوك في مطلع ١٦٩٢م يطلب إيقاف الأمر واسترداد المخطوطة.
والسبب ليس لغزًا. فقد كان الرجل قد صار للتوّ أشهر عالمٍ في أوروبا، والمرشَّح لمناصب الدولة — وقد صار فعلًا ناظرًا لدار السكّ سنة ١٦٩٦م ثم مديرًا لها، ثم رئيسًا للجمعية الملكية سنة ١٧٠٣م. وكان يعلم أن هذه الرسالة، وإن كانت في ظاهرها بحثًا في المخطوطات، إنما تنزع الدعامتين النصّيتين الأوضح لعقيدة التثليث. وهو لم يقل ذلك صراحة في الرسالة؛ بل ترك القارئ يستنتجه. لكن أحدًا لم يكن ليخطئ المقصد.
وقد كتب في ختامها ما يشبه الاعتذار المسبق، إذ رجا صاحبه أن يحمل جرأته على أحسن محاملها، وقال إن الأمر ليس عقيدة ولا نظامًا كنسيًا، وإنما هو نقدٌ يتعلق بنصّ.
لكنه لم يُقنع نفسه بذلك على ما يبدو.
المخطوط الذي نام ستين عامًا
مات نيوتن سنة ١٧٢٧م. ونُشرت الرسالة أول مرة سنة ١٧٥٤م في لندن، عن نسخة محفوظة في مكتبة الرمونستراتيين في هولندا — وكانت نشرة ناقصة غير دقيقة. ثم نشرها صمويل هورسلي نشرة أضبط سنة ١٧٨٥م ضمن أعمال نيوتن. والمخطوطة الأصلية اليوم محفوظة في مكتبة كلية نيو بأكسفورد، وقد أُتيحت كاملة على الشابكة ضمن «مشروع نيوتن» في جامعة أكسفورد.
وماذا يقول النقد النصّي اليوم؟
في النص الأول: نيوتن مُصيب، والإجماع النقدي اليوم معه تمامًا. فالفاصلة اليوحناوية غائبة عن جميع المخطوطات اليونانية قبل القرن الرابع عشر تقريبًا، وغائبة عن كل الترجمات القديمة، ولا يستشهد بها أحد من آباء اليونان. وهي محذوفة من جميع الطبعات النقدية الحديثة للعهد الجديد اليوناني، ومن معظم الترجمات الإنجليزية الحديثة — أو مُثبتة في الحاشية مع بيان أنها غير أصيلة. بل إن الكنيسة الكاثوليكية نفسها أقرّت ذلك في القرن العشرين.
في النص الثاني: نيوتن مُصيب أيضًا في القراءة. فالطبعات النقدية الحديثة تقرأ «الذي» لا «الله»، اعتمادًا على أقدم المخطوطات. والمخطوطة الإسكندرانية موضع نقاش قديم: فالخطّ الداخلي في الحرف يراه المحققون مضافًا بحبر متأخر لا من عمل الناسخ الأول، ولذلك تُقرأ عندهم على الأصل «الذي».
لماذا تهمّنا هذه القصة؟
ليست القصة في نظري قصة لاهوت. هي قصة منهج.
فما فعله نيوتن هنا هو بالضبط ما فعله في الفيزياء: رفض أن يقبل الدعوى لسلطان قائلها، وطالب بالشاهد، وسأل عن التسلسل الزمني، وميّز بين ما هو مُثبت وما هو مُدّعى، ثم قال — في مسألة يعرف أنها تكلّف الرجال مناصبهم وحرياتهم — إن أقوى ما لدى الخصم ليس مخطوطة بل «مخطوطة قال أحدهم إنها موجودة».
