al-'Ibar · Vol. 04
العِبَر · الجزء ٤ — ابتداء أمر صالح في ملك حلب

أخبارُ العرب من «كتاب العِبَر» — الجزء ٤. فيه: ابتداء أمر صالح في ملك حلب، واستيلاء صالح بن مرداس على حلب، ومقتل صالح وولاية ابنه أبي كامل، ومسير الروم الى حلب وهزيمتهم.

ابتداء أمر صالح في ملك حلب

قد قدمنا أن لؤلؤا مولى أبي المعالي بن سيف الدولة استبد بحلب على ابنه أبي الفضائل، وأخذ البلد منه ومحا دعوة العباسية وخطب للحاكم العلوي بمصر. ثم فسد حاله معه وطمع صالح بن مرداس في ملك حلب. وذكرنا هنالك ما كان بين صالح ولؤلؤ من الحروب، وأنه كان له مولى اسمه فتح وضعه في قلعة حلب حافظا لها، فاستوحش وانتقض على لؤلؤ بممالأة صالح بن مرداس، وبايع للحاكم على أن يقطعه صيدا وبيروت، وسوغه ما كان في حلب من الأموال. ولحق لؤلؤ بأنطاكية وأقام عند الروم. وخرج فتح بحرم لؤلؤ وأمه وتركهن في منبج. وترك حلب وقلعتها إلى نواب الحاكم وتداولت في أيديهم حتى وليها بعض بني حمدان من قبل الحاكم يعرف بعزيز الملك، اصطنعه الحاكم وولاه حلب ثم عصى على ابنه الظاهر، ٤/٣٤٩

وكانت عمته بنت الملك مدبرة لدولته، فوضعت على عزيز الملك من قتله، وولوا على حلب عبد الله بن علي بن جعفر الكتامي، ويعرف بابن شعبان الكتامي وعلى القلعة صفي الدولة موصوفا الخادم.

استيلاء صالح بن مرداس على حلب

ولما ضعف أمر العبيديين بمصر من بعد المائة الرابعة وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة، تطاولت العرب إلى الاستيلاء على البلاد فاستولى بنو عقيل على الجزيرة، واجتمع عرب الشام فتقاسموا البلاد على أن يكون لحسان بن مفرج بن دغفل وقومه طيئ من الرملة إلى مصر، ولصالح بن مرداس وقومه بني كلاب من حلب إلى عانة ولحسان بن عليان وقومه دمشق وأعمالها وكان العامل على هذه البلاد من قبل الظاهر خليفة مصر أنوشتكين إلى عسقلان، وملكها ونهبها حسان.

وسار صالح بن مرداس إلى حلب فملكها من يد ابن شعبان، وسلم له أهل البلد ودخلها. وصعد ابن شعبان إلى القلعة فحصرهم صالح بالقلعة حتى جهدهم الحصار، واستأمنوا وملك القلعة وذلك سنة أربع وعشرين وأربعمائة، واتسع ملكه ما بين بعلبك وعانة.

مقتل صالح وولاية ابنه أبي كامل

ولم يزل صالح مالكا لحلب إلى سنة عشرين وأربعمائة فجهز الظاهر العساكر من مصر إلى الشام لقتال صالح وحسان، وعليهم أنوشتكين الدريدي فسار لذلك، ولقيهما ٤/٣٥٠

على الأردن بطبرية، وقاتلهما فانهزما، وقتل صالح وولده الأصغر، ونجا ولده الأكبر أبو كامل نصر بن صالح إلى حلب، وكان يلقب شبل الدولة. ولما وقعت هذه الواقعة طمع الروم أهل أنطاكية في حلب فزحفوا إليها في عدد كثير.

مسير الروم الى حلب وهزيمتهم

ثم سار ملك الروم إلى حلب في ثلاثمائة ألف مقاتل، ونزل قريبا من حلب ومعه ابن الدوقس من أكابر الروم، وكان منافرا له، فخالفه وفارقه في عشرة آلاف مقاتل، ونمي إليه أنه يروم الفتك به، وأنه دس عليه فكر راجعا، وقبض على ابن الدوقس واضطرب الروم واتبعهم العرب وأهل السواد الأرمن، ونهبوا أثقال الملك أربعمائة حمل، وهلك أكثر عسكره عطشا. ثم أشرف بعض العرب على معسكره فهربوا وتركوا سوادهم وأموالهم وأكرم الله المسلمين بالفتح.

مقتل نصر بن صالح واستيلاء الوزيري على حلب

وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف الوزيري من مصرفي العساكر الى حلب وخليفتهم يومئذ المستنصر، وبرز إليه نصر فالتقوا عند حماة، وانهزم نصر وقتل وملك الوزيري حلب في رمضان من هذه السنة.

مهلك الوزيري وولاية ثمال بن صالح

ولما ملك الوزيري حلب واستولى على الشام عظم أمره، واستكثر من الأتراك في الجند، ونمي عنه إلى المستنصر بمصر ووزيره الجرجاي أنه يروم الخلاف فدس الجرجاي إلى جانب الوزيري والجند بدمشق في الثورة به، وكشف لهم عن سوء ٤/٣٥١

رأي المستنصر فثاروا به، وعجز عن مدافعتهم فاحتمل أثقاله، وسار إلى حلب، ثم إلى حماة فمنع من دخولها فكاتب صاحب كفر طاب فسار إليه وتبعه إلى حلب ودخلها، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ولما توفي فسد أمر الشام وانحل النظام وتزايد طمع العرب. وكان معز الدولة ثمال بن صالح بالرحبة منذ مهلك أبيه وأخيه فقصد حلب، وحاصرها فملك المدينة وامتنع أصحاب الوزيري بالقلعة.

واستمدوا أهل مصر وشغل الوالي بدمشق بعد الوزيري، وهو الحسين بن حمدان الحرب حسان بن مفرج صاحب فلسطين، فاستأمن أصحاب الوزيري إلى ثمال بن صالح بعد حصاره إياها حولا فأمنهم، وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فلم يزل مملكا عليها إلى أن زحفت إليه العساكر من مصر مع أبي عبيداض بن ناصر الدولة بن حمدان، وبلغت جموعهم خمسة آلاف مقاتل فخرج إليهم ثمال، وقاتلهم وأحسن دفاعهم، وأصابهم سيل كاد يذهب بهم فأفرجوا عن حلب، وعادوا إلى مصر. ثم عادت العساكر ثانية من مصر سنة إحدى وأربعين مع رفق الخادم فقاتلهم ثمال وهزمهم، وأسر الخادم رفقا ومات عنده.

رغبة ثمال عن حلب ورجوعها لصاحب مصر وولاية ابن ملهم عليها

لم تزل العساكر تتردد من مصر إلى حلب، وتضيق عليها حتى سئم ثمال بن صالح إمارتها، وعجز عن القيام بها، فبعث إلى المستنصر بمصر وصالحه على أن ينزل له عن حلب، فبعث عليها مكين الدولة أبا علي الحسن بن ملهم، فتسلمها آخر سنة تسع وأربعين. وسار ثمال إلى مصر ولحق أخوه عطية بن صالح بالرحبة، واستولى ابن ملهم عليها.

ثورة أهل حلب بابن ملهم وولاية محمود بن نصر بن صالح

وأقام ابن ملهم بحلب سنتين أو نحوها، بلغه عن أهل حلب أنهم كاتبوا محمود بن نصر ٤/٣٥٢

بن صالح فقبض عليه، فثار به أهل حلب وحصروه بالقلعة، وبعثوا إلى محمود فجاء منتصف اثنتين وخمسين وأربعمائة وحاصره معهم بالقلعة. واجتمعت معه جموع العرب واستمد ابن ملهم المستنصر، فكتب إلى أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان أن يسير إليه في العساكر، فسار إلى حلب وأجفل محمود عنها، ونزل ابن ملهم إلى البلد ودخلها ناصر الدولة ونهبتها عساكره، وابن ملهم. ثم تواقع محمود وناصر الدولة بظاهر حلب فانهزم ناصر الدولة بن حمدان وأسر فرجع به محمود إلى البلد وملكها وملك القلعة في شعبان من هذه السنة، وأطلق أحمد بن حمدان وابن ملهم فعاد إلى مصر.

رجوع ثمال بن صالح الى ملك حلب وفرار محمود بن نصر عنها

لما هزم محمود بن حمدان وأخذ القلعة من يد ابن ملهم. وكان معز الدولة ثمال بن صالح بمصر منذ سلمها للمستنصر سنة تسع وأربعين فسرحه المستنصر الآن، وأذن له في ملك حلب من ابن أخيه، فحاصره في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة واستنجد محمود بخاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حران، فأمده بنفسه، وجاء لنصره فأفرج ثمال عن حلب وسار إلى البرية في محرم سنة ثلاث وخمسين. ثم عاد منيع إلى حران وملك ثمال حلب في ربيع سنة ثلاث وخمسين وغزا بلاد الروم فظفر وغنم.

وفاة ثمال وولاية أخيه عطية

ثم توفي ثمال بحلب قريبا من استيلائه، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة وعهد بحلب لأخيه عطية بن صالح وكان بالرحبة من لدن مسير ثمال إلى مصر فسار وملكها.

ابن خلدون م 23 ج 4 ٤/٣٥٣

عود محمود الى حلب وملكه إياها من يد عطية

ولما ملك عطية حلب وكان ذلك عند استيلاء السلجوقية على ممالك العراق والشام وافتراقهم على العمالات. ونزل به قوم منهم فاستخدمهم وقوي بهم. ثم خشي أصحابه غائلتهم فأشاروا بقتلهم، فسلط أهل البلد عليهم فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون، فقصدوا محمود بن نصر بحران فاستنهضوه لملك حلب. وجاءهم فحاصرها وملكها في رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة واستقام أمره. ولحق عطية عمه بالرقة، فملكها إلى أن أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فسار إلى بلد الروم سنة خمس وستين وأربعمائة واستقام أمر محمود ابن نصر في حلب. وبعث الترك الذين جاءوا في خدمته مع أميرهم ابن خان سنة ستين وأربعمائة إلى بعض قلاع الروم فحاصروها وملكها. وسار محمود إلى طرابلس فحاصرها وصالحوه على مال فأفرج عنهم. ثم سار إليه السلطان البارسلان بعد فراغه من حصار ديار بكر وآمد والرها، ولم يظفر بشيء منها كما نذكر في أخبارهم. وجاء إلى حلب وحاصرها وبها محمود بن نصر. وجاءت رسالة الخليفة القائم بالرجوع إلى الدعوة العباسية فأعادها وسأل من الرسول أزهر أبو الفراس طراد الزيني أن يعفيه السلطان من الحصور عنده فأبى السلطان من ذلك، واشتد الحصار على محمود وأضربهم حجارة المجانيق، فخرج ليلا ومعه والدته منيعة بنت وثاب متطارحين على السلطان، فخلع على محمود في حلب آخر ثمان وستين وأربعمائة وعهد لابنه شبيب إلى الترك الذين ملكوا أباه وهم بالحاضر، وقد بلغه عنهم العيث والفساد، فلما دنا من حللهم تلقوه فلم يجبهم، وقاتلهم وأصيب بسهم في تلك الجولة ومات.

مهلك نصر بن محمود وولاية أخيه سابق

ولما هلك نصر ملك أخوه سابق. قال ابن الأثير: وهو الذي أوصى له أبوه بالملك، فلم ينفذ عهده لصغره، فلما ولي استدعى أحمد شاه مقدم التركمان الذين قتلوا أباه فخلع عليه، وأحسن إليه وبقي فيها ملكا. ٤/٣٥٤

استيلاء مسلم بن قريش على حلب من يد سابق وانقراض دولة بني صالح بن مرداس

ولما كانت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة زحف تتش بعد أن ملك دمشق إلى حلب فحاصرها أياما ووجل أهل حلب من ولاية الترك فبعثوا الى مسلم بن قريش ليملكوه ثم بدا لهم في أمره ورجع من طريقه، وكان مقدمهم يعرف بابن الحسين العباسي وخرج ولده متصيدا في ضيعة له فأرسل له بعض أهل القلاع بنواحي حلب من التركمان، وأسره وأرسله إلى مسلم بن قريش فعاهده على تمكينه من البلد، وعاد إلى أبيه فسلم البلد إلى مسلم بن قريش وملكها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ولحق سابق بن محمود وأخوه وثاب إلى القلعة واستنزلهما بعد أيام على الأمان واستولى على نواحيها. وبعث إلى السلطان ملك شاه بالفتح، وأن يضمن البلد على العادة فأجابه إلى ذلك، وصارت في ولاية مسلم بن قريش إلى أن ملكها السلطان من بعده.

استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية آق سنقر عليها

قد تقدم لنا أن مسلم بن قريش قتله سليمان بن قطلمش كما مر في أخبار مسلم، فلما قتله أرسل إليه ابن الحسين العباسي مقدم أهل حلب يطلب تسليمها إليه. وكان تتش أيضا قد حاصرها وضيق عليها يطلب ملكها فوعد كلا منهما. ونمي الخبر إلى تتش فسار إلى حلب، وجاءه سليمان بن قطلمش فاقتتلا، وقتل سليمان سنة تسع وسبعين وأربعمائة وبعث برأسه إلى ابن الحسين، فكتب أنه يشاور السلطان ملك شاه في ذلك، فغضب تتش وحاصره، وداخله بعض أهل البلد فغدر به وأدخله ليلا فملك تتش مدينة حلب، وشفع الأمير أرتق بن أكسك من أمراء تتش في ابن الحثيثي وامتنع بالقلعة سالم بن مالك بن بدران ابن المقلد فحاصره تتش وكان ابن الحثيثي قد كاتب السلطان ملك شاه واستدعاه لملك حلب عند ما خاف من أخيه تاج الدولة تتش، فسار إليها من أصفهان سنة تسع وأربعين وأربعمائة ومر بالموصل. ثم تسلم حران ٤/٣٥٥

من يد ابن الشاطر، وأقطعها لمحمد بن قريش. ثم سار إلى الرها فملكها من يد الروم.

وكانوا اشتروها من ابن عطية، وسار إلى قلعة جعفر فملكها وقتل من بها من بني قشير وأخذ صاحبها جعفرا شيخا أعمى وولدين له، وكانوا يفسدون السابلة ويرجعون إليها. ثم سار إلى منبج فملكها وسار إلى حلب وأخوه تتش يحاصر القلعة سبعة عشر يوما من حصارها، وعاد إلى دمشق وملك السلطان مدينة حلب وقاتل القلعة ساعة من نهار رشقا بالسهام، فأذعن سالم بن مالك بن بدران بالطاعة والنزول عنها على أن يقطعه قلعة جعفر، فأقطعها له السلطان فلم تزل بيده ويد بنيه إلى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد . وبعث نصر بن علي بن منقذ الكتاني صاحب شيزر بالطاعة، وولى على حلب قسيم الدولة آق سنقر جد العادل نور الدين الشهيد، وارتحل عائدا إلى العراق. وسأله أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فاستصلحه، وأرسله إلى ديار بكر فنزلها إلى أن توفي على حال شديدة من الفقر والاملاق. والله مالك الأمور لا رب غيره.

الخبر عن دولة بني مزيد ملوك الحلة وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم

كان بنو مزيد هؤلاء من بني أسد، وكانت محلاتهم من بغداد إلى البصرة إلى نجد وهي معروفة. وكانت لهم النعمانية، وكانت بنو دبيس من عشائرهم في نواحي خوزستان في جزائر معروفة بهم. وكان كبير بني مزيد أبو الحسن علي بن مزيد وأخوه أبو الغنائم.

وسار أبو الغنائم إلى بني دبيس فأقام عندهم، وفر فلم يدركوه، ولحق بناحية أبي الحسن فسار إليهم أبو الحسن، واستمد عميد الجيوش فأمده بعسكر من الديلم في البحر، ولقيهم فانهزم أبو الحسن وقتل أبو الغنائم وذلك سنة إحدى وأربعمائة. فلما كانت سنة خمس وأربعمائة جمع أبو الحسن وسار إليهم لإدراك الثأر بأخيه، وجمع بني دبيس وهم مضر وحسان ونبهان وطراد فاجتمع إليهم العرب ومن في نواحيهم من ٤/٣٥٦

الأكراد الشاهجان والحادانية، وتزاحفوا ثم انهزم بنو دبيس، وقتل حسان ونبهان واستولى أبو الحسن بن مزيد على أموالهم وحللهم. ولحق الفل منهم بالجزيرة وقلده فخر الدولة أمر الجزيرة الدبيسية واستثنى منها الطيب وقرقوب. وأقام أبو الحسن هناك. ثم جمع مضر بن دبيس جمعا وكبسه فنجا في فل يسير ولحق ببلد النيل منهزما، واستولى مضر على أمواله وعلى الجزيرة وملكها.

وفاة علي بن مزيد وولاية ابنه دبيس

ثم توفي أبو الحسن بن مزيد سنة ثمان وأربعمائة وقام بالأمر مكانه ابنه نور الدولة أبو الأغر دبيس، وقد كان أبوه عهد لأخيه في حياته، وخلع عليه سلطان الدولة، وأذن في ولايته. فلما ولي بعد أبيه نزع أخوه المقلد إلى بني عقيل فأقام بينهم، وكانت بسبب ذلك بين دبيس وقراوش أميري بني عقيل فتن وحروب. وجمع دبيس عليه بني خفاجة، وملك الأنبار من يده سنة سبع عشرة وأربعمائة ثم انتقض خفاجة على دبيس وأميرهم منيع بن حسان وسار إلى الجامعين فنهبها وملك الكوفة. وصار أمر دبيس وقراوش إلى الوفاق واستوى الأمر على ذلك ومنعت خفاجة بني عقيل من سقي الفرات.

استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسية

كانت الجزيرة الدبيسية قد استقرت لطراد بن دبيس، وكان منصور بن الحسين من شعوب بني أسد تغلب عليها، وأخرج طراد بن دبيس عنها سنة ثمان عشرة وأربعمائة ثم مات طراد فسار ابنه أبو الحسن إلى جلال الدولة ببغداد، وكان منصور بن الحسين قد خطب للملك أبي كليجار، وقطع الخطبة لجلال الدولة فسأل منه علي بن طراد أن يبعث معه عسكرا ليخرج منصورا من الجزيرة، فأنفذ معه العسكر، وسار إلى واسط. ثم أغذ السير وكان منصور جمع للقائه، وأعانه بعض أمراء الترك، وهو أبو صالح كركبر. وكان قد هرب من جلال الدولة إلى أبي كليجار فأعان منصورا على ٤/٣٥٧

شأنه، ولقوا علي بن طراد فهزموه، وقتلوه وجماعة من الترك الذين بعثهم جلال الدولة لنصرته. واستقر ملك الجزيرة الدبيسية لمنصور بن الحسين.

فتنة دبيس مع جلال الدولة وحروبه مع قومه

كان المقلد أخو دبيس بن مزيد قد لحق ببني عقيل كما ذكرناه، وكانت بينه وبين نور الدولة دبيس عداوة، فسار إلى منيع بن حسان أمير خفاجة، واجتمعا على قتال دبيس على خلافة جلال الدين، وخطب لأبي كليجار واستقدمه للعراق فجاء إلى واسط، وبها ابن جلال الدولة ففارقها وقصد النعمانية ففجر عليه البثوق من بلده.

وأرسل أبو كليجار إلى قراوش صاحب الموصل، والأثير عنبر الخادم أن ينحدروا إلى العراق فانحدروا إلى الكحيل. ومات بها الأثير عنبر وجمع جلال الدولة عساكره واستنجد أبا الشوك صاحب بلاد الأكراد، فأنجده وانحدر إلى واسط، وأقام بها وتتابعت الأمطار والأوحال فسار جلال الدولة إلى الأهواز بلد أبي كليجار لينهبها.

وبعث أبو كليجار إليه بأن عساكر محمود بن سبكتكين قد قصدت العراق ليرده عن الأهواز فلم يلتفت إلى ذلك، وسار ونهب الأهواز، وبلغ الخبر إلى أبي كليجار فسار إلى مدافعته، وتخلف عنه دبيس خوفا على حلله من خفاجة. والتقى أبو كليجار وجلال الدولة فانهزم أبو كليجار وقتل من أصحابه كثير. واستولى جلال الدولة على واسط وأعاد إليها ابنه عبد العزيز كما كان. ولما فارق دبيس أبا كليجار وجد جماعة من عشيرته قد خالفوا عليه، وعاثوا في نواحي الجامعين فقاتلهم وظفر بهم، وأسر منهم جماعة منهم: أبو عبد الله الحسين ابن عمه أبي الغنائم، وشبيب وسرايا ووهب بنو.

عمه حماد بن مزيد وحبسهم بالجوسق. ثم جمع المقلد أخوه جموعا من العرب واستمد جلال الدولة فأمده بعسكر، وقصدوا دبيس فانهزم وأسر جماعة من أصحابه، ونزل المعتقلون بالجوسق فنهبوا حلله. ولحق دبيس بالشريد منهزما فسار به إلى مجد الدولة، وضمن عنه المال المقرر في ولايته فأجيب إلى ذلك، وخلع عليه، واستقام حاله. وذهب المقلد مع جماعة من خفاجة فنهبوا مطيرآباد والنيل أقبح نهب، وعاثوا في منازلها، ولم تكن الحلة بنيت يومئذ. وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك فأقام عنده حتى أصلح أمره ٤/٣٥٨

الفتنة بين دبيس وأخيه ثابت

كان أبو قوام ثابت بن علي بن مزيد متصلا بالبساسيري سنة أربع وعشرين وأربعمائة وتزحزح لهم دبيس عن البلاد وملك ثابت النيل وأعمال دبيس. وبعث دبيس طائفة من أصحابه لقتال ثابت فانهزموا فسار دبيس عن البلاد، وتركها لثابت حتى رجع البساسيري إلى بغداد فسار في جموع بني أسد وخفاجة، ومعه أبو كامل منصور بن قراد وتركوا حللهم بين حصني وجرى. وساروا جريدة ولقيهم ثابت عند جرجرا، فاقتتلوا مليا، ثم تحاجزوا واصطلحوا على أن يعود دبيس إلى أعماله، ويقطع أخاه ثابتا بعض تلك الأعمال، وتحالفوا على ذلك وافترقوا وجاء البساسيري منجدا لثابت فبلغه الخبر بالنعمانية فرجع.

الفتنة بين دبيس وعسكر واسط

كان الملك الرحيم قد أقطع دبيس بن مزيد سنة إحدى وأربعين واربعمائة حماية نهر الصلة ونهر الفضل، وهي من إقطاع جند واسط فسخطوا ذلك، واجتمعوا وبعثوا إليه بالتهديد فراجعهم إلى حكم الملك الرحيم، فغضبوا وزحفوا إليه فلقيهم وأكمن لهم فهزمهم وأثخن فيهم، وغنم أموالهم ودوابهم ورجعوا إلى واسط يستنجدون جند بغداد، ويرغبون من البساسيري في المدافعة ويعطه نهر الصلة ونهر الفضل.

إيقاع دبيس بخفاجه

وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة قصد بنو خفاجة الجامعين من أعمال دبيس فعاثوا فيها من غربي الفرات، وكان دبيس في شرقيه فاستنجد البساسيري فجاء بنفسه، وعبر ٤/٣٥٩

دبيس الفرات معه وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين فسلكوا البرية، ورجع عنهم. ثم عادوا للفساد فعاد إليهم فدخلوا البرية فاتبعهم إلى حصن خفان فأوقع بهم، وأثخن فيهم وحاصر خفان ثم اقتحمه، وأخرجهم ورجع إلى بغداد ومعه أسارى من خفاجة فصلبوا. ثم سار إلى جرى فحاصرها ووضع عليهم سبعة آلاف دينار فالتزموها وأمنهم.

حرب دبيس مع الغز وخطبته للعلوي صاحب مصر ومعاودته الطاعة

ولما انقرض أمر بني بويه وغلب عليهم الغز، وصارت الدولة للسلطان طغرلبك سلطان السلجوقية، وجاء السلطان طغرلبك إلى بغداد، واستولى على الخليفة، وخطب له على منابر الإسلام، وقبض على الملك الرحيم آخر ملوك بني بويه حسما ذلك كله مذكور في أخبارهم. وكان البساسيري قد فارق الملك الرحيم قبل مسيره من واسط إلى بغداد للقاء طغرلبك مجمعا على الخلاف على الغز مع قطلمش ابن عم طغرلبك جد الملوك ببلاد الروم أولاد قليج أرسلان ، ومعه متمم الدولة أبو الفتح عمر، وسار معهم قريش بن بدران صاحب الموصل فلقيهم دبيس والبساسيري على سنجار، وهزمهم ورجع قريش إلى دبيس جريحا فخلع عليه، وسار معهم وذهب بهم إلى الموصل. وخرج دبيس وقريش والبساسيري إلى البرية، ومعهم جماعة من بني نمير أصحاب حران والرقة. واتبعهم عساكر السلطان مع هزارسب من أمراء السلجوقية فأوقع بهم، ورجع بالغنائم والأسرى. وأرسل دبيس وقريش إلى هزارسب أن يستعطف بهم السلطان ففعل. وبعث دبيس ابنه بهاء الدولة مع وافد قريش فأكرمهما السلطان طغرلبك. ثم انتقض عليه أخوه نيال بهمذان فسار لحربه. وترك بغداد وخالفه البساسيري إليها وبعث الخليفة القائم عن دبيس ليقيم عنده ببغداد، فاعتذر ٤/٣٦٠

بأن العرب لا تقيم، وطلب الخليفة في الخروج إليه حتى يجتمع عليه هو وهزارسب، ويدافعوا عن بغداد. وجاء البساسيري ودخل بغداد ومعه قريش بن بدران فملكها سنة خمسين وأربعمائة وخطب فيها للعلويين واستذم الخليفة القائم بقريش بن بدران فأذمه، وبعثه إلى عانة عند مهاوش العقيلي من بني عمه وفعل البساسيري وجموعه في بغداد الأفاعيل، وأطاعه دبيس بن علي بن مزيد وصدقة بن منصور بن الحسين صاحب الجزيرة الدبيسية، وكان ولي بعد أبيه وقد تقدم ذكر هذا كله. ثم رجع السلطان من همذان بعد قتل أخيه، وقضى أشغاله فأجفل البساسيري وأصحابه من بغداد، ولحق ببلاد دبيس وفارقه صدقة بن منصور إلى هزارسب بواسط. وأعاد طغرلبك الخليفة إلى داره، وسار السلطان في اتباعه وفي مقدمته خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس، ومعه سرايا بن منيع الخفاجي فصبحت المقدمة دبيس بن مزيد والبساسيري، فهرب دبيس ووقف البساسيري فقتل وذلك سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ورجع السلطان إلى بغداد ثم انحدر إلى واسط. وجاءه هزارسب بن تنكين فأصلح عنده حال دبيس بن مزيد وصدقة بن منصور بن الحسين، وحضرا عند السلطان وجاءا في ركابه إلى بغداد فخلع عليهما وردهما إلى عمالتهما.

وفاة دبيس وامارة ابنه منصور

ولم يزل دبيس على أعماله إلى أن توفي سنة اربع وسبعين وأربعمائة لسبع وخمسين سنة من إمارته، وكان ممدوحا. ورثاه الشعراء بعد وفاته بأكثر مما مدحوه في حياته. ولما مات ولي في أعماله وعلى بني أسد ابنه أبو كامل منصور، ولقب بهاء الدولة. وسار إلى السلطان ملك شاه فأقره على أعماله وعاد في صفر سنة خمس وسبعين وأربعمائة فأحسن السيرة.

وفاة منصور بن دبيس وولاية ابنه صدقة

ثم توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلة والنيل ٤/٣٦١

وغيرهما في ربيع الأول سنة تسع وسبعين، فأرسل الخليفة نقيب العلويين أبا الغنائم إلى ابنه سيف الدولة صدقة يعزيه. وسار صدقة إلى السلطان ملك شاه فخلع عليه وولاه مكان أبيه.

انتقاض صدقة بن منصور بن دبيس على السلطان بركيارق

وكان السلطان بركيارق قد خرج عليه أخوه محمود بن ملك شاه ينازعه في الملك، وكانت بينهما عدة وقعات، ولم يزل صدقة بن منصور على طاعته ويحضر حروبه تارة بنفسه، وتارة يبعث إليه العساكر مع ابنه إلى سنة أربع وتسعين وأربعمائة. فبعث إليه وزير السلطان بركيارق وهو الأغر أبو المحاسن الدهستاني يطلبه فبما تخلف عنده من المال، وهو ألف ألف دينار، ويتهدده عليه فقطع صدقة الخطبة لبركيارق، وعاد إلى بغداد في هذه السنة منهزما أمام أخويه محمد وسنجر، فبعث الأمير أياز من أكبر أصحابه، وطرد نائب السلطان عن الكوفة واستضافها إليه.

استيلاء صدقة على واسط وهيت

كان السلطان محمد في سنة ست وتسعين وأربعمائة مستوليا على بغداد والخطبة بها وشحنته فيها أبو الغازي بن أرتق، وصدقة بن دبيس على طاعته ومظاهرته. ثم ظهر في هذه السنة بركيارق على محمد، وحاصره بأصفهان فامتنع عليه فأفرج عنه إلى همذان، وبعث كمستكين القصيري شحنة إلى بغداد فاستدعى أبو الغازي أخاه سقمان بن أرتق من حصن كيفا يستعين به في مدافعة كمستكين. وجاء كمستكين إلى بغداد وخطب بها لبركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان إلى دجيل فأقاما به بجرى وجاء صدقة بن مزيد إلى صرصر بعد أن جاءه رسول الخليفة في طاعة أبي الغازي ٤/٣٦٢

وسقمان فعادا وعاثت عساكرهما في نواحي دجيل، وتقدما إلى بغداد وبعث معهما صدقة ابنه دبيسا فخيموا بالرملة، وقاتلهم العامة وكثر الهرج، وبعث الخليفة إلى صدقة يعظم عليه الأمر فأشار بإخراج كمستكين القيصري من بغداد لتصلح الأحوال، فأخرج إلى النهروان في ربيع سنة ست وتسعين وأربعمائة وعاد صدقة إلى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ولحق القيصري بواسط، وخطب بها لمحمد فسار إليه صدقة وأخرجه وجاء أبو الغازي واتبعوا القيصري واستأمن إلى صدقة فأكرمه وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط، وبعده لصدقة وأبي الغازي. وولى كل واحد منهما ولده على واسط، وذهب أبو الغازي إلى بغداد وعاد صدقة إلى الحلة، وأرسل ابنه منصورا مع أبا الغازي إلى المستنصر ليستظهر رضاه فرضي عنه. ثم استولى صدقة على هيت، وكان بركيارق أقطعها لبهاء الدولة توران بن تهيبة وكان مقيما في جماعة من بني عقيل عند صدقة. ثم تشاجرا ومال بنو عقيل إلى صدقة، وحج عقب ذلك، ورجع فوكل به صدقة. وبعث ابنه دبيس ليتسلم هيت فمنعه نائب توران بها، وهو محمد بن رافع بن رفاع بن منيعة بن مالك بن المقلد. فلما أخذ صدقة واسطا سار إلى هيت وبها منصور بن كثير نائبا عن عمه توران، فلقي صدقة وحاربه. ثم انتقض جماعة من أهل البلد وفتحوا لصدقة فملكها، وخلع على منصور وأصحابه وعاد إلى الحلة. واستخلف على هيت ابن عمه ثابت بن كامل. ثم اصطلح السلطان محمد وبركيارق وسار صدقة في شوال إلى واسط فملكها وأخرج الترك الذين كانوا بها وأحضر مهذب الدولة بن أبي الخير فضمنه البلد لثلاثة أشهر بقيت من السنة بخمسين ألف دينار وعاد إلى الحلة.

استيلاء صدقة بن مزيد على البصرة

كانت البصرة منذ سنين في ولاية إسماعيل بن أرسلان جق من السلجوقية، أقام فيها عشر سنين وعظم تمكنه للخلاف الواقع بين بركيارق ومحمد. وكان يظهر طاعة صدقة ٤/٣٦٣

وموافقته. فلما صفا الأمر لمحمد رغب إليه صدقة في إبقائه فابقاه. وبعث السلطان محمد عاملا على خاصة البصرة فمنعه إسماعيل، فأمر السلطان صدقة بأخذ البصرة منه. وأظهر منكبرس الخلاف فشغلوا عن البصرة، وبعث إليه صدقة بتسليم الشرطة إلى مهذب الدولة بن أبي الخير فمنع من ذلك، فسار صدقة إليه، وحصن إسماعيل القلاع التي استجدها حوالي البصرة، واعتقل وجوه البلد من العباسيين والعلويين، والقاضي والمدرس والأعيان، وحاصرها صدقة وخرج إسماعيل لقتاله، وخالفه طائفة من أصحاب صدقة إلى مكان آخر من البلد فاقتحموها، وانهزم إسماعيل إلى قلعة الجزيرة فامتنع بها، ونهبت البلد. وانحدر المهذب بن أبي الخير في السفن فأخذ القلعة التي كانت لإسماعيل بمطارا. ثم استأمن إسماعيل إلى صدقة فأمنه. وجاء صدقة فأمن أهل البصرة ورتب عندهم شحنة، وعاد إلى الحلة منتصف تسع وتسعين وأربعمائة لستة عشر يوما من مقامه بالبصرة. وسار إسماعيل نحو فارس فطرقه المرض في رامهرمز ومات وكان صدقة قد استعمل على البصرة مملوك جده دبيس، واسمه اليونشاش ورتب معه مائة وعشرين فارسا، فاجتمعت ربيعة والمتقن وقصدوا البصرة فدخلوها بالسيف، وأسروا اليونشاش وأقاموا بها شهرا ينهبون ويخربون، وبعث صدقة عسكرا فوصل بعد خروجهم من البلد فانتزع السلطان البصرة من صدقة وبعث إليها شحنة وعميدا واستقام أمرها.

استيلاء صدقة على تكريت

كانت تكريت لبني معن من بني عقيل، وكانت إلى آخر سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن معن، فلما مات وليها ابن أخيه أبو منعة بن ثعلب بن حماد ووجد بها خمسمائة ألف دينار. وتوفي سنة خمس وثلاثين، ووليها ابنه أبو غشام إلى سنة أربع وأربعين فوثب عليه أخوه عيسى فحبسه وملك القلعة والأموال. فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين صالحه على بعض المال فرحل عنه، ومات عيسى إثر ٤/٣٦٤

ذلك وخافت زوجته من عود أخيه أبي غشام إلى الملك فقتله في محبسه. وولت على القلعة أبا الغنائم بن المجلبان فسلمها إلى أصحاب طغرلبك، وسارت هي إلى الموصل فقتلها ابن أبي غشام بأبيه. وأخذ مسلم بن قريش مالها. وولى طغرلبك على قلعة تكريت أبا العباس الرازي، فمات لستة أشهر، فولي عليها المهرباط وهو أبو جعفر محمد بن غشام من بلد الثغر، فأقام بها إحدى وعشرين سنة، ومات فوليها ابنه سنتين، وأخذتها من تركمان خاتون وولت عليها كوهوايين الشحنة. ثم مات ملك شاه فملكها قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب، فلما قتل صارت للأمير كمستكين الجاندار، فولى عليها رجلا يعرف بأبي نصر المصارع، ثم عادت إلى كوهوايين إقطاعا. ثم أخذها منه محمد الملك الباسلاني فولى عليها لمقا بن هزارشب الديلمي وأقام بها اثنتي عشرة سنة، فظلم أهلها، وأساء السيرة، فلما أجاز به سقمان بن ارتق سنة ست وتسعين وأربعمائة فنهبها، وكان كيقباد ينهبها ليلا وسقمان ينهبها نهارا. فلما استقر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر البرسقي شحنة بغداد، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى ضاق على كيقباد الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه، فسار إليها في صفر من هذه السنة، وتسلمها منه. وانحدر البرسقي ولم يملكها ومات كيقباد بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام، وكان عمره ستين سنة، واستناب صدقة ورام بن أبي قريش بن ورام وكان كيقباد ينسب الى البطانية.

الخلف بين صدقة وصاحب البطيحة

قد كنا قدمنا أن السلطان محمدا أقطع صدقة بن مزيد مدينة واسط، فضمنها صدقة ٤/٣٦٥

لمهذب الدولة بن أبي الخير، وولى في أعمالها أولاده، فبذروا الأموال، وطالبه صدقة عند انقضاء السنة بالمال وحبسه. وسعى في خلاصه بدران بن صدقة، وكان صهرا لمهذب الدولة، وأعاده إلى البطيحة. وضمن حماد والمختم محمد والد مهذب الدولة كانا أخوين وهما ابنا أبي الخير وكانت لهما رياسة قومهما. وهلك المصطنع وقام ابنه أبو السيد المظفر والد حماد مقامه. وهلك المختم محمد وقام ابنه مهذب الدولة مقامه، ونازعا إبراهيم صاحب البطيحة حتى غلبه مهذب الدولة وقبض عليه، وسلمه إلى كوهوايين، فحمله إلى أصفهان فهلك في الطريق. وعظم أمر مهذب الدولة وصير كوهوايين أمير البطيحة، وصارت جماعته لحكمه. وكان حماد شابا، وكان مهذب الدولة يداريه بجهده، وهو يضمر نقضه، فلما مات كوهوايين انتقض حماد عن مهذب الدولة وأظهر ما في نفسه، واجتهد مهذب الدولة في استصلاحه، فلم يقدر وجمع ابنه القيسر وقصد حمادا فهرب إلى صدقة بالحلة، وبعث معه مددا من العسكر. وحشد مهذب الدولة وسار في العساكر برا وبحرا.

وأكمن حماد لهم وأصحابه واستطردوا بين أيديهم. ثم خرجت عليهم الكمائن فانهزموا. وأرسل حماد يستمد صدقة فبعث إليه مقدم جيشه، وجمعوا السفن وكان مهذب الدولة جوادا، فبعث إلى مقدم الجيش بالإنعامات والصلات فمال إليه، وأشار عليه أن يبعث ابن النفيس إلى صدقة فرضي عنه وأصلح بينه وبين حماد ابن عمه، وذلك آخر المائة الخامسة.

مقتل صدقة وولاية ابنه دبيس

كان صدقة بن منصور بن مزيد شيعة للسلطان محمد بن ملك شاه على أخيه بركيارق، ومن أعظم أنصاره. ولما هلك بركيارق واستبد السلطان محمد بالملك رعى ٤/٣٦٦

وسائله في ذلك، وأقطعه واسطا وأذن له في ملك البصرة، وأنزله منزل المصافاة حتى كان يجبر عليه. وسخط مرة على سرخاب بن كيخس صاحب سارة فلجأ إليه مستجيرا به فأجاره، وطلبه السلطان فمنعه. وكان العميد أبو جعفر يستبد له السلطان لكثرة السعاية، ويغريه به وينكر دالته وتبسطه فتعين السلطان وسار إلى العراق وأرسل إلى صدقة فاستشار صدقة أصحابه فأشار ابنه دبيس بملاطفته واستعطافه بالهدايا، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيشه بالمحاربة، فجنح إلى رأيه واستطال في الخطاب وجمع الجند وأفاض فيهم العطاء واعترضهم فكانوا عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل. وبعث إليه المستظهر مع علي بن طراد الزيني نقيب النقباء يعظه في المخالفة، ويحضه على لقاء السلطان، فاعتذر بالخوف منه ثم بعث إليه السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي ليؤمنه، ويستنفره لجهاد الفرنج في جملته فامتنع، ووصل السلطان إلى بغداد في ربيع من سنة إحدى وخمسمائة، ومعه وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك، فقدم البرسقي شحنة بغداد في جماعة من الأمراء فنزلوا بصرصر مسلحة لقلة عسكر السلطان. وإنه إنما جاء في ألفي فارس للإصلاح والاستئلاف، فلما تبين له لجاج صدقة أرسل إلى الأمراء بأصفهان بأن يستجيشوا ويقدموا، فكتب صدقة إلى الخليفة بالمقاربة وموافقة السلطان. ثم رجع صدقة عن رأيه، وقال: إذا رحل السلطان عن بغداد مددته بالأموال والرجال لجهاده. واما الآن عساكره متصلة فلا وفاق عندي، وقد أرسل إلى جاولي سكاوو، وصاحب الموصل وإيلغازي بن أرتق صاحب ماردين بالانتقاض على السلطان وأيس السلطان من استقامته. ووصل إليه ببغداد قراوش شرف الدولة وكروباوى بن ٤/٣٦٧

خراسان التركماني، وأبو عمران فضل بن ربيعة بن خادم بن الجرج الطائي، وكان آباؤه أصحاب البلقاء وبيت المقدس، ومنهم حسان بن مفرج، وطرده كفرتكين أتابك دمشق لما كان عليه من الأجلاب تارة مع الفرنج، وتارة مع أهل مصر.

فلجأ إلى صدقة وقبله وأكرمه، وأجزل له العطاء سبعة آلاف دينار. فلما كانت هذه الحادثة رغب عن صدقة وسار في طلائعه فهرب إلى السلطان فخلع عليه وعلى أصحابه، وسوغه دار صدقة عن الهروب. وأذن له فعبر من الأنبار وكان آخر العهد به. ثم أنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط، الأمير محمد بن بوقا التركماني فملكها وأخرج منها أصحاب صدقة، وأنفذ خيله إلى بلد قوسان من أعمال صدقة، فنهبه وأقام أياما، حتى بعث صدقة ابن عمه ثابت بن سلطان في عسكر، فخرج منها الأمير محمد وملكها ثابت. وأقاموا على دجلة وخرج ثابت لقتالهم فهزموه واقتحموا البلد، ومنعهم الأمير محمد من النهب ونادى بالأمان، وأمر السلطان الأمير محمدا بنهب بلاد صدقة، فسار إليها وأقطع مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي ثم سار السلطان من بغداد آخر رجب ولقيه صدقة واشتد القتال وتخاذلت عنه عبادة وخفاجة. ورفع صوته بالابتهال بالناشرة بالعرب، ورغب الأكراد بالمواعد، ثم غشيه الترك فحمل عليهم وهو ينادي: أنا ملك العرب أنا صدقة فأصابه سهم أثبته وتعلق به غلام تركي يسمى برغش فجذبه إلى الأرض. فقال: يا برغش: ارفق فقتله وحمل رأسه إلى السلطان فأنفذه إلى بغداد، وأمر بدفن شلوه. وقتل من أصحابه ثلاثة آلاف أو يزيدون، ومن بني شيبان نحو مائة، وأسر ابنه دبيس، ونجا ابنه بدران إلى الحلة، ومنها إلى البطيحة عند صهره مهذب الدولة، وأسر سرجان بن كيخسرو والمستجير بصدقة على السلطان، وسعيد بن حميد العمدي صاحب الجيش. وكان مقتل صدقة لإحدى وعشرين سنة من إمارته وهو الذي بنى الحلة بالعراق، وكان قد عظم شأنه وعلا قدره بين الملوك، وكان جوادا حليما صدوقا عادلا في رعيته. وكان يقرأ ولا يكتب، وكانت له خزانة كتب منسوبة الخط ألوف مجلدات، ورجع السلطان إلى بغداد من دون الحلة، وأرسل أمانا لزوج صدقة فجاءت إلى بغداد، وأمر السلطان الأمراء بتلقيها، وأطلق لها ولدها دبيسا، واعتذر ٤/٣٦٨

لها من قتل صدقة، واستحلف دبيسا على الطاعة، وأن لا يحدث حدثا. وأقام في ظله وأقطعه السلطان إقطاعا كثيرا. ولم يزل دبيس مقيما عند السلطان محمد إلى أن توفي، وملك ابنه محمود سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فرغب دبيس من السلطان محمود أن يسرحه إلى بلده، فسرحه، وعاد إليها فملكها واجتمع عليه خلق كثير من العرب والأكراد واستقام أمره.

خبر دبيس مع البرسقي ومع الملك مسعود

لما توفي الخليفة المستظهر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وبويع ابنه المسترشد خاف ابنه الآخر من غائلة أخيه وانحدر في البحر إلى المدائن، وسار منها إلى الحلة فأبى أن يكرهه فتلطف علي بن طراد لأخي الخليفة فأجاب، وتكفل دبيس بما يطلبه، وبينما هو في خلال ذلك برز البرسقي من بغداد مجلبا على دبيس الجموع، وسار أخو الخليفة إلى واسط فملكها في صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقوي أمره وكثرت جموعه فبعث الخليفة إلى دبيس في شأنه، وأنه خرج عن جواره فلقي أمره بالطاعة، وبعث إليه وهو بواسط عسكرا من قبله فتلقاه وقبض عليه، وبعثه إلى أخيه المسترشد. وكان مسعود أخو السلطان محمد بالموصل ومعه أتابكه حيوس بك ، فاعتزما على قصد العراق لغيبة السلطان محمود عنه، فسار لذلك ومعه وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس، وقسيم الدولة زنكي بن آق سنقر أبو المعالي أبو الملك العادل، وكروباوي بن خراسان التركماني صاحب البواريح وأبو الهيجاء صاحب إربل وصاحب سنجار، فلما قاربوا بغداد خاف البرسقي شأنهم وبعث إليه الملك مسعود وحيوس بك أنهم إنما جاءوا نجدة على دبيس. وكان البرسقي إنما ارتاب من حيوس بك فصالحهم، ودخل مسعود بغداد ونزل دار المملكة. وجاء منكبرس في العساكر فسار البرسقي عن بغداد لمحاربته ودفاعه فمال إلى النعمانية، وعبر دجلة واجتمع مع دبيس بن صدقة. وكان دبيس قد صانع مسعودا وصاحبه بالهدايا والألطاف مدافعة عن نفسه، فلما لقيه منكبرس اعتضد به، وسار الملك مسعود ٤/٣٦٩

والبرسقي وحيوس بك الى المدائن للقائهما. ثم خاموا عن لقائهما لكثرة جموعهما، ونكبوا عن المدائن وعبروا نهر صرصر، وأكثروا النهب في تلك النواحي من الطائفتين.

وبعث إليهم المسترشد بالموعظة ويأمرهم بالموادعة والمصالحة فأجابوا إلى ذلك. ثم بلغهم أن دبيسا ومنكبرس قد بعثا العساكر مع منصور أخي دبيس وحسين بن أوزبك ربيب منكبرس ليخالفوهم إلى بغداد فخلوها من الحامية، فأغذ البرسقي السير إلى بغداد وترك ابنه عز الدين مسعود على العسكر وصحبه عماد الدين زنكي بن آق سنقر وانتهى إلى ديالى، ومنع العسكر من العبور. ثم جاءه الخبر ليومين بصلح الفريقين كما أشار الخليفة ففتر نشاطه وعبر إلى الجانب الغربي من بغداد. وجاء في أثره منصور أخو دبيس وحسين ربيب منكبرس فنزلا في الجانب الشرقي من بغداد. وأغار البرسقي على نعم الملك مسعود فأخذها، وعاد فخيم بجانب آخر من بغداد، وخيم مسعود وحيوس بك من جانب آخر ودبيس ومنكبرس من جانب ومعهما عز الدولة بن البرسقي منفردا عن أبيه. وكان حيوس بك قد بعث إلى السلطان محمود بطلب الزيادة له وللملك مسعود فجاء كتاب مع رسوله يذكر أن السلطان كان أقطعهم أذربيجان، حتى إذا بلغه مسيرهم إلى بغداد تثاقل عن ذلك، وقد جهز العساكر إلى الموصل. ووقع الكتاب بيد منكبرس فبعث إلى حيوس بك وضمن له إصلاح الحال. وكان يؤثر مصلحته إذ كان متزوجا بأمه فتم الصلح وافترق عن البرسقي أصحابه، وبطل ما كان يحدث به نفسه من الاستبداد بالعراق. وصار مع الملك مسعود واستقر منكبرس شحنة ببغداد، ورجع دبيس الى الحلة.

فتنة دبيس مع السلطان محمود واجلاؤه عن بغداد ثم معاودته الطاعة

كان دبيس بن صدقة كثيرا ما يكاتب حيوس بك أتابك الملك مسعود، ويعريهم بطلب السلطنة ويعدهم بالمساعدة ليحصل له بذلك علو اليد كما كان لأبيه مع بركيارق ومحمد ابني ملك شاه. وكان قسيم الدولة البرسقي شحنة بغداد قد سار للملك مسعود، وأقطعه مراغة مع الرحبة. وكانت بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة فأغراهم دبيس بالقبض عليه، ففارقهم البرسقي إلى السلطان محمود فأكرمه. ثم ٤/٣٧٠

اتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصفهاني الطغرائي بالملك مسعود، وكان ولده أبو المؤيد محمد يكاتب الطغرائي عن الملك مسعود. فلما وصل أبوه عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس واستوزره. وحسن لهم ما أشار به دبيس فعزموا عليه. ونمي الخبر إلى السلطان محمود فكاتبهم بالوعيد فأظهروا أمرهم وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، وضربوا له النوب الخمس. وبلغهم أن عساكر محمود متفرقة فأغذوا السير لمحاربته، والتقوا عند عقبة أستراباد في ربيع سنة أربع عشرة، وأبلى البرسقي وكان في مقدمته. ثم انهزم مسعود وأمر كثير من أصحابه، وجيء بالوزير أبي إسماعيل الطغرائي فأمر بقتله لسنة من ولايته، وكان حسن الكتابة والشعر وله تصانيف في صنعة الكيمياء. وسار مسعود يطلب الموصل بعد أن استأمن البرسقي وأدركه فرده إلى أخيه، وعفا عنه وعطف عليه. ولحق حيوس بك بالموصل. ثم بلغه فعل السلطان محمود ومعه ألف سفينة لعبوره، فبادر دبيس لطلب الأمان بعد أن أرسل حرمه إلى البطيحة. وسار بأمواله عن الحلة وأمر بنهبها. ولحق بأبا الغازي بن أرتق بماردين، ووصل السلطان إلى الحلة فوجدها خاوية على عروشها فرجع عنها. وأرسل دبيس أخاه منصورا من قلعة صفد في عسكر إلى العراق فمر بالحلة والكوفة، وانحدر إلى البصرة وبعث إلى برتقش الزكوي في صلاح حالهما مع السلطان محمود فقبض على منصور أخي دبيس وولده، وحبسهما ببعض القلاع حذاء الكرخ. ثم أذن دبيس لجماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط فمنعهم أتراك واسط، فبعث إليهم عسكرا مع مهلهل بن أبي العسكر، وأمر مظفر بن أبي الخير فساعده، واستمد أهل واسط البرسقي فأمدهم بعسكر. وسار مهلهل للقائهم قبل مجيء المظفر فهزم وأخذ أسيرا في جماعة من أصحابه. وأصعد المظفر من البطيحة ينهب ويفسد حتى قارب واسط. وسمع بالهزيمة فأسرع منحدرا ووقع على كتاب بخط دبيس إلى مهلهل يأمره بالقبض على مظفر بن أبي الخير، ومطالبته بالأموال، فبعثوا به إلى المظفر. وسار معهم وبلغ دبيسا أن السلطان كحل أخاه فلبس السواد، ونهب البلاد، وأخذ للمسترشد بنهر الملك، وأجفل الناس إلى بغداد وسار عسكر واسط إلى النعمانية، فأوقعوا بمن لك من عساكر دبيس وأجلوهم ٤/٣٧١

عنها. وكان دبيس قد أسر في واقعة البرسقي عفيفا خادم الخليفة فأطلقه، وحمله إلى المسترشد عقابا ووعيدا على كحل أخيه فغضب الخليفة، وتقدم إلى البرسقي بالخروج لحرب دبيس، وخرج بنفسه في رمضان سنة عشرة وخمسمائة وأتاه سليمان ابن مهارش من الحديثة في جماعة من بني عقيل وقريش بن مسلم صاحب الموصل في كافة بني عقيل. وأمر المسترشد باستنفار الجند كافة، وفرق فيهم الأموال والسلاح، وجاء دبيسا ما لم يكن يحتسبه فرجع إلى الاستعطاف وبرز الخليفة آخر ذي الحجة، وعبر دجلة وهو في أكمل زيه، ومعه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك ونقيب الطالبيين ونقيب النقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل. وبلغ البرسقي مسير المسترشد فعاد إلى خدمته ونزل معه بالحديثة. ثم سار إلى الموصل على سبيل التعبية والبرسقي في المقدمة، وعبى دبيس أصحابه صفا واحدا. وجعل الرجالة بين يدي الخيالة. وقد كان وعد أصحابه بنهب بغداد وسبي حريمها، فالتقى الفريقان فانهزم عسكر دبيس وأسر جماعة من أصحابه فقتلوا صبرا وسبيت حرمه، ورجع المسترشد إلى بغداد يوم عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمائة. ونجا دبيس وعبر الفرات، وقصد غزنة من عرب نجد مستنصرا بهم فأبوا عليه، فسار إلى المنتقى وحالفهم على أخذ البصرة فدخلوا ونهبوا أهلها، وقتل مقدم عسكرها.

وبعث المسترشد إلى البرسقي بالعتاب على إهمال أمر البصرة، فتجهز البرسقي للانحدار إليها ففارقها دبيس، ولحق بقلعة حعبر وصار مع الفرنج وأطمعهم في حلب وسار معهم لحصارها سنة ثمان عشرة وخمسمائة فامتنعت عليهم فعادوا عنها، ولحق هو بالملك طغرلبك ابن السلطان بن محمد فأغراه بالمسير إلى العراق كما نذكر.

مسير دبيس إلى الملك طغرل

لما سار دبيس من الشام إلى الملك طغرل بأذربيجان تلقاه بالمبرة والتكرمة، وأنظمه في خواصه ووزرائه. وأغراه دبيس بالعراق، وضمن له ملكه فسار معه لذلك، وانتهوا ٤/٣٧٢

إلى دقوقا في عساكر كثيرة. وكتب مجاهد الدين مهروز صاحب تكريت إلى المسترشد بالخبر فتجهز لمدافعتهم، وجمع العساكر فبلغوا اثني عشر ألف فارس، وبرز من بغداد في صفر سنة تسع عشرة وخمسمائة وفي مقدمته برتقش الذكوي ونزل الخالص. وانتهى إلى طغرل خروج المسترشد فعدل إلى طريق خراسان ونزل جلولاء، وتفرق أصحابه للنهب. وبرز إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في عسكر كبير فنزل الدسكرة، ولحقه المسترشد وكان معه. ورحل طغرل ودبيس إلى الهارونية.

ثم سارا إلى تامرا ليقطعا جسر النهروان فحفظ دبيس المعابر، وتقدم طغرل إلى بغداد وتملكها ونهبها. ثم رحل دبيس من تامرا وأقام طغرل لحمى أصابته، وحالت بينهما الأمطار والسيول. ثم أخذ دبيس ثقلا جاء للخليفة فيه ملبوس وطعام كثير، وكان لحقه الجوع والتعب والبرد فأخذ من ذلك الملبوس ولبسه، وأكل من الطعام كثيرا.

واستقبل الشمس فأخذه النوم ورقد. وأما الخليفة لما بلغه الخبر بأخذ الثقل رجع إلى بغداد، ففي حال سيره عثر على دبيس وهو نائم فوقف وأيقظه، فحل عينيه ورأى الخليفة فبادر بتقبيل الأرض على العادة، وسأل العفو، فرق له الخليفة وثناه الوزير ابن صدقة عن ذلك، ووقف دبيس إزاء عسكر برتقش يحادثهم. ثم مدوا الجسر آخر النهار للعبور فتسلل دبيس عنهم، ولحق بالملك طغرل، وسار معه إلى عمه الملك سنجر، وعاثوا في أعمال همذان واتبعهم السلطان محمود فلم يظفر بهم.

مسير دبيس الى السلطان سنجر

لما أيس طغرل من ملك العراق عند ما سار إليه مع دبيس عاد منه، وسار هو ودبيس إلى السلطان سنجر، وهو يومئذ صاحب خراسان، والمتقدم على بني ملك شاه، فشكى إليه طغرل ودبيس من المسترشد، وبرتقش الشحنة، ووعدهم النصفة منهم.

ثم داخله دبيس وأطمعه في ملك العراق. وخيل له أن المسترشد والسلطان محمود متفقان على مباعدته، ولم يزل يفتل له في الذروة والغارب حتى حرك حفيظته ٤/٣٧٣

لذلك، وسار إلى العراق سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فوصل إلى الري، واستدعى السلطان محمودا من همذان يختبر ما خيل له دبيس. فجاء محمود مبادرا وأكذب دبيسا فيما خيل. وأمر السلطان سنجر العساكر بتلقي السلطان محمود، وأجلسه معه على التخت. وأقام عنده إلى آخر سنة اثنتين وعشرين ثم عاد إلى خراسان وأوصاه بإعادة دبيس إلى بلده، فرجع السلطان محمود إلى همذان ودبيس معه. ثم سار إلى بغداد في محرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة وأنزل دبيس بداره، واسترضى له الخليفة فرضي عنه، وامتنع من ولايته، وبذل دبيس مائة ألف دينار لذلك فلم يقبله، وعاد السلطان محمود إلى همذان منتصف السنة.

فتنة دبيس مع محمود واسره

كانت زوجة السلطان محمود وهي ابنة عمه سنجر تعين بأمر دبيس، فماتت عند رحيل السلطان إلى همذان فانحل أمره. ثم مرض السلطان فأخذ دبيس ابنه الصغير، وقصد العراق فجمع المسترشد لمدافعته. وكان بهروز شحنة بغداد بالحلة فهرب عنها، وملكها دبيس في رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وبلغ الخبر إلى السلطان محمود، فأحضر الأمير ابن قزل والأحمديلي، وكانا ضمنا دبيس فطالبهما بالضمان فسار الاحمديلي في أثره. وجاء السلطان إلى العراق فبعث إليه دبيس بهدايا عظيمة كان فيها مائتا ألف دينار، وثلاثمائة فرس بسروج مثقلة بالذهب. ثم جاء إلى البصرة ونهبها وأخذ ما في بيوت الأموال. وبعث السلطان في أثره العساكر فدخل البرية، وجاءه عند مفارقته البصرة قاصدا من صرصر يستدعيه، وكان صاحبها خصيا فتوفي في هذه السنة، وخلف سرية له فاستولت على القلعة، وأرادت أن تتم أمرها برجل له قوة ونجدة فوصف لها دبيس، وحاله في العراق وكثرة عشيرته، فكتبت تستدعيه لتتزوج به، وتملكه القلعة بما فيها فلحقه الكتاب بعد مفارقته البصرة. وقفل من العراق إلى الشام ومعه الأدلاء ومر بدمشق فحبسه واليها عنده، وبعث فيه عماد الدين زنكي، وكان عدوه. وكان عنده ابن تاج الملوك مأسورا في واقعة كانت بينهما، فطلب أن يبعث إليه دبيس، ويفادي به ابنه والأمراء الذين معه ففعل ذلك تاج الملوك، وحصل دبيس في يد زنكي، وقد أيقن بالهلاك فأطلقه زنكي وحمل له ٤/٣٧٤

الأموال والدواب والسلاح وخزائن الأمتعة كما يفعل مع أكابر الملوك. وبلغ المسترشد خبره فبعث سديد الدين بن الأنبار يطلبه من تاج الملوك فسار لذلك من جزيرة ابن عمر، وبلغه في طريقه أنه بعثه إلى زنكي وأنه فاته القصد منه.

مسير دبيس الى بغداد مع زنكي وانهزامهما

لما توفي السلطان محمود سنة خمس وعشرين وخمسمائة وولي بعده داود، ونازعه عمومته مسعود وسلجوق، ثم استقرت السلطة لمسعود، وكان أخوهما طغرل عند عمه سنجر بخراسان، وكان كبير بيت أهل السلجوقية، وله الحكم على ملوكهم فنكر على السلطان محمود لقتاله سلجوق وطغرل، وسار به إلى العراق، وانتهى الى همذان.

وبعث إلى عماد الدين زنكي فولاه شحنة بغداد، وإلى دبيس بن صدقة وهو عند زنكي فأقطعه الحلة وتجهز السلطان محمود لقتال سنجر وطغرل، واستدعى الخليفة للحضور معه فخرج من بغداد وعاجلهم، ورجع المسترشد إلى بغداد وقد سمع بوصول زنكي ودبيس إليها ولقيهم بالعباسية فهزمهم، وقتل من عسكرهم ودخل بغداد وسار دبيس إلى بلاد الحلة. وكانت بيد أقيال خادم المسترشد فبعث إليها بالمدد فهزموا دبيس ونجا من المعركة. ثم جمع جمعا وقصدوا واسط وانضم إليه عسكرها وابن أبي الخير صاحب البطيحة، وملكها إلى سنة سبع وعشرين وخمسمائة فبعث أقيال الخادم وبرتقش الشحنة العساكر إلى دبيس فلقيهم في عسكر واسط، وانهزم وسار إلى السلطان مسعود فأقام عنده.

مقتل دبيس وولاية ابنه صدقة

لم يزل دبيس مقيما عند السلطان مسعود إلى أن حدثت الفتنة بينه وبين المسترشد، ومات أخوه طغرل كما هو مذكور في أخبارهم. وسار مسعود إلى همذان بعد موت أخيه طغرل فملكها، وفارقه جماعة من أعيان أمرائه، ومعهم دبيس بن صدقة مستوحشين منه. واستأمنوا للخليفة فحذر من دبيس، ولم يقبلهم فمضوا إلى ٤/٣٧٥

خوزستان، واتفقوا مع برسق بن برسق. ثم تدارك الخليفة رأيه وبعث إلى الأمراء الذين مع دبيس بالأمان، وكانوا لما ردهم الخليفة بسبب دبيس أجمعوا القبض عليه، وخدمة الخليفة به. وشعر بهم وهرب إلى السلطان مسعود. وبرز الخليفة من بغداد في رجب من سنة تسع وعشرين وخمسمائة لقتال مسعود، وكتب إليه أكثر أهل الأعمال بالطاعة. وأرسل إليه داود ابن السلطان محمود من أذربيجان بأن يقصد المسترشد الدينور ليحضر داود حربه فأبى، وسار على التعبية حتى بلغ وأعرج فالتقوا هنالك. وانهزمت عساكر المسترشد وأخذ أسيرا ومعه وزيره شرف الدين علي بن طراد، وقاضي القضاة، وابن الأنباري، وجماعة من أعيان الدولة. وغنم ما في عسكره وعاد السلطان إلى بغداد. وبعث الأمير بكاية شحنة إلى بغداد، وكثر العويل والبكاء والضجيج ببغداد على الخليفة، وجعل الخليفة في خيمة ووكل به، وراسله السلطان مسعود في الصلح، وشرط عليه مالا يؤديه، ولا يجمع العساكر ولا يخرج من داره ما بقي، وانعقد ذلك بينهما. وبينما هما في ذلك وصل رسول السلطان سنجر فركب السلطان مسعود للقائه، وافترق المتوكلون بالمسترشد فدخل عليه خيمته آخر ذي القعدة من سنة تسع وعشرين وخمسمائة جماعة الباطنية، وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه. ولما قتل المسترشد اتهم السلطان مسعود أن دبيس بن صدقة دس أولئك النفر عليه فأمر بقتله، وقصده غلام فوقف على رأسه عند باب خيمته، وهو ينكث الأرض بإصبعه فأطار رأسه وهو لا يشعر. وبلغ الخبر إلى ابنه صدقة وهو بالحلة، فاجتمعت إليه عساكر أبيه ومماليكه، واستأمن إليه الأمير قطلغ تكين وأمر السلطان مسعود الشحنة بك آيه بمعاجلته، وأخذ الحلة من يده إلى أن قدم السلطان بغداد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فقصده صدقة وأصلح حاله معه ولزم بابه.

مقتل صدقة وولاية ابنه محمد

ولما قتل المسترشد ولي ابنه الراشد بإشارة السلطان مسعود، ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان مسعود، وأغراه بها عماد الدين زنكي صاحب الموصل، ومعه الراشد. ٤/٣٧٦

وبايع السلطان مسعود للمقتفي سنة ثلاثين وخمسمائة وخلع الراشد ففارق الموصل، وسار الأمراء الذين كانوا مع داود إلى السلطان مسعود، ورضي عنهم. ورجع إلى همذان وأذن للعساكر في العود إلى بلادهم، وتمسك بصدقة بن دبيس وزوجه ابنته. وسار الراشد من الموصل إلى أذربيجان قاصدا الملك، واجتمع إليه صاحب فارس وخوزستان وجماعة الأمراء، فسار إليهم السلطان مسعود وهزمهم. وأخذه صاحب فارس الأمير منكبرس فقتله صبرا. وتسلل صاحب خوزستان وعبد الرحمن طغايرك صاحب خلخال إلى السلطان مسعود وهو في خف من الناس فحملوا عليه وهزموه، وقبضوا على جماعة من الأمراء الذين معه فقتلهم منكبرس فيهم صدقة بن دبيس وعنبر بن أبي العسكر. وذهب داود إلى همذان فملكها، واستقال السلطان مسعود من عثرته، وولى على الحلة محمد بن دبيس، وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا نمير بربره، واستقام أمره بالحلة، وكان من شأن الراشد والسلجوقية ما نذكره في أخبارهم.

تغلب علي بن دبيس على الحلة وملكه إياها من أخيه محمد

ثم خرج على السلطان مسعود سنة ست وأربعين وخمسمائة بوزابة صاحب فارس وخوزستان وبايع للسلطان محمد ابن السلطان محمود، وسار معهم عباس صاحب الري، وملكوا كثيرا من البلاد، فسار السلطان مسعود إليهم من بغداد واستخلف بها الأمير مهلهل ابن أبي العسكر ونظر الخادم، وأشار مهلهل على السلطان مسعود عند رحيله من بغداد أن يحبس علي بن دبيس بقلعة تكريت. ونمي إليه الخبر فهرب في نفر قليل، ومضى إلى بني أسد فجمعهم فسار الى الحلة فبرز إليه محمد أخوه فهزمه علي، وملك الحلة واستهان السلطان أمره أولا فاستفحل وضم إليه جمعا من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم، وكثر جمعهم فسار إليه مهلهل فيمن معه في بغداد من العسكر، وضربوا عليه مصافا وكسرهم، وعادوا منهزمين إلى بغداد. وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس فكانوا يعيطون إذا ركب مهلهل أو بعض أصحابه يا علي كله. فكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب، ويد علي فوق كل يد ٤/٣٧٧

في أوضاع الأمراء بالحلة وتصرف فيها وصار شحنة بغداد ومن فيها على وجل منه، ووضع الخليفة الحامية على الأسوار وأرسل إلى علي يحضه على الاستقامة فأجاب بالآمال والطاعة فسكن الناس.

أخذ السلطان الحلة من يد علي وعوده اليها

كان علي بن دبيس كثير العسف بالرعية والظلم لهم، وارتفعت شكوى الرعية به إلى السلطان مسعود سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فأشكاهم، وأقطع الحلة سلاركرد فسار إليها من همذان. وجمع عسكرا من بغداد وقصد الحلة، واحتاط على أهل علي، وأقام بالحلة في مماليكه وأصحابه. ورجعت عنه العساكر ولحق علي بن دبيس بالتقشكنجر وكان في أقطاعه باللحف متجنيا على السلطان مسعود، فاستنجده علي فأنجده، وسار معه إلى واسط، وسار معهما الطرنطاي صاحب واسط فانتزعوا الحلة من سلاركرد ورجع إلى بغداد آخر اثنتين وأربعين، واستولى علي على الحلة.

نكبة علي بن دبيس

ثم انتقض على السلطان مسعود سنة أربع وأربعين وخمسمائة جماعة من الأمراء منهم التقشكنجر والطرنطاي وعلي بن دبيس، وبايعوا ملك شاه ابن السلطان محمود، وساروا به إلى العراق، وراسلوا المقتفي في الخطبة له فامتنع، وجمع العساكر وحصن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود بالخبر فشغل عنهم بلقاء عمه السلطان سنجر، كان سار إليه بالري. ولما علم التقشكنجر بذلك نهب النهروان وقبض على علي بن دبيس، وهرب الطرنطاي إلى النعمانية. ثم وصل السلطان مسعود إلى بغداد فرحل التقشكنجر من النهروان وأطلق علي بن دبيس فسار إلى السلطان مسعود فلقيه ببغداد واستعطفه فرضي عنه. ٤/٣٧٨

وفاة علي بن دبيس وانقراض بني مزيد

ثم توفي علي بن دبيس صاحب الحلة عليلا بسعدآباد، واتهم طبيبه محمد بن صالح بالادهان فيه فمات بعده بقليل. ثم مات السلطان مسعود آخر ملوك السلجوقية الأعاظم. وبويع ملك شاه ابن أخيه محمود بعهده. واستبد المقتفي على ملوك السلجوقية بعده. وبعث السلطان ملك شاه سلاركرد إلى الحلة فملكها، ولحق به مسعود بلاك شحنة بغداد، وهرب منها عند موت السلطان مسعود، وأظهر لسلاركرد الوفاق. ثم قبض عليه وغرقه، واستبد بالحلة، وبعث المقتفي إليه العساكر مع الوزير عون الدين بن هبيرة، فبرز مسعود بلاك للقائهم، فانهزم وعاد إلى الحلة فمنعه أهلها من الدخول، فسار إلى تكريت، وملك ابن هبيرة الحلة، وبعث العساكر إلى الكوفة وواسط فملكوها. ثم جاءت عساكر السلطان ملك شاه إلى واسط، وخرجت منها عساكر المقتفي إلى واسط فملكها، ثم إلى الحلة كذلك. ثم عاد إلى بغداد آخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، ثم قبض الأمراء على ملك شاه سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وبايعوا لأخيه محمد وطلب الخطبة من المقتفي فمنع منها، فسار السلطان محمد بن محمود إلى العراق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. واضطرب الناس ببغداد واهتم المقتفي بالاحتشاد، وجاءته عساكر واسط، وبعث السلطان مهلهل بن أبي العسكر إلى الحلة فملكها، وحاصر السلطان محمد بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وامتنعت عليه فرجع، وتوفي المقتفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة وبويع ابنه المستنجد، واستبد بأمره كما كان أبوه. ومنع خطبة السلجوقية من بغداد، وكان في نفسه شيء من بني أسد لاجلابهم على بغداد مع مهلهل بن أبي العسكر، أيام حصار السلطان محمد لها، فأمر بردن بن قماج بقتالهم وإجلائهم، وكانوا منتشرين في البطائح، ولا يقدر عليهم، وجمع عساكره وبعث عن ابن معروف مقدم المنتفق من أرض البصرة فجاءه في جمع كبير، وحاصرهم حتى انحسر الماء عنهم. وأبطأ أمرهم على المستنجد فبعث إلى بردن يعاتبه وينسبه إلى موافقتهم في التشيع فجهد هو وابن معروف في قتالهم، وسد مسالكهم في الماء، واستسلموا فقتل منهم أربعة آلاف، ونودي عليهم بالجلاء من الحلة فافترقوا في البلاد، ولم يبق منهم ٤/٣٧٩

بالعراق من يعرف، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف والمنتفق وانقرضت دولة بني مزيد والبقاء لله.

الخبر عن ملوك العجم القائمين بالدعوة العباسية في ممالك الإسلام والمستبدين على الخلفاء ونبدأ منهم أولا بدولة ابن طولون بمصر وبداية أمرهم ومصاير أحوالهم

قد تقدم لنا عند ذكر الفتوحات فتح مصر على يد عمرو بن العاص سنة عشرين من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإذنه، وولاه عليها، وافتتح ما وراءها في المغرب إلى طرابلس وودان وغذامس حسبما ذلك مذكور هنالك، وأقام عمرو في ولايتها أيام عمر كلها وولى عثمان على الصعيد عبد الله بن أبي سرح، وأفردها بالولاية، وكان يعدو على عمرو فغضب عمرو، وأبى من الرجوع إلى ولاية مصر، فضمها عثمان لعبد الله بن أبي سرح وولاه عليها. وكانت في أيامه غزوة الصواري، جاءت مراكب الروم من القسطنطينية في ألف مركب ونزلوا بسواحل الإسكندرية. وانتقض أهل القرى، ورغب أهل الإسكندرية من عثمان أن يمدهم بعمرو بن العاص فبعثه، وزحف إليهم في العرب ومعه المقوقس في القبط، وخرجوا من البحر ومعهم من انتقض من أهل القرى، ففتح الله على المسلمين، وهزموا الروم إلى الإسكندرية. وأمضى عمرو في قتلهم ورد على أهل القرى ما غنم المسلمون منهم، وعذرهم بالإكراه، ورجع إلى المدينة وأقام عبد الله في ولايتهم، وغزا إفريقية وافتتحها. ثم غزا بلد النوبة، ووضع عليهم الجزية المعروفة الباقية على الأيام وذلك سنة إحدى وثلاثين. ثم كان من بعد ذلك يبعث معاوية بن خديج فيفتح ويثخن إلى أن استملك فتح إفريقية. ووفد على عثمان آخر أيامه عند ما اهتاجت الفتنة، وكثر الطعن عليه من جماعة جند مصر يتعللون بالشكوى من ابن أبي سرح مع وفد من الجند شاكين من عمالهم بالأمصار. وعزله عثمان يسترضيهم به فكانت قضية الكتاب المنسوب إلى مروان وحصارهم عثمان بداره. وخرج عبد الله من مصر ٤/٣٨٠

مددا لعثمان فخالفه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى مصر وانتزى بها.

ورجع عبد الله من طريقه فمنعه الدخول فسار إلى عسقلان، وأقام بها حتى قتل عثمان. ثم سار إلى الرملة وكانت من مهماته فأقام بها هربا من الفتنة حتى مات، ولم يبايع عليا ولا معاوية. ثم قتل عمرو بن العاص محمد بن أبي حذيفة، وفي كيفية قتله إياه اضطراب. ثم ولى علي على مصر قيس بن سعد بن عبادة، وكان ناصحا له شديدا على عدوه، واستماله معاوية فأساء في الرد عليه. وأشاع معاوية خلاف ذلك عنه فعزله علي من أجل ذلك، وولى ذلك الأشتر النخعي، واسمه مالك بن الحرث بن يغوث بن سلمة بن ربيعة بن الحرث بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع. وسار إليها فمات بالقلزم قريبها منها سنة سبع وثلاثين، فولى علي مكانه محمد ابن أبي بكر، وكان نشأ في حجره. ثم بعث معاوية إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين قد اعتزل الناس بعد مقتل عثمان، واستماله واجتمع معه على قتال علي وولاه مصر فسار إليها بعد انقضاء أمر صفين وأمر الحكمين. وطلب معاوية الخلافة وقد اضطرب الأمر على محمد بن أبي بكر وخرج عليه معاوية بن خديج السكوني مع جماعة من العثمانية بنواحي مصر فكاتب عمرو العثمانية، وسرح الكتائب إلى مصر، وفي مقدمتها معاوية بن خديج فهزموا عساكر محمد، وافترق عنه أصحابه وقتل كما هو معروف في أخباره. ودخل عمرو بن العاص الفسطاط، وملك مصر، إلى سنة ثلاث وأربعين ومائة فتوفي، وملك مكانه ابنه عبد الله. ثم عزله معاوية وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان، وتوفي سنة أربع وأربعين وولى مكانه عقبة بن عامر الجهني، ثم عزله سنة سبع وأربعين ومائة وولى مكانه معاوية بن خديج. ثم اقتطع عنه إفريقية سنة خمسين وولى عليها عقبة بن نافع. ثم جمع مصر وإفريقية لمسلمة بن مخلد الأنصاري، فبعث مسلمة على إفريقية مولاه أبا المهاجر، وأساء عزل عقبة كما هو معروف. ثم مات معاوية وولي ابنه يزيد، واضطربت الأمور، وبويع عبد الله بن الزبير بمكة، وانتشرت دعوته في الممالك الإسلامية فبعث على مصر عبد الرحمن بن جحدم القرشي، وهو عبد الرحمن بن عقبة بن إياس بن الحرث بن عبد بن أسد بن جحدم الفهري، ثم بويع مروان وانتقض ابن الزبير وسار مروان الى ٤/٣٨١

مصر فأخرج منها عبد الرحمن بن جحدم وولى عليها عمر بن سعيد الأشدق. ثم بعثه للقاء مصعب بالشام، وولى مكانه على مصر ابنه عبد العزيز بن مروان. ثم هلك سنة خمس وكان مروان قد مات فولي مكانه ابنه عبد الله ابن عبد الملك . ثم عزله الوليد سنة تسع وثمانين وولى عليها مرة بن شريك بن مرثد بن الحرث العبسي، ومات سنة خمس وتسعين فولى الوليد مكانه عبد الملك بن رفاعة سنة تسع وتسعين، وكان قد استخلفه عند موته. ويقال بل ولي قبله أسامة بن زيد التنوخي. ثم عزل عمر بن عبد العزيز عبد الملك بن رفاعة سنة تسع وتسعين وولى مكانه أيوب بن شرحبيل بن أكرم بن أبرهة بن الصباح الأصبحي. ثم عزله يزيد بن عبد الملك، وولى مكانه بشر بن صفوان، وأقره يزيد، ثم عزله هشام بن عبد الملك وولى بن رفاعة وتوفي بعد خمس عشرة ليلة. واستخلف أخاه الوليد بن رفاعة، وأقره هشام فأقام سبعة أشهر، ثم عزله وولى حنظلة بن صفوان في المحرم سنة أربع وعشرين ومائة وأقره هشام. ثم استعفى مروان بن محمد حين ولي فأعفاه، وولى مكانه حسان بن عتامة بن عبد الرحمن السجيني، وكان بالشام فاستخلف حمير بن نعيم الحصري بمصر. ثم قدم ورفض ولايتها، فولى مكانه حفص بن الوليد لستة عشر يوما من ولايته. وبقي حفص شهرين، ثم ولى مروان الحوثرة بن سهل بن العجلان الباهلي في محرم سنة ثمان وعشرين ومائة ثم صرف عنها في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة، وولي المغيرة بن عبد الله بن مسعود الفزاري. ثم مات في جمادى سنة ست وثلاثين، واستخلف ابنه الوليد. وولى مروان بن عبد الملك موسى بن نصير فأمر باتخاذ المنابر في الكور، وإنما كانوا يخطبون على العصي. ثم قدم مروان بن محمد إلى مصر، وكان فيها مهلكه كما هو معروف. ثم جاءت الدولة العباسية فولى السفاح على مصر عمه صالح بن علي سنة أربع وثلاثين ومائة، وبقيت في ولايته يستخلف عليها، فاستخلف أولا محصن بن فاني الكندي ثمانية أشهر. ثم أبا عون ٤/٣٨٢

عبد الملك بن يزيد مولى مناه ثمانية أشهر. وولى داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة في محرم سنة أربع وسبعين. ثم عزله في محرم سنة خمس وسبعين لسنة من ولايته، وأعاد إليها موسى بن عيسى. ثم صرفه في ربيع سنة ست وسبعين وولى ابن عمه إبراهيم بن صالح وتوفي لثلاثة أشهر من ولايته، وقام بالأمر بعده ابنه صالح فولى الرشيد عبد الله ابن المسيب بن زهير الضبي في رمضان سنة ستة وسبعين ومائة ثم عزله بعد الحول، وولى هرثمة بن أعين. ثم أمره بالمسير إلى إفريقية لثلاثة أشهر من ولايته سلخ ثمان وسبعين ومائة، وولى أخاه عبيد الله بن المسيب. ثم أعاد موسى بن عيسى في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة فاستخلف ابنه يحيى. ثم صرف موسى في منتصف سنة ثمانين لعشرة أشهر من ولايته، وأعيد عبيد الله بن المهدي. ثم صرفه في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة وأعيد إسماعيل بن صالح بن علي من العمومة فاستخلف، ثم صرف في منتصف اثنتين وثمانين ومائة وأعيد لعشرة أشهر من ولايته. وولى الليث بن الفضل من أهل أسبورد فوليها أربع سنين ونصفا وعزل. ثم ولى الرشيد من قرابته أحمد بن إسماعيل بن علي منتصف سبع وثمانين ومائة فبقي عليها سنتين وشهرين. ثم ولى مكانه عبد الله بن محمد بن الإمام إبراهيم بن محمد ويعرف بابن زينب، وصرفه عنها آخر شعبان من سنة تسعين ومائة لسنة وشهرين من ولايته. وولى حاتم بن هرثمة بن أعين، فقدم في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ثم صرفه الأمير منتصف خمس وتسعين ومائة لسنة وثلاثة أشهر من ولايته، وولى جابر بن الأشعث بن يحيى بن النعمان الطائي منتصف خمس وتسعين ومائة فأخرجه الجند منها سنة وست وتسعين ومائة لسنة من ولايته. ثم ولى المأمون عليها عباد بن محمد بن حيان البلخي مولى كندة، ويكنى أبا نصر. ثم عزله لسنة ونصف من ولايته في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وولى المطلب بن عبد الله بن مالك ابن الهيثم الخزاعي، وقدمها من مكة في منتصف ربيع الأول. ثم صرفه في شوال لثمانية أشهر من ولايته، وولى من عمومته العباس بن موسى بن عيسى فبعث عليها ابنه عبد الله، ومعه الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه، فأقام عليها شهرين ونصفا، فقتله الجند يوم النحر سنة ثمان وتسعين ومائة، وولوا عليهم المطلب بن عبد الله. ثم جرت بينه وبين السدي وبين الحكم بن يوسف مولى بني ضبة من أهل بلخ من قوم يقال لهم الزط، وجرت بينه وبين أهل المطلب حروب، وخرج هاربا إلى مكة بعد سنة وثمانية أشهر من ولايتها ٤/٣٨٣

ووليها السري بإجماع الجند في رمضان سنة مائتين. ثم وثب به الجند بعد ستة أشهر وولوا سليمان بن غالب بن جبريل بن يحيى بن قرة العجلي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين. وولى عبد الله بن طاهر بن الحسين مولى خزاعة فأقام عشرة. ثم ولى المأمون عليها أخاه أبا إسحاق الملقب في خلافته بالمعتصم، فأقر عيسى الجلودي، وبعده عمير بن الوليد التميمي في صفر سنة أربع عشرة ومائتين ثم قتل بعد شهرين، واستخلف ابنه محمد بن عمير شهرا، ثم أعاد عيسى الجلودي. ثم جاء أبو إسحاق المعتصم إلى الفسطاط، وعاد إلى الشام، واستخلف عبدويه بن جبلة في المحرم فاتح خمس عشرة فأقام سنة، وولى عيسى بن منصور بن موسى الخراساني الرافعي مولى بني نصر بن معاوية. ثم قدم المأمون مصر لسنة من ولايته، فسخط على عيسى بن منصور، وعمر المقياس وجسرا آخر بالفسطاط، وولى كندر بن عبد الله ابن نصر الصفدى، ويكنى أبا مالك، ورجع إلى العراق ومات كندر في ربيع سنة تسع عشرة ومائتين، واستخلف ابنه المظفر. ولما صارت الخلافة للمعتصم ولى على مصر مولاه أشناس، ويكنى أبا جعفر في رجب سنة ثمان عشرة، فاستخلف عليها موسى بن أبي العباس ثابت من بني حنيفة من أهل الشاش في رمضان سنة تسع عشرة ومائتين، واستخلف ابنه المظفر فأقام مستخلفا لأشناس أربع سنين ونصفا. ثم عزله بعد سنتين، واستخلف مالك ابن كيد بن عبد الله الصفدي، فقدم في ربيع سنة أربع وعشرين ومائتين ثم عزله بعد سنتين واستخلف علي بن يحيى الأرمني، وقدم في ربيع سنة ست وعشرين ومائتين. ثم عزله بعد سنتين وثمانية أشهر، واستخلف عيسى بن منصور الذي كان مستخلفا للمعتصم أيام المأمون، وسخطه المأمون عند قدومه مصر فقدم عيسى في محرم سنة تسع وعشرين ومائتين. ثم مات أشناس بعد الثلاثين، وقد استخلف على مصر أتياخ مولى المعتصم وأقيم اتياخ مكان أشناس فأقر الواثق إتياخ على مصر، فأقر إتياخ عيسى بن منصور في ربيع سنة ست وثلاثين ومائتين فبقي أربعة أشهر. ثم استخلف إتياخ هرثمة بن النضر الجبلي فقدم منتصف سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وأقام سنة، ثم مات سنة أربع وثلاثين ٤/٣٨٤

ومائتين، وقام بأمره ابنه حاتم رضي الله تعالى عنه، فاستخلف إتياخ على بني يحيى الأرمني في رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين. ثم صرف إتياخ عن ولاية مصر في محرم سنة خمس وثلاثين ومائتين بعد وفاة المعتصم. وولى المتوكل على مصر ابنه المستنصر فاستخلف عليها إسحاق بن يحيى بن معاذ الختلي، وقدم في ذي القعدة من سنته.

وفي أيامه أخرج ولد علي من مصر إلى العراق. ثم صرف في ذي القعدة من سنة ست وثلاثين ومائتين، واستخلف المستنصر عليها عبد الرحمن بن يحيى بن منصور بن طلحة وريق، وهو ابن عم طاهر بن الحسين، وقدم في ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين. ثم صرفه واستخلف عنبسة بن إسحاق بن عبس بن عبسة من أهل هراة. ويكنى أبا حاتم في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وفي ولايته كبس الروم دمياط يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائتين. واستخلف يزيد بن عبد الله بن دينار من مواليهم، ويكنى أبا خالد. وفي أيامه منع العلويون من ركوب الخيل واقتناء العبيد. ثم ولي المستنصر الخلافة في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين فأقر يزيد على ولاية مصر. ثم صرف عنها في ربيع سنة ثلاث وخمسين لعشر سنين من ولايته، وولى المعتز مكانه مزاحم بن خاقان بن عزطوج التركي في ربيع سنة أربع وخمسين، وعهد الى أزجور بن أولغ طرخان التركي فأقام خمسة أشهر وخرج حاجا في رمضان سنة أربع وخمسين. وولي أحمد بن طولون، واستفحل بها أمره، وكانت له ولبنيه بها دولة كما نذكر الآن أخبارها.

الخبر عن دولة أحمد بن طولون بمصر وبنيه ومواليه بني طغج وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم

قال ابن سعيد ونقله من كتاب ابن الداية في أخبار بني طولون: كان طولون أبو أحمد من الطغزغز، وهم التتر. حمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون في وظيفته من المال والرقيق والبراذين. وولد له أحمد سنة عشرين ومائتين من جارية اسمها ناسم.

وتوفي طولون سنة أربعين ومائتين، وكفله رفقاء أبيه بدار الملك حتى ثبتت مرتبته، وتصرف في خدمة السلطان، وانتشر له ذكر عند الأولياء فاق به على أهل طبقته، ٤/٣٨٥

وشاع بين الترك صونه ودينه وأمانته على الأسرار والأموال والفروج. وكان يستصغر عقول الأتراك، ويرى أنهم ليسوا بأهل للرتب. وكان يحب الجهاد. وطلب من محمد بن أحمد بن خاقان أن يسأل من عبد الله الوزير أن يكتب لهما بأرزاقهما إلى الثغر، ويقيما لك مجاهدين. وسار إلى طرسوس، وأعجبه ما عليه أهل الحق من تغيير المنكر وإقامة الحق فأنس، وعكف على طلب الحديث. ثم رجع إلى بغداد وقد امتلأ علما ودينا وسياسة. ولما تنكر الأتراك للمستعين وبايعوا المعتز، وآل أمر المستعين إلى الخلع والتغريب إلى واسط، وكلوا به أحمد بن طولون فأحسن عشرته، ووسع عليه، وألزمه أحمد بن محمد الواسطي يومه، وكان حسن العشرة فكه المجالسة. ولما اعتزموا على قتله بعثوا إلى أحمد بن طولون أن يمضي ذلك فتفادى منه، فبعثوا سعيدا الحاجب فسمله، ثم قتله. ودفنه ابن طولون وعظم محله بذلك عند أهل الدولة، انتهى كلام ابن سعيد. وقال ابن عبد الظاهر: وقفت على سيرة للإخشيذ قديمة عليها خط الفرغاني وفيها أن أحمد هو ابن النج من الأتراك، كان طولون صديق أبيه ومن طبقته. فلما مات النج رباه طولون وكفله، فلما بلغ من الحداثة مشى مع الحشوية وغزا، وتنقلت به الأحوال إلى أن صار معدودا في الثقات. وولي مصر واستقر بها. قال صدر الدين بن عبد الظاهر: ولم أر ذلك لغيره من المؤرخين انتهى. ولما وقع اضطراب الترك ببغداد وقتل المستعين وولي المعتز واستبد عليه الأتراك وزعيمهم يومئذ باك باك وولاه المعتز مصر، ونظر فيمن يستخلفه عليها، فوقع اختياره على أحمد بن طولون فبعثه عليها، وسار معه أحمد بن محمد الواسطي، ويعقوب بن إسحاق، ودخلها في رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وعلى الخوارج بها أحمد بن المدبر، وعلى البريد سفير مولى قبيجة فأهدى له ابن المدبر، ثم استوحش منه، وكاتب المعتز بأن ابن طولون يروم العصيان وكاتب صاحب البريد بمثل ذلك، فسطا بسفير صاحب البريد ومات من غده. ثم قتل المعتز وولي المهتدي فقتل باك باك، ورتب مكانه يارجوج ، وولاه مصر. وكانت ٤/٣٨٦

بينه وبين أحمد بن طولون مودة أكيدة، فاستخلفه على مصر، وأطلق يده على الإسكندرية والصعيد بعد أن كان مقتصرا على مصر فقط. وجعل إليه الخراج فسقطت رتبة ابن المدبر. ثم أعاده المعتمد فلم ينهض إلى مساماة ابن طولون ولا منازعته. ثم كتب إليه المعتمد بضبط عيسى بن شيخ الشيباني، وكان يتقلد فلسطين والأردن، وتغلب على دمشق، وطمع في مصر ومنع الحمل. واعترض حمل ابن المدبر، وكان خمسة وسبعين حملا من الذهب فأخذها، فكتب إليه المعتمد يومئذ بولاية أعماله فادعى العجز، وأنكر مال الحمل ونزع السواد، وأنفذ أناجور من الحضرة في العساكر إلى دمشق سنة سبع وخمسين. ثم خرج أحمد بن طولون إلى الإسكندرية ومعه أخوه موسى وكان يتجنى عليه، ويرى أنه لم يوف بحقه، وظهر ذلك منه في خطابه فأوقع به ونفاه، وحبس كاتبه إسحاق بن يعقوب، واتهمه بأنه أفضى بسره إلى أخيه. وخرج أخوه حاجا، وسار من هنالك إلى العراق، ووصف أخاه بالجميل فحظي بذلك عند الموفق. واستفحل أمر أحمد واستكثر من الجند وخافه أناجور بالشام. وكتب الموفق يغريه بشأنه وأنه يخشى على الشام منه.

