Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

﴿والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون﴾

الخندقُ، وبلوغُ القلوبِ الحناجرَ، وكيف جاء الفرَج.

غزوة الخندقسورة الأحزابالوعد والأسباب

في غزوة الخندق

سهلٌ منبسطٌ في ضواحي المدينة، يمتدّ فيه حزامٌ من النخيل، وتلالٌ في الأفق
نخيلُ وادي العقيق بضواحي المدينة، وفي المقدّمة نفرٌ من المسافرين بإبلهم. تصوير برنهارد موريتس (١٨٥٩–١٩٣٩)، من مصوَّرةٍ نُشرت سنة ١٩١٦م — ملكيةٌ عامة، مكتبة الكونغرس الأمريكية.

اشتدّ البردُ على أهل المدينة وعلى الصحابة رضوان الله عليهم ، وأحاطت بيثربَ جموعٌ لم تعرف مثلها: قريشٌ وغطفانُ ومن تبعهما، نحو عشرة آلاف مقاتل. حُفر الخندقُ حول المدينة بمشورة سلمانَ الفارسيّ، فحال بين المهاجمين وبين اقتحامها، لكنّه لم يرفع الجوعَ عن بطونٍ شُدّت عليها الحجارة، ولا البردَ عن ليالٍ طِوال. ثمّ جاء الخبرُ الأثقل من داخل المدينة نفسها: غدرت بنو قريظةَ ونقضت عهدها مع النبيّ ﷺ، فانكشف ظهرُ المسلمين من حيث كانوا يأمنون، وصار الخطرُ من الجهتين معًا؛ من أمام الخندق ومن خلف البيوت التي فيها النساءُ والذراري. في تلك الساعة نزل الوصفُ القرآنيّ: ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم، وإذ زاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ وتظنّون بالله الظنونا﴾.

بلوغُ الحناجر ليس سقوطًا

لم يُخفِ القرآنُ هذه اللحظة، بل سجّلها كما هي: قلوبٌ بلغت الحناجر، وأبصارٌ زاغت، وظنونٌ اضطربت. وفي موضعٍ آخر جعل القائلَ «متى نصر الله» هو الرسولَ والذين آمنوا معه، لا ضِعافَ الصفّ وحدهم: ﴿حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إنّ نصر الله قريب﴾. فصيحةُ «متى» ليست خللًا في اليقين، بل هي أقصى ما يبلغه الصبرُ عند حافّته؛ والجوابُ يأتي من جنس السؤال، ويلقاه عند تلك الحافّة نفسها: قريب.

وهنا مفتاح الأمر: الإيمانُ لا يعني أنّ البأساء لن تنزل، بل أنّ نزولها ذاته بابٌ، وأنّ ما بعده «قريب».

كيف جاء الفرَج

جاء الفرجُ في صورةٍ لم يرسمها مجلسُ حربٍ ولا خطّةُ قائد. هبّت في ليلةٍ باردةٍ ريحٌ قلبت قدورَهم وقلعت خيامهم، ودبّ الاختلافُ في صفوف الأحزاب حتى تفرّقوا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾. ومع ذلك لم يكن النصرُ معلّقًا في الهواء؛ جرى على سببٍ بُذل: خندقٌ حُفر، وثباتٌ في الليالي الطوال، وحيلةٌ رواها أهلُ السيرة إذ سعى نُعيمُ بنُ مسعودٍ بين قريشٍ وقريظةَ حتى زرع الرِّيبةَ بينهما. النصرُ من عند الله وحده، لكنّ الله أجراه على أيدٍ عملت.

وهذا هو الميزانُ الذي يخطئه القلِقُ والمطمئنُّ الغافلُ معًا: أحدهما ينسى أنّ الوعد لله، والآخر ينسى أنّ الأخذ بالسبب علينا. ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبّتْ أقدامكم﴾؛ فليست الآيةُ تعويذةً تُغني عن العمل، بل طمأنينةٌ تبعثُ عليه. وقد بسطتُ حدَّ التوكّل والأخذ بالأسباب في مقالة «فنّ إدارة المخاطر».

