استيلاء الإفرنج على عسقلان
كانت عسقلان في طاعة الظافر العلوي ومن جملة ممالكه وكان الإفرنج يتعاهدونها بالحصار مرة بعد مرة وكان الوزراء يمدونها بالأموال والرجال والأسلحة وكان لهم التحكم في الدولة على الخلفاء العلوية فلما قتل ابن السلار سنة ثمان وأربعين اضطرب الحال بمصر حتى ولي عباس الوزارة فسار الإفرنج خلال ذلك من بلادهم بالشام وحاصروا عسقلان وامتنعت عليهم ثم اختلف أهل البلد وآل أمرهم إلى القتال فاغتنم الإفرنج الفرصة وملكوا البلد وعاثوا فيها والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده .
ثورة المسلمين بسواحل إفريقية على الإفرنج المتغلبين فيها
قد تقدم لنا وفاة رجار وملك ابنه غليالم وإنه ساء تدبير وزيره فاختلف عليه الناس وبلغ ذلك المسلمين الذين تغلبوا عليهم بإفريقية وكان رجار قد ولى على المسلمين بمدينة صفاقس ٥/٢٣٧
لما تغلب عليها أبو الحسين الفرياني منهم وكان من أهل العلم والدين ثم عجز عن ذلك وطلب ولاية ابنه عمر فولاه رجار وحمل أبا الحسين إلى صقلية رهينة وأوصى ابنه عمرو قال يا بني أنا كبير السن وقد قرب أجلي فمتى أمكنتك الفرصة في إنقاذ المسلمين من ملكة العدو فأفعل ولا تخش علي وأحسبني قدمت فلما اختل أمر غليالم دعا عمر أهل صفاقس إلى الثورة بالإفرنج فثاروا بهم وقتلوهم سنة إحدى وخمسين وأتبعه أبو يحيى بن مطروح بطرابلس ومحمد بن رشيد بقابس وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وذهب حكم الإفرنج عن إفريقية ما عدا المهدية وسوسة وأرسل عمر الفرياني إلى زويلة قريبا من المهدية يغريهم بالوثوب على الإفرنج الذين معهم فوثبوا وأعانهم أهل ضاحيتهم وقاتلوا الإفرنج بالمهدية وقطعوا الميرة عنهم وبلغ الخبر إلى غليالم فبعث إلى عمر الفرياني بصفاقس وأعذر إليه في أبيه فأظهر للرسول جنازة ودفنها وقال هذا قد دفنته فلما رجع الرسول بذلك صلب أبا الحسين ومات شهيدا رحمه الله تعالى وسار أهل صفاقس والعرب إلى زويلة واجتمعوا مع أهلها على حصار المهدية وأمدهم غليالم بالأقوات والأسلحة وصانعوا العرب بالمال على أن يخذلوا أصحابهم ثم خرجوا للقتال فانهزم العرب وركب أهل صفاقس البحر إلى بلدهم أيضا وأتبعهم الإفرنج فعاجلوهم عن زويلة وقتلوهم ثم اقتحموا البلد فقتلوا مخلفهم بها واستباحوهم.
ارتجاع عبد المؤمن المهدية من يد الإفرنج
ولما وقع بأهل زويلة من الإفرنج ما وقع لحقوا بعبد المؤمن ملك المغرب يستصرخونه فأجاب صريخهم ووعدهم وأقاموا في نزله وكرامته وتجهز للمسير وتقدم إلى ولاته وعماله بتحصيل الغلات وحفر الآبار ثم سار في صفر سنة اربع وخمسين في مائة ألف مقاتل وفي مقدمته الحسن بن علي صاحب المهدية ونازل تونس منتصف السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان من بقية دولة صنهاجة وجاء أسطول عبد المؤمن فحاصرها من البحر ثم نزل إليه من سورها عشرة رجال من أعيانها في السلالم مستأمنين لأهل البلد ولأنفسهم فأمنهم على مقاسمتهم في أموالهم وعلى أن يخرج إليه ابن خراسان فتم ذلك كله وسار عنها إلى المهدية وأسطوله محاذية في البحر فوصلها منتصف رجب من السنة وبها أولاد الملوك والزعماء من الإفرنج وقد أخلوا ٥/٢٣٨
زويلة وهي على غلوة من المهدية فعمرها عبد المؤمن لوقتها وامتلأ فضاء المهدية بالعساكر وحاصرها أياما وضاق موضع القتال من البر لاستدارة البحر عليها لأنها صورة يد في البحر وذراعها في البر وآحاط الأسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن البحر في الشواني ومعه الحسن بن علي فرأى حصانتها في البحر وأخذ في المطاولة وجمع الأقوات حتى كانت في ساحة معسكره كالتلال وبعث إليه أهل صفاقس وطرابلس وجبال نفوسة بطاعتهم وبعث عسكر إلى قابس فملكها عنوة وبعث ابنه عبد الله ففتح كثيرا من البلاد ثم وفد عليه يحيى بن تميم بن المقر بن الرند صاحب قفصة في جماعة من أعيانها فبذل طاعته ووصله عبد المؤمن بألف دينار ولما كان آخر شعبان وصل أسطول صقلية في مائة وخمسين من الشواني غير الطرائد كان في جزيرة يابسة فاستباحها وبعث إليه صاحب صقلية بقصد المهدية فلما أشرفوا على المرسي قذفت إليهم أساطيل عبد المؤمن ووقف عسكره على جانب البر وعبد المؤمن ساجد يعفر وجهه بالتراب ويجأر بالدعاء فانهزم أسطول الإفرنج وأقلعوا إلى بلادهم وعاد اسطول المسلمين ظافرا وأيس أهل المهدية من الأنجاد ثم صابروا إلى آخر السنة حتى جهدهم الحصار ثم استأمنوا إلى عبد المؤمن فعرض عليهم الإسلام فأبوا ولم يزالوا يخضعون له بالقول حتى أمنهم وأعطاهم السفن فركبوا فيها وكان فصل شتاء فمال عليهم البحر وغرقوا ولم يفلت منهم إلى الأقل ودخل عبد المؤمن المهدية في محرم سنة خمس وخمسين لثنتي عشرة سنة من ملك الإفرنج وأقام بها عشرين يوما فأصلح أمورها وشحنها بالحامية والأقوات واستعمل عليها بعض أصحابه وأنزل معه الحسن بن علي وأقطعه بأرضها له ولأولاده وأمر الوالي أن يقتدي برأيه ورجع إلى المغرب والله أعلم.
حصار الإفرنج أسد الدين شيركوه في بلبيس
كان أسد الدين شيركوه بن شادي عم صلاح الدين قد بعثه نور الدين العادل سنة تسع وخمسمائة منجدا لشاور وزير العاضد صاحب مصر على قريعة الضرغام كما سيأتي في أخبارهم إن شاء الله تعالى وسار نور الدين من دمشق في عساكره إلى بلاد الإفرنج ليشغلهم عن أسد الدين شيركوه وخرج ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فهزمه أسد الدين ٥/٢٣٩
على تنيس وأتبعه إلى القاهرة ونزلها منتصف السنة وأعاد شاور إلى الوزارة ونقض ما بينه وبين أسد الدين وتأخر إلى تنيس وخشي منه ودس إلى الإفرنج يغريهم به وبذل لهم المال فطمعوا بذلك في ملك الديار المصرية وسار ملك القدس في عساكر الإفرنج واجتمعت معه عساكر المسلمين وساروا إلى أسد الدين فحاصروه في بلبيس ثلاثة ولم يظفروا منه بشيء ثم جاءهم الخبر بأن نور الدين العادل هزم أصحابهم على خارد وفتحها ثم سار إلى بانياس فسقط في أيديهم وطلبوا الصلح من أسد الدين ليعودوا إلى بلادهم لذلك وخرج من بلبيس سائرا إلى الشام ثم عاد إلى مصر سنة ثنتين وستين وعبر النيل من أطفج ونزل الجزيرة واستمد شاور الإفرنج فساروا إليه بجموعهم وكان أسد الدين قد سار إلى الصعيد وانتهى إلى فسار الإفرنج والعساكر المصرية في أثره فأدركوه منتصف السنة واستشار أصحابه فاتفقوا على القتال وأدركته عساكر الإفرنج ومصر وهو على تعبيته وقد أقام مقامه في القلب راشد حذرا من حملة الإفرنج وانحاز فيمن يثق به من شجعان أصحابه إلى الميمنة فحمل الإفرنج على القلب فهزموهم وأتبعوهم وخالفهم أسد الدين إلى من تركوا وراءهم من العساكر فهزمهم وأثخن فيهم ورجع الإفرنج من أثناء القلب فانهزموا وانهزم أصحابهم ولحقوا بمصر ولحق أسد الدين بالإسكندرية فملكها صلحا وأنزل بها صلاح الدين ابن أخيه وحاصرته عساكر الإفرنج ومصر وزحف إليهم عمه أسد الدين من الصعيد فبعثوا إليه في الصلح فأجابهم على خمسين ألف دينار يعطونها إياه ولا يقيم في البلد أحد من الإفرنج ولا يملكون منها شيئا فقبلوا ذلك وعادوا إلى الشام وملك أهل مصر الإسكندرية واستقر بينهم وبين الإفرنج أن ينزلوا بالقاهرة شحنة وأن يكون أبوابها في غلقها وفتحها بأيديهم وأن لهم من خراج مصر مائة ألف دينار في كل سنة ولم ذلك منه وعاد الإفرنج إلى بلادهم بالسواحل الشامية والله تعالى أعلم . ٥/٢٤٠
حصار الإفرنج القاهرة
ثم كان مسير أسد الدين إلى مصر وقتله شاور سنة أربع وستين باستدعاء العاضد لما رأى من تغلب الإفرنج كما نذكر في أخبار أسد الدين وأرسل إلى الإفرنج أصحابهم الذين بالقاهرة ٥/٢٤١
يستدعونهم لملكها ويهونونها عليهم وملك الإفرنج يومئذ بالشام مري ولم يكن ظهر فيهم مثله شجاعة ورأيا فأشار بأن جبايتها لنا خير من ملكها وقد يضطرون فيملكون نور الدين منها وأن ملكها قبلنا احتاج إلى مصانعتنا فأبوا عليه وقالوا إنما نزداد بها قوة فرجع إلى رأيهم وساروا جميعا إلى مصر وانتهوا إلى تنيس في صفر سنة أربع وستين فملكوها عنوة واستباحوها ثم ساروا إلى القاهرة وحاصروها وأمر شاور بإحراق مصر وانتقال أهلها إلى القاهرة فنهبت المدينة ونهب أموال أهلها وبغتهم قبل نزول الإفرنج عليهم بيوم فلم تخمد النار مدة شهرين وبعث العاضد بالصريخ إلى نور الدين واشتد عليه الحصار وبعث شاور إلى ملك الإفرنج يشير بالصلح على ألف دينار مصرية ويهدده بعساكر نور الدين فأجابوا إلى ذلك ودفع إليهم مائة ألف دينار وتأخروا قريبا حتى يصل إليهم بقية المال وعجز عن تحصيله والإفرنج يستحثونه فبعثوا خلال ذلك إلى نور الدين يستنجدونه على الإفرنج بأن يرسل إليهم أسد الدين شير كوه في عسكر يقيمون عندهم على أن لنور الدين ثلث بلاد مصر ولأسد الدين إقطاعه وعطاء العساكر فاستدعى أسد الدين من حمص وكانت إقطاعه وأمره بالتجهز إلى مصر وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الدواب والأسلحة وحكمه في العساكر والخزائن وما يحتاج إليه وسار في ستة آلاف وأزاح علل جنده وأعانهم أسد الدين بعشرين دينارا لكل فارس وبعث معه جماعة من الأمراء منهم خرديك مولاه وعز الدين قليج وشرف الدين بن بخش وعين الدولة الياروقي وقطب الدين نيال بن حسان وصلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب وسار إلى مصر فلما قاربها ارتحل الإفرنج راجعين إلى بلادهم ودخل هو إليها منتصف السنة وخلع عليه العاضد وأجرى عليه وعلى عسكره الجرايات الوافرة ثم شرع شاور في مماطلة أسد الدين ٥/٢٤٢
بما وقع اتفاقهم معه عليه وحدث نفسه بالقبض عليه واستخدام جنده لمدافعة الإفرنج ولم يتم له ذلك وشعر به أسد الدين فاعترضه صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خرديك مولاه عند قبر الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وقتلاه وفوض العاضد أمور دولته إلى أسد الدين وتقاصر الإفرنج عنها ومات أسد الدين واستولى صلاح الدين بعد ذلك على البلاد وارتجع البلاد الإسلامية من يد الإفرنج كما نذكر في أخبار دولته والله أعلم . ٥/٢٤٣
حصار الافرنج دمياط
ولما ملك أسد الدين شيركوه مصر خشيه الافرنج على ما بأيديهم من مدن الشام وسواحله وكاتبوا أهل ملتهم ونسبهم بصقلية وافرنسة يستنجدونهم على مصر ليملكوها وبعثوا الأقسة والرهبان من بيت المقدس يستنفرونهم لحمايتها وواعدوهم بدمياط طمعا في أن يملكوها ويتخذوها ركابا للاستيلاء على مصر فاجتمعوا عليها وحاصروها لأول أيام صلاح الدين وأمدهم صلاح الدين بالعساكر والأموال وجاء بنفسه وبعث الى نور الدين يستنجده ويخوفه على مصر فتابع اليه الامداد وسار بنفسه الى بلاد الافرنج بالشام واكتسحها وخربها ٥/٢٤٤
فعاد الفرنج الى دمياط بعد حصار خمسين يوما نفس الله عليهم ومن هذه القصة بقية أخبار الافرنج متعلقة بالدولتين دولة بني زنكي بالشام ودولة بني أيوب بمصر فأخرت بقية أخبارهم الى أن نسردها في الدولتين على مواقعها في مواضعها حسبما تراه ولم يبق الا استيلاؤهم على القسطنطينية من يد الروم فأوردناه هاهنا.
استيلاء الافرنج على القسطنطينية
كان هؤلاء الافرنج بعد ما ملكوه من بلاد الشام اختلف أحوالهم في الفتنة والمهادنة مع الروم بالقسطنطينية لاستيلائهم على الثغور من بلاد المسلمين التي تجاور الروم التي كانت بأيديهم من قبل وظاهرهم الروم على المسلمين في بعض المرات ثم غلبوا عليهم آخرا وملكوا القسطنطينية من أيديهم فأقامت في أيديهم مدة ثم ارتجعها الروم على يد شكري من بطارقتهم وكيفية الخبر عن ذلك أن ملوك الروم أصهروا الى ملوك الافرنج وتزوجوا منهم بنتا لملك الروم فولدت ذكرا خاله الافرنسيس وثب عليه أخوه فانتزع الملك من يده وحبسه ولحق الولد بملك الافرنج خاله مستصرخا به فوصل اليه وقد تجهز الافرنج لاستنقاذ القدس من يد المسلمين وكان صلاح الدين قد ارتجعها منهم كما يأتي في أخباره ان شاء الله تعالى وانتدب لذلك ثلاثة من ملوكهم دموس البنادقة وهو صاحب الاسطول الذي ركبوا فيه وكان ٥/٢٤٥
شيخا أعمى لا يركب ولا يمشي الا بقائد ومقدم الفرنسيس ويسمى المركيش والثالث يسمى كبد إقليد وهو أكثرهم عددا فجعل الملك ابن أخته معهم وأوصاهم بمظاهرته على ملكه بالقسطنطينية ووصلوا اليه في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فخرج عم الصبي وقاتلهم واضرم شيعة الصبي النار في نواحي البلاد فاضطرب العسكر ورجعوا وفتح شيعة الصبي باب المدينة وأدخلوا الافرنج وخرج عمه هاربا ونصب الافرنج الصبي في الملك وأطلقوا أباه من السجن واستبدوا بالحكم وصادروا الناس وأخذوا مال البيع وما على الصلبان من الذهب وما على تماثيل المسيح والحواريين وما على الإنجيل فعظم ذلك على الروم ووثبوا بالصبي فقتلوه وأخرجوا الافرنج من البلد وذلك منتصف سنة ستمائة وأقام الافرنج بظاهرها محاصرين لهم وبعث الروم صريخا الى صاحب قونية ركن الدين سليمان بن قليج ارسلان فلم ينهض لذلك وكان بالمدينة متخلفون من الافرنج يناهزون ثلاثين ألفا فثاروا بالبلد عند شغل الروم بقتال أصحابهم وأضرموا النار ثانيا فاقتحم الافرنج وأفحشوا في النهب والقتل ونجا كثير من الروم الى الكنائس وأعظمها كنيسة سوميا فلم تغن عنهم وخرج القسيسون والأساقفة في أيديهم الإنجيل والصلبان فقتلوهم ثم تنازع الملوك الثلاثة على الملك بها وتقارعوا فخرجت القرعة على كبداقليد فملكها على أن يكون لدموس البنادقة الجزائر البحرية اقريطش ورودس وغيرهما ويكون لمركيش الافرنسيس شرقي الخليج ولم يحصل أحد منهم شيئا الا ملك القسطنطينية كبداقليد وتغلب على شرقي الخليج بطريق من بطارقة الروم اسمه شكري فلم يزل بيده الى أن مات ثم غلب بعد ذلك على القسطنطينية وملكها من يد الافرنج والله غالب على أمره .
الخبر عن دولة بني ارتق وملكهم لماردين وديار بكر ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
كان ارتق بن اكسك ويقال اكست والأول أصح كلمة أولها همزة ثم كافان الاولى ساكنة بينهما سين من مماليك السلطان ملك شاه بن البارسلان ملك السلجوقية وله مقام محمود في ٥/٢٤٦
دولتهم وكان على حلوان وما اليها من أعمال العراق ولما بعث السلطان ملك شاه عساكره الى حصار الموصل مع فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة أردفه بعسكر آخر مع أرتق فهزمه مسلم بن قريش فحاصره بآمد ثم داخلة في الخروج من هذا الحصار على مال اشترطه ونجا الى الرقة ثم خشي ارتق من فعلته تلك فلحق بتتش حتى سار الى حلب طامعا في ملكها فلقيه تتش وهزمه وكان لارتق في تلك الواقعة المقام المحمود ثم سار تتش الى حلب وملكها واستجار مقدمها ابن الحسين بأرتق فأجاره من السلطان تتش ثم هلك ارتق سنة ثلاث وثمانين بالقدس وملكه من بعد ارتق ابناه أبو الغازي وسقمان وكان لهما معه الرها وسروج ولما ملك الافرنج انطاكية سنة احدى وتسعين وأربعمائة اجتمعت الأمراء بالشام والجزيرة وديار بكر وحاصروها وكان لسقمان في ذلك المقام المحمود ثم تخاذلوا وافترقوا وطمع أهل مصر في ارتجاع القدس منهم وسار اليها الملك الأفضل المستولى على دولتهم فحاصرها أربعين يوما وملكها بالأمان وخرج سقمان وأبو الغازي ابنا ارتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج وأحسن اليهم الأفضل وولى على بيت المقدس ورجع الى مصر وجاء الافرنج فملكوها كما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية ولحق أبو الغازي بالعراق فولى شحنة بغداد وسار سقمان الى الرها فأقام بها وكان بينه وبين كربوقا صاحب الموصل فتن وحروب أسر في بعضها ياقوتي ابن أخيه ثم توفي كربوقا سنة خمس وتسعين وولى الموصل بعده موسى التركماني وكان نائبا بحصن كيفا فزحف اليه جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وحاصره بالموصل واستنجد موسى سقمان على أن يعطيه حصن كيفا فأنجده وسار اليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه غدرا ورجع سقمان الى حصن كيفا فملكه ثم كانت الفتنة بين أبي الغازي وكمستكين القيصري لما بعثه بركيارق شحنة على بغداد وكان هو شحنة من قبل السلطان محمد فمنع القيصري من الدخول واستنجد أخاه سقمان فجاء اليه ٥/٢٤٧
من حصن كيفا في عساكره ونهب تكريت وخرج اليه أبو الغازي واجتمع معهم صدقة بن مزيد صاحب الحلة وعاثوا في نواحي بغداد وفتكوا بنفر من أهل البلد وبعث اليهم الخليفة في الصلح على أن يسير القيصري الى واسط فسار اليها ودخل أبو الغازي بغداد ورجع سقمان الى بلده وقد مر ذلك في أخبارهم ثم استولى مالك بن بهرام أخى سقمان على عامة الخرمية سنة سبع وتسعين وكان له مدينة سروج فملكها منه الافرنج وسار الى غانة فملكها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط واستصرخوا بصدقة بن مزيد وارتجعها لهم منه وعاد الى الحلة فعاد مالك فملكها واستقرت في ملكه ثم اجتمع سقمان وجكرمس صاحب الموصل على جهاد الافرنج سنة سبع وتسعين وهم محاصرون حران فتركوا المنافسة بينهم وقصدوهم وسقمان في سبعة آلاف من التركمان فهزموا الافرنج وأسروا القمص بردويل صاحب الرها أسره أصحاب سقمان فتغلب عليهم أصحاب جكرمس وأخذوه وافترقوا بسبب ذلك وعادوا الى ما كان بينهم من الفتن والله أعلم.
استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين
كان هذا الحصن ماردين من ديار بكر وأقطعه السلطان بركيارق بجميع أعماله لمغن كان عنده وكان في ولاية الموصل وكان ينجر اليه خلق كثير من الأكراد يفسدون السابلة واتفق ان كربوقا صاحب الموصل سار لحصار آمد وهي لبعض التركمان فاستنجد صاحبها بسقمان فسار لانجاده وقاتل كربوقا قتالا شديدا ثم هزمه وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق وحبسه بقلعة ٥/٢٤٨
ماردين عند المغنى فبقي محبوسا مدة طويلة وكثر ضرر الأكراد فبعث ياقوتي الى المغنى صاحب الحصن في أن يطلقه ويقيم عنده بالربض لدفاع الأكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحي الى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة معه فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الأيام مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم على القتل ان لم يفتحوا له ففتحها أهلوهم وملكها وجمع الجموع وسار الى نصيبين وأغار على جزيرة ابن عمر وهي لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه في الحرب بينهم فقتله وبكاه جكرمس وكان تحت ياقوتي ابنة عمه سقمان فمضت الى أبيها وجمعت التركمان وجاء سقمان بهم الى نصيبين فترك طلب الثار فبعث اليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته ورجع وقدم بماردين بعد ياقوتي أخوه على بطاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبة بها الى عمه سقمان بأنه يملك ماردين لجكرمس فسار اليها سقمان وعوض عليا ابن أخته جبل جور وأقامت ماردين في ملكه مع حصن كيفا واستضاف اليهما نصيبين والله أعلم.
وفاة سقمان بن ارتق وولاية أخيه أبي الغازي مكانه بماردين
ثم بعث فخر الدين بن عمار صاحب طرابلس يستنجد سقمان بن ارتق على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العلويين أهل مصر ونازلة الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام فبعث بالصريخ الى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين وأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغركين صاحب دمشق المستبد بها من موالي بني تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الافرنج فأسرع المسير اليه معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى الى القريتين وندم طغركين على استدعائه وجعل يدبر الرأي مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقدس فكفاهم الله أمره وقد كان أصحابه عند ما أشفي على الموت أشاروا عليه بالرجوع الى كيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لي ثواب شهيد فلما مات حمله ابنه إبراهيم الى ٥/٢٤٩
حصن كيفا فدفنه بها وكان أبو الغازي بن ارتق شحنة بغداد كما قدمناه ولاه السلطان محمد أيام الفتنة بينه وبين أخيه بركيارق فلما اصطلح بركيارق وأخوه سنة تسع وتسعين على أن تكون بغداد له وممالك أخرى من الممالك الإسلامية ومن جملتها حلوان وهي أقطاع أبي الغازي فبادر وخطب لبركيارق ببغداد فنكر عليه ذلك صدقة بن مزيد وكان من شيعة السلطان محمد فجاء الى بغداد ليزعج أبا الغازي عنها ففارقها الى يعقوب وبعث الى صدقة يعتذر بأنه صار في ولاية بركيارق ويحكم الصلح في اقطاعه وولايته فلم يمكنه غير ذلك ومات بركيارق على اثر ذلك فخطب أبو الغازي لابنه ملك شاه فنكر ذلك السلطان محمد منه فلما استولى على الأمر عز له عن شحنة بغداد فلحق بالشام وحمل رضوان بن تتش صاحب حلب على حصار نصيبين من بلاد جكرمس فحاصروها وبعث جكرمس الى رضوان وأغراه بأبي الغازي ففسد ما بينهما ورحلوا مفترقين على نصيبين وسار أبو الغازي الى ماردين وقد مات أخوه سقمان كما قلناه فاستولى عليها والله تعالى أعلم.
اضطراب أبي الغازي في طاعته وأسره ثم خلاصه
لما ولى السلطان محمد على الموصل والجزيرة وديار بكر سنة اثنتين وخمسمائة مودود بن افتكين مكان جاولي سكاوو الذي ملكها من يد جكرمس كما مر في أخبارهم فوصل مودود الى الموصل وسار جاولي الى نصيبين وهي يومئذ لابي الغازي وراسله في المظاهرة والانجاد فوصل اليه بماردين على حين غفلة مستنجدا به فلم يسعه الا اسعافه وسار معه الى سنجار والرحبة وحاصرهما وشق عليهما فلما نزل الخابور هرب أبو الغازي راجعا الى نصيبين ثم الى بلده وبقي مضطربا ثم بعث السلطان محمد سنة خمس وخمسمائة الى الأمير مودود بالمسير الى قتال الافرنج وأن يسير الأمراء معه من كل جهة مثل سقمان القطبي صاحب ديار بكر وأحمد بك صاحب مراغة وأبي الهيجاء صاحب اربل وأبي الغازي صاحب ماردين فحضروا كلهم الا أبا الغازي فإنه بعث ولده أياز في عسكر فسارت العساكر الى الرها وحاصروها وامتنعت عليهم ثم ساروا سنة ست وخمسمائة الى سروج كذلك ثم ساروا سنة سبع الى بلاد الافرنج فهزموهم على طبرية ودوخوا بلادهم وعاد مودود الى دمشق وافترقت العساكر ودخل دمشق ليشتي بها عند طغركين صاحبها فقتل غيلة بها واتهم طغركين في أمره وبعث السلطان مكانه ٥/٢٥٠
على العساكر والموصل آقسنقر البرسقي وأمره بقصد الافرنج وقتالهم وكتب الى الأمراء بطاعته وبعث ابنه الملك مسعودا في عسكر كثيف ليكونوا معه فسار آقسنقر سنة ثمان وخمسمائة وفر أبو الغازي وحاصره بماردين حتى استقام وبعث معه ابنه أياز في عسكر فحاصروا الرها وعاثوا في نواحيها ثم سروج وشمشاط وأطاعه صاحب مرعش وكيسوم ورجع فقبض على أياز بن أبي الغازي ونهب سواد ماردين فسار أبو الغازي من وقته الى ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان وهو بحصن كيفا مستنجدا به فأنجده وساروا الى البرسقي آخر ثمان وخمسمائة فهزموهم وخلصوا ابنه أياز من الأسر وأرسل السلطان الى أبي الغازي يتهدده فلحق بطغركين صاحب دمشق صريخا وكان طغركين مستوحشا لاتهامه بأمر مودود فاتفقا على الاستنجاد وبعثا بذلك الى صاحب انطاكية فجاء اليهما قرب حمص وتحالفا وعاد الى انطاكية وسار أبو الغازي الى ديار بكر في خف من أصحابه فاعترضه قيرجان صاحب حمص فظفر به وأسره وبعث الى السلطان بخبره وأبطأ عليه وصول جوابه فيه وجاء طغركين الى حمص فدخل على قيرجان وألح عليه بقتل أبي الغازي ثم أطلقه قيرجان وأخذ عليه وسار أبو الغازي الى حلب وبعث السلطان العساكر مع يوسف بن برسق صاحب همذان وغيره من الأمراء لقتال أبي الغازي وقتال الافرنج بعده فساروا الى حلب وبها لؤلؤ الخادم مولى رضوان بن تتش كفل ابنه البارسلان بعد موته ومعه مقدم العساكر شمس الخواص فطالبوهما بتسليم حلب بكتاب السلطان اليهما في ذلك وبادر أبو الغازي وطغركين فدخلا اليهما فامتنعت عليهما فساروا الى حماة من أعمال طغركين وبها ذخائره ففتحوها عنوة ونهبوها وسلموها الى الأمير قيرجان صاحب حمص فأعطاهم أياز بن أبي الغازي وكان أبو الغازي وطغركين وشمس الخواص ساروا الى روجيل صاحب انطاكية يستنجدونه على حفظ حماة وجاءهم هنالك بقدوين صاحب القدس والقمص صاحب طرابلس وغيرهما واتفقوا على مطاولة العساكر ليتفرقوا عند هجوم الشتاء واجتمعوا عند قلعة افامية فلم تبرح العساكر مكانها فافترقوا وعاد طغركين الى دمشق وأبو الغازي الى ماردين والافرنج الى بلادهم ثم كان اثر ذلك فتح كفرطاب على المسلمين واعتزموا على معاودة حلب فاعترضهم روجيل صاحب انطاكية وقد جاء في خمسمائة فارس مددا للافرنج في كفرطاب فانهزم المسلمون وكان تمحيصهم ورجع برسق أمير العساكر وأخوه منهزمين الى بلادهم وكان أياز بن أبي الغازي أسيرا عندهم فقتله الموكلون به يوم المعركة سنة تسع وخمسمائة والله تعالى أعلم. ٥/٢٥١
استيلاء أبي الغازي على حلب
كان رضوان بن تتش صاحب حلب لما توفي سنة سبع وخمسمائة قام بأمر دولته لؤلؤ الخادم ونصب ابنه البارسلان في ملكه ثم استوحش منه ونصب مكانه أخاه سلطان شاه واستبد عليه ثم سار لؤلؤ الخادم الى قلعة جعفر سنة احدى عشرة بينه وبين مالك ابن سالم بن مالك بن بدران فغدر به مماليك الأتراك وقتلوه عند خرت برت واستولوا على خزائنه واعترضهم أهل حلب واستنقذوا منهم ما أخذوه وولى شمس الخواص أتابك مكان لؤلؤ ثم عزل لشهر وولى أبو المعالي بن الملحي الدمشقي ثم عزل وصودر واضطربت الدولة وخشي أهل حلب على بلدهم من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق من ماردين وسلموا له البلد وانقرض ملك آل رضوان بن تتش منها فلم يملكها بعد واحد منهم ولما ملكها لم يجد فيها مالا فصادر جماعة من الخدم وصانع الافرنج بما لهم ثم سار الى ماردين بنية العود الى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش.
واقعة أبي الغازي مع الافرنج
ولما استولى أبو الغازي على حلب وسار عنها طمع فيها الافرنج وساروا اليها فملكوا مراغة وغيرها من أعمالها وحاصروها فلم يكن لأهلها بد من مدافعتهم بقتال أو بمال فقاسموهم أملاكهم التي بضاحيتها في سبيل المصانعة وبعثوا الى بغداد يستغيثون فلم يغاثوا وجمع أبو الغازي من العساكر والمتطوعة نحوا من عشرين ألفا وسار بهم الى الشام سنة ثلاث عشرة ومعه أسامة بن مبارك بن منقذ الكناني وطغان ارسلان بن اسكين بن جناح صاحب ارزن الروم ونزل الافرنج قريبا من حصون الاماري في ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل ونزلوا في تل عفرين حيث كان مقتل مسلم بن قريش وتحصنوا بالجبال من كل جهة الا ثلاث مسارب فقصدهم أبو الغازي ودخل عليهم من تلك المسارب وهم غارون فركبوا وصدقوا الحملة فلقوا عساكر المسلمين متتابعة فولوا منهزمين وأخذهم السيف من كل جهة فلم يفلت الا القليل وأسر من زعمائهم سبعون فاداهم أهل حلب بثلاثمائة ألف دينار وقتل سرجان صاحب انطاكية ونجافلهم من المعركة فاجتمع جماعة من الافرنج وعاودوا اللقاء ٥/٢٥٢
فهزمهم أبو الغازي وفتح حصن الاربات ورزدنا وعاد الى حلب فأصلح أمورها وعبر الفرات الى ماردين وولى على حلب ابنه سليمان ثم وصل دبيس بن صدقة الى أبي الغازي مستجيرا به فكتب اليه المسترشد مع سرير الدولة عبد أبي الغازي بابعاد دبيس ثم وقع بينه وبين السلطان محمود الاتفاق ورهن ولده على الطاعة ورجع وسار أبو الغازي الى الافرنج عقب ذلك سنة أربع عشرة فقاتلهم بأعمال حلب وظفر بهم ثم سار هو وطغركين صاحب دمشق فحاصروا الافرنج بالمثيرة وخشوا من استماتتهم فأفرج لهم أبو الغازي حتى خرجوا من الحصن وكان لا يطيل المقام بدار الحرب لأن أكثر الغزاة معه التركمان يأتون بجراب دقيق وقديد شاه فيستعجل العودان فنيت ازوادهم والله أعلم.
انتقاض سليمان بن أبي الغازي بحلب
كان أبو الغازي قد ولى على حلب ابنه سليمان فحمله بطانته على الخلاف على أبيه وسار اليه أبوه تلقاه ابنه سليمان بالمعاذير فأمسك عنه وقبض على بطانته الذين داخلوه في ذلك وكان متولي كبرها أمير كان لقيطا لأبيه ونشأ في بيته فسمله وقطع لسانه وكان منهم آخر من أهل حماه قدمه أبو الغازي على أهل حلب فقطعه وسمله فمات وأراد قتل ابنه ثم ثنته الشفقة عليه وهرب الى دمشق وشفع فيه طغركين فلم يشفعه ثم استخلف على حلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار ولقبه بدر الدولة وعاد الى ماردين وذلك سنة خمس عشرة ثم ابنه حسام الدين تمرتاش مع القاضي بهاء الدولة أبي الحسن الشهرزوري شافعا في دبيس وضامنا في طاعته فلم يتم ذلك فلما انصرف تمرتاش الى أبيه أقطع السلطان أباه أبا الغازي مدينة ميافارقين وكانت لسقمان القطبي صاحب خلاط فتسلمها أبو الغازي ولم تزل في يده الى أن ملكها صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة والله تعالى أعلم.
واقعة مالك بن بهرام مع جوسكين صاحب الرها
قد تقدم لنا أن جوسكين من الافرنج كان صاحب الرها وسروج وأن مالك بن بهرام كان قد ٥/٢٥٣
ملك مدينة غانة فسار سنة خمس عشرة الى الرها وحاصرها أياما فامتنعت عليه وسار جوسكين في اتباعه بعد أن جمع الافرنج وقد تفرق عن مالك أصحابه ولم يبق معه الا اربعمائة فلحقوه في أرض رخوة قد نضب عنها الماء فوحلت فيها خيولهم ولم يقدروا على التخلص فظفر بهم أصحاب مالك وأسروهم وجعل جوسكين في إهاب جمل وخيط عليه وطلبوا منه تسليم الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت بعد أن بذل في فديته أموالا فلم يفادوه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
وفاة أبي الغازي وملك بنيه من بعده
ثم توفي أبو الغازي بن ارتق صاحب ماردين في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة فولى بعده بماردين ابنه حسام الدين تمرتاش وملك سليمان ميافارقين وكان بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار فاستولى عليها ثم سار مالك بن بهرام بن ارتق الى مدينة حران فحاصرها وملكها وبلغه ان سليمان ابن عمه بعد الجبار صاحب حلب قد عجز عن مدافعة الافرنج وأعطاهم حصن الاماري فطمع في ملك بلاده وسار اليها في ربيع سنة ست عشرة وملكها من يده على الأمان ثم سار سنة ثمان عشرة الى منبج وحاصرها وملك المدينة وحبس صاحبها حسان التغلبي وامتنع أهلها بالقلعة فحاصرها وسمع الافرنج بذلك فساروا اليه فترك على القلعة من يحاصرها ونهض اليهم فهزمهم وأثخن فيهم وعاد الى منبج فحاصرها وأصابه بعض الأيام سهم غرب فقتله فاضطرب العسكر وافترقوا وخلص حسان من محبسه وكان تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين معه على منبج فلما قتل حمل شلوه الى حلب ودفنه بها واستولى عليها ثم استخلف عليها وعاد الى ماردين وجاء الافرنج الى مدينة صور فملكوها وطمعوا في غيرها من بلاد المسلمين ولحق بهم دبيس بن صدقة ناجيا من واقعته مع المسترشد فأطمعهم في ملك حلب وساروا معه فحاصروها وبنوا عليها المساكن وطال الحصار وقلت الأقوات واضطرب أهل البلد وظهر لهم العجز من صاحبهم ولم يكن في الوقت أظهر من البرسقي صاحب الموصل ولا أكثر قوة وجمعا منه فاستدعوه ليدافع عنهم ويملكوه وشرط عليهم أن يمكنوه من القلعة قبل وصوله ونزل فيها بوابه وسار فلما أشرف على الافرنج ارتحلوا عائدين الى بلادهم وخرج أهل حلب فتلقوا البرسقي فدخل واستولى على حلب وأعمالها ولم تزل بيده الى ان هلك وملكها ابنه عز الدين ثم هلك فولى السلطان محمود عليها أتابك زنكي حسبما يأتي ٥/٢٥٤
في أخبار دولته ورجع تمرتاش الى ماردين واستمر ملكه بها وكان مستوليا على كثير من قلاع ديار بكر ثم استولى سنة اثنتين وثلاثين على قلعة الساج من ديار بكر وكانت بيد بعض بني مروان من بقايا ملوك الأولين وكان هذا آخرهم بهذه القلعة وكان ملك ميافارقين قد سار لحسام الدين تمرتاش وملكها من يد أخيه سليمان ولم يزل تمرتاش ملكا بماردين الى أن هلك سنة سبع وأربعين وخمسمائة لإحدى وثلاثين سنة من ملكه والله تعالى ولى التوفيق.
وفاة تمرتاش وولاية ابنه البي بعده
ثم توفي حسام الدين تمرتاش سنة سبع وأربعين وخمسمائة كما قلناه فملك بعده ابنه بماردين البي بن تمرتاش وبقي ملكا عليها الى أن مات وولى بعده ابنه أبو الغازي بن البي الى أن مات ولم يذكر ابن الأثير تاريخ وفاتهما وقال مؤرخ حماة لم يقع الي تاريخ وفاتهما.