فكتب الموفق إلى ابن طولون بالشخوص إلى العراق لتدبير أمر السلطان، وأن يستخلف على مصر فشعر ابن طولون بالمكيدة في ذلك، فبعث كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى يارجوج وإلى الوزير، وحمل إليهما الأموال والهدايا. وكان يارجوج متمكنا في الدولة فسعى في أمره، وأعفاه من الشخوص وأطلق ولده وحرمه، واشتدت وطأة ابن طولون وخافه أحمد بن المدبر، فكتب إلى أخيه إبراهيم أن يتلطف له في الانصراف عن مصر فورد الكتاب بتقليده خراج دمشق وفلسطين والأردن، وصانع ابن طولون بضياعه التي ملكها، وسار إلى عمله بمصر وشيعه ابن طولون ورضي عنه وذلك سنة ثمان وخمسين ومائتين وولي الوزير على الخراج من قبله، وتقدم لابن طولون باستحثاثه، فتتابع حمل الأموال إلى المعتمد. ثم كتب ابن طولون بأن تكون جباية الخراج له فأسعف بذلك، وأنفذ المعتمد نفيسا الخادم بتقليده خراج مصر وضريبتها، وخراج الشام. وبعث إليه نفيس الخادم ومعه صالح بن أحمد بن حنبل قاضي الثغور، ومحمد بن أحمد الجزوعي قاضي واسط شاهدين بإعفائه ما زاد على الرسم من المال والطراز. ومات يارجوج في رمضان سنة تسع وخمسين وكان صاحب مصر، ومن أقطاعه. ويدعى له قبل ابن طولون، فلما مات استقل ٤/٣٨٧

أحمد بمصر.

فتنة ابن طولون مع الموفق

لما استأمن الزنج وتغلبوا على نواحي البصرة، وهزموا العساكر بعث المعتمد إلى الموفق، وكان المهتدي نفاه إلى مكة، فعهد له المعتمد بعد ابنه المفوض، وقسم ممالك الإسلام بينهما. وجعل الشرق للموفق ودفعه لحرب الزنج، وجعل الغرب للمفوض، واستخلف عليه موسى بن بغا، واستكتب موسى بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. وأودع كتاب عهدهما في الكعبة. وسار الموفق لحرب الزنج، واضطرب الشرق، وقعد الولاة عن الحمل، وشكا الموفق الحاجة إلى المال. وكان ابن طولون يبعث الأموال إلى المعتمد يصطنعه بذلك، فأنفذ الموفق نحريرا خادم المتوكل إلى أحمد بن طولون يستحثه لحمل الأموال والطراز والرقيق والخيل، ودس إليه أن يعتقله واطلع على الكتب، وقتل بعض القواد وعاقب آخرين وبعث مع نحرير ألفي ألف ومائتي ألف دينار ورقيقا وطرزا. وجمع الرسم وبعث معه من أسلمه إلى ثقة أناجور صاحب الشام. ولما فعل ابن طولون بنحرير ما فعل، كتب الموفق إلى موسى بن بغا بصرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها أناجور. فكتب إلى أناجور بتقليدها فعجز عن مناهضة أحمد، فسار موسى بن بغا ليسلم إليه مصر، وبلغ الرقة واستحث أحمد في الأموال، فتهيأ أحمد لحربه، وحصن الجزيرة معقلا لحربه وذخيرته. وأقام موسى بالرقة عشرة أشهر، واضطرب عليه الجند وشغبوا وطالبوه بالأرزاق واختفى كاتبه موسى بن عبيد الله بن وهب، فرجع وتوفي سنة أربع وستين ومائتين ثم كتب الموفق إلى ابن طولون باستقلال ما حمله من المال، وعنفه وهدده فأساء ابن طولون جوابه، وأن العمل لجعفر بن المعتمد ليس لك فأحفظ ذلك الموفق، وسأل من المعتمد أن يولي على الثغور من يحفظها، وأن ابن طولون لا يؤمن عليها لقلة اهتمامه بأمرها، فبعث محمد بن هارون التغلبي عامل الموصل، وركب السفن فألقته الريح بشاطئ دجلة، فقتله الخوارج أصحاب مسا والساري ٤/٣٨٨

ولاية أحمد بن طولون على الثغور

وكانت أمهات الثغور يومئذ أنطاكية وطرسوس والمصيصة وملطية، وكان على أنطاكية محمد بن علي بن يحيى الأرمني، وعلى طرسوس سيما الطويل وإليه أمر الثغور. وجاء في بعض أيامه إلى أنطاكية فمنعه الأرمني من الدخول فدس إلى أهل البلد بقتله فقتلوه، وأحفظ ذلك الموفق فولى على الثغور أرجون بن أولغ طرخان التركي، وأمره بالقبض على سيما الطويل فقام بالثغور، وأساء التصرف، وحبس الأرزاق عن أهلها. وكانت قلعة لؤلؤة من قلاع طرسوس في نحر العدو، وأهم أهل طرسوس أمرها، فبعثوا إلى حاميتها خمسة آلاف دينار رزقا من عندهم، فأخذها أرجون لنفسه، وضاعت حاميتها وافترقوا. وكتب الموفق إلى أحمد بن طولون بتقليد الثغور، وأن يبعث عليها من قبله فبعث من قبله وكتب الموفق إلى أحمد بن طولون بتقليد الثغور، وأن يبعث عليها من قبله فبعث من قبله طحشي بن بكروان، وحسنت حالهم وطلب منه ملك الروم الهدنة. واستأذن في ذلك ابن طولون فمنعه، وقال: إنما حملهم على ذلك تخريبكم لقلاعهم وحصونهم فيكون في الصلح راحة لهم فحاش لله منه، وأمره برم الثغور وأرزاق الغزاة.

استيلاء أحمد بن طولون على الشام

قد تقدم لنا ولاية أناجور على دمشق سنة سبع وخمسين ومائتين وما وقع بينه وبين أحمد بن طولون. ثم توفي أناجور في شعبان سنة أربع وستين ومائتين ونصب ابنه علي مكانه. وقام يدبر أمره أحمد بن بغا وعبيد الله بن يحيى بن وهب. وسار إلى الشام موريا بمشارفة الثغور، واستخلف ابنه العباس على مصر، وضم إليه أحمد بن محمد الواسطي، وعسكر في مينة الإصبع، وكتب إلى علي بن أناجور بإقامة الميرة للعساكر فأجاب الآمال. وسار ابن طولون إلى الرملة، وبها محمد بن أبي رافع من ٤/٣٨٩

قبل أناجور، ومدبر دولته أحمد بن لك منذ نفاه المهتدي فأكرمه.

ثم سار عن دمشق، واستخلف عليها أحمد بن دوغياش، ورحل الى حمص وبها أكبر قواد أناجور فشكت الرعية منه فعزله، وولى يمتا التركي. ثم سار إلى أنطاكية وقد امتنع بها سيما الطويل بعد أن كتب بالطاعة، وأن ينصرف عنه فأبى وحاصرها وشد حصارها. وضجر أهلها من سيما فداخل بعضهم أحمد بن طولون ودلوه على بعض المسارب فدخلها منه في فاتحة خمس وستين وقتل سيما الطويل وقبض على أمرائه وكاتبه. ثم سار إلى طرسوس فملكها، ودخلها في خلق كثير، وشرع في الدخول إلى بلاد الروم للغزو. وبينما هو يروم ذلك جاءه الخبر بانتقاض ابنه العباس الذي استخلفه بمصر فرجع، وبعث عسكرا إلى الرقة وعسكرا إلى حران، وكانت لمحمد بن أناشر فأخرجوه عنها وهزموه. وبلغ الخبر إلى أخيه موسى، فسار إلى حران وكان شجاعا. وكان مقدم العسكر بحران ابن جيعونه فأهمه أمرهم، فقال له أبو الأغر من العرب: أنا آتيك بموسى واختار عشرين فارسا من الشجعان وسار إلى معسكر موسى فأكمن بعضهم ودخل بالباقين بعض الخيام فعقدت، واهتاج العسكر، وهرب أبو الأغر واتبعوه فخرج عليهم الكمين فهزموهم وأسر موسى، وجاء به أبو الأغر إلى ابن جيعونة قائد ابن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر سنة ست وستين ومائتين

الخبر عن انتقاض العباس بن أحمد بن طولون على أبيه

لما رحل أحمد بن طولون إلى الشام واستخلف ابنه العباس، وكان أحمد بن الواسطي محكما في الدولة. وكان للعباس بطانة يدارسونه الأدب، والنحو وأراد أن يولي بعضهم الوظائف، ولم يكونوا يصلحون لها، فمنع الواسطي من ذلك خشية الخلل في الأعمال، فحمل هؤلاء البطانة عليه عند العباس وأغروه به. وكتب هو إلى أحمد ٤/٣٩٠

يشكوهم فأجابه بمداراة الأمور إلى حين وصوله. وكان محمد بن رجاء كاتب أحمد مداخلا لابنه العباس فكان يبعث إليه بكتب الواسطي يتنزل له، فاطلع على جواب أبيه عن كتبه بالمداراة، فازداد خوفا وحمل ما كان هنالك من المال والسلاح، وهو ألف ألف دينار. وتسلف من التجار مائتي ألف أخرى، واحتمل أحمد بن محمد الواسطي وأيمن الأسود مقيدين، وسار إلى برقة. ورجع أحمد إلى مصر وبعث له جماعة فيهم القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة والصابوني القاضي وزياد المري مولى أشهب، فتلطفوا به بالموعظة حتى لان، ثم منعه بطانته وخوفوه فقال لبكار:

ناشدتك الله هل تأمنه علي؟ فقال: هو قد حلف، وأنا لا أعلم فمضى على ريبته.

ورجع القوم إلى أبيه وسار هو إلى إفريقية يطلب ملكها، وسهل عليه أصحابه أمر إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحبها، وكتب إليه بأن المعتمد قلده إفريقية، وأنه أقره عليها. وانتهى إلى مدينة لبدة فخرج عليه عامل ابن الأغلب فقبض عليه، ونهب البلد وقتل أهله، وفضح نساءهم فاستغاثوا بإلياس بن منصور كبير نفوسة ورئيس الإباضية، وقد كان خاطبه يتهدده على الطاعة. وبلغ الخبر إلى ابن الأغلب فبعث العساكر مع خادمه بلاغ، وكتب إلى محمد بن قهرب عامل طرابلس بأن يظاهر معه على قتال العباس فسار ابن قهرب وناوشه القتال من غير مسارعة. ثم صحبهم الياس في اثني عشر ألفا من قومه. وجاء بلاغ الخادم من خلفه فأجفل، واستبيح أمواله وذخائره، وقتل أكثر من كان معه، وأفلت بحاشيته. وانطلق أيمن الأسود من القيد ورجع إلى مصر. وجاء العباس إلى برقة مهزوما وكان قد أطلق أحمد الواسطي بعد أن ضمن حزب برقة إحضاره، فلما رجع أعاده إلى محبسه فهرب من المحبس، ولحق بالفسطاط ووجد أحمد بن طولون قد سار إلى الإسكندرية عازما على الرحيل إلى برقة، فهون أمره، ومنعه من الرحيل بنفسه، وخرج طبارجي وأحمد الواسطي فجاءوا به مقيدا على بغل، وذلك سنة سبع وستين ومائتين وقبض على كاتبه محمد بن رجاء وحبسه لما كان يطلع ابنه العباس على كتبه، ثم ضرب ابنه وهو باك عليه وحبسه. ٤/٣٩١

خروج الصوفي والعمري بمصر

كان أبو عبد الرحمن العمري بمصر، وهو عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، مقيما بالقاصية من الصعيد، وكان البجاة يغيرون في تلك الأعمال ويعيثون فيها. وجاءوا يوم عيد فنهبوا وقتلوا، فخرج هذا العمري غضبا لله، وأكمن لهم في طريقهم ففتك بهم، وسار في بلادهم حتى أعطوه الجزية، واشتدت شوكته.

وزحف العلوي للقائه فهزمه العمري، وذلك سنة ستين ومائتين وكان من خبر هذا العلوي أنه ظهر بالصعيد سنة سبع وخمسين ومائتين وذكر أن اسمه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ويعرف بالصوفي، فملك مدينة أسنا ونهبها، وعاث في تلك الناحية. وبعث إليه ابن طولون جيشا فهزمهم، وأسر مقدم الجيش فقطعه فأعاد إليه جيشا آخر، وانهزم إلى الواحات. ثم عاد إلى الصعيد سنة تسع وخمسين ومائتين وسار إلى الأشمونين. ثم سار للقاء العمري وانهزم إلى أسوان، وعاث في جهاتها. وبعث إليه ابن طولون العسكر فهرب إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكة فقبض عليه الوالي بمكة، وبعث به إلى ابن طولون فحبسه مدة، ثم أطلقه ومات بالمدينة. ثم بعث ابن طولون العسكر إلى العمري فلقي قائدهم وقال:

إني لم أخرج بالفساد ولا يؤذى مسلم ولا ذمي وإنما خرجت للجهاد فشاور أميرك في فأبى، وناجزه الحرب فانهزم العسكر، ورجعوا إلى ابن طولون فأخبروه بشأنه فقال: هلا كنتم شاورتموني فيه؟ فقد نصره الله عليكم ببغيكم. ثم وثب عليه بعد مدة غلامان له فقتلاه وجاءا برأسه إلى أحمد بن طولون فقتلهما.

انتقاض برقة

وفي سنة إحدى وستين ومائتين وثب أهل برقة بعاملهم محمد بن فرج الفرغاني ٤/٣٩٢

فأخرجوه، ونقضوا طاعة ابن طولون فبعث إليهم العساكر مع غلامه لؤلؤ، وأمره بالملاينة فحاصرهم أياما وهو يلين لهم حتى طمعوا فيه، ونالوا من عسكره فبعث إلى أحمد بخبره فأمره بالاشتداد فشد حصارهم، ونصب عليهم المجانيق فاستأمنوا، ودخل البلد وقبض على جماعة من أعيانهم فضربهم وقطعهم، ورجع إلى مصر واستعمل عليهم مولى من مواليه، وذلك قبل خلاف العباس على أبيه.

انتقاض لؤلؤ على ابن طولون

كان ابن طولون قد ولى مولاه لؤلؤا على حلب وحمص وقنسرين وديار مضر من الجزيرة، وأنزله الرقة، وكان يتصرف عن أمره. ومتى وقع في مخالفته عاقب ابن سليمان كاتب لؤلؤ فسقط لؤلؤ في المال، وقطع الحمل عن أحمد بن طولون. وخاف الكاتب مغبة ذلك، فحمل لؤلؤا على الخلاف، وأرسل إلى الموفق بعد أن شرط على المعتمد شروطا أجابه الموفق إليها، وسار إلى الرقة وبها ابن صفوان العقيلي، فحاربه وملكها منه وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. وسار إلى الموفق فوصل إليه بمكانه من حصار صاحب الزنج وأقبل عليه، واستعان به في تلك الحروب، وولاه على الموصل. ثم قبض عليه سنة ثلاث وسبعين ومائتين وصادره على أربعمائة ألف دينار فافتقر وعاد إلى مصر آخر أيام هارون بن خماروي فقيرا فريدا.

مسير المعتمد الى ابن طولون وعوده عنه من الشام

كان ابن طولون يداخل المعتمد في السر ويكاتبه، ويشكو إليه المعتمد ما هو فيه من الحجر والتضييق عليه من أخيه الموفق، والموفق بسبب ذلك ينافر ابن طولون ويسعى في إزالته عن مصر. ولما وقع خلاف لؤلؤ على ابن طولون خاطب المعتمد وخوفه الموفق واستدعاه إلى مصر، وأن الجيوش عنده لقتال الفرنج. فأجابه المعتمد إلى ذلك، وأراد لقاءه بجميع عساكره فمنعه أهل الرأي من أصحابه، وأشاروا عليه بالعدول عن المعتمد جملة، وأن أمره يؤل معه إلى أكثر من أمر الموفق، من أجل بطانته التي ٤/٣٩٣

يؤثرها على كل أحد. واتصلت الأخبار بأن الموفق شارف القبض على صاحب الزنج، فبعث ابن طولون بعض عساكره إلى الرقة لانتظار المعتمد، واغتنم المعتمد غيبة الموفق وسار في جمادى سنة ثمان وستين ومائتين ومعه جماعة من القواد الذين معه فقبض عليهم وقيدهم. وقد كان ساعد بن مخلد وزير الموفق خاطبه في ذلك عن الموفق فأظهر طاعتهم حين صاروا إلى عمله، وسار معهم إلى أول عمل أحمد بن طولون فلم يرحل معهم حين رحلوا . ثم جلس معهم بين يدي المعتمد وعذلهم في المسير إلى ابن طولون ودخولهم تحت حكمه وحجره. ثم قام بهم عند المعتمد ليناظرهم في خلوة فلما دخلوا خيمته قبض عليهم. ثم رجع إلى المعتمد فعذله في الخروج عن دار خلافته، وفراق أخيه وهو في قتال عدوه. ثم رجع بالمعتمد والذين معه حتى أدخلهم سر من رأى. وبلغ الخبر إلى ابن طولون فقطع خطبة الموفق ومحا اسمه من الطرز، فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعن ابن طولون في دار العامة، فأمر بلعنه على المنابر وعزله عن مصر وفوض إليه من باب الشاتية إلى إفريقية، وبعث إلى مكة بلعنه في المواسم فوقعت بين أصحاب ابن طولون وعامل مكة حرب، ووصل عسكر الموفق مع جعفر الباعردي، فانهزم فيها أصحاب ابن طولون وسلبوا وأمر جعفر المصريين وقرءوا الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون. ٤/٣٩٤

اضطراب الثغور ووصول أحمد بن طولون اليها ووفاته

كان عامل أحمد بن طولون على الثغور طلخشى بن بلذدان، واسمه خلف، وكان نازلا بطرسوس. وكان مازيار الخادم مولى فتح بن خاقان معه بطرسوس وارتاب به طلخشى فحبسه فوثب جماعة من أهل طرسوس، واستقدموا مازيار من يده وولوه. وهرب خلف وتركوا الدعاء لابن طولون فسار ابن طولون من مصر وانتهى إلى أذنة، وكاتب مازيار واستماله فامتنع، واعتصم بطرسوس فرجع ابن طولون إلى حمص ثم إلى دمشق فأقام بها. ثم رجع وحاصره في فصل الشتاء بعد أن بعث إليه يدعوه وانساح على معسكر أحمد وخيمه، وكادوا يهلكون، فتأخر ابن طولون إلى أذنة، وخرج أهل طرسوس فنهبوا العسكر. وطال مقام أحمد بأذنة في طلب البرد ثم سار إلى المصيصة فأقام بها ومرض هناك. ثم تماسك إلى أنطاكية فاشتد وجعه ونهاه الطبيب عن كثرة الغذاء فتناوله سرا، فكثر عليه الاختلاف، لأن أصل علته هيضة من لبن الجواميس. وثقل عليه الركوب فحملوه على العجلة فبلغ الفرمار، وركب من ساحل الفسطاط إلى داره، وحضره طبيبه فسهل عليه الأمر وأشار بالحمية فلم يداوم عليها. وكثر الإسهال وحميت كبده من سوء الفكر فساءت أفعاله. وضرب بكار بن قتيبة القاضي، وأقامه للناس في الميدان، وخرق سواده وأوقع بابن هرثمة وأخذ ماله وحبسه. وقتل سعيد بن نوفل مضروبا بالسياط. ثم جمع أولياءه وغلمانه وعهد إلى ابنه أبي الجيش خمارويه. وأوصاهم بإنظاره وحسن النظر فسكنوا إلى ذلك لخوفهم من ابنه العباس المعتقل. ثم مات سنة ست وسبعين ومائتين لست وعشرين سنة من إمارته، وكان حازما سائسا وبنى جامعه بمصر وأنفق فيه مائة وعشرين ألف دينار، وبنى قلعة يافا، وكان يميل إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. وخلف من المال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الموالي سبعة آلاف. ٤/٣٩٥

ومن الغلمان أربعة آلاف، ومن الخيل المرتبطة مائة، ومن الدواب لركابه مائتين وثلاثين. وكان خراج مصر لأيامه مع ما ينضاف إليها من ضياع الأمراء لحضرة السلطان أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، وعلى المارستان وأوقافه ستين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة والجزيرة وهي المسماة لهذا العهد بقلعة الروضة ثمانين ألف دينار. وخربت بعد موته وجددها الصالح نجم الدين بن أيوب. ثم خربت ثانية، ولم يبق منها إلا أطلال دائرة، وكان يتصدق في كل شهر بألف دينار، ويجري على المسجونين خمسمائة دينار في كل شهر، وكانت نفقة مطابخه وعلوفته ألف دينار في كل يوم.

ولاية خمارويه بن أحمد بن طولون

ولما توفي أحمد بن طولون اجتمع أهل الدولة وخواص الأولياء وكبيرهم أحمد بن محمد الواسطي والغالب على الدولة الحسن بن مهاجر، فاتفقوا على بيعة ابنه أبي الجيش خمارويه، وأحضروا ابنه العباس من محبسه وعزاه الواسطي وهم يبكون. ثم قال بايع لأخيك فأبى، فقام طبارجي وسعد الآيس من الموالي، وسحبوه إلى حجرة في القصر فاعتقلوه بها، وأخرج من الغد ميتا، وأخرجوا أحمد إلى مدفنه وصلى عليه ابنه أبو الجيش، وواراه ورجع إلى القصر مقيما لأمر سلطانه.

مسير خمارويه الى الشام وواقعته مع ابن الموفق

ولما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداج عاملا على الجزيرة والموصل، وابن أبي الساج على الكوفة، وقد ملك الرحبة من يد أحمد بن مالك فطمعا في ملك الشام، واستأذنا الموفق فأذن لهما ووعدهما بالمدد. وسار إسحاق إلى الرقة والثغور والعواصم فملكها من يد ابن دعاس عامل ابن طولون. واستولى إسحاق على حمص وحلب وأنطاكية، ثم على دمشق. وبعث خمارويه العساكر إلى الشام فملكوا دمشق ٤/٣٩٦

وهرب العامل الذي انتقض بها. ثم سار العسكر إلى شيزر فأقام عليها قبالة إسحاق وابن أبي الساج، وهما ينتظران المدد من العراق. ثم هجم الشتاء فتفرق عسكر خمارويه في دور شيزر ووصل العسكر من العراق مع أبي العباس أحمد بن الموفق الذي صارت إليه الخلافة ولقب المعتضد فكبسوا عسكر خمارويه في دور شيزر وفتكوا فيهم. ونجا الفل إلى دمشق والمعتضد في اتباعهم فارتحلوا عنها، وملكها المعتضد في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين. ولحق عسكر خمارويه بالرملة فأقاموا بها وكتبوا إلى خمارويه بالخبر، وسار المعتضد نحوهم من دمشق. وبلغه وصول خمارويه وكثرة عساكره. فهم بالعود ومعه أصحاب خمارويه الذين خالفوا عليه، ولحقوا به وكان ابن كنداج وابن أبي الساج متوحشين من المعتضد لسوء معاملته لهما. والتقى العسكران على الماء الذي عليه الطواحين بالرملة. فولى خمارويه منهزما مع عصابة معه ليس لهم دربة بالحرب. ومضى إلى مصر بعد أن أكمن مولاه سعدا الآيس في عسكر. وجاء المعتضد فملك خيام خمارويه وسواده وهو يظن الظفر، فخرج سعد الآيس من كمينه وقصد الخيام وظن المعتضد أن خمارويه قد رجع فركب وانهزم لا يلوي على شيء. وجاء إلى دمشق فمنعوه الدخول فمضى إلى طرسوس، ولما افتقد سعد الآيس خمارويه نصب أخاه أبا العشائر لقيادة العساكر، ووضع العطاء، ووصلت البشائر إلى مصر فسر خمارويه بالظفر، وخجل من الهزيمة، وأكثر الصدقة وأكرم الأسرى وأطلقهم. وسارت عساكره إلى الشام فارتجعوه كله من أصحابه فأخرجوهم، ولحقوا بالعراق وغزا بالصائفة هذه السنة مازيار صاحب الثغر، وغنم وعاد. ثم غزا كذلك سنة ثلاث وسبعين ومائتين.

فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج والخطبة لابن طولون بالجزيرة

كان ابن أبي الساج عاملا على قنسرين وإسحاق على الجزيرة والموصل فتنافسوا في الأعمال واستظهر ابن أبي الساج بخمارويه، وخطب له بأعماله، وبعث ابنه رهينة إليه، فسار في عساكره بعد أن بعث إليه الأموال وانتهى إلى السن، وعبر ابن أبي الساج الفرات ولقي إسحاق بن كنداج على الرقة فهزمه، وجاز خمارويه من بعده فعبر ٤/٣٩٧

الفرات إلى الرافقية، ونجا إسحاق إلى ماردين، وحصره ابن أبي الساج. ثم خرج وسار إلى الموصل فصده ابن أبي الساج عنها، وهزمه فعاد إلى ماردين. واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب في أعمالها لخمارويه، ثم لنفسه بعده. وبعث العساكر مع غلامه فتح لجباية نواحي الموصل فأوقع بالشراة اليعقوبية ومكر بهم.

وعلى أصحابهم بما فعل معهم فجاءوا إليه، وهزموه واستلحموا أصحابه، ونجا ابن أبي الساج في فل قليل. ثم انتقض ابن أبي الساج على خمارويه سنة خمس وسبعين ومائتين وذلك أن إسحاق بن كنداج سار إلى خمارويه بمصر وصار في جملته فانتقض ابن أبي الساج. وسار خمارويه إليه فلقيه على دمشق في المحرم فانهزم ابن أبي الساج، واستبيح معسكره وكان وضع بحمص خزائنه، فبعث خمارويه عسكرا إلى حمص فمنعوه من دخولها، واستولوا على خزائنه. ومضى ابن أبي الساج إلى حلب، ثم إلى الرقة وخمارويه في اتباعه. ثم فارق الرقة الى الموصل، وعبر خمارويه الفرات واحتل مدينة بلد، وأقام بها. وسار ابن أبي الساج الى الحديثة. وبعث خمارويه عساكره وقواده مع إسحاق بن كنداج في طلب ابن أبي الساج فعبر دجلة، وأقام بتكريت وإسحاق في عشرين ألفا، وابن أبي الساج في ألفين، وأقاموا يترامون في العدوتين. ثم جمع ابن كنداج السفن ليمد الجسر للعبور، فخالفهم ابن أبي الساج إلى الموصل ونزل بظاهرها فرحلوا في اتباعه فسار لقتالهم فانهزم إسحاق إلى الرقة وتبعه ابن أبي الساج. وكتب إلى الموفق يستأذنه في عبور الفرات إلى الشام وأعمال حمازويه فأجابه بالتربص وانتظار المدد. ولما انهزم إسحاق سار إلى خمارويه وبعث معه العسكر، ورجع فنزل على حد الفرات من أرض الشام، وابن أبي الساج قبالته على حدود الرقة، فعبرت طائفة من عسكر ابن كنداج لم يشعروا بهم، وأوقعوا بجمع من عسكر ابن أبي الساج، فلما رأى أن لا مانع لهم من العبور سار إلى الرقة إلى بغداد، وقدم على الموفق سنة ست وسبعين ومائتين فأقام عنده إلى أن ولاه أذربيجان في سنته واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة وديار مضر، وأقام الخطبة فيها لخمارويه ٤/٣٩٨

عود طرسوس الى ايالة خمارويه

قد كنا قدمنا أن مازيار الخادم ثار بطرسوس سنة سبعين ومائتين وحاصره أحمد بن طولون فامتنع عليه، فلما ولي خمارويه وفرغ من شواغله، أنفذ إلى مازيار سنة سبع وسبعين ومائتين ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف، واصطنعه فرجع إلى طاعته وخطب له بالثغور. ثم دخل بالصائفة سنة ثمان وسبعين ومائتين وحاصروا أسكند فأصابه منها حجر منجنيق رثه، ورجع إلى طرسوس فمات بها. وقام بأمر طرسوس ابن عجيف، وكتب إلى خمارويه فأقره على ولايتها، ثم عزله واستعمل مكانه محمد ابن عمه موسى بن طولون، وكان من خبره أن أباه موسى لما ملك أحمد أخوه مصر تبسط عليه بدلالة القرابة وذوي الأرحام، فلم يحتمله له أحمد ورده عليه، وكسر جاهه فانحرف موسى وسخط دولته. ثم خاطبه في بعض مجالسه بمال لا يحتمله السلطان فضربه ونفاه إلى طرسوس، وبعث إليه بمال يتزوده فأبى من قبوله، وسار إلى العراق. ورجع إلى طرسوس فأقام بها إلى أن مات وترك ابنه محمدا. وولاه خمارويه وبعث إلى أميرهم راغب فأكرمه خمارويه وأنس به، وطالت مقامته عنده وشاع بطرسوس أن خمارويه حبسه فاستعظم الناس ذلك، وثاروا بأميرهم محمد بن موسى وسجنوه رهينة في راغب. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسرحه إلى طرسوس، فلما وصلها أطلقوا أميرهم محمد بن موسى، وقد سخطهم، فسار عنهم إلى بيت المقدس. وعاد ابن عجيف إلى ولايته بدعوة خمارويه. وغزا سنة ثمانين ومائتين بالصائفة ودخل معه بدر الحمامي فظفروا وغنموا ورجعوا. ثم دخل بالصائفة سنة احدى وثمانين ومائتين من طرسوس طغج بن جف الفرغاني من قبل خمارويه في عساكره طرابزون وفتح مكودية.

صهر المعتضد مع خمارويه

ولما ولي المعتضد الخلافة بعث إلى خمارويه خاطبا قطر الندى ابنته، وكانت أكمل نساء عصرها في الجمال والآداب. وكان متولي خطبتها أمينه الخصي ابن عبد الله ابن الجصاص، فزوجه خمارويه بها، وبعثها مع ابن الجصاص، وبعث معها من الهدايا ٤/٣٩٩

ما لا يوصف. وقدمت سنة تسع وسبعين ومائتين فدخل بها، وتمتع بجمالها وآدابها، وتمكن سلطانه في مصر والشام والجزيرة إلى أن هلك.

مقتل خمارويه وولاية ابنه جيش

كان خمارويه قد سار سنة اثنتين وثمانين ومائتين إلى دمشق فأقام بها أياما، وسعى إليه بعض أهل بيته بأن جواريه يتخذون الخصيان يفترشوهن، وأراد استعلام ذلك من بعضهن، فكتب إلى نائبة بمصر أن يقرر بعضهن، فلما وصله الكتاب قرر بعض الجواري وضربهن. وخاف الخصيان ورجع خمارويه من الشام، وبات في مخدعه فأتاه بعضهم وذبحه على فراشه في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين. وهرب الذين تولوا ذلك، فاجتمع القواد صبيحة ذلك اليوم، وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه على كرسي سلطانه، وأفيض العطاء فيهم، وسيق الخدم الذين تولوا قتل خمارويه فقتل منهم نيف وعشرون.

مقتل جيش بن خمارويه وولاية أخيه هارون

ولما ولي جيش كان صبيا غرا فعكف على لذاته وقرب الأحداث والسفلة، وتنكر لكبار الدولة، وبسط فيهم القول، وصرح لهم بالوعيد، فأجمعوا على خلعه. وكان طغج بن جف مولى أبيه كبار الدولة، وكان عاملا لهم على دمشق فانتقض وخلع طاعته. وسار آخرون من القواد إلى بغداد، منهم إسحاق بن كنداج وخاقان المعلجي، وبدر بن جف أبو طغج، وقدموا على المعتضد فخلع عليهم، وأقام سائر القواد بمصر على انتقاضهم وقتل قائدا منهم. ثم وثبوا بجيش فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وحرقوه، وبايعوا لأخيه هارون وذلك لتسعة أشهر من ولايته.

فتنة طرسوس وانتقاضها

قد تقدم لنا أن راغبا مولى الموفق نزل طرسوس للجهاد فأقام بها، ثم غلب عليها بعد ابن عجيف. ولما ولي هارون بن خمارويه سنة ثلاث وثمانين ومائتين ترك الدعاء له، ٤/٤٠٠

ودعا لبدر مولى المعتضد، وقطع طرسوس والثغور من عمالة بني طولون. ثم بعث هارون بن خمارويه إلى المعتضد أن يقاطعه على أعماله بمصر والشام بأربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، ويسلم قنسرين والعواصم، وهي الثغور للمعتضد فأجابه إلى ذلك.

وسار من آمد وكان قد ملكها من يد محمد بن أحمد بن الشيخ، فاستخلف ابنه المكتفي عليها، وسار سنة ست وثمانين ومائتين فتسلم قنسرين والثغور من يد أصحاب هارون وجعلها مع الجزيرة في ولاية ابنه المكتفي.

ولاية طغج بن جف على دمشق

ولما ولي هارون بعد أخيه جيش على ما ولي عليه من اختلاف القواد وقوة أيديهم، خشي أهل الدولة من افتراق الكلمة ففوضوا أمرها إلى أبي جعفر بن إيام. كان مقدما عند أحمد وخمارويه فأصلح ما استطاع، وبقي يرتق الفتق ويجبر الصدع. ثم نظر إلى الجند الذين كانوا خالفوا بدمشق مع طغج بن جف فبعث إليهم بدرا الحمامي والحسين بن أحمد المارداني فأصلحا مورد الشام وأفرد الطغج بن جف بولاية دمشق، واستعملا في سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر والأمور مضطربة والقواد طوائف لا ينقاد منهم أحد إلى أحد إلى أن وقع ما نذكر.

زحف القرامطة الى دمشق

قد تقدم لنا ابتداء أمر القرامطة وما كان منهم بالعراق والشام، وأن ذكرويه بن مهداويه داعية القرامطة لما هزم بسواد الكوفة وأفنى أصحابه القتل، لحق ببني القليص بن كلب بن وبرة في السماوة فبايعوه، ولقبوه الشيخ وسموه يحيى. وكنوه أبا القاسم. وزعم أنه محمد بن عبد الله بن المكتوم بن إسماعيل الإمام فلقبوه المدثر.

وزعم أنه المشار إليه في القرآن. ولقب غلاما من أهله المطوق. وسار من حمص إلى حماة ومعرة النعمان إلى بعلبك، ثم إلى سلمية فقتل جميع من فيها حتى النساء والصبيان والبهائم. ونهب سائر القرى من كل النواحي. وعجز طغج بن جف وسائر ابن خلدون م 26 ج 4 ٤/٤٠١

جيشه وصاحبه هارون عن دفاعهم. وتوجه أهل الشام ومصر إلى المكتفي مستغيثين، فسار إلى أهل الشام سنة تسعين ومائتين ومر بالموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر من بني حمدان في عشرة آلاف رجل، ونزل قريبا من حلب وكبسه القرمطي صاحب الشامة فقتل منهم جماعة ونجا أبو الأغر إلى حلب في فل من أصحابه. وحاصره القرمطي، ثم أفرج عنه، وانتهى المكتفي إلى الرقة. وبعث محمد بن سليمان الكاتب في العساكر، ومعه الحسين من بني حمدان، وبنو شيبان فناهضه في المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين على حماة، وانهزم القرامطة، وأخذ صاحب الشامة أسيرا فبعث به إلى الرقة وبين يديه المدثر والمطوق، وتقدم المكتفي إلى بغداد ولحقه محمد ابن سليمان بهم، فأمر المكتفي بضربهم وقطعهم، وضرب أعناقهم وحسم دائهم، حتى ظهر منهم من ظهر بالبحرين.

استيلاء المكتفي على الشام ومصر وقتل هارون وشيبان ابني خمارويه وانقراض دولة بني طولون

ونبدأ أولا بخبر محمد بن سليمان المتولي بتحويل دولة بني طولون، كان أصله من ديار مضر من الرقة اصطنعه أحمد بن طولون وخدمه في مصر. ثم تنكر له وعامله في جاهه وأقاربه بما أحفظه، وخشي على نفسه فلحق ببغداد، ولقي بها مبرة وتكرمة.

واستخدمه الخلفاء وجعلوه كاتبا للجيش، فما زال يغريهم بملك مصر إلى أن ولي هارون بن خمارويه، وفشلت دولة بني طولون بالشام، وعاث القرامطة في نواحيه وعجز هارون عن مدافعتهم، ووصل صريخ أهل الشام إلى المكتفي فقام لدفع ضررهم عن المسلمين، ودفع محمد بن سليمان لذلك، وهو يومئذ من أعظم قواده، فسار بالعساكر في مقدمته. ثم أمره المكتفي باتباع القرامطة، وأقام بالرقة فسار حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم واستلحمهم، ودفع عن الشام ضررهم، ورجع بالقرمطي صاحب الشامة وأصحابه أسرى إلى المكتفي بالرقة فرجع إلى بغداد، وقتلهم هنالك وشفى نفسه ونفس المسلمين منهم. وكان محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي عند وصوله إلى بغداد فأمره بالعود، وبعث معه جماعة من القواد، وأمده بالأموال، وبعث دميانة غلام مازيار في الأسطول، وأمره بالمسير إلى سواحل مصر، ودخول نهر ٤/٤٠٢

النيل، والقطع عن أهل مصر ففعل وضيق عليهم. وسار محمد بن سليمان والعساكر واستولى على الشام وما وراءه، فلما قارب مصر كاتب القواد يستميلهم، فجاء إليه بدر الحمامي وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم. وتتابع إليه القواد يستميلهم، فجاء إليه بدر الحمامي وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم. وتتابع إليه القواد مستأمنين، فبرز هارون لقتالهم فيمن معه من العساكر، وأقام قبالتهم واضطرب عسكره في بعض الأيام من فتنة وقعت بينهم. واقتتلوا فركب هارون ليسكنهم فأصابته حربة من بعض المغاربة كان فيه حتفه، فقام عمه شيبان بن أحمد بن طولون بعده بالأمر، وبذل الأموال للجند من غير حسبان ولا تقدير، ثم أباح نهب ما بقي منه يصطنعهم بذلك، فنهبوه في ساعة واحدة، وتشوف إلى جمع المال فعجز عنه واضطرب، وفسد تدبيره، وتسايل إلى محمد بن سليمان جنده، وفاوض أعيان دولته في أمره، فاتفقوا على الاستئمان إلى محمد بن سليمان، فبعث إليه مستأمنا، فسار إليه ثم تبعه قواده وأصحابه، فركب محمد إلى مصر واستولى عليها، وقيد بني طولون وحبسهم، وكانوا سبعة عشر رجلا. وكتب بالفتح فأمره المكتفي بإشخاص بني طولون جميعا من مصر والشام إلى بغداد، فبعث بهم. ثم أمر بإحراق القطائع التي بناها أحمد بن طولون على شرقي مصر، وكانت ميلا في ميل فأحرقت ونهب الفسطاط.

ولاية عيسى النوشزي على مصر وثورة الخليجي

ولما اعتزم محمد بن سليمان على الرجوع إلى بغداد وكان المكتفي قد ولاه على مصر، فولى المكتفي عيسى بن محمد النوشزي، وقدم في منتصف سنة اثنتين وتسعين ومائتين ثم ثار بنواحي مصر إبراهيم الخليجي، وكان من قواد بني طولون، وتخلف عن محمد ابن سليمان. وكتب إلى المكتفي عيسى النوشزي بالخبر. وكثرت جموع الخليجي، وزحف إلى مصر، فخرج النوشزي هاربا إلى الإسكندرية وملك الخليجي مصر، وبعث المكتفي العساكر مع فاتك مولى أبيه المعتضد، وبدر الحمامي وعلى مقدمتهم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، ولقيهم الخليجي على العريش في صفر سنة ثلاث وتسعين ومائتين فهزمهم. ثم تراجعوا وزحفوا إليه وكانت بينهم حروب فني فيها ٤/٤٠٣

أكثر أصحاب الخليجي وانهزم الباقون، فظفر عسكر بغداد، ونجا الخليجي إلى الفسطاط واختفى به. ودخل قواد المكتفي المدينة وأخذوا الخليجي وحبسوه. وكان المكتفي عند ما بلغته هزيمة ابن كيغلغ، وسار ابن كيغلغ في ربيع وبرز المكتفي من ورائهم يسير إلى مصر، فجاءه كتاب فاتك بالخبر وبحبس الخليجي، فكتب المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد. وبرز من تكريت فبعث فاتك بهم، وحبسوا ببغداد.

ورجع عيسى النوشزي إلى مصر في منتصف ثلاث وتسعين ومائتين فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين لخمس سنين من ولايته وشهرين، وقام بأمره ابنه محمد، وولى المقتدر على مصر أبا منصور تكين الخزري، فقدمها آخر شوال من سنة سبع وتسعين ومائتين، وقام واليا عليها. واستفحلت دولة العلويين بالمغرب. وجهز عبيد الله المهدي العساكر مع ابنه أبي القاسم سنة إحدى وثلاثمائة، فملك برقة في ذي الحجة آخرها. ثم سار إلى مصر وملك الإسكندرية والفيوم، وبلغ الخبر إلى المقتدر، فقلد ابنه أبا العباس مصر والمغرب وعمره يومئذ أربع سنين، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك ولقب الراضي. ولما قلده مصر استخلف له عليها مؤنسا الخادم، وبعثه في العساكر إلى مصر وحاربهم فهزمهم. ورجعوا إلى المغرب فأعاد عبيد الله العساكر سنة اثنتين مع قائده حامسة الكتامي. وجاء في الأسطول فملك الإسكندرية، وسار منها إلى مصر، وجاءه مؤنس الخادم في العساكر فقاتله وهزمه.

ثم كانت بينهم وقعات، وانهزم أصحاب المهدي آخرا في منتصف اثنتين وثلاثمائة.

وقتل منهم نحوا من سبعة آلاف، ورجعوا إلى المغرب فقتل المهدي حامسة وعاد مؤنس إلى بغداد.

ولاية ذكاء الأعور

لم يزل تكين الخزري واليا على مصر استخلافا إلى أن صرف آخر اثنتين وثلاثمائة، فولى المقتدر مكانه أبا الحسن ذكاء الأعور، وقدم منتصف صفر من سنة ثلاث فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي سنة سبع وثلاثمائة لأربع سنين من ولايته ٤/٤٠٤

ولاية تكين الخزري ثانية

لما صرف المقتدر ذكاء، ولى مكانه أبا منصور تكين الخزري ولاية ثانية، فقدم في شعبان سنة سبع وثلاثمائة وكان عبيد الله المهدي قد جهز العساكر مع ابنه أبي القاسم، ووصل إلى الإسكندرية في ربيع من سنة سبع وثلاثمائة وملكها. ثم سار إلى مصر وملك الجزيرة والأشمونين من الصعيد وما إليه، وكتب أهل مكة بطاعته، وبعث المقتدر من بغداد مؤنسا الخادم في العساكر فواقع أبا القاسم عدة وقعات، وجاء الأسطول من إفريقية إلى الإسكندرية في ثمانين مركبا مددا لأبي القاسم، وعليه سليمان بن الخادم، ويعقوب الكتامي، فسار إليهم في أسطول طرسوس في خمسة وعشرين مركبا، وفيها النفط والمدد، وعليها أبو اليمن، فالتقت العساكر في الأساطيل في مرسى رشيد، فظفر أسطول طرسوس بأسطول إفريقية وأسر كثير منهم. وقتل بعضهم وأطلق البعض، وأسر سليمان الخادم فهلك في محبسه بمصر، وأسر يعقوب الكتامي وحمل إلى بغداد فهرب منها إلى إفريقية، واتصل الحرب بين أبي القاسم ومؤنس، وكان الظفر لمؤنس، ووقع الغلاء والوباء في عسكر أبي القاسم ففني كثير منهم بالموت.

ووقع الموتان في الخيل فعاد العسكر إلى المغرب، واتبعهم عساكر مصر حتى أبعدوا فرجعوا عنهم. ووصل أبو القاسم إلى القيروان منتصف السنة. ورجع مؤنس إلى بغداد وقدم تكين إلى مصر كما مر، ولم يزل واليا عليها إلى أن صرف في ربيع من سنة تسع وثلاثمائة

ولاية أحمد بن كيغلغ

ولاه المقتدر بعد هلال بن بدر، فقدم في جمادى وصرف لخمسة أشهر من ولايته.

وأعيد تكين المرة الثالثة، فقدم في عاشوراء سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وأقام واليا عليها تسع سنين إلى أن توفي في منتصف ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

وفي أيامه جدد المقتدر عهده لابنه أبي العباس على بلاد المغرب ومصر والشام، ٤/٤٠٥

واستخلف له مؤنسا، وذلك سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. وقال ابن الأثير: وفي سنة إحدى وعشرين توفي تكين الخزري بمصر فولي عليها مكانه ابنه محمد، وبعث له القاهر بالخلع وثار به الجند فظفر بهم انتهى.

ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية

ولاه القاهر في شوال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بعد أن كان ولى محمد بن طغج، وهو عامل دمشق وصرفه لشهر من ولايته قبل أن يتسلم العمل، ورده إلى أحمد بن كيغلغ كما قلناه، فقدم مصر في رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ثم عزل آخر رمضان من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وولي الراضي الخليفة بأن يدعى على المنبر باسمه ويزاد في ألقابه الإخشيد فقام بولاية مصر أحسن قيام ثم انتزع الشام من يده كما يذكر.

استيلاء ابن رائق على الشام من يد الإخشيد

كان محمد بن رائق أمير الأمراء ببغداد وقد مر ذكره. ثم نازعه مولاه تحكم وولي مكانه سنة ست وعشرين وثلاثمائة وهرب ابن رائق ثم استتر ببغداد، واستولى عليها، ورجع الخليفة من تكريت بعد أن كان قدم تحكم، ثم كتب إليه واسترده، وقد عقد الصلح مع ناصر الدولة بن حمدان من قبل أن يسمع بخبر بن رائق. ثم عادوا جميعا إلى بغداد، وراسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في الصلح، فأجيب وقلده الراضي طريق الفرات وديار مضر التي هي حران والرها وما جاورهما، وجند قنسرين والعواصم، فسار إليها واستقر بها. ثم طمحت نفسه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى ملك الشام، فسار إلى مدينة حمص فملكها، وكان على دمشق بدر بن عبد الله مولى الإخشيد ويلقب بتدبير فملكها ابن رائق من يده. وسار إلى الرملة يريد مصر. وبرز الإخشيد من مصر فالتقوا بالعريش وأكمن له ٤/٤٠٦

الإخشيد، ثم التقيا فانهزم الإخشيد أولا، وملك أصحاب ابن رائق سواده ونزلوا في خيامهم، ثم خرج عليهم كمين الإخشيد فانهزموا، ونجا ابن رائق إلى دمشق في فل من أصحابه. فبعث إليه الإخشيد أخاه أبا نصر بن طغج في العسكر، فبرز إليهم ابن رائق وهزمهم، وقتل أبو نصر في المعركة، فبعث ابن رائق شلوه إلى مصر مع ابنه مزاحم بن محمد بن رائق وكتب إليه بالعزاء والاعتذار، وأن مزاحما في فدائه، فخلع عليه ورده إلى أبيه. وتم الصلح بينهما على أن تكون الشام لابن رائق ومصر للإخشيد، والتخم بينهما للرملة. وحمل الإخشيد عنها مائة وأربعين ألفا كل سنة، وخرج الشام عن حكم الإخشيد وبقي في عمالة ابن رائق إلى أن قتل تحكم والبريدي.

وعاد ابن رائق من الشام إلى بغداد، فاستدعاه المتقي وصار أمير الأمراء بها، فاستخلف على الشام أبا الحسن علي بن أحمد بن مقاتل. ولما وصل إلى بغداد قاتله كورتكين القائم بالدولة فظفر به، وحبسه، وقاتل عامة أصحابه من الديلم. وزحف إليهم البريدي من واسط سنة ثلاثين وثلاثمائة فانهزم المتقي وابن رائق، وسار إلى الموصل وكان المتقي قد استنجد ناصر الدولة بن حمدان، فبعث إليه أخاه سيف الدولة ولقيه المتقي بتكريت، ورجع معه إلى الموصل، وقتل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن رائق، وولي إمارة الأمراء للمتقي. فلما سمع الإخشيد بمقتل ابن رائق سار إلى دمشق، ثم استولى يوسف بعد ذلك عليها سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وولى ناصر الدولة بن حمدان في ربيع سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة على أعمال ابن رائق كلها، وهي طريق الفرات وديار مضر وجند قنسرين والعواصم وحمص أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل، وأنفذه إليها من الموصل في جماعة من القواد. ثم ولى بعده في رجب ابن عمه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان على تلك الأعمال، وامتنع أهل الكوفة من طاعته فظفر بهم وملكها. وسار إلى حلب، وكان المتقي قد سار إلى الموصل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة مغاضبا الأمراء توزون فأقام بالموصل عند بني حمدان. ثم سار إلى الرقة فأقام بها، وكتب إلى الإخشيد يشكو إليه ويستقدمه، فأتاه من مصر، ومر بحلب فخرج عنها الحسين بن سعيد بن حمدان، وتخلف عنه أبو بكر بن مقاتل للقاء الإخشيد فأكرمه، واستعمله على خراج مصر. وولى على حلب يأنس المؤنسي. وسار الإخشيد من حلب إلى الرقة في محرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وأهدى له ولوزيره الحسين بن مقلة وحاشيته، وأشار عليه بالمسير إلى مصر ٤/٤٠٧

والشام ليقوم بخدمته فأبى فخوفه من تورون، وأن يلزم الرقة. وكان قد أنفذ رسله إلى تورون في الصلح وجاءوه بالإجابة فلم يعرج على شيء من إشارته. وسار إلى بغداد وانصرف الإخشيد إلى مصر وكان سيف الدولة بالرقة معهم فسار إلى حلب وملكها.

ثم سار إلى حمص وبعث الإخشيد عساكره إليها مع كافور مولاه، فلقيهم سيف الدولة إلى قنسرين، والتقيا لك وتحاربا، ثم افترقا على منعة وعاد الإخشيد إلى دمشق وسيف الدولة إلى حلب، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وسارت الروم إلى حلب وقاتلهم سيف الدولة فظفر بهم.

وفاة الإخشيد وولاية ابنه أنوجور واستبداد كافور عليه واستيلاء سيف الدولة على دمشق

ثم توفي الإخشيد أبو بكر بن طغج بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقيل خمس وولي مكانه أبو القاسم أنوجور وكان صغيرا فاستبد عليه كافور، وسار من دمشق إلى مصر فخالفه سيف الدولة، فسار إلى حلب، وزحف أنوجور في العساكر إليه فعبر سيف الدولة إلى الجزيرة، وحاصر أنوجور حلب أياما. ثم وقع الصلح بينهما، وعاد سيف الدولة إلى حلب وأنوجور إلى مصر، ومضى كافور إلى دمشق وولى عليها بدرا الإخشيدي المعروف بتدبير ، فرجع إلى مصر فأقام يدبر بها سنة، ثم عزل عنها وولي أبو المظفر طغج وقبض على تدبير.

وفاة أنوجور ووفاة أخيه علي واستبداد كافور عليه

ثم علت سن أبي القاسم أنوجور، ورام الاستبداد بأمره وإزالة كافور فشعر به وقتله فيما قيل مسموما سنة ونصب أخاه عليا للأمر في كفالته، وتحت استبداده إلى أن هلك. ٤/٤٠٨

وفاة علي بن الإخشيد وولاية كافور

ثم توفي علي بن الإخشيد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فأعلن كافور بالاستبداد بالأمر دون بني الإخشيد. وركب بالمظلة وكتب له المطيع بعهده على مصر والشام والحرمين وكناه العالي بالله، فلم يقبل الكنية، واستوزر أبا الفضل جعفر بن الفرات، وكان من أعاظم الملوك جوادا ممدوحا سيوسا كثير الخشية لله والخوف منه. وكان يداري المعز صاحب المغرب ويهاديه، وصاحب بغداد وصاحب اليمن، وكان يجلس للمظالم في كل سبت إلى أن هلك.

وفاة كافور وولاية أحمد بن علي بن الإخشيد

ثم توفي كافور منتصف سبع وخمسين وثلاثمائة لعشرة سنين وثلاثة أشهر من استبداده.

منها سنتان وأربعة أشهر مستقلا من قبل المطيع، وكان أسود شديد السواد واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارا. ولما هلك اجتمع أهل الدولة وولوا أحمد بن علي بن الإخشيد وكنيته أبو الفوارس، وقام بتدبير أمره الحسن ابن عمه عبد الله بن طغج، وعلى العساكر شمول مولى جده، وعلى الأموال جعفر بن الفضل، واستوزر كاتبه جابر الرياحي. ثم أطلق ابن الفرات بشفاعة ابن مسلم الشريف، وفوض أمر مصر إلى ابن الرياحي.

مسير جوهر الى مصر وانقراض دولة بني طغج

ولما فرغ المعز لدين الله من شواغل المغرب بعث قائده جوهر الصقلي الكاتب إلى مصر، وجهزه في العساكر، وأزاح عللها. وسار جوهر من القيروان إلى مصر، ومر ببرقة وبها أفلح مولى المعز فلقيه، وترجل له فملك الإسكندرية، ثم الجيزة. ثم أجاز إلى مضر وحاصرها، وبها أحمد بن علي بن الإخشيد وأهل دولته. ثم افتتحها سنة ٤/٤٠٩

ثمان وخمسين وثلاثمائة وقتل أبا الفوارس، وبعث بضائعهم وأموالهم إلى القيروان صحبة الوفد من مشيخة مصر وقضاتها وعلمائها، وانقرضت دولة بن طغج، وأذن سنة تسع وخمسين في جامع ابن طولون بحي على خير العمل. وتحولت الدعوة بمصر للعلوية، واختط جوهر مدينة القاهرة في موضع العسكر. وسير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام فغلب القرامطة عليه كما تقدم ذلك في أخبارهم.

الخبر عن دولة بني مروان بديار بكر بعد بني حمدان ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم

كان حق هذه الدولة أن نصل ذكرها بدولة بني حمدان كما فعلنا في دولة بني المقلد بالموصل، وبني صالح بن مرداس بحلب، لأن هذه الدول الثلاث إنما نشأت وتفرعت عن دولتهم، إلا أن بني مروان هؤلاء ليسوا من العرب، وإنما هم من الأكراد فأخرنا دولتهم حتى ننسقها مع العجم. ثم أخرناها عن دولة بني طولون لأن دولة بني طولون متقدمة عنها في الزمن بكثير. فلنشرع الآن في الخبر عن دولة بني مروان وقد كان تقدم لنا خبر باد الكردي واسمه الحسين بن دوشك، وكنيته أبو عبد الله وقيل كنيته أبو شجاع، وأنه خال أبي علي بن مروان الكردي، وأنه تغلب على الموصل وعلى ديار بكر، ونازع فيها الديلم ثم غلبوه عليها وأقام بجبال الأكراد. ثم مات عضد الدولة وشرف الدولة. ثم جاء أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسن إلى الموصل فملكاها. ثم حدثت الفتنة بينهما وبين الديلم وطمع باد في ملك الموصل، وهو بديار بكر فسار إلى الموصل فغلبه ابنا ناصر الدولة، وقتل في المعركة، وقد مر الخبر عن ذلك كله. فلما قتل خلص ابن أخته أبو علي بن مروان من المعركة، ولحق بحصن كيفا، وبه أهل باد وذخيرته، وهو من أمنع المعاقل فتحيل في دخوله بأن خاله أرسله، واستولى عليه وتزوج امرأة خاله. ثم سار في ديار بكر فملك جميع ما كان لخاله باد. وزحف إليه ابنا حمدان وهو يحاصر ميافارقين فهزمهما. ثم رجعا إليه وهو يحاصر آمد فهزمهما ثانيا، وانقرض أمرهما من الموصل، وملك أبو علي بن مروان ديار بكر وضبطها، واستطال عليه أهل ميافارقين، وكان شيخها أبو الأصغر فتركهم يوم العيد حتى اصحروا وكبسهم بالصحراء، وأخذ أبا الأصغر فألقاه من السور، ٤/٤١٠

ونهب الأكراد عامة البلد، وأغلق أبو علي الأبواب دونهم، ومنعهم من الدخول فذهبوا كل مذهب، وذلك كله سنة ثمانين وثلاثمائة.

مقتل أبي علي بن مروان وولاية أخيه أبي منصور

كان أبو علي بن مروان قد تزوج بنت سعد الدولة بن سيف الدولة، وزفت إليه من حلب وأراد البناء بها بآمد فخاف شيخها أن يفعل به وبهم ما فعل في ميافارقين فحذر أصحابه منه، وأشار عليهم أن ينثروا الدنانير والدراهم إذا دخل، ويقصدوا بها وجهه فيضربوه فكان كذلك. ثم أغفله وضرب رأسه واختلط أصحابه، فرمى برأسه إليهم، وكر الأكراد راجعين إلى ميافارقين فاستراب بهم مستحفظها أن يملكوها عليه، ومنعهم من الدخول. ثم وصل مهد الدولة أبو منصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين فأمكنه المستحفظ من الدخول فملكه، ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة، ونازعه أخوه أبو نصر فأقام بها مضيقا عليه فغلبه أبو منصور، وبعثه إلى قلعة أسعرد فأقام بها مضيقا عليه وأما آمد فتغلب عليها عبد الله شيخهم أياما، وزوج بنته من ابن دمنة الذي تولى قتل أبي علي بن مروان فقتله ابن دمنة، وملك آمد وبنى لنفسه قصرا ملاصقا للسور. وأصلح أمره مع مهد الدولة بالطاعة. وهادي ملك الروم وصاحب مصر وغيرهما من الملوك، وانتشر ذكره.

مقتل مهد الدولة بن مروان وولاية أخيه أبي نصر

ثم إن مهد الدولة أقام بميافارقين، وكان قائده شروة متحكما في دولته. وكان له مولى قد ولاه الشرطة. وكان مهد الدولة يبغضه ويهم بقتله مرارا. ثم يتركه من أجل شروة، فاستفسد مولاه شروة على مهد الدولة لحضوره. فلما حضر عنده قتله وذلك سنة اثنتين وأربعمائة ثم خرج على أصحابه وقرابته يقبض عليهم كأنه بأمر مهد الدولة ثم مضى الى ميافارقين ففتحوا له يظنونه مهد الدولة فملكها، وكتب إلى أصحاب ٤/٤١١

القلاع يستدعيهم على لسان مهد الدولة، وفيهم خواجا أبو القاسم صاحب أرزن الروم، فسار إلى ميافارقين، ولم يسلم القلعة لأحد. وسمع في طريقه بقتل مهد الدولة فرجع من الطريق إلى أرزن الروم، وأحضر أبا نصر بن مروان من أسعرد، وجاء به إلى أبيهم مروان. وكان قد أضر ولزم قبر ابنه أبي علي بأرزن هو وزوجته فأحضره خواجا عنده، واستحلفه عند أبيه وقبر أخيه، وملك أرزن. وبعث شروة من ميافارقين إلى أسعرد عن أبي نصر بن مروان، ففاته إلى أرزن، فأيقن بانتقاض أمره. ثم ملك أبو نصر سائر ديار بكر، ولقب نصير الدولة، ودامت أيامه. وأحسن السيرة وقصده العلماء من سائر الآفاق وكثروا عنده. وكان ممن قصده أبو عبد الله الكازروني، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر، وقصده الشعراء ومدحوه وأجزل جوائزهم. وأقامت الثغور معه آمنة، والرعية في أحسن ملكة إلى أن توفي.

استيلاء نصير الدولة بن مروان على الرها

كانت مدينة الرها بيد عطير، وكاتبوا أبا نصر بن مروان أن يملكوه فبعث نائبة بآمد ويسمى زنك فملكها، واستشفع عطير بصالح بن مرداس صاحب حلب إلى ابن مروان فأعطاه نصف البلد، ودخل إلى نصير الدولة بميافارقين فأكرمه، ومضى إلى الرها فأقام بها مع زنك. وحضر بعض الأيام مع زنك في صنيع، وحضر ابن النائب الذي قتله فحمله زنك على الأخذ بثأره فاتبعه لما خرج، ونادى بالثأر واستنفر أهل السوق فقتلوه في ثلاثة نفر. وكمن له بنو نمير خارج البلد وبعثوا من يغير منهم عليها، فخرج زنك في العسكر. ولما جاوز الكمين خرجوا عليه وقاتلوه وأصابه حجر فمات من ذلك فاتح ثمان عشرة وأربعمائة وخلصت الرها لنصير الدولة. ثم شفع صالح بن مرداس في ابن عطير وابن شبل فرد إليهما البلد إلى أن باعه ابن عطير من الروم كما يأتي.

حصار بدران بن مقلد نصيبين

كانت نصيبين لنصير الدولة بن نصر بن مروان، فسار إليها بدران بن المقلد في جموع ٤/٤١٢

بني عقيل، وحاصرها فظهر على العساكر الذين بها، وأمدهم نصير الدولة بعسكر آخر، فبعث بدران من اعترضهم في طريقهم وهزمهم، فاحتفل ابن مروان في الاحتشاد وبعث العساكر إلى نصيبين، فخرجوا عليه فهزموه أولا. ثم كر عليهم ففتك فيهم، وأقام يقاتلهم حتى سمع بأن أخاه قرواش وصل إلى الموصل فخشي منه وارتحل عنها.

دخول الغز الى ديار بكر

هؤلاء الغز من طوائف الترك، وهم الشعب الذين منهم السلجوقية، وقد تقدم لنا كيف أجازوا إلى خراسان لما قبض محمد بن سبكتكين على أرسلان بن سلجق منهم فحبسه، وما ظهر من فسادهم في خراسان وكيف أوقع بهم مسعود بن سبكتكين من بعد أبيه محمود، ففروا إلى الذين يريدون أذربيجان واللحاق بمن تقدم منهم هنالك، ويسمون العراقية بعد أن عاثوا في همذان وقزوين وأرمينية. وعاث الآخرون في أذربيجان وقتل وهشوذان صاحب تبريز منهم جماعة. ثم عاثوا في الأكراد واستباحوهم. ثم جاءهم الخبر بأن نيال إبراهيم أخا السلطان طغرلبك سار إلى الري فأجفلوا منها سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ووصلوا أذربيجان واتصلت الأخبار بأن نيال في أثرهم، فأجفلوا ثانيا خوفا منه، لأنهم كانوا له ولإخوته رعية. ولما أجفلوا سلك بهم الدليل في الجبال على الزوزان ، وأسهلوا إلى جزيرة ابن عمر، فسار بعضهم إلى ديار بكر، ونهبوا قزوين ويا زيدي والحسنية، وبقي آخرون بالجانب الشرقي من الجزيرة، وسار آخرون إلى الموصل. وكان سليمان بن نصير الدولة قيما بها فراسلهم في الصلح على أن يسير معهم إلى الشام فقبلوا. ثم صنع سليمان صنيعا ودعا إليه ابن غرغلي وقبض عليه وحبسه. وأجفل الغز في كل ناحية واتبعهم عساكر نصير الدولة وقرواش والأكراد البثنوية . ثم قصدت العرب العراق للمشتى، ٤/٤١٣

وعاد الغز الى جزيرة ابن عمر فحصروها، وخربوا ديار بكر نهبا وقتلا. وصانعهم نصير الدولة بإطلاق منصور بن غرغلي الذي حبسه سليمان فلم يكف إطلاقه من فسادهم، وساروا إلى نصيبين وسنجار والخابور، ودخل قرواش الموصل كما نبهنا، واتبعه طائفة منهم فكان من خبره معهم ما قدمناه في أخباره.

مسير الروم الى بلد ابن مروان ثم فتح الرها

ولما كانت الدعوة العلوية قد انتشرت في الشام والجزيرة، وكان سبب ذلك أن وثابا النميري صاحب حران والرقة يخطب لهم، فلما ولي الوزيري للعلويين على الشام، بعث إلى ابن مروان بالتهديد، وأنه يسير إلى بلاده، فاستمد ابن مروان قرواش صاحب الموصل وشبيب بن وثاب صاحب الرقة، ودعاهما إلى الموافقة، وقطع الدعوة العلوية، فأجابوه وخطبوا للقائم وقطعوا الخطبة للمستنصر، وذلك سنة ثلاثين وأربعمائة. فقام الوزيري في ركائبه وتهددهم، وأعاد ابن وثاب خطبة العلوية بحران في ذي الحجة آخر السنة.

مقتل سليمان بن نصير الدولة

كان نصير الدولة قد ولى ابنه سليمان، (ويكنى أبا حرب) الأمور وكان يحاوره في الجزيرة بشرموشك بن المحلي زعيم الأكراد في حصون له هنالك منيعة، ووقعت بينهما منافرة. ثم استماله سليمان ومكر به، وكان الأمير أبو طاهر البثنوي صاحب قلعة فنك وغيرها، وهو ابن أخت نصير الدولة، وكان صديقا لسليمان فكان مما استماله به موشك أن زوجه بابنة أبي طاهر فاطمأن موشك إلى سليمان، وسار إلى غزو الروم بأرمينية. وأمده نصير الدولة ابن مروان بالعساكر والهدايا، وقد كان خطب له من قبل ذلك، وأطاعه فشفع عنده في موشك فقتله سليمان، وقال لطغرلبك أنه مات.

وشكر له أبو طاهر حيث كان صهره واتخذها ذريعة إلى قتله، فخافه سليمان، وتبرأ إليه مما وقع فأظهر القبول، وطلب الاجتماع من حصنه فنك لذلك. وخرج سليمان ٤/٤١٤

إليه في قلة من أصحابه فقتله عبيد الله وأدرك من ثأر أبيه وبلغ الخبر إلى نصير الدولة فبادر بابنه نصير، وبعث معه العساكر لحماية الجزيرة. وسمع قريش بن بدران صاحب الموصل فطمع في ملك جزيرة ابن عمر فسار إليها، واستمال الأكراد الحسنية والبثنوية، واجتمعوا على قتال نصير بن مروان فأحسن المدافعة عن بلده، وقاتلهم وجرح قريش جراحا عديدة، ورجع إلى الموصل وأقام نصير بن مروان بالجزيرة والأكراد على خلافه.

مسير طغرلبك الى ديار بكر

ولما انصرف طغرلبك من الموصل وملكها وفر قريش عنها ثم عاود الطاعة وذلك سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فسار طغرلبك بعدها إلى ديار بكر وحاصر جزيرة ابن عمر.

وكان ابن مروان في خدمته وهداياه مترادفة عليه في مسيره، الى الموصل وعوده.

فبعث إليه بالمال مفاداة عن الجزيرة، ويذكر ما هو بصدده من الجهاد وحماية الثغر فأفرج عنه طغرلبك، وسار إلى سنجار كما ذكرناه في أخبار قريش.

وفاة نصير الدولة بن مروان وولاية ابنه نصر

وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة توفي نصير الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر، وكان لقبه القادر بالله، ومات لاثنتين وخمسين سنة من ولايته. وكان قد عظم استيلاؤه، وتوفرت أمواله، وحسن في عمارة الثغور وضبطها أثره . وكان يهادي السلطان طغرلبك بالهدايا العظيمة، ومنها حبل الياقوت الذي كان لبني بويه، اشتراه من أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه مائة ألف دينار فحسنت حاله عنده وكان يناغي عظماء الملوك في الترف، فيشتري الجارية بخمسمائة دينار ٤/٤١٥

وأكثر. واجتمع عنده منهن للافتراش والاستخدام أزيد من ألف. واقتنى من الأواني والآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار. وجمع في عصمته بنات الملوك، وأرسل طباخين الى الديار المصرية، وأنفق عليهم جملة حتى تعلموا الطبخ هنالك. ووفد عليه أبو القاسم بن المغربي من أهل الدولة العلوية بمصر، وفخر الدولة بن جهير من الدولة العباسية، فأقبل عليهما واستوزرهما. ووفد عليه الشعراء فوصلهم، وقصده العلماء فحمدوا عنده مقامهم، ولما توفي في كان الظفر فيها لنصر واستقر بميافارقين ومضى أخوه سعيد إلى آمد فملكها واستقر الحال بينهما على ذلك.

وفاة نصر بن نصير الدولة وولاية ابنه منصور

ثم توفي نظام الدين نصر بن نصير الدولة في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وولي ابنه منصور، ودبر دولته ابن الأنباري، ولم يزل في ملكه إلى أن قدم ابن جهير وملك البلاد من يده.

مسير ابن جهير إلى ديار بكر

كان فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير من أهل الموصل، واستخدم لجارية قراوش ثم لأخيه بركة، وسار عنه بالعوائد إلى ملك الروم. ثم استخدم لقريش بن بدران وأراد حبسه، فاستجار ببعض بني عقيل، ومضى إلى حلب فوزر لمعز الدولة أبي ثمال بن صالح. ثم مضى إلى عطية ولحق منها بنصير الدولة بن مروان، واستوزره وأصلح حال دولته. ولما توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة دبر أمر ابنه نصر القائم بعده. ثم هرب إلى بغداد سنة أربع وخمسين وأربعمائة استدعى منها للوزارة فوزر بعد محمد بن منصور بن دؤاد. ثم تداول العزل والولاية مرات هو وابنه عميد الملك، واستخدم لنظام الملك والسلطان طغرلبك. وكان شفع عند الخليفة، فلما ٤/٤١٦

عزل ابنه آخرا بعث عنه السلطان ونظام الملك وعن ابنه وجميع أقاربه، وسار إليه بأصفهان ولقاه مبرة وتكريما. وبعثه في العساكر لفتح ديار بكر، وأخذها من يد بني مروان، وأعطاه الآلات وأذن له أن يخطب لنفسه بعد السلطان، وينقش اسمه على السكة فسار لذلك سنة ست وسبعين وأربعمائة.

استيلاء ابن جهير على آمد

قد ذكرنا مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر إلى ديار بكر، ثم أمده السلطان سنة سبع وسبعين وأربعمائة بأرتق بن أكسك في العساكر. واستنجد نصر بن مروان شرف الدولة مسلم بن قريش على أن يعطيه آمد فأنجده، وسار لمظاهرته فأقصر فخر الدولة بن جهير عن حربهم عصبة للعرب. وخالفه أرتق وسار في الترك إليهم وهزمهم، ولحق مسلم بآمد وحاصره بها فبذل المال لأرتق. وخلص من أمره، ولحق بالرقة وسار ابن جهير إلى ميافارقين فرجع عنه منصور بن مزيد وابنه صدقة ومن معهما من العرب. وسار فخر الدولة المعروف بالقرم فنزل عليها، وشد حصارها ونزل يوما بعض الحامية من السور، وأخلى مكانه فوقف فيه بعض العامة، ونادى بشعار السلطان، واتبعه سائر الحامية بالسور. وبعثوا إلى زعيم الرؤساء ابن جهير فركب إليهم وملك البلد. وذلك سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ونصب أهل البلد بيوت النصارى الذين كانوا يستخدمون لبني مروان في الجبايات، وانتقموا منهم، والله أعلم.

استيلاء ابن جهير على ميافارقين وجزيرة ابن عمر وانقراض دولة بني مروان

كان فخر الدولة بن جهير لما بعث ابنه إلى آمد، سار هو إلى ميافارقين، وأقام على حصارها منذ سنة سبع وسبعين وأربعمائة وجاءه سعد الدولة كوهرايين مددا واشتد الحصار، وانثلم السور في بعض الأيام فنادى أهلها بشعار ملك شاه. ودخل فخر ٤/٤١٧

الدولة وملك البلد، واستولى على أموال بني مروان وذخائرهم، وبعثها إلى السلطان ملك شاه مع ابنه زعيم الرؤساء، فوصل أصفهان في شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وسار فخر الدولة وكوهرايين إلى بغداد، وكان قد بعث عسكرا لحصار جزيرة ابن عمر، فحصروها، وثار بها أهل بيت من أعيانها يعرفون ببني رهان، وفتحوا بابا صغيرا للبلد كان منفذا للرجالة، وأدخلوا العسكر منه، وملكوه بدعوة السلطان ملك شاه. وانقرضت دولة بني مروان ولحق منصور بن نظام الدين نصر بن نصير الدولة بالجزيرة، وأقام في إيالة الغز. ثم قبض عليه جكرمش وحبسه بدار يهودي فمات بها سنة تسع وثمانين وأربعمائة والبقاء لله وحده.

الخبر عن دولة بني الصفار ملوك سجستان المتغلبين على خراسان ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم

كان أهل هذه الدولة قوما اجتمعوا بنواحي سجستان، ونصبوا لقتال الخوارج الشراة بتلك الناحية عند ما اضطربت الدولة ببغداد لقتل المتوكل، وسموا أنفسهم المتطوعة، وكان اجتماعهم على صالح بن نصر الكناني، ويقال له صالح المتطوعي وصحبه جماعة منهم درهم بن الحسن ويعقوب بن الليث الصفار وغلبوا على سجستان وملكوها. ثم سار إليهم طاهر بن عبد الله أمير خراسان وغلبهم عليها وأخرجهم منها. ثم هلك صالح أثر ذلك، وقام بأمره في المتطوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم مضعفا فتحيل صاحب خراسان عليه حتى ظفر به، وبعثه إلى بغداد فحبس بها، واجتمع المتطوعة على يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم يكاتب المعتز يسأله ولايتها، وأن يقلده حرب الخوارج فكتب له بذلك، وأحسن الغناء في حرب الشراة، وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى خراسان سنة ثلاث وخمسين ومائتين وعلى الأنبار ابن أوس فجمع لمحاربة يعقوب. وسار إليهم في التعبية، فاقتتلوا وانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وعظم أمره، وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف. ٤/٤١٨

استيلاء يعقوب الصفار على كرمان ثم على فارس وعودها

كان على فارس علي بن الحسين بن شبل، وكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز ابن طاهر عنها. وكان قد أبطأ عن حرب الخوارج فكتب له المعتز بولاية كرمان، وكتب ليعقوب الصفار أيضا بولايتها بقصد التضريب بينهما لتتمحص طاعتهما أو طاعة أحدهما. فأرسل علي بن الحسين من فارس على كرمان طوق بن المفلس من أصحابه فسبق إليه يعقوب وملكها. وجاء يعقوب فأقام قريبا منها شهرين يترقب خروج طوق إليه. ثم ارتحل الى سجستان ووضع طوق أوزار الحرب، وأقبل على اللهو واتصل ذلك بيعقوب في طريقه فكر راجعا، وأغذ السير ودخل كرمان، وحبس طوقا. وبلغ الخبر إلى علي بن الحسين وهو على شيراز فجمع عسكره ونزل مضيق شيراز. وأقبل يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما فاقتحم يعقوب النهر بأصحابه، وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا.

وأخذ علي بن الحسين أسيرا، واستولى على سواده، ودخل شيراز وملكها وجبى الخراج وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين وقيل قد وقع بينهما بعد عبور النهر حروب شديدة، وانهزم آخرها علي وكان عسكره نحوا من خمسة عشر ألفا من الموالي والأكراد، فرجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم، وازدحموا في الأبواب، وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف. ثم افترقوا في نواحي فارس وانتهبوا الأموال. ولما دخل يعقوب شيراز وملك فارس امتحن عليا وأخذ منه ألف بدرة ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحصى، وكتب للخليفة بطاعته، وأهدى هدية جليلة منها عشرة بازات بيض، وباز أبلق صيني، ومائة نافجة من المسك، وغير ذلك من الطرف، ورجع إلى سجستان ومعه علي وطوق في اعتقاله، ولما فارق فارس بعث المعتز عماله إليها.

ولاية يعقوب الصفار على بلخ وهراة

ولما انصرف يعقوب عن فارس ولى عليها المعتز من قبله، والخلفاء بعده، وليها ٤/٤١٩

الحرث بن سيما، فوثب به محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي من رجال العرب، وأحمد بن الليث من الأكراد الذين بنواحيها فقتلاه، واستولى ابن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين وأظهر دعوة المعتمد، وبعث عليها المعتمد الحسين بن الفياض، فسار إليه يعقوب بن الليث سنة سبع وخمسين ومائتين. وكتب إليه المعتمد بالنكير على ذلك. وبعث إليه الموفق بولاية بلخ وطخارستان فملكها، وخرب المباني التي بناها داود بن العباس بظاهر بلخ، وتسمى بأساديانج. ثم سار إلى كابل واستولى عليها، وقبض على رتبيل ، وبعث بالأصنام التي أخذها من كابل، وملك البلاد إلى المعتمد. وأهدى إليه هدية جليلة المقدار، وعاد إلى بست معتزما على العود إلى سجستان فاحفظه بعض قواده بالرحيل قبله فغضب، وأقام منه إلى سجستان. ثم سار إلى خراسان وملك هراة. ثم إلى بوشنج فملكها وقبض على عاملها الحسين بن علي بن طاهر الكبير، وكان كبير بيتهم، وشفع له فيه محمد بن طاهر صاحب خراسان فأبى من إسعافه، وبقي في قلبه، وولى على هراة وبوشنج وباذغيس ورجع إلى سجستان.

استيلاء الصفار على خراسان وانقراض أمر بني طاهر

كان بسجستان عبد الله السجزي ينازع يعقوب بن الليث، فلما قوي يعقوب واستفحل، سار عبد الله إلى خراسان، وطمع في ملكها، وحاصر محمد بن طاهر في كرسي ولايته نيسابور. ثم تردد الفقهاء بينهم في الصلح حتى تم بينهما، وولاه محمد الطبسين وقهستان. ثم بعث يعقوب إلى محمد في طلبه فأجاره، وأحفظ ذلك يعقوب فسار إلى محمد بنيسابور، فخام محمد عن لقائه. ونزل يعقوب بظاهر نيسابور، وخرج إليه قرابة محمد وعمومته وأهل بيته، ودخل نيسابور واستعمل عليها، وذلك سنة تسع وخمسين ومائتين. وكتب إلى المعتمد بأن أهل خراسان استدعوه لعجز ابن طاهر وتفريطه في أمره. وغلبه العلوي على طبرستان فكتب إليه المعتمد بالنكير والاقتصار على ما بيده، وإلا سلك به سبيل المخالفين. وقيل في ملكه نيسابور غير ٤/٤٢٠

ذلك، وهو أن محمد بن طاهر لما أصاب دولته العجز والإدبار، كاتب بعض قرابته يعقوب بن الليث الصفار، واستدعوه فكتب يعقوب إلى محمد بن طاهر بمجيئه إلى ناحيته موريا بقصد الحسن بن زيد في طبرستان. وأن المعتمد أمره بذلك، وأنه لا يعرض لشيء من أمر خراسان. وبعث بعض قواده عينا عليه، وعنفه على الإهمال والعجز، وقبض على جميع أهل بيته نحوا من مائة وستين رجلا وحملهم جميعا إلى سجستان وذلك لإحدى عشرة سنة من ولاية محمد. واستولى يعقوب على خراسان وهرب منازعة عبد الله السجزي إلى الحسين بن يزيد صاحب طبرستان، وقد كان ملكها من لدن سنة إحدى وخمسين ومائتين، فأجاره الحسين وسار إليه يعقوب سنة ستين ومائتين، وحاربه فانهزم الحسين الى أرض الديلم، واعتصم بجبار طبرستان وملك يعقوب سارية وآمد ورجع في طلب السجزي إلى الري وتهدد العامل على دفعه إليه فبعث به وقتله يعقوب.

استيلاء الصفار على فارس

تقدم لنا تغلب محمد بن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين ومسير الصفار إليه سنة سبع وثلاثمائة ورجوعه عنها، وأنه أعاضه عنها ببلخ وطخارستان. ثم إن المعتمد أضاف فارس إلى موسى بن بغا مع الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، وما بيده من الأعمال، فولي موسى على فارس من قبله عبد الرحمن بن مفلح وبعثه إلى الأهواز وامده بطاشتمر. وزحفوا إلى ابن واصل وسار لحرب موسى بن بغا بواسط، فولى على الأهواز مكانه أبا الساج وأمره بمحاربة الزنج فبعث صهره عبد الرحمن لذلك، فلقيه علي بن أياز قائد الزنج، وهزمه وقتل. وملك الزنج الأهواز وعاثوا فيها وأديل من أبي الساج بإبراهيم بن سيما، وسار لحرب ابن واصل، واضطربت الناحية على موسى بن بغا فاستعفى من ولايتها، وأعفاه المعتمد وطمع يعقوب الصفار في ملك فارس، فسار من سجستان ممدا، ورجع ابن واصل من الأهواز إليه، وترك محاربة ابن سيما، وأغذ السير ليفجأه على بغتة، ففطن له الصفار وسار إليهم وفد أعيوا وتعبوا من شدة السير والعطش، ولما تراءى الجمعان تخاذل أصحاب ابن واصل وانهزموا من غير قتال، وغنم الصفار في معسكره وما كانوا أصابوا لابن ٤/٤٢١

مفلح، واستولى على بلاد فارس ورتب بها العمال وأوقع بأهل ذم لإعانتهم ابن واصل، وطمع في الاستيلاء على الأهواز وغيرها.

حروب الصفار مع الموفق

ولما ملك الصفار خراسان من يد ابن طاهر وقبض عليه وملك فارس من يد ابن واصل، وكان المعتمد نهاه عن تلك، فلم ينته، صرح المعتمد بأنه لم يوله، ولا فعل ما فعل بإذنه، وأحضر حاج خراسان وطبرستان والري، وخاطبهم بذلك فسار الصفار الى الأهواز سنة اثنتين أصحابه الذين أسروا بخراسان، فأبى إلا العزم على الوصول إلى الخليفة ولقائه، وبعث حاجبه درهما يطلب ولاية طبرستان وخراسان وجرجان والري وجارس والشرطة ببغداد، فولاه المعتمد ذلك كله مضافا إلى سجستان وكرمان. وأعاد حاجبه بذلك، ومعه عمرو بن سيما فكتب يقول: لا بد من الحضور بباب المعتمد، وارتحل من عسكر مكرم جائيا. وخرج أبو الساج من الأهواز لتلقيه لدخول الأهواز في أعماله، فأكرمه ووصله. وسار إلى بغداد ونهض المعتمد من بغداد فعسكر بالزعفرانية، ووافاه مسرور البلخي من مكانه من مواجهة الزنج، وجاء يعقوب إلى واسط فملكها، ثم سار منها إلى دير العاقول، وبعث المعتمد أخاه الموفق لمحاربته وعلى ميمنته موسى بن بغا، وعلى ميسرته موسى البلخي، فقاتله منتصف رجب وانهزمت ميسرة الموفق وقتل فيها إبراهيم بن سيما وغيره من القواد. ثم تزاحفوا واشتدت الحرب وجاء للموفق محمد بن أوس والدراني مددا من المعتمد، وفشل أصحاب الصفار، ولما رأوا مدد الخليفة انهزموا، وخرج الصفار، واتبعهم أصحاب الموفق، وغنموا من عسكره نحوا من ٤/٤٢٢

عشرة آلاف من الظهر، ومن الأموال والمسك ما يؤد حمله. وكان محمد بن طاهر معتقلا في العسكر منذ قبض عليه بخراسان، فتخلص ذلك اليوم، وجاء إلى الموفق، وخلع عليه وولاه الشرطة ببغداد. وسار الصفار إلى خوزستان فنزل جنديسابور، وراسله صاحب الزنج على الرجوع، ويعده المساعدة فكتب له: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون» 109: 1- 2 السورة. وكان ابن واصل قد خالف الصفار إلى فارس وملكها، فكتب إليه المعتمد بولايتها، وبعث إليه الصفار جيشا مع عمر بن السري من قواده، فأخرجه عنها وولى على الأهواز محمد بن عبيد الله بن هزارمرد الكردي. ثم رجع المعتمد إلى سامرا والموفق إلى واسط، واعتزم الموفق على إتباع الصفار فقعد به المرض عن ذلك. وعاد إلى بغداد ومعه مسرور البلخي، وأقطعه ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وقدم معه محمد بن طاهر فقام بولاية الشرطة ببغداد.

انتقاض الخجستاني بخراسان على يعقوب الصفار وقيامه بدعوة بني طاهر

كان من أصحاب محمد بن طاهر ورجالاته أحمد بن عبد الله بن خجستان، وكان متوليا على وهي من جبال سراة وأعمال باذغيس. فلما استولى الصفار على نيسابور وخراسان، انضم أحمد هذا إلى أخيه علي بن الليث، وكان شركب الحمال قد تغلب على مرو ونواحيها سنة تسع وخمسين ومائتين وتغلب على نيسابور سنة ثلاث وستين ومائتين وأخرج منها الحسين بن طاهر، وكان لشركب ثلاثة من الولد: إبراهيم وهو أكبرهم، وأبو حفص يعمر، وأبو طلحة منصور، وكان إبراهيم قد أبلى في واقعة المغار مع الحسن بن زيد بجرجان، فقدمه الصفار، وحسده أحمد الخجستاني فخوفه عادية الصفار، وزين له الهرب. وكان يعمر أخوه محاصرا لبعض بلاد بلخ، فاتفق إبراهيم وأحمد الخجستاني في الخروج إلى يعمر، وسبقه إبراهيم إلى الموعد ولم يلقه فسار إلى سرخس. ولما عاد الصفار إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين ولى ٤/٤٢٣

على هراة أخاه عمرو بن الليث فاستخلف عليها طاهر بن حفص الباذغيسي، وجاء الخجستاني إلى علي بن الليث وزين له أن يقيم بخراسان نائبا عنه في أموره وأقطاعه، فطلب ذلك من أخيه يعقوب فأذن له. فلما ارتحلوا عن خراسان جمع أحمد الخجستاني وأخرج علي بن الليث من بلده سنة إحدى وستين ومائتين وملك تونس وأعاد دعوة بني طاهر، وملك نيسابور سنة اثنتين وستين واستقدم رافع بن هرثمة من رجالات بني طاهر فجعله صاحب جيشه وسار إلى هراة فملكها من يد طاهر بن حفص وقتله، ثم قتل يعمر بن شركب، واستولى على خراسان ومحا منها دعوة يعقوب بن الليث. ثم جاء الحسن بن طاهر أخو محمد بأصفهان ليخطب له، فأبى فخطب له أبو طلحة بن شركب بنيسابور. وانتقض الخجستاني واضطربت خراسان فتنة. وزحف إليها الحسن بن زيد فقاتلوه وهزموه. ثم ملك نيسابور من يد عمرو بن الليث، وترك الخطبة لمحمد بن طاهر، وخطب للمعتمد ولنفسه من بعده كما هو مشروح في أخبار الخجستاني.

استيلاء الصفار على الأهواز

قد تقدم لنا استيلاء الصفار على فارس بعد خراسان. ثم سار منها إلى الأهواز وكان أحمد بن لسوقة قائد مسرور البلخي على الأهواز قد نزل تستر، فرحل عنها ونزل يعقوب جنديسابور وفرت عساكر السلطان من تلك النواحي. وبعث يعقوب بالخضر ابن العين إلى الأهواز وعلي بن أبان والزنج يحاصرونها، فتأخروا عنها إلى نهر السدرة، ودخل الخضر الأهواز وملكها بدعوة الصفار. وكان عسكره وعسكر الزنج يغير بعضهم على بعض. ثم أوقع الزنج بعسكره ولحق الخضر بعسكر مكرم، ٤/٤٢٤

واستخرج ابن أبان ما كان في الأهواز، ورجع إلى نهر السدرة، وبعث يعقوب الأمداد إلى الخضر، وأمره بالكف عن قتال الزنج والمقام بالأهواز فوادع الزنج، وشحن الأهواز بالأقوات وأقام.

وفاة يعقوب الصفار وولاية عمرو أخيه

ثم توفي يعقوب الصفار في شوال سنة خمس وستين بعد أن افتتح الزنج ، وقتل ملكها وأسلم أهلها على يده. وكانت مملكة واسعة الحدود. وافتتح زابلستان وهي غزنة وأعمالها. وكان المعتمد قد استماله وولاه على سجستان والسند. ثم تغلب على كرمان وخراسان وفارس، وولاه المعتمد على جميعها. ولما مات قام مكانه أخوه عمرو بن الليث، وكتب إلى المعتمد بطاعته، فولاه الموفق من قبل أعمال أخيه، وهي خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد. وبعث إليه بالخلع، فولى عمرو بن الليث على الشرطة ببغداد وسر من رأى من قبله عبيد الله بن عبد الله بن طاهر. وخلع عليه الموفق وعمرو بن الليث وولى على أصفهان من قبله أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف. وولى على طريق مكة والحرمين محمد بن أبي الساج.

