al-'Ibar · Vol. 04-05
العِبَر · الأجزاء ٤–٥ — دولة السلجوقية من الترك المستولين

أخبارُ العرب من «كتاب العِبَر» — الأجزاء ٤–٥. فيه: دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك.

الوحشة بين القائم والبساسيري

قد قدمنا ما وقع من قريش بن بدران في نهب حلل البساسيري أصحابه سنة ست وأربعين وأربعمائة ثم وصل إلى بغداد أبو الغنائم وأبو سعد ابنا المحلبان صاحب قريش ودخلا في خفية، فهم البساسيري بأخذهما، فأجارهما الوزير رئيس الرؤساء عليه، فغضب وسار إلى جرى والأنبار فملكهما ورجع ولم يعرج على دار الخلافة وأسقط مشاهرات القائم والوزير وحواشي الدار من دار الضرب، ونسب إلى الوزير مكاتبته طغرلبك. ثم سار في ذي الحجة من سنة ست وأربعين وأربعمائة إلى الأنبار ٤/٦٥٨

وبها أبو الغنائم بن المحلبان، ونصب عليها المجانيق ودخلها عنوة وأسر أبا الغنائم في خمسمائة من أهلها، ونهب البلاد وعاد إلى بغداد وقد شهر أبا الغنائم وهم بصلبه، فشفع فيه دبيس بن صدقة، وكان قد جاء مددا له على حصار الأنبار فشفعه وصلب جماعة من الأسرى.

وثوب الأتراك بالبساسيري ونهب داره

كان هذا البساسيري مملوكا لبعض تجار بسا من مدائن فارس فنسب إليها. ثم صار لبهاء الدولة بن عضد الدولة، ونشأ في دولته وأخذت النجابة بضبعه. وتصرف في خدمة بيته إلى أن صار في خدمة الملك الرحيم. وكان يبعثه في المهمات ومدافعة هذه الفتن. فدافع الأكراد من جهة حلوان، ودافع قريش بن بدران من الجانب الغربي وهما قائمان بدعوة طغرلبك. ثم سار إلى الملك الرحيم بواسط وقد تأكدت الوحشة بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء كما تقدم. وبعث إليه وزيره أبو سعد النصراني بجرار خمر، فدس عليها الوزير قوما ببغداد كانوا يقومون في تغيير المنكر فكسروها. وأراقوا خمرها فتأكدت الوحشة بذلك، واستفتى البساسيري الفقهاء الحنفية في ذلك فأفتوه باحترام مال النصراني، ولا يجوز كسرها عليه ويغرم من أتلفها. وتأكدت الوحشة بين الوزير وبين البساسيري وكانت الوحشة بينه وبين الأتراك كما مر. فدس الوزير بالشغب على البساسيري فشغبوا، واستأذنوا في نهب دوره، فأذن لهم من دار الخلافة فانطلقت أيدي النهب عليها، وأشاع رئيس الرؤساء أنه كاتب المستنصر العلوي صاحب مصر، واتسع الخرق، وكاتب القائم الملك الرحيم بإبعاد البساسيري، وأنه خلع الطاعة وكاتب المستنصر العلوي فأبعده الملك الرحيم.

استيلاء طغرلبك على بغداد والخليفة ونكبة الملك الرحيم وانقراض دولة بني بويه

كان طغرلبك قد سار غازيا إلى بلاد الروم فأثخن فيها. ثم رجع إلى الري فأصلح فسادها. ثم وصل همذان في المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة عاملا على الحج، وأن ٤/٦٥٩

يمر بالشام ويزيل دولة العلوية بمصر. وتقدم إلى أهل الدينور وقرميس وغيرهما باعداد العلوفات والزاد في طريقه، وعظم الإرجاف بذلك في بغداد وكثر شغب الأتراك، وقصدوا ديوان الخلافة يطلبون القائم في الخروج معهم لمدافعة، وعسكروا بظاهر البلد. فوصل طغرلبك إلى حلوان وانتشر أصحابه في طريق خراسان وأجفل الناس إلى غربي بغداد، وأصعد الملك الرحيم من واسط بعد أن طرد عنه البساسيري بأمر القائم، فلحق بدبيس بن صدقة صاحب الحلة لصهر بينهما.

وبعث طغرلبك إلى القائم بطاعته والى الأتراك بالمواعيد الجميلة، فرد الأتراك كتابه وسألوا من القائم رده عنهم فأعرض، وجاء الملك الرحيم يعرض نفسه فيما يختاره فأمر بتقويض الأتراك خيامهم، وأن يبعثوا بالطاعة لطغرلبك ففعلوا وأمر القائم الخطباء بالخطبة لطغرلبك، فبعث إلى طريقهم الوزير أبا نصر الكندري، وأمر الأجناد ثم دخل طغرلبك بغداد يوم الخميس ليومين من رمضان، ونزل بباب الشمناسية، ووصل قريش صاحب الموصل وكان في طاعته قبل ذلك. ثم انتشرت عساكر طغرلبك في البلد وأسواقها فوقعت الهيعة، وظن الناس أن الملك الرحيم أذن بقتال طغرلبك فأقبلوا من كل ناحية، وقتلوا الغز في الطرقات إلا أهل الكرخ فإنهم أمنوهم، وأجاروهم وشكر الخليفة لهم ذلك، وتمادى العامة في ثورتهم وخرجوا إلى معسكر طغرلبك. ودخل الملك الرحيم بأعيان أصحابه إلى دار الخلافة تفاديا من الظنة به، وركبت عساكر طغرلبك فهزموا العامة وكسروهم، ونهبوا بعض الدروب ودروب الخلفاء والرصافة ودرب الدروب. وكانت هذه الدروب قد نقل الناس إليها أموالهم ثقة باحترامها، وفشا النهب واتسع الخرق، وأرسل طغرلبك من الغد إلى القائم بالعتب على ما وقع، ونسبه إلى الملك الرحيم ويطلب حضوره وأعيان أصحابه فيكون براءة لهم، فأمرهم الخليفة بالركوب إليه، وبعث معهم رسوله ليبرثهم فساروا في ذمامه، وأمر طغرلبك بالقبض عليهم ساعة وصولهم.

ثم حمل الملك الرحيم إلى قلعة السيروان فحبس بها وذلك لست سنين من ولايته، وانقرض أمر بني بويه ونهب في الهيعة حلة قريش صاحب الموصل. ونجا سليمان إلى خيمة بدر بن مهلهل فأجاره، ثم خلع عليه طغرلبك ورده إلى حلله. ونقم القائم على طغرلبك ما وقع، وبعث في إطلاق المحبوسين فاتهم في ذمامه، وهدده بالرحيل عن بغداد فأطلق بعضهم ومحا عسكر الرحيم من الدواوين، وأذن لهم في السعي في ٤/٦٦٠

معاشهم، فلحق كثير منهم بالبساسيري فكثر جمعه. واستصفى طغرلبك أموال الأتراك ببغداد من أجله، وبعث إلى دبيس بابعاده، فلحق بالرحبة وكاتب المستنصر صاحب مصر بالطاعة.

وخطب دبيس لطغرلبك في بلاده وانتشر الغز في سواد بغداد فنهبوه، وفشا الخراب فيه، وانجلى أهله، وولى طغرلبك البصرة والأهواز هزارشب فخطب لنفسه بالأهواز فقط، وأقطع الأمير أبا علي ابن الملك أبي كاليجار قرميس وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم في نداء الصبح الصلاة خير من النوم، وأمر بعمارة دار الملك فعمرت على ما اقترحه، وانتقل إليها في شوال سنة سبع وأربعين وأربعمائة واستقرت قدمه في الملك والسلطان، وكانت له الدولة التي ورثها بنوه وقومه السلجوقية ولم يكن للإسلام في العجم أعظم منها. والملك لله يؤتيه من يشاء.

الخبر عن دولة وشمكير وبنيه من الجيل اخوة الديلم وما كان لهم من الملك والسلطان بجرجان وطبرستان وأولية ذلك ومصايره

قد تقدم لنا ذكر مرداويج بن زيار، وأنه كان من قواد الديلم للأطروش، وأنه من الجيل إخوة الديلم، وكانت حالهم واحدة. وكان منهم قواد للعلوية استظهروا بهم على أمرهم حتى إذا انقرضت دولة الأطروش وبنيه على حين فشل الدولة العباسية، ومحي أعمالها من السلطان، ساروا في النواحي لطلب الملك متفرقين فيها فملكوا الري وأصفهان وجرجان وطبرستان والعراقين وفارس وكارمان، كل منهم في ناحية وتغلب بنو بويه على الخليفة وحجروه إلى آخر أيامهم. وذكرنا أن مرداويج عند ما استفحل ملكه بعث عن أخيه وشمكير من بلاد كيلان سنة عشرين وأربعمائة فاستظهر به على أمره، وولاه على الأعمال الجليلة، وكان قد استولى على أصفهان والري وأصبح من أعظم الملوك، وكان له موال من الأتراك تنكروا له لشدته عليهم فاغتالوه، وقتلوه في محرم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فاجتمعت العساكر بعده على أخيه وشمكير بالري، وبعث إلى ما كان بن كالي وهو بكرمان بعد ما ملكها من أبي علي بن إلياس ٤/٦٦١

بالمسير إليه بالري مع ابن محتاج. وسار ما كان على المفازة إلى الدامغان وبعث وشمكير قائده تاتجيز الديلمي مع جيش كثيف لاعتراضه، ومع ما كان عسكر ابن مظفر مددا له، فتقاتلوا وهزمهم تاتجيز فعادوا إلى نيسابور، وجعلت ولايتها لما كان وقد مر ذكر ذلك كله. ثم سار تاتجيز إلى جرجان وأقام بها، ثم هلك آخر السنة من سقطة عن فرسه، فاستولى عليها ما كان وحاصره ابن محتاج سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فملكها وسار ما كان إلى طبرستان فأقام بها. وكان ركن الدولة بن بويه غلب على أصفهان فبعث وشمكير عساكره إلى ما كان مددا له في حروبه مع ابن محتاج، فاغتنم ركن الدولة خلو وشمكير من العساكر فسار إلى أصفهان فملكها، واتصل ما بينه وبين صاحب خراسان وانفرد وشمكير بملك الري.

استيلاء عساكر خراسان على الري والجيل وملك وشمكير طبرستان

لما ملك ركن الدولة أصفهان وصل يده بأبي علي بن محتاج صاحب خراسان، هو وأخوه عماد الدولة صاحب فارس، وحرضاه على أخذ الري من وشمكير رجاء أن يكون طرفا لعمله فيتمكن به من ملكها، فسار أبو علي لذلك، واستمد وشمكير ما كان للمدافعة فجاء بنفسه. وبعث ركن الدولة مددا لابن محتاج فلقوه بإسحاق آباد وتقاتلوا فانهزم وشمكير ولحق بطبرستان فملكها، وقتل ما كان بالمعركة واستولى أبو علي على الري. ثم بعث أبو علي العساكر إلى بلد الجيل فاستولى على زنكان وأبهر وقزوين وكرج وهمذان ونهاوند والدينور إلى حلوان.

استيلاء الحسن بن القيرزان على جرجان

كان الحسن بن القيرزان ابن عم ما كان، وكان مناهضه في الصرامة، فلما قتل ما كان ٤/٦٦٢

وملك وشمكير طبرستان بعث إليه بالدخول في طاعته فأبى، ونسبه إلى المواطأة على قتل ما كان فقصده وشمكير ففارق سارية وسار إلى ابن محتاج صاحب خراسان.

واستنجده فسار معه ابن محتاج وحاصر وشمكير بسارية حولا كاملا حتى رجع إلى طاعة ابن سامان، وأعطى ابنه سلار رهينة بذلك ورجع هو والحسن إلى خراسان وهو مكابده للصلح، ولقيهما موت سعيد بن سامان فثار الحسن بأبي علي بن محتاج ونهب سواده وأخذ ابن وشمكير الذي كان عنده، ورجع فملكها من يد إبراهيم بن سيجور الدواني ولحق ابن سيجور بنيسابور فعصى علي بن محتاج كما مر في أخبارهم.

رجوع الري لوشمكير واستيلاء ابن بويه عليها

لما انصرف ابو علي إلى خراسان وفعل به الحسن ما ذكرناه، سار وشمكير إلى الري فملكها وراسله ابن القيرزان يستميله، ورد عليه ابنه سلار فصانعه ولم يبالغ محافظة على عهد ابن محتاج. ثم طمع ركن الدولة بن بويه في ملك الري لخلو يده وقلة عسكره فسار إليه وهزمه، واستأمن كثير من عسكره إليه وملك الري، ورجع وشمكير إلى طبرستان فاعترضه الحسن وهزمه فلحق بخراسان، وراسل ابن القيرزان ركن الدولة بن بويه وواصله.

استيلاء وشمكير على جرجان

لما ملك ابن بويه الري من يد وشمكير ولحق طبرستان واعترضه ابن القيرزان وهزمه، ولحق بخراسان سار إلى نوح بن سامان مستنجدا به، وبعث معه عسكرا، وأرسل إلى ابن محتاج صاحب خراسان بمظاهرته، فبعثه فيمن معه إلى جرجان وبها الحسن بن القيرزان فهزمه وشمكير وملك جرجان. ٤/٦٦٣

استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان

لما ملك وشمكير جرجان من يد الحسن بن القيرزان سار إلى ركن الدولة بن بويه، وأقام عنده بالري ثم سار سنة ست وثلاثين وثلاثمائة إلى بلاد وشمكير ولقيهم فهزموه وملك ركن الدولة طبرستان، وسار منها إلى جرجان، واستأمن إليه قواد وشمكير وولى الحسن بن القيرزان على جرجان ورجع إلى الري، وسار وشمكير إلى خراسان مستنجدا بابن سامان، فأمر منصور بن قراتكين صاحب خراسان أن يستوفد العساكر لإنجاده فسار معه، وكان مصطنعا عليه، وكتب وشمكير إلى ابن سامان يشكو من ابن قراتكين، ثم كتب الأمير نوح إلى أبي علي بن محتاج أن يسير معه إلى الري فسار معه وقاتلوا ركن الدولة فلم يظفروا به حتى صالحهم كما تقدم، ورجع إلى وشمكير فانهزم أمامه إلى أسفراين، وملك ابن بويه طبرستان وحاصر سارية وملكها، ولحق وشمكير بجرجان وسار إلى جرجان في طلب وشمكير إلى بلد الجيل واستولى ابن بويه عليها.

وفاة وشمكير وولاية ابنه بهستون

لما غلب بنو بويه على كرمان من يد أبي علي بن إلياس لحق وشمكير بالأمير منصور بن نوح ببخارى مستنصرا به، وأطمعه في ممالك بني بويه. وأسر إليه أن قواده بخراسان لا يناصحونه في شأنه فكتب إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور صاحب خراسان بالمسير إلى الري بطاعة وشمكير والتصرف عن رأيه، واستعد ركن الدولة للقائهم واستنجد ابنه عضد الدولة وخالفهم إلى خراسان وبلغهم الخبر فتوقفوا بالدامغان يستطلعون الأخبار. وركب وشمكير للصيد فاعترضه خنزير فرماه بحربة من يده فحمل عليه الخنزير فشب الفرس وسقط وشمكير إلى الأرض ومات من سقطته ٤/٦٦٤

في محرم سنة سبع وخمسين وأربعمائة وانتقض جميع ما كانوا فيه ، ولما مات وشمكير قام ابنه بهستون مقامه، وراسل ركن الدولة وصالحه فأمده بالعساكر والأموال.

وفاة بهستون وولاية أخيه قابوس

ثم توفي بهستون بن وشمكير بجرجان سنة ست وستين وثلاثمائة لسبع سنين من ولايته، وكان أخوه قابوس عند خاله رستم بجبل شهريار، وترك بهستون ابنا صغيرا بطبرستان في كفالة جده لأمه فطمع له جده في الملك وبادر به إلى جرجان وقبض على من كان عنده ميل إلى قابوس من القواد، وفي خلال ذلك وصل قابوس فخرج الجيش إليه واجتمعوا عليه وملكوه، وهرب أصحاب ابن منصور فكفله عمه قابوس وجعله إسوة بنيه، وقام بملك جرجان وطبرستان.

استيلاء عضد الدولة على جرجان وطبرستان

لما توفي ركن الدولة سنة ست وستين وثلاثمائة وعهد لابنه عضد الدولة وولى ابنه فخر الدولة على همذان وأعمال الجيل، وابنه مؤيد الدولة على أصفهان. وكان بختيار بن معز الدولة ببغداد فاستولى عليه. ثم سار إلى أخيه فخر الدولة بهمذان فهرب إلى قابوس ونزل عضد الدولة الري. وبعث إلى قابوس في طلب أخيه فخر الدولة فأبى، فأمر أخاه مؤيد الدولة بخراسان أن يسير إليه، وأمده بالأموال والعساكر. وسار إلى جرجان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ولقيه فخر الدولة بخراسان عند ما وليها حسام الدولة أبو العباس تاش من قبل الأمير أبي القاسم بن نوح، وكتب إلى العباس تاش يأمره بإنجاد قابوس بن وشمكير وفخر الدولة على مؤيد الدولة، وإعادة قابوس إلى بلده، فزحف في العساكر إلى جرجان وحاصرها شهرين حتى ضاقت أحوالهم. ٤/٦٦٥

وكاتب مؤيد الدولة فائقا الخاصة من قواد خراسان واستماله فوعده أن ينهزم بمن معه يوم اللقاء.

وخرج مؤيد الدولة فقاتلهم وانهزم فائق بمن معه كما وعد، ووقف حسام الدولة وفخر الدولة قليلا، ثم اتبعوه منهزمين إلى خراسان. ثم استدعى تاش لتدبير الدولة ببخارى بعد قتل الوزير العتبي، فسار إليه سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة مؤيد الدولة وكان من خبر وفاته ما قدمناه. ووقعت الفتنة بين تاش وابن سيجور وانهزم تاش إلى جرجان وقابله، فخر الدولة من الكرامة والنصرة بما لم يعهد مثله حسبما مر في أخبارهم. ولما ملك فخر الدولة جرجان وطبرستان والري اعتزم على رد جرجان وطبرستان إلى قابوس رغبا لما كان بينهما بدار الغربة، وأنه الذي جر على قابوس الخروج عن ملكه فشاور عن ذلك وزيره الصاحب بن عباد فلم يوافقه، وبقي مقيما بخراسان، وأنجده بنو سامان بالعساكر المرة بعد المرة فلم يقدر له الظفر حتى كان استيلاء سبكتكين.

عود قابوس الى جرجان وطبرستان

ولما ولي سبكتكين خراسان وعد قابوس برده إلى ملكه جرجان وطبرستان. ثم مضى إلى بلخ فمات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فأقام قابوس إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فبعث الأصبهبذ إلى جبل شهريار وعليه رستم بن المرزبان خال مجد الدولة. وجمع له فقاتله وانهزم رستم واستولى أصبهبذ على الجيل. وخطب فيه لشمس المعالي قابوس. وكان نائب ابن سعيد بناحية الاستنداويه وكان يميل إلى شمس المعالي فسار إلى آمد وطرد عنها عسكر مجد الدولة واستولى عليها، وخطب فيها القابوس وكتب إليه بذلك. ثم كتب أهل جرجان إلى قابوس يستدعونه فسار إليهم من نيسابور، وسار أصبهبذ، وباتي بن سعيد إليها من مكانهما فخرج إليهما عساكر جرجان فقاتلوهما فانهزم العسكر، ورجعوا إلى جرجان فلقوا مقدمة قابوس عندها فانهزموا ثانية إلى الري.

ودخل شمس المعالي قابوس جرجان في شعبان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وجاءت العساكر من الري لحصاره فأقاموا ودخل فصل الشتاء وتوالت عليهم الامطار وعدمت الأقوات فارتحلوا وتبعهم قابوس وقاتلهم فهزمهم وأسر جماعة من أعيانهم. وملك ما بين جرجان وأستراباذ. ثم أن الأصبهبذ حدث نفسه بالملك، واغتر بما اجتمع له من ٤/٦٦٦

الأموال والذخائر فسارت إليه العساكر من الري مع المرزبان خال مجد الدولة فهزموه وأسروه، وأظهروا دعوة شمس المعالي بالجيل لأن المرزبان كان مستوحشا من مجد الدولة، فانضافت مملكة الجيل جميعا الى مملكة جرجان وطبرستان، وولى عليها قابوس ابنه منوجهر ففتح الري وآيات وشالوش وقارن ذلك استيلاء محمود بن سبكتكين على خراسان، فراسله قابوس وهاداه وصالحه على سائر أعماله.

مقتل قابوس وولاية ابنه منوجهر

كان شمس المعالي قابوس قد استفحل ملكه، وكان شديد السطوة مرهف. الحد فعظمت هيبته على أصحابه وتزايدت حتى انقلبت إلى العتو، فأجمعوا على خلعه، وكان ببعض القلاع فساروا إليه ليمسكوه بها فامتنع عليهم فانتهبوا موجودة، ورجعوا إلى جرجان وجاهروا بالخلعان، واستدعوا ابنه من طبرستان فأسرع إليهم مخافة أن يولوا غيره، واتفقوا على طاعته بأن يخلع أباه فأجاب إلى ذلك كرها. وسار قابوس من حصنه إلى بسطام يقيم بها حتى تضمحل الفتنة فساروا إليه، وأكرهوا منوجهر على المسير معهم وينفرد هو للعبادة بقلعة ابخيا وأذن له أبوه بالقيام بالملك حذرا من خروجه عنهم، وبقي المتولون لكبر تلك الفتنة من الجند مرتابين من قابوس، وكتبوا من جرجان إلى منوجهر يستأذنونه في قتله، ولم ينتظروا رد الجواب وساروا إليه فدخلوا عليه البيت وجردوه من ثيابه، فما زال يستغيث حتى مات من شدة البرد، وذلك سنة ثلاث وأربعمائة لخمس عشرة سنة من استيلائه، وقام بالملك ابنه منوجهر ٤/٦٦٧

وخطب له على منابره ولم يزل في التدبير على الرهط الذين قتلوا أباه حتى أباد كثيرا منهم وشرد الباقين.

وفاة منوجهر وولاية ابنه أنوشروان

ولما سار محمود بن سبكتكين سنة عشرين وأربعمائة عند ما قبض حاجبه على مجد الدولة، وملك الري بدعوة محمود. وسار إليه محمود فهرب منوجهر بن قابوس من جرجان، وبعث إليه بأربعمائة ألف دينار ليصلحه، وتحصن منه بجبال وعرة. ثم أبعد المذهب ودخل في الغياض الملتفة، وأجابه محمود فبعث إليه منوجهر بالمال ونكب عنه في رجوعه إلى نيسابور. ثم توفي منوجهر إثر ذلك سنة ست وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ولايته وقرر عليه خمسمائة ألف أميري، وخطب لمحمود في بلاد الجيل إلى حدود أرمينية. ثم استولى مسعود بن محمود أعوام الثلاثين على جرجان وطبرستان، ومحا دولة بني قابوس كأن لم تكن والبقاء لله وحده.

الخبر عن دولة مسافر من الديلم بآذربيجان ومصايره

كانت أذربيجان عند ظهور الديلم وانتشارهم في البلاد واستيلائهم على الأعمال أعوام الثلاثين والثلاثمائة بيد رستم بن إبراهيم الكردي من أصحاب يوسف بن أبي الساج.

وكان من خبره أن أباه إبراهيم من الخوارج من أصحاب هارون الشادي الخارج بالموصل هرب بعد مقتله إلى أذربيجان. وأصهر في الأكراد إلى بعض رؤسائهم، فولد له ابنه رستم ونشأ في أذربيجان. ولما كبر استضافه ابن أبي الساج، وتنقل في الأطوار إلى أن استولى على أذربيجان بعد يوسف بن أبي الساج، وكان معظم جيوشه الأكراد. ولما استولى الديلم على البلاد وملك وشمكير الري ولى أعمال الجيل لشكري ٤/٦٦٨

وجمع الأموال والرجال، وسار لشكري الى أذربيجان ليملكها سنة ست وعشرين وثلاثمائة وحاربه دسيم في بعض جهات أذربيجان، واستولى لشكري على سائر بلاد أذربيجان إلا أردبيل، فإن أهلها امتنعوا ثقة بحصن بلادهم.

وراسلهم فلم يجيبوه وحاصرها وشد حصارها، وثلم سورها وملكها أياما يدخل نهارا ويخرج إلى عساكره ليلا. ثم ثدوا ثلم السور وامتنعوا وعادوا إلى الحصان. واستدعوا دسيما فجاء لقتال لشكري من ورائه، وناشبته أهل أردبيل القتال من أمامه فانهزم وقتل عامة أصحابه، وتحيزوا إلى موقان. واستنجد أصبهبذ بن دوالة فجمعوا وساروا إلى دسيم فانهزم أمامهم، وعبر نهر أرس، وقصد وشمكير في الري واستنجده، وضمن له مالا كل سنة، فبعث معه عسكرا واستمال عسكر لشكري فداخلوه وكاتبوا وشمكير بالطاعة.

وعلم بذلك لشكري فتأخر إلى الزوزن عازما على الموصل أن يملكها، ومر بأرمينية فنهب وسبى، ولما انتهى إلى الزوزن لقيه بعض الرؤساء من الأرمن وصانعه بالمال على بلده حتى كف عنها وأكمن له في مضيق بطريقة، ودس لبعض الأرمن أن ينهبوا شيئا من ثقله، ويسلكوا المضيق، وركب لشكري في أثرهم فقتله الكمين ومن معه، وقدم أهل العسكر عليهم ابنه الشكرستان، ورجعوا إلى بلد الطرم الأرميني ليثأروا من الأرمن بصاحبهم. وكان أكثر بلده مضايق فقاتلهم الأرمن عليها وفتكوا فيهم، ولحق العسكر والشكرستان في الفل بالموصل فأقام بها عند ناصر الدولة بن حمدان، وكانت له معادن أذربيجان وولى عليها ابن عمه أبا عبد الله الحسين ابن سعيد بن حمدان. وبعث الشكرستان وأصحابه فقاتلهم دسيم على المعادن، وغلبهم عليها ورجعوا واستولى دسيم على أذربيجان.

استيلاء المرزبان بن محمد بن مسافر على آذربيجان

كان محمد بن مسافر من كبار الديلم وكان صاحب الطرم وكان له أولاد كثيرون منهم سلار ومنهم صعلوك ومنهم وهشودان والمرزبان أمه بنت حسان ووهشودان ملك الديلم وقد مر خبره، وكان دسيم بن إبراهيم الكردي بعد مدافعة لشكري وابنه عن ٤/٦٦٩

أذربيجان أقام عنده بعض الديلم من عسكر وشمكير الذين أنجدوه على شأنه. ثم إن قومه من الأكراد استبدوا عليه بأطراف أعماله، وملكوا بعض القلاع فاستظهر عليهم بأولئك الديلم وغلبهم، واستدعى صعلوك بن محمد من قلعة أبيه الطرم فجاء إليه جماعة من الديلم وسار بهم إلى التي تغلب عليها الأكراد فانتزعها منهم، وقبض على جماعة منهم. ثم استوحش منه وزيره أبو القاسم علي بن جعفر من أهل أذربيجان فهرب إلى الطرم ونزل على محمد بن مسافر عند ما استوحش منه ابناه وهشودان والمرزبان، وغلبا على بعض قلاعه.

ثم قبضا عليه وانتزعا منه أمواله وذخائره فتقرب الوزير علي بن جعفر إلى المرزبان وكان يشاركه في دين الباطنية، وأطمعه في أذربيجان فاستوزره المرزبان، وكانت الديلم الذين عند دسيم وغيره من جنده واستمالهم فأجابوه، وسار المرزبان إلى أذربيجان وبرز دسيم للقائه فنزع الديلم إلى المرزبان، واستأمن إليه كثير من الأكراد، وهرب دسيم إلى أرمينية ونزل على صاحبها حاجيق بن الديراني. وملك المرزبان أذربيجان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وأساء وزيره علي بن جعفر السيرة مع أصحابه فتظافروا عليه وشرعوا في السعاية فيه، فأطمع المرزبان في أموال تبريز يضمنها له.

وسار إليها في عسكر من الديلم وأسر لأهلها أنه جاء لمصادرتهم، فوثبوا بمن معه من الديلم وقتلوهم، واستدعوا دسيم بن إبراهيم فجاء إلى تبريز وملكوه، ولحق به الأكراد الذين استأمنوا إلى المرزبان، فسار المرزبان في عساكره وحاصرهم دسيم بتبريز، وكاتب علي بن جعفر وحلف له على الوفاء بما يرومه منه فطلب منه السلامة، وترك العمل فأجابه واشتد الحصار على دسيم فهرب من تبريز إلى أردبيل، وخرج الوزير إليه فوفى له المرزبان. ثم طلب دسيم أن ينزله بأهله بقلعة من قلاع الطرم ففعل وأقام المرزبان فيها.

استيلاء الروس على مدينة بردعة وظفر المرزبان بهم

هؤلاء الروس من طوائف الترك ويجاورون الروم في مواطنهم، وأخذوا بدين النصرانية معهم منذ أزمان متطاولة، وبلادهم تجاور بلاد أذربيجان، فركبت طائفة منهم ٤/٦٧٠

البحر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ثم صعدوا من البحر في نهر اللكنهر، وانتهوا إلى مدينة بردعة من بلاد أذربيجان وبها المرزبان فخرج إليهم في نحو خمسة آلاف مقاتل من الديلم وغيرهم فهزمهم الروس، وقتلوا الديلم وتبعوهم إلى البلد فملكوه ونادوا بالأمان، وأحسنوا السيرة، وجاءت العساكر الإسلامية من كل ناحية فلم يقدروا عليهم. وظاهرهم العوام والرعاع، فلما انصرفت العساكر غدرت الروسية بهم فقتلوهم، ونهبوا أموالهم واستعبدوهم.

وأحزن المسلمين ذلك واستنفر المرزبان الناس وسار لهم وأكمن لهم كمينا، وزحف إليهم، وخرجوا إليه واستطرد لهم حتى جاوزوا موضع الكمين، فاستمر أصحابه على الهزيمة ورجع هو مع أخيه وصاحب له مستميتين، وخرج الكمين من ورائهم واستلحم الروسية وأميرهم، ونجا فلهم إلى البلد فاعتصموا بحصنه، وكانوا قد نقلوا إليه السبي والأموال، وحاصرهم المرزبان وصابروه. ثم إن ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل بعث إلى ابن عمه الحسين بن سعد بن حمدان في هذه السنة إلى أذربيجان ليملكها، فبلغ الخبر إلى المرزبان بأنه انتهى إلى سلماس، فجهز عسكرا إلى الروس وسار لقتال ابن حمدان، فقاتله أياما ثم استدعاه ابن عمه ناصر الدولة من الموصل وأخبره بموت توزون وأنه سائر إلى بغداد، وأمره بالرجوع فرجع. وأما الروس فحاصرهم العسكر أياما واشتد فيهم الوباء فانقضوا من الحصن ليلا وحملوا ما قدروا عليه من الأموال ولحقوا باللكن فركبوا سفنهم ومضوا إلى بلادهم، وطهر الله البلاد منهم.

مسير المرزبان الى الري وهزيمته وحبسه

ولما سارت عساكر خراسان إلى الري وظن المرزبان أن ذلك يشغل ركن الدولة بن بويه عنه، وكان قد بعث رسوله إلى معز الدولة ببغداد فصرفه مذموما مدحورا، فاعتزم على غزو الري، وطمع في ملكه واستأمن إليه بعض قواد الري وأغراه بذلك.

وراسله ناصر الدولة بن حمدان يستحثه لذلك، ويشير عليه ببغداد قبل الري. ٤/٦٧١

وكتب ركن الدولة إلى أخويه عماد الدولة ومعز الدولة يستنجدهما، فبعثوا إليه بالعساكر، وسار بها من بغداد سبكتكين الحاجب. ولما انتهى إلى الدينور انتقض عليه الديلم ووثبوا به، فركب في الأتراك فتخاذل الديلم وأعطوه الطاعة. وكان المرزبان قبل وصول العساكر زحف إلى الري وهزمه ركن الدولة وحبسه، ورجع الفل إلى أذربيجان ومعهم محمد بن عبد الرزاق. واجتمع أصحاب المرزبان على أبيه محمد بن مسافر، وأساء السيرة فهموا بقتله، وكان ابنه وهشودان قد هرب منه واعتصم بحصن له فلحق به أبوه محمد فقبض عليه وهشوذان وضيق عليه حتى مات. ثم استدعى دسيم الكردي من مكانه بقلعة الطرم حيث أنزله المرزبان عند ظفره به، وبعثه إلى محمد بن عبد الرزاق، وأقام بنواحي أذربيجان. ثم رجع إلى الري سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة واستعتب إلى سلطانه نوح بن سامان فأعتبه وعاد إلى طوس.

واستولى دسيم على أذربيجان لوالي القلعة حتى تمكنوا من قتله فقتله المرزبان، ولحق بأخيه وهشوذان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وكان علي بن منسلى من قواد ركن الدولة قد لحق بوهشودان، وأغراه بدسيم، فبعثه وهشودان في العساكر، وكاتب الديلم واستمالهم، وسار إليه دسيم وخلف وزيره أبا عبد الله النعيمي بأردبيل فجمع مالا كان صادره عليه، وهرب بما معه من المال إلى علي بن منسلى.

وبلغ الخبر إلى دسيم عند أذربيجان، فعاد الى أردبيل، وشغب عليه الديلم ففرق فيهم ما كان معه من المال، وسار للقاء علي بن منسلى فالتقيا. وهرب الديلم الذين معه إلى علي بن منكلى، وانهزم هو إلى أرمينية. ثم جاءه الخبر بأن المرزبان تخلص من محبسه بقلعة سيرم وملك أردبيل، واستولى على أذربيجان. وأنفذ العساكر في طلبه فهزم دسيم إلى بغداد فأكرمه معز الدولة وأقام عنده. ثم استدعاه شيعته بأذربيجان سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة فسار إليهم وطلب من معز الدولة المدد لأن أخاه ركن الدولة كان قد صالح المرزبان، فسار دسيم إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، واستنجد به فلم ينجده، فسار إلى سيف الدولة، فأقام عنده بالشام. فلما كان سنة أربع وأربعين خرج على المرزبان خارج باب الأبواب فسار إليه، وخالفه دسيم إلى أذربيجان فاستدعاه مقدم من الأكراد وملك سلماس فبعث اليه المرزبان ٤/٦٧٢

قائدا من قواده فهزمه دسيم. ولما فرغ المرزبان من أمر الخارج وعاد إلى أذربيجان هرب دسيم إلى أرمينية واستجاش بابن الديراني، وكتب إليه المرزبان بحمل دسيم إليه، فسلمه وحبسه حتى إذا توفي المرزبان قتله بعض أصحابه حذرا من فتنته.

وفاة المرزبان وولاية ابنه خستان

ثم توفي المرزبان صاحب أذربيجان سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وعهد بالملك إلى أخيه وهشودان وبعده لابنه خستان ، وكان قد أوصى نوابه بالقلاع أن يسلموها لابنه خستان، ثم لأخويه إبراهيم وناصر، ثم إلى أخيه وهشودان عند ما عهد بالعهد الثاني إلى أخيه عرفه بإمارات بينه وبين نوابه يرجعون إليها في ذلك. وبعث إلى النواب عبد الله النعيمي. وهرب وهشودان من أردبيل فلحق بالطرم وجاء قواد المرزبان إلى خستان بن شرمول فإنه كان مقيما على أرمينية فانتقض بها.

مقتل خستان واخوته واستيلاء عمهم وهشودان على آذربيجان

ولما ولي خستان بن المرزبان انغمس في لذاته وعكف على اللهو، وقبض على وزيره أبي عبد الله النعيمي، وكان خستان بن برسموه منتقضا بأرمينية وقد ملكها، وكان وزيره أبو الحسن عبد الله بن محمد بن حمدويه صهرا للوزير النعيمي فاستوحش لنكبته، وحمل صاحبه ابن سرمدن على مكاتبة إبراهيم بن المرزبان، فأطمعه في الملك وسار به إلى مراغة فملكها فراسله أخوه خستان، وسار إلى موقان وكان ٤/٦٧٣

بأذربيجان رجل من ولد المكتفي متنكرا يدعو للرضا من آل محمد ويأمر بالعدل، ويلقب بالمجير، وكثرت جموعه، فبعث إليه النعيمي من موقان وأطمعه في الخلافة، وأن يملكه أذربيجان على أن يقصد بغداد ويترك لهم أذربيجان، فسارا إليه خستان وإبراهيم ابنا المرزبان فهزماه وقتلاه فلما رأى وهشودان الخلاف بين بني أخيه المرزبان استمال إبراهيم، وسار ناصر إلى موقان وطمع الجند في المال فساروا إلى ناصر وملكوا بهم أردبيل.

وطالبه الجند بالمال فعجز وقعد عمه وهشودان عن نصره وتبين له أنه كان يخادعه، فاجتمع مع أخيه خستان واضطربت عليهما الأمور وانتقضت أصحاب الأطراف فاضطرهما الحال إلى طاعة عمهما وهشودان وراسلاه في ذلك، واستحلفاه وقدما عليه مع أمهما، فغدر وقبض عليهم، وعقد الإمارة على أذربيجان لابنه إسماعيل، وسلم له أكثر قلاعه. ولحق إبراهيم بن المرزبان بمراغة، وجمع لاستنقاذ أخويه ومنازعة إسماعيل فقتل وهشودان أخويه وأمهما، وأمر خستان بن سرمدن بقتال إبراهيم بمراغة وبعث اليه بالمدد. وانضم إبراهيم إلى نواحي أرمينية سنة تسع وأربعين فاستولى ابن سرمدن على مراغة واستضافها إلى أرمينية. وجمع إبراهيم. وكانت ملوك أرمينية من الأرمن والأكراد، وأصلح خستان بن سرمدن. ثم جاء الخبر بوفاة إسماعيل ابن عمه فسار إلى أردبيل فملكها، وانصرف ابن منسلى إلى وهشودان، وزحف إليهما إبراهيم وهزمهما، فلحقا ببلاد الديلم، واستولى إبراهيم على أعمال وهشودان. ثم جمع وهشودان وعاد إلى قلعته بالطرم، وبعث أبو القاسم بن منسلى العساكر لقتال إبراهيم فهزموه، ونجا إلى الري مستنجدا بركن الدولة لصهر بينهما.

استيلاء إبراهيم بن المرزبان ثانيا على آذربيجان

قد تقدم هزيمة إبراهيم بن المرزبان أمام عساكر ابن منسلى، وأنه لحق بركن الدولة مستنجدا به، فبعث معه الأستاذ أبا الفضل بن العميد في العساكر فاستولى على أذربيجان، وحمل أهلها على طاعة إبراهيم، وقاد له خستان بن سرمدن وطوائف الأكراد فتمكن من البلاد وكتب ابن العميد إلى ركن الدولة أن يعطيه ملكها. ولعله ٤/٦٧٤

يعوض إبراهيم عنها لكثرة جبايتها وقلة معرفة إبراهيم بالجباية، وأن يشهد فيها بالخروج عن ملكه فأبى من ذلك، وقال لا أفعل ذلك بمن استجار بي فسلم له ابن العميد البلاد ورجع.

(تنبيه) أخبار بني مسافر المعروفين ببني السلار ملوك أذربيجان نقلتها من كتاب ابن الأثير وإلى هاهنا انتهى في أخبارهم وأحال على ما بعده فقال بعد ذلك: وكان الأمير كما ذكر ابن العميد قد أخذ إبراهيم وحبسه على ما ذكره، ولم نقف على ذكر شيء من أخبار إبراهيم بعد ذلك ولا من خبر قومه. وذكر أن محمود بن سبكتكين بعد خبر استيلائه على الري سنة عشرين وأربعمائة أنه بعث إلى المرزبان بن الحسين بن حرابيل من أولاد ملوك الديلم، والتجأ الى محمود فبعثه إلى بلاد السلار، وهو إبراهيم بن المرزبان بن إسماعيل بن وهشودان بن محمد بن مسافر الديلمي، وكان له من البلاد شهرخان وزنجان وشهرزور وغيرها فقصدها واستمال الديلم. وعاد محمود إلى خراسان فسار السلار إبراهيم إلى قزوين فملكها وقتل من عساكر محمود الذين بها وتحصن بقلعة الري، وكان بينهما وقائع ظهر فيها السلار، ثم استمال مسعود بن محمود طوائف من عسكره وجاءوا إليه ودلوه على عورة الحصن الذي فيه السلار وسلكوا بعسكره من طرق غامضة. وبعث إليه العسكر في رمضان سنة ست وعشرين وأربعمائة فانهزم، وقبض عليه مسعود وحمله الى سرجهار وبها ولده ، وطالب أن يسلم إليه القلعة فأبي، وعاود عنه. وتسلم بقية قلاعه، وأخذ أمواله وقرر على ابنه بسرجهار مالا وعلى الأكراد الذين في جواره. وعاد إلى الري، وهذا السلار الذي ذكر غير السلار الأول، ولم يتصل الخبر بالخبر المتقدم. ثم ذكر أخبار الغز الذين تقدموا بين يدي السلجوقية وانتشروا في بلاد الري وملكوها وكثيرا من بلادها، ووصلت طائفة منهم إلى أذربيجان الذين كان مقدمهم بوقا وكوكتاش ومنصور ودانا.

دخول الغز آذربيجان

يقال دخل هؤلاء الغز إلى أذربيجان وسمر صاحبها يومئذ وهشودان بن غلاك، ٤/٦٧٥

فأكرمهم وصاهرهم يدافع شرهم بذلك، ويستميلهم لنصرته فلم يحصل من ذلك بطائل. وعاثوا في البلاد أشد العيث ودخلوا مراغة سنة تسع وعشرين وأربعمائة فقتلوا أهلها وحرقوا مساجدها. وفعلوا كذلك بالأكراد الهمذانية ، فاتفق أهل البلاد على مدافعتهم. وأصلح أبو الهيجاء ابن ربيب الدولة ووهشوذان صاحبا أذربيجان، واتفقت كلمتهما واجتمع معهما أهل همذان فانصرفت تلك الطائفة عن أذربيجان، وافترقوا على الري كما تقدم في أخبارهم. وبقي الغز الذين تقدموا قبلهم، فقاسى منهم أهل أذربيجان شدة، وفتك فيهم وهشوذان بتبريز سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فتكة أوهنت منهم. ودعا منهم جمعا كثيرا إلى صنيع، وقبض على ثلاثين من مقدميهم فقتلهم، وفر الباقون من أرمينية إلى بلاد الهكارية من أعمال الموصل، وكانت بينهم وبين الأكراد وقائع ذكرناها في أخبار الغز بالموصل، ولم يعد ابن الأثير لبني المرزبان ملوك أذربيجان ذكرا إلى أن ذكر استيلاء طغرلبك على البلاد، والمفهوم من فحوى الأخبار أن الأكراد استولوا عليها بعد بني المرزبان والله أعلم.

استيلاء طغرلبك على آذربيجان

قال ابن الأثير وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة سار طغرلبك إلى أذربيجان وقصد تبريز، وصاحبها الأمير منصور بن وهشوذان بن محمد الروادي فأطاعه وخطب له وحمل إليه، ورهن عنده ولده، فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار صاحب جنزة فأطاع وخطب، وكذلك سائر النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة والخطبة، وانقاد العساكر إليه فأبقى عليهم بلادهم، وأخذ رهنهم وسار إلى أرمينية كذلك، وقصد ملازكرد وهي للنصرانية، فعاث في بلادها وخرب أعمالها، وغزا من هنالك بلاد الروم وانتهى إلى أرزن الروم فأثخن في بلادهم ودوخها، وعاد ابن السلار وذكر ابن الأثير خلال هذا غزوة فضلون الكردي إلى الخزر من التركمان على ما مر أول الكتاب فقال: كان بيد فضلون الكردي قطعة كبيرة من أذربيجان فغزا إلى الخزر ٤/٦٧٦

سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ودوخ البلاد وقفل، فجاءوا في أثره وكبسوه وقتلوا أيضا بخطط ملك الإنجاز إلى مدينة تفليس فقال: وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف ملك الأنجاز إلى أذربيجان ليتعرف المسلمين على حين وصول الغز إلى أذربيجان وما فعلوه فيها، وسمع الأنجاز بأخبارهم فأجفلوا عن مخلفهم، ووصل وهشوذان صاحب أذربيجان وصرف نظره إلى ملاطفة الغز ومصاهرتهم ليستعين بهم كما مر . هذا آخر ما وجدناه من أخبار ملوك أذربيجان، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

الخبر عن بني شاهين ملوك البطيحة ومن ملكها من بعدهم من قرابتهم وغيرهم وابتداء ذلك ومصايره

كان عمران بن شاهين من الجامدة، وكان يتصرف في الجباية، وحصل بيده منها مال فتخوف وألح عليه الطلب فهرب إلى البطيحة ممتنعا من الدولة. وكان له نجدة وبأس وصبر على الشظف فأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسمك الماء والطير، ويتعرض للرفاق التي تمر بالطريق فيأخذها. واجتمع إليه لصوص الصيادين فقوي وامتنع على السلطان، وتمسك بخدمة أبي القاسم بن البريدي صاحب البصرة فأمنه، ووصل حبل الطاعة بيده وقلده حماية تلك النواحي إلى الجامدة دفعا لضرره عن السابلة، فعز جانبه وكثر جمعه وسلاحه، واتخذ معاقل على التلال بالبطائح وغلب على تلك النواحي، ولما استولى معز الدولة على بغداد، وقام بكفالة الخلافة والنظر في أمورها، أهمه شأن عمران هذا وامتناعه في معاقلة في نواحي بغداد، فجهز إليه وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر، وسار إليه سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وتعددت بينهما الحروب والوقائع، ثم هزمه الصيمري. ثم أتاه الخبر بمسيره إلى شيراز كما تقدم في أخبار دولتهم. ٤/٦٧٧

مسير العساكر الى عمران بن شاهين وانهزامها

ولما انصرف الصيمري عن عمران عاد إلى حاله فبعث معز الدولة لقتاله روزبهان من أعيان الديلم في العساكر، فتحصن منه في مضايق البطائح، فطاوله فضجر روزبهان واستعجل قتاله فهزمه عمران وغنم ما معهم، فاستفحل وقوي وأفسد السابلة. وكان أصحابه يطلبون الخفارة من جند السلطان إذا مروا بهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة، فبعث معز الدولة بالعساكر مع المهلبي، وزحف إلى البطائح سنة أربعين وثلاثمائة ودخل عمران في مضايقه، وأشاروا عليه بالهجوم فلم يفعل، فكتب إليه معز الدولة بذلك بإشارة روزبهان فدخل المهلبي المضايق بجميع عسكره، وقد أكمن لهم عمران، فخرج عليهم الكمين وتقسموا بين القتل والغرق والأسر، ونجا المهلبي سابحا في الماء. وكان روزبهان متأخرا في الزحف فسلم، وأسر عمران كثيرا من قوادهم الأكابر ففاداه معز الدولة بمن في أسره من أهله وأصحابه، وقلده ولاية البطائح فاستفحل أمره.

ثم انتقض سنة أربع وأربعين وثلاثمائة لخبر بلغه عن مرض طرق معز الدولة، وأرجف أهل بغداد بموته، ومر به مال من الأموال يحمل إلى معز الدولة ومعه جماعة من التجار فكبسهم وأخذ جميع ما معهم. ثم رد ذلك بعد إبلال معز الدولة من مرضه، وفسد ما بينهما من الصلح! ثم سار معز الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فبعث العساكر من هنالك لقتال عمران مع أبي الفضل العباس بن الحسن، وقدم عليه نافع مولى ابن وجيه صاحب عمان يستنجده عليها، فانحدر إلى الأبلة، وبعث معه المراكب إلى عمان، وسارت عساكره إلى البطائح، فنزلوا الجامدة وسدوا الأنهار التي تصب إليها.

ثم رجع معز الدولة من الأبلة وطرقه المرض فجهز العساكر لقتال عمران، وعاد إلى بغداد فهلك، وولي بعده ابنه عز الدولة بختيار فأعاد العساكر المجمرة على عمران، وعقد معه الصلح فاستمر حاله. ثم زحف بختيار إليه سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وأقام بواسط يتصيد شهرا. ثم بعث وزيره إلى الجامدة وطرق البطيحة فسد مجاري المياه وقلبها إلى أنهارها، وهي الجسور إلى العراق. ثم جاء المد من دجلة وخرب جميع ٤/٦٧٨

ذلك. ثم انتقل عمران إلى معقل آخر ونقل ماله إليه حتى إذا حسر المياه وانتهجت الطرق فقدوا عمران من مكانه، وطال عليهم الأمر وشغب الجند على الوزير فأمر بختيار بمصالحته على ألف ألف درهم، ولما رحل العسكر عنه ثار أصحابه في أطراف الناس فنهبوا كثيرا من العساكر ووصلوا إلى بغداد سنة إحدى وستين وثلاثمائة

وفاة عمران بن شاهين وقيام ابنه الحسن مقامه ومحاربته عساكر عضد الدولة

ثم توفي عمران بن شاهين فجأة في محرم سنة تسع وستين وثلاثمائة لأربعين سنة من ثورته بعد أن طلبه الملوك والخلفاء ورددوا عليه العساكر فلم يقدروا عليه. ولما هلك قام بعده ابنه الحسن فطمع عضد الدولة فيه، وجهز العساكر مع وزيره وسدوا عليه المياه وأنفق فيها أموالا وجاء المد فأزالها، وبقوا كلما سدوا فوهة فتق الحسن أخرى وفتح الماء أمثالا لها، ثم وافقهم في الماء فاستظهر عسكر الحسن وكان معه المظفر أبو الحسن ومحمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتهمه بمراسلة الحسن وإفشاء سره إليه، وخاف أن تنقص منزلته عند عضد الدولة فطعن نفسه فمات، وأدرك بآخر رمق فقال:

محمد بن عمر حملني على هذا، وحمل إلى ولده بكازرون فدفن هنالك، وأرسل عضد الدولة إلى العسكر من رجعه إليه وصالح الحسن بن عمران على مال يحمله وأخذ رهنه بذلك.

مقتل الحسن بن عمران وولاية أخيه أبي الفرج

كان الحسن بن عمران آسفا على أخيه أبي الفرج وحنقا عليه، ولم يزل يتحيل عليه إلى أن دعاه إلى عيادة أخت لهما مرضت، وأكمن في بيتها جماعة أعدها لقتله، فدخل الحسن منفردا عن أصحابه، فأغلقوا الباب دونهم وقتلوه، وصعد أبو الفرج ٤/٦٧٩

إلى السطح فأعلمهم بقتله ووعدهم فسكتوا. ثم بذل لهم المال فأقروه، وكتب إلى بغداد بالطاعة، فكتب له بالولاية، وذلك لثلاث سنين من ولاية الحسن.

مقتل أبي الفرج وولاية أبي المعالي بن الحسن

ثم إن أبا الفرج لما قتل أخاه الحسن قدم الجماعة الذين قتلوه على أكبار القواد، وكان الحاجب المظفر بن علي كبير قواد عمران والحسن، فاجتمع إليه القواد وشكوا إليه فسكنهم فلم يرضوا وحملوه على قتل أبي الفرج فقتله، ونصب أبا المعالي ابن أخيه الحسن مكانه لأشهر من ولايته. ثم تولى تدبيره بنفسه لصغره، وقتل من كان يخافه من القواد واستولى على أموره كلها.

استيلاء المظفر وخلع أبي المعالي

ثم إن المظفر بن علي الحاجب القائم بأمر أبي المعالي طمع في الاستقلال بأمر البطيحة فصنع كتابا على لسان صمصام الدولة سلطان بغداد بولايته، وجاء به ركابي عليه أثر السفر وهو بدست إمارته فقرأه بحضرتهم، وتلقاه بالطاعة وعزل أبا المعالي وأخرجه مع أمه إلى واسط وكان يصلهما بالنفقة. وأحسن السيرة بالناس، وانقرض بيت عمران بن شاهين. ثم عهد إلى ابن أخته علي بن نصر ويكنى أبا الحسن، وتلقب بالأمير المختار، وبعده إلى ابن أخته الأخرى ويكنى أبا الحسن ويسمى علي بن جعفر.

وفاة المظفر وولاية مهذب الدولة

ثم توفي الحاجب المظفر صاحب البطيحة سنة ست وسبعين وثلاثمائة لثلاث سنين من ولايته، وولي بعده ابن أخيه أبو الحسن علي بن نصر بعهده إليه كما مر. وكتب إلى شرف الدولة سلطان بغداد بالطاعة، فقلده ولقبه مهذب الدولة، فأحسن السيرة ٤/٦٨٠

وبذل المعروف وأجار الخائف، فقصده الناس وأصبحت البطيحة معقلا. واتخذها الأكابر وطنا، وبنوا فيها الدور والقصور. وكاتب ملوك الأطراف وصاهره بهاء الدولة بابنته، وعظم شأنه واستجار به القادر عند ما خاف من الطائع، وهرب إليه فأجاره، ولم يزل عنده بالبطيحة ثلاث سنين إلى أن استدعي منها للخلافة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.

بعث ابن واصل على البطيحة وعزل مهذب الدولة

كان من خبر أبي العباس بن واصل هذا أنه كان ينوب عن رزبوك الحاجب، وارتفع معه ثم استوحش منه ففارقه وسار إلى شيراز، واتصل بخدمة فولاد وتقدم عنده. ثم قبض على فولاد فعاد إلى الأهواز. ثم أصعد إلى بغداد، ثم خرج منها وخدم أبا محمد ابن مكرم، ثم انتقل إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة وتقدم عنده. ولما استولى السكرستان على البصرة بعثه مهذب الدولة في العساكر لحربه فقتله وغلبه، ومضى إلى شيراز فأخذ سفن محمد بن مكرم وأمواله، ورجع إلى أسافل دجلة فتغلب عليها، وخلع طاعة مهذب الدولة، فأرسل إليه مائة سميرية مشحونة بالمقاتلة فغرق بعضها وأخذ ابن واصل الباقي وعاد إلى الأبلة فبعث إليه أبا سعيد بن ماكولا فهزمه ثانية، واستولى على ما معه وأصعد إلى البطيحة وخرج مهذب الدولة إلى شجاع بن مروان وابنه صدقة فغدروا به، وأخذوا أمواله، ولحق بواسط، واستولى ابن واصل على البطيحة وعلى أموال مهذب الدولة، وجمع ما كان لزوج له ابنة بهاء الدولة.

وبعث به إلى أبيها وكانت قد لحقت ببغداد. ثم اضطرب عليه أهل البطائح وبعث سبعمائة فارس إلى البلاد المجاورة فقاتلهم أهلها وظفروا بهم، وخشي ابن واصل على نفسه فعاد إلى البصرة وترك البطائح فوضى، ونزل البصرة في قوة واستفحال. وخشي أهل النواحي عاديته فسار بهاء الدولة من فارس إلى الأهواز ليتلافى أمره، واستدعى عميد الجيوش من بغداد وسيره في العساكر إليه فجاء إلى واسط، واستكثر من السفن ٤/٦٨١

وسار إلى البطائح وسار إليه ابن واصل من البصرة فهزمه وغنم ثقله وخيامه ورجع ابن واصل مفلولا

عود مهذب الدولة الى البطيحة

ولما انهزم عميد الجيوش أقام بواسط فجمع عساكره لمعاودة ابن واصل، ثم بلغه أن نائب بن واسط بالبطائح قد خرج منها مجفلا، فبعث إلى بغداد وبعث بالعساكر، وهم بالانتقاض فاستدعى عميد الجيوش مهذب الدولة من بغداد، وبعثه بالعساكر في السفن إلى البطيحة سنة خمس وستين وثلاثمائة فاستولى عليها. واجتمع عليه أهل الولايات وأطاعوه، وقرر عليها بهاء الدولة خمسين ألف دينار في كل سنة، وشغل عن ابن واصل بتجهيز العساكر إلى خوزستان وطمع في الملك واجتمع عنده كثير من الديلم وأصناف الأجناد. وسار إلى الأهواز وسير بهاء الدولة عسكرا للقائه فهزمهم، ودخل دار الملك وأخذ ما كان فيها. وبعث إلى بهاء الدولة في الصلح فصالحه وزاد في أقطاعه. ثم بعث بهاء الدولة العساكر للقائه وسار إلى الأهواز وزحف إليها ابن واصل ومعه بدر بن حسنوية، فبعث بهاء الدولة الوزير بالبطيحة فهزمه الوزير ثانية، فمضى مع حسان بن محال الخفاجي الكوفي وملك إلى الكوفة، وملك البصرة. وسار ابن واصل إلى دجلة قاصدا بدر بن حسنوية فبلغ جامعين فأنزله أصحاب بدر، وكان أصحاب أبي الفتح بن عنان قريبا منه فكبسه، وجاء به إلى بغداد فبعثه عميد الجيوش إلى بهاء الدولة فقتله سنة ست وتسعين وثلاثمائة كما مر في أخبار الدولة. ٤/٦٨٢

وفاة مهذب الدولة وولاية ابن أخته عبد الله بن نسي

ثم توفي مهذب الدولة عبد الله بن علي بن نصر في جمادى سنة ثمان وأربعمائة، وكان ابن أخته أبو عبد الله محمد بن نسي قائما بأموره ومرشحا للولاية مكانه. وقد اجتمع عليه الجند واستحلفهم لنفسه. وبلغه قبل وفاة خاله أن ابنه أبا الحسن أحمد داخل بعض الجند في البيعة له بعد أبيه فاستدعاه، وحمله إليه الجند فقبض عليه، ودخلت إليه أمه فخبرته الخبر فلم يزد على الأسف له. وتوفي مهذب الدولة من الغد، وولي أبو محمد بن نسي مكانه وقتل أبو الحسين ابن خاله الثلاث من وفاة أبيه.

وفاة ابن نسي وولاية السراني

ثم توفي أبو عبد الله محمد بن نسي لثلاثة أشهر من ولايته، واتفق الجند على ولاية أبي محمد الحسين بن بكر السراني من خواص مهذب الدولة فولوه عليهم، وبذل لسلطان الدولة ملك بغداد مالا فأقره على ولايته.

نكبة السراني وولاية صدقة المازياري

وأقام أبو محمد السراني على البطيحة إلى سنة عشر وأربعمائة، وبعث سلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري فنكبه وملك البطيحة، وبقي عنده أسيرا إلى أن توفي صدقة وخلص على ما يذكر. ٤/٦٨٣

وفاة صدقة وولاية سابور بن المرزبان

ثم توفي صدقة بن فارس المازياري في محرم لاثنتي عشرة سنة من ولايته، وكان سابور ابن المرزبان بن مردان قائد جيشه. وكان أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين قد تنقل بعد موت أبيه في البلاد بمصر، وعند بدر بن حسنويه حتى استقر عند الوزير أبي غالب، ونفق عنده بما كان لديه من الأدب.

عزل سابور وولاية أبي نصر

ثم إن أبا نصر بن مردان زاد في المقاطعة ولم يبلغها سابور، وتخلى عن الولاية وفارق البطيحة إلى جزيرة بني دبيس، واستقر أبو نصر في ولايتها. ثم عادت إلى أبي عبد الله الحسين بن بكر السراني.

عصيان أهل البطيحة على أبي كاليجار

وبعث أبو كاليجار سنة ثمان عشرة وأربعمائة وزيره أبا محمد بن نابهشاد إلى البطيحة، ومقدمها يومئذ أبو عبد الله الحسين بن بكر السراني فعسف بالناس في أموالهم، وقسط عليهم مقادير تؤخذ منهم فانجلوا إلى البلاد. وعزم الباقون على قتل السراني، ونما الخبر إلى السراني فجاء إليهم واعتذر إليهم، وأوعدهم بالمساعدة وأشار عليه الوزير بإصلاح السفن حتى زحزحها بحيث لا يتمكن منها. ثم وثبوا به فأخرجوه، وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة محبوسين فأخرجوهم، واستعانوا بهم وعادوا إلى الامتناع الذي كانوا عليه أيام مهذب الدولة فتم لهم ذلك.

ثم جاء ابن المعبراني فغلب على البطيحة وأخرج منها السراني فلحق بيزيد بن مزيد، ٤/٦٨٤

وأقام بها ابن المعبراني سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فزحف إليه أبو نصر بن الهيثم فغلبه عليه ونهبها واستقر في ملكها على مال يؤديه لجلال الدولة.

استيلاء أبي كاليجار على البطيحة

ولما كانت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة بعث أبو كاليجار أبا الغنائم أبا السعادات الوزير في عسكر لحصار البطيحة فحاصرها، وبها أبو منصور بن الهيثم حتى جنح إلى الصلح، واستأمن نفر من أصحابه إلى أبي الغنائم وأخبروه بضعفه وعزمه على الهرب، فحفظ عليه الطرق ولما كان شهر صفر من السنة واقعهم أبو الغنائم فظفر بهم، وقتل من أهل البطيحة خلقا كثيرا وغرقت منهم سفن متعددة وتفرقوا في الآجام، وركب ابن الهيثم السفن ناجيا بنفسه وأحرقت داره ونهب ما فيها.

ولاية مهذب الدولة بن أبي الخير على البطيحة

ثم كان بعد ذلك لبني أبي الخير ولاية على البطيحة فيما قبل المائة الخامسة وما بعدها ولا أدري ممن هؤلاء بنو أبي الخير، إلا أن ابن الأثير قال: كان إسماعيل ولقبه المصطنع، ومحمد ولقبه المختص، هما ابنا أبي الخير، ولهما رياسة قومهما. وهلك المختص وقام مكانه ابنه مهذب الدولة. ونازع ابن الهيثم صاحب البطيحة إلى أن غلبه مهذب الدولة أيام كوهوايين الشحنة ببغداد. وكان بنو عمه وعشيرته تحت حكمه. وأقطع السلطان محمد سنة خمس وتسعين وخمسمائة مدينة واسط لصدقة بن مزيد صاحب البطيحة والحلة فضمنها منه مهذب الدولة أحمد بن أبي الخير صاحب البطيحة، وفرق أولاده في الأعمال وطالبه صدقة بالأموال وحبسه وضمن حماد ابن عمه واسط. وكان مهذب الدولة يصانع حماد ابن عمه إسماعيل ويداريه، وحماد يطمح إلى رياسته، فلما هلك كوهوايين نازع حماد مهذب الدولة ابن عمه، واجتهد مهذب الدولة في إصلاحه فلم يقدر، فجمع النفيس بن مهذب الدولة فهرب حماد إلى صدقة مستجيشا به، فعاد بالجيش وحاربه مهذب الدولة ٤/٦٨٥

وزاده صدقة المدد، فانهزم مهذب الدولة وهلك أكثر عسكره وقوي طمع حماد.

واستمد صدقة فأمده بالعساكر مع مقدم جيشه حميد بن سعيد. وبعث مهذب الدولة لصاحب الجيش بالإقامات والصلات فمال إليه، وأصلح ما بينه وبين صدقة. وبعث مهذب الدولة ابنه النفيس إلى صدقة فأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم، وكان ذلك أعوام الثلاثين.

ولاية نصر بن النفيس والمظفر بن حماد من بعده على البطيحة

ثم كان انتقاض دبيس بن صدقة أيام المسترشد والسلطان محمود، وكان البرسقي شحنة ببغداد فانتزع السلطان البطيحة من يد دبيس وأقطعها إلى سحان الخادم مولاه، فولى عليها نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن محمد بن أبي الخير. وأمر السلطان محمود البرسقي بالمسير لقتال دبيس فاحتشد وسار لذلك ومعه نصر بن النفيس صاحب البطيحة، وابن عمه المظفر بن حماد بن إسماعيل بن أبي الخير، وبينهما من العداوة المتوارثة ما كان بين سلفهما. والتقى البرسقي ودبيس وهزمه دبيس وجاءت العساكر منهزمة، وبقي نصر بن النفيس وابن عمه حماد عند ساباط النهر فقتله، ولحق بالبطيحة فملكها، وبعث إلى دبيس بطاعته، وبعث دبيس إلى الخليفة يصانعه بالطاعة على البعد، وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فقبض على منصور بن صدقة أخي دبيس وولده فكحلهما فاستشاط دبيس وساء أثره في البلاد، وبعث إلى أحيائه بواسط فمنعهم الأتراك الذين بها، فبعث مهلهل بن أبي العسكر مقدم عساكره في جيش، وكتب إلى المظفر بن حماد صاحب البطيحة بمعاضدته على قتال واسط فتجهز وأصعد، وعاجل مهلهل الحرب قبل وصوله فهزمه أهل واسط وغنموا ما معه، وكان في جملتها بخط دبيس وصار معهم، وساءت آثار دبيس في البلاد، ولم يزل حال البطيحة على ذلك. ثم صار أمرها لبني معروف وأجلاهم الخلفاء عنها ٤/٦٨٦

اجلاء بني معروف من البطيحة

كان بنو معروف هؤلاء أمراء بالبطيحة في آخر المائة السادسة، ولا أدري ممن هم. فلما استجمع للخلفاء أمرهم وخرجوا عن استبداد ملوك السلجوقية واقتطعوا الأعمال من أيديهم شيئا فشيئا فصار لهم الحلد والكوفة وواسط والبصرة وتكريت وهيت والأنبار والحديثة. وجاءت دولة الناصر وبنو معروف على البطيحة وكبيرهم معلى. قال ابن الأثير وهم قوم من ربيعة، كانت بيوتهم غربي الفرات تحت سوراء وما يتصل بها من البطائح، وكثرت أذاياتهم وإفسادهم في النواحي. وبلغت الشكوى بهم إلى الديوان فأمر الخليفة الناصر مغذا الشريف متولي بلاد واسط أن يسير إلى قتالهم فاستعد لذلك. وجمع من سائر تلك الأعمال، فسار إليهم سنة ست عشرة وستمائة العير من بلاد البطيحة وفشا القتل بينهم. ثم انهزم بنو معروف، وتفرقوا بين القتل والأسر والغرق، واستبيحت أموالهم وانتظمت البطيحة في أعمال الناصر، ولم يبق بها ملك ولا دولة.

الخبر عن دولة بني حسنويه من الأكراد القائمين بالدعوة العباسية بالدينور والصامغان ومبدإ أمورهم وتصاريف أحوالهم

كان حسنويه بن الحسين الكردي من طائفة الأكراد يعرفون بالريزنكاس، وعشيرة منهم يسمون الدويلتية، وكان مالكا قلعة سرياج وأميرا على البررفكان. وورث الملك عن خاليه ونداد وغانم ابني أحمد بن علي، وكان صنفهما من الأكراد يسمون العبابية وغلبا على أطراف الدينور وهمذان ونهاوند والصامغان، وبعض نواحي ٤/٦٨٧

أذربيجان إلى حدود شهرزور فملكاها نحوا من خمسين سنة، ولكل واحد منهما ألوف من العساكر، وتوفي ونداد بن أحمد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وقام مقامه ابنه أبو الغنائم عبد الوهاب إلى أن أسره الشاذنجان من طوائف الأكراد، وسلموه إلى حسنويه فأخذ قلاعه وأملاكه.

وتوفي غانم سنة خمسين وثلاثمائة فقام ابنه أبو سالم دسيم مكانه بقلعة فتنان إلى أن أزاله أبو الفتح بن العميد، واستصفى قلاعه المسماة بستان وغانم أفاق وغيرهما . وكان حسنويه حسن السيرة ضابطا لأمره، وبنى قلعة سرماج بالصخور المهندسة وبنى بالدينور جامعا كذلك، وكان كثير الصدقة للحرمين. ولما ملك بنو بويه البلاد واختص ركن الدولة بالري وما يليه كان شيعة ومددا على عدوه فكان يرعى ذلك.

ويغضي عن أموره إلى أن وقعت بين ابن مسافر من قواد الديلم وكبارهم وقعة هزمه فيها حسنويه، وتحصن بمكان فحاصره فيه وأضرمه عليه نارا فكاد يهلك. ثم استأمن له فغدر به وامتعض لذلك ركن الدولة وأدركته نغرة العصبية، وبعث وزيره أبا الفضل بن العميد في العساكر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فنزل همذان وضيق على حسنويه، ثم مات أبو الفضل فصالحه ابنه أبو الفتح على مال ورجع عنه.

وفاة حسنويه وولاية ابنه بدر

ثم توفي حسنويه سنة تسع وستين وثلاثمائة وافترق ولده على عضد الدولة لقتال أخيه محمد وفخر الدولة. وكانوا جماعة أبو العلاء وعبد الرزاق وأبو النجم بدر وعاصم وأبو عدنان وبختيار وعبد الملك. وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر فكاتب عضد الدولة ورغب في طاعته، ثم رغب عنه فسير إليه عضد الدولة جيشا وملك قلعته وغيرها من قلاعهم. ولما سار عضد الدولة لقتال أخيه فخر الدولة وملك همذان والري وأضافهما إلى أخيه مؤيد الدولة، ولحق فخر الدولة بقابوس بن وشمكير ٤/٦٨٨

عرج عضد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي فافتتح نهاوند والدينور وسرماج وأخذ ما فيها من ذخائره، وكانت جليلة المقدار وملك معها عدة من قلاع حسنويه ووفد عليه أولاد حسنويه فقبض على عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان، واصطنع من بينهم أبا النجم بدر بن حسنويه وخلع عليه وولاه على الأكراد وقواه بالرجال فضبط ملك النواحي وكف عادية الأكراد بها. واستقام أمره فحسده أخواه، وأظهر عاصم وعبد الملك منهم العصيان، وجمعا الأكراد المخالفين وبعث عضد الدولة العساكر فأوقعوا بعاصم وهزموه وجاءوا به أسيرا إلى همذان، ولم يوقف له بعد ذلك على خبر، وذلك سنة سبعين وثلاثمائة وقتل جميع أولاد حسنويه وأقر بدرا على عمله.

حروب بدر بن حسنويه وعساكر مشرف الدولة

ولما توفي عضد الدولة وملك ابنه صمصام الدولة ثار عليه أخوه مشرف الدولة بفارس، ثم ملك بغداد. وكان فخر الدولة بن ركن الدولة قد عاد من خراسان إلى مملكة أصفهان والري بعد وفاة أخيه مؤيد الدولة، ووقع بينه وبين مشرف الدولة فكان مشرف الدولة يحقد عليه. فلما استقر ببغداد وانتزعها من يد صمصام الدولة، وكان قائده قراتكين الجهشياري مدلا عليه متحكما في دولته، وكان ذلك يثقل على مشرف الدولة، جهزه في العساكر لقتال بدر بن حسنويه يروم إحدى الراحتين، فسار إلى بدر سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ولقيه على وادي قرميسين. وانهزم بدر حتى توارى ولم يتلقوه ونزلوا في خيامه، ثم كر بدر فأعجلهم عن الركوب، وفتك فيهم واحتوى على ما معهم. ونجا قراتكين في فل إلى جسر النهروان فلحق به المنهزمون، ودخل بغداد واستولى بدر على أعمال الجيل وقويت شوكته واستفحل أمره. ولم يزل ظاهرا عزيزا وقلد من ديوان الخلافة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أيام السلطان بهاء الدولة ولقب ناصر الدولة. وكان كثير الصدقات بالحرمين، وكثير الطعام للعرب بالحجاز لخفارة الحاج، وكف أصحابه من الأكراد عن إفساد السابلة فعظم محله وسار ذكره.

ابن خلدون م 44 ج 4 ٤/٦٨٩

مسير ابن حسنويه لحصار بغداد مع أبي جعفر بن هرمز

كان أبو جعفر الحجاج بن هرمز نائبا بالعراق عن بهاء الدولة، ثم عزله فدال منه بأبي علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز، وتلقب عميد الجيوش فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة، وقاتل عميد الجيوش فهزمه العميد. ثم جرت بينهما حروب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وأقاما على الفتنة والاستنجاد بالعرب من بني عقيل وخفاجة وبني أسد، وبهاء الدولة مشتغل بحرب ابن واصل في البصرة. واتصل ذلك إلى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وكان ابن واصل قد قصد صاحب طريق خراسان وهو قلج، ونزل عليه واجتمعا على فتنة عميد الجيوش. وتوفي قلج هذه السنة فولى عميد الجيوش مكانه أبا الفتح محمد بن عنان عدو بدر بن حسنويه. وفحل الأكراد المسامي لبدر في الشؤون وهو من الشاذنجان من طوائف الأكراد، وكانت حلوان له فغضب لذلك بدر ومال إلى أبي جعفر، وجمع له الجموع من الأكراد مثل الأمير هندي بن سعدي، وأبي عيسى سادي بن محمد وورام بن محمد وغيرهم. واجتمع له معهم علي بن مزيد الأسدي. وزحفوا جميعا إلى بغداد ونزلوا على فرسخ منها. ولحق أبو الفتح بن عنان بعميد الجيوش، وأقام معه ببغداد حاميا ومدافعا إلى أن وصل الخبر بهزيمة ابن واصل وظهور بهاء الدولة عليه، فأجفلوا عن بغداد. وسار أبو جعفر إلى حلوان ومعه أبو عيسى، وراسل بهاء الدولة، ثم سار ابن حسنويه إلى ولاية رافع بن معن من بني عقيل يجتمع مع بني المسيب في المقلد، وعاث فيها لأنه كان آوى أبا الفتح بن عنان حين أخرجه بدر من حلوان وقرميسين، واستولى عليها فأرسل بدر جيشا إلى أعمال رافع بالجناب ونهبوها وأحرقوها. وسار أبو الفتح بن عنان إلى عميد الجيوش ببغداد فوعده النصر حتى إذا فرغ بهاء الدولة من شأن ابن واصل وقتله، أمر عميد الجيوش بالمسير إلى بدر بن حسنويه لإعانته على بغداد وإمداده ابن واصل فسار لذلك، ٤/٦٩٠

ونزل جنديسابور وبعث إليه بدر في الصلح على أن يعطيه ما أنفق على العساكر فحمل إليه ورجع عنه.

انتقاض هلال بن بدر بن حسنويه على أبيه وحروبهما

كانت أم هلال هذا من الشاذنجان رهط أبي الفتح بن عنان وأبي الشوك بن مهلهل، واعتزلها أبوه لأول ولادته فنشأ مبعدا عن أبيه، واصطفى بدر ابنه الآخر أبا عيسى وأقطع هلالا الصامغان، فأساء مجاورة ابن المضاضي صاحب شهرزور وكان صديقا لبدر فنهاه عن ذلك فلم ينته وبعث ابن المضاضي يتهدده فبعث إليه أبوه بالوعيد فجمع وقصد ابن المضاضي وحاصره في قلعة شهرزور حتى فتحها، وقتل ابن المضاضي واستباح بيته. فاتسع الخرق بينه وبين أبيه، واستمال أصحاب أبيه بدر، وكان بدر نسيكا فاجتمعوا إلى هلال وزحف لحرب أبيه والتقيا على الدينور، وانهزم بدر وحمل أسيرا إلى ابنه هلال فرده في قلعته للعبادة، وأعطاه كفايته بعد أن ملك الحصن الذي تملكه بما فيه. فلما استقر بدر بالقلعة حصنها وأرسل إلى أبي الفتح بن عنان وإلى أبي عيسى سادي بن محمد بأسترآباذ وأغراهما بأعمال هلال، فسار أبو الفتح إلى قرميسين وملكها.

وأساء الديلم فاتبعه هلال إليها ووضع السيف في الديلم. وأمكنه ابن رافع من أبي عيسى فعفا عنه وأخذه معه، وأرسل بدر من قلعته يستنجد بهاء الدولة فبعث إليه الوزير فخر الملك في العساكر، وانتهى إلى سابور خواست. واستشار هلال أبا عيسى بن سادي فأشار عليه بطاعة بهاء الدولة وإلا فالمطاولة وعدم العجلة باللقاء فاتهمه وسار العسكر ليلا فكبسه. وركب فخر الملك في العسكر وثبت، فبعث إليه هلال بأني إنما جئت للطاعة. ولما عاين بدر رسوله طرده وأخبر الوزير أنها خديعة فسر بذلك، وانتفت عنه الظنة ببدر، وأمر العساكر بالزحف فلم يكن بأسرع من مجيء ٤/٦٩١

هلال أسيرا فطلب منه تسليم القلعة لبدر فأجاب على أن لا يمكن أبوه منه، واستأمنت أمه ومن معها بالقلعة فأمنهم الوزير وملك القلعة، وأخذ ما فيها من الأموال يقال أربعون ألف بدرة دنانير، وأربعمائة ألف بدرة دراهم سوى الجواهر والثياب والسلاح، وسلم الوزير فخر الملك القلعة لبدر وعاد إلى بغداد.

استيلاء ظاهر بن هلال على شهرزور

كان بدر بن حسنويه قد نزل عن شهرزور لعميد الجيوش ببغداد، وأنزل بها نوبة، فلما كانت سنة أربع وأربعمائة، وكان هلال بن بدر معتقلا سار ابنه ظاهر الى شهرزور، وقاتل عساكر فخر الملك منتصف السنة وملكها من أيديهم. وأرسل إليه الوزير يعاتبه ويأمره بإطلاق من أسر من أصحابه ففعل، وبقيت شهرزور بيده.

مقتل بدر بن حسنويه وابنه هلال

ثم سار بدر بن حسنويه أمير الجيل الى الحسن بن مسعود الكردي ليملك عليه بلاده، وحاصره بحصن كوسجة ، وأطال حصاره فغدر أصحاب بدر وأجمعوا قتله. وتولى ذلك الجورقان من طوائف الأكراد فقتلوه وأجفلوا فدخلوا في طاعة شمس الدولة بن فخر الدولة صاحب همذان وتولى الحسين بن مسعود تكفين بدر ومواراته في مشهد علي. ولما بلغ ظاهر بن هلال مقتل جده وكان هاربا منه بنواحي شهرزور، جاء لطلب ملكه، فقاتله شمس الدولة فهزمه وأسره وحبسه بهمذان، واستولى على بلاده، وصار الكرية والشاذنجان من الأكراد في طاعة أبي الشوك .

وكان أبوه هلال بن بدر محبوسا عند سلطان الدولة ببغداد فأطلقه وجهز معه العساكر ليستعيد بلاده من شمس الدولة، فسار ولقيه شمس الدولة فهزمه وأسره وقتله، ٤/٦٩٢

ورجعت العساكر منهزمة إلى بغداد. وكان في ملك بدر سابورخواست والدينور وبروجرد ونهاوند وأستراباذ وقطعة من أعمال الأهواز وما بين ذلك من القلاع والولايات. وكان عادلا كثير المعروف عظيم الهمة. ولما هلك هو وابنه هلال بقي حافده ظاهر محبوسا عند شمس الدولة بهمذان.

مقتل ظاهر بن هلال واستيلاء أبي الشوك على بلادهم ورياستهم

كان أبو الفتح محمد بن عنان أمير الشاذنجان من الأكراد، وكانت بيده حلوان وأقام عليها أميرا وعلى قومه عشرين سنة. وكان يزاحم بدر بن حسنويه وبنيه في الولايات والأعمال بالجيل. وهلك سنة إحدى وأربعمائة وقام مكانه ابنه أبو الشوك، وطلبته العساكر من بغداد فقاتلهم وهزموه، فامتنع بحلوان إلى أن أصلح حاله مع الوزير فخر الملك لما قدم العراق بعد عميد الجيوش من قبل بهاء الدولة. ثم إن شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه أطلق ظاهر بن هلال بن بدر من محبسه بعد أن استحلفه على الطاعة، وولاه على قومه وعلى بلاده بالجيل، وأبو الشوك صاحب حلوان والسهل، وبينهما المنافسة القديمة، فجمع ظاهر وحارب أبا الشوك فهزمه وقتل سعدي بن محمد أخاه. ثم جمع ثانية فانهزم أبو الشوك أيضا وامتنع بحلوان وملك ظاهر عامة البسيط، وأقام بالنهروان. ثم تصالحا وتزوج ظاهر أخت أبي الشوك فلما أمنه ظاهر وثب عليه أبو الشوك فقتله بثأر أخيه سعدي ودفنه أصحابه بمقابر بغداد، وملك سائر الأعمال ونزل الدينور.

ولما استولى علاء الدولة بن كاكويه على همذان سنة أربع عشرة وأربعمائة عند ما هزم عساكر شمس الدولة بن بويه واستبد عليه، سار الى الدينور فملكها من يد أبي الشوك، ثم إلى سابور خواست وسائر تلك الأعمال. وسار في طلب أبي الشوك فأرسل إليه مشرف الدولة سلطان بغداد وشفع فيه فعاد عنه علاء الدولة. ولما زحف الغز إلى ٤/٦٩٣

بلاد الري سنة عشرين وأربعمائة وملكوا همذان وعاثوا في نواحيها إلى أستراباذ وقرى الدينور، خرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك وقاتلهم فهزمهم وأسر منهم جماعة. ثم عقد الصلح معهم على إطلاق أسراهم ورجعوا عنه. ثم استولى أبو الشوك سنة ثلاثين وأربعمائة على قرميسين من أعمال الجيل، وقبض على صاحبها من الأكراد الترهية وسار اخوه إلى قلعة أرمينية فاعتصم بها من أبي الشوك، وكانت لهم مدينة خولنجان، فبعث إليها عسكرا فلم يظفروا وعادوا عنها. ثم جهز آخر وبعثهم ليومهم يسابقون جندهم، ومروا بأرمينية فنهبوا ربضها، وقاتلوا من ظفروا به، وانتهوا إلى خولنجان فكبسوها على حين غفلة واستأمن إليهم أهلها وتحصن الحامية بقلعة وسط البلد فحاصروها وملكوها عليهم في ذي القعدة من السنة.

الفتنة بين أبي الفتح بن أبي الشوك وعمه مهلهل

كان أبو الفتح بن أبي الشوك نائبا عن أبيه بالدينور، واستفحل بها وملك قلاعا عدة، وحمى أعماله من الغز فأعجب بنفسه ورأى التفوق على أبيه. وسار في شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة إلى قلعة بكورا من قلاع الأكراد وصاحبها غائب وبها زوجته فراسلت مهلهلا لتسلم له القلعة نكاية لأبي الفتح، وكانت حلة مهلهل في نواحي الصامغان فانتظر حتى عاد أبو الفتح عن القلعة وجمعا العساكر لحصارها، وسار إليها أبو الفتح فوري له عن قصده، ورجع فأتبعه أبو الفتح فقاتله عمه مهلهل، ثم ظفر به وأسره وحبسه. وجمع أبو الشوك وقصد شهرزور وحاصرها. ثم قصد بلاد مهلهل وطال الأمر ولج مهلهل في شأنه وأغرى علاء الدولة بن كاكويه ببلد أبي الفتح فملك عليه الدينور وقرميسين سنة اثنتين وثلاثين.

ثم سار أبو الشوك إلى دقوقا وقدم إليها ابنه سعدي فحاصرها وجاء على أثره فنقبوا سورها وملكها عنوة، ونهب بعض البلد وأخذت أسلحة الأكراد وثيابهم، وأقام أبو الشوك بها ليله. ثم بلغه أن أخاه سرخاب بن محمد قد أغار على مواضع من ولايته فخاف على البندنجين. ورجع وبعث إلى جلال الدولة سلطان بغداد يستنجده، ٤/٦٩٤

فبعث إليه العساكر وأقاموا عنده، وسار مهلهل إلى علاء الدولة بن كاكويه يستصرخه على أخيه أبي الشوك على الاعتصام بقلعة السيروان. ثم بعث الى علاء الدولة يعرض له بالرجوع إلى جلال الدولة صاحب بغداد فصالحه على أن يكون الدينور لعلاء الدولة ورجع عنه. ثم سار أبو الشوك إلى شهرزور فحاصرها وعاث في سوادها، وحصر قلعة بيزاز شاه فدافعه أبو القاسم بن عياض عنها، ووعده بخلاص ابنه أبي الفتح من أخيه مهلهل، فسار من شهرزور إلى نواحي سند من أعمال أبي الشوك، ولما بعث إليه ابن عياض بالصلح مع أخيه أبي الشوك امتنع فسار أبو الشوك من حلوان إلى الصامغان. ونهب ولاية مهلهل كلها وأجفل مهلهل بين يديه. ثم تردد الناس بينهما في الصلح وعاد عنه أبو الشوك.

استيلاء نيال أخي طغرلبك على ولاية أبي الشوك

ثم سار إبراهيم نيال بأمر أخيه طغرلبك من كرمان إلى همذان فملكها، ولحق كرساشف بن علاء الدولة بالأكراد الجورقان وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور ففارقها إلى قرميسين وملكها نيال. وسار في اتباعه إلى قرميسين ففارقها إلى حلوان وترك كل من في عسكره من الديلم والأكراد الشاذنجان. وسار إليها نيال وملكها عليهم عنوة واستباحها وفتك في العسكر ولحق فلهم بأبي الشوك في حلوان فقدم أهله وذخيرته إلى قلعة السيروان وأقام. ثم سار نيال إلى الصيمرة فملكها ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لها في الجورقان فانهزموا. وكان عندهم كرساشف بن علاء الدولة فلحق ببلد شهاب الدولة وشرد أهلها في البلاد، ووصل إليها نيال آخر شعبان فملكها وأحرقها، وأحرق دار أبي الشوك. وسارت طائفة من الغز في أثر جماعة منهم فأدركوهم بخانقين فغنموا ما معهم، وانتشر الغز في تلك النواحي. وتراسل أبو الشوك وأخوه مهلهل وكان ابنه أبو الفتح قد مات في سجن مهلهل. فبعث مهلهل ٤/٦٩٥

ابنه وحلف له أنه لم يقتله، وإن ثبت فاقتل أبا الغنائم بثأره فقبل ورضي، واصطلحا على دفاع نيال عن أنفسهما. وكان أبو الشوك قد أخذ سرخاب أخوه ما عدا قلعة دور بلونه، وتقاطعا لذلك، فسار سرخاب إلى البندنجين وبها سعدي بن أبي الشوك، ففارقها سعدي إلى أبلة ونهبها سرخاب.

وفاة أبي الشوك وقيام أخيه مهلهل مقامه

ثم توفي أبو الشوك فارس بن محمد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقلعة السيروان من حلوان وقام مقامه أخوه مهلهل واجتمع إليه الأكراد مائلين إليه عن ابن أخيه سعدي بن أبي الشوك فلحق سعدي بنيال أخي طغرلبك يستدعيه لملك البلاد. ولما استولى مهلهل بعد موت أخيه أبي الشوك وكان نيال عند ما غدا من حلوان ولى على قرميسين بدر بن ظاهر بن هلال بن بدر بن حسنويه، فسار إليها مهلهل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فهرب بدر عنها وملكها وبعث ابنه محمدا إلى الدينور وبها عساكر نيال فهزمهم وملكها.

استيلاء سعدي بن أبي الشوك على أعمالهم بدعوة السلجوقية

ولما ملك مهلهل بعد أخيه أبي الشوك تزوج بأم سعدي وأهله وأساء معاملة الأكراد الشاذنجان فراسل سعدي نيال. وسار إليه بالشاذنجان فبعث معهم عسكرا من الغز سنة تسع وثلاثين وأربعمائة فملك حلوان وخطب فيها لإبراهيم نيال. ورجع إلى مايدشت، فخالفه عمه مهلهل إلى حلوان فملكها، وقطع منها خطبة نيال فعاد سعدي إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب حلله وسير إلى البندنجين جمعا فقبضوا على نائب سرخاب ونهبوها، وصعد سرخاب الى قلعة دور بلونة ، وعاد سعدي إلى قرميسين، وبعث مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي وأكثر من الغز، وسار فملك ٤/٦٩٦

حلوان، وتقدم إلى عمه مهلهل فلحق بتيرازشاه من قلاع شهرزور واستباح الغز سائر تلك النواحي. وحاصر سعدي تيراز شاه ومعه أحمد بن ظاهر قائد نيال، ونهب الغز حلوان وأراد مهلهل أن يسير إلى ابن أخيه فتكاسلوا، ثم قطع سعدي البندنجين لأبي الفتح بن دارم على أن يحاصر معه عمه سرخاب بقلعة دور بلونة، فساروا إليها وكانت ضيقة المسلك، فدخلوا المضيق فلم يخلصوا، وأسر سعدي وأبو الفتح وغيرهما من الأعيان، ورجع الغز عن تلك النواحي بعد أن كانوا ملكوها.