ولاية حسام الدين بولق ارسلان بن أبي الغازي بن البي
ولما توفي أبو الغازي بن البي قام بأمر ملكه نظام الملك النقش ونصب للملك مكانه ابنه بولق ارسلان طفلا واستبد عليه وكان النقش غالبا على هواه حيث صار أمر الطفل في يده ولم تزل حالهم على ذلك الى أن هلك حسام الدين في سنة خمس وتسعين وخمسمائة على عهد بولق هذا وكناه ابن الأثير حسام الدين ناصر الملك قصد العادل أبو بكر ابن أيوب ماردين وخشيت ملوك الجزيرة ولم يقدروا على منعه ثم توفي العزيز بن صلاح الدين صاحب مصر وولى أخوه الأفضل فاستنفر العادل أهل مصر ودمشق وأهل سنجار وبعثهم مع ابنه الكامل وحاصروا ماردين فبعث اليه النقش المستولي على بولق بالطاعة وتسليم القلعة لأجل معلوم على أن يدخل اليهم الأقوات ووضع العادل ابنه على بابها أن لا يدخلها زائد على القوت فصانعوا الولد بالمال وشحنوها بالأقوات وبينما هم في ذلك جاء نور الدين صاحب الموصل لانجادهم وقاتلهم فانهزمت عساكر العادل وخرج أهل القلعة فأوقعوا بعسكر الكامل ابنه فرحلوا جميعا منهزمين ونزل حسام الدين بولق الى نور الدين ولقيه وشكر وعاد ونزل نور الدين على دبيس ثم رحل عنها قاصدا حوران كما نذكره في أخبار دولته ان شاء الله تعالى والله أعلم ٥/٢٥٥
وفاة بولق وولاية أخيه ارتق
ولما هلك بولق ارسلان نصب لؤلؤ الخادم بعده للملك أخاه الأصغر ناصر الدين ارتق ارسلان بن قطب الدين أبي الغازي ولم يذكر ابن الأثير خبر وفاته أيضا وبقي مملكا في كفالة النقش الى سنة احدى وستمائة والله أعلم.
مقتل النقش واستبداد ارتق المنصور واتصال الملك في عقبه
ثم استنكف ارتق من المحر ومرض النقش سنة احدى وستمائة فجاء ارتق لعيادته وقتل لؤلؤا خادمه في بعض زوايا بيته ورجع الى النقش فقتله في فراشه واستقل بملك ماردين وتلقب المنصور وتوفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وملك بعده ابنه السعيد نجم الدين غازي بن ارتق وتوفي سنة ثمان أو ثلاث وخمسين وملك بعده أخوه المظفر قرا ارسلان بن ارتق فأقام سنة أو بعضها ثم هلك سنة ثلاث وتسعين وستمائة وملك بعده أخوه المنصور نجم الدين غازي بن قرا ارسلان الى أن توفي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لأربع وخمسين سنة من ولايته وملك بعده ابنه المنصور أحمد الى أن توفي سنة تسع وستين لثلاث سنين من ولايته ثم ملك بعده ابنه الصالح محمود اربعة أشهر وخلعه عمه المظفر فخر الدين داود بن المنصور أحمد الى أن توفي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وملك بعده ابنه مجد الدين عيسى وهو السلطان بماردين لهذا العهد والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده (ولما) ملك هلاكو بن طلو خان بن جنكزخان مدينة بغداد واعمالها أعطاه المظفر قرا ارسلان طاعته وخطب له في أعماله ولم يزالوا يدينون بطاعة بنيه الى أن هلك أبو سعيد بن خربهرا آخر ملوك التتر ببغداد سنة سبع وثلاثين فقطعوا الخطبة لهم واستبد أحمد المنصور منهم وهو الثاني عشر من لدن أبي الغازي جدهم الأول (وأما) داود بن سقمان فإنه ملك حصن كيفا من بعد سقمان أبيه وإبراهيم أخيه ولم أقف على خبر وفاته (وملك بعده) ابنه فخر الدين قرا ارسلان بن داود وملك أكثر ديار بكر مع حصن كيفا وتوفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة (وملك بعده) ابنه نور الدين محمد بعهده ٥/٢٥٦
اليه بذلك وكانت بينه وبين صلاح الدين مواصلة ومظاهرة ظاهر صلاح الدين على الموصل على أن يظاهره على آمد فظاهره صلاح الدين وحاصرها من صاحبها ابن سان سنة تسع وستين وصارت من أعمال نور الدين كما نذكر في دولة صلاح الدين ثم توفي نور الدين محمد سنة احدى وثمانين وخلف ولدين (فملك الأكبر) منهما قطب الدين سقمان وقام بتدبير دولته العوام بن سماق الأسعد وزير أبيه وكان عماد الدين أخو نور الدين هو المرشح للامارة الا أنه سار في العساكر مددا لصلاح الدين على حصار الموصل فلما بلغه الخبر بوفاة أخيه سار لملك البلد لصغر أولاد أخيه نور الدين فلم يظفر واستولى على خرت برت فانتزعها منهم وملكها وأورثها بنيه فلما أفرج صلاح الدين عن الموصل لقيه قطب الدين سقمان وأقره على ملك أبيه بكيفا وأبقى بيده آمد التي كان ملكها لأبيه وشرط عليه مراجعته في أحواله والوقوف عند أوامره وأقام أميرا من أصحاب ابنه قرا ارسلان اسمه صلاح الدين فقام بأمور دولته واستقر ملكه بكيفا وآمد وما اليهما الى أن توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة تردى من جوسق له بحصن كيفا فمات وكان أخوه محمود مرشحا لمكانه الا أن قطب الدين سقمان كان شديد البغضاء له وأشخصه الى حصن منصور من آخر عملهم واصطفي مملوكه اياسا وزوجه بأخته وجعله ولى عهده (ولما توفي) ملك بعده مملوكه وشخص أهل الدولة فدسوا الى محمود فسار الى آمد وسبقه اياس اليها ليدافعه فلم يطق وملك محمود آمد واستولى على البلد كلها وحبس اياسا الى أن أطلقه بشفاعة صاحب بلاد الروم ولحق به وانتظم في أمرائه واستقل محمود بملك كيفا وآمد وأعمالهما ولقب ناصر الدين وكان ظالما قبيح السيرة وكان ينتحل العلوم الفلسفية وتوفي سنة تسعة عشر وستمائة وولى مكانه المسعود وحدثت بينه وبين الأفضل بن العادل فتنة واستنجد عليه أخاه الكامل فسار في العساكر من مصر ومعه داود صاحب الكرك والمظفر صاحب حماة فحاصروه بآمد الى أن نزل عنها وجاء الى الكامل فاعتقله فلم يزل عنده حبيسا الى أن مات الكامل فذهب الى التتر فمات عندهم (وأما) عماد الدين بن قرا ارسلان الذي ملك خرت برت من يد قطب الدين سقمان ابن أخيه نور الدين فلم تزل في يده الى أن توفي سنة احدى وستمائة لعشرين سنة من ملكه إياها (وملكها بعده) ابنه نظام الدين أبو بكر وكانت بينه وبين ناصر الدين محمود ابن عمه نور الدين صاحب آمد وكيفا عداوة ودخل محمود في طاعة العادل بن أيوب وحضر مع ابنه الأشرف في حصار الموصل على أن يسير معه بعدها الى خرت برت فيملكها له وكان نظام الدين مستنجدا به ٥/٢٥٧
الدين قليج ارسلان صاحب بلاد الروم فمات وسار الأشرف مع محمود بعساكره وحاضروا خرت برت في شعبان سنة احدى وستين وملكوا ربضها وبعثوا غياث الدين صاحب الروم الى نظام الدين المدد بالعساكر مع الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط فلما انتهوا الى ملطية أفرج الأشرف ومحمود عن خرت برت الى بعض حصون نظام الدين بالصحراء ببحيرة سهنين وفتحت في ذي الحجة سنة احدى وستين فلما وصل الأفضل بعساكر غياث الدين ووصل الأشرف عن البحيرة راجعا جاء نظام الدين بالعساكر الى الحصن فامتنع عليه وبقي لصاحب آمد ثم ملك كيقباد صاحب الروم حصن خرت برت من أيديهم سنة احدى وثلاثين وانقرض منها ملك بني سقمان والله وارث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون ٥/٢٥٨
دولة بني زنكي بن آقسنقر الخبر عن دولة بني زنكي بن آقسنقر من موالي السلجوقية بالجزيرة والشام ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
قد تقدم لنا ذكر آقسنقر مولى السلطان ملك شاه وأنه كان يلقب قسيم الدولة وأن السلطان ملك شاه لما بعث الوزير فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة بفتح ديار بكر من يد ابن مروان واستنجد ابن مروان صاحب الموصل شرف الدولة مسلم بن عقيل وهزمته العساكر وانحصر بآمد فبعث السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير ليخالف شرف الدولة الى السلطان فلقيه في الرحبة وأهدى له فرضي عنه ورده الى بلده الموصل واستولى بنو جهير بعد ذلك على ديار بكر كما مر في موضعه من دولة بني مروان ثم كان بعد ذلك شان حلب واستبد بها أهلها بعد انقراض دولة بني صالح بن مرداس الكلابي وطمع فيها شرف الدولة مسلم بن قريش وسليمان بن قطلمش صاحب بلاد الروم وتتش ابن السلطان البارسلان وقتل سليمان بن قطلمش مسلم بن قريش ثم قتل تتش سليمان بن قطلمش وجاء الى حلب فملكها وامتنعت عليه القلعة فحاصرها وقد كانوا بعثوا الى السلطان ملك شاه واستدعوه لملكها فوصل اليهم سنة تسع وسبعين ورحل تتش عن القلعة ودخل البرية واستولى السلطان على حلب وولى عليها قسيم الدولة آقسنقر وعاد الى العراق فعمرها آقسنقر وأحسن السيرة فيها وسار معه تتش حين عهد له أخوه السلطان ملك شاه بفتح بلاد العلوية بمصر والشام ففتح الكثير منها وهو معه كما مر وزحف قبل ذلك سنة ثمانين الى بني منقذ بشيرز فحاصره وضيق عليه ثم رجع عنه عن صلح وأقام بحلب ولم يزل واليا عليها الى أن هلك السلطان سنة خمس وثمانين واختلف ولده من بعده وكان أخوه تتش قد استولى على الشام منذ سنة احدى وسبعين فلما هلك أخوه طمع في ملك السلجوقية من بعده فجمع العساكر وسار لاقتضاء الطاعة من الأمراء معه بالشام وقصد حلب فأطاعه قسيم الدولة آقسنقر وحمل باغيسيان صاحب انطاكية وتيران صاحب الرها وحران على طاعته حتى يظهر مآل الأمر في ولد سيدهم ملك شاه وساروا مع تتش الى الرحبة فملكها وخطب لنفسه فيها ثم الى نصيبين ففتحها عنوة ثم الى الموصل فهزم صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران وتولى كبر هزيمته آقسنقر وقتل قريش بن إبراهيم وملك الموصل من يده وولى تتش عليها ابن عمته علي بن مسلم بن قريش وسار الى ديار بكر فملكها ثم الى أذربيجان وكان بركيارق بن ملك شاه قد ٥/٢٦٠
استولى على الري وهمذان وكثير من البلاد فسار لمدافعته وجنح قسيم الدولة آقسنقر وبوزان صاحب الرها الى بركيارق ابن سيدهم فلحقوا به وتركوا تتش فانقلب عائدا الى الشام ساخطا على آقسنقر وبوزان ما فعلوه فجمع العساكر وسار الى حلب سنة سبع وثمانين لقتال قسيم الدولة وأمده بركيارق بالأمير كربوقا في العساكر فبرزوا الى لقائهم والتقوا على ست فراسخ من حلب ونزع بعض عساكر آقسنقر الى تتش فاختل مصافه وتمت الهزيمة عليه وجيء به أسيرا الى تتش فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب وتبعهما فحاصرهما وملكها وأخذهما أسيرين كما مر في أخبار الدولة وكان قسيم الدولة حسن السياسة كثير العدل وكانت بلاده آمنة ولما مات نشأ ولده في ظل الدولة السلجوقية وكان أكبرهم زنكي فنشأ مرموقا بعين التحلة ولما ولي كربوقا الموصل من قبل بركيارق أيام الفتنة بين بركيارق وأخيه محمد كان زنكي في جملته لانه كان صاحب أبيه وسار كربوقا أيام ولايته لحصار آمد وصاحبها يومئذ بعض أمراء التركمان وأنجده سقمان بن ارتق وكان زنكي بن آقسنقر يومئذ صبيا وهو في جملة رجال كربوقا ومعه جماعة من أصحاب أبيه فجلا في تلك الحرب وانهزم سقمان وظهر كربوقا وفي هذه الحرب أسر ابن ياقوتي بن ارتق وسجنه كربوقا بقلعة ماردين فكان ذلك سببا لملك بني ارتق فيها كما مر في أخبار دولتهم ثم تتابعت الولاة على الموصل فوليها جكرمس بعد كربوقا وبعده جاولى سكاوو وبعده مودود بن ايتكين وبعده آقسنقر البرسقي كما تقدم في أخبار السلجوقية وولاه السلطان محمد بن ملك شاه سنة ثمان وخمسين وبعث معه ابنه مسعودا وكتب الى سائر الأمراء هناك بطاعته ومنهم يومئذ عماد الدين زنكي بن آقسنقر فاختص به ولما ملك السلطان محمود بعد أبيه محمد سنة احدى عشرة كان أخوه مسعود بالموصل كما تقدم أتابكه حيوس بك ونقل البرسقي من الموصل الى شحنة بغداد وانتقض دبيس بن صدقة صاحب الحلة على المسترشد والسلطان محمود وجمع البرسقي العساكر وقصد الحلة فكاتب دبيس السلطان مسعود وأتابكه حيوس بك بالموصل وأغراهما بالمسير الى بغداد فسار لذلك مع السلطان مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وزنكي بن قسيم الدولة آقسنقر وجماعة من أمراء الجزيرة ووصلوا الى بغداد وصالحهم البرسقي وسار معهم ودخل مسعود الى بغداد وجاء منكبرس الى بغداد ونزع اليه دبيس بن صدقة ووقعت الحرب بينهما على بغداد كما تقدم في أخبار الدولة وأقام منكبرس ببغداد ثم كان له في خدمة السلطان محمود عند حربه مع أخيه مسعود مقامات جليلة وغلب السلطان أخاه مسعودا وأخذه عنده واستنزل أتابكه حيوس بك من الموصل وأعاد اليها البرسقي سنة خمسة عشر ٥/٢٦١
فعاد زنكي الى الاختصاص به كما مر ثم أضاف اليه السلطان محمود شحنة بغداد وولاية واسط مضافة الى ولاية الموصل سنة ستة عشر فولى عليها عماد الدين زنكي فحسن أثره في ولايتهما ولما كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة المسترشد وبرز المسترشد لقتاله من بغداد وحضر البرسقي من الموصل وعماد الدين زنكي فانهزم دبيس عماد الدين في ذلك المقام ثم ذهب دبيس الى البصرة وجمع المنتفق من بني عقيل فدخلوا البصرة ونهبوها وقتلوا أميرها وبعث المسترشد الى البرسقي فعذله في إهماله أمر دبيس حتى فعل في البصرة ما فعل فبادر الى قصره وهرب دبيس واستولى على البصرة وولى عليها عماد الدين زنكي بن آقسنقر فأحسن حمايتها والدفاع عنها وكبس العرب في حللهم بضواحيها وأجفلوا ثم عزل البرسقي سنة ثمان عشرة عن شحنة بغداد وعاد الى الموصل فاستدعى عماد الدين زنكي من البصرة فضجر من ذلك وقال كل يوم للموصل جديد يستنجدنا وسار الى السلطان ليكون في جملته فلما قدم عليه بأصبهان أقطعه البصرة وأعاده عليها من قبله ثم ملك البرسقي مدينة حلب سنة ثمان عشرة وقتل بها سنة تسع عشرة وكان ابنه عز الدين مسعود بحلب فبادر الى الموصل وأقام ملك أبيه بها ووقع الخلاف بين المسترشد والسلطان محمود وبعث الخليفة عفيفا الخادم الى واسط ليمنع عنها نواب السلطان محمود فسار اليه عماد الدين زنكي من البصرة وقاتله فهزمه ونمي عفيف الى المسترشد وأقام عماد الدين في واسط وأمره أن يحضر بالعساكر في السفن وفي البر فجمع السفن من البصرة وشحنها بالمقاتلة شاكي السلاح وأصعد في البر وقدم على السلطان وقد تسلحت العساكر فهاله منظرهم ووهن المسترشد لما رأى فأجابه الى الصلح. ٥/٢٦٢
ولاية زنكي شحنة بغداد والعراق
ولما ظهر من عماد الدين زنكي من الكفاءة والغناء في ولاية البصرة وواسط ما ظهر ثم كان له المقام المحمود مع السلطان محمود على بغداد كما مر ولاه شحنة بغداد والعراق لما رأى انه يستقيم اليه في أمور الخليفة بعد أن شاور أصحابه فأشاروا به وذلك سنة احدى وعشرين وسار عن بغداد بعد أن ولاه على كرسي ملكه بأصبهان والله تعالى أعلم.
ولاية عماد الدين زنكي على الموصل واعمالها
قد قدمنا أن عز الدين مسعود بن البرسقي لما قتل الباطنية أباه بالموصل وكان نائبة بحلب فبادر الى الموصل وضبط أمورها وخاطب السلطان محمودا فولاه مكان أبيه وكان شجاعا قرما فطمع في ملك الشام فسار وبدأ بالرحبة فحاصرها حتى استأمن اليه أهل القلعة وطرقه مرض فمات وتفرقت عساكره ونهب بعضهم بعضا حتى شغلوا عن دفنه وكان جاولى مولى أبيه مقدم العساكر عنده فنصب مكانه أخاه الأصغر وكاتب السلطان في تقرير ولايته وأرسل في ذلك الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني والقاضي أبا الحسن علي بن القاسم الشهرزوري فأوصى صلاح الدين صهره جقري فيما جاء فيه وكان شيعة لعماد الدين زنكي فخوف الحاجب وحذره مغبة حاله معه وأشار عليه وعلى القاضي بطلب عماد الدين زنكي وضمن لهما عنده الولايات والاقطاع وركب القاضي مع الحاجب الى الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وذكر له حال الجزيرة والشام واستيلاء الافرنج على أكثرها من ماردين الى العريش وأنها تحتاج الى من يكف طغيانهم وابن البرسقي المنصوب بالموصل صغير لا يقوى على مدافعتهم وحماية البلاد منهم ونحن قد خرجنا عن العهدة وأنهينا الأمر إليكم فرفع الوزير قولهما الى السلطان فشكرهما واستدعاهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة وأدرجا فيهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه مالا جزيلا لخزانة السلطان فأجابهما اليه لما يعلم من كيفياته وولاه البلاد كلها وكتب منشورة بها وشافهه بالولاية وسار الى ولايته فبدأ بالفوارع وملكها ثم سار الى الموصل وخرج جاولى والعساكر للقائه ودخل الموصل في رمضان سنة احدى وعشرين وبعث جاولى واليا على الرحبة وولى على القلعة نصير الدين جقري وولى على حجابته صلاح الدين الباغيسياني وعلى القضاء ببلاده جميعا بهاء الدين الشهرزوري وزاد في اقطاعه وكان لا يصدر الا عن رأيه ثم خرج الى جزيرة ابن عمر وبه موالي البرسقي ٥/٢٦٣
فامتنعوا عليه وحاصرهم وكان بينه وبين البلد دجلة فعبرها وبين دجلة والبلد فسيح من الأرض فعبر دجلة وقاتلهم في ذلك الفسيح وهزمهم فتحصنوا بالاسوار ثم استأمنوا فدخل البلد وملكه وسار لنصيبين وكانت لحسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي صاحب ماردين فاستنجد عليه ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان صاحب كيفا فوعده بالنجدة وبعث حسام الدين بذلك الى أهل نصيبين يأمرهم بالمصابرة عشرين يوما الى حين وصوله فسقط في أيديهم لعجزهم عن ذلك واستأمنوا لعماد الدين فأمنهم وملكها وسار عنها لسنجار فامتنعوا عليه أولا ثم استأمنوا وملكها وبعث منها الى الخابور فملك جميعه ثم سار الى حران وكانت الرها وسروج البيرة في جوارها للافرنج وكانوا معهم في ضيقة فبادر أهل حران الى طاعته وأرسل الى جوسكين وهادنه حتى يتفرغ له فاستقر بينهما لصلح والله تعالى أعلم.
استيلاء الاتابك زنكي على مدينة حلب
كان البرسقي قد ملك حلب وقلعتها سنة ثمانية عشر واستخلف عليها ابنه مسعودا ثم قتل الباطنية البرسقي بالموصل فبادر ابنه مسعود الى الموصل واستخلف على حلب الأمير قزمان ثم عزله وبعث بولايتها الى الأمير قطلغ آية فمنعه قزمان وقال بيني وبينه علامة لم أرها في التوقيع فرجع الى مسعود فوجده قد الرحبة فعاد الى حلب مسرعا ومال اليه أهل البلد ورئيسها مضايل بن ربيع وأدخلوه وملكوه واستنزلوا قزمان من القلعة وأعطوه ألف دينار وبلغوه مأمنه وملك قطلغ القلعة والبلد منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وفحش ظلمه واشتمل عليه الأشرار فاستوحش الناس منه وثاروا به في عيد الفطر من السنة وقبضوا على أصحابه وولوا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق الذي كان ملكها من قبل وحاصروا قطلغ بالقلعة ووصل حسان صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لإصلاح الأمر فلم يتم وزحف جوسكين صاحب الرها من الافرنج الى حلب فصانعوه بالمال ورجع فزحف صاحب انطاكية وحاصر البلد وهم يحاصرون القلعة الى منتصف ذي القعدة من آخر السنة وانتهى عماد الدين زنكي الى صاحب حران كما ذكرناه فبعث الى أهل حلب أميرين من أصحابه بتوقيع السلطان له بالموصل والجزيرة والشام فبادروا الى الطاعة وسار اليه بدر الدولة ابن عبد الجبار وقطلغ آية وأقام أحد الأميرين بحلب ولما وصلا الى عماد الدين أصلح بينهما ٥/٢٦٤
وأقاما عنده وبعث الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني في عسكر اليهما فملك القلعة ورتب الأمور وولى ثم وصل عماد الدين بعده في محرم سنة اثنتين وعشرين وملك في طريقه منبج من يد حسان ومراغة من يد حسن وتلقاه أهل حلب فاستولى وأقطع أعمالها للامراء والأجناد ثم قبض على قطلغ آية وأسلمه الى ابن بديع فكحله ومات واستوحش ابن بديع فلحق بقلعة جعفر مستنجدا بصاحبها وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب علي بن عبد الرزاق وعاد الى الموصل والله أعلم.
استيلاء الاتابك زنكي على مدينة حماة
ثم سار عماد الدين زنكي لجهاد الافرنج وعبر الفرات الى الشام واستنجد تاج الملوك بوري بن طغركين صاحب دمشق فأنجده بعد التوثق باستحلافه وبعث عسكره من دمشق الى ابنه سونج وأمره بالمسير الى زنكي فلما وصلوا اليه أكرمهم ثم غدر بهم بعد أيام وقبض على سونج والأمراء الذين معه فاعتقلهم بحلب ونهب خيامهم وبادر الى حماة وهي خلو من الحامية فملكها وسار عنها الى حمص وصاحبها قيرجان بن قراجا معه في عساكره وهو الذي أشار بحبس سونج وأصحابه فقبض عليه يظن أهل حمص يسلمون بلادهم اليه فامتنعوا وبعث اليهم قيرجان بذلك فلحق اليها فحاصرها مدة وامتنعت عليه فعاد الى الموصل ومعه سونج بن بوري والله أعلم.
فتح عماد الدين حصن الاثارب وهزيمة الافرنج
ولما عاد عماد الدين الى الموصل أراح عساكره أياما ثم تجهز سنة أربع وعشرين الى الغزو وعاد الى الشام فقصد حلب واعتزم على قصد حصن الاثارب وهو على ثلاثة فراسخ من حلب وكان الافرنج الذين به قد ضيقوا على حلب فسار اليه وحاصره وجاء الافرنج من انطاكية لدفاعه فاستغرغوا فتبعهم وترك الحصن وسار اليهم واستماتت المسلمون فانهزم الافرنج وأسر كثير من زعمائهم وقتل كثير حتى بقيت عظامهم ماثلة بذلك الموضع أكثر من ستين سنة ثم عاد الى حصن الاثارب فملكه عنوة وخربه وتقسم جميع من فيه بين القتل والأسر وسار الى ٥/٢٦٥
قلعة حارم قرب انطاكية وهي للافرنج فحاصرها حتى صالحوه على نصف خراجها فرجع عنها ومليء الافرنج رعبا منه ومن استبداد المسلمين به وذهب ما كان عندهم من الطمع.
واقعة عماد الدين مع بني ارتق
ولما فرغ عماد الدين من غزو الافرنج وفتح الاثارب وقلعة حارم عاد الى الجزيرة وحاصر مدينة سرخس وهي لصاحب ماردين بينها وبين نصيبين فاجتمع حسام الدين صاحب ماردين وركن الدولة صاحب آمد وهما لابي الغازي صاحب ماردين ابن حسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي وصاحب كيفا ركن الدولة داود بن سقمان وتمرتاش بن ارتق وجمعوا من التركمان نحوا من عشرين ألفا وساروا لمدافعة زنكي فهزمهم وملك سرخس وسار ركن الدولة الى جزيرة ابن عمر لينهبها فاتبعه عماد الدين فرجع الى بلده فعاد عنه لضيق مسالكه وملك من قلاعه همرد ورجع الى الموصل الى آخره.
حصول دبيس بن صدقة في أسر الاتابك زنكي
قد تقدم لنا أن دبيس بن صدقة لما فارق البصرة سار الى سرخد من قلاع الشام سنة خمس وعشرين باستدعاء الجارية التي خلفها الحسن هنالك ليتزوج بها وأنه مر في الغوطة يجي من أحياء كلب فأسروه وحملوه الى تاج الملوك صاحب دمشق وبلغ الخبر الى الاتابك زنكي وكان عدوا له فبعث فيه الى تاج الملوك بوري وفادى من ابنه سونج والأمراء الذين معه عنده فأطلقهم وبعث بوري اليه بدبيس وهو مستيقن الهلاك فلما وصله أكرمه وأحسن اليه وأزاح علله وبعث المسترشد فيه الى بوري بن طغركين صاحب دمشق فوجده قد فات بتسلمه الى زنكي فذم الرسل زنكي فيما فعله فأرصد لهم في طريقهم وسيقوا اليه وهم سديد الدولة بن الانباري وأبو بكر بن نشر الجزري فحبسهما حتى شفع فيهما المسترشد وبقي دبيس عنده حتى انحدر معه الى العراق. ٥/٢٦٦
مسير الاتابك زنكي الى العراق لمظاهرة السلطان مسعود وانهزامه
ولما توفي السلطان محمود سنة خمس وعشرين واختلف ولده داود وأخوه مسعود وسار داود الى مسعود وحاصره بتبريز في محرم سنة ست وعشرين ثم صالحه وخرج مسعود من تبريز واجتمعت عليه العساكر وسار الى همذان وبعث يطلب الخطبة من المسترشد فمنعه وكتب الاتابك عماد الدين زنكي يستنجده وسار الى بغداد فحاصرها وكان قد سبق اليها أخوه سلجوق شاه صاحب فارس وخوزستان مع أتابك قراجا الشامي في عسكر كثير وأنزله المسترشد بدار السلطان فلما جاء مسعود ونزل عباسة وبرز عسكر المسترشد وعسكر سلجوق شاه وقراجا الشامي لمحاربة مسعود فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكي من ورائهم وأنه وصل الى المعشوب فرجع قراجا الشامي الى محاربته وسار سلجوق شاه بالعساكر الى محاربة أخيه مسعود وأغذ قراجا السير وصبح عماد الدين بعد يوم وليلة على المعشوب وقاتله وهزمه وأسر كثيرا من أصحابه وسار زنكي منهزما الى والنائب بها نجم الدين أيوب بن شادي والد السلطان صلاح فتأخر ثم اصطلح مع الخليفة على أن يكون العراق له والسلطنة لمسعود وولاية العهد لسلجوق شاه وذلك منتصف سنة ست وعشرين.
مسير الاتابك عماد الدين الى بغداد بابنه وانهزامه
قد قدمنا ما كان بعد وفاة السلطان محمود من الخلاف بين ابنه داود وأخويه مسعود وسلجوق شاه ثم استقر مسعود في السلطنة وصلحه مع أخيه سلجوق على أن يكون ولي عهده ثم أن السلطان سنجر سار من خراسان يطلب السلطنة لطغرل ابن أخيه السلطان محمود وكان عنده مقيما فبلغ همذان وخرج السلطان مسعود وسلجوق شاه للقائه وساروا متباطئين ينتظرون لحاق المسترشد بهم وخرج المسترشد الى فجاءته الاخبار بوصول الاتابك زنكي ودبيس بن صدقة الى بغداد فذكر دبيس أن السلطان سنجر ٥/٢٦٧
أقطعه الحلة وبعث يسترضي فلم يشفعه وذكر الاتابك زنكي ان السلطان سنجر ولاه شحنة بغداد واستمر السلطان مسعود وأخوه سلجوق على المسير للقاء سنجر وكانت الهزيمة على مسعود كما مر فعاد المسترشد الى بغداد ونزل العباسية من الجانب الغربي ولقي الاتابك زنكي ودبيس على حصن البرامكة فهزمهما آخر رجب سنة ست وعشرين ولحق الاتابك بالموصل.
واقعة الافرنج على أهل حلب
وفي غيبة الاتابك زنكي سار ملك الافرنج من القدس الى حلب فخرج نائبها عن الاتابك زنكي وهو الأمير أسوار وجمع التركمان مع عساكره وقاتل الافرنج عند قنسرين وصابرهم ومحص الله المسلمين وانهزموا الى حلب وسار ملك الافرنج في أعمال حلب ظافرا ثم سار بعض الافرنج من الرها للغارة في أعمال حلب فخرج اليهم الأمير أسوار ومعه حسان التغلبي الذي كان صاحب منبج فأوقعوا بهم واستلحموهم وأسروا من بقي منهم وعادوا ظافرين.
حصار المسترشد الموصل
ولما وقع ما قدمناه من وصول زنكي الى بغداد وانهزامه أمام المسترشد حقد عليه المسترشد ذلك وأقام يتربص ثم كثر الخلاف بين سلاطين السلجوقية واعتزلهم جماعة من أمرائهم فرارا من الفتنة ولحقوا بالخليفة وأقاموا في ظله فأراد الخليفة المسترشد أن ينتصف بهم من الاتابك زنكي فقدم اليه بهاء الدين أبا الفتوح الاسقر ابن الواعظ وحمله عتابا أغلظ فيه وزاده الواعظ غلظة حفظا على ناموس الخلافة في معتقده فامتعض الاتابك لما شافهه به وأهانه وحبسه وأرسل المسترشد الى السلطان مسعود على قصد الموصل وحاصرها لما وقع من زنكي ثم سار في شعبان سنة سبع وعشرين الى الموصل في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها الاتابك زنكي الى سنجار وترك نائبة بها نصر الدين جقري وجاء المسترشد فحاصرها والاتابك زنكي قد قطع الميرة عن معسكره فتعذرت الأقوات وضاقت عليهم الأحوال وأرادت جماعة من أهل البلد الوثوب بها وسعي بهم فأخذوا وصلبوا ودام الحصار ثلاثة أشهر وامتنعت عليه فأفرج عنها وعاد الى بغداد وقيل ان مطر الخادم جاءه من بغداد وأخبره أن السلطان مسعودا عازم على قصد العراق فعاد مسرعا. ٥/٢٦٨
ارتجاع صاحب دمشق مدينة حماة
قد كنا قدمنا أن الاتابك زنكي تغلب على حماة من يد تاج الملوك بوري بن طغركين صاحب دمشق سنة ثلاث وعشرين وأقامت في ملكه أربع سنين وتوفي تاج الملوك بوري في رجب سنة ست وعشرين وولى بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل وملك بانياس من الافرنج في صفر سنة سبع وعشرين ثم بلغه أن المسترشد بالله حاصر الموصل فسار هو الى حماة وحاصرها وقاتلها يوم الفطر ويومين بعده فملكها عنوة واستأمنوا فأمنهم ثم حصر الوالي ومن معه بالقلعة فاستأمنوا أيضا واستولى على ما فيها من الذخائر والسلاح وسار منها الى قلعة شيرز فحاصرها ابن منقذ فحمل اليه مالا صانعه به وعاد الى دمشق في ذي الحجة من السنة.
حصار الاتابك زنكي قلعة آمد واستيلاؤه على قلعة النسور ثم حصار قلاع الحميدية
وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة اجتمع الاتابك زنكي صاحب الموصل وصاحب ماردين على حصار آمد واستنجد صاحبها بداود بن سقمان صاحب كيفا فجمع العساكر وسار اليهما ليدافعهما عنه وقاتلاه فهزماه وقتل كثير من عسكره وأطالا حصار آمد وقطعا شجرها وكرومها وامتنعت عليهما فرحلا عنها وسار زنكي الى قلعة النسور من ديار بكر فحاصرها وملكها منتصف رجب من السنة ووفد عليه ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي فاستوزره الاتابك وكان حسن الطريقة عظيم الرئاسة والكفاية محببا في الجند وتوفي سنة ست وثلاثين بعدها ثم استولى الاتابك على سائر قلاع الأكراد الحميدية مثل قلعة العقر وقلعة سوس وغيرهما وكان لما ملك الموصل أمر صاحب هذه القلاع الأمير عيسى الحميري على ولايتها فلما حاصر المسترشد الموصل قام في خدمته أحسن القيام وجمع له الأكراد فلما عاد المسترشد الى بغداد من قتال الاتابك زنكي فحاصر قلاعهم وحاصرتها العساكر وقاتلوها قتالا شديدا حتى ملكوها في هذه السنة ورفع الله شرهم عن أهل السواد المحاربين لهم فقد كانوا منهم في ضيقة من كثرة عيثهم في البلاد وتخريبهم والله تعالى أعلم. ٥/٢٦٩
استيلاء الاتابك على قلاع الهكارية وقلعة كواشي
حدث ابن الأثير عن الجنيبي أن الاتابك زنكي لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء من عبد الله على قلعة أشب والجزيرة وكواشي فاستأمن الاتابك واستحلفه وحمل له مالا ثم وفد عليه بالموصل بعد أن اخرج ابنه أحمد من أشب خشية أن يغلب عليها وأعطاه قلعة كواشي وولى على أشب رجلا من الكرد واسمه باد الأرمني وابنه أحمد هذا هو أبو علي بن احمد المشطوب من أمراء السلطان صلاح الدين ولما مات أبو الهيجاء واسمه موسى وسار أحمد الى أشب ليملكها فامتنع عليه باد وأراد حفظها لعلى الصغير من بني أبي الهيجاء فسار الاتابك زنكي في عساكره ونزل على أشب وبرز أهلها لقتاله واستجرهم حتى أبعدوا ثم كر عليهم فأفناهم قتلا وأسرا وملك القلعة في الحال وسيق اليه باد في جماعة من مقدمي الأكراد وقتلهم وعاد الى الموصل ثم سار غازيا في بعض مذاهبه فبعث نائبة نصر الدين جقري عسكرا وخلى كنجاورسى وقلعة العمادية وحاصروا قلعة الشغبان وفرح وكواشي والزعفراني والغي وسرف وسفروه وهي حصون الهكارية فحصرها وملكها جميعا واستقام أمر الجبل والزوزن وأمنت الرعية من الأكراد وأما باقي قلاع الهكارية وهي حل وصورا وهزور والملايسي ويامرما ومانرحا وباكرا ونسر فإن قراجا صاحب العمادية فتحها بعد قتل زنكي بمدة طويلة كان أميرا على تلك الحصون الهكارية من قبل زين الدين علي على ما قال ابن الأثير ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته هنا قال وحدثني بخلاف هذا الحديث بعض فضلاء الأكراد أن أبا بكر زنكي لما فتح قلعة اسب وحرساني وقلعة العمادية ولم يبق في الهكارية الا صاحب جبل صورا وصاحب هزور لم يكن لهما شوكة يخشى منهما ثم عاد الى الموصل وخافه أهل القلاع الجليلة ثم توفي عبد الله بن عيسى بن إبراهيم صاحب الريبة والغي وفرح وملكها بعده ابنه علي وكانت أمه خديجة ابنة الحسن أخت إبراهيم وعيسى وهما من الأمراء مع زنكي بالموصل فأرسلها ابنها علي الى أخويها المذكورين وهما خالاه ليستأمنا له من الاتابك فاستحلفاه وقدم عليه فأقره على قلاعه واستقل بفتح قلاع الهكارية وكان الشغبان هذا الأمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر فأخذه منه وخربه لكبره وقلة أعماله وكان نصر الدين جقري يكره عليا صاحب الريبة والغي وفرح فسعى عند الاتابك في حبسه فأمره بحبسه ثم ندم وكتب اليه أن يطلقه فوجده قد مات فاتهم نصر الدين بقتله ثم بعث العساكر الى قلعة الرحبية فنازلوها بغتة وملكوها عنوة وأسروا ولد علي واخوته ونجت أمه خديجة لمغيبها ٥/٢٧٠
وجاء البشير الى الاتابك بفتح الريبة فسره ذلك وبعث العساكر الى ما بقي من قلاع علي فأبي الا أن يزيدوه قلعة كواشي فمضت خديجة أم علي الى صاحب كواشي من المهرانية واسمه جرك راهروا وسألته النزول عن كواشي لإطلاق اسراهم ففعل ذلك وتسلم زنكي القلاع وأطلق الأسرى واستقامت له جبال الأكراد والله تعالى أعلم.
