أخبار القضاة
كان النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون في خطة القضاء للمعز بالقيروان.
ولما جاء إلى مصر أقام بها في خطة القضاء إلى أن توفي وولي ابنه علي، ثم توفي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، فولى العزيز أخاه أبا عبد الله محمدا، خلع عليه وقلده سيفا.
وكان المعز قد وعد أباه بقضاء ابنه محمد هذا بمصر، وتم في سنة تسع وثمانين أيام الحاكم، وكان كبير الصيت، كثير الإحسان شديد الاحتياط في العدالة، فكانت أيامه شريفة. وولي بعده ابن عمه أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان أيام الحاكم، ٤/٧٠
ثم عزل سنة أربع وتسعين، وقتل وأحرق بالنار، وولي مكانه ملكة بن سعيد الفارقي إلى أن قتله الحاكم سنة خمس وأربعمائة بنواحي القصور، وكان عالي المنزلة عند الحاكم ومداخلا له في أمور الدولة، وخالصة له في خلواته. وولى بعده أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام. واتصل في آخرين إلى آخر دولتهم، كان كثيرا ما يجمعون للقاضي المظالم والدعوة، فيكون داعي الدعاة، وربما يفردون كلا منهما.
وكان القاضي عندهم يصعد مع الخليفة المنبر مع من يصعده من أهل دولته عند ما يخطب الخلفاء في الجمع والأعياد.
وفاة المعز وولاية ابنه الحاكم
قد تقدم لنا أن العزيز استنفر الناس للجهاد سنة إحدى وثمانين، وبرز في العساكر لغزو الروم، ونزل بلبيس فاعتورته الأمراض، واتصلت به إلى أن هلك آخر رمضان سنة ست وثمانين لإحدى عشرة سنة ونصف من خلافته، ولقب الحاكم بأمر الله، واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيته بذلك، وكان مدبر دولته، وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمار ويلقب بأمين الدولة، وتغلب على ابن عمار وانبسطت أيدي كتامة في أموال الناس وحرمهم، ونكر منجوتكين تقديم ابن عمار في الدولة، وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك فأظهر الانتقاض، وجهز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح فلقيهم بعسقلان، وانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفين وسيق أسيرا إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمار واستماله للمشارقة، وعقد على الشام لسليمان بن فلاح، ويكنى أبا تميم، فبعث من طبرية أخاه عليا إلى دمشق، فامتنع أهلها، فكاتبهم أبو تميم وتهددهم وأذعنوا، ودخل على البلد ففتك فيهم. ثم قدم أبو تميم فأمن وأحسن وبعث أخاه عليا إلى طرابلس وعزل عنها جيش بن الصمصامة فسار إلى مصر، وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمار وأعيان كتامة، وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة نزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة، ونكبة أخيه شرف الدولة إياه، فخلص إلى العزيز فقربه وحظي عنده، فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة. وثارت الفتنة واقتتل المشارقة والمغاربة فانهزمت المغاربة، واختفى ابن عمار وأظهر برجوان الحاكم وجدد ٤/٧١
له البيعة، وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح فنهب، ونهبت خزائنه، واستمر القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق، واستولى الأحداث. ثم أذن برجوان لابن عمار في الخروج من أستاره وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره.
واضطرب الشام فانتقض أهل صور، وقام بها رجل ملاح اسمه العلاقة وانتقض مفرج بن دغفل بن الجراح، ونزل على الرملة، وعاث في البلاد وزحف الدوقس ملك الروم إلى حصن أفامية محاصرا لها. وجهز برجوان العساكر مع جيش بن الصمصامة، فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدون، وأسطولا في البحر، واستنجد العلاقة ملك الروم فأنجده بالمقاتلة في المراكب، فظفر بهم أسطول المسلمين. واضطرب أهل صور وملكها ابن حمدان، وأسر العلاقة، وبعث به إلى مصر فسلخ وصلب وسار جيش بن الصمصامة إلى المفرج بن دغفل فهرب أمامه، ووصل إلى دمشق، وتلقاه أهلها مذعنين، وأحسن إليهم وسكنهم ورفع أيدي العدوان عنهم. ثم سار إلى أفامية وصاف الروم عندها فانهزم أولا هو وأصحابه، وثبت بشارة إخشيدي بن قرارة في خمس عشرة فارسا، ووقف الدوقس ملك الروم على رابية في ولده وعدة من غلمانه ينظر فعل الروم في المسلمين، فقصد كردي من مصاف الإخشيدي وبيده عصا من حديد يسمى الخشت، وظنه الملك مستأمنا، فلما دنا منه ضربه بالخشت فقتله، وانهزم الروم وأتبعهم جيش بن الصمصامة إلى أنطاكية يغنم ويسبي ويحرق. ثم عاد مظفرا إلى دمشق فنزل بظاهرها ولم يدخل. واستخلص رؤساء الأحداث واستحجبهم وأقيم له الطعام في كل يوم، وأقام على ذلك برهة. ثم أمر أصحابه إذا دخلوا للطعام أن يغلق باب الحجرة عليهم، ويوضع السيف في سائرهم، فقتل منهم ثلاثة آلاف، ودخل دمشق وطاف بها وأحضر الأشراف فقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وبعث بهم إلى مصر وأمن الناس. ثم إنه توفي وولي محمود بن جيش وبعث برجوان إلى بسيل ملك الروم فصالحه لعشر سنين، وبعث جيشا إلى برقة وطرابلس المغرب ففتحها، وولى عليها يانسا الصقلي. ثم ثقل مكان برجوان على الحاكم فقتله سنة تسع وثمانين، وكان خصيا أبيض، وكان له وزير نصراني استوزره الحاكم من بعده. ثم قتل الحسين بن عمار، ثم الحسين بن جوهر القائد. ثم جهز العساكر مع يارخنكين إلى حلب، ٤/٧٢
وقصد حسان بن فرج الطائي، لما بلغ من عيثه وفساده، فلما رحل من غزوة إلى عسقلان لقيه حسان وأبوه مفرج فانهزم وقتل، ونهبت النواحي وكثرت جموع بني الجراح وملكوا الرملة، واستقدموا الشريف أبا الفتوح الحسن بن جعفر أمير مكة فبايعوه بالخلافة. ثم استمالهما الحاكم ورغبهما فرداه إلى مكة وراجعا طاعة الحاكم، وراجع هو كذلك، وخطب له بمكة. ثم جهز الحاكم العساكر إلى الشام مع علي ابن جعفر بن فلاح، وقصد الرملة، فانهزم حسان بن مفرج وقومه، وغلبهم على تلك البلاد واستولى على أموالهم وذخائرهم، وأخذ ما كان لهم من الحصون بجبل السراة، ووصل إلى دمشق في شوال سنة تسعين، فملكها واستولى عليها، وأقام مفرج وابنه حسان شريدين بالقفر نحوا من سنتين. ثم هلك مفرج وبعث حسان ابنه إلى الحاكم فأمنه وأقطعه ثم وفد عليه بمصر فأكرمه ووصله.
خروج أبي ركوة ببرقة والظفر به
كان أبو ركوة هذا يزعم أنه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل، وأنه هرب من المنصور بن أبي عامر حين تتبعهم بالقتل وهو ابن عشرين سنة، وقصد القيروان فأقام بها يعلم الصبيان. ثم قصد مصر وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن والشام وكان يدعو للقائم من ولد أبيه هشام، واسمه الوليد وإنما لقبه أبا ركوة لأنه كان يحملها لوضوئه على عادة الصوفية. ثم عاد إلى نواحي مصر ونزل على بني قرة من بادية هلال بن عامر، وأقام يعلم الصبيان ويؤمهم في صلاتهم. ثم أظهر ما في نفسه ودعا للقائم. وكان الحاكم قد أسرف في القتل في أصناف الناس وطبقاتهم، والناس معه على خطر، وكان قتل جماعة من بني قرة وأحرقهم بالنار لفسادهم، فبادر بنو قرة وكانوا في أعمال برقة فأجابوه وانقادوا له وبايعوا. وكان بينهم وبين لواتة ومزاتة وزناتة جيرانهم في الأصل حروب ودماء فوضعوها. واتفقوا على بيعته. وكتب عامل برقة أنيال الطويل بخبرهم إلى الحاكم فأمره بالكف عنهم. ثم اجتمعوا وساروا إلى برقة فهزموا العامل برمادة، وملكوا برقة وغنموا الأموال والسلاح وقتلوه. وأظهر أبو ركوة العدل، وبلغ الخبر إلى الحاكم فاطمأنت نفسه، وكف عن ٤/٧٣
الأذى والقتل، وجهز خمسة آلاف فارس مع القائد أبي الفتوح الفضل بن صالح فبلغ ذات الحمام، وبينها وبين برقة مفازة صعبة معطشة، وأمر أبو ركوة من غور المياه التي فيها على قلبها. ثم سار للقائهم بعد خروجهم من المفازة على جهد العطش فقاتلهم، ونال منهم وثبت أبو ركوة واستأمن إليه جماعة من كتامة لما نالهم من أذى الحاكم وقتله فأمنهم، ولحقوا به، وانهزمت عساكر الحاكم وقتل خلق كثير منهم.
ورجع أبو ركوة إلى برقة ظافرا وردد البعوث والسرايا إلى الصعيد وأرض مصر. وأهم الحاكم أمره وندم على ما فرط. وجهز علي بن فلاح العساكر لحربهم، وكاتب الناس أبا ركوة يستدعونه، وممن كتب إليه الحسن بن جوهر قائد القواد، وبعثهم في ستة عشر ألف مقاتل سوى العرب، وبعث أخاه في سرية فواقع بني قرة وهزمهم، وقتل من شيوخهم عبد العزيز بن مصعب ورافع بن طراد ومحمد بن أبي بكر، واستمال الفضل بني قرة فأجابه ماضي بن مقرب من أمرائهم، وكان يطالعه بأخبارهم. وبعث علي بن فلاح عسكرا إلى الفيوم فكبسه بنو قرة وهزموه، ونزل أبو ركوة بالهرمين، ورجع من يومه ثم رحل الفضل إلى الفيوم لقتالهم فواقعهم برأس البركة وهزمهم، واستأمن بنو كلاب وغيرهم، ورجع علي بن فلاح، وتقدم الفضل لطلب أبي ركوة وخذل ماضي بن مقرب بني قرة عن أبي ركوة فقالوا له أنج بنفسك إلى بلد النوبة، ووصل إلى تخومهم وقال: أنا رسول الحاكم فقالوا لا بد من استئذان الملك، فوكلوا به وطالعوا الملك بحقيقة الحال. وكان صغيرا قد ولي بعد سرقة أبيه، وبعث إليه الفضل بشأنه وطلبه فكتب إلى شجرة بن منيا قائد الخيل بالثغر بأن يسلمه إلى نائب الحاكم، فجاء به رسول الفضل وأنزله الفضل في خيمة وحمله إلى مصر فطيف به على جمل لابسا طرطورا وخلفه قرد يصفعه. ثم حمل إلى ظاهر القاهرة ليقتل، فمات قبل وصوله، وقطع رأسه وصلب. وبالغ الحاكم في إكرام الفضل ورفع مرتبته، ثم قتله بعد ذلك، وكان ظفر الحاكم بأبي ركوة سنة سبع وتسعين. ٤/٧٤
بقية أخبار الحاكم
كان الحسن بن عمار زعيم كتامة مدبر دولته كما ذكرناه، وكان برجوان خادمه وكافله، وكان بين الموالي والكتاميين في الدولة منافسة. وكان كثيرا ما يفضي إلى القتال، واقتتلوا سنة سبع وثمانين، وأركب المغاربة ابن عمار والموالي برجوان، وكانت بينهم حروب شديدة. ثم تحاجزوا واعتزل ابن عمار الأمور وتخلى بداره عن رسومه وجراياته، وتقدم برجوان بتدبير الدولة. وكان كاتب بن فهر بن إبراهيم يربع وينظر في الظلامات ويطالعه. وولى على برقة يأنس صاحب الشرطة مكان صندل. ثم قتل برجوان سنة تسع وثمانين ورجع التدبير إلى القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر، وبقي ابن فهر على حاله. وفي سنة تسعين انقطعت طرابلس عن منصور بن بلكين بن زيري صاحب إفريقية، وولى عليها يأنس العزيزي من موالي العزيز، فوصل إليها وأمكنه عامل المنصور منها، وهو عصولة بن بكار. وجاء إلى الحاكم بأهله وولده وماله وأطلق يد يأنس على مخلفه بطرابلس، يقال كان له من الولد نيف وستون بين ذكر وأنثى، ومن السراري خمس وثلاثون فتلقى بالمبرة وهيئ له القصور ورتب له الجراية وقلده دمشق وأعمالها، فهلك بها لسنة من ولايته. وفي سنة اثنتين وتسعين وصل الصريخ من جهة فلفول بن خزرون المغراوي في ارتجاع طرابلس إلى منصور بن بلكين، فجهزت العساكر مع يحيى بن علي الأندلسي الذي كان جعفر أخوه عامل الزاب للعبيديين، ونزع إلى بني أمية وراء البحر. ولم يزل هو وأخوه في تصريفهم إلى أن قتل المنصور بن أبي عامر جعفرا منهما، ونزع أخوه يحيى إلى العزيز بمصر فنزل عليه وتصرف في خدمته وبعثه الآن الحاكم في العساكر لما قدمناه، فاعترضه بنو قرة ببرقة ففضوا جموعه، ورجع إلى مصر وسار يأنس من برقة إلى طرابلس، فكان من شأنه مع عصولة ما ذكرناه. وبعد وفاة عصولة ولي على دمشق مفلح الخادم، وبعده علي بن فلاح سنة ثمان وتسعين. وبعد مسير يأنس ولي على برقة صندل الأسود. وفي سنة ثمان وتسعين عزل الحسين بن جوهر القائد وقام ٤/٧٥
بتدبير الدولة صالح بن علي بن صالح الروباذي. ثم نكب حسين القائد بعد ذلك وقتل، ثم قتل صالح بعد ذلك وقام بتدبير الدولة الكافي بن نصر بن عبدون، وبعده زرعة بن عيسى بن نسطورس، ثم أبو عبد الله الحسن بن طاهر الوزان. وكثر عيث الحاكم في أهل دولته وقتله إياهم مثل الجرجرائي وقطعه أيديهم، حتى أن كثيرا منهم كانوا يهربون من سطوته، وآخرون يطلبون الأمان فيكتب لهم به السجلات.
وكان حاله مضطربا في الجور والعدل والإخافة والأمن والنسك والبدعة. وأما ما يرمي به من الكفر وصدور السجلات بإسقاط الصلوات فغير صحيح، ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقتل لوقته. وأما مذهبه في الرافضة فمعروف. ولقد كان مضطربا فيه مع ذلك، فكان يأذن في صلاة التراويح ثم ينهي عنها، وكان يرى بعلم النجوم ويؤثره، وينقل عنه أنه منع النساء من التصرف في الأسواق، ومنع من أكل الملوخيا. ورفع إليه أن جماعة من الروافض تعرضوا لأهل السنة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز، فكتب في ذلك سجلا قرئ على المنبر بمصر كان فيه: أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلوا عليكم آية من كتاب الله المبين، لا إكراه في الدين 2: 256 (الآية) . مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين نحن الأئمة، وأنتم الأمة. لا يحل قتل من شهد الشهادتين ولا يحل عروة بين اثنين تجمعها هذه الأخوة، عصم الله بها من عصم، وحرم لها ما حرم، من كل محرم من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد من العباد يستقبح. يطوى ما كان فيما مضى فلا ينشر، ويعرض عما انقضى فلا يذكر. ولا يقبل على ما مر وأدبر من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين سلام الله عليهم أجمعين، مهديهم بالله وقائمهم بأمر الله، ومنصور هم بالله ومعزهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهدية والمنصورية، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفية ليست بمستورة عنهم ولا مطوية. يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون. يخمس في التكبير على الجنائز ٤/٧٦
المخمسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربعون. يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون. لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف. لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده وإلى الله ربه ميعاده، عنده كتابه وعليه حسابه. ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلى مسلم على مسلم بما أعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما أعتمده من جميع ما نصه أمير المؤمنين في سجله هذا، وبعده قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
وفاة الحاكم وولاية الظاهر
ثم توفي الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز نزار قتيلا ببركة الحبش بمصر، وكان يركب الحمار ويطوف بالليل ويخلو بدار في جبل المقطم للعبادة، ويقال لاستنزال روحانية الكواكب. فصعد ليلة من ليالي لثلاث بقين من شوال سنة إحدى عشرة ركب على عادته ومشى معه راكبان فردهما واحدا بعد آخر في تصاريف أموره. ثم افتقد ولم يرجع، وأقاموا أياما في انتظاره. ثم خرج مظفر الصقلي والقاضي وبعض الخواص إلى الجبل فوجدوا حماره مقطوع اليدين، واتبعوا أثره إلى بركة الحبش فوجدوا ثيابه مزررة وفيها عدة ضربات بالسكاكين فأيقنوا بقتله. ويقال إن أخته بلغه أن الرجال يتناوبون بها فتوعدها فأرسلت الى ابن دواس من قواد كتامة، وكان يخاف الحاكم فأغرته بقتله، وهونته عليه لما يرميه به الناس من سوء العقيدة، فقد يهلك الناس ونهلك معه. ووعدته بالمنزلة والاقطاع، فبعث إليه ٤/٧٧
رجلين فقتلاه في خلوته. ولما أيقنوا بقتله اجتمعوا إلى أخته ست الملك فأحضرت علي بن دواس، وأجلس علي بن الحاكم صبيا لم يناهز الحلم وبايع له الناس، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله، ونفذت الكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له. ثم حضر ابن دواس من الغد وحضر معه القواد فأمرت ست الملك خادمها فعلاه بالسيف أمامهم حتى قتله وهو ينادي بثأر الحاكم فلم يختلف فيه اثنان، وقامت بتدبير الدولة أربع سنين ثم ماتت. وقام بتدبير الدولة الخادم معضاد وتافر بن الوزان، وولي وزارته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وكان متغلبا على دولته، وانتقض الشام خلال ذلك، وتغلب صالح بن مرداس من بني كلاب على حلب، وعاث بنو الجراح في نواحيه، فبعث الظاهر سنة عشرين قائده الزريري والي فلسطين في العساكر، وأوقع بصالح بن الجراح، وقتل صالح وابنه وملك دمشق. وملك حلب من يد شبل الدولة نصر بن صالح وقتله، وكان بينه وبين بني الجراح قبل ذلك وهو بفلسطين حروب، حتى هرب من الرملة إلى قيسارية فاعتصم بها وأخرب ابن الجراح الرملة وأحرقها. وبعث السرايا فانتهت إلى العريش وخشي أهل بلبيس وأهل القرافة على أنفسهم، فانتقلوا إلى مصر، وزحف صالح بن مرداس في جموع العرب لحصار دمشق وعليها يومئذ ذو القرنين ناصر الدولة بن الحسين. وبعث حسان بن الجراح إليهم بالمدد، ثم صالحوا صالح بن مرداس وانتقل إلى حصار حلب وملكها من يد شعبان الكتامي، وجردت العساكر من الشام مع الوزيري وكان ما تقدم وملك دمشق وأقام بها.
وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر
ثم توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن الحاكم منتصف شعبان سنة سبع وعشرين لست عشرة سنة من خلافته، فولي ابنه أبو تميم معد ولقب المستنصر بأمر الله، وقام بأمره وزير أبيه أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، وكان بدمشق ٤/٧٨
الوزيري واسمه أقوش تكين وكانت البلاد صلحت على يديه لعدله ورفقه وضبطه، وكان الوزير الجرجرائي يحسده ويبغضه، وكتب إليه بإبعاد كاتبه أبي سعيد، فأنفذ إليه أنه يحمل الوزيري على الانتقاض، فلم يجب الوزيري إلى ذلك واستوحش، وجاء جماعة من الجند إلى مصر في بعض حاجاتهم فداخلهم الجرجرائي في التوثب به، ودس معهم بذلك إلى بقية الجند بدمشق فتعللوا عليه فخرج إلى بعلبك سنة ثلاث وثلاثين فمنعه عاملها من الدخول، فسار إلى حماة فمنع أيضا فقوتل، وهو خلال ذلك ينهب فاستدعى بعض أوليائه من كفرطاب فوصل إليه في ألفي رجل، وسار إلى حلب فدخلها وتوفي بها في جمادى الآخرة من السنة، وفسد بعده أمر الشام وطمع العرب في نواحيه، وولى الجرجرائي على دمشق الحسين بن حمدان فكان قصارى أمره منع الشام، وملك حسان بن مفرج فلسطين وزحف معز الدولة بن صالح الكلابي إلى حلب فملك المدينة، وامتنع عليه أصحاب القلعة وبعثوا إلى مصر للنجدة فلم ينجدهم، فسلموا القلعة لمعز الدولة بن صالح فملكها.
مسير العرب إلى إفريقية
كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بإفريقية وخطب للقائم العباسي، وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر يتهدده.
ثم إنه استوزر الحسين بن علي التازوري بعد الجرجرائي ولم يكن في رتبته فخاطبه المعز دون ما كان يخاطب من قبله، كان يقول في كتابه إليهم عبده، ويقول في كتاب التازوري صنيعته فحقد ذلك، وأغرى به المستنصر، وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال وبعثهم إلى إفريقية وملكهم كل ما يفتحونه، وبعث إلى المعز: أما بعد فقد أرسلنا إليك خيولا وحملنا عليها رجالا فحولا ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ٤/٧٩
فساروا إلى برقة فوجدوها خالية لأن المعز كان أباد أهلها من زناتة، فاستوطن العرب برقة، واحتقر المعز شأنهم واشترى العبيد واستكثر منهم حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفا. وزحف بنو زغبة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين، وجازت رياح الأثبج وبنو عدي إلى إفريقية، فاضرموها نارا. ثم سار أمراؤهم إلى المعز وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من زياد فأكرمهم المعز وأجزل لهم عطاياه فلم يغن شيئا، وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله، فخرج إليهم المعز في جموعه من صنهاجة والسودان نحوا من ثلاثين ألفا، والعرب في ثلاثة آلاف فهزموه وأثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم، ودخل المعز القيروان مهزوما.
ثم بيتهم يوم النحر وهم في الصلاة فهزموه أعظم من الأولى. ثم سار إليهم بعد أن احتشد زناتة معه فانهزم ثالثة وقتل من عسكره نحو من ثلاثة آلاف، ونزل العرب بمصلى القيروان ووالوا عليهم الهزائم، وقتلت منهم أمم. ثم أباح لهم المعز دخول القيروان للميرة فاستطالت عليهم العامة فقتلوا منهم خلقا وأدار المعز السور على القيروان سنة ست وأربعين. ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة سنة ست وأربعين وأمر المعز أهل القيروان بالانتقال إلى المهدية للتحصن بها، وولى عليها ابنه تيما سنة خمس وأربعين. ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين، وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى كما يذكر في أخبارهم. ثم كانت الخطبة للمستنصر ببغداد على يد البساسيري من مماليك بني بويه عند انقراض دولتهم واستيلاء السلجوقية كما نذكره في أخبارهم.
مقتل ناصر الدولة بن حمدان بمصر
كانت أم المستنصر متغلبة على دولته وكانت تصطنع الوزراء وتوليهم، وكانوا يتخذون الموالي من الأتراك للتغلب على الدولة. فمن استوحشت منه أغرت به المستنصر فقتله.
فاستوزرت أولا أبا الفتح الفلاحي، ثم استوحشت منه فقبض عليه المستنصر وقتله، ووزر بعده أبا البركات حسن بن محمد وعزله. ثم ولى الوزارة أبا محمد التازوري من ٤/٨٠
قرية بالرملة تسمى تازور، فقام بالدولة إلى أن قتل، ووزر بعده أبو عبد الله الحسين ابن البابلي، وكان في الدولة من موالي السودان ناصر الدولة بن حمدان، واستمالوا معهم كتامة والمصامدة، وخرج العبيد إلى الضياع واجتمعوا في خمسين ألف مقاتل، وكان الأتراك ستة آلاف، وشكوا إلى المستنصر فلم يشكهم، فخرجوا إلى غرمائهم والتقوا بكوم الريش، وأكمن الأتراك للعبيد ولقوهم فانهزموا، وخرج كمينهم على العبيد وضربوا البوقات والكاسات فارتاب العبيد وظنوه المستنصر فانهزموا، وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفا. وفدى الأتراك وتغلبوا، وعظم الافتراء فيهم فخلت الخزائن، واضطربت الأمور وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، واجتمعوا مع العبيد وكانوا خمسة عشر ألفا وساروا إلى الجيزة فلقيهم الأتراك وعليهم ناصر الدولة بن حمدان فهزموهم إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك ظافرين. واجتمع العبيد في الصعيد وحضر الأتراك بدار المستنصر فأمرت أمه العبيد بالدار أن يفتكوا بمقدمي الأتراك ففعلوا وهربوا إلى ظاهر البلد ومعهم ناصر الدولة، وقاتل أولياء المستنصر فهزمهم، وملك الاسكندرية ودمياط وقطع الخطبة منهما ومن سائر الريف للمستنصر. وراسل الخليفة العباسي ببغداد وافترق الناس من القاهرة.
ثم صالح المستنصر ودخل القاهرة واستبد عليه وصادر أمه على خمسين ألف دينار، وافترق عنه أولاده وكثير من أهله في البلاد. ودس المستنصر لقواد الأتراك بأنه يحول الدعوة فامتعضوا لذلك وقصدوه في بيته، وهو آمن منهم، فلما خرج إليهم تناولوه بسيوفهم حتى قتلوه وجاءوا برأسه، ومروا على أخيه في بيته فقطعوا رأسه، وأتوا بهما جميعا إلى المستنصر وذلك سنة خمس وستين، وولى عليهم الذكر منهم وقام بأمر الدولة.
استيلاء بدر الجمالي على الدولة
أصل بدر هذا من الأرمن من صنائع الدولة بمصر ومواليها، وكان حاجبا لصاحب دمشق، واستكفاه فيما وراء بابه. ثم مات صاحب دمشق فقام بالأمور إلى أن وصل الأمير على دمشق، وهو ابن منير فسار هو إلى مصر وترقى في الولايات إلى أن ولي عكا وظهر منه كفاية واضطلاع. ولما وقع بالمستنصر ما وقع من استيلاء الترك عليه ابن خلدون م 6 ج 4 ٤/٨١
والفساد والتضييق، استقدم بدر الجمالي لولاية الأمور بالحضرة، فاستأذن في الاستكثار من الجند لقهر من تغلب من جند مصر فأذن له في ذلك، وركب البحر من عكا في عشرة مراكب، ومعه جند كثيف من الأرمن وغيرهم، فوصل الى مصر، وحضر عند الخليفة فولاه ما وراء بابه، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، ولقبه بالسيد الأجل أمير الجيوش، مثل والي دمشق. وأضيف إلى ذلك كافل قضاة المسلمين، وداعي دعاة المؤمنين، ورتب الوزارة وزاده سيفه ورد الأمور كلها إليه، ومنه إلى الخليفة. وعاهده الخليفة على ذلك، وجعل إليه ولاية الدعاة والقضاء، وكان مبالغا في مذهب الإمامية، فقام بالأمور واسترد ما كان تغلب عليه أهل النواحي مثل ابن عمار بطرابلس وابن معرف بعسقلان وبني عقيل بصور. ثم استرد من القواد والأمراء بمصر جميع ما أخذوه أيام الفتنة من المستنصر من الأموال والأمتعة. وسار إلى دمياط وقد تغلب عليها جماعة من المفسدين من العرب وغيرهم، فأثخن في لواتة بالقتل والنهب في الرجال والنساء وسبى نساءهم وغنم خيولهم. ثم سار إلى جهينة وقد ثاروا ومعهم قوم من بني جعفر فلقيهم على طرخ العليا سنة تسع وستين فهزمهم وأثخن فيهم وغنم أموالهم. ثم سار إلى أسوان وقد تغلب عليها كنز الدولة محمد فقتله وملكها، وأحسن إلى الرعايا ونظم حالهم وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، وعادت الدولة إلى أحسن ما كانت عليه.
وصول الغز الى الشام واستيلاؤهم عليه وحصارهم مصر
كان السلجوقية وعساكرهم من الغز قد استولوا في هذا العصر على خراسان والعراقين وبغداد، وملكهم طغرلبك، وانتشرت عساكرهم في سائر الأقطار، وزحف اتسز ٤/٨٢
بن أفق من أمراء السلطان ملك شاه وسموه الشاميون أفسفس والصحيح هذا، وهو اسم تركي هكذا قال ابن الأثير، فزحف سنة ثلاث وثلاثين بل وستين ففتح الرملة، ثم بيت المقدس وحصر دمشق وعاث في نواحيها وبها المعلى بن حيدرة، ولم يزل يوالي عليها البعوث إلى سنة ثمان وستين، وكثر عسف المعلى بأهلها مع ما هم فيه من شدة الحصار فثاروا به، وهرب إلى بلسيس، ثم لحق بمصر فحبس إلى أن مات. ولما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة وولوا عليهم انتصار بن يحيى منهم ولقبوه وزير الدولة، ثم اضطربوا مما هم فيه من الغلاء، وجاء أمير من القدس فحاصرهم حتى نزلوا على أمانه. وأنزل وزير الدولة بقلعة بانياس ودخل دمشق في ذي القعدة، وخطب فيها للمقتدي العباسي. ثم سار إلى مصر سنة تسع وستين فحاصرها، وجمع بدر الجمالي العساكر من العرب وغيرهم، وقاتله فهزمه وقتل أكثر أصحابه، ورجع أتسز منهزما إلى الشام فأتى دمشق، وقد صانوا مخلفه فشكرهم ورفع عنهم خراج سنة تسع وستين، وجاء إلى بيت المقدس فوجدهم قد عاثوا في مخلفه وحصروا أهله وأصحابه في مسجد داود عليه السلام، فحاصرهم ودخل البلد عنوة، وقتل أكثر أهله حتى قتل كثيرا في المسجد الأقصى. ثم جهز أمير الجيوش بدر الجمالي العساكر من مصر مع قائده نصير الدولة، فحاصر دمشق وضيق عليها، وكان ملك السلجوقية السلطان ملك شاه قد أقطع أخاه تتش سنة سبعين وأربعمائة بلاد الشام، وما يفتحه منها فزحف إلى حلب وحاصرها وضيق عليها، ومعه جموع كثيرة من التركمان فبعث إليه أتسز من دمشق يستصرخه، فسار إليه، وأجفلت عساكر مصر عن دمشق، وخرج أتسز من دمشق للقائه فقتله وملك البلد، وذلك سنة إحدى وسبعين. وملك ملك شاه بعد ذلك حلب واستولى السلجوقية على الشام أجمع، وزحف أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر في العساكر، إلى دمشق وبها تاج الدولة تتش فحاصره وضيق عليه، وامتنع عليه ورجع، وزحفت عساكر مصر سنة اثنتين وثمانين إلى الشام فاسترجعوا مدينة صور من يد أولاد القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، كان أبوهم قد انتزى عليها، ثم فتحوا مدينة صيدا ثم مدينة جميل ٤/٨٣
وضبط أمير الجيوش البلاد وولى عليها العمال. وفي سنة أربع وثمانين استولى الفرنج على جزيرة صقلية، وكان أمير الجيوش قد ولى على مدينة صور منير الدولة الجيوشي من طائفته، فانتقض سنة ست وثمانين، وبعث إليه أمير الجيوش العساكر فثار به أهل المدينة، واقتحمت عليهم العساكر وبعث منير الدولة إلى مصر في جماعة من أصحابه فقتلوا كلهم. ثم توفي أمير الجيوش بدر الجمالي سنة سبع وثمانين في ربيع الأول لثمانين سنة من عمره. وكان له موليان أمين الدولة لاويز ونصير الدولة أفتكين فحذرهم بأنه يروم الاستبداد ورغبه في ولد مولاه بدر، فلما قضى بدر نحبه استدعى المستنصر لاويز ليقلده فأنكر ذلك أفتكين وركب في الجند وشغبوا على المستنصر، واقتحموا القصر وأسمعوه خشن الكلام فرجع إلى ولاية ولد بدر، وقدم للوزارة ابنه محمد الملك أبا القاسم شاه، ولقبه بالأفضل مثل لقب أبيه. وكان أبو القاسم بن المقري رديفا لبدر في وزارته بما كان اختصه لذلك، فولى بعد موته الوزارة المقري وكانت عندهم عبارة عن التوقيع بالقلم الغليظ. وقام الأفضل أبو القاسم بالدولة وجرى على سنن أبيه في الاستبداد، وكانت وفاة المستنصر قريبا من ولايته.
وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي
ثم توفي المستنصر معد بن الظاهر يوم التروية سنة سبع وثمانين لستين سنة من خلافته ويقال لخمس وستين بعد أن لقي أهوالا وشدائد، وانفتقت عليه فتوق استهلك فيها أمواله وذخائره حتى لم يكن له إلا بساطه الذي يجلس عليه، وصار إلى حد العزل والخلع، حتى تدارك أمره باستقدام بدر الجمالي من عكا فتقوم أمره، ومكنه في خلافته. ولما مات خلف من الولد أحمد ونزارا وأبا القاسم، وكان المستنصر فيما يقال قد عهد لنزار، وكانت بينه وبين أبي القاسم الأفضل عداوة، فخشي بادرته وداخل عمته في ولاية أبي القاسم، على أن تكون لها كفالة الدولة، فشهدت بأن المستنصر عهد له بمحضر القاضي والداعي فبويع ابن ست، ولقب المستعلي بالله، ٤/٨٤
وأكره أخوه الأكبر على بيعته، ففر إلى الإسكندرية بعد ثلاث، وبها نصير الدولة أفتكين مولى بدر الجمالي الذي سعى للأفضل، فانتقض وبايع لنزار بعهده ولقب المصطفى لدين الله. وسار الأفضل بالعساكر وحاصرهم بالإسكندرية واستنزلهم على الأمان، وأعطاهم اليمين على ذلك، وأركب نزارا السفن إلى القاهرة وقتل بالقصر.
وجاء الأفضل ومعه أفتكين أسيرا فأحضره يوما ووبخه، فهم بالرد عليه فقتل بالضرب بالعصي، وقال: لا يتناول اليمين هذه للقتلة، ويقال إن الحسين بن الصباح رئيس الإسماعيلية بالعراق قصد المستنصر في زي تاجر، وسأله إقامة الدعوة له ببلاد العجم فأذن له في ذلك، وقال له الحسين من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار! فسار ابن الصباح ودعا الناس ببلاد العجم إليه سرا. ثم أظهر أمره وملك القلاع لك مثل قلعة الموت وغيرها كما نذكره في أخبار الإسماعيلية، وهم من أجل هذا الخبر يقولون بإمامة نزار. ولما ولي المستعلي خرج ثغر عن طاعته وولي عليه واليه كشيلة وبعث المستعلي العساكر فحاصره، ثم اقتحموا عليه وحملوه إلى مصر فقتل بها سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكان تتش صاحب الشام قد مات واختلف بعده ابناه رضوان ودقاق، وكان دقاق بدمشق ورضوان بحلب فخطب رضوان في أعماله للمستعلي بالله أياما قلائل ثم عاود الخطبة للعباسيين.
استيلاء الفرنج على بيت المقدس
كان بيت المقدس قد أقطعه تاج الدولة تتش للأمير سليمان بن أرتق التركماني، وقارن ذلك استفحال الفرنج واستطالتهم على الشام، وخروجهم سنة تسعين وأربعمائة، ومروا بالقسطنطينية وعبروا خليجها، وخلى صاحب القسطنطينية سبيلهم ليحولوا بينه وبين صاحب الشام من السلجوقية والغز فنازلوا أولا أنطاكية فأخذوها من يد باغيسيان، من قواد السلجوقية، وخرج منها هاربا فقتله بعض الأرمن في طريقه، وجاء برأسه إلى الفرنج بأنطاكية. وعظم الخطب على عساكر الشام وسار كربوقا صاحب الموصل فنزل مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش، وسليمان بن أرتق، وطفتكين أتابك صاحب حمص وصاحب سنجار، وجمعوا من كان لك ٤/٨٥
من الترك والعرب، وبادروا إلى أنطاكية لثلاثة عشر يوما من حلول الفرنج بها. وقد اجتمع ملوك الفرنج ومقدمهم بنميد، وخرج الفرنج وتصادموا مع المسلمين فانهزم المسلمون، وقتل الفرنج منهم ألوفا، واستولوا على معسكرهم، وساروا إلى معرة النعمان وحاصروها أياما، وهربت حاميتها، وقتلوا منها نحوا من مائة ألف، وصالحهم ابن منقذ على بلده شيزر، وحاصروا حمص فصالحهم عليها جناح الدولة، ثم حاصروا عكة فامتنعت عليهم، وأدرك عساكر الغز من الوهن ما لا يعبر عنه فطمع أهل مصر فيهم، وسار الأفضل بن بدر بالعساكر لاسترجاع بيت المقدس فحاصرها، وبها سقمان وأبو الغازي ابنا أرتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج، ونصبوا عليها نيفا وأربعين منجنيقا، وأقاموا عليها نيفا وأربعين يوما، ثم ملكوها بالأمان في سنة تسعين. وأحسن الأفضل إلى سقمان وأبي الغازي ومن معهما، وخلى سبيلهم، فسار سقمان إلى بلد الرها وأبو الغازي إلى بلد العراق، وولى الأفضل على بيت المقدس ورجع إلى مصر. ثم سارت الفرنج إلى بيت المقدس وحاصروه نيفا وأربعين يوما، ونصبوا عليه برجين ثم اقتحموها من الجانب الشمالي لسبع بقين من شعبان، واستباحوها أسبوعا، ولجأ المسلمون إلى محراب داود عليه السلام واعتصموا به إلى أن استنزلهم الفرنج بالأمان، وخرجوا إلى عسقلان وقتل بالمسجد عند الشجرة سبعون ألفا، وأخذوا من المسجد نيفا وأربعين قنديلا من الفضة يزن كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة، وتنورا من الفضة يزن أربعين رطلا بالشامي، ومائة وخمسين قنديلا من الصفر وغير ذلك مما لا يحصى. وأجفل أهل بيت المقدس وغيرهم من أهل الشام إلى بغداد باكين على ما أصاب الإسلام ببيت المقدس من القتل والسبي والنهب. وبعث الخليفة أعيان العلماء إلى السلطان بركيارق وإخوته محمد وسنجر بالمسير إلى الجهاد فلم يتمكنوا من ذلك، للخلاف الذي كان بينهم. ورجع الوفد مؤيسين من نصرهم. وجمع الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر وسار إلى الفرنج، فساروا إليهم وكبسوهم على غير أهبة فهزموهم، وافترق عسكر مصر وقد لاذوا بخم الشعراء هناك فاضرموها عليهم نارا فاحترقوا وقتل من ظهر، ورجع الفرنج إلى عسقلان فحاصروها حتى أنزلوا لهم عشرين ألف دينار فارتحلوا. ٤/٨٦
وفاة المستعلي وولاية ابنه الآمر
ثم توفي المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر منتصف صفر سنة خمس وتسعين لسبع سنين من خلافته، فبويع ابنه أبو علي ابن خمس سنين ولقب الآمر بأحكام الله، ولم يل الخلافة فيهم أصغر منه ومن المستنصر، فكان هذا لا يقدر على ركوب الفرس وحده.
هزيمة الفرنج لعساكر مصر
ثم بعث الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر لقتال الفرنج مع سعد الدولة الفراسي أميرا مملوك أبيه، فلقي الفرنج بين الرملة ويافا ومقدمهم بغدوين فقاتلهم، وانهزم وقتل واستولى الفرنج على معسكره فبعث الأفضل ابنه شرف المعالي في العساكر فبارزوهم قرب الرملة وهزمهم، واختفى بغدوين في الشجر ونجا إلى الرملة مع جماعة من زعماء الفرنج، فحاصرهم شرف المعالي خمسة عشر يوما حتى أخذهم فقتل منهم أربعمائة صبرا، وبعث ثلاثمائة إلى مصر ونجى بغدوين إلى يافا ووصل في البحر جموع من الفرنج للزيارة فندبهم بغدوين للغزو، وساربهم إلى عسقلان فهرب شرف المعالي وعاد إلى أبيه. وملك الفرنج عسقلان وبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه إلى عسقلان، وبعث الأسطول في البحر إلى يافا مع القاضي ابن قادوس فبلغ إلى يافا واستدعى تاج العجم وحبسه. وبعث جمال الملك من مواليه إلى عسقلان مقدم العساكر الشامية. ثم بعث الأفضل سنة ثمان وتسعين ابنه سنا الملك حسين وأمر جمال الملك بالسير معه لقتال الفرنج، فساروا في خمسة آلاف واستمدوا طفتكين أتابك دمشق، فأمدهم بألف وثلاثمائة، ولقوا الفرنج بين عسقلان ويافا فتفانوا بالقتل وتحاجزوا، وافترق المسلمون إلى عسقلان ودمشق، وكان مع الفرنج بكتاش بن ٤/٨٧
تتش عدل عنه طفتكين بالملك إلى ابن أخيه دقاق بن تتش، فلحق بالإفرنج مغاضبا.
استيلاء الفرنج على طرابلس وبيروت
كانت طرابلس رجعت إلى صاحب مصر وكان يحاصرها من الفرنج ابن المرداني صاحب صيحيل، والمدد يأتيهم من مصر. فلما كانت سنة ثلاث وخمسين وصل أسطول من الفرنج مع ويمتدين إلى صيحيل من قمامصتهم فنزل على طرابلس، وتشاجر مع المرداني فبادر بغذوين صاحب القدس وأصلح بينهم، ونزلوا جميعا على طرابلس وألصقوا أبراجهم بسورها، وتأخرت الميرة عنهم من مصر في البحر لركود البحر فاقتحمها الفرنج عنوة ثاني الأضحى من سنة ثلاث وخمسين، وقتلوا ونهبوا وأسروا وغنموا. وكان واليها قد استأمن قبل فتحها في جماعة من الجند فلحقوا بدمشق، ووصل الأسطول بالمدد وكفاية سنة من الأقوات بعد فتحها ففرقوه في صور وصيدا وبيروت، واستولى الفرنج على معظم سواحل الشام. وإنما خصصنا هذه بالذكر في الدولة العلوية لأنها كانت من أعمالهم. وسنذكر البقية في أخبار الفرنج إن شاء الله تعالى.
استرجاع أهل مصر بعسقلان
كان الآمر قد استولى على عسقلان من قواد شمس الخلافة، فداخل بغدوين صاحب بيت المقدس من الفرنج وهاداه ليمتنع به على أهل مصر، وجهز أمير الجيوش عسكرا من مصر للقبض عليه إذا حضر وشعر بذلك، وانتقض وأخرج من عنده من أهل مصر، وخاف الأفضل أن يسلم عسقلان إلى الفرنج فأقره على عمله، وارتاب شمس الخلافة بأهل عسقلان واتخذ بطانة من الأرمن فاستوحش أهل البلد فثاروا به وقتلوه، وبعثوا إلى الآمر والأفضل بذلك، فأرسل إليهم الوالي من مصر وأحسن إليهم واستقامت أحوالهم. وحاصر بغدوين بعد ذلك مدينة صور وفيها عساكر الأرمن واشتد في حصارها بكل نوع، وكان بها عز الملك الأعز من أولياء ٤/٨٨
الأمر فاستمد طفتكين أتابك دمشق فأمده بنفسه وطال الحصار، وحضر أوان الغلال فخشي الفرنج أن يفسد طفتكين غلال بلدهم فأفرجوا عنها إلى عكا وكفى الله شرهم. ثم زحف بغدوين ملك الفرنج من القدس إلى مصر وبلغ سنتين وسبح في النيل فانتقض عليه جرح كان به، وعاد إلى القدس ومات، وعهد بملك القدس للقمص صاحب الرها، ولولا ما نزل بملوك السلجوقية من الفتنة لكانوا قد استرجعوا من الفرنج جميع ما ملكوه من الشام، ولكن الله خبأ ذلك لصلاح الدين بن أيوب حتى فاز بذكره.
مقتل الأفضل
قد قدمنا أن الآمر ولاه الأفضل صغيرا ابن خمس، فلما استجمع واشتد تنكر للأفضل وثقلت وطأته عليه فانتقل الأفضل إلى مصر وبنى بها دارا ونزلها، وخطب منه الأفضل ابنته فزوجها على كره منه وشاور الآمر أصحابه في قتله، فقال له ابن عمه عبد المجيد وكان ولي عهده: لا تفعل وحذره سوء الأحدوثة لما اشتهر بين الناس من نصحه ونصح أبيه وحسن ولايتهما للدولة، ولا بد من إقامة غيره والاعتماد عليه فيتعرض للحذر من مثلها إلى الامتناع منه. ثم أشار عليه من مداخلة ثقته أبي عبد الله ابن البطائحي في مثل ذلك فإنه يحسن تدبيره ويضع عليه من يغتاله، ويقتل به فيسلم عرضك. وكان ابن البطائحي فراشا بالقصر، واستخلصه الأفضل ورقاه واستحجبه، فاستدعاه الآمر وداخله في ذلك، ووعده بمكانه فوضع عليه رجلان فقتلاه بمصر وهو سائر في موكبه من القاهرة منقلبا من خزانة السلاح في سنة خمس عشرة وخمسمائة، كان يفرق السلاح على العادة في الأعياد وثار الغبار في طريقه فانفرد عن الموكب فبدره الرجلان وطعناه فسقط، وقتلا، وحمل إلى داره وبه رمق فجاءه الآمر متوجعا وسأله عن ماله فقال أما الظاهر فأبو الحسن بن أبي أسامة يعرفه، وكان أبوه قاضيا بالقاهرة وأصله من حلب. وأما الباطن فإن البطائحي يعرفه. ثم قضى الأفضل نحبه لثمان وعشرين سنة من وزارته، واحتاط الآمر على داره فوجد له ستة آلاف كيس من الذهب العين، وخمسين أردبا من الورق، ومن الديباج الملون والمتاع البغدادي والإسكندري وظرف الهند وأنواع الطيوب والعنبر ٤/٨٩
والمسك ما لا يحصى. حتى لقد كان من ذخائره دكة عاج وأبنوس محلاة بالفضة عليها عرم مثمن من العنبر زنته ألف رطل، وعلى العرم مثل طائر من الذهب برجلين مرجانا ومنقار زمرذا وعينان ياقوتتان كان ينصبها في بيته ويضوع عرفها فيعم القصر وصارت إلى صلاح الدين.
ولاية ابن البطائحي
قال ابن الأثير كان أبوه من جواسيس الأفضل بالعراق، ومات لم يخلف شيئا. ثم ماتت أمه وتركته معلقا، فتعلم البناء أولا ثم صار يحمل الأمتعة بالأسواق، ويدخل بها على الأفضل فخف عليه واستخدمه مع الفراشين، وتقدم عنده واستحجبه، ولما قتل الأفضل ولاه الآمر مكانه وكان يعرف بابن فاتت وابن القائد فدعاه الآمر جلال الإسلام، ثم خلع عليه بعد سنتين من ولايته للوزارة ولقبه المأمون، فجرى على سنن الأفضل في الاستبداد ونكر ذلك الآمر وتنكر له، واستوحش المأمون وكان له أخ يلقب المؤتمن فاستأذن الآمر في بعثه إلى الإسكندرية لحمايتها ليكون له ردءا لك فأذن له، وسار معه القواد وفيهم علي بن السلار وتاج الملوك قائمين، وسنا الملك الجمل ودري الحروب وأمثالهم، وأقام المأمون على استيحاش من الآمر وكثرت السعاية فيه وأنه يدعي أنه ولد نزار من جارية خرجت من القصر حاملا به، وأنه بعث ابن نجيب الدولة إلى اليمن يدعو له، فبعث الآمر إلى اليمن في استكشاف ذلك.
مقتل البطائحي
ولما كثرت السعاية فيه عند الآمر وتوغر صدره عليه، كتب إلى القواد الذين كانوا مع أخيه بثغر الإسكندرية بالوصول إلى دار الخلافة فهم لذلك علي بن ٤/٩٠
سلار فحضروا، واستأذن المؤتمن بعدهم في الوصول فأذن له. وحضر رمضان من سنة تسع عشرة فجاءوا إلى القصر للإفطار على العادة، ودخل المأمون والمؤتمن فقبض عليهما وحبسهما داخل القصر، وجلس الآمر من الغد في إيوانه وقرأ عليه وعلى الناس كتابا بتعديد ذنوبهم، وترك الآمر رتبة الوزارة خلوا، وأقام رجلين من أصحاب الدواوين يستخرجان الأموال من الخراج والزكاة والمكس، ثم عزلهما لظلمهما. ثم حضر الرسول الذي بعثه إلى اليمن ليكشف خبر المأمون، وحضر ابن نجيب وداعيته فقتل وقتل المأمون وأخوه المؤتمن.
مقتل الآمر وخلافة الحافظ
كان الآمر مؤثرا للذاته طموحا إلى المعالي وقاعدا عنها، وكان يحدث نفسه بالنهوض إلى العراق في كل وقت، ثم يقصر عنه وكان يقرض الشعر قليلا ومن قوله:
أصبحت لا أرجو ولا ألقى ... إلا إلهي وله الفضل
جدي نبي وإمامي أبي ... ومذهبي التوحيد والعدل
وكانت الفداوية تحاول قتله فيتحرز منهم، واتفق أن عشرة منهم اجتمعوا في بيت، وركب بعض الأيام إلى الروضة، ومر على الجسر بين الجزيرة ومصر فسبقوه فوقفوا في طريقه، فلما توسط الجسر انفرد عن الموكب لضيقه، فوثبوا عليه وطعنوه وقتلوا لحينهم، ومات هو قبل الوصول إلى منزله سنة أربع وعشرين وخمسمائة، لتسع وعشرين سنة ونصف من خلافته. وكان قد استخلص مملوكين وهما برغش العادل وبرعوارد هزير الملوك، وكان يؤثر العادل منهما، فلما مات الآمر تحيلوا في قيام المأمون عبد الحميد بالأمر وكان أقرب القرابة سنا وأبوه أبو القاسم بن المستضيء معه، ٤/٩١
وقالوا إن الآمر أوصى بأن فلانة حامل فدلته الرؤيا بأنها تلد ذكرا فهو الخليفة بعدي، وكفالته لعبد الحميد فأقاموه كافلا ولقبوه الحافظ لدين الله، وذكروا من الوصية أن يكون هزير الملوك وزيرا والسعيد باس من موالي الأفضل صاحب الباب، وقرءوا السجل بذلك في دار الخلافة.
ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله
ولما تقرر الأمر على وزارة هزير الملوك، وخلع عليه أنكر ذلك الجند وتولى كبر ذلك رضوان بن ونحش كبيرهم. وكان أبو علي بن الأفضل حاضرا بالقصر فحثه برغش العادل على الخروج حسدا لصاحبه، وأوجد له السبيل إلى ذلك فخرج، وتعلق به الجند وقالوا: هذا الوزير ابن الوزير، وتنصل فلم يقبلوا، وضربوا له خيمة بين القصرين وأحدقوا به، وأغلقت أبواب القصر فتسوروه وولجوا من طيقانه. واضطر الحافظ إلى عزل هزير الملوك، ثم قتله وولى أبو علي أحمد بن الأفضل الوزارة، وجلس بدست أبيه ورد الناس أموال الوزارة المقضية. واستبد على الحافظ ومنعه من التصرف، ونقل الأموال من الذخائر والقصر إلى داره، وكان إماميا متشددا فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر. وضرب الدراهم باسمه دون الدنانير ونقش عليها: الله الصمد 112: 2 الإمام محمد، وهو الإمام المنتظر. وأسقط ذكر إسماعيل من الدعاء على المنابر، وذكر الحافظ وأسقط من الآذان حي على خير العمل. ونعت نفسه بنعوت أمر الخطباء بذكرها على المنابر. وأراد قتل الحافظ بمن قتله الآمر من إخوته. فإن الآمر أجحفهم عند نكبة الأفضل وقتلهم، فلم يقدر أبو علي على قتله فخلعه واعتقله. وركب بنفسه في المواسم وخطب للقائم مموها فتنكر له أولياء الشيعة ٤/٩٢
ومماليك الخلفاء. وداخل يأنس الجند من كتامة وغيرهم في شأنه، واتفقوا على قتله. وترصد له قوم من الجند فاعترضوه خارج البلد، وهو في موكبه وهم يتلاعبون على الخيل. ثم اعتمدوه فطعنوه وقتلوه، وأخرجوا الحافظ من معتقله وجددوا له البيعة بالخلافة، ونهب دار أبي علي. وركب الحافظ وحمل ما بقي فيها إلى القصر واستوزر أبا الفتح يانسا الحافظي، ولقبه أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة بعيد الغور، واستبد عليه فاستوحش كل منهما بصاحبه. ويقال إن الحاكم وضع له سما في المستراح هلك به وذلك آخر ذي الحجة سنة ست وعشرين.
قيام حسن بن الحافظ بأمر الدولة ومكره بأبيه ومهلكه
ولما هلك يأنس أراد الحافظ أن يخلى دست الوزارة ليستريح من التعب الذي عرض منهم للدولة، وأجمع أن يفوض الأمور إلى ولده، وفوض إلى ابنه سليمان. ومات لشهرين، فأقام ابنه الآخر حسنا فحدثته نفسه بالخلافة، وعزم على اعتقال أبيه، وداخل الأجناد في ذلك فأطاعوه، وأطلع أبوه على أمره ففتك بهم يقال: إنه قتل منهم في ليلة أربعين، وبعث أبوه خادما من القصر لقتله فهزمه حسن وبقي الحافظ محجورا، وفسد أمره وبعث حسن بهرام الأرمني لحشد الأرمن ليستظهر بهم على الجند، وثاروا بحسن وطلبوه من أبيه، ووقفوا بين القصرين وجمعوا الحطب لإحراق القصر. واستبشع الحافظ قتله بالحديد فأمر طبيبه ابن فرقة عنه في ذلك سنة تسع وعشرين.
وزارة بهرام ورضوان بعده
ولما مات حسن بن الحافظ ورحل بهرام لحشد الأرمن اجتمع الجند وكان بهرام ٤/٩٣
كبيرهم وراودوا الحافظ على وزارته فوافقهم وخلع عليه وفوض إليه الأمور السلطانية، واستثنى عليه الشرعية، وتبعه تاج الدولة أفتكين في الدولة، واستعمل الأرمن وأهانوا المسلمين. وكان رضوان بن ولحيس صاحب الباب، وهو الشجاع الكاتب من أولياء الدولة، وكان ينكر على بهرام ويهزأ به، فولاه بهرام الغربية، ثم جمع رضوان وأتى إلى القاهرة ففر بهرام وقصد قوص في ألفين من الأرمن، ووجد أخاه قتيلا فلم يعرض لأهل قوص، وباء بحق الخلافة، وصعد إلى أسوان فامتنعت عليه بكنز الدولة. ثم بعث رضوان العساكر في طلبه مع أخيه الأكبر وهو إبراهيم الأوحد فاستنزله على الأمان له وللأرمن الذين معه. وجاء به فأنزله الحافظ في القصر إلى أن مات على دينه. واستقر رضوان في الوزارة ولقب بالأفضل وكان سنيا، وكان أخوه إبراهيم إماميا، فأراد الاستبداد وأخذ في تقديم معارفه سيفا وقلما. وأسقط المكوس وعاقب من تصدى لها، فتغير له الخليفة فأراد خلعه، وشاور في ذلك داعي الدعاة وفقهاء الإمامية فلم يعينوه في ذلك بشيء. وفطن له الحافظ فدس خمسين فارسا ينادون في الطرقات بالثورة عليه، وينهضون باسم الحافظ فركب لوقته هاربا منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين، ونهبت داره، وركب الحافظ وسكن الناس، ونقل ما فيها إلى قصره. وسار رضوان يريد الشام ليستنجد الترك، وكان في جملته شاور وهو من مصطفيه، وأرسل الحافظ الأمير بن مضيال ليرده على الأمان فرجع، وحبس في القصر، وقيل وصل إلى سرخد فأكرمه صاحبها أمين الدولة كمستكين، وأقام عنده ثم رجع إلى مصر سنة أربع وثلاثين فقاتلهم عند باب القصر وهزمهم. ثم افترق عنه أصحابه وأرادوا العود إلى الشام فبعث عنه الحافظ بن مضيال وحبسه بالقصر إلى سنة ثلاث وأربعين فنقب الحبس وهرب إلى الجيزة، وجمع المغاربة وغيرهم ورجع إلى القاهرة فقاتلهم عند جامع ابن طيلون وهزمهم. ثم دخل القاهرة ونزل عند جامع الأقمر، وأرسل إلى الحافظ في المال ليفرقه فبعث عشرين ألفا على عادتهم مع الوزير، ثم استزاد عشرين وعشرين.
وفي خلال ذلك وضع الحافظ عليه جمعا كثيرا من السودان فحملوا عليه وقتلوه وجاءوا ٤/٩٤
برأسه إلى الحافظ. واستمر الحافظ في دولته مباشرا لأموره وأخلى رتبة الوزارة فلم يول أحدا بعده.
وفاة الحافظ وولاية ابنه الظافر
ثم توفي الحافظ لدين الله عبد الحميد بن الأمير أبي القاسم أحمد بن المستنصر سنة أربع وأربعين لتسع عشرة سنة ونصف من خلافته، وعن أبي العالية يقال بلغ عمره سبعا وسبعين سنة، ولم يزل في خلافته محجور الوزارة، ولما مات ولي بعده ابنه أبو منصور إسماعيل بعهده إليه بذلك ولقب الظافر بأمر الله.
وزارة ابن مضيال ثم ابن السلار
كان الحافظ لما عهد لابنه الظافر أوصاه بوزارة ابن مضيال فاستوزره أربعين يوما وكان علي بن السلار واليا على الإسكندرية ومعه بلارة بنت عمه القاسم وابنه منها عباس وتزوجت بعده بابن السلار ، وشب عباس وتقدم عند الحافظ حتى ولي الغربية فلم يرض ابن السلار وزارة ابن مضيال واتفق مع عباس على عزله، وبلغ الخبر إلى ٤/٩٥
ابن مضيال فشكا إلى الظافر فلم يشكه فقال ذوو الحروب: ليس هنا من يقاتل ابن السلار فغضب الظافر ودس عليه من بني علي مصلحيه فخرج إلى الصعيد، وقدم ابن السلار إلى القاهرة فاستوزره الظافر، وهو منكر له ولقبه العادل. وبعث العساكر مع العباس ربيبه في اتباع ابن مضيال فخرج في طلبه. وكان جماعة من لواتة السودان فتحصنوا من عباس في جامع دولام فأحرقه عليهم، وقتل ابن مضيال وجاء برأسه.
وقام ابن سلار بالدولة وحفظ النواميس وشد من مذاهبه أهله. وكان الخليفة مستوحشا منه منكرا له وهو مبالغ في النصيحة والخدمة. واستخدم الرجالة لحراسته، فارتاب له صبيان الخاص من حاشية الخليفة فاعتزموا على قتله، ونمي ذلك إليه فقبض على رءوسهم فحبسهم، وقتل جماعة منهم وافترقوا، ولم يقدر الظافر على إنكار ذلك. واحتفل ابن السلار بأمر عسقلان، ومنعها من الفرنج وبعث إليها بالمدد كل حين من الأقوات والأسلحة فلم يغن ذلك عنها، وملكها الفرنج وكان لذلك من الوهن على الدولة ما تحدث به الناس.
ولما قتل العادل بن السلار صبيان الخاص تأكد نكر الخليفة له، واشتد قلقه. وكان عباس بن أبي الفتوح صديقا ملاطفا له فكان يسكنه ويهديه، وكان لعباس ولد اسمه نصير، استخصه الظافر واستدناه، ويقال كان يهواه، ففاوض العادل عباسا في شأن ابنه عن مخالطة ابنه للظافر فلم ينته ابنه، فنهى العادل جدته أن يدخل إلى بيته فشق ذلك على نصير وعلى أبيه، وتنكر للعادل. وزحف الفرنج إلى عسقلان فجهز العادل الجيوش والعساكر إليها مددا مع ما كان يمدها به، وبعثهم مع عباس بن أبي الفتوح فارتاب لذلك، وفاوض الظافر في قتل العادل وحضر معهم مؤيدا لدولة الأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء شيزر، وكان مقربا عند الظافر وصديقا لعباس، فاستصوب ذلك وحث عليه، وخرج عباس بالعساكر إلى بلبيس، وأوصى ابنه نصير بقتله، فجاء في جماعة إلى بيت جدته، والعادل نائم فدخل إليه وضربه فلم يجهز عليه، وخرج إلى أصحابه. ثم دخلوا جميعا فقتلوه وجاءوا برأسه إلى الظافر، ورجع عباس من بلبيس بالعساكر فاستوزره الظافر، وقام بالدولة وأحسن الى الناس، وأيس أهل عسقلان من المدد فأسلموا أنفسهم وبلدهم بعد حصار طويل وكان ذلك كله سنة ثمان وأربعين ٤/٩٦
مقتل الظافر وأخويه وولاية ابنه الفائز
ولما وزر عباس للظافر، وقام بالدولة، كان ولده نصير من ندمان الظافر، وكان يهواه كما تقدم. وكان أسامة بن منقذ من خلصاء عباس وأصدقائه فقبح عليه سوء المقالة في ابنه، وأشار عليه بقتل الظافر فاستدعى ابنه نصيرا وقبح عليه في شناعة الأحدوثة فيه بين الناس، وأغراه باغتيال الظافر ليمحو عنه ما يتحدث به الناس، فسأل نصير من الظافر أن يأتي إلى بيته في دعوة فركب من القصر إليه فقتله نصير ومن جاء معه، ودفنهم في داره، وذلك في محرم سنة تسع وأربعين وباكر إلى القصر ولم ير الظافر، وسأل خدام القصر فأحسن العذر ورجع إلى أخوي الظافر يوسف وجبريل فخبرهما بركوب الظافر إلى دار نصير فقالا له: خبر الوزير. فلما جاء عباس من الغد أخبره بأنه ركب إلى بيت نصير ابنه ولم يعد فاستشاط غيظا عليه، ورماه بأنه داخل أخويه في قتله. ثم استدعاهما فقتلهما وقتل معهما ابنا لك لحسن بن الحافظ. ثم أخرج ابنه أبا القاسم عيسى ابن خمس سنين وحمله على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له بالخلافة، ولقبه الفائز بالله ونقل عباس بسبب ذلك ما في القصر من الأموال والذخائر ما لا حد له. وعند خروجه بأخويه رأى القتلى فاضطرب وفزع وبقي سائر أيامه يعتاده الصرع.
وزارة الصالح بن رزيك
ولما قتل الظافر وأخواه كما ذكرناه كتب النساء من القصر إلى طلائع بن رزيك وكان واليا على الأشمونين والبهنسة. وجاء الخبر بأن الناس اختلفوا على عباس بسبب ذلك، فجمع وقصد القاهرة ولبس السواد حزنا ورفع على الرماح الشعور التي بعث بها النساء حزنا. ولما عبر البحر خرج عباس وولده ودفعوا ما قدروا عليه من مال وسلاح من حاصل الدولة، ومعهما صديقهما أسامة بن منقذ فاعترضهم الفرنج، ٤/٩٧
وقاتلوا فقتل عباس وأسر ولده ونجا أسامة إلى الشام. ودخل طلائع القاهرة في ربيع سنة تسع وخمسين، وجاء إلى القصر راجلا. ثم مضى إلى دار عباس ومعه الخادم الذي حضر لقتله فاستخرجه من التراب ودفنه عند آبائه، وخلع الفائز عليه الوزارة ولقبه الصالح. وكان إماميا كاتبا أديبا فقام بأمر الدولة، وشرع في جمع الأموال والنظر في الولايات. وكان الأوحد بن تميم من قرابة عباس واليا على تنيس، وكان لما سمع بفعلة قريبه عباس جمع وقصد القاهرة فسبقه طلائع، فلما استقل بالوزارة أعاده إلى عمله بدمياط وتنيس. ثم بعث في فداء نصير بن عباس من الفرنج فجيء به وقتله وصلبه بباب زويلة. ثم نظر في المزاحمين من أهل الدولة، ولم يكن أرفع رتبة من تاج الملوك قايماز وابن غالب، فوضع عليهما الجند فطلبوهما فهربا ونهب دورهما، وتتبع كبراء الأمراء بمثل ذلك حتى خلا الجو، ووضع الرقباء والحجاب على القصر، وثقلت وطأته على الحرم، ودبرت عمة الفائز في قتل الصالح، وفرقت الأموال في ذلك، ونمي الخبر إليه فجاء إلى القصر، وأمر الاستاذين والصقالبة بقتلها فقتلوها سرا، وصار الفائز في كفالة عمته الصغرى، وعظم اشتداد الفائز واستفحل أمره، وأعطى الولايات للأمراء واتخذ مجلسا لأهل الأدب يسامرون فيه، وكان يقرض الشعر ولا يجيده. وولى شاور السعدي على قرضه، وأشار عليه حجابه بصرفه، واستقدمه فامتنع وقال: إن عزلني دخلت بلاد النوبة. وعلى عهده كان استيلاء نور الدين محمود الملك العادل على دمشق من يد بني طغتكين أتابك تتش سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وفاة الفائز وولاية العاضد
ثم توفي الفائر بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل سنة خمس وخمسين، لست سنين من خلافته، فجاء الصالح بن رزيك إلى القصر وطلب الخدام بإحضار أبناء الخلفاء ليختار منهم، وعدل عن كبرائهم إلى صغرائهم لمكان استبداده، فوقع اختياره على أبي محمد عبد الله بن يوسف قتيل عباس فبايع له بالخلافة وهو غلام، ولقبه العاضد لدين الله وزوجه ابنته وجهزها بما لم يسمع بمثله. ٤/٩٨
مقتل الصالح بن رزيك وولاية ابنه رزيك
ولما استفحل أمر الصالح وعظم استبداده بجباية الأموال والتصرف، وحجر العاضد تنكر له الحرم ودس إلى الأمراء بقتله. وتولت كبر ذلك عمة العاضد الصغرى التي كانت كافلة الفائز بعد أختها. واجتمع قوم من القواد والسودان منهم الريفي الخادم وابن الداعي والأمير بن قوام الدولة، وكان صاحب الباب وتواطئوا على قتله، ووقفوا في دهليز القصر، وأخرج ابن قوام الدولة الناس أمامه وهو خارج من القصر، واستوقفه عنبر الريفي يحادثه، وتقدم ابنه رزيك فوثب عليه جماعة منهم وجرحوه، وضرب ابن الداعي الصالح فأثبته، وحمل إلى داره فبقي يجود بنفسه يومه ذلك.
وإذا أفاق يقول رحمك الله يا عباس ومات من الغد. وبعث إلى العاضد يعاتبه على ذلك فحلف على البراءة من ذلك، ونسبه إلى العمة، وأحضر ابنه رزيك وولاه الوزارة مكان أبيه، ولقبه العادل فأذن له في الأخذ بثأره، فقتل العمة وابن قوام الدولة والأستاذ عنبر الريفي وقام بحمل الدولة، وأشير عليه بصرف شاور من قوص، وقد كان أبوه أوصاه ببقائه وقال له: قد ندمت على ولايته، ولم يمكني عزله، فصرفه وولى مكانه الأمير بن الرفعة فاضطرب شاور وخرج إلى طريق الواحات وجمع وقصد القاهرة، وجاء الخبر إلى رزيك فعجز عن لقائه، وخرج في جماعة من غلمانه بعدة أحمال من المال والثياب والجوهر، وانتهى إلى طفيحة، واعترضه ابن النضر وقبض عليه، وجاء به إلى شاور فاعتقله واعتقل معه أخاه، فأراد الهرب من محبسه فوشى به أخوه فقتل لسنة من ولايته ولتسع سنين من ولاية أبيه.
وزارة شاور ثم الضرغام من بعده
ودخل شاور القاهرة سنة ثمان وخمسين، ونزل بدار سعيد السعداء ومعه ولده طين وشجاع والطازي، وولاه العاضد الوزارة ولقبه أمير الجيوش، وأمكنه من أموال بني رزيك فاستصفى معظمها، وزاد أهل الرواتب والجرايات عشرة أمثالها، واحتجب ٤/٩٩
عن الناس، وكان الصالح بن رزيك قد أنشأ في لواته أمراء يسمون البرقية، وكان مقدمهم الضرغام، وكان صاحب الباب فنازع شاور في الوزارة لتسعة أشهر من ولايته، وثار عليه وأخرجه من القاهرة، فلحق بالشام وقتل ولده عليا وكثيرا من أمراء المصريين حتى ضعفت الدولة وخلت من الأعيان وأدى ذلك الى خرابها.
مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى مصر مع شاور
ولما لحق شاور إلى الشام نزل على الملك العادل نور الدين بدمشق صريخا، وشرط له ثلث الجباية على أن يقيم له العساكر. وجهز نور الدين شيركوه وكان مقدما في دولته ويذكر سبب اتصاله به في موضعه، فساروا في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وقد تقدم نور الدين إلى أسد الدين شير كوه بأن يعيد شاور إلى وزارته وينتقم له ممن نازعه وسار نور الدين بعساكره إلى طرف بلاد الفرنج ليمنعهم من اعتراض أسد الدين إن هموا به، ولما وصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس لقيهم ناصر الدين همام وفخر الدين همام أخو الضرغام في عساكر مصر فهزموه، ورجع إلى القاهرة وقتل رفقاؤه الأمراء البرقية الذين أغروه بشاور. ودخل أسد الدين القاهرة ومعه أخو الضرغام أسيرا وفر الضرغام فقتل بالجسر عند مشهد السيدة نفيسة، وقتل أخواه وعاد شاور إلى وزارته وتمكن منها، ثم نكث عهده مع أسد الدين وسلطانه وصرفه إلى الشام.
فتنة أسد الدين مع شاور وحصاره
ولما رجع أسد الدين من مصر إلى الشام أقام بها في خدمة نور الدين. ثم استأذن نور الدين العادل سنة اثنتين وستين في العود إلى مصر فأذن له، وجهزه في العساكر وسار إلى مصر ونازل بلاد الفرنج في طريقه. ثم وصل إلى أطفيح من ديار مصر، وعبر النيل الى الجانب الغربي ونزل الجيزة، وتصرف في البلاد الغربية نيفا وخمسين، واستمد شاور الفرنج، وجاء بهم إلى مصر وخرج معهم للقاء أسد الدين شير كوه فأدركوه بالصعيد، فرجع للقائهم على رهب لكثرة عددهم وصدقهم القتال فهزمهم ٤/١٠٠
على قلة من معه، فإنهم لم يبلغوا ألفي فارس. ثم سار إلى الإسكندرية وهو يجبي الأموال في طريقه إلى أن وصلها، فاستأمن أهلها وملكها، وولى عليها صلاح الدين يوسف بن أخيه نجم الدين أيوب، ورجع إلى جباية الصعيد. واجتمعت عساكر مصر والفرنج على القاهرة وأزاحوا عللهم وساروا إلى الإسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار أسد الدين إليهم من الصعيد، ثم خذله بعض من معه من التركمان بمداخلة شاور، وبعثوا له إثر ذلك في الصلح فصالحهم ورد إليهم الإسكندرية، ورجع إلى دمشق فدخلها آخر ذي القعدة من سنة اثنتين وستين. واستطال الفرنج على أهل مصر وشرطوا عليهم أن ينزلوا بالقاهرة وشحنة، وأن تكون أبوابها بأيديهم لئلا تدخل عساكر نور الدين، وقرر ضريبة يحملها كل سنة فأجابه إلى ذلك
رجوع أسد الدين إلى مصر ومقتل شاور ووزارته
ثم طمع الإفرنج في مصر، واستطالوا على أهلها وملكوا بلبيس، واعتزموا على قصد القاهرة. وأمر شاور بتخريب مصر خشية عليها منهم فحرقت ونهب أهلها، ونزل الفرنج على القاهرة، وأرسل العاضد إلى نور الدين يستنجده، وخشي شاور من اتفاق العاضد ونور الدين، فداخل الفرنج في الصلح على ألفي ألف دينار مصرية معجلة وعشرة آلاف أردب من الزرع، وحذرهم أمر القهر إلى ذلك وكان فيه السفير الجليس بن عبد القوي وكان الشيخ الموفق كاتب السر وكان العاضد قد أمرهم بالرجوع إلى رأيه وقال: هو رب الحرمة علينا وعلى آبائنا، وأهل ٤/١٠١
النصيحة لنا. فأمر الكامل شجاع بن شاور القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أن يأتيه ويشاوره، فقال له: قل لمولانا يعني العاضد إن تقرير الجزية للفرنج خير من دخول الغز للبلاد واطلاعهم على الأحوال. ثم بعث نور الدين العساكر مع أسد الدين شيركوه مددا للعاضد، كما سأل وبعث معه صلاح الدين ابن أخيه وجماعة الأمراء. فلما سمع الفرنج بوصولهم أفرجوا عن القاهرة ورجعوا إلى بلادهم. وقال ابن الطويل مؤرخ دولة العبيديين: إنه هزمهم على القاهرة ونهب معسكرهم ودخل أسد الدين إلى القاهرة في جمادى سنة أربع وستين وخلع عليه العاضد ورجع إلى معسكره، وفرضت له الجرايات. وبقي شاور على ريبة وخوف وهو يماطله فيما يعين له من الأموال، ودس العاضد إلى أسد الدين بقتل شاور وقال: هذا غلامنا، ولا خير لك في بقائه ولا لنا، فبعث عليه صلاح الدين ابن أخيه، وعز الدين خرديك.
وجاء شاور إلى أسد الدين على عادته فوجده عند قبر الإمام الشافعي فسار إليه هنالك فاعترضه صلاح الدين وخرديك فقتلاه، وبعثا برأسه إلى العاضد، ونهبت العامة دوره، واعتقل ابناه شجاع والطازي وجماعة من أصحابه بالقصر، وخلع عليه للوزارة، ولقب المنصور أمير الجيوش، وجلس في دست الوزارة واستقر في الأمر، وغلب على الدولة، وأقطع البلاد لعساكره. واستعد أصحابه في ولايتها ورد أهل مصر إلى بلدهم، وأنكر ما فعلوه في تخريبها. ثم اجتمع بالعاضد مرة أخرى وقال له جوهر الأستاذ: يقول لك مولانا لقد تيقنا أن الله ادخرك نصرة لنا على أعدائنا، فحلف له أسد الدين على النصيحة فقال له: الأمل فيك أعظم، وخلع عليه وحسن عنده موقع الجليس بن عبد القوي، وكان داعي الدعاة وقاضي القضاة فأبقاه على مراتبه. ٤/١٠٢
وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة
ثم توفي أسد الدين رحمه الله تعالى لشهرين في أيام قلائل من وزارته وقيل لأحد عشر شهرا وأوصى أصحابه أن لا يفارقوا القاهرة. ولما توفي كان معه جماعة من الأمراء النورية، منهم عين الدولة الفاروقي وقطب الدين يسأل وعين الدين المشطوب الهكاوي ، وشهاب الدين محمود الحازمي، فتنازعوا في طلب الرئاسة وفي الوزارة، وجمع كل أصحابه للمغالبة. ومال العاضد إلى صلاح الدين لصغره وضعفه عنهم، ووافقه أهل دولته على ذلك بعد أن ذهب كثير منهم إلى دفع الغز وعساكرهم إلى الشرقية، ويولي عليهم قراقوش. ومال آخرون إلى وزارة صلاح الدين، ومال العاضد إلى ذلك لمكافأته عن خدمته السالفة، فاستدعاه وولاه الوزارة، واضطرب أصحابه وكان الفقيه عيسى الهكاري من خلصاء صلاح الدين فاستمالهم إليه إلا عين الدولة الفاروقي، فإنه سار إلى الشام وقام صلاح الدين بوزارة مصر نائبا عن نور الدين يكاتبه بالأمير الأصفهان ويشركه في الكتاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية. ثم استبد صلاح الدين بالأمور وضعف أمر العاضد وهدم دار المعرفة بمصر، وكانت حبسا. وبناها مدرسة للشافعية وبني دار الغزل كذلك للمالكية وعزل قضاة الشيعة وأقام قاضيا شافعيا في مصر، واستناب في جميع البلاد.
حصار الفرنج دمياط
ولما جاء أسد الدين وأصحابه إلى مصر وملكوها ودفعوهم عنها، ندموا على ما فرطوا فيها، وانقطع عنهم ما كان يصل إليهم وخشوا غائلة الغز على بيت المقدس، وكاتبوا الفرنج بصقلية والأندلس واستنجدوهم، وجاءهم المدد من كل ناحية فنازلوا دمياط سنة خمس وستين وبها شمس الخواص منكوريين فأمدها صلاح الدين بالعساكر ٤/١٠٣
والأموال مع بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز، واستمد نور الدين واعتذر عن المسير إليها بشأن مصر والشيعة فبعث نور الدين العساكر إليها شيئا فشيئا، وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج بسواحل الشام فضيق عليها، فأقلع الفرنج عن دمياط لخمسين يوما من نزولها فوجدوا بلادهم خرابا، وأثنى العاضد على صلاح الدين في ذلك. ثم بعث صلاح الدين غرابيه نجم الدين وأصحابه إلى مصر وركب العاضد للقائه تكرمة له.
واقعة الخصيان وعمارة
ولما استقام الأمر لصلاح الدين بمصر غص به الشيعة وأولياؤهم، واجتمع منهم العوريش، وقاضي القضاة ابن كامل والأمير المعروف والكاتب عبد الصمد، وكان فصيحا، وعمارة اليمني الشاعر الزبيدي، وكان متولي كبرها فاتفقوا على استدعاء الفرنج لإخراج الغز من مصر، وجعلوا لهم نصيبا وافرا من ارتفاعها، وعمدوا إلى شيعي من خصيان القصر اسمه نجاح ولقبه مؤتمن الدولة، وكان قد ربى العاضد وصهره فأغروه بذلك، ورغبوا على أن يجمع رسول الفرنج بالعاضد فجمعه معه في بيته ملبسا بذلك، ولم يكن العاضد الذي حضر وأوهموه أنه عقد معه. ثم اتصل الخبر بنجم الدين بن مضيال من أولياء الشيعة، وكان نجم الدين قد اختصه صلاح الدين وولاه الإسكندرية، واستغضبه بهاء الدين قراقوش ببعض النزغات فظنوا أنه غضب فأطلعوه على شأنهم، وأن يكون وزيرا وعمارة كاتب الدست وصاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات مكان الفاضل بن كامل قاضي القضاة داعي الدعاة، وعبد الصمد جابي الأموال والعوريش ناظرا عليه، فوافقهم ابن مضيال ووشى بهم إلى صلاح الدين، فقبض عليهم وعلى رسول الفرنج، وقررهم في عدة مجالس. وأحضر زمام القصر وهو مختص بالغز ونكر عليه خروج العاضد إلى بيت نجاح فحلف على نفسه وعلى العاضد أن هذا لم يقع، وأخبر العاضد بطلب حضور نجاح مع مختص، فحضر واعترف بالحق أن العاضد لم يحضر، فتحقق صلاح الدين براءته. وكان عمارة ٤/١٠٤
يجالس شمس الدولة توران شاه فنقل لأخيه صلاح الدين أنه امتدحه بقصيدة يغريه فيها بالمضي إلى اليمن، ويحمله على الاستبداد وأنه تعرض فيها للجانب النبوي، يوجب استباحة دمه وهو قوله:
فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به ... إلى سواك وأور النار في العلم
هذا ابن تومرت قد كانت ولايته ... كما يقول الورى لحما على وضم
وكان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم
فجمعهم صلاح الدين وشنقهم في يوم واحد بين القصرين، وأخر ابن كامل عنهم عشرين يوما ثم شنقه. ومر عمارة بباب القاضي الفاضل، فطلب لقاءه فمنع فقال وهو سائر إلى المشنقة:
عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص هو العجب
وفي كتاب ابن الأثير أن صلاح الدين إنما اطلع على أمرهم من كتابهم الذي كتبوه إلى الفرنجة، عثر على حامله وقرئ الكتاب، وجيء به إلى صلاح الدين فقتل مؤتمن الخلافة لقرينة، وعزل جميع الخدام واستعمل على القصر بهاء الدين قراقوش، وكان خصيا أبيض، وغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة واجتمعوا في خمسين ألفا وقاتلوا أجناد صلاح الدين بين القصرين، وخالفهم إلى بيوتهم فأضرمها نارا، وأحرق أموالهم وأولادهم فانهزموا، وركبهم السيف. ثم استأمنوا ونزلوا الجيزة وعبر إليهم شمس الدولة توران شاه فاستلحمهم.
قطع الخطبة للعاضد وانقراض الدولة العلوية بمصر
كان نور الدين العادل يوم استقل صلاح الدين بملك مصر وضعف أمر العاضد بها، وتحكم في قصره يخاطبه في قطع دعوتهم من مصر والخطبة بها للمستضيء العباسي، وهو يماطل بذلك حذرا من استيلاء نور الدين عليه، ويعتذر بتوقع المخالفة من أهل مصر في ذلك فلا يقبل. ثم ألزمه ذلك فاستأذن فيه أصحابه فأشاروا به، وأنه لا يمكن مخالفة نور الدين. ووفد عليه من علماء العجم الفقيه الخبشاني، وكان يدعى بالأمير العالم، فلما رأى إحجامهم عن هذه الخطبة قال: أنا أخطبها! فلما كان أول جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة صعد المنبر قبل ٤/١٠٥
الخطيب ودعا للمستنصر فلم ينكر أحد عليه، فأمر صلاح الدين في الجمعة الثانية الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء ففعلوا، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. وكان العاضد في شدة من المرض فلم يعلمه أحد بذلك، وتوفي في عاشوراء من السنة، وجلس صلاح الدين للعزاء فيه واحتوى على قصر الخلافة بما فيه فحمله بهاء الدين قراقوش إليه، وكان في خزائنهم من الذخيرة ما لم يسمع بمثله من أصناف الجواهر واليواقيت والزمرد وحلي الذهب وآنية الفضة والذهب، ووجد ماعون القصر من الموائد والطسوت والأباريق والقدور والصحاف والخوان والبواقيل والمناير والطيافر والقباقب والأسورة، كل ذلك من الذهب. ووجد من أنواع الطيوب واللباس والمذهبات والقرقبيات المعلقات والوشي ما لا تقله الأوقار، ومن الكتب ما يناهز مائة وعشرين ألف سفر أعطاها للفاضل عبد الرحيم البيساني كاتبه وقاضيه، ومن الظهر والكراع والسلاح، ومن الخدم والوصائف خمسين ألفا، ومن المال ما يملأ مائة بيت. ثم حبس رجالهم ونساءهم حتى ماتوا، وكانت بالدولة عند عهد العزيز والحاكم قد خلا جوها من رجالات كتامة وتفرقوا في المشرق في سبيل ذلك الملك، وانقرضوا بانقراض أمر الشيعة وموت العاضد آخر خلفائهم، وأكلتهم الأقطار والوقائع شأن الدول كما ذكرناه من قبل. ولما هلك العاضد وحول صلاح الدين الدعوة إلى العباسية، اجتمع قوم من الشيعة بمصر ٤/١٠٦
وبايعوا لداود بن العاضد، ونمي خبرهم إلى صلاح الدين فقبض عليهم وقتلهم، وأخرج داود من القصر وذلك سنة تسع وستين وخمسمائة. ثم خرج بعد حين ابنه سليمان بن داود رضي الله تعالى عنه بالصعيد وحبس إلى أن هلك. وظهر بعد حين بجهة فاس بالمغرب محمد بن عبد الله بن العاضد، ودعا لك وتسمى بالمهدي فقتل وصلب. ولم يبق للعبيديين ذكر إلا في بلاد الحثيثية من العراق وهم دعاة الفداوية.
وفي بلاد الإسماعيلية التي كانت فيها دعوتهم بالعراق. وقام بها ابن الصباح في قلعة الموت وغيرها كما يذكر في أخبارهم، إلى أن انقرضت تلك الدعوة أجمع بانقطاع دعوة العباسيين ببغداد على يد هولاكو من ولد جنكزخان ملوك التتر سنة خمس وخمسين وستمائة، والأمر لله وحده. هذه أخبار الفاطميين ملخصة من كتاب ابن الأثير ومن تاريخ دولتهم لابن الطوير وقليل من ابن المسبحي جمعت ما أمكنني منها ملخصا والله ولي العون.