مسير عمرو بن الليث الى خراسان لقتال الخجستاني

قد تقدم ذكر الخجستاني وتغلبه على نيسابور وهراة بدعوة بني طاهر سنة اثنتين وستين ومائتين فلما توفي يعقوب سار عمرو إلى خراسان سنة خمس وستين ومائتين واستولى على هراة. وسار الخجستاني بنيسابور فقاتله فانهزم عمرو، ورجع إلى هراة. وكان الفقهاء بنيسابور يشيعون لعمور لولاية الخليفة إياه، فأوقع الخجستاني الفتنة بينهم بالميل إلى بعضهم، وتكرمتهم عن بعض ليشغلهم بها. ثم سار إلى هراة سنة سبع ٤/٤٢٥

وستين ومائتين، وحاصر عمرو بن الليث فلم يظفر بشيء فتركه، وخالفه إلى سجستان. ووثب أهل نيسابور بنائبه عليهم، وأمدهم عمرو بن الليث بجنده فقبضوا على نائب الخجستاني وأقاموا بها. ورجع الخجستاني من سجستان فأخرجهم وملكها. وكان أبو منصور طلحة بن شركب محاصرا لبلخ من قبل ابن طاهر، وكاتبه عمرو بن الليث واستقدمه، وأعطاه أموالا واستخلفه على خراسان، ورجع إلى سجستان. وبقي أبو طلحة بخراسان والخجستاني يقاتله إلى أن قتل الخجستاني سنة ثماني وستين ومائتين قتله بعض مواليه كما مر في أخباره مع رافع بخراسان. كان رافع بن هرثمة من قواد بني طاهر بخراسان، فلما ملكها يعقوب سار إليه واستقر في منزله بتامين من قرى باذغيس. فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش على رافع وهو بهراة فأقروه عليهم. وكان أبو طلحة بن شركب قد سار من جرجان إلى نيسابور. فسار إليه رافع وحاصرها، وخرج عنها أبو طلحة إلى مرو، وخطب بها وبهراة لمحمد بن طاهر، وولى على هراة من قبله. ثم زحف إليه عمرو بن الليث فغلبه عليها، وولى عليها محمد بن سهل بن هاشم. ورجع وبعث أبو طلحة إلى إسماعيل بن أحمد يستنجده فأنجده بعسكر سار بهم إلى مرو، وأخرج منها محمد بن سهل وخطب لعمرو بن الليث وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين. ثم عزل المعتمد عمرو بن الليث عن سائر أعمال خراسان وقلدها الموفق محمد بن طاهر، وهو مقيم ببغداد، فاستخلف محمد عليها رافع بن هرثمة، وأقر نصر بن محمد أحمد الساماني على ما وراء النهر، فسار رافع إلى إسماعيل يستنجده على أبي طلحة فجاءه في أربعة آلاف مددا. واستقدم رافع أيضا علي بن الحسين المروروذي، وساروا جميعا إلى أبي طلحة وهو بمرو سنة اثنتين وسبعين ومائتين وغلبوه عليها ولحق بهراة، وعاد إسماعيل إلى خوارزم فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور.

حروب عمرو مع عساكر المعتمد ومع الموفق

ولما عزل المعتمد عمرو بن الليث عن خراسان أمر بلعنه على المنابر، وأعلم حاج خراسان بذلك، وقلد محمد بن طاهر أعمالها فاستخلف عليها رافع بن الليث، وكتب المعتمد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بعزله عن أصفهان والري. وبعث ٤/٤٢٦

إليه العساكر لقتاله سنة إحدى وسبعين ومائتين فزحف إليه عمرو في خمسة عشر ألفا من المقاتلة فهزمه أحمد بن عبد العزيز والعساكر واستباحوا معسكره، ودفعوه عن أصفهان والري. وكان المعتمد لما عزله ولعنه بعث صاعد بن مخلد في العساكر إلى فارس لقتال عمرو بن الليث وإخراجه من فارس، فسار لذلك ولم يظفر. ورجع سنة اثنتين وسبعين ومائتين. ثم سار الموفق سنة أربع وسبعين ومائتين إلى فارس لحرب عمرو ابن الليث، فسير عمرو قائده عباس بن إسحاق إلى شيراز، وابنه محمد بن عمرو إلى أرجان وبعث على مقدمته أبا طلحة بن شركب صاحب جيشه، فاستأمن أبو طلحة إلى الموفق وفت ذلك في عضد عمرو، وخام عن لقائه. وسار الموفق إلى شيراز وارتاب بأبي طلحة فقبض عليه، وملك الموفق فارس، وعاد عمرو إلى كرمان فسار الموفق في طلبه، فلحق بسجستان على المفازة، وتوفي ابنه محمد بن عمرو بها. وامتنعت كرمان وسجستان على الموفق فعاد إلى بغداد. وارتاب عمرو بن الليث بأخيه علي فحبسه بكرمان، وحبس معه ابنه المعدل والليث فهربوا من محبسهم، ولحقوا برافع ابن الليث عند ما ملك طبرستان وجرجان من محمد بن زيد العلوي سنة سبع وسبعين ومائتين فأقاموا عنده، وهلك علي بن الليث وبقي ولداه عنده. ثم رضي المعتمد عن عمرو بن الليث وولاه الشرطة ببغداد، وكتب اسمه على الأعلام والترسة سنة ست وسبعين ومائتين واستخلف في الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ثم سخطه لسنة ومحا اسمه من الأعلام.

ولاية عمرو بن الليث على خراسان ثانيا ومقتل رافع بن الليث

ثم سخط المعتمد رافع بن الليث لامتناعه عن تخلية قرى السلطان بالري بعد أن أمره بذلك، فكتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بمحاربة رافع وإخراجه عن الري. وكتب إلى عمرو بن الليث بولاية خراسان. وحارب أحمد بن عبد العزيز سنة ثمانين ومائتين فقاتل أخويه عمر وبكر ابني عبد العزيز فهزمهما إلى أصفهان، وأقام بالري باقي سنته. ثم سار إلى أصفهان فملكها سنة إحدى وثمانين ومائتين وعاد إلى جرجان، ووافى عمرو بن الليث خراسان واليا عليها بجموعه. ٤/٤٢٧

وتورط رافع بن الليث ورجع إلى مصالحة محمد بن زيد، ويعيد إليه طبرستان فصالح محمد بن زيد، وخطب له بطبرستان سنة اثنتين وثمانين ومائتين على أن يمده بأربعة آلاف من الديلم. وسار عن طبرستان إلى نيسابور سنة ثلاث وثمانين ومائتين فحاربه عمرو وهزمه إلى أبيورد، وأخذ منه المعدل والليث ابني أخيه. ثم أراد رافع المسير إلى هراة فأخذ عليه عمرو الطريق لسرخس وسرب رافع في المضايق ونكب عن جمهور الطريق فدخل نيسابور وحاصره فيها عمرو بن الليث. ثم برز للقائه واستأمن بعض قواد رافع إلى عمرو، فانهزم رافع وأصحابه. وبعث إلى محمد بن وهب يسنمده كما شرط له. وكان عمرو قد حذر محمد بن زيد من إمداده فأقصر من ذلك. وتفرق عن رافع أصحابه وغلمانه، وكانوا أربعة آلاف غلام. وفارقه محمد بن هارون إلى أحمد بن إسماعيل بن سمان ببخارى، وخرج رافع منهزما إلى خوارزم في فل من العسكر، وحمل بقية المال والآلة، وذلك في رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائتين. فلما رآه صاحب خوارزم أبو سعيد الغرغاني في قلة من العسكر، غدر به وقتله في أول شوال، وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث بنيسابور فأنفذه عمرو إلى بغداد. فكتب إليه المعتضد بولاية الري مضافة إلى خراسان، وأنفذ له الألوية والخلع سنة أربع وثمانين ومائتين.

استيلاء بني سامان على خراسان وهزيمة عمرو بن الليث وحبسه ثم مقتله

لما بعث عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة إلى المعتضد، طلب ولاية ما وراء النهر فولاه وبعث إليه بالخلع واللواء، فسرح عمرو الجيوش من نيسابور مع قائده محمد بن بشير وغيره من قواده لمحاربة إسماعيل بن أحمد، وانتهوا إلى آمد فعبر إسماعيل جيحون وهزمهم، وقتل محمد بن بشير وغيره من قواده، ورجع الفل إلى عمرو بنيسابور.

وعاد إسماعيل إلى بخارى وتجهز للسير إلى إسماعيل، وسار إلى بلخ. وبعث إليه ٤/٤٢٨

إسماعيل: إنك قد حزت الدنيا العريضة فاتركني في هذا الثغر فأبى. وعبر إسماعيل وأخذ عليه الجهات فصار محصورا، وندم وطلب المحاجزة فأبى إسماعيل، وقاتله فانهزم عمرو ونكب عن طريق العسكر إلى مضيق ينفرد فيه وتوارى في أجمة فوحلت به دابته، ولم يتفطن له أصحابه، فأخذ أسيرا وبعث به إسماعيل إلى المعتضد، بعد أن خيره فاختار المسير إليه، ووصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين وأدخل على جمل وحبس. وبعث المعتضد إلى إسماعيل بولايته خراسان إلى أن توفي المعتضد.

وجاء المكتفي إلى بغداد، وكان في نفسه اصطناعه، وكره ذلك الوزير القاسم بن عبيد الله فوضع عليه من قتله سنة تسع وثمانين ومائتين.

ولاية طاهر بن محمد بن عمرو على سجستان وكرمان ثم على فارس

ولما أسر عمرو وسار إلى محبسه، قام مكانه بسجستان وكرمان حافده طاهر بن محمد ابن عمرو، وهو الذي مات أبوه محمد بمفازة سجستان عند ما هرب عمرو أمام الموفق من فارس، ثم سار طاهر إلى فارس، وسار إليها في الجيوش سنة ثمان وثمانين ومائتين واعترضه بدر، فعاد طاهر الى سجستان، وملك بدر فارس وجبى أموالها. ثم بعث طاهر بن محمد سنة تسع وثمانين ومائتين يطلب المقاطعة على فارس بمال يحمله، وكان المعتضد قد توفي، فعقد له المكتفي عليها، وتشاغل طاهر بالصيد واللهو، ومضى إلى سجستان فغلب على الأمر بفارس الليث ابن عمه علي بن الليث، وسبكرى مولى جده عمرو، وكان معهما أبو قابوس قائد طاهر، فلحق بالخليفة المكتفي وكتب طاهر رده بما جباه من المال، ويحتسب له من جملته فلم يجب إلى ذلك.

استيلاء الليث على فارس ثم مقتله واستيلاء سبكرى

ولما تغلب سبكرى على فارس لحق الليث بن علي بطاهر ابن عمه وزحف طاهر إلى فارس فهزمه السبكري وأسره، وبعث به وبأخيه يعقوب إلى المقتدر سنة سبع وتسعين ٤/٤٢٩

ومائتين وضمن فارس بالحمل الذي كان قرره فولاه على فارس. ثم زحف إليه الليث ابن علي بن الليث فملك فارس الليث للقائهم وجاءه الخبر بأن الحسين ابن حمدان صار من قم مددا لمؤنس، فركب لاعتراضه، وتاه الدليل عن الطريق فأصبح على معسكر مؤنس فثاروا واقتتلوا وانهزم عسكر الليث، وأخذ أسيرا، وأشار أصحاب مؤنس بأن يقبض على سبكر معه. ويملك بلاد فارس، ويقره الخليفة فوعدهم بذلك، ودس إلى سبكرى بأن يهرب إلى شيراز. وأصبح يلوم أصحابه على ظهور الخبر من جهتهم، وعاد بالليث إلى بغداد واستولى سبكر على فارس، واستبد كاتبه عبد الرحمن بن جعفر على أموره، فسعى فيه أصحابه عند سبكرى حتى قبض عليه، وحملوه على العصيان فمنع الحمل، فكتب هو من محبسه إلى الوزير ابن الفرات يعرفه بأمرهم. وكتب ابن الفرات إلى مؤنس وهو بواسط يأمره بالعود إلى فارس ويعاتبه حيث لم يقبض على سبكرى فسار مؤنس إلى الأهواز، وراسله سبكرى وهاداه. وعلم ابن الفرات بميل مؤنس إليه فأنفذ وصيفا وجماعة من القواد ومعهم محمد بن جعفر وأمرهم بالتعويل عليه في فتح فارس. وكتب إلى مؤنس باستصحاب الليث إلى بغداد ففعل، وسار محمد بن جعفر إلى فارس ورافع سبكرى على شيراز فهزمه، وحاصره بها وحاربه ثانية فهزمه ونهب أمواله، ودخل سبكرى مفازة خراسان فظفرت به جيوش خراسان وأسروه، وبعثوا به إلى بغداد. وولى على فارس فتح خادم الأفشين.

انقراض ملك بني الليث من سجستان وكرمان

وفي سنة ثمان وتسعين ومائتين توفي فتح صاحب فارس، فولى المقتدر مكانه عبد الله ابن إبراهيم المسمعي وأضاف إليه كرمان من أعمال بني الليث. وسار أحمد بن إسماعيل ٤/٤٣٠

ابن سامان إلى الري فبعث منها جيوشه إلى سجستان سنة ثمان وتسعين ومائتين مع جماعة من قواده وعليهم الحسن بن علي المروروذي. وكانت سجستان لما أسر طاهر سنة سبع وتسعين ومائتين ولي بها بعده الليث بن علي بن الليث. فلما أسر الليث كما تقدم ولي بعده أخوه المعدل بن علي بن الليث، فلما بلغه مسير هذه العساكر إليه من قبل أحمد ابن إسماعيل بعث أخاه أبا علي بن الليث محمد بن علي بن الليث إلى بست والرخج ليجبيهما، ويبعث منهما إلى سجستان بالميرة، فسار إليه أحمد بن إسماعيل بن سامان، وعلى سجستان أبو صالح منصور ابن عمه إسحاق بن أحمد بن سامان لما بلغه مسير سبكر من فارس إلى سجستان في المفازة، فبعث إليه جيشا فأخذه، وكتب الأمير أحمد إلى المقتدر بالخبر وبالفتح، فأمره بحمل سبكر والليث، فبعث بهما إلى بغداد وحبسهما.

ثورة أهل سجستان بأصحاب ابن سامان ودعوتهم الى بني عمرو بن الليث بن الصفار ثم عودهم الى طاعة أحمد بن إسماعيل بن سامان

كان محمد بن هرمز ويعرف بالمولى الصندلي خارجيا وهو من أهل سجستان. خرج أيام بني سامان وأقام ببخارى، وسخط بعض الأعيان بها فسار إلى سجستان، واستمال جماعة من الخوارج رئيسهم ابن الحفار فخرجوا، وقبضوا على منصور بن إسحاق عاملهم من بني سامان وحبسوه، وولوا عليهم عمرو بن يعقوب بن محمد بن الليث، وخطبوا له، فبعث أحمد بن إسماعيل الجيوش ثانيا مع الحسين بن علي سنة ثلاثمائة، وحاصرها ستة أشهر، ومات الصندلي فاستأمن عمرو بن يعقوب الصفار وابن الحفار إلى الحسين بن علي، وخرج منصور بن إسحاق من محبسه. واستعمل أحمد ابن إسماعيل على سجستان سيمجور الدواني، ورجع الحسين بالجيوش إلى الأمير أحمد ومعه يعقوب وابن الحفار في ذي الحجة سنة ثلاثمائة. ٤/٤٣١

استيلاء خلف بن أحمد بن علي على سجستان ثم انتقاضهم عليه

كان خلف بن أحمد من ذرية عمرو بن الليث الصفار، وهو بسطة برسمه بانوا ولما فشل أمر بني سامان استولى على سجستان وكان من أهل العلم ويجالسهم. ثم حج سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. واستخلف على أعماله طاهر بن الحسين من أصحابه. فلما عاد من الحج انتقض عليه طاهر بن الحسين من أصحابه، فسار خلف إلى بخارى مستجيشا بالأمير منصور بن سامان، فبعث معه العساكر وملك سجستان، وكثرت أمواله وجنوده. وقطع ما كان يحمله إلى بخارى، فسارت العساكر إليه ومقدمهم وحاصروا خلف بن أحمد في حصن أوال من أمنع الحصون وأعلاها. ولما اشتد به الحصار وفنيت الأموال والآلات، كتب إلى نوح بن منصور صاحب بخارى بأن يستأمنه، ويرجع إلى دفع الحمل، فكتب نوح بن منصور إلى أبي الحسن بن سيمجور عامله على خراسان وقد عزل بالمسير إلى حصار خلف، فسار من قهستان إلى سجستان وحاصر خلف، وكانت بينهما مودة، فأشار عليه سيمجور بتسليم حصن أوال للحسن لتتفرق الجيوش عنه إلى بخارى، ويرجع هو إلى شأنه مع صاحبه، فقبل خلف مشورته. ودخل سيمجور إلى حصن أوال وخطب فيه للأمير نوح. ثم سلمه للحسن بن طاهر وانصرف إلى بخارى، وكان هذا أول وهن دخل على بني سامان من سوء طاعة أصحابهم. ٤/٤٣٢

استيلاء خلف بن أحمد على كرمان ثم انتزاع الديلم لها

ولما استفحل أمر خلف بسجستان حدث نفسه بملك كرمان، وكانت في أيدي بني بويه وملكهم يومئذ عضد الدولة، فلما وهن أمرهم، ووقع الخلف بين صمصام الدولة وبهاء الدولة ابني عضد الدولة، جهز العساكر إلى كرمان وعليهم عمرو ابنه وقائدهم يومئذ تمرتاش من الديلم. فلما قاربها عمرو هرب تمرتاش إلى بردشير وحمل ما أمكنه، وغنم عمرو الباقي وملك كرمان وجبى الأموال. وكان صمصام الدولة صاحب فارس، فبعث العساكر إلى تمرتاش مع أبي جعفر وأمره بالقبض عليه لاتهامه بالميل إلى أخيه بهاء الدولة، فسار وقبض عليه، وحمله إلى شيراز. وسار بالعساكر إلى عمرو بن خلف فقاتله عمرو بدار زين وانهزم الديلم وعادوا على طريق جيرفت، وبعث صمصام الدولة عسكرا آخر مع العباس بن أحمد من أصحابه، فلقوا عمرو بن خلف بالسيرجان في المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة فهزموه وعاد إلى أبيه بسجستان مهزوما، ووبخه ثم قتله. ثم عزل صمصام الدولة العباس عن كرمان فأشاع خلف بأن أستاذ هرمز سمه، واستنفر الناس لغزو كرمان، وبعثهم مع ابنه طاهر، فانتهوا إلى برماشير وملكوها من الديلم، ولحق الديلم بجيرفت واجتمعوا بها، وبعثوا بها إلى بردشير حامية من العسكر، وهو أصل بلاد كرمان ومصرها فحصرها طاهر ثلاثة أشهر، وضيق على أهلها، وكتبوا إلى أستاذ هرمز يستمدونه قبل أن يغلبهم عليها طاهر، فخاطر بنفسه، وركب إليهم المضايق والأوعار حتى دخلها، وعاد طاهر إلى سجستان واستنفر الناس لغزو الديلم بجيرفت، واجتمعوا بها وبعثوا إلى بردشير حامية من العسكر، وهو أصل بلاد كرمان، وذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ٤/٤٣٣

استيلاء طاهر بن خلف على كرمان وعوده عنها ومقتله

كان طاهر بن خلف من العقوق لأبيه على عظيم وانتقض عليه وجرت بينهما وقائع كان الظفر بها لخلف، ففارق طاهر سجستان وسار إلى كرمان. وبها الديلم عسكر بهاء الدولة فصعد إلى جبالها، واحتمى بقوم هنالك كانوا عصاة، ونزل على جيرفت فملكها، ولقيه الديلم فهزمهم، واستولى على الكثير مما بأيديهم فبعث بهاء الدولة عسكرا مع أبي جعفر بن أستاذ هرمز، فغلب طاهرا على كرمان فعاد إلى سجستان، وقاتل أباه فهزمه، وملك البلاد وامتنع أبوه خلف ببعض حصونه، وكان الناس قد سئموا منه لسوء سيرته، فرجع إلى مخادعة ابنه، فتواعد اللقاء تحت القلعة، وأكمن له بالقرب كمينا، فلما لقيه الكمين واستمكن منه أبوه خلف فقتله أبوه.

استيلاء محمود بن سبكتكين على سجستان ومحو آثار بني الصفار منها

كان خلف بن أحمد قد بعث ابنه طاهرا إلى قهستان فملكها. ثم إلى بوشنج كذلك.

وكانت هي وهراة لبغراجق عم محمود، وكان محمود مشتغلا بالفتنة مع قواد بني سامان، فلما فرغ منها استأذنه عمه في إخراج طاهر بن خلف فأذن له. وسار إليه سنة تسعين وثلاثمائة ولقيه بنواحي بوشنج فهزمه، ولج في طلبه فكر عليه طاهر وقتله، فساء ذلك محمودا وجمع عساكره وسار إلى خلف بن أحمد، وحاصره بحصن أصبهيل، وضيق عليه حتى بذل له أموالا جليلة، وأعطاه الرهن عليها فأفرج عنه.

ثم عهد خلف بملكه إلى ابنه، وعكف على العبادة والعلم خوفا من محمود بن سبكتكين فلما استولى طاهر على الملك عق أباه وكان من أمره ما تقدم. ولما قتل طاهر تغيرت نيات عساكره، وساءت فيه ظنونهم، واستدعوا محمود بن سبكتكين وملكوه مدينتهم. وقعد خلف في حصنه وهو حصن الطاق، له سبعة أسوار محكمة، وعليها ٤/٤٣٤

خندق عتيق له جسر يرفع ويحط عند الحاجة، فحاصره محمود سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وطم الخندق بالأعواد والتراب في يوم واحد، وزحف لقتاله بالفيول. وتقدم عظيمها فاقتلع باب الحصن بنابه وألقاه، وملك محمود السور الأول ودفع عنه أصحاب خلف إلى السور الثاني. ثم إلى الثالث كذلك فخرج خلف واستأمن.

وحضر عنده محمود وخيره في المقام حيث شاء من البلاد فاختار الجوزجان، وأقام بها أربع سنين. ثم نقل عنه الخوض في الفتنة، وأنه راسل أيلد خان يغريه بمحمود، فنقله الى جردين وحبسه لك إلى أن هلك سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وورثه ابنه أبو حفص. ولما ملك محمود سجستان واستنزل خلف من حصن الطاق، ولى على سجستان أحمد الفتحي من قواد أبيه. ثم انتقض أهل سجستان فسار إليهم محمود سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في ذي الحجة، وحصرهم في حصن أوال واقتحمه عليهم عنوة وقتل أكثرهم وسبى باقيهم حتى خلت سجستان منهم، وصفا ملكها له فأقطعها أخاه نصرا مضافة إلى نيسابور، وانقرض ملك بني الصفار وذويهم من سجستان والبقاء لله وحده.

الخبر عن دولة بني سامان ملوك ما وراء النهر المقيمين بها الدولة العباسية وأولية ذلك ومصائره

أصل بني سامان هؤلاء من العجم، كان جدهم أسد بن سامان من أهل خراسان وبيوتها، وينتسبون في الفرس إلى بهرام حشيش الذي ولاه كسرى أنوشروان مرزبان أذربيجان. وبهرام حشيش من أهل الري ونسبهم إليه هكذا أسد بن سامان خذاه بن جثمان بن طغان بن نوشردين بن بهرام نجرين بن بهرام حشيش. ولا وثوق لنا بضبط هذه الأسماء. وكان لأسد أربعة من الولد: نوح وأحمد ويحيى والياس، وأصل دولتهم هذه فيما وراء النهر أن المأمون لما ولي خراسان اصطنع بني أسد هؤلاء، وعرف لهم حق سلفهم واستعملهم. فلما انصرف إلى العراق ولى على خراسان غسان بن عباد من قرابة الفضل بن طاهر، مكان ابنه إسحاق ومحمد بن الياس. ثم مات ٤/٤٣٥

أحمد بن أسد بفرغانة سنة إحدى وستين. وكان له من الولد سبعة: نصر ويعقوب ويحيى وإسماعيل وإسحاق وأسد، وكنيته أبو الأشعث، وحميد وكنيته أبو غانم. ولما توفي أحمد وكانت سمرقند من أعماله، استخلف عليها ابنه نصرا، وأقام في ولايتها أيام بني طاهر وبعدهم. وكان يلي أعماله من قبل ولاة خراسان إلى حين انقراض أمر بني طاهر واستولى الصفار على خراسان.

ولاية نصر بن أحمد على ما وراء النهر

ولما استولى الصفار على خراسان، وانقرض أمر بني طاهر، عقد المعتمد لنصر بن أحمد على أعمال ما وراء النهر، فبعث جيوشه إلى شط جيحون مسلحة من عبور الصفار فقتل مقدمهم، ورجعوا إلى بخارى. وخشيهم واليها على نفسه ففر عنها.

وولوا عليهم ثم عزلوا، ثم ولوا ثم عزلوا، فبعث نصر أخاه إسماعيل على شط بخارى.

وكان يعظم محله ويقف في خدمته. ثم ولى على غزنة أبا إسحاق بن التكين. ثم ولى على خراسان من بعد ذلك رافع بن هرثمة بولاية بني طاهر وأخرج عنها الصفار.

وحصلت بينه وبين إسماعيل أعمال خوارزم فولاه إياها، وفسد ما بين إسماعيل وأخيه نصر، وزحف إليه سنة اثنتين وسبعين فأرسل قائده حمويه بن علي إلى رافع يستنجده، فسار إليه بنفسه منها، وأصلح بينهما ورجع إلى خراسان. ثم انتقض ما بينهما وتحاربا سنة خمس وسبعين، وظفر إسماعيل بنصر. ولما حضر عنده ترجل له إسماعيل وقبل يده ورده إلى كرسي إمارته بسمرقند. وأقام نائبا عنه ببخارى، وكان إسماعيل خيرا مكرما لأهل العلم والدين.

وفاة نصر بن أحمد وولاية أخيه إسماعيل على ما وراء النهر

ثم توفي نصر سنة تسع وسبعين ومائتين، وقام مكانه في سلطان ما وراء النهر أخوه إسماعيل وولاه المعتضد، ثم ولاه خراسان سنة سبع وثمانين ومائتين. وكان سبب ولايته ٤/٤٣٦

على خراسان أن عمرو بن الليث كان المعتضد ولاه خراسان. وأمره بحرب رافع بن هرثمة فحاربه وقتله، وبعث برأسه إلى المعتضد، وطلب منه ولاية ما وراء النهر، فولاه وسير العساكر لمحاربة إسماعيل بن أحمد مع محمد بن بشير من خواصه، فانتهوا إلى آمد بشط جيحون. وعبر إليهم إسماعيل فهزمهم وقتل محمد بن بشير، ورجع إلى بخارى فسار عمرو بن الليث من نيسابور إلى بلخ يريد العبور إلى ما وراء النهر، فبعث إليه إسماعيل يستعطفه بأن الدنيا العريضة في يدك وإنما لي هذا الثغر فأبى ولج، وعبر إسماعيل النهر وأحاط به، وهو على نجد فصار محصورا وسأل المحاجزة فأبى إسماعيل وقاتله فهزمه، وأخذه بعض العسكر أسيرا، وبعث به إلى سمرقند. ثم خيره في إنفاذه إلى المعتضد فاختاره، فبعث به إليه. ووصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين وأدخل على جمل وحبس وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بولاية خراسان كما كانت لهم فاستولى عليها، وصارت بيده. ولما قتل عمرو بن الليث طمع محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم في ملك خراسان، فسار إليها وهو يظن أن إسماعيل بن أحمد لا يريدها ولا يتجاوز عمله، فلما سار إلى جرجان وقد وصل كتاب المعتضد إلى إسماعيل بولاية خراسان، فكتب إليه ينهاه عن المسير إليها فأبى، فسرح إليه محمد بن هارون قائد رافع، وكان قد فارقه عند هزيمته ومقتله. ولحق بإسماعيل فسرحه في العساكر لقتل محمد بن زيد العلوي ولقيه على جرجان فانهزم محمد بن زيد وغنم ابن هارون عسكره، وأصابت محمد بن زيد جراحات هلك لأيام منها. وأسر ابنه زيد فأنزله إسماعيل بخارى وأجرى عليه، وسار محمد بن هارون إلى طبرستان فملكها، وخطب فيها لإسماعيل وولاه إسماعيل عليها.

استيلاء إسماعيل على الري

كان محمد بن هارون قد انتقض في طبرستان على إسماعيل وخلع دعوة العباسية وكان الوالي على أهل الري من قبل المكتفي أغرتمش التركي، وكان سيئ السيرة فيهم فاستدعوا محمد بن هارون من طبرستان فسار إليها، وحارب أغرتمش فقتله، وقتل ابنين له وأخاه كيغلغ من قواد المكتفي. واستولى على الري فكتب المكتفي إلى إسماعيل ٤/٤٣٧

بولاية الري، وسار إليها فخرج محمد بن هارون عنها إلى قزوين وزنجان وعاد إلى طبرستان، واستعمل إسماعيل بولاية الذين على جرجان فارس الكبير وألزمه بإحضار محمد بن هارون. فكاتبه فارس، وضمن له إصلاح حاله، فقبل قوله وانصرف عن حسان الديلمي إلى بخارى في شعبان سنة تسعين ومائتين. ثم قبض في طريقه وأدخل إلى بخارى مقيدا، فحبس بها ومات لشهرين.

وفاة إسماعيل بن أحمد وولاية ابنه أحمد

ثم توفي إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف سنة خمس وتسعين ومائتين، وكان يلقب بعد موته بالماضي، وولي بعده أبو نصر أحمد، وبعث إليه المكتفي بالولاية، وعقد له لواءه بيده، وكان إسماعيل عادلا حسن السيرة حليما.

وخرجت الترك في أيامه سنة احدى وتسعين ومائتين الى ما وراء النهر في عدد لا يحصى، يقال كان معهم سبعمائة قبة، وهي لا تكون إلا للرؤساء، فاستنفر لهم إسماعيل الناس، وخرج من الجند والمتطوعة خلق كثير. وخرجوا إلى الترك وهم غارون فكبسوهم مصبحين، وقتلوا منهم ما لا يحصى وانهزم الباقون. واستبيح عسكرهم.

ولما مات ولي ابنه أبو نصر أحمد واستوثق أمره ببخارى بعث عن عمه إسحاق بن أحمد من سمرقند فقبض عليه وحبسه. ثم عبر إلى خراسان ونزل نيسابور، وكان فارس الكبير مولى أبيه عاملا على جرجان. وكان ظهر له أن أباه عزله عن جرجان بفارس هذا، وكان فارس قد ولي الري وطبرستان، وبعث إلى إسماعيل ابن أحمد بثمانين حملا من المال ، فلما سمع بوفاة إسماعيل استردها من الطريق.

وحقد له أبو نصر ذلك كله، فخافه فارس. فلما نزل أبو نصر نيسابور كتب فارس إلى المكتفي يستأذنه في المسير إليه، وسار في أربعة آلاف فارس، وأتبعه أبو نصر فلم ٤/٤٣٨

يدركه. وتحصن منه عامل أبي نصر بالري، ووصل إلى بغداد فوجد المقتدر قد ولي بعد المكتفي، وقد وقعت حادثة ابن المعين فولاه المقتدر ديار ربيعة، وبعثه في طلب بني حمدان، وخشي أصحاب المقتدر أن يتقدم عليهم فوضعوا عليه غلاما له فسمه ومات بالموصل، وتزوج الغلام امرأته.

استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان

كانت سجستان في ولاية الليث بن علي بن الليث، وخرج إلى طلب فارس فأسره مؤنس الخادم، وحبس ببغداد وولى على سجستان أخوه المعدل، ثم سار أبو نصر أحمد بن إسماعيل سنة سبع وتسعين من بخارى إلى الري، ثم إلى هراة وطمع في ملك سجستان، فبعث إليه العسكر في محرم سنة ثمان وتسعين مع أعيان قواده:

أحمد بن سهل ومحمد بن المظفر وسيمجور الدواتي والحسين بن علي المروروذي. فلما بلغ الخبر إلى المعدل بعث أخاه محمد بن علي إلى بست والزنج فحاصرته العساكر بسجستان وسار أحمد بن إسماعيل إلى بست فملكها، وأسر محمد بن علي، وبلغ الخبر الى المعدل فاستأمن إلى الحسين فملكها، وحمل المعدل معه إلى بخارى. وولى الأمير على سجستان أبا صالح منصور بن عمه إسحاق بن أحمد، وكان قد قبض على إسحاق لأول ولايته. ثم أطلقه الآن وأعاده إلى سمرقند وفرغانة. وقد كان سبكرى هزمته عساكر المقتدر بفارس، وخرج إلى مفازة سجستان فبعث الحسين عسكرا لاعتراضه، وأخذ أسيرا، وبعثوا به وبمحمد بن علي إلى بغداد. وبعث المقتدر إلى أحمد بالخلع والهدايا. ثم انتقض أهل سجستان على سيمجور الدواتي وولوا منصور ابن عمه إسحاق على نيسابور.

مقتل أبي نصر أحمد بن إسماعيل وولاية ابنه نصر

ثم قتل أبو نصر أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر آخر جمادى الآخرة سنة إحدى ٤/٤٣٩

وثلاثمائة، وكان مولعا بالصيد، فخرج إلى برير متصيدا وكان له أسد يربط كل ليلة على باب خيمته فأغفل ليلة، فعدا عليه بعض غلمانه وذبحوه على سريره. وحمل إلى بخارى فدفن بها ولقب الشهيد، وقتل من وجد من أولئك الغلمان. وولي الأمير مكانه ابنه أبا الحسن نصر بن أحمد، وهو ابن ثمان سنين، ولقب السعيد. وتولى الأمور له أصحاب أبيه ببخارى، وحمله على عاتقه أحمد بن الليث مستولي الأمور، وانتقض عليه أهل سجستان، وعم أبيه إسحاق بن أحمد بسمرقند. وابناه منصور والياس ومحمد بن الحسين ونصر بن محمد وأبو الحسين بن يوسف والحسن بن علي المروروذي وأحمد بن سهل وليلى بن النعمان من الديلم صاحب العلويين بطبرستان، ومعه سيمجور وأبو الحسين بن الناصر الأطروش وقراتكين، وخرج عليه إخوته يحيى ومنصور وإبراهيم بنو أبيه، وجعفر بن داود ومحمد بن الياس، ومرداويج ووشمكير ابنا زياد من أمراء الديلم، وكان السعيد نصر مظفرا على جميعهم.

انتقاض سجستان

ولما قتل أحمد بن إسماعيل انتقض أهل سجستان وبايعوا للمقتدر، وبعثوا إليه وأخرجوا سيجور الدواتي ، فأضافها المقتدر إلى بدر الكبير، وأنفذ إليها الفضل بن حميد وأبا يزيد من قبل السعيد نصر وسعيد الطالقاني بغزنة كذلك فقصدها الفضل وخالد واستوليا على غزنة وبسنة وقبضا على سعيد الطالقاني وبعثا به إلى بغداد وهرب عبيد الله الجهستاني ثم اعتل الفضل وانفرد خالد بالأمور . ثم انتقض فأنفذ إليه ٤/٤٤٠

المقتدر أخا نجح الطولوني فهزمه خالد. وسار إلى كرمان، فأنفذ إليه بدر الجيش فأخذ أسيرا ومات، وحمل إلى بغداد.

انتقاض إسحاق العم وابنه الياس

كان إسحاق بن أحمد عم الأمير أحمد بن إسماعيل واليا على سمرقند، فلما بلغه مقتل الأمير أحمد، وولاية ابنه السعيد نصر، دعا لنفسه بسمرقند، وتابعه ابنه الياس على ذلك. وساروا إلى بخارى فبرز إليهم القائد حمويه بن علي فهزمهم إلى سمرقند. ثم جمعوا وعادوا فهزمهم ثانية، وملك سمرقند من أيديهم عنوة. واختفى إسحاق وجد حمويه في طلبه فضاق به مكانه، واستأمن إلى حمويه وحمله إلى بخارى وأقام بها إلى أن هلك. ولحق الياس بفرغانة فأقام بها إلى أن خرج ثانية كما يأتي.

ظهور الأطروش واستيلاؤه على طبرستان

قد تقدم لنا في أخبار العلوية شأن دولة الأطروش وبنيه بطبرستان، وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمرو بن علي بن الحسن السبط، وأنه استعمل الأمير أحمد على طبرستان مكانه أبا العباس أحمد عبد الله بن محمد بن نوح فأحسن السيرة، وعدل في الرعية وأكرم العلوية وبالغ في الإكرام والإحسان إليهم. واستمال رؤساء الديلم وهاداهم، وكان الحسن الأطروش قد دخل إليهم بعد قتل محمد بن زيد وأقام فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويقتصر منهم على العشر، ويدافع عنهم ملكهم ابن حسان، فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا إليه، وبنى في بلادهم المساجد، ودعاهم للمسير معه إلى طبرستان فلم يجيبوه إلى ذلك. ثم عزل أبو العباس، وتولى سلام فلم يحسن سياسة الديلم فخرجوا عليه، وقاتلوه فهزمهم، واستعان بالأمير أحمد السعيد، فأعاد الأمير أحمد إليها ابن نوح، فاستعمل عليها أبا العباس محمد بن إبراهيم صعلوك، ففسد ما بينه وبين الديلم بإساءة السيرة وعدم السياسة. فطلبهم الأطروش في الخروج معه فخرجوا، ولقيهم ابن صعلوك على ٤/٤٤١

مرحلة من سالوس وهي ثغر طبرستان فانهزم وقتل من أصحابه أربعة آلاف، وحصر الأطروش الباقين. ثم أمنهم وعاد إلى آمد وسار إليهم الحسن بن القاسم العلوي الداعي صهر الأطروش فقتلهم متعللا عليهم فأنه لم يحضر لعهدهم. واستولى الأطروش على طبرستان سنة إحدى وثلاثمائة أيام السعيد نصر، وخرج صعلوك إلى الري متعللا عليهم، ومنها إلى بغداد. وكان الذين أسلموا على يد الأطروش الديلم من وراء أسفيجاب إلى آمد، فيهم شيعة زيدية. وكان الأطروش زيديا، وخرجت طبرستان يومئذ من ملك بني سامان.

انتقاض منصور بن إسحاق العم والحسين والمروروذي

كان الأمير أحمد بن إسماعيل لما افتتح سجستان ولى عليها منصور ابن عمه إسحاق، وكان الحسين بن علي هو الذي تولى فتحها وطمع في ولايتها. ثم افتتحها ثانيا كما ذكرنا فوليا سيجور الدواتي، فاستوحش الحسين لذلك، وداخل منصور بن إسحاق في الانتقاض، على أن تكون إمارة خراسان لمنصور والحسين بن علي خليفته على أعماله. فلما قتل الأمير أحمد انتقض الحسين بهراة، وسار إلى منصور بنيسابور فانتفض أيضا، وخطب لنفسه سنة اثنتين وثلاثمائة وسار القائد حمويه بن علي من بخارى في العساكر لمحاربتهما، ومات منصور قبل وصوله. فلما قارب حمويه نيسابور سار الحسين عنها إلى هراة، وأقام بها. وكان محمد بن جند على شرطته من مدة طويلة، وبعث من بخارى بالنكير، فخشي على نفسه، وعدل عن الطريق إلى هراة فسار الحسين بن علي من هراة إلى نيسابور، بعد أن استخلف عليها أخاه منصورا فملك نيسابور، فسار إلى محاربته من بخارى أحمد بن سهل فحاصر هراة وملكها من منصور على الأمان. ثم سار إلى نيسابور فحاصر بها الحسين وملكها عنوة، وأسر الحسين سنة اثنتين وثلاثمائة. وأقام أحمد بن سهل بنيسابور وجاءه ابن ٤/٤٤٢

جيد مزمر وقبض عليه وسيره والحسين بن علي إلى بخارى فأما ابن جيد مزمر فسير إلى خوارزم ومات بها، وأما الحسين فحبس. ثم خلصه أبو عبد الله الجهاني مدبر الدولة، وعاد إلى خدمة السعيد نصر.

انتقاض أحمد بن سهل بنيسابور وفتحها

كان الأمير أحمد بن سهل من قواد إسماعيل، ثم ابنه أحمد، ثم ابنه نصر بن أحمد.

قال ابن الأثير: وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن جبلة بن كامكان بن يزدجرد بن شهربان الملك. قال: وكان كامكان دهقان بنواحي مرو قال: وكان لأحمد إخوة ثلاثة وهم: محمد والفضل والحسين قتلوا في عصبية العرب والعجم وكان خليفة عمرو بن الليث على مرو فسخطه وحسبه بسجستان. ثم فر من محبسه ولحق بمرو فملكها واستأمن إلى أحمد بن إسماعيل، وقام بدعوته فاستدعاه إلى بخارى وأكرمه ورفع منزلته. ونظمه في طبقة القواد وبقي في خدمته وخدمة بنيه، فلما انتقض الحسين بن علي بنيسابور على السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل سنة اثنتين وثلاثمائة، سار إليه أحمد بن سهل في العساكر وظفر به كما مر. وولى السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل على نيسابور قراتكين مولاهم.

مقتل ليلى بن النعمان ومهلكه

كان ليلى بن النعمان من كبار الديلم، ومن قواد الأطروش، وكان الحسن بن القاسم الداعي قد ولاه على جرجان سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان أولاد الأطروش يحلونه في كتابهم بالمؤيد لدين الله المنتصر لأولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كريما شجاعا. ولما ولي جرجان سار إليه قراتكين وقاتله على عشرة فراسخ من جرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه فارس إلى ليلى في ألف رجل من أصحابه، فأمنه ٤/٤٤٣

وأكرمه وزوجه أخته، واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت سهل، وحرضه على المسير إلى نيسابور وبها قراتكين، وكان أجناده قد كثروا وضاقت عليهم الأموال فاستأذن الداعي في المسير إلى نيسابور، فأذن له، وسار إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة فملكها، وأقام بها الخطبة للداعي الحسين بن القاسم، وأنفذ السعيد نصر العساكر من بخارى مع حمويه بن علي ومحمد بن عبيد الله البلغمي وأبي جعفر صعلوك، وخوارزم شاه وسيجور الدواتي، فانهزم أكثر أصحاب حمويه وثبت القواد، وجالت العساكر جولة فانهزم ليلى ودخل آمد. ولحقه بقراخان ملك الترك جاء مع العساكر مددا فقبض على ليلى في آمد، وبعث إلى حمويه بذلك، فبعث إليه من قطع رأس ليلى في ربيع سنة تسع وثلاثمائة. وبعث به إلى بخارى وطلب قواد الديلم الذين كانوا مع ليلى الأمان فأمنوهم بعد أن أشار حمويه بقتلهم والراحة منهم، فلم يوافقوه. وهؤلاء القواد هم الذين خرجوا بعد ذلك على الجهات وملكوها مثل:

أسفار ومرداويح وشبكين وبني بويه وستأتي أخبارهم وبقي فارس غلام قراتكين بجرجان واليا عليها. ثم جاءه قراتكين واستأمن إليه غلامه فارس فأمنه. ثم قتله سنة ست عشرة وثلاثمائة وانصرف عن جرجان.

حرب سيجور مع ابن الأطروش

ولما قتل قراتكين غلامه سنة ست عشرة وثلاثمائة وانصرف عن جرجان سار إليها أبو الحسن بن ناصر الأطروش من أستراباذ فملكها، وأنفذ السعيد لحربه سيجور الدواتي في أربعة آلاف فارس فنزل على فرسخين من جرجان، وخرج إليه أبو الحسن في ثمانية آلاف راجل من الديلم فاقتتلا، وكان سيجور قد أكمن لهم وأبطأ عليه الكمين فانهزم واتبعه سرخاب . وشغل عسكر أبي الحسن بالنهب. ثم خرج عليهم الكمين بعد ساعة فانهزم أبو الحسن وقتل من عسكره نحو من أربعة آلاف، وركب البحر إلى ٤/٤٤٤

أستراباذ واجتمع إليه فل من أصحابه، وجاءه سرخاب بعد أن رجع عن سيجور، وجمع عيال أصحابه ومخلفهم وقدم بهم وأقام سيجور بجرجان. ثم مات سرخاب ورجع ابن الأطروش إلى سارية بعد أن استخلف ما كان بن كالي على أستراباذ، واجتمع إليه الديلم وأمروه. ثم سار إلى أستراباذ ومعه محمد ليظهر غناؤهم فخرج من سارية، وولوا عليها بقراخان، ووصلوا إلى جرجان ثم إلى نيسابور ورجع ما كان إلى أستراباذ مع جرجان ولحق بقراخان بنيسابور . وهذا كان مبتدأ أمر ما كان بن كالي وستأتي أخباره.

خروج الياس بن إسحاق

قد تقدم لنا انتقاض إسحاق وابنه الياس بسمرقند سنة إحدى وثلاثمائة، وكيف غلبهم القائد حمويه. وسار بإسحاق إلى بخارى ومات بها. ولحق ابنه الياس بفرغانة فأقام بها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، وأجمع المسير إلى سمرقند واستظهر بمحمد بن الحسين بن مت من قواد بني سامان، واستمد أهل فرغانة من الترك فأمدوه، واجتمع إليه ثلاثون ألف فارس، وقصد سمرقند وبعث السعيد للمدافعة عنها أبا عمرو ومحمد بن أسد وغيره في ألفين وخمسمائة راجل. فلما ورد الياس كمنوا له بين الشجر حتى إذا اشتغلت عساكره بضرب الأبنية خرجوا عليه، فانهزم الحسن بن ست ولحق بأسفيجاب ومنها إلى ناحية طراز وكريت فلقيه دهقان الناحية فقتله، ٤/٤٤٥

وأنفذ رأسه إلى بخارى. ثم استمد الياس صاحب الشاش، وهو أبو الفضل بن أبي يوسف فأمده بنفسه وبعث إليه أليسع بالمدد، وعاود محاربة الوالي بسمرقند، فانهزم إلى كاشغر، وأسر أبو الفضل وحمل إلى بخارى فمات بها. وسار الياس إلى كاشغر وصاحبها طغاتكين من ملوك الترك فصاهره بابنته وأقام معه.

استيلاء السعيد على الري

كان المقتدر قد عقد على الري ليوسف بن أبي الساج، وسار إليه سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فملكه من يد أحمد بن علي أخي صعلوك، وقد كان فارق أخاه صعلوكا وسار إلى المقتدر فولاه على الري. ثم انتقض على المقتدر ووصل يده بما كان بن كالي قائد الديلم وأولاد الأطروش وهم بطبرستان وجرجان. وفارق طاعة المقتدر، فسار إليه يوسف بن أبي الساج وحاربه فقتله، واستولى على الري ثم استدعاه المقتدر سنة أربع عشرة وثلاثمائة إلى واسط لقتال القرامطة، وكتب إلى السعيد نصر بن أحمد بولاية الري فاستخلف عليها وأمره بالمسير إليها، وأخذها فاتك مولى يوسف بن أبي الساج فسار نصر السعيد لذلك أول سنة أربع عشرة وأربعمائة فلما وصل إلى جبل قارن منعه أبو نصر الطبري من الاجتياز به، فبذل له ثلاثين ألف دينار واسترضاه.

وسار إلى الري فخرج عنها فاتك، واستولى عليها السعيد منتصف السنة، وأقام بها شهرين. ثم عاد عنها إلى بخارى واستعمل عليها محمد بن علي الملقب صعلوك، فأقام بها إلى شعبان سنة ست عشرة، ومرض فكاتب الداعي وما كان بن كالي في القدوم ليسلم لهم الري. فقدموا واستولوا على الري وسار صعلوك عنها فمات في طريقه. وأقام الحسن الداعي بالري مالكا لها. واستولى معها على قزوين وزنجان وأبهر وقم ومعه ما كان. وكان أسفار قد استولى على طبرستان، فسار الداعي وما كان إليه، والتقوا على سارية فانهزم، وقتل الداعي كما مر في أخبار العلوية بطبرستان. ٤/٤٤٦

ولاية أسفار على جرجان والري

كان أسفار بن شيرويه من أعيان الديلم وكان من أصحاب ما كان بن كالي. وقد تقدم لنا أن أبا الحسن بن الأطروش ولى ما كان على أستراباذ وأن الديلم اجتمعوا إليه وأمروه، وأنه ملك جرجان واستولى بعدها على طبرستان، وولى أخاه أبا الحسن بن كالي على جرجان. وكان أسفار بن شيرويه من قواده، فانصرف مغاضبا عنه سنة خمس عشرة وثلاثمائة إلى بكر بن محمد بن أليسع بنيسابور فبعثه بكر إلى جرجان ليفتحها، واضطرب أمر جرجان لأن ما كان ابن كالي اعتقل بها أبا علي الأطروش بنظر أخيه ابن كالي، فوثب الأطروش على أخيه أبي الحسن وقتله وملك جرجان . واستقدم أسفار بن شيرويه فقدم وضبط أمره، وسار إليهم ما كان من طبرستان في جيوشه فهزموه، واتبعوه إلى طبرستان فملكوها، وأقاموا بها. وهلك أبو علي ابن الأطروش بطبرستان، فعاد ما كان بن كالي وأخرج أسفار بن شيرويه من طبرستان.

ثم زحف أسفار إلى الداعي وما كان والتقوا على السيارية فانهزم الداعي وما كان وقتل الداعي. واستولى أسفار على طبرستان وجرجان والري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ. ودعا للسعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان واستعمل على آمد هارون ابن بهرام يريد استخلاصه لنفسه، لأن هارون كان يخطب لأبي جعفر من ولد الأطروش فولاه آمد وزوجه ببعض نساء الأعيان بها. وحضر عرسه أبو جعفر وغيره من العلويين، فهجم عليه أسفار يوم العرس فقبض على أبي جعفر والعلويين وحملهم إلى بخارى فاعتقلوا بها، واستفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد صاحب خراسان وعلى الخليفة المقتدر. وسار السعيد من بخارى إلى نيسابور لمحاربته وأشار عليه وزيره محمد بن مطرف الجرجاني بطاعة السعيد، وخوفه منه، فقبل إشارته ورجع إلى طاعة السعيد، وقبل شروطه من حمل المال وغيره. ثم انتقض عليه ٤/٤٤٧

مرداويح واستدعى ما كان من طبرستان وهزم أسفار وقتله. وملك ما بيده من الأعمال كما يذكر في أخبار الديلم. ثم ملك طبرستان وجرجان من يد ما كان، فاستمد ما كان السعيد فأمده بأبي علي بن محمد المظفر فهزمهما مرداويح، وعاد أبو علي إلى نيسابور وما كان إلى خراسان.

خروج أولاد الأمير أحمد بن إسماعيل على أخيهم السعيد

كان السعيد نصر بن أحمد لما ولي استراب بإخوته، وكانوا ثلاثة أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحاق إبراهيم أولاد الأمير أحمد بن إسماعيل، فحبسهم في القندهان ببخارى ووكل بهم. فلما سار السعيد إلى نيسابور سنة خمس عشرة فتقوا السجن وخرجوا منه على يد رجل خباز من أصفهان يسمى أبا بكر، داخلهم في محبسهم بتسهيل نفقتهم التي كانت على يده. وجاء إلى القندهان قبل يوم الجمعة الذي كان ميقاتا لفتحه، وأقام عندهم مظهرا للزهد والدين، وبذل للبواب دنانير على أن يخرجه ليلحق الصلاة في الجماعة، ففتح له الباب وقد أعدهم جماعة للوثوب، فحبسوا البواب، وأخرجوا أولاد الأمير أحمد ومن معهم في الحبس من العلويين والديلم والعيارين. واجتمع إليهم من كان وافقهم من العسكر والقواد ورأسهم شروين الجبلي، وبايعوا يحيى ابن الأمير أحمد، ونهبوا خزائن السعيد وقصوره. وقدم يحيى أبا بكر الخباز، وبلغ الخبر الى السعيد فعاد من نيسابور إلى بخارى. وكان أبو بكر محمد بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان مقيما بجرجان، فاستدعى ما كان بن كالي وصاهره، وولاه نيسابور فسار إليها. ولما جاء السعيد إلى بخارى اعترضه أبو بكر الخباز عند النهر فهزمه السعيد، وأسره ودخل بخارى فعذبه وأحرقه في تنوره الذي كان يخبز فيه. ولحق يحيى بسمرقند ثم مر بنواحي الصغانيان، وبها أبو علي بن أحمد بن أبي بكر بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان مقبما بجرجان، فاستدعى ما كان بن كالي إلى جرجان، ولقوا بها محمد بن الياس، ٤/٤٤٨

وقوي أمره، فلما جاء يحيى إلى نيسابور خطب له وأظهر دعوته. ثم قصدهم السعيد فافترقوا، ولحق ابن الياس بكرمان، ولحق يحيى وقراتكين ببست والرخج، ووصل السعيد إلى نيسابور سنة عشرين وثلاثمائة واصطلح قراتكين وأمنه وولا، بلخ، وذهبت الفتنة. وأقام السعيد بنيسابور إلى أن استأمن إليه أخواه يحيى ومنصور وحصرا عنده وهلكا، وفر إبراهيم إلى بغداد، ومنها إلى الموصل. وهلك قراتكين ببست، وصلحت أمور الدولة. وكان جعفر بن أبي جعفر بن داود واليا لبني سامان على الختل، فاستراب به السعيد، وكتب إلى أبي علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفر وهو بالصغانيان أن يسير إليه، فسار إليه وحاربه وكسره، وجاء به إلى بخارى فحبس بها، فلما فتق السجن خرج مع يحيى وصحبهم. ثم لما رأى تلاشي أموره استأذنه في المسير إلى الختل فأذن له فسار إليها، وأقام بها، ورجع إلى طاعة السعيد سنة ثمان عشرة وصلح حاله. (والختل بخاء معجمة مضمومة وتاء مثناة فوقانية مشددة مفتوحة) .

ولاية ابن المظفر على خراسان

كان أبو بكر محمد بن المظفر واليا للسعيد نصر على جرجان. ولما استفحل أمر مرداويح بالري كما يأتي في أخبار الديلم، خرج عنها ابن المظفر ولحق بالسعيد نصر في نيسابور وهو مقيم بها، فسار السعيد في عساكره نحو جرجان، ووقعت المكاتبة بين محمد بن عبيد الله البلغمي مدبر دولته، وبين مطرف بن محمد، واستماله محمد فمال إليه مطرف وقتله سلطانه مرداويح. ثم بعث محمد ينتصح لمرداويج ويذكره نعمة السعيد عنده في اصطناعه وتوليته، وتطوق العار في ذلك المطرف الوزير الهالك ويهول عليه أمر السعيد ويخوفه ويشير عليه بمسالمة جرجان إليه. وصالحه السعيد عليها ولما فرغ السعيد من أمر جرجان وأحكمه استعمل محمد بن المظفر بن محتاج على جيوش خراسان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ورد إليه تدبير الأمور بجميع نواحيها.

وسار إلى كرسي ملكه ببخارى واستقر بها.

ابن خلدون م 29 ج 4 ٤/٤٤٩

استيلاء السعيد على كرمان

كان محمد بن الياس من أصحاب السعيد، ثم سخطه وحبسه، وشفع فيه محمد بن عبيد الله البلغمي فأطلقه، وسيره محمد بن المظفر إلى جرجان. ثم سار إلى يحيى وإخوته عند ما توثبوا ببخارى فكان معه في الفتنة، وخطب له بنيسابور كما مر. فلما زحف السعيد إليهم فارق يحيى ولحق بكرمان، واستولى عليها. ثم خرج إلى بلاد فارس وبها ياقوت مولى الخلفاء فوصل إليه بإصطخر يريد ان يستأمن له، وأطلع ياقوت على مكره، فرجع إلى كرمان ثم بعث السعيد ما كان بن كالي في العساكر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وقاتل ابن الياس وهزمه وملك كرمان بدعوة السعيد نصر بن أحمد وسار الياس إلى الدينور. ثم رجع ما كان عن كرمان على ما نذكره بعد، فرجع إليها ابن الياس، وسبب خروج ما كان أن السعيد بعد قتل مرداويح كتب إليه وإلى محمد بن المظفر صاحب خراسان أن يقصد جرجان والري وبها وشمكير أخو مرداويح، فجاء ما كان على المفازة ووصل إلى نيسابور بعد أن كان محمد بن المظفر قد استولى عليها، بعث إليه مددا فهزمتهم عساكر وشمكين فأقصر ما كان عن حربهم، وأقام بنيسابور وجعلت ولايتها له، وذلك أول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ثم صفت كرمان لمحمد بن الياس بعد حروب مع جيش نصر كان له الظفر فيها آخرا.

استيلاء ماكان على كرمان وانتقاضه

لما ملك مانحين جرجان وأقام ما كان بنيسابور وجعلت ولايتها له وهلك مانحين لأيام من دخوله جرجان، استنفر محمد المظفر ما كان للمسير إلى جرجان فاعتل بالخروج بجميع أصحابه وسار إلى أسفراين، فأنفذ عسكرا إلى جرجان واستولى عليها. ثم انتقض وسار إلى نيسابور وبها محمد بن المظفر وكان غير مستعد للحرب فسار نحو سرخس، ودخل ما كان نيسابور سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ثم رجع عنها خوفا من اجتماع العساكر. ٤/٤٥٠

ولاية علي بن محمد على خراسان وفتحه جرجان

كان أبو بكر محمد بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان من ولاة السعيد عليها سنة احدى وعشرين وثلاثمائة فلما كانت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة اعتل أبو بكر وطال به مرضه، وقصد السعيد راحته فاستقدم ابنه أبا علي من الصغانيان، وبعثه أميرا على خراسان واستدعى أباه أبا بكر فلقي ابنه أبا علي على ثلاث مراحل من نيسابور فوصاه وحمله حملا من سياسته. وسار إلى بخارى ودخل ابنه أبو علي نيسابور من السنة فأقام بها أياما. ثم سار في محرم سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى جرجان وبها ما كان بن كالي مستنقضا على السعيد، وقد غوروا المياه في طريقه فسلك إليهم غمرة حتى نزل على فرسخ من جرجان، وحاصرها وضيق عليها وقطع الميرة عنها حتى جهدهم الحصار. وبعث ما كان بن كالي إلى وشمكير وهو بالري، فأمده بقائد من قواده فلما وصل إلى جرجان شرع في الصلح بينهما لينجو فيه ما كان فتم ذلك، وهرب ما كان إلى طبرستان واستولى أبو علي على جرجان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة واستخلف عليها إبراهيم بن سيجور الدواتي.

استيلاء أبي علي على الري وقتل ما كان بن كالي

ولما ملك أبو علي جرجان أصلح أمورها. ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيجور وسار إلى الري في ربيع سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وبها وشمكير بن زياد أخو مرداويح قد تغلب عليها من بعد أخيه. وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي صاحب خراسان، ويستحثانه لقصد الري بأن أبا علي لا يقيم بها لسعة ولايته فتصفو لهما. فلما سار أبو علي لذلك بعث وشمكير إلى ما كان بن كالي يستنجده، فسار إليه من طبرستان وسار أبو علي، وجاءه مدد ركن الدولة بن بويه والتقوا بنواحي الري فانهزم وشمكير وما كان. ثم ثبت ما كان، ووقف مستميتا فأصابه سهم فقتله، وهرب وشمكير إلى طبرستان فأقام بها واستولى أبو علي على الري سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وأنفذ رأى ما كان والأسرى معه إلى بخارى فأقاموا حتى دخل وشمكير في ٤/٤٥١

طاعة بني سامان. وسار إلى خراسان سنة ثلاثين وثلاثمائة واستوهبهم الأسرى فأطلقوا له وبقي الرأس ببخارى ولم يحمل إلى بغداد.

استيلاء أبي علي على بلد الجبل

ولما ملك أبو علي بن محتاج صاحب خراسان بلد الري والجبل من يد وشمكير، وأقام بها دعوة السعيد نصر بعث العساكر إلى بلد الجبل ففتحها، واستولى على زنجان وأبهر وقزوين وقم وكرخ وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال وجبى الأموال. وكان الحسن بن الفيرزان بسارية وهو ابن عم ما كان بن كالي وكان وشمكير يطمع في طاعته له وهو يتمنع، فقصده وشمكير وحاصره بسارية وملكها عليه. واستنجد الحسن أبا علي بن محتاج فسار معه لحصار وشمكير بسارية سنة ثلاثين وثلاثمائة، وضيق عليه حتى سأل الموادعة، فصالحه أبو علي على طاعة السعيد نصر، وأخذ رهنه، ورحل عنه إلى جرجان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. ثم بلغه موت السعيد فعاد أبو علي إلى خراسان فملكها وراسله الحسن بن الفيرزان يستميله ورد عليه ابنه سلار الرهينة ليستعين به على الخراسانية، فوعده وأطمعه. ولما ملك وشمكير الري طمع فيه بنو بويه لأنه كان قد اختل أمره بحادثته مع أبي علي، فسار الحسن بن الفيرزان إلى الري، وقاتل وشمكير فهزمه، واستأمن إليه الكثير من جنده. وسار وشمكير إلى الري فاعترضه الحسن بن الفيرزان من جرجان وهزمه إلى خراسان، وراسل الحسن ركن الدولة وتزوج بنته واتصل ما بينهما.

وفاة السعيد نصر وولاية ابنه نوح

ثم أصاب السعيد نصرا صاحب خراسان وما وراء النهر مرض السل، فاعتل ثلاثة عشرة شهرا ومات في شعبان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة لثلاثين سنة من ولايته. وكان يؤثر عنه الكرم والحلم، وأخلص في مرضه التوبة إلى أن توفي. ولما مات ولي مكانه ابنه نوح، وكان يؤثر الكرم والحلم عنه، وبايعه الناس ولقب الحميد، وقام بتدبير ٤/٤٥٢

ملكه أبو الفضل أحمد بن حوية وهو من أكابر أصحاب أبيه، كان أبوه السعيد ولى ابنه إسماعيل بخارى في كفالة أبي الفضل وولايته، فأساء السيرة مع نوح وحقد له ذلك. وتوفي إسماعيل في حياة أبيه، وكان يؤثر أبا الفضل فحذره من ابنه نوح.

فلما ولي نوح سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون إلى آمد. وكان بينه وبين أبي علي بن محتاج صهر، فبعث إليه يخبره بقدومه فنهاه عن القدوم عليه. ثم كتب له نوح بالأمان وولاه سمرقند وكان على الحاكم صاحب الدولة ولا يلتفت إليه، والآخر يحقد عليه ويعرض عنه. ثم انتقض عبد الله بن أشكام بخوارزم على الأمير نوح فسار من بخارى إلى مرو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وبعث إليه جيشا مع إبراهيم بن فارس فمات في الطريق. واستجار ابن أشكام بملك الترك، وكان ابنه محبوسا ببخارى فبعث إليه نوح بإطلاق ابنه على أن يقبض على ابن أشكام، وأجابه ملك الترك لذلك. ولما علم بذلك ابن أشكام عاد إلى طاعة نوح وعفا عنه وأكرمه.

استيلاء أبي علي على الري ودخول جرجان في طاعة نوح

ثم إن الأمير نوحا سار إلى مرو وأمر أبا علي بن محتاج أن يسير بعساكر خراسان إلى الري وينتزعها من يد ركن الدولة بن بويه فسار لذلك، ولقي في طريقه وشمكير وافدا على الأمير نوح فبعثه إليه. وسار أبو علي إلى بسطام فاضطرب جنوده، وعاد عنه منصور بن قراتكين من أكابر أصحاب نوح، فقصدوا جرجان وصدهم الحسن بن الفيرزان فانصرفوا الى نيسابور. وسار إلى الأمير نوح بمرو فأعاده وأمده بالعساكر. وسار من نيسابور في منتصف ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وعلم ركن الدولة بكثرة جموعه، فخرج من الري واستولى أبو علي عليها، وعلى سائر أعمال الجبال. وأنفذ نوابه إلى الأعمال ٤/٤٥٣

وذلك في رمضان من سنته. ثم سار الأمير نوح من مرو إلى نيسابور، وأقام بها، ووضع جماعة من الغوغاء والعامة يستغيثون من أبي علي ويشكون سوء السيرة منه ومن نوابه، فولى على نيسابور إبراهيم بن سيجور وعاد عنها وقصد أن يقيم أبو علي بالري لحسن دفاعه عنها وينقطع طمعه عن خراسان، فاستوحش أبو علي للعزل وشق عليه. وبعث أخاه أبا العباس الفضل بن محمد إلى كور الجبال، وولاه همذان، وخلافة العساكر، فقصد الفضل نهاوند والدينور، واستولى عليها واستأمن إليه رؤساء الأكراد بتلك النواحي، وأعطوا رهنهم على الطاعة وكان وشمكير لما وفد على الأمير نوح بمرو كما قدمناه استمده على جرجان، فأمده بعسكر، وبعث إلى أبي علي بمساعدته، فلقي أبا علي منصرفه في المرة الأولى من الري إلى نيسابور، فبعث معه جميع من بقي من العسكر، وسار وشمكير إلى جرجان وقاتل الحسن بن الفيرزان فهزمه واستولى على جرجان بدعوة نوح بن السعيد وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.

انتقاض أبي علي وولاية منصور بن قراتكين على خراسان

قد تقدم لنا أن الأمير نوحا عزل أبا علي بن محتاج عن خراسان، وكان من قبلها عزله عن ديوان الجند وهو لنظره، وبعث من يستعرض الجند فمحا وأثبت وزاد في العطاء ونقص فاستوحش لذلك كله، واستوحش الجند من التعرض إليهم بالإسقاط، ولأرزاقهم بالنقصان. وخلص بعضهم إلى بعض بالشكوى، واتفقوا في سيرهم إلى الري وهم بهمذان على استقدام إبراهيم بن أحمد أخي السعيد الذي كان قد هرب أمامه إلى الموصل كما تقدم. وظهر أبو علي على شأنهم، فنكر عليهم فتهددوه، وكاتبوا إبراهيم واستدعوه، وجاء إليهم بهمذان في رمضان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وكاتبه أبو علي، وكتب أخوه الفضل سرا إلى الأمير نوح بذلك، ونمي خبر كتابه إلى أخيه أبي ٤/٤٥٤

علي فقبض عليه، وعلى متولي الديوان. وسار إلى نيسابور، واستخلف على الري والجبل، وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فنهض إلى مرو واضطرب الناس عليه، وشكوا من محمد بن أحمد الحاكم مدبر ملكه، ورأوا أنه الذي أوحش أبا علي وأفسد الدولة، فنقموا ذلك عليه، واعتلوا عليه فدفع إليهم الحاكم فقتلوه منتصف خمس وثلاثين وثلاثمائة. ووصل أبو علي إلى نيسابور وبها إبراهيم بن سيجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القواد فاستمالهم، وساروا معه، ودخلها في محرم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ثم ارتاب بمنصور بن قراتكين فحبسه، وسار من نيسابور ومعه العم إبراهيم إلى مرو، وهرب أخوه الفضل في طريقه من محبسه، ولحق بقهستان. ولما قاربوا مرو اضطرب عسكر الأمير نوح، وجاء إليهم أكثرهم. واستولى عليها وعلى طخارستان، وبعث نوح العساكر من بخارى مع الفضل أبي علي إلى الصغانيان فأقاموا بها، ودس إليهم أبو عليه فقبضوا على الفضل وبعثوا به الى بخارى وعاد أبو علي من طخارستان إلى الصغانيان فأقاموا بها في ربيع سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وقاتل العساكر فغلبوه، ورجع إلى الصغانيان. ثم تجاوزها وأقام قريبا منها، ودخلتها العساكر فخربوا قصوره ومساكنه، وخرجوا في اتباعه، فرجع وأخذ عليهم المسالك، فضاقت أحوالهم، وجنحوا إلى الصلح معه على أن يبعث بابنه أبي المظفر عبد الله إلى الأمير نوح رهينة، فانعقد ذلك منتصف سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. وبعث بابنه إلى بخارى فأمر نوح بلقائه، وخلع عليه وخلطه بندمائه، وسكنت الفتنة. قال ابن الأثير: هذا الذي ذكره مؤرخو خراسان في هذه القصة، وأما أهل العراق فقالوا: إن أبا علي لما سار نحو الري استمد ركن الدولة بن بويه أخاه عماد الدولة فكتب يشير عليه بالخروج عن الري وملكها أبو علي، وكتب عماد الدولة إلى نوح سرا يبذل له في الري في كل سنة مائة ألف دينار وزيادة على ضمان أبي علي، ويعجل له ضمان سنة وسجله عليه. ثم دس عماد الدولة إلى نوح في القبض على أبي علي وخوفه منه، فأجاب الأمير نوح إلى ذلك، وبعث تقرير الضمان، وأخذ المال. ودس ركن الدولة إلى أبي علي بهمذان ورجع به على خراسان. وعاد ركن الدولة إلى الري واضطربت خراسان، ومنع عماد الدولة مال الضمان خوفا عليه في طريقه من أبي علي. وبعث إلى أبي علي يحرضه على اللقاء ويعده بالمدد. وفسد ما بينه وبين إبراهيم، وانقبض عنه، وأن الأمير نوحا سار إلى بخارى عند مفارقتها أبي علي. ٤/٤٥٥

وحارب إبراهيم العم ففارقه القواد إلى الأمير نوح فأخذ أسيرا وسمله الأمير نوح وجماعة من أهل بيته والله أعلم.

انتقاض ابن عبد الرزاق بخراسان

كان محمد بن عبد الرزاق عاملا بطوس وأعمالها وكان أبو علي استخلفه بنيسابور عند ما زحف منها إلى الأمير نوح، فلما راجع الأمير نوح ملكه انتقض ابن عبد الرزاق بخراسان. وولى الأمير نوح على خراسان محمد بن عبد الرزاق واتفق وصول وشمكير منهزما من جرجان أمام الحسن الفيرزان، واستمد الأمير نوحا فأخرج معه منصورا في العساكر وأمرهما بمعاجلة ابن عبد الرزاق، فخرج سنة ست وثلاثين وثلاثمائة إلى أستراباذ ومنصور في اتباعه فلحق بجرجان واستأمن إلى ركن الدولة بن بويه ومضى إلى الري. وسار منصور بن قراتكين إلى طوس، وحاصر رافع إلى قلعة أخرى فحاصره منصور بها حتى استأمن إليه، وجمع ما معه فأنهبه أصحابه.

وخرج معهم فافترقوا في الجبال واحتوى منصور على ما وجد بالحصن وحمل عيال محمد بن عبد الرزاق وأمه إلى بخارى فاعتقلوا بها. ولما وصل محمد بن عبد الرزاق إلى ركن الدولة بن بويه أفاض عليه العطاء وسرحه إلى محاربة المرزبان بأذربيجان كما يأتي. ٤/٤٥٦

استيلاء ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجان ومسير العساكر إلى جرجان والصلح مع الحسن بن الفيرزان

ولما وقع من الاضطراب ما وقع بخراسان، اجتمع ركن الدولة بن بويه والحسن بن الفيرزان، وقصدوا بلاد وشمكير فهزموه، وملك ركن الدولة طبرستان. وسار إلى جرجان فملكها، وأقام بها الحسن بن الفيرزان. واستأمن قواد وشمكير إليهم فأمنوهم وسار وشمكير إلى خراسان مستنجدا بصاحب خراسان، فسار معه منصور بن قراتكين في عساكر خراسان إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان. واسترهن ابنه، ثم أبلغه عن الأمير نوح ما أقلعه فأعاد على الحسن ابنه، وعاد إلى نيسابور وأقام وشمكير باورن

مسير ابن قراتكين الى الري وعوده اليه

ثم سار منصور بن قراتكين سنة تسع وثمانين وثلاثمائة إلى الري بأمر الأمير نوح لغيبة ركن الدولة بن بويه في نواحي فارس، فوصل إلى الري، واستولى عليها وعلى الجبل إلى قرميسين فكبس الذين بها من العسكر وهم غارون وأسروا مقدمهم محكما وحبس ببغداد، ورجع الباقون إلى همذان. فسار سبكتكين نحوهم، وجاء ركن الدولة إثر الانهزام، وشاور وزيره أبا الفضل بن العميد فأشار عليه بالثبات. ثم أجفل عسكر خراسان إلى الري لانقطاع الميرة عنهم، وكان ذلك سواء بين الفريقين، إلا أن الديلم كانوا أقرب إلى البداوة، فكانوا أصبر على الجوع والشظف، فركب ركن الدولة واحتوى على ما خلفه عسكر خراسان. ٤/٤٥٧

وفاة ابن قراتكين ورجوع أبي علي بن محتاج إلى ولاية خراسان

ثم توفي منصور بن قراتكين صاحب خراسان بالري بعد عوده من أصفهان في ربيع سنة أربعين، وحملت جنازته إلى أسفيجاب فدفن بها عند والده، فولى الأمير نوح على خراسان أبا علي بن محتاج، وأعاده إلى نيسابور. وقد كان منصور يستقيل من ولاية خراسان لما يلقى بها من جندها، ويستعفي نوحا المرة بعد المرة، وكان نوح يعد أبا علي بعوده إلى ولايته. فلما توفي منصور بعث إليه بالخلع واللواء، وأمره بالمسير وأقطعه الري وأمره بالمسير إليها فسار عن الصغانيان في رمضان سنة أربعين وثلاثمائة واستخلف مكانه ابنه أبا منصور وانتهى إلى مرو فأقام إلى أن أصلح امر خوارزم وكانت شاغرة. ثم سار إلى نيسابور فأقام بها. ولما كانت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة كتب وشمكير إلى الأمير نوح يأمر أبا علي ابن محتاج بالمسير معه في عساكر خراسان، فساروا في ربيع من السنة، وخام ركن الدولة عن لقائهم، فامتنع بطزل وأقام عليه أبو علي عدة شهور يقاتله حتى سئم العسكر، وعجفت دوابهم فمال إلى الصلح، وسعى بينهما فيه محمد بن عبد الرزاق المقدم ذكره، فتصالحا على مائتي ألف دينار ضريبة يعطيها ركن الدولة في كل سنة، ورجع أبو علي إلى خراسان. وكتب وشمكير إلى الأمير نوح بأن أبا علي لم ينصح في الحرب، وأن بينه وبين ركن الدولة مداخلة. وسار ركن الدولة بعد انصراف أبي علي نحو وشمكير فانهزم إلى أسفراين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.

عزل الأمير أبي علي عن خراسان ومسيره الى ركن الدولة وولاية بكر بن مالك مكانه

ولما تمكنت سعاية وشمكير من أبي علي عند الأمير نوح، كتب إليه بالعزل عن خراسان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وكتب إلى القواد بمثل ذلك. واستعمل على ٤/٤٥٨

الجيوش مكانه أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، وبعث أبو علي يعتذر فلم يقبل وأرسل جماعة من أعيان نيسابور يسألون إبقاءه فلم يجيبوا، فانتقض أبو علي وخطب لنفسه بنيسابور وكتب نوح إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان بأن يتفقا ويتعاضدا على أولياء ركن الدولة حيث كانوا ففعلا ذلك، فارتاب أبو علي بأمره ولم يمكنه العود إلى الصغانيان، ولا المقام بخراسان، فصرف وجهه إلى ركن الدولة واستأذنه في المسير إليه فأذن. وسار أبو علي إلى الري سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فأكرمه ركن الدولة وأنزله معه واستولى بكر على خراسان.

وفاة الأمير نوح وولاية ابنه عبد الملك

ثم توفي الأمير نوح بن نصر ولقبه الحميد في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة لاثنتي عشرة سنة من ولايته، وولي بعده ابنه عبد الملك. وقام بأمره بكر بن مالك الفرغاني فلما قرر أمر دولته، وثبت ملكه، أمر بكرا بالمسير إلى خراسان فكان من شأنه مع أبي علي ما قدمناه.

مسير العساكر من خراسان الى الري وأصفهان

ثم زحفت عساكر خراسان إلى الري سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وبها ركن الدولة بن بويه قدم إليها من جرجان، واستمد أخاه معز الدولة ببغداد، فأمده بالحاجب سبكتكين. وبعث بكر عسكرا آخر من خراسان مع محمد بن ما كان على طريق المفازة إلى أصفهان. وكان بأصفهان أبو منصور علي بن بويه بن ركن الدولة فخرج عنها مجرم أبيه وخزائنه. وانتهى الى خالنجان، ودخل محمد بن ماكان أصفهان وخرج في اتباع ابن بويه، وأدرك الخزائن فأخذها وسار فأدركه. ووافق وصول أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة في تلك الساعة فقاتله ابن ماكان وهزم أصحابه، وثبت ابن العميد، وشغل عسكر ابن ما كان بالنهب، فاجتمع على ابن العميد لمة من العسكر فاستمات، وحمل على عسكر ابن ما كان فهزمهم وأسر ابن ٤/٤٥٩

ما كان. وسار ابن العميد إلى أصفهان فملكها، وأعاد حرم ركن الدولة وأولاده إلى حيث كانوا من أصفهان. ثم بعث ركن الدولة إلى بكر بن مالك صاحب الجيوش بخراسان وقرر معه الصلح على مال يحمله ركن الدولة إليه على الري وبلد الجيل، فتقرر ذلك بينهما، وبعث إليه من عند أخيه ببغداد بالخلع واللواء بولاية خراسان، فوصلت إليه في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.

وفاة عبد الملك بن نوح صاحب ما وراء النهر وولاية أخيه منصور

ثم توفي الأمير عبد الملك لإحدى عشرة خلت من شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، لسبع سنين من ولايته. وولي بعده أخوه أبو الحرث منصور بن نوح، واستولى ركن الدولة لأول أيامه على طبرستان وجرجان فملكهما. وسار وشمكير عنها فدخل بلاد الجبل.

مسير العساكر من خراسان الى الري ووفاة وشمكير

قد ذكرنا من قبل أن وشمكير كان يقدح في عمال بني سامان بأنهم لا ينصحون لهم، ويداخلون عدوهم من الديلم. ووفد أبو علي بن الياس صاحب كرمان على الأمير أبي الحرث منصور مستجيشا به علي بني بويه، فحرضه على قصد الري وحذره من الاستمالة في ذلك إلى عماله كما أخبره وشمكير، وبعث إلى الحسن بن الفيرزان بالنفير مع عساكره. ثم أمر صاحب جيوش خراسان أبا الحسن بن محمد بن سيجور الدواني بالمسير إلى الري وأوصاه بالرجوع إلى رأي وشمكير. وبلغ الخبر إلى ركن الدولة، فاضطرب وبعث بأهله وولده إلى أصفهان. واستمد ابنه عضد الدولة بفارس، وبختيار ابن أخيه عز الدولة ببغداد، فبادر عضد الدولة إلى إمداده.

وبعث العساكر على طريق خراسان يريد قصدها لخلوها من العسكر، فأجحفت ٤/٤٦٠

عساكر خراسان، وانتهوا إلى الدامغان، فأقاموا. وبرز ركن الدولة نحوهم في عساكره من الري، وبينما هم في ذلك ركب وشمكير يوما ليتصيد فاعترضه خنزير، فأجفل فرسه وسقط الى الأرض وانهشم ومات، وذلك في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وانتقض ما كانوا فيه، وقام يسنون بن وشمكير مقام أبيه، وراسل ركن الدولة وصالحه، فأمده ركن الدولة بالمال والرجال.

خبر ابن الياس بكرمان

كان أبو علي بن الياس قد ملك كرمان بدعوة بني سامان، واستبد بها وأصابه فالج وأزمن به. وكان له ثلاثة من الولد: اليسع والياس وسليمان فعهد إلى اليسع وبعده الياس وأمر سليمان بالعود إلى أرضهم ببلاد الصغد، يقيم بها فيما لهم هنالك من الأموال لعداوة كانت بين سليمان واليسع فخرج سليمان لذلك، واستولى على السيرجان، فأنفذ إليه أبوه أبو علي ابنه الآخر في عسكر، وأمره بإجلائه عن البلاد، ولا يمكنه من قصد الصغد إن طلبها، فسار وحاصره. ولما ضاق الحصار على سليمان جمع أمواله ولحق بخراسان. وملك اليسع السيرجان وسار إلى خراسان. ثم لحق أبو علي ببخارى ومعه ابنه سليمان فأكرمه الأمير أبو الحرث وقربه. وأغزاه أبو علي بالري، وتجهيز العساكر إليه كما ذكرناه، وأقام عنده إلى أن توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة كما نذكر في أخباره. ولحق اليسع ببخارى فأقام بها، ثم سعى سليمان عند الأمير أبي الحرث منصور في المسير إلى كرمان وأطمعه في ملكها، وأن أهلها في طاعته، فبعث معه عسكرا. ولما وصل أطاعه أهل نواحيها من القمص والبولص وجميع المنتقضين على عضد الدولة، واستفحل أمره فسار إليه كوركين عامل عضد الدولة بكرمان، وحاربه ونزعت عساكره عنه، فانهزم وقتل معه ابنا أخيه اليسع وهما بكر والحسين وكثير من القواد وصارت كرمان للديلم. ٤/٤٦١

انعقاد الصلح بين منصور بن نوح وبين بني بويه

ثم انعقد الصلح بين الأمير أبي الحرث منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر، وبين ركن الدولة وزوجه ابنته، وحمل إليه الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله.

وكتب بينهم كتاب الصلح، شهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق. وتم ذلك على يد أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور صاحب الجيوش بخراسان من جهة الأمير أبي الحرث في سنة إحدى وستين وثلاثمائة.

وفاة منصور بن نوح وولاية ابنه نوح

ثم توفي الأمير أبو الحرث منصور ببخارى منتصف سنة ست وستين وثلاثمائة، وولي بعده ابنه أبو القاسم نوح صبيا لم يبلغ الحلم، فاستوزر أبا الحسن العتبي، وجعل على حجابة بابه مولاه أبا العباس قاسما، وكان من موالي أبي الحسن العتبي فأهداه إلى الأمير أبي صالح وشركهما في أمر الدولة أبو الحسن فائق، وأقر على خراسان أبا الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور واطردت أمور الدولة على استقامتها.

عزل ابن سيجور عن خراسان وولاية أبي العباس تاش

قد تقدم لنا شأن خلف بن أحمد الليثي صاحب سجستان وانتصاره بالأمير منصور ابن فرج على قريبه طاهر بن خلف بن أحمد بن الحسين المنتقض عليه لسنة أربع وخمسين وثلاثمائة وأنه مده بالعسكر ورده إلى ملكه. ثم انتقض طاهر ثانيا بعد انصراف العسكر عن خلف، وبعث مستجيشا فأمده ثانيا. وقد هلك طاهر وولي ابنه الحسين فحاصره خلف، وأرهقه الحصار فنزل لخلف عن سجستان ولحق بالسعيد نوح بن منصور. وأقام خلف دعوة نوح في سجستان وحمل المال متقررا عليه ٤/٤٦٢

كل سنة. ثم قصر في الطاعة والخدمة، وصار يتلقى الأوامر بالإعراض والإهمال فرمي بالحسين بن طاهر في جيوش خراسان وحاصره بقلعة أرك وطال انحصاره وأمده العتبي الوزير بجماعة القواد كالحسن بن مالك وبكتاش فأقاموا عليه سبع سنين حتى فنيت الرجال والأموال. وكان ابن سيجور صاحبه فلم يغن عليه، وعوتب في ذلك، وعزل عن خراسان بأبي العباس تاش فكتب يتعذر ورحل إلى قهستان ينتظر جواب كتابه، فجاءه كتاب الأمير نوح بالمسير إلى سجستان فسار، واستنزل خلفا من معقلة للحسين بن طاهر، وسار خلف إلى حصن الطاق، وداخله ابن سيجور وأقام خطبة لرضا نوح به وانصرف. ولما ولى الأمير نوح الحاجب أبا العباس تاش قيادة خراسان سار إليها سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة فلقي هنالك فخر الدولة ابن ركن الدولة، وشمس المعالي قابوس بن وشمكير ناجين من جرجان، وكان من خبرهما أن عضد الدولة لما استولى على بلاد أخيه فخر الدولة وهزمه، ولحق فخر الدولة بقابوس، وبعث عضد الدولة في طلبه ترغيبا وترهيبا فأجاره قابوس، وبعث عضد الدولة في طلبه أخاه مؤيد الدولة في العساكر إليهم، ولقيهم قابوس فهزموه فسار إلى بعض قلاعه، واحتمل منها ذخائره ولحق بنيسابور. ولحق به فخر الدولة ناجيا من المعركة فأكرمهم أبو العباس تاش، وأنزلهم خير منزل، وأقاموا عنده واستولى مؤيد الدولة على جرجان وطبرستان.

مسير أبي العباس في عساكر خراسان الى جرجان ثم مسيره إلى بخارى

ولما وصل قابوس بن وشمكير وفخر الدولة بن ركن الدولة إلى أبي العباس تاش مستجيرين بالأمير نوح على استرجاع جرجان وطبرستان من يد مؤيد الدولة، كتب بذلك إلى الأمير نوح ببخارى فأمره بالمسير معهما، وإعادتهما إلى ملكهما، فسار معهما لذلك في العساكر، ونازلوا جرجان شهرين حتى ضاق عليهم الحصار، وداخل مؤيد الدولة فائقا من قواد خراسان ورغبه فوعده بالانهزام. ثم خرج مؤيد الدولة من جرجان في عساكره مستميتا فهزمهم، ورجعوا إلى نيسابور وكتبوا إلى بخارى بالخبر فأجابهم الأمير نوح بالوعد. واستنفر العساكر من جميع الجهات إلى نيسابور للمسير ٤/٤٦٣

مع قابوس وفخر الدولة، فاجتمعوا لك. ثم جاء الخبر بقتل الوزير أبي الحسن العتبي، وكان زمام الدولة بيده، فيقال إن أبا الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور وضع عليه من قتله، وذلك سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ولما قتل كتب الأمير نوح بن منصور إلى الحاجب أبي العباس تاش يستدعيه لتدبير دولته ببخارى، فسار عن نيسابور إليها وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسن.

رد أبي العباس الى خراسان ثم عزله وولاية ابن سيجور

ولما سار أبو العباس إلى بخارى وكان أبو الحسن بن سيجور من حين سار إلى سجستان كما مر مقيما بها. ثم رجع آخرا إلى قهستان. فلما سار أبو العباس تاش إلى بخارى، وكتب ابن سيجور إلى فائق يطلب مظاهرته على ملك خراسان، أجابه إلى ذلك، واجتمعا بنيسابور واستوليا على خراسان، وسار إليهما أبو العباس تاش في العساكر. ثم تراسلوا كلهم واتفقوا على أن يكون بنيسابور، وقيادة العساكر لأبي العباس تاش، وبلخ لفائق، وهراة لأبي الحسن بن سيجور، وانصرف كل واحد إلى ولايته. وكان فخر الدولة بن بويه خلال ذلك معهما بنيسابور ينتظر النجدة إلى أن هلك أخوه مؤيد الدولة بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. واستدعاه أهل دولته للملك فكاتبه الصاحب ابن عباد وغيره فسار إليهم، واستولى على ملك أخيه بجرجان وطبرستان، وكان الأمير نوح لما سار أبو العباس من بخارى إلى نيسابور استوزر مكانه عبد الله بن عزيز، وكانت بينه وبين أبي الحسن العتبي منافسة وعداوة. ثم لما ولي الوزارة تقدم على عزل أبي العباس عن خراسان وكتب إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم بخراسان بولاية نيسابور.

انتقاض أبي العباس وخروجه مع ابن سيجور ومهلكه

ولما عزل أبو العباس تاش عن خراسان كتب إلى الأمير نوح يستعطفه فلم يجبه، ٤/٤٦٤

فانتقض. وكتب إلى فخر الدولة يستمده على ابن سيجور فأمده بالأموال والعسكر مع أبي محمد عبد الله بن عبد الرزاق، وسار إلى نيسابور في عساكره وعساكر الديلم، وتحصن ابن سيجور بنيسابور، وجاءه مدد آخر من فخر الدولة وبرز ابن سيجور للقائهم فهزموه وغنموا منه. واستولى أبو العباس على نيسابور، وكتب إلى الأمير نوح يستعطفه، ولج ابن عزيز في عزله. ثم ثاب لابن سيجور رأيه، وعادت إليه قوته.

وجاءه الأمراء من بخارى مددا. وكاتب شرف الدولة أبا الفوارس بن عضد الدولة بفارس يستمده فأمده بألفي فارس مراغمة لعمه فخر الدولة. فلما كثف جمعه زحف إلى أبي العباس وقاتله فهزمه، ولحق بفخر الدولة ابن بويه بجرجان فأكرمه وعظمه، وترك له جرجان ودهستان وأستراباذ إقطاعا. وسار عنها إلى الري، وبعث إليه من الأموال والآلات ما يخرج عن الحد. وأقام أبو العباس بجرجان. ثم جمع العساكر وسار إلى خراسان، فلم يقدر على الوصول إليها وعاد إلى جرجان وأقام بها ثلاث سنين، ومات سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. وقام أهل جرجان بأصحابه لما كانوا يحقدون عليهم من سوء السيرة فقاتلهم أصحابه، واستباحوهم حتى استأمنوا وكفوا عنهم. ثم افترق أصحابه وسار أكثرهم وهم كبار الخواص والغلمان إلى خراسان، وقد كان صاحبها أبو الحسن سيجور مات فجأة. وقام بأمرها مكانه ابنه أبو علي، وأطاعه إخوته وكبيرهم أبو القاسم، ونازعه فائق الولاية فلحق به أصحاب أبي العباس واستكثر بهم لشأنه.

ولاية أبي علي بن سيجور على خراسان

قد تقدم اتفاق أبي الحسن بن سيجور وأبي العباس تاش وفائق على أن تكون نيسابور وقيادة خراسان لتاش، وبلخ لفائق، وهراة لأبي علي بن أبي الحسن سيجور. ثم عزل تاش بسعاية الوزير ابن عزيز وولي أبو الحسن وكانت بينهما الحرب التي مر ذكرها. وانهزم تاش إلى جرجان فاستقر أبو علي بهراة وفائق ببلخ، وكان ابن عزيز يستحث الحسن لقصد جرجان. ثم عزل ابن عزيز ونفي إلى خوارزم، وقام ٤/٤٦٥

مكانه أبو علي محمد بن عيسى الدامغاني. ثم عجز لما نزل بالدولة من قلة الخراج وكثرة المصاريف، فصرف عن الوزارة بابي نصر بن أحمد بن محمد بن أبي يزيد. ثم عزل وأعيد أبو علي الدامغاني. وهلك أبو الحسن بن سيجور خلال ذلك، وقام ابنه أبو علي مقامه. وكاتب الأمير نوح بن منصور يطلب أن يعقد له الولاية كما كانت لأبيه فأجيب إلى ذلك ظاهرا، وكتب لفائق بولاية خراسان، وبعث إليه بالخلع والألوية. وكان أبو علي يظن أنها له، فلما بدا له من ذلك ما لم يحتسب، جمع عسكره وأغذ السير، وأوقع بفائق ما بين هراة وبوشنج، فانهزم فائق إلى مروالروذ، وملك أبو علي مرو، ووصله عهد الأمير نوح بقيادة الجيوش وولاية نيسابور وهراة وقهستان ولقبه عماد الدولة، ثم رقاه الأمير نوح. واستولى على سائر خراسان، واستبد بها على السلطان حتى طلبه نوح في بعض أعمالها لنفقته فمنعه، وأقام مظهرا لطاعته، وخشي غائلة السلطان من طلبة نوح فكاتب بقراخان ملك الترك ببلاد كاشغر وشاغور يغريه ويستحثه لملك بخارى وما وراء النهر على أن يستقر هو بخراسان.