حصار الاتابك زنكي مدينة دمشق
كان شمس الملوك إسماعيل بن بوري قد انحل أمره وضعفت دولته واستطال عليه الافرنج وخشي عاقبه أمرهم فاستدعى الاتابك زنكي سرا ليملكه دمشق ويريح نفسه وشعر بذلك أهل دولته فشكوا الى أمه فوعدتهم الراحة منه ثم اغتالته فقتلته وجاء الأتابك زنكي فقدم رسله من الفرات فألفوا شمس الملوك قد مات وولي مكانه أخوه محمود واشتمل أهل الدولة عليه ورجعوا الخبر الى الاتابك فلم يحفل به وسار حتى نزل بظاهر دمشق واشتد أهل الدولة على مدافعته ومقدمهم معين الدين أبربوه أتابك طغركين ثم بعث المسترشد أبا بكر بن بشر الجزري الى الاتابك زنكي فأمره بصلح صاحب دمشق فصالحه ورحل عنه منتصف السنة والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتنة الراشد مع السلطان مسعود ومسيره الى الموصل وخلعه
كان كثير من أمراء السلجوقية قد اجتمعوا على الانتقاض على السلطان مسعود والخروج عليه ولحق داود ابن السلطان محمود من أذربيجان ببغداد في صفر سنة اثنين وثلاثين فأنزل بدار السلطنة وراسله أولئك الأمراء وقدم عليه بعضهم مثل صاحب قزوين وصاحب أصبهان وصاحب الأهواز وصاحب الجبلة وصاحب الموصل الاتابك زنكي وخرجت اليهم العساكر من بغداد وولى داود شحنية بغداد وخرج موكب الخليفة مع الوزير جلال الدين الرضي وكان الخليفة قد تغير عليه وعلى قاضي القضاة الزينبي فسمع بهم الاتابك ثم وقعت العزيمة من الراشد والسلطان داود والاتابك زنكي وحلف كل منهم لصاحبه وبعث الراشد الى الاتابك بمائتي ألف دينار ووصل سلجوق شاه الى واسط وقبض على الأمير بك آبه ونهب ماله فانحدر الاتابك زنكي لمدافعته فاصطلحا وعاد زنكي الى بغداد ومر على جميع العساكر لقتال السلطان مسعود وخرج على طريق خراسان وبلغهم أن السلطان مسعودا سار الى بغداد ٥/٢٧١
فعاد اليها ثم عاد الملك داود وجاء السلطان مسعود فنزل على بغداد وحاصرهم نيفا وخمسين يوما وارتحل الى النهروان ثم قدم عليه طرنطاي صاحب واسط بالسفن فرجع الى بغداد وعبر الى الجانب الغربي ثم اختلف العسكر ببغداد ورجع الملك داود الى ولايته بأذربيجان وافترق الأمراء الذين معه ولحق الراشد بالاتابك زنكي في نفر من أصحابه وهو بالجانب الغربي وسار معه الى الموصل ودخل السلطان مسعود الى بغداد منتصف ذي القعدة سنة ثلاثين واستقر بها وسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وعرض عليهم يمين الراشد بخطه بأنه متى جمع أو خرج لحرب السلطان فقد خلع نفسه فأفتوا بخلعه ثم وقعت الشهادات من أهل الدولة وغيرهم الى الراشد بموجبات العزل وكتبت وأفتى الفقهاء عقبها باستحقاق العزل وحكم به القاضي المعين حينئذ لغيبة قاضي القضاة بالموصل مع الراشد ونصب للخلافة ابن المستظهر وجاء رسول الاتابك زنكي الى بغداد وهو القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري وبايع بعد أن ثبت عنده الخلع وانصرف الى الاتابك باقطاع من خاص الخليفة ولم يكن ذلك لأحد قبله وعاد كمال الدين الى الاتابك وحمل كتب الخلع فحكم بها قاضي القضاة بالموصل وانصرف الراشد عن الموصل الى أذربيجان كما مر في أخبار الخلفاء والسلجوقية والله تعالى ولى التوفيق.
غزاة العساكر حلب الى الافرنج
ثم اجتمعت عساكر حلب مع الأمير أسوار نائب الاتابك زنكي بحلب في شعبان سنة ثلاثين وساروا غازين الى بلاد الافرنج وقصدوا اللاذقية على غرة فنالوا منها وانساحوا في بسائطها واكتسحوها وامتلأت أيديهم من الغنائم وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها وخرجوا على شيرز وملئوا الشام بالاتراك والظهر ووهن الافرنج لذلك والله سبحانه وتعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده. ٥/٢٧٢
حصار الاتابك زنكي مدينة حمص واستيلاؤه على بعدوين وهزيمة الافرنج واستيلاؤه على حمص
ثم سار الاتابك في العساكر في شعبان سنة احدى وثلاثين الى مدينة حمص وبها يومئذ معين الدين ابن القائم بدولة صاحب دمشق وحمص من أقطاعه فقدم اليه صاحبه صلاح الدين الباغيسياني في تسليمها فاعتذر بأن ذلك ليس من الاصابة فحاصرها والرسل تردد بينهما وامتنعت عليه فرحل عنها الى بغدوين من حصون الافرنج في شوال من السنة فجمع الافرنج وأوعبوا وزحفوا اليه واشتد القتال بينهم ثم هزم الله العدو ونجا المسلمين منهم ودخل ملوكهم الى حصن بغدوين فامتنعوا به وشد الاتابك حصاره وذهب القسوس والرهبان الى بلاد النصرانية من الروم والافرنج يستنجدونهم على المسلمين ويخوفونهم استيلاء الاتابك على قلعة بغدوين وما يخشى بعد ذلك من ارتجاعهم بيت المقدس وجد الاتابك بعد ذلك في حصارها والتضييق عليها حتى جهدهم الحصار ومنع عنهم الاخبار ثم استأمنوا على أن يحملوا اليه خمسين ألف دينار فأجابهم وملك القلعة ثم سمعوا بمسير الروم والافرنج لانجادهم وكان الاتابك خلال الحصار قد فتح المعرة وكفرطاب في الولايات التي بين حلب وحماة ووهن الافرنج ثم سار الاتابك زنكي في محرم سنة اثنين وثلاثين الى بعلبك وملك حصن الممدل من أعمال صاحب دمشق وبعث اليه نائب باساس بالطاعة كذلك ثم كانت حادثة ملك الروم ومنازلته حلب كما نذكره فسار الى سلمية ولما انجلت حادثة الروم رجع إلى حصار حمص وبعث إلى محمود صاحب دمشق في خطبة أمه مردخان بنت جاولي التي قتلت ابنها فتزوجها وملك حمص وقلعتها وحملت الخاتون إليه في رمضان وظن أنه يملك دمشق بزواجها فلم يحصل على شيء من ذلك والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
مسير الروم الى الشام وملكهم مراغة
ولما استنجد الافرنج ببغدوين ملك أمم النصرانية كما مر جمع ملك الروم بالقسطنطينية وركب البحر سنة احدى وثلاثين ولحقته أساطيله وسار الى مدينة قيقية فحاصرها وصالحوه ٥/٢٧٣
بالمال وسار عنها الى ادنة والمصيصة وهما لابن ليون الارمني صاحب قلاع الدروب فحاصرهما وملكهما وسار الى عين زربة فملكها عنوة وملك تل حمدون ونقل أهله الى جزيرة قبرص ثم ملك مدينة انطاكية في ذي القعدة من السنة وبها رغيد من ملوك الافرنج فصالحه ورجع الى بفراس ودخل منها بلاد ابن ليون فصالحه بالأموال ودخل في طاعته ثم خرج الى الشام أول سنة اثنتين وثلاثين وحاصر مراغة على ستة فراسخ من حلب وبعثوا بالصريخ الى الاتابك زنكي فبعث بالعساكر الى حلب لحمايتها وقاتل ملك الروم مراغة فملكها بالأمان منتصف السنة ثم غدر بهم واستباحهم ورحل الى حلب فنزل بدابق ومعه الافرنج ورجعوا من الغد الى حلب وحاصروها ثلاثا فامتنعت عليهم وقتل عليها بطريق كبير منهم ورحل عنها الى قلعة الاتاود في شعبان من السنة فهرب عنها أهلها ووضع الروم بها الأسرى والسبي وأنزلوا بها حامية وبعث اليهم أسوار نائب حلب عسكرا فقتلوا الحامية وخلصوا الأسرى والسبي ورحل الاتابك من حصن الاثارب بعد فتحه الى سلمية وقطع الفرات الى الرقة واتبع الروم فقطع عنهم الميرة وقصد الروم قلعة شيزر وبها سلطان ابن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني فحاصروها ونصبوا المجانيق عليها واستصرخ صاحبها بالاتابك زنكي فسار اليه ونزل نهر العاصي بين شيزر وحماة وبعث السرايا تختطف من حول معسكر الروم وبعث الى الروم يدعوهم الى المناجزة والنزول الى البسيط فخافوا عن ذلك فرجع الى التضريب بين الروم والإفرنج يحذر أحد الفريقين من الآخر حتى استراب كل بصاحبه فرحل ملك الروم في رمضان من السنة بعد حصار شيزر أربعين يوما وأتبعه الاتابك فلحقهم واستلحمهم واستباحهم ثم أرسل القاضي كما الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري الى السلطان مسعود يستنجده على العدو ويحذره الروم واستيلاءهم على حلب وينحدرون من الفرات الى بغداد فوضع القاضي كمال الدين في جماع القصر من ينادي بصريخ المسلمين والخطيب على المنبر وكذا في جامع السلطان فعظم الصراخ والبكاء وتسايلت العوام من كل جانب وجاءوا الى دار السلطان في تلك الحالة وقد وقع العويل والصراخ فعظم الهول على السلطان مسعود وجهز عسكرا عظيما وخاف القاضي كمال الدين غائلته ثم وصل الخبر برحيل ملك الروم فأخبر القاضي السلطان مسعود بذلك و من مسير ٥/٢٧٤
العساكر والله تعالى أعلم.
استيلاء الاتابك زنكي على بعلبك
ثم قتل محمود صاحب دمشق سنة ثلاث وثلاثين في شوال كما مر في أخبار دولتهم وكانت أمه زمرد خان متزوجة بالاتابك كما مر فبعثت اليه وهو بالجزيرة تعرفه بالخبر وتطلب منه أن يسير الى دمشق ويثأر بولدها من أهل دولته فسار لذلك واستعد أهل دمشق للحصار ثم قصد الاتابك مدينة بعلبك ونزلها وكان ابن القائم بالدولة قد نصب كمال الدين محمد بن بوري بدمشق وتزوج أمه وبعث بجاريته الى بعلبك فلما سار الاتابك الى دمشق قدم رسله الى انز في تسليم البلد على أن يبذل له ما يريد فأبي من ذلك وسار الاتابك الى بعلبك فنازلها آخر ذي الحجة من السنة ونصب عليها المجانيق وشد حصارها حتى استأمنوا فملكها واعتصم الحامية بالقلعة حتى يئسوا من أنز فاستأمنوا الى الاتابك فلما ملكها قبض عليهم وصلهم وتزوج جارية انز ونقلها الى حلب الى أن بعثها ابنه نور الدين محمود الى صاحبها بعد موت الاتابك والله تعالى أعلم.
حصار الاتابك زنكي مدينة دمشق
ثم سار الاتابك زنكي الى حصار دمشق في ربيع الأول من سنة أربع وثلاثين بعد الفراغ من بعلبك فنزل بالبقاع وأرسل الى جمال الدين محمد صاحبها في أن يسلمها اليه ويعوضه عنها بما شاء فلم يجب الى ذلك فزحف اليه ونزل داريا والتقت الطلائع فكان الظفر لأصحاب الاتابك ثم تقدم الى المصلي فنزل بها وقاتله أهل دمشق بالغوطة فظفر بهم وأثخن فيهم ثم أمسك عن القتال عشرا يراود فيها صاحب دمشق وبذل له بعلبك وحمص وما يختاره من البلاد فجنح الى ذلك ولم يوافقه أصحابه فعادت الحرب ثم توفي صاحب دمشق جمال الدين محمد في شعبان من السنة ونصب معين الدين انز مكانه ابنه محيي الدين أمو وقام بأمره وطمع زنكي في ملك البلد فامتنعت عليه وبعث معز الدين انز الى الافرنج يستدعيهم الى النصر على الاتابك ويبذل لهم ويخوفهم غائلته ويشترط لهم اعانتهم على بانياس حتى يملكوها فأجاب الافرنج لذلك وأجفل زنكي الى حوران خامس رمضان من السنة معتزما على لقائهم فلم يصلوا فعاد الى حصار دمشق وأحرق قراها وارتحل الى بلاده ثم وصل الافرنج وارتحل معين الدين انز في عساكر دمشق الى بانياس وهي للاتابك زنكي ليوفي ٥/٢٧٥
للافرنج بشرطه لهم فيها وقد كان نائبها سار للاغارة على مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب انطاكية ذاهبا الى دمشق منجدا فهزم عسكر بانياس وقتلوا ولحق فلهم بالبلد وقد وهنوا وحاصرهم معين الدين انز والافرنج وملكها عنوة وسلمها للافرنج وأحفظه ذلك وفرق العسكر في حوران وأعمال دمشق وسار هو فصابح دمشق ولم يعلموا بمكانه فبرزوا اليه وقاتلوه وقتل منهم جماعة ثم احجم عنهم لقلة من معه وارتحل الى مرج راهط في انتظار عساكره فلما توافوا عنده عاد الى بلاده.
استيلاء الاتابك على شهرزور وأعمالها
كان شهرزور بيد قفجاق بن ارسلان شاه أمير التركمان وصالحهم وكانت الملوك تتجافى عن أعماله لامتناعها ومضايقها فعظم شأنه واشتمل عليه التركمان وسار اليه الاتابك زنكي سنة أربع وثلاثين فجمع ولقيه فظفر به الاتابك واستباح معسكره وسار في اتباعه فحاصر قلاعه وحصونه وملك جميعها واستأمن اليه قفجاق فأمنه وسار في خدمته وخدمة بنيه بعده الى آخر المائة ثم كان في سنة خمس وثلاثين بين الاتابك زنكي وبين داود بن سقمان صاحب كيفا فتنة وحروب وانهزم داود وملك الاتابك من بلاده قلعة همرد وأدركه فعاد الى الموصل ثم سار الاتابك الى مدينة الحرمية فملكها سنة ست وثلاثين ونقل آل مهارش الذين كانوا بها الى الموصل ورتب أصحابه مكانهم ثم خطب له صاحب آمد وصار في طاعته بعد أن كان مع داود عليه ثم بعث الاتابك لسنة سبع وثلاثين عسكرا الى قلعة أشهب وهي أعظم من حصون الأكراد الهكارية وأمنعها وفيها أهلوهم وذخائرهم فحاصرها وملكها وأمره الاتابك بتخريبها وبنى قلعة العمادية عوضا عنها وكانت خربت قبل ذلك لاتساعها وعجزهم عن حمايتها فأعيدت الآن وكان نصير الدين نائب الموصل قد فتح أكثر القلاع الحربية والله تعالى أعلم.
صلح الاتابك مع السلطان مسعود واستيلاؤه على أكثر ديار بكر
كان السلطان مسعود ملك السلجوقية قد حقد على الاتابك زنكي شأن الخارجين على طاعته من أهل الاطراف وينسب ذلك اليه وكان يفعل ذلك مشغلة للسلطان عنه فلما فرغ ٥/٢٧٦
السلطان مسعود من شواغله سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة سار الى بغداد عازما على قصد الاتابك وحصار الموصل فأرسل الاتابك يستعطفه ويستميله على أن يدفع اليه مائة ألف دينار ويعود عنه فشرع في ذلك وحمل منها عشرين ألفا ثم حدثت الفتنة على السلطان فاحتاج الى مداراته وترك له الباقي وبالغ هو في مخالصة السلطان بحيث ان ابنه غازي كان عند السلطان فهرب الى الموصل فبعث الى نائبها نصير الدين جقري يمنعه من دخولها وبعث الى ابنه بالرجوع الى خدمة السلطان وكتب الى السلطان بأن ابني هرب للخوف من تغيير السلطان عليه وقد أعدته الى الخدمة ولم ألفه وأنا مملوك والبلاد لك فوقع ذلك من السلطان أحسن المواقع ثم سار الاتابك الى ديار بكر ففتح طره واسعرد وحران وحصن الرزق وحصن تطليت وحصن ياسنه وحصن ذي القرنين وغير هذه وملك أيضا من بلاد ماردين الافرنج حملين والمودن وتل موزر وغيرها من بلاد حصون سجستان وأنزل بها الحامية وقصد آمد فحصرها وسير عسكرا الى مدينة غانة من أعمال الفرات فملكها ولله تعالى أعلم.
فتح الرها وغيرها من أعمال الافرنج
كان الافرنج بالرها وسروج والبيرة قد أضروا بالمسلمين جوارهم مثل آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكان زعيمهم ومقدمهم بتلك البلاد جوسكين الزعيم ورأى الاتابك أنه يوري عن قصدهم بغيره لئلا يجمعوا له فوري بغزو ديار بكر كما قلناه و جوسكين وعبر الفرات من الرها الى غزنة وجاء الخبر بذلك الى الاتابك فارتحل منتصف جمادى الاخيرة سنة تسع وثلاثين وحرض المسلمين وحثهم على عدوهم ووصل الى الرها وجوسكين غائب عنها فانحجز الإفرنج بالبلد وحاصرهم شهرا وشد في حصارهم وقتالهم ولج في ذلك قبل اجتماع الافرنج ومسيرهم اليه ثم ضعف سورها فسقطت ثلمة منه وملك البلد عنوة ثم حاصر القلعة وملكها كذلك ثم رد على أهل البلد ما أخذ منهم وأنزل فيه حامية وسار الى سروج وجميع البلاد التي بيد الافرنج شرقيا فملكها جميعا الا البيرة لامتناعها فأقام يحاصرها حتى امتنعت ورحل عنها والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٢٧٧
مقتل نصير الدين جقري نائب الموصل وولاية زين الدين على كجك مكانه بالقلعة
كان استقر عند الاتابك زنكي بالموصل الملك البارسلان ابن السلطان محمد ويلقب الخمفاجي وكان شبيها به وتوهم السلطان ان البلاد له وأنه نائبة وينتظر وفاة السلطان مسعود فيخطب له ويملك البلد باسمه وكان يتردد له ويسعى في خدمته فداخله بعض المفسدين في غيبة الاتابك وزين له قتل نصير الدين النائب والاستيلاء على الموصل فلما دخل اليه أغرى به أجناد الاتابك ومواليه فوثبوا به وقتلوه في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين ثم ألقوا برأسه الى أصحابه يحسبون أنهم يفترقون فاعصوصبوا واقتحموا عليه الدار ودخل عليه القاضي تاج الدين يحي ابن الشهرزوري فأوهمه بطاعته وأشار عليه بالصعود الى القلعة ليستولي على المال والسلاح فركب وصعد معه وتقدم الى حافظ القلعة وأشار عليه بأن يمكنه من الدخول ثم يقبض عليه فدخل ودخل معه الذين قتلوا نصير الدين فحبسهم والي القلعة وعاد القاضي الى البلد وطار الخبر الى الاتابك زنكي بحصار البيرة فخشي اختلاف البلد وعاد الى الموصل وقدم زين الدين على ابن كجك وولاه القلعة مكان نصير الدين وأقام ينتظر الخبر وخاف الافرنج الذين بالبيرة من عودته اليهم فبعثوا الى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له فملكها المسلمون.
حصار زنكي حصن جعبر وفنك
ثم سار الاتابك زنكي سنة احدى وأربعين في المحرم الى حصن جعبر ويسمى دوس وهو مطل على الفرات وكان لسالم بن مالك العقيلي أقطعه السلطان ملك شاه لأبيه حين أخذ منه حلب وبعث جيشا الى قلعة فنك على فرسخين من جزيرة ابن عمر فحاصروها وصاحبها يومئذ حسام الدين الكردي فحاصر قلعة جعبر حتى توسط الحال بينهما حسان المنبجي ورغبه ورهبه وقال في كلامه من يمنعك منه فقال الذي منعك أنت من مالك بن بهرام وقد حاصر حسان منبج فأصابه في بعض الأيام سهم فقتله وأفرج عن حسان وقدر قتل الاتابك كذلك والله تعالى أعلم. ٥/٢٧٨
مقتل الاتابك عماد الدين زنكي
كان الاتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل والشام محاصرا لقلعة جعبر كما ذكرنا واجتمع جماعة من مواليه اغتالوه ليلا وقتلوه على فراشه ولحقوا بجعبر وأخبروا أهلها فنادوا من السور بقتله فدخل أصحابه اليه وألفوه بجود بنفسه وكان قتل لخمس من ربيع الآخر سنة احدى وأربعين عن ستين سنة من عمره ودفن بالرقة وكان يوم قتل أبوه ابن سبع سنين ولما قتل دفن بالرقة وكان حسن السياسة كثير العدل مهيبا عند جنده عمر البلاد وأمنها وأنصف المظلوم من الظالم وكان شجاعا شديد الغيرة كثير الجهاد ولما قتل رحل العسكر عن قلعة فنك وصاحبها غفار قال ابن الأثير سمعتهم يزعمون أن لهم فيها نحو ثلاثمائة سنة وفيهم رفادة وعصبية ويجيرون كل من يلجأ اليهم والله أعلم.
استيلاء ابنه غازي على الموصل وابنه الآخر محمود على حلب
ولما قتل الاتابك زنكي نزع ابنه نور الدين محمود خاتمه من يده وسار به الى حلب فاستولى عليها وخرج الملك البارسلان ابن السلطان محمود واجتمعت عليه العساكر وطمع في الاستقلال بملك الموصل وحضر ابنه جمال الدين محمد بن علي ابن متولي الديوان وصلاح الدين محمد بن الباغيسياني الحاجب وقد اتفقا فيما بينهما على حفظ الدولة لأصحابهما وحسنا لألب أرسلان ما هو فيه من الاشتغال بلذاته وأدخلاه الرقة فانغمس بها وهما يأخذان العهود على الأمراء لسيف الدين غازي ويبعثانهم الى الموصل وكان سيف الدين غازي في مدينة شهرزور وهي أقطاعه وبعث اليه زين الدين على كوجك نائب القلعة بالموصل يستدعيه ليحضر عنده وسار البارسلان الى سنجار والحاجب وصاحبه معه ودسوا الى نائبها بأن يعتذر للملك البارسلان بتأخره حتى يملك الموصل فساروا الى الموصل ومروا بمدينة وقد وقف العسكر فأشاروا على البارسلان بعبور دجلة الى الشرق وبعثوا الى سيف الدين غازي بخبره وقلة عسكره فأرسل اليه عسكرا فقبضوه وجاءوا به فحسب بقلعة الموصل واستولى سيف الدين غازي على الموصل والجزيرة وأخوه نور الدين محمود على حلب ولحق به صلاح الدين الباغيسياني فقام بدولته والله سبحانه وتعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده. ٥/٢٧٩
عصيان الرها
ولما قتل الاتابك زنكي ملك الرها جوسكين كان جوسكين مقيما في ولايته بتل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وعامتهم من الأرمن وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد له فأجابوه وواعدوه ليوم عينوه فسار في عساكره وملك البلد وامتنعت القلعة وبلغ الخبر الى نور الدين محمود وهو بحلب فأغذ السير اليها وأجفل جوسكين الى بلده ونهب نور الدين المدينة وسبى أهلها وارتحلوا عنها وبعث سيف الدين غازي العساكر اليها فبلغهم في طريقهم ما فعله نور الدين فعادوا وذلك سنة احدى وأربعين ثم قصد صاحب دمشق بعد قتل الاتابك حصن بعلبك وبه نجم الدين أيوب بن شادي نائب الاتابك فأبطأ عليه انجاد بنيه فصالح صاحب دمشق وسلم له بعلبك على اقطاع ومال أعطاه إياه وعشر قرى من بلاد دمشق وانتقل معه إلى دمشق فسكنها وأقام بها ثم سار نور الدين محمود سنة اثنتين وأربعين من حلب الى الافرنج ففتح مدينة ارتاج عنوة وحاصر حصونا أخرى وكان الافرنج بعد قتل الاتابك يظنون أنهم يستردون ما أخذه منهم فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون ولما قتل الاتابك زنكي طمع صاحب ماردين وصاحب كيفا أن يستردوا ما أخذ من بلادهم فلما تمكن سيف الدين غازي سار إلى أعمال ديار بكر فملك دارا وغيرها وتقدم الى ماردين وحاصرها وعاث في نواحيها حتى ترحم صاحبها حسام الدين تمرتاش على الاتابك مع عداوته ثم أرسل الى سيف الدين غازي وصالحه وزوجه بنته فعاد الى الموصل وزفت اليه وهو مريض فهلك قبل زفافها وتزوجها أخوه قطب الدين من بعده والله أعلم.
مصاهرة سيف الدين غازي لصاحب دمشق وهزيمة نور الدين محمود للافرنج
كان تقدم لنا في دولة بني طغركين موالي دقاق بن تتش أن ملك اللمان من الافرنج سار سنة ثلاث وأربعين وحاصر دمشق بجموع الافرنج وبها محيي الدين ارتق بن بوري بن محمد بن طغركين في كفالة معين الدين أنز مولى فبعث معين الدين الى سيف الدين غازي بن أتابك زنكي بالموصل يدعوه الى نصرة المسلمين فجمع عساكره وسار الى الشام ٥/٢٨٠
واستدعى أخاه نور الدين من حلب ونزلوا على حمص فأخذوا بحجزة الافرنج عن الحصار وقوي المسلمون بدمشق عليهم وبعث معين الدين الى طائفتي الافرنج من سكان الشام واللمان الواردين فلم يزل يضرب بينهم وجعل لافرنج الشام حصن بانياس طعمة على أن يرحلوا بملك اللمانيين ففتلوا له في الذروة والغارب حتى رحل عن دمشق ورجع الى بلاده وراء قسطنطينية بالشمال وحسن أمر سيف الدين غازي وأخيه في الدفاع عن المسلمين وكان مع ملك اللمان حين خرج الى الشام ابن ادفونش ملك الجلالقة بالأندلس وكان جده هو الذي ملك طرابلس الشام من المسلمين حين خروج الافرنج الى الشأم فلما جاء الآن مع ملك اللمان ملك حصن العريمة وأخذ في منازلة طرابلس ليملكها من القمص فأرسل القمص الى نور الدين محمود ومعين الدين أنز وهما مجتمعان ببعلبك بعد رحيل ملك اللمانيين عن دمشق وأغراهما بابن ادفونش ملك الجلالقة واستخلاص حصن العريمة من يده فسارا لذلك سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وبعث الى سيف الدين وهو بحمص فأمدهما بعسكر مع الأمير عز الدين أبي بكر الديسي صاحب جزيرة ابن عمر وحاصروا حصن العريمة أياما ثم نقضوا سوره وملكوه على الافرنج وأسروا من كان به من الافرنج ومعهم ابن ادفونش وعاد الى سيف الدين عسكره ثم بلغ نور الدين ان الافرنج تجمعوا في بيقو من أرض الشام للاغارة على أعمال حلب فسار اليهم وقتلهم وهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وبعث من غنائمهم وأسراهم الى أخيه سيف الدين غازي والى المقتفي الخليفة انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفاة سيف الدين غازي وملك أخيه قطب الدين مودود
ثم توفي سيف الدين غازي بن الاتابك زنكي صاحب الموصل منتصف أربع وأربعين وخمسمائة لثلاث سنين وشهرين من ولايته وخلف ولدا صغيرا ربي عند عمه نور الدين محمود وهلك صغيرا فانقرض عقبه وكان كريما شجاعا متسع المائدة يطعم بكرة وعشية مائة رأس من الغنم في كل نوبة وهو أول من حمل الصنجق على رأسه وأمر بتعليق السيوف بالمناطق وترك التوشح بها وحمل الدبوس في حلقة السرج وبني المدارس للفقهاء والربط للفقراء ولما أنشده حيص بيص الشاعر يمدحه ٥/٢٨١
الام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا إليك المنابر
فوصله بألف مثقال سوى الخلع وغيرها ولما توفي سيف الدين غازي انتقض الوزير جمال الدين وأمير الجيوش زين الدين علي وجاءوا بقطب الدين مودود وبادروا الى تمليكه واستخلفوه وحلفوا له وركب الى دار السلطنة وزين الدين في ركابه فبايعوا له وأطاعه جميع من في أعمال أخيه بالموصل والجزيرة وتزوج الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين التي هلك أخوه قبل زفافها فكان ولده كلهم منها والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء السلطان محمود على سنجار
ولما ملك قطب الدين مودود الموصل وكان أخوه نور الدين محمود بالشام وكان أكبر منه وله حلب وحماة كاتبه جماعة من الأمراء بعد أخيه غازي وفيمن كاتبه نائب سنجار المقدم عبد الملك فبادر اليه في سبعين فارشا من أمرائه وسبق أصحابه في يوم مطير الى مساكن ودخل البلد ولم يعرفوا منه الا أنه أمير من جند التركمان ثم دخل على الشحنة بيته فقبل يده وأطاعه ولحق به أصحابه وساروا جميعا الى سنجار وأغذ السير فقطع عنه أصحابه وتوصل الى سنجار في فارسين ونزل بظاهر البلد وبعث الى المقدم فوصله وكان قد سار الى الموصل وترك ابنه شمس الدين محمد بالقلعة فبعث في أثر أبيه وعاد من طريقه وسلم سنجار الى نور الدين محمود فملكها واستدعى فخر الدين قرى ارسلان صاحب كيفا لمودة بينهما فوصل في عساكره وبلغ الخبر الى قطب الدين صاحب الموصل ووزيره جمال الدين وأمير جيشه زين الدين فساروا الى سنجار للقاء نور الدين محمود وانتهوا الى تل اعفر ثم خاموا عن لقائه وأشار الوزير جمال الدين بمصالحته وسار اليه بنفسه فعقد معه الصلح وأعاد سنجار على أخيه قطب الدين وسلم له أخوه مدينة حمص والرحبة والشام فانفرد بملك الشام وانفرد أخوه قطب الدين بالجزيرة واتفقا وعاد نور الدين الى حلب وحمل ما كان لأبيهم الاتابك زنكي من الذخيرة واتفقا وعاد نور الدين الى حلب وحمل ما كان لأبيهم الاتابك زنكي من الذخيرة لسنجار وكانت لا يعبر عنها والله تعالى أعلم.
غزو نور الدين الى انطاكية وقتل صاحبها وفتح افاميا
ثم غزا نور الدين سنة أربع وأربعين الى انطاكية فعاث فيها وخرب كثيرا من حصونها وبينما ٥/٢٨٢
هو يحاصر بعض الحصون اجتمع الافرنج وزحفوا اليه فلقيهم وحاربهم وأبلى في ذلك الموقف فهزم الافرنج وقتل البرنس صاحب انطاكية وكان من عتاة الافرنج وملك بعده ابنه سمند طفلا وتزوجت أمه برنس آخر يكفل ولدها ويدبر ملكها فغزاه نور الدين ولقوة فهزمهم وأسر ذلك البرنس الثاني وتمكن الطفل سمند من ملكه بأنطاكية ثم سار نور الدين سنة خمس وأربعين الى حصن افاميا بين شيزر وحماة وهو من أحسن القلاع فحاصروه وملكه وشحنه حامية وسلاحا واقواتا ولم يفرغ من أمره الا والإفرنج الذي بالشام جمعوا وزحفوا اليه وبلغهم الخبر فخاموا عن اللقاء وصالحوه في للهادنة فعقد لهم انتهى.
هزيمة نور الدين جوسكين وأسر جوسكين
ثم جمع نور الدين بعد ذلك وسار غازيا إلى بلاد زعيم الإفرنج وهي تل باشر وعنتاب وعذار وغيرها من حصون شمالي حلب فجمع جوسكين لمدافعته عنها ولقيه فاقتتلوا ومحص الله المسلمين واستشهد كثير منهم وأسر آخرون وفيهم صاحب صلاح نور الدين فبعثه جوسكين إلى الملك مسعود بن قليج أرسلان يعيره به لمكان صهره نور الدين على ابنته فعظم ذلك عليه وأعمل الحيلة في جوسكين وبذل المال لأحياء التركمان البادين بضواحيه أن يحتالوا في القبض عليه ففعلوا وظفر به بعضهم فشاركهم في إطلاقه على مال وبعث من يأتي به وشعر بذلك وإلى حلب أبو بكر بن الرامة فبعث عسكرا ليسوا من ذلك الحي جاءوا بجوسكين أسيرا إلى حلب وثار نور الدين إلى القلاع فملكها وهي تل باشر وعنتاب وعذار وتل خالد وقورص وداوندار ومرج الرصاص وحصن النادة وكفرشود وكفرلات ودلوكا ومرعش ونهر الجود وشحنها بالأقوات وزحف إليه الإفرنج ليدافعوه فلقيهم على حصن جلدك وانهزم الإفرنج وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والأسر ورجع نور الدين إلى دلوكا ففتحها وتأخر فتح تل باشر منها إلى أن ملك نور الدين دمشق واستأمنوا إليه وبعث إليهم حسان المنبجي فتسلمها منهم وحصنها وذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء نور الدين على دمشق
كان الإفرنج سنة ثمان وأربعين قد ملكوا عسقلان من يد العلوية خلفاء مصر واعترضت دمشق بين نور الدين وبينهما فلم يجد سبيلا إلى المدافعة عنها واستطال الإفرنج على دمشق ٥/٢٨٣
بعد ملكهم عسقلان ووضعوا عليها الجزية واشترطوا عليهم تخيير الأسرى الذين بأيديهم في الرجوع إلى وطنهم وكان بها يومئذ مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغركين الأتابك واهن القوى مستضعف القوة فخشي نور الدين عليها من الإفرنج وربما ضايق مجير الدين بعض الملوك من جيرانه فيفزع إلى الإفرنج فيغلبون عليه وأمعن النظر في ذلك وبدأ أمره بمواصلة مجير الدين وملاطفته حتى استحكمت المودة بينهما حتى صار يداخله في أهل دولته ويرميهم عنده أنهم كاتبوه فيوقع الآخر بهم حتى هدم أركان دولته ولم يبق من أمرائه إلا الخادم عطاء بن حفاظ وكان هو القائم بدولته فعصى به نور الدين وحال بينه وبين دمشق فأغرى به صاحبه مجير الدين حتى نكبه وقتله وخلت دمشق من الحامية فسار حينئذ نور الدين مجاهرا بعداوة مجير الدولة ومتجنيا عليه واستنجد بالإفرنج على أن يعطيهم الأموال ويسلم لهم بعلبك فجمعوا واحتشدوا وفي خلال ذلك عمد نور الدين إلى دمشق سنة سبع وأربعين وكاتب جماعة من أحداثها ووعدهم من أنفسهم فلما وصل ثاروا بمجير الدين ولجأ إلى القلعة وملك نور الدين المدينة وحاصره بالقلعة وبذل له إقطاعا منها مدينة حمص فسار إليها مجير الدين وملك نور الدين القلعة ثم عوضه عن حمص ببالس فلم يرضها ولحق ببغداد وابتنى بها دارا وأقام بها إلى أن توفي والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء نور الدين على تل باشر وحصاره قلعة حارم
ولما فرغ نور الدين من أمر دمشق بعث إليه الإفرنج الذين في تل باشر في شمالي حلب واستأمنوا إليه ومكنوه من حصنهم فتسلمه حسان المنبجي من كبراء أمراء نور الدين سنة تسع وأربعين ثم سار سنة إحدى وخمسين إلى قلعة بهرام بالقرب من أنطاكية وهي لسمند أمير أنطاكية من الإفرنج فحاصرها واجتمع الإفرنج لمدافعته ثم خاموا عن لقائه وصالحوه على نصف أعمال حارم فقبل صلحهم ورحل عنها والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.
استيلاء نور الدين على شيزر
شيزر هذه حصن قريب من حماة على نصف مرحلة منها على جبل منيع عال لا يسلك إليه إلا من طريق واحدة وكانت لبني منقذ الكنانيين يتوارثون ذلك من أيام صالح بن مرداس صاحب حلب من أعوام عشرين وأربعمائة إلى أن انتهى ملكه إلى المرهف نصر بن علي بن ٥/٢٨٤
نصير بن منقذ بعد أبيه أبي الحسن علي فلما حضره الموت سنة تسعين وأربعمائة عهد لأخيه أبي سلمة بن مرشد وكان عالما بالقراءات والأدب وولي مرشد أخاه الأصغر سلطان بن علي وكان بينهما من الاتفاق والملاءمة ما لم يكن بين اثنين ونشأ لمرشد بنون كثيرون و في السود منهم عز الدولة أبو الحسن علي ومؤيد الدولة أسامة وولده علي وتعدد ولده ونافسوا بني عمهم وفشت بينهم السعايات فتماسكوا لمكان مرشد والتئامه بأخيه فلما مات مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة تنكر أخوه سلطان لولده وأخرجهم من شيزر فتفرقوا وقصد بعضهم نور الدين فامتعض لهم وكان مشتغلا عنهم بالإفرنج ثم توفي سلطان وقام بأمر شيزر أولاده وراسلوا الإفرنج فحنق نور الدين عليهم لذلك ثم وقعت الزلازل بالشام وخرب أكثر مدنه مثل حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وحصن الأكراد وعرقة ولاذقية وطرابلس وأنطاكية هذه سقطت جميعها وتهدمت سنة اثنتين وخمسين وما سقط بعضه وتهدمت أسواره فأكثر بلاد الشام وخشي نور الدين عليها من الإفرنج فوقف بعساكره في أطراف البلاد حتى رم ما تثلم من أسوارها وكان بنو منقذ أمراء شيزر قد اجتمعوا عند صاحبها منهم في دعوة فأصابتهم الزلزلة مجتمعين فسقطت عليهم القلعة ولم ينج منهم أحد وكان بالقرب منها بعض أمراء نور الدين فبادر وصعد إليها وملكها منه نور الدين ورم ما تثلم من أسوارها وجدد بناءها فعادت كما كانت هكذا قال ابن الأثير وقال ابن خلكان وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة استولى بنو منقذ على شيزر من يد الروم والذي تولى فتحها منهم علي بن منقذ بن نصر بن سعد وكتب إلى بغداد بشرح الحال ما نصه كتابي من حصن شيزر حماه الله وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق في هذا الزمان وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هزبر هذه الأمة وسليمان الجن والمردة وأنا أفرق بين المرء وزوجه واستنزل القمر من محله أنا أبو النجم وشعري شعري نظرت إلى هذا الحصن فرأيت أمرا يذهل الألباب يسع ثلاثة آلاف رجل بالأهل والمال وتمسكه خمس نسوة فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالحواص ويسمى هذا التل بالحصن فعمرته حصنا وجمعت فيه أهلي وعشيرتي ونفرت نفرة على حصن الحواص فأخذته بالسيف من الروم ومع ذلك فلما أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بصوت الأذان ورأى أهل شيزر فعلي ذلك فأنسوا بي ووصل إلي منهم قريب من نصفهم فبالغت في إكرامهم ووصل إليهم مسلم بن قريش العقيلي فقتل ٥/٢٨٥
من أهل شيزر نحو عشرين رجلا فلما انصرف مسلم عنهم سلموا إلي الحصن انتهى كتاب علي بن منقذ وبين هذا الذي ذكره ابن خلكان والذي ذكره ابن الأثير نحو خمسين سنة وما ذكره ابن الأثير أولى لأن الإفرنج لم يملكوا من الشام شيئا في أوائل المائة الخامسة والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء نور الدين على بعلبك
كانت بعلبك في يد الضحاك البقاعي نسبة إلى بقاعة والآن عليها صاحب دمشق فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك ببعلبك وشغل نور الدين عنه بالإفرنج فلما كانت سنة اثنتين وخمسين استنزله نور الدين عنها وملكها والله أعلم.
