Avertissement + avant-propos
ص front · img 11
تنبيه
بعد صدور المجلّد الأوّل من هذا الكتاب، منذ عشر سنوات، حالت أعمالٌ أخرى دون أن أُتبعه بالمجلّد الثاني طويلًا. على أنّي — وأعترف بذلك — كنت قد عولت على ألّا أنشر المجلّد الثاني إلّا بعد أن أُتمّ عملًا واسعًا في تاريخ مسلمي إسبانيا كنت قد انكببتُ عليه، وهو في هذه اللحظة، إن لم يكن قد اكتمل، فقد قطع شوطًا بعيدًا. وترتب على هذا التأخير، الطوعيّ إلى حدّ ما، أنّي حين أردتُ الشروع في طبع المجلّد الثاني كانت طبعة الأوّل قد نفدت تقريبًا. ولمّا كان هذا المجلّد سيعاد طبعه، رأيتُ أن أعيد صوغه من أساسه، لأجعله أقلّ استحقارًا لعناية الجمهور المتأدّب. فاستُبدلت المقالات القديمة جزئيًّا، وأُعيدت صياغتها جزئيًّا في المضمون وفي الشكل. ثمّ حذفتُ القسم الجدليّ الذي كان يشغل حيّزًا واسعًا من الطبعة الأولى. وليس ذلك لأنّي غيّرتُ رأيي في كوندي وناسخيه؛ بل على العكس تمامًا؛ غير أنّه بدا لي من الفضول أن أعود إلى هذا الموضوع بعد أن أعلن مستشرقون علماء لا يماري أحد في كفايتهم — مثل السادة فلايشر ودي سلان وديفريمري ورينان وويليام رايت — في العلن أنّي كنت على صواب حين ذهبت إلى أن كتاب
ص front · img 12
كوندي لا يستحقّ بأيّ وجهٍ من الوجوه الثقة التي مُنحت له بشيءٍ كثير من السهولة 1). ولمّا كانت هجماتي قد بلغت غايتها، لم أُبقِ من ذلك الجدل كلّه إلّا مقدّمة الطبعة الأولى.
حين كتبتُ المقالات الواردة في هذه المجلّدات عنيتُ خاصّةً بأن أوضّح، بمعونة الوثائق العربية، بعض نقاطٍ من تاريخ أوروبّا المسيحية. وبهذا
تيسّر لي أن أُجلي تاريخ مملكة ليون، وتاريخ السيد، وتاريخ البطل النورماندي غيوم قصير الأنف، بل قدّم لي الكتّاب العرب أنوارًا على مواضع من الملاحم الآيسلندية (sagas). وأرجو ألّا أكون قد أهملتُ الجانب العربيّ أيضًا؛ غير أنّي، لما كان عليّ أن أعالجه في موضعٍ آخر جملةً واحدة، حرصتُ على ألّا
أمسّ إلّا موضوعاتٍ لا تجد لها مكانًا في ذلك الكتاب الآخر، أو تقتضي من البسط أكثر ممّا يحتمله كتابٌ سرديّ محض.
ليدن، كانون الأوّل / ديسمبر 1859.
1 هذا، مثلًا، ما قاله السيّد رينان في عرضه كتابي في Journal des Débats: «تاريخ كوندي يزخر بالأغلاط والهراء. فمن الشخص الواحد يصنع كوندي اثنين أو ثلاثة؛ ويموت الرجل مرّتين، وأحيانًا قبل أن يُولد؛ وتصبح صيغ المصدر أسماء مدن؛ ويلعب أشخاصٌ وهميّون أدوارًا وهمية أيضًا. فهو، مثلًا، حين يستعمل معجم التراجم لابن الأبّار، لا يلاحظ أن ترتيب الأوراق قد اضطرب على يد مجلّدٍ أخرق؛ فيخلط خلطًا عشوائيًّا سير عظماء القرن الرابع والخامس للهجرة، ويخرج ببسالةٍ من هذا اللّبْس عبر أغرب ضروب التناقض المضحكة».
ص front · img 13
مقتطف
من
مقدّمة الطبعة الأولى
تعرفون، أيّها السادة والأصدقاء الأفاضل 1)، أعمال موراليس وثوريتا وساندوفال ودياغو وموريه وسالازار وفلوريث العلمية الضميرية في تاريخ إسبانيا في العصور الوسطى؛ وتعلمون أن هؤلاء الرجال الدؤوبين قضوا أعمارهم في قراءة النقوش، وتصفّح المواثيق، ونشر الحوليات، ومقابلة هذه الوثائق بعضها ببعض؛ وترون مثلي أن أعمالهم، على قدمها، لم تَعْتَقْ أبدًا، وأنّها على الأرجح لن تَعْتَق إلّا حين يكفّ الناس عن دراسة تاريخ شبه الجزيرة.
