رجلٌ يُنسب إلى جدَّته
في قرطبة القرن الرابع الهجري رجلٌ من كبار أهل اللغة، اسمُه أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز، تُوفِّي سنة سبعٍ وستين وثلاثمائة. له في العربية كتابٌ ما زال يُطبع ويُدرَّس إلى اليوم، هو «الأفعال»، وهو أوّلُ من رتَّب أبنية الفعل على هذا النحو. ومع ذلك لم يبقَ له في ألسنة الناس اسمُه ولا اسمُ أبيه، وإنما بقيت له نسبةٌ إلى امرأة: ابن القوطية، أي ابنُ المرأة القوطية.
والمرأةُ سارة، حفيدةُ غيطشة آخر ملوك القوط بالأندلس. وقصّتُها مثبتةٌ في أول الكتاب الذي بين أيدينا، يرويها صاحبُه عن نفسه وعن أهله: كيف بسط عمُّها أرطباس يده على ضياع أبيها، فأنشأت مركباً بإشبيلية وركبت البحر إلى الشام، حتى وقفت بباب هشام بن عبد الملك تتظلَّم، فأنصفها وزوَّجها من عيسى بن مزاحم؛ ومن هذا الزواج جاء بيتُ المؤلف.
«وأنكحها الخليفة هشام من عيسى بن مزاحم، فقدم معها الأندلس، وقبض ضياعها — وهو جدّ ابن القوطية.»
فالرجل إذن يكتب تاريخ الأندلس وهو من نسل ملوكها الذاهبين ومن رعايا ملوكها الحاضرين معاً؛ وهذه المسألة وحدَها تُفسِّر نصفَ ما في الكتاب، كما سيأتي في القسم الثاني.
كتابٌ لم يكتبه صاحبه
من الأمور التي يجب أن يعرفها القارئ من أول خطوة: أنّ «تاريخ افتتاح الأندلس» على الأرجح ليس كتاباً ألَّفه ابن القوطية بيده، وإنما هو تدوينٌ لمجالسه.
الدليلُ على ذلك لغويٌّ قبل أن يكون تاريخيّاً. فالرجل إمامٌ في العربية، صاحبُ «الأفعال»؛ ولو كتب هذا النصَّ بقلمه لما جاء فيه من ركاكة التركيب واضطراب الضمائر ما فيه. وقد وقف المستشرقُ الإسباني خوليان ريبيرا على هذا فذهب إلى أنّ أحد تلامذته هو الذي دوَّن الكتاب عنه، ونقل المحقِّق هذا الرأي وأقرَّه في موضعه من الحواشي.
ويؤيّده شيءٌ في النصّ نفسه: أنت تقرأ فتجد الكلام يجري كما يجري كلامُ شيخٍ في حلقة — يستطرد، ويقول «وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله» ثم لا يأتي، ويختم الخبر بـ«إلخ» كأنّ الناسخ ملَّ فطوى بقيّته. وهذه كلُّها علاماتُ إملاءٍ لا علاماتُ تأليف.
كيف وصلَنا النصّ
الكتابُ من الكتب التي كادت تضيع. لم يصل منه إلا نسخٌ قليلة، مدارُ الطبعات على اثنتين منها: نسخة مدريد ونسخة باريس. وأوّلُ من أخرجه إلى الناس مستشرقٌ إسباني هو خوليان ريبيرا، نشره عن الأصل الذي وقع له، ووضع له قراءاتٍ واجتهاداتٍ في المواضع المشكلة.
وعملُ ريبيرا هو الذي بنى عليه محقِّقُ هذه الطبعة، الدكتور عبد الله أنيس الطبّاع؛ فهو يقابل على النسختين، ويثبت ما رجَّحه، ويردُّ على ريبيرا حين يرى أنّه أخطأ. ومن هنا جاءت الصفةُ الغالبة على حواشي هذا الكتاب: أنّها ليست شرحاً للمعنى بقدر ما هي محضرُ خلافٍ بين محقِّقَين على قراءة كلمة. تقرأ في الصفحة الواحدة عشر حواشٍ من طراز:
«أوردها ريبيرا: انحزل، والأصح انخزل.» — «يقول ريبيرا إنها في الأصل الحوفة، وهذا خطأ.» — «عثرنا عليها في نسخة مدريد كذلك، فأثبتناها.»
ولهذا نُشر المتنُ هنا بحواشيه كاملةً ولم تُسقَط كما يُسقطها الناشرون عادةً: لأنّ إسقاطها في هذا الكتاب بالذات يُخفي على القارئ أنّ كثيراً مما يقرؤه قراءةٌ مرجَّحة لا نصٌّ قاطع.
ثلاثة كتبٍ في غلافٍ واحد
الطبعةُ التي بين أيدينا لا تحوي نصّاً واحداً بل ثلاثة، وقد فصلتُها في النشر كما فصلها المحقِّق:
- القسم الأول — «تاريخ افتتاح الأندلس» لابن القوطية. هذا هو الكتاب، وهو نحو سبعين صفحة من المطبوع، ويمتدّ من مقتل لذريق إلى أواخر أيام الأمير عبد الله ومقتلة ابن حفصون.
- القسم الثاني — «قصة فتح الأندلس» من كتاب «الإمامة والسياسة» المنسوب إلى ابن قتيبة. مؤلِّفٌ آخر، ومشرقيٌّ لا أندلسي، وروايةٌ مختلفة تماماً في مزاجها.
- القسم الثالث — نبذةٌ من «الرسالة الشريفية إلى الأقطار الأندلسية»، وفيها مادّةٌ في قسمة الأرض والخمس لا تكاد تجدها عند الأوَّلَين.
وقد أضاف المحقِّق أمام هذه النصوص مدخلاً طويلاً في نحو سبعين صفحة، وملحقاً بالتعريف بالمدن، وفهارس. ولم أنقل شيئاً من ذلك؛ فحقُّه أن يُقرأ في الكتاب المطبوع.
لماذا يستحقّ هذا الكتاب القراءة
ليس لأنّه أدقُّ ما كُتب عن الفتح — فليس كذلك. بل لأمرين:
الأول أنّه أقدمُ ما بقي. كلُّ ما نقرؤه اليوم عن الأندلس الأولى — عند ابن عذاري، والمقّري، وابن الخطيب — يقف في آخر سلسلته على نصوصٍ من طبقة هذا النصّ. فأنت هنا قريبٌ من المنبع بقدر ما يسمح به بقاءُ الكتب.
والثاني أنّه يحدِّثك عن أشياء لا يحدِّثك عنها غيره. المؤرخون الكبار يكتبون عن المعارك والولاة؛ وابن القوطية يكتب عن من كان يملك ماذا: عن ضياع بني غيطشة، وعن رجلٍ من الموالي طلب ضيعةً يعتمرها بيده، وعن قاضٍ عُزل من أجل كلمةٍ لم يُنكرها، وعن والي المدينة الذي كشف جريمة قتلٍ من طريق قفَّةٍ جديدة عند بائع الحُصر. هذا نوعٌ من التاريخ لا يُكتب إلا حين يكتب رجلٌ عن مدينته هو.