نكبة سرخاب واستيلاء نيال على أعمالهم كلها

ثم إن سرخاب لما قبض سعدي ابن أخيه أبي الشوك غاضبه ابنه أبو العسكر واعتزله، وكان سرخاب قد أساء السيرة في الأكراد فاجتمعوا وقبضوا عليه وحملوه إلى نيال، فاقتلع عينه وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فأطلقه أبو العسكر ابنه واستحلفه على السعي في خلاص أبيه سرخاب، فانطلق سعدي، واجتمع عليه كثير من الأكراد، وسار إلى نيال فاستوحش منه، وسار إلى الدسكرة وكاتب أبا كاليجار بالطاعة. ثم سار إبراهيم نيال إلى قلعة كلجان وامتنعت عليهم. ثم حاصروا قلعة دور بلونة فتقدمت طائفة إلى البندنجين فنهبوها، وسار إبراهيم فيها بالنهب والقتل والعقوبة في المصادرة حتى يموتوا.

وتقدمت طائفة إلى الفتح فهرب وترك حلله، فعرجوا عليها واتبعوه فقاتلهم وظفر بهم، وبعث مستنجدا فلم ينجدوه، فعبر وأمر بنزول حلله إلى جانب الغز. وكان سعدي بن أبي الشوك نازلا على فرسخين من باجس فكبسه الغز فهرب وترك حلله وغنمها الغز ونهبوا تلك الأعمال والدسكرة والهارونية وقصر سابور، وتقسم أهلها بين القتل والغرق والهلاك بالبرد. ووصل سعدي الى دبال ولحق منها بأبي الأغر دبيس بن مزيد، فأقام عنده وحاصر نيال قلعة السيروان وضيق عليها وضربت سراياه في البلاد وانتهت إلى قرب تكريت. ثم استأمن أهل قلعة السيروان إلى نيال فلمكها وأخذ منها ذخيرة سعدي، وولى عليها من أصحابه. ثم مات صاحب قلعة السيروان وبعث ٤/٦٩٧

وزيره إلى شهرزور فملكها، وهرب مهلهل وأبعد في الهرب، وحاصر عسكر نيال قلعة هوازشاه .

ثم راسل مهلهل أهل شهرزور بالتوثب بالغز الذين عندهم فقتلوهم ورجع قائد نيال ففتك فيهم. ثم سار الغز المقيمون بالبندنجين إلى نهر سليلي ، وقاتلوا أبا دلف القاسم بن محمد الجاواني فهزمهم وظفر بهم وغنم ما معهم. وسار في ذي الحجة جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم فعاثوا فيها، فأخذ عليهم المضيق فأوقع بهم واسترد ما غنموه. ولم يزل أحمد بن ظاهر قائد نيال محاصرا قلعة تيراز شاه في شهرزور إلى أن دخلت سنة أربعين وأربعمائة، ووقع الموتان في عسكره واستمد نيال فلم يمده، فرحل عنها إلى مايدشير ، وبلغ ذلك مهلهلا فبعث أحد أولاده إلى شهرزور فملكها، وأجفل الغز من السيروان، وسارت عساكر بغداد إلى حلوان وحاصروا قلعتها ولم يظفروا فنهبوا مخلف الغز وخربوا الأعمال، وسار مهلهل إلى بغداد فأنزل أهله وأمواله بها، وأنزل حلله على ستة فراسخ منها، فسار عسكر من بغداد إلى البندنجين وقاتلوا الغز الذين بها فهزمهم الغز وقتلوهم جميعا.

بقية أخبار مهلهل وابن أبي الشوك وانقراض أمرهم

ثم سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة فأحسن إليه وأقره على أقطاعه السيروان ودقوقا وشهرزور والصامغان، وسعى في أخيه سرخاب وكان محبوسا عنده فأطلقه وسوغه قلعة الماهكي، وكانت له فسار إليها، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الرادندبين ثم بعثه سنة ست وأربعين في عسكر من الغز إلى نواحي العراق، فنزل بمايدشت وسار منها إلى أبي دلف الجاواني، فهرب بين يديه وأدركه فنهب أمواله وفلت بنفسه. وكان خالد ابن عمه مع الوزير ومطر ابني ٤/٦٩٨

علي بن معن العقيلي، فوفد أولادهم على سعدي يشكون مهلهلا فوعدهم النصر، ورجعهم من عنده فاعترضهم أصحاب مهلهل فأسرهم بنو عقيل ففداهم مهلهل وأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم، فساروا إلى سعدي وهو بسامرا. وأتبع عمه مهلهلا وظفر به وأسره وأسر مالكا ابنه، ورد غنائم بني عقيل ورجع إلى حلوان.

واضطربت بغداد واجتمعت عساكر الملك الرحيم ومعهم أبو الأغر دبيس بن مزيد يسعى عند سعدي في أبيه. وكان ابن سعدي عنه السلطان طغرلبك رهينة فرده على أبيه عوضا عن مهلهل، وأمره بإطلاق مهلهل، فامتعض لذلك سعدي وعصى على طغرلبك. وسار إلى حلوان فامتنعت عليه، وأقام يتردد بين رشقباد والبردان .

وأظهر مخالفة طغرلبك، ورجع إلى طاعة الملك الرحيم، فبعث طغرلبك العساكر مع بدران بن مهلهل إلى شهرزور، ووجد إبراهيم بن إسحاق من قواده فأوقعوا به، ومضى إلى قلعة رشقباد.

وسار بدر بن مهلهل الى شهرزور ورجع إبراهيم بن إسحاق إلى حلوان فأقام بها. ثم نهض سنة ست وأربعين إلى الدسكرة فنهبها واستباحها، وسار إلى رشقباد وهي قلعة سعدي وفيها ذخيرته، وفي القلعة البردان فامتنعت عليه فخرب أعماله ووهن الديلم في كل ناحية. وبعث طغرلبك أبا علي بن أبي كاليجار صاحب البصرة في عسكر من الغز إلى الأهواز فملكها، ونهبها الغز ولقي الناس منهم عيثا بالنهب والمصادرة، وأحاطت دعوة طغرلبك ببغداد من كل ناحية. وانقرض الأكراد من أعمالهم واندرجوا في جملة السلطان طغرلبك. (وتلك الأيام نداولها بين الناس، والله يؤتي ملكه من يشاء والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) لا راد لأمره. ٤/٦٩٩

المجلد الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم

[تتمة الكتاب الثاني ... ]

[تتمة القول في أجيال العرب ... ]

[تتمة الطبقة الثالثة من العرب ... ]

الخبر عن دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك الإسلام ودوله بالمشرق كلها الى حدود مصر مستبدين على الخليفة ببغداد من خلافة القائم الى هذا الزمان وما كان لهم من الملك والسلطان في أقطار العالم وكيف فعلوا بالعلماء وحجروهم وما تفرع عن دولتهم من الدول

قد تقدم لنا ذكر أنساب الأمم والكلام في أنساب الترك وأنهم من ولد كومر بن يافث أحد السبعة المذكورين من بني يافث في التوراة وهم ماواق وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعد ابن إسحاق منهم ستة ولم يذكر ماذاي وفي التوراة أيضا ان ولد كومر ثلاثة توغرما وأشكان وريعات ووقع في الإسرائيليات أن الافرنج من ريعات والصقالبة من أشكان والخزر من توغرما والصحيح عند نسابة الإسرائيليين أن الخزر هم التركمان وشعوب ٥/٣

الترك كلهم من ولد كومر ولم يذكر من أي ولده الثلاثة والظاهر أنهم من توغرما وزعم بعض النسابة أنهم من طيراش بن يافث ونسبهم ابن سعيد الى ترك بن عامور بن سويل والظاهر أنه غلط وأن غامور تصحيف كما مر وأما سويل فلم يذكر أحد أنه من بني يافث وقد مر ذكر ذلك كله (والترك أجناس) كثيرة وشعوب فمنهم الروس والإعلان ويقال إبلان والخفشاخ وهم القفجق والهياطلة والخلج والغز الذين منهم السلجوقية والخطا وكانوا بأرض طمعاج ويمك والقور وتزكس واركس والططر ويقال الطغرغر وأنكر وهم مجاورون للروم وأعلم أن هؤلاء الترك أعظم أمم العالم وليس في أجناس البشر أكثر منهم ومن العرب في جنوب المعمور وهؤلاء في شماله قد ملكوا عامة الأقاليم الثلاثة من الخامس والسادس والسابع في نصف طوله مما يلي المشرق فأول مواطنهم من الشرق على البحر بلاد الصين وما فوقها جنوبا الى الهنك وما تحتها شمالا الى سد يأجوج ومأجوج وقد قيل انهم من شعوب الترك وآخر مواطنهم من جهة الغرب بلاد الصقالبة المجاورين للافرنج مما يلي رومة الى خليج القسطنطينية وأول مواطنهم من جهة الجنوب بلاد القور المجاورة للنهر ثم خراسان وآذربيجان وخليج القسطنطينية وآخرها من الشمال بلاد فرغانة والشاش وما وراءها من البلاد الشمالية المجهولة لبعدها وما بين هذه الحدود من بلاد غزنة ونهر جيحون وما بحفافيه من البلاد وخوارزم ومفاوز الصين وبلاد القفجق والروس حفافي خليج القسطنطينية من جهة الشمال الغربي قد اعتمر لهذه البسائط منهم أمم لا يحصيهم الا خالقهم رحالة متنقلون فيها مستنجعين مساقط الغيث في نواحيه يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدة البرد في بلادهم فقروا عليها ومر بديار بكر وخرج اليه صاحبها نصر بن مروان وحمل مائة ألف دينار لنفقته فلما سمع أنه قبضها من الرعايا ردها عليه ثم مر بناهرو وأمنها وأطاف على السور وجعل يمسحه بيده ويمر بها على خدوده تبركا بثغر المسلمين ثم مر بالرها وحاصرها فامتنعت عليه ثم سار الى حلب فبعث اليه صاحبها محمود ريعول القائد الذي عنده يخبر بطاعته وخطبته ويستعفيه من الخروج اليه منكرا منه الأذى ويحي على خير العمل فقال لا بد من خروجه واشتد الحصار فخرج محمود ليلا مع أمه بنت وثاى الهني متطارحا على السلطان فأكرم مقدمها وخلع عليه وأعاده الى بلده. ٥/٤

غزاة السلطان آلب أرسلان الى خلاط واسر ملك الروم

كان ملك الروم بالقسطنطينية لهذا العهد اسمه أرمانوس وكان كثيرا ما يخيف ثغور المسلمين وتوجه في سنة اثنتين وستين في عساكر كثيرة الى الشام ونزل على مدينة منبج واستباحها وجمع له محمود بن صالح بن مرداس الكلابي وابن حسان الطائي قومهما ومن اليهم من العرب فهزمتهم الروم ثم رجع أرمانوس الى القسطنطينية واحتشد الروم والفرنج والروس والكرخ ومن يليهم من العرب والطوائف وخرج الى بلاد كرد من أعمال خلاط وكان السلطان آلب أرسلان بمدينة حوف من أذربيجان منقلبا من حلب فبعث بأهله وأثقاله الى همدان مع وزير نظام الملك وسار هو في خمسة عشر ألف مقاتل وتوجه نحوهم متهيئا ولقيت مقدمته الروس فهزموهم وجاءوا بملكهم أسيرا الى السلطان فجدعه وبعث اسلابهم الى نظام الملك ثم توجه الى سمرقند ففارقها ألتكير وأرسل في الصلح ويعتذر عن تومق فصالحه ملك شاه وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين مكين الى خراسان ثم الى الري.

فتنة قاروت بك صاحب كرمان ومقتله

كان بكرمان قاروت بك أخو السلطان البارسلان أميرا عليها فلما بلغه وفاة أخيه سار الى الري لطلب الملك فسبقه اليها السلطان ملك شاه ونظام الملك ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الأكراد والتقوا على نهرمان فانهزم قاروت بك وجيء به الى أمام سعد الدولة كوهراس فقتله خنقا وأمر كرمان بسير بنيه وبعث اليهم بالخلع وأقطع العرب والأكراد مجازاة لما أبلوا في الحرب وقد كان السلطان البارسلان شافعا فيه على الخليفة فلقيهم خبر وفاة البارسلان في طريقهم فروا الى ملك شاه وسبق اليه مسلم بطاعته وأما بهاء الدولة منصور بن دبيس فان أباه أرسله بالمال الى ملك شاه فلقيه سائرا للحرب فشهدها معه ثم توفي أياز أخو السلطان ملك شاه ببلخ سنة خمس وستين فكفله ابنه ملك شاه الى سنة سبع وستين وتوفي القائم منتصف شعبان منها لخمس وأربعين سنة من خلافته ولم يكن له يومئذ ولد وانما كان له حافد وهو المقتدي عبد الله بن محمد وكان أبوه محمد بن القائم ولي عهده ٥/٥

وكان يلقب ذخيرة الدين ويكنى ابا العباس وتوفي سنة وعهد القائم لحافده فلما توفي اجتمع أهل الدولة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقيب النقباء طراد وقاضي القضاة الدامغاني فبايعوه بالخلافة لعهد جده اليه بذلك وأقر فخر الدولة بن جهير على الوزارة وبعث ابنه عميد الدولة الى السلطان ملك شاه لأخذ بيعته والله الموفق للصواب.

استيلاء السلجوقية على دمشق وحصارهم مصر ثم استيلاء تتش ابن السلطان آلب أرسلان على دمشق

قد تقدم لنا ملك انسز الرملة وبيت المقدس وحصاره دمشق سنة احدى وستين ثم عاد عنها وجعل يتعاهد نواحيها بالعيث والإفساد كل سنة ثم سار اليها في رمضان سنة سبع وستين وحاضرها ثم عاد عنها وهرب منها أميرها من قبل المستنصر العلوي صاحب مصر المعلى بن حيدرة لأنه كثر عسفه بالجند والرعية وظلمه فثاروا به فهرب الى بانياس ثم الى صور ثم الى مصر فحبس ومات بها محبوسا واجتمعت المصامدة بدمشق وولي عليهم أنصار بن يحيى المصمودي ويلقب نصير الدولة وغلت الأقوات عندهم واضطربوا فعاد اليها انسز في شعبان سنة ثمان وستين فاستأمنوا اليه وعوض انتصارا منها بقلعة بانياس ومدينة يافا من الساحل ودخلها في ذي القعدة وخطب بها للمقتدي ومنع من النداء بحي على خير العمل وتغلب على كثير من مدن الشام ثم سار سنة تسع وستين الى مصر وحاصرها وضيق عليها واستنجد المنتصر بالبوادي من نواحيها فوعدوه بالنصر وخرج بدر الجمالي في العساكر التي كانت بالقاهرة وجاء أهل البلاد لميعادهم فانهزم أنسز وعساكره ونجا الى بيت المقدس فوجدهم قد بمخلفه فتحصنوا منه بالمعاقل فافتتحها عليهم عنوة واستباحها حتى قتلهم في المسجد وقد تقدم ضبط هذا الاسم وأنه عند أهل الشأم انسيس والصحيح انسز وهو اسم تركي ثم ان السلطان ملك شاه أقطع أخاه تتش بن آلب أرسلان بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فقصد حلب أولا وحاصرها ومعه جموع من ٥/٦

التركمان وكان بدر الجمالي المستولي على مصر قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أنسز فبعث الى تتش وهو على حلب يستنجده فسار اليه وأخرت عساكر مصر عنه منهزمين ولما وصل الى دمشق قعد انسز على لقائه وانتظر قدومه فلقيه عند السور وعاتبه على ذلك فتساهل في العذر فقتله لوقته وملك البلد واستولى على الشام أجمع كما سيأتي وكان يلقب تاج الدولة ثم سار في سنة اثنتين وسبعين الى حلب فحاصرها أياما وأفرج عنها وملك مراغة والبيرة وعاد الى دمشق وخالفه مسلم بن قريش الى حلب فملكها كما تقدم في أخباره وضمنها للسلطان ملك شاه فولاه إياها وسار مسلم بن قريش فحاصرها آخر سنة أربع وسبعين ثم أفرج عنها فخرج تتش وقصد طرسوس من الساحل فافتتحها ورجع ثم حاصرها مسلم ثانية سنة تسع وسبعين وبلغه أن تاج الدولة تتش سار الى بلاد الروم غازيا فخالفه الى دمشق وحاصرها معه العرب والأكراد وبعث اليه العلوي صاحب مصر بعده بالمدد وبلغ الخبر الى تتش فكر راجعا وسبقه الى دمشق فحاصرها أياما ثم خرج اليه تتش في جموعه فهزمه واضطرب أمره ووصله الخبر بانتقاض أهل حران فرحل من مرج الصفر راجعا الى بلاده ثم سار أمير الجيوش من مصر في العساكر الى دمشق سنة ثمان وسبعين وحاصرها فامتنعت عليه ورجع فلحقوا بأخيه تكش في فقوي به وأظهر العصيان واستولى على مروالروذ ومره الساهجان وغيرهما وسار الى نيسابور طامعا في ملك خراسان وبلغ الخبر الى السلطان فسبقه الى نيسابور فرجع تتش وتحصن بترمذ وحاصره السلطان حتى سأل الصلح وأطلق من كان في أسره من عسكر السلطان ونزل عن ترمذ وخرج اليه فأكرمه ثم عاود العصيان سنة سبع وسبعين وملك مروالروذ ووصل قريبا من سرخس وحاصر قلعة هناك لمسعود ابن الأمير فاخر وتحيل أبو الفتوح الطوسي صاحب نظام وهو بنيسابور على ملطفة وضعوها على شبه خط نظام الملك يخاطب فيها صاحب القلعة بأنه واصل في ركاب السلطان ملك شاه وأنه مصالح للقلعة وتعرض حاملها لأهل المعسكر حتى أخذوا كتابه بعد الضرب والعرض على القتل وحدثهم بمثل ما في الصحيفة وان السلطان وعساكره في الري فأجفلوا لوقتهم الى قلعة ٥/٧

ربح وخرج أهل الحصن فأخذوا ما في العسكر وجاء السلطان بعد ثلاثة أشهر فحاصره في قلعته حتى افتتحها وحده ودفعه الى ابنه أحمد فتسلمه وحبسه فخرجا من يمينه معه.

سفارة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عن الخليفة

كان الخليفة المقتدي وكان عميد العراق أبو الفتح بن أبي الليث يسيء معاملة الخليفة فبعث المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الى السلطان ملك شاه وزيره نظام الملك بأصفهان شاكيا من العميد فسار الشيخ لذلك ومعه الإمام أبو بكر الشاشي وغيره من الأعيان ورأى الناس عجبا في البلاد التي يمر بها من إقبال الخلق عليه وازدحامهم على محفته يتمسحون بها ويلثمون أذيالها وينشرون موجودهم عليها من الدراهم والدنانير لأهلها والمصنوعات لأهل الصنائع والبضائع للتجار والشيخ في ذلك يبكي وينتحب ولما حضر عند السلطان أظهر المحرمة وأجابه الى جميع ما طلبه ورفعت يد العميد عن كل ما يتعلق بالخليفة وحضر الشيخ مجلس نظام الملك فجرت بينه وبين إمام الحرمين مناظرة خبرها معروف.

اتصال بني جهير بالسلطان ملك شاه ومسير فخر الدولة لفتح ديار بكر

كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير المقتدي قد عزل سنة احدى وسبعين على يد نظام الملك ولحق به ابنه عميد الدولة واسترضاه فرضي نظام الملك وشفع الى الخليفة فاعتمد عميد الدولة دون أبيه كما تقدم في أخبار الخلفاء ثم أرسل المقتدي سنة أربع وسبعين فخر الدولة الى ملك شاه يخطب له ابنته فسار الى أصبهان وعقد له نكاحها على خمسين ألف دينار معجلة وعاد الى بغداد ثم عزل المقتدي ابنه عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين وكانوا قد علقوا بخطة من نظام الملك فبعث عن نفسه وعن ملك شاه يطلب حضور بني جهير عندهم فساروا بأهليهم فعظمت حظوظهم عند السلطان وعقد لفخر الدولة على ديار بكر وبعث معه العساكر لفتحها من يد بني مروان وأذن له في اتخاذ الآلة وأن يخطب لنفسه ويكتب اسمه على السكة فسار في العساكر السلطانية.

استيلاء ابن جهير على الموصل

ولما سار فخر الدولة ابن جهير لفتح ديار بكر استنجد ابن مروان مسلم بن قريش وشرط له ٥/٨

أمرا وتحالفا على ذلك واجتمعا لحرب ابن جهير وبعث السلطان الأمير ارتق بن أكسك في العساكر مددا لابن جهير فجنح ابن جهير الى الصلح وبادر أرتق الى القتال فهزم العرب والأكراد وغنم معسكرهم ونجا مسلم بن قريش الى آمد وأحاطت به العسكر فلما اشتد مخنقه راسل الأمير أرتق في الخروج على مال بذله له فقبله وكانت له حراسة الطريق فخرج الى الرقة وسار ابن جهير الى ميافارقين وفارقه منصور بن مزيد وابنه صدقة فعاد منها الى خلاط ولما بلغ السلطان انحصار مسلم في آمد بعث عميد الدولة في جيش كثيف الى الموصل ومعه آقسنقر قسيم الدولة الذي أقطعه بعد ذلك حلب وساروا الى الموصل فلقيهم أرتق ورجع معهم ولما نزلوا على الموصل بعث عميد الدولة الى أهلها بالترغيب والترهيب فأذعنوا واستولى عليها وجاء السلطان في عساكره الى بلاد مسلم بن قريش وقد خلص من الحصار وهو مقيم قبالة الرحبة فبعث اليه مؤيد الكتاب ولا طف السلطان واسترضاه ووفد اليه بالقوارح ورده السلطان الى أعماله وعاد لحرب أخيه تتش الذي ذكرناه آنفا.

فتح سليمان بن قطلمش انطاكية والخبر عن مقتله ومقتل مسلم ابن قريش واستيلاء تتش على حلب

كان سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق قد ملك قرسة واقتصروا أعمالها من بلاد الروم الى الشأم وكانت انطاكية بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وكان ملكها لعهده الفردروس فأساء السيرة الى جنده ورعاياه وتنكر لابنه وحبسه فداخل الشحنة في تمكين سلمان من البلد فاستدعوه سنة سبع وسبعين فركب إليها البحر وخرج الى البر في أقرب السواحل اليها في ثلاثمائة ألف فارس ورجل كثير وسار في جبال واوعار فلما انتهى الى السور وأمكنه الشحنة من تسلم السور دخل البلد وقاتل أهلها فهزمهم وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم وملك القلعة وغنم من أموالهم ما لا يحصى وأحسن الى أهلها وأمر لهم بعمارة ما خرب وأرسل الى السلطان ملك شاه بالفتح ثم بعث اليه مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمل اليه الفردروس ملك انطاكية من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه بتقرير الطاعة للسلطان وبأن الجزية لا يعطيها مسلم فسار مسلم ونهب نواحي انطاكية فنهب سليمان نواحي حلب ثم جمع سليمان العرب والتركمان وسار لنواحي انطاكية ومعه جماهير التركمان وجمع سليمان كذلك والتقيا آخر صفر سنة ثمان وسبعين وانحاز جق الى سليمان فانهزمت العرب وقتل مسلم وسار سليمان بن قطلمش الى حلب وحاصرها فامتنعت عليه وأرسل اليه ابن الحثيثي ٥/٩

العباسي كبير حلب بالأموال وطالبه أن يمهل حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودس الى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعيه لملكها فجاء لذلك ومعه أرسوس أكسك وكان خائفا على نفسه من السلطان ملك شاه لفعلته في أمر فاستجار بتتش وأقطعه المورس وسار معه لهذه الحرب وبادر سليمان بن قطلمش الى اعتراضهم وهم على تعبية وأبلى أرتق في هذه الحروب وانهزم سليمان وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وبعث الى ابن الحثيثي العباسي فيما استدعاه اليه فاستمهله الى مشورة السلطان ملك شاه وأغلظ في القول فغضب تتش وداخله بعض أهل البلد فتسورها وملكها واستجار ابن الحثيثي بالأمير أرتق فأجاره وسمع له.

استيلاء ابن جهير على ديار بكر

ثم بعث ابن جهير سنة ثمان وسبعين ابنه زعيم الرؤساء ابا القاسم الى حصار آمد ومعه جناح الدولة اسلار فحاصرها واقتلع شجرها وضيق عليها حتى جهدهم الجوع وغدر بعض العامة في ناحية من سورها ونادى بشعار السلطان واجتمع اليه العامة لما كانوا يلقون من عسف العمال النصارى فبادر زعيم الرؤساء الى البلد وملكها وذلك في المحرم وكان أبوه فخر الدولة محاصرا لميافارقين ووصل اليه سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد بمدد العساكر فاشتد الحصار وسقطت من السور ثلمة في سادس جمادى فنادوا بشعار السلطان ومنعوا ابن جهير من البلد واستولى على أموال بني مروان وبعثها مع ابنه زعيم الرؤساء الى السلطان فسار مع كوهراس الى بغداد ثم فارقه الى السلطان بأصبهان ولما انقضى أمر ميافارقين بعث فخر الدولة جيشا الى جزيرة ابن عمر فحاصرها وقام بعض أهلها بدعوة السلطان وفتحوا مما يليهم بابا قريبا دخل منه العسكر فملكوا البلد وانقرضت دولة بني مروان من ديار بكر والبقاء لله ثم أخذ السلطان ديار بكر من فخر الدولة بن جهير وسار الى الموصل فأقام بها الى أن توفي سنة ثلاث وثمانين.

استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية آقسنقر عليها

لما ملك تاج الدولة تتش مدينة حلب وكان بها سالم بن ملك بن مروان ابن عم مسلم بن قريش وامتنع بالقلعة وحاصره تتش سبعة عشر يوما حتى وصل الخبر بمقدم أخيه السلطان ملك شاه وقد كان ابن الحثيثي كتب اليه يستدعيه لما خاف من تتش فسار من أصبهان ٥/١٠

منتصف تسع وسبعين وفي مقدمته برسق وبدران وغيرهما من الأمراء ومر بالموصل في رجب ثم سار الى هراة وبها ابن الشاطي فملكها وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأقطعه معها مدينة الرحبة وأعمالها. حران وسروج والرقة وخابور وزوجه أخته زليخا خاتون ثم سار الى الرها وافتتحها من الروم وكانوا اشتروها من ابن عطية كما مر وسار الى قلعة جعفر فملكها وقتل من كان بها من بني قشير وكان صاحبها جعفر أعمى وكان يخيف السابلة هو وولده فأزال ضررهم ثم ملك منبج وعبر الفرات الى حلب فأجفل تتش عن المدينة ودخل ومعه الأمير أرتق ورجع الى دمشق فلما وصل السلطان الى حلب ملكها ثم الى القلعة فملكها من سالم بن ملك على أن يعطيه قلعة جعفر فلم تزل بيد عقبه الى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد ثم بعث اليه نصر بن علي بن منقذ الكناني بالطاعة فأقره على شيراز وتسلم منه اللاذقية وبعرطاف وجامية ورجع ثم رجع السلطان بعد أن ولى على حلب قسيم الدولة آق سنقر ورغب اليه أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فأخرجه عنهم الى ديار بكر وتوفي بها ثم رجع السلطان الى بغداد فدخلها في ذي الحجة من سنته ونزل بدار المملكة وأهدى للخليفة هدايا كثيرة واجتمع بالخليفة ليلا ثم دخل اليه في مجلسه نهارا وأفيضت عليه الخلع وسلم أمراء السلجوقية على الخليفة ونظام الملك قائم يقر بهم واحدا واحدا ويعرف بهم ثم صرح المقتدي للسلطان ملك شاه بالتفويض وأوصاه بالعدل فقبل يده ووضعها على عينيه وخلع الخليفة على نظام الملك وجاء الى مدرسته التي فيها الحديث وأملى.

خبر الزفاف

قد قدمنا أن السلطان ملك شاه زوج ابنته من الخليفة المقتدي سنة أربع وسبعين بخطبة الوزير ابن جهير فلما كان سنة ثمانين في المحرم نقل جهازها للزفاف الى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي أكثرها ذهب وفضة ومعه ثلاث عماريات ومعها أربع وسبعون بغلا مجللة بأنواع الديباج المكي وقلائدها الذهب وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة مملوءة بالحلي والجواهر ومهد عظيم من ذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة ٥/١١

كوهراس والأمير أرتق وغيرهما من الأمراء والناس ينثرون عليهم الدنانير والثياب وبعث الخليفة وزيره أبا شجاع الى زوجة السلطان تركمان خاتون ومعه خادمه ظفر بمحفة لم ير مثلها ومعهم ثلاثمائة من الشمع الموكف ومثلها مشاعل وأوقدت الشموع في دكاكين الحريم الخلافي وقال الوزير لخاتون سيدنا أمير المؤمنين يقول أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة الى داره فقالت سمعا وطاعة ومشى بين يديها أعيان الدولة مع كل واحد الشمع والمشاعل يحملها الفرسان ثم جاءت المأمون من بعدهم في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر ما لا يحد ويحيط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك على مراكب رائعة وأولم الخليفة وليمة لم يسمع بمثلها ثم أطلع للناس من الغد سماط مائدة عليها أربعون ألفا من السكر وخلع على أعيان العسكر وعلى جميع الحواشي.

استيلاء السلطان ملك شاه على ما وراء النهر

كان صاحب سمرقند لهذا العهد من الخانية أحمد خان بن خضر خان أخى شمس الملك الذي كان أميرا عليها وعمته خاتون زوجة ملك شاه وكان رديء السيرة فبعثوا الى السلطان يسألونه الرجوع الى ايالته وجاء بذلك مفتي سمرقند أبو طاهر الشافعي قدم حاجا وأسر ذلك الى السلطان فسار من أصبهان سنة اثنتين وثمانين ومعه رسول الروم بالخراج المقدر عليهم فاستعجم وأحضر للفتح ولما انتهى الى خراسان جمع العساكر وعبر النهر بجيوش لا تحصى وأخذ ما في طريقه من البلاد ثم انتهى الى بخارى فملكها وما جاورها ثم سار الى سمرقند فحاصرها وأخذ بهجتها ثم رماها بالمنجنيق وثلم سورها ودخل من الثلمة وملك البلد واختفى أحمد خان ثم جيء به أسيرا فأطلقه وبعث به الى أصبهان وولى على سمرقند أبا طاهر عميد خوارزم وسار الى كاشغر فبلغ الى نور وكمن وبعث الى كاشغر بالخطبة وضرب السكة فأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وخلع عليه وأعاده الى بلده ورجع السلطان الى خراسان وكان بسمرقند عساكر يعرفون بالحكلية فأرادوا الوثوب بالعميد نائب السلطان فلاطفهم ولحق ببلده خوارزم.

(عصيان سمرقند وفتحها ثانيا)

كان مقدم الحكلية بسمرقند اسمه عين الدولة وخاف السلطان لهذه الحادثة فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر وكانت مملكته تعرف بارياسي فاستحضره وملكه ثم شكر له يعقوب وحمل أعداءه من الرعية على طلب الثأر منه وقتله بفتاوى الفقهاء واستبد بسمرقند وسار السلطان ملك شاه اليها سنة اثنتين وثمانين لما انتهى ٥/١٢

الى بخارى هرب يعقوب الى فرغانة ولحق بولايته وجاء بعسكره مستأمنين الى السلطان فلقوه بالطواويس من قرى بخارى ووصل السلطان الى سمرقند وولى عليها الأمير انز وأرسل العساكر في طلب يعقوب وأرسل الى ملك كاشغر بالجد في طلبه وشعب على يعقوب عساكره ونهبوا خزائنه ودخل على أخيه كاشغر مستجيرا به وبعث السلطان في طلبه منه فتردد بين المخافة والأنفة ثم غلب عليه الخوف فقبض على أخيه يعقوب وبعثه مع ابنه وأصحابه الى السلطان وأمرهم أن يسملوه في طريقه فان قنع السلطان بذلك والا أسلموه اليه فلما قربوا على السلطان وعزموا على تسليمه بلغهم الخبر بأن طغرل بن نيال أسرى من ثمانين فرسخا بعساكر لا تحصى فكبس ملك كاشغر وأسره فأطلقوا يعقوب ثم خشي السلطان شأن طغرل بن نيال وكثرة عساكره فرجع على البلد ودس تاج الملك في استصلاح يعقوب فشفع له ورد الى كاشغر ورد الطغرل ورجع هو الى خراسان ثم قدم الى بغداد سنة أربع وثمانين العزمة الثانية ووجد عليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب الشام وقسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وبوران صاحب الرها وعمال الأطراف وأقام صنيع الميلاد ببغداد وتأنق بما لم يعهد مثله وأمر وزيره نظام الملك وأمراءه ببناء الدور ببغداد لنزلهم ورجع الى أصبهان.

استيلاء تتش على حمص وغيرها من سواحل الشام

لما قدم السلطان سنة أربع وثمانين وفد عليه أمراء الشام كما قدمنا فلما انصرفوا من عنده أمر أخاه تاج الدولة تتش أن يذهب دولة العلويين من ساحل الشام ويفتح بلادهم وأمر آق سنقر وبوران أن يسيرا لانجاده فلما رجعوا الى دمشق سار الى حمص وبها صاحبها ابن ملاعب وقد عظم ضرره وضرر ولده على الناس فحاصرها وملكها ثم سار الى قلعة عرفة فملكها عنوة ثم الى قلعة افامية فاستأمن اليه خادم كان بها فأرسل الى أمراء تتش في إصلاح حاله فسدوا عليه المذاهب فأرسل الى وزير آقسنقر يسعى له عند صاحبه وعمل له على ثلاثين ألف دينار ومثلها عروضا فجنح الى مصالحته واختلف مع تتش على ذلك وأغلظ كل منهما لصاحبه في القول فرحل آق سنقر مغاضبا واضطر الباقون الى الرحيل وانتقض أمرهم. ٥/١٣

ملك اليمن

كان فيمن حضر عند السلطان ببغداد كما قدمناه عثمان حق أمير التركمان صاحب قرمسيس وغيرها فأمره السلطان أن يسير في جموع التركمان للحجاز واليمن فيظهر أمرهم هناك وفوض الى سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد فولى عليهم أمير اسمه ترشك وسار الى الحجاز فاستولى عليه وأساء السيرة فيه حتى جاء أمير الحجاز محمد بن هاشم مستغيثا منهم ثم ساروا سنة خمس وثمانين الى اليمن وعاثوا في نواحيه وملكوا عدن وأساءوا السيرة في أهلها وأهلكوا ترشك سابع دخولها وأعاده أصحابه الى بغداد فدفنوه بها.

مقتل الوزير نظام الملك

ثم ارتحل السلطان ملك شاه الى بغداد سنة خمس وثمانين فانتهى الى أصبهان في رمضان وخرج نظام الملك من بيته بعد الإفطار عائدا الى خيمته فاعترضه بعض الباطنية في صورة متظلم فلما استدناه لسماع شكواه طعنه بخنجر فأشواه وعثر الباطني في أطناب الخيام ودخل نظام الملك الخيمة فمات لثلاثين سنة من وزارته واهتاج عسكره فركب اليه السلطان وسكن الناس ويقال أن السلطان ملك شاه وضع الباطني على قتله لما وقع منه ومن بنيه من الدالة والتحكم في الدولة وقد كان السلطان دس على ابنه جمال الدين من قتله سنة خمس وسبعين كان بعض حواشي السلطان سعى به فسطا به جمال الدين وقتله فأحقد السلطان بذلك وأخذ عميد خراسان فقتله خنقا فدس لخادم من خدم جمال الدين بذلك وأنهم إذا تولوا قتله بأنفسهم كان أحفظ لنعمتهم فسقاه الخادم سما ومات وجاء السلطان الى نظام الملك وأغراه به وما زال بطانة السلطان يغضون منه ويحاولون السعاية فيه الى أن ولى حافده عثمان بن جمال الملك على مرو وبعث السلطان اليها كردن من أكابر المماليك والأمراء شحنة ووقعت بينه وبين عثمان منازعة في بعض الأيام فأهانه وحبسه ثم أطلقه وجاء الى السلطان شاكيا فاستشاط غضبا وبعث فخر الملك البارسلان الى نظام الملك وأغراه به وما زال يقول إن كنت تابعا فقف عند حدك وان كنت شريكي في سلطاني فافعل ما بدا لك وقرر عليه فعل حافده وسائر بنيه في ولايتهم وأرسل معه نكبرذ من خواصه ثقة على ما يؤديه من القول ويجيبه الآخر فانبسط لسان نظام الملك يعدد الوسائل منه والمدافعة عن السلطان وجمع الكلمة وفتح الأمصار في كلام طويل حملته عليه الدالة وقال في آخره ان شاء فله مؤيد مرو آتي ومتى ٥/١٤

أطعت هذه زالت تلك فليأخذ حذره ثم زاد في انبساطه وقال قولوا عني ما أردتم فان توبيخكم نتأ في عضدي ومضى نكبرذ فصدق السلطان الخبر وجاء الآخرون وحاولوا الكتمان فلم يسعهم لما وشي نكبرذ بجلية القول فصدقوه كما صدقه ومات نظام الملك بعدها بقليل ومات السلطان بعده بنحو شهر وكان أصل نظام الملك من طوس من أبناء الدهاقين اسمه أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ذهبت نعمة آبائه وماتوا فنشأ يتيما ثم تعلم وحذق في العلوم والصنائع وعلق بالخدم السلطانية في بلاد خراسان وغزنة وبلخ ثم لازم خدمة أبي علي بن شاذان وزير البارسلان ومات ابن شاذان فأوصى به السلطان البارسلان وعرفه كفايته فاستخدمه فقام بالأمور أحسن قيام فاستوزره ثم هلك السلطان البارسلان وهو في وزارته ثم استوزره ملك شاه بعد أبيه وكان عالما جوادا صفوحا مكرما للعلماء وأهل الدين ملازما لهم في مجلسه شيد المدارس وأجرى فيها الجرايات الكثيرة وكان يملي الحديث وكان ملازما للصلوات محافظا على أوقاتها وأسقط في أيامه كثيرا من المكوس والضرائب وأزال لعن الأشعرية من المنابر بعد أن فعله الكندوي من قبله وحمل عليه السلطان طغرلبك وأجراهم مجرى الرافضة وفارق امام الحرمين وأبو القاسم القشيري البلاد من أجل ذلك فلما ولى آلب أرسلان حمله نظام الملك على ازالة ذلك ورجع العلماء الى أوطانهم ومناقبه كثيرة وحسبك من عكوف العلماء على مجلسه وتدوينهم الدواوين باسمه فعل ذلك أمام الحرمين وأشباهه وأما مدارسه فقد بنى النظامية ببغداد وناهيك بها ورتب الشيخ أبا إسحاق الشيرازي للتدريس بها وتوفي سنة ست وسبعين فرتب ابنه مؤيد الملك مكانه أبا سعيد المتولي فلم يرضه نظام الملك وولى فيها الإمام أبا نصر الصباغ صاحب الشامل ومات أبو نصر في شعبان من تلك السنة فولى أبو سعيد من سنة ثمان وسبعين ومات فدرس بعده الشريف العلوي أبو القاسم الدبوسي وتوفي سنة اثنتين وثمانين وولى تدريسه بعدها أبو عبد الله الطبري والقاضي عبد الوهاب الشيرازي بالنوبة يوما بيوم ثم ولى تدريسها الإمام أبو حامد الغزالي سنة أربع وثمانين واتصل حكمها على ذلك وفي أيامه عكف الناس على العلم واعتنوا به لما كان من حسن أثره في ذلك والله أعلم.

وفاة السلطان ملك شاه وولاية ابنه محمود

ثم لما سار السلطان بعد مقتل نظام الملك الى بغداد ودخلها آخر رمضان وكان معه في الدولة أبو الفضل الهروستماني وزير زوجته الخاتون الجلالية من الملوك الخانية فيما وراء النهر وكان ٥/١٥

أشد الناس سعاية في نظام الملك وعزم السلطان أن يستوزره لأول دخوله بغداد فعاقت المنية عن ذلك وطرقه المرض ثالث الفطر وهلك منتصف شوال سنة خمس وثمانين وكانت زوجته تركمان خاتون الجلالية عنده في بغداد وابنها محمود غائبا في أصبهان فكتمت موته وسارت بشلوه الى أصبهان وتاج الملك في خدمتها وقدمت بين يديها قوام الدين كربوقا الذي ولى الموصل من بعد وأرسلته بخاتم السلطان الى مستحفظ القلعة فملكها وجاءت على أثره وقد أفاضت الأموال في الأمراء والعساكر ودعتهم الى بيعة ولدها محمود وهو ابن أربع سنين فأجابوا الى ذلك وبايعوه وأرسلت الى المقتدر في الخطبة له فأجابها على أن يكون الأمير أنز قائما بتدبير الملك ومجد الملك مشيرا وله النظر في الأعمال والجباية فنكرت ذلك أمه خاتون وكان السفير أبا حامد الغزالي فقال لها أن الشرع لا يجيز ولاية ابنك فقبلت الشرط وخطب له آخر شوال سنة خمس وثلاثين وأرسلت تركمان خاتون الى أصبهان في القبض على بركيارق فحبس بأصبهان وكان السلطان ملك شاه من أعظم ملوك السلجوقية ملك من الصين الى الشام ومن أقصى الشام الى اليمن وحمل اليه ملوك الروم الجزية ومناقبه عظيمة مشهورة.

منازعة بركيارق لأخيه محمود وانتظام سلطانه

كان بركيارق أكبر أولاد السلطان ملك شاه وكانت أمه زبيدة بنت ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ولما حبس بركيارق وخافت عليه أمه زبيدة دست لمماليك نظام الملك فتعصبوا له وكانت خاتون غائبة ببغداد مع ابنها محمود لفقد سلطانه فوثب المماليك النظامية على سلاح لنظام الملك بأصبهان وأخرجوا بركيارق من محبسه وخطبوا له وبلغ الخبر الى خاتون فسارت من بغداد وطلب العسكر تاج الملك في عطائهم فهرب الى قلعة بوجين لينزل منها الأموال وامتنع فيها ونهب العسكر خزائنه وساروا الى أصبهان وقد سار بركيارق والنظامية الى الري فأطاعه أرغش النظامي في عساكره وفتحوا قلعة طغر عنوة وبعثت خاتون العساكر لقتال بركيارق فنزع اليه سبكرد وكمستكن الجاندار وغيرهما من أمراء عساكره ولقيهم بركيارق فهزمهم وسار في أثرهم الى أصفهان فحاصرهم بها وكان عز الملك بن نظام الملك بأصبهان وكان واليا على خوارزم فحضر عند السلطان قبل مقتل أبيه وبقي هناك بعد وفاة السلطان فخرج الى بركيارق ومعه جماعة من إخوانه فاستوزره بركيارق وفوض اليه الأمور كما كان أبوه. ٥/١٦

(مقتل تاج الملك) وهو أبو الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز كان وزيرا لخاتون وابنها ولما هرب الى قلعة بوجين خوفا من العسكر كما قدمنا وملكت خاتون أصبهان عاد اليها واعتذر بأن صاحب القلعة حبسه فقبلت عذره وبعثته مع العساكر لقتال بركيارق فلما انهزموا حل أسيرا عنده وكان يعرف كفاءته فأراد أن يستوزره وكان النظامية ينافرونه ويتهمونه بقتل نظام الملك وبذل فيهم أموالا فلم يغنه ووشوا به فقتلوه في المحرم سنة ست وثمانين وكان كثير الفضائل جم المناقب وانما غطى على محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والمدرسة بإزائها ورتب بها أبا بكر الشاشي مدرسا.

(مهلك محمود) ثم هلك السلطان محمود وهو محاصر بأصبهان لسنة من ولايته واستقل بركيارق بالملك.

(منازعة تتش بن آلب أرسلان وأخباره الى حين انهزامه

كان تاج الدولة تتش أخو السلطان ملك شاه صاحب الشام وسار الى لقاء أخيه ملك شاه ببغداد قبيل موته فلقيه خبر موته بهيت فاستولى عليها وعاد الى دمشق فجمع العساكر وبذل الأموال وأخذ في طلب الملك فبدأ بحلب ورأى صاحبها قسيم الدولة آق سنقر اختلاف ولد ملك شاه وحقرهم فأطاع تاج الدولة تتش وتبعه في طاعته وبعث الى باغي يسار صاحب انطاكية وإلى مران صاحب الرها وحران يشير عليهما بمثل ذلك فأجابا وخطبوا لتاج الدولة تتش في بلادهم وساروا معه الى الرحبة فملكها ثم الى نصيبين فملكها واستباحها وسلمها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وساروا الى الموصل وقدم عليه الكافي بن فخر الدولة ابن جهير من جزيرة ابن عمر فاستوزره وكانت الموصل قد ملكها علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأمه صفية عمة ملك شاه وأطلقت تركمان خاتون عمه إبراهيم فجاء وملك الموصل من يده كما تقدم في أخبار بني المقلد فبعث اليه تتش في الخطبة وأن يهيئ له الطريق الى بغداد فامتنع وزحف لحربه فانهزم العرب وسيق إبراهيم أسيرا الى تتش في جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموالهم واستولى تتش على الموصل وغيرها واستناب عليها علي بن مسلم وهو ابن صفية عمة أبيه وبعث الى بغداد في الخطبة ووافقه كوهراس الشحنة وحزر الجواب بانتظار الرسل من العسكر فسار تتش الى ديار بكر ٥/١٧

فملكها ثم سار الى آذربيجان وزحف بركيارق يعتذر من سعيه مع تتش فعزله بركيارق بسعاية كمستكن الجاندار بقسيم الدولة وأقام عوضه شحنة ببغداد الأمير مكرد وأعطاه أقطاعه وسار الى بغداد ثم رده من دقوقا لكلام بلغه عنه وقتله وولى على شحنة بغداد فتكين حب.

مقتل إسماعيل بن ياقوتي

كان إسماعيل بن ياقوتي بن داود بن عم ملك شاه وخال بركيارق أميرا على أذربيجان فبعثت تركمان خاتون اليه فأطمعته في الملك وأنها تتزوج به فجمع جموعا من التركمان وغيرهم وسار لحرب بركيارق فلقيه عند كرخ ونزع عنه مكرد الى بركيارق فانهزم إسماعيل الى أصبهان فخطبت له خاتون وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود وأرادت العقد معه فمنعها الأمير أنز مدبر الدولة وصاحب العسكر وخوفهم وفارقهم ثم أرسل أخته زبيدة أم بركيارق فأصلحت حاله مع ابنها وقدم عليه فأكرمه واجتمع به رجال الدولة كمستكن الجاندار وآق سنقر وبوران وكشفوا سره في طلب الملك ثم قتلوه وأعلموا بركيارق فأهدر دمه.

(مهلك توران شاه بن قاروت بك) كان توران شاه بن قاروت بك صاحب فارس وأرسلت خاتون الجلالية الأمير أنز لفتح فارس سنة سبع وثمانين فهزمه أولا ثم أساء السيرة مع الجند فلحقوا بتوران شاه وزحف الى أنز فهزمه واسترد البلد من يده وأصاب توران شاه في المعركة بسهم هلك معه بعد شهرين.

(وفاة المقتدي وخلافة المستظهر وخطبته لبركيارق) ثم توفي المقتدي منتصف محرم سنة سبع وثمانين وكان بركيارق قد قدم بغداد بعد هزيمة عمه تتش فخطب له وحملت اليه الخلع فلبسها وعرض التقليد على المقتدي فقرأه وتدبره وعلم فيه وتوفي فجأة وبويع لابنه المستظهر بالخلافة فأرسل الخلع والتقليد الى بركيارق وأخذت عليه البيعة للمستظهر.

استيلاء تتش على البلاد بعد مقتل آق سنقر ثم هزيمة بركيارق

لما عاد تتش منهزما من أذربيجان جمع العساكر واحتشد الأمم وسار من دمشق الى حلب سنة سبع وثمانين واجتمع قسيم الدولة آق سنقر وبوران وجاء كربوقا مددا من عند ٥/١٨

بركيارق وساروا لحرب تتش ولقوة على ستة فراسخ من حلب فهزمهم وأخذ آق سنقر أسيرا فقتله ولحق كربوقا وبوران بحلب واتبعهما تتش فحاصرهما وملك حلب وأخذهما أسيرين وبعث الى حران والرها في الطاعة فامتنعوا فبعث اليهم برأس بوران وملك البلدين وبعث بكربوقا الى حمص فحبسه بها وسار الى الجزيرة فملكها ثم الى ديار بكر وخلاط فملكها ثم الى أذربيجان ثم سار الى همدان ووجد بها فخر الدولة ابن نظام الملك جاء من خراسان الى بركيارق فلقيه الأمير قماج من عسكر محمود بأصبهان فنهب ماله ونجا الى همذان فصادف بها تتش فأراد قتله وشفع فيه باغي يسار وأشار بوزارته لميل الناس الى بيته واستوزره وكان بركيارق قد سار الى أقسيس فحالفه تتش الى أذربيجان وهمذان فسار بركيارق من نصيبين وعبر دجلة من فوق الموصل الى أربل فلما تقارب العسكران أشرف الأمير يعقوب بن أنق من عسكر تتش فكبس بركيارق وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه الا برسق وكمستكن الجاندار والبارق من أكابر الأمراء فلجئوا الى أصبهان وكانت خاتون أم محمود قد ماتت فمنعه محمود وأصحابه من الدخول ثم خرج اليه محمود وأدخله الى أصبهان واحتاطوا عليه وأرادوا أن يسلموه فرفض محمود فأبقوه.

مقتل تتش واستقلال بركيارق بالسلطان

ثم مات محمود منسلخ شوال سنة سبع وثمانين واستولى بركيارق على أصبهان وجاء مؤيد الملك الأمراء واستمالهم فرجعوا الى بركيارق وكشف جمعه وبعث تاج الملك تتش بعد هزيمة بركيارق يوسف بن أنق التركماني شحنة الى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وزحف اليه صدقة بن مزيد صاحب الحلة فقاتله في يعقوب وانهزم صدقة الى الحلة ودخل يوسف بن أنق بغداد وأقام بها وكان تتش لما هرم بركيارق سار الى همذان وقد تحصن بها بعض الأمراء فاستأمن اليه واستولى على همذان وسار في نواحي أصبهان وإلى مرو وراسل الأمراء بأصبهان يستميلهم بالمقاربة والوعد وبركيارق مريض فلما أفاق من مرضه خرج الى جرباذقان واجتمع اليه من العسكر ثلاثون ألفا ولقيه تتش فهزمه بركيارق وقتله بعض أصحاب آق سنقر بثأر صاحبه وكان فخر الملك بن نظام الملك أسيرا عنده فانطلق عند هزيمته واستقامت أمور بركيارق وبلغ الخبر الى يوسف يوسف بن أبق التركماني الكامل 10/ 244) . ٥/١٩

استيلاء كربوقاالموصل

قد كناأن تاج الدولة تتش أسر قوام الدولة أباكربوقا وحبسه بعد ما قتل آق سنقر بوران فأقام محبوسا بحلب الى أن قتل تتش واستولى رضوان ابنه على حلب فأمره السلطان بركيارق بإطلاقه لأنه كان من جهة الأمير أنز فأطلقه رضوان وأطلق أخاه التوسطاش فاجتمعت عليهما العساكر وكان بالموصل علي بن شرف الدولة مسلم منذ ولاه عليها تتش بعد وقعة المضيع وكان بنصيبين أخوه محمد بن مسلم ومعه مروان بن وهب وأبو الهيجاء الكردي وهو يريد الزحف الى الموصل فكاتب كربوقا واستدعاه للنصرة ولقيه على مرحلتين من نصيبين فقبض عليه كربوقا وسار الى نصيبين وحاصرها أربعين يوما وملكها ثم سار الى الموصل فامتنعت عليه فتحول عنها الى بلد وقتل بها محمد بن شرف الدولة تغريقا وعاد الى حصار الموصل ونزل منها على فرسخ واستنجد علي بن مسلم بالأمير مكرس صاحب جزيرة ابن عمر فجاء لانجاده واعترضه التوسطاش فهزمه ثم سار الى طاعة كربوقا وأعانه على حصار الموصل ولما اشتد بصاحبه علي بن مسلم الحصار بعد تسعة أشهر هرب عنها ولحق بصدقة بن مزيد ودخل كربوقا الى الموصل وعاث التوسطاش في أهل البلد ومصادرتهم واستطال على كربوقا فأمر بقتله ثالثة دخوله سنة تسع وثمانين وسار كربوقا الى الرحبة فملكها وعاد فأحسن السيرة في أهل الموصل ورضوا عنه واستقامت أموره.

استيلاء أرسلان أرغون اخي السلطان ملك شاه على خراسان ومقتله

كان أرسلان أرغون مقيما عند أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فلما مات وبويع ابنه محمود سار الى خراسان في سبعة من مواليه واجتمعت عليه جماعة وقصد نيسابور فامتنعت عليه فعاد الى مرو وكان بها شحنة الأمير قودر من موالي السلطان ملك شاه وكان أحد الساعين في قتل ٥/٢٠

نظام الملك فمال الى طاعة أرغون وملكه البلد وسار الى بلخ وكان بها فخر الملك بن نظام الملك ففر عنها ووصل الى همدان ووزر لتاج الدولة تتش كما مر وملك ارسلان أرغون بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وأرسل الى السلطان بركيارق وزيره مؤيد الملك في تقرير خراسان عليه بالضمان كما كانت لجده داود ما عدا نيسابور فأعرض عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش ثم عزل بركيارق مؤيد الملك عن الوزارة بأخيه فخر الملك واستولى فخر الملك البارسلان على الأمور فقطع ارسلان مراسلة بركيارق فبعث حينئذ عمه بورسوس في العساكر لقتاله فانهزم ارسلان الى بلخ وأقام بورسوس بهراة وسار أرسلان الى مرو وفتحها عنوة وخربها واستباحها وسار اليه بورسوس من هراة سنة ثمان وثمانين وكان معه مسعود بن تأخر الذي كان أبوه مقدم عساكر داود ومعه ملك شاه من أعاظم الأمراء فبعث اليه ارسلان واستماله فمال اليه ووثب لمسعود بن تأخر وابنه فقتلهما في خيمته فضعف أمر بورسوس وانفض الناس عنه وجيء به أسيرا الى أخيه أرسلان أرغون فحبسه بترمذ ثم قتله في محبسه بعد سنة وقتل أكابر خراسان وخرب أسوارها مثل سودان ومرو الشاهجان وقلعة سرخس ونهاوند ونيسابور وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك على ثلاثمائة ألف دينار ثم قتله واستبد بخراسان وكان مرهف الحد كثير العقوبة لمواليه وأنكر على بعضهم يوما بعض فعلاته وهو في خلوة وضربه فطعنه الغلام بخنجر معه فقتله وذلك في المحرم من سنة تسعين.

ولاية سنجر على خراسان

ولما قتل ارسلان أرغون ملك أصحابه من بعده صبيا صغيرا من ولده وكان السلطان بركيارق قد جهز العساكر لخراسان للقتال ومعه الأتابك قماج ووزيره علي بن الحسن الطغرائي وانتهى اليه مقتل أرسلان بالدامغان فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا الى نيسابور فملكها في جمادى سنة تسعين وأربعمائة وملك سائر خراسان وسار الى بلخ وكان أصحاب أرسلان قد هربوا بابنه الذي نصبوه للملك الى جبل طخارستان وبعثوا يستأمنون له ولهم فأمنهم السلطان وجاءوا بالصبي في آلاف من العساكر فأكرمه السلطان وأقطعه ما ٥/٢١

كان لأبيه أيام ملك شاه وانفض عنه العسكر الذين كانوا معه وافترقوا على أمراء السلطان وأفردوه فضمته أم السلطان اليها وأقامت من يتولى رتبته وسار السلطان الى ترمذ فملكها وخطب له بسمرقند ودانت له البلاد وأقام على بلخ سبعة أشهر ثم رجع وترك أخاه سنجر نائبا بخراسان.

ظهور المخالفين بخراسان

لما كان السلطان بخراسان خالف عليه محمود بن سليمان من قرابته ويعرف بأمير أميران وسار إلى بلخ واستمد صاحب غزنة من بني سبكتكين فأمده بالعساكر والخيول على أن يخطب له فيما يفتحه من خراسان فقويت شوكته فسار اليه الملك سنجر وكبسه فانهزم وجيء به أسيرا فسلمه ولما انصرف السلطان عن خراسان سار نائب خوارزم واسمه أكنجي في اتباعه وسبق الى مرو فتشاغل بلذاته وكان بها الأمير تورد قد تشاغل عن السلطان واعتذر بالمرض فداخل بارقطاش من الأمراء في قتل أكنجي صاحب خوارزم فكبسه في طائفة من أصحابه وقتلوه وساروا الى خوارزم فملكوها مظهرين أن السلطان ولاهما عليها وبلغ الخبر الى السلطان وكان قد بلغه في طريقه خروج الأمير أنز بفارس عن طاعته فمضى الى العراق وأعاد داود الحبشي ابن التونطاق في العساكر لقتالهما فسار الى العراق من هراة وأقام في انتظار العسكر فعاجلاه فهرب أمامهما وهرب جيحون وتقدم بارقطاش قبل تودن وقاتله فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر الى تودن فثار به عسكره ونهبوا أثقاله ولحق بسنجار فقبض عليه صاحبها ثم أطلقه فلحق بالملك سنجر ببلخ فقتله وأفرغ هو طاعته في نظمه وجمع العساكر على طاعته ثم مات قريبا وبقي بارقطاش أسيرا عند داود الى أن قتل.

بداية دولة بني خوارزم شاه

كان أبو شكين مملوكا لبعض أمراء السلجوقية واشتراه من بعض أهل غرشفان فدعى أبا شكين غرشه ونشأ على حال مرضية وكان مقدما وولد له ابنه محمد فأحسن تأديبه وتقدم هو بنفسه ولما سار الأمير داود الحبشي الى خراسان كما مر سار محمد في جملته فلما مهد ٥/٢٢

خراسان وأزال الخوارج نظر فيمن يوليه خوارزم وكان نائبها أكنجي قد قتله كما مر فوقع اختياره على محمد بن أبي شكين فولاه ولقبه خوارزم شاه فحسنت سيرته وارتفع محله وأقره السلطان سنجر وزاده عناية بقدر كفايته واضطلاعه وغاب في بعض الأيام عن خوارزم فقصدها بعض ملوك الأتراك وكان طغرلتكين محمد الذي كان أبوه أكنجي نائبا بخوارزم وبادر محمد بن أبي شكين الى خوارزم بعد أن استمد السلطان سنجر وسار بالعساكر مددا له وتقدم محمد بن أبي شكين فتأخر الأتراك الى منقشلاع ورحل طغرلتكين الى جرجان وازداد محمد بذلك عناية عند سنجر ولما توفي ولى ابنه بعده أقسر وأحسن السيرة وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما توفي اختصه السلطان سنجر وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه واتصل الملك في بني محمد أبي شكين خوارزم شاه وكانت لهم الدولة وتمت دولة بني ملك شاه وعليها كان ظهور الططر بعد المائة السادسة ومنهم أخذوا الملك كما سيأتي في أخبارهم.

استيلاء الافرنج على انطاكية وغيرها من سواحل الشام

كان الافرنج قد ظهر أمرهم في هذه السنين وتغلبوا على صقلية واعتزموا على قصد الشام وملك بيت المقدس وأرادوا المسير اليها في البر فراسلوا ملك الروم بالقسطنطينية أن يسهل لهم الطريق الى الشام فأجابهم على أن يعطوه انطاكية فعبروا خليج القسطنطينية سنة تسعين وأربعمائة وسار ارسلان بن سليمان بن قطلمش صاحب مرقيه وبلاد الروم لمدافعتهم فهزموه ثم مروا ببلاد ابن لبون الارمني ووصلوا الى انطاكية فحاصروها تسعة أشهر وصاحبها يومئذ باغي سيان فأحسن الدفاع عنها ثم تبوءوا البلد بمداخلة بعض الحامية أصعدهم السور بعد أن رغبوه بالأموال والاقطاع وجاءوا الى السور فدلهم على بعض المخادع ودخلوا منه ونفخوا البوق فخرج باغي سيان هاربا حتى إذا كان على أربعة فراسخ راجع نفسه وندم فسقط مغشيا عليه ومر به أرمني فحمل رأسه الى انطاكية وذلك سنة احدى وتسعين وأربعمائة واجتمعت عساكر المسلمين وزحفوا الى انطاكية من كل ناحية ليرتجعوها من الافرنج وجاء قوام الدين كربوقا الى الشام واجتمعت عليه العساكر بمرج دابق فكان معه دقاق بن تتش وطغرلتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وارسلان تاش صاحب سنجار وسقمان بن أرتق ٥/٢٣

وغيرهم وساروا الى انطاكية فنازلوها واستوحش الأمراء من كربوقا وأنفوا من ترفعه عليهم وضاق الحصار بالافرنج لعدم الأقوات لأن المسلمين عاجلوهم عن الاستعداد فاستأمنوا كربوقا فمنعهم الأمان وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكمدمري والقمط صاحب الرها وسمند صاحب انطاكية وهو مقدم العساكر فخرجوا مستأمنين وضربوا مصاف وتخاذل الناس لما كان في قلوبهم من الاضغان لكربوقا فتمت الهزيمة عليهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق واستشهد منهم العرب وغنم العدو سوادهم بما فيه وساروا الى معرة النعمان فملكوها وأفحشوا في استباحتها ثم ساروا الى غزة فحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم وصالحهم ابن منقذ على بلده شيراز وحاصروا حمص فصالحهم صاحبها جناح الدولة ثم ساروا الى عكا فامتنعت عليهم وكان هذا بداية الافرنج بسواحل الشام ويقال ان المصريين استنابوا رجلا يعرف بافتخار الدولة من خلفاء العميد بن نصر لما خشوا من السلجوقية عند استيلائهم على الشام الى غزة وزحف الاقسيس من أمرائهم الى مصر وحاصرها فراسلوا الى الافرنج واستدعوهم لملك الشام لينشلوهم عن أنفسهم ويحولوا بينهم وبين مصر والله سبحانه وتعالى أعلم.

انتقاض الأمير انز وقتله

لما سار السلطان بركيارق الى خراسان ولى على بلاد فارس الأمير انز وكانت قد تغلبت الشوانكار واستظهروا بإيران شاه بن قاروت بك صاحب كرمان فلما سار اليهم انز قاتلوه فهزموه ورجع الى أصبهان فاستأذن السلطان فأمره بالمقام هناك وولاه امارة العراق وكانت العساكر في جواره بطاعته وجاءه مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد على الحلة فأغراه بالخلاف وخوفه غائلة بركيارق وأشار عليه بمكاتبة محمد بن ملك شاه وهو في كنجه وشاع عنه ذلك فازداد خوفه وجمع العساكر وسار من أصبهان الى الري وجاهر السلطان بالخلاف وطلب منه أن يسلم اليه فخر الملك البارسلان وبينما هو في ذلك إذ هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم من جنده فطعنوه فقتلوه واهتاج عسكره فنهبوا خزائنه وحمل شلوه الى أصبهان فدفن بها وأشهر خبر قتله الى السلطان في أحواز الري وهو سائر لقتاله فسر بذلك هو وفخر الملك البارسلان وذلك في سنة ثنتين وتسعين وكان محمود المذاهب كبير المناقب ولما ٥/٢٤

قتل هرب اصهنر صبار الى دمشق فأقام بها مدة ثم قدم على السلطان محمد سنة احدى وخمسمائة فأكرمه وأقطعه رحبة مالك بن طوق.

استيلاء الافرنج على بيت المقدس

كان بيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه الأمير سقمان بن أرتق التركماني وكان تتش ملكه من يد العلويين أهل مصر فلما وهن الأتراك بواقعة انطاكية طمع المصريون في ارتجاعه وسار صاحب دولتهم الأفضل بن بدر الجمالي وحاصر الأمير سقمان وأخاه ايلغاري وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج ونصب المجانيق فثلموا سوره ثم ملكوه بالأمان لأربعين يوما من حصاره في شعبان سنة تسع وثمانين وأحسن الأفضل الى سقمان وايلغاري ومن معهما وأطلقهم فأقام سقمان ببلد الرها وسار ايلغاري الى العراق وولى الأفضل على بيت المقدس افتخار الدولة من أمرائهم ورجع الى مصر فلما رجع الافرنج من عكا جاءوا الى بيت المقدس فحاصروه أربعين يوما واقتحموه من جهة الشمال آخر شعبان من سنة اثنتين وتسعين وعاثوا في أهله واعتصم فلهم بمحراب داود عليه السلام ثلاثا حتى استأمنوا وخرجوا ليلا الى عسقلان وقتل بالمسجد سبعون ألفا أو يزيدون من المجاورين فيهم العلماء والزهاد والعباد وأخذوا نيفا وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل واحد ثلاثة آلاف وستمائة درهم ومائة وخمسين قنديلا من الصغار وتنورا من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامي وغير ذلك مما لا يحصى ووصل الصريخ الى بغداد مستغيثين فأمر المقتدي أن يسير الى السلطان بركيارق أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشي وأبو القاسم الزنجاني وأبو الوفاء بن عقيد وأبو سعد الحلواني وأبو الحسين بن السماك فساروا الى بركيارق يستصرخونه للمسلمين فانتهوا الى حلوان وبلغهم مقتل مجد الملك الباسلاني وفتنة بركيارق مع أخيه محمد فرجعوا وتمكن الافرنج من البلاد ونحن عازمون على افراد أخبارهم بالشام وما كان لهم فيه من الدولة على حكم أخبار الدول في كتابنا.

ظهور السلطان محمد بن ملك شاه والخطبة له ببغداد وحروبه مع أخيه بركيارق

كان محمد وسنجر شقيقين وكان بركيارق استعمل سنجر على خراسان ثم لحق به محمد ٥/٢٥

بأصبهان وهو يحاصرها سنة ثمان وثمانين فأقطعه كنجة وأعمالها وأنزل معه الأمير قطلغ تكين أتابك وكانت كنجة من أعمال اران وكانت لقطون فانتزعها ملك شاه وأقطعه أستراباذ وولى على اران سرهنك ساوتكين الخادم ثم ضمن قطون بلاده وأعيد اليها فلما قوي رجع الى العصيان فسرح اليه ملك شاه الأمير بوزان فغلبه على البلاد وأسره ومات ببغداد سنة أربع وثمانين وأقطع ملك شاه بلاد اران لأصحاب باغي سيان صاحب انطاكية ولما مات باغي سيان رجع ابنه الى ولاية أبيه ثم أقطع السلطان بركيارق كنجة وأعمالها لمحمد كما قلناه سنة ست وثمانين ولما اشتد واستفحل قتل أتابك قطلغ تكين واستولى على بلاد اران كلها ولحق مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك بعد مقتل صاحبه أنز فاستخلصه وقربه وأشار عليه مؤيد الملك فطلب الأمر لنفسه فخطب له بأعماله واستوزر مؤيد الملك وقارن ذلك مقتل مجد الملك الباسلاني المتغلب في دولة بركيارق فاستوحش أصحابه لذلك ونزعوا الى محمد وساروا جميعا الى الري وكان بركيارق قد سبقهم اليها واجتمع اليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي من أكابر الأمراء وعز الملك بن نظام الملك ولما بلغه مسير أخيه محمد اليه رجع الى أصبهان فمنعوه من الدخول فسار الى خوزستان وملك محمد الري في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ووجد بها زبيدة أم بركيارق قد تخلفت عن ابنها فحبسها مؤيد الملك وصادرها ثم قتلها خنقا بعد ان تنصح له أصحابه في شأنها فلم يقبل وكان سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد قد استوحش من بركيارق فاتفق هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر وسرخاب بن بدر صاحب كنكسون وساروا الى السلطان محمد بقم فخلع عليهم ورد كوهراس الى بغداد في شأن الخطبة فخطب له بالخليفة ولقبه حياة الدين والدنيا وسار كربوقا وجكرمش مع السلطان محمد الى أصبهان والله سبحانه وتعالى أعلم.

مقتل الباسلاني

كان أبو الفضل سعد الباسلاني ويلقب مجد الملك متحكما عند السلطان بركيارق ومتحكما في دولته ولما فشا القتل في أمرائه من الباطنية استوحشوا ونسبوا ذلك للباسلاني وكان من أعظم من قتل منهم الأمير برسق فأتهم ابنه زنكي وأقبورني الباسلاني في قتله ونزعوا عن بركيارق الى السلطان محمد فاجتمع الأمراء ومقدمهم أمير الحيرة لكابك وطغايرك من الروز وبعثوا ٥/٢٦

الى بني برسق يستدعونهم للطلب بثار أبيهم فجاءوا واجتمعوا قريبا من همدان ووافقهم العسكر جميعا على ذلك وبعثوا الى بركيارق يطلبون الباسلاني فامتنع وأشار عليه الباسلاني بإجابتهم لئلا يفعلوا ذلك بغير رأي السلطان فيكون وهنا على الدولة فاستحلفهم السلطان فدفعه اليهم فقتله الغلمان قبل أن يتصل بهم وسكنت الفتنة وحمل رأسه الى مؤيد الملك واستوحش الأمراء لذلك من بركيارق وأشاروا عليه بالعود الى الري ويكفونه قتال أخيه محمد فعاد متشاغلا ونهبوا سرادقه وساروا الى أخيه محمد ولحق بركيارق بأصبهان ثم لحق رستاق كما تقدم.

اعادة الخطبة ببغداد لبركيارق

ولما سار بركيارق الى خوزستان ومعه نيال بن أبي شكين الحسامي مع عسكره سار من هنالك الى واسط ولقيه صدقة بن مزيد صاحب الحلة ثم سار الى بغداد وكان سعد الدولة كوهراس الشحنة على طاعة محمد فخرج عن بغداد ومعه أبو الغازي بن بن ارتق وغيره وخطب لبركيارق ببغداد منتصف صفر سنة ثلاث وتسعين بعد ان فارقها كوهراس وأصحابه وبعثوا الى السلطان محمد ومؤيد الملك يستحثونهما فأرسلا اليهم كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر يستكثرون بهم في المدافعة وطلب جكرمش من كوهراس السير لبلده خشية عليها فأذن له ثم يئس كوهراس وأصحابه من محمد فبعثوا الى بركيارق بطاعتهم فخرج اليهم واسترضاهم ورجع الى بغداد وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بما أخذ هو وأبوه من الموصل وديار بكر أيام ولايتهم عليها فصادرهم على مائة وستين ألف دينار واستوزر الأغر أبا المحاسن عند الجليل ابن علي بن محمد الدهستاني وخلع الخليفة على بركيارق.

المصاف الأول بين بركيارق ومحمد ومقتل كوهراس وهزيمة بركيارق والخطبة لمحمد

ثم سار بركيارق من بغداد لحرب أخيه محمد ومر بشهرزور فاجتمع اليه عسكر كثير من التركمان وكاتب رئيس همدان يستحثه فركب وسار للقاء أخيه على فراسخ من همذان في أول رجب من سنة ثلاث وتسعين وفي ميمنته كوهراس وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرحاب ٥/٢٧

ابن بدر وفي ميسرته كربوقا وفي ميمنته محمد بن أضر وابنه أيار وفي ميسرته مؤيد الملك والنظامية ومعه في القلب أمير سرخو شحنة أصبهان فحمل كوهراس من الميمنة على مؤيد الملك والنظامية فهزمهم وانتهى الى خيامهم فنهبها وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزموا وحمل محمد على بركيارق فهزمه ووقف محمد مكانه وعاد كوهراس من طلب المنهزمين فكبا به فرسه فقتل وجيء بالاغر أبي المحاسن يوسف وزير بركيارق أسيرا فأكرمه مؤيد الملك ونصب له خيمة وبعثه الى بغداد في الخطبة لمحمد فخطب له منتصف رجب من السنة وكانت أولية سعد الدولة كوهراس انه كان خادما للملك أبي كلينجار بن بويه وجعله في خدمة ابنه أبي نصر ولما حبسه طغرلبك مضى معه الى قلعة طغرل فلما مات انتقل الى خدمة السلطان البارسلان وترقى عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد وحضر يوم قتله فوقاه بنفسه ثم أرسله ملك شاه الى بغداد في الخطبة وجاء بالخلع والتقليد وحصل له من نفوذ الأمر واتباع الناس ما لم يحصل لغيره الى أن قتل في هذه المعركة وولى شحنة بغداد بعده ايلغازي بن أرتق.

مسير بركيارق خراسان وانهزامه من أخيه سنجر ومقتل الأمير داود حبشي أمير خراسان

لما انهزم بركيارق من أخيه محمد خلص في الفل الى الري واجتمع له جموع من شيعته فسار الى خراسان وانتهى الى أسفراين وكتب الأمير داود حبشي الى التونطاق يستدعيه من الدامغان وكان أميرا على معظم خراسان وعلى طبرستان وجرجان فأشار عليه بالمقام بنيسابور فقصدها وقبض على عميدها أبي محمد وأبي القاسم بن امام الحرمين ومات أبو القاسم في محبسه مسموما ثم زحف سنجر الى الأمير داود فبعث الى بركيارق يستدعيه لنجدته فسار اليه والتقى الفريقان بظاهر بوشنج وفي ميمنة سنجر الأمير برغش وفي ميسرته الأمير كوكر ومعه في القلب الأمير رستم فحمل بركيارق على رستم فقتله وانقض الناس على سنجر وكاد ينهزم وأخذ بركيارق أم سنجر أسيرة وشغل أصحاب بركيارق بالنهب فحمل عليهم برغش وكوكر فانهزموا واستمرت الهزيمة على بركيارق وهرب الأمير داود فجيء به الى برغش أسيرا ٥/٢٨

فقتله وسار بركيارق الى جرجان ثم الى الدامغان ودخل البرية ثم استدعاه أهل أصبهان وجاءه جماعة من الأمراء منهم جاول سقاوو وسبقه محمد الى أصبهان فعدل عنها الى عسكر مكرم.

المصاف الثاني بين بركيارق ومحمد وهزيمة محمد وقتل وزيره مؤيد الملك والخطبة لبركيارق

لما انهزم بركيارق أمام سنجر سنة ثلاث وتسعين وسار الى أصبهان فوجد أخاه محمدا قد سبقه اليها فعدل عنها الى خوزستان ونزل الى عسكر مكرم وقدم عليه هناك الأميران زنكي والبكي ابنا برسق سنة أربع وتسعين وساروا معه الى همذان وهرب اليه الأمير أياز في خمسة آلاف من عسكر محمد لأن صاحب أميرا ضر مات في تلك الأيام وظنوا أن مؤيد الملك دس عليه وزيره فسمه وكان أياز في جملة أمير أضر فقتل الوزير المتهم ولحق بركيارق ثم وصل اليه سرحاب بن كنجر وصاحباه فاجتمع له نحو من خمسين ألف فارس ولقيه محمد في خمسة عشر ألفا واستأمن أكثرهم إلى بركيارق يوم أول جمادى الأخيرة سنة أربع وتسعين واستولت الهزيمة على محمد وجيء بمؤيد الملك أسيرا فوبخه ثم قتله بيده لانه كان سيئ السيرة مع الأمراء كثير الحيل في تدبير الملك ثم بعث الاغر أبو المحاسن وزير بركيارق أبا إبراهيم الأستراباذي لاستقصاء أحوال مؤيد الملك وذخائره ببغداد فحمل منها ما لا يسعه الوصف يقال انه وجد في ذخائره ببلاد العجم قطعة بلخش زنتها أربعون مثقالا واستوزر محمد بعده خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين ثم سار السلطان بركيارق الى الري ووفد عليه هنالك كربوقا صاحب الموصل ودبيس بن صدقة وأبوه يومئذ صاحب الحلة وسار السلطان قافلا الى جرجان وبعث الى أخيه سنجر يستجديه فبعث اليه ما أقامه ثم طلبه في المدد فسار اليه سنجر من خراسان ثم سارا جميعا الى الدامغان فخرباها وسار الى الري ٥/٢٩

واجتمعت عليه النظامية وغيرهم فكثرت جموعهم وكان بركيارق بعد الظفر قد فرق عساكره لضيق الميرة ورجع دبيس بن صدقة الى أبيه وخرج بآذربيجان داود بن إسماعيل ابن ياقوتي فبعث لقتاله قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف واستأذنه أياز في المسير الى ولايته بهمدان ويعود بعد الفطر فبقي في قلة من العساكر فلما بلغه قرب أخيه محمد وسنجر اضطرب حاله وسار الى همذان ليجتمع مع أياز فبلغه انه قد راسل أخاه محمدا وأطاعه فعاد الى خوزستان ولما انتهى الى تستر استدعى ابن برسق وكان من جملة أياز فلم يحضر وتأخر فآمنه فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان لحق به أياز وكان راسل محمدا فلم يقبله وبعث عساكره الى همدان فلحق بهمدان أياز وأخذ محمد محلة أياز بهمدان وكانت كثيرا من كل صنف وصودر أصحابه بهمدان بمائة ألف دينار وسار بركيارق وأياز الى بغداد فدخلها منتصف ذي القعدة من سنة أربع وتسعين وطلب من الخليفة المال للنفقة فبعث اليه بعد المراجعة بخمسين ألف دينار وعاث أصحاب بركيارق في أموال الناس وضجروا منه ووفد عليه أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن المصلحية قاضي جبلة من سواحل الشام منهزما من الافرنج بأموال جليلة المقدار فأخذها بركيارق منه وقد تقدم خبر ابن المصلحية في دولة العباسيين ثم بعث وزير بركيارق الأغر بالمحاسن الى صدقة بن مزيد صاحب الحلة في ألف ألف دينار يزعم أنها تخلفت عنده من ضمان البلاد وتهدده عليها فخرج عن طاعة بركيارق وخطب لمحمد أخيه وبعث اليه بركيارق في الحضور والتجاوز عن ذلك وضمن له أياز جميع مطالبه فأبي الا ان يدفع الوزير واستمر على عصيانه وطرد عامل بركيارق عن الكوفة واستضافها اليه.

مسير بركيارق عن بغداد ودخول محمد وسنجر اليها

ولما استولى السلطان محمد وأخوه سنجر على همذان سار في اتباع بركيارق الى حلوان فقدم عليه هنالك أبو الغازي ابن ارتق في عساكره وخدمه وكثرة جموعه فسار الى بغداد وبركيارق عليل بها فاضطرب أصحابه وعبروا به الى الجانب الغربي ووصل محمد الى بغداد آخر سنة ٥/٣٠

أربع وتسعين وتراءى الجمعان بشاطئ دجلة وجرت بينهم المراماة والنشاب وكان عسكر محمد ينادون عسكر بركيارق يا باطنية ثم سار بركيارق الى واسط ونهب عسكره جميع ما مروا عليه ودخل محمد الى دار المملكة ببغداد وجاءه توقيع المستظهر بالاستبشار بقدومه وخطب له ونزل الملك سنجر بدار كوهراس ووفد على السلطان محمد ببغداد صدقة صاحب الحلة في محرم سنة خمس وسبعين .

قتل بركيارق الباطنية

كان هؤلاء الباطنية قد ظهروا بالعراق وفارس وخراسان وهم القرامطة والدعوة بعينها دعوتهم الا أنهم سمعوا في هذه الأجيال بالباطنية والإسماعيلية والملاحدة والفداوية وكل اسم منها باعتبار فالباطنية لانهم يبطنون دعوتهم والإسماعيلية لانتساب دعوتهم في أصلها لإسماعيل الامام بن جعفر الصادق والملاحدة لان بدعتهم كلها الحاد والفداوية لانهم يفادون أنفسهم بالمال على قتل من يسلطون والقرامطة نسبة الى قرمط منشئ دعوتهم وكان أصلهم من البحرين في المائة الثالثة وما بعدها ثم نشأ هؤلاء بالمشرق أيام ملك شاه فأول ما ظهروا بأصبهان واشتد في حصار بركيارق وأخيه محمود وأمه خاتون فيها ثم ثارت عامة أصبهان بهم بإشارة القضاة وأهل الفتيا فقتلوهم في كل جهة وحرقوهم بالنار ثم انتشروا واستولوا على القلاع ببلاد العجم كما تقدم في أخبارهم ثم أخذ بمذهبهم نيران شاه بن بدران شاه بن قارت بك صاحب كرمان حمله عليه كاتب من أهل خوزستان يسمى أبا زرعة وكان بكرمان فقيه من الحنفية يسمى أحمد بن الحسين البلخي مطاع في الناس فخشي من نكيره فقتله فهرب عنه صاحب جيشه وكان شحنة البلد ولحق بالسلطان محمد ومؤيد الملك بأصبهان وثار الجنا بعده بنيران شاه الى مدينة كرمان فمنعه أهلها ونهبوه فقصد قلعة سهدم واستجار بصاحبها محمد بهستون وبعث أرسلان شاه عساكر لحصارها فطرده بهستون وبعث مقدم العساكر في طلبه فجيء به أسيرا وبأبي زرعة الكاتب معه فقتلهما أرسلان شاه واستولى على بلاد كرمان وكان بركيارق كثيرا ما يسلطهم على من يريد قتله من الأمراء مثل انز شحنة أصبهان وأرغش وغيرهم فامنوا جانبه وانتشروا في عسكره وأغروا الناس ببدعتهم ٥/٣١

وتجاوزوا الى التهديد عليها حتى خافهم أعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل اليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد وبعث الى بغداد بقتل أبي إبراهيم الأستراباذي الذي بعثه أبو الأغر لاستقصاء أموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الأمير محمد من ولد علاء الدين بن كاكويه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسي مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقي أمرهم في القلاع التي ملكوها الى ان انقرضوا كما تقدم في اخبارهم مستوفي.

(المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) ولما رحل بركيارق عن بغداد الى واسط ودخل اليها السلطان محمد اقام بها الى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل الى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع إمارته وجاءت الاخبار الى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير الى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالي شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد الى واسط هرب أهلها منه الى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد العبور الى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضي أبو علي الفارسي الى العسكر واجتمع بالأمير أياز والوزير فاستعطفهما لأهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضي من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضي واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن اليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق الى بلاد بلخ وبرسق في الأهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند الى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الأخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الأمير بكراج وعبر من عسكر محمد الى الأمير أياز والوزير الأغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسار بركيارق الى ساوة ومحمد الى أستراباذ وكل أمير على أقطاعه والله سبحانه وتعالى أعلم ٥/٣٢

انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد بأصبهان

لما انصرف السلطان محمد الى أستراباذ وكان اتهم الأمراء الذين سعوا في الصلح بالخديعة فسار الى قزوين ودس الى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه اليه مع الأمراء ففعل وجاء السلطان الى الدعوة وقد تقدم الى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكين من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي نازعا عن أخيه بركيارق.

ولما التقى الفريقان حمل سرخاب بن كشمر الديلي صاحب ساوة على نيال الحسامي فهزمه واتبعه عامة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم الى طبرستان وبعضهم الى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل بأصبهان ومعه نيال الحسامي وأصبهان في حكمه فحصنها وسد ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرق الأمراء في الأسوار وعلى الأبواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتد الحصار وعدمت الأقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الأمير نيال وترك باقي الأمراء وبعث بركيارق الأمير أياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره العهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن أصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم بإشارة أهل البلد وجدوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذي القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الذي يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار الى همدان وفي هذا الحصار قتل وزير بركيارق الأغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني عرض له يوما بعض الباطنية عند ما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات ٥/٣٣

وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطر لاخذ أموال الناس بالإضافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور الميبذي كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الأبواب فبعث اليه محمد نيال بن أبي شكين يطالبه بالأموال لإقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فأرسل السلطان بركيارق اليها عساكر وخاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الأغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه.

مسير صاحب البصرة الى واسط

كان صاحب البصرة لهذا العهد إسماعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالري وولاه عليها عند ما اضطر أهلها وعجز الولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للأمير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار إسماعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل الى خراسان فحدثت إسماعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف اليه مهذب الدولة بن أبي الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطاري وقتل معقل بسهم أصابه فعاد ابن أبي الخير الى البطيحة فأخذ إسماعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطاري وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت إمارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها الى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب اليها السفن الى نعماجار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظن خلاء البلد من الحامية فدس اليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك أهل البلد فيهم وعاد الى البصرة منهزما فوجد الأمير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الأعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بني نفيس محاصرا للبصرة وكان أبو سعيد قد استبد بهذه الأعمال منذ سنين وطمع إسماعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث اليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب إسماعيل معهم الى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الأبلة ووافق دخول إسماعيل من واسط فتزاحفوا برا وبحرا فلما رأى إسماعيل ٥/٣٤

عجزه عن المقاومة كتب الى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام إسماعيل مستبدا بالبصرة الى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مر في اخباره وهلك برامهرمز.

وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمش عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كيفا

كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا الى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر أذربيجان من يده ثم توفي منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه الى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كيفا للولاية عليهم فبادر اليهم وخرج سنقرجه للقائه فظن انه جاء اليه وجرت بينهما محاورات ورد سنقرجه الأمر الى السلطان فآل الأمر بينهما الى المطاعنة وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر الى نصيبين فملكها وخالفه موسى الى الجزيرة فبادر اليه جكرمش وهزمه واتبعه الى الموصل فحاصره بها فبعث موسى الى سقمان بن أرتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كيفا فسار سقمان اليه وأفرج عنه جكرمش وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان الى كيفا وجاء جكرمش الى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والأكراد وأما سقمان بن أرتق فسار بعد مقتل موسى الى حصن كيفا واستمر بيده قال ابن الأثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن أرتق والله تعالى أعلم.

(أخبار نيال بالعراق) كان نيال بن أبي شكين الحسامي مع السلطان محمد بأصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار الى أذربيجان ومعه نيال استأذنه في قصد الري ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه علي وعسف بأهل الري وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الأمير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست ٥/٣٥

وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الري وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص الى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازي وسقمان بن أرتق على مناصحة السلطان محمد وساروا الى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم ان نيال بن أبي شكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس الى أبي الغازي بن أرتق وكان نيال صهره على أخته التي كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر اليه قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر الى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع الى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال الى أوان، وعاث في السابلة وأقطع القرى لأصحابه وبعث الى صدقة فأرسل اليه العساكر وخرج فيها أبو الغازي بن أرتق وأصحاب المستظهر فسار نيال الى أذربيجان ورجعوا عنه.

ولاية كمستكين النصيري شحنة بغداد وفتنته مع أبي الغازي وحربه

كان أبو الغازي بن أرتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما ظهر الآن بركيارق على محمد وحاصره بأصبهان ونزل بركيارق همذان وأرسل الى بغداد كمستكين النصيري في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازي بمقدمة فاستدعى أخاه سقمان بن أرتق من حصن كبيعا يستنجده وسار الى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع الى بغداد ووصل اليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين الى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين الى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة الى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة الى أبي الغازي وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرني وجاء الى دجيل ونهب القرى واشتد فسادهم وأضر ذلك بحال بغداد في غلاء الأسعار وجاء أبو الغازي وسقمان ومعهما دبيس بن ٥/٣٦

صدقة فخيموا بالرملة وقاتلهم العامة ففتكوا فيهم وبعث المستظهر قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني وتاج الرؤساء بن الرحلات الى صدقة بن مزيد بمراجعة الطاعة فشرط خروج كمستكين عن بغداد فأخرجه المستظهر الى النهروان وعاد صدقة الى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ثم سار كمستكين النصيري الى واسط وخطب فيها لبركيارق ونهب عسكره سوادها فسار صدقة وأبو الغازي اليه وأخرجاه من واسط وتحصن بدجلة فقصده صدقة فانفض عنه أصحابه ورجع الى صدقة بالأمان فأكرمه وعاد الى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وبعده لصدقة وأبي الغازي وولى كل واحد فيها ولده وعاد أبو الغازي الى بغداد وعاد صدقة الى الحلة وبعث ابنه منصورا مع أبي الغازي يطلب الرضا من المستظهر لانه كان سخطه من أجل هذه الحادثة.