الخبر عن بني حمدون ملوك المسيلة والزاب بدعوة العبيديين ومآل أمرهم
كان علي بن حمدون أبوهم من أهل الأندلس وهو علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور والجذامي يعرف بابن الأندلسي واتصل بعبيد الله وأبي القاسم بالمشرق قبل شأن الدعوة، وبعثوه من طرابلس إلى عبد الله الشيعي فأحسن اللقاء والانصراف، ولزمهم أيام اعتقالهم بسجلماسة، فلما استفحل ملكهم جذبوا أبا ضبيعة ورقوه إلى الرتب. ولما رجع أبو القاسم من حركته إلى المغرب سنة خمس عشرة وثلاثمائة، واختط مدينة المسيلة، استعمل علي بن حمدون على بنائها وسماها المحمدية ولما تم بناؤها عقد له على الزاب وأنزله بها وشحنها بالأقوات التي كانت ميرة للعساكر عند محاصرة المنصور لأبي يزيد صاحب الحمار بجبل كتامة. ولم يزل واليا على الزاب وربى ابنيه جعفرا ويحيى بدار أبي القاسم وكان جعفر سار إلى المعز. ولما كانت فتنة أبي يزيد وأضرمت إفريقية نارا وفتنة، وأهاب القائم بالأولياء من كل ناحية، كتب إلى ابن حمدون أن يجند قبائل البربر ويوافيه، فنهض إلى المهدية في عسكر ضخم بقسنطينة وهو يحتشد كل من مر به في طريقه حتى وصل إلى شق ٤/١٠٧
بنارية. ثم قارب باجة وكان بها أيوب بن أبي يزيد في عسكر كبير من النكارية والبربر، فزحف إليهم وتناور الفريقان، ثم بيته أيوب فاستباح معسكره وتردى علي ابن حمدون من بعض الشواهق فهلك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ولما انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور على المسيلة والزاب لجعفر بن علي بن حمدون، وأنزله بها وأخاه يحيى، واستجدوا بها سلطانا ودولة، وبنوا القصور والمنتزهات، واستفحل بها ملكهم وقصدهم بها العلماء والشعراء، وكان فيمن قصدهم ابن هانئ شاعر الأندلس وأمداحه فيهم معروفة مذكورة. وكان بين جعفر هذا وبين زيري بن مناد عداوة جرتها المنافسة والمساماة في الدولة، فساء أثر زيري فيه عند صدمته للمغرب وفتكه بزناتة، وسعوا به إلى الخليفة وألقح له في جوانحه العداوة فكانت داعيته إلى زناتة. وتولى محمد بن خزر أمير مغراوة. ثم إن المعز لما اعتزم على الرحيل إلى القاهرة سنة اثنتين وثلاثمائة استقدم جعفرا فاستراب جعفر ومال بعسكره إلى زناتة قبل قدومه، وانقطعت الرسائل بينه وبين صنهاجة والخليفة المعز، وشملت عليه زناتة قبل قدومه واجتمعوا عليه، ودعا إلى نقض طاعة المعز والدعاء للحاكم المستنصر، فوجدهم أقدم إجابة لها، وناهضهم زيري الحرب قبل استكمال التعبية، فكانت عليه من أمراء زناتة فكبا بزيري فرسه فطاح، فقصوا رأسه وبعثوا به مع جماعة من زناتة إلى الحاكم المستنصر، فكرم الحاكم وفادتهم ونصب رأس زيري بسوق قرطبة، وأسنى جوائز الوفد ورفع منزلة يحيى بن علي وأذن لجعفر في اللحاق بسدته. ولما علمت زناتة أن يوسف بن زيري يطالبهم بدم أبيه أظهروا العذر به، ورأى أن يتجنب مجابهتهم لضيق ذات يده. وعجز رؤساؤهم عن الذب والدفاع عنها ، وقبض الأيدي عن تناوله لدنو الفتنة ومراس العصبية، فأوجس الخيفة في نفسه وألطف الحيلة في الفرار رغبة بحيلته، وشحن السفن بما معه من المال والمتاع والرقيق، والحشم وذخيرة السلطان، وأجاز البحر ولحق بسدة الخلافة من قرطبة وأجاز معه عظماء الزناتيين معطين الصفقة على القيام بدعوته، والاحتطاب في جبل طاعته فكرم مثواه وأجمل وفادتهم وأحسن منصرفهم وانقلبوا لمحبته والتشيع له، ومناغاة الادارسة للقيام في خدمته بالمغرب الأقصى، وبث دعوته. وتخلف عنهم أولاد علي بن حمدون بالحضرة وأقاموا بسدة الخلافة، ونظموا في طبقات الوزارة وأجريت عليهم ٤/١٠٨
سنيات الأرزاق والتحقوا على حديث عهدهم بالقوم من أولياء الدولة. ثم كان بعد ذلك شأن اعتقالهم على طريق التأديب لمرتكب من نازعهم خرقوا به حدود الآداب مع الخلافة، فاستدعوا إلى القصر واعتقلوا، ثم أطلقوا لأيام قلائل لما انغمس الحكم في علة الفالج، وركدت ريح المروانية بالمغرب، واحتاجت الدولة إلى رجالهم لسد الثغور ودفع العدو، واستدعي يحيى بن هاشم من العدوة، وكان واليا على فاس والمغرب، وأدا له الحاجب المصحفي لجعفر بن على بن حمدون، وجمعوا بين الانتفاع في مقارعة زناتة بالعدوة والراحة مما يتوقع منه على الدولة عند من ولي الخلافة، لما كانوا صاروا إليه من النكبة وطروق المحنة فعقدوا له ولأخيه يحيى على المغرب، وخلعوا عليهما وأمكنوهما من مال وكسا فاخرة للخلع على ملوك العدوة، فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس وستين وضبطه، واجتمع إليه ملوك زناتة من بني يفرن ومغراوة وسجلماسة. ولما هلك الحكم وولي هشام، وقام بأمره المنصور بن أبي عامر، اقتصر لأول قيامه على سبتة من بلاد العدوة فضبطها جند السلطان ورجال الدولة، وقلدها أرباب السيوف والأقلام من الأولياء والحاشية وعدل في ضبطه على ما وراء ذلك على ملوك زناتة ونقدهم بالجوائز والخلع وصار إلى إكرام وفودهم وإثبات من رغب الإثبات في ديوان السلطان منهم، فجدوا في ولاية الدولة وبث الدعوة، وفسد ما بين هذين الأميرين جعفر وأخيه، واقتطع يحيى مدينة البصرة لنفسه وذهب بأكثر الرجال. ثم كانت على جعفر النكبة التي نكبته بنو غواطة في غزاته إياهم. ثم استدعاه محمد بن أبي عامر لأول أمره لما رأى من الاستكانة إليه وشد أزره به ونقم عليه كراهته لما لقيه بالأندلس من الحكم، ثم أصحبه وتخلى لأخيه عن عمل المغرب، وأجاز البحر إلى ابن أبي عامر فحل منه بالمكان الأثير. ولما زحف بلكين إلى المغرب سنة تسع وستين زحفته المشهورة خرج محمد بن أبي عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه، وأجاز جعفر بن علي إلى سبتة وعقد له على حرب بلكين وأمده بمائة حمل من المال، وانضمت إليه ملوك زناتة ورجع عنهم بلكين كما نذكره. ولما رجع إلى ابن أبي عامر فاغتاله في بعض ليالي معاقرتهم وأعد له رجالا في طريقه من سمره إلى داره فقتلوه سنة ولحق يحيى بن علي ٤/١٠٩
بمصر ونزل بدار العزيز وتلقاه بالمبرة والتكريم، وطال به ثواؤه واستكفى به العظائم، ولما استصرخ فلفول بن خزرون بالحاكم في استرجاع طرابلس من يد صنهاجة المتغلبين عليه، دفع إليه العساكر وعقد عليها ليحيى بن علي، واعترضه بنو قرة من الهلاليين ببرقة ففلوه وفضوا جموعه ورجع إلى مصر ولم يزل بمصر إلى أن هلك هنالك، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
الخبر عن القرامطة واستبداد أمرهم وما استقر لهم من الدولة بالبحرين وأخبارها إلى حين انقراضها
هذه الدعوة لم يظهرها أحد من أهل نسب العلوية ولا الطالبيين، وإنما قام بها دعاة المهدي من أهل البيت على اختلاف منهم في تعيين هذا المهدي كما نذكره. وكان مدار دعوتهم على رجلين أحدهما يسمى الفرج بن عثمان القاشاني من دعاة المهدي ويسمى أيضا كرويه بن مهدويه وهو الذي انتهى إليه دعاتهم بسواد الكوفة، ثم بالعراق والشام، ولم يتم لهؤلاء دولة، والآخر يسمى أبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، كانت دعوته بالبحرين واستقرت له هنالك دولة ولبنيه. وانتسب بعض مزاعمهم إلى دعاة الإسماعيلية الذين كانوا بالقيروان كما نذكره. ودعوى هؤلاء القرامطة في غاية الاضطراب مختلة العقائد والقواعد، منافية للشرائع والإسلام في الكثير من مزاعمهم، وأول من قام بها بسواد الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين رجل أظهر الزهد والتقشف، وزعم أنه يدعو إلى المهدي وأن الصلوات المفروضة خمسون كل يوم، واستجاب له جمع كثير ولقب قرمط وأصلها بالكاف. وكان يأخذ من كل من يجيب دعوته دينارا للإمام. وجعل عليهم نقباء وسماهم الحواريين، وشغل الناس بذلك عن شئونهم وحبسه عامل الناحية ففر من محبسه ولم يوقف له على خبر، فازداد أتباعه فتنة فيه ثم زعم أنه الذي بشر به أحمد بن محمد بن الحنفية. وأن أحمد نبي وفشا هذا المذهب في السواد وقرئ بينهم كتاب زعموا أنه جاءهم من داعيه المهدي نصه بعد البسملة، يقول الفرج بن عثمان: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه بأوليائه قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها لتعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي ٤/١١٠
الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأستخبر خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت على ألسنة رسلي، فأنا الذي لا يتكبر علي جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا ذللته، فليس الذي أصر على أمره ودام على جهالته. وقال لن نبرح عليه عاكفين وبه مؤمنين، أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه مرتين سبحان ربي ورب العزة تعالى عما يصف الظالمون، وفي سجوده الله أعلى مرتين الله أعظم مرة، والصوم مشروع يوم المهرجان والنيروز والنبيذ حرام والخمر حلال، والغسل من الجنابة كالوضوء، ولا يؤكل ذو ناب ولا ذو مخلب. ومن خالف وحارب وجب قتله ومن لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوي شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا. وشاهد عليهم بالكذب. والذي حملهم على ذلك إنما هو ما اشتهر بين الشيعة من أمر المهدي مستندين فيه إلى الأحاديث التي خرجها بعضهم وقد أريناك عللها في مقدمة الكتاب في باب الفاطمي فلهجوا به، وبالدعوة إليه فمن الصادق فيمن يعينه وان كان كاذبا في استحقاقه، ومنهم من بنى أمره على الكذب والانتحال، عساه يستولي بذلك على حظ من الدنيا ينال بها صفقة. وقد يقال إن ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج وإنه سار على الأمان. وقال له: إن ورائي مائة ألف سيف فناظرني لعلنا نتفق ونتعاون. ثم اختلفا وانصرف قرمط عنه، وكان يسمي نفسه القائم بالحق. وزعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج. ثم زحف إليه أحمد بن محمد الطائي صاحب الكوفة في العساكر فأوقع بهم وفتك بهم، وتتابعت العساكر في السواد في طلبهم وأبادوهم، وفر هو إلى أحياء العرب فلم يجبه أحد منهم، فاختفى في القفر في جب بناه واتخذه لذلك، وجعل عليه باب حديد واتخذ بجانبه تنورا سحرا إن أرهقه الطلب فلا يفطن له. ولما اختفى في الجب بعث أولاده في كاب بن دبرة بأنهم من ولد إسماعيل الإمام مستجيرون بهم.
ثم دعوا إلى دعوتهم أثناء ذلك وكانوا ثلاثة يحيى وحسين وعلي فلم يجبهم أحد الى ذلك إلا بنو القليص بن ضمضم بن علي بن جناب، فبايعوا ليحيى على أنه يحيى ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الإمام وكنوه أبا القاسم ولقبوه الشيخ. ثم حول اسمه وادعى أنه محمد بن عبد الله وأنه كان يكتم هذا الاسم، وأن ناقته التي يركبها ٤/١١١
مأمورة ومن تبعها منصور، فزحف إليه سبك مولى المعتضد في العساكر فهزمها، وقتل فسار إليه محمد بن أحمد الطائي في العساكر فانهزمت القرامطة وجيء ببعضهم أسيرا فاحتضره المعتضد وقال: هل تزعمون أن روح الله وأنبيائه تحل فيكم فتعصمكم من الزلل، وتوفقكم لصالح العمل، فقال له: يا هذا أرأيت لو حلت روح إبليس فما ينفعك فاترك ما لا يعنيك إلى ما يعنيك. فقال له: قل فيما يعنيني! فقال له: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوكم العباس حي فلم يطلب هذا الأمر ولا بايعه أحد، ثم قبض أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى العباس ولم يعهد إليه عمر ولا جعله من أهل الشورى، وكانوا ستة وفيهم الأقرب والأبعد، وهذا إجماع منهم على دفع جدك عنها، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ فأمر المعتضد به فعذب وخلعت عظامه ثم قطع مرتين ثم قتل. ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليها طفج مولى ابن طولون سنة تسعين، واستصرخ بابن سيده بمصر، فجاءت العساكر لإمداده فقاتلهم مرارا وقتل يحيى بن ذكرويه المسمى بالشيخ في خلق من أصحابه، واجتمع فلهم على أخيه الحسين وتسمى أحمد أبا العباس وكانت في وجهه شامة يزعم أنها مقدسة، فلقب صاحب الشامة المهدي أمير المؤمنين، وأتاه ابن عمه عيسى بن مهدي وهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الإمام ولقبه المدثر، وعهد إليه، وزعم أنه المذكور في القرآن ولقب غلاما من أهله المطوق. ثم دعا الناس فأجابه كثير من أهل البوادي وسار إلى دمشق فحاصرها حتى صالحوه على مال ودفعوه له. ثم سارا إلى حمص وحماة والمعرة وبعلبك، فخطب له بها واستباحها جميعا. ثم إلى سلمية وبها جماعة من بني هاشم فاستلحمهم حتى الصبيان بالمكاتب والبهائم. ثم خرج المكتفي إليه وقدم عساكره، فكبسهم ونجا فلهم إلى حلب، وانتهى المكتفي إلى الرقة، وقد سار بدر مولى ابن طولون في اتباع القرامطة فهزمهم وأثخن فيهم وبعث المكتفي العساكر مع يحيى بن سليمان الكاتب، وفيهم الحسين بن حمدان من بني تغلب ومعهم بنو شيبان فواقعوا القرامطة سنة إحدى وتسعين فهزموهم، وقتل منهم خلق من أصحاب القرمطي ونجا ابنه أبو القاسم ببعض ذخيرته، وسار هو مستخفيا إلى ناحية الكوفة ومعه المدثر والمطوق وغلام له، وانتهوا إلى الرحبة فوشى بهم إلى العامل فقبض عليهم، وبعث بهم إلى المكتفي بالرقة ورجع إلى بغداد فقطعهم بعد أن ضرب صاحب الشامة مائتي سوط. وأما علي بن ذكرويه ففر بعد مقتل أخيه يحيى على ٤/١١٢
دمشق إلى ناحية الفرات، واجتمع إليه فل من القرامطة فاستباح طبرية. ثم لما اتبعهم الحسين بن حمدان فر إلى اليمن، واجتمع إليه دعاتهم لك وتغلب على كثير من مدنه، وقصد صنعاء فهرب عنها ابن يعفر فاستباحها وتجافى عن صعدة لذمة العلوية بينه وبين بني الرسي، ونازل بني زياد بن بيد، ومات في نواحي اليمن، وفي خلال ذلك بعث أبوه ذكرويه إلى بني القليص بعد أن كانوا استكانوا وأقاموا بالسماوة، فبعث إليهم من أصحابه عبد الله بن سعيد ويسمى أبا غانم فجاءهم بكتابه سنة ثلاث وتسعين بأنه أوحى إليه بأن صاحب الشامة وأخاه الشيخ مقبلان، وأن إمامه يظهر من بعدهما ويملأ الأرض عدلا، ويظهر وطاب أبو غانم على إحياء كلب فاجتمع إليه جماعة منهم، وقصد الشام فاستباح بصرى وأذرعات، ونازل دمشق وعاملها يومئذ أحمد بن كيغلغ وهو غائب بمصر في محاربة الجليجي الثائر من شيعة بني طولون على عساكر المكتفي، وقابله خلفاؤه فهزمهم وقتل بعضهم وسار إلى الأردن فقتل عاملها، ونهب طبرية وبعث المكتفي الحسين بن حمدان في العساكر ففر أبو غانم إلى السماوة وغور مياهها، واتبعته العساكر إلى أن جهدهم العطش. ثم رجع الحسين بهم إلى الرحبة، وقيل إنهم تقبضوا على أبي غانم وقتلوه، وافترق جمعهم وذلك سنة ثلاث وتسعين.
ظهور ذكرويه ومقتله
ثم اجتمع القرامطة إلى ذكرويه وأخرجوه من الجب الذي كان مختفيا فيه منذ عشرين سنة، وحضر عنده دعاتهم فاستخلف عليهم أحمد بن القاسم بن أحمد، وعرفهم بما له عليهم من المنة، وأن رشادهم في امتثال أمره، ورمز لهم في ذلك بآيات من القرآن حرف تأويلها، وسار وهو محتجب يدعونه السيد ولا يرونه، والقاسم يباشر الأمور ويتولاها، وبعث المكتفي عساكره فهزمهم القرامطة بالسواد، وغنموا معسكرهم، وساروا لاعتراض الحاج ومروا بالصوان، وحاصروا الواقصة فامتنعت عليهم، وطموا الآبار والمياه في تلك النواحي وبعث المكتفي محمد بن إسحاق بن كنداج الصهال ورجعوا. ونهب القرامطة الحاج وقتلوهم بعد أن قاتلوهم ثلاثا على غير ماء فاستسلموا، وغنم أموالهم وأموال التجار وأموال بني طولون كانوا نقلوها من ابن خلدون م 8 ج 4 ٤/١١٣
مصر إلى مكة. ثم من مكة إلى بغداد عند ما أجمعوا النقل إليها. ثم حاصر القرامطة بقية الحاج في حمص، قيل فامتنعوا، وجهز المكتفي العساكر مع وصيف بن صوارتكين وجماعة من القواد، فساروا على طريق خفان، وأدركوا القرامطة فقاتلوهم يومين، ثم هزموهم وضرب ذكرويه على رأسه فانهشم وجيء به أسيرا وبخليفة القاسم وابنه وكاتبه وزوجته، ومات لخمس ليال فسيق شلوه إلى بغداد، وصلب وبعث برأسه إلى خراسان من أجل الحاج الذين نهبهم من أهلها. ونجا الفل من أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم الحسين بن حمدان واستلحمهم، وتتبعوا بالقتل في نواحي الشام والعراق، وذلك سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
خبر قرامطة البحرين ودولة بني الجنابي منها
وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين جاء إلى القطيعي من البحرين رجل تسمى بيحيى بن المهدي وزعم أنه رسول من المهدي، وأنه قد قرب خروجه وقصد من أهل القطيف علي بن المعلى بن أحمد الدبادي، وكان متغاليا في التشيع فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي، وشنع الخبر في سائر قرى البحرين فأجابوا كلهم، وفيهم أبو سعيد الجنابي واسمه الحسن بن بهرام وكان من عظمائهم. ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة ورجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم ويأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير وثلاثين عن كل رجل فدفعوها. ثم غاب وجاء بكتاب آخر يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا، وقام يتردد في قبائل قيس. ثم أظهر أبو سعيد الجنابي الدعوة بالبحرين سنة ثلاث وثمانين، واجتمع إليه القرامطة والأعراب، وسار إلى القطيف طالبا البصرة وكان عليها أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي فأدار السور على البصرة، وبعث المعتمد علي بن عمر الغنوي، وكان على فارس فاقطعه اليمامة والبحرين، وضم إليه ألفين من المقاتلة وسيره إلى البصرة فاحتشد وخرج للقاء الجنابي ومن معه، ورجع عنه عند اللقاء بنو ضبة فانهزم وأسره الجنابي واحتوى على ٤/١١٤
معسكره وحرق الأسرى بالنار. ثم من عليه وأطلقه فسار إلى الأبلة ومنها إلى بغداد، وسار أبو سعيد إلى هجر فملكها وأمنها، واضطربت البصرة للهزيمة وهم أهلها بالارتحال، فمنعهم الواثقي. ومن كتاب ابن سعيد في خبر قرامطة البحرين ملخصا من كلام الطبري فلعله كما ذكره قال: كان ابتداء أمر القرامطة سنة ثمان وثلاثمائة فنقل الكلام وكان أبو سعيد يمهد لابنه الأكبر سعيد فلم به وثار به أخوه الأصغر الظاهر سليمان فقتله، وقام بأمرهم وبايعه العقدانية وجاءه كتاب عبيد الله المهدي بالولاية. وفي سنة ست وثمانين وصل أبو القاسم القائم إلى مصر، واستدعى أبا طاهر القرمطي وانتظره فأعجله مؤنس الخادم عن انتظاره وسار من قبل المقتدر فهزمه ورجع إلى المهدية. ثم سار أبو الطاهر سنة سبع إلى البصرة فاستباحها ورجع واضطربت بغداد، وأمر المقتدر بإصلاح ما تثلم من سورها. ثم زحف إليها أبو الطاهر سنة إحدى عشرة فاستباحها وخرب الجامع وتركها خربة. ثم خرج سنة اثنتي عشرة لاعتراض الحاج فأوقع بهم وهزم قواد السلطان الذين كانوا معهم، وأسر أميرهم أبا النجاء بن حمدون واستصفى النساء والصبيان وترك الباقي بالبرية فهلكوا.
ثم خرج سنة أربع عشرة إلى العراق فعاث في السواد، ودخل الكوفة وفعل فيها أشد من البصرة. وفي سنة أربع عشرة وقع بين العقدانية وأهل البحرين خلاف فخرج أبو الطاهر وبنى مدينة الأحساء وسماها المؤمنية فلم تعرف إلا به، وبنى قصره وأصحابه حوله. وفي سنة خمس عشرة استولى على عمان وهرب واليها في البحر الى فارس.
وزحف سنة ست عشرة إلى الفرات، وعاث في بلاده. وبعث المقتدر عن يوسف بن أبي الساج من أذربيجان وولاه واسط، وبعثه لحربه فالتقوا بظاهر الكوفة وهزمه أبو طاهر وأسره. وأرجف أهل بغداد، وسار أبو طاهر إلى الأنبار وخرجت العساكر من بغداد لدفاعه مع مؤنس المظفر وهارون بن غريب الحال فلم يطيقوا دفاعه، وتوافقوا ثم تحاجزوا، وعاد مؤنس إلى بغداد وسار هو إلى الرحبة واستباحها ودوخ بلاد الجزيرة بسراياه. وسار إلى هشت والكوفة، وقاتل الرقة فامتنعت عليه، وفرض الإتاوة على أعراب الجزيرة يحملونها إلى هجر، ودخل في دعوته جماعة من بني سليم بن منصور وبني عامر بن صعصعة. وخرج إليه هارون بن غريب الحال فانصرف أبو طاهر إلى ٤/١١٥
البرية وظفر هارون بفريق منهم فقتلهم وعاد إلى بغداد. وفي سنة سبع عشرة هجم على مكة وقتل كثيرا من الحاج ومن أهلها ونهب أموالهم جميعا وقلع باب البيت والميزاب، وقسم كسوة البيت في أصحابه، واقتلع الحجر الأسود وانصرف به وأراد أن يجعل الحج عنده، وكتب إليه عبيد الله المهدي من القيروان يوبخه على ذلك، ويتهدده، فكتب إليه بالعجز عن رده من الناس ووعد برد الحجر، فرده سنة تسع وثلاثين بعد أن خاطبه منصور إسماعيل من القيروان في رده فردوه، وقد كان الحكم المتغلب على الدولة ببغداد أيام المستكفي بذل لهم خمسين ألفا من الذهب على أن يردوه فأبوا، وزعموا أنهم إنما حملوه بأمر إمامهم عبيد الله، وإنما يردونه بأمره وأمر خليفته. وأقام ابو طاهر بالبحرين وهو يتعاهد العراق والشام بالغزو حتى ضربت له الإتاوة ببغداد وبدمشق على بني طفج. ثم هلك أبو طاهر سنة اثنتين وثلاثين لإحدى وثلاثين سنة من ملكه، ومات عن عشرة من الولد كبيرهم سابور، وولى أخوه الأكبر أحمد بن الحسن، واختلف بعض العقدانية عليه ومالوا إلى ولاية سابور بن أبي طاهر، وكاتبو القائم في ذلك فجاء جوابه بولاية الأخ أحمد، وأن يكون الولد سابور ولي عهده، فاستقر أحمد في الولاية عليهم وكنوه أبا منصور، وهو الذي رد الحجر الأسود إلى مكانه كما قلناه. ثم قبض سابور على عمه أبي منصور فاعتقله بموافقة إخوته له على ذلك وذلك سنة ثمان وخمسين. ثم ثار بهم أخوه فأخرجه من الاعتقال وقتل سابور ونفى إخوته وأشياعهم إلى جزيرة أوال. ثم هلك أبو منصور سنة تسع وخمسين يقال مسموما على يد شيعة سابور، وولي ابنه أبو علي الحسن بن أحمد ويلقب الأعصم، وقيل الأغنم فطالت مدته وعظمت وقائعه ونفى جمعا كثيرا من ولد أبي طاهر، يقال اجتمع منهم بجزيرة أوال نحو من ثلاثمائة، وحج هذا الأعصم بنفسه ولم يتعرض للحاج ولا أنكر الخطبة للمطيع.
فتنة القرامطة مع المعز العلوي
ولما استولى جوهر قائد المعز لدين الله على مصر وجعفر بن فلاح الكتامي على دمشق طالب الحسن بالضريبة التي كانت له على دمشق فمنعوه ونابذوه، وكتب له المعز وأغلظ عليه ودس لشيعة أبي طاهر وبنيه أن الأمر لولده، وأطلع الحسن على ذلك ٤/١١٦
فخلع المعز سنة اثنتين وثلاثمائة وخطب للمطيع العباسي في منابره ولبس السواد. ثم زحف إلى دمشق وخرج جعفر بن فلاح لحربه، فهزمه الأعصم وقتله، وملك دمشق وسار إلى مصر فحاصر جوهرا بها وضيق عليه. ثم غدر به العرب واجفلوا فأجفل معهم وعاد إلى الشام ونزل الرملة، وكتب إليه المعز سنة إحدى وستين بالنفي والتوبيخ، وعزله عن القرامطة وولى بني أبي طاهر فخرجوا من أوال ونهبوا الأحساء في غيبته، وكتب إليهم الطائع العباسي بالتزام الطاعة، وأن يصالحوا ابن عمهم ويقيموا بجزيرة أوال وبعث من أحكم بينهم الصلح. ثم سار الأعصم إلى الشام وتخطاها دون صور فقاتلوه وراء الخنادق، وبذل جوهر المال للعرب فافترقوا عنه، وانهزم ونهب معسكره. وجاء المعز من إفريقية ودخل القاهرة سنة ثلاث وستين وسرح العساكر إلى الشام فاستولوا عليه، فنهض الأعصم إليهم فأوقع بهم، وأثخن فيهم، وانتزع ما ملكوه من الشام، وسار إلى مصر وبعث المعز لدين الله ابنه عبد الله فلقيهم على بلبيس وانهزم الأعصم وفشا القتل والأسر في أصحابه فكانوا نحوا من ثلاثة آلاف، ورجع الأعصم إلى الأحساء واستخلص المعز بني الجراح أمراء الشام من طيئ حتى استرجع بهم ما غلب عليه القرامطة من الشام بعد حروب وحصار. ثم مات المعز سنة خمس وستين، وطمع الأعصم في بلاد الشام، وكان أفتكين التركي مولى معز الدولة بن بويه لما انتقض على أبيه بختيار وهزمه ببغداد، سار أفتكين منهزما إلى دمشق، وكانوا مضطرين فخرجوا إليه وولوه عليهم، وصالح المعز إلى أن توفي فنابذ العزيز وبعث إليه جوهر في العساكر فحاصره، فكتب أفتكين إلى الأعصم واستدعاه فجاء إلى الشام سنة ست وستين. وخرج معه أفتكين، ونازلوا الرملة فملكوها من يد جوهر، وزحف إليهم العزيز وهزمهم، وتقبض على أفتكين، ولحق الأعصم بطبرية منهزما. ثم ارتحل منها إلى الأحساء وأنكروا ما فعله الأعصم من البيعة لبني العباس، واتفقوا على إخراج الأمر عن ولد أبي سعيد الجنابي، وقدموا رجلين منهم وهما جعفر وإسحاق وسار بنو أبي سعيد إلى جزيرة أوال. وكان بنو أبي طاهر قبلهم فقتلوا كل من دخل إليهم من ولد أحمد بن أبي سعيد وأشياعه. ثم قام بأمر القرامطة جعفر وإسحاق هذان ورجعوا إلى دعوة العلوية ومحاربة بني بويه، ورجعوا سنة أربع وستين إلى الكوفة فملكوها. وبعث صمصام الدولة بن بويه العساكر إليهم فهزمهم على الفرات وقتل منهم خلق واتبعوهم إلى القادسية. ثم اختلف جعفر ٤/١١٧
وإسحاق وطمع كل منهما في الرئاسة على صاحبه، وافترق أمرهم وتلاشت دعوتهم إلى أن استولى الأصغر بن أبي الحسن الثعلبي سنة ثمان وتسعين عليهم، وملك الأحساء من أيديهم وأذهب دولتهم وخطب للطائع واستقرت الدولة له ولبنيه.
ذكر المتغلبين بالبحرين من العرب بعد القرامطة
كان بأعمال البحرين خلق من العرب، وكان القرامطة يستنجدونهم على أعدائهم ويستعينون بهم في حروبهم، وربما يحاربونهم ويقاطعونهم في بعض الأوقات، وكان أعظم قبائلهم هنالك بنو ثعلب وبنو عقيل وبنو سليم، وأظهرهم في الكثرة والعزة بنو ثعلب. ولما فشلت دولة القرامطة بالبحرين واستحكمت العداوة بينهم وبين بني بويه بعد انقراض ملك بني الجنابي، وعظم اختلافهم عند القائم بدعوة العباسية وكان خالصة للقرامطة ودعاه إلى إذهاب دولتهم فأجابه، وداخل بني مكرم رؤساء عمان في مثل ذلك فأجابوه، واستولى الأصغر على البحرين وأورثها بنيه، واستولى بنو مكرم على عمان ثم غص بنو ثعلب بسليم واستعانوا عليهم ببني عقيل وطردوهم من البحرين، فساروا إلى مصر ومنها كان دخولهم إلى إفريقية كما يأتي. ثم اختلف بنو ثعلب وبنو عقيل بعد مدة وطردهم بنو ثعلب إلى العراق فملكوا الكوفة والبلاد العراقية، وامتد ملك الأصغر وطالت أيامه، وتغلب على الجزيرة والموصل وحارب بني عقيل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة برأس عين من بلاد الجزيرة، وغص بشأنه نصير الدولة بن مروان صاحب ميافارقين وديار بكر فقام له، وجمع له الملوك من كل ناحية فهزمه واعتقله، ثم أطلقه ومات وبقي الملك متوارثا في بنيه بالبحرين إلى أن ضعفوا وتلاشوا، وانقرضت دولة بني عقيل بالجزيرة، وغلبهم عليها وعلى تلك البلاد أولياء الدولة السلجوقية، فتحولوا عنها إلى البحرين مواطنهم الأولى، ووجدوا بني ثعلب قد أدركهم الهرم، فغلبوا عليهم. قال ابن سعيد: سألت أهل البحرين حين لقيتهم بالمدينة النبوية سنة إحدى وخمسين وستمائة عن البحرين، فقالوا: الملك فيها لبني ٤/١١٨
عامر بن عوف بن عامر بن عقيل وبنو ثعلب من جملة رعاياهم وبنو عصفور منهم أصحاب الأحساء. (ولنذكر) هنا نبذة في التعريف بكاتب القرامطة وأمصار البحرين وعمان لما أن ذلك من توابع أخبارهم.
(الكاتب) : كان كاتبهم أبو الفتح الحسين بن محمود ويعرف بكشاجم، كان من أعلام الشعراء، وذكره الثعالبي في اليتيمة والحصري في زهر الآداب، وهو بغدادي المولد واشتهر بخدمة القرامطة فيما ذكره البيهقي وكتب لهم بعده ابنه أبو الفتح نصر، ولقبه كشاجم مثل أبيه وكان كاتبا للأعصم.
(البحرين) : إقليم يسمى باسم مدينته، ويقال هجر باسم مدينة أخرى منه كان حضرية، فخربها القرامطة وبنو الأحساء وصارت حاضرة، وهذا الإقليم مسافة شهر على بحر فارس بين البصرة وعمان، شرقيها نجر فارس، وغربيها متصل باليمامة، وشماليها البصرة وجنوبها بعمان، كثيرة المياه ببطونها على القامة والقامتين، كثيرة البقل والفواكه، مفرطة الحر منهالة الكثبان، يغلب الرمل عليهم في منازلهم وهي من الإقليم الثاني، وبعضها في الثالث، كانت في الجاهلية لعبد القيس وبكر بن وائل من ربيعة، وملكها للفرس، وعاملها من قبلهم المنذر بن ساوي التميمي. ثم صارت رياستها صدر الإسلام لبني الجارودي ولم يكن ولاة بني العباس ينزلون هجر إلى أن ملكها أبو سعيد القرمطي بعد حصار ثلاث سنين، واستباحها قتلا وإحراقا وتخريبا.
ثم بنى أبو طاهر مدينة الأحساء، وتوالت دولة القرامطة وغلب على البحرين بنو أبي الحسن بن ثعلب، وبعدهم بنو عامر بن عقيل. قال ابن سعيد والملك الآن فيهم في بني عصفور.
(الأحساء) بناها أبو طاهر القرمطي في المائة الثالثة، وسميت بذلك لما فيها من أحساء المياه في الرمال، ومراعي الإبل، وكانت للقرامطة بها دولة، وجالوا في أقطار الشام والعراق ومصر والحجاز وملكوا الشام وعمان.
(دارين) هي من بلاد البحرين ينسب إليها الطيب كما تنسب الرماح إلى الخط بجانبها فيقال مسك دارين والرماح الخطية.
(عمان) وهي من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن والحجاز والشحر وحضر موت وعمان وهي خامسها، إقليم سلطاني منفرد على بحر فارس من غربيه مسافة شهر، شرقيها بحر فارس وجنوبيها بحر الهند، وغربيها بلاد حضر موت، ٤/١١٩
وشماليها البحرين، كثيرة النخل والفواكه وبها مغاص اللؤلؤ، سميت بعمان بن قحطان، أول من نزلها بولاية أخيه يعرب، وصارت بعد سيل العرم للأزد. وجاء الإسلام وملوكها بنو الجلندي، والخوارج بها كثيرة. وكانت لهم حروب مع عمال بني بويه وقاعدتهم تروى، وملك عمان من البحر ملوك فارس غير مرة، وهي في الإقليم الثاني، وبها مياه وبساتين وأسواق، وشجرها النخل. وكانت بها في الإسلام دولة لبني شامة بن لؤي بن غالب. وكثير من نسابة قريش يدفعونهم عن هذا النسب، أولهم بها محمد بن القاسم الشامي، بعثه المعتضد أعانه ففتحها وطرد الخوارج إلى تروى قاعدة الجبال، وأقام الخطبة لبني العباس وتوارث ذلك بنوه، وأظهروا شعار السنة. ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة وتحاربوا، ولحق بعضهم بالقرامطة، وأقاموا في فتنة إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة عند اقتلاعه الحجر وخطب بها لعبيد الله المهدي وترددت ولاة القرامطة عليها من سنة سبع عشرة الى سنة خمس وسبعين. فترهب واليها منهم، وزهد وملكها أهل تروى الخوارج وقتلوا من كان بها من القرامطة والروافض، وبقيت في أيديهم ورياستها للأزد منهم. ثم سار بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد، واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس، فملكوا مدينة عمان وطردوا الخوارج إلى جبالهم، وخطبوا لبني العباس. ثم ضعفت دولة بني بويه ببغداد فاستبد بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها، وكان منهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم، وكان ملكا جوادا ممدوحا. قاله البيهقي ومدحه مهيار الديلمي وغيره، ومات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك. وفي سنة اثنتين وأربعين ضعف ملك بني مكرم وتغلب عليهم النساء والعبيد، فزحف إليها الخوارج وملكوها، وقتلوا بقيتهم وانقطع منها رسم الملك، وصار في حجار من مدر هذا الإقليم قلهات هي عرصة عمان على بحر فارس من الإقليم الثاني ومما يلي الشحر وحجاز في شماليها إلى البحرين بينهما سبع مراحل، وهي في جبال منيعة، فلم تحتج إلى سور، وكان ملكها سنة ثمان وأربعين زكريا بن عبد الملك الأزدي من ذرية رياسة. وكان الخوارج بتروى مدينة الشراة يدينون لهم، ويرون أنهم من ولد الجلندي. ٤/١٢٠
الخبر عن الإسماعيلية أهل الحصون بالعراق وفارس والشام وسائر أمورهم ومصايرها
هذا المذهب هو مذهب القرامطة وهم غلاة الرافضة، وهو على ما رأيته من الاضطراب والاختلاف. ولم يزل متناقلا في أهله بأنحاء العراق وخراسان وفارس والشام.
واختلف بعضهم باختلاف الأعصار والأمصار، وكانوا يدعون أولا قرامطة. ثم قيل لهم بالعراق باطنية، ثم الإسماعيلية، ثم النزارية لما حدث من عهد المستضيء العلوي لابنه نزار، وقتله شيعتهم بمصر، ولم يبايعوا له، وكان عنده ابن الصباح من هؤلاء الإسماعيلية، ونفى الإمامة بعده عن أئمتهم بمصر فسموا أصحابه لذلك نزارية. وكان هذا المذهب بعد موت ذكرويه وانحلال عقدتهم، بقي منبثا في الأقطار ويتناوله أهله، ويدعون إليه ويكتمونه، ولذلك سموا الباطنية، وفشت أذيتهم بالأمصار بما كانوا يعتقدونه من استباحة الدماء، فكانوا يقاتلون الناس ويجتمع لذلك جموع منهم يكمنون في البيوت ويتوصلون إلى مقاصدهم من ذلك. ثم عظمت أمورهم أيام السلطان ملك شاه عند ما استمر الملك للعجم من الديلم والسلجوقية وعقل الخلفاء وعجزوا عن النظر في تحصين إمامتهم، وكف الغوائل عنها، فانتشروا في هذه العصور وربما اجتمع منهم جماعة بساوة بانحاء همذان، فصلوا صلاة العيد بأنحائهم فحبسهم الشحنة، ثم أطلقهم. ثم استولوا بعد ذلك على الحصون والقلاع فأول قلعة غلبوا عليها قلعة عند فارس كان صاحبها على مذهبهم، فأووا إليه واجتمعوا عنده، وصاروا يخطفون الناس من السابلة وعظم ضررهم بتلك النواحي. ثم استولوا على قلعة أصفهان واسمها شاه در، كان السلطان شاه بناها وأنزل بها عامله، فاتصل به أحمد بن غطاش، كان أبوه من مقدمي الباطنية وعنه أخذ ابن الصباح وغيره منهم، وكان أحمد هذا عظيما فيهم لمكان أبيه ورسوخه في العلم بينهم، فعظموه لذلك وتوجوه وجمعوا له مالا وقدموه عليهم، واتصل بصاحب القلعة فآثر مكانه وقلده الأمور حتى إذا توفي استولى أحمد بن غطاش على قلعة شاه در، وأطلق أيدي أصحابه في نواحيها يخيفون السابلة من كل ناحية. ثم استولوا على قلعة الموت من نواحي قزوين وهي من بنيان الديلم، ومعنى هذا الاسم عندهم تميل العقاب، ٤/١٢١
ويقال لتلك الناحية طالقان، وكانت في ضمان الجعفري، فاستناب بها علويا وكان بالري أبو مسلم صهر نظام الملك، واتصل به الحسن بن الصباح، وكان بينهم عالما بالتعاليم والنجوم والسحر، وكان من جملة تلامذة ابن غطاش صاحب قلعة أصفهان، ثم اتهمه أبو مسلم بجماعة من دعاة المصريين عنده فهرب منه وجال في البلاد وانتهى إلى مصر فأكرمه المستنصر وأمره بدعاء الناس إلى إمامته، وقال له الحسن من الإمام بعدك فأشار إلى ابنه نزار، وعاد من مصر إلى الشام والجزيرة وديار بكر وبلاد الروم، ورجع إلى خراسان بقلعة الموت فنزل على العلوي، فأكرمه واعتقد البركة فيه، وأقام بها وهو يحاول إحكام أمره في تملكها، فلما تم له من ذلك ما أراد أخرج العلوي منها وملكها. واتصل الخبر بنظام الملك فبعث العسكر لحصارها فجهده الحصار، وبعث جماعة من الباطنية فقتلوا نظام الملك، ورجعت العساكر واستولوا أيضا على قلعة طبس وما جاورها من قلاع قوهستان وهي زرون وقائد.
وكان رئيس قوهستان المنور من أعقاب بني سيجور أمراء خراسان للسامانية، فطلبه عامل قوهستان وأراد اغتصاب أخته، فاستدعى الإسماعيلية وملكهم هذه القلاع، واستولوا على قلعة خالنجان على خمسة فراسخ من أصفهان كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك، وانتقلت إلى جاولي سقاور من أمراء الغز، وولى عليها بعض الترك فاتصل به بعض الباطنية وخدمه، وأهدى له حتى صارت مفاتيح القلعة في يده، فدس لابن غطاش في قلعة شاه در فجاء في جمع من أصحابه ليلا، وهرب التركي فملكها وقتل من كان بها وقوي بها على أهل أصفهان، وفرض عليهم القطائع. ومن قلاعهم أسويا وندبين الرمل وآمد، ملكوها بعد ملك شاه غدرا، ومنها أزدهر ملكها ابو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح. ومنها كردكوه ومنها قلعة الناظر بخوزستان وقلعة الطنبور قرب أرجان ملكها أبو حمزة الإسكاف من أهل ارجان، وقد كان سافر إلى مصر فأخذ بمذهبهم ورجع داعية لهم. ومنها قلعة ملاوخان بين فارس وخوزستان امتنع بها المفسدون نحوا من مائتي سنة لقطع الطريق، حتى فتحها عضد الدولة بن بويه، وقتل من بها. فلما ملك ملك شاه أقطعها للأمير أنز، فولى عليها من قبله وداخله الباطنية الذين من أرجان في بيعها منهم فأبى، فقالوا نرسل إليك من يناظرك حتى نرى الحق في مذهبنا، وبعثوا إليهم رجالا منهم فاعتقلوا مملوكه حتى سلم لهم مفاتيح القلعة، وقبضوا على صاحبها وقويت شوكتهم. وامتدت أيدي ٤/١٢٢
الناس إلى قتلهم واعتقدوا جهادهم وثاروا بهم في كل وجهة فقتلوهم وقتلتهم العامة بأصفهان، وكانوا قد ظهروا بها عند محاصرة السلطان بركيارق أصفهان وبها أخوه محمد وأمه خاتون الجلالية، وفشت فيها دعوتهم وكثر فيها الاغتيال من أتباعهم فثاروا بهم، وقتلوهم وحفروا الأخاديد وأوقدوها بالنيران، وجعلوا يأتون بالباطنية فيلقونهم فيها، وتجرد جاولي سقاور، وكان واليا بفارس للجهاد فيهم، وتحيل عليهم بجماعة من أصحابه أظهروا الهروب إليهم فأوثقوا بهم وسار هو من بعد ذلك إلى همذان فأغزاهم. ثم صار الباطنية من بعد ذلك إلى همذان لقتل أمراء السلجوقية غدرا فكان يقصد أحدهم أميرا من هؤلاء وقد استبطن خنجرا واستمات. حملهم على ذلك السلطان بركيارق، واستعان بهم على أمر أخيه فكان أحدهم يعرض نفسه بين يدي الأمير حتى يتمكن من طعنه فيطعنه، ويهلك غالبا ويقتل الباطني لوقته، فقتلوا منهم كذلك جماعة، ولما ظهر بركيارق على أخيه محمد انتشروا في عسكره واستعانوا بطائفة منهم، وتهددوا بالقتل على ذلك حتى ارتاب أمراء العسكر بأنفسهم، وخافوا عاديتهم ولازموا حمل السلاح، وشكوا إلى بركيارق بذلك وبما يلقونه منهم ومن عسكر أخيه فيما يرمونهم به من الاتحاد بهؤلاء الباطنية فأذن في قتلهم، وركب والعسكر معه فتتبعوهم بالقتل، حتى أن الأمير محمدا من أعقاب علاء الدولة بن كاكويه، وكان صاحب مدينة يزد أتهم برأيهم فهرب وقتل. وكتب إلى بغداد في أبي إبراهيم الأستراباذي وكان بركيارق بعثه رسولا فأخذ هنالك وقتل، واستلحموا في كل جهة واستلحم المتهمون وانطلقت عليهم الأيدي في كل ناحية وذلك سنة ست وثمانين. ولما استفحل أمر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق زحف إلى قلعة شاه در التي بها أحمد ابن غطاش لقربها من أصفهان سرير ملكه، فجمع العساكر والأمم وخرج في رجب من أول المائة السادسة، وأحاط بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ، ورتب الأمراء لقتالها نوبا. ولما اشتد الأمر بهم سألوا فتوى الفقهاء في أمرهم وكتبوا ما نصه: ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وإنما يخالفون في الإمام هل يجوز للسلطان مساعدتهم ومراعاتهم وأن يقبل طاعتهم وبحرسهم من كل أذى أم لا؟ ٤/١٢٣
فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف بعضهم وجمعوا للمناظرة، فقال السمنجاني من كبار الشافعية: يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم لا يرون مخالفة إمامهم إذا خالف أحكام الشرع، وبذلك تباح دماؤهم إجماعا، وطالت المناظرة في ذلك. ثم سألوا أن يأتيهم من العلماء من يناظرهم وعينوا أعيانا من أصفهان، وقصدوا بذلك المطاولة والتعلل، فبعثهم السلطان إليهم فعادوا من غير شيء، فاشتد السلطان إليهم في حصارهم واستأمنوا على أن يعوضوا عن قلعتهم بقلعة خالنجان على سبعة فراسخ من أصفهان، وأن يؤجلوا في الرحيل شهرا فأجابهم، وأقاموا في تلك المدة يجمعون ما يقدرون عليه من الأطعمة ووثبوا على بعض الأمراء وسلم منهم فجدد السلطان حصارهم وطلبوا أن ينتقلوا إلى قلعة الناظر وطبس، ويبعث السلطان معهم من يوصلهم ويقيم الباقون بضرس من القلعة إلى أن يصل الأولون، ثم يبعث مع الآخرين من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة الموت فأجابهم إلى ذلك، وخرج الأولون إلى الناظر وطبس، وخرب السلطان القلعة، وتمسك ابن غطاش بالضرس الذي هو فيه، وعزم على الاعتصام به، وزحف إليه الناس عامة وهرب بعضهم إلى السلطان، فدله على عورة المكان، فصعدوا إليه وقتلوا من وجدوا فيه، وكانوا ثمانين، وأخذا ابن غطاش أسيرا فسلخ وحشي جلده تبنا، وقتل ابنه وبعث برأسهما إلى بغداد، وألقت زوجه نفسها من الشاهق فهلكت.
خبر الإسماعيلية بالشام
لما قتل أبو إبراهيم الأستراباذي ببغداد كما تقدم هرب بهرام ابن أخيه إلى الشام وأقام هنالك داعية متخفيا، واستجاب له من الشام خلق. وكان الناس يتبعونهم لكثرة ما اتصفوا به من القتل غدرا. وكان أبو الغازي بن أرتق بحلب يتوصل بهم إلى غرضه في أعدائه، وأشار أبو الغازي على ابن طغتكين الأتابك بدمشق بمثل ذلك فقبل رأيه، ونقل إليه فأظهر حينئذ شخصه، وأعلن بدعوته وأعانه الوزير أبو علي ظاهر بن سعد المزدغاني، لمصلحتهم فيه فاستفحل أمره، وكثر تابعوه، وخاف من عامة دمشق فطلب من ابن طغتكين ووزيره أبي علي حصنا يأوي إليه، فأعطوه قلعة ٤/١٢٤
بانياس سنة عشرين وخمسمائة، وترك بدمشق خليفة له يدعو الناس إلى مذهبة فكثروا وانتشروا، وملك هو عدة حصون في الجبال منها القدموس وغيره. وكان بوادي التيم من أعمال بعلبك طوائف من المجوس والنصرانية والدرزية وأميرهم يسمى الضحاك، فسار بهرام لقتالهم سنة اثنتين وعشرين، واستخلف على بانياس إسماعيل من أصحابه، ولقيهم الضحاك في ألف رجل وكبس عسكره فهزمهم وقتله وعاد فلهم إلى بانياس، فأقام بأمرهم إسماعيل وجمع شملهم وبث دعاته في البلاد، وعاضده المزدغاني وزير دمشق وانتصر لهذه الطائفة، وأقام بدمشق خليفة لبهرام اسمه أبو الوفاء فقوي أمره، وكثر أتباعه. واستبد على صاحبها تاج الملوك بن طغتكين. ثم ان المزدغاني راسل الفرنج أن يملكهم دمشق على أن يعطوه صور، وتواعدوا ليوم عينوه، ودس للإسماعيلية أن يكونوا ذلك اليوم على أهبة، ونمي الخبر إلى إسماعيل فخاف أن يثور به الناس فأعطى بانياس للفرنج، وانتقل إليهم ومات سنة أربع وعشرين، وكان للإسماعيلية قلاع في تلك الجهات تتصل بعضها ببعض أعظمها قلعة مصيات فسار صلاح الدين لما ملك الشام سنة اثنتين وسبعين إليها وحاصر مصيات وضيق حصارها، وبعث سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين بحماة، وهو شهاب الدين الحمادي أن يسأل صلاح الدين في الصلح معهم ويتهددونه على ذلك سرا، فسار إلى صلاح الدين وأصلح أمرهم عنده ورحل عنهم.
بقية الخبر عن قلاع الإسماعيلية بالعراق
ولم تزل قلاع هؤلاء الإسماعيلية بالعراق عشا لهذه الغواية، وسفطا لهؤلاء الخباث، منذ ثار بها أحمد بن غطاش والحسن بن الصباح، وكان لهذا الحسن مقالات في مذاهب الرافضة غريقة في الغلو داخلة من باب الكفر وتسميها الرافضة المقالات الجديدة، ولا يدين بقبولها إلا الغلاة منهم. وقد ذكرها الشهرستاني في كتاب الملل ٤/١٢٥
والنحل فعليك به إن أردت معرفتها. وبقي الملوك يقصدونهم بالجهاد لما اشتهر عنهم من الضرر بالاغتيال. ولما افترق أمر السلجوقية واستبد ايتغمش بالري وهمذان، سار إليهم سنة ثلاث وستمائة إلى قلاعهم المجاورة لقزوين فحاصرها، وفتح منها خمس قلاع، واعتزم على حصار قلعة الموت فعرض له ما شغله عن ذلك، ثم زحف إليهم جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين خوارزم شاه عند ما رجع من الهند، وملك بلاد أذربيجان وأرمينية، فقتلوا بعض أمرائه بمثل قتلهم فسار إلى بلادهم ودوخ نواحي الموت وقد مر ذكره. وقلاعهم التي بخراسان خربها واستباحها قتلا ونهبا وكانوا منذ ظهر التتر قد شرهوا على الجهات فأوقع بهم جلال الدين هذه الواقعة سنة أربع وعشرين وستمائة، وكفحهم عما سموا إليه من ذلك. ولما استفحل أمر التتر سار هولاكو أعوام الخمسين والستمائة من بغداد وخرب قلاعهم، وزحف الظاهر بعد ذلك إلى قلاعهم التي بالشام فخرب كثيرا منها وطوع ما بقي منها، وصارت مصيات وغيرها في طاعته وانقرض أمرهم إلا مغتالين يستعملهم الملوك في قتل أعدائهم على البعد غدرا، ويسمون الفداوية أي الذين يأخذون فدية أنفسهم على الاستماتة في مقاصد من يستعملهم. والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن دولة بني الأخيضر باليمامة من بني حسن
كان موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى بن الحسن السبط لما اختفى أخواه محمد وإبراهيم، طالبه أبو جعفر المنصور بإحضارهما فضمن له ذلك. ثم اختفى وعثر عليه المنصور فضربه ألف سوط، فلما قتل أخوه محمد المهدي بالمدينة اختفى موسى الجون إلى أن هلك. وكان من عقبه إسماعيل وأخوه محمد الأخيضر ابنا يوسف بن إبراهيم بن موسى، فخرج إسماعيل في أعراب الحجاز وتسمى السفاك سنة إحدى وخمسين ومائتين. ثم قصد مكة فهرب عاملها جعفر بسباسات، وانتهب منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل جماعة من الجند وأهل مكة وأخذ ما كان حمل للإصلاح من المال، وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة، وأخذ كسوة الكعبة وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار. ثم نهبها وأخرق بعضها بعضا، وأقام في ذلك ٤/١٢٦
خمسين يوما. ثم سار إلى المدينة فتوارى عاملها وحاصرها حتى مات أهلها جوعا، ولم يصل أحد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل عساكر المعتز إلى المدينة فأفرج عنها ورجع إلى مكة وحاصرها حتى جهدها الحصار، ورحل بعد مقامة شهرين إلى جدة فأخذ أموال التجار ونهب ما في مراكبهم ورجع إلى مكة، وقد وصل إليها محمد بن عيسى بن المنصور وعيسى بن محمد المخزومي بعثهما المعتز لقتاله فتواقعوا بعرفة، واقتتلوا وقتل من الحاج نحو ألف، وسلبوا الناس وهربوا إلى مكة، وبطل الموقف إلا إسماعيل وأصحابه وخطب لنفسه. ثم رجع إلى جدة واستباحوها ثانية. ثم هلك لسنة من خروجه بالجدري آخر سنة اثنتين وخمسين أيام حرب المستعين والمعتز. وكان يتردد بالحجاز منذ اثنتين وعشرين سنة، ومات ولم يعقب، وولي مكانه أخوه محمد الأخيضر وكان أسن منه بعشرين سنة، ونهض إلى اليمامة فملكها، واتخذ قلعة الحصرمية، وكان له من الولد محمد وإبراهيم وعبد الله ويوسف. وهلك فولي بعده ابنه يوسف، وأشرك ابنه إسماعيل معه في الأمر مدة حياته. ثم هلك وانفرد إسماعيل بملك اليمامة وكان له من الإخوة الحسن وصالح ومحمد بنو يوسف. فلما هلك إسماعيل ولي من بعده أخوه الحسن، وبعده ابنه أحمد بن الحسن. ولم يزل ملكها فيهم إلى أن غلب عليهم القرامطة، وانقرض أمرهم والبقاء لله. وكان بمدينة غانة من بلاد السودان بالمغرب مما يلي البحر المحيط ملك بني صالح، ذكرهم صاحب كتاب زجار في الجغرافيا. ولم نقف على نسب صالح هذا من خبر يعول عليه. وقال بعض المؤرخين أنه صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله الملقب أبا الكرام بن موسى الجون، وأنه خرج أيام المأمون بخراسان، وحمل إليه وحبسه وابنه محمد من بعده، ولحق بنوه بالمغرب فكان لهم ملك في بلد غانة. ولم يذكر ابن حزم في أعقاب موسى الجون صالحا هذا بهذا النسب، ولعله صالح الذي ذكرناه آنفا في ولد يوسف بن محمد الأخيضر والله أعلم. ٤/١٢٧
الخبر عن دولة السليمانيين من بني الحسن بمكة ثم بعدها باليمن ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
مكة هذه أشهر من أن نعرف بها أو نصفها، إلا أنه لما انقرض سكانها من قريش بعد المائة الثانية بالفتن الواقعة بالحجاز من العلوية مرة بعد أخرى، فأقفرت من قريش ولم يبق بها إلا أتباع بني حسن أخلاط من الناس، ومعظمهم موال سود من الحبشة والديلم. ولم يزل العمال عليها من قبل بني العباس وشيعتهم والخطبة لهم إلى أن اشتغلوا بالفتن أيام المستعين والمعتز وما بعدهما، فحدثت الرئاسة فيها لبني سليمان ابن داود بن حسن المثنى بن الحسن السبط. وكان كبيرهم آخر المائة الثانية محمد بن سليمان وليس هو سليمان بن داود لأن ذلك ذكره ابن حزم أنه قام بالمدينة أيام المأمون، وبين العصرين نحو من مائة سنة، سنة إحدى وثلاثمائة أيام المقتدر، وخلع طاعة العباسية، وخطب في الموسم فقال: الحمد لله الذي أعاد الحق إلى نظامه، وأبرز زهر الإيمان من أكمامه، وكمل دعوة خير الرسل بأسباطه لا بني أعمامه صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وكف عنا ببركته أسباب المعتدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين، ثم أنشد:
لأطلبن بسيفي ... ما كان للحق دينا
وأسطون بقوم ... بغوا وجاروا علينا
يعدون كل بلاد ... من العراق علينا
وكان يلقب بالزبيدي نسبة إلى نحلته من مذاهب الإمامية، وبقي ركب العراق يتعاهد مكة إلى أن اعترضه أبو طاهر القرمطي سنة اثنتي عشرة، وأسر أبا الهيجاء بن حمدان والد سيف الدولة وجماعة معه، وقتل الحجاج وترك النساء والصبيان بالقفر فهلكوا، وانقطع الحاج من العراق بسبب القرامطة. ثم أنفذ المقتدر سنة سبع عشرة منصور الديلي من مواليه فوافاه يوم التروية بمكة أبو طاهر القرمطي فنهب الحاج، وقتلهم حتى في الكعبة والحرم، وامتلأ زمزم بالقتل، والحجاج يصيحون: كيف يقتل جيران الله؟ فيقول: ليس بجار من خالف أوامر الله ونواهيه. ويتلو: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية. وكان يخطب لعبيد الله المهدي صاحب إفريقية. ثم قلع الحجر الأسود وحمله إلى الأحساء وقلع باب البيت وحمله، وطلع رجل يقلع ٤/١٢٨
الميزاب فسقط ومات، فقال: اتركوه فإنه محروس حتى يأتي صاحبه يعني المهدي، فكتب إليه ما نصه: والعجب من كتبك إلينا ممتنا علينا بما ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله وجيرانه بالأماكن التي لم تزل الجاهلية تحرم إراقة الدماء فيها، وإهانة أهلها. ثم تعديت ذلك وقلعت الحجر الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، وحملته إلى أرضك، ورجوت أن نشكرك فلعنك الله ثم لعنك والسلام على من سلم المسلمون من لسانه ويده، وفعل في يومه ما عمل فيه حساب غده انتهى.
فانحرفت القرامطة عن طاعة العبيديين لذلك. ثم قتل المقتدر على يد مؤنس سنة عشرين وثلاثمائة وولي أخوه القاهر، وحج بالناس أميره تلك السنة. وانقطع الحج من العراق بعدها إلى أن كاتب أبو علي يحيى الفاطمي سنة سبع وعشرين من العراق أبا طاهر القرمطي أن يطلق السبيل للحجاج على مكس يأخذه منهم. وكان أبو طاهر يعظمه لدينه ويؤمله فأجابه إلى ذلك، وأخذ المكس من الحجاج ولم يعهد مثله في الإسلام. وخطب في هذه السنة بمكة للراضي بن المقتدر. وفي سنة تسع وعشرين لأخيه المقتفي من بعده. ولم يصل ركب العراق في هذه السنين من القرامطة. ثم ولي المستكفي بن المكتفي سنة ثلاث وثلاثين على يد توروز أمير الأمراء ببغداد فخرج الحاج في هذه السنة لمهادنة القرامطة بعد أبي طاهر. ثم خطب للمطيع بن المقتدر بمكة مع معز الدولة سنة أربع وثلاثين عند ما استولى معز الدولة ببغداد وقلع عين المستكفي واعتقله. ثم تعطل الحاج بسبب القرامطة وردوا الحجر الأسود سنة تسع وثلاثين بأمر المنصور العلوي صاحب إفريقية وخطابه في ذلك لأميرهم أحمد بن أبي سعيد. ثم جاء الحاج إلى مكة سنة اثنتين وأربعين مع أمير من العراق، وأمير من مصر، فوقعت الحرب بينهما على الخطبة لابن بويه ملك العراق، أو ابن الإخشيد صاحب مصر، فانهزم المصريون وخطب لابن بويه، واتصل ورود الحاج من يومئذ. فلما كانت سنة ثمان وأربعين وجاء الحاج من بغداد ومصر كان أمير الحاج من العراق ومحمد بن عبيد الله فأجابه إلى ذلك. ثم جاء إلى المنبر مستعدا وأمر بالخطبة لابن ٤/١٢٩
بويه فوجم الآخر، وتمت عليه الحيلة وعاقبه أميره كافور. ويقال قتله ووقع ابن بويه لمحمد بن عبيد الله باتصال إمارته على الحاج. ولما كانت سنة ست وخمسين وصل بركب العراق أبو أحمد الموسوي نقيب الطالبيين، وهو والد الشريف الرضي ليحج بالناس، ونهب بنو سليم حاج مصر وقتل أميرهم. وفي سنة ست وخمسين حج بالناس أبو أحمد المذكور وخطب بمكة لبختيار بعد موت أبيه معز الدولة والخليفة يومئذ المطيع. واتصل حج أبي أحمد بركب العراق. وفي سنة ثلاث وخمسين خطب للقرمطي بمكة، فلما قتل أحمد وقعت الفتنة بين أبي الحسن القرمطي وخلغ طاعة العبيديين وخطب للمطيع. وبعث إليه بالرايات السود، ونهض إلى دمشق فقتل جعفر بن فلاح قائد العلويين، وخطب للمطيع. ثم وقعت الفتنة بين أبي الحسن وبين جعفر، وحصلت بينهم دماء، وبعث المعز العلوي من أصلح بينهم، وجعل دية القتلى الفاضلة في مال المعز، وهلك بمصر أبو الحسن فولي أخوه عيسى. ثم ولي بعده أبو الفتوح الحسن بن جعفر سنة أربع وثمانين. ثم جاءت عساكر عضد الدولة ففر الحسن بن جعفر إلى المدينة. ولما مات العزيز بالرملة وعاد بنو أبي طاهر وبنو أحمد بن أبي سعيد إلى الفتنة فجاء من قبل الطائع أمير علوي إلى مكة، وأقام له بها خطبة. وفي سنة سبع وستين بعث العزيز من مصر باديس بن زيري الصنهاجي وهو أخو بلكين صاحب إفريقية أميرا على الحاج، فاستولى على الحرمين وأقام له الخطبة، وشغل عضد الدولة في العراق بفتنة بختيار ابن عمه فبطل ركب العراق. ثم عاد في السنة بعدها وخطب لعضد الدولة أبو أحمد الموسوي، وانقطعت بعدها خطبة العباسيين عن مكة، وعادت لخلفاء مصر العبيديين إلى حين من الدهر. وعظم شأن أبي الفتوح واتصلت إمارته في مكة، وكتب إليه القادر سنة ست وتسعين في الإذن لحاج العراق فأجابه على أن الخطبة للحاكم صاحب مصر.
وبعث الحاكم إلى ابن الجراح أمير طيئ باعتراضهم، وكان على الحاج الشريف الرضي وأخوه المرتضى، فلاطفهم ابن الجراح وخلى سبيلهم على أن لا يعودوا. ثم ٤/١٣٠
اعترض حاج العراق سنة أربع وتسعين الأصيغر الثعلبي عند ما ملك الجزيرة فوعظه قارئان كانا في الركب. ثم اعترضهم في السنة بعدها أعراب خفاجة ونهبوهم. وسار في طلبهم علي بن يزيد أمير بني أسد فأوقع بهم سنة اثنتين وأربعمائة. ثم عادوا إلى مثل ذلك من السنة بعدها فعاد علي بن يزيد وأوقع بهم، وسما له بذلك ذكر، وكان سببا لملكه وملك قومه. ثم كتب الحاكم سنة اثنتين وأربعين إلى عماله بالبراءة من أبي بكر وعمر، ونكر ذلك أبو الفتوح أمير مكة، وانتقض له وحمل الوزير أبو القاسم المغربي على طلب الأمر لنفسه. وكان الحاكم قتل أباه وأعمامه فخطب أبو الفتوح لنفسه، وتلقب الراشد بالله، وسار الى مدينة الرملة لاستدعاء ابن الجراح أمير طيئ لمغاضبة بينه وبين الحاكم. ثم سرب الحاكم أمواله في بني الجراح فانتقضوا على أبي الفتوح وأسلموه، وفر الوزير المغربي إلى ديار بكر من أرض الموصل ومعه ابن سبابة.
وفر التهامي إلى الري وكان معه. وقطع الحاكم الميرة عن الحرمين، ثم راجع أبو الفتوح الطاعة فعفا عنه الحاكم وأعاده إلى إمارته بمكة. ولم يحج من العراق في هذه السنين أحد. وفي سنة اثنتي عشرة حج بأهل العراق أبو الحسن محمد بن الحسن الأفساسي فقيه الطالبيين، واعترضهم بنو نبهان من طيئ، وأميرهم حسان بن عدي، وقاتلوهم فهزموهم وقتل أميرهم حسان. وخطب في هذه السنة للظاهر بن الحاكم بمكة ولما كان الموسم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ضرب رجل من قوم مصر الحجر الأسود بدبوس فصدعه وثلمه، وهو يقول: كم تعبد كم تقبل فتبادر إليه الناس فقتلوه، وثار أهل العراق بأهل مصر فنهبوهم وفتكوا فيهم. ثم حج بركب العراق سنة أربع عشرة النقيب بن الأفساسي وخشي من العرب، فعاد إلى دمشق الشام، وحج في السنة التي بعدها وبطل حج العراق. ولما بويع القائم العباسي سنة اثنتين وعشرين رام أن يجهز الحاج فلم يقدر لاستيلاء العرب وانحلال أمر بني بويه. ثم خطب بمكة للمستنصر بن الظاهر. ثم توفي الأمير أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد ابن سليمان رئيس مكة وبني سليمان، سنة ثلاثين وأربعمائة لأربعين سنة من إمارته وولي، بعده إمارة مكة ابنه شكر، وجرت له مع أهل المدينة خطوب ملك في أثنائها المدينة وجمع بين الحرمين وعليه انقرض دولة بني سليمان سنة ثلاثين بمكة، ٤/١٣١
وجاءت دولة الهواشم كما يذكر. وشكر هذا هو الذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم، وهو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم، وحكايات يتناقلونها ويطرزونها بأشعار من جنس لغتهم ويسمونه الشريف بن هاشم. وقال ابن حزم غلب جعفر بن أبي هاشم على مكة أيام الإخشيديين وولي بنوه من بعده عيسى بن جعفر، وأبو الفتوح وابنه شكر بن أبي الفتوح. وقد انقرض لأن شكرا لم يولد له، وصار أمر مكة إلى عبد كان له. انتهى كلام ابن حزم وليس أبو هاشم الذي نسب جعفر إليه أبا الهواشم الذي يأتي ذكرهم لأن هذا كان أيام الإخشيديين وذلك أيام المستضيء العبيدي وبينهما نحو من مائة سنة.
الخبر عن دولة الهواشم بمكة من بني الحسن وتصاريف أحوالهم إلى انقراضها
هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون ونسبه معروف وقد مر. وكانت بين هؤلاء الهواشم وبين السليمانيين فتن متصلة، ولما مات شكر ذهبت الرئاسة من بني سليمان لأنه لم يعقب.
وتقدم فيهم طراد بن أحمد، ولم يكن من بيت الإمارة وإنما كانوا يؤملونه لإقدامه وشجاعته. وكان رئيس الهواشم يومئذ محمد بن جعفر بن محمد وهو أبو هاشم المذكور، وقد ساد في الهواشم، وعظم ذكره فاقتتلوا سنة أربع وخمسين بعد موت شكر فهزم الهواشم بني سليمان وطردوهم عن الحجاز، فساروا إلى اليمن، وكان لهم بها ملك كما يذكر. واستقل بإمارة مكة الأمير محمد بن جعفر وخطب للمستنصر العبيدي. ثم ابتدأ الحاج من العراق سنة ست وخمسين بنظر السلطان ألب أرسلان ابن داود ملك السلجوقية حين استولى على بغداد والخلافة، طلب منه القائم ذلك فبذل المال وأخذ رهائن العرب، وحج بالناس أبو الغنائم نور الدين المهدي الزيني نقيب الطالبيين. ثم جاور في السنة بعدها واستمال الأمير محمد بن جعفر عن طاعة العبيديين فخطب لبني العباس سنة ثمان وخمسين، وانقطعت ميرة مصر عن مكة فعذله أهله على ما فعل فرد الخطبة للعبيديين. ثم خاطبه القائم وعاتبه وبذل له أموالا ٤/١٣٢
فخطب له سنة اثنتين وستين بالموسم فقط، وكتب إلى المستنصر بمصر معتذرا، ثم بعث القائم أبا الغنائم الزيني سنة ثلاث وستين أميرا على الركب العراقي، ومعه عسكر ضخم، ولأمير مكة من عند ألب أرسلان ثلاثون دينارا وتوقيعا بعشرة آلاف دينار.
واجتمعوا بالموسم وخطب الأمير محمد بن جعفر وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى أهل بيته بالرأي المصيب، وعوض بيته بلبسة الشباب بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة إمام الجماعة. فانحرف المستنصر عن الهواشم ومال إلى السليمانيين.
وكتب إلى علي بن محمد الصبيحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم على استرجاع ملكهم، وينهض معهم إلى مكة، فنهض وانتهى إلى المهجم. وكان سعيد بن نجاح الأحوال موثور بني الصبيحي قد جاء من الهند ودخل صنعاء، فثار بها واتبع الصبيحي في سبعين رجلا، وهو في خمسة آلاف فبيته بالمهجم وقتله. ثم جمع محمد ابن جعفر أجنادا من الترك وزحف بها إلى المدينة فأخرج منها بني حسن، وملكها وجمع بين الحرمين. ثم مات القائم العباسي وانقطع ما كان يصل إلى مكة فقطع محمد بن جعفر الخطبة للعباسيين. ثم جاء الزيني من قابل بالأموال فأعادها. ثم بعث المقتدي سنة سبعين منبرا إلى مكة صنيعا استجيد خشبة، ونقش عليه بالذهب اسمه.
وبعث على الحاج ختلع التركي وهو أول تركي تأمر على الحاج، وكان واليا بالكوفة.
وقهر العرب مع جماعته فبعثه المقتدي أميرا على الحاج فوقعت الفتنة بين الشيعة، وأهل السنة وكسر المنبر وأحرق وتم الحج. ثم عاودوا الفتنة سنة ثلاث وسبعين وقطعت الخطبة للمستنصر وأعيدت للمقتدي، واتصلت إمارة ختلع على الحاج وبعده خمار تكين إلى أن مات ملك شاه، ووزيره نظام الملك فانقطعت الخطبة للعباسيين وبطل الحاج من العراق باختلاف السلجوقية، وتغلب العرب. ومات المقتدي خليفة بغداد وبويع ابنه المستظهر ومات المستنصر خليفة مصر وبويع ابنه المستعلي-- من إمارته، وهو الذي أظهر الخطبة العباسية بمكة، وبها ابتدئ أمره وكان يسقطها بعض الأحيان. وولي بعده ابنه قاسم فكثر اضطرابه، ومهد بنو مزيد أصحاب الحلة طريق الحاج من العراق فاتصل حجهم. وحج سنة اثنتي عشرة وخمسمائة نظر ٤/١٣٣
الخادم من قبل المسترشد بركب العراق، وأوصل الخلع والأموال إلى مكة، ثم توفي قاسم بن محمد سنة ثمان عشرة وخمسمائة لثلاثين سنة من إمارته، وكانت في اضطراب وتغلب، وولي بعده ابنه أبو قليبة بمكة، فافتتح بالخطبة العباسية وأحسن الثناء عليه بالعدل، ووصل نظر الخادم أميرا على الركب ومعه الأموال والخلع. ثم مات أبو قليبة سنة سبع وعشرين لعشر سنين من إمارته، والخطبة للعباسيين وإمارة الحاج لنظر الخادم. ثم كانت واقعة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وتعطل ركب الحاج. ثم حج نظر الخادم في السنة بعدها. ثم بعثت أسماء الصبيحية صاحبة اليمن لأمير مكة قاسم بن أبي قليبة فتوعدته على قطع خطبة الحافظ، وماتت فكفاه الله شرها، وانقطع الركب العراقي في هذه السنين للفتن والغلاء. ثم حج سنة أربع وأربعين نظر الخادم، ومات في طريقه، فولي مولاه قيماز، واعترضه رهط من الأعراب فنهب الركب، واتصل حج قيماز والخطبة لبني العباس إلى سنة خمس وخمسين قبله، وبويع المستنجد فخطب له كما كان لأبيه المقتفي. ثم قتل قاسم بن أبي قليبة سنة ست وستين وبعث المستضيء بالركب طاتغكين التركي، وانقضت دولة العبيديين بمصر، ووليها صلاح الدين بن أيوب، واستولى على مكة واليمن، وخطب له بالحرمين ثم مات المستضيء سنة خمس وسبعين وبويع ابنه الناصر، وخطب له بالحرمين، وحجت أمه بنفسها سنة خمس وثلاثين، وكانت له آثار عظيمة ورجعت فانهت إلى الناصر بن عيسى بن قاسم ما اطلعت عليه من أحواله فعزله عن إمارة مكة، وولى أخاه مكثر بن قاسم، وكان جليل القدر، ومات سنة تسع وثمانين السنة التي مات فيها صلاح الدين. وضعف أمر الهواشم، وكان أبو عزيز بن قتادة يناسبهم من جهة النساء فورث أمرهم وملك مكة من أيديهم، وانقرضت دولتهم والبقاء لله.
الخبر عن بني قتادة أمراء مكة بعد الهواشم ثم عن بني أبي نمير منهم أمرائها لهذا العهد
كان من ولد موسى الجون الذي مر ذكره في بني حسن عبد الله أبي الكرام، وكان له على ما نقل نسابتهم ثلاثة من الولد سليمان وزيد وأحمد. ومنه تشعبت ولده. فأما زيد فولده اليوم بالصحراء بنهر الحسنية، وأما أحمد فولده بالدهناء، وأما سليمان ٤/١٣٤
فكان من ولده مطاعن بن عبد الكريم بن يوسف بن عيسى بن سليمان. وكان لمطاعن إدريس وثعلب بالثعالبة بالحجاز. فكان لإدريس ولدان قتادة النابغة وصرخة. فأما صرخة فولده شيع يعرفون بالشكرة، وأما قتادة النابغة فكان يكنى أبا عزيز، وكان من ولده علي الأكبر وشقيقه حسن. فمن ولد حسن إدريس وأحمد ومحمد وجمان، وامارة ينبع في أعقابهم ومنهم لهذا العهد أميران يتداولان إمارتها من ولد إدريس بن حسن بن إدريس. وأما أبو عزيز قتادة النابغة فمن ولده موالي عز أمراء مكة لهذا العهد. وكان بنو حسن بن الحسن كلهم موطنين بنهر العلقمية من وادي ينبع لعهد إمارة الهواشم بمكة، وكانوا ظواعن بادية. ولما نشأ فيهم قتادة هذا جمع قومه ذوي مطاعن، وأركبهم واستبد بإمارتهم، وكان بوادي ينبع بنو خراب من ولد عبد الله بن حسن بن الحسن، وبنو عيسى بن سليمان بن موسى الجون فحاربهم بنو مطاعن هؤلاء، وأميرهم أبو عزيز قتادة وأخرجهم، وملك ينبع والصفراء واستكثر من الجند والمماليك. وكان على عهد المستنصر العباسي في أواسط المائة السادسة. وكان الأمراء يومئذ بمكة الهواشم من ولد جعفر بن هاشم بن الحسن بن محمد بن موسى بن أبي الكرام عبد الله، وقد مر ذكرهم، وكان أخرجهم مكثر بن عيسى بن قاسم الذي بنى القلعة على جبل أبي قبيس، ومات سنة تسع وثمانين وخمسمائة. فسار قتادة إلى مكة وانتزعها من أيديهم وملكها، وخطب للناصر العباسي، وأقام في إمارتها نحوا من أربعين سنة. واستفحل ملكه واتسع إلى نواحي اليمن وكان لقبه أبا عزيز. وفي سنة ثلاث وستمائة حج بالركب وجه السبع التركي من مماليك الناصر وفر من طريقه إلى مصر فنهب الركب. وفي سنة ثمان وستمائة وثب شخص من حاج العراق على شريف من قرابة قتادة فقتله، فاتهم الشرفاء به أمراء الركب، فثاروا بهم وقتلوا منهم خلقا. ثم بعث إليهم بالأموال من بغداد وبعث قتادة بعض أولاده يستعتب فأعتب. (وفي سنة خمس عشرة) خطب بمكة للعادل بن أيوب بعد الناصر الخليفة وللكامل بن العادل بعدهما. (وفي سنة ست عشرة) كان خروج التتر وكان قتادة عادلا وأمن الناس في أيامه، ولم يعد قط على أحد من الخلفاء ولا من الملوك، وكان يقول أنا أحق بالخلافة، وكانت الأموال والخلع تحمل إليه، واستدعاه الناصر في بعض السنين فكتب إليه
ولي كف ضرغام أذل ببسطها ... وأشري بها عز الورى وأبيع ٤/١٣٥
تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفي بطنها للمجد بين ربيع
أأجعلها تحت الرجا ثم ابتغي ... خلاصا لها إني إذا لوضيع
وما أنا إلا المسك في كل بقعة ... يضوع وأما عندكم فيضيع
واتسعت دولته فملك ملك مكة والينبع وأطراف اليمن، وبعض أعمال المدينة وبلاد نجد، وكان يستكثر من المماليك، وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة، ويقال سمه ابنه حسن ويقال داخل ابنه حسن جاريته فأدخلته ليلا فخنق أباه، ثم قتلها وملك مكة وامتعض لذلك ابنه راجح بن أبي عزيز قتادة وشكاه إلى أمير حاج أقباش التركي عند وصوله فأشكاه، ووعده بالإنصاف منه، فأغلق حسن أبواب مكة وخرج بعض أصحابه إلى الأمير أقباش فلقوه عند باب المعلى فقتلوه وعلقوه بالمسعى. ثم جاء المسعود بن الكامل سنة عشرين من اليمن إلى مكة، فحج وقاتله حسن ببطن المسعى فغلبه المسعود وملك مكة، ونصب رايته وأزال راية أمير الركب، وكتب الخليفة من بغداد يعاتب أباه على ذلك، وعلى ما فعله في مكة والتخلف فكتب إليه أبوه: برئت يا أقسى من ظهر العادل ان لم أقطع يمينك فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فغرم ديات الشرفاء وأصابه شلل في يده ومضى حسن بن قتادة إلى بغداد صريخا بعد أن بقي طريدا بالشام والجزيرة والعراق.
ثم جاء إلى بغداد دخيلا وهم الترك بقتله بأقباش أمير الركب فمنعوا منه. ومات ببغداد سنة اثنتين وعشرين ودفن بمشهد الكاظم. ثم مات المسعود بن الكامل بمكة سنة ست وعشرين ودفن بالمعلى وبقي على مكة قائده فخر الدين بن الشيخ، وعلى اليمن أمير الجيوش عمر بن علي بن رسول. (وقصد راجح بن قتادة) مكة سنة تسع وعشرين مع عساكر عمر بن رسول فملكها سنة ثلاثين من يد فخر الدين بن الشيخ، ولحق فخر الدين بمصر، ثم جاءت عساكر مصر سنة اثنتين وثلاثين مع الأمير جبريل وملكوا مكة، وهرب راجح إلى اليمن. ثم جاء عمر بن رسول معه بنفسه فهربت عساكر مصر، وملك راجح مكة وخطب لعمر بن رسول بعد المستنصر، ولما ملك التتر العراق سنة أربع وثلاثين وعظم أمرهم وانتهوا إلى إربل أبطل المستنصر الحج من أمر الجهاد وأفتاه العلماء بذلك. ثم جهز المعتصم الحاج مع أمه سنة ثلاث وأربعين وشيعها إلى الكوفة، ولما حجت ضرب تركي في الموسم شريفا وكتب راجح فيه إلى الخليفة فقطعت يده وبطل الحج بعد ذلك. ثم قوي أمر الموطئ امام الزيدية باليمن، ٤/١٣٦
واعتزم على قطع الخطبة لبني العباس فضاق به المظفر بن عمر بن رسول، وكاتب المعتصم يحرضه على تجهيز الحاج بسبب ذلك. ثم قوي أمر الموطئ إمام الزيدية باليمن وسار جماز بن حسن بن قتادة سنة إحدى وخمسين إلى الناصر بن العزيز بن الظاهر بن أيوب بدمشق مستجيشا على أبي سعيد، على أن يقطع ذكر صاحب اليمن من مكة، فجهز له عسكرا وسار إلى مكة فقتل أبا سعيد في الحرم، ونقض عهد الناصر، وخطب لصاحب اليمن. (قال ابن سعيد) وفي سنة ثلاث وخمسين بلغني وأنا بالمغرب أن راجح بن قتادة جاء إلى مكة وهو شيخ كبير السن وكان يسكن السدين على نحو اليمن فوصل إلى مكة، وأخرج منها جماز بن أبي عزيز فلحق بالينبع. قال: وفي سنة اثنتين وستين وصل الخبر إلى المغرب بأن أمر مكة دائر بين أبي نمي بن أبي سعيد الذي قتل جماز به على إمارة مكة، وبين غالب بن راجح الذي أخرجه أبوه جماز إلى الينبع. ثم استبد أبو نمي على أمر مكة ونفى قتلة أبيه أبي سعيد إلى الينبع. وهم إدريس وجماز ومحمد، وقد كان إدريس منهم والي أمر مكة قليلا، فانطلقوا إلى الينبع وملكوه، وأعقابهم أمراؤه لهذا العهد، وأقام أبو نمي أميرا بمكة نحوا من خمسين سنة وهلك على رأس المائة السابعة أو بعدها بسنتين وخلف ثلاثين ولدا.
إمارة بني أبي نمي بمكة
ولما هلك أبو نمي قام من بعده بأمر مكة ابناه رميثة وحميضة ونازعهما عطيفة وأبو الغيث فاعتقلاهما، ووافق ذلك وصول بيبرس الجاشنكير كافل الملك الناصر بمصر، لأول ولايته فأطلقهما وولاهما، وبعث برميثة وحميضة إلى مصر، ثم ردهما السلطان إلى إمارتهما بمكة مع عسكره، وبعث إليه بعطيفة وأبي الغيث. ثم طال تنازعهم وتعاقبهم في إمارة مكة مرة بعد أخرى. وهلك أبو الغيث في بعض حروبهم ببطن مر.
ثم تنازع حميضة ورميثة، وسار رميثة إلى الملك الناصر سنة خمس عشرة، واستمد بأمرائه وعساكره، وهب حميضة بعد أن استصفى أموال أهل مكة. ثم رجع بعد رجوع العساكر إلى مكة ثم اصطلحوا وتوافقوا. ثم خالف عطيفة سنة ثمان عشرة ووصل إلى السلطان، وجاء بالعسكر فملك مكة، وتقبض على رميثة فسجن أياما ثم أطلق سنة عشرين عند مقدم السلطان من حجه، وأقام بمصر. وبقي حميضة مشردا إلى ٤/١٣٧
أن استأمن السلطان فأمنه، وكان معه جماعة من المماليك فروا إليه من مصر أيام انتقاضه، فشعروا بطاعته فخافوا على أنفسهم أن يحضروا معه فقتلوه وجاءوا إلى السلطان يعتقدون ذلك وسيلة عنده فأقاد رميثة منهم بأخيه فقتل المباشر للقتل، وعفا عن الباقين. وأطلق رميثة إلى مكة مشاركا لأخيه عطيفة في إمارتها. ثم هلك عطيفة سنة وأقام أخوه رميثة بعده مستقلا بإمارة مكة إلى أن كبر وهرم، ثم هلك. وكان ابناه ثقبة وعجلان قد اقتسما معه إمارة مكة برضاه. ثم أراد الرجوع عن ذلك فلم يجيباه إلى شيء مما أراد، واستمرا على ولايتهما معه. ثم تنازعا وخرج ثقبة وبقي عجلان بمكة. ثم غلبه عليها ثقبة، ثم اجتمعا بمصر سنة ست وخمسين فولي صاحب الأمر بمصر عجلان منهما، وفر ثقبة إلى بلاد الحجاز فأقام هنالك، وعاقبه إلى مكة مرارا. وجاء عجلان سنة اثنتين وستين بالمدد من عسكر القاهرة فكبسه ثقبه وقتل أخاه وبعضا من العسكر ولم يزل عجلان على إمارته سالكا سبيل العدل والإنصاف في الرعية متجافيا عن الظلم عما كان عليه قومه من التعرض للتجار والمجاورين، وسعى في أيام إمارته في قطع ما كان لعبيدهم على الحاج من المكس.
وثبت لهم في ديوان السلطان عليها عطاء يتعاهدهم أيام الموسم وكانت من حسنات سلطان مصر. وسعى هذا الأمير عجلان جزاه الله خيرا، وأقام على ذلك إلى أن هلك سنة سبع وسبعين، وولي ابنه أحمد بعده. وقد كان فوض إليه في حياته وقاسمه في أمره، فقام أحمد بأمر مكة وجرى على سنن أبيه في إثبات مراسم العهد وإحياء معالمه، حتى شاع عنه ذلك في الآفاق على ألسنة الحاج والمجاورين. وولاه صاحب مصر لعهده الملك الظاهر أبو سعيد برقوق على ما كان أبوه، وسير إليه بالخلع والتفويض على عادتهم في ذلك. وكان في محبس أحمد جماعة من قرابته منهم أخوه محمد ومحمد ابن أخيه ثقبة وعنان ابن عمه مغامس في آخرين. فلما مات أحمد هربوا من محبسهم ولحقوا بهم فردوهم وأجلوا محمد بن عجلان منهم إلا عنانا فإنه لحق بمصر مستجيشا على محمد وكبيش، فأنجده السلطان وبعثه مع أمير الركب ليطالع أحوالهم، واستصحب معه جماعة من الباطنية فتكوا بمحمد عند لقائه المحمل الذي عليه كسوة الكعبة بشارة الخليفة، وتقبيله الخف الذي يحمله على العادة في ذلك، ٤/١٣٨
وتركوه صريعا في مكانه، ودخلوا إلى مكة فولي أمير الحاج عنان بن مغامس ولحق كبيش وشيعته بجدة، فلما انقضى الموسم ورجع الحاج جاء كبيش وأصحابه وحاصروا مكة وكان بينهم وبين عنان حروب قتل كبيش في بعضها. ثم لحق علي بن عجلان وأخوه حسن بالملك الظاهر صاحب مصر فرأى أن يحسم المادة بولايته، فولاه سنة تسع وثمانين مشاركا لعنان بن مغامس في الإمارة، وسار مع أمير الركب فلما وصلوا لكومرد بكروا إلى مكة على العادة، وخرج عنان للقائهم. ثم نكص من بعض الطريق هاربا ودخل على مكة واستقل بإمارتها، ولما انفض الموسم ورجع الحاج جاء عنان ومعه بنو عمه مبارك وجماعة الشرفاء فحاصروا مكة على علي ونازعوه الإمارة ثم أفرجوا. ثم رجعوا وحالهم على ذلك متصل لهذا العهد. ووفدوا على السلطان بمصر سنة أربع وتسعين فأفرد عليا بالإمارة، وأفاض عليه العطاء وأكثف له الجند والمستخدمين وأبقى عنان بن مغامس عنده وأجرى عليه الرزق ونظمه في أهل دولته.
ثم نمي إلى السلطان أنه يروم الفرار إلى الحجاز لينازع أمير مكة علي بن عجلان فقبض عليه وحبسه، وقبض علي بن عجلان على الأشراف الذين كانوا هنالك شيعة له. ثم من عليهم وأطلقهم فعادوا إلى منازعته والفتنة معه لهذا العهد والله متولي الأمور لا رب غيره.
الخبر عن بني مهنى أمراء المدينة النبوية من بني الحسين وذكر أوليتهم ومفتتح امارتهم
كانت المدينة بلد الأنصار من الأوس والخزرج كما هو معروف. ثم افترقوا على أقطار الأرض في الفتوحات وانقرضوا، ولم يبق بها أحد إلا بقايا من الطالبيين. قال ابن الحصين في ذيله على الطبري: دخلت المائة الرابعة والخطبة بالمدينة للمقتدر. قال:
وترددت ولاية بني العباس عليها والرئاسة فيها بين بني حسين وبني جعفر إلى أن أخرجهم بنو حسين فسكنوا بين مكة والمدينة. ثم أجلاهم بنو حرب من زبيد إلى القرى والحصون، وأجازوهم إلى الصعيد فهم هنالك إلى اليوم. وبقي بنو حسين بالمدينة إلى أن جاءهم ظاهر بن مسلم من مصر فملكوه عليهم. وفي الخبر عن وصول ظاهر هذا أن مسلما أباه اسمه محمد بن عبيد الله بن ظاهر بن يحيى المحدث بن الحسن ٤/١٣٩
بن جعفر، ويسمى عند الشيعة حجة الله بن عبيد الله بن الحسين الأصغر بن زين العابدين، وكان مسلم هذا صديقا لكافور المتغلب على الإخشيدية بمصر، وكان يدبر أمره ولم يكن بمصر لعصره أوجه منه. ولما ملك العبيديون مصر وجاء المعز لدين الله ونزل بالقاهرة التي اختطها وذلك سنة خمس وستين وثلاثمائة، خطب يومئذ من مسلم هذا كريمته لبعض بنيه فرده مسلم، فسخطه المعز ونكبه، واستصفى أمواله وأقام في اعتقاله إلى أن هلك. ويقال فر من محبسه فهلك في مفره، ولحق ابنه ظاهر بن محمد بعد ذلك بالمدينة فقدمه بنو حسين على أنفسهم، واستقل بإمارتها سنين. ثم مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وولي مكانه ابنه الحسن. وفي كتاب العتبي مؤرخ دولة ابن سبكتكين أن الذي ولي بعده هو صهره وابن عمه داود بن القاسم بن عبيد الله بن ظاهر، وكنيته أبو علي، واستقل بها دون ابنه الحسن إلى أن هلك، وولي بعده ابنه هاني ثم ابنه مهنى. ولحق الحسن بمحمود بن سبكتكين فأقام عنده بخراسان، وهذا غلط لأن المسبحي مؤرخ العبيديين ذكر وفاة ظاهر بن مسلم في سنتها كما قلناه، وولاية الحسن ابنه. وقال في سنة ثلاث وثمانين وعامل المدينة الحسن بن ظاهر ويلقب مهنى والمسبحي أقعد بأخبار المدينة ومصر من العتبي، إلا أن أمراء المدينة لهذا العهد ينتسبون إلى داود ويقولون: جاء من العراق فلعلهم لقنوا ذلك عمن لا يعرفه.
ومؤرخ حماة متى ينسب أحدا من أوليهم إنما ينسبه إلى أبي داود والله أعلم. وقال أبو سعيد: وفي سنة تسعين وثلاثمائة ملكها أبو الفتوح حسن بن جعفر أمير مكة من بني سليمان بأمر الحاكم العبيدي وأزال عنها إمارة بني مهنى من بني الحسين، وحاول نقل الجسد النبوي إلى مصر ليلا فأصابتهم ريح عاصفة أظلم لها الجو، وكادت تقتلع البناء من أصله فردهم أبو الفتوح عن ذلك ورجع إلى مكة. وعاد بنو مهنى إلى المدينة.
