Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

يُضاهئون قولَ الذين كفروا من قبل

من الدير البحري إلى الأنديز: ثلاثةُ أنماطٍ لبنوّة الإله، وجوابٌ في أربع كلمات

الدير البحرينارام-سينهوس الموازاة

على جدار في الدير البحري

نقشٌ على جدار معبد حتشبسوت بالدير البحري يصوّر مشهد الولادة الإلهية
مشهدُ الولادة الإلهية على جدار معبد حتشبسوت بالدير البحري: الإلهُ يمنح الحياةَ للملكة، فيولد الفرعونُ «ابنًا» للإله — وهي وثيقةُ شرعيةٍ لا مجازٌ شعريّ. (Wellcome Collection، ويكيميديا كومنز، CC BY 4.0)

على الضفة الغربية للنيل، قبالة الأقصر، ينتصب معبد حتشبسوت في حضن الجبل منذ خمسةٍ وثلاثين قرنًا. وعلى أحد جدرانه سلسلة نقوش تُعرف عند علماء المصريات باسم «دورة الولادة الإلهية»: الإله آمون-رع يتخذ صورة الملك، ويدخل على الملكة، فتحمل بالفرعون القادم. لم يكن هذا فنًّا ولا مجازًا شعريًّا؛ كان وثيقةً دستورية. فالفرعون في العقيدة المصرية «ابن رع» بالمعنى الحرفي، والكلمة المصرية للابن هي نفسها كلمة الوارث، فبنوّته للإله هي سند شرعيته في الحكم.

حين نقرأ قوله تعالى في سورة التوبة: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ»، فإن عبارة «من قبل» تفتح بابًا واسعًا: مَن هؤلاء الذين كفروا من قبل؟ ومنذ متى يقول الناس إن للإله ولدًا؟ الجواب الذي كشفته الاكتشافات الحديثة أوسع بكثير مما تخيّله أكثر القدماء — وأقدم من جدار الدير البحري نفسه.

جولة في خريطة العالم القديم

لنبدأ من بلاد الرافدين، أقدم أرضٍ دوَّنت. نحو سنة 2250 قبل الميلاد أعلن الملك الأكادي نارام-سين نفسَه إلهًا، واتخذ لقب «إله أكّد»، ورُسم على مسلّته الشهيرة — المحفوظة اليوم في متحف اللوفر — بالتاج المقرَّن الذي لا يلبسه إلا الآلهة. وكانت أنساب الآلهة نفسها شجرة عائلة كاملة: مردوخ ابن إيا، وإنانا بنت السماء. وفي نصوص أوغاريت على الساحل السوري (نحو 1400 قبل الميلاد) نقرأ عن «بني إيل» — أبناء كبير الآلهة — ويُصوَّر الملك في ملحمة كِرتا ابنًا مفضَّلًا للإله.

وفي الهند اتخذت الفكرة صورةً ثالثة: «الأڤاتار»، أي نزول الإله ڤيشنو متجسدًا في صورة بشرية — راما ثم كِرشنا — يولد من أمٍّ أرضية ويعيش بين الناس. وفي اليونان أنجب زيوس من الإلهات والبشر جيلًا كاملًا من أنصاف الآلهة، حتى ادّعى الإسكندر المقدوني نفسُه بنوّة زيوس-آمون حين زار واحة سيوة. أما روما فصكّت الفكرة على العملة: بعد أن ألَّه مجلس الشيوخ يوليوس قيصر سنة 42 قبل الميلاد، حمل ابنه بالتبني أوكتاڤيان — أغسطس لاحقًا — لقب «Divi Filius» أي «ابن المؤلَّه»، ووزّعه على نقود الإمبراطورية دعايةً سياسية.

ولم تقف الفكرة عند حدود العالم القديم الذي نعرفه. ففي الصين حمل الإمبراطور لقب «ابن السماء»، وفي اليابان نُسبت الأسرة الإمبراطورية نسبًا مباشرًا إلى إلهة الشمس أماتيراسو — عقيدةٌ ظلت رسمية حتى سنة 1946 ميلادية، أي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي جبال الأنديز، على الطرف الآخر من الكوكب وبلا أي اتصال بالعالم القديم، كان إمبراطور الإنكا «ابن الشمس». وفي جزيرة العرب قبيل الإسلام زعمت قريش أن الملائكة بنات الله، وهو ما ردّه القرآن في سورتي النجم والصافات.