ولكنّ هؤلاء الباحثين النافذين، الذين وجدوا في أيّامنا نظراء أجدرين في بوفارول ويانغواس وأكاديميّي مدريد، كانوا غرباء عن فرعٍ من الدراسة قلّت زراعته يومئذٍ في أوروبّا، وفي
1 كانت هذه المقدّمة على صورة رسالة موجّهة إلى السيّدين رينو وديفريمري.
ص front · img 14
إسبانيا أقلّ من سواها، وهو مع ذلك لا غنى عنه لكلّ من يجعل
تاريخ إسبانيا في العصور الوسطى موضوع دراسةٍ جدّيّة. فقد كانوا يكتبون تاريخ وطنهم الذي خضعت عدّة أقاليم منه، طوال ثمانية قرون، للعرب، من غير أن يعرفوا لغة هذا الشعب. وحيث لم يكن في وسعهم الرجوع إلى المصنّفات الإسلامية، كانوا يكادون يتعثّرون في كلّ خطوة حين يتعلّق الأمر بتاريخ الممالك العربية، أو بحروب المسيحيّين مع المور وعلاقاتهم بهم. وظلّت وقائع ذات أهمّية قصوى تتّصل بتاريخ الممالك المسيحية مجهولةً لديهم، لأنّها لم ترد في المواثيق ولا في الحوليات اللاتينية أو الإسبانية، بل عند المؤرّخين والخطباء والشعراء العرب فحسب؛ فإنّ إسبانيا الإسلامية هي البلد الأوروبي الذي كُتب فيه أكثر ما كُتب في العصور الوسطى، وكان فيه الشعور التاريخيّ في تلك الحقبة أدقّ وأشدّ نضجًا.
وتعلمون أنّ كاسيري، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سعى إلى تدارك هذا الخلل. فنشر في فهرس مكتبة الإسكوريال وترجم عدّة نصوص عربية تتّصل بتاريخ إسبانيا. لكنّكم تعلمون أيضًا أنّ هذه المقتطفات تبقى بعيدة عن الإرضاء من جهة الدقّة؛ وأنّ كاسيري لم يألف الموضوع الذي أراد إيضاحه ألفةً كافية، وأنّه لا يمتاز، من جهة أخرى، بحكمٍ راسخٍ مستنير.
ثمّ ظهر كتاب كوندي. وكان ذلك سنة 1820، واعتُقد منذئذٍ أنّ أصعب الأمر وأهمّه قد قُضي.
وفي الأثناء كان مازديو قد نشر تاريخه النقديّ في عشرين مجلّدًا. ولما كان لا يعرف من الكتب العربية شيئًا سوى المقتطفات التي أوردها كاسيري، لم يكن
ص front · img 15
يُرتجى أن يوفّق في فكّ الجانب العربيّ. فانصرف خاصّةً إلى إثبات أنّ وثائق معيّنة، ولا سيّما كمًّا كبيرًا من المواثيق، مزوّرة ولا تستحقّ أيّ ثقة.
وهكذا كان، قبل نحو ثلاثين سنة من الآن، أمران قد أنجزا، على الأقلّ فيما كان يُظنّ: عُرفت الروايات العربية، وأُثبت زيف عددٍ من الوثائق اللاتينية والإسبانية.
وهذه الأفكار هي التي سيطرت على تأليف تواريخ إسبانيا التي وضعها السادة آشباخ وروسّيو سانت-إيلير ورومي وشيفر، وبكلمة واحدة على كلّ ما ظهر منذ كوندي إلى يومنا هذا. ولم يأخذ هؤلاء المؤرّخون بنتائج مازديو كلّها بلا قيد؛ لكنّهم تبنّوا جزءًا غير يسير منها، وكان مواطنكم السيّد روسّيو خاصّةً هو الذي نحّى جانبًا، بوصفها أثقالًا لا طائل تحتها، حشدًا من المواثيق والنقوش. يقول: «كلّ هذه الوثائق الكنسية، التي تُلفّق عادةً لخدمة مصالح أديرة أو لتملّق الاعتزازات القومية، مشتبهٌ فيها بحقّ متى لم تستند إلى شهادة الحوليات». ومن جهة أخرى أُدرك جيّدًا أنّ في كوندي أخطاء، غير أنّ كتابه، جملةً، اعتُبر خليقًا بالثقة. يقول السيّد آشباخ 1): «كتاب مازديو يستحقّ أن يُفضَّل على سائر مؤلّفات التاريخ الإسبانية». ويقول السيّد رومي 2): «سيكون كوندي من الآن مرشدنا بوجهٍ أخصّ. فهو حجّة في الحقبة العربية. إنّه أستاذ. وينبغي أن