خبر فائق

وأقام بعد انهزامه أمام أبي علي بمروالروذ حتى اندملت جراحة، واجتمع إليه أصحابه. وسار إلى بخارى قبل أن يستأذن، فارتاب به الأمير نوح فسرح إليه العساكر مع أخي الحاجب، وفكنزرون فانهزم وعبر النهر إلى بلخ، فأقام بها أياما، وسار إلى ترمذ وكاتب بقراخان يستحثه. وكتب الأمير نوح إلى والي الجوزجان أبي الحرث أحمد بن محمد الفيرقوني بقصد فائق، فقصده في جموعه، وسرح فائق إليه بعض عسكره فهزمه وعاد إلى بلخ. وكان طاهر بن الفضل قد ملك الصغانيان على أبي المظفر محمد بن أحمد، وهو واحد خراسان فانقطع أبو المظفر إلى فائق صريخا، فأمده وسار إلى طاهر بعسكر فائق، واقتتلوا فانهزم طاهر وقتل، وصارت الصغانيان لفائق. ٤/٤٦٦

استيلاء الترك على بخارى

ولما خرج الأمير نوح عن بخارى عبر النهر واستقر بآمل الشط، وكاتب أبا علي بن سيجور يستحثه للنصرة، وكاتب فائقا أيضا يستصرخه فلم يصرخه أحد منهما. وبلغه مسير بقراخان عن بخارى فأغذ السير إليها، وعاود الجلوس على كرسي ملكه، وتباشر الناس بقدومه. ثم بلغه مهلك بقراخان فتزايد سرورهم، ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى ندم أبو علي على ما فرط فيه من نصرته، وأجمع الاستظهار بفائق، فأزاحوه عن ملكه وملكوها، ولحق فائق بأبي علي بن سيجور، وتظاهرا على الأمير نوح وذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.

عزل أبي علي بن سيجور عن خراسان وولاية سبكتكين

ولما اجتمع أبو علي بن سيجور وفائق على منافرة الأمير نوح وعصيانه، كتب الأمير نوح الى سبكتكين، وكان أميرا على غزنة ونواحيها يستقدمه لنصره منهما، وإنجاده عليهما، وولاه خراسان. وكان سبكتكين في شغل عن أمرهم بما هو فيه من الجهاد مع كفار الهند. فلما جاءه كتاب نوح ورسوله بادر إليه، وتلقى أمره في ذلك، وعاد إلى غزنة فجمع العساكر، وبلغ الخبر أبا علي وفائقا، فبعثا إلى فخر الدولة بن بويه يستنجدانه، واستعانا في ذلك بوزيره الصاحب بن عباد، فبعث إليهما مددا من العساكر. ثم سار سبكتكين وابنه محمود نحو خراسان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وسار الأمير نوح واجتمعوا ولقوا أبا علي وفائقا بنواحي هراة، وكان معهما دارا بن قابوس بن وشمكير، فنزع إلى الأمير نوح، وانهزم أصحاب أبي علي وفائق وفتك فيهم أصحاب سبكتكين واتبعوهم إلى نيسابور، فلحقا بجرجان، وتلقاهما فخر الدولة بالهدايا والتحف والأموال، وأنزلهما بجرجان. واستولى نوح على نيسابور، واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، ولقبه سيف الدولة. ولقب أباه ٤/٤٦٧

سبكتكين ناصر الدولة، وعاد نوح إلى بخارى وترك سبكتكين بهراة ومحمود بنيسابور.

عود ابن سيجور الى خراسان

لما افترق نوح وسبكتكين طمع أبو علي وفائق في خراسان، فسار عن جرجان إلى نيسابور في ربيع سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وبرز محمود للقائهما بظاهر نيسابور، وأعجلوه عن وصول المدد من أبيه سبكتكين. وكان في قلة، وانهزم إلى أبيه، وغنموا اسواده. وأقام أبو علي بنيسابور وكان الأمير نوح يستميله ويتلطف في العذر مما كان سبكتكين فلم يجيباه إلى ما طلب.

ظهور سبكتكين وابنه محمود على أبي علي وفائق ومقتل أبي علي

ولما دخل أبو علي نيسابور، وانهزم عنها محمود، جمع سبكتكين العساكر وسار إليه، فالتقوا بطوس، وجاء محمود على أثره مددا، فانهزم هو وفائق إلى أبيورد، فاتبعهما سبكتكين بعد أن استخلف ابنه محمودا بنيسابور فلحقا بمرو، ثم آمل الشط، وكتبا إلى الأمير نوح يستعطفانه، فشرط على أبي علي أن ينزل بالجرجانية ويفارق فائقا ففعل. ونزل قريبا من خوارزم بالجرجانية، فأكرمه أبو عبد الله خوارزم شاه وسكن إليه، وبعث من ليلته من جاء به واعتقله وأعيان أصحابه. وبلغ الخبر إلى مأمون بن محمد صاحب الجرجانية فاستعظم ذلك. وسار بعساكره إلى خوارزم شاه وافتتح مدينته وتسمى كاش عنوة، وخلص أبا علي من محبسه، وعاد إلى الجرجانية واستخلف بعض أصحابه على بلاد خوارزم. ولما عاد إلى الجرجانية أخرج خوارزم شاه وقتله بين يدي أبي علي بن سيجور، وكتب إلى الأمير نوح يشفع في أبي علي ٤/٤٦٨

فشفعه. واستدعى أبا علي إلى بخارى فسار إليها وأمر الأمراء والعساكر بتلقيه، فلما دخل عليه أمر بحبسه. وشف سبكتكين فيه فهرب ولحق بفخر الدولة، وأقام عنده. وأما فائق فلما فارقه أبو علي كما شرط عليه الأمير نوح سار إلى إيلك خان ملك الترك بكاشغر، فأكرمه وكتب إلى نوح يشفع فيه فقبل شفاعته وولاه عليها وأقام بها.

وفاة الأمير نوح وولاية ابنه منصور وولاية بكثرزون على خراسان

ثم توفي الأمير نوح بن منصور منتصف سبع وثمانين وثلاثمائة لإحدى وعشرين سنة من ملكه، وانتقض بموته ملك بني سامان وصار إلى الانحلال. ولما توفي قام بالملك بعده ابنه أبو الحرث منصور، وتابعه أهل الدولة واتفقوا على طاعته، وقام بتدبير دولته بكثرزون. واستوزر أبا طاهر محمد بن إبراهيم، وبلغ خبر وفاة نوح إلى إيلك خان، فطمع في ملكهم، وسار إلى سمرقند، وبعث من هنالك فائقا والخاصة إلى بخارى فاضطرب منصور وهرب عن بخارى وقطع النهر. ودخل فائق بخارى وأعلم الناس أنه إنما جاء لخدمة الأمير منصور، فبعث مشايخ بخارى بذلك إلى منصور ودخل. واستقدموه بعد أن أخذوا له مواثيق العهد من فائق، فاطمأن وعاد الى بخارى، وأقام فائق بتدبير أمره وتحكم في دولته وأبعد بكثرزون إلى خراسان أميرا، وقد كان سبكتكين توفي في شعبان من هذه السنة، ووقعت الفتنة بين ابنيه إسماعيل ومحمود فقدم بكثرزون أيام فتنتهما واستولى على خراسان.

عود أبي القاسم بن سيجور الى خراسان وخيبته

قد ذكرنا مسير بكثرزون إلى خراسان عند مفره أيام محمود بن سبكتكين من خراسان وأقام عند فخر الدولة، وعند أبيه مجد الدولة واجتمع عنده أصحاب أبيه، وكتب إليه فائق من بخارى يغريه ببكثرزون ويأمره بقصد خراسان ويخرج بكثرزون منها فسار عن جرجان إلى نيسابور، وبعث جيشا إلى أسفراين فملكوها من يد أصحاب بكثرزون، ثم تردد السفراء بينهما، ووقع الصلح والصهر وعاد بكثرزون إلى نيسابور ٤/٤٦٩

انتقاض محمود بن سبكتكين وملكه نيسابور ثم خروجه عنها

لما فرغ محمود بن سبكتكين من أمر الفتنة بينه وبين أخيه إسماعيل، واستولى على ملك غزنة، وعاد إلى بلخ وجد بكثرزون واليا على خراسان كما ذكرناه فبعث إلى الأمير منصور بن نوح يذكر وسائله في الطاعة والمحاباة، ويطلب ولاية خراسان، فاعتذر له عنها وولاه ترمذ وبلخ وما وراءهما من أعمال بست. فلم يرض ذلك، وأعاد الطلب فلم يجب، فسار إلى نيسابور وهرب منها بكثرزون وملكها محمود سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فسار الأمير منصور من بخارى إليه فخرج عنها إلى مروالروذ وأقام بها.

خلع الأمير منصور وولاية أخيه عبد الملك

ولما سار الأمير منصور عن بخارى إلى خراسان لمدافعة محمود بن سبكتكين عن نيسابور، سار بكثرزون للقائه فلقيه بسرخس، ثم لم يلق من قبوله ما كان يؤمله، فشكا ذلك إلى فائق فألفاه واجدا مثل ذلك فخلصا في نجواهما، واتفقا على خلعه وإقامة أخيه عبد الملك مقامه، ووافقهما على ذلك جماعة من أعيان العسكر، ثم قبضوا عليه وسملوه أول سنة تسعين لعشرين شهرا من ولايته، وولي مكانه أخوه عبد الملك. وبعث محمود إلى فائق وبكثرزون يقبح عليهما فعلهما. وسار نحوهما طامعا في الاستيلاء على الملك.

استيلاء محمود بن سبكتكين على خراسان

ثم سار محمود بن سبكتكين إلى فائق وبكثرزون ومعهما عبد الملك الصبي الذي نصبوه فساروا إليه، والتقوا بمرو سنة تسعين وثلاثمائة وقاتلهم فهزمهم وافترقوا. ولحق عبد الملك ببخارى ومعه فائق، ولحق بكثرزون بنيسابور، ولحق أبو القاسم بن سيجور ٤/٤٧٠

بقهستان وقصد محمود نيسابور، وانتهى إلى طرسوس فهرب بكثرزون إلى جرجان، وبعث في إثره أرسلان الحاجب إلى أن وصل جرجان، ورجع فاستخلفه محمود على طرسوس، وسار إلى هراة فخالفه بكثرزون إلى نيسابور وملكها. ورجع إليها محمود فأجفل عنها، ومر بمرو فنهبها ولحق ببخارى واستقر محمود بخراسان وأزال عنها ملك بني سامان، وخطب فيها للقادر العباسي، واستدعى الولاية من قبله فبعث إليه بالعهد عليها والخلع لبني سيجور، وأنزله نيسابور وسار هو إلى بلخ كرسي أبيه فافتقده واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته مثل آل أفريقون بالجوزجان والشاه صاحب غرسيان وبني مأمون بخوارزم.

استيلاء ايلك خان على بخارى وانقراض دولة بني سامان

ولما ملك محمود خراسان ولحق عبد الملك ببخارى اجتمع إليه فائق وبكثرزون وغيرهما من الأمراء، وأخذوا في جمع العساكر لمناهضة محمود بخراسان. ثم مات فائق في شعبان من هذه السنة فاضطربوا ووهنوا لأنه كان المقدم فيهم، وكان خصيا من موالي نوح بن نصر فطمع ايلك خان في الاستيلاء على ملكهم، كما ملكه بقراخان قبله، فسار في جموع الترك يظهر المدافعة لعبد الملك عنه فاطمأنوا لذلك، وخرج بكثرزون وغيره من الأمراء والقواد للقائه فقبض عليهم جميعا. ودخل بخارى عاشر ذي القعدة. ونزل دار الإمارة واختفى عبد الملك فبعث العيون عليه حتى ظفر به وأودعه السجن في أرزكند فمات. وحبس معه أخاه أبا الحرث منصور المخلوع وإخوته الآخرين أبا إبراهيم إسماعيل وأبا يعقوب، وأعمامه أبا زكريا وأبا سليمان وأبا صالح القاري وغيرهم من بني سامان. وانقرضت دولتهم بعد أن كانت انتشرت في الآفاق ما بين حلوان وبلاد الترك، ووراء النهر، وكانت من أعظم الدول وأحسنها سياسة. ٤/٤٧١

خروج إسماعيل بن نوح بخراسان

ثم هرب أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه في زي امرأة كانت تتعاهد خدمته فاختفى ببخارى. ثم لحق بخوارزم وتلقب المنتصر، واجتمع إليه بقايا القواد والأجناد. وبعث قابوس عسكرا مع ابنيه منوجهر ودارا. ووصل إسماعيل إلى نيسابور في شوال سنة إحدى وتسعين، وجبى أموالها. وبعث إليه محمود مع الترنتاش الحاجب الكبير صاحب هراة، فلقيهم فانهزم المنتصر إلى أبيورد وقصد جرجان فمنعه قابوس منها فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها في ربيع سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.

فأرسل إليها محمود العساكر مع منصور، والتقوا فانهزم إسماعيل وأسر أبو القاسم بن سيجور في جماعة من أعيان العسكر، فبعث بهم منصور إلى غزنة، وسار إسماعيل حائرا فوافى أحياء الغز بنواحي بخارى فتعصبوا عليه، وسار بهم إلى إيلك خان في شوال سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة فلقيه بنواحي سمرقند. وانهزم ايلك واستولى الغز على سواده وأمواله، وأسرى من قواده ورجعوا إلى أحيائهم وتفاوضوا في إطلاق الأسرى من أصحاب ايلك خان، وشعر بهم إسماعيل فسار عنهم خائفا وعبر النهر إلى آمل الشط، وبعث إلى مرو ونسا وخوارزم فلم يقبلوه، وعاودوا العبور إلى بخارى وقاتله واليها فانهزم إلى دبوسية وجمع بها. ثم عاد فانهزم من عساكر بخارى وقاتله واليها.

وجاءه جماعة من فتيان سمرقند فصاروا في جملته. وبعث إليه أهله بأموال وسلاح ودواب، وسار إليه ايلك خان بعد أن استوعب في الحشد ولقيه بنواحي سمرقند في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وظاهر الغز إسماعيل فكانت الدبرة على ايلك خان، وعاد إلى بلاد الترك فاحتشد، ورجع إلى إسماعيل وقد افترقت عنه أحياء الغز إلى أوطانهم، وخف جمعه، فقاتلهم بنواحي مروسية فهزموه وفتك الترك في أصحابه.

وعبر إسماعيل النهر إلى جوزجان فنهبها، وسار إلى مرو وركب المفازة إلى قنطرة راغول، ثم إلى بسطام، وعساكر محمود في اتباعه مع أرسلان الحاجب صاحب طوس، وأرسل إليه قابوس عسكرا مع الأكراد الشاهجانية فأزعجوه عن بسطام، فرجع إلى ما وراء النهر وأدرك أصحابه الكلل والملال ففارقه الكثير منهم، وأخبروا أصحاب ايلك خان وأعلموهم بمكانه فكبسه الجند فطاردهم ساعة، ثم دخل في حي من ٤/٤٧٢

أحياء العرب بالفلاة من طاعة محمود بن سبكتكين يعرف أميرهم بابن بهيج، وقد تقدم إليهم محمود في طلبه فأنزله عندهم حتى إذا جن الليل وثبوا عليه وقتلوه وذلك سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وانقرض أمر بني سامان وانمحت آثار دولتهم.

والبقاء لله وحده.

الخبر عن دولة بني سبكتكين ملوك غزنة وما ورثوه من الملك بخراسان وما وراء النهر عن مواليهم وما فتحوه من بلاد الهند وأول أمرهم ومصاير أحوالهم

هذه الدولة من فروع دولة بني سامان وناشئة عنها، وبلغت من الاستطالة والعز المبالغ العظيمة، واستولت على ما كانت دولة بني سامان عليه في عدوتي جيحون وما وراء النهر، وخراسان، وعراق العجم، وبلاد الترك. وزيادة بلاد الهند. وكان مبدأ أمرهم عن غزنة. وذلك أن سبكتكين من موالي بني ألتيكين. وكان ألتيكين من موالي بني سامان. وكان في جملته، وولاه حجابته، وورد بخارى أيام السعيد منصور بن نوح وهو إذ ذاك حاجبه، ثم تفوي ألتيكين هذا وعقد له السعيد منصور بن نوح سنة خمس وستين وثلاثمائة، وولى ابنه نوح ويكنى أبا القاسم واستوزر أبا الحسن العتبي، وولى على نيسابور أبا الحسن محمد بن سيجور. وكان سبكتكين شديد الطاعة له، والقيام بحاجاته. وطرقت دولة بني سامان النكبة من الترك، واستولى بقراخان على بخارى من يد الأمير نوح. ثم رجع إليها، ومات أبو الحسن بن سيجور وولي مكانه بخراسان ابنه أبو علي. واستبد على الأمير نوح في الاستيلاء على خراسان عند نكبة الترك. فلما عاد الأمير نوح إلى كرسيه وثبت في الملك قدمه، كاشفه أبو علي في خراسان بالانتقاض، واستدعى أبا منصور سبكتكين يستمده على أبي علي ويستعين به في أحوال الدولة فبادر لذلك، وكان له المقام المحمود فيه.

وولاه الأمير نوح خراسان، فدفع عنها أبا علي. ثم استبد بعد ذلك على بني سامان بها. ثم غلبهم على بخارى وما وراء النهر، ومحا أثر دولتهم وخلفهم أحسن خلف، ٤/٤٧٣

وأورث ذلك بنيه، واتصلت دولتهم في تلك الأعمال إلى أن ظهر الغز، وملك الشرق والغرب بنو سلجوق منهم فغلبوهم على أمرهم، وملكوا تلك الأعمال جميعا من أيديهم حسبما يذكر ذلك كله. ولنبدأ الآن بسبكتكين من الجهاد في بلاد الهند قبل ولايته خراسان. ثم نأتي بأخبارهم.

فتح بست

كانت بست هذه من أعمال سجستان وفي ولايتها ولما فسد نظام تلك الولاية بانقراض دولة بني الصفار واخترقت تلك العمالات طوائف فانفرد ببست أمير اسمه طغان. ثم غلبه عليها آخر اسمه كان، يكنى بأبي ثور فاستصرخ طغان سبكتكين على مال ضمنه على الطاعة والخدمة، فسار سبكتكين إلى بست وفتحها، وأخذ الوزير أبا الفتح علي بن محمد البستي الشاعر المشهور فأحضره واستكتبه، وكتب لابنه محمود من بعده. ثم استخلف سبكتكين وسار إلى قصدار من ورائها فملكها وتقبض على صاحبها. ثم أعاده إلى ملكه على مال يؤديه وطاعة يبذلها له.

غزو الهند

ثم سار سبكتكين بعد ما فتح بست وقصد غازيا بلاد الهند، وتوغل فيها حتى افتتح بلادا لم يدخلها أحد من بلاد الإسلام. ولما سمع به ملك الهند سار إليه في جيوشه وقد عبى العساكر والفيلة على عادتهم في ذلك بالتعبية المعروفة بينهم، وانتهى إلى لمغان من ثغورة وتجاوزه، وزحف إليه سبكتكين من غزنة في جموع المسلمين، والتقى الجمعان ونصر الله المسلمين، وأسر ملك الهند وفدى نفسه على ألف ألف درهم، وخمسين فيلا ورهن في ذلك من قومه. وبعث معه رجالا لقبض ذلك فغدر بهم في طريقه، وتقبض عليهم، فسار سبكتكين في تعبيته إلى الهند، فقبض كل من لقيه من جموعهم، وأثخن فيهم. وفتح لمغان وهدمها وهي ثغر الهند مما يلي غزنة، فاهتز لذلك جميال واحتشد، وسار إلى سبكتكين، فكانت بينهم حرب ٤/٤٧٤

شديدة، وانهزم جميال وجموع الكفر، وخمدت شوكتهم، ولم يقم لملوك الهند بعدها معه قائمة. ثم صرف وجهه إلى إعانة سلطانه الأمير نوح كما نذكر.

ولاية سبكتكين على خراسان

قد قدمنا أن الأمير نوح بن منصور لما طرقته النكبة ببخارى من الترك، وملكها عليه بقراخان عبر النهر إلى آمل الشط، واستصرخ ابن سيجور صاحب خراسان وفائقا صاحب بلخ، فلم يصرخاه، وبلغه مسير بقراخان عن بخارى فأغذ السير إليها، وارتجع ملكه كما كان. وهلك بقراخان فثبت قدمه في سلطانه. وارتاب أبو علي وفائق بأمرهم عنده، وغلط فائق بالمبادرة إلى بخارى للتهنئة والتقدم في الدولة من غير إذن في ذلك، فسرح الأمير نوح غلمانه ومواليه فحاربوه، وملكوا بلخا من يده، ولحق بأبي علي بن سيجور، فاستظهر به على فتنة الأمير نوح وذلك سنة أربع وثمانين، فكتب الأمير نوح عند ذلك إلى سبكتكين يستدعيه للنصرة عليهما، وعقد له على خراسان وأعمالها، وكان في شغل شاغل من الجهاد بالهند كما ذكرناه فبادر لذلك.

وسار إلى نوح فلقيه واتفق معه. ثم رجع إلى غزنة واحتشد وسار هو وابنه محمود ولقيا الأمير نوحا بخراسان في الموضع الذي تواعد معه، ولقيهم أبو علي بن سيجور وفائق فهزمهما. وفتك فيهم أصحاب سبكتكين واتبعوهم إلى نيسابور، ثم صدوهم عنها إلى جرجان واستولى نوح على نيسابور واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين وأنزله بها، ولقبه سيف الدولة، وأنزل أباه سبكتكين بهراة ولقبه ناصر الدولة ورجع إلى بخارى.

الفتنة بين سيجور وفائق بخراسان وظهور سبكتكين وابنه محمود عليهم

ولما رجع نوح إلى بخارى وطمع أبو علي بن سيجور وفائق في انتزاع خراسان من يد سبكتكين وابنه. وبادروا إلى محمود بن سبكتكين بنيسابور سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وأعجلوه عن وصول المدد إليه من ابنه سبكتكين. وكان في قلة فانهزم إلى أبيه بهراة، ٤/٤٧٥

وملك أبو علي نيسابور، وسار إليه سبكتكين في العساكر، والتقوا بطوس، فانهزم أبو علي وفائق حتى انتهيا إلى آمل الشط. واستعطف أبو علي الأمير نوحا فاستدعاه وحبسه. ثم بعث به إلى سبكتكين وحبسه عنده، ولحق فائق بملك الترك ايلك خان في كاشغر، وشفع فيه إلى الأمير نوح فولاه سمرقند كما مر ذلك كله في أخبارهم.

وكان أبو القاسم أخو أبي علي قد نزع إلى سبكتكين يوم اللقاء فأقام عنده مدة مديدة. ثم انتقض وزحف الى نيسابور فجاء محمود بن سبكتكين فهرب ولحق بفخر الدولة بن بويه فأقام عنده، واستولى سبكتكين على خراسان.

مزاحفة سبكتكين وايلك خان

كان ايلك خان ولي بعد بقراخان على كاشغر وشاغور، وعلى أمم الترك وطمع في أعمال الأمير نوح كما طمع أبوه، ومد يده إليها شيئا فشيئا. ثم اعتزم على الزحف إليه فكتب الأمير نوح إلى سبكتكين بخراسان يستجيشه على ايلك خان، فاحتشد وعبر النهر وأقام بين نسف وكشف حتى لحقه ابنه محمود بالحشود من كل جهة، ولك وصله أبو علي بن سيجور مقيدا، بعث به إليه الأمير نوح فأبى من ذلك، وجمع ايلك خان أمم الترك من سائر النواحي. وبعث سبكتكين إلى الأمير نوح يستحثه فخام عن اللقاء، وبعث قواده وجميع عساكره، وجعلهم لنظره وفي تصريفه فألح عليه سبكتكين، وبعث أخاه بغراجق وابنه محمودا لاستحثاثه فهرب الوزير بن عزيز خوفا منهم، وتفادى نوح من اللقاء فتركوه، وفت ذلك في عزم سبكتكين، وبعث ايلك خان في الصلح فبادر سبكتكين وبعث أبا القاسم. ثم ارتاب به عند عبوره إلى ايلك خان، فحبسه مع أبي علي وأصحابه حتى رجع سبكتكين من طوس إلى بلخ، فبلغ الخبر بمقتلهم، ووصل نعي مأمون بن محمد صاحب الجرجانية بخوارزم غدر به صاحب جيشه في صنيع أعده له وقتله، ووصل خبر الأمير نوح أثرهما وأنه هلك منتصف رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.

أخبار سبكتكين مع فخر الدولة بن بويه

كان أبو علي بن سيجور وفائق لما هزمهما سبكتكين لحقا بجرجان عند فخر الدولة بن ٤/٤٧٦

بويه، ثم لما أجلب أبو القاسم على خراسان، وسار إليه محمود بن سبكتكين، وعمه بغراجق وكان معه أبو نصر بن محمود الحاجب فهربا إلى فخر الدولة وأقاما في نزله وتحت حرابه بقومس والدامغان وجرجان وأتاخ سبكتكين على طوس.

ثم وقعت المهاداة بينه وبين فخر الدولة بن بويه صاحب الري، وكان آخر هدية من سبكتكين جاء بها عبد الله الكاتب من ثغابة. ونمي إلى فخر الدولة أنه يتجسس عدد الجند، وغوامض الطرق، فبعث إلى سبكتكين بالعتاب في ذلك. ثم ضعف الحال بينهما، واتصل ما بين فخر الدولة والأمير نوح على يد سبكتكين.

وفاة سبكتكين وولاية ابنه إسماعيل

ولما فرغ سبكتكين من أمر ايلك خان ورجع إلى بلخ، وأقام بها قليلا طرقه المرض، فبادر به إلى غزنة، وهلك في طريقه في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة لعشرين سنة من ملكه في غزنة وخراسان، ودفن بغزنة. وكان عادلا خيرا حسن العهد محافظا على الوفاء كثير الجهاد. ولما هلك بايع الجند لابنه إسماعيل بعهده إليه، وكان أصغر من محمود فأفاض فيهم العطاء وانعقد أمره بغزنة.

استيلاء محمود بن سبكتكين على ملك أبيه وظفره بأخيه إسماعيل

ولما ولي إسماعيل بغزنة استضعفه الجند واستولوا عليه، واشتطوا عليه في الطلب حتى أنفد خزائن أبيه، وكان أخوه محمود بنيسابور فبعث إليه أن يكتب له بالأعمال التي لنظره مثل بلخ فأبى، وسعى أبو الحرب والي الجوزجان في الإصلاح بينهما فامتنع إسماعيل، فسار محمود إلى هراة معتزما عليه، وتحيز معه عمه بغراجق. ثم سار إلى بست وبها أخوه نصر فاستماله، وساروا جميعا إلى غزنة، وقد كتب إليه الأمراء الذين مع إسماعيل واستدعوه ووعدوه بالطاعة. وأغذ السير ولقيه إسماعيل بظاهر غزنة فاقتتلوا قتالا ٤/٤٧٧

شديدا. وانهزم إسماعيل واعتصم بقلعة غزنة، واستولى محمود على الملك وحاصر أخاه إسماعيل حتى استنزله على الأمان فأكرمه وأشركه في سلطانه، وذلك لسبعة أشهر من ولاية إسماعيل، واستقامت الممالك لمحمود ولقب بالسلطان، ولم يلقب به أحد قبله.

ثم سار إلى بلخ.

استيلاء محمود على خراسان

لما ولي أبو الحرث منصور بعد نوح استوزر محمد بن إبراهيم، وفوض أمره إلى فائق كفالة وتدبيرا لصغره. وكان عبد الله بن عزيز قد هرب من بخارى عند قدوم محمد إليها في استحثاث الأمير نوح للقاء ايلك خان كما مر، فلما مات الأمير نوح وولي ابنه منصور أطمع عزيز أبا منصور محمد بن الحسين الاسبيجابي في قيادة الجيش بخراسان وحمله على الانحدار به إلى بخارى مستغيثا بايلك خان على غرضه، فنهض ايلك خان لمصاحبتهما وسار بهما كأنه يريد سمرقند. ثم قبض على أبي منصور وابن عزيز، وأحضر فائقا وأمره بالمسير على مقدمته إلى بخارى، فهرب أبو الحرث وملك فائق بخارى ورجع ايلك خان. واستدعى فائق أبا الحرث فاطمأن، وبعث من مكانه بكثرزون الحاجب الأكبر على خراسان ولقبه بستان الدولة، ورجع إلى بخارى فتلقاه فائق، وقام بتدبير دولته. وكانت بينه وبين بكثرزون ضغن فأصلح أبو الحرث بينهما، وأقام بكثرزون وجبى الأموال، وزحف إليه ابو القاسم بن سيجور، وكانت بينهما الفتنة التي مر ذكرها. وجاء محمود إلى بلخ بعد فراغه من فتنة أخيه إسماعيل، فبعث إلى أبي الحرث منصور رسله وهداياه، فعقد له على بلخ وترمذ وهراة وبست. واعتذر عن نيسابور فراجعه مع ثقته أبي الحسن الحمولي فاستخلصه أبو الحرث لوزارته، وقعد عن رسالة صاحبه فأقبل محمود إلى نيسابور، وهرب عنها بكثرزون فنهض ابو الحرث إلى نيسابور، فخرج محمود عنها إلى مروالروذ، وجمع أبو الحرث وكحلة بكثرزون، وبايعوا لأخيه عبد الملك بن نوح. وبعث محمود إلى فائق وبكثرزون بالعتاب على صنيعهما بالسلطان، وزحف إليهما فبرزا من مرو للقائه، ثم سألوه الإبقاء فأجاب وارتحل عنهم، وبعض أوباشهم في أعقابه فرجع إليهم. ٤/٤٧٨

وحشدوا الناس للقائه فهزمهم وافترقوا، فسار عبد الملك إلى بخارى وبكثرزون إلى نيسابور وكان معهم أبو القاسم بن سيجور، ولحق بقهستان واستولى محمود على خراسان وذلك سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. ثم سار إلى طوس وهرب بكثرزون إلى جرجان، وبعث محمود أرسلان الحاجب في أثره فأخرجه من نواحي خراسان، فولى أرسلان على طوس وسار إلى هراة لمطالعة أحوالها، فخالفه بكثرزون إلى نيسابور وملكها، ورجع فطرده عنها أبو القاسم بن سيجور وملكها. وولى محمود أخاه نصر ابن سبكتكين قيادة الجيوش بخراسان وأنزله بنيسابور، ثم سار إلى بلخ فأنزل بها سريره. ثم استراب بأخيه إسماعيل فاعتقله ببعض القلاع موسعا عليه، وكتب بالبيعة للقادر الخليفة من بني العباس ، فبعث إليه بالخلع والألوية على العادة. وقام بين يديه السماطان واستوثق له ملك خراسان وبقي يردد الغزو إلى الهند كل سنة.

استيلاء محمود على سجستان

كان خلف بن أحمد صاحب سجستان في طاعة بني سامان ولما شغل عنه بالفتن استفحل أمره، وشغل للاستبداد. فلما سار سبكتكين للقاء ملك الهند كما مر، اغتنم الفرصة من بست وبعث إليها عسكرا فملكوها وجبوها. ولما رجع سبكتكين من الهند ظافرا تلقاه بالمعاذير والتعزية والهدايا والطاعة فقبل وأعرض عنه، وارتهن عنده على طاعته، وسار معه الحرث أبو علي بن سيجور بخراسان فملأ يده ويد عسكره بالعطاء، وبتفدمه لقتال ايلك خان بما وراء النهر كما مر، فدس إلى ايلك خان يغريه بسبكتكين. واعتزم سبكتكين على غزو سجستان، ثم أدركه الموت فاغتنم خلف الفرصة وبعث طاهرا إلى قهستان وبوشنج فملكها، وكاتب البغراجق أخا سبكتكين. فلما فرغ محمود من شأن خراسان بعث لبغراجق عمه بانتزاع قهستان وبوشنج، فسار إلى طاهر فهزمه واتبعه، وكر عليه طاهر فقتله وانهزم الفريقان، وزحف محمود إلى خلف سنة تسعين وثلاثمائة، فامتنع في أحصن بلد وهي قلعة ٤/٤٧٩

عالية منيعة، وحاصره بها حتى لاذ بالطاعة. وبذل مائة ألف دينار فأفرج عنه وسار إلى الهند فتوغل فيها، وانتهى في اثني عشر ألف فارس وثلاثين ألف راجل، فاختار محمود من عساكره خمسة عشر ألفا، وسار لقتال جميال فهزمه وأسره في بنيه وحفدته وكثير من قرابته. ووجد في سلبه مقلد من فصوص يساوي مائة ألف دينار وأمثال ذلك، فوزعها على أصحابه، وكان الأسرى والسبي خمسمائة ألف رأس وذلك سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وفتح من بلاد الهند بلادا أوسع من بلاد خراسان. ثم فادى جميال ملك الهند نفسه بخمسين رأسا من الفيلة ارتهن فيها ابنه وحافده وخرج إلى بلده، فبعث إلى ابنه أندبال وشاهينة وراء سيجور فأعطوه تلك الفيلة، وسار لا يعود له ملك ، وسار السلطان محمود الى ويهند فحاصرها وافتتحها، وبعث العساكر لتدويخ نواحيها فأثخنوا في القتل في أوباش كانوا مجتمعين للفساد مستترين بخمر الغياض فاستلحموهم. ورجع السلطان محمود الى غزنة وكان خلف بن أحمد عند منصرف السلطان عنه أظهر النسك، وولى ابنه طاهرا على سجستان، فلما طالت غيبة السلطان أراد الرجوع إلى ملكه فلم يمكنه ابنه، فتمارض وبعث إليه بالحضور للوصية والاطلاع على خبايا الذخيرة، فلما حضر اعتقله ثم قتله كما مر. وبلغت ضمائر قواده لذلك، وخافوه، وبعثوا للسلطان محمود بطاعتهم ما بقيت له الدعوة في سجستان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وسار السلطان محمود إلى خلف فامتنع منه في معقلة بحصن الطاق، وهو في رأس شاهق تحيط به سبعة أسوار عالية، ويحيط به خندق بعيد المهوى، وطريقه واحدة على جسر، فجثم عليه أشهرا. ثم فرض على أهل العسكر قطع الشجر التي تليه وطم بها الخندق، وزحف إليه وقدم الفيول بين يديه على تعبيتها فحطم الفيل الأعظم على باب الحصن فقلعه ورمى به، وفشا القتل في أصحاب خلف وتماسكوا داخل الباب يتناضلون بأحجار المجانيق والسهام والحراب، فرأى خلف هول المطلع فأثاب واستأمن، وخرج إلى السلطان وأعطاه كثيرا من الذخيرة، فرفع من قدره وخيره في مقاماته فاختار الجوزجان فأذن له في ٤/٤٨٠

المسير إليها على ما بينه وبين ايلك خان من المداخلة. ثم هلك خلف سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأبقى السلطان على ولده عمر، وكان خلف كثير الغاشية من الوافدين والعلماء، وكان محسنا لهم، ألف تفسيرا جمع له العلماء من أهل إيالته، وأنفق عليهم عشرين ألف دينار، ووضعه في مدرسة الصابوني بنيسابور. ونسخه يستغرق عمر الكاتب، إلا أن يستغرق في النسخ. واستخلف السلطان على سجستان أحمد الفتحي من قواد أبيه ورجع إلى غزنة. ثم بلغه انتقاض أحمد بسجستان فسار إليهم في عشرة آلاف، ومعه أخوه صاحب الجيش أبي المظفر نصر والتوتناش الحاجب، وزعيم العرب أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي فحاصرهم، وفتحها ثانية، وولى عليها أخاه صاحب الجيش نصر بن سبكتكين مضافة إلى نيسابور فاستخلف عليها وزيره أبا منصور نصر بن إسحاق. وعاد السلطان محمود إلى بلخ مضمرا غزو الهند.

هكذا مساق خبر السلطان محمود مع خلف بن أحمد وخبر سجستان عند العيني.

وأما عند ابن الأثير فعلى ما وقع في أخبار دولة بني الصفار.

غزوة بهاطية والملتان وكوكبر

ولما فرغ السلطان محمود من سجستان اعتزم على غزو بهاطية من أعمال الهند، وهي وراء الملتان، مدينة حصينة عليها أنطاق من الأصبوان وآخر من الخنادق، بعيدة المهوى. وكانت مشحونة بالمقاتلة والعدة، واسم صاحبها بجير، فعبر السلطان إليها جيحون وبرز إليه بجير فاقتتلوا بظاهر بهاطية ثلاثة أيام. ثم انهزم بجير وأصحابه في الرابع وتبعهم المسلمون إلى باب البلد فملكوه عليهم، وأخذتهم السيوف من أمامهم ومن ورائهم فبلغ القتل والسبي والسلب والنهب فيهم مبالغه. وسار بجير في رءوس الجبال فستر في شعابها وبعث السلطان سرية في طلبه فأحاطوا به، وقتلوا من أصحابه. ولما أيقن بالهلكة قتل نفسه بخنجر معه. وأقام السلطان محمود في بهاطية حتى أصلح أمورها، واستخلف عليها من يعلم أهلها قواعد الإسلام، ورجع إلى غزنة فلقي في طريقه شدة من الأمطار في الوحل وزيادة المدد في الأنهار، وغرق كثير من عسكره. ثم بلغه عن أبي الفتوح والي الملتان أنه ملحد، وأنه يدعو أهل ولايته إلى مذهبه فاعتزم على جهاده، وسار كذلك ومنعه سيجور من العبور لكثرة المدد، ابن خلدون م 31 ج 4 ٤/٤٨١

فبعث السلطان إلى أندبال ملك الهند في أن يبيح له العبور إلى بلاده لغزو الملتان فأبى، فبدأ بجهاده، وسار في بلاده ودوخها وفر أندبال بين يديه، وهو في طلبه إلى أن بلغ كشمير. ونقل أبو الفتوح أمواله على الفيول إلى سرنديب، وترك الملتان فقصدها السلطان، وامتنع أهلها فحاصرهم حتى افتتحها عنوة، وأغرمهم عشرين ألف ألف درهم عقوبة لهم على عصيانهم. ثم سار إلى كوكبر واسم صاحبها بيدا، وكان بها ستمائة صنم فافتتحها وأحرق أصنامها. وهرب صاحبها إلى قلعته وهي كاليجار وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان، وفيه خمسمائة وعشرون ألف راية، وهو مشحون بالأقوات والمسالك إليه متعذرة بخمر الشجر، وملتف الغياض، فأمر بقطع الأشجار حتى اتضحت المسالك. واعترضه دون الحصن واد بعيد المهوى، فطم منه عشرين ذراعا بالأجربة المحشوة بالتراب، وصيره جسرا، ومضى منه إلى القلعة، وحاصرها ثلاثة وأربعين يوما حتى جنح صاحبها إلى السلم.

وبلغ السلطان أن ايلك خان مجمع غزو خراسان، فصالح ملك الهند على خمسين فيلا، وثلاثة آلاف من الفضة، وخلع عليه السلطان فلبس خلعته وشد منطقته. ثم قطع خلعته وأنفذها إلى السلطان، وتبعه بما عقد معه وعاد السلطان إلى خراسان بعد أن كان عازما على التوغل في بلاد الهند.

مسير ايلك خان الى خراسان وهزيمته

كان السلطان محمود لما ملك ايلك خان بخارى كما مر، وكتب إليه مهنيا، وتردد السفراء بينهما في الوصلة، وأوفد عليه سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي إمام الحديث، ومعه طغان جق والي سرخس في خطبة كريمته بهدية فاخرة من سبائك العقيان واليواقيت والدر والمرجان والوشي والحمر، وصواني الذهب مملوءة بالعنبر والكافور والعود والنصول، وأمامه الفيول تحت الخروج المغشاة، فقوبلت الهدية بالقبول، والوافد بالتعظيم له ولمن أرسله، وزفت المخطوبة بالهدايا والألطاف، واتحدت الحال بين السلطانين. ولم يزل السعاة يغرون ما بينهما حتى فسد ما بينهما، فلما سار السلطان محمود إلى الملتان اغتنم ايلك خان الفرصة، وبعث سباسي تكين قريبه وقائد جيشه إلى خراسان، وبعث معه أخاه جعفر تكين وذلك سنة تسعين وثلاثمائة فملك ٤/٤٨٢

بلخا وأنزل بها جعفر تكين، وكان أرسلان الحاجب بهراة أنزله السلطان بها، وأمره إذا دهمه أن ينحاز إلى غزنة. وقصد سباسي هراة وسكنها، وندب الحسين بن نصر إلى نيسابور فملكها، ورتب العمال، واستخرج الأموال. وطار الخبر إلى السلطان بالهند، وقصد بلخ فهرب جعفر تكين إلى ترمذ، واستقر السلطان ببلخ، وسرح أرسلان الحاجب في عشرة آلاف من العساكر إلى سباسي تكين بهراة فسار سباسي إلى مرو، واعترضه التركمان، وقاتلهم فهزمهم وأثخن فيهم. ثم سار إلى أبيود، ثم إلى نسا وأرسلان في اتباعه حتى انتهى إلى جرجان فصد عنها، وركب قلل الجبال والغياض، وتسلط الكراكلة على أثقاله ورجاله، واستأمن طوائف من أصحابه إلى قابوس لعدم الظهر. ثم عاد إلى نسا وأصدر ما معه إلى خوارزم شاه أبي الحسن علي ابن مأمون، وديعة لايلك خان، واقتحم المفازة إلى مرو، فسار السلطان لاعتراضه ورماه محمد بن سبع بمائة من القواد حملوا الى غزنة. ونجا سباسي تكين في فل من أصحابه، فعبر النهر إلى ايلك خان، وقد كان ايلك خان بعث أخاه جعفر تكين في ستة آلاف راجل إلى بلخ ليفتر من عزيمة السلطان عن قصد سباسي تكين فلم يفتر ذلك من عزمه، حتى أخرج سباسي من خراسان. ثم قصدهم فانهزموا أمامه، وتبعهم أخوه نصر بن سبكتكين صاحب جيش خراسان إلى ساحل جيحون، فقطع دابرهم. ولما بلغ الخبر إلى ايلك خان قام في ركائبه وبعث بالصريخ إلى ملك الختل وهو قدرخان بن بقراخان لقرابة بينهما وصهر، فجاءه بنفسه ونفر معه، واستجاش أحياء النزل ودهاقين ما وراء النهر، وعبر النهر في خمسين ألفا، وانتهى إلى السلطان خبره وهو بطخارستان فقدم إلى بلخ، واستعد للحرب، واستنفر جموع الترك والجند والخلنجية والأفقانية والفربوية. وعسكر على أربعة فراسخ من بلخ، وتزاحفوا على التعبية، فجعل السلطان في القلب أخاه نصرا صاحب الجيش بخراسان، وأبا نصر ابن أحمد الفريغوني صاحب الجوزجان، وأبا عبد الله بن محمد بن إبراهيم الطائي في كماة الأكراد والعرب والهنود، وفي الميمنة حاجبه الكبير أبا سعيد التمرتاشي، وفي الميسرة أرسلان الحاجب. وحصن الصفوف بخمسمائة من الفيلة. وجعل ايلك خان على ميمنته قدرخان ملك الختل وعلى ميسرته أخاه جعفر تكين، وهو في القلب. وطالت الحرب، واستمات الفريقان ونزل السلطان وعفر خده بالأرض متضرعا. ثم ركب وحمل في فيلته على القلب فأزاله عن مكانه، وانهزم الترك، ٤/٤٨٣

واتبعوهم يقتلون ويأسرون إلى أن عبروا بهم النهر. وأكثر الشعراء تهنئة السلطان بهذا الفتح وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. ولما فرغ السلطان من هذه الحرب سار للهند للإيقاع بنواسه شاه أحد أولاد الملوك، كان أسلم على يده واستخلفه على بعض المعاقل التي افتتحها، فارتد ونبذ الإسلام، فأغذ السير إليه ففر أمامه، واحتوى على المعاقل التي كانت في يده من أصحابه، وانقلب إلى غزنة ظافرا وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.

فتح بهيم نقرا

ثم سار السلطان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة في ربيع منها غازيا إلى الهند فانتهى الى سبط وبهند، فلقيه لك ابن هزبال ملك الهند في جيوش لا تحصى، فصدقهم السلطان القتال فهزمهم، واتبعهم إلى قلعة بهيم نقرا وهي حصن على حصن عالية اتخذها أهل الهند خزانة للصنم، ويودعون به أنواع الذخائر والجواهر التي يتقرب بها للصنم، فدافع عنه وعن خزنته أياما. ثم استأمنوا وأمكنوا السلطان من القلعة، فبعث عليه أبا نصر الفريغوني وحاجبه الكبير ابن التمرتاش، وواسع تكين، وكلفهما بنقل ما في الخزائن، فكان مبلغ المنقول من الوزن سبعين ألف ألف شامية، ومن الذهبيات والفضيات موزونة، والديباج السوسي ما لا عهد بمثله، ووجد في جملتها بيت من الفضة الخالصة طوله ثلاثون ذراعا في خمسة عشر، صفائح مضروبة ومعالق للطهي والنشر، وشراع من ديباج طوله أربعون ذراعا في عرض عشرين بقائمتين من ذهب، وقائمتين من فضة، فوكلهما بحفظ ذلك. ومضوا إلى غزنة فأمر بساحة داره ففرشه بتلك الجواهر، واجتمعت وفود الأطراف لمشاهدتها، وفيهم رسول طغان أخي ايلك خان.

خبر الفريغون واستيلاء السلطان على الجوزجان

وكان بنو فريغون هؤلاء ولاة على الجوزجان أيام بني سامان يتوارثونها، وكان لهم ٤/٤٨٤

شهرة مكارم. وكان أبو الحرث أحمد بن محمد غرتهم. وكان سبكتكين خطب كريمته لابنه محمود وأنكح كريمته أخت محمود لابنه أبي نصر فالتحم بينهما. وهلك أبو الحرث فأقر السلطان محمود ابنه أبا نصر على ولايته إلى أن مات سنة إحدى وأربعمائة، وكان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف بالبديع يؤلف له التآليف ويجعلها باسمه، ونال عنده بذلك فوق ما أمل.

غزوة بارين

ثم سار السلطان محمود على رأس المائة الرابعة لغزو بلاد الهند فدوخها واستباحها، وأوقع بملكها، ورجع إلى غزنة فبعث إليه ملك الهند في الصلح على جزية مفروضة، وعسكر مقرر عليه، وعلى تعجيل مال عظيم، وهدية فيها خمسون فيلا، وتقرر الصلح بينهما على ذلك.

غزوة الغور وقصران

بلاد الغور هذه تجاور بلاد غزنة، وكانوا يفسدون السابلة ويمتنعون بجبالهم وهي وعرة ضيقة، وأقاموا على ذلك متمردين على كفرهم وفسادهم، فامتعض السلطان محمود، وسار لحسم عللهم سنة إحدى وأربعمائة وفي مقدمته الترنتاش الحاجب والي هراة وأرسلان الحاجب والي طوس. وانتهوا الى مضيق الجبل وقد شحنوه بالمقاتلة فنازلتهم الحرب ودهمهم السلطان فارتدوا على أعقابهم، ودخل عليهم لبلادهم ولملكها. ودخل حصنا في عشرة آلاف واستطرد لهم السلطان الى فسيح من الأرض.

ثم كر عليهم فهزمهم وأثخن فيهم وأسر ابن سوري وقرابته وخواصه، وملك قلعتهم وغنم جميع أموالهم، وكانت لا يعبر عنها. وأسف ابن سوري على نفسه فتناول سما كان معه ومات. ثم سار السلطان سنة اثنتين وأربعمائة لغزو قصران وكان صاحبها ٤/٤٨٥

يحمل ضمانه كل سنة، فقطع الحمل وامتنع بموالاة ايلك خان، وسار إليه فبادر باللقاء وتنصل واعتذر، وأهدى عشرين فيلا وألزمه السلطان خمسة عشر ألف درهم، ووكل بقبضها ورجع إلى غزنة.

خبر اليشار واستيلاء السلطان على غرشستان

كان اسم أليشار عند الأعاجم لقبا على ملك غرشستان، كما أن كسرى على ملك الفرس وقيصر على ملك الروم ومعناه الملك الجليل. وكان أليشار أبو نصر محمد بن إسماعيل بن أسد ملكها إلى أن بلغ ولده محمد سن النجابة فغلب على أبيه، وانقطع أبو نصر للنظر في العلوم لشغفه بها، وصاحب خراسان يومئذ أبو علي بن سيجور. ولما انتقض على الرضى نوح خطبهم لطاعته وولايته فأبوا من ذلك لانتقاضه على سلطانه، فبعث العساكر إليهم وحاصرهم زمانا. ثم نهض سبكتكين إلى أبي علي بن سيجور، وانضاف أليشار إلى سبكتكين في تلك الفتنة كلها، فلما ملك السلطان محمود خراسان وأذعن له ولاة الأطراف والأعمال بعث إليهم في الخطبة فأجابوه. ثم استنفر محمد بن أبي نصر في بعض غزواته فقعد عن النفير، فلما رجع السلطان من غزوته بعث حاجبه الكبير أبا سعيد الترنتاش في العساكر وأردفه بأرسلان الحاجب والي طوس لمناهضة أليشار ملك غرشستان. واستصحبا معهما أبا الحسن المنيعي الزعيم بمروالروذ لعلمه بمخادع تلك البلاد، فأما أبو نصر فاستأمن إلى الحاجب، وجاء به إلى هراة مرفها محتاطا عليه. وأما ابنه محمد فتحصن بالقلعة التي بناها أيام ابن سيجور فحاصروها طويلا، واقتحموها عنوة وأخذا أسيرا، فبعث به إلى غزنة، واستصفيت أمواله وصودرت حاشيته. واستخلف الحاجب على الحصن ورجع إلى غزنة فامتحن الولد بالسياط، واعتقله مرفها واستقدم أباه أبا نصر من هراة فأقام عنده في كرامة إلى أن هلك سنة ست وأربعمائة.

وفاة ايلك خان وصلح أخيه طغان خان مع السلطان

كان ايلك خان بعد هزيمته بخراسان يواصل الأسف، وكان أخوه طغان يكبر عليه ٤/٤٨٦

على فعلته، وينقضه العهد مع السلطان. وبعث الى السلطان يتبرأ ويعتذر فنافره ايلك خان بسبب ذلك وزحف إليه. ثم تصالحها. ثم هلك ايلك خان سنة ثلاثة وأربعمائة وولى مكانه أخوه طغان خان فراسل السلطان محمود وصالحه. وقال له اشتغل أنت بغزو الهند، وأنا بغزو الترك فأجابه إلى ذلك. وانقطعت الفتنة بينهما وصلحت الأحوال. ثم خرجت طوائف الترك فأجابه إلى ذلك. وانقطعت الفتنة بينهما وصلحت الأحوال. ثم خرجت طوائف الترك من جانب الصين في مائة ألف خركاة وقصدوا بلاد طغان، فهال المسلمين أمرهم فاستنفر طغان من الترك أزيد من مائة ألف، واستقبل جموع الكفرة فهزمهم وقتل نحوا من مائة ألف وأسر مثلها، ورجع الباقون منهزمين. وهلك طغان إثر ذلك، وملك بعده أخوه أرسلان خان سنة ثمان وأربعمائة، وخلص ما بينه وبين السلطان محمود، وخطب بعض كرائمه للسلطان مسعود ولده فأجابه. وعقد السلطان لابنه على هراة فسار اليها سنة ثمان وأربعمائة.

فتح بارين

ثم سار السلطان سنة ثمان وأربعمائة عند ما فصل الشتاء غازيا إلى الهند، وتوغل فيها مسيرة شهرين، وامتنع عظيم الهند في جبل صعب المرتقى ومنع القتال، واستدعى الهنود وملك عليهم الفيلة وفتح الله بارين وكثرت الأسرى والغنائم ووجد به في بيت البدجي حجر منقوش، قال التراجمة كتابته إنه مبني منذ أربعين ألف سنة. ثم عاد إلى غزنة وبعث إلى القادر يطلب عهد خراسان وما بيده من الممالك. ٤/٤٨٧

غزوة تنيشرة

كان صاحب تنيشرة عاليا في الكفر والطغيان، وانتهى الخبر إلى السلطان في ناحيته من الفيلة فيلة من الفيتلمان الموصوفة في الحروب، فاعتزم السلطان على غزوة، وسار إليه في مسالك صعبة وعرة بين أودية وقفارات حتى انتهى إلى نهر طام قليل المخاضة وقد استندوا من ورائه إلى سفح جبل، فسرب إليهم جماعة من الكماة خاضوا النهر وشغلوهم بالقتال حتى تعدت بقية العسكر. ثم قاتلوهم وانهزموا، واستباحهم المسلمون وعادوا إلى غزنة ظافرين ظاهرين. ثم غزا السلطان على عادته فضل الأدلاء طريقهم فوقع السلطان في مخاضات من المياه غرق فيها كثير من العسكر، وخاض الماء بنفسه أياما حتى تخلص ورجع إلى خراسان.

استيلاء السلطان على خوارزم

كان مأمون بن محمد صاحب الجرجانية من خوارزم، وكان مخلصا في طاعة الرضى نوح أيام مقامه في آمد كما مر، فأضاف نسا إلى عمله فلم يقبلها المودة بينه وبين أبي علي ابن سيجور. وكان من خبره مع ابن سيجور واستنقاذه إياه من أسر خوارزم شاه سنة ست وثمانين وثلاثمائة ما مر ذكره، وصارت خوارزم كلها له. ثم هلك وملك مكانه أبو الحسن علي. ثم هلك وملك مكانه ابنه مأمون، وخطب إلى السلطان محمود بعض كرائمه فزوجه أخته. واتحد الحال بينهما الى أن هلك، وولي مكانه أبو العباس مأمون، ونكح أخته كما نكحها أخوه من قبله. ثم دعاه إلى الدخول في طاعته، والخطبة له، كما دعا الناس، فمنعه أصحابه وأتباعه، وتوجس الخيفة من السلطان في ذلك، فرجعوا إلى الفتك به، فقتلوه وبايعوا ابنه داود. وازداد خوفهم من السلطان في ذلك، فتعاهدوا على الامتناع ومقدمهم التكين البخاري. وسار ٤/٤٨٨

إليهم السلطان في العساكر حتى أناخ عليهم وبيتوا محمد بن إبراهيم الطائي، وكان في مقدمة السلطان فقاتلهم إلى أن وصل السلطان فهزمهم، وأثخن فيهم بالقتل والأسر، وركب التكين السفن ناجيا فغدره الملاحون وجاءوا به إلى السلطان فقتله في جماعة من القواد الذين قتلوا مأمونا على قبره. وبعث بالباقين الى غزنة، فأخرجوا في البعوث إلى الهند وأنزلوا هنالك في حامية الثغور وأجريت لهم الأرزاق، واستخلف على خوارزم الحاجب الترنتاش ورجع إلى بلاده.

فتح قشمير وقنوج

ولما فرغ السلطان من أمر خوارزم، وانضافت إلى مملكته، عدل إلى بست، وأصلح أحوالها ورجع إلى غزنة. ثم اعتزم على غزو الهند سنة تسع وأربعمائة، وكان قد دوخ بلادها كلها، ولم يبق عليه إلا قشمير ومن دونها الفيافي والمصاعب، فاستنفر الناس من جميع الجهات من المرتزقة والمتطوعة. وسار تسعين مرحلة وعبر نهر جيحون وحيلم وخيالا ، هو وامراؤه. وبث عساكره في أودية لا يعبر عن شدة جريها وبعد أعماقها، وانتهى إلى قشمير. وكانت ملوك الهند في تلك الممالك تبعث إليه بالخدمة والطاعة، وجاءه صاحب درب قشمير وهو جنكي بن شاهي وشهي فأقر بالطاعة، وضمن دلالة الطريق، وسار أمام العسكر إلى حصن مأمون لعشرين من رجب، وهو خلال ذلك يفتتح القلاع إلى أن دخل في ولاية هردت، أحد ملوك الهند فجاء طائعا مسلما. ثم سار السلطان إلى قلعة كلنجد من أعيان ملوكهم، فبرز للقائه، وانهزم، واعترضهم أنهار عميقة سقطوا فيها وهلكوا قتلا وغرقا، يقال: هلك منهم خمسون ألفا. وغنم السلطان منهم مائة فيل وخمسة إلى غير ذلك مما جل عن الوصف ثم عطف إلى سقط التقيذ وهو بيت مبني بالصخور الصم يشرع منها ٤/٤٨٩

بابان إلى الماء المحيط، موضوعة أبنيته فوق التلال، وعن جنبتيه ألف قصر مشتملة على بيوت الأصنام. وفي صدر البلد بيت أصنام منها خمسة من الذهب الأحمر مضروبة على خمسة أذرع في الهواء قد جعلت عينا كل واحدة منهما ياقوتتان تساوين خمسين ألف دينار، وعين الآخر قطعة ياقوت أزرق تزن أربعمائة وخمسين مثقالا، وفي وزن قدمي الصنم الواحد أربعة آلاف وأربعمائة مثقال، وجملة ما في الأشخاص من الذهب ثمانية وتسعون ألف مثقال. وزادت شخوص الفضة على شخوص الذهب في الوزن، فهدمت تلك الأصنام كلها، وخربت. وسار السلطان طالبا قنوج، وخرب سائر القلاع في طريقه، ووصل إليها في شعبان سنة تسع وأربعمائة وقد فارقها نزوجبال حين سمع بقدومه. وعبر نهر الغانج الذي تغرق الهنود فيه أنفسهم ويذرون فيه رماد المحرقين منهم. وكان أهل الهند واثقين بقنوج وهي سبع قلاع موضوعة على ذلك الماء، فيها عشرة آلاف بيت للأصنام، تزعم الهنود أن تاريخها منذ مائتي ألف سنة، أو ثلاثمائة ألف سنة، وأنها لم تزل متعبدا لهم. فلما وصلها السلطان ألفاها خالية قد هرب أهلها، ففتحها كلها في يوم واحد، واستباحها أهل عسكره. ثم أخذ في السير منها الى قلعة لنج، وتعرف بقلعة البراهمة، فقاتلوا ساعة، ثم تساقطوا من أعاليها على سنا الرماح وضياء الصفاح. ثم سار إلى قلعة أسا وملكها جندبال فهرب وتركها، وأمر السلطان بتخريبها. ثم عطف على جندراي من أكابر الهنود في قلعة منيعة. وكان جميال ملك الهند من قبل ذلك يطلبه للطاعة والألفة فيمتنع عليه. ولحق جميال بنهوجد أحد المغرورين بحصانة المعقل، فنجا بنفسه.

ورام جندراي المدافعة وثوقا بامتناع قلعته. ثم تنصح له بهميال ومنعه من ذلك، فهرب إليه أمواله وأنصاره إلى جبال وراء القلعة، وافتتحها السلطان وحصل منها على غنائم. وسار في أتباع جندراي وأثخن فيهم قتلا ونهبا، وغنم منهم أموالا وفيولا، وبلغت الغنائم ثلاثة آلاف ألف درهم ذهبا وفضة، ويواقيت والسبي كثير، وبيع بدرهمين إلى عشرة. وكانت الفيول تسمى عندهم جنداي داد. ثم قضى السلطان جهاده ورجع إلى غزنة فابتنى مسجدها الجامع وجلب إليه جذوع الرخام من الهند، وفرشه بالمرمر، وأعالي جدرانه بالأصباغ وصباب الذهب المفرغة من تلك الأصنام، واحتضر بناء المسجد بنفسه، ونقل إليه الرخام من نيسابور، وجعل أمام البيت مقصورة تسع ثلاثة آلاف غلام، وبنى بإزاء المسجد مدرسة احتوت فيها الكتب من ٤/٤٩٠

علوم الأولين والآخرين، وأجريت بها الأرزاق، واختصت لنفسه يفضي منه إليه في أمن من العيون، وأمر القواد والحجاب وسائر الخدام فبنوا بجانب المسجد من الدور ما لا يحصى. وكانت غزنة تحتوي على مربط ألف فيل يحتاج كل واحد منها لسياسته ومائدته خطة واسعة.

غزوة الأفقانية

لما رجع السلطان إلى غزنة راسل بيدو والي قنوج واسمه راجبان بدلحه وطال بينهما العتاب وآل إلى القتال فقتل والي قنوج، واستلحمت جنوده. وطغى بيدو، وغلب على الملوك الذين معه، وصاروا في جملته، ووعدهم برد ما غلبهم عليه السلطان محمود، ونمي الخبر بذلك إليه فامتعض، وسار إلى بيدو فغلبه على ملكه. وكان ابتداؤه في طريقه بالأفقانية طوائف من كفار الهند معتصمون بقلل الجبال، ويفسدون السابلة، فسار في بلادهم ودوخها، وعبر نهر كنك، وهو واد عميق، وإذا جيبال من ورائه، فعبر إليه على عسر العبور فانهزم جيبال، واسر كثير من أصحابه.

وخلص جريحا واستأمن إلى السلطان فلم يؤمنه إلا أن يسلم، فسار ليلحق ببيدو فغدر به بعض الهنود وقتله. فلما رأى ملوك الهند ذلك تابعوا رسلهم إلى السلطان في الطاعة على الإتاوة، وسار إلى مدينة باري من أحصن بلاد الهند فألفاها خالية، فأمر بتخريبها وعشر قلاع مجاورة لها، وقتل من أهلها خلقا وسار في طلب بيدو، وقد تحصن بنهر أدار ماءه عليه من جميع جوانبه، ومعه ستة وخمسون ألف فارس وثمانون ألف راجل وسبعمائة وخمسون فيلا، فقاتلهم لك يوما، وحجز بينهم الليل فأجفل بيدو، وأصبحت دياره بلاقع، وترك خزائن الأموال والسلاح فغنمها المسلمون وتتبعوا آثارهم فوجدوهم في الغياض والآكام، فأكثروا فيهم القتل والأسر، ونجا بيدو بذماء نفسه، ورجع السلطان إلى غزنة ظافرا.

فتح سومنات

كان للهند صنم يسمونه سومنات، وهو أعظم أصنامهم في حصن حصين على ساحل ٤/٤٩١

البحر بحيث تلتقفه أمواجه والصنم مبنى في بيته على ستة وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وهو من حجر طوله خمسة أذرع، منها ذراعان غائصان في البناء وليس له صورة مشخصة. والبيت مظلم يضيء بقناديل الجوهر الفائق، وعنده سلسلة ذهب بجرس وزنها مائة من تحرك بأدوار معلومة من الليل فيقوم عباد البرهميين لعبادتهم بصوت الجرس. وعنده خزانة فيها عدد كثير من الأصنام ذهبا وفضة، عليها ستور معلقة بالجوهر منسوجة بالذهب، تزيد قيمتها على عشرين ألف ألف دينار. وكانوا يحجون إلى هذا الصنم ليلة خسوف القمر فتجتمع إليه عوالم لا تحصى.

وتزعم الهنود أن الأرواح بعد المفارقة تجتمع إليه فيبثها فيمن شاء بناء على التناسخ، والمد والجزر عندهم هو عبادة البحر. وكانوا يقربون إليه كل نفيس، وذخائرهم كلها عنده ويعطون سدنته الأموال الجليلة. وكان له أوقاف تزيد على عشرة آلاف ضيعة.

وكان نهرهم المسمى كنك الذي يزعمون أن مصبه في الجنة، ويلقون فيه عظام الموتى من كبرائهم، وبينه وبين سومنات مائتا فرسخ. وكان يحمل من مائه كل يوم لغسل هذا الصنم، وكان يقوم عند الصنم من عباد البرهميين ألف رجل في كل يوم للعبادة، وثلاثمائة لحلق رءوس الزوار ولحاهم، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون، ولهم على ذلك الجرايات الوافرة، وكان كلما فتح محمود بن سبكتكين من الهند فتحا أو كسر صنما، يقول أهل الهند: إن سومنات ساخط عليهم، ولو كان راضيا عنهم لأهلك محمودا دونه. فاعتزم محمود بن سبكتكين إلى غزوة، وتكذيب دعاويهم في شأنه، فسار من غزنة في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة في ثلاثين ألف فارس سوى المتطوعة، وقطع القفر إلى الملتان وتزود له من القوت والماء قدر الكفاية، وزيادة عشرين ألف حمل. وخرج من المفازة إلى حصون مشحونة بالرجال قد غوروا آبارهم مخافة الحصار، فقذف الله الرعب في قلوبهم، وفتحها وقتل سكانها وكسر أصنامها، واستقى منها الماء. وسار إلى أنهلوارن وأجفل عنها صاحبها بهيم، وسار إلى بعض حصونه، وملك السلطان المدينة، ومر إلى سومنات ووجد في طريقه حصونا كثيرة فيها أصنام وضعوها كالنقباء والخدمة لسومنات، ففتحها وخربها وكسر الأصنام. ثم سار في قفر معطش، واجتمع من سكانه عشرون ألفا لدفاعه، فقاتلهم سراياه، وغنموا أموالهم، وانتهوا إلى دبلواه على مرحلتين من سومنات، فاستولى عليها وقتل رجالها. ووصل الى سومنات منتصف ذي القعدة، فوجد أهلها مختفين في ٤/٤٩٢

أسوارهم، وأعلنوا بكلمة الإسلام فوقها، فاشتد القتال حتى حجز بينهم الليل. ثم أصبحوا إلى القتال وأثخنوا في الهنود، وكانوا يدخلون إلى الصنم فيعنفونه ويبكون ويتضرعون إليه، ويرجعون إلى القتال. ثم انهزموا بعد أن أفناهم القتل، وركب فلهم السفن فأدركوا، وانقسموا بين النهب والقتل والغرق، وقتل منهم نحو من خمسين ألفا. واستولى السلطان على جميع ما في البيت. ثم بلغه أن بهيم صاحب أنهلوارن اعتصم بقلعة له تسمى كندهة في جزيرة على أربعين فرسخا من البر، فرام خوض البحر إليها، ثم رجع عنها وقصد المنصورة، وكان صاحبها ارتد عن الإسلام، ففارقها وتسرب في غياض هناك، فأحاطت عساكر السلطان بها، وتتبعوهم بالقتل، فأفنوهم. ثم سار إلى بهاطية فدان أهلها بالطاعة ورجع إلى غزنة في صفر سنة سبع عشرة وأربعمائة.

دخول قابوس صاحب جرجان وطبرستان في ولاية السلطان محمود

قد قدمنا وفادة قابوس على الأمير نوح بن منصور بن سامان، وعامله بخراسان أبي العباس تأس مستصرخا على بني بويه عند ما ملكوا طبرستان وجرجان من يده سنة إحدى وسبعين، وأقام بخراسان ثماني عشرة سنة وهم يعدونه بالنصرة والمدد حتى يئس منهم. ولما جاء سبكتكين وعده بمثل ذلك. ثم شغله شغل بني سيجور، ثم وعده السلطان محمود وشغلته فتنة أخيه، واستولى أبو القاسم بن سيجور على جرجان بعد مهلك فخر الدولة بن بويه. ثم أمر من بخارى بالمسير إلى خراسان، فسار إلى أسفراين واستمد قابوس رجال الديلم والجبل، فأمدوه وظاهروه على أمره حتى غلب على طبرستان وجرجان، وملكها كما يذكر في أخبار الديلم والجبل. وكان نصر بن الحسن بن الفيرزان وهو ابن عم ما كان بن كالي ينازعه فيهما، فآل الحال بنصر إلى أن اعتقله بنو بويه بالري، واستقل قابوس بولاية جرجان وطبرستان وديار الديلم كلها من ممالك محمود ٤/٤٩٣

استيلاء السلطان محمود على الري والجبل

كان مجد الدولة بن فخر الدولة صاحب الري، وكان قد ضعف أمره وأدبرت دولته، وكان يتشاغل بالنساء والكتاب نسخا ومطالعة. وكانت أمه تدبر ملكه، فلما توفيت انتقضت أحواله وطمع فيه جنده، وكتب إلى محمود يشكو ذلك ويستدعي نصرته، فبعث إليه جيشا عليهم حاجبه، وأمره أن يقبض على مجد الدولة فقبض عليه وعلى ابنه أبي دلف عند وصوله. وطير بالخبر إلى السلطان، فسار في ربيع من سنة عشرين وأربعمائة ودخل المري وأخذ أموال مجد الدولة، وكانت ألف ألف دينار، ومن الجواري قيمة خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات ما لا يحصى. ووجد له خمسين زوجة ولدن نيفا وثلاثين ولدا، فسئل عن ذلك فقال: هذه عادة. وأحضر مجد الدولة وعنفه، وعرض له بتسفيه رأيه في الانتصار عن جندراي منه، وبعثه إلى خراسان فحبس بها. ثم ملك السلطان قزوين وقلاعها، ومدينة ساوة وآوه، وصلب أصحاب مجد الدولة من الباطنية ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة والاعتزال والنجوم، وأخذ مما سوى ذلك من الكتب مائة حمل. وتحصن منه منوجهر بن قابوس ملك الجبل بالجبال الوعرة فقصده فيها، ولم تصعب عليه فهرب منوجهر وتحصن بالغياض، وبعث له بخمسمائة ألف دينارا استصلاحا فقبله ورجع عنه إلى نيسابور. وتوفي منوجهر عقب ذلك، وولي بعده ابنه أنوشروان فأقره السلطان على ولايته، وقرر عليه خمسمائة ألف دينار ضريبة. وخطب للسلطان محمود في بلاد الجبل إلى أرمينية. وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر من يد إبراهيم السيلار بن المرزبان من عقب شوذان بن محمد بن مسافر الديلمي، وجميع قلاعه، ولم يبق بيده إلا شهرزان، قرر عليه فيها ضريبة، كما يأتي في أخبار الديلم. ثم أطاعه علاء الدولة بن كاكويه بأصفهان، وخطب له، وعاد السلطان إلى خراسان، واستخلف بالري ابنه مسعودا فقصد أصفهان وملكها من علاء الدولة، واستخلف مسعود عليها بعض أصحابه وعاد عنها فثار أهلها بعامله وقتلوه، فرجع إليهم واستباحهم. ثم عاد إلى الري فأقام بها ٤/٤٩٤

استيلاء السلطان محمود على بخارى ثم عوده عنها

كان ايلك خان ملك الترك وصاحب تركستان لما ملك بخارى من يد بني سامان سنة تسعين وثلاثمائة، ولى عليها ورجع إلى بلاده كما مر، وكان الغز أحياء بادية بضواحي بخارى وزعيمهم أرسلان بن سلجوق عم السلطان طغرلبك. وكان بينه وبين ايلك خان وأخيه بقراخان حروب وفتن بسبب استظهار بني سامان بهم. فلما ملك ايلك خان بخارى عرف لأرسلان بن سيجور حقه ورفع محله، وهو مع ذلك مستوحش.

وكان على تكين أخو ايلك خان، وحبس أرسلان ولحق ببخارى فاستولى عليها، وطلب موالاة أرسلان بن سيجور فوالاه، واستفحل أمرهما، ونهض إليهما ايلك خان وقاتلهما فهزماه. واستوثق أمر تكين في بخارى وكان يسيء جوار السلطان محمود بن سبكتكين في أعماله، ويعترض رسله المترددين إلى ملوك الترك فأحفظ ذلك السلطان، وأجمع المسير إليه، فنهض من بلخ سنة عشرين وأربعمائة، وعبر النهر وقصد بخارى، فهرب منها على تكين ولحق بايلك خان. ودخل السلطان بخارى وملك سائر أعمالها، وأخذ الجزية من سمرقند، وأجفلت أحياء الغز وأرسلان بن سلجوق، وتلطف في استدعائه. فلما حضر عنده تقبض عليه، وبعثه إلى بعض قلاع الهند وحبسه بها. وسار إلى أحياء الغز فنهبهم، وأثخن فيهم قتلا وأسرا، ورجع إلى خراسان.

خبر السلطان محمود مع الغز بخراسان

لما حبس السلطان أرسلان بن سلجوق، ونهب احياءهم، أجلاهم عن ضواحي بخارى، فعبروا نهر جيحون إلى خراسان، وامتدت فيهم أيدي العمال بالظلم والتعدي في أموالهم وأولادهم فتفرقوا، وجاءت منهم طائفة في أكثر من ألفي خركاة إلى كرمان، ثم إلى أصفهان، وكان يسمون العراقية. وطائفة إلى جبل بكجان عند خوارزم القديمة، وعاث كل منهم فيما سار فيه من البلاد. وبعث السلطان إلى علاء الدولة بأصفهان لرد الذين ساروا إليه إلى الري وقبلهم، وحاول ذلك بالغدر فلم ٤/٤٩٥

يستطع، وحاربهم فهزموه وساروا عنه إلى أذربيجان، وأفسدوا ما ساروا عليه وصانعهم وهشوذان صاحب أذربيجان وآنسهم. وكان مقدموهم: بوقا وكوكاش ومنصور ودانا. وأما الذين ساروا إلى خوارزم القديمة فكثر عيثهم في تلك النواحي.

وأمر السلطان محمود صاحب طوس أرسلان الحاجب أن يسير في طلبهم فاتبعهم سنتين. ثم جاء السلطان على أثره فشردهم على نواحي خراسان، واستخدم بعضهم.

وكان أمراؤهم: كوكاش وبوقا وقزل ويغمروتا صغلي.

ولما مات السلطان محمود استخدمهم ابنه مسعود أيضا، وساروا معه من غزنة إلى خراسان فسألوه فيمن بقي منهم بجبل بكجان عند خوارزم فأذن لهم أن يسهلوا الى البسائط على شرط الطاعة. ثم انتقض أحمد نيال عامل الهند فسار مسعود إليه، وولى على خراسان تاش، وكثر عيث هؤلاء الغز في البلاد فأوقع بهم تاش، وقتل أميرهم يغمر. وبعث السلطان مسعود من إجلائهم عن البلاد، ومثل بهم بالقتل والقطع والصلب. فساروا إلى الري طالبين أذربيجان للحاق بالعراقية منهم كما مر ذكرهم فملكوا الدامغان ونهبوها، ثم سمنان. ونهبوا جوار الري وايجاباذ ومشكوبة من أعمال الري، وخربوا كل ما مروا عليه من القرى والضياع فاجتمع لحربهم تاش وأبو سهل الحمدوني صاحب الري. وسار إليهم تاش في العساكر والفيلة على التعبية، ولقوة مستميتين، وسبق إليه أحياؤهم فهزموه وقتلوه.

ثم ساروا الى الري فهزموا أبا سهل الحمدوني وعسكره، ولحق بقلعة طبول، ونهبوا الري واستباحوا أموالها، وجاء عسكر من جرجان فاعترضوه وكبسوه، وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا، ومضوا إلى أذربيجان ليجتمعوا بالعراقية. ثم رجع علاء الدولة بن كاكويه إلى أصفهان بعد مسيرهم من الري، وطلبوا مولاه أبا سهل على طاعة مسعود فلم يتم وعاث الغز في أذربيجان وأوقع بهم ففارقوها إشفاقا من نيال وأخيه طغرلبك، وافترقوا بين الموصل وديار بكر فملكوها ونهبوها وعاثوا في نواحيها كما مر ذكره في أخبار قرواش صاحب الموصل وابن مروان صاحب ديار بكر.

هذه أخبار أرسلان بن سلجوق مفصلة إلا مفصلة إلا ما اختصر منها بالري وأذربيجان فإنه يأتي في مواضعه من دولة الديلم. وأما طغرلبك وإخوته داود ...

وبيقو وأخوه لأمه نيال المسمى بعد الإسلام إبراهيم فانهزموا وأقاموا بعد سلجوق ببلاد ما وراء النهر. وكان بينهم وبين علي تكين صاحب بخارى حروب ظهر عليهم فيها ٤/٤٩٦

فعبروا جيحون إلى خوارزم وخراسان، وكان من أخبارهم فيها وما آل أمرهم إلى الملك والدولة ما يأتي ذكره.

افتتاح نرسى من الهند

كان السلطان محمود قد استخلف على الهند من مواليه أحمد نيال تكين، فغزا سنة إحدى وعشرين مدينة نرسى من أعظم مدن الهند في مائة ألف مقاتل، فنهب وخرب الأعمال واستباحها. وجاء إلى المدينة فدخلها من أحد جوانبها، واستباحها يوما ولم يستوعبها حتى خرجوا فباتوا بظاهرها خوفا على أنفسهم من أهل البلد.

وقسموا الأموال كيلا، وأرادوا العود من الغد فدافعهم أهلها، ورجع أحمد نيال بعساكره إلى بلده.

وفاة السلطان محمود وولاية ابنه محمد

ثم توفي السلطان محمود في ربيع سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان ملكا عظيما استولى على كثير من الممالك الإسلامية، وكان يعظم العلماء ويكرمهم، وقصدوه من أقطار البلاد، وكان عادلا في رعيته رفيقا بهم محسنا إليهم، وكان كثير الغزو والجهاد، وفتوحاته مشهورة. ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لابنه محمد وهو ببلخ، وكان أصغر من مسعود إلا أنه كان مقبلا عليه ومعرضا عن مسعود. فلما توفي بعث أعيان الدولة إلى محمد بخبر الوصية واستحثوه، وخطب له في أقاصي الهند إلى نيسابور، وسار إلى غزنة فوصلها لأربعين يوما، واجتمعت العساكر على طاعته وقسم فيها الأعطيات.

خلع السلطان محمد ابن السلطان محمود وولاية ابنه الآخر مسعود الأكبر

ابن خلدن م 32 ج 4 ٤/٤٩٧

لما توفي السلطان محمود كان ابنه مسعود بأصفهان، فسار إلى خراسان، واستخلف على أصفهان، فثار أهلها بخليفته وعسكره فقتلوهم، فعاد إليهم مسعود وحصرها وافتتحها عنوة واستباحها. ثم استخلف عليها وسار إلى الري ومنها إلى نيسابور، وكتب إلى أخيه محمد بالخبر وأنه لا ينازعه، ويقتصر على فتحه من طبرستان وبلد الجبل وأصفهان، ويطلب تقديمه على محمد في الخطبة فأحفظه ذلك، واستحلف العساكر. وسار إلى مسعود، وكان أكثر العساكر يميلون الى مسعود لقوته وشجاعته وعلو سنه. وأرسل التوتناش صاحب خوارزم، وكان من أصحاب السلطان محمود يشير على محمد بترك الخلاف فلم يسمع، وسار فانتهى إلى بكياباد أول رمضان من سنته، وأقام، وكان مشتغلا باللعب عن تدبير الملك، فتفاوض جنده في خلعه والادالة منه بأخيه مسعود. وتولى كبر ذلك عمه يوسف بن سبكتكين، وعلى حشاوند صاحب أبيه. وحبسوا محمدا بقلعة بكياباد وكتبوا بالخبر إلى مسعود، وارتحلوا إليه بالعساكر فلقوه بهراة فقبض على عمه وعلى صاحب أبيه، وعلى جماعة من القواد. واستقر في ملك أبيه شهر ذي القعدة من سنته، وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن السيمندي من محبسه وفوض إليه الوزارة وأمور المملكة.

وكان أبوه قبض عليه سنة ست عشرة واربعمائة وصادره على خمسة آلاف دينار. ثم سار إلى غزنة فوصلها منتصف اثنتين وعشرين واربعمائة ووفدت عليه رسل جميع الملوك من جميع الآفاق، واجتمع له ملك خراسان وغزنة والهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصفهان والجبل، وعظم سلطانه.

عود أصفهان الى علاء الدولة بن كاكويه ثم رجوعها للسلطان مسعود

كان قناخر مجد الدولة بن بويه صاحب أصفهان، وملكها السلطان محمود من يده فهرب عنها، وامتنع بحصن قصران. وأنزل السلطان محمود ابنه مسعودا بأصفهان، وأنزل معه علاء الدولة بن كاكويه فاستقل بها، وسار عنه مسعود. ثم زحف إليه وملكها من يده. ولحق علاء الدولة بخوزستان يستنجد أبا كليجار بن سلطان الدولة. وسار عنه إلى تستر ليستمد له من أخيه جلال الدولة العساكر لمعاودة ٤/٤٩٨

أصفهان. وكان ذلك عقب فتنة وحرب بين أبي كليجار وأخيه جلال الدولة فوعده أبوه بذلك إذا اصطلحا، وأقام عنده إلى أن توفي السلطان محمود. ولما توفي السلطان محمود جمع قناخر جمعا من الديلم والأكراد، وقصد الري وقاتله نائبة مسعود فهزمه، ودفعه عن الري وفتك في عسكره قتلا وأسرا. وعاد قناخر إلى بلده، وبلغ الخبر إلى علاء الدولة بموت السلطان محمود وهو عند أبي كليجار بخوزستان، وقد أيس من النصر، فبادر إلى أصفهان فملكها، ثم همذان. وقصد الري فقاتله نائب مسعود، ورجع إلى أصفهان. ثم اقتحموا عليه البلد عنوة ونجا علاء الدولة إلى قلعة قردخان على خمسة عشر فرسخا من همذان. وخطب لمسعود بالري وجرجان وطبرستان.

فتح التيز ومكران وكرمان ثم عود كرمان لأبي كليجار

كان صاحب التيز ومكران لما توفي خلف ولدين أبا العساكر وعيسى، واستبد عيسى منهما بالملك فسار أبو العساكر إلى خراسان مستنجدا بمسعود فبعث معه عسكرا ودعوا عيسى إلى الطاعة فامتنع، وقاتلوه فاستأمن كثير من أصحابه إلى أبي العساكر فانهزم عيسى وقتل في المعركة. واستولى أبو العساكر على البلاد وملكها، وخطب فيها للسلطان مسعود، وذلك سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وفي هذه السنة ملك السلطان مسعود كرمان وكانت للملك أبي كليجار بن سلطان الدولة فبعث إليها السلطان مسعود عساكر خراسان فحاصروا مدينة بردسير، وشدوا في حصارها، واستبد إلى أطراف البلاد، ثم وصل عسكر أبي كليجار إلى جيرفت واتبعوا الخراسانية بأطراف البلاد فعاود هزيمتهم، ودخلوا المفازة إلى خراسان وعادت العساكر الى فارس.

فتنة عساكر السلطان مسعود مع علاء الدولة بن كاكويه وهزيمته

قد تقدم لنا هزيمة علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه من الري ونجاته إلى قلعة ٤/٤٩٩

قردخان. ثم سار منها إلى يزدجرد ومعه فرهاد بن مرداويح مددا له. وبعث صاحب الجيوش بخراسان عسكرا مع ابن عمران الديلمي لاعتراضهما، فلما قاربهما العسكر فر فرهاد إلى قلعة شكمين، ومضى علاء الدولة إلى سابور خرات، وملك علي بن عمران يزدجرد. ثم أرسل فرهاد إلى الأكراد الذين مع علي بن عمران وداخلهم في الفتك به، وشعر بذلك فسار إلى همذان، ولحقه فرهاد فاعتصم بقلعة في طريقه منيعة، وكادوا يأخذونه لولا عوائق الثلج والمطر في ذلك اليوم، وكانوا ضاحين من الخيام فتركوه ورجعوا عنه. وبعث ابن عمران الى تاش قرواش صاحب جيوش خراسان يستمده في العسكر إلى همذان، وبعث علاء الدولة يستدعي أبا منصور ابن أخيه من أصفهان بالسلاح والأموال ففعل. وسار علي بن عمران من همذان لاعتراضه، فكبسه بجرباذقان وغنم ما معه وقتل كثيرا من عسكره وأسره، وبعث به إلى تاش قرواش صاحب جيوش خراسان. وسار إلى همذان وزحف إليه علاء الدولة وفرهاد، فانقسموا عليه وجاءوه من ناحيتين، فانهزم علاء الدولة ونجا إلى أصفهان وفر هاربا الى قلعة شكمين فتحصن بها.

مسير السلطان مسعود إلى غزنة والفتن بالري والجبل

لما استولى السلطان على أمره سار من غزنة إلى خراسان لتمهيد أمورها، وكان عامله وعامل أبيه على الهند أحمد نيال تكين قد استفحل فيها أمره، وحدثته نفسه بالاستبداد فمنع الحمل وأظهر الانتقاض. فسار السلطان إلى الهند ورجع أحمد نيال الى الطاعة، وقام علاء الدولة بأصفهان وأظهر الانتقاض، ومعه فرهاد بن مرادويح، فزحف إليهم أبو سهل وهزمهم، وقتل فرهاد ونجا علاء الدولة إلى جبال أصفهان وجرباذقان فامتنع بها، وسار ابو سهل إلى أصفهان فملكها سنة خمس وعشرين وأربعمائة ونهب خزائن علاء الدولة وحمل كتبه إلى غزنة وأحرقها الحسين الغوري بعد ذلك. ٤/٥٠٠

عود أحمد نيال تكين إلى العصيان

ولما عاد السلطان إلى خراسان لقتال الغز، عاد أحمد نيال تكين إلى العصيان بالهند، وجمع الجموع فبعث السلطان سنة ست وعشرين وأربعمائة إليه جيشا كثيفا، وكتب إلى ملوك الهند بأخذ المذاهب عليه. فلما قاتله الجيوش انهزم ومضى هاربا إلى ملتان، وقصد منها بهاطية وهو في جمع فلم يقدر ملك بهاطية على منعه. وأراد عبور نهر السند في السفن، فهيأ له الملك ليعبر إلى جزيرة وسط النهر ظنها متصلة بالبر، وأوصى الملك الملاحين أن ينزلوه بها ويرجعوا عنه. وعلموا أنها منقطعة، فضعفت نفوسهم وأقاموا بها سبعة أيام، ففنيت أزوادهم وأكلوا دوابهم، وأوهنهم الجوع. وأجاز إليهم ملك بهاطية فاستوعبهم بالقتل والغرق والأسر وقتل أحمد نفسه.

فتح جرجان وطبرستان

كانت جرجان وطبرستان وأعمالهما لدارا بن منوجهر بن قابوس، وكان السلطان مسعود قد أقره عليها، فلما سار السلطان إلى الهند وانتشر الغز في خراسان منع الحمل، وداخل علاء الدولة بن كاكويه وفرهاد بن ماكان في العصيان. فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز عن خراسان سار إلى جرجان سنة ست وعشرين وأربعمائة فملكها ثم سار إلى آمد فملكها وفارقها أصحابها، وافترقوا في الغياض فتبعهم، وقتل منهم وأسر. ثم راسله دارا في الصلح وتقرير البلاد عليه، وحمل ما بقي عليه، فأجابه السلطان إلى ذلك ورجع إلى خراسان.

مسير علاء الدولة الى أصفهان وهزيمته

كان أبو سهل الحمدوني قد أنزله السلطان بأصفهان ودلهم على النواحي ٤/٥٠١

القريبة من علاء الدولة فأوقع بهم وغنم ما معهم، وقوي طمعه بذلك في أصفهان، فجمع الجموع، وسار إليها، فخرج إليهم أبو سهل وقاتلهم. وتحيز من كان مع علاء الدولة من الأتراك إلى أبي سهل، فانهزم علاء الدولة، ونهب سواده، وسار إلى بروجرد، ثم إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار صاحبها.

استيلاء طغرلبك على خراسان

كان طغرلبك وأخواه بيقو وحقربيك، واسم طغرلبك محمد، ولما أسر السلطان محمود أرسلان بن سلجوق وحبسه كما مر وأجاز أحياء من الغز إلى خراسان فكان من أخبارهم ما قدمناه، وأقام طغرلبك وإخوته في أحيائهم بنواحي بخارى. ثم حدثت الفتنة بينهم وبين علي تكين صاحب بخارى، وكانت بينهم حروب ووقائع، وأوقعوا بعساكره مرارا فجمع أهل البلاد عليهم، وأوقع بهم واستلحمهم واستباحهم، فانحازوا إلى خراسان سنة ست وعشرين وأربعمائة، واستخدموا لصاحب خوارزم وهو هارون بن التوتناش. وغدر بهم، فساروا عنه إلى مفازة نسا، ثم قصدوا مرو وطلبوا الأمان من السلطان مسعود على أن يضمنهم أمان السابلة، فقبض على الرسل ولم يجبهم على ما سألوا. وبعث العساكر فأوقعوا بهم على نسا، ثم طار شررهم في البلاد وعم ضررهم. وسار السلطان ألب أرسلان إلى نيسابور ففارقها أبو سهل الحمدوني فيمن معه، واستولى عليها داود. وجاء أخوه طغرلبك على أثره ولقيهم رسل الخليفة إليهم وإلى العراقية الذين قتلهم بالري وهمذان، يعنفهم وينهاهم عن الفساد ويطمعهم، فتلقوا الرسل بالإعظام والتكرمة. ثم امتدت عين داود إلى نهب نيسابور فمنعه طغرلبك، وعرض له بشهر رمضان، ووصية الخليفة، فلج فقوي طغرلبك في المنع وقال: والله لئن نهبت لأقتلن نفسي، فكف داود عن ذلك. وقسطوا على أهل ٤/٥٠٢

نيسابور ثلاثين ألف دينار، فرقوها في أصحابهم. وجلس طغرلبك على سرير ملك مسعود بدار الملك، وصار يقعد للمظالم يومين في الأسبوع على عادة ولاة خراسان، وكانوا يخطبون للملك مسعود مغالطة وإيهاما.