فإذا جمعنا هذه الخريطة كلها وجدنا أنفسنا أمام ظاهرة إنسانية عابرة للقارات: أينما وُجدت سلطة أو قداسة، وُجد من ينسب الولد إلى السماء.

ثلاثة أنماط لا نمط واحد

غير أن التدقيق يكشف أن «البنوّة الإلهية» ليست فكرة واحدة بل ثلاث أفكار متمايزة تلبس لفظًا واحدًا.

النمط الأول بنوّةٌ ملكية وظيفية: «ابن الإله» لقبٌ للحاكم يعني التفويض والوراثة لا المشاركة في الطبيعة الإلهية. هذا نمط مصر وبابل والصين وروما. وحتى في العهد القديم نجد صداه: إسرائيل «ابني بكري» في سفر الخروج، والملك الداودي في المزمور الثاني «أنت ابني، أنا اليوم ولدتك» — تعبيرات فهمها أصحابها على معنى العهد والاصطفاء، وإن كانت ألفاظها قابلةً لأن تنزلق لاحقًا إلى ما هو أبعد.

النمط الثاني بنوّةٌ تناسلية أسطورية: الإله يُنجب فعلًا، من إلهة أو من امرأة. هذا نمط اليونان وأنساب آلهة بابل.

النمط الثالث بنوّةٌ تجسّدية: الإله نفسه ينزل ويتجسد. هذا نمط الأڤاتار الهندي، وهو النمط الذي استقرت عليه العقيدة المسيحية بعد مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، حين حُسم أن الابن «مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر».

وهذا التمييز الثلاثي ليس ترفًا تصنيفيًّا؛ فهو الذي يجعل لكلمة «يضاهئون» في الآية عمقها: فالمضاهاة — كما قال ابن عباس — هي المشابهة، والآية لا تقول إن القوم نسخوا عقيدة بعينها، بل إنهم جرَوا على النمط نفسه الذي جرت عليه الأمم قبلهم، أيًّا كانت صورته.

ماذا قال المفسرون؟

هنا تعترضنا ملاحظة طريفة ودالّة. إذا فتحنا أمهات التفاسير على هذه الآية وجدنا المفسرين يتناقلون أقوالًا ثلاثة في «الذين كفروا من قبل»: قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قولَ اليهود قبلهم. وقال مجاهد: بل ضاهوا مشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله. وعمّم الحسن البصري فقال: شُبِّه كفرهم بكفر الأمم الكافرة الماضية — دون أن يسمّي أمة.

ولا نجد عند الطبري ولا الرازي ولا القرطبي ولا ابن كثير ذكرًا لفرعون «ابن رع»، ولا لأبناء زيوس، ولا لملوك بابل المؤلَّهين. وليس ذلك تقصيرًا منهم؛ فالهيروغليفية لم تُفكّ رموزها إلا سنة 1822، والمسمارية بعدها بعقود، وعلم مقارنة الأديان لم يولد أصلًا إلا في القرن التاسع عشر. كان الحسن البصري — بتعميمه المُجمل — أقربهم إلى مدى الآية، لأنه ترك «الأمم» مطلقة كما أطلقها النص.

وهذا في ميزان النقد التاريخي نقطة تُحسب للنص لا عليه: فإطلاق الآية «من قبل» استوعب ما لم يكن معلومًا لقرّائها الأوائل، وجاءت الاكتشافات بعد اثني عشر قرنًا فملأت الفراغ الذي تركه الإطلاق.