استيلاء أخي نور الدين على حران ثم ارتجاعها
كان نور الدين سنة أربع وخمسين وخمسمائة بحلب ومعه أخوه الأصغر أمير أميران فمرض نور الدين بالقلعة واشتد مرضه فجمع أخوه وحاصر قلعة حلب وكان شيركوه بن شادي أكبر أمرائه بحمص فلما بلغه لأزحاف سار إلى دمشق ليملكها وعليها أخوه نجم الدين أيوب فنكر عليه وأمره بالمسير إلى حلب حتى يتبين حياة نور الدين من موته فأغذ السير إلى حلب وصعد القلعة وأظهر نور الدين للناس من سطح مشرف فافترقوا عن أخيه أمير أميران فسار إلى حران فملكها فلما أفاق نور الدين سلمها إلى زين الدين علي كجك نائب أخيه قطب الدين بالموصل وسار إلى الرقة فحاصرها والله تعالى ولي التوفيق.
خبر سليمان شاه وحبسه بالموصل ثم مسيره منها إلى السلطنة بهمذان
كان الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر بخراسان وقد عهد له بملكه وخطب باسمه على منابر خراسان فلما حصل سنجر في أسر العدو سنة ثمان وأربعين وخمسمائة كما مر في أخبار دولتهم واجتمعت العساكر على سليمان شاه هذا وقدموه ٥/٢٨٦
فلم يطق مقاومة العدو فمضى إلى خوارزم شاه وزوجه ابنة أخيه ثم بلغه عنه ما ارتاب له فأخرجه من خوارزم وقصد أصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فقصد قاشان فبعث إليه محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرا دافعوه عنها فسار إلى خراسان فمنعه ملك شاه منها فقصد النجف ونزل وأرسل للخليفة المستنصر وبعث أهله وولده رهنا بالطاعة واستأذن في دخول بغداد فأكرمهم الخليفة وأذن له وخرج ابن الوزير ابن هبيرة لتلقيه في الموكب وفيه قاضي القضاة والتقيا ودخل بغداد وخلع عليه آخر سنة خمسين وبعد أيام أحضر بالقصر واستخلف بحضرة قاضي القضاة والأعيان وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه وأمر بثلاثة آلاف فارس وسار نحو بلاد الجبل في ربيع سنة إحدى وخمسين ونزل الخليفة حلوان واستنفر له ابن أخيه ملك شاه صاحب همذان فقدم إليه في ألفي فارس وجعله سليمان شاه ولي عهده وأمدهما الخليفة بالمال والسلاح ولحق بهما ايلدكز صاحب الري فكثرت جموعهم وبعث السلطان محمد إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل وزين الدين كجك علي نائبة في المظاهرة والأنجاد وسار إلى لقاء سليمان شاه فانهزم وتمزق عسكره وفارقه أيلدكز فذهب إلى بغداد على طريق بشهرزور وبلغ خبر الهزيمة إلى زين الدين علي كجك فخرج في جماعة من عسكر الموصل وقعد له بشهرزور ومعه الأمير إيراق حتى مر بهم سليمان شاه فقبض عليه زين الدين وحمله إلى الموصل فحبسه بها مكرما وطير إلى السلطان محمود بالخبر فلما هلك السلطان محمود بن محمد سنة خمس وخمسين أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى قطب الدين أتابك وزيره وزيرا له وتعاهدوا على ذلك وجهزه قطب الدين جهاز الملك وسار معه زين الدين علي كجك في عسكر الموصل إلى همذان فلما قاربوا بلاد الجبل تتابعت العساكر والإمداد للقائهم إرسالا واجتمعوا على سليمان شاه وجروا معه على مذاهب الدولة فخشيهم زين الدين على نفسه وفارقهم إلى الموصل وسار سليمان شاه إلى همذان فكان من أمرهم ما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية. ٥/٢٨٧
حصار قلعة حارم وانهزام نور الدين إمام الإفرنج ثم هزيمتهم وفتحها
ثم جمع نور الدين محمود عساكر حلب وحاصر الإفرنج بقلعة حارم وجمعوا لمدافعته ثم خاموا عن لقائه ولم يناجزوه وطال عليه أمرها فعاد عنها ثم جمع عساكره وسار سنة ثمان وخمسين معتزما على غزو طرابلس وانتهى إلى البقيعة تحت حصن الأكراد فكبسهم الإفرنج هنالك وأثخنوا فيهم ونجا نور الدين في الفل إلى بحيرة مرس قريبا من حمص ولحق به المنهزمون وبعث إلى دمشق وحلب في الأموال والخيام والظهر وأزاح علل العسكر وعلم الإفرنج بمكان نور الدين من حمص فنكبوا عن قصدها وسألوه الصلح فامتنع فأنزلوا حاميتهم بحصن الأكراد ورجعوا وفي هذه الغزاة عزل نور الدين رجلا يعرف بابن نصري تنصح له بكثرة خرجه بصلاته وصدقاته على الفقراء والفقهاء والصوفية والقراء إلى مصارف الجهاد فغضب وقال والله لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنهم يقاتلون عني بسهام الدعاء في الليل وكيف أصرفها عنهم وهي من حقوقهم في بيت المال ذلك شيء لا يحل لي ثم أخذ في الاستعداد للأخذ بثأره من الإفرنج وسار بعضهم إلى ملك مصر فأراد أن يخالفهم إلى بلادهم فبعث إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وإلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب كيفا وإلى نجم الدين وإلى صاحب ماردين بالنجدة فسار من بينهم أخوه قطب الدين وفي مقدمته زين الدين علي كجك صاحب جيشه ثم تبعه صاحب كيفا وبعث نجم الدين عسكره فلما توافت الإمداد سار نور الدين نحو حارم سنة تسع وخمسين فحاصرها ونصب عليها المجانيق واجتمع من بقي بالساحل من ملوك الإفرنج ومقدمهم البرنس سمند صاحب أنطاكية والقمص صاحب طرابلس وابن جوسكين واستنفر لهم أمم النصرانية وقصدوه فأفرج عن حارم إلى إرتاج ثم خاموا عن لقائه وعادوا إلى حصن حارم وسار في إتباعهم وناوشهم الحرب فحملوا على عساكر حلب وصاحب كيفا في ميمنة المسلمين فهزموها ومروا في أتباعهم وحمل زين الدين في عساكر الموصل على الصف فلقيه الرجل فأثخن فيهم واستلحمهم وعاد الإفرنج من أتباع الميمنة فسقط في أيديهم ودارت رحى الحرب على الإفرنج فانهزموا ورجع المسلمون من القتل إلى الأسر فأسروا منهم أمما فيهم سمند صاحب أنطاكية والقمص صاحب طرابلس وبعث السرايا في تلك الأعمال بقصد أنطاكية لخلوها من الحامية فأبى وقال أخشى أن يسلمها أصحابها لملك الروم فإن سمند ابن أخته ٥/٢٨٨
ومحاورته أحق إلي من مجاورة ملك الروم ثم عاج على قلعة حارم فحاصرها وافتتحها ورجع مظفرا والله يؤيد بنصره من يشاء عباده.
فتح نور الدين قلعة بانياس
ولما افتتح نور الدين قلعة حارم أذن لعسكر الموصل وحصن كيفا بالانطلاق إلى بلادهم وعزم على منازلة بانياس وكانت بيد الإفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ثم ورى عنها بقصد طبرية فصرف الإفرنج همتهم إلى حمايتها وخالف هو إلى بانياس لقلة حاميتها فحاصرها وضيق عليها في ذي الحجة من سنة تسع وخمسين وكان معه أخوه نصير الدين أمير أميران فأصيب بسهم في إحدى عينيه وأخذ الإفرنج في الجمع لمدافعته فلم يستكملوا أمرهم حتى فتحها وشحن قلعتها بالمقاتلة والسلاح وخافه الإفرنج فشاطروه في أعمال طبرية وضرب عليهم الجزية في الباقي ووصل الخبر بفتح حارم وبانياس إلى ملوكهم الذين ساروا إلى مصر فسبقهم بالفتح وعاد إلى دمشق ثم سار سنة إحدى وستين متجردا إلى حصن المنيطرة فنازلهم على غرة وملكه عنوة ولم يجتمع الإفرنج إلا وقد ملكه فافترقوا ويئسوا من ارتجاعه والله تعالى أعلم.
وفادة شاور وزير العاضد بمصر على نور الدين العادل صريخا وإنجاده بالعسكر مع أسد الدين شيركوه
كانت دولة العلويين بمصر قد أخذت في التلاشي وصارت إلى استبداد وزرائها على خلفائها وكان من آخر المسلمين بها شاور السعدي استعمله الصالح بن زربك على قوص وندم فلما هلك الصالح بن زربك وكان مستبدا على الدولة قام ابنه زربك مقامه فعزل شاور عن قوص فلم يرض بعزله وجمع وزحف إلى القاهرة فملكها وقتل زربك واستبد على العاضد ولقيه أمير الجيوش وكانت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ثم نازعه الضرغام وكان صاحب الباب ومقدم البرقية فثار عليه لسبعة أشهر من وزارته وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام وقصد نور الدين محمود بن زنكي مستنجدا به على أن يكون له ثلث الجباية بمصر ويقيم عسكر نور الدين بها مددا له فاختار من أمرائه لذلك أسد الدين شيركوه بن شادي الكردي ٥/٢٨٩
وكان بحمص وجهزه بالعساكر فسار لذلك في جمادى سنة تسع وخمسين وأتبعه نور الدين إلى أطراف بلاد الإفرنج فشغلها عن التعرض للعساكر وسار أسد الدين مع شاور وسار معه صلاح الدين ابن أخيه نجم الدين أيوب وانتهوا إلى بلبيس فلقيهم ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فانهزم ورجع إلى القاهرة وأتبعه أسد الدين فقتله عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها وقتل أخوه وعاد شاور إلى وزارته وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة ينتظر الوفاء بالعهد من شاور بما عاهد عليه نور الدين فنكث شاور العهد وبعث إليه بالرجوع إلى بلده فلج في طلب ضريبته ورحل إلى بلبيس والبلاد الشرقية فاستولى عليها واستمد شاور عليه بالإفرنج فبادروا إلى ذلك لما كان في نفوسهم من تخوف غائلته وطمعوا في ملك مصر وسار نور الدين من دمشق ليأخذ بحجرتهم على المسير فلم يثنهم ذلك وتركوا ببلادهم حامية فلما قاربوا مصر فارقها أسد الدين واجتمع الإفرنج وعساكر مصر فحاصروه ثلاثة أشهر يغاديهم القتال ويراوحهم وجاءهم الخبر بهزيمة الإفرنج على حارم وما هيأ الله لنور الدين في ذلك فراسلوا أسد الدين شيركوه في الصلح وطووا عنه الخبر فصالحهم وخرج ولحق بالشام ووضع له الإفرنج المراصد بالطريق فعدل عنها ثم أعاده نور الدين إلى مصر سنة اثنتين وستين فسار بالعساكر في ربيع ونزل اطفيح وعبر النيل وجاء إلى القاهرة من جانبها الغربي ونزل الجيزة في عدوة النيل وحاصرها خمسين يوما واستمد شاور بالإفرنج وعبر إلى أسد الدين فتأخر إلى الصعيد ولقيهم منتصف السنة فهزمهم وسار إلى ثغر الإسكندرية فملكها وولي عليها صلاح الدين ابن أخيه ورجع فدوخ بلاد الصعيد وسارت عساكره مصر والإفرنج إلى الإسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار إليه أسد الدين فتلقوه بطلب الصلح فتم ذلك بينهم وعاد إلى الشام وترك لهم الإسكندرية وكاتب شجاع بن شاور نور الدين بالطاعة عنه وعن طائفة من الأمراء ثم استطال الإفرنج على أهل مصر وفرضوا عليهم الجزية وأنزلوا بالقاهرة الشحنة وتسلموا أبوابها واستدعوا ملكهم بالشام إلى الاستيلاء عليها فبادر نور الدين وأعاد أسد الدين في العساكر إليها في ربيع سنة أربع وستين فملكها وقتل شاور وطرد الإفرنج عنها وقدمه العاضد لوزارته والاستبداد عليه كما كان من قبله ثم هلك أسد الدين وقام صلاح الدين ابن أخيه مكانه وهو مع ذلك في طاعة نور الدين محمود وهلك العاضد فكتب نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بإقامة الدعوة العباسية بمصر والخطبة للمستضيء ويقال أنه كتب له بذلك في حياة العاضد وبين يدي وفاته وهلك لخمسين يوما أو نحوها فخطب للمستضيء العباسي وانقرضت الدولة العلوية بمصر وذلك سنة سبع وستين كما نأتي على شرحه وتفصيله ٥/٢٩٠
في دولة بني أيوب إن شاء الله تعالى ووقعت خلال ذلك فتنة بين نور الدين محمود وبين صاحب الروم قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان سنة ستين وخمسمائة وكتب الصالح ابن زربك إلى قليج أرسلان ينهاه عن الفتنة والله تعالى ولي التوفيق.
فتح نور الدين صافيتا وعريمة ومنبج وجعبر
ثم جمع نور الدين عساكره سنة اثنتين وستين واستدعى أخاه قطب الدين من الموصل فقدم عليه بحمص ودخلوا جميعا بلاد الإفرنج ومروا بحصن الأكراد واكتسحوا نواحيه ثم حاصروا عرقة وخرجوا جكة وفتحوا العريمة وصافيتا وبعثوا سراياهم فعاثت في البلاد ورجعوا إلى حمص فأقاموا بها إلى رمضان وانتقلوا إلى بانياس وقصدوا حصن حموص فهرب عنه الإفرنج فهدم نور الدين سوره وأحرقه واعتزم على بيروت فرجع عنه أخوه قطب الدين إلى الموصل وأعطاه نور الدين من عمله الرقة على الفرات ثم انتقض بمدينة منبج غازي بن حسان وبعث إليها العساكر فملكها عنوة وأقطعها أخاه قطب الدين نيال بن حسان وبقيت بيده إلى أن أخذها منه صلاح الدين بن أيوب ثم قبض بنو كلاب على شهاب الدين ملك بن علي بن مالك العقيلي صاحب قلعة جعبر وكانت تسمى دوس ثم سميت باسم جعبر بانيها وكان السلطان ملك شاه أعطاها لجده عند ما ملك حلب كما مر في أخباره ولم تزل بيده ويد عقبه إلى أن هلك هذا فخرج يتصيد سنة ثلاث وستين وقد أرصد له بنو كلاب فأسروه وحملوه إلى نور الدين محمود صاحب دمشق فاعتقله مكرما وحاوله في النزول عن جعبر بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى فأبى وبعث بالعساكر مع الأمير فخر الدين محمود بن أبي علي الزعفراني وحاصرها مدة فامتنعت فبعث عسكرا آخر وقدم على الجميع الأمير فخر الدين أبا بكر ابن الداية رضيعه وأكبر أمرائه فحاصرها فامتنعت ورجع إلى ملاطفة صاحبها فأجاب وعوضه نور الدين عنها سروج وأعمالها وساحة حلب ومراغة وعشرين ألف دينار وملك قلعة جعبر سنة أربع وستين وانقرض أمر بني مالك منها والبقاء لله وحده. ٥/٢٩١
رحلة زين الدين نائب الموصل إلى أربل واستبداد قطب الدين بملكه
قد كان تقدم لنا أن نصير الدين جقري كان نائب الأتابك زنكي بالموصل وقتل البارسلان ابن السلطان محمود آخر سنة تسع وثلاثين وخمسمائة طمعا في الملك لغيبة الأتابك فرجع من غيبته في حصار البيرة وقدم مكانه زين الدين علي بن كمستكين بقلعة الموصل فلم يزل بها بقية أيام الأتابك وأيام ابنه غازي وابنه الآخر قطب الدين سنة ثمان وخمسين على وزيرهم جمال الدين محمد بن علي بن منصور الأصبهاني فاعتقله وهلك لسنة من الاعتقال وحمل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم فدفن بها في رباط هناك أعده لذلك وكانت وفاته أيام سيف الدين غازي بن قطب الدين فولي مكانه جلال الدين أبا الحسن ابنه وكان زين الدين علي بن كمستكين ويعرف بكجك قد استبد في دولة قطب الدين واستغل بحكم الدولة وصارت بيده أكثر البلاد اقطاعا مثل أربل وشهرزور والقلاع التي في تلك البلاد الهكارية منها العمادية وغيرها والحميدية وتكريت وسنجار وقد كان نقل أهله وولده وذخائر إلى أربل وأقام بمحلها نيابته من قلعة الموصل فأصابه الكبر وطرقه العمى والصمم فعزم على مفارقة الموصل إلى كسر بيته بأربل فسلم جميع البلاد التي بيده إلى قطب الدين ما عدا أربل وسار إليها سنة أربع وستين وأقام قطب الدين مكانه فخر الدين عبد المسيح خصيا من موالي جده الأتابك زنكي وحكمه في دولته فنزل بالقلعة وعمرها وكان الخراب قد لحقها بإهمال زين الدين أمر البناء والله تعالى أعلم.
حصار نور الدين قلعة الكرك
ثم بعث صلاح الدين سنة خمس وستين إلى نور الدين محمود يطلب إنفاذ أبيه نجم الدين أيوب إليه فبعثه في عسكر واجتمع إليه خلق من التجار ومن أصحاب صلاح الدين وخشي عليهم نور الدين في طريقهم من الإفرنج فسارت العساكر إلى الكرك وهو حصن اختطه من الإفرنج البرنس إرقاط واختط له قلعة فحاصره نور الدين وجمع له الإفرنج فرحل إلى مقدمتهم قبل أن يتلاحقوا فخاموا عن لقائه ونكصوا على أعقابهم وسار في بلادهم فاكتسحها وخرب ما مر به من القلاع وانتهى إلى بلاد المسلمين حتى نزل حوشب وبعث ٥/٢٩٢
نجم الدين من هنالك إلى مصر فوصلها منتصف خمس وستين وركب العاضد للقائه ولما كان نور الدين بعشيرا سار للقاء شهاب الدين محمد بن الياس بن أبي الغازي بن أرتق صاحب قلعة أكبره فلما انتهى إلى نواحي بعلبك لقي سرية من الإفرنج فقاتلهم وهزمهم واستلحمهم وجاء بالأسرى ورءوس القتلى إلى نور الدين وعرف الرءوس مقدم الإستبان صاحب حصن الأكراد وكان شجى في قلوب المسلمين وبلغه وهو بهذا المنزل خبر الزلازل التي عمت البلاد بالشام والموصل والجزيرة والعراق وخرجت أكثر البلاد بعمله فسار إليها وشغل في إصلاحها من واحدة إلى أخرى حتى أكملها بمبلغ جهده واشتغل الإفرنج بعمارة بلادهم أيضا خوفا من غائلته والله تعالى أعلم.
وفاة قطب الدين صاحب الموصل وملك ابنه سيف الدين غازي
ثم توفي قطب الدين مودود بن الأتابك زنكي صاحب الموصل في ذي الحجة سنة خمس وستين لإحدى وعشرين سنة ونصف من ملكه وعهد لابنه الأكبر عماد الدين بالملك وكان القائم بدولته فخر الدين عبد المسيح وكان شديد الطواعية لنور الدين محمود ويعلم ميله عن عماد الدين زنكي بن مودود فعدل عنه إلى أخيه سيف الدين غازي بن مودود بموافقة أمه خاتون بنت حسام الدين تمرتاش بن أبي الغازي ولحق عماد الدين بعمه نور الدين منتصرا به وقام فخر الدين عبد المسيح بتدبير الدولة بالموصل واستبد بها والله تعالى أعلم.
استيلاء نور الدين على الموصل وإقراره ابن أخيه سيف الدين عليها
ولما ولي سيف الدين غازي بالموصل بعد أبيه قطب الدين واستبد عليه فخر الدين عبد المسيح كما تقدم وبلغ الخبر إلى نور الدين باستبداده أنف من ذلك وسار في خف من العسكر وعبر الفرات عند جعبر أول سنة ست وستين وقصد الرقة فملكها ثم الخابور فملك جميعه ثم ٥/٢٩٣
نصيبين وكلها من أعمال الموصل وجاءه هناك نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب كيفا مددا ثم سار إلى سنجار فحاصرها وملكها وسلمها لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين ثم جاءته كتب الأمراء بالموصل فاستحثوه فأغذ السير إلى مدينة كلك ثم عبر الدجلة ونزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل وسقطت ذلك اليوم ثلمة كبيرة من سور الموصل وكان سيف الدين غازي قد بعث أخاه عز الدين مسعود إلى الأتابك شمس الدين صاحب همذان وبلاد الجبل وأذربيجان وأصبهان والري يستنجده على عمه نور الدين فأرسل أيلدكز إلى نور الدين ينهاه عن الموصل فأساء جوابه وتوعده وأقام يحاصر الموصل ثم اجتمع أمراؤها على طاعة نور الدين ولما استحث فخر الدين عبد المسيح استأمن إلى نور الدين على أن يبقى سيف الدين ابن أخيه على ملكها فأجابه على أن يخرج هو عنه ويكون معه بالشام وتم ذلك بينهما وملك نور الدين منتصف جمادى الأولى من سنة ست وستين ودخل المدينة واستناب بالقلعة خصيا اسمه كمستكين ولقبه سعد الدين فأقر سيف الدين ابن أخيه على ملكه وخلع عليه خلعة وردت عليه من الخليفة المستضيء وهو يحاصرها وأمر ببناء جامع بالموصل فبني وشهر باسمه وأمر سيف الدين أن يشاور كمستكين في جميع أموره وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين وعاد إلى الشام والله تعالى أعلم.
الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين
ثم سار صلاح الدين في صفر سنة تسع وستين من مصر إلى بلاد الإفرنج غازيا ونازل حصن الشويك من أعمال واستأمن إليه أهله على أن يمهلهم عشرة أيام فأجابهم وسمع نور الدين بذلك فسار من دمشق غازيا أيضا بلاد الإفرنج من جانب آخر وتنصح لصلاح الدين أصحابه بأنك ان ظاهرته على الإفرنج اضمحل أمرهم فاستطال عليك نور الدين ولا تقدر على الامتناع منه فترك الشويك وكر راجعا إلى مصر وكتب لنور الدين يعتذر له بأنه بلغه عن بعض سفلة العلويين بمصر أنهم معتزمون على الوثوب فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك واعتزم على عزله عن مصر فاستشار صلاح الدين أباه وخاله شهاب الدين ٥/٢٩٤
الحارمي وقرابتهم فأشار عليه تقي الدين عمر بن أخيه بالامتناع والعصيان ففكر عليه نجم الدين أبوه وقال له ليس منا من يقوم بعصيان نور الدين لو حضر أو بعث وأشار عليه بأن يكاتبه بالطاعة وأنه إن عزم على أخذ البلاد منك فسلمها ويصل بنفسه وافترق المجلس فخلا به أبوه وقال مالك توجد بهذا الكلام السبيل للأمراء في استطالتهم عليك ولو فعلتم ما فعلتم كنت أول الممتنعين عليه ولكن ملاطفته أولى وكتب صلاح الدين إلى نور الدين بما أشار به أبوه من الملاطفة فتركهم نور الدين وأعرض عن قصدهم ثم توفي واشتغل صلاح الدين بملك البلاد ثم جمع نور الدين العساكر وسار لغزو الإفرنج بسبب ما أخذوه لأهل البلاد من مراكب التجار ونكثوا فيها العهد مغالطين بأنها تكسرت فلم يقبل مغالطتهم وسار إليهم وبث السرايا في بلادهم نحو أنطاكية وطرابلس وحاصر هو حصن عرقة وخرب ربضه وأرسل عسكرا إلى حصن صافيتا وعريمة ففتحهما عنوة وخربهما ثم سار من عرقة إلى طرابلس واكتسح كل ما مر عليه حتى رجع الإفرنج إلى الإنصاف من أنفسهم وردوا ما أخذوا من المكرمين الأعزين وسألوا تجديد الهدنة فأجابهم بعد أن خربت بلادهم وقتلت رجالهم وغنمت أموالهم ثم اتخذ نور الدين في هذه السنة الحمام بالشام تطير إلى أوعارها من لاتساع بلاده ووصول الأخبار بسرعة فبادر إلى القيام بواجبة وأجرى الجرايات على المرتبين لحفظها لتصل الكتب في أجنحتها ثم أغار الإفرنج على حوران من أعمال دمشق وكان نور الدين بمنزل الكسوة فرحل إليهم ورحلوا أمامه إلى السواد وتبعهم المسلمون ونالوا منهم ونزل نور الدين على عشيرا وبعث منها سرية إلى أعمال طبرية فاكتسحها وسار الإفرنج لمدافعتهم فرجعوا عنها وأتبعهم الإفرنج فعبروا النهر وطمعوا في استنقاذ غنائمهم فقاتلهم المسلمون دونها أشد قتال إلى أن استنقذت وتحاجزوا ورجع الإفرنج خائبين والله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين بمنه وكرمه.
واقعة ابن ليون ملك الأرمن بالروم
كان مليح بن ليون صاحب دروب حلب أطاع نور الدين محمود بن زنكي وأمره على الحمالة ٥/٢٩٥
وأقطعه ببلاد الشام وكان يسير في خدمته ويشهد حروبه مع الإفرنج أهل ملته وكان الأرمني أيضا يستظهر به على أعدائه وكانت أذنة والمصيصة وطرسوس مجاورة لابن ليون وهي بيد ملك الروم صاحب القسطنطينية فتغلب عليها ابن ليون وملكها وبعث صاحب القسطنطينية منتصف سنة ثمان وستين وخمسمائة جيشا كثيفا مع عظيم من بطارقته فلقيه ابن ليون بعد أن استنجد نور الدين فأنجده بالعساكر وقاتلهم فهزمهم وبعث بغنائمهم وأسراهم إلى نور الدين وقويت شوكة ابن ليون ويئس الروم من تلك البلاد والله تعالى أعلم.
مسير نور الدين إلى بلاد الروم
كان ذو النون بن محمد بن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس وأخصرى وقيسارية ملكها بعد عمه باغي أرسلان وأخيه إبراهيم بن محمد فلم يزل قليج أرسلان بن محمد بن قليج أرسلان يتخيف بلاده إلى أن استولى عليها ولحق ذو النون بنور الدين صريخا وأرسل إلى قليج أرسلان بالشفاعة في رد بلاده فلم يشفعه فسار إليه وملك من بلاده بكسور ومهنسا ومرعش ومرزبان وما بينهما في ذي القعدة سنة ثمان وستين ثم بعث عسكرا إلى سيواس فملكوها ثم أرسل قليج أرسلان إلى نور الدين يستعطفه وقد كان يجيز أمامه إلى قاصية بلاده فأجابه نور الدين إلى الصلح على أن ينجده بعسكر الافرنج ويبقى سيواس بيد ذي النون وعسكر نور الدين الذي معه فيها ورجع نور الدين إلى بلاده وبقيت سيواس بيد ذي النون حتى مات نور الدين وعاد قليج أرسلان ثم وصل رسول نور الدين من بغداد كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري ومعه منشور من الخليفة المستضيء لنور الدين بالموصل والجزيرة وأربل وخلاط والشام وبلاد الروم وديار مصر والله سبحانه وتعالى أعلم.
مسير صلاح الدين إلى الكرك ورجوعه
ولما كانت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين كما قدمناه واعتزم نور الدين على عزله عن مصر واستعطفه صلاح الدين كان فيما تقرر بينهما أنهما يجتمعان على الكرك وأيهما سبق انتظر صاحبه فسار صلاح الدين من مصر في شوال سنة ثمان وستين وسبق إلى الكرك وحاصره وخرج نور الدين بعد أن بلغه مسير صلاح الدين من مصر وأزاح علل العساكر وانتهى إلى الرقيم على مرحلتين من الكرك فخافه صلاح الدين على نفسه وخشي أن يعزله عند لقائه ٥/٢٩٦
وكان استخلف أباه نجم الدين أيوب على مصر فبلغه أنه طرقه مرض شديد فوجد فيه عذر لنور الدين وكر راجعا إلى مصر وبعث الفقيه عيسى بذلك العذر وان حفظه مصر أهم عليه فلما وصل مصر وجد أباه قد توفي من سقطة سقطها عن مركوبة هزه المرح فرماه وحمل إلى بيته وقيذا ومات لأيام قريبة آخر ذي الحجة من السنة ورجع نور الدين إلى دمشق وكان قد بعث رسوله كمال الدين الشهرزوري القاضي ببلاده وصاحب الوقوف والديوان لطلب التقليد للبلاد التي بيده مثل مصر والشام والجزيرة والموصل والتي دخلت في طاعته كديار بكر وخلاط وبلاد الروم وأن يعادله ما كان لأبيه زنكي من الإقطاع بالعراق وهي صريفين ودرب هارون وأن يسوغ قطعة أرض على شاطئ دجلة بظاهر الموصل يبني فيها مدرسة للشافعية فاسعف بذلك كله.
وفاة نور الدين محمود وولاية ابنه إسماعيل الصالح
ثم توفي نور الدين محمود بن الأتابك زنكي حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة لسبع عشرة سنة من ولايته وكان قد شرع في التجهز لأخذ مصر من صلاح الدين بن أيوب واستنفر سيف الدين ابن أخيه في العساكر موريا بغزو الإفرنج وكان قد اتسع ملكه وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لما ملكها سيف الدولة بن أيوب وكان معتنيا بمصالح المسلمين مواظبا على الصلاة والجهاد وكان عارفا بمذهب أبي حنيفة ومتحريا للعدل ومتجافيا عن أخذ المكوس في جميع أعماله وهو الذي حصن قلاع الشام وبني الأسوار على مدنها مثل دمشق وحمص وحماة وشيرز وبعلبك وحلب وبنى مدارس كثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل والمارستانات والخانات في الطريق والخوانق للصوفية في البلاد واستكثر من الأوقاف عليها يقال بلغ ريع أوقافه في كل شهر تسعة آلاف دينار صوري وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويتمثل لهم قائما ويؤنسهم في المجالسة ولا يرد لهم قولا وكان متواضعا مهيبا وقورا ولما توفي اجتمع الأمراء والمقدمون وأهل الدولة بدمشق وبايعوا ابنه الملك الصالح إسماعيل وهو ابن إحدى عشرة سنة وحلفوا له وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر وخطب له هنالك وضرب السكة باسمه وقام بكفالته وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم وأشار عليه القاضي كمال الدين الشهرزوري بأن يرجعوا في جميع أمورهم إلى صلاح الدين لئلا ينبذ طاعتهم فأعرضوا عن ذلك والله تعالى ولي التوفيق. ٥/٢٩٧
استيلاء سيف الدين غازي على بلاد الجزيرة
قد كنا قدمنا أن نور الدين استولى على بلاد الجزيرة وأقر سيف الدين ابن أخيه قطب الدين على الموصل واحتمل معه فخر الدين عبد المسيح الذي ولى سيف الدين واستبد عليه بأمره وولى على قلعة الموصل سعد الدين كمستكين ولما استنفرهم نور الدين بين يدي موته سار إليه سيف الدين غازي وكمستكين الخادم في العساكر وبلغهم في طريقهم خبر وفاته وكان كمستكين في المقدمة فهرب إلى حلب واستولى سيف الدين على مخلفه وسواده وعاد إلى نصيبين فملكها وبعث العساكر إلى الخابور فاستولى عليها وعلى أقطاعها ثم سار إلى حران وبها قايماز الحراني مولى نور الدين فحاصرها أياما ثم استنزله على أن يقطعه حران فلما نزل قبض عليه وملكها ثم سار إلى الرها وبها خادم لنور الدين استسلمها وعوضه عنها قلعة الزعفراني من جزيرة ابن عمر وانتزعها منه بعد ذلك سار إلى الرقة وسروج فملكها واستوعب بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر لامتناعها وسوى رأس عين كانت لقطب الدين صاحب ماردين وهو ابن خاله وكان شمس الدين علي ابن الداية بحلب وهو من أكبر أمراء نور الدين ومعه العساكر ولم يقدر على مدافعة سيف الدين فخر الدين عبد المسيح وكان نور الدين تركه قبل موته بسيواس مع ذي النون بن الدانشمند فلما مات نور الدين رجع إلى صاحبه سيف الدين غازي وهو الذي كان ملكه فوجده بالجزيرة وقد ملكها فأشار عليه بالعبور إلى الشام وعارضه آخر من أكبر الأمراء في ذلك فرجع سيف الدين إلى قوله وعاد إلى الموصل وأرشد صلاح الدين إلى الملك الصالح وأهل دولته يعاتبهم حيث لم يستدعوه لمدافعة سيف الدين عن الجزيرة ويتهدد ابن المقدم وأهل الدولة على انفرادهم بأمر الملك الصالح دونه وعلى قعودهم عن مدافعة سيف الدين غازي ثم أرسل شمس الدين ابن الداية إلى الملك الصالح يستدعيه من دمشق إلى حلب ليدافع شمس الدين ابن عمه قطب الدين عن الجزيرة فمنعه أمراؤه عن ذلك مخافة أن يستولي عليه ابن الداية والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه.
حصار الإفرنج بانياس
ولما مات نور الدين اجتمع الإفرنج وحاصروا قلعة بانياس من أعمال دمشق وجمع شمس الدين بن المقدم العساكر وسار عن دمشق وراسل الإفرنج وتهددهم بسيف الدين صاحب الموصل وصلاح الدين صاحب مصر فصالحوه على مال يبعثه إليهم واشترى من الإفرنج ٥/٢٩٨
وأطلعهم وتقررت الهدنة وبلغ ذلك صلاح الدين فنكره واستعظمه وكتب إلى الصالح وأهل دولته يقبح مرتكبهم ويعدهم بغزوة الإفرنج وقصده إنما هو طريقه إلى الشام ليتملك البلاد وإنما صالح ابن المقدم الإفرنج خوفا منه ومن سيف الدين والله تعالى أعلم.
استيلاء صلاح الدين على دمشق
ولما كان ما ذكرناه من استيلاء سيف الدين غازي على بلاد الجزيرة خاف شمس الدين ابن الداية منه على حلب وكان سعد الدين كمستكين قد هرب من سيف الدين غازي إليه فأرسله إلى دمشق ليستدعي الملك الصالح للمدافعة فلما قارب دمشق أنفذ ابن المقدم إليه عسكرا فنهبوه وعاد إلى حلب ثم رأى ابن المقدم وأهل الدولة بدمشق أن مسير الصالح إلى حلب أصلح فبعثوا إلى كمستكين وبعثوا معه الملك الصالح فلما وصل إلى حلب قبض كمستكين على ابن الداية وإخوته وعلى رئيس حلب ابن الخشاب وعلى مقدم الأحداث بها واستبد بأمر الصالح وخشي ابن المقدم وأمراؤه بدمشق غائلته فكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل أن يملكوه فأحجم عن المسير إليهم وظنها مكيدة وبعث بخبرهم إلى كمستكين وصالحه على مال أخذه من البلاد فكثر ارتياب القوم في دمشق فكاتبوا صلاح الدين بن أيوب فطار إليهم ونكب عن الإفرنج في طريقه وقصد بصرى وأطاعه صاحبها ثم سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج إليه أهل الدولة بمقدمهم شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم وهو الذي كان أبوه سلم سنجار لنور الدين سنة أربع وأربعين كما مر ودخل صلاح الدين دمشق آخر ربيع سنة سبعين ونزل دار أبيه المعروفة بدار العفيفي وكان في القلعة ريحان خديم نور الدين فبعث إليه صلاح الدين القاضي كمال الدين الشهرزوري بأنه على طاعة الصالح والخطبة له في بلاده وانه إنما جاء ليرتجع البلاد التي أخذت له فسلم إليه ريحان القلعة واستولى على ما فيها من الأموال وهو في ذلك كله يظهر طاعة الملك الصالح ويخطب له وينقش السكة باسمه انتهى والله أعلم.
استيلاء صلاح الدين على حمص وحماة ثم حصاره حلب ثم ملكه بعلبك
ولما ملك صلاح الدين دمشق من إيالة الملك الصالح استخلف عليها أخاه سيف الإسلام طغركين بن أيوب وكانت حمص وحماة وقلعة مرعش وسليمية وتل خالد والرها من بلاد الجزيرة ٥/٢٩٩
في إقطاع فخر الدين مسعود الزعفراني من أمراء نور الدين ما عدا القلاع منها ولما مات نور الدين أجفل الزعفراني عنها لسوء سيرته ولما ملك صلاح الدين دمشق سار إلى حمص فملك البلد وامتنعت القلعة بالوالي الذي بها فجهز عسكرا لحصارها وسار إلى حماة فنازلها منتصف شعبان وبقلعتها الأمير خرديك فبعث إليه صلاح الدين بأنه في طاعة الملك صالح وإنما جاء لمدافعة الإفرنج عنه وارتجاع بلاده بالجزيرة من ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل واستخلفه على ذلك عز الدين ثم بعثه صلاح الدين إلى الملك الصالح بحلب في الاتفاق وإطلاق شمس الدين علي حسن وعثمان تقي الدين من الاعتقال فسار عز الدين لذلك واستخلف بالقلعة أخاه ولما وصل إلى حلب قبض عليه كمستكين وحبسه فسلم أخوه قلعة حماة لصلاح الدين وملكها ثم سار صلاح الدين من وقته الى حلب وحاصرها وركب الملك الصالح وهو صبي مناهز فسار في البلد واستعان بالناس وذكر حقوق أبيه فبكى الناس رحمة له واستماتوا دونه وخرجوا فدافعوا عسكر صلاح الدين ودس كمستكين إلى مقدم الإسماعيلية في الفتك بصلاح الدين فبعث لذلك فداوية منهم وشعر بذلك بعض أصحاب صلاح الدين وجماعة منهم معه وقتلوا عن آخرهم وأقام صلاح الدين محاصرا لحلب وبعث كمستكين إلى الإفرنج يستنجدهم على منازلة بلاد صلاح الدين ليرحل عنهم وكان القمص سمند السنجيلي صاحب طرابلس أسره نور الدين في حارم سنة تسع وخمسين وبقي معتقلا بحلب فأطلقه الآن كمستكين بمائة وخمسين ألف دينار صورية وألف أسير وكان متغلبا على ابن مري ملك الإفرنج لكونه محذوفا لا يصدر إلا عن رأيه فسار بجموع الإفرنج إلى حصن الرستن سابع رجب وصالحهم صلاح الدين من الغد فأجفلوا وحاصر هو القلعة وملكها آخر شعبان واستولى على أكثر الشام ثم سار إلى بعلبك وبها يمن الخادم من موالي نور الدين فحاصرها حتى استأمنوا إليه فملكها منتصف رمضان من السنة وأقطعها شمس الدين محمد ابن عبد الملك المقدم بما تولى له من إظهار طاعته بدمشق وتسليمها له والله تعالى أعلم.