المصاف الخامس بين بركيارق ومحمد

كان السلطان محمد لما سار عن كنجة وبلاد اران استخلف بها الأمير غزغلي وأقام بها في طائفة من عسكره مقيما خطبة السلطان محمد في جميع أعماله الى زنجان من آخر أذربيجان فلما انحصر محمد بأصبهان سار غزغلي لانجاده ومعه منصور بن نظام الملك ومحمد ابن أخيه مؤيد الملك فانتهوا الى الري وملكوها آخر خمس وتسعين ولقوا السلطان محمدا بهمدان عند ما خرج من أصبهان ومعه نيال بن أبي شكين وأخوه علي وأقاموا معه بهمدان ثم جاء الخبر بمسير بركيارق اليهم فتوجه السلطان محمد قاصدا شروان وانتهى الى أذربيجان فبعث اليه مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الذي كان بركيارق قتل أباه إسماعيل وكانت أخت مودود هذا تحت محمد وكان له طائفة من أعمال أذربيجان فاستدعى محمدا ليظاهره على بركيارق فسار اليه وانتهى الى سقمان وتوفي مودود في ربيع سنة ست وتسعين واجتمع عساكره على السلطان محمد وفيهم سقمان القبطي ومحمد بن باغي بركيارق وقاتلهم على خراسان وسار أياز من عسكر بركيارق وجاء من خلف السلطان محمد فانهزم محمد وأصحابه ولحق بارقيش من أعمال خلاط ولقيه الأمير علي صاحب ارزن الرومي فمضى الى أصبهان وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي ثم سار الى هرمز وأما محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك فنجا من الوقعة الى ديار بكر ثم الى جزيرة ابن عمر ثم الى بغداد وكان أيام أبيه مقيما ببغداد في جوار المدرسة النظامية فشكى الى أبيه وخاطب كوهراس بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة ٥/٣٧

ولحق سنة اثنتين وتسعين بمجد الملك؟ الباسلاني وأبوه بكنجة عند السلطان محمد فلما خطب السلطان محمد لنفسه واستوزر أباه مؤيد الملك لحق محمد هذا بأبيه ثم قتل أبوه وبقي في جملة السلطان محمد.

استيلاء ملك بن بهرام على مدينة غانة

كان ملك بن بهرام بن ارتق ابن أخي أبي الغازي بن ارتق مالكا مدينة سروج فملكها الفرنج من يده فسار عنها الى غانة وغلب عليها بني العيش بن عيسى بن خلاط كانت لهم فقصدوا صدقة بن مزيد مستنجدين به فأنجدهم وجاء معهم فرحل ملك بن بهرام والتركمان عنها ودخلها بنو العيش وأخذ صدقة رهائنهم وعاد الى الحلة فرجع ملك إليها في ألفي رجل من التركمان وحار بها قليلا ثم عبر المخاضة وملكها واستباح أهلها ومضى الى هيت ورجع عنها.

(الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد) ثم استقر الأمر أخيرا بالسلطان بركيارق في الري وكان له الجبال وطبرستان وخوزستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين ولمحمد آذربيجان وبلاد أران وارمينية وأصبهان والعراق جميعا غير تكريت والبطائح بعضها وبعضها والبصرة لهما جميعا وخراسان لسنجر من جرجان الى ما وراء النهر يخطب فيها لأخيه محمد وله من بعده والعساكر كلهم يتحكمون عليهم بسبب الفتنة بينهما وقد تطاول الفساد وعم الضرر واختلفت قواعد الملك فأرسل بركيارق الى أخيه محمد في الصلح مع فقيهين من أماثل الناس ورغباه في ذلك وأعاد معهما رسلا آخرين وتقرر الأمر بينهما أن يستقر محمد على ما بيده سلطانا ولا يعارضه بركيارق في الطول ولا يذكر اسمه في أعمال محمد وأن المكاتبة تكون بين الوزيرين والعساكر بالخيار في خدمة من شاءوا منهما ويكون للسلطان محمد من النهر المعروف باسترد الى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام والعراق بلاد صدقة بن مزيد وبقية الممالك الإسلامية لبركيارق وتحالفا على ذلك وانتظم الأمر وأرسل السلطان محمد الى أصحابه بأصبهان بالخروج عنها لأخيه بركيارق واستدعاهم إليه فأبوا وجنحوا الى خدمة بركيارق وساروا إليه بحريم السلطان محمد الذي كانوا معهم فأكرمهم بركيارق ودلهم الى صاحبهم وحضر أبو الغازي بالديوان ببغداد وسار المستظهر في الخطبة لبركيارق فخطب له سنة سبع وتسعين وكذلك بواسط وكان أبو الغازي قبل ذلك في طاعة محمد فأرسل صدقة الى المستظهر يعذله في شأنه ويخبره بالمسير لإخراجه من بغداد ثم سار ٥/٣٨

صدقة ونزل عند الفجاج وخرج أبو الغازي الى عقربا وبعث لصدقة بأنه انما عدل عن طاعة محمد للصلح الوقع بينه وبين أخيه وأنهما تراضيا على أن بغداد لبركيارق وانا شحنة بها واقطاعي حلوان فلا يمكنني التحول عن طاعة بركيارق فقبل منه ورجع الى الحلة وبعث المستظهر في ذي القعدة سنة سبع وتسعين بالخلع للسلطان بركيارق والأمير أياز والوزير الخطير واستخلفهم جميعا وعاد الى بغداد والله سبحانه ولى التوفيق.

حرب سقمان وجكرمس الافرنج

قد تقدم لنا استيلاء الافرنج على معظم بلاد الشام وشغل الناس عنهم بالفتنة وكانت حران لقراجا من مماليك ملك شاه وكان غشوما فخرج منها لبعض مذاهبه وولى عليها الأصبهاني من أصحابه فعصى فيها وطرد أصحاب قراجا منها ما عدا غلاما تركيا اسمه جاولى جعله مقدم العسكر وأنس به فقرره وتركه وملك حران وسار الافرنج إليها وحاصروها وكان بين جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسقمان صاحب كيفا حروب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه فانتدبا لنصر المسلمين واجتمعا على الخابور وتحالفا وسار سقمان في سبعة آلاف من التركمان وجكرمس في ثلاثة آلاف من الترك والعرب والأكراد والتقوا بالافرنج على نهر بلخ فاستطرد لهم المسلمون نحو فرسخين ثم كروا عليهم فغنموا فيهم وقتلوا سوادهم وأخذ القمص بردويل صاحب الرها أسره تركماني من أصحاب سقمان في نهر بلخ وكان سمند صاحب انطاكية من الافرنج ونيكري صاحب الساحل منهم قد كمنا وراء الجبل ليأتيا المسلمين من ورائهم عند المعركة فلما عاينوا الهزيمة كمنوا بقية يومهم ثم هربوا فاتبعهم المسلمون واستلحموهم وأسروا منهم كثيرا وفلت سمند ونيكري بدماء أنفسهم ولما حصل الظفر للمسلمين عصى أصحاب جكرمس باختصاص سقمان بالقمص وحملوه على أخذه لنفسه فأخذ جكرمس من خيام سقمان وشق ذلك عليه وأراد أصحابه فأبى حذرا من افتراق المسلمين ورحل وفتح في طريقه عدة حصون وسار جكرمس الى حران ففتحها ثم سار الى الرها فحاصرها خمس عشرة ليلة وعاد الى الموصل وقاد من القمص ٥/٣٩

بخمسة وثلاثين ألف دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين.

(وفاة بركيارق وولاية ابنه ملك شاه) ثم توفي السلطان بركيارق بن ملك شاه بنردجرد في أوائل ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين لاثنتي عشرة سنة ونصف من ملكه جاء إليها عليلا من أصبهان واشتد مرضه بنردجرد فولى عهد لابنه ملك شاه وعمره نحو من خمس سنين وخلع عليه وجعل الأمير أياز كافلة وأوصى أهل الدولة بالطاعة والمساعدة وبعثهم الى بغداد فأدركهم خبر وفاته بالطريق ورجع أياز حتى دفنه بأصبهان وجمع السرادقات والخيام والجثر والسمسمة لابنه ملك شاه وكان بركيارق قد لقي في ملكه من الرخاء والشدة والسلم ما لم يلقه أحد فلما استقر واستقامت سعادته أدركته المنية ولما توفي خطب لابنه ملك شاه ببغداد وكان أبو الغازي قد سار من بغداد إليه وهو بأصبهان يستحثه الى بغداد وجاء معه فلما مات سار مع ابنه ملك شاه والأمير أياز الى بغداد وركب الوزير أبو القاسم علي بن جهير فلقيهم به ما لي وحضر أبو الغازي والأمير طغلبرك بالديوان وطلبا الخطبة لملك شاه فخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه.

حصار السلطان محمد الموصل

لما انعقد الصلح بين بركيارق ومحمد واختص كل منهما اعماله وكانت آذربيجان في قسمة محمد رجع محمد الى أذربيجان ولحق به سعد الملك أبو المحاسن الذي كان نائبا بأصبهان بعد أن أبلى في المدافعة عنها ثم سلمها بعد الصلح الى نواب بركيارق واستوزره فأقام محمد الى صفر من سنة ثمان وتسعين ثم سار يريد الموصل على طريق مراغة ورحل وبلغ الخبر الى جكرمس فاستعد للحصار وأدخل أهل الضاحية الى البلد وحاصره محمد ثم بعث له يذكره ما استقر عليه بينه وبين أخيه وأن الموصل والجزيرة له وعرض عليه خط بركيارق بذلك وبإيمانه عليه ووعده أن يقرها في عمالته فقال له جكرمس ان السلطان كتب إلي بعد الصلح بخلاف ذلك فاشتد في حصاره واشتد أهل البلد في المدافعة ونفس الله عنهم برخص الأسعار وكان عسكر جكرمس مجتمعين قريبا من الموصل وكانوا يغزون على أطراف العسكر ٥/٤٠

ويمنعون عنهم الميرة ثم وصل الخبر عاشر جمادى الاولى بوفاة السلطان بركيارق فاستشار جكرمس أهل البلد فردوا النظر إليه واستشار الجند فأشاروا بطاعة السلطان محمد فأرسل إليه بذلك واستدعى وزيره سعد الملك فدخل عليه وأشار عليه بلقاء السلطان فخرج إليه على كره من أهل البلد فتلقاه السلطان بالكرامة وأعاده سريعا الى البلد ليطمئن الناس.

استيلاء السلطان محمد على بغداد وخلع ملك شاه ابن أخيه ومقتل أياز

قد كنا قدمنا صلح بركيارق وأخيه محمد من أنه يستقل بركيارق بالسلطنة وينفرد محمد بالأعمال التي ذكرنا وموت بركيارق أثر ذلك وتقديم ابنه ملك شاه ببغداد فوصل الخبر بذلك إلى محمد وهو يحاصر الموصل فأطاعه جكرمس وسار محمد إلى بغداد ومعه جكرمس وسقمان القطبي مولى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ومحمد وغيرهما من الأمراء وجمع صدقة صاحب الحلة العساكر وبعث ابنه بدران ودبيسا إلى محمد يستحثانه وجاء السلطان محمد الى بغداد فاعتزم الأمير أياز أتابك ملك شاه على دفاعه وخيم خارج بغداد وأشار عليه بذلك أصحابه وخالفهم وزيره أبو المحاسن الضبعي وأبلغ في النصيحة له بطاعة السلطان فأقام مترددا ونزل محمد بالجانب الغربي وخطب له هنالك منفردا ولهما معا في بعض الجوامع واقتصر على سلطان العالم في بعضها ورجع أياز إلى استحلاف الأمراء ثانيا فوقف بعضهم وقال لا فائدة في إعادة اليمين وارتاب أياز عندها وبعث وزيره الضبعي أبا المحاسن لعقد الصلح مع السلطان واستحلافه فقرأ على وزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد فدخل معه الى السلطان وأجابه الى ما طلب وجاء معه من الغد قاضي القضاة والفتيان واستحلفاه لاياز وللامراء فحلف إلا أن ينال الحسامي و وقال أما ملك شاه فهو ابني وأنا أبوه وجاء أياز من الغد وقارن وصول صدقة بن مزيد فانزلهما واحتفى بهما وذلك آخر جمادى الاولى من سنة ثمان وتسعين ثم احتفل أياز بعدها في عمل صنيع للسلطان في بيته وهي دار كوهراس وأهدى إليه تحفا من جملتها حبل ٥/٤١

البلخش الذي أخذه من تركة نظام الملك بن مؤيد الملك واتفق ان أياز تقدم لمواليه بلبس السلاح ليعرضهم على السلطان وكان عندهم مصفعان فألبسوه درعا تحت ثيابه وتناوله بالنخس فهرب عنهم ودخل في حاشية السلطان مذعورا فلمسوه فإذا الدرع تحت ثيابه فارتابوا ونهض السلطان إلى داره ثم دعا الأمراء بعد ذلك بأيام فاستشارهم في بعث يبعثهم إلى ديار بكر ان ارسلان بن سليمان بن قطلمش قصدها فاتفقوا على الإشارة بمسير أياز وطلب هو أن يكون معه صدقة بن مزيد فأسعفه السلطان بذلك واستدعاهما لانفاذ ذلك وقد أرصد في بعض المخادع بطريقهم جماعة لقتل أياز فلما مر بهم تعاورته سيوفهم وقطع رأسه وهرب صدقة وأغمى على الوزير وهرب عسكر أياز فنهبوا داره وأرسل السلطان من دفعهم عنها وسار السلطان من بغداد الى أصبهان وهذا أياز من موالي السلطان ملك شاه ثم سار في جملة ملك آخر فساء وأما الضبعي وزير أياز فاختفى أشهرا ثم حمل إلى الوزير سعد الملك في رمضان فلما وصل كان ذلك سبب رياسته بهمدان.

استيلاء سقمان بن أرتق على ماردين وموته

كان هذا الحصن في ديار بكر أقطعه السلطان بركيارق لمغن كان عنده وكان حواليها خلق كثير من الأكراد يغيرون عليها ويخيفون سابلتها واتفق أن كربوقا خرج من الموصل لحصار آمد وكانت لبعض التركمان فاستنجد بسقمان فسار لانجاده ولقيه كربوقا ومعه زنكي بن آقسنقر وأصحابه وأبلوا ذلك اليوم بلاء شديدا فانهزم وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق فحبسه بقلعة ماردين عند المغني فبقي مدة محبوسا وكثر خروج الأكراد بنواحي ماردين فبعث ياقوتي الى المغني يسأله أن يطلقه ويقيم عنده بالريف لدفاع الأكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحي الى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الأيام بعد مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم للقتل ان لم يفتحها أهلوهم ففتحوها وملكها وجمع الجموع وسار الى نصيبين وإلى جزيرة ابن عمر وهي لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه وأصابه في الحرب سهم فقتله ٥/٤٢

وبكاه جكرمش وكانت تحت ياقوتي بنت عمه سقمان فمضت الى أبيها وجمعت التركمان وجاء بهم الى نصيبين لطلب الثأر فبعث اليه جكرمش ما أرضاه من المال في ديته.

فرجع وأقام بماردين بعد ياقوتي أخوه على طاعة جكرمش وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبة بها الى عمه سقمان بأنه تملك ماردين على جكرمش فبادر إليها سقمان واستولى عليها وعوض عنها ابن أخيه جبل جور وأقامت ماردين في حكمه مع حصن كيفا واستضاف إليها نصيبين ثم بعث إليها فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يستنجده على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العبيد بين أهل مصر وثار له الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام فبعث بالصريخ إلى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين فأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغتكين صاحب دمشق المستبد بها من موالي بني تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الفرنج فأسرع السير معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى إلى القريتين وندم طغتكين على استدعائه وجعل يدبر الرأي مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقريتين فكفاهم الله تعالى أمره وقد كان أصحابه عند ما أيقن بالموت أشاروا عليه بالعود إلى كيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لي ثواب شهيد.

خروج منكبرس على السلطان محمد ونكبته

كان منكبرس بن يورس بن البارسلان مقيما بأصبهان وانقطعت عنه المواد من السلطان فخرج إلى نهاوند ودعا لنفسه وكاتب الأمراء بني برسق بخوزستان يدعوهم إلى طاعته وكان أخوهم زنكين عند السلطان محمد فقبض عليه وكاتب إخوته في التدبير على منكبرس فأرسلوا إليه بالطاعة حتى جاءهم فقبضوا عليه بخوزستان وبعثوا به إلى أصبهان فاعتقل مع ابن عمه تتش وأطلق زنكين بن برسق وأعيد إلى مرتبته وكانت اقطاع بني برسق الأسير وسابور وخوزستان وغيرها ما بين الأهواز وهمدان فعوضهم عنها بالدينور وأخرجهم من تلك الناحية والله تعالى أعلم. ٥/٤٣

(مقتل فخر الملك بن نظام الملك) قد ذكرنا قبل أن فخر الملك بن نظام الملك كان وزيرا لتتش ثم حبسه ولما هزمه بركيارق ووجده في محبسه أطلقه وكان أخوه مؤيد الملك وزيرا له فمال إليه فخر الدولة بسعاية مجد الملك الباسلاني واستوزره سنة ثمان وثمانين ثم فارق وزارته ولحق بسنجر بن ملك شاه بخراسان فاستوزره فلما كان في آخر المائة الخامسة جاء باطني يتظلم إلى باب داره فأدخله يسمع شكواه فطعنه بخنجر فقتله وأمر السلطان سنجر بضربه فأقر على جماعة من الناس وقتل.

ولاية جاولي سكاور على الموصل وموت جكرمش

كان جاولي سكاور قد استولى على ما بين خوزستان وفارس فعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها فلما استقل السلطان محمد بالملك خافه جاولي وأرسل السلطان إليه الأمير مودود بن أنوتكين فتحصن منه جاولي وحاصره مودود ثمانية أشهر ودس جاولي إلى السلطان بطلب غيره فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فسار إليه بأصبهان وجهزه في العساكر لجهاد الافرنج بالشام واسترجاع البلاد منهم وكان جكرمش صاحب الموصل قد قطع الحمل فأقطع السلطان الموصل وديار بكر والجزيرة لجاولي فسار إلى الموصل وجعل طريقه على بغداد على البواريخ فاسباحها أياما ثم سار إلى أربل وكان صاحبها أبو الهيجاء بن برشك الكردي الهرباني إلى جكرمش يستحثه فسار في عسكر الموصل والقوا قريبا من اريل فانهزم أصحاب جكرمش وكان يحمل في المحفة فقاتل عنده غلمانه وأحمد بن قاروت بك فخرج وانهزم إلى الموصل ومات وجيء بجكرمش فحبسه ووصل من الغد إلى الموصل فولوا ازنكين بن جكرمش وأقام بالجزيرة وقام بأمره غزغلي مولى أبيه وفرق الأموال والخيول وكتب إلى قلج أرسلان صاحب بلاد الروم ميتا وكان قد شيد الموصل وبنى أسوارها وحصنها بالخندق وبينما هو كذلك سار إليه قلج ارسلان من بلاد الروم باستدعاء غزغلي كما تقدم وانتهى إلى نصيبين فرحل جاولي عن الموصل ثم جاء البرسقي شحنة بغداد ٥/٤٤

ونزل عن الموصل وخاطبهم فلم يجيبوه فرجع من يومه وسار قلج ارسلان من نصيبين إلى الموصل وتأخر عنها جاولي إلى سنجار واجتمع ابو الغازي بن أرتق وجماعة من عسكر جكرمش وجاء جريح رضوان بن تتش من الشام على الافرنج فسار إلى الرحبة وبعث أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان بنصيبين واستحلفوه فحلف وجاء إلى الموصل فملكها في منتصف ختام المائة الخامسة وخلع على ابن جكرمش وخطب لنفسه بعد الخليفة وقطع خطبة السلطان محمد وأحسن إلى العسكر وأخذ القلعة من غزغلي فولى جكرمش وأقر القاضي أبا محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري على القضاء وجعل الرئاسة لأبي البركات محمد بن محمد بن خميس وكان في جملة فلهم أرسلان إبراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد ومحمد بن حموا صاحب خرتبرت كان إبراهيم ابن نيال ولاة تتش على آمد فبقيت بيده وكان ابن حموا ملك خرتبرت من يد القلادروس ترجمان الروم كانت له الرها وانطاكية فملك سليمان قطلمش انطاكية وبقيت له الرها وخرتبرت وأسلم القلادروس على القيام بأعماله فملك محمد بن حموا خرتبرت وأسلم القلادروس فلما ولى فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف القلادروس عن الرها على يد ملك شاه وأمره عليها ولما سار جاولي إلى الرحبة قاصدا صريخ رضوان بن تتش نزل عليها آخر رمضان من السنة وحاصرها وبها محمد بن السباق من بني شيبان ولاه عليها دقاق فاستبد بها وخطب لقلج أرسلان فحاصره جاولي وكتب إلى رضوان يستدعيه ويعده بالمسير معه لدفاع فجاء رضوان وحاصر معه الرحبة ثم دس إلى جاولي جماعة من حامية الأسوار فوثبوا بها وأدخلوا وملك البلد وأبقى على محمد الشيباني وسار معه ثم ان قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل ولى عليها ابنه ملك شاه في عسكر ومعه أمير يدبره وسار إلى قتال جاولي ورجع عنه إبراهيم بن نيال إلى بلده آمد من الخابور فبعث إلى بلده في الحشد فعاجله جاولي بالحرب والتقوا في آخر ذي القعدة من السنة وانهزم أصحاب قلج أرسلان على دفاعه وأعاد الخطبة للسلطان واستصفى أصحاب جكرمش ثم سار إلى الجزيرة وبها جيش بن جكرمش ومعه غزغلي من موالي أبيه فحاصره مدة ثم صالحه على ستة آلاف دينار ورجع إلى الموصل وأرسل ملك شاه من قلج أرسلان إلى السلطان محمد والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٤٥

مقتل صدقة بن مزيد

ولما استوحش صدقة بن مزيد صاحب الحلة من السلطان محمد سار إليه السلطان وملك أعماله ولقيه صدقة فهزمه السلطان وقتل في المعركة كما ذكرنا ذلك في أخبار صدقة في دولة ملوك الحلة والله سبحانه وتعالى أعلم.

(قدوم ابن عمار صاحب طرابلس على السلطان محمد) كان فخر الدولة أبو علي بن عمار صاحب طرابلس استبد بها على العبيديين فلما ملك الافرنج سواحل الشام رددوا عليها الحصار فضاقت أحوالها فلما انتظم الأمر للسلطان محمد واستقام ملكه قصده فخر الملك بن عمار صريخا للمسلمين بعد أن استخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب وفرق في الجند عطاءهم لستة أشهر ورتب الجامكية في مقاعدهم للقتال وسار إلى دمشق فلقيه طغتكين أتابك وخيم بظاهرها أياما ورحل إلى بغداد فأركب السلطان الأمراء لتلقيه ولم يدخر عنه برا ولا عرامة وكذلك الخليفة وأتحف السلطان بهدايا وذخائر نفيسة وطلب النجدة وضمن النفقة على العسكر فوعده بالنصر وأقام ثم لقي الأمير حسين بن أتابك طغتكين ليسير بالعساكر إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال صدقة وجاولي ثم يسير حسين معه إلى الشام ثم رحل السلطان عن بغداد سنة إحدى وخمسمائة لقتال صدقة واستدعى ابن عمار وهو بالنهروان فودعه وسار معه الأمير حسين إلى دمشق وكان ابن عمار لما سار عن طرابلس استخلف عليها ابن عمه ذا المناقب فانتقض واجتمع مع أهل طرابلس على إعادة الدولة العلوية وبعثوا إلى الأفضل ابن أمير الجيوش المستبد على الدولة بمصر بطاعتهم ويسألون الميرة فبعث إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا معه الزاد من الأقوات والسلام فدخل البلد وقبض على أهل ابن عمار وأصحابه واستصفى ذخائرهم وحمل الجميع إلى مصر في البحر.

استيلاء مودود بن أبي شكين على الموصل من يد جاولي

قد تقدم لنا استيلاء جاولي على الموصل من يد قلج بن أرسلان وابن جكرمش وهلاكهما على يده واستفحل ملكه بالموصل وجعل السلطان محمد ولاية ما يفتحه من البلاد له فقطع الحمل عن السلطان واستنفره لحرب صدقة فلم ينفر معه وداخل صدقة بأنه معه فلما فرغ السلطان من أمر صدقة بعث مودود بن أبي شكين في العساكر وولاه الموصل وبعث معه الأمراء ابن برسق وسقمان القبطي وآق سنقر البرسقي ونصر بن مهلهل بن أبي الشوك ٥/٤٦

الكردي وأبو الهيجاء صاحب أربل مددا فوصلوا الموصل وخيموا عليها فوجدوا جاولي قد استعد للحصار وحبس الأعيان وخرج عن البلد وترك بها زوجته هي وابنه برسق في ألف وخمسمائة مقاتل فأحسن في مصادرة الناس واشتد عليهم الحصار فلما كان المحرم سنة اثنتين خرج بعض الحامية من فرجة من السور وأدخلوا منها مودود والعساكر وأقامت زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام ثم استأمنت وخرجت إلى أخيها يوسف بن برسق بأموالها واستولى مودود على الموصل وأعمالها وأما جاولي فلما سار عن الموصل حمل معه القمص الذي كان أسر بنعمان وأخذه منه جكرمش وسار به إلى نصيبين وسأل من صاحبها أبو الغازي بن أرتق المظاهر على السلطان فلم يحبه إلى ذلك ورحل عن نصيبين إلى ماردين بعد أن ترك ابنه مقيما مع الحامية فتبعه جاولي ودخل عليه وحده بالقلعة متطارحا عليه فأجابه وسار معه إلى نصيبين إلى سنجار وحاصراها فامتنعت عليهما ثم هرب أبو الغازي ليلا إلى نصيبين وتركه فسار جاولي إلى الرحبة وأطلق القمص بردويل لخمس سنين من الصرة على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين يطلقهم وعلى النصرة مهما طلبه وأرسله إلى سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاء ابن خالته جوسكر صاحب تل ناشز من زعماء الفرنج وكان أسر مع القمص فافتدى بعشرين ألف دينار وأقام جوسكر رهينة وسار القمص إلى انطاكية ثم أطلق جاولي جوسكر وأخذ رهنا عنه صهره وصهر القمص وبعثه في إتمام ما ضمن ولما وصل إلى انطاكية أعطاه شكري صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وغير ذلك وكانت الرها ومروج بيد القمص ولما أسر ملك جكرمش الرها من أصحابه طلبها منه إلآن فلم يجبه فخرج القمص مغاضبا له ولحق بتل ناشز وقدم عليه جوسكر عند ما أطلقه جاولي ثم سار إليهما شكري يعاجلهما قبل اجتماع أمرهما فحاصرهما أياما ورجع القمص وجوسكر على حصون شكري صاحب انطاكية واستمد أبو سيل الأرمني صاحب رعيان وكيسوم والقلاع شمالي حلب فأنجدهم بألف فارس وسار إليهم شكري وحضر البترك وشهد جماعة من القسيسين والبطارقة أن أسمند خال شكري قال له عند ما ركب البحر إلى بلاده أعد الرها إلى القمص إذا خلص من الأسر فحكم البترك بإعادتها فأعادها تاسع صفر من السنة وعبر القمص الفرات ليرفع إلى جاولي المال والأسرى كما شرط له وكان جاولي لما أطلق القمص سار إلى الرحبة ولقيه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور وكانا مقيمين بعد قتل أبيهما عند سالم بن مالك فاستنجداه ووعداه أن يسير معهما إلى الحلة واتفقوا على تقديم أبي الغازي تكين ثم قدم عليهم أصبهبذ صباوو وقد أقطعه السلطان ٥/٤٧

الرحبة فأشار على جاولي بقصد الشام لخلوها عن العساكر والتجنب عن العراق وطريق السلطان فقبل إشارته وأحصر على الرحبة ثم وفد عليه صريح سالم بن مالك صاحب قلعة جعفر يستغيث به من بني نمير وكان حيوش البصري قد نزل على ابن سالم بالرقة وملكها وسار إليه رضوان من حلب فصالحه بنو نمير بالمال ورجع عليهم فاستنجد سالم الآن جاولي فجاء وحاصر بني نمير بالرقة سبعين يوما فأعطوه مالا وخيلا ورحل عنهم واعتذر لسالم ثم وصل جاولي الى الأمير حسين بن أتابك قطلغ تكين كان أبوه أتابك السلطان محمد بكنجة فقتلته وتقدم ولده هذا عند السلطان وبعثه مع ابن عمار ليصلح أمر جاولي وتسير العساكر كلها الى الجهاد مع ابن عمار فأجاب جاولي لذلك وقال لحسين سر إلى الموصل ورحل العساكر عنها وأنا أعطيك ولدي رهينة وتكون الجباية لوال من قبل السلطان فجاء حسين إلى العساكر قبل أن يفتحوها فكلهم أجاب إلا الأمير مودود فإنه امتنع من الرحيل إلا بإذن من السلطان وأقام محاصرا لها حتى افتتحها وعاد ابن قطلغ إلى السلطان فأحسن الاعتذار عن جاولي وسار جاولي إلى بالس فملكها من أصحاب رضوان بن تتش وقتل جماعة من أهلها فيهم القاضي محمد بن عبد العزيز بن الياس وكان فقيها صالحا ثم سار رضوان بن دقاق لحرب جاولي واستمد شكري صاحب انطاكية فأمده بنفسه وبعث جاولي إلى القمص بالرها يستمده وترك له مال المفاداة فباء إليه بنفسه ولحقه بمنبج وجاء الخبر إلى جاولي باستيلاء مودود وعساكر السلطان على الموصل وعلى خزائنه فاضطرب أمره وانفض عنه كثير من أصحابه منهم زنكي بن آق سنقر وبكتاش وبقي معه أصبهبذ صباوو وبدران بن صدقة وابن جكرمش وانضم إليه كثير من المتطوعة ونزل تل ناشر وأتى عسكر رضوان وشكري وكاد أن يهزمهم لولا أن أصحابه ساروا عنه وسار في أتباعهم فأبوا عليه فمضى منهزما وقصد أصبهبذ الشام وبدران بن صدقة قلعة جعفر وابن جكرمش جزيرة ابن عمر وقتل من المسلمين خلق ونهب صاحب انطاكية سوادهم وهرب القمص وجوسكر إلى تل ناشر وكان المنهزمون من المسلمين يمرون بهم فيكرمونهم ويجيزونهم إلى بلادهم ولحق جاولي بالرحبة فلقي بها سرايا مودود صاحب الموصل وخفي عنهم فارتاب في أمره ولم ير الخير له من قصد السلطان محمد ثقة بما ألقى إليه حسين بن قطلغ تكين في شأنه فأوغر في السير ولحق بالسلطان قريبا من أصبهان ونزل حسين بن قطلغ فدخل به إلى السلطان فأكرمه وطلب منه بكتاش ابن عمه تتش واعتقله بأصبهان. ٥/٤٨

مقتل مودود بن توتكين صاحب الموصل في حرب الافرنج وولاية البرسقي مكانه

كان السلطان محمد قد أمر مودودا صاحب الموصل سنة خمس وخمسمائة بالمسير لقتال الإفرنج وأمده بسقمان القبطي صاحب ديار بكر وأرمينية واياكي وزنكي ابني برسق أمراء همدان وما جاورها والأمير أحمد بك أمير مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل والأمير أبو الغازي صاحب ماردين وبعث إليه أياز مكانه فسار إلى سنجار وفتحوا حصونا للإفرنج وحاصروا مدينة الرها فامتنعت عليهم وأقام الإفرنج على الفرات بعد أن طرقوا أعمال حلب فعاثوا فيها ثم حاصر العساكر الإسلامية قلعة ناشر فامتنعت ودخلوا إلى حلب فامتنع رضوان من لقائهم فعادوا ومات سقمان القبطي في دلاس فحمله أصحابه في تابوت إلى بلاده واعترضهم أبو الغازي بن أرتق ليأخذهم فهزموه ثم افترقت العساكر بمرض ابن برسق ومسير أحمد ابن صاحب مراغة إلى السلطان لطلب بلاد سقمان القبطي واجتمع قطلغتكين صاحب دمشق بمودود ونزل معه على نهر القاضي وسمع الإفرنج بافتراق العساكر فساروا إلى افاميه وجاء السلطان ابن منقذ صاحب شيراز إلى مودود وقطلغتكين وحصرهما على الجهاد ونزلوا جميعا على شيراز ونزل الفرنج قبالتهم ثم رأوا قوة المسلمين فعادوا إلى أفامية ثم سار مودود سنة ست إلى الرها وسروج فعاث في نواحيها فكبسه جوسكر صاحب تل ناشر في الإفرنج ونال منه ثم اجتمع المسلمون سنة سبع للجهاد باستنجاد قطلغتكين صاحب دمشق لمودود فاجتمع معه بمنزل صاحب سنجار وأياز بن أبي الغازي وعبروا الفرات إلى قطلغتكين وقصدوا القدس فسار إليهم صاحبها بقزوين ومعه جوسكر صاحب تل ناشر على جيشه ونزلوا الأردن واقتتلوا قريبا من طبرية فانهزم الافرنج وقتل كثير منهم وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الأردن وغنم المسلمون سوادهم ثم لقيهم عسكر طرابلس وانطاكية من الفرنج فاستعانوا بهم وعادوا الحرب ونزلوا في جبل طبرية فحاصرهم فيه المسلمون ثم ساروا فعاثوا في بلاد الإفرنج ما بين عكا إلى القدس ثم نزلوا دمشق وفرق مودود عساكره ووعدهم العود من قابل للجهاد ودخل دمشق ليستريح عند قطلغتكين فصلى الجمعة في الجامع فطعنه باطني فأثواه وهلك لآخر يومه واتهم قطلغتكين به وقتل الباطني من يومه ولما بلغ الخبر السلطان بقتل مودود ولي ٥/٤٩

على الموصل وأعمالها آق سنقر البرسقي سنة ثمان وخمسمائة وبعث معه ابنه الملك مسعود في جيش كثيف وأمره بجهاد الإفرنج وكتب إلى الأمراء بطاعته فوصل إلى الموصل واجتمعت إليه عساكر النواحي فيهم عماد الدين زنكي بن آق سنقر ونمير صاحب سنجار وسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر فأطاعه نائب مودود بها ثم سار إلى ماردين فأطاعه أبو الغازي صاحبها وبعث معه ابنه أياز فسار إلى الرها فحاصرها شهرين ثم ضاقت الميرة على عسكره ثم رحل إلى شميشاط بعد أن خرب نواحي الرها وسروج وشميشاط وكانت مرعش للإفرنج هي وكسوم ورعيان وكان صاحبها كراسك واتفقت وفاته وملكت زوجته بعده فراسلت البرسقي بالطاعة وبعث إليها رسوله فأكرمته وأرجعته إلى البرسقي بالهدايا والطاعة وفر عنها كثير من الإفرنج إلى أنطاكية ثم قبض البرسقي على أياز بن أبي الغازي لاتهامه إياه في الطاعة فسار إليه أبو الغازي في العساكر وهزمه واستنقذ ابنه أياز من أسره كما ترى في أخبار دولة أبي الغازي وبنيه وبعث السلطان يهدده فوصل يده بقطلغتكين صاحب دمشق والفرنج وتحالفوا على التظاهر ورجع أبو الغازي إلى ديار بكر فسار إليه قزجان بن مراجا صاحب حمص وقد تفرق عنه أصحابه فظفر به وأسره وجاء قطلغتكين في عساكره وبعث الى قزجان في إطلاقه فامتنع وهم بقتله فعاد عنه قطلغتكين الى دمشق وكان قزجان قد بعث الى السلطان بخبره وانتظر من يصل في قتله فأبطأ عليه فأطلق أبا الغازي بعد أن توثق منه بالحلف وأعطاه ابنه أياز رهينة ولما خرج سار إلى حلب وجمع التركمان وحاصر قزجان في طلب ابنه إلى أن جاءت عساكر السلطان.

مسير العساكر لقتال أبي الغازي وقطلغتكين والجهاد بعدهما

ولما كان ما ذكرناه من عصيان أبي الغازي وقطلغتكين على السلطان محمد وقوة الفرنج على المسلمين جهز السلطان جيشا كثيرا مقدمهم الأمير برسق صاحب همدان ومعه الأمير حيوش بك والأمير كشغرة وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بقتال أبي الغازي وقطلغتكين فإذا فرغوا منهما ساروا إلى الفرنج فارتجعوا البلاد من أيديهم فساروا لذلك في رمضان من سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرقة وجاءوا إلى حلب وطلبوا من صاحبها لؤلؤ الخادم ومن مقدم العسكر المعروف بشمس الخواص تسليم حلب بكتاب السلطان في ذلك فتعلل عليهم وبعث إلى أبي الغازي وقطلغتكين بالخبر واستنجدهما فسار إليه في ألفين وامتنعت حلب على ٥/٥٠

عساكر السلطان فسار برسق بالعساكر إلى حماة وهي لقطلغتكين فملكها عنوة وسلمها إلى قزجان صاحب حمص بعهد السلطان له بذلك في كل ما يفتحونه من البلاد فثقل ذلك على الأمراء وتخاذلوا وتسلم قزجان حماة بن برسق وأعطاه ابن أبي الغازي ابنه رهينة عنده ثم سار أبو الغازي وقطلغتكين وشمس الخواص الى أنطاكية مستنجدين بصاحبها بردويل وجاءهم بعد ذلك بغدوين صاحب القدس وصاحب طرابلس وغيرهما من الإفرنج واتفقوا على تأخير الحرب إلى انصرام الشتاء واجتمعوا بقلعة أفامية وأقاموا شهرين وانصرم الشتاء والمسلمون مقيمون فوهنت عزائم الإفرنج وعادوا إلى بلادهم وعاد أبو الغازي إلى ماردين وقطلغتكين إلى دمشق وسار المسلمون إلى كفر طاب من بلاد الإفرنج فحاصروه وملكوه عنوة وأسروا صاحبه واستلحموا من فيه ثم ساروا إلى قلعة أفامية فامتنعت عليهم فعادوا إلى المعرة وفارقهم حيوش بك إلى مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة إلى حلب وقدموا أثقالهم وخيامهم فصادفهم بردويل صاحب أنطاكية في خمسمائة فارس وألفي راجل صريخا لأهل كفر طاب وصادف مخيم العسكر ففتك فيه وفعل الأفاعيل وهم متلاحقون وجاء الأمير برسق وعاين مصارعهم وأشار عليه إخوته بالنجاء بنفسه فنجا بنفسه وأتبعهم الإفرنج ورجعوا عنهم على فرسخ وعاثوا في المسلمين في كل ناحية وقتل أياز بن أبي الغازي قتله الموكلون به وجاء أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين ما لم يحتسبوه ويئسوا من النصرة ورجعت العساكر منهزمة إلى بلادها وتوفي برسق زنكي سنة عشر بعدها.

ولاية حيوش بك ومسعود بن السلطان محمد علي الموصل

ثم أقطع السلطان الموصل وما كان بيد آق سنقر البرسقي للأمير حيوش بك وبعث معه ابنه مسعود وأقام البرسقي بالرحبة وهي اقطاعه إلى أن توفي السلطان محمد.

ولاية جاولي سكاوو على فارس وأخباره فيها ووفاته

كان جاولي سكاوو لما رجع إلى السلطان محمد ورضي عنه ولاه فارسا وأعمالها وبعث معه ابنه جعفري بك طفلا كما فصل من الرضاع وعهد إليه بإصلاحها فسار إليها ومر بالأمير بلداجي في بلاده كليل وسرماة وقلعة إصطخر وكان من مماليك السلطان ملك شاه فاستدعاه للقاء جعفري بك وتقدم إليه بأن يأمر بالقبض عليه فقبض عليه ونهبت أمواله وكان أهله وذخائره في قلعة ٥/٥١

إصطخر وقد استناب فيها وزيره الخيمي ولم يمكنه الا من بعض أهله فلما وصل جاولي إلى فارس ملكها منه وجعل فيها ذخائر ثم أرسل إلى خسرو وهو الحسين بن مبارز صاحب نسا وأمير الشوامكار من الأكراد فاستدعاه للقاء جعفري بك من السلطان خشية مما وقع لبلداجي فأعرض عنه وأظهر الرجوع إلى السلطان ومضى رسول خبره فبشر بانضافه عن فارس فما أدى إليه الخبر إلا وجاولي قد خالطهم رجع من طريقه وأوغر في السير إليهم ثم هرب خسرو إلى عمدالج وفتك جاولي في أصحابه وماله ثم سار جاولي إلى مدينة نسا فملكها ونهب جهرم وغيرها وسار إلى خسرو فامتنع عليه بحصنه فرجع إلى شيراز وأقام بها ثم سار إلى كازرون فملكها وحاصر أبا سعيد بن محمد في قلعته مدة عامين وراسله في الصلح فقتل الرسل مرتين ثم اشتد عليه الحصار واستأمن فأمنه وملك الحصن ثم استوحش من جاولي فهرب وقبض على ولده وجيء به أسيرا فقتل ثم سار جاولي إلى دار بكرد فهرب صاحبها إبراهيم إلى كرمان وصاحبها أرسلان شاه كرمان شاه ابن أرسلان بن قاروت بك فسار جاولي إلى حصار درابكرد فامتنعت عليه فخرج إلى البرية ثم جاءهم من طريق كرمان كاءنة مدد لهم من صاحب كرمان فأدخلوه فملك البلد واستلحم أهله ثم سار إلى كرمان وبعث إلى خسرو مقدم الشوذكان يستدعيه للمسير معه فلم يحد بدا من موافقته وجاء وصاحبه الى كرمان وبعث إلى ملك كرمان بإعادة الشواذكان الذين عنده فبعث بالشفاعة فيهم فاستخلص السلطان الرسول بالإحسان وحثه على صاحبه ووعده بأن يرد العساكر عن وجهه ويخذلهم عنه ما استطاع وانقلب عنه إلى صاحبها ففي عساكر كرمان وزيره بالسيرجان فتراءى لهم أن جاولي عازم على مواصلتهم وأنه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان وأشار عليه بالرجوع فرجعوا وسار جاولي في أثر الرسول وحاصر حصنا بطرف كرمان فارتاب ملك كرمان بخبر الرسول ثم أطلع عليه من غير جامعة فقتله ونهب أمواله وبعث العساكر لقتاله واجتمع معهم صاحب الحصن المحاصر وسلك بهم غير الجادة وسمع جاولي بخبرهم فأرسل بعض الأمراء ليأتيه بالخبر فلم يحد بالجادة أحدا فرجع وأخبره أن عسكر كرمان قد رجع فاطمأن ولم يكن الا قليل حتى بيتته عساكر كرمان في شوال سنة ثمان وخمسمائة فانهزم وفتكوا فيه قتلا وأسرا وأدركه خسرو بن أبي سعد الذي كان قتل أباه فلما رآهما خاف منهما فآنساه وأبلغاه إلى مأمنه بمدينة نسا ولحقته عساكره وأطلق ملك كرمان الأسرى وجهزهم إليه وبينما هو يجهز العساكر لكرمان لأخذ ثاره توفي جعفري بك ابن السلطان في ذي الحجة من سنة تسع لخمس سنين من عمره فقطعه ذلك عن معاداة كرمان ثم بعث ملك كرمان ٥/٥٢

إلى السلطان ببغداد في منع جاولي عنه فقال له لا بد أن تسلم الحصن إلى حاصره جاولي في حد كرمان وانهزم عليه وهو حصن فرح ثم توفي جاولي في ربيع سنة عشر فامنوا إعادته والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود

ثم توفي السلطان محمد بن ملك شاه آخر ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من ملكه بعد أن أجلس ولده محمودا على الكرسي قبل وفاته بعشر ليال وفوض إليه أمور الملك فلما توفي نفذت وصيته لابنه محمود فأمره فيها بالعدل والإحسان وخطب له ببغداد وكان مناهز الحلم وكان السلطان محمد شجاعا عادلا حسن السيرة وله آثار جميلة في قتال الباطنية قد مر ذكرها في أخبارهم ولما ولي قام بتدبير دولته الوزير أبو منصور وأرسل إلى المستظهر في طلب الخطبة ببغداد له في منتصف المحرم من سنة اثنتي عشرة وأقر طهرون شحنة على بغداد وقد كان السلطان محمد ولاه عليها سنة اثنتين وخمسمائة ثم عاد البرسقي وقاتله وانهزم إلى عسكر السلطان محمود على الحلة دبيس بن صدقة وقد كان عند السلطان محمد منذ قتل أبوه صدقة وأحسن إليه وأقطعه وولي على الحلة سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة فلما توفي رغب من ابنه السلطان محمود العود إلى الحلة فأعاده واجتمع عليه العرب والأكراد.

وفاة المستظهر وخلافة ابنه المسترشد

ثم توفي المستظهر بن المقتدي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة منتصف ربيع الآخر ونصب للخلافة ابنه المسترشد واسمه الفضل وقد تقدم ذلك في أخبار الخلفاء.

خروج مسعود ابن السلطان محمد على أخيه محمود

تقدم لنا أن السلطان ولى على الموصل ابنه مسعودا ومعه حيوس بك وان السلطان محمود اودبيس بن صدقة سارا إلى الحلة فلما توفي السلطان محمد وولي ابنه محمود سار مسعود من الموصل مع أتابك حيوس بك ووزيره فخر الملك على بن عمار وقسيم الدولة وزنكي بن آقسنقر صاحب سنجار وأبي الهيجاء صاحب أربل وكرباوي بن خراسان صاحب ٥/٥٣

المواريح وقصدوا الحلة فدافعهم دبيس فرجعوا إلى بغداد وسار البرسقي إلى قتالهم فبعث إليه حيوس بك بأنهم إنما جاءوا لطلب الصريخ على دبيس صاحب الحلة فاتفقوا وتعاهدوا ونزل مسعود بدار الملك ببغداد وجاء الخبر بوصول عماد الدين منكبرس الشحنة وقد كان البرسقي هزم ابنه حسينا كما مر فسار بالعساكر إلى البرسقي فلما علم بدخول مسعود إلى بغداد عبر دجلة من النعمانية إلى دبيس بن صدقة فاستنجده وخرج مسعود وحيوس بك والبرسقي ومن معهم للقائهم وانتهوا إلى المدائن فأتتهم الأخبار بكثرة جموع منكبرس ودبيس فرجعوا وأجازوا نهر صرصر ونهبوا السواد من كل ناحية وبعث المسترشد إلى مسعود والبرسقي والحث على الموادعة والصلح وجاءهم الخبر بأن منكبرس ودبيس بعثا مع منصور أخي دبيس وحسين بن أرز وبني منكبرس عسكرا لحماية بغداد فرجع البرسقي إلى بغداد دليلا ومعه زنكي بن آق سنقر وترك ابنه عز الدين مسعودا على العسكر بصرصر فالتقى ومنع عسكر منكبرس من العبور وأقام يومين ثم وافاه كتاب ابنه بأن الصلح تم بين الفريقين بعده ففشل وعبر إلى الجانب الغربي ومنصور وحسين في أثره ونزلا عند جامع السلطان وخيم البرسقي عند القنطرة القبلية وخيم مسعود وحيوس بك عند المارستان ودبيس ومنكبرس تحت الرقة وعز الدين مسعود بن البرسقي عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب انعقاد الصلح أن حيوس بك أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فأقطعهما أذربيجان ثم وصل الخبر بمسيرهما إلى بغداد فاستشعر منهما العصيان وجهز العساكر الى الموصل فكتب إليه رسوله بذلك ووقع الكتاب بيد منكبرس الشحنة فبعث إليه وضمن له إصلاح الحال له وللسلطان مسعود وكان منكبرس متزوجا بأم السلطان مسعود واسمها سر جهان فكان يؤثر مصلحته فاستقر الصلح واتفقوا على إخراج البرسقي من بغداد إلى الملك وأقام عنده واستقر منكبرس شحنة بغداد وساء أثره في الرعية وتعرض لأموال الناس وحرمهم وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فاستدعاه إليه فبقي يدافع ثم سار خوفا من عامة بغداد والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٥٤

خروج الملك طغرل على أخيه السلطان محمود

كان الملك طغرل بن السلطان محمد عند وفاة أبيه مقيما بقلعة سر جهان وكان أبوه أقطعه سنة أربع سماوة وآوة وزنجان وجعل أتابك الأمير شيركير الذي حاصر قلاع الإسماعيلية كما مر في أخبارهم وكان عمره يومئذ عشرا فأرسل السلطان محمد الأمير كسعدي أتابكا له وأعجله إليه وكان كسعدي حاقدا عليه فحمل طغرل على العصيان ومنعه من المجيء إلى أخيه وانتهى ذلك إلى محمود فأرسل إلى أخيه بتحف وخلع وثلاثين ألف دينار ومواعد جميلة فلم يصيخوا إليها وأجابه كسعدي إننا في الطاعة ومعترضون لمراسم الملك فسار إليهم السلطان مغذا ليكبسهم وجعل طريقه على قلعة شهران التي فيها ذخائر طغرل وأمواله ونما الخبر إلى طغرل وكسعدي فخرجا من العسكر في خفية قاصدين شهران وأخلى الطريق عنها لما سبق من اللطف فوقعا على قلعة سرجهان وجاء السلطان إلى العسكر فأخذ خزائن أخيه طغرل وفيها ثلاثمائة ألف دينار ثم أقام بزنجان أياما ولحق منها بالري ولحق طغرل وكسعدي بكنجة واجتمع إليه أصحابه وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه.

فتنة السلطان محمود مع عمه سنجر

ولما توفي السلطان محمد بلغ الخبر إلى أخيه سنجر بخراسان أظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله حتى جلس للعزاء على الرماد وأغلق بابه سبعا ثم سمع بولاية ابنه محمود فنكر ذلك وعزم على قصد بلاد الجبل والعراق وطلب السلطنة لنفسه مكان أخيه وكان قد سار إلى غزنة سنة ثمان وخمسين وفتحها وتنكر لوزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر ابن نظام الملك لما بلغه أنه أخذ عليه الرشوة من صاحب غزنة ليثنيه عن قصده إليه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر وامتحن أهل غزنة بعد فتحها وأخذ منها أموالا عظيمة وشكا إليه الأمراء اهانته إياهم فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله واستصفى أمواله وكانت لا يعبر عنها كان فيها من العين وحده ألف دينار مرتين واستوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك وكان يعرف بابن الفقير فلما مات أخوه السلطان محمد عزم على طلب الأمر ٥/٥٥

لنفسه وعاوده الندم على قتل وزيره أبي جعفر لما يعلم من اضطجاعه بمثلها ثم ان السلطان محمود أبعث إليه يصطنعه بالهدايا والتحف وضمن له ما يزيد عن مائتي ألف دينار كل سنة وبعث في ذلك شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر الدين طغرل فقال لهما سنجر أن ابن أخي صغير وقد تحكم عليه وزيره وعلي بن عمر الحاجب فلا بد من المسير وبعث في مقدمته الأمير أنزوسار السلطان محمود وبعث في مقدمته الحاجب علي بن محمد وكان حاجب أبيه قبله فلما تقاربت المقدمتان بعث الحاجب علي بن عمر إلى الأمير أنز وهو بجرجان بالعتاب ونوع من الوعيد فتأخر عن جرجان فلحقته بعض العساكر ونالوا منه ورجع الحاجب إلى السلطان محمود بالري فشكر له فعله وأقاموا بالري ثم ساروا إلى كرمان وجاءته الإمداد من العراق مع منكبرس ومنصور بن صدقة أخي دبيس وأمراء فسار إلى همدان وتوفي وزيره الربيب فاستوزر أبا طالب الشهيري ثم سار السلطان في عشرين ألفا وثمانية عشر فيلا ومعه ابن الأمير أبي الفضل صاحب سجستان وخوارزم شاه محمد والأمير أنز والأمير قماج وكرشاسف بن ضرام بن كاكويه صاحب برد وهو صهره على أخته وكان خصيصا بالسلطان محمد فاستدعاه بعد موته سنجر وتأخر عنه وأقطع بلده لقراجا السامر فبادر إليه وتراجعوا بقرب ساوة في جمادى ثالث عشرة فسبقت عساكر السلطان محمود إلى الماء من أجل المسافة التي بين ساوة وخراسان وكانت عساكر السلطان ثلاثين ألفا ومعه الحاجب علي بن عمر ومنكبرس وأتابك غزغلي وبنو برسق وآق سنقر البحاري وقراجا الساني ومعه سبعمائة حمل من السلاح فعند ما اصطفوا إلى الحرب انهزم عساكر السلطان سنجر ميمنة وميسرة وثبت هو في القلب والسلطان محمود قبالته وحمل السلطان سنجر في الفيلة فانهزمت عساكر السلطان محمود واسر أتابك غزغلي وكان يكاتب السلطان سنجر بأنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك ثم قتله ونزل سنجر في خيام محمود واجتمع إليه أصحابه ونجا محمود من الواقعة وأرسل دبيس ابن صدقة للمسترشد في الخطبة لسنجر فخطب له أواخر جمادى الأولى من السنة وقطعت خطبة محمود ثم أن السلطان سنجر رأى قلة أصحابه وكثرة أصحاب محمود فراسله في الصلح وكانت تحضه على ذلك فامتنع ولحق البرسقي بسنجر وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من يوم خروجه من بغداد فسار سنجر من همدان إلى الكرخ وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده بولاية عهده فأجاب وتحالفا على ذلك وسار محمود إلى عمه سنجر في شعبان بهدية حافلة ونزل على جدته فتقبل منه سنجر وقدم له خمسة أفراس عربية وكتب لعماله بالخطبة لمحمود بعده في جميع ولايته وإلى بغداد بمثل ذلك ٥/٥٦

وأعاد عليه جميع ما أخذه من بلاده سوى الري وصار محمود في طاعة عمه سنجر ثم سار منكبرس عن السلطان محمود إلى بغداد وبعث دبيس بن صدقة من منعه من دخولها فعاد ووجه الصلح بين الملكين قد أسفر فقصد السلطان سنجر مستجيرا به من الاستبداد عليه ومسيره لشحنة بغداد من غير إذنه ثم أن الحاجب علي بن عمر ارتفعت منزلته في دولته وكثرت سعاية الأمراء فيه فأضمر السلطان نكبته فاستوحش وهرب إلى قلعة له كان ينزل بها أهله وأمواله وسار منها إلى خوزستان وكانت بنو برسق اسوري وابن أخويه ارغوي بن ملتكى وهدد بن زنكي بعثوا عسكرا يصدونه عن بلادهم ولقوة قريبا من تستر فهزموه وجاءوا به أسيرا وكاتبوا السلطان محمودا بأمره فأمرهم بقتله وحمل رأسه إليه ثم أمر السلطان سنجر بإعادة مجاهد الذين تهددوا إلى شحنة بغداد فعاد إليها وعزل نائب دبيس بن صدقة .

استبداد علي بن سكمان بالبصرة

كان السلطان محمد قد أقطع البصرة للأمير آقسنقر البخاري واستخلف عليها سنقر الشامي فأحسن السيرة فلما توفي السلطان محمد وثب عليه غزغلي مقدم الأتراك الإسماعيلية وكان يحج بالناس منذ سنين وسنقر ألبا وملكا البصرة من يده وحبساه وذلك سنة احدى عشرة وهم سنقر البا بقتله فعارضه غزغلي فلم يرجع وقتله فقتله غزغلي به وسكن الناس وكان بالبلد أمير اسمه علي بن سكمان حج بالناس وغاب عن هذه الواقعة فغص به غزغلي لتمام الحج على يده وخشي أن يثأر منهم بسنقر البا لتقدمه عليهم فأوغر الى عرب البرية فنهب الحاج وانثنى علي بن سكمان في الدفاع عنهم الى أن قارب البصرة والعرب يقاتلونه فبعث اليه غزغلي بالمنع من البصرة فقصد القرى أسفل دجلة وصدق الحملة على العرب فهزمهم ثم سار اليه غزغلي وقاتله فأصابه سهم فمات وسار علي بن سكمان الى البصرة وملكها وكاتبه آقسنقر البخاري صاحب عمان بالطاعة واقترنوا به على أعماله وكان عند السلطان وطلبه أن يوليه البصرة فأبى وبقي ابن سكمان مستبدا بالبصرة الى أن بعث السلطان آق سنقر البخاري الى البصرة سنة أربع ٥/٥٧

عشرة فملكها علي بن سكمان.

استيلاء الكرج على تفليس

كان الكرج قديما يغيرون على أذربيجان وبلاد اران قال ابن الأثير والكرج هم الخزر وقد بينا الصحيح من ذلك عند ذكر الأنساب وأن الخزر هم التركمان الا أن يكون الكرج من بعض شعوبهم فيمكن ولما استفحل ملك السلجوقية أمسكوا عن الاغارة على البلاد المجاورة لهم فلما توفي السلطان محمد رجعوا الى الغارة فكانت سراياهم وسرايا القفجاق تغير على البلاد ثم اجتمعوا وكانت بلد الملك طغرل وهي اران ونقجوان الى أوس مجاورة لهم فكانوا يغيرون عليها الى العراق لملك بغداد ونزل على دبيس ابن صدقة فسار هو وأتابك كبغري ودبيس بن صدقة وأبي الغازي بن أرتق وسار في ثلاثين ألفا الى الكرج والقفجاق فاضطرب المسلمون وانهزموا وقتل منهم خلق وتبعهم الكفار عشرة فراسخ وعادوا عنهم وحاصروا مدينة تفليس وأقاموا عليها سنة وملكوها عنوة سنة خمس عشرة ووصل صريخهم سنة ست عشرة الى السلطان محمود بهمدان فسار لصريخهم وأقام بمدينة تبريز وانفذ عساكره الى الكرج فكان من أمرها ما يذكر ان شاء الله تعالى.

الحرب بين السلطان محمود وأخيه مسعود

قد تقدم لنا مسير مسعود الى العراق وموت أبيه السلطان محمد وما تقرر بينهما من الصلح ورجوعه الى الموصل بلده وان السلطان محمودا زاده آذربيجان ولحق به قسيم الدولة البرسقي عند ما طرده عن شحنة بغداد فأقطعه مسعود مراغة مضافة الى الرحبة وكاتب دبيس حيوس بك أتابك مسعود يحرضه على نكبة البرسقي وانه يباطن السلطان محمودا ووعده على ذلك بالأموال وحرضهم على طلب الأمر لمسعود ليقع الاختلاف فيحصل له علو الكلمة كما حصل لأبيه في فتنة بركيارق ومحمد وشعر البرسقي بسعاية دبيس فخشي على نفسه ولحق بالسلطان محمود فقبله وأعلى محله ثم اتصل بالملك مسعود الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي ٥/٥٨

الأصبهاني الطغرائي وكان ابنه أبو الوليد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغري للملك مسعود فلما وصل أبوه استوزره مسعود وعزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة فأغري مسعودا بالخلاف على أخيه السلطان محمود فكتب اليهم السلطان بالترغيب والترهيب فأظهروا أمرهم وخاطبوا الملك مسعودا بالسلطان وضربوا له النوب الخمس واغزوا اليه السير وهو في خف من العسكر فسار اليهم في خمسة عشر ألفا وفي مقدمته البرسقي ولقيهم بعقبة أستراباذ منتصف ربيع الأول سنة أربع عشرة فانهزم الملك مسعود وأصحابه وأسر جماعة من أعيانهم منهم الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي وزير الملك مسعود فأمر السلطان محمود بقتله وقال ثبت عندي فساد عقيدته وكان قتله لسنة من وزارته وكان كاتبا شاعرا يميل الى صناعة الكيمياء وله فيها تصانيف معروفة ولما انهزم الملك مسعود لحق ببعض الجبال على اثني عشر فرسخا من المعركة فاختفى فيه مع غلمان صغار وبعث يستأمن من أخيه فأرسل اليه آق سنقر البرسقي يؤمنه ويجيء به إليه وخالفه إليه بعض الأمراء فحرضه على اللحاق بالموصل وآذربيجان ومكاتبة دبيس ومعاودة الحرب فسار معه لذلك وجاء البرسقي الى مكانه الأول فلم يحده فاتبعه الى أن أدركه على ثلاثين فرسخا وأعلمه حال أخيه من الرضا عنه وأعاده فرجع ولقيه العساكر بأمر السلطان محمود وأنزله عند أمه ثم أحضره وهش له وبكى وخلطه بنفسه وذلك لثمانية وعشرين يوما من الخطبة بآذربيجان وأما حيوس بك الاتابك فافترق من السلطان من المعركة وسار الى الموصل وجمع الغلال من سوادها واجتمعت اليه العساكر وبلغه فعل السلطان مع أخيه فسار الى الزاب موريا بالصيد ثم أجد السير الى السلطان بهمدان فأمنه وأحسن اليه وبلغ الخبر بالهزيمة الى دبيس وهو بالعراق فنهب البلاد وأخربها وبعث اليه السلطان فلم يصغ الى كتابه.

ولاية آقسنقر البرسقي على الموصل ثم على واسط وشحنة العراق

ولما وصل حيوس بك الى السلطان محمود بعثه الى أخيه طغرل وأتابك كبغري فسار الى كنجة وبقي أهل الموصل فوضى من غير وال وكان آقسنقر البرسقي قد أبلى في خدمة السلطان محمود ورد اليه أخاه مسعودا يوم الهزيمة فعرف له حق نصحه وحسن أثره فأقطعه الموصل وأعمالها ٥/٥٩

وما يضاف اليها كسنجار والجزيرة فسار اليها سنة خمس عشرة وتقدم الى سائر الأمراء بطاعته وأمره بمجاهدة الافرنج واسترجاع البلاد منهم فوصل الى الموصل وقام بتدبيرها وإصلاح أحوالها ثم أقطعه سنة ست عشرة بعدها مدينة واسط وأعمالها مضافة الى الموصل وجعله شحنة بالعراق فاستخلف عماد الدين زنكي بن آقسنقر وبعثه اليها فسار اليها في شعبان من السنة.

مقتل حيوس بك والوزير الشهيرمي

ثم ان السلطان بعد وصول حيوس بك بعثه لحرب أخيه طغرل كما قلناه وأقطعه أذربيجان فتنكر له الأمراء وأغروا به السلطان فقتله على باب هرمز في رمضان سنة عشر وأصله تركي من موالي السلطان محمد وكان عادلا حسن السيرة ولما ولى الموصل والجزيرة وكان الأكراد بتلك الأعمال انتشروا وكثرت قلاعهم وعظم فسادهم فقصدهم وفتح كثيرا من قلاعهم كبلد البكارية وبلد الزوزن وبلد النكوسة وبلد التخشيبة وهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وصلحت السابلة وأمن الناس وأما الوزير الكمال أبو طالب الشهيرمي فإنه برز مع السلطان دبيس الى همدان وخرج في موكبه وضاق الطريق فتقدم الموكب بين يديه فوثب عليه باطني وطعنه بسكين فأنفذه واتبعه الغلمان فوثب عليه آخر فجذبه عن سرجه وطعنه طعنات وشردهم الناس عنه فوثب آخر فجذبه وذلك لأربع سنين من وزارته وكان سيئ السيرة ظلوما غشوما كثير المصادر ولما قتل رفع السلطان ما كان أحدث من المكوس.

رجوع طغرل الى طاعة أخيه السلطان محمود

قد ذكرنا عصيان طغرل على أخيه السلطان محمود بالري سنة ثلاث عشرة وأن السلطان محمود سار اليه وكبسه فلحق بر جهان ثم لحق منها بكنجة وبلاد أران ومعه أتابك كبغري فاشتدت شوكته وقصد التغلب على بلاد آذربيجان وهلك كبغري في شوال سنة خمس عشرة ولحق بأقسنقر الارمني صاحب مراغة ليقيم له الاتابكية وحرضه على قتال السلطان محمود فسار معه الى مراغة ومروا بأردبيل فامتنعت عليهم فساروا الى هرمز وجاءهم الخبر ٥/٦٠

هنالك بأن السلطان محمود بعث الأمير حيوس بك الى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه وصل الى مراغة في عسكر كثيف فساروا عن هرمز الى خونج وانتقض عليهم وراسلوا الأمير بشيركين الذي كان أتابك طغرل أيام أبيه يستنجد به وكان كبغري الاتابك قبض عليه بعد السلطان محمد ثم أطلقه السلطان سنجر وعاد الى أبهر وزنجان وكانت أقطاعه فأجاب داعيهم وسار أمامهم الى أبهر ولم يتم أمرهم فراسلوا السلطان في الطاعة وعاد طغرل الى أخيه وانتظم أمرهم.

مقتل وزير السلطان محمود

كان وزير السلطان محمود شمس الملك بن نظام الملك وكان حظيا عنده فكثرت سعاية أصحابه فيه وكان ابن عمه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر فتوفي واستوزر سنجر بعده أبا طاهر القمي عدوا لبني نظام الملك فأغرى السلطان سنجر حتى أمر السلطان محمود بنكبته فقبض عليه ودفعه الى طغرل فحبسه بقلعة جلجلال ثم قتله بعد ذلك وكان أخوه نظام الدين أحمد قد استوزره المسترشد وعزل به جلال الدين أبا علي بن صدقة فلما بلغه نكبة شمس الملك ومقتله عزل أخاه نظام الدين وأعاد ابن صدقة الى وزارته والله سبحانه وتعالى أعلم.

ظفر السلطان بالكرج

ثم وفد سنة سبع عشرة على السلطان محمود جماعة من أهل دنباوند وشروان يستصرخونه على الكرج ويشكون ما يلقون منهم فسار لصريخهم ولما تقارب الفئتان هم السلطان بالرجوع وأشار به وزيره شمس وتطارح عليه أهل شروان فأقام وباتوا على وجل ثم وقع الاختلاف بين الكرج وقفجاق واقتتلوا ليلتهم ورحلوا منهزمين وعاد السلطان الى همدان والله تعالى أعلم. ٥/٦١

عزل البرسقي عن شحنة العراق وولاية برتقش الزكوي

كان الخليفة المسترشد قد وقعت بينه وبين دبيس بن صدقة حروب شديدة بنواحي المباركة من أطراف غانة وكان البرسقي معه وانهزم دبيس فيها هزيمة شنيعة كما مر في أخباره وقصد غزنة صريخا فلم يصرخوه فقصد المنتفق وسار بهم الى البصرة فدخلوها واستباحوها وقتلوا سلمان نائبها فأرسل الخليفة الى البرسقي بالنكير على إهمال أمر دبيس حتى فتك في البصرة فسار البرسقي اليه وهرب دبيس فلحق بالافرنج وجاء معهم لحصار حلب فامتنعت فلحق بطغرل ابن السلطان محمد يستحثه لقصد العراق كما مر ذلك في أخبار دبيس وبقيت في نفس المسترشد عليه ولحق بها أمثالها فتنكر له وبعث الى السلطان محمود في عزله فعزله وأمره بالعود الى الموصل لجهاد الافرنج ووصل نائب برتقش الى بغداد وأقام بها الشحنة وبعث السلطان ابنا له صغيرا ليكون معه على الموصل وسار البرسقي به ووصل الموصل وقام بولايتها.

بداية أمر بني آقسنقر وولاية عماد الدين زنكي على البصرة

كان عماد الدين زنكي في جملة البرسقي ولما أقطعه السلطان واسط بعث عليها زنكي فأقام فيها أياما ثم كان مسير البرسقي الى البصرة في أتباع دبيس فلما هرب دبيس عنها بعث البرسقي اليها عماد الدين زنكي فأقام بحمايتها ودفع العرب عنها ثم استدعاه البرسقي عند ما سار الى الموصل فضجر من تلون الأحوال عليه واختار اللحاق بأصبهان فقدم عليه بأصبهان فأكرمه السلطان وأقطعه البصرة وعاد اليها سنة ثمان عشرة والله تعالى أعلم.

استيلاء البرسقي على حلب

لما سار دبيس الى الافرنج حرضه على حلب وان ينوب فيها عنهم ووجدهم قد ملكوا مدينة صور وطمعوا في بلاد المسلمين وساروا مع دبيس الى حلب فحاصروها حتى جهد أهلها الحصار وبها يومئذ تأس بن ابن ارتق فاستنجد بالبرسقي صاحب الموصل وشرط عليهم ان يمكنوه من القلعة ويسلموها الى نوابه وسار الى انجادهم فاجفل عنهم ٥/٦٢

الافرنج ودخل الى حلب فأصلح أمورها ثم سار الى كفر طاب فملكها من الافرنج ثم سار الى قلعة إعزاز من أعمال حلب وصاحبها جوسكين فحاصرها وسارت اليه عساكر الافرنج فانهزم وعاد الى حلب فخلف فيها ابنه مسعودا وعبر الفرات الى الموصل.

مسير طغرل ودبيس الى العراق

ولما ارتحل الافرنج عن حلب فارقهم دبيس ولحق بالملك طغرل فتلقاه بالكرامة والميرة وأغراه بالعراق وضمن له ملكه فساروا لذلك سنة تسع عشرة وانتهوا الى دقوقا فكتب مجاهد الدين بهرام بن تكريت الى المسترشد يخبرهم فتجهز للقائهم وأمر برتقش الزكوي ان يتجهز معه خامس صفر وانتهى الى الخالص وعدل طغرل ودبيس الى طريق خراسان ثم نزلوا رباط جلولاء ونزل الخليفة بالدسكرة وفي مقدمته الوزير جلال الدين بن صدقة وسار دبيس الى جسر النهروان لحفظ المقابر وقد كان رأيه مع طغرل أن يسير طغرل الى بغداد فيملكها وتقدم دبيس في انتظاره فقعد به المرض عن لحاقه وغشيتهم أمطار أثقلتهم عن الحركات وجاء دبيس الى النهروان طريحا من التعب والبرد والجوع واعترضوا ثلاثين حملا للخليفة جاءت من بغداد بالملبوس والمأكول فطعموا وأكلوا وناموا في دفء الشمس وإذا بالمسترشد قد طلع عليهم في عساكره بلغه الخبر بأن دبيسا وطغرل خالفوه الى بغداد فاضطرب عسكره واجفلوا راجعين الى بغداد فلقوا في طريقهم دبيسا كما ذكرنا على دبال غرب النهروان وقف الخليفة عليه فقبل دبيس الأرض واستعطف حتى هم الخليفة بالعفو عنه ثم وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه ووقف دبيس مع برتقش الزكوي يحادثه ثم شغل الوزير بمد الجسر للعبور فتسلل دبيس ولحق بطغرل وعاد المسترشد الى بغداد ولحق طغرل ودبيس بهمدان فعاثوا في أعمالها وصادروا أهلها وخرج اليهم السلطان محمود فانهزموا بين يديه ولحقوا بالسلطان سنجر بخراسان شاكين من المسترشد برتقش الشحنة والله أعلم بغيبه وأحكم. ٥/٦٣

مقتل البرسقي وولاية ابنه عز الدين على الموصل

ثم ان المسترشد تنكر للشحنة برتقش وتهدده فلحق بالسلطان محمود في رجب سنة عشرين فأغراه بالمسترشد وخوفه غائلته وانه تعود الحروب وركب العيث ويوشك أن يمتنع عنك ويستصعب عليك فاعتزم السلطان على قصد العراق وبعث اليه الخليفة يلاطفه في الرد لغلاء البلاد وخرابها ويؤخره الى حين صلاحها فصدق عنده حديث الزكوي وسار مجدا فعبر المسترشد بأهله وولده وأولاد الخلفاء الى الجانب الغربي في ذي القعدة راحلا عن بغداد والناس باكون لفراقه وبلغ ذلك الى السلطان فشق عليه وأرسل يستعطفه في العود الى داره فشرط عليه الرجوع عن العراق في القوت كما شرط أولا فغضب السلطان وسار نحو بغداد والخليفة بالجانب الغربي ثم أرسل خادمه عفيفا الى واسط يمنع عنها نواب السلطان فسار اليه عماد الدين زنكي من البصرة وهزمه وفتك في عسكره قتلا وأسرا وجمع المسترشد السفن اليه وسد أبواب قصره ووكل حاجب الباب ابن الصاحب بدار الخلافة ووصل السلطان الى بغداد في عشر من ذي الحجة ونزل باب الشماسية وأرسل المسترشد في العود والصلح وهو يمتنع وجرت بين العسكرين مناوشة ودخل جماعة من عسكر السلطان الى دار الخليفة ونهبوا التاج أول المحرم سنة احدى وعشرين وخمسمائة فضج العامة لذلك ونادوا بالجهاد وخرج المسترشد من سرادقه ينادي بأعلى صوته وضربت الطبول ونفخت البوقات ونصب الجسر وعبر الناس دفعة وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب في دور الخلافة والأمراء وكان في دار الخلافة ألف رجل كامنون في السرداب فخرجوا عند ذلك ونالوا من عسكر السلطان وأسروا جماعة من أمرائه ونهب العامة دور وزير السلطان وأمرائه وحاشيته ومثل منهم خلق وعبر المسترشد الى الجانب الشرقي في ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد ودفع السلطان وعسكره عن بغداد وحفر عليها الخنادق واعتزموا على كبس السلطان فأخافهم أبو الهيجاء الكردي صاحب اربل ركب للقتال فلحق بالسلطان ووصل عماد الدين زنكي من البصرة في جيش عظيم في البر والبحر أذهل الناس برؤيته فحام المسترشد عن اللقاء وتردد الرسل بينهما فأجاب الى الصلح وعفا السلطان عن أهل بغداد وأقام بها الى عاشر ربيع الآخر وأهدى اليه المسترشد سلاحا وخيلا وأموالا ورحل الى همدان وولى زنكي بن آقسنقر شحنة بغداد ثقة بكفايته واستقامت أحواله مع الخليفة وأشار به أصحابه ورأوا أنه يرقع الخرق ويصلح الأمر فولاه على ذلك مضافا الى ما بيده من البصرة وواسط وسار الى همدان وقبض في طريقه على وزيره أبي القاسم علي بن الناصر الشادي اتهمه بممالأة المسترشد لكثرة سعيه ٥/٦٤

في الصلح فقبض عليه واستدعى شرف الدولة أنوشروان بن خالد من بغداد فلحقه بأصبهان في شعبان واستوزره عشرة أشهر ثم عزله ورجع الى بغداد وبقي أبو القاسم محبوسا الى أن جاء السلطان سنجر الى الري فأطلقه وأعاده الى وزارة السلطان محمود آخر اثنتين وعشرين.

وفاة عز الدين بن البرسقي وولاية عماد الدين زنكي على الموصل وأعمالها ثم استيلاؤه على حلب

ولما استولى عز الدين على الموصل وأعمالها واستفحل أمره طمحت همته الى الشام فاستأذن السلطان في المسير اليه وسار الى دمشق ومر بالرحبة فحاصرها وملكها ثم مات اثر ذلك وهو عليها وافترقت عساكره وشغلوا عن دفنه ثم دفن بعد ذلك ورجعت العساكر الى الموصل وقام بالأمر مملوكه جاولي ونصب أخاه الأصغر وأرسل الى السلطان يطلب تقرير الولاية له وكان الرسول في ذلك القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي الشهرزوري وصلاح الدين محمد الباغسياني أمير حاجب البرسقي واجتمعا بنصير الدين جعفر مولى عماد الدين زنكي وكان بينه وبين صلاح الدين سر فخوفهما جعفر ابن جاولي وحملهما على طلب عماد الدين زنكي وضمن لهما عنه الولايات والاقطاع فأجابوه وجاء بهما الى الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد فقالا له ان الجزيرة والشام قد تمكن منهما الافرنج من حدود ماردين الى عريش مصر وكان البرسقي يكفهم وقد قتل وولده صغير ولا بد للبلد ممن يضطلع بأمرها ويدفع عنها وقد خرجنا عن النصيحة إليكم فبلغ الوزير مقالتهما الى السلطان فأحضرهما واستشارهما فذكر جماعة منهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه مقربا الى خزانة السلطان مالا جزيلا فولاه السلطان لما يعلم من كفايته وولى مكانه شحنة العراق مجاهد الدين بهروز صاحب تكريت وسار عماد الدين زنكي فبدأ بالبوازيج وملكها ثم سار الى الموصل وتلقاه جاولي مطيعا وعاد الى الموصل في خدمته فدخلها في رمضان وأقطع جاولي الرحبة وبعثه اليها وولى نصير الدين جعفرا قلعة الموصل وسائر القلاع وجعل صلاح الدين محمد الباغسياني أمير صاحب وولى بهاء الدين الشهرزوري قضاء بلاده جميعا وزاده أملاكا وأقطاعا وشركه في رأيه ثم سار الى جزيرة ابن عمر وقد امتنع بها مماليك البرسقي فجد في قتالهم وكانت دجلة تحول بينه وبين البلد فعبر بعسكره الماء سبحا واستولى على المسافة التي بين دجلة والبلد وهزم من كان فيها من الحامية حتى أحجزهم بالبلد وضيق حصارهم فاستأمنوا وأمنهم ثم سار الى نصيبين وهي لحسام الدين تمرتاش ابن أبي الغازي صاحب ماردين فحاصرها واستنجد حسام الدين ابن عمه ٥/٦٥

ركن الدولة داود بن سكمان بن ارتق صاحب كيفا فأنجده بنفسه وأخذ في جمع العساكر وبعث تمرتاش ماردين الى نصيبين يعرف العساكر بالخبر وأن العساكر واصلة اليهم عن خمسة أيام وكتبه في رقعة وعلقها في جناح طائر فاعترضه عسكر زنجي وصادوه وقرأ زنكي الرقعة وعوض الخمسة أيام بعشرين يوما وأطلق الطائر بها الى البلد فقرءوا الكتاب وسقط في أيديهم واستطالوا العشرين واستأمنوا لعماد الدين زنكي فأمنهم وملك نصيبين وسار عنها الى سنجار فملكها صلحا وبعث العساكر الى الخابور فملكها ثم سار الى حران وخرج اليه أهل البلد بطاعتهم وكانت الرها وسروج والميرة ونواحيها للافرنج وعليها جوسكين صاحب الرها فكاتب زنكي وهادنه ليتفرغ للجهاد بعد ثم عبر الفرات الى حلب في المحرم سنة اثنتين وعشرين وقد كان عز الدين مسعود بن آقسنقر البرسقي لما سار عنها الى الموصل بعد قتل أبيه استخلف عليها قرمان من أمرائه ثم عزله بآخر اسمه قطلغ ابه وكتب له الى قرمان فمنعه الا أن يرى العلامة التي بينه وبين عز الدين ابن البرسقي فعاد قطلغ الى مسعود ليجيء بالعلامة فوجده قد مات بالرحبة فعاد الى حلب وأطاعه رئيسها فضائل بن بديع والمقدمون بها واستنزلوا قرمان من القلعة على ألف دينار وأعطوه إياها وملك قطلغ القلعة منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وظهر ظلمه وجوره وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار ابن ارتق وكان ملكها قبل وخلع عنها فدعاه الناس الى البيعة وثاروا بقطلغ فامتنع بالقلعة فحاصروه وجاء مهيار صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لإصلاح أمرهم فلم يتفق وطمع الافرنج في ملكها وتقدم جوسكين بعسكره اليها فدافعوه بالمال ثم وصل صاحب انطاكية فحاصرهم الى آخر السنة وهم محاصرون القلعة فلما ملك عماد الدين زنكي الموصل والجزيرة والشام فأطاعوا وسار عبد الجبار وقطلغ الى عماد الدين بالموصل وأقام أحد الأميرين بحلب حتى بعث عماد الدين زنكي صاحبه صلاح الدين محمد الباغسياني في عسكر فملك القلعة ورتب الأمور وولى عليها وجاء عماد الدين بعساكره في أثره وملك في طريقه منبج ومراغة ثم دخل حلب وأقطع أعمالها الأجناد والأمراء وقبض على قطلغ ابه وسلمه لابن بديع فكحله فمات واستوحش ابن بديع فهرب الى قلعة جعفر وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب أبا الحسن علي بن عبد الرزاق.

قدوم السلطان سنجر الى الري ثم قدوم السلطان محمود الى بغداد

الموصل طغرل ودبيس الى السلطان سنجر بخراسان حرضه دبيس على العراق والسلطان ٥/٦٦

محمود قد اتفقا على الامتناع منه فسار سنجر وأخبر السلطان محمود باستدعائه فوافاه لا قرب وقت وأمر العساكر بتلقيه وأجلسه معه على التخت وأقام السلطان محمود عند الى آخر اثنتين وعشرين ثم رجع سنجر الى خراسان بعد أن أوصى محمود بدبيس وأعاده الى بلده ورجع محمود الى همذان ثم سار الى العراق وخرج الوزير للقائه ودخل بغداد في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين ثم لحقه دبيس بمائة ألف دينار في ولاية الموصل وسمع بذلك زنكي وجاء الى السلطان وحمل المائة ألف مع هدايا جليلة فخلع عليه وأعاده وسار منتصف السنة عن بغداد الى همذان بعد أن ولى الحلة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد.

(وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود) ثم توفي السلطان محمود بهمذان في شوال سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه بعد أن كان قبض على جماعة من أمرائه وأعيان دولته منهم عزيز الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي وأبو شنكين المعروف بشيركين بن حاجب وابنه عمر فخافهم الوزير أبو القاسم الشابادي؟ فانرى بهم السلطان فنكبهم وقتلهم ولما توفي اجتمع الوزير أبو القاسم والاتابك آقسنقر الأحمد يلي وبايعوا لابنه داود وخطبوا له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت وهرب الوزير الى الري مستجيرا بالسلطان فأمر بها.

منازعة السلطان مسعود لداود ابن أخيه واستيلاؤه على السلطان بهمذان

لما هلك السلطان محمود سار أخوه مسعود من جرجان الى تبريز فملكها فسار داود من همذان في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وحاصره بتبريز في محرم سنة ست وعشرين ثم اصطلحوا وتأخر داود عن الأمر لعمه مسعود فسار مسعود من تبريز الى همذان وكاتب عماد الدين زنكي صاحب الموصل يستنجده فوعده بالنصر وأرسل الى المسترشد في طلب الخطبة ببغداد وكان ٥/٦٧

داود قد أرسل في ذلك قبله ورد المسترشد الأمر في الخطبة الى السلطان سنجر ودس اليه أن لا يأذن لواحد منهما وان تكون الخطبة له فقط وحسن موقع ذلك عنده وسار السلطان مسعود الى بغداد وسبقه إليها أخوه سلجوق شاه مع أتابك قراجا الساقي صاحب فارس وخوزستان ونزل في دار السلطان واستخلفه الخليفة لنفسه ولما سار السلطان مسعود أوعز الى عماد الدين زنكي أن يسير الى بغداد فسار من الموصل اليها وانتهى السلطان مسعود الى عباسة الخالص وبرزت اليه عساكر المسترشد وسلجوق شاه وسار قراجا الساقي الى مدافعة زنكي فدافعه على المعشوق فهزمه وأسر كثيرا من أصحابه ومر منهزما الى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو الاملاك الايوبية فهيأ له المعابر وعبر دجلة الى بلاده وسار السلطان مسعود من العباسة وقاتلت طلائعه طلائع أخيه سلجوق وبعث سلجوق يستحث قراجا بعد انهزام زنكي فعاد سريعا وتأخر السلطان مسعود بعد هزيمة زنكي وأرسل الى المسترشد بأن عمه سنجر وصل الى الري عازما على بغداد ويشير بمدافعته عن العراق وتكون العراق لوكيل الخليفة ثم تراسل القوم واتفقوا على ذلك وتحالفوا عليه وان يكون مسعود السلطان ولى العهد ودخلوا الى بغداد فنزل مسعود ديار السلطان وسلجوق دار الشحنة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق.

هزيمة السلطان مسعود وملك طغرل أخيه

لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر من خراسان الى بلاد الجبل ومعه طغرل ابن أخيه محمد وانتهى الى الري ثم سار الى همذان فسار مسعود لقتاله ومعه قراجا الساقي وسلجوق شاه وقد كان الخليفة عزم أن لا يتجهز معهم فأبطأ فبعثوا اليه قراجا فسار الى خانقين وأقام وقطعت خطبة سنجر من العراق وخالفهم الى بغداد دبيس وزنكي وقد سمي اقطاعه لسنجر الحلة وزنكي ولاه شحنة بغداد فرجع المسترشد الى بغداد لموافقتهما وسار السلطان وأخوه سلجوق شاه للقاء سنجر ثم سمعا بكثرة عساكره فتأخرا فسار في طلبهم يوما وليلة ثم تراجعوا عند الدينور وكان مسعود يماطل باللقاء انتظارا للمسترشد فلم يجد بدا من اللقاء فالتقوا على النقيبة وحمل قراجا عليهم وتورط في المعركة وأصيب بجراحات ثم ٥/٦٨

التفوا عليه وأسروه وانهزم من أصحاب مسعود قزل وقد كان واطأهم على الهزيمة فانهزم السلطان مسعود عند ذلك منتصف ستة وعشرين وقتل كثير من أكابر الأمراء ونزل سنجر في خيامهم وأحضر قراجا فقتله وجيء اليه بالسلطان مسعود فأكرمه وأعاده الى كنجة وخطب للملك طغرل ابن أخيه في السلطنة وخطب له في جميع البلاد واستوزر له أبا القاسم الساباذي وزير السلطان محمود وعاد الى نيسابور آخر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة.

هزيمة السلطان داود واستيلاء طغرل بن محمد على الملك

لما ولى طغرل همذان وولى عنه السلطان سنجر الى خراسان وبلغه أن صاحب ما وراء النهر المرخان قد انتقض عليه فسار لإصلاحه وشغل بذلك فقام الملك داود بأذربيجان وبلاد كنجة وطلب الأمر لنفسه وجمع العساكر وسار الى همذان ومعه برتقش الزكوي وأتابك آقسنقر الأحمد يلي ومعه طغرل بن برسق ونزل وقد استقر ثم اضطرب عسكر داود وأحسوا من برتقش الزكوي بالفشل فنهب التركمان خيامه وهرب آقسنقر أتابك وانهزم في رمضان سنة ست وعشرين ثم قدم بغداد في ذي القعدة ومعه أتابك آقسنقر فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان.

عود السلطان مسعود الى الملك وهزيمة طغرل

قد تقدم لنا هزيمة السلطان مسعود من عمه سنجر وعوده الى كنجة وولاية طغرل السلطان ثم محاربة داود ابن أخيه له وانهزام داود ثم رجوع داود الى بغداد فلما بلغ الخبر الى مسعود جاء الى بغداد ولقيه داود قريبا منها وترجل له عن فرسه ودخلا بغداد في صفر سنة سبع وعشرين ونزل مسعود بدار السلطان وخطب له ولداود بعده وطلبا من السلطان عسكرا ليسير معهما الى أذربيجان فبعث معهما العساكر الى أذربيجان ولقيهم آقسنقر الاحمديلي في مراغة بالإقامة والأموال وملك مسعود بلاد أذربيجان وهرب بين يديه من كان بها من الأمراء وامتنعوا بمدينة أذربيجان فحاصرهم بها وملكها عليهم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون ثم سار الى همذان لمحاربة أخيه طغرل فهزمه وملك همذان في شعبان من السنة ولحق طغرل بالري وعاد الى أصبهان ثم قتل آقسنقر الاحمديلي بهمذان غيلة ويقال ان السلطان مسعودا دس عليه من قتله ثم سار الى حصار طغرل بأصبهان ففارقها طغرل الى فارس وملكها مسعود وسار في اثر طغرل الى البيضاء فاستأمن اليه بعض أمراء طغرل فأمنه وخشي طغرل أن يستأمنوا اليه فقصد الري ٥/٦٩

وقتل في طريقه وزيره أبا القاسم الساباذي في شوال من السنة ومثل به غلمان الأمير شيركين الذي سعى في قتله كما مر ثم سار الأمير مسعود يتبعه الى أن تراجعا ودارت بينهما حرب شديدة وانهزم طغرل وأسر من أمرائه الحاجب تنكي وأتى بقرا وأطلقهما السلطان مسعود وعاد الى همذان والله تعالى أعلم.