وذكر مؤرخ حماة من أمرائهم منصور بن عمارة، ولم ينسبه، وقال مات سنة سبع وتسعين وأربعمائة وولي بعده ابنه. قال: وهم من ولد مهنى، وذكر منهم أيضا القاسم بن مهنى بن حسين بن مهنى بن داود وكنيته أبو قليتة، وأنه حضر مع صلاح الدين بن أيوب غزاة أنطاكية وفتحها سنة أربع وثماني وخمسمائة. وقال الزنجاري مؤرخ الحجار فيما ذكر عنه ابن سعيد حين ذكر ملوك المدينة من ولد الحسين فقال:
وأحقهم بالذكر لجلالة قدره قاسم بن جماز بن قاسم بن مهنى، ولاه المستضيء فأقام خمسا وعشرين سنة ومات سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وولي ابنه سالم بن قاسم ٤/١٤٠
وكان شاعرا، وهو الذي كانت بينه وبين أبي عزيز قتادة صاحب مكة وقعة المصارع ببدر سنة إحدى وستمائة. زحف أبو عزيز من مكة وحاصره بالمدينة، واشتد في حصاره. ثم ارتحل وجاء المدد إلى سالم من بني لام إحدى بطون همذان فأدرك أبا عزيز ببدر واقتتلوا وهلك من الفريقين خلق، وانهزم أبو عزيز إلى مكة. وفي سنة إحدى وستمائة جاء المعظم عيسى بن العادل فجدد المصانع والبرك، وكان معه سالم ابن قاسم أمير المدينة جاء يشكو من قتادة فرجع معه، ومات في الطريق قبل وصوله إلى المدينة، وولي بعده ابنه شيخة، وكان سالم قد استخدم عسكرا من التركمان فمضى بهم جماز بن شيخة إلى قتادة وغلبه، وفر إلى الينبع وتحصن بها، وفي سنة سبع وأربعين قتل صاحب المدينة شيخة وولي ابنه عيسى. ثم قبض عليه أخوه، جماز سنة تسع وأربعين وملك مكانه. قال ابن سعيد: وفي سنة تسع وخمسين كان بالمدينة أبو الحسن بن شيخة بن سالم. وقال غيره: كان بالمدينة سنة ثلاث وخمسين أبو مالك منيف بن شيخة ومات سنة سبع وخمسين وولي أخوه جماز. وطال عمره ومات سنة أربع وسبعمائة، وولي ابنه منصور، ولحق أخوه مقبل بالشام، ووفد على بيبرس بمصر فأقطعه نصف أقطاع منصور. ثم أقبل إلى المدينة على حين غفلة من أخيه منصور وبها ابنه أبو كبيشة فملكها عليه، ولحق أبو كبيشة بأحياء العرب. ثم استجاشهم ورجع إلى المدينة سنة تسع فقتل عمه مقبلا، وجاء منصور إلى محل إمارته وكان لمقبل ابن اسمه ماجد فأقطع بعض أقطاع أبيه، فأقام مع العرب يجلب على المدينة ويخالف منصورا عمه إليها متى خرج عنها. ووقع بين منصور وبين قتادة صاحب الينبع حرب سنة إحدى عشرة من أجله. ثم جاء ماجد بن مقبل بالمدينة سنة سبع عشرة لقتال عمه منصور واستنجد منصور بالسلطان، فبعث إليه العساكر وحاصر ماجد بن مقبل بالمدينة. ثم قاتلهم وانهزم وبقي منصور على إمارته، وتوفي سنة خمس وعشرين وولي ابنه كبيش بن منصور على إمارته، وطالت أيامه ونازعه ودي بن جماز وحاصره وولي بعده طفيل، وقبض عليه جماز سنة إحدى وخمسين وولي عطية. ثم توفي عطية سنة ثلاث وثمانين وولي بعده طفيل وقبض عليه فامتنع، وولي جماز بن هبة بن جماز بن منصور وملوك الترك بمصر يختارون لولايتها من هذين البيتين لا يعدلون عنهما إلى سواهما، ووليتها اليوم لجماز بن هبة بن جماز وابن عمه عطية بن محمد بن عطية ينازعه لما بينهما من المنازعة والمنافسة قديما وحديثا شأن العجليين في التثور، وهما جميعا على ٤/١٤١
مذهب الإمامية من الرافضة، ويقولون بالأئمة الاثني عشر وبما يناسب ذلك من اعتقادات الإمامية. والله يخلق ما يشاء ويختار. هذا آخر الخبر عن أمراء المدينة، ولم أقف على أكثر منه، والله المقدر لجميع الأمور سبحانه لا إله إلا هو.
الخبر عن دولة بني الرسي أئمة الزيدية بصعدة وذكر أوليتهم ومصاير أحوالهم
قد ذكرنا فيما تقدم خبر محمد بن إبراهيم الملقب أبوه طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن الدعي، وظهوره أيام المأمون وقيام أبي السرايا ببيعته وشأنه كله. ولما هلك وهلك أبو السرايا وانقرض أمرهم طلب المأمون أخاه القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا ففر إلى السند، ولم يزل به إلى أن هلك سنة خمس وأربعين ومائتين، ورجع ابنه الحسن إلى اليمن وكان من عقبه الأئمة بصعدة من بلاد اليمن وكان من عقبه أقاموا للزيدية بها دولة اتصلت آخر الأيام، وصعدة جبل في الشرق عن صنعاء، وفيه حصون كثيرة أشهرها صعدة وحمص تلا وجبل مطابة، وتعرف كلها ببني الرسي.
وأول من خرج بها منهم يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، دعا لنفسه بصعدة وتسمى بالهادي، وبويع بها سنة ثمان وثمانين في حياة أبيه الحسين، وجمع الجموع من شيعتهم وغيرها، وحارب إبراهيم بن يعفر. وكان أسعد بن يعفر السادس من أعقابه التبابعة لصنعاء وكملا فغلبه على صنعاء ونجران، فملكها وضرب السكة، ثم انتزعها بنو يعفر منه، ورجع إلى صعدة، وتوفي سنة ثمان وتسعين لعشر سنين من ولايته، هكذا قال ابن الحارث قال: وله مصنفات في الحلال والحرام. وقال غيره كان مجتهدا في الأحكام الشرعية، وله في الفقه آراء غريبة وتواليف بين الشيعة معروفة. قال الصولي: وولي بعده ابنه محمد المرتضى، واضطرب الناس عليه وهلك سنة عشرين وثلاثمائة لست وعشرين سنة من ولايته. وولي بعده أخوه الناصر أحمد واستقام ملكه، واطرد في بنيه بعده، فولي بعده ابنه حسين المنتخب، ومات سنة أربع وعشرين وولي بعده أخوه القاسم المختار إلى أن قتله أبو القاسم الضحاك الهمداني سنة أربع وأربعين. وقال الصولي: من بني الناصر الرشيد والمنتخب ومات سنة أربع وعشرين. وقال ابن حزم: لما ذكر ولد أبي القاسم الرسي فقال: ومنهم القائمون ٤/١٤٢
بصعدة من أرض اليمن، أولهم يحيى الهادي، له رأي في الفقه وقد رأيته، ولم يبعد فيه عن الجماعة كل البعد. كان لأبيه أحمد الناصر بنون ولي منهم صعدة بعده جعفر الرشيد، وبعده أخوه القاسم المختار ثم الحسن المنتخب ومحمد المهدي. قال: وكان اليماني القائم بماردة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة يذكر أنه عبد الله بن أحمد الناصر أخو الرشيد والمختار والمنتخب والمهدي. وقال ابن الحاجب: ولم تزل إمامتهم بصعدة مطردة إلى أن وقع الخلاف بينهم، وجاء السليمانيون من مكة عند ما أخرجهم الهواشم فغلبوا عليهم بصعدة، وانقرضت دولتهم بها في المائة السادسة. قال ابن سعيد وكان من بني سليمان حين خرجوا من مكة إلى اليمن أحمد بن حمزة بن سليمان، فاستدعاهم أهل زبيد لينصرهم على علي بن مهدي الخارجي حين حاصرهم، وبها فاتك بن محمد من بني نجاح، فأجابهم على أن يقتلوا فاتكا، فقتلوه سنة ثلاث وخمسمائة وملكوا عليهم أحمد بن حمزة، فلم يطق مقاومة علي بن مهدي ففر عن زبيد وملكها ابن مهدي. قال: وكان عيسى بن حمزة أخو أحمد في عشرة باليمن، ومنهم غانم بن يحيى. ثم ذهب ملك بني سليمان من جميع التهائم والجبال واليمن على يد بني مهدي. ثم ملكهم بنو أيوب وقهروهم، واستقر ملكهم آخرا في المنصور عبد الله بن أحمد بن حمزة. قال ابن العديم أخذ الملك بصعدة عن أبيه واشتدت يده مع الناصر العباسي، وكان يناظره ويبعث دعاته إلى الديلم وجيلان حتى خطب له هنالك وصار له فيها ولاة، وأنفق الناصر عليه أموالا في العرب باليمن ولم يظفر به. قال ابن الأثير: جمع المنصور عبد الله بن حمزة أيام الزيدية بصعدة سنة اثنتين وخمسمائة، وزحف إلى اليمن فخاف منه المعز بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب. ثم زحف إليه المعز فهزمه، ثم جمع ثانية سنة اثنتي عشرة وستمائة جموعا من همذان وخولان، وارتجت له اليمن وخاف المسعود بن الكامل وهو يومئذ صاحب اليمن، ومعه الكرد والترك، وأشار أمير الجيوش عمر بن رسول بمعاجلته قبل أن يملك الحصون. ثم اختلف أصحاب المنصور ولقيه المسعود فهزمه، وتوفي المنصور سنة ثلاثين وستمائة عن عمر مديد، وترك ابنا اسمه أحمد ولاه الزيدية، ولم يخطبوا له بالإمامة ينتظرون علو سنه، واستكمال شروطه، ولما كانت ٤/١٤٣
سنة خمس وأربعين بايع قوم من الزيدية لأحمد الموطئ من بقية الرسي، وهو أحمد بن الحسين من بني الهادي لأنهم لما أخرجهم بنو سليمان من كرسي إمامتهم بصعدة آووا إلى جبل قطابة بشرقي صعدة، فلم يزالوا هنالك، وفي كل عصر منهم إمام شائع بأن الأمر إليهم إلى أن بايع الزيدية الموطئ، وكان فقيها أديبا عالما بمذهبهم، قواما صواما، بويع سنة خمس وأربعين وستمائة. وأهم نور الدين عمر بن رسول شأنه فحاصره بحصن تلا سنة، وامتنع عليه فأفرج عنه، وحمل العساكر من الحصون المجاورة لحصاره. ثم قتل عمر بن رسول وشغل ابنه المظفر بحصن الدملوة، فتمكن الموطئ، وملك عشرين حصنا وزحف إلى صعدة فغلب السليمانيين عليها، وقد كانوا بايعوا لأحمد ابن إمامهم عبد الله المنصور، ولقبوه المتوكل عند ما بويع للموطئ بالإمامة في تلا لأنهم كانوا ينتظرون استكمال سنه، فلما بويع الموطئ بايعوه، ولما غلبهم على صعدة نزل أحمد المتوكل إمامهم وبايع له وأمنه وذلك سنة تسع وأربعين. ثم حج سنة خمسين وبقي أمر الزيدية بصعدة في عقب الموطئ هذا وسمعت بصعدة أن الإمام بصعدة كان قبل الثمانين والسبعمائة علي بن محمد في أعقابهم، وتوفي قبل الثمانين والسبعمائة علي بن محمد من أعقابهم. وولي ابنه صلاح، وبايعه الزيدية وكان بعضهم يقول ليس هو بإمام لعدم شروط الإمامة، فيقول: هو أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان. ثم مات صلاح آخر سنة ثلاث وتسعين وقام بعده ابنه نجاح، وامتنع الزيدية من بيعته فقال: أنا محتسب لله هذا ما بلغنا عنهم بمصر أيام المقام فيها والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن نسب الطالبيين وذكر المشاهير من أعقابهم
وأما نسب هؤلاء الطالبيين فأكثرها راجع إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، ومن فاطمة رضي الله عنها، وهما سبطا الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أخيهما محمد بن الحنفية، وإن كان لعلي رضي الله عنه غيرهم من الولد إلا أن الذين طلبوا الحق في الخلافة وتعصبت لهم الشيعة، ودعوا لهم في الجهات إنما هم الثلاثة لا غيرهم، فأما الحسن فمن ولده الحسن المثنى وزيد، ومنهما العقب المشهود له في ٤/١٤٤
الدعوة والإمامة. ومن ولد حسن المثنى عبد الله الكامل وحسن المثلث وإبراهيم العمر وعباس وداود. فأما عبد الله الكامل وبنوه فقد مر ذكرهم وأنسابهم عند ذكر ابنه محمد المهدي، وأخبارهم مع أبي جعفر المنصور. وكان منهم الملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى بنو إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل. ومن عقبهم بنو حمود ملوك الأندلس الدائلون بها من بني أمية آخر دولتهم. ومنهم بنو حمود بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس، وسيأتي ذكر أخبارهم. ومنهم بنو سليمان بن عبد الله الكامل. كان من عقبه ملوك اليمامة بنو محمد الأخيضر بن يوسف بن إبراهيم ابن موسى الجون، ومنهم بنو صالح بن موسى بن عبد الله الساقي، ويلقب بأبي الكرام بن موسى الجون، وهم الذين كانوا ملوكا بغانة من بلاد السودان بالمغرب الأقصى، وعقبهم لك معروفون. ومن عقبه أيضا الهواشم بنو أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن عبد الله أبي الكرام. كانوا أمراء مكة لعهد العبيديين وقد مر ذكرهم. ومن أعقابهم بنو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن موسى الجون، وملكوا مكة بعد الهواشم على يد قتادة أبيهم هذا. فمنهم بنو نمى بن سعد بن علي بن قتادة أمراء مكة لعهدنا. ومن عقب داود بن حسن المثنى السليمانيون الذين كانوا بمكة وهم بنو سليمان ابن داود وغلبهم عليها الهواشم آخرا وصاروا إلى اليمن فقامت الزيدية بدعوتهم كما مر في أخبارهم. ومن عقب حسن المثلث بن حسن المثنى حسين بن علي بن حسن المثلث الخارج على الهادي وقد مر ذكره. ومن عقب إبراهيم العمر بن حسن المثنى ابن طباطبا واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم كان منهم محمد بن طباطبا أبو الأئمة بصعدة الذين غلبهم عليها بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى حين جاءوا من مكة. ثم غلبهم بنو الرسي عليها، ورجعوا إلى إمامهم بصعدة وهم بها لهذا العهد ومنهم بنو سليمان بن داود بن حسن المثنى وابنه محمد بن سليمان القائم بالمدينة أيام المأمون. قال ابن حزم: وعقبه بالمدينة لأبي جعفر المنصور، ولا عقب لزيد إلا منه. وكان من عقبه محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد. قام بالمدينة أيام المعتمد وجاهر بالمنكرات والقتل إلى أن تعطلت الجماعات. ومن عقبه أيضا القائم بطبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد وأخوه محمد القائم من بعده وقد مر خبرهما. ومنهم الداعي الصغير بالري وطبرستان وهو الحسن بن ابن خلدون م 10 ج 4 ٤/١٤٥
القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد الطحاني بن القاسم بن الحسن ابن زيد، وكانت بين هذا الداعي الصغير وبين الأطروش حروب، وقتل هذا الداعي سنة تسع عشرة وثلاثمائة. ومن عقبه أيضا القاسم بن علي بن إسماعيل أحد قواد الحسن بن زيد. وهم غيروا نعم أهل تلك الآفاق، وأذهبوا بمهجتهم وكانوا سببا لتورد الديلم ببلاد الإسلام لما يستجيشونهم. وخرج معهم ومع الأطروش الحسني ما كان بن كالي ملك الديلم. وكان مرداويح وبنو بويه من بعض رجاله، وكان لهم من عشيرهم قواد ورجال تسموا باسم الديلم من أجل مرباهم بينهم والله يخلق ما يشاء. (وأما الحسين) وهو القتيل بالطعن أيام يزيد بن معاوية، فمن ولده علي بن زين العابدين بن زيد الشهيد، ومحمد الباقر، وعبد الله الأرقط، وعمر والحسن الأعرج، فمن ولد الأرقط الحسين الكويكي ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الأرقط، كان من قواد الحسن الأطروش ابن الحسن بن علي القائم ابن علي بن عمر، قام بأرض الطالقان أيام المعتصم. ثم هرب من سفك الدماء واستتر إلى أن مات وكان معتزليا. ومنهم الأطروش أسلم على يديه الديلم وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، وكان فاضلا حسن المذهب عدلا، ولي طبرستان وقتل سنة أربع وثلاثمائة، وقام بعده أخوه محمد ومات. وقام الحسين ابن أخيه محمد بن علي وقتل بها سنة ست عشرة وثلاثمائة، قتله جيوش نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن نوح بن أسد الساماني صاحب خراسان. ومن ولد الحسين الهمرج بن زين العابدين بن عبد الله العقيقي بن الحسين، كان من ولده الحسين بن محمد بن جعفر ابن عبد الله العقيقي قتله الحسن بن زيد صاحب طبرستان. ومنهم جعفر بن عبيد الله ابن الحسين الأعرج كان شيعته يسمونه حجة الله وكان من عقبه الملقب بمسلم الذي دبر أمر مصر أيام كافور، وهو محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسين بن يعفر حجة الله، وابنه طاهر بن مسلم. ومن عقب طاهر هذا أمراء المدينة لهذا العهد بنو جماز بن هبة بن جماز بن منصور بن جماز بن شيخة بن هاشم بن القاسم بن مهنى، ومهنى بن مهنى بن داود بن القاسم أخي مسلم وعمر وطاهر.
وزعم ابن سعيد أن بني جماز بن شيخة أمراء المدينة هؤلاء من ولد عيسى بن زيد ٤/١٤٦
الشهيد، وفيه نظر. ومن ولد الحسين الحسن الأعرج وزيد هو القائم بالكوفة على هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين ومائة، وقتل وخرج ابنه يحيى سنة خمس وعشرين بخراسان وقتل، وقد انتمى صاحب الزنج في بعض أوقاته إليه وأخوه عيسى بن زيد الذي حارب المنصور أول خلافته من ولد الحسين الذي كان من عقبه يحيى بن عمر بن يحيى القائم بالكوفة أيام المستعين، وكان حسن المذهب في الصحابة وإليه ينسب العمريون الذين استولوا على الكوفة أيام الديلم من قبل السلطان ببغداد. وعلي بن زيد بن الحسين بن زيد قام بالكوفة، ثم هرب إلى صاحب الزنج بالبصرة فقتله وأخذ جارية له كان سباها من البصرة. ومن ولد محمد الباقر بن زين العابدين عبد الله الأفطح وجعفر الصادق، فكانت لعبد الله الأفطح شيعة يدعون إمامته: منهم زرارة بن أعين الكوفي. ثم قام بالمدينة وسأله عن مسائل من الفقه فألفاه جاهلا فرجع عن القول بإمامته فانقطعت الأفطحية. وزعم ابن حزم أن بني عبيد ملوك مصر ينسبون إليه وليس ذلك بصحيح. ومن ولد جعفر الصادق إسماعيل الإمام، وموسى الكاظم، ومحمد الديباجة، فأما محمد الديباجة فخرج بمكة أيام المأمون وبايع له أهل الحجاز بالخلافة وحمله المعتصم لما حج، وجاء به إلى المأمون فعفا عنه، ومات سنة ثلاث ومائتين. وأما إسماعيل الإمام وموسى الكاظم فعليهما وعلى بنيهما مدار اختلاف الشيعة، وكان الكاظم على زي الأعراب مائلا إلى السواد وكان الرشيد يؤثره ويتجافى عن السعاية فيه كما مر ثم حبسه. ومن عقبه بقية الأئمة الاثني عشر عند الإمامية من لدن علي بن أبي طالب الوصي، ووفاته سنة خمس وثلاثين، ثم ابنه الحسن ووفاته سنة خمس وأربعين، ثم أخوه الحسين ومقتله سنة إحدى وستين، ثم ابنه زين العابدين ووفاته ثم ابنه محمد الباقر ووفاته سنة إحدى وثمانين ومائة، ثم ابنه جعفر الصادق ووفاته سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم ابنه موسى الكاظم ووفاته سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو سابع الأئمة عندهم. ثم ابنه علي الرضا ووفاته سنة ثلاث ومائتين. ثم ابنه محمد المقتفي ووفاته سنة عشرين ٤/١٤٧
ومائتين. ثم ابنه علي الهادي ووفاته سنة أربع وخمسين ومائتين. ثم ابنه حسن العسكري ووفاته سنة ستين ومائتين. ثم ابنه محمد المهدي وهو الثاني عشر وهو عندهم حي منتظر وأخبارهم معروفة. ومن عقب موسى الكاظم من غير الأئمة ابنه إبراهيم المرتضى، ولاه محمد بن طباطبا وأبو السرايا على اليمن، فذهب إليها ولم يزل بها أيام المأمون يسفك الدماء حتى لقبه الناس بالجزار، وأظهر الإمامة عند ما عهد المأمون لأخيه الرضا. ثم أتهم المأمون بقتله فجاهر وطلب لنفسه. ثم عقد المأمون على حرب الفاطميين باليمن لمحمد بن زياد بن أبي سفيان لما بينهم من البغضاء فأوقع بهم مرارا، وقتل شيعتهم وفرق جماعتهم، ومن عقبه موسى بن إبراهيم جد الشريف الرضي والمرتضى، واسم كل منهما علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم.
ومن عقب موسى الكاظم ابنه زيد ولاه أبو السرايا على الأهواز، فسار إلى البصرة وملكها وأحرق دور العباسيين بها فسمي زيد النار، ومن عقبه زيد الجنة بن محمد بن زيد بن الحسن بن زيد النار من أفاضل هذا البيت وصلحائهم، حمل إلى بغداد في محنة الفاطميين أيام المتوكل، ودفع إلى ابن أبي داود يمتحنه فشهد له وأطلقه. ومن عقب موسى الكاظم ابنه إسماعيل ولاه أبو السرايا على فارس. ومن عقب جعفر الصادق من غير الأئمة محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر، قاما بالمدينة سنة إحدى وسبعين ومائتين وسفكا الدماء وانتهبا الأموال، واستلحما آل جعفر بن أبي طالب وأقامت المدينة شهرا لا تقام فيها جمعة ولا جماعة. ومن عقب إسماعيل الإمام العبيديون خلائف القيروان ومصر بنو عبيد الله المهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل وقد مر ذكرهم. وما للناس من الخلاف في نسبهم وهو مطروح كله وهذا أصح ما فيه. وقال ابن حزم: إنهم من بني حسن البغيض وهو عم المهدي وعنده أنها دعوى منهم. (وأما محمد بن الحنفية) فكان من ولده عبد الله بن عباس، وأخوه علي بن محمد وابنه الحسن بن علي بن محمد، وكل ادعت الشيعة إمامته وخرج باليمن على المأمون ولد علي من غير هؤلاء عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن ولد جعفر بن أبي طالب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القائم بفارس، وبويع بالكوفة وأراد بعض شيعة العباسية تحويل الدعوة إليه فمنع أبو مسلم من ذلك وكانت له شيعة ينتظرونه، وساقوا الخلافة إليه من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بالوصية، وكان ٤/١٤٨
فاسقا وكان معاوية ابنه نظير أبيه في الشر. انتهى الكلام في أنساب الطالبيين وأخبارهم، فلنرجع الآن إلى أخبار بني أمية بالأندلس المنازعين للدعوة العباسية. ثم نرجع إلى دول القائمين بالدعوة العباسية المستبدين عليهم من العرب والترك واليمن والجزيرة والشام والعراق والمغرب، والله المستعان.
الخبر عن دولة بني أمية بالأندلس من هذه الطبقة المنازعين للدعوة العباسية وبداية أمرهم وأخبار ملوك الطوائف من بعدهم
كان هذا القطر الأندلسي من العدوة الشمالية عن عدوة البحر الرومي، وبالجانب الغربي منها يسمى عند العرب أندلوش، وتسكنه أمم من إفرنجة المغرب أشدهم وأكثرهم الجلالقة. وكان القوط قد تملكوه وغلبوا على أمره لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب كانت لهم مع اللطينيين حاصروا فيها رومة. ثم عقدوا معهم السلم على أن تنصرف القوط إلى الأندلس، فساروا إليها وملكوها. ولما أخذ الروم واللطينيون لبسلة النصرانية حملوا من وراءهم بالمغرب من أهل إفرنجة والقوط عليها فدانوا بها وكان ملوك القوط ينزلون طليطلة وكانت دار ملكهم. وربما انتقلوا ما بينها، وبين قرطبة وماردة وإشبيلية وأقاموا كذلك نحو أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لزريق وهو سمة لملوكهم كجرجير سمة ملوك صقلية ونسب القوط وخبر دولتهم قد تقدم. وكانت له حظوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية حظوها من فرضة المجاز بطنجة، ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر واستعبدوهم. وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمارة يسمى بليان وكان يدين بطاعتهم وبملتهم، وموسى بن نصير أمير العرب إذ ذاك عامل ٤/١٤٩
على إفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك، ومنزله بالقيروان. وكان قد أغزى لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى ودوخ أقطاره وأوغل في جبال طنجة هذه حتى وصل خليج الزقاق، واستنزل بليان لطاعة الإسلام وخلف مولاه طارق بن زياد الليثي واليابطنجة، وكان بليان ينقم على لزريق ملك القوط لعهده بالأندلس لفعله بابنته في داره كما زعموا، على عادتهم في بنات بطارقتهم، فغضب لذلك وأجاز إلى لزريق فأخذ ابنته منه. ثم لحق بطارق فكشف للعرب عورة القوط ودلهم على غرة فيهم أمكنت طارقا الفرصة، فانتهزها لوقته وأجاز البحر سنة اثنتين وتسعين من الهجرة بإذن أميره موسى بن نصير في نحو ثلاثمائة من العرب، وانتهب معهم من البربر زهاء عشرة آلاف فصيرهم عسكرا ونزل بهم جبل الفتح فسمى جبل طارق به، والآخر على طريف بن مالك النخعي ونزل بمكان مدينة طريف فسمي به، وأداروا الأسوار على أنفسهم للتحصين. وبلغ الخبر لزريق فنهض إليهم يجر أمم الأعاجم وأهل ملة النصرانية في زهاء أربعين ألفا فالتقوا بفحص شريش فهزمه إليه ونفلهم أموال أهل الكفر ورقابهم. وكتب طارق إلى موسى بن نصير بالفتح وبالغنائم، فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعده بأنه يتوغل بغير إذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، واستخلف على القيروان ولده عبد الله وخرج معه حسين بن أبي عبد الله المهدي الفهري. ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر، ووافى خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس. وتلقاه طارق وانقاد واتبع، وتمم موسى الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق، وأربونة في الجوف وصنم قادس في الغرب، ودوخ أقطارها وجمع غنائمها. وجمع أن يأتي ٤/١٥٠
المشرق على القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس ويخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانية مجاهدا فيهم مستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة.
ونمي الخبر إلى الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما هم به موسى غرر بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو وكتب له بذلك عهده ففت ذلك في عزم موسى، وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها. واستعمل ابنه عبد العزيز لغزوها وجهاد أعدائها، وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة، واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين وارتحل إلى الشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر. يقال: كان من جملتها ثلاثون ألف فارس من السبي. وولى على إفريقية ابنه عبد الله، وقدم على سليمان فسخطه ونكبه. وسارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز بإغراء سليمان فقتلوه لسنتين من ولايته، وكان خيرا فاضلا، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة. وولي من بعده أيوب بن حبيب اللخمي وهو ابن أخت موسى بن نصير فتولى عليها ستة أشهر. ثم تتابعت ولاة العرب على الأندلس فتارة من قبل الخليفة وتارة من قبل عامله على القيروان وأثخنوا في أمم الكفر وافتتحوا برشلونة من جهة الشرق وحصون بشتالة وبسائطها من جهة الجوف، وانقرضت أمم القوط وأرز الجلالقة ومن بقي من أمم العجم إلى جبال قشتالة وأربونة وأفواه الدروب، فتحصنوا بها وأجازت عساكر المسلمين ما وراء برشلونة من دروب الجزيرة حتى احتلوا بسائط وراءها، وتوغلوا في بلاد الفرنجة وعصف ريح الإسلام بأمم الكفر من كل جهة، وربما كان بين جنود الأندلس من العرب اختلاف وتنازع أوجب للعدو بعض الكرة فرجع الفرنج ما كانوا غلبوهم عليه. وكان محمد بن يزيد عامل إفريقية لسليمان بن عبد الملك لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسى بن نصير، بعث إلى الأندلس الحرب بن عبد الرحمن بن عثمان فقدم ٤/١٥١
الأندلس وعزل أيوب بن حبيب وولي سنتين وثمانية أشهر. ثم بعث عمر بن عبد العزيز على الأندلس السنخم بن مالك الخولاني على رأس المائة من الهجرة وأمره أن يخمس أرض الأندلس فخمسها وبنى قنطرة قرطبة، واستشهد غازيا بأرض الفرنجة سنة اثنتين ومائة، فقدم أهل الأندلس عليهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي إلى أن قدم عنبسة بن شحيم الكلبي من قبل يزيد بن مسلم عامل افريقية وكان أولهم يحيى بن سلمة الكلبي أنفذه حنظلة بن صفوان الكلبي والي افريقية لما استدعى منه أهل الأندلس واليا بعد مقتل عنبسة فقدمها آخر سنة سبع وأقام في ولايتها سنتين ونصفا ولم يغز ثم قدم إليها عثمان بن أبي واليا من قبل عبيدة بن عبد الرحمن السلمي صاحب إفريقية، وعزله لخمسة أشهر بحذيفة بن الأحوص العتبي فوافاها سنة عشر، وعزل قريبا يقال لسنة من ولايته، واختلف هل تقدمه عثمان أم هو تقدم عثمان. ثم ولي بعده الهيثم بن عبيد الكلابي من قبل عبيدة بن عبد الرحمن أيضا قدم في المحرم سنة إحدى عشرة وغزا أرض مقرشة فافتتحها وأقام عشرة أشهر. وتوفي سنة ثلاث عشرة لسنتين من ولايته، وقدم بعده محمد بن عبيد الله بن الحجاب صاحب إفريقية فدخلها سنة ثلاث عشرة وغزا إفرنجة. وكانت له فيهم وقائع وأجب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة فولى سنتين. وقال الواقدي: أربع سنين، وكان ظلوما جائرا في حكومته وغزا أرض البشكنس سنة خمس عشرة ومائة، وأوقع بهم وغنم، ثم عزل في رمضان سنة ست عشرة وولي عتبة بن الحاج السلولي من قبل عبيد الله بن الحجاب فقدم سنة سبع عشرة. وأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهدا مظفرا حتى بلغ سكنى المسلمين أرمونة، وصار مساكنهم على نهر ودونة. ثم قام عليه عبد الملك بن قطن الفهري سنة إحدى وعشرين فخلعه وقتله. ويقال أخرجه من الأندلس وولى مكانه إلى أن دخل بلخ بن بشر بأهل الشام سنة أربع وعشرين كما مر فغلب عليه، وولي الأندلس سنة أو نحوها. وقال الرازي: ثار أهل الأندلس بعقبة بن الحجاج أميرهم في صفر من سنة ثلاث وعشرين في خلافة هشام بن عبد الملك، وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية فكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر. وتوفي بسرقوسة في صفر سنة ثلاث وعشرين، واستقام الأمر لعبد الملك. ثم ٤/١٥٢
دخل بلخ بن بشر من أهل الشام ناجيا من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر فثار على عبد الملك وقتله، وانحاز الفهريون إلى جانب فامتنعوا عليه وكاشفوه واجتمع عليهم من نكر فعلته بابن قطن وقام بأمرهم قطن وأمية ابنا عبد الملك بن قطن، والتقوا فكانت الدبرة على الفهريين، وهلك بلخ من الجراح التي أصابته في حربهم وذلك سنة أربع وعشرين لسنة أو نحوها من إمارته، ثم ولي ثعلبة بن سلامة الجذامي، غلب على إمارة الأندلس بعد مهلك بلخ وانحاز عنه الفهريون فلم يطيعوه، وولي سنين أظهر فيها العدل ودانت له الأندلس عشرة أشهر إلى أن ثار به العصبة اليمانية فعسر أمره، وهاجت الفتنة. وقدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي من قبل حنظلة بن صفوان عامل إفريقية، وركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين فدانت له أهل الأندلس وأقبل إليه ثعلبة وابن أبي سعد، وابنا عبد الملك فلقيهم وأحسن إليهم واستقام أمره. وكان شجاعا كريما ذا رأي وحزم، وكثر أهل الشام عنده ولم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد، وأنزل أهل دمشق البيرة لشبهها بها وسماها دمشق، وأنزل أهل حمص إشبيلية وسماها حمص لشبهها بها، وأهل قنسرين حسان وسماها قنسرين، وأهل الأردن ريه وهي مالقة وسماها الأردن. وأهل فلسطين شدونة وهي شريش وسماها فلسطين، وأهل مصر تدمير وسماها مصر، وقفل ثعلبة إلى الشرق ولحق بمروان بن محمد وحضر حروبه وكان أبو الخطاب أعرابيا عصبيا أفرط عند ولايته في التعصب لقومه من اليمانية وتحامل على المصرية، وأسخط قيسا وأمر في بعض الأيام بالضميل بن حاكم كبير القيسية، وكان من طوالع بلخ وهو الضميل بن حاكم بن شمر بن ذي الجوشن، ورأس على الحصرية ، فأمر به يوما فأقيم من مجلسه وتقنع، فقال له بعض الحجاب وهو خارج من القصر: أقم عمامتك يا أبا الجوشن، فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها فسار الضميل بن حاكم زعيمهم يومئذ، وألب عليه قومه، واستعان بالمنحرفين عنه من اليمنية فخلع أبا الخطاب سنة ثمان وعشرين لأربع سنين وتسعة أشهر من ولايته، وقدم مكانه ثوابة بن سلامة الجذامي وهاجت الحرب المشهورة. وخاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية فكتب إلى ثوابة بعهده على الأندلس، منسلخ ٤/١٥٣
رجب سنة تسع وعشرين فضبط الأندلس، وقام بأمره الضميل واجتمع عليه الفريقان وهلك لسنتين من ولايته، ووقع الخلاف بإفريقية وتلاشت أمور بني أمية بالمشرق وشغلوا عن قاصية المغرب بكثرة الخوارج، وعظم أمر المسودة فبقي أهل الأندلس فوضى ونصبوا للأحكام خاصة عبد الرحمن بن كثير. ثم اتفق جند الأندلس على اقتسام الإمارة بين المضرية واليمنية، وادالتها بين الجندين سنة لكل دولة. وقدم المضرية على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة تسع وعشرين، واستقر سنة ولايته بقرطبة دار الإمارة ثم وافقتهم اليمنية لميعاد ادالتهم واثقين بمكان عهدهم وتراضيهم واتفاقهم، فبيتهم يوسف بمكان نزلهم من شقندة من قرى قرطبة من الضميل بن حاتم والقيسية والمضرية فاستلحموهم، واستبد يوسف بما وراء البحرين عدوة الأندلس، وغلب اليمنية على أمرهم فاستكانوا للغلبة، وتربصوا بالدوائر إلى أن جاء عبد الرحمن الداخل، فكان يوسف بن عبد الرحمن قد ولى الضميل بن حاتم سرقسطة، فلما ظهر أمر المسودة بالمشرق ثار الحباب ابن رواحة الزهري بالأندلس داعيا لهم وحاصر الضميل بسرقسطة، واستمد يوسف فلم يمده رجاء هلاكه بما كان يغص به وأمدته القيسية فأخرج عنه الحباب، وفارق الضميل سرقسطة فملكها الحباب وولى يوسف الضميل على طليطلة إلى أن كان من أمر عبد الرحمن الداخل ما نذكره.
مسير عبد الرحمن الداخل الى الأندلس وتجديده الدولة بها
لما نزل ما نزل ببني أمية بالمشرق وغلبهم بنو العباس على الخلافة وأزالوهم عن كرسيها وقتل عبد الله بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفائهم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وتتبع بنو مروان بالقتل، فطلبوا من بعدها بطن الأرض. وكان ممن أفلت منهم عبد ٤/١٥٤
الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وكان قومه يتحينون له ملكا بالمغرب، ويرون فيه علامات لذلك يؤثرونها عن مسلمة بن عبد الملك، وكان هو قد سمعها منه مشافهة. فكان يحدث نفسه بذلك فخلص إلى المغرب، ونزل على أخواله نفرة من برابرة طرابلس. وشعر به عبد الرحمن بن حبيب وكان قتل ابني الوليد بن عبد الملك لما دخلا إفريقية من قبله، فلحق عبد الرحمن بمغيلة ويقال بمكناسة، ويقال:
نزل على قوم من زناتة فأحسنوا قبوله واطمأن فيهم. ثم لحق بمليلة وبعث بدرا مولاه، إلى من بالأندلس من موالي المروانيين وأشياعهم فاجتمع بهم، وبثوا له بالأندلس دعوة ونشروا له ذكرا. ووافق ذلك ما قدمناه من الفتنة بين اليمنية والمضرية، فاجتمعت اليمنية على أمره، ورجع إليه بدر مولاه بالخبر فأجاز البحر سنة ثمان وثلاثين في خلافة أبي جعفر المنصور، ونزل بساحل السند وأتاه قوم من أهل إشبيلية فبايعوه. ثم انتقل إلى كورة رحب فبايعه عاملها عيسى بن مسور، ثم رجع الى شدونة فبايعه عتاب بن علقمة اللخمي. ثم أتى مورور فبايعه ابن الصباح ونهز إلى قرطبة واجتمعت عليه اليمنية. ونمي خبره إلى والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري وكان غازيا بجليقة فانفض عسكره وسار إلى قرطبة وأشار عليه وزيره الضميل ابن حاتم بالتلطف له والمكر به، فلم يتم له مراده وارتحل عبد الرحمن من المنكب فاحتل بمالقة فبايعه جندها، ثم برندة فبايعه جندها، ثم بشريش كذلك، ثم بأشبيلية فتوافت عليه الأمداد والأمصار، وتسايلت المضرية إليه حتى إذا لم يبق مع يوسف بن عبد الرحمن غير الفهرية والقيسية لمكان الضميل منه، زحف إليه حينئذ عبد الرحمن بن معاوية وناجزهم الحرب بظاهر قرطبة فانكشف، ورجع إلى غرناطة فتحصن بها وأتبعه الأمير عبد الرحمن فنازله. ثم رغب إليه يوسف في الصلح فعقد له على أن يسكن قرطبة وأقفله معه، ثم نقض يوسف عهده. وخرج سنة إحدى وأربعين ولحق بطليطلة، واجتمع إليه زهاء عشرين ألفا من البربر، وقدم الأمير عبد الرحمن للقائه عبد الملك بن عمر المرواني، كان وفد عليه من المشرق، وكان أبوه عمر بن مروان بن الحكم في كفالة أخيه عبد العزيز بمصر، فلما هلك سنة خمس عشرة بقي عبد الملك بمصر، فلما دخلت المسودة أرض مصر خرج عبد الملك يوم ٤/١٥٥
الأندلس في عشرة رجال من بيته مشهورين بالبأس والنجدة حتى نزل على عبد الرحمن سنة إحدى وأربعين، فعقد له على إشبيلية ولابنه عمر بن عبد الملك على مورور. وسار يوسف إليهما وخرجا إليه فلقياه وتناجز الفريقان فكانت الدبرة على يوسف، وأبعد الغر واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة واحتز رأسه وتقدم به إلى الأمير عبد الرحمن فاستقام أمره واستقر بقرطبة وبنى القصر والمسجد الجامع، أنفق ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه وبنى مساجد ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق، وكان يدعو للمنصور، ثم قطعها لما تم له الملك بالأندلس، ومهد أمرها وخلد لبني مروان السلطان بها، وجدد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها. واستلحم الثوار في نواحيها وقطع دعوة العباسيين من منابرها وسد المذاهب منهم دونها. وهلك سنة اثنتين وسبعين ومائة، وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأن أول داخل من ملوك بني مروان هو، وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأى ما فعل بالأندلس، وما ركب إليها من الأخطار، وأنه صمد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا قوة ولا أنصار فغلب على أهلها وعلى أميرهم، وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة وإمضاء عزم. ثم تحلى وأطيع وأورثه عقبه. وكان عبد الرحمن هذا يلقب بالأمير وعليه جرى بنوه من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين إذ بايع الخلافة بمقر الإسلام ومبتدأ العرب، حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو الثامن منهم على ما نذكره فتسمى بأمير المؤمنين وتوارث ذلك بنوه واحدا بعد واحد. وكان لبني عبد الرحمن الداخل بهذه العدوة الأندلسية ملك ضخم ودولة ممتعة اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة كما نذكر. وعند ما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوي أمر الخلافة، واستفحل سلطانه وتجهز فرويلة بن الأدفونش ملكهم، سار إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها وملكها من أيديهم، ورد مديزلك وبريعال وسمورة وسلمنقة وقشتالة وسقونية، وصارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور ابن أبي عامر رئيس الدولة كما نذكر في أخباره. ثم استعادوها بعده من بلاد الأندلس واستولوا على جميعها. وكان عبد الرحمن عند ما تمهد له الأمر بالأندلس، ودعا للسفاح، ثم خلعه واستبد بأمره كما ذكرناه. وجد هشام بن عبد ربه الفهري ٤/١٥٦
مخالفا بطليطلة على يوسف من قبله، وبقي على خلافه، ثم أغزاه عبد الرحمن سنة تسع وأربعين بدرا مولاه وتمام بن علقمة فحاصراه ومعه حيوة بن الوليد الحصبي، وحمزة بن عبد الله بن عمر حتى غلباه، وجاء بهم إلى قرطبة فصلبوا. وسار من إفريقية سنة تسع وأربعين العلاء بن مغيث اليحصبي ونزل باجة من بلاد الأندلس داعيا لأبي جعفر المنصور واجتمع إليه خلق فسار عبد الرحمن إليه، ولقيه بنواحي إشبيلية فقاتله أياما. ثم انهزم العلاء وقتل في سبعة آلاف من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برءوس كثيرة منهم إلى القيروان ومكة، فألقيت في أسواقها سرا ومعها اللواء الأسود. وكاتب المنصور للعلاء ثم ثار سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بمدينة لبلة طالبا بثأر من قتل من اليمنية مع العلاء وملك إشبيلية، وسار إليه عبد الرحمن فامتنع ببعض الحصون فحاصره، وكان عتاب بن علقمة اللخمي بمدينة شدونة فأمد المطري، وبعث عبد الرحمن بدرا مولاه فحال دون المدد ودون المطري. ثم طال عليه الحصار وقتل في بعض أيامه، وولي مكانه بالقلعة خليفة بن مروان. ثم استأمن من بالقلعة إلى عبد الرحمن وأسلموا إليه الحصن فخربه وقتل عبد الرحمن خليفة ومن معه. ثم سار إلى غياث فحاصره بشدونة حتى استأمنوا فأمنهم، وعاد إلى قرطبة فخرج عليه عبد الرحمن بن خراشة الأسدي بكورة جيان. وبعث إليه العساكر فافترق جمعه واستأمن فأمنه، ثم خرج عليه سنة خمس غياث بن المستبد الاسدي، فجمع عامل باجة العساكر وسار إليه فهزمه وقتله، وبعث برأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة. وفي هذه السنة شرع عبد الرحمن في بناء السور على قرطبة، ثم ثار رجل بشرق الأندلس من بربر مكناسة يعرف بشقنا بن عبد الواحد، كان يعلم الصبيان وادعى أنه من ولد الحسين الشهيد، وتسمى بعبد الله بن محمد وسكن شنة برية واجتمع إليه خلق من البربر، فسار إليه عبد الرحمن فهرب في الجبال، واعتصم بها فرجع وولى على طليطلة حبيب بن عبد الملك، فولى حبيب شنة برية سليمان بن عثمان بن مروان بن عثمان بن أبان بن عثمان بن عفان، فسار إليه سليمان وقتله وغلب على ناحية فورية، فسار إليه عبد الرحمن سنة اثنتين وخمسين ومائة. ٤/١٥٧
وأعياه أمره وصار ينتقل في البلاد ويهزم العساكر وكان سكن بحصن شيطران من جبال بلنسية فسار إليه عبد الرحمن سنة ست وخمسين واستخلف على قرطبة ابنه سليمان فأتاه الخبر بعصيان أهل إشبيلية وثورة عبد الغفار، وحيوة بن قلاقس مع اليمانية فرجع عن شقنا، وهاله أمر إشبيلية. وقدم عبد الملك بن عمر لقتالهم فساروا إليه ولقيهم مستميتا فهزمهم وأثخن فيهم. ولحق بعبد الرحمن فشكرها له وجزاه خيرا ووصله بالصهر وولاه الوزارة، ونجا عبد الغفار وحيوة بن قلاقس إلى إشبيلية، فسار عبد الرحمن سنة سبع وخمسين إليها فقتلهم وقتل خلقا ممن كان معهم، واستراب من يومئذ بالعرب فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم واتخاذ الموالي. ولما كانت سنة إحدى وستين غدر بشقنا رجلان من أصحابه وجاء برأسه إلى عبد الرحمن. ثم سار عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالقلعي من إفريقية إلى الأندلس مظهرا للدعوة العباسية، ونزل بتدمير، واجتمع إليه البربر. وكان سليمان بن يقظان عاملا على برشلونة فكتب إليه يدعوه إلى أمره فلم يجبه فسار إليه في البربر، ولقيه سليمان فهزمهم وعاد إلى تدمير وزحف إليه عبد الرحمن من قرطبة، فاعتصم بجبل بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه الأموال فاغتاله رجل من أصحابه البربر، وحمل رأسه إلى عبد الرحمن وذلك سنة اثنتين وستين. ورجع عبد الرحمن إلى قرطبة. ثم خرج دحية الغساني في بعض حصون البيرة، فبعث إليه شهيد بن عيسر فقتله، وخالف البربر وعليهم بحرة بن البرانس، فبعث بدرا مولاه فقتله وفرق جموعهم. وفر القائد السلمي من قرطبة الى طليطلة وعصى بها فبعث حبيب بن عبد الملك، وحاصره فهلك في الحصار. وزحف عبد الرحمن سنة اربع وستين إلى سرقسطة وبها سليمان بن يقظان والحسين بن عاصي، وقد حاصرهما ثعلبة بن عبيد من قواده فامتنعت عليه، وقبض سليمان على ثعلبة وبعث إلى ملك الفرنج فجاء وقد تنفس عنه الحصار فدفع إليه ثعلبة. ثم غلب الحسين على سليمان وقتله، وانفرد فحاصره عبد الرحمن حتى صالحه وسار إلى بلاد الفرنج والبشكنس ومن وراءهم من الملوك، ورجع إلى وطنه وغدر الحسين بسرقسطة، فسار إليه عامله ابن علقمة فأسر أصحابه، ثم سار إليه عبد الرحمن سنة ست وستين وملكها عنوة وقتل الحسين وقتل أهل سرقسطة. ثم خرج سنة ثمان وستين أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن فلقيه بقسطلونة وهزمه، وأثخن في أصحابه. ثم لقيه ثانية سنة تسع وستين فهزمه، ثم هلك سنة سبعين في ٤/١٥٨
أعمال طليطلة وقام مكانه أخوه قاسم وغزاه عبد الرحمن فحاصره فجاء بغير أمان فقتله. ثم توفي عبد الرحمن سنة اثنتين وسبعين ومائة لثلاثة وثلاثين سنة من إمارته.
وفاة عبد الرحمن الداخل وولاية ابنه هشام
ولما هلك عبد الرحمن كان ابنه الأكبر سليمان واليا على طليطلة، وكان ابنه هشام على ماردة، وكان قد عهد له بالأمر. وكان ابنه عبد الله المسكين حاضرا بقرطبة فأخذ البيعة لأخيه هشام وبعث إليه بالخبر فسار إلى قرطبة، وقام بالدولة وغص بذلك أخوه سليمان فأظهر الخلاف بطليطلة، ولحق به أخوه عبد الله وبعث هشام في أثره فلم يلحق. وسار هشام في العساكر فحاصرهم بطليطلة وخالفه سليمان إلى قرطبة فلم يظفر بشيء منها وبعث هشام بن عبد الملك في أثره فقصد ماردة فحاربه عامله وهزمه الله بغير أمان ودخل في طاعته فأكرمه. ثم بعث سنة أربع وسبعين ابنه معاوية لحصار أخيه سليمان بتدمير فدوخ نواحيها، وهرب سليمان الى جبال بلنسية فاعتصم بها، ورجع معاوية إلى أبيه بقرطبة. ثم طلب سليمان العبور الى عدوة البربر بأهله وولده فأجازه هشام وأعطاه ستين ألف دينار صلحا على تركة أبيه. وأقام بعدوة المغرب وسار معه أخوه عبد الله. ثم خرج على هشام سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بطرسوسة من شرق الأندلس وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه. ودعي إلى اليمانية فملكها، وأخرج عاملها يوسف العبسي فعارضه موسى بن فرقوق في المضرية بدعوة هشام، وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وملك مدينة سرقسطة وواشقة، وكان هشام في شغل بأمر أخويه، فلما فرغ منهما بعث أبا عثمان عبيد الله بن عثمان بالعساكر إلى مطروح فحاصره بسرقسطة أياما، ثم أفرج عنه ونزل بطرسوسة قريبا وأقام بتحيفة، ثم غدر بمطروح بعض أصحابه وجاء برأسه إلى أبي عثمان، فبعث به إلى هشام وسار إلى سرقسطة فملكها. ثم دخل إلى دار الحرب غازيا، وقصد ألبة والقلاع فلقي العدو وظفر بهم، وفتح الله عليه وذلك سنة خمس وسبعين، وبعث هشام العساكر مع يوسف بن نحية إلى جليقة فلقي ملكها ابن مند وهزمه وأثخن في العدو. وفي هذه السنة دخل أهل طليطلة في طاعة الأمير هشام بعد منصرف أخويه عنهم فقبلهم، وأمنهم وبعث عليها ابنه الحكم واليا فضبطها وأقام ٤/١٥٩
بها. وفي سنة ست وسبعين ومائة بعث هشام وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدو فبلغ ألبة والقلاع وأثخن في نواحيها. ثم بعثه في العساكر إلى أربونة وجرندة فأثخن فيهما ووطئ أرض سلطانية، وتوغل في بلادهم ورجع بالغنائم التي لا تحصى واستمد الطاغية بالبشكنس وجيرانه من الملوك فهزمهم عبد الملك، ثم بعث بالعساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى بلاد جليقة فأثخنوا في بلاد العدو وغنموا ورجعوا. وفي هذه السنة هاجت فتنة بتاكدنا وهي بلاد رندة من الأندلس، وخلع البربر لك الطاعة فبعث إليهم هشام بن عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبي سفيان فأبادهم، وخرب بلادهم وفر من بقي منهم فدخلوا في القبائل وبقيت تاكدنا قفراء خالية سبع سنين. وفي سنة تسع وسبعين بعث هشام الحاجب عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث في العساكر إلى جليقة فانتهى إلى ميورقة فجمع ملك الجلالقة واستمد بالملوك، ثم خام عن اللقاء ورجع أدراجه، وأتبعه عبد الملك وتوغل في بلادهم وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك وأثخنوا في البلاد واعترضهم عسكر الإفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا ظافرين سالمين.
وفاة هشام وولاية ابنه الحكم
ثم توفي هشام بن عبد الرحمن سنة ثمانين ومائة لسبع سنين من إمارته وقيل ثمان سنين، وكان من أهل الخير والصلاح، وكان كثير الغزو والجهاد، وهو الذي أكمل بناء الجامع بقرطبة الذي كان أبوه شرع فيه، وأخرج المصرف لآخذي الصدقة على الكتاب والسنة. ولما مات ولي ابنه الحكم بعده فاستكثر من المماليك وارتباط الخيل، واستفحل ملكه وباشر الأمور بنفسه. ولأول ولايته أجاز ابنه عبد الله البلنسي من ٤/١٦٠
عدوة المغرب فملك بلنسية، ثم أخوه سليمان من طنجة فحاربهما الحكم سنة ثم ظفر بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين. وأقام عبد الله ببلنسية وكف عن الفتنة وأرسل الحكم في الصلح على يد يحيى بن يحيى الفقيه وغيره فصالحه سنة ست وثمانين. وفي خلال الفتنة مع عميه سليمان وعبد الله اغتنم الفرنج الفرصة واجتمعوا وقصدوا برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها. وبعث الحكم العساكر إلى برشلونة مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الجلالقة فأثخن فيها وخالفهم العدو إلى المضايق فرجع إلى التعبية وظفر بهم، ورجع إلى بلاد الإسلام ظافرا. وفي سنة إحدى وثمانين ثار البهلول بن مرزوق بناحية الثغر، وملك سرقسطة، وفيها جاء عبد الله البلنسي عم الحكم كما ذكرناه. وفي هذه السنة خالف عبيدة بن عمير بطليطلة، وكان القائد عمروس بن يوسف من قواد الحكم بطلبيرة فكتب إلى هشام بحصارهم فحاصرهم. ثم استمال بني مخشي من أهل طليطلة فقتلوا عبيدة وبعثوا برأسه إلى عمروس فبعث به إلى الحكم، وأنزل بني مخشي عنده فقتلهم البربر بطلبيرة بثأر كاتب لهم، وقتل عمروس والباقين واستقامت تلك الناحية. واستعمل عمروس ابنه يوسف على مدينة طليطلة ولحق بالفرنج سنة تسع وثمانين بعض أهل الحرابة، وأطمعوا الفرنج في ملك طليطلة فزحفوا إليها وملكوها وأسروا أميرها يوسف وحبسوه بصخرة قيسر ، وسار عمروس من فوره إلى سرقسطة ليحميها من العدو، وبعث العساكر مع ابن عمه، فلقي العدو وهزمهم وسار إلى صخرة قيسر وقد وهن الفرنج من الهزيمة فافتتحها، وبعث عمروس نائبة وخلص يوسف وعظم صيته.
وقعة الربض
كان الحكم في صدر ولايته قد انهمك في لذاته، واجتمع أهل العلم والورع بقرطبة مثل يحيى بن يحيى الليثي وطالوت الفقيه وغيرهما فثاروا به، وامتنع فخلعوه وبايعوا ٤/١٦١
محمد بن القاسم من عمومة هشام. وكان بالربض الغربي من قرطبة محلة متصلة بقصره، وحصروه سنة تسعين ومائة وقاتلهم فغلبهم وافترقوا، وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس من أرض العدوة، ولحقوا بالإسكندرية، ونزل بها منهم جمع وثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر وافتتحها وأجازهم إلى جزيرة أقريطش كما مر. وكان مقدمهم أبا حفص عمر البلوطي، فلم يزل رئيسا عليهم وولده من بعده إلى أن ملكها الفرنج من أيديهم.
وقعة الحفرة بطليطلة
كان أهل طليطلة يكثرون الخلاف ونفوسهم قوية لحصانة بلدهم، فكانت طاعتهم ملتانة فأعيا الحكم أمرهم واستقدم عمروس بن يوسف من الثغر، وكان أصله من أهل مدينة وشقة من المولدين، وكان عاملا عليها فداخله في التدبير على أهل طليطلة، وكتب له بولايتها فأنسوا به واطمأنوا إليه. ثم داخلهم في الخلع وأشار عليهم ببناء مدينة يعتزل فيها مع أصحاب السلطان فوافقوه، وأمضى رأيه في ذلك. ثم بعث صاحب الأعلى إلى الحكم يستنجده على العدو فبعث العساكر مع ابنه عبد الرحمن والوزراء، ومروا بطليطلة ولم يعرض عبد الرحمن لدخولها. ثم رجع العدو وكفى الله شره، فاعتزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فأشار عمروس عند ذلك على أهل طليطلة بالخروج إلى عبد الرحمن فخرج إليه الوجوه وأكرمهم، ودس خادم الحكم كتابه إلى عمروس بالحيلة على أهل طليطلة، فأشار عليهم عمروس بأن يدخلوا عبد الرحمن البلد، وأنزله بداره واتخذ صنيعا للناس واستعد له على موعد لذلك فكان يدخلهم من باب ويخرجهم من آخر خشية الزحام فيدخلون إلى حفرة في القصر وتضرب رقابهم عليها إلى أن قتل معظمهم وفطن الباقون فنفروا وحسنت طاعتهم من بعد ذلك، إلى أيام الفتنة كما نذكر، ثم عصى أصبغ بن عبد الله ٤/١٦٢
بماردة وأخرج عامل الحكم فسار إليه الحكم وحاصره وجاءه الخبر بعصيان أهل قرطبة فرجع وقتلهم. ثم استنزل أصبغ من بعد ذلك وأنزله قرطبة. وفي سنة اثنتين وتسعين جمع لزريق بن قار له ملك الفرنج وسار لحصار طرسوسة فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر فهزمه وفتح الله على المسلمين. ثم عاود أهل ماردة الخلاف عن الحكم سنة أربع وتسعين فسار إليهم وقاتلهم ثلاث سنين. وكثر عيث الفرنج في الثغور فسار إليهم سنة ست وتسعين فافتتح الحصون، وخرب النواحي وأثخن في القتل والسبي والنهب وعاد إلى قرطبة ظافرا. وفي سنة مائتين بعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج فسار فيها وخربها ونهبها وهدم عدة من حصونها، وأقبل إليه ملك الجلالقة في جموع عظيمة وتنازلوا على نهر واقتتلوا عليه أياما، ونال المسلمون منهم أعظم النيل، وأقاموا على ذلك ثلاث عشرة ليلة، ثم كثرت الأمطار ومد النهر وقفل المسلمون ظافرين.
وفاة الحكم وولاية ابنه عبد الرحمن الأوسط
ثم توفي الحكم بن هشام آخر سنة ست ومائتين لسبع وعشرين سنة من ولايته، وهو أول من جند بالأندلس الأجناد والمرتزقة، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه واتخذ المماليك، وكان يسميهم الخرس لعجمتهم، وبلغت عدتهم خمسة آلاف، وكان يباشر الأمور بنفسه، وكانت له عيون يطالعونه بأحوال الناس. وكان يقرب الفقهاء والعلماء والصالحين، وهو الذي وطأ الملك لعقبه بالأندلس. ولما مات قام بأمره من بعده ابنه عبد الرحمن فخرج عليه لأول إمارته عبد الله البلنسي عم أبيه، وسار إلى تدمير يريد قرطبة فتجهز له عبد الرحمن فحام عن اللقاء، ورجع إلى بلنسية ومات أثر ذلك فنقل عبد الرحمن ولده وأهله إلى قرطبة. ثم غزا لأول ولايته إلى جليقة فأبعد وأطال الغيبة وأثخن في أمم ٤/١٦٣
النصرانية هنالك ورجع. وقدم عليه سنة ست ومائتين من العراق زرآب المغني مولى المهدي ومعلم إبراهيم الموصلي، واسمه علي بن نافع فركب لتلقيه وبالغ في إكرامه، وأقام عنده بخير حال، وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلف ولده مخلفة كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته. وفي سنة سبع كانت وقعة بالثغر كان الحكم قد قبض على عاملها ربيع، وصلبه حيا لما بلغه من ظلمه، وهلك الحكم أثر ذلك فتوافى المتظلمون من ربيع إلى قرطبة يطلبون ظلاماتهم، ومعظمهم جند البيرة ووقفوا بباب القصر وشغبوا، وبعث عبد الرحمن من يسكتهم فلم يقبلوا فركبت العساكر إليهم وأوقعوا بهم ونجا الفل منهم إلى البيرة وبالشر، وتتبعهم عبد الرحمن. وفي هذه السنة نشأت الفتنة بين المضرية واليمانية واقتتلوا، فهلك منهم نحو من ثلاثة آلاف وبعث عبد الرحمن إليهم يحيى بن عبد الله بن خالد في جيش كثيف ليكفهم عن الفتنة فكفوا عن القتال لما أحسوا بوصوله. ثم عاودوا الحرب عند مغيبه، وأقاموا على ذلك سبع سنين. وفي سنة ثمان ومائتين أغزا حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى ألبة والقلاع فخرب كثيرا من البلاد وانتسفها، وفتح كثيرا من حصونهم وصالح بعضا على الجزية واطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافرا وفي سنة ثلاث عشرة انتقض عليه أهل ماردة وقتلوا عامله فبعث إليهم العساكر فافتتحوها وعاودوا الطاعة وأخذوا رهائنهم وخربوا سورها، ورجعوا عنهم. ثم أمر عبد الرحمن بنقل حجارة السور إلى النهر فعاودوا الخلاف وأسروا العامل وأصلحوا سورهم فسار إليهم عبد الرحمن سنة أربع عشرة ومائتين وحاصرهم فامتنعوا عليه. ثم بعث العساكر سنة سبع عشرة فحاصرها فامتنعوا ثم حاصرها سنة عشرين وافتتحها ونجا فلهم مع محمود ابن عبد الجبار منهم إلى منت شلوط فاعتصم بها سنة عشرين ومائتين، فبعث عبد الرحمن العساكر لحصاره فلحق بدار الحرب واستولى على حصن من حصونهم أقام به خمسة أعوام حتى حاصره أدفونش ملك الجلالقة، وافتتح الحصن وقتل محمودا وجميع أصحابه سنة خمس وعشرين. وفي سنة خمس عشرة خرج بمدينة طليطلة هاشم الضراب من أهل واقعة الربض واشتدت شوكته واجتمعت له الخلق وأوقع بأهل شنت برية، فبعث عبد الرحمن العساكر لقتاله فلم يصيبوا منه، ثم بعث عساكر أخرى فقاتلوه بنواحي دورقة فهزموه وقتل هو وكثير من أصحابه واستمر أهل طليطلة على الخلاف. وبعث عبد الرحمن ابنه أمية لحصارها فحاصرها مدة ثم أفرج ٤/١٦٤
عنها ونزل قلعة رياح وبعث عسكرا للاغارة عليها وكان أهل طليطلة قد خرجوا في اتباعه الى قلعة رياح فكمن لهم فأوقعوا به فاغتم لذلك، وهلك لأيام قليلة. وبعث عبد الرحمن العساكر لحصارها ثانيا فلم يظفروا، وكمن المغيرون عليها بقلعة رياح يعاودونها بالحصار كل حين. ثم بعث عبد الرحمن أخاه الوليد في العساكر سنة اثنتين وعشرين لحصارها، وقد أشرفوا على الهلكة، وضعفوا عن المدافعة فاقتحمها عنوة وسكن أهلها وأقام إلى آخر ثلاث وعشرين ورجع. وفي سنة أربع وعشرين بعث عبد الرحمن قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر لغزو بلاد ألبة والقلاع، ولقي العدو فهزمهم وكثر السبي والقتل. ثم خرج لزريق ملك الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر. فسار إليه فرنون بن موسى وقاتله فهزمه، وأكثر القتل في العدو والأسر.
ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه وهدمه. ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقة فدوخها وافتتح عدة حصون منها، وجال في أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم. وفي سنة ست وعشرين ومائتين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة، وانتهوا إلى أرض سلطانية، وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطيلة ولقيهم العدو فصبروا حتى هزم الله عدوهم، وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود ووقعت بينه وبين بعض قواد عبد الرحمن ملاحاة، وأغلظ له القائد فكان ذلك سببا لانتقاضه، فعصى على عبد الرحمن وبعث إليه الجيوش مع الحرث بن بزيغ فقاتله موسى وانهزم وقتل ابن عمه، ورجع الحرث إلى سرقسطة. ثم زحف الى تطيلة وحاصر بها موسى حتى نزل عنها على الصلح إلى أربط وأقام الحرب بتطيلة أياما. ثم سار لحصار موسى في أربط فاستنصر موسى بغرسية من ملوك الكفر فجاءه، وزحف الحرث وأكمنوا له فلقيهم على نهر بلبة، فخرجت عليه الكمائن بعد أن أجاز النهر وأوقعوا به وأسروه، وقد فقئت عينه، واستشاط عبد الرحمن لهذه الواقعة، وبعث ابنه محمدا في العساكر سنة تسع وعشرين وحاصر موسى بتطيلة حتى صالحه، وتقدم إلى ينبلونة فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية صاحبها الذي أنجد موسى على الحرث. ثم عاود موسى الخلاف، فزحفت إليه العساكر فرجع إلى المسالمة ورهن ابنه عبد الرحمن على الطاعة، وقبله عبد الرحمن وولاه تطيلة، فسار إليها واستقرت في عمالته. ثم كان في هذه السنة خروج المجوس في أطراف بلاد الأندلس ظهروا سنة ست وعشرين بساحل أشبونة، ٤/١٦٥
فكانت بينهم وبين أهلها الحرب ثلاثة عشر يوما. ثم تقدموا إلى قادس، ثم إلى أشدونة، وكانت بينهم وبين المسلمين بها وقعة. ثم قصدوا إشبيلية ونزلوا قريبا منها وقاتلوا أهلها منتصف المحرم من سنة ثمان وعشرين فهزمهم المسلمون وغنموا. ثم مضوا إلى باجة ثم إلى مدينة أشبونة. ثم أقلعوا من هنالك وانقطع خبرهم وسكنت البلاد وذلك سنة ثلاثين. وتقدم عبد الرحمن الأوسط بإصلاح ما خربوه من البلاد، وأكثف الحامية بها وذكر بعض المؤرخين حادثة المجوس هذه سنة ست وأربعين ومائتين ولعلها غيرها والله أعلم. وفي سنة إحدى وثلاثين بعث عبد الرحمن العساكر إلى جليقة فدوخوها وحاصروا مدينة ليون ورموا سوارها فلم يقدروا عليه، لأن عرضه سبعة عشر ذراعا فثلموا فيه ثلمة ورجعوا. ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم بن مغيث في العساكر إلى بلاد برشلونة فجاز في نواحيها، وأجاز الدروب التي تسمى السرب إلى بلاد الفرنجة فدوخها قتلا وأسرا وسبيا، وحاصر مدينتهم العظمى وعاث في نواحيها وقفل، وقد كان ملك القسطنطينية توفلس بن نوفلس بن نوفيل، بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية ويطلب مواصلته فكافأه عبد الرحمن عن هديته، وبعث إليه يحيى العزال من كبار الدولة، وكان مشهورا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما المواصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس. وفي سنة ست وثلاثين هلك نصر الحفي القائم بدولة الأمير عبد الرحمن وكان يضغن على مولاه ويمالئ ابنه عبد الرحمن على ابنه الآخر ولي عهده بما كانت أم عبد الله قد اصطنعته، وكانت حظية عند السلطان ومنحرفة عن ابنه محمد ولي العهد، فداخلت نصرا هذا في أمرها، وداخل هو طبيب الدار في أن يسم محمدا ولي العهد. ودس الطبيب بذلك إلى الأمير مع قهرمانة داره وأن نصرا أكرهه على إذابة السم فيه، وباكر نصر القصر ودخل على السلطان يستفهمه عن شرب الدواء فوجده بين يديه، وقال له إن نفسي قد بشعته فاشربه أنت فوجم، فأقسم عليه فلم يسعه خلافه فشربه وركب مسرعا إلى داره فهلك لحينه، وحسم السلطان علة ابنه عبد الله وكان من بعدها مهلكه. ٤/١٦٦
وفاة عبد الرحمن الأوسط وولاية ابنه محمد
ثم توفي عبد الرحمن الأوسط بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين لإحدى وثلاثين سنة من إمارته، وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة، وكانت أيامه أيام هدو وسكون. وكثرت الأموال عنده واتخذ القصور والمنتزهات وجلب إليها الماء، وجعل له مصنعا اتخذه الناس شريعة. وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه، فأتمه ابنه محمد بعده. وبني بالأندلس جوامع كثيرة ورتب رسوم المملكة، واحتجب عن العامة. ولما مات ولي مكانه ابنه محمد، فبعث لأول ولايته العساكر مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح لإصلاح أسوارها، وكان أهل طليطلة خربوها فرمها وأصلح حالها، وتقدم إلى طليطلة فعاث في نواحيها. ثم بعث الجيوش مع موسى بن موسى صاحب تطيلة فعاث في نواحي ألبة والقلاع، وفتح بعض حصونها ورجع، وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها فعاثوا فيها، وفتحوا حصون برشلونة ورجعوا. ثم سار محمد سنة أربعين في جيوشه إلى طليطلة فاستمدوا ملك جليقة وملك البشكنس فساروا لإنجادهم مع أهل طليطلة فلقيهم الأمير محمد على وادي سليط وقد أكمن لهم فأوقع بهم، وبلغ عدة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفا. ثم سار إليهم سنة ثلاث وأربعين فأوقع بهم ثانية وأثخن فيهم وخرب ضياعهم، فصالحوه ثم نكثوا.
وفي سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس، ونزلوا بأشبيلية والجزيرة وأحرقوا مسجدها. ثم عادوا إلى تدمير ودخلوا قصر أريولة، وساروا إلى سواحل الفرنجة وعاثوا فيها، وانصرفوا فلقيهم مراكب الأمير محمد فقاتلوهم وغنموا منهم مركبين، واستشهد جماعة من المسلمين. ومضت مراكب المشركين إلى ينبلونة، وأسروا صاحبها غرسية وفدى نفسه منهم بسبعين ألف دينار. وفي سنة سبع وأربعين حاصر طليطلة ثلاثين يوما. ثم بعث الأمير محمد سنة إحدى وخمسين أخاه المنذر في العساكر إلى نواحي ألبة والقلاع فعاثوا فيها، وجمع لزريق للقائهم فلقيهم وانهزم، وأثخن المسلمون في المشركين بالقتل والأسر، وكان فتحا لا كفاء له. ثم غزا الأمير محمد بنفسه سنة إحدى وخمسين بلاد الجلالقة فأثخن وخرب، وانتقض عليه عبد الرحمن بن مروان الجليقي فيمن معه من المولدين، وساروا إلى التخم، ووصل يده باذفونش ملك ٤/١٦٧
جليقة فسار إلى الوزير هاشم بن عبد الرحمن في عساكر الأندلس سنة ثلاث وستين فهزمه عبد الرحمن وحصل هاشم في أسره. ثم وقعت المراودة في الصلح على أن ينزل عبد الرحمن بطليوس ويطلق الوزير هاشما فتم ذلك سنة خمس وستين، ونزل عبد الرحمن بطليوس وكانت خربة فشيدها وأطلق هاشما بعد سنتين ونصف من أمره. ثم تغير أذفونش لعبد الرحمن بن مروان وفارقه، وخرج من دار الحرب بعد أن قاتله ونزل مدينة أنطانية بجهات ماردة وهي خراب فحصنها، وملك ما إليها من بلاد أليون وغيرها من بلاد الجلالقة، واستضافها إلى بطليوس، وكان مظفر بن موسى بن ذي النون الهواري عاملا بشنت برية فانتقض وأغار على أهل طليطلة فخرجوا إليه في عشرين ألفا، ولقيهم فهزمهم وانهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن، وقتل من أهل طليطلة خلق، وكان مطرف بن موسى فردا في الشجاعة ومحلا من النسب ولقي شنجة صاحب ينبلونة أمير البشكنس فهزمه شنجة وأسره، وفر من الأسر ورجع إلى شنت برية فلم يزل بها قويم الطاعة إلى أن مات آخر دولة الأمير محمد. وفي سنة إحدى وستين انتقض أسد بن الحرث بن بديع بتاكرنا وهي رندة فبعث إليهم الأمير محمد العساكر وحاصروهم حتى استقاموا على الطاعة. وفي سنة ثلاث وستين أغزى الأمير محمد ابنه المنذر إلى دار الحرب وجعل طريقه على ماردة، وكان بها ابن مروان الجليقي، ومرت طائفة من عسكر المنذر بماردة فخرج عليهم ابن مروان ومعه جمع من المشركين استظهر بهم، فقتل تلك الطائفة عن آخرهم. وفي سنة أربع وستين بعث ابنه المنذر ثانية إلى بلد ينبلونة، ومر بسرقسطة فقاتل أهلها، ثم تقدم إلى تطيلة وعاث في نواحيها وخرب بلاد بني موسى. ثم مضى لوجهه إلى ينبلونة فدوخها ورجع. وفي سنة ست وستين أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بنهر قرطبة ليدخل بها إلى البحر المحيط، ويأتي جليقة من ورائها، فلما تم إنشاؤها وجرت في البحر، أصابها الريح وتقطعت فلم يسلم منها إلا القليل. وفي سنة سبع وستين ومائتين انتقض عمر بن حفصون بحصن يشتر من جبال مالقة وزحف إليه عساكر تلك الناحية فهزمهم، وقوى أمره وجاءت عساكر الأمير محمد فصالحهم ابن حفصون واستقام أمر الناحية. وفي سنة ثمان وستين بعث الأمير محمد ابنه المنذر لقتال أهل الخلاف ٤/١٦٨
فقصد سرقسطة وحاصرها وعاث في نواحيها، وفتح حصن ريطة. ثم تقدم إلى دير بروجة، وفيه محمد بن لب بن موسى . ثم قصد مدينة لاردة وقرطاجنة، ثم دخل دار الحرب وعاث في نواحي ألبة والقلاع وفتح منها حصونا ورجع. وفي سنة سبعين سار هاشم بن عبد العزيز بالعساكر لحصار عمر بن حفصون بحصن يشتر واستنزله إلى قرطبة فأقام بها، وفيها شرع إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لاردة، فجمع صاحب برشلونة لمنعه من ذلك، وسار إليه فهزمه إسماعيل وقتل أكثر رجاله. وفي سنة إحدى وسبعين سار هاشم بن عبد العزيز في العساكر إلى سرقسطة فحاصرها هاشم وافتتحها، ونزلوا جميعا على حكمه. وكان في عسكره عمر بن حفصون واستدعاه من الثغر فحضر معه هذه الغزاة فهرب ولحق بيشتر فامتنع به، وسار هاشم إلى عبد الرحمن بن مروان الجليقي وحاصره بحصن منت مولن، ثم رجع عنه فأغار ابن مروان على إشبيلية ولقبت . ثم نزل منت شلوط فامتنع فيه، وصالح عليه الأمير محمدا، واستقام على طاعته إلى أن هلك الأمير محمد. وكان ملك رومة والفرنجة لعهده اسمه فرلبيب بن لوزنيق.
وفاة الأمير محمد وولاية ابنه المنذر
ثم توفي الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل في شهر صفر من سنة ثلاث وسبعين ومائتين لخمس وثلاثين سنة من إمارته، وولي بعده ابنه المنذر فقتل لأول ولايته هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه، وسار في العساكر لحصار ابن حفصون فحاصره بحصن يشتر سنة أربع وسبعين، وافتتح جميع قلاعه وحصونه وكان منها رية وهم مالقة، وقبض على واليها من قبله عيشون فقتله، ولما اشتد الحصار على ابن حفصون سأل الصلح فأجابه وأفرج عنه، فنكث فرجع لحصاره وصالح ثم نكث مرتين فأقام المنذر على حصاره وهلك قريبا فانفرج عن ابن حفصون. ٤/١٦٩
وفاة المنذر وولاية أخيه عبد الله ابن الأمير محمد
ثم توفي المنذر محاصرا لابن حفصون بجبل يشتر سنة خمس وسبعين ومائتين لسنتين من إمارته فولي مكانه أخوه عبد الله ابن الأمير محمد، وقفل بالعساكر إلى قرطبة وقد اضطربت نواحي الأندلس بالثوار، ولما كثر الثوار قل الخراج لامتناع أهل النواحي من الأداء وكان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار، مائة ألف منها للجيوش، ومائة ألف للنفقة في النوائب وما يعرض، ومائة ألف ذخيرة ووفرا فأنفقوا الوفر في تلك السنين وقل الخراج.
أخبار الثوار وأولهم ابن مروان ببطليوس واشبونة
قد تقدم لنا أن عبد الرحمن بن مروان انتقض على الأمير محمد بن عبد الرحمن سنة خمس وخمسين في غزاته إلى بلاد الجلالقة، واجتمع إليه المولدون وصار إلى تخم، ووصل يده بأذفونش ملك الجلالقة فعرف لذلك بالجليقي. وذكرنا كيف سار إليه هاشم بن عبد العزيز سنة ثلاث وستين في عساكر الأندلس فهزمه ابن مروان وأسره.
ثم وقع الصلح على إطلاق هاشم وأن ينزل ابن مروان بطليوس، فتم ذلك سنة خمس وثلاثمائة ونزل عبد الرحمن بطليوس فشيدها وترس بالدولتين. ثم تغير به أذفونش وقاتله ففارق دار الحرب، ونزل مدينة أنطانية بجهات ماردة فحصنها وهي خراب، وملك ما إليها من بلد أليون وغيرها من بلاد الجلالقة، واستضافها إلى بطليوس، واستعجل له الأمير عبد الله على بطليوس، وكان معه بدار الحرب سعدون السرساقي، وكان من الأبطال الشجعان، وكان دليلا للغزو وهو من الخارجين معه.
فلما نزل عبد الرحمن بطليوس انتزى سعدون ببعض الحصون ما بين قلنيرة ٤/١٧٠
وباجة . ثم ملك قلنيرة وترس بأهل الدولتين إلى أن قتله أذفونش في بعض حروبه معه.
ابن تاكيت بماردة
كان محمد بن تاكيت من مصمودة، وثار بناحية الثغر أيام الأمير محمد، وزحف إلى ماردة وبها يومئذ جند من العرب وكتامة، فأعمل الحيلة في إخراجهم منها، ونزلها هو وقومه مصمودة.
بقية خبر ابن مروان
ولما ملك ابن تاكيت ماردة زحفت إليه العساكر من قرطبة، وجاء عبد الرحمن بن مروان من بطليوس مددا له فحاصروهم أشهرا ثم أقلعوا. وكان بماردة جموع من العرب ومصمودة وكتامة، فتحيل محمد بن تاكيت على العرب وكتامة وأقاربهم فأخرجهم واستقل بماردة هو وقومه، وعظمت الفتنة بينه وبين عبد الرحمن بن مروان صاحب بطليوس بسبب مظاهرته عليه، وحاربه فهزمه ابن مروان مرارا كانت إحداها على لقنت، استلحم فيها مصمودة فقصت من جناح ابن تاكيت واستجاش بسعدون السرساقي صاحب قلنيرة فلم يغنه، وعلا كعب بن مروان عليهم وتوتق أمره، وطلبه ابن حفصون في الولاية فامتنع ثم هلك اثر ذلك سنة أيام الأمير عبد الله، وولي ابنه عبد الرحمن بن مروان وأثخن في البرابرة المجاورين له وهلك لشهرين من ولايته، فعقد الأمير عبد الله على بطليوس لأميرين من العرب، ولحق من بقي من ولد عبد الرحمن بحصن شونة، وكانا اثنين من أعقابه، وهما مروان ٤/١٧١
وعبد الله ابنا ابنه محمد، وعمهما مروان. ثم خرجا من حصن شونة ولحقا بآخر من أصحاب جدهما عبد الرحمن. ثم اضطرب الأميران ببطليوس وتنازعا وقتل أحدهما الآخر، واستقل ببطليوس، ثم تسور عبد الله منها سنة ست وثماني فقتله وملك بطليوس، واستفحل أمره والمعجل له الأمير عبد الله عليها ونازل حصون البرابرة حتى طاعوا له، وحارب ابن تاكيت صاحب ماردة ثم اصطلحوا وأقاموا جميعا طاعة الأمير عبد الله. ثم تحاربوا فاتصلت حروبهم إلى آخر دولته.
ثورة لب بن محمد بسرقسطة وتطيلة
ثم ثار لب بن محمد بن لب بن موسى بسرقسطة سنة ثمان وخمسين ومائتين أيام الأمير محمد فترددت إليه الغزوات حتى استقام وأسجل له الأمير محمد على سرقسطة وتطيلة وطرسونة فأحسن حمايتها، واستفحلت إمارته فيها، ونازلة ملك الجلالقة أذفونش في بعض الأيام بطرسونة، فنزل إليه ورده على عقبه منهزما وقتل نحوا من ثلاثة آلاف من قومه وانتقض على الأمير عبد الله وحاصر تطيلة.
ثورة مطرف بن موسى بن ذي النون الهواري بشنت برية
كان لمطرف صيت من الشجاعة ومحل من النسب والعصبية، فثار في شنت برية، وكانت بينه وبين صاحب ينبلونة سلطان البشكنس من الجلالقة حروب أسره العدو في بعضها ففر من الأسر ورجع إلى شنت برية، واستقامت طاعته إلى آخر دولة الأمير محمد.
ثورة الأمير ابن حفصون في يشتر ومالقة ورندة واليس
وهو عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر بن دميان بن فرغلوش بن أذفونش القس ٤/١٧٢
هكذا نسبه ابن حيان أول ثائر كان بالأندلس، وهو الذي افتتح الخلاف بها وفارق الجماعة أيام محمد بن عبد الرحمن في سني السبعين والمائتين. خرج بجبل يشتر من ناحية رية ومالقة، وانضم إليه الكثير من جند الأندلس ممن في قلبه مرض في الطاعة. وابتنى قلعته المعروفة به هنالك، واستولى على غرب الأندلس إلى رندة وعلى السواحل من الثجة إلى البيرة، وزحف إليه هاشم بن عبد العزيز الوزير فحاصره واستنزله إلى قرطبة سنة سبعين. ثم هرب ورجع إلى حصن يشتر، ولما توفي الأمير محمد تغلب على حصن الحامة ورية ورندة والثجة، وغزاه المنذر سنة أربع وسبعين فافتتح جميع قلاعه وقتل عامله برية، ثم سأل الصلح فعقد له المنذر. ثم نكث ابن حفصون وعاد إلى الخلاف فحاصره المنذر إلى أن هلك محاصرا له فرجع عنه الأمير عبد الله، واستفحل أمر بن حفصون والثوار وتوالت عليه الغزوات والحصار. وكاتب ابن الأغلب صاحب إفريقية وهاداه وأظهر دعوة العباسية بالأندلس فيما إليه وتثاقل ابن الأغلب على إجابته لاضطراب إفريقية، فأمسك وأكثر الأجلاب على قرطبة وبنى حصن بلايد قريبا منها، وغزاه عبد الله وافتتح بلاية والثجة. ثم قصده في حصنه فحاصره أياما وانصرف عنه فاتبعه ابن حفصون فكر عليه الأمير عبد الله وهزمه وأثخن فيه، وافتتح البيرة من أعماله. ووالى عليه الحصار في كل سنة، فلما كانت وثمانين عمر بن حفصون وخالص ملك الجلالقة فنبذ إليه أمراؤه بالحصون عهده، وسار الوزير أحمد بن أبي عبيدة لحصاره في العساكر فاستنجد بإبراهيم بن حجاج الثائر بأشبيلية، ولقياه فهزمهما وراجع ابن حجاج الطاعة، وعقد له الأمير عبد الله على إشبيلية، وبعث ابن حفصون بطاعته للشيعة عند ما تغلبوا على القيروان من يد الأغالبة، وأظهر بالأندلس، دعوة عبيد الله. ثم راجع طاعة بني أمية عند ما هيأ الله للناصر ما هيأه من استفحال الملك، واستنزال الثوار، واستقام إلى أن هلك سنة ست وثلاثمائة لسبع وثلاثين سنة من ثورته. وقام مكانه ابنه جعفر فأقره الناصر على أعماله. ثم دس إليه أخوه سليمان بن عمر بعض ٤/١٧٣
رجالاتهم فقتله لسنتين أو ثلاثة من ولايته. وكان مع الناصر فسار إلى أهل يشتر وملكوه مكان أخيه، وذلك سنة ثمان وثلاثمائة، وخاطب الناصر فعقد له كما كان أخوه، ثم نكث وتكرر إنكاثه ورجوعه. ثم بعث إليه الناصر وزيره عبد الحميد بن سبيل بالعساكر، ولقيه فهزمه وقتله وجيء برأسه إلى قرطبة. وقدم المولدون أخاه حفص بن عمر فانتكث ومضى على العصيان، وغزاه الناصر وجهز العساكر لحصاره حتى استأمن له، ونزل إلى قرطبة بعد سنة من ولايته. وخرج الناصر إلى يشتر فدخله وجال في أقطاره ورفع أشلاء عمرو ابنه جعفر وسليمان فصلبهم بقرطبة، وخرب جميع الكنائس التي كانت في الحصون التي بنواحي رية وأعمال مالقة ثلاثين حصنا فأكثر، وانقرض أمر بني حفصون وذلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة والبقاء لله.
ثوار اشبيلية المتعاقبون
ابن أبي عبيدة وابن خلدون وابن حجاج وابن مسلمة. وأول الثوار كان بإشبيلية أمية ابن عبد الله المغافر بن أبي عبيدة، وكان جده أبو عبدة عاملا عليها من قبل عبد الرحمن الداخل. قال ابن سعيد ونقله عن مؤرخي الأندلس: الحجازي ومحمد بن الأشعث، وابن حيان قال: لما اضطربت الأندلس بالفتن أيام الأمير عبد الله وسما رؤساء البلاد إلى التغلب، وكان رؤساء إشبيلية المرشحون لهذا الشأن أمية بن عبد الغافر، وكليب بن خلدون الحضرمي، وأخوه خالد وعبد الله بن حجاج. وكان الأمير عبد الله قد بعث على إشبيلية ابنه محمدا، وهو أبو الناصر والنفر المذكورون يحومون على الاستبداد، فثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله، وحصروه في القصر مع أمه وانصرف ناجيا إلى أبيه. ثم استبد أمية بولايتها على مداراتهم ودس على عبد الله بن حجاج من قتله، فقام أخوه إبراهيم مكانه فثاروا به وحاصروه في القصر، ولما أحيط به خرج إليهم مستميتا بعد أن قتل أهله وأتلف موجودة فقتل، وعاثت العامة برأسه وذلك أعوام الثمانين والثلاثمائة. وكتب ابن خلدون وأصحابه بذلك إلى الأمير عبد الله، وأن أمية خلع وقتل فتقبل منهم للضرورة، وبعث عليهم عمه هشام بن عبد ٤/١٧٤
الرحمن، واستبدوا عليه وتولى كبر ذلك كريب بن خلدون، واستبد عليهم بالرياسة. قال ابن حيان: ونسبهم في حضر موت وهم بأشبيلية نهاية في النباهة.
مقتسمين الرئاسة السلطانية والعلمية. وقال ابن حزم: إنهم من ولد وائل بن حجر، ونسبهم في كتاب الجمهرة، وكذلك قال ابن حيان في بني حجاج. قال الحجازي: ولما قتل عبد الله بن حجاج قام أخوه إبراهيم مقامه، وظاهر بني خلدون على قتل أمية وأنزل نفسه منهم منزلة الخديم. واستبد كريب وعسف أهل إشبيلية فنفر عنه الناس وتمكن لإبراهيم الغرض، وصار يظهر الرفق كلما أظهر كريب الغلظة، وينزل نفسه منزلة الشفيع والملاطف. ثم دس للأمير عبد الله بطلب الولاية ليشتد بكتابه على كريب بن خلدون، وكتب له بذلك عهده فأظهره للعامة وثاروا جميعا بكريب فقتلوه. واستقام إبراهيم بن حجاج على الطاعة للأمير عبد الله وحصن مدينة قرمونة ، وجعل فيها مرتبط خيوله، وكان يتردد ما بينها وبين إشبيلية. وهلك ابن حجاج واستبد ابن مسلمة بمكانه. ثم استقرت إشبيلية آخرا بيد الحجاج بن مسلمة وقرمونة بيد محمد بن إبراهيم بن حجاج، وعقد له الناصر. ثم انتقض وبعث له الناصر بالعساكر، وجاء ابن حفصون لمظاهرة ابن مسلمة فهزمته العساكر، وبعث ابنه شفيعا فلم يشفعه فبعث ابن مسلمة بعض أصحابه سرا، فداخل الناصر في المكر به وعقد له. وجاء بالعساكر وخرج ابن مسلمة للحديث معه فغدروا به وملكوا عليه أمره، وحملوه إلى قرطبة. ونزل عامل السلطان إشبيلية، وكان من الثوار على الأمير عبد الله قريبه، وغدر به أصحابه فقتل.
مقتل الأمير محمد ابن الأمير عبد الله ثم مقتل أخيه المطرف
كان المطرف قد أكثر السعاية في أخيه محمد عند أبيهما، حتى إذا تمكنت سعايته وظهر سخطه على ابنه محمد لحق حينئذ ببلد ابن حفصون. ثم استأمن ورجع وبالغ المطرف في السعاية إلى أن حسه أبوه ببعض حجر القصر، وخرج لبعض غزواته واستخلف ٤/١٧٥
ابنه المطرف على قصره، فقتل أخاه في محبسه مفتاتا بذلك على أبيه، وحزن الأمير عبد الله على ابنه محمد، وضم ابنه عبد الرحمن إلى قصره وهو ابن يوم فربي مع ولده. ثم بعث الأمير عبد الله ابنه المطرف بالصائفة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، ومعه الوزير عبد الملك بن أمية ففتك المطرف بالوزير لعداوة بينهما، وسطا به أبوه الأمير عبد الله وقتله أشر قتله ثأر فيها منه بأخيه محمد وبالوزير. وعقد مكان الوزير لابنه أمية فسنح على الفقراء بأنفه، وترفع على الوزراء فمقتوه وسعوا فيه عند الأمير عبد الله بأنه بايع جماعة من سماسرة الشر لأخيه هشام بن محمد، ولفقت بذلك شهادات اعتمد القاضي حينئذ قبولها للساعين أن يجعلوا في الجماعة للمشهود عليهم بالبيعة بعض أعدائه فتمت الحيلة، وقتل هشام أمية الوزير وذلك سنة أربع وثمانين.