حروب صلاح الدين مع سيف الدين غازي صاحب الموصل وغلبه إياه واستيلاؤه على بغدوين وغيرها من أعمال الملك الصالح ثم مصالحته على حلب
لما ملك صلاح الدين حمص وحماة وحاصر حلب كاتب الملك الصالح إسماعيل من حلب ٥/٣٠٠
إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده فجمع عساكره واستنجد أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار فلم يجبه لما كان بينه وبين صلاح الدين وأنه ولاه سنجار ويطمعه في الملك فبعث سيف الدين غازي بالعساكر لمدافعة صلاح الدين عن الشام في رمضان سنة سبعين وخمسمائة مع أخيه عز الدين مسعود وأمير جيوش عز الدين القندار وجعل التدبير إليه وسار هو إلى سنجار فحاصر بها أخاه عماد الدين وامتنع عليه وبينما هو يحاصره جاءه الخبر بأن صلاح الدين هزم أخاه عز الدين وعساكره فصالح عماد الدين على سنجار وعاد إلى الموصل ثم جهز أخاه عز الدين في العساكر ثانية ومعه القندار وساروا إلى حلب فانضمت إليهم عساكره وساروا جميعا إلى صلاح الدين فأرسل إلى عماد الدين بالموصل في الصلح بينه وبين الملك الصالح على أن يرد عليه حمص وحماة ويسوغه الصالح دمشق فأبى إلا ارتجاع جميع بلاد الشام واقتصاره على مصر سار صلاح الدين إلى عساكرهم ولقيها قريبا من حماة فانهزمت وثبت عز الدين ليلا ثم صدق عليه صلاح الدين الحملة فانهزم وغنم سوادهم ومخلفهم وأتبع عساكر حلب حتى أخرجهم منها وحاصرها وقطع خطبة الملك الصالح وبعث بالخطبة للسلطان في جميع بلاده ولما طال عليهم الحصار صالحوه على إقراره على جميع ما ملك من الشام رحل عن حلب عاشر شوال من السنة وعاد إلى حماة ثم سار منها إلى بغدوين وكانت لفخر الدين مسعود بن الزعفراني من أمراء نور الدين وكان قد اتصل بالسلطان صلاح الدين واستخدم له ثم فارقه حيث لم يحصل على غرضه عنده فلحق ببغدوين وبها نائب الزعفراني فحاصرها حتى استأمنوا إليه وأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي وأقطع حمص ناصر الدين ابن عمه شيركوه وعاد إلى دمشق آخر سنة سبعين وكان سيف الدين غازي صاحب الموصل بعد هزيمة أخيه وعساكره عاد من حصار أخيه بسنجار كما قلناه إلى الموصل فجمع العساكر وفرق الأموال واستنجد صاحب كيفا وصاحب ماردين وسار في ستة آلاف فارس وانتهى إلى نصيبين في ربيع سنة إحدى وسبعين فأقام إلى انسلاخ فصل الشتاء وسار إلى حلب فبرز إليه سعد الدين كمستكين الخادم مدبر الصالح في عساكر حلب وبعث صلاح الدين عن عساكره من مصر وقد كان أذن لهم في الانطلاق فجاءوا إليه وسار من دمشق إلى سيف الدين وكمستكين فلقيهم بتل الفحول وانهزموا راجعين إلى حلب وترك سيف الدين أخاه عز الدين بها في جمع من العساكر وعبر الفرات إلى الموصل يظن أن صلاح الدين في اتباعه وشاور الصالح وزيره جلال الدين ومجاهد الدين قايماز في مفارقة الموصل إلى قلعة الحميدية ٥/٣٠١
فعارضاه في ذلك ثم عزل القندار عن إمارة الجيوش لأنه كان جر الهزيمة برأيه ومفارقته وولى مكانه مجاهد الدين قايماز ولما انهزمت العساكر أمام صلاح الدين وغنم مخلفها سار إلى مراغة وملكها وولى عليها ثم سار إلى منبج وبها صاحبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجي وكان شديد العداوة لصلاح الدين فملك المدينة وحاصره بالقلعة وضيق مخنقة ثم نقب أسوارها وملكها عليه عنوة وأسره ثم أطلقه سليبا فلحق بالموصل وأقطعه سيف الدين الرقة ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة عزاز وهي في غاية المنعة فحاصرها أربعين يوما حتى استأمنوا إليه فتسلمها في الأضحى ثم رحل إلى حلب فحاصرها وبها الملك الصالح واشتد أهلها في قتاله فعدل إلى المطاولة ثم سعى بينهما في الصلح وعلى أن يدخل فيه سيف الدين صاحب الموصل وصاحب كيفا وصاحب ماردين فاستقر الأمر على ذلك وخرجت أخت الملك الصالح إلى صلاح الدين فأكرمها وأفاض عليها العطاء وطلبت منه قلعة عزاز فأعطاها إياها ورحل إلى بلاد الإسماعيلية والله سبحانه وتعالى أعلم.
عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين صاحب الموصل ورجوعه
كان مجاهد الدين قايماز متولى مدينة اربل وكان بينه وبين شهاب الدين محمد بن بدران صاحب شهرزور عداوة فلما ولى سيف الدين مجاهد الدين قايماز نيابة الموصل خاف شهاب الدين غائلته عن تعاهد الخدمة بالموصل وأظهر الامتناع وذلك سنة اثنتين وسبعين فخاطبه جلال الدين الوزير في ذلك مخاطبة بليغة وحذره ورغبه فعاود الطاعة وبادر الى الحضور بالموصل والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
نكبة كمستكين الخادم ومقتله
كان سعد الدين كمستكين الخادم قائما بدولة الملك الصالح في حلب وكان يناهضه فيها أبو صالح العجمي فقدم عند نور الدين وعند ابن الملك الصالح وتجاوز مراتب الوزير فعدا عليه بعض الباطنية فقتله وخلا الجو لكمشتكين وانفرد بالاستبداد على الصالح وكثرت السعاية فيه بحجر السلطان والاستبداد عليه وأنه قتل وزيره فقبض عليه وامتحنه وكان قد أقطعه قلعة حارم فامتنع بها أصحابه وأرادهم الصالح على تسليمها فامتنعوا وهلك ٥/٣٠٢
كمستكين في المحنة وطمع فيها وساروا اليها وحاصروها وصانعهم الصالح بالمال فرجعوا عنها وبعث هو عساكره اليها وقد جهدهم الحصار فسلموها له وولى عليها والله تعالى أعلم.
وفاة الصالح إسماعيل واستيلاء ابن عمه عز الدين مسعود على حلب
ثم توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب في منتصف سنة سبع وسبعين لثمان سنين من ولايته وعهد بملكه لابن عمه عز الدين صاحب الموصل واستحلف أهل دولته على ذلك بعضهم بعماد الدين صاحب سنجار أخي عز الدين الأكبر لمكان صهره على أخت الصالح وأن أباه نور الدين كان يميل اليه فأبي وقال عز الدين أنا أقدر على مدافعة صلاح الدين عن حلب فلما قضى نحبه أرسل الأمراء بحلب الى عز الدين مسعود يستدعونه هو ومجاهد الدين قايماز الى الفرات ولقي هنالك أمراء حلب وجاءوا معه فدخلها آخر شعبان من السنة وصلاح الدين يومئذ بمصر بعيدا عنهم وتقي الدين عمر ابن أخيه في منبج فلما أحس بهم فارقها الى حماة وثار به أهل حماة ونادوا بشعار عز الدين وأشار أهل حلب عليه بقصد دمشق وبلاد الشام وأطمعوه فيها فأبى من أجل العهد الذي بينه وبين صلاح الدين ثم أقام بحلب شهورا وسار عنها الى الرقة والله تعالى أعلم.
استيلاء عماد الدين على حلب ونزوله عن سنجار لأخيه عز الدين
ولما انتهى عز الدين الى الرقة منقلبا من حلب وافقه هنالك رسل أخيه عماد الدين صاحب سنجار يطلب منه أن يملكه مدينة سنجار وينزل هو له عن حلب فلم يجبه الى ذلك فبعث عماد الدين اليه بأنه يسلم سنجار الى صلاح الدين فحمل الأمراء حينئذ على معارضته على سنجار وتحمسهم له ولم يكن لعز الدين مخالفا لتمكنه في الدولة وكثرة بلاده وعساكره فأخذ سنجار من أخيه عماد الدين وأعطاه حلب وسار اليها عماد الدين وملكها وسهل أمره على صلاح الدين بعد ان كان متخوفا من عز الدين على دمشق والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٣٠٣
مسير صلاح الدين الى بلاد الجزيرة وحصاره الموصل واستيلاؤه على كثير من بلادها ثم على سنجار
كان عز الدين صاحب الموصل قد أقطع مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك مدينة حران وقلعتها ولما سار صلاح الدين لحصار البيرة جنح اليه مظفر الدين ووعده النصر واستحثه للقدوم على الجزيرة فسار الى الفرات موريا بقصد وعبر اليه مظفر الدين فلقيه وجاء معه الى البيرة وهي قلعة منيعة على الفرات من عدوة الجزيرة وكان صاحبها من بني ارتق أهل ماردين قد أطاع صلاح الدين فعبر من جسرها وعز الدين صاحب الموصل يومئذ قد سار ومعه مجاهد الدين الى نصيبين لمدافعة صلاح الدين عن حلب فلما بلغهما عبوره الفرات عادا الى الموصل وبعثا حامية الى الرها وكاتب صلاح الدين ملوك النواحي بالنجدة والوعد على ذلك وكان تقدم العهد بينه وبين نور الدين محمد بن قرا ارسلان صاحب كيفا على أن صلاح الدين يفتح آمد ويسلمها اليه فلما كاتبهم الآن كان صاحب كيفا أول مجيب وسار صلاح الدين الى الرها فحاصرها في جمادى سنة ثمان وسبعين وبها يومئذ فخر الدين مسعود الزعفراني فلما اشتد به الحصار استأمن الى صلاح الدين وحاصر معه القلعة حتى سلمها نائبها على مال أخذه وأقطعها صلاح الدين مظفر الدين كوكبري صاحب حران وسار عنها الى الرقة وبها نائبها قطب الدين نيال بن حسان المنجي فاجفل عنها الى الموصل وملكها صلاح الدين وسار الى الخابور وهو قرقيسيا وماكسين وعرمان فاستولى على جميعها وسار الى نصيبين فملكها لوقتها وحاصر القلعة أياما وملكها وأقطعها أبا الهيجاء السمين من أكبر أمرائه وسار عنها وملكها ومعه صاحب كيفا وجاءه الخبر بأن الافرنج أغاروا على أعمال دمشق ووصلوا داريا فلم يحفل بخبرهم واستمر على شأنه وأغراه مظفر الدين كوكبري وناصر الدين محمد بن شيركوه بالموصل ورجحا قصدها على سنجار وجزيرة ابن عمر كما أشار عليهما فسار صلاح الدين وصاحبها عز الدين ونائبة مجاهد الدين وقد جمعوا العساكر وأفاضوا العطاء وشحنوا البلاد التي بأيديهم كالجزيرة وسنجار والموصل واربل وسار صلاح الدين حتى قاربها وسار هو ومظفر الدين وابن شيركوه في أعيان دولته الى السور فرآه مخايل الامتناع وقال لمظفر الدين ولناصر الدين ابن عمه قد ٥/٣٠٤
أغررتماني ثم صبح البلد وناشبه وركب أصحابه في المقاعد للقتال ونصب منجنيقا فلم يغن ونصب اليه من البلد تسعة ثم خرج اليه جماعة من البلد وأخذوه وكانوا يخرجون ليلا من البلد بالمشاعل يوهمون الحركة فخشي صلاح الدين من البيات وتأخر عن القصد وكان صدر الدين شيخ الشيوخ قد وصل من قبل الخليفة الناصر مع بشير الخادم من خواصه في الصلح بين الفريقين على اعادة صلاح الدين بلاد الجزيرة فأجاب على اعادة الآخرين حلب فامتنعوا ثم رجع عن شرط حلب الى ترك مظاهرة صاحبها فاعتذروا عن ذلك ووصلت رسل صاحب أذربيجان قرا ارسلان وأرسل صاحب خلاط شاهرين فلم ينتظم بينهما أمر ورحل صلاح الدين عن الموصل الى سنجار فحاصرها وبها أمير أميران وأخوه عز الدين صاحب الموصل في عسكر ولقيه شرف الدين وجاءها المدد من الموصل فحال بينهم وبينها وداخله بعض أمراء الأكراد من الدوادية من داخلها فكبسها صلاح الدين من ناحيته واستأمن شرف الدين لوقته فأمنه صلاح الدين ولحق بالموصل وملك صلاح الدين سنجار وصارت سياجا على جميع ما ملكه بالجزيرة وولى عليها سعد الدين بن معين الدين أنز الذي كان متغلبا بدمشق على آخر طغركين وعاد فمر بنصيبين وشكا اليه أهلها من أبي الهيجاء السمين فعزله وسار الى حران بلد مظفر الدين كوكبري فوصلها في القلعة من سنة سبع وثمانين فأراح بها وأذن لعساكره في الانطلاق وكان عز الدين قد بعث الى شاهرين صاحب خلاط يستنجده وأرسل شاهرين الى صلاح الدين بالشفاعة في ذلك رسلا عديدة آخرهم مولاه سكر جاه وهو على سنجار فلم يشفعه أخاه من ذلك وفارقه مغاضبا وسار شاهرين الى قطب الدين صاحب ماردين وهو ابن أخته وابن حال عز الدين وصهره على بنته فاستنجده وسار معه وجاءهم عز الدين من الموصل في عساكره واعتزموا على قصد صلاح الدين وبلغه الخبر وهو مريح بحران فبعث عن تقي الدين ابن أخيه صاحب حمص وحماة وارتحل للقائهم ونزل رأس عين فخاموا عن لقائه ولحق كل ٥/٣٠٥
ببلده وسار صلاح الدين الى ماردين فأقام عليها أياما ورجع والله تعالى أعلم.
استيلاء صلاح الدين على حلب وأعمالها
ولما ارتحل صلاح الدين عن ماردين قصد آمد فحاصرها سنة تسع وسبعين وملكها وسلمها لنور الدين محمد بن قرا ارسلان كما كان العهد بينهما وقد أشرنا اليه ثم سار الى الشام فحاصر تل خالد من أعمال حلب حتى استأمنوا اليه وملكها في محرم سنة تسع وسبعين وسار منها الى عينتاب وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسماعيل خازن نور الدين محمود وصاحبه ولاه عليها نور الدين فلم يزل بها فاستأمن الى صلاح الدين على أن يقره على الحصن ويكون في خدمته فأقره وأطاعه ورحل صلاح الدين الى حلب وبها عماد الدين زنكي بن مودود ونزل عليها بالميلان الأخضر أياما ثم انتقل الى جبل جوشن أياما أخرى وأظهر أنه أبنى عليها وعجز عماد الدين عن عطاء الجند فراسل صلاح الدين أن يعوضه عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فأجاب الى ذلك وأعطاه عنها تلك البلاد وملكها وكان في شرط صلاح الدين عليه انه يبادر الى الخدمة متى دعاه اليها وسار عماد الدين الى بلاده تلك ودخل صلاح الدين حلب في آخر سنة تسع وسبعين ومات عليها أخوه الأصغر تاج الملوك بوري بضربة في ركبته تصدعت لها ومات بعد فتح حلب ثم ارتحل صلاح الدين الى قلعة حارم وبها سرجك من موالي نور الدين ولاه عليها عماد الدين فلما سلم حلب لصلاح الدين امتنع سرجك في قلعة حارم فحاصره صلاح الدين وترددت الرسل بينهما وقد دس الى الافرنج ودعاهم وخشي الجند الذين معه أن يسلمها اليهم فحبسوه واستأمنوا الى صلاح الدين فملكها وولى عليها بعض خواصه وعلى تل خالد الأمير داروم الياروقي صاحب تل باشر وأقطع قلعة إعزاز الأمير سليمان بن جندر فعمرها بعد ان كان عماد الدين خربها وأقطع صلاح الدين أعمال حلب لأمرائه وعساكره والله تعالى أعلم.
نكبة مجاهد الدين قايمان
كان مجاهد الدين قايمان قائما بدولة الموصل ومتحكما فيها كما قلناه وكان عز الدين محمود الملقب القندار صاحب الجيش وشرف الدين أحمد بن أبي الخير الذي كان صاحب ٥/٣٠٦
العراق كان من أكابر الأمراء عند السلطان عز الدين مسعود صاحب الموصل وكانا يغريانه بمجاهد الدين ويكثران السعاية عنده فيه حتى اعتزم على نكبته ولم يقدر على ذلك في مجلسه لاستبداد مجاهد الدين وقوة شوكته فانقطع في بيته لعارض مرض وكان مجاهد الدين خصيا لا يحتجب منه النساء فدخل عليه يعوده فقبض عليه وركب الى القلعة فاحتوى على أمواله وذخائره وولى بها زلقندار نائبا وجعل ابن صاحب العراق أمير حاجبا وحكمهما في دولته وكان في يد مجاهد الدين اربل وأعمالها فيها زين الدين يوسف بن زين الدين علي كجك صبيا صغيرا تحت استبداده وبيده أيضا جزيرة ابن عمر لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي وهو صبي تحت استبداده وبيده أيضا شهرزور وأعمالها ودقوقا وقلعة عقر الحميدية ونوابه في جميعها ولم يكن لعز الدين مسعود بعد استيلاء صلاح الدين على الجزيرة سوى الموصل وقلعتها لمجاهد الدين وهو الملك في الحقيقة فلما قبض عز الدين عليه امتنع صاحب اربل واستبد بنفسه وكان صاحب جزيرة ابن عمر وبعث بطاعته الى صلاح الدين وبعث الخليفة الناصر شيخ الشيوخ وبشير الخادم بالصلح بين عز الدين وصلاح الدين على أن تكون الجزيرة واربل من أعماله وامتنع عز الدين وقال هما من أعمالي وطمع صلاح الدين في الموصل فتنكر عز الدين لزلقندار ولابن صاحب العراق لما حملاه عليه من الفساد لنكبة مجاهد الدين فبدأ أولا بعزل صاحب أذربيجان فقال له أنا أكفيكه وجهز له عسكرا نحو ثلاثة آلاف فارس وساروا نحو اربل فاكتسحوا البلد وخربوها وسار اليهم زين الدين يوسف بإربل فوجدهم مفترقين في النهب فهزمهم وما كان معهم وعاد مظفرا ولحق العجم ببلادهم وعاد مجاهد الدين الى الموصل والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق.
حصار صلاح الدين الموصل وصلحه مع عز الدين صاحبها
ثم سار صلاح الدين من دمشق في ذي القعدة سنة احدى وثمانين فلما انتهى الى حران قبض على صاحبها مظفر الدين كوكبري لانه كان لذلك وعده بخمسين ألف دينار حتى إذا وصل لم يف له بها فقبض عليه لانحراف أهل الجزيرة عنه فأطلقه ورد عليه عمله بحران والرها وسار عن حران وجاء معه عساكر كيفا وداري وعساكر جزيرة ابن عمر مع صاحبها معز.
الدين سنجر شاه ابن أخي عز الدين صاحب الموصل وقد كان استبد بأمره وفارق طاعة عمه بعد نكبة مجاهد الدين كما قلناه فساروا مع صلاح الدين الى الموصل ولما انتهوا الى مدينة ٥/٣٠٧
بله وفدت عليه أم عز الدين وابن عمه نور الدين محمود وجماعة من أعيان الدولة ظنا بانه لا يردهم وأشار عليه الفقيه عيسى وعلي بن أحمد المشطوب بردهم ورحل الى الموصل فقاتلها وامتنعت عليه وندم على رد الوفد وجاءه كتاب القاضي الفاضل بالأئمة ثم قدم عليه زين الدين يوسف صاحب اربل فأنزله مع أخيه مظفر الدين كوكبري وغيره من الأمراء ثم بعث الأمير علي بن أحمد المشطوب الى قلعة الجزيرة من بلاد الهكارية فاجتمع عليه الأكراد الهكارية وأقام يحاصرها وكاتب نائب القلعة زلقندار ونمي خبر مكاتبته الى عز الدين فمنعه واطرحه من المشورة وعدل الى مجاهد الدين قايمان وكان يقتدي برأيه فضبط الأمور وأصلحها ثم بلغه في آخر ربيع من سنة اثنتين وثمانين وقد ضجر من حصار الموصل ان شاهرين صاحب خلاط توفي تاسع ربيع واستولى عليها مولاه بكتمر فرحل عن الموصل وملك ميافارقين كما يأتي في أخبار دولته ولما فرغ منها عاد الى الموصل ومر بنصيبين ونزل الموصل في رمضان سنة اثنتين وثمانين وترددت الرسل بينهما في الصلح على أن يسلم اليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية الفرائلي وما وراء الزاب ويخطب له على منابرها وينقش اسمه على سكته ومرض صلاح الدين أثناء ذلك ووصل الى حران ولحقته الرسل بالإجابة الى الصلح وتحالفا عليه وبعث من يسلم البلاد وأقام ممرضا بحران وعنده العادل وناصر الدولة ابن عمه شيركوه وأمنت بلاد الموصل ثم حدثت بعد ذلك فتنة بين التركمان والأكراد بالجزيرة والموصل وديار بكر وخلاط والشام وشهرزور وأذربيجان وقتل فيها ما لا يحصى من الأمم واتصلت أعواما وسببها أن عروسا من التركمان أهديت الى زوجها ومروا بقلعة الزوزان والأكراد وطلبوا منهم الوليمة على الفتيان فأغلظوا في الرد فقتل صاحب القلعة الزوج وثار التركمان بجماعة من الأكراد فقتلوهم ثم أصلح مجاهد الدين بينهم وأفاض فيهم العطاء فعادوا الى الوفاق وذهبت بينهم الفتنة والله تعالى أعلم.
وفاة زين الدين يوسف صاحب اربل وولاية أخيه مظفر الدين اقتهى
كان زين الدين يوسف بن علي كجك قد صار في طاعة صلاح الدين كما ذكرناه قبل واربل من أعماله ووقع الصلح على ذلك بينه وبين عز الدين صاحب الموصل سنة ست وثمانين ٥/٣٠٨
للعسكر معه فمات عنده أخريات رمضان من السنة واستولى أخوه على موجودة وقبض على جماعة من أمرائه مثل بلداحي صاحب قلعة حقبيركان وغيره وطلب من صلاح الدين أن يقطعه اربل مكان أخيه وينزل عن حران والرها فأقطعه اربل وأضاف اليها شهرزور وأعمالها ودوقبر قرابلي وبني قفجاق وراسل أهل اربل مجاهد الدين قايمان واستدعوه ليملكوه وهو بالموصل فلم يتطاول لذلك خوفا من صلاح الدين ولان عز الدين لما كان ولاه نيابته بعد ان أطلقه من الاعتقال لم يمكنه كما كان أول مرة وجعل معه رديفا في الحكم كان من بعض غلمانه فكان أسفا لذلك فلما راسله أهل اربل قال والله لا أفعل لئلا يحكم معي فيها فلان وسار مظفر الدين اليها وملكها.
حصار عز الدين صاحب الموصل جزيرة ابن عمر
كان سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود قد ملك جزيرة ابن عمر بوصية أبيه وخرج عن طاعة عمه عز الدين عند نكبة مجاهد الدين كما قلناه وصار عينا على عمه يكاتب صلاح الدين بأخباره ويغريه به ويسعى في القطيعة بينهما ثم حاصر صلاح الدين قلعة عكا سنة ست وثمانين واستنفر لها أصحاب الاطراف المتشبثين بدعوته مثل عز الدين صاحب الموصل وأخيه عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين وسنجر شاه هذا ابن عمه وصاحب كيفا وغيرهم واجتمعوا عنده على عكا وجاء جماعة من جزيرة ابن عمر يتظلمون من سنجر شاه فخاف واستأذن في الانطلاق فاعتذر صلاح الدين بأن في ذلك افتراق هذه العساكر فألح عليه في ذلك وغدا عليه يوم الفطر مسلما فوعده وانصرف وكان تقي الدين عمر بن شاه أخي صلاح الدين مقبلا من حماة في عسكر فأرسل اليه صلاح الدين باعتراضه ورده طوعا أو كرها فلقيه بقلعة فنك ورده كرها وكتب صلاح الدين الى عز الدين صاحب الموصل بحصار جزيرة ابن عمر يظنها مكيدة فتلقاها بالمراجعة وطلب اقطاع الجزيرة فأسعفه وسار اليها وحاصرها أربعة أشهر فامتنعت عليه ثم صالحه على نصف أعماله ورجع الموصل والله تعالى أعلم.
مسير عز الدين صاحب الموصل الى بلاد العادل بالجزيرة ورجوعه عنها
كان صلاح الدين قد ملك من بلاد الجزيرة حران والرها وسميساط وميافارقين وكانت بيد ٥/٣٠٩
ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاه ثم توفي تقي الدين فاقطعها أخاه العادل أبا بكر بن أيوب ثم توفي صلاح الدين سنة تسع وثمانين فطمع عز الدين صاحب الموصل في ارتجاعها واستشار أصحابه فأشار عليه بعضهم بمعاجلتها وأن تستنفر أصحاب الاطراف لها مثل صاحب اربل وصاحب جزيرة ابن عمر وصاحب سنجار ونصيبين ومن امتنع يعاجله حربا ويعاجل البلد قبل أن يستعد أهله للمدافعة وأشار مجاهد الدين قايمان بمشاورة هؤلاء الملوك والعمل بإشارتهم فقبل من مجاهد الدين وكاتبهم فأشاروا بانتظار أولاد صلاح الدين وأن البلد في طاعته وأنه القائم بدولته وأنه بلغه أن صاحب ماردين تعرض لبعض بلاده فجهز جيشا كثيفا لقصد ماردين فوجموا الكتابة وتركوا الحركة ثم بلغهم أنه بظاهر حران في خف من العسكر فتجهز للحركة عليه ولما وقع الاتفاق مع صاحب سنجار جاءت عساكر الشام الى العادل من الأفضل فامتنع وسار عز الدين في عساكره من الموصل الى نصيبين واجتمع بأخيه عماد الدين وساروا الى الرها وقد عسكر العادل قريبا منهم بمرج الريحان وخافهم فأقاموا أياما كذلك ثم طرق عز الدين المرض فترك العساكر مع أخيه عماد الدين وسار الى الموصل والله تعالى أعلم.
وفاة عز الدين صاحب الموصل وولاية ابنه نور الدين
ولما رجع عز الدين الى الموصل أقام بها مدة شهرين واشتد مرضه فتوفي آخر شعبان سنة تسع وثمانين وولى ابنه نور الدين ارسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن الاتابك زنكي وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايمان مدبر دولة أبيه والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفاة عماد الدين صاحب سنجار وولاية ابنه قطب الدين
ثم توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن الاتابك زنكي صاحب سنجار والخابور ونصيبين والرقة وسروج وهي التي عوضه صلاح الدين عن حلب لما أخذها منه توفي في محرم سنة أربع وتسعين وملك بعده ابنه قطب الدين وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برتقش مولى أبيه وكان دينا خيرا عادلا متواضعا محبا لأهل العلم والدين معظما لهم وكان متعصبا على الشافعية حتى انه بني مدرسة للحنفية بسنجار وكان حسن السيرة والله تعالى أعلم ٥/٣١٠
استيلاء نور الدين صاحب الموصل على نصيبين
كان عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين قد امتدت أيدي نوابه بنصيبين الى قرى من أعمال الموصل تجاورهم وبعث اليه في ذلك مجاهد الدين قايمان صاحب دولة الموصل يشكو اليه نوابه سرا من سلطانه نور الدين فلج عماد الدين في ادعاء انها من أعماله وأساء الرد فأعاد نور الدين الرسالة اليه مع بعض مشايخ دولته وقد طرقه المرض فأجاب مثل الأول فنصح الرسول وكان من بقية الاتابك زنكي وعاد الى فأغلظ له في القول واعتزم نور الدين على المسير الى نصيبين ووصل الخبر اثر ذلك بوفاة عماد الدين وولاية ابنه قطب الدين فقوي طمع نور الدين في نصيبين وتجهز لها في جمادى سنة أربع وتسعين وسار قطب الدين بن سنجر في عسكره فسبقه نور الدين الى نصيبين فلما وصل لقيه فهزمه نور الدين ودخل الى قلعة نصيبين مهزوما ثم أسرى منها الى حران ومعه نائبة مجاهد الدين برتقش وكاتبوا العادل أبا بكر بن أيوب يستحثونه من دمشق وأقام نور الدين بنصيبين حتى وصل العادل الى الجزيرة ففارقها الى الموصل في رمضان من السنة وعاد قطب الدين اليها وكان الموتان قد وقع عسكر نور الدين فمات كثير من أمراء الموصل ومات مجاهد الدين قايمان القائم بالدولة ولما عاد نور الدين الى الموصل وعاد قطب الدين الى نصيبين سار العادل الى ماردين فحاصرها أياما وضيق عليها ثم انصرف والله تعالى أعلم.
هزيمة الكامل بن العادل على ماردين أمام نور الدين صاحب الموصل وبني عمه ملوك الجزيرة
لما رحل العادل عن ماردين كما قدمناه جر العساكر عليها للحصار مع ابنه الكامل وعظم ذلك على ملوك الجزيرة وديار بكر وخافوا أن ملكها يغلبهم على أمرهم ولم يكن سار من سار معه منهم عند اشتغاله بحرب نور الدين إلا تقية لكثرة عساكره فلما رجع إلى دمشق وبقي الكامل على ماردين استهانوا بأمره وطمعوا في مدافعة وأغراهم بذلك الظاهر والأفضل ابنا ٥/٣١١
صلاح الدين لفتنتهم مع عمهم العادل فتجهز نور الدين ارسلان شاه صاحب الموصل وسار أول شعبان سنة خمس وتسعين وانتهى إلى دبيس فأقام بها ولحق به ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي صاحب سنجار وابن عمه الآخر سنجر شاه بن غازي صاحب جزيرة ابن عمر حتى إذا انقضى عيد الفطر ارتحلوا وتقدموا الى مزاحمة الكامل على ماردين وكان أهل ماردين خلال ذلك قد ضاق مخنقهم وجهدهم الحصار وبعث النظام المستولى على دولة صاحبها الى الكامل يراوده في الصلح وتسليم القلعة له الى أجل سماه على أن يبيح لهم ما يقوتهم من الميرة فأسعفهم بذلك وبينما هم في ذلك جاءهم خبر العساكر فامتنعوا وزحف الكامل مهزوما الى معسكره بالربض فخرج أهل القلعة اليهم وقاتلوهم الى المساء ثم أجفل الكامل من ليلته منتصف شوال وعاد الى بلاده ونهبت أهل القلعة مخلفه وخرج صاحب ماردين وهو بولو ارسلان ابن أبي الغازي فلقي نور الدين وشكره وعاد الى حصنه ورجع نور الدين وأصحابه الى تستر ثم سار منها الى رأس عين فقدم عليها هنالك رسول الظاهر بن صلاح الدين من حلب يطلب له منه السكة والخطبة فوجم لذلك وثنى عزمه عن مظاهرتهم ثم طرقه المرض فبعث اليهم بالعذر وعاد الى الموصل في ذي الحجة آخر السنة والله تعالى أعلم.
مسير نور الدين صاحب الموصل الى بلاد العادل بالجزيرة
ثم ان الملك العادل ملك مصر سنة ست وتسعين من يد الأفضل ابن أخيه فخشيه الظاهر صاحب حلب وصاحب ماردين وراسلوا نور الدين صاحب الموصل في الاتفاق وأن يسير الى بلاد العادل بالجزيرة حران والرها والرقة وسنجار فسار نور الدين لملكها في شعبان سنة سبع وتسعين وسار معه ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار وحسام الدين صاحب ماردين وانتهوا الى رأس عين وكان بحران الفائز بن العادل في عسكر فأرسل الى نور الدين في الصلح فبادر الى الاجابة لما وقع في عسكره من الموتان واستحلفهم وحلف لهم وبعثوا الى العادل فحلف وعاد نور الدين الى الموصل في ذي القعدة من السنة والله تعالى أعلم.
هزيمة نور الدين صاحب الموصل أمام عسكر العادل
لم يزل الملك العادل يراسل قطب الدين صاحب سنجار ويستميله الى أن خطب له في أعماله سنة ستمائة فسار نور الدين صاحب الموصل الى نصيبين من أعمال قطب الدين فحاصرها ٥/٣١٢
وملك المدينة وأقام يحاصر القلعة فبينما هو قد قارب فتحها بلغه الخبر من نائبة بالموصل بأن مظفر الدين كوكبري صاحب اربل من أعمال الموصل فرحل عن نصيبين معتزما على قصد اربل فلم يجد كل الخبر صحيحا فسار الى تل اعفر من أعمال سنجار فحاصرها وملكها وكان الأشرف موسى بن العادل قد سار من حران الى رأس عين نجدة لصاحب سنجار وقد اتفق معه على ذلك مظفر الدين صاحب اربل وصاحب كيفا وآمد وصاحب جزيرة ابن عمر وتراسلوا وتواعدوا للاجتماع فلما ارتحل نور الدين عن نصيبين اجتمعوا عليها وجاءهم أخو الأشرف نجم الدين صاحب ميافارقين وساروا الى البقعاء من تل اعفر الى كفررقان وقصده المطاولة حتى جاءه بعض عيونه فقللهم في عينه وأطمعه فيهم وكان من مواليه فوثق بقوله ورحل الى نوشرى قريبا منهم وتراءى الجمعان فالتقوا وانهزم نور الدين ونجا في فل قليل ونزلت العساكر كفررقان ونهبوا مدينة فيد وما اليها وأقاموا هنالك وترددت الرسل في الصلح على أن يعيد نور الدين تل اعفر لقطب الدين صاحب سنجار فأعادها واصطلحوا سنة احدى وستمائة ورجع كل الى بلده والله تعالى ولى التوفيق.
مقتل سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمرو ولاية ابنه محمود بعده
كان سنجر شاه بن غازي بن مودود ابن الاتابك زنكي صاحب جزيرة ابن عمر وأعمالها أوصى له بها أبوه عند وفاته كما مر وكان سيئ السيرة غشوما ظلوما مرهف الحد على رعيته وجنده وحرمه وولده كثير القهر لهم والانتقام منهم فاقد الشفقة على بنيه حتى غرب ابنيه محمودا ومودودا الى قلعة فرح من بلاد الزوزان لتوهم توهمه فيهما وأخرج ابنه غازي الى دار بالمدينة ووكل به فساءت حاله وكانت الدار كثيرة الخشاش فضجر من حاله وتناول حية وبعثها الى أبيه فلم يعطف عليه فتسلل من الدار واستخفى في المدينة وبعث الى نور الدين صاحب الموصل من أوهمه بوصوله اليه فبعث اليه بنفقة ورده خوفا من أبيه وترك أبوه طلبه لما ٥/٣١٣
شاع انه بالشام فلم يزل غازي يعمل الحيلة حتى دخل دار أبيه واختفى عند بعض حظاياه وطرق عليه الخلاء في بعض الليالي وهو سكران فطعنه أربع عشرة طعنة ثم ذبحه وأقام مع الحرم وعلم أستاذ الدولة من خارج بالخبر فأحضر أعيان الدولة وأغلق أبواب القصر وبايع الناس لمحمود بن سنجر شاه واستدعاه وأخاه مودودا من قلعة فرح ثم دخلوا الى غازي وقتلوه ووصل محمود فملكوه ولقبوه معز الدين لقب أبيه وعمد الى الجواري التي واطأت على قتل أبيه فغرقهن في الدجلة والله تعالى أعلم.
استيلاء العادل على الخابور ونصيبين من أعمال صاحب سنجار وحصاره إياه
كان بين قطب الدين محمود بن زنكي بن مودود وبين ابن عمه نور الدين ارسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة قد مر كثير من أخبارها ولما كانت سنة خمس وستمائة أصهر العادل بن أيوب صاحب مصر والشام الى نور الدين في ابنته فزوجها نور الدين من ابنه واستكثر به وطمح الى الاستيلاء على جزيرة ابن عمر فأغرى العادل بأن يظاهره على ولاية ابن عمه قطب الدين سنجر وتكون ولاية قطب الدين وهي سنجار ونصيبين والخابور للعادل وتكون ولاية غازي بن سنجر شاه لنور الدين صاحب الموصل فأجاب الى ذلك العادل وأطمع نور الدين في أنه يقطع ولاية قطب الدين إذا ملكها لابنه الذي هو صهره على ابنته وتحالفا على ذلك وسار العادل سنة ست وستمائة من دمشق لملك الخابور وراجع نور الدين رأيه فإذا هو قد تورط وانه يملك البلاد كما يحب دونه ان وفي له وسار نور الدين الى الجزيرة فربما حال بنو العادل بينه وبين الموصل وان انتقض نور الدين عليه سار اليه فاضطرب في أمره وملك العادل الخابور ونصيبين واعتزم قطب الدين على أن يعتاض منه عن سنجار ببعض البلاد فمنعه من ذلك أحمد بن برتقش مولى أبيه وجهز نور الدين عسكرا مع ابنه القاهر مددا للعادل كما اتفقا عليه وفي خلال ذلك بعث قطب الدين سنجر ابنه الى مظفر الدين صاحب اربل يستنجده فأرسل الى العادل شافعا في أمره فلم يشفعه لمظاهرة نور الدين إياه فغضب مظفر الدين وأرسل الى نور الدين في المساعدة على دفاع العدو فأجاب نور الدين الى ذلك ورجع عن مظاهرة العادل وأرسل هو ومظفر الدين الى الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب والى كسنجر بن قليج ارسلان صاحب الروم يستنجدانهما فأجاباهما وتداعوا الى قصد بلاد العادل ان لم يرحل عن سنجار وبعث الخليفة ٥/٣١٤
الناصر أستاذا لدار أبا نصر هبة الله بن المبارك بن الضحاك والأمير اقناش من خواص مواليه في الإفراج عن سنجار وتخاذل أصحابه عن مضايقة سنجار معه وسيما أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة فإنه جاهر بخلافه في ذلك فأجاب العادل في الصلح على أن تكون نصيبين والخابور اللذان ملكهما له وتبقى سنجار لقطب الدين وتحالفوا على ذلك ورجع العادل الى حران ومظفر الدين الى اربل والله تعالى أعلم.
وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية ابنه القاهر
ثم توفي نور الدين ارسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الاتابك زنكي منتصف سنة سبع وستمائة لثمان عشرة سنة من ولايته وكان شهما شجاعا مهيبا عند أصحابه حسن السياسة لرعيته وجدد ملك آبائه بعد أن أشفى على الذهاب ولما احتضر عهد بالملك لابنه عز الدين مسعود وهو ابن عشرين سنة وأوصاه أن يتولى تدبير ملكه مولاه بدر الدين لؤلؤ لما فيه من حسن السياسة وكان قائما بأمره منذ توفي مجاهد الدين قايمان وأوصى ولده الأصغر عماد الدين بقلعة عقر الحميدية وقلعة شوش وولايتها ولفته الى العقر فلما توفي نور الدين بايع الناس ابنه عز الدين مسعودا ولقبوه القاهر واستقر ملك الموصل أعمالها له وقام بدر الدين لؤلؤ بتدبير دولته والبقاء لله وحده.