عود الملك طغرل الى الجبل وهزيمة السلطان مسعود

ولما عاد مسعود من حرب أخيه طغرل بلغه انتقاض داود ابن أخيه محمود بأذربيجان فسار اليه وحاصره بقلعة فحصر جمع طغرل العساكر وتغلب على بلاده وسار اليه واستعمل بعض قواده فسار مسعود للقائه ولقيه عند قزوين وفارق مسعود الأمراء الذين استمالهم طغرل ولحقوا به فانهزم مسعود في رمضان سنة ثمان وعشرين وبعث الى المسترشد يستأذنه في دخول بغداد فأذن له وكان أخوه سلجوق بأصبهان مع نائبة فيها البقش السلاحي فلما سمع بانهزامه سبقه الى بغداد وأنزله المسترشد بدار السلطان وأحسن اليه بالأموال ووصل مسعود وأكثر أصحابه رجلا فوسع عليه الخليفة بالإنفاق والمراكب والظهر واللباس والآلة ودخل دار السلطان منتصف شوال وأقام طغرل بهمذان.

وفاة طغرل واستيلاء مسعود على الملك

ولما وصل مسعود الى بغداد حمل اليه المسترشد ما يحتاج اليه وأمره بالمسير الى همذان لمدافعة طغرل ووعده بالمسير معه بنفسه فتباطأ مسعود عن المسير واتصل جماعة من أمرائه بخدمة الخليفة ثم اطلع على مداخلة بعضهم لطغرل فقبض عليه ونهب ماله وارتاب الآخرون فهربوا عن السلطان مسعود وبعث المسترشد في إعادتهم اليه فدافعه ووقعت لذلك بينهما وحشة فقعد المسترشد عن نصره بنفسه وبينما هم في ذلك وصل الخبر بوفاة أخيه طغرل في المحرم سنة تسع وعشرين فسار مسعود الى همذان واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد حمله من بغداد وأقبلت اليه العساكر فاستولى على همذان وبلاد الجبل انتهى.

فتنة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وخلافة ابنه الراشد

قد تقدم لنا ان الوحشة وقعت عند ما كان ببغداد بسبب أمرائه الذين اتصلوا بخدمة ٥/٧٠

المسترشد ثم هربوا عنه الى السلطان مسعود فلما سار السلطان مسعود الى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها استوحش منه جماعة من أعيان أمرائه منهم برتقش وقزل وقراسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغرلبك ودبيس بن صدقة وساروا الى خوزستان ووافقهم صاحبها برسق بن برسق واستأمنوا الى الخليفة فارتاب من دبيس وبعث الى الآخرين بالأمان مع سديد الدولة بن الانباري وارتاب دبيس منهم أن يقبضوا عليه فرجع الى السلطان مسعود وسار الآخرون الى بغداد فاستحثوا المسترشد للمسير الى قتال مسعود فأجابهم وبالغ في تكرمتهم وبرز آخر رجب من سنة تسع وعشرين وهرب صاحب البصرة اليها وبعث اليه بالأمان فأبى فتكاسل عن المسير فاستحثوه وسهلوا له الأمر فسار في شعبان ولحق به برسق بن برسق وبلغ عدة عسكره سبعة آلاف وتخلف بالعراق مع خادمه إقبال ثلاثة آلاف وكاتبه أصحاب الاطراف بالطاعة وأبطأ في مسيره فاستعجلهم مسعود وزحفوا اليه فكان عسكره خمسة عشر ألفا وتسلل عن المسترشد جماعة من عسكره وأرسل اليه داود ابن محمود من أذربيجان يشير بقصد الدينور والمقام بها حتى يصل في عسكره فأبى واستمر في مسيره وبعث زنكي من الموصل عسكرا فلم يصل حتى تواقعوا وسار السلطان محمود الى مجدا فوافاهم عاشر رمضان ومالت ميسرة المسترشد اليه وانهزمت ميمنته وهو ثابت لم يتحرك حتى أخذ أسيرا ومعه الوزير والقاضي وصاحب المحرر وابن الانباري والخطباء والفقهاء والشهود فأنزل في خيمة ونهب مخيمه وحمل الجماعة أصحابه الى قلعة ترجمعان ورجع بقية الناس الى بغداد ورجع السلطان الى همذان وبعث الأمير بك ابه الى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عميد وقبضوا أملاك المسترشد وغلاتها وكانت بينهم وبين العامة فتنة قتل فيها خلق من العامة وسار السلطان في شوال الى مراغة وقد ترددت الرسل بينهما في الصلح على مال يؤديه المسترشد وأن لا يجمع العساكر ولا يخرج من داره لحرب ما عاش وأجابه السلطان وأذن له في الركوب وحمل الغاشية وفارق المسترشد بعض الموكلين به فهجم عليه جماعة من الباطنية فألحموه جراحا وقتلوه ومثلوا به جدعا وصلبا وتركوه سليبا في نفر من أصحابه قتلوهم معه وتبع الباطنية فقتلوا وكان ذلك منتصف ذي القعدة سنة ستة وعشرين لثمان عشرة سنة من خلافته وكان كاتبا بليغا شجاعا قرما ولما قتل بمراغة كتب السلطان مسعود الى بك ابه شحنة بغداد بأن يبايع لابنه فبويع ابنه الراشد أبو جعفر منصور بعهده اليه لثمانية أيام من مقتله وحضر بيعته جماعة من أولاد الخلفاء وأبو النجيب الواعظ وأما ٥/٧١

إقبال خادم المسترشد فلما بلغه خبر الواقعة وكان مقيما ببغداد كما قد مناه عبر الى الجانب الغربي ولحق بتكريت ونزل على مجاهد الدين بهروز.

فتنة الراشد مع السلطان مسعود

لما بويع الراشد بعث اليه السلطان مسعود برتقش الزكوي يطالبه بما استقر عليه الصلح مع أبيه المسترشد وهو أربعمائة ألف دينار فأنكر الراشد أن يكون له مال وانما مال الخلافة كان مع المسترشد فنهب ثم جمع الراشد العساكر وقدم عليهم كجراية وشرع في عمارة السور واتفق برتقش مع بك ايه على هجوم دار الخلافة وركبوا لذلك في العساكر فقاتلهم عساكر الراشد والعامة وأخرجوهم عن البلد الى طريق خراسان وسار بك ايه الى واسط وبرتقش الى سرخس ولما علم داود بن محمود فتنة عمه مسعود مع الراشد سار من أذربيجان الى بغداد في صفر سنة ثلاثين ونزل بدار السلطان ووصل بعده عماد الدين زنكي من الموصل وصدقة بن دبيس من الحلة ومعه عش بن أبي العسكر يدبر أمره ويديره وكان أبوه دبيس قد قتل بعد مقتل المسترشد بأذربيجان وملك هو الحلة ثم وصل جماعة من أمراء مسعود منهم برتقش بازدار صاحب فروق والبقش الكبير صاحب أصبهان وابن برسق وابن الاحمديلي وخرج للقائهم كجراية والطرنطاي وكان إقبال خادم المسترشد قد قدم من تكريت فقبض عليه الراشد وعلى ناصر الدولة أبي عبد الله الحسن بن جهير فاستوحش أهل الدولة وركب الوزير جلال الدين بن صدقة الى لقاء عماد الدين زنكي فأقام عنده مستجيرا حتى أصلح حاله مع الراشد واستجار به قاضي القضاة الزينبي ولم يزل معه الى الموصل وشفع في إقبال فأطلق وسار اليه ثم جد الراشد في عمارة السور وسار الملك داود لقتال مسعود استخلفه الراشد واستخلفه عماد الدين زنكي وقطعت خطبة مسعود من بغداد وولى داود شحنة بغداد برتقش بازدار ثم وصل الخبر بأن سلجوق شاه أخا الأمير مسعود ملك واسط وقبض على الأمير بك ايه فسار الأمير زنكي لدفاعه فصالحه ورجع وعبر الى طريق خراسان للحاق داود واحتشد العساكر ثم سار السلطان مسعود لقتالهم وفارق زنكي داود ليسير الى مراغة ويخالف السلطان مسعود الى همذان وبرز الراشد من بغداد أول رمضان وسار الى طريق خراسان وعاد بعد ثلاث وعزم على الحصار ببغداد واستدعى داود الأمراء ليكونوا معه عنده فجاءوا لذلك ووصلت رسل السلطان مسعود بطاعة الراشد والتعريض بالوعيد ٥/٧٢

للامراء المجتمعين عنده فلم يقبل طاعة من أجلهم والله سبحانه وتعالى أعلم.

حصار بغداد ومسير الراشد الى الموصل وخلعه وخلافة المقتفى

ثم ان السلطان مسعودا أجمع المسير الى بغداد وانتهى الى الملكية فسار زين الدين علي من أصحاب زنكي حتى شارف معسكره وقاتلهم ورجع ونزل السلطان على بغداد والعيارون فأفسدوا سائر المحال ببغداد وانطلقت أيديهم وأيدي العساكر في النهب ودام الحصار نيفا وخمسين يوما وتأخر السلطان مسعود الى النهروان عازما على العود الى أصبهان فوصله طرنطاي صاحب واسط في سفن كثيرة فركب الى غربي بغداد فاضطرب الأمراء وافترقوا وعادوا إلى أذربيجان وكان زنكي بالجانب الغربي فعبر اليه الراشد وسار معه الى الموصل ودخل السلطان مسعود بغداد منتصف ذي القعدة فسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وأوفقهم على يمين الراشد التي كتبها بخطه اني متى جمعت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر فأفتوا بخلعه واتفق أرباب الدولة ممن كان ببغداد ومن أسر مع المسترشد وبقي عند السلطان مسعود كلهم على ذمه وعدم أهليته على ما مر في أخباره بين أخبار الخلفاء وبويع محمد بن المستظهر ولقب المقتفي وقد قدمت هذه الاخبار بأوسع من ذلك ثم بعث السلطان العساكر مع قراسنقر لطلب داود فأدركته عند مراغة وقاتله فهزمه وملك آذربيجان ومضى داود الى خوزستان واجتمع عساكر من التركمان وغيرهم فحاصر تستر وكان عمه سلجوق بواسط فسار اليه بعد ان أمره أخوه مسعود بالعساكر ولقي داود على تستر فهزمه داود ثم عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلامة من أهل خراسان ثم بلغه ان الراشد قد فارق الموصل فأذن للعساكر التي عنده ببغداد في العود الى بلادهم وصرف فيهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة بعد ان أصهر اليه في ابنته وقدم عليه جماعة من الأمراء الذين كانوا مع داود منهم البقش اسلامي وبرسق بن برسق وصاحب تستر وسنقر الخمارتكين شحنة همذان فرضي عنهم وأمنهم وعاد الى همذان سنة احدى وثلاثين.

الفتنة بين السلطان مسعود وبين داود والراشد وهزيمة مسعود ومقتل الراشد

كان الأمير بوزابة صاحب خوزستان والأمير عبد الرحمن طغرلبك صاحب خلخال والملك ٥/٧٣

داود ابن السلطان محمود خائفين من السلطان فاجتمعوا عند الأمير منكبرس صاحب فارس وبلغهم مسير الراشد من الموصل الى مراغة فراسلوه في أن يجتمعوا عليه ويردوه الى خلافته فأجابهم وبلغ الخبر الى السلطان مسعود فسار اليهم في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأوقع بهم وأخذ منكبرس أسيرا فقتله وافترقت عساكره للنهب فانفرد بوزابة وطغرلبك وصدقا الحملة عليه فانهزم وقبض على جماعة من الأمراء مثل صدقة بن دبيس صاحب الحلة وكافله غبتر ابن أبي العساكر وابن أتابك قراسنقر صاحب آذربيجان وحبسهم بوزابة حتى تحقق قتل منكبرس ولحق السلطان مسعود بآذربيجان منهزما وسار داود الى همذان فملكها ووصل اليه الراشد هنالك وأشار بوزابة وكان كبير القوم بالمسير الى فارس فساروا معه واستولى عليها وملكها ولما علم سلجوق شاه وهو بواسط ان أخاه السلطان مسعود امضى الى آذربيجان سار هو الى بغداد ليملكها ودافعه البقش التخت ونظم الخادم أمير الحاج وثار العيارون بالبلدان وأفحشوا في النهب فلما رجع الشحنة استأصل شأفتهم وأخذ المستورين بجنايتهم فجلا الناس عن بغداد الى الموصل وغيرها ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود أخاه محمدا على الحلة ومعه مهلهل بن أبي العساكر أخو عش المقتول كما مر في أخباره ثم لما ملك بوزابة فارس رجع مع الراشد والملك داود ومعهما خوارزم شاه الى خوزستان وخربوا الجزيرة فسار اليهم مسعود ليمنعهم عن العراق فعاد الملك داود الى فارس وخوارزم شاه الى بلده وسار الراشد الى أصبهان فثار به نفر من الخراسانية كانوا في خدمته فقتلوه عند القائلة في خامس عشر رمضان من السنة ودفن بظاهر أصبهان ثم قبض السلطان آخر السنة على وزيره أبي البركات بن سلامة الدركزيني واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الخازن وكان نبيها حسن السيرة فرفع المظالم وأزال المكوس وأقام وظائف السلطان وجمع له الأموال وضرب على أيدي العمال وكشف خيانتهم فثقل عليهم وأوقعوا بينه وبين الأمراء فبالغوا في السعاية فيه عند السلطان وتولى كبرها قراسنقر صاحب آذربيجان فإنه بعث الى السلطان يتهدده بالخروج عن طاعته فأشار على السلطان خواصه بقتله خشية الفتنة فقتله على كره وبعث برأسه الى قراسنقر فرضي وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة لسبعة أشهر من وزارته واستوزر بعده أبا العز طاهر بن محمد اليزدجردي وزير قراسنقر ولقب عز الملك وضاقت الأمور على السلطان وأقطع البلاد للامراء ثم قتل السلطان البقش السلاحي الشبحنة بما ظهر منه من الظلم والعسف فقبض عليه وحبسه بتكريت عند مجاهد الدين بهروز ثم أمر بقتله فلما قرب ٥/٧٤

للقتل ألقى نفسه في دجلة فمات وبعث برأسه الى السلطان فقدم مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد فحسن أثره ثم عزله السلطان سنة ست وثلاثين وولى فيها قرلي أميرا آخرا من موالي السلطان محمود وكانت له يزدجر والبصرة فأضيف له اليهما والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه.

فتنة السلطان سنجر مع خوارزم شاه

وهو أول بداية بني خوارزم قد تقدم لنا ذكر أولية محمد خوارزم شاه وهو محمد بن أبي شنتكين وان خوارزم شاه لقب له وان الأمير داود حبشي لما ولاه بركيارق خراسان وقتله أكنجي ولى محمد بن أبي شنتكين وولى بعده ابنه أتسز فظهرت كفاءته وقر به السلطان سنجر واستخلصه واستظهر به في حروبه فزاده ذلك تقدما ورفعة واستفحل ملكه في خوارزم ونمي للسلطان سنجر انه يريد الاستبداد فسار اليه سنة ثلاث وثلاثين وبرز أتسز ولقيه في التعبية فلم يثبت وانهزم وقتل من عسكره خلق وقتل له ابن فحزن عليه حزنا شديدا وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمد ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا وعاد الى مرو منتصف السنة فخالفه أتسز الى خوارزم وهرب سليمان شاه ومن معه الى سنجر واستولى أتسز على خوارزم وكان من أمره ما يذكر بعد ان شاء الله تعالى.

استيلاء قراسنقر صاحب آذربيجان على بلاد فارس

ثم جمع أتابك قراسنقر صاحب آذربيجان وبرز طالبا ثأر أبيه الذي قتله بوزابة في المصاف كما مر وأرسل السلطان مسعود في قتل وزيره الكمال فقتله كما مر فانصرف عنه الى بلاد فارس وتحصن عنه بوزابة في القلعة البيضاء ووطئ قراسنقر البلاد وملكها ولم يمكنه مقام فسلمها لسلجوق شاه ابن السلطان محمود وهو أخو السلطان مسعود وعاد الى آذربيجان فنزل بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوق شاه وأسره وحبسه ببعض قلاعه واستولى على البلاد ثم هلك قراسنقر صاحب آذربيجان واران بمدينة أردبيل وكان من مماليك طغرل وولى مكانه جاولي الطغرلي والله سبحانه ولى التوفيق.

مسير جهان دانكي الى فارس

ثم أمر السلطان سنة خمس وثلاثين الأمير إسماعيل جهان دانكي فسار اليها ومنعها مجاهد الدين بهروز من الوصول واستعد لذلك بخسف المعابر وتغريقها فقصد الحلة فمنعها أيضا فقصد واسط فقاتله طرنطاي وانهزم ودخل واسط ونهبها ونهب النعمانية وما اليها واتبعهم طرنطاي الى البطيحة ثم فارقه عسكره الى طرنطاي فلحق بتستر وكتب إسماعيل الى السلطان فعفا عنه ٥/٧٥

هزيمة السلطان سنجر امام الخطا واستيلاؤهم على ما وراء النهر

وتلخيص هذا الخبر من كتاب ابن الأثير أن أتسز بن محمد ملك خوارزم واستقر بها فبعث الى الخطا وهم أعظم الترك فيما وراء النهر وأغراهم بمملكة السلطان سنجر واستحثهم لها فساروا في ثلاثمائة ألف فارس وسار سنجر في جميع عساكره وعبر اليهم النهر ولقيهم سنة ست وثلاثين واقتتلوا أشد قتال ثم انهزم سنجر وعساكره وقتل منهم مائة ألف فيهم أربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر ولحق سنجر بترمذ وسار منها الى بلخ وقصد أتسز مدينة مرو فدخلها مراغما للسلطان وفتك فيها وقبض على جماعة من الفقهاء والأعيان وبعث السلطان سنجر الى السلطان مسعود يأذن له في النصر وفي الري ليدعوه ان احتاج اليه فجاء عباس صاحب الري بذلك الى بغداد وسار السلطان مسعود الى الري امتثالا لأمر عمه سنجر قال ابن الأثير وقيل ان بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاد سامسون وجبى وطراز وغيرها مما وراء النهر كانت بيد الخانية وهم مسلمون من نسل مراسيان ملك الترك المعروف خبره مع ملوك الكينية وأسلم جدهم الأول سبق قراخان لأنه رأى في منامه ان رجلا نزل من السماء وقال له بالتركية ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة وأسلم في منامه ثم أسلم في يقظته ولما مات ملك مكانه موسى بن سبق ولم يزل الملك في عقبه الى ارسلان خان بن سليمان بن داود ابن بقرخان بن إبراهيم طغاج خان بن ايلك نصر بن ارسلان بن علي بن موسى بن سبق فخرج عليه قردخان وانتزع الملك منه ثم نصر سنجر وقتل قردخان وخرج بعد ذلك خوارزم ونصره السلطان سنجر منهم وأعاده الى ملكه وكان في جنده نوع من الأتراك يقال لهم القارغلية والأتراك الغزية الذين نهبوا خراسان على ما نذكره بعد وهم صنفان صنف يقال لهم حق وأميرهم طوطي بزداديك وصنف يقال لهم برق وأميرهم برغوث بن عبد الحميد.

وكان لأرسلان نصر خان شريف يصحبه من أهل سمرقند وهو الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي فحمل ابن ارسلان نصر خان وطلبوا انتزاع الملك منه فاستصرخ السلطان سنجر فعبر اليه في عساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وانتهى الى سمرقند فهرب القارغلية أمامه وعاد الى سمرقند فقبض على ارسلان خان وحبسه ببلخ فمات بها وولى على ٥/٧٦

سمرقند مكانه قلج طمقاج أبا المعالي الحسن بن علي بن عبد المؤمن ويعرف بحسن تكر من أعيان بيت الخانية الا أن ارسلان خان اطرحه فولاه سنجر ولم تطل أيامه فولى بعده محمود بن ارسلان خان وأبوه هو الذي ملك سمرقند من يده وهو ابن أخت سنجر وكان في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قد خرج كوهرخان من الصين الى حدود كاشغر في جموع عظيمة وكوهر الأعظم بلسانهم وخان السلطان. فمعناه أعظم ملك ولقيه صاحب كاشغر أحمد بن الحسن الخان فهزمه وقد كان خرج قبله من الصين أتراك الخطا وكانوا في خدمة الخانية أصحاب تركسان وكان ارسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم على الدروب بينه وبين الصين مسالح ولهم على ذلك جرايات واقطاعات وسخط عليهم بعض السنين وعاقبهم بما عظم عليهم فطلبوا فسيحا من البلاد يأمنون فيه من ارسلان خان لكثرة ما كان يغزوهم ووصفت لهم بلاد سامسون فساروا اليها ولما خرج كونان من الصين ساروا اليه واجتمعوا عليه ثم ساروا جميعا الى بلاد ما وراء النهر ولقيهم الخان محمود بن ارسلان خان محمد في حدود بلاده في رمضان سنة احدى وثلاثين فهزموه وعاد الى سمرقند وعظم الخطب على أهلها وأهل بخارى واستمد محمود السلطان سنجر وذكر ما لقي السلطان من العنت واجتمع عنده ملوك خراسان وملك سجستان من بني خلف وملك غزنة من الغوريين وملك مازندران وعبر النهر للقاء الترك في أكثر من مائة ألف وذلك لآخر خمس وثلاثين وخمسمائة وشكا اليه محمود خان من القارغلية فقصدهم واستجاروا بكوهرخان ملك الصين فكتب الى سنجر بالشفاعة فيهم فلم يشفعه وكتب اليه يدعوه للإسلام ويتهدده بكثرة العساكر فأهان الرسول وزحف للقاء سنجر والتقى الجمعان بموضع يسمى قطران خامس صفر سنة ست وثلاثين وأبلى القارغلية من الترك وصاحب سجستان من المسلمين ثم انهزم المسلمون فقتل كثير منهم وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر فأطلقهم كوهرخان ومضى السلطان سنجر منهزما وملك الترك الكفار والخطا بلاد ما وراء النهر الى أن مات كوهرخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته ثم ماتت قريبا وملكت أمها من بعدها وهو زوجة كوهرخان وابنه محمد وصار ما وراء النهر بيد الخطا الى أن غلبهم عليه عماد الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة. ٥/٧٧

أخبار خوارزم شاه بخراسان وصلحه مع سنجر

ولما عاد السلطان منهزما سار خوارزم شاه الى سرخس في ربيع سنة ست وثلاثين فأطاعته ثم الى مرو الشاهجان فشفع فيهم الامام أحمد الباخرزي ونزل بظاهرها وبينما هو قد استدعى أبا الفضل الكرماني وأعيان أهلها للشورى ثار عامة البلد وقتلوا من كان عندهم من جنده وامتنعوا فطاولها ودخلها عنوة وقتل كثيرا من علمائها ثم رجع في شوال من السنة الى نيسابور وخرج اليه علماؤها وزهادها يسألون معافاتهم مما نزل بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أصحاب السلطان وقطع خطبة سنجر وبعث عسكرا الى أعمال صغد فقاتلوهم أياما ولم يطق سنجر مقاومته لمكان الخطا وجوارهم له ثم سار السلطان سنجر سنة ثمان وثلاثين لقتال خوارزم وحاصرها أياما وكاد يملكها واقتحمها بعض أمرائه يوما فدافعه أتسز بعد حروب شديدة ثم أرسل أتسز الى سنجر بالطاعة والعود الى ما كان عليه فقبله وعاد سنة ثمان وثلاثين.

صلح زنكي مع السلطان مسعود

ثم وصل السلطان مسعود سنة ثمان وثلاثين الى بغداد عادته فتجهز لقصد الموصل وكان يحمل لزنكي جميع ما وقع من الفتن فبعث اليه زنكي يستعطفه مع أبي عبد الله بن الأنباري وحمل معه عشرين ألف دينار وضمن مائة ألف على أن يرجع عنه فرجع وانعقد الصلح بينهما وكان مما رغب السلطان في صلحه أن ابنه غازي بن زنكي هرب من عند السلطان خوفا من أبيه فرده الى السلطان ولم يجتمع به فوقع ذلك من السلطان أحسن موقع والله تعالى أعلم.

انتقاض صاحب فارس وصاحب الري

كان بوزابة صاحب فارس وخوزستان كما قدمنا فاستوحش من السلطان مسعود فانتقض سنة أربعين وخمسمائة وبايع لمحمد ابن محمود وهو ابن أخي السلطان مسعود وسار الى مامشون واجتمع بالأمير عباس صاحب الري ووافقه على شأنه واتصل به سليمان شاه أخو السلطان مسعود وتغلبوا على كثير من بلاده فسار اليهم من بغداد في رمضان من السنة ومعه الأمير طغايرك حاجبه وكان له التحكم في الدولة والميل الى القوم واستخلفه على بغداد الأمير مهلهل ونصير أمير الحاج وجماعة من غلمان بهروز وسار فلما تقاربوا للحرب نزع السلطان شاه عنهم الى أخيه مسعود وسعى عبد الرحمن في الصلح ٥/٧٨

فانعقد بينهما على ما أحبه القوم وأضيف الى عبد الرحمن ولاية أذربيجان واران الى خلخال عوضا من جاولي الطغرلي واستوزر أبا الفتح بن دراست وزير بوزابة وقد كان السلطان سنة تسع وثلاثين قبض على وزيره اليزدجردي واستوزر مكانه المرزبان بن عبد الله بن نصر الأصبهاني وسلم اليه اليزدجردي واستصفى أمواله فلما كان هذه السنة وفعل بوزابة في صلح القوم ما فعل اعتضد بهم على مقامه عند السلطان وتحكم عليه وعزل وزيره واستوزر له أبا الفتح هذا.

مقتل طغايرك وعباس

قد قدمنا ان طغايرك وعبد الرحمن تحكما على السلطان واستبدا عليه ثم آل أمره الى أن منعا بك ارسلان المعروف بابن خاص بك بن البتكري من مباشرة السلطان وكان تربيته وخاصا به ونجي خلوته وتجهز طغايرك لبعض الوجوه فحمله في جملته فأسر السلطان الى بك ارسلان الفتك بطغابرك وداخل رجال العسكر في ذلك فأجاب منهم زنكي جاندار ان يباشر قتله بيده ووافق بك ارسلان جماعة من الأمراء واعترضوا له في موكبه فضربه الجاندار فصرعه عن فرسه وأجهز عليه ابن خاص بك ووقف الأمراء الذين واطئوه على ذلك دون الجاندار فمنعوه وكان ذلك بظاهر صهوة وبلغ الخبر الى السلطان مسعود ببغداد ومعه عباس صاحب الري في جيش كثيف فامتعض لذلك ونكره فداراه السلطان حتى سكن وداخل بعض الأمراء في قتله فأجابوه وتولى كبر ذلك البقش حروسوس للحف وأحضر السلطان عباسا وأدخله في داره وهذان الأميران عنده وقد أكمنوا له في بعض المخادع رجالا وعدلوا به الى مكانهم فقتلوه ونهبت خيامه وأصاخت البلاد لذلك ثم سكنت وكان عباس من موالي السلطان محمود وكان عادلا حسن السيرة وله مقامات حسان في جهاد الباطنية وقتل في ذي القعدة سنة احدى وأربعين ثم حبس السلطان أخاه سليمان شاه في قلعة تكريت وسار عن بغداد الى أصبهان والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق. ٥/٧٩

مقتل بوزابة صاحب فارس

قد تقدم لنا أن طغايرك كان مستظهرا على السلطان بعباس صاحب الري وبوزابة صاحب فارس وخوزستان فلما قتل طغايرك وامتعض له عباس قتل اثره وانتهى الخبر الى بوزابة فجمع العساكر وسار الى أصبهان سنة اثنتين وأربعين فحاصرها وبعث عسكرا آخر لحصار همذان وآخر الى قلعة الماهكي من بلاد اللحف وكان بلاد اللحف من قلاع البقش كوزحر فسار اليها ودفعهم عنها ثم سار بوزابة عن أصبهان لطلب السلطان مسعود فامتنع وتراجفا بمرج مزاتكن واشتد القتال بينهما وكبا الفرس ببوزابة وسيق إلى السلطان فقتل بين يديه وقيل أصابه سهم فسقط ميتا وانهزمت عساكره وكان هذا الحرب من أعظم الحروب بين السلجوقية.

انتقاض الأمراء على السلطان

ولما قتل طغايرك وعباس وبوزابة اختص بالسلطان ابن خاص بك لميله اليه واطرح بقية الأمراء فاستوحشوا وارتابوا بأنفسهم أن يقع بهم ما وقع بالآخرين ففارقوه وساروا نحو العراق أبو ركن المسعودي صاحب كنجة واران والبقش كوزحر صاحب الجبل والحاجب خريطاي المحمودي شحنة واسط وابن طغايرك والركن وقرقوب ومعهم ابن أخي السلطان وهو محمد بن محمود وانتهوا الى حران فاضطرب الناس ببغداد وغلت الأسعار وبعث اليهم المقتفي بالرجوع فلم يرجعوا ووصلوا الى بغداد في ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين ونزلوا بالجانب الشرقي وهرب أجناد مسعود شحنة بغداد الى تكريت ووصل اليهم علي بن دبيس صاحب الجبلة ونزل بالجانب الغربي وجمع الخليفة العساكر ثم قاتل العامة عساكر الأمراء فاستطردوا لهم ثم كروا عليهم فملئوا الأرض بالقتلى ثم جاست خيولهم خلال الديار فنهبوا وسبوا ثم جاءوا مقايل التاج يعتذرون ورددوا الرسل الى الخليفة سائر يومهم ثم ارتحلوا من الغد الى النهر وان فعاثوا فيها وعاد مسعود من بلاد تكريت الى بغداد ثم افترق الأمراء وفارقوا العراق ثم عاد البقش كوزحر والطرنطاي وابن دبيس سنة أربع وأربعين ومعهم ملك شاه بن محمود وهو ابن أخي السلطان وطلبوا من الخليفة الخطبة لملك شاه فأبى وجمع العساكر وشغل بما كان فيه من أمر عم السلطان سنجر وذلك أن السلطان سنجر بعث اليه يلومه في تقديم ابن خاص بك ويأمره بابعاده وتهدده فغالطه ولم يفعل فسار الى الري فبادر اليه مسعود وترضاه فرضي عنه ولما علم البقش كوزحر مراسلة ٥/٨٠

المقتفي لمسعود نهب النهروان وقبض على علي بن دبيس وسار السلطان بعد لقاء عمه الى بغداد فوصلها منتصف شوال سنة أربع وأربعين فهرب الطرنطاي الى النعمانية ورحل البقش الى النهروان بعد أن أطلق علي بن دبيس فجاء الى السلطان واعتذر فرضي عنه.

وفاة السلطان مسعود وولاية ملك شاه بن أخيه محمود ثم أخيه محمد من بعده

ثم توفى السلطان مسعود بهمذان في رجب منتصف سبع وأربعين لاثنتين وعشرين سنة من طلبه الملك وبه كمل استفحال ملك السلجوقية وركب الخمول دولتهم بعده وكان عهد الى ملك شاه بن أخيه محمود فلما توفى بايع له الأمير ابن خاص بك وأطاعه العسكر وانتهى خبر موته الى بغداد فهرب الشحنة بلاك الى تكريت وأمر المقتفى بالحوطة على داره ودور أصحاب السلطان مسعود ثم بعث السلطان ملك شاه عسكر الى الجبلة مع سلادكرد من أمرائه فملكها وسار اليه بلاك الشحنة فخادعه حتى استمكن منه فقبض عليه وغرقه واستبد بلاك الشحنة بالجبلة وجهز المقتفي العساكر مع الوزير عون الدين بن عبيرة الى الجبلة وبعث عساكرا الى الكوفة وواسط فملكهما ووصلت عساكر السلطان ملك شاه فملكوها وسار اليها الخليفة بنفسه فارتجعها منهم وسار منها الى الجبلة ثم الى بغداد آخر ذي القعدة من السنة ثم ان ابن خاص بك طمع في الانفراد بالأمر فاستدعى محمد بن محمود من خوزستان فأطمعه في الملك ليقبض عليه وعلى أخيه ملك شاه فقبض على ملك شاه أولا لستة أشهر من ولايته ووصل محمد في صفر من سنة ثمان وأربعين فأجلسه على التخت وخطب له بالسلطنة وحمل اليه الهدايا وقد سعى للسلطان محمد بما انطوى عليه ابن خاص بك فلما باكره صبيحة وصوله فتك به وقتله وقتل معه زنكي الجاندار قاتل طغايرك وأخذ من أموال ابن خاص بك كثيرا وكان صبيا كما بينا اتصل بالسلطان مسعود وتنصح له فقدمه على سائر العساكر والأمراء وكان أنوغري التركي المعروف بشملة في جملة ابن خاص بك ومن أصحابه ونهاه عن الدخول الى السلطان محمد فلما قتل ابن خاص بك نجا شملة الى خوزستان وكان له بها بعد ذلك ملك والله أعلم بغيبه وأحكم.

تغلب الغز على خراسان وهزيمة السلطان سنجر وأسره

كان هؤلاء الغز فيما وراء النهر وهم شعب من شعوب الترك ومنهم كان السلجوقية أصحاب ٥/٨١

هذه الدولة وبقوا هنالك بعد عبورهم وكانوا مسلمين فلما استولى الخطا على ملك الصين وعلى ما وراء النهر حجر هؤلاء الغز الى خراسان وأقاموا بنواحي بلخ وكان لهم من الأمراء محمود ودينار وبختيار وطوطي وارسلان ومعز وكان صاحب بلخ الأمير قماج فتقدم اليهم أن يبعدوا عن بلخ فصانعوه فتركهم وكانوا يعطون الزكاة ويؤمنون السابلة ثم عاد اليهم في الانتقال فامتنعوا وجمعوا فخرج اليهم في العساكر وبذلوا له مالا فلم يقبل وقاتلوه فهزموه وقتلوا العسكر والرعايا والفقهاء وسبوا العيال ونجا قماج الى مرو وبها السلطان سنجر فبعث اليهم يتهددهم ويأمرهم بمفارقة بلاده فلاطفوه وبذلوا له فلم يقبل وسار اليهم في مائة ألف فهزموه وأثخنوا في عسكره وقتل علاء الدين قماج وأسروا السلطان سنجر ومعه جماعة من الأمراء فقتلوا الأمراء واستبقوا السلطان سنجر وبايعوه ودخلوا معه الى مرو فطلب منه بختيار اقطاعها فقال هي كرسي خراسان فسخروا منه ثم دخل سنجر خانقاه فقسط على الناس وأطرهم وعسفهم وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وطالبهم بملئها ذهبا فقتله العامة ودخل الغز نيسابور ودمروها تدميرا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها وقتلوا القضاة والعلماء في كل بلد ولم يسلم من خراسان غير هراة وسبستان لحصانتهما وقال ابن الأثير عن بعض مؤرخي العجم ان هؤلاء الغز انتقلوا من نواحي التغرغر من أقاصي الترك الى ما وراء النهر أيام المقتفي وأسلموا واستظهر بهم المقنع الكندي على مخارقه وشعوذته حتى تم أمره فلما سارت اليه العساكر خذلوه وأسلموه وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخانية ثم طردهم الأتراك القارغلية عن اقطاعهم فاستدعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان وأنزلهم بلاده واستظهر بهم على قماج صاحب بلخ وسار بهم لمحاربته فخذلوه لأن قماج كان استمالهم فانهزم زنكي وأسر هو وابنه وقتلهما قماج وأقطع الغز في بلاده فلما سار الحسين بن الحسين الغوري الى بلخ برز اليه قماج ومعه هؤلاء الغز فخذلوه ونزعوا عنه الى الغوري حتى ملك بلخ فسار السلطان سنجر الى بلخ وهزم الغوري واستردها وبقي الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج حقد عليهم فأمرهم بالانتقال عن بلاده فتألفوا وتجمعوا في طوائف من الترك وقدموا عليهم أرسلان بوقاء التركي ولقيهم قماج فهزموه وأسروه وابنه أبا بكر وقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وجمع السلطان سنجر وفي مقدمته محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد ابنه في محرم سنة ثمان وأربعين وجاء السلطان سنجر على أثرهم وبعثوا اليه بالطاعة والأموال فلم يقبل منهم وقاتلهم فهزموه الى بلخ ثم عاود قتالهم فهزموه الى مرو واتبعوه فهرب هو وعسكره من مرو رعبا منهم ودخلوا البلد وأفحشوا فيه قتلا ونهبا وقتلوا القضاة والأئمة والعلماء ٥/٨٢

ولما خرج سنجر من مرو وأسروه وأجلسوه على التخت على عادته وآتوه طاعتهم ثم عاودوا الغارة على مرو فمنعهم أهلها وقاتلوهم ثم عجزوا واستسلموا فاستباحوها أعظم من الاولى ولما أسر سنجر فارقه جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك ووصلوا الى نيسابور واستدعوا سليمان شاه بن السلطان محمود وخطبوا له بالسلطان في منتصف السنة واجتمعت عليه عساكر خراسان وساروا لطلب الغز فبارزوهم على مرو وانهزمت العساكر رعبا منهم وقصدوا نيسابور والغز في اتباعهم ومروا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد وخربوا حتى المساجد ثم ساروا الى نيسابور في شوال سنة تسع وأربعين ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملئوا البلاد من القتلى وتحصن طائفة بالجامع الأعظم من العلماء والصالحين فقتلوهم عن آخرهم وأحرقوا خزائن الكتب وفعلوا مثل ذلك في جوين وأسفراين فحاصروهما واقتحموهما مثل ما فعلوا في البلاد الأخرى وكانت أفعال الغز في هذه البلاد أعظم وأقبح من أفعال الغز في غيرها ثم ان السلطان سليمان شاه توفى وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك في شوال سنة ثمان وأربعين فاستوزر ابنه نظام الملك وانحل أمره وعجز عن القيام بالملك فعاد الى جرجان في صفر سنة تسع وأربعين فاجتمع الأمراء وخطبوا للخان محمود بن محمد بن بقراخان وهو ابن أخت سنجر واستدعوه فملكوه في شوال من السنة وساروا معه لقتال الغز وهم محاصرون هراة فكانت حروبه معهم سجالا وأكثر الظفر للغز ثم رحلوا عن هراة الى مرو منتصف خمسين وأعادوا مصادرة أهلها وسار الخان محمد الى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد كما يذكر فراسل الغز في الصلح فصالحوه في رجب.

استيلاء المؤيد على نيسابور وغيرها

هذا المؤيد من موالي سنجر واسمه وكان من أكابر أوليائه ومطاعا فيهم ولما كانت هذه الفتنة وافترق أمر الناس بخراسان تقدم فاستولى على نيسابور وطوس ونسا وان ورد وشهرستان والدامغان وحصنها ودافع الغز عنها ودانت له الرعية لحسن سيرته فعظم شأنه وكثرت جموعه واستبد بهذه الناحية وطالبه الخان محمود عند ما ملكوه بالحضور عنده وتسليم البلاد فامتنع وترددت الرسل بينهما على مال ٥/٨٣

يحمله للخان محمود فضمنه المؤيد وكف عنه محمود واستقر الحال على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء ايتاخ على الري

كان ايتاخ من موالي السلطان سنجر وكانت الري أيضا من أعمال سنجر فلما كانت فتنة الغز لحق بالري واستولى عليها وصانع السلطان محمد شاه ابن محمود صاحب همذان وأصبهان وغيرهما وبذل له الطاعة فأقره فلما مات السلطان محمد مد يده الى أعمال تجاوزته وملكها فعظم أمره وبلغت عساكره عشرة آلاف فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره وقد كان أنس به عند ولاية سليمان على خراسان سار اليه وقام بخدمته وبقي مستبدا بتلك البلاد والله سبحانه وتعالى أعلم.

الخبر عن سليمان شاه وحبسه بالموصل

كان سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر وجعله ولي عهده وخطب له على منابر خراسان فلما وقعت فتنة الغز وأسر سنجر قدمه أمراء خراسان على أنفسهم ثم عجز ومضى الى خوارزم شاه فزوجه ابنة أخيه ثم سعى به عنده فأخرجه من بلده وجاء الى أصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فمضى الى قاشان فبعث السلطان محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرا ليدفعه عنها فسار الى خوزستان فمنعه ملك شاه منها فقصد اللحف ونزل وأرسل المقتفي في أثره فطلبه في زوجته رهينة ببغداد فبعث بها مع جواريها وأتباعها فأكرمهم المقتفي وأذن له في القدوم وخرج الوزير ابن هبيرة وقاضي القضاة والفتيان لتلقيه وخلع عليه المقتفي وأقام ببغداد حتى إذا دخلت سنة احدى وخمسين أحضر بدار الخلافة وحضر قاضي القضاة والأعيان واستحلف على الطاعة والتجافي للخليفة عن العراق وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه وأمد بثلاثة آلاف من العسكر وجعل معه الأمير دوران أمير حاجب صاحب الجبلة وسار الى بلاد الجبل في ربيع الأول من السنة وسار المقتفي الى حلوان وبعث الى ملك شاه بن السلطان محمود يدعوه الى موافقة عمه سليمان شاه وان يكون ولي عهده فقدم في ألفي فارس وتحالفا وأمدهما المقتفي بالمال والاسلحة واجتمع معهم ايلدكز صاحب كنجة وأرانية وساروا لقتال السلطان محمد فلما بلغه خبرهم أرسل الى قطب الدين مودود بن زنكي ونائبة زين الدين على كوجك في المساعدة والارتفاق فاجاباه وسارا للقاء عمه سليمان شاه ومن معه واقتتلوا في جمادى الاولى فهزمهما السلطان محمد وافترقوا وتوجه سليمان شاه الى بغداد على شهرزور وكانت لصاحب الموصل وبها الأمير بوران من جهة على كوجك نائب ٥/٨٤

الموصل فاعترضه هنالك كوجك وبوران فاحتمله كوجك الى الموصل فحبسه بها وبعث الى السلطان محمد بالخبر وانه على الطاعة والمساعدة فقبل منه وشكر له.

فرار سنجر من أسر الغز

قد تقدم لنا ما كان من أسر السلطان سنجر بيد الغز وافتراق خراسان واجتماع الأمراء بنيسابور وما اليها على الخان محمود بن محمد وامتنعوا من الغز وامتنع أتسز بن محمد أنوشتكين بخوارزم وانقسمت خراسان بينهم وكانت الحرب بين الغز وبينهما سجالا ثم هرب سنجر من أسر الغز وجماعة من الأمراء كانوا معه في رمضان سنة احدى وخمسين ولحق بترمذ ثم عبر جيحون الى دار ملكه بمرو فكانت مدة أسره من جمادى سنة ثمان وأربعين ثلاث سنين وأربعة أشهر ولم يتفق فراره من الأسر الا بعد موت علي بك مقدم القارغلية لأنه كان أشد شيء عليه فلما توفي انقطعت القارغلية اليه وغيرهم ووجد فسحة في أمره والله سبحانه وتعالى أعلم.

حصار السلطان محمد بغداد

كان السلطان محمد بن محمود لأول ولايته الملك بعد عمه مسعود بعث الى المقتفي في الخطبة له ببغداد والعراق على عادتهم فمنعه لما رجا من ذهاب دولتهم استفحالهم واستبدادهم فسار السلطان من همذان في العساكر نحو العراق ووعده صاحب الموصل ونائبة بمدد العساكر فقدم آخر احدى وخمسين وبعث المقتفي في الحشد فجاء خطا وفرس في عسكر واسط وخالفهم مهلهل الى الجبلة فملكها واهتم المقتفي وابن هبيرة بالحصار وقطع الجسر وجمع السفن تحت التاج ونودي في الجانب الغربي بالعبور فعبروا في محرم سنة اثنتين وخمسين وخرب المقتفي ما وراء الخرسة صلاحا في استبداده وكذلك السلطان محمد من الجهة الأخرى ونصبت المنجنيقات والعرادات وفرق المقتفي السلاح على الجند والعامة وجاء زين الدين كجك في عسكر الموصل ولقي السلطان علي أوانا واتصلت الحرب واشتد الحصار وفقدت الأقوات وانقطعت المواد عن أهل بغداد وفتر كجك وعسكره في القتال أدبا مع المقتفي وقيل أوصاه بذلك نور الدين محمود بن زنكي أخو قطب الدين الأكبر ثم جاء الخبر بأن ملك شاه أخا السلطان محمد وايلدكز صاحب اران وربيبه ارسلان بن طغرل قصدوا همذان فسار عن بغداد مسرعا الى همذان آخر ربيع الأول وعاد زين الدين الى الموصل ولما وصل ملك شاه وايلدكز وربيبه ارسلان الى همذان أقاموا بها قليلا وسمعوا بمجيء السلطان فاجفلوا وساروا الى الري فقاتلهم الشحنة انبانج فهزموه ٥/٨٥

وحاصروه وأمده السلطان محمد بعسكر بن سقمس بن قماز فوجدهم قد أفرجوا عنه وقصدوا بغداد فقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره فسار السلطان محمد ليسابقهم الى بغداد فلما انتهى الى حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور ثم وافاه رسول انبانج بانه ملك همذان وخطب له فيها وان شملة صاحب خراسان هرب عن ايلدكز وملك شاه الى بلاده فعاد الى اران ورجع السلطان الى همذان قاصدا للتجهز الى بلاد ايلدكز باران.

وفاة سنجر

ثم توفي السلطان سنجر صاحب خراسان في ربيع سنة اثنتين وخمسين وقد كان ولى خراسان منذ أيام أخيه بركيارق وعهد له أخوه محمد فلما مات محمد خوطب بالسلطنة وكان الملوك كلهم بعدها في طاعته نحو أربعين سنة وخطب له قبلها بالملك عشرين سنة وأسره الغز ثلاث سنين ونصف ومات بعد خلاصه من الأسر وقطعت خطبته ببغداد والعراق ولما احتضر استخلف على خراسان ابن أخته محمد بن محمود بن بقراخان فأقام بجرجان وملك الغز مرو وخراسان وملك به المؤيد نيسابور وناحيته من خراسان وبقي الأمر على هذا الخلاف سنة اربع وخمسين وبعث الغز الى محمود الخان ليحضر عندهم فيملكوه فخافهم على نفسه وبعث ابنه اليهم فأطاعوه مدة ثم لحق هو بهم كما نذكر بعد.

منازعة ايتاق للمؤيد

كان ايتاق هذا من موالي السلطان سنجر فلما كانت الفتنة وافترق الشمل ومات السلطان سنجر وملك المؤيد نيسابور وحصل له التقدم بذلك على عساكر خراسان حسده جماعة من الأمراء وانحرف عنه ايتاق هذا فتارة يكون معه وتارة يكون في مازندان فلما كان سنة اثنتين وخمسين سار من مازندران في عشرة آلاف فارس من المنحرفين عن المؤيد وقصد نسا وأبيورد وأقام بها المؤيد ايتاق فسار اليه وكبسه وغنم معسكره ومضى ايتاق منهزما الى مازندران وكان بين ملكها رستم وبين أخيه علي منازعة فتقرب ايتاق الى رستم بقتال أخيه علي فوجد لذلك غلبة ودفعه عنه وسار يتردد في نواحي خراسان بالعيث والفساد وألح على ٥/٨٦

أسفراين فخربها وراسله السلطان محمود الخان والمؤيد في الطاعة والاستقامة فامتنع فساروا اليه في العساكر في صفر سنة ثلاث وخمسين فهرب الى طبرستان وبعث رستم شاه مازندان الى محمود والمؤيد بطاعته وبأموال جليلة وهدية فقبلوا منه وبعث ايتاق ابنه رهنا على الطاعة فرجعوا عنه واستقر بجرجان ودستان وأعمالها.

منازعة سنقر العزيزي للمؤيد ومقتله

كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر وكان في نفسه من المؤيد ما عند الباقين فلما شغل المؤيد بحرب ايتاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد الى هراة فملكها واشترط عليه أن يستظهر بملك الغورية الحسين فأبى وطمع في الاستبداد لما رأى من استبداد الأمراء على السلطان محمود بن محمد فحاصره المؤيد بهراة واستمال الأتراك الذين كانوا معه فأطاعوه وقتلوا سنقر العزيزي غيلة وملك السلطان محمد هراة ولحق الفل من عسكر سنقر بإيتاق وتسلطوا على طوس وقراها واستولى الخراب على البلاد والله تعالى أعلم.

فتنة الغز الثانية بخراسان وخراب نيسابور على يد المؤيد

كان الغز بعد فتنتهم الاولى أوطنوا بلخ ونزعوا عن النهب والقتل بخراسان واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان محمود بن محمد الخان وكان القائم بدولته المؤيد أبوابه فلما كان سنة ثلاث وخمسين في شعبان سار الغز الى مرو فزحف المؤيد اليهم وأوقع طائفة منهم وتبعهم الى مرو وعاد الى سرخس وخرج معه الخان محمود لحربهم فالتقوا خامس شوال وتواقعوا مرارا ثلاثا انهزم فيها الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والأئمة ثم أغاروا على سرخس وطوس واستباحوهما وخربوهما وعادوا الى مرو وأما الخان محمود بن محمد فسار الى جرجان ينتظر مآل أمرهم وبعثوا اليه الغز سنة أربع وخمسين يستدعونه ليملكوه فاعتذر لهم خشية على نفسه فطلبوا منه جلال الدين عمر فتوثق منهم بالحلف وبعثه اليهم فعظموه وملكوه في ربيع الآخر من سنة أربع ثم سار أبوه محمود الى خراسان وتخلف عنه المؤيد أبوابه وانتهى الى حدود نساوا بيورد فولى عليهم الأمير عمر بن حمزة النسوي فقام في حمايتهما المقام المحمود بظاهر نسا ثم سار الغز من نيسابور الى طوس لامتناع أهلها من طاعتهم فملكوها واستباحوها ٥/٨٧

وعادوا الى نيسابور فساروا مع جلال الدين عمر بن محمود الخان الى حصار سارورا وبها النقيب عماد الدين محمد بن يحي العلوي الحسيني فحاصروه وامتنعت عليهم فرجعوا الى نسا وأبيورد للقاء الخان محمود بجرجان كما قدمناه فخرج منها سائر الى خراسان واعترضه الغز ببعض القرى في طريقه فهرب منه وأسر بعضهم ثم هرب منه ولحق بنيسابور فلما جاء الخان محمود اليها مع الغز فارقها منتصف شعبان ودخلها الغز وأحسنوا السيرة وساروا الى سرخس ومرو فعاد المؤيد في عساكره الى نيسابور وامتنع أهلها عليه فحاصرها وافتتحها عنوة وخربها ورحل عنها الى سبق في شوال سنة أربع وخمسين.

استيلاء ملك شاه بن محمود على خوزستان

ولما رجع السلطان ملك شاه محمد بن محمود من حصار بغداد وامتنع الخليفة من الخطبة له أقام بهمذان عليلا وسار أخوه ملك شاه الى قم وقاشان فافحش في نهبها ومصادرة أهلها وراسله أخوه السلطان محمد في الكف عن ذلك فلم يفعل وسار الى أصبهان وبعث الى ابن الجمقري وأعيان البلد في طاعته فاعتذروا بطاعة أخيه فعاث في قراها ونواحيها فسار السلطان اليه من همذان وفي مقدمته كرجان الخادم فافترقت جموع ملك شاه ولحق ببغداد فلما انتهى الى قوس لقيه موبذان وسنقر الهمذاني فأشارا عليه بقصد خوزستان من بغداد فسار الى واسط ونزل بالجانب الشرقي وساء أثر عسكره في النواحي ففتحوا عليهم البثوق وغرق كثير منهم ورجع ملك شاه الى خوزستان فمنعه شملة من العبور فطلب الجوار في بلده الى أخيه السلطان فمنعه فنزل على الأكراد الذين هنالك فاجتمعوا عليه من الجبال والبسائط وحارب شملة ومع ملك شاه سنقر الهمذاني وموبذان وغيرهما من الأمراء فانهزم شملة وقتل عامة أصحابه واستولى ملك شاه على البلاد وسار الى فارس والله هو المؤيد بنصره.

وفاة السلطان محمد وولاية عمه سليمان شاه

ثم توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه آخر سنة أربع وخمسين وهو الذي حاصر بغداد يطلب الخطبة له من الخليفة ومنعه فتوفي آخر هذه السنة لسبع سنين ونصف من ولايته وكان له ولد صغير فسلمه الى سنقر الاحمديلي وقال هو وديعة عندك فأوصل به ٥/٨٨

الى بلادك فان العساكر لا تطيعه فوصل به الى مراغة واتفق معظم الجند على البيعة لعمه سليمان شاه وبعث أكابر الأمراء بهمذان الى أتابك زين الدين مودود أتابك ووزير مودود وزيره فأطلقه مودود وجهزه بما يحتاج اليه في سلطانه وسار معه زين الدين على كجك في عساكر الموصل فلما انتهى الى بلاد الجبل وأقبلت العساكر للقاء سليمان شاه ذكر معاملتهم مع السلطان ودالتهم عليه فخشي على نفسه وعاد الى الموصل ودخل سليمان شاه همذان وبايعوا له والله سبحانه تعالى أعلم.

وفاة المقتفي وخلافة المستنجد

ثم توفي المقتفي لأمر الله في ربيع الأول سنة خمس وخمسين لأربع وعشرين سنة من خلافته وقد كان استبد في خلافته وخرج من حجر السلجوقية عند افتراق أمرهم بعد السلطان مسعود كما ذكرناه في أخبار الخلفاء ولما توفي بويع بعده بالخلافة ابنه المستنجد فجرى على سنن أبيه في الاستبداد واستولى على بلاد الماهلي ونزل اللحف وولى عليها من قبله كما كانت لأبيه وقد تقدم ذكر ذلك في أخبارهما انتهى.

اتفاق المؤيد مع محمود الخان

قد كنا قدمنا أن الغز لما تغلبوا استدعوا محمود الخان ليملكوه فبعث اليهم بابنه عمر فملكوه ثم سار محمود من جرجان الى نسا وجاء الغز فساروا به الى نيسابور فهرب عنها المؤيد ودخلها محمود والغز ثم ساروا عنها فعاد اليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة وخربها في شوال سنة أربع وخمسين ورحل عنها الى سرخس فعاد اليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة ورحل عنها الى بيهق ثم رجع اليها سنة خمس وخمسين وعمر خرابها وبالغ في الإحسان اليها ثم سار لإصلاح أعمالها ومحو آثار المفسدين والثوار من نواحيها ففتح حصن إشقيل وقتل الثوار الزيدية وخربه وفتح حصن خسر وجور من أعمال بيهق وهو من بناء كنجر وملك الفرس أيام حربه مع جراسياق وملكه ورتب فيه الحامية وعاد الى نيسابور ثم قصد مدينة كندر من أعمال طرسا وفيها متغلب اسمه خرسده يفسد السابلة ويخرب الأعمال ويكثر الفتك وكان البلاء به عظيما في خراسان فحاصره ثم ملك عليه الحصن عنوة وقتله وأراح البلاد منه ثم قصد في رمضان من السنة مدينة بيهق وكانوا قد ٥/٨٩

عصوا عليه فراجعوا الطاعة وقبلهم واستفحل أمره فأرسل اليه الخان محمود بن محمد وهو مع الغز بالولاية على نيسابور وطوس وما اليها فاتصلت يده به واستحكم الصلح بينه وبين الغز وذهبت الفتن.

الحرب بين عسكر خوارزم شاه والأتراك البرزية

كان هؤلاء الأتراك البرزية من شعوب الترك بخراسان وأميرهم بقراخان بن داود فأغار عليهم جمع من عساكر خوارزم شاه وأوقعوا بهم وفتكوا فيهم ونجا بقراخان في الفل منهم الى السلطان محمود بخراسان ومن معه من الغز مستصرخا بهم وهو يظن أن أيتاق هو الذي هيج عليهم فسار الغز معه على طريق نسا وأبيورد وقصدوا ايتاق فلم يكن له بهم قوة فاستنصر شاه مازندان فسار لنصره واحتشد في أعماله من الأكراد والديلم والتركمان وقاتلوا الغز والبرزية بنواحي دهستان فهزمهم خمسا وكان ايتاق في ميمنة شاه مازندان وأفحش الغز في قتل عسكرهم ولحق شاه مازندان بسارية وايتاق شهروز خوارزم ثم ساروا الى دهستان فنهبوها وخربوها سنة ست وخمسين وخربوا جرجان كذلك وافترق أهلها في البلاد ثم سار ايتاق الى بقراتكن المتغلب على أعمال قزوين فانهزم من بين يديه ولحق بالمؤيد وصار في جملته واكتسح ايتاق سائر أعماله ونهب أمواله فقوى بها.

وفاة ملك شاه بن محمود

قد قدمنا ان ملك شاه بن محمود سار بعد أخيه السلطان محمد من خوزستان الى أصبهان ومعه شملة التركماني ودكلا صاحب فارس فأطاعه ابن الخجندي رئيس أصبهان وسائر أهلها وجمع له الأموال وأرسل ملك شاه الى أهل الدولة بأصبهان يدعوهم الى طاعته وكان هو أهم مع عمه سليمان فلم يجيبوه الى ذلك وبعثوا عن سليمان من الموصل وملكوه وانفرد ملك شاه بأصبهان واستفحل أمره وبعث الى المستنجد في الخطبة له ببغداد مكان عمه سليمان شاه وان تعاد الأمور الى ما كانت ويتهددهم فوعد الوزير عميد الدين بن هبيرة جارية جاعلها على سمه فسمته في الطعام وفطن المطبب بأنه مسموم وأخبر بذلك شملة ٥/٩٠

ودكلا فاحضروا الجارية وأقرت ومات ملك شاه وأخرج أهل أصبهان أصحابه وخطبوا لسليمان شاه وعاد شملة الى خراسان فارتجع ما كان ملك شاه تغلب عليه منها.

قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان

كان سليمان لما ملك أقبل على اللهو ومعاقرة الخمر حتى في نهار رمضان وكان يعاشر الصفاعين والمساخر وعكف على ذلك مع ما كان فيه من الخرق والتهور فقعد الأمراء عن غشيان بابه وشكوا الى شرف الدين كردبازه الخادم وكان مدبر مملكته وكان حسن التربية والدين فدخل عليه يوما يعذله على شأنه وهو مع ندمائه بظاهر همذان فأشار اليهم أن يعبثوا بكردبازه فخرج مغضبا واعتذر اليه عند ما صحا فأظهر له القبول وقعد عن غشيان مجلسه وكتب سليمان شاه الى انبانج صاحب الري يدعوه الى الحضور فوعده بذلك إذا أفاق من مرضه وزاد كردبازه استيحاشا فاستحلف الأمراء على خلع سليمان وبدأ بقتل جميع الصفاعين الذين كانوا ينادمونه وقال انما فعلته صونا لملكك ثم عمل دعوة في داره فحضر سليمان شاه والأمراء وقبض على سليمان شاه ووزيره أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الحاقدي وعلى خواصه وذلك في شوال سنة خمس وخمسين وقتل وزيره وخواصه وحبس سليمان شاه قليلا ثم قتله ثم أرسل الى ايلدكز صاحب أران وأذربيجان يستقدم ربيبه أرسلان بن طغرل ليبايع له بالسلطنة وبلغ الخبر الى انبانج صاحب الري فسار الى همذان ولقيه كردبازه وخطب له بالسلطنة بجميع تلك البلاد وكان ايلدكز قد تزوج بأم أرسلان وولدت له ابنه البهلوان محمد ومزدارسلان عثمان فكان ايلدكز أتابك وابنه البهلوان حاجبا وهو أخو أرسلان لأمه وايلدكز هذا من موالي السلطان مسعود ولما ملك أقطعه اران وبعض أذربيجان وحدثت الفتن والحروب فاعتصم هو باران ولم يحضر عند أحد من ملوكهم وجاء اليه ارسلان شاه من تلك الفتن فأقام عنده الى أن ملك ولما خطب له بهمذان بعث ايلدكز أتابك الى انبانج صاحب الري ولاطفه وصاهره في ابنته لابنه البهلوان وتحالفا على الاتفاق وبعث الى المستنجد بطلب الخطبة لارسلان في العراق واعادة الأمور الى عادتها أيام السلطان مسعود فطرد رسوله بعد الإهانة ثم أرسل ايلدكز الى آقسنقر الاحمديلي يدعوه الى طاعة السلطان ارسلان فامتنع وكان عنده ابن السلطان شاه بن محمود المدني أسلمه اليه عند موته فتهدده بالبيعة له وكان الوزير ابن هبيرة يكاتبه من بغداد ويقمعه في الخطبة لذلك الصبي قصدا للنصر من بينهم فجهز ايلدكز العساكر مع البهلوان الى آقسنقر واستمد آقسنقر شاهر بن سقمان ٥/٩١

القطبي صاحب خلاط وواصله فمده بالعساكر وسار نحو البهلوان وقاتله فظفر به ورجع البهلوان الى همذان مهزوما والله تعالى أعلم.

الحرب بين ايلدكز وانبانج

لما مات ملك شاه بن محمود بأصبهان كما قلناه لحق طائفة من أصحابه ببلاد فارس ومعهم ابنه محمود فانتزعه منهم صاحب فارس زنكي بن دكلا السلقدي وأنزله في قلعة إصطخر فلما ملك ايلدكز السلطان ارسلان وطلب الخطبة ببغداد وأخذ الوزير ابن هبيرة في استفساد الاطراف عليهم وبعث لابن آقسنقر في الخطبة لابن السلطان محمد شاه الذي عنده وكاتب صاحب فارس أيضا يشير عليه بالبيعة للسلطان محمد بن السلطان ملك شاه الذي عنده ويعده بالخطبة له إن ظفر بايلدكز فبايع له ابن دكلا وخطب له بفارس وضرب النوب الخمس على بابه وجمع العساكر وبلغ الى ايلدكز فجمع وسار في أربعين ألفا الى أصبهان يريد فارس فأرسل الى زنكي في الخطبة لارسلان شاه فأبى فقال له ايلدكز أن المستنجد أقطعني بلادك وأنا سائر اليها وتقدمت طائفة الى نواحي أرجان فلقيتها سرية لارسلان بوقا صاحب أرجان فأوقعوا بطائفته وقتلوا منهم وبعثوا بالخبر الى انبانج فنزل من الري في عشرة آلاف وأمده آقسنقر الأحمد يلي بخمسة آلاف فقصد وهرب صاحب ابن البازدان وابن طغايرك وغيرهما من أولياء ايلدكز للقاء انبانج ورد عسكر المدافعة زنكي عن شهبرم وغيرها من البلاد فهزمهم زنكي بن دكلا ورجعوا اليه فاستدعى عساكره من أذربيجان وجاء هبيس بن مزدارسلان واستمد انبانج وقتل أصحابه ونهب سواده ودخل الري وتحصن في قلعة طبرك ثم ترددت الرسل بينه وبين ايلدكز في الصلح وأقطعه حربادفان وغيرها وعاد ايلدكز الى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم.

الفتنة بنيسابور وتخريبها

وفي ربيع سنة ست وخمسين قبض المؤيد على أحياء نيسابور وحبسهم وفيهم نقيب ٥/٩٢

العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وآخذهم على ما فعله آباؤهم بأهل البلد من أهل البلد من النهب والاعتداء على الناس في أموالهم وحرصهم فأخذ هؤلاء الأعيان ينهونهم كأنهم لم يضربوا على أيديهم وقتل جماعة من أهل الفساد فخرب البلد وامتدت الايدي الى المساجد والمدارس وخزائن الكتب وأحرق بعضها ونهب بعضها وانتقل المؤيد الى الشادباخ فأصلح سوره وسد ثلمة وسكنه وخرب نيسابور بالكلية وكان الذي اختط هذا الشادباخ عبد الله بن طاهر أيام ولايته على خراسان يتفرد بسكناه هو وحشمه عن البلد تجافيا عن مزاحمتهم ثم خربت وجددها البارسلان ثم خربت فجددها الآن المؤيد وخربت نيسابور بالكلية ثم زحف الغز والخان محمود معهم وهو ملك خراسان لذلك العهد فحاصروا المؤيد بالشادباخ شهرين ثم هرب الخان عنهم الى شهرستان كأنه يريد الحمام وأقام بها وبقي الغز إلى آخر شوال ثم رجعوا فنهبوا البلاد ونهبوا طوس ولما دخل الخان الى نيسابور أمهله المؤيد الى رمضان سنة سبع وخمسين ثم قبض عليه وسمله وأخذ ما كان معه من الذخائر وحبسه وحبس معه جلال محمد فماتا في محبسهما وخطب المؤيد لنفسه بعد المستنجد ثم زحف المؤيد الى شهرستان وقرب نيسابور فحاصرها حتى نزلوا على حكمه في شعبان سنة تسع وخمسين ونهبها عسكره ثم رفع الايدي عنها واستقامت في ملكه والله أعلم.

فتح المؤيد طوس وغيرها

ثم زحف المؤيد الى قلعة دسكرة من طوس وكان بها أبو بكر جاندار ممتنعا فحاصره بها شهرا وأعانه أهل طوس لسوء سيرته فيهم ثم جهده الحصار فاستأمن ونزل فحبسه وسار الى كرمان فأطاعوه وبعث عسكرا الى أسفراين فتحصن بها رئيسها عبد الرحمن بن محمد بالقلعة فحاصره واستنزله وحمله مقيدا الى الشادباخ فحبس ثم قتل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ثم ملك المؤيد قهندر ونيسابور واستفحل ملكه وعاد الى ما كان عليه وعمر الشادباخ وخرب المدينة العتيقة ثم بعث عسكرا الى بوشنج وهراة وهي في ولاية محمد بن لحسين ملك الغور فحاصرها وبعث الملك محمد عسكرا لمدافعته فأفرجوا عنها وصفت ولاية هراة للغورية. ٥/٩٣

الحرب بين المسلمين والكرج

كان الكرج قد ملكوا مدينة انى من بلاد أران في شعبان سنة ست وخمسين واستباحوها قتلا وأسرا وجمع لهم شاه ارمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط جموعا من الجند والمتطوعة وسار اليهم فقاتلوه وهزموه وأسر كثير من المسلمين ثم جمع الكرج في شعبان سنة سبع وخمسين ثلاثين ألف مقاتل وملكوا دوس من أذربيجان والجبل وأصبهان فسار اليهم ايلدكز وسار معه شاه ارمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط وآقسنقر صاحب مراغة في خمسين ألفا ودخلوا بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين فاستباحوها وأسروا الرجال وسبوا النساء والولدان وأسلم بعض أمراء الكرج ودخل مع المسلمين وكمن بهم في بعض الشعاب حتى زحف الكرج وقاتلوا المسلمين شهرا أو نحوه ثم خرج الكمين من ورائهم فانهزموا واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وعادوا ظافرين.

ملك المؤيد اعمال قومس والخطبة للسلطان ارسلان بخراسان

ثم سار المؤيد الى ابه صاحب نيسابور الى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان وولى بسطام مولاه تنكز فجرى بينه وبين شاه مازندان اختلاف أدى الى الحرب واقتتلوا في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ولما ملك المؤيد قومس بعث اليه السلطان ارسلان بن طغرل بالخلع والاولية لما كان بين المؤيد وايلدكز من المودة وأذن له في ولاية ما يفتحه من خراسان ويخطب له فيها فخطب له في أعمال قومس وطوس وسائر أعمال نيسابور ويخطب لنفسه بعد ارسلان وكانت الخطب في جرجان ودهستان لخوارزم شاه ارسلان بن اتسز وبعده للأمير ايتاق والخطبة في مرو وبلخ وسرخس وهي بيد الغز وهراة وهي بيد الأمير اتيكين وهو مسالم للغز للسلطان سنجر يقولون اللهم اغفر للسلطان السعيد سنجر وبعده لأمير تلك المدينة والله تعالى ولي التوفيق.

اجلاء القارغلية من وراء النهر

كان خان خاقان الصيني ولي على سمرقند وبخارى الخان جغرا بن حسين تكين وهو من بيت ٥/٩٤

قديم في الملك ثم بعث اليه سنة سبعة وخمسين باجلاء القارغلية من أعماله الى كاشغر ويشتغلون بالمعاش من الزراعة وغيرها فامتنعوا فألح عليهم فاجتمعوا وساروا الى بخارى فدس أهل بخارى الى جغراخان وهو بسمرقند ووعدوا القارغلية بالمصانعة وطاوعوهم الى أن صجهم جغر في عساكره فأوقع بهم وقطع دابرهم والله تعالى أعلم.

استيلاء سنقر على الطالقان وغرشستان

وفي سنة تسع وخمسين استولى الأمير صلاح الدين سنقر من موالي السلطان سنجر على بلاد الطالقان وأغار على غرشستان حتى ملكها وصارت في حكمه بحصونها وقلاعها وصالح أمراء الغز وحمل لهم الاتاوة.

قتل صاحب هراة

كان صاحب هراة الأمير اتيكين وبينه وبين الغز مهادنة فلما قتل الغز ملك الغور محمد بن الحسين كما مر في أخباره طمع اتيكين في بلاده فجمع جموعه وسار اليها في رمضان سنة تسع وخمسين وتوغل في بلاد الغور فقاتله أهلها وهزموه وقتل في المعركة وقصد الغز هراة وقد اجتمع أهلها على أثير الدين منهم فاتهموه بالميل للغز وقتلوه واجتمعوا على أبي الفتوح بن علي ابن فضل الله الطغرائي ثم بعثوا الى المؤيد بطاعتهم فبعث اليهم مملوكه سيف الدين تنكز فقام بأمرهم وبعث جيشا الى سرخس ومرو وأغاروا على دواب الغز فأفرجوا عن هراة ورجعوا لطاعته والله تعالى أعلم.

ملك شاه مازندران قومس وبسطام ووفاته

قد ذكرنا استيلاء المؤيد على قومس وبسطام وولاية مولاه تنكز عليها ثم أن شاه مازندران وهو رستم بن علي بن هربار بن قاروت جهز اليها عسكرا مع سابق الدين القزويني من أمرائه فملك دامغان وسار إليه تنكز ممن معه من العسكر فكبسهم القزويني وهزمهم واستولى على البلاد وعاد تنكز إلى المؤيد بنيسابور وجعل يغير على بسطام قومس ثم توفي شاه مازندان في ربيع سنة ستين فكتم ابنه علاء الدين موته حتى استولى على حصونه وبلاده ثم أظهره وملك مكانه ونازعه اتياق صاحب جرجان ودهستان ولم يرع ما كان بينه وبين أبيه فلم يظفر بشيء والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٩٥

حصر عسكر المؤيد نسا

ثم بعث المؤيد عساكره في جمادى سنة ستين لحصار مدينة نسا فبعث خوارزم شاه بك ارسلان بن اتسز في عساكره إليها فأجفلت عنها عساكر المؤيد ورجعوا إلى نيسابور وصارت نسا في طاعة خوارزم شاه وخطب له فيها ثم سار عسكر خوارزم إلى دهستان وغلبوه عليها وأقام فيها بطاعته والله أعلم.

الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة

ثم بعث آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة سنة ثلاث وستين إلى بغداد في الخطبة للملك الذي عنده وهو ابن السلطان محمد شاه على أن يتجافى عن العراق ولا يطلب الخطبة منه إلا إذا أسعف بها فأجيب بالوعد الجميل وبلغ الخبر إلى ايلدكز صاحب البلاد فبعث ابنه البهلوان في العساكر لحرب آقسنقر فحاربه وهزمه وتحصن بمراغة فنازله البهلوان وضيق عليه وتردد بينهما الرسل واصطلحوا وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان.

ملك شملة فارس وإخراجه عنها

كان زنكي بن دكلا قد أساء السيرة في جنده فأرسلوا إلى شملة صاحب خوزستان واستدعوه ليملكوه فسار ولقي زنكي وهزمه ونجا إلى الأكراد الشوابكار وملك شملة بلاد فارس فأساء السيرة في أهلها ونهب ابن أخيه خرسنكا البلاد فنفر أهل فارس عنه ولحق بزنكي بعض عساكره فزحف إلى فارس وفارقها شملة إلى بلاده خوزستان وذلك كله سنة أربع وستين وخمسمائة.

ملك ايلدكز الري

كان إنبانج قد استولى على الري واستقر فيها بعد حروبه مع ايلدكز على جزية يؤديها إليه ثم منع الضريبة واعتذر بنفقات الجند فسار إليه ايلدكز سنة أربع وستين وحاربه إنبانج فهزمه ايلدكز وحاصره بقلعة طبرك وراسل بعض مماليكه ورغبهم فغدروا به وقتلوه واستولى أيلدكز ٥/٩٦

على طبرك وعلى الري وولي عليها علي بن عمر باغ ورجع إلى همذان وشكر لموالي إنبانج الذين قتلوه ولم يف لهم بالوعد فافترقوا عنه وسار الذي تولى قتله إلى خوارزم شاه فصلبه لما كان بينه وبين انبانج من الوصلة والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده

ثم توفي سنة خمس وستين الملك طغرل بن قاروت بك صاحب كرمان وولى ابنه أرسلان شاه مكانه ونازعه أخوه الأصغر بهرام شاه فحاربه أرسلان وهزمه فلحق بالمؤيد في نيسابور فأنجده بالعساكر وسار إلى أخيه أرسلان فهزمه وملك كرمان ولحق أرسلان بأصبهان مستنجدا بايلدكز فأنجده بالعساكر وارتجع كرمان ولحق بهرام بالمؤيد وأقام عنده ثم هلك أرسلان فسار بهرام إلى كرمان وملكها ثم توفي المستنجد وولي ابنه المستضيء ولم نترجم لوفاة الخلفاء هاهنا لأنها مذكورة في أخبارهم وإنما ذكرناها قبل هؤلاء لأنهم كانوا في كفالة السلجوقية وبني بويه قبلهم فوفاتهم من جملة أخبار الدولتين وهؤلاء من لدن المقتفي قد استبدوا بأمرهم وخلافتهم من بعد ضعف السلجوقية بوفاة السلطان مسعود وافترقت دولتهم في نواحي المشرق والمغرب واستبد منها الخلفاء ببغداد ونواحيها ونازعوا من قبلهم أنهم كانوا يخطبون لهم في أعمالهم ونازعهم فيها مع ذلك حرصا على الملك الذي سلبوه وأصبحوا في ملك منفرد عن أولئك المنفردين مضافا إلى الخلافة التي هي شعارهم وتداول أمرهم إلى أن انقرضوا بمهلك المستعصم على يد هلاكو.

وفاة خوارزم شاه وولاية ابنه سلطان شاه ومنازعته مع أخيه الأكبر علاء الدين تكش

لما انهزم خوارزم شاه أرسلان أمام الخطا رجع إلى خوارزم فمات سنة ثمان وستين وولي ابنه سلطان شاه فنازعه أخوه الأكبر علاء الدين تكش واستنجد بالخطا وسار إلى خوارزم فملكها ولحق سلطان شاه بالمؤيد صريخا فسار معه بجيوشه ولقيهم تكش فانهزم المؤيد وجيء به أسيرا إلى تكش فقتل بين يديه صبرا وعاد أصحابه إلى نيسابور فولوا ابنه طغان شاه أبو بكر ابن المؤيد وكان من أخبار طغان شاه وتكش ما نذكره في أخبار دولتهم وفي كيفية قتله خبر آخر نذكره هنالك ثم سار خوارزم شاه سنة تسع وستين إلى نيسابور وحاصرها مرتين ثم هزم ٥/٩٧

في الثانية طغان شاه بن المؤيد وأخذه أسيرا وحمله إلى خوارزم وملك نيسابور وأعمالها وجميع ما كان لبني المؤيد بخراسان وانقرض أمرهم والبقاء لله وحده والله تعالى أعلم.

وفاة الأتابك شمس الدين أيلديكز وولاية ابنه محمد البهلوان

ثم توفي الاتابك شمس الدين أيلدكز أتابك أرسلان شاه بن طغرل صاحب همذان وأصبهان والري وأذربيجان وكان أصله مملوك الكمال الشهير ابن وزير السلطان محمود ولما قتل الكمال صار السلطان وترقى في كتب الولاية فلما ولي السلطان مسعود ولاه أرانية فاستولى عليها وبقيت طاعته للملوك على البعد واستولى على أكثر أذربيجان ثم ملك همذان وأصبهان والري وخطب لربيبه أرسلان بن طغرل وبقي أتابك وبلغ عسكره خمسين ألفا واتسع ملكه من تفليس إلى مكران وكان متحكما على أرسلان وليس له من الدولة إلا جراية تصل إليه ولما هلك أيلدكز قام بالأمر بعده ابنه محمد البهلوان وهو أخو السلطان أرسلان لامه فسار أول ملكه لإصلاح أذربيجان وخالفه ابن سنكي وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان إلى بلد نهاوند فحاصرها ثم تأخر ابن سنكي من تستر وصحبهم من ناحية أذربيجان يوهمهم أنه مدد البهلوان ففتحوا له البلد ودخل فطلب القاضي والأعيان ونصبهم وتوجه نحو ما سندان قاصدا العراق ورجع إلى خوزستان ثم سار شملة سنة سبعين وقصد بعض التركمان فاستنجدوا البهلوان بن أيلدكز فأنجدهم وقاتلوه فهزموه وأسر شملة جريحا وولده وابن أخيه وتوفي بعد يومين وهو من التركمان الأتسزية وملك ابنه من بعده وسار البهلوان سنة سبعين إلى مدينة تبريز وكان صاحبها آقسنقر الأحمديلي قد هلك وعهد بالملك بعده لابنه ملك الدين فسار إلى بلاده وحاصر مراغة وبعث أخاه فنزل وعاد عن مراغة إلى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة السلطان أرسلان بن طغرل

ثم توفي السلطان أرسلان بن طغرل مكفول البهلوان بن أيلدكز وأخوه لامه بهمذان سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وخطب بعده لابنه طغرل. ٥/٩٨

وفاة البهلوان محمد بن أيلديكز وملك أخيه قزل

ثم توفي البهلوان محمد بن أيلدكز أول سنة اثنتين وخمسمائة وكانت البلاد والرعايا في غاية الطمأنينة فوقع عقب موته بأصبهان بين الحنفية والشافعية وبالري بين أهل السنة والشيعة فتن وحروب آلت إلى الخراب وملك البلاد بعد البهلوان أخوه فنزل أرسلان واسمه عثمان وكان البهلوان كافلا للسلطان طغرل وحاكما عليه ولما هلك قزل لم يرض طغرل بتحكمه عليه وفارق همذان ولحق به جماعة من الأمراء والجند وجرت بينه وبين قزل حروب ثم غلبه طغرل إلى الخليفة فأمره بعمارة دار السلطان فطرد رسوله وهدمت دار السلطنة وألحقت بالأرض وبعث الخليفة الناصر لدين الله سنة أربع وثمانين عسكرا مع وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس لانجاده قزل على طغرل قبل همذان وهزمهم ونهب جميع ما معهم وأسر الوزير ابن يونس.

قتل قزل أرسلان قتلغ وولاية أخيه

قد تقدم لنا ما كان بين السلطان طغرل وبين قزل بن أيلدكز من الحروب ثم أن قزل غلبه واعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد وأطاعه ابن دكلا صاحب فارس وخوزستان وعادا إلى أصبهان والفتن بها متصلة فأخذ جماعة من أعيان الشافعية وصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة سنة سبعة وثمانين ثم قتل غلبة على فراشه ولم يعرف قاتله وأخذ جماعة من غلمانه بالظنة وكان كريما حليما يحب العدل ويؤثره ولما هلك ولى من بعده قتلغ ابن أخيه البهلوان واستولى على الممالك التي كانت بيده.

قتل السلطان طغرل وملك خوارزم شاه الري ووفاة أخيه سلطان شاه

ولما توفي قزل وولي قتلغ بن أخيه البهلوان كما قلناه أخرج السلطان طغرل من محبسه بالقلعة التي كان بها واجتمع إليه العساكر وسار إلى همذان فلقيه قتلغ بن البهلوان فانهزم بين يديه ولحق بالري وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تتش ليستنجده فسار إليه سنة ثمان وثمانين وندم قتلغ على استدعائه فتحصن ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الري وملك قلعة طبرك ٥/٩٩

وصالح السلطان طغرل وولى على الري وعاد إلى خوارزم سنة تسعين فأحدث أحدوثة السلطان شاه نذكره في أخبارهم وسار السلطان طغرل إلى الري فأغار عليها وفر منه قتلغ بن البهلوان وبعث إلى خوارزم شاه يستنجده ووافق ذلك وصول منشور من الخليفة إليه بإقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الري وأطاعه قتلغ وسار معه إلى همذان وخرج طغرل للقائهم قبل أن يجمع العساكر ولقيهم قريبا من الري في ربيع الأول فحمل عليهم وتورط بينهم فصرع عن فرسه وقتل وملك خوارزم شاه همذان وتلك البلاد جميعا وانقرضت مملكة بني ملك شاه وولى خوارزم شاه على همذان وملك الأعمال فبلغ انبانج بن البهلوان وأقطع كثيرا منها مماليكه وقدم عليهم مساحق منهم ثم استولى وزير الخليفة ابن العطاف على همذان وأصبهان والري من يدمو إليه وانتزعها منهم خوارزم كما ذكرناه في أخبار الخلفاء وجاءت العساكر من قبل الخليفة إلى همذان مع أبي الهيجاء الشمس من أمراء الايوبية وكان أميرا على القدس فعزلوه عنها وسار إلى بغداد فبعثه الناصر سنة ثلاث وتسعين بالعساكر إلى همذان ولقي عندها أزبك بن البهلوان مطيعا فقبض عليه وأنكر الخليفة ذلك وبعث بإطلاقه وخلع عليه وعاد إلى بلاد أذربيجان.

ملك الكرج الدويرة

كان أزبك بن البهلوان قد استولى على أذربيجان بعد موته وكان مشغولا بلذاته فسار الكرج إلى مدينة دوير وحاصرها وبعث أهلها إليه بالصريخ فلم يصرخهم حتى ملكها الكرج عنوة واستباحوها والله تعالى أعلم. ٥/١٠٠

قتل كوجه ببلاد الجبل وملك آيدغمش

كان كوجه من موالي البهلوان قد تغلب على الري وهمذان وبلاد الجبل واصطنع صاحبه آيدغمش ووثق به فنازعه الأمر وحاربه فقتله واستولى آيدغمش على البلاد وبقي أزبك بن البهلوان مغلبا ليس له من الحكم شيء.

قصد صاحب مراغة وصاحب أربل أذربيجان

قد ذكرنا أن أزبك كان مشغولا بلذاته مهملا لملكه ثم حدثت بينه وبين صاحب أربل وهو مظفر الدين كوكبري سنة اثنتين وستمائة فتنة حملت مظفر الدين على قصده فسار إلى مراغة واستنجد صاحبها علاء الدين بن قراسنقر الأحمديلي فسار معه لحصار تبريز وبعث أزبك الصريخ إلى آيدغمش بمكانه من بلاد الجبل فسار إليه وأرسل مظفر الدين بالفتن والتهديد فعاد إلى بلده وعاد علاء الدين بن قراسنقر إلى بلاد مراغة فسار آيدغمش وأزبك وحاصروه بمراغة حتى سلم قلعة من قلاعه ورجعوا عنه والله تعالى أعلم.

وفاة صاحب مازندان والخلف بين أولاده

ثم توفي حسام الدين أزدشير صاحب مازندان وولي ابنه الأكبر وأخرج أخاه الأوسط عن البلاد فلحق بجرجان وبها على شاه برتكش نائبا عن أخيه خوارزم فاستنجده على شرط الطاعة له وأمره أخوه تكش بالمسير معه فساروا من جرجان وبلغهم في طريقهم مهلك صاحب مازندان المتولي بعد أبيه وأن أخاه الأصغر استولى على الكراع والأموال فساروا إليه وملكوا البلاد ونهبوها مثل سارية وآمد وغيرها وخطب لخوارزم شاه فيها وعاد علي شاه إلى خراسان وأقام ابن صاحب مازندان وهو الأوسط الذي استصرخ به وقد امتنع أخوه الأصغر بقلعة كوري ومعه الأموال والذخائر وأخوه الأوسط فراسله واستعطف وقد ملك البلاد جميعا والله ولي التوفيق. ٥/١٠١

ملك ابن البهلوان مراغة

ثم توفي سنة أربع وستمائة علاء الدين بن قراسنقر الأحمديلي صاحب مراغة وأقام بأمرها من بعده خادمه ونصب ابنه طفلا صغيرا وعصى عليه بعض الأمراء وبعث العسكر لقتاله فانهزموا أولا ثم استقر ملك الطفل ثم توفي سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته فسار أزبك ابن البهلوان من تبريز إلى مراغة واستولى على مملكة آل قراسنقر ما عدا القلعة التي اعتصم بها الخادم وعنده الخزائن والذخائر.