وهو في ذلك امتداد لخيط نتتبّعه في هذه السلسلة: أن أخطر ما يواجه الباحث ليس الجهل، بل الدعوى التي طال تكرارها حتى صارت لا تُسأل. والفاصلة اليوحناوية بقيت في نص الكتاب المطبوع أربعة قرون لأن أحدًا لم يجرؤ على السؤال البسيط: أين المخطوطة؟
والدرس الثاني أثقل: أن الرجل عرف، وكتب، وأتقن — ثم خاف فسكت. ولم يُنشر ما كتبه إلا بعد أن صار في قبره سبعًا وعشرين سنة. وكم من كشفٍ لا نعرف عنه شيئًا لأن صاحبه لم يبلغ به تلك السبع والعشرين سنة.
❊ ❊ ❊
المصادر
- • نصّ الرسالة الأصلي كاملًا: Isaac Newton, "An Historical Account of Two Notable Corruptions of Scripture", Ms. 361(4), New College Library, Oxford — منشور بنصّه على موقع مشروع نيوتن بجامعة أكسفورد (The Newton Project)، وثيقة THEM00261 وما بعدها.
- • طبعة صمويل هورسلي المحققة ضمن: Horsley, Isaaci Newtoni Opera quae exstant omnia, London 1785, vol. 5, pp. 493–550.
- • الطبعة الأولى: Two Letters of Sir Isaac Newton to Mr Le Clerc, London 1754.
- • للسياق التاريخي لعقيدة نيوتن الخاصة: Rob Iliffe, Priest of Nature: The Religious Worlds of Isaac Newton, Oxford University Press, 2017.
- • للوضع النقدي الحديث للنصّين: Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, 2nd ed., 1994 — مادّتا 1 John 5:7-8 و 1 Timothy 3:16.
- • لاعتراف التقليد بتأخّر الصياغة: New Catholic Encyclopedia, 1967, vol. 14, p. 299 — مادة Trinity.
- • لتاريخ الفاصلة اليوحناوية في أوروبا الحديثة: Grantley McDonald, Biblical Criticism in Early Modern Europe: Erasmus, the Johannine Comma and Trinitarian Debate, Cambridge University Press, 2016.
عن الروابط أعلاه: نصُّ الرسالة على «مشروع نيوتن»، وطبعتا ١٧٥٤م و١٧٨٥م على أرشيف الإنترنت — نصوصٌ كاملةٌ مفتوحة. أما كتابا إيليف وميتزغر و«دائرة المعارف الكاثوليكية» فنسخُ إعارةٍ من مكتبات الأرشيف، تحتاج حسابًا مجانيًّا. وكتاب مكدونالد لا نسخة حرّة له؛ والرابط إلى صفحة الناشر.
In brief
In the winter of 1690 Isaac Newton — by then the most famous natural philosopher in Europe — sent John Locke a long letter about two passages of the New Testament. The first, the Johannine Comma at 1 John 5:7, he argued had been inserted; the second, 1 Timothy 3:16, he argued had been altered by a single Greek letter, ΟΣ (“who”) becoming ΘΣ, the contraction for “God”. Eighteen months later he wrote again: stop the press, get the manuscript back. It was not published in his lifetime. It appeared in 1754, twenty-seven years after his death.
The essay is less interested in Newton’s conclusion than in his method. He treated the text as he treated a natural phenomenon: he gathered witnesses — the ancient translations, the Fathers who argued the fourth-century Arian controversy, the copyists of every age — sorted them, and asked about chronology. He traced the disputed sentence from a marginal gloss into the body of the text, and pressed the question nobody had pressed: where is the manuscript Erasmus was told about? It survives — Codex Montfortianus, written in the early sixteenth century, contemporary with the quarrel rather than a witness to it.
The essay then asks what remains once both passages fall, and marks its own limit: that a doctrine has no explicit proof-text is not proof that it has no basis. It closes on the heavier lesson — a man who knew, wrote, and then kept silent.
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — وأوّلُها نصُّ رسالة نيوتن نفسِها في مخطوطة كلية نيو بأكسفورد كما نشرها «مشروع نيوتن»، ومعها الطبعاتُ النقدية وتعليقُ ميتزغر و«دائرة المعارف الكاثوليكية» وكولوفونُ العهد الجديد المجمَّعيّ — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.