وفاة القاهر وولاية ابنه نور الدين ارسلان شاه في كفالة بدر الدين لؤلؤ
لما توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن ارسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الاتابك زنكي صاحب الموصل آخر ربيع الأول سنة خمس عشرة وخمسمائة لثمان سنين من ولايته بعد أن عهد بالملك لابنه الأكبر نور الدين ارسلان شاه وعمره عشرون سنة وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته لؤلؤا كما كان في دولة القاهر وابنه نور الدين فبايع له وقام بملكه وأرسل الى الخليفة في التقليد والخلع على العادة فوصلت وبعث الى الملوك في الأطراف في تجديد العهد كما كان بينهم وبين سلفه وضبط أموره وكان عمه نور الدين زنكي ارسلان شاه بقلعة عقر الحميدية لا يشك في مصير السلطان له فدفعه عن ذلك واستقامت أموره وأحسن السيرة ٥/٣١٥
وسمع شكوى المتظلمين وأنصفهم ووصل في تقليد الخليفة لنور الدين اسناد التتر في أموره لبدر الدين لؤلؤ والله أعلم.
استيلاء عماد الدين صاحب عقر على قلاع الهكارية والزوزان
كان عماد الدين زنكي قد ولاه أبوه قلعتي العقر والشوش قريبا من الموصل وأوصى له بهما وعهد بالملك لابنه الأكبر القاهر فلما توفي القاهر كما ذكرنا طمح زنكي الى الملك وكان يحدث به نفسه فلم يحصل له وكان بالعمادية نائب من موالي جده مسعود فداخله في الطاعة له وشعر بذلك بدر الدين لؤلؤ فعزل ذلك النائب وبعث اليها أميرا أنزله بها وجعل فيها نائبا من قبله واستبد بالنواب في غيرها وكان نور الدين بن القاهر لا يزال عليلا لضعف مزاجه وتوالي الأمراض عليه فبقي محتجبا طول المدة فأرسل زنكي الى نور الدين بالعمادية يشيع موته ويقول أنا أحق بملك سلفي فتوهموا صدقة وقبضوا على نائب لؤلؤ ومن معه وسلموا البلد لعماد الدين زنكي منتصف رمضان سنة خمس عشرة وجهز لؤلؤ العساكر وحاصروه بالعمادية في فصل الشتاء وكلب البرد وتراكم الثلج ولم يتمكنوا من قتاله وظاهره مظفر الدين صاحب اربل على شأنه وذكر لؤلؤا بالعهد الذي بينهما أن لا يتعرض لاعمال الموصل والنص فيها على قلاع الهكارية والزوزان وانه مظاهر لهم على من يتعرض لها فلج في مظاهرته واعتمد نقض العهد وأقام العسكر محاصرا لزنكي بالعمادية وتقدموا بعض الليالي وركبوا الاوعار اليه فبرز اليهم أهل العمادية وهزموهم في المضايق والشعاب فعادوا الى الموصل وراسل عماد الدين قلاع الهكارية والزوزان في الطاعة له فأجابوه وملكها وولى عليها والله أعلم.
مظاهرة الأشرف بن العادل للؤلؤ صاحب الموصل
ولما استولى عماد الدين زنكي على قلاع الهكارية والزوزان وظاهره مظفر الدين صاحب اربل خاف لؤلؤ غائلته فبعث بطاعته الى الأشرف موسى بن العادل وقد ملك أكثر بلاد الجزيرة وخلاط وأعمالها ويسأله المعاضدة فأجابه وكان يومئذ بحلب في مدافعة كيكاوس صاحب ٥/٣١٦
بلاد الروم عن أعمالها فأرسل الى مظفر الدين بالنكير عليه فيما فعل من نقضه العهد الذي كان بينهم جميعا كما مر ويعزم عليه في اعادة ما أخذ من بلاد الموصل ويتوعده ان أصر على مظاهرة زنكي بقصد بلاده فلم يجب مظفر الدين الى ذلك واستألف على أمره صاحب ماردين وناصر الدين محمودا صاحب كيفا وآمد فوافقوه وفارقوا طاعة الأشرف في ذلك فبعث الأشرف عساكره الى نصيبين لانجاد لؤلؤ متى احتاج اليه والله تعالى أعلم.
واقعة عساكر لؤلؤ بعماد الدين
ولما عاد عسكر الموصل عن حصار العمادية خرج زنكي الى قلعة العقر ليتمكن من أعمال الموصل الصحراوية إذ كان قد فرغ من أعمالها الجبلية وأمده مظفر الدين صاحب اربل بالعساكر وعسكر جند الموصل على أربع فراسخ من البلد من ناحية العقر ثم اتفقوا على المسير الى زنكي وصبحوه آخر المحرم سنة ست عشرة وستمائة وهزموه فلحق بإربل وعاد العسكر الى مكانهم ووصل رسل الخليفة الناصر والأشرف ابن العادل في الصلح بينهما فاصطلحوا وتحالفوا والله تعالى أعلم.
وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية أخيه ناصر الدين
لما توفي نور الدين ارسلان شاه ابن الملك القاهر كما قدمناه من سوء مزاجه واختلاف الأسقام عليه فتوفي قبل كمال الحول ونصب لؤلؤ مكانه أخاه ناصر الدين محمد بن القاهر في سن الثلاث واستحلف له الجند وأركبه في الموكب فرضي به الناس لما بلوا من عجز أخيه عن الركوب لمرضه والله تعالى ولى التوفيق.
هزيمة لؤلؤ صاحب الموصل من مظفر الدين صاحب اربل
ولما توفي نور الدين ونصب لؤلؤ أخاه ناصر الدين محمدا على صغر سنه تجدد الطمع لعماد الدين عمه ولمظفر الدين صاحب اربل في الاستيلاء على الموصل وتجهزوا لذلك وعاثت سراياه في نواحي الموصل وكذا لؤلؤ قد بعث ابنه الأكبر في العساكر نجده للملك الأشرف وهو يقصد بلاد الافرنج بالسواحل ليأخذ بحجزتهم عن امداد إخوانهم بدمياط عن أبيه ٥/٣١٧
الكامل بمصر فبادر لؤلؤ الى عسكر الأشرف الذين بنصيبين واستدعاهم فجاءوا الى الموصل منتصف سنة عشر وستمائة وعليهم ايبك مولى الأشرف فاستقلهم لؤلؤ ورآهم مثل عسكره الذين بالشام أو دونهم وألح ايبك على عبور دجلة الى اربل فمنعه أياما فلما أصر عبر لؤلؤ معه ونزلوا على فرسخين من الموصل شرقي دجلة وجمع مظفر الدين زنكي وعبروا الزاب وتقدم اليهم ايبك في عسكره وأصحاب لؤلؤ وسار منتصف الليل من رجب وأشار عليه لؤلؤ بانتظار الصباح فلم يفعل ولقيهم بالليل وحمل ايبك على زنكي في المسيرة فهزمه وانهزمت ميسرة لؤلؤ فبقي في نفر قليل فتقدم اليه مظفر الدين فهزمه وعبر دجلة الى الموصل وظهر مظفر الدين على تبريز ثلاثا ثم بلغه أن لؤلؤا يريد تبييته فأجفل راجعا وترددت الرسل بينهما فاصطلحا على كل ما بيده والله أعلم.
وفاة صاحب سنجار وولاية ابنه ثم مقتله وولاية أخيه
ثم توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن الاتابك زنكي صاحب سنجار في ثامن صفر سنة ست عشرة وستمائة وكان حسن السيرة مسلما الى نوابه وملك بعده ابنه عماد الدين شاهين شاه واشتمل الناس عليه فملك شهورا ثم سار الى تل اعفر فاغتاله أخوه عمر ودخل اليه في جمعة فقتلوه وملك بعده وبقي مدة الى أن تسلم منها الأشرف بن العادل مدينة سنجار في جمادى سنة سبع عشرة وستمائة والله اعلم.
استيلاء عماد الدين على قلعة كواشي ولؤلؤ على تل أعفر والأشرف على سنجار
كانت كواشي من أحسن قلاع الموصل وأمنعه وأعلاه ولما رأى الجند الذين بها بعد أهل العمادية واستبدادهم بأنفسهم طمعوا في مثل ذلك وأخرجوا نواب لؤلؤ عنهم وتمسكوا بإظهار الطاعة على البعد خوفا على رهائنهم بالموصل ثم استدعوا عماد الدين زنكي وسلموا له القلعة وأقام عندهم وبعث لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكره العهود التي لم يجز ثلمها بعد فأعرض وأرسل ٥/٣١٨
إلى الأشرف بحلب يستنجده فسار وعبر الفرات إلى حران وكان مظفر الدين صاحب أربل يراسل الملوك بالأطراف ويغريهم بالأشرف ويخوفهم غائلته ولما كان بين كيكاوس بن كنجسرو صاحب الروم من الفتنة ما نذكره في أخباره وسار كيكاوس إلى حلب دعا مظفر الدين الملوك بناحيته إلى وفاق كيكاوس مثل صاحب كيفا وآمد وصاحب ماردين فأطاعوه وخطبوا له في أعمالهم ومات كيكاوس وفي نفس الأشرف منه ومن مظفر الدين ما في نفسه ولما سار الأشرف إلى حران لمظاهرة لؤلؤ راسل مظفر الدين جماعة من أمرائه مثل أحمد بن علي المشطوب وعز الدين محمد بن بدر الحميدي وغيرهما واستمالهم ففارقوا الأشرف ونازلوا دبيس تحت ماردين ليجتمعوا مع ملوك الأطراف لمدافعة الأشرف واستمال الأشرف صاحب آمد وأعطاه مدينة حالي وجبل حودي ووعده بدارا إذا ملكها فأجاب وفارقهم إليه واضطر آخرون منهم إلى طاعة الأشرف فانحل أمرهم وانفرد ابن المشطوب بمشاقة الأشرف فقصد أربل ومر بنصيبين فقاتله شيخ بها فانهزم إلى سنجار فأسره صاحبها وكان هواه مع الأشرف ولؤلؤ فصده ابن المشطوب عن رأيه فيهم حتى أجمع خلافه وأطلقه فجمع المفسدين وقصد البقعاء من أعمال الموصل فاكتسح نواحيها وعاد ثم سار من سنجار ثانية إلى الموصل وأرصد له لؤلؤ عسكرا فاعترضوه فهزمه واجتاز بتل أعفر من أعمال صاحب سنجار فأقاموا عليها وبعثوا إلى لؤلؤ فسار وحاصرها وملكها في ربيع سنة سبع عشرة وستمائة وأسر ابن المشطوب وجاء به إلى الموصل ثم بعث به إلى الأشرف فحبسه بحران سنين وهلك في محبسه ولما أطاع صاحب آمد الأشرف رحل من حران إلى ماردين ونزل دبيس وحاصر ماردين ومعه صاحب آمد وترددت الرسل بينه وبين صاحب ماردين على أن يرد عليه رأس عين وكان الأشرف قد أقطعها له على أن يحمل إليه ثلاثين ألف دينار وأن يعطي لصاحب آمد الورزني بلد وانعقد الصلح بينهما وارتحل الأشرف من دبيس إلى نصيبين يريد الموصل فلقيه رسل صاحب سنجار يطلب من يتسلمها منه على أن يعوضه الأشرف منها بالرقة بما أدركه من الخوف عند استيلاء لؤلؤ على تل أعفر ونفرة أهل دولته عنه لقتله أخاه كما ذكرناه فأجابه الأشرف وأعطاه الرقة وملك سنجار في جمادى سنة سبع عشرة وستمائة ورحل عنها بأهله وعشيرته وانقرض أمر بني زنكي منها بعد أربع وتسعين سنة والبقاء لله وحده. ٥/٣١٩
صلح الأشرف مع مظفر الدين
ولما ملك الأشرف سنجار سار إلى الموصل ووافاه بها رسل الخليفة الناصر ومظفر الدين صاحب أربل في الصلح ورد القلاع المأخوذة من إيالة الموصل على صاحبها لؤلؤ ما عدي العمادية فتبقى بيد زنكي وتردد الحديث في ذلك شهرين ولم يتم فرحل الأشرف بقصد إربل حتى قارب نهر الزاب وكان العسكر قد ضجروا سوء صاحب آمد مع مظفر الدين فأشار بإجابته إلى ما سأل ووافق على ذلك أصحاب الأشرف فانعقد الصلح وساق زنكي إلى الأشرف رهينة على ذلك وسلمت قلعة العقروشوش لنواب الأشرف وهما لزنكي رهنا أيضا وعاد الأشرف إلى سنجار في رمضان سنة سبع عشرة وبعثوا إلى القلاع فلم يسلمها جندها وامتنعوا بها واستجار عماد الدين زنكي بشهاب بن العادل فاستعطف له أخاه الأشرف فأطلقه ورد عليه قلعتي العقروشوش وصرف نوابه عنهما وسمع لؤلؤ الأشرف يميل إلى قلعة تل أعفر وأنها لم تزل لسنجار قديما فبعث إليه بتسليمها والله تعالى أعلم.
رجوع قلاع الهكارية والزوزان إلى طاعة صاحب الموصل
لما رأى زنكي أنه ملك قلاع الهكارية والزوزان وساوة فلم يروا عنده ما ظنوه من حسن السيرة كما يفعله لؤلؤ مع جنده ورعاياه اعتزموا على مراجعة طاعة لؤلؤ وطلبوه في الإقطاع فأجابهم واستأذن الأشرف فلم يأذن له وجاء زنكي من عند الأشرف فحاصر العمادية ولم يبلغ منها غرضا فأعادوا مراسلة لؤلؤ فاستأذن الأشرف وأعطاه قلعة جديدة ونصيبين وولاية بين النهرين وأذن له في تملك القلاع وأرسل نوابه إليها ووفى لهم بما عاهدهم عليه وتبعهم بقية القلاع من أعمال الموصل فدخلوا كلهم في طاعة لؤلؤ وانتظم له ملكها والله تعالى أعلم.
استيلاء صاحب الموصل على قلعة سوس
كانت قلعة شوش وقلعة العقر متجاورتين على اثني عشر فرسخا من الموصل وكانتا لعماد الدين زنكي بن نور الدين أرسلان شاه بوصية أبيه كما مر وملك معها قلاع الهكارية والزوزان ورجعت إلى الموصل وسار هو سنة تسعة عشر إلى أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان من بقية السلجوقية فسار معه وأقطع له الإقطاعات وأقام عنده فسار لؤلؤ من الموصل إلى قلعة ٥/٣٢٠
شوش فحاصرها وضيق عليها وامتنعت عليه فجمر العساكر لحصارها وعاد إلى الموصل ثم اشتد الحصار بأهلها وانقطعت عنهم الأسباب فاستأمنوا إلى لؤلؤ ونزلوا له عنها على شروط اشترطوها وقبلها وبعث نوابه عليها والله تعالى أعلم.
حصار مظفر الدين الموصل
كان الأشرف بن العادل بن أيوب قد استولى على الموصل ودخل لؤلؤ في طاعته واستولى على خلاط وسائر أرمينية وأقطعها أخاه شهاب الدين غازي ثم جعله ولي عهده في سائر أعماله ثم نشأت الفتنة بينهما فاستظهر غازي بأخيه المعظم صاحب دمشق وبمظفر الدين كوكبري وتداعوا لحصار الموصل فجمع أخوهما الكامل عساكره وسار إلى خلاط فحاصرها بعد أن بعث إلى المعظم صاحب دمشق وتهدده فأقصر عن مظاهرة أخيه واستنجد غازي مظفر الدين كوكبري صاحب أربل فسار إلى الموصل وحاصرها ليأخذ بحجزة الأشرف عن خلاط ونهض المعظم صاحب دمشق لإنجاد أخيه غازي وكان لؤلؤ صاحب الموصل قد استعد للحصار فأقام عليها مظفر الدين عشرا ثم رحل منتصف إحدى وعشرين لامتناعها عليه ولقيه الخبر بأن الأشرف قد ملك خلاط من يد أخيه فندم على ما كان منه.
انتقاض أهل العمادية على لؤلؤ ثم استيلاؤه عليها
قد تقدم لنا انتقاض أهل قلعة العمادية من أعمال الموصل سنة خمس عشرة ورجوعه إلى عماد الدين زنكي ثم عودهم إلى طاعة لؤلؤ فأقاموا على ذلك مدة ثم عادوا إلى ديدنهم من التمريض في الطاعة وتجنوا على لؤلؤ بعزل نوابه فعزلهم مرة بعد أخرى ثم استبد بها أولاد خواجا إبراهيم وأخوه فيمن تبعهم وأخرجوا من خالفهم وأظهروا العصيان على لؤلؤ فسار إليهم سنة اثنتين وعشرين وحاصرهم وقطع الميرة عنهم وبعث عسكر الى قلعة هزوران وقد كانوا تبعوا أهل العمادية في العصيان فحاصرهم حتى استأمنوا وملكها ثم جهز العساكر الى العمادية مع نائبة أمين الدين وعاد إلى الموصل واستمر الحصار إلى ذي القعدة من السنة ثم راسلوا أمين الدين في الصلح على مال وأقطاع وعوض عن القلعة وأجاب لؤلؤ إلى ذلك وكان أمين الدين قد وليها قبل ذلك فكان له فيها بطانة مستمدون على عهده ومكاتبته وسخط كثير من أهل البلد فعل أولاد خواجا إبراهيم واستئثارهم بالصلح دونهم فوجد ٥/٣٢١
أولئك البطانة سبيلا إلى التسلط عليهم ودسوا لأمين الدين أن يبيت البلد ويصالحهم فوثبوا بأولاد خواجا ونادوا بشعار لؤلؤ فصعد العسكر القلعة وملكها أمين الدين وبعث بالخبر الى لؤلؤ قبل أن ينعقد اليمين مع وفد أولاد خواجا والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
مسير مظفر الدين صاحب أربل إلى أعمال الموصل وعوده عنها
كان جلال الدين شكري بن خوارزم شاه قد غلبه التتر أول خروجهم سنة سبع عشرة وستمائة على خوارزم وخراسان وغزنة وفر أمامهم إلى الهند ثم رجع عنها لسنة اثنتين وعشرين واستولى على العراق ثم على أذربيجان وجاور الأشرف بن العادل في ولايته بخلاط والجزيرة وحدثت بينهما الفتنة وراسله أعيان الأشرف في الإغراء به مثل مظفر الدين صاحب أربل ومسعود صاحب آمد وأخيه المعظم صاحب دمشق واتفقوا على ذلك وسار جلال الدين إلى خلاط وسار مظفر الدين إلى الموصل وانتهى إلى الزاب ينتظر الخبر عن جلال الدين وسار المعظم صاحب دمشق إلى حمص وحماة وبعث لؤلؤ من الموصل يستنجد الأشرف فسار إلى حران ثم إلى دبيس فاكتسح أعمال ماردين وكان جلال الدين قد بلغه انتقاض نائبة بكرمان فاغذ السير إليه وترك خلاط بعد أن عاث في أعمالها وفت ذلك في أعضاد الآخرين وعظمت سطوة الأشرف بهم وبعث إليه أخوه المعظم وقد نازل حمص وحماة يتوعده بمحاصرتهما ومحاصرة مظفر الدين الموصل فرجع عن ماردين ورجع الآخران عن حمص وحماة والموصل ولحق كل ببلده والله تعالى أعلم.
مسير التتر في بلاد الموصل وأربل
ولما أوقع التتر بجلال الدين خوارزم شاه على آمد سنة ثمان وعشرين وقتلوه ولم يبق لهم مدافع من الملوك ولا ممانع انساحوا في البلاد طولا وعرضا ودخلوا ديار بكر واكتسحوا سواد آمد وارزن وميافارقين وحاصروا وملكوها بالأمان ثم استباحوها وساروا إلى ٥/٣٢٢
ماردين فعاثوا في نواحيها ثم دخلوا الجزيرة واكتسحوا أعمال نصيبين ثم مروا إلى سنجار فنهبوها ودخلوا الخابور واستباحوه وسارت طائفة منهم إلى الموصل فاستباحوا أعمالها ثم أعمال أربل وأفحشوا فيها وبرز مظفر الدين في عساكره واستمد عساكر الموصل فبعث بها لؤلؤ إليه ثم عاد التتر عنهم إلى أذربيجان فعاد كل إلى بلاده والله أعلم.
وفاة مظفر الدين صاحب أربل وعودها إلى الخليفة
ثم توفي مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك صاحب أربل سنة تسع وعشرين لأربع وأربعين سنة من ولايته عليها أيام صلاح الدين بعد أخيه يوسف ولم يكن له ولد فأوصى بأربل للخليفة المستنصر فبعث إليها نوابه واستولى عليها وصارت من أعماله والله تعالى أعلم.
بقية أخبار لؤلؤ صاحب الموصل
كان عسكر خوارزم شاه بعد مهلكه سنة ثمان وعشرين على آمد لحقوا بصاحب الروم كيقباد فاستنجدهم وهلك سنة أربع وثلاثين وستمائة وولي ابنه كنجسرو فقبض على أميرهم ومر الباقون وانتبذوا بأطراف البلاد وكان الصالح نجم الدين أيوب في حران وكيفا وآمد نائبا عن أبيه الملك العادل فرأى المصلحة في استضافتهم إليه فاستمالهم واستخدمهم بعد أن أذن أبوه له في ذلك فلما مات أبوه سنة خمس انتقضوا ولحقوا بالموصل واشتمل عليهم لؤلؤ وسار معهم فحاصر الصالح بسنجار ثم بعث الصالح إلى الخوارزمية واستمالهم فرجعوا إلى طاعته على أن يعطيهم حران والرها ينزلون بها فأعطاهما إياهم وملكوهما ثم ملكوا نصيبين من أعمال لؤلؤ وبنو أيوب يومئذ متفرقون على كراسي الشام وبينهم من الأنفة والفرقة ما نتلو عليك قصصه في دولتهم ثم استقر ملك سنجار للجواد يونس منهم وهو ابن مودود بن العادل أخذها من الصالح نجم الدين أيوب عوضا عن دمشق واستولى لؤلؤ على سنجار من يده سنة سبع وثلاثين ثم حدثت بين صاحب حلب وبين الخوارزمية فتنة ولجئوا يومئذ لصفيتهم خاتون بنت العادل فبعثت العساكر إليهم مع المعظم بوران شاه بن صلاح الدين فهزموا عساكره وأسروا ابن أخيه الأفضل ودخلوا حلب واستباحوها فتحوا منبج وعاثوا فيها وقطعوا الفرات من الرقة وهم يذهبون وتبعهم عسكر دمشق وحمص فهزموهم وأثخنوا فيهم ولحقوا ببلدهم حران فسارت إليهم عساكر حلب واستولوا على حران ولحق الخوارزمية بغانة وبادر لؤلؤ ٥/٣٢٣
صاحب الموصل إلى نصيبين فملكها من أيديهم ثم توفيت صفية بنت العادل سنة أربعين في حلب وكانت ولايتها بعد وفاة أبيها العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين فولي بعدها ابنه الناصر يوسف ابن العزيز في كفالة مولاه إحيال الخاتوني فلما كانت سنة ثمان وأربعين وستمائة وقع بين عسكره وبين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل حرب انهزم فيها لؤلؤ وملك الناصر نصيبين ودارا وقرقيسيا ولحق لؤلؤ بحلب ثم زحف هلاكو ملك التتر إلى بغداد سنة وملكها وقتل الخليفة المستعصم واستلحم العلية من بغداد كما مر في أخبار الخلفاء ويأتي في أخبار التتر وتخطي منها إلى أذربيجان فبادر لؤلؤ ووصل إليه بأذربيجان وآتاه طاعته وعاد إلى الموصل والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
وفاة صاحب الموصل وولاية ابنه الصالح
ثم توفي بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سنة سبع وخمسين وستمائة وكان يلقب الملك الرحيم وملك بعده على الموصل ابنه الصالح إسماعيل وعلى سنجار ابنه المظفر علاء الدين علي وعلى جزيرة ابن عمر ابنه المجاهد إسحاق وأبقاهم هلاكو عليها مدة ثم أخذها منهم ولحقوا بمصر فنزلوا على الملك الظاهر بيبرس كما نذكر في أخباره وسار هلاكو إلى الشام فملكها وانقرضت دولة الأتابك زنكي وبينه ومواليه من الشام والجزيرة أجمع كان لم تكن والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والبقاء لله تعالى وحده والله تعالى أعلم. ٥/٣٢٤
دولة بني أيوب الخبر عن دولة بني أيوب القائمين بالدولة العباسية وما كان لهم من الملك بمصر والشام واليمن والمغرب وأولية ذلك ومصايره
هذه الدولة من فروع دولة بني زنكي كما تراه وجدهم هو أيوب بن شادي بن مروان بن علي ابن الحسن بن علي بن أحمد بن علي بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحرث بن سنان بن عمر بن مرة بن عوف الحميري الدوسي هكذا نسبه بعض المؤرخين لدولتهم قال ابن الأثير أنهم من الأكراد الرواية وقال ابن خلكان شادي أبوهم من أعيان درين وكان صاحبه بها بهروز فأصابه خصي من بعض أمرائه وفر حياء من المثلة فلحق بدولة السلطان مسعود بن محمد بن ملك شاه وتعلق بخدمة داية بنيه حتى إذا هلك الداية أقامه السلطان لبنيه مقامه فظهرت كفايته وعلا في الدولة محله فبعث عن شادي بن مروان صاحبه لما بينهما من الألفة وأكيد الصحبة فقدم عليه ثم ولى السلطان بهروز شحنة بغداد فسار إليها واستصحب شادي معه ثم أقطعه السلطان قلعة تكريت فولى عليها شادي فهلك وهو وال عليها وولى بهروز مكانه ابنه نجم الدين أيوب وهو أكبر من أسد الدين شيركوه فلم يزل واليا عليها ولما زحف عماد الدين زنكي صاحب الموصل لمظاهرة مسعود على الخليفة المسترشد سنة عشرين وخمسمائة وانهزم الأتابك وانكفأ راجعا إلى الموصل ومر بتكريت قام نجم الدين بعلوفته وازواده وعقد له الجسور على دجلة وسهل له عبورها ثم أن شيركوه أصاب دما في تكريت ولم يفده منه أخوه أيوب فعزله بهروز وأخرجهما من تكريت فلحقا بعماد الدين بالموصل فأحسن إليهما وأقطعهما ثم ملك بعلبك سنة اثنتين وثلاثين جعله نائبا ولم يزل بها أيوب ولما مات عماد الدين زنكي سنة إحدى وأربعين زحف صاحب دمشق فخر الدين طغركين إلى بعلبك وحاصرها واستنزل أيوب منها على ما شرط لنفسه من الإقطاع وأقام معه بدمشق وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بن زنكي وأقطعه حمص والرحبة لاستطاعته وكفايته وجعله مقدم عساكره ولما صرف نظره إلى الاستيلاء على دمشق واعتزم على مداخلة أهلها كان ذلك على يد شيركوه وبمكاتبته لأخيه أيوب وهو بدمشق فتم ذلك على أيديهما وبمحاولتهما وملكها سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكانت دولة العلويين بمصر قد أخلقت جدتها وذهب استفحالها واستبد وزراؤها على خلفائها فلم يكن الخلفاء يملكون معهم وطمع الإفرنج في سواحلهم وأمصارهم لما نالهم من الهرم والوهن فمالوا عليهم وانتزعوا البلاد من ٥/٣٢٦
أيديهم وكانوا يردون عليهم كرسي خلافتهم بالقاهرة ووضعوا عليهم الجزية وهم يتجرعون المصاب من ذلك ويتحملونه مع بقاء أمرهم كاد الأتابك زنكي وقومه السلجوقية من قبله أن يمحو دعوتهم ويذهبوا بدولتهم وأقاموا من ذلك على مضض وقلق وجاء الله بدعوة العاضد آخرهم وتغلب عليه بعد الصالح بن رزيك شاور السعدي وقتل رزيك بن صالح سنة ثمان وخمسين واستبد على العاضد ثم نازعه الضرغام لتسعة أشهر من ولايته وغلبه وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام ولحق بنور الدين صريخا سنة تسع وخمسين وشرط له على نفسه ثلث الجباية بأعمال مصر على أن يبعث معه عسكرا يقيمون بها فأجابه إلى ذلك وبعث أسد الدين شيركوه في العساكر فقتل الضرغام ورد شاور إلى رتبته وآل أمرهم إلى محو الدولة العلوية وانتظام مصر وأعمالها في ملكة ابن أيوب بدعوة نور الدين محمود بن زنكي ويخطب للخلفاء العباسيين لما هلك نور الدين محمود واستبد صلاح الدين بأمره في مصر ثم غلب على بني نور الدين محمود وملك الشام من أيديهم وكثر عيث ابن عمهم مودود واستفحل ملكه وعظمت دولة بنيه من بعده إلى أن انقرضوا والبقاء لله وحده.
مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر وإعادة شاور إلى وزارته
لما اعتزم نور الدين محمود صاحب الشام على صريخ شاور وإرسال العساكر معه واختار لذلك أسد الدين شيركوه بن شادي وكان من أكبر أمرائه فاستدعاه من حمص وكان أميرا عليها وهي أقطاعه وجمع له العساكر وأزاح عللهم وفصل بهم شيركوه من دمشق في جمادى سنة تسع وخمسين وسار نور الدين بالعساكر إلى بلاد الإفرنج ليأخذ بحجزتهم عن اعتراضه أو صده لما كان بينهم وبين صاحب مصر من الألفة والتظاهر ولما وصل أسد الدين بلبيس لقيه هنالك ناصر الدين أخو الضرغام وقاتله فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوما وخرج الضرغام منسلخ جمادى الأخيرة فقتل عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها وقتل أخوه وأعاد شاور إلى وزارته وتمكن فيها وصرف أسد الدين إلى بلده وأعرض عما كان بينهما فطالبه أسد الدين بالوفاء فلم يجب إليه فتغلب أسد الدين على بلبيس والبلاد الشرقية وبعث شاور إلى الإفرنج يستنجدهم ويعدهم فبادروا إلى إجابته وسار بهم ملكهم مري لخوفهم أن يملك أسد الدين مصر واستعانوا بجمع من الإفرنج جاءوا الزيارة القدس وسار نور الدين إليهم ليشغلهم فلم يثنهم ذلك وطمعوا لعزمهم وزرأ أسد الدين إلى بلبيس واجتمعت العساكر المصرية والإفرنج عليه وحاصروه ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويراوحهم وامتنع عليهم وقصاراهم ٥/٣٢٧
منع الأخبار عنه واستنفر نور الدين ملوك الجزيرة وديار بكر وقصر حارم وسار الإفرنج لمدافعته فهزمهم وأثخن فيهم وأسر صاحب أنطاكية وطرابلس وفتح حارم قريبا من حلب ثم سار إلى بانياس قريبا من دمشق ففتحها كما مر في أخبار نور الدين وبلغ الخبر بذلك إلى الإفرنج وهم محاصرون أسد الدين في بلبيس ففت في عزائمهم وطووا الخبر عنه وراسلوه في الصلح على أن يعود إلى الشام فصالحهم وعاد إلى الشام في ذي الحجة من السنة والله تعالى أعلم.
مسير أسد الدين ثانيا إلى مصر وملكه لإسكندرية ثم صلحه عليها وعوده
ولما رجع أسد الدين إلى الشام لم يزل في نفسه مما كان من غدر شاور وبقي يشحن لغزوهم إلى سنة اثنتين وستين فجمع العساكر وبعث معه نور الدين جماعة من الأمراء واكثف له العسكر خوفا على حامية الإسلام وسار أسد الدين إلى مصر وانتهى إلى أطفيح وعبر منها إلى العدوة الغربية ونزل الجيزة وأقام نحوا من خمسين يوما وبعث شاور إلى الإفرنج يستمدهم على العادة وعلى مالهم من التخوف من استفحال ملك نور الدين وشيركوه فسارعوا إلى مصر وعبروا مع عساكرها إلى الجيزة وقد ارتحل عنها أسد الدين إلى الصعيد وانتهى منها إلى وأتبعوه وأدركوه بها منتصف اثنتين وستين ولما رأى كثرة عددهم واستعدادهم مع تخاذل أصحابه فاستشارهم فأشار بعضهم بعبور النيل إلى العدوة الشرقية والعود إلى الشام وأبى زعماؤهم إلا الاستماتة سيما مع خشية العتب من نور الدين وتقدم صلاح الدين بذلك وأدركهم القوم على تعبية وجعل صلاح الدين في القلب وأوصاه أن يندفع أمامهم ووقف هو في الميمنة مع من وثق باستماتته وحمل القوم على صلاح الدين فسار بين أيديهم على تعبيته وخالفهم أسد الدين إلى مخلفهم فوضع السيف فيهم وأثخن قتلا وأسرا ورجعوا عن صلاح الدين يظنون أنهم ساروا منهزمين فوجدوا أسد الدين قد استولى على مخلفهم واستباحة فانهزموا إلى مصر وسار أسد الدين إلى الإسكندرية فتلقاه أهلها بالطاعة واستخلف بها صلاح الدين ابن أخيه وعاد إلى الصعيد فاستولى عليه وفرق العمال على جباية أمواله ووصلت عساكر مصر والإفرنج إلى القاهرة وأزاحوا عللهم وساروا إلى الإسكندرية فحاصروا ٥/٣٢٨
بها صلاح الدين وجهده الحصار وسار أسد الدين من الصعيد لإمداده وقد انتقض عليه طائفة من التركمان من عسكره وبينما هو في ذلك جاءته رسل القوم في الصلح على أن يرد عليهم الاسكندرية ويعطوه خمسين ألف دينار سوى ما جباه من أموال الصعيد فأجابهم إلى ذلك على أن يرجع الإفرنج إلى بلادهم ولا يملكوا من البلاد قرية فانعقد ذلك بينهم منتصف شوال وعاد أسد الدين وأصحابه إلى الشام منتصف ذي القعدة ثم شرط الإفرنج على شاور أن ينزلوا بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بأيديهم ليتمكنوا من مدافعة نور الدين فضربوا عليه مائة ألف دينار في كل سنة جزية فقبل ذلك وعاد الإفرنج إلى بلادهم بسواحل الشام وتركوا بمصر جماعة من زعمائهم وبعث الكامل أبا شجاع شاور إلى نور الدين بطاعته وان يبث بمصر دعوته وقرر على نفسه ما لا يحمل كل سنة إلى نور الدين فأجابه إلى ذلك وبقي شيعة له بمصر والله تعالى أعلم.
استيلاء أسد الدين على مصر ومقتل شاور
ولما ضرب الإفرنج الجزية على القاهرة ومصر وأنزلوا بها الشحنة وملكوا أبوابها تمكنوا من البلاد وأقاموا فيها جماعة من زعمائهم فتحكموا وأطلعوا على عورات الدولة فطمعوا فيما وراء ذلك من الاستيلاء وراسلوا بذلك ملكهم بالشام واسمه مري ولم يكن ظهر بالشام من الإفرنج مثله فاستدعوه لذلك وأغروه فلم يجبهم واستحثه أصحابه لملكها وما زالوا يفتلون له في الذروة والغارب ويوهمونه القوة بتملكها على نور الدين ويريهم هو أن ذلك يؤل إلى خروج أصحابها عنها النور الدين فبقي بها إلى أن غلبوا عليه فرجع إلى رأيهم وتجهز وبلغ الخبر نور الدين فجمع عساكره واستنفر من في ثغوره وسار الإفرنج إلى مصر مفتتح أربع وستين فملكوا بلبيس عنوة في صفر واستباحوها وكاتبهم جماعة من أعداء شاور فأنسوا مكاتبتهم وساروا إلى مصر ونازلوا القاهرة وأمر شاور بإحراق مدينة مصر لينتقل أهلها إلى القاهرة فيضبط الحصار فانتقلوا وأخذهم الحريق وامتدت الأيدي وانتهبت أموالهم واتصل الحريق فيها شهرين وبعث العاضد إلى نور الدين يستغيث به فأجاب وأخذ في تجهيز العساكر فاشتد الحصار على القاهرة وضاق الأمر بشاور فبعث إلى ملك الإفرنج يذكره بقديمه وأن هواه معه دون العاضد ونور الدين ويسأل في الصلح على المال لنفور المسلمين مما سوى ذلك فأجابه ملك الإفرنج على ألف ألف دينار لما رأى من امتناع القاهرة وبعث إليهم شاور بمائة ألف منها وسألهم في الإفراج فارتحلوا وشرع في جمع المال فعجز الناس عنه ورسل ٥/٣٢٩
العاضد خلال ذلك تردد إلى نور الدين في أن يكون أسد الدين وعساكره حامية عنده وعطاؤهم عليه وثلث الجباية خالصة لنور الدين فاستدعى نور الدين أسد الدين من حمص وأعطاه مائتي ألف دينار وجهزه بما يحتاجه من الثياب والدواب والأسلحة وحكمه في العساكر والخزائن ونقد العسكر عشرين دينارا لكل فارس وبعث معه من أمرائه مولاه عز الدين خردك وعز الدين قليج وشرف الدين ترعش وعز الدولة الباروقي وقطب الدين نيال بن حسان المنبجي وأمد صلاح الدين يوسف بن أيوب مع عمه أسد الدين فتعلل عليه واعتزم عليه فأجاب وسار أسد الدين منتصف ربيع فلما قارب مصر رجع الإفرنج إلى بلادهم فسر بذلك نور الدين وأقام عليه البشائر في الشام ووصل أسد الدين القاهرة ودخلها منتصف جمادى الأخيرة ونزل بظاهرها ولقي العاضد وخلع عليه وأجرى عليه وعلى عساكره الجرايات والاتاوات وأقام أسد الدين ينتظر شرطهم وشاور يماطله ويعلله بالمواعيد ثم فاوض أصحابه في القبض على أسد الدين واستخدام جنده فمنعه ابنه الكامل من ذلك فأقصر ثم أشرف أصحاب أسد الدين على اليأس من شاور وتفاوض أمراؤه في ذلك فاتفق صلاح الدين مع ابن أخيه وعز الدين خردك على قتل شاور وأسد الدين ينهاهم وغدا شاور يوما على أسد الدين في خيامه فألقاه قد ركب لزيارة تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فتلقاه صلاح الدين وخردك وركبوا معه لقصد أسد الدين فقبضوا عليه في طريقهم وطيروا بالخبر إلى أسد الدين وبعث العاضد لوقته يحرضهم على قتله فبعثوا إليه برأسه وأمر العاضد بنهب دوره فنهبها العامة وجاء أسد الدين لقصر العاضد فخلع عليه الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش وخرج له من القصر منشور من إنشاء القاضي الفاضل البيساني وعليه مكتوب بخط الخليفة ما نصه:
«هذا عهد لا عهد لوزير بمثله فتقلد ما رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحملة وعليك الحجة من الله فيما أوضح لك من مراشد سبله فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة وأسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا» . ثم ركب أسد الدين إلى دار الوزارة التي كان فيها شاور وجلس مجلس الأمر والنهي وولى على الأعمال وأقطع البلاد للعساكر وأمن أهل مصر بالرجوع إلى بلادهم ورمها وعمارتها وكاتب نور الدين بالواقع مفصلا وانتصب للأمور ثم دخل للعاضد وخطب الأستاذ جوهر الخصي عنه وهو يومئذ أكبر الأساتيذ فقال يقول لك مولانا نؤثر مقامك عندنا من أول قدومك وأنت تعلم الواقع من ذلك وقد تيقنا أن الله عز وجل أدخرك لنا نصرة على أعدائنا فحلف له أسد الدين على النصيحة وإظهار الدولة فقال ٥/٣٣٠
الأستاذ عن العاضد الأمر بيدك هذا وأكثر ثم جددت الخلع واستخلص أسد الدين الجليس عبد القوي وكان قاضي القضاة وداعي الدعاة واستحسنه واختصه وأما الكامل بن شاور فدخل القصر مع إخوته معتصمين به وكان آخر العهد به وأسف أسد الدين عليه لما كان منه في رد أبيه وذهب كل بما كسب والله تعالى أعلم.