مسير السلطان مسعود من غزنة إلى خراسان واجلاء السلجوقية عنها

ولما بلغ الخبر إلى السلطان مسعود باستيلاء طغرلبك والسلجوقية على نيسابور، جمع عساكره من غزنة وسار إلى خراسان فنزل بلخ في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة وأصهر إلى بعض ملوك الخانية دفعا لشره. وأقطع خوارزم ولحق إسماعيل بطغرلبك. ثم أراح السلطان مسعود وفرغ من خوارزم والخانية، فبعث السلطان سباسي، فسار إليهم في العساكر فلم يشف نفسه، ونزل سرخس، وعدلوا عن لقائه، ودخلوا المفازة التي بين مرو وخوارزم، واتبعهم السلطان مسعود وواقعهم في شعبان من هذه السنة، فهزمهم فما بعدوا حتى عادوا في نواحيه، فأوقع بهم أخرى. وكان القتلى فيها منهم ألفا وخمسمائة، وهربوا إلى المفازة. وثار أهل نيسابور بمن عندهم وقتلوهم، ولحق فلهم بأصحابهم في المفازة. وعدل السلطان إلى هراة ليجهز العساكر ليطلبهم، فبلغه الخبر بأن طغرلبك سار إلى أستراباذ، وأقام بها في فصل الشتاء يظن أن الثلج يمنعهم عنه، فسار السلطان إليه هنالك، ففارقها طغرلبك وعدل عن طوس إلى جبال الري التي كان فيها طغرلبك وأصحابه، وقد امتنعوا بحالهم خوفا من السلطان لما كان منهم من موالاة السلجوقية، فاغذ إليهم السير، وصبحهم فتركوا أهلهم وأموالهم واعتصموا بوعر الجبل، وغنمت عساكره جميع ما استولوا عليه. ثم صعد إليهم بنفسه وعساكره وهلك كثير من العسكر بالثلج في شعاب الجبل ثم ظفروا بهم في قلة الجبل واستلحموهم، وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ليريح ويخرج في فصل الربيع لطلبهم في المفاوز. ثم عاد طغرلبك وأصحابه من المفازة وبعث إليهم السلطان بالوعيد. فيقال إن طغرلبك قال لكاتبه أكتب إليه:

«قل اللهم مالك الملك» 3: 26 الآية. ولا تزده عليها. ولما ورد الكتاب على السلطان مسعود، كتب إليه «وآنسه بالمواعيد» وبعث إليه بالخلع، وأمره بالرحيل إلى آمل ٤/٥٠٣

الشط على جيحون، وأقطع نسا لطغرلبك ودهستان لداود وبدارة لبيقو، وسمى كل واحد منهما بالدهقان، فلم يقبلوا شيئا من ذلك ولا وثقوا به. وأكثروا من العيث والفساد. ثم كفوا عن ذلك، وبعثوا إلى السلطان مسعود يخادعونه بالطاعة ببلخ، ورغبوه في أن يسرح إليهم أخاهم أرسلان المحبوس بالهند، فبعث إليه السلطان مسعود وجاءوا بأرسلان من الهند، ولما لم يتم بينهم أمر بإعادته إلى محبسه.

هزيمة السلطان مسعود واستيلاء طغرلبك على مدائن خراسان وأعمالها

ولما تغلبت السلجوقية على نواحي خراسان. وفضوا عساكر السلطان وهزموا الحاجب سباسي ، اهتز السلطان لذلك، وأجمع لخراسان الحشد وبث العطاء، وأزاح العلل، وسار من غزنة في الجيوش الكثيفة والفيلة العديدة على التعبية المألوفة، ووصل إلى بلخ، ونزل بظاهرها، وجاء داود بأحيائه فنزل قريبا منه، وأغار يوما على معسكره فساق من باب الملك مسعود عدة من الجنائب المقربات، معها الفيل الأعظم، وارتاع الملك لذلك، وارتحل مسعود من بلخ في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ومعه مائة ألف مقاتل. ومر بالجوزجان فصلب الوالي الذي كان بها للسلجوقية، وانتهى إلى مرو الشاهجان. ومضى داود إلى سرخس واجتمع معه أخوه طغرلبك وبيقو، وبعث إليهم السلطان في الصلح، فوفد عليه بيقو فأكرمه السلطان وخلع عليه، وأجابه هو عن أصحابه بالامتناع من الصلح للخوف من السلطان.

وسار من عند السلطان فسقط في يده وسار في اتباعهم من هراة إلى نيسابور، ثم سرخس. كلما تبعهم إلى مكان هربوا منه إلى آخر، حتى أظلهم فصل الشتاء فأقاموا بنيسابور ينتظرون انسلاخه فانسلخ، والسلطان عاكف على لهوه غافل عن شأنه حتى انقضى زمن الربيع. واجتمع وزراؤه وأهل دولته وعذلوه في إهمال أمر عدوه، فسار من نيسابور إلى مرو في طلبهم فدخلوا المفازة، فدخل وراءهم مرحلتين وقد ضجر العسكر من طول السفر وعنائه. وكانوا منذ ثلاث سنين منقلبين فيه منذ سفرهم مع ٤/٥٠٤

سباسي فنزل بعض الأيام في منزلة على قليل من الماء، وازدحم الناس على الورود واستأثر به أهل الدولة والحاشية، فقاتلهم عليه الجمهور، ووقعت في العساكر لذلك هيعة. وخالفهم الدعرة إلى الخيام ينهبون ويتخطفون. وكان داود وأحياؤه متابعا للعسكر على قرب يتخطف الناس من حولهم، فشعر بتلك الهيعة فركب في قومه وصدم العساكر وهم في تلك الحال فولوا منهزمين، والسلطان والوزير ثابتان في موقفهما يحرضان الناس على الثبات، فلم يثبت أحد، فانصرفا مع المنهزمين في فل وأتبعهم داود وأثخن فيهم بالقتل. ثم رجع إلى العسكر وقد غنمه أصحابه فآثرهم بالغنائم، وقسم فيهم ما حصل له وقعد على كرسي السلطان، وأقام عسكره ثلاثة أيام ولياليها على ظهر خشية من كر العسكر السلطانية عليهم. ونجا السلطان إلى غزنة فدخلها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبض على سباسي وغيره من الأمراء، وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها آخر إحدى وثلاثين وأربعمائة، ونهب عسكره أهلها، وكان بها هرج عظيم من الدعرة. وكانوا ينالون من الناس بالنهب والزنا والقتل فارتدعوا لذلك لهيبة طغرلبك، وسكن الناس. وملك السلجوقية البلاد فسار بيقو إلى هراة فملكها وسار داود إلى بلخ وبها الحاجب التوتناش فاستخلفه السلطان عليها، فأرسل إليه داود في الطاعة فسجن الرسل، وحاصره داود. وبعث السلطان مسعود جيشا كثيفا لإمداده، ودفع السلجوقية عن البلاد، فسار فريق منهم إلى الرخج، فدفعوا من كان بها من السلجوقية وهزموهم، وأفحشوا في قتلهم وأسرهم.

وسار فريق منهم إلى بيقو في هراة فقاتلوه ودفعوه عنها ثم بعث السلطان ابنه مودود بعساكر أخرى، وجعل معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبره، فسار عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فلما قارب بلخ وداود يحاصرها، بعث داود جماعة من عسكره فلقوا طلائع مودود فهزمهم، فلما وصلت منهزمة تأخر مودود عن نهايته، وأقام وسمع التوتناش بأحجام مودود عنه فأطاع داود وخرج إليه.

خلع السلطان مسعود ومقتله وولاية أخيه محمد مكانه

ولما بعث السلطان ولده مودود إلى خراسان لمدافعة السلجوقية عنها، وأقام بعده سبعة ٤/٥٠٥

أيام، وخرج من غزنة في ربيع سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة يريد الهند للمشتى به على عادة أبيه، ويستنفر الهنود لقتال السلجوقية. واستصحب أخاه محمدا المسمول معه.

وكان أهل الدولة قد ضجروا منه فتفاوضوا في خلعه وولاية أخيه محمد، وأجمعوا ذلك. فلما عبروا نهر سيحون وتقدم بعض الخزائن فتخلف أنوش تكين البلخي في جماعة من الغلمان الفداوية، ونهبوا بقية الخزائن، وبايعوا لمحمد المسمول وذلك في منتصف ربيع الآخر من السنة. وافترق العسكر واقتتلوا وعظم الخطب وانهزم السلطان مسعود، وحاصروه في رباط هناك. ثم استنزلوه على الأمان وخيره أخوه محمد في السكنى فاختار مسعود قلعة كيدي فبعث إليها، وأمر بإكرامه، ورجع محمد بالعساكر إلى غزنة. وفوض إلى ابنه أحمد أمر دولته وكان أهوج فاعتزم على قتل عمه مسعود، وداخل في ذلك عمه يوسف، وعلي خشاوند فوافقوه عليه، وحرضوه فطلب من أبيه خاتمه ليختم به بعض خزائنهم، وبعث به إلى القلعة مع بعض خدمه ليؤدي رسالة مسعود، وهو بخراسان يعتذر بأن أولاد أحمد نيال تكين قتلوا السلطان مسعود قصاصا بأبيهم، فكتب إليه يتوعده. ثم طمع الجند في السلطان محمد ومدو أيديهم إلى الرعايا ونهبوها، وخربت البلاد وارتحل عنها محمد. وكان السلطان مسعود شجاعا كريما غزير الفضل حسن الخط، سخيا محبا للعلماء مقربا لهم محسنا إليهم وإلى غيرهم من ذوي الحاجات، كثير الصلات والعطاء والجوائز للشعراء، حليت تصانيف العلوم باسمه، وكثرت المساجد في البلاد بعمارته. وكان ملكه فسيحا، ملك أصفهان وهمذان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الدارون وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة وبلاد الغور، وأطاعه أهل البر والبحر وقد صنف في أخباره ومناقبه.

مقتل السلطان محمد وولاية مودود ابن أخيه مسعود

لما بلغ الخبر بمقتل السلطان مسعود إلى ابنه مودود بخراسان سار مجدا في عساكره إلى غزنة فلقيه عمه محمد في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وانهزم محمد وقبض عليه وعلى أبيه أحمد وعبد الرحمن، وعلى أنوش تكين البلخي الخصي، وعلى علي ٤/٥٠٦

خشاوند وقتلهم أجمعين، إلا عبد الرحمن لرفقه بأبيه مسعود عند القبض عليه.

وقتل كل من داخل في قبض أبيه وخلعه، وسار سيرة جده محمود، وبلغ الخبر إلى أهل خراسان فثار أهل هراة بمن عندهم من السلجوقية فأخرجوهم، وتشوف أهل خراسان للنصر على الغز من قبل مودود، وكان أبوه السلطان مسعود قد بعث ابنه الآخر إلى الهند أميرا عليها سنة ست وعشرين وأربعمائة فلما بلغه موت أبيه بايع لنفسه وقفل إلى لهاور والملتان فملكهما، وأخذ الأموال وجمع العساكر وأظهر الخلاف على أخيه مودود. وحضر عيد الأضحى فأصبح ثالثه ميتا بلهاور، بعد أن كان مودود يجهز العساكر من غزنة لقتاله، وهو في شغل شاغل من أمره، ففرغ عن الشواغل ورسخت قدمه في ملكه، وخالفه السلجوقية بخراسان وخاطبه خان الترك من وراء النهر بالانقياد والمتابعة.

استيلاء طغرلبك على خوارزم

كانت خوارزم من ممالك محمود بن سبكتكين وابنه مسعود من بعده، وكان عليها التوتناش حاجب محمود من أكابر أمرائه، ووليها لهما معا، ولما شغل مسعود بفتنة أخيه محمد عند مهلك أبيهما أغار على تكين صاحب بخارى من أطراف البلاد وغيرهما.

فلما فرغ مسعود من مراجعة محمد واستقل بالملك بعث إلى التوتناش بالمسير إلى أعمال علي وانتزاع بخارى وسمرقند منه، وأمده بالعساكر فعبر جيحون سنة أربع وعشرين وأربعمائة وأخذ من بلاد تكين كثيرا فأقام بها، وهرب تكين بين يديه. ثم دعته الحاجة إلى الأموال للعساكر، ولم يكن في جبايته تلك البلاد. وجاء بها فاستأذن في العود إلى خوارزم، وعاد واتبعه علي تكين وكبسه على غرة، فثبت وانهزم علي تكين ونجا إلى قلعة دبوسية. وحاصره التوتناش وضيق عليه فبعث إليه واستعطفه فأفرج عنه، وعاد إلى خوارزم، وكانت به جراحة من هذه الوقعة، فانتقض عليه ومات وترك من الولد ثلاثة وهم: هارون ورشيد وإسماعيل، وضبط وزيره أحمد بن عبد الصمد البلد والخزائن حتى جاء هارون الأكبر من الولد من عند السلطان بعهده على خوارزم، ثم توفي المتميدي وزير السلطان مسعود، وبعث على أبي نصر لوزارته، واستناب أبو نصر عند هارون بخوارزم ابنه عبد الجبار. ثم استوحش من هارون ٤/٥٠٧

وسخطه وأظهر العصيان في رمضان سنة خمس وعشرين وأربعمائة فاختفى عبد الجبار خوفا من غائلته، وسعى عند السلطان مسعود. وكتب مسعود إلى شاه ملك بن علي أحد ملوك الأطراف بنواحي خوارزم بالمسير لقتال إسماعيل فسار وملك البلد فهزمهما، وهرب إسماعيل وشكر إلى طغرلبك وداود صريخين، فسار داود إلى خوارزم فلقيهما شاه ملك وهزمهما. ثم قتل مسعود وملك ابنه مودود فدخل شاه ملك بأمواله وذخائره في المفاوز إلى دهستان ثم إلى طبس، ثم إلى نواحي كرمان ثم إلى أعمال البتر ومكران. وقصد أرتاش أخا إبراهيم نيال وهو ابن عم طغرلبك في أربعة آلاف فارس، فأسره وسلمه إلى داود واستأثر هو بما غنم من أمواله. ثم أعاد أرتاش إلى باذغيس، وأقام على محاصرة هراة على طاعة مودود بن مسعود فامتنعوا منه خوفا من معرة هجومه عليهم.

مسير العساكر من غزنة الى خراسان

ولما ملك الغز خراسان واستولوا على سائر أملاكها وأعمالها. واستولى طغرلبك على جرجان وطبرستان وخوارزم، وإبراهيم نيال على همذان وعلى الري والجبل، وولى على خراسان وأعمالها داود بن ميكائيل، وبعث السلطان أبو الفتح مودود عساكره مع بعض حجابه إلى خراسان سنة خمس وثلاثين، فسرح إليهم داود ابنه آلب أرسلان في العساكر فاقتتلوا، وكان الغلب لألب أرسلان. وعاد عسكر غزنة مهزوما، وسار عسكر من الغز إلى نواحي بست. وعاثوا وأفسدوا، فبعث أبو الفتح مودود إليهم عسكرا فقاتلهم، وانهزموا وظفر عسكر مودود بهم وأثخنوا فيهم.

مسير الهنود لحصار لهاور وامتناعها وفتح حصون اخرى من بلادهم

وفي سنة خمس وثلاثين اجتمع ثلاثة من ملوك الهند على لهاور، فجمع مقدم العساكر الإسلامية هناك عسكره وبعثهم للدفاع عنها. وبعث إلى السلطان مودود ٤/٥٠٨

وحاصرها الثلاثة ملوك. ثم أفرج الآخران وعادا إلى بلادهما. وسارت عساكر الإسلام في اتباع أحدهما وهو دوبالي هربابة فانهزم منهم، وامتنع بقلعة له هو وعساكره، وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل، وحاصرهم المسلمون حتى استأمنوا وسلموا ذلك الحصن وجميع الحصون التي من أعمال الملك، وغنموا أموالهم، وأطلقوا من كان في الحصون من أسرى المسلمين بعد أن أعطوهم خمسة آلاف، ثم ساروا إلى ولاية الملك الآخر واسمه باس الري فقاتلوه وهزموه، وقتل في المعركة هو وخمسة آلاف من قومه، وأسر الباقون، وغنم المسلمون ما معهم. وأذعن ملوك الهند بعدها بالطاعة، وحملوا الأموال وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم فأجيبوا.

وفاة مودود وولاية عمه عبد الرشيد

ثم توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بغزنة لعشر سنين من ولايته في رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقد كان كاتب فأجابوه وجمع كليجار صاحب أصفهان العساكر، وسار في المفازة لنصره فمرض في طريقه ورجع. وسار خاقان إلى ترمذ لنصره، وطائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم. وسار مودود من غزنة فعرض له بعد رحيله من غزنة مرض القولنج، فعاد إلى غزنة، وبعث إلى وزيره أبي الفتح عبد الرزاق بن أحمد المتميدي في العساكر إلى سجستان لانتزاعها من الغز. ثم اشتد وجعه فمات ونصب ابنه للأمر خمسة أيام. ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود، وكان مسعود لأول ولايته قبض على عمه عبد الرشيد أخي محمود وحبسه بقلعة بطريق بست. فلما قاربها الوزير أبو الفتح وبلغه وفاة مودود، نزل عبد الرشيد الى العسكر فبايعوا له ورجعوا به إلى غزنة فهرب علي بن مسعود، واستقر الأمر لعبد الرشيد. ولقب سيف الدولة وقيل جمال الدولة. واستقام أمر السلجوقية بخراسان، واندفعت العوائق عنهم. ٤/٥٠٩

مقتل عبد الرشيد وولاية فرخزاد

كان لمودود صاحب اسمه طغرل، وجعله حاجبا ببابه، وكان السلجوقية قد ملكوا سجستان وصارت في قسم بيقو أخي طغرلبك، وولى عليها أبا الفضل من قبله، فأشار طغرلبك على عبد الرشيد بانتزاعها منهم، وألح عليهم في ذلك، فبعث إليها طغرل في ألف فارس، فحاصر حصن الطاق أربعين يوما. وكتب أبو الفضل من سجستان يستنجده، وسار طغرل، ولما سمع أصوات البوقات والدبادب، وأخبر أنه بيقو، فتحاجزوا، وعلم أنه تورط ولقيهم مستميا فهزمهم وسار إلى هراة. واتبعهم طغرل فرسخين وعاد إلى سجستان فملكها، وكتب إلى عبد الرشيد بالخبر، واستمده لغزو خراسان فأمده بالعساكر. ثم حدثته نفسه بالملك، فاغذ السير إلى غزنة حتى كان على خمسة فراسخ منها، كتب إلى عبد الرشيد باستيجاش العسكر وطلبهم الزيادة في العطاء، فشاور أصحابه فكشفوا له وجه المكيدة في ذلك وحذروه من طغرل، فصعد إلى قلعة غزنة وتحصن بها. وجاء طغرل من الغد فنزل في دار الإمارة، وراسل أهل القلعة في عبد الرشيد فأسلموه إليه فقتله واستولى على ملكهم، وتزوج ابنة السلطان عبد الرشيد ويحضهم على الأخذ بثأره فأجابوا ودخلوا عليه في مجلسه ، وقتلوه وجاء ذخير الحاجب لخمسة أيام من مقتله، وجمع وجوه القواد وأعيان البلد، وبايع قرخاد ابن السلطان مسعود، وقام بتدبير دولته وقتل الساعين في إلى غزنة ولقي الغز وهزمهم. ودخل غزنة فملكها ٤/٥١٠

من أيديهم. ثم سار إلى كرمان وسنوران فملكها وكرمان هذه بين غزنة والهند، وليست كرمان المعروفة. ثم سار غياث الدين إلى نهر السند ليعبر إلى لهاور كرسي خسرو شاه بن بهرام شاه، فبادر خسرو شاه ومنعه العبور فرجع وملك ما يليه من جبال الهند وأعمال الأنبار. وولى على غزنة أخاه شهاب الدين ورجع الى فيروزكوه.

استيلاء الغورية على لهاور ومقتل خسرو شاه وانقراض دولة بني سبكتكين

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم، وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه، وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه، فسار سنة تسع وسبعين وأربعمائة في عسكر غزنة والغور، وعبر إليها وحاصرها، وبذل الأمان لخسروشاه وأنكحه ابنته وسوغه ما يريد من الأقطاع على أن يخرج إليه ويخطب لأخيه فأبى من ذلك. وأقام شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه، وخذله أهل البلد، فبعث القاضي والخطيب يستأمنان له فأمنه ودخل شهاب الدين، وبقي خسرو شاه عنده مكرما، وبقي شهرين ينتظر المعونة من يد غياث الدين، فأنقذ خسرو شاه إليه فارتاب من ذلك، وأمنه شهاب الدين وحلف له، وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم. فلما وصلوا بلد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه، فكان آخر العهد به. وانقرضت دولة بني سبكتكين بموته، وكان مبدؤها سنة ست وستين وثلاثمائة، فتكون مدة الدولة مائتين وثلاث عشرة سنة. ٤/٥١١

دولة الترك الخبر عن دولة الترك في كاشغر وأعمال تركستان وما كان لهم من الملك في الملة الإسلامية بتلك البلاد وأولية أمرهم ومصاير أحوالهم

كان هؤلاء الترك ملوك تركستان، ولا أدري أولية أمرهم بها إلا أن أول من أسلم منهم سبق قراخان، وتسمى عبد الملك، وكانت له تركستان وقاعدتها كاشغر، وبلاساغون وخيمو وما يتصل بها إلى أوان المفازة المتصلة بالصين في ناحية الشمال عنهم، أعمال طراز والشاش وهي للترك أيضا. إلا أن ملوك تركستان أعظم ملكا منهم بكثير. وفي المغرب عنهم بلاد ما وراء النهر التي كان ملكها لبني سامان وكرسيهم بخارى. ولما أسلم ملكهم عبد الكريم سبق أقام على ملكه بتلك الناحية، وكان يطيع بني سامان هو وعقبه يستنفرونهم في حروبهم إلى أن ملك عهد الأمير نوح بن منصور في عشر التسعين والثلاثمائة على حين اضطراب دولة بني سامان، وانتقاض عمالهم بخراسان.

وانتقض أبو علي بن سيجور فراسل بقراخان وأطمعه في ملك بخارى فطمع بقراخان في البلاد. ثم قصد أعمال بني سامان وملكها شيئا فشيئا. وبعث الأمير نوح إليه العساكر مع قائده أنج فلقيهم بقراخان وهزمهم، وأسر أنج وجماعة من القواد. وسار فائق إلى بقراخان واختص به، وصار في جملته، ورجع الأمير نوح إلى بخارى كما مر من قبل، وهلك بقراخان في طريقه.

وفاة بقراخان وملك أخيه ايلك خان سليمان

ولما ارتحل بقراخان من بخارى وهو على ما به من المرض، أدركه الموت في طريقه فمات سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. وكان دينا عادلا حسن السيرة، محبا للعلماء وأهل الدين مكرما لهم، متشيعا سنيا. وكان مواليا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٤/٥١٢

ولما مات ولي بعده أخوه ايلك خان سليمان، ولقبه شهير الدولة. واستوثق ملكه بتركستان وأعمالها، ووفد عليه فائق بعد حروبه بخراسان مع جيوش الأمير نوح وسبكتكين وابنه محمود، ولحق به مستصرخا فأكرمه ووعده، وكتب إلى الأمير نوح يشفع في فائق وأن يوليه سمرقند فولاه عليها وأقام بها.

استيلاء ايلك خان على ما وراء النهر

لما عاد بقراخان على بخارى وعاد إليها الأمير نوح، وقد كان من أبي علي بن سيجور وإجلائه عن خراسان ماكان، استدعى الأمير نوح مولاه سبكتكين بعد ذلك، واختلف ابناه بكثرزون ومنصور كما تقدم ذلك سنة خمس وثمانين وأربعمائة ثم هلك سبكتكين كما تقدم ذلك كله قبل. ثم استوحش بكثرزون من منصور واتفق مع فائق على خلعه، فخلعه وسمله بخراسان سنة تسع وثمانين وأربعمائة وكان فائق خصيا من موالي نوح بن منصور. وهذه الأخبار كلها مستوفاة في دولة بني سامان. ثم بلغ الخبر إلى أيلك خان، فطمع في ملك بخارى وأعمالها، وسار في جموع الترك إلى بخارى موريا بالمحامات عن عبد الملك والنصرة له. وخرج بكثرزون والأمراء والقواد للقائه فقبض عليهم، وسار فدخل بخارى عاشر ذي القعدة من سنة تسع وثمانين واربعمائة ونزل دار الإمارة، وظفر بعبد الملك فحبسه فانكدر حتى مات. وحبس معه أخاه المخلوع أبا الحرث منصور، وأخويه الآخرين إسماعيل ويوسف ابني نوح، وأعمامه محمودا وداود وغيرهم. وانقرضت دولة بني سامان والبقاء لله.

ثورة إسماعيل الى بخارى ورجوعه عنها

قد تقدم لنا أن إسماعيل فر من محبسه ولحق بخوارزم، واجتمع إليه قوادهم وبايعوه ولقبوه المستنصر. وبعث قائدا من أصحابه إلى بخارى ففر من كان بها من عساكر ايلك خان فهزمهم، وقتل منهم وحبس. وكان النائب بها جعفر تكين أخي ايلك خان فحبسه، واتبع المنهزمين إلى سمرقند، ولحق إسماعيل بأحياء الغز، وجمعوا عليه.

ابن خلدون م 33 ج 4 ٤/٥١٣

وجاء ايلك خان في جيوشه، والتقوا فانهزم ايلك خان وأسروا قواده، وغنموا سواده ورجعوا إلى بلادهم. وتشاوروا في الأسرى فارتاب بهم إسماعيل، وعبر النهر وانضمت إليه فتيان سمرقند. واتصل الخبر بايلك خان فجمع والتقى هو وإسماعيل وهزمه بنواحي أسروشنة، وعبر النهر إلى نواحي الجوزجان. ثم إلى مرو، وبعث محمود العساكر في أثره من خراسان، وكذلك قابوس من جرجان فعاد إلى ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه، ونزل بحي من العرب فأمهلوه الليل وقتلوه. واستقرت بخارى في ملك ايلك خان، وولى عليها أخوه علي تكين.

عبور ايلك خان الى خراسان

قد تقدم لنا ما كان انعقد بين ايلك خان ومحمود من المواصلة. ثم دبت عقارب السعاية بينهما، وأكثر محمود من غزو بلاد الهند. ولما سار إلى الملتان اغتنم ايلك خان الفرصة في خراسان وبعث سباسي تكين صاحب جيشه وأخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء وأرسلان الحاجب. فسار أرسلان إلى غزنة وملك سباسي هراة وأقام بها، وبعث إلى نيسابور عسكرا فاستولى عليها وبادر محمود بالرجوع من الهند، وفرق العطايا وأزاح العلل واستنفر الأتراك الخلنجية. وسار إلى جعفر تكين ببلخ ففارقها إلى ترمذ، وبعث العساكر إلى سباسي بهراة، ففارقها إلى مرو ليعبر النهر، فاعترضه التركمان فأوقع بهم، وسار إلى أبيورد والعساكر في اتباعه. ثم سار إلى خراسان فاعترضه محمود وهزمه، وأسر أخاه وجماعة من قواده، وعبر النهر إلى ايلك، وأجلى عساكره وأصحابه عن خراسان، فبعث ايلك خان إلى قراخان ملك الختل، فاستنفر الترك الغزية والخلنجية والهنود، وعسكر على فرسخين من بلخ، وتقدم ايلك وقراخان في عساكرهما، ونزلوا قبالته، واقتتلوا يوما إلى الليل، ومن الغد اشتدت الحرب ونزل الصبر. ثم حمل محمود في الفيلة على ايلك خان في القلب، فاختل المصاف، وانهزم الترك، واتبعهم عساكر محمود وأثخنوا فيهم القتل والأسر إلى أن عبر النهر، وانقلب ظافرا غانما وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. ٤/٥١٤

وفاة ايلك خان وولاية أخيه طغان خان

ثم هلك ايلك خان سنة ثلاث وأربعمائة وكان مواليا للسلطان محمود ومظاهرا له على أخيه طغان خان. فلما ولي تجدد ما بينه وبين السلطان من الولاية، وصلحت الأحوال وانمحت آثار الفتنة في خراسان وما وراء النهر.

وفاة طغان خان وولاية أخيه أرسلان خان

ثم توفي طغان خان ملك الترك سنة ثمان وأربعمائة بعد أن كان له جهاد خرجوا من الصين في زهاء ثلاثمائة ألف وقصدوا بلاده في ساعون وهال المسلمين أمرهم فاستنفر طغان طوائف المسلمين وغيرهم، واستقبلهم فهزمهم، وقتل منهم نحو مائة ألف وأسر مثلها، ورجع الباقون منهزمين. ومات طغان إثر ذلك، وولي بعده أخوه أرسلان.

وكان من الغريب الدال على قصد إيمان طغان، أنه كان عند خروج الترك إلى بلاساغون عليلا، فلما بلغه الخبر تضرع لله أن يعافيه حتى ينتقم من هؤلاء الكفرة ويدفعهم عن البلاد، فاستجاب الله دعاءه. وكان محبا لأهل العلم والدين. ولما توفي واصل أرسلان خان الولاية مع السلطان محمود، وأصهر إلى ابنه مسعود في بعض كرائمه فاستحكم الاتصال بينهما.

انتقاض قراخان على أرسلان وصلحه

كان أرسلان خان قد ولى على سمرقند قراخان يوسف بن بقراخان هارون الذي ملك بخارى، فانتقض عليه سنة تسع وأربعمائة وكاتب السلطان محمود صاحب خراسان يستظهر به على أرسلان خان فعقد السلطان على جيحون جسرا من السفن محكمة ٤/٥١٥

الربط بسلاسل الحديد وعبر إليه. ثم خام عن لقائه فعاد إلى خراسان، وانقطعت الموالاة بينه وبين أرسلان خان، وتصالح مع قراخان واتفقا على محاربة السلطان محمود، والمسير إلى بلاده، فسار إلى بلخ، وقاتلهما السلطان قتالا شديدا حتى انهزم الترك، وعبروا النهر إلى بلادهم، وكان من غرق أكثر ممن نجا وعبر السلطان في أثرهم

أخبار قراخان

الذي يظهر من كلام ابن الأثير: أن قراخان ولي بلاد الترك بتركستان وبلاساغون، فإنه ذكره عقب هذا الخبر بالعدل وحسن السيرة وكثرة الجهاد. ثم قال عقب كلامه:

فمن فتوحاته ختن بين الصين وتركستان وهي كثيرة العلماء والفضلاء. ثم قال: وبقي كذلك إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي فيها. ولما توفي خلف ثلاثة بنين:

أرسلان خان وكنيته أبو شجاع ولقبه شرف الدولة، وبقراخان، ولم يذكر الثالث.

والظاهر أنه شرف الدولة. قال: وكان لأرسلان كاشغر وختن وبلاساغون، وخطب له على منابرها، وكان عادلا مكرما للعلماء وأهل الدين، محسنا لهم. وقصده كثير منهم فأكرمهم. قال: وكان لبقراخان طراز وأسبيجاب، ووقعت الفتنة بين بقراخان وأرسلان فغلبه بقراخان وحبسه وملك بلاده. وقال في موضع آخر: كان يقنع من إخوته وأقاربه بالطاعة فقسم البلاد بينهم، وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيرا من بلاد الترك، وأعطى أخاه طراز وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان خان فرغانة بأسرها، وأعطى ابنه علي تكين بخارى وسمرقند وغيرهما. وقنع هو ببلاساغون وكاشغر.

قال: وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة أسلم كثير من كفار الترك الذين كانوا يطرقون بلاد الإسلام بنواحي بلاساغون وكاشغر، ويعيثون فيها ويصيفون ببلاد بلغار فأسلموا وافترقوا في البلاد، وبقي من لم يسلم، التتر والخطا في نواحي الصين انتهى. ورجع إلى بقراخان الأول وقال فيه حبس أخاه أرسلان خان وملك بلاده. ثم عهد بالملك لولده الأكبر واسمه حسين جعفر تكين. وكان له ولد آخر أصغر من حسين اسمه إبراهيم، فغارت أمه لذلك، وقتلت بقراخان بالسم، وخنقت أخاه أرسلان في محبسه. ثم استلحمت وجوه أصحابه وأمرائه، وملكت ابنها إبراهيم سنة تسع وثلاثين ٤/٥١٦

وأربعمائة وبعثته في العساكر إلى برسخان، مدينة بنواحي تركستان، وكان صاحبها يسمى نيال تكين. فانهزم إبراهيم وظفر به نيال تكين وقتله. واختلف أولاد بقراخان وفسد أمرهم، وقصدهم طقفاج خان صاحب سمرقند وفرغانة، فأخذ من أولاد بقراخان الملك من أيديهم .

الخبر عن طقفاج خان وولده

كان بسمرقند وفرغانة أيام بني بقراخان وإخوته ملك من الترك الخانية اسمه نصر ايلك، ويلقب عماد الدولة ويكنى أبا المظفر. ثم فلج سنة اثنتين وأربعمائة ومات، وقد عهد بملكه لابنه شمس الدولة نصر، فقصده أخوه طغان خان ابن طقفاج وحاصره بسمرقند وبيته شمس الدولة فهزمه وظفر به. وكان ذلك في حياة أبيهما. ثم جاء بعد مماته إلى محاربة شمس الدولة بقراخان هارون بن قدرخان يوسف وطغرك خان، وكان طقفاج قد استولى على ممالكها وحاصره بسمرقند، ولم يظفروا به ورجعوا عنه، وصارت أعمال الخانية كلها في أيديهما، والأعمال المتاخمة لسيحون لشمس الدولة، والتخم بينهما خجندة. وكان السلطان آلب أرسلان قد تزوج بابنة قدرخان، وكانت قبله زوجا لمسعود بن محمود بن سبكتكين. وتزوج شمس الدولة بابنة آلب أرسلان شمس الملك، وذلك سنة خمس وستين وأربعمائة وملكها ونقل ذخائرها إلى سمرقند. وخاف أهل بلخ منه فاستأمنوا إليه وخطبوا له فيها، لأن أرباس آلب أرسلان سار إلى الجوزجان، وجاء إليها التكين، وولى عليها وعاد إلى ترمذ فثار أهل بلخ بأصحابه وقتلوهم فرجع إليهم، وأمر بإحراق المدينة ثم عفا عنهم وصادر التجار، وبلغ الخبر إلى آلب أرسلان فعاد من الجوزجان وسار في العساكر إلى ٤/٥١٧

ترمذ في منتصف سنة خمس وستين واربعمائة فلقيه التكين وهزمه وغرق كثير من أصحابه في النهر. ثم استقامت الأمور للسلطان ملك شاه فسار إلى ترمذ سنة ست وستين وأربعمائة وحاصرها ورماها بالمنجنيق، وطم خندقها حتى استأمن أهلها واعتصم بقلعتها أخو التكين. ثم استأمن وأطلقه السلطان إلى أخيه. ثم سار ملك شاه إلى سمرقند ففارقها، وبعث أخوه السلطان في الصلح فأجابه ورده إلى سمرقند.

ورجع السلطان إلى خراسان انتهى. قال ابن الأثير: ثم مات شمس الدولة وولي بعده أخوه خضرخان. ثم مات خضرخان فولي بعده ابنه أحمد خان. وكان أحمد هذا أسره ملك شاه في سمرقند لما فتحها، ووكل به جماعة من الديلم، فلقن عنهم معتقدات الإباحة والزندقة. فلما ولي أظهر الانحلال، فاعتزم جنده على قتله، وتفاوضوا في ذلك مع نائبة بقلعة قاشان، فأظهر العصيان عليه، فسار في العساكر وحاصر القلعة، وتمكن جنده منه فقبضوا عليه ورجعوا به إلى سمرقند فدفعوه إلى القضاة وقتلوه بالزندقة. وولوا مكانه مسعود خان ابن عمه. قال ابن الأثير: وكان جده من ملوكهم وكان أصم. وقصده طغان خان بن قراخان صاحب طراز فقبله واستولى على الملك، وولى على سمرقند أبا المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي فوليها ثلاث سنين. ثم عصى عليه فحاصره وأخذه فقتله. ثم خرج طغان خان الى ترمذ فلقيه السلطان سنجر وظفر به وقتله، وأخذها منه عمرخان. وملك سمرقند ثم هرب من جنده إلى خوارزم فظفر به السلطان أحمد. وولي سمرقند محمد خان، وولي بخارى محمد تكين. وقال ابن الأثير في ذكر كاشغر وتركستان: إنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدرخان كما ذكرنا. ثم صارت لمحمود نورا خان صاحب طراز والشاش فملكها سنة وثلاثة أشهر، ثم مات، فولى بعده طغرا خان بن يوسف قدرخان، وملك بلاساغون وأقام ست عشرة سنة. ثم توفي فملك ابنه طغرل تكين شهرين. ثم جاء هارون بقراخان بن طقفاج ثورا خان وهو أخو يوسف طغرل خان فملك كاشغر، وقبض على هارون واستولى على ختن، وما يتصل به إلى بلاساغون، وأقام عشرين سنة، وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولي بعده أحمد بن أرسلان خان، وبعث إليه المستظهر بالخلع، ولقبه نور الدولة ٤/٥١٨

مقتل قدرخان صاحب سمرقند

قال ابن الأثير سنة خمس وتسعين وأربعمائة: ولما سار سنجر إلى بغداد مع أخيه السلطان محمد، طمع قدرخان جبريل بن عمر صاحب سمرقند في خراسان، فخالف إليها سنجر بعد رجوعه إليها، وقد عظم الخلاف بين بركيارق وأخيه محمد.

وكان بعض أمراء سنجر اسمه كنذعري يكاتب قدرخان ويغريه ويستحثه إلى البلاد، فسار قدرخان إلى بلخ سنة سبع وتسعين وأربعمائة في مائة ألفا. وبادر سنجر إليها في ستة آلاف، فلما تقاربا لحق كنذعري بقدرخان، فبعثه إلى ترمذ وملكها.

وجاء الخبر إلى سنجر بأن قدرخان نزل قريبا من بلخ، وأنه خرج متصيدا في ثلاثمائة فارس، فجرد إليه عسكرا مع أميره برغش فهزمهم، وجاء بكنذعري وقدرخان أسيرين. وقيل إنه وقع بينهما مصاف، وانهزم قدرخان وأسر فقتله سنجر، وسار إلى ترمذ فحاصرها حتى استأمن إليه كنذعري فأمنه، ولحق بغزنة وكان محمد أرسلان خان بن سليمان بن داود بقراخان نازلا بمرو فبعث عنه السلطان سنجر، وولاه على سمرقند وهو من نسل الخانية مما وراء النهر، وأمه بنت السلطان سنجر، وولي ملك شاه دفع عن ملك آبائه فقصد مرو، وأقام بها، فلما قتل قدرخان ولاه سنجر أعماله، وبعث معه العساكر الكثيرة فاستولى عليها، واستفحل ملكه. ثم انتقض عليه من أمراء الترك تيمور لنك، وجمع وسار إلى محمد خان بسمرقند وغيرها فاستنجد محمد خان بالسلطان سنجر فأنجده بالعساكر، وسار إلى تيمور لنك فهزمه وفض جموعه، ورجعت العساكر إليه. ٤/٥١٩

انتقاض محمد خان عن سنجر

ثم بلغ السلطان سنجر سوء سيره محمد في رعيته وإهماله لأوامر السلطان، فسار إليه سنة سبع وخمسمائة فخاف محمد خان غائلته، وبعث إلى الأمير قماج أعظم أمراء سنجر يعتذر ويسأله الصلح، فشرط عليه الحضور عند السلطان، فاعتذر بالخوف، وأنه يقف من وراء جيحون ويقبل الأرض من لك فأجيب إلى ذلك، ووقفوا بعدوة النهر حتى وافى محمد خان بشرطه وسكنت الفتنة.

استيلاء السلطان سنجر على سمرقند

كان السلطان سنجر لما ملك سمرقند ولى عليها أرسلان خان بن سليمان بقراخان داود فأصابه الفالج، واستناب ابنه نصر خان فوثب به أهل سمرقند وقتلوه. وتولى كبر ذلك اثنان منهم أحدهما علوي، وكان أبوه محمد المفلوج غائبا فعظم عليه، وبعث عن ابنه الآخر من تركستان فجاء وقتل العلوي وصاحبه. وكان والد أرسلان خان قد بعث الى السلطان سنجر يستحثه قبل قدوم ابنه الآخر فسار سنجر لذلك. فلما قدم إلى أبيه أرسلان وقتل قاتلي أخيه، بعث أرسلان إلى السلطان سنجر يعرفه، ويسأله العود إلى بلده فغضب لذلك، وأقام أياما ثم جيء إليه بأشخاص واعترفوا بأن محمدا خان بعثهم لقتله فغضب، وسار إلى سمرقند فملكها عنوة، وتحصن محمد خان ببعض الحصون حتى استنزله سنجر بالأمان بعد مدة وأكرمه. وكانت بنته تحبه، فبعثه إليها وأقام عندها. وولى على سمرقند حسين تكين، ورجع إلى خراسان. ومات حسين تكين فولي بعده عليها محمود بن محمد خان أخا زوجته.

استيلاء الخطا على تركستان وبلاد ما وراء النهر وانقراض دولة الخانية

نقل ابن الأثير هذا الخبر عن اضطراب عنده فيه، على أن أخبار هذه الدولة الخانية ٤/٥٢٠

في كتابه ليست جلية ولا متضحة، وأرجو إن مد الله في العمر أن أحقق أخبارها بالوقوف عليها في مظان الصحة وألخصها مرتبة، فإني لم أوفها حقها من الترتيب لعدم وضوحها في نقله. وحاصل ما قرر في هذا الخبر من أحد طرقه أنه قال: إن بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاساغون وختن وطراز وغيرها مما بجوارها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية من الترك، وهم من نسل فراسياب ملكهم الأول المنازع لملوك الكينية من الفرس. وأسلم جدهم الأول سبق قراخان. ويقال سبب إسلامه أنه رأى في منامه رجلا نزل من السماء، فقال له باللسان التركي ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة فأسلم في منامه، وأصبح مظهرا لإسلامه. ولما مات قام مقامه ابنه موسى واتصل الملك في عقبه إلى أرسلان خان بن محمد بن سليمان سبق فخرج عليه قدرخان في ملكه سنة أربع وتسعين وأربعمائة. واجتمع الترك عليه وكانوا طوائف فكان منهم القارغلية، وبقية الغز الذين عبروا إلى خراسان ونهبوها على ما مر. وكان لأرسلان ابن اسمه نصر خان، وفي صحابته شريف علوي اسمه الأشرف محمد بن أبي شجاع السمرقندي، فحسن له طلب الملك من أبيه وأطمعه فيه فقتلهما أرسلان. ثم وقعت بينه وبين القارغلية من الترك وحشة دعتهم إلى الانتقاض والعصيان، واستنجد بالسلطان سنجر فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ووصل إلى سمرقند وهرب القارغلية بين يديه. ثم عثر على رجالة استراب بهم فقبض عليهم، وتهددهم فذكروا أن أرسلان خان وضعهم على قتله فرجع إلى سمرقند، وملك القلعة وبعث أرسلان أميرا إلى بلخ فمات بها. وقيل إنه اختراع منه، ووضع هذه الحكاية وسيلة لذلك. ثم ولى السلطان سنجر على سمرقند قلج طمغاج، وهو أبو المعالي الحسن بن علي المعروف بحسين تكين، كان من أعيان بيت الخانية فلم تطل أيامه. ومات فولى سنجر مكانه محمود ابن أخته، وهو ابن السلطان أرسلان فأقام ملكا عليها. وكان ملك الصين كوخان قد وصل إلى كاشغر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في جيوش كثيفة. ومعنى كوبلسان أهل الصين أعظم، وخان سمة ملوك الترك. وكان أعور وكان يلبس لبسة ملوك الترك، وهو مانوي المذهب. ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه طوائف الخطا من الترك، وكانوا قد خرجوا قبله من الصين، وأقاموا في خدمة الخانية أصحاب تركستان فانضافوا إلى كوملك الصين وكثف جمعه بهم. وزحف إليه صاحب كاشغر، وهو الخان أحمد بن الحسين ٤/٥٢١

بجموعه فهزمه، وأقامت طوائف الخطا معه في تلك البلاد. وكان سبب خروجهم من الصين ونزولهم بلاساغون، أن أرسلان محمد كان يستنجد بهم ويجري عليهم الأرزاق والأقطاعات، وينزلهم مسالح في ثغوره. ثم استوحشوا منه ونفروا وطلبوا الرحلة إلى غير بلده، وارتادوا البلاد واختاروا منها بلد الساغون فساروا إليها وردد عليهم أرسلان الغزو. ولما جاء كوخان ملك الصين صاروا في جملته حتى إذا رجع زحفوا إلى بلاد تركستان فملكوها بلدا بلدا. وكانوا إذا ملكوا المدينة يأخذون دينارا من كل بيت ولا يزيدون عليه، ويكلفون من يطيعهم من الملوك أن يعلق في منطقته لوحا من فضة علامة على الطاعة. ثم ساروا إلى بلاد ما رواء النهر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ولقيهم محمود خان بن أرسلان خان فهزموه إلى سمرقند وبخارى، واستنجد بالسلطان سنجر ودعاه لنصر المسلمين، فجمع العساكر واستنجد صاحب سجستان ابن خلف والغوري صاحب غزنة، وملوك ما وراء النهر وغيرهم. وسار للقائهم وعبر النهر في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وشكا إليه محمود من القارغلية، فأراد أخذهم فهربوا إلى كوخان، وسألوه أن يشفع لهم عند السلطان سنجر، وكتب إليه يشفع لهم فلم يشفعه. وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويتهدده.

ولما بلغ الكتاب إلى كوخان عاقب الرسول، وسار للقاء سنجر في أمم الترك والخطا والقارغلية، فلقيه السلطان سنجر أول صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة وعلى ميمنته قماج وعلى ميسرته صاحب سجستان، وأبلى ذلك اليوم وساء أثر القارغلية في تلك الحرب، وانهزم السلطان سنجر والمسلمون، واستمر القتل فيهم. وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان ابنة أرسلان خان محمد، وأطلقهم الكفار.

ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أفحش قتلا. واستقرت الدولة فيما وراء النهر للخطأ والترك، وهم يومئذ على دين الكفر، وانقرضت دولة الخانية المسلمين الذين كانوا فيها. ثم هلك كوخان منتصف سبع وثلاثين وكان جميلا حسن الصوت، ويلبس الحرير الصيني، وكان له هيبة على أصحابه ولا يقطع أحدا منهم خوفا على الرعية من العسف. ولا يقدم أميرا على فوق مائة فارس خشية أن تحدثه نفسه بالعصيان. وينهى عن الظلم وعن السكر ويعاقب عليه. ولا ينهي عن الزنا ولا يقبحه.

ولما مات ملكت بعده ابنته وماتت قريبا فملكت بعدها أمها زوجة كوخان، وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن غلبهم عليه علاء الدين محمد بن خوارزم شاه صاحب ٤/٥٢٢

دولة الخوارزمية سنة اثنتي عشرة وستمائة على ما يأتي في أخبار دولتهم.

إجلاء القارغلية من وراء النهر

لما ملك ما وراء النهر سمرقند وبخارى جقري خان بن حسين تكين من بيت الخانية، وأمره سنة تسع وخمسين وخمسمائة بإجلاء الترك القارغلية من أعمال بخارى وسمرقند إلى كاشغر، وإلزامهم الفلاحة ومجانبة حمل السلاح فامتنعوا من ذلك. وألح عليهم جقري خان فامتنعوا واجتمعوا لحربه. وسار إلى بخارى فبعث إليهم بالوعظ في ذلك والوعد الجميل بخلال ما جمع بقراخان، وكبسهم على بخارى فانهزموا، وأثخن فيهم وقطع دابرهم وأجلاهم عن نواحي سمرقند، وصلحت تلك النواحي والله أعلم.

الخبر عن دولة الغورية القائمين بالدولة العباسية بعد بني سبكتكين وما كان لهم من السلطان والدولة وابتداء أمرهم ومصاير أحوالهم

كان بنو الحسين أيام سبكتكين ملوكا على بلاد الغور لبني سبكتكين وكانت لهم شدة وشوكة. وكان منهم لآخر دولة بني سبكتكين أربعة أمراء قد اشتهروا واستفحل ملكهم: وهم محمد وشوري والحسين شاه وسام بنو الحسين، ولا أدري إلى من ينسب الحسين وأظنهم إلى بهرام شاه آخر ملوك بني سبكتكين، والتحم به فعظم شأنه. ثم كانت الفتنة بين بهرام وأخيه أرسلان فمال محمد إلى أرسلان، وارتاب به بهرام لذلك. ثم انقضى أمر أرسلان، وسار محمد بن الحسين في جموعه إلى غزنة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، موريا بالزيارة وهو يريد الغدر به، وشعر بذلك بهرام فحبسه ثم قتله، واستوحش الغورية لذلك. ٤/٥٢٣

مقتل محمد بن الحسين الغوري وولاية أخيه الحسين شاه ثم أخيه شوري

ولما قتل محمد ولي من بعده أخوه شاه بن الحسين. ثم كانت الوقعة. وملك بعده أخوه شوري بن الحسين، وأجمع الأخذ بثأر أخيه من بهرام شاه فجمع له، وسار إلى غزنة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فملكها، وفارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند فجمع عسكره التي هناك، ورجع إلى غزنة وعلى مقدمته السلار بن الحسين، وأمير هندوخان إبراهيم العلوي. وسار شوري للقائه فانفض عنه عسكر غزنة إلى بهرام شاه فانهزم وأسره بهرام، ودخل غزنة في محرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وصلب شوري على باب غزنة واستقر في ملكه.

مقتل شوري بن الحسين وولاية أخيه علاء الدين ابن الحسين واستيلاؤه على غزنة وانتزاعها منه

لما هلك شوري بن الحسين ملك الغور من بعده أخوه الحسين، ويلقب علاء الدولة.

واستولى على جبال الغور ومدينة بيروزكوه المجاورة لأعمال غزنة من بلاد الهند، وهي تقارب في اتساعها بلاد خراسان فاستفحل ملكه، وطمع في ملك خراسان وسار إلى هراة باستدعاء أهلها، فحاصرها ثلاثا ثم ملكها بالأمان وخطب فيها للسلطان سنجر. وسار إلى بلخ وبها الأمير قماج من قبل السلطان سنجر، فغدر به أصحابه، فملك علاء الدولة بلخ، وسار إلى السلطان سنجر وقاتله وظفر به فأسره.

ثم خلع عليه ورده إلى بيروزكوه. ثم سار علاء الدين يريد غزنة سنة سبع وأربعين وخمسمائة ففارقها صاحبها بهرام شاه، وملكها علاء الدولة، وأحسن السيرة واستخلف عليهم أخاه سيف الدولة، وعاد إلى بلاد الغور، فلما جاء فصل الشتاء ٤/٥٢٤

وسد الثلج المسالك، كتب أهل غزنة إلى بهرام شاه واستدعوه، فلما وصل وثبوا بسيف الدولة وصلبوه. وبايعوا لبهرامشاه وملكوه عليهم كما كان.

انتقاض شهاب الدين وغياث الدين على عمهما علاء الدولة

لما استفحل أمر علاء الدولة واستفحل ملكه استعمل على البلاد العمال وكان فيمن ولاه بلاد الغور ابنا أخيه سالم بن الحسين، وهما غياث الدين وشهاب الدين، فأحسنا السيرة في عملهما، ومال إليهما الناس، وكثرت السعاية فيهما عند عمهما بأنهما يريدان الوثوب فبعث عنهما فامتنعا، فجهز إليهما العساكر فهزماها وأظهرا عصيانه، وقطعا خطبته فسار إليهما فقاتلاه قتالا شديدا حتى انهزم فاستأمن إليهما فأجلساه على التخت، وقاما بخدمته. وزوج بنته غياث الدين منهما وبقي مستبدا على عمه علاء الدولة، ثم عهد إليه بالأمر من بعده ومات.

وفاة علاء الدولة وولاية غياث الدين ابن أخيه من بعده وتغلب الغز على غزنة

ثم توفي علاء الدولة ملك الغورية سنة ست وخمسين، وقام بالأمر من بعده ببيروز كوه غياث الدين أبو الفتح ابن أخيه سالم، وطمع الغز بموته في ملك غزنة فملكوها من يده، وبقي غياث الدين في كرسيه ببيروز كوه وأعمالها، وابنه سيف الدين محمد في بلاد الغور. ثم أساء السيرة الغز في غزنة بعد مقامهم فيها خمس عشرة سنة، واستفحل أمر غياث الدين فسار إلى غزنة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في عساكر الغورية والخلخ والخراسانية ولقي الغز فهزمهم وملك غزنة من أيديهم. وسار إلى كرمان وشنوران فملكهما، وكرمان هذه بين غزنة والهند وليست كرمان المعروفة. ثم سار غياث الدين إلى لهاور ليملكها من يد خسرو شاه بن بهرام، فبادر خسرو شاه إلى نهر المد ٤/٥٢٥

ومنعه العبور منه، فرجع وملك ما يليه من جبال الهند وأعماله الأثغار، وولى غزنة أخاه شهاب الدين ورجع إلى بيروز كوه.

استيلاء شهاب الدين الغوري على لهاور ومقتل خسرو شاه صاحبها

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم، وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه، وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه، فسار سنة تسع وسبعين وخمسمائة في عسارك خراسان والغور وعبر إليها وحاصرها، وبذل الأمان لخسروشاه وأنكحه ابنته وسوغه ما يريد من الأقطاع على أن يخرج إليه ويخطب لأخيه فأبى من ذلك، وبقي شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه بالحصار.

وخذله أهل البلد، فبعث بالقاضي والخطيب يستأمنان له فأمنه ودخل شهاب الدين البلد، وبقي خسرو شاه عنده مكرما، وبعد شهرين وصل الأمر من غياث الدين بإنفاذ خسرو شاه إليه، فارتاب من ذلك فأمنه شهاب الدين، وحلف له وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم، فلما وصلوا بلاد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه، فكان آخر العهد به وبابنه.

استيلاء غياث الدين على هوارة وغيرها من خراسان

ولما استقر ملك غياث الدين بلهاور كتب إلى أخيه شهاب الدين الذي تولى فتحها أن يقيم الخطبة له، ويلقبه بألقاب السلطان، فلقبه غياث الدنيا والدين معين الإسلام والمسلمين، قسيم أمير المؤمنين. ولقب أخاه شهاب الدين بعز الدين. ثم لما فرغ شهاب الدين من أمور لهاور وسار إلى أخيه غياث الدين ببيروز كوه واتفق رأيهما على المسير إلى هراة من خراسان سار في العساكر فحاصرها، وبها عسكر السلطان سنجر وأمراؤه فاستأمنوا إليهما، وملكا هراة. وسار إلى بوشنج فملكها، ثم إلى باذغيس كذلك. وولى غياث الدين على ذلك وعاد إلى بيروزكوه وشهاب الدين إلى غزنة ظافرين غانمين ٤/٥٢٦

فتح أجرة على يد شهاب الدين

لما عاد شهاب الدين إلى غزنة راح بها أياما حتى استراحت عساكره. ثم سار غازيا إلى بلاد الهند سنة سبع وأربعين وخمسمائة وحاصر مدينة أجرة وبها ملك من ملوكهم فلم يظفر منه بطائل، فراسل امرأة الملك في أنه يتزوجها إذا ملك البلد، فأجابت بالعذر، ورغبت في ابنتها فأجاب فقتلت زوجها بالسم وملكته البلد، فأخذ الصبية وأسلمت، وحملها إلى غزنة ووسع عليها الجراية، ووكل بها من يعلمها القرآن حتى توفت والدتها، وتوفت هي من بعدها لعشر سنين، ولما ملك البلد سار في نواحي الهند فدوخها، وفتح الكثير منها، وبلغ منها ما لم يبلغه أحد قبله.

حروب شهاب الدين مع الهنود وفتح دهلي وولاية قطب الدين أيبك عليها

ولما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند، تراسل ملوكهم وتلاوموا بينهم وتظاهروا على المسلمين، وحشدوا عساكرهم من كل جهة، وجاءوا بقضهم وقضيضهم في حكم امرأة ملكت عليهم، وسار هو في عساكره من الغورية والخلخ والخلنجية والخراسانية وغيرهم، والتقوا فمحص الله المسلمين وأثخن فيهم الكفرة بالقتل. وضرب شهاب الدين في يده اليسر فشلت، وعلى رأسه فسقط عن فرسه، وحجز بينهم الليل وحمله جماعة من غلمانه إلى منجاته ببلده. وسمع الناس بنجاته فتباشروا ووفدوا عليه من كل جهة، وبعث إليه أخوه غياث الدين بالعساكر، وعذله في عجلته. ثم ثارت الملكة ثانيا إلى بلاد شهاب الدين بالعساكر، وبعثت إلى شهاب الدين بالخروج عن أرض الهند إلى غزنة، فأجاب إلى ذلك بعد أن يستأذن أخاه غياث الدين وينظر جوابه. وأقاموا على ذلك وقد حفظ الهنود مخاضات النهر بينهم وهو يحاول العبور فلا يجد، وبينما هو كذلك جاءه بعض الهنود، فدله على مخاضة فاستراب به حتى عرفه قوم من أهل أجرة والملتان. وبعث الأمير الحسن بن ٤/٥٢٧

حرميد الغوري في عسكر كثيف، وعبر تلك المخاضة ووضع السيف في الهنود فأجفل الموكلون بالمخاضات. وعبر شهاب الدين وباقي العساكر وأحاطوا بالهنود، ونادوا بشعار الإسلام فلم ينج منهم إلا الأقل، وقتلت ملكتهم وأسروا منهم أمما. وتمكن شهاب الدين بعدها من بلاد الهند وحملوا له الأموال وضربت عليهم الجزية فصالحوه وأعطوه الرهن عليها. وأقطع قطب الدين أيبك مدينة دلهي، وهي كرسي الممالك التي فتحها، وأرسل عسكرا من الخلخ مختارين ففتحوا من بلاد الهند ما لم يفتحه أحد، حتى قاربوا حدود الصين من جهة الشرق، وذلك كله سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.

مقتل ملك الغور محمد بن علاء الدين

قد تقدم لنا أن محمد بن علاء الدين ملك الغور بعد أبيه، وأقام مملكا عليها. ثم سار سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بعد أن احتفل في الاحتشاد وجمع العساكر، وقصد بلخ وهي يومئذ للغز فزحفوا إليه. وجاءهم بعض العيون بأنه خرج من معسكره لبعض الوجوه في خف من الجند، فركبوا لاعتراضه، ولقوة فقتلوه في نفر من أصحابه، وأسروا منهم آخرين، ونجا الباقون إلى المعسكر فارتحلوا هاربين إلى بلادهم، وتركوا معسكرهم بما فيه فغنمه الغز وانقلبوا إلى بلخ ومروا ظافرين غانمين.

الفتنة بين الغورية وبين خوارزم شاه على ما ملكوه من بلاد خراسان

قد تقدم لنا أن غياث الدين وشهاب الدين ابني أبي الفتح سام بن الحسين الغوري رجعا إلى خراسان سنة سبع وأربعين وخمسمائة فملكا هراة وبوشنج وباذغيس وغيرها. وذلك عند انهزام سنجر أمام الغز، وافترق ملكه بين أمرائه ومواليه فصاروا طوائف، وأظهرهم خوارزم شاه بن أنس بن محمد بن أنوشتكين صاحب خوارزم.

فلما كان سنة خمس وسبعين وخمسمائة قام بأمره ابنه سلطان شاه، ونازعه أخوه علاء الدين تكين فغلبه على خوارزم. وخرج سلطان شاه إلى مرو فملكها من يد الغز. ثم ٤/٥٢٨

أخرجوه منها فاستجاش بالخطا وأخرجهم من مرو وسرخس ونسا وأبيورد، وملكها جميعا، وصرف الخطا إلى بلادهم. وكتب إلى غياث الدين أن ينزل له عن هراة وبوشنج وباذغيس وما ملكه من خراسان وهدده على ذلك فراجعه بإقامة الخطبة له بمرو وسرخس وما ملكه من خراسان، فامتعض لذلك سلطان شاه وسار إلى بوشنج فحاصرها وعاث في نواحيها. وجهز غياث الدين عساكره مع صاحب سجستان وابن أخته بهاء الدين سام بن باميان لغيبة أخيه شهاب الدين في الهند، فساروا إلى خراسان، وكان سلطان شاه يحاصر هراة فخام عن لقائهم ورجع إلى مرو، وعاث في البلاد في طريقه، وأعاد الكتاب إلى غياث الدين بالتهديد فاستقدم أخاه شهاب الدين من الهند، فرجع مسرعا، وساروا إلى خراسان. وجمع سلطان شاه جموعا ونزل الطالقان، وترددت الرسل بين سلطان شاه وغياث الدين حتى جنح إلى الصلح بالنزول له عن بوشنج وباذغيس، وشهاب الدين يجنح إلى الحرب، وغياث الدين يكفهم. وجاء رسول سلطان شاه لا تمام العقد، فقام شهاب الدين العلوي وقال:

لا يكون هذا أبدا، ولا تصالحوه، وقام شهاب الدين ونادى في عسكره بالحرب، والتقدم الى مروالروذ. وتواقع الفريقان فانهزم سلطان شاه ودخل إلى مرو في عشرين فارسا، وبلغ الخبر إلى أخيه فسار لتعرضه عن جيحون وسمع سلطان شاه بتعرض أخيه له فرجع عن جيحون، وقصد غياث الدين فأكرمه وأكرم أصحابه، وكتب أخوه علاء الدين في رده إليه، وكتب إلى نائب هراة يتهدده، فامتعض غياث الدين لذلك، وكتب إلى خوارزم شاه بأنه مجير وشفيع له، ويطلب بلاده وميراثه من أبيه، ويضمن له الصلح مع أخيه سلطان شاه. وطلب منه مع ذلك أن يخطب له بخوارزم، ويزوج أخته من شهاب الدين فامتعض علاء الدين لذلك، وكتب بالتهديد فسرح غياث الدين جميع عساكره مع سلطان شاه إلى خوارزم شاه، وكتب إلى المؤيد أبيه صاحب نيسابور يستنجده، فجمع عساكره وقام في انتظارهم، وسمع بذلك علاء الدين تكش، وهو زاحف للقاء أخيه سلطان شاه، وعساكر الغورية، فخشي أن يخالفوه إلى خوارزم وكر إليها راجعا. واحتمل أمواله وعبر إلى الخطا.

وقدم فقهاء خوارزم في الصلح والصهر، ووعظه الفقهاء وشكوا إليه بأن علاء الدين يستجيش بالخطا، فإما أن تتخذ مرو كرسيا لك فتمنعنا منهم، أو تصالحه، فأجاب إلى الصلح، وترك معاوضة البلاد ورجع إلى كرسيه.

ابن خلدون م 34 ج 4 ٤/٥٢٩

غزوة شهاب الدين الى الهند وهزيمة المسلمين بعد الفتح ثم غزوته الثانية وهزيمة الهنود وقتل ملكهم وفتح اجمير

كان شهاب الدين قد سار سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة الى الهند، وقصد بلاد أجمير وتعرف بولاية السواك، واسم ملكهم كوكه، فملك عليهم مدينة تبرندة ومدينة أسرستي وكوه رام، فامتعض الملك وسار للقاء المسلمين ومعه أربعة عشر فيلا ولقيهم شهاب الدين في عساكر المسلمين، فانهزمت ميمنته وميسرته، وحمل على الفيلة فطعن منها واحدا، ورمي بحربة في ساعده فسقط عن فرسه. وقاتل أصحابه عليه فخلصوه وانهزموا، ووقف الهنود بمكانهم ولما أبعد شهاب الدين عن المعركة نزف من جرحه الدم فأصابه الغشي، وحمله القوم على أكتافهم في محفة اتخذوها من اللبود ووصلوا به إلى لهاور. ثم سار منها إلى غزنة فأقام إلى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وخرج من غزنة غازيا لطلب الثأر من ملك الهند، ووصل إلى برساور وكان وجوه عسكره في سخطة منه منذ انهزموا عنه في النوبة الأولى، فحضروا عنده واعتذروا ووعدوا من أنفسهم الثبات، وتضرعوا في الصفح فقبل منهم، وصفح عنهم، وسار حتى انتهى إلى موضع المصاف الأول وتجاوزه بأربع مراحل، وفتح في طريقه بلادا.

وجمع ملك الهند وسار للقائه فكر راجعا الى أن قارب بلاد الإسلام بثلاث مراحل، ولحقه الهنود قريبا من بربر فبعث شهاب الدين سبعين ألفا من عسكره لياتوا العدو من ورائهم، وواعدهم هو الصباح، وأسرى هو ليلة فصابحهم فذهلوا، وركب الملك فرسه للهروب فتمسك به أصحابه، فركب الفيل واستماتت قومه عنده، وكثر فيهم القتل، وخلص إليه المسلمون فأخذوه أسيرا، وأحضروه عند شهاب الدين فوقف بين يديه وجذبوا بلحيته حتى قبل الأرض. ثم أمر به فقتل ولم ينج من الهنود إلا الأقل. وغنم المسلمون جميع ما معهم وكان في جملة الغنائم الفيول. ثم سار شهاب الدين إلى حصنهم الأعظم وهو أجمير ففتحه عنوة، وملك جميع البلاد التي ٤/٥٣٠

تقاربه، وأقطعها كلها لمملوكه أيبك نائبة في دلهي وعاد إلى غزنة.

غزوة بناوس ومقتل ملك الهند ثم فتح بهنكر

كان شهاب الدين ملك غزنة قد أمر مملوكه قطب الدين أيبك خليفته على دلهي أن يغزو بلاد الهند من ناحيته، فسار فيها ودوخها وعاث في نواحيها. وسمع ملك بناوس وهو أكبر ملوك الهند، وولايته من تخوم الصين إلى بلاد ملئوا طولا، ومن البحر الأخضر إلى عشرة أيام من لهاور عرضا وأهل تلك البلاد من أيام السلطان محمود مقيمون على إسلامهم، فاستنفر معه مسلمون كانوا في تلك البلاد، فسار إلى شهاب الدين سنة تسعين وخمسمائة والتقوا على ماحون نهر كبير يقارب دجلة فاقتتلوا، ونزل الصبر. ثم نصر الله المسلمين واستلحم الهنود، وقتل ملكهم، وكثر السبي في جواريهم والأسرى من أبنائهم، وغنموا منهم تسعين فيلا. وهرب بقية الفيول وقتل بعضها. ودخل شهاب الدين بلاد بناوس، وحمل من خزائنها ألفا وأربعمائة حمل، وعاد إلى غزنة. ثم سار سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى بلاد الهند وحاصر قلعة بهنكر حتى تسلمها على الأمان، ورتب فيها الحامية. وسار إلى قلعة كواكير ، وبينهما خمس مراحل يعترضها نهر كبير فحاصرها شهرا حتى صالحوه على مال يحملونه، فحملوا إليه حمل فيل من الذهب، فرحل عنهم إلى بلاد أبي رسود فأغار ونهب وسبى وأسر، وعاد إلى غزنة ظافرا.

استيلاء الغورية على بلخ وفتنتهم مع الخطا بخراسان

كان الخطا قد غلبوا على مدينة بلخ وكان صاحبها تركيا اسمه ازبة يحمل إليهم ٤/٥٣١

الخراج كل سنة وراء النهر، فتوفي أزبة سنة أربع وتسعين وخمسمائة وكان بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود صاحب باميان من قبل خاله غياث الدين فسار إلى بلخ، وقطع الحمل للخطأ، وخطب لغياث الدين وصارت من جملة بلاد الإسلام بعد أن كانت في طاعة الكفار. فامتعض الخطا لذلك، واعتزموا على فتنة الغورية. واتفق أن علاء الدين تكش صاحب خوارزم بعث إليهم يغريهم ببلاد غياث الدين. وكان سبب ذلك أنه ملك الري وهمذان وأصفهان وما بينهما، وتعرض لعساكر الخليفة، وطلب الخطبة والسلطنة ببغداد مكان ملوك السلجوقية، فبعث الخليفة يشكوه إلى غياث الدين يقبح فعله وينهاه عن قصد العراق، ويتهدده بسلطان شاه وأخذ بلاده، فأنف من ذلك وبعث إلى الخطا يغريهم ببلاده، فجهز ملك الخطا جيشا كثيفا مع مقدم عساكره وعبروا النهر إلى بلاد الغور. وسار علاء الدين تكش إلى طوس لحصارها، لأن غياث الدين عاجز عن الحركة بعلة النقرس، فعاثوا في بلاده ما شاء الله وحاصر الخطا بهاء الدين فاشتدت الحرب وثبت المسلمون. وجاء المدد من عند غياث الدين، ثم حملوا جميعا على الخطا فهزموهم إلى جيحون وألقى الكثير منهم أنفسهم في الماء، فهلك منهم نحو اثني عشر ألفا، وعظم الأمر على ملك الخطا، وبعث إلى علاء الدين تكش صاحب خوارزم يطوقه الذنب ويطالبه بدية القتلى من أصحابه. والزمه الحضور عنده، فبعث علاء الدين تكش يشكو ذلك إلى غياث الدين فرد جوابه باللوم على عصيان الخليفة، ودعا ذلك علاء الدين إلى الفتنة مع الخطا وانتزاعه بخارى من أيديهم كما يأتي في أخبارهم.

استيلاء الغورية على ملك خوارزم شاه بخراسان

ثم توفي علاء الدين تكش صاحب خوارزم وكان قد ملك بعض خراسان وبلاد الري والبلاد الجبالية، فولي بعده ابنه قطب الدين، ولقب علاء الدين بلقب أبيه، وولى علاء الدين أخاه علي شاه خراسان، وأقطعه نيسابور. وكان هندوخان ابن أخيهما ملك شاه فخاف عمه فلحق بمرو، وجمع الجموع وبعث إليه عمه محمد العسكر مع ٤/٥٣٢

جنقر التركي فهرب هندوخان، ولحق بغياث الدين مستنجدا به على عمه فأكرمه ووعده. ودخل جنقر إلى مرو، وحمل منها ولد خان وأمه مكرمين إلى خوارزم.

وأرسل غياث الدين إلى صاحب الطالقان محمد بن خربك بأن يتهدد جنقر، فسار من الطالقان واستولى على مروالروذ وبعث إلى جنقر يأمره بالخطبة بمرو لغياث الدين أو يفارقها، فأساء الجواب ظاهرا، واستأمن إلى غياث الدين سرا، ولما علم غياث الدين بذلك قوي طمعه في البلاد، وكتب إلى أخيه شهاب الدين بالمسير إلى خراسان، فسار من غزنة في عساكره في منتصف سنة ست وتسعين وخمسمائة ولما انتهى إلى الطالقان استحثه جنقر صاحب مرو للبلد، وأخبره بطاعته حتى إذا وصل إليه خرج في العساكر فقاتله، وهزمه شهاب الدين، وزحف بالفيلة إلى السور فاستأمن جنقر وخرج إليه، وملك شهاب الدين مرو وبعث بالفتح إلى غياث الدين فجاء إلى مرو، وبعث جنقر إلى هراة مكرما، وسلم مرو إلى هندوخان ابن ملك شاه المستنجد به، وأوصاه بالإحسان إلى أهلها. وسار إلى سرخس فحاصرها ثلاثا وملكها على الأمان، وأرسل إلى علي شاه نائب علاء الدين محمد بنيسابور، وينذره الحرب إن امتنع من الطاعة فاستعد للحصار، وخربوا العمائر بظاهرها وقطعوا الأشجار، وحمل محمود بن غياث الدين فضايق البلد، وملك جانبها ورفع راية أبيه على السور. وحمل شهاب الدين من الناحية الأخرى، فسقط السور بين يديه وملك البلد ونهب الجند عامتها. ثم نادوا بالأمان ورفع النهب، واعتصم الخوارزميون بالجامع فأخرجهم أهل البلد إلى غياث الدين. ثم سار إلى قهستان، فذكر له عن قرية في نواحيها أن أهلها إسماعيلية فدخلها وقتل المقاتلة وسبى الذرية، وخرب القرية. ثم سار إلى مدينة أخرى ذكر له عنها مثل ذلك، وأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين يستغيثون من شهاب الدين ويذكرونه العهد، فأرسل غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بالرجوع عنهم طوعا أو كرها. ٤/٥٣٣

ووصل الرسول بذلك فامتنع، فقطع طنب خيمته ورحل العسكر فرحل شهاب الدين كرها ورجع إلى غزنة.

فتح نهر واكد من الهند

لما رجع شهاب الدين من خراسان غاضبا من فعل أخيه، لم يعرج على غزنة، ودخل بلاد الهند غازيا سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وبعث في مقدمته مملوكه قطب الدين أيبك، ولقيه عساكر الهند دون نهر واكد فهزمهم أيبك، واستباحهم وتقدم إلى نهر واكد فملكها عنوة، وفارقها ملكها وجمع، ورأى شهاب الدين أنه لا يقوم بحمايتها إلا مقامه فيها، فصالح ملكها على مال يؤديه إليه عنها، ورجع إلى غزنة.

اعادة علاء الدين محمد صاحب خوارزم ما أخذه الغورية من خراسان

لما فصل الغورية عن خراسان وملكوا ما ملكوه منها، وسار شهاب الدين إلى الهند غازيا، بعث علاء الدين محمد صاحب خوارزم إلى غياث الدين يعاتبه على ما فعل في خراسان، ويطلب إعادة بلده، ويهدده باستدعاء عساكر الخطا، فصانعه في الخطا حتى قدم شهاب الدين فطمع بالمصانعة. وبعث إلى نائبهم بخراسان يأمره بالرحيل عن نيسابور، ويتهدده، فكتب إلى غياث الدين بذلك، وبميل أهل نيسابور إلى عدوهم، فوعده النصر. وسار إليه علاء الدين صاحب خوارزم آخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة. فلما انتهى إلى نسا وأبيورد هرب هندوخان ابن أخيه، ولحق بغياث الدين في فيروزكوه وملك علاء الدين مدينة مرو وسار إلى نيسابور وحاصرها شهرين، فلما أبطأ عن نائبها المدد من غياث الدين استأمن لصاحب خوارزم، وخرج إليه هو وأصحابه فأحسن إليهم، وطلب علاء الدين أن يسعى في الصلح بينه ٤/٥٣٤

وبين غياث الدين وأخيه، فوعده بذلك، وسار إلى هراة فأقام بها ولم يمض إلى غياث الدين سخطه لتأخر المدد عنه. واختص صاحب خوارزم الحسن بن حرميل من أعيان الغورية، واستحلفه أن يكون معه عند غياث الدين. ثم سار إلى سرخس وبها الأمير زنكي، فحاصره أربعين يوما، وتعددت بينهما حروب. ثم بعث ابنه زنكي بأن يتأخر عن البلد قليلا حتى يخرج هو وأصحابه، فتأخر بأصحابه، وخرج زنكي فشحن البلد بالأقوات والحطب، وأخرج من ضاق به الحصار. وتحصن فندم صاحب خوارزم على تأخره، وجهز عسكرا لحصاره ورجع. فلما بعد سار محمد بن خربك من الطالقان، وأرسل إلى زنكي بأن يكبس العسكر الذي عليه. ونذر بذلك أهل العسكر، فأفرجوا عن سرخس. وخرج زنكي ولقي محمد بن خربك في مرو، وجبوا خراج تلك الناحية، وبعث إليهم صاحب خوارزم عسكرا من الثلاثة آلاف فارس فلقيهم محمد بن خربك في تسعمائة فهزمهم، وغنم معسكرهم، وعاد صاحب خوارزم إلى بلده وأرسل إلى غياث الدين في الصلح فأجابه مع أمير من أكابر الغورية اسمه الحسن بن محمد المرغني فقبض عليه صاحب خوارزم وحبسه. ومرغن من قرى الغور.

حصار هراة

لما بعث صاحب خوارزم إلى غياث الدين في الصلح وجاء عند الحسن المرغني تبين عنه المغالطة فحبسه، وسار إلى هراة وحاصرها، وكان بها أخوان من خدمة السلطان شاه تكش، فكتبا إلى صاحب خوارزم ووعداه بالثورة له في البلد، وكانا يليان مفاتح الأبواب وأمور الحصار في داخل، فأطلع الأمير الحسن المرغني المحبوس عند صاحب خوارزم على أمرهما، فبعث إلى أخيه بذلك عمر صاحب هراة فاعتقلهما. وبعث غياث الدين العساكر مددا لهراة مع ابن أخته ألب غازي فنزل على خمسة فراسخ منها، ومنع المسيرة عن عسكر صاحب خوارزم فبعث صاحب ٤/٥٣٥

خوارزم عسكرا إلى الطالقان للغارة عليها، فقاتلهم الحسن بن خربك فظفر بهم، ولم يفلت منهم أحد. ثم سار غياث الدين في عساكره ونزل قريبا من هراة، فاعتزم صاحب خوارزم على الرحيل بعد حصار أربعين يوما لهزيمة أصحابه بالطالقان، ومسير العساكر مع ألب غازي، ثم مسير غياث الدين. ثم توقعه عود شهاب الدين من الهند. وكان قد وصل إلى غزنة منتصف ثمان وتسعين وخمسمائة فراسل أمير هراة وصالحه على مال حمله إليه، وارتحل عن البلد وبلغ الخبر شهاب الدين، وجاء إلى طوس وشتى بها عازما على حصار خوارزم، فجاء الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فأثنى عزمه وسار إلى هراة.

وفاة غياث الدين وانفراد شهاب الدين بالملك

ثم توفي غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام صاحب غزنة وبعض خراسان وفيروزكوه ولهاوور ودهلي من الهند وكان أخوه شهاب الدين بطوس كما ذكرنا فسار إلى هراة، وأظهر وفاة أخيه، وجلس للعزاء، وخلف غياث الدين ابنا اسمه محمود، فلقب غياث الدين. ولما سار شهاب الدين عن طوس استخلف مرو الأمير محمد بن خربك، وبعث إليه صاحب خوارزم العساكر، فبيتهم ولم ينج منهم إلا القليل، وأنفذ بالأسارى والرءوس إلى هراة وأعاد إليه صاحب خوارزم الجيوش مع منصور التركي، فلقيهم على عشرة فراسخ من مرو فهزموه وحاصروه خمسة عشر يوما حتى استأمن إليهم وخرج فقتلوه. وترددت الرسل بين شهاب الدين وصاحب خوارزم في الصلح فلم يتفق بينهما أمر. ولما اعتزم شهاب الدين على العود إلى غزنة ولى على هراة ابن أخته ألب غازي وقلد علاء الدين محمد الغوري مدينة فيروز كوه وبلد الغور، وجعل إليه حرب خراسان وأمور المملكة. وجاءه محمود ابن أخيه غياث الدين فولاه على بست وأسفراين وتلك الناحية وبعده عن الملك جملة. وكانت لغياث الدين ٤/٥٣٦

زوجة مغنية شغف بها وتزوجها، فقبض عليها شهاب الدين وضربها ضربا مبرحا وضرب ولدها غياث الدين وزوج أختها واستصفاهم وغربهم إلى بلاد الهند. وكانت بنت مدرسة ودفنت فيها أباها ، فخربها ونبش قبورهم ورمى بعظامهم. وكان غياث الدين ملكا عظيما مظفرا على قلة حروبه، فإنه كان قليل المباشرة للحروب، وكان ذا هيبة جوادا حسن العقيدة، كثير الصدقة، بنى بخراسان وغيرها المساجد والمدارس للشافعية، وبنى الخوانك في الطرق، وبنى على ذلك الأوقاف الكثيرة، وأسقط المكوس، وكان لا يتعرض إلى مال أحد، ومن مات ووارثه غائب دفعه إلى أمناء التجار من أهل بلده ليوصلوه إلى ورثته، فإن لم يجد تاجرا ختم عليه القاضي إلى أن يصل مستحقه. وإن كان لا وارث له تصدق عنه بماله. وكان يحسن إلى أهل البلد إذا ملكها، ويفرض الأعطيات للفقهاء كل سنة من خزائنه، ويفرق الأموال على الفقراء، ويصل العلوية والشعراء. وكان أديبا بليغا بارع الخط ينسخ المصاحف ويفرقها في المدارس التي بناها. وكان شافعي المذهب من غير تعصب لهم، ويقول التعصب في المذاهب هلاك.

فتنة الغورية مع محمد بن تكش صاحب خوارزم وحصار هراة ثم حصارهم خوارزم وحروب شهاب الدين مع الخطا

لما هلك غياث الدين ملك أخوه شهاب الدين بعده، فطمع محمد بن تكش صاحب خوارزم في ارتجاع هراة. وكان قد راسل شهاب الدين في الصلح فلم يتم.

وسار شهاب الدين عن غزنة إلى لهاور غازيا، فسار حينئذ محمد بن تكش إلى هراة منتصف سنة ستمائة، وحاصرها وكان بها ألب غازي ابن أخت شهاب الدين. وطال حصارها إلى سلخ شعبان، وقتل بين الفريقين خلق منهم رئيس خراسان المقيم يومئذ بمشهد طوس. وكان الحسين بن حرميل من أعيان الغورية بجوربان وهو إقطاعه، فمكر بصاحب خوارزم، وأظهر له الموالاة وأشار بأن يبعث إليه فوارس يعطيهم بعض ٤/٥٣٧

الفيلة. وقعد لهم هو والحسين بن محمد المرغني بالمراصد، فاستلحموهم. ثم مات ألب غازي وضجر صاحب خوارزم من الحصار. فارتحل إلى سرخس وحاصرها، وبلغت هذه الأخبار شهاب الدين ببلاد الهند، فكر راجعا وقصد مدينة خوارزم، فأغذ محمد بن تكش السير من سرخس، ونزل أثقاله وسبقه إليها وقاتله الخوارزمية قتالا شديدا وفتكوا فيه. وهلك من الغورية جماعة منهم الحسين بن محمد المرغني وأسر جماعة من الخوارزمية فأمر شهاب الدين بقتلهم. ثم بعث خوارزم شاه إلى الخطا يستنجدهم أن يخالفوا شهاب الدين إلى بلاد الغورية فساروا إليها. ولما سمع شهاب الدين كر راجعا إلى البلاد، فلقي مقدمة عسكرهم بصحراء أيدخوي في صفر سنة إحدى وستمائة، فأوقع بهم وأثخن فيهم، وجاءت ساقتهم على أثر ذلك، فلم يكن له بهم قبل فانهزم، ونهبت أثقاله، وقتل الكثير من أصحابه، ونجا في الفل إلى أيدخوي وحاصروه حتى أعطاهم بعض الفيلة وخلص. وكثر الإرجاف في بلاد الغور بمهلكه، ووصل إلى الطالقان في سبعة نفر، وقد لحق بها نائبها الحسين بن حرميل ناجيا من الوقعة، فاستكثر له من الزاد والعلوفة وكفاه مهمه. وكان مستوحشا مع من استوحش من الأمراء بسبب انهزامهم عن شهاب الدين، فحمله شهاب الدين إلى غزنة تأنيسا له، واستحجبه، ولما وقع الإرجاف بموت شهاب الدين جمع مولاه تاج الدين العسكر وجاء إلى قلعة غزنة طامعا في ملكها، فمنعه مستحفظها فرجع إلى إقطاعه، وأعلن بالفساد، وأغرى بالخلخ من الترك فكثر عيثهم. وكان له مولى. آخر اسمه أيبك فلحق بالهند عند نجاته من المعركة، وأرجف بموت السلطان واستولى على الملتان، وأساء فيها السيرة. فلما وصل خبر شهاب الدين جمع تاج الدين الذر- وهو مملوك اشتراه شهاب الدين- الناس من سائر النواحي ثم جمع شهاب الدين لغزو الخطا والثأر منهم.

حروب شهاب الدين مع بني كوكر والتفراهية

كان بنو كوكر هؤلاء موطنين في الجبال بين لهاور والملتان معتصبين بها لمنعتها، وكانوا ٤/٥٣٨

في طاعة شهاب الدين، يحملون إليه الخراج، فلما وقع الإرجاف بموته، انتقضوا وداخلوا صاحب جبل الجودي وغيره من أهل الجبال في ذلك وجاهروا بالعيث والفساد وقطع السابلة ما بين غزنة ولهاور وغيرها. وبعث شهاب الدين إلى محمد بن أبي علي بلهاوز والملتان يأمره بحمل المال بعد أن قتل مملوكه أيبك. قال: ومهد البلاد فاعتذر بنو كوكر فبعث شهاب الدين مملوكه أيبك إلى بني كوكر يتهددهم على الطاعة، فقال كبيرهم: لو كان شهاب الدين حيا لكان هو المرسل إلينا، واستخفوا أمر أيبك، فعاد الرسول بذلك، فأمر شهاب الدين بتجهيز العساكر في قرى سابور. ثم عاد إلى غزنة في شعبان سنة إحدى وستمائة ونادى بالمسير إلى الخطا. ورجع بنو كوكر الى حالهم من اخافة السابلة ودخل معهم كثير من الهنود في ذلك وخشي على انتقاض البلاد فأثنى عزمه عن الخطا وسار إلى غزنة، وزحف إلى جبال بني كوكر في ربيع الأول سنة اثنتين وستمائة ولما انتهى إلى قرى سابور أغذ السير وكبس بني كوكر في محالهم، وقد نزلوا من الجبال إلى البسيط يرومون اللقاء، فقاتلوه يوما إلى الليل، وإذا بقطب الدين أيبك في عساكره منادين بشعار الإسلام فحملوا عليهم، وانهزموا وقتلوا بكل مكان. واستنجوا بأجمة فأضرمت عليهم نارا، وغنم المسلمون أهاليهم وأموالهم حتى بيع المماليك خمسة بدينار. وقتل كبير بني كوكر الذي كان مملكا عليهم، وقصد دانيال صاحب الجند الجودي، وسار إليها فأقام بها منتصف رجب، وهو يستنفر الناس. ثم عاد نحو غزنة وأرسل بهاء الدين سام صاحب باميان بالنفير إلى سمرقند، وأن يتخذ الجسر لعبور العساكر. وكان أيضا ممن دعاه هذا الإرجاف إلى الانتقاض التتراهية وهم قوم من أهل الهند بنواحي قرى سابور، دينهم المجوسية ويقتلون بناتهم بعد النداء عليهن للتزويج، فإذا لم يتزوجها أحد قتلوها، وتزوج المرأة عندهم بعدة أزواج. وكانوا يفسدون في نواحي قرى سابور، ويكثرون الغارة عليها، وأسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري. ثم انتقضوا عند هذا الإرجاف وخرجوا إلى حدود سوران ومكران، وشنوا الغارة على المسلمين فسار إليهم الخلخي نائب ٤/٥٣٩

تاج الدين الذي بتلك الجهة، فأوقع بهم وأثخن فيهم وبعث برءوس الأعيان منهم فعلقت ببلاد الإسلام وصلح أمر البلاد.

مقتل شهاب الدين الغوري وافتراق المملكة بعده

لما قضى شهاب الدين شأنه من بلاد الغور وأصلح ما كان بها من الفساد، ارتحل من لهاور عائدا إلى غزنة عازما على قصد الخطا بعد أن استنفر أهل الهند وأهل خراسان، فلما نزل بدميل قريبا من لهاور طرق خيمته جماعة من الدعار فقتلوا بعض الحرس، وثار بهم الناس وذهل باقي الحرس بالهيعة فدخل منهم البعض على شهاب الدين وضربوه في مصلاه وقتلوه ساجدا، وقتلوا عن آخرهم أول شعبان سنة اثنتين وستمائة.

فيقال إن هذه الجماعة من الكوكرية الذين أحفظهم ما فعل بهم، ويقال من الإسماعيلية لأنهم كانوا غلوا منه، وكانت عساكره تحاصر قلاعهم. ولما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الدين خواجاسحتا ، واتفقوا على حفظ المال إلى أن يقوم بالأمر من يتولاه من أهله، وتقدم الوزير إلى أمير العسكر بضبط العسكر، وحملت جنازة شهاب الدين في المحفة، وحملوا خزائنه، وكانت ألفين ومائتي حمل. وتطاول الموالي مثل صونج صهر الذر وغيره إلى نهب المال، فمنعهم الأمراء الكبار، وصرفوا الجند الذين أقطاعهم عند قطب الدين أيبك ببلاد الهند أن يعودوا إليه، وساروا إلى غزنة متوقعين البيعة على الملك بين غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وبين بهاء الدين سام صاحب باميان ابن أخت شهاب الدين فيملك الخزانة والأتراك يريدون طريق سوران ليقربوا من فارس. وكان هوى الوزير مؤيد الملك مع الأتراك، فلم يزل بالغورية حتى إذا وصلوا طريق كرمان ساروا عليها، ولقوا بها مشقة من غارات التتراهية واقعان وغيرهم. ولما وصلوا إلى كرمان استقبلهم تاج الدين الذر ونزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يدي المحفة. ثم كشف عن وجهه فمزق ثيابه وأجد بالبكاء حتى رحمه الناس. وكان شهاب الدين شجاعا قرما عادلا كثير الجهاد، ٤/٥٤٠

وكان القاضي بغزنة يحضر داره أربعة أيام في كل أسبوع، فيحكم بين الناس وأمراء الدولة ينفذون أحكامه، وإن رافع أحد خصمه إلى السلطان سمع كلامه ورده إلى القاضي، وكان شافعي المذهب.

قيام الذر بدعوة غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين

كان تاج الدين الذر من موالي شهاب الدين وأخصهم به، فلما قتل طمع في ملك غزنة وأظهر القيام بدعوة غياث الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وأنه كتب إليه بالنيابة عنه بغزنة لشغله بأمر خراسان. وتسلم الخزائن من الوزير وسار إلى غزنة فدفن شهاب الدين بتربته في المدرسة التي أنشأها، وذلك في شعبان من سنة اثنتين وستمائة وأقام بغزنة.