مسلة نصر نارام-سين المحفوظة في متحف اللوفر، ويظهر الملك بالتاج المقرَّن
مسلّةُ نصر نارام-سين ملكِ أكّد (نحو 2250 ق.م)، وعلى رأسه التاجُ المقرَّن الذي لا يلبسه إلا الآلهة — وهو الذي أعلن نفسه «إله أكّد». متحف اللوفر (Sb 4). (تصوير Shonagon، ويكيميديا كومنز، CC0)

وقبل أن نمضي، وقفةٌ يقتضيها منهج هذه السلسلة في التمييز بين الثابت والمظنون. شطر الآية الأول — «وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله» — أثار سؤالًا قديمًا: لا نجد في المصادر اليهودية المعروفة نصًّا يجعل عزرا الكاتب — عزيرًا في المشهور من التفسير — ابنًا لله. وقد أجاب المفسرون قديمًا بأن القائل فئةٌ من يهود المدينة لا اليهود كافة — وسياق الآية نفسه («ذلك قولهم بأفواههم») يشير إلى مقالة قوم بأعيانهم. وأضاف البحث الحديث احتمالات تسندها قرائن: فالتراث اليهودي نفسه بالغ في تبجيل عزرا مبالغة شديدة؛ ففي التلمود البابلي أن عزرا «كان أهلًا لأن تُعطى التوراة على يده لولا أن موسى سبقه»، وفي سفر «عزرا الرابع» المنحول يستعيد عزرا الكتب المفقودة كلها بوحي إلهي. ورأى باحثون — منهم غوردون نيوبي في تاريخه ليهود جزيرة العرب — أن يهود الحجاز، وقد عرفوا تقاليد صوفية ترفع عزرا وتَعدِله بأخنوخ «كاتب الله»، يمكن أن يكونوا سمّوه أحد «بني إلوهيم». المسألة إذن ليست اعتراضًا بلا جواب، لكنها أيضًا ليست محسومة بوثيقة قاطعة، وقول ذلك بصراحة أشرف للبحث من ادّعاء يقينٍ لا تسنده المصادر.

فخّ المشابهة: درسٌ في المنهج

بقيت زاويةٌ أخيرة، وهي عندي أنفع ما في القصة كلها.

في مطلع القرن العشرين اجتاحت الأوساط الغربية موجةُ «مدرسة الموازاة»: جيمس فريزر في «الغصن الذهبي» جمع أوزيريس وتمّوز وأدونيس وأتّيس تحت نمط واحد سمّاه «الإله المائت المنبعث»، ولمّح إلى إدراج المسيح فيه. وتبنّت مدرسةُ تاريخ الأديان الألمانية تفسيرَ المسيحية كلها اقتباسًا من أديان الأسرار الوثنية. ووصل صدى هذه الموجة إلى المكتبة العربية مبكرًا: فكتب محمد طاهر التنير البيروتي «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية» سنة 1912، وتُرجم كتاب عالم المصريات آرثر ويغال «الوثنية في مسيحيتنا»، وكتب العقاد كتابه الأشمل «الله: كتاب في نشأة العقيدة الإلهية».

ثم جاء التصحيح من داخل الأكاديميا نفسها. في ديسمبر 1961 ألقى الباحث اليهودي صموئيل ساندمِل خطابه الشهير أمام جمعية الأدب التوراتي بعنوان «Parallelomania» — «هوس الموازاة» — وعرّفه بأنه إسراف الباحثين في تضخيم التشابه بين النصوص ثم القفز منه إلى دعوى الاقتباس، وكأن كل مشابهةٍ سرقة. لم يُنكر ساندمل وجود التأثر بين الثقافات؛ أنكر المنهج الذي يجعل التشابه وحده دليلًا عليه. وبعده فكّك جوناثان سميث نمط فريزر نفسه: فأتّيس يموت ولا يقوم، وأوزيريس «يُبعث» لكن ملكًا على الموتى لا عائدًا إلى الأحياء، وبعثُ أدونيس بناءٌ حديث ركّبه الباحثون من شظايا.