وفاة الأمير عبد الله بن محمد وولاية حافده عبد الرحمن الناصر بن محمد
ثم توفي الأمير عبد الله في شهر ربيع الأول من آخر المائة الثالثة لست وعشرين سنة من إمارته، وولي حافده عبد الرحمن ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرف، وكانت ولايته من الغريب لأنه كان شابا وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون فتصدى إليها وحازها دونهم، ووجد الأندلس مضطربة فسكنها، وقاتل المخالفين حتى أذعنوا واستنزل الثوار ومحا أثر ابن حفصون كبيرهم، وحمل أهل طليطلة على الطاعة، وكانوا معروفين بالخلاف والانتقاض. واستقامت الأندلس وسائر جهاتها في نيف وعشرين سنة من أيامه. ودامت أيامه نحوا من خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أمية بتلك النواحي، وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين عند ما تلاشى أمر الخلافة بالمشرق، واستبد موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع ٤/١٧٦
وعشرين وثلاثمائة فتلقب بألقاب الخلفاء، وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب إلى أن انهزم عام الخندق سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ومحص الله المسلمين فقعد عن الغزو بنفسه، وصار يردد الصوائف في كل سنة، فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الفرنج ما لم يطأه قبل في أيام سلفه، ومدت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان، وأوفدوا إليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاحتمال فيما يعن من مرضاته. ووصل إلى سدنة ملوك الجلالقة من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين، كجهات قشتالة وينبلونة وما إليها من الثغور الجوفية، فقبلوا يده والتمسوا رضاه، واحتقبوا جوائزه وامتطوا مركبه. ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة من أيدي أهلها سنة سبع عشرة، وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة البربر، وأجاز إليه الكثير منهم كما نذكر في أخباره وبدء أمره لأول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا، واستحجب موسى بن محمد بن يحيى، واستوزر عبد الملك بن جهور بن عبد الملك بن جوهر، وأحمد بن عبد الملك بن سعد وأهدى له هديته المشهورة المتعددة الأصناف. ذكرها ابن حيان وغيره، وهي مما نقل من ضخامة الدولة الأموية واتساع أحوالها، وهي خمسمائة ألف مثقال من الذهب العين، وأربعمائة رطل من التبر ومصارفه خمسة وأربعون ألف دينار. ومن سبائك الفضة مائتا بدرة واثنا عشر رطلا من العود الهندي يختم عليه كالشمع، ومائة وثمانون رطلا من العود الصمغي المتخير، ومائة رطل من العود الشبه المنقى. ومائة أوقية من المسك الذكي المفضل في جنسه، وخمسمائة أوقية من العنبر الأشهب المفضل في جنسه على خليقته من غير صناعة ومنها قطعة ململمة عجيبة الشكل، وزن مائة أوقية، وثلاثمائة أوقية من الكافور المترفع الذكاء، ومن اللباس ثلاثون شقة من الحرير المختم المرقوم بالذهب للباس الخلفاء، مختلفة الألوان والصنائع، وعشرة أفرية من عالي جلود الفنك الخراسانية، وستة من السرادقات العراقية، وثمان وأربعون من الملاحف البغدادية لزينة الخيل من الحرير والذهب، وثلاثون شقة الغريون من الملاحف لسروج الهبات، وعشرة قناطير من السمور فيها مائة جلد، وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول، وألف رطل من الحرير المنتقى للاستغزال، ٤/١٧٧
وثلاثون بساطا من الصوف، وعشر مائة منقاة مختلفة، ومائة قطعة مصليات من وجوه الفرش المختلفة، وخمسة عشر من نخاخ الخز المقطوع شطرها. ومن السلاح والعدة ثمانمائة من تخافيف الزينة أيام البروز والمواكب، وألف ترس سلطانية، ومائة ألف سهم من النبال البارعة الصنعة، ومن الظهر خمسة عشر فرسا من الخيل العراب المتخيرة لركاب السلطان فائقة النعوت، وعشرون من بغال الركاب مسرجة ملجمة بمراكب خلافية، ولجم بغال مجالس سروجها خز جعفري عراقي، ومائة فرس من عتاق الخيل التي تصلح للركوب في التصرف والغزوات، ومن الرقيق أربعون وصيفا، وعشرون جارية متخيرات بكسوتهن وزينتهن، ومن سائر الأصناف ومن الصخر سيات ما أنفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار. وعشرون ألف عود من الخشب من أجمل الخشب وأصلبه وأقدمه، قيمته خمسون ألف دينار. وعرضت الهدية على الناصر سنة سبع وعشرين فشكرها وحسن لديه موقعها.
سطوة الناصر بأخيه القاضي ابن محمد
كان محمد بن عبد الجبار ابن الأمير محمد، وعبد الجبار هو عم أبي الناصر قد سعى عنده في أخيه القاضي ابن محمد، وأنه يريد الخلاف والبيعة لنفسه. وسعى القاضي في محمد بن عبد الجبار وأنه يروم الانتقاض، واستطلع على الجلي من أمرهما وتحقق نقضهما فقتلهما سنة ثمان وثلاثمائة.
سطوة الناصر ببني إسحاق المروانيين
وهو إسحاق بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الملك بن مروان، دخل جدهم أول الدولة ولن يزالوا في إكرام وعز، واستقرت الرئاسة في إسحاق، وسكن إشبيلية أيام الفتنة عند ابن حجاج. ثم هلك ابن حجاج وولي ابن مسلمة فاتهمه، وقبض عليه وعلى ولده وصهره يحيى بن حكم بن هشام بن خالد بن أبان بن خالد بن عبد الله بن عبد الملك بن الحرث بن مروان فقتل الولد والصهر. ٤/١٧٨
وكان عنده سفير لابن حفصون فشفع في الشيخ إسحاق وولده أحمد. ثم ملك الناصر إشبيلية من يد ابن مسلمة، فرحل إسحاق إلى قرطبة واستوزره الناصر واستوزر بنيه أحمد وابنه ومحمد وعبد الله ففتحوا الفتوحات، وكفوا المهمات، وعلت مقاديرهم في الدولة. وتوفي أبوهم إسحاق فورثوا مكانه في كل رفيعة. ثم هلك كبيرهم عبد الله وكان مقدمهم عند الناصر، واستوزره ثم اتهمه الناصر بالخلاف وكثرت فيهم السعايات، وصاروا في مجال الظنون فسطا بهم الناصر وغربهم في النواحي، فانزوى أمية منهم في تسترين سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وخلع الطاعة وقصده الناصر في العساكر فدخل دار الحرب وأجاره رزمير ملك الجلالقة. ثم تغير له فجاء إلى الناصر من غير عهد وعفا عنه وبقي في غمار الناس إلى أن هلك. وأما أحمد فعزل عن سرقسطة لما نكب أبوه وبقي خاملا مغضيا. ثم تكاثرت السعاية فيه فقتل. وأما أحمد فبقي في جملة الناصر حتى إذا تحرك إلى سرقسطة نمي عنه، ففر ولقي في مفره جماعة من أهل سرقسطة فقتلوه.
أخبار الناصر مع الثوار
كان أول فتحه أبيح له أسجه بعث إليها بدرا مولاه وحاجبه فافتتحها من يد ابن حفصون سنة ثلاثمائة، وغزا في أثرها بنفسه فافتتح أكثر من ثلاثين حصنا من يد ابن حفصون منها البيرة، ودوخ سائر أقطاره وضيق مخنقه بالحصار، واستنزل سعيد بن مزيل من حصن المنتلون وحصن سمنان. وفي سنة إحدى وثلاثمائة ملك إشبيلية من يد احمد بن مسلمة كما ذكرناه. ثم سار سنة اثنتين وثلاثمائة في العساكر فنازل حصون ابن حفصون وانتهى إلى الجزيرة الخضراء، وضبط البحر ونظر في أساطيله واستكثر منها، ومنع ابن حفصون من البحر، وسأله في الصلح على لسان يحيى بن إسحاق المرواني فعقد له. ثم أغزى إسحاق بن محمد القرشي إلى الثوار بمرسية وبلنسية فأثخن في نواحيها، وفتح أريولة وأغزى بدرا مولاه إلى مدينة ليلة، فاستنزل منها عثمان بن نصر الثائر بها وساقه مقيدا إلى قرطبة، ثم أغزى إسحاق بن محمد سنة خمس وثلاثمائة مدينة ٤/١٧٩
قرمونة فملكها من يد حبيب بن سواره، كان ثائرا بها. وفتح حصن ستمرية سنة ست، وحصن طرش سنة تسع، وأطاعه أحمد بن أضحى الهمداني الثائر. بحصن الجامة، ورهن ابنه على الطاعة، وغزا ابن حفصون سنة أربع عشرة فردته العساكر المجمرة لحصاره، ورجع وبعث إليه حفص يستأمنه فأمنه، وجاء إلى قرطبة وملك الناصر يشتركما مر. ثم انتقض سنة خمس وعشرين أمية بن إسحاق في تسترين، وقد مر ذكر أوليته ومحمد بن هشام التجيبي في سرقسطة، ومطرف بن مندف التجيبي في قلعة أيوب فغزاهم الناصر بنفسه، وبدأ بقلعة أيوب فحاصرها وقتل مطرف في أول جولة عليها، وقتل معه يونس بن عبد العزيز، ولجأ أخوه إلى القصبة حتى استأمن وعفا عنه، وقتل من كان معهم من النصرانية أهل ألبة وافتتح ثلاثين من حصونهم، وبلغه انتقاض طوطة ملكة البشكنس فغزاها في ينبلونة، ودوخ أرضها واستباحها ورجع. ثم غزا سنة سبع وعشرين [وثلاثمائة غزوة الخندق إلى جليقة فانهزم، وأصيبت فيها المسلمون وأسر محمد بن هاشم التجيبي، وحاول الناصر إطلاقه فأطلق بعد سنتين وثلاثة أشهر. وقعد الناصر بعدها عن الغزو بنفسه وصار يردد البعوث والصوائف. وثار سنة ثلاث وأربعين بجهات ماردة ثائر وتوجهت إليه العساكر فجاءوا به وبأصحابه ومثل بهم وقتلوا.
أخبار طليطلة ورجوعها الى الطاعة
قال ابن حيان اختطها دير نيقيوش الجبار، وكان قواد رومة ينزلونها دار ملك، ثم ثار بها برباط من نجدانية فملكها، واختلف قواد رومة على حصاره. ثم وثب به بعض أصحابه فقتله وملكها. ثم قتل ورجعت إلى قواد رومة، ثم انتقض أهلها وولوا أميرا منهم اسمه أنيش. ثم قتل ورجعت إلى قواد رومة، وقام أولهم شنتيلة، وأطاعه أهل الأندلس، وامتنع على ملوك رومة. ثم غزاهم وحاصر رومة وفتح كثيرا من بلادها، ورجع إلى طليطلة، وثار عليه البشكنس فظهر عليهم وأوقع بهم، ولحقوا بالجبال، وهلك شنتيلة بعد تسع، وملك مكانه على الغوط بسيلة ست سنين، ولم يغن فيها.
ثم ولي منهم حندس، وغزا إفريقية، وولي بعده قتبان، وبنى الكنائس وبلغه خبر المبعث فقال له بليان، وكان من أكابر الغوط وأعاظمهم: وجدت في كتاب ٤/١٨٠
مطريوس العالم عن دانيال النبي أنهم يملكون الأندلس. ثم هلك فتبادر وملك ابنه ست عشرة سنة، وكان سيئ السيرة. وولي بعده لزريق ثم لم تزل طليطلة دار فتنة وعصبية ومنعة، أتعبت عبد الرحمن الداخل سبع سنين، وانتقضت على هشام والحكم وعلى عبد الرحمن الأوسط، إلى أن جاء الناصر فأدخلهم في الطاعة كرها لما أكمل فتح ماردة وبطليوس وتسترين، سار إليهم في العساكر وحاصرهم، وجاء الطاغية يظاهرهم فدافعه الناصر، وجثم عليها فخرج أميرهم ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث إلى الناصر فاستقال واستأمن فأمنه وعفا عنه، ودخلها الناصر وجال في أقطارها ورجع عنها، فلم يزالوا مستقيمين على الطاعة بعد.
أخبار الناصر مع أهل العدوة
ثم سما للناصر أمل في ملك عدوة البربر من بلاد المغرب، فافتتح أمره بملك سبتة من بني عصام ولاتها، واستدعى أمراء البربر بالعدوة، وبلغ الخبر إبراهيم بن محمد أمير بني إدريس فبادر إلى سبتة، وحاصرها أنفة من عبور الناصر إليهم. ثم استقال وكاتب الناصر بالولاية. وأما إدريس بن إبراهيم صاحب أرشكول من الأدارسة فبادر بولاية الناصر، وكاتبه وأهدى إليه، وتقبل أثره في ذلك محمد بن خزر أمير مغراوة، وموسى بن أبي العافية أمير مكناسة، وهو يومئذ صاحب المغرب بعد أن ملك قواعد المغرب الأوسط، وهي تنس ووهران وشرشال والبطحاء. وأهدوا إلى الناصر فقبل وكافأهم وأحكم ولايتهم، وبادر جماعة من الأدارسة إلى مثل ذلك منهم: القاسم ابن إبراهيم والحسن بن عيسى، وأهدى صاحب فاس هدية عظيمة وعقد له الناصر على أهل بيته. ولما فشت دعوة الناصر في المغرب الأقصى بعث عبيد الله المهدي قائده أن يصل أمير مكناسة، وعامل تاهرت فزحف في العساكر إلى المغرب سنة إحدى وعشرين، وكتب موسى بن أبي العافية إلى الناصر يستنجده، فأخرج إليه قاسم بن طملس في العساكر، ومعه الأسطول فوصل إلى سبتة وبلغه الخبر بأن موسى بن أبي العافية هزم عساكر حميد فأقصر ورجع حسبما هو مذكور في أخبارهم. ٤/١٨١
أخبار الناصر مع الفرنجة والجلالقة
وكان في أول المائة الرابعة ملك على الجلالقة أردون بن رذمير بن برمنذ بن قريولة بن اذفونش بن بيطر. وخرج سنة اثنتين وثلاثمائة إلى الثغر الجوفي لأول ولاية ولاية الناصر، وعاث في جهات ماردة، وأخذ حصن الحنش، وبعث الناصر وزيره أحمد بن عبدة في العساكر إلى بلاده فدوخها، ثم أغزاه ثانية سنة خمس فنكث وقتل. ثم أغزى بدرا مولاه فدوخ ورجع. ثم غزا بنفسه بلاد جليقة سنة ثمان واستنصر أردون بشانجة بن غرسية ملك البشكنس وصاحب بنبولة فهزمهم الناصر، ووطئ بلادهم وخربها، وفتح حصونهم وهدمها وردد الغزو بعد ذلك في بلد غرسية إلى أن هلك أدفونش وولي بعده ابنه فرويلة. قال ابن حيان لما ملك فرويلة بن أردون بن رذمير ملك الجلالقة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ملك أخوه أدفونش ونازعه أخوه شانجة واستقل غرسية بليون من قواعد ملكهم، وظاهر أدفونش على أمره ابن أخيه وهو أدفونش بن فرويلة، وصهره شانجة فانهزموا وافترقت كلمتهم. ثم اجتمعوا ثانية وخلعوا شانجة وأخرجوه عن مدينة ليون ففر إلى قاصية جليقة، وولى أخاه رذمير بن أردون على ملكه بغربي جليقة إلى قلنسرية. وهلك شانجة إثر ذلك ولم يعقب.
واستقل أدفونش وخرج على أخيه رذمير وملك مدينة سنت ماذكش. ثم أكثروا عليه العذل في نزوعه عن الرهبانية فرجع إلى رهبانيته. ثم خرج ثانيا وملك مدينة ليون وكان رذمير أخوه غازيا إلى سمورة فرجع إليه وحاصره بها حتى اقتحمها عليه عنوة سنة عشرين وثلاثمائة فحسبه، ثم سمله في جماعة من ولد أبيه أردون خافهم على أمره.
وكان غرسية بن شانجة ملك البشكنس لما هلك قام بأمرهم بعده أخته طوطة وكفلت ولده. ثم انتقضت سنة خمس وعشرين فغزا الناصر بلادها وخرب نواحي بليونة وردد عليها الغزوات. وفي أثناء هذه الغزوات نازل محمد بن هشام التجيبي سرقسطة حتى أطاع كما مر، وكذا أمية بن إسحاق في تسترين، وكان الناصر سنة اثنتين وعشرين قد غزا إلى وخشمة، واستدعى محمد بن هشام من سرقسطة فامتنع ورجع إليه، وافتتح حصونه وأخذ أخاه يحيى من حصن روطة. ثم رحل إلى ينبلونة فجاءته طوطة بنت أنثير بطاعتها وعقد لابنها غرسية بن شانجة على ينبلونة. ثم عدل إلى البلة ٤/١٨٢
وبسائطها فدوخها وخرب حصونها. ثم اقتحم جليقة وملكها يومئذ رذمير بن أردون فخام عن اللقاء ودخل هو وحشمه فنازله الناصر فيها، وهدم برغث وكثيرا من معاقلهم، وهزمهم مرارا ورجع. ثم كانت بعدها غزوة الخندق ولم يغز الناصر بعدها بنفسه. وكان يردد الصوائف وهابته أمم النصرانية ووفدت عليه سنة ست وثلاثين رسل صاحب القسطنطينية وهديته وهو يومئذ قسنطين بن ليون بن شل، واحتفل الناصر للقائهم في يوم مشهود، وكتب فيه العساكر بالسلاح في أكمل هيئة وزي، وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور، وجمل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرسل فهالهم ما رأوا وقربوا حتى أدوا رسالتهم. وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك المحفل، ويعظموا أمر الإسلام والخلافة، ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه، وذلة عدوه فاستعدوا لذلك. ثم بهرهم هول المجلس فرجعوا وشرعوا في الغزل فارتج عليهم، وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق، كان في جملة الحكم ولي العهد، وندبه لذلك استئثارا لفخره، فلما وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلوطي من غير استعداد ولا روية ولا تقدم له أحد في ذلك بشيء فخطب واستخفر، وجلا في ذلك القصد، وأنشد آخره شعرا طويلا ارتجله في ذلك الغرض ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع. وأعجب الناصر به وولاه القضاء بعدها، وأصبح من رجالات العالم، وأخباره مشهورة وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيان وغيره. ثم انصرف هؤلاء الرسل وبعث الناصر معهم هشام بن كليب الى الجاثليق ليجدد الهدنة، ويؤكد المودة، ويحسن الإجابة. ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء، وجاءت معه رسل قسنطين. ثم جاء رسل ملك الصقالبة وهو يومئذ هوتو، وآخر من ملك اللمان، وآخر من ملك الفرنجة وراء المغرب، وهو يومئذ أفوه وآخر من ملك الفرنجة بقاصية المشرق، وهو يومئذ كلدة. واحتفل السلطان لقدومهم وبعث مع رسل الصقالبة ريفا الأسقف إلى ملكهم هوتو ورجعوا بعد سنتين. وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون بن رذمير وأبوه رذمير وهو الذي سمل أخاه أدفونش وقد مر ذكره، بعث ٤/١٨٣
بخطب السلم فعقد له. ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فردلند بن عبد شلب قومس قشتيلية فردلند وقد مر ذكره، ومال إلى أردون بن رذمير كما ذكرناه.
وكان غرسية بن شانجة حافد الطوطة بنت أسنين ملكة البشكنس فامتعضت لحل حافدها غرسية ووفدت على الناصر سنة سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رذمير الملك، وأعانه حافدها غرسية بن شانجة على ملكه ونصره من عدوه، وجاء ملك جليقة فرد عليه ملكه وخلع الجلالقة طاعة أردون، وبعث إلى الناصر يشكوه على فعلته، وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك، وبما ارتكبه فردلند قومس قشتيلة وعظيم قوامسه في نكثه، ووثوبه، ونفر بذلك عند الأمم ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك. ولما وصل رسول كلدة ملك الإفرنجة بالمشرق كما تقدم، وصل معه رسول مغيرة بن شبير ملك برشلونة وطركونة، راغبا في الصلح فأجابه الناصر ووصل بعده رسول صاحب رومة يطلب المودة فأجيب.
سطوة الناصر بابنه عبد الله
كان الناصر قد وشحه ابنه الحكم وجعله ولي عهده وآثره على جميع ولده ودفع إليه كثيرا من التصرف في دولته وكان أخوه عبد الله يساميه في الرتبة فغص لذلك وأغراه الحسد بالنكثة فنكث وداخل من في قلبه مرض من أهل الدولة فأجابوه، وكان منهم ياسر الفتى وغيره. ونمي الخبر بذلك إلى الناصر فاستكشف أمرهم حتى وقف على الجلي فيه، وقبض على ابنه عبد الله وعلى ياسر الفتى وعلى جميع من داخلهم وقتلهم أجمعين سنة ثلاث وتسعين.
مباني الناصر
ولما استفحل ملك الناصر صرف نظره إلى تشييد المباني والقصور، وكان جده الأمير محمد وأبوه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم قد اختلفوا في ذلك، وبنوا قصورهم ٤/١٨٤
على أكمل الاتفاق والضخامة، وكان منها المجلس الزاهر، والبهو الكامل والقصر المنيف فبنى هو إلى جانب الزاهر قصره العظيم، وسماه دار الروضة، وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبناءين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية. ثم أخذ في بناء المنتزهات فاتخذ مينا الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على بعد المسافة. ثم اختط مدينة الزهراء واتخذها منزله وكرسيا لملكه، فأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما علا على مبانيهم الأولى واتخذ فيها مجالات للوحش فسيحة الفناء، متباعدة السياح ومسارح الطيور ومظللة بالشباك واتخذ فيها دارا لصناعة آلات من آلات السلاح للحرب والحلي للزينة وغير ذلك من المهن. وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس.
وفاة الناصر وولاية ابنه الحكم المستنصر
ثم توفي الناصر سنة خمسين وثلاثمائة أعظم ما كان سلطانه، وأعز ما كان الإسلام بملكه. وكان له قضاة أربعة: مسلم بن عبد العزيز وأحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد ابن عبد الله بن أبي عيسى ومنذر بن سعيد البلوطي. ولما توفي الناصر ولي ابنه الحكم وتلقب المستنصر بالله، وولى على حجابته جعفر المصحفي، وأهدى له يوم ولايته هدية كان فيها من الأصناف ما ذكره ابن حيان في المقتبس وهي مائة مملوك من الفرنج ناشئة على خيول صافنة، كاملو الشيكة والأسلحة من السيوف والرماح والدرق والتراس والقلانس الهندوية، وثلاثمائة ونيف وعشرون درعا مختلفة الأجناس، وثلاثمائة خوذة كذلك، ومائة بيضة هندية، وخمسون خوذة حبشية من حبشيات الإفرنجة غير الحبش التي يسمونها الطاشانية وثلاثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس سلطانية الجنس، وعشرة جواشن نقية مذهبة، وخمسة وعشرون قرنا مذهبة من قرون الجاموس، ولأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور، فغزا الحكم بنفسه واستباحها، وقفل فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عما كانوا فيه. ثم أغزى غالبا مولاه بلاد جليقة، وسار إلى مدينة سالم قبل الدخول لدار الحرب فجمع له الجلالقة، ولقيهم على أشتة فهزمهم واستباحهم، وأوطأ العساكر بلاد فردلند ٤/١٨٥
القومس، ودوخها وكان شانجة بن رذمير ملك البشكنس قد انتقض، فأغزاه الحكم يحيى بن محمد التجيبي صاحب سرقسطة في العساكر. وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم، وامتنعوا في حصونها. وعاث في نواحيها وأغزى الهذيل بن هاشم ومولاه غالبا، فعاثا فيها وقفلا وعظمت فتوحات الحكم وقواد الثغور في كل ناحية، وكان من أعظمها فتح قلهرة من بلاد البشكنس على يد غالب، فعمرها الحكم واعتنى بها. ثم فتح قطريبة على يد قائد وشقة، وغنم ما فيها من الأموال والسلاح والآلات والأقوات. وفي بسيطة من الغنم والبقر والرمك والأطعمة والسبي ما لا يحصى. وفي سنة أربع وخمسين سار غالب إلى بلاد ألبة ومعه يحيى بن محمد التجيبي وقاسم بن مطرف بن ذي النون، فأخذ حصن غرماج، ودوخ بلادهم وانصرف. وظهرت في هذه السنة مراكب المجوس في البحر الكبير، وأفسدوا بسايط أحشبونة وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم. وأخرج الحكم القواد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماجس بتعجيل حركة الأسطول. ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم من كل جهة من السواحل. ثم كانت وفادة أردون بن أدفونش ملك الجلالقة. وذلك أن الناصر لما أعان عليه شانجة بن رذمير وهو ابن عمه وهو الملك من قبل أردون وحمل النصرانية. واستظهر أردون بصهره فردلند قومس قشتيلية . ثم توقع مظاهرة الحكم لشانجة كما ظاهره أبوه الناصر، فبادر بالوفادة على الحكم مستجيرا به فاحتفل لقدومه، وكان يوما مشهودا وصفه ابن حيان كما وصف أيام الوفادات قبله. ووصل إلى الحكم وأجلسه ووعده بالنصر على عدوه، وخلع عليه لما جاء ملقيا بنفسه، وعاقده على موالاة الإسلام ومقاطعة فردلند القومس، وأعطى على ذلك صفقة يمينه، ورهن ولده غرسية، ودفعت الصلات والحملات له ولأصحابه. وانصرف معه وجوه نصارى الذمة بقرطبة وليد بن مغيث القاضي، وأصبغ بن عبد الله بن نبيل الجاثليق، وعبد الله بن قاسم مطران طليطلة ليوطئوا له الطاعة عند رسميته، ويقبضوا رهنه، وذلك سنة إحدى وخمسين. وعند ذلك بعث ابن عمه شانجة بن رذمير ببيعته وطاعته مع قولب من أهل جليقة وسمورة وأساقفهم يرغب في قبوله، ويبقى بما فعل أبوه الناصر معه فتقبل بيعتهم على شروط ٤/١٨٦
شرطها كان منها هدم الحصون والأبراج القريبة من ثغور المسلمين. ثم بعث قومس الفرنجة برسل ومنيرة أثناء سير ملك برشلونة وطركونة وغيرها يسألان تجديد العهد، وإقرارهما على ما كانا عليه، وبعثا بهدية وهي عشرون صبيا من الخصيان الصقالبة، وعشرون قنطارا من الصوف السمور، وخمسة قناطير من الفرصدس ، وعشرة أذراع صقلبية، ومائتا سيف إفرنجية، فقبل هديتهم وعقد لهم على أن يهدما الحصون التي بقرب الثغور، وعلى أن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم وأن ينذروه بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين. ثم وصلت رسل غرسية بن شانجة ملك البشكنس في جماعة من الأساقفة والقواميس يسألون الصلح، بعد أن كان توقف فعقد لهم الحكم ورجعوا. وفي سنة خمس وستين وردت أم لزريق بن بلاكش القومس بالقرب من جليقة، وهو القومس الأكبر، فأخرج الحكم لتلقيها، واحتفل لقدومها في يوم مشهود فوصلها وأسعفها، وعقد السلم لابنها كما رغبت وأحبت، ودفع لها مالا تقسمه بين وفدها، وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثقلين بالذهب وملحفة ديباج.
ثم عاودت مجلس الحكم للوداع فعاودها بالصلات لسفرها وانطلقت. ثم أوطأ عساكره من أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط وتلقى دعوته ملوك زناتة من مغراوة ومكناسة فبثوها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما بينهم. ووفد عليه ملوكهم من آل خزر وبني أبي العافية فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم وأحسن منصرفهم واستنزل بني إدريس من ملكهم بالعدوة في ناحية الريف، وأجازهم البحر إلى قرطبة، ثم أجلاهم إلى الإسكندرية حسبما نشير إلى ذلك كله بعد. وكان محبا للعلوم مكرما لأهلها جماعة للكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. قال ابن حزم: أخبرني بكية الخصي وكان على خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان، أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة، في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير. فأقام للعلم والعلماء سلطانا نفقت فيها بضائعه من كل قطر. ووفد عليه أبو علي الغالي صاحب كتاب الأمالي من بغداد فأكرم مثواه وحسنت منزلته عنده، وأورث أهل الأندلس علمه، واختص بالحكم المستنصر واستفاد علمه، وكان يبعث في الكتب ٤/١٨٧
إلى الأقطار رجالا من التجار ويسرب إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه وبعث في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، وكان نسبه في بني أمية، وأرسل إليه فيه ألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة منه، قبل أن يخرجه بالعراق. وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك. وجمع بداره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده، إلا ما يذكر عن الناصر العباسي ابن المستضيء. ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، أمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور ابن أبي عامر. ونهب ما بقي منها عند دخول البربر قرطبة، واقتحامهم إياها عنوة كما نشير إليه بعد. واتصلت أيام الحكم المستنصر، وأوطأ العساكر أرض العدوة من المغرب الأقصى والأوسط، وتلقى دعوته ملوك زناتة ومغراوة ومكناسة فبثها في أعمالهم، وخطبوا بها على منابرهم، وزاحموا بها دعوة الشيعة فيما يليهم، ووفد عليه ملوكهم من آل خزر وبني أبي العافية، فأجزل صلتهم وأكرم وفادتهم.
وفاة الحكم المستنصر وبيعة ابنه هشام المؤيد
ثم أصابت الحكم العلة، فلزم الفراش إلى أن هلك سنة ست وستين وثلاثمائة لست عشرة سنة من خلافته، وولي من بعده ابنه هشام صغيرا مناهز الحلم، وكان الحكم قد استوزر له محمد بن أبي عامر، نقله من خطة القضاء إلى وزارته، وفوض إليه في أموره فاستقل وحسنت حاله عند الحكم، فلما توفي الحكم بويع هشام ولقب المؤيد بعد أن قتل ليلتئذ أخو الحكم المرشح لأمره، تناول الفتك به محمد بن أبي عامر هذا بممالأة جعفر بن عثمان المصحفي حاجب أبيه، وغالب مولى الحكم صاحب مدينة سالم، ومن خصيان القصر ورؤسائهم فائق وجودر، فقتل محمد بن أبي عامر المغيرة وبايع لهشام ٤/١٨٨
أخبار المنصور بن أبي عامر
ثم سما محمد بن أبي عامر المتغلب على هشام لمكانه في السن، وثاب له رأي في الاستبداد فمكر بأهل الدولة، وضرب بين رجالها، وقتل بعضها ببعض. وكان من رجال اليمنية من مغافر واسمه محمد بن عبد الله بن أبي عامر بن محمد بن عبد الله بن عامر بن محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المغافري، دخل جده عبد الملك مع طارق، وكان عظيما في قومه، وكان له في الفتح أثر، فاستوزره الحكم لابنه هشام كما ذكرناه. فلما مات الحكم حجبه محمد وغلب عليه ومنع الوزراء من الوصول إليه إلا في النادر من الأيام يسلمون وينصرفون. وأرخص للجند في العطاء وأعلى مراتب العلماء وقمع أهل البدع، وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب ودين متين. ثم تجرد لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه، فمال عليهم وحطهم عن مراتبهم، وقتل بعضها ببعض. كل ذلك عن أمر هشام وخطه وتوقيعه حتى استأصل بهم وفرق جموعهم. وأول ما بدأ بالصقالبة الخصيان الخدام بالقصر، فحمل الحاجب المصحفي على نكبتهم فنكبهم وأخرجهم من القصر، وكانوا ثمانمائة أو يزيدون ثم أصهر إلى غالب مولى الحكم، وبالغ في خدمته والتنصح له، واستعان به على المصحفي فنكبه ومحا أثره من الدولة. ثم استعان على غالب بجعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة الفازع إلى الحكم أول الدولة بمن كان معه من زناتة والبربر. ثم قتل جعفر عماله ابن عبد الودود وابن جوهر وابن ذي النون وأمثالهم من أولياء الدولة من العرب وغيرهم. ثم لما خلا الجو من أولياء الخلافة والمرشحين للرئاسة رجع إلى الجند فاستدعى أهل العدوة من رجال زناتة والبرابرة فرتب منهم جندا واصطنع أولياء، وعرف عرفاء من صنهاجة ومغراوة، وبني يفرن وبني برزال ومكناسة وغيرهم، فتغلب على هشام وحجره واستولى على الدولة، وملأ الدنيا وهو في جوف بيته مع تعظيم الخلافة والخضوع لها، ورد الأمور إليها وترديد الغزو والجهاد، وقدم رجال البرابرة زناتة، وأخر رجال العرب وأسقطهم عن مراتبهم فتم له ما أراد من الاستقلال بالملك والاستبداد بالأمر، وابتنى لنفسه مدينة فنزلها وسماها الزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة، وقعد على سرير الملك وأمر أن يحيا بتحية الملوك وتسمى ٤/١٨٩
بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والأوامر والمخاطبات باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر، وكتب اسمه في السكة والطرز، وعمر ديوانه بما سوى ذلك. وجند البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد والعلوج للاستيلاء على تلك الرغبة، وقهر من يطاول إليها من الغلبة فظفر من ذلك بما أراد وردد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، فغزا اثنتين وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه لم ينكسر له فيها راية، ولا فل له جيش، ولا أصيب له بعث، ولا هلكت سرية، وأجاز عساكره إلى العدوة، وضرب بين ملوك البرابرة بعضهم في بعض، فاستوثق ملكه بالمغرب وأذعنت له ملوك زناتة، وانقادوا لحكمه وأطاعوا لسلطانه، وأجاز ابنه عبد الملك إلى ملوك مغراوة بفاس من آل خزر لما سخط زيري بن عطية ملكهم لما بلغه من إعلانه بالنيل منه والغض من ملكهم، والتأنف لحجر الخليفة هشام، فأوقع به عبد الملك سنة ست وثمانين، ونزل بفاس وملكها، وعقد لملوك زناتة على المغرب وأعماله من سجلماسة وغيرها على ما نشير إليه بعد. وشرد زيري بن عطية إلى تاهرت، وأبعد المفر، وهلك في مفره. ثم قفل عبد الملك إلى قرطبة واستعمل واضحا على المغرب، وهلك المنصور أعظم ما كان ملكا وأشد استيلاء سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بمدينة سالم منصرفه من بعض غزواته، ودفن هنالك وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه.
المظفر بن المنصور
ولما هلك المظفر قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله، وجرى على سنن أبيه وأخيه في حجر الخليفة هشام، والاستبداد عليه والاستقلال بالملك دونه. ثم ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده فأجابه، وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد فكان يوما مشهودا، وكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصه: هذا ما عهد هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامة، وعاهد الذي عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه بيعة تامة بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمه ما جعل الله إليه من الإمامة ونصب إليه من أمر المؤمنين واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي ان هجم محتوم ٤/١٩٠
ذلك عليه، ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه، وملجأ تنعطف إليه، أن يلقى ربه تبارك وتعالى مفرطا ساهيا عن أداء الحق إليها، واعتبر عند ذلك من أحياء قريش وغيرها من يستحق أن يستند هذا الأمر إليه، ويعول في القيام به عليه ممن يستوجبه بدينه وأمانته، وهديه وصيانته، بعد اطراح الهوى والتحري للحق والتزلف إلى الله عز وجل بما يرضيه. وبعد أن قطع الأقاصي وأسخط الأقارب فلم يجد أحدا يوليه عهده ويفوض إليه الخلافة بعده غيره لفضل نسبه، وكرم خيمه، وشرف مرتبته، وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه وتفاوته، المأمون العيب الناصح الحبيب أبي المظفر عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، وفقه الله تعالى إذ كان أمير المؤمنين قد ابتلاه واختبره، ونظر في شأنه واعتبره فرآه مسارعا في الخيرات، سابقا إلى الجليات، مستوليا على الغايات، جامعا للماثرات، ومن كان المنصور أباه والمظفر أخاه فلا غرو أن يبلغ من سبل البر مداه، ويحوي من خلال الخير ما حواه. مع أن أمير المؤمنين أيده الله بما طالع من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الغيب، رأى أن يكون ولي عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه، فلما استوى له الاختيار وتقابلت عنده الآثار، ولم يجد عنه مذهبا ولا إلى غيره معدلا خرج إليه من تدبير الأمور في حياته، وفوض إليه الخلافة بعد وفاته، طائعا راضيا مجتهدا، وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه وأنفذه، ولم يشترط فيه ثنيا ولا خيارا، وأعطى على الوفاء به في سره وجهره، وقوله وفعله، عهد الله وميثاقه وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، وذمة الخلفاء الراشدين من آبائه، وذمة نفسه أن لا يبدل ولا يغير ولا يحول ولا يزول. وأشهد على ذلك الله والملائكة وكفى بالله شهيدا، وأشهد من أوقع اسمه في هذا، وهو جائز الأمر ماضي القول والفعل بمحضر من ولي عهده المأمون أبي المظفر عبد الرحمن بن المنصور، وفقه الله تعالى وقيد له ما قلده، وألزمه نفسه ما في الذمة. وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهادتهم بخطوط أيديهم. وتسمى بعدها بولي العهد. ونقم أهل الدولة عليه ذلك فكان فيه حتفه، وانقراض دولته ودولة قومه والله وارث الأرض ومن عليها ٤/١٩١
ثورة المهدي ومقتل عبد الرحمن المنصور وانقراض دولتهم
ولما حصل عبد الرحمن المنصور على ولاية العهد، ونقم ذلك الأمويون والقرشيون وغصوا بأمره واتفقوا على تحويل الأمر جملة من المضرية إلى اليمنية فاجتموا لشأنهم، وتمشت من بعض إلى بعض رجالاتهم، وأجمعوا أمرهم في غيبة من الحاجب الناصر ببلاد الجلالقة في غزاه من صوائف، ووثبوا بصاحب الشرطة ففتكوا به بمقعده من باب قصر الخلافة بقرطبة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وخلعوا هشاما المؤيد، وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعياص الملك، وأعقاب الخلفاء، ولقبوه المهدي وطار الخبر إلى الحاجب بمكانه من الثغر فانفض جمعه، وقفل إلى الحضرة مدلا بمكانه زعيما بنفسه، حتى إذا قرب من الحضرة تسلل عنه الجند ووجوه البربر، ولحقوا بقرطبة وبايعوا المهدي القائم بالأمر، وأغروه بالناصر واعترضه منهم من تقبض عليه، واحتز رأسه وحمله إلى المهدي وإلى الجماعة وذهبت دولة العامريين.
ثورة البربر وبيعة المستعين وفرار المهدي
كان الجند من البرابرة وزناتة قد ظاهروا المنصور على أمره وأصبحوا شيعة لبنيه من بعده، ورؤساؤهم يومئذ زاوي بن مناد الصنهاجي وبنو ماكير ابن أخيه زيري، ومحمد ابن عبد الله البرزالي، ونصيل بن حميد المكناسي الفازع أبوه عن العبيديين إلى الناصر، وزيري بن غزانة المتيطي، وأبو زيد بن دوناس اليفرني، وعبد الرحمن بن عطاف اليفرني وأبو نور بن أبي قرة اليفرني، وأبو الفتوح بن ناصر وحزرون بن محصن المغراوي، وبكساس بن سيد الناس، ومحمد بن ليلى المغراوي فيمن إليهم من عشائرهم، فلحقوا بمحمد بن هشام لما رأوا من انتقاض أمر عبد الرحمن وسوء تدبيره. وكانت الأموية تعتد عليهم ما كان من مظاهرتهم العامريين، وتنسب إليهم تغلب المنصور وبنيه على أمرهم فسخطتهم القلوب، وخزرتهم العيون، وتنفست ٤/١٩٢
بذلك صدور الغوغاء من أذيال الدولة، ولفظت به ألسنة الدهماء من المدينة. وأمر محمد بن هشام أن لا يركبوا ولا يتسلحوا وردوا في بعض الأيام من باب القصر، وانتهب العامة يومئذ دورهم، ودخل زاوي وابن أخيه حساسة وأبو الفتوح بن الناصر على المهدي شاكين بما أصابهم، فاعتذر إليهم وقتل من آذاهم من العامة في أمرهم، وكان مع ذلك مظهرا لبغضهم مجاهرا بسوء الثناء عليهم. وبلغهم انه سره الفتك بهم فتمشت رجالاتهم، وأسروا نجواهم. واتفقوا على بيعة هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، وفشا في الخاصة حديثهم، فعوجلوا عن أمرهم ذلك، وأغرى بهم السواد الأعظم، فثاروا بهم وأزعجوهم عن المدينة، وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر، وأحضرا بين يدي المهدي فضرب أعناقهما، ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر وزناتة وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتآمروا فبايعوه ولقبوه المستعين بالله، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة فاستجاش بابن أدفونش. ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة، وبرز إليهم المهدي في كافة أهل البلد وخاصة الدولة، وكانت الدبرة عليهم، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا، وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد وسدنتها ومؤذنيها عالم. ودخل المستعين قرطبة خاتم المائة الرابعة ولحق ابن عبد الجبار بطليطلة.
رجوع المهدي إلى ملكه بقرطبة
ولما استولى المستعين على قرطبة خالفه محمد بن هشام المهدي إلى طليطلة واستجاش بابن أدفونش ثانية، فنهض معه إلى قرطبة وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهرها في آخر باب سبتة، ودخل المهدي قرطبة وملكها.
هزيمة المهدي وبيعته للمؤيد هشام ومقتله
ولما دخل المهدي إلى قرطبة خرج المستعين إلى البرابرة، وتفرقوا في البسائط والقرى ٤/١٩٣
فينهبون ويقتلون ولا يبقون على أحد. ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء، فخرج المهدي وابن أدفونش واتبعهم المستعين والبرابرة أثناء ذلك يحاصرونهم، حتى خشي الناس من اقتحام البرابرة عليهم فأغروا أهل القصر وحاجبه المدبر بالمهدي، وأن الفتنة إنما جاءت من قبله، وتولى كبر ذلك واضح العامري فقتلوا المهدي محمد بن هشام، واجتمعت الكافة على تجديد البيعة لهشام المؤيد ليعتصموا به من معرة البرابرة، وما يسومونهم به ملوكهم من سوء العذاب، وعاد هشام إلى خلافته وأقام واضح العامري لحجابته، وهو من موالي المنصور بن أبي عامر.
حصار قرطبة واقتحامها عنوة ومقتل هشام
واستمر البرابرة على حصار قرطبة والمستعين بينهم، ولم يفر عن أهل قرطبة، تبعه هشام المؤيد والبرابرة يترددون إليها ذاهبين وجائين بأنواع النهب والفتك، إلى أن هلكت القرى والبسائط، وعدمت المرافق وصافت أحوال أهل قرطبة وجهدهم الحصار. وبعث المستعين والبرابرة إلى ابن أدفونش يستقدمونه لمظاهرتهم، فبعث إليه هشام المؤيد وحاجبه واضحا يكفونه عن ذلك، بأن نزلوا له عن ثغور قشتالة التي كان المنصور اقتحمها فسكن عزمه، وسكن عن مظاهرتهم، ثم اتصل الحصار بمخنق البلد، وصدق البرابرة القتال فاقتحموها عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وفتكوا بهشام المؤيد، ودخل المستعين ولحق بأهل قرطبة من البرابرة في نسائهم ورجالهم وبناتهم وأبنائهم ومنازلهم. وظن المستعين أن قد استحكم أمره، وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال فولوا المدن العظيمة، وتقلدوا الأعمال الواسعة مثل باديس بن حبوس في غرناطة ومحمد بن عبد الله البرزالي في قرمونة وأبو ثور بن أبي شبل بالأندلس، وصار الملك طوائف في آخرين من أهل الدولة مثل ابن عباد بإشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسية ومرسية، وابن هود بسرقسطة ومجاهد العامري بدانية والجزائر منذ عهد هذه الفتنة، كما نذكر في أخبارهم. ٤/١٩٤
ثورة ابن حمود واستيلاؤه وقومه على ملك قرطبة
ولما افترق شمل جماعة قرطبة وتغلب البرابرة على الأمر، وكان علي بن حمود وأخوه قاسم من عقب إدريس قد أجازوا معهم من العدوة فدعوا لأنفسهم وتعصب معهم الكثير من البربر، وملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين ومحوا ملك بني أمية، واتصل ذلك في خلق منهم سبع سنين. ثم رجع الملك في بني أمية وفي ولد الناصر نحوا من سبع سنين. ثم خرج عنهم وافترق الأمر في رؤساء الدولة من العرب والموالي والبربر، واقتسموا الأندلس ممالك ودولا وتلقبوا بألقاب الخلفاء كما نذكر ذلك كله مستوفى في أخبارهم.
عود الملك إلى بني أمية وأولاد المستظهر
لما قطع أهل قرطبة دعوة المحموديين بعد سبع من ملكهم، وزحف إليهم قاسم بن حمود في جموع من البربر فهزمهم أهل قرطبة، ثم اجتمعوا واتفقوا على رد الأمر إلى بني أمية، واختاروا لذلك عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار أخا المهدي، وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولقبوه المستظهر. وقام بأمره المستكفي ثم ثار على المستظهر لشهرين من خلافته محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر أمير المؤمنين. كان المنصور بن أبي عامر قتل أباه عبد الرحمن لسعيه في الخلاف، فثار الآن محمد هذا وتبعه الغوغاء، وفتك بالمستظهر واستقل بأمر قرطبة وتلقب بالمستكفي.
عود الأمر الى بني حمود
وبعد ستة عشر شهرا من بيعة المستكفي رجع الأمر إلى يحيى بن علي بن حمود، وهو المعتلي كما يذكر في أخبارهم، وفر المستكفي إلى ناحية الثغر ومات في مفره ٤/١٩٥
المعتمد من بني أمية
ثم خلع أهل قرطبة المعتلي بن حمود ثانيا سنة سبع عشرة، وبايع الوزير أبو محمد جهور ابن محمد بن جهور عميد الجماعة، وكبير قرطبة لهشام بن محمد أخي المرتضى، وكان بالثغر في لاردة عند ابن هود. ولما بلغه خبر البيعة له انتقل إلى البرنث، واستقر عند التغلب عليها محمد بن عبد الله بن قاسم، وكانت البيعة له انتقل سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وتلقب المعتمد بالله، وأقام مترددا في الثغر ثلاثة أعوام، واشتدت الفتن بين رؤساء الطوائف واتفقوا على أن ينزل دار الخلافة بقرطبة فاستقدمه ابن جهور والجماعة، ونزلها آخر سنة عشرين، وأقام يسيرا. ثم خلعه الجند سنة اثنتين وعشرين، وفر إلى لاردة فهلك بها سنة ثمان وعشرين وانقطعت دولة الأموية والله غالب على أمره.
الخبر عن دولة بني حمود التي ادالت من دولة بني أمية بالأندلس وأولية ملكهم وتصاريف أمورهم الى آخرها
كان في جملة المستعين مع البربر والمغاربة أخوان من ولد عمر بن إدريس، وهما القاسم وعلي ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر، كانوا في لفيف البرابرة في بلاد غمارة واستجدوا بها رياسة استمرت في بني محمد وبني عمر من ولد إدريس فكانت للبربر إليهم صاغية بسبب ذلك، وخلطة وبقي الفخر منهم بتازغدره من غمارة فأجازوا مع البربر، وصاروا في جملة المستعين مع أمراء العدوة من البربر فعقد لهما المستعين فيمن عقد له من المغاربة عقد لعلي منهما على طنجة وعملها، وللقاسم وكان الأسن على الجزيرة الخضراء. وكان في نفوس المغاربة والبرابرة تشيع لأولاد إدريس متوارث من دولتهم بالعدوة كما ذكرناه. واستقام أمر علي بن حمود وتمكن سلطانه، واتصلت دولته عامين إلى أن قتله صقالبته بالحمام سنة ثمان ٤/١٩٦
وأربعمائة، فولي مكانه أخوه القاسم بن حمود وتلقب بالمأمون. ونازعه في الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه علي بسبتة، وكان أمير الغرب وولي عهد أبيه، فبعث إليه أشياعهم من البربر مالا مع جند الأندلس سنة عشر واحتل بمالقة، وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعث إلى سبتة ووصل إلى يحيى بن علي زاوي بن زيري من غرناطة، وهو عميد البرابرة ثانية يومئذ، فزحف إلى قرطبة فملكها سنة اثنتي عشرة، وتلقب المعتلي واستوزر أبا بكر بن ذكوان، وفر المأمون إلى إشبيلية وبايع له القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد. واستمال بعضا من البرابرة ثانية، واستجاشهم على ابن أخيه ورجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة. ولحق المعتلي بمكانه من مالقة وتغلب على الجزيرة الخضراء عمل المأمون من لدن عهد المستعين، وتغلب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر، وكان المأمون يعتدها حصنا لنفسه وبنيه، ويستودع بها ذخيرته، وبلغ الخبر إلى قرطبة بتغلبه على قواعده وحصونه مع ما كان يتشدد على بني أمية، فاضطرب أمر المأمون وثار عليه أهل قرطبة ونقضوا طاعته، وبايعوا للمستظهر، ثم للمستكفي من بني أمية كما ذكرناه. وتحيز المأمون وبرابرته إلى الأرباض فاعتصموا به، وقاتلوا دونه وحاصروا المدينة خمسين يوما. ثم صمم أهل قرطبة لمدافعتهم فأفرجوا عن الأرباض وانفضت جموعهم سنة أربع عشرة. ولحق المأمون بإشبيلية وبها ابنه محمد، ومحمد بن زيري من رجالات البربر فأطمعه القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد في الملك وأن يمتنعوا من القاسم فمنعوه وأخرجوا إليه ابنه وضبطوا بلدهم. ثم اشتد ابن عباد وأخرج محمد بن زيري، ولحق المأمون بشريش ، ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه فبايعوه سنة خمس عشرة. وزحف إلى عمه المأمون بشريش فتغلب عليه، ولم يزل عنده أسيرا وعند أخيه إدريس من بعده بمالقة إلى أن هلك في محبسه سنة سبع وعشرين وأربعمائة، واستقل يحيى المعتلي بالأمور، واعتقل محمدا والحسن ابني عمه القاسم المأمون بالجزيرة، ووكل بهما أبا الحجاج من المغاربة، وأقاما كذلك. ثم خلع أهل قرطبة المستكفي، وصاروا إلى طاعة المعتلي واستعمل عليهم عبد الرحمن بن عطاف اليفرني من رجالات البربر، وفر المستكفي إلى ناحية الثغر فهلك بمدينة سالم. ثم نقض أهل قرطبة طاعة المعتلي سنة ٤/١٩٧
سبع عشرة واربعمائة وصرفوا عامله عليهم ابن عطاف وبايعوا للمعتمد أخي المرتضى. ثم خلعوه كما ذكرنا في خبره، واستبد بأمر قرطبة الوزير ابن جهور بن محمد كما نذكره في أخبار ملوك الطوائف. وأقام يحيى بن المعتلي يتخيفهم ويردد العساكر لحصارهم إلى أن اتفقت الكافة على إسلام المدائن والحصون له، فعلا سلطانه، واشتد أمره، وظاهره محمد بن عبد الله البرزالي على أمره فنزل عنده بقرمونة يحاصر فيها ابن عباد بإشبيلية إلى أن هلك سنة ست وعشرين بمداخلة ابن عباد للبرزالي في اغتياله، فركب المعتلي لخيل أغارت على معسكره بقرمونة من جند ابن عباد، وقد أكمنوا له، فكبا به فرسه وقتل. وتولى قتله محمد بن عبد الله البرزالي وانقطعت دولة بني حمود بقرطبة. وكان أحمد بن موسى بن بقية والخادم نجى الصقلي وزيري دولة الحموديين عند أولها، فرجعا إلى مالقة دار ملكهم، واستدعوا أخاه إدريس بن علي بن حمود من سبتة وطنجة، وبايعوه على أن يولي سبتة حسن ابن أخيه يحيى فتم أمره بمالقة، وتلقب المتأيد بالله، وبايعه المرية وأعمالها ورندة والجزيرة، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على سبتة، ونهض معه نجى الخادم. وكان له ظهور على ملوك الطوائف، وكان أبوه القاسم بن عباد قد استفحل ملكه لذلك العهد، ومد يده إلى انتزاع البلاد من أيدي الثوار، وملك أشبونة واستجة من يد محمد بن عبد الله البرزالي، وبعث العساكر مع ابنه إسماعيل لحصار قرمونة فاستصرخ محمد بن عبد الله بالقائد هذا وبزاوي فجاء زاوي بنفسه، وبعث القائد هذا عساكره مع ابن بقية فكانت بينهم وبين ابن عباد حروب شديدة، هزم فيها ابن عباد وقتل وحمل رأسه إلى إدريس المتأيد، وهلك ليومين بعدها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. واعتزم ابن بقية على بيعة ابنه يحيى الملقب حبون فأعجله عن ذلك نجى الخادم، وبادر إليه من سبتة ومعه حسن بن يحيى المعتلي فبايعه البربر، ولقب المستنصر، وقتل ابن بقية وفر يحيى بن إدريس إلى قمارش فهلك بها سنة أربع ٤/١٩٨
وثلاثين. ويقال بل قتله نجى، ورجع نجى إلى سبتة ليحفظ ثغرها، ومعه ولد حسن ابن يحيى صبيا وترك السطيفي على وزارة حسن لثقته به، وبايعته غرناطة وجملة من بلاد الأندلس. وهلك حسن مسموما بيد ابنة عمه إدريس، ثأرت بأخيها حسن سنة ثمان وثلاثين، فاعتقل السطيفي أخاه إدريس بن يحيى، وكتب إلى نجى وابن حسن المستنصر الذي كان عنده بسبتة ليعقد له. واغتاله نجى وأجاز إلى مالقة، ودعي لنفسه. ووافقه البربر والجند. ثم نهض إلى الجزيرة ليستأصل حسنا ومحمدا ابني قاسم بن حمود، ورجع خاسئا فاغتاله في طريقه بعض عبيد القاسم وقتلوه. وبلغ الخبر إلى مالقة فثارت العامة بالسطيفي، وقتل وأخرج إدريس بن يحيى المعتلي من معتقله، وبويع له سنة أربع وثلاثين، وأطاعته غرناطة وقرمونة وما بينهما ولقب العالي، وولى على سبتة سكوت ورزق الله من عبيد أبيه. ثم قتل محمدا وحسنا ابني عمه إدريس، فثار السودان بدعوة أخيهما محمد بمالقة، وامتنعوا بالقصبة، وكانت العامة مع إدريس، ثم أسلموه. وبويع محمد بمالقة سنة ثمان وثلاثين وتلقب المهدي، وولى أخاه عهده ولقبه الساني. ثم نكر منه بعض النزعات ونفاه إلى العدوة فأقام بين غمارة، ولحق العالي بقمارش فامتنع بها وأقام يحاصر مالقة وزحف باديس من غرناطة منكرا على المهدي فعله فامتنع عليه، فبايع له وانصرف وأقام المهدي في ملكه بمالقة، وأطاعته غرناطة وحيان وأعمالها إلى أن مات بمالقة سنة أربع وأربعين.
وبويع إدريس المخلوع ابن يحيى المعتلي من مكانه بقمارش، وبويع له بمالقة وأطلق أيدي عبيده عليها لحقده عليهم، ففر كثير منهم إلى أن هلك سنة سبع وأربعين، وبويع محمد الأصغر ابن إدريس المتأيد وتلقبه، وخطب له بمالقة والمرية ورندة. ثم سار إليه باديس فتغلب على مالقة سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وسار محمد المستعلي إلى المرية مخلوعا، واستدعاه أهل مليلة فأجاز إليهم وبايعوه سنة تسع وخمسين، وبايعه بنو ورقدى وقلوع جارة ونواحيها وهلك سنة وأربعمائة. وأما محمد بن القاسم المعتقل بمالقة ففر هو من ذلك الاعتقال سنة أربع عشرة، ولحق بالجزيرة الخضراء فملكها وتلقب المعتصم إلى أن مات سنة أربعين. ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق إلى أن هلك سنة خمسين، وصارت الجزيرة للمعتضد بن عباد ٤/١٩٩
وكان سكوت البرغواطي الحاجب مولى القاسم الواثق محمد بن المعتصم، ويقال مولى يحيى المعتلي واليا على سبتة من قبلهم، فلما غلب ابن عباد على الجزيرة طلبه في الطاعة، وطلب هو ملك الجزيرة فامتنعت عليه واتصلت الفتنة بينهما الى أن كان من أمر المرابطين وتغلبهم على سبتة على الأندلس ما سنذكره، والبقاء لله وحده سبحانه وتعالى.
الخبر عن ملوك الطوائف بالأندلس بعد الدولة الاموية
كان ابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم لما انتثر ملك الخلافة العربية بالأندلس، وافترق الجماعة بالجهات، وصار ملكها في طوائف من الموالي والوزراء وأعياص الخلافة وكبار العرب والبربر، واقتسموا خططها وقام كل واحد بأمر ناحية منها.
وتغلب بعض على بعض استقل أخيرا بأمرها ملوك منهم استفحل شأنهم، ولاذوا بالجزيرة للطاغية أو يظاهرون عليهم أو ينتزعونهم ملكهم، حتى أجاز إليهم يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وغلبهم جميعا على أمرهم فلنذكر أخبارهم واحدا بعد واحد.
الخبر عن بني عباد ملوك اشبيلية وغربي الأندلس وعمن تغلبوا عليه من أمراء الطوائف
كان أولهم القاضي أبو القاسم محمد بن ذي الوزارتين أبي الوليد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمر بن أسلم بن عمر بن عطاف بن نعيم اللخمي، وعطاف هو الداخل إلى الأندلس في طوالع لخم وأصلهم من جند حمص ونزل عطاف قرية طشانة بشرق إشبيلية ونسل بنيه بها. وكان محمد بن إسماعيل بن قريش صاحب الصلاة بطشانة ثم ولي ابنه إسماعيل الوزارة بإشبيلية سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وولي ابنه أبو القاسم القضاء بها والوزارة من سنة أربع عشرة وأربعمائة إلى أن هلك سنة ثلاث وثلاثين. وكان أصل رياسته أنه كان له اختصاص بالقاسم بن حمود، وهو الذي أحكم عقد ولايته، وكان محمد بن زيري من أقيال البرابرة واليا ٤/٢٠٠
على إشبيلية، فلما فر القاسم من قرطبة وقصده داخل ابن عباد محمد بن زيري في غرناطة ففعل وطردوا القاسم، وطردوا بعده ابن زيري وصار الأمر شورى بينه وبين أبي بكر الزبيدي معلم هشام، وصاحب مختصر العين في اللغة، ومحمد بن برمخ الألهاني. ثم استبد عليهم وجند الجند ولم يزل على القضاء. ولما منع القاسم من إشبيلية عدل عنها إلى قرمونة ونزل على محمد بن عبد الله البرزالي، وكان ولي قرمونة أيام هشام والمهدي من بعده. ثم استبد بها سنة أربع وأربعمائة أزمان الفتنة فداخله ابن عباد في خلع القاسم والاستبداد بها. ثم تنصح للقاسم فتحول إلى شريش واستبد محمد بن البرزالي بقرمونة واستبد أبو القاسم إلى أن هلك سنة ثلاث وثلاثين كما قلناه، وقام بأمره ابنه عباد وتلقب المعتضد، واستولى على سلطانه، واشتدت حروبه وأيامه. وتناول طائفة من الممالك بعد بالأندلس، وانفسح أمده وأول ما افتتح أمره بمداخلة محمد بن عبد الله البرزالي صاحب قرمونة في إفساد ما بينه وبين القاسم بن حمود حتى تحول عنه إلى شريش. ثم تحارب مع عبد الله بن الأفطس صاحب بطليوس وغزاه ابنه إسماعيل في عساكره، ومعه محمد بن عبد الله البرزالي فلقيه المظفر ابن الأفطس فهزمهما وأسر المظفر بن البرزالي إلى أن أطلقه بعد حين. ثم فسد ما بينه وبين البرزالي واتصلت الفتنة بينهما إلى أن قتله ابنه إسماعيل خرج إليه في سرية فأغار على قرمونة، وأكمن الكمائن، فركب محمد البرزالي في أصحابه، واستطرد له إسماعيل إلى أن بلغ به الكمين فخرجوا عليه فقتلوه، وذلك سنة أربع وثلاثين. ثم خالف عليه ابنه إسماعيل وأغراه العبيد والبرابرة بالملك، فأخذ ما قدر عليه من المال والذخيرة، وفر إلى جهة الجزيرة للتوثب بها، وكان أبوه ليلتئذ بحصن الفرج، فأنفذ الخيالة في طلبه، فمال إلى قلعة الورد فتقبض واليها عليه، وأنفذه إلى أبيه فقتله وقتل كاتبه، وكل من كان معه. ثم رجع إلى مطالبة البربر المنتزين بالثغور وأول من نذكر منهم صاحب قرمونة وكان بها المستظهر العزيز بن محمد بن عبد الله البرزالي، وليها بعد أبيه كما ذكرناه. وكانت له معها استجة والمروز، وكان نموز ورواركش للوزير نوح الرموي من برابرة العدوة شيعة المنصور، واستبد بها سنة أربع، ومات سنة ثلاث وثلاثين. وولي ابنه عز الدولة الحاجب أبو مياد محمد بن نوح ومات سنة ٤/٢٠١
وكان يزيد أبو ثور بن أبي قرة اليفرني استبد بها أيام الفتنة سنة خمسين من يد عامر بن فتوح من صنائع العلويين، ولم يزل المعتضد يضايقه، واستدعاه بعض الأيام لولاية فحبسه، وكاده في ابنه بكتاب على لسان جاريته برندة، أنه ارتكب منها محرما، ثم أطلقه فقتل ابنه وشعر بالمكيدة فمات أسفا سنة خمسين، وولي ابنه أبو نصر إلى أن غدر به في الحصن بعض أجناده فسقط من السور، ومات سنة تسع وخمسين. وكان بشريش خزرون بن عبدون ثار بها سنة اثنتين وأربعمائة فتقبض عليه ابن عباد وطالبهم وطاف على حصونهم وصار يهاديهم، وأسجل لهم بالبلاد التي بأيديهم، فأسجل لابن نوح بأركش، ولابن خزرون بشريش، ولابن أبي قرة برندة، وصاروا في حزبه ووثقوا به. ثم استدعاهم لوليمة وغدر بهم في حمام استعمله لهم على سبيل الكرامة وأطبقه عليهم فهلكوا جميعا إلا ابن نوح فإنه سالمه من بينهم لليد التي كانت له عنده في مثلها. ثم بعث من تسلم معاقلهم وصارت في أعماله.
وخرج باديس لطلب ثأرهم منه، واجتمعت إليه عشائرهم فنازلوه مدة ثم انصرفوا، وأجازوا إلى العدوة فاحتلوا بسبتة وطردهم سكوت فهلكوا في المجاعة التي صادفوا، وأحلوا بالمغرب لذلك العهد. واستقل ابن عباد وكان بأونية وشلطليش عبد العزيز البكري، وكانت عساكر المعتضد ابن عباد تحاصره فشفع فيه ابن جهور للمعتضد فسالمه مدة. ثم هلك ابن جهور فعاد إلى مطالبته إلى أن تخلى له عنها سنة ثلاث وأربعين، فولى عليها ابنه المعتمد. ثم سار إلى شلب وبها المظفر أبو الأصبغ عيسى بن القاضي أبي بكر محمد بن سعد بن مزين ثار بها سنة تسع عشرة، ومات سنة اثنتين وأربعين فسار إليها المعتضد وملكها من يد ابنه، ونقل إليها المعتمد فنزلها واتخذها دار إمارة. ثم سار إلى شنت برية وبها المعتصم محمد بن سعيد بن هارون، فانخلع له عنها سنة تسع وثلاثين، وأضافها للمعتمد. وكان بلبلة تاج الدين أبو العباس أحمد بن يحيى التحصيني، ثار بها سنة أربع عشرة، وخطب له بأونية وشلطليش، ومات سنة ثلاث وثلاثين، وأوصى إلى أخيه محمد وضايقه المعتضد فهرب إلى قرطبة واستبد بها ابن أخيه فتح بن خلف بن يحيى، وانخلع للمعتضد سنة خمس وأربعين وصارت هذه كلها من ممالك بني عباد. وتملك المعتضد أيضا مرسية وثار بها عليه ابن رشيق البناء، وتسمى خاصة الدولة، وبقي ثمان سنين. ثم ثاروا عليه سنة خمس وخمسين ورجعوا لابن عباد. وتملك المعتضد مرثلة من يد ابن طيفور سنة ست وثلاثين وكان ٤/٢٠٢
تملكها من يد عيسى بن نسب الجيش الثائر بها، وصارت هذه الممالك كلها في ملك ابن عباد وكانت بينه وبين باديس بن حبوس صاحب غرناطة حروب إلى أن هلك سنة إحدى وستين، وولى من بعده ابنه المعتمد بن المعتضد بن إسماعيل أبو القاسم بن عباد وجرى على سنن أبيه، واستولى على دار الخلافة قرطبة من يد ابن جهور، وفرق أبناءه على قواعد الملك وأنزلهم بها، واستفحل ملكه بغرب الأندلس وعلت يده على من كان هنالك من ملوك الطوائف، مثل ابن باديس ابن حبوس بغرناطة وابن الأفطس ببطليوس وابن صمادح بالمرية وغيرهم. وكانوا يطلبون سلمه ويعملون في مرضاته وكلهم يدارون الطاغية ويتقونه بالجزى إلى أن ظهر بالعدوة ملك المرابطين، واستفحل أمر يوسف بن تاشفين، وتعلقت آمال المسلمين في الأندلس بإعانته، وضايقهم الطاغية في طلب الجزية فقتل ابن عباد ثقته اليهودي الذي كان يتردد إليه لأخذ الجزية بسبب كلمة أسف بها. ثم أجاز البحر صريخا إلى يوسف بن تاشفين، وكان من إجازته إليه ومظاهرته إياه ما يأتي ذكره في أخباره، ثم طلب الفقهاء بالأندلس من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم، فتقدم بذلك إلى ملوك الطوائف فأجازوه بالامتساك حتى إذا رجع من بلادهم رجعوا إلى حالهم، وهو خلال ذلك يردد العساكر للجهاد. ثم أجاز إليهم وخلع جميعهم ونقلهم إلى العدوة، واستولى على الأندلس كما يأتي ذكره في أخباره. وصار ابن عباد في قبضة حكمه بعد حروب نذكرها. ونقله إلى أغمات قرية مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة، واعتقله هنالك إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين. وكانت بالأندلس ثغور أخرى دون هذه، ولم يستول عليها ابن عباد فمنها بلد السهلة، استبد بها هذيل بن خلف بن رزين أول المائة الخامسة بدعوة هشام، وتسمى مؤيد الدولة. وهلك شهيدا سنة خمسين واربعمائة وملك بعده أخوه حسام الدولة عبد الملك بن خلف، ولم يزل أميرا عليها إلى أن ملكها المرابطون من يده عند تغلبهم على الأندلس. ومنها بلد البونت واللج تغلب عليها عبد الله بن قاسم الفهري أزمان الفتنة، وتسمى نظام الدولة وهو الذي كان المعتمد عنده عند ما ولاه الجماعة بقرطبة ومن عنده جاء إليها، وهلك سنة إحدى وعشرين وولي ابنه محمد يمين الدولة، ٤/٢٠٣
وكانت بينه وبين مجاهد حروب، وملك بعده ابنه أحمد عقد الدولة، وهلك سنة أربعين. وملك أخوه عبد الله جناح الدولة إلى أن خلعه المرابطون سنة خمس وثمانين.
ولنرجع إلى ذكر بقية الملوك الأكابر من الطوائف والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أخبار ابن جهور
كان رئيس الجماعة أيام الفتنة بقرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبد الله ابن محمد بن المعمر بن يحيى بن أبي المغافر بن أبي عبيدة الكلبي، هكذا نسبه ابن بشكوال وأبو عبيدة هو الداخل إلى الأندلس، وكانت لهم وزارة الدولة العامرية بقرطبة واستبد جهور هذا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، لما خلع الجند المعتز آخر خلفاء بني أمية، ولم يدخل في أمور الفتنة، فاستولى على المملكة ورتب الأمور، ولم يتحول عن داره إلى قصر الخلافة. وكان على سنن أهل الفضل يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويؤذن عند مسجدهم بالربض الشرقي، ويصلي التراويح ولا يحتجب عن الناس فأسندوا أمرهم إليه إلى أن يوجد خليفة إلى أن خاطبهم محمد بن إسماعيل ابن عباد يعرفهم أن هشاما المؤيد عنده بإشبيلية، وأكثر في ذلك فخطب له بقرطبة بعد مراوضات ، ثم أتي به إلى قرطبة فمنعوه الدخول وأضربوا عن ذكره في الخطبة وانفرد ابن جهور بأمرهم إلى أن هلك في محرم سنة خمس وثلاثين واربعمائة ودفن بداره وولي ابنه أبو الوليد محمد بن جهور باتفاق من الكافة فجرى على سنن أبيه.
وكان قد قرأ على مكي بن أبي طالب المكي وغيره فكان مكرما لأهله. واستوزر ثقته إبراهيم بن يحيى فكفاه، وهلك كما هو معروف، ففوض التدبير إلى ابنه عبد الملك فأساء السيرة، وتكره إلى الناس وحاصره ابن ذي النون بقرطبة، فاستغاث بمحمد ابن عباد فأمده بالجيش، ووصى عسكره بذلك فداخلوا أهل قرطبة وخلعوه سنة إحدى وستين وأخرجوه عن قرطبة. واعتقل بشلطليش إلى أن هلك سنة اثنتين وسبعين. وولى ابن عباد على قرطبة ابنه سراج الدولة، وقدمها من بلنسية ودخلها إلى ٤/٢٠٤
أن قتل بها مسموما، وحمل إلى طليطلة فدفن بها، وزحف المعتمد بن عباد بعد مهلكه إلى قرطبة فملكها سنة تسع وستين وقتل ابن عكاشة واستخلف ابنه المأمون الفتح بن محمد، وصار غرب الأندلس كله في ملكه إلى أن دخل المرابطون الأندلس، وغلبوا عليهم سنة أربع وثمانين واربعمائة فقتل الفتح وحمل أباه المعتمد إلى أغمات كما ذكرناه ونذكره. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
أخبار ابن الأفطس صاحب بطليوس من غرب الأندلس ومصاير أمره
ملك بطليوس من غرب الأندلس عند الفتنة واهتياجها أبو محمد عبد الله بن مسلمة التجيبي المعروف بابن الأفطس، واستبد بها سنة إحدى وستين وأربعمائة فهلك، وولي من بعده ابنه المظفر أبو بكر، واستفحل ملكه، وكان من أعاظم ملوك الطوائف. وكانت بينه وبين ابن ذي النون حروب مذكورة، وكذا مع ابن عباد بسبب ابن يحيى صاحب مليلة، أعانه ابن عباد عليه فاستولى بسبب ذلك على كثير من ثغوره ومعاقلة. واعتصم المظفر ببطليوس بعد هزيمتين هلك فيهما خلق كثير وذلك سنة ثلاث وأربعين. ثم أصلح بينهما ابن جهور وهلك المظفر سنة ستين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه المتوكل أبو حفص عمر بن محمد المعروف بساجة ولم يزل سلطانا بها إلى أن قتله يوسف بن تاشفين أمير المرابطين سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وقتل معه أولاده، أغراه به ابن عباد فلما تمكنت الاسترابة من المتوكل خاطب الطاغية واستراح إليه مما دهمه. وشعر به ابن عباد فكاتب يوسف بن تاشفين واستحثه لمعاجلته قبل أن يتصل بالطاغية، ويتصل بالثغر فاغذ إليه السير ووافاه سنة فقبض عليه وعلى بنيه وقتلهم يوم الأضحى حسبما فذكر في أخبارهم. ورثاه ابن عبدون بقصيدته المشهورة وهي:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور ٤/٢٠٥
عدد فيها أهل النكبات ومن عثر به الزمان بما يبكي الجماد، وسنذكر قصتهم في أخبار لمتونة وفتحهم الأندلس، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أخبار باديس بن حسون ملك غرناطة والبيرة
كان عميد صنهاجة في الفتنة البربرية زاوي بن زيري بن مناد أجاز إلى الأندلس على عهد المنصور، فلما هاجت الفتنة البربرية، وانحل نظام الخلافة، كان فحل ذلك الشول وكبش تلك الكتائب، وعمد إلى البيرة، ونزل غرناطة واتخذها دارا لملكه، ولما بايع الموالي العامريون للمرتضى المرواني وتولى كبر ذلك مجاهد العامري ومنذر بن يحيى بن هاشم التجيبي وعمد إلى غرناطة فلقيهم زاوي بن زيري في جموع صنهاجة وهزمهم سنة عشرين وأربعمائة وقتل المرتضى. وأصاب زاوي من ذخائرهم وأموالهم وعددهم ما لم يقتنه ملك. ثم وقع في نفسه سوء آثار البربر بالأندلس أيام هذه الفتنة وحذر مغبة ذلك فارتحل إلى سلطان قومه بالقيروان، واستخلف على غرناطة ابنه فدبر القبض على ابن رصين ومشيخة غرناطة إذا رجعوا عن أبيه، وشعروا بذلك فبعثوا إلى ابن أخيه ماكس بن زيري من بعض الحصون فوصل وملك غرناطة، واستبد بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين واربعمائة وولي ابنه باديس، وكانت بينه وبين ذي النون وابن عباد حروب. واستولى على سلطانه كاتبه وكاتب أبيه إسماعيل بن نغزلة الذمي، ثم نكبه وقتله سنة تسع وخمسين، وقتل معه خلقا من اليهود، وتوفي سنة سبع وستين واربعمائة وولي حافده المظفر أبو محمد عبد الله بن بلكين بن باديس، وولى أخاه تميما بمالقة بعهد جده. وخلعهما المرابطون سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وحملا إلى أغمات ووريكة، واستقرا هنالك حسبما يذكر بعد في أخبارهم مع يوسف ابن تاشفين والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
الخبر عن بني ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي وتصاريف أمورهم ومصاير أحوالهم
جدهم إسماعيل الظافر بن عبد الرحمن بن سليمان بن ذي النون أصله من قبائل هوارة ٤/٢٠٦
ورأس سلفه في الدولة المروانية وكانت لهم رياسة في شنترية ثم تغلب على حصن أفلنتين أزمان الفتنة سنة تسع وأربعمائة. وكانت طليطلة ليعيش بن محمد بن يعيش، واليها منذ أول الفتنة، فلما هلك سنة سبع وعشرين استدعاه إسماعيل الظافر من حصن أفلنتين بعض أجناد طليطلة فمضى إليها وملكها. وامتد ملكه إلى جنجالة من عمل مرسية ولم يزل أميرا بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين. وولي ابنه المأمون أبو الحسن يحيى، واستفحل ملكه وعظم بين ملوك الطوائف سلطانه، وكانت بينه وبين الطاغية مواقف مشهورة. وفي سنة خمس وثلاثين غزي بلنسية وغلب على صاحبها المظفر ذي السابقين من ولد المنصور بن أبي عامر. ثم غلب على قرطبة وملكها من يد ابن عباد وقتل ابنه أبا عمر بعد أن كان ملكها، وهلك الظافر بها مسموما سنة سبع وستين كما ذكرناه. وولي بعده على طليطلة حافده القادر يحيى بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون، وكان الطاغية بن أدفونش قد استفحل أمره لما خلا الجو من مكان الدولة الخلافية، وخف ما كان على كاهله من أمر العرب، فآلتهم البسائط وضايق ابن ذي النون حتى غلب على طليطلة فخرج له القادر عنها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وشرط عليه أن يظاهره على أخذ بلنسية، وعليها عثمان القاضي ابن أبي بكر بن عبد العزيز من وزراء ابن أبي عامر فخلعه أهلها خوفا من القادر أن يمكن منهم ألفنش فدخلها القادر وأقام بها سنتين، وقتل سنة إحدى وثمانين على ما نذكر بعد إن شاء الله تعالى.
الخبر عن ابن أبي عامر صاحب شرق الأندلس من بني ملوك الطوائف وأخبار الموالي العامريين الذين كانوا قبله وابن صمادح قائده بالمرية وتصاريف أحوالهم ومصايرها
بويع للمنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر بن أبي عامر بشاطبة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أقامه الموالي العامريون عند الفتنة البربرية فاستبد بها. ثم ثار عليه أهل شاطبة فأفلت ولحق ببلنسية فملكها وفوض أمره للموالي. وكان من وزرائه ابن ٤/٢٠٧
عبد العزيز وكان خيران العامري من مواليهم، تغلب من قبل ذلك على أربولة سنة أربع. ثم ملك مرسية سنة سبع، ثم حيان ثم المرية سنة تسع، وبايعوا جميعا للمنصور عبد العزيز. ثم انتقض خيران على المنصور وسار من المرية إلى مرسية وأقام بها ابن عمه أبا عامر محمد بن المظفر بن المنصور بن أبي عامر، خرج إليه من قرطبة من حجر القاسم بن حمود، وخلص إلى خيران بأموال جليلة، فجمع الموالي فأخذوا ماله وطردوه. ثم ولاه خيران وسماه المؤتمن ثم المعتصم. ثم تنكر عليه وأخرجه من مرسية ولحق بالمرية وأغرى به الموالي فأخذوا ماله وطردوه، ولحق بغرب الأندلس إلى أن مات. ثم هلك خيران بالمرية سنة تسع عشرة، وقام بالأمر بعده الأمير عميد الدولة أبو القاسم زهير العامري، وزحف إلى غرناطة فبرز إليه باديس بن حبوس وهزمه، وقتل بظاهرها سنة تسع وعشرين فصار ملكه للمنصور عبد العزيز صاحب بلنسية، وملكها من يده سنة سبع وخمسين. ولما هلك المأمون بن ذي النون وولي حافده القادر ولى على بلنسية أبا بكر بن عبد العزيز بقية وزراء ابن أبي عامر، فداخله ابن هود في الانتقاض على القدر ففعل واستبد بها، وضبطها سنة ثمان وستين حين تغلب المقتدر على دانية. ثم هلك سنة ثمان وسبعين لعشر سنين من ولايته. وولي ابنه القاضي عثمان، فلما سلم القادر بن ذي النون طليطلة زحف إلى بلنسية ومعه ألفنش كما قلناه، وخلع أهل بلنسية عثمان بن أبي بكر وأمكنوا منها القادر خوفا من استيلاء النصراني وذلك سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ثم ثار على القادر سنة ثلاث وثمانين القاضي جعفر بن عبد الله بن حجاب وقتله واستبد بها. ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وثمانين وقتلوه. ثم تغلب المرابطون على الأندلس وزحف ابن ذي النون قائدهم الى بلنسية فاسترجعها من أيديهم سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وأما معن بن صالح قائد الوزير ابن أبي عامر فأقام بالمرية لما ولاه المنصور سنة ثمان وثمانين، وتسمى ذا الوزارتين. ثم خلعه وولى ابنه المعتصم أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح، واستبد بها أربعا وأربعين سنة، وثار عليه صاحب لورقة ابن شبيب، وكان أبوه معزولا عليها، فجهز إليه المعتصم جيشا واستمد ابن شبيب المنصور بن أبي عامر صاحب بلنسية ومرسية بالعدو، واستمد المعتصم بباديس، ونهض عمه صمادح بن باديس ابن صمادح فقاتلوا حصونا من حصون لورقة واستولوا عليها، ورجعوا ولم يزل المعتصم أميرا بالمرية إلى أن هلك سنة ثمانين. وولي ابنه وخلعه يوسف بن تاشفين أمير ٤/٢٠٨
المرابطين سنة أربع وثمانين، وأجاز إلى العدوة ونزل على آل حماد بالقلعة، وبها مات ولده والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن بني هود ملوك سرقسطة من الطوائف صارت اليهم من بني هاشم وما كان من أوليتهم ومصاير أمورهم
كان منذر بن مطرف بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن هاشم التجيبي صاحب الثغر الأعلى، وكان بين المنصور وعبد الرحمن منافسة على الإمارة والرئاسة، وكانت دار إمارته سرقسطة، ولما بويع المهدي بن عبد الجبار وانقرض أمر العامريين، وجاءت فتنة البربر كان مع المستعين حتى قتل هشام مولاه، فامتعض لذلك وفارقه وبايع المرواني للمرتضى مع مجاهد ومن اجتمع إليه من الموالي والعامريين، وزحفوا الى غرناطة فلقيهم زاوي بن زيري وهزمهم. ثم ارتابوا بالمرتضى ووضعوا عليه من قتله مع خيران بالمرية، واستبد منذر هذا بسرقسطة والثغر وتلقب بالمنصور، وعقد ما بين طاغية جليقة وبرشلونة وبنيه، وهلك سنة أربع عشرة، وولي ابنه وتلقب المظفر وكان أبو أيوب سليمان بن محمد بن هود الجذامي من أهل نسبهم مستبدا بمدينة تطيلة، ولاها منذ أول الفتنة، وجدهم هود هو الداخل للأندلس ونسبه الأزد إلى سالم مولى أبي حذيفة. قال هود بن عبد الله بن موسى بن سالم: وقيل هود من ولد روح بن زنباع، فتغلب سليمان على المظفر يحيى بن المنذر وقتله سنة إحدى وثلاثين، وملك سرقسطة والثغر الأعلى، وابنه يوسف المظفر لاردة. ثم نشأت الفتنة بينهما وانتصر المقتدر بالإفرنج والبشكنس فجاءوا لميعاده فوقعت الفتنة بين المسلمين وبينهم ثائره، وانصرفوا إلى يوسف صاحب لاردة فحاصرهم بسرقسطة، وذلك سنة ثلاث وأربعين. وهلك أحمد المقتدر سنة أربع وسبعين لتسع وثلاثين سنة من ملكه، فولي بعده ابنه يوسف المؤتمن، وكان قائما على العلوم الرياضية، وله فيها تآليف مثل الاستهلال والمناظر ومات سنة ثمان وسبعين، وهي السنة التي استولى فيها النصارى على طليطلة من يد القادر بن ذي النون. وولي بعده المستعين وعلى يده كانت وقعة وشقه، زحف سنة تسع وثمانين في آلاف لا تحصى من المسلمين، وهلك فيها خلق نحو عشرة آلاف، ولم يزل أميرا بسرقسطة إلى أن هلك شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة ابن خبدون م 14 ج 4 ٤/٢٠٩
بظاهر سرقسطة في زحف الطاغية إليها. وولي بعده ابنه عبد الملك وتلقب عماد الدولة، وأخرجه الطاغية من سرقسطة سنة اثنتي عشرة فنزل روطة من حصونها وأقام بها إلى أن هلك سنة ثلاث عشرة. وولي ابنه أحمد وتلقب سيف الدولة والمستنصر، وبالغ النكاية في الطاغية، ثم سلم له روطة على أن يملكه بلاد الأندلس، فانتقل معه إلى طليطلة بحشمه وآلته، وهنالك هلك سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان من ممالك بني هود هؤلاء مدينة طرطوشة ، وقد كان بقايا من الموالي العامريين فملكها سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ثم هلك سنة خمس وأربعين وملكها بعده يعلى العامري ولم تطل مدته. وملكها بعده شبيل إلى أن نزل عنها لعماد الدولة أحمد بن المستعين سنة ثلاث وخمسين، فلم تزل في يده وفي يد بنيه من بعده إلى أن غلب عليها العدو فيما غلب عليه من شرق الأندلس. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
الخبر عن مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية وأخبار بنيه ومواليهم من بعدهم ومصاير أمورهم
كان فتح ميورقة سنة تسعين ومائتين على يد عصام الخولاني، وذلك أنه خرج حاجا في سفينة اتخذها لنفسه فعصفت بهم الريح فأرسوا بجزيرة ميورقة، وطال مقامهم هنالك واختبروا من أحوالهم ما أطمعهم في فتحها، فلما رجع بعد فرضه أخبر الأمير بما رأى فيها، وكان من أهل الغناء عنده في مثلها، فبعث معه القطائع في البحر، ونفر الناس معه إلى الجهاد، فحاصرها أياما وفتحوها حصنا حصنا إلى أن كمل فتحها. وكتب عصام بالفتح إلى الأمير عبد الله، فكتب له بولايتها فوليها عشر سنين، وبنى فيها المساجد والفنادق والحمامات. ولما هلك قدم أهل الجزيرة عليهم ابنه عبد الله، وكتب له الأمير بالولاية. ثم زهد وترهب وركب إلى الشرق حاجا وانقطع خبره، وذلك سنة خمسين وثلاثمائة. وبعث الناصر المرواني إليها الموفق من ٤/٢١٠
الموالي فأنشأ الأساطيل وغزا بلاد الإفرنج، وهلك سنة تسع وخمسين أيام الحكم المستنصر، وولي بعده كوثر من مواليه فجرى على سنن الموفق في جهاده. وهلك سنة تسع وثمانين أيام المنصور فولى عليها مقاتل من مواليه، وكان كثير الغزو والجهاد.
وكان المنصور وابنه المؤيد يمدانه في جهاده. وهلك سنة ثلاث وأربعمائة أزمان الفتنة.
وكان مجاهد بن يوسف بن علي من فحول الموالي العامريين. وكان المنصور قد رباه وعلمه مع مواليه القراءات والحديث والعربية فكان مجيدا في ذلك. وخرج من قرطبة يوم قتل المهدي سنة أربعمائة، وبايع هو والموالي العامريين وكثير من جند الأندلس للمرتضى كما قدمناه. ولقيهم زاوي بفحص غرناطة فهزمهم وبدد شملهم. ثم قتل المرتضى كما تقدم وسار مجاهد إلى طرطوشة فملكها. ثم تركها وانتقل إلى دانية واستقل بها. وملك ميورقة ومنورقة ويابسة واستبد سنة ثلاث عشرة. ونصب العيطي كما مر فأراد الاستبداد، ومنع طاعة مجاهد ومنعه أهل ميورقة من ذلك، فبعث عنه مجاهد، وقدم على ميورقة عبد الله ابن أخيه فولي خمس عشرة سنة. ثم هلك، وكان غزا سردانية في الأساطيل فاقتحمها، وأخرج النصارى منها وتقبضوا على ابنه أسيرا ففداه بعد حين، وولى مجاهد على ميورقة بعد ابن أخيه مولاه الأغلب سنة ثمان وعشرين، وكان بين مجاهد صاحب دانية وبين خيران صاحب مرسية وابن أبي عامر صاحب بلنسية حروب إلى أن هلك مجاهد سنة ست وثلاثين. وولي ابنه علي وتسمى إقبال الدولة، وأصهر إلى المقتدر بن هود وأخرجه من دانية سنة ثمان وستين ونقله إلى سرقسطة، ولحق ابنه سراج الدولة بالإفرنجة، وأمدوه على شروط شرطها لهم، فتغلب على بعض حصونه. ثم مات فيما زعموا مسموما بحيلة من المقتدر سنة تسع. ومات علي قريبا من وفاة المقتدر سنة أربع وسبعين. ويقال بل فر أمام المقتدر إلى بجاية، ونزل على صاحبها يحيى بن حماد، ومات هنالك، وأما الأغلب مولى مجاهد صاحب ميورقة فكان صاحب غزو وجهاد في البحر. ولما هلك مجاهد استأذن ابنه عليا في الزيارة فأذن له، وقدم على الجزيرة صهره ابن سليمان بن مشكيان نائبا عنه، وبعث على آل الأغلب فاستعفاه وأقام سليمان خمس سنين. ثم مات فولى علي مكانه مبشرا وتسمى ناصر الدولة، وكان أصله من شرق الأندلس أسر صغيرا وجبه العدو وأقام بدانية محبوبا يجاهد في أسرى دانية وسردانية، واصطفاه فولاه بعد مهلك سليمان فولي خمس سنين، وانقرض ملك علي وتغلب عليه المقتدر بن هود ٤/٢١١
فاستبد مبشر بميورقة، والفتنة يومئذ تموج بين ملوك الطوائف. وبعث إلى دانية في تسليم أهل سيده، فبعثوا إليه بهم وأولاهم جميلا. ولم يزل يردد الغزو إلى أرض العدو إلى أن جمع طاغية برشلونة الجموع ونازلة بميورقة عشرة أشهر. ثم افتتحها واستباحها سنة من ولايته. وكان بعث بالصريخ إلى علي بن يوسف صاحب المغرب من لمتونة فلم يوافهم الأسطول بالمدد إلا بعد استيلاء العدو. فلما وصل الأسطول دفعوا العدو عنها وولى علي بن يوسف من قبله أنور بن أبي بكر اللمتوني فعسف بهم وأرادهم على بناء مدينة أخرى بعيدة من البحر فثاروا به وصفدوه، وبعثوا إلى علي بن يوسف فردهم إلى ولاية محمد بن علي بن إسحاق بن غانية المستولي صاحب غرب الأندلس، فبعث إليها أخاه محمد بن علي من قرطبة، كان واليا عليها فوصل إلى ميورقة فصغد أنور وبعث به إلى مراكش، وأقام في ولايتها عشر سنين إلى أن هلك أخوه يحيى وسلطانهم علي بن يوسف. واستقرت ميورقة في ملك بني غانية هؤلاء وسلطانهم. وكانت لهم في زمن علي بن يوسف بها دولة، وخرج منها علي ويحيى إلى بجاية وملكوها من الموحدين، وكانت لهم معهم حروب بإفريقية كما نذكر في أخبارهم بعد أخبار لمتونة. وملك الإفرنج ميورقة من أيدي الموحدين آخر دولتهم. والبقاء لله والملك يؤتيه من يشاء وهو العزيز الحكيم.
