Part VI · Alphonse le Batailleur
حملة ألفونسو المحارب

غزوة ألفونسو المحارب على الأندلس، وآخر ما في المجلّد الأول.

Expédition d'Alphonse le Batailleur

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 345

في حملة ألفونسو المحارب

على

الأندلس

في أواخر القرن الحادي عشر، حين استبدلت الأندلس أمراءها المحليّين بملكٍ أفريقيّ، كان قد جاء حليفًا ثمّ انتهى إلى أن فرض نفسه سيّدًا، حدث في هذا البلد انقلابٌ مفاجئ مشؤوم. فحلّت الهمجيّة محلّ الحضارة، والخرافة محلّ الذكاء، والتعصّب محلّ التسامح. فكان البلد يئنّ تحت نظامٍ ساحق من رجال الدين والعسكر؛ فبدل المناقشات العالمة الروحية في المجالس، والخطب العميقة للفلاسفة وأغاني الشعراء المتناسقة، لم يعد يُسمع إلّا صوت القساوسة الرتيب وضجيج السيوف وهي تجرّ على البلاط.

لكن إن كانت حال مسلمي الأندلس مزرية في تلك الحقبة، فإنّ حال نصارى الأندلس كانت أسوأ بكثير. فما كان المرابطون

ص 346

344

الأفارقة يحفظون معهم أيّ اعتدال. فقد كان التسامح الذي عومل به النصارى حتّى ذلك الحين يبدو لهم إجرامًا وكفرًا. وكانت الكنائس

>

في أعينهم عار شبه الجزيرة، وألحّوا على الملك في ضرورة هدمها. وكان الملك، شبه متعصّب مثلهم، يستجيب لرغباتهم بيسرٍ مفرط. وماذا فعلوا بعد ذلك؟ يستحيل القول؛ فكتّاب المسلمين يصمتون في هذا الشأن، ولم يكن بين نصارى الأندلس كتّاب؛ لكن لا يُفترض أنّ الفقهاء قد وقفوا في منتصف الطريق؛ فقد كانت كراهيتهم للنصارى أشدّ من أن تحول بينهم وبين أن يضيّقوا عليهم ويضطهدوهم بشتّى الطرق.

وطيلة سنين طويلة صبر النصارى في صمت. أخيرًا، نحو سنة 1125، إذ طفح الكيل، ابتهلوا إلى ملك أراغون، ألفونسو المحارب، الذي كان يملأ إسبانيا يومئذٍ بضجيج شهرته، أن يأتي ليخلّصهم من النير الذي لا يُطاق وقد أثقل كواهلهم. فأجاب ألفونسو نداءهم وسار نحو الأندلس.

وقد روى حملة ألفونسو، وهي على نحوٍ ما نقيض الحملة التي شنّها المنصور، قبل أكثر من قرن، على سانتياغو دي كومبوستيلا، مؤرّخان نصرانيّان، أوردرك فيتال 1) ومؤلّف حوليات

1) Hist. eccles., L. XIII, apud Duchesne ,, Hist. Norm. Script., et dans l’Esp. sagr., t. X , p. 607, 608.

ص 347

4 A4

249

أراغونيّة قديمة ضاعت اليوم، لكنّ ثوريتا استعملها 1). وينبغي إتمام رواياتهما بروايتي مؤرّخين عربيّين، ابن الخطيب ومؤلّف الكتاب المجهول الذي يحمل عنوان الحلل الموشية. وقد ترجم كوندي رواية الحلل، ومع أنّ ترجمته ليست خالية من الأغلاط، فهي مع ذلك أفضل بكثير ممّا تكون ترجماته عادة. ولسوء الحظّ شُوّهت فيها جميع أسماء المواضع إلى حدّ يستحيل معه تمييزها، ولا أستغرب أن يكون عالم ألماني قد أعرب عن أمنيته أن تُعالَج هذه الحملة في رسالة خاصّة، يُعنى فيها خاصّة بتثبيت مواقع المحلّات. ورغبةً منّي في أن ألبّي هذا المطلب، فسأورد هنا ترجمة لرواية ابن الخطيب ولرواية مؤلّف الحلل، وقد دمجتهما في رواية واحدة 2)، ولم يكن ذلك عسيرًا إذ إنّهما اتّبعا كلاهما مؤلّفًا ثالثًا، هو ابن الصيرفي الغرناطي، الذي كتب، نحو منتصف القرن الثاني عشر، تاريخًا للمرابطين تحت هذا العنوان: XJ,atl lus 55 XALSUI ,l,531 Xbst.5i. فالرواية التي ستُقرأ إذن، على وجه التدقيق، هي رواية مؤرّخ معاصر.