1 Geschichte der Omaijaden، ص. vi.
2 Histoire dx27;Espagne، ج. VI، ص. 2.
ص front · img 16
نعرف الأساتذة ونخضع لهم عند الحاجة، على رغم ما في النفس».
وهذان الرأيان هما اللذان أردتُ دحضهما. كوندي ومازديو — «كان أحد الأخوين يكسر الجرار، والآخر يكسر الأباريق. تدبيرٌ مدمّر!» (غوته).
خصّصتُ للجدل حيّزًا واسعًا في هذا الكتاب. وسعيتُ إلى إثبات أنّ وثائق عدّة رفضها مازديو تستحقّ ثقةً كاملة، أو أنّه ينبغي على الأقلّ أن يُمنح لها من الثقة أكثر ممّا أراد مازديو وتلامذته. وسيكون من الطريف أن يُرى أنّ أصالة بعضها تثبت، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، بشهادة مؤلّفين عرب.
لكنّي أردتُ قبل كلّ شيء أن أُبيّن ما كتاب كوندي، وهو المنبع الرئيس الذي استُقي منه تاريخ إسبانيا العربية. وربّما كانت فكرتي سيّئة الحظّ إلى أبعد حدّ. فقد كتبتُ بضع مذكّرات؛ ثمّ قابلتُ روايات كوندي بالنصوص التي استعملها، وانتقدته. وربّما كان أجدى أن أختار مواضع بارزة جدًّا لإبراز طابع كتاب الأكاديميّ المدريديّ.
ولم أفعل ذلك؛ بل أخذتُ مواضع من كوندي كأنّي فتحتُ كتابه في أوّل صفحةٍ صادفتني؛ وتركتُ نفسي تنساق، ولم يهدني إلّا الصدفة. فأستطيع إذن أن أقول، من غير أن يُتهمني أحد بالتحيّز، وبثقةٍ كاملة: Quidquid attigeris, ulcus est!
تلك خلاصة الانتقادات التي وجّهتها إلى كوندي. ومع ذلك فربّما وُجدت كتب تاريخية يجوز أن يُقال فيها مثل هذا بعدلٍ تامّ، من غير أن تكون مع ذلك مقيّتةً كمقيّته. فلنقل إذن:
عمل كوندي على وثائق عربية وهو لا يعرف
ص front · img 17
من هذه اللغة أكثر من الحروف التي تُكتب بها؛ لكنّه، مستعيضًا بخيالٍ خصبٍ أشدّ الخصب عن افتقاره إلى أبسط المعارف الأوّلية، زوّر، بوقاحةٍ لا نظير لها، تواريخ بالمئات، واخترع وقائع بالألوف، وهو يُظهر دائمًا ادّعاء ترجمة النصوص العربية ترجمةً أمينة.
ونسخ المؤرّخون المحدثون هذا كلّه بسذاجةٍ بالغة؛ بل تخلّفوا أحيانًا عن أستاذهم حين جمعوا مخترعاته إلى أخبار المؤلّفين اللاتين والإسبان، فحرّفوا هؤلاء بهذه الطريقة. وهكذا
Aprentif jugléor et escrivain mari Ont lx27;ystoire faussée, onques mès ne vi si. (Berte aus grans piés, 1.)
أمرٌ عجيب! مستشرقون من أعظم الفضل وقعوا في هذا الطُعم، واتّبعوا هذا الضوء الخادع.