من الخندق إلى خاطرةٍ عابرة

خطرت لي هذه المعاني وأنا أقرأ في الأخبار خوفَ الناس وتوجّسَهم من تآمرٍ يُدبَّر في الخفاء على بلدنا ووطننا. والذي علّمه الخندقُ أنّ اجتماع الماكرين في السرّ لا يخرج عن قبضةٍ أوسعَ منه: ﴿وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم﴾، ﴿ويمكرون ويمكرُ الله والله خيرُ الماكرين﴾. وليس معنى ذلك أنّ المؤمن يأمن فيقعد، بل أنّه يعمل وقلبُه ساكن؛ يحذر من غير جزع، ويسعى من غير يأس. ﴿والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون﴾: غلبةُ تدبيرٍ تسبق فهمَ البشر وتتجاوزه، فما يُقرأ ظاهرُه محنةً قد يكون في باطن الأمر طريقَ الفرَج.

ميزان الوحي

تجتمع الآياتُ على معنًى واحد: أنّ البأساء ممرٌّ لا مُقام، وأنّ النصر قريبٌ لكنّه مشروطٌ ومملوكٌ لله. ﴿هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالًا شديدًا﴾ تصف القاع، و﴿ألا إنّ نصر الله قريب﴾ تصف ما بعده، و﴿ردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى اللهُ المؤمنين القتال﴾ تصف كيف طُوي المشهد. ويبقى الحدُّ الفاصلُ قائمًا: الوعدُ لله ومن الله ، و بذل الأسباب علينا.

المدينةُ ومآذنُها وقبّتُها منظورةً من صخور جبل سَلْع، والأفقُ خالٍ وراءها
المدينةُ منظورةً من جبل سَلْع في شمالها الغربي، وهي الجهةُ التي حُفر فيها الخندق. صورةٌ التُقطت سنة ١٩١٣م ونُشرت سنة ١٩١٦م — ملكيةٌ عامة، مكتبة الكونغرس الأمريكية.

عودةٌ إلى الخندق

في ليلةٍ من ليالي الحصار الأخيرة أرسل النبيُّ ﷺ حذيفةَ بنَ اليمان يتحسّس خبرَ القوم، فانسلّ إلى معسكرهم فوجد الريحَ تعبثُ بهم وأبا سفيان يأمر بالرحيل. وطلع الصبحُ على المدينة وقد انفضّ الجمعُ من غير معركةٍ فاصلة. بلغتِ القلوبُ الحناجرَ بالأمس، ثمّ كان الفرجُ قريبًا كما وُعِد؛ لا في الصورة التي انتظرها الناس، بل في صورةٍ أعلمَ وأوسع.

ثم تأمّلِ الآيةَ التي جاءت هذه الخاطرةُ في ظلالها: ﴿والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون﴾. نزلت في أحلكِ لحظات قصّة يوسف، حين بِيع غلامًا وسِيق إلى مصر، في الساعة التي بدت فيها الحكايةُ خسارةً محضة؛ وهناك بالضبط جاء التذييل: أنّ ما ظاهرُه محنةٌ هو في باطن التدبير طريقٌ إلى المُلك. غلبةٌ ليست غلبةَ قهرٍ فحسب، بل غلبةُ تدبيرٍ يسبق فهمَ البشر ويتجاوزه؛ ولذلك جاء الاستدراك: «ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون»، لا لأنّ العلم ممتنع، بل لأنّ إدراك الغايات من خلف الأسباب أبعدُ من متناول النظر العَجِل. فمن رأى الخندقَ ورأى يوسفَ لم يَعُدْ يقيس الأمورَ بظاهر ساعتها.

حفظ اللهُ وطنَنا من كلِّ سوءٍ، ورَدَّ كيدَ الفُجّار في نحورهم

للاستزادة

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.