الخبر عن ثوار الأندلس آخر الدولة اللمتونية واستبداد بني مردنيش ببلنسية ومزاحمتهم لدولة بني عبد المؤمن من أولها إلى آخرها ومصاير أحوالهم وتصاريفها
لما شغل لمتونة بالعدو، وبحرب الموحدين بعد عليهم الأندلس، وعادت إلى الفرقة بعض الشيء فثار ببلنسية سنة سبع وثلاثين وخمسمائة القاضي مروان بن عبد الله بن مروان بن حضاب، وخلعوه لثلاثة أشهر من ملكه، ونزل بالمرية. ثم حمل إلى ابن غانية بميورقة فسجن بها، وثار بمرسية أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن ظاهر. ٤/٢١٢
ثم خلع وقتل لأربعة أشهر من ولايته، وولي حافد المستعين بن هود شهرين. ثم ولي ابن عياض وبايع أهل بلنسية بعد ابن حضاب للأمير أبي محمد عبد الله بن سعيد بن مردنيش الجذامي. وأقام مجاهدا إلى أن استشهد في بعض أيامه مع النصارى سنة أربعين وخمسمائة، فبويع لعبد الله بن عياض كان ثائرا بمرسية كما قدمناه. وهلك سنة اثنتين وأربعين فبويع إلى ابن أخيه محمد بن أحمد بن سعيد بن مردنيش، وملك شاطبة ومدينة شقر ومرسية. وكان إبراهيم بن همشك من قواده فعبث في أقطار الأندلس وأغار على قرطبة وتملك بها. ثم استرجعت منه ثم غدر بغرناطة وملكها من أيدي الموحدين وحصرهم بالقصبة هو وابن مردنيش. ثم استخلصها عبد المؤمن من أيديهم بعد حروب شديدة دارت بينهم بفحص غرناطة، لقيه فيها ابن همشك وابن مردنيش، وجيوش من أمم النصرانية استعانوا بهم في المدافعة عن غرناطة، فهزمهم عبد المؤمن وقتلهم أبرح قتل، وحاصر يوسف بلنسية فخطب للخليفة العباسي المستنجد، وكاتبه فكتب له بالعهد والولاية. ثم بايع للموحدين سنة ست وستين. وكان المظفر عيسى بن المنصور بن عبد العزيز الناصر بن أبي عامر عند ما انصرف إلى ملك شاطبة ومرسية تغلب على بلنسية مدة، ثم هلك سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ورجعت إلى ابن مردنيش. وكان أحمد بن عيسى تغلب على حصن مزيلة ثائرا بالمرابطين من أتباعه فغلب منذر بن أبي وزير عليه، فأجاز سنة أربعين وخمسمائة إلى عبد المؤمن، ورغبه في ملك الأندلس فبعث معه البعوث وتغلبوا على بني غانية أمراء المرابطين بالأندلس. وكان بميورقة أيضا منذ اضطراب أمر لمتونة محمد بن علي بن غانية المستوفي، وليها سنة عشرين وخمسمائة، واستشهد بها. ورحل عنها سنة سبع وثلاثين إلى زيارة أخيه يحيى ببلنسية واستخلف على ميورقة عبد الله بن تيما فلما مكث ثار عليه ثوار فرجع محمد بن غانية وأصلح شأنها إلى أن هلك سنة سبع وستين. وولي ابنه إبراهيم أبو إسحاق وتوفي سنة ثمانين وخمسمائة.
وولي بعده أخوه طلحة وبايع للموحدين سنة إحدى وثمانين، وأوفد عليهم أهل ٤/٢١٣
ميورقة، فبعثوا معهم علي بن الربرتبر، فلما وصل إلى ميورقة ثار على طلحة بنو أخيه أبي إسحاق وهم علي ويحيى ويعفر بن الربرتبر وخلعوا طلحة. ثم بلغهم موت يوسف بن عبد المؤمن فخرجوا إلى إفريقية حسبما نذكر في أخبار دولتهم، فانقرضت دولة المرابطين بالمغرب والأندلس وأدال الله منهم بالموحدين وقتلوهم في كل وجه، واستفحل أمرهم بالأندلس واستعملوا فيها القرابة من بني عبد المؤمن وكانوا يسمونهم السادة، واقتسموا ولايتها بينهم. وأجاز يعقوب المنصور منهم غازيا بعد أن استقر أهل العدوة كافة من زناتة، فأوقع العرب بابن أدفونش ملك الجلالقة بالأركه من نواحي بطليوس الوقعة المذكورة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وأجاز ابنه الناصر من بعده سنة تسع فمحص الله المسلمين واستشهد منهم عدة. ثم تلاشت أمراء الموحدين من بعده وانتزى بالسادة بنواحي الأندلس في كل عمله، وضعف بمراكش فصاروا إلى الاستجاشة بالطاغية بقص، واستسلام حصون المسلمين إليه في ذلك فسمت رجالات الأندلس وأعقاب العرب من دولة الأموية، وأجمعوا إخراجهم فثاروا بهم لحين وأخرجوهم. وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي الثائر بالأندلس. وقام ببلنسية زيان بن أبي الحملات مدافع بن يوسف بن سعد، من أعقاب دولة بني مردنيش وثوار آخرون. ثم خرج علي بن هود في دولته من أعقاب دولة العرب أيضا، وأهل نسبهم محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر، وتلقب محمد هذا بالشيخ فحاربه أهل الجبل، وكانت لكل منهما دولة أورثها بنيه. فأما زيد بن مردنيش فكان مع عشرة من بني مردنيش رؤساء بلنسية، واستظهر الموحدون على إمارتها. ولما وليها السيد أبو زيد بن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن بعد مهلك المستنصر كما نذكر في أخبارهم، وذلك سنة عشرين وستمائة، كان زيان هذا بطانته وصاحب أمره. ثم انتقض عليه سنة ست وعشرين عند ما بويع ابن هود بمرسية وخرج إلى أبدة فخشيه السيد أبو زيد، وبعث إليه يلاطفه في الرجوع فامتنع، ولحق السيد أبو زيد بطاغية برشلونة ودخل في دين النصرانية أعاذنا الله من ذلك. وملك زيان بلنسية واتصلت الفتنة بينه وبين ابن هود، وخالف عليه بنو عمه عزيز بن يوسف بن سعد في جزيرة شقر، وصاروا إلى طاعة ابن هود وزحف زيان للقائه على شريش فانهزم وتبعه ابن هود ونازلة في بلنسية أياما وامتنعت عليه فأقلع، وتكالب الطاغية على ثغور المسلمين، ونازل صاحب برشلونة أنيشة وملكها، ٤/٢١٤
وزحف زيان إليها بجميع من معه من المسلمين سنة أربع وثلاثين ونفر معه أهل شاطبة وجزيرة شقر فكانت عليهم الواقعة العظيمة التي استشهد فيها أبو الربيع سليمان، وأخذ الناس في الانتقال عن بلنسية، فبعث إليهم يحيى بن أبي زكريا صاحب إفريقية بالمدد من الأموال والأسلحة والطعام مع قريبه يحيى عند ما نبذ دعوة بني عبد المؤمن وأوفد عليه أعيان بلنسية وهي محصورة فرجع إلى دانية. ثم أخذ الطاغية بلنسية سنة ست وثلاثين، وخرج زيان إلى جزيرة شقر وأقام بدعوة الأمير أبي زكريا، وبعث إليه بيعتها مع كاتبه الحافظ أبي عبد الله محمد بن الأنباري فوصل إلى تونس، وأنشده قصيدته المشهورة على روي السين بلغ فيها من الإجادة حيث شاء، وهي معروفة وسيأتي ذكرها في دولة بني حفص بإفريقية من الموحدين.
ثم هلك ابن هود وانتقض أهل مرسية على ابنه أبي بكر الواثق، وكان واليه بها أبو بكر بن خطاب، فبعثوا إلى زيان واستدعوه فدخلها وانتهب قصرها وحملهم على البيعة للأمير أبي زكريا على ولاية شرق الأندلس كله، وذلك سنة سبع وثلاثين. ثم انتقض عليه ابن عصام بأريولة ولحق به قرابة زيان بمدينة لقنت فلم يزل بها إلى أن أخذها منه طاغية برشلونة سنة أربع وأربعين فأجاز إلى تونس، وبها مات سنة ثمان وستين. وأما ابن هود فسيأتي الخبر عن دولته، وأما ابن الأحمر فلم تزل الدولة في أعقابه لهذا العهد. ونحن ذاكرون أخبارهم لأنهم من بقايا دولة العرب والله خير الوارثين.
الخبر عن ثورة ابن هود على الموحدين بالأندلس ودولته وأولية أمره وتصاريف أحواله
هو محمد بن يوسف بن محمد بن عبد العظيم بن أحمد بن سليمان المستعين بن محمد بن هود ثار بالصخيرات من عمل مرسية مما يلي رقوط عند فشل دولة الموحدين، واختلاف السادة الذين كانوا أمراء ببلنسية، وذلك عند ما هلك المستنصر سنة عشرين. وبايع الموحدون بمراكش لعمه المخلوع عبد الواحد بن أمير المؤمنين ٤/٢١٥
يوسف. ثار العادل ابن أخيه المنصور بمرسية ودخل في طاعة صاحب حيان أبو محمد عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وخالفهما في ذلك السيد أبو زيد أخوه ابن محمد بن أبي حفص. وتفاقمت الفتنة واستظهر كل على أمره بالطاغية، ونزلوا له عن كثير من الثغور وقلقت من ذلك ضمائر أهل الأندلس، فتصدر ابن هود هذا للثورة، وهو من أعقاب بني هود من ملوك الطوائف، وكان يؤمل لها وربما امتحنه الموحدون لذلك مرات، فخرج في نفر من الأجناد سنة خمس وعشرين، وجهز إليه والي مرسية يومئذ السيد أبو العباس بن أبي عمران موسى بن أمير المؤمنين يوسف ابن عبد المؤمن عسكرا فهزمهم. وزحف إلى مرسية فدخلها واعتقل السيد، وخطب للمستنصر صاحب بغداد لذلك العهد من بني العباس. وزحف إليه السيد أبو زيد ابن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن من شاطبة، وكان واليه بها فهزمه ابن هود ورجع إلى شاطبة. واستجاش بالمأمون وهو يومئذ بإشبيلية بعد أخيه العادل فخرج في العساكر، ولقيه ابن هود فانهزم واتبعه إلى مرسية فحاصره مدة، وامتنعت عليه فأقلع عنه ورجع إلى إشبيلية. ثم انتقض على السيد أبي زيد ببلنسية زيان بن أبي الحملات مدافع بن حجاج بن سعد بن مردنيش، وخرج عنه إلى أبدة وذلك سنة ست وعشرين. وكان بنو مردنيش هؤلاء أهل عصابة وأولي بأس وقوة، فتوقع أبو زيد اختلال أمره، وبعث إليه ولاطفه في الرجوع فامتنع فخرج أبو زيد من بلنسية. ولحق بطاغية برشلونة ودخل في دين النصرانية، نعوذ بالله. وبايعت أهل شاطبة لابن هود، ثم تابعه أهل جزيرة شقر حملهم عليها ولاتهم بنو عزيز بن يوسف عم زيان بن مردنيش، ثم بايعه أهل خبيان وأهل قرطبة، وتسمى بأمير المسلمين، وبايعه أهل إشبيلية عند رحيل المأمون عنها إلى مراكش، وولى عليهم أخاه. ونازعه زيان بن مردنيش، وكانت بينهما ملاقاة انهزم فيها زيان سنة تسع وعشرين، وحاصره ابن هود ببلنسية. ثم أقلع ولقي الطاغية على ماردة فانهزم ومحص الله المسلمين، وانهزم بعدها أخرى على الكوس. ولم تزل غزواته مترددة في بلاد العدو ٤/٢١٦
كل سنة وحربه معهم سجالا، والطاغية يلتقم الثغور والقواعد. ثم استولى ابن هود على الجزيرة الخضراء وجبل الفتح فرضتي المجاز على سبتة من يد السيد أبي عمران موسى لما انتقض على أخيه المأمون، ونازلة بسبتة فبايع هو لابن هود وأمكنه منها. ثم ثار بها اليناشتي على ما يذكر. ثم بويع للسلطان محمد بن يوسف بن نصر سنة تسع وعشرين بأرجونة ودخلت قرطبة في طاعته، ثم قرمونة ثم انتقض أهل إشبيلية وأخرجوا سالم بن هود وبايعوا لابن مروان أحمد بن محمد الباجي وجهز عسكرا للقاء ابن الأحمر فانهزموا وأسر قائده. ثم أصفق الباجي مع ابن الأحمر على فتنة ابن هود وصالح ابن هود ألفنش على فعلتهم على ألف دينار كل يوم. ثم صارت قرطبة إلى ابن هود وزحف إلى الباجي وابن الأحمر فانهزم، ونزل ابن الأحمر ظاهر إشبيلية. ثم غدر الباجي فقتله وتولى ذلك صهره أشقيلولة، وزحف سالم بن هود إلى إشبيلية فنازلها وامتنعت عليه. ووصل خطاب الخليفة المستنصر العباسي إلى ابن هود من بغداد سنة إحدى وثلاثين، وفد به أبو علي حسن بن علي بن حسن بن الحسين الكردي الملقب بالكمال. وجاء بالراية والخلع والعهد ولقبه المتوكل. وقدم عليه بذلك في غرناطة في يوم مشهود، وبايع له ابن الأحمر، وعند ما غدر ابن الأحمر بالباجي فر من إشبيلية شعيب بن محمد إلى البلد فاعتصم بها، وتسمى المعتصم فحاصره ابن هود وأخذها من يده. ثم خرج العدو من كل جهة ونازلوا ثغور المسلمين وأحاطوا بهم، وانتهت محلاتهم على الثغور إلى سبع. ثم حاصر الطاغية مدينة قرطبة وغلب عليها سنة ثلاث وثلاثين وبايع أهل إشبيلية للرشيد من بني عبد المؤمن، ثم زحف ابن الأحمر إلى غرناطة وملكها كما يذكر، وبويع للرشيد سنة سبع وثلاثين.
وكان عبد الله أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الأموي الرميمي وزير ابن هود، وكان يدعوه ذا الوزارتين ولاه المرية من عمله، فلم يزل بها وقدم عليه المتوكل سنة خمس وثلاثين وستمائة فهلك بالحمام ودفن بمرسية. ويقال إنه قتله ثم استبد من بعده المؤيد، واستنزله عنها ابن الأحمر سنة ثلاث وأربعين. ولما هلك المتوكل ولي من بعده بمرسية ابنه أبو بكر محمد بعهده إليه وتلقب بالواثق، وثار عليه عزيز بن عبد الملك بن خطاب سنة ست وثلاثين لأشهر من ولايته فاعتقله، وكان يلقب ضياء الدولة. ثم تغلب زيان بن مردنيش على مرسية وقتل ابن خطاب لأشهر من ولايته.
وأطلق الواثق بن هود من اعتقاله. ثم ثار عليه بمدينة مرسية محمد بن هود عم ٤/٢١٧
المتوكل سنة ثمان وثلاثين، وأخرج منها زيان بن مردنيش، وتلقب بهاء الدولة، وهلك سنة سبع وخمسين وستمائة. وولي ابنه الأمير أبو جعفر، ثم ثار عليه سنة اثنتين وستين أبو بكر الواثق الذي كان ابن خطاب خلعه، وهو المتوكل أمير المسلمين، وبقي بها أميرا إلى أن ضايقه الفنش والبرشلوني، فبعث إليه عبد الله بن علي بن أشقيلولة، وتسلم مرسية منه. وخطب بها لابن الأحمر. ثم خرج منها راجعا إلى ابن الأحمر فأوقع به البصري في طريقه، ورجع الواثق إلى مرسية ثالثة فلم يزل بها إلى أن ملكها العدو من يده سنة ثمان وستين، وعوضه منها حصنا من عملها يسمى يس إلى أن هلك، والله خير الوارثين.
الخبر عن دولة بني الأحمر ملوك الأندلس لهذا العهد ومبدإ أمورهم وتصاريف أحوالهم
أصلهم من أرجونة من حصون قرطبة ولهم فيها سلف في أبناء الجند ويعرفون ببني نصر، وينسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحدين محمد ابن يوسف بن نصر، ويعرف بالشيخ وأخوه إسماعيل. وكانت لهم وجاهة في ناحيتهم. ولما فشل ريح الموحدين وضعف أمرهم وكثر الثوار بالأندلس، وأعطى حصونها للطاغية، واستقل بأمر الجماعة محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية، فأقام بدعوته العباسية، وتغلب على شرق الأندلس أجمع فتصدى محمد بن يوسف هذا للثورة على ابن هود وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة على الدعاء للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية، وأطاعته حيان وشريش سنة ثلاثين بعدها، وكان يعرف بالشيخ ويلقب بأبي دبوس. واستظهر على أمره أولا بقرابته من بني نصر وأصهاره بني أشقيلولة عبد الله وعلي. ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند ما وصله خطاب الخليفة من بغداد. ثم ثار بإشبيلية أبو مروان الباجي عند خروج ابن هود عنها، ورجوعه إلى مرسية فداخله محمد بن الأحمر في الصلح على أن يزوجه ابنته فأطاعه، ودخل إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين. ثم فتك بابن الباجي وقتله، وتناول ٤/٢١٨
الفتك به علي بن أشقيلولة. ثم راجع أهل إشبيلية بعدها لشهر دعوة ابن هود، وأخرجوا ابن الأحمر. ثم تغلب على غرناطة سنة خمس وثلاثين بمداخلة أهلها ثم ثار ابن أبي خالد بدعوته في لحيان ووصلته بيعتها، فقدم إليها أبا الحسن بن أشقيلولة. ثم جاء على أثره ونزلها واستقر بها بعد مهلك ابن هود، وبايع للرشيد سنة تسع وثلاثين ثم تناول المؤيد من يد محمد بن الرميمي فخلعه أهل البلد سنة ثلاث وستين وبايعوا لابن الأحمر. ثم ثار أبو عمرو بن الجد واسمه يحيى بن عبد الملك بن محمد الحافظ أبي بكر وملك إشبيلية، وبايع للأمير أبي زكريا بن حفص صاحب إفريقية سنة ثلاث وأربعين، وولي عليهم أبو زكريا أميرا، وقام بأمرهم القائد شغاف، والعدو أثناء ذلك يلتقم بلاد المسلمين وحصونهم من لدن عام عشرين أو قبله، وصاحب برشلونة من ولد البطريق الذي استعمله الإفرنجة عليها الأول استرجاعهم لها من أيدي العرب فتغلب عليها، وبعد عن الفرنجة، وضعف لعهده سلطانهم. ووصلوا وراء الدروب وعجزوا فكانوا عن برشلونة وجماعتها أعجز، فسما أهل طاغيتها منهم لذلك العهد، واسمه حاقمة إلى التغلب على ثغور المسلمين.
واستولى على ماردة سنة ست وعشرين وستمائة. ثم ميورقة سنة سبع وعشرين وستمائة، ثم أجاز إلى سرقسطة وشاطبة كان تملكها منذ مائة وخمسين من السنين قبلها. ثم بلنسية سنة ست وثلاثين وستمائة بعد حصار طويل وطوى ما بين ذلك من الحصون والقرى حتى انتهى إلى المرية وحصونها، وابن أدفونش أيضا ملك الجلالقة هو ابن الادفونش- الملقب بالحكيم- وآباؤه من قبله يتقرى الفرستيرة حصنا حصنا، ومدينة مدينة إلى أن طواها واستعبد ابن الأحمر هذا لأول أمره بما كان بينه وبين الثوار بالأندلس من المنازعة فوصل يده بالطاغية في سبيل الاستظهار على أمره فوصله وشد عضده، وصار ابن الأحمر في جملته وأعطاه ابن هود ثلاثين من الحصون أو نحوها في كف غربة عن ابن الأحمر، وأن يعينه على ملك قرطبة فتسلمها. ثم تغلب على قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأعاد إليها خيرة الله كلمة الكفر. ثم نازل إشبيلية سنة ست وأربعين وابن الأحمر معه مظهر الامتعاض لابن الجد وحاصرها سنتين ثم دخلها صلحا. وانتظم معها حصونها وثغورها وأخذ طليطلة من يد ابن كماشة، وغلب بعد ذلك ابن محفوظ على شلب وطليبرة سنة تسع وخمسين.
ثم ملك مرسية سنة خمس وستين ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك الأندلس كورة كورة ٤/٢١٩
وثغرا ثغرا إلى أن ألجأ المسلمين إلى سيف البحر ما بين رندة من الغرب والبيرة من شرق الأندلس. نحو عشر مراحل من الغرب الى الشرق وفي مقدار مرحلة أو ما دونها في العرض ما بين البحر والجوف ثم سخط بعد ذلك الشيخ ابن الأحمر وطمع في الاستيلاء على كافة الجزيرة فامتنعت عليه وتلاحق بالأندلس غزاة من زناتة الثائرين يومئذ من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وبني مرين. وكان أعلاهم كعبا في ذلك وأكثرهم غزي بنو مرين، فأجاز أولا أولاد إدريس بن عبد الحق وأولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق أعياص الملك منهم سنة ستين أو نحوها، فتقبل ابن الأحمر إجازتهم ودفع بهم في نحر عدوه، ورجعوا ثم تهايلوا إليه من بعد ذلك من كل بيت من بيوت بني مرين ومعظمهم الأعياص من بني عبد الحق لما تزاحمهم مناكب السلطان في قومهم وتغص بهم الدولة فينزعون إلى الأندلس مغنين بها من بأسهم وشوكتهم في المدافعة عن المسلمين، ويخلصون من ذلك على حظ من الدولة بمكان. ولم يزل الشأن هذا إلى أن هلك محمد بن يوسف بن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة، وقام بأمره من بعده ابنه محمد وكان يعرف بالفقيه لما كان يقرأ الكتاب من بين أهل بيته، ويطالع كتب العلم. وكان أبوه الشيخ أوصاه باستصراخ ملوك زناتة من بني مرين الدائلين بالمغرب من الموحدين وأن يوثق عهده بهم ويحكم أراضي سلطانه بمداخلتهم، فأجاز محمد الفقيه ابن الأحمر إلى يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين سنة اثنتين وسبعين وستمائة عند ما تم استيلاؤه على بلاد المغرب، وتغلبه على مراكش، وافتقاده سرير ملك الموحدين بها فأجاب صريخه، وأجاز عساكر المسلمين من بني مرين وغيرهم إلى الجهاد مع ابنه منديل. ثم جاء على أثرهم وأمكنه ابن هشام من الجزيرة الخضراء، كان ثائرا بها فتسلمها منه ونزل بها، وجعلها ركابا لجهاده وينزل بها جيش الغزو. ولما أجاز سنة اثنتين وسبعين كما قلناه هزم زعيم النصرانية، ثم حذره ابن الأحمر على ملكه فداخل الطاغية. ثم حذر الطاغية فراجعه وهو مع ذلك يده في نحره بشوكة الأعياص الذين نزعوا إليه من بني مرين بما شاركوا صاحب المغرب من نسب ملكه وقاسموه في يعسوبية قبيلته، فكان له بذلك مدفع عن نفسه ومرض في طاعة قرابته من بني أشقيلولة، كان عبد الله منهم بمالقة وعلي بوادي آش وإبراهيم بحصن قمارش فالتاثوا عليه، وداخلوا يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين في المظاهرة عليه فكان له معهم فتنة، وأمكنوا يعقوب من الثغور التي ٤/٢٢٠
بأيديهم مالقة ووادي آش حتى استخلصها هذا السلطان الفقيه من بعد ذلك، كما نذكره في أخبار بني مرين مع بني الأحمر. وصار بنو أشقيلولة آخرا وقرابتهم بني الزرقاء إلى المغرب، ونزلوا على يعقوب بن عبد الحق وأكرم مثواهم وأقطعهم واستعملهم في كبير الخطط للدولة حسبما يذكر. واستبد السلطان الفقيه ابن الأحمر بملك ما بقي من الأندلس وأورثه عقبه من غير قبيل ولا كثير عصبة، ولا استكثار من الحامية إلا من يأخذه الجلاء من فحول زناتة وأعياص الملك فينزلون بهم غزي، ولهم عليهم عزة وتغلب وسبب ذلك ما قدمناه في الكتاب الأول من إفقاد القبائل والعصائب بأرض الأندلس جملة فلا تحتاج الدولة هنالك إلى كبير عصبية، وكان للسلطان ابن الأحمر في أول أمره عصبية من قرابته بني نصر وأصهارهم بني أشقيلولة وبني المولى ومن تبعهم من الموالي والمصطنعين كانت كافية في الأمر من أوله مع معاضدة الطاغية على ابن هود وثوار الأندلس ومعاضدة ملك المغرب على الطاغية والاستظهار بالأعياص على ملك المغرب، فكان لهم بذلك كله اقتدار على بلوغ أمرهم وتمهيده، وربما يفهم في مدافعة الطاغية اجتماع الخاصة والعامة في عداوته، والرهب منه بما هو عدو للدين فتستوي القلوب في مدافعته ومخافته فينزل ذلك بعض الشيء منزلة العصبية. وكانت إجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق إليه أربع مرات، وأجاز ابنه يوسف إليهم بعد أبيه. ثم شغلته الفتنة مع بني يغمر أسن إلى أن هلك السلطان الفقيه سنة إحدى وسبعمائة، وهو الذي أعان الطاغية على منازلة طريف وأخذها، وكان يمير عسكره مدة حصاره إياها إلى أن فتحها سنة لما كانت ركابا لصاحب المغرب، متى هم بالجواز لقرب مسافة الزقاق. فلما ملكها الطاغية صارت عينا على من يروم الجواز من الغزاة فغضب أمره عليهم، وولي من بعده ابنه محمد المخلوع، واستبد عليه وزيره محمد بن محمد بن الحكم اللخمي، من مشيخة رندة ووزرائها فحجره واستولى على أمره، إلى أن ثار به أخوه أبو الجيوش نصر بن محمد فقتل الوزير، واعتقل أخاه سنة ثمان وسبعمائة وكان أبوهما السلطان الفقيه استعمل على مالقة الرئيس أبا سعيد ابن عمه إسماعيل بن نصر، وطالت فيها إمارته، وهو الذي تملك سبتة وغدر بني الغرفي بها على عهد المخلوع ٤/٢٢١
وبدعوته كما يذكر في أخبار سبتة ودولة بني مرين. وكان أصهر إليه في ابنته وكان له منها ابنه أبو الوليد إسماعيل، فلما تملك الجيوش نصر غرناطة واستولى على سلطانهم بها ساءت سيرته وسيرة وزيره ابن الحاج وأحقد الأعياص من بني مرين، واستظهر الرعية بالقهر والعسف. وكان بنو إدريس بن عبد الله بن عبد الحق أمراء على الغزاة بمالقة، وكان كبيرهم عثمان بن أبي المعلى، فداخل أبا الوليد في الخروج على السلطان نصر، وتناول الأمر من يده لضعفه وسعفه بطانته وأقربائه فاعتزموا على ذلك، ولم يتم لهم إلا باعتقال أبيه أبي الجيوش فاعتقلوه، وبايعوا أبا الوليد. وثار بمالقة سنة سبع عشرة الرئيس أبو سعيد وزحفوا إلى غرناطة فهزموا عساكر أبي الجيوش وثارت به الدهماء من أهل المدينة، وأحيط به. وصالحهم على الخروج إلى وادي آش فلحق بها، وجدد بها ملكا إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين، ودخل أبو الوليد إلى غرناطة فاضل بها لنفسه وبنيه ملكا جديدا، وسلطانا فسيحا. ونازلة ملك النصارى ألفنش بغرناطة سنة ثمان عشرة وأبلى فيها بني أبي العلا. ثم كان من تكييف الله تعالى في قتله وقتل رديفه، واستلحام جيوش النصرانية بظاهر غرناطة ما ظهرت فيه معجزة من معجزات الله. وتردد إلى أرض النصرانية بنفسه، غازيا مرات مع عساكر المسلمين من زناتة والأندلس، وكانت زناتة أعظم غناء في ذلك لقرب عهدهم بالتقشف والبداوة التي ليست للناس. وبلغ أبو الوليد من العز والشوكة إلى أن غدر به بعض قرابته من بني نصر سنة سبع وعشرين وسبعمائة، طعنه غدرا عند ما انفض مجلسه بباب داره فأنفذه وحمل إلى فراشه، ولحق القادر بدار عثمان بن أبي العلى فقتله لحينه وقتل الموالي المجاهدين، فخرج عليهم ولحق بانديس فتملكها واستدعى محمد ابن الرئيس أبي سعيد في معتقله بسلوباشة، ونصبه للملك فلم يتم له مراده من ذلك. ورجعوا آخرا للمهادنة، وقتل السلطان محمد وزيره ابن المحروق بداره غدرا سنة تسع وعشرين، واستدعاه للحديث على لسان عمته المتغلبة عليه مع ابن المحروق، وتناوله مع علوجه طعنا بالخناجر إلى أن مات. وقام السلطان بأعباء ملكه، ورجع عثمان ابن أبي العلى إلى مكانه من يعسوبية الغزاة وزناتة، حتى إذا هلك قدم عليهم مكانه ابنه أبا ثابت، وأجاز السلطان محمد إلى المغرب صريخا للسلطان أبي الحسن على الطاغية فوجده مشغولا بفتنة أخيه محمد. ومع ذلك جهز له العساكر وعقد عليها سنة ثلاث وثلاثين. واستراب بنو أبي العلى بمداخلة ٤/٢٢٢
السلطان أبي الحسن، فتشاوروا في أمره وغدروا به يوم رحيله عن الجبل إلى غرناطة، فتقاصفوه بالرماح، وقدموا أخاه أبا الحجاج يوسف، فقام بالأمر وشمر عن ساعده في الأخذ بثأر أخيه، فنكب بني العلى وغربهم إلى تونس، وقدم على الغزاة مكان أبي ثابت بن عثمان قرثية من بني رحو بن عبد الله بن عبد الحق، وهو يحيى بن عمر بن رحو، فقام بأمرهم وطال أمر رياسته. واستدعى السلطان أبو الحجاج السلطان أبا الحسن صاحب المغرب فأجاز ابنه عند ما تم له الفتح بتلمسان، وعقد له على عساكر جمة من زناتة والمطوعة فغزاهم، وغنم وقفل راجعا. وتلاحقت به جموع النصارى وبيتوه على حدود أرضهم، فاستشهد كثير من الغزاة، وأجاز السلطان أبو الحسن سنة إحدى وأربعين بكافة أهل المغرب من زناتة ومغراوة والمرتزقة والمتطوعة فنازل طريف، وزحف إليه الطاغية فلقيه بظاهرها فانكشف المسلمون، واستشهد الكثير منهم، وهلك فيها نساء السلطان وحريمه وفسطاطه من معسكره، وكان يوم ابتلاء وتمحيص. وتغلب الطاغية أثرها على القلعة ثغر غرناطة، ونازل الجزيرة الخضراء وأخذها صلحا سنة ثلاث وأربعين، ولم يزل أبو الحجاج في سلطانه إلى أن هلك يوم الفطر سنة خمس وخمسين، طعنه في سجوده من صلاة العيد وغد من صفاعفة البلد كان مجتمعا. وتولى ابنه واستبد عليه مولاهم رضوان حاجب أبيه وعمه فقام بأمره وغلبه عليه وحجبه. وكان إسماعيل أخوه ببعض قصور الحمراء قلعة الملك، وكانت له ذمة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد، بما كان أبوه أنكحه شقيقة إسماعيل هذا. وكان أبو يحيى هذا يدعى بالرئيس وجده محمد هذا هو الذي قدمنا أن عثمان بن أبي العلى دعاه من مكان اعتقاله للملك فداخل محمد هذا الرئيس بعض الزعالقة من الغوغاء، وبيت حصن الحمراء، وتسوره وولج على الحاجب رضوان في داره فقتله، وأخرج صهره إسماعيل ونصبه للملك ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة ستين وسبعمائة.
وكان السلطان محمد هذا المخلوع بروضة خارج الحمراء، فلحق بوادي آش وأجاز منها إلى العدوة، ونزل على ملك المغرب السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن فرعى له ذمته، وأحمد نزوله وارتاب شيخ الغزاة يحيى بن عمرو بالدولة ففر إلى دار الحرب ولحق منها بالمغرب ونزل على السلطان أبي سالم فأحمد نزوله، وولي مكانه على الغزاة بغرناطة من جهة إدريس بن عثمان بن أبي العلى. وقام الرئيس بأمر ٤/٢٢٣
إسماعيل أخيه ودبر ملكه. ثم ترددت السعايات ونذر الرئيس بالنكبة فغدر بإسماعيل، وقتله وإخوته جميعا سنة إحدى وستين. وقام بملك الأندلس ونبذ إلى الطاغية عهده ومنعه ما كان سلفه يعطونه من الجزية على بلاد المسلمين، فشمر الطاغية لحربه، وجهز العساكر إليه فأوقع المسلمون بهم بوادي آش وعليهم بعض الرؤساء من قرابة السلطان فعظمت النكاية. وأرسل ملك المغرب إلى الطاغية في شأن محمد المخلوع ورده إلى ملكه، فأركب الأساطيل وأجازه إلى الطاغية فلقيه ووعده المظاهرة على أمره، وشرط له الاستئثار بما يفتح من حصون المسلمين. ثم نقض فيما افتتح منها ففارقه السلطان وأوى إلى الثغر المغربي في ملكة بني مرين، وأمكن من ثغور رندة، فزحف منها إلى مالقة سنة خمس وستين فافتتحها، وفر الرئيس محمد بن إسماعيل من غرناطة ولحق بالطاغية. وكان معه إدريس بن عثمان شيخ الغزاة بحبسه إلى أن فر من محبسه بعد حين، كما يذكر في أخبارهم. وزحف السلطان محمد فيمن معه وأتوه بحاجب الرئيس وقتله، واستلحم معه الرجال من الزعالقة الذين قتلوا الحاجب وتسوروا قصور الملك. ودخل السلطان محمد غرناطة واستولى على ملكه، وقدم على الغزاة شيخهم يحيى بن عمر، واختص ابنه عثمان، ثم نكبهما لسنة وحبسهما بالمطبق بالمرية، ثم غربهما بعد أعوام وقدم على الغزاة قريبهما علي بن بدر الدين بن محمد بن رحو. ثم مات فقدم مكانه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وترفع على السلطان أبي علي ابن محمد ملك المغرب، وتملأ هذا السلطان محمد المخلوع أريكة ملكه بالحمراء ممتنعا بالظهور والترف والعزة على الطاغية والجلالقة، وعلى ملوك المغرب بالعدوة بما نال دولتهم جميعا من الهرم الذي يلحق الدول. وأما الجلالقة فانتقضوا على ملكهم بطرة ابن أدفونش سنة ثمان وستين من لدن مهلك أبيهما، ووقعت بين بطرة وبين ملك برشلونة بسبب إجارته عليه فتن وحروب حجر منها الجلالقة، وكانت سببا لانتقاضهم على بطرة واستدعائهم لأخيه ألفنش فجاء وبايعوه. وانحرفوا إليه جميعا عن بطرة، فتحيز إلى ناحية بلاد المسلمين واستدعى هذا السلطان محمدا صاحب غرناطة لنصره من عدوه، وأغزاه ببلاد ألفنش ففتح كثيرا من معاقلها وخربها مثل حيان وأبدة وأثر وغيرها. وعاث في بسائطها ونزل قرطبة وخرب نواحيها ورجع ظافرا غانما. ولحق ٤/٢٢٤
ببطرة سلطان الإفرنجة الأعظم في ناحية الشمال من وراء جزيرة الأندلس، وهو صاحب جزيرة أركبلطرة وتسمى بنسر غالس، وفد عليه صريخا وزوجه بنته، فبعث ابنه لنصره في أمم الإفرنج. وانهزم ألفنش أمامهم، وارتجع بطرة البلاد حتى إذا رجعت عساكر الإفرنجة، رجع ألفنش فارتجع البلاد ثانيا وحاصر أخاه بطرة في بعض حصون جليقة حتى أخذه وقتله واستولى على ملكهم. واغتنم السلطان صاحب غرناطة شغلهم بهذه الفتنة فاعتز عليهم، ومنع الجزية التي كانوا يأخذونها من المسلمين منذ عهد سلفه فأقاموا من لدن سنة اثنتين وسبعين لا يعطونهم شيئا.
واستمر على ذلك وسما إلى مطالبتهم بنسر غالس ملك الفرنجة من ورائهم الذي جاء لنصر بطرة، وأنكحه بطرة ابنته، وولدت له ولدا فزعم أبوه هذا الملك أنه أحق بالملك من ألفنش وغيره على عادة العجم في تمليك الأسباط من ولد البطن. وطالت الحرب بينهما ونزل بالجلالقة من ذلك شغل شاغل، واقتطع الكثير من ثغورهم وبلادهم، فمنعهم ابن الأحمر الجزية واعتز عليهم كما ذكرناه، والحال على ذلك لهذا العهد. وأما ملوك المغرب فإن السلطان عبد العزيز بن السلطان أبي الحسن لما استبد بملكه واستفحل أمره، وكان عبد الرحمن بن أبي يغلوسن مقدما على الغزاة بالأندلس كما قلناه، وهو قسيمه في النسب ومرادفه في الترشيح للملك، فعثر السلطان عبد العزيز على مكاتبة بينه وبين أهل دولته، فارتاب وبعث إلى ابن الأحمر في حبسه فحبسه، وحبس معه الأمير مسعود بن ماسي لكثرة خوضه في الفتنة، ومكاتبته لأهل الدولة. فلما توفي السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وبويع ابنه محمد السعيد يافعا وكفله وزير أبيه أبو بكر بن غازي الثائر أطلق ابن الأحمر عبد الرحمن بن أبي يغلوسن من محبسه فنقم ذلك عليه الوزير أبو بكر كافل الدولة بالمغرب، واعتزم على بعث الرؤساء من قرابة ابن الأحمر إلى الأندلس لمنازعته، ومده بالمال والجيش. وبلغ ذلك ابن الأحمر فعاجله عنه وسار في العساكر إلى فرضة المجاز، ونازل جبل الفتح، ومعه ابن يغلوسن وابن ماسي، وأركبهما السفن فنزلوا ببلاد بطرة فاضطرب المغرب، واشتد الحصار على أهل جبل الفتح، واستأمنوا لابن الأحمر وأطاعوه. وكان بسبتة محمد بن عثمان بن الكاس صهر أبي بكر بن غازي وقريبه بعثه ٤/٢٢٥
لضبط المراسي عند ما نزل ابن الأحمر على الجبل، وبطنجة يومئذ جماعة من ولد السلطان أبي الحسن المرشحين محبوسون منذ عهد عبد العزيز، فوقعت المراسلة من السلطان ابن الأحمر ومحمد بن عثمان، ونكر عليه مبايعتهم لولد صغير لم يراهق.
وأشار ببيعة واحد من أولئك المرشحين المحبوسين بطنجة، ووعده بالمظاهرة والمدد بالمال والجيش، ووقع اختيار محمد بن عثمان على السلطان أبي العباس أحمد، فأخرجه وبايع له. وقد كان أولئك الفتية تعاهدوا في محبسهم أن من استولى منهم على الملك أطلق الباقين منهم، فوفى لهم السلطان أبو العباس لأول بيعته، وأطلقهم من المحبس، وبعثهم إلى الأندلس، ونزلوا على السلطان ابن الأحمر فأكرمهم وجعلهم لنظره. وبعث بالأموال والعساكر للسلطان أبي العباس ولوزيره محمد بن عثمان، وكتب إلى عبد الرحمن بن أبي يغلوسن بموافقتهما واجتماعهما على الأمر، فساروا جميعا ونازلوا دار الملك بفاس حتى استأمن ابو بكر بن غازي للسلطان أبي العباس، وأمكنه من البلد الجديد دار الملك فدخلها في محرم سنة ست وسبعين. وشيع عبد الرحمن بن أبي يغلوسن إلى مراكش وأعمالها وسوغ له ملكها كما كان الوفاق بينهما من قبل. وبعث بالسعيد بن عبد العزيز المنصوب، واتصلت الموالاة والمهاداة بينه وبين ابن الأحمر، وانتقض ما بينه وبين عبد الرحمن صاحب مراكش، ونهض مرارا، وحاصره وابن الأحمر يمده تارة ويسعى بينهما في الصلح أخرى، إلى أن نهض إليه سنة أربع وثمانين وحاصره شهرا، واقتحم عليه حصنه عنوة وقتله ورجع إلى فاس.
ثم نهض. الى تلمسان، وهرب صاحبها أبو أحمد سلطان بني عبد الواد، ودخل السلطان أبو العباس تلمسان. وكان جماعة من سماسرة الفتن قد سعوا ما بينه وبين السلطان ابن الأحمر بالفساد حتى أوغروا صدره، وحملوه على نقض دولة السلطان أبي العباس ببعض الأعياص الذين عنده، فاختار من أولئك الفتية الذين نزلوا عليه من طنجة موسى ابن السلطان أبي عنان، واستوزر له مسعود بن ماسي، وركب السفن معه إلى سبتة فبادر أهلها بطاعة موسى، وأتوه ببيعتهم، وارتحل عنهم إلى فاس وملك السلطان ابن الأحمر سبتة، وصارت في دعوته، وعمد السلطان موسى إلى دار الملك بفاس فوقف عليها يوما، واستأمنوا له آخر النهار فدخلها سنة ست وثمانين، وأصبح جالسا على سرير ملكه. وطار الخبر إلى السلطان أبي العباس، وقد ارتحل من تلمسان لقصد أبي حبو وبني عبد الواد بمكانهم من دار الملك فكر راجعا، ٤/٢٢٦
وأغذ السير إلى فاس، فلما تجاوز تازي وتوسط ما بينهما وبين فاس، افترق عنه بنو مرين وسائر عساكره، وساروا على راياتهم إلى السلطان موسى، ونهب معسكره، ورجع هو إلى تازي فتوثق منه عاملها حتى جاء يريد السلطان من فاس فتقبض عليه، وحمله إلى فاس وأزعجه السلطان موسى إلى الأندلس ونزل على ابن الأحمر كما كان هو. واستولى السلطان موسى على المغرب واستبد عليه وزيره مسعود، وطالب ابن الأحمر بالنزول على سبتة فامتنع، ونشأت بينهما الفتنة، ودس ابن ماسي لأهل بيته بالثورة على حامية السلطان ابن الأحمر عندهم فثاروا عليهم، وامتنعوا بالقصبة حتى جاءهم المدد في أساطيل ابن الأحمر، فسكن أهل بيته واطمأنت الحال، ونزع إلى السلطان ابن الأحمر جماعة من أهل الدولة، وسألوه أن يبعث لهم ملكا من الأعياص الذين عنده، فبعث إليهم الواثق محمد بن الأمير أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن وشيعه في الاسطول إلى سبتة، وخرج إلى غمارة وبلغ الخبر إلى مسعود بن ماسي، فخرج إليه في العسكر وحاصره بتلك الجبال. ثم جاءه الخبر بموت سلطانه موسى ابن السلطان أبي عنان بفاس فارتحل راجعا. ولما وصل إلى دار الملك نصب على الكرسي صبيا من ولد السلطان أبي العباس كان تركه بفاس. وجاء السلطان أبو عنان ابن الأمير أبي الفضل، ونزل بجبل زرهون قبالة فاس. وخرج ابن ماسي في العساكر فنزل قبالته. وكان متولي أمره أحمد بن يعقوب الصبيحي، وقد غص به أصحابه فذبوا عليه وقتلوه أمام خيمة السلطان. وامتعض السلطان لذلك ووقعت المراسلة بينه وبين ابن ماسي على أن يبايع بشرط الاستبداد عليه، واتفقا على ذلك.
ولحق السلطان بابن ماسي ورجع به إلى دار الملك فبايع له وأخذ له البيعة من الناس.
وكانت معه حصة من جند السلطان ابن الأحمر مع مولى من مواليه فحبسهم جميعا.
وامتعض لذلك السلطان فاركب ابا العباس البحر وجاء معه بنفسه إلى سبتة فدخلها وعساكر ابن ماسي عليها يحاصرونها، فبايعوا جميعا للسلطان أبي العباس. ورجع ابن الأحمر إلى غرناطة، وسار السلطان أبو العباس إلى فاس واعترضه ابن ماسي في العساكر فحاصره بالصفيحة من جبل غمارة، وتحدث أهل عسكره في اللحاق بالسلطان أبي العباس ففزعوا إليه، وهرب ابن ماسي وحاصره السلطان شهرا حتى ٤/٢٢٧
نزلوا على حكمه فقطع ابن ماسي بعد أن قتله ومثل به. وقتل سلطانه، واستلحم سائر بني ماسي بالنكيل والقتل والعذاب. واستولى على المغرب واستبد بملكه وأفرج السلطان ابن الأحمر على سبتة وأعادها إليه. واتصلت الموالاة بينهما. وأقام ابن الأحمر في اعتزازه ولم تطرقه نكبة ولا حادثة سائر أيامه إلا ما بلغنا أنه نمي له عن ابنه ولي عهده أبي الحجاج يوسف أنه يروم التوثب به، وكان على سفر في بعض نواحي الأندلس فقبض على ولده لحينه، ورجع إلى غرناطة. ثم استكشف حاله فظهرت براءته فأطلقه وأعاده إلى أحسن أحواله. وإلا ما بلغنا أيضا أنه لما سار من غرناطة إلى جبل الفتح شاربا لأحوال السلطان أبي العباس وهو بالصفيحة من جبال غمارة، وابن ماسي يحاصره، فنمي إليه أن بعض حاشيته من أولاد الوزراء وهو ابن مسعود البلنسي ابن الوزير أبي القاسم بن حكيم قد اتفقوا على اغتياله، وأن ابن ماسي دس إليهم بذلك ونصبت له على ذلك العلامات التي عرفها فقبض عليهم لحينه، ولم يمهلهم وقتلهم وجميع من داخلهم في ذلك، ورجع إلى غرناطة وأقام ممتنعا بملكه إلى أن هلك سنة ثلاث وتسعين، فولي مكانه ابنه أبو الحجاج وبايعه الناس، وقام بأمره خالد مولى أبيه وتقبض على إخوته سعد ومحمد ونصر فهلكوا في محبسهم، ولم يوقف لهم على خبر. ثم سعى عنده في خالد القائم بدولته أنه أعد السم لقتله، وأن يحيى بن الصائغ اليهودي طبيب دارهم داخله في ذلك ففتك بخالد، وقتل بين يديه صبرا بالسيوف لسنة أو نحوها من ملكه. وحبس الطبيب فذبح في محبسه. ثم هلك سنة أربع وتسعين لسنتين أو نحوها من ملكه. وبويع ابنه محمد وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من صنائع أبيه، والحال على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره. وقد انقضى ذكر الدولة الأموية المنازعين لبني العباس ومن تبعهم من الملوك بالأندلس، فلنذكر الآن شيئا من أخبار ملوك النصرانية الذين يجاورون المسلمين بجزيرة الأندلس من سائر نواحيهم، ونلم بطرف من أنسابهم ودولهم. ٤/٢٢٨
الخبر عن ملوك بني أدفونش من الجلالقة ملوك الأندلس بعد الغوط ولعهد المسلمين وأخبار من جاورهم من الفرنجة والبشكنس والبرتغال والإلمام ببعض أخبارهم
والملوك لهذا العهد من النصرانية أربعة في أربعة من العمالات محيطة بعمالة المسلمين، قد ظهر اعجاز الملة في مقامهم معهم وراء البحر بعد ما استرجعوا من أيديهم ما نظمه الفتح الإسلامي أول الأمر. وأعظم هؤلاء الملوك الأربعة: قشتالة وعمالاته عظيمة متسعة مشتملة على أعمال جليقية كلها، مثل قشتالة وغليسية. والقرنتيرة وهي بسيط قرطبة وإشبيلية وطليطلة وجيان، آخذة في جوف الجزيرة من المغرب إلى المشرق. ويليه من جانب الغرب ملك البرتغال وعمالته صغيرة وهي أشبونة ، ولا أدري نسبه فيمن هو من الأمم. ويغلب على الظن أنه من أعقاب القواميس الذين تغلبوا على عمالات بني أدفونش في العصور الماضية كما نذكر بعد، ولعله من أسباطهم وأولي نسبهم والله أعلم. ويلي ملك قشتالة هذا من جهة الشرق ملك نبرة ، وهو ملك البشكنس وعمالته صغيرة فاصلة بين عمالات قشتالة وعمالة ملك برشلونة. وقاعدة ملك نبرة وهي مدينة ينبلونة. وملك برشلونة وما وراءها. ونحن الآن نذكر أخبار هذه الأمم من عهد الفتح بما يظهر لك منه تفصيل أخبارهم، وذلك أن النصرانية لما تغلب عليهم المسلمون عند الفتح سنة تسعين من الهجرة، وقتلوا لزريق ملك الغوط وانساحوا في نواحي جزيرة الأندلس، وأجفلت أمم النصرانية كلها أمامهم إلى سيف البحر من الجوف، وتجاوزوا الدروب وراء قشتالة، واجتمعوا بجليقية وملكوا عليهم ثلاثة: ابن ناقله فأقام ملكا تسع عشرة سنة، وهلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وولي ابنه قافلة سنتين، ثم هلك فولوا عليهم بعدهما أدفونش بن بطرة، وهو الذي اتصل ملكه في عقبه لهذا العهد. ونسبهم في الجلالقة من العجم كما تقدم. ويزعم ابن حيان أنهم من أعقاب الغوط، وعندي أن ذلك ليس بصحيح فإن أمة الغوط قد دثرت وغبرت ٤/٢٢٩
وهلكت، وقل أن يرجع أمر بعد إدباره. وإنما هو ملك مستجد في أمة أخرى والله أعلم. فجمعهم أدفونش بن بطرة على حماية ما بقي من أرضهم بعد أن ملك المسلمون عامتها، وانتهوا إلى جليقية وأقصروا عن الفتح بعدها حتى فشلت الدولة الإسلامية بالأندلس، وارتجع النصارى الكثير مما غلبوا عليه. وكان مهلك أدفونش بن بطرة سنة اثنتين وأربعين ومائة لثمان عشرة سنة من ملكه، وولي بعده ابنه فرويلة إحدى عشرة سنة قوى فيها سلطانه، وقارنه فيها شغل عبد الرحمن الداخل بتمهيد أمره فاسترجع مدينة بك، وبرتغال وسمورة، وسلمنقة، وشقرنية، وقشتالة بعد أن كانت انتظمت للمسلمين في الفتح وهلك سنة ثمان وخمسين، وولي ابنه شيلون عشر سنين. وهلك سنة ثمان وستين، فولوا مكانه أدفونش منهم، ووثب عليه سمول ماط فقتله وملك مكانه سبع سنين، وعلى عقب ذلك استفحل ملك عبد الرحمن بالأندلس، وأغزى جيوشه أرض جليقية ففتح وغنم وأسر. ثم ولي منهم أدفونش آخر سنة اثنتين وخمسين، وهلك سنة ثمان وستين فولوا مكانه أدفونش منهم، ووثب أحد ملوكهم المستبدين بأمرهم. قال ابن حيان كانت ولاية رذمير هذا عند ترهب أخيه أدفونش الملك قبله، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة على عهد الناصر، وتهيأ للناصر الظهور عليه إلى أن كان التمحيص على المسلمين في غزوة الخندق، وذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وكانت الواقعة بالخندق وقريبا من مدينة شنت ماكس كما ذكر في أخباره.
ثم هلك رذمير سنة تسع وثلاثين، وولي أخوه شانجة وكان تياها معجبا بطالا فانتقض سلطانه، ووهن ملك قومه، وانتزى عليه قوامس دولته فلم يتم لبني أدفونش بعدها ملك مستبد في الجلالقة إلا من بعد أزمان الطوائف وملوكهم كما ذكرناه. وكان اضطراب ملكهم كما نقل ابن حيان على يد فردلند بن عبد شلب قومس ألبة والقلاع، فكان أعظم القوامس، وهم ولاة الأعمال من قبل الملك الأعظم فانتقض على شانجة ألبة وظاهرهم ملك البشكنس على شانجة، وورد شانجة على الناصر بقرطبة صريخا فأمده، واستولى بذلك الإمداد على سمورة فملكها، وأنزل المسلمين بها واتصلت الحرب بين شانجة وبين فردلند إلى أن أسر فردلند في بعض أيام حروبهم، وحصل في أسر ملك البشكنس على أن ينفذ إليه أسيره فردلند بن عبد شلب قومس ألبة والقلاع فأبى من ذلك، وأطلقه. ووفد على المستنصر أرذون بن أدفونش ٤/٢٣٠
المقارع لشانجة صريخا إحدى وخمسين فأجابه، وأنفذ غالبا مولاه في مدده. ثم هلك شانجة ملك بني أدفونش ببطليوس، وقام بأمرهم بعده ابنه رذمير، وهلك أيضا فردلند بن عبد شلب قومس ألبة، وولي بعده ابنه غرسية، ولقي رذمير المسلمين بالثغر في بعض صوائفهم وعظمت نكايته بعد مهلك الحكم المستنصر إلى أن قيض الله لهم المنصور بن أبي عامر حاجب ابنه هشام، فأثخن في عمل رذمير، وغزاه مرارا وحاصره في سمورة. ثم في ليون بعد أن زحف إلى غرسية بن فردلند صاحب ألبة، وظاهر معه ملك البشكنس فغلبهما. ثم ظاهروا مع رذمير وزحفوا جميعا للقائه بشنت ماكس فهزمهم، واقتحمها عليهم وخربها. وتشاءم الجلالقة برذمير وخرج عليهم عمه بزمند بن أرذون، وافترق أمرهم ثم رجع رذمير إلى طاعة المنصور سنة أربع وسبعين. وهلك على أثرها فأطاعت أمه، واتفقت الجلالقة على بزمند بن أرذون، وعقد له المنصور على سمورة والعيون وما اتصل بهما من أعمال غليسية إلى البحر الأخضر واشترط عليه فقبل. ثم امتعض بزمند لما نزل بالجلالقة عيث المنصور سنة ثمان وسبعين فافتتح حيون وحاصره في سمورة ففر عنها وأسلمها أهلها إلى المنصور فاستباحها ولم يبق لملك الجلالقة إلا حصون يسيرة بالجبل الحاجز بين بلدهم وبين البحر الأخضر. ثم اختلف حال بزمند في الطاعة والانتقاض والمنصور يردد إليه الغزو حتى أذعن وأخفر ذمته الخارج على المنصور فأسلمه إليه سنة خمس وثمانين، وضرب عليه الجزية وأوطن المسلمين مدينة سمورة سنة تسع وثمانين، وولى عليها أبا الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي. ثم سار إلى غرسية بن فردلند صاحب ألبة، وكان أعان المخالفين على المنصور وكان فيمن أعان عليه حين خرج عليه فنازل المنصور مدينة أشبونة، قاعدة غليسية فملكها وخربها. وهلك غرسية هذا فولي ابنه شانجة، وضرب المنصور عليهم الجزية وصار أهل جليقية جميعا في طاعته، وكانوا كالعمال له إلا بزمند بن أرذون ومسد بن عبد شلب قومس غليسية فإنهما كانا أملك لأمرهما. على أن مسدا بعث بنته للمنصور سنة ثلاث وثمانين وصيرها جارية له فأعتقها وتزوجها. ثم انتقض بزمند وغزاه المنصور فبلغ شنت ياقب موضع حج النصرانية ومدفن يعقوب الحواري من أقصى غليسية، وأصابها خالية فهدمها ونقل ٤/٢٣١
أبوابها إلى قرطبة فجعلها في سمت الزيادة التي أضافها إلى المسجد الأعظم. ثم تطارح بزمند بن أرذون في السلم وأنفذ ابنه يلانة مع معن بن عبد العزيز صاحب جليقية فوصل به إلى قرطبة وعقد له السلم وانصرف إلى أبيه. وألح المنصور على أرغومس من القوامس وكانوا في طرف جليقية بين سمورة وقشتالة، وقاعدتهم شنت برية فافتتحها سنة خمس وثمانين. ثم هلك بزمند بن أرذون ملك بني أدفونش وولي ابنه أدفونش، وهو صاحب بسيط غرسية واحتكما إلى عبد الملك بن المنصور، فخرج أصبغ بن سلمة قاضي النصارى للفصل بينهما، فقضى به لمسد بن عبد شلب. فلم يزل أدفونش بزمند في كفالته إلى أن قتل غيلة سنة ثمان. فاستبد أدفونش بأمره وطلب القواميس المقتدرين على أبيه وعلى من سلف من قومه برسوم الملك فحاز ذلك منهم لنفسه وبعث على نواحيهم من عنده، وأذعنوا له وسقط ذكرهم في وقته مثل بني أرغومس وبني فردلند الذين قدمنا ذكرهم، وقد كان قيامهم أيام شانجة بن رذمير من بني أدفونش كما قدمناه. جمعهم أدفونش للقاء عبد الملك المظفر بن المنصور فظاهرهم ملك البشكنس ولقيهم بظاهر فلونية فهزمهم وافتتح الحصن صلحا. ثم انقرض أمر المنصور وبنيه وجاءت الفتنة البربرية على رأس المائة الرابعة فانتهز الفرصة في المسلمين صاحب ألبة، وهو شانجة بن غرسية وصار يظاهر الفرقة الخارجة على الأخرى إلى أن أدرك بعض الأمل، وقتله ملك البشكنس سنة ست وأربعمائة وتغلب النصارى على ما كان غلب عليه بقشتالة وجليقية، ولم يزل أدفونش ملكا على جليقية وأعمالها. واتصل الملك في عقبه إلى أن كان شأن الطوائف. وتغلب المرابطون ملوك المغرب من لمتونة على ملوك الطوائف، واستولوا على الأندلس وانقرض منها ملك العرب أجمع. وفي تواريخ لمتونة وأخبارهم أن ملك قشتالة الذي ضرب الجزية على ملوك الطوائف سنة خمسين وأربعمائة هو البيطبيين، ويظهر أنه كان متغلبا على شانجة ابن أبرك الملك يومئذ من بني أدفونش، وهو مذكور في أخبارهم، وأنه لما هلك قام بأمره بنوه فردلند وغرسية ورذمير، وولى أمرهم فردلند واحتوى على شنت برية وعلى كثير من عمل ابن الأفطس. ثم هلك وخلف شانجة وغرسية وألفنش فتنازعوا ثم خلص الملك لألفنش وعلى عهده مات الظاهر إسماعيل بن ذي النون سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو المستولي على طليطلة سنة ثمان وسبعين وهو يومئذ اعتزاز النصرانية بجزيرة الأندلس، وكان من بطارقته وقواميس دولته البرهانس فكان يلقب ٤/٢٣٢
الأنبنذور، ومعناه ملك الملوك. وهو الذي لقي يوسف بن تاشفين بالزلاقة، وكانت الدائرة عليه، وذلك سنة إحدى وثمانين. وحاصر ابن هود في سرقسطة، وكان ابن عمه رذمير منازعا له فزحف إلى طليطلة وحاصرها فامتنعت عليه، وحاصر القسريلية وغرسية والمرية والبرهانس مرسية وقسطون شاطبة وسرقسطة. ثم استولى على بلنسية سنة تسع وثمانين، وارتجعها المرابطون من يده بعد أن غلبوا ملوك الطوائف على أمرهم. ثم مات ألفنش سنة إحدى وخمسمائة، وقام بأمر الجلالقة زوجته، وتزوجت رذمير ثم فارقته وتزوجت بعده قمطا من أقماطها، وجاءت منه بولد كانوا يسمونه السليطين، وأوقع ابن رذمير بابن هود سنة ثلاث وخمسمائة الواقعة المشهورة التي استشهد فيها.
وملك ابن رذمير سرقسطة، وفر عماد الدولة وابنه إلى روطة فأقام إلى أن استنزله السليطين، ونقله إلى قشتالة. ثم كانت بين رذمير وأهل قشتالة حرب هلك فيها البرهانس سنة سبع وخمسمائة وذلك لآخر أيام المرابطين بلمتونة. ثم انقرض أمرهم على يد الموحدين وكان أمر النصارى لعهد المنصور يعقوب ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن، كان دائرا بين ثلاثة من ملوكهم ألفنش والبيبوح وابن الرند وكبيرهم ألفنش وهو أميرهم يوم الأرك الذي كان للمنصور عليهم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، والبيبوح صاحب ليون هو الذي مكر بالناصر عام العقاب فداخله وقدم عليه وأظهر له التنصيح فبذل له أموالا. ثم غدر به وكر عليه الهزيمة يوم العقاب. ثم هلك الناصر وولي ابنه المستنصر وفشل ريح بني عبد المؤمن واستولى ألفنش على جميع ما افتتحه المسلمون من معاقل الأندلس وارتجعها. ثم هلك ألفنش وولي ابنه هراندة وكان أحول، وكان يلقب بذلك، وهو الذي ارتجع قرطبة وإشبيلية من أيدي بني هود، وعلى عهده زحف ملك أرغون فارتجع شرق الأندلس كله شاطبة ودانية وبلنسية وسرقسطة، وسائر الثغور والقواعد الشرقية. وانحاز المسلمون إلى سيف البحر وملكوا عليهم ابن الأحمر بعد ولاية ابن هود. ثم هلك هراندة وولي ابنه ثم هلك ابنه وولي ابنه هراندة، وأجاز بنو مرين إلى الأندلس صريخا لابن الأحمر وسلطانهم يومئذ يعقوب بن عبد الحق، فلقيته جموع النصرانية بوادلك وعليهم ذنبة من أقماط بني أدفونش وزعمائهم فهزمهم يعقوب بن عبد الحق، وبقيت فتن متصلة، ولم يلقه يعقوب، وإنما كان يغزو بلادهم ويكثر فيها العبث إلى أن ألقوه بالسلم، وخالف على هراندة ملك قشتالة هذا ابنه شانجة فوفد هراندة على يعقوب بن عبد الحق صريخا، ٤/٢٣٣
وقبل يده فقبل وفادته وأمده بالمال والجيش، ورهن في المال التاج المعروف من ذخائر سلفهم فلم يزل بدار بني عبد الحق من بني مرين لهذا العهد. ثم هلك هراندة سنة ثلاث وثمانين واستقل ابنه شانجة بالملك ووفد على يوسف بن يعقوب بالجزيرة الخضراء بعد مهلك أبيه يعقوب، وعقد معه السلم. ثم انتقض وحاصر طريف وملكها وهلك سنة ثلاث وتسعين فولي ابنه هراندة. ثم هلك سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، فولي ابنه بطرة صغيرا، وكفله عمه جران وكان نزلهما جميعا على غرناطة عند زحفهما إليها سنة ثمان عشرة وسبعمائة، فولي ابنه الهنشة بن بطرة صغيرا، وكفله زعماء دولتهم. ثم استبد بأمره وزحف إلى السلطان أبي الحسن، وهو محاصر لطريف سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فهلك في الطاعون الجارف، وملك ابنه بطرة وقرابته القمط برشلونة فأجاره ملكها، وزحف إليه بطرة مرارا وتغلب على كثير من أعماله، وحاصر بلنسية مرارا. ثم أتيح الغلب للقمط سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فاستولى على بلاد قشتالة وزحف إليه أمم النصرانية لما كانوا سئموا من عنف بطرة وسوء ملكته، ولحق بطرة بأمم الفرنجة الذين وراء قشتالة في الجوف بجهات الليمانية وفرطانية إلى سيف البحر الأخضر، وجزيرة قدوج شنت مزين ملكهم الأعظم، وهو البلنس غالس وجاء معه مددا بأمم لا تحصى حتى ملك قشتالة والقرنتيرة ورجعوا عنه إلى بلادهم بعد أن أصابهم وباء هلك الكثير منهم. ثم اتصلت الحرب بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلبه القمط، واعتصم منه بطرة ببعض الحصون ونازلة القمط حتى إذا أشرف على أخذه، بعث بطرة إلى بعض الزعماء سرا لنيل النزول في جواره فأجابه، ووشى به لأخيه القمط فكبسه في بيت ذلك الزعيم وقتله سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. واستولى القمط على ملك بني أدفونش أجمع واستنزل ابن أخيه بطرة من قرمونة وقد كان اعتصم بها بعد مهلك أبيه مع وزيره مرتين لبس هو. واستقام له ملك قشتالة ونازعه البلنس غالس ملك الإفرنجة بالابن الذي هو من بنت بطرة على عادة العجم في تمليك ابن البنت محتجا بأن القمط لم يكن لرشدة. واتصلت الحرب بينهما وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا من الجزية التي كانت عليهم لمن قبله. وهلك هذا القمط سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، فملك ابنه شانجة وفر ابنه الآخر غرمس إلى غرناطة، ثم رجع إلى نواحي قشتالة والأمر على ذلك لهذا العهد، وفتنتهم مع ألفنش ملك الفرنج موصولة وعاديتهم لذلك عن المسلمين مرفوعة، والله من ورائهم محيط. وأما ملك ٤/٢٣٤
البرتغال بجهة أشبونة غرب الأندلس ومملكته صغيرة، وهي من أعمال جليقية، وصاحبها لهذا العهد متميز بسمته. وملكه مشارك لابن أدفونش في نسبه ولا أدري كيف يتصل نسبه معهم. وأما ملك برشلونة بجهة شرق الأندلس فعمالتهم واسعة، ومملكتهم كبيرة تشتمل على برشلونة بجهة وارغون وشاطبة وسرقسطة وبلنسية وجزيرة دانية وميورقة وبنورقة، ونسبهم في الفرنج، وسياق الخبر عن ملكهم ما نقل، ابن حيان أن الغوط الذين كانوا بالأندلس كانوا قديما في ملك الفرنج، ثم اعتزوا عليهم وامتنعوا ونبذوا إليهم عهدهم. وكانت برشلونة من ممالك الفرنج وعمالاتهم، فلما جاء الله بالإسلام وكان الفتح، قعد الفرنج عن نصر الغوط لتلك العداوة، فلما انقضى أمر الغوط زحف المسلمون إلى الفرنج فأزعجوهم عن برشلونة وملكوها. ثم تجاوزوا الدروب من ورائها إلى البسائط بالبر الكبير فملكوا من قواعدها جزيرة أربونة وما إليها من تلك البسائط. ثم كانت فترة عند انقراض الدولة الأموية بالمشرق وبداية الدولة العباسية افتتن فيها العرب بالأندلس، وانتهز الفرنج فرصتهم فارتجعوا بلادهم إلى برشلونة فملكوها لهذا العهد مائتين من الهجرة، وولوا عليهم من قبلهم، وصار أمرها راجعا إلى ملك رومة من الفرنجة، وهو قارله الأكبر، وكان من الجبابرة. ثم ركبهم من الخلاف والمنافسة في أوقات ضعفهم واختلاف ملوكهم كالذي ركبه المسلمون من ضعفت يده من الملوك، فاقتطع الأمراء نواحيهم بكل جهة، فكان ملوك برشلونة هؤلاء ممن اقتطع عمله، وكان ملوك بني أمية لأول دولتهم يتراضون بمهادنة هؤلاء الملوك أهل برشلونة حذرا من مدد صاحب رومة. ثم صاحب القسطنطينية من ورائه. فلما كانت دولة المنصور بن أبي عامر بين اقطاع برشلونة عن ملك الفرنج، شمر المنصور لغزوهم واستباح بلادهم وأثخن في أعمالهم، وافتتح برشلونة وخربها، وأنزل بهم النقمات وملكهم لعهده بردويل بن سير وكانت حالة الظهور عليه كحاله مع سائر الملوك النصارى. ولما هلك بردويل ترك من الولد فلبة وريند وأومنقود. ثم انتقض أومنقود على عبد الملك بن المنصور فغزاه وأخذه في بعض ثغوره صلحا. ثم كانت الفتنة البربرية وحضرها أومنقود فهلك في الوقعة مع البربر سنة أربعمائة، وانفرد بيمند بملك برشلونة إلى أن هلك بعد عشر وأربعمائة، وملك ابنه يلتنفير وكفلته أمه وحاربت ٤/٢٣٥
يحيى بن منذر من ملوك الطوائف وهي التي تغلبت على ثغر طرشوشة، واتصل الملك في عقب بيمند. وكان الملك منهم لآخر دولة الموحدين جامعة بن بطرة بن أدفونش ابن ريند، وهو الذي ارتجع بلنسية وملكهم بهذا العهد اسمه بطرة. ولم يبلغني كيف اتصال نسبه بقومه. وملك بعد العشرين من هذه المائة وهو حي لهذا العهد، وابنه غالب عليه لكبر سنه. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
أخبار القائمين بالدولة العباسية من العرب المستبدين بالنواحي ونبدأ منهم ببني الأغلب ولاة افريقية وأولية أمرهم ومصاير أحوالهم
قد ذكرنا في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه شأن فتح إفريقية على يد عبد الله ابن أبي سرح، وكيف زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار العرب، ففض جموع النصرانية الذين كانوا بها من الفرنجة والروم والبربر، وهدم سبيطلة قاعدة ملكهم وخربها، واستبيحت أموالهم وسبيت نساؤهم وبناتهم، وافترق أمرهم وساخت خيول العرب في جهات إفريقية، وأثخنوا بها في أهل الكفر قتلا وأسرا حتى لقد طلب أهل إفريقية من ابن أبي سرح أن يرحل عنهم بالعرب إلى بلادهم، ويعطوه ثلاثمائة قنطار من الذهب ففعل وقفل إلى مصر سنة سبع وعشرين.
معاوية بن خديج
ثم اغزى معاوية بن أبي سفيان معاوية بن خديج السكوني. إفريقية سنة أربع وثلاثين، وكان عاملا على مصر فغزاها ونازل جلولاء، وقاتل مدد الروم الذي جاءها من قسطنطينية لقيهم بقصر الأحمر فغلبهم، وأقلعوا إلى بلادهم، وافتتح جلولاء وغنم وأثخن وقفل ٤/٢٣٦
عقبة بن نافع
ثم ولى معاوية سنة خمس وأربعين عقبة بن نافع بن عبد الله بن قيس الفهري على إفريقية واقتطعها عن معاوية بن خديج، فبنى القيروان وقاتل البربر وتوغل في أرضهم.
أبو المهاجر
ثم استعمل معاوية على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد، فعزل عقبة عن إفريقية، وولى مولاه أبا المهاجر دينارا سنة خمس وخمسين فغزا المغرب، وبلغ إلى تلمسان، وخرب قيروان عقبة وأساء عزله، وأسلم على يديه كسيلة الأوربي بعد حرب ظفر به فيها.
عقبة بن نافع ثانيا
ولما استقل يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع الى إفريقية سنة اثنتين وستين فدخل إفريقية، وقد نشأت الردة في البرابرة فزحف إليهم، وجعل مقدمته
زهير بن قيس البلوي
وفر منه الروم والفرنجة فقاتلهم، وفتح حصونهم مثل لميس وباغاية، وفتح أذنه قاعدة الزاب بعد أن قاتله ملوكها من البربر فهزمهم، وأصاب من غنائمهم وحبس أبا المهاجر فلم يزل في اعتقاله. ثم رحل إلى طنجة فأطاعه بلبان ملك غمارة، وصاحب طنجة وهاداه وأتحفه، ودله على بلاد البربر وراءه بالمغرب، مثل وليلى عند زرهون وبلاد المصامدة وبلاد السوس، وكانوا على دين المجوسية، ولم يدينوا بالنصرانية، فسار عقبة وفتح وغنم وسبى وأثخن فيهم وانتهى إلى السوس.
وقاتل مسوفة من أهل اللثام وراء السوس، ووقف على البحر المحيط وقفل راجعا، ٤/٢٣٧
وأذن لجيوشه في اللحاق بالقيروان. وكان كسيلة ملك أروبة والبرانس من البربر قد اضطغن عليه بما كان يعامله به من الاحتصار، يقال: إنه كان يحاصره في كل يوم ويأمره بسلخ الغنم إذا ذبحت لمطبخه فانتهز فيه الفرصة، وأرسل البربر فاعترضوا له في تهودا وقتلوه في ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، واستشهدوا كلهم وأسر في تلك الوقعة محمد بن أوس الأنصاري في نفر فخلصهم صاحب قفصة، وبعث بهم إلى القيروان مع من كان بها من المخلفين والذراري. ورجع زهير بن قيس إلى القيروان واعتزم على القتال وخالفه حنش بن عبد الله الصنعاني وارتحل إلى مصر واتبعه الناس فاضطر زهير إلى الخروج معهم، وانتهى إلى برقة فأقام بها مرابطا، واستأمن من كان بالقيروان إلى كسيلة فأمنهم ودخل القيروان وأقاموا في عهده.
زهير بن قيس البلوي
ولما ولي عبد الملك بن مروان بعث إلى زهير بن قيس بمكانه من برقة بالمدد، وولاه حرب البرابرة فزحف سنة سبع وستين ودخل إفريقية ولقيه كسيلة على ميس من نواحي القيروان فهزمه زهير بعد حروب صعبة، وقتله واستلحم في الوقعة كثير من أشراف البربر ورجالاتهم. ثم قفل زهير إلى المشرق زاهدا في الملك، وقال: إنما جئت للجهاد وأخاف أن نفسي تميل إلى الدنيا، وسار إلى مصر واعترضه بسواحل برقة أسطول صاحب قسطنطينية، جاءوا لقتاله فقاتلهم واستشهد رحمه الله تعالى.
حسان بن النعمان الغساني
ثم إن عبد الملك بن مروان بعد أن قتل عبد الله بن الزبير وصفا له الأمر، أمر حسان ابن النعمان الغساني بغزو إفريقية، وأمده بالعساكر، ودخل القيروان وافتتح قرطاجنة عنوة وخربها، وفر من كان بها من الروم والفرنجة إلى صقلية والأندلس. ثم اجتمعوا ٤/٢٣٨
في صطفورة وبنزرت وهزمهم ثانية. وانحاز الفل إلى باجة وبونة فتحصنوا بها. ثم سار حسان إلى الكاهنة ملكة جرارة بجبل أوراس، وهي يومئذ أعظم ملوك البربر، فحاربها، وانهزم المسلمون وأسر منهم جماعة، وأطلقتهم الكاهنة سوى خالد بن يزيد القيسي فإنها أمسكته وأرضعته مع ولديها وصيرته أخا لهما. وأخرجت العرب من إفريقية وانتهى حسان إلى برقة، وجاءه كتاب عبد الملك بالمقام حتى يأتيه المدد. ثم بعث إليه المدد سنة أربع وسبعين فسار إلى إفريقية ودس إلى خالد بن يزيد يستعمله فأطلعه على خبرهم، واستحثه فلقي الكاهنة وقتلها وملك جبل أوراس وما إليه، ودوخ نواحيه وانصرف إلى القيروان وأمن البربر. وكتب الخراج عليهم وعلى من معهم من الروم والفرنج على أن يكون معه اثنا عشر ألفا من البربر لا يفارقونه في مواطن جهاده ورجع إلى عبد الملك، واستخلف على إفريقية رجلا اسمه صالح من جنده.
موسى بن نصير
ولما ولي الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمه عبد الله، وهو على مصر ويقال عبد العزيز، أن يبعث بموسى بن نصير إلى إفريقية، وكان أبوه نصير من حرس معاوية فبعثه عبد الله، وقدم القيروان وبها صالح خليفة حسان فعقد له، ورأى البربر قد طمعوا في البلاد فوجه البعوث في النواحي، وبعث ابنه عبد الله في البحر إلى جزيرة ميورقة فغنم منها وسبى وعاد. ثم بعثه إلى ناحية أخرى وابنه مروان كذلك، وتوجه هو إلى ناحية فغنم منها وسبى وعاد. وبلغ الخمس من المغنم سبعين ألف رأس من السبي. ثم غزا طنجة وافتتح درعه وصحراء تافيلالت. وأرسل ابنه إلى السوس وأذعن البربر لسلطانه ودولته وأخذ رهائن المصامدة وأنزلهم بطنجة، وذلك سنة ثمان وثمانين، وولى عليها طارق بن زياد الليثي. ثم أجاز طارق إلى الأندلس دعاه إليها بلبان ملك غمارة فكان فتح الأندلس سنة تسعين. وأجاز موسى بن نصير على أثره فكمل فتحها كما ذكرناه. ثم قفل موسى إلى الشرق واستخلف على إفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس عبد العزيز. وهلك الوليد وولي سليمان سنة ست وتسعين فسخط موسى وحبسه ٤/٢٣٩
محمد بن يزيد
ولما ولي سليمان وحبس موسى بن نصير عن ابنه عبد الله عن إفريقية ولى مكانه محمد بن يزيد مولى قريش فلم يزل عليها حتى مات سليمان.
إسماعيل بن أبي المهاجر
ولما مات سليمان استعمل عمر بن عبد العزيز على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر وكان حسن السيرة وأسلم جميع البربر في أيامه.
يزيد بن أبي مسلم
ولما تولى يزيد بن عبد الملك، ولى على إفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج وكاتبه فقدم سنة إحدى ومائة، وأساء السيرة في البربر، ووضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة منهم تأسيا بما فعله الحجاج بالعراق فقتله البربر لشهر من ولايته. ورجعوا إلى محمد بن يزيد مولى من الأنصار الذين كان عليهم قبل إسماعيل، وكتبوا إلى يزيد بالطاعة والعذر عن قتل ابن أبي مسلم فأجابهم بالرضا وأقر محمد بن يزيد على عمله.
بشر بن صفوان الكلبي
ثم ولى يزيد على إفريقية بشر بن صفوان الكلبي فقدمها سنة ثلاث ومائة، فمهدها وسكن أرجاءها، وغزا بنفسه صقلية سنة تسع ومائة وهلك مرجعه عنها. ٤/٢٤٠
عبيدة بن عبد الرحمن
ثم عزل هشام بن عبد الملك بشر بن صفوان عن إفريقية وولى مكانه عبيدة بن عبد الرحمن السلمي وهو ابن أخي أبي الأعور فقدمها سنة عشر ومائة
عبيد الله بن الحجاب
ثم عزل هشام عبيدة بن عبد الرحمن وولى مكانه عبيد الله بن الحجاب مولى بني سلول وكان واليا على مصر، فأمره أن يمضي إلى إفريقية، واستخلف على مصر ابنه أبا القاسم، وسار إلى إفريقية فقدمها سنة أربع عشرة، وبنى جامع تونس، واتخذ لها دار الصناعة لإنشاء المراكب البحرية. وبعث إلى طنجة ابنه إسماعيل وجعل معه عمر ابن عبيد الله المرادي وبعث على الأندلس عقبة بن حجاج القيسي. وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان، وأصاب من مغانم الذهب والفضة والسبي كثيرا ودوخ بلاد المغرب وقبائل البربر ورجع. ثم أغزاه ثانية في البحر إلى صقلية سنة اثنتين وعشرين، ومعه عبد الرحمن ابن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدائن صقلية، وضرب عليهم الجزية وأثخن في سائر الجزيرة. وكان محمد بن عبيد الله بطنجة قد أساء السيرة في البربر، وأراد أن يخمس من أسلم منهم، وزعم أنه الفيء، فاجمعوا الانتقاض، وبلغهم مسير العساكر مع حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلية فسار ميسرة المظفري بدعوة الصفرية من الخوارج، وزحف إلى طنجة فقتل عمر بن عبيد الله وملكها، واتبعه البربر وبايعوه بالخلافة، وخاطبوه بأمير المؤمنين، وفشت مقالته في سائر القبائل بإفريقية وبعث ابن الحجاب إليه خالد بن حبيب الفهري فيمن بقي معه من العساكر.
واستقدم حبيب بن أبي عبيدة من صقلية ومن معه من العساكر، وبعثه في أثر خالد، ولقيهم ميسرة والبربر بناحية طنجة فاقتتلا قتالا شديدا. ثم تحاجزوا ورجع ٤/٢٤١
ميسرة إلى طنجة فكره البربر سوء سيرته فقتلوه، وولوا عليهم مكانه خالد بن حبيب الزناتي، واجتمع إليه البربر، ولقيه خالد بن حبيب في العرب وعساكر هشام فانهزموا، وقتل خالد بن حبيب وجماعة من العرب وسميت بهم غزوة الأشراف، وانتقضت إفريقية على ابن الحجاب وبلغ الخبر إلى الأندلس فعزلوا عامله عقبة بن الحجاج، وولوا عبد الملك بن قطن كما مر.
كلثوم بن عياض
ولما انتهى الخبر إلى هشام بن عبد الملك بهزيمة العساكر بالمغرب استنقص ابن الحجاب وكتب إليه يستقدمه، وولى على إفريقية سنة ثلاث وعشرين ومائة كلثوم بن عياض، وعلى مقدمته بلخ بن بشر القشيري، فأساء إلى أهل القيروان، فشكوا إلى حبيب بن أبي عبيدة وهو بتلمسان موافق للبربر، فكتب إلى كلثوم بن عياض ينهاه ويتهدده، فاعتذر واغضى له عنها، ثم سار واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة، ومر على طريق سبيبة، وانتهى إلى تلمسان ولقي حبيب بن أبي عبيدة واقتتلا، ثم اتفقا ورجعا جميعا. وزحف البرابرة إليهم على وادي طنجة، وهو وادي سوا فانهزم بلخ في الطلائع وانتهوا إلى كلثوم، فانكشف واشتد القتال وقتل كلثوم وحبيب بن أبي عبيدة وكثير من الجند، وتحيز أهل الشام إلى سبتة مع بلخ بن بشر، فحاصرهم البرابرة وأرسلوا إلى عبد الملك بن قطن أمير الأندلس في أن يجيزوا إليه، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يقيموا سنة واحدة، وأخذ رهنهم على ذلك، وانقضت السنة وطالبهم بالشرط فقتلوه وملك بلخ الأندلس. وكان عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة ابن عقبة بن نافع لما قتل أبوه حبيب مع كلثوم بن عياض، وأجاز بلخ إلى الأندلس فملكها، فأجاز عبد الرحمن إلى الأندلس يحاول ملكها. فلما جاء أبو الخطار إلى الأندلس من قبل حنظلة أيس عبد الرحمن من أمرها، ورجع إلى تونس سنة ست وعشرين ومائة وقد توفي هشام وولي الوليد بن يزيد فدعا لنفسه، وسار إلى القيروان ومنع حنظلة من قتاله، وبعث إليه وجوه الجند فانتهز عبد الرحمن الفرصة فيهم وأوثقهم لئلا يقاتله أصحابهم، وأغذ السير إلى القيروان فرحل حنظلة من إفريقية وقفل إلى المشرق سنة سبع وعشرين، واستقل عبد الرحمن بملك إفريقية وولى مروان ٤/٢٤٢
ابن محمد، فكتب له بولايتها، ثم ثارت عليه الخوارج في كل جهة فكان عمر بن عطاب الأزدي بطبنياش، وعروة بن الوليد الصغري بتونس، وثابت الصنهاجي بباجة، وعبد الجبار بن الحرث بطرابلس على رأي الإباضية، فزحف عبد الرحمن إليهما سنة إحدى وثلاثين فظفر بهما، وقتلهما، وسرح أخاه الياس لابن عطاب فهزمه وقتله، ثم زحف إلى عروة بتونس فقتله، وانقطع أمر الخوارج، وزحف سنة خمس وثلاثين إلى جموع من البربر بنواحي تلمسان فظفر بهم وقفل. ثم بعث جيشا في البحر إلى صقلية وآخر إلى سردانية فاثخنوا في أمم الفرنج حتى استقروا بالجزاء. ثم دالت دولة بني العباس وبعث عبد الرحمن بطاعته إلى السفاح. ثم إلى أبي جعفر من بعده.
ولحق كثير من بني أمية إلى إفريقية. وكان ممن قدم عليه القاضي، وعبد المؤمن ابنا الوليد بن يزيد ومعهما ابنة عم لهما، فزوجها عبد الرحمن من أخيه الياس. ثم بلغ عبد الرحمن عنهما السعي في الخلافة فقتلهما، وامتعضت لذلك ابنة عمهما، فأغرت زوجها بأخيه عبد الرحمن واستفسدته. وكان عبد الرحمن قد أرسل إلى أبي جعفر بهدية قليلة، وذهب يعتذر عنها فلم يحسن العذر، وأفحش في الخطاب فكتب إليه المنصور يتهدده، وبعث إليه بالخلعة فانتقض هو ومزق خلعته على المنبر فوجد أخوه الياس بذلك السبيل إلى ما كان يحاول عليه، وداخل وجوها من الجند في الفتك بعبد الرحمن وإعادة الدعوة للمنصور، ومالأه في ذلك أخوه عبد الوارث، وفطن عبد الرحمن لهما فأمر الياس بالمسير إلى تونس، وجاء ليودعه ومعه أخوه عبد الوارث فقتلاه في آخر سبع وثلاثين لعشر سنين من إمارته.
حبيب بن عبد الرحمن
ولما قتل عبد الرحمن نجا ابنه حبيب إلى تونس فلحق به بعد أن طلبوه وضبطوا أبواب القصر ليأخذوه فلم يظفروا به. وكان عمه عمران بن حبيب بتونس فلحق به، واتبعه الياس فاقتتلوا مليا ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقصطيلة ونفزاوة، ولعمران تونس وصطفورة، وهي تبرزو والجزيرة، ولإلياس سائر إفريقية. وتم هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين. وسار حبيب إلى عمله ببلاد الجريد، وسار الياس مع أخيه ٤/٢٤٣
عمران الى تونس فغدر بعمران وقتله وجماعة من الأشراف معه، وعاد الى القيروان.
وبعث بطاعته إلى أبي جعفر المنصور مع عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي إفريقية. ثم سار حبيب إلى تونس فملكها وجاءه عمه الياس فقاتله، وخالفه حبيب إلى القيروان فدخلها وفتق السجون فرجع الياس في طلبه، وفارقه أكثر أصحابه إلى حبيب، فلما تواقفا دعاه حبيب إلى البراز فتبارزا وقتله حبيب ودخل القيروان وملكها آخر سنة ثمان وثلاثين، ونجا عمه الآخر عبد الوارث إلى وربجومة من قبائل البربر، وكبيرهم يومئذ عاصم بن جميل، وكان كاهنا ويدعي النبوة فأجار عبد الوارث، وقاتلهم حبيب فهزموه إلى قابس واستفحل أمرهم وكتب من كان بالقيروان من العرب إلى عاصم بن جميل يدعونه للولاية عليهم، واستخلفوه على الحماية والدعاء للمنصور فلم يجب إلى ذلك. وقاتلهم فهزمهم، واستباح القيروان وخرب المساجد واستهانها. ثم سار إلى حبيب بن عبد الرحمن بقابس فقاتله وهزمه، ولحق حبيب بجبل أوراس فأجاره أهله، وجاء عاصم فقاتلهم فهزموه، وقتل جماعة من أصحابه. وقام بأمر وربجومة والقيروان من بعده عبد الملك، وقتله سنة أربعين ومائة. وكانت إمارة الياس على إفريقية سنة ونصفا، وإمارة حبيب ثلاث سنين.
عبد الملك بن أبي الجعد الوربجومي
ولما قتل عبد الملك بن أبي الجعد حبيب بن عبد الرحمن رجع في قبائل وربجومة إلى القيروان وملكها، واستولت وربجومة على إفريقية، وساروا في أهل القيروان بالعسف والظلم كما كان عاصم واسوأ منه. وافترق أهل القيروان بالنواحي فرارا بأنفسهم، وشاع خبرهم في الآفاق فخرج بنواحي طرابلس عبد الأعلى بن السمح المغافري الإباضي منكرا لذلك وقصد طرابلس وملكها.
عبد الأعلى بن السمح المغافري
ولما ملك عبد الأعلى مدينة طرابلس بعث عبد الملك بن أبي الجعد العساكر لقتاله ٤/٢٤٤
سنة إحدى وأربعين، فلقيهم أبو الخطاب وهزمهم وأثخن فيهم، واتبعهم إلى القيروان فملكها وأخرج وربجومة منها واستخلف عليها عبد الرحمن بن رستم، وسار إلى طرابلس للقاء العساكر القادمة من ناحية أبي جعفر.
محمد بن الأشعث الخزاعي
كان أبو جعفر المنصور لما وقع بإفريقية ما وقع من الفتنة وملك قبائل وربجومة القيروان، وفد عليه رجالات من جند إفريقية يشكون ما نزل بهم من وربجومة، ويستصرخونه فولى على مصر وإفريقية محمد بن الأشعث الخزاعي فنزل مصر وبعث على إفريقية أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي. وسار في مقدمته فلقيه أبو الخطاب عبد الأعلى بسرت، ودهمه بالعساكر ومعهم الأغلب بن سالم بن عقال ابن خفاجة بن سوادة التميمي فسار لذلك، ولقي أبا الخطاب بسرت ثانية، فانهزم أبو الخطاب وقتل عامة أصحابه وذلك سنة أربع وأربعين. وبلغ الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم بالقيروان ففر عنها إلى تاهرت وبنى هنالك مدينة ونزلها، وقام ابن الأشعث فافتتح طرابلس واستعمل عليها المخارق غفارا الطائي، وقام بأمر إفريقية وضبطها. وولى على طبنة والزاب الأغلب بن سالم. ثم ثارت عليه المضرية وأخرجوه سنة ثمان وأربعين فقفل إلى المشرق الأغلب بن سالم. ولما قفل ابن الأشعث إلى المشرق ولى على المضرية عيسى بن موسى الخراساني، فبعث أبو جعفر المنصور الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي بعده على إفريقية، وكان من أصحاب أبي مسلم بخراسان. وقدم مع ابن الأشعث فولاه على الزاب وطبنة، فقدم القيروان وسكن الناس. ثم خرج عليه أبو قرة اليفرني في جموع البربر فهرب وسكن أبو قرة اليفرني، فأبى عليه الجند وخلعوه، وكان الحسن بن حرب الكندي بقابس فكاتب الجند وثبطهم عن الأغلب فلحقوا به وأقبل بهم إلى القيروان فملكها ولحق الأغلب بقابس. ثم رجع إلى إقبال الحسن بن حرب سنة خمسين فهزمه، وسار إلى القيروان فكر عليه الحسن دونها واقتتلوا، وأصاب الأغلب سهم فقتله، وقدم أصحابه عليهم المغافر بن غفار الطائي الذي كان على طرابلس، وحملوا على الحسن فانهزم أمامهم إلى تونس. ثم لحق بكتامة وخيل المخارق في اتباعه. ثم رجع إلى تونس بعد شهرين ٤/٢٤٥
فقتله الجند، وقيل أصحاب الأغلب قتلوه في الموقف الذي قتل فيه الأغلب. وقام بأمر إفريقية المخارق بن غفار إلى أن كان ما نذكره.
عمر بن حفص هزارمرد
ولما بلغ أبا جعفر المنصور قتل الأغلب بن سالم بعث على إفريقية مكانه عمر بن حفص هزارمرد من ولد قبيصة بن أبي هفرة أخي المهلب، فقدمها سنة إحدى وخمسين فاستقامت أموره ثلاث سنين. ثم سار لبناء السور على مدينة طبنة واستخلف على القيروان أبا حازم حبيب بن حبيب المهلبي، فلما توجه لذلك ثار البربر بإفريقية وغلبوا على من كان بها وزحفوا إلى القيروان وقاتلوا أبا حازم فقتلوه واجتمع البربر الإباضية بطرابلس، وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب الإباضي مولى كندة، وكان على طرابلس الجنيد بن بشار الأسدي من قبل عمر بن حفص فأمده بالعساكر، وقاتلوا أبا حازم فهزمهم وحصرهم بقابس، وانقضت إفريقية من كل ناحية. ثم ساروا في عسكر إلى طبنة وحاصروا بها عمر بن حفص، فيهم أبو قرة اليعقوبي في أربعين ألفا من الصفرية وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألفا من الإباضية جاءوا معه، والمسور الزناتي في عشرة آلاف من الإباضية وأمم من الخوارج من صنهاجة وزناتة وهوارة ما لا يحصى، فدافعهم عمر بن حفص بالأموال، وفرق كلمتهم، وبذل لأصحاب أبي قرة مالا فانصرفوا. واضطر أبو قرة لاتباعهم، فبعث عمر جيشا إلى ابن رستم وهو بتهودا فانهزم إلى تاهرت وضعف الإباضية عن حصار طبنة فأفرجوا عنها، وسار أبو حاتم إلى القيروان وحاصرها ثمانية أشهر، واشتد حصارها وسار عمر بن حفص وجهز العساكر لطبنة فخالفه أبو قرة إلى طبنة فهزموه.
وبلغ أبا حاتم وأصحابه وهو على القيروان مسير عمر بن حفص إليهم فساروا للقائه، فمال هو من الأربس إلى تونس. ثم جاء إلى القيروان فدخلها واستعد للحصار واتبعه أبو حاتم والبربر فحاصروه إلى أن جهده الحصار، وحرج لقتالهم مستميتا فقتل آخر سنة أربع وخمسين، وولى مكانه أخوه لأمه حميد بن صخر فوادع أبا حاتم على أن يقيم دعوة العباسية بالقيروان وخرج أكثر الجند إلى طبنة وأحرق أبو حاتم أبواب القيروان وثلم سورها ٤/٢٤٦
يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب
ولما بلغ المنصور انتقاض إفريقية على عمر بن حفص وحصاره بطبنة ثم بالقيروان، بعث إليه يزيد بن أبي حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة في ستين ألف مقاتل. وبلغ خبره عمر بن حفص فحمله ذلك على الاستماتة حتى قتل، وسار يزيد ابن حاتم فقدم عليها وأبو حاتم يعقوب بن حبيب مستول عليها، فسار إلى طرابلس للقائه، واستخلف على القيروان عمر بن عثمان الفهري فانتقض وقتل أصحابه.
وخرج المخارق بن غفار، فرجع إليهما أبو حاتم ففرا من القيروان ولحقا بجيجل من سواحل كتامة فتركهما، واستخلف على القيروان عبد العزيز بن السبع المغافري، وسار للقاء يزيد. وسار يزيد إلى طرابلس فلحق أبو حاتم بجبال نفوسة، واتبعته عساكر يزيد فهزمهم فسار إليه يزيد بنفسه، وقاتله قتالا شديدا فانهزم البربر، وقتل أبو حاتم في ثلاثين ألفا من أصحابه، وتتبعهم يزيد بالقتل بثأر عمر بن حفص. ثم ارتحل إلى القيروان فدخلها منتصف سنة خمس وخمسين. وكان عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن الفهري مع أبي حاتم فلحق بكتامة، وبعث يزيد في طلبه فحاصروهم ثم ظفروا بهم. وهرب عبد الرحمن وقتل جميع من كان معه وبعث يزيد المخارق ابن غفار على الزاب، ونزل طبنة وأثخن في البربر في وقائع كثيرة مع وربجومة وغيرهم الى ان هلك يزيد سنة سبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد. وقام بأمره ابنه داود فخرج عليه البربر، وأوقع بهم ورجع إلى القيروان إلى أن كان من أمره ما نذكره.
أخوه روح بن حاتم
ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم، وكان أخوه روح على فلسطين استقدمه وعزاه في أخيه وولاه على إفريقية فقدمها منتصف إحدى وسبعين. وسار داود ابن أخيه يزيد إلى الرشيد. وكان يزيد قد أذل الخوارج ومهد البلاد فكانت ساكنة أيام روح، ورغب في موادعة عبد الوهاب بن رستم وكان من الوهبية فوادعه، ثم هلك روح في ٤/٢٤٧
رمضان سنة أربع وسبعين، وكان الرشيد قد بعث بعهده سرا إلى نصر بن حبيب من قرابتهم، فقام بالأمر بعد روح إلى أن ولي الفضل.
ابنه الفضل بن روح
ولما توفي روح بن حاتم قام حبيب بن نصر مكانه، وسار ابنه الفضل إلى الرشيد فولاه على إفريقية مكان أبيه فعاد إلى القيروان في محرم سنة سبع وسبعين، واستعمل على تونس المغيرة ابن أخيه بشر بن روح، وكان غلاما غرا فاستخف بالجند، واستوحشوا من الفضل لما أساء فيهم السيرة، وأخذهم بموالاة حبيب بن نصر فاستعفى أهل تونس من المغيرة فلم يعفهم، فانتقضوا وقدموا عليهم عبد الله بن الجارود، ويعرف بعبد ربه الأنباري، وبايعوه على الطاعة، وأخرجوا المغيرة، وكتبوا إلى الفضل أن يولي عليهم من أراد فولى عليهم ابن عمه عبد الله بن يزيد بن أبي حاتم، وسار إلى تونس. ولما قاربها بعث ابن الجارود جماعة لتلقيه، واستفهامه في أي شيء جاء فعدوا عليه وقتلوه افتئاتا بذلك على ابن الجارود، واضطر إلى إظهار الخلاف، وتولى كبر ذلك محمد بن الفارسي من قواد الخراسانية، وكتب إلى القواد والعمال في النواحي، واستفسدهم على الفضل. وكثر جموع ابن الجارود، وخرج الفضل فانهزم واتبعه ابن الجارود، واقتحم عليه القيروان. ووكل به وبأهله من يوصلهم إلى قابس. ثم رده من طريقه وقتله منتصف ثمان وسبعين. ورجع ابن الجارود إلى تونس، وامتعض لقتل الفضل جماعة من الجند وفي مقدمهم مالك بن المنذر ووثبوا بالقيروان فملكوها، وسار إليهم ابن الجارود من تونس فقتلهم، وقتل مالك بن المنذر وجماعة من أعيانهم، ولحق فلهم بالأندلس، فقدموا عليهم الصلت بن سعيد، وعادوا إلى القيروان واضطربات إفريقية.
خزيمة بن أعين
ولما بلغ الرشيد مقتل الفضل بن روح، وما وقع بإفريقية من الاضطراب، ولى ٤/٢٤٨
مكانه خزيمة بن أعين، وبعث إلى ابن الجارود يحيى بن موسى لمحله عند أهل خراسان. ويقال يقطين يرغبه في الطاعة، فأجابه بشرط الفراغ من العلاء بن سعيد. وعلم يقطين أنه يغالطه فداخل صاحبه محمد بن الفارسي، واستماله فنزع عن ابن الجارود. وخرج ابن الجارود من القيروان فرارا من العلاء في محرم سنة تسع وسبعين لسبعة أشهر من ولايته، وسار للقاء ابن الفارسي من القيروان، وتزاحفا للقتال فدعا ابن الجارود ابن الفارسي إلى خلوة، وقد دس رجلا من أصحابه يغتاله في خلوتهما فقتله، وانهزم أصحابه وسابق العلاء بن سعيد ويقطين إلى القيروان فسبق إليها العلاء وملكها وفتك في أصحابه ابن الجارود ولحق ابن الجارود بهرثمة فبعث به إلى الرشيد، وكتب إليه أن العلاء بن سعيد هو الذي أخرجه من القيروان فأمره بأن يبعث بالعلاء فبعث به مع يقطين، فاعتقل ابن الجارود وأحسن إلى العلاء إلى أن توفي بمصر. وسار هرثمة إلى القيروان فقدمها سنة سبع وسبعين فأمن الناس وسكنهم، وبني القصر الكبير بالمنستير لسنة من قدومه، وبنى السور على طرابلس مما يلي البحر. وكان
إبراهيم بن الأغلب
عاملا على الزاب وطبنة فهاداه، ولاطفه فعقد له على عمله فقام بأمره وحسن أثره. ثم خرج عليه عياض بن وهب الهواري وكليب ابن جميع الكلبي، وجمعا الجموع فسرح هرثمة إليهما يحيى بن موسى من قواد الخراسانية ففرق جموعهما، وقتل كثيرا من أصحابهما، ورجع إلى القيروان. ولما رأى هرثمة كثرة الثوار والخلاف بإفريقية استعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه، ورجع إلى العراق لسنتين ونصف من ولايته.
محمد بن مقاتل الكعبي
ثم بعث الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل الكعبي، وكان صنيعه، فقدم القيروان في رمضان سنة إحدى وثمانين، فكان مسيء السيرة، فاختلف عليه الجند وقدموا مخلد بن مرة الأزدي، فبعث إليه العساكر فهزم وقتل. ثم خرج عليه بتونس تمام ابن تميم التميمي سنة ثلاث وثمانين، واجتمع إليه الناس، وسار إلى القيروان فخرج إليه محمد بن مقاتل ولقيه فانهزم أمامه ورجع إلى القيروان، وتمام في اتباعه إلى أن ٤/٢٤٩
دخل عليه القيروان، وأمنه تمام على أن يخرج عن إفريقية، فسار محمد إلى طرابلس، وبلغ الخبر إلى إبراهيم بن الأغلب بمكانه من الزاب فانتقض لمحمد، وسار بجموعه إلى القيروان وهرب تمام بين يديه إلى تونس، وملك القيروان واستقدم محمد بن مقاتل من طرابلس، وأعاده إلى إمارته بالقيروان آخر ثلاث وثمانين، وزحف تمام لقتالهم فخرج إليه إبراهيم بن الأغلب بأصحابه فهزمه، وسار في اتباعه إلى تونس. واستأمن له تمام فأمنه وجاء به إلى القيروان وبعث به إلى بغداد فاعتقله الرشيد.
إبراهيم بن الأغلب
ولما استوثق الأمر لمحمد بن مقاتل كره أهل البلاد ولايته، وداخلوا إبراهيم بن الأغلب في أن يطلب من الرشيد الولاية عليهم، فكتب إبراهيم إلى الرشيد في ذلك على أن يترك المائة ألف دينار التي كانت من مصر إلى إفريقية، وعلى أن يحمل هو من إفريقية أربعين ألفا. وبلغ الرشيد غناؤه في ذلك واستشار فيه أصحابه فأشار هرثمة بولايته، فكتب له بالعهد إلى إفريقية منتصف أربع وثمانين فقام إبراهيم بالولاية، وضبط الأمور وقفل ابن مقاتل إلى المشرق، وسكنت البلاد بولاية ابن الأغلب، وابتنى مدينة العباسية قرب القيروان، وانتقل إليها بجملته. وخرج عليه سنة ست وثمانين بتونس حمديس من رجالات العرب، ونزع السواد، فسرح إليه ابن الأغلب عمران بن مجالد في العساكر فقاتله وانهزم حمديس، وقتل من أصحابه نحو عشرة آلاف. ثم صرف همه إلى تمهيد المغرب الأقصى، وقد ظهر فيه دعوة العلوية بإدريس بن عبد الله. وتوفي ونصب البرابرة ابنه الأصغر، وقام مولاه راشد بكفالته.
وكبر إدريس واستفحل أمره براشد، فلم يزل إبراهيم يدس إلى البربر ويسرب فيهم الأموال حتى قتل راشد وسيق رأسه إليه. ثم قام بأمر إدريس بعده بهلول بن عبد الرحمن المظفر من رءوس البربر فاستفحل أمره، فلم يزل إبراهيم يتلطفه ويستميله بالكتب والهدايا، الى أن انحرف عن دعوة الأدارسة إلى دعوة العباسية فصالحه إدريس، وكتب إليه يستعطفه بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف عنه. ثم خالف أهل طرابلس على إبراهيم بن الأغلب سنة تسع وثمانين، وثاروا ٤/٢٥٠
بعاملهم سفيان بن المهاجر، وأخرجوه من داره إلى المسجد وقتلوا عامة أصحابه. ثم أمنوه على أن يخرج من طرابلس فخرج سفيان لشهر من ولايته، واستعملوا عليهم إبراهيم بن سفيان التميمي، فبعث إليهم إبراهيم بن الأغلب العساكر وهزمهم، ودخل طرابلس عسكره. ثم استحضر إبراهيم الذين تولوا كبر ذلك، فحضروا في ذي الحجة آخر السنة، وعفا عنهم وأعادهم إلى بلدهم. ثم انتقض عمران بن مجالد الربعي سنة خمس وتسعين على ابن الأغلب، وكان بتونس، واجتمع معه على ذلك قريش بن التونسي، وكثرت جموعهما، وسار عمران إلى القيروان فملكها، وقدم عليه قريش من تونس، وخندق إبراهيم على نفسه بالعباسية فحاصروه سنة كاملة، كانت بينه وبينهم حروب كان الظفر في آخرها لابن الأغلب. وكان عمران يبعث إلى أسد بن الفرات القاضي في الخروج إليهم وامتنع. ثم بعث الرشيد إلى إبراهيم بالمال فنادى في الناس بالعطاء، ولحق به أصحاب عمران، وانتقض أمره ولحق بالزاب، فأقام به إلى أن توفي ابن الأغلب. ثم بعث إبراهيم على طرابلس ابنه عبد الله سنة ست وتسعين، فثار عليه الجند وحاصروه بداره. ثم أمنوه على أن يخرج عنهم فخرج، واجتمع إليه الناس وبذل العطاء وأتاه البربر من كل ناحية. وزحف إلى طرابلس فهزم جندها ودخل المدينة. ثم عزله أبوه وولى سفيان بن المضاء فثارت هوارة بطرابلس، وهجموا الجند فلحقوا بإبراهيم بن الأغلب وأعاد معهم ابنه عبد الله في ثلاثة عشر ألفا من العساكر ففتك بهوارة وأثخن فيهم، وجدد سور طرابلس. وبلغ الخبر إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم فجمع البربر وجاء إلى طرابلس فحاصرها وسد عبد الوهاب باب زناتة، وكان يقاتل من باب هوارة. ثم جاءه الخبر بوفاة أبيه فصالحهم على أن يكون البلد والبحر لعبد الله، وأعمالها لعبد الوهاب، وسار إلى القيروان، وكانت وفاة إبراهيم في شوال سنة ست وتسعين.
ابنه أبو العباس عبد الله
ولما توفي إبراهيم بن الأغلب عهد لابنه عبد الله، وكان غائبا بطرابلس والبربر يحاصرونه كما ذكرناه، وأوصى ابنه الآخر زيادة الله أن يبايع له بالإمارة ففعل، وأخذ له البيعة ٤/٢٥١
على الناس بالقيروان. وكتب إليه بذلك فقدم أبو العباس عبد الله في صفر سنة سبع وتسعين، ولم يرع حق أخيه فيما فعله. وكان ينتقصه ولم يكن في أيامه فتنة بما مهد له أبوه الأمر. وكان جائرا حتى قيل: إن مهلكه كان بدعوة حفص بن حميد من الأولياء الصالحين من أهل حمود ومهريك، وفد عليه في جماعة من الصالحين يشكو ظلامة. فلم يصغ إليهم فخرج حفص يدعو عليه، وهم يؤمنون فأصابته قرحة في أذنه عن قريب هلك منها في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين لخمس سنين من ولايته.
أخوه زيادة الله
ولما توفي أبو العباس ولي مكانه أخوه زيادة الله، وجاءه التقليد من قبل المأمون، وكتب إليه يأمره بالدعاء لعبد الله بن طاهر على منابره فغضب من ذلك، وبعث مع الرسول بدنانير من سكة الأدارسة يعرض له بتحويل الدعوة. ثم استأذنه قرابته في الحج وهم أخوه الأغلب وأبناء أخيه أبي العباس محمد وأبو محمد بهر وإبراهيم أبو الأغلب، فأذن لهم وانطلقوا لقضاء فرضهم فقضوه، وأقاموا بمصر حتى وقعت بين زيادة الله وبين الجند الحروب فاستقدمهم، واستوزر أخاه الأغلب وهاجت الفتن.
واستولى كل رئيس بناحية فملكوها عليه كلها وزحفوا إلى القيروان فحصروه، وكان فاتحة الخلاف زياد بن سهل بن الصقلية، خرج سنة سبع ومائتين وجمع وحاصر مدينة باجة فسرح إليه العساكر فهزموه وقتلوا أصحابه. ثم انتقض منصور الترمذي بطبنة، وسار إلى تونس فملكها وكان العامل عليها إسماعيل بن سفيان، وسفيان أخو الأغلب فقتله لتستخلص له طاعة الجند. وسرح زيادة الله العساكر من القيروان مع غلبون ابن عمه ووزيره اسمه الأغلب بن عبد الله بن الأغلب وتهددهم بالقتل إن انهزموا فهزمهم منصور، وخشوا على أنفسهم ففارقوا الوزير غلبون، وافترقوا على إفريقية، واستولوا على باجة والجزيرة وصطفورة والأربس وغيرها. واضطربت إفريقية، ثم اجتمعوا إلى منصور، وسار بهم إلى القيروان فملكها، وحاصره في العباسية أربعين يوما، وعمروا سور القيروان الذي خربه إبراهيم بن الأغلب. ثم خرج إليه زيادة الله فقاتله فهزمه، ولحق بتونس وخرب زيادة الله سور القيروان. ٤/٢٥٢
ولحق قواد الجند بالبلاد التي تغلبوا عليها، فلحق منهم عامر بن نافع الأزرق بسبيبة . وسرح زيادة الله سنة تسع ومائتين عسكرا مع محمد بن عبد الله بن الأغلب فهزمهم عامر وعادوا، ورجع منصور إلى تونس ولم يبق على طاعة زيادة الله من إفريقية إلا تونس والساحل وطرابلس ونفزاوة . وبعث الجند إلى زيادة الله بالأمان وأن يرتحل عن إفريقية، وبلغه أن عامر بن نافع يريد نفزاوة وأن برابرتها دعوه، فسرح إليهم مائتي مقاتل لمنع عامر بن نافع فرجع عامرا عنها، وهزمه إلى قسطيلة ورجع. ثم هرب عنها واستولى سفيان على قسطيلة وضبطها. وذلك سنة تسع ومائتين، واسترجع زيادة الله قسطيلة والزاب وطرابلس واستقام أمره. ثم وقعت الفتنة بين منصور الطبندي وبين عامر بن نافع، لأن منصورا كان يحسده ويضغن عليه فاستمال عامر الجند وحاصره بقصره بطبندة حتى استأمن إليه على أن يركب إلى الشرق. وأجابه إلى ذلك وخرج منصور من طبندة منهزما. ثم رجع فحاصره عامر حتى استأمن إليه ثانيا على يد عبد السلام بن المفرج من قواد الجند، وأخذ له الأمان من عامر على أن يركب البحر إلى المشرق فأجابه عامر وبعثه مع ثقاته إلى تونس وأوصى ابنه. وكان يغريه أن يقتله إذا مر به فقتله، وبعث برأسه ورأس ابنه. وأقام عامر بن نافع بمدينة تونس إلى أن توفي سنة أربع عشرة. ورجع عبد السلام بن المفرج إلى باجة فأقام بها إلى أن انتقض فضل بن أبي العين بجزيرة شريك سنة ثمان عشرة ومائتين، فسار إليه عبد السلام بن المفرج الربعي، وجاءت عساكر زيادة الله فقاتلوهما، وقتل عبد السلام، وانهزم فضل إلى مدينة تونس وامتنع بها، وحاصرته العساكر حتى اقتحموها عليه، وقتلوا كثيرا من أهلها وهرب آخرون حتى أمنهم زيادة الله وعادوا، وفي سنة تسع عشرة ومائتين فتح أسد بن الفرات صقلية، كانت صقلية من عمالات الروم وأمرها راجع الى صاحب قسطنطينية، وولى عليها سنة إحدى عشرة ومائتين بطريقا اسمه قسنطيل، واستعمل على الأسطول قائدا من الروم حازما شجاعا فغزا سواحل إفريقية وانتهبها. ثم بعد مدة كتب ملك الروم إلى قسنطيل يأمره بالقبض ٤/٢٥٣
على مقدم الأسطول وقتله. ونمي الخبر إليه بذلك فانتقض، وتعصب له أصحابه، وسار إلى مدينة سرقوسة من بلاد صقلية فملكها، وقاتله قسنطيل فهزمه القائد ودخل مدينة تطانية فأتبعه جيشا أخذوه وقتلوه، واستولى القائد على صقلية فملكها وخوطب بالملك. وولى على ناحية من الجزيرة رجلا اسمه بلاطة، وكان ميخاييل ابن عم بلاطة على مدينة بليرم، فانتقض هو وابن عمه على القائد، واستولى بلاطة على مدينة سرقوسة، وركب القائد في أساطيله إلى إفريقية مستنجدا بزيادة الله، فبعث معهم العساكر واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان فخرجوا في ربيع سنة اثنتي عشرة فنزلوا بمدينة مأزر، وساروا إلى بلاطة ولقيهم القائد وجميع الروم الذين بها استمدهم فهزموا بلاطة والروم الذين معه، وغنموا أموالهم. وهرب بلاطة إلى فلونرة فقتل، واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى قلعة الكرات، وقد اجتمع بها خلق كثير فخادعوا القاضي أسد بن الفرات في المراودة على الصلح وأداء الجزية، حتى استعدوا للحصار، ثم امتنعوا عليه فحاصرهم وبعث السرايا في كل ناحية، وكثرت الغنائم وحاصروا سرقوسة برا وبحرا، وجاءه المدد من إفريقية وحاصروا بليرم. وزحف الروم إلى المسلمين وهم يحاصرون سرقوسة قد بعثوهم، واشتد حصار المسلمين بسرقوسة، ثم أصاب معسكرهم الفناء وهلك كثير منهم، ومات أسد بن الفرات أميرهم ودفن بمدينة قصريانة، ومعهم القائد الذي جاء يستنجدهم فخادعه أهل قصريانة وقتلوه. وجاء المدد من القسطنطينية فتصافوا مع المسلمين، وهزموهم، ودخل فلهم إلى قصريانة. ثم توفي محمد بن الحواري أمير المسلمين، وولي بعده زهير بن عوف. ثم محص الله المسلمين فهزمهم الروم مرات وحصروهم في معسكرهم حتى جهدهم الحصار، وخرج من كان في كبركيت من المسلمين بعد أن هدموها وساروا إلى مأزر. وتعذر عليهم الوصول إلى إخوانهم وأقاموا كذلك إلى سنة أربع عشرة إلى أن أشرفوا على الهلاك، فوصلت مراكب افريقية مددا وأسطول من الأندلس خرجوا للجهاد. واجتمع منهم ثلاثمائة مركب فنزلوا الجزيرة، وأفرج الروم عن حصار المسلمين وفتح المسلمون مدينة بليرم بالأمان سنة سبع عشرة ومائتين. ثم ساروا سنة تسع عشرة إلى مدينة قصريانة وهزموا الروم ٤/٢٥٤
عليها سنة عشرين ومائتين. ثم بعثوا إلى طرميس. ثم بعث زيادة الله الفضل بن يعقوب في سرية إلى سرقوسة فغنموا. ثم سارت سرية أخرى واعترضها بطريق صقلية فامتنعوا منه في وعر وخمل من الشعراء، حتى يئس منهم وانصرف على غير طائل فحمل عليهم أهل السرية وانهزموا، وسقط البطريق عن فرسه فطعن وجرح، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب ومتاع. ثم جهز زيادة الله إلى صقلية إبراهيم بن عبد الله بن الأغلب في العساكر، وولاه أميرا عليها فخرج منتصف رمضان، وبعث اسطولا فلقي أسطولا للروم فغنمه، وقتل من كان فيه. وبعث أسطولا آخر إلى قصوره فلقي أسطولا فغنمه وسارت سرية إلى جبل النار والحصون التي في نواحيها، وكثر السبي بأيدي المسلمين. وبعث الأغلب سنة إحدى وعشرين أسطولا نحو الجزائر فغنموا وعادوا. وبعث سرية إلى قطلبانة وأخرى إلى قصريانة كان فيهما التمحيص على المسلمين. ثم كانت وقعة أخرى كان فيها الظفر للمسلمين. وغنم المسلمون من أسطولهم تسع مراكب، ثم عثر بعض المسلمين على عورة من قصريانة فدل المسلمين عليها، ودخلوا منها البلد، وتحصن المشركون بحصنه حتى استأمنوا وفتحه الله، وغنم المسلمون غنائمه، وعادوا إلى بليرم إلى أن وصلهم الخبر بوفاة زيادة الله فوهنوا أولا.
ثم انشطوا وعادوا إلى الصبر والجهاد وكانت وفاة زيادة الله منتصف سنة ثلاث وعشرين ومائتين لإحدى وعشرين سنة ونصف من ولايته.
أخوهما أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب
ولما توفي زيادة الله بن إبراهيم، تولى أخوه الأغلب ويكنى أبا عقال فأحسن إلى الجند، وأزال المظالم وزاد العمال في أرزاقهم وكفهم عن الرعية! وخرج عليه بقسطيلة خوارج زواغة ولواتة وبسكاسة وقتلوا عاملها بها، وبعث إليهم العساكر فقتلهم واستأصلهم. وبعث سنة أربع وعشرين سرية إلى صقلية فغنموا وعادوا ظافرين. وفي سنة خمس وعشرين استأمن للمسلمين عدة حصون من صقلية فأمنوهم، وفتحوها صلحا وسار أسطول المسلمين إلى قلورية ففتحوها، ولقوا أسطول ٤/٢٥٥
القسطنطينية فهزموهم. وفي سنة ست وعشرين سارت سرايا المسلمين بصقلية إلى قصريانة، ثم حصن القيروان وأثخنوا في نواحيها كما نذكره. ثم توفي الأغلب بن إبراهيم في ربيع من سنة ست وعشرين ومائتين لسنتين وسبعة أشهر من إمارته.
ابنه أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم
ولما توفي أبو عقال الأغلب ولي بعده ابنه أبو العباس ودانت له إفريقية، وشيد مدينة بقرب تاهرت وسماها العباسية وذلك سنة سبع وعشرين، وأحرقها أفلح بن عبد الوهاب بن رستم. وكتب إلى صاحب الأندلس يتقرب إليه بذلك فبعث إليه بمائة ألف درهم. وفي أيامه ولي سحنون القضاء سنة أربع وثلاثين ومائتين بعد عزل ابن الجواد، وضربه سحنون فمات. ومات سحنون سنة أربعين ومائتين، وثار عليه أخوه أبو جعفر وغلبه. ثم اتفقا على أن يستوزره فاستبد عليه، وقتل وزراءه ومكث على ذلك. ثم أقام أبو العباس محمد بأمره واستبد سنة ثلاث وأربعين بعد أن استعد لذلك رجالا، وحارب أخوه أبو جعفر فغلبه محمد وانتقض عليه وأخرجه من إفريقية إلى مصر سنة ست وأربعين ومائتين لستة عشر شهرا من ولايته.
ابنه أبو إبراهيم أحمد بن أبي العباس محمد
لما توفي أبو العباس محمد بن أبي عقال سنة اثنتين وأربعين، ولي مكانه ابنه أبو إبراهيم أحمد فأحسن السيرة وأكثر العطاء للجند، وكان مولعا بالعمارة فبنى بإفريقية نحوا من عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس وأبواب الحديد. واتخذ العبيد جندا وخرج عليه بناحية طرابلس خوارج من البربر فغلبهم عاملها، وهو يومئذ أخوه عبد الله بن محمد بن الأغلب، سرح إليهم أخاهما زيادة الله يحاربهم، واستلحمهم وكتب إلى أخيه أبي إبراهيم بالفتح. وفي أيامه افتتحت قصريانة من مدن صقلية في شوال سنة أربع وأربعين، وبعث بفتحها إلى المتوكل، وأهدى له من سبيها. ثم توفي إبراهيم هذا سنة تسع وأربعين لثمان سنين من ولايته. ٤/٢٥٦
ابنه زيادة الله الأصغر بن أبي إبراهيم بن أحمد
ولما توفي أبو إبراهيم ولي مكانه ابنه زيادة الله، ويعرف بزيادة الله الأصغر فجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه. وتوفي سنة خمسين لحول من ولايته.
أخوه أبو الغرانيق بن أبي إبراهيم بن أحمد
ولما توفي زيادة الله كما قدمناه ولي مكانه أخوه محمد ويلقب بأبي الغرانيق فغلب عليه اللهو والشراب. وكانت في أيامه حروب وفتن. وفتح جزيرة مالطة سنة خمس وخمسين. وتغلب الروم على مواضع من جزيرة صقلية، وبنى محمد حصونا ومحارس على ساحل البحر بالمغرب على مسيرة خمسة عشر يوما من برقة إلى جهة المغرب وهي الآن معروفة. ثم توفي أبو الغرانيق منتصف إحدى وستين لإحدى عشرة سنة من ولايته.
بقية أخبار صقلية
وفي سنة ثمان وعشرين سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر ونزل مرسى مسينة وحاصرها فامتنعت عليه، وبث السرايا في نواحيها فغنموا. ثم بعث طائفة من عسكره وجاءوا إلى البلد من وراء جبل مطل عليه، وهم مشغولون بقتاله فانهزموا، وأعطوا باليد ففتحها. ثم حاصر سنة اثنتين وثلاثين مدينة لسى، وكاتب أهلها بطريق صقلية يستمدونه فأجابهم وأعطاهم العلامة بإيقاد النار على الجبل. وبلغ ذلك الفضل بن جعفر فأوقد النار على الجبل، وأكمن لهم من ناحيته فخرجوا واستطرد لهم حتى جاوزوا الكمين، فخرجوا عليهم، فلم ينج منهم إلا القليل، وسلموا البلد على الأمان. وفي سنة ثلاث وثلاثين أجاز المسلمون إلى أرض أنكبردة من البر الكبير، وملكوا منها مدينة وسكنوها، وفي سنة أربع وثلاثين صالح أهل رغوس، ابن خلدون م 17 ج 4 ٤/٢٥٧
وسلموا المدينة للمسلمين فهدموها بعد أن حملوا جميع ما فيها. وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي أمير صقلية محمد بن عبد الله بن الأغلب، واجتمع المسلمون بعده على ولاية العباس بن الفضل بن يعقوب بعد موت أميرهم. وكتب له محمد بن الأغلب بعهده على صقلية، وكان من قبل يغزو ويبعث السرايا، وتأتيه الغنائم. ولما جاءه كتاب الولاية خرج بنفسه، وعلى مقدمته عمه رياح فعاث في نواحي صقلية، وردد البعوث والسرايا إلى قطانية وسرقوسة وبوطيف ورغوس فغنموا وخربوا وحرقوا، وافتتح حصونا جمة، وهزم أهل قصريانة، وهي مدينة ملك صقلية. وكان الملك قبله يسكن سرقوسة فلما فتحها المسلمون كما ذكرناه انتقل الملك إلى قصريانة. وخبر فتحها أن العباس كان يردد الغزو إلى نواحي سرقوسة وقصريانة شاتية وصائفة فيصيب منهم، ويرجع بالغنائم والأسارى. فلما كان في شاتية منها أصاب منهم أسارى، وقدمهم للقتل فقال له بعضهم: وكان له قدر وهيبة استبقني وأنا أملكك قصريانة، ودلهم على عورة البلد فجاءوها ليلا، ووقفهم على باب صغير فدخلوا منه، فلما توسطوا البلد وضعوا السيف، وفتحوا الأبواب ودخل العباس في العسكر فقتل المقاتلة وسبى بنات البطارقة، وأصاب فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الروم بصقلية من يومئذ.
وبعث ملك الروم عسكرا عظيما مع بعض بطارقته، وركبوا البحر إلى مرسى سرقوسة فجاءهم العباس من بليرم فقاتلهم وهزمهم، وأقلع فلهم إلى بلادهم بعد أن غنم المسلمون من أسطولهم ثلاثة أو أكثر، وذلك سنة سبع وثلاثين. وافتتح بعدها كثيرا من قلاع صقلية، وجاء مدد الروم من القسطنطينية وهو يحاصر قلعة الروم فنزلوا سرقوسة، وزحف إليهم العباس من مكانه وهزمهم، ورجع إلى قصريانة فحصنها وأنزل بها الحامية. ثم سار سنة سبع وأربعين إلى سرقوسة فغنم ورجع، واعتل في طريقه فهلك منتصف سنته. ودفن في نواحي سرقوسة، وأحرق النصارى شلوه وذلك لإحدى عشرة سنة من إمارته. واتصل الجهاد بصقلية والفتح، وأجاز المسلمون إلى عدوة الروم في الشمال وغزوا أرض قلورية وانكبرده، وفتحوا فيها حصونا وسكن بها المسلمون. ولما توفي العباس اجتمع الناس على ابنه عبد الله وكتبوا إلى صاحب إفريقية، وبعث عبد الله السرايا ففتح القلاع، وبعد خمسة أشهر من ولايته وصل خفاجة بن سفيان من إفريقية على صقلية في منتصف ثمان وأربعين، وأخرج ابنه محمودا في سرية إلى سرقوسة فعاث في نواحيها، وخرج إليهم الروم فقاتلهم وظفر ٤/٢٥٨
ورجع. ثم فتح مدينة نوطوس سنة خمس وخمسين إلى سرقوسة، وجبل النار، واستأمن إليه أهل طرميس، ثم غدروا فسرح ابنه محمدا في العساكر وسبى أهلها. ثم سار خفاجة إلى رغوس وافتتحها، وأصابه المرض فعاد إلى بليرم. ثم سار سنة ثلاث وخمسين إلى سرقوسة وقطانية فخرب نواحيها، وأفسد زرعها، وبعث سراياه في أرض صقلية فامتلأت أيديهم من الغنائم. وفي سنة أربع وخمسين وصل بطريق من القسطنطينية لأهل صقلية فقاتله جمع من المسلمين وهزموه، وعاث خفاجة في نواحي سرقوسة ورجع إلى بليرم. وبعث سنة خمس وخمسين ابنه محمدا في العساكر الى طرميس وقد دله بعض العيون على بعض عوراتها فدخلوها وشرعوا في النهب.
وجاء محمد بن خفاجة من ناحية أخرى فظنوه مددا للعدو فأجفلوا، ورآهم محمد مجفلين فرجع. ثم سار خفاجة إلى سرقوسة فحاصرها وعاث في نواحيها، ورجع فاغتاله بعض عسكره في طريقه وقتله، وذلك سنة خمس وخمسين، وولى الناس عليهم ابنه محمدا وكتبوا إلى محمد بن أحمد أمير إفريقية فأقره على الولاية وبعث إليه بعهده.
إبراهيم بن أحمد أخو أبي الغرانيق
ولما توفي أبو الغرانيق ولي أخوه إبراهيم، وقد كان عهد لابنه أبي عقال، واستحلف أخاه إبراهيم أن لا ينازعه ولا يعرض له، بل يكون نائبا عنه إلى أن يكبر، فلما مات عدا عليه أهل القيروان وحملوه على الولاية عليهم، لحسن سيرته وعد له فامتنع ثم أجاب وترك وصية أبي الغرانيق في ولده أبي عقال، وانتقل إلى قصر الإمارة وقام بالأمر أحسن قيام. وكان عادلا حازما فقطع البغي والفساد وجلس لسماع شكوى المتظلمين، فأمنت البلاد وبنى الحصون والمحارس بسواحل البحر حتى كانت النار توقد في ساحل سبتة للنذير بالعدو فيتصل إيقادها بالإسكندرية في الليلة الواحدة وبنى سور سوسة. وفي أيامه كان مسير العباس بن أحمد بن طولون مخالفا على أبيه صاحب مصر سنة خمس وستين ومائتين فملك برقة من يد محمد بن قهرب قائد ابن الأغلب ثم ملك لبدة، ثم حاصر طرابلس واستمد ابن قهرب بقوسة فأمدوه ولقي العباس بن طولون بقصر حاتم سنة سبع وستين فهزمه، ورجع إلى مصر. ثم خالفت ٤/٢٥٩
وزداجة ومنعوا الرهن، وفعلت مثل ذلك هوارة، ثم لواتة، وقتل ابن قهرب في حروبهم فسرح إبراهيم ابنه أبا العباس عبد الله إليهم في العساكر سنة تسع وستين فأثخن فيهم. وفي سنة ثمانين كثر الخوارج وفرق العساكر إليهم فاستقاموا، واستركب العبيد السودان واستكثر منهم فبلغوا ثلاثة آلاف. وفي سنة إحدى وثمانين انتقل إلى سكنى تونس واتخذ بها القصور، ثم تحرك إلى مصر سنة ثلاث وثمانين لمحاربة ابن طولون، واعترضته نفوسة فهزمهم وأثخن فيهم. ثم انتهى إلى سرت فانفضت عنه الحشود فرجع، وبعث ابنه أبا العباس عبد الله على صقلية سنة سبع وثمانين فوصل إليها في مائة وستين مركبا. وحصر طرابة وانتقض عليه بليرم وأهل كبركيت، وكانت بينهم فتنة فأغراه كل واحد منهم بالآخرين. ثم اجتمعوا لحربه وزحف إليه أهل بليرم في البحر فهزمهم واستباحهم، وبعث جماعة من وجوهها إلى أبيه، وفر آخرون من أعيانهم إلى القسطنطينية وآخرون إلى طرميس فاتبعهم وعاث في نواحيها. ثم حاصر أهل قطانية فامتنعوا عليه فأعرض عن قتال المسلمين. وتجهز سنة ثمان وثمانين للغزو فغزا دمقش ثم مسيني . ثم جاء في البحر إلى ربو ففتحها عنوة وشحن مراكبه بغنائمها، ورجع إلى مسيني فهدم سورها، وجاء مدد القسطنطينية في المراكب فهزمهم وأخذ لهم ثلاثين مركبا. ثم أجاز إلى عدوة الروم وأوقع بأمم الفرنجة من وراء البحر. ورجع إلى صقلية. وجاء في هذه السنة رسول المعتضد بعزل الأمير إبراهيم لشكوى أهل تونس به، فاستقدم ابنه أبا العباس من صقلية وارتحل هو إليها مظهرا لغربة الانتجاع. هكذا قال ابن الرقيق. وذكر أنه كان جائرا ظلوما سفاكا للدماء، وأنه أصابه آخر عمره ماليخوليا أسرف بسببها في القتل، فقتل من خدمه ونسائه وبناته ما لا يحصى. وقتل ابنه أبا الأغلب لظن ظنه به. وافتقد ذات يوم منديلا لشرابه، فقتل بسببه ثلاثمائة خادم. وأما ابن الأثير فأثنى عليه بالعقل والعدل ٤/٢٦٠
وحسن السيرة، وذكر أن فتح سرقوسة كان في أيامه على يد جعفر بن محمد أمير صقلية، وأنه حاصرها تسعة أشهر، وجاءهم المدد من قسطنطينية في البحر فهزمهم. ثم فتح البلد واستباحها. واتفقوا كلهم على أنه ركب البحر من إفريقية إلى صقلية فنزل طرابنة. ثم تحول عنها إلى بليرم ونزل على دمقش وحاصرها سبعة عشر يوما. ثم فتح مسيني وهدم سورها. ثم فتح طرميس آخر شعبان من سنة تسع وثمانين، ووصل ملك الروم بالقسطنطينية ففتحها. ثم بعث حافده زيادة الله ابن ابنه أبي العباس عبد الله إلى قلعة بيقش فافتتحها، وابنه أبو محرز إلى رمطة فأعطوه الجزية. ثم عبر إلى عدوة البحر وسار في بر الفرنج ودخل قلورية عنوة فقتل وسبى، ورهب منه الفرنجة. ثم رجع إلى صقلية ورغب منه النصارى في قبول الجزية فلم يجب إلى ذلك. ثم سار إلى كنسة فحاصرها واستأمنوا إليه فلم يقبل. ثم هلك وهو محاصر لها آخر تسع وثمانين لثمان وعشرين سنة من إمارته، فولى أهل العسكر عليهم حافده أبا مضر ليحفظ العساكر والأمور، إلى أن يصل ابنه أبو العباس، وهو يومئذ بإفريقية، فأمن أهل كنسة قبل أن يعملوا بموت جده، وقبل منهم الجزية، وأقام قليلا حتى تلاحقت به السرايا من النواحي. ثم ارتحل وحمل جده إبراهيم فدفنه في بليرم، وقال ابن الأثير: حمله إلى القيروان فدفنه بها.
ظهور الشيعي بكتامة
وفي أيامه ظهر أبو عبد الله الشيعي بكتامة يدعو للرضا من آل محمد ويبطن الدعوة لعبيد الله المهدي من أبناء إسماعيل الإمام، واتبعه كتامة. وهو من الأسباب التي دعته للتوبة والإقلاع والخروج إلى صقلية. وبعث إليه موسى بن عياش صاحب صلة بالخبر، وبعث إبراهيم رسوله إلى الشيعي بأنكجان يهدده ويحذره فلم يقبل، وأجابه بما يكره. فلما قربت أمور أبي عبد الله وجاء كتاب المعتضد لإبراهيم كما قدمناه أظهر التوبة، ومضى إلى صقلية، وكانت بعده بإفريقية حروب أبي عبد الله الشيعي مع ٤/٢٦١
قبائل كتامة حتى استولى عليهم واتبعوه، وكان إبراهيم قد أسر لابنه أبي العباس في شأن الشيعي ونهاه عن محاربته، وأن يلحق به إلى صقلية إن ظهر عليه.
ابنه أبو العباس عبد الله بن إبراهيم أخي محمد أبي الغرانيق
ولما هلك إبراهيم سنة تسع وثمانين كما قدمناه، قدم حافده زيادة الله بالجيوش على أبيه أبي العباس عبد الله فقام بأمر إفريقية، وعظم غناؤه، وكتب إلى العمال كتابا يقرأ على الناس بالوعد الجميل والعدل والرفق والجهاد، واعتقل ابنه زيادة الله هذا لما بلغه عنه من اعتكافه على اللذات واللهو، وأنه يروم التوثب عليه، وولى على صقلية مكانه محمد بن السرقوسي، وكان أبو العباس حسن السيرة عادلا بصيرا بالحروب، وكانت أيامه صالحة، وكان نزوله بتونس. ولما توفي استولى أبو عبد الله الشيعي على كتامة ودخلوا في أمره كافة، وزحف إلى ميلة فافتتحها، وقتل موسى بن عياش.
وكان فتح بن يحيى أمير مسالة من كتامة حارب أبا عبد الله طويلا، ثم غلبه واستولى على قومه، فنزع فتح إلى أبي العباس وحرضه على قتال يكزاخول، وإنما كان يكر على جفنة إذا نظر، وزحف إليه من تونس سنة تسع وثمانين ومائتين ودخل سطيف ثم بلزمة ، وقتل من دخل في دعوتهم ولقيه أبو عبد الله الشيعي فانهزم وهرب من تاوزرت إلى أنكجان، وهدم أبو خول قصر الشيعي، ثم قاتلهم يوما إلى الليل، فانهزم عسكر أبي خول ولحق بتونس، ورجع بكتامة إلى مواضعهم. ولما دخل أبو خول بأبيه جدد له العسكر وأعاده ثانية، وانتظمت إليه القبائل، وسار حتى نزل سطيف. ثم ارتحل منها إلى لقائهم، وزحف إليه أبو عبد الله فهزمه، ورجع إلى سطيف. ثم ارتحل منها إلى لقائهم، وفي أثناء ذلك صانع زيادة الله بعض الخدم على قتل أبيه أبي العباس فقتل نائما في شعبان سنة تسعين ومائتين، وأطلق زيادة الله من اعتقاله. ٤/٢٦٢
ابنه أبو مضر زيادة الله
ولما أطلق زيادة الله من الاعتقال اجتمع أهل الدولة وبايعوا له، فقتل الخصيان الذين قتلوا أباه، وأقبل على اللذات واللهو ومعاشرة المضحكين والصفاعين، وأهمل أمور الملك واستقل وكتب إلى أخيه أبي خول على لسان أبيه يستقدمه، وقدم فقتله وقتل عمومته وإخوته. وقوي أمر الشيعي، وانتقل زيادة الله إلى رقادة ليلا لئلا يخالفه الشيعي إليها. وفتح الشيعي مدينة سطيف فسرح زيادة الله العساكر لحربه، وعقد عليها لإبراهيم بن حبيش من صنائعه، فخرج في أربعين ألفا، وأقام بقسطيلة ستة أشهر، فاجتمعت إليه مائة ألف، وزحف إلى كتامة، وتلقوه بأجانة فاخترمت عساكره وولت الهزيمة عليه. وانتهى إلى باغاية، ثم انتقل إلى القيروان وافتتح أبو عبد الله مدينة طبنة، وقتل فتح بن يحيى المسالتي وكان بها. ثم فتح بلزمة وهدم سورها. ثم وصل عروبة بن يوسف من أمراء كتامة إلى باغاية، وأوقع بالعساكر التي كانت بها مجمرة لحربهم بنظر هارون بن الطبني. وأرسل أبو عبد الله الشيعي إلى تيحيسن فحاصرها، ثم افتتحها صلحا، وكثر الإرجاف بالقيروان ففتح زيادة الله ديوان العطاء، واستلحق واستركب وأجمع الخروج فخرج إلى الأربس سنة خمس وتسعين، فلما انتهى إليها تخوف غائلة الشيعي، وأشار عليه أهل بيته بالرجوع فرجع إلى رقادة، وقدم على العساكر إبراهيم بن أبي الأغلب من وجوه أهل بيته. ثم زحف أبو عبد الله إلى باغاية ففتحها صلحا وهرب عاملها. ثم سرب أبو عبد الله الجيوش فبلغت مجانة، وأوقعوا بقبائل نفزة، واستولوا على تيفاش. وزحف ابن أبي الأغلب إلى تيفاش فمنعه أهلها، وهزموا طلائعه فافتتحها، وقتل من كان بها. ثم خرج أبو عبد الله الشيعي في عساكر كتامة إلى باغاية ثم إلى سكاية، ثم إلى سبيبة، ثم إلى حمودة فاستولى على جميعها، وأمن أهلها ورحل ابن أبي الأغلب من الأربس. ثم سار أبو عبد الله إلى قسطيلة وقفصة فأمنهم، ودخلوا في دعوته، وانصرف إلى باغاية، ثم إلى أنكجان. وزحف ابن أبي الأغلب إلى باغاية فقاتلها، وامتنعت عليه ورجع إلى الأربس. ثم زحف أبو عبد الله إلى الأربس سنة ست وتسعين في جمادى، ومر بشق بنارية، وأمن أهلها إلى قمودة ٤/٢٦٣
خروج زيادة الله الى المشرق
ولما وصل الحبر إلى زيادة الله بوصول الشيعي إلى قمودة، حمل أمواله وأثقاله ولحق بطرابلس معتزما على الشرق. وأقبل الشيعي إلى إفريقية، وفي مقدمته عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير، ووصل إلى رقادة في رجب سنة ست وتسعين ومائتين وتلقاه أهل القيروان وبايعوا لعبيد الله المهدي كما ذكرناه في أخبارهم ودولتهم. وأقام زيادة الله بطرابلس سبعة عشر يوما، وانصرف ومعه إبراهيم بن الأغلب، وكان نمي عنه أنه أراد الاستبداد لنفسه بالقيروان بعد خروج زيادة الله فأعرض عنه، واطرحه، وبلغ مصر فمنعه عاملها عيسى البرشدي من الدخول إلا عن أمر الخليفة، وأنزله بظاهر البلد ثمانية أيام وانصرف إلى ابن الفرات وزير المقتدر يستأذن له في الدخول فأتاه كتابه بالمقام في الرقة حتى يأتيه رأي المقتدر فأقام بها سنة.
ثم جاءه كتاب المقتدر بالرجوع إلى إفريقية. وأمر النوشزي بإمداده بالرجال والمال لاسترجاع الدعوة بإفريقية، ووصل إلى مصر فأصابته بها علة مزمنة، وسقط شعره.
ويقال إنه سم وخرج إلى بيت المقدس ومات بها. وتفرق بنو الأغلب وانقطعت أيامهم والبقاء لله وحده. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بقية أخبار صقلية ودولة بني أبي الحسن الكلبيين بها من العرب المستبدين بدعوة العبيديين وبداية أمرهم وتصاريف أحوالهم
ولما استولى عبيد الله المهدي على إفريقية ودانت له، وبعث العمال في نواحيها، بعث على جزيرة صقلية الحسن بن محمد بن أبي خنزير من رجالات كتامة، فوصل إلى مأزر سنة سبع وتسعين ومائتين في العساكر، فولى أخاه على كبركيت، وولى على القضاء بصقلية إسحاق بن المنهال، ثم سار سنة ثمان وتسعين ومائتين في العساكر إلى ومش، فعاث في نواحيها ورجع. ثم شكى أهل صقلية سوء سيرته وثاروا به ٤/٢٦٤
وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي معتذرين، فقبل عذرهم وولى عليهم أحمد بن قهرب.
وبعث سرية إلى أرض قلورية فدوخوها ورجعوا بالغنائم والسبي. ثم أرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليا إلى قلعة طرمين المحدثة ليتخذها حصنا لحاشيته وأمواله، حذرا من ثورة أهل صقلية، فحصرها ابنه ستة أشهر. ثم اختلف عليه العسكر فأحرقوا خيامة، وأرادوا قتله فمنعه العرب، ودعا هو الناس إلى طاعة المقتدر فأجابوه. وقطع خطبة المهدي وبعث الأسطول إلى إفريقية، ولقوا أسطول المهدي وقائده الحسن بن أبي خنزير فقتلوه، وأحرقوا الأسطول. وسار أسطول ابن قهرب إلى صفاقس فخربوها وانتهوا إلى طرابلس. وانتهى الخبر إلى القائم بن المهدي ثم وصلت الخلع والألوية من المقتدر الى ابن قهرب. ثم بعث الجيش في الأسطول إلى قلورية فعاثوا في نواحيها ورجعوا. ثم بعث ثانية أسطولا إلى إفريقية فظفر به أسطول المهدي فانتقض أمره، وعصى عليه أهل كبركيت، وكاتبوا المهدي. ثم ثار الناس بابن قهرب آخر الثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهدي فأمر بقتله على قبر ابن خنزير في جماعة من خاصته. وولى على صقلية أبا سعيد بن أحمد، وبعث معه العساكر من كتامة فركب إليها البحر فنزل في طرابنة، وعصى عليه أهل صقلية بمن معه من العساكر فامتنعوا عليه، وقاتله أهل كبركيت وأهل طرابنة فهزمهم وقتلهم. ثم استأمن إليه أهل طرابنة فأمنهم وهدم أبوابها. وأمره المهدي بالعفو عنهم. ثم ولى المهدي على صقلية سالم بن راشد، وأمده سنة ثلاث عشرة بالعساكر فعبر البحر إلى أرض أنكبردة فدوخها، وفتحوا فيها حصونا ورجعوا. ثم عادوا إليها ثانية وحاصروا مدينة أدرنت أياما ورحلوا عنها. ولم يزل أهل صقلية يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلية وقلورية، ويعيثون في نواحيها. وبعث المهدي سنة اثنتين وعشرين جيشا في البحر مع يعقوب بن إسحاق، فعاث في نواحي جنوة ورجعوا. ثم بعث جيشه من قابل ففتحوا مدينة جنوة، ومروا بسردانية فأحرقوا فيها مراكب وانصرفوا. ولما كانت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة انتقض أهل كبركيت على أميرهم سالم بن راشد وقاتلوا جيشه، وخرج إليهم سالم بنفسه فهزمهم وحصرهم ببلدهم. واستمد القائم فأمده بالعساكر مع خليل بن إسحاق، فلما وصل إلى صقلية شكا إليه أهلها من سالم بن راشد واسترحمته النساء والصبيان. وجاءه أهل كبركيت وغيرها من أهل صقلية بمثل ذلك فرق لشكواهم، ودس إليهم سالم بأن خليلا إنما جاء للانتقام منهم بمن قتلوا من ٤/٢٦٥
العسكر فعاودوا الخلاف، واختط خليل مدينة على مرسى المدينة، وسماها الخالصة. وتحقق بذلك أهل كبركيت ما قال لهم سالم، واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل منتصف ست وعشرين وحصرهم ثمانية أشهر يغاديهم بالقتال ويراوحهم، حتى إذا جاء الشتاء رجع إلى الخالصة، واجتمع أهل صقلية على الخلاف، واستمدوا ملك القسطنطينية فأمدهم بالمقاتلة والطعام. واستمد خليل القائم فأمده بالجيش فافتتح قلعة أبي ثور وقلعة البلوط، وحاصر قلعة بلاطنو إلى أن انقضت سنة سبع وعشرين فارتحل عنها وحاصر كبركيت. ثم حبس عليها عسكرا للحصار مع أبي خلف بن هارون ورحل عنها، وطال حصارها إلى سنة تسع وعشرين فهرب كثير من أهل البلد إلى بلد الروم واستأمن الباقون فأمنهم على النزول عن القلعة.
ثم غدر بهم فارتاع لذلك سائر القلاع وأطاعوا ورجع خليل إلى إفريقية آخر سنة تسع وعشرين وحمل معه وجوه أهل كبركيت في سفينة، وأمر بخرقها في لجة البحر فغرقوا أجمعين. ثم ولى على صقلية عطاف الأزدي، ثم كانت فتنة أبي يزيد، وشغل القائم والمنصور بأمره، فلما انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور على صقلية للحسن ابن أبي الحسن الكلبي من صنائعهم ووجوه قواده وكنيته أبو الغنائم، وكان له في الدولة محل كبير وفي مدافعة أبي يزيد غناء عظيم. وكان سبب ولايته أن أهل بليرم كانوا قد استضعفوا عطافا واستضعفهم العدو لعجزه، فوثب به أهل المدينة يوم الفطر من سنة خمس وثلاثين، وتولى كبر ذلك بنو الطير منهم. ونجا عطاف إلى الحصن وبعث للمنصور يعلمه ويستمده، فولى الحسن بن علي على صقلية وركب البحر إلى مأزر، وأرسى بها فلم يلقه أحد منهم. وأتاه في الليل جماعة من كتامة واعتذروا إليه عن الناس بالخوف من بني الطير. وبعث بنو الطير عيونهم عليه واستضعفوه وواعدوه أن يعودوا إليه فسبق ميعادهم ودخل المدينة، ولقيه حاكم البلد وأصحاب الدواوين واضطر بنو الطير إلى لقائه، وخرج إليهم كبيرهم إسماعيل ولحق به من انحرف عن بني الطير، فكثر جمعه. ودس إسماعيل بعض غلمانه، فاستغاث بالحسن من بعض عبيده أنه أكره امرأته على الفاحشة، يعتقد أن الحسن لا يعاقب مملوكه، فتخشن قلوب أهل البلد عليه. وفطن الحسن لذلك فدعا الرجل ٤/٢٦٦
واستحلفه على دعواه، وقتل عبده فسر الناس بذلك، ومالوا عن الطبري وأصحابه، وافترق جمعهم وضبط الحسن أمره، وخشي الروم بادرته فدفعوا إليه جزية ثلاث سنين. وبعث ملك الروم بطريقا في البحر في عسكر كبير إلى صقلية، واجتمع هو والسردغرس. واستمد الحسن بن علي المنصور فأمده بسبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمائة راجل، وجمع الحسن من كان عنده وسار برا وبحرا. وبعث السرايا في أرض قلورية، ونزل على أبراجه فحاصرها وزحف إليه الروم فصالحه على مال أخذه، وزحف إلى الروم ففروا من غير حرب. ونزل الحسن على قلعة قيشانة فحاصرها شهرا وصالحهم على مال ورجع بالأسطول إلى مسينى فشتى بها. وجاءه أمر المنصور بالرجوع إلى قلورية فعبر إلى خراجة فلقي الروم والسردغرس فهزمهم، وامتلأ من غنائمهم، وذلك يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمائة. ثم سار إلى خراجة فحاصرها حتى هادنه ملك الروم قسطنطين. ثم عاد إلى ربو وبنى بها مسجدا وسط المدينة، وشرط على الروم أن لا يعرضوا له، وأن من دخله من الأسرى أمن.
ولما توفي المنصور وملك ابنه المعز سار إليه الحسن، واستخلف على صقلية ابنه أحمد، وأمره المعز بفتح القلاع التي بقيت للروم بصقلية فغزاها، وفتح طرمين وغيرها سنة إحدى وخمسين، وأعيته رمطة فحاصرها فجاءها من القسطنطينية أربعون ألفا مددا. وبعث أحمد يستمد المعز فبعث إليه المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن. وجاء مدد الروم فنزلوا بمرسى مسينة وزحفوا إلى رمطة، ومقدم الجيوش على حصارها الحسن بن عمار وابن أخي الحسن بن علي فأحاط الروم بهم.
وخرج أهل البلد إليهم وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا وحملوا على الروم وعقروا فرس قائدهم منويل فسقط عن فرسه، وقتل جماعة من البطارقة معه. وانهزم الروم وتتبعهم المسلمون بالقتل، وامتلأت أيديهم من الغنائم والأسرى والسبي. ثم فتحوا رمطة عنوة وغنموا ما فيها، وركب فل الروم من صقلية وجزيرة رفق في الأسطول ناجين بأنفسهم، فأتبعهم الأمير أحمد في المراكب فحرقوا مراكبهم، وقتل كثير منهم، وتعرف هذه الوقعة بوقعة المجاز، وكانت سنة أربع وخمسين وأسر فيها ألف من عظمائهم ومائة بطريق. وجاءت الغنائم والأسارى إلى مدينة بليرم، حاضرة صقلية، ٤/٢٦٧
وخرج الحسن للقائهم، فأصابته الحمى من الفرح فمات، وحزن الناس عليه، وولي ابنه أحمد باتفاق أهل صقلية بعد أن ولى المعز عليهم يعيش مولى الحسن فلم ينهض بالأمر، ووقعت الفتنة بين كتامة والقبائل، وعجز عن تسكينها. وبلغ الخبر إلى المعز فولى عليها أبا القاسم علي بن الحسن نيابة عن أخيه أحمد. ثم توفي أحمد بطرابلس سنة تسع وخمسين واستبد بالإمارة أخوه أبو القاسم علي، وكان مدلا محبا. وسار إليه سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ملك الفرنج في جموع عظيمة، وحصر قلعة رمطة وملكها، وأصاب سرايا المسلمين. وسار الأمير أبو القاسم في العساكر من بليرم يريدهم، فلما قاربهم خام عن اللقاء ورجع، وكان الأفرنج في الأسطول يعاينونه فبعثوا بذلك للملك بردويل فسار في اتباعه وأدركه فاقتتلوا، وقتل أبو القاسم في الحرب. وأهم المسلمين أمرهم فاستماتوا، وقاتلوا الفرنج فهزموهم أقبح هزيمة، ونجا بردويل إلى خيامه برأسه، وركب البحر إلى رومة. وولى المسلمون عليهم بعد الأمير أبي القاسم ابنه جابر فرحل بالمسلمين لوقته راجعا، ولم يعرج على الغنائم. وكانت ولاية الأمير أبي القاسم اثنتي عشرة سنة ونصفا. وكان عادلا حسن السيرة. ولما ولي ابن عمه جعفر بن محمد بن علي بن أبي الحسن، وكان من وزراء العزيز وندمائه استقامت الأمور، وحسنت الأحوال. وكان يحب أهل العلم ويجزل الهبات لهم.
وتوفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وولي أخوه عبد الله فاتبع سيرة أخيه إلى أن توفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وولي ابنه ثقة الدولة أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي الحسن، فأنسى بجلائله وفضائله من كان قبله منهم إلى أن أصابه الفالج، وعطل نصفه الأيسر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. وولي ابنه تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة يوسف، فضبط الأمور وقام بأحسن قيام وخالف عليه أخوه علي سنة خمس وأربعمائة مع البربر والعبيد، فزحف إليه جعفر فظفر به وقتله، ونفى البربر والعبيد، واستقامت أحواله. ثم انقلبت حاله واختلت على يد كاتبه ووزيره حسن بن محمد الباغاني فثار عليه الناس بسببها، وجاءوا حول القصر، وأخرج إليهم أبو الفتوح في محفة فتلطف بالناس، وسلم إليهم الباغاني فقتلوه، وقتلوه حافده أبا رافع، وخلع ابنه ابن جعفر، ورحل إلى مصر، وولى ابنه ابن جعفر سنة عشرة واربعمائة ولقبه بأسد الدولة بن تاج الدولة. ويعرف بالأكحل فسكن الاضطراب واستقامت الأحوال، وفوض الأمور إلى ابنه ابن جعفر وجعل مقاليد الأمور بيده ٤/٢٦٨
فأساء ابن جعفر السيرة، وتحامل على صقلية ومال إلى أهل إفريقية. وضج الناس وشكوا أمرهم إلى المعز صاحب القيروان، وأظهروا دعوته، فبعث الأسطول فيه ثلاثمائة فارس مع ولديه عبد الله وأيوب، واجتمع أهل صقلية وحصروا أميرهم الأكحل، وقتل وحمل رأسه إلى المعز سنة سبع عشرة وأربعمائة. ثم ندم أهل صقلية على ما فعلوه وثاروا بأهل إفريقية، وقتلوا منهم نحوا من ثلاثمائة وأخرجوهم. وولوا الصمصام أخا الأكحل فاضطربت الأمور، وغلب السفلة على الأشراف. ثم ثار أهل بليرم على الصمصام وأخرجوه، وقدموا عليهم ابن الثمنة من رءوس الأجناد، وتلقب القادر بالله واستبد بمازر ابنه عبد الله قبل الصمصام، وغلب ابن الثمنة على ابن الأكحل فقتله واستقل بملك الجزيرة إلى أن أخذت من يده. ولما استبد ابن الثمنة بصقلية تزوج ميمونة بنت الجراس، فتخيل له منها شيء فسقاها السم. ثم تلافاها وأحضر الأطباء فأنعشوها، وأفاقت فندم واعتذر فأظهرت له القبول، واستأذنته في زيارة أخيها بقصريانة، وأخبرت أخاها فحلف أن لا يردها، ووقعت الفتنة. وحشد ابن الثمنة فهزمه ابن جراس فانتصر ابن الثمنة بالروم. وجاء القمص وجاز ابن ينقر بن خبرة ومعه سبعة من إخوته وجمع من الإفرنج، ووعدهم بملك صقلية فداخل في بيع مية. وقصد قصريانة وحكموا على مروا من المنازل، وخرج ابن جراس فهزمه ورجع إلى إفريقية عمر بن خلف بن مكي فنزل، وولي قضاءها. ولم يزل الروم يملكونها حتى لم يبق إلا المعاقل. وخرج ابن الجراس بأهله وماله صلحا سنة أربع وستين وأربعمائة. وتملكها رجار كلها وانقطعت كلمة الإسلام منها ودولة الكلبيين وهم عشرة ومدتهم خمس وتسعون سنة. ومات رجار في قلعة مليطو من أرض قلورية سنة أربع وتسعين، وولي ابنه رجار الثاني وطالت أيامه. وله ألف الشريف أبو عبد الله الإدريسي كتاب نزهة المشارق في أخبار الآفاق وسماه قصار رجار علما عليه معروفا به في الشهرة والله مقدر الليل والنهار. ٤/٢٦٩
الخبر عن جزيرة اقريطش وما كان بها للمسلمين من الملك على يد بني البلوطي الى أن استرجعها العدو
هذه الجزيرة من جزر البحر الرومي ما بين صقلية وقبرس في مقابلة الإسكندرية على يد الجالية أهل الربض. وذلك أن أهل الربض الغربي من قرطبة، وكان محلة متصلة بقصر الحكم بن هشام فنقموا عليه وثاروا به سنة اثنتين ومائتين، فأوقع بهم الوقعة المشهورة واستلحمهم، وهدم ديارهم ومساجدهم، وأجلى الفل منهم إلى العدوة، ونزلوا بفاس وغيرها. وغرب آخرين إلى الإسكندرية فنزلوا وافترقوا في جوانبها. وتلاحى رجل منهم مع جزار من سوقة الإسكندرية فنادوا بالثأر، واستلحموا كثيرا من أهل البلد وأخرجوا بقيتهم وامتنعوا بها، وولوا عليهم أبا حفص عمر بن شعيب البلوطي ويعرف بأبي الفيض من أهل قرية مطروح، من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة فقام برياستهم. وكان على مصر يومئذ عبد الله بن طاهر فزحف إليهم، وحصرهم بالإسكندرية فاستأمنوا له فأمنهم وبعثهم إلى جزيرة أقريطش فعمروها وأميرهم أبو حفص البلوطي. وتداولها بنوه من بعده مدة من مائة وأربعين سنة إلى أن ملكها أريانوس بن قسطنطين ملك القسطنطينية من يد عبد العزيز بن شعيب من أعقابه سنة خمس وثلاثمائة، وأخرجوا المسلمين منها والله يعيد الكرة ويذهب آثار الكفرة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أخبار اليمن والدول الإسلامية التي كانت فيه للعباسيين والعبيديين وسائر ملوك العرب وابتداء ذلك وتصاريفه على الجملة ثم تفصيل ذلك على مدنه وممالكه واحدة بعد واحدة
قد كنا قدمنا في أخبار السير النبوية كيف صار اليمن في ملكة الإسلام بدخول عامله في الدعوة الإسلامية، وهو باذان عامل كسرى، وأسلم معه أهل اليمن. وأمره النبي صلى الله عليه وسلم على جميع مخاليفها، وكان منزله صنعاء كرسي التبابعة. ولما مات ٤/٢٧٠
بعد حجة الوداع قسم النبي صلى الله عليه وسلم اليمن على عمال من قبله، وجعل صنعاء لابنه شهربان بن باذان. وذكرنا خبر الأسود العنسي، وكيف أخرج عمال النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن وزحف إلى صنعاء فملكها. وقتل شهربان بن باذان وتزوج امرأته واستولى على أكثر اليمن، وارتد أكثر أهله. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وعماله وإلى من ثبت على إسلامه فداخلوا زوجة شهربان بن باذان التي تزوجها في أمره، على يد ابن عمها فيروز. وتولى كبر ذلك قيس بن عبد يغوث المرادي، فبيته هو وفيروز وذاذويه بإذن زوجته فقتلوه. ورجع عمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم، وذلك قبيل الوفاة. واستبد قيس بصنعاء وجمع الفل من جند الأسود فولى أبو بكر على اليمن فيروز فيمن إليه من الأبناء، وأمر الناس بطاعته فقاتل قيس بن مكشوح وهزمه. ثم ولى أبو بكر المهاجر بن أبي أمية فقاتل أهل الردة باليمن، وكذلك عكرمة بن أبي جهل، وأمره أن يبدأ بالمرتدة.
فسار معها وحضر حرب الجمل. وولي على اليمن عبيد الله بن عباس، ثم أخاه عبد الله. ثم ولى معاوية على صنعاء فيروز الديلمي، ومات سنة ثلاث وخمسين. ثم جعل عبد الملك اليمن في ولاية الحجاج لما بعثه لحرب ابن الزبير سنة اثنتين وسبعين.
ولما جاءت دولة بنى العباس، ولى السفاح على اليمن عمه داود بن علي حتى إذا توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ولى مكانه محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الملك عبد الدار. ثم تعاقب الولاة على اليمن، وكانوا ينزلون صنعاء حتى انتهت الخلافة إلى المأمون، وظهرت دعاة الطالبيين بالنواحي، وبايع أبو السرايا من بني شيبان بالعراق لمحمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم أخو المهدي، النفس الزكية، محمد ابن عبد الله بن حسن. وكثر الهرج وفرق العمال في الجهات، ثم قتل وبويع محمد بن جعفر الصادق بالحجاز. وظهر باليمن إبراهيم بن موسى الكاظم سنة مائتين، ولم يتم أمره، وكان يعرف بالجزار لسفكه الدماء وبعث المأمون عساكره الى اليمن فدوخوا نواحيه وحملوا كثيرا من وجوه الناس فاستقام أمر اليمن كما نذكره.
دعوة زياد بالدعوة العباسية
ولما وفد وجوه أهل اليمن على المأمون، كان فيهم محمد زياد ولد عبد الله بن زياد بن ٤/٢٧١
أبي سفيان فاستعطف المأمون وضمن له حياطة اليمن من العلويين فوصله، وولاه على اليمن، وقدمها سنة ثلاث ومائتين. وفتح تهامة اليمن وهي البلد التي على ساحل البحر الغربي. واختط بها مدينة زبيد، ونزلها وأصارها كرسيا لتلك المملكة. وولى على الجبال مولاه جعفرا، وفتح تهامة بعد حروب من العرب. واشترط على عرب تهامة أن لا يركبوا الخيل، واستولى على اليمن أجمع. ودخلت في طاعته أعمال حضرموت والشحر وديار كندة، وصار في مرتبة التبابعة. وكان في صنعاء قاعدة اليمن بنو جعفر من حمير بقية الملوك التبابعة استبدوا بها مقيمين بالدعوة العباسية، ولهم مع صنعاء سبحان ونجران وجرش. وكان أخوهم أسعد بن يعفر، ثم أخوه قد دخلوا في طاعة ابن زياد، وولي بعده ابنه إبراهيم ثم ابنه زياد بن إبراهيم، ثم أخوه أبو الجيش إسحاق ابن إبراهيم. وطالت مدته إلى أن أسن وبلغ الثمانين. وقال عمارة ملك ثمانين سنة باليمن وحضرموت والجزائر البحرية. ولما بلغه قتل المتوكل وخلع المستعين، واستبداد الموالي على الخلفاء مع ارتفاع اليمن ركب بالمظلة شأن سلاطين العجم المستبدين. وفي أيامه خرج باليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ابن إبراهيم بن طباطبا بدعوة الزيدية، جاء بها من السند، وكان جده القاسم قد فر إلى السند بعد خروج أخيه محمد مع أبي السرايا، ومهلكه كما مر فلحق القاسم بالسند. وأعقب بها الحسين ثم ابنه يحيى باليمن سنة ثمان وثمانين، ونزل صعدة وأظهر دعوة الزيدية، وزحف إلى صنعاء فملكها من يد أسعد بن يعفر، ثم استردها منه بنو أسعد ورجع إلى صعدة.
وكان شيعته يسمونه الإمام، وعقبه الآن بها. وقد تقدم خبرهم. وفي أيام أبي الجيش بن زياد أيضا ظهرت دعوة العبيديين باليمن، فأقام بها محمد بن الفضل بعدن لاعة وجبال اليمن إلى جبال المديحرة سنة أربعين وثلاثمائة. وبقي له باليمن من السرجة إلى عدن عشرون مرحلة، ومن مخلافة الى صنعاء خمس مراحل. ولما غلبه محمد بن الفضل بهذه الدعوة امتنع أصحاب الأطراف عليه، مثل بني أسعد بن يعفر بصنعاء، وسليمان بن طرف بعثر، والإمام الرسي بصعدة فسلك معهم طريق المهادنة. ثم هلك أبو الجيش سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بعد أن اتسعت جبايته وعظم ملكه. قال ابن سعيد: رأيت مبلغ جبايته وهو ألف ألف مكررة مرتين، وثلاثمائة ألف وستة وستون ألفا من الدنانير العشرية ما عدا ضرابية على مراكب السند، وعلى العنبر الواصل بباب المندب وعدن أبين، وعلى مغائص اللؤلؤ، وعلى جزيرة دهلك، ومن بعضها ٤/٢٧٢
وصائف. وكانت ملوك الحبشة من وراء البحر يهادونه ويخطبون مواصلته. ولما مات خلف صبيا صغيرا اسمه عبد الله، وقيل إبراهيم وقيل زياد، وكفلته أخته ومولاه رشيد الحبشي واستبد عليهم إلى أن انقرضت دولتهم سنة سبع وأربعمائة. ثم هلك هذا الطفل، فولوا طفلا آخر من بني زياد أصغر منه، وقال ابن سعيد: لم يعرف عمارة اسمه لتوالي الحجبة عليه، ويعني عمارة مؤرخ اليمن، وقيل هذا الطفل الأخير اسمه إبراهيم، وكفلته عمته ومرجان من موالي الحسن بن سلامة. واستبد بأمرهم ودولتهم، وكان له موليان اسم أحدهما قيس، والآخر نجاح، فجعل الطفل المملك في كفالته وأنزله معه بزبيد. وولى نجاحا على سائر الأعمال خارج زبيد ومنها الكرارة واللجم. كان يؤثر قيسا على نجاح، ووقع بينهما تنافر، ورفع لقيس أن عمة الطفل تميل إلى نجاح وتكاتبه دونه فقبض عليها بإذن مولاه مرجان ودفنها حية، واستبد وركب بالمظلة، وضرب السكة. وانتقض نجاح لذلك فزحف في العساكر وبرز قيس للقائه، فكانت بينهما حروب ووقائع، انهزم قيس في آخرها وقتل في خمسة آلاف من عسكره. وملك نجاح زبيد سنة عشرة وأربعمائة ودفن قيسا ومولاه مرجانا مكان الطفل والعمة، واستبد وضرب السكة باسمه. وكاتب ديوان الخلافة ببغداد فعقد له على اليمن. ولم يزل مالكا لتهامة قاهرا لأهل الجبال، وانتزع الجبال كلها من مولاه الحسن بن سلامة. ولم تزل الملوك تتقي صولته إلى أن قتله علي الصليحي القائم بدعوة العبيديين على يد جارية بعث بها إليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، فقام بالأمر بعده بزبيد مولاه كهلان. ثم استولى الصليحي على زبيد وملكها من يده كما يذكر.
الخبر عن بني الصليحي القائمين بدعوة العبيديين باليمن
كان القاضي محمد بن علي الهمداني ثم الصليحي رئيس حران من بلاد همذان، وينتسب في بني يام، ونشأ له ولد اسمه علي، وكان صاحب الدعوة يومئذ عامر بن عبد الله الزوايي نسبة إلى زواية من قرى حران، ويقال إنه كان عنده كتاب لجعفر من ذخائر أبيهم بزعمهم، فزعموا أن علي ابن القاضي محمد مذكور فيه، فقرأ على علي عامل ابن خلدون م 18 ج 4 ٤/٢٧٣
الداعي، وأخذ عنه. ولما توسم فيه الأهلية أراه مكان اسمه في الجفر وأوصافه. وقال لأبيه القاضي احتفظ بابنك فيملك جميع اليمن. ونشأ فقيها صالحا، وجعل يحج بالناس على طريق الطائف والسروات خمس عشرة سنة فطار ذكره، وعظمت شهرته، وألقى على ألسنة الناس أنه سلطان اليمن. ومات الداعي عامر الزوايي، فأوصى له بكتبه، وعهد إليه بالدعوة. ثم حج بالناس سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على عادته، واجتمع بجماعة من قومه همذان كانوا معه، فدعاهم إلى النصرة والقيام معه فأجابوه وبايعوه، وكانوا ستين رجلا من رجالات قومهم، فلما عادوا قام في مسار وهو حصن بذروة جبل حمام، وحصن ذلك الحصن، ولم يزل أمره ينمى.
وكتب إلى المستنصر صاحب مصر يسأله الإذن في إظهار الدعوة فأذن له، وأظهرها وملك اليمن كله. ونزل صنعاء واختط بها القصور وأسكن عنده ملوك اليمن الذين غلب عليهم، وهزم بني طرف ملوك عثرة وتهامة، وأعمل الحيلة في قتل نجاح مولى بني زياد ملك زبيد، حتى تم له ذلك على يد جارية أهداها إليه كما ذكرناه سنة اثنتين وخمسين. ثم سار إلى مكة بأمر المستنصر صاحب مصر ليمحو منها الدعوة العباسية والإمارة الحسنية. واستخلف على صنعاء ابنه المكرم أحمد، وحمل معه زوجته أسماء بنت شهاب، قد سباها سعيد بن نجاح ليلة البيات فكتبت إلى ابنها المكرم أني حبلى من العبد الأحول فأدركني قبل أن أضع، وإلا فهو العار الذي لا يمحوه الدهر، فسار المكرم من صنعاء سنة خمس وسبعين في ثلاثة آلاف، ولقي الحبشة في عشرين ألفا فهزمهم. ولحق سعيد بن نجاح بجزيرة دهلك، ودخل المكرم إلى أمه وهي جالسة بالطاق الذي عنده رأس الصليحي وأخيه فأنزلهما ودفنهما ورفع السيف. وولى خاله أسعد بن شهاب على أعمال تهامة كما كان، وأنزله بزبيد منها، وارتحل بأمه إلى صنعاء وكانت تدبر ملكه. ثم جمع أسعد بن شهاب أموال تهامة وبعث بها مع وزيره أحمد بن سالم ففرقتها أسماء على وفود العرب. ثم هلكت أسماء سنة سبع وسبعين واربعمائة، وخرجت زبيد من يد المكرم، واستردها سعيد بن نجاح سنة تسع وسبعين واربعمائة، ثم انتقل المكرم إلى ذي جبلة سنة ثمانين واربعمائة، وولى على صنعاء عمران بن الفضل الهمداني فاستبد بها، وتوارثها عقبه، وتسمى ابنه أحمد باسم السلطان واشتهر به، وبعده ابنه حاتم بن أحمد، وليس بعده بصنعاء من له ذكر حتى ملكها بنو سليمان لما غلبهم الهواشم على مكة كما مر في أخبارهم. ولما ٤/٢٧٤
انتقل المكرم إلى ذي جبلة وهي مدينة اختطها عبد الله بن محمد الصليحي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكان انتقاله بإشارة زوجه سيدة بنت أحمد التي صار إليها تدبير ملكه بعد أمه أسماء فنزلها، وبنى فيها دار العز، وتحيل على قتل سعيد بن نجاح فتم له كما نذكر في أخبار ابن نجاح. وكان مشغولا بلذاته محجوبا بزوجته. ولما حضرته الوفاة سنة أربع وثمانين عهد إلى ابن عمه المنصور بن أحمد المظفر بن علي الصليحي صاحب معقل أشيح، وأقام بمعقله وسيدة بنت أحمد بذي جبلة، وخطبها المنصور سبا وامتنعت منه فحاصرها بذي جبلة، وجاءها أخوها لأمها سليمان بن عامر وأخبرها أن المستنصر زوجك منه، وأبلغها أمره بذلك، وتلا عليها: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» 33: 36. وأن أمير المؤمنين زوجك من الداعي المنصور أبي حمير سبا بن أحمد بن المظفر على مائة ألف دينار، وخمسين ألفا من أصناف التحف واللطائف فانعقد النكاح، وسار إليها من معقل أشيح إلى ذي جبلة، ودخل إليها بدار العز، ويقال إنها شبهت بجارية من جواريها فقامت على رأسه ليلها كله، وهو لا يرفع الطرف اليها حتى أصبح فرجع إلى معقلة. وأقامت هي بذي جبلة. وكان المتولي عليها المفضل بن أبي البركات من بني تام رهط الصليحي، واستدعى عشيرته جنيا. وأنزلهم عنده بذي جبلة فكان يسطو بهم. وكانت سيدة تأتي التعكر في الصيف، وبه ذخائرها وخزائنها، فإذا جاء الشتاء رجعت إلى ذي جبلة. ثم انفرد المفضل لقتال نجاح فرتب في حصن التعكر فقيها يلقب بالجمل، مع جماعة من الفقهاء أحدهم إبراهيم بن زيد بن عمر عمارة الشاعر، فبايعوا الجمل على أن يمحو الدعوة الإمامية فرجع المفضل من طريقه وحاصرهم، وجاءت خولان لنصرتهم، وضايقهم المفضل وهلك في حصارهم سنة أربع وخمسمائة، فجاءت بعده الحرة سيدة وأنزلتهم على عهد فنزلوا، ووفت لهم به وكفلت عقب المفضل وولده. وصار معقل التعكر في يد عمران بن الذر الخولاني وأخيه سليمان. واستولى عمران على الحرة سيدة مكان المفضل. ولما ماتت استبد عمران وأخوه بحصن التعكر، واستولى منصور بن المفضل بن أبي البركات على ذي جبلة حتى باعه من الداعي الذريعي صاحب عدن كما يأتي، واعتصم بمعقل أشيح الذي كان للداعي المنصور سبا بن أحمد، وذلك أن المنصور توفي سنة ست وثمانين وأربعمائة، واختلف أولاده من بعده، وغلب ابنه علي منهم على المعقل، وكان ينازع ٤/٢٧٥
المفضل بن أبي البركات والحرة سيدة، وأعياهما أمره، فتحيل المفضل بسم أودعه سفرجلا أهداه إليه فمات منه، واستولى بنو أبي البركات على بني المظفر في أشيح وحصونه، ثم باع حصن ذي جبلة من الداعي الزريعي صاحب عدن بمائة ألف دينار. ولم يزل يبيع معاقلة حصنا حصنا حتى لم يبق له غير معقل تعز، أخذه منه علي بن مهدي بعد أن ملك ثمانين سنة، وبلغ من العمر مائة سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
الخبر عن دولة بني نجاح بزبيد موالي بني زياد ومبادئ أمورهم وتصاريف أحوالهم
ولما استولى الصليحي على زبيد من يد كهلان بعد أن أهلكه بالسم على يد الجارية التي بعثها إليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة كما مر. وكان لنجاح ثلاثة من الولد معارك وسعيد وجياش، فقتل معارك نفسه، ولحق سعيد وجياش بجزيرة دهلك وأقاما هنالك يتعلمان القرآن والآداب. ثم رجع سعيد إلى زبيد مغاضبا لأخيه جياش، واختفى بها في نفق احتفره تحت الأرض. ثم استقدم أخاه جياشا فقدم وأقاما لك في الاختفاء. ثم إن المستنصر العبيدي الخليفة بمصر قطع دعوته بمكة محمد بن جعفر أميرها من الهواشم، فكتب إلى الصليحي يأمره بقتاله وحمله على إقامة الدعوة العلوية بمكة، فسار علي الصليحي لذلك من صنعاء، وظهر سعيد وأخوه من الاختفاء وبلغ خبرهم الصليحي فبعث عسكرا نحوا من خمسة آلاف فارس، وأمرهم بقتلهما. وقد كان سعيد وجياش خالفا العسكر وسارا في اتباع الصليحي وهو في عساكره فبيتوه في اللجم وهو متوجه إلى مكة فانتقض عسكره وقتل. وتولى قتله جياش بيده سنة ثلاث وسبعين واربعمائة ثم قتل عبد الله الصليحي أخا علي في مائة وسبعين من بني الصليحي، وأسر زوجته أسماء بنت عمه شهاب في مائة وخمس وثلاثين من ملوك القحطانيين الذين غلبوا باليمن. وبعث إلى العسكر الذين ساروا لقتل سعيد وجياش فأمنهم واستخدمهم، ورحل إلى زبيد وعليها أسعد بن شهاب أخو زوجة الصليحي، ففر أسعد إلى صنعاء ودخل سعيد إلى زبيد، وأسماء زوجة الصليحي أمامه في هودج، ورأس الصليحي وأخيه عند هودجها. وأنزلها بدارها ٤/٢٧٦
ونصب الرأسين قبالة طاقها في الدار. وامتلأت القلوب منه رعبا، وتلقب نصير الدولة، وتغلب ولاة الحصون على ما بأيديهم. ودس المكرم بن الصليحي بن سعيد ابن نجاح بصنعاء على لسان بعض أهل الثغور، وضمن له الظفر، فجاء سعيد لذلك في عشرين ألفا من الحبشة. وسار إليه المكرم من صنعاء وهزمه وحال بينه وبين زبيد فهرب إلى جزيرة دهلك، ودخل المكرم زبيد وجاء إلى أمه وهي جالسة بالطاق وعندها رأس الصليحي وأخيه فأنزلهما ودفنهما. وولى على زبيد خاله أسعد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وكتب المكرم إلى عبد الله بن يعفر صاحب حصن الشعر بأن يغري سعيدا بالمكرم، وانتزاع ذي جبلة من يده لاشتغاله بلذاته، واستيلاء زوجه سيدة بنت أحمد عليه. وأنه بلخ فتمت الحيلة فسار سعيد في ثلاثين ألفا من الحبشة وأكمن له المكرم تحت حصن الشعر فثاروا به هنالك. وانهزمت عساكره وقتل ونصب رأسه عند الطاق الذي كان فيها رأس الصليحي بزبيد. واستولى عليها المكرم وانقطع منها ملك الحبشة. وهرب جياش ومعه وزير أخيه خلف بن أبي الظاهر المرواني، ودخلا عدن متنكرين. ثم لحقا بالهند وأقاما بها ستة أشهر، ولقيا هنالك كاهنا جاء من سمرقند فبشرهما بما يكون لهما فرجعا الى اليمن، وتقدم خلف الوزير إلى زبيد، وأشاع موت جياش واستأمن لنفسه، ولحق جياش فأقاما هنالك مختفيين، وعلى زبيد يومئذ أسعد بن شهاب خال المكرم ومعه علي بن القم وزير المكرم، وكان حنقا على المكرم ودولته، فداخله الوزير خلف ولاعب ابنه الحسين الشطرنج. ثم انتقل إلى ملاعبة أبيه فاغتبط به، وأطلعه على رأيه في الدولة، وكان يتشيع لآل نجاح. وانتمى بعض الأيام وهو يلاعب، فسمعه علي بن القم واستكشف أمره، فكشف له القناع واستحلفه، وجياش أثناء ذلك يجمع أشياعه من الحبشة، وينفق فيهم الأموال حتى اجتمع له خمسة آلاف، فثار بهم في زبيد سنة اثنتين وثمانين واربعمائة ونزل دار الإمارة ومن على أسعد بن شهاب وأطلقه لزمانة وكانت به.
وبقي ملكا على زبيد يخطب للعباسيين والصليحيون يخطبون للعبيديين، والمكرم يبعث العرب للغارة على زبيد كل حين إلى أن هلك جياش على رأس المائة الخامسة، وكانت كنيته ابن القطاي. وكان موصوفا بالعدل. وولي بعده ابنه الفاتك صبيا لم يحتلم، ودبروا ملكه. وجاء عمه إبراهيم لقتاله، وبرزوا له فثار عبد الواحد بالبلد، وبعث منصور إلى الفضل بن أبي البركات صاحب التعكر فجاء لنصره ٤/٢٧٧
مضمرا للغدر به. ثم بلغه انتقاض أهل التعكر عليه فرجع، ولم يزل منصور في ملكه بزبيد إلى أن وزر له أبو منصور عبيد الله فقتله مسموما سنة سبع عشرة وخمسمائة، ونصب فاتكا ابنه طفلا صغيرا. واستبد عليه، وقام بضبط الملك وهان عليه التعرض لآل نجاح حتى هربت منه أم فاتك هذا، وسكنت خارج المدينة، وكان قرما شجاعا، وله وقائع مع الأعداء. وحاربه ابن نجيب داعي العلوية فامتنع عليه، وهو الذي شيد المدارس للفقهاء بزبيد واعتنى بالحاج. ثم راود مفارك بنت جياش، ولم تجد بدا من إسعافه فأمكنته حتى إذا قضى وطره مسحت ذكره بمنديل مسموم فنثر لحمه. وذلك سنة أربع وعشرين وخمسمائة. وقام بأمر فاتك بعده زريق من موالي نجاح. قال عمارة: كان شجاعا فاتكا قرما، وكان من موالي أم فاتك المخصين بها.
قال عمارة: وفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة توفي فاتك بن المنصور، وولي بعده ابن عمه وسميه فاتك بن محمد بن فاتك، وسرور قائم بوزارته وتدبير دولته ومحاربة أعدائه. وكان يلازم المسجد إلى أن دس عليه علي بن مهدي الخارجي من قتله في المسجد وهو يصلي العصر يوم الجمعة ثاني عشر صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وثار السلطان بالقاتل فقتل جماعة من أهل المسجد، ثم قتل واضطرب موالي نجاح بالدولة وثار عليهم ابن مهدي الخارجي وحاربهم مرارا، وحاصرهم طويلا واستعانوا بالشريف المنصور أحمد بن حمزة السليماني، كان يملك صعدة فأغاثهم على أن يملكوه ويقتلوا سيدهم فاتك بن محمد، فقتلوه سنة ثلاث وخمسين، وملكوا عليهم الشريف أحمد، فعجز عن مقاومة ابن مهدي، وفر تحت الليل، وملكها علي بن مهدي سنة أربع وخمسين وخمسمائة وانقرض أمر آل نجاح والملك لله.
الخبر عن دولة بني الزريع بعدن من دعاة العبيديين باليمن وأولية أمرهم ومصايره
وعدن هذه من أمنع مدائن اليمن، وهي على ضفة البحر الهندي. وما زالت بلد تجارة من عهد التبابعة، وأكثر بنائهم بالأخصاص، ولذلك يطرقها تجار الحرير كثيرا، وكانت صدر الإسلام دار ملك لبني معن ينتسبون إلى معن بن زائدة، ملكوها من ٤/٢٧٨
أيام المأمون، وامتنعوا على بني زياد، قنعوا منهم بالخطبة والسكة. ولما استولى الداعي علي بن محمد الصليحي رعى لهم ذمام العروبية، وقرر عليهم ضريبة يعطونها. ثم أخرجهم منها ابنه أحمد المكرم. وولى عليها بني المكرم من عشيرة جسم ابن يام من همذان، وكانوا أقرب عشائره إليه، فأقامت في ولايتهم زمنا. ثم حدثت بينهم الفتنة وانقسموا إلى فئتين بني مسعود بن المكرم وبني الزريع بن العباس بن المكرم. وغلب بنو الزريع بعد حروب عظيمة. قال ابن سعيد: وأول مذكور منهم الداعي بن أبي السعود بن الزريع، أول من اجتمع له الملك بعد بني الصليحي، وورثه عنه بنوه، وحاربه ابن عمه علي بن أبي الغارات بن مسعود بن المكرم صاحب الزعازع، فاستولى على عدن من يده بعد مقاساة ونفقات في الأعراب.
ومات بعد فتحها بسبعة أشهر سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وولي ابنه الأغر وكان مقيما بحصن الدملوة المعقل الذي لا يرام. وامتنع عليه بعده ابن بلال بن الزريع من مواليه، وخشي محمد بن سبا على نفسه ففر إلى منصور بن المفضل من ملوك الجبال الصليحيين بذي جبلة. ثم مات الأغر قريبا فبعث بلال عن محمد بن سبا فوصل إلى عدن، وكان التقليد جاء من مصر باسم الأغر، فكتب مكانه محمد بن سبا وكان نعوته الداعي المعظم المتوج المكنى بسيف أمير المؤمنين فوقعت كلها عليها.
وزوجه بلال بنته ومكنه من الأموال التي كانت في خزائنه. ثم مات بلال عن مال عظيم، وورثه محمد بن سبا وأنفقه في سبيل الكرم المروءات. واشترى حصن ذي جبلة من منصور بن المفضل بن أبي البركات كما ذكرناه. واستولى عليه وهو دار ملك الصليحيين، وتزوج سيدة بنت عبد الله الصليحي، وتوفي سنة ثمان وأربعين. وولي ابنه عمران بن محمد بن سبا. وكان ياسر بن بلال يدبر دولته، وتوفي سنة ستين وخمسمائة، وترك ولدين صغيرين، وهما محمد وأبو السعود فحبسهما ياسر بن بلال في القصر، واستبد بالأمر. وكان ياسر محمد كثير العطية للشعراء ومن وفد عليه ومدحه ابن قلاقس شاعر الإسكندرية ومن قصائده في مدحه:
سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا
وهو آخر ملوك الزريعيين. ولما دخل سيف الدولة أخو صلاح الدين إلى اليمن سنة ست وستين وستمائة، واستولى عليها جاء إلى عدن فملكها وقبض على ياسر بن بلال، وانقطعت دولة بني زريع. وصار اليمن للمعز، وفيه ولاتهم بنو أيوب كما نذكر في ٤/٢٧٩
أخبارهم. وكانت مدينة الجدة قرب عدن اختطها ملوك الزريعيين، فلما جاءت دولة بنى أيوب تركوها ونزلوا تعز من الجبال كما يأتي ذكره.
أخبار ابن مهدي الخارجي وبنيه وذكر دولتهم باليمن وبدايتها وانقراضها
هذا الرجل من أهل العثرة من سواحل زبيد، وهو علي بن مهدي الحميري. كان أبوه مهدي معروفا بالصلاح والدين، ونشأ ابنه على طريقته فاعتزل ونسك. ثم حج ولقي علماء العراق وأخذ الوعظ من وعاظهم، وعاد إلى اليمن واعتزل ولزم الوعظ.
وكان حافظا فصيحا، ويخبر بحوادث أحواله فيصدق، فمال إليه الناس واغتبطوا به، وصار يتردد للحج سنة إحدى وستين، ويعظ الناس في البوادي. فإذا حضر الموسم ركب على نجيب له ووعظ الناس ولما استولت أم فاتك على بني جياش أيام ابنها فاتك بن منصور، أحسنت فيه المعتقد وأطلقت له ولقرابته وأصهاره خرجهم فحسنت أحوالهم، وآثروا وركبوا الخيول. وكان يقول في وعظه: دنا الوقت! يشير إلى وقت ظهوره. واشتهر ذلك عنه، وكانت أم فاتك تصل أهل الدولة عنه، فلما ماتت سنة خمس وأربعين جاءه أهل الجبال وحالفوه على النصرة. وخرج من تهامة سنة ثمان وثلاثين وقصد الكودا فانهزم وعاد إلى الجبال، وأقام إلى سنة إحدى وأربعين. ثم أعادته الحرة أم فاتك إلى وطنه، وماتت سنة خمس وأربعين فخرج إلى هوازن، ونزل ببطن منهم يقال له حيوان في حصن يسمى الشرف، وهو حصن صعب ليس يرتقي على مسيرة يوم من سفح الجبل، في طريقه أو عار في واد ضيق عقبة كئود.
وأصحابه سماهم الأنصار، وسمى كل من صعد معه من تهامة المهاجرين. وأمر للأنصار رجلا اسمه سبا وللمهاجرين آخر اسمه شيخ الإسلام واسمه النوبة واحتجب عمن سواهما. وجعل يشن الغارات على أرض تهامة، وأعانه على ذلك خراب النواحي بزبيد فأخرب سابلتها ونواحيها، وانتهى إلى حصن الداثر على نصف مرحلة من زبيد، وأعمل الحيل في قتل مسرور مدبر الدولة فقتل كما مر، وأقام يخيف زبيد بالزحوف. قال عمارة: زاحفها سبعين زحفا، وحاصرها طويلا، واستمدوا الشريف أحمد بن حمزة السليماني صاحب صعدة فأمدهم وشرط عليهم قتل سيدهم فاتك ٤/٢٨٠
فقتلوه سنة ثلاث وخمسين. وملك عليهم الشريف ثم عجز وهرب عنهم. واستولى علي بن مهدي عليها في رجب سنة أربع وخمسين، ومات لثلاثة أشهر من ولايته.
وكان يخطب له بالإمام المهدي أمير المؤمنين. وقامع الكفرة والملحدين، وكان على رأي الخوارج يتبرأ من علي وعثمان ويكفر بالذنوب، وله قواعد وقواميس في مذهبه يطول ذكرها. وكان يقتل على شرب الخمر. قال عمارة: كان يقتل من خالفه من أهل القبلة، ويبيح نساءهم وأولادهم، وكانوا يعتقدون فيه العصمة، وكانت أموالهم تحت يده ينفقها عليهم في مؤنهم ولا يملكون معه مالا ولا فرسا ولا سلاحا.
وكان يقتل المنهزم من أصحابه ويقتل الزاني وشارب الخمر وسامع الغناء، ويقتل من تأخر عن صلاة الجماعة ومن تأخر عن وعظه يوم الإثنين والخميس. وكان حنفيا في الفروع. ولما توفي تولى بعده ابنه عبد النبي، وخرج من زبيد واستولى على اليمن أجمع، وبه يومئذ خمس وعشرون دولة فاستولى على جميعها ولم يبق له سوى عدن ففرض عليها الجزية. ولما دخل شمس الدولة تور شاه بن أيوب أخو صلاح الدين سنة ست وستين وخمسمائة، واستولى على الدولة التي كانت باليمن، فقبض على عبد النبي وامتحنه وأخذ منه أموالا عظيمة، وحمله إلى عدن فاستولى عليها. ثم نزل زبيد واتخذها كرسيا لملكه. ثم استوخمها وسار في الخيال ومعه الأطباء يتخير مكانا صحيح الهواء ليتخذ فيه سكناه، فوقع اختيارهم على مكان تعز، فاختط به المدينة ونزلها.
وبقيت كرسيا لملكه وبنيه ومواليهم بني رسول كما نذكر في أخبارهم. وبانقراض دولة بني المهدي انقرض ملك العرب من اليمن وصار للغز ومواليهم.
قواعد اليمن
(ولنذكر الآن) طرفا من الكلام على قواعد اليمن ومدته واحدة واحدة كما أشار إليه ابن سعيد (اليمن) من جزيرة العرب يشتمل على كراسي سبعة للملك تهامة والجبال، وفي تهامة مملكتان: مملكة زبيد ومملكة عدن. ومعنى تهامة ما انخفض من بلاد اليمن مع ساحل البحر من البرين من جهة الحجاز إلى آخر أعمال عدن دورة ٤/٢٨١
البحر الهندي. قال ابن سعيد: وجزيرة العرب في الإقليم الأول ويحيط بها البحر الهندي من جنوبها، وبحر السويس من غربها، وبحر فارس من شرقها. وكانت اليمن قديما للتبابعة وهي أخصب من الحجاز، وأكثر أهلها القحطانية، وفيها من عرب وائل وملكها لهذا العهد لبني رسول موالي بني أيوب، ودار ملكهم تعز، بعد أن نزلوا الحرة أولا وبصعدة من اليمن أئمة الزيدية، وبزبيد وهي مملكة اليمن شمالها الحجاز وجنوبها البحر الهندي وغربها بحر السويس، اختطها محمد بن زياد أيام المأمون سنة أربع ومائتين. وهي مدينة مسورة تدخلها عين جارية، تحلها الملوك. وعليها غيطان يسكنونها أيام الغلة، وهي الآن من ممالك بني رسول، وبها كان ملك بني زياد ومواليهم، ثم غلب عليها بنو الصليحي وقد مر خبرهم. (عثر وحلى والسرجة) من أعمال زبيد في شمالها، وتعرف بأعمال ابن طرف، مسيرة سبعة أيام في يومين من السرجة إلى حلى، ومكة ثمانية أيام. وعثر هي منبر الملك وهي على البحر، وكان سليمان بن طرف ممتنعا بها على أبي الجيش بن زياد. وكان مبلغ ارتفاعه خمسمائة ألف دينار، ثم دخل في طاعته وخطب له وحمل المال. ثم صارت هذه المملكة للسليمانيين من بني الحسن من أمراء مكة حين طردهم الهواشم عن مكة. وكان غالب ابن يحيى منهم يؤدي الإتاوة لصاحب زبيد وبه استعان محمد مفلح الفاتكي من سرور. ثم هلك بعدها. ثم عيسى بن حمزة من بنيه. ولما ملك الغز اليمن، أخذ يحيى أخو عيسى أسيرا وسيق إلى العراق فحاول عليه عيسى فتخلصه من الأسر.
ورجع إلى اليمن فقتل أخاه عيسى وولى مكانه المهجم من أعمال زبيد على ثلاثة مراحل عليها، وعربها من العسيرة من حكم وجعفر قبيلتين منهم. ويجلب منها الزنجبيل. (السرير) آخر أعمال تهامة من اليمن وهي على البحر دون سور، وبيوتها أخصاص وملكها راجح بن قتادة سلطان مكة أعوام الخمسين وستمائة. وله قلعة على نصف مرحلة منها. (الزرائب) من الأعمال الشمالية من زبيد، وكانت لابن طرف واجتمع له فيها عشرون ألفا من الحبشة الذين معه جميعا. وقال ابن سعيد في أعمال زبيد والأعمال التي في الطريق الوسطى بين البحر والجبال. وهي في خط زبيد في شماليها، وهي الجادة إلى مكة. قال عمارة: هي الجادة السلطانية منها إلى البحر يوم أو دونه، وكذلك إلى الجبال. ويجتمع الطريقان الوسطى والساحلية في السرير ويفترقان. (عدن) من ممالك اليمن في جوف زبيد وهي كرسي عملها، ٤/٢٨٢
وهي على ضفة البحر الهندي. وكانت بلد تجارة منذ أيام التبابعة، وبعدها عن خط الاستواء ثلاث عشرة درجة، ولا تنبت زرعا ولا شجرا ومعاشهم السمك، وهي ركاب الهند من اليمن وأول ملكها لبني معن بن زائدة، استقاموا لبني زياد وأعطوهم الإتاوة. ولما ملك الصليحيون أقرهم الداعي. ثم أخرجهم ابنه أحمد المكرم وولاها بني المكرم من جشم بن يام رهطه بهمدان، وصفا الملك فيها لبني الزريع منهم، وقنع منهم بالإتاوة حتى ملكها من أيديهم شمس الدولة بن أيوب كما تقدم.
(عدن أبين) من بينات المدن وهي إلى جهة الشحر. (الزعزاع) باودية ابن أيوب عدن، وكانت لبني مسعود بن المكرم المقارعين لبني الزريع (الجوة) اختطها ملوك الزريعيين قرب عدن، ونزلها بنو أيوب ثم انتقلوا إلى تعز. (حصن ذي جبلة) من حصون مخلاف جعفر اختطه عبد الله الصليحي أخو الداعي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وانتقل إليه ابنه المكرم من حصن صنعاء. وزوجه سيدة بنت أحمد المستبدة عليه، وهي التي تحكمت سنة ثمانين. ومات المكرم وقد فوض الأمر في الملك والدعوة إلى سبا بن أحمد بن المظفر الصليحي، وكان في معقل أشيح، وكانت تستظهر بقبيل جنب، وكانوا خاملين في الجاهلية فظهروا بمخلاف جعفر. ثم وصل من مصر ابن نجيب الدولة داعيا ونزل مدينة جند، واعتضد بهمذان فحاربته السيدة بجنب وخولان إلى أن ركب البحر وغرق. وكان يتولى أمورها المفضل ابن أبي البركات بعد زوجها المكرم، واستولى عليها (التعكر) من مخلاف جعفر، كان لبني الصليحي، ثم لسيدة من بعدهم ثم طلبه منها المفضل بن أبي البركات فسلمته إليه، وأقام فيه إلى أن سار إلى زبيد وحاصر فيها بني نجاح، وطالت غيبته فثار بالتعكر جماعة من الفقهاء وقتلوا نائبة وبايعوا لإبراهيم بن زيدان منهم، وهو عمارة الشاعر. واستظهروا بخولان فرجع المفضل وحاصرهم كما ذكرنا ذلك من قبل. (حصن خدد) كان لعبد الله بن يعلي الصليحي وهو من مخلاف جعفر، وكان المفضل قد أدخل من خولان في حصون المخلاف عددا كثيرا في بني بحر وبني منبه ورواح وشعب. فلما مات المفضل وفي كفالته سيدة كما مر، وثب مسلم بن الذر من خولان في حصن خدد وملكه من يد عبد الله بن يعلى الصليحي، ولحق عبد الله بحصن مصدود ورشحته سيدة لمكان المفضل، واستخلصته الدولة من مدينة الجند ومن اليمن بأمرها. (حصن مصدود) : من حصون مخلاف جعفر وهي ٤/٢٨٣
خمسة: ذو جبلة والتعكر وحصن خدد. ولما غلبت خولان على حصن خدد من يد عبد الله الصليحي، ولحق بحصن مصدود واستولى عليه منهم زكريا بن شكير البحري، وكان بنو الكردي من حمير ملوكا قبل بني الصليحي باليمن، وانتزع بنو الصليحي ملكهم، وكان لهم مخلاف بحصونه ومخلاف مغافر ومخلاف الجند، وحصن سمندان. ثم استقرت لمنصور بن المفضل بن أبي البركات وباعها من بني الزريع كما مر. (صنعاء) قاعدة التبابعة قبل الإسلام، وأول مدينة اختطت باليمن، وبنتها فيما يقال عاد، وكانت تسمى أوال من الأولية بلغتهم. وقصر غمدان قريب منها أحد البيوت السبعة، بناه الضحاك باسم الزهرة، وحجت إليه الأمم، وهدمه عثمان. وصنعاء أشهر حواضر اليمن، وهي فيما يقال معتدلة، وكان فيها أول المائة الرابعة بنو يعفر من التبابعة ودار ملكهم كحلان، ولم يكن لها نباهة في الملك إلى أن سكنها بنو الصليحى وغلب عليها الزيدية، ثم السليمانيون من بعد بني الصليحي.
(قلعة كحلان) من أعمال صنعاء لبني يعفر من التبابعة بناها قرب صنعاء إبراهيم وكانت له صعدة ونجران. واعتصم بنو يعفر بقلعة كحلان، وقال البيهقي: سيد قلعة كحلان أسعد بن يعفر، وحارب بني الرسي وبني زياد أيام أبي الجيش. (حصن الصمدان) من أعمال صنعاء كانت فيه خزائن بني الكردي الحميريين إلى أن ملكه علي الصليحي ورد عليهم المكرم بعض حصونهم إلى أن انقرض أمرهم على يد علي ابن مهدي. وكان لهم مخلاف جعفر الذي منه مدينة ذي جبلة، ومعقل التعكر وهو مخلاف الجند، ومخلاف معافر مقر ملكهم السمدان وهو أحصن من الدولة.
(قلعة منهاب) من قلاع صنعاء بالجبال ملكها بنو زريع واستبد بها منهم الفضل ابن علي بن راضي بن الداعي محمد بن سبا بن زريع، نعته صاحب الجزيرة بالسلطان، وقال: كانت له قلعة منهاب وكان حيا سنة ست وثمانين وخمسمائة، وصارت بعده لأخيه الأغر أبي علي (جبل الدبجرة) وهو بقرب صنعاء وقد اختط جعفر مولى بني زياد سلطان اليمن مخلاف جعفر فنسب إليه. (عدن لاعة) بجانب الدبجرة، أول موضع ظهرت فيه دعوة الشيعة باليمن، ومنها محمد ٤/٢٨٤
ابن المفضل الداعي. ووصل إليها أبو عبد الله الشيعي صاحب الدعوة بالمغرب. وفيها قرأ على علي بن محمد الصليحي صبيا وهي دار دعوة اليمن. كان محمد بن المفضل داعيا على عهد أبي الجيش بن زياد وأسعد بن يعفر. (بيجان) ذكرها عمارة في المخاليف الجبلية وملكها نستوان بن سعيد القحطاني. (تعمر) من أجل معاقل الجبال المطلة على تهامة، ما زال حصنا للملوك، وهو اليوم كرسي لبني رسول ومعدود في الأمصار، وكان به من ملوك اليمن منصور بن المفضل بن أبي البركات، وبنو المظفر، وورثها عنه ابنه منصور ثم باعها حصنا حصنا من الداعي بن المظفر والداعي الزريعي، إلى أن بقي بيده حصن تعمر فأخذه منه ابن مهدي. (معقل أشيح) من أعظم حصون الجبال وفيه خزائن بني المظفر من الصليحيين صارت له بعهد المكرم ابن عمه صاحب ذي جبلة، وقلده المستنصر الدعوة وتوفي سنة ست وثمانين وأربعمائة. وغلب ابنه علي على معقل الملك أشيح. وأعيا المفضل أمره إلى أن تحيل عليه وقتله بالسم، وصارت حصون بني المظفر إلى بني أبي البركات. ثم مات المفضل وخلف ابنه منصورا. واستقل بملك أبيه بعد حين وباع جميع الحصون تباع ذا جبلة من الداعي الزريعي صاحب عدن بمائة ألف دينار، وحصن صنبر بعد أن كان حلف بالطلاق من زوجته أنه يستبقيه، وطلق زوجته الحرة وتزوجها الزريعي، وطال عمره. ملك ابن عشرين وبقي في الملك ثمانين، وأخذ منه معقل علي بن مهدي. (صعدة) مملكتها تلو مملكة صنعاء، وهي في شرقيها، وفي هذه المملكة ثلاثة قواعد صعدة وجبل قطابة وحصن تلا وحصون أخرى، وتعرف كلها ببني الرسي، وقد تقدم ذكر خبره. وأما حصن تلا فمنه كان ظهور الموطئ الذي أعاد إمامة الزيدية لبني الرضا، بعد أن استولى عليها بنو سليمان، فأوى إلى جبل قطابة. ثم بايعوا لأحمد الموطئ سنة، خمس وأربعين وستمائة، وكان فقيها عابدا وحاصره نور الدين بن رسول في هذا الحصن سنة جمر عليه عسكرا للحصار. ثم مات ابن رسول سنة ثمان وأربعين واشتغل ابنه المظفر بحصار حصن الدمولة، فتمكن الموطئ وملك حصون اليمن، وزحف إلى صعدة وبايعه السليمانيون وإمامهم أحمد المتوكل كما مر في أخبار بني الرسي، وأما قطابة فهو جبل شاهق مشرف على صعدة إلى أن كان ما ذكرناه. (حران ومسار) أما حران فهو إقليم من بلاد همذان، وحران بطن من بطونهم، كان منهم الصليحي، وحصن مسار هو الذي ظهر فيه الصليحي ٤/٢٨٥
وهو من إقليم حران. قال البيهقي: بلادهم شرقية بجبال اليمن وتفرقوا في الإسلام ولم يبق لهم قبيلة وفرقة إلا في اليمن، وهو أعظم قبائل اليمن وبهم قام الموطئ، وملكوا جملة من حصون الجبال، ولهم بها إقليم بكيل وإقليم حاشد، وهما ابنا جشم بن حيوان أنوق بن همذان. قال ابن حزم: ومن بكيل وحاشد افترقت قبائل همذان انتهى. ومن همذان بنو الزريع أصحاب السلطنة والدعوة في عدن والجوة، ومنهم بنو يام من قبائل همذان انتهى. ومن همذان بنو الزريع سبعة وهم الآن في نهاية من التشيع ببلادهم وأكثرهم زيدية. (بلاد خولان) قال البيهقي: هي شرقية من جبال اليمن، ومتصلة ببلاد همذان، وهي حصون خدد والتعكر وغيرهما. وهم أعظم قبائل اليمن مع همذان ولهم بطون كثيرة. وافترقوا على بلاد الإسلام ولم يبق منهم وبرية إلا باليمن (مخلاف بني أصح) هو بوادي سحول وذو أصح الذي ينسبون إليه قد تقدم ذكره في أنساب حمير من التبابعة والأقيال، ومخلاف يحصب مجاور له وهو أخو أصبح. (مخلاف بني وائل) مدينة هذا المخلاف شاحط وصاحبها أسعد بن وائل وبنو وائل بطن من ذي الكلاع. وذو الكلاع من سبا تغلبوا على هذه البلاد عند مهلك الحسن بن سلامة، حتى عادوا إلى الطاعة واختط مدينة الكدد على مخلاف سهام، ومدينة المعقل على وادي دوال، ومات سنة اثنتين وأربعمائة. (بلاد كندة) وهي من جبال اليمن مما يلي حضرموت، وجبال الرمل وكان لهم بها ملوك وقاعدتهم دمون ذكرها أمرؤ القيس في شعره . (بلاد مذحج) موالي جهات الجند من الجبال وينزلها من مذحج عنس وزبيد ومراد. ومن عنس بإفريقية فرقة وبرية مع ظواعن أهلها، ومن زبيد بالحجاز بنو حرب بين مكة والمدينة. وبنو زبيد الذين بالشام والجزيرة فهم من طيئ وليسوا من هؤلاء. (بلاد بني نهد) في أجواف السروات وتبالة والسروات بين تهامة والجبال ونجد من اليمن والحجاز كسوأة الفرس. وبنو نهد من قضاعة سكنوا اليمن جوار خثعم وهم كالوحوش، والعامة تسميهم السرو، وأكثرهم أخلاط من جبلة وخثعم. ومن بلادهم تبالة يسكنها قوم من نهير وائل ولهم بها صولة، وهي التي وليها الحجاج واستحقرها فتركها. (البلاد المضافة ٤/٢٨٦
إلى اليمن) أولها الثمامة. قال البيهقي: هو بلد منقطع بعمله والتحقيق أنه من الحجاز كما هي نجران من اليمن. وكذا قال ابن حوقل وهي دونها في المملكة، وأرضها تسمى العروض لاعتراضها بين الحجاز والبحرين. وفي شرقيها البحرين وغربيها أطراف اليمن والحجاز، وجنوبها نجران، وشمالها نجد من الحجاز. وفي أطرافها عشرون مرحلة، وهي على أربعة أميال من مكة. وقاعدتها حجر «بالفتح» . وبلد اليمامة كانت مقرا لملوك بني حنيفة. ثم اتخذ بنو حنيفة حجرا وبينهما يوم وليلة، وبظواهرها أحياء من بني يربوع من تميم، وأحياء من بني عجل. قال البكري: واسمها جو، وسميت باسم زرقاء اليمامة، سماها بذلك تبع الآخر، وهي في الإقليم الثاني مع مكة، وبعدهما عن خط الاستواء واحد، منازلها توضيح وقرقرا. وقال الطبري: إن رمل عالج من اليمامة والشحر وهي من أرض وبار. وكانت اليمامة والطائف لبني مزان بن يعفر والسكسك، وغلبتهم عليها طسم وجديس. ثم غلبتهم بنو مزان آخرا وملكوا اليمامة وطسم وجديس في تبعهم، وآخر ملوك بني طسم عمليق. ثم غلبت جديس ومنهم باليمامة التي سميت مدينة جو بها، وأخبارها معروفة. ثم استولى على اليمامة بعد طسم وجديس بنو حنيفة، وكان منهم هودة بن علي ملك اليمامة وتتوج. ويقال: إنما كانت خرزات هودة بن علي ملك اليمامة، على عهد النبوة، وأسر وأسلم وثبت عند الردة. وكان منهم مسيلمة وأخباره معروفة، قال ابن سعيد: وسألت عرب البحرين وبعض مذحج لمن اليمامة اليوم؟ فقالوا العرب من قيس عيلان، وليس لبني حنيفة بها ذكر. (بلاد حضر موت) قال ابن حوقل: هي في شرقي عدن بقرب البحر ومدينتها صغيرة، ولها أعمال عريضة، وبينها وبين عمان من الجهة الأخرى رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وكانت مواطن لعاد.
وبها قبر هود عليه السلام، وفي وسطها جبل بشام، وهي في الإقليم الأول. وبعدها عن خط الاستواء اثنتا عشرة درجة، وهي معدودة من اليمن، بلد نخل وشجر ومزارع. وأكثر أهلها يحكمون بأحكام علي وفاطمة، ويبغضون عليا للتحكيم ، ٤/٢٨٧
وأكبر مدينة بها الآن قلعة بشام فيها خيل الملك، وكانت لعاد مع الشحر وعمان، وغلبهم عليها بنو يعرب بن قحطان. ويقال إن الذي دل عادا على جزيرة العرب هو رقيم بن إرم، كان سبق إليها مع بني هود فرجع إلى عاد ودلهم عليها، وعلى دخولها بالجوار، فلما دخلوا غلبوا على من فيها. ثم غلبهم بنو يعرب بن قحطان بعد ذلك، وولى على البلاد فكانت ولاية ابنه حضر موت على هذه البلاد، وبه سميت الشحر من ممالك جزيرة العرب مثل الحجاز واليمن. وكان معقلا عن حضر موت وعمان والذي يسمى الشحر قصبته، ولا زرع فيه ولا نخل، إنما أموالهم الإبل والمعز، ومعاشهم من اللحوم والألبان، ومن السمك الصغار، ويعلفونها للدواب. وتسمى هذه البلاد أيضا بلاد مهرة، وبها الإبل المهرية، وقد يضاف الشحر إلى عمان وهو ملاصق لحضرموت، وقيل هو بسائطها. وفي هذه البلاد يوجد اللبان، وفي ساحله العنبر الشحري وهو متصل في جهة الشرق. ومن غربيها ساحل البحر الهندي الذي عليه عدن، وفي شرقيها بلاد عمان وجنوبها بحر الهند مستطيلة عليه، وشمالها حضر موت كأنها ساحل لها، ويكونان معا لملك واحد. وهي في الإقليم الأول وأشد حرا من حضر موت. وكانت في القديم لعاد وسكنها بعدهم مهرة من حضر موت أو من قضاعة، وهم كالوحوش في تلك الرمال ودينهم الخارجية على رأي الإباضية منهم.
وأول من نزل بالشحر من القحطانية مالك بن حمير، خرج على أخيه مالك وهو ملك بقصر غمدان فحاربه طويلا، ومات مالك فولي بعده ابنه قضاعة بن مالك فلم يزل السكسك يحاربه إلى أن قهره، واقتصر قضاعة على بلاد مهرة. وملك بعده ابنه أطاب ثم مالك بن الحاف، وانتقل إلى عمان وبها كان سلطانه. قال البيهقي: وملك مهرة ابن حيدان بن الحاف بلاد قضاعة وحارب عمه مالك بن الحاف صاحب عمان حتى غلبهم عليها، وليس لهم اليوم في غير بلادهم ذكر. وببلاد الشحر مدينة مرياط وضفان على وزن نزال وضفان دار ملك التبابعة، ومرياط بساحل الشحر، وقد خربت هاتان المدينتان. وكان أحمد بن محمد بن محمود الحميري، ولقبه الناخودة، وكان تاجرا كثير المال يعبر إلى صاحب مرياط بالتجارة. ثم استوزره ثم هلك فملك أحمد الناخودة. ثم خربها وخرب ضفان سنة تسع عشرة وستمائة، وبنى على الساحل مدينة ضفا بضم الضاد المعجمة وسماها الأحمدية باسمه، وخرب القديمة لأنها لم يكن لها مرسى. (نجران) قال صاحب الكمائم: هي صقع منفرد عن اليمن، ٤/٢٨٨
وقال غيره هي من اليمن قال البيهقي مسافتها عشرون مرحلة وهي شرقي صنعاء وشماليها وتوالي الحجاز وفيها مدينتان نجران وجرش، متقاربتان في القدر والعادية غالبة عليها، وسكانها كالأعراب، وبها كعبة نجران بنيت على هيئة عمدان كعبة اليمن، وكانت طائفة من العرب تحج إليها وتنهر عندها، وتسمى الدير. وبها قس بن ساعدة، كان يتعبد فيها. ونزلها من القحطانية طائفة من جرهم ثم غلبهم عليها حمير. وصاروا ولاة للتبابعة. وكان كل ملك منهم يسمى الأفعى. وكان منهم أفعى نجران واسمه القلمس بن عمرو بن همذان بن مالك بن شهاب بن زيد بن وائل بن حمير، وكان كاهنا، وهو الذي حكم بين أولاد نزار لما أتوه حسبما هو مذكور. وكان واليا على نجران لبلقيس، فبعثته إلى سليمان عليه السلام، وآمن وبث دين اليهودية في قومه وطال عمره. ويقال إن البحرين والمسلل كانتا له. قال البيهقي: ثم نزل نجران بنو مذحج، واستولوا عليها. ومنهم الحرث بنو كعب. وقال غيره: لما خربت اليمانية في سيل العرم مروا بنجران فحاربتهم مذحج ومنها افترقوا. قال ابن حزم: ونزل في جوار مذحج بالصلح الحرث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. ثم غلبوا عليها مذحجا وصارت لهم رياستها. ودخلت النصرانية نجران من قيمون، وخبره معروف في كتب السير، وانتهت رياسة بني الحرث فيها إلى بني الريان. ثم صارت إلى بني عبد المدان. وكان يزيد منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم على يد خالد بن الوليد، ووفد مع قومه ولم يذكره ابن عبد المؤمن وهو مستدرك عليه، وابن أخيه زياد بن عبد الرحمن بن عبد المدان خال السفاح، ولاه نجران واليمامة، وخلف ابنيه محمدا ويحيى. ودخلت المائة الرابعة والملك بها لبني أبي الجود بن عبد المدان، واتصل فيهم. وكان بينهم وبين الفاطميين حروب. وربما يغلبونهم بعض الأحيان على نجران. وكان آخرهم عبد القيس الذي أخذ علي بن مهدي الملك من يده، ذكره عمارة وأثنى عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ٤/٢٨٩
الخبر عن دولة بني حمدان المستبدين بالدعوة العباسية من العرب بالموصل والجزيرة والشام ومبادئ أمورهم وتصاريف أحوالهم
كان بنو ثعلب بن وائل من أعظم بطون ربيعة بن نزار، ولهم محل في الكثرة والعدد، وكانت مواطنهم بالجزيرة في ديار ربيعة، وكانوا على دين النصرانية في الجاهلية، وصاغيتهم مع قيصر. وحاربوا المسلمين مع غسان وهرقل أيام الفتوحات في نصارى العرب يومئذ من غسان وإياد وقضاعة وزابلة وسائر نصارى العرب. ثم ارتحلوا مع هرقل إلى بلاد الروم، ثم رجعوا إلى بلادهم. وفرض عليهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الجزية. فقالوا يا أمير المؤمنين لا تذلنا بين العرب باسم الجزية، واجعلها صدقة مضاعفة ففعل. وكان قائدهم يومئذ حنظلة بن قيس بن هرير من بني مالك ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب وكان من رهطه عمرو بن بسطام صاحب السند أيام بني أمية. ثم كان منهم بعد ذلك في الإسلام ثلاثة بيوت: آل عمر بن الخطاب العدوي، وآل هارون المغمر، وآل حمدان ابن حمدون بن الحرث ابن لقمان بن أسد. ولم يذكر ابن حزم هؤلاء البيوت الثلاثة في بطون بني ثعلب في كتاب الجمهرة. ووقفت على حشية في هذا الموضع من كتابه فيها ذكر هؤلاء الثلاثة كالاستلحاق عليه، وقال في بني حمدان: وقيل إنهم موالي بني أسد. ثم قال آخر الحاشية إنه من خط المصنف يعني ابن حزم. ولما فشا دين الخارجية بالجزيرة أيام مروان بن الحكم وفرق جموعه ومحا آثار تلك الدعوة. ثم ظهر في الجزيرة بعد حين أثر من تلك الدعوة، وخرج مساور بن عبد الله بن مساور البجلي من السرات أيام الفتنة بعد مقتل المتوكل واستولى على أكثر أعمال الموصل، وجعل دار هجرته الحديثة. وكان على الموصل يومئذ عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي الذي ولى المنصور جده محمدا على إفريقية، وعليه خرج مساور. ثم ولي على الموصل أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب الثعلبي سنة أربع وخمسين، واستخلف عليه ابنه الحسن فسار إلى مساور في جموع قومه، وفيهم حمدون بن الحرث فهزموا الخوارج وفرقوا جمعهم. ثم ولي أيام المهتدي عبد الله بن سليمان بن عمران الأزدي فغلبه ٤/٢٩٠
الخوارج، وملك مساور الموصل ورجع إلى الحديثة. ثم انتقض أهل الموصل أيام المعتمد سنة تسع وخمسين، وأخرجوا العامل وهو ابن أساتكين الهيثم بن عبد الله بن المعتمد العدوي من بني ثعلب، فامتنعوا عليه وولوا مكانه إسحاق بن أيوب من آل الخطاب، فزحف ومعه حمدان بن حمدون وحاصرها مدة. ثم كانت فتنة إسحاق ابن كنداجق وانتقاضه على المعتمد، واجتمع لمدافعته علي بن داود صاحب الموصل، وحمدان بن حمدون وإسحاق بن أيوب فهزمهم إسحاق بن كنداجق، وافترقوا فاتبع إسحاق بن أيوب إلى نصيبين ثم إلى آمد. واستجار فيها بعيسى بن الشيخ الشيباني وبعث إلى المعز موسى بن زرارة صاحب أرزن فامتنع بانجادهما. ثم ولى المعتمد ابن كنداجق على الموصل سنة سبع وستين فاجتمع لحربه إسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبو العز بن زرارة وحمدان بن حمدون في ربيعة وثعلب فهزمهم ابن كنداجق، وحاصره هو ولجئوا إلى آمد عند عيسى بن الشيخ الشيباني، وحاصرهم بها وتوالت عليهم الحروب وهلك مساور الخارجي أثناء هذه الفتن في حربه مع العساكر سنة ثلاث وستين. واجتمع الخوارج بعده على هارون بن عبد الله البجلي واستولى على الموصل وكثر تابعه. وخرج عليه محمد بن خردان من أصحابه فغلبه على الموصل، فقصد حمدان بن حمدون مستنجدا به، فسار معه ورده إلى الموصل ولحق محمد بالحديثة، ورجع أصحابه إلى هارون. ثم سار هارون من الموصل إلى محمد فأوقع به وقتله وعاث في الأكراد الجلالية أصحابه، وغلب على القرى والرساتيق، وجعل رجله يأخذ الزكاة والعشر. ثم زحف بنو شيبان لقتاله سنة اثنتين وسبعين، فاستنجد بحمدان بن حمدون، وانهزم قبل وصوله إليه. ثم كانت الفتنة بين إسحاق بن كنداجق ويوسف بن أبي الساج، وأخذ ابن أبي الساج بدعوة ابن طولون، وغلب على الجزيرة والموصل، ثم عاد وملكها لابن كنداجق وولى عليها هارون بن سيما سنة تسع وسبعين ومائتين. فطرده أهلها، واستنجد ببني شيبان فساروا معه إلى الموصل، واستمد أهلها الخوارج وبني ثعلب فسار لإمدادهم هارون الساري وحمدان فهزمهم بنو شيبان، وخاف أهل الموصل من ابن سيما فبعثوا إلى بغداد، وولى عليهم المعتمد علي بن داود الأزدي. ولما بلغ المعتضد ممالأة حمدان بن حمدون لهارون الساري، وما فعله بنو شيبان، وقد كان خرج لإصلاح الجزيرة، وأعطاه بنو شيبان رهنهم على الطاعة، زحف إلى حمدان وهزمه فلحق بماردين وترك ٤/٢٩١
بها ابنه الحسين. وهرب فسار مع وصيف ونصر القسوري، ومروا بدير الزعفران وبه الحسين بن حمدان فاستأمن لهم، وبعثوا به إلى المعتضد وأمر بهدم القلعة، ولقي وصيف حمدان فهزمه، وعبر إلى الجانب الغربي. ثم سار إلى معسكر المعتضد، وكان إسحاق بن أيوب الثعلبي قد سبق إلى طاعة السلطان وهو في معسكره، فقصد خيمته ملقيا بنفسه عليه، فأحضره عند المعتضد فحبسه. ثم سار نصر القسوري في اتباع هارون فهزم الخوارج، ولحق بأذربيجان. واستأمن آخرون إلى المعتضد ودخل هارون البرية. ثم سار المعتضد سنة ثلاث وثمانين في طلب هارون وبعث في مقدمته وصيفا وسرح معه الحسين بن حمدان بن يكرين، واشترط له إطلاق ابنه إن جاء بهرون. فاتبعه وأسره وجاء به إلى المعتضد فخلع عليه وعلى إخوته وطوقه وفك القيود عن حمدان ووعده بإطلاقه. ومات إسحاق بن أيوب العدوي وكان على ديار ربيعة، فولى المعتضد مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمد.
مبدأ لدولة وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل
ولما ولي المكتفي عقد لأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل وأعمالها، وكان الأكراد الهدبانية قد عاثوا في نواحيها ومقدمهم محمد بن سلال فقاتلهم وعبر وراءهم إلى الجانب الشرقي، وقاتلهم على الخازر، وقتل مولاه سيما ورجع. ثم أمده الخليفة فسار في أثرهم سنة أربع وتسعين وقاتلهم على أذربيجان وهزم محمد بن سلال بأهله وولده، واستباحهم ابن حمدان. ثم استأمن محمد وجاءه إلى الموصل، واستأمن سائر الأكراد الحميدية، واستقام أمر أبي الهيجاء. ثم كانت فتنة الخلع ببغداد سنة ست وتسعين، وقتل الوزير العباس بن الحسن، وخلع المقتدر وبويع عبد الله بن المعتز يوما أو بعض يوم، وعاد المقتدر كما مر ذلك كله في أخبار الدولة العباسية. وكان الحسين بن حمدان على ديار ربيعة وكان ممن تولى كبر هذه الفتنة مع القواد، وباشر قتل الوزير مع من قتله فهرب. وطلبه المقتدر وبعث في طلبه القاسم بن سيما وجماعة من القواد فلم يظفروا به، فكتب إلى أبي الهيجاء وهو على الموصل فسار مع القاسم ٤/٢٩٢
ولقيهم الحسين عند تكريت فانهزم واستأمن فأمنه المقتدر، وخلع عليه وولاه أعمال قم وقاشان. ثم رده بعد ذلك إلى ديار ربيعة.
انتقاض أبي الهيجاء ثم الحسين بن حمدان
ولما كانت سنة تسع وتسعين ومائتين خالف أبو الهيجاء بالموصل إلى سنة اثنتين وثلاثمائة، وكان الحسين بن حمدان على ديار ربيعة كما قدمناه، فطالبه الوزير عيسى بن عيسى بحمل المال فدافعه، فأمره بتسليم البلاد إلى العمال فامتنع، فجهز إليه الجيش فهزمهم. فكتب إلى مؤنس العجلي، وهو بمصر يقاتل عساكر العلوية، بأن يسير إلى قتال الحسين بعد فراغه من أمره، فسار إليه سنة ثلاث وثلاثمائة، فارتحل بأهله إلى أرمينية وترك البلاد. وبعث مؤنس العساكر في أثره فأدركوه، وقاتلوه فهزموه وأسر هو وابنه عبد الوهاب وأهله وأصحابه، وعاد به إلى بغداد فأدخل على جمل، وقبض المقتدر يومئذ على أبي الهيجاء وجميع بني حمدان فحبسهم جميعا. ثم أطلق أبا الهيجاء سنة خمس وثلاثمائة بعدها وقتل الحسين سنة ست، وولى إبراهيم بن حمدان سنة سبع على ديار ربيعة، وولى مكانه داود بن حمدان.
ولاية أبي الهيجاء ثانية على الموصل ثم مقتله
ثم ولى المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل سنة أربع عشرة وثلاثمائة فبعث ابنه ناصر الدولة الحسين عليها، وأقام هو ببغداد. ثم بلغه إفساد العرب والأكراد في نواحيها وفي نواحي عمله الآخر بخراسان، فبعث إلى أبيه ناصر الدولة فأوقع بالعرب في الجزيرة ونكل بهم. وجاءه في العساكر إلى تكريت فخرج ورحل بهم إلى شهرزور، وأوقع بالأكراد الجلالية حتى استقاموا على الطاعة. ثم كان خلع المقتدر سنة سبع عشرة وثلاثمائة بأخيه القاهر. ثم عاد ثاني يوم وأحيط بالقاهر في قصره فتذمم بأبي الهيجاء، وكان عنده يومئذ، وأطال المقام يحاول على النجاة به فلم يتمكن من ذلك، وانقض الناس على القاهر ومضى أبو الهيجاء يفتش عن بعض ٤/٢٩٣
المنافق في القصر يتخلص منه فاتبعه جماعة وفتكوا به وقتلوه منتصف المحرم من السنة. وولى المقتدر مولاه تحريرا على الموصل.
ولاية سعيد ونصر ابني حمدان على الموصل
ثم ان أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة، وما بيد ناصر الدولة فولاه الراضي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وسار الى الموصل فخرج ناصر الدولة لتلقيه، وخالفه أبو العلاء إلى بيته وفعد ينتظره، فأنفذ ناصر الدولة جماعة من غلمانه فقتلوه. وبلغ الخبر إلى الراضي فأعظم ذلك، وأمر الوزير ابن مقلة بالمسير إلى الموصل فسار إليها، وارتحل ناصر الدولة واتبعه الوزير إلى جبل السن، ورجع عنه، وأقام بالموصل. واحتال بعض أصحاب ابن حمدان ببغداد على ابن الوزير وبذل له عشرة آلاف دينار على أن يستحث أباه ففعل، وكتب إليه بأمور أزعجته فاستعمل على الموصل من وثق به من أهل الدولة. ورجع إلى بغداد في منتصف شوال. ورجع ناصر الدولة إلى الموصل فاستولى عليها وكتب إلى الراضي في الصفح، وأن يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك واستقر في ولايته.
مسير الراضي إلى الموصل
وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة تأخر ضمان البلاد من ناصر الدولة فغضب الراضي، وسار ومدبر دولته تحكم . وسار إلى الموصل، وتقدم تحكم إلى تكريت فخرج إليه ناصر الدولة فانهزم أصحابه، وسار إلى نصيبين، واتبعه تحكم فلحق به وكتب تحكم إلى الراضي بالفتح فسار في السفن يريد الموصل. وكان ابن رائق مختفيا ببغداد منذ غلبه ابن البريدي على الدولة، فظهر عند ذلك واستولى على بغداد. وبلغ الخبر إلى الراضي فأصعد من الماء إلى البر، واستقدم تحكم من نصيبين واستعاد ناصر ٤/٢٩٤
الدولة ديار ربيعة وهو يعلم بخبر ابن رائق. وبعث في الصلح على تعجيل خمسمائة ألف درهم فأجابه إلى ذلك. وسار الراضي وتحكم إلى بغداد، ولقيهم أبو جعفر محمد ابن يحيى بن سريق رسولا من ابن رائق في الصلح، على أن يولي ديار مضر، وهي حران والرها والرقة. وتضاف إليها قنسرين والعواصم فأجيب إلى ذلك وسار عن بغداد إلى ولايته ودخل الراضي وتحكم بغداد ورجع ناصر الدولة بن حمدان إلى الموصل.
مسير المتقى الى الموصل وولاية ناصر الدولة امارة الأمراء
كان ابن رائق بعد مسيره إلى ديار مضر والعواصم سار إلى الشام وملك دمشق من يد الإخشيد، ثم الرملة ثم لقيه الإخشيد على عريش مصر وهزمه، ورجع إلى دمشق ثم اصطلحا على أن يجعلا الرملة تخما بين الشام ومصر وذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ثم توفي الراضي سنة تسع وعشرين، وولي المتقي وقتل تحكم وجاء البريدي إلى بغداد، وهرب الأتراك التحكمية إلى الموصل، وفيهم توزون وجحجح.
ثم لحقوا بأبي بكر محمد بن رائق واستحثوه إلى العراق، وغلب بعدهم على الخلافة الأتراك الديلمية، وجاء أبو الحسن البريدي من واسط فأقام ببغداد أربعة وعشرين يوما أمير الأمراء. ثم شغب عليه الجند فرجع إلى واسط وغلب كورتكين. ثم حجر المتقي وكتب إلى ابن رائق يستدعيه فسار من دمشق في رمضان سنة تسع وعشرين، واستخلف عليها أبا الحسن أحمد بن علي بن حمدان على أن يحمل إليه مائة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداد، وغلب كورتكين والديلمية وحبس كورتكين بدار الخلافة. ثم شغب عليه الجند وبعث أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسن إلى بغداد في العساكر فغلبوا عليها، وهرب المتقي وابنه أبو منصور، وزاد في المبرة فنثر الدراهم على ابن الخليفة، وبالغ في مبرته حتى ركب للانصراف. وأمسك ابن رائق للحديث معه فاستدعاه المتقي، وخلع عليه، ولقبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن ولقبه سيف الدولة. وكان قتل ابن رائق لتسع بقين من رجب، وولاية ناصر الدولة مستهل شعبان من سنة ثمانين، ثم سار ٤/٢٩٥
الإخشيدي من مصر إلى دمشق فملكها من يد عامل ابن رائق، وسار ناصر الدولة مع المتقي إلى بغداد.
أخبار بني حمدان ببغداد
ولما قتل ابن رائق وأبو الحسن البريدي على بغداد، وقد سخطه العامة والخاصة فهرب جحجح إلى المتقي، وأجمع توزون وأصحابه إلى الموصل، واستحثوا المتقي وناصر الدولة فأنجدوهم إلى بغداد، وولى على الخراج والضياع بديار مضر وهي الرها وحران والرقة أبا الحسن علي بن خلف بن طياب، وكان عليها أبو الحسن علي بن أحمد بن مقاتل من قبل ابن رائق، فقاتله ابن طياب وقتله. ولما قرب المتقي وناصر الدولة من بغداد هرب أبو الحسن بن البريدي إلى واسط بعد مقامه مائة يوم وعشرة أيام، ودخل المتقي بغداد ومعه بنو حمدان، وقلد توزون شرطة جانبي بغداد وذلك في شوال من السنة. ثم سار بنو حمدان إلى واسط فنزل ناصر الدولة بالمدائن، وبعث أخاه سيف الدولة إلى قتال البريدي، وقد سار من واسط إليهم فقاتلوه تحت المدائن ومعهم توزون وجحجح والأتراك فانهزموا أولا. ثم أمدهم ناصر الدولة بمن كان معه من المدائن فانهزم البريدي إلى واسط، وعاد ناصر الدولة إلى بغداد منتصف ذي الحجة وبين يديه الأسرى من أصحاب البريدي. وأقام سيف الدولة بموضع المعركة حتى اندملت جراحة وذهب وهنه. ثم سار إلى واسط فلحق البريدي بالبصرة، واستولى على واسط فأقام بها معتزما على اتباع البريدي إلى البصرة، واستمد أخاه ناصر الدولة في المال فلم يمده، وكان للأتراك عليه استطالة وخصوصا توزون وجحجح ثم جاء أبو عبد الله الكوفي بالمال من قبل ناصر الدولة ليفرقه في الأتراك فاعترضه توزون وجحجح. وأراد البطش به فأخفاه سيف الدولة عنهما ورده إلى أخيه. ثم ثار الأتراك بسيف الدولة سلخ شعبان فهرب من معسكره الى بغداد ونهب سواده قتل جماعة من أصحابه وكان أبو عبد الله الكوفي لما وصل إلى ناصر الدولة وأخبره خبر أخيه، أراد أن يسير إلى الموصل فركب المتقي إليه واستمهله، وعاد إلى قصره فأغذ السير إلى الموصل بعد ثلاثة عشر شهرا من إمارته. وثار الديلم والأتراك ٤/٢٩٦
ونهبوا داره. ولما هرب سيف الدولة من معسكره بواسط عاد الأتراك إلى معسكرهم، وولوا توزون أميرا وجحجح صاحب جيش، ولحق سيف الدولة ببغداد منتصف رمضان بعد مسير أخيه، وبلغه خبر توزون. ثم اختلف الأتراك وقبض توزون على جحجح وسمله، وسار سيف الدولة ولحق بأخيه بالموصل وولى توزون إمارة الأمراء ببغداد.
خبر عدل التحكمي بالرحبة
كان عدل هذا مولى تحكم ، ثم صار مع ابن رائق واصعد معه الى الموصل. ولما قتل ابن رائق صار في جملة ناصر الدولة بن حمدان فبعثه مع علي بن خلف بن طياب إلى ديار مضر فاستولى ابن طياب عليها، وقتل نائب ابن رائق وكان بالرحبة من ديار مضر رجل من قبل ابن رائق يقال له مسافر بن الحسين فامتنع بها، وجبى خراجها واستولى على تلك الناحية، فأرسل إليه ابن طباب عدلا التحكمي فاستولى عليها، وفر مسافر عنها. واجتمع التحكمية إلى عدل واستولى على طريق الفرات وبعض الخابور. ثم استنصر مسافر بجمع من بني نمير وسار إلى قرقيسيا وملكها وارتجعها عدل من يده. ثم اعتزم عدل على ملك الخابور وانتصر أهله ببني نمير فأعرض عدل عن ذلك حينا حتى أمنوا. ثم أسرى إلى فسيح سمصاب وهي من أعظم قرى خابور فقاتلها ونقب السور وملكها. ثم ملك غيرها. وأقام في الخابور ستة أشهر وجبى الأموال وقوي جمعه واتسعت حاله. ثم طمع في ملك بني حمدان، فسار يريد نصيبين لغيبة سيف الدولة عن الموصل وبلاد الجزيرة، ونكب عن الرحبة وحران لأن يأنس المؤنسي كان بها في عسكر، ومعه جمع من بني نمير فحاد عنها إلى رأس عين، ومنها إلى نصيبين، وبلغ الخبر إلى أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان فجمع وسار إليه، فلما التقى الجمعان استأمن أصحاب عدل إلى ابن حمدان، ولم يبق معه إلا القليل فقبض عليه وسمله، وبعث به مع ابنه إلى بغداد في آخر شعبان سنة إحدى ٤/٢٩٧
وثلاثين ومائتين .
مسير المتقي الى الموصل وعوده
ولما انصرف ناصر الدولة وسيف الدولة عن المتقي من بغداد جاء توزون من واسط واستولى على الدولة. ثم رجع إلى واسط ووقعت بينه وبين ابن البريدي بالبصرة مواصلة وصهر استوحش لها المتقي. وكان بعض أصحاب توزون منافرا له، فأكثر فيه السعاية عند المتقي والوزير ابن مقلة، وخوفهما اتصال يده بابن البريدي. وقارن ذلك اتصال ابن شيرزاده بتوزون ومسيره إليه بواسط، فذكروا الخليفة بما فعل ابن البريدي معه في المرة الأخرى وخوفوه عاقبة أمرهم، فكتب الى ابن حمدان أن ينفذ إليه عسكرا يسير صحبته إليهم فأنفذ مع ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان، ووصلوا إلى بغداد سنة اثنتين وثلاثين وخرج المتقي معهم بأهله وأعيان دولته، ومعه الوزير ابن مقلة، وانتهى إلى تكريت فلقيه سيف الدولة لك. وجاء ناصر الدولة فأصعد المتقي إلى الموصل. ولما بلغ الخبر إلى توزون سار نحو تكريت فلقيه سيف الدولة عندها فقاتله ثلاثة أيام. ثم هزمه توزون ونهب سواده وسواد أخيه. وسار سيف الدولة إلى الموصل وتوزون في اتباعه، فخرج ناصر الدولة والمتقي وجملته إلى نصيبين، ثم إلى الرقة، ولحقهم سيف الدولة إليها. وملك توزون الموصل. وبعث إليه المتقي يعاتبه على اتصاله بابن البريدي، وأنه إنما استوحش من ذلك فإن آثر رضاه واصل ابن حمدان فأجاب توزون إلى ذلك، وعقد الضمان لناصر الدولة على ما بيده من البلاد لثلاث سنين، كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف. وعاد توزون إلى بغداد وأقام المتقي بالرقة. ثم أحس من ابن حمدان ضجرا به، وبلغ سيف الدولة أن محمد بن نيال الترجمان أغرى المتقي بسيف الدولة، وهو الذي كان أفسد بين المتقي وتوزون فقبض عليه سيف الدولة وقتله، وارتاب المتقي بذلك فكتب إلى توزون يستصلحه.
وكتب إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر يستقدمه، فسار إليه الإخشيد. ولما وصل إلى حلب وعليها من قبل سيف الدولة ابن عمهم أبو عبد الله سعيد بن حمدان ٤/٢٩٨
فرحل عنها، وتخلف عنه ابن مقاتل الذي كان بدمشق مع ابن رائق. ولما وصل الإخشيد إلى حلب لقيه ابن مقاتل فأكرمه واستعمله على خراج مصر. ثم سار إلى المتقي بالرقة فلقيه منتصف ثلاث وثلاثين فبالغ المتقي في إكرامه وبالغ هو في الأدب معه، وحمل إليه الهدايا وإلى وزيره وحاشيته، وسأله المسير إلى مصر أو الشام فأبى، فأشار عليه أن لا يرجع إلى توزون فأبى. وأشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في دولته، وخوفه من توزون فلم يعمل، وجاءهم رسل توزون في الصلح وأنهم استحلفوه للخليفة والوزير، فانحدر المتقي إلى بغداد آخر المحرم، وعاد الإخشيد إلى مصر. ولما وصل المتقي إلى هيت لقيه توزون فقبل الأرض ورأى أنه تحلل عن يمينه بتلك الطاعة. ثم وكل به وسمل المتقي ورجع، إلى بغداد فبايع للمستكفي . ولما ارتحل المتقي عن الرقة ولى عليها ناصر الدولة ابن عمه أبا عبد الله بن سعيد بن حمدان، وعلى طريق الفرات وديار مضر وقنسرين وجند والعواصم وحمص. فلما وصل إلى الرقة طمع أهلها فيه فقاتلهم وظفر بهم ورجع إلى حلب وقد كان ولى على هذه البلاد قبله أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل.
استيلاء سيف الدولة على حلب وحمص
ولما ارتحل المتقي من الرقة، وانصرف الإخشيد إلى الشام بقي يأنس المؤنسي بحلب فقصد سيف الدولة وملكها من يده. ثم سار إلى حمص فلقيه بها كافور مولى الإخشيد فهزمه سيف الدولة وسار إلى دمشق فامتنعوا عليه فرجع، وجاء الإخشيد من مصر إلى الشام، وسار في اتباع سيف الدولة فاصطفا بقنسرين، ثم تحاجزوا ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة والإخشيد إلى دمشق. ثم سار سيف الدولة إلى حلب فملكها وسارت عساكر الروم إليها فقاتلهم وظفر بهم. ثم بلغ ناصر الدولة بن حمدان ٤/٢٩٩
ما فعله توزون من سمل المتقي وبيعة المستكفي، فامتنع من حمل المال وهرب إليه غلمان توزون فاستخدمهم ونقض الشرط في ذلك. وخرج توزون والمستكفي قاصدين الموصل، وترددت الرسل بينهما في الصلح، فتم ذلك آخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وعاد المستكفي وتوزون إلى بغداد فتوفي توزون إثر عوده، وولي الأمور بعده ابن شيرزاده ، واستعمل على واسط قائدا، وعلى تكريت آخر. فأما الذي على واسط فكاتب معز الدولة ابن بويه، واستقدمه فقدم بغداد واستولى على الدولة، فخلع المستكفي وبايع للمطيع، وأما الذي على تكريت فسار إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل وسار معه وولاه عليها من قبله.
الفتنة بين ابن حمدان وابن بويه
ولما خلع معز الدولة بن بويه المستكفي عند استيلائه على بغداد امتعض ناصر الدولة ابن حمدان لذلك وسار من الموصل إلى العراق. وبعث معز الدولة بن بويه قواده، فالتقى الجمعان بعكبرا، واقتتلوا وخرج معز الدولة مع المطيع إلى عكبرا وكان ابن شيرزاده ببغداد وأقام بها، ولحق بناصر الدولة بن حمدان. وجاء بعساكره إلى بغداد فنزلوا بالجانب الغربي، وناصر الدولة بالجانب الشرقي، ووقع الغلاء في معسكر معز الدولة، والخليفة لانقطاع الميرة. وبقي عسكر ابن حمدان في رخاء من العيش لاتصال الميرة من الموصل. واستعان ابن شيرزاده بالعامة والعمارين على حرب معز الدولة والديلم، وضاق الأمر بمعز الدولة حتى اعتزم على الرجوع إلى الأهواز. ثم أمر أصحابه بالعبور من قطر بال بأعلى دجلة، وتسابق أصحاب ناصر الدولة إلى مدافعتهم ومنعهم، وبقي في خف من الناس، فأجاز إليه شجعان الديلم من أقرب الأماكن فهزموه، وملك معز الدولة الجانب الشرقي، وأعاد المطيع إلى داره في محرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. ورجع ناصر الدولة إلى عكبرا وأرسل في الصلح، فوقف الأتراك التورونية الذين معه على خبر رسالته فهموا بقتله، فأغذ السير إلى الموصل ومعه ابن شيرزاده وأحكم الصلح مع معز الدولة. ٤/٣٠٠
استيلاء سيف الدولة على دمشق
وفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة توفي الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج صاحب مصر والشام، فنصب للأمر بعده ابنه ابو القاسم أنوجور، واستولى عليه كافور الأسود وخادم أبيه، وسار بهما إلى مصر. وجاء سيف الدولة إلى دمشق فملكها، وارتاب به أهلها فاستدعوا كافورا فجاءهم، وخرج سيف الدولة إلى حلب، ثم اتبعوه فعبر إلى الجزيرة وأقام أنوجور على حلب. ثم اتفقوا واصطلحوا، وعاد أنوجور إلى مصر وسيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق قليلا، ثم عاد إلى مصر واستعمل على دمشق بدرا الإخشيد ويعرف ببدير. ثم عزله بعد سنة وولى أبا المظفر طغج.
الفتنة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين تكين والأتراك
كان مع ناصر الدولة جماعة من الأتراك أصحاب توزون فروا إليه كما قدمنا، فلما وقعت المراسلة بينه وبين معز الدولة في الصلح ثاروا به، وهرب منهم وعبر إلى الجانب الغربي ونزل الموصل واستجار القرامطة فأجاروه، وبعثوا معه إلى مأمنه، وفي جملته ابن شيرزاده فقبض ناصر الدولة عليه، واجتمع الأتراك بعده فقدموا عليهم تكين الشيرازي، وقبضوا على من تخلف من أصحاب ناصر الدولة واتبعوه إلى الموصل فسار عنها إلى نصيبين ودخل الأتراك الموصل. وبعث ناصر الدولة إلى معز الدولة يستصرخه، فبعث إليه الجيوش مع وزيره أبي جعفر الصيمري وخرج الأتراك من الموصل في اتباع ناصر الدولة إلى نصيبين فمضى إلى سنجار ثم إلى الحديثة إلى السن، وهم في اتباعه. وبقي هنالك العساكر فقاتلوا الأتراك وهزموهم، وسيق قائدهم تكين إلى ناصر الدولة فسمله لوقته ثم حبسه. وسار مع الصيمري إلى الموصل فأعطاه ابن شيرزاده وارتحل به إلى بغداد. ٤/٣٠١
انتقاض جمان بالرحبة ومهلكه
كان جمان هذا من أصحاب توزون وسار إلى ناصر الدولة بن حمدان، فلما كان في محاربة معز الدولة ببغداد، استراب بمن معه من الديلم وجمعهم على جمان هذا وأخرجه إلى الرحبة واليا فعظم أمره. وانتقض سنة ست وثلاثين وثلاثمائة على ناصر الدولة، وحدثته نفسه بالتغلب على ديار مضر، فسار إلى الرقة وحاصرها سبعة عشر يوما، وانهزم عنها. ووثب أهل الرحبة بأصحابه وعماله فقتلوهم لسوء سيرتهم، وجاء من الرقة فأثخن فيهم وبعث ناصر الدولة بن حمدان حاجبه باروخ مع عسكر فاقتتلوا على الفرات وانهزم جمان فغرق في الفرات واستأمن أصحابه إلى باروخ فأمنهم ورجع إلى ناصر الدولة.
فتنة ناصر الدولة مع معز الدولة
ثم وقعت الفتنة بين ناصر الدولة بن حمدان ومعز الدولة ابن بويه وسار إليه معز الدولة من بغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فسار هو من الموصل الى نصيبين وملك معز الدولة الموصل فظلم الرعايا وأخذ أموالهم، وأجمع الاستيلاء على بلاد ابن حمدان كلها، فجاءه الخبر بأن عساكر خراسان قصدت جرجان والري. وبعث أخوه ركن الدولة يستمده فصالح ناصر الدولة عن الموصل والجزيرة والشام على ثمانية آلاف ألف درهم كل سنة، وعلى أن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة، وعاد إلى بغداد في ذي الحجة آخر سبع وثلاثين وثلاثمائة.
غزوات سيف الدولة
كان أمر الثغور راجعا إلى سيف الدولة بن حمدان ووقع الفداء سنة خمس وثلاثين ٤/٣٠٢
وثلاثمائة في ألفين من الأسرى على يد نصر النملي، ودخل الروم سنة اثنتين وثلاثين مدينة واسرغين ونهبوها وسبوها وأقاموا بها ثلاثا وهم في ثمانين ألفا مع الدمشق ثم سار سيف الدولة سنة سبع وثلاثين غازيا إلى بلاد الروم فقاتلوه وهزموه. ونزل الروم على مرعش فأخذوها وأوقعوا بأهل طرسوس. ثم دخل سنة ثمان وثلاثين وتوغل في بلاد الروم وفتح حصونا كثيرة وغنم وسبى. ولما قفل أخذت الروم عليه المضايق وأثخنوا في المسلمين قتلا وأسرا واستردوا ما غنموه. ونجا سيف الدولة في فل قليل. ثم ملك الروم سنة إحدى وأربعين مدينة سروج واستباحوها. ثم دخل سيف الدولة سنة ثلاث وأربعين إلى بلاد الروم فأثخن فيها وغنم وقتل قسطنطين بن الدمشق فيمن قتل، فجمع الدمشق عساكر الروم والروس وبلغار وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان والتقوا عند الحرث فانهزم الروم واستباحهم المسلمون قتلا وأسرا، وأسر صهر الدمشق، وبعض أسباطه وكثير من بطارقته ورجع سيف الدولة بالظفر والغنيمة. ثم دخل بلاد الروم النصرانية ثم رجع إلى أذنة، وأقام بها حتى جاءه نائبة على طرسوس فخلع عليه، وعاد إلى حلب وامتعض الروم لذلك فرجعوا إلى بلادهم. ثم غزا الروم طرسوس والرها وعاثوا في نواحيها سبيا وأسرا ورجعوا. ثم غزا سيف الدولة بلاد الروم سنة ست وأربعين وأثخن فيها وفتح عدة حصون وامتلأت أيدي عسكره من الغنائم والسبي، وانتهى إلى خرسنة ورجع وقد أخذت الروم عليه المضايق، فقال له أهل طرسوس: ارجع معنا فإن الدروب التي دخلت منها قد ملكها الروم عليك فلم يرجع إليهم. وكان معجبا برأيه فظهر الروم عليه في الدرب واستردوا ما أخذوا منهم ونجا في فل قليل يناهزون الثلاثمائة ثم دخل سنة خمسين قائد من موالي سيف الدولة إلى بلاد الروم من ناحية ميافارقين فغنم وسبى وخرج سالما. ٤/٣٠٣
الفتنة بين ناصر الدولة ومعز الدولة بن بويه
قد تقدم لنا ما وقع من الصلح بين ناصر الدولة وبين معز الدولة بن بويه، وطالبه في المال فانتقض. وسار إليه معز الدولة إلى الموصل منتصف السنة وملكها، وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين وحمل نوابه ومن يعرف وجوه المال وحمايته، وأنزلهم في قلاعه مثل الزعفراني وكواشي ودس إلى العرب بقطع الميرة عن عسكر معز الدولة فضاقت عليهم الأقوات، فرحل معز الدولة إلى نصيبين لما بها من الغلات السلطانية، واستخلف سبكتكين الحاجب الكبير على الموصل، وبلغه في طريقه أن أبا الرجاء وعبد الله ابني ناصر الدولة مقيمان بسنجار فقصدهما فهربا، وخلفا أثقالهما وانتهب العسكر خيامهما. ثم عادا إلى معسكر معز الدولة وهم غازون فنالوا منهم، ورجعوا إلى سنجار، وسار معز الدولة إلى نصيبين ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، واستأمن كثير من أصحابه إلى معز الدولة، فسار ناصر الدولة إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فقام بخدمته وباشرها بنفسه. وأرسل إلى معز الدولة في الصلح بينه وبين أخيه، فامتنع معز الدولة من قبول ناصر الدولة لانتقاضه وإخلافه، فضمن سيف الدولة البلاد بألفي ألف وتسعمائة ألف درهم، وأطلق معز الدولة أسرى أصحابهم.
وتم ذلك في محرم سنة ثمان وأربعين ورجع معز الدولة إلى العراق وناصر الدولة إلى الموصل.
استيلاء الروم على عين زربة ثم على مدينة حلب
وفي المحرم من سنة إحدى وخمسين نزل الدمستق في جموع الروم على عين زربة وملك الجبل المطل عليها، وضيق عليها حصارها ونصب عليها المنجنيقات. وشرع في النقب فاستأمنوا ودخل المدينة. ثم ندم على تأمينهم لما رأى من اختلال أحوالهم، فنادى فيهم أن يخرجوا بجميع أهاليهم إلى المسجد فمات منهم في الأبواب بكض الزحام خلق، ومات آخرون في الطرقات، وقتل من وجدوا آخر النهار، واستولى الروم على أموالهم وأمتعتهم وهدموا سور المدينة، وفتحوا في نواحي عين زربة أربعة وخمسين ٤/٣٠٤
حصنا. ورحل الدمستق بعد عشرين يوما بنية العود، وخلف جيشه بقيسارية وكان ابن الزيات صاحب طرسوس قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن حمدان، واعترضه الدمستق في بعض مذاهبه فأوقع به، وقتل أخاه وأعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة، وألقى ابن الزيات نفسه في النهر فغرق. ثم رجع الدمستق إلى بلاد الثغور، وأغذ السير إلى مدينة حلب، وأعجل سيف الدولة عن الاحتشاد فقاتله في خف من أصحابه فانهزم سيف الدولة، واستلحم آل حمدان واستولى الدمستق على ما في داره خارج حلب من خزائن الأموال والسلاح. وخرب الدار وحصر المدينة، وأحس أهل حلب مدافعته فتأخر إلى جبل حيوش ثم انطلقت أيدي الدعار بالبلد على النهب، وقاتلهم الناس على متاعهم، وخربت الأسوار من الحامية فجاء الروم ودخلوها عليهم وبادر الأسرى الذين كانوا في حلب وأثخنوا في الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألفا ما بين صبي وصبية واحتمل الروم ما قدروا عليه وأحرقوا الباقي.
ولحأ المسلمون إلى قصبة البلد فامتنعوا بها، وتقدم ابن أخت الملك إلى القلعة يحاصرها فرماه حجر منجنيق فمات وقتل الدمستق به من كان معه من أسرى المسلمين وكانوا ألفا ومائتين. وارتحل الدمستق عنهم ولم يعرض لسواد حلب وأمرهم بالعمارة على أنه يعود ابن عمه عن قريب فخيب الله ظنه. وأعاد سيف الدولة عين زربة وأصلح أسوارها وغزا حاجبه مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم فأثخنوا فيها ورجعوا. فجاء الروم إلى حصن سبة فملكوه وملكوا أيضا حصن دلوكة وثلاثة حصون مجاورة لهم. ثم سار نجا غلام سيف الدولة إلى حصن زياد فلقيهم جمع من الروم فانهزم الروم وأسر منهم خمسمائة رجل. وفي هذه السنة أسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان وكان عاملا على منبج وفيها سار جيش من الروم في البحر إلى جزيرة إقريطش، وبعث إليهم المعز بالمدد فأسر الروم وانهزم من بقي منهم. ثم ثار الروم في اثنتين وخمسين بعدها بملكهم فقتلوه وملكوا غيره وصار ابن السميسرة دمستقا. ٤/٣٠٥
انتقاض أهل حران
كان سيف الدولة قد ولى هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة غيرها من ديار مضر، فساء أثره فيهم وطرح الأمتعة على التجار وبالغ في الظلم فانتظروا به غيبته عند عمه سيف الدولة وثاروا بعماله ونوابه فطردوهم، فسار هبة الله إليهم وحاصرهم شهرين وأفحش في القتل فيهم. ثم سار سيف الدولة فراجعوا الطاعة وأدخلوا هبة الله وأفحش في القتل واستقاموا.
انتقاض هبة الله
وفي هذه السنة بعث سيف الدولة الصوائف إلى بلاد الروم، فدخل أهل طرسوس من درب ومولاه نجا من درب، وأقام هو ببعض الدروب لأنه كان أصابه الفالج قبل ذلك بسنتين، فكان يعالج منه شدة إذا عاوده وجعه، وتوغل أهل طرسوس في غزوتهم وبلغوا قونية، وعادوا فعاد سيف الدولة إلى حلب واشتد وجعه، فأرجف الناس بموته فوثب عبد الله ابن أخيه، وقتل ابن نجا النصراني من غلمان سيف الدولة ولما تيقن حياة عمه رحل إلى حران وامتنع بها، وبعث سيف الدولة غلامه فجاء إلى حران في طلبه، فلحق هبة الله بأبيه بالموصل ونزل نجا على حران آخر شوال من سنة اثنتين وخمسين، وصادر أهلها على ألف ألف درهم وأخذها منهم في خمسة أيام بالضرب والنكال، وباعوا فيها ذخائرهم حتى أملقوا، وصاروا إلى ميافارقين ونزلها شاغرة فتسلط العيارون على أهلها.
انتقاض نجا بميافارقين وأرمينية واستيلاء سيف الدولة عليها
ولما فعل نجا بأهل حران ما فعل، واستولى على أموالهم فقوي بها وبطر، وسار إلى ٤/٣٠٦
ميافارقين، وقصد بلاد أرمينية. وكان قد استولى على أكثرها رجل من العراق يعرف بأبي الورد فغلبه نجا على ما ملك منها، وأخذ قلاعه وبلاده فملك خلاط وملازكرد وأخذ كثيرا من أموال أبي الورد وقتله، ثم انتقض على سيف الدولة. واتفق أن معز الدولة بن بويه استولى على الموصل ونصيبين فكاتبه نجا يعده المساعدة على بني حمدان. ثم صالحه ناصر الدولة، ورجع إلى بغداد فسار سيف الدولة إلى نجا فهرب منه بين يديه واستولى على جميع البلاد التي ملكها من أبي الورد واستأمن إليه نجا وأخوه وأصحابه، فأمنهم وأعاد نجا إلى مرتبته. ثم وثب عليه غلمانه وقتلوه في داره بميافارقين في ربيع سنة ثلاث وخمسين.
مسير معز الدولة الى الموصل وحروبه مع ناصر الدولة
كان الصلح قد استقر بين ناصر الدولة ومعز الدولة على ألف ألف درهم في كل سنة.
ثم طلب ناصر الدولة دخول ولده أبي ثعلب المظفر في اليمن على زيادة بذلها، وامتنع سيف الدولة من ذلك وسار إلى الموصل منتصف سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ولحق ناصر الدولة بنصيبين وملك معز الدولة الموصل، وسار عنها في اتباع ناصر الدولة بعد أن استخلف على الموصل في الجباية والحرب فلم يثبت ناصر الدولة، وفارق نصيبين وملكها معز الدولة. وخالفه أبو ثعلب إلى الموصل وعاث في نواحيها، وهزمه قواد معز الدولة بالموصل فسكنت نفس معز الدولة. وأقام ببر قعيد يترقب أخباره، وخالف ناصر الدولة إلى الموصل فأوقع بأصحابه وقتلهم، وأسر قواده واستولى على مخلفه من المال والسلاح وحمل ذلك كله إلى قلعة كواشي. وبلغ الخبر إلى معز الدولة فلحق بالنواب، وأعيا معز الدولة أمرهم. ثم أرسلوا إليه في الصلح فأجاب، وعقد لناصر الدولة على الموصل وديار ربيعة، وجميع أعماله بمقرها المعلوم، وعلى أن يطلق الأسرى الذين عنده من أصحاب معز الدولة ورجع معز الدولة إلى بغداد. ٤/٣٠٧
حصار المصيصة وطرسوس واستيلاء الروم عليها
وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة خرج الدمشق في جموع الروم فنازل المصيصة، وشد حصارها وأحرق رساتيقها، وبلغ إلى نقب السور فدافعه أهلها أشد مدافعتهم.
ثم رحل إلى أذنة وطرسوس، وطال عيثه في نواحيها، وأكثر القتل في المسلمين، وغلت الأسعار في البلاد، وقلت الأقوات. وعاود مرض سيف الدولة فمنعه من النهوض إليهم، وجاء من خراسان خمسة آلاف رجل غزاة فبلغوا إلى سيف الدولة، فارتحل بسببهم للمدافعة فوجد الروم انصرفوا ففرق هؤلاء الغزاة في الثغور من أجل الغلاء، وكان الروم قد انصرفوا بعد خمسة عشر يوما. وبعث الدمشق إلى أهل المصيصة وأذنه وطرسوس يتهددهم بالعود، ويأمرهم بالرحيل من البلاد. ثم عاد إليهم وحاصر طرسوس فقاتلهم أشد قتال وأسروا بطريقا من بطارقته وسقط الدمشق إلى أهل المصيصة ورجعوا إلى بلادهم. ثم سار يعفور ملك الروم من القسطنطينية سنة أربع وخمسين إلى الثغور، وبنى بقيسارية مدينة ونزلها، وجهز عليها العساكر وبعث أهل المصيصة وطرسوس في الصلح فامتنع، وسار بنفسه إلى المصيصة فدخلها عنوة واستباحها، ونقل أهلها إلى بلاد الروم وكانوا نحوا من مائتي ألف. ثم سار إلى طرسوس واستنزل أهلها على الأمان، وعلى أن يحملوا من أموالهم وسلاحهم ما قدروا عليه، وبعث حامية من الروم يبلغونهم أنطاكية، وأخذ في عمارة طرسوس وتحصينها وجلب الميرة إليها. ثم عاد إلى القسطنطينية وأراد الدمشق بن شمسيق ان يقصد سيف الدولة في ميافارقين ومنعه الملك من ذلك.
انتقاض أهل انطاكية وحمص
ولما استولى الروم على طرسوس لحق الرشيق النعيمي من قوادهم وأولي الرأي فيهم ٤/٣٠٨
بأنطاكية في عدد وقوة، فاتصل به ابن أبي الأهوازي من الجباة بأنطاكية، وحسن له العصيان وأراه أن سيف الدولة بميافارقين عاجز عن العود إلى الشام بما هو فيه من الزمانة، وأعانه بما كان من مال الجباة، فأجمع رشيق الانتقاض، وملك أنطاكية وسار إلى حلب وبها عرقوبة وجاء الخبر الى سيف الدولة بأن رشيقا أجمع الانتقاض، ونجا ابن الأهوازي إلى أنطاكية فأقام في إمارتها رجلا من الديلم اسمه وزير ولقبه الأمير وأوهم أنه علوي وتسمى هو بالأشاد وأساء السيرة في أهل أنطاكية، وقصدهم عرقوبة من حلب فهزموه. ثم جاء سيف الدولة من ميافارقين إلى حلب وخرج إلى أنطاكية، وقاتل وزير وابن الأهوازي أياما. وجيء بهما إليه أسيرين فقتل وزير وحبس ابن الأهوازي أياما وقتله، وصلح أمر أنطاكية. ثم ثار بحمص مروان القرمطي كان من متابعة القرامطة، وكان يتقلد السواحل لسيف الدولة، فلما تمكن ثار بحمص فملكها وملك غيرها في غيبة سيف الدولة بميافارقين، وبعث إليه عرقوبة مولاه بدرا بالعساكر فكانت بينهما عدة حروب أصيب فيها مروان بسهم فأثبت، وبقي أياما يجود بنفسه والقتال بين أصحابه وبين بدر، وأسر بدر في بعض تلك الحروب فقتله مروان وعاش بعده أياما ثم مات وصلح أمرهم.
خروج الروم الى الثغور واستيلاؤهم على دارا
وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة خرجت جموع الروم إلى الثغور فحاصروا آمد ونالوا من أهلها قتلا وأسرا فامتنعت عليهم فانصرفوا إلى دارا قريبا من ميافارقين فأخذوها، وهرب الناس إلى نصيبين وسيف الدولة يومئذ بها فهم بالهروب، وبعث عن العرب ليخرج معهم ثم انصرف الروم وأقام هو بمكانه، وساروا إلى أنطاكية فحاصروها مدة، وعاثوا في جهاتها فامتنعت فعاد الروم إلى طرسوس. ٤/٣٠٩
وفاة سيف الدولة ومحبس أخيه ناصر الدولة
وفي صفر من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة توفي سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بحلب، وحمل إلى ميافارقين فدفن بها وولي مكانه بعده ابنه أبو المعالي شريف. ثم في جمادى الأولى منها حبس ناصر الدولة أخوه بقلعة الموصل، حبسه ابنه أبو ثعلب فضل الله الغضنفر وكان كبير ولده، وكان سبب ذلك أنه كبر وساءت أخلاقه، وخالف أولاده وأصحابه في المصالح، وضيق عليهم فضجروا منه، ولما بلغهم معز الدولة بن بويه اعتزم أولاده على قصد العراق فنهاهم ناصر الدولة، وقال لهم اصبروا حتى ينفق بختيار ما خلف أبوه معز الدولة من الذخيرة فتظفروا به، وإلا استظهر عليكم وظفر بكم فلجوا في ذلك، ووثب به أبو ثعلب بموافقة البطانة، وحبسه بالقلعة، ووكل بخدمته. وخالفه بعض إخوته في ذلك واضطرب أمره. واضطر إلى مداراة بختيار بن معز الدولة، وأرسل له في تجديد الضمان ليحتج به على إخوته فضمنه بألفي ألف درهم في كل سنة.
ولاية أبي المعالي بن سيف الدولة بحلب ومقتل أبي فراس
ولما مات سيف الدولة كما ذكرناه ولي بعده ابنه أبو المعالي شريف، وكان سيف الدولة قد ولى أبا فراس بن أبي العلاء سعد بن حمدان عند ما خلصه من الأسر الذي أسره الروم في منبج فاستفداه في الفداء الذي بينه وبين الروم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وولاه على حمص. فلما مات سيف الدولة استوحش من أبي المعالي بعده ففارق حمص، ونزل في صدد قرية في طرف البرية قريبا من حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وبعثهم مع عرقوبة في طلبه فجاء إلى صدد، واستأمن له أصحاب أبي فراس، وكان في جملتهم فأمر به عرقوبة فقتل، واحتمل رأسه إلى أبي المعالي وكان أبو فراس خاله. ٤/٣١٠
أخبار أبي ثعلب مع اخوته بالموصل
كان لناصر الدولة بن حمدان زوجة تسمى فاطمة بنت أحمد الكردية، وهي أم أبي ثعلب وهي التي دبرت مع ابنها أبي ثعلب على أبيه، فلما حبس ناصر الدولة، كاتب ابنه حمدان يستدعيه ليخلصه مما هو فيه. وظفر أبو ثعلب بالكتاب، فنقل أباه إلى قلعة كواشي واتصل ذلك بحمدان، وكان قد سار عند وفاة عمه سيف الدولة من الرحبة إلى الرقة فملكها. ولما اتصل به شأن الكتاب سار إلى نصيبين وجمع الجموع، وبعث إلى إخوته في الإفراج عن أبيهم فسار أبو ثعلب لحربه، وانهزم حمدان قبل اللقاء للرقة فحاصره أبو ثعلب أشهرا، ثم اصطلحا وعاد كل منهما إلى مكانه. ثم مات ناصر الدولة في محبسه سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ودفن بالموصل.
وبعث أبو ثعلب أخاه أبا البركات إلى حمدان بالرحبة فافترق عنه أصحابه، وقصد العراق مستجيرا ببختيار، فدخل بغداد في شهر رمضان من سنته، وحمل إليه الهدايا وبعث بختيار إلى أبي ثعلب النقيب أبا أحمد والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه حمدان فصالحه، وعاد إلى الرحبة منتصف سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وفارقه أبو البركات، ثم استقدمه أبو ثعلب فامتنع من القدوم عليه، فبعث إليه أخاه أبا البركات ثانيا في العساكر، فخرج حمدان إلى البرية، وترك الرحبة فملكها أبو البركات واستعمل عليها. وسار إلى الرقة، ثم إلى عرابان. وخالفه حمدان إلى الرحبة فكبسها وقتل أصحاب أبي ثعلب بها فرجع إليه أبو البركات، وتقاتلا فضرب أبا البركات على رأسه فشجه. ثم ألقاه إلى الأرض وأسره ومات من يومه. وحمل إلى الموصل فدفن بها عند أبيه. وجهز أبو ثعلب إلى حمدان وقدم أخاه أبا فراس محمدا إلى نصيبين، ثم عزله عنها لأنه داخل حمدان ومالأه عليه، فاستدعاه وقبض عليه وحبسه بقلعة ملاشي من بلاد الموصل فاستوحش أخوه إبراهيم والحسن، ولحقا بأخيهما حمدان في شهر رمضان، وساروا جميعا إلى سنجار. وسار أبو ثعلب من الموصل في أثرهم في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة فخاموا عن لقائه، واستأمن ٤/٣١١
إليه أخوه إبراهيم والحسن خديعة ومكرا فأمنهما، ولم يعلم، وتبعهما كثير من أصحاب حمدان. وعاد حمدان من سنجار إلى عرابان واطلع أبو ثعلب على خديعة أخويه فهربا منه. ثم استأمن الحسن ورجع إليه، وكان حمدان أقام نائبا بالرحبة غلامه نجا، فاستولى على أمواله وهرب بها إلى حران وبها سلامة البرقعيدي من قبل أبي ثعلب فرجع حمدان إلى الرحبة، وسار أبو ثعلب إلى قرقيسيا، وبعث العساكر إلى الرحبة فعبروا الفرات، واستولوا عليها، ونجا حمدان بنفسه، ولحق بسنجار مستجيرا به، ومعه أخوه إبراهيم فأكرمهما ووصلهما وأقاما عنده. ورجع أبو ثعلب إلى الموصل وذلك كله آخر سنة ستين وثلاثمائة.
خروج الروم الى الجزيرة والشام
وفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة دخل ملك الروم الشام فسار في نواحيها، ولم يجد من يدافعه فعاث في نواحي طرابلس، وكان أهلها قد أخرجوا عاملهم إلى عرقة لسوء سيرته فنهب الروم أمواله، ثم حاصر الروم عرقة فملكوها ونهبوها. ثم قصدوا حمص وقد انتقل أهلها عنها فأحرقوها، ورجعوا إلى بلاد السواحل وملكوا منها ثمانية عشر بلدا، واستباحوا عامة القرى، وساروا في جميع نواحي الشام ولا مدافع لهم، إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطرافهم. ثم رجع ملك الروم مجمعا حصار حلب وأنطاكية، وبلغه استعدادهم فرحل عنهم إلى بلاده ومعه من السبي مائة ألف رأس. وكان بحلب قرعوية مولى سيف الدولة فمانعهم، وبعث ملك الروم سراياه إلى الجزيرة فبلغوا كفرتوثا وعاثوا في نواحيها، ولم يكن من أبي ثعلب مدافعة لهم.
استبداد قرعوية بحلب
كان قرعوية غلام سيف الدولة، وهو الذي أخذ البيعة لابنه أبي المعالي بعد موته، ٤/٣١٢
فلما كان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة انتقض على أبي المعالي وأخرجه من حلب واستبد بملكها. وسار أبو المعالي إلى حران فمنعه أهلها، فسار إلى والدته بميافارقين وهي بنت سعيد بن حمدان أخت أبي فراس. ولحق أصحابه بأبي ثعلب، وبلغ أمه بميافارقين وهي بنت سعيد بن حمدان أخت أبي فراس أنه يريد القبض عليها فمنعته أياما من الدخول، حتى استوثقت لنفسها وأذنت له ولمن رضيته، وأطلقت لهم الأرزاق ومنعت الباقين وسار أبو المعالي لقتال قرعوية بحلب فامتنع عليه، ثم لحق أبو المعالي بحماة، وأقام بها وبقيت الخطبة بحران له ولا والي عليهم من قبله، فقدموا عليهم من يحكم بينهم.