مسير بهاء الدين سام الى غزنة وموته وملك بهاء الدين ابنه بعده غزنة

كان بهاء الدين قد أقطع باميان ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود عند ما ملكها، وأنكحه أخته فولدت ابنا وهو سام، وكان له ابن آخر من امرأة تركية اسمه عباس، فلما مات ملك ابنه الأكبر عباس، فغضب غياث الدين وشهاب الدين لابن أختهما، وعزلوا عباسا وولوه مكانه على باميان، فعظم شأنه، وجمع الأموال، وترشح للملك بعد أخواله لميل أمراء الغز إليه بعد أخواله. فلما قتل شهاب الدين كان في قلعة غزنة نائب اسمه أمير دان فبعث ابنه إلى بهاء الدين محمود ابن السلطان غياث الدين، وابن حرميل عامل هراة بحفظ أعمالها، وإقامة الخطبة له بها. والغورية والأتراك على ما ذكرناه من الاختلاف فسار في عساكره إلى غزنة ومعه ابنا علاء الدين وأمرهما جميعا بالمسير إلى غزنة، وبلاد الهند. فلما مات ثار ابناه في غزنة وخرج أمراء الغورية لغياث الدين وتلقوهما والأتراك معهم مغلبين فملكوا البلد، ونزلوا دار السلطنة مستهل رمضان من سنة اثنتين وستمائة، واعتزم الأتراك على ٤/٥٤١

منعهم، وعادلهم الأمير مؤيد الملك لاشتغال غياث الدين منهم بابن حرميل عامل هراة فلم يرجعوا، ونبذوا إلى علاء الدين وأخيه العهد وآذنوهما بالحرب إن لم يرجعا، فبعثا إلى تاج الدين الذر، وهو بإقطاعه يستدعيانه ويرغبانه بالأموال والمراتب السلطانية والترغيب في الدولة.

استيلاء الذر على غزنة

كان الذر بكرمان لما بلغه مقتل شهاب الدين، تسلم الأموال والخزائن من الوزير وأظهر دعوة غياث الدين ابن مولاه السلطان غياث الدين، وسار بهاء الدين سام من باميان كما ذكرنا، ومات في طريقه، وملك ابنه علاء الدين غزنة كما ذكرنا.

واستعطف الأتراك وبعث إلى الذر يرغبه ويسترضيه فأبى من طاعته، وأساء الرد عليه. وسار عن كرمان في عساكر كثيفة من الترك والخلخ والغز وغيرهم، وبعث إلى علاء الدين وأخيه بالنذير، فأرسل علاء الدين وزيره ووزير ابنه صلة إلى باميان وبلخ وترمذ ليحشد العساكر، وبعث الذر إلى الأتراك الذين بغزنة بأن مولاهم غياث الدين. واجتمعت جماعة الغورية والأتراك فالتقوا في رمضان، ونزع الأتراك إلى الذر فانهزم محمد بن حدرون وأسر. ودخل عسكر الذر المدينة فنهبوا بيوت الغورية والباميانية. واعتصم علاء الدين بالقلعة، وخرج جلال الدين في عشرين فارسا إلي باميان، وحاصر الذر القلعة حتى استأمن علاء الدين في المسير من غزنة إلى باميان.

ولما نزل من القلعة تعرض له بعض الأتراك فأرجلوه عن فرسه وسلبوه، فبعث إليه الذر بالمال والمركب والثياب، فوصل إلى باميان، فشرع في الاحتشاد. وأقام الذر بغزنة يظهر طاعة غياث الدين، ويترحم على شهاب الدين، ولم يخطب له ولا لأحد. وقبض على داود والي القلعة بغزنة، وأحضر القضاة والفقهاء، وكان رسول الخليفة مجد الدين أبو علي بن الربيع الشافعي مدرس النظامية ببغداد، وفد على شهاب الدين رسولا من قبل الخليفة، وأحضره الذر ذلك اليوم، وشاورهم بالجلوس على التخت والمخاطبة بالألقاب السلطانية، وأمضى ذلك. واستوحش الترك حتى بكى الكثير منهم، وكان هناك جماعة من ولد ملوك الغور وسمرقند فأنفوا من خدمته، وانصرفوا إلى علاء الدين وأخيه في باميان، وأرسل غياث الدين محمود ٤/٥٤٢

أن يصهر إليه في بنته بابنه فأبى من ذلك. ثم جاء في عسكر من الغوريين من باميان، وأرسل غياث الدين وفرق في أهلها الأموال، واستوزر مؤيد الملك فوزر له على كره.

أخبار غياث الدين بعد مقتل عمه

لما قتل السلطان شهاب الدين، كان غياث الدين محمود ابن أخيه السلطان غياث الدين في أقطاعه ببست. وكان شهاب الدين قد ولى على بلاد الغور علاء الدين محمد بن أبي علي من أكابر بيوت الغورية، وكان إماميا غاليا، فسار إلى بيروزكوه يسابق إليها غياث الدين. وكان الأمراء الغورية أميل إلى غياث الدين، وكذا أهل بيروزكوه، فلما دخل خوارزم دعا محمد المرغني ومحمد بن عثمان من أكابر الغورية، واستحلفهم على قتال محمد بن تكش صاحب خوارزم. وأقام غياث الدين بمدينة بست ينتظر مآل الأمر لصاحب باميان لأنهما كان بينهما العهد من أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين، وغزنة والهند لبهاء الدين صاحب باميان بعد موت شهاب الدين، فلما بلغه موت شهاب الدين دعا لنفسه، وجلس على الكرسي في رمضان سنة ثلاث وستمائة، واستخلف الأمراء الذين في أثره فأدركوه وجاءوا به، وملك بيروزكوه وقبض على جماعة من أصحاب علاء الدين، ولما دخل بيروزكوه جاء إلى الجامع فصلى فيه. ثم ركب إلى دار أبيه فسكنها وأعاد الرسوم، وقدم عليه عبد الجبار محمد بن العشير الى وزير أبيه فاستوزره، واقتفى بابيه في العدل والإحسان. ثم كاتب ابن حرميل بهراة ولاطفه في الطاعة، وكان ابن حرميل لما بلغه مقتل السلطان بهراة خشي عادية خوارزم شاه، فجمع أعيان البلد وغيرهم، واستحلفهم على الإنجاز والمساعدة. وقال القاضي وابن زياد: يحلف كل الناس إلا ابن غياث الدين، وينتظر عسكر خوارزم شاه، وشعر غياث الدين بذلك من بعض عيونه، فاعتزم على المسير إلى هراة. واستشار ابن حرميل القاضي وابن زياد، فأشارا عليه بطاعة غياث الدين على مكر ابن حرميل، وميله إلى خوارزم شاه، وحثه على ٤/٥٤٣

قصد هراة ليكون ذلك حجة عليه ففعل، وبعث به مع ابن زياد. ثم كاتب غياث الدين صاحب الطالقان وصاحب مرو يستدعيهما فتوقفوا عن إجابته. فقال أهل مرو لصاحبها: إن لم تسلم البلد إلى غياث الدين وتتوجه وإلا سلمناك وقعدناك وأرسلنا إليه فاضطر إلى المجيء إلى فيروز كوه. فخلع عليه غياث الدين ووفر له الأقطاع، وأقطع الطالقان لسونج مولى أبيه المعروف بأمير شكار.

استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان

كان الحسن بن حرميل نائب الغورية بهراة منتقضا عليهم كما ذكرنا، ومداخلا لخوارزم شاه في الباطن، واستدعى العساكر من عنده، وبعث ابن زياد يستوثق له من غياث الدين، وأقام يقدم رجلا ويؤخر أخرى. ووصل ابن زياد بالولاية والخلع، فلم يثنه ذلك عما هو فيه من المكاذبة لهم. ثم وصل عسكر خوارزم شاه فتلقاهم وأكرمهم. وبلغه أن خوارزم شاه في أثرهم على أربع فراسخ من بلخ، فندم في أمره ورد إليه عسكره، وبلغ غياث الدين عسكر خوارزم شاه ووصولهم إلى هراة، فاستدعى ابن حرميل فقبض على أملاكه، ونكب أصحابه. ورد أقطاعه فاعتزم أهل هراة على القبض عليه. وكتب القاضي وابن زياد بذلك إلى غياث الدين. ونمي الخبر إلى ابن حرميل فخشي على نفسه منهم، وأوهمهم أنه يكاتب غياث الدين وطلبهم في الكتاب مع رسوله، وأوصى الرسول أن يعدل إلى طريق خوارزم شاه. ولحق بهم فردهم وأصبحوا على البلد لرابعة يوم من سفر الرسول فأدخلهم ابن حرميل البلد، وأمكنهم من أبوابها. وقبض على ابن زياد وسمله، وأخرج القاضي فلحق بغياث الدين في بيروز كوه، ونمي الخبر بذلك إلى غياث الدين فاعتزم على المسير بنفسه، فبلغه سير علاء الدين صاحب باميان إلى غزنة فاقتصر عن ذلك وأقام ينتظر شأنه مع الذر. وأما بلخ فإن خوارزم شاه لما بلغه مقتل شهاب الدين أطلق أسرى الغوريين الذين كانوا عنده، وخلع عليهم واستألفهم، وبعث أخاه علي شاه في العساكر إلى بلخ فقاتله عمر بن الحسين الغوري نائبها. ونزل منها على أربعة فراسخ. وجاءه خوارزم شاه مددا بنفسه اخر سنة اثنتين وستمائة فحاصرها، فاستمد ٤/٥٤٤

عمر بن الحسين علاء الدين وجلال الدين من باميان، وشغلوا عنه بغزنة، فأقام خوارزم شاه محاصرا له أربعين يوما، وكان عنده محمد بن علي بن بشير، وأطلقه في أسرى الغورية وأقطعه، فبعثه إلى عمر بن الحسين صاحب بلخ في الطاعة فأبى من ذلك، واعتزم خوارزم شاه على المسير إلى هراة، ثم بلغه ما وقع بين الذر وبين علاء الدين وجلال الدين، وأن الذر أسرهما، وأن عمر بن الحسين صاحب بلخ أبى ذلك، فأعاد عليه ابن بشير، فلم يزل يفتل له في الذروة والغارب حتى أطاع صاحب خوارزم، وخطب له. وخرج إليه فخلع عليه وأعاده إلى بلده في سلخ ربيع سنة ثلاث وستمائة ثم سار إلى جورقان ليحاصرها، وبها علي بن أبي علي فوقعت المراوضة بينهما. ثم انصرف عن جورقان وتركها لا بن حرميل، واستدعى عمر بن الحسين الغوري وصاحب بلخ فقبض عليه، وبعثه إلى خوارزم، ومضى إلى بلخ فملكها، وولى عليها جعفرا التركي ورجع إلى خوارزم.

استيلاء علاء الدين ثانيا على غزنة ثم انتزاع الذر إياها من يده

قد تقدم لنا استيلاء الذر على غزنة وإخراجه علاء الدين وجلال الدين منها إلى باميان، فأقاما بها شهرين، ولحق كثير من الجند بعلاء الدين صاحبهم، وأقام الذر بغزنة متوقفا عن الخطبة لغياث الدين يروم الاستبداد، وهو يعلل الأتراك برجوع رسوله من عند غياث الدين مخافة أن ينفضوا عنه. فلما ظفر بعلاء الدين وملك القلعة أظهر الاستبداد وجلس على الكرسي وجمع علاء الدين وجلال الدين العساكر وساروا من باميان الى غزنة، وسرح الذر عساكره للقائهما فهزماها وأثخناها .

وهرب الذر إلى بلد كرمان واتبعه بعض العسكر فقاتلهم ودفعهم. وسار علاء الدين وأخوه إلى غزنة وملكوها، وأخذوا خزانة شهاب الدين التي كان الذر أخذها من يد الوزير مؤيد الدين عند مقدمه بجنازة شهاب الدين الى كرمان كما مر. ثم اعتزم علاء ٤/٥٤٥

الدين وأخوه على العود إلى غزنة وأهلها متوقعون النهب من عسكرهم والفيء.

وكان بينهم رسول الخليفة مجد الدين بن الربيع مدرس النظامية، جاء إلى شهاب الدين فقتل وهو عنده. وأقام بغزنة فقصده أهل غزنة أن يشفع فيهم، فشفع وسكن الناس. وعاد علاء الدين وأخوه إلى غزنة. ثم وقع بينهما تشاجر على اقتسام الخزانة، وعلى وزارة مؤيد الملك فندم الناس على طاعتهما. وسار جلال الدين ومعه عباس الى باميان، وبقي علاء الدولة بغزنة، وأساء وزيره السيرة في الجند والرعية، ونهب الأموال حتى باعوا أمهات أولادهم. ويشكون فلا يشكيهم أحد، فسار الذر في جموع الأتراك والغز والغورية، فكبسهم إيدكز الشر في مولى شهاب الدين في ألفين وملك كرمان. وجاء الذر إثر ذلك وأنكر على إيدكز وملك كرمان، وأحسن إلى أهلها. وبلغ الخبر إلى علاء الدين بغزنة، فبعث وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان، وكانت عساكر الغورية قد فارقوه ولحقوا بغياث الدين، ووصل الذر آخر سنة اثنتين وستمائة إلى غزنة فملكها، وامتنع علاء الدين بالقلعة، فسكن الذر الناس وأمنهم، وحاصروا القلعة. وجاء الخبر إلى الذر بأن جلال الدين قادم عليك بعساكره، ولحق سليمان بن بشير بغياث الدين ببيروز كوه فأكرمه، وجعله أمير داره، وذلك في صفر سنة ثلاث وستمائة وسار الذر فلقي جلال الدين وهزمه، وسيق أسيرا إليه، ورجع إلى غزنة وتهدد علاء الدين بقتل الأسرى إن لم يسلم القلعة.

وقتل منهم أربعمائة أسير فبعث علاء الدين يستأمنه، فأمنه. ولما خرج قبض على وزيره عماد الملك وقتله، وبعث إلى غياث الدين بالفتح.

انتقاض عباس في باميان ثم رجوعه الى الطاعة

لما أسر علاء الدين وجلال الدين كما قلناه في غزنة وصل الخبر إلى عمهما عباس في باميان ومعه وزير أبيهما. وسار الوزير الى خوارزم شاه يستنجده على الذر ليخلص ٤/٥٤٦

صاحبيه، فاغتنم عباس غيبته وملك القلعة، وكان مطاعا، وأخرج أصحاب علاء الدين وجلال الدين، فرجع الوزير من طريقه فحاصره بالقلعة، وكان مطاعا في تلك الممالك من لدن بهاء الدين ومن بعده. فلما خلص جلال الدين من أسر الذر، وصل إلى مدينة باميان واجتمع مع الوزير، وبعثوا إلى عباس ولاطفوه حتى نزل عما كان استولى عليه من القلاع، وقال: إنما أردت حفظها من خوارزم شاه.

استيلاء خوارزم شاه على ترمذ ثم الطالقان من يد الغورية

كان خوارزم شاه لما ملك بلخ من يد عمر بن الحسين الغوري سار منها إلى ترمذ وبها ابنه. وقدم إليه محمد بن بشير بما كان من نزول أبيه عن بلخ، وأنه انتظم في أهل دولته. وبعثه إلى خوارزم مكرما، ورغبه بالأقطاع والمواعيد، وكان قد ضاق ذرعه من الخطا ووهن من أسر الذر أصحابه بغزنة، فأطاع واستأمن وملك خوارزم شاه ترمذ ورأى أن يسلمها للخطأ ليتمكن بذلك من خراسان، ثم يعود عليهم فينتزعها منهم. ولما فرغ من ذلك سار إلى الطالقان وبها سونج نائبا عن غياث الدين محمود، وأرسل من يستميله، فلج وسار لحربه حتى إذا التقيا نزل عن فرسه وسأل العفو فذمه بذلك، وأخذ ما كان بالطالقان بعض أصحابه، وسار إلى قلاع كاكوير وسوار، فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي صاحب كالوين وقاتله، وطالبه في تسليم البلاد فأبى، وسار خوارزم شاه إلى هراة ونزل بظاهرها وابن حرميل في طاعته، فكف عساكره عن أهل هراة، ولقيه لك رسول غياث الدين بالهدايا. ثم سار ابن حرميل إلى أسفزار في صفر، وقد كان صاحبها سار إلى غياث الدين فحاصرها حتى استأمن إليه وملك البلد. ثم أرسل إلى صاحب سجستان بطاعة خوارزم والخطبة له، فأجاب إلى ذلك بعد أن طلبه في ذلك غياث الدين فامتنع. وعند مقام خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن حرميل ٤/٥٤٧

أخرجه منها فلحق بشهاب الدين. ثم رجع من عنده إلى خوارزم شاه فسعى به ابن حرميل عنده حتى سجنه بقلعة زوزن، وولى على القضاء بهراة الصفي أبا بكر محمد بن السرخسي.

خبر غياث الدين مع الذر وايبك مولى أبيه

لما ملك الذر غزنة وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين كتب إليه غياث الدين يأمره بالخطبة، وطاول في ذلك فبعث إليه يستحثه بأمر الخطيب بالترحم على شهاب الدين والخطبة لنفسه، فاستراب الأتراك به، وبعث هو يشترط على غياث الدين العتق فأجابه الى ذلك بعد توقف. وكان عزمه على أن يصالح خوارزم شاه ويستمده على الذر، فلما طلب العتق أعتقه، وأعتق قطب الدين أيبك مملوك عمه شهاب الدين ونائبة ببلاد الهند. وأرسل إلى كل منهما هدية ورد الخبر واستمر الذر على مراوغته وأيبك على طاعته، فاستمد غياث الدين خوارزم شاه على الذر فأمده على أن يرد ابن حرميل صاحب هراة إلى طاعته، وأن يقسم الغنيمة أثلاثا بينهما وبين العسكر. وبلغ الخبر إلى الذر فسار إلى بكتاباد فملكها، ثم إلى بست وأعمالها كذلك، وقطع خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان بقطع خطبة خوارزم شاه، وإلى ابن حرميل كذلك ويتهددهما، وأطلق جلال الدين صاحب باميان وزوجه بنته، وبعث معه خمسة آلاف فارس مع أيدكين مملوك شهاب الدين ليعيدوا جلال الدين الى ملكه بباميان. وينزلوا ابن عمه. فلما سار معه أيدكين أغراه بالعود إلى غزنة وأعلمه أن الأتراك مجمعون على خلاف الذر، فلم يجبه جلال الدين إلى ذلك فرجع عنه أيدكين إلى إقطاعه بكابل، ولقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى الذر يتهدده على عصيانه على غياث الدين، ويأمره بالخطبة له، ووصل معه الهدايا والألطاف إلى غياث الدين. وأشار عليه أيبك بإجابة خوارزم إلى جميع ما طلب حتى يفرغ من أمر غزنة. وكتب إلى أيبك يستأذنه في المسير إلى غزنة ومحاربة ٤/٥٤٨

الذر فأذن له بمحاربته، ووصل ايدكين في رجب سنة ثلاث وستمائة وخطب لغياث الدين بغزنة، وامتنعت عليه القلعة فنهب البلد، ووصل الخبر إلى الذر بشأن ايدكين في غزنة ومراسلة أيبك له ففت ذلك في عضده، وخطب لغياث الدين في بكتاباد وأسقط اسمه ورحل إلى غزنة فرحل ايدكين عنها إلى بلد الغور، وأقام في تمواز، وكتب إلى غياث الدين بالخبر وأنفذ إليه أموالا، فبعث إليه غياث الدين بالخلع وأعتقه وخاطبه بملك الأمراء. وسار غياث الدين إلى بست وأعمالها فاستردها وأحسن إلى أهلها وأقام الذر بغزنة.

مقتل ابن حرميل واستيلاء خوارزم شاه على هراة

كان ابن حرميل كما قدمناه استدعى عسكر خوارزم شاه إلى هراة وأنزلهم معه بهراة، فساء أمرهم في الناس وكثر عيثهم فحبسهم، وبعث إلى خوارزم شاه بصنيعهم ويعدده، وكان مشتغلا بقتال الخطا، فكتب إليه يحسن فعله ويستدعي الجند الذين حبسهم. وبعث إلى عز الدين خلدك أن يحتال في القبض على ابن حرميل، فسار في ألفي فارس، وكان خلدك أيام السلطان سنجر واليا على هراة، فلما قدم خرج ابن حرميل لتلقيه، فنزل كل واحد منهما إلى صاحبه، وأمر خلدك أصحابه بالقبض على ابن حرميل فقبضوا عليه، وانفض عنه أصحابه إلى المدينة، فأمر الوزير خواجه الصاحب بغلق الأبواب والاستعداد للحصار، ونادى بشعار غياث الدين محمود فحاصره خلدك وبذل له الأمان وتهدده بقتل ابن حرميل، وخاطبه بذلك ابن حرميل ففعل، وكتب بالخبر إلى خوارزم شاه فبعث ولاته بخراسان يأمرهم بحصار هراة، فسار في عشرة آلاف وامتنعت هراة عليهم. وكان ابن حرميل قد حصنها بأربعة أسوار محكمة وخندق، وشحنها بالميرة، وصار يعدهم إلى حضور خوارزم شاه، وأسروه أياما حتى فادى نفسه ورجع إلى خوارزم كما يذكر في أخبار دولته، وأرجف بموته في خراسان فطمع أخوه علي شاه في طبرستان، وكزلك خان في نيسابور الى الاستبداد بالملك، فلما وصل خوارزم شاه هرب أخوه علي شاه ولحق ٤/٥٤٩

بشهاب الدين في بيروز كوه، فتلقاه وأكرمه، وسار خوارزم شاه إلى نيسابور وأصلح أمرها واستعمل عليها، وسار إلى هراة وعسكره على حصارها، وقيل للوزير قد وصل خوارزم شاه لما وعدته. وتحدث في ذلك جماعة من أهل البلد فقبض عليهم، ووقعت بذلك هيعة وشعر بها خوارزم شاه فزحف إلى السور وخرب برجين منه، ودخل البلد فملكه وقتل الوزير وولى على هراة من قبله، وذلك سنة خمس وستمائة ورجع إلى قتال الخطا.

مقتل غياث الدين محمود

لما ملك خوارزم شاه مدينة هراة وولى عليها خاله أمير ملك، وأمره أن يسير إلى بيروز كوه ويقبض على صاحبها غياث الدين محمود بن غياث الدين الغوري، وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه، فسار أمير ملك واستأمن له محمود فأمنه وخرج إليه هو وعلي شاه فقبض عليهما أمير ملك وقتلهما، ودخل فيروز كوه سنة خمس وستمائة وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه.

استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها

ولما استولى خوارزم شاه على عامة خراسان وملك باميان وغيرها أرسل إلى تاج الدين الذر صاحب غزنة في الخطبة والسكة وأن يقرر الصلح على غزنة بذلك فشاور أهل دولته، وفيهم قطلوتكين من موالي شهاب الدين، وهو النائب عن الذر بغزنة، فأشار عليه بطاعته، وأعاد الرسول بالإجابة، وخطب له وسار عن غزنة متصديا، وبعث قطلوتكين الى خوارزم شاه سرا أن يبعث إليه من يسلمه غزنة، فجاء بنفسه وملك غزنة. وهرب الذر إلى لهاور. ثم أحضر خوارزم شاه قطلوتكين وقتله بعد أن استصفاه وحصل منه على أموال جمة، وولى على غزنة ابنه جلال الدين، وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة ورجع الى بلده. ٤/٥٥٠

استيلاء الذر على لهاور ومقتله

لما هرب الذر من غزنة أمام خوارزم شاه لحق بلهاور، وكان صاحبها ناصر الدين قباجة من موالي شهاب الدين وله معها ملتان وآجر والدبيل إلى ساحل البحر، وله من العسكر خمسة عشر ألف فارس، وجاء الذر في ألف وخمسمائة فقاتله على التعبية ومعه الفيلة، فانهزم الذر أولا، وأخذت فيوله. ثم كانت له الكرة وحمل فيل له على علم قباجة بإغراء الفيال، وصدق هو الحملة فانهزم قباجة وعسكره، وملك الذر مدينة لهاور، ثم سار إلى الهند ليملك مدينة دهلي وغيرها من بلاد المسلمين، وكان قطب الدين أيبك صاحبها قد مات، ووليها بعده مولاه شمس الدين فسار إليه، والتقيا عند مدينة سمابا واقتتلا، فانهزم الذر وعسكره وأسر فقتل. وكان محمود السيرة في ولايته كثير العدل والإحسان إلى الرعية لا سيما التجار والغرباء. وكان بملكه انقراض دولة الغورية والبقاء لله وحده.

الخبر عن دولة الديلم وما كان لهم من الملك والسلطان في ملة الإسلام ودولة بني بويه منهم المتغلبين على الخلفاء على العباسيين ببغداد وأولية ذلك ومصايره

قد تقدم لنا نسب الديلم في أنساب الأمم وأنهم من نسل ماذاي بن يافث، وماذاي معدود في التوراة من ولد يافث. وذكر ابن سعيد ولا أدري عمن نقله: أنهم من ولد سام بن باسل بن أشور بن سام، وأشور مذكور في التوراة من ولد سام.

وقال: إن الموصل من جرموق بن اشور، والفرس والكرد والخزر من إيران بن أشور، والنبط والسوريان من نبيط بن أشور. هكذا ذكر ابن سعيد والله أعلم.

والجيل عند كافة النسابين إخوانهم على كل قول من هذه الأقوال، وهم أهل جيلان جميعا عصبية واحدة من سائر أحوالهم. ومواطن هؤلاء الديلم والجيل بجبال طبرستان وجرجان إلى جبال الري وكيلان وحفافي البحيرة المعروفة ببحيرة طبرستان من لدن أيام الفرس وما قبلها، ولم يكن لهم ملك فيما قبل الإسلام. ولما جاء الله ٤/٥٥١

بالإسلام وانقرضت دولة الأكاسرة واستفحلت دولة العرب وافتتحوا الأقاليم بالمشرق والمغرب والجنوب والشمال كما مر في الفتوحات، وكان من لم يدخل من الأمم في دينهم دان لهم بالجزية، وكان هؤلاء الديلم والجيل على دين المجوسية، ولم تفتح أرضهم أيام الفتوحات، وإنما كانوا يؤدون الجزية. وكان سعيد بن العاص قد صالحهم على مائة ألف في السنة، وكانوا يعطونها وربما يمنعونها، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، وكانوا يمنعون الطريق من العراق إلى خراسان على قومس. ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان سنة ست وثمانين للهجرة، ولم يفتح طبرستان ولا جرجان، وكان يزيد بن المهلب يعيره بذلك إذا قصت عليه أخباره في فتوحات بلاد الترك ويقول: ليست هذه الفتوح بشيء، والشأن في جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت قومس ونيسابور، فلما أولاه سليمان بن عبد الملك خراسان سنة تسع وتسعين، أجمع على غزوها ولم تكن جرجان يومئذ مدينة إنما هي جبال ومحاصر، يقوم الرجل على باب منها فيمنعه، وكانت طبرستان مدينة وصاحبها الأصبهبذ. ثم سار إلى جرجان مولاه فراسة، وسار الهادي إليهما وحاصرهما حتى استقاما على الطاعة. ثم بعث المهدي سنة ثمان وتسعين يحيى الحرسي في أربعين ألفا من العساكر فنزل طبرستان وأذعن الديلم. ثم لحق بهم أيام الرشيد يحيى ابن عبد الله بن حسن المثنى فأجاروه، وسرح الرشيد الفضل بن يحيى البرمكي لحربهم، فسار إليهم سنة خمس وتسعين ومائة فأجابوه إلى التمكين منه على مال شرطوه وعلى أن يجيء بخط الرشيد وشهادة أهل الدولة من كبار الشيعة وغيرهم، فبذل لهم المال، وكتب الكتاب. وجاء الفضل بيحيى فحبسه عند أخيه جعفر حسبما هو مذكور في أخباره. وفي سنة تسع وثمانين ومائة كتب الرشيد وهو بالري كتاب الأمان لسروين بن أبي قارن ورنداهرمز بارخشان صاحب الديلم، وبعث بالكتاب مع حسن الخادم إلى طبرستان فقدم بارخشان ورنداهرمز وأكرمهما الرشيد وأحسن إليهما، وضمن رنداهرمز الطاعة والخراج عن سروين بن أبي قارن. ثم مات سروين وقام مكانه ابنه شهريار، ثم زحف سنة إحدى وثمانين ومائة عبد الله بن أبي خرداذبه وهو عامل طبرستان إلى البلاد والسيزر من بلاد الديلم، فافتتحها وافتتح سائر بلاد طبرستان، وأنزل شهريار بن سروين عنها. وأشخص مازيار بن قارن ورنداهرمز إلى المأمون وأسر أبا ليلى. ثم مات شهريار بن سروين سنة عشر ومائتين وقام مكانه ابنه ٤/٥٥٢

سابور، فحاربه مازيار بن قارن بن رنداهرمز وأسره، ثم قتله. ثم انتقض مازيار على المعتصم وحمل الديلم وأهل تلك الأعمال على بيعته كرها، وأخذ رهنهم وجبى خراجهم، وخرب أسوار آمل وسارية، ونقل أهلها إلى الجبال وبنى على حدود جرجان سورا من طميس إلى البحر مسافة ثلاثة أميال وحصنه بخندق. وكانت الأكاسرة بنته سدا على طبرستان من الترك. وقد نقل أهل جرجان إلى نيسابور وأملى له في انتقاضه الأفشين مولى المعتصم كبير دولته، طمعه في ولاية خراسان بما كان يضطغن ابن طاهر صاحب خراسان، فدس إليه بذلك كتابا ورسالة حتى امتعض. وجهز عبد الله بن طاهر العساكر لحربه مع عمه الحسن ومولاه حيان بن جبلة. وسرح المعتصم العساكر يردف بعضها بعضا حتى أحاطوا بجباله من كل ناحية، وكان قارن بن شهريار أخو مازيار على سارية فدس إلى قواد ابن طاهر بالرجوع من كل ناحية، وكان قارن قد أتى إلى الطاعة والنزول لهم عن سارية على أن يملكوه جبال آبائه، وأسجل له ابن طاهر بذلك، فقبض على عمه قارن في جماعة من قواد مازيار، وبعث بهم فدخل قواد ابن طاهر جبال قارن وملكوا سارية. ثم استأمن إليهم قوهيار أخو مازيار ووعدهم بالقبض على أخيه على أن يولوه مكانه، فأسجل له ابن طاهر بذلك، فقبض على أخيه مازيار، وبعث به إلى المعتصم ببغداد فصلبه، واطلع منه على دسيسة الأفشين مولاه فنكبه وقتله. ووثب مماليك مازيار بقوهيار فثاروا منه بأخيه وفروا إلى الديلم، فاعترضتهم العساكر وأخذوا جميعا، ويقال إن الذي كان غدر بمازيار هو ابن عمه، كان يضطغن عليه عزله عن بعض جبال طبرستان، وكان مولاه ورأيه عن رأيه. ثم تلاشت الدعوة العباسية بعد المتوكل وتقلص ظلها. واستبد أهل الأطراف بأعمالهم وظهرت دعاة العلوية في النواحي إلى أن ظهر بطبرستان أيام المستعين الحسن بن زيد الداعي العلوي من الزيدية، وقد مر ذكره. وكان على خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وقد ولى على طبرستان عمه سليمان بن عبد الله بن طاهر فكان محمد بن أوس ينوب عنه مستبدا عليه فأساء السيرة، وانتقض لذلك بعض عمال أهل الأعمال ودعوا جيرانهم الديلم إلى الانتقاض. وكان محمد بن أوس قد دخل بلادهم أيام السلم وأثخن فيها بالقتل والسبي، فلما استنجدهم أولئك الثوار لحرب سليمان ونائبة محمد بن أوس نزعوا لإجابتهم واستدعوا الحسن بن زيد مكانه، وبايعوه جميعا وزحفوا به إلى آمل ٤/٥٥٣

فملكوها. ثم ساروا الى سارية فهزموا عليها سليمان وملكوها. ثم استولى الحسن الداعي على طبرستان وكانت له ولأخيه بعده الدولة المعروفة، كما هو معروف في أخبارهم، أقامت قريبا من أربعين سنة، ثم انقرضت بقتل محمد بن زيد. ودخل الديلم الحسن الأطروش من ولد عمر بن زين العابدين وكان زيدي المذهب فنزل فيما وراء السعيد دوى إلى آمل، ولبث في الديلم ثلاث عشرة سنة وملكهم يومئذ حسان بن وهشوذان وكان يدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العشر ويدافع عنهم ملكهم ما استطاع، فأسلم على يديه منهم خلق كثير، وبنى لهم المساجد، وزحف بهم إلى قزوين فملكها، وسالوس من ثغور المسلمين فأطاعوه، وملك آمل ودعاهم إلى غزو طبرستان وهي في طاعة ابن سامان فأجابوه وساروا إليها سنة إحدى وثلاثمائة. وبرز إليها عاملها ابن صعلوك فهزمه الأطروش واستلحم سائر أصحابه، ولحق ابن صعلوك بالري، ثم إلى بغداد، واستولى الأطروش على طبرستان وأعمالها، وقد ذكرنا دولته وأخبارها في دول العلوية، وكان استظهاره على أمره بالديلم وقواده في حروبه وولاته على أعماله منهم. ثم قتلته جيوش السعيد بن سامان سنة أربع وثلاثمائة، ودال الأمر بين عقبه قواد الديلم كما هو مذكور في أخبارهم.

الخبر عن قواد الديلم وتغلبهم على اعمال الخلفاء بفارس والعراقين

كان للديلم جماعة من القواد بهم استظهر الأطروش وبنوه على أمرهم منهم: سرخاب بن وهشوذان أخو حسان، وهو معدود في ملوكهم، وكان صاحب جيش أبي الحسين بن الأطروش. ثم أخوه علي، ولاه المقتدر على أصفهان. ثم ليلى بن النعمان من ملوكهم أيضا وكان قائدا للأطروش وولاه بعده صهره الحسن المعروف بالداعي الصغير على جرجان. ثم ما كان بن كالي، وهو ابن عم سرخاب وحسان ابني ٤/٥٥٤

وهشوذان، وولاه أبو الحسين بن الأطروش مدينة أستراباذ وأعمالها. ثم كان دون هؤلاء جماعة أخرى من القواد فمنهم من أصحاب ماكان بن كالي أسفار بن شيرويه ومرداويج بن زيار بن بادر وأخوه وشمكير ولشكري. ومن أصحاب مرداويج بنو بويه الملوك الأعاظم ببغداد والعراقين وفارس. ولما تلاشت دولة العلوية واستفحل هؤلاء القواد بالاستبداد على أعقابهم في طبرستان وجرجان، وكانت خراسان عند تقلص الدولة العباسية على الأطراف قد غلب عليها الصفار وملكها من يد بني طاهر. ثم نازعه فيها بنو سامان والداعي العلوي فأصبحت مشاعا بينهم. ثم انفرد بها ابن سامان وكل منهم يعطي طاعة معروفة للخلفاء. ومركز ابن سامان وراء النهر وخراسان في أطراف مملكتهم. وزاد تقلص الخلافة عما وراءها، فتطاول ملوك الديلم هؤلاء قواد الدولة العلوية بطبرستان إلى ممالك البلاد، وتجافوا عن أعمال ابن سامان لقوة سورته واستفحال ملكه. وساروا في الأرض يرومون الملك وانتشروا في النواحي، وتغلب كل منهم على ما دفع إليه من البلاد. وربما تنازعوا بعضها فكانت لهم دون طبرستان وجرجان بلاد الري، وظفر بنو بويه منهم بملك فارس والعراقين. وحجر الخلفاء ببغداد فذهبوا بفضل القديم والحديث، وكانت لهم الدولة العظيمة التي باهى الإسلام بها سائر الأمم حسبما نذكر ذلك كله في أخبار دولتهم.

أخبار ليلى بن النعمان ومقتله

كان ليلى بن النعمان من قواد الديلم وكان أولاد الأطروش ينعتونه في كتابهم إليه المؤيد لدين الله المنتصر لأولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان كريما شجاعا قد ولاه الحسن بن القاسم الداعي الصغير على جرجان بعد الأطروش سنة ثمان وثلاثمائة، فسار من جرجان إلى الدامغان وهي في طاعة ابن سامان، وعليها مولاه قراتكين، فبرزوا إليه وقاتلوه فهزمهم وأثخن فيهم، وعاد إلى جرجان، فابتنى أهل الدامغان حصنا يمتنعون به. وسار قراتكين إلى ليلى فبرز إليه من جرجان وقاتله على عشرة فراسخ فانهزم قراتكين وأثخن في عسكره، وسار إليه فارس مولى قراتكين فأكرمه وزوجه أخته وكثرت أجناده، وضاقت أمواله فأغراه أبو حفص القاسم بن حفص بنيسابور، ٤/٥٥٥

وأمره الحسن الداعي بالمسير إليها فسار وملكها آخر ثمان وثلاثمائة وخطب بها للداعي.

وأنفذ السعيد نصر بن سامان عساكره من بخارى مع قواده حمويه بن علي ومحمد ابن عبد الله البلغمي وأبو حفص بنيسابور وأبو الحسن صعلوك وسيجور الدواني، فقاتلوا ليلى بن النعمان عن طوس وهزموه، فلحق بآمل واختفى فيها، وجاءه بقراخان وأخرجه من الاختفاء وأنفذ بالخبر إلى حمويه، فأمره بقتله وتأمين أصحابه، فقتل وحمل رأسه إلى بغداد، وذلك في ربيع سنة تسع وثلاثمائة، وبقي فارس غلام قراتكين بجرجان، وعاد قراتكين إلى جرجان فاستأمن إليه مولاه فارس فقتله قراتكين وانصرف عن جرجان.

أخبار سرخاب بن وهشوذان ومهلكه وقيام ما كان بن كالي بمكانه

كان سرخاب بن وهشوذان الديلمي من قواد الأطروش وبنيه، وبايع لأبي الحسن بن الأطروش الناصر بعد مهلك أبيه بطبرستان وأستراباذ وكان صاحب جيشه، ولما انصرف قراتكين عن جرجان بعد مهلك ليلى بن النعمان، سار إليها أبو الحسن بن الأطروش وسرخاب فملكوها، وأنفذ السعيد نصر بن سامان سنة عشر سيجور الدواني في أربعة آلاف فارس لقتاله، ونزل على فرسخين من جرجان وحاصرها أشهرا، ثم برزوا إليه، وأكمن لهم سيجور كمينا فتباطأ الكمين وانهزم سيجور واتبعه سرخاب.

ثم خرج الكمين بعد حين وانهزم أبو الحسن إلى أستراباذ وترك جرجان، واتبعه سرخاب في الفل بمخلفه ومخلف أصحابه ورجع سيجور إلى جرجان فملكها. ثم مات سرخاب ولحق ابن الأطروش بسارية فأقام بها واستخلف ماكان بن كالي وهو ابن عم سرخاب، فسار محمد بن عبيد الله البلغمي وسيجور لحصاره وأقاموا عليه طويلا. ثم بذلوا له مالا على أن يخرج لهم عنها فتقوم لهم بذلك حجة عند ابن سامان ثم يعود ففعل ذلك، وخرج إلى سارية ثم نزل إلى الشمانية عن أستراباذ، وولوا عليها بقراخان فعاد إليها ما كان وملكها ولحق بقراخان بأصحابه في نيسابور ٤/٥٥٦

بداية أسفار بن شيرويه وتغلبه على جرجان ثم طبرستان

كان أسفار هذا من الديلم من أصحاب ما كان بن كالي، وكان سيئ الخلق صعب العشرة وأخرجه ما كان من عسكره فاتصل ببكر بن محمد بن أليسع في نيسابور وهو عامل عليها من قبل ابن سامان فأكرمه واختصه في العساكر سنة خمس عشرة وثلاثمائة لفتح جرجان وكان ما كان بن كالي يومئذ بطبرستان، وولى على جرجان أبا الحسن بن كالي، واستراب بأبي علي بن الأطروش فحبسه بجرجان فجعله عنده في البيت، وقام ليلة إليه ليقتله فأظفر الله العلوي به وقتله، وتسرب من الدار وأرسل من الغد إلى جماعة من القواد فجاءوا إليه وبايعوه وألبسوه القلنسوة، وولى على جيشه علي بن خرشية وكاتبوا أسفار بن شيرويه بذلك وهو في طريقه إليهم، واستدعوه فاستأذن بكر بن محمد وسار إليهم، وسار على ابن خرشية في القيام بأمر جرجان بدعوة العلوي الذي معهم وضبط ناحيتها. وسار إليهم ما كان بن كالي في العساكر من طبرستان وقاتلوه فهزموه واتبعوه إلى طبرستان فملكوها من يده وقاموا بها. ثم هلك أبو علي الأطروش وعلي بن خرشية صاحب الجيش وانفرد أسفار بطبرستان وسار بكر بن محمد بن أليسع إلى جرجان فملكها وأقام فيها دعوة نصر بن سامان. ثم رجع ماكان إلى طبرستان وبها أسفار فحاربه وغلبه، وملك طبرستان من يده ولحق أسفار بجرجان فأقام بها عند بكر بن أليسع إلى أن توفي بكر، فولاه السعيد على جرجان سنة خمس عشرة وثلاثمائة ثم ملك نصر بن سامان الري بولاية المقتدر وولى عليها محمد بن علي بن صعلوك فطرقه المرض في شعبان سنة ست عشرة وثلاثمائة وكاتب الحسن الداعي أسفار ملك جرجان بولاية نصر بن سامان، فاستدعى مرداويج بن زيار من ملوك الجبل وجعله أمير جيشه وسار إلى طبرستان فملكها. ٤/٥٥٧

استيلاء أسفار على الري واستفحال أمره

لما استولى أسفار على طبرستان ومرداويج معه، وكان يومئذ على الري وملكها من يد صعلوك كما ذكرناه. واستولى على قزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ ومعه الحسن بن القاسم الداعي الصغير وهو قائم بدعوته. فلما خالفه أسفار إلى طبرستان وملكها واستضافها إلى جرجان سار إليه ما كان والداعي والتقوا بسارية واقتتلوا، وانهزم ما كان وقتل الداعي، وكانت هزيمته بتخاذل الديلم عنه فإن الحسن كان يشتد عليهم في النهي عن المنكر فنكروه، واستقدموا خال مرداويج من الجبل واسمه هزرسندان وكان مع أحمد الطويل بالدامغان، فمكروا بالداعي واستقدامه للاستظهار به، وهم يضمرون تقديمه عوض ما كان، ونصب أبي الحسن بن الأطروش عوض الحسن الداعي، ودس إليه بذلك أحمد الطويل صاحب الدامغان بعد موت صعلوك، فحذرهم حتى إذا قدم هزرسندان أدخله مع قواد الديلم إلى قصره بجرجان. ثم قبض عليهم وقتلهم جميعا، وأمر أصحابه بنهب أموالهم، فامتعض لذلك سائر الديلم وأقاموا على مضيض حتى إذا كان يوم لقائه أسفار خذلوه فقتل. وفر ما كان واستولى أسفار على ما كان لهم من الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ واستضافها إلى طبرستان وجرجان، وأقام فيها دعوة السعيد بن سامان. ونزل سارية واستعمل على الري هارون بن بهرام صاحب جناح، وكان يخطب فيها لأبي جعفر العلوي، فاستدعاه إليه وزوجه من آمل. وجاء أبو جعفر لوليمته مع جماعة من العلويين فكبسهم أسفار وبعث بهم إلى بخارى فحبسهم بها إلى أن خلصوا مع يحيى أخي السعيد، وكانوا في فتية حسبما ذكرناه. ولما فرغ أسفار من الري تطاول إلى قلعة ألموت ليحصن بها عياله وذخيرته، وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي ومعناه الأسود العين، فاستقدمه أسفار وولاه قزوين، وسأله في ذلك فأجابه فنقل عياله إليها ٤/٥٥٨

وسرب الرجال إليهم لخدمتهم حتى كملوا مائة. ثم استدعاه فقبض عليه، وثار أولئك بالقلعة فملكوها، وكان في طريقه إلى الري استأمن إليه صاحب جبلي نهاوند وقم ابن أمير كان فملكها، ومر بسمنان فامتنع منه صاحبها محمد بن جعفر، وبعث إليه من الري بعض أصحابه فاستأمن إليه وخدعه حتى قتله وتدلى من ظهر القلعة. ثم استفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد بن سامان، وأراد أن يتتوج ويجلس على سرير الذهب، واعتزم على حرب ابن سامان والخليفة، فبعث المقتدر العساكر إلى قزوين مع هارون بن غريب الحال فقاتله أسفار وهزمه. ثم سار ابن سامان إلى نيسابور لحربه، فأشار على أسفار وزيره مطرف بن محمد الجرجاني بمسالمته وطاعته، وبذل الأموال له فقبل إشارته. وبعث بذلك إلى ابن سامان وتلطف أصحابه في رجوعه إلى ذلك فرجع وشرط عليه الخطبة والطاعة فقبل، وانتظم الحال بينهما ورجع إلى السطوة بأهل الري. ولما كانوا عابوا عليه عسكر القتال ففرض عليهم الأموال وعسف بهم، وخص أهل قزوين بالنهب لما تولوا من ذلك، وسلط عليهم الديلم فضاقت بهم الأرض.

مقتل اسفار وملك مرداويج

كان مرداويج بن زيار من قواد أسفار وكان قد سئم عسفه وطغيانه كما سئمه الناس، وبعثه أسفار إلى صاحب سميران الطر الذي ملك أذربيجان بعد ذلك يدعوه إلى طاعته، ففاوضه في أمر أسفار وسوء سيرته في الناس، واتفقا على الوثوب عليه به فأجابوه وفيهم مطرف بن محمد وزيره فسار هو وسلار إليه، وبلغه الخبر فثار به الجند فهرب إلى الري، وكتب إلى ماكان بن كالي بطبرستان يستألفه على أسفار فسار إليه ما كان فهرب أسفار من بيهق إلى بست، ثم دخل مفازة الري قاصدا قلعة ألموت التي حصن بها أهله وذخيرته. وتخلف عنه بعض أصحابه في المفازة، وجاء إلى مرداويج يخبره، فسار إليه وتقدم بين يديه بعض القواد فلقي أسفار وساءله عن قواده، فأخبره أن مرداويج قتلهم فسر بذلك. ثم حمله القائد إلى مرداويج فأراد أن يحبسه بالري فحذره بعض أصحابه غائلته، فأمر بقتله ورجع إلى الري. ولما قتل ٤/٥٥٩

أسفار تنقل مرداويج في البلاد يملكها، فملك قزوين، ثم الري، ثم همذان، ثم كنكور، ثم الدينور، ثم دجرد ، ثم قم، ثم قاشان، ثم أصفهان، ثم جرباد . واستفحل ملكه وعتا وتكبر، وجلس على سرير الذهب، وأجلس أكابر قواده على سرير الفضة، وتقدم لعسكره بالوقوف على البعد منه، ونودي بالخطاب بينهم وبين حاجبه.

استيلاء مرداويج على طبرستان وجرجان

قد ذكرنا أن الألفة الواقعة بين مرداويج وما كان وتظاهرهما على أسفار حتى قتل وثبت مرداويج في الملك، واستفحل أمره فتطاول إلى ملك طبرستان وجرجان.

وسار إليهما سنة ست عشرة وثلاثمائة فانهزم ما كان أمامه واستولى مرداويج على طبرستان، وولى عليها أسفهسلان، وأمر على عسكره أبا القاسم ، وكان حازما شجاعا. ثم سار إلى جرجان فهرب عامل ما كان عنها وملكها مرداويج، وولى عليها صهره أبا القاسم المذكور خليفة عنه، ورجع إلى أصفهان ولحق أبو القاسم وهزمه، فرجع السائر إلى الديلم ولحق ما كان بنيسابور، واستمد أبا علي بن المظفر صاحب جيوش ابن سامان، فسار معه في عساكره إلى جرجان فهزمهما أبو القاسم ورجعا إلى نيسابور. ثم سار ما كان إلى الدامغان فدفعه عنها أبو القاسم فعاد إلى خراسان.

استيلاء مرداويج على همذان والجبل وحروبه مع عساكر المقتدر

لما ملك مرداويج بلاد الري أقبلت الديلم إليه، فأفاض فيهم العطاء وعظمت عساكره، فلم تكفه جباية أعماله، وامتدت عينه إلى الأعمال التي تجاوره، فبعث إلى ٤/٥٦٠

همذان سنة تسع عشرة جيشا كثيفا مع ابن أخته، وبها محمد بن خلف وعسكر المقتدر، فاقتتلوا وأعان على همذان عسكر الخليفة فظفروا بعسكر مرداويج، وقتلوا ابن أخته، فسار إليهم مرداويج من الري وهرب عسكر الخليفة من همذان ودخلها عنوة، فأثخن فيهم واستلحمهم وسباهم، ثم أمنهم. وزحفت إليه عساكر المقتدر مع هارون بن غريب الحال فهزمهم بنواحي همذان، وملك بلاد الجبل وما وراء همذان، وبعث قائدا من أصحابه إلى الدينور ففتحها عنوة، وبلغت عساكره نحو حلوان، وامتلأت أيديهم من الذهب والسبي ورجعوا.

خبر لشكري في أصفهان

كان لشكري من الديلم ومن أصحاب أسفار، واستأمن بعد قتله إلى المقتدر، وصار في جند هارون بن غريب الحال. ولما انهزم هارون أمام مرداويج سنة تسع عشرة وثلاثمائة، أقام في قرقلنين ينتظر مدد المقتدر، وبعث لشكري هذا إلى نهاوند يجيئه بمال منها، فتغلب عليها وجمع بها جندا، ثم مضى إلى أصفهان في منتصف السنة وبها أحمد بن كيغلغ فحاربه وهزمه، وملك أصفهان، ودخل إليها عسكره، وأقام هو بظاهرها، فرأى لشكري فقصده يظنه من بعض جنده أي أحمد، فلما تراءى دافع أحمد بن كيغلغ عن نفسه فقتل وهرب أصحابه ورجع ابن كيغلغ إلى أصفهان ٤/٥٦١

استيلاء مرداويج على أصفهان

ثم بعث مرداويج عسكرا آخر إلى أصفهان سنة تسع عشرة فملكوها وجددوا له مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فنزلها وعسكره يومئذ أربعون أو خمسون الفا، ثم بعث عسكرا إلى الأهواز وخوزستان فملكوها وجبوا أعمالها، وبعث إلى المقتدر وضمن هذه البلاد بمائتي ألف دينار في كل سنة فقررت عليه، وأقطعه المقتدر همذان وماه الكوفة.

قدوم وشمكير على أخيه مرداويج

وفي سنة ست عشرة وثلاثمائة بعث مرداويج رسوله من الجند ليأتيه بأخيه وشمكير، فبعث إليه وأبلغه رسالة أخيه وأعلمه بمقامه في الملك، فاستبعد ذلك، ثم استغربه ونكر على أخيه مشايعته للمسودة، لأن الديلم والجيل كانوا شيعة للعلوية بطبرستان، فلم يزل الرسول به حتى سار به إلى أخيه، فخرج به إلى قزوين وألبسه السواد بعد مراوضة. وقدم على أخيه بدويا حافيا مستوحشا فلم يكن إلا أن رهف الملك أعطافه فأصبح أرق الناس حاشية وأكثر الناس معرفة بالسياسة.

خبر مرداويج مع ابن سامان على جرجان

كان أبو بكر المظفر صاحب جيوش ابن سامان بخراسان قد غلب على جرجان وانتزعها من ملكه مرداويج، فلما فرغ مرداويج من أمر خوزستان والأهواز رجع إلى الري وسار منها إلى جرجان، فخرج ابن المظفر عن جرجان إلى نيسابور وبها يومئذ ٤/٥٦٢

السعيد نصر بن سامان، فسار لمدافعة مرداويج عن جرجان، وكاتب محمد بن عبد الله البلغمي من قواد ابن سامان مطرف بن محمد وزير مرداويج واستماله. وشعر بذلك فقتل وزيره وبعث إليه البلغمي يعذله في قصد جرجان، ويطوق ذلك بالوزير مطرف، ويذكره حقوق السعيد بن سامان قبله وقصور قدرته عنه، ويشير عليه بالنزول له عن جرجان وتقرير المال عليه بالري، فقبل مرداويج إشارته وعاد عن جرجان وانتظم الحال بينهما.

بداية أمر بني بويه

وكانوا إخوة ثلاثة أكبرهم عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة الحسن، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد. لقبهم بهذه الألقاب الخلفاء عند ما ملكوا الأعمال، وقلدوهم إياها على ما نذكر بعد. وهم الذين تولوا حجر الخلفاء بعد ذلك ببغداد كما يأتي. وأبوهم أبو شجاع بويه بن قناخس وللناس في نسبهم خلاف، فأبو نصر بن ماكولا ينسبهم إلى كوهي بن شيرزيك الأصغر ابن شير كوه بن شيرزيك الأكبر ابن سران شاه بن سيرقند بن سيسان شاه بن سير بن فيروز بن شروزيل بن سنساد بن هراهم جور، وبقية النسب مذكور في ملوك الفرس. وابن مسكويه قال: يزعمون أنهم من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. والحق أن هذا النسب مصنوع تقرب إليهم به من لا يعرف طبائع الأنساب في الوجود، ولو كان نسبهم ذا خلل في الديلم لم تكن لهم تلك الرئاسة عليهم، وإن كانت الأنساب قد تتغير وتخفى وتنتقل من شعب إلى شعب ومن قوم إلى قوم فإنما هو بطول الأعصار وتناقل الأجيال واندراس الأزمان والأحقاب. وأما هؤلاء فلم يكن بينهم وبين يزدجرد وانقطاع الملك من الفرس إلا ثلاثمائة سنة، فيها سبعة أجيال أو ثمانية أجيال ميزت فيها أنسابهم وأحصيت أعقابهم. فكيف يدرك مثل هذه الأنساب الخفاء في مثل هذه الاعصار. وإن قلنا كان نسبهم إلى الفرس ظاهرا منع ذلك من رياستهم على الديلم فلا شك في هذه التقادير في ضعة هذا النسب والله أعلم. وأما بدايتهم فإنهم كانوا من أوسط الديلم نسبا وحالا. وفي أخبارهم أن أباهم أبا شجاع كان فقيرا، وأنه رأى في ٤/٥٦٣

منامه أنه يبول فخرج من ذكره نار عظيمة فاستضاءت الدنيا بها، فاستطالت وارتفعت الى السماء. ثم افترقت ثلاث شعب ومن كل شعب عدة شعب فاستضاءت الدنيا بها والناس خاضعون لتلك النيران. وان عابرا عبر له الرؤيا بأنه يكون له ثلاثة أولاد يملكون الأرض، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت النار، ويولد لهم ملوك بقدر الشعب. وأن أبا شجاع استبعد ذلك واستنكره لما كانوا عليه من توسط الحال في المعيشة، فرجع المعبر إلى السؤال عن وقت مواليدهم فأخبروه بها، وكان منجما فعدل طوالعهم وقضى لهم جميعا بالملك فوعدوه وانصرف. ولما خرج قواد الديلم لملك البلاد وانتشروا في الأعمال مثل ليلى وما كان وأسفار ومرداويج خرج مع كل واحد منهم جموع من الديلم رءوس وأتباع، وخرج بنو أبي شجاع هؤلاء في جملة قواد ما كان، فلما اضطرب أمره وغلبه مرداويج عن طبرستان وجرجان مرة بعد مرة لحق آخرا بنيسابور مهزوما فاعتزم بنو بويه على فراقه واستأذنوه في ذلك، وقالوا إنما نفارقك تخفيفا عليك فإذا صلح أمرك عدنا إليك. وساروا إلى مرداويج، وتبعتهم جماعة من قواد ما كان فقبلهم مرداويج. وقلد كل واحد منهم ناحية من نواحي الجبل. وقلد علي بن بويه كرمس وكتب لهم العهود بذلك. وساروا إلى الري وبها يومئذ أخوه وشمكير ومعه وزيره الحسين بن محمد العميد والد أبي الفضل. ثم بدا لمرداويج في ولاية هؤلاء القواد المستأمنة فكتب إلى أخيه وشمكير ووزيره العميد بردهم عن تلك الأعمال. وكان علي بن بويه قد أسلف عند العميد يدا في بغلة فارهة عرضها للبيع، واستامها العميد فوهبها له فرعى له العميد هذه الوسيلة. فلما قرأ كتاب مرداويج دس إلى ابن بويه بأن يغذ السير إلى عمله فسار من حينه. وغدا وشمكير على بقية القواد، فاستعاد العهود من أيديهم، وأمر ابن بويه فأشار عليه أصحابه بترك ذلك لما فيه من الفتنة فتركه.

ولاية عماد الدولة بن بويه على كرج وأصفهان

ولما وصل عماد الدولة إلى كرج ضبط أمورها وأحسن السياسة في أهلها وأعمالها، وقتل جماعة من الخرمية كانوا فيها وفتح قلاعهم، وأصاب فيها ذخائر كثيرة فأنفقها في ٤/٥٦٤

جنده فشاع ذكره وحمدت سيرته. وكتب أهل الناحية إلى مرداويج بالنبإ فغص.

وجاء من طبرستان إلى الري وأطلق مالا لجماعة من قواده على كرج فاستمالهم عماد الدولة وأحسن إليهم، فأقاموا عنده. واستراب مرداويج فكتب إلى عماد الدولة في استدعائهم، فدافعه وحذرهم منه فحذروا. ثم استأمن إليه سيراذ من أعيان قواد مرداويج، فكثف به جمعه وسار إلى أصفهان وبها المظفر بن ياقوت من قبل القاهر، في عشرة آلاف مقاتل، وعلى خراجها ابو علي بن رستم، فاستاذنهما في الانحياز إليهما، والدخول في طاعة الخليفة، فأعرضا عنه، ومات خلال ذلك ابن رستم وبرز ابن ياقوت من أصفهان لمدافعته، واستأمن إليه من كان مع ابن ياقوت من الجيل والديلم، ثم لقيه عماد الدولة في تسعمائة فهزمه وملك أصفهان.

استيلاء ابن بويه على أرجان وأخواتها ثم على شيراز وبلاد فارس

ولما بلغ خبر أصفهان إلى مرداويج اضطرب، وكتب إلى عماد الدولة بن بويه يعاتبه ويستميله، ويطلب منه إظهار طاعته، ويمده بالعساكر في البلاد والأعمال، ويخطب له فيها. وجهز له أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبسه وهو مطمئن إلى تلك الرسالة، وشعر ابن بويه بالمكيدة فرحل عن أصفهان بعد أن جباها شهرين، وسار إلى أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت من أصفهان واليا عليها، ففصل عنها. ولما ملك ابن بويه أرجان كاتبه أهل شيراز يستدعونه إليهم، وعليهم يومئذ ياقوت عامل الخليفة، وثقلت وطأته عليهم وكثر ظلمه، فاستدعوا ابن بويه وخام عن المسير إليهم، فأعادوا إليه الكتاب بالحث على ذلك، وأن مرداويج طلب الصلح من ياقوت فعاجل الأمر قبل أن يجتمعا، فسار إلى النوبندجان في ربيع سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وسبقته إليها مقدمة ياقوت في ألفين من شجعان قومه. فلما وافاهم ابن بويه انهزموا إلى كرمان وجاءهم ياقوت هنالك في جميع أصحابه. وأقام عماد الدولة بالنوبندجان، وبعث أخاه ركن الدولة الحسن إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس، ٤/٥٦٥

فلقي هنالك عسكرا لياقوت فهزمهم وجبى تلك الأعمال ورجع إلى أخيه بالأموال.

ثم وقعت المراسلة بين مرداويج وياقوت في الصلح وسار وشمكير إليه عن أخيه فخشيهما عماد الدولة وسار من نوبندجان إلى إصطخر، ثم إلى البيضاء وياقوت في اتباعه. وسبقه ياقوت إلى قنطرة على طريق كرمان فصده عن عبوره، واضطره للحرب، فتحاربوا واستأمن جماعة من أصحاب ابن بويه إلى ياقوت فقتلهم، فخشيه الباقون واستماتوا. وقدم ياقوت أمام عسكره رجاله بقوار النفط، فلما أشعلوها وقذفت أعادتها الريح عليهم فعلقت بهم، فاضطربوا، وخالطهم أصحاب ابن بويه في موقفهم وكانت الدبرة على ياقوت. ثم صعد إلى ربوة ونادى في أصحابه بالرجوع، فاجتمع إليه نحو اربعة آلاف فارس، وأراد الحملة عليهم لاشتغالهم بالنهب ففطنوا له، وتركوا النهب وقصدوه فانهزم واتبعوهم فأثخنوا فيهم. وكان معز الدولة أحمد بن بويه من أشد الناس بلاء في هذه الحرب، ابن تسع عشرة سنة لم يطر شاربه. ثم رجعوا إلى السواد فنهبوه وأسروا جماعة منهم، فأطلقهم ابن بويه وخيرهم، فاختاروا المقام عنده فأحسن إليهم. ثم سار إلى شيراز فأمنها ونادى بالمنع من الظلم، واستولى على سائر البلاد وعرفوه بذخائر في دار الإمارة وغيرها من ودائع ياقوت وذخائر بني الصفار. فنادى في الجند بالعطاء وأزاح عللهم، وامتلأت خزائنه، وكتب إلى الراضي وقد أفضت إليه الخلافة، وإلى وزيره أبي علي بن مقلة تقرير البلاد عليه بألف ألف درهم فأجيب إلى ذلك، وبعثوا إليه بالخلع واللواء، وكان محمد بن ياقوت قد فارق أصفهان عند خلع القاهر وولاية الراضي، وبقيت عشرين يوما دون أمير، فجاء إليها وشمكير وملكها، فلما وصل الخبر إلى مرداويج باستيلاء ابن بويه على فارس سار إلى أصفهان للتدبير عليه، وبعث أخاه وشمكير إلى الري.

استيلاء ما كان بن كالي على الري

قد ذكرنا في دولة بني سامان أن أبا علي محمد بن الياس كان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بكرمان منتقضا على السعيد، فبعث إليه في هذه السنة جيشا كثيفا فاستولى على كرمان، وأقام فيها الدعوة لابن سامان، وكان أصل محمد بن الياس من ٤/٥٦٦

أصحاب السعيد فسخطه وحبسه ثم أطلقه بشفاعة البلغمي. وبعث مع صاحب خراسان محمد بن المظفر إلى جرجان حتى إذا خرج أخوه السعيد من محبسهم، وبايعوا ليحيى منهم، كان محمد بن الياس معهم حتى تلاشى أمرهم، ففارقه ابن الياس من نيسابور إلى كرمان فاستولى عليها إلى هذه الغاية فأزاله عنها ماكان ولحق بالدينور وأقام ماكان واليا بكرمان بدعوة بني سامان.

مقتل مرداويج وملك أخيه وشمكير من بعده

لما استفحل أمر مرداويج كما قلنا عتا وتجبر وتتوج بتاج مرصع على هيئة تاج كسرى، وجلس على كرسي الذهب وأجلس أكابر قواده على كراسي الفضة، واعتزم على قصد العراق، وبنى المدائن وقصور كسرى وأن يدعى بشاه. وكان له جند من الأتراك، كان كثير الإساءة إليهم، ويسميهم الشياطين والمردة فثقلت وطأته على الناس، وخرج ليلة الميلاد من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، إلى جبال أصفهان وكانوا يسمونها ليلة الوقود لما يضرم فيها من النيران. فأمر بجمع الحطب على الجبل من أوله إلى آخره أمثال الجبال والتلال، وجمع ألفي طائر من الغربان والحدءات، وجعل النفط في أرجلها ليضرم الجبل نارا حتى يضيء الليل. واستكثر من أمثال هذا اللعب، ثم عمل سماطا للأكل بين يديه فيه مائة فرس ومائتا بقرة وثلاثة آلاف كبش وعشرة آلاف من الدجاج وأنواع الطير، وما لا يحصى من أنواع الحلوى، وهيأ ذلك كله ليأكل الناس، ثم يقوموا إلى مجلس الشرب والندمان فتشعل النيران. ثم ركب آخر النهار ليطوف على ذلك كله بنفسه، فاحتقره وسخط من تولى ترتيبه، ودخل خيمته مغضبا ونام، فأرجف القواد بموته فدخل إليه وزيره العميد وأيقظه، وعرفه بما الناس فيه، فخرج وجلس على السماط وتناول لقمتين ثم ذهب، وعاد إلى مكانه، فقام في معسكره بظاهر أصفهان ثلاثا لا يظهر للناس. ثم قام في اليوم الرابع ليعود إلى قصره بأصفهان فاجتمعت العساكر ببابه، وكثر صهيل الخيل ومراحها فاستيقظ لكثرة الضجيج، فازداد غضبه وسأل عن أصحاب الدواب، فقيل إنها للأتراك نزلوا للخدمة وتركوها بين يدي الغلمان، فأمر أن تحل عنها ٤/٥٦٧

السروج، وتجعل على ظهور الأتراك ويقودونهم إلى اصطبلات الخيل، ومن امتنع من ذلك ضرب، فأمسكوا ذلك على أقبح الهيئات، واصطنعوا ذلك عليه، واتفقوا على الفتك به في الحمام. وكان كورتكين يحرسه في خلواته وحمامه، فسخطه ذلك اليوم وطرده، فلم يتقدم إلى الحرس لمراعاته وداخلوا الخادم الذي يتولى خدمته في الحمام في أن يفقده سلاحه، وكان يحمل خنجرا فكسر حديد الخنجر وترك النصاب لمرداويج، فلم يجد له حدا فأغلق باب الحمام ودعمه من ورائه بسرير الخشب الذي كان صاعدا عليه، فصعدوا إلى السطح وكسروا الجامات ورموه بالسهام فانحجر في زوايا الحمام وكسروا الباب عليه وقتلوه. وكان الذي تولى كبر ذلك جماعة من الأتراك، وهم توزون الذي صار بعد ذلك أمير الأمراء ببغداد، ويارق بن بقراخان ومحمود بن نيال الترجمان ويحكم الذي ولي إمارة الأمراء قبل توزون. ولما قتلوه خرجوا إلى أصحابهم فركبوا ونهبوا قصر مرداويج وهربوا. وكان الديلم والجيل بالمدينة فركبوا في أثرهم فلم يدركوا منهم إلا من وقفت دابته فقتلوهم، وعادوا لنهب الخزائن، فوجدوا العميد قد أضرمها نارا. ثم اجتمع الديلم والجيل وبايعوا أخاه وشمكير بن زيار وهم بالري، وحملوا معهم جنازة مرداويج، فخرج وشمكير وأصحابه لتلقيهما على أربع فراسخ حفاة، ورجع العسكر الذي كان بالأهواز إلى وشمكير واجتمعوا عليه، وتركوا الأهواز لياقوت فملكها، وقام وشمكير بملك أخيه مرداويج في الديلم والجيل، وأقام بالري، وجرجان في ملكه. وكتب السعيد بن سامان إلى محمد بن المظفر صاحب خراسان، وإلى ماكان بن كالي صاحب كرمان بالمسير إلى جرجان والري، فسار ابن المظفر إلى قومس ثم إلى بسطام، وسار ماكان على المفازة إلى الدامغان واعترضه الديلم من أصحاب وشمكير في جيش كثيف فهزموهم ولحق بنيسابور آخر ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وجعلت ولايتها لما كان بن كالي فأقام بها. وسار أبو علي بن الياس إلى كرمان بعد انصراف ماكان عنها فملكها وصفت له بعد حروب شديدة طويلة مع جيوش السعيد بن سامان. وكان له الظفر آخرا. وأما الأتراك الذين قتلوا مرداويج فافترقوا في هزيمتهم ٤/٥٦٨

فرقتين. فسارت فرقة إلى عماد الدولة بن بويه وهم الأقل، وفرقة إلى الجيل مع يحكم وهم الأكثر فجبوا خراج الدينور وغيره. ثم ساروا إلى النهروان وكاتبوا الراضي في المسير إلى بغداد فأذن لهم واستراب الحجرية بهم، فردهم الوزير ابن مقلة إلى بلد الجيل وأطلق لهم مالا فلم يرضوا به، فكاتبهم ابن رائق وهو يومئذ صاحب واسط والبصرة فلحقوا به، وقدم عليهم يحكم، فكاتب الأتراك من أصحاب مرداويج فقدم عليه منهم عدة وافرة، واختص يحكم وتولاه ونعته بالرائقي نسبة إليه، وأمره أن يرسمها في كتابه.

مسير معز الدولة بن بويه الى كرمان وهزيمته

لما ملك عماد الدولة بن بويه وأخوه ركن الدولة بلاد فارس والجيل، بعثا أخاهما الأصغر معز الدولة إلى كرمان خالصة له، فسار في العسكر إليها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة واستولى على السيرجان وكان إبراهيم بن سيجور الدواني قائد ابن سامان يحاصر محمد بن الياس ابن أليسع في قلعته هنالك. فلما بلغه خبر معز الدولة سار من كرمان إلى خراسان، وخرج محمد بن الياس من القلعة التي كان محاصرا بها إلى مدينة قم على طرف المفازة بين كرمان وسجستان فسار إلى جيرفت وهي قصبة كرمان.

وجاء رسول علي بن أبي الزنجي المعروف بعلي بن كلونة أمير القفص والبلوص، كان هو وسلفه متغلبين على تلك الناحية ويعطون طاعتهم للأمراء والخلفاء على البعد ويحملون إليهم المال. فلما جاء رسوله بالمال امتنع معز الدولة من قبوله إلا بعد دخول جيرفت، فلما دخل جيرفت صالحه وأخذ رهنه على الخطبة له. وكان علي بن كلونة قد نزل بمكان صعب المسلك على عشرة فراسخ من جيرفت، فأشار على معز الدولة ٤/٥٦٩

بعض أصحابه أن يغدر به ويكبسه ففعل ذلك، وأتى لعلي بن كلونة عيونه بالخبر، فأرصد جماعة لمعز الدولة بمضيق في طريقه، فلما مر بهم ساريا ثاروا به من جوانبه وقتلوا من أصحابه وأسروا وأصابته جراح كثيرة، وقطعت يده اليسرى من نصف الذراع، وأصابع يده اليمنى وسقط بين القتلى، وبلغ الخبر إلى جيرفت فهرب أصحابه منها، وجاء علي بن كلونة فحمله من بين القتلى إلى جيرفت وأحضر الأطباء لعلاجه، وكتب إلى أخيه عماد الدولة يعتذر ويبذل الطاعة فأجابه وأصلحه، وسار محمد بن الياس من سجستان إلى بلد خبابة فتوجه إليه معز الدولة وهزمه وعاد ظافرا، ومر بابن كلونة فقاتله وهزمه وأثخن في أصحابه، وكتب إلى أخيه عماد الدولة بخبره مع ابن الياس وابن كلونة، فبعث قائدا من قواده واستقدمه إليه بفارس فأقام عنده بإصطخر إلى أن قدم عليهم أبو عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق ويحكم المتغلبين على الخلافة ببغداد، فبعث عماد الدولة أخاه معز الدولة وجعل له ملك العراق عوضا عن ملك كرمان كما يذكر بعد.

استيلاء ماكان على جرجان وانتقاضه على ابن سامان

قد ذكرنا انهزام ما كان على جرجان أيام بانجين الديلمي ورجوعه إلى نيسابور، فأقام بها ثم بلغ الخبر بمهلك بانجين بجرجان فاستأذن ماكان محمد بن المظفر في الخروج لاتباع بعض أصحابه هرب عنه وطالبه به عارض الجيش فأذن له، وسار إلى أسفراين وبعث معه جماعة من عسكره إلى جرجان فاستولى عليها. ثم أظهر لوقته الانتقاض على ابن المظفر وسار إليه بنيسابور، فتخاذل أصحابه وهرب عنها الى سرخس، وعاد عنها ماكان خوفا من اجتماع العساكر عليه. وذلك في رمضان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ٤/٥٧٠

الخبر عن دولة بني بويه من الديلم المتغلبين على العراقين وفارس والمستبدين على الخلفاء ببغداد من خلافة المستكفي الى أن صاروا في كفالتهم وتحت حجرهم الى انقراض دولتهم وأولية ذلك ومصايره

قد تقدم لنا التعريف ببني بويه وذكر نسبهم وهم من قواد الديلم الذين تطاولوا للاستيلاء على أعمال الخلفاء العباسيين، ولما لم يروا عنها مدافعا ولا لها حامية فتنقلوا في نواحيها، وملك كل واحد منهم أعمالا منها. واستولى بنو بويه على أصفهان والري، ثم انعطفوا على بلاد فارس فملكوا أرجان وما إليها. ثم استولوا على شيراز وأعمالها وأحاطوا بأعمال الخلافة بنواحي بغداد من شرقها وشمالها، وكانت الخلافة قد طرقها الإعلال، وغلب عليها الموالي والصنائع، وقد كان ابو بكر محمد بن رائق عاملا بواسط، واضطرب حال الراضي ببغداد فاستقدمه وقلده إمارة الجيوش، ونعته أمير الأمراء. وكان بنو البريدي في خوزستان والأهواز فغصوا به، ووقعت الوحشة بينه وبينهم فبعث ابن رائق بدرا الخرشني ويحكم الذي نزع إليه أتراك مرداويج، فساروا في العسكر لقتال ابن البريدي، واستولوا على الأهواز سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ولحق ابن البريدي بعماد الدولة بن بويه لما ملك العراق، وسهل عليه أمره. وذلك عند رجوع أخيه معز الدولة من كرمان وامتناعها عليه كما ذكرناه فبعث معه العساكر.

استيلاء معز الدولة بن بويه على الأهواز

لما لحق أبو عبد الله البريدي بعماد الدولة ناجيا من الأهواز، مستنجدا له، بعث أخاه معز الدولة في العساكر بعد أن أخذ منه ابنيه أبا الحسن محمدا وأبا جعفر الفياض رهنا. وسار معز الدولة سنة ست وعشرين وثلاثمائة فانتهى إلى أرجان ويحكم جاء للقائهم، وانهزم أمامهم إلى الأهواز فأقام بها، وأنزل بها بعض عسكره في عسكر ٤/٥٧١

مكرم، فقاتلوا معز الدولة ثلاثة عشر يوما ثم انهزموا الى تستر، فرحل معز الدولة إلى عسكر مكرم، وأنفذ ابن البريدي خليفته إلى الأهواز. ثم بعث إلى معز الدولة بأن ينتقل الى السوس، ويبعد عنه فيؤمن له الأهواز فعزله وزيره أبو جعفر الصيمري وغيره من أصحابه، وأروه أن البريدي يخادعه، فامتنع معز الدولة من ذلك، وبلغ اختلافهم إلى يحكم، فبعث عسكرا من قبله فاستولى على الناس وجند نيسابور وبقية الأهواز بيد ابن البريدي وعسكر مكرم بيد معز الدولة. وضاق حال جنده وتحدثوا في الرجوع إلى فارس فواعدهم لشهر، وكتب إلى أخيه عماد الدولة بالخبر، فبعث إليه مددا من العسكر، فعادوا واستولوا على الأهواز. وسار يحكم من واسط فاستولى على بغداد وقلده الراضي إمارة الأمراء، وهرب ابن رائق فاختفى ببغداد.

انتزاع وشمكير أصفهان من يد ركن الدولة ومسيره الى واسط ثم استرجاعه أصفهان

قد ذكرنا أن وشمكير المستولي بعد أخيه مرداويج على الري، كان عماد الدولة استولى على أصفهان ودفعها إلى أخيه ركن الدولة فبعث إليها وشمكير سنة سبع وعشرين وثلاثمائة جيشا كثيفا من الري فملكوها من يده وخطبوا فيها لوشمكير. ثم سار وشمكير إلى قلعة ألموت فملكها، ورجع فلحق ركن الدولة بإصطخر، وجاءه لك رسول أخيه معز الدولة من الأهواز بأن ابن البريدي أنفذ جيشا إلى السوس وقتل قائدها من الديلم، وأن الوزير أبا جعفر الصيمري كان على خراجها محتصرا بقلعة السوس، فسار ركن الدولة إلى السوس وهرب عساكر ابن البريدي بين يديه. ثم سار إلى واسط ليستولي عليها لأنه قد خرج عن أصفهان وليس له ملك يستقل به، فنزل بالجانب الشرقي وسار الراضي ويحكم من بغداد لحربه، فاضطرب أصحابه، واستأمن جماعة منهم لابن البريدي فخام ركن الدولة عن اللقاء، ورجع إلى الأهواز فسار إلى أصفهان، وهزم عسكر وشمكير بها وملكها. وكان هو وأخوه عماد الدولة بعثا لابن محتاج صاحب خراسان يحرضانه على ماكان ووشمكير، واتصلت بينهم مودة ٤/٥٧٢

مسير معز الدولة الى واسط والبصرة

كان ابن البريدي بالبصرة وواسط قد صالح يحكم أمير الأمراء ببغداد، وحرضه على المسير إلى الجبل ليرجعها من يد ركن الدولة بن بويه، ويسير هو إلى الأهواز فيرتجعها من يد معز الدولة. واستمد يحكم فأمده بخمسمائة رجل، وسار إلى حلوان في انتظاره. وأقام ابن البريدي يتربص به، وينتظر أن يبعد عن بغداد فيهجم هو عليها، وعلم يحكم بذلك فرجع إلى بغداد، ثم سار إلى واسط فانتزعها من يد ابن البريدي، وذلك لسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وولي الخلافة المتقي، وكان ظل الدولة العباسية قد تقلص حتى قارب التلاشي والاضمحلال وتحكم على الدولة بعد مولاه ابن رائق وابن البريدي الذي كان يزاحمه في التغلب على الدولة، فبعث عساكره من البصرة إلى واسط، فسرح إليه يحكم العساكر مع مولاه توزون فهزمهم، وجاء يحكم على أثره، ولقيه خبر هزيمتهم، فاستقام أمره، وطفق يتصدق في تلك النواحي إلى أن عرض له بعض الأكراد ممن له عنده ثأر وهو منفرد عن عسكره فقتله، وافترق أصحابه فلحق جماعة من الأتراك بالشام، ومقدمهم توزون وولى الباقون عليهم يكسك مولى يحكم، وكان الديلم عند مقتله قد ولوا عليهم باسوار بن ملك بن مسافر بن سلار وسلار جده صاحب شميران الطرم الذي داخل مرداويج في قتل أسفار وملك ابنه محمد بن مسافر بن سلار أذربيجان، فكانت له ولولده بها دولة. ووقعت الفتنة بين الديلم والأتراك فقتله الأتراك، وولى الديلم مكانه كورتكين، ولحقوا بابن البريدي فزحف بهم إلى بغداد. ثم تنكروا واتفقوا مع الأتراك على طرده فلحقوا بواسط، واستفحل الديلم وغلبوا الأتراك وقتل كورتكين كثيرا من الديلم، واستبد بإمرة الأمراء ببغداد. ثم جاء توزون من الشام بابن رائق وهزم كورتكين الديلم وقتل أكثرهم، وانفرد ابن رائق بإمرة الأمراء ببغداد سنة اثنتين وثلاثمائة. وكان ابن البريدي في هذه الفترة بعد يحكم قد استولى على واسط، فبعث ٤/٥٧٣

إليه ابن رائق واستوزره ففعل على أن يقيم بمكانه ويستخلف ابن شيرزاد ببغداد. ثم سار إليهم إلى واسط فهرب ابن رائق والمقتفي إلى الموصل، وتخلف عنهم توزون، وعاث أصحاب ابن البريدي في بغداد، فشكا له الناس. ولما وصل المقتفي ولي ابن حمدان إمرة الأمراء بمكانه، وقصدوا بغداد فهرب، وخالفه توزون إلى المقتفي وابن حمدان وملكوا بغداد. وسار سيف الدولة أمام ابن البريدي وخرج ناصر الدولة في اتباعه، فنزل المدائن وانكشف سيف الدولة أمام ابن البريدي حتى انتهوا إلى أخيه ناصر الدولة بالمدائن، فأمده ورجع فهزم ابن البريدي وغلبه على واسط فملكها، ولحق ابن البريدي بالبصرة وأقام سيف الدولة بواسط ينتظر المدد ليسير إلى البصرة.

وجاءه أبو عبد الله الكوفي بالأموال، فشغب عليه الأتراك في طلب المال وثاروا به، ومقدمهم توزون، فهرب إلى بغداد وهم في اتباعه، وكان أخوه قد انصرف إلى بغداد، ثم إلى الموصل فلحق به. ودخل توزون بغداد وولي الأمر بها. ثم استوحش من المقتفي وتربص مسيره إلى واسط لقتال ابن البريدي، وسار إلى الموصل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ومعز الدولة بن بويه في أثناء هذا كله مقيم بالأهواز، مطل على بغداد وأعمال الخليفة يروم التغلب عليها، وأخوه عماد الدولة بفارس، وركن الدولة بأصفهان والري، فلما سار المقتفي من الرقة إلى توزون خلعه وسمله ونصب المكتفي.

وقد قدمنا هذه الأخبار كلها مستوعبة في أخبار الدولة العباسية وإنما أعددناها توطئة لاستيلاء بني بويه على بغداد واستبدادهم على الجلالقة. ثم عاد معز الدولة إلى واسط سنة ثلاث وثلاثين فسار توزون والمستكفي لدفاعه، ففارقها وعاد إلى الأهواز.

استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد واندراج أحكام الخلافة في سلطانه

ثم إن توزون في فاتح سنة أربع وثلاثين عقد الأتراك الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، وولاه المستكفي إمرة الأمراء في الأرزاق، فضاقت الجبايات على العمال والكتاب والتجار، وامتدت الايدي إلى أموال الرعايا، وفشا الظلم وظهرت اللصوص، وكبسوا المنازل وأخذ الناس في الجلاء عن بغداد. ثم استعمل ابن شيرزاد على واصل نيال كوشه، وعلى تكريت الفتح اليشكري فانتقضا، وسار الفتح لابن حمدان ٤/٥٧٤

فولاه على تكريت من قبله وبدعوته، وبعث نيال كوشه إلى معز الدولة وقام بدعوته.

واستدعاه لملك بغداد فزحف إليها في عساكر الديلم، ولقيه ابن شيرزاد والأكراد فهزمهم، ولحقوا بالموصل وأخفي المستكفي وقدم معز الدولة كاتبه الحسن بن محمد المهلبي إلى بغداد فدخلها، وظهر الخليفة من الاختفاء، وحضر عند المهلبي فبايع له عن معز الدولة أحمد بن بويه، وعن أخويه عماد الدولة وركن الدولة الحسن.

وولاهم المستكفي على أعمالهم ولقبهم بهذه الألقاب ورسمها على سكته. ثم جاء معز الدولة إلى بغداد فملكها وصرف الخليفة في حكمه، واختص باسم السلطان، وبعث إليه أبو القاسم البريدي صاحب البصرة فضمن واسط وأعمالها وعقد له عليها.

خلع المستكفي وبيعة المطيع وما حدث في الجباية والاقطاع

وبعد أشهر قلائل من استيلاء معز الدولة على بغداد نمي إليه أن المستكفي يريد الادالة منه فتنكر له، وأجلسه في يوم مشهود للقاء وافد من أصحاب خراسان، وحضر معز الدولة في قومه وعشيرته، وأمر رجلين من نقباء الديلم بالفتك بالخليفة، فتقدما ووصلاه ليقبلا يد المستكفي، ثم جذباه عن سريره وقاداه ماشيا واعتقلاه بداره، وذلك في منتصف أربع وثلاثين وثلاثمائة فاضطرب الناس وعظم النهب، ونهبت دار الخلافة. وبايع معز الدولة للفضل بن المقتدر ولقبه المطيع لله، وأحضر المستكفي فأشهد على نفسه بالخلع، وسلم على المطيع بالخلافة، وسلب الخليفة من معاني الأمر والنهي وصيرت الوزارة إلى معز الدولة يولى فيها من يرى. وصار وزير الخليفة مقصور النظر على إقطاعه ومقتات داره، وتسلم عمال معز الدولة وجنده من الديلم وغيرهم أعمال العراق وأراضيه ولاية وإقطاعا حتى كان الخليفة يتناول الإقطاع بمراسم معز الدولة، وإنما ينفرد بالسرير والمنبر والسكة والختم على الرسائل والصكوك، والجلوس للوفد وإجلال التحية والخطاب، ومع ذلك بأوضاع القائم على الدولة وترتيبه، وكان القائم منهم على الدولة تفرد في دولة بني بويه والسلجوقية بلقب السلطان ولا يشاركه فيه غيره، ومعاني الملك من القدرة والأبهة والعز وتصريف الأمر والنهي حاصل للسلطان دون الخليفة. وكانت الخلافة حاصلة للعباسي ٤/٥٧٥

المنصوب لفظا مسلوبة عنه معنى. ثم طلب الجند أرزاقهم بأكثر من العادة لتجدد الدولة فاضطر إلى ضرب المكوس، ومد الأيدي إلى أموال الناس، وأقطعت جميع القرى والضياع للجند، فارتفعت أيدي العمال وبطلت الدواوين لأن ماكان منها بأيدي الرؤساء لا يقدرون على النظر فيها، وماكان بأيدي الأتباع خرب بالظلم والمصادرات والحيف في الجباية وإهمال النظر في إصلاح القناطر وتعديل المشارب، وما خرب منها عوض صاحبه عنه بآخر، فيخربه كما يخرب الآخر. ثم إن معز الدولة أفرد جمعها من المكوس والظلامات وعجز السلطان عن ذخيرة يعدها لنوائبه. ثم استكثر من الموالي ليعتز بهم على قومه، وفرض لهم الأرزاق والأقطاع فحدثت غيرة قومه من ذلك، وآل الأمر إلى المنافرة كما هو الشأن في الدول.

مسير ابن حمدان إلى بغداد وانهزامه أمام معز الدولة

ولما بلغ استيلاء معز الدولة على بغداد، وخلعه المستكفي إلى ناصر الدولة بن حمدان امتعض لذلك وسار من الموصل إلى بغداد في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فقدم معز الدولة عساكره فأوقع بها ابن حمدان بعكبرا. ثم سار معز الدولة ومعه المطيع إلى مدافعته ولحق به ابن شيرزاد فاستحثه إلى بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وخالفه معز الدولة إلى تكريت ونهبها، وتسابقوا جميعا إلى بغداد، فنزل معز الدولة والمطيع بالجانب الشرقي وابن حمدان بالجانب الغربي، فقطع الميرة عن معسكر معز الدولة فغلت الأسعار وعزت الأقوات. ونهب عسكره مرارا فضاق به الأمر واعتزم على العود إلى الأهواز فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري بالعبور في العساكر لقتال ابن حمدان فظفر به الصيمري وغنم الديلم أموالهم وظهرهم. ثم أمن معز الدولة الناس وأعاد المطيع إلى داره في محرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ورجع ابن حمدان إلى عكبرا، وأرسل في الصلح سرا فنكر عليه الأتراك التورونية وهموا بقتله، وفر إلى الموصل ومعه ابن شيرزاد، ثم صالحه معز الدولة كما طلب. ولما فر عن الأتراك التورونية أعلمهم تكين الشيرازي فقبضوا على من تخلف من أصحابه، وساروا في اتباعه وقبض هو في طريقه على ابن شيرزاد، وتجاوز الموصل إلى نصيبين فملكها تكين، وسار في اتباعه ٤/٥٧٦

إلى السند، فلحقه هنالك عسكر من معز الدولة كما طلب، وأمده به مع وزيره أبي جعفر الصيمري، وقاتل الأتراك فهزمهم، وسار إلى الموصل هو والصيمري فدفع ابن شيرزاد إلى الصيمري وحمله إلى معز الدولة، وذلك سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.

استيلاء معز الدولة على البصرة والموصل وصلحه مع ابن حمدان

وفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة انتقض أبو القاسم بن البريدي بالبصرة، فجهز معز الدولة الجيش إلى واسط ولقيهم جيش ابن البريدي في الماء وعلى الظهر، فانهزموا إلى البصرة وأسروا من أعيانهم جماعة. ثم سار معز الدولة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة إلى البصرة ومعه المطيع كارها من قتال أبي القاسم البريدي، وسلكوا إليها البرية وبعث القرامطة يعزلون في ذلك معز الدولة، فكتب يتهددهم. ولما قارب البصرة استأمنت إليه عساكر أبي القاسم، وهرب هو إلى القرامطة فأجاروه وملك معز الدولة البصرة.

ثم سار هو منها إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة، وترك المطيع وأبا جعفر الصيمري بالبصرة، وانتقض على معز الدولة كوكير من أكابر الديلم، فقاتله الصيمري وهزمه وأسره، وحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز. ثم لقي أخاه معز الدولة بأرجان في شعبان من السنة، وسلك في تعظيمه وإجلاله من وراء الغاية. وكان عماد الدولة يأمره بالجلوس في مجلسه فلا يفعل. ثم عاد معز الدولة والمطيع إلى بغداد، ونودي بالمسير إلى الموصل فترددت الرسل من ابن حمدان في الصلح وحمل المال. ثم سار إليه سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة في شهر رمضان واستولى على الموصل، وأراد الإثخان في بلاد ابن حمدان فجاءه الخبر عن أخيه ركن الدولة بأن عساكر خراسان قصدت جرجان، واضطر إلى الصلح. واستقر الصلح بينهما على أن يعطي ابن حمدان عن الموصل والجزيرة والشام ثمانية آلاف ألف درهم كل سنة، ويخطب لعماد الدولة ومعز الدولة في بلاده، وعاد إلى بغداد.