«خبر موجز مختصر عمّا جرى

1 Anales de Aragon , t.I, fol. 47 r.

2 سيُوجد النصّ في الملحق، رقم XXIV.

ص 348

546

في هذه الولاية بين المسلمين ومعاهديهم النصارى.

«يقول المؤلّف: لمّا ترسّخ الإسلام في هذه الولاية الشريفة، وأسكن فيها الأمير أبو الخطّار قبائل العرب الشامية، فأعطاها ثلث غلّات أراضي المعاهدين 1)، استقرّت هذه القبائل فيها وسط النصارى الذين كانوا يفلحون الأرض ويسكنون القرى تحت رؤساء من دينهم. وكان هؤلاء الرؤساء رجالًا مجرّبين أذكياء ليني الجانب، يعلمون ما على كلّ واحد من أهل ملّتهم أن يؤدّيه من الجزية. وكان آخرهم، المدعوّ ابن القلّاس، ذائع الصيت جدًّا، ويتمتّع باعتبار عظيم عند ولاة الولاية.

«وكان لهؤلاء النصارى كنيسة شهيرة على مسافة رميتين من المدينة، قبالة باب إلبيرة 2). وقد بناها سيّد عظيم من أهل دينهم، ولّاه أميرٌ ما على جيشٍ كثير من الروم، وكانت فريدة في جمال بنائها وزخارفها؛ لكنّ الأمير يوسف بن تاشفين، إذ استجاب لرغبة الفقهاء الحارّة، وقد أفتوا في هذا المعنى، أمر بهدمها. ويقول ابن الصيرفي في هذا الشأن: — سار الغرناطيّون

1 أي النصارى.

2 انظر أعلاه، ص. 335، حيث استشهدت بهذا المقطع وشرحته.

ص 349

547

إلى الهدم يوم الاثنين، آخر يوم من جمادى الآخرة من سنة 492 (23 أيّار/مايو 1099). فهُدمت من الأساس إلى السقف، وحمل كلّ واحد شيئًا من أنقاضها وممّا كان يُستخدم في العبادة. — وإلى يومنا هذا يُعرف الموضع الذي كان فيه هذا المعبد، والجدار الذي ما يزال باقيًا منه يدلّ على أنّه كان متينًا جدًّا. وجزء من الأرض التي كان يشغلها قديمًا هو اليوم المقبرة المعروفة بمقبرة سهل بن مالك 1).

«وفي عهد المرابطين، حين كانت أسلحة الملك ابن ردميرو، عدوّ الله، ما تزال منتصرة — والأزليّ، كما يُعلم، أتى على سلطانه فيما بعد في معركة فراغة 2) — راود المعاهدين النصارى في هذه الولاية أملٌ في شفاء غيظهم والاستيلاء على سيادة البلد. فتوجّهوا إذن إلى ابن ردميرو، وأرسلوا إليه الرسائل فوق الرسائل والرسل فوق الرسل، يلتمسون منه أن يستعدّ ويحرّضونه على القدوم إلى غرناطة؛ ثمّ، إذ رأوه يتردّد، قدّموا إليه سجلًّا يحوي أسماء اثني عشر ألفًا من خيرة مقاتليهم، ولم يدرجوا فيه شيخًا ولا أعزب. وأبلغوه أيضًا أنّه، علاوة على

1) كان سهل بن مالك واعظًا شهيرًا، مات سنة 1241. وإلى اليوم ما يزال يُعلم في غرناطة أنّ Plaza del Triumfo كانت مقبرةً إسلاميّة؛ انظر Gimenez-Serrano, Manual del artista y del viagero en Granada , p. 286.

2 وقعت معركة فراغة سنة 1134.

ص 350

548

الأشخاص الذين سمّوهم ويعرفونهم لأنّهم يسكنون في جوارهم، يوجد كثيرون آخرون لم يقدروا أن يكشفوهم لأنّهم يسكنون على مسافة بعيدة، لكنّهم سيظهرون ما إن يتراءى الملك. وبهذا الوجه أثاروا فيه الرغبة في خوض المغامرة، وحاولوا أيضًا إذكاء طمعه بوصف كلّ الطيبات التي تُوجد في غرناطة وتجعل منها أجمل بلاد العالم. فحدّثوه عن بسيطها العظيم، وعن غلاله، وعن قمحه، وعن شعيره، وعن كتّانه، وعن وفرة الحرير والكروم والزيتون وثمار كلّ نوع، والينابيع والأنهار، وعن حصنها الحصين، وعن لين فلّاحيها، وعن لطف أهل مدينتها، وعن جمال نبلائها ونسائها؛ وأضافوا أنّ هذه المدينة المباركة، متى فُتحت، ستكون له نقطة انطلاق لفتح مدنٍ أخرى، وأنّها، كما يُقرأ في تواريخ الولاية، كانت تُسمّى عند الملوك سنام إسبانيا (خير أجزائها) 1). وباختصار، أصابوا الهدف إصابة بلغت أن

1) في موضع آخر (fol. 5r.) يقول ابن الخطيب هذا: hs! cy® Bale VOIE lise pal ç54 RL OUI papli 58 5e

«إلبيرة من أعظم ولايات إسبانيا؛ وهي النقطة المركزيّة بين ما فتحه المسلمون، وفي

ص 351

549

بلغوه. فجمع الملك نخبة من الجند وسار، يصحبه أربعة آلاف فارس أراغونيّ 1)، يتبعهم رجالُ سلاحهم، وقد أقسموا جميعًا على الإنجيل ألّا يتخلّى أحدهم عن الآخر. فغادر الملك إذن سرقسطة في أوّل شعبان من سنة 519 (في أوّل أيلول/سبتمبر 1125)، مخفيًا مقصده. ومرّ قرب بلنسية، حيث كانت حامية مرابطيّة يقودها الشيخ أبو محمّد بن بدر بن ورقاء، وفي أثناء مهاجمته هذه المدينة، أتى إليه عدد كبير من النصارى المعاهدين، إمّا لتكثير جيشه، وإمّا لخدمته أدلّاء، وإمّا أخيرًا ليدلّوه على ما ينبغي فعله ليضرّ بالمسلمين وينجح في مشروعه. ثمّ وصل قرب جزيرة شقر، فهاجمها أيّامًا متتالية؛ لكنّه خسر كثيرًا من رجاله ولم يُحرز أيّ فضل. ومن هناك قصد دانية، فهاجمها ليلة عيد الفطر (31 تشرين الأوّل/ أكتوبر)، وسار في الشرق كلّه يومًا فيومًا ومرحلةً فمرحلة، يُغير في كلّ كورة تقع على طريقه. ولمّا

تاريخ الشعوب الرومانيّة القديمة تُدعى سنام إسبانيا.» ولفظ gliw يعني: سنام الجمل؛ لكنّي لم أجد مثل هذه التسمية عند المؤلّفين الكلاسيكيّين.

1) تسمّي الحوليات التي استعملها ثوريتا، من بين هؤلاء المحاربين: غاستون، نائب كونت بيارن، وپيدرو، أسقف سرقسطة، وإستيبان، أسقف وشقة.

ص 352

350

اجتاز مضيق شاطبة، أتى مرسية، ثمّ فيرا 1)، ثمّ المنصورة 2)؛ ثمّ صعد نحو بورتشينا وأقام ثمانية أيّام على ضفاف نهر تيخولا 3). ومن هناك قصد بسطة، وإذ رأى أنّ هذه المدينة تقع في سهل وأنّ أكثر أحيائها بلا أسوار، أراد أن يستولي عليها؛ لكنّ الله لم يعنه. وفي الجمعة في أوّل ذي القعدة (4 كانون الأوّل/ ديسمبر) قصد وادي آش، وهاجم هذه المدينة من جهة المقابر إلى يوم الاثنين (7 كانون الأوّل/ديسمبر). وفي الثلاثاء (8 كانون الأوّل/ديسمبر) سار نحو السند 4)، فنصب فيه الكمائن. وفي الأربعاء (9 كانون الأوّل/ديسمبر) غادر السند، فنزل في قرية غاينة [اليوم Graéna]، وهاجم المدينة (وادي آش) من جهة الغرب. ثمّ، بعد أن عسكر في القرية التي تحمل اسم القصر 5)، هاجم المدينة من جديد، من غير أن يُحرز أيّ

1 غير بعيدة عن البحر.

2) لا يدور الكلام هنا على النهر، بل على الموضع الذي يحمل هذا الاسم. ولو أراد المؤلّف الكلام على النهر لقال وادي المنصورة، كما يكتب ابن الخطيب fol. 129 r.

3) تقع تيخولا بين بورتشينا وسيرون. والنهر الذي يُتكلّم عنه هنا يحمل اليوم اسمًا آخر.

4) انظر في شأن هذه الكورة، التي كانت تضمّ الجبال الشماليّة من سييرا نيفادا، ما قلته أعلاه، ص. 340.

5) يذكر مارمول〔؟〕 هذا الموضع بين مواضع سند وادي آش؛ انظر أعلاه، ص. 341. وبحسب حوليات ثوريتا، احتفل ألفونسو بعيد ميلاد ربّنا في Alcaraz، عند سفح جبل؛ لكنّ نصّنا يُثبت أنّه بدل Alcaraz يجب أن يُقرأ Alcazar.

ص 353

351

فضل. وبقي نحو شهر في نواحي وادي آش.

«ويقول مؤلّف الكتاب الموسوم بالأنوار الجليّة هذه العبارة: وفي أثناء ذلك، كانت قد كُشفت المؤامرة التي دبّرها النصارى المعاهدون في غرناطة، وتبيّن أنّ الملك قد دُعي بدعوتهم. فأراد والي إسبانيا، أبو الطاهر تميم بن يوسف، المقيم في غرناطة، حينئذٍ أن يلقيهم في السجن؛ لكنّه اضطرّ إلى التخلّي عن هذا القصد. وانتهز النصارى الظروف ليتسلّلوا، سالكين طرقًا مختلفة، إلى معسكر الملك، بينما كانت القوّات الإسلاميّة تسير من كلّ صوب نحو الوالي، وكان أخوه، أمير المسلمين، يرسل إليه من إفريقية جيشًا عظيمًا. وعلى هذا النحو كانت الجيوش تشكّل، إن جاز القول، حلقةً حول غرناطة.

«ولمّا غادر ابن ردميرو وادي آش نزل في قرية دجمة [اليوم Diezma]. وفي يوم عيد الأضحى [10 ذي الحجّة = 7 كانون الثاني/يناير 1126]، صلّى الغرناطيّون، مدجّجين بالسلاح، صلاة الخوف 1)، وفي الغد عند الظهر ميّزوا خيام الروم في النبال 2)، شرق المدينة. وتقاتل

1 وهي الصلاة العاديّة، لكن مختصرة.

2) تعطي المخطوطات an-Nil؛ لكنّي أرى مع السيّد Lafuente Alcán- tara أنّ المقصود نيبار، قرية على فرسخ شرق غرناطة. ويتكلّم ابن الخطيب عنها في موضع آخر (fol. 13 v.)،

ص 354

352

وقتًا ما على فرسخين من غرناطة؛ وكان العامّة قد غادروا المدينة، وكان سائر السكّان يتزاحمون في الشوارع.

«وعند وصوله قرب غرناطة، كان ابن ردميرو يعدّ خمسين ألف رجل تحت راياته. وفي يوم عيد الأضحى (7 كانون الثاني/يناير) كان قد نزل على ضفاف الفردس؛ ومن هناك قصد ...... 1)، ومن هناك إلى قرية النبال قرب غرناطة، حيث بقي أكثر من عشرة أيّام؛ لكنّه، إذ كان المطر ينهمر بلا انقطاع وكان الضباب كثيرًا، لم يستطع أن يرسل قوّات في النواحي، فكان النصارى المعاهدون هم من زوّدوه بالمؤن.

«ولمّا رأى أنّه لن ينجح في أخذ المدينة، ارتحل في 25 ذي الحجّة من سنة 519 (22 كانون الثاني/يناير 1126)، بعد أن وبّخ الذين استدعوه ولا سيّما رئيسهم ابن القلّاس؛ لكنّ هؤلاء اعتذروا قائلين إنّه هو نفسه سبب سوء مآل الحملة، إذ إنّه، بتباطئه وكثرة توقّفاته، منح القوّات الإسلاميّة الوقت للوصول، وأضافوا أنّهم قد أطلعوه على كلّ

حيث يحمل المخطوط Masëll ، وهو ما يمكن تبديله بسهولة بـ Mal. وتبديل اللام بالراء شائع.

1) هذا الاسم مشكوك فيه. فمخطوطنا من الحلل يحمل RS, pb} أو ربّما Read} »، ومخطوط السيّد دي غايانغوس &5,54di.

Expédition d'Alphonse le Batailleur

مسودّة ترجمة — اجتازت فحص التمام الآليّ، ولم تُراجع بعد مراجعة ثانية على الأصل الفرنسيّ.

ص 355

353

مُضحّى به، لا عفو ينتظره من المسلمين 1).

«من مراسنة 2) توجّه الملك إلى بينوس 3). وفي الغد وصل إلى السكّة 4)، في كورة قلعة يعقوب (القَلْعة الحقيقية / Alcalá la Real)، ثم إلى لُوقة، ثم إلى بيّانة، ثم إلى إستجة، ثم إلى قَبْرة، ثم إلى لوشنة، بينما كانت القوات المسلمة تسير على أثره. وبعد أن أقام أيّامًا في قَبْرة، توجّه إلى بُلَيْ 5)، وما زالت القوات المسلمة تتبعه، فتُهاجمه من حين إلى حين بنجاح. وأخيرًا وقف هو والأمير أبو الطاهر كِلاهما في أرنيصول 6) بقرب لوشنة. فهاجم المسلمون العدوّ عند بزوغ الفجر، وانتزعوا منه عددًا كبيرًا من الخيام. وحوالي

1 بحسب أورديك فيتال، طلب نحو عشرة آلاف مستعرب من ألفونسو الإذن بمرافقته والاستقرار في أراغون مع أسرهم. فأجابهم الملك إلى طلبهم.

2 بقرب ألبولوت؛ انظر ما تقدّم، ص. 339.

3 بينوس بوينتي؛ قارن ما تقدّم، ص. 329.

4 هذا الموضع مجهول عندي.

5 هي اليوم أغيلار؛ انظر ما تقدّم، ص. 316. وكان ألفونسو في بُلَيْ قريبًا جدًّا من قرطبة، وبحسب حوليات ثوريتا حاصر هذه المدينة الأخيرة.

6 تسمّي الحوليات الأراغونية القديمة التي استعملها ثوريتا هذا الموضع أرنصول (Arinçol)؛ لكنّ طريقة كتابة العرب لهذا الاسم (أرنصول) تُظهر أنّه ينبغي أن يُقرأ أرنيصول بدل أرنصول. ويكتب ابن الورّان، كما سيُرى فيما بعد، أرنيسويل، أي أرنيسويل (وليست هذه إلّا فرقًا لهجيًّا؛ ومعلوم أنّ الإسبانية تُحوّل كثيرًا o إلى ue)، وتوجد الصيغة نفسها أيضًا في Annales Toledanos، حيث ينبغي أن يُقرأ Arnizuel بدل Aranzuel. واليوم يُقال أنثول (Anzul)؛ وهو despoblado (موضع غير مأهول) على ثلاث فراسخ من لوشنة.

23

ص 356

554

الظهر، لبس ابن ردميرو درعه، ورتّب رجاله صفوفًا للقتال، فجعل منهم أربع فرق، لكلّ منها راية. عندئذ هاجم النصارى المسلمين، ولأنّ هؤلاء، بدل أن يلزموا حذرهم، كانوا قد تفرّقوا أو انسحبوا إلى المعسكر (وهذا خطأ جسيم)، تحقّقت مقاصد الله، فمُني المسلمون بهزيمة مخزية. ولمّا أقبل الليل أمر أميرهم بنقل خيمته، وكانت في قاع منخفض، إلى مرتفع؛ لكنّ هذا الأمر أيقظ الشكوك، فساء الأمر من سيّئ إلى أسوأ، وطلب كلّ امرئ نجاته في الفرار. فاقترب العدوّ من المعسكر، ودخله في ساعة متأخّرة من الليل، فنهبه 1).

«ثمّ سار ابن ردميرو نحو الساحل، وعبر الإقليم 2) والبشارات، حيث لم يكن السكّان يتوقّعون شيئًا من هذا القبيل. ويؤكّد شيخ من تلك الناحية من البلاد أنّ الملك لمّا مرّ

1 دارت معركة أرنيصول، كما سيُرى فيما بعد من مقطع لمؤلّف عربيّ آخر، في 9 آذار/مارس 1126. ويقول أورديك فيتال: « Remotas quoque regiones usque ad Cordubam pètragravit , et in illis sex hebdomadibus cum exercitu deguit. » و بقوله ستّة أسابيع، يبدو أنّ هذا المؤلّف أراد الحديث عن إقامة ألفونسو في جوار قرطبة المباشر، وعن إقامته في الكَمْپِينَة، الإقليم الذي كانت تتبعه قرطبة وبيّانة وإستجة ولوشنة (انظر الإدريسي، ج. II، ص. 14)، وإذا كانت تلك فكرته فحسابه صحيح.

2 إذا رُجعت الخرائط وقورن الإدريسي (II، ص. 14)، اقتنع المرء بسهولة أنّ الإقليم (ومعلوم أنّ هذه الكلمة مشتقّة من clima) كان الإقليم الذي حمل قديمًا اسم Regio (قارن ما تقدّم، ص. 320).

ص 357

LU

0

بالوِهاد التي تجري فيها أنهار شلوبانية 1)، وهي محصورة ضيّقًا بين صخور شديدة الانحدار، قال بلغته لأحد كبار فرسانه: «أيّ قبر هذا، لو رمى أحد من فوقنا رملًا علينا!» ثمّ مال إلى اليمين، ولمّا وصل إلى بليش 2) بقرب البحر، أمر بصنع سفينة صغيرة وصيّد له سمكًا فأكل منه. أكان نذرًا نذره فوفّاه، أم فعل ذلك فحسب لكي يُتحدَّث عنه فيما بعد؟ لا أدري. ثمّ استأنف طريق غرناطة، فنزل في قرية ديلار، على ثلاث فراسخ جنوب المدينة. وبعد يومين توجّه إلى قرية همدان (الهدين) 3)، وبينما هو هناك خاض المسلمون معه عدّة وقائع دامية. وكان لأهل غرناطة نبوءة في الأحداث التي ينبغي أن تتمّ يومًا في هذا الموضع. يقول ابن الصيرفي إنّ هذا السهل مذكور في بعض كتب التنجيم بحرف يدلّ على يتامى وأرامل، وفي ذلك اليوم بدا أنّ تلك النبوءة ستتحقّق؛ لكنّ الله حمى أهل غرناطة.

«وبعد يومين انتقل ابن ردميرو

1 من موتريل، كما يقول الحلل، وهو ما يرجع إلى الشيء نفسه. ويحمل هذا النهر اليوم اسم الوادي الحلو (Guadalfeo) ونهر موتريل. وتقع شلوبانية غرب هذا النهر، وموتريل شرقه.

2 بليش مالقة.

3 انظر ما تقدّم، ص. 339.

23*

ص 358

356

إلى البسيط، فملأه بقوّاته؛ لكنّ الخيّالة المسلمين أجبروه على إخلائه، فأقام بقرب منبع .... 1)، محاطًا بقوّاتنا. وكان دائم الاستعداد للقتال، ويناور بحذر شديد بحيث استحال مباغتته.

«وعبر جبال الثلج (سييرا نيفادا)، فوصل أولًا إلى أليكون 2)، ثمّ إلى وادي آش؛ لكنّ في أثناء ذلك كان عدد من خيرة جنوده قد هلك. ثمّ واصل سيره نحو الشرق، فمرّ بقرب مرسية وشاطبة، وما زالت القوّات المسلمة تتبعه وتهاجمه كثيرًا؛ وفضلًا عن ذلك تفشّى الطاعون في جيشه. وأخيرًا عاد إلى وطنه، حيث افتخر بأنّه هزم المسلمين، وجاب بلادهم من طرف إلى طرف، وسبى كثيرًا من الأسرى والغنيمة. غير أنّه لم يأخذ أيّ مدينة مسوّرة، كبيرة كانت أو صغيرة؛ وإنّما هدم في البوادي بيوتًا كان سكّانها قد هجروها عند اقترابه، بينما مني جيشه هو بخسائر هائلة من غير قتال؛ فهلك تقريبًا كلّ محاربيه 3).

1 هذا الاسم غير متيقّن. وعن الينابيع بقرب غرناطة يمكن الرجوع إلى مارمول، Rebelion de los Moriscos ، Lib. I, cap. 10.

2 أليكون دي أورتيغا، في Partido Judicial de Guadix.

3 يؤيّد أورديك فيتال هذه الدعوى إلى حدّ ما، حين يقول: Arragones enim ut remeaverunt, totam regionem bonis omnibus spoliatam invenerunt, nimiâque penuriâ et fame, antequam proprios lares contigissent, vehementer aporiati sunt.

ص 359

557

وفي الذهاب والعودة قضى سنة وثلاثة أشهر في أرض المسلمين.

«ولمّا تنبّه المسلمون، ممّا جرى، إلى خيانة جيرانهم الحلفاء، اضطربوا وغضبوا معًا، وبينما كانوا يتّخذون شتّى الاحتياطات، رأى القاضي أبو الوليد ابن رشد 1) أنّ من الأعمال المحمودة أن ينهض بالسفر إلى إفريقيا. فذهب إذن إلى مراكش، فعرض على الأمير عليّ بن يوسف بن تاشفين حال الأمور في إسبانيا. وروى له ما عاناه مسلمو هذا البلد من المحن بسبب جريمة النصارى الحلفاء الذين استدعوا الروم، وقال إنّ هؤلاء النصارى قد نقضوا بذلك العهد، وسقط حقّهم في الحماية. ثمّ أفتى فتوى بأنّ المذنبين، إن أُريد تطبيق أخفّ العقوبات عليهم، يجب نفيهم من بلادهم. فأُخذ برأيه، وصدر في هذا المعنى مرسوم من الأمير. ففي شهر رمضان من تلك السنة (أيلول/سبتمبر — تشرين الأوّل/أكتوبر 1126) نُقل كثير من النصارى إلى إفريقيا 2)، وفي أثناء الرحلة قاسى هؤلاء الناس من سوء الطقس وسوء الطرق أشدّ المعاناة. غير أنّ عددًا من النصا-

1 جدّ ابن رشد الشهير (Averroès).

2 يضيف الحلل أنّ المُبعَدين أُسكنوا في نواحي سلا ومكناس.