مسير أبي ثعلب من الموصل إلى ميافارقين
ولما سمع أبو ثعلب بخروج أبي المعالي من ميافارقين إلى حلب لقتال قرعوية، سار إليها وامتنعت زوجة سيف الدولة منه، واستقر الأمر بينهما على أن تحمل إليه مائتي ألف درهم. ثم نمي إليها أنه يحاول على ملك البلد فكبسته ليلا، ونالت من معسكره فبعث إليها يلاطفها فأعادت إليه بعض ما نهب، وحملت إليه مائة ألف درهم وأطلقت الأسارى فرجع عنها.
استيلاء الروم على انطاكية ثم حلب ثم ملازكرد
وفي سنة تسع وخمسين خرج الروم إلى انطاكية فمروا بحصن الوفاء بقربها، وهم نصارى فحاصروهم، واتفقوا على أن يرحلوا إلى أنطاكية، فإذا نزل الروم عليها ثاروا من داخل. وانتقل أهل الوفاء ونزلوا بجبل أنطاكية. وجاء بعد شهرين أخو يعفور ملك الروم في أربعين ألفا من جموع الروم، ونازل أنطاكية فأخلى له أهل الوفاء السور من ناحيتهم، وملكوا البلد وسبوا منها عشرين ألفا. ثم أنفذ ملك الروم جيشا ٤/٣١٣
كثيفا إلى حلب، وأبو المعالي بن سيف الدولة عليها يحاصرها ففارقها أبو المعالي، وقصد البرية وملك الروم حلب. وتحصن قرعوية وأهل البلد بالقلعة فحاصروها مدة، ثم ضربوا الهدنة بينهم على مال يحمله قرعوية، وعلى أن الروم إذا أرادوا الميرة من قرى الفرات لا يمنعونهم منها. ودخل في هذه الهدنة حمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وشيزر، وما بين ذلك من الحصون والقرى، وأعطاهم رهنهم على ذلك الروم، وأفرج الروم عن حلب. وكان ملك الروم قد بعث جيشا إلى ملازكرد من أعمال أرمينية فحاصروها وفتحوها عنوة، ورعب أهل الثغور منهم في كل ناحية.
مقتل يعفور ملك الروم
كان يعفور ملكا بالقسطنطينية، وهي البلاد التي بيد بني عثمان لهذا العهد، وكان من يليها يسمى الدمشق . وكان يعفور هذا شديدا على المسلمين، وهو الذي أخذ حلب أيام سيف الدولة. وملك طرسوس والمسينة وعين زربة. وكان قتل الملك قبله وتزوج امرأته، وكان له منها ابنان فكفلهما يعفور وكان كثيرا ما يطرق بلاد المسلمين ويدوخها في ثغور الشام والجزيرة، حتى هابه المسلمون وخافوه على بلادهم. ثم أراد أن يجب ربيبيه ليقطع نسلهما فغرقت أمهما من ذلك، وأرسلت إلى الدمشق بن الشمشيق وداخلته في قتله. وكان شديد الخوف من يعفور. وهذا كان أبوه مسلما من أهل طرسوس يعرف بابن العفاش تنصر ولحق بالقسطنطينية. ولم يزل يترقى في الأطوار إلى أن نال من الملك ما ناله. وهذه غلطة ينبغي للعقلاء أن يتنزهوا عنها، ولا ينال الملك من كان عريقا في السوقة، وفقيدا للعصابة بالكلية وبعيدا عن نسب أهل الدولة، فقد تقدم من ذلك في مقدمة الكتاب ما فيه كفاية. ٤/٣١٤
استيلاء أبي ثعلب على حران
وفي منتصف سنة تسع وخمسين وثلاثمائة سار أبو ثعلب إلى حران وحاصرها نحوا من شهر، ثم جنح أهلها إلى مصالحته واضطربوا في ذلك، ثم توافقوا عليه وخرجوا إلى أبي ثعلب وأعطوه الطاعة، ودخل في إخوانه وأصحابه فصلى الجمعة ورجع الى معسكره. واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي، وكان من أكابر أصحاب بني حمدان.
وبلغه الخبر بأن نميرا عاثوا في بلاد الموصل وقتلوا العامل ببرقعيد فأسرع العود.
مصالحة قرعوية لابي المعالي
قد تقدم لنا استبداد قرعوية بحلب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وخروج أبي المعالي ابن سيف الدولة منها، وأنه لحق بأمه بميافارقين. ثم رجع لحصار قرعوية بحلب. ثم رجع إلى حمص ونزل بها. ثم وقع الاتفاق بينه وبين قرعوية على أن يخطب له بحلب ويخطبان جميعا للمعز العلوي صاحب مصر.
مسير الروم إلى بلاد الجزيرة
وفي سنة إحدى وستين سار الدمشق في جموع الروم إلى الجزيرة فأغار على الرها ونواحيها، ثم تنقل في نواحي الجزيرة، ثم بلغ نصيبين واستباحها ودوخها. ثم سار في ديار بكر ففعل فيها مثل ذلك. ولم يكن لأبي ثعلب في مدافعتهم أكثر من حمل المال إليهم، وسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين، وجلسوا إلى الناس في المساجد والمشاهد يصفون ما جرى على المسلمين، وخوفوهم عاقبة أمرهم فتقدمهم أهل بغداد إلى دار الطائع الخليفة، فأرادوا الهجوم عليه فأغلقت دونهم الأبواب فأعلنوا بشتمه، ولحق آخرون من أهل بغداد ببختيار وهو بنواحي الكوفة يستغيثونه من الروم، فوعدهم بالجهاد، وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره ٤/٣١٥
بالتجهيز للغزو، وأن يستنفر العامة. وكتب إلى أبي ثعلب بن حمدان بإعداد الميرة والعلوفات والتجهيز، وأنه عازم على الغزو. ووقعت بسبب ذلك فتنة في بغداد من قبل اشتغال العامة بذلك أدت إلى القتل والنهب بين عصائب الفتيان والعيارين.
أسر الدمشق وموته
ولما فعل الدمشق في ديار مضر والجزيرة ما فعل، قوي طمعه في فتح آمد فسار إليه أبو ثعلب، وقدم أخاه أبا القاسم هبة الله، واجتمعا على حرب الدمشق ولقياه في رمضان سنة اثنتين وستين. وكانت الجولة في مضيق لا تتحرك فيه الخيل، وكان الروم على غير أهبة فانهزموا، وأخذ الدمشق أسيرا، فلم يزل محبوسا عند أبي ثعلب إلى أن مرض سنة ثلاث وستين وبالغ في علاجه وجمع له الأطباء فلم ينتفع بذلك ومات.
استيلاء بختيار بن معز الدولة على الموصل وما كان بينه وبين أبي ثعلب
قد تقدم لنا ما كان بين أبي ثعلب وأخويه حمدان وإبراهيم من الحروب، وأنهما سارا إلى بختيار بن معز الدولة صريخين فوعدهما بالنصرة، وشغل عن ذلك بما كان فيه فأبطأ عليهما أمره، وهرب إبراهيم ورجع إلى أخيه أبي ثعلب فتحرك عزم بختيار على قصد الموصل، وأغراه وزيره ابن بقية لتقصيره في خطابه فسار، ووصل إلى الموصل في ربيع سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ولحق أبو ثعلب بسنجار وأخلى الموصل من الميرة ومن الدواوين. وخالف بختيار إلى بغداد، ولم يحدث فيها حدثا من نهب ولا غيره، وإنما قاتل أهل بغداد فحدثت فيها الفتنة بسبب ذلك بين عامتها. واضطرب أمرهم وخصوصا الجانب الغربي. وسمع بختيار بذلك فبعث في أثره وزيره ابن بقية وسبكتكين، فدخل ابن بقية بغداد وأقام سبكتكين في الضاحية، وتأخر أبو ثعلب عن بغداد وحاربه يسيرا. ثم داخله في الانتقاض واستيلاء سبكتكين على الأمر. ثم أقصر سبكتكين عن ذلك وخرج إليه ابن بقية، وراسلوا أبا ثعلب في الصلح على ٤/٣١٦
مال يضمنه ويرد على أخيه حمدان إقطاعه ما سوى ماردين، وكتبوا بذلك إلى بختيار. وارتحل أبو ثعلب إلى الموصل وأشار ابن بقية على سبكتكين باللحاق ببختيار فتقاعد، ثم سار. وارتحل بختيار عن الموصل بعد أن جهد منه أهل البلد بما نالهم من ظلمة وعسفه، وطلب منه أبو ثعلب الإذن في لقب سلطاني وأن يحط عنه من الضمان فأجابه وسار. ثم بلغه في طريقه أن أبا ثعلب نقض وقتل بعضا من أصحاب بختيار عادوا إلى الموصل لنقل أهاليهم، فاستشاط بختيار واستدعى ابن بقية وسبكتكين في العساكر، وعادوا جميعا إلى الموصل. وفارقها أبو ثعلب وبعث أصحابه بالاعتذار والحلف على إنكار ما بلغه فقبل، وبعث الشريف أبا أحمد الموسوي لاستحلافه. وتم الصلح ورجع بختيار إلى بغداد فجهز ابنته إلى أبي ثعلب وقد كان عقد له عليها من قبل.
عود أبي المعالي بن سيف الدولة الى حلب
قد تقدم لنا أن قرعوية مولى أبيه سيف الدولة كان تغلب عليه، وأخرجه من حلب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فسار إلى والدته بميافارقين. ثم إلى حماة فنزلها وكانت الروم قد أمنت حمص، وكثر أهلها. وكان قرعوية قد استناب بحلب مولاه بكجور فقوي عليه وحبسه في قلعة حلب، وملكها سنين فكتب أصحاب قرعوية إلى أبي المعالي واستدعوه، فسار وحاصرها أربعة أشهر، وملكها وأصلح أحوالها، وازدادت عمارتها حتى انتقل إلى ولاية دمشق كما يذكر.
استيلاء عضد الدولة بن بويه على الموصل وسائر ملوك بني حمدان
ولما ملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه بغداد، وهزم بختيار ابن عمه معز الدولة، سار بختيار في الفل إلى الشام ومعه حمدان بن ناصر الدولة أخو أبي ثعلب فحسن له قصد الموصل على الشام، وقد كان عضد الدولة عاهده أن لا يتعرض ٤/٣١٧
لأبي ثعلب لمودة بينهما فنكث وقصدها. ولما انتهى إلى تكريت أتته رسل أبي ثعلب بالصلح، وأن يسير إليه بنفسه وعساكره، ويعيده على ملك بغداد على أن يسلم إليه أخاه حمدان فسلمه إلى رسل أبي ثعلب فحبسه، وسار بختيار إلى الحديثة ولقي أبا ثعلب وسار معه إلى العراق في عشرين ألف مقاتل. وزحف نحوهما عضد الدولة، والتقوا بنواحي تكريت في شوال سنة ست وستين فهزمهما عضد الدولة، وقتل بختيار ونجا أبو ثعلب إلى الموصل فاتبعه عضد الدولة، وملك الموصل في ذي القعدة، وحمل معه الميرة والعلوفات للإقامة، وبث السرايا في طلب أبي ثعلب ومعه المرزبان ابن بختيار وأخواله أبو إسحاق وظاهر ابنا معز الدولة ووالدتهم. وسار لذلك أبو الوفاء ظاهر بن إسماعيل من أصحابه. وسار حاجبه أبو ظاهر طغان إلى جزيرة ابن عمر ولحق أبو ثعلب بنصيبين. ثم انتقل إلى ميافارقين فأقام بها، وبلغه مسير أبي الوفاء إليه ففارقها إلى تدليس وجاء أبو الوفاء إلى ميافارقين فامتنعت عليه فتركها وطلب أبا ثعلب فخرج من أرزن الروم إلى الحسينية من أعمال الجزيرة، وصعد إلى قلعة كواشي وغيرها من قلاعه، ونقل منها ذخيرته، وعاد فعاد أبو الوفاء إلى ميافارقين وحاصرها.
واتصل بعضد الدولة مجيئه إلى القلاع، فسار إليه ولم يدركه، واستأمن إليه كثير من أصحابه. وعاد إلى الموصل وبعث قائده طغان إلى تدليس فهرب منها أبو ثعلب واتصل بملكهم المعروف بورد الرومي، وكان منازعا لملكهم الأعظم في الملك، فوصل ورد يده بيد أبي ثعلب، وصاهره ليستعين به واتبعه في مسيره عسكر عضد الدولة، وأدركوه فهزمهم وأثخن فيهم. ونجا فلهم إلى حصن زياد ويسمى خرت برت. وأرسل إلى ورد يستمده فاعتذر بما هو فيه ووعده بالنصر. ثم انهزم ورد أمام ملك الروم فأيس أبو ثعلب من نصره، وعاد إلى بلاد الإسلام ونزل بآمد حتى جاء خبر ميافارقين. وكان أبو الوفاء لما رجع من طلب أبي ثعلب حاصر ميافارقين، والوالي عليها هزارمرد فضبط البلد ودافع أبا الوفاء ثلاثة أشهر. ثم مات وولى أبو ثعلب مكانه مؤنسا من موالي الحمدانية، ودس أبو الوفاء إلى بعض أعيان البلد فاستماله فبعث له في الناس رغبة. وشعر بذلك مؤنس فلم يطق مخالفتهم فانقاد واستأمن، وملك أبو الوفاء البلد وكان في أيام حصاره قد افتتح سائر حصونه فاستولى على سائر ٤/٣١٨
ديار بكر وأمن أصحاب أبي ثعلب وأحسن إليهم ورجع إلى الموصل. وبلغ الخبر إلى أبي ثعلب منقلبة من دار الحرب فقصد الرحبة. وبعث إلى عضد الدولة يستعطفه فشرط عليه المسير إليه فامتنع. ثم استولى عضد الدولة على ديار مضر وكان عليها من قبل أبي ثعلب سلامة البرقعيدي من كبار أصحاب بني حمدان وكان أبو المعالي بن سيف الدولة بعث إليها جيشا من حلب فحاربوها وامتنعت عليهم، وبعث أبو المعالي إلى عضد الدولة وعرض بنفسه عليه فبعث عضد الدولة النقيب أبا احمد الموسوي إلى سلامة البرقعيدي، وتسلمها بعد حروب. وأخذ لنفسه منها الرقة، ورد باقيها على سعد الدولة فصارت له ثم استولى عضد الدولة على الرحبة، وتفرغ بعد ذلك لفتح قلاعه وحصونه. واستولى على جميع أعماله واستخلف أبا الوفاء على الموصل، ورجع إلى بغداد في ذي القعدة سنة ثمان وستين. ثم بعث عضد الدولة جيشا إلى الأكراد الهكارية من أعمال الموصل فحاصروهم حتى استقاموا وسلموا قلاعهم، ونزلوا إلى الموصل فحال الثلج بينهم وبين بلادهم فقتلهم قائد الجيش، وصلبهم على جانبي طريق الموصل.
مقتل أبي ثعلب بن حمدان
ولما أيس أبو ثعلب بن حمدان من إصلاح عضد الدولة، والرجوع إلى ملكه بالموصل سار إلى الشام، وكان على دمشق قسام داعية العزيز العلوي غلب عليها بعد أفتكين وقد تقدم ذلك، وكيف ولي أفتكين على دمشق. فخاف قسام من أبي ثعلب ومنعه من دخول البلد فأقام بظاهرها، وكاتب العزيز، وجاءه الخبر بأنه يستقدمه، فرحل إلى طبرية بعد مناوشة حرب بينه وبين قسام. وجاء الفضل قائد العزيز لحصار قسام بدمشق، ومر بأبي ثعلب ووعده عن العزيز بكل جميل. ثم حدثت الفتنة بين دغفل وقسام وأخرجهم، وانتصروا بأبي ثعلب فنزل بجوارهم مخافة دغفل والقائد الذي يحاصر دمشق. ثم ثار أبو ثعلب في بني عقيل إلى الرملة في محرم سنة تسع وتسعين، فاستراب به الفضل ودغفل وجمعوا الحربة ففر بنو عقيل عنه، وبقي في سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه، وولى منهزما فلحقه الطلب فوقف يقاتل، فضرب وأسر وحمل إلى دغفل، وأراد الفضل حمله إلى العزيز فخاف دغفل أن يصطنعه كما فعل ٤/٣١٩
بأفتكين فقتله، وبعث الفضل بالرأس إلى مصر. وحمل بنو عقيل أخته جميلة وزوجته بنت سيف الدولة إلى أبي المعالي بحلب فبعث بجميلة إلى الموصل وبعث بها أبو الوفاء إلى عضد الدولة ببغداد فاعتقلها.
وصول ورد المنازع لملك الروم الى ديار بكر مستجيرا
كان ملك الروم أرمانوس لما توفي خلف ولدين صغيرين وهما بسيل وقسطنطين، ونصب أحدهما للملك وعاد حينئذ الدمشق يعفور من بلاد الإسلام بعد أن عاث في نواحيها وبالغ في النكاية، فاجتمع إليه الروم ونصبوه للنيابة عن ابني أرمانوس فداخلت أمهما ابن الشميشق على الدمشقية، وقبض على لاوون أخي دمشق وعلى ابنه ورديس بن لاوون واعتقلهما في بعض القلاع. وسار إلى بلاد الشام وأعظم فيها النكاية. ومر بطرابلس فحاصرها، وكان لوالده الملك أخ خصي وهو يومئذ وزير، فوضع على ابن الشميشق من سقاه السم، وأحس به من نفسه فأغذ السير إلى القسطنطينية فمات في طريقه. وكان ورد بن منير من عظماء البطارقة في الأمر، وصاهر أبا ثعلب بن حمدان واستجاش بالمسلمين من الثغور، وقصد الروم ووالى عليهم الهزائم فخافه الملكان، وأطلقا ورديس بن لاوون وبعثاه على الجيوش لقتال الورد فقاتله فانهزم إلى ديار بكر سنة تسع وستين وثلاثمائة، ونزل بظاهر ميافارقين، وبعث أخاه إلى عضد الدولة مستنصرا به. وبعث ملكا الروم بالقسطنطينية إلى عضد الدولة فاستمالاه فرجح جانبهما، وأمر بالقبض على ورد وأصحابه فقبض عليه أبو علي التميمي عامل ديار بكر، وعلى ولده وأخيه وأصحابه وأردعهم السجن بميافارقين. ثم بعثهم إلى بغداد فحبسوا بها إلى أن أطلقهم بهاء الدولة بن عضد الدولة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وشرط عليه إطلاق عدد من المسلمين وإسلام سبعة من الحصون برساتيقها، وأن لا يتعرض لبلاد المسلمين ما عاش. وجهزه فسار وملك في طريقه ملطية وقوي بما فيه وصالحه ورديس بن لاوون على أن يكون قسطنطينية وجانب الشمال من الخليج له وحاصر قسطنطينية، وبها الملكان ابنا أرمانوس وهما بسيل ٤/٣٢٠
وقسطنطين في ملكها، وأقرا وردا على ما بيده قليلا. ثم مات وتقدم بسيل في الملك ودام عليه ملكه وحارب البلغار خمسا وثلاثين سنة، وظفر بهم وأجلاهم عن بلادهم وأسكنها الروم.
ولاية بكجور على دمشق
قد قدمنا ولاية بكجور على حمص لأبي المعالي بن سيف الدولة وأنه عمرها وكان أهل دمشق ينتقلون إليها لما نالهم من جور قسام. وما وقع بها من الغلاء والوباء، وكان بكجور يحمل الأقوات من حمص تقربا إلى العزيز صاحب مصر، وكاتبه في ولايتها فوعده بذلك. ثم استوحش من أبي المعالي سنة ثلاث وسبعين، وأرسل إلى العزيز يستنجز وعده في ولاية دمشق فمنع الوزير بن كلس من ولايته ريبة به، وكان بدمشق من قبل العزيز القائد بلكين بعثه فمنع الوزير بعد قسام وساء أثر ابن كلس في الدولة، واجتمع الكتاميون بمصر على التوثب بابن كلس ودعته الضرورة لاستقدام بلكين من دمشق فأمر العزيز باستقدامه، وولى بكجور مكانه فدخلها في رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وأساء السيرة فيها وعاث في أصحاب الوزير بن كلس وأقام على ذلك ستا. وعجز أهل دمشق منه وجهزت العساكر من مصر مع القائد منير الخادم، وكوتب نزال والي طرابلس بمعاضدته فسار في العساكر، وجمع بكجور عسكرا من العرب وغيرهم، وخرج للقائه فهزمه منير واستأمن إليه بكجور على أن يرحل عن دمشق فأمنه، ورحل إلى الرقة واستولى عليها، وتسلم منير دمشق وأقام بكجور بالرقة واستولى على الرحبة وما يجاور الرقة، وراسل بهاء الدولة بن عضد الدولة بالطاعة وباد الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل بالمسير إليه، وأبا المعالي سعد الدولة صاحب حلب بالعود إلى طاعته على أن يقطعه حمص، فلم يحبه أحد إلى شيء فأقام بالرقة يراسل موالي سعد الدولة أبي المعالي، ويستميلهم في الغدر به فأجابوه، وأخبروه أن أبا المعالي مشغول بلذاته فاستمد حينئذ العزيز، فكتب إلى نزال بطرابلس وغيره من ولاة الشام أن يمدوه ويكونوا في تصرفه. ودس إليهم عيسى بن نسطورس النصراني وزير العزيز في المباعدة عنه لعداوته مع ابن كلس الوزير قبله، ابن خلدون م 21 ج 4 ٤/٣٢١
وتجديدها مع ابن منصور هذا فكتب نزال إلى بكجور يواعده بذلك في يوم معلوم، وأخلفه وسار بكجور من الرقة وبلغ خبر مسيره إلى أبي المعالي فسار من حلب ومعه لؤلؤ الكبير مولى أبيه، وكتب إلى بكجور يستميله ويذكره الحقوق، وأن يقطعه من الرقة إلى حمص فلم يقبل وكتب أبو المعالي إلى صاحب أنطاكية يستمده فأمده بجيش الروم، وكتب إلى العرب الذين مع بكجور يرغبهم في الأموال والإقطاع فوعدوه خذلان بكجور عند اللقاء. فلما التقى العسكران وشغل الناس بالحرب، عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه ولحقوا بأبي المعالي فاستمات بكجور وحمل على موقف أبي المعالي يريده، وقد أزاله لؤلؤ عن موقفه، ووقف مكانه خشية عليه. وحمل ذلك فلما انتهى بكجور لحملته برز إليه لؤلؤ وضربه فأثبته. وأحاط به أصحابه فولى منهزما وجاء بعضهم إلى أبي المعالي فشارطه على تسليمه إليه فقبل شرطه، وأحضر فقتله وسار إلى الرقة، وبها سلامة الرشقي مولى بكجور وأولاده وأبو الحسن علي بن الحسين المغربي وزيره فاستأمنوا إليه فأمنهم ونزلوا عن الرقة فملكها واستكثر ما مع أولاد بكجور فقال له القاضي ابن أبي الحصين هو مالك، وبكجور لا يملك شيئا ولا حنث عليك. فاستصفى مالهم أجمع وشفع فيهم العزيز فأساء عليه الرد، وهرب الوزير المغربي إلى مشهد علي.
خبر باد الكردي ومقتله على الموصل
كان من الأكراد الحميدية بنواحي الموصل ومن رؤسائهم رجل يعرف بباد، وقيل باد لقب له، واسمه أبو عبد الله الحسين بن ذوشتك، وقيل باد اسمه وكنيته أبو شجاع ابن ذوشتك. وإنما أبو عبد الله الحسين أخوه. وكان له بأس وشدة وكان يخيف السابلة، ويبذل ما تجمع له من النهب في عشائره فكثرت جموعه. ثم سار إلى مدينة أرمينية فملك مدينة أرجيش. ثم رجع إلى ديار بكر، فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده في جملة الوفود وخافه على نفسه فعدا وأبعد في مذهبه، وبلغ عضد الدولة أمره فطلبه فلم يظفر به. ولما هلك عضد الدولة سار باد إلى ديار بكر فملك آمد وميافارقين.
ثم ملك نصيبين فجهز صمصام الدولة العساكر إليه مع الحاجب أبي القاسم سعيد ابن محمد فلقيه على خابور الحسينية من بلاد كواشي فانهزم الحاجب وعساكره، وقتل ٤/٣٢٢
كثير من الديلم. ولحق الحاجب سعيد بالموصل وباد في اتباعه. وثارت عامة الموصل بالحاجب لسوء سيرته فأخرجوه، ودخل باد الموصل سنة ثلاث وسبعين وقوي أمره وسما إلى طلب بغداد وأهم صمصام الدولة أمره ونظر مع وزيره ابن سعدان في توجيه العساكر إليه وأنفذ كبير القواد زياد بن شهرا كونه. فتجهز لحربه وبالغوا في مدده وإزاحة علله فلقيهم في صفر سنة أربع وسبعين. وانهزم باد وقتل كثير من أصحابه وأسر آخرون، وطيف بهم في بغداد. واستولى الديلم على الموصل، وأرسل زياد القائد عسكرا إلى نصيبين فاختلفوا على مقدمهم. وكتب ابن سعدان وزير صمصام الدولة إلى أبي المعالي بن حمدان صاحب حلب يومئذ بولاية ديار بكر، وإدخالها في عمله، فسير إليه أبو المعالي عسكره إلى ديار بكر فلم يكن لهم طاقة بأصحاب باد، فحاصروا ميافارقين أياما ورجعوا إلى حلب. وبعث سعد الحاجب من يتولى غدر باد فدخل عليه رجل في خيمته وضربه بالسيف على ساقه يظنها رأسه فنجا من الهلكة.
ثم بعث باد إلى زياد القائد، وسعد الحاجب بالموصل بطلب الصلح فأتمروا بينهم على أن تكون ديار بكر لباد، والنصف من طور عبدين. فخلصت ديار بكر لباد من يومئذ وانحدر زياد القائد إلى بغداد، وأقام سعد الحاجب بالموصل إلى أن توفي سنة سبع وسبعين، فطمع باد في الموصل، وبعث إليها شرف الدولة بن بويه أبا نصر خواشاده في العساكر، فزحف إليه باد وتأخر المدد عن أبي نصر فبعث عن العرب من بني عقيل وبني نمير لمدافعة باد، وأقطعهم البلاد. واستولى باد على طور عبدين آخر الجبال ولم يضجر، وأرسل أخاه في عسكر لقتال العرب فقتل، وانهزم عسكره وأقام باد قبالة خواشاده حتى جاء الخبر بموت شرف الدولة بن بويه، فزحف خواشاده إلى الموصل وقامت العرب بالصحراء وباد بالجبال.
عود بني حمدان الى الموصل ومقتل باد
كان أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسن ابنا ناصر الدولة بن حمدان قد لحقا بعد مهلك أخيهما أبي ثعلب بالعراق، وكانا ببغداد، واستقرا في خدمة شرف الدولة بن عضد الدولة، فلما تولى شرف الدولة وخواشاده في الموصل بعثهما إليها. ثم أنكر ذلك ٤/٣٢٣
عليه أصحابه فكتب إلى خواشاده عامل الموصل فمنعهما، فكتب إليهما بالرجوع عنه فلم يجيبا، وأغذا السير إلى الموصل حتى نزلا بظاهرها. وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك الذين عندهم وخرجوا إلى بني حمدان. وزحف الديلم لقتالهم فانهزموا وقتل منهم خلق، وامتنع باقيهم بدار الإمارة ومن معه على الأمان إلى بغداد، وملكوا الموصل. وتسايل اليهم العرب من كل ناحية. وأراد أهل الموصل استلحامهم فمنعهم بنو حمدان، وأخرجوا خواشاده وبلغ الخبر إلى باد وهو بديار بكر بملك الموصل، وجمع فاجتمع إليه الأكراد البثنوية أصحاب قلعة فسك، وكان جمعهم كثيرا.
واستمال أهل الموصل بكتبه فأجابه بعضهم، فسار ونزل على الموصل، وبعث أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان إلى أبي عبد الله محمد بن المسيب أمير بني عقيل يستنصرانه. وشرط عليهما جزيرة ابن عمر ونصيبين فقبلا شرطه. وسار أبو عبد الله صريخا، وأقام أخوه أبو طاهر بالموصل وباد يحاصره. وزحف أبو الراود في قومه مع أبي عبد الله بن حمدان، وعبروا دجلة عند بدر، وجاءوا إلى باد من خلفه. وخرج أبو طاهر والحمدانية من أمامه، والتحم القتال ونكب بباد فرسه فوقع طريحا، ولم يطق الركوب وجهض العدو عنه أصحابه فتركوه فقتله بعض العرب، وحمل رأسه إلى بني حمدان ورجعوا ظافرين إلى الموصل وذلك سنة ثمانين وثلاثمائة.
مهلك أبي طاهر بن حمدان واستيلاء بني عقيل على الموصل
لما هلك باد طمع أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان في استرجاع ديار بكر، وكان أبو علي بن مروان الكردي، وهو ابن أخت باد قد خلص من المعركة، ولحق كيفا، وبه أهل باد وماله، وهو من أمنع المعاقل فتزوج امرأة خاله، واستولى على ماله وعلى الحصن. وسار في ديار بكر فملك ما كان لخاله فيها تليدا. وبينما هو يحاصر ميافارقين زحف إليه أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان يحاربانه فهزمهما وأسر عبد الله منهما. ثم أطلقه ولحق بأخيه أبي طاهر وهو يحاصر آمد، فزحفا لقتال ابن مروان فهزمهما وأسر أبا عبد الله ثانية إلى أن شفع فيه خليفة مصر فأطلقه، واستعمله الخليفة على حلب إلى ٤/٣٢٤
أن هلك. وأما أبو طاهر فلحق بنصيبين في فل من أصحابه، وبها أبو الدرداء محمد ابن المسيب أمير بني عقيل وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها، وبعث إلى بهاء الدولة أن ينفذ إليه عاملا من قبله، فبعث إليها قائدا كان تصرفه عن أبي الدرداء، ولم يكن له من الأمر شيء إلى أن استبد أبو الدرداء واستغنى عن العامل، وانقرض ملك بني حمدان من الموصل والبقاء لله.
ملك سعد الدولة بن حمدان بحلب وولاية ابنه أبي الفضائل واستبداد لؤلؤ عليه
ولما هزم سعد الدولة مولاه بكجور، وقتله حين سار إليه من الرقة، رجع إلى حلب فأصابه فالج وهلك سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وكان مولاه لؤلؤ كبير دولته فنصب ابنه أبا الفضائل، وأخذ له العهد على الأجناد، وتراجعت إليهم العساكر. وبلغ الخبر أبا الحسن المغربي وهو بمشهد علي فسار إلى العزيز بمصر، وأغراه بملك حلب فبعث إليها قائده منجوتكين في العساكر وحاصرها، ثم ملك البلد، واعتصم أبو الفضائل ولؤلؤ بالقلعة، وبعث أبو الفضائل ولؤلؤ إلى ملك الروم يستنجدانه، وكان مشغولا بقتال البلغار، فأرسل إلى نائبة بأنطاكية أن يسير إليهم، فسار في خمسين ألفا ونزل جسر الحديد على وادي العاصي، فنفر إليه منجوتكين في عساكر المسلمين وهزم الروم إلى أنطاكية، واتبعهم فنهب بلادها وقراها وأحرقها. ونزل أبو الفضائل ولؤلؤ من القلعة إلى مدينة حلب فنقل ما فيها من الغلال، وأحرق الباقي. وعاد منجوتكين إلى حصارهم بحلب. وبعث لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي في الوساطة لهم في الصلح فصالحهم منجوتكين، ورحل إلى دمشق حجرا من الحرب وتعذر الأقوات. ولم يراجع العزيز في ذلك فغضب العزيز، وكتب إليه يوبخه ويأمره بالعود لحصار حلب فعاد وأقام عليها ثلاثة عشر شهرا. فبعث أبو الفضائل ولؤلؤ مراسلة لملك الروم وحرضوه على انطاكية، وكان قد توسط بلاد البلغار فرجع عنها وأجفل في الحشد، ورجع إلى حلب. وبلغ الخبر إلى منجوتكين فأجفل عنها بعد أن أحرق خيامه وهدم مبانيه، وجاء ملك الروم وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ فشكرا له ورجعا، ورحل ٤/٣٢٥
ملك الروم إلى الشام ففتح حمص وشيزر ونهبهما. وحاصر طرابلس فامتنعت عليه فأقام بها أربعين ليلة. ثم رحل عائدا إلى بلده.
انقراض بني حمدان بحلب واستيلاء بني كلاب عليها
ثم إن أبا نصر لؤلؤا مولى سيف الدولة عزل أبا الفضائل مولاه بحلب، وأخذ البلد منه ومحا دعوة العباسية، وخطب للحاكم العلوي بمصر ولقبه مرتضى الدولة. ثم فسد حاله معه فطمع فيه بنو كلاب بن ربيعة وأميرهم يومئذ صالح بن مرداس وتقبض لؤلؤ على جماعة منهم دخلوا إلى حلب، كان فيهم صالح فاعتقله مدة وضيق عليه. ثم فر من محبسه ونجا إلى أهله وزحف إلى حلب ولؤلؤ فيها وكانت بينه وبينهم حروب هزمه صالح آخرها، وأسره سنة ستين وأربعمائة. وخلص أخوه نجا إلى حلب فحفظها وبعث إلى صالح في فدية أخيه وشرط له ما شاء فأطلقه، ورجع إلى حلب واتهم مولاه فتحا، وكان نائبة على القلعة بالمداخلة في هزيمته فأجمع نكبته. ونمي إليه الخبر، فكاتب الحاكم العلوي وأظهر دعوته، وانتقض على لؤلؤ فأقطعه الحاكم صيدا وبيروت، ولحق لؤلؤ بالروم في أنطاكية فأقام عندهم ولحق فتح بصيداء.
واستعمل الحاكم على حلب من قبله، وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة أجمع، وبقيت حلب في ملك العبيديين. ثم غلب عليها صالح بن مرداس الكلابي، وكانت بها دولة له ولقومه، وورثها عنه بنوه كما يذكر في أخبارهم.
الخبر عن دولة بني عقيل بالموصل وابتداء أمرهم بأبي الدرداء وتصاريف أحوالهم
كان بنو عقيل وبنو كلاب وبنو نمير وبنو خفاجة، وكلهم من عامر بن صعصعة وبنو طيئ من كهلان، قد انتشروا ما بين الجزيرة والشام في عدوة الفرات. وكانوا كالرعايا لبني حمدان يؤدون إليهم الأتاوات وينفرون معهم في الحروب. ثم استفحل أمرهم عند فشل دولة بني حمدان، وساروا إلى ملك البلاد. ولما انهزم أبو طاهر بن ٤/٣٢٦
حمدان أمام علي بن مروان بديار بكر كما قدمناه سنة ثمانين وثلاثمائة ولحق بنصيبين وقد استولى عليها أبو الدرداء محمد بن المسيب بن رافع بن المقلد بن جعفر بن عمر بن مهند أمير بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر، فقتل أبا طاهر وأصحابه وسار إلى الموصل فملكها. وبعث إلى بهاء الدولة بن بويه المستبد على الخليفة بالعراق، في أن يبعث عاملا على الموصل فبعث عاملا من قبله، والحكم راجع لأبي الدرداء. وأقام على ذلك سنتين. وبعث بهاء الدولة سنة اثنتين وثمانين عساكره إلى الموصل مع أبي جعفر الحجاج بن هرمز فغلب عليها أبا الدرداء، وملكها. وزحف لحربه أبو الدرداء في قومه ومن اجتمع إليه من العرب فكانت بينهم حروب ووقائع، وكان الظفر فيها للديلم.
مهلك أبي الدرداء وولاية أخيه المقلد
ثم مات أبو الدرداء سنة ست وثمانين وولي إمارة بني عقيل مكانه أخوه علي بعد أن تطاول إليها أخوهما المقلد بن المسيب، وامتنع بنو عقيل لأن عليا كان أسن منه فصرف المقلد وجهه إلى ملك الموصل، واستمال الديلم الذين فيها مع أبي جعفر بن هرمز فمالوا إليه، وكتب إلى بهاء الدولة أن يضمنه الموصل بألفي ألف درهم كل سنة. ثم أظهر لأخيه علي وقومه أن بهاء الدولة قد ولاه، واستمدهم فساروا معه ونزلوا على الموصل، وخرج إلى المقلد من كان استماله من الديلم واستأمن إليهم أبو جعفر قائد الديلم فأمنوه، وركب السفن إلى بغداد واتبعوه فلم يظفروا منه بشيء وتملك المقلد ملك الموصل.
فتنة المقلد مع بهاء الدولة بن بويه
2 كان المقلد يتولى حماية غربي الفرات وكان له ببغداد نائب فيه تهور وجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة مشاجرة. وكان بهاء الدولة مشغولا بفتنة أخيه، فكتب نائب المقلد إليه يشكو من أصحاب بهاء الدولة، فجاء في العساكر، وأوقع بهم، ومد يده ٤/٣٢٧
إلى جباية الأموال، وخرج نائب بهاء الدولة ببغداد، وهو أبو علي بن إسماعيل عن ضمان القصر وغيره فغالط بهاء الدولة، وأنفذ أبا جعفر الحجاج بن هرمز للقبض على أبي علي بن إسماعيل ومصالحة المقلد بن المسيب، فصالحه على أن يحمل إلى بهاء الدولة عشرة آلاف دينار ويخطب له ولأبي جعفر بعده، ويأخذ من البلاد رسم الحماية، وأن يخلع على المقلد الخلع السلطانية ويلقب حسام الدولة، ويقطع الموصل والكوفة والقصر والجامعين وجلس له ولأبي جعفر القادر بالله فاستولى على البلاد، وقصده الأعيان والأماثل، وعظم قدره وقبض أبو جعفر على أبي علي بن إسماعيل ثم هرب ولحق بمهذب الدولة.
القبض على علي بن المسيب
كان المقلد بن المسيب قد وقعت المشاجرة بين أصحابه وأصحاب أخيه في الموصل قبل مسيره إلى العراق، فلما عاد إلى الموصل أجمع الانتقام من أصحاب أخيه. ثم نوى أنه لا يمكنه ذلك مع أخيه، فأعمل الحيلة في قبض أخيه، وأحضر عسكره من الديلم والأكراد. وورى بقصر دقوقا واستحلفهم على الطاعة. ثم نقب دار أخيه وكانت ملاصقة له، ودخل إليه فقبض عليه وحبسه، وبعث زوجته وولديه قراوش وبدران إلى تكريت. واستدعى رؤساء العرب وخلع عليهم وأقام فيهم العطاء فاجتمعت له زهاء ألفي فارس، وخرجت زوجة أخيه بولديها إلى أخيها الحسن ابن المسيب، وكانت أحياؤه قريبا من تكريت، فاستجاش العرب على المقلد وسار إليه في عشرة آلاف، فخرج المقلد عن الموصل واستشار الناس في محاربة أخيه.
فأشار رافع بن محمد بن مغز بالحرب، وأشار أخوه غريب بن محمد بالموادعة وصلة الرحم. وبينما هو في ذلك إذ جاءت أخته رميلة بنت المسيب شافعة في أخيها علي فأطلقه، ورد عليه ماله وتوادع الناس، وعاد المقلد إلى الموصل وتجهز ٤/٣٢٨
لقتال علي بن مزيد الأسدي بواسط، لأنه كان مغضبا لأخيه الحسن، فلما قصد الحلة خالفه علي إلى الموصل فدخلها وعاد إليه المقلد، وتقدمه أخوه الحسن مشفقا عليه من كثرة جموع المقلد فأصلح ما بينهما، ودخل المقلد إلى الموصل وأخواه معه.
ثم خاف علي فهرب. ثم وقع الصلح بينهما على أن يكون أحدهما بالبلد. ثم هرب علي فقصده المقلد ومعه بنو خفاجة فهرب إلى العراق، واتبعه المقلد فلم يدركه ورجع عنه. ثم سار المقلد إلى بلد علي بن مزيد فدخله ثانية ولحق ابن مزيد بمهذب الدولة صاحب البطيحة فأصلح ما بينهما.
استيلاء المقلد على دقوقا
ولما فرغ المقلد من شان أخويه وابن مزيد، سار إلى دقوقا فملكها. وكانت لنصرانيين قد استعبدا أهلها وملكها من أيديهما جبريل بن محمد من شجعان بغداد، أعانه عليها مهذب الدولة صاحب البطيحة، وكان مجاهدا يحب الغزو فملكها. وقبض على النصرانيين وعدل في البلد. ثم ملكها المقلد من يده، وملكها بعده محمد بن نحبان، ثم بعده قراوش بن المقلد. ثم انتقلت إلى فخر الملك أبي غالب فعاد جبريل واستجاش بموشك بن حكويه من أمراء الأكراد. وغلب عليها عمال فخر الدولة. ثم جاء بدران بن المقلد فغلب جبريل وموشك عليها وملكها.
مقتل المقلد وولاية ابنه قراوش
كان للمقلد موال من الأتراك فهربوا منه، واتبعهم فظفر بهم، وقتل وقطع وأفحش في المثلة، فخاف إخوانهم منه، واغتنموا غفلته فقتلوه فيها بالأنبار سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وكان قد عظم شأنه وطمع في ملك بغداد. ولما قتل كان ولده الأكبر قراوش غائبا وكانت أمواله بالأنبار، فخاف نائبة فيها عبد الله بن إبراهيم بن شارويه بادرة عمه الحسن، وراسل أبا منصور بن قراد، وكان بالسندية، وقاسمه في مخلف المقلد على أن يدافع الحسن إن قصده، فأجابه إلى ذلك، وأرسل عبد الله إلى ٤/٣٢٩
قراوش يستحثه فوصل، ووفى لابن قراد بما عاهده عليه نائبة عبد الله، وأقام ابن قراد عنده. ثم إن الحسن بن المسيب جاء إلى مشايخ بني عقيل شاكيا مما فعله قراوش وابن قراد عنده، فسعوا بينهم في الصلح، واتفق الحسن وقراوش على الغدر بابن قراد، وأن يسير أحدهما إلى الآخر متحاربين، فإذا تلاقيا قبضا على ابن قراد ففعلا ذلك. فلما تراءى الجمعان نمي الخبر إلى ابن قراد فهرب، واتبعه قراوش والحسن ولم يدركاه، ورجع قراوش إلى بيوته فأخذها بما فيها من الأموال، فوجه الأموال إلى أن أخذها أبو جعفر الحجاج بن هرمز.
فتنة قراوش مع بهاء الدولة بن بويه
ولما كانت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة بعث قراوش بن المقلد جمعا من بني عقيل إلى المدائن فحصروها، فبعث أبو جعفر بن الحجاج بن هرمز نائب بهاء الدولة ببغداد عسكرا إليهم فدفعوهم عنها. فاجتمعت عقيل وبنو أسد وأميرهم علي بن مزيد.
وخرج أبو جعفر إليهم واستجاش بخفاجة، وأحضرهم من الشام فانهزم واستبيح عسكره، وقتل وأسر من الأتراك والديلم كثير. ثم جمع العساكر ثانيا ولقيهم بنواحي الكوفة فهزمهم، وقتل وأسر وسار إلى أحياء بني مزيد، ونهب منها ما لا يقدر قدره.
ثم سار قراوش إلى الكوفة سنة سبع وتسعين، وكانت لأبي علي بن تمال الخفاجي، وكان غائبا عنها فدخل قراوش الكوفة وصادرهم. ثم قتل أبو علي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وكان الحاكم صاحب مصر قد ولاه الرحبة فسار إليها، وخرج إليه عيسى ابن خلاط العقيلي فقتله وملكها. ثم ملكها بعده غيره إلى أن ولي أمرها صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب.
قبض قراوش على وزرائه
كان معتمد الدولة قراوش بن المقلد قد استوزر أبا القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، وكان من خبره أن أباه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان فذهب عنه ٤/٣٣٠
إلى مصر وولي بها الأعمال. وولد ابنه أبا القاسم ونشأ هنالك. ثم قتله الحاكم فلحق أبو القاسم بحسان بن مفرج بن الجراح الطائي بالشام، وأغراه بالانتقاض والبيعة لأبي الفتوح الحسن بن جعفر صاحب مكة ففعل ذلك، ولم يتم أمر أبي الفتوح ورجع إلى مكة ولحق أبو القاسم المغربي بالعراق، واتصل بفخر الملك فارتاب به القادر لانتسابه إلى العلوية فأبعده فخر الملك، فقصد قراوش بالموصل فاستوزره. ثم قبض عليه سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وصادره على مال زعم أنه ببغداد والكوفة فأحضره، وترك سبيله فعاد إلى بغداد ووزر لشرف الدولة بن بويه بعد وزيره مؤيد الملك الرجيحي، وكان مداخلا لعنبر الخادم الملقب بالأثير المستولي على الدولة يومئذ. ثم سخطه الأتراك وسخطوا الأبهر فأشار عليه بالخروج عن بغداد فخرج الوزير وأبو القاسم معه إلى السندية وبها قراوش فأنزلهم، وساروا إلى أوانا وبعث الأتراك إلى الأثير عنبر بالاستعتاب فاستعتب، ورجع وهرب أبو القاسم المغربي إلى قراوش سنة خمس عشرة واربعمائة لعشرة أشهر من وزارته. ثم وقعت فتنة بالكوفة كان منشؤها من صهره ابن أبي طالب، فأرسل الخليفة إلى قراوش في إبعاده عنه، فأبعده وسار إلى ابن مروان إلى ديار بكر، ولك يذكر بقية خبره. ثم قبض معتمد الدولة قراوش على أبي القاسم سليمان بن فهر عامل الموصل له ولأبيه، وكان من خبره أنه كان يكتب في حداثته بين يدي أبي إسحاق الصابي، ثم اتصل بالمقلد بن المسيب، وأصعد معه إلى الموصل واقتنى بها الضياع. ثم استعمله قراوش على الجبايات فظلم أهلها وصادرهم فحبسه، وطالبه بالمال فعجز وقتل.
حروب قراوش مع العرب وعساكر بغداد
وفي سنة إحدى عشرة واربعمائة اجتمع العرب على فتن قراوش، وسار إليه دبيس ٤/٣٣١
ابن علي بن مزيد الأسدي وغريب بن معن، وجاءهم العسكر من بغداد فقاتلوه عند سر من رأى، ومعه رافع بن الحسين فانهزم ونهبت أثقاله وخزائنه، وحصل في أسرهم، وفتحوا تكريت عنوة من أعماله. ورجعت عساكر بغداد إليها واستجار قراوش بغريب بن معن فأطلقه، ولحق بسلطان بن الحسن من عمال أمير خفاجة واتبعه عسكر من الترك وقاتلهم غربي الفرات، وانهزم هو وسلطان، وعاث العسكر في أعماله فبعث إلى بغداد بمراجعة الطاعة وقبل. ثم كانت الفتنة بينه وبين أبي أسد وخفاجة سنة سبع عشرة وأربعمائة لأن خفاجة تعرضوا لأعماله بالسواد، فسار إليهم من الموصل وأميرهم أبو الفتيان منيع بن حسان، فاستجاش بدبيس بن علي بن مزيد فجاءه في قومه بني أسد، وعسكر من بغداد والتقوا بظاهر الكوفة، وهو يومئذ لقراوش، فخاف قراوش عن لقائهم وأجفل ليلا للأنبار، واتبعوه فرحل عنها إلى حلله، واستولى القوم على الأنبار وملكوها. ثم فارقوها، وافترقوا فاستعادها قراوش، ثم كانت الحرب بينه وبين بني عقيل في هذه السنة، وكان سببها أن الأثير عنبر الخادم حاكم دولة بني بويه انتقض عليه الجند، وخافهم على نفسه فلحق بقراوش فجاء قراوش وأخذ له أقطاعه وأملاكه بالقيروان، فجمع مجد الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا كبيرا من بني عقيل وانضم اليهم بدران أخو قراوش وساروا لحربه وقد اجتمع هو وغريب بن معن والأثير عنبر، وأمدهم ابن مروان فكانوا في ثلاثة عشر ألفا، والتقوا عند بلدهم فلما تصافوا والتحم القتال خرج بدران بن المقلد إلى أخيه قراوش فصالحه وسط المصاف، وفعل ثوران بن قراد كذلك مع غريب بن معن فتوادعوا جميعا واصطلحوا. وأعاد قراوش الى أخيه بدران مدينة الموصل. ثم وقعت الحرب بين قراوش وبين خفاجة ثانيا. وكان سببها أن منيع بن حسان أمير خفاجة وصاحب الكوفة سار إلى الجامعين بلد دبيس ونهبها فخرج دبيس في طلبه إلى الكوفة فقصد الأنبار، ونهبها هو وقومه، فسار قراوش إليهم ومعه غريب بن معن الأنبار. ثم مضى في اتباعهم إلى القصر فخالفوه إلى الأنبار ونهبوها وأحرقوها.
واجتمع قراوش ودبيس في عشرة آلاف وخاموا عن لقاء خفاجة فلم يكن من قراوش إلا بناء السور على الأنبار. ثم سار منيع بن حسان الخفاجي إلى الملك كيجار والتزم ٤/٣٣٢
الطاعة وخطب له بالكوفة وأزال حكم بني عقيل عن سقي الفرات. ثم سار بدران بن المقلد في جموع من العرب إلى نصيبين وحاصرها وهي لنصير الدولة بن مروان فجهز لهم الجند، وبعثهم إليها فقاتلوا بدران فانهزم أولا. ثم عطف عليهم فانهزموا وأثخن فيهم، وبلغه الخبر أن أخاه قراوش قد وصل الى الموصل فأجفل خوفا منه.
استيلاء الغز على الموصل
كان هؤلاء الغز من شعوب الترك بمفازة بخارى، وكثر فسادهم في جهاتها فأجاز إليهم محمود بن سبكتكين، وهرب صاحب بخارى وحضر عنده أميرهم أرسلان بن سلجوق فقبض عليه وحبسه بالهند، ونهب أحياءهم وقتل كثيرا منهم فهربوا الى خراسان وأفسدوا ونهبوا فبعث إليهم العساكر فأثخنوا فيهم وأجلوهم عن خراسان.
ولحق كثير منهم بأصبهان وقاتلوا صاحبها وذلك سنة عشرين وأربعمائة. ثم افترقوا فسارت طائفة منهم إلى جبل بكجار عند خوارزم ولحقت طائفة أخرى بأذربيجان وأميرها يومئذ وهشوذان فأكرمهم، ووصلهم ليكفوا عن فسادهم فلم يفعلوا. وكان مقدموهم أربعة: توقا وكوكناش ومنصور ودانا فدخلوا مراغة سنة تسع وعشرين [وأربعمائة] ونهبوها وأثخنوا في الأكراد الهدبانية، وسارت طائفة منهم الى الري فحاصروها وأميرها علاء الدين بن كاكويه واقتحموا عليه البلد وأفحشوا في النهب والقتل، وفعلوا كذلك في الكرخ وقزوين. ثم ساروا إلى أرمينية وعاثوا في نواحيها وفي أكرادها. ثم عاثوا في الدينور سنة ثلاثين. ثم أوقع وهشوذان صاحب تبريز لجماعة منهم في بلده وكانوا ثلاثين ومقدمهم، فضعف الباقون وأكثر فيهم القتل. واجتمع الغز الذين بأرمينية، وساروا نحو بلاد الأكراد الهكارية من أعمال الموصل فأثخنوا فيهم، وعاثوا في البلاد. ثم كر عليهم الأكراد فنالوا منهم وافترقوا في الجبال وتمزقوا.
وبلغهم مسير نيال أخي السلطان طغرلبك وهم في الري وكانوا شاردين منه فأجفلوا من الري، وقصدوا ديار بكر والموصل سنة ثلاث وثلاثين واربعمائة ونزلوا جزيرة ابن عمر، ونهبوا باقردى وبازبدى والحسنية وغدر سليمان بن نصير الدولة بن مروان بأمير منهم، وهو منصور بن عزعنيل فقبض عليه وحبسه، وافترق أصحابه في كل جهة. ٤/٣٣٣
وبعث نصير الدولة بن مروان عسكرا في اتباعهم، وأمدهم قراوش صاحب الموصل بعسكر آخر، وانضم إليهم الأكراد البثنوية أصحاب فتك فأدركوهم فاستمات الغز وقاتلوهم. ثم تحاجزوا، وتوجهت العرب إلى العراق للمشتى، وأخربت الغز ديار بكر، ودخل قراوش الموصل ليدفعهم عنها لما بلغه أن طائفة منهم قصدوا بلده. فلما نزلوا برقعيد عزم على الإغارة عليهم، فتقدموا إليه فرجع إلى مصانعتهم بالمال على ما شرطوه. وبينما هو يجمع لهم المال وصلوا الى الموصل فخرج قراوش في عسكره وقاتلهم عامة يومه. وعادوا للقتال من الغد فانهزمت العرب وأهل البلد، وركب قراوش سفينة في الفرات، وخلف جميع ماله. ودخل الغز البلد ونهبوا ما لا يحصى من المال والجوهر والحلي والأثاث، ونجا قراوش إلى السند، وبعث إلى الملك جلال الدولة يستنجده، وإلى دبيس بن علي بن مزيد وأمراء العرب والأكراد يستمدهم، وأفحش الغز في أهل الموصل قتلا ونهبا وعيثا في الحرم. وصانع بعض الدروب والمحال منها عن أنفسهم بمال ضمنوه فكفوا عنهم وسلموا. وفرضوا على أهل المدينة عشرين ألف دينار فقبضوها، ثم فرضوا أربعة آلاف أخر وشرعوا في تحصيلها فثار بهم أهل الموصل. وقتلوا من وجدوا منهم في البلد. ولما سمع إخوانهم اجتمعوا ودخلوا البلد عنوة منتصف سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ووضعوا السيف في الناس واستباحوها اثني عشر يوما، وانسدت الطرق من كثرة القتلى حتى واروهم جماعات في الحفائر. وطلبوا الخطبة للخليفة ثم لطغرلبك، وطال مقامهم بالبلد، فكتب الملك جلال الدولة بن بويه ونصير الدولة بن مروان إلى السلطان طغرلبك يشكون منهم، فكتب إلى جلال الدولة معتذرا بأنهم كانوا عبيدا وخدما لنا فأفسدوا في جهات الري فخافوا على أنفسهم وشردوا. ويعده بأنه يبعث العساكر إليهم، وكتب إلى نصير الدولة بن مروان يقول له: بلغني أن عبيدنا قصدوا بلادك فصانعتهم بالمال، وأنت صاحب ثغور ينبغي أن تعطي ما تستعين به على الجهاد، ويعده أنه يرسل من يدفعهم عن بلاده.
ثم سار دبيس بن مزيد إلى قراوش مددا، واجتمعت إليه بنو عقيل، وساروا من السن إلى الموصل فتأخر الغز إلى تل أعفر، وأرسلوا إلى أصحابهم بديار بكر ومقدمهم ناصفلي وبوقا فوصلوا إليهم وتزاحفوا مع قراوش في رمضان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة فقاتلوهم إلى الظهر، وكشفوا العرب عن حللهم. ثم استماتت العرب فانهزمت الغز وأخذهم السيف ونهب العرب أحياءهم، وبعثوا برءوس القتلى إلى ٤/٣٣٤
بغداد واتبعهم قراوش إلى نصيبين ورجع عنهم. وقصدوا ديار بكر فنهبوها، ثم أرزن الروم كذلك ثم أذربيجان، ورجع قراوش إلى الموصل.
استيلاء بدران بن المقلد على نصيبين
قد تقدم لنا محاصرة بدران نصيبين ورحيله عنها من أخيه قراوش. ثم اصطلحا بعد ذلك واتفقا وتزوج نصير الدولة ابنة قراوش فلم يعدل بينها وبين نسائه، وشكت إلى أبيها فبعث عنها. ثم هرب بعض عمال ابن مروان إلى قراوش وأطمعه في الجزيرة فتعلل عليه قراوش بصداق ابنته، وهو عشرون ألف دينار. وطلب الجزيرة ونصيبين لأخيه بدران فامتنع ابن مروان من ذلك، فبعث قراوش جيشا لحصار الجزيرة وآخر مع أخيه بدران لحصار نصيبين. ثم جاء بنفسه وحاصرها مع أخيه، وامتنعت عليه وتسللت العرب والأكراد إلى نصير الدولة بن مروان بميافارقين. وطلب منه نصيبين فسلمها إليه، وأعطى قراوش من صداق ابنته خمسة عشر ألف دينار. وكان ملك ابن مروان في دقوقا، فزحف إليه أبو الشوك من أمراء الأكراد فحاصره بها، وأخذها من يده عنوة، وعفا عن أصحابه. ثم توفي بدران سنة خمس وعشرين وأربعمائة وجاء ابنه عمر إلى قراوش فأقره على ولاية نصيبين، وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحاصروه، فسار إليهم ودافعهم عنها.
الفتنة بين قراوش وغريب بن معن
كانت تكريت لأبي المسيب رافع بن الحسين من بني عقيل، فجمع غريب جمعا من العرب والأكراد، وأمده جلال الدولة بعسكر، وسار إلى تكريت فحاصرها.
وكان رافع بن الحسين عند قراوش بالموصل، فسار لنصره بالعساكر، ولقيه غريب في نواحي تكريت فانهزم، واتبعه قراوش ورافع، ولم يتعرضوا لمحلته وماله. ثم تراسلوا واصطلحوا. ٤/٣٣٥
فتنة قراوش وجلال الدولة وصلحهما
كان قراوش قد بعث عسكره سنة إحدى وثلاثين لحصار خميس بن ثعلب بتكريت، واستجار خميس بجلال الدولة فبعث إليه بالكف عنه فلم يفعل، فسار بنفسه يحاصره، وكتب إلى الأتراك ببغداد يستفسدهم عن جلال الدولة. وسار جلال الدولة إلى الأنبار فامتنعت عليه، وسار قراوش للقائه وأعوزت عساكر جلال الدولة الأقوات. ثم اختلفت عقيل على قراوش، وبعث إلى جلال الدولة بمعاودة الطاعة، فتحالفا وعاد كل إلى بلده.
أخبار ملوك القسطنطينية لهذه العصور
كان بسيل وقسطنطين قد تزوج أبوهما أمهما في يوم عيد، ركب إلى الكنيسة فرآها في النظارة فشغف بها. وكان أبوها من أكابر الروم فخطبها منه، وتزوجها وولدت الولدين ومات أبوهما وهما صغيران. وتزوجت بعده بمدة نقفور، وملك وتصرف وأراد أن يجب ولديها. وأغرت الدمشق بقتله فقتله وتزوجت به. وأقامت معه سنة، ثم خافها وأخرجها بولديها إلى دير بعيد فأقامت فيه سنة أخرى. ثم دست إلى بعض الرهبان ليقتل الدمشق، فأقام بكنيسة الملك يتحيل لذلك، حتى جاء الملك واستطعمه القربان في العيد من يده، فدس له معه سما ومات. وجاءت هي قبل العيد بليال الى القسطنطينية فملك ولدها بسيل واستبدت عليه لصغره. فلما كبر سار لقتال البلغار في بلادهم، وبلغه وهو لك وفاتها فأمر خادما له بتدبير الأمر في غيبته بالقسطنطينية. وأقام في قتال البلغار أربعين سنة. ثم انهزم وعاد إلى القسطنطينية وتجهز ثانية، وعاد إليهم فظفر بهم وقتل ملكهم وملك بلادهم. ونقل أهلها إلى بلاد الروم. قال ابن الأثير: وهؤلاء البلغار الذين ملك بلادهم بسيل غير الطائفة المسلمة ٤/٣٣٦
منهم، وهؤلاء أقرب من أولئك إلى بلاد الروم بشهرين، وكلاهما بلغار انتهى.
وكانت بسيل عادلا حسن السيرة، وملك على الروم نيفا وسبعين سنة. ولما مات ملك أخوه قسطنطين، ثم مات وخلف بناتا ثلاثا فملكت الكبرى وتزوجت بأرمانوس من بيت ملكهم، وهو الذي ملك الرها من المسلمين، وكان له من قبل الملك رجل يخدمه من السوقة الصيارفة اسمه ميخاييل فاستخلصه وحكمه في دولته، فمالت زوجة أرمانوس إليه، وأعملا الحيلة في قتل الملك أرمانوس فقتلاه خنقا وتزوجته على كره من الروم. ثم عرض لميخائيل هذا مرض شوه خلقته فعهد بالملك إلى ابن أخيه واسمه ميخاييل، فملك بعده وقبض على أخواله وإخوتهم وضرب الدنانير باسمه سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ثم أحضر زوجته بنت الملك وحملها على الرهبانية والخروج له عن الملك، وضربها ونفاها إلى جزيرة في البحر. ثم اعتزم على قتل البطرك للراحة من تحكمه، فأمره بالخروج إلى الدير لعمل وليمة يحضرها عنده، وأرسل جماعة من الروم وبلغار لقتله، فبذل لهم البطرك مالا على الإبقاء، ورجع إلى بيعته، وحمل الروم على عزل ميخاييل، فأرسل إلى زوجته الملكة من الجزيرة التي نفاها إليها فلم تفعل، وأقبلت على رهبانيتها فخلعها البطرك من الملك، وملكت أختها الصغيرة بدرونة، وأقاموا من خدم أبيها من يدبر ملكها، وخلعوا ميخاييل، وقاتل أشياعه أشياع بدرونة فظفر بهم أشياع بدرونة ونهبوهم. وفزع الروم إلى التماس ملك يدبرهم، وقارعوا بين المرشحين فخرجت القرعة على قسطنطين فملكوه وتزوجته الملكة الكبرى، ونزلت لها الصغيرة عن الملك سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثم خرج خارجي من الروم اسمه ميناس وكثر جمعه وبلغ عشرين ألفا، وجهز قسطنطين إليه العساكر فقتلوه وسيق رأسه إليه، وافترق أصحابه. ثم ورد على القسطنطينية سنة خمس وثلاثين مراكب للروم ووقعت منها محاورات نكرها الروم فحاربوهم، وكانوا قد فارقوا مراكبهم إلى البر فأحرقوها وقتلوا الباقين.
الوحشة بين قراوش والأكراد
كان للأكراد عدة حصون تجاور الموصل، فمنها للحميدية قلعة العقر وما إليها، ابن خلدون م 22 ج 4 ٤/٣٣٧
وصاحبها أبو الحسن بن عكشان وللهدبانية قلعة إربل وأعمالها، وصاحبها أبو الحسن ابن موشك، ونازعه أخوه أبو علي بن أربل فأخذها منه بإعانة ابن عكشان، وأسر أخاه أبا الحسن. وكان قراوش وأخوه زعيم الدولة أبو كامل مشغولين بالعراق فنكرا ذلك لما بلغهما. ورجعا إلى الموصل، فطلب قراوش من الحميدي والهدباني النجدة على نصير الدولة بن مروان، فجاء الحميدي بنفسه، وبعث الهدباني أخاه.
وأصلح قراوش ونصير الدولة. ثم قبض على عكشان وصالحه على إطلاق أبي الحسن ابن موشك، وامتنع أخوه أبو علي وكان عكشان عونا عليه، فأجاب ورهن في ذلك ولده. ثم أرسل أبا علي في ذلك الأمر، وحضر بالموصل ليسلم أربل إلى أخيه أبي الحسن، وسلم قراوش إليه قلاعه. وخرج ابن عكشان وأبو علي ليسلما إربل إلى أبي الحسن بن موشك، فغدرا به وقبضا على أصحابه، وهرب هو إلى الموصل وتأكدت الوحشة بينهما وبين قراوش.
خلع قراوش بأخيه أبي كامل ثم عوده
ثم وقعت الفتنة بين معتمد الدولة قراوش وأخيه زعيم الدولة أبي كامل، وكان سببها أن قريشا ابن أخيهما بدران فتن عمه أبا كامل، وجمع عليه الجموع وأعانه عمه الآخر. واستمد قراوش بنصير الدولة بن مروان فبعث إليه بابنه سليمان. وأمده الحسن ابن عكشان وغيرهما من الأكراد وساروا إلى معلابا فنهبوها وأحرقوها. ثم اقتتلوا في المحرم سنة إحدى وأربعين يوما وثانيا، ووقفت الأكراد ناحية عن المصاف ولم يغشوا المجال. وتسلل عن قراوش بعض جموعه من العرب إلى أخيه، وبلغه أن شيعة أخيه أبي كامل بالأنبار ووثبوا فيها وملكوها فضعف أمره، وأحس من نفسه الظهور عليه.
ولم يبرح فركب أخوه أبو كامل وقصد حلته، فركب قراوش للقائه، وجاء به أبو كامل لحلته ثم بعث به إلى الموصل ووكل به. وملك أبو كامل الموصل واشتط عليه ٤/٣٣٨
العرب فخاف العجز والفضيحة أن يراجعوا طاعة أخيه فسبقهم إليها، وأعاده إلى ملكه وبايعه على الطاعة. ورجع قراوش إلى ملكه. وكان أبو كامل قد أحدث الفتنة بين البساسيري كافل الخلافة ببغداد، وملك الأمراء بها لما فعله بنو عقيل في عراق العجم من التعرض لإقطاعه، فسار إليهم البساسيري، وجمع أبو كامل بني عقيل ولقيه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم تحاجزوا. فلما رجع قراوش إلى ملكه نزع جماعة من أهل الأنبار إلى البساسيري شاكرين شاكين سيرة قراوش، وطلبوا أن يبعث معهم عسكرا وعاملا إلى بلدهم ففعل ذلك، وملكها من يد قراوش وأظهر فيهم العدل.
خلع قراوش ثانية واعتقاله
كان قراوش لما أطاعه أخوه أبو كامل بقي معه كالوزير يتصرف، إلا أن قراوش أنف من ذلك وأعمل الحيلة في التخلص منه، فخرج من الموصل سائرا إلى بغداد، وشق ذلك على أخيه أبي كامل فأرسل إليه أعيان قومه ليردوه طوعا أو كرها فلاطفوه أولا، وشعر منهم بالدخيلة فأجاب إلى العود وشرط سكنى دار الإمارة، فلما جاء إلى أبي كامل قام بمبرته وإكرامه ووكل به من يمنعه التصرف.
وفاة أبي كامل وولاية قريش بن بدران
لما ملك قريش بن بدران وحبس عمه بقلعة الجراحية، ارتحل يطلب العراق سنة أربع وأربعين وأربعمائة فانتقض عليه أخوه المقلد، وسار إلى نور الدولة دبيس بن مزيد فنهب قريش حلله، وعاد إلى الموصل، واختلف العرب عليه، ونهب عمال الملك الرحيم ما كان لقريش بنواحي العراق. ثم استمال قريش العرب عليه، ونهب عمال الملك الرحيم ما كان لقريش بن المسيب صاحب الحظيرة مخالفا عليه. وبعث قريش بعض أصحابه فلقيهم، وأوقع بهم فسار إليه قريش، ولقيه فهزمهم واتبعه إلى حلل بلاد ابن غريب ونبهبها. ودخل العراق وبعث إلى عمال الملك الرحيم ٤/٣٣٩
بالطاعة وضمان ما كان عليه في أعماله فأجابوه إلى ذلك لشغل الملك الرحيم بخوزستان فاستقر أمره وقوي. (وفاة قراوش) وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة هذه توفي معتمد الدولة أبو منيع قراوش بن المقلد بمحبسه في قلعة الجراحية وحمل الى الموصل ودفن بها ببلد نينوى شرقيها، وكان من رجال العرب.
استيلاء قريش على الأنبار
وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة زحف قريش بن بدران من الموصل ففتح مدينة الأنبار وملكها من يد عمال البساسيري. وسار البساسيري إلى الأنبار فاستعادها.
حرب قريش بن بدران والبساسيري ثم اتفاقهما وخطبة قريش لصاحب مصر
كان قريش بن بدران قد بعث بطاعته إلى طغرلبك وهو بالري، وخطب له بجميع أعماله، وقبض على الملك الرحيم. وكان قريش معه فنهب معسكره واختفى، وسمع به السلطان فأمنه ووصل إليه فأكرمه ورده إلى عمله. وكان البساسيري قد فارق الملك الرحيم عند مسيره من واسط إلى بغداد، ومسير طغرلبك من حلوان. وقصد نور الدولة دبيس بن مزيد للمصاهرة بينهما. وكان سبب مفارقة البساسيري للملك الرحيم كتاب القائم له بإبعاده لاطلاعه على كتابه إلى خليفة مصر، فلما وصل قريش بن بدران إلى بغداد وعظم استيلاء السلطان طغرلبك على الدولة، بعث جيشا وزحف البساسيري للقائهم ومعه نور الدولة دبيس، فالتقوا بسنجار، فانهزم قريش وقطلمش وأصحابهما، وقتل كثير منهم وعاث أهل سنجار فيهم، وسار بهم إلى الموصل وخطب بها للمستنصر خليفة مصر، وقد كانوا بعثوا إليه بطاعتهم من قبل، فبعث إليهم بالخلع ولقريش جملتهم. ٤/٣٤٠
استيلاء طغرلبك على الموصل وولاية أخيه نيال عليها ومعاودة قريش الطاعة
كان السلطان طغرلبك لما طال مقامه ببغداد، ساء أثر عساكره في الرعايا، فبعث القائم وزيره رئيس الرؤساء أن يحضر عميد الملك المكندري وزير طغرلبك ويعظه في ذلك، ويهدده برحيل القائم عن بغداد فبلغه خلال ذلك شأن الموصل، فرحل إليها وحاصر تكريت ففتحها وقبل من صاحبها نصر بن عيسى من بني عقيل ما لا بد له منه. ورحل عنه فمات نصر وولي بعده أبو الغنائم البحلبان فأصلح حاله مع رئيس الرؤساء، ورحل السلطان من البواريج وكان في انتظار أخيه ياقوتي بن تنكير . ثم توجه السلطان إلى نصيبين وبعث هزارسب إلى البرية لقتال العرب وفيهم قريش ودبيس وأصحاب حران والرقة من نمير فأوقع بهم، ونال منهم وأسر جماعة فقتلهم.
وعاد إلى السلطان طغرلبك فبعث إليه قريش ودبيس بطاعتهما، وأن يتوسط لهما عند السلطان، فعفا السلطان عنهما، وقال للبساسيري: ردهما إلى الخليفة فيرى ما عندهما. فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه إنزال بغداد ومقبل بن المقلد وجماعة من بني عقيل، وبعث السلطان إلى قريش ودبيس هزارسب بن تنكير ليقضي ما عندهما ويحضرهما، وكان ذلك بطلبهما ثم خافا على أنفسهما، فبعث قريش أبا السيد هبة الله بن جعفر ودبيس ابنه بهاء الدولة منصورا فقبلهما السلطان، وكتب لهما بأعمالهما، وكان لقريش من الأعمال: الموصل ونصيبين وتكريت وأوانا ونهر بيطر وهيت والأنبار وبادرون ونهر الملك. ثم قصد السلطان ديار بكر ووصل إليه أخوه إبراهيم نيال، وأرسل هزارسب إلى قريش ودبيس يحذرهما منه. وسار لسنجار لأجل واقعته مع قريش ودبيس، فبعث العساكر إليها واستباحوها وقتل أميرها علي بن مرحا وخلق كثير من أهلها رجالا ونساء، وشفع إبراهيم نيال في الباقين فكف ٤/٣٤١
عنهم، وأقطع سنجار والموصل وتلك الأعمال كلها لأخيه إبراهيم نيال، وعاد إلى بغداد فدخلها في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
مفارقة نيال الموصل وما كان لقريش فيها وفي بغداد مع البساسيري وحبسهما القائم
وفي سنة خمسين وأربعمائة خرج إبراهيم نيال من الموصل إلى بلاد الروم، فخشي طغرلبك أن يكون منتقضا، وبادر بكتابه وكتاب الخليفة إليه، فرجع وخرج الوزير الكندري للقائه. وخالفه البساسيري وقريش إلى الموصل فملكها وحاصر القلعة حتى استأمن أهلها على يد ابن موسك وصاحب أربد فأمناهم وهدما القلعة. وسار السلطان طغرلبك من وقته إلى الموصل ففارقها، واتبعهما إلى نصيبين ففارقه أخوه نيال في رمضان سنة خمسين وأربعمائة. وسار السلطان طغرلبك في أثره وحاصره بهمذان، وجاء البساسيري إلى بغداد وكان هزارسب بواسط، ودبيس ببغداد قد استدعاه الخليفة للدفاع فسئم المقام، ورجع إلى بلده، وجاء البساسيري وقريش ووزير بني بويه أبو الحسن بن عبد الرحيم ونزلوا بجوانب بغداد، ونزل عميد العراق بالعسكر قبالة البساسيري ورئيس الرؤساء وزير الخليفة قبالة الآخرين. وخطب البساسيري للمستنصر صاحب مصر بجوامع بغداد وأذن بحي على خير العمل. ثم استعجل رئيس الرؤساء الحرب فاستجده القوم، ثم كروا عليه فهزموه واقتحموا حريم الخلافة، وملكوا القصور بما فيها، وركب الخليفة فوجد عميد العراق قد استأمن إلى قريش بن بدران فاستأمن هو كذلك، وأمنهما قريش وأعادهما. وعذله البساسيري في الانفراد بذلك دونه، وقد تعاهدا على خلاف ذلك فاستعتب له بالوزير رئيس الرؤساء، ودفعه إليه وأقام الخليفة والعميد عنه، فقتل البساسيري الوزير ابن عبد الرحيم، وبعث قريش بالخليفة القائم مع ابن عمه مهارش بن نجلى إلى حديثة عانة فأنزله بها مع أهله وحرمه وحاشيته، حتى إذا فرغ السلطان ٤/٣٤٢
طغرلبك من أمر أخيه نيال وقتله ورجع إلى بغداد بعث البساسيري وقريش في إعادة القائم إلى داره فامتنع، وأجفل عن بغداد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وشمل النهب مدينة بغداد وضواحيها من بني شيبان وغيرهم، وبعث السلطان طغرلبك الإمام أبا بكر محمد بن فورك إلى قريش بن بدران يشكره على فعله بالخليفة وبابنة أخيه زوجة الخليفة أرسلان خاتون، وأنه بعث ابن فورك لإحضارهما، وكتب قريش إلى مهارش ابن عمه بأن يلحق به هو والخليفة في البرية فأبى، وسار بالخليفة إلى العراق وجعل طريقه على الري، ومر ببدر بن مهلهل فخدم القائم وخرج السلطان للقاء الخليفة، وقدم إليه الأموال والآلات، وعرضه أرباب الوظائف ولقيه بالنهروان، وجاء معه إلى قصره كما تقدم في أخباره. وبعث السلطان خبارتكين الطغرائي في العساكر لاتباع البساسيري والعرب، وجاء إلى الكوفة واستصحب سرايا ابن منيع ببني خفاجة. وسار السلطان في أثرهم وصبحت السرية البساسيري في حلة دبيس بن مزيد من الكوفة فنهبوها، وفر دبيس، وقاتل البساسيري وأصحابه فقتل في المعركة.
وفاة قريش بن بدران وولاية ابنه مسلم
ثم توفي قريش بن بدران سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ودفن بنصيبين، وجاء فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير من دارا وجمع بني عقيل على ابنه أبي المكارم مسلم بن قريش فولوه عليهم، واستقام أمره وأقطعه السلطان سنة ثمان وخمسين الأنبار وهيت وحريم والسن والبواريح، ووصل إلى بغداد فركب الوزير ابن جهير في المركب للقائه. ثم سار سنة ستين وأربعمائة إلى الرحبة فقاتل بها بني كلاب وهم في طاعة المستنصر العلوي فهزمهم وأخذ أسلابهم، وبعث بأشلائهم وعليها سمات العلوية فطيف بها منكسة ببغداد.
استيلاء مسلم بن قريش على حلب
وفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة سار شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل إلى ٤/٣٤٣
مدينة حلب فحاصرها، ثم أفرج عنها فحاصرها تتش بن آلب أرسلان، وقد كان ملك الشام سنة إحدى وسبعين قبلها فأقام عليها أياما. ثم أفرج عنها وملك بزاغة والبيرة، وبعث أهل حلب الى مسلم بن قريش بأن يمكنوه من بلدهم ورئيسها يومئذ ابن الحسين العباسي، فلما قرب منهم امتنعوا من ذلك فترصد لهم بعض التركمان وهو صاحب حصن بنواحيها. وأقام كذلك أياما حتى صادف ابن الحسين يتصيد في ضيعته فأسره، وبعث به إلى مسلم بن قريش فأطلقه على أن يسلموا له البلد، فلما عاد إلى البلد تمم له ذلك، وسلم له البلد. فدخله سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة واستنزل منها سابغا ووثابا ابني محمد بن مرداس، وبعث ابنه إبراهيم وهو ابن عمة السلطان إلى السلطان يخبره بملك حلب وسأل أن يقدر عليه ضمانه فأجابه السلطان إلى ذلك، وأقطع ابنه محمدا مدينة بالس. ثم ساره مسلم إلى حران وأخذها من بني وثاب النميريين وأطاعه صاحب الرها ونقش السكة باسمه.
حصار مسلم بن قريش دمشق وعصيان أهل حران عليه
وفي سنة ست وسبعين وأربعمائة سار شرف الدولة إلى دمشق فحاصرها، وصاحبها تتش فخرج في عسكره وهزم مسلم بن قريش فارتحل عنها راجعا إلى بلاده. وقد كان استمد أهل مصر فلم يمدوه، وبلغه الخبر بأن أهل حران نقضوا الطاعة، وأن ابن عطية وقاضيها ابن حلية عازمون على تسليم البلد للترك، فبادر الى حران وصالح في طريقه ابن ملاعب صاحب حمص، وأعطاه سليمة ورفسة ، وحاصر حران وخرب أسوارها، واقتحمها عنوة وقتل القاضي وابنه. ٤/٣٤٤
حرب ابن جهير مع مسلم بن قريش واستيلاؤه على الموصل ثم عودها إليه
كان فخر الدولة أبو نصر محمد بن أحمد بن جهير من أهل الموصل، واتصل بخدمة بني المقلد ثم استوحش من قريش بن بدران واستجار ببعض رؤساء بني عقيل فأجاروه منه. ومضى إلى حلب فاستوزره معز الدولة أبو ثمال بن صالح. ثم فارقه إلى نصير الدولة بن مروان بديار بكر فاستوزره. ولما عزل القائم وزيره أبا الفتح محمد بن منصور بن دارس استدعاه للوزارة، فتحيل في المسير إلى بغداد، واتبعه ابن مروان فلم يدركه. ولما وصل إلى بغداد استوزره القائم سنة أربع وخمسين وأربعمائة وطغرلبك يومئذ هو السلطان المستبد على الخلفاء. واستمرت وزارته وتخللها العزل في بعض المرات إلى أن مات القائم، وولي المقتدي، وصارت السلطنة إلى ملك شاه فعزله المقتدي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة بشكوى نظام الملك إلى الخليفة به، وسؤاله عزله فعزله، وسار ابنه عميد الدولة إلى نظام الملك بأصفهان واستصلحه وشفع فيه إلى المقتدي، فأعاد ابنه عميد الدولة. ثم عزله سنة ست وسبعين وأربعمائة فبعث السلطان ملك شاه ونظام الملك الى المقتدي بتخلية سبيل بني جهير إليه فوفدوا عليه بأصفهان، ولقوا منه مبرة وتكرمة. وعقد السلطان ملك شاه لفخر الدولة على ديار بكر، وبعث معه العساكر وأمره أن يأخذ البلاد من ابن مروان، وأن يخطب لنفسه بعد السلطان وينقش اسمه على السكة كذلك فسار لذلك، وتوسط ديار بكر.
ثم أردفه السلطان سنة سبع وسبعين وأربعمائة بالعساكر مع الأمير أرتق جد الملوك بماردين لهذا العهد، وكان ابن مروان عند ما أحس بمسير العساكر إليه، بعث إلى شرف الدولة مسلم بن قريش يستنجده على أن يعطيه آمد من أعماله. فجاء إلى آمد وفخر الدولة بنواحيها، وقد ارتاب من اجتماع العرب على نصرة ابن مروان ففتر عزمه عن لقائهم، وسارت عساكر الترك الذين معه فصبحوا العرب في أحيائهم فانهزموا، وغنموا أموالهم ومواشيهم، ونجا شرف الدولة إلى آمد، وحاصره فخر الدولة فيمن معه من العساكر. وبعث مسلم بن قريش إلى الأمير أرتق يقضي عنه في الخروج من آمد على مال بذله له فأغضى له وخرج إلى الرقة. وسار أحمد بن جهير الى ميافارقين ٤/٣٤٥
بلد ابن مروان لحصارها، ففارقه بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة إلى العراق، وسار ابن جهير إلى خلاط وكان السلطان ملك شاه لما بلغه انحصار مسلم بن قريش بآمد، بعث عميد الدولة آقسنقر جد الملك العادل محمود في عساكر الترك، ولقيهم الأمير أرتق في طريقهم سائرا إلى العراق فعاد معهم وجاءوا إلى الموصل فملكوها، وسار السلطان في عساكره إلى بلاد مسلم بن قريش وانتهى إلى البواريح، وقد خلص مسلم بن قريش من الحصار بآمد، ووصل إلى الرحبة، وقد ملكت عليه الموصل، وذهبت أمواله فراسل مؤيد الملك بن نظام الملك فتوسل به فتقبل وسيلته وأذن له في الوصول الى السلطان بعد أن أعطاه من العهد ما رضي به.
وسار مسلم بن قريش من الرحبة فأحضره مؤيد الملك عند السلطان، وقدم هدية فاخرة من الخيل وغيرها، ومن جملتها فرسه الذي نجا عليه، وكان لا يجارى فوقع من السلطان موقعا وصالحه وأقره على بلاده فرجع إلى الموصل وعاد السلطان إلى ما كان بسبيله.
مقتل مسلم بن قريش وولاية ابنه إبراهيم
قد قدمنا ذكر قطلمش قريب السلطان طغرلبك، وكان سار إلى بلاد الروم فملكها، واستولى على قونية وأقصراي، ومات فملك مكانه ابنه سليمان، وسار إلى أنطاكية سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وأخذها من يد الروم كما نذكر في أخباره. وكان لشرف الدولة مسلم بن قريش بأنطاكية جزية يؤديها إليه صاحبها الفردروس من زعماء الروم، فلما ملكها سليمان بن قطلمش بعث إليه يطالبه بتلك الجزية، ويخوفه معصية السلطان فأجابه بأني على طاعة السلطان وأمري فيها غير خفي، وأما الجزية فكانت مضروبة على قوم كفار يعطونها عن رءوسهم، وقد أدال الله منهم بالمسلمين ولا جزية عليهم فسار شرف الدولة، ونهب جهات انطاكية. وسار سليمان فنهب جهات حلب وشكت إليه الرعايا فرد عليهم. ثم جمع شرف الدولة جموع العرب وجموع التركمان مع أميرهم جق، وسار إلى أنطاكية فسار سليمان للقائه والتقيا في أعمال أنطاكية في صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ولما التقوا مال الأمير جق بمن ٤/٣٤٦
معه من التركمان إلى سليمان فاختل مصاف مسلم بن قريش، وانهزمت العرب عنه وثبت فقتل في أربعمائة من أصحابه، وكان ملكه قد اتسع من نهر عيسى وجميع ما كان لأبيه وعمه قراوش من البلاد. وكانت أعماله في غاية الخصب والأمن، وكان حسن السياسة كثير العدل. ولما قتل مسلم اجتمع بنو عقيل وأخرجوا أخاه إبراهيم من محبسه، بعد أن مكث فيه سنين مقيدا حتى أفسد القيد مشيته، فأطلقوه وولوه على أنفسهم مكان أخيه مسلم. ولما قتل مسلم سار سليمان بن قطلمش إلى أنطاكية وحاصرها شهرين فامتنعت عليه ورجع. وفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة بعدها بعث عميد العراق عسكرا إلى الأنبار فملكها من يد بني عقيل. وفيها أقطع السلطان ملك شاه مدينة الرحبة وأعمالها وحران وسروج والرقة والخابور لمحمد بن شرف الدولة مسلم ابن قريش، وزوجه بأخته خاتون زليخة فتسلم جميع هذه البلاد، وامتنع محمد بن المشاطر من تسليم حران فأكرهه السلطان على تسليمها.
نكبة إبراهيم وتنازع محمد وعلي ابني مسلم بعده على ملك الموصل ثم استيلاء علي عليها
لم يزل إبراهيم بن قريش ملكا بالموصل وأميرا على قومه بني عقيل، حتى استدعاه السلطان ملك شاه سنة اثنتين وثمانين فلما حضر اعتقله، وبعث فخر الدولة ابن جهير على البلاد فملك الموصل وغيرها، وأقطع السلطان عمته صفية مدينة بلد، وكانت زوجا لمسلم بن قريش ولها منه ابنه علي، وتزوجت بعده بأخيه إبراهيم. فلما مات ملك شاه ارتحلت صفية الى الموصل ومعها ابنها علي بن مسلم، وجاءه أخوه محمد بن مسلم وتنازعا في ملك الموصل وانقسمت العرب عليهما. واقتتلوا على الموصل فانهزم محمد وملك علي ودخل الموصل وانتزعها من يد ابن جهير.
عود إبراهيم الى ملك الموصل ومقتله
لما مات ملك شاه واستبدت تركمان خاتون بعده بالأمور، وأطلقت إبراهيم من ٤/٣٤٧
الاعتقال، فبادر الى الموصل، فلما صار بها سمع أن علي ابن أخيه مسلم قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملك شاه فبعث إليها، وتلطف بها فدفعت إليه ملك الموصل فدخلها وكان تتش صاحب الشام أخو ملك شاه قد طمع في ملك العراق. واجتمع إليه الأمراء بالشام وجاء آق سنقر صاحب حلب، وسار إلى نصيبين فملكها وبعث إلى إبراهيم أن يخطب له ويسهل طريقه إلى بغداد، فامتنع إبراهيم من ذلك فسار تتش ومعه آق سنقر وجموع الترك. وخرج إبراهيم للقائه في ثلاثين ألفا. والتقى الفريقان بالمغيم فانهزم إبراهيم، وقتل وغنم الترك حللهم وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من الفضيحة، واستولى تتش على الموصل.
ولاية علي بن مسلم على الموصل ثم استيلاء كربوقا وانتزاعه إياها من يده وانقراض أمر بني المسيب من الموصل
ولما قتل إبراهيم وملك تتش الموصل ولى عليها علي بن أخيه مسلم بن قريش فدخلها مع أمه صفية عند ملك شاه، واستقرت هي وأعمالها في ولايته. وسار تتش إلى ديار بكر فملكها، ثم إلى أذربيجان فاستولى عليها. وزحف إليه بركيارق وابن أخيه ملك شاه، وتقاتلا فانهزم تتش، وقام بماكنه ابنه رضوان، وملك حلب وأمره السلطان بركيارق بإطلاق كربوقا فأطلقه. واجتمعت عليه رجال، وجاء إلى حران فملكها، وكاتبه محمد بن مسلم بن قريش وهو بنصيبين ومعه ثوران بن وهيب وأبو الهيجاء الكردي يستنصرونه على علي بن مسلم بن قريش بالموصل، فسار إليهم وقبض على محمد بن مسلم وسار به إلى نصيبين فملكها. ثم سار إلى الموصل فامتنعت عليه ورجع إلى مدينة بلد. وقتل بها محمد بن مسلم غريقا، وعاد إلى حصار الموصل. واستنجد علي بن مسلم بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فسار إليه منجدا له. وبعث كربوقا إليه عسكرا مع أخيه التوتناش فرده مهزوما إلى الجزيرة فتمسك بطاعة كربوقا، وجاء مددا له على حصار الموصل. واشتد الحصار بعلي بن مسلم فخرج من الموصل، ولحق بصدقة بن مزيد بالحلة، وملك كربوقا بلد الموصل بعد حصار تسعة أشهر. وانقرض ملك بني المسيب من الموصل وأعمالها واستولى عليها ملوك الغز من السلجوقية أمراؤهم والبقاء لله وحده. ٤/٣٤٨
الخبر عن دولة بني صالح بن مرداس بحلب وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم
كان ابتداء أمر صالح بن مرداس ملك الرحبة، وهو من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ومجالاتهم بضواحي حلب. وقال ابن حزم أنه من ولد عمرو بن كلاب، وكانت مدينة الرحبة لأبي علي بن ثمال الخفاجي، فقتله عيسى بن خلاط العقيلي وملكها من يده، وبقيت له مدة. ثم أخذها منه بدران بن المقلد. وزحف لؤلؤ الساري نائب الحاكم بدمشق فملك الرقة، ثم الرحبة من يد بدران، وعاد إلى دمشق. وكان رئيس الرحبة ابن مجلكان فاستبد بها، وبعث إلى صالح بن مرداس يستعين به على أمره فأقام عنده مدة. ثم فسد ما بينهما، وقاتله صالح. ثم اصطلحا، وزوجه ابن مجلكان ابنته ودخل البلد. ثم انتقل ابن مجلكان إلى عانة بأهله وماله بعد أن أطاعوه وأخذ رهنهم. ثم نقضوا وأخذوا ماله وسار إليهم ابن مجلكان مع صالح فوضع عليه صالح من قتله، وسار إلى الرحبة فملكها واستولى على أموال ابن مجلكان وأقام دعوة العلويين بمصر.