ابن خلدون م 37 ج 4 ٤/٥٧٧

استيلاء ركن الدولة على الري ثم طبرستان وجرجان ومسير عساكر ابن سامان اليها

قد تقدم لنا استيلاء ركن الدولة على أصفهان من يد وشمكير حين بعث عساكره مددا لما كان بن كالي، وكان ركن الدولة وأخوه عماد الدولة بعثا إلى أبي علي بن محتاج قائد بني سامان يحرضانه على ماكان ووشمكير، ويعدانه المظاهرة عليهما، فسار أبو علي إلى وشمكير بالري ولقيه ركن الدولة بنفسه. واستمد وشمكير ماكان فجاءه في عساكره والتقوا فانهزم وشمكير ولحق بطبرستان. ثم سار بعساكره إلى بلد الجيل فاقتحمها واستولى على زنجان وأبهر وقزوين وقم وكرج وهمدان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتب فيها العمال وجبى أموالها. ثم وقع خلاف بين وشمكير والحسن بن الفيرزان ابن عم ماكان، واستنجد الحسن بأبي علي بن محتاج فأنجده حتى وقع بينهما صلح، وعاد أبو علي إلى خراسان وصحبه الحسن بن الفيرزان، ولقيه في طريقه رسل السعيد بن سامان، وأمر أبا علي بن محتاج سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بغدر الحسن بأبي علي ونهب سواده وعاد إلى جرجان فملكها وملك معها الدامغان وسمنان، وسار وشمكير من طبرستان إلى الري فاستولى عليها أجمع، وكان في فل من العسكر لفناء رجاله في حروبه مع أبي علي بن محتاج والحسن بن الفيرزان، فتطاول حينئذ ركن الدولة إلى الاستيلاء على الري، وسار إلى الري وقاتل وشمكير فهزمه، فلحق بطبرستان واستولى ركن الدولة على الري. وأجمع مخالصة الحسن بن الفيرزان وزوجه ابنته، وتمسك بمواصلته ومودته واستفحل بذلك ملك بني بويه وامتنع وصارت لهم أعمال الري والجيل وفارس والأهواز والعراق. ويحمل إليهم ضمان الموصل ٤/٥٧٨

وديار بكر. ثم سار ركن الدولة بن بويه إلى بلاد وشمكير سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ومعه الحسن بن الفيرزان مددا، ولقيهما وشمكير فانهزم أمامهما، ولحق بخراسان مستنجدا بابن سامان، وملك ركن الدولة طبرستان وسار منها إلى جرجان فأطاعه الحسن بن الفيرزان وولاه ركن الدولة عليها، واستأمن إليه قواد وشمكير ورجع إلى أصفهان.

بداية بني شاهين ملوك البطيحة أيام بني بويه

كان عمران بن شاهين من أهل الجامدة وكان يتصرف في الجباية، وحصل منها بيده مال فصرفه وهرب إلى البطيحة ممتنعا من الدولة. وأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسمك الماء وطيره، ويأخذ الرفاق التي تمر به، واجتمع إليه لصوص الصيادين فقوي وامتنع على السلطان وتمسك بطاعة أبي القاسم بن البريدي بالبصرة فقلده حماية الجامدة وحماية البطائح ونواحيها، فعز جانبه وكثر جمعه وسلاحه، واتخذ معاقل على التلال بالبطيحة وغلب على تلك النواحي. وأهم معز الدولة أمره وبعث وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وحصره، وأيقن بالهلاك وما نفس عن مخنقه إلا وصول الخبر بوفاة عماد الدولة بن بويه، ومبادرة الوزير الصيمري إلى شيراز، فعاد عمران إلى حاله وقوي أمره كما يأتي في أخبار دولته.

وفاة عماد الدولة بن بويه وولاية عضد الدولة ابن أخيه على بلاد فارس مكانه

ثم توفي عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز كرسي مملكة فارس في منتصف سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بعد أن كان طلب من أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه ابنه عضد الدولة، فتأخر ليوليه عهده إذ لم يكن له ولد ذكر، فأنفذه إليه ركن الدولة في جماعة من أصحابه لسنة بقيت من حياته. وركب عماد الدولة للقائه ودخل ٤/٥٧٩

به إلى داره في يوم مشهود، وأجلسه على السرير وأمر الناس أن يحيوه بتحية الملك.

وكان في قواد عماد الدولة جماعة أكابر لا يستكينون لعماد الدولة فضلا عن عضد الدولة مكانه بفارس، واختلف عليه أصحابه، فجاء إليه ركن الدولة أبوه من الري بعد أن استخلف عليها علي بن كتامة، وكتب معز الدولة إلى وزيره الصيمري بأن يترك محاربة ابن شاهين ويسير إلى شيراز مددا لعضد الدولة. وأقام ركن الدولة في شيراز تسعة أشهر، وبعث إلى أخيه معز الدولة بهدية من الأموال والسلاح، وكان عماد الدولة هو أمير الأمراء وإنما كان معز الدولة نائبا عنه في كفالة الأموال وولاية أعمال العراق، فلما مات عماد الدولة وانقلبت إمرة الأمراء إلى ركن الدولة. وبقي معز الدولة نائبا عنه كما كان عن عماد الدولة لأنه كان أصغر منهما.

وفاة الصيمري ووزارة المهلبي

كان أبو جعفر أحمد الصيمري وزير معز الدولة قد عاد من فارس إلى أعمال الجامدة، وأقام يحاصر عمران بن شاهين إلى أن هلك منتصف تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان يستخلف بحضرة معز الدولة في وزارته أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي، فباشره معز الدولة وعرف كفايته واضطلاعه، فاستوزره مكان الصيمري فحسن أثره في جمع الأموال وكشف الظلامات وتقريب أهل العلم والأدب والإحسان إليهم.

مسير عساكر ابن سامان إلى الري ورجوعها

لما سار ركن الدولة إلى بلاد فارس بعث الأمير نوح بن سامان إلى منصور بن قراتكين صاحب جيوشه بخراسان أن يسير إلى الري، فسار إليها سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان بها علي بن كتامة خليفة ركن الدولة، ففارقها إلى أصفهان وملك منصور الري، وبث العساكر في البلاد فملكوا الجيل إلى قرميس، واستولوا على همذان، وبعث ركن الدولة من فارس إلى أخيه معز الدولة بإنفاذ العساكر إلى مدافعتهم، فبعث سبكتكين الحاجب في جيش كثيف من الديلم وغيرهم، فكبسهم وأسر ٤/٥٨٠

مقدمهم فأعادوا إلى همذان. ثم سار إليهم ففارقوها، وملكها وورد عليه ركن الدولة بهمذان، فعدل منصور بن قراتكين إلى أصفهان فملكها، وسار إليها ركن الدولة وسبكتكين في مقدمته، وشغب عليه بعض الأتراك فأوقع بهم وترددوا في تلك الناحية. وكتب معز الدولة إلى ابن أبي الشوك الكردي يتبعهم فقتل منهم وأسر، ونجا بعض إلى الموصل. وترك ركن الدولة قريبا من أصفهان، وجرت بينه وبين منصور حروب، وضاقت الميرة على الفريقين إلا أن الديلم كانوا أصبر على الجوع وشظف العيش من أهل خراسان لقرب عهدهم بالبداوة. ومع ذلك فهم ركن الدولة بالفرار لولا وزيره ابن العميد كان يثبته ويريه أنه لا يغني عنه، وأن الاستماتة أولى به، فصبر وشغب على منصور بن قراتكين جنده وانفضوا جميعا إلى الري وتركوا مخلفهم بأصفهان، فاحتوى عليه ركن الدولة، وذلك فاتح سنة أربعين وثلاثمائة ومات منصور بن قراتكين بالري في ربيع الأول من السنة، ورجعت العساكر إلى نيسابور.

استيلاء ركن الدولة ثانيا على طبرستان وجرجان

قد كنا قدمنا استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وأنه استخلف على جرجان الحسن بن الفيرزان. وسار وشمكير إلى خراسان مستنجدا بابن سامان، فسار معه صاحب جيوش خراسان منصور بن قراتكين، وحاصر جرجان، فصالحه الحسن بن الفيرزان بغير رضا من وشمكير لانحرافه عنه وعن الأمير نوح.

ورجع إلى نيسابور وأقام وشمكير بجرجان والحسن بزوزن. ثم سار ركن الدولة سنة أربعين وثلاثمائة من الري إلى طبرستان وجرجان ففارقها وشمكير إلى نيسابور، واستولى ركن الدولة عليها، واستخلف بجرجان الحسن بن الفيرزان وعلي بن كتامة، وعاد إلى الري فقصدهما وشمكير وانهزما منه، واسترد البلاد من ركن الدولة، وكتب الأمير نوح يستنجده على ركن الدولة، فأمر أبا علي بن محتاج بالمسير معه في جيوش خراسان، فسار في ربيع سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وامتنع ركن الدولة ببعض معاقلة، وحاربه أبو علي بن محتاج في جيوش خراسان حتى ضجرت عساكره ٤/٥٨١

وأظلهم فصل الشتاء، فراسل ركن الدولة في الصلح على أن يعطيهم ركن الدولة مائتي ألف دينار في كل سنة، وعاد إلى خراسان. وكتب وشمكير إلى الأمير نوح بأن ابن محتاج لم ينصح في أمر ركن الدولة، وأنه ممالئ، فسخطه من أجل ذلك وعزله عن خراسان. ولما عاد ابن محتاج عن ركن الدولة سار هو إلى وشمكير فانهزم وشمكير إلى أسفراين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.

اقامة الدعوة لبني بويه بخراسان

ولما عزل الأمير نوح أبا علي بن محتاج عن خراسان استعمل مكانه أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، فانتقض حينئذ وخطب لنفسه بنيسابور، وتحيز عنه ابن الفيرزان مع وشمكير إلى الأمير نوح، فخام ابن محتاج عن عداوتهم، واستأذن ركن الدولة في المسير إليه. ثم سار سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فتلقاه بأنواع الكرامات وسأل منه ابن محتاج أن يقتضي له عهد الخليفة بولاية خراسان، فبعث ركن الدولة في ذلك إلى أخيه معز الدولة ببغداد، وجاءه العهد والمدد، فسار إلى خراسان فخطب بها للخليفة وركن الدولة. ثم مات نوح خلال ذلك وولي ابنه عبد الملك فبعث بكر بن مالك من بخارى إلى خراسان لإخراج ابن محتاج منها، فسار إليه وهرب ابن محتاج إلى الري فآواه ركن الدولة وأقام عنده، واستولى بكر بن مالك على خراسان. ثم سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه ابن محتاج فتركها وملكها، ولحق وشمكير بخراسان.

مسير عساكر ابن سامان الى الري وأصفهان

ولما فرغ بكر بن مالك من أمر خراسان وأخرج منها ابن محتاج، سار منها سنة أربع وأربعين وثلاثمائة في أتباعه الى الري وأصفهان، وكان ركن الدولة غائبا بجرجان فملكها ورجع إلى الري في المحرم من السنة، وكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده فأمده ٤/٥٨٢

بالعساكر مع ابن سبكتكين، وجاء مقدمة العساكر من خراسان إلى أصفهان من طريق المفازة وبها الأمير منصور بن بويه بن ركن الدولة، ومقدم العساكر محمد بن ماكان فملك أصفهان وخرج في طلب ابن بويه ، واتفق وصول الوزير أبي الفضل بن العميد فلقيه محمد بن ماكان فهزمه، وعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصفهان. وراسل ركن الدولة بكر بن مالك صاحب العساكر بخراسان في الصلح على مال يحمله إليه، وتكون الري وبلد الجيل في ضمانه، فأجابه بكر بن مالك إلى ذلك وصالحه عليه، وكتب ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة بأن يبعث إلى بكر بن مالك خلعا ولواء لولاية خراسان فبعث بها في ذي القعدة من السنة.

خروج روزبهان على معز الدولة وميل الديلم اليه

كان روزبهان ونداد خرسية من كبار قواد الديلم، وكان معز الدولة قد رفعه ونوه بذكره، فخرج سنة خمس وأربعين بالأهواز ومعه أخوه أسفار، وخرج أخو بلكا بشيراز. ولما خرج روزبهان زحف إليه الوزير المهلبي لقتاله فنزع الكثير من أصحابه إلى روزبهان فانحاز عنه، وبعث بالخبر إلى معز الدولة فسار إليهم واختلف عليه الديلم ومالوا مع روزبهان وفصل معز الدولة من بغداد خامس شعبان من السنة قاصدا لحربه، وبلغ الخبر إلى ناصر الدولة بن حمدان، فبعث ابنه أبا الرجال في العساكر للاستيلاء على بغداد، فخرج الخليفة عنها منحدرا، وأعاد معز الدولة سبكتكين الحاجب وغيره لمدافعة ابن حمدان عن بغداد. وسار إلى أن قارب الأهواز ٤/٥٨٣

والديلم في شغب عليه وعلى عزم اللحاق بروزبهان إلا نفرا يسيرا من الديلم كانوا خالصة، فكان يعتمد عليهم وعلى الأتراك، وكان يفيض العطاء في الديلم فيمسكون عما يهمون به. ثم ناجز روزبهان الحرب سلخ رمضان فانهزم وأخذ أسيرا، وعاد إلى بغداد إلى أبي الرجال بن حمدان، وكان بعكبرا فلم يجده لأنه بلغه خبر روزبهان فأسرع العود الى الموصل ودخل معز الدولة بغداد وغرق روزبهان وكان أخوه بلكا الخارج بشيراز أزعج عنها عضد الدولة، وسار إليه أبو الفضل بن العميد وقاتله فظفر به، وعاد عضد الدولة إلى ملكه وانمحى أثر روزبهان وإخوته، وقبض معز الدولة على جماعة منهم ممن ارتاب بهم، واصطنع الأتراك وقدمهم وأقطع لهم فاعتزوا وامتدت أيديهم.

استيلاء معز الدولة على الموصل ثم عودها

كان ناصر الدولة بن حمدان قد صالح معز الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة، ثم لم يحمل، فسار إليه معز الدولة منتصف سبع وأربعين وثلاثمائة ففارق الموصل إلى نصيبين، وحمل معه سائر أهل دولته من الوكلاء والكتاب ومن يعرف وجوه المال، وأنزلهم في قلاعه كقلعة كواشي والزعفران وغيرهما. وقطع الميرة عن عسكر معز الدولة فضاقت عليهم الأقوات، فسار معز الدولة إلى نصيبين للميرة، وبلغه أن أبا الرجاء وهبة الله في عسكر سنجار، فبعث إليهم بعض عساكره وكبسوهم فهربوا، واستولى العسكر على مخلفهم، ونزلوا في خيامهم، وكر عليهم أولاد ناصر الدولة وهم غارون فأثخنوا فيهم وأقاموا بسنجار. وسار معز الدولة إلى نصيبين فلحق ناصر الدولة بميافارقين، واستأمن الكثير من أصحابه إلى معز الدولة فلحق بأخيه سيف الدولة بحلب، فبالغ في تكرمته وخدمته، وتوسط في الصلح بينه وبين معز الدولة بثلاثة آلاف ألف فأجابه معز الدولة وتم ذلك بينهما. ورجع معز الدولة العراق في محرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ٤/٥٨٤

العهد لبختيار

وفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة طرق معز الدولة مرض استكان له وخشي على نفسه، فأراد العهد لابنه بختيار، وعهد إليه بالأمر وسلم له الأموال، وكان بين الحاجب سبكتكين والوزير المهلبي منافرة فأصلح بينهما ووصاهما بابنه بختيار، وعهد إليه بالأمور واعتزم على العود إلى الأهواز مستوحشا هواء بغداد، فلما بلغ كلواذا اجتمع به أصحابه وسفهوا رأيه في الانتقال من بغداد على ملكه، وأشاروا عليه بالعود إليها وأن يستطيب الهواء في بعض جوانبها المرتفعة ويبني بها دورا لسكنه ففعل، وأنفق فيها ألف ألف دينار وصادر فيها جماعة من أصحابه.

استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان

وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة سار ركن الدولة إلى طبرستان وبها وشمكير فحاصره بمدينة سارية وملكها، ولحق وشمكير بجرجان وترك طبرستان فملكها ركن الدولة وأصلح أمرها. ثم سار إلى جرجان فخرج عنها وشمكير واستولى عليها ركن الدولة، واستأمن إليه من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل فازداد بهم قوة، ودخل وشمكير بلاد الجيل مسلوبا واهنا.

ظهور البدعة ببغداد

وفي هذه السنة كتب الشيعة على المساجد بأمر معز الدولة لعن معاوية بن أبي سفيان صريحا، ولعن من غصب فاطمة فدك، ومن منع أن يدفن الحسن عند جده، ومن نفى أبا ذر الغفاري ومن أخرج العباس من الشورى، ونسب ذلك كله لمعز الدولة لعجز الخليفة. ثم أصبح ممحوا وأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلبي بأن يكتب مكانه لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحدا باللعن إلا معاوية رضي الله عنه. ٤/٥٨٥

وفاة الوزير المهلبي

وفي سنة اثنتين وخمسين سار المهلبي وزير معز الدولة إلى عمان ليفتحها، فلما ركب البحر طرقه المرض فعاد إلى بغداد، ومات في طريقه في شعبان من السنة، ودفن ببغداد. وقبض معز الدولة أمواله وذخائره وقبض على حواشيه وحبسهم، ونظر في الأمور بعده أبو الفضل بن العباس بن الحسن الشيرازي وأبو الفرج محمد بن العباس بن نساقجر، ولم يتسموا باسم الوزارة.

استيلاء معز الدولة ثالثا على الموصل

كان ناصر الدولة بن حمدان قد ضمن الموصل كما تقدم، وأجابه معز الدولة إلى ضمانه، فبذل له ناصر الدولة زيادة على أن يدخل معه في الضمان أبو ثعلب فضل الله الغضنفر، ويحلف لهما معز الدولة فأبى من ذلك، وسار إلى الموصل منتصف ثلاث وخمسين وثلاثمائة ففارقها ابن حمدان الى نصيبين وملكها معز الدولة. ثم خرج إلى طلب ابن حمدان منتصف شعبان واستخلف على الموصل بكتوزون وسبكتكين العجمي وسار ابن حمدان عن نصيبين وملكها معز الدولة، وخالفه ابن حمدان إلى الموصل وحارب عسكر معز الدولة فيها فهزموه، وجاء الخبر إلى معز الدولة، فظفر أصحابه بابن حمدان، وسار ونزل جزيرة ابن عمر، فسار في اتباعه، فوصل سادس رمضان فوجده قد جمع أولاده وعساكره إلى الموصل، فأوقع بأصحاب معز الدولة وأسر الأميرين اللذين خلفا بها، واستولى على ما خلفوه من مال وسلاح، وحمل الجميع مع الأسرى إلى قلعة كواشى، فأعيا معز الدولة أمره وهو من مكان إلى مكان في اتباعه، فأجابه إلى الصلح وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة بمال قرره، فاستقر الصلح على ذلك، وأطلق ابن حمدان الأسرى، ورجع معز الدولة إلى بغداد. ٤/٥٨٦

استيلاء معز الدولة على عمان

قد تقدم لنا أن عمان كانت ليوسف بن وجيه وأنه حارب بني البريدي بالبصرة حتى قارب أخذها حتى عملوا الحيلة في إضرام النار في سفنه فولى هاربا في محرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وأنه ثار عليه مولاه في هذه السنة فغلبه على البلد وملكها من يده. ولما استوحش معز الدولة من القرامطة، كتب إليهم ابن وجيه صاحب عمان يطمعهم في البصرة، واستمدهم في البر وسار هو في البحر سنة إحدى وأربعين، وسابقه الوزير المهلبي من الأهواز إليها، وأمده معز الدولة بالعساكر والمال فاقتتلوا أياما، ثم ظفر المهلبي بمراكبه وما فيها من سلاح وعدة. ولم يزل القرامطة يثاورونها حتى غلبوا عليها سنة أربع وخمسين وثلاثمائة واستولوا عليها وهرب رافع عنها. وكان له كاتب يعرف بعلي بن أحمد ينظر في أمور البلد، والقرامطة بمكانهم من هجر، فاتفق قاضي البلد وكان ذا مشير وعصابة على أن ينصبوا للنظر في أمورهم أحد قوادهم، فقدموا لذلك ابن طغان ففتك بجميع القواد الذين معه، وثأر منه بعض قرابتهم فقتلوه، فاجتمع الناس على تقديم عبد الوهاب بن أحمد بن مروان من قرابة القاضي مكانه فولوه، واستكتب علي بن أحمد كاتب القرامطة قبله من الجند فامتعضوا لذلك فدعاهم إلى بيعته فأجابوه وسواهم في العطاء مع البيض فسخط البيض ذلك ، ودارت بينهم حرب سكنوا آخرها واتفقوا وأخرجوا عبد الوهاب من البلد، واستقر علي بن أحمد الكاتب أميرا فيها، ثم سار معز الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقدم إليه نافع مولى ابن أخيه الذي كان ملكها بعد مولاه، فأحسن إليه وأقام عنده حتى فرغ من أمر عمران بن شاهين، وانحدر إلى الأبلة في ٤/٥٨٧

رمضان من السنة، وجهز المراكب إلى عمان مائة قطعة، وبعث فيها الجيوش بنظر أبي الفتوح محمد بن العباس، وتقدم إلى عضد الدولة بفارس أن يمدهم بالعساكر من عنده فوافاهم المدد بسيراف وساروا إلى عمان فملكوها يوم الجمعة يوم عرفة من السنة، وفتكوا فيها بالقتل، وأحرقوا لهم تسعين مركبا، وخطب لمعز الدولة وصارت من أعماله.

وفاة معز الدولة وولاية ابنه بختيار

كان معز الدولة قد سار سنة خمس وخمسين وثلاثمائة إلى واسط لمحاربة عمران بن شاهين فطرقه المرض سنة ست وخمسين وثلاثمائة فسار إلى بغداد، وخلف أصحابه بواسط على أن يعود إليهم فاشتد مرضه ببغداد، وجدد العهد لابنه بختيار. ثم مات منتصف ربيع الآخر من السنة فقام ابنه عز الدولة بختيار مكانه، وكتب إلى العساكر بمصالحة عمران بن شاهين ففعلوا وعادوا. وكان فيما أوصى به معز الدولة ابنه بختيار طاعة عمه ركن الدولة والوقوف عند إشارته وابن عمه عضد الدولة لعلو سنه عليه وتقدمه في معرفة السياسة، وأن يحفظ كاتبيه أبا الفضل العباس بن الحسن وأبا الفرج بن العباس والحاجب سبكتكين، فخالف جميع وصاياه وعكف على اللهو وعشرة النساء والمغنين والصفاعين، فأوحش الكاتبين والحاجب، فانقطع الحاجب عن حضور داره. ثم طرد كبار الديلم عن مملكته طمعا في أقطاعاتهم، فشغب عليه الصغار واقتدى بهم الأتراك في ذلك، وطلبوا الزيادات، وركب الديلم الى الصحراء وطلبوا إعادة من أسقط من كبارهم، ولم يجد بدا من إجازتهم لانحراف سبكتكين عنه، فاضطربت أموره وكان الكاتب أبو الفرج العباس في عمان منذ ملكها، فلما بلغه موت معز الدولة خشي أن ينفرد عنه صاحبه أبو الفضل العباس بن الحسين بالدولة، فسلم عمان لعضد الدولة، وبادر إلى بغداد فوجد أبا الفضل قد انفرد بالوزارة ولم يحصل على شيء. ٤/٥٨٨

مسير عساكر ابن سامان الى الري ومهلك وشمكير

كان أبو علي بن الياس قد سار من كرمان إلى بخارى مستنجدا بالأمير منصور بن نوح بن سامان، فتلقاه بالتكرمة فأغراه ابن الياس بممالك بني بويه وأشار له قواده في أمرهم فصدق ذلك عند ما كان يذكر وشمكير عنهم. وتقدم إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان بالمسير مع عساكره إلى الري. ثم جهز العساكر مع صاحب خراسان أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور الدواني وأمره بطاعة وشمكير وقبول إشارته فسار لذلك سنة ست وخمسين وثلاثمائة وأنزل ركن الدولة أهله بأصفهان، وكتب إلى ابنه عضد الدولة بفارس وإلى ابن أخيه عز الدين بختيار ببغداد يستنجدهما، فأنفذ عضد الدولة العساكر على طريق خراسان ليخالفهم إليها، فأحجموا وتوقفوا وساروا إلى الدامغان، وقصدهم ركن الدولة في عساكره من الري، وبينما هم كذلك هلك وشمكير، استعرض خيلا واختار منها واحدا وركب للصيد، واعترضه خنزير فرماه بحربة، وحمل الخنزير عليه فضرب الفرس فسقط إلى الأرض وسقط وشمكير ميتا وانتقض جميع ما كانوا فيه ورجعوا الى خراسان.

استيلاء عضد الدولة على كرمان

كان أبو علي بن الياس قد ملك كرمان بدعوة من بني سامان، واستبد بها كما مر في أخبارهم، ثم أصابه فالج وأزمن به وعهد الى ابنه أليسع ثم لإلياس من بعده، وأمرهما بإجلاء أخيهما سليمان إلى أرضهم ببلاد الروم يقيم لهم ما هنالك من الأموال لعداوة كانت بين سليمان وأليسع فلم يرض سليمان ذلك، وخرج فوثب على السيرجان فملكها، فسار إليه أخوه أليسع فحبسه. وهرب من محبسه واجتمع إليه العسكر ٤/٥٨٩

وأطاعوه، ومالوا إليه مع أبيه. ثم إن أبا علي هم أن يلحق بخراسان فلحق، ثم سار إلى الأمير أبي الحرث ببخارى وأغراه بالري كما مر، وتوفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة وصفت كرمان لأليسع. وكان عضد الدولة مزاحما لأليسع في بعض حدود عمله، مدلا بجهل الشباب، فاستحكمت القطيعة بينهما وهرب بعض أصحاب عضد الدولة إليه، فزحف إليه واستأمن إليه أصحابه، وبقي في قل من أصحابه فاحتمل أهله وأمواله، ولحق ببخارى. وسار عضد الدولة إلى كرمان فملكها وأقطعها ولده أبا الفوارس الذي ملك العراق بعد، ولقب شرف الدولة. واستخلف عليها كورتكين بن خشتان وعاد إلى فارس وبعث إليه صاحب سجستان الطاعة وخطب له. ولما وصل أليسع إلى بخارى أنذر بني سامان على تقاعدهم عن نصره فوثبوا عليه فنفوه إلى خوارزم، وكان قد خلف أثقاله بنواحي خراسان فاستولى عليها أبو علي بن سيجور، وأصاب أليسع رمد اشتد به بخوارزم فضجر منه وقطع عرقه بيده. وكان ذلك سبب هلاكه، ولم يعد لبني إلياس بكرمان بعده ملك.

مسير ابن العميد الى حسنويه ووفاته

كان حسنويه بن الحسن الكردي من رجالات الكرد، واستولى على نواحي الدينور واستفحل أمره، وكان يأخذ الخفارة من القفول التي تمر به ويخيف السابلة، إلا أنه كان فئة للديلم على عساكر خراسان متى قصدتهم . وكان ركن الدولة يرعى له ذلك ويغضى عن إساءته. ثم وقعت بينه وبين سلار بن مسافر بن سلار فتنة وحرب فهزمه حسنويه وحصره وأصحابه من الديلم في مكان، ثم جمع الشوك وطرحه بقربهم وأضرمه نارا حتى نزلوا على حكمه فأخذهم، وقتل كثيرا منهم، فلحقت ركن الدولة النفرة لعصبية الديلم، وأمر وزيره أبا الفضل بن العميد بالمسير إليه فسار في محرم سنة ٤/٥٩٠

تسع وخمسين وثلاثمائة وقعد ابنه أبو الفتح، وكان شابا مليحا قد أبطره العز والدالة على أبيه، وكان يتعرض كثيرا لما يغضبه. وكانت بأبي الفضل علة النقرس فتزايدت عليه وأفحشت عليه، ولما وصل إلى همذان توفي بها لأربع وعشرين سنة من وزارته، وأقام ابنه أبا الفتح مقامه وصالح حسنويه على مال أخذه منه، وعاد إلى الري إلى مكانه من خدمة ركن الدولة. وكان أبو الفضل بن العميد كاتبا بليغا، وعالما في عدة فنون مجيدا فيها ومطلعا على علوم الأوائل، وقائما بسياسة الملك مع حسن الخلق ولين العشرة والشجاعة المعروفة بتدبير الحروب، ومنه تعلم عضد الدولة السياسية وبه تأدب.

انتقاض كرمان على عضد الدولة

ولما ملك عضد الدولة كرمان كما قلناه اجتمع القفص والبلوص وفيهم أبو سعيد وأولاده واتفقوا على الانتقاض والخلاف. واستمد عضد الدولة كورتكين بن حسان بعابد بن علي، فسارا في العساكر إلى جيرفت وحاربوا أولئك الخوارج فهزموهم وأثخنوا فيهم وقتلوا من شجعانهم، وفيهم ابن لأبي سعيد. ثم سار عابد بن علي في طلبهم وأوقع بهم عدة وقائع وأثخن فيهم، وانتهى إلى هرمز فملكها واستولى على بلاد التيز ومكران وأسر منهم ألف أسير حتى استقاموا على الطاعة وإقامة حدود الإسلام. ثم سار عائدا إلى طائفة أخرى يعرفون بالحرومية والجاسكية يخيفون السبيل برا وبحرا، وكانت قد تقدمت لهم إعانة سليمان بن أبي علي بن إلياس، فلما أوقع بهم أثخن فيهم حتى استقاموا على الطاعة وصلحت تلك البلاد مدة. ثم عاد البلوص إلى ما كانوا عليه من إخافة السبيل بها، فسار عضد الدولة إلى كرمان في القعدة اثنتين وانتهى إلى السيرجان وسرح عابد بن علي في العساكر لاتباعهم، فأوغلوا في الهرب ودخلوا إلى مضايق يحسبونها تمنعهم، فلما زاحمتهم العساكر كربها آخر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وثلاثمائة صابروا يوما، ثم انهزموا آخره فقتلت مقاتلتهم وسبيت ٤/٥٩١

ذراريهم ونساؤهم، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم استأمنوا فأمنوا ونقلوا من تلك الجبال، وأنزل عضد الدولة في تلك البلاد أكرة وفلاحين، ثم شملوا الأرض بالعمل وتتبع العابد أثر تلك الطوائف حتى بدد شملهم، ومحا ما كان من الفساد منهم.

عزل أبي الفضل ووزارة ابن بقية

كان أبو الفضل العباس بن الحسين وزيرا لمعز الدولة ولابنه بختيار من بعده، وكان سيئ التصرف وأحرق في بعض أيامه الكرخ ببغداد فاحترق فيه عشرون ألف إنسان وثلاثمائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجدا، ومن الأموال ما لا يحصى، وكان الكرخ معروفا بسكنى الشيعة، وكان هو يزعم أنه يتعصب لأهل السنة، وكان كثير الظلم للرعية غصابا للأموال مفرطا في أمر دينه، وكان محمد بن بقية وضيعا في نفسه من الفلاحين في أوانا من ضياع بغداد. واتصل ببختيار وكان يتولى الطعام بين يديه، ويتولى الطبخ ومنديل الخوان على كتفه، فلما ضاقت الأحوال على الوزير أبي الفضل وكثرت مطالبته بالأرزاق والنفقات عزله بختيار وصادره وسائر أصحابه على أموال عظيمة أخذت منهم، واستوزر محمد بن بقية فاستقامت أموره ونمت أحواله بتلك الأموال، فلما نفدت عاد إلى الظلم، ففسدت الأحوال وخربت تلك النواحي، وظهر العيارون وتزايد شرهم وفسادهم. وعظم الاختلاف بين بختيار والأتراك، ومقدمهم يومئذ سبكتكين، وتزيادت نفرته. ثم سعى ابن بقية في إصلاحه وجاء به إلى بختيار ومعه الأتراك فصالحه بختيار، ثم قام غلام ديلمي فرمى وتينه بحربة في يده فأثبته، فصاح سبكتكين بغلمانه فأخذوه يظن أنه وضع على قتله، وقرره فلم يعترف، فبعث إلى بختيار فأمر به فقتل، فعظم ارتيابه وأنه إنما قتل حذرا من إفشاء سره، فعظمت الفتنة، وقصد الديلم قتل سبكتكين، ثم أرضاهم بختيار بالمال فسكنوا. ٤/٥٩٢

استيلاء بختيار على الموصل ثم رجوعه عنها

فلما قبض أبو ثعلب بن ناصر الدولة بن حمدان على أبيه وحبسه، واستقل بملك الموصل وعصى عليه إخوته من سائر النواحي غلبهم، ولحق أخوه أحمد وإبراهيم ببختيار فاستصرخاه فوعدهما بالمسير معهما، وأن يضمن حمدان البلاد. ثم أبطأ عليهما فرجع إبراهيم إلى أخيه أبي ثعلب، وقارن ذلك وزارة ابن بقية، وقصر أبو ثعلب في خطابه فأغرى به بختيار فسار إليه، ونزل الموصل، وفارقها أبو ثعلب إلى سنجار وأخلاها من الميرة والكتاب والدواوين. ثم سار من سنجار إلى بغداد فحاربها، ولم يحدث في سوادها حدثا. وبعث بختيار إثره العساكر مع ابن بقية والحاجب سبكتكين، فدخل ابن بقية بغداد، وأقام سبكتكين بجدي. وثار العيارون واضطربت الفتنة بين أهل السنة والشيعة، وضربوا الأمثال (لنشتد على الوزير بحرب الجمل) ، وهذا كله في الجانب الغربي. ونزل أبو ثعلب حذاء سبكتكين بجدي واتفقا في سر على خلع الخليفة ونصب غيره والقبض على الوزير وعلى بختيار وتكون الدولة لسبكتكين ويعود أبو ثعلب إلى الموصل ليتمكن من بختيار. ثم قصر سبكتكين عن ذلك وخشي سوء المغبة، واجتمع به الوزير ابن بقية وصالحوا أبا ثعلب على ضمان أعماله كما كانت، وزيادة ثلاثة آلاف كر من الغلة لبختيار، وأن يرد على أخيه حمدان أملاكه وأقطاعه إلا ماردين. وأرسلوا إلى بختيار بذلك. ودخل أبو ثعلب إلى الموصل، فلما نزل الموصل وبختيار بالجانب الآخر فغضب أهل الموصل لأبي ثعلب لما نالهم من عسف بختيار، فتراسلوا في الصلح ثانيا، وسأل أبو ثعلب لقبا سلطانيا وتسليم زوجته ابنة بختيار فأبى ذلك، ورحل عنه إلى بغداد.

وبلغه في طريقه أن أبا ثعلب قتل مخلفين من أصحاب بختيار، فأقام بالكحيل وبعث بالوزير وابن بقية وسبكتكين فجاءوه في العساكر، ورجع إلى الموصل وفارقها أبو ثعلب، وبعث إلى الوزير كاتبه ابن عرس وصاحبه ابن حوقل معتذرا وحلفا عنه عن العلم بما وقع، فاستحكم بينهم صلح آخر. وانصرف كل منهم إلى بلده، وبعث بختيار إليه زوجته واستقر أمرهما على ذلك.

ابن خلدون م 38 ج 4 ٤/٥٩٣

الفتنة بين الديلم والأتراك وانتقاض سبكتكين

كان جند بختيار وأبيه معز الدولة طائفتين من الديلم عشيرتهم والأتراك المستنجدين عندهم، وعظمت الدولة وكثرت عطاياها وأرزاق الجند حتى ضاقت عنها الجباية وكثر شغب الجند، وساروا إلى الموصل لسد ذلك فلم يقع لهم ما يسده، فتوجهوا إلى الأهواز صحبة بختيار ليظفروا من ذلك بشيء، واستخلف سبكتكين على بغداد، فلما وصلوا إلى الأهواز صحبة بختيار حمل إليه حملين من الأموال والهدايا ما ملأ عينه، وهو مع ذلك يتجنى عليه. ثم تلاحى خلال ذلك عاملان ديلمي وتركي وتضاربا ونادى كل منهما بقومه فركبوا في السلاح بعضهم على بعض، وسالت بينهما الدماء، وصاروا إلى النزاع، واجتهدوا في تسكين الناس فلم يقدروا. وأشار عليه الديلم بالقبض على الأتراك، فأحضر رؤساءهم واعتقلهم، وانطلقت أيدي الديلم على الأتراك فافترقوا، ونودي في البصرة بإباحة دمائهم، واستولى بختيار على أقطاع سبكتكين، ودس بأن يرجفوا بموته، فإذا جاء سبكتكين للعزاء قبضوا عليه. وقيل كان وطأهم على ذلك قبل سفره، وجعل موعده قبضه على الأتراك، فلما أرجفوا بموته ارتاب سبكتكين بالخبر، وعلم أنها مكيدة ودعاه الأتراك للأمر عليهم فأبى، ودعا ابن معز الدولة أبا إسحاق إليها فمنعته أمه، فركب سبكتكين في الأتراك وحاصروا بختيار يومين. ثم أحرقها وبعث لأبي إسحاق وأبي ظاهر ابني معز الدولة، وسار بهما إلى واسط فاستولى عليها على ماكان لبختيار، وأنزل الأتراك في دور الديلم، وثار العامة بنصر سبكتكين وأوقعوا بالشيعة وقتلوهم وأحرقوا الكرخ.

مسير بختيار لقتال سبكتكين وخروج سبكتكين الى واسط ومقتله

ولما انتقض سبكتكين انتقض الأتراك في كل جهة حتى اضطرب على بختيار غلمانه الذين بداره، وعاتبه مشايخ الأتراك على فعلته، وعذله الديلم أصحابه وقالوا: لا بد ٤/٥٩٤

لنا من الأتراك ينصحون عنا، فأطلق المعتقلين عنهم ورجع، وجعل أردويه صاحب الجيش مكان سبكتكين، وكتب إلى عمه ركن الدولة وابنه عضد الدولة يستنجدهما، وإلى أبي ثعلب بن حمدان يستمده بنفسه، ويسقط عنه مال الضمان، وإلى عمران بن شاهين بأن يمده بعسكر، فبعث عمه ركن الدولة العساكر مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وأمر ابنه عضد الدولة بالمسير معهم، فتربص به ابن العميد. وأنفذ أبو ثعلب بن حمدان أخاه أبا عبد الله الحسين بن حمدان إلى تكريت، وأقام ينتظر خروج سبكتكين والأتراك عن بغداد فيملكها، وانحدر سبكتكين ومعه الأتراك إلى واسط وحمل معه الخليفة الطائع الذي نصبه وأباه المطيع مكانه أفتكين وساروا إلى بختيار ونازلوه بواسط خمسين يوما والحرب بينهم متصلة والظفر للأتراك في كلها، وهو يتابع الرسل إلى عضد الدولة ويستحثه.

استيلاء عضد الدولة على العراق واعتقال بختيار ثم عوده إلى ملكه

ولما بلغ عضد الدولة ما فعله الأتراك مع بختيار اعتزم على المسير إليه بعد أن كان يتربص به فسار في عساكر فارس وسار معه أبو القاسم بن العميد وزير أبيه من الأهواز في عساكر الري وقصدوا واسط ورجع أفتكين والأتراك إلى بغداد وكان أبو ثعلب عليها فأجفل، وكتب بختيار إلى طبة الأسدي صاحب عين التمر، وإلى بني شيبان بمنع الميرة عن بغداد وإفساد سابلتها، فعدمت الأقوات وسار عضد الدولة إلى بغداد، ونزل في الجانب الشرقي وبختيار في الجانب الغربي. وخرج أفتكين والأتراك لعضد الدولة فلقيهم بين دبانى والمدائن منتصف جمادى سنة أربع وستين وثلاثمائة فهزمهم وغرق كثير منهم. وساروا إلى تكريت، ودخل عضد الدولة بغداد ونزل دار الملك، واسترد الخليفة الطائع من أفتكين والأتراك، وكانوا أكرهوه على ٤/٥٩٥

الخروج معهم، وخرج للقائه في دجلة وأنزله بدار الخلافة وحدثته نفسه بملك العراق، واستضعف بختيار ووضع عليه الجند يطالبونه بأرزاقهم، ولم يكن عنده في خزانته شيء. وأشار عليه بالزهد في إمارتهم يتنصح له بذلك سرا، والرسل تتردد إلى بختيار والجند فلا يقبل عضد الدولة تقربهم. ثم تقبض عليه آخرا ووكل به، وجمع الجند ووعدهم بالإحسان والنظر في أمورهم فسكنوا، وبعث عضد الدولة عسكره إلى ابن بقية ومعه عسكر ابن شاهين فهزموا عسكر عضد الدولة، وكاتبوا ركن الدولة، فكتب إليه بالثبات على شأنهم. فلما علم أهل النواحي بأفعال عضد الدولة اضطربوا عليه وانقطعت عنه مواد فارس، وطمع فيه الناس حتى عامة بغداد، فحمل الوزير أبا الفتح بن العميد إلى أبيه ركن الدولة الرسالة بما وقع، وبضعف بختيار وأنه إن عاد إلى الأمر خرجت المملكة والخلافة عنه، وأنه يضمن أعمال العراق بثلاثين ألف ألف درهم في كل سنة، ويبعث إليه بختيار بالري وإلا قتلت بختيار وأخويه وجميع شيعتهم وأترك البلاد، فخشي ابن العميد من هذه الرسالة، وأشار بأن يبعث بها غيره ويمضي هو إلى ركن الدولة فيحاول على مقاصد عضد الدولة، فمضى الرسول إلى ركن الدولة فحجبه أولا، ثم أحضره وذكر له الرسالة فهم بقتله، ثم رده وحمله من الإساءة في الخطاب فوق ما أراد. وجاء ابن العميد فحجبه ركن الدولة وأنفذ إليه بالوعيد. وشفع إليه أصحابه واعتذر بأنه إنما جعل رسالة عضد الدولة طريقا الى الخلاص منه فأحضره، وضمن له ابن العميد إطلاق بختيار. ثم سار إلى عضد الدولة وعرفه بغضب أبيه فأطلق بختيار من محبسه ورده إلى ملكه على أن يكون نائبا عنه ويخطب له، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعفه عن الملك. وخلف أبا الفتح بن العميد لقضاء شئونه فتشاغل هو مع بختيار فيما كان فيه من اللذات عن ركن الدولة. وجاء ابن بقية فأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة وجبى الأموال واختزنها، وأساء التصرف واحترز من بختيار ٤/٥٩٦

أخبار عضد الدولة في ملك عمان

لما توفي معز الدولة كان أبو الفرج بعمان، فسار عنها لبغداد وبعث إلى عضد الدولة بأن يتسلمها فوليها عمر بن نبهان الطائي بدعوة عضد الدولة. ثم قتلته الزنج وملكوا البلد. وبعث عضد الدولة إليها جيشا من كرمان مع قائده أبي حرب طغان، وساروا في البحر وأرسوا على صحار وهي قصبة عمان، ونزلوا إلى البر فقاتلوا الزنج وظفروا بهم، واستولى طغان على صحار سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ثم اجتمع الزنج إلى مدين رستان على مرحلتين من صحار، فأوقع بهم طغان واستلحمهم وسكنت البلاد.

ثم خرج بجبال عمان طوائف الشراة مع ورد بن زياد منهم، وبايعوا لحفص بن راشد، واشتدت شوكتهم، وبعث عضد الدولة المظفر بن عبد الله في البحر فنزل في أعمال عمان وأوقع بأهل خرخان . ثم سار إلى دما على أربع مراحل، وقاتل الشراة فهزمهم وهرب أميرهم ورد بن حفص إلى يزوا ، وهي حصن تلك الجبال، ولحق حفص باليمن فصار فيه معلما، واستقامت البلاد ودانت لطاعة عضد الدولة.

اضطراب كرمان على عضد الدولة)

كان ظاهر بن الصنمد من الحرومية ، وهي البلاد الحارة، قد ضمن من عضد الدولة ضمانات واجتمعت عليه أموال. ولما سار عضد الدولة إلى العراق وبعث وزيره المظهر بن عبد الله إلى عمان خلت كرمان من العساكر، فطمع فيها ظاهر وجمع الرجال الحرومية. وكان بعض موالي بني سامان من الأتراك واسمه مؤتمر استوحش ٤/٥٩٧

من ابن سيجور صاحب خراسان فكاتبه ظاهر وأطمعه في أعمال كرمان، فسار إليه وجعله ظاهر أميرا. ثم شغب عليه بعض أصحاب ظاهر، فارتاب به مؤتمر وقاتله فظفر به وبأصحابه، وبلغ الخبر إلى الحسين بن علي بن الياس بخراسان فطمع في البلاد وسار إليها، واجتمعت عليه جموع. وكتب عضد الدولة إلى المظهر بن عبد الله وقد فرغ من أمر عمان بالمسير إلى كرمان، فسار إليه سنة أربع وستين وثلاثمائة ودوخ البلاد في طريقه. وكبس مؤتمرا بنواحي مدينة قم فلحق بالمدينة وحصره فيها حتى استأمن، وخرج إليه ومعه ظاهر فقتله المظهر وحبس مؤتمرا ببعض القلاع، وكان آخر العهد به. ثم سار إلى ابن إلياس وقاتله على باب جيرفت وأخذه أسيرا وضاع بعد ذلك خبره، ورجع المظهر ظافرا وصلحت كرمان لعضد الدولة.

وفاة ركن الدولة وملك ابنه عضد الدولة

كان ركن الدولة ساخطا على ابنه عضد الدولة كما قدمناه وكان ركن الدولة بالري فطرقه المرض سنة خمس وستين وثلاثمائة فسار إلى أصفهان، وتلطف الوزير أبو الفتح بن العميد إليه في الرضا عن ابنه عضد الدولة، وأن يحضره ويعهد إليه، فأحضره من فارس وجمع سائر ولده. وكان ركن الدولة قد خف من مرضه فعمل الوزير ابن العميد بداره صنيعا وأحضرهم جميعا. فلما قضوا شأن الطعام خاطب ركن الدولة بولاية أصفهان وأعمالها نيابة عن أخيه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة في ذلك اليوم على سائر الناس الأقبية والأكسية بزي الديلم. وحياه إخوته والقواد بتحية الملك المعتاد لهم، وأوصاهم أبوهم بالاتفاق وخلع عليهم من الخاص، وسار عن أصفهان في رجب من السنة. ثم اشتد به المرض في الري فتوفي في محرم سنة ست وستين وثلاثمائة لأربع وأربعين سنة من ولايته. وكان حليما كريما واسع المعروف حسن السياسة لجنده ورعيته، عادلا فيهم، متحريا من الظلم عفيفا عن الدماء، بعيد الهمة عظيم الجد والسعادة، محسنا لأهل البيوتات، معظما للمساجد متفقدا لها في المواسم، متفقدا أهل البيت بالبر والصلات، عظيم الهيبة لين الجانب مقربا للعلماء محسنا إليهم، معتقدا للصلحاء برا بهم رحمه الله تعالى. ٤/٥٩٨

مسير عضد الدولة الى العراق وهزيمة بختيار

ولما توفي ركن الدولة ملك عضد الدولة بعده، وكان بختيار وابن بقية يكاتبان أصحاب القاصية مثل فخر الدولة أخيه وحسنويه الكردي وغيرهم للتظافر على عضد الدولة، فحركه ذلك لطلب العراق، فسار لذلك وانحدر بختيار إلى واسط لمدافعته، وأشار عليه ابن بقية بالتقدم إلى الأهواز، واقتتلوا في ذي القعدة من سنة ست وستين وثلاثمائة ونزع بعض عساكر بختيار إلى عضد الدولة فانهزم بختيار ولحق بواسط، ونهب سواده ومخلفه، وبعث إليه ابن شاهين بأموال وسلاح وهاداه وأتحفه، فسار إليه إلى البطيحة وأصعد منها إلى واسط، واختلف أهل البصرة فمالت مضر إلى عضد الدولة وربيعة مع بختيار، صوبت مضر عند انهزامه، وكاتبوا عضد الدولة فبعث إليهم عسكرا واستولوا على البصرة، وأقام بختيار بواسط، وقبض الوزير ابن بقية لاستبداده واحتجازه الأموال، وليرضى عضد الدولة بذلك.

وترددت الرسل بينهم في الصلح، وتردد بختيار في إمضائه. ثم وصله ابنا حسنويه الكردي في ألف فارس مددا فاعتزم على محاربة عضد الدولة. ثم بدا له وسار إلى بغداد فأقام بها، ورجع ابنا حسنويه إلى أبيهما، وسار عضد الدولة إلى البصرة فأصلح بين ربيعة ومضر بعد اختلافهما مائة وعشرين سنة.

نكبة أبي الفتح بن العميد

كان عضد الدولة يحقد على أبي الفتح بن العميد مقامه عند بختيار ببغداد ومخالطته له، وما عقده معه من وزارته بعد ركن الدولة. وكان ابن العميد يكاتب بختيار بأحواله وأحوال أبيه، وكان لعضد الدولة عين على بختيار يكاتبه بذلك ويغريه.

فلما ملك عضد الدولة بعد أبيه كتب إلى أخيه فخر الدولة بالري بالقبض على ابن العميد وعلى أهله وأصحابه، واستصفيت أموالهم ومحيت آثارهم، وكان أبو ٤/٥٩٩

الفضل بن العميد ينذرهم بذلك لما يرى من مخايل أبي الفتح وإنكاره عليه.

استيلاء عضد الدولة على العراق ومقتل بختيار وابن بقية

ولما دخلت سنة سبع وستين سار عضد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أي جهة أراد فيمده بما يحتاج إليه من مال وسلاح، فضعفت نفسه فقلع عينه وبعثها إليه، وخرج بختيار عن بغداد متوجها إلى الشام. ودخل عضد الدولة بغداد وخطب له بها، ولم يكن خطب لأحد قبله، وضرب على بابه ثلاث نوبات ولم يكن لمن تقدمه، وأمر أن يلقى ابن بقية بين أرجل الفيلة فضربته حتى مات وصلب على رأس الجسر في شوال سنة سبع وستين وثلاثمائة، ولما انتهى بختيار إلى عكبرا وكان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان فزين له قصد الموصل، واستماله إليه عن الشام، وقد كان عقد معه عضد الدولة أن لا يقصد الموصل لموالاة بينه وبين أبي ثعلب ، فسار هو إلى الموصل ونقض عهده، وانتهى إلى تكريت فبعث إليه أبو ثعلب يعده المسير معه لقتال عضد الدولة، وإعادة ملكه على أن يسلم إليه أخاه حمدان، فقبض بختيار عليه وسلمه إلى سفرائه وحبسه أبو ثعلب، وسار بختيار إلى الحديثة، ولقيه أبو ثعلب في عشرين ألف مقاتل، ورجع معه إلى العراق ولقيهما عضد الدولة بنواحي تكريت فهزمهما، وجيء ببختيار أسيرا، فأشار أبو الوفاء طاهر بن إسماعيل كبير أصحاب عضد الدولة بقتله فقتل لاثنتي عشرة سنة من ملكه. واستلحم كثير من أصحابه، وانهزم أبو ثعلب بن حمدان إلى الموصل.

استيلاء عضد الدولة على أعمال بني حمدان

ولما انهزم أبو ثعلب سار عضد الدولة في أثره فملك الموصل منتصف ذي القعدة سنة ٤/٦٠٠

ست وستين وثلاثمائة وكان حمل معه الميرة والعلوفات خوفا أن يقع به مثل ما وقع بسلفه، فأقام بالموصل مطمئنا وبث السرايا في طلب أبي ثعلب، ولحق بنصيبين ثم بميافارقين، فبعث عضد الدولة في أثره سرية عليها أبو ظاهر بن محمد إلى سنجار، وأخرى عليها الحاجب أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، فترك أبو ثعلب أهله بميافارقين وسار إلى تدلس ووصل أبو الوفاء في العساكر إلى ميافارقين فامتنعت عليه، فسار في اتباع أبي ثعلب إلى أرزن الروم ثم إلى الحسنية من أعمال الجزيرة، وصعد أبو ثعلب إلى قلعة كواشى فأخذ أمواله منها وعاد أبو الوفاء وحاصره بميافارقين، وسار عضد الدولة وقد افتتح سائر ديار بكر. وسار أبو ثعلب إلى الرحبة ورجع أصحابه إلى أبي الوفاء فأمنهم وعاد إلى الموصل، فتسلم ديار مضر من يده.

وكان سعد الدولة على الرحبة وتقرى أعمال أبي ثعلب وحصونه، مثل هوا والملاسي وفرقى والسفياني وكواشى بما فيها من خزائنه وأمواله، واستخلف أبو الوفاء على الموصل وجميع أعمال بني ثعلب وعاد إلى بغداد، وسار أبو ثعلب إلى الشام فكان فيه مهلكه كما مر في أخباره.

إيقاع العساكر ببني شيبان

كان بنو شيبان قد طال إفسادهم للسابلة، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا يمتنعون بجبال شهرزور لما بينهم وبين أكرادها من المواصلة، فبعث عضد الدولة العساكر سنة تسع وستين وثلاثمائة فنازلوا شهرزور واستولوا عليها وعلى ملكها رئيس بني شيبان، فذهبوا في البسيط، وسار العسكر في طلبهم فأوقعوا بهم واستباحوا أموالهم ونساءهم، وجيء منهم إلى بغداد بثلاثمائة أسير، ثم عاودوا الطاعة وانحسمت علتهم. ٤/٦٠١

وصول ورد بن منير البطريق الخارج على ملك الروم الى ديار بكر والقبض عليه

كان أرمانوس ملك الروم لما توفي خلف ولدين صغيرين ملكا بعده، وكان نقفور وهو يومئذ الدمستق غائبا ببلاد الشام، وكان نكاء فيها، فلما عاد حمله الجند وأهل الدولة على النيابة عن الولدين فامتنع. ثم أجاب وأقام بدولة الولدين وتزوج أمهما ولبس التاج، ثم استوحشت منه فراسلت ابن الشمسيق في قتله، وبيته في عشرة من أصحابه فقتلوا نقفور واستولى ابن الشمسيق على الأمر، واستولى على الأولاد وعلى ابنه ورديس واعتقلهم في بعض القلاع، وسار في أعمال الشام فعاث فيها وحاصر طرابلس فامتنعت عليه. وكان لوالد الملك أخ خصي وهو الوزير يومئذ فوضع عليه من سقاه السم، وأحس به فأسرع العود إلى القسطنطينية ومات في طريقه، وكان ورد بن منير من عظماء البطارقة فطمع في الملك، وكاتب أبا ثعلب بن حمدان عند خروجه بين يدي عضد الدولة وظاهره، واستجاش بالمسلمين بالثغور وساروا إليه وقصد القسطنطينية، وبرزت إليه عساكر الملكين فهزمهم مرة بعد أخرى، فأطلق الملكان ورديس بن لاوون وبعثاه في العساكر لقتال ورد فهزمهم بعد حروب صعبة، ولحق ورد ببلاد الإسلام ونزل ميافارقين، وبعث أخاه إلى عضد الدولة ببذل الطاعة وبطلب النصرة. وبعث إليه ملك الروم واستمالاه فجنح إليهما، وكتب إلى عامله بميافارقين بالقبض على ورد وأصحابه، فيئسوا منه، وتسللوا عنه، فبعث أبو علي الغنمي عنه إلى داره للحديث معه، ثم قبض عليه وعلى ولده وأخيه وجماعة من أصحابه، واعتقلهم بميافارقين، ثم بعث بهم إلى بغداد فحبسوا بها. ٤/٦٠٢

دخول بني حسنويه في الطاعة وبداية أمرهم

كان حسنويه بن حسن الكردي من جنس البرز فكان من الأكراد من طائفة منهم يسمون الذولنية وكان أميرا على البرز مكان خاله ونداد، وكان ابنا أحمد بن علي من طائفة أخرى من البرز، فكانوا يسمون العيشائية وغلبا على أطراف الدينور وهمذان ونهاوند والدامغان وبعض أطراف أذربيجان إلى حد شهرزور، وبقيت في أيديهم خمسين سنة. وكانت تجتمع عليها من الأكراد جموع عظيمة. ثم توفي عام ست وخمسين وثلاثمائة. وكانت له قلعة بسنان وغانم أبار وغيرها، فملكها بعده ابنه أبو سالم غنم إلى أن غلبه الوزير أبو الفتح بن العميد. وتوفي ونداد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقام ابنه عبد الوهاب أبو الغنائم مقامه، وأراد الشاذنجان، وأسلمه إلى حسنويه فاستولى على أملاكه وقلاعه. وكان حسنويه عظيم السياسة حسن السيرة، وبنى أصحابه حصن التلصص، وهي قلعة سرماج بالصخور المهندسة، وبنى بالدينور جامعا كذلك، وكان كثير الصدقة بالحرمين. ثم توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة وافترق أولاده من بعده، فبعضهم صار إلى طاعة فخر الدولة صاحب همذان وأعمال الجيل، والآخرون صاروا إلى عضد الدولة، وكان بختيار منهم بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عضد الدولة بالطاعة، ثم انتقض. فبعث عضد الدولة عسكرا فحاصروه وملكوا القلعة من يده والقلاع الأخرى من إخوته. واستولى عضد الدولة على أعمالهم واصطنع من بينهم أبا النجم بن حسنويه، وأمده بالعسكر فضبط تلك النواحي، وكف عادية الأكراد بها واستقام أمرها. ٤/٦٠٣

استيلاء عضد الدولة على همذان والري من يد أخيه فخر الدولة وولاية أخيهما مؤيد الدولة عليها

قد تقدم أن ركن الدولة عهد إلى ابنه فخر الدولة، وكان يكاتب بختيار، وعلم بذلك عضد الدولة فأغضى، فلما فرغ من شأن بختيار وابن حمدان وحسنويه، وعظم استيلاؤه أراد إصلاح الأمر بينه وبين أخيه وقابوس بن وشمكير، فكاتب مؤيد الدولة وفخر الدولة يعاتبه ويستميله ، وكان الرسول خواشادة من أكبر أصحاب عضد الدولة، فاستمال أصحاب فخر الدولة وضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، واعتزم عضد الدولة على المسير إلى الري وهمذان، وسرب العساكر إليها مسالمة، فأبو الوفاء طاهر في عسكر، وخواشادة في عسكر، وأبو الفتح المظفر بن أحمد في عسكر. ثم سار عضد الدولة في أثرهم من بغداد، ولما أطلت عساكره استأمن قواد فخر الدولة وبنو حسنويه ووزيره أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه، ولحق فخر الدولة ببلاد الديلم، ثم بجرجان، ونزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير مستجيرا، فأمنه وآواه وحمل إليه فوق ما أمله، وشاركه فيما بيده من الملك وغيره. وملك عضد الدولة همذان والري وما بينهما من الأعمال، وأضافها إلى أخيه مؤيد الدولة بن بويه صاحب أصفهان وأعمالها. ثم عطف على ولاية حسنويه الكردي وفتح نهاوند والدينور وسرماج، وأخذ ما كان فيها لبني حسنويه، وفتح عدة من قلاعهم، وخلع على بدر بن حسنويه وأحسن إليه وولاه رعاية الأكراد، وقبض على إخوته عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان. ولما لحق فخر الدولة بجرجان وأجاره قابوس بعث إليه أخوه عضد الدولة في طلبه، فأجاره وامتنع من إسلامه. فجهز إليه عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة صاحب أصفهان بالعساكر والأموال والسلاح، فسار إلى جرجان، وبرز قابوس للقائه، والتقوا بنواحي أستراباذ في منتصف إحدى وسبعين وثلاثمائة فانهزم قابوس ومر ببعض قلاعه ٤/٦٠٤

فاحتمل منها ذخيرته ولحق بنيسابور. وجاء فخر الدولة منهزما على أثره، وكان ذلك لأول ولاية حسام الدولة تاش خراسان من قبل أبي القاسم بن منصور من بني سامان، فكتب بخبرهما إلى الأمير نوح ووزيره العتبي أبي العباس تاش، فجاءه الجواب بنصرهما، فجمع عساكر خراسان وسار معهما إلى جرجان فحاصروا بها مؤيد الدولة شهرين حتى ضاقت أحوال مؤيد الدولة، واعتزم هو وأصحابه على الخروج والاستماتة بعد أن كاتب فائقا الخاصة الساماني، ورغبه، فوعده بالانهزام عند اللقاء. وخرج مؤيد الدولة، وانهزم فائق وتبعه العسكر وثبت تاش وفخر الدولة وقابوس إلى آخر النهار. ثم انهزموا ولحقوا بنيسابور، وبعثوا بالخبر إلى الأمير نوح، فبعث إليهم بالعساكر ليعود إلى جرجان، ثم قتل الوزير العتبي كما تقدم في أخبار دولتهم وانتقض ذلك الرأي.

استيلاء عضد الدولة على بلاد الهكارية وقلعة سندة

كان عضد الدولة قد بعث عساكره الى بلاد الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، فحاصر قلاعهم وضيق عليهم، وكانوا يؤملون نزول الثلج فترحل عنهم العساكر، وتأخر نزوله فاستأمنوا ونزلوا من قلاعهم إلى الموصل، واستولت عليها العساكر وغدر بهم مقدم الجيش فقتلهم جميعا. وكانت قلعة بنواحي الجبل لأبي عبد الله المري مع قلاع أخرى، وله فيها مساكن نفيسة، وكان من بيت قديم، فقبض عليه عضد الدولة وعلى أولاده واعتقلهم وملك القلاع. ثم أطلقهم الصاحب بن عباد فيما بعد واستخدم أبا طاهر من ولده واستكتبه وكان حسن الخط واللفظ.

وفاة عضد الدولة وولاية ابنه صمصام الدولة

ثم توفي عضد الدولة ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين لخمس سنين ونصف من ولايته العراق، وجلس ابنه صمصام الدولة أبو كليجار المرزبان للعزاء، فجاءه الطائع معزيا، وكان عضد الدولة بعيد الهمة شديد الهيبة حسن السياسة ثاقب الرأي محبا ٤/٦٠٥

للفضائل وأهلها، وكان كثير الصدقة والمعروف ويدفع المال لذلك إلى القضاة ليصرفوه في وجوهه. وكان محبا للعلم وأهله مقربا لهم محسنا إليهم، ويجلس معهم ويناظرهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفت الكتب باسمه كالإيضاح في النحو والحجة في القراءات والملكي في الطلب والتاجي في التواريخ وعمل البيمارستانات وبنى القناطر. وفي أيامه حدثت المكوس على المبيعات، ومنع من الاحتراف ببعضها، وجعلت متجرا للدولة. ولما توفي عضد الدولة اجتمع القواد والأمراء على ابنه أبي كليجار المرزبان وولوه الملك مكانه، ولقبوه صمصام الدولة، فخلع على أخيه الحسن أحمد وأبي ظاهر فيروز شاه وأقطعهما فارس وبعثهما إليها.

استيلاء شرف الدولة بن عضد الدولة على فارس واقتطاعها من أخيه صمصام الدولة

كان شرف الدولة أبو الفوارس شرزيك قد ولاه أبوه عضد الدولة قبل موته كرمان وبعث إليه، فلما بلغه وفاة أبيه سار إلى فارس فملكها وقتل نصر بن هارون النصراني وزير أبيه لأنه كان يسيء عشرته، وأطلق الشريف أبا الحسن محمد بن عمر العلوي، كان أبوه حبسه بما قال عنه وزيره المظهر بن عبد الله عند قتله نفسه على البطيحة.

وأطلق النقيب أبا أحمد والد الشريف الرضي والقاضي أبا محمد بن معروف وأبا نصر خواشادة، وكان أبوه حبسهم وقطع خطبة أخيه صمصام الدولة وخطب لنفسه، وتلقب بأخي الدولة ووصل أخوه أبو الحسن أحمد وأبو ظاهر فيروز شاه اللذان أقطعهما صمصام الدولة بشيراز فبلغهما خبر شرف الدولة بشيراز فعاد إلى الأهواز. وجمع شرف الدولة وفرق الأموال، وملك البصرة وولى عليها أخاه أبا الحسين. ثم بعث صمصام الدولة العساكر مع ابن تتش حاجب أبيه، وأنفذ مشرف الدولة مع أبي الأغر دبيس بن عفيف الأسدي، والتقيا بظاهر قرقوب، وانهزم عسكر صمصام الدولة وأسر ابن تتش الحاجب واستولى حينئذ الحسين بن عضد الدولة على الأهواز ورامهرمز وطمع في الملك. ٤/٦٠٦

وفاة مؤيد الدولة صاحب أصفهان والري وجرجان وعود فخر الدولة الى ملكه

ثم توفي مؤيد الدولة يوسف بن بويه بن ركن الدولة صاحب أصفهان والري بجرجان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة واجتمع أهله للشورى فيمن يولونه، فأشار الصاحب إسماعيل بن عباد بإعادة فخر الدولة إلى ملكه لكبر سنه. وتقدم إمارته بجرجان وطبرستان، فاستدعوه من نيسابور، وبعث ابن عباد من استخلفه لنفسه، وتقدم إلى جرجان فتلقاه العسكر بالطاعة وجلس علي كرسيه وتفادى ابن عباس من الوزارة فمنعه واستوزره، والتزم الرجوع إلى إشارته في القليل والكثير. وأرسل صمصام الدولة وعاهده على الاتحاد والمظاهرة. ثم عزل الأمير نوح أبا العباس تاش عن خراسان، وولى عليها ابن سيجور، فانتقض تاش ولقيه ابن سيجور فهزمه فلحق بجرجان، فكافأه فخر الدولة وترك له جرجان ودهستان وأستراباذ وسار عنها إلى الري وأمده بالأموال والآلات، وطلب خراسان فلم يظفر بها فأقام بجرجان ثلاث سنين. ثم مات سنة سبع وتسعين وثلاثمائة كما ذكرنا في أخبار بني سامان.

انتقاض محمد بن غانم على فخر الدولة

قد تقدم لنا ذكر غانم البرزنكاني خال حسنويه، وأنهم كانوا رؤساء الأكراد، وأنه مات سنة خمسين وثلاثمائة وكان ابنه دلسيم مكانه في قلاعه قستتان وغانم أبا. وملكها منه أبو الفتح بن العميد. ولما كانت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة انتقض محمد بن غانم بناحية كردون من أعمال قم على فخر الدولة، ونهبت غلات السلطان وامتنع بحصن الفهجان واجتمع إليه البرزنكان . وسارت العساكر لقتاله في شوال فهزمها مرة بعد ٤/٦٠٧

أخرى إلى أن بعث فخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه بالنكير في ذلك، فصالحه أول أربع وسبعين وثلاثمائة ثم سارت إليه العساكر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة فقاتلها وأصيب بطعنة، ثم أخذ أسيرا ومات بطعنته.

تغلب باد الكردي على الموصل من يد الديلم ثم رجوعها اليهم

قد تقدم لنا استيلاء عضد الدولة على الموصل وأعمالها، وتقدم لنا ذكر باد الكردي خال بني مروان، وكيف خان عضد الدولة لما ملك الموصل، وطلبه فصار يخيف ديار بكر ويغير عليها حتى استفحل أمره وملك ميافارقين كما ذكرنا ذلك كله في أخبار بني مروان، وأن صمصام الدولة جهز إليه العساكر مع أبي سعيد بهرام بن أردشير، فهزمه باد وأسر أصحابه، فأعاد صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعيد الحاجب، وفتك باد في الديلم بالقتل والأسر. ثم اتبع سعيد خانور الحسينية من بلد كواشى فانهزم سعيد الحاجب إلى الموصل وثارت العامة بالديلم. وملك باد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة الموصل، وحدث نفسه بملك بغداد، وأخرج الديلم عنها. واهتم صمصام الدولة بأمره، وبعث زياد بن شهراكونه من أكبر قواد الديلم لقتاله، واستكثر له من الرجال والعدد والمال، وسار إلى باد فلقيه في صفر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وانهزم باد وأسر أكثر أصحابه، ودخل زياد بن شهراكونه الموصل، وبعث سعيد الحاجب في طلب باد فقصد جزيرة ابن عمر وعسكر آخرا إلى نصيبين. وجمع باد الجموع بديار بكر، وكتب صمصام الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بتسليم ديار بكر له، فبعث إليها عساكره من حلب وحاصروا ميافارقين وخاموا عن لقاء باد فرجعوا عن حلب، ووضع سعيد الحاجب رجلا لقتل باد، فدخل عليه وضربه في خيمته فأصابه وأشرف على الموت منها، فطلب الصلح على أن يكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين، فأجابه الديلم إلى ذلك، وانحدروا إلى ٤/٦٠٨

بغداد وأقام سعيد الحاجب بالموصل إلى أن توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة أيام مشرف الدولة فتجرد الكردي وطمع في الموصل، وولى شرف الدولة عليها أبا نصر خواشاده، وجهزه بالعساكر، ولما زحف إليه باد الكردي كتب إلى مشرف الدولة يستمد العساكر والأموال، فأبطأ عليه المدد، فاستدعى العرب من بني عقيل وبني نمير وأقطعهم البلاد ليدافعوا عنها، وانحدر باد واستولى على طور عبدين ولم يقدر على النزول على الصحراء، وبعث أخاه في عسكر لقتال العرب فهزموه وقتلوه. ثم أتاهم الخبر بموت مشرف الدولة، فعاد خواشاده إلى الموصل وأقامت العرب بالصحراء يمنعون باد من النزول وينتظرون خروج خواشاده لمدافعة باد وحربه، وبينما هم في ذلك جاء إبراهيم وأبو الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان فملكا الموصل كما ذكرنا في أخبار دولتهم.

استيلاء صمصام الدولة على عمان ورجوعها لمشرف الدولة

كان مشرف الدولة استولى على فارس وخطب له بعمان، وولى عليها أستاذ هرمز فانتقض عليه وصار مع صمصام الدولة، وخطب له بعمان فبعث مشرف الدولة إليه عسكرا فهزموا أستاذ هرمز وأسروه، وحبس ببعض القلاع وطولب بالأموال، وعادت عمان إلى مشرف الدولة.

خروج نصر بن عضد الدولة على أخيه صمصام الدولة وانهزامه وأسره

كان أسفار بن كردويه من أكابر قواد الديلم واستوحش من صمصام الدولة فمال عن طاعته إلى أخيه مشرف الدولة وهو بفارس، وداخل رجال الديلم في صمصام الدولة وأن ينصبوا بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة نائبا عن أخيه مشرف الدولة حتى يقدم من فارس، وتمكن أسفار من الخوض في ذلك، فمرض صمصام الدولة وتأخر ابن خلدون م 39 ج 4 ٤/٦٠٩

عن حضور الدار وراسله صمصام الدولة أنه لا ذنب له لأنه كان صبيا، فاعتقله مكرما، وسعي إليه بابن سعدان وزيره ارهواه كان معهم فعزله وقتله ومضى أسفار إلى أبي الحسن بن عضد الدولة بالأهواز ومضى بقية العسكر إلى مشرف الدولة بفارس.

استيلاء القرامطة على الكوفة بدعوة مشرف الدولة ثم انتزاعها منهم

كان للقرامطة محل من البأس والهيبة عند أهل الدول، وكانوا يدافعونهم في أكثر الأوقات بالمال، وأقطعهم معز الدولة وابنه بختيار ببغداد وأعمالها، وكان يأتيهم ببغداد أبو بكر بن ساهويه يحتكم بحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة وكان على القرامطة في هجر ونيسابور مشتركان في إمارتهما، وهما إسحاق وجعفر. فلما بلغهما الخبر سارا إلى الكوفة فملكاها وخطبا لمشرف الدولة، وكاتبهما صمصام الدولة بالعتب فذكرا أمرهما ببغداد، وانتشر القرامطة في البلاد وجبوا الأموال، ووصل أبو قيس الحسن بن المنذر من أكابرهم إلى الجامعين فسرح صمصام الدولة العسكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات وقاتلوه فهزموه وأسروه، وقتلوا جماعة من قواد القرامطة. ثم عاودوا عسكرا آخر ولقيتهم عساكر صمصام الدولة بالجامعين فانهزم القرامطة وقتل مقدمهم وغيره، وأسروا منهم العساكر وساروا في اتباعهم إلى القادسية فلم يدركوهم. ٤/٦١٠

استيلاء مشرف الدولة على الأهواز ثم على بغداد واعتقال صمصام الدولة

ثم سار مشرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من فارس لطلب الأهواز، وقد كان أخوه أبو الحسين تغلب عليها عند انهزام عساكر صمصام الدولة سنة اثنتين وسبعين، وكان صمصام الدولة عند ما ملك بعث أبا الحسين وأبا ظاهر أخويه على فارس كما قدمناه، فوجدا أخاهما مشرف الدولة قد سبقهما إلى ملكها. وعند ما ملك فارس والبصرة ولاهما على البصرة، فلما انهزمت عساكر صمصام الدولة امام عسكر مشرف الدولة بعث أبا الحسين على الأهواز فملكها وأقام بها، واستخلف على البصرة أخاه أبا ظاهر، فلما سار مشرف الدولة هذه السنة إلى الأهواز قدم إليه الكتاب بأن يسير إلى العراق، وأنه يقره على عمله، فشق ذلك على أبي الحسين، وتجهز للمدافعة، فعاجله مشرف الدولة عن ذلك. وأغذ السير إلى أرجان فملكها، ثم رامهرمز، وانتقض أجناده ونادوا بشعار مشرف الدولة، فهرب إلى عمه فخر الدولة بالري، وأنزلها بأصفهان ووعده بالنصر، وأبطأ عليه فثار في أصفهان بدعوة أخيه مشرف الدولة فقبض عليه جندها وبعثوا به إلى الري، فحبسه فخر الدولة إلى أن مرض واشتد مرضه فأرسل من قتله في محبسه. ولما هرب أبو الحسين من الأهواز سار إليها مشرف الدولة، وأرسل إلى البصرة قائدا فملكها، وقبض على أخيه أبي ظاهر وبعث إليه صمصام الدولة في الصلح، وأن يخطب له ببغداد، وسارت إليه الخلع والألقاب من الطائع، وجاء من قبل صمصام الدولة من يستخلفه، وكان معه الشريف أبو الحسن محمد بن عمر الكوفي، فكان يستحثه إلى بغداد. وفي خلال ذلك جاءته كتب القواد من بغداد بالطاعة، وبعث أهل واسط بطاعتهم فامتنع من إتمام الصلح، وسار إلى واسط فملكها وأرسل صمصام الدولة أخاه أبا نصر يستعطفه بالسلافة فلم يعطف عليه. وشغب الجند على صمصام الدولة فاستشار صمصام الدولة أصحابه في طاعة أخيه فنهوه. وقال بعضهم: نصعد الى عكبرا ونتبين الأمر، وإن دهمنا ما لا نقوى عليه سرنا إلى الموصل وننتصر بالديلم، وقال آخرون: نقصد فخر الدولة بأصفهان، ثم نخالفه إلى فارس فنحتوي على خزائن مشرف الدولة وذخائره ٤/٦١١

فيصالح كرها فأعرض عنهم، وركب صمصام الدولة إلى أخيه مشرف الدولة في خواصه فتلقاه بالمبرة. ثم قبض عليه وسار إلى بغداد فدخلها في رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة وأخوه صمصام الدولة في اعتقاله بعد أربع سنين من إمارته بالعراق.

أخبار مشرف الدولة في بغداد مع جنده ووزرائه

لما دخل مشرف الدولة بغداد كان الديلم معه في قوة وعدد، تنتهي عدتهم الى خمسة عشر ألفا، والأتراك لا يزيدون على ثلاثة آلاف، فاستطال الديلم بذلك وجرت بين اتباعهم لأول دخولهم بغداد مصاولة آلت إلى الحرب بين الفريقين، فاستظهر الديلم على الترك وتنادوا بإعادة صمصام الدولة إلى ملكه، فارتاب بهم مشرف الدولة ووكل بصمصام الدولة من يقتله إن هموا بذلك. ثم أتيحت الكرة للأتراك على الديلم وفتكوا فيهم، وافترقوا واعتصهم بعضهم بمشرف الدولة. ثم دخل من الغد إلى بغداد فتقبله الطائع وهنأه بالسلامة. ثم أصلح بين الطائفتين واستحلفهم جميعا، وحمل صمصام الدولة إلى قلعة ورد بفارس فاعتقل بها، وكان نحرير الخادم يشير بقتله فلا يجيبه أحد، واعتقل سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وأشرف على الهلاك، ثم أشار نحرير في قتله أو سمله، فبعث لذلك من يثق به فلم يقدم على سمله حتى استشار ابا القاسم بن الحسن الناظر هناك فأشار به فسمله. وكان صمصام الدولة يقول: إنما أعماني العلاء لأنه في معنى حكم سلطان ميت . ولما فرغ مشرف الدولة من فتنة الجند صرف نظره إلى تهذيب ملكه، فرد على الشريف محمد بن عمر الكوفي جميع أملاكه، وكانت تغل في كل سنة ألفي ألف وخمسمائة ألف درهم، ورد على النقيب أبي أحمد والد الرضي جميع أملاكه. وأقر الناس على مراتبهم، وكان قبض على وزيره أبي محمد بن فسانجس وأفرج عن أبي منصور الصاحب، واستوزره فأقره على وزارته ببغداد. وكان قراتكين قد أفرط في الدولة والضرب على أيدي الحكام فرأى أن يخرجه الى بعض الوجوه، وكان حنقا على بدر بن حسنويه لميله مع عمه فخر الدولة، فبعثه إليه في العساكر سنة سبع وسبعين وثلاثمائة فهزمهم بدر بوادي ٤/٦١٢

قرمسين بعد أن هزمه قراتكين أولا. ونزل العسكر فكر عليهم بدر فهزمهم وأثخن فيهم ونجا قراتكين في الفل إلى جسر النهروان حتى اجتمع إليه المنهزمون، ودخل بغداد واستولى بدر على أعمال الجيل. ولما رجع قراتكين أغرى الجند بالشغب على الوزير أبي منصور بن صالحان، فأصلح مشرف الدولة بينه وبين قراتكين. وحقدها له فقبض عليه بعد أيام وعلى جماعة من أصحابه، واستصفى أموالهم وشغب الجند من أجله فقتله، وقدم عليهم مكانه طغان الحاجب. ثم قبض سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة على شكر الخادم خالصة أبيه عضد الدولة وخالصته، وكان يحقد عليه من أيام أبيه من سعاياته فيه منها إخراجه من بغداد إلى كرمان تقربا إلى أخيه صمصام الدولة بإخراجه. فلما ملك مشرف الدولة بغداد اختفى شكر فلم يعثر عليه، وكان معه في اختفائه جارية حسناء فعلقت بغيره، وفطن لها فضربها فخرجت مغاضبة له.

وجاءت إلى مشرف الدولة فدلت عليه فأحضره وهم بقتله، وشفع فيه نحرير الخادم حتى وهبه له. ثم استأذن في الحج وسار من مكة إلى مصر فاختصه خلفاء الشيعة وأنزلوه عندهم بالمنزلة الرفيعة.

وفاة مشرف الدولة وولاية أخيه بهاء الدولة

ثم توفي مشرف الدولة أبو الفوارس سرديك بن عضد الدولة ملك العراق في منتصف تسع وسبعين وثلاثمائة لثمانية أشهر وسنتين من ملكه، ودفن بمشهد علي عليه السلام. ولما اشتدت علته بعث ابنه أبا علي إلى بلاد فارس بالخزائن والعدد مع أمه وجواريه في جماعة عظيمة من الأتراك، وسأله أصحابه أن يعهد فقال: أنا في شغل عن ذلك، فسألوه نيابة أخيه بهاء الدولة ليسكن الناس إلى أن يستفيق من مرضه، فولاه نيابته.

ولما جلس بهاء الدولة في دست الملك، ركب إليه الطائع فعزاه وخلع عليه خلع السلطنة، وأقر بهاء الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته.

وثوب صمصام الدولة بفارس وأخباره مع أبي علي ابن أخيه مشرف الدولة

قد تقدم لنا أن صمصام الدولة اعتقله أخوه مشرف الدولة بقلعة ورد قرب شيراز من ٤/٦١٣

أعمال فارس عند ما ملك بغداد سنة ست وسبعين وثلاثمائة. فلما مات مشرف الدولة وكان قد بعث ابنه أبا علي إلى فارس، ولحقه موت أبيه بالبصرة فبعث ما معه في البحر إلى أرجان، وسار إليها في البر مخفا. والتف عليه الجند الذين بها، وكاتبه العلاء بن الحسن من شيراز بخبر صمصام الدولة، فسار إلى شيراز واختلف عليه الجند، وهم الديلم بإسلامه إلى صمصام الدولة، فتحرك الأتراك وقاتل الديلم أياما، ثم سار إلى نسا والأتراك معه، فأخذوا ما بها من المال وقتلوا الديلم ونهبوا أموالهم وسلاحهم. وسار أبو علي إلى أرجان، وبعث الأتراك إلى شيراز فقاتلوا صمصام الدولة والديلم ونهبوا البلد، وعادوا إليه بأرجان. وجاءه رسول عمه بهاء الدولة من بغداد بالمواعيد الجميلة، ودس مع رسوله إلى الأتراك واستمالهم فحسنوا لأبي علي المسير إلى عمه بهاء الدولة، فسار إليه ولقيه بواسط منتصف ثمانين وثلاثمائة وقد أعد له الكرامة والنزول، ثم قبض عليه لأيام وقتله، وتجهز للمسير إلى فارس.

مسير فخر الدولة صاحب الري وأصفهان وهمذان الى العراق وعوده

كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بن ركن الدولة يحب العراق ويريد بغداد، لما كان بها من الحضارة واستئثار الفضائل. فلما توفي مشرف الدولة سلطان بغداد رأى أن الفرصة قد تمكنت فدس إلى فخر الدولة من يغريه بملك بغداد، حتى استشاره في ذلك، فتلطف في الجواب بأن أحاله على سعادته فقبل إشارته، وسار إلى حمدان ووفد عليه بدر بن حسنويه ودبيس بن عفيف الأسدي، وشاوروا في المسير فسار الصاحب بن عباد وبدر في المقدمة على الجادة، وفخر الدولة على خوزستان. ثم ارتاب فخر الدولة بالصاحب بن عباد خشية من ميله مع أولاد عضد الدولة فاستعاده، وساروا جميعا إلى الأهواز فملكها فخر الدولة وأساء السيرة في جندها وجنده، وحبس عنهم العطاء فتخاذلوا وكان الصاحب منذ اتهمه ورده عن طريقه معرضا عن الأمور ساكتا، فلم تستقم الأمور بإعراضه. ثم بعث ٤/٦١٤

بهاء الدولة عساكره إلى الأهواز فقاتلوهم وزادت دجلة إلى الأهواز، وانفتقت أنهارها فتوهم الجند وحسبوها مكيدة فانهزموا، وأشار عليه الصاحب بإطلاق الأموال فلم يفعل، فانفضت عنه عساكر الأهواز، وعاد إلى الري وقبض في طريقه على جماعة من قواد الديلم والري، وعادت الأهواز الى دعوة بهاء الدولة.

مسير بهاء الدولة إلى أخيه صمصام الدولة بفارس

ثم سار بهاء الدولة سنة ثمانين وثلاثمائة إلى خوزستان عازما على قصد فارس، وخلف ببغداد أبا نصر خواشاده من كبار قواد الديلم، ومر بالبصرة فدخلها، وسار منها الى خوزستان، وأتاه نعي أخيه أبي ظاهر فجلس لعزائه، ودخل أرجان وأخذ جميع ما فيها من الأموال، وكانت ألف ألف دينار وثمانية آلاف ألف درهم، وهرعت إليه الجنود ففرقت فيهم تلك الأموال كلها. ثم بعث مقدمته أبا العلاء بن الفضل إلى النوبندجان فهزموا بها عسكر صمصام الدولة، فأعاد صمصام الدولة العساكر مع فولاد بن ماندان فهزموا أبا العلاء بمراسلة وخديعة من فولاذ، كبسه في أثرها، فعاد إلى أرجان مهزوما. ولحق صمصام الدولة من شيراز بفولاذ. ثم ترددت الرسل في الصلح على أن يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان والعراق، ويكون لكل منهما أقطاع في بلد صاحبه، فتم ذلك بينهما وتحالفا عليه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز. وبلغه ما وقع ببغداد من العيارين وبين الشيعة وأهل السنة وكيف نهبت الأموال وخرجت المساكين فأعاد السير إلى بغداد وصلحت الأحوال.

القبض على الطائع ونصب القادر للخلافة

قد ذكرنا أن بهاء الدولة قد شغب الجند عليه لقلة الأموال، وقبض وزيره فلم يغن عنه. وكان أبو الحسن بن المعلم غالبا على هواه، فأطمعه في مال الطائع، وزين له القبض عليه. فأرسل إليه بهاء الدولة في الحضور عنده، فجلس على العادة، ودخل ٤/٦١٥

بهاء الدولة في جمع كبير وجلس على كرسيه، وأهوى بعض الديلم إلى يد الطائع ليقبلها، ثم جذبه عن سريره. وهو يستغيث ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 واستصفيت خزائن دار الخلافة فمشى بها الحال أياما ونهب الناس بعضهم بعضا. ثم أشهد على الطائع بالخلع ونصبوا للخلافة عمه القادر أبا العباس أحمد المقتدر، استدعوه من البطيحة وكان فر إليها أمام الطائع كما تقدم في أخبار الخلفاء. وهذا كله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.

رجوع الموصل الى بهاء الدولة

كان أبو الرواد محمد بن المسيب أمير بني عقيل قتل أبا طاهر بن حمدان آخر ملوك بني حمدان بالموصل وغلب عليها، وأقام بها طاعة معروفة لبهاء الدولة، وذلك سنة ثمانين وثلاثمائة كما مر في أخبار بني حمدان وبني المسيب. ثم بعث بهاء الدولة أبا جعفر الحجاج بن هرمز من قواد الديلم في عسكر كبير إلى الموصل فملكها آخر إحدى وثمانين فاجتمعت عقيل مع أبي الرواد على حربه وجرت بينهم عدة وقائع، وحسن فيها بلاء أبي جعفر بالقبض عليه، فخشي اختلاف أمره هناك وراجع في أمره، وكان بإغراء ابن المعلم وسعايته. ولما شعر الوزير بذلك صالح أبا الرواد وأخذ رهنه، وأعاده الى بغداد فوجد بهاء الدولة قد نكب ابن المعلم.

أخبار ابن المعلم

هو أبو الحسن بن المعلم قد غلب على هوى بهاء الدولة وتحكم في دولته، وصدر كثير من عظائم الأمور بإشارته، فمنها نكبة أبي الحسن محمد بن عمر العلوي، وكان قد عظم شأنه مع مشرف الدولة وكثرت أملاكه. فلما ولي بهاء الدولة سعى به عنده وأطمعه في ماله، فقبض عليه واستصفى سائر أملاكه، ثم حمله على نكبة وزيره ٤/٦١٦

أبي منصور بن صالحان سنة ثمان واستوزر أبا النصر سابور بن أردشير قبل مسيره إلى خوزستان، ثم حمله على خلع الطائع واستصفى أمواله وحمل ذخائر الخلافة إلى داره، ثم حمله على نكبة وزيره أبي نصر سابور واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، وبعد مرجعه من خوزستان قبض على أبي خواشاده وأبي عبد الله بن ظاهر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة لأنهما لم يوصلا لابن المعلم هداياهما، فحمل بهاء الدولة على نكبتهما. ولما استطال على الناس وكثر الضجر منه شغب الجند على بهاء الدولة وطالبوه بإسلامه إليهم، وراجعهم فلم يقبلوا، فقبض عليه وعلى سائر أصحابه ليسترضيهم بذلك فلم يرضوا إلا به، فأسلمه إليهم وقتلوه. ثم اتهم الوزير أبا القاسم بمداخلة الجند في الشغب على الوزير، فقبض عليه واستوزر مكانه أبا نصر سابور وأبا نصر بن الوزير الأولين وأقاما شريكين في الوزارة.

خروج أولاد بختيار وقتلهم

كان عضد الدولة قد حبس أولاد بختيار فأقاموا معتقلين مدة أيامه وأيام صمصام الدولة من بعده. ثم أطلقهم مشرف الدولة وأحسن إليهم وأنزلهم بشيراز وأقطعهم.

فلما مات مشرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا الموكل الذي عليهم والجند الذي معه من الديلم، فأفرجوا عنهم وذلك سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.

واجتمع إليهم أهل تلك النواحي وأكثرهم رجالة، وبلغ الخبر إلى صمصام الدولة فبعث أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر، فافترقت تلك الجموع وتحصن بنو بختيار ومن معهم من الديلم، وحاصرهم أبو علي، وأرسل أحد الديلم معهم فأصعدهم سرا وملكوا القلعة وقتلوا أولاد بختيار.

استيلاء صمصام الدولة على الأهواز ورجوعها منه

ثم انتقض الصلح سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة بين بهاء الدولة صاحب بغداد وأخيه ٤/٦١٧

صمصام الدولة صاحب خوزستان، وذلك أن بهاء الدولة بعث أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز، وأسر إليه أن يبعث العساكر متفرقة، فإذا اجتمعوا عنده صدم بهم بلاد فارس. فسار أبو العلاء، وتشاغل بهاء الدولة عن ذلك، وظهر الخبر فجهز صمصام الدولة عسكره إلى خوزستان، واستمد أبو العلاء بهاء الدولة فتوافت عساكره، والتقى العسكران وانهزم أبو العلاء وأخذ أسيرا، فأطلقته أم صمصام الدولة. وقلق بهاء الدولة لذلك، وافتقد الأموال فأرسل وزيره أبا نصر سابور إلى واسط، وأعطاه جواهر واعلاقا يسترهنها عند مهذب الدولة صاحب البطيحة فاسترهنها، ولما هرب الوزير أبو نصر استعفى ابن الصالحان من الانفراد بالوزارة فأعفي. واستوزر بهاء الدولة أبا القاسم علي بن أحمد، ثم عجز وهرب. وعاد أبو نصر سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم. ثم بعث بهاء الدولة طغان التركي إلى الأهواز في سبعمائة من المقاتلة فملكوا السوس، ورحل أصحاب صمصام الدولة عن الأهواز، وانتشرت عساكر طغان في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم من الترك، فغص الديلم بهم الذين في عسكر طغان، فضل الدليل وأصبح على بعد منهم، ورآهم الأتراك فركبوا إليهم وأكمن ألوفا، واستأمن كثير منهم وأمنهم طغان حتى نزلوا بأمر الأتراك فقتلوهم كلهم، وانتهى الخبر إلى بهاء الدولة بواسط، وسار إلى الأهواز وسار صمصام الدولة إلى شيراز وذلك سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وأمر صمصام الدولة بقتل الأتراك في جميع بلاد فارس سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فقتل منهم جماعة وهرب الباقون، فعاثوا في البلاد ولحقوا بكرمان، ثم ببلاد السند حتى توسطهم الأتراك فأطبقوا عليهم واستلحموهم. ٤/٦١٨

استيلاء صمصام الدولة على الأهواز ثم على البصرة

ثم بعث صمصام الدولة عساكره الديلم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة إلى الأهواز، وكان نائب بهاء الدولة قد توفي وعزم الأتراك على العود إلى بغداد، فبعث بهاء الدولة مكانه أبا كاليجار المرزبان بن سفهيعون ، وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى رامهرمز مددا لنائبها لفتكين ، وقد انهزم إليها أمام عسكر صمصام الدولة، فترك أبا محمد بن مكرم بها. ومضى إلى الأهواز وسار إلى خوزستان، فكاتبه العلاء بن الحسن يخادعه. ثم سار إلى رامهرمز وحارب ابن مكرم ولفتكين وبعث بهاء الدولة ثمانين من الأتراك يأتون من خلف الديلم، فشعروا بهم وقتلوهم أجمعين. وخام بهاء الدولة عن اللقاء، فرجع إلى الأهواز. ثم سار إلى البصرة ونزل بها، وانتهى خبره إلى ابن مكرم، فعاد إلى عسكر مكرم واتبعه العلاء والديلم فأجلوه عنها إلى قرب تستر.