3 قارن أورديك فيتال، الذي يعبّر بهذه العبارات: Porro

ص 360

558

رى ظلّوا في غرناطة، وبفضل الحماية التي أسبغها عليهم بعض الأمراء، عادوا فكثروا نسبيًّا؛ لكنّ في سنة 559 (1164) دارت معركة أُبيدوا فيها تقريبًا جميعًا. ولم يبقَ منهم اليوم إلّا شرذمة صغيرة، قد ألفت منذ زمن طويل الازدراء والهوان. والله يريد أن يمنح في الآخرة النصر لعباده! »

وبفضل لطف صديقي العالِم السيد عمّاري، أستطيع أن أضمّ إلى هذا السرد الطويل الطريف بعض المقاطع التي تهمّ خاصّة الترتيب الزمني، وتوجد في ذيل فتاوى ابن رشد التي جمعها ابن الورّان 1)، أحد تلاميذه 2). وفي هذا الذيل يشرح ابن الورّان لماذا قطع ابن رشد دروسه، وهذا ما يقوله في ذلك 3): Cordubenses aliique Sarracenorum populi valde irati sunt, ut Muceravios cum familiis et rebus suis discessisse viderunt [cf. supra, p. 353, n.1]. Quapropter communi decreto contra residuos insurrexerunt , rebus omnibus eos crudeliter expoliaverunt , verberibus et vinculis multisque iniuriis graviter vexaverunt. Multos eorum horrendis suppliciis interemerunt , et omnes alios in Africam ultra fretum Athlanticum relegaverunt, exilioque truci pro Christianorum odio, quibus magna pars eorum comitata fuerat , condemnaverunt.

1 أبو الحسن محمّد بن أبي الحسين بن إبراهيم بن يحيى، المعروف بابن الورّان.

2 مخطوط المكتبة الإمبراطورية، الملحق العربي، رقم 398. وقد ذكر السيد رينان هذا المخطوط في كتابه الجميل عن ابن رشد (ص. 10).

3 انظر النصّ في الملحق، رقم XXV.

ص 361

559

«شرع القاضي أبو الوليد في شرح كتاب التحصيل في أوّل محرّم سنة 518 (شباط/فبراير 1124)؛ لكنّه قطع دروسه في شهر رمضان 519 (تشرين الأوّل/أكتوبر 1123)، بسبب الغارة الشديدة المقلقة التي شنّها حينئذ الملك ابن ردميرو على بلاد المسلمين. — —

«وانشغالًا بغارة الملك النصراني، لم يُلقِ دروسًا حتى اللحظة التي عاد فيها هذا الملك أدراجه، بعد أن قاتل المسلمين في أرنيسويل بقرب قرطبة، يوم الأربعاء 15 صفر سنة 520 (9 آذار/مارس 1126). عندئذ دعا القاضي أبو الوليد القدير أن يبارك السفر الذي اعتزمه إلى المغرب، ليشرح لأمير المسلمين، حامِي الدين، عليّ بن يوسف بن تاشفين (أطال الله ملكه ومجّده!) حال الأمور في الجزيرة؛ ولمّا أتمّ استعدادات الرحيل في أوّل ربيع الأوّل من السنة المذكورة، سألته في صباح يوم الاثنين، ثالث هذا الشهر (29 آذار/مارس) إلخ. — —

«وخرج إلى المغرب في صباح اليوم التالي لليوم التالي، يوم الأربعاء (31 آذار/مارس). فاستقبله أمير المسلمين أكرم استقبال، وظلّ عنده محفوفًا بالإكرام حتى شرح له، في مجالس كثيرة، الدواعي التي حملته على القدوم إلى البلاط. فصدّق الأمير أخباره، ووعد باتّخاذ التدابير التي تقتضيها

ص 362

560

الظروف. ثمّ عاد القاضي إلى قرطبة في صباح يوم الأربعاء 22 جمادى الأولى من السنة المذكورة (16 حزيران/يونيو)، وروى للمسلمين أنّ أميرهم قد غمره بالإكرام ودلائل العطف، ففرح بذلك كلّ أحد. »

ويضيف ابن الورّان أنّ القاضي استأنف دروسه، بطلب من تلاميذه، في أوّل جمادى الآخرة (نحو أواخر حزيران/يونيو)، وأنّه واصلها حتى يوم السبت 23 جمادى الآخرة (17 تمّوز/يوليو)، ثمّ مرض، ومات في ليلة الأحد، 11 ذي القعدة سنة 520 (28 تشرين الثاني/نوفمبر 1126).

نهاية المجلد الأوّل.