استيلاء منكلي على بلاد الجبل وأصفهان وغيرها وهرب آيدغمش وقتله

لما تمكن آيدغمش في بلاد الجبل بهمذان وأصبهان والري وما إليها عظم شأنه حتى طلب الأمر لنفسه وسار لحصار أزبك ابن مولاه الذي نصبه للأمر وكان بأذربيجان فخرج عليه مولى من موالي البهلوان اسمه منكلي وكثر جمعه واستولى على البلاد وقدم آيدغمش إلى بغداد واحتفل الخليفة لقدومه وتلقاه وذلك سنة ثمان وأقام بها كان ايدغمش قد وفد سنة ثمان وستمائة إلى بغداد وشرفه الخليفة بالخلع والألوية وولاه على ما كان بيده ورجع إلى همذان ووعده الخليفة بمسير العساكر فأقام ينتظرها عند سليمان بن مرحم أمير الإيوانية من التركمان فدس إلى منكلي بخبره ثم قتل آيدغمش وحمل أصحابه إلى منكلي وافترق أصحابه واستولى منكلي وبعث إليه الخليفة بالنكير فلم يلتفت إليه فبعث إلى مولاه أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان يحرضه عليه وإلى جلال الدين الإسماعيلي صاحب قلعة الموت لمساعدته على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأزبك بعضها ولجلال الدين بعضها وبعث الخليفة العساكر مع مولاه سنقر ووجه السبع وأمره بطاعة مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على كجك صاحب أربل وشهرزور وهو مقدم العساكر جميعا فسار ٥/١٠٢

لذلك وهرب منكلي وتعلق بالجبل ونزلوا بسفحه قريبا من كوج فناوشهم الحرب فانهزم أزبك ثم عاد ثم أسرى من ليلته منهزما وأصبحوا فاقتسموا البلاد على الشريطة وولي أزبك فيما أخذ منها مولى أخيه فاستولى عليها ومضى منكلي إلى ساو وبها شحنة له فقتله وبعث برأسه إلى أزبك واستقر في بلاد الجبل حتى قتله الباطنية سنة أربع عشرة وستمائة وجاء خوارزم شاه فملكها كما نذكر في أخباره ودخل أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران في طاعته وخطب له على منابر أعماله وانقرض أمر بني ملك شاه ومواليهم من العراقين وخراسان وفارس وجميع ممالك المشرق وبقي أزبك ببلاد أذربيجان ثم استولى التتر على أعمال محمد بن تكش فيما وراء النهر وخراسان وعراق العجم سنة ثماني عشرة وستمائة وموالي الهند وسار جنكزخان فأطاعه أزبك بن البهلوان سنة إحدى وعشرين وأمره بقتل من عنده من الخوارزمية ففعل ورجع عنه إلى خراسان ثم جاء جلال الدين بن محمد بن تكش من الهند سنة اثنتين وعشرين فاستولى على عراق العجم وفارس وسار إلى أذربيجان فملكها ومر أزبك إلى كنجة من بلاد أران ثم ملك كنجة وبلاد أران ومد أزبك إلى بعض القلاع هنالك ثم هلك وملك جلال الدين على جميع البلاد وانقرض أمر بني أزبك واستولى التتر على البلاد وقتلوا جلال الدين سنة ثمان وعشرين كما يأتي في أخبارهم جميعا وانتهى الكلام في دولة السلجوقية فلنرجع إلى أخبار الدول المتشعبة عنها واحدة بعد واحدة والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ٥/١٠٣

بنو أنوشتكين

كان أنوشتكين جدهم تركيا مملوكا لرجل من غرشستان ولذلك يقال له أنوشتكين غرشه ثم صار لرجل من أمراء السلجوقية وعظمائهم اسمه ملكابك وكان مقدما عنده لنجابته وشجاعته ونشأ ابنه محمد على مثل حاله من النجابة والشجاعة وتحلى بالأدب والمعارف واختلط بأمراء السلجوقية وولي لهم الأعمال واشتهر فيهم بالكفاية وحسن التدبير ولما ولي بركيارق ابن السلطان ملك شاه وانتقض عليه عمه أرسلان أرغون واستولى على خراسان بعث إليه العساكر سنة تسعين وأربعمائة مع أخيه سنجر وسار في أثره ولقيهم في طريقهم خبر مقتل أرغون عمهم وأن بعض مواليه خلفه فعدا عليه فقتله كما مر قبل فسار بركيارق في نواحي خراسان وما وراء النهر حتى دوخها وولي عليها أخاه سنجر وانتقض عليه أمير ميران من قرابته اسمه محمد بن سليمان فسار إليه سنجر وظفر به وسمله وعاد بركيارق إلى العراق بعد أن ولى على خوارزم أكنجي شاه ومعنى شاه بلسانهم السلطان فأضيف إلى خوارزم على عادتهم في تقديم المضاف إليه على المضاف ولما انصرف بركيارق إلى العراق تأخر من أمرائه قودز وبارقطاش وانتقضا على السلطان ووثبا بالأمير اكنجي صاحب خوارزم وهو بمرو ذاهبا إلى السلطان شاه فقتلاه وبلغ الخبر إلى السلطان وقد انتقض عليه بالعراق الأمير أنزو مؤيد الملك بن نظام الملك فمضى لحربهما وأعاد الأمير داود حبشي بن أيتاق في عسكر إلى خراسان لقتالهما فسار إلى هراة وعاجلاه قبل اجتماع عساكره فعبر جيحون وسبق إليه بارقطاش فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر إلى قودز فثار به عسكره وفر إلى بخارى فقبض عليه نائبا ثم أطلقه ولحق بالملك سنجر فقبله وأقام برقطاش أسيرا عند الأمير داود وصفت خراسان من الفتنة والثوار واستقام أمرها للأمير داود حبشي فاختار لولاية خوارزم محمد بن أنوشتكين فولاه وظهرت كفايته وكان محبا لأهل الدين والعلم مقر بالهم عادلا في رعيته فحسن ذكره وارتفع محله ثم استولى الملك سنجر على خراسان فأقر محمد بن أنوشتكين وزاده تقديما وجمع بعض ملوك الترك وقصد خوارزم وكان محمد غائبا عنها ولحق بالترك محمد بن اكنجي الذي كان أبوه أميرا على خوارزم واسمه طغرل تكين محمد فحرض الترك على خوارزم وبلغ الخبر إلى محمد بن أنوشتكين فبعث إلى سنجر بنيسابور يستمده وسبق إلى خوارزم فافترق الترك وطغرل تكين ٥/١٠٥

محمد وسار كل منهما إلى ناحية ودخل محمد بن أنوشتكين إلى خوارزم فازداد بذلك عند سنجر ظهورا والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق لا رب سواه.

وفاة محمد بن أنوشتكين وولاية ابنه أتسز

ثم هلك محمد بن أنوشتكين خوارزم وولي بعده ابنه اتسز وسار بسيرة أبيه وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وحارب الأعداء فلما ولي افتتح أمره بالاستيلاء على مدينة مقشلاع وظهرت كفايته في شأنها فاستدعاه السلطان سنجر فاختصه وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه وكلما مر يزيد تقدما عنده والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم.

الحرب بين السلطان سنجر واتسز خوارزم شاه

ثم كثرت السعاية عند السلطان سنجر في اتسز خوارزم شاه وإنه يحدث نفسه بالامتناع فسار سنجر إليه لينتزع خوارزم من يده فتجهز اتسز للقائه واقتتلوا فانهزم اتسز وقتل ابنه وخلق كثير من أصحابه واستولى سنجر على خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمدا ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا الى مرو منتصف ثلاث وثلاثين وكان أهل خوارزم يستغيثون لأتسز فعاد إليهم بعد سنجر فأدخلوه البلد ورجع سليمان شاه الى عمه سنجر واستبد اتسز بخوارزم والله أعلم.

انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر

ثم سار سنجر سنة ست وثلاثين لقتال الخطا من الترك فيما وراء النهر لما رجعوا لملك تلك البلاد فيقال أن اتسز أغراهم بذلك ليشغل السلطان سنجر عن بلده وأعماله ويقال أن محمود بن محمد سليمان بن داود بقراخان ملك الخانية في كاشغر وتركستان وهو ابن أخت سنجر زحفت إليه أمم الخطا من الترك ليتملكوا بلاده فسار إليهم وقاتلهم فهزموه وعاد إلى سمرقند وبعث بالصريخ إلى خاله سنجر فعبر النهر إليه في عساكر المسلمين وملوك خراسان والتقوا في أول صفر سنة ست وثلاثين فانهزم سنجر والمسلمون وفشا القتل فيهم يقال كان القتلى مائة ألف رجل وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وعاد منهزما وملك الخطا ما ٥/١٠٦

وراء النهر وخرجت عن ملك الإسلام وقد تقدم ذكر هذه الواقعة مستوفي في أخبار السلطان سنجر ولما انهزم السلطان سنجر قصد اتسز خوارزم شاه خراسان فملك سرخس ولقي الإمام أبا محمد الزيادي وكان يجمع بين العلم والزهد فأكرمه وقبل قوله ثم قصد مرو الشاهجان فخرج إليه الإمام أحمد الباخوري وشفع في أهل مرو وأن لا يدخل لهم أحد من العسكر فشفعه وأقام بظاهر البلد فثار عامة مرو وأخرجوا أصحابه وقتلوا بعضهم وامتنعوا فقاتلهم اتسز وملكها عليهم غلابا أول ربيع من سنة ست وثلاثين وقتل الكثير من أهلها وكان فيهم من أكابر العلماء وأخرج كثيرا من علمائها إلى خوارزم منهم أبو بكر الكرماني ثم سار في شوال إلى نيسابور وخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء متطارحين أن يعفيهم مما وقع بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أموال أصحاب السلطان وقطع الخطبة لسنجر وخطب لنفسه ولما صرح باسمه على المنبر هم أهل نيسابور بالثورة ثم ردهم خوف العواقب فاقصروا وبعث جيشا إلى أعمال بيهق فحاصرها خمسا ثم ساروا في البلاد ينهبون ويكتسحون والسلطان سنجر خلال ذلك متغافل عنه فيما يفعله في خراسان لما وراءه من مدد الخطا وقوتهم ثم أوقع الغزسنة ثمان وأربعين بالسلطان سنجر واستولوا على خراسان وكان هؤلاء الغز مقيمين بما وراء النهر منذ فارقهم ملوك السلجوقية وكانوا يدينون بالإسلام فلما استولى الخطا على ما وراء النهر أخرجوهم منها فأقاموا بنواحي بلخ وأكثروا فيها العيث والفساد وجمع لهم سنجر وقاتلهم فظفروا به وهزموه وأسروه وانتثر سلك دولته فلم يعد انتظامه وافترقت أعماله على جماعة من مواليه واستقل حينئذ اتسز بملك خوارزم وأعماله وأورثها بنيه ثم استولوا على خراسان والعراق عند ما ركدت ريح السلجوقية وكانت لهم بعد ذلك دولة عظيمة نذكر أخبارها مفصلة عند دول أهلها والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

وفاة اتسز وملك ولده أرسلان

ثم توفي اتسز بن محمد بن أنوشتكين في منتصف إحدى وخمسين وخمسمائة لستين سنة من ولايته وكان عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم ولما توفي ملك بعده أرسلان بن اتسز فقتل جماعة من عماله وسمل أخاه ثم بعث بطاعته للسلطان سنجر عند ما هرب من أسر الغز فكتب له بولاية خوارزم وقصد الخطا خوارزم وجمع أرسلان للقائهم وسار غير بعيد ثم طرقه المرض فرجع وأرسل الجيوش لنظر أمير من أمرائه فقاتله الخطا وهزموه وأسروه ورجع إلى ما وراء النهر والله سبحانه وتعالى أعلم ٥/١٠٧

وفاة خوارزم شاه ارسلان وملك ولده سلطان شاه وبعده ولده الآخر تكش وملك طغان شاه بن المؤيد ثم موته وملك ابنه سنجر شاه

ثم توفي خوارزم شاه أرسلان بن أتسز من مرضه الذي قعد به عن لقاء الخطا وملك بعده ابنه الأصغر سلطان شاه محمود في تدبير أمه وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما في إقطاعه بالجند فاستنكف من ولاية أخيه الأصغر وسار إلى ملك الخطا مستنجدا ورغبه في أموال خوارزم وذخائرها فأنجده بجيش كثيف وجاء إلى خوارزم ولحق سلطان شاه وأمه بالمؤيد أنه صاحب نيسابور والمتغلب عليها بعد سنجر وأهدى له ورغبه في الأموال والذخائر فجمع وسار معه إذا كان على عشرين فرسخا من خوارزم سار إليه تكش وهزمه وجيء بالمؤيد أسيرا إلى تكش فأمر بقتله وقتل بين يديه صبرا ولحق أخوه سلطان شاه بدهستان وتبعه تكش فملكها عنوة وهرب سلطان شاه وأخذت أمه فقتلها تكش وعاد إلى خوارزم ولحق سلطان شاه بنيسابور وقد ملكوا طغان شاه أبا بكر ابن ملكهم المؤيد ثم سار سلطان شاه من عنده إلى غياث الدين ملك الغورية فأقام عنده وعظم تحكم الخطا على علاء الدين تكش صاحب خوارزم واشتطوا عليه وبعثوا يطلبونه في المال متفرقين على أهل خوارزم ودس إليهم فبيتوهم ولم ينج منهم أحد ونبذ إلى ملك الخطا عهده وسمع ذلك أخوه سلطان شاه فسار من غزنة إلى ملك الخطا يستنجده على أخيه تكش وادعى أن أهل خوارزم يميلون إليه فبعث معه جيشا كثيفا من الخطا وحاصروا خوارزم فامتنعت وأمر تكش بإجراء ماء النهر عليهم فكادوا يغرقون وأفرجوا عن البلاد ولاموا سلطان شاه فيما غرهم فقال لقائدهم أبعث معي الجيش لمرو لانتزعها من دينار الغزي الذي استولى عليها من حين فتنتهم مع سنجر فبعث معه الجيش وسار إلى سرخس واقتحمها على الغز الذين بها وأفحش في قتلهم واستباحهم ولجأ دينار إلى القلعة فتحصن بها ثم سار سلطان شاه إلى مرو وملكها وأقام بها ورجع الخطا إلى ما وراء النهر وأقام سلطان شاه بخراسان يقاتل الغز فيصيب منهم كثيرا وعجز دينار ملك الغز عن سرخس فسلمها لطغان شاه بن المؤيد صاحب نيسابور فولى عليها مراموش من أمرائه ولحق دينار بنيسابور فحاصر دينار سلطان شاه وعاد إلى نيسابور ولحق به مراموش وترك قلعة سرخس ثم ملك نطوش والتم وضاقت الأمور على طغان شاه بنيسابور إلى أن مات في محرم سنة اثنتين وثمانين وملك ابنه سنجر شاه واستبد عليه منكلي تكين مملوك ٥/١٠٨

جده المؤيد وأنف أهل الدولة من استبداده وتحكمه فلحق أكثرهم بسلطان شاه في سرخس وسار الملك دينار من نيسابور في جموع الغز إلى كرمان فملكها ثم أساء منكلي تكين السيرة بنيسابور في الرعية بالظلم وفي أهل الدولة بالقتل فسار إليه خوارزم شاه علاء الدين تكش في ربيع سنة اثنتين وثمانين فحاصره بنيسابور شهرين فامتنعت عليه فعاد إلى خوارزم ثم رجع سنة ثلاث وثمانين فحاصرها وملكها على الأمان وقتل منكلي تكين وحمل سنجر شاه إلى خوارزم فأنزله بها وأكرمه ثم بلغه أنه يكاتب أهل نيسابور فسلمه وبقي عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين قال ابن الأثير ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي في كتاب مسارب التجارب وذكر غيره أن تكش بن أرسلان لما أخرج أخاه سلطان شاه من خوارزم وقصد سلطان شاه إلى مرو فملكها من يد الغز ثم ارتجعوها منه ونالوا من عساكره فعبر إلى الخطا واستنجدهم وضمن لهم المال وجاء بجيوشهم فملك مرو وسرخس ونسا وأبيورد من يد الغز وصرف الخطا فعادوا إلى بلادهم ثم كاتب غياث الدين الغوري وله هراة وبوشنج وباذغيس وأعمالها من خراسان يطلب الخطبة له يتوعده فأجابه غياث الدين بطلب الخطبة منه بمرو وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان ثم ساءت سيرة سلطان شاه في خراسان وصادر رعاياها فجهز غياث الدين العساكر مع صاحب سجستان وأمر ابن أخته بهاء الدين صاحب باميان بالمسير معه فساروا إلى هراة وخاف سلطان شاه من لقائهم فرجع من هراة إلى مرو حتى انصرم فصل الشتاء ثم أعاد مراسلة غياث الدين فامتعض وكتب إلى أخيه شهاب الدين بالخبر وكان بالهند فرجع مسرعا إليه وساروا إلى خراسان واجتمعوا بعسكرهم الأول على الطالقان وجمع سلطان شاه جموعه من الغز وأهل الفساد ونزل بجموع الطالقان وتواقفوا كذلك شهرين وترددت الرسل بين سلطان شاه وغياث الدين حتى جنح غياث الدين إلى النزول له عن بوشنج وباذغيس وشهاب الدين ابن أخته وصاحب سجستان يحنحان إلى الحرب وغياث الدين يكفهم حتى حضر رسول سلطان شاه عند غياث الدين لإتمام العقد والملوك جميعا حاضرون فقام الدين العلوي الهودي وكان غياث الدين يختصه وهو يدل عليه فوقف في وسط المجمع ونادى بفساد الصلح وصرخ ومزق ثيابه وحتى التراب على رأسه وأفحش لرسول سلطان شاه وأقبل على غياث الدين وقال كيف تعمد إلى ما ملكناه بأسيافنا من الغز والأتراك والسنجرية فتعطيه ٥/١٠٩

هذا الطريد إذ لا يقنع منا أخوه وهو الملك بخوارزم ولا بغزنة والهند فأطرق غياث الدين ساكتا فنادى في عسكره بالحرب والتقدم الى مروالروذ وتواقع الفريقان فانهزم سلطان شاه وأخذ أكثر أصحابه أسرى ودخل إلى مرو في عشرين فارسا ولحق الفل من عسكره وبلغ الخبر إلى أخيه تكش فسار من خوارزم لاعتراضه وقدم العساكر إلى جيحون يمنعون إلى الخطا وسمع أخوه سلطان شاه بذلك فرجع عن جيحون وقصد غياث الدين ولما قدم عليه أمر بتلقيه وأنزله معه في بيته وأنزل أصحابه عند نظرائهم من أهل دولته وأقام إلى انصرام الشتاء وكتب أخوه علاء الدين خوارزم إلى غياث الدين في رده إليه ويعدد فعلاته في بلاده وكتب مع ذلك إلى نائب غياث الدين بهراة يتهدده فامتعض غياث الدين لذلك وكتب إلى خوارزم شاه بأنه مجير له وشفيع في التجافي عن بلاده وانصافه من وراثة أبيه ويطلب مع ذلك الخطبة له بخوارزم والصهر مع أخيه شهاب الدين فامتعض خوارزم شاه وكتب إليه يتهدده ببعض بلاده فجهز غياث الدين إليه العساكر مع ابن أخته أبو غازي إلى بهاء الدين سامي صاحب سجستان وبعثهما مع سلطان شاه إلى خوارزم وكتب إلى المؤيد أبيه صاحب نيسابور يستنجده وكانت ابنته تحت غياث الدين فجمع المؤيد عساكره وخيم بظاهر نيسابور وكان خوارزم شاه عزم على لقاء أخيه والغورية وسار عن خوارزم فلما سمع خبر المؤيد عاد إلى خوارزم واحتمل أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا وترك خوارزم وسار أعيانها إلى أخيه سلطان شاه والبوغازي ابن أخت غياث الدين فآتوا طاعتهم وطلبوا الوالي عليهم وتوفي سلطان شاه منسلخ رمضان سنة تسع وعاد البوغازي إلى خاله غياث الدين ومعه أصحاب سلطان شاه فاستخدمهم غياث الدين وأقطعهم وبلغ وفاة سلطان شاه إلى أخيه خوارزم تكش فعاد إلى خوارزم وعاد الشحنة إلى بلاد سرخس ومرو فجهز إليهم نائب الغورية بمرو عمر المرغني عسكرا ومنعهم منها حتى يستأذن غياث الدين وأرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح والصهر في وفد من فقهاء خراسان والعلوية يعظمونه ويستجيرون به من خوارزم شاه أن يجيز إليهم الخطا ويستحثهم ولا يحسم ذلك إلا صلحه أو سكناه بمرو فأجابهم إلى الصلح وعقدوه ورد على خوارزم تكش بلاد أخيه وطمع الغز فيها فعاثوا في نواحيها وجاء خوارزم شاه إليها ودخل مرو وسرخس فسار البورد وتطرق إلى طوس وهي للمؤيد ابنه فجمع وسار إليها وعاد خوارزم شاه إلى بلده وأفسد الماء في طريقه وأتبعه المؤيد ٥/١١٠

فلم يحد ماء ثم كر عليه خوارزم شاه وقد جهد عسكره العطش فأوقع بهم وجيء إليه بالمؤيد أسيرا فقتله وعاد إلى خوارزم وقام بنيسابور بعد المؤيد ابنه طغان شاه ورجع إليه خوارزم شاه من قابل فحاصره بنيسابور وبرز إليه فأسره وملك نيسابور واحتمل طغان شاه وعياله وقرابته فأنزلهم بخوارزم قال ابن الأثير هذه الرواية مخالفة للأولى وإنما أوردتها ليتأمل الناظر ويستكشف أيهما أوضح فيعتمدها والله تعالى أعلم.

وفاة أيلديكز وملك ابنه محمد البهلوان

قد تقدم لنا في أخبار الدولة السلجوقية ولاية أرسلان شاه بن طغرل في كفالة أيلدكز وابنه محمد البهلوان من بعده ثم أخيه أزبك أرسلان بن أيلدكز وأنه اعتقل السلطان طغرل ثم توفي فولي مكانه قطلغ ابن أخيه البهلوان فخرج السلطان من محبسه وجمع لقتاله سنة ثمان وثمانين فهزمه ولحق قطلغ بالري وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش فسار إليه وندم قطلغ على استدعائه فتحصن منه ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الري وقلعة طبرك ورتب فيها الحامية وعاد إلى خوارزم لما بلغه أن أخاه سلطان شاه خالفه إليها ولما كان ببعض الطريق لقيه الخبر بأن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه وعادى خائبا فتمادى إلى خوارزم وأقام إلى انسلاخ فصل الشتاء ثم سار إلى أخيه سلطان شاه بمرو سنة تسع وثمانين وترددت الرسل بينهما في الصلح ثم استأمن إليه نائب أخيه بقلعة سرخس فسار إليها وملكها ومات أخوه سلطان شاه سنة تسع فسار خوارزم شاه إلى مرو وملكها وملك أبيورد ونسا وطوس وسائر مملكة أخيه واستولى على خزائنه وبعث على ابنه علاء الدين محمد فولاه مرو وولي ابنه الكبير ملك شاه نيسابور وذلك آخر تسع وثمانين ثم بلغه أن السلطان طغرل أغار على أصحابه بالري قطلغ ابنانج فبعث إليه بابنه يستنجده ووصل إليه رسول الخليفة يشكو من طغرل وأقطعه أعماله فسار من نيسابور إلى الري وتلقاه قطلغ أبنانج بطاعته وسار معه ولقيهم السلطان طغرل قبل استكمال تعبيته وحمل عليهم بنفسه وأحيط به فقتل في ربيع سنة تسعين وبعث خوارزم شاه برأسه إلى بغداد وملك همذان وبلاد الجبل أجمع وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد بعثه الخليفة الناصر مددا لخوارزم شاه في أمره فرحل إليه واستوحش ابن القصاب فامتنع ببعض الجبال هنالك وعاد خوارزم شاه إلى همذان وسلمها وأعمالها إلى قطلغ أبنانج وأقطع ٥/١١١

كثيرا منها مماليكه وقدم عليهم مناجي وأنزل معه ابنه وعاد إلى خوارزم ثم اختلف مناجي وقطلغ أبنانج واقتتلوا سنة أحدى وتسعين فانهزم قطلغ وكان الوزير ابن القصاب قد سار إلى خوزستان فملكها وكثيرا من بلاد فارس وقبض على بني شملة أمرائها وبعث بهم إلى بغداد وأقام هو يمهد البلاد فلحق به قطلغ أبنانج هنالك مهزوما سليبا واستنجده على الري فأزاح علله وسار معه إلى همذان فخرج مناجي وابن خوارزم شاه إلى الري وملك ابن القصاب همذان في سنة إحدى وتسعين وسار إلى الري فأجفل الخوارزميون أمامهم وبعث الوزير العساكر في أثرهم حتى لحقوهم بالدامغان وبسطام وجرجان ورجعوا عنهم واستولى الوزير على الري ثم انتقض قطلغ ابنانج على الوزير وامتنع بالري فحاصره الوزير وغلبه عليها ولحق أبنانج بمدينة ساوة ورحل الوزير في أتباعه حتى لحقه على دريندكرخ فهزمه ونجا أبنانج بنفسه وسار الوزير إلى همذان فأقام بظاهرها ثلاثة أشهر وبعث إليه خوارزم شاه بالنكير على ما فعل ويطلب إعادة البلاد فلم يجب إلى ذلك وسار خوارزم إليه وتوفي قبل وصوله فقاتل العساكر بعده في شعبان سنة اثنتين وتسعين فهزمهم وأثخن فيهم وأخرج الوزير من قبره فقطع رأسه وبعث به إلى خوارزم لأنه كان قتل في المعركة واستولى على همذان وبعث عسكره إلى أصبهان فملكها وأنزل بها ابنه وعاد إلى خوارزم وجاءت عساكر الناصر أثر ذلك مع سيف الدين طغرل فقطع بلاد اللحف من العراق فاستدعاه أهل أصبهان فملكوا البلد ولحق عسكر خوارزم شاه بصاحبهم ثم اجتمع مماليك البهلوان وهم أصحاب قطلغ وقدموا على أنفسهم كركجة من أعيانهم وساروا إلى الري فملكوها ثم إلى أصبهان كذلك وأرسل كركجة الى الديوان ببغداد يطلب أن يكون الري له مع جوار الري وساوة وقم وقاشان وما ينصاف إليها وتكون أصبهان وهمذان وزنجان ومرو من الديوان فكتب له بذلك والله أعلم.

وفاة ملك شاه بن خوارزم شاه تكش

قد تقدم لنا أن خوارزم شاه تكش ولي ابنه ملك شاه علي نيسابور سنة تسع وثمانين وأضاف إليه خراسان وجعله ولي عهده في الملك فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين ثم هلك في ربيع منها وخلف ابنا اسمه هندوخان وولى خوارزم شاه على نيسابور ابنه الآخر فطلب الذي كان ولاه بمرو ٥/١١٢

الخطا انهزام الخطا من الغورية

كان خوارزم شاه تكش لما ملك الري وهمذان وأصبهان وهزم ابن القصاب وعساكر الخليفة بعث إلى الناصر يطلب الخطبة ببغداد فامتعض الناصر لذلك وأرسل إلى غياث الدين ملك غزنة والغور فقصد بلاد خوارزم شاه فكتب إليه غياث الدين يتهدده بذلك فبعث خوارزم شاه إلى الخطا يستنجدهم على غياث الدين ويحذرهم أن يملك البلاد كما ملك بلخ فسار الخطا في عساكرهم ووصلوا بلاد الغور وراسلوا بهاء الدين سام ملك باميان وهو ببلخ يأمرونه بالخروج عنها وعاثوا في البلاد وخوارزم شاه قد قصد هراة وانتهى إلى طوس واجتمع أمراء الغورية بخراسان مثل محمد بن بك مقطع الطالقان والحسين بن مرميل وحروس وجمعوا عساكرهم وكبسوا الخطا وهزموهم وألحقوهم بحيمون فتقسموا بين القتل والغرق وبعث ملك الخطا إلى خوارزم شاه يتجنى عليه في ذلك ويطلب الدية على القتلى من قومه ويجعله السبب في قتلهم فراجع غياث الدين واستعطفه ووافقه على طاعة الخليفة وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام وأجاب ملك الخطا بأن قومه إنما جاءوا لانتزاع بلخ من يد الغورية ولم يأتوا لنصرتي وأنا قد دخلت في طاعة غياث الدين فجهز ملك الخطا عساكره إليه وحاصروه فامتنع فرجعوا عنه بعد أن فني أكثرهم بالقتل وسار في أثرهم وحاصر بخارى وأخذ بمخنقها حتى ملكها سنة أربع وتسعين فأقام بها مدة وعاد إلى خوارزم والله تعالى ولي التوفيق.

ملك خوارزم شاه تكين الري وبلاد الجبل

ثم سار خوارزم شاه تكين لارتجاع الري وبلاد الجبل من يد مناجق والبهلوانية الذين انتفضوا عليه فهرب مناجق عن البلاد وتركها وملكها خوارزم شاه واستدعاه فامتنع من الحضور واتبعه فاستأمن أكثر أصحابه ورجعوا عنه ولحق هو بقلعة من أعمال مازندان فامتنع بها فبعث خوارزم شاه إلى الخليفة الناصر فبعث بالخلع له ولولده قطب الدين وكتب له تقليدا ٥/١١٣

بالأعمال التي بيده ثم سار خوارزم شاه لقتال الملحدة فافتتح قلعة لهم قريبة من قزوين وانتقل إلى حصار قلعة الموت من قلاعهم فقتل عليها رئيس الشافعية بالري صدر الدين محمد بن الوزان وكان مقدما عنده ولازمه ثم عاد إلى خوارزم فوثب الملحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه فجهز ابنه قطب الدين لقتالهم فسار إلى قلعة مر نسيس من قلاعهم فحاصرها حتى سألوه في الصلح على مائة ألف دينار يعطونها فامتنع أولا ثم بلغه مرض أبيه فأجابهم وأخذ منهم المال المذكور وعاد والله أعلم.

وفاة خوارزم شاه

ثم توفي خوارزم شاه تكش بن البارسلان بن أتسز بن محمد أنوشتكين صاحب خوارزم بعد أن استولى على الكثير من خراسان وعلى الري وهمذان وغيرها من بلاد الجبل وكان قد سار من خوارزم إلى نيسابور فمات في طريقه إليها في رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان عند ما اشتد مرضه بعث لابنه قطب الدين محمد يخبره بحاله ويستدعيه فوصل بعد موته فبايع له أصحابه بالملك ولقبوه علاء الدين لقب أبيه وحمل شلو أبيه إلى خوارزم فدفنه بالمدرسة التي بناها هنالك وكان تكش عادلا عارفا بالأصول والفقه على مذهب أبي حنيفة ولما توفي ابنه علاء الدين محمد كان ولده الآخر علي شاه بأصبهان فاستدعاه أخوه محمد فسار إليه ونهب أهل أصبهان فخلعه وولاه أخوه على خراسان فقصد نيسابور وبها هندوخان ابن أخيهما ملك شاه منذ ولاه جده تكش عليها بعد أبيه ملك شاه وكان هندوخان يخاف عمه محمدا لعداوة بينه وبين أبيه ملك شاه ولما مات جده تكش نهب الكثير من خزائنه ولحق بمرو وبلغ وفاة تكش الى غياث الدين ملك غزنة فجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة إعظاما لقدره ثم جمع هندوخان جموعا وسار إلى خراسان فبعث علاء الدين محمد بن تكش العساكر لدفاعه مع جنقر التركي فخام هندوخان عن لقائه ولحق بغياث الدين مستنجدا فأكرمه ووعده النصر ودخل جنقر مدينة مرو وبعث بأم هندوخان وولده الى خوارزم مكرمين فأرسل غياث الدين صاحب غزنة إلى محمد بن ضربك نائبة بالطالقان أن ينبذ إلى جنقر العهد ففعل وسار من الطالقان إلى مروالروذ فملكها وبعث الى جنقر يأمره بالخطبة في مرو لغياث الدين أو يفارقها فبعث إليه جنقر يتهدده ظاهرا ويسأله سرا أن يستأمن له غياث الدين فقوي طمعه في البلاد بذلك وأمر أخاه شهاب الدين بالمسير إلى خراسان والله أعلم ٥/١١٤

ملوك الغورية استيلاء ملوك الغورية على أعمال خوارزم شاه محمد تكش بخراسان وارتجاعه إياها منهم ثم حصاره هراة من أعمالهم

ولما استأمن جنقر نائب مرو الى غياث الدين طمع في أعمال خوارزم شاه بخراسان كما قلناه واستدعاه أخوه شهاب الدين للمسير اليها فسار الى غزنة واستشار غياث الدين نائبة بهراة عمر بن محمد المرغني في المسير الى خراسان فنهاه عن ذلك ووصل أخوه شهاب الدين في عساكر غزنة والغور وسجستان وساروا منتصف سبع وتسعين ووصل كتاب جنقر نائب مرو الى شهاب الدين وهو بقرب الطالقان يحثه للوصول وأذن له غياث الدين فسار الى مرو وقاتل العساكر الذين بها من الخوارزمية فغلبهم وأحجرهم بالبلد وسار بالفيلة الى السور فاستأمن أهل البلد وأطاعوا وخرج جنقر الى شهاب الدين ثم جاء غياث الدين بعد الفتح الى هراة مكرما وسلم مرو الى هندوخان بن ملك شاه كما وعده ثم سار الى سرخس فملكها صلحا وولى عليها زنكي بن مسعود من بني عمه وأقطعه معها نسا وأبيورد ثم سار الى طوس وحاصرها ثلاثا واستأمن اليه أهلها فملكها وبعث الى علي شاه علاء الدين محمد بن تكش بنيسابور في الطاعة فامتنع فسار اليه وقاتل نيسابور من جانب وأخوه شهاب الدين من الجانب الآخر اليه سقوطه ودخلوا نيسابور وملكوها ونادوا بالأمان وجيء بعلي شاه من خوارزم الى غياث الدين فأمنه وأكرمه وبعثه بالامراء الخوارزمية الى هراة وولى على خراسان ابن عمه وصهره على ابنته ضياء الدين محمد بن علي الغوري ولقبه علاء الدين وأنزله نيسابور في جمع من وجوه الغورية وأحسن الى أهل نيسابور وسلم على شاه الى أخيه شهاب الدين ورحل الى هراة ثم سار شهاب الدين الى قهستان وقيل له عن قرية من قراها انهم إسماعيلية فأمر بقتلهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم وخرب القرية ثم سار الى حصن من ٥/١١٥

أعمال قهستان وهم إسماعيلية فملكه بالأمان بعد الحصار وولي عليه بعض الغورية فأقام بها الصواب وشعار الإسلام وبعث صاحب قهستان الى غياث الدين يشكو من أخيه شهاب الدين ويقول ان هذا نقض العهد الذي بيني وبينكم فما راعه الا نزول أخيه شهاب الدين على حصن آخر للاسماعيلية من أعمال دهستان فحاصره فبعث بعض ثقاته الى شهاب الدين يأمره بالرحيل فامتنع فقطع أطناب سرادقه ورحل مراغما وقصد الهند مغاضبا لأخيه ولما اتصل بعلاء الدين محمد بن تكش مسيرهما عن خراسان كتب الى غياث الدين يعاتبه عن أخذه بلاده ويطلب إعادتها ويتوعده باستنجاد الخطا عليه فماطله بالجواب الى خروج أخيه شهاب الدين من الهند لعجزه عن الحركة لاستيلاء مرض النقرس عليه فكتب خوارزم شاه الى علاء الدين الغوري نائب غياث الدين بنيسابور يأمره بالخروج عنها فكتب بذلك الى غياث الدين فأجابه يعده بالنصر وسار اليه خوارزم شاه محمد بن تكش آخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة فلما قرب أبيورد هرب هندوخان من موالي غياث الدين وملك محمد بن تكش مدينة مرو ونسا وأبيورد وسار الى نيسابور وبها علاء الدين الغوري فحاصرها وأطال حصارها حتى استأمنوا اليه واستحلفوه وخرجوا اليه فأحسن اليهم وسأل من علاء الدين الغوري السعي في الإصلاح بينه وبين غياث الدين فضمن ذلك وسار الى هراة وبها أقطاعه وغضب على غياث الدين لقعوده عن انجاده فلم يسر اليه وبالغ محمد بن تكش في الإحسان الى الحسن بن حرميل من أمراء الغورية ثم سار الى سرخس وبها الأمير زنكي من قرابة غياث الدين فحاصرها أربعين يوما وضيق مخنقها بالحرب وقطع الميرة ثم سأله زنكي الإفراج ليخرج عن الأمان فأفرج عنه قليلا ثم ملأ البلد من الميرة بما احتاج اليه وأخرج العاجزين عن الحصار وعاد الى شأنه فندم محمد بن تكش ورحل عنها وجهز عسكرا لحصارها وجاء نائب الطالقان ممدا لمحمد بن خربك داحس بعد ان أرسل اليه بأنه عساكر الخوارزمية المجمرة عليه وأشاع ذلك فأفرجوا عنه وجاء اليه زنكي من الطالقان فخرج معه ابن خربك الى مروالروذ وجبي خراجها وما يحاورها وبعث اليه محمد بن تكش عسكرا نحوا من ثلاثة آلاف مع خاله فلقيهم محمد بن خربك في تسعمائة فارس فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وغنم سوادهم وعاد خوارزم شاه محمد بن تكش الى خوارزم وأرسل الى غياث الدين في الصلح فأجابه مع الحسن بن محمد المرغني من كبراء ٥/١١٦

الغورية وغالطه في القول ولما وصل الحسن المرغني الى خوارزم شاه واطلع على أمره قبض على الحسن وسار الى هراة فحاصرها وكتب الحسن الى أخيه عمر بن محمد المرغني أمير هراة بالخبر فاستعد للحصار وقد كان لحق بغياث الدين أخوان من حاشية سلطان شاه عم محمد بن تكش المتوفى في سرخس فأكرمهما غياث الدين وأنزلهما بهراة فكاتبا محمد بن تكش وداخلاه في تمليكه هراة فسار لذلك وحاصر البلد وأميرها عمر المرغني مر الى الأخوين وعندهما مفاتيح البلد واطلع أخوه الحسن في محبسه على شأن الأخوين في مداخلة محمد بن تكش فبعث الى أخيه عمر بذلك فلم يسعفه فبعث اليه بخط أحدهما فقبض عليهما وعلى أصحابهما واعتقلهم وبعث محمد بن تكش عسكرا الى الطالقان للغارة عليها فظفر بهم ابن خربك ولم يفلت منهم أحد ثم بعث غياث الدين ابن أخته البوغاني في عسكر من الغورية فنزلوا قريبا من عسكر خوارزم شاه محمد بن تكش وقطع عنهم الميرة ثم جاء غياث الدين في عسكر قليل لأن أكثرها مع أخيه شهاب الدين بالهند وغزنة فنزل قريبا من هراة ولم يقدم على خوارزم فلما بلغ الحصار أربعين يوما وانهزم أصحاب خوارزم شاه بالطالقان ونزل غياث الدين وابن أخته البوغاني قريبا منه وبلغه وصول أخيه شهاب الدين من الهند الى غزنة أجمع الرحيل عن هراة وصالح عمر المرغني على مال حمله اليه وارتحل الى مرو منتصف ثمان وتسعين وسار شهاب الدين من غزنة الى بلخ ثم الى باميان معتزما على محاربة خوارزم شاه والتقت طلائعهما فقتل بين الفريقين خلق ثم ارتحل خوارزم شاه عن مرو فجفلا الى خوارزم وقتل الأمير سنجر صاحب نيسابور لاتهامه بالمخادعة وسار شهاب الدين الى طوس وأقام بها الى انسلاخ الشتاء معتزما على السير لحصار خوارزم فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين فرجع الى هراة واستخلف بمرو محمد بن خربك فسار اليه جماعة من أمراء خوارزم شاه سنة تسع وتسعين ابن خربك ولم ينج منهم الا القليل فبعث خوارزم شاه الجيوش مع منصور التركي لقتال ابن خربك ولقيهم على عشرة فراسخ من مرو وقاتلهم فهزموه ودخل مرو منهزما فحاصروه خمسة عشر يوما ثم استأمن اليهم وخرج فقتلوه وأسف ذلك شهاب الدين وترددت الرسل بينه وبين خوارزم شاه في الصلح فلم يتم وأراد العود الى غزنة فاستعمل على هراة ابن أخته البوغاني وملك علاء الدين بن أبي على الغوري مدينة مرو وزكورة وبلد الغور واعمال خراسان وفوض اليه في مملكته وعاد الى غزنة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ثم عاد خوارزم شاه الى هراة منتصف سنة ستمائة وبها البوغاني ابن أخت شهاب ٥/١١٧

الدين الغوري وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة الى لهاوون غازيا فحصر خوارزم شاه هراة الى منسلخ شعبان وهلك في الحصار بين الفريقين خلق وكان الحسن بن حرميل مقيما بخوزستان وهي اقطاعه فأرسل الى خوارزم شاه يخادعه ويطلب منه عسكرا يستلمون الفيلة وخزانة شهاب الدين فبعث اليه ألف فارس فاعترضهم هو والحسن بن محمد المرغني فلم ينج منهم الا القليل فندم خوارزم شاه على إنفاذ العسكر وبعث الى البوغاني أن يظهر بعض طاعته ويفرج عنه الحصار فامتنع ثم أدركه المرض فخشي أن يشغله المرض عن حماية البلد فيملكها عليه خوارزم شاه فرجع الى اجابته واستحلفة وأهدى وخرج له ليلقاه ويعطيه بعض الخدمة فمات في طريقه وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار الى سرخس فأقام بها.

حصار شهاب الدين خوارزم شاه وانهزامه أمام الخطا

ولما بلغ شهاب الدين بغزنة ما فعل خوارزم شاه بهراة وموت نائبة بها البوغاني ابن أخته وكان غازيا الى الهند فانثنى عزمه وسار الى خوارزم وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس وأقام بظاهر مرو فلما بلغه خبر مسيره أجفل راجعا الى خوارزم فسبق شهاب الدين اليها وأجرى الماء في السبخة حواليها وجاء شهاب الدين فأقام أربعين يوما يطرق المسالك حتى أمكنه الوصول ثم التقوا واقتتلوا وقتل بين الفريقين خلق كان منهم الحسن المرغني من الغورية وأسر جماعة من الخوارزمية فقتلهم شهاب الدين صبرا وبعث خوارزم شاه الى الخطا فيما وراء النهر يستنجدهم على شهاب الدين فجمعوا وساروا الى بلاد الغور وبلغ ذلك شهاب الدين فسار اليهم فلقيهم بالمفازة فهزموه وحصروه في أيد حوى حتى صالحهم وخلص الى الطالقان وقد كثر الإرجاف بموته فتلقاه الحسن بن حرميل صاحب الطالقان وأزاح علله ثم سار الى غزنة واحتمل ابن حرميل معه خشية من شدة جزعه أن يلحق بخوارزم شاه ويطيعه فولاه حجابته وسار معه ووجد الخلاف قد وقع بين أمرائه لما بلغهم من الإرجاف بموته حسبما مر في أخبار الغورية فأصلح من غزنة ومن الهند وتأهب للرجوع لخوارزم شاه وقد وقع في خبر هزيمته أمام الخطا بالمفازة وجه آخر ذكرناه هنالك وهو أنه فرق عساكره في المفازة لقلة الماء فأوقع بهم الخطا منفردين وجاء في الساقة فقاتلهم أربعة أيام مصابرا وبعث اليه صاحب ٥/١١٨

سمرقند من عسكر الخطا وكان مسلما وأشار عليه بالتهويل عليهم فبعث عسكرا من الليل وجاءوا من الغد متسايلين وخوفهم صاحب سمرقند بوصول المدد لشهاب الدين فرجعوا الى الصلح وخلص هو من تلك الواقعة وذلك سنة احدى وستمائة ومات شهاب الدين اثر ذلك.

استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان

كان نائب الغورية بهراة من خراسان الحسن بن حرميل ولما قتل شهاب الدين الغوري في رمضان سنة اثنتين وستمائة قام بأمرهم غياث الدين محمود ابن أخيه غياث الدين واستولى على الغور من يد علاء الدين محمد بن أبي علي سروركاه ولما بلغ وفاة شهاب الدين الى الحسن بن حرميل نائب هراة جمع أعيان البلد وقاضيهم واستحلفهم على الامتناع من خوارزم شاه ظاهرا ودس الى خوارزم شاه بالطاعة ويطلب عسكرا يمتنع به من الغورية وبعث ابنه رهينة في ذلك فأنفذ اليه عسكرا من نيسابور وأمرهم بطاعة ابن حرميل وغياث الدين خلال ذلك يكاتب ابن حرميل ويطلبه في الطاعة فيراوغه بالمواعدة وبلغه خبره مع خوارزم شاه فاعتزم على النهوض اليه واستشار ابن حرميل بهراة أعيان البلد يختبر ما عندهم فقال له علي بن عبد الخالق مدرس مية وناظر الأوقاف الرأي صدق الطاعة لغياث الدين فقال انما أخشاه فسر اليه وتوثق لي منه ففعل وسار الى غياث الدين فأطلعه على الجلي من أمر ابن حرميل ووعده الثورة به وكتب غياث الدين الى نائبة بمرو يستدعيه فتوقف وحمله أهل مرو على المسير فسار فخلع عليه غياث الدين وأقطعه واستدعى غياث الدين أيضا نائبة بالطالقان أميران قطر فتوقف فأقطع الطالقان سونج مملوك ابنه المعروف بأمير شكار وبعث الى ابن حرميل مع ابن زياد بالخلع ووصل معه رسوله يستنجز خطبته له فمطله أياما حتى وصل عسكر خوارزم شاه من نيسابور ووصل في أثرهم خوارزم شاه وانتهى الى بلخ على أربعة فراسخ فندم ابن حرميل عند ما عاين مصدوقة الطاعة وعرف عسكر خوارزم شاه بأن صاحبهم قد صالح غياث الدين وترك له البلاد فانصرفوا الى صاحبهم وبعث اليه معهم بالهدايا ولما سمع غياث الدين بوصول عسكر خوارزم شاه الى هراة أخذ اقطاع ابن حرميل وقبض على أصحابه واستصفى أمواله وما كان له من الذخيرة في حروبان وتبين ابن حرميل في أهل هراة الميل الى غياث الدين والانحراف عنه وخشي من ثورتهم به فأظهر طاعة غياث الدين وجمع أهل البلد على مكاتبته بذلك فكتبوا جميعا وأخرج الرسول بالكتاب ودس ٥/١١٩

اليه بأن يلحق عسكر خوارزم شاه فيردهم اليه فوصل الرسول بهم لرابع يومه ولقيهم ابن حرميل وأدخلهم البلد وسمل ابن زياد الفقيه وأخرج صاعدا القاضي وشيع الغورية فلحقوا بغياث الدين وسلم البلد لعسكر خوارزم شاه وبعث غياث الدين عسكره مع على بن أبي علي وسار معه أميران صاحب الطالقان وكان منحرفا عن غياث الدين بسبب عزله فدس الى ابن حرميل بأن يكبسه وواعده الهزيمة وحلف له على ذلك فكبسه ابن حرميل فانهزم عسكر غياث الدين وأسر كثير من أمرائه وشن ابن حرميل الغارة على بلاد باذغيس وغيرها من البلاد واعتزم غياث الدين على المسير بنفسه الى هراة ثم شغل عن ذلك بأمر غزنة ومسير صاحب باميان الى الدوس فأقصر واستظهر خوارزم شاه الى بلخ وقد كان عند مقتل شهاب الدين أطلق الغورية الذين كان أسرهم في المصاف على خوارزم وخيرهم في المقام عنده أو اللحاق بقومهم واستصفى من أكابرهم محمد بن بشير وأقطعه فلما قصد الآن بلخ قدم اليه أخوه علي شاه في العساكر وبرز اليه عمر بن الحسن أميرها فدافعه عنها ونزل على أربعة فراسخ وأرسل الى أخيه خوارزم شاه بذلك فسار اليه في ذي القعدة من السنة ونزل على بلخ وحاصرها وهم ينتظرون المدد من صاحبهم باميان بن بهاء الدين وقد شغلوا بغزنة فحاصرها خوارزم شاه أربعين يوما ولم يظفر فبعث محمد بن بشير الغوري الى عماد الدين عمر بن الحسن نائبها يستنزله فامتنع فاعتزم خوارزم شاه على المسير الى هراة ثم بلغه أن أولاد بهاء الدين أمراء باميان ساروا الى غزنة وأسرهم تاج الدين الزر فأعاد محمد بن بشير الى عمر بن الحسين فأجاب الى طاعة خوارزم شاه والخطبة له وخرج اليه فأعاده الى بلده وذلك في ربيع سنة ثلاث وستمائة ثم سار خوارزم شاه الى جوزجان وبها علي بن أبي علي فنزل له عنها وسلمها خوارزم شاه الى ابن حرميل لأنها كانت من أقطاعه وبعث الى غياث الدين عمر بن الحسين من بلخ يستدعيه ثم قبض عليه وبعث به الى خوارزم شاه وسار الى بلخ فاستولى عليها واستخلف عليها جغري التركي وعاد الى بلاده.

استيلاء خوارزم شاه على ترمذ وتسليمها للخطأ

ولما أخذ خوارزم شاه بلخ سار عنها الى ترمذ وبها عماد الدين عمر بن الحسين الذي كان صاحب بلخ وقدم اليه محمد بن بشير بالعذر عن شأن أبيه وانه انما بعثه لخوارزم مكرما وهو أعظم خواصه ويعده بالاطلاع فاتهم على صاحبها أمره واجتمع عليه خوارزم شاه ٥/١٢٠

والخطا من جميع جوانبه وأسر أصحابه ملوك باميان بغزنة فاستأمن الى خوارزم شاه وملك منه البلد ثم سلمها الى الخطا وهم على كفرهم ليسالموه حتى يملك وينتزعها منهم فكان كما قدره والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء خوارزم شاه على الطالقان

ولما ملك خوارزم شاه ترمذ سار الى الطالقان وبها سونج واستناب على الطالقان أمير شكار نائب غياث الدين محمود وبعث اليه يستميله فامتنع وبرز للحرب حتى تراءى الجمعان فنزل عن فرسه ونبذ سلاحه وجاء متطارحا في العفو عنه فأغرض عنه وملك الطالقان واستولى على ما فيها وبعث اليه سونج واستناب على الطالقان بعض أصحابه وسار الى قلاع كالومين ومهوار وبها حسام الدين علي بن أبي علي فقاتله ودفعه على ناحيته وسار الى هراة وخيم بظاهرها وجاء رسول غياث الدين بالهدايا والتحف ثم جاء ابن حرميل في جمع من عساكر خوارزم شاه الى أسفراين فملكها على الأمان في صفر من السنة وبعث الى صاحب سجستان وهو حرب بن محمد بن إبراهيم من عقب خلف الذي كان ملكها منذ عهد ابن سبكتكين في الطاعة لخوارزم والخطبة له فامتنع وقصد خوارزم شاه وهو على هراة القاضي صاعد بن الفضل الذي أخرجه ابن حرميل ولحق بغياث الدين فلما جاء الى خوارزم شاه رماه ابن حرميل بالميل الى الغورية فحبسه بقلعة زوزن وولي القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي وكان ينوب عن صاعد وابنه في القضاء.

استيلاء خوارزم شاه على مازندان وأعمالها

ثم توفي صاحب مازندان حسام الدين ازدشير وولى مكانه ابنه الأكبر وطرد أخاه الأوسط فقصد جرجان وبها الملك على شاه ينوب عن أخيه خوارزم شاه محمد بن تكش واستنجده فاستأذن أخاه وسار معه من جرجان سنة ثلاث وستمائة ومات الأخ الذي ولى على مازندان وولى مكانه أخوهما الأصغر ووصل على شاه ومعه أخو صاحب مازندان فعاثوا في البلاد وامتنع الملك بالقلاع مثل سارية وآمد فملكوها من يده وخطب فيها لخوارزم شاه وعاد علي شاه الى جرجان وترك ابن صاحب مازندان الذي استجار به ملكا في تلك البلاد وأخوه بقلعة كورة. ٥/١٢١

استيلاء خوارزم شاه على ما وراء النهر وقتاله مع الخطا وأسره وخلاصه

قد تقدم لنا كيف تغلب الخطا على ما وراء النهر منذ هزموا سنجر بن ملك شاه وكانوا أمة بادية يسكنون الخيام التي يسمونها الخركاوات وهم على دين المجوسية كما كانوا وكانوا موطنين بنواحي أوزكنده وبلاساغون وكاشغر وكان سلطان سمرقند وبخارى من ملوك الخانية الأقدمين عريقا في الإسلام والبيت والملك ويلقب خان خاقان بمعنى سلطان السلاطين وكان الخطا وضعوا الجزية على بلاد المسلمين فيما وراء النهر وكثر عيثهم وثقلت ووطأتهم فأنف صاحب بخارى من تحكمهم وبعث الى خوارزم شاه يستصرخه لحادتهم على أن يحمل اليه ما يحملونه للخطأ وتكون له الخطبة والسكة وبعث في ذلك وجوه بخارى وسمرقند فحلفوا له ووضعوا رهائنهم عنده فتجهز لذلك وولى أخاه على شاه على طبرستان مع جرجان وولى على نيسابور الأمير كزلك خان من أخواله وأعيان دولته وندب معه عسكرا وولى على قلعة زوزن أمين الدين أبا بكر وكان أصله حمالا فارتفع وترقي في الرتب الى ملك كرمان وولى على مدينة الجام الأمير جلدك وأقر على هراة الحسن بن حرميل وأنزل معه ألفا من المقاتلة واستناب في مرو وسرخس وغيرهما وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور وكرمسين وجمع عساكر وسار الى خوارزم فتجهز منها وعبر جيحون واجتمع بسلطان بخارى وسمرقند وزحف اليه الخطا فتواقعوا معه مرات وبقيت الحرب بينهم سجالا ثم انهزم المسلمون وأسر خوارزم شاه ورجعت العساكر الى خوارزم معلولة وقد أرجف بموت السلطان وكان كزلك خان نائب نيسابور محاصرا لهراة ومعه صاحب زوزن فرجعوا الى بلادهما وأصلح كزلك خان سور نيسابور واستكثر من الجند والأقوات وحدثته نفسه بالاستبداد وبلغ خبر الإرجاف الى أخيه علي شاه بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه وكان مع خوارزم شاه حين أسر أمير من أمرائه يعرف بابن مسعود فتحيل للسلطان بأن أظهر نفسه في صورته واتفقا على دعائه باسم السلطان وأوهما صاحبهما الذي أسرهما ان ابن مسعود هو السلطان وان خوارزم شاه خديمه فأوجب ذلك الخطائي حقه وعظمه لاعتقاده انه السلطان وطلب منه بعد أيام أن يبعث ذلك الخديم لأهله وهو خوارزم شاه في الحقيقة ليعرف أهله بخبره ويأتيه بالمال فيدفعه اليه فأذن له الخطائي في ذلك وأطلقه بكتابه ولحق بخوارزم ودخل اليها في يوم مشهود وعلم بما فعله أخوه علي شاه بطبرستان وكزلك خان بنيسابور وبلغهما خبر خلاصه ٥/١٢٢

فهرب كزلك خان الى العراق ولحق علي شاه بغياث الدين محمود فأكرمه وأنزله وسار خوارزم شاه الى نيسابور فأصلح أمورها وولى عليها وسار الى هراة فنزل عليها وعسكره محاصر دونها وذلك سنة أربع وستمائة والله أعلم.

مقتل ابن حرميل ثم استيلاء خوارزم شاه على هراة

كان ابن حرميل قد تنكر لعسكر خوارزم شاه الذين كانوا عنده بهراة لسوء سيرتهم فلما عبر خوارزم شاه جيحون واشتغل بقتال الخطا قبض ابن حرميل على العسكر وحبسهم وبعث الى خوارزم شاه يعتذر ويشكو من فعلهم فكتب اليه يستحسن فعله ويأمره بإنفاذ ذلك العسكر اليه ينتفع بهم في قتال الخطا وكتب الى جلدك بن طغرل صاحب الجام أن يسير اليه بهراة ثقة بفعله وحسن سريرته وأعلم ابن حرميل بذلك ودس الى جلدك بالتحيل على ابن حرميل بكل وجه والقبض عليه فسار في ألفى مقاتل وكان يهوي ولاية هراة لأن أباه طغرل كان واليا بها لسنجر فلما قارب هراة أمر ابن حرميل الناس بالخروج لتلقيه وخرج هو في أثرهم بعد ان أشار عليه وزيره خواجا الصاحب فلم يقبل فلما التقى جلدك وابن حرميل ترجلا عن فرسيهما للسلام وأحاط أصحاب جلدك بابن حرميل وقبضوا عليه وانهزم أصحابه الى المدينة فأغلق الوزير خواجا الأبواب واستعد للحصار وأظهر دعوة غياث الدين محمود وجاء جلدك فناداه من السور وتهدده بقتل ابن حرميل وجاء بابن حرميل حتى أمره بتسليم البلد لجلدك فأبي وأساء الرد عليه وعلى جلدك فقتل ابن حرميل وكتب الى خوارزم شاه بالخبر فبعث خوارزم شاه الى كزلك خان نائب نيسابور والى أمين الدين أبي بكر نائب زوزن بالمسير الى جلدك وحصار هراة معه فسار لذلك في عشرة آلاف فارس وحاصروها فامتنعت وكان خلال ذلك ما قدمناه من انهزام خوارزم شاه أمام الخطا وأسرهم إياه ثم تخلص ولحق بخوارزم ثم جاء الى نيسابور ولحق بالعساكر الذين يحاصرون هراة فأحسن الى أمرائهم لصبرهم وبعث الى الوزير خواجا في تسليم البلد لانه كان يعد عسكره بذلك حين وصوله فامتنع وأساء الرد فشد خوارزم في حصاره وضجر أهل المدينة وجهدهم الحصار وتحدثوا في الثورة فبعث جماعة من الجند للقبض عليه فثاروا بالبلد وشعر جماعة العسكر من خارج بذلك فرجعوا الى السور واقتحموه وملك البلد عنوة وجيء بالوزير أسيرا الى خوارزم شاه فأمر بقتله فقتل وكان ذلك سنة خمس وستمائة وولي على هراة خاله أمير ملك وعاد وقد استقر له أمر خراسان. ٥/١٢٣

استيلاء خوارزم شاه على بيروز كوه وسائر بلاد خراسان

لما ملك خوارزم شاه هراة وولى عليها خاله أمير ملك وعاد الى خوارزم بعث الى أمير ملك يأمره بيروزكوه وكان بها غياث الدين محمود بن غياث الدين وقد لحق به أخوه علي شاه وأقام عنده فسار أمير ملك وبعث اليه محمود بطاعته ونزل اليه فقبض عليه أمير ملك وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه وقتلهما جميعا سنة خمس وستمائة وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه محمد بن تكش وانقرض أمر الغورية وكانت دولتهم من أعظم الدول وأحسنها والله تعالى ولى التوفيق.

هزيمة الخطا

ولما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه واستنغر وعبر نهر جيحون وسار اليه الخطا وقد احتفلوا للقائه وملكهم يومئذ طانيكوه ابن مائة سنة ونحوها وكان مظفرا مجربا بصيرا بالحرب واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وبخارى وتراجعوا سنة ست وستمائة ووقعت بينهم حروب لم يعهد مثلها ثم انهزم الخطا وأخذ فيهم القتل كل مأخذ وأسر ملكهم طانيكوه فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه على سريره وبعث به الى خوارزم وسار هو الى وراء النهر وملكها مدينة مدينة الى أوركند وأنزل نوابه فيها وعاد الى خوارزم ومعه صاحب سمرقند فأصهر اليه خوارزم شاه بأخته ورده الى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان أيام الخطا والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.

انتقاض صاحب سمرقند

ولما عاد صاحب سمرقند الى بلده أقام شحنة خوارزم شاه وعسكره معه نحوا من سنة ثم استقبح سيرتهم وتنكر لهم وأمر أهل البلاد فثاروا بهم وقتلوهم في كل مذهب وهم بقتل ٥/١٢٤

زوجته أخت خوارزم شاه فغلقت الأبواب دونه واسترحمته فتركها وبعث الى ملك الخطا بالطاعة وبلغ الخبر الى خوارزم شاه فامتعض وهم بقتل من في بلده من أهل سمرقند ثم انثنى عن ذلك وأمر عساكره بالتوجه الى ما وراء النهر فخرجوا أرسالا وهو في أثرهم وعبر بهم النهر ونزل على سمرقند وحاصرها ونصب عليها الآلات وملكها عنوة واستباحها ثلاثا قتل فيها نحوا من مائتي ألف واعتصم صاحبها بالقلعة ثم حاصرها وملكها عنوة وقتل صاحبها صبرا في جماعة من أقرانه ومحا آثار الخانية وأنزل في سائر البلاد وراء النهر نوابه وعاد الى خوارزم والله تعالى ولى النصر بمنه وفضله.

استلحام الخطا

قد تقدم لنا وصول طائفة من أمم الترك الى بلاد تركستان وكاشغر وانتشارهم فيما وراء النهر واستخدموا للملوك الخانية أصحاب تركستان وكان ارسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم مسالح على الريف فيما بينه وبين الصين ولهم على ذلك الاقطاعات والجرايات وكان يعاقبهم على ما يقع منهم من الفساد والعيث في البلاد ويوقع بهم ففروا من بلاده وابتغوا عنه فسيحا من الأرض ونزلوا بلاساغون ثم خرج كوخان ملك الترك الأعظم من الصين سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فسارت اليه أمم الخطا ولقيهم الخان محمود بن محمد بن سليمان بن داود بقراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر فهزموه وبعث بالصريخ الى خاله سنجر فاستنفر ملوك خراسان وعساكر المسلمين وعبر جيحون للقائهم في صفر سنة ست وثلاثين ولقيه أمم الترك والخطا فهزموه واثخنوا في المسلمين وأسرت زوجة السلطان سنجر ثم أطلقها كوخان بعد ذلك وملك الترك بلاد ما وراء النهر ثم مات كوخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته وماتت قريبا وملكت من بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد ثم انقرض ملكهم واستولى الخطا على ما وراء النهر الى آن غلبهم عليه خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش كما قدمنا وكانت قد خرجت قبل ذلك خارجة عظيمة من الترك يعرفون بالتتر ونزلوا في حدود الصين وراء تركستان وكان ملكهم كشلى خان ووقع بينه وبين الخطا من العداوة والحروب ما يقع بين الأمم المتجاورة فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بالخطا أرادوا الانتقام منهم وزحف كشلى في أمم التتر الى الخطا لينتهز الفرصة فيهم فبعث الخطا الى خوارزم شاه يتلطفون له ويسألونه النصر من عدوهم قبل أن يستحكم أمرهم وتضيق عنه قدرته وقدرتهم وبعث اليه كشلى يغريه بهم وأن يتركه وإياهم ويحلف له على مسالمة بلاده فسار خوارزم شاه ٥/١٢٥

يوهم كل واحد من الفريقين انه له وأقام منتبذا عنهما حتى تواقعوا وانهزم الخطا فمال مع التتر عليهم واستلحموهم في كل وجه ولم ينج منهم الا القليل فتحصنوا بين جبال في نواحي تركستان وقليل آخرون لحقوا بخوارزم شاه كانوا معه وبعث خوارزم شاه الى كشلى خان ملك التتر يعتد عليه بهزيمة الخطا وانها انما كانت بمظاهرته فأظهر له الاعتراف وشكره ثم نازعه في بلادهم وأملاكهم وسار لحربهم ثم علم انه لا طاقة له بهم فمكث يراوغهم على اللقاء كشلى خان يعذ له في ذلك وهو يغلطه واستولى كشلى خان خلال ذلك على كاشغر وبلاد تركستان وبلاساغون ثم عمد خوارزم شاه الى الشاش وفرغانة واسحان وكاشان وما حولها من المدن التي لم يكن في بلاد الله انزه منها ولا أحسن عمارة فجلا أهلها الى بلاد الإسلام وخرب جميعها خوفا أن يملكها التتر ثم اختلف التتر بعد ذلك وخرج على كشلى طائفة أخرى منهم يعرفون بالمغل وملكهم جنكزخان فشغل كشلى خان بحربهم عن خوارزم شاه فعبر النهر الى خراسان وترك خوارزم شاه الى أن كان من أمره ما نذكره والله تعالى أعلم.

استيلاء خوارزم شاه على كرمان ومكران والسند

قد تقدم لنا أنه كان من جملة أمراء خوارزم شاه تكش تاج الدين أبو بكر وانه كان كريا للدواب ثم ترقت به الأحوال الى أن صار سروان لتكش والسروان مقدم الجهاد ثم تقدم عنده لجلده وإماتته وصار أمير وولاه قلعة زوزن ثم تقدم عند علاء الدين محمد بن تكش واختصه فأشار عليه بطلب بلاد كرمان لما كانت مجاورة لوطنه فبعث معه عسكرا وسار الى كرمان سنة اثنتي عشرة وصاحبها يومئذ محمد بن حرب أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر فغلبه على بلاده وملكها ثم سار الى كرمان وملكها كلها الى السند من نواحي كابل وسار الى هرمز من مدن فارس بساحل البحر واسم صاحبها مكيك فأطاعه وخطب لخوارزم شاه وضمن مالا يحمله وخطب له بقلعات وبعض عمان من وراء النهر لانهم كانوا يتقربون الى صاحب هرمز بالطاعة وتسير سفنهم بالتجار الى هرمز لانه المرسي العظيم الذي تسافر اليه التجار من الهند والصين وكان بين صاحب هرمز وصاحب كيش مغاورات وفتن وكل واحد منهما ينهى مراكب بلاده أن ترسي ببلاد الآخر وكان خوارزم شاه يطيف بنواحي سمرقند خشية أن يقصد التتر أصحاب كشلى خان بلاده ٥/١٢٦

استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها

ولما استولى خوارزم شاه محمد بن تكش على بلاد خراسان وملك باميان وغيرها وبعث تاج الدين المرز صاحب غزنة وقد تغلب عليها بعد ملوك الغورية وقد تقدم في أخبار دولتهم فبعث اليه في الخطبة له وأشار عليه كبير دولته قطلغ تكين مولى شهاب الدين الغوري وسائر أصحابه بالإجابة الى ذلك فخطب له ونقش السكة باسمه وسار قنصيرا وترك قطلغ تكين بغزنة نائبا عنه فبعث قطلغ تكين لخوارزم شاه يستدعيه فأغذ له السير وملك غزنة وقلعتها وقتل الغورية الذين وجدوا بها خصوصا الأتراك وبلغ الخبر المرز فهرب الى أساون ثم أحضر خوارزم شاه قطلغ ووبخه على قلة وفائه لصاحبه وصادره على ثلاثين حملا من أصناف الأموال والأمتعة وأربعمائة مملوك ثم قتله وعاد الى خوارزم وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة وقيل سنة اثنتي عشرة بعد ان استخلف عليها ابنه جلال الدين منكبرس والله أعلم بغيبه وأحكم.

استيلاء خوارزم شاه على بلاد الجبل

كان خوارزم شاه محمد بن تكش قد ملك الرها وهمذان وبلاد الجبل كلها أعوام تسعين وخمسمائة من يد قطلغ آبنايخ بقية أمراء السلجوقية ونازعه فيها ابن القصاب وزير الخليفة الناصر فغلبه خوارزم شاه وقتله كما مر في أخباره ثم شغل عنها تكش الى أن توفي وذلك سنة سبع وتسعين وصار ملكه لابنه علاء الدين محمد بن تكش وتغلب موالي البهلوان على بلاد الجبل واحدا بعد واحد ونصبوا أزبك بن مولاهم البهلوان ثم انتقضوا عليه وخطبوا لخوارزم شاه وكان آخر من ولى منهم أغماش وأقام بها مدة يخطب لعلاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه ثم وثب عليه بعض الباطنية وطمع أزبك بن محمد البهلوان بقية الدولة السلجوقية بآذربيجان واران في الاستيلاء على أعمال أصبهان والري وهمذان وسائر بلاد الجبل وطمع سعد بن زنكي صاحب فارس ويقال سعد بن دكلا في الاستيلاء عليها أيضا كذلك وسار في العساكر فملك أزبك أصبهان بممالأة أهلها وملك سعد الري وقزوين وسمنان وطار الخبر الى خوارزم شاه بأصبهان بسمرقند فسار في العساكر سنة أربع عشرة وستمائة في مائة ألف بعد ان جهز العساكر فيما وراء النهر وبثغور الترك وانتهى الى قومس ففارق العساكر وسار متجردا في اثني عشر ألفا فلما ظفرت مقدمته بأهل الري وسعد مخيم بظاهرها ركب ٥/١٢٧

للقتال بظن انه السلطان ثم تبين الآلة والمركب واستيقن انه السلطان فولت عساكره منهزمة وحصل في أسر السلطان وبلغ الخبر الى أزبك بأصبهان فسار الى همذان ثم عدل عن الطريق في خواصه وركب الاوعار الى أذربيجان وبعث وزيره أبا القاسم بن علي بالاعتذار فبعث اليه في الطاعة فأجابه وحمله الضريبة فاعتذر بقتال الكرج وأما سعد صاحب فارس فبلغ الخبر بأسره الى ابنه نصرة الدين أبي بكر فهاج بخلعان أبيه وأطلق السلطان سعدا على أن يعطيه قلعة إصطخر ويحمل اليه ثلث الخراج وزوجه بعض قرابته وبعث معه من رجال الدولة من يقبض إصطخر فلما وصل الى شيراز وجد ابنه منتقضا فداخله بعض أمراء ابنه وفتح له باب شيراز ودخل على ابنه واستولى على ملكه وخطب لخوارزم شاه واستولى خوارزم شاه على شاورة وقزوين وجرجان وابهر وهمذان وأصبهان وقم وقاشان وسائر بلاد الجبل واستولى عليها كلها من أصحابها واختص الأمير طائيين بهمذان وولى ابنه ركن الدولة ياور شاه عليهم جميعا وجعل معه جمال الدين محمد بن سابق الشاوي وزيرا.

طلب الخطبة وامتناع الخليفة منها

ثم بعد ذلك بعث خوارزم شاه محمد بن تكش الى بغداد يطلب الخطبة بها من الخليفة كما كانت لبني سلجوق وذلك سنة أربع عشرة وذلك لما رأي من استفحال أمره واتساع ملكه فامتنع الخليفة من ذلك وبعث في الاعتذار عنه الشيخ شهاب الدين السهروردي فأكبر السلطان مقدمه وقام لتلقيه وأول ما بدأ به الكلام على حديث الخطبة ببغداد وجلس على ركبتيه لاستماعه ثم تكلم وأطال وأجاد وعرض بالموعظة في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم في بني العباس وغيرهم والتعرض لاذايتهم فقال السلطان حاش لله من ذلك وأنا ما آذيت أحدا منهم وأمير المؤمنين كان أولى مني بموعظة الشيخ فقد بلغني أن في محبسه جماعة من بني العباس مخلدين يتناسلون فقال الشيخ الخليفة إذا حبس أحدا للإصلاح لا يعترض عليه فيه فما بويع الا للنظر في المصالح ثم ودعه السلطان ورجع الى بغداد وكان ذلك قبل أن يسير الى العراق فلما استولى على بلاد الجبل وفرغ من أمرها سار الى بغداد وانتهى الى عقبة سراباد وأصابه هنالك ثلج عظيم أهلك الحيوانات وعفن أيدي الرجال وأرجلهم حتى ٥/١٢٨

قطعوها ووصله هنالك شهاب الدين السهروردي ووعظه فندم ورجع عن قصده فدخل الى خوارزم سنة خمس عشرة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق.

قسمة السلطان خوارزم شاه الملك بين ولده

ولما استكمل السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش ملكه بالاستيلاء على الري وبلاد الجبل قسم أعمال ملكه بين ولده فجعل خوارزم وخراسان ومازندان لولى عهده قطب الدين أولاغ شاه وانما كان ولى عهده دون ابنه الأكبر جلال الدين منكبرس لأن أم قطب الدين وأم السلطان وهي تركمان خاتون من قبيلة واحدة وهم فياروت من شعوب يمك احدى بطون الخطا فكانت تركمان خاتون متحكمة في ابنها السلطان محمد بن تكش وجعل غزنة وباميان والغور وبست ومكساماد وما من الهند لابنه جلال الدين منكبرس وكرمان وكيس ومكرمان لابنه غياث الدين يتر شاه وبلاد الجبل لابنه ركن الدين غور شاه كما قدمناه وأذن لهم في ضرب النوب الخمس له وهي دبادب صغار تقرع عقب الصلوات الخمس واختص هو بنوبة سماها نوبة ذي القرنين سبع وعشرين دبدبة كانت مصنوعة من الذهب والفضة مرصعة بالجواهر هكذا ذكر الوزير محمد بن أحمد السنوي المنشى كاتب جلال الدين منكبرس في أخباره ابنه علاء الدين محمد بن تكش وعلى كتابه اعتمدت دون غيره لانه أعرف بأخبارهما وكانت كرمان ومكران وكيش لمؤيد الملك قوام الدين وهلك منصرف السلطان من العراق فأقطعها لابنه غياث الدين كما قلناه وكان الملك هذا سوقة فأصبح ملكا وأصل خبره أن أمه كانت داية في دار نصرة الدين محمد بن أبز صاحب زوزن ونشأ في بيته واستخدمه وسفر عنه للسلطان فسعى به أنه من الباطنية ثم رجع فخوفه من السلطان بذلك فانقطع نصرة الدين الى الإسماعيلية وتحصن ببعض قلاع زوزن وكتب قوام الدين بذلك الى السلطان فجعل اليه وزارة زوزن وولاية جبايتها ولم يزل يخادع صاحبه نصرة الدين الى أن راجع فتمكن من السلطان وسمله ثم طمع قوام الدين في ملك كرمان وكان بها أمير من بقية الملك دينار وأمده السلطان بعسكر من خراسان فملك كرمان وحسن موقع ذلك من السلطان فلقبه مؤيد الملك وجعلها في أقطاعه ولما رجع السلطان من العراق وقد نفقت جماله بعث اليه بأربعة آلاف بختي وتوفي أثر ذلك فرد السلطان أعماله الى ابنه غياث الدين كما قلناه وحمل من تركته الى السلطان سبعون حملا من الذهب خلا الأصناف ٥/١٢٩

أخبار تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش

كانت تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش من قبيلة بياروت من شعوب الترك يمك من الخطا وهي بنت خان حبكش من ملوكهم تزوجها السلطان خوارزم شاه تكش فولدت له السلطان محمدا فلما ملك لحق بها طوائف يمك ومن جاورهم من الترك واستظهرت بهم وتحكمت في الدولة فلم يملك السلطان معها أمره وكانت تولى في النواحي من جهتها كما يولي السلطان وتحكم بين الناس وتنحف من الظلامات وتقدم على الفتك والقتل وتقيم معاهد الخير والصدقة في البلاد وكان لها سبعة من الموقعين يكتبون عنها وإذا عارض توقيعها لتوقيع السلطان عمل بالمتأخر منهما وكان لقبها خداوند جهان أي صاحبة العالم وتوقيعها في الكتاب عصمة الدنيا والدين اولاغ تركمان ملك نساء العالمين وعلامتها اعتصمت بالله وحده تكتبها بقلم غليظ وتجود كتابتها أن ترور عليها واستورت للسلطان وزيره نظام الملك وكان مستخدما لها فلما عزل السلطان وزيره أشارت عليه بوزارة نظام الملك هذا فوزر له على كره من السلطان وتحكم في الدولة بتحكمها ثم تنكر له السلطان لأمور بلغته عنه وعزله فاستمر على وزارتها وكان شأنه في الدولة أكبر وشكاه اليه بعض الولاة بنواحي خوارزم أنه صادره فأمر بعض خواصه بقتله فمنعته تركمان من ذلك وبقي على حاله وعجز السلطان عن إنفاذ أمره فيه والله يؤيد بنصره من يشاء.

التتر (خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان

ولما عاد السلطان من العراق سنة خمس عشرة كما قدمناه واستقر بنيسابور وفدت عليه رسل جنكزخان بهدية من المعدنين ونوافج المسك وحجر البشم والثياب الطائية التي تنسج من وبر الإبل البيض ويخبر أنه ملك الصين وما يليها من بلاد الترك ويسأل الموادعة والاذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم وكان في خطابه اطراء السلطان بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك واستدعى محمودا الخوارزمي من الرسل واصطنعه ليكون عينا له على جنكزخان واستخبره على ما قاله في كتابه من ملكه الصين واستيلائه على مدينة ٥/١٣٠

طوغاج فصدق ذلك ونكر عليه الخطاب بالولد وسأله عن مقدار العساكر فغشه وقللها وصرفهم السلطان بما طلبوه من الموادعة والاذن للتجار فوصل بعض التجار من بلادهم الى انزار وبها نيال خان ابن خال السلطان في عشرين ألفا من العساكر فشره الى أموالهم وخاطب السلطان بأنهم عيون وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم فقتلهم خفية وأخذ أموالهم وفشا الخبر الى جنكزخان فبعث بالنكير الى السلطان في نقض العهد وان كان فعل نيال افتياتا فبعث اليه يتهدده على ذلك فقتل السلطان الرسل وبلغ الخبر الى جنكزخان فسار في العساكر واعتزم السلطان أن يحصن سمرقند بالاسوار فجبي لذلك خراج سنتين وجبي ثالثة استخدم بها الفرسان وسار الى احياء جنكزخان فكبسهم وهو غائب عنها في محاربة كشلي خان فغنم ورجع واتبعهم ابن جنكزخان فكانت بينهم واقعة عظيمة هلك فيها كثير من الفريقين ولجأ خوارزم شاه الى جيحون فأقام عليه ينتظر شأن التتر ثم عاجله جنكزخان فأجفل وتركها وفرق عساكره في مدن ما وراء النهر انزار وبخارى وسمرقند وترمذ وجند وأنزل آبنايخ من كبراء أمرائه وحجاب دولته في بخارى وجاء جنكزخان الى انزار فحاصرها وملكها غلابا وأسر أميرها نيال خان الذي قتل التجار وأذاب الفضة في أذنيه وعينيه ثم حاصر بخارى وملكها على الأمان وقاتلوا معه القلعة حتى ملكوها ثم غدر بهم وقتلهم وسلبهم وخربها ورحل جنكزخان الى سمرقند ففعلوا فيها مثل ذلك سنة تسع عشرة وستمائة ثم كتب كتبا على لسان الأمراء قرابة أم السلطان يستدعون جنكزخان ويعدها بزيادة خراسان الى خوارزم وبعث من يستخلفه على ذلك وبعث الكتب مع من يتعرض بها للسلطان فلما قرأها ارتاب بأمه وبقرابتها.

إجفال السلطان خوارزم شاه الى خراسان ثم الى طبرستان ومهلكه

ولما بلغ السلطان استيلاء جنكزخان على انزار وبخارى وسمرقند وجاءه نائب بخارى ناجيا في الفل أجفل حينئذ وعبر جيحون ورجع عنه طوائف الخطا الذين كانوا معه وعلاء الدين صاحب قيدر وتخاذل الناس وسرح جنكزخان العساكر في أثره نحوا من عشرين ألفا يسميهم التتر المغربة لسيرهم نحو غرب خراسان فتوغلوا في البلاد وانتهوا الى بلاد بيجور واكتسحوا كل ما مروا عليه ووصل السلطان الى نيسابور فلم يثبت بها ودخل الى ناحية العراق بعد أن أودع أمواله قال المنشي في كتابه حدثني الأمير تاج الدين البسطامي قال لما انتهى خوارزم شاه في مسيره الى العراق استحضرني وبين يديه عشرة صناديق مملوءة لآلئ لا تعرف قيمتها وقال في ٥/١٣١

اثنين منها فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها وأمرني بحملها الى قلعة اردهز من أحصن قلاع الأرض وأخذت خط يد الموالي بوصولها ثم أخذها التتر بعد ذلك حين ملكوا العراق انتهى ولما ارتحل خوارزم شاه من نيسابور قصد مازندران والتتر في أثره ثم انتهى الى أعمال همذان فكبسوه هناك ونجا الى بلاد الجبل وقتل وزيره عماد الملك محمد بن نظام الملك وأقام هو بساحل البحر بقرية عند الفريضة يصلي ويقرأ ويعاهد الله على حسن السيرة ثم كبسه التتر أخرى فركب البحر وخاضوا في أثره فغلبهم الماء ورجعوا ووصلوا الى جزيرة في بحر طبرستان فأقام بها وطرقه المرض فكان جماعة من أهل مازندان يمرضونه ويحمل اليه كثيرا من حاجته فيوقع لحاملها بالولايات والاقطاع وأمضى ابنه جلال الدين بعد ذلك جميعها ثم هلك سنة سبع عشرة وستمائة ودفن بتلك الجزيرة لإحدى وعشرين سنة من ملكه بعد أن عهد لابنه جلال الدين منكبرس وخلع ابنه الأصغر قطب الدين أولاغ شاه ولما بلغ خبر اجفاله الى أمه تركمان خاتون بخوارزم خرجت هاربة بعد أن قتلت نحوا من عشرين من الملوك والأكابر المحبوسين هنالك ولحقت بقلعة ايلان من قلاع مازندان فلما رجع التتر المغربة عن السلطان خوارزم شاه بعد ان خاض بحر طبرستان الى الجزيرة التي مات بها فقصدوا مازندان وملكوا قلاعها على ما فيها من الامتناع ولقد كان فتحها بأخر الى سنة تسعين أيام سليمان بن عبد الملك فملكوها واحدة واحدة وحاصروا تركمان خاتون في قلعة ايلان الى أن ملكوا القلعة صلحا وأسروها وقال ابن الأثير انهم لقوها في طريقها الى مازندان فأحاطوا بها وأسروها ومن كان معها من بنات السلطان وتزوجهن التتر وتزوج دوشي خان بن جنكزخان بإحداهن وبقيت تركمان خاتون أسيرة عندهن في خمول وذل وكانت تحضر سماط جنكزخان كاحداهن وتحمل قوتها منه وكان نظام الملك وزير السلطان مع أمه تركمان خاتون فحصل في قبضة جنكزخان وكان عندهم معظما لما بلغهم من تنكر السلطان له وكانوا يشاورونه في أمر الجباية فلما استولى دوشي خان على خوارزم وجاء بحرم السلطان الذين كانوا بها وفيهن مغنيات فوهب احداهن لبعض خدمه فمنعت نفسها منه ولجأت للوزير نظام الملك فشكاه ذلك الخادم لجنكزخان ورماه بالجارية فأحضره جنكزخان وعدد عليه خيانة استاذه وقتله.

مسير التتر بعد مهلك خوارزم شاه من العراق الى أذربيجان وما وراءها من البلاد هنالك

ولما وصل التتر الى الري في طلب خوارزم شاه محمد بن تكش سنة سبع عشرة وستمائة ولم ٥/١٣٢

يحدوه عادوا الى همذان واكتسحوا ما مروا عليه وأخرج اليهم أهل همذان ما حضرهم من الأموال والثياب والدواب فأمنوهم ثم ساروا الى زنجان ففعلوا كذلك ثم الى قزوين فامتنعوا منهم فحاصروها وملكوها عنوة واستباحوها ويقال أن القتلى بقزوين زادوا على أربعين ألفا ثم هجم غليهم الشتاء فساروا الى أذربيجان على شأنهم من القتل والاكتساح وصاحبها يومئذ أزبك بن البهلوان مقيم بتبريز عاكف على لذاته فراسلهم وصانعهم وانصرفوا الى بوقان ليشتوا بالسواحل ومروا الى بلاد الكرج فجمعوا لقتالهم فهزمهم التتر وأثخنوا فيهم فبعثوا الى ازبك صاحب أذربيجان والى الأشرف بن العادل بن أيوب صاحب خلاط والجزيرة يطلبون اتصال أيديهم على مدافعة التتر وانضاف الى التتر اقرش من موالي أزبك واليه جموع من التركمان والأكراد وسار مع التتر الى الكرج واكتسحوا بلادهم وانتهوا الى بلقين وسار اليهم الكرج فلقيهم اقرش أولا ثم لقيهم التتر فانهزم الكرج وقتل منهم ما لا يحصى وذلك في ذي القعدة من سنة سبع عشرة ثم عاد التتر الى مراغة ومروا بتبريز فصانعهم صاحبها كعادته وانتهوا الى مراغة فقاتلوها أياما وبها امرأة تملكها ثم ملكوها في صفر سنة ثماني عشرة واستباحوها ثم رحلوا عنها الى مدينة اربل وبها مظفر الدين بن فاستمد بدر الدين صاحب الموصل فأمده بالعساكر ثم هم بالخروج لحفظ الدروب على بلاده فجاءت كتب الخليفة الناصر اليهم جميعا بالمسير الى دقوقا ليقيموا بها مع عساكره ويدافع عن العراق وبعث معهم بشتمر كبير أمرائه وجعل المقدم على الجميع مظفر الدين صاحب اربل فخاموا عن لقاء التتر وخام التتر عن لقائهم وساروا الى همذان وكان لهم بها شحنة منذ ملكوها أولا فطالبوه بفرض المال على أهلها وكان رئيس همذان شريفا علويا قديم الرئاسة بها فحضهم على ذلك فضجروا وأساءوا الرد عليه وأخرجوا الشحنة وقاتلوا التتر وغضب العلوي فتسلل عنهم الى قلعة بقربها فامتنع وزحف التتر الى البلد فملكوه عنوة واستباحوه واستلحموا أهله ثم عادوا الى أذربيجان فملكوا أردبيل واستباحوها وخربوها وساروا الى تبريز وقد فارقها ازبك بن البهلوان صاحب أذربيجان واران وقصد نقجوان وبعث بأهله وحرمه الى حوى فرارا من التتر لعجزه وانهماكه فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي وجمع أهل البلد واستعد للحصار فأرسل اليه التتر في المصانعة فصانعهم وساروا الى مدينة سوا ٥/١٣٣

فاستباحوها وخربوها وساروا الى بيلقان فحاصروها وبعثوا الى أهل البلد رجلا من أكابرهم يقرر معهم في المصانعة والصلح فقتلوه فأسرى التتر في حصارهم وملكوا البلد عنوة في رمضان سنة ثمان عشرة واستلحموا أهلها وأفحشوا في القتل والمثلة حتى بقروا البطون على الأجنة واستباحوا جميع الضاحية قتلا ونهبا وتخريبا ثم ساروا الى قاعدة اران وهي كنجة ورأوا امتناعها فطلبوا المصانعة من أهلها فصانعوهم ولما فرغوا من أعمال أذربيجان واران ساروا الى بلاد الكرج وكانوا قد جمعوا لهم واستعدوا ووقعوا في حدود بلادهم فقالتهم التتر فهزموهم الى بلقين قاعدة ملكهم فجمعوا هنالك ثم خاموا عن لقائهم لما رأوا من اقتحامهم المضايق والجبال فعادوا الى بلقين واستولى التتر على نواحيها فخربوها كيف شاءوا ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة الاوعار والدوسرات فعادوا عنها ثم قصدوا درنبر شروان وحاصروا مدينة سماهي وفتكوا في أهلها ووصلوا الى السور فعالوه باشلاء القتلى حتى ساموه واقتحموا البلد فأهلكوا كل من فيه ثم قصدوا الدربند فلم يطيقوا عبوره فأرسلوا الى شروان في الصلح فبعث اليهم رجلا من أصحابه فقتلوا بعضهم واتخذوا الباقين أذلاء فسلكوا بهم دربند شروان وخرجوا الى الأرض الفسيحة وبها أمم القفجاق واللان واللكن وطوائف من الترك مسلمون وكفار فأوقعوا بتلك الطوائف واكتسحوا عامة البسائط وقاتلهم قفجاق واللان ودافعوهم ولم يطق التتر مغالبتهم ورجعوا وبعثوا الى القفجاق وهم واثقون بمسالمتهم فأوقعوا بهم وجر من كان بعيدا منهم الى بلاد الروس واعتصم آخرون بالجبال والغياض واستولى التتر على بلادهم وانتهوا الى مدينتهم الكبرى سراي على بحر نيطش المتصل بخليج القسطنطينية وهي مادتهم وفيها تجارتهم فملكها التتر وافترق أهلها في الجبال وركب بعضهم الى بلاد الروم في ايالة بني قلج ارسلان ثم سار التتر سنة عشر وستمائة من بلاد قفجاق الى بلاد الروم المجاورة لها وهي بلاد فسيحة وأهلها يدينون بالنصرانية فساروا الى مدافعتهم في تخوم بلادهم ومعهم جموع من القفجاق سافروا اليهم فاستطرد لهم التتر مراحل ثم كروا عليه وهم غارون فطاردهم القفجاق والروم أياما ثم انهزموا وأثخن التتر فيهم ٥/١٣٤

قتلا وسبيا ونهبا وركبوا السفن هاربين الى بلاد المسلمين وتركوا بلادهم فاكتسحها التتر ثم عادوا اليها وقصدوا بلغار أواخر السنة واجتمع أهلها وساروا للقائهم بعد أن أكمنوا لهم ثم استطردوا أمامهم وخرج عليهم الكمناء من خلفهم فلم ينج منهم الا القليل وارتحلوا عائدين الى جنكزخان بأرض الطالقان ورجع القفجاق الى بلادهم واستقروا فيها والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.

أخبار خراسان بعد مهلك خوارزم شاه

قد كنا قدمنا مهلك خوارزم شاه ومسير هؤلاء التتر المغربة في طلبه ثم انتهائهم بعد مهلكه الى النواحي التي ذكرناها وكان جنكزخان بعد إجفال خوارزم شاه من جيحون وهو بسمرقند قد بعث عسكرا الى ترمذ فساروا منها الى كلات من أحصن القلاع الى جانب جيحون فاستولوا عليها وأوسعوها نهبا وسير عسكرا آخر الى فرغانة وكذلك عسكرا آخر الى خوارزم وعسكرا آخر الى خوزستان فعبر عسكر خراسان الى بلخ وملكوها على الأمان سنة سبع وستمائة ولم يعرضوا لها بعيث وانزلوا شحنتهم بها ثم ساروا الى زوزن وميمنة وايدخوي وفارياب فملكوها وولوا عليها ولم يعرضوا لأهلها بأذى وانما استنفروهم لقتال البلد معهم ثم ساروا الى الطالقان وهي ولاية متسعة فقصدوا قلعة صوركوه من أمنع بلادها فحاصروها ستة أشهر وامتنعت عليهم فسار اليهم جنكزخان بنفسه وحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى إذا رأى امتناعها أمر بنقل الخشب والتراب حتى اجتمع منه تل مشرف على البلد واستيقن أهل البلد الهلكة واجتمعوا وفتحوا الباب وصدقوا الحملة فنجا الخيالة وتفرقوا في الجبال والشعاب وقتل الرجالة ودخل التتر البلد فاستباحوها ثم بعث جنكزخان صهره قفجاق قوين الى خراسان ومرواسا وقاتلوها فامتنعت عليهم وقتل قفجاق قوين فأقاموا على حصارها وملكوها عنوة واستباحوها وخربوها ويقال قتل فيها أزيد من سبعين ألفا وجمع عددا من الجثث فكان كالتلال العظيمة وكان رؤساؤها بني حمزة بخوارزم منذ ملكها خوارزم شاه تكش فعاد اليها اختيار الدين جنكي بن عمر بن حمزة وبوعمه وضبطوها ثم بعث جنكزخان ابنه في العساكر الى مدينة مرو واستنفر أهل البلاد التي ملكوها قبل مثل بلخ وأخواتها وكان الناجون من هذه الوقائع كلها قد لحقوا بمرو واجتمع بها ما يزيد على مائتي ألف وعسكروا بظاهرها لا يشكون في الغلب فلما قاتلهم التتر صابروهم فوجدوا في مصابرتهم ما لم يحتسبوه فولوا منهزمين وأثخن التتر فيهم ثم حاصروا البلد خمسة أيام وبعثوا الى أميرها يستميلونه للنزول عنها ٥/١٣٥

فاستأمن اليهم وخرج فأكرموه أولا ثم أمروا بإحضار جنده للعرض حتى استكملوا وقبضوا عليهم ثم استكتبوه رؤساء البلد وتجاره وصناعة على طبقاتهم وخرج أهل البلد جميعا وجلس لهم جنكزخان على كرسي من ذهب فقتل الجند في صعيد واحد وقسم العامة رجالا وأطفالا ونساء بين الجند فاقتسموهم وأخذوا أموالهم وامتحنوهم في طلب المال ونبشوا القبور في طلبه ثم أحرقوا البلد وتربة السلطان سنجر ثم استلحم في اليوم الرابع أهل البلد جميعا يقال كانوا سبعمائة ثم ساروا الى نيسابور وحاصروها خمسا ثم اقتحموها عنوة وفعلوا فيها فعلهم في مرو وأشد ثم بعثوا عسكرا الى طوس وفعلوا فيها مثل ذلك وخربوها وخربوا مشهد علي بن موسى الرضا ثم ساروا الى هراة وهي من أمنع البلاد فحاصروها عشرا وملكوها وأمنوا من بقي من أهلها وأنزلوا عندهم شحنة وساروا لقتال جلال الدين بن خوارزم شاه كما يذكر بعد فوثب أهل هراة على الشحنة وقتلوه فلما رجع التتر منهزمين اقتحموا البلد واستباحوه وخربوه وأحرقوه ونهبوا نواحيه اجمع وعادوا الى جنكزخان بالطالقان وهو يرسل السرايا في نواحي خراسان حتى أتوا عليها تخريبا وكان ذلك كله سنة سبع عشرة وبقيت خراسان خرابا وتراجع أهلها بعض الشيء فكانوا فوضى واستبد آخرون في بعض مدنها كما نذكر ذلك في أماكنه والله أعلم.

أخبار السلطان جلال الدين منكبرس مع التتر بعد مهلك خوارزم شاه واستقراره بغزنة

ولما توفي السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش بجزيرة بحر طبرستان ركب ولده البحر الى خوارزم يقدمهم كبيرهم جلال الدين منكبرس وقد كان وثب بها بعد منصرف تركمان خاتون أم خوارزم شاه رجل من العيارين فضبطها وأساء السيرة وانطلقت اليها أيدي العيارين ووصل بعض نواب الديوان فأشاعوا موت السلطان ففر العيارون ثم جاء جلال الدين واخوته واجتمع الناس اليهم فكانوا معهم سبعة آلاف من العساكر أكثرهم اليارونية قرابه أم خوارزم شاه فمالوا الى أولاغ شاه وكان ابن أختهم كما مر وشاوروا في الوثوب بجلال الدين وخلعه ونمى الخبر اليه فسار الى خراسان في ثلاثمائة فارس وسلك المفازة الى بلد نسا فلقى هنالك رصدا من التتر فهزمهم ولجأ فلهم الى نسا وكان بها الأسير اختيار زنكي بن محمد بن ٥/١٣٦

عمر بن حمزة قد رجع اليها من خوارزم كما قدمناه وضبطها فاستلحم فل التتر وبلغ وبعث الى جلال الدين بالمدد فسار الى نيسابور ثم وصلت عساكر التتر الى خوارزم بعد ثلاث من مسير جلال الدين فأجفل أولاغ واخوته وساروا في اتباعه ومروا بنسا فسار معهم اختيار الدين صاحبها واتبعتهم عساكر التتر فأدركوهم بنواحي خراسان وكبسوهم فقتل أولاغ شاه وأخوه انشاه واستولى التتر على ما كان معهم من الأموال والذخائر وافترقت في أيدي الجند والفلاحين فبيعت بأبخس الأثمان ورجع اختيار الدين زنكي الى نسا فاستبد بها ولم يسم الى مراسم الملك وكتب له جلال الدين بولايتها فراجع أحوال الملك ثم بلغ الخبر الى جلال الدين بزحف التتر الى نيسابور وأن جنكزخان بالطالقان فسار الى نيسابور ومن نيسابور الى بست واتبعه نائب هراة أمير ملك ابن خال السلطان خوارزم شاه في عشرة آلاف فارس هاربا أمام التتر وقصد سجستان فامتنعت عليه فرجع واستدعاه جلال الدين فسار اليه واجتمعوا فكبسوا التتر وهم محاصرون قلعة قندهار فاستلحموهم ولم يفلت منهم أحد فرجع جلال الدين الى غزنة وكانت قد استولى عليها اختيار الدين قربوشت صاحب الغور عند ما ساروا اليها عن جلال الدين صريخا عن أمس ملك سجستان فخالفه قربوشت اليها وملكها فثار به صلاح الدين النسائي والى قلعتها وقتله وملك غزنة، وكان بها رضا الملك شرف الدين بن أمور ففتك به رضا الملك واستبد بغزنة فلما ظفر جلال الدين بالتتر على قندهار رجع الى غزنة فقتله وأوطنها وذلك سنة ثمان عشرة.

استيلاء التتر على مدينة خوارزم وتخريبها

قد كنا قدمنا أن جنكزخان بعد ما أجفل خوارزم شاه من جيحون بعث عساكره الى النواحي وبعث الى مدينة خوارزم عسكرا عظيما لعظمها لأنها كرسي الملك وموضع العساكر فسارت عساكر التتر اليها مع ابنه جنطاي واركطاي فحاصروها خمسة أشهر ونصبوا عليها الآلات فامتنعت فاستمدوا عليها جنكزخان فأمدهم بالعساكر متلاحقة فزحفوا اليها وملكوا جانبا منها وما زالوا يملكونها ناحية ناحية الى أن استوعبوها ثم فتحوا السد الذي يمنع ماء جيحون عنها فسار اليها جيحون فغرقها وانقسم أهلها بين السيف والغرق هكذا قال ابن الأثير وقال النسائي الكاتب ان دوشي خان بن جنكزخان عرض عليهم الأمان فخرجوا اليه فقتلهم أجمعين وذلك في محرم سنة سبع عشرة ولما فرغ التتر من خراسان وخوارزم رجعوا الى ملكهم جنكزخان بالطالقان ٥/١٣٧

خبر آبنايخ نائب بخارى وتغلبه على خراسان ثم فراره أمام التتر الى الري

كان آبنايخ أمير الأمراء والحجاب أيام خوارزم شاه وولاه ثانيا بخارى فلما ملكها التتر عليه كما قلناه أجفل الى المفازة وخرج منها الى نواحي نسا وراسله اختيار الدين صاحبها يعرضها عليه للدخول عنده فأبى فوصله وأمده وكان رئيس بشخوان من قرى نسا أبو الفتح فداخل التتر فكتب الى شحنة خوارزم بمكان آبنايخ فجرد اليهم عسكرا فهزمه آبنايخ وأثخن فيهم وساروا الى بشخوان فحاصروها وملكوها عنوة وهلك أبو الفتح أيام الحصار ثم ارتحل آبنايخ الى أبيورد وقد تغلب تاج الدين عمر بن مسعود على أبيورد وما بينها وبين مرو فجبى خراجها واجتمع عليه جماعة من أكابر الأمراء وعاد الى نسا وقد توفى نائبها اختيار الدين زنكي وملك بعده ابن عمه عمدة الدين حمزة بن محمد بن حمزة فطلب منه آبنايخ خراج سنة ثمان عشرة وسار الى شروان وقد تغلب عليها ايكجي بهلوان فهزمه وانتزعها من يده ولحق بهلوان بجلال الدين في الهند واستولى آبنايخ خان على عامة خراسان وكان تكين بن بهلوان متغلبا بمرو فعبر جيحون وكبس شحنة التتر ببخارى فهزموه سنة سبع ورجع الى شروان وهم باتباعه ولحقوا بآبنايخ خان على جرجان فهزموه ونجا الى غياث الدين يترشاه بن خوارزم شاه بالري فأقام عنده الى أن هلك كما نذكر ان شاء الله تعالى.

خبر ركن الدين غور شاه صاحب العراق من ولد خوارزم شاه

قد كان تقدم لنا أن السلطان لما قسم ممالكه بين أولاده جعل العراق في قسمة غورشاه منهم ولما أجفل السلطان الى ناحية الري لقيه ابنه غورشاه ثم سار الى الري الى كرمان فملكها تسعة أشهر ثم بلغه أن جلال الدين محمد بن آبه القزويني وكان بهمذان أراد أن يملك العراق واجتمع اليه بعض الأمراء وأن مسعود بن صاعد قاضي أصبهان مائل اليه فعاجله ركن الدولة واستولى على أصبهان وهرب القاضي الى الاتابك سعد بن زنكي صاحب فارس فأجاره وبعث ركن الدين العساكر لقتال همذان فتخاذلوا ورجعوا دون قتال ثم مضى الى الري ووجد بها قوما من الإسماعيلية يحاولون إظهار دعوتهم ثم زحف التتر الى ركن الدولة فحاصروه بقلعة رواند واقتحموها فقاتلوه واستأمن اليهم ابن آبه صاحب همذان فأمنوه ودخلوا همذان فولوا عليها علاء الدين الشريف الحسيني عوضا من ابن آبه. ٥/١٣٨

خبر غياث الدين ثير شاه صاحب كرمان من ولد السلطان خوارزم شاه

قد كنا قدمنا أن السلطان خوارزم شاه ولى ابنه غياث الدين ثير شاه كرمان وكيش ولم ينفذ اليها أيام أبيه ولما كانت الكبسة على قزوين خلص الى قلعة ماروت من نواحي أصبهان وأقام عند صاحبها ثم رجع الى أصبهان ومر به التتر ذاهبين الى أذربيجان فحاصروه وامتنع عليهم وأقام بها الى آخر سنة عشرين وستمائة فلما جاء أخوه ركن الدين غور شاه من كرمان الى أصبهان لقيه هنالك وحرضه غياث الدين على كرمان فنهض اليها وملكها فلما قتل ركن الدين كما قلناه سار غياث الدين الى العراق وكان ركن الدين لما ولاه أبوه العراق جعل معه الأمير بقاطابستي اتابكين فاستبد عليه فشكاه الى أبيه وأذن له في حبسه فحبسه ركن الدين بقلعة سرجهان فلما قتل ركن الدين كما قلناه أطلقه نائب القلعة أسد الدين حولي فاجتمع عليه الناس وكثير من الأمراء واستماله غياث الدين وأصهر اليه بأخته وماطله في الزفاف يستبرئ ذهاب الوحشة بينهما وكانت أصبهان بعد مقتل ركن الدين غلب عليها أزبك خان واجتمعت عليه العساكر وزحف اليه الأمير بقاطابستي فاستنجد ازبك غياث الدين فانجده بعسكر مع الأمير دولة ملك وعاجله بقاطابستي فهزمه بظاهر أصبهان وقتله وملكها ورجع دولة ملك إلى غياث الدين فزحف غياث الدين إلى أصبهان وأطاعه القاضي والرئيس صدر الدين وبادر بقاطابستي الى طاعته ورضي عنه غياث الدين وزف اليه أخته واستولى غياث الدين على العراق ومازندان وخراسان وأقطع مازندان وأعمالها دولة ملك وبقاطابستي همذان وأعمالها ثم زحف غياث الدين الى آذربيجان وشن الغارة على مراغة وترددت رسل صاحب آذربيجان ازبك بن البهلوان في المهادنة فهادنه وتزوج بأخته صاحب بقحوان وقويت شوكته وعظم فكان بقاطابستي في دولته وتحكم فيها ثم حدثته نفسه بالاستبداد وانتقض وقصد آذربيجان وبها مملوكان منتقضان على ازبك بن البهلوان فاجتمعا معه وزحف اليهم غياث الدين فهزمهم ورجعوا مغلوبين الى آذربيجان ويقال ان الخليفة دس بذلك الى بقاطابستي وأغراه بالخلاف على غياث الدين ثم لحق بغياث الدين آبنايخ خان نائب بخارى مفلتا من واقعته مع التتر بجرجان فأكرمه وقدمه ونافسه خال السلطان دولة ملك وأخوه وسعوا اليها فزجرهما عنه فذهبا مغاضبين ووقع ٥/١٣٩

دولة ملك في عساكر التتر بمرو وزنجان فقتل وهرب ابنه بركة خان الى ازبك بآذربيجان ثم أوقع عساكر التتر بقاطابستي وهزموه ونجا الى الكرم وخلص الفل الى غياث الدين وعاد التتر الى ما وراء جيحون ثم تذكر صاحب فارس سعد الدين بن زنكي وكاتبته أهل أصبهان حين كانوا منهزمين عنه فسار اليه وحاصره في قلعة إصطخر وملكها ثم سار الى شيراز وملكها عليه عنوة ثم سار الى قلعة حرة فحاصرها حتى استأمنوا وتوفى عليها آبنايخ خان ودفن هنالك بشعب سلمان وبعث عسكرا الى كازرون فملكها عنوة واستباحها ثم سار الى ناحية بغداد وجمع الناس الجموع من اربل وبلاد الجزيرة ثم راسل غياث الدين في الصلح فصالحه ورجع الى العراق.

أخبار السلطان جلال الدين منكبرس وهزيمته أمام التتر ثم عوده الى الهند

قد كان تقدم لنا أن أباه خوارزم شاه لما قسم البلاد بين ولديه جعل في قسمه غزنة وباميان والغور وبست وهكياباد وما يليها من الهند واستناب عليها أمير ملك وأنزله غزنة فلما انهزم السلطان خوارزم شاه أمام التتر زحف اليه حربوشة والي الغور فملكها من يده وكان من أمره ما قدمناه الى أن استقر بها رضا الملك شرف الدين ولما أجفل جلال الدين من نيسابور الى غزنة واستولى التتر على بلاد خراسان وهرب أمراؤها فلحقوا بجلال الدين فقتل نائب هراة أمين الملك خال السلطان وقد قدمنا محاصرته بسجستان ثم مراجعته طاعة السلطان جلال الدين ولحق به أيضا سيف الدين بقراق البلخي وأعظم ملك من بلخ ومظهر ملك والحسن فزحف كل منهم في ثلاثين ألفا ومع جلال الدين من عسكره مثلها فاجتمعوا وكبسوا التتر المملوكة محاصرين قلعة قندهار كما قلناه واستلحموهم ولحق فلهم بجنكزخان فبعث ابنه طولى خان في العساكر فساروا الى جلال الدين فلقيهم بشروان وهزمهم وقتل طولى خان بن جنكزخان في المعركة وذهب التتر منهزمين واختلف عسكر السلطان جلال الدين على الغنائم وتنازع سيف الدين بقراق مع أمين الملك نائب هراة وتحيز الى العراق وأعظم ملك ومظهر ملك وقاتلوا أمين الملك فقتل أخ لبقراق وانصرف مغاضبا الى الهند وتبعه أصحابه ولاطفهم جلال الدين ووعظهم فلم يرجعوا وبلغ خبر الهزيمة الى جنكزخان فسار في أمم التتر وسار ٥/١٤٠

جلال الدين فلقى مقدمة عساكره فلم يفلت من التتر الا القليل ورجع فنزل على نهر السند وبعث بالصريخ الى الأمراء المنحرفين عنه وعاجله جنكزخان قبل رجوعه فهزمه بعد القتال والمصابرة ثلاثا وقتل أمين الملك قريب أبيه واعترض المنهزمين نهر السند فغرق أكثرهم وأسر ابن جلال الدين فقتل وهو ابن سبع سنين ولما وقف جلال الدين على النهر والتتر في اتباعه فقتل أهله وحرمه جميعا واقتحم النهر بفرسه فخلص الى عدوته وتخلص من عسكره ثلاثمائة فارس وأربعة آلاف راجل وبعض أمرائه ولقوة بعد ثلاث وتخلص بعض خواصه بمركب مشحون بالأقوات والملابس فسد من حاجتهم وتحصن أعظم ملك ببعض القلاع وحاصره جنكزخان وملكها عنوة وقتله ومن معه ثم عاد التتر الى غزنة فملكوها واستباحوها وأحرقوها وخربوها واكتسحوا سائر نواحيها وكان ذلك كله سنة تسع عشرة ولما سمع صاحب جبل جردي من بلاد الهند بجلال الدين جمع للقائه وخام جلال الدين وأصحابه عن اللقاء لما نهكتهم الحرب فرجعوا ادراجهم وأدركهم صاحب جلال الدين صوري فقاتلهم وهزموه وملكوا أمرهم وبعث اليهم نائب ملك الهند فلاطفهم وهاداهم والله تعالى ولي التوفيق.

أخبار جلال الدين بالهند

كان جماعة من أصحاب جلال الدين وأهل عسكره لما عبروا اليهم حصلوا عند قباجة ملك الهند منهم بنت أمين الملك خلصت الى مدينة ارجاء من عمله ومنهم شمس الملك وزير جلال الدين حياة أبيه ومنهم قزل خان بن أمين الملك خلص الى مدينة كلور فقتله عاملها وقتل قباجة شمس الملك الوزير لخبر جلال الدين بأموره وبعث أمين الملك ولحق بجلال الدين جماعة من أمراء أخيه غياث الدين فقوى بهم وحاصر مدينة كلور وافتتحها وافتتح مدينة ترنوخ كذلك فجمع قباجة للقائه وسار اليه جلال الدين فخام عن اللقاء وهرب وترك معسكره فغنمه جلال الدين بما فيه وسار الى لهاوون وفيها ابن قباجة ممتنعا عليه فصالحه على مال يحمله ورحل الى تستشان وبها فخر الدين السلاوي نائب قباجة فتلقاه بالطاعة ثم سار الى اوجا وحاصرها فصالحوه على المال ثم سار الى جانس وهي لشمس الدين اليتمشي من ملوك الهند ومن موالي شهاب الدين الغوري فأطاعه أهلها وأقام بها وزحف اليه ايتش في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلاثمائة فيل وزحف جلال الدين في عساكره وفي مقدمته جرجان بهلوان ازبك واختلفت المقدمتان فلم يمكن اللقاء وبعث ايتش في الصلح ٥/١٤١

فجنح اليه جلال الدين ثم اجتمع قباجة وايتش وسائر ملوك الهند فخام عن لقائهم ورجع لطلب العراق واستخلف جهان بهلوان الملك على ما ملك من الهند وعبر النهر الى غزنة فولى عليها وعلى الغور الأمير وفاملك واسمه الحسن فزلف وسار الى العراق وذلك سنة احدى وعشرين بعد مقدمه لها بسنتين.

أحوال العراق وخراسان في ايالة غياث الدين

كان غياث الدين بعد مسير جلال الدين الى الهند اجتمع اليه شراد العساكر بكرمان وسار بهم الى العراق فملك خراسان ومازندان كما تقدم وأقام منهمكا في لذاته واستبد الأمراء بالنواحي فاستولى قائم الدين على نيسابور وتغلب يقز بن ايلجي بهلوان على شروان وتملك ينال خطا بهاتر ونظام الملك أسفراين ونصرة الدين بن محمد مستبد بنسا كما مر واستولى تاج الدين عمر بن مسعود التركماني على أبيورد وغياث الدين مع ذلك منهمك في لذاته وسارت اليه عساكر التتر فخرج لهم عن العراق الى بلاد الجبل واكتسحوا سائر جهاته واشتط عليه الجند وزادهم في الاقطاع والإحسان فلم يشبعهم وأظهروا الفساد وعاثوا في الرعايا وتحكمت أم السلطان غياث الدين في الدولة لاغفاله أمرها واقتفت طريقة تركمان خاتون أم السلطان خوارزم شاه وتلقبت بلقبها خداوند جهان الى أن جاء السلطان جلال الدين فغلب عليه كما قلناه.

وصول جلال الدين من الهند الى كرمان وأخباره بفارس والعراق مع أخيه غياث الدين

ولما فارق جلال الدين الهند كما قلناه سنة احدى وعشرين وسار الى المفازة وخلص منها الى كرمان بعد أن لقي بها من المتاعب والمشاق ما لا يعبر عنه وخرج معه أربعة آلاف راكب على الحمير والبقر ووجد بكرمان براق الحاجب نائب أخيه غياث الدين وكان من خبر براق هذا أنه كان حاجبا لكوخان ملك الخطا وسفر عنه الى خوارزم شاه فأقام عنده ثم ظفر خوارزم شاه بالخطا وولاه حجابته ثم صار الى خدمة ابنه غياث الدين ترشه بمكران فأكرمه ولما سار جلال الدين الى الهند ورجع عنه التتر سار غياث الدين لطلب العراق فاستناب براق في ٥/١٤٢

كرمان فلما جاء جلال الدين من الهند اتهمه وهم بالقبض عليه فنهاه عن ذلك وزيره شرف الملك فخر الدين علي بن أبي القاسم الجندي خواجا جهان أن يستوحش الناس لذلك ثم سار جلال الدين الى شيراز وأطاعه صاحبها برد الاتابك وأهدى له وكان أتابك فارس سعد بن زنكي قد استوحش من غياث الدين فاصطلحه جلال الدين وأصهر اليه في ابنته ثم سار الى أصبهان فأطاعه القاضي ركن الدين مسعود يستعطفه وأهدى له سلب طولي خان بن جنكزخان الذي قتل في حرب بزوان كما مر وفرسه وسيفه ودس الى الأمراء الذين معه بالاستمالة فمالوا اليه ووعدوه بالمظاهرة ونمى الخبر الى غياث الدين فقبض على بعضهم ولحق الآخرون بجلال الدين فجاءوا به الى المخيم فمال اليه أصحاب غياث الدين وعساكره واستولى على مخيمه وذخائره وأمه ولحق غياث الدين بقلعة سلوقان وعاتب جلال الدين أمه في فراره فاستدعته وأصلحت بينهما ووقف غياث الدين موقف الخدمة لأخيه السلطان جلال الدين وجاء المتغلبون بخراسان والعراق وأذعنوا الى الطاعة وكانوا من قبل مستبدين على غياث الدين فاختبر السلطان طاعتهم وعمل فيها على شاكلتها والله أعلم.

استيلاء ابن آبنايخ على نسا

كان نصرة الدين بن محمد قد استولى على نسا بعد ابن عمه اختيار الدين كما مر واستناب في أموره محمد بن أحمد النسائي المنشي صاحب التاريخ المعتمد عليه في نقل أخبار خوارزم شاه وبنيه فأقام فيها تسع عشرة سنة مستندا على غياث الدين ثم انتقض عليه وقطع الخطبة له فسرح اليه غياث الدين العساكر مع طوطي بن آبنايخ وأنجده بأرسلان وكاتب المتغلبين بمساعدته فراجع نصرة الدين محمد بن حمزة نفسه وبعث نائبة محمد بن أحمد المنشي الى غياث الدين بمال صالحه عليه فبلغه الخبر في طريقه بوصول جلال الدين واستيلائه على غياث الدين فأقام بأصبهان ينتظر صلاح السابلة وزوال الثلج ثم سار الى همذان فوجد السلطان غائبا في غزو الاتابك بقطابستي وكان من خبره أنه صهر الى غياث الدين على أخته كما قدمنا فهرب بعد خلعه الى آذربيجان واتفق هو والاتابك سعد وسار اليهما جلال الدين فخالفه الأمير ايغان طائسي الى همذان وسار الى جلال الدين وكبسه هنالك فأخذه ثم أمنه وعاد الى مخيمه ولقيه وافد نصرة الدين على بلاد نسا وما يتاخمها وبعث الى ابن آبنايخ بالافراج عن نسا ثم بلغ الخبر بعد يومين بهلاك نصرة الدين واستيلاء ابن آبنايخ على نسا. ٥/١٤٣

مسير السلطان جلال الدين الى خوزستان ونواحي بغداد

ولما استولى السلطان جلال الدين على أخيه غياث الدين واستقامت أموره سار الى خوزستان شاتيا وحاصر قاعدتها مظفر الدين وجه السبع مولى الخليفة الناصر وانتهت سراياه في الجهات الى بادرايا والى البصرة فأوقع بهم تلكين نائب البصرة وجاءت عساكر الناصر مع مولاه جلال الدين قشتمر وخاموا عن اللقاء وأوفد ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود السوي العارض على الخليفة ببغداد عاتبا وكان في مقدمته جهان بهلوان فلقي في طريقه جمعا من العرب وعساكر الخليفة فرجع وأوقع بهم ورجعوا الى بغداد وجيء بأسرى منهم الى السلطان فأطلقهم واستعد أهل بغداد للحصار وسار السلطان الى يعقوبا على سبع فراسخ من بغداد ثم الى دقوقا فملكها عنوة وخربها وقاتلت بعوثه عسكر تكريت وترددت الرسل بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل حتى اصطلحوا واضطربت البلد بسبب ذلك وأفسد العرب السابلة وأقام ضياء الملك ببغداد الى أن ملك السلطان مراغة والله تعالى أعلم.

أولية الوزير شرف الدين

هذا الوزير هو فخر الدين علي بن القاسم خواجه جهان ويلقب شرف الملك أصله من أصفهان وكان أول أمره ينوب عن صاحب الديوان بها وكان نحيب الدين الشهرستاني وزير السلطان وابنه بهاء الملك وزير الجند وفخر الدين هذا يخدمه بها ثم تمكن من منصب الإفتاء وطمح الى مغالبة نجيب الدين على الوزارة وسعى عند السلطان بأنه تناول من جبايتها مائتي ألف دينار فسامحه بها السلطان ولم يعرض له ثم سعى بفخر الدين ثانية فولى وزارة الجند وأقام بها أربع سنين حتى عبر السلطان الى بخارى فكثرت به الشكايات فأمر بالقبض عليه فاختفى ولحق بالطالقان الى أن اتصل بجلال الدين حين كان بغزنة بعد مهلك ابنه فرتبه في الحجابة الى أن أجاز بحر السند وكان وزيره شهاب الدين الهروي فقتله قباجة ملك الهند كما مر واستوزر جلال الدين مكانة فخر الدين هذا ولقبه شرف الملك ورفع رتبته على الوزراء وموقفه وسائر آدابه وأحواله. ٥/١٤٤

عود التتر الى الري وهمذان وبلاد الجبل

وبعد رجوع التتر المغربة من أذربيجان وبلاد قفجاق وسروان كما قدمناه وخراسان يومئذ فوضى ليس بها ولاة الا متغلبون من بعض أهلها بعد الخراب الأول والنهب فعمروها فبعث جنكزخان عسكرا آخر من التتر اليها فنهبوها ثانيا وخربوها وفعلوا في ساوة وقاشان وقم مثل ذلك ولم يكن التتر أولا أصابوا منها ثم ساروا الى همذان فاجفل أهلها وأوسعوها نهبا وتخريبا وساروا في اتباع أهلها الى أذربيجان وكبسوهم في حدودها فأجفلوا وبعضهم قصد تبريز فسار التتر في اتباعهم وراسلوا صاحبها ازبك بن البلهوان في إسلام من عنده فبعث بهم بعد ان قتل جماعة منهم وبعث برءوسهم وصانعهم بما أرضاهم فرجعوا عن بلاده والله تعالى أعلم.

وقائع أذربيجان قبل مسير جلال الدين اليها

لما رجع التتر من بلاد قفجاق والروس وكانت طائفة من قفجاق لما افترقوا وفروا أمام التتر ساروا الى درنبر شروان واسم ملكه يومئذ رشيد وسألوه المقام في بلاده وأعطوه الرهن على الطاعة فلم يجبهم ريبة بهم فسألوه الميرة فأذن لهم فيها فكانوا يأتون اليها زرافات وتنصح له بعضهم بأنهم يرومون الغدر به وطلب منه الانجاد بعسكره وسار في أثرهم فأوقع بهم وهم باخلون بالطاعة فرجع ذلك القفجاقي بالعسكر ثم بلغه انهم رحلوا من مواضعهم فاتبعهم ثانيا بالعساكر حتى أوقع بهم ورجع الى رشيد ومعه جماعة منهم مستأمنين وقد اختفى فيهم كبير من مقدميهم وتلاحق به جماعة منهم فاعتزموا على الوثوب فهرب خائفا ولحق ببلاد شروان واستولت طائفة القفجاق على القلعة وعلى مخلف رشيد فيها من المال والسلاح واستدعوا أصحابهم فلحقوا بهم واعتزموا وقصدوا قلعة الكرج فحاصروها وخالفهم رشيد الى القلعة فملكها وقتل من وجد بها منهم فعادوا من حصار تلك المدينة الى درنبر وامتنعت عليهم القلعة فرجعوا الى تلك المدينة فاكتسحوا نواحيها وساروا الى كنجة من بلاد اران وفيها مولى لازبك صاحب أذربيجان فراسلوه بطاعة ازبك فلم يجبهم اليها وعدد عليهم ما بدر منهم في الغدر ونهب البلاد واعتذروا بأنهم انما غدروا شروان لانه منعهم الجواز الى صاحب أذربيجان وعرضوا عليه الرهن فجاءهم بنفسه ولقوة في عدد قليل فعدا عن محال التهمة فبعث بطاعتهم الى سلطانه وبعث بذلك الى أزبك وجاء بهم الى كنجة فأفاض فيهم الخلع والأموال وأصهر اليهم وأنزلهم بجبل كيكلون وجمع لهم الكرج فآواهم الى كنجة ثم ٥/١٤٥

سار اليهم أمير من أمراء قفجاق ونال منهم فرجعوا الى جبل كيكلون وسار القفجاق الذين كبسوهم الى بلاد الكرج فاكتسحوها وعادوا فاتبعهم الكرج واستنقذوا الغنائم منهم وقتلوا ونهبوا فرحل القفجاق الى بردعة وبعثوا الى أمير كنجة في المدد على الكرج فلم يحبهم فطلبوا رهنهم فلم يعطهم فمدوا أيديهم في المسلمين واسترهنوا أضعاف رهنهم وثار بهم المسلمون من كل جانب فلحقوا بشروان وتخطفهم المسلمون والكرج وغيرهم فافنوهم وبيع سبيهم وأسراهم بأبخس ثمن وذلك كله سنة تسع عشرة وكانت مدينة فيلقان من بلاد اران فأخر بها التتر كما قدمناه وساروا عنها الى بلاد قفجاق فعاد اليها أهلها وعمروها وسار الكرج في رمضان من هذه السنة اليها فملكوها وقتلوا أهلها وخربوها واستفحل الكرج ثم كانت بينهم وبين صاحب خلاط غازي بن العادل بن أيوب واقعة هزمهم فيها وأثخن فيهم كما يأتي في دولة بني أيوب ثم انتقض على شروان شاه ابنه وملك البلاد من يده فسار الى الكرج واستصرخ بهم وساروا معه فبرز ابنه اليهم فهزمهم واثخن فيهم فتشاءم الكرج بشروان شاه فطردوه عن بلادهم واستقر ابنه في الملك واغتبط الناس بولايته وذلك سنة اثنتين وعشرين ثم سار الكرج من تفليس الى أذربيجان وأتوها من الاوعار والمضايق يظنون صعوبتها على المسلمين فسار المسلمون وولجوا المضايق اليهم فركب بعضهم بعضا منهزمين ونال المسلمون منهم أعظم النيل وبينما هم يتجهزون لاخذهم الثأر من المسلمين وصلهم الخبر بوصول جلال الدين الى مراغة فرجعوا الى مراسلة ازبك صاحب أذربيجان في الاتفاق على مدافعته وعاجلهم جلال الدين عن ذلك كما نذكره ان شاء الله تعالى.

استيلاء جلال الدين على أذربيجان وغزو الكرج

قد تقدم لنا مسير جلال الدين في نواحي بغداد وما ملك منها وما وقع بينه وبين صاحب اربل من الموافقة والصلح ولما فرغ من ذلك سار الى أذربيجان سنة اثنتين وعشرين وقصد مراغة أولا فملكها وأقام بها وأخذ في عمارتها وكان بغان طابش حال أخيه غياث الدين مقيما بأذربيجان كما مر فجمع عساكره ونهب البلد وسار الى ساحل اران فشتى هنالك ولما عاث جلال الدين في نواحي بغداد كما قدمناه بعث الخليفة الناصر الى بغان طابش وأغراه بجلال الدين وأمره بقصد همذان واقطعه أياما وما يفتحه من البلاد فعاجله جلال الدين وصبحه بنواحي همذان على غرة وعاين الجند فسقط في يده وأرسل زوجته أخت ٥/١٤٦

السلطان جلال الدين فاستأمنته له فآمنه وجرد العساكر عنه وعاد الى مراغة وكان ازبك بن البهلوان قد فارق تبريز كرسي ملكه الى كنجة فأرسل جلال الدين الى أهل تبريز يأمرهم بميرة عسكره فأجابوا الى ذلك وترددت عساكره اليها فتجمع الناس وشكا أهل تبريز الى جلال الدين ذلك فأرسل اليهم شحنة يقيم عندهم للنصفة بين الناس وكانت زوجة ازبك بنت السلطان طغرلبك بن ارسلان وقد تقدم ذكرها في أخبار سلفها مقيمة بتبريز حاكمة في دولة زوجها ازبك ثم ضجر أهل تبريز من الشحنة فسار جلال الدين اليها وحاصرها خمسا واشتد القتال وعابهم بما كان من إسلام أصحابه الى التتر فاعتذروا بأن الأمر في ذلك لغيرهم والذنب لهم ثم استأمنوا فآمنهم وأمر ببنت السلطان طغرل وأبقى لها مدينة طغرل الى خوي كما كانت وجمع ما كان لها من المال والاقطاع وملك تبريز منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وبعث بنت السلطان طغرل الى خوي مع خادميه فليح وهلال وولى على تبريز ربيبها نظام الدين ابن أخي شمس الدين الطغرائي وكان هو الذي داخله في فتحها وأفاض العدل في أهلها وأوصلهم اليها وبالغ في الإحسان اليهم ثم بلغه آثار الكرج في أذربيجان واران وأرمينية ودرنبر شروان وما فعلوه بالمسلمين فاعتزم على غزوهم وبلغه اجتماعهم برون فسار اليهم وعلى مقدمته جهان بهلوان الكعبي فلما تراءى الجمعان وكان الكرج على جبل لم يستهلوه فتسنمت اليهم العساكر الاوعار فانهزموا وقتل منهم أربعة آلاف أو يزيدون وأسر بعض ملوكهم واعتصم ملك آخر منهم ببعض قلاعهم فجهز جلال الدين عليها عسكرا لحصارها وبعث عساكره في البلاد فعاثوا فيها واستباحوها.

فتح السلطان مدينة كنجة ونكاحه زوجة ازبك

لما فرغ السلطان من أمر الكرج واستولى على بلادهم وكان قد ترك وزيره شرف الدين بتبريز للنظر في المسالح وولى عليها نظام الملك الطغرائي فقصد الوزير به وكتب الى السلطان بأنه وعمه شمس الدين داخلوا أهل البلد في الانتقاض واعادة ازبك لشغل السلطان بالكرج فلما بلغ ذلك الى السلطان أسره حتى فرغ من أمر الكرج وترك أخاه غياث الدين نائبا على ما ملك منها وآمره بتدويخ بلادهم وتخريبها وعاد الى تبريز فقبض على نظام الملك الطغرائي وأصحابه فقتلهم وصادر شمس الدين على مائة ألف وحبسه بمراغة ففر منها الى ازبك ثم لحق ببغداد وحج سنة خمس وعشرين وبلغ السلطان تنصله في المطاف ودعاؤه على نفسه أن كان فعل شيئا من ذلك فأعاده الى تبريز ورد عليه أملاكه ثم بعثت اليه زوجة ازبك في ٥/١٤٧

الخطبة وأن ازبك حنث فيها بالطلاق فحكم قاضي تبريز عز الدين القزويني بحلها للنكاح فتزوجها السلطان جلال الدين وسار اليها فدخل في خوي ومات ازبك لما لحقه من الغم بذلك ثم عاد السلطان الى تبريز فأقام بها مدة ثم بعث العساكر مع ارخان الى كنجة من أعمال نقجوان وكان بها ازبك ففارقها وترك بها جلال الدين القمي نائبا فملكها عليه ارخان واستولى على أعمالها مثل وشمكور وبردعة وشنة وانطلقت أيدي عساكره في النهب فشكا ازبك الى جلال الدين فكتب الى ارخان بالمنع من ذلك وكان مع ارخان نائب الوزير الى السلطان فعزل ارخان وذهب مغاضبا الى أن قتلته الإسماعيلية وفي آخر رمضان من سنة اثنتين وعشرين توفي الخليفة الناصر لسبع وأربعين سنة من خلافته واستخلف بعده ابنه الظاهر أبو نصر محمد بعهده اليه بذلك كما مر في أخبار الخلفاء.

استيلاء جلال الدين على تفليس من الكرج بعد هزيمته إياهم

كان هؤلاء الكرج اخوة الأرمن وقد تقدم نسبة الأرمن الى إبراهيم عليه السلام وكان لهم استطالة بعد الدولة السلجوقية وكانوا من أهل دين النصرانية فكان صاحب أرمن الروم يخشاهم ويدين لهم بعض الشيء حتى ان ملك الكرج كان يخلع عليه فيلبس خلعته وكان شروان صاحب الدربند يخشاهم وكذلك ملكوا مدينة أرجيش من بلاد ارمينية ومدينة فارس وغيرها وحاصروا مدينة خلاط قاعدتها فأسر بها مقدمهم ايواي وفادوه بالرحيل عنهم بعد ان اشترطوا عليه متابعته لهم في قلعة خلاط فبنوها وكذلك هزموا ركن الدولة فليحا ارسلان صاحب بلاد الروم لما زحف لأخيه طغرل شاه بارزن الروم استنجدهم طغرل فأنجدوه وحزموا ركن الدين أعظم ما كان ملكا واستفحالا وكانوا يجوسون خلال أذربيجان ويعيثون في نواحيها وكان ثغر تفليس من أعظم الثغور طرزا على من يجاوره منذ عهد الفرس وملكه الكرج سنة خمس عشرة وخمسمائة أيام محمود بن ملك شاه ودولة السلجوقية يومئذ أفحل ما كانت وأوسع ايالة وأعمالا فلم يطق ارتجاعه من أيديهم واستولى ايلدكز بعد ذلك وابنه البهلوان على بلاد الجبل والري وأذربيجان وأران وارمينية وخلاط وجاورهم بكرسيه ومع ذلك لم يطلق ارتجاعه منهم فلما جاء السلطان جلال الدين الى أذربيجان وملكها زحف الى الكرج وهزمهم سنة اثنتين وعشرين وعاد الى تبريز في مهمه كما قدمناه فلما فرغ من مهمه ذلك وكان قد ترك العساكر ببلاد الكرج مع أخيه غياث الدين ووزيره شرف الدين فأغذ ٥/١٤٨

السير اليه غازيا من تبريز وقد جمع الكرج واحتشدوا وأمدهم القفجاق واللكز وساروا للقاء فلما التقى الفريقان انهزم الكرج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب ولم يبقوا على أحد حتى استلحموهم وافنوهم ثم قصد جلال الدين تفليس في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين ونزل قريبا منها وركب يوما لاستكشاف أموالها وترتيب مقاعد القتال عليها وأكمن الكمائن حولها واطلع عليهم في خف من العسكر فطمعوا فيه وخرجوا فاستطرد لهم حتى تورطوا والتفت عليهم الكمائن فهربوا الى البلد والقوم في اتباعهم ونادى المسلمون من داخلها بشعار الإسلام وهتفوا باسم جلال الدين فالقى الكرج بأيديهم وملك المسلمون البلد وقتلوا كل من فيها الا من اعتصم بالإسلام واستباحوا البلد وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى والسبايا وكان ذلك من أعظم الفتوحات هذه سياقة ابن الأثير في فتح تفليس وقال النسائي الكاتب أن السلطان جلال الدين سار نحو الكرج فلما وصل نهر أرس مرض واشتد الثلج ومر بتفليس فبرز أهلها للقتال فهزمهم العساكر وأعجلوهم عن دخولها فملكوها واستباحوها وقتلوا من كان فيها من الكرج والأرمن واعتصم أهلها بالقلعة حتى صالحوا على أموال عظيمة فحملوها وتركوهم.

انتقاض صاحب كرمان ومسير السلطان اليه

ولما اشتغل السلطان جلال الدين بشأن الكرج وتفليس طمع براق الحاجب في الانتقاض بكرمان والاستيلاء على البلاد وقد كنا قدمنا خبره وان غياث الدين استخلفه على كرمان عند مسيره الى العراق وان جلال الدين لما رجع من الهند ارتاب به وهم بالقبض عليه ثم تركه وأقره على كرمان فلما انتقض الآن وبلغ خبره الى السلطان وهو معتزم على قصد خلاط فتركها وأغذ السير اليه واستصحب أخاه غياث الدين ووعده بكرمان وترك مخلفه بكيكلون وترك وزيره شرف الدين بتفليس وأمره باكتساح بلاد الكرج وقدم الى صاحب كرمان بالخلع والمقاربة والوعد فارتاب بذلك ولم يطمئن وقصد بعض قلاعه فاعتصم بها ورجع الرسول الى جلال الدين فلما علم أن المكيدة لم تتم عليه أقام بأصبهان وبعث اليه وأقره على ولايته وعاد وكان الوزير شرف الدين بتفليس كما قلناه وضاق الحل به من الكرج وأرجف عند الأمراء بكيكلون أن الكرج حاصروه بتفليس فسار ارخان منهم في العساكر الى تفليس ثم وصل البشير من نقجوان برجوع السلطان من العراق فأعطاه الوزير أربعة آلاف دينار ثم افترقت العساكر في بلاد الكرج وبها ايواني مقدمهم مع بعض أعيانهم وبعث عسكرا آخر ٥/١٤٩

الى مدينة فرس واشتد عليها الحصار ثم جمر العساكر عليها وعاد الى تفليس.

مسير جلال الدين الى حصار خلاط

كانت خلاط في ولاية الأشرف بن العادل بن أيوب وكان نائبة بها حسام الدين علي الموصلي وكان الوزير شرف الدين حين أقام بتفليس عند مسير جلال الدين الى كرمان ضاقت على عساكره الميرة فبعث عسكرا منهم الى أعمال أرزن الروم فاكتسحوا نواحيها ورجعوا فمروا بخلاط فخرج نائبها حسام الدين واعترضهم واستنقذ ما معهم من الغنائم وكتب الوزير شرف الدين بذلك الى جلال الدين وهو بكرمان فلما عاد جلال الدين من كرمان وحاصر مدينة اني استقر حسام الدين نائب خلاط للامتناع منه فارتحل هو الى بلاد انحاز ليأتيه على غرة ورحل جلال الدين من انحاز فسار الى خلاط وحاصر مدينة ملاذ كرد في ذي القعدة من السنة وانتقل منها الى مدينة خلاط وحاصرها وضيق مخنقها وقاتلها مرارا واشتد أهل البلد في مدافعته لما يعملون من سيرة الخوارزمية الالوائية وكانوا متغلبين على الكثير من بسائط ارمينية وأذربيجان فبلغه أنهم أفسدوا البلاد وقطعوا السابلة وأخذوا الضريبة من أهل خوي وخربوا سائر النواحي وكتب اليه بذلك نوابه وبنت السلطان طغرل زوجته فلما رحل عن خلاط قصدهم على غرة قبل أن يصعدوا الى حصونهم بجبالهم الشاهقة فأحاطت بهم العساكر واستباحوهم واقتسموهم بين القتل والغنيمة وعاد الى تبريز.

دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها

ولما عاد السلطان من خلاط وغزو التركمان فرق عساكره للمشتى وكان الأمراء أساءوا السيرة الى تفليس وهرب العسكر الذين بها واستلحموا بقيتهم وخربوا البلاد وحرقوها لعجزهم عن حمايتها من جلال الدين وذلك في ربيع سنة أربع وعشرين وستمائة وعند النسائي الكاتب أن استيلاء الفرنج على تفليس وإحراقهم إياها كان والسلطان جلال الدين على خلاط وانه لما بلغه ذلك رجع وأغار على التركمان في طريقه لما بلغه من افسادهم فنهب أموالهم وساق مواشيهم الى موقان وكان خمسها ثلاثين ألفا ثم سار الى خوي لملاقاة بنت طغرل ثم سار الى كنجة فبلغه الخبر بانصراف الكرج على تفليس بعد إحراقها قال ولما وصل كنجة قدم عليه هنالك خاموش بن الاتابك ازبك بن البهلوان مؤديا منطقة بلخش قدر الكف مصنوعا عليه منقوشا اسم كيكاوس وجماعة من ملوك الفرس فغير السلطان صناعتها ونقشها على اسمه ٥/١٥٠

وكان يلبس تلك المنطقة في الأعياد وأخذها التتر يوم كبسوه وحملت الى الخان الأعظم ابن جنكزخان بقراقرم وأقام خاموش في خدمة السلطان الى أن صرعة الفقر ولحق بعلاء الملك ملك الإسماعيلية فتوفي عنده انتهى كلام النسائي.

أخبار السلطان جلال الدين مع الإسماعيلية

كان السلطان جلال الدين بعد وصوله من الهند ولى ارخان على نيسابور وأعمالها وكان وعده بذلك بالهند فاستخلف عليها وأقام مع السلطان وكان نائبة بها يتعرض لبلاد الإسماعيلية المتاخمة له بهستان وغيرها بالنهب والقتل فأوفدوا على السلطان وهو بخوي وقد أمنهم يشكون من نائب ارخان وأساء عليهم ارخان في المجاورة ولما عاد السلطان الى كنجة وكان قد أقطعها وأعمالها لارخان فلما خيم بظاهرها وثب ثلاثة من الباطنية ويسمون الفداوية لانهم يقتلون من أمرهم أميرهم بقتله ويأخذون فديتهم منه وقد فرغوا عن أنفسهم فوثبوا به فقتلوه وقتلتهم العامة وكانت الإسماعيلية قد استولوا على الدامغان أيام الفتنة ووصل رسولهم بعد هذه الواقعة الى السلطان وهو ببيلقان فطالبهم بالنزول على الدامغان فطلبوا ضمانها بثلاثين ألف دينار وقررت عليهم وكان الرسول الوافد في خدمة الوزير وهم راجعون الى أذربيجان فاستخفه الطرب ليلة وأحضر له خمسة من الفداوية معه بالعسكر وبلغ خبرهم السلطان فأمره بإحراقهم انتهى كلام النسائي وقال ابن الأثير أن السلطان بعد مقتل ارخان سار في العساكر الى بلاد الإسماعيلية من الموت الى كردكوه فاكتسحها وخربها وانتقم منهم وكانوا بعد واقعته قد طمعوا في بلاد الإسلام فكف عاديتهم وقطع اطماعهم وعاد فبلغه أن طائفة من التتر بلغوا الدامغان قريبا من الري فسار اليهم وهزمهم وأثخن فيهم ثم جاء الخبر بأن جموع التتر متلاحقة لحربه فأقام في انتظارهم في الري انتهى.

استيلاء حسام الدين نائب خلاط على مدينة خوى

قد تقدم لنا أن بنت السلطان طغرل زوجة ازبك بن البهلوان لما ملك السلطان جلال الدين تبريز من يدها أقطعها مدينة خوى ثم تزوجها بعد ذلك كما قدمناه وتركها لما هو فيه من أشغال ملكه فوجدت لذلك ما فقدته من العز والتحكم قال النسائي الكاتب وأضاف لها السلطان مدينتي سلماس وارمينية وعين رجلا لقبض أقطاعها فتنكر لها وأغرى بها الوزير فكاتب السلطان بأنها تداخل الاتابك ازبك وتكاتبه ثم وصل الوزير الى خوى فنزل بدارها ٥/١٥١

واستصفى وكانت مقيمة بقلعة طلع فحاصرها وسألت المضي الى السلطان فأبى الا نزولها على حكمه انتهى وكان أهل خوى مع ذلك قد ضجروا من ملكة جلال الدين وجوره وتسلط عساكره فاتفقت الملكة معهم وكاتبوا حسام الدين الحاجب النائب عن الأشرف بخلاط فسار اليهم في مغيب السلطان جلال الدين بالعراق واستولى على مدينة خوى وأعمالها وما يحاورها من الحصون وكاتبه أهل نقجوان وسلموها له وعاد الى خلاط واحتمل الملكة بنت طغرل زوجة جلال الدين الى خلاط الى أن كان ما نذكره.

واقعة السلطان مع التتر على أصبهان

ثم بلغ الخبر الى السلطان بأن التتر زحفوا من بلادهم فيما وراء النهر الى العراق فسار من تبريز للقائهم وجرد أربعة آلاف فارس الى الري والدامغان طليعة فرجعوا وأخبروه بوصولهم الى أصبهان فنهض للقائهم واستخلف العساكر على الاستماتة وأمر القاضي بأصبهان باستنفار العامة وبعث التتر عسكرا الى الري فبعث السلطان عسكرا لاعتراضهم فأوقعوا بالتتر فنالوا منهم ثم التقي الفريقان في رمضان سنة خمس وعشرين لرابعة وصولهم الى أصبهان وانتقض عنه أخوه غياث الدين وجهان بهلوان الكجي في طائفة من العسكر وانهزمت مسيرة التتر والسلطان في اتباعهم وكانوا قد أكمنوا له فخرجوا من ورائه وثبت واستشهد جماعة من الأمراء وأسر آخرون وفيهم علاء الدولة صاحب يزد ثم صدق السلطان عليهم الحملة فأفرجوا له وسار على وجهه وانهزمت العساكر فبلغوا فارس وكرمان ورجعت ميمنة السلطان من قاشان فوجدوه قد انهزم فتفرقوا أشتاتا وفقد السلطان ثمانية من فرقه وكان بقاطابستي مقيما بأصبهان فاعتزم أهل أصبهان على بيعته ثم وصل السلطان فاقصروا عن ذلك وتراجع بعض العسكر وسار السلطان فيهم الى الري وكان التتر قد حاصروا أصبهان بعد الهزيمة فلما وصل السلطان خرج معه أهل أصبهان فقاتلوا التتر وهزموهم وسار السلطان في اتباعهم الى الري وبعث العساكر وراءهم الى خراسان وعند ابن الأثير أن صاحب بلاد فارس وهو ابن الاتابك سعد الذي ملك بعد أبيه حضر مع السلطان في هذه الواقعة وأن التتر انهزموا أولا فاتبعهم صاحب فارس حتى إذا أبعدوا انفرد عن العسكر ورجع عنهم فوجد جلال الدين قد انهزم لانحراف أخيه غياث الدين وأمرائه عنه ومضى الى شهرم تلك الأيام ثم عاد الى أصبهان كما ذكرناه ٥/١٥٢

الوحشة بين السلطان جلال الدين وأخيه غياث الدين

كان ابتداؤها أن الحسن بن حرميل نائب الغوية بهراة لما قتلته عساكر خوارزم شاه محمد بن تكش وحاصروا وزيره الممتنع بها حتى اقتحموها عليه عنوة وقتلوه، هرب محمد بن الحسن بن حرميل الى بلاد الهند فلما سار السلطان جلال الدين وحظي لديه وأقامه شحنة بأصبهان فلما سار السلطان الى أصبهان للقاء التتر انحرف جماعة من غلمان غياث الدين عنه فصاروا الى نصرة الدين بن حرميل واسترجعهم منه غياث الدين في بيته وطعنه فأشواه ومات لليال وأحفظ ذلك السلطان وأقام غياث الدين مستوحشا فلما كان يوم اللقاء انحرف عن أخيه ولحق بخوزستان وخاطب الخليفة فبعث اليه بثلاثين ألف دينار وسار من هنالك الى قلعة الموت عند صلاح الدين شيخ الإسماعيلية فلما رجع السلطان من وقعة التتر الى الري سار الى قلعة الموت وحاصرها فاستأمن علاء الدين الى السلطان لغياث الدين فأمنه وبعث من يأتيه به فامتنع غياث الدين وفارق القلعة واعترضه عساكر السلطان بنواحي همذان وأوقعوا به وأسروا جماعة من أصحابه ونجا الى براق الحاجب بكرمان فتزوج بأمه كرها ونمي اليه أنها تحاول سمه فقتلها وقتل معها جهان بهلوان الكجي وحبس غياث الدين ببعض القلاع ثم قتله بمحبسه ويقال بل هرب من محبسه ولحق بأصبهان وقتل بأمر السلطان قال النسائي وقفت على كتاب براق الحاجب الى الوزير شرف الملك والسلطان بتبريز وهو يعدد سوابقه فعد منها قتله أعدى عدو السلطان والله تعالى ولى التوفيق.

انتقاض البهلوانية

لما ارتحل السلطان والوزير شرف الملك معه وانتهى الى همذان بلغه أن الأمراء البهلوانية اجتمعوا بظاهر تبريز يرومون الانتقاض واتبعه خاموش بن الاتابك ازبك من قلعة قوطور وكان مقيما بها فرجع السلطان اليهم وقدم بين يديه الوزير شرف الملك فلقيهم قريبا من تبريز وهزمهم وقبض على الذين تولوا أكبر الفتنة منهم ودخل تبريز قصبتهم وقبض على القاضي المعزول فصادمه قوام الدين الحرادي ابن أخت الطغرائي وصادره وسار السلطان للقاء التتر وأقام الوزير نائبا للبلاد. ٥/١٥٣

إيقاع نائب خلاط بالوزير

ولما كان ما ذكرناه من مسير حسام الدين نائب خلاط الى أذربيجان واحتماله زوجة السلطان جلال الدين إلى خلاط امتعض الوزير لذلك فسار الى موقان من بلاد أران وجمع التركمان وفرق العمال للجباية وطلب الحمل من شروان شاه وهو خمسون ألف دينار فتوقف وأغار على بلاده فلم يظفر بشيء ورجع إلى أذربيجان وكانت بنت الأتابك بهلوان في بقجان فارقها مولانا ايدغمش وجاء الى الوزير فأطمعه فيها وصار الوزير مضمرا الغدر بها وامتنعت عليه ونزل بالمرج فأكرمته وقربته ورحل الى حورس من أعمالها وكانت للأشرف صاحب خلاط أيام أزبك فانتشرت أيدي العسكر في تلك الضياع وقاتلها الوزير وجاء الحاجب صاحب خلاط في عساكره فانهزم الوزير ترك أثقاله وذلك سنة أربع وعشرين وكان مع الحاجب فخر الدين سام صاحب حلب وهشام الدين خضر صاحب تبريز برم وكان الوزير وتكاليفه فظهر الآن بمخلفه وخلص الوزير الى أران وسار الحاجب على في اتباعه ثم عاد الى تبريز ومر بخوي فنهبها ثم سار الى بقجان فملكها ثم الى تدمر كذلك وأقام الوزير بتبريز وكان بها الاتابك ازبك متنسكا منعه أهل تبريز من الدخول وحملوا اليه النفقة ثم جاء الخبر برجوع السلطان الى أصبهان بعد الهزيمة كما مر فسار الوزير الى أذربيجان ولقي ثلاثة من الأمراء جاءوا مددا له من عند السلطان وأمره بحصار خوى فسار اليها وبها نائب الحاجب حسام الدين صاحب خلاط وهو بدر الدين بن صرهنك والحاجب حسام الدين على منوشهر فنهض اليه الوزير من خوى فتأخر الى تركري والتقيا هنالك فانهزم الحاجب ودخل تركري فاعتصم بها وحاصره الوزير وطلب الصلح فلم يسعفه ورجع الأمراء الذين كانوا معه بعساكرهم الى أذربيجان وأفرج الوزير عن حصار تركري ومر بخوي وقد فارقها ابن صرهنك الى قلعة قوطور واستأمن للسلطان من بعد ذلك ودخل الوزير مدينة خوى وصادر أهلها وسار الى ترمذ ونقجوان ففعل فيهما مثل ذلك وانقطعت ايالة الحاجب صاحب خلاط والله أعلم. ٥/١٥٤

فتوحات الوزير بآذربيجان واران

ولما تخلف الوزير عن السلطان صرف همته الى تمهيد البلاد ومدافعة صاحب خلاط وارتجاع البلاد التي ملك من آذربيجان واران وفتح القلاع العاصية فكان بينه وبين الحاجب حسام الدين صاحب خلاط ما ذكرناه وهو خلال ذلك يستميل أصحاب القلاع ويفيض فيهم الأموال والخلع حتى أجاب أكثرهم ثم قبض على ناصر الدين محمد من أمراء البهلوانية وكان معتزلا عند نصرة الدين محمد بن سبكتكين فصادره على مال وتسلم من نائبة قلعة كانت بيده ثم مات نائب السلطان بكنجة آقسنقر الاتابكي فنهض اليها وقبض على نائبة شمس الدين كرشاسف وصادره وتسلم منه قلعة هردوجاربرد من أعمال اران ثم جر العساكر لحصار قلعة زونين وبها زوجة السلطان خاموش فأطال حصارها وعرضت عليه نكاحها فأبى ولما رجع السلطان من العراق تزوجها وولى خادمه سعد الدين على القلعة فأساء اليها وانتزع أملاكها فأخرجوه وعادوا الى الانتقاض ولما خلص الوزير من واقعته مع الحاجب نائب خلاط قصد أران فجبى الأموال وجمع واحتشد وقصد قلعة مردانقين وكانت لصهر الوزير ركبة الدين فصانعه بأربعة آلاف دينار حملها اليه ثم سار الى قلعة حاجين وبها جلال الدولة ابن أخت أبواني أمير الكرج فصالحه على عشرين ألف دينار وسبعمائة أسير من المسلمين ثم كانت فتنة البهلوانية فسكنها وسرح الجند عنها وشرح الخبر عنها أن بعض مماليك أتابك ازبك كان قد أفحش في قتل الخوارزمية بأذربيجان عند زحفهم اليها أيام فرارهم من التتر فلما ملك السلطان جلال الدين أذربيجان ومحاملك البهلوانية منها لحق الأمير مقدي هذا بالأشرف بن العادل بن أيوب صاحب الشام وأقام عنده فلما بلغه انهزام الوزير شرف الملك أمام الحاجب حسام الدين نائب الأشرف بخلاط فر من الشام الى آذربيجان ليقيم مع الاتابكية ومر بالحاجب في خوى فاتبعه وعبر النهر وخاطب من عدوته معتذرا فرجع عنه ودخل مقدي بلاد قبار وفيها قلاع استولى عليها المنتقضون والعصاة فراسلهم في اقامة الدعوة الاتابكية والبيعة لابن خاموش بن ازبك يستدعونه من قلعة قوطور واتصل ذلك بالوزير فأقلقه ثم جاء خبر هزيمة السلطان بأصبهان فازداد قلقا وسار الأمير مقدي الى نصرة الدين محمد بن سبكتكين يدعوه لذلك فلاطفه في القول وكتب للوزير بالخبر فأجابه بأن يضمن لمقدي ما أحب في مراجعة الطاعة ففعل وجاء به الى الوزير فأكرمه وخلع عليه وعلى من جاء معه وعاهده على العفو عن دماء الخوارزمية وجاء الخبر ٥/١٥٥

برجوع السلطان من أصبهان فارتحل الوزير للقائه ومعه الأمير مقدي وابن سبكتكين وأكرمهما السلطان.

أخبار الوزير بخراسان

كان صفي الدين محمد الطغرائي وزيرا بخراسان وأصل خبره انه كان قرية من كلاجرد وأبوه رئيسها وكان هو حسن الخط ورتبة الأطوار ثم لحق بالسلطان في الهند وخدم الوزير شرف الملك فلما عادوا الى العراق ولاه الطغرائي ولما ملك السلطان تفليس من يد الكرج ولى عليها آقسنقر مملوك الاتابك ازبك وأقام صفي الدين في وزارتها فلما حاصرها الكرج هرب آقسنقر وأقام صفي الدين فحاصروه أياما ثم أفرجوا ووقع ذلك من السلطان أحسن المواقع وولاه وزارة خراسان فأقام بها سنة وضجر منه أهلها فلما جاء السلطان الى الري وأقام بها كثرت به الشكايات ونكبه السلطان واستصفي أمواله وقبض على مواليه وحاشيته وقيدت خيله الى مرابط السلطان وكانت ثلاثمائة وخلص من مواليه على الكرماني الى قلعة كان حصنها فامتنع بها واستوزر السلطان مكانه تاج الدين البلخي المستوفي وسلم اليه الصفي ليستصفيه ويقلع القلعة من مولاه وشدد في امتحانه وكان عدوه فلم يظفر منه بشيء وكان لما نكب طالبه خاتون السلطان بإحضار الجواهر وما ساقه لخدمة الوزير وغيره فاحضر أربعة آلاف دينار وسبعين فصا من ياقوت وبلخش واستأثر الخازن بها الظنة أنه مقتول ثم كاتب الصفي أرباب الدولة ووعدهم بالأموال فشفعوا فيه وخلصوه وكتب السلطان بخطه بسراحه فجاء واستخلص ماله من الخازن الا الفصوص فأنه تعذر عليه ردها وولى السلطان على وزارة نسا محمد بن مودود النسوي العارض من بيت رياسة بها ورمت به الحادثة الى غزنة فلما جاء السلطان من الهند ولاه الإنشاء والحبس وعظم أمره وغص به الوزير شرف الملك فلما ورد أحمد بن محمد المنشي الكاتب رسولا عن نصرة الدين محمد بن حمزة صاحب نسا كما مر ولاه السلطان الإنشاء فارتمض لذلك ضياء الدين وطلب وزارة نسا فولاه السلطان إياها وأقطع له عشرة آلاف دينار في السنة زيادة على أرزاق الوزارة وذهب اليها لإقامة وظيفته واستناب في ديوان العرض مجد الملك النيسابورى ثم قطع الحمل فعزله السلطان وولي مكانه الكاتب أحمد بن محمد المنشئ وتعرض للسعاية فيه فطرده السلطان وهلك في طرده.

خبر بلبان صاحب خلخال

كان من أتابكية ازبك ولما كانت فتنة التتر وخلاء خراسان واستيلاء السلطان جلال الدين ٥/١٥٦

على آذربيجان لحق بمدينة خلخال فاستولى عليها وعلى قلاعها وشغل عنه السلطان بأمر العراق وصاحب خلاط فلما انصرف المسلمون من واقعة التتر بالعراق حاصروه بقلعة فيروزاباذ حتى استأمن وملكها السلطان وولى عليها حسام الدين بكتاش مولى سعد أتابك فارس ثم خلف السلطان أثقاله بموقان وتجرد لخلاط وعاقه البردبار جيش فنهب بعض قلاع وكان عز الدين الخلخالي في كفر طاب قريبا من أرجيش فلحق بخلاط وجهزه الحاجب الى آذربيجان يشغلهم باثارة الفتنة فيها فلم يتم قصده من ذلك فلحق بجبال زنجان وأقام يخيف السابلة وكتب له السلطان بالأمان ونزل الى أصبهان فبعث نائبها شرف الدولة برأسه الى السلطان ثم رجع السلطان من كفر طاب الى خرت برت فنهبها وخربها ووصله خلال ذلك الخبر بوفاة الخليفة الظاهر منتصف ثلاث وعشرين وولاية ابنه المنتصر وجاءه كتابه بأخذ البيعة وأن يبعث اليه بالخلع والله تعالى ولى التوفيق لا رب غيره.

تنكر السلطان للوزير شرف الملك

لما رجعت العساكر الى موقان وأقام السلطان بخوي شكا اليه أهلها بكثرة مصادرة الوزير لهم واطلع على إساءته للملكة بنت طغرل واستصفائه مالها مع براءتها مما نسب اليها ثم جاء الى تبريز فبلغه عنه أكثر من ذلك وهو بقرية كورتان من أعمالها فافتقد رئيسها وكان يخدمه فقيل أن الوزير صادره على ألف دينار لمملوكين له فلما وصل الى تبريز حبس من أخذها حتى ردها على صاحبها وأسقط عن أهل تبريز خراج ثلاث سنين وكتب لهم بذلك وكثرت الشناعات على الوزير بما فعله في مغيب السلطان هذا مع ما كان منه في محاربة الإسماعيلية بأن السلطان كاتبه من بغداد بأن يفتش فلول الشام من أجل رسول من عند التتر بعثوه الى الشام وقصد بذلك معاتبة الخليفة إن عثر على الرسول فمر به فل الإسماعيلية فقتلهم واستولى على أموالهم فلما عاد السلطان الى آذربيجان وصله رسول علاء الدين ملك الإسماعيلية يعاتبه على ذلك ويطلب المال فنكر السلطان على الوزير ما فعله ووكل به أميرين حتى رد ما أخذ من أموالهم وكانت ثلاثين ألف دينار وعشرة أفراس فانطوى السلطان للوزير من ذلك كله على سخط وأعرض عن خطابه وكان يكاتب فلا يجاب وعجزت تبريز عن علوفة السلطان فأمر بفتح اهراء الوزير والتصرف فيها ورجع السلطان الى موقان فلم يغير عليه شيئا ووقع له بتناول عشر الخاص فكان يأخذ من عشر العراق سبعين ألف دينار في كل سنة والله أعلم ٥/١٥٧

وصول القفجاق لخدمة السلطان

كان للقفجاق على قديم العهد هوى مع قوم هذا السلطان وأهل بيته وكانوا يصهرون اليهم غالبا ببناتهم ومن أجل ذلك استأصلهم جنكزخان واشتد في طلبهم فلما عاد السلطان من واقعة أصبهان وقد هاله أمر التتر رأى أن يستظهر عليهم بقبائل قفجاق وكان في جملته سبيرجنكش منهم فبعثه اليهم يدعوهم لذلك ويرغبهم فيه فأجابوا وجاءت قبائلهم إرسالا وركب البحر كوركان من ملوكهم في ثلاثمائة من قرابته ووصل الى الوزير بموقان فشتى بها ثم جاء السلطان فخلع عليه ورده بوعد جميل في فتح دربند وهو باب الأبواب ثم أرسل السلطان لصاحب دربند وكان طفلا وأتابكه يلقب بالأسد يدبر أمره فقدم على السلطان فخلع عليه وأقطع له وملكه العمل على أن يفتح له الدربند وجهز عساكر وأمراء فلما فصلوا من عنده قبضوا على الأسد وشنوا الغارة على نواحي الباب واعمل الأسد الحيلة وتخلص من أيديهم وتعذر عليهم ما أرادوه.

استيلاء السلطان على أعمال كستاسفى

كان علم الوزير يشكر أن السلطان أراد أن ينتصح له ببعض مذاهب الخدمة فسار في العساكر وعبر نهر زاس فاستولى على أعمال كستاسفي من يد شروان شاه فلما عاد السلطان الى موقان أقطعها لجلال الدين سلطان شاه بن شروان شاه وكان أسيرا عند الكرج أسلمه أبوه اليهم على أن يزوجوه بنت الملك رسودان بنت تاماد فلما فتح السلطان بلاد الكرج استخلصه من الأسر ورباه وبقي عنده وأقطعه الآن كستاسفي وكان أيضا عند الكرج ابن صاحب ارزن الروم وكان تنصر فزوجوه رسودان بنت تاماد فأخرجه السلطان لما فتح بلاد الكرج ثم رجع الى ردنة ولحق بالكرج فوجد رسودان قد تزوجت.

قدوم شروان شاه

كان السلطان ملك شاه بن البارسلان لما ملك اران أطلق الغارة على بلاد شروان فوفد عليه ملكها أفريدون بن فرتبريز وضمن حمل مائة ألف دينار في السنة فلما ملك السلطان جلال الدين اران سنة اثنتين وعشرين وستمائة طلب شروان شاه أفريدون بالحمل فاعتل بتغلب ٥/١٥٨

الكرج وضعف البلاد فأسقط عنه نصف الحمل فلما عاد الآن قدم عليه شروان شاه وأهدى له خمسمائة فرس وللوزير خمسين فاستقلها وأشار على السلطان بحبسه فلم يقبل إشارته ورده بالخلع والتشريف وأسقط عنه من الحمل عشرين ألفا فبقي ثلاثون قال النسائي الكاتب وأعطاني في التوقيع ألف دينار والله تعالى أعلم.

مسير السلطان الى بلاد الكرج وحصاره قلاع بهرام

لما كان السلطان مقيما بموقان منصرفه من آذربيجان بعث عساكره مع ايلك خان فأغار على بلاد الكرج واكتسحها ومر ببحيرة بتاج فكبسه الكرج وأوقعوا به وفقد اريطاني وامتعض السلطان لما وقع بعسكره وارتحل لوقته وقد جمع له الكرج فهزمت مقدمته مقدمتهم وجيء بالأسرى منهم فقتلهم وسار في اتباعهم ونازل كوري وطالبهم بإطلاق أسرى البحيرة فأطلقوهم وأخبر أن اريطاني خلص تلك الليلة الى آذربيجان ثم وجده السلطان في نقجوان ثم سار الى بهران الكرجي وقد كان أغار على نواحي كنجة فعاث في أعماله وحاصر قلعة سكان ففتحها عنوة وكذلك قلعة عليا ثم حاصر قلعة كاك وبعث الوزير لحصار كوزاني فحاصرها ثلاثة أشهر حتى طلبوا الصلح على مال حملوه فرحل عنهم الى خلاط والله أعلم.

مسير السلطان الى خلاط وحصارها

ولما فرغ السلطان من شأن الكرج قدم أثقاله الى خلاط على طريق قاقروان وسار هو الى نقجوان وصبح الكرج واستاق مواشيهم ثم أقام أياما وقضى أشغال أهل خراسان والعراق ليفرغ لحصار خلاط قال النسائي الكاتب وحصل لي منهم تلك الأيام ألف دينار ثم ارتحل الى خلاط ولحق بعساكره ولقيه رسول من عز الدين أيبك نائب الأشرف بخلاط وقد كان الأشرف بعثه وأمره بالقبض على نائبها حسام الدين علي بن حماد فقبض عليه ثم قتله غيلة وبعث الى السلطان يستخدم اليه بذلك وان سلطانه الأشرف أمره بطاعة السلطان جلال الدين وبالغ في الملاطفة فأبي السلطان الا إمضاء ما عزم عليه وقال ان كان هذا حقا فابعث الي بالحاجب فلما سمع هذا الجواب قتله وسار السلطان الى خلاط ونزل عليها بعد عيد الفطر من سنة ست وعشرين وجاءه ركن الدين جهان بن طغرل صاحب ارزن الروم فكان معه وحاصرها ونصب عليها المجانيق وأخذ بمخنقها حتى فر أهلها عنها من الجوع وتفرقوا في البلاد ٥/١٥٩

ثم داخله بعض أهلها في أن يمكنهم من بقيتها على أن يؤمنوه ويقطعوه في آذربيجان فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع هنالك وأصعد الرجال ليلا الى الأسوار فقاتلوا الجند بالمدينة وهزموهم وملكوها وأسروا من كان بها وأسروا النصارى وأسد بن عبد الله وتحصن النائب عز الدين أيبك بالقلعة فآمنه وحبسه بقلعة درقان فلما وقعت المراسلة في الصلح قفل لئلا يشترط وقال ابن الأثير إن مولى من موالي حسام الدين كان هرب الى السلطان فلما ملك خلاط طلب أن يثأر منه بمولاه فدفعه اليه وقتله ونهب البلد ثلاثا وسرح السلطان صاحب ارزن وهرب القمهري من محبسه فقتل أسد بن عبد الله المهراني بجزيرته وأقطع السلطان خلاط للامراء وعاد والله تعالى ولى التوفيق.

واقعة السلطان جلال الدين مع الأشرف وكيقباد وانهزامه أمامهما

ولما استولى السلطان جلال الدين على خلاط تجهز الأشرف من دمشق وقد كان ملكها وسار لقتال السلطان جلال الدين في عساكر الجزيرة والشام وذلك في سنة تسع وعشرين ولقيه علاء الدين كيقباد صاحب بلاد الروم على سيراس وكان كيقباد قد خشي من اتصال جهان شاه ابن عمه طغرل صاحب ارزن الروم بالسلطان جلال الدين لما بينهما من العداوة فسار الأشرف وكيقباد من سيراس وفي مقدمة الأشرف عز الدين عمر بن علي من أمراء حلب من الأكراد الهكارية وله صيت في الشجاعة وجاء السلطان علاء الدين للقائهم فلما تراءى الجمعان حمل عز الدين صاحب المقدمة عليهم فهزمهم وعاد السلطان الى خلاط وكان الوزير على ملازكرد يحاصرها فلحق به وارتحلوا جميعا الى آذربيجان وأسر ركن الدين جهان شاه بن طغرل وجيء به الى ابن عمه علاء الدين كيقباد فجاء به الى ارزن فسلمها وسائر أعمالها ووصل الأشرف الى خلاط فوجدها خاوية ولما رجع السلطان الى آذربيجان ترك العساكر مع الوزير سكمان وأقام بخوي وخلص الترك في الهزيمة الى موقان وتردد شمس الدين التكريتي رسول الأشرف بينه وبين السلطان جلال الدين في الصلح بينهم ودخل فيه علاء الدين صاحب الروم وانعقد بينهم جميعا وسلم لهم السلطان سرمن رأى مع خلاط والله تعالى أعلم ٥/١٦٠

الحوادث أيام حصار خلاط

منها وفادة نصر الدين اصبهبد صاحب الجبل مع ارخا من أمراء السلطان يصهره على أخيه فقبض السلطان عليه الى أن عاد من بلاد الروم منهزما فأقطعه وأعاده الى بلاده ومنها رسالة أخت السلطان وكانت عند دوشي خان أخذها من العيال الذين جاءوا معه وتركمان خاتون من خوارزم وأولدها وكانت تكاتب أخاها بالاخبار فبعثت اليه الآن في الصلح مع خاقان والمصاهرة وأن يسلم له فيما وراء جيحون فلم يجبها ومنها وفادة ركن الدين شاه بن طغرل صاحب ارزن الروم وكان في طاعة الأشرف ومظاهرا للحاجب نائب خلاط على عداوة السلطان منافرة لابن عمه علاء الدين كيقباد بن كنخسرو صاحب الروم وكان قتل رسول السلطان منقلبا من الروم ومنع الميرة عن العسكر فلما طال حصار السلطان بخلاط استأمن وقدم عليه السلطان فاحتفل لقدومه واركب الوزير للقائه ثم خلع عليه ورده الى بلاده واستدعى منه آلات الحصار فبعث بها ثم حضر بعد ذلك واقعة الأشرف مع السلطان كما مر ومنها وصول سعد الدين الحاجب برسالة الخليفة الى السلطان بالخطبة في أعمالها وان لا يتعرض لمظفر الدين كوكبرون صاحب اربل ولا للمولد صاحب الموصل ولا لشهاب الدين سليمان شاه ملك ولا لعماد الدين بهلوان بن هراست ملك الجبال ويعدهم في أولياء الديوان فامتثل مراسله وبعث نائب العراق شرف الدين على بأن ملك العراق لا يتم إلا بطاعة ملك الجبال عماد الدين بهلوان وملك سليمان شاه فبعث اليهما السلطان من لاطفهما حتى كانت طاعتهما اختيارا منهما وبعث السلطان الحاجب بدر الدين طوطو بن ابنايخ خان فأحسن في تأدية رسالته وجاء بهدية حافلة من عند الخليفة خلعتان للسلطان إحداهما جبة وعمامة وسيف هندي مرصع الحلية والأخرى قنع وكمة وفرجية وسيف محلى بالذهب وقلادة مرصعة ثمينة وفرسان رائعان بعدتين كاملتين ونعال لكل واحدة من أربعمائة دينار وترس ذهب مرصع بالجوهر وفيه أحد وأربعون فصا من الياقوت وبندخستاني في وسطه فيروزجة كبيرة وثلاثون فرسا عربية مجللة بالاطلس الرومي المبطن بالاطلس البغدادي بمقاود الحرير ونعال الذهب لكل واحدة منها ستون دينارا وعشرون مملوكا بالعدة والمركوب وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب وعشرة صقور بالأكمام ٥/١٦١

الملكة ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمس أكر من العنبر مضلعة بالذهب وشجرة من العود الهندي طولها خمسة أذرع وأربع عشرة خلعة نسوانية للخانات من خوالص الذهب وكنائس للخيل تفليسية وللامراء ثلاثمائة خلعة لكل أمير خلعة قباء وكمة وللوزير عمامة سوداء وقباء وفرجية وسيف هندي واكرتان من العنبر وخمسون ثوبا وبغلة ولأصحاب الديوان عشرون خلعة في كل خلعة جبة وعمامة وعشرون ثوبا أكثرها اطلس رومي وبغدادي وعشرون بغلة شهباء ورفعت للسلطان خباء فدخلها ولبس الخلعتين وشفع الرسول في أهل خلاط فاعتذر له السلطان ومنها وصول هدية من صاحب الروم ثلاثون بغلا مجللة بثياب الأطلس الخطائي وفرو القندسي والسمور وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة ومائة فرس وخمسون بغلا ولما مروا بآذربيجان اعترضهم ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب ارزن وكان في طاعة الأشرف فأمسك الهدية عنده الى أن وفد على السلطان بطاعته فأحضرها ومنها اسار وزير المورخا جاء الى الجبل المطل على قزوين لحصاد الحشيش على عادته وكان السلطان قد تغير على علاء الدين صاحبهم بسبب أخيه غياث الدين ولحاقه بهم في الموت فسار مقطع ساوة الى ذلك الجبل وأكمن لهم وأسر الوزير وبعث به الى السلطان وهو يحاصر خلاط فحبسه بقلعة رزمان وهلك لاشهر قلائل ثم بعث السلطان كاتبه محمد بن أحمد النسائي الى علاء الدين صاحب قلعة الموت بطلب الخوارج وطلب الخطبة فامتنع منها أولا واحتج عليه بأن أباه جلال الدين الحسن خطب لخوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش والد السلطان فأنكر والتزم أن يبعث الى الديوان مائة ألف في كل سنة.

وصول جهان بهلوان ازبك من الهند

كان السلطان لما فصل من الهند بقصد العراق واستخلف على البلاد التي ملكها هنالك جهان بهلوان ازبك فأقام هنالك الى أن قصده عسكر شمس الدين ايتماش صاحب لهاوون ففارق مكانه وسار الى بلاد قشمير فزاحموه وطردوه عن البلاد فقصد العراق وتخلف عنه أصحابه وعادوا الى ايتماش وفيهم الحسن برلق الملقب رجا ملك وكاتب جهان عليها ملك العراق بوصوله في سبعمائة فارس فأجاب الحسن رأي السلطان فيه وبعث اليه بعشرة آلاف دينار للنفقة ووصل توقيع السلطان بأن تحمل اليه عشرون ألفا وأن يشتى بالعراق يستريح بها من التعب فصادف عود السلطان من بلاد الروم وزحف السلطان الى آذربيجان فحال قدر الله بينه وبين مرامه وقتل هناك سنة ثمان وعشرين ٥/١٦٢

وصول التتر الى آذربيجان

كان التتر عند ما ملكوا ما وراء النهر وزحفوا الى خراسان فضعضعوا ملك بني خوارزم شاه وانتهوا الى قاصية البلاد وخربوا ما مروا عليه واكتسحوا ونهبوا وقتلوا ثم استقر ملكهم بما وراء النهر وعمروا تلك البلاد واختطوا قرب خوارزم مدينة عظيمة تعوض منها وبقيت خراسان خالية واستبد بالمدن فيها أمراء شبه الملوك يعطون الطاعة للسلطان جلال الدين لما جاء من الهند وانفرد جلال الدين بملك العراق وفارس وكرمان وآذربيجان واران وما وراء ذلك وبقيت خراسان مجالات لغارات التتر وحروبهم ثم سارت طائفة منهم سنة خمس وعشرين فكان بينهم وبين جلال الدين لما جاء من الهند المواقعة على أصبهان كما مر ثم كان بين جلال الدين وبين الأشرف صاحب الشام وعلاء الدين كيقباد صاحب الروم المواقعة سنة سبع وعشرين كما مر وأوهنت من جلال الدين وحلت عرى ملكه وكان علاء الدين مقدم الإسماعيلية في قلعة الموت فعادى جلال الدين لما أثخن في بلاده وقرر عليه وظائف الأموال فبعث الى التتر يخبرهم بالهزيمة الكائنة عليه وانها أوهنته ويحثهم على قصده فساروا الى أذربيجان أول سنة ثمان وعشرين وبلغ الخبر الى السلطان بمسيرهم فبعث بوغر من أمرائه طليعة لاستكشاف خبرهم فلقي مقدمتهم فانهزم ولم ينج من أصحابه غيره وجاء بالخبر فرحل من تبريز الى موقان وخلف عياله بتبريز لنظر الوزير وأعجله الحال عن أن يبعثهم الى بعض الحصون ثم ورد كتاب من حدود زنجان بأن المقدمة التي لقيها بوغر باهر أقاموا بمرج الخان وانهم سبعمائة فارس فظن السلطان أنهم لا يجاوزونهما فسرى عنه ورحل الى موقان فأقام بها وبعث في احشاد العساكر الأميرين بغان شحنة خراسان وأوسمان بهلوان شحنة مازندان وشغل بالصيد وبينما هو كذلك كبسه التتر بمكانه ونهبوا معسكره وخلص الى نهر أوس ثم وري بقصد كنجة وعطف الى أذربيجان فتنكر لماهان وكان عز الدين صاحب قلعة شاهن غاضبا منذ سنين لاغارة الوزير على بلده فلما نزل السلطان ماهان كان يخدمه بالميرة وباخبار التتر ثم أنذره آخر الشتاء بمسير التتر اليه من أرجان وأشار عليه بالعود الى اران لكثرة ما فيها من العساكر وأجناد التركمان متحصنين بها فلما فارقها وكان الوزير فوق بيوت السلطان وخزائنه في قلاع حسام الدين منهم ارسلان كبير أمراء التركمان باران وكان قد عمر هنالك قلعة سنك سراخ من أحصن القلاع فأنزل عياله بها وكان مستوحشا من السلطان فجاهر بالعصيان وكانت وحشته من السلطان لأمور منها تبذير أمواله في العطاء والنفقة ومنها أنه ظن ٥/١٦٣

أن السلطان مجفل الى الهند فكاتب الأشرف صاحب الشام وكيقباد صاحب الروم فوعدهم من نفسه الطاعة وهما عدوا السلطان ومنها أنه كاتب قلج ارسلان التركماني فأمره بحفظ حرم السلطان وخزائنه ولا يسلمها اليه وبعث في الكتاب له والكباس قبله ليغزو الروم فلما مر السلطان بقلعته بعث اليه يستدعيه فوصل وحمل كفنه في يده فلاطفه السلطان وكايده فظنها مخالصة فاطمأن والله تعالى ولى التوفيق.

استيلاء التتر على تبريز وكنجة

ولما اجفل السلطان بعد الكبسة من موقان الى اران بلغ الخبر الى أهل تبريز فثاروا بالخوارزمية وأرادوا قتلهم ووافقهم بهاء الدين محمد بن بشير فاربك الوزير بعد الطغرياني وكان الطغرياني رئيس البلد كما مر فمنعهم من ذلك وعدوا على واحد من الخوارزمية وقتلوه فقتل به اثنين من العامة واجتهد في تحصين تبريز وحراستها وشحنها بالرجال ولم تنقطع كتبه عن السلطان ثم هلك فسلمها العوام الى التتر ثم ثار أهل كنجة وسلموا بلدهم للتتر وكذا أهل ببلغازة والله أعلم.

نكبة الوزير ومقتله

لما وصل السلطان الى قلعة جاربرد بلغه استيحاش الوزير وخشي أن يفر الى بعض الجهات فركب الى القلعة موريا بالنظر في أحوالها والوزير معه وأسر الى والي القلعة أن يمسك الوزير ويقيده هنالك ففعل ونزل السلطان فجمع مماليك الوزير وكبيرهم الناصر قشتمر وضمهم الى أوترخان ثم نمي الى والي القلعة أن السلطان مستبدل منه فاستوحش وبعث بخاتم الوزير الى قشتمر كبير المماليك يقول نحن وصاحبكم متوازرون فمن أحب خدمته فليأت القلعة فسقط في يد السلطان وكان ابن الوالي في جملته وحاشيته فأمره السلطان أن يكاتب أباه ويعاتبه ففعل وأجابه بالتنصل من ذلك فقال له السلطان فليبعث الي برأس الوزير فبعث به وكان الوزير مكرما للعلماء والأدباء مواصلا لهم كثير الخشية والبكاء متواضعا منبسطا في العطاء حتى استغرق أموال الديوان لولا أن السلطان جذب من عنانه وكان فصيحا في لغة الترك وكانت عمالته على التواقيع السلطانية الحمد لله العظيم وعلى التواقيع الديوانية يعتمد ذلك وعلى تواقيعه الى بلاده أبو المكارم على بن أبي القاسم خالصة أمير المؤمنين ٥/١٦٤

ارتجاع السلطان كنجة

لما ثار أهل كنجة بالخوارزمية كان القائم بأمرهم رجل منهم اسمه بندار وبعث السلطان اليهم رسوله يدعوهم الى الطاعة فوصلوا قريبا منه وأقاموا وخرج اليهم الرئيس جمال الدين القمي بأولاده وامتنع الباقون ثم وصل السلطان وردد اليهم فلم تغن وبرزوا بعض الأيام للقتال ورموا على خيمته فركب وحمل عليهم فانهزموا وازدحموا في الباب فمنعهم الزحام من اغلاقه فاقتحم السلطان المدينة وقبض على ثلاثين من أهل الفتنة فقتلهم وجيء ببندار وكان بالغا في الفساد وكسر سرير الملك الذي نصبه بها محمد بن ملك شاه فمثل به وفصل أعضاءه بين يديه وأقام السلطان بكنجة نحوا من شهر ثم سار الى خلاط مستمدا للأشرف فارتحل الأشرف الى مصر وعلل بالمواعيد ووصل السلطان في وجهته الى قلعة شمس وبها أراك بن ايوان الكرجي فخرج وقبل الأرض على البعد ثم بعث الى السلطان ما أمري وبعث السلطان الى جيرانه من الملوك مثل صاحب حلب وآمد وماردين يستنجدهم بعد يأسه من الأشرف وجرد عسكرا الى خرت برت وملطية وآذربيجان فأغاروا في تلك النواحي واستاقوا نعمها لما بين ملكها كيقباد وبين الأشرف من الموالاة فاستوحش جميعهم من ذلك وقعدوا عن نصرته والله تعالى ولى التوفيق.

واقعة التتر على السلطان بآمد ومهلكه

كان السلطان بلغه وهو بخلاط أن التتر ساروا اليه فبعث السلطان الأمير أوترخان في أربعة آلاف فارس طليعة فرجع وأخبر أن التتر رجعوا من حدود ملازكرد وكان الأمراء أشاروا على السلطان الانتقال بديار بكر وينجرون الى أصبهان ثم جاءه رسول صاحب آمد وزين له له قصد بلاد الروم وأطعمه في الاستيلاء عليها ليتصل بالقفجاق ويستظهر بهم على التتر وأنه يمده بنفسه في أربعة آلاف فارس وكان صاحب آمد يروم الانتقام من صاحب الروم بما ملك من قلاعه فجنح السلطان الى كلامه وعدل عن أصبهان الى آمد ٥/١٦٥

فنزل بها وبعث اليه التركمان بالنذير وانهم رأوا نيران التتر بالمنزل الذي كانوا به أمس فاتهم خبرهم وصبحه التتر على آمد وأحاطوا بخيمته قبل أن يركب فحمل عليهم اوترخان حتى كشفهم عن الحركات وركب السلطان وركض وأسلم زوجته بنت الاتابك سعد الى أميرين يحملانها الى حيث تنتهي الجفلة ثم رد أو ترخان العساكر عنه ليتوارى بانفراده عن عين العدو وسار أو ترخان في أربعة آلاف فارس فخلص الى أصبهان واستولى عليها الى أن ملكها التتر عليه سنة تسع وثلاثين وذهب السلطان مستخفيا الى باشورة آمد والناس يظنون أن عسكره غدروا به فوقفوا يردونهم فذهب الى حدود الدربندات وقد ملئت المضايق بالمفسدين فأشار عليه أوترخان بالرجوع فرجع وانتهى الى قرية من قرى ميافارقين فنزل في بيدرها وفارقه أوترخان الى شهاب الدين غازي صاحب حلب لمكاتبات كانت بينهما فحبسه ثم طلبه الكامل فبعث به اليه محبوسا ثم سقط من سطح فمات وهجم التتر على السلطان بالبيدر فهرب وقتل الذين كانوا معه وأخبر التتر أنه السلطان فاتبعوه وأدركه اثنان منهم فقتلهما ويئس منه الباقون فرجعوا عنه وصعد جبل الأكراد فوجدهم مترصدين في الطرق للنهب فسلبوه وهموا بقتله وأسر الى بعضهم أنه السلطان فمضى به الى بيته ليخلصه الى بعض النواحي ودخل البيت في غيبه بعض سفلتهم وبيده حربة وهو يطلب الثأر من الخوارزمية بأخ له قتل بخلاط فقتله ولم يغن عنه البيت وكانت الوقعة منتصف شوال سنة ثمان وعشرين هذه سياقة الخبر من كتاب النسائي كاتب السلطان جلال الدين وأما ابن الأثير فذكر الواقعة وأنه فقد فيها وبقوا أياما في انتظار خبره ولم يذكر مقتله وانتهى به التأليف ولم يزد على ذلك قال النسائي وكان السلطان جلال الدين أسمر قصيرا تركيا شجاعا حليما وقورا لا يضحك الا تبسما ولا يكثر الكلام مؤثرا للعدل الا أنه مغلوب من أجل الفتنة وكان يكتب للخليفة والوحشة قائمة بينهما كما كان أبوه يكتب خادمه المطواع فلان فلما بعث اليه بالخلع عن خلاط كما مر كتب اليه عبده فلان والخطاب بعد ذلك سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وأمام المسلمين وخليفة رب العالمين قدوة المشارق والمغارب المنيف على الذروة العليا ابن لؤي بن غالب ويكتب لملوك الروم ومصر والشام السلطان فلان بن فلان ليس معها أخوه ولا محبه وعلامته على تواقيعه النصرة من الله وحده وعلامته لصاحب الموصل بأحسن خط وشق القلم شقين ليغلظ ولما وصل من الهند كاتبه الخليفة الجناب الرفيع الخاقاني فطلب الخطاب بالسلطان فأجيب بأنه لم تجر به عادة مع أكابر الملوك فألح في ذلك حين حملت له الخلع فخوطب بالجناب العالي الشاهستاني ثم انتشر التتر بعد هذه الواقعة في سواد آمد وأرزن وميافارقين ٥/١٦٦

وسائر ديار بكر فاكتسحوها وخربوها وملكوا مدينة اسعرد عنوة فاستباحوها بعد حصار خمسة أيام ومروا بماردين فامتنعت ثم وصلوا الى نصيبين فاكتسحوا نواحيها ثم الى سنجار وجبالها والخابور ثم ساروا الى تدليس فأحرقوها ثم الى أعمال خلاط فاستباحوا أباكري وارتجيس وجاءت طائفة أخرى من أذربيجان الى أعمال اربل ومروا في طريقهم بالتركمان الاموامية والأكراد الجوزقان فنهبوا وقتلوا وخرج مظفر الدين صاحب اربل بعد ان استمد صاحب الموصل فلم يدركهم وعادوا وبقيت البلاد قاعا صفصفا والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وافترق عسكر جلال الدين منكبرس وساروا الى كيقباد ملك الروم ٥/١٦٧

فأثبتهم في ديوانه واستخدمهم ثم هلك سنة أربع وثلاثين وولى ابنه غياث الدين كنخسرو فارتاب بهم وقبض على كبيرهم وفر الباقون واكتسحوا ما مروا به وأقاموا مستبدين بأطراف البلاد ثم استمالهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل وكان نائبا لأبيه بالبلاد الشرقية حران وكيفا وآمد واستأذن أباه في استخدامهم فأذن له كما يأتي في أخباره والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وفضله.

الخبر عن دولة بني تتش بن البارسلان ببلاد الشام دمشق وحلب وأعمالهما وكيف تناوبوا فيها القيام بالدعوة العباسية والدعوة العلوية الى حين انقراض أمرهم

قد تقدم لنا استيلاء السلجوقية على الشام لأول دولتهم وكيف سار أتسز بن ارتق الخوارزمي من أمراء السلطان ملك شاه الى فلسطين ففتح الرملة وبيت المقدس وأقام فيهما الدعوة العباسية ومحا الدعوة العلوية ثم حاصر دمشق وذلك سنة ثلاث وستين وأربعمائة ثم أقام يردد الحصار على دمشق حتى ملكها سنة ثمان وستين وسار الى مصر سنة تسع وستين وحاصرها وعاد منها وولى السلطان ملك شاه بعد أبيه البارسلان سنة خمس وستين فأقطع أخاه تتش بلاد الشام وما يفتحه من تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فسار الى حلب وحاصرها وكان أمير الجيوش بدر الجمالي قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أتسز فبعث بالصريخ الى تاج الدولة تتش فسار لنصرته وأجفلت عساكر مصر وخرج أتسز لتلقيه فتعلل عليه ببطئه عن تلقيه وقتله واستولى على دمشق وقد تقدم ذلك كله ثم استولى سليمان بن قطلمش على انطاكية وقتل مسلم بن قريش وسار الى حلب فملكها وسمع بذلك تتش فسار اليها واقتتلا سنة تسع وسبعين وقتل سليمان بن قطلمش في الحرب وسار السلطان ملك شاه الى حلب فملكها وولى عليها قسيم الدولة آقسنقر جد نور الدين العادل ثم جاء السلطان الى بغداد سنة أربع وثمانين وسار اليه أخوه تاج الدين تتش من دمشق وقسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب وبوزان صاحب الرها وحضروا معه صنيع المولد النبوي ببغداد فلما وعدوه العود الى بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان بأن يسيرا بعسكرهما مع تاج الدولة تتش لفتح البلاد بساحل الشام وفتح مصر من يد المستنصر العلوي ومحو الدولة العلوية منها فساروا لذلك وملك تتش حمص من يد ابن ملاعب وغزة عنوة وأماسية من يد خادم العلوي بالأمان وحاصر طرابلس وبها جلال الدين بن عمار فداخل قسيم الدولة آقسنقر وصانعه بالمال في أن يشفع له عند تتش فلم ٥/١٦٨

يشفعه فرحل مغاضبا وأجفلوا الى جبلة وانتقض أمرهم وهلك السلطان ملك شاه سنة خمس وثمانين ببغداد وقد كان سار الى بغداد وسار تتش أخوه من دمشق للقائه وبلغه في طريقه خبر وفاته وتنازع ولده محمود وبركيارق الملك فاعتزم على طلب الأمر لنفسه ورجع الى دمشق فجمع العساكر وقسم العطاء وسار الى حلب فأعطاه آقسنقر الطاعة لصغر أولاد ملك شاه والتنازع الذي بينهم وحمل صاحب انطاكية وبوزان صاحب الرها وحران على طاعته وساروا جميعا في محرم سنة ست وثمانين فحاصروا الرحبة وملكوها وخطب فيها تتش لنفسه ثم ملك نصيبين عنوة واستباحها وأقطعها لمحمد بن مسلم بن قريش ثم سار الى الموصل وبها إبراهيم بن قريش بن بدران وبعث اليه في الخطبة على منابرة فامتنع وبرز للقائه في ثلاثين ألفا وكان تتش في عشرة آلاف والتقوا بالمضيع من نواحي الموصل فانهزم إبراهيم وقتل واستبيحت أحياء العرب وقتل أمراؤهم وأرسل الى بغداد في طلب الخطبة فلم يسعف الا بالوعد ثم سار الى ديار بكر فملكها في ربيع الآخر وسار منها الى أذربيجان وكان بركيارق بن ملك شاه قد استولى على الري وهمذان وكثير من بلاد الجبل فسار في العساكر لمدافعته فلما تقاربا نزع آقسنقر وبوزان الى بركيارق وعاد تتش منهزما الى الشام وجمع العساكر واستوعب في الحشد وسارا الى آقسنقر في حلب فبرز اليه ومعه بوزان صاحب الرها وكربوقا الذي ملك الموصل فيما بعد ولقيهم تتش على ستة فراسخ من حلب فانهزموا وجيء بأقسنقر أسيرا فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب فحاصرها تتش وملكها وأخذهما أسيرين وبعث الى حران والرها في الطاعة فامتنعوا فقتل بوزان وملكهما وحبس كربوقا بحمص ثم سار الى الجزيرة فملكها جميعا ثم الى ديار بكر وخلاط ثم آذربيجان ثم همذان وبعث الى بغداد في الخطبة وكان بركيارق يومئذ بنصيبين فعبر دجلة الى اربل ثم منها الى بلد سرحاب بن بدر وسار الأمير يعقوب بن ارتق من عسكر تتش فكبسه وهزمه ونجا الى أصبهان فكان من خبره ما تقدم وبعث تتش يوسف ابن ارتق التركماني شحنة الى بغداد فمنع منها فعاث في نواحيها ثم بلغه مهلك تتش فعاد الى حلب وهذه الاخبار كلها قد تقدمت في أول دولة السلجوقية وانما ذكرناها هنا توطئة لدولة بني تتش بدمشق وحلب والله أعلم.

مقتل تتش

ولما انهزم بركيارق أمام عمه تتش لحق بأصبهان وبها محمود وأهل دولته فأدخلوه وتشاوروا في قتله ثم أبقوه الى إبلال محمود من مرضه فقدر هلاك محمود وبايعوا لبركيارق فبادر الى ٥/١٦٩

أصبهان وقدم أميرا آخر بين يديه لاعداد الزاد والعلوفة وسار هو الى أصبهان ورجع تتش الى الري وأرسل الى الأمراء بأصبهان يدعوهم ويرغبهم فأجابوه باستبراء أمر بركيارق ثم إبل بركيارق من مرضه وسار في العساكر الى الري فانهزم تتش وانهزم عسكره وثبت هو فقتله بعض أصحاب آقسنقر بثأر صاحبه واستقام الأمر لبركيارق والله تعالى أعلم.

استيلاء رضوان بن تتش على حلب

كان تتش لما انفصل من حلب استخلف عليها أبا القاسم الحسن بن علي الخوارزمي وأمكنه من القلعة ثم أوصى أصحابه قبل المصاف بطاعة ابنه رضوان وكتب اليه بالمسير الى بغداد ونزول دار السلطنة فسار لذلك وسار معه أبو الغازي بن ارتق وكان أبوه تتش تركه عنده وسار معه و معه محمد بن صالح بن مرداس وغيرهما وبلغه مقتل أبيه عند هيت فعاد الى حلب ومعه الأميران الصغيران أبو طالب وبهرام وأمه وزوجها جناح الدولة الحسن بن افتكين لحق بهم من المعركة فلما انتهوا الى حلب امتنع أبو القاسم بالقلعة ومعه جماعة من المغاربة وهم أكثر جندها فاستمالهم جناح الدولة فثاروا بالقلعة من الليل ونادوا بشعار الملك رضوان واحتاطوا على أبي القاسم فبعث اليه رضوان بالأمان وخطب له على منابر حلب وأعمالها وأقام بتدبير دولته جناح الدولة وأحسن السيرة وخالف عليهم الأمير باغيسيان بن محمد بن ابه التركماني صاحب انطاكية ثم أطاع وأشار على رضوان بقصد ديار بكر وسار معه لذلك وجاءهم أمراء الاطراف الذين كان تتش رأسهم فيها وقصدوا سروح فسبقهم اليها سلمان بن ارتق وملكها فساروا الى الرها وبها الفارقليط من الروم كان يضمن البلاد من بوزان فتحصن بالقلعة ودافعهم ثم غلبوه عليها وملكها رضوان وطلبها منه باغيسيان وخشي جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والأمراء على أثره فسار باغيسيان فأقطعها له ثم سار الى حران وأميرها قراجا فدس اليهم بعض أهلها بالطاعة واتهم قراجا بذلك ابن المعني من أعيانها كان تتش يعتمد عليه في حفظ البلد فقتله وقتل بني أخيه ثم فسد ما بين جناح الدولة وباغيسيان وخشي جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والأمراء على أثره فسار باغيسيان الى بلده انطاكية وسار معه أبو القاسم الخوارزمي ودخل رضوان الى حلب دار ملكه وكان من أهل دولته ٥/١٧٠

يوسف ابن ارتق الخوارزمي الذي بعثه تتش الى بغداد شحنة وكان من الفتيان بحلب وكان قنوعا وكان يعادي يوسف بن اتق فجاء الى جناح الدولة القائم بأمر من رضوان ورمى يوسف بن ارتق عنده بأنه يكاتب باغيسيان ويداخله في الثورة واستأذنه في قتله فأذن له وأمده بجماعة من الجند وكبس يوسف في داره فقتله ونهب فيها واستطال على الدولة وطمع في الاستبداد على رضوان ودس لجناح الدولة أن رضوان أمره بقتله فهرب الى حمص وكانت اقطاعا له واستبد على رضوان ثم تنكر له رضوان سنة تسع وثماني وأمر بالقبض عليه فاختفى ونهبت دوره وأمواله ودوابه ثم قبض عليه فامتحن وقتل هو وأولاده.

استيلاء دقاق بن تتش على دمشق

كان تتش قد بعث ابنه دقاقا الى أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فأقام هنالك الى أن توفي ملك شاه فسار معه ابنه محمود وأمه خاتون الجلالية الى أصبهان ثم ذهب عنهم سرا الى بركيارق ثم لحق بأبيه وحضر معه الواقعة التي قتل فيها ولما قتل تتش أبوه سار به مولاه تكين الى حلب فأقام عند أخيه رضوان وكان بقلعة من قلاعها ساوتكين الخادم من موالي تتش ولاه عليها قبل موته فبعث الى دقاق يستدعيه للملك فسار اليه وبعث رضوان في طلبه فلم يدركه ووصل دمشق وكتب اليه باغيسيان صاحب انطاكية يشير عليه بالاستبداد بدمشق على أخيه رضوان ووصل معتمد الدولة طغتكين مع جماعة من خواص تتش وكان قد حضر المعركة وأسر فخلص الآن من الاسار وجاء الى دمشق فلقيه دقاق ومال اليه وحكمه في أمره وداخله في مثل ساوتكين الخادم فقتلوه ووفد عليهم باغيسيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فأكرمهما واستوزر الخوارزمي وحكمه في دولته.

الفتنة بين دقاق وأخيه رضوان

ثم سار رضوان الى دمشق سنة تسعين وأربعمائة قاصدا انتزاعها من يد دقاق فامتنعت عليه فعاد الى مالس وقصد الورس فامتنعت عليه فعاد الى حلب وفارقه باغيسيان صاحب انطاكية الى أخيه دقاق وحض على المسير الى أخيه بحلب فسار لذلك واستنجد رضوان ٥/١٧١

سكمان من سروج في أمم من التركمان ثم كان اللقاء بقنسرين فانهزمت عساكر دقاق ونهب سوادهم وعاد رضوان الى حلب ثم سعى بينهما في الصلح على أن يخطب لرضوان بدمشق وانطاكية قبل دقاق فانعقد ذلك بينهما ثم لحق جناح الدولة بحمص عند ما عظمت فيه سعاية المجن كما ذكرناه وكان باغيسيان منافرا له فلما فصل من حلب جاء باغيسيان الى رضوان وصالحه ثم بعث الى رضوان المستعلي خليفة العلويين بمصر يعده بالامداد على أخيه على أن يخطب له على منابره وزين له بعض أصحابه صحة مذهبهم فخطب له في جميع أعماله سوى انطاكية والمعرة وقلعة حلب ثم وفد عليه بعد شهرين من هذه الخطبة سكمان بن ارتق صاحب سروج وباغيسيان صاحب انطاكية فلم يقم بها غير ثلاث حتى وصل الفرنج فحاصروه وغلبوه على انطاكية وقتلوه كما مر في خبره.

استيلاء دقاق على الرحبة

كانت الرحبة بيد كربوقا صاحب الموصل فلما قتل كما مر في خبره استولى عليها قانمار من موالي السلطان البارسلان فسار دقاق بن تتش ملك دمشق وأتابكه طغركين اليها سنة خمس وتسعين وحاصروها فامتنعت عليهم فعادوا عنها وتوفى قانمار صاحبها في صفر سنة ست وتسعين وقام بأمرها حسن من موالي الأتراك فطمع في الاستبداد وقتل جماعة من أعيان البلد وحبس آخرين واستخدم جماعة من الجند وطرد آخرين وخطب لنفسه فسار دقاق اليه وحاصره في القلعة حتى استأمن وخرج اليه وأقطعه بالشام اقطاعات كثيرة وملك الرحبة وأحسن الى أهلها وولى عليهم ورجع الى دمشق والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق لا رب غيره.

وفاة دقاق وولاية أخيه تلتاش ثم خلعه

ثم توفي دقاق صاحب دمشق سنة سبع وتسعين واستقل أتابكه طغركين بالملك وخطب لنفسه سنة ثم قطع خطبته وخطب لتلتاش أخي دقاق صبيا مراهقا وخوفته أمه من طغركين بزواجه أم دقاق وأنه يميل الى ابن دقاق من أجل جدته فاستوحش وفارق دمشق الى بعلبك في صفر سنة ثمان وتسعين ولحقه ايتكين الحلبي صاحب بصرى وكان ممن حسن له لذلك فعاث في نواحي خوارزم ولحق به أهل الفساد وراسلا هدويل ملك الفرنج فأجابهما بالوعد ولم يوف لهما فسار الى الرحبة واستولى عليها تلتاش وقيل ان تلتاش لما استوحش منه طغركين ٥/١٧٢

من دخول البلد مضى الى حصون له وأقام بها ونصب طغركين الطفل ابن دقاق وخطب له واستبد عليه وأحسن الى الناس واستقام أمره والله تعالى ولي التوفيق وهو نعم الرفيق.

الحرب بين طغركين والفرنج أشهرا

كان قمص من قمامصة الفرنج على مرحلتين من دمشق فلج بالغارات على دمشق فجمع طغركين العساكر وسار اليه وجاء معرون ملك القدس وعكا من الفرنج بانجاد القمص فأظهر الغنية عليه وعاد الى عكا وقاتل طغركين القمص فهزمه وأحجزه بحصنه ثم حاصره حتى ملك الحصن عنوة وقتل أهله وأسر جماعته وعاد الى دمشق ظافرا غانما ثم سار الى حصن رمسة من حصون الشام وقد ملكه الفرنج وبه ابن أخت سميل المقيم على طرابلس يحاصرها فحاصر طغركين حصن رمسة حتى ملكه وقتل أهله من الفرنج وخربه والله أعلم.

مسير رضوان صاحب حلب لحصار نصيبين

ثم ان رضوان صاحب حلب اعتزم غزو الفرنج واستدعى الأمراء من النواحي لذلك فجاءه أبو الغازي بن ارتق الذي كان شحنة ببغداد وأصبهان وصباوو والبي بن ارسلان ماش صاحب سنجار وهو صهر جكرمش صاحب الموصل وأشار أبو الغازي بالمسير الى بلاد جكرمش للاستكثار بعسكرها وأموالها ووافقه البي وساروا الى نصيبين في رمضان سنة تسع وتسعين وأربعمائة فحاصروها وفيها أميران من قبل جكرمش واشتد الحصار وجرح البي بن ارسلان بسهم أصابه فعاد الى سنجار وأجفل أهل السواد الى الموصل وعسكر جكرمش بظاهرها معتزما على الحرب ثم كاتب أعيان العسكر وحثهم على رضوان وأمر أصحابه بنصيبين بإظهار طاعته وطلب الصلح معه وبعث الى رضوان بذلك والامداد بما يشاؤه على أن يقبض على أبي الغازي فمال الى ذلك واستدعى أبا الغازي فخبره أن المصلحة في صلح ٥/١٧٣

جكرمش ليستعينوا به في غزو الفرنج وجمع شمل المسلمين فجاوبه أبو الغازي بالمنع من ذلك ثم قبض عليه وقيده فانتقض التركمان ولجئوا الى سور المدينة وقاتلوا رضوان وبعث رضوان بأبي الغازي الى نصيبين فخرجت منها العساكر لإمداده فافترق منها التركمان ونهبوا ما قدروا عليه ورحل رضوان من وقته الى حلب وانتهى الخبر الى جكرمش بتل أعفر وهو قاصد حرب القوم فرحل عند ذلك الى سنجار وبعث اليه رضوان في الوفاء بما وعده من النجدة فلم يف له ونازل صهره البي بن ارسلان بسنجار وهو جريح من السهم الذي أصابه على نصيبين فخرج اليه البي محمولا واعتذر اليه فأعتبه وأعاده الى بلده فمات وامتنع أصحابه بسنجار رمضان وشوالا ثم خرج اليه عم البي وصالح جكرمش وعاد الى الموصل والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه.

استيلاء الفرنج على افامية

كان خلف بن ملاعب الكلابي في حمص وملكها منه تاج الدولة تتش فسار الى مصر وأقام بها ثم بعث صاحب افامية من جهة رضوان بن تتش بطاعته الى صاحب مصر العلوي فبعث اليها ابن ملاعب وملكها وخلع طاعة العلوية وأقام يخيف السبيل كما كان في حمص فلما ملك الافرنج سرمين لحق به قاضيها وكان على مذهب الرافضة فكتب الى ابن الطاهر الصانع من أكابر الغلاة ومن أصحاب رضوان وداخلهم في الفتك بابن ملاعب ونمى الخبر إليه من أولاده فحلف له القاضي بما اطمأن اليه وتحيل مع ابن الصانع في جند من قبلهم يستأمنون الى ابن ملاعب ويعطونه خيلهم وسلاحهم ويقيمون للجهاد معه ففعلوا وأنزلهم بربض افامية ثم بيته القاضي ليلا بمن معه من أهل سرمين ورفع أولئك الجند من الربض بالحبال وقتلوا ابن ملاعب في بيته وقتلوا معه ابنه وفر الآخر الى أبي الحسن بن منقذ صاحب شيزر وجاء الصانع من حلب الى القاضي فطرده واستبد بأفامية وكان بعض أولاد ابن ملاعب عند طغركين وولاه حماية بعض الحصون فعظم ضرره فطلب طغركين فهرب الى الافرنج وأغراهم بأفامية ودلهم على عورتها وعدم الأقوات فيها فحاصروها شهرا وملكوها عنوة وقتلوا القاضي والصانع وذلك سنة تسع وتسعين وقد ذكرنا قبل أن الصانع قتله ابن بديع أيام تتش صاحب حلب إثر مهلك رضوان فالله أعلم أيهما الصحيح ثم ملك صاحب ٥/١٧٤

انطاكية من الافرنج حصن الامارة بعد حصار طويل فملكه عنوة واستلحم أهله وفعل في ذريته مثل ذلك ورحل أهل منبج وبالس وتركوهما خاويين وملكوا حيد بالأمان وطلب الفرنج من أهل الحصون الإسلامية الجزية فأعطوهم ذلك على ضريبة فرضوها عليهم فكان على رضوان في حلب وأعمالها ثلاثون ألف دينار وعلى صور سبعة آلاف وعلى ابن منقذ في شيزر أربعة آلاف وعلى حماة ألفا دينار وذلك سنة خمس وخمسمائة.

استيلاء طغركين على بصرى

قد تقدم لنا سنة سبع وتسعين حال تلتاش بن تتش والخطبة له بعد أخيه دقاق وخروجه من دمشق واستنجاده الفرنج وان الذي تولى كبر ذلك كله اسكين الحملي صاحب بصرى فسار طغركين سنة المائة الخامسة الى بصرى وحاصرها حتى أذعنوا وضربوا له أجلا للفرنج فعاد الى دمشق حتى انقضى الأجل فآتوه طاعتهم وملك البلد وأحسن اليهم والله تعالى ولي التوفيق لا رب غيره.

غزو طغركين وهزيمته

ثم سار طغركين سنة اثنتين وخمسمائة الى طبرية ووصل اليها ابن أخت بغدوين ملك القدس من الفرنج فاقتتلوا فانهزم المسلمون أولا فنزل طغركين ونادى بالمسلمين فكروا وانهزم الفرنج وأسر ابن أخت بغدوين وعرض طغركين عليه الإسلام فامتنع فقتله بيده وبعث بالأسرى الى بغداد ثم انعقد الصلح بين طغركين وبغدوين بعد أربع سنين وسار بعدها طغركين الى حصن غزة في شعبان من السنة وكان ليد مولى القاضي فخر الملك بن علي ابن عمار صاحب طرابلس فعصى عليه وحاصره الافرنج وانقطعت عنه الميرة فأرسل طغركين صاحب دمشق أن يمكنه من الحصن فأرسل اليه إسرائيل من أصحابه فملك الحصن وقتل صاحبه مولى بن عمار غيلة ليستأثر بمخلفه فانتظر طغركين دخول الشتاء وسار الى الحصن لينظر في أمره وكان السرداني من الافرنج يحاصر طرابلس فلما سمع بوصول طغركين حصن الاكمة أغذ السير اليه فهزمه وغنم سواده ولحق طغركين بحمص ونازل السرداني غرة فاستأمنوا اليه وملكها وقبض على إسرائيل فادى به أسيرا كان لهم بدمشق منذ سبع سنين ووصل طغركين ٥/١٧٥

الى دمشق ثم قصد ملك الافرنج رمسة من أعماله دمشق فملكها وشحنها بالأقوات والحامية فقصدها طغركين بعد أن نمى اليه الخبر بضعف الحامية الذين بها فكبسها عنوة وأسر الافرنج الذين بها والله سبحانه وتعالى أعلم.

انتقاض طغركين على السلطان محمد

كان السلطان محمد بن ملك شاه قد أمر مودود بن بوشكين صاحب الموصل بالمسير لغزو الافرنج لأن ملك القدس تابع الغارات على دمشق سنة ست وخمسمائة واستصرخ طغركين بمودود فجمع العساكر وسار سنة تسع ولقيه طغركين بسهلة وقصدوا القدس وانتهوا الى الانحوانة على الأردن وجاء بغدوين فنزل قبالتهما على النهر ومعه جوسكين صاحب جيشه واقتتلوا منتصف محرم سنة عشر على بحيرة طبرية فانهزم الافرنج وقتل منهم كثير وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الأردن ولقيتهم عساكر طرابلس وانطاكية فاشتدوا وأقاموا بجبل قرب طبرية وحاصرهم المسلمون فيه ثم يئسوا من الظفر به فساحوا في بلادهم واكتسحوها وخربوها ونزلوا مرج الصفر وأذن مودود للعساكر في العود والراحة ليتهيأوا للغزو. وسلخ الشتاء ودخل دمشق آخر ربيع من سنة ليقيم عند طغركين تلك المدة وصلى معه أول جمعة ووثب عليه باطني بعد الصلاة فطعنه ومات آخر يومه واتهم طغركين بقتله وولى السلطان مكانه على الموصل آقسنقر البرسقي فقبض على أياز بن أبي الغازي وأبيه صاحب حصن كيفا فسار بنو أرتق الى البرسقي وهزموه وتخلص أياز من أسره فلحق أبو الغازي أبوه بطغركين صاحب دمشق وأقام عنده وكان مستوحشا من السلطان محمد لاتهامه بقتل مودود فبعث الى صاحب انطاكية من الفرنج وتحالفوا على المظاهرة وقصد أبو الغازي ديار بكر فظفر به قيرجان بن قراجا صاحب حمص وأسره وجاء طغركين لاستنفاذه فحلف قيرجان ليقتلنه ان لم يرجع طغركين الى بلاده وانتظر وصول العساكر من بغداد تحمله فأبطأت فأجاب طغركين الى إطلاقه ثم بعث السلطان محمد العساكر لجهاد الافرنج والبداءة بقتال طغركين وأبي الغازي فساروا في رمضان سنة ثمان وخمسمائة ومقدمهم برسق بن برسق صاحب همذان وانتهوا الى حلب وبعثوا الى متوليها لؤلؤ الخادم ومقدم عسكرها شمس الخواص يأمرونهما بالنزول عنها وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك فدافعا بالوعد واستحثا طغركين ٥/١٧٦

وابا الغازي في الوصول فوصلا في العساكر وامتنعت حلب على العساكر وأظهروا العصيان فسار برسق الى حماة وهي لطغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسألهما الأمير قيرجان صاحب حمص وكان جميع ما يفتحه من البلاد له بأمر السلطان فانتقض الأمراء من ذلك وكسلوا عن الغزو وسار أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص الى انطاكية يستنجدون صاحبها دجيل من الافرنج ثم توادعوا الى انصرام الشتاء ورجع أبو الغازي الى ماردين وطغركين الى دمشق ثم كان في اثر ذلك هزيمة المسلمين واستشهد برسق وأخوه زنكي وقد تقدم خبر هذه الهزيمة في أخبار البرسقي ثم قدم السلطان محمد بغداد فوفد عليه أتابك طغركين صاحب دمشق في ذي القعدة من سنة تسع مستعينا فأعانه وأعاده الى بلده والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة رضوان بن تتش صاحب حلب وولاية ابنه البارسلان

ثم توفي رضوان بن تتش صاحب حلب سنة تسع وخمسمائة وقد كان قتل أخويه أبا طالب وبهرام وكان يستعين بالباطنية في أموره ويداخلهم ولما توفي بايع مولاه لؤلؤ الخادم لابنه البارسلان صبيا مغتلما وكانت في لسانه حبسة فكان يلقب الأخرس وكان لؤلؤ مستبدا عليه لأول ملكه قتل أخويه وكل ملك شاه منهما شقيقه وكانت الباطنية كثيرا في حلب في أيام رضوان حتى خافهم ابن بديع وأعيانها فلما توفي أذن لهم البارسلان في الإيقاع بهم فقبضوا على مقدمهم ابن طاهر الصابغ وجماعة من أصحابهم فقتلوهم وافترق الباقون.

مهلك لؤلؤ الخادم واستيلاء أبي الغازي ثم مقتل البارسلان وولاية أخيه السلطان شاه

كان لؤلؤ الخادم قد استولى على قلعة حلب وولى أتابكية البارسلان ابن مولاه رضوان ثم تنكر له فقتله لؤلؤ ونصب في الملك أخاه سلطان شاه واستبد عليه فلما كان سنة احدى عشرة سار الى قلعة جعفر للاجتماع بصاحبها سالم بن مالك فغدر به مماليكه الأتراك وقتلوه عند خرتبرت وأخذوا خزائنه واعترضهم أهل حلب فاستعادوا منهم ما أخذوه وولى أتابكية سلطان شاه بن رضوان شمس الخواص بارقياس وعزل لشهر وولى بعده أبو المعالي بن ٥/١٧٧

الملحي الدمشقي ثم عزل وصدور واضطربت الدولة وخاف أهل حلب من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق وحكموه على أنفسهم ولم يجد فيها مالا فصادر جماعة الخدم وصانع بمالهم الافرنج حتى صار الى ماردين بنية العود الى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش وانقرض ملك رضوان بن تتش من حلب والله سبحانه وتعالى أعلم.

هزيمة طغركين أمام الافرنج

كان ملك الافرنج بغدوين صاحب القدس قد توفي سنة اثنتي عشرة وقام بملكهم بعده القمص صاحب الرها الذي كان أسره جكرمس وأطلقه جاولى كما تقدم في أخبارهم وبعث الى طغركين في المهادنة وكان قد سار من دمشق لغزوهم فأبى من اجابته وسار الى طبرية فنهبها واجتمع بقواد المصريين في عسقلان وقد أمرهم صاحبهم بالرجوع الى رأي طغركين ثم عاد الى دمشق وقصد الافرنج حصنا من أعماله فاستأمن اليهم أهله وملكوه ثم قصدوا أذرعات فبعث طغركين ابنه بوري لمدافعتهم فتنحوا عن أذرعات الى جبل هناك وحاصرهم بوري وجاء اليه أبو طغركين فراسلوه ليفرج عنهم فأبى طمعا في أخذهم فاستماتوا وحملوا على المسلمين حملة صادقة فهزموهم ونالوا منهم ورجع الفل الى دمشق وسار طغركين الى أبي الغازي بحلب يستنجده فوعده بالنجدة وسار الى ماردين للحشد ورجع طغركين الى دمشق كذلك وتواعدوا للجبال وسبق الافرنج الى حلب وكان بينه وبين أبي الغازي ما نذكره في موضعه من دولة بني ارتق والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق لا رب غيره.

منازلة الافرنج دمشق

ثم اجتمع الافرنج سنة عشرين وخمسمائة ملوكهم وقمامصتهم وساروا الى دمشق ونزلوا مرج الصفر وبعث أتابك طغركين بالصريخ الى تركمان بديار بكر وغيرها وخيم قبالة الافرنج واستخلف ابنه بوري على دمشق ثم ناجزهم الحرب آخر السنة فاشتد القتال وصرع طغركين عن فرسه فانهزم المسلمون وركب طغركين واتبعهم ومضت خيالة الافرنج في اتباعهم وبقي رجالة التركمان في المعركة فلما خلص اليهم رجالة الافرنج اجتمعوا واستماتوا وحملوا على رجالة الافرنج فقتلوهم ونهبوا معسكرهم وعادوا غانمين ظافرين الى دمشق ورجعت خيالة الافرنج من اتباعهم منهزمين فوجدوا معسكرهم منهوبا ورجالتهم قتلى وكان ذلك من الصنع الغريب ٥/١٧٨

وفاة طغركين وولاية ابنه بوري

ثم توفي أتابك طغركين صاحب دمشق في صفر سنة اثنتين وعشرين وكان من موالي تاج الدولة تتش وكان حسن السيرة مؤثرا للعدل محبا في الجهاد ولقبه ظهير الدين ولما توفي ملك بعده ابنه تاج الدولة بوري أكبر أولاده بعهده اليه بذلك وأقر وزير أبيه أبي علي طاهر بن سعد المزدغاني على وزارته وكان المزدغاني يرى رأي الرافضية الإسماعيلية وكان بهرام ابن أخي إبراهيم الأستراباذي لما قتل عمه إبراهيم ببغداد على هذا المذهب لحق بالشام وملك قلعة بانياس ثم سار الى دمشق وأقام بها خليفة يدعو الى مذهبه ثم فارقها وملك القدموس وغيره من حصون الجبال وقابل البصرية والدرزة بوادي اليتيم من أعمال بعلبك سنة اثنتين وعشرين وغلبهم الضحاك وقتل بهرام وكان المزدغاني قد أقام له خليفة بدمشق يسمى أبا الوفاء فكثر اتباعه وتحكم في البلد وجاء الخبر الى بوري بأن وزيره المزدغاني والإسماعيلية قد راسلوا الافرنج بأن يملكوهم دمشق فجاء اليها وقتل المزدغاني ونادى بقتل الإسماعيلية وبلغ الخبر الى الافرنج فاجتمع صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وسائر ملوك الافرنج وساروا لحصار دمشق واستصرخ تاج الملك بالعرب والتركمان وجاء الافرنج في ذي الحجة من السنة وبثوا سراياهم للنهب والاغارة ومضت منها سرية الى خوارزم فبعث تاج الدولة بوري سرية من المسلمين مع شمس الخواص من أمرائه لمدافعتهم فلقوهم وظفروا بهم واستلحموهم وبلغ الخبر الى الافرنج فأجفلوا منهزمين وأحرقوا مخلفه واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون والله تعالى ولى التوفيق.

أسر تاج الملك لدبيس بن صدقة وتمكين عماد الدين زنكي منه

كان بصرخد من أرض الشام أميرا عليها فتوفي سنة خمس وعشرين وخلف سريته واستولت على القلعة وعملت أنه لا يتم لها استيلاؤها الا بتزويج رجل من أهل العصابة فوصف لها دبيس فكتبت اليه تستدعيه وهو على البصرة منابذا للسلطان عند ما ٥/١٧٩

رجع من عند سنجر فاتخذ الأدلاء وسار الى صرخد فضل به الدليل بنواحي دمشق ونزل على قوم من بني كلاب شرقي الغوطة فحملوه الى تاج الملك فحبسه وبعث به الى عماد الدين زنكي يستدعيه ويتهدده على منعه وأطلق سريج بن تاج الملك الملوك والأمراء الذين كانوا مأسورين معه فبعث تاج الملك بدبيس اليه وأشفق على نفسه فلما وصل الى زنكي خالف ظنه وأحسن اليه وسد خلته وبسط أمله وبعث فيه المسترشد أيضا يطلبه وجاء فيه الانباري وسمع في طريقه بإحسان زنكي اليه فرجع ثم أرسل المسترشد يشفع فيه فأطلق.

وفاة تاج الملوك بوري صاحب دمشق وولاية ابنه شمس الملوك إسماعيل

كان تاج الملوك بوري قد ثار به جماعة من الباطنية سنة خمس وعشرين وطعنوه فأصابته جراحة واندملت ثم انتقضت عليه في رجب من سنة ست وعشرين لأربع سنين ونصف من إمارته وولى بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل بعهده اليه بذلك وكان عهد بمدينة بعلبك وأعمالها لابنه الآخر شمس الدولة وقام بتدبير أمره الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق وأحسن الى الرعية وبسط العدل فيهم والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء شمس الملوك على الحصون

ولما تولى شمس الملوك إسماعيل وسار أخوه محمد الى بعلبك خرج اليها وحاصر أخاه محمدا بها وملك البلد واعتصم محمد بالحصن وسأل الإبقاء فأبقى عليه ورجع الى دمشق ثم سار الى باشاش وقد كان الافرنج الذين بها نقضوا الصلح وأخذوا جماعة من تجار دمشق في بيروت فسار اليها طاويا وجه مذهبه حتى وصلها في صفر سنة سبع وعشرين وقاتلها ونقب أسوارها وملكها عنوة ومثل بالافرنج الذين بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا وملكها ورجع الى دمشق ثم بلغه ان المسترشد زحف الى الموصل فطمع هو في حماة وسار آخر رمضان وملكها يوم الفطر من غده فاستأمنوا اليه وملكها واستولى على ما فيها ثم سار الى قلعة شيرز وبها صاحبها من بني منقذ فحاصرها وصانعه صاحبها بمال حمله اليه فأفرج عنه وسار الى دمشق في ذي القعدة من السنة ثم سار في محرم سنة ثمان وعشرين الى حصن شقيق في ٥/١٨٠

الجبل المطل على بيروت وصيدا وبه الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد تغلب عليه وامتنع به وتحاماه المسلمون والافرنج يحتمي من كل طائفة بالأخرى فسار اليه وملكه من وقته وعظم ذلك على الافرنج فساروا الى جوران وعاثوا في نواحيها فاحتشد هو واستنجد بالتركمان وسار حتى نزل قبالتهم وجهز العسكر هنالك وخرج في البر وأناخ على طبرية وعكا فاكتسح نواحيها وامتلأت أيدي عسكره بالغنائم والسبي وانتهى الخبر الى الافرنج بمكانهم من بلاد حوران فأجفلوا الى بلادهم وعاد هو الى دمشق وراسله الافرنج في تجديد الهدنة فهادنهم.

مقتل شمس الملوك وولاية أخيه شهاب الدين محمود

كان شمس الملوك سيئ السيرة كثير الظلم والعدوان على رعيته مرهف الحد لأهله وأصحابه حتى انه وثب عليه بعض مماليك جده سنة سبع وعشرين وعلاه بالسيف ليقتله فأخذ وضرب فأقر على جماعة داخلوه فقتلهم وقتل معهم أخاه سونج فتنكر الناس له وأشيع عنه بأنه كاتب عماد الدين زنكي ليملكه دمشق واستحثه في الوصول لئلا يسلم البلد الى الافرنج فسار زنكي فصدق الناس الاشاعة وانتقض أصحاب أبيه لذلك وشكو الأمة فأشفقت ثم تقدمت الى غلمانه بقتله فقتلوه في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وقيل انه اتهم أمه بالحاجب يوسف بن فيروز فاعتزم على قتلها فهرب يوسف وقتلته أمه ولما قتل ولى أخوه شهاب الدين محمود من بعده ووصل أتابك زنكي بعد مقتله فحاصر دمشق من ميدان الحصار وجدوا في مدافعته والامتناع عليه وقام في ذلك معين الدين أنز مملوك جده طغراكين مقاما محمودا وجلا في المدافعة والحصار ثم وصل رسول المسترشد أبو بكر بن بهثر الجزري الى أتابك زنكي يأمره بمسالمة صاحب دمشق الملك البارسلان شهاب الدين محمود وصلحه معه فرحل عن دمشق منتصف السنة.

استيلاء شهاب الدين محمود على حمص

كانت حمص لقيرجان بن قراجا ولولده من بعده والموالي بها من قبلهما وطالبهم عماد الدين زنكي في تسليمها وضايقهم في نواحيها فراسلوا شهاب الدين صاحب دمشق في أن يملكها ويعوضهم عنها بتدمر فأجاب واستولى على حمص وسار اليها سنة ثلاثين وأقطعها لمملوك جده معين الدين أنز وأنزل معه حامية من عسكره ورجع الى دمشق واستأذنه الحاجب يوسف بن ٥/١٨١

فيروز في العود من تدمر الى دمشق وقد كان هرب اليها كما قدمناه وكان جماعة من الموالي منحرفين عنه بسبب ما تقدم في مقتل سونج فنكروا ذلك فلاطفهم ابن فيروز واسترضاهم وحلف لهم انه لا يتولى شيئا من الأمور ولما دخل رجع الى حاله فوثبوا عليه وقتلوه وخيموا بظاهر دمشق واشتطوا في الطلب فلم يسعفوا بكلمة فلحقوا بشمس الدولة محمد بن تاج الملوك في بعلبك وبثوا السرايا الى دمشق فعاثت في نواحيها حتى أسعفهم شهاب الدين بكل ما طلبوه فرجعوا الى ظاهر دمشق وخرج لهم شهاب الدين وتحالفوا ودخلوا الى البلد وولى مرواش كبيرهم على العساكر وجعل اليه الحل والعقد في دولته والله أعلم.

استيلاء عماد الدين زنكي على حمص وغيرها من أعمال دمشق

ثم سار أتابك زنكي إلى حمص في شعبان سنة إحدى وثلاثين وقدم إليه حاجبه صلاح الدين الباغيسياني وهو أكبر أمرائه مخاطبا واليها معين الدين انز في تسليمها فلم يفعل وحاصرها فامتنعت عليه فرحل عنها آخر شوال من السنة ثم سار سنة اثنتين وثلاثين إلى نواحي بعلبك فملك حصن المحولي على الأمان وهو لصاحب دمشق ثم سار إلى حمص وحاصرها وعاد ملك الروم إلى حلب فاستدعى الفرنج وملك كثيرا من الحصون مثل عين زربة وتل حمدون وحصر أنطاكية ثم رجع وأفرج أتابك زنكي خلال ذلك عن حمص ثم عاود منازلتها بعد مسير الروم وبعث إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه مرد خاتون ابنة جاولي طمعا في الاستيلاء على دمشق فزوجها له ولم يظفر بما أمله من دمشق وسلموا له حمص وقلعتها وحملت إليه خاتون في رمضان من السنة والله أعلم.

مقتل شهاب الدين محمود وولاية أخيه محمد

لما قتل شهاب الدين محمود في شوال سنة ثلاث وثلاثين اغتاله ثلاثة من مواليه في مضجعه بخلوته وهربوا فنجا واحد منهم وأصيب الآخران كتب معين الدين أنز إلى أخيه شمس الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك بالخبر فسارع ودخل دمشق وتبعه الجند والأعيان وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وأقطعه بعلبك واستقامت أموره ٥/١٨٢

استيلاء زنكي على بعلبك وحصاره دمشق

ولما قتل شهاب الدين محمود وبلغ خبره إلى أمه خاتون زوجة أتابك زنكي بحلب عظم جزعها عليه وأرسلت إلى زنكي بالخبر وكان بالجزيرة وسألت منه الطلب بثأر ابنها فسار الى دمشق واستعدوا للحصار فعدل الى بعلبك وكانت لمعين الدين أنز كما قلناه وكان أتابك زنكي دس إليه الأموال ليمكنه من دمشق فلم يفعل فسار الى بلده بعلبك وجد في حربها ونصب عليها المجانيق حتى استأمنوا إليه وملكها في ذي الحجة آخر سنة ثلاث وثلاثين واعتصم جماعة من الجند بقلعتها ثم استأمنوا فقتلهم وأرهب الناس بهم ثم سار إلى دمشق وبعث إلى صاحبها في تسليمها والنزول عنها على أن يعوضه عنها فلم يجب إلى ذلك فزحف إليها ونزل دار يا منتصف ربيع الأول سنة اربع وثلاثين وبرزت إليه عساكر دمشق فظفر بهم وهزمهم ونزل المصلي وقاتلهم فهزمهم ثانيا ثم أمسك عن قتالهم عشرة أيام وتابع الرسل إليه بأن يعوضه عن دمشق ببعلبك أو حمص أو ما يختاره فمنعه أصحابه فعاد زنكي الى القتال واشتد في الحصار والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

وفاة جمال الدين محمد بن بوري وولاية ابنه مجير الدين أنز

ثم توفي جمال الدين محمد بن بوري صاحب دمشق رابع شعبان سنة أربع وثلاثين وزنكي محاصر به وهو معه في مراوضة الصلح وجمع زنكي فيما عساه أن يقع بين الأمراء من الخلاف فاشتد في الزحف فما وهنوا لذلك وولوا من بعد جمال الدين محمدا ابنه مجير الدين أنز وقام بتربيته وتدبير دولته معين الدين أنز مدبر دولته وأرسل إلى الإفرنج يستنجدهم على مدافعة زنكي على أن يحاصر قاشاش فإذا فتحها أعطاهم إياها فأجابوا إلى ذلك حذرا من استطالة زنكي بملك دمشق فسار زنكي للقائهم قبل اتصالهم بعسكر دمشق ونزل حوران في رمضان من السنة فخام الإفرنج عن لقائه وأقاموا ببلادهم فعاد زنكي إلى حصار دمشق في شوال من السنة ثم أحرق قرى المرج والغوطة ورحل عائدا إلى بلده ثم وصل الإفرنج إلى دمشق بعد رحيله فسار معهم معين الدين أنز إلى قاشاش من ولاية زنكي ليفتحها ويعطيها للافرنج كما عاهدهم عليه وقد كان واليها أغار على مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب ٥/١٨٣

أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق لإنجاد صاحبها علي زنكي فقتل الوالي ومن معه من العسكر ولجأ الباقون إلى قاشاش وجاء معين الدين أنز أثر ذلك في العساكر فملكها وسلمها للافرنج وبلغ الخبر إلى أتابك زنكي فسار إلى دمشق بعد أن فرق سراياه وبعوثه على حوران وأعمال دمشق وسار هو متجردا إليها فصبحها وخرج العسكر لقتاله فقاتلهم عامة يومه ثم تأخر إلى مرج راهط وانتظر بعثوه حتى وصلوا إليه وقد امتلأت أيديهم بالغنائم ورحل عائدا إلى بلده.

مسير الإفرنج لحصار دمشق

كان الإفرنج منذ ملكوا سواحل الشام ومدنه تسير إليهم أمم الإفرنج من كل ناحية من بلادهم مددا لهم على المسلمين لما يرونه من تفرد هؤلاء بالشام بين عدوهم وسار في سنة ثلاث وأربعين ملك الالمان من أمراء الإفرنج من بلاده في جموع عظيمة قاصدا بلاد الإسلام لا يشك في الغلب والاستيلاء لكثرة عساكره وتوفر عدده وأمواله فلما وصل الشام اجتمع عليه عساكر الإفرنج الذين له ممتثلين أمره فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق فساروا لذلك سنة ثلاث وأربعين وحاصروها فقام معين الدين أنز في مدافعتهم المقام المحمود ثم قاتلهم الإفرنج سادس ربيع الأول من السنة فنالوا من المسلمين بعد الشدة والمصابرة واستشهد ذلك اليوم الفقيه حجة الدين يوسف العندلاوي المغربي وكان عالما زاهدا وسأله معين الدين يومئذ في الرجوع لضعفه وسنه فقال له قد بعت واشترى مني فلا أقيل ولا أستقيل يشير إلى آية الجهاد وتقدم حتى استشهد عند أسرت على نصف فرسخ من دمشق واستشهد معه خلق وقوي الإفرنج ونزل ملك الألمان الميدان الأخضر وكان عماد الدين زنكي صاحب الموصل قد توفي سنة إحدى وأربعين وولي ابنه سيف الدين غازي الموصل وابنه نور الدين محمود حلب فبعث معين الدين أنز إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده فجاء لإنجاده ومعه أخوه نور الدين وانتهوا إلى مدينة حمص وبعث إلى الإفرنج يتهددهم فاضطروا إلى قتاله وانقسمت مؤنتهم بين الفريقين وأرسل معين الدين إلى الألمان يتهددهم بتسليم البلد إلى ملك المشرق يعني صاحب الموصل وأرسل إلى فرنج الشام يحذرهم من استيلاء ملك الألمان على دمشق فإنه لا يبقى لكم معه مقام في الشام ووعدهم يحصن قاشاش فاجتمعوا إلى ملك الألمان وخوفوه من صاحب الموصل أن يملك دمشق فرحل عن البلد وأعطاهم معين الدين قلعة قاشاش وعاد ملك الألمان إلى بلاده على البحر المحيط في ٥/١٨٤

أقصى الشمال والمغرب ثم توفي معين الدين أنز مدبر دولة أرتق والمتغلب عليه سنة أربع وأربعين لسنة من حصار ملك الألمان والله أعلم.

استيلاء نور الدين محمود العادل على دمشق وانقراض دولة بني تتش من الشام

كان سيف الدين غازي بن زنكي صاحب الموصل قد توفي سنة أربع وأربعين وملك أخوه قطب الدين وانفرد أخوه الآخر نور الدين محمود بحلب وما يليها وتجرد لطلب دمشق ولجهاد الإفرنج واتفق أن الإفرنج سنة ثمان وأربعين ملكوا عسقلان من يد خلفاء العلوية لضعفهم كما مر في أخبار دولتهم ولم يجد نور الدين سبيلا إلى ارتجاعها منهم لاعتراض دمشق بينه وبينهم ثم طمعوا في ملك دمشق بعد عسقلان وكان أهل دمشق يؤدون إليهم الضريبة فيدخلون لقبضها ويتحكمون فيهم ويطلقون من أسرى الإفرنج الذين بها كل من أراد الرجوع إلى أهله فخشي نور الدين عليها من الافرنج ورأى أنه أن قصدها استنصر صاحبها عليه بالإفرنج فراسل صاحبها مجير الدين واستماله بالهدايا حتى وثق به فكان يغريه بأمرائه الذين يجد بهم القوة على المدافعة واحدا واحدا ويقول له أن فلانا كاتبني بتسليم دمشق فيقتله مجير الدين حتى كان آخرهم عطاء بن حافظ السلمي الخادم وكان شديدا في مدافعة نور الدين فأرسل إلى مجير الدين بمثلها فيه فقبض عليه وقتله فسار حينئذ نور الدين الى دمشق بعد أن كاتب الأحداث الذين بها واستمالهم فوعدوه وأرسل مجير الدين الى الإفرنج يستنجده من نور الدين على أن يعطيهم بعلبك فأجابوه وشرعوا في الحشد وسبقهم نور الدين الى دمشق فثار الأحداث الذين كاتبهم وفتحوا له الباب الشرقي فدخل منه وملكها واعتصم مجير الدين بالقلعة فراسله في النزول عنها وعوضه مدينة حمص فسار إليها ثم عوضه عن حمص بالس فلم يرضها وسار إلى بغداد واختط بها دارا قرب النظامية وتوفي بها واستولى نور الدين على دمشق وأعمالها واستضافها إلى ملكه فجلب وانقرض ملك بني تتش من الشام والبلاد الفارسية أجمع والبقاء لله وحده والله مالك الملك لا رب غيره سبحانه وتعالى ٥/١٨٥

الخبر عن دولة قطلمش وبنيه ملوك قونية وبلاد الروم من السلجوقية ومبادئ أمورهم وتصاريف أحوالهم

كان قطلمش هذا من عظماء أهل هذا البيت ونسبه فيهم مختلف فقيل قطلمش بن بيقو وابن الأثير تارة يقول قطلمش ابن عم طغرلبك وتارة يقول قطلمش بن إسرائيل من سلجوق ولعله بيان ذلك الاجمال ولما انتشر السلجوقية في البلاد طالبين للملك دخل قطلمش هذا إلى بلاد الروم وملك قونية وأقصرا ونواحيها وبعثه السلطان طغرلبك بالعساكر مع قريش بن ٥/١٨٦

بدران صاحب الموصل في طلب دبيس بن مزيد عند ما أظهر الدولة العلوية في الحلة وأعمالها فهزمهم دبيس والبساسيري كما تقدم في أخبارهم ثم عصى على السلطان البارسلان بعد طغرلبك وقصد الري ليملكه وقاتله البارسلان سنة ست وخمسين فانهزم عسكر قطلمش ووجد بين القتلى فتجمع له البارسلان وقعد للعزاء فيه كما تقدم في أخبارهم وقام بأمره ابنه سليمان وملك قونية وأقصرا وغيرهما من الولاية التي كانت بيد أبيه وافتتح أنطاكية من يد الروم سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقد كانوا ملكوها منذ خمس وخمسين وأربعمائة فأخذها منهم وأضافها إلى ملكه وقد تقدم خبر ملكه إياها في دولتهم وكان لمسلم بن قريش صاحب الموصل ضريبة على الروم بأنطاكية فطالب بها سليمان بن قطلمش فامتعض لذلك وأنف منه فجمع مسلم العرب والتركمان لحصار أنطاكية ومعه جق أمير التركمان والتقيا سنة ثمان وسبعين وانحاز جق إلى سليمان فانهزم العرب وسار سليمان بن قطلمش لحصار حلب فامتنعت عليه وسألوه الإمهال حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودسوا إلى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعونه فأغذ السير واعترضه سليمان بن قطلمش على تعبية فانهزم وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وملك بعده ابنه قلج أرسلان وأقام في سلطانه ولما زحف الإفرنج إلى سواحل الشام سنة تسعين وأربعمائة جعلوا طريقهم على القسطنطينية فمنعهم من ذلك ملك الروم حتى شرط عليهم أن يعطوه أنطاكية إذا ملكوها فأجابوا لذلك وعبروا خليج القسطنطينية ومروا ببلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قطلمش فلقيهم في جموعه قريبا من قونية فهزموه وانتهوا الى بلاد ابن ليون الارمني فمروا منها الى أنطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فاستعد للحصار وأمر بحفر الخندق فعمل فيه المسلمون يوما ثم عمل فيه النصارى الذين كانوا بالبلد من الغد فلما جاءوا للدخول منعهم وقال أنا لكم في مخلفكم حتى ينصرف هؤلاء الإفرنج وزحفوا إليه فحاصروه تسعة أشهر ثم عدا بعض الحامية من سور البلد عليهم فادخلوهم من بعض مسارب الوادي وأصبحوا في البلد فاستباحوه وركب بغيسيان للصلح فهرب ولقيه حطاب من الأرمن فجاء برأسه إلى الإفرنج وولي عليها بمشد من زعماء الإفرنج وكان صاحب حلب وصاحب دمشق قد عزما على النفير إلى أنطاكية لمدافعتهم فكاتبهم بالمسالمة وأنهم لا يعرضون لغير أنطاكية فأوهن ذلك من عزائمهم وأقصروا عن انجاد باغيسيان وكان التركمان قد انتشروا في نواحي العراق وكان كمشتكين بن طبلق المعروف أبوه بالدانشمند ومعناه المعلم عندهم قد ملك سيواس من بلاد الروم مما يلي أنطاكية وكان بملطية مما يجاورها متغلب آخر من التركمان وبينه وبين الوانشمند حروب ٥/١٨٧

فاستنجد صاحب ملطية عليه الإفرنج وجاء بيضل من أنطاكية سنة ثلاث وتسعين في خمسة آلاف فلقيه ابن الوانشمند وهزمه وأخذه أسيرا وجاء الإفرنج لتخليصه فنازلوا قلعة أنكورية وهي أنقرة فأخذوها عنوة ثم ساروا إلى أخرى فيها إسماعيل بن الوانشمند وحاصروها فجمع ابن الوانشمند وقاتلهم وأكمن لهم وكانوا في عدد كثير فلما قاتلهم استطرد لهم حتى خرج عليهم الكمين وكر عليهم فلم يفلت منهم أحد وسار إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها وجاءه الإفرنج من أنطاكية فهزمهم.

استيلاء قليج أرسلان على الموصل

كانت الموصل وديار بكر والجزيرة بيد جكرمش من قواد السلجوقية فمنع الحمل وهم بالانتقاض فأقطع السلطان الموصل وما معها لجاولي سقاوو والكل من قوادهم وأمرهم بالمسير لقتال الإفرنج فسار جاولي وبلغ الخبر لجكرمش فسار من الموصل إلى أربل وتعاقد مع أبي الهيجاء بن موشك الكردي الهدباي صاحب أربل وانتهى إلى البوازيج فعبر إليه جكرمش دجلة وقاتله فانهزمت عساكر جكرمش وبقي جكرمش واقفا لفالج كان به فأسره جاولي ولحق الفل بالموصل فنصبوا مكانه ابنه زنكي صبيا صغيرا وأقام بأمره غزغلي مولى أبيه وكانت القلعة بيده وفرق الأموال والخيول واستعد لمدافعة جاولي وكاتب صدقة بن مزيد والبرسقي شحنة بغداد وقلج أرسلان صاحب بلاد الروم يستنجدهم ويعد كلا منهم بملك الموصل إذا دافعوا عنه جاولي فأعرض صدقة عنه ولم يحتفل بذلك ثم سار جاولي إلى الموصل وحاصرها وعرض جكرمش للقتل أو يسلموا إليه البلد فامتنعوا وأصبح جكرمش في بعض أيام حصارها وسمع جاولي بأن قلج أرسلان سار في عساكره إلى نصيبين فأفرج عن الموصل وسار إلى سنجار وسبق البرسقي إليها بعد رحيل جاولي وأرسل إلى أهلها فلم يجيبوه بشيء وعاد إلى بغداد واستدعى رضوان صاحب دمشق جاولي سقاوو لمدافعة الإفرنج عنه فساروا إليه وخرج من الموصل عسكر جكرمش إلى قلج أرسلان بنصيبين فتحالفوا معه وجاءوا به إلى الموصل فملكها آخر رجب من سنة خمسمائة وخرج إليه ابن جكرمش وأصحابه وملك القلعة من غزغلي وجلس على التخت وخطب لنفسه بعد الخليفة وأحسن الى العسكر وسار في الناس بالعدل وكان في جملته إبراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد ٥/١٨٨

ومحمد بن جق التركماني صاحب حصن زياد وهو خرت برت وكان إبراهيم بن نيال قد ولى تتش على آمد حين ولي ديار بكر وكانت بيده وأما خرت برت فكانت بيد القلادروس ترجمان الروم والرها وأنطاكية من أعماله فملك سليمان بن قطلمش أنطاكية وملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر فضعف القلادروس وملك جق خرت برت من يده وأسلم القلادروس على يد السلطان ملك شاه وأمره على الرها فأقام بها حتى مات وملكها جق هي وما جاورها من الحصون وأورثها ابنه محمدا بعد موته والله تعالى ولي التوفيق.

الحرب بين قليج أرسلان وبين الإفرنج

كان سمند صاحب أنطاكية من الإفرنج قد وقعت بينه وبين ملك الروم بالقسطنطينية وحشة واستحكمت وسار سمند فنهب بلاد الروم وعزم على قصد أنطاكية فاستنجد ملك الروم بقليج أرسلان فأمده بعساكره وسار مع ذلك الروم فهزموا الإفرنج وأسروهم ورجع الفل إلى بلادهم بالشام فاعتزموا على قصد قليج أرسلان بالجزيرة فأتاهم خبر مقتله فاقصروا والله تعالى ولي التوفيق.

مقتل قليج أرسلان وولاية ابنه مسعود

قد تقدم لنا استيلاء قليج أرسلان على الموصل وديار بكر وأعمالها وجلوسه على التخت وإن جاولي سكاوو سار إلى سنجار ثم سار منها إلى الرحبة وكان قلج أرسلان خطب له بها صاحبها محمد بن السباق من بني شيبان بعد مهلك دقاق وانتفاضة على أبيه فلما حاصرها جاولي بعث إليه رضوان بن تتش صاحب حلب في النجدة على الإفرنج لما ساروا إلى بلاده فوعده لانقضاء الحصار وجاء رضوان فحضر عنده واشتد الحصار على أهل الرحبة وغدر بعضهم فأدخل أصحاب جاولي ليلا ونهبوها إلى الظهر وخرج إليه صاحبها محمد الشيباني فأطاعه ورجع عنه وبلغ الخبر إلى قلج أرسلان فسار من الموصل لحرب جاولي واستخلف عليها ابنه ملك شاه صبيا صغيرا مع أمير يدبره فلما انتهى إلى الخابور هرب عنه إبراهيم بن نيال صاحب آمد ولحق ببلده واعتزم قلج أرسلان على المطاولة واستدعى عسكره الذين أنجدهم ملك الروم على الإفرنج فجاءوا إليه واغتنم جاولي قلة عسكره فلقيه آخر ذي القعدة من السنة واشتدت الحرب وحمل قليج أرسلان على جاولي بنفسه وصرع صاحب الراية وضرب جاولي بسيفه ثم حمل أصحاب جاولي عليه فهزموه وألقى نفسه في الخابور فغرق ٥/١٨٩

وسار جاولي إلى الموصل فملكها وأعاد خطبة السلطان محمد وبعث إليه ملك شاه بن قلج أرسلان وولي مكان قليج أرسلان في قونية وأقصرا وسائر بلاد الروم ابنه مسعود واستقام له ملكها.

استيلاء مسعود بن قليج أرسلان على ملطية وأعمالها

كانت ملطية وأعمالها وسيواس لابن الوانشمند من التركمان كما مر وكانت بينه وبينهم حروب وهلك كمستكين بن الوانشمند وولي مكانه ابنه محمد واتصلت حروبه مع الإفرنج كما كان أبوه معهم ثم هلك سنة سبع وثلاثين فاستولى مسعود بن قليج أرسلان على الكثير منها وبقي الباقي بيد أخيه باغي أرسلان بن محمد.

وفاة مسعود بن قليج وولاية ابنه قليج أرسلان

ثم توفي مسعود بن قليج أرسلان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وملك مكانه ابنه قليج أرسلان فكانت بينه وبين باغي أرسلان ابن الوانشمند وصاحب ملطية وما جاورها من ملك الروم وحروب بسبب أن قليج تزوج بنت الملك طليق بن علي بن أبي القاسم فزوجها إليه بجهاز عظيم وأغار عليه باغي أرسلان صاحب ملطية فأخذها بما معها وزوجها بابن أخيه ذي النون بن محمد بن الوانشمند بعد أن أشار عليها بالردة لينفسخ النكاح ثم عادت إلى الإسلام وزوجها بابن أخيه فجمع قليج أرسلان عساكره وسار إلى باغي أرسلان بن الوانشمند فهزمه باغي أرسلان واستنجد ملك الروم فأمده بعسكر وسار باغي أرسلان خلال ذلك وولي إبراهيم ابن أخيه محمد وملك قليج أرسلان بعض بلاده واستولى أخوه ذو النون بن محمد الوانشمند على قيسارية وانفرد شاه بن مسعود أخو قليج أرسلان بمدينة أنكورية وهي انقرة واستقرت الحال على ذلك ثم وقعت الفتنة بين قليج أرسلان وبين نور الدين محمود بن زنكي وتراجعوا للحرب وكتب الصالح بن زربك المتغلب على العلوي بمصر إلى قليج أرسلان ينهاه عن ذلك ثم هلك إبراهيم بن محمد بن الوانشمند وملك مكانه أخوه ذو النون وانتقض قليج أرسلان عليه وملك ملطية من يده والله تعالى أعلم.

مسير نور الدين العادل إلى بلاد قليج أرسلان

ثم سار نور الدين محمود بن زنكي سنة ثمان وستين إلى ولاية أرسلان بن قليج أرسلان بن مسعود ٥/١٩٠

ببلاد الروم وهي ملطية وسيواس وأقصرا فجاءه قليج أرسلان متنصلا معتذرا فأكرمه وثني عزمه عن قصد بلاده ثم أرسل إليه شفيعا في ذي النون بن الوانشمند يرد عليه بلاده فلم يشفعه فسار إليه وملك مرعش ونهسنا وما بينهما في ذي القعدة من السنة وبعث عسكرا إلى سيواس فملكوها فمال قليج أرسلان إلى الصلح وبعث إلى نور الدين يستعطفه وقد بلغه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه على أن يمده بالعساكر للغزو وعلى أن يبقى سيواس بيد نواب نور الدين وهي لذي النون بن الوانشمند ثم جاءه كتاب الخليفة باقطاع البلاد ومن جملتها بلاد قليج أرسلان وخلاط وديار بكر ولما مات نور الدين عادت سيواس لقليج أرسلان وطرد عنها نواب ذي النون.

مسير صلاح الدين لحرب قليج أرسلان

كان قليج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم قد زوج بنته من نور الدين محمود بن قليج أرسلان بن داود بن سقمان صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر وأعطاه عدة حصون فلم يحسن عشرتها وتزوج عليها وهجر مضجعها وامتعض أبوها قليج أرسلان لذلك واعتزم على غزو نور الدين في ديار بكر وأخذ بلاده فاستجار نور الدين بصلاح الدين بن أيوب واستشفع به فلم يشفعه وتعلل بطلب البلاد التي أعطاه عند المصاهرة فامتعض صلاح الدين لذلك وكان يحارب الإفرنج بالشام فصالحهم وسار في عساكره إلى بلاد الروم وكان الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بالشام فعدل عنه ومر على تل ناشر إلى زغبان ولقي بها نور الدين محمود صاحب كيفا وبعث إليه قليج أرسلان رسولا يقرر غدره بابنته فاغتاظ على الرسول وتوعده بأخذ بلادهم فتلطف له الرسول وخلص معه نجيا فقبح له ما ارتكبه من أجل هذه المرأة من ترك الغزو ومصالحة العدو وجمع العساكر وخسارة وأن بنت قليج أرسلان لو بعث إليه بعد وفاة أبيها تسأل منه النصفة بينها وبين زوجها لكان أحق ما تقصده فامتنعت وعلم أن على نفسه الحق فأمر الرسول أن يصلح بينهم ويكون هو عونا له على ذلك فداخلهم ذلك الرسول في الصلح على أن يطلق هذه المرأة بعد سنة ويعقد بينهم ذلك ورجع كل الى بلده ووفى نور الدين بما عقد على نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/١٩١

قسمة قليج أرسلان أعماله بين ولده وتغلبهم عليه

ثم قسم قليج أرسلان سنة سبع وثمانين أعماله بين ولده فأعطى قونية بأعمالها لغياث الدين كسنجر وأقصرا وسيواس لقطب الدين ودوقاط لركن الدين سليمان وأنقرة وهي أنكورية لمحيي الدين وملطية لعز الدين قيصر شاه و لغيث الدين وقيسارية لنور الدين محمود وأعطى تكسار وأماسا لابني أخيه وتغلب عليه ابنه قطب الدين وحمله على انتزاع ملطية من يد قيصر شاه فانتزعها ولحق قيصر شاه بصلاح الدين بن أيوب مستشفعا به فأكرمه وزوجه ابنة أخيه العادل وشفع له عند أبيه وأخيه فشفعوه وردوا عليه ملطية ثم زاد تغلب ركن الدين وحجر عليه وقتل دائبة في مدينته وهو اختيار الدين حسن فخرج سائر بنيه عن طاعته وأخذ قطب الدين أباه وسار به إلى قيسارية ليملكها من أخيه فهرب قليج أرسلان ودخل قيسارية وعاد قطب الدين إلى قونية وأقصرا فملكها وبقي أرسلان ينتقل بين ولده من واحد إلى آخر وهم معرضون عنه حتى استنجد بغياث الدين كسنجر صاحب منهم فأنجده وسار معه إلى قونية فملكها ثم سار إلى أقصرا وحاصرها ثم مرض قليج أرسلان وعاد إلى قونية فتوفي فيها وقبل إنما اختلف ولده عليه لأنه ندم على قسمة أعماله بينهم وأراد إيثار ابنه قطب الدين بجميعها وانتقضوا عليه لذلك وخرجوا عن طاعته وبقي يتردد بينهم وقصد كسنجر وصاحب قونية فأطاعه وخرج معه بالعساكر لحصار محمود أخيه في قيسارية وتوفي قليج أرسلان وهو محاصر لقيسارية ورجع غياث الدين إلى قونية.

وفاة قليج أرسلان وولاية ابنه غياث الدين

ثم توفي قليج أرسلان بمدينة قونية أو على قيسارية كما مر من الخلاف منتصف ثمان وثمانين لسبع وعشرين سنة من ملكه وكان مهيبا عادلا حسن السياسة كثير الجهاد ولما توفي واستقل ابنه غياث الدين كسنجر بقونية وما إليها وكان قطب الدين أخوه صاحب أقصرا وسيواس وكان كلما سار من إحداهما إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية وبها أخوه نور الدين محمود ٥/١٩٢

يتلقاه بظاهرها حتى استنام إليه مدة فغدر به وقتله وامتنع أصحابه بقيسارية كبيرهم حسن فقتله مع أخيه ثم أطاعوه وأمكنوه من البلد ومات قطب الدين أثر ذلك.

استيلاء ركن الدين سليمان على قونية وأكثر بلاد الروم وفرار غياث الدين

ولما توفي قليج أرسلان وولي بعده في قونية ابنه غياث الدين كسنجر وبنوه يومئذ على حالتهم في ولايتهم التي قسمها بينهم أبوهم وملك قطب الدين منهم قيسارية بعد أن غدر بأخيه محمود صاحبها ومات قطب الدين أثر ذلك فسار ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى التغلب على أعمال سلفه ببلاد الروم فسار إلى سيواس وأقصرا وقيسارية أعمال قطب الدين فملكها ثم سار إلى قونية فحاصر بها غياث الدين وملكها ولحق غياث الدين بالشام كما يأتي خبره ثم سار إلى نكسار وأماسا فملكهما وسار إلى ملطية سنة سبع وتسعين فملكها من يد معز الدين قيصر شاه ولحق معز الدين بالعادل أبي بكر بن أيوب ثم سار إلى أرزن الروم وكانت لولد الملك محمد بن حليق من بيت قديم وخرج إليه صاحبها ليقرر معه صلحا فقبض عليه وملك البلد فاجتمع لركن الدين سائر أعمال إخوته ما عدا أنقرة لحصانتها فجمر عليها الكتائب وحاصرها ثلاثا ثم دس من قتل أخاه وملك البلد سنة إحدى وستمائة وتوفي هو عقب ذلك والله تعالى أعلم.

وفاة ركن الدين وولاية ابنه قليج أرسلان

ثم توفي ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان أوائل ذي القعدة من تمام سنة إحدى وستمائة وولي بعده ابنه قليج أرسلان فلم تطل مدته وكان ركن الدين ملكا حازما شديدا على الأعداء إلا أنه ينسب إلى التزين بالفلسفة والله تعالى أعلم.

استيلاء غياث الدين كسنجر على بلاد الروم من أخيه ركن الدين

كان غياث الدين كسنجر بن قليج أرسلان لما ملك أخوه ركن الدين قونية من يده لحق بحلب وفيها الظاهر غازي بن صلاح الدين فلم يجد عنده قبولا فسار إلى القسطنطينية وأكرمه ٥/١٩٣

ملك الروم وأصهر إليه بعض البطارقة في ابنته وكانت له قرية حصينة في أعمال قسطنطينية فلما استولى الإفرنج على القسطنطينية سنة ستمائة لحق غياث الدين بقلعة صهره البطريق وبلغ إليه خبر أخيه تلك السنة وبعث بعض الأمراء من قونية يستدعيه فسار إليه واجتمعوا على حصار قونية وخرجت إليهم العساكر منها فهزموه ولحق ببعض البلاد فتحصن بها ثم قام أهل اقصرا بدعوته وطردوا واليهم وبلغ الخبر إلى أهل قونية فثاروا بقليج أرسلان بن ركن الدين وقبضوا عليه واستدعوا غياث الدين فملكوه وأمكنوه من ابن أخيه وكان أخوه قيصر شاه قد لحق بصهره العادل أبي بكر بن أيوب فاستنصر به على أخيه ركن الدين عند ما ملك ملطية من يده فأمر له بالرها واستفحل ملك غياث الدين وقصده علي بن يوسف صاحب شميشاط ونظام الدين بن أرسلان صاحب خرت برت وغيرهما وعظم شأنه إلى أن قتله أشكر صاحب قسطنطينية سنة سبع وستمائة والله تعالى ولي التوفيق.

مقتل غياث الدين كسنجر وولاية ابنه كيكاوس

ولما قتل غياث الدين كسنجر وولي بعده ابنه كيكاوس ولقبوه الغالب بالله وكان عمه طغرك شاه بن قليج أرسلان صاحب أرزن الروم طلب الأمر لنفسه وسار إلى قتال كيكاوس ابن أخيه وحاصره في سيواس وقصد أخوه كيغباد بن كسنجر بلد انكوريه من اعماله فاستولى عليها وبعث كيكاوس صريخه إلى الملك العادل صاحب دمشق فأنفذ إليه العساكر وأفرج طغرك عن سيواس قبل وصولهم فسار كيكاوس إلى أنكورية وملكها من يد أخيه كيغباد وحبسه وقتل أمراءه وسار إلى عمه طغرك في أرزن الروم فظفر به سنة عشر وقتله وملك بلاده.

مسير كيكاوس إلى حلب واستيلاؤه على بعض أعمالها ثم هزيمته وارتجاع البلد من يده

كان الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب قد توفي وملك بعده ابنه طفلا صغيرا وكان بعض أهل حلب قد لحق بكيكاوس فرارا من الظاهر وأغراه بملك حلب وهون عليه أمرها وملك ما بعدها ولما مات الظاهر قوي عزمه وطمعه في ذلك واستدعى الأفضل بن صلاح الدين بن شميشاط للمسير معه على أن تكون الخطبة لكيكاوس والولاية للأفضل في جميع ما يفتحونه من حلب وأعمالها فإذا افتحوا بلاد الجزيرة مثل حران والرها من يد الأشرف تكون ولايتها لكيكاوس وتعاقدوا على ذلك وساروا سنة خمس عشرة فملكوا قلعة ٥/١٩٤

رغبان وتسلمها الأفضل على الشرط ثم ملكوا قلعة تل ناشر فاستأثر بها كيكاوس وارتاب الأفضل ثم بعث ابن الظاهر صاحب حلب إلى الأشرف بن العادل صاحب الجزيرة وخلاط يستنجده على أن يخطب له بحلب وينقش اسمه على السكة فسار لإنجاده ومعه أحياء طيئ من العرب فنزل بظاهر حلب وسار كيكاوس والأفضل إلى منبج ولقيت طليعتهم طليعة الظاهر فاقتتلوا وعاد عسكر كيكاوس منهزمين إليه فأجفل وسار الأشرف إلى رغبان وتل ناشر وبهما أصحاب كيكاوس فغلبهم عليهما وأطلقهم إلى صاحبهم فأحرقهم بالنار وسلم الأشرف الحصنين إلى شهاب الدين بن الظاهر صاحب حلب وبلغه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل بمصر فرجع عن قصد بلاد الروم.

وفاة كيكاوس وملك أخيه كيغباد

كان كيكاوس بعد الواقعة بينه وبين الأشرف قد اعتزم على قصد بلاد الأشرف بالجزيرة واتفق مع صاحب آمد وصاحب أربل على ذلك وكانا يخطبان له ثم سار إلى ملطية يشغل الأشرف عن الموصل حتى ينال منها صاحب أربل ومرض في طريقه فعاد ومات سنة ست عشرة وخلف بنيه صغارا وكان أخوه كيغباد محبوسا منذ أخذه من أنكورية فأخرجه الجند من محبسه وملكوه وقيل بل أخرجه هو من محبسه وعهد إليه ولما ملك خالف عليه عمه صاحب أرزن الروم فوصل يده بالأشرف وعقد معه صلحا.

الفتنة بين كيغباد وصاحب آمد من بني أرتق وفتح عدة من حصونه

كانت الفتنة قد حدثت بين الأشرف صاحب الجزيرة والمعظم صاحب دمشق وجاء جلال الدين خوارزم من الهند سنة ثلاث وعشرين بعد هروبه أمام التتر فملك أذربيجان واعتضد به المعظم صاحب دمشق على الأشرف وظاهرهما الملك مسعود صاحب آمد من بني أرتق فأرسل الأشرف إلى كيغباد ملك الروم يستنجده على صاحب آمد والأشرف يومئذ محاصر لماردين فسار كيغباد وأقام على ملطية وجهز العساكر من هناك إلى آمد ففتح حصونا عدة وعاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف فكتب إلى كيغباد أن يرد عليه ما أخذه فامتنع فبعث عساكره إلى صاحب آمد مددا على كيغباد وكان محاصرا لقلعة الكحنا فلقيهم وهزمهم وأثخن فيهم وعاد ففتح القلعة والله أعلم ٥/١٩٥

استيلاء كيغباد على مدينة أرزنكان

كان صاحب ارزنكان هذه بهرام شاه من بني الأحدب بيت قديم في الملك وملكها ستين سنة ولم يزل في طاعة قليج أرسلان وولده وتوفي بعده ابنه علاء الدين داود شاه وأرسل عنه كيغباد سنة خمس وعشرين ليعسكر معه إليه وقبض عليه وملك مدينة ارزنكان وكان من حصونه كماح فامتنع نائبة فيه وتهدد داود شاه فبعث إلى نائبة فسلم له الحصن ثم قصد ارزن الروم وبها ابن عمر طغرك شاه بن قليج أرسلان فبعث ابن طغرك شاه بطاعته إلى الأشرف واستنجد نائبة بخلاط حسام الدين علي فسار إليه فخام كيغباد عن لقائه وعاد من ارزنكان إلى بلاده فوجد العدو من الإفرنج قد ملك قلعة منها تسمى صنوبا مطلة على بحر الخزر فحاصرها برا وبحرا وارتجعها المسلمون والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.

فتنة كيغباد مع جلال الدين

كان صاحب أرزن الروم وهو ابن عم كيغباد صار إلى طاعة جلال الدين خوارزم شاه وحاصر معه خلاط وفيها أيبك مولى فملكها جلال الدين وقتل أيبك كما يأتي في أخباره فخافهما كيغباد صاحب الروم فاستنجد الملك الكامل وهو بحران فأمده بأخيه الأشرف من دمشق فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى كيغباد فلقيه بسيواس واجتمعوا في خمسة وعشرين ألفا وساروا من سيواس إلى خلاط فلقيهم جلال الدين في نواحي ارزنكان فهاله منظرهم ومضى منهزما إلى خلاط ثم سار منها إلى أذربيجان فنزلوا عند خوي وسار الأشرف إلى خلاط فوجد جلال الدين قد خربها فعادوا إلى بلادهم وترددت الرسل إلى الصلح فاصطلحوا.

مسير بني أيوب إلى كيغباد وهزيمتهم

كان علاء الدين كيغباد قد استفحل ملكه ببلاد الروم ومد يده إلى ما يجاوره من البلاد فملك خلاط بعد أن دافع عنها مع الأشرف بن العادل جلال الدين خوارزم شاه فنازعه الأشرف في ذلك واستصرخ بأخيه الكامل فسار في العساكر من مصر سنة إحدى وثلاثين وسار معه الملوك من أهل بيته وانتهى إلى النهر الأزرق من تخوم الروم وبعث في مقدمته المظفر صاحب حماة من أهل بيته فلقيه كيغباد وهزمه وحصره في خرت برت وكانت لبني أرتق ورجع ٥/١٩٦

الكامل بالعساكر إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وكيغباد في أتباعهم ثم سار إلى حران والرها فملكهما من يد نواب الكامل وولى عليهما من قبله وسار الكامل سنة ثلاث وثلاثين فارتجعهما.

وفاة كيغباد وملك ابنه كنجسرو

ثم توفي علاء الدين كيغباد سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ابنه غياث الدين كنجسرو وقارن ذلك انقراض الدولة السلجوقية من ممالك الإسلام واختلال دولة بني خوارزم شاه وخروج التتر من مفازة الترك وراء النهر واستيلاء جنكزخان سلطانهم على الممالك وانتزاعها من يد بني خوارزم شاه وفر جلال الدين آخرهم إلى الهند ثم رجع واستولى على أذربيجان وعراق العجم وكان بنو أيوب يومئذ بممالك الشام وأرمينية كما نذكر ذلك كله في أماكنه إن شاء الله تعالى وانتشر التتر في سائر النواحي وعاثوا فيها وتغلبوا عليها واستفحل ملكهم فسارت منهم طوائف إلى بلاد الروم سنة إحدى وأربعين فبعث غياث الدين كنجسرو بالصريخ إلى بني أيوب وغيرهم من الترك في جواره وجاء المدد من كل جانب فسار للقائهم ولقيتهم المقدمة على قشمير زنجان فانهزمت المقدمة ووصلوا إليه فانهزم ونجا بعياله وذخيرته الى مدينة على مسيرة شهر من المعترك ونهبوا سواده ومخلفه وانتشروا في نواحي بلاد الروم وعاثوا فيها وتحصن غياث الدين بهذه المدينة واستولى التتر على خلاط وآمد ثم استأمن لهم غياث الدين ودخل في طاعتهم واستقامت أموره معهم إلى أن مات قريبا من رجوعه وملك التتر قيسارية والله أعلم.

وفاة غياث الدين وولاية ابنه كيغباد

ثم توفي غياث الدين كنجسرو سنة أربع وخمسين وترك ثلاثا من الولد أكبرهم علاء الدين كيغباد وعز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وولى علاء الدين كيغباد بعهده إليه وكان يخطب لهم جميعا وأمرهم واحد وكان جنكزخان ملك التتر قد ملك وكان كرسي سلطانهم بقراقرم وولي مكانه ابنه طلو خان وجلس على كرسيه وهو الخان الأعظم عندهم وحكمه ماض في ملوك الشمال والعراق من أهل بيته وسائر عشيرته ثم هلك طلو خان وولي مكانه في كرسيه ابنه منكوفان فبعث أخاه هلاكو لفتح العراق وبلاد الإسماعيلية سنة ٥/١٩٧

خمسين وستمائة فسار لذلك وملك العراقين وبغداد ثم جرد الخان الأعظم منكوفان إلى بلاد الروم سنة أربع وخمسين أميرا من أمراء المغل اسمه بيكوفي العساكر فسار الى أرزن الروم وبها سنان الدين ياقوت موسى السلطان علاء الدين فحاصرها شهرين ونصب عليها المجانيق ثم ملكها عنوة وأسر ياقوت واستلحم الجند بأسرهم واستبقى الباعة والصناع ثم سار الى بلاد الروم فملك قيسارية ومسيرة شهر معها ورجع ثم عاد سنة خمس وخمسين وعاث في البلاد واستولى على أكثر من الأولى والله تعالى أعلم.

وفاة كيغباد وملك أخيه كيكاوس

ولما كثر عيث التتر الذين مع بيكوفي مملكة علاء الدين كيغباد واعتزم على المسير إلى الخان الأعظم منكوفان يؤكد الدخول في طاعته ويقتضي مراسمه الى بيكو ومن معه من المغل بالكف عن البلاد سار من قونية سنة خمس وخمسين ومعه سيف الدين طرنطاي من موالي أبيه واحتمل معه الأموال والهدايا وسار ووثب أخوه عز الدين كيكاوس على أخيه الآخر قليج أرسلان فاعتقله بقونية واستولى على الملك وكتب في أثر أخيه إلى سيف الدين طرنطاي مع بعض الأكابر من أصحابه أن يمكنوه من الهدايا التي معهم يتوجه بها إلى الخان ويردوا علاء الدين فلم يدركوه حتى دخل بلاد الخان ونزل على بعض أمرائه فسعى ذلك الرسول في علاء الدين وطرنطاي بأن معهم سما فكبسهم الأمير فوجد شيئا من المحمودة فعرض عليهم أكلها فامتنعوا فتخيل تحقيق السعاية فسألوه احضار الأطباء فأزالوا عنه الشك وبعث بهم إلى الخان ومات علاء الدين أثناء طريقه ولما اجتمعوا عند الخان اتفقوا على ولاية عز الدين كيكاوس وأنه أكبر وعقدوا له الصلح مع الخان فكتب له وخلع عليهم ثم كتب بيكو إلى الخان بأن أهل بلاد الروم قاتلوه ومنعوه العبور فأحضر الرسل وعرفهم الخبر فقالوا إذا بلغناهم كتاب السلطان أذعنوا فكتب الخان بتشريك الأميرين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج أرسلان على أن تكون البلاد قسمة بينهما فمن سيواس إلى القسطنطينية غربا لعز الدين ومن سيواس إلى أرزن الروم شرقا المتصلة ببلاد التتر ركن الدين وعلى الطاعة وحمل الإتاوة لمنكو خان ملكهم صاحب الكرسي بقراقرم ورجعوا إلى بلاد الروم وحملوا معه شاه وكيغباد إلى أن دفنوه ٥/١٩٨

استيلاء التتر على قونية

ثم سار في عساكر المغل إلى بلاد الروم ثالثة فبعث عز الدين كيكاوس العساكر للقائه مع أرسلان آيدغمش من أمرائه فهزمه بيكو وجاء في إتباعه إلى قونية فهرب عز الدين كيكاوس إلى العلايا بساحل البحر فنزل بيكو على قونية وحاصرها حتى استأمنوا إليه على يد خطيبهم ولما حضر إليه أكرمه ورفع منزلته وأسلمت امرأته على يده وأمن أهل البلد ثم سار هلاكو إلى بغداد سنة خمس وستين وبعث عن بيكو وعساكره من بلاد الروم بالحضور معه فاعتذر بالأكراد الذين في طريقه من الفراسلية والياروقية فبعث إليهم هلاكو العساكر فأجفلوا وانتهت العساكر إلى أذربيجان وقد أجفل أهلها أمام الأكراد فاستولوا عليها ورجعوا صحبة بيكو إلى هلاكو فحضر معه فتح بغداد وقد مر خبرها في أخبار الخلفاء ويأتي في أخبار هلاكو ونيال أن بيكو لما بعث عنه هلاكو لم يحضر معه فتح بغداد واستمر على غدره فلما انقضى أمر بغداد بعث إليه هلاكو من سقاه السم فمات لأنه اتهمه بالاستبداد ثم سار هلاكو بعد فتح بغداد إلى الشام سنة ثمان وخمسين وحاصر حلب وبعث عن عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعن معين الدين سليمان البر نواه صاحب دولتهم وكان من خبره أن أباه مهذب الدين علي كان من الديلم وطلب العلم ونبغ فيه ثم تعرض للوزير سعد الدين المستوفي أيام علاء الدين كيغباد يسأله إجراء رزقه وكان وصافا فاستحسنه وزوجه ابنته فولدت سليمان ونشأ في الدولة ومات سعد الدين المستوفي فرقي السلطان مهذب الدين إلى الوزارة وألقى إليه بالمقاليد وتوفي مهذب الدين وترقي ابنه سليمان مهذب الدولة وكان يلقب معين الدين وترقي في الرتب إلى أن ولي الحجابة وكان يدعي البرنواه ومعناه الحاجب بلغتهم وكان مختصا بركن الدين فلما حضر معهما عند هلاكو كما قلناه حلا بعينه وقال لركن الدين لا يأتني في أموركم إلا هذا فرقت حاله الى أن ملك بلاد الروم أجمع.

الفتنة بين عز الدين كيكاوس وأخيه قليج أرسلان واستيلاء قليج أرسلان على الملك

ثم وقعت الفتنة سنة تسع وخمسين بين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج أرسلان وسار ركن الدين ومعه البرنواه إلى هلاكو يستمده على أخيه فأمده بالعساكر وحارب أخاه فهزمه عز الدين أولا ثم أمده هلاكو فانهزم عز الدين ولحق بالقسطنطينية واستولى ركن الدين ٥/١٩٩

على سائر الأعمال وهرب التركمان إلى أطراف الجبال والثغور والسواحل وبعثوا إلى هلاكو يطلبون الولاية منه على أحيائهم فولاهم وأذن لهم في اتخاذ الآلة فصاروا ملوكا من حينئذ وكان محمد بك أميرهم وأخوه علي بك رديفه فاستدعى علي هلاكو محمدا بك فلم يأته فأمر قليج أرسلان وعساكر التتر الذين معه بقتاله فساروا وقاتلوه فانهزم ثم استأمن إلى السلطان ركن الدين فأمنه وجاء به إلى قونية فقتله واستقر علي بك أميرا على التركمان وأورثها بنيه واستولى التتر على البلاد إلى.

خبر عز الدين كيكاوس

ولما انهزم عز الدين كيكاوس ولحق بالقسطنطينية أحسن إليه مخاييل الشكري صاحب قسطنطينية وأجرى عليه الرزق وكان معه جماعة من الروم أخواله فحدثتهم أنفسهم بالثورة وتملك القسطنطينية ونمى ذلك عنهم فقبض الشكري عليه وعلى من معه واعتقله ببعض القلاع ثم وقعت بين الشكري وبين منكوتمر بن طغان ملك الشمال من بني دوشي خان بن جنكزخان فتنة وغزا منكوتمر القسطنطينية وعاث في نواحيها فهرب إليه كيكاوس من محبسه فمضى معه إلى كرسيه بصراي فمات هنالك سنة سبع وسبعين وخلف ابنه مسعودا وخطب منكوتمر ملك صراي أمه فمنعها وهرب عنه ولحق بابق بن هلاكو ملك العراق فأحسن إليه وأقطعه سيواس وارزن الروم وارزنكان فاستقر بها.

مقتل ركن الدين قليج أرسلان وولاية ابنه كنجسرو

كان معين الدين سليمان البرنواه قد استبد على ركن الدين قليج أرسلان ثم تنكر له ركن الدين فخاف سليمان البرنواه على مكان أخيه عز الدين كيكاوس بالقسطنطينية أن يحدث فيه أمرا فلما بلغه خبر كيكاوس واعتقاله بالقسطنطينية أحكم تدبيره في ركن الدولة فقتله غيلة ونصب للملك ابنه غياث الدين في كفالته وتحت حجره واستقل بملك بلاد الروم واستقامت أموره والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء الظاهر ملك مصر على قيسارية ومقتل البرنواه

كان هلاكو قد زحف إلى الشام سنة ثمان وخمسين مرارا وزحف ابنه إبقا كذلك وقاتلهم الملك الظاهر صاحب مصر والشام وكان كثيرا ما يخالفهم إلى بلادهم فدخل سنة خمس ٥/٢٠٠

وسبعين إلى بلاد الروم وأميرها يومئذ من التتر طغا وأمده إبقا بأميرين من التتر وهما كداون وترقو لحماية بلاد الروم من الظاهر فزحفوا إلى الشام وسار إليهم الظاهر من مصر في مقدمته سقر الأسقر فلقيت مقدمته مقدمتهم على كوكصو فانهزم التتر وتبعهم الظاهر والتقى الجمعان على إبليش فانهزموا ثانية وأثخن فيهم الظاهر بالقتل والأسر إلى قيسارية فملكها وكان البرنواه قد دس إليه واستحثه للوصول إلى بلاده فأقام الظاهر على قيسارية ينتظره وبلغ ملك التتر إبقا خبر الواقعة فزحف في جموع المغل إلى قيسارية بعد منصرف الظاهر إلى بلاده فلما وقف على مصارع قومه وجد على البرنواه وصدقت عنه السعاية فيه وأنه الذي استحث الظاهر لأنه لم ير في المعركة مصرع أحد من بلاد الروم ورجع إلى معسكره ومعه سليمان البرنواه واستبد بملكه والله تعالى ولي التوفيق وهو نعم الرفيق لا رب سواه ولا معبود إلا إياه سبحانه.

خلع كنجسرو ثم مقتله وولاية مسعود ابن عمه كيكاوس

كان قنطغرطاي بن هلاكو مقيما ببلاد الروم مع غياث الدين كنجسرو ملك بلاد الروم وصار أمير المغل بها منذ عهد أبقا ولما ولي أحمد تكرار بن هلاكو بعد أخيه أبقا بعث عن أخيه قنطغرطاي فامتنع من الوصول إليه خشية على نفسه ثم حمله غياث الدين على إجابة أخيه وسار معه فقتل تكرار أخاه قنطغرطاي واتهم المغل غياث الدين بأنه علم برأي تكرار فيه واعتمد فلما ولي أرغون بن إبقا بعد تكرار عزل غياث الدين عن بلاد الروم وحبسه بارزنكاي وولي مكانه على المغل ببلاد الروم أولاكو وذلك سنة اثنتين وثمانين وأقام مسعود ملكا ببلاد الروم سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأصابه الفقر وانحل أمره وبقي الملك بها للتتر ثم فشل أمرهم واضمحلت دولتهم لا بقايا بسيواس من بني أرثا مملوك دمرداش بن جومان واستولى التركمان على تلك البلاد أجمع وأصبح ملكها لهم والله غالب على أمره يؤتي الملك من يشاء وهو العزيز الحكيم ٥/٢٠١

ملوك قونية من بلاد الروم وملكها من أيديهم التتر ٥/٢٠٢

الخبر عن بني سكمان موالي السلجوقية ملوك خلاط وبلاد أرمينية ومصير الملك الى مواليهم من بعدهم ومبادي أمرهم وتصاريف أحوالهم

كان صاحب مزيد من أذربيجان إسماعيل بن ياقوتي بن داود أخو البارسلان وداود أخو طغرلبك كما مر ولقب إسماعيل قطب الدولة وكان له مولى تركي اسمه سكمان بالكاف والقاف وكان ينسب اليه فيقال سكمان القطبي وكان شهما عادلا في أحكامه وكانت خلاط وارمينية لبني مروان ملوك ديار بكر وكانوا في آخر دولتهم قد اشتد عسفهم وظلمهم وساء حال أهل البلد معهم فاجتمع أهل خلاط وكاتبوا سكمان واستدعوه ليملكوه عليهم فسار اليهم سنة اثنتين وخمسمائة الى ميافارقين من ديار، بكر فحاصرها حتى استأمنوا اليه وملكها ثم أمر السلطان محمد شاه بن ملك شاه الأمير مودود بن زيد بن صدقة صاحب الموصل بغزو الافرنج وانتزاع البلاد من أيديهم وأمر أمراء الثغور بالمسير معه فسار معه برسق صاحب همذان وأحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل وأبو الغازي صاحب ماردين وسقمان القطبي صاحب ديار بكر فساروا لذلك وفتحوا عدة حصون وحاصروا الرها فامتنعت عليهم ثم تل ناشر كذلك واستدعاهم رضوان بن تتش صاحب حلب فلما ساروا اليه امتنع من لقائهم ومرض سكمان القطبي هنالك فرجع عنهم وتوفي في طريقه ببالس وافترقت العساكر وملك خلاط وبلاد ارمينية بعد مهلكه ابنه ظهير الدين إبراهيم وسار فيهم بسيرة أبيه الى أن هلك سنة احدى وعشرين وملك بعده أخوه أحمد بن سكمان عشرة أشهر ثم توفي فنصب أصحابه للملك بارمينية وخلاط شاه أرمن سكمان ابن أخيه إبراهيم بن سكمان صبيا دارجا واستبدت عليه جدته أم إبراهيم ثم أزمعت قتله فقتلها أهل الدولة وعمد سنة ثمان وعشرين واستبد شاه أرمن وكانت بينه وبين الكرج وقائع وساروا سنة ست وخمسمائة الى مدينة اني من اعمال اران فاستباحوها وسار اليهم في العساكر فهزموه ونالوا منه وكانت عنده أخت طليق بن علي صاحب ارزن الروم ووقعت بينه وبين الكرج حرب فانهزم طليق وأسر وبعث شاه ارمن الى ملك الكرج وفادى طليقا ورده الى ملكه ٥/٢٠٣

بارزن ثم استولى صلاح الدين بن أيوب على مصر والشام واستفحل ملكه وكاتبه مظفر الدين كوكبري وأغراه بملك الجزيرة ووعده بخمسين ألف دينار وسار صلاح الدين الى سنجار فحاصرها وهو مجمع المسير الى الموصل وبها يومئذ عز الدين مودود بن زنكي فاستنجد بشاه ارمن صاحب خلاط فبعث شاه ارمن مولاه مكتمر الى صلاح الدين شفيعا في صاحب الموصل ووفد عليه وهو محاصر لسنجار ولم يشفعه صلاح الدين فرجع عنه مغاضبا وسار شاه ارمن لقتاله واستدعى قطب الدين نجم الدين الى صاحب ماردين وهو ابن أخيه وابن خال عز الدين وحضر معه دولة شاه بن طغرك شاه بن قليج ارسلان صاحب وسار سنة ثمان وسبعين وقد ملك صلاح الدين سنجار وافترقت العساكر فلما بلغه مسيرهم بعث عن تقي الدين ابن أخيه شاه من حماة فوافاه سريعا ورحل الى رأس عين وافترقت جموعهم وسار صلاح الدين الى ماردين فعاث في نواحيها ورجع ثم سار الى الموصل آخر احدى وثلاثين وعبر الى الجزيرة وانتهى الى حران ولقيه مظفر الدين كوكبري بن زين الدين ولم يف له بالخمسين ألفا التي وعده بها وأخذ منه حران والرها ثم أطلقه بما نفذه من مكاتبته وأعاد عليه بلدته وسار من حران فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ولقيه سنجر شاه صاحب الجزيرة ابن أخي عز الدين مودود مفارقا لطاعة عمه وسار معه الى الموصل ولما انتهى الى مدينة بله بعث اليه عز الدين ابن عمه نور الدين محمود وجماعة من أعيان الدولة راغبين في الصلح فأكرمهم واستشار أصحابه من أعيان الدولة فأشار علي بن أحمد المشطوب كبير الهكارية بالامتناع من ذلك فردهم صلاح الدين واعتذر وسار فنزل على فرسخين من الموصل واشتدوا في مدافعته فامتنعوا عليه فندم على عدم الصلح ورجع على علي المشطوب ومن وافقه باللائمة وخاطبه القاضي الفاضل البيساني من مصر وعزله في ذلك وجاء زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب اربل وأخوه مظفر الدين كوكبري فتلقاهما بالتكرمة وأنزلهما مع الحشود الوافدة بالجانب الشرقي وبعث علي بن أحمد المشطوب الهكاري الى قلعة الجزيرة من بلاد الهكارية فحاصرها واجتمع عليه الأكراد ولم يزل محاصرا لها حتى عاد صلاح الدين من الموصل وأقام صلاح الدين على حصارها مدة وبلغ عز الدين أن نائبة بالقلعة يكاتبه فمنعه من الصعود اليها وكان يقتدى برأي مجاهد الدين وبعثه في الصلح فسعى فيه الى أن تحمله ووصل صلاح الدين الى ميافارقين. ٥/٢٠٤

وفاة شاه ارمن سكمان وولاية مكتمر مولى أبيه

ثم توفي شاه أرمن سقمان بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط سنة ست وسبعين وكان مكتمر مولى أبيه بميافارقين فأسرع الوصول بمن معه من المماليك واستولى على كرسي بني سكمان وولى على ميافارقين أسد الدين برتقش من موالي شاه ارمن وكان البهلوان بن ايلدكز صاحب أذربيجان وهمذان مر بقائد ملوك السلجوقية وقد زوج ابنته من شاه ارمن طمعا في ملك خلاط فلما توفي شاه ارمن سار اليها في عساكره فكاتب أهل خلاط صلاح الدين بن أيوب ودافعوا كلا منهما بالآخر وسار صلاح الدين في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهما ونزلوا قريبا من خلاط فتردد الرسل من صلاح الدين ومن شمس الدين البهلوان الى أهل خلاط وهم يدافعون الفريقين وكان قد بلغه صاحبها قطب الدين وان برتقش نصب ابنه طفلا صغيرا واستبد عليه فسار صلاح الدين اليها وحاصرها حتى تسلمها على الأمان وأقام مكتمر أميرا بخلاط وطالت مدته وجرت بينه وبين صلاح الدين فتن وحروب الى أن توفي صلاح الدين سنة تسع وثمانين فأظهر الشماتة به وتسمى عبد العزيز وتلقب سيف الدين وتوفى أثر ذلك والله تعالى أعلم.

وفاة مكتمر وولاية آقسنقر

كان مكتمر لأول ولايته قد اختص آقسنقر من موالي شاه ارمن وتلقب هزار ديناري وزوجه بنته وجعله اتابكه فأقام على ذلك مدة ثم استوحش من مكتمر وتربص به حتى إذا توفى صلاح الدين تجهز مكتمر من ميافارقين فأمكنته فيه الفرصة فقتله لعشر سنين من ولايته وذلك بعد وفاة صلاح الدين بشهرين واستبد بملك خلاط وارمينية واعتقل ابن مكتمر وأمه في بعض القلاع والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة آقسنقر وولاية محمد بن مكتمر

ثم هلك آقسنقر صاحب خلاط وارمينية سنة أربع وتسعين لخمس سنين من ملكه وقام بملك خلاط بعده حجر اشتد قطلغ الارمني ولم يرضه أهل خلاط فوثبوا به لسبعة أيام من ولايته وقتلوه واستدعوا محمد بن مكتمر من محبسه وملكوه ولقبوه الملك المنصور وقام بدولته ٥/٢٠٥

شجاع الدين قطلغ القفجاقي دوادار شاه ارمن وأقام تحت استبداده الى سنة ثلاث وستمائة ثم دبر الدوادار وقبض عليه وكان حسن السيرة فاستوحش لذلك الجند والعامة وعكف بعد نكبة الدوادار على لذاته فاجتمع أهل خلاط والجند وكبيرهم بلبان مملوك شاه ارمن وكتبوا الى ارتق بن أبي الغازي بن البي صاحب ماردين يستدعونه للملك بما كان ابن أخت شاه ارمن وجاهر بلبان بالعصيان الى ملازكرد واجتمع الجند عليه.

نكبة ابن مكتمر واستيلاء بلبان على خلاط وأعمالها

ولما ملك بلبان مدينة ملازكرد وأعمالها واجتمع عليه الجند وسار يريد خلاط ووصل ارتق بن أبي الغازي صاحب ماردين لموعدهم ونزل قريبا من خلاط فبعث اليه بلبان أن الجند والرعية اتهموني فيك فارجع وإذا ملكت البلد سلمته إليك فتنحى قليلا فبعث اليه يتوعده على مقالته وبطئه فعاد الى ماردين وكان الأشرف موسى بن العادل بن أيوب صاحب الجزيرة وحران لما سمع بمسير ارتق الى خلاط طمع فيها لنفسه وخشي أن يزداد بملكها قوة عليهم فخالفه الى ماردين وأقام بتدليس وجبى ديار بكر حتى استوعبها وعاد الى حران ثم جمع بلبان العساكر وسار الى خلاط فحاصرها وبرز ابن مكتمر فيمن عنده فانهزم بلبان وعاد الى ولايته بملازكرد وارجيش وغيرها ثم جمع ورجع الى خلاط فحاصرها وضيق عليها وابن مكتمر عاكف على لذاته فلما جهدهم الحصار ثاروا به وقبضوه ومكنوا بلبان منه ودخل الى خلاط واستولى عليها وعلى سائر أعمالها وحبس ابن مكتمر في قلعة هناك واستبد بملكها وكان الأوحد نجم الدين أيوب بن العادل بن أيوب قد ولى على ميافارقين من قبل أبيه الى خلاط سنة أربع وستمائة وقصد مدينة سيواس وحاصرها وملك ما يجاورها وعجز بلبان عنه ثم ملك سوس وقصد خلاط فبرز له بلبان وهزمه فعاد الى ميافارقين وجمع واستمد أباه العادل فأمده بالعساكر ونهض الى خلاط فبرز له بلبان ثانية وهزمه الأوحد وحاصره في خلاط فبعث بلبان الى طغرك يستنجده فانهزم الأوحد امامهما وسار بلبان مع طغرك الى مراش فحاصراها وغدر به طغرك هناك وقتله وسار الى خلاط فمنعه أهلها فسار الى ملازكرد فمنعوه كذلك فعاد الى ارزن وأرسل أهل خلاط بطاعتهم الى الأوحد نجم الدين فجاء وملك خلاط واستولى على أعمالها وزحف الكرج فأغاروا على خلاط وعاثوا في نواحيها والأوحد مقيم بخلاط لم يفارقها وانتقض عليه جماعة من العسكر بحصن رام وساروا الى مدينة ارجيش فملكوها واجتمع اليهم المفسدون وبعث نجم الدين الى أبيه العادل يستنجده ٥/٢٠٦

فأمده بابنه الآخر شرف الدين موسى فحاصر حصن رام حتى استأمن اليه من كان به من الجند ورجع الأشرف الى عمله بحران والرها واستقر نجم الدين بخلاط ثم سار الى ملازكرد ليطالع أمورها ويمهدها فثار أهل خلاط بعسكره فأخرجوهم وحصروا أصحاب نجم الدين بالقلعة ونادوا بشعار شاه ارمن وقومه فرجع الأوحد ولاقاه عسكر الجزيرة وحاصر خلاط ثم اختلف أهلها فدخلها عليهم عنوة واستباحها ونقل جماعة من أعيانها الى ميافارقين وقتل كثيرا منهم هنالك واستكان أهل خلاط بعدها وانمحى منها حكم المماليك بعد أن كانوا مستحكمين فيها يولون ملوكها ويخلعونهم وانقرضت دولة بني سكمان من خلاط وصارت لبني أيوب والبقاء لله وحده والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين واليه المرجع. ٥/٢٠٧

آخر دولة السلجوقية بخلاط وأرمينية وملكها منهم بنو أيوب ٥/٢٠٨

أخبار الإفرنج فيما ملكوه من سواحل الشام وثغوره وكيف تغلبوا عليه وبداية أمرهم في ذلك ومصايره

قد تقدم لنا أول الكتاب الكلام في أنساب هذه الأمة عند ذكر أنساب الأمم وأنهم من ولد يافث بن نوح ثم من ولد ريفات بن كومر بن يافث إخوة الصقالبة والخزر والترك وقال هروشيوش أنهم من عصرما بن غومر وأما مواطنهم من بلاد المعمور فإنهم في شمال البحر الرومي من خليج رومة إلى ما وراء النهر غربا وشمالا وكانوا أولا يدينون لليونان والروم بالطاعة عند استفحال أمرهم فلما انقرضت دولة أولئك استقل هؤلاء الإفرنج بملكهم وافترقوا دولا مثل دولة القوط بالأندلس والجلالقة بعدهم وملك اللمانيين بالتفخيم من جزيرة إنكلطرة بالبحر المحيط الغربي الشمالي وما يحاذيه ويقابله من المعمور ومثل ملوك إفرنسة وهو عندهم اسم إفرنجة بعينه والجيم ينطقون بها سينا وهم ما وراء خليج رومة غربا إلى الثنايا المفضية إلى جزيرة الأندلس في الجبل المحيط بها من شرقيها وتسمى تلك الثنايا البردت وكانت دولة هؤلاء الإفرنس منهم من أعظم دولهم واستفحل أمرهم بعد الروم وصدرا من دولة الإسلام العربية فسموا إلى ملك بلاد المشرق من ناحيتها وتغلبوا على جزر البحر الرومي في آخر المائة الخامسة وكان ملكهم لذلك العهد بردويل فبعث رجالا من ملوكهم إلى صقلية وملكها من يد المسلمين سنة ثمانين وأربعمائة ثم سموا إلى ملك ما وراء النهر من إفريقية وبلاد الشام والاستيلاء على بيت المقدس وطال ترددهم في ذلك ثم استحثهم وحرضهم عليه فيما يقال خلفاء العبيديين بمصر لما استفحل ملك السلجوقية وانتزعوا الشام من أيديهم وحاصروهم في مصر فيقال أن المستنصر منهم دس إلى الإفرنج بالخروج وتسهيل أمرهم عليه ليحولوا بين السلجوقية وبين مرامهم فتجهز الإفرنج لذلك وجعلوا طريقهم في البر على القسطنطينية ومنعهم ملك الروم من العبور عليه من الخليج حتى شرط عليهم أن يسلموا له أنطاكية لكون المسلمين كانوا أخذوها من مماليكهم فقبلوا شرطه وسهل العبور في خليجه فأجازوا سنة تسعين وأربعمائة في العدد والعدة وانتهوا إلى بلاد قليج أرسلان وجمع للقائهم فهزموه وفر بلاد ابن اليون الأرمني ووصلوا أنطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فحاصروه بها وخذلوا صاحب حلب ودمشق على صريخه بأن لا يقصوا غير أنطاكية ٥/٢٠٩

فأسلموه حتى ضاق به الحصار وغدر به بعض الحامية فملك الإفرنج البلاد وهرب باغيسيان فقتل وحمل إليهم رأسه وكان ملوكهم الحاضرون لذلك خمسة بردويل وصنجيل وكبريري والقمص وإسمند وهو مقدم العساكر فردوا إليه أمر أنطاكية وبلغ الخبر إلى المسلمين فسافروا إليهم شرقا وغربا وسار قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل وجمع عساكر الشام وسار إلى دمشق فخرج إليهم دقاق بن تتش وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان صاحب سنجار وسكمان أرتق وغيرهم من الأمراء وزحفوا إلى أنطاكية فحاصروها ثلاثة عشر يوما ووهن الإفرنج واشتد عليهم الحصار لما جاءهم على غير استعداد وطلبوا الخروج على الأمان فلم يسعفوا ثم اضطرب أمر عساكر المسلمين وأساء كربوقا السيرة فيهم وأزمعوا من استكثاره عليهم فخرج الإفرنج إليهم واستماتوا فتخاذل المسلمون وانهزموا من غير قتال حتى ظنها الإفرنج مكيدة فتقاعدوا عن إتباعهم واستشهد من المسلمين ألوف والله تعالى أعلم.

استيلاء الإفرنج على معرة النعمان ثم على بيت المقدس

ولما حصلت الإفرنج هذه النكاية في المسلمين طمعوا في البلدا وساروا الى معرة النعمان وحاصروها واشتد القتال في أسوارها حتى داخل أهلها الجزع فتحصنوا بالدور وتركوا السور فملكه الإفرنج ودخلوا عليهم فاستباحوها ثلاثا وأقاموا بها أربعين يوما ثم ساروا إلى غزة وحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم فصالحهم ابن منقذ عليها وساروا إلى حمص وحاصروها فصالحهم عليها جناح الدولة وساروا إلى عكا فامتنعت عليهم وكان بيت المقدس قد ملكه السلجوقية وصار لتاج الدولة تتش وأقطعه لسكمان بن أرتق من التركمان فلما كانت واقعة الإفرنج بأنطاكية طمع أهل مصر فيهم وسار الأفضل بن بدر الجمال المستولى على العلويين بمصر إلى بيت المقدس وبها سكمان وأبو الغازي ابنا أرتق وابن عمهما سوع وابن أخيهما ياقوتي فحاصروه نيفا وأربعين يوما ونصبوا عليه نيفا وأربعين منجنيقا وملكوه بالأمان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وأحسن الأفضل إلى سكمان وأبي الغازي وأصحابهما وسرحهم إلى دمشق وعبروا الفرات وأقام سكمان بالرها وسار أبو الغازي إلى العراق واستناب الأفضل عليها افتخار الدولة الذي كان بدمشق فقصده الإفرنج بعد أن حاصروا عكا وامتنعت عليهم ٥/٢١٠

فحاصروه أربعين ليلة وافترقوا على جوانب البلد فملكوها من الجانب الشمالي آخر شعبان من السنة واستباحوها وأقاموا فيها أسبوعا واعتصم بعض المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثا حتى استأمنوا ولحقوا بعسقلان وأحصى القتلى من الأئمة والعلماء والعباد والزهاد المجاورين بالمسجد فكانوا سبعين ألفا ويزيدون وأخذ من المناور المعلقة عند الصخرة أربعون قنديلا من الفضة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة وستون درهما من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامي ومائة وخمسون قنديلا من الصغار وما لا يحصى من غير ذلك وجاء الصريخ إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعيد الهروي ووصف في الديوان صورة الواقعة فكثر البكاء والأسف ووسم الخليفة بمسير جماعة من الأعيان والعلماء فيهم القاضي أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشي وأبو ألوفا بن عقيل إلى السلطان بركيارق يستصرخونه للإسلام فساروا إلى حلوان وبلغهم اضطراب الدولة السلجوقية وقتل محمد الملك البارسلان المتحكم في الدولة واختلاف السلاطين فعادوا وتمكن الإفرنج من البلاد وولوا على بيت المقدس كندفري من ملوكهم.

عساكر مصر وحرب الإفرنج مسبر العساكر من مصر لحرب الإفرنج

لما بلغ خبر الواقعة إلى مصر جمع الأفضل الجيوش والعساكر واحتشد وسار إلى عسقلان وأرسل إلى الإفرنج بالنكير والتهديد فأعادوا الجواب ورحلوا مسرعين فكبسوه بعسقلان على غير أهبة فهزموه واستلحموا المسلمين ونهبوا سوادهم ودخل الأفضل عسقلان وافترق المنهزمون واستبدوا بخر الحمير ووصل الأفضل من عسقلان إلى مصر ونازلها الإفرنج حتى صانع أهلها الإفرنج بعشرين ألف دينار وعادوا إلى القدس.

إيقاع ابن الدانشمند بالإفرنج

كان كمستكين بن الدانشمند من التركمان ويعرف بطابوا ومعنى الدانشمند المعلم كان أبوه يعلم التركمان وتقلبت به الأحوال حتى ملك سيواس وغيرها وكان صاحب ملطية يعاديه فاستنجد عليه إسمند صاحب أنطاكية فجاءه في خمسة آلاف وسار إليه ابن الدانشمند وأسره ثم جاء الإفرنج الى قلعة أنكورية فملكوها وقتلوا من بها من المسلمين ثم حاصروا إسماعيل بن ٥/٢١١

الدانشمند فلقيهم كمستكين وهزمهم واستلحمهم وكانوا ثلاثمائة ألف ثم ساروا إلى ملطية فملكوها وأسروا صاحبها وزحف إليه إسمند من أنطاكية في الإفرنج فهم بهم ابن الدانشمند فأتاح الله للمسلمين على يده هذا الظهور في مدد متقاربة حتى خلص إسمند من الأسر وجاء إلى أنطاكية والإفرنج بها وبعث إلى قيس العواصم وما جاورها يطلب الإمارة فامتعض المسلمون لذلك وقلدوه بعد العهد الذي التزمه.

حصار الإفرنج قلعة جبلة

كانت جبلة من أعمال طرابلس وكان الروم قد ملكوها وولوا على المسلمين بها ابن رئيسهم منصور بن صليحة يحكم بينهم فلما صارت للمسلمين رجع أمرها لجمال الملك أبي الحسن علي بن عمار المستبد بطرابلس وبقي منصور بن صليحة على عادته فيها ثم توفي منصور فقام إليه أبو محمد عبد الله مقامه وأظهر الشماتة فارتاب به ابن عمار وأراد القبض عليه فعصى هو في جبلة وأقام بها الخطبة العباسية واستنجد عليه ابن عمار دقاق بن تتش فجاءه أتابك طغركين فامتنع عليهم ورجعوا ثم جاء الإفرنج فحاصروها فامتنعت عليهم أيضا وشاع أن بركيارق جاء إلى الشام فرحلوا ثم عادوا وأظهروا أن المصريين جاءوا لإنجاده فرحلوا ثم عادوا فتقدم للنصارى الذين عنده أن يدخلوا الإفرنج في نقب البلد من بعض أسواره فجهزوا إليهم ثلاثمائة من أعيانهم فرفعهم بالحبال واحدا بعد واحد وهو قاعد على السور حتى قتلهم أجمعين فرحلوا عنه ثم عادوا إليه فهزمهم وأسر ملكهم كبرانيطل وفادى نفسه منه بمال عظيم ثم ابن صليحة وجهده الحصار فأرسل إلى طغركين صاحب دمشق وبعث ابن عمار في طلبه إلى الملك دقاق على أن يدفعه إليه بنفسه دون ماله ويعطيه ثلاثين ألف دينار فلم يفعل وسار ابن صليحة إلى بغداد فوعده إلى وصول رحلة من الأنبار فبعث الوزير من استولى عليها فوجد فيها ما لا يحصى من الملابس والعمائم والمتاع وانتزع ذلك كله ولما ملك تاج الملوك جبلة أساء فيها السيرة فراسلوا فخر الملك أبا علي بن عمار صاحب طرابلس واستدعوه لملكها فبعث إليهم عسكرا وقاتلوا تاج الملك ومن معه فهزموه وأخذوه أسيرا ٥/٢١٢

وملكوا جبلة بدعوة ابن عمار وحملوا تاج الملك إلى ابن عمار فأحسن إليه وبعث إلى أبيه بدمشق واعتذر له بأنه خاف على جبلة من الإفرنج.

استيلاء الإفرنج على سروج وقيسارية وغيرهما

ثم سار كبر يرى ملك الإفرنج من بيت المقدس سنة أربع وتسعين لحصارها فأصابه منهم سهم فقتله فسار أخوه بغدوين في خمسمائة فارس إلى القدس ونهض دقاق صاحب دمشق ومعه جناح الدولة صاحب حمص لاعتراضه فهزموا الإفرنج وأثخنوا فيهم ثم كاتب أهل مدينة الإفرنج وكان أكبرهم ودخل في طاعتهم وكان سقمان بن أرتو صاحب سروج جمع جموعه من التركمان وسار إلى الرها فلقيه الإفرنج وهزموه في ربيع سنة أربع وتسعين وساروا إلى سروج فحاصروهم حتى ملكوها عنوة واستباحوها ثم ملكوا حصن كيفا بقرب عكا عنوة وملكوا أرسوف بالأمان ثم ساروا في رحب إلى قيسارية فملكوها عنوة واستباحوها والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

حصار الإفرنج طرابلس وغيرها

كان صنجيل من ملوك الإفرنج المذكورين قبل قد لازم حصار طرابلس وزحف إليه قليج أرسلان صاحب بلاد الروم فظفر به وعاد صنجيل مهزوما فأرسل الدولة بن عمار صاحب طرابلس إلى أمير آخر نائب جناح الدولة بحمص إلى دقاق بن تتش يدعوه إلى معالجته فجاء تاج الدولة بنفسه وجاء العسكر مددا من عند دقائق واجتمعوا على طرابلس وفرق صنجيل الفل الذين معه على قتالهم فانهزموا كلهم وفتك هو في أهل طرابلس وشد حصارها وأعانه أهل الجبل والنصارى من أهل سوادها ثم صالحوه على مال وخيل ورحل عنهم إلى طرسوس من أعمال طرابلس فحاصرها وملكها عنوة واستباحها إلى حصن الطومار ومقدمه ابن العريض فامتنع عليهم وقاتلهم صنجيل فهزموا عسكره وأسروا زعيما من زعماء الإفرنج بدل صنجيل فيه عشرة آلاف دينار وألف أسير ولم يعاوده وذلك كله سنة خمس وتسعين وأربعمائة ثم سار صنجيل إلى حصن الأكراد وحاصره جناح الدولة لغزوه فوثب عليه ٥/٢١٣

باطني بالمسجد وقتله ويقال أن رضوان بن تتش وضعه عليه فسار صنجيل إلى حمص وحاصرها وملك أعمالها ثم نزل القمص على عكا في جمادى الأخيرة من السنة فنفر المسلمون من جميع السواحل لقتاله وهزموه وأحرقوا أهله والمنجنيقات التي نصبت للحرب ثم سار القمص صاحب الرها الى السروج وحاصرها فامتنعت عليه وزحف عساكر مصر إلى عسقلان للمدافعة عن سواحلهم فزحف إليهم بردويل صاحب القدس فهزمه المسلمون ونجا إلى الرملة وهم في أتباعه فحاصروه وخلص إلى يافا وفشا القتل والأسر في الإفرنج والله تعالى ولي التوفيق.

حصار الإفرنج عسقلان وحروبهم مع عساكر مصر

لما طمع الإفرنج في عسقلان واستفحل أمرهم بالشام جهز الأفضل أمير الجيوش عساكره من مصر لحربهم سنة ست وتسعين مع سعد الدولة القواسي مولى أبيه وزحف بغدوين ملك الإفرنج من القدس فلقيهم بين الرملة ويافا وهزمهم ومات سعد الدولة مترديا عن فرسه واستولى الإفرنج على سواده وبعث الأفضل بعده ابنه شرف المعالي فلقيهم في العساكر على بازور قرب الرملة فهزمهم ونال منهم ونجا كثير من أعيانهم إلى بعض الحصون هنالك فحاصرهم شرف المعالي خمس عشرة ليلة وملك الحصن فقتل وأسر ونجا بقدوين إلى يافا ثم إلى القدس فصادف وصول جمع كثير من الإفرنج لزيارة القدس فندبهم للغزو فساروا إلى عسقلان وبها شرف المعالي فامتنعت ورجعوا وبعث شرف المعالي إلى أبيه فبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه والأسطول في البحر لحصار يافا مع القاضي ابن دقاوس فلما وصل الأسطول إلى يافا بعث عن تاج العجم ليأتيه بالعساكر فامتنع فأرسل الأفضل من قبض عليه وولي العساكر وعلى عسقلان جمال الملك من مواليهم فانصرمت السنة وبيد الإفرنج بيت المقدس غير عسقلان ولهم أيضا من الشام يافا وأرسوف وقيسارية وصيفا وطبرية والأردن واللاذبية وانطاكية ولهم بالجزيرة الرها وسروج وصنجيل محاصر فخر الملك بن عمار بمدينة طرابلس وهو يرسل أسطوله للإغارة على بلاد الإفرنج في كل ناحية ثم دخلت سنة سبع وتسعين فخرج الإفرنج الذين بالرها فأغاروا على الرقة وقلعة جعفر واكتسحوا نواحيها وكانت لسالم بن مالك بن بدران بن المقلد منذ ملكه السلطان ملك شاه إياها سنة تسع وسبعين كما مر والله أعلم. ٥/٢١٤

استيلاء الإفرنج على جبيل وعكا

وفي سنة سبع وتسعين وصلت مراكب من بلاد الإفرنج تحمل خلقا كثيرا من التجار والحجاج فاستعان بهم صنجيل على حصار طرابلس فحاصرها حتى يئسوا منها فارتحلوا إلى جبيل وملكوها بالأمان ثم غدروا بأهلها وأفحشوا في استباحتها ثم استنجدهم بقدوين ملك القدس على حصار عكا فحاصروها برا وبحرا وفيها بهاء الدولة الجيوشي من قبل ملك الجيوش الأفضل صاحب مصر فدافعهم حتى عجزوا وهرب عنها إلى دمشق وملك الإفرنج عكا عنوة وأفحشوا في استباحتها والله تعالى أعلم.

غزو أمراء السلجوقية بالجزيرة الفرنج

كان المسلمون أيام تغلب الإفرنج على الشام في فتنة واختلاف تمكن بها الإفرنج واستطالوا وكانت حران وحمص لمولى من موالي ملك شاه اسمه قراجا والموصل لجكرمش وحصن كيفا لسقمان بن أرتق وعصى في حران على قراجا بأمته فيها فاغتاله جاولي مولى من موالي الترك وقتله فطمع الإفرنج في حران وحاصروها وكان بين جكرمش وسقمان فتنة وحرب فوضعوا أوزارها لتلافي حران واجتمعا على الخابور وتحالفا ومع سقمان سبعة آلاف من قومه التركمان ومع جكرمش ثلاثة آلاف من قومه الترك ومن العرب والأكراد وسار إليهم الإفرنج من حران فاقتتلوا واستطرد لهم المسلمون بعيدا ثم كروا عليهم فأثخنوا فيهم واستباحوا أموالهم وكان إسمند صاحب انطاكية وشكري صاحب الساحل قد أكمنوا للمسلمين وراء الجبل فلم يظهر لهم أنهم أصحابهم وأقاموا هنالك إلى الليل ثم هربوا وشعر بهم المسلمون فاتبعوهم وأثخنوا فيهم وأسر في تلك الواقعة القمص بردويل صاحب الرها أسره بعض التركمان من أصحاب سقمان فشق ذلك على أصحاب جكرمش لكثرة ما امتاز به التركمان من الغنائم وحسنوا له أخذ القمص من سقمان فأخذه وأراد التركمان محاربة جكرمش وأصحابه عليه فمنعهم سقمان حذرا من اختلاف المسلمين وسار مفارقا لهم وكان يمر ٥/٢١٥

بحصون الإفرنج فيخرجون إليه ظنا بنصر أصحابهم فملكها عليهم وسار جكرمش إلى حران فملكها وولي عليها من قبله ثم سار إلى الرها وحاصرها أياما وعاد إلى الموصل وفادى القمص بردوبل بخمسة وثلاثين ألف دينار ومائة وستين أسيرا والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

حرب الإفرنج مع رضوان بن تتش صاحب حلب

ثم سار شكري صاحب أنطاكية من الإفرنج سنة ثمان وتسعين إلى حصن أريام من حصون رضوان صاحب حلب فضاقت حالهم واستنجدوا برضوان فسار إليهم وخرج الإفرنج للقائه ثم طلب الصلح من رضوان فمنعه أصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية كان نزع إليه بعد قتل صاحبه أياز ولقيهم الإفرنج فانهزموا أولا ثم استماتوا وكروا على المسلمين فهزموهم وأفحشوا في قتلهم وقتل الرجالة الذين دخلوا عسكرهم في الحملة الأولى ونجا رضوان وأصحابه إلى حلب ولحق صباوو بطغركين أتابك دمشق ورجع الإفرنج إلى حصار الحصن فهرب أهله إلى حلب وملكه الإفرنج والله تعالى ولي التوفيق.

حرب الإفرنج مع عساكر مصر

كان الأفضل صاحب مصر قد بعث سنة ثمان وتسعين ابنه شرف المعالي في العساكر إلى الرملة فملكها وقهر الإفرنج ثم اختلف العسكر في ادعاء الظفر وكادوا يقتتلون وأغار عليهم الإفرنج فعاد شرف المعالي إلى مصر فبعث الأفضل ابنه الآخر سناء الملك حسينا مكانه في العساكر وخرج معه جمال الدين صاحب عسقلان واستمدوا طغركين أتابك دمشق فجهز إليهم أصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية وقصدهم بقدوين صاحب القدس وعكا فاقتتلوا وكثرت بينهم القتلى واستشهد جمال الملك نائب عسقلان وتحاجزوا وعاد كل إلى بلده وكان مع الإفرنج جماعة من المسلمين منهم بكباش بن تتش ذهب مغاضبا عن دمشق لما عدل عنه طغركين الأتابك بالملك إلى ابن أخيه دقاق وأقام عند الإفرنج والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه.

حرب الإفرنج مع طغركين

كان قمص من قمامصة الإفرنج بالقرب من دمشق وكان كثيرا ما يغير عليها ويحارب عساكرها ٥/٢١٦

فسار إليه طغركين في العساكر وجاء بقدوين ملك القدس لإنجاده على المسلمين فرده ذلك القمص ثقة بكفائه فرجع إلى عكا وسار طغركين إلى الإفرنج فقاتلهم وحجزهم في حصنهم ثم خرب الحصن وألقى حجارته في الوادي وأسر الحامية الذين به وقتل من سواهم من أهله وعاد إلى دمشق ظافرا ثم سار بعد أسبوع إلى وبه ابن أخت صنجيل فملكه وقتل حاميته.

استيلاء الإفرنج على حصن أفامية

كان خلف بن ملاعب الكلابي متغلبا على حمص وملكها منه تتش كما مر وانتقلت الأحوال إلى مصر ثم أن رضوان صاحب حلب انتفض عليه وإليه بحصن أفامية وكان من الرافضة فبعث بطاعته إلى صاحب مصر واستدعى منهم واليا فبعثوا خلف بن ملاعب لايثاره الجهاد وأخذوا رهنه فعبى في افامية واستبد بها واجتمع عليه المفسدون ثم ملك الإفرنج من أعمال حلب وأهله رافضة ولحق قاضيها بابن ملاعب في أفامية ثم اعمل التدبير عليه وبعث إلى أبي طاهر الصائغ من أصحاب رضوان وأعيان الرافضة ودعاتهم وداخله في الفتك بابن ملاعب وتسليم الحصن إلى رضوان وشعر بذلك ابنا ابن ملاعب وحذرا أباهما من تدبير القاضي عليه وجاء القاضي فحلف له على كذبه وصدقه وعاد القاضي إلى مداخلة أبي طاهر ورضوان في ذلك التدبير وبعثوا جماعة من أهل سرمين بخيول وسلاح يقصدون الخدمة عند ابن ملاعب فأنزلهم بربض أفامية حتى تم التدبير وأصعدهم القاضي وأصحابه ليلا إلى القلعة فملكوها وقتلوا ابن ملاعب وهرب ابناه فلحق أحدهما بأبي الحسن بن منقذ صاحب شيرز وقتل الآخر وجاء أبو طاهر الصائغ إلى القاضي يعتقد ان الحصن له فلم يمكنه القاضي وأقام عنده وكان بعض بني خلف بن ملاعب عند طغركين بدمشق مغاضبا لأبيه فولاه حصنا من حصونه فأظهر الفساد والعيث فطلبه طغركين فهرب إلى الإفرنج واستحثهم لملك أفامية فحاصروه حتى جهد أهله الجوع وقتلوا القاضي المتغلب فيه والصائغ وذلك سنة تسع وتسعين وخمسمائة. ٥/٢١٧

خبر الإفرنج في حصار طرابلس

كان صنجيل من ملوك الإفرنج ملازما لحصار طرابلس وملك جبلة من يد ابن أبي صليحة وبنى على طرابلس حصنا وأقام عليها ثم هلك وحمل إلى القدس ودفن وأمر ملك الروم أهل اللاذقية أن يحملوا الميرة إلى الإفرنج المحاصرين طرابلس فحملوها في السفن وظفر أصحاب ابن عمار ببعضها فقتلوا وأسروا واستمر الحصن خمس سنين فعدمت الأقوات واستنفد أهل الثروة مكسوبهم في الإنفاق وضاقت أحوالهم وجاءتهم سنة خمسمائة ميرة في البحر من جزيرة قبرص وأنطاكية وجزائر البنادقة فحفظت أرماقهم ثم بلغ ابن عمار انتظام الأمر للسلطان محمد بن ملك شاه بعد أخيه بركيارق فارتحل إليه صريخا واستخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب في طرابلس وخيم ابن عمار على دمشق وأكرمه طغركين ثم سار إلى بغداد فأكرمه السلطان محمد وأمر بتبليغه والاحتفال لقدومه ووعده بالإنجاد ولما رحل عن بغداد أحضره عنده بالنهروان وأمر الأمير حسين بن أتابك قطلغتكين بالمسير معه وأن يستصحب العساكر التي بعثها مع الأمير مودود إلى الموصل لقتال جاولي سكاوو وأمره بإصلاح جاولي والمسير مع ابن عمار حسبما مر في أخبارهم ثم وقعت الحرب بين السلطان محمد وبين صدقة بن مزيد واصطلحوا وودعه ابن عمار بعد أن خلع عليه وسار معه الأمير حسين فلم يصل إلى قصده من عساكر الموصل مودود والانتقاض فعاد فخر الدين بن عمار إلى دمشق في محرم سنة اثنتين وخمسمائة وسار منها إلى فملكها وبعث أهل طرابلس إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر يستمدونه ويسألون الوالي عليهم فبعث إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب بالمدد والأقوات والسلاح وعدة الحصار واستولى على ذخائر ابن عمار وقبض على جماعة من أهله وحمل الجميع في البحر إلى مصر.

خبر القمص صاحب الرها مع جاولي ومع صاحب أنطاكية

كان جاولي قد ملك الموصل من يد أصحاب جكرمش ثم انتقض فبعث السلطان إليه مودود في العساكر فسار جاولي عن الموصل وحمل معه القمص بردويل صاحب الرها الذي كان ٥/٢١٨

أسره سقمان وأخذه منه جكرمش وأصحابه وترك الموصل ثم أطلق جاولي هذا القمص في سنة ثلاث وخمسمائة بعد خمس سنين من أسره على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين عنده يطلقهم وعلى أن يمده بنفسه وعساكره وماله متى أحتاج إلى ذلك ولما انبرم العقد بينهما بعث يوالي سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاءه هناك ابن خاله جوسكين تل ناشر فأقام رهينة مكانه ثم أطلقه جاولي ورهن مكانه أخا زوجته وزوجة القمص فلما وصل جوسكين إلى منبج أغار عليها ونهبها وسبى جماعة من أصحاب جاولي الى الغدر فاعتذر بأن هذه البلاد ليست لكم ولما أطلق القمص سار إلى أنطاكية ليسترد الرها من يد شكري لأنه أخذها بعد أسره فلم يردها وأعطاه ثلاثين ألف دينار ثم سار القمص إلى تل ناشر وقدم عليه أخوه جوسكين الذي وضعه رهينة عند جاولي وسار شكري صاحب أنطاكية لحربهما قبل أن يستفحل أمرهما وينجدهما جاولي فقاتلوه ورجع إلى أنطاكية وأطلق القمص مائة وستين من أسرى المسلمين ثم سار القمص وأخوه جوسكين وأغاروا على حصون أنطاكية وأمدهم صاحب زغبان وكيسوم وغيرهما من القلاع شمال حلب وهو من الأرمن بألف فارس وألقى راجل وخرج إليهم شكري وتراجعوا للحرب ثم حملهم الترك على الصلح وحكم على شكري برد الرها على القمص صاحبها بعد أن شهد عنده جماعة من البطارقة والأساقفة بأن اسمند خال شكري لما انصرف إلى بلاده أوصاه برد الرها على صاحبها إذا خلص من الأسر فردها شكري على القمص في صفر سنة ثلاث ووفى القمص لجاولي بما كان بينهما ثم قصد جاولي الشام ليملكه وتنقل في نواحيه كما مر في أخباره وكتب رضوان صاحب حلب إلى شكري صاحب أنطاكية يحذره من جاولي ويستنجده عليه فأجابه وبرز من أنطاكية وبعث إليه رضوان بالعساكر واستنجد جاولي القمص صاحب الرها فأنجده بنفسه ولحق به على منبج وجاءه الخبر هنالك باستيلاء عسكر السلطان على بلده الموصل وعلى خزائنه بها وفارقه كثير من أصحابه منهم زنكي بن آق سنقر فنزل جاولي تل ناشر وتزاحف مع شكري هنالك ٥/٢١٩

واشتد القتال واستمر أصحاب أنطاكية فتخاذل أصحاب جاولي وانهزموا وذهب الإفرنج بسوادهم فجاء القمص وجوسكين إلى تل ناشر والله تعالى أعلم.

حروب الإفرنج مع طغركين

كان طغركين قد سار إلى طبرية سنة ثنتين وخمسمائة فسار إليه ابن أخت بقدوين ملك القدس واقتتلوا فانكشف المسلمون ثم استماتوا وهزموا الإفرنج وأسروا ابن أخت الملك فقتله طغركين بيده بعد أن فادى نفسه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة أسير فلم يقبل منه إلا الإسلام أو القتل ثم اصطلح طغركين وبقدوين لمدة أربع سنين وكان حصن غزية من أعمال طرابلس بيد مولى ابن عمار فعصى عليه وانقطعت عنه الميرة بعيث الإفرنج في نواحيه فأرسل إلى طغركين بطاعته فبعث إسرائيل من أصحابه ليمتلك الحصن ونزل منه مولى ابن عمار فرماه إسرائيل في الزحام بسهم فقتله حذرا أن يطلع الأتابك على مخلفه وقصد طغركين الحصن لمشارفة أحواله فمنعه نزول الثلج حتى إذا انقشع وانجلى سار في أربعة آلاف فارس وفتح حصونا للإفرنج منها حصن الأكمة وكان السرداني من الإفرنج يحاصر طرابلس فسار للقائه فلما أشرف عليه انهزم طغركين وأصحابه إلى حمص وملك السرداني حصن غزية بالأمان ووصل طغركين إلى دمشق فبعث إليه بقدوين من القدس بالبقاء على الصلح وذلك في شعبان سنة اثنتين.

استيلاء الإفرنج على طرابلس وبيروت وصيدا وجبيل وبانياس

ولما عادت طرابلس إلى صاحب مصر من يد ابن عمار وولي عليها نائبة والإفرنج يحاصرونها وزعيمهم السرداني ابن أخت صنجيل فلما كانت سنة ثلاث وخمسمائة في شعبان ووصل القمص والد صنجيل وليس صنجيل الأول وإنما هو قمص آخر بمراكب عديدة مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وجرت بينه وبين السرداني فتنة واقتتلوا وجاء شكري صاحب أنطاكية مددا للسرداني ثم جاء بقدوين ملك القدس وأصلح بينهم وحاصروا طرابلس ونصبوا عليها الأبراج فاشتد بهم الحصار وعدموا القوت لتأخر الأسطول المصري بالميرة ثم زحفوا إلى قتالها بالأبراج وملكوها عنوة ثاني الأضحى واستباحوها وأثخنوا فيها وكان النائب ٥/٢٢٠

بها قد استأمن إلى الإفرنج قبل ذلك بليال وملكها بالأمان ونزل على مدينة جبيل وبها فخر الملك بن عمار فاستأمنوا إلى شكري وملكها ولحق ابن عمار بشيرز فنزل على صاحبها سلطان بن علي بن منقذ الكناني ولحق منها بدمشق فأكرمه طغركين وأقطعه الزبداني من أعمال دمشق في محرم سنة أربع ووصل أسطول مصر بالميرة بعد أخذ طرابلس بثمانية أيام فأرسى بساحل صور وفرقت الغلال في جهاتها في صور وصيدا وبيروت ثم استولى الإفرنج على صيدا في ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة وذلك أنه وصل أسطول للإفرنج من ستين مركبا مشحونة بالرجال والذخائر وبها ملوكهم بقصد الحج والغزو فاجتمع مع بقدوين صاحب القدس ونازلوا صيدا برا وبحرا وأسطول مصر يعجز عن انجادهم ثم زحفوا إلى صور في أبراج الخشب المصفحة فضعفت نفوسهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت فاستأمنوا فأمنهم الإفرنج في جمادى الأولى ولحقوا بدمشق بعد سبعة وأربعين يوما من الحصار وأقام بالبلد خلق كثير تحت الأمان وعاد بقدوين إلى القدس.

استيلاء أهل مصر على عسقلان

كانت عسقلان لخلفاء العلوية بمصر وقد ذكرنا حروب الإفرنج مع عساكرهم عليها وآخر من استشهد منهم جمال الملك نائبها كما مر آنفا وولي عليها شمس الخلافة فراسل بقدوين ملك القدس وهاداه ليمتنع به من الخليفة بمصر وبعث الأفضل ابن أمير الجيوش العساكر إليه سنة أربع وخمسمائة مع قائد من قوادهم موريا بالغزو وأسر إليه بالقبض على شمس الخلافة والولاية مكانه بعسقلان وشعر شمس الخلافة بذلك فجاهر بالعصيان فخشي أن يملكها الإفرنج فراسله وأقره على عمله وعزل شمس الخلافة جند عسقلان واستنجد جماعة من الأرمن فاستوحش منه أهل البلد ووثبوا به فقتلوه وبعثوا إلى الأمير الأفضل صاحب مصر المستولي عليها بطاعتهم فجاءهم الوالي من قبله واستقامت أمورهم.

استيلاء الإفرنج على حصن الأثارب وغيره

ثم جمع شكري صاحب أنطاكية واحتشد وسار إلى حصن الأقارب على ثلاثة فراسخ من حلب فحاصره وملكه عنوة وأثخن فيهم بالقتل والسبي ثم سار إلى حصن وزدناد ٥/٢٢١

ففعل فيه مثل ذلك وهرب أهله منه ومارس على بلديهما ثم سار عسكر من الإفرنج إلى مدينة صيدا فملكوها على الأمان وأشفق المسلمون من استيلاء الإفرنج على الشام وراسلوهم في الهدنة فامتنعوا الا على الضريبة فصالحهم رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار وعدة من الخيول والثياب وصاحب صور على سبعة آلاف دينار وابن منقذ صاحب شيرز على أربعة آلاف دينار وعلي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار ومدة الهدنة إلى حصاد الشعير ثم اعترضت مراكب الإفرنج مراكب التجار من مصر فأخذوها وأسروهم وسار جماعة من أهل حلب إلى بغداد للنفير فدخلوها مستغيثين ومعهم خلق من الفقهاء والغوغاء وقصدوا جامع السلطان يوم الجمعة فمنعوا الناس من الصلاة بضجيجهم وكسروا المنبر فوعدهم السلطان بإنفاذ العساكر للجهاد وبعث من دار الخلافة منبرا للجامع ثم قصدوا في الجمعة الثانية جامع القصر في مثل جمعهم ومنعهم صاحب الباب فدفعوا ودخلوا الجامع وكسروا شبابيك المقصورة والمنبر وبطلت الجمعة وأرسل الخليفة إلى السلطان في رفع هذا الحزن فأمر الأمراء بالتجهز للجهاد وأرسل ابنه الملك مسعودا مع الأمير مودود صاحب الموصل ليلحق به الأمراء ويسيروا جميعا إلى قتال الإفرنج.

مسير الأمراء السلجوقية إلى قتال الإفرنج

ولما سار مسعود ابن السلطان مع الأمير مودود إلى الموصل اجتمع معهم الأمراء سقمان القطبي صاحب ديار بكر وابنا برسق إبلتكي وزنكي أصحاب همذان والأمير أحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب أربل وأياز بن أبي الغازي بعثه أخوه صاحب ماردين وساروا جميعا إلى سنجار وفتحوا عدة حصون للإفرنج ونزلوا على مدينة الرها وحاصروا واجتمعوا مع الإفرنج على الفرات وخام الطائفتان عن اللقاء وتأخر المسلمون إلى حران يستطردون للإفرنج لعلهم يعبرون الفرات فخالفهم الإفرنج إلى الرها وشحنوها أقواتا وعدة وأخرجوا الضعفاء منها ثم عبروا الفرات إلى نواحي حلب لأن الملك رضوان صاحبها لما عبروا إلى الجزيرة ارتجع بعض الحصون التي كان الإفرنج أخذوها بأعمال حلب فطرقوها الآن فاكتسحوا نواحيها وجاءت عساكر السلطان إلى الرها وقاتلوها فامتنعت عليهم فعبروا الفرات وحاصروا قلعة تل ٥/٢٢٢

ناشر شهرا ونصفا فامتنعت فرحلوا الى حلب فقعد الملك رضوان عن لقائهم ومرض هنالك سقمان القطبي ورجعوا فتوفي في بالس وحمل شلوه إلى بلده ونزلت العساكر السلطانية على معرة النعمان فخرج طغركين صاحب دمشق إلى مودود ونزل عليه ثم ارتاب لما رأى من الأمراء في حقه فدس للإفرنج بالمهادنة ثم افترقت العساكر كما ذكرنا في أخبارهم وبقي مودود مع طغركين على نهر العاصي وطمع الإفرنج بافتراقهم فساروا إلى افامية وخرج سلطان بن منقذ صاحب شيرز إلى مودود طغركين فرحل بهم إلى شيرز وهون عليهم أمر الإفرنج وضاقت الميرة على الإفرنج فرحلوا وأتبعهم المسلمون يتخطفون من أعقابهم أبعدوا والله تعالى أعلم.

حصار الإفرنج مدينة صور

ولما افترقت العساكر السلطانية خرج بقدوين ملك القدس وجمع الافرنج ونزلوا على مدينة صور في جمادى الاولى من سنة خمس وهي للأمير الأفضل صاحب مصر ونائبة بها عز الملك الاغر ونصبوا عليها الأبراج والمجانيق وانتدب بعض الشجعان من أهل طرابلس كان عندهم في ألف رجل وصدقوا الحملة حتى وصلوا البرج المتصل بالسور فأحرقوه ورموا الآخرين بالنفط فأحرقوهم واشتد القتال بينهم وبعث أهل صور الى طغركين صاحب دمشق يستنجدونه على أن يمكنوه من البلد فجاء الى بانياس وبعث اليهم بمائتي فرس واشتد القتال وبعث نائب البلد الى طغركين بالاستحثاث للوصول ليمكنه من البلد وكان طغركين يغير على أعمال الافرنج في نواحيها وملك لهم حصنا من أعمال دمشق وقطع الميرة عنهم فساروا يحملونها في البحر ثم سار الى صيدا وأغار عليها ونال منها ثم أزهت الثمرة وخشي الافرنج من طغركين على بلادهم فأفرجوا عن صور الى عكا وجاء طغركين الى صور فأعطى الأموال واشتغلوا بإصلاح سورهم وخندقهم والله أعلم.

أخبار مودود مع الإفرنج ومقتله ووفاة صاحب انطاكية

ثم سار الأمير مودود صاحب الموصل سنة ست الى سروج وعاث في نواحيها فخرج جكرمش صاحب تل ناشر وأغار على دوابهم فاستاقها من راعيها وقتل كثيرا من العسكر ٥/٢٢٣

ورجع ثم توفي الأمير الارمني صاحب الدروب ببلاد ابن كاور فسار شكري صاحب انطاكية من الافرنج الى بلاده ليملكها فمرض وعاد الى انطاكية ومات منتصف سنة ست وملكها بعده ابن أخته سرجان واستقام أمره ثم جمع الأمير مودود صاحب الموصل العساكر واحتشد وجاءه تميرك صاحب سنجار وأياز بن أبي الغازي صاحب ماردين وطغركين صاحب دمشق ودخلوا في محرم سنة سبع الى بلاد الافرنج وخرج بقدوين ملك القدس وجوسكين صاحب القدس يغير على دمشق فعبروا الفرات وقصدوا القدس ونزلوا على الأردن والافرنج عدوتهم واقتتلوا منتصف المحرم فانهزم الافرنج وهلك منهم كثير في بحيرة طبرية والأردن وغنم المسلمون سوادهم وساروا منهزمين فلقيهم عسكر طرابلس وانطاكية فشردوا معهم وأقاموا على جبل طبرية وحاصرهم المسلمون نحوا من شهر فلم يظفروا بهم فتركوهم وانساحوا في بلاد الافرنج ما بين عكا والقدس واكتسحوها ثم انقطعت المواد عنهم للبعد عن بلادهم فعادوا الى مرج الصفر على نية العود للغزاة في فصل الربيع وأذنوا للعساكر في الانطلاق ودخل مودود الى دمشق يقيم بها الى أوان اجتماعهم فطعنه باطني في الجامع منصرفه من صلاة الجمعة آخر ربيع الأول من السنة ومات من يومه وأتهم طغركين بقتله والله تعالى أعلم.

أخبار البرسقي مع الافرنج

ولما قتل مودود بعث السلطان محمد مكانه آقسنقر البرسقي ومعه ابنه السلطان مسعود في العساكر لقتال الافرنج وبعث الى الأمراء بطاعته فجاءه عماد الدين زنكي بن آقسنقر وتميرك صاحب سنجار وسار الى جزيرة ابن عمر وملكها من يد نائب مودود ثم سار الى ماردين فحاصرها الى أن أذعن أبو الغازي صاحبها وبعث معه ابنه ايازا في العساكر فساروا الى الرها وحاصروها في ذي الحجة سنة ثمان مدة سبعين يوما فامتنعت وضاقت الميرة على المسلمين فرحلوا الى شمشاط وسروج وعاثوا في تلك النواحي وهلك في خلال ذلك بكواسيل صاحب مرعش وكيسوم وزغبان من الافرنج وملكت زوجته بعده وامتنعت من الافرنج وأرسلت الى البرسقي على الرها بطاعته فبعث اليها صاحب الخابور فردته بالأموال والهدايا وبطاعتها فعاد من كان عندها من الافرنج الى انطاكية والله أعلم. ٥/٢٢٤

الحرب بين العساكر السلطانية والفرنج

كان السلطان محمد قد تنكر لطغركين صاحب دمشق لاتهامه إياه بقتل مودود فعصى وأظهر الخلاف وتابعه أبو الغازي صاحب ماردين لما كان بينه وبين البرسقي فاهتم السلطان شأنهما وشأن الافرنج وقوتهم وجهز العساكر مع الأمير برسق صاحب همذان وبعث معه الأمير حيوس بك والأمير كسقري وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بغزو الافرنج بعد الفراغ من شأن أبي الغازي وطغركين فساروا في رمضان سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرميلة وجاءوا الى حلب وبها لؤلؤ الخادم بعد رضوان ومقدم العساكر شمس الخواص وعرضوا عليهما كتب السلطان بتسليم البلد فدافعا بالجواب واستنجدا أبا الغازي وطغركين فوصلا اليهما في ألفي فارس وامتعا بها على العسكر فسار الأمير برسق الى حماة من أعمال طغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسلمها للأمير قرجان صاحب حمص بأمر السلطان بذلك في كل بلد يفتحونه فنفس عليه الأمراء ذلك وفسدت ضمائرهم وكان أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص قد ساروا الى انطاكية مستنجدين بصاحبها روميل على مدافعتهم عن حماة فبلغهم فتحها ووصل اليهم بأنطاكية بقدوين ملك القدس وطرابلس وغيره من شياطين الافرنج واجتمعوا على افامية واتفقوا على مطاولة المسلمين الى فصل الشتاء ليتفرقوا فلما أظل الشتاء والمسلمون مقيمون عاد أبو الغازي الى ماردين وطغركين الى دمشق والافرنج الى بلادهم وقصد المسلمون كفرطاب وكانت هي وافامية للافرنج فملكوها عنوة وفتكوا بالافرنج فيها وأسروا صاحبها ثم ساروا الى قلعة افامية فاستعصت عليهم فعادوا الى المعرة وهي للافرنج وفارقهم الأمير حيوس بك الى وادي مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة الى حلب وأثقالهم ودوابهم وهم متلاصقون فوصلت مقدمتهم الى الشام وخربوا الابنية وكان روميل صاحب انطاكية قد سار في خمسمائة فارس وألفي راجل للمدافعة عن كفر طاب وأظل على خيام المسلمين قبل وصولهم فقتل من وجد بها من السوقة والغلمان وأقام الافرنج بين الخيام يقتلون كل من لحق بها حتى وصل الأمير برسق وأخوه زنكي فصعدا ربوة هناك وأحاط الفل من المسلمين به وعزم برسق على الاستماتة ثم غلبه اخوه زنكي على النجاة فنجا فيمن معه واتبعهم الافرنج فرسخا ورجعوا عنه وافترقت العساكر الإسلامية منهزمة الى بلادها وأشفق أهل حلب وغيرها من بلاد الشام من الافرنج بعد هذه الواقعة وسار الافرنج الى رميلة من أعمال دمشق فملكوها وبالغوا في تحصينها واعتزم طغركين على تخريب بلاد الافرنج ثم بلغه الخبر عن خلو رميلة من ٥/٢٢٥

الحامية فبادر اليها سنة تسع وملكها عنوة وقاتل وأسر وغنم وعاد الى دمشق ولم تزل رميلة بين المسلمين الى أن حاصرها الافرنج سنة عشرين وخمسمائة وملكوها والله أعلم.

وفاة ملك الافرنج وأخبارهم بعده مع المسلمين

ثم توفى بقدوين ملك الافرنج بالقدس آخر سنة احدى عشرة وخمسمائة وكان قد زحف الى ديار بكر طامعا في ملكها فانتهى الى تنيس وشج في الليل فانتقض عليه جرحه وعاد الى القدس فمات وعاد القمص صاحب الرها الذي كان أسره جكرمش وأطلقه جاولي وكان حاضرا عنده لزيارة قمامة وكان أتابك طغركين قد سار لقتال الافرنج ونزل اليرموك فبعث اليه قمص في المهادنة فاشترط طغركين ترك المناصفة من جبل عردة الى الغور فلم يقبل القمص فسار طغركين الى طبرية ونهب نواحيها وسار منها الى عسقلان ولقي سبعة آلاف من عساكر مصر قد جاءوا في أثر بقدوين عند ما ارتحل عن ديار بكر فاعلموا أن صاحبهم تقدم اليهم بالوقوف عند أمر طغركين فشكر لهم ذلك وعاد الى دمشق وأتاه الخبر بأن الافرنج قصدوا أذرعات ونهبوها بعد ان ملكوا حصنا من أعماله فأرسل اليهم تاج الملك بوري في أثرهم فحاصرهم في جبل هناك حتى يئسوا من أنفسهم وصدقوا الحملة عليهم فهزموهم وأفحشوا في القتل وعاد الفل الى دمشق وسار طغركين الى حلب يستنجد أبا الغازي فوعده بالمسير معه ثم جاء الخبر بأن الافرنج قصدوا أعمال دمشق فنهبوا حوران واكتسحوها فرجع طغركين الى دمشق وأبو الغازي الى ماردين الى حشد العساكر وقصدوا الاجتماع على حرب الافرنج ثم سار الافرنج سنة ثلاثة عشر الى نواحي حلب فملكوا مراغة ونازلوا المدينة فصانعهم أهلها بمقاسمتهم أملاكهم وزحف أبو الغازي من ماردين في عشرين ألفا من العساكر والمتطوعة ومعه أسامة بن مالك بن شيرز الكاني والأمير طغان ارسلان بن افتكين ابن جناح صاحب ارزن وسار الافرنج الى صنبيل عرمس قرب الاثارب فنزلوا به في موضع منقطع المسالك وعزموا على المطاولة فناجزهم أبو الغازي وسار اليهم ودخل عليهم في مجتمعهم وقاتلوه أشد القتال فلم يقاوموه وفتك فيهم فتكة شنعاء وقتل فيهم سرحان صاحب انطاكية وأسر سبعون من زعمائهم وذلك منتصف ربيع من السنة ثم اجتمع فل الأفرنج ٥/٢٢٦

وعادوا الحرب فهزمهم أبو الغازي وملك عليهم حصن آلات رب وزدناد وجاء الى حلب فأصلح أحوالها وعاد الى ماردين ثم سار جوسكين صاحب تل ناشر في مائتين من الافرنج ليكبس حلة من احياء طيئ يعرفون ببني خالد فأغار عليهم وغنم أموالهم ودلوه على بقية قومهم من بني ربيعة فيما بين دمشق وطبرية فبعث أصحابه اليهم وسار هو من طريق آخر فضل عن الطريق ووصل أصحابه اليهم وأميرهم مر من ربيعة فقاتلهم وغلبهم وقتل منهم سبعين وأسر اثني عشر ففاداهم بمال جزيل وأصناف عدتهم من الأسرى وبلغ الى جوسكين في طريقه فعاد الى طرابلس وجمع جمعا وأغار على عسقلان فهزمه المسلمون وعاد مفلولا والله أعلم.

ارتجاع الرها من الافرنج

ثم سار بهرام أخو أبي الغازي الى مدينة الرها وحاصرها مدة فلم يظفر بها فرحل عنها ولقيه النذير بأن جوسكين صاحب الرها وسروج قد سار لاعتراضه وقد تفرق عن مالك أصحابه فاستجاب لما وصل اليه الافرنج ودفعهم لأرض سنجة فوصلت فيها خيولهم فلم يفلت منهم أحد وأسر جوسكين وخاط عليه جلد جمل وفادى نفسه بأموال جليلة فأبى مالك من فديته الا أن يسلم حصن الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت ومعه كلمام ابن خالته وكان من شياطينهم وجماعة من زعمائهم والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

استيلاء الافرنج على خرت برت وارتجاعها منهم

كان مالك بن بهرام صاحب خرت برت وكان في جواره الافرنج في قلعة كركر فحاصرهم بها وسار بقدوين اليه في جموعه فلقيه في صفر سنة سبعة عشر فهزم الافرنج وأسر ملكهم وجماعة من زعمائهم وحبسهم مالك في قلعة خرت برت مع جوسكين صاحب الرها وأصحابه وسار مالك الى حران في ربيع الأول وملكها ولما غاب من خرت برت تحيل الافرنج وخرجوا من محبسهم بمداخلة بعض الجند وسار بقدوين الى بلده وملك الآخرون القلعة فعاد مالك اليهم وحاصرها وارتجعها من أيديهم ورتب فيها الحامية والله تعالى ولي التوفيق. ٥/٢٢٧

استيلاء الإفرنج على مدينة صور

كانت مدينة صور لخلفاء العلوية بمصر وكان بها عز الملك من قبل الأفضل ابن أمير الجيوش المستبد على الأمر بمصر وتجهز الإفرنج لحصارها سنة ست فاستمدوا طغركين صاحب دمشق فأمدهم بعسكر ومال مع وال من قبله اسمه مسعود فجاء إليها ولم يغير دعوة العلوية بها في خطبة ولا سكة وكتب إلى الأفضل بذلك وسأله تردد الأسطول إليه بالمدد فأجابه وشكره ثم قتل الأفضل وجاء الأسطول إليها من مصر على عادته وقد أمر مقدمه أن يعمل الحيلة في القبض على مسعود الوالي بصور من قبل طغركين لشكوى أهل مصر منه فقبض عليه مقدم الأسطول وحمله إلى مصر وبعثوا به إلى دمشق وأقام الوالي من قبل أهل مصر في مدينة صور وكتب إلى طغركين بالعذر عن القبض على مسعود واليه وكان ذلك سنة ستة عشر ولما بلغ الإفرنج انصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها وتجهزوا لحصارها وبعث الوالي الأمير بذلك وبعجزه عن مقاومة حصارهم لها وسار طغركين إلى بانياس ليكون قريبا من صريخها وبعث إلى أهل مصر يستنجدهم فراسل الإفرنج في تسليم البلد وخروج من فيها فدخلها الإفرنج آخر جمادى الأولى من السنة بعد أن حمل أهلها ما أطاقوا وتركوا ما عجزوا عنه والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتح البرسقي كفرطاب وانهزامه من الإفرنج

ثم جمع البرسقي عساكره وسار سنة تسعة عشر إلى كفرطاب وحاصرها فملكها من الإفرنج ثم سار إلى قلعة أعزاز شمالي حلب وبها جوسكين فحاصرها واجتمع الإفرنج وساروا لمدافعته فلقيهم وقاتلهم شديدا فحص الله المسلمين وانهزموا وفتك النصارى فيهم ولحق البرسقي بحلب بها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل ليستمد العساكر ويعود لغزوهم فقضى الله بمقتله وولى ابنه عز الدين بعده قليلا ثم مات سنة إحدى وعشرين وولى السلطان محمود عماد الدين زنكي بن آقسنقر مكانه على الموصل والجزيرة وديار بكر كما مر في أخبار دولة السلجوقية ثم استولى منها على الشام وأورث ملكها بنيه فكانت لهم دولة عظيمة بهذه ٥/٢٢٨

الأعمال نذكرها أن شاء الله تعالى ونشأت عن دولتهم دولة بني أيوب وتفرعت منها كما نذكره ونحن الآن نترك من أخبار الإفرنج هنا جميع ما يتعلق بدولة بني زنكي وبني أيوب حتى نوردها في أخبار تينك الدولتين لئلا تتكرر الأخبار ونذكر في هذا الموضع من أخبار الإفرنج ما ليس له تعلق بالدولتين فإذا طالعة المتأمل علم كيف يرد كل خبر إلى مكانه بجودة قريحته وحسن تأنيه.

الحرب بين طغركين والإفرنج

ثم اجتمعت الإفرنج سنة عشرين وخمسمائة وساروا إلى دمشق ونزلوا مرج الصفر واستنجد طغركين صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها فجاءوا إليه وكان هو قد سار إلى جهة الإفرنج آخر سنة عشرين وقاتلهم وسقط في المعترك فظن أصحابه أنه قتل فانهزموا وركب فرسه وسار معهم منهزما والإفرنج في إتباعهم وقد أثخنوا في رجاله التركمان فلما أتبعوا المنهزمين خالف الرجالة إلى معسكرهم فنهبوا سوادهم وقتلوا من وجدوا فيه ولحقوا بدمشق ورجع الإفرنج عن المنهزمين فوجدوا خيامهم منهوبة فساروا منهزمين ثم كان سنة ثلاث وعشرين واقعة المزدغاني والإسماعيلية بدمشق بعد أن طمع الإفرنج في ملكها فأسف ملوك الإفرنج على قتله وسار صاحب القدس وصاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من القمامصة ومن وصل في البحر للتجارة أو الزيارة وساروا إلى دمشق في ألفي فارس ومن الرجال ما لا يحصى وجمع طغركين من العرب والتركمان ثمانية آلاف فارس وجاء الإفرنج آخر السنة ونازلوا دمشق وبثوا سراياهم للإغارة بالنواحي وجمع الميرة وسمع تاج الملك بسرية في حوران فبعث شمس الخواص من أمرائه ولقوا سرية الإفرنج وظفروا بهم وغنموا ما معهم وجاءوا إلى دمشق وبلغ الخبر إلى الإفرنج فأجفلوا عن دمشق بعد أن أحرقوا ما تعذر عليهم حمله وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثم أن إسمند صاحب أنطاكية سار إلى حصن القدموس وملكه والله تعالى يؤيد من يشاء.

هزيمة صاحب طرابلس

ثم اجتمع سنة سبع وعشرين جمع كبير من تركمان الجزيرة وأغاروا على بلاد طرابلس وقتلوا وغنموا فخرج إليهم القمص صاحبها فاستطردوا له ثم كروا عليه فهزموه ونالوا منه ونجا إلى ٥/٢٢٩

قلعة بقوين فتحصن بها وحاصره التركمان فيها فخرج من القلعة ليلا في عشرين من أعيان أصحابه ونجا إلى طرابلس واستصرخ الإفرنج من كل ناحية وسار بهم إلى بقوين لمدافعة التركمان فقاتلهم حتى أشرف الإفرنج على الهزيمة ثم تحيزوا إلى أرمينية وتعذر على التركمان أتباعهم فرجعوا عنهم انتهى.

فتح صاحب دمشق بانياس

كان بوري بن طغركين صاحب دمشق لما توفي سنة ست وعشرين وخمسمائة وولي مكانه ابنه شمس الملوك إسماعيل فاستضعفه الإفرنج وتعرضوا لنقض الهدنة ودخل بعض تجار المسلمين إلى سروب فأخذوا أموالهم وراسلهم شمس الملوك في ردها عليهم فلم يفعلوا فتجهز وسار إلى بانياس في صفر سنة سبع وعشرين فنازلها وشدد حصارها ونقب المسلمون سورها وملكوها عنوة واستلحموا الإفرنج بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا بعد يومين وكان الإفرنج قد جمعوا لمدافعة شمس الملوك فجاءهم خبر فتحها فأقصروا.

استيلاء شمس الملوك على الشقيف

ثم سار شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق إلى شقيف بيروت وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم وهو ممتنع به وقد تحاماه المسلمون والإفرنج وهو يحتمي من كل منهما بالآخر فسار إليه شمس الملوك وملكه في المحرم سنة ثمان وعشرين وعظم ذلك على الإفرنج وخافوا شمس الملوك فساروا إلى بلد حوران وعاثوا في جهاتها ونهض شمس الملوك ببعض عساكره وجمر الباقي قبالة الإفرنج وقصد طبرية والناصرة وعكا فاكتسح نواحيها وجاء الخبر إلى الإفرنج فاجفلوا إلى بلادهم وعظم عليهم خرابها وراسلوا شمس الملوك في تجديد الهدنة فجددها لهم انتهى والله أعلم.

استيلاء الإفرنج على جزيرة جربة من إفريقية

كانت جزيرة جربة من أعمال إفريقية ما بين طرابلس وقابس وكان أهلها من قبائل البربر قد ٥/٢٣٠

استبدوا بجزيرتهم عند ما دخل العرب الهلاليون إفريقية ومزقوا ملك صنهاجة بها وقارن ذلك استفحال ملك الإفرنج برومة وما اليها من البلاد الشمالية وتطاولوا إلى ملك بلاد المسلمين فسار ملكهم بردويل فيمن معه من زعمائهم وأقماصهم إلى الشام فملكوا مدنه وحصونه كما ذكرناه آنفا وكان من ملوكهم القمص رجار بن نيغر بن خميرة وكان كرسيه مدينة ميلكوا مقابل جزيرة صقلية ولما ضعف أمر المسلمين بها وانقرضت دولة بني أبي الحسين الكلبي منها سما رجار هذا إلى ملكها وأغراه المتغلبون بها على بعض نواحيها فأجاز إليها عساكره في الأسطول في سبيل التضريب بينهم ثم ملكها من أيديهم معقلا معقلا إلى أن كان آخرها فتخاطر إبنة وما زرعة من يد عبد الله بن الجواس أحد الثوار بها فملكها من يده صلحا سنة أربع وستين وأربعمائة وانقطعت كلمة الإسلام بها ثم مات رجار سنة أربع وتسعين فولي ابنه رجار مكانه وطالت أيامه واستفحل ملكه وذلك عند ما هبت ريح الإفرنج بالشام وجاسوا خلالها وصاروا يتغلبون على ما يقدرون عليه من بلاد المسلمين وكان رجار يتعاهد سواحل إفريقية بالغزو فبعث سنة ثلاث وخمسين أسطول صقلية إلى جزيرة جربة وقد تقلص عنها ظل الدولة الصنهاجية فأحاطوا بها واشتد القتال ثم اقتحموا الجزيرة عليهم عنوة وغنموا وسبوا واستأمن الباقون وأقرهم الإفرنج في جزيرتهم على جزية وملكوا عليهم أمرهم والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

فتح صاحب دمشق بعض حصون الإفرنج

ثم بعث شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق عساكره مع الأمير خزواش سنة إحدى وثلاثين إلى طرابلس الشام ومعه جمع كثير من التركمان والمتطوعة وسار إليه القمص صاحب طرابلس فقاتلوه وهزموه وأثخنوا في عساكره وأحجزه بطرابلس وعاثوا في أعماله وفتحوا حصن وادي ابن الأحمر من حصونه عنوة واستباحوه واستلحموا من فيه من الإفرنج ثم سار الإفرنج سنة خمس وثلاثين الى عسقلان وأغاروا في نواحيها وخرج إليهم عسكر مصر الذين بها فهزموا الإفرنج وظفروا بهم وعادوا منهزمين وكفى الله شرهم بمنه وكرمه. ٥/٢٣١

استيلاء الإفرنج على طرابلس الغرب

كان أهل طرابلس الغرب لما انحل نظام الدولة الصنهاجية بإفريقية وتقلص ظلها عنهم قد استبدوا بأنفسهم وكان بالمهدية آخر الملوك من بني باديس وهو الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز فاستبد لعهده في طرابلس أبو يحيى بن مطروح ورفضوا دعوة الحسن وقومه وذلك عند ما تكالب الإفرنج على الجهات فطمع رجار في ملكها وبعث أسطوله في البحر فنازلها آخر سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فنقبوا سورها واستنجد أهلها بالعرب فأنجدوهم وخرجوا إلى الإفرنج فهزموهم وغنموا أسلحتهم ودوابهم ورجع الإفرنج إلى صقلية فتجهزوا إلى المغرب وطرقوا جيجيل من سواحل بجاية وهرب أهلها الى الجبل ودخلوها فنهبوها وخربوا القصر الذي بناه يحيى بن العزيز بن حماد ويسمى النزهة ورجعوا إلى بلادهم ثم بعث رجار أسطوله إلى طرابلس سنة إحدى وأربعين فأرسى عليها ونزل المقاتلة وأحاطوا بها برا وبحرا وقاتلوها ثلاثا وكان أهل البلد قد اختلفوا قبل وصول الإفرنج وأخرجوا بني مطروح وولوا عليهم رجلا من أمراء لمتونة قام حاجا في قومه فولوه أمرهم فلما شغل أهل البلد بقتال الإفرنج اجتمعت شيعة بني مطروح وأدخلوهم للبلد ووقع بينهم القتال فلما شعر الإفرنج بأمرهم بادروا إلى الأسوار فنصبوا عليها السلالم وتسنموها وفتحوا البلد عنوة وأفحشوا في القتل والسبي والنهب ونجا كثير من أهلها إلى البربر والعرب في نواحيها ثم رفعوا السيف ونادوا بالأمان فتراجع المسلمون إلى البلد وأقروهم على الجزية وأقاموا بها ستة أشهر حتى أصلحوا أسوارها وفنادقها وولوا عليها ابن مطروح وأخذوا رهنه على الطاعة ونادوا في صقلية بالمسير إلى طرابلس فسار إليها الناس وحسنت عمارتها.

استيلاء الإفرنج على المهدية

كانت قابس عند ما اختل نظام الدولة الصنهاجية واستبد بها ابن كامل بن جامع من قبائل رياح إحدى بطون هلال الذين بعثهم الجرجرائي وزير المستنصر بمصر على المعز بن باديس وقومه فأضرعوا الدولة وأفسدوا نظامها وملكوا بعض أعمالها واستبد آخرون من أهل البلاد بمواضعهم فكانت قابس هذه في قسمة بني دهمان هؤلاء وكان لهذا العهد ٥/٢٣٢

رشيد أميرا بها كما ذكرنا ذلك في أخبار الدولة الصنهاجية من أخبار البربر وتوفي رشيد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ونصب مولاه يوسف ابنه الصغير محمد بن رشيد وأخرج ابنه الكبير معمرا واستبد على محمد وتعرض لحرمة سرا وكان فيهن امرأة رشيد وساروا إلى التمحض بصاحب المهدية يشكون فعله وكاتبه الحسن في ذلك فلم يجبه وتهدده بإدخال الإفرنج إلى قابس فجهز إليه العساكر وبعث يوسف إلى رجار صاحب طرابلس بطاعته وأن يوليه على قابس كما ولي ابن مطروح على طرابلس وشعر أهل البلد بمداخلته للإفرنج فلما وصل عساكر الحسن ثاروا به معهم وتحصن يوسف بالقصر فملكوه عنوة وأخذ يوسف أسيرا وملك معمر قابس مكان أخيه محمد وامتحن يوسف بأنواع العذاب إلى أن هلك وأخذ بنو قرة أختهم ولحق عيسى أخو يوسف وولد يوسف برجار صاحب صقلية واستجاروا به وكان الغلاء قد اشتد بإفريقية سنة سبع وثلاثين ولحق أكثر أهلها بصقلية وأكل بعضهم بعضا وكثر الموتان فاغتنم رجار الفرصة ونقض الصلح الذي كان بينه وبين الحسن بن علي صاحب المهدية لسنين وجهز أسطوله مائتين وخمسين من الشواني وشحنها بالمقاتلة والسلاح ومقدم الأسطول جرجي بن ميخاييل أصله من المنتصرة وقد ذكرنا خبره في أخبار صنهاجة والموحدين فقصد قوصرة وصادف بها مركبا من المهدية فغنمه ووجد عندهم حمام البطاقة فبعث الخبر إلى المهدية على أجنحتها بأن أسطول الإفرنج أقلع إلى القسطنطينية ثم أقلع فأصبح قريبا من المرسي في ثامن صفر سنة ثلاث وأربعين وقد بعث الله الريح فعاقتهم عن دخول المرسي ففاته غرضه وكتب إلى الحسن بأنه باق على الصلح وإنما جاء طالبا بثأر محمد بن رشيد ورده إلى بلده قابس فجمع الحسن الناس واستشارهم فأشاروا بالقتال فخام عنه واعتذر بقلة الأقوات وارتحل من البلد وقد حمل ما خف حمله وخرج الناس بأهاليهم وما خف من أموالهم واختفى كثير من المسلمين في الكنائس ثم ساعد الريح أسطول الإفرنج ووصلوا إلى المرسي ونزلوا إلى البلد من غير مدافع ودخل جرجي القصر فوجده على حاله مملوءا بالذخائر النفسية التي يعز وجود مثلها وبعث بالأمان إلى كل من شرد من أهلها فرجعوا وأقرهم على الجزية وسار الحسن بأهله وولده إلى المعلقة وبها محرز بن زياد من أمراء الهلاليين ولقيه في طريقه حسن بن ثعلب من أمراء الهلاليين بمال انكسر له في ديوانه فأخذ ابنه يحيى رهينة به ولما وصل محرز بن زياد أكرم لقاءه وبر مقدمه جزاء بما كان يؤثره على العرب ويرفع محله وأقام عنده شهرا ثم عزم على المسير إلى مصر وبها يومئذ الحافظ فأرصد له جرجي الشواني في البحر ٥/٢٣٣

فرجع عن ذلك واعتزم على قصد عبد المؤمن من ملوك الموحدين بالمغرب وفي طريقه يحيى بن عبد العزيز ببجاية من بني عمه حماد فأرسل إليه أبناءه يحيى وتميما وعليا يستأذنه في الوصول فأذن له وبعث إليه من أوصله إلى جزائر بني مذغنة ووكل به وبولده حتى ملك عبد المؤمن بجاية سنة أربع وأربعين وخبرهم مشروع هنالك ثم جهز جرجي أسطولا آخر إلى صفاقس وجاء العرب لإنجادهم فلما توافوا للقتال استطرد لهم الإفرنج غير بعيد فهزموهم ومضى العرب عنهم وملك الإفرنج المدينة عنوة ثالث عشري صفر وفتكوا فيها ثم أمنوهم وفادوا وأسراهم وأقروهم على الجزية وكذا أهل سوسة وكتب رجار صاحب صقلية إلى أهل سواحل إفريقية بالأمان والمواعد ثم سار جرجي إلى إقليبية من سواحل تونس واجتمع إليها العرب فقاتلوا الإفرنج وهزموهم ورجعوا خائبين إلى المهدية وحدثت الفتنة بين رجار صاحب صقلية وبين ملك الروم بالقسطنطينية فشغل رجار بها عن إفريقة وكان متولي كبرها جرجي بن ميخاييل صاحب المهدية ثم مات سنة ست وأربعين فسكنت تلك الفتنة ولم يقم لرجار بعده أحد مقامه والله تعالى أعلم . ٥/٢٣٤

استيلاء الإفرنج على بونة ووفاة رجار صاحب صقلية وملك ابنه غليالم

ثم سار أسطول رجار من صقلية سنة ثمان وأربعين إلى مدينة بونة وقائد الأسطول بها وقتات المهدوي فحاصرها واستعان عليها بالعرب فملكها واستباحها وأغضى عن جماعة من أهل ٥/٢٣٥

العلم والدين فخرجوا بأموالهم وأهاليهم إلى القرى وأقام بها عشرا ورجع إلى المهدية ثم إلى صقلية فنكر عليه رجار رفقه بالمسلمين في بونة وحبسه ثم اتهم في دينه فاجتمع الأساقفة والقسوس وأحرقوه ومات رجار آخر هذه السنة لعشرين سنة من ملكه وولى ابنه غليالم مكانه وكان حسن السيرة واستوزر مائق البرقياني فأساء التدبير واختلف عليه حصون من صقلية وبلاد قلورية وتعدى الأمراء على إفريقية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم . ٥/٢٣٦