وتكررت الوقائع بين الفريقين، فكان بيد الأتراك من تستر إلى رامهرمز، وبيد الديلم من رامهرمز ، ورجع الأتراك واتبعهم العلاء فوجدهم قد سلكوا طريق واسط فرجع عنهم، وأقام بعسكر مكرم. ورجع بهاء الدولة إلى بغداد، وكان مع العلاء قائد من قواد الديلم اسمه شكراستان، فاستأمن إليه من الديلم الذين مع بهاء الدولة نحو من أربعمائة رجل فاستكثر بهم، وسار إلى البصرة وحاصرها، ومال إليهم أبو الحسن بن جعفر العلوي من أهل البصرة، وكانوا يحملون الميرة. وعلم بهاء الدولة فأنفذ من يقبض عليهم فهربوا إلى ذلك القائد وقوي بهم، وجمعوا له السفن فركبها إلى البصرة، وقاتل أصحاب بهاء الدولة وهزمهم وملك البصرة واستباحها. وكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة بأن يرتجعها من يد الديلم ويتولاها، فأمده عبد الله بن مرزوق، وأجلى الديلم عنها، ثم رجع للقاء شكراستان. وهجم ٤/٦١٩

عليها في السفن فملكها وكاتب بهاء الدولة بالطاعة والضمان فأجابه وأخذ ابنه رهينة، وكان يظهر طاعة بهاء الدولة وصمصام الدولة.

وفاة الصاحب بن عباد

وفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة توفي أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بالري، وكان أوحد زمانه علما وفضلا ورياسة ورأيا وكرما وعرفا بأنواع العلوم، عارفا بالكتابة ورسائله مشهورد مدونه. وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد حتى يقال: كانت تنقل في أربعمائة حمل. ووزر بعده لفخر الدولة أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي الملقب بالكافي. ولما توفي استصفى فخر الدولة أمواله بعد أن أوصاه عند الموت، فلم ينفذ وصيته. وكان الصاحب قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار المعتزلي وقدمه وولاه قضاء الري وأعمالها. فلما مات قال عبد الجبار لا أرى الترحم عليه لأنه مات على غير توبة ظهرت منه، فنسب إليه قلة الوفاء بهذه المقالة. ثم صادر فخر الدولة عبد الجبار فباع في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب من الصوف الرفيع. ثم تتبع فخر الدولة آثار ابن عباد وأبطل ما كان عنده من المسامحات، وقبض على أصحابه والبقاء لله وحده.

وفاة فخر الدولة صاحب الري وملك ابنه مجد الدولة

ثم توفي فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه صاحب الري وأصفهان وهمذان في شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بقلعة طبرك، ونصب للملك من بعده ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم وعمره أربع سنين، نصبه الأمراء وجعلوا أخاه شمس الدولة بهمذان وقرميس إلى حدود العراق. وكان زمام الدولة بيد أم رستم مجد الدولة وإليها تدبير ملكه، وبين يديها في مباشرة الأعمال أبو ظاهر صاحب فخر الدولة، وأبو العباس الضبي الكافي ٤/٦٢٠

وفاة العلاء بن الحسن صاحب خوزستان

ثم توفي العلاء بن الحسن عامل خوزستان لصمصام الدولة بعسكر مكرم، فبعث صمصام الدولة أبا علي بن أستاذ هرمز بالمال ففرقه في الديلم، ودفع أصحاب بهاء الدولة عن جند نيسابور بعد وقائع كان الظفر فيها له، ثم دفعهم عن خوزستان إلى واسط واستمال بعضهم فنزعوا إليه، ورتب العمال في البلاد وجبى الأموال سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ثم سار أبو محمد بن مكرم من واسط مع الأتراك فدافعهم، وكانت بينه وبينهم وقائع. ثم سار بهاء الدولة في أثرهم من واسط، وكان لحق بهم في واسط أبو علي بن إسماعيل الذي كان نائبا ببغداد عند مسيره إلى الأهواز سنة ست وثمانين وثلاثمائة وجاء المقلد بن المسيب من الموصل للعيث في جهات بغداد، فبرز أبو علي لقتاله، فنكر ذلك بهاء الدولة مغالطة، وبعث من يصالحه ويقبض على أبي علي، فهرب أبو علي إلى البطيحة، ثم لحق بهاء الدولة وهو بواسط فوزر له وزير أمره وأشار عليه بالمسير لانجاد أبي محمد بن مكرم في قتال أبي علي بن أستاذ هرمز بخوزستان، فسار بهاء الدولة ونزل القنطرة البيضاء، وجرت بينه وبين أبي علي بن استاذ هرمز وقائع، وانقطعت الميرة عن عسكر بهاء الدولة، فاستمد بدر بن حسنويه فأمده ببعض الشيء، وكثرت سعاية الأعداء في أبي علي بن إسماعيل فكاد ينكبهم، وبينما هم على ذلك بلغهم مقتل صمصام الدولة فصلحت الأحوال واجتمعت الكلمة.

مقتل صمصام الدولة

كان أبو القاسم وأبو نصر ابنا بختيار محبوسين كما تقدم، فخدعا المتوكلين بهما في القلعة، وخرجا فاجتمع إليهما لفيف من الأكراد، وكان صمصام الدولة قد عرض جنده وأسقط منهم نحوا من ألف لم يثبت عنده نسبهم في الديلم فبادروا إلى ابني بختيار والتقوا عليهما في أرجان. وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما، فثار به الجند ونهبوا داره فاختفى، ثم انتقضوا على صمصام الدولة ونهبوه، وهرب إلى الرودمان ٤/٦٢١

على مرحلتين من شيراز فقبض عليه صاحبها، وجاء أبو نصر بن بختيار فأخذه منه وقتله في ذي الحجة سنة ثمان لتسع سنين من إمارته بفارس، وأسلمت أمه إلى بعض قواد الديلم فقتلها ودفنها بداره حتى ملك بهاء الدولة فارس، فنقلها الى تربة بني بويه.

استيلاء بهاء الدولة على فارس وخوزستان

ولما قتل صمصام الدولة وملك ابنا بختيار فارس بعثا إلى أبي علي بن أستاذ هرمز يستميلانه، ويأمرانه بأخذ العهد لهما على الذين معه من الديلم، ومحاربة بهاء الدولة.

وكتب إليه بهاء الدولة يستميله ويؤمنه ويؤمن الديلم الذين معه ويرغبهم، واضطرب رأي أبي علي لخوفه من ابني بختيار لما أسلف من قتل إخوتهما وحبسهما فمال عنهما، ومال الديلم عن بهاء الدولة خوفا من الأتراك الذين معه، فما زال أبو علي بهم حتى بعثوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة، واستوثقوا يمينه ونزلوا إلى خدمته، وساروا إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز وأرجان. واستولى بهاء الدولة على سائر بلاد خوزستان وبعث وزيره أبا علي بن إسماعيل إلى فارس، فنزل بظاهر شيراز وبها ابنا بختيار فحاربهما، ومال بعض أصحابهما إليه. ثم انفضوا عنهما إلى أبي علي وأطاعوه، واستولى على شيراز ولحق أبو نظر ابن بختيار ببلاد الديلم وأخوه أبو القاسم ببدر بن حسنويه ثم بالبطيحة. وكتب الوزير أبو علي إلى بهاء الدولة بالفتح، فسار إلى شيراز وأمر بنهب قرية الرودمان فملكها، وأقام بهاء الدولة بالأهواز، واستخلف ببغداد أبا علي بن جعفر المعروف بأستاذ هرمز ولقبه عميد العراق. وبقي ملوك الديلم بعد ذلك يقيمون بفارس الأهواز ويستخلفون على العراق مدة طويلة.

مقتل ابن بختيار بكرمان واستيلاء بهاء الدولة عليها

لما استقر أبو نصر بن بختيار ببلاد الديلم كاتب جند الديلم بفارس وكرمان واستمالهم، فاستدعوه إلى فارس، فاجتمع إليه كثير من الربض والديلم والأكراد. ثم سار إلى ٤/٦٢٢

كرمان وبها أبو جعفر بن السيرجان، ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فملكها وملك أكثر كرمان، فبعث بهاء الدولة وزيره الموفق أبا علي بن إسماعيل في العساكر، ولما وصل جيرفت استأمن إليه أهلها وملكها، وهرب ابن بختيار فاختار الوزير من أصحابه ثلاثمائة رجل وسار في أتباعه، وترك باقي العسكر بجيرفت. ولما أدركه أوقع به وغدر بابن بختيار بعض أصحابه فقتله، وجاء برأسه الى الموفق، واستلحم الباقين، وذلك سنة تسعين وثلاثمائة. واستولى الموفق على كرمان، وولى عليها أبا موسى سياه جشم، وعاد إلى بهاء الدولة فقبض عليه واستصفاه، وكتب إلى وزيره سابور بالقبض على أنسابه وأصحابه، فدس إليهم سابور بذلك وهربوا. ثم قتل بهاء الدولة الموفق سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ثم استعمل بهاء الدولة على خوزستان وأعمالها أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز، ولقبه عميد الجيوش، وعزل عنها أبا جعفر الحجاج بن هرمز لسوء سيرته، وفساد أحوالها بولايته، وكثرة مصادراته، فصلحت حالها بولاية أبي علي، وحصل إلى بهاء الدولة منها الأموال مع كثرة العدل.

مسير ظاهر بن خلف الى كرمان واستيلاؤه عليها ثم ارتجاعها

قد تقدم لنا أن ظاهر بن خلف خرج عن طاعة أبيه خلف بن أحمد السجستاني، وحاربه فظفر به أبوه، فسار إلى كرمان يروم التوثب عليها، وتكاسل عاملها عن أمره، فكثر جمعه واجتمع إليه بحيالها كثير من المخالفين، فنزل بهم إلى جيرفت فملكها وملك غيرها سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وكان بكرمان أبو موسى سياه جشم، فسار إليه بمن معه من الديلم فهزمه ظاهر وأخذ ما بقي بيده، فبعث بهاء الدولة أبا جعفر استاذ هرمز في العساكر إلى كرمان فهزم ظاهرا إلى سجستان وملك كرمان وعادت الديلم.

حروب عساكر بهاء الدولة مع بني عقيل

كان قرواش بن المقلد قد بعث جمعا من بني عقيل سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ٤/٦٢٣

فحاصروا المدائن، وبعث أبو جعفر الحجاج بن هرمز وهو ببغداد نائب لبهاء الدولة عساكره فدفعوهم عنها، فاجتمع بنو عقيل وأبو الحسن بن مزيد من بني أسد، وبرز إليهم الحجاج، واستدعى خفاجة من الشام وقاتلهم فانهزم واستبيح عسكره، وانهزم ثانيا، وبرز إليهم فالتقوا بنواحي الكوفة فهزمهم وأثخن فيهم ونهب من حلل بني يزيد ما لا يعبر عنه من العين والمصاغ والثياب.

الفتنة بين أبي علي وأبي جعفر

لما غاب أبو جعفر الحجاج عن بغداد قام بها العيارون واشتد فسادهم وكثر القتل والنهب، فبعث بهاء الدولة أبا علي بن جعفر المعروف بأستاذ هرمز لحفظ العراق، فانهزم أبو جعفر بنواحي الكوفة مغضبا. ثم جمعوا الجموع من الديلم والأتراك والعرب، فانهزم أبو جعفر وأمن أبو علي جانبه، فسار إلى خوزستان وبلغ السوس.

فأتاه الخبر بأن أبا جعفر عاد إلى الكوفة فكر راجعا، وعاد الحرب بينهم، وبينما هم على ذلك أرسل بهاء الدولة إلى أبي علي يستدعيه سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة لحرب ابن واصل بالبصرة فسار إليه، وكانت الحرب بينه وبين ابن واصل كما يأتي في اخبار ملوك البطيحة، ورجع إلى بغداد ونزل أبو جعفر على فلح حامي طريق خراسان وأقام هنالك، وكان فلح مباينا لعميد الجيوش أبي علي. وتوفي سلخ سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فولى أبو علي مكانه أبا الفضل بن عنان، وكان بهاء الدولة في محاربة ابن واصل بالبصرة، فأتاهم الخبر بظهور بهاء الدولة عليه، فأوهن ذلك منهم وافترقوا ولحق ابن مزيد ببلده، وسار أبو جعفر وابن عيسى إلى حلوان. وأرسل أبو جعفر في إصلاح حاله عند بهاء الدولة فأجابه إلى ذلك، وحضر عنده بتستر، فأعرض عنه خوفا أن يستوحش أبو علي. وحقد بهاء الدولة لبدر بن حسنويه فسار إليه، وبعث إليه بدرا في المصالحة فقبله وانصرف، وتوفي أبو جعفر الحجاج بن هرمز بالأهواز سنة إحدى وأربعمائة ٤/٦٢٤

الفتنة بين مجد الدولة صاحب الري وبين أمه واستيلاء ابن خالها علاء الدين بن كاكويه على أصفهان

قد تقدم لنا ولاية مجد الدولة أبي طالب رستم بن فخر الدولة على همذان وقرميس إلى حدود العراق، وتدبير الدولتين لأمه وهي متحكمة عليهما، فلما وزر لمجد الدولة الخطير أبو علي بن علي بن القاسم استمال الأمراء عنها وخوف مجد الدولة عنها، فاسترابت وخرجت من الري إلى القلعة، فوضع عليها من يحفظها فأعملت الحيلة حتى لحقت ببدر بن حسنويه مستنجدة به. وجاءها ابنها شمس الدولة في عساكر همذان وسار معهما بدر، وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فحاصروا أصفهان وملكوها عنوة. وعاد إليها الأمر فاعتقلت مجد الدولة ونصبت شمس الدولة للملك، ورجع بدر إلى بلده ثم بعد سنة استرابت بشمس الدولة، فأعادت مجد الدولة إلى ملكه.

وسار شمس الدولة إلى همذان، وانتقض بدر بن حسنويه لذلك، وكان في شغل بفتنة ولده هلال. واستمد شمس الدولة فأمده بعسكر وحاصر قم فاستصعبت عليه، وكان علاء الدين أبو حفص بن كاكويه ابن خال هذه المرأة، وكاكويه هو الخال بالفارسية، فلذلك قيل له ابن كاكوي، وكانت قد استعملته على أصفهان، فلما فارق أمرها فسد حاله، فسار هو إلى بهاء الدولة بالعراق، وأقام عنده. فلما عادت إلى حالها هرب أبو حفص إليها من العراق، فأعادته إلى أصفهان، ورسخ فيها ملكه وملك بنيه كما يأتي في أخبارهم.

وفاة عميد العراق وولاية فخر الملك

كان أبو جعفر أستاذ هرمز من حجاب عضد الدولة وخواصه، وصير ابنه أبا علي في خدمة ابنه صمصام الدولة، فلما قتل صمصام الدولة رجع إلى بهاء الدولة، وبلغه ما وقع ببغداد في مغيبه من الهرج وظهور العيارين، فبعث بهاء الدولة مكانه على العراق فخر الملك أبا غالب، وأصعد إلى بغداد فلقيه الكتاب والقواد والأعيان في ابن خلدون م 40 ج 4 ٤/٦٢٥

ذي الحجة من السنة، وبعث العساكر من بغداد لقتال أبي الشوك حتى استقام.

وكانت الفتنة قد وقعت بين بدر بن حسنويه وابنه هلال، واستنجد بدر ببهاء الدولة فأنجده من يده وأخذ ما فيها من الأموال، وفتح دير العاقول، وجاء سلطان وعلوان ورجب بنو ثمال الخفاجي في أعيان قومهم، وضمنوا حماية سقي الفرات من بني عقيل، وساروا معه إلى بغداد فبعثهم مع ذي السعادتين الحسن بن منصور للأنبار فعاثوا في نواحيها، وحبس ذو السعادتين نفرا منهم. ثم أطلقهم فهموا بقبضه، وشعر بهم فحاول عليهم حتى قبض على سلطان منهم وحبسهم ببغداد. ثم شفع فيهم أبو الحسن بن مزيد فأطلقهم، فاعترضوا الحاج سنة اثنتين وأربعمائة ونهبوهم فبعث فخر الملك إلى أبي الحسن بن مزيد بالانتقام منهم، فلحقهم بالبصرة فأوقع بهم وأثخن فيهم، واسترد من أموال الحاج ما وجد وبعث به وبالأسرى إلى فخر الملك. ثم اعترضوا الحاج مرة أخرى ونهبوا سواد الكوفة فأوقع بهم أبو الحسن بن مزيد مثل ذلك، وبعث بأسراهم إلى بغداد. ٤/٦٢٦

وفاة بهاء الدولة وولاية ابنه سلطان الدولة

ثم توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة بن بويه هلك بالعراق منتصف ثلاث وأربعمائة بأرجان، وحمل إلى تربة أبيه بمشهد علي فدفن بها لأربع وعشرين سنة من ملكه، وملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع، وسار من أرجان إلى شيراز، وولى أخاه جلال الدولة أبا ظاهر على البصرة وأخاه أبا الفوارس على كرمان.

استيلاء شمس الدولة على الري من يد أخيه مجد الدولة ورجوعه عنها

قد تقدم لنا أن شمس الدولة بن فخر الدولة كان ملك همذان وأخوه مجد الدولة ملك الري بنظر أمه، وكان بدر بن حسنويه أمير الأكراد وبينه وبين ولده هلال فتنة وحروب نذكرها في أخبارهم. واستولى شمس الدولة على كثير من بلادهم وأخذ ما فيها من الأموال كما يذكر في أخبارهم. ثم سار إلى الري يروم ملكها ففارقها أخوه مجد الدولة ومعه أمه إلى دنباوند واستولى شمس الدولة على الري وسار في طلب أخيه وأمه فشغب الجند عليه وطالبوه بأرزاقهم، فعاد إلى همذان وعاد أخوه مجد الدولة وأمه إلى الري.

مقتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان

ثم قبض سلطان الدولة على نائبة بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب وقتله في سلخ ربيع الأول سنة ست وأربعمائة لخمس سنين ونصف من ولايته، واستصفى أمواله، وكانت ألف ألف دينار سوى العروض وما نهب. وولى مكانه بالعراق أبا محمد الحسن بن سهلان ولقبه عميد الجيوش، واستوزر مكانه الرجحي بعد أن كان ابن سهلان هرب إلى قرواش فأقامه عنده بهيت، وولى سلطان الدولة مكانه في الوزارة أبا ٤/٦٢٧

القاسم جعفر بن فسانجس. ثم رجع ابن سهلان الى سلطان الدولة. فلما قتل فخر الملك ولاه مكانه، فسار إلى العراق في محرم سنة تسع وأربعمائة، ومر في طريقه ببني أسد فرأى أن يثأر منهم من مضر بن دبيس بما كان قبض عليه قديما بأمر فخر الملك، فأسرى إليه وإلى أخيه مهارش، وفي جملته أخوهم طراد، واتبعهما حتى أدركهما، وقاتله رجال الحي فقتل جماعة من الديلم والأتراك. ثم انهزموا ونهب ابن سهلان أموالهم وسبى حريمهم، وبذل الأمان لمضر ومهارش وأشرك بينهما وبين طراد في الجزيرة. ونكر عليه سلطان الدولة ذلك، ورحل هو إلى واسط والفتن بها فقتل جماعة منهم وأصلحها، وبلغه ما ببغداد من الفتنة فسار إليها ودخلها في ربيع من السنة، وهرب منه العيارون ونفى جماعة من العباسيين وأبا عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم بأطراف البلد فكثر فسادهم وفساد الأتراك، وساروا إلى سلطان الدولة بواسط شاكين من ابن سهلان فوعدهم وأمسكهم، وبعث عن ابن سهلان فارتاب وهرب إلى بني خفاجة، ثم إلى الموصل، ثم استقر بالبطيحة. وبعث سلطان الدولة العساكر في طلبه فأجاره واليها الشرابي وهزم العساكر وكان ابن سهلان سار إلى جلال الدولة بالبصرة ثم أصلح الرجحي حاله مع سلطان الدولة ورجع إليه.

وضعف أمر الديلم في هذه السنة ببغداد وواسط، وثارت لهم العامة فلم يطيقوا مدافعتهم.

ثم قبض سلطان الدولة على وزيره فسانجس وأخويه، واستوزر أبا غالب ذا السعادتين الحسن بن منصور، وقبض جلال الدولة صاحب البصرة على وزيره أبي سعد عبد الواحد علي بن ماكولا.

انتقاض أبي الفوارس على أخيه سلطان الدولة

كان سلطان الدولة قد ولى أخاه أبا الفوارس على كرمان فاجتمع إليه بعض الديلم، وداخلوه في الانتقاض فانتقض، وسار إلى شيراز فملكها سنة سبع وأربعمائة. وسار سلطان الدولة فهزمهم إلى كرمان، وسار في اتباعه فلحق بمحمود بن سبكتكين ببست ووعده بالنصرة، وبعث معه أبا سعيد الطائي في العساكر إلى كرمان، وقد ٤/٦٢٨

انصرف عنها سلطان الدولة إلى بغداد فملكها أبو الفوارس وسار إلى بلاد فارس فملكها، ودخل إلى شيراز فسار سلطان الدولة إليه فهزمه فعاد إلى كرمان سنة ثمان وأربعمائة. وبعث سلطان الدولة في أثره فملكوا عليه كرمان، ولحق بشمس الدولة صاحب همذان لأنه كان أساء معاملة أبي سعيد الطائي، فلم يرجع إلى محمود بن سبكتكين. ثم فارق شمس الدولة إلى مهذب الدولة صاحب البطيحة فبالغ في تكرمته وأنزله بداره. وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة مالا، وعرض عليه المسير إليه فأبى. ثم ترددت الرسل بينه وبين أخيه سلطان الدولة، فعاد إلى كرمان وبعث إليه التقليد والخلع.

وثوب مشرف الدولة على أخيه سلطان الدولة ببغداد واستبداده آخرا بالملك

ثم شغب الجند على سلطان الدولة ببغداد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ونادوا بولاية مشرف الدولة أخيه فهم بالقبض عليه فلم يتمكن من ذلك، ثم أراد الانحدار إلى واسط لبعض شئون الدولة فطلب الجند أن يستخلف فيهم أخاه مشرف الدولة فاستخلفه، ورجع من واسط إلى بغداد. ثم اعتزم على قصد الأهواز فاستخلف أخاه مشرف الدولة ثانيا على العراق بعد أن كانا تحالفا أن لا يستخلف أحد منهما ابن سهلان. فلما بلغ سلطان الدولة تستر استوزر ابن سهلان فاستوحش من مشرف الدولة.

ثم بعث سلطان الدولة إلى الأهواز فنهبوها، فدافعهم الأتراك الذين بها، وأعلنوا بدعوة مشرف الدولة، فانصرف سلطان الدولة عنهم. ثم طلب الديم من مشرف الدولة المسير إلى بيوتهم بخوزستان فأذن لهم وبعث معهم وزيره أبا غالب، ولحق الأتراك الذين كانوا معه بطراد بن دبيس الأسدي بجزيرة بني دبيس وذلك لسنة ونصف من ولايته الوزارة، وصودر ابنه أبو العباس على ثلاثة ألف دينار وسر سلطان الدولة بقتل أبي غالب، وبعث أبا كاليجار إلى الأهواز فملكها. ثم تراسل سلطان الدولة ومشرف الدولة في الصلح، وسعى فيه بينهما أبو محمد بن مكرم صاحب سلطان الدولة ومؤيد الملك الرجحي وزير مشرف الدولة، على أن يكون العراق ٤/٦٢٩

لمشرف الدولة وفارس وكرمان لسلطان الدولة، وتم ذلك بينهما سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.

استيلاء ابن كاكويه على همذان

كان شمس الدولة بن بويه صاحب همذان قد توفي وولي مكانه ابنه سماء الدولة، وكان فرهاد بن مرداويج مقطع يزدجرد، فسار إليها سماء الدولة وحاصره، فاستنجد بعلاء الدولة بن كاكويه، فأنجده بالعساكر، ودفع سماء الدولة عن فرهاد. ثم سار علاء الدولة وفرهاد إلى همذان وحاصراها، وخرجت عساكر همذان مع عساكر تاج الملك الفوهي قائد سماء الدولة فدفعهم، ولحق علاء الدولة بجرباذقان فهلك الكثير من عسكره بالبرد. وسار تاج الملك الفوهي إلى جرباذقان فحاصر بها علاء الدولة حتى استمال بها قوما من الأتراك الذين مع تاج الملك. وخلص من الحصار وعاود المسير إلى همذان، فهزم عساكرها وهرب القائد تاج الملك، واستولى علاء الدولة على سماء الدولة فأبقى عليه رسم الملك، وحمل إليه المال، وسار فحاصر تاج الملك في حصنه حتى استأمن اليه فأمنه وسار به وبسماء الدولة إلى همذان فملكها، وملك سائر أعمالها، وقبض على جماعة من أمراء الديلم فحبسهم وقتل آخرين وضبط الملك، وقصد أبا الشوك الكردي فشفع فيه مشرف الدولة فشفعه وعاد عنه، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة.

وزارة أبي القاسم المغربي لمشرف الدولة ثم عزله

كان عنبر الخادم مستوليا على دولة مشرف الدولة بما كان حظي أبيه وجده، وكان يلقب بالأثير، وكان حاكما في دولة بني بويه مسموع الكلمة عند الجند. وعقد الوزير مؤيد الملك الرجحي على بعض اليهود من جواشيه مائة ألف دينار، فسعى الأثير الخادم وعزله في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة واستوزر لناصر الدولة بن حمدان، ونزع عنه إلى خلفاء العبيديين، وولاه الحاكم بمصر. وولد له بها ابنه ٤/٦٣٠

أبو القاسم الحسين، ثم قتله الحاكم فهرب ابنه أبو القاسم إلى مفرج بن الجراح أمير طيئ بالشام، وداخله في الانتقاض على العبيديين بأبي الفتوح أمير مكة فاستقدمه وبايع له بالرملة. ثم صونع مع مصر بالمال فانحل ذلك الأمر ورجع أبو الفتوح إلى مكة، وقصد أبو القاسم العراق واتصل بالعميد فخر الملك أبي غالب، فأمره القادر بإبعاده، فقصد الموصل واستوزره صاحبها، ثم نكبه وعاد الى العراق، وتقلب به الحال إلى أن وزر بعد مؤيد الملك الرجحي، فساء تصرفه في الجند وشغب الأتراك عليه وعلى الأثير عنبر بسببه، فخرجا إلى السندية، وخرج معهما مشرف الدولة فأنزلهم قرواش. ثم ساروا إلى أوانا، وندم الأتراك فبعثوا المرتضى وأبا الحسن الزينبي يسألون الإقالة، وكتب إليهم أبو القاسم المغربي بأن أرزاقكم عند الوزير مكرا به.

وشعر بذلك فهرب إلى قرواش لعشرة أشهر من وزارته، وجاء الأتراك إلى مشرف الدولة والأثير عنبر فردهما إلى بغداد.

وفاة سلطان الدولة بفارس وملك ابنه أبي كليجار وقتل ابن مكرم

ثم توفي سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة صاحب فارس بشيراز، وكان محمد بن مكرم صاحب دولته، وكان هواه مع ابنه أبي كليجار، وهو يومئذ أمير على الأهواز، فاستقدمه للملك بعد أبيه وكان هوى الأتراك مع عمه أبي الفوارس صاحب كرمان فاستقدموه. وخشي محمد بن مكرم جانبه وفر عنه أبو المكارم إلى البصرة، وسار العادل أبو منصور بن مافنة إلى كرمان لاستقدام أبي الفوارس وكان صديقا لابن مكرم فحسن أمره عند أبي الفوارس، وأحال الأجناد بحق البيعة على ابن مكرم فضجر وماطلهم، فقبض عليه أبو الفوارس وقتله. ولحق ابنه القاسم بأبي كليجار بالأهواز فتجهز إلى فارس، وقام بتربيته بابن مزاحم صندل ٤/٦٣١

الخادم.

وسار في العساكر إلى فارس ولقيهم أبو منصور الحسن بن علي النسوي وزير أبي الفوارس فهزموه وغنموا معسكره وهرب أبو الفوارس إلى كرمان وملك أبو كليجار شيراز واستولى على بلاد فارس. وتنكر للديلم الذين بها، فبعثوا الى من كان منهم بمدينة نسا فتمسكوا بطاعة أبي الفوارس. ثم شغب عسكر أبي كليجار عليه، وطالبوه بالمال فظاهرهم الديلم، فسار إلى النوبندجان ثم الى شعب بوان، وكاتب الديلم بشيراز أبا الفوارس يستحثونه. ثم أصلحوا بينهما على أن تكون لأبي الفوارس كرمان، ويعود أبو كيجار لفارس لما فارقه بها من نعمته. وكان الديلم يطيعونه فساروا في العساكر وهزموا أبا الفوارس، فلحق بدارابجرد واستولى أبو كليجار على فارس.

ثم زحف إليه أبو الفوارس في عشرة آلاف من الأكراد فاقتتلوا بين البيضاء، وإصطخر فانهزم أبو الفوارس ولحق بكرمان، واستولى أبو كليجار على فارس واستقر ملكه بها سنة سبع عشرة وأربعمائة.

وفاة مشرف الدولة وملك أخيه جلال الدولة

ثم توفي مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة بن بويه سلطان بغداد في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، لخمس سنين من ملكه. ولما توفي خطب ببغداد لأخيه جلال الدولة وهو بالبصرة، واستقدم فلم يقدم، وانتهى إلى واسط فأقام بها يخطب لأبي كليجار ابن أخيه سلطان الدولة، وهو يومئذ بخوزستان مشغول بحرب عمه أبي الفوارس كما قدمناه. فحينئذ أسرع جلال الدولة من واسط إلى بغداد، فسار الجند ولقوة بالنهروان وردوه كرها بعد أن نهبوا بعض خزائنه، وقبض على وزيره أبي سعيد بن ماكولا واستوزر ابن عمه أبا علي، واستحث الجند أبا كليجار فعللهم بالوعد وشغل بالحرب، وكثر الهرج ببغداد من العيارين، وانطلقت أيديهم وأحرقوا الكرخ، ونهاهم الأمير عنبر عن ذلك فلم ينتهوا، فخافهم على نفسه، فلحق بقرواش في الموصل وعظمت الفتن ببغداد ٤/٦٣٢

استيلاء جلال الدولة على ملك بغداد

ولما عظم الهرج ببغداد ورأى الأتراك أن البلاد تخرب وأن العرب والأكراد والعامة قد طمعوا فيهم، ساروا جميعا إلى دار الخلافة مستعتبين ومعتذرين عما صدر منهم من الانفراد باستقدام جلال الدولة، ثم رده واستقدام أبي كليجار مع أن ذلك ليس لنا وإنما هو للخليفة، ويرغبون في استدعاء جلال الدولة لتجتمع الكلمة ويسكن الهرج، ويسألون أن يستخلف فأجابهم الخليفة القادر، وبعث إلى جلال الدولة، فسار من البصرة، فبعث الخليفة القاضي أبا جعفر السمناني لتلقيه، ويستخلفه لنفسه، فسار ودخل بغداد سنة ثمان عشرة وأربعمائة وركب الخليفة لتلقيه، ثم سار إلى مشهد الكاظم ورجع، ودخل دار الملك وأمر بضرب النوب الخمس، فراسله القادر في قطعها فقطعها غصبا، ثم أذن له في إعادتها، وبعث جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرجحي إلى الأثير عنبر الخادم عند قرواش بالتأنيس والمحبة والعذر عن فعل الجند.

أخبار ابن كاكويه صاحب أصفهان مع الأكراد ومع الأصبهبذ

كان علاء الدولة بن كاكويه قد استعمل أبا جعفر عليا ابن عمه على نيسابور خوست ونواحيها، وضم إليه الأكراد الجودرقان ومقدمهم أبو الفرج البابوني. فجرت بين أبي جعفر وأبي الفرج البابوني مشاجرة، وترافعا إليه فأصلح بينهما علاء الدولة وأعادهما. ثم قتل أبو جعفر أبا الفرج فانتقض الجودرقان وعظم فسادهم، فبعث علاء الدولة عسكرا وأقاموا أربعة أيام ثم فقدوا الميرة، وجاء علاء الدولة وأعطاهم المال فافترقوا واتبعهم. وجاء إليه بعض الجودرقان وانتهى في اتباعهم إلى وفد وقاتلوه عندها فهزمهم وقتل ابني ولكين في المعركة، ونجا هو في الفل إلى جرجان، وأسر ٤/٦٣٣

الأصبهبذ وابنان له ووزيره، وهلك في الأسر منتصف سنة تسع عشرة وأربعمائة وتحصن علي بن عمران بقلعة كنكور فحاصره بهاء الدولة، وصار ولكين إلى صهره منوجهر قابوس وأطمعه في الدخس . وكان ابنه صهر علاء الدولة على ابنته وأقطعه مدينة قم فعصى عليه وبعث إلى أبيه ولكين. فسار بعساكره وعساكر منوجهر ونازلوا مجد الدولة بن بويه بالري وجرت بينهم وقائع فصالح علاء الدولة علي بن عمران ليسير إليهم فارتحلوا عن الري. وجاء علاء الدولة إليها وأرسل إلى منوجهر يوبخه ويتهدده فسار منوجهر وتحصن بكنكور وقتل الذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه وقبل الشرط ، وخرج إلى علاء الدولة فأقطعه الدينور عوضا عن كنكور، وأرسل منوجهر إلى علاء الدولة في الصلح فصالحه.

دخول خفاجة في طاعة أبي كليجار

كان هؤلاء خفاجة وهم من بني عمرو بن عقيل موطنين بضواحي العراق ما بين بغداد والكوفة وواسط والبصرة. وأميرهم بهذه العصور منيع بن حسان، وكانت بينه وبين صاحب الموصل منافسات جرتها المناهضة والجوار، فترددت الرسل بين السلم والحرب. وسار منيع بن حسان سنة سبع عشرة وأربعمائة إلى الجامعين من أعمال دبيس فهبها، وسار دبيس في طلبه ففارق الكوفة وقصد الأنبار من أعمال قرواش فحاصرها أيام، ثم افتتحها وأحرقها، وجاء قرواش لمدافعته ومعه غريب بن معن فلم يجدوه فمضوا إلى القصر فخالفهم منيع إلى الأنبار فعاث فيها ثانية. فسار قرواش إلى الجامعين واستنجد دبيس بن صدقة فسار معه في بني أسد، ثم خاموا عن لقاء منيع فافترقوا ورجع قرواش إلى الأنبار فأصلحها، ورم أسوارها. وكان دبيس وقرواش في ٤/٦٣٤

طاعة جلال الدولة، فسار منيع بن حسان إلى أبي كليجار بالأهواز فأطاعه وخلع عليه ورجع إلى بلده يخطب له بها.

شغب الأتراك على جلال الدولة

ولما استقل جلال الدولة بملك بغداد وكثر جنده من الأتراك واتسعت أرزاقهم من الديوان، وكان الوزير أبو علي بن ماكولا فطالبوه بأرزاقهم فعجز عنها، وأخرج جلال الدولة صياغات وباعها وفرقها في الجند. ثم ثاروا عليه وطالبوه بأرزاقهم وحصروه في داره حتى فقد القوت والماء. وسأل الإنزال إلى البصرة وخرج بأهله ليركب السفن إلى البصرة وقد ضرب سرادقا على طريقهم ما بين داره والسفن، فقصد الأتراك السرادق فامتعض جلال الدولة لحريمه، ثم نادى في الناس وخرج الجند ونادوا بشعاره ثم شغبوا عليه بعد أيام قلائل في طلب أرزاقهم، واضطر جلال الدولة إلى بيع ملبوسه وفرشه وخيامه، وفرق أثمانها فيهم. وعزل جلال الدولة وزيره أبا علي واستوزر أبا طاهر، ثم عزله بعد أربعين يوما وولى سعيد بن عبد الرحيم وذلك سنة تسع عشرة وأربعمائة.

استيلاء أبي كليجار على البصرة ثم على كرمان

ولما أصعد جلال الدولة إلى بغداد استخلف على البصرة ابنه الملك العزيز أبا منصور، وكان بين الأتراك وبين الديلم من الفتنة ما ذكرناه، فتجددت بينهم الفتنة فغلب الأتراك، وأخرجوا الديلم إلى الأبلة مع بختيار بن علي، فسار إليهم الملك العزيز ليرجعهم فحاربوه ونادروا بشعار أبي كليجار بن سلطان الدولة وهو بالأهواز فعاد منهزما. ونهب الديلم الأبلة ونهب الأتراك البصرة.

وبلغ الخبر إلى أبي كليجار فبعث من الأهواز عسكرا إلى بختيار والبصرة والديلم، فقاتلوا الملك العزيز وأخرجوه، فلحق بواسط وملكوا البصرة ونهبوا أسواقها سنة تسع عشرة وأربعمائة وهم جلال الدولة بالمسير إليهم وطلب المال للجند وشغل بمصادرة ٤/٦٣٥

أرباب الأموال، وبلغ خبر استيلاء أبي كليجار على البصرة إلى كرمان وكان بها عمه قوام الدولة أبو الفوارس، وقد تجهز لقصد بلاد فارس فأدركه أجله فمات، فنادى أصحابه بشعار أبي كليجار واستدعوه، فسار ملك بلاد كرمان، وكان أبو الفوارس سيئ السيرة في رعيته وأصحابه.

قيام بني دبيس بدعوة أبي كليجار

كانت جزيرة بني دبيس بنواحي خوزستان لطراد بن دبيس، وغلب عليه فيها منصور وخطب فيها لأبي كاليجار، ومات طراد فسار إلى منصور ابنه علي، واستنجد جلال الدولة عليه فأمده بعسكر من الأتراك وسار عجلا. واتفق أن أبا صالح كوكين هرب من جلال الدولة إلى أبي كليجار فأراد أن يفتتح طاعته باعتراض أصحاب جلال الدولة فسار إلى منصور بالجزيرة. وخرجوا لقتال علي بن طراد ولقوة بمبرود فهزموه وقتلوه، واستقر منصور بالجزيرة على طاعة أبي كليجار.

استيلاء أبي كليجار على واسط ثم انهزامه وعودها لجلال الدولة

ثم ان نور الدولة دبيس على صاحب حلب والنيل، خطب لأبي كليجار في أعماله لما بلغه أن ابن عمه المقلد بن الحسن ومنيع بن حسان أمير خفاجة سارا مع عساكر بغداد إليه، فخطب هو لأبي كليجار واستدعاه فسار من الأهواز إلى واسط، وقد كان لحق بها الملك العزيز بن جلال الدولة ومعه جماعة من الأتراك.

فلما وصل أبو كليجار فارقها الملك العزيز إلى النعمانية، واستولى أبو كليجار على واسط. ووفد عليه دبيس وبعث إلى قرواش صاحب الموصل والأثير عنبر عنده، ٤/٦٣٦

وأمرهما أن ينحدرا إلى العراق فانحدرا، ومات الأثير عنبر بالكحيل. ورجع قرواش وجمع جلال الدولة العساكر واستنجد أبا الشوك وغيره وسار إلى واسط، وضاقت عليه الأمور لقلة المال.

وأشار عليه أصحابه بمخالفة أبي كليجار إلى الأهواز لأخذ أمواله، وأشار أصحاب أبي كليجار بمخالفة جلال الدولة إلى العراق. وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر من أبي الشوك بمسير عساكر محمود بن سبكتكين إلى العراق. ويشير بإجماع الكلمة.

وبعث أبو كليجار بكتابه إلى جلال الدولة فلم يعرج عليه، وسار إلى الأهواز ونهبها وأخذ من دار الإمارة خاصة مائتي ألف دينار سوى أموال الناس، وأخذت والدة أبي كليجار وبناته وعياله وحملن إلى بغداد. وسار جلال الدولة لاعتراضه وتخلف عنه دبيس بن مزيد خشية على أحيائه من خفاجة، والتقى أبو كليجار وجلال الدولة في ربيع سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فاقتتلوا ثلاثا، ثم انهزم أبو كليجار وقتل من أصحابه نحو من ألفين ورجع إلى الأهواز. وأتاه العادل بن مافنة بمال أنفقه في جنده، ورجع جلال الدولة إلى واسط واستولى عليها وأنزل ابنه العزيز بها ورجع.

استيلاء محمود بن سبكتكين صاحب خراسان على بلاد الري والجيل وأصفهان

كان مجد الدولة بن فخر الدولة متشاغلا بالنساء والعلم، وتدبير ملكه لأمه. وتوفيت سنة تسع عشرة وأربعمائة فاختلفت أحواله، وطمع فيه جنده، فكتب إلى محمود بن سبكتكين يشكو إليه، فبعث إليه عسكرا مع حاجبه، وأمره بالقبض عليه، فركب مجد الدولة لتلقيه فقبض عليه وعلى ابنه أبي دلف وطير بالخبر إلى محمود فجاء إلى الري ودخلها في ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة، وأخذ منها مال مجد الدولة ألف ألف دينار، ومن الجواهر قيمة خمسمائة ألف دينار، وستة آلاف ثوب، ومن الحرير والآلات ما لا يحصى. وبعث بمجد الدولة إلى خراسان فاعتقل بها. ثم ملك قزوين وقلاعها ومدينة ساوة وآوة ويافت، وقبض على صاحبها ولكين وبعث به إلى خراسان، وقتل من الباطنية خلقا ونفي المعتزلة الى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ٤/٦٣٧

والاعتزال والنجامة، وملك حدود أرمينية وخطب له علاء الدولة بن كاكويه بأصفهان، واستخلف على الري ابنه مسعودا فافتتح زنجان وأبهر، ثم ملك أصفهان من يد علاء الدولة، واستخلف عليها بعض أصحابه فثار به أهل أصفهان وقتلوه، فسار إليها وفتك فيهم، يقال قتل منهم خمسة آلاف قتيل وعاد إلى الري فأقام بها.

اخبار الغز بالري وأصفهان وأعمالها وعودهما إلى علاء الدولة

قد تقدم لنا في غير موضع بداية هؤلاء الغز، وأنهم كانوا بمفازة بخارى وكانوا فريقين: أصحاب أرسلان بن سلجوق وأصحاب بني أخيه ميكائيل بن سلجوق، وأن يمين الدولة محمود بن سبكتكين لما ملك بخارى وما وراء النهر قبض على أرسلان ابن سلجوق، وسجنه بالهند ونهب أحياءه. ثم نهض إلى خراسان ولحق بعضهم بأصفهان، وبعث محمود في طلبهم الى علاء الدولة بن كاكويه فحاول على أخذهم، وشعروا ففروا الى نواحي خراسان، وكثر عيثهم فأوقع بهم تاش الفوارس قائد مسعود ابن سبكتكين فساروا الى الري قاصدين أذربيجان، وكانوا يسمون العراقية، وكان أمراء هذه الطائفة كوكتاش ويرفأ وقزل ويعمر وناصفلي ، فلما انتهوا إلى الدامغان خرج إليهم عسكرها فلم يطيقوا دفاعهم فتحصنوا بالجبل.

ودخل الغز البلد ونهبوه، ثم فعلوا في سمنان مثل ذلك، ثم في جوار الري وفي إسحاقاباذ وما جاورها من القرى، ثم ساروا إلى مسكويه من أعمال الري فنهبوها. وكان تاش الفوارس قائد بني سبكتكين بخراسان ومعه أبو سهل الحمدوني من قوادهم فاستنجدوا مسعود بن سبكتكين وصاحب جرجان وطبرستان فأنجداهم وقاتلا الغز فانهزما وقتل تاش الفوارس. وسار إلى الري أبو سهل الحمدوني فهزموه وتحصن بقلعة طبرك، ودخل الغز الري ونهبوه. ثم قاتلوه ثانيا فأسر منهم ابن أخت لعمر من قوادهم فبذلوا فيه ثلاثين ألف دينار واعادة ما أخذوا من عسكر تاش من المال والأسرى فأبى أبو سهل من إطلاقه، وخرج الغز من الرق ووصل عسكر جرجان وقاتلوا الغز عند ما ٤/٦٣٨

قاربوا الري وأسروا قائدهم وألفين معه، وساروا إلى أذربيجان وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة.

ولما سار الغز إلى أذربيجان سار علاء الدولة إلى الري فدخلها بدعوة مسعود بن سبكتكين، وأرسل الى أبي سهل الحمدوني أن يضمنه على البلد مالا فأبى فأرسل علاء الدولة يستدعي الغز فرجع إليه بعضهم وأقام عنده. ثم استوحشوا منه وعادوا الى العيث بنواحي البلاد، فكرر علاء الدولة مراسلة أبي سهل في الضمان ليكون في طاعة مسعود بن سبكتكين. وكان أبو سهل بطبرستان فأجابه وسار إلى نيسابور وملك علاء الدولة الري. ثم اجتمع أهل أذربيجان لمدافعة الغز الذين طرقوا بلادهم وانتقموا من الغز، فافترقوا فسارت طائفة الى الري ومقدمهم يرقأ وطائفة الى همذان ومقدمهم منصور وكوكتاش فحاصروا بها أبا كليجار بن علاء الدولة، وأنجده أهل البلاد على دفاعهم وطال حصارهم لهمذان حتى صالحهم أبو كليجار وصاهر كوكتاش. وأما الذين قصدوا الري فحاصروا بها علاء الدولة بن كاكويه وانضم اليهم فناخسرو بن مجد الدولة وكامد صاحب ساوة، فطال حصارهم وفارق البلد في رجب ليلا إلى أصفهان، وأجفل أهل البلد وتمزقوا ودخلها الغز من الليل واستباحوها. واتبع علاء الدولة جماعة منهم فلم يدركوه فعدلوا الى كرج ونهبوها، ومضى ناصفلي منهم إلى قزوين فقاتلهم حتى صالحوه على سبعة آلاف دينار وصاروا الى طاعته. ولما ملكوا الري رجعوا إلى حصار همذان ففارقها أبو كليجار وصحبه الوجوه والأعيان وتحصنوا بكنكون ، وملك الغز همذان ومقدمهم كوكتاش ومنصور ومعهم فناخسرو بن مجد الدولة في عدد من الديلم فاستباحوها، وبلغت سراياهم إلى أستراباذ وقرى الدينور ٤/٦٣٩

وقاتلهم صاحبها أبو الفتح ابن أبي الشوك فهزمهم وأسر منهم حتى صالحوه على إطلاقهم فأطلقهم. ثم راسلوا أبا كليجار بن علاء الدولة في المتقدم عليهم يدبر ملكهم بهمذان، فلما جاءهم وثبوا به فنهبوا ماله وانهزم وخرج علاء الدولة من أصفهان فوقع في طريقه بطائفة من الغز فظفر بهم ورجع إلى أصفهان منصورا. ولما أجاز الفريق الثاني من الغز السلجوقية من وراء النهر، وهم أصحاب طغرلبك وداود وجغربيك وبيقو وأخوهم إبراهيم نيال في العسكر لاتباع هؤلاء الذين بالري وهمذان ساروا إلى أذربيجان وديار بكر والموصل، وافترقوا عليها وفعلوا فيها الأفاعيل كما تقدم في أخبار قرواش صاحب الموصل وابن مروان صاحب ديار بكر، وكما يأتي في أخبار ابن وهشودان.

استيلاء مسعود بن سبكتكين على همذان وأصفهان والري ثم عودها الى علاء الدولة بن كاكويه

ولما فارق الغز همذان بعث إليها مسعود بن سبكتكين عسكرا فملكوها وسار هو إلى أصفهان فهرب عنها علاء الدولة واستولى على ما كان له بها من الذخائر، ولحق علاء الدولة إلى أبي كاليجار بتستر يستنجده عقب انهزامه أمام جلال الدولة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة كما قدمنا فوعده بالنصر إذا اصطلح مع عمه جلالا الدولة. ثم توفي محمود بن سبكتكين ورجع مسعود من خراسان، وكان فناخسرو بن مجد الدولة معتصما بعمران، فطمع في الري وجمع جمعا من الديلم والأكراد وقصدها فهزمه نائب مسعود بها. وقتل جماعة من عسكره وعاد إلى حصنه. وعاد علاء الدولة من عند أبي كليجار، وقد كان خائفا من مسعود أن يسير إليهم ولا طاقة لهم به، فجاء بعد موت محمود، وملك أصفهان وهمذان والري وتجاوز إلى أعمال أنوشروان وسروا إليه بالري واشتد القتال وغلبوه على الري ونهبوها ونجا علاء الدولة جريحا إلى قلعة فردخان على خمسة عشر فرسخا من همذان فاعتصم بها، وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود بن سبكتكين، وولى عليها تاش الفوارس فأساء السيرة فولى علاء الدولة. ٤/٦٤٠

استيلاء جلال الدولة على البصرة ثم عودها لأبي كليجار

كنا قدمنا أن جلال الدولة خالف أبا كليجار إلى الأهواز واتبعه أبو كليجار من واسط فهزمه جلال الدولة، ورجع إلى واسط فارتجعها. وبعث أبو منصور بختيار بن علي نائبا لأبي كليجار فبعث أربعمائة سفينة للقائهم مع عبد الله السراني الزركازي صاحب البطيحة فانهزموا وعزم بختيار على الهرب، ثم ثبت وأعاد السفن لقتالهم والعسكر في البر، وجاء الوزير أبو علي لحربهم في سفينة، فلما وصل نهر أبي الخصيب وبه عساكر بختيار رجع مهزوما، وتبعه أصحاب بختيار. ثم ركب بختيار بنفسه وأخذوا سفن أبي علي كلها وأخذوه أسيرا وبعثه بختيار الى أبي كاليجار فقتله بعض غلمانه اطلع له على ريبة وخشيه فقتله. وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة من المكوس، ويعين فيها ، ولما بلغ خبره إلى جلال الدولة استوزر مكانه ابن عمه أبا سعيد عبد الرحيم، وبعث الأجناد لنصرة الذين كانوا معه فملكوا البصرة في شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ولحق بختيار بالأبلة في عساكره واستمد أبا كليجار فبعث إليه العساكر مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس فقاتلوا عساكر جلال الدولة بالبصرة، فانهزم بختيار أولا وأخذ كثير من سفنه. ثم اختلف أصحاب جلال الدولة بالبصرة وتنازعوا وافترقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات فركبوا إلى البصرة وملكوها، وعادت لأبي كليجار كما كانت.

وفاة القادر ونصب القائم للخلافة

وفي ذي الحجة سن اثنتين وعشرين وأربعمائة توفي الخليفة القادر لإحدى وأربعين سنة من خلافته، وكان مهيبا عند الديلم والأتراك. ولما مات نصب جلال الدولة للخلافة ٤/٦٤١

ابنه القائم بأمر الله أبا جعفر عبد الله بعد أبيه ولقبه القائم، وبعث القاضي أبا الحسن الماوردي إلى أبي كاليجار في الطاعة، فبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه بهدايا جليلة وأموال، ووقعت الفتنة ببغداد في تلك الأيام بين السنة والشيعة، ونهب دور اليهود وأحرقت من بغداد أسواق، وقتل بعض جباة المكس، وثار العيارون. ثم هم الجند بالوثوب على جلال الدولة وقطع خطبته، ففرق فيهم الأموال فسكتوا، ثم عاودوا، فلزم جلال الدولة الأصاغر فشكا من قواده الأكابر وهما بارسطعان وبلدوك ، وأنهما استأثرا بالأموال فاستوحشا لذلك، وطالبهما الغلمان بعلوفتهم وجراياتهم فسارا إلى المدائن، وندم الأتراك على ذلك. وبعث جلال الدولة مؤيد الملك الرجحي فاسترضاهما ورجعا. وزاد شغب الجند عليه ونهبوا دوابه وفرشه، وركب إلى دار الخليفة متغضبا من ذلك وهو سكران، فلاطفه ورده الى بيته. ثم زاد شغبهم وطالبوه في الدواب لركوبهم فضجر وأطلق ما كان في إسطبله من الدواب، وكانت خمس عشرة وتركها عائرة، وصرف حواشيه وأتباعه لانقطاع خزائنه فعوتب بتلك الفتنة، وعزل وزيره عميد الملك، ووزر بعده أبو الفتح محمد بن الفضل أياما ولم يستقم أمره فعزله، ووزر بعده أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسين السهيلي وزير مأمون صاحب خوارزم وهرب لخمسة وعشرين يوما.

وثوب الأتراك ببغداد بجلال الدولة بدعوة أبي كاليجار ثم رجوعهم الى جلال الدولة

ثم تجددت الفتنة بين الأتراك وجلال الدولة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في ربيع الأول فأغلق بابه، ونهب الأتراك داره وسلبوا الكتاب وأصحاب الدواوين، وهرب الوزير أبو إسحاق السهيلي إلى حي غريب بن محمد بن معن. وخرج جلال الدولة إلى عكبرا وخطبوا لأبي كاليجار واستدعوه من الأهواز فمنعه العادل بن ماقته إلى أن يحضره بين قوادهم فعادوا إلى جلال الدولة وتطارحوا عليه، فعاد ٤/٦٤٢

لثلاث وأربعين يوما من مغيبه. واستوزر أبا القاسم بن ماكولا ثم عزله لفتنة الأتراك به، وإطلاق بعض المصادرين من يده.

استيلاء جلال الدولة على البصرة ثانيا ثم عودها لابي كاليجار

ثم توفي أبو منصور بختيار بن علي نائب أبي كاليجار بالبصرة منتصف أربع وعشرين وأربعمائة فقام مكانه صهره أبو القاسم لاضطلاعه وكفايته، واستبد بها ونكر أبو كاليجار استبداده، وبعث بعزله فامتنع وخطب لجلال الدولة، وبعث لابنه يستدعيه من واسط فجاء وملك البصرة وطرد عساكر أبي كاليجار. ثم فسد ما بين أبي القاسم والعزيز واستجار منه بعض الديلم بالعزيز، وشكوا منه فأخرجه العزيز عن البصرة وأقام بالأبلة، ثم عاد إلى محاربة العزيز حتى أخرجه عن البصرة ورجع أبو القاسم إلى طاعة أبي كاليجار.

إخراج جلال الدولة من دار الملك ثم عوده

وفي رمضان من سنة أربع وعشرين وأربعمائة استقدم جلال الدولة الوزير أبا القاسم فاستوحش الجند، واتهموه بالتعرض لأموالهم فهجموا عليه في دار الملك وأخرجوه إلى مسجد في داره، فاحتمل جلال الدولة الوزير أبا القاسم وانتقل إلى الكرخ، وأرسل إليه الجند بأن ينحدر عنهم إلى واسط على رسمه، ويقيم لإمارتهم بعض ولده الأصاغر فأجاب، وبعث إليهم واستمالهم فرجعوا عن ذلك واستردوه إلى داره، وحلفوا له على المناصحة.

واستوزر عميد الدولة أبا سعد سنة خمس وعشرين وأربعمائة عوضا من ابن ماكولا فاستوحش ابن ماكولا، وسار إلى عكبرا فرده إلى وزارته، وعزل أبا سعد فبقي أياما. ثم فارقها إلى أوانا فأعاد أبا سعد عبد الرحيم إلى وزارته. ثم خرج أبو سعد هاربا من الوزارة ولحق بأبي الشوك، ووزر بعده أبو القاسم فكثرت مطالبات الجند ٤/٦٤٣

له وهرب لشهرين فحمل إلى دار الخلافة مكشوف الرأس، وأعيد أبو سعد إلى الوزارة، وعظم فساد العيارين ببغداد وعجز عنهم النواب، فولى جلال الدولة البساسيري من قواد الديلم حماية الجانب الغربي ببغداد فحسن فيه غناؤه، وانحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد حتى أغار الأكراد والجند على بستان الخليفة، ونهبوا ثمرته وطلب أولئك الجند جلال الدولة فعجز عن الانتصاف منهم أو إسلامهم للخليفة، فتقدم الخليفة الى القضاة والشهود والفقهاء بتعطيل رسومهم فوجم جلال الدولة، وحمل أولئك الجند بعد غيبتهم أياما إلى دار الخليفة فاعترضهم أصحابهم وأطلقوهم، وعجز النواب عن إقامة الأحكام في العيارين ببغداد، وانتشر العرب في ضواحي بغداد وعاثوا فيها حتى سلبوا النساء في المقابر عند جامع المنصور، وشغب الجند سنة سبع وعشرين وأربعمائة بجلال الدولة فخرج متنكرا في سيما بدوي إلى دار المرتضى بالكرخ، ولحق منها برافع بن الحسين بن معن بتكريت، ونهب الأتراك داره وخربوها. ثم أصلح القائم أمر الجند وأعاده.

فتنة بادسطفان ومقتله

قد قدمنا ذكر بادسطفان هذا وأنه من أكابر قواد الديلم ويلقب حاجب الحجاب، وكان جلال الدولة ينسبه لفساد الأتراك والأتراك ينسبونه إلى إحجاز الأموال فاستوحش واستجار بالخليفة منتصف سبع وعشرين وأربعمائة فأجاره وكان يراسل أبا كاليجار ويستدعيه، فبعث أبو كاليجار عسكرا إلى واسط وثار معهم العسكر الذين بها وأخرجوا العزيز بن جلال الدولة إلى بغداد، وكشف بادسطفان القناع في الدعاء لأبي كاليجار وحمل الخطباء على الخطبة لامتناع الخليفة منها.

وجرت بينه وبين جلال الدولة حرب. وسار إلى الأنبار وفارقه قرواش إلى الموصل، وقبض بادسطفان على ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده. ثم جاء الخبر بأن أبا كاليجار سار إلى فارس فانتقض عن بادسطفان الديلم الذين كانوا معه، ٤/٦٤٤

وترك ماله وخدمه وما معه بدار الخليفة القائم وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغداد وبعث البساسيري وبني خفاجة في طلب بادسطفان، وسار هو ودبيس في اتباعهم فلحقوه بالخزرانية فقاتلوه وهزموه، وجاءوا به أسيرا إلى جلال الدولة ببغداد، وطلب من القائم أن يخطب له ملك الملوك فوقف عن ذلك إلا أن يكون بفتوى الفقهاء فأفتاه القضاة أبو الطيب الطبري وأبو عبد الله الصيمري وأبو القاسم الكرخي بالجواز ومنع أبو الحسن الماوردي، وجرت بينهم مناظرات حتى رجحت فتواهم وخطب له بملك الملوك. وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة فخجل وانقطع عنه ثلاثة أشهر، ثم استدعاه وشكر له إيثار الحق وأعاده إلى مقامه.

مصالحه جلال الدولة وأبي كاليجار

ثم ترددت الرسل بين جلال الدولة وأبي كاليجار ابن أخيه، وتولى ذلك القاضي أبو الحسن الماوردي وأبو عبد الله المردوسي، فانعقد بينهما الصلح والصهر لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنه جلال الدولة، وأرسل القائم إلى أبي كاليجار بالخلع النفيسة.

عزل الظهير أبي القاسم عن البصرة واستقلال أبي كاليجار بها

قد قدمنا حال الظهير أبي القاسم في ملك البصرة بعد صهره أبي منصور بختيار، وأنه عصى على أبي كاليجار بدعوة جلال الدولة. ثم عاد إلى طاعته واستبد بالبصرة، وكان ابن أبي القاسم بن مكرم صاحب عمان يكاتب أبا الجيش وأبا كاليجار بزيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة فأجيب إلى ذلك، وجهز له أبو كاليجار العساكر مع العادل أبي منصور بن ماقته . وجاء أبا الجيش بعساكره في البحر من عمان وحاصروا البصرة برا وبحرا وملكوها، وقبض على الظهير واستصفيت ٤/٦٤٥

أمواله، وصودر على تسعين ألفا فحملها في عشرة أيام، ثم على مائة ألف وعشرة آلاف فحملها كذلك، ووصل الملك أبو كاليجار إلى البصرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وأنزل بها ابنه عز الملوك والأمير أبا الفرج فسانجس وعاد إلى الأهواز ومعه الظهير أبو القاسم.

أخبار عمان وابن مكرم

قد قدمنا خبر أبي محمد بن مكرم وأنه كان مدبر دولة بهاء الدولة وقبله ابنه أبو الفوارس، وأن ابنه أبا القاسم كان أميرا بعمان منذ سنة خمس عشرة وأربعمائة ثم توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وخلف بنين أربعة وهم: أبو الجيش والمهذب وأبو محمد وآخر صغير لم يذكر اسمه. وكان علي بن هطال صاحب جيش أبي القاسم فأقره أبو الجيش وبالغ في تعظيمه حتى كان يقوم له إذا دخل عليه في مجلسه فنكر ذلك المهذب على أخيه، وحقدها له ابن هطال فعمل دعوة واستأذن أبا الجيش في إحضار أخيه المهذب لها، وأحضره وبالغ في خدمته حتى إذا طعموا وشربوا وانتشوا فاوضه ابن هطال في التوثب بأخيه أبي الجيش واستكتبه بما يوليه من المراتب ويعطيه من الأقطاع على مناصحته في ذلك. ثم وقف أبا الجيش على خطة أخبره أنه لم يوافقه ثم قال له: وبسبب ذلك كان نكيره عليك في شأني، فقبض أبو الجيش على أخيه واعتقله ثم خنقه. ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير وهم ابن هطال بتولية أخيه محمد فأخفته أمه حذرا عليه، ورفعت الأمر إلى ابن هطال فولي عمان وأساء السيرة وصادر التجار، وبلغ ذلك إلى أبي كاليجار فأمر العادل أبا منصور بن ماقته أن يكاتب المرتضى نائب أبي القاسم بن مكرم بجبال عمان، ويأمره بقصد ابن هطال في عمان، وبعث إليه العساكر من البصرة، فسار إلى عمان وحاصرها واستولى على أكثر أعمالها. ثم دس إلى خادم كان لابن مكرم وصار لابن هطال وأمره باغتياله فاغتاله وقتله. ومات العادل أبو منصور بهرام بن ماقته وزير أبي كاليجار سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ووزر بعده مهذب الدولة وبعث لمدافعتهم عنها، وكانوا يحاصرون جيرفت فأجفلوا عنها، ولم يزل في اتباعهم حتى دخلوا المفازة ورجع مهذب الدولة إلى كرمان فأصلح فسادهم ٤/٦٤٦

وفاة جلال الدولة سلطان بغداد وولاية أبي كاليجار

ثم توفي جلال الدولة ببغداد في شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة لسبع عشرة سنة من ملكه، وقد كان بلغ في الضعف وشغب الجند عليه واستبداد الأمراء والنواب فوق الغاية. ولما توفي انخذل الوزير كمال الملك عبد الرحيم وأصحاب السلطان الأكابر إلى حريم دار الخلافة خوفا من الأتراك والعامة، واجتمع قواد العسكر فمنعوهم من النهب، وكان ابنه الأكبر الملك العزيز أبو منصور بواسط فكاتبه الجند بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل حق البيعة فأبطأ عنهم، وبادر أبو كاليجار صاحب الأهواز فكاتبهم ورغبهم في المال وتعجيله فعدلوا عن الملك العزيز إليه. وأصعد بعد ذلك من الأهواز فلما انتهى إلى النعمانية غدر به أصحابه فرجع إلى واسط، وخطب الجند ببغداد لأبي كاليجار. وسار العزيز إلى دبيس بن مزيد، ثم الى قرواش بن المقلد بالموصل. ثم فارقه إلى أبي الشوك لصهر بينهما فغدر به. وألزمه على طلاق بنته، فسار إلى إبراهيم نيال أخي طغرلبك، ثم قدم بغداد مختفيا يروم الثورة بقتل بعض أصحابه ففر ولحق بنصير الدولة بن مروان فتوفي عنده بميافارقين، وقدم أبو كاليجار بغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وخطب له بها واستقر سلطانه فيها بعد أن بعث بأموال فرقت على الجند ببغداد وبعشرة آلاف دينار وهدايا كثيرة للخليفة، وخطب له فيها أبو الشوك ودبيس بن مزيد كل بأعماله، ولقبه الخليفة بمحيي الدولة، وجاء في قل من عساكره خوفا أن يستريب به الأتراك فدخل بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره أبو السعادات أبو الفرج محمد بن جعفر بن فسانجس، واستعفى القائم من الركوب للقائه، وتقدم بإخراج عميه من بغداد، فمضيا إلى تكريت وخلع على أصحاب الجيوش وهم البساسيري والساري والهمام أبو اللقاء وثبت قدمه في الملك. ٤/٦٤٧

أخبار ابن كاكويه مع عساكر مسعود وولايته على أصفهان ثم ارتجاعه منها

قد تقدم انهزام علاء الدولة بن كاكويه من الري ومسيره جريحا ومعه فرهاد بن مرداويج جاءه إلى قلعة فردخان مددا وساروا منها إلى يزدجرد، واتبعهم علي بن عمران قائد تاش قرواش. وافترقوا من يزدجرد فمضى أبو جعفر الى نيسابور عند الأكراد الجردقان وصعد فرهاد إلى قلعة سمكيس واستمال الأكراد الذين مع علي بن عمران وحملهم على الفتك به، فشعر وسار الى همذان، واتبعه فرهاد والأكراد فحصروه في قرية بطريقة فامتنع عليهم بكثرة الأمطار ورجعوا عنه، وبعث علي بن عمران إلى الأمير تاش يستمده وعلاء الدولة إلى ابن أخيه بأصفهان يستمد المال والسلاح فاعترضه علي بن عمران من همذان وكبسه بجردقان وغنم ما معه وأسره ، وخلفه علاء الدولة وأقره على أصفهان على ضمان معلوم وكذلك قابوس في جرجان وطبرستان وولى على الري أبا سهل الحمدوني.

وأمرتاش قرواش صاحب خراسان بطلب شهربوس بن ولكين صاحب ساوة، وكان يفسد السابلة ويعترض الحاج، وسار إلى الري وحاصرها بعد موت محمود، فبعث تاش العساكر في أثره وحاصروه ببعض قلاع قم وأخذوه أسيرا فأمر بصلبه على ساوة، ثم اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاد بن مرداويج على قتال أبي سهل الحمدوني وقد زحف في العساكر من خراسان فقاتلاه وقتل فرهاد وانهزم علاء الدولة إلى جبل بين أصفهان وجرجان فاعتصم به. ثم لحق بأيدج وهي للملك أبي كاليجار، ٤/٦٤٨

واستولى أبو سهل على أصفهان ونهب خزائن علاء الدولة وحملت كتبه الى غزنة الى أن أحرقها الحسين بن الحسين الغوري، وذلك سنة خمس وعشرين وأربعمائة ثم سار علاء الدولة سنة سبع وعشرين وأربعمائة وحاصر أبا سهل في أصفهان وغدرته الأتراك فخرج إلى يزدجرد ومنها إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار خوفا من ابن سبكتكين، فسار عنه، ثم غلبه طغرلبك على خراسان سنة تسع وعشرين وأربعمائة وارتجعها مسعود سنة ثلاثين وأربعمائة كما ذكرناه ونذكره.

وفاة علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه

ثم توفي علاء الدولة شهربان بن كاكويه في محرم سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وقد كان عاد إلى أصفهان عند شغل بن سبكتكين بفتنة طغرلبك فملكها. ولما توفي قام مكانه بأصفهان ابنه الأكبر ظهير الدين أبو منصور قرامرد وسار ولده الآخر أبو كاليجار كرساسف إلى نهاوند فملكها، وضبط البلد وأعمال الجبل. وبعث أبو منصور قرامرد إلى مستحفظ قلعة نظير التي كان فيها ذخائر أبيه وأمواله فامتنع بها وعصى، وسار أبو منصور لحصاره ومعه أخوه أبو حرب فلحق أبو حرب بالمستحفظ، ورجع أبو منصور إلى أصفهان. وبعث أبو حرب إلى السلجوقية بالري يستنجدهم، فسار طائفة منهم إلى جرجان فنهبوها وسلموها لأبي حرب. فسير أبو منصور العساكر وارتجعها، فجمع أبو حرب فهزموه، وحاصروا أبا حرب بالقلعة فأسرى من القلعة ولحق بالملك أبي كاليجار صاحب فارس، واستنجده على أخيه أبي منصور فأنجده بالعساكر وحاصروا أبا منصور وأوقعوه عدة وقائع، ثم اصطلحوا آخرا على مال يحمله أبو منصور إلى أبي كاليجار، وعاد أبو حرب إلى قلعة نظير واشتد الحصار عليه. ثم صالح أخاه أبا منصور على أن يعطيه بعض ما في القلعة وتبقى له فاتفقا على ذلك.

ثم سار إبراهيم نيال إلى الري وطلب الموادعة من أبي منصور فلم يجبه، فسار إلى ٤/٦٤٩

همذان ويزدجرد فملكهما وسعى الحسن الكيا في اتفاقه مع أخيه أبي حرب فاتفقا، وخطب أبو حرب لأخيه أبي منصور في بلاده، وأقطعه أبو منصور همذان. ثم ملك طغرلبك البلاد من يد ابن سبكتكين واستولى على خوارزم وجرجان وطبرستان. وكان إبراهيم نيال عند ما استولى طغرلبك على خراسان وهو أخوه لأمه تقدم في عساكر السلجوقية إلى الري فاستولى عليها. ثم ملك يزدجرد، ثم قصد همذان سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ففارقها صاحبها ابن علاء الدولة إلى نيسابور، وجاء إبراهيم إلى همذان بطلب طاعتهم فشرطوا عليه استيلاءه على عسكر كرشاسف، فسار إليها وتحصن في سابورخواست وملك عليه البلاد وعاث في نواحيها، وتحصن هو بالقلعة وعاد هو إلى الري. وقد صمم طغرلبك على قصدها، فسار إليه وترك همذان ورجع كرشاسف وملك طغرلبك الري من يد إبراهيم.

وبعث إلى سجستان وأمر بعمارة ما خرب من الري، ووجد بدار الإمارة مراكب ذهب مرصعة بالجواهر، وبرنيتين من النحاس مملوءتين جواهر وذخائر مما سوى ذلك وأموالا كثيرة. ثم ملك قلعة طبرك من يد مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرما وملك قزوين فصالحه صاحبها بثمانين ألف دينار وصار في طاعته. ثم بعث إلى كركتاش وموقا من الغز العراقية الذين تقدموا إلى الري واستدعاهم من نواحي جرجان فارتابوا وشردوا خوفا منه. ثم بعث إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة ويطلب منه المال، فأجاب وحمل، وبعث إلى سلار الطرم بمثل ذلك فأجاب وحمل مائتي ألف دينار وقرر عليه ضمانا معلوما. ثم بعث السرايا إلى أصفهان وخرج من الري في اتباعها فصانعه قرامرد بالمال فرجع عنه. وسار إلى همذان فملكها، وقد كان سار إليه كرشاسف بن علاء الدولة وهو بالري فأطاعه، وسار معه إلى ابروزنجان فملكهما، وأخذ منه همذان وتفرق عنه أصحابه.

وطلب منه طغرلبك قلعة كشكور فأرسل إلى مستحفظها بنزولهم عنها فامتنعوا، واتبعه طغرلبك إلى الري واستخلف على همذان ناصر الدين العلوي، وكان كرشاسف قد قبض عليه فأخرجه طغرلبك وجعله رديفا للذي ولاه البلد من السلجوقية، ثم نزل كرشاسف على كنكور سنة ست وثلاثين وأربعمائة وجاء إلى همذان فملكها وطرد عنها ٤/٦٥٠

عمال طغرلبك وخطب للملك أبي كاليجار فبعث طغرلبك أخاه إبراهيم نيال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة إلى همذان، ولحق كرشاسف بشهاب الدولة أبي الفوارس منصور بن الحسين صاحب جزيرة بني دبيس، وارتاع الناس بالعراق لوصول إبراهيم نيال إلى حلوان، وبلغ الخبر إلى أبي كاليجار فأراد التجمع لإبراهيم نيال فمنعه قلة الظهر.

وحدثت فتنة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم نيال وأخذ الري وبلاد الجيل من يده. ثم سار إلى أصفهان فحاصرها في محرم سنة اثنين وأربعين، وبعث السرايا فبلغت البيضاء، وأقام يحاصرها حولا كاملا حتى جهدهم الحصار، وعدموا الأقوات وحرقوا السقف لوقودهم حتى سقف الجامع، ثم استأمنوا وخرجوا إليه وملك أصفهان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وأقطع صاحبها أبا منصور وأجناده في بلاد الجبل ونقل أمواله وسلاحه من الري إليها وجعلها كرسيا لملكه، وانقرضت دولة فخر الدولة بن بويه من الري وأصفهان وهمذان، وبقي منهم بالعراق وفارس أبو كاليجار والبقاء لله وحده.

موت أبي كاليجار

ولما رأى أبو كاليجار استيلاء طغرلبك على البلاد، وأخذه الري وأصفهان وهمذان والجيل من قومه، وإزالة ملكهم راسله في الصهر والصلح، بأن يزوجه ابنته، وزوج داود أخو طغرلبك ابنته من أبي منصور بن أبي كاليجار، وانعقد ذلك بينهما في منتصف تسع وثلاثين وأربعمائة وكتب طغرلبك إلى أخيه إبراهيم نيال عن العراق وأعماله ابن سكرستان من الديلم، وقرر عليه مالا فطاول في حمله، ٤/٦٥١

ورافع فشكر له أبو كاليجار، وانتزع من يده قلعة يزدشير وهي تعلقه ثم استمال أجناده فقتلهم بهرام، واستوحش فسار إليه أبو كاليجار، وانتهى إلى قصر مجامع من خراسان فطرقه المرض وضعف عن الركوب فرجعوا به إلى مدينة خبايا وتوفي بها في جمادى الأولى سنة أربعين وأربعمائة، لأربع سنين وثلاثة أشهر من ملكه العراق.

ولما توفي نهب الأتراك خزائنه وسلاحه ودوابه وانتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور وكانت منفردة عن العسكر فأقام عنده، واختلف الأتراك والديلم وأراد الأتراك نهب الأمير والوزير فمنعهم الديلم، واختلفوا إلى شيراز فملكها الأمير أبو منصور وامتنع الوزير بقلعة حزقه، وبلغ وفادة أبي كاليجار إلى بغداد وبها ابنه أبو نصر، فاستخلف الجند وأمر القائم بالخطبة على عادة قومه. وسأل أن يلقب بالرحيم فمنع الخليفة من ذلك أدبا ولقبه به أصحابه واستقر بالعراق وخوزستان والبصرة.

وكان بالبصرة أخوه أبو علي فأقره عليها. ثم بعث أخاه أبا سعد في العساكر في شوال من السنة إلى شيراز فملكها وخطبوا له بها وقبضوا على أخيه أبي منصور وأمه وجاءوا بهما إليه. وكان الملك العزيز بن جلال الدولة عند إبراهيم نيال لحق به بعد مهلك أبيه. فلما مات أبو كاليجار زحف إلى البصرة طامعا في ملكها فدافعه الجند الذين بها، وبلغه استقامة الملك ببغداد للرحيم فأقطع وذهب إلى ابن مروان فهلك عنده كما مر.

ملك الملك الرحيم بن أبي كاليجار ومواقعة

قد تقدم لنا أن أبا منصور فلاستون بن أبي كاليجار سار إلى فارس بعد موت أبيه فملكها، وأنه بعث أخاه أبا سعيد بالعساكر فقبضوا عليه وعلى أمه، ثم انطلق ولحق بقلعة إصطخر ببلاد فارس، فسار الملك الرحيم من الأهواز في اتباعه سنة إحدى وأربعين وأطاعه أهل شيراز وجندها، ونزل قريبا منها. ثم وقع الخلاف بين جند شيراز وبين جند بغداد، وعادوا إلى العراق فعاد معهم الملك الرحيم لارتيابه بجند ٤/٦٥٢

شيراز، وبعث الجند والديلم جميعا ببلاد فارس إلى أخيه فلاستون ولما عاد استخلف العساكر وسار إلى أرجان عازما على قصد الأهواز. وعاد الملك الرحيم للقائه من الأهواز في ذي القعدة من السنة واقتتلوا وانهزم الملك الرحيم، وعاد إلى واسط منهزما. وسار بعض الى الملك الرحيم يستجيشون به للرجوع إلى فارس، فأرسل إلى بغداد واستنفر الجند وسار إلى الأهواز فبلغه طاعة أهل فارس وأنهم منتظرون قدومه، فأقام بالأهواز ينتظر عساكر بغداد. ثم سار إلى عسكر مكرم فملكها سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ثم اجتمع جمع من العرب والأكراد مقدمهم طراد بن منصور ومذكور بن نزار فقصدوا سرف فنهبوها ونهبوا درق . وبعث الملك الرحيم بعساكره في محرم سنة ثلاث وأربعين فهزموا العرب والأكراد وقتل مطارد وأسر ابنه واسترد النهب. وبلغ الخبر إلى الملك الرحيم وهو بعسكر مكرم فتقدم إلى قنطرة أربق ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما. ثم سار هزارشب بن تنكر ومنصور بن الحسين الأسدي بمن معهما من الديلم والأتراك من أرجان إلى تستر، فسابقهم الملك الرحيم فكان الظفر له. ثم زحف في عسكر إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارشب فهزموهم وأثخنوا فيهم، وتحيزوا إلى رامهرمز في طاعة الملك الرحيم. ثم قبض هزارشب عليهم وأرسل إلى الملك الرحيم بطاعته، فبعث أخاه أبا سعيد إليه فملك إصطخر، وخدمه أبو نصر بعسكره وماله، وأطاعته جموع من عساكر فارس من الديلم والترك والعرب والأكراد وحاصروا قلعة بهندر فخالفه هزارشب ومنصور بن الحسين الأسدي إلى الملك الرحيم فهزموه.

وفارق الأهواز إلى واسط وعاد إلى سعد بشيراز فقاتلهم وهزمهم. ثم عاودوا القتال فهزمهم وأثخن فيهم واستأمن إليه كثير منهم، وصعد فلاستون إلى قلعة بهندر فامتنع بها، وأعيدت الخطبة للملك الرحيم بالأهواز. ثم مضى فلاستون وهزارشب إلى إيدج وبعثوا بطاعتهم إلى السلطان طغرلبك واستمدوه، وبعث إليهم العساكر والملك الرحيم بعسكر مكرم وقد انصرف عنه البساسيري إلى العراق، ودبيس بن مزيد والعرب والأكراد، وبقي معه ديلم الأهواز، وأنزل بغداد فسار من عسكر مكرم إلى الأهواز ٤/٦٥٣

وحاصروه بها فبعث أخاه أبا سعد صاحب فارس حين طلبه صاحب إصطخر ليفت في عضد فلاستون وهزارشب ويرجعوا عنه. فلم يهجهم ذلك وساروا إلى الأهواز وقاتلوه فهزموه، ولحق في الفل بواسط ونهبت الأهواز. وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم وكانت السلجوقية قد ساروا إلى فارس، فاستولى آلب أرسلان ابن أخي طغرلبك على مدينة نسا وعاثوا فيها وذلك سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. ثم ساروا سنة أربع وأربعين وأربعمائة إلى شيراز ومعهم العادل بن ماقته وزير فلاستون فقبضوا عليه وملكوا منه ثلاث قلاع وسلموها إلى أبي سعد أخي الملك الرحيم، واجتمعت عساكر شيراز فهزموا الغز الذين ساروا إليها وأسروا بعض مقدميهم. ثم ساروا إلى نسا وقد كان تغلب عليها بعض السلجوقية فأخرجوهم عنها وملكوها.

الفتنة بين البساسيري وبني عقيل واستيلاؤه على الأنبار

لما سار الملك الرحيم إلى شيراز سنة إحدى وأربعين ثار بعض بني عقيل باردوقا فنهبوها وعاثوا فيها وكانت من أقطاع البساسيري، فلما عاد من فارس سار إليهم من بغداد فأوقع بأبي كامل بن المقلد، واقتتلوا قتالا شديدا. ثم تحاجزوا ورفع إلى البساسيري أن قرواش أساء السيرة في أهل الأنبار، وجاء أهلها متظلمين منه، فبعث معهم عسكرا فملكوها، وجاء على أثرهم فأصلح أحوالها. وزحف قريش إليها سنة ست وأربعين فملكها وخطب فيها لطغرلبك، ونهب ما كان فيها للبساسيري، ونهب حلل أصحابه بالخالص، وجمع البساسيري وقصد الأنبار وجرى فاستعاد من يد قريش ورجع إلى بغداد. ٤/٦٥٤

استيلاء الخوارج على عمان

كان أبو المظفر بن أبي كاليجار أميرا على عمان، وكان له خادم مستبد عليه فأساء السيرة في الناس ومد يده إلى الأموال فنفروا منه، وعلم بذلك الخوارج في جبالها فجمعهم ابن رشد منهم وسار إلى المدينة فبرز إليه أبو المظفر وظفر بالخوارج. ثم جمع ثانية وعاد لقتال أبي المظفر والديلم وأعانه عليهم أهل البلد لسوء سيرتهم فهزمهم ابن رشد وملك البلد، وقتل الخادم وكثيرا من الديلم والعمال، وأخرب دار الإمارة وأسقط المكوس، واقتصر على ربع العشر من أموال التجار والواردين. وأظهر العدل ولبس الصوف وبنى مسجدا لصلاته، وخطب لنفسه وتلقب الراشد بالله. وقد كان أبو القاسم بن مكرم بعث إليه من قبل ذلك من حاصره في جبله وأزال طمعه.

الفتنة بين العامة ببغداد

وفي صفر من سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة تجددت الفتنة ببغداد بين أهل السنة والشيعة، وعظمت، وتظاهر الشيعة بمذاهبهم وكتبوا بعض عقائدهم في الأبواب، وأنكر ذلك أهل السنة، واقتتلوا وأرسل القائم نقيبي العباسية والعلوية لكشف الحال فشهدوا للشيعة، ودام القتال وقتل رجل من الهاشمية من أهل السنة، فقصدوا مشهد باب النصر ونهبوا ما فيه وأحرقوا ضريح موسى الكاظم وحاقده محمد المتقي وضرائح بني بويه وبعض خلفاء بني العباس، وهموا بنقل شلو الكاظم إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال دون ذلك جهلهم بعين الجدث. وجاء نقيب العباسية فمنع من ذلك، وقتل أهل الكرخ من الشيعة أبا سعيد السرخسي مدرس الحنفية. وأحرقوا محال الفقهاء ودورهم، وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي، وبلغ إحراق المشهد إلى دبيس فعظم عليه، وقطع خطبة القائم لأنه وأهل ناحيته كانوا شيعة، وعوتب في ذلك فاعتذر بأن أهل الناحية تغري القائم بأهل السنة، وأعاد الخطبة بحالها. ثم عظمت الفتنة سنة خمس وأربعين وأربعمائة واطرحوا مراقبة السلطان ودخل معهم ٤/٦٥٥

طوائف من الأتراك وقتل بعض العلوية فصرخ النساء بثأره، واجتمع السواد الأعظم، وركب القواد لتسكين الفتنة فقاتلهم أهل الكرخ قتالا شديدا، وحرقت أسواق الكرخ ثم منع الأتراك من الدخول بينهم فسكنوا قليلا.

استيلاء الملك الرحيم على البصرة

قد كنا قدمنا أن الملك الرحيم لما تولى بغداد بعد أبيه أقر أخاه أبا علي على إمارة البصرة، ثم بدا منه العصيان، فبعث إليه العساكر مع البساسيري القائم بدولته، فزحف إلى البصرة وبرزوا إليه في الماء فقاتلهم عدة أيام ثم هزمهم وملك عليهم الأنهار، وسارت العساكر في البر إلى البصرة، واستأمنت ربيعة ومضر فأمنهم وملك البصرة، وجاءته رسل الديلم بخوزستان يعتذرون، ومضى أبو علي فتحصن بشط عثمان وخندق عليه فمضى الملك الرحيم إليه وملكه، ومضى أبو علي وابنه إلى عبادان ولحق منها إلى جرجان متوجها إلى السلطان طغرلبك. فلما وصل إليه بأصفهان لاقاه بالتكرمة وأنزله بعض قلاع جرباذقان، وأقطع له في أعمالها وأقام الملك الرحيم بالبصرة أياما واستبدل من أجناد أخيه أبي علي بها، واستخلف عليها البساسيري، وسار إلى الأهواز وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين وهزارشب فدخلوا في طاعته، وصارت تستر إليه، وأنزل بأرجان فولاد بن خسرو الديلمي، فسار في أعمالها وحمل المتغلبين هناك على طاعة الملك الرحيم حتى أذعنوا.

استيلاء فلاستون على شيراز بدعوة طغرلبك

قد قدمنا أنه كان بقلعة إصطخر أبو نصر بن خسرو مستوليا عليها، وأنه أرسل بطاعته سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة إلى الملك الرحيم عند ما ملك رامهرمز، واستدعى منه أخاه أبا سعيد ليملكه بلاد فارس، فسار إليه في العساكر وملك البلاد، ونزل شيراز، وكان معه عميد الدولة أبو نصر الظهير قد استبد في دولته، وساءت سيرته في جنده، وأوحش أبا نصر مستدعيهم للملك فانتقض عليهم، وداخل الجند في ٤/٦٥٦

الانتقاض فشغبوا وقبضوا على عميد الدولة، ونادوا بدعوة أبي منصور فلاستون، واستدعوه وأخرجوا أبا سعيد عنهم إلى الأهواز، ودخل أبو منصور إلى الأهواز فملكها وخطب لطغرلبك وللملك الرحيم ثم لنفسه بعدهما.

وقائع البساسيري مع الاعراب والأكراد لطغرلبك

لما استولى طغرلبك على النواحي وأحاط بأعمال بغداد من جهاتها، وأطاعه أكثر الأكراد إلى حلوان وكثر فسادهم وعيثهم، والتفت عليهم الأعراب وأهم الدولة شأنهم سار إليهم البساسيري واتبعهم إلى البوازيج فظفر بهم وقتل وغنم، وعبروا الزاب، وجاء الديلم فتمكن من العبور إليهم وذلك سنة خمس وأربعين وأربعمائة ثم دعاه دبيس صاحب الحلة إلى قتال خفاجة، وقد عاثوا في بلاده، فاستنجد به وسار إليهم فأجلاهم عن الجامعين، ودخلوا المفازة واتبعهم فأدركهم بخفان فأوقع بهم وغنم أموالهم وأنعامهم، وحاصر حصن خفان وفتحه وخربه. وأراد تخريب القائم الذي به، وهو بناء في غاية الارتفاع كالعلم يهتدى به. قيل إنه وضع لهداية السفن لما كان البحر إلى النجف، فصانع عنه ربيعة بن مطاعم بالمال وترك له، وعاد إلى بغداد فصلب من كان معه من أسرى العرب. ثم سار إلى خوي فحصرها وقرر عليها سبعة آلاف دينار.

فتنة الأتراك واستيلاء عساكر طغرلبك على النواحي

كان الأتراك من جند بغداد قد استفحل أمرهم على الدولة، واشتطوا وتطاولوا إلى الفتنة عند ما هبت ريحها بظهور طغرلبك واستيلائه على النواحي، فطالبوا الوزير في محرم سنة ست وأربعين وأربعمائة بمبلغ كبير من أرزاقهم ورسومهم وأرهقوه، واختفى في دار الخلافة فاتبعوه وطلبوه من أهل الدار فجحدوه فشغبوا على الديوان، وتعدوا إلى الشكوى من الخليفة، وساء الخطاب بينهم وبين أهل الديوان وانصرفوا، وشاع بين الناس أنهم محاصرون دار الخلافة فانزعجوا، وركب البساسيري وهو النائب يومئذ ابن خلدون م 42 ج 4 ٤/٦٥٧

ببغداد إلى دار الخلافة، وطلب الوزير وكبس الدور من أجله، فلم يوقف له على خبر. وشغب الجند ونهبوا دار الروم وأحرقوا البيع، وكبسوا دار ابن عبيد وزير البساسيري، ووقف أهل الدروب لمنع بيوتهم من الأتراك فنهبوا الواردين، وعدمت الأقوات، والبساسيري في خلال ذلك مقيم بدار الخلافة إلى أن ظهر الوزير، وقام بهم بما عليهم من أثمان دوابه وقماشه.

واتصل الهرج وعاد الأعراب والأكراد إلى العيث والإغارة والنهب والقتل، وجاءت أصحاب قريش صاحب الموصل فكبسوا حلل كامل ابن عمه بالبردوان، ونهبوا منها دواب وجمالا من البخاتي. كانت هناك للبساسيري فتضاعف الهرج وانحل نظام الملك. ووصل عساكر الغز إلى الدسكرة مع إبراهيم بن إسحاق من أمراء طغرلبك ورستبارد فاستباحوها. ثم تقدموا إلى قلعة البردوان وقد عصى صاحبها سعدي على طغرلبك فامتنعت عليهم، فعاثوا في نواحيها وخربت تلك الأعمال وانجلى أهلها.

وسارت طائفة أخرى إلى الأهواز فخربوا نواحيها، وقوي طمع السلجوقية في البلاد وخافت الديلم ومن معهم من الأتراك وضعفت نفوسهم، ثم بعث طغرلبك أبا علي بن أبي كاليجار الذي كان صاحب البصرة في عساكر السلجوقية إلى خوزستان، فانتهى إلى سابور خواست، وكاتب الديلم بالوعد والوعيد فنزع إليه أكثرهم واستولى على الأهواز، ونهبها عساكر السلجوقية وصادروا أهلها وهرب أهلها منهم.