القاعدة التي استقر عليها البحث بسيطة، وهي تصلح للطبيب كما تصلح للمؤرخ: المشابهة وحدها لا تُثبت الاقتباس، كما أن الاقتران وحده لا يُثبت السببية. لا بد من سلسلة اتصال زمنية وجغرافية، ومن تطابقٍ في البنية لا في العنوان، ومن استبعاد النشأة المستقلة. فإمبراطور الإنكا «ابن الشمس» لم يقتبس من فرعون شيئًا، إذ لا جسر بينهما البتة؛ وإنما هي نفسٌ إنسانية واحدة تعيد إنتاج الانحراف نفسه كلما غاب الوحي المصحِّح. وهذا — إذا تأملت — هو عين ما تقوله الآية: «يضاهئون» أي يشابهون ويجرون على النمط، ولم تقل «يقتبسون» أو «ينقلون». عبارة القرآن أدقّ منهجيًّا من عبارات مدرسة الموازاة التي كُتبت بعدها بثلاثة عشر قرنًا.

خاتمة: الجواب في أربع كلمات

استعرضنا حضاراتٍ من النيل إلى الأنديز، وثلاثة أنماط من البنوّة: بنوّة الملوك المفوَّضين، وبنوّة التناسل الأسطوري، وبنوّة التجسد والحلول. وحين نعود بعد هذه الجولة إلى سورة الإخلاص نجد أن جوابها أحاط بالأنماط الثلاثة في أربع كلمات: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ». لم يلد: فلا ابن بالتفويض ولا بالتناسل. ولم يولد: فلا إله يتجسد فيولد من أمّ. ثم جاء الختام يقطع باب المضاهاة كله: «وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ».

إن أعجب ما في هذه القصة أن نصًّا نزل في القرن السابع الميلادي، في بيئة لم تعرف الهيروغليفية ولا المسمارية ولا السنسكريتية، وصف ظاهرةً لم تكتمل خريطتها بين أيدي الباحثين إلا في القرنين الأخيرين — ووصفها باللفظ الذي انتهى إليه المنهج النقدي الحديث: المضاهاة، لا الاقتباس.

والحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه؛ الحمد لله على نعمة التوحيد الخالص: «أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ» (الزمر: 3).

المراجع الأساسية: تفسير الطبري والبغوي والرازي والقرطبي وابن كثير للآية 30 من سورة التوبة؛ Samuel Sandmel, "Parallelomania", Journal of Biblical Literature 81 (1962)؛ Adela Yarbro Collins & John J. Collins, King and Messiah as Son of God (2008)؛ Michael Peppard, The Son of God in the Roman World (2011)؛ Gordon D. Newby, A History of the Jews of Arabia (1988)؛ Jonathan Z. Smith, "Dying and Rising Gods", Encyclopedia of Religion (1987)؛ محمد طاهر التنير، العقائد الوثنية في الديانة النصرانية (1912)؛ عباس محمود العقاد، الله: كتاب في نشأة العقيدة الإلهية.

عن الروابط أعلاه: التفاسيرُ الخمسة على المكتبة الشاملة — نصٌّ كاملٌ بترقيم المطبوع. ومقالةُ ساندمِل بنصّها الكامل منشورةً بإذن جمعية الأدب التوراتي — والأصلُ على JSTOR محجوبٌ بالاشتراك. وكتابُ نيوبي مسحُ إعارةٍ من مكتبات الأرشيف يحتاج حسابًا مجانيًّا. ومادةُ جوناثان سميث بنصّها عن «موسوعة الأديان» بترخيص. ومسحُ كتاب التنير لطبعةٍ محقَّقةٍ متأخرة لا لطبعة ١٩١٢، ومتنُه في الملك العام. وكتابُ العقاد نصٌّ كاملٌ مجانيٌّ عن مؤسسة هنداوي. أمّا كتابا Collins وPeppard فلا نسخةَ حرةَ لهما — مطبوعان فقط، ولم تُوصَل النسخُ المرفوعة منهما لمخالفتها حقَّ النشر.

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — نقوشُ الدير البحري ومسلّةُ نارام-سين ونصوصُ أوغاريت، وأقوالُ المفسرين في الآية كما هي في الطبري والرازي والقرطبي وابن كثير، وخطابُ ساندمِل ونقدُ جوناثان سميث لنمط فريزر، وتواريخُ فكّ الهيروغليفية ومجمع نيقية — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.