وفاة أسد الدين وولاية ابن أخيه صلاح الدين
ثم توفي أسد الدين شيركوه آخر جمادى الأخيرة من سنة أربع وستين لشهرين من وزارته ولما احتضر أوصى حواشيه بهاء الدين قراقوش فقال له الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أردنا وصار أهلها راضين عنا فلا تفارقوا سور القاهرة ولا تفرطوا في الأسطول ولما توفي تشوف الأمراء الذين معه إلى رتبة الوزارة مكانه مثل عز الدولة الباروقي وشرف الدين المشطوب الهكاري وقطب الدين نيال بن حسان المنبجي وشهاب الدين الحارمي وهو خال صلاح الدين وجمع كل لمغالبة صاحبه وكان أهل القصر وخواص الدولة قد تشاوروا فأشار جوهر بإخلاء رتبة الوزارة واصطفاء ثلاثة آلاف من عسكر الغز يقودهم قراقوش ويعطي لهم الشرقية إقطاعا ينزلون بها حشدا دون الإفرنج من يستبد على الخليفة بل يقيم واسطة بينه وبين الناس على العادة وأشار آخرون بإقامة صلاح الدين مقام عمه والناس تبع له ومال القاضي لذلك حياء من صلاح الدين وجنوحا إلى صغر سنه وأنه لا يتوهم فيه من الاستبداد ما يتوهم في غيره من أصحابه وأنهم في سعة من رأيهم مع ولايته فاستدعاه وخلع عليه ولقبه الملك الناصر واختلف عليه أصحابه فلم يطيعوه وكان عيسى الهكاري شيعة له واستمالهم إليه إلا الباروقي فإنه امتنع وعاد إلى نور الدين بالشام وثبتت قدم صلاح الدين في مصر وكان نائبا عن نور الدين ونور الدين يكاتبه بالأمير الأسفهسار ويجمعه في الخطاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية وما زال صلاح الدين يحسن المباشرة ويستميل الناس ويفيض العطاء حتى غلب على أفئدة الناس وضعف أمر العاضد ثم أرسل يطلب إخوته وأهله من نور الدين فبعث بهم إليه من الشام واستقامت أموره وأطردت سعادته والله تعالى ولي التوفيق. ٥/٣٣١
واقعة السودان بمصر
كان بقصر العاضد خصى حاكم على أهل القصر يدعي مؤتمن الخلافة فلما غص أهل الدولة بوزارة صلاح الدين داخل جماعة منهم وكاتب الإفرنج يستدعيهم ليبرز صلاح الدين لمدافعتهم فيثوروا بمخلفه ثم يتبعونه وقد ناشب الإفرنج فيأتون عليه وبعثوا الكتاب مع ذي طمرين حمله في نعاله فاعترضه بعض التركمان واستلبه ورأوا النعال جديدة فاسترابوا بها فجاءوا به إلى صلاح الدين فقرأ الكتاب ودخل على كاتبه فأخبره بحقيقة الأمر فطوي ذلك وانتظر مؤتمن الخلافة حتى خرج إلى بعض قراه متنزها وبعث من جاء برأسه ومنع الخصيين بالقصر عن ولاية أموره وقدم عليهم بهاء الدين قراقوش خصيا أبيض من خدمه وجعل إليه جميع الأمور بالقصر وامتعض السودان بمصر لمؤتمن الخلافة واجتمعوا لحرب صلاح الدين وبلغوا خمسة آلاف وناجزوا عسكره من القصر في ذي القعدة من السنة وبعث إلى محلتهم بالمنصورة من أحرقها على أهليهم وأولادهم فلما سمعوا بذلك انهزموا وأخذهم السيف في السكك فاستأمنوا وعبروا إلى الجيزة فسار إليهم شمس الدولة أخو صلاح الدين في طائفة من العسكر فاستلحمهم وأبادهم والله أعلم.
منازلة الإفرنج دمياط وفتح ايلة
ولما استولى صلاح الدين على دولة مصر وقد كان الإفرنج أسفوا على ما فاتهم من صده وصد عمه عن مصر وتوقعوا الهلاك من استطالة نور الدين عليهم بملك مصر فبعثوا الرهبان والأقسة إلى بلاد القرانية يدعونهم الى المدافعة عن بيت المقدس وكاتبوا الإفرنج بصقلية والأندلس يستنجدونهم فنفروا واستعدوا لإمدادهم واجتمع الذين بسواحل الشام في فاتح خمس وستين وثلاثمائة وركبوا في ألف من الأساطيل وأرسلوا لدمياط ليملكوها ويقربوا من مصر وكان صلاح الدين قد ولاها شمس الخواص منكبرس فبعث إليه بالخبر فجهز إليها بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز في البر متتابعين وواصل المراكب بالأسلحة والإتاوات وخاطب نور الدين يستمده لدمياط لأنه لا يقدر على المسير إليها خشية من أهل الدولة بمصر فبعث نور الدين إليها العساكر أرسالا ثم سار ٥/٣٣٢
بنفسه وخالف الإفرنج إلى بلادهم بسواحل الشام فاستباحها وخربها وبلغهم الخبر بذلك على دمياط وقد امتنعت عليهم ووقع فيهم الموتان فأقلعوا عنها لخمسين يوما من حصارها ورجع أهل سواحل الشام لبلادهم فوجدوها خرابا وكان جملة ما بعثه نور الدين في المدد لصلاح الدين في شأن دمياط هذه ألف ألف دينار سوى الثياب والأسلحة وغيرها ثم أرسل صلاح الدين إلى نور الدين في منتصف السنة يستدعي منه أباه نجم الدين أيوب فجهزه إليه مع عسكر واجتمع معهم من التجار جماعة وخشي عليهم نور الدين في طريقهم من الإفرنج الذين بالكرك فسار إلى الكرك وحاصرهم بها وجمع الإفرنج الآخرون فصمد للقائهم فخاموا عنه وسار في وسط بلادهم وسار إلى عشيرا ووصل نجم الدين أيوب إلى مصر وركب العاضد لتلقيه ثم سار صلاح الدين سنة ست وستين لغزو بلاد الإفرنج وأغار على أعمال عسقلان والرملة ونهب ربط غزة ولقي ملك الإفرنج فهزمه وعاد إلى مصر ثم أنشأ مراكب وحملها مفصلة على الجمال إلى أيلة فألفها وألقاها في البحر وحاصر أيلة برا وبحرا وفتحها عنوة في شهر ربيع من السنة واستباحها وعاد إلى مصر فعزل قضاة الشيعة وأقام قاضيا شافعيا فيها وولى في جميع البلاد كذلك ثم بعث أخاه شمس الدولة توران شاه الى الصعيد فأغار على العرب وكانوا قد عاثوا وأفسدوا فكفهم عن ذلك والله تعالى أعلم.
إقامة الخطبة العباسية بمصر
ثم كتب نور الدين بإقامة الخطبة للمستضيء العباسي وترك الخطبة للعاضد بمصر فاعتذر عن ذلك بميل أهل مصر للعلويين وفي باطن الأمر خشي من نور الدين فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك ولم تسعه مخالفته وأحجم عن القيام بذلك وورد على صلاح الدين شخص من علماء الأعاجم يعرف بالخبشاني ويلقب بالأمير العالم فلما رآهم محجمين عن ذلك صعد المنبر يوم الجمعة قبل الخطيب ودعي للمستضيء فلما كانت الجمعة القابلة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد والخطبة للمستضيء فتراسلوا بذلك ثاني جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة وكان المستضيء قد ولي الخلافة بعد أبيه المستنجد في ربيع من السنة قبلها ولما خطب له بمصر كان العاضد مريضا فلم يشعروه بذلك وتوفي يوم عاشوراء من السنة ولما خطب له على منابر مصر جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصره ووكل به بهاء الدين قراقوش وكان فيه من الذخائر ما يعز وجوده مثل حبل الياقوت الذي وزن كل حصاة منه سبعة عشر مثقالا ومصاف الزمرد الذي طوله أربعة أصابع طولا ٥/٣٣٣
في عرض ومثل طبل القولنج الذي يضربه ضاربه فيعافى بذلك من داء القولنج وكسروه لما وجدوا ذلك منه فلما ذكرت لهم منفعته ندموا عليه ووجدوا من الكتب النفيسة ما لا يعد ونقل أهل العاضد إلى بعض حجر القصر ووكل بهم وإخراج الإماء والعبيد وقسمهم بين البيع والهبة والعتق وكان العاضد لما اشتد مرضه استدعاه فلم يجب داعيه وظنها خديعة فلما توفي ندم وكان يصفه بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه والانقياد ولما وصل الخبر إلى بغداد بالخطبة للمستضيء ضربت البشائر وزينت بغداد أياما وبعثت الخلع لنور الدين وصلاح الدين مع صندل الخادم من خواص المقتفي فوصل إلى نور الدين وبعث بخلعة صلاح الدين وخلع الخطباء بمصر والأعلام السود والله تعالى أعلم.
الوحشة بين صلاح الدين ونور الدين
قد كان تقدم لنا ذكر هذه الوحشة في أخبار نور الدين مستوفاة وأن صلاح الدين غزا بلاد الإفرنج سنة سبع وستين وحاصر حصن الشوبك على مرحلة من الكرك حتى استأمنوا إليه فبلغ ذلك نور الدين فاعتزم على قصد بلاد الإفرنج من ناحية أخرى فارتاب صلاح الدين في أمره وفي لقاء نور الدين وإظهار طاعته وما ينشأ عن ذلك من تحكمه فيه فأسرع العود إلى مصر واعتذر لنور الدين بشيء بلغه عن شيعة العلويين ليعتزله نور الدين وأخذ في الاستعداد لعزله وبلغ ذلك صلاح الدين وأصحابه فتفاوضوا في مدافعته ونهاهم أبوه نجم الدين أيوب وأشار بمكاتبته والتلطف له مخافة أن يبلغه غير ذلك فيقوى عزمه على العمل به ففعل ذلك صلاح الدين فسالمه نور الدين وعادت المخالطة بينهما كما كانت واتفقا على اجتماعهما لحصار الكرك فسار صلاح الدين لذلك سنة ثمان وستين وخرج نور الدين من دمشق بعد أن تجهز فلما انتهى إلى الرقيم على مرحلتين من الكرك وبلغ صلاح الدين خبره ارتاب به ثانيا وجاءه الخبر بمرض نجم الدين أبيه بمصر فكر راجعا وأرسل إلى نور الدين الفقيه عيسى الهكاري بما وقع من حديث المرض بأبيه وأنه رجع من أجله فأظهر نور الدين القبول وعاد إلى دمشق والله تعالى أعلم.
وفاة نجم الدين أيوب
كان نجم الدين أيوب بعد انصراف ابنه صلاح الدين إلى مصر أقام بدمشق عند نور الدين ٥/٣٣٤
ثم بعث عنه ابنه صلاح الدين عند ما استوثق له ملك مصر فجهزه نور الدين سنة خمس وستين في عسكره وسار لحصار الكرك ليشغل الإفرنج عن اعتراضه كما مر ذكره ووصل إلى مصر وخرج العاضد لتلقيه وأقام مكرما ثم سار صلاح الدين إلى الكرك سنة ثمان وستين المرة الثانية في مواعدة نور الدين وأقام نجم الدين بمصر وركب يوما في مركب وسار ظاهر البلد والفرس في غلواء مراحه وملاعبة ظله فسقط عنه وحمل وقيذا إلى بيته فهلك لأيام منها آخر ذي الحجة من السنة وكان خيرا جواد محسنا للعلماء والفقراء وقد تقدم ذكر أوليته والله ولي التوفيق.
استيلاء قراقوش على طرابلس الغرب
كان قراقوش من موالي تقي الدين عمر بن شاه نجم الدين أيوب وهو ابن أخي صلاح الدين فغضب مولاه في بعض النزعات وذهب مغاضبا إلى المغرب ولحق بجبل نفوسه من ضواحي طرابلس الغرب وأقام هنالك دعوة مواليه وكان في بسائط تلك الجبال مسعود بن زمام المعروف بالبلط في أحيائه من رياح من عرب هلال بن عامر كان منحرفا عن طاعة عبد المؤمن شيخ الموحدين وخليفة المهدي فيهم فانتبذ مسعود بقومه عن المغرب وإفريقية إلى تلك القاصية فدعاه قراقوش إلى إظهار دعوة مواليه بني أيوب فأجابه ونزل معه بأحيائه على طرابلس فحاصرها قراقوش وافتتحها ونزل بأهله وعياله في قصرها ثم استولى على قابس من ورائها وعلى توزر ونفطة وبلاد نفراوة من إفريقية وجمع أموالا جمة وجعل ذخيرته بمدينة قابس وخربت تلك البلاد أثناء ذلك باستيلاء العرب عليها ولم يكن لهم قدرة على منعهم ثم طمع في الاستيلاء على جميع إفريقية ووصل يده بيحيى بن غانية اللمتوني الثائر بتلك الناحية بدعوة لمتونة من بقية الأمراء في دولتهم فكانت لهما بتلك الناحية آثار مذكورة في أخبار دولة الموحدين إلى أن غلبه ابن غانية على ما ملك من تلك البلاد وقتله كما هو مذكور في أخبارهم والله أعلم.
استيلاء نور الدين توران شاه بن أيوب على بلاد النوبة ثم على بلاد اليمن
كان صلاح الدين وقومه على كثرة ارتيابهم من نور الدين وظنهم به الظنون يحاولون ملك ٥/٣٣٥
القاصية عن مصر ليمتنعوا بها أن طرقهم منه حادث أو عزم على المسير إليهم في مصر فصرفوا عزمهم في ذلك إلى بلاد النوبة أو بلاد اليمن وتجهز شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو أخو صلاح الدين الأكبر إلى ملك النوبة وسار إليها في العساكر سنة ثمان وستين وحاصر قلعة من ثغورهم ففتحها واختبرها فلم يجد فيها خرجا ولا في البلاد بأسرها جباية وأقواتهم الذرة وهم في شظف من العيش ومعاناة للفتن فاقتصر على ما فتحه من ثغورهم وعاد في غنيته بالعبدى والجواري فلما وصل إلى مصر أقام بها قليلا وبعثه صلاح الدين إلى اليمن وقد كان غلب عليه علي بن مهدي الخارجي سنة أربع وخمسين وصار أمره إلى ابنه عبد النبي وكرسي ملكه زبيد منها وفي عدد ياسر بن بلال بقية ملوك بني الربيع وكان عمارة اليمنى شاعر العبيدي وصاحب بني رزيك من أمرائهم وكان أصله من اليمن وكان في خدمة شمس الدولة ويغريه به فسار إليه شمس الدولة بعد أن تجهز وأزاح العلل واستعد للمال والعيال وسار من مصر منتصف سنة تسع وستين ومر بمكة وانتهى إلى زبيد وبها ملك اليمن عبد النبي بن علي بن مهدي فبرز إليه وقاتله فانهزم وانحجر بالبلد وزحفت عساكر شمس الدولة فتسنموا أسوارها وملكوها عنوة واستباحوها وأسروا عبد النبي وزوجته وولى شمس الدولة على زبيد مبارك بن كامل بن منقذ من أمراء شيزركان في جملته ودفع إليه عبد النبي ليستخلص منه الأموال فاستخرج من قرابته دفائن كانت فيها أموال جليلة ودلتهم زوجته الحرة على ودائع استولوا منها على أموال جمة وأقيمت الخطبة العباسية في زبيد وسار شمس الدولة توران شاه الى عدن وبها ياسر بن بلال كان أبوه بلال بن جرير مستبدا بها على مواليه بني الزريع وورثها عنه ابنه ياسر فسار ياسر للقائه فهزمه شمس الدولة وسارت عساكره الى البلد فملكوها وجاءوا بياسر أسيرا إلى شمس الدولة فدخل عدن وعبد النبي معه في الاعتقال واستولى على نواحيها وعاد الى زبيد ثم سار إلى حصون الجبال فملك تعز وهي من أحصن القلاع وحصن التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون وولى على عدن عز الدولة عثمان بن الزنجبيلي واتخذ زبيد سببا لملكه ثم استوخمها وسار في الجبال ومعه الأطباء يتخير مكانا صحيح الهواء للسكنى فوقع اختيارهم على تعز فاختط هنالك مدينة واتخذها كرسيا لملكه وبقيت لبنيه ومواليهم بني رسول كما نذكره في أخبارهم والله تعالى ولي التوفيق.
واقعة عمارة ومقتله
كان جماعة من شيعة العلويين بمصر منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر وعبد الصمد ٥/٣٣٦
الكاتب والقاضي العويدس وابن كامل وداعي الدعاة وجماعة من الجند وحاشية القصر اتفقوا على استدعاء الإفرنج من صقلية وسواحل الشام وبذلوا لهم الأموال على أن يقصدوا مصرفان خرج صلاح الدين للقائهم بالعساكر ثار هؤلاء بالقاهرة وأعادوا الدولة العبيدية وإلا فلا بد له إن أقام من بعث عساكره لمدافعة الإفرنج فينفردون به ويقبضون عليه وواطأهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين وتحينوا لذلك غيبة أخيه توران شاه باليمن وثقوا بأنفسهم وصدقوا توهماتهم ورتبوا وظائف الدولة وخططها وتنازع في الوزارة بنو رزيك وبنو شاور وكان على بن نجي الواعظ ممن داخلهم في ذلك فأطلع صلاح الدين هو في الباطن إليهم ونمى الخبر إلى صلاح الدين من عيونه ببلاد الإفرنج فوضع على الرسول عنده عيونا جاءوه بحلية خبره فقبض حينئذ عليهم وقيل إن علي بن نجي أنمى خبرهم إلى القاضي فأوصله إلى صلاح الدين ولما قبض عليهم صلاح الدين أمر بصلبهم ومر عمارة ببيت القاضي وطلب لقاءه فلم يسعفه وأنشد البيت المشهور
عبد الرحيم قد احتجب ... أن الخلاص هو العجب
ثم صلبوا جميعا ونودي في شيعة العلويين بالخروج من ديار مصر إلى الصعيد واحتيط على سلالة العاضد بالقصر وجاء الافرنج على ذلك من صقلية إلى الإسكندرية كما يأتي خبره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
وصول الإفرنج من صقلية إلى الإسكندرية
لما وصلت رسل هؤلاء الشيعة إلى الإفرنج بصقلية تجهزوا وبعثوا مراكبهم مائتي أسطول للمقاتلة فيها خمسون ألف رجل وألفان وخمسمائة فارس وثلاثون مركبا للخيول وستة مراكب لآلة الحرب وأربعون للازواد وتقدم عليهم ابن عم الملك صاحب صقلية ووصلوا إلى ساحل الإسكندرية سنة سبعين وركب أهل البلد الأسوار وقاتلهم الإفرنج ونصبوا الآلات عليها وطار الخبر إلى صلاح الدين بمصر ووصلت الأمراء إلى الإسكندرية من كل جانب من نواحيها وخرجوا في اليوم الثالث فقاتلوا الإفرنج فظفروا عليهم ثم جاءهم البشير آخر النهار بمجيء صلاح الدين فاهتاجوا للحرب وخرجوا عند اختلاط الظلام فكبسوا الإفرنج في خيامهم بالسواحل وتبادروا إلى ركوب البحر فتقسموا بين القتل والغرق ولم ينج إلا القليل واعتصم منهم نحو من ثلاثمائة برأس رابية هنالك إلى أن أصبحوا فقتل بعضهم وأسر الباقون وأقلعوا بأساطيلهم راجعين والله تعالى أعلم ٥/٣٣٧
واقعة كنز الدولة بالصعيد
كان أمير العرب بنواحي أسوان يلقب كنز الدولة وكان شيعة للعلوية بمصر وطالت أيامه واشتهر ولما ملك صلاح الدين قسم الصعيد اقطاعا بين أمرائه وكان أخو أبي الهيجاء السمين من أمرائه واقطاعه في نواحيهم فعصى كنز الدولة سنة سبعين واجتمع اليه العرب والسودان وهجم على أخي أبي الهيجاء السمين في اقطاعه فقتله وكان أبو الهيجاء من أكبر الأمراء فبعثه صلاح الدين لقتال الكنز وبعث معه جماعة من الأمراء والتف له الجند فساروا الى أسوان ومروا بصدد فحاصروا بها جماعة وظفروا بهم فاستلحموهم ثم ساروا الى الكنز فقاتلوه وهزموه وقتل واستلحم جميع أصحابه وأمنت بلاد أسوان والصعيد والله تعالى ولى التوفيق.
استيلاء صلاح الدين على قواعد الشام بعد وفاة العادل نور الدين
كان صلاح الدين كما قدمناه قائما في مصر بطاعة العادل نور الدين محمود بن زنكي ولما توفي سنة تسع وستين ونصب ابنه الصالح إسماعيل في كفالة شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم وبعث اليه صلاح الدين بطاعته ونقم عليهم انهم لم يردوا الأمر اليه وسار غازي صاحب الموصل بن قطب الدين مودود بن زنكي الى بلاد نور الدين التي بالجزيرة وهي نصيبين والخابور وحران والرها والرقة فملكها ونقم عليه صلاح الدين أنهم لم يخبروه حتى يدافعه عن بلادهم وكان الخادم سعد الدين كمستكين الذي ولاه نور الدين قلعة الموصل وأمر سيف الدين غازي بمطالعته بأموره قد لحق عند وفاة نور الدين بحلب وأقام بها عند شمس الدين علي ابن الداية المستبد بها بعد نور الدين فبعثه ابن الداية الى دمشق في عسكر ليجيء بالملك الصالح الى حلب لمدافعة سيف الدين غازي فنكروه أولا وطردوه ثم رجعوا الى هذا الرأي وبعثوا عنه فسار مع الملك الصالح الى حلب ولحين دخوله قبض على ابن الداية وعلى مقدمي حلب واستبد بكفالة الصالح وخاف الأمراء بدمشق وبعثوا الى سيف الدين غازي ليملكوه فظنها مكيدة من ابن عمه وامتنع عليهم وصالح ابن عمه على ما أخذ من البلاد فبعث أمراء دمشق الى صلاح الدين وتولى كبر ذلك ابن المقدم فبادر الى الشام وملك بصرى ثم سار الى دمشق فدخلها في منسلخ ربيع سنة سبعين وخمسمائة ونزل دار أبيه المعروفة بالعفيفي وبعث القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري الى ريحان الخادم بالقلعة انه ٥/٣٣٨
على طاعة الملك الصالح وفي خدمته وما جاء الا لنصرته فسلم اليه القلعة وملكها واستخلف على دمشق أخاه سيف الإسلام طغركين وسار الى حمص وبها وال من قبل الأمير مسعود الزعفراني وكانت من أعماله فقاتلها وملكها وجمر عسكرا لقتال قلعتها وسار الى حماة مظهرا لطاعة الملك لصالح وارتجاع ما أخذ من بلاده بالجزيرة وبعث بذلك الى صاحب قلعتها خرديك واستخلفه وسار الى الملك الصالح ليجمع الكلمة ويطلق أولاد الداية واستخلف على قلعة حماة أخاه ولما وصل الى حلب حبسه كمستكين الخادم ووصل الخبر الى أخيه بقلعة حماة فسلمها لصلاح الدين وسار الى حلب فحاصرها ثالث جمادى الاخيرة واستمات أهلها في المدافعة عن الصالح وكان بحلب سمند صاحب طرابلس من الافرنج محبوسا منذ أسره نور الدين على حارم سنة تسع وخمسين فأطلقه كمستكين على مال وأسرى ببلده وتوفي نور الدين أول السنة وخلف ابنا مجذوما فكفله سمند واستولى على ملكهم فلما حاصر صلاح الدين حلب بعث كمستكين الى سمند يستنجده فسار الى حمص ونزلها فسار اليه صلاح الدين وترك حلب وسمع الافرنج بمسيره فرحلوا عن خمص ووصل هو اليها عاشر رجب فحاصر قلعتها وملكها آخر شعبان من السنة ثم سار الى بعلبك وبها يمن الخادم من أيام نور الدين فحاصره حتى استأمن اليه وملكها رابع رمضان من السنة وصار بيده من الشام دمشق وحماة وبعلبك ولما استولى صلاح الدين على هذه البلاد من أعمال الملك الصالح كتب الصالح الى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فأنجده بعساكره مع أخيه عز الدين مسعود وصاحب جيشه عز الدين زلقندار وسارت معهم عساكر حلب وساروا جميعا لمحاربة صلاح الدين وبعث صلاح الدين الى سيف الدين غازي أن يسلم لهم حمص وحماة ويبقى بدمشق نائبا عن الصالح فأبي الا رد جميعها فسار صلاح الدين الى العساكر ولقيهم آخر رمضان بنواحي حماة فهزمهم واتبعهم الى حلب وحاصرها وقطع خطبة الصالح ثم صالحوه على ما بيده من الشام فأجابهم ورحل عن حلب لعشرين من شوال وعاد الى حماة وكان فخر الدين مسعود بن الزعفراني من الأمراء النورية وكانت ماردين من أعماله مع حمص وحماة وسلمية وتل خالد والرها فلما ملك أقطاعه هذه اتصل به فلم ير نفسه عنده كما ظن ففارقه فلما عاد صلاح الدين من حصار حلب الى حماة سار الى بعلبك واستأمن اليه واليها فملكها وعاد الى حماة فأقطعها خاله شهاب الدين محمود وأقطع حمص ناصر الدولة بن شيركوه وأقطع بعلبك شمس الدين ابن المقدم ودمشق الى عماد والله تعالى ولى التوفيق بمنه وكرمه ٥/٣٣٩
واقعة صلاح الدين مع الملك الصالح وصاحب الموصل وما ملك من الشام بعد انهزامهما
ثم سار سيف الدين غازي صاحب الموصل في سنة احدى وسبعين بعد انهزام أخيه وعساكره واستقدم صاحب كيفا وصاحب ماردين وسار في ستة آلاف فارس وانتهى الى نصيبين في ربيع من السنة فشتى بها حتى ضجرت العساكر من طول المقام وسار الى حلب فخرجت اليه عساكر الملك الصالح مع كمستكين الخادم وسار صلاح الدين من دمشق للقائهم فلقيهم قبل السلطان فهزمهم واتبعهم الى حلب وعبر سيف الدين الفرات منهزما الى الموصل وترك أخاه عز الدين بحلب واستولى صلاح الدين على مخلفهم وسار الى مراغة فملكها وولى عليها ثم الى منبج وبها قطب الدين نيال بن حسان المنجبي وكان حنقا عليه لقبح آثاره في عداوته فلحق بالموصل وولاه غازي مدينة الرقة ثم سار صلاح الدين الى قلعة إعزاز فحاصرها أوائل ذي القعدة من السنة أربعين يوما وشد حصارها فاستأمنوا اليه فملكها ثاني الأضحى من السنة وثب عليه في بعض أيام حصارها باطني من الفداوية فضربه وكان مسلحا فأمسك يد الفداوي حتى قتل وقتل جماعة كانوا معه لذلك ورحل صلاح الدين بعد الاستيلاء على قلعة إعزاز الى حلب فحاصرها وبها الملك الصالح واعصوصب عليه أهل البلد واستماتوا في المدافعة عنه ثم ترددت الرسل في الصلح بينهما وبين صاحب الموصل وكيفا وصاحب ماردين فانعقد بينهم في محرم سنة اثنتين وتسعين وعاد صلاح الدين الى دمشق بعد أن رد قلعة إعزاز الى الملك الصالح بوسيلة أخته الصغيرة خرجت الى صلاح الدين ثائرة فاستوهبته قلعة إعزاز فوهبها لها والله تعالى أعلم.
مسير صلاح الدين الى بلاد الإسماعيلية
ولما رحل صلاح الدين عن حلب وقد وقع من الإسماعيلية على حصن إعزاز ما وقع قصد بلادهم في محرم سنة اثنتين وتسعين ونهبها وخربها وحاصرها قلعة باميان ونصب عليها المجانيق وبعث سنان مقدم الإسماعيلية بالشام الى شهاب الدين الحارمي خال صلاح الدين بحماة يسأله الشفاعة فيهم ويتوعده بالقتل فشفع فيهم وأرحل العساكر عنهم وقدم عليه أخوه توران شاه من اليمن بعد فتحه وإظهار دعوتهم فيه وولى على مدنه وامصاره فاستخلفه صلاح الدين على دمشق وسار الى مصر لطول عهده بها أبو الحسن بن سنان بن سقمان بن محمد ولما وصل ٥/٣٤٠
اليها أمر بإدارة سور على مصر القاهرة والقلعة التي بالجبل دوره تسعة وعشرون ألف ذراع ثلاثمائة ذراع بالهاشمي واتصل العمل فيه الى أن مات صلاح الدين وكان متولي النظر فيه مولاه قراقوش والله تعالى ولى التوفيق بمنه.
غزوات بين المسلمين والافرنج
كان شمس الدين محمد ابن المقدم صاحب بعلبك وأغار جمع من الافرنج على البقاع من أعمال حلب فسار اليهم وأكمن لهم في الغياض حتى نال منهم وفتك فيهم وبعث الى صلاح الدين بمائتي أسير منهم وقارن ذلك وصول شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن فبلغه أن جمعا من الافرنج أغاروا على أعمال دمشق فسار اليهم ولقيهم بالمروج فلم يثبت وهزموه وأسر سيف الدين أبو بكر بن السلار من أعيان الجند بدمشق وتجاسر الافرنج على تلك الولاية ثم اعتزم صلاح الدين على غزو بلاد الافرنج فبعثوا في الهدنة وأجابهم اليها وعقد لهم والله تعالى ولى التوفيق.
هزيمة صلاح الدين بالرملة أمام الافرنج
ثم سار صلاح الدين من مصر في جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين الى ساحل الشام لغزو بلاد الافرنج وانتهى الى عسقلان فاكتسح أعمالها ولم يروا للافرنج خبرا فانساحوا في البلاد وانقلبوا الى الرملة فما راعهم الا الافرنج مقبلين في جموعهم وإبطالهم وقد افترق أصحاب صلاح الدين في السرايا فثبت في موقفه واشتد القتال وأبلى يومئذ محمد ابن أخيه في المدافعة عنه وقتل من أصحابه جماعة وكان لتقي الدين بن شاه ابن اسمه أحمد متكامل الخلال لم يطر شاربه فابلى يومئذ واستشهد وتمت الهزيمة على المسلمين وكان بعض الافرنج تخلصوا الى صلاح الدين فقتل بين يديه وعاد منهزما واسر الفقيه عيسى الهكاري بعد أن أبلى يومئذ بلاء شديدا وسار صلاح الدين حتى غشيه الليل ثم دخل البرية في فل قليل الى مصر ولحقهم الجهد والعطش ودخل الى القاهرة منتصف جمادى الاخيرة قال ابن الأثير ورأيت كتابه الى أخيه توران شاه بدمشق يذكر الواقعة
ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد فتكت فينا المثقفة السمر
ومن فصوله لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة وما نجانا الله سبحانه منه الا لأمر يريده وما ثبتت الا وفي نفسها أمر انتهى وأما السرايا التي دخلت بلاد الافرنج فتقسمهم القتل والأسر وأما ٥/٣٤١
الفقيه عيسى الهكاري فلما ولى منهزما ومعه أخوه الظهير ضل عن الطريق ومعهما جماعة من أصحابهما فأسروا وفداه صلاح الدين بعد ذلك بستين ألف دينار والله تعالى أعلم.
حصار الافرنج مدينة حماة
ثم وصل في جمادى الاولى الى ساحل الشام زعيم من طواغيت الافرنج وقارن وصوله هزيمة صلاح الدين وعاد الى دمشق يومئذ توران شاه بن أيوب في قلة من العسكر وهو مع ذلك منهمك في لذاته فسار ذلك الزعيم بعد أن جمع فرنج الشام وبذل لهم العطاء فحاصر مدينة حماة وبها شهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين مريضا وشد حصارها وقتالها حتى أشرف على أخذها وهجموا يوما على البلد وملكوا ناحية منه فدافعهم المسلمون وأخرجوهم ومنعوا حماة منهم فأفرجوا عنها بعد أربعة أيام وساروا الى حارم فحاصروها ولما رحلوا عن حماة مات شهاب الدين الحارمي ولم يزل الافرنج على حارم يحاصرونها وأطمعهم فيها ما كان من نكبة الصالح صاحب حلب لكمشتكين الخادم كافل دولته ثم صانعهم بالمال فرحلوا عنها ثم عاد الافرنج الى مدينة حماة في ربيع سنة أربع وسبعين فعاثوا في نواحيها واكتسحوا أعمالها وخرج العسكر حامية البلد اليهم فهزموهم واستردوا ما أخذوا من السواد وبعثوا بالرءوس والأسرى الى صلاح الدين وهو بظاهر حمص منقلبا من الشام فأمر بقتل الأسرى والله تعالى ولي التوفيق.
انتقاض ابن المقدم ببعلبك وفتحها
كان صلاح الدين لما ملك بعلبك استخلف فيها شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم جزاء بما فعله في تسليم دمشق وكان شمس الدولة محمد أخو صلاح الدين ناشئا في ظل أخيه وكفالته فكان يميل اليه وطلب منه أقطاع بعلبك فأمر ابن المقدم بتمكينه منها فأبى وذكره عهده في أمر دمشق فسار ابن المقدم الى بعلبك وامتنع فيها ونازلته العساكر فامتنع وطاولوه حتى بعث الى صلاح الدين يطلب العوض فعوضه عنها وسار أخوه شمس الدين اليها فملكها والله تعالى ولى التوفيق ٥/٣٤٢
وقائع مع الافرنج
وفي سنة أربع وسبعين سار ملك الافرنج في عسكر عظيم فأغار على أعمال دمشق واكتسحها وأثخن فيها قتلا وسبيا وأرسل صلاح الدين فرخ شاه ابن أخيه في العسكر لمدافعته فسار يطلبهم ولقيهم على غير استعداد فقاتل أشد القتال ونصر الله المسلمين وقتل جماعة من زعماء الافرنج منهم هنغري وكان يضرب به المثل ثم أغار البرنس صاحب انطاكية واللاذقية على صرح المسلمين بشيرز وكان صلاح الدين على بانياس ل
تخريب حصن الافرنج
بمخاضة الإضرار فبعث تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه وناصر الدين محمد الى حمص لحماية البلد من العدو كما نذكره ان شاء الله تعالى.
تخريب حصن الافرنج
كان الافرنج قد اتخذوا حصنا منيعا بقرب بانياس عند بيت يعقوب عليه السلام ويسمي مكانه مخاضة الإضرار فسار صلاح الدين من دمشق الى بانياس سنة خمس وسبعين وأقام بها وبعث فيها الغارات على بلادهم ثم سار الى الحصن فحاصره ليختبره وعاد عنه الى اجتماع العساكر وبث السرايا في بلاد الافرنج للغارة وجاء ملك الافرنج للغارة على سريته ومعه جماعة من عساكره فبعثوا إلى صلاح الدين بالخبر فوافاهم وهم يقتتلون فهزم الافرنج وأثخن فيهم ونجا ملكهم في فل وأسر صاحب الرملة ونابلس منهم وكان رديف ملكهم وأسر أخوه صاحب جبيل وطبرية ومقدم الفداوية ومقدم الاساتارية وغيرهم من طواغيتهم وفادى صاحب الرملة نفسه وهو ارتيرزان بمائة وخمسين ألف دينار صورية وألف أسير من المسلمين وأبلى في هذا اليوم عز الدين فرخ شاه ابن أخي صلاح الدين بلاء حسنا ثم عاد صلاح الدين الى بانياس وبث السرايا في بلاد الافرنج وسار لحصار الحصن فقاتله قتالا شديدا وتسنم المسلمون سوره حتى ملكوا برجا منه وكان مدد الافرنج بطبرية والمسلمون يرتقبون وصولهم فأصبحوا من الغد ونقبوا السور وأضرموا فيه النار فسقط وملك المسلمون الحصن عنوة آخر ربيع سنة خمس وسبعين وأسروا كل من فيه وأمر صلاح الدين بهدم الحصن فالحق بالأرض وبلغ الخبر الى الإفرنج وهم مجتمعون بطبرية لإمداده فافترقوا وانهزم الإفرنج والله سبحانه وتعالى أعلم ٥/٣٤٣
الفتنة بين صلاح الدين وقليج ارسلان صاحب الروم
كان حصن رعبان من شمالي حلب قد ملكه نور الدين العادل بن قليج ارسلان صاحب بلاد الروم وهو بيد شمس الدين ابن المقدم فلما انقطع حصن رعبان عن ايالة صلاح الدين وراء حلب طمع قليج ارسلان في استرجاعه فبعث اليه عسكرا يحاصرونه وبعث صلاح الدين تقي الدين ابن أخيه في عسكر لمدافعتهم فلقيهم وهزمهم وعاد الى عمه صلاح الدين ولم يحضر معه تخريب حصن الإضرار وكان نور الدين محمود بن قليج ارسلان بن داود صاحب حصن كيفا وآمد وغيرهما من ديار بكر قد فسد ما بينه وبين قليج ارسلان صاحب بلاد الروم بسبب اضراره ببنته وزواجه عليها واعتزم قليج ارسلان على حربه وأخذ بلاده فاستنجد نور الدين بصلاح الدين وبعث الى قليج ارسلان يشفع في شأنه فطلب استرجاع حصونه التي أعطاها لنور الدين عند المصاهرة ولج في ذلك صلاح الدين على قليج وسار الى رعبان ومر بحلب فتركها ذات الشمال وسلك على تل باشر ولما انتهى الى رعبان جاءه نور الدين محمود وأقام عنده وأرسل اليه قليج ارسلان يصف فعل نور الدين واضراره ببنته فلما أدى الرسول رسالته امتعض صلاح الدين وتوعدهم بالمسير الى بلده فتركه الرسول حتى سكن وغدا عليه فطلب الخلوة وتلطف له في فسخ ما هو فيه من ترك الغزو ونفقة الأموال في هذا الغرض الحقير وان بنت قليج ارسلان يجب على مثلك من الملوك الامتعاض لها ولا تترك المضارة من دونها فعلم صلاح الدين الحق فيما قاله وقال للرسول إن نور الدين استند الى فعلك فأصلح الأمر بينهما وأنا معين على ما تحبونه جميعا ففعل الرسول ذلك وأصلح بينهما وعاد صلاح الدين الى الشام ونور الدين محمود الى ديار بكر وطلق ضرة بنت قليج ارسلان للأجل الذي أجله للرسول والله تعالى أعلم.