ولا بدّ من الاعتراف بأنّ كوندي اتّخذ احتياطاته كيلا تُكشف دجله بسهولة. فهو يسترها تحت ثرثرة المتواضع الزائف. واقتصر على ذكر المخطوطات التي استعملها في مقدّمته؛ وينبغي مع ذلك أن يُضاف أنّ ما يقوله هناك غير دقيق؛ فهو يزعم مثلًا أنّه، لتاريخ الدولات الصغيرة في القرن الحادي عشر، اعتمد خاصّةً على ابن بشكوال. ونحن نعرف هذا الكتاب، أنت وأنا، فهو في مكتبة الجمعية الآسيوية، ونعلم أنّ معجم التراجم هذا، المكتوب بأسلوب سجلّ رعيّة، يحوي أخبارًا طيّبة عن التاريخ الأدبيّ، أمّا فيما يخصّ التاريخ السياسيّ فكاد لا ينفع في شيء.
ص front · img 18
لكن ألم يُستبدل بكتاب كوندي، في السنوات الأخيرة، كتاب السيّد دي غايانغوس؟ لقد أراد هذا العالم، بشهادة مقدّمته (ص. XIV)، أن يقدّم تاريخًا نقديًّا لعرب إسبانيا.
وسأجيب عن هذا السؤال بإعادة كلمات الكونت دي سيركور، من غير أن أدخل في فحص كتاب السيّد دي غايانغوس. فلديّ في شأنه أكثر ممّا تحتمله هذه الرسالة بكثير. وهذا ما يُقرأ في Histoire des Mores Mudejares et des Morisques (ج. III، ص. 334): «الوثائق العربية — أعني ما يتيسّر الرجوع إليه بسهولة لمن لم يتضلّع من اللغات الشرقية — تنحصر في عددٍ قليل. وقد اتّبعتُ عامّةً تاريخ سيطرة العرب في إسبانيا لكوندي، وهو مؤلَّفٌ لم يكتمل، لكنّه أغزرها مادّةً، وعلى الجملة أحسنها ترتيبًا ممّا وُضع على هذا المنوال. والمقتطفات التي أوردها كاسيري، والترجمة التي نشرها السيّد غايانغوس، أمدّاني بوسيلة لمراجعة كوندي أحيانًا». والسيّد لا فوينتي ألكانتارا، وهو أيضًا غير متضلّع في اللغة العربية، سلك المنهج نفسه في تاريخ غرناطة. فكتاب السيّد دي غايانغوس إذن لم يحلّ محلّ كتاب كوندي. ثمّ إنّ هناك حقباتٍ بأكملها لا يقدّم الكتاب الإنجليزيّ عنها إلّا أخبارًا هزيلةً غامضة.
وجملة القول: إذا لم يُحسب سوى كتاب كوندي، الذي ما زال يُعدّ الأهمّ والأكمل في تاريخ إسبانيا العربية، فإنّ جمهور اليوم — وأعني هنا الأدباء غير المستشرقين — لا يملك من وسائل التثقّف بهذا التاريخ أكثر ممّا ملكه الجمهور الذي كتب له موراليس في القرن السادس عشر.
ص front · img 19
بل إنّ الأمر أسوأ من ذلك: فمن قرأ كوندي ودرسه يجد نفسه مضطرًّا أن يبذل كلّ ما في وسعه للخروج من هذا الطريق البغيض الذي أضلّه فيه، وأن ينسى كلّ ما كان قد تعلّمه؛ وهي مهمّة أصعب بما لا يقاس من تعلّم شيءٍ جديد. إذ ينبغي من الآن أن يُعدّ كتاب كوندي كأن لم يكن: وهذا هو ثمن الحقيقة التاريخية.
ليدن، تمّوز / يوليو 1849.
ص 1
دراسات
في
فتح إسبانيا على يد العرب
فتح إسبانيا على يد العرب موضوعٌ مهمّ بلا ريب؛ إذ لا يُفهم ما فرضه الغالبون على المغلوبين فهمًا سليمًا إلّا بعد إدراك الطابع الحقيقيّ للفتح؛ لكنّه في الوقت نفسه مادّة شديدة الغموض، وإن كانت خصبةً للشاعر والروائيّ اللذين يحقّ لهما أن يسدّا بخيالهما شحّ الوثائق، فهي على العكس عقيمةٌ شحيحةٌ على المؤرّخ. والفتح — ويؤسفني أن أقول هذا — يمثّل إلى حدّ ما ثغرةً في حوليات شبه الجزيرة، وستظلّ هذه الثغرة قائمة ما لم تُكتشف وثائق لاتينية أفضل. ومع ذلك أجرؤ على الاعتقاد أنّ فحصًا دقيقًا للمصادر قد يُفضي إلى نتائج أشفى ممّا
حُصل عليه حتى الآن، وسأعدّ نفسي سعيدًا 1