مسير صلاح الدين الى بلاد ابن اليون
كان قليج بن اليون من ملوك الأرض صاحب الدروب المجاورة لحلب وكان نور الدين محمود قد استخدمه وأقطع له في الشام وكان يعسكر معه وكان جريئا على صاحب القسطنطينية وملك وادقة والمصيصة وطرسوس من يد الروم وكانت بينهما من أجل ذلك حروب ولما توفي نور الدين وانتقضت دولته أقام ابن اليون في بلاده وكان التركمان يحتاجون الى رعي مواشيهم.
بأرضه على حصانتها وصعوبة مضايقها وكان يأذن لهم فيدخلونها وغدر بهم في بعض السنين ٥/٣٤٤
واستباحهم واستاق مواشيهم وبلغ الخبر الى صلاح الدين منصرفه من رعيان فقصد بلده ونزل النهر الأسود وبث الغارات في بلادهم واكتسحها وكان لابن اليون حصن وفيه ذخيرته فخشي عليه فقصد تخريبه وسابقه اليه صلاح الدين فغنم ما فيه وبعث اليه ابن اليون برد ما أخذ من التركمان واطلاق أسراهم على الصلح والرجوع عنه فأجابه الى ذلك وعاد عنه في منتصف سنة خمس وسبعين والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
غزوة صلاح الدين الى الكرك
كان البرنس ارناط صاحب الكرك من مردة الافرنج وشياطينهم وهو الذي اختط مدينة الكرك وقلعتها ولم تكن هنالك واعتزم على غزو المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام وسمع عز الدين فرخ شاه بذلك وهو بدمشق فجمع وسار الى الكرك سنة سبع وسبعين واكتسح نواحيه وأقام ليشغله عن ذلك الغرض حتى انقطع أمله وعاد الى الكرك فعاد فرخ شاه الى دمشق والله تعالى أعلم بغيبه.
مسير سيف الإسلام طغركين بن أيوب الى اليمن واليا عليها
قد كان تقدم لنا فتح شمس الدولة توران شاه لليمن واستيلاؤه عليه سنة ثمان وستين وأنه ولى على زبيد مبارك بن كامل بن منقذ من أمراء شيزر وعلى عدن عز الدولة عثمان الزنجيلي واختط مدينة تعز في بلاد اليمن واتخذها كرسيا لملكه ثم عاد الى أخيه سنة اثنتين وسبعين وأدركه منصرفا من حصار حلب فولاه على دمشق وسار الى مصر ثم ولاه أخوه صلاح الدين بعد ذلك مدينة الاسكندرية وأقطعه إياها مضافة الى أعمال اليمن وكانت الأموال تحمل اليه من زبيد وعدن وسائر ولايات اليمن ومع ذلك فكان عليه دين قريب من مائتي ألف دينار مصرية وتوفي سنة ست وسبعين فقضاها عنه صلاح الدين ولما بلغه خبر وفاته سار الى مصر واستخلف على دمشق عز الدين فرخ شاه ابن شاهنشاه وكان سيف الدين مبارك بن كامل بن منقذ الكناني نائبة بزبيد قد تغلب في ولايته وتحكم في الأموال فنزع الى وطنه واستأذن شمس الدولة قبل موته فأذن له في المجيء واستأذن أخاه عطاف بن زبيد وأقام مع شمس الدولة حتى إذا مات بقي في خدمة صلاح الدين وكان محشدا فسعى فيه عنده أنه احتجر ٥/٣٤٥
أموال اليمن ولم يعرض له فتحيل أعداؤه عليه وكان ينزل بالعدوية قرب مصر فصنع في نعض الأيام صنيعا دعي اليه أعيان الدولة واختلف مواليه وخدامه الى مصر في شراء حاجتهم فتحيلوا لصلاح الدين انه هارب الى اليمن فتمت حيلتهم فقبض عليه ثم ضاق عليه الحال وصابره على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما أعطى لأهل الدولة فأطلقه وأعاده الى منزلته فلما بلغ شمس الدين الى اليمن اختلف نوابه بها حطان بن منقذ وعثمان بن الزنجبيلي وخشي صلاح الدين أن تخرج اليمن عن طاعته فجهز جماعة من أمرائه الى اليمن مع صارم الدين قطلغ أبيه والي مصر من أمرائه فساروا لذلك سنة سبع وسبعين واستولى قطلغ أبيه على زبيد من حطان بن منقذ ثم مات قريبا فعاد حطان الى زبيد وأطاعه الناس وقوي على عثمان الزنجبيلي فكتب عثمان الى صلاح الدين أن يبعث بعض قرابته فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغركين فسار الى اليمن وخرج حطان بن منقذ من زبيد وتحصن في بعض القلاع ونزل سيف الإسلام زبيد وبعث الى حطان بالأمان فنزل اليه وأولاه الإحسان ثم طلب اللحاق بالشام فمنعه ثم ألح عليه فأذن له حتى إذا خرج واحتمل رواحله وجاء ليودعه قبض عليه واستولى على ما معه ثم حبسه في بعض القلاع فكان آخر العهد به ويقال كان فيما أخذه سبعون حملا من الذهب ولما سمع عثمان الزنجبيلي خبر حطان خشي على نفسه وحمل أمواله في البحر ولحق بالشام وبقيت مراكبه مراكب لسيف الإسلام فاستولى عليها ولم يخلص الا بما كان معه في طريقه وصفا اليمن لسيف الإسلام والله تعالى أعلم.
دخول قلعة البيرة في ايالة صلاح الدين وغزوة الافرنج وفتح بعض حصونهم مثل الشقيف والغرر وبيروت
كانت قلعة البيرة من قلاع العراق لشهاب الدين بن ارتق وهو ابن عم قطب الدين أبي الغازي بن ارتق صاحب ماردين وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام ثم مات وملك البيرة بعده ابنه ومات نور الدين فصار الى طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم وقع بين صاحب ماردين وصاحب الموصل من المخالصة والاتفاق ما وقع وطلب من عز الدين أن يأذن له في أخذ البيرة فأذن له فسار قطب الدين في عسكره الى قلعة شميشاط وأقام بها وبعث العسكر الى البيرة وحاصروها وبعث صاحبها يستنجد صلاح الدين ويكون له كما كان أبوه لنور الدين فشفع صلاح الدين الى قطب الدين صاحب ماردين ولم يشفعه ٥/٣٤٦
وشغل عنه بأمر الافرنج ورحلت عساكر قطب الدين عنها فرجع صاحبها الى صلاح الدين وأعطاه طاعته وعاد في ايالته ثم خرج صلاح الدين من مصر في محرم سنة ثمان وسبعين قاصدا الشام ومر بايلة وجمع الافرنج لاعتراضه فبعث أثقاله مع أخيه تاج الملوك الى دمشق ومال على بلادهم فاكتسح نواحي الكرك والشويك وعاد الى دمشق منتصف صفر وكان الافرنج لما اجتمعوا على الكرك دخلوا بلادهم من نواحي الشام فخالفهم عز الدين فرخ شاه نائب دمشق اليها واكتسح نواحيها وخرب قراها وأثخن فيهم قتلا وسبيا وفتح الشقيف من حصونهم عنوة وكان له نكاية في المسلمين فبعث الى صلاح الدين بفتحه فسر بذلك ثم أراح صلاح الدين بدمشق أياما وسار في ربيع الأول من السنة وقصد طبرية وخيم بالأردن واجتمعت الافرنج على طبرية فسير صلاح الدين فرخ شاه ابن أخيه الى بيسان فملكها عنوة واستباحها وأغار على الغور فأثخن فيها قتلا وسبيا وسار الافرنج من طبرية الى جبل كوكب وتقدم صلاح الدين اليهم بعساكره فتحصنوا بالجبل فأمر ابني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخ شاه ابني شاهنشاه فقاتلوا الافرنج قتالا شديدا ثم تحاجزوا وعاد صلاح الدين الى دمشق ثم سار الى بيروت فاكتسح نواحيها وكان قد استدعى الاسطول من مصر لحصارها فوافاه بها وحاصرها أيام ثم بلغه أن البحر قد قذف بدمياط مركبا للافرنج فيه جماعة منهم جاءوا لزيارة القدس فألقتهم الريح بدمياط وأسر منهم ألف وستمائة أسير ثم ارتحل عن بيروت الى الجزيرة كما نذكره أن شاء الله تعالى.
مسير صلاح الدين الى الجزيرة واستيلاؤه على حران والرها والرقة والخابور ونصيبين وسنجار وحصار الموصل
كان مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك الذي كان أبوه نائب القلعة بالموصل مستوليا في دولة مودود وبنيه وانتقل آخر الى اربل ومات بها وأقطعه عز الدين صاحب الموصل ابنه مظفر الدين وكان هواه مع صلاح الدين ويؤمله ملكه بلاد الجزيرة فراسله وهو محاصر لبيروت وأطمعه في البلاد واستحثه للوصول فسار صلاح الدين عن بيروت موريا بحلب وقصد الفرات ولقيه مظفر الدين وساروا الى البيرة وقد دخل طاعة عز الدين وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما مسير صلاح الدين الى الشام ظنوا أنه يريد حلب فساروا لمدافعته فلما عبر الفرات عادوا الى الموصل وبعثوا حامية الى الرها وكاتب صلاح الدين ٥/٣٤٧
ملوك الأطراف بديار بكر وغيرها بالوعد والمغاربة ووعد نور الدين محمودا صاحب كيفا أنه يملكه آمد ووصل اليه فساروا الى مدينة الرها فحاصروها وبها يومئذ الأمير فخر الدين بن مسعود الزعفراني واشتد عليه القتال فاستأمن الى صلاح الدين وملكه المدينة وحاصر معه القلعة حتى سلمها النائب الذي بها على مال شرطه فأضافها صلاح الدين الى مظفر الدين مع حران وساروا الى الرقة وبها نائبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجي ففارقها الى الموصل وملكها صلاح الدين ثم سار الى قرقيسيا وماسكين وعربان وهي بلاد الخابور فاستولى على جميعها وسار الى نصيبين فملك المدينة لوقتها وحاصر القلعة أياما ثم ملكها وأقطعها للأمير أبي الهيجاء السمين ثم رحل عنها ونور الدين صاحب كيفا معه معتزما على قصد الموصل وجاءه الخبر أن الافرنج أغاروا على نواحي دمشق واكتسحوا قراها وأرادوا تخريب جامع داريا فتوعدهم نائب دمشق بتخريب بيعهم وكنائسهم فتركوه فلم يثن ذلك من عزمه وقصد الموصل وقد جمع صاحبها العساكر واستعد للحصار وخلى نائبة في الاستعداد وبعث الى سنجار واربل وجزيرة ابن عمر فشحنها بالامداد من الرجال والسلاح والأموال وأنزل صاحب الدار عساكره بقربها وتقدم هو ومظفر الدين وابن شيركوه فهالهم استعداد صاحب البلد وأيقنوا بامتناعه وعذل صاحبيه هذين فإنهما كانا أشارا بالبداءة بالموصل ثم أصبح صلاح الدين من الغد في عسكره ونزل عليه أول رجب على باب كندة وأنزل صاحب الحصن باب الجسر وأخاه تاج الملوك بالباب العمادي وقاتلهم فلم يظفر وخرج بعض الرجال فنالوا منه ونصب منجنيقا فنصبوا عليه من البلد تسعة ثم خرجوا اليه من البلد فأخذوه بعد قتال كثير وخشي صلاح الدين من البيات فتأخر لانه رآهم في بعض الليالي يخرجون من باب الجسر بالمشاعل ويرجعون وكان صدر الدين شيخ الشيوخ ومشير الخادم قد وصلا من عند الخليفة الناصر في الصلح وترددت الرسل بينهم فطلب عز الدين من صلاح الدين رد ما أخذه من بلادهم فأجاب على أن يمكنوه من حلب فامتنع فرجع الى ترك مظاهرة صاحبها فامتنع أيضا ثم وصلت أيضا رسل صاحب أذربيجان ورسل شاهرين صاحب خلاط في الصلح فلم يتم وسار أهل سنجار يعترضون من يقصده من عساكره وأصحابه فأفرج عن الموصل وسار اليها وبها شرف الدين أمير أميران هند وأخو عز الدين صاحب الموصل في عسكر وبعث اليه مجاهد الدين النائب بعسكر آخر مددا وحاصرها صلاح الدين وضيق عليها واستمال بعض أمراء الأكراد الذين بها من الزواوية فواعده من ناحيته وطرقه صلاح الدين فملكه البرج الذي في ناحيته فاستأمن أمير أميران وخرج ٥/٣٤٨
وعسكره معه الى الموصل وملك صلاح الدين سنجار وولى عليها سعد الدين بن معين الدين الذي كان أبوه كامل بن طغركين بدمشق وصارت سنجار من سائر البلاد التي ملكها من الجزيرة وسار صلاح الدين الى نصيبين فشكا اليه أهلها من أبي الهيجاء السمين فعزله عنهم واستصحبه معه وسار الى حران في ذي القعدة من سنة ثمان وسبعين وفرق عساكره ليستريحوا وأقام في خواصه وكبار أصحابه والله أعلم.
مسير شاهرين صاحب خلاط لنجدة صاحب الموصل
كان عز الدين قد أرسل الى شاهرين يستنجده على صلاح الدين فبعث اليه عدة رسل شافعا في أمره فلم يشفعه وغالطه فبعث اليه مولاه آخرا سيف الدين بكتمر وهو على سنجار يسأله في الإفراج عنها فلم يجبه الى ذلك وسوفه رجاء أن يفتحها فأبلغه بكتمر الوعيد عن مولاه وفارقه مغاضبا ولم يقبل صلته وأغراه بصلاح الدين فسار شاهرين من مخيمه بظاهر خلاط الى ماردين وصاحبها يومئذ ابن أخته وابن خال عز الدين وصهره على بنته وهو قطب الدين ابن نجم الدين وسار اليهم أتابك عز الدين صاحب الموصل وكان صلاح الدين في حران منصرفه من سنجار وفرق عساكره فلما سمع باجتماعهم استدعى تقي الدين ابن أخيه شاهنشاه من حماة ورحل الى رأس عين فافترق القوم وعاد كل الى بلده وقصد صلاح الدين ماردين فأقام عليها عدة أيام ورجع والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.
واقعة الافرنج في بحر السويس
كان البرنس ارناط صاحب الكرك قد أنشأ اسطولا مفصلا وحمل أجزاءه الى صاحب ايلة وركبه على ما تقتضيه صناعة النشابة وقذفه في السويس وشحنه بالمقاتلة وأقلعوا في البحر ففرقة أقاموا على حصن ايلة يحاصرونه وفرقة ساروا نحو عيذاب وأغاروا على سواحل الحجاز وأخذوا ما وجدوا بها من مراكب التجار وطرق الناس منهم بلية لم يعرفوها لانه لم يعهد ببحر السويس افرنجي محارب ولا تاجر وكان بمصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب نائبا عن أخيه صلاح الدين فعمر اسطولا وشحنه بالمقاتلة وسار به حسام الدين لؤلؤ الحاجب قائد الاساطيل بديار مصر فبدأ بأسطول الافرنج الذي يحاصر ايلة فمزقهم كل ممزق وبعد الظفر بهم اقلع في طلب الآخرين وانتهى الى عيذاب فلم يجدهم فرجع الى رابغ وأدركهم بساحل ٥/٣٤٩
الحوراء وكانوا عازمين على طروق الحرمين واليمن والاغارة على الحاج فلما أطل عليهم لؤلؤ بالأسطول أيقنوا بالتغلب وتراموا على الحوراء وأسنموا اليها واعتصموا بشعابها ونزل لؤلؤ من مراكبه وجمع خيل الأعراب هنالك وقاتلهم فظفر بهم وقتل أكثرهم وأسر الباقين فأرسل بعضهم الى منى فقتلوا بها أيام النحر وعاد بالباقين الى مصر والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.
وفاة فرخ شاه
ثم توفي عز الدين فرخ شاه بن شاهنشاه أخو صلاح الدين النائب عنه بدمشق وكان خليفته في أهله ووثوقه به أكثر من جميع أصحابه وخرج من دمشق غازيا الافرنج وطرقه المرض وعاد فتوفي في جمادى سنة ثمان وسبعين وبلغ خبره صلاح الدين وقد عبر الفرات الى الجزيرة والموصل فأعاد شمس الدين محمد ابن المقدم الى دمشق وجعله نائبا فيها واستمر لشأنه والله تعالى يورث الملك لمن يشاء من عباده.
استيلاء صلاح الدين على آمد وتسليمها لصاحب كيفا
قد تقدم لنا مسير صلاح الدين الى ماردين وإقامته عليها أياما من نواحيها ثم ارتحل عنها الى آمد كما كان العهد بينه وبين نور الدين صاحب كيفا فنازلها منتصف ذي الحجة وبها بهاء الدين بن بيسان فحاصرها وكانت غاية في المنعة وأساء ابن بيسان التدبير وقبض يده عن العطاء وكان أهلها قد ضجروا منه لسوء سيرته وتضييقه عليهم في مكابسهم وكتب اليهم صلاح الدين بالترغيب والترهيب فتخاذلوا عن ابن بيسان وتركوا القتال معه ونقب السور من خارج بيت ابن بيسان وأخرج نساءه مع القاضي الفاضل يستميل اليه صلاح الدين ويؤجله ثلاثة أيام للرحلة فأجابه صلاح الدين وملك البلد في عاشوراء سنة تسع وسبعين وبنى خيمة بظاهر البلد ينقل اليها ذخيرته فلم يلتفت الناس اليه وتعذر عليه أمره فبعث الى صلاح الدين يسأله الاعانة فأمر له بالدواب والرجال فنقل في الأيام الثلاثة كثيرا من موجودة ومنع بعد انقضاء الأجل عن نقل ما بقي ولما ملكها صلاح الدين سلمها لنور الدين صاحب كيفا وأخبر صلاح الدين بما فيها من الذخائر لينقلها النفسه فأبى وقال ما ٥/٣٥٠
كنت لاعطي الأصل وأبخل بالفرع ودخل نور الدين البلد ودعا صلاح الدين وأمراءه الى صنيع صنعه لهم وقدم لهم من التحف والهدايا ما يليق بهم وعاد صلاح الدين والله تعالى أعلم.
استيلاء صلاح الدين على تل خالد وعنتاب
ولما فرغ صلاح الدين من آمد سار الى أعمال حلب فحاصر تل خالد ونصب عليه المجانيق حتى تسلمه بالأمان في محرم سنة تسع وسبعين ثم سار الى عنتاب فحاصرها وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين العادل وصاحبه وهو الذي ولاه عليها فطلب من صلاح الدين أن يقرها بيده ويكون في طاعته فأجابه الى ذلك وحلف له وسار في خدمته وغنم المسلمون خلال ذلك مغانم فمنها في البحر سار اسطول مصر فلقي في البحر مركبا فيها نحو ستمائة من الافرنج بالسلاح والأموال قاصدون الافرنج بالشام فظفروا بهم وغنموا ما معهم وعادوا الى مصر سالمين ومنها في البر أغابر الدارون جماعة من الافرنج ولحقهم المسلمون بايلة واتبعوهم الى العسيلة وعطش المسلمون فانزل الله تعالى عليهم المطر حتى رووا وقاتلوا الافرنج فظفروا بهم هنالك واستلحموهم واستقاموا معهم وعادوا سالمين الى مصر والله أعلم.
استيلاء صلاح الدين على حلب وقلعة حارم
كان الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين العادل صاحب حلب لم يبق له من الشام غيرها وهو يدافع صلاح الدين عنها فتوفي منتصف سنة سبع وسبعين وعهد لابن عمه عز الدين صاحب الموصل وسار عز الدين صاحب الموصل مع نائبة مجاهد الدين قايمان اليها فملكها ثم طلبها منه أخوه عماد الدين صاحب سنجار على أن يأخذ عنها سنجار فأجابه الى ذلك وأخذ عز الدين سنجار وعاد الى الموصل وسار عماد الدين الى حلب فملكها وعظم ذلك على صلاح الدين وخشي أن يسير منها الى دمشق وكان بمصر فسار الى الشام وسار منها الى الجزيرة وملك ما ملك منها وحاصر الموصل ثم حاصر آمد وملكها ثم سار الى أعمال حلب كما ذكرناه فملك تل خالد وعنتاب ثم سار الى حلب وحاصرها في محرم سنة تسع وسبعين ونزل الميدان الأخضر أياما ثم انتقل الى جبل جوشق وأظهر البقاء عليها وهو يغاديها القتال ٥/٣٥١
ويراوحها وطلب عماد الدين جنده في العطاء وضايقوه في تسليم حلب لصلاح الدين وأرسل اليه في ذلك الأمر طومان الباروقي وكان يميل الى صلاح الدين فشارطه على سنجار ونصيبين والرقة والخابور وينزل له عن حلب وتحالفوا على ذلك وخرج عنها عماد الدين ثامن عشر صفر من السنة الى هذه البلاد ودخل صلاح الدين حلب بعد ان شرط على عماد الدين أن يعسكر معه متى عاد ولما خرج عماد الدين الى صلاح الدين صنع له دعوة احتفل فيها وانصرف وكان فيمن هلك في حصار حلب تاج الملوك نور الدين أخو صلاح الدين الأصغر أصابته جراحة فمات منها بعد الصلح وقبل أن يدخل صلاح الدين البلد ولما ملك صلاح الدين حلب سار الى قلعة حارم وبها الأمير طرخك من موالي نور الدين العادل وكان عليها ابنه الملك الصالح فحاصره صلاح الدين ووعده وترددت الرسل بينهم وهو يمتنع وقد أرسل الى الافرنج يدعوهم للانجاد وسمع بذلك الجند الذين معه فوثبوا به وحبسوه واستأمنوا الى صلاح الدين فملك الحصن وولى عليه بعض خواصه وقطع تل خالد الباروقي صاحب تل باشر وأما قلعة إعزاز فإن عماد الدين إسماعيل كان خربها فأقطعها صلاح الدين سليمان بن جسار وأقام بحلب الى أن قضى جميع أشغالها وأقطع أعمالها وسار الى دمشق والله تعالى أعلم.
غزوة بيسان
ولما فرغ صلاح الدين من أمر حلب ولى عليها ابنه الظاهر غازي ومعه الأمير سيف الدين تاوكج كافلا له لصغره وهو أكبر الأمراء الاسدية وسار الى دمشق فتجهز للغزو وجمع عساكر الشام والجزيرة وديار بكر وقصد بلاد الافرنج فعبر الأردن منتصف سبع وسبعين وأجفل أهل تلك الأعمال أمامه فقصد بيسان وخربها وحرقها وأغار على نواحيها واجتمع الافرنج له فلما رأوه خاموا عن لقائه واستندوا الى جبل وخندقوا عليهم وأقام يحاصرهم خمسة أيام ويستدرجهم للنزول فلم يفعلوا فرجع المسلمون عنهم وأغاروا على تلك النواحي وامتلأت أيديهم بالغنائم وعادوا الى بلادهم والله تعالى ينصر من يشاء من عباده. ٥/٣٥٢
غزو الكرك وولاية العادل على حلب
ولما عاد صلاح الدين من غزوة بيسان تجهز لغزو الكرك وسار في العساكر واستدعى أخاه العادل أبا بكر بن أيوب من مصر وهو نائبها ليلحق به على الكرك وكان قد سأله في ولاية حلب وقلعتها فأجابه الى ذلك وأمره أن يجيء بأهله وماله فوافاه على الكرك وحاصروه أياما وملكوا أرباضه ونصبوا عليها المجانيق ولم يكن بالغ في الاستعداد لحصاره لظنه أن الافرنج يدافعون عنه فأفرج عنه منتصف شعبان وبعث تقي الدين ابن أخيه شاه على نيابة مصر مكان أخيه العادل واستصحب العادل منعه الى دمشق فولاه مدينة حلب ومدينة منبج وما اليها وبعثه بذلك في شهر رمضان من السنة واستدعى ولده الظاهر غازي من حلب الى دمشق ثم سار في ربيع الآخر من سنة ثمانين لحصار الكرك بعد ان جمع العساكر واستدعى نور الدين صاحب كيفا وعساكر مصر واستعد لحصاره ونصب المجانيق على ربضه فملكه المسلمون وبقي الحصن وراء خندق بينه وبين الربض عمقه ستون ذراعا وراموا طمه فنضحوهم بالسهام ورموهم بالحجارة فأمر برفع السقف ليمشي المقاتلة تحتها الى الخندق وأرسل أهل الحصن الى ملكهم يستمدونه ويخبرونه بما نزل بهم فاجتمع الافرنج وأوعبوا وساروا اليهم فرحل صلاح الدين للقائهم حتى انتهى الى حزونة الأرض فأقام ينتظر خروجهم الى البسيط فخاموا عن ذلك فتأخر عنهم فراسخ ومروا الى الكرك وعلم صلاح الدين أن الكرك قد امتنع بهؤلاء فتركه وسار الى نابلس فخربها وحرقها وسار الى سنطية وبها مشهد زكريا عليه السلام فاستنقذ من وجد بها من أسارى المسلمين ورحل الى جينين فنهبها وخربها وسار الى دمشق بعد ان بث السرايا في كل ناحية ونهب كل ما مر به وامتلأت الايدي من الغنائم وعاد الى دمشق مظفرا والله تعالى أعلم.
حصار صلاح الدين الموصل
ثم سار صلاح الدين من دمشق الى الجزيرة في ذي القعدة من سنة ثمان وعبر الفرات وكان مظفر الدين كوكبري على كجك يستحثه للمسير الى الموصل في كل وقت وربما وعده ٥/٣٥٣
بخمسين ألف دينار إذا وصل فلما وصل الى حران لم يف له فقبض عليه ثم خشي معيرة أهل الجزيرة فأطلقه وأعاد عليهم حران والرها وسار في ربيع الأول ولقيه نور الدين صاحب كيفا ومعز الدين سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر وقد انحرف عن عمه عز الدين صاحب الموصل بعد نكبة مجاهد الدين نائبة وساروا كلهم مع صلاح الدين الى الموصل وانتهوا الى مدينة بلد فلقيه هنالك أم عز الدين وابنة عمه نور الدين وجماعة من أهل بيته يسألونه الصلح ظنا بأنه لا يردهن وسيما بنت نور الدين واستشار صلاح الدين أصحابه فأشار الفقيه عيسى وعلي بن أحمد المشطوب بردهن وساروا الى الموصل وقاتلوها واستمات أهلها وامتعضوا لرد النساء فامتنعت عليهم وعاد على أصحابه باللوم في اشارتهم وجاء زين الدين يوسف صاحب اربل وأخوه مظفر الدين كوكبري فانزلهما بالجانب الشرقي وبعث علي بن أحمد المشطوب الهكاري الى قلعة الجزيرة ليحاصرها فاجتمع عليه الأكراد الهكارية الى أن عاد صلاح الدين عن الموصل وبلغ عز الدين أن نائبة بالقلعة زلقندار يكاتب صلاح الدين فمنعه منها وانحرف عنه الى الاقتداء برأي مجاهد الدين وتصدر عنه ثم بلغه خبر وفاة شاهرين صاحب خلاط فطمع صلاح الدين في ملكها وانه يستعين بها على أموره ثم جاءته كتب أهلها يستدعونه فسار عن الموصل اليها وكان أهل خلاط انما كاتبوه مكرا لأن شمس الدين البهلوان ابن ايلدكز صاحب أذربيجان وهمذان قصده تملكهم بعد ان كان زوج ابنته من شاهرين على كبره وجعل ذلك ذريعة الى ملك خلاط فلما سار اليهم كاتبوا صلاح الدين ودافعوا كلا منهما بالآخر فسار صلاح الدين وفي مقدمته ناصر الدين محمد بن شيركوه ومظفر الدين صاحب اربل وغيرهما وتقدموا الى خلاط وتقدم صاحب أذربيجان فنزل قريبا من خلاط وترددت رسل أهل خلاط بينه وبين البهلوان ثم خطبوا للبهلوان والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
استيلاء صلاح الدين على ميافارقين
ولما خطب أهل خلاط للبهلوان وصلاح الدين على ميافارقين وكانت لقطب الدين صاحب ماردين فتوفي وملك ابنه طفلا صغيرا بعده ورد أمرها الى شاهرين صاحب خلاط وأنزل بها عسكره فطمع فيها صلاح الدين بعد وفاة شاهرين وحاصرها من أول جمادى سنة احدى ٥/٣٥٤
وثمانين وعلى أجنادها الأمير أسد الدين برنيقش فأحسن الدفاع وكان بالبلد زوجة قطب الدين المتوفى ومعها بناتها منه وهي أخت نور الدين صاحب كيفا فراسلها صلاح الدين بأن برنيقش قد مال اليها في تسليم البلد ونحن ندعي حق أخيك نور الدين فأزوج بناتك من أبنائي وتكون البلد لنا ووضع على برنيقش من أخبره بأن الخاتون مالت الى صلاح الدين وأن أهل خلاط كاتبوه وكان خبر أهل خلاط صحيحا فسقط في يده وبعث في التسليم على شروط اشترطها من اقطاع ومال وسلم البلد فملكها صلاح الدين وعقد النكاح لبعض ولده على بعض بنات خاتون وأنزلها وبناتها بقلعة هقناج وعاد الى الموصل ومر بنصيبين وانتهى الى كفر أرمان واعتزم على أن يشتوا به ويقطع جميع ضياع الموصل ويحيى أعمالها ويكتسح غلاتها وجنح مجاهد الدين الى مصالحته وترددت الرسل في ذلك على أن يسلم اليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية الغرابلي وما وراء الزاب من الأعمال ثم طرقه المرض فعاد الى حران وأدركه الرسل بالإجابة الى ما طلب فانعقد هنالك وتحالفوا وتسلم البلاد وطال مرضه بحران وكان عنده أخوه العادل وبيده حلب وبها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين واشتد به المرض فقسم البلاد بين أولاده وأوصى أخاه العادل على الجميع وعاد الى دمشق في محرم سنة اثنتين وثمانين وكان عنده بحران ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه ومن اقطاعه حمص والرحبة فعاد قبله الى حمص ومر بحلب وصانع جماعة من أمرائها على أن يقوموا بدعوته أن حدث بصلاح الدين أمر وبلغ الى حمص فبعث الى أهل دمشق بمثل ذلك وأفاق صلاح الدين من مرضه ومات ناصر الدين ليلة الأضحى ويقال دس عليه من سمه وورث أعماله ابنه شيركوه وهو ابن اثنتي عشرة سنة والله تعالى أعلم.
قسمة صلاح الدين الأعمال بين ولده وأخيه
كان ابنه العزيز عثمان بحلب في كفالة أخيه العادل وابنه الأكبر الأفضل علي بمصر في كفالة تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه بعثه اليها عند ما استدعى العادل منها كما مر فلما مرض بحران أسف على كونه لم يول أحدا من ولده استقلالا وسعى اليه بذلك بعض بطانته فبعث ابنه عثمان العزيز الى مصر في كفالة أخيه العادل كما كان بحلب ثم اقطع العادل حران والرها وميافارقين من بلاد الجزيرة وترك عثمان ابنه بمصر ثم بعث عن ابنه الأفضل وتقي الدين ابن أخيه فامتنع تقي الدين من الحضور واعتزم على المسير الى المغرب واللحاق بمولاه قراقوش في ولايته التي حصلت له بطرابلس والجريد من إفريقية فراسله صلاح الدين ولاطفه ولما وصل ٥/٣٥٥
اقطعه حماة ومنبج والمعرة وكفر طاب وجبل جوز وسائر أعمالها وقيل ان تقي الدين لما أرجف بمرض صلاح الدين وموته تحرك في طلب الأمر لنفسه وبلغ ذلك صلاح الدين فأرسل الفقيه عيسى الهكاري وكان مطاعا فيهم وأمره بإخراج تقي الدين من مصر والمقام بها فسار ودخلها على حين غفلة وأمر تقي الدين بالخروج فأقام خارج البلد وتجهز للمغرب فراسله صلاح الدين الى آخر الخبر والله تعالى أعلم.
اتفاق القمص صاحب طرابلس مع صلاح الدين ومنابذة البرنس صاحب الكرك له وحصاره إياه والاغارة على عكا
كان القمص صاحب طرابلس وهو ريمند بن ريمند بن صنجيل تزوج بالقومصة صاحبة طبرية وانتقل اليها فأقام عندها ومات ملك الافرنج بالشام وكان مجذوما كما مر وأوصى بالملك لابن أخيه صغيرا فكفله هذا القمص وقام بتدبيره لملكه لعظمه فيهم وطمع أن تكون كفالته ذريعة الى الملك ثم مات الصغير فانتقل الملك الى أبيه ويئس القمص عندها مما كان يحدث به نفسه ثم أن الملكة تزوجت ابن غتم من الافرنج القادمين من المغرب وتوجته وأحضرت البطرك والقسوس والرهبان والاستبارية والدواوية واليارونة وأشهدتهم خروجها له عن الملك ثم طولب القمص بالجباية أيام كفالته الصبي فأنف وغضب وجاهر بالشقاق لهم وراسل صلاح الدين وسار الى ولايته وخلف له على مصره من أهل ملته وأطلق له صلاح الدين جماعة من زعماء النصارى كانوا أسارى عنده فازداد غبطة بمظاهرته وكان ذلك ذريعة لفتح بلادهم وارتجاع القدس منهم وبث صلاح الدين السرايا من ناحية طبرية في سائر بلاد الافرنج فاكتسحوها وعادوا غانمين وذلك كله سنة اثنتين وثمانين وكان البرنس ارناط صاحب الكرك من أعظم الافرنج مكرا وأشدهم ضررا وكان صلاح الدين قد سلط الغارة والحصار على بلده حتى سأل في الصلح فصالحه فصلحت السابلة بين الآمين ثم مرت في هذه السنة قافلة كثيرة التجار والجند فغدر بهم وأسر وأخذ ما معهم وبعث إليه صلاح الدين فأصر على غدرته فنذر أنه يقتله ان ظفر به واستنفر الناس للجهاد من سائر الأعمال من الموصل والجزيرة واربل ومصر والشام وخرج من دمشق في محرم سنة ثلاث وثمانين وانتهى الى رأس الماء وبلغه أن البرنس ارناط صاحب الكرك يريد أن يتعرض للحاج من الشام وكان معهم ابن أخيه محمد بن لاجين وغيره فترك من العساكر مع ابنه الأفضل علي وسار الى بصرى ٥/٣٥٦
وسمع البرنس بمسيره فأحجم عن الخروج ووصل الحاج سالمين وسار صلاح الدين الى الكرك وبث السرايا في أعمالها وأعمال الشويك فاكتسحوهما والبرنس محصور بالكرك وقد عجز الافرنج عن إمداده لمكان العساكر مع الأفضل بن صلاح الدين ثم بعث صلاح الدين الى ابنه الأفضل فأمره بإرسال بعث الى عكا ليكتسحوا نواحيها فبعث مظفر الدين كوكبري صاحب حران والرها وقايماز النجمي وداروم الباروقي وساروا في آخر صفر فصبحوا صفورية وبها جمع من الفداوية والاستبارية فبرزوا اليهم وكانت بينهم حروب شديدة تولى الله النصر فيها للمسلمين وانهزم الافرنج وقتل مقدمهم وامتلأت أيدي المسلمين من الغنائم وانقلبوا ظافرين ومروا بطبرية وبها القمص فلم يهجهم لما تقدم بينه وبين صلاح الدين من الولاية وعظم هذا الفتح وسار البشير به في البلاد والله تعالى أعلم.
هزيمة الإفرنج وفتح طبرية ثم عكا
ولما انهزم الفداوية والإستبارية بصفورية ومر المسلمون بالغنائم على القمص ريمند بطبرية ووصلت البشائر بذلك إلى صلاح الدين عاد إلى معسكره الذي مع ابنه ومر بالكرك واعتزم على غزو بلاد الافرنج فاعترض عساكره وبلغه ان القمص ريمند قد راجع أهل ملته ونقض عهده معه وأن البطرك والقسس والرهبان أنكروا عليه مظاهرته للمسلمين ومرور عساكرهم به بأسرى النصارى وغنائمهم ولم يعترضهم مع إيقاعهم بالفداوية والإستبارية أعيان الملة وتهددوه بإلحاق كلمة الكفر به فتنصل وراجع رأيه واعتذر إليهم فقبلوا عذره وخلص لكفره وطواغيته فجددوا الحلف والاجتماع وساروا من عكا إلى صفورية وبلغ الخبر إلى صلاح الدين وشاور أصحابه فمنهم من أشار بترك اللقاء وشن الغارات عليهم حتى يضعفوا ومنهم من أشار باللقاء لنزول عكا واستيفاء ما فعلوه في المسلمين بالجزيرة فاستصوبه صلاح الدين واستعجل لقاءهم ثم رحل من الأقحوانة أواخر رمضان فسار حتى خلف طبرية وتقدم إلى معسكر الإفرنج فلم يفارقوا خيامهم فلما كان الليل أقام طائفة من العسكر فسار إلى طبرية فملكها من ليلته عنوة ونهبها وأحرقها وامتنع أهلها بالقلعة ومعهم الملكة وأولادها فبلغ الخبر إلى الإفرنج فضج القمص وعمد إلى الصلح وأطال القول في تعظيم الخطب وكثرة المسلمين فنكر عليه البرنس صاحب الكرك واتهمه ببقائه على ولاية صلاح الدين واعتزموا على اللقاء ووصلوا من مكانهم لقصد المعسكر وعاد صلاح الدين إلى معسكره وبعدت المياه من حوالي الإفرنج وعطشوا ولم يتمكنوا من الرجوع فركبهم صلاح الدين دون قصدهم واشتدت الحرب وصلاح الدين يجول بين الصفوف يتفقد أحوال المسلمين ثم حمل القمص على ٥/٣٥٧
ناحية تقي الدين عمر بن شاه حملة استمات فيها هو وأصحابه فأفرج له الصف وخلص من تلك الناحية إلى منجاته واختل مصاف الإفرنج وتابعوا الحملات وكان بالأرض هشيم أصابه شرر فاضطرم نارا فجهدهم لفحها ومات جلهم من العطش فوهنوا وأحاط بهم المسلمون من كل ناحية فارتفعوا إلى تل بناحية حطين لينصبوا خيامهم به فلم يتمكنوا إلا من خيمة الملك فقط والسيف يجول فيهم مجاله حتى فني أكثرهم ولم يبق إلا نحو المائة والخمسين من خلاصة زعمائهم مع ملكهم والمسلمون يكرون عليهم مرة بعد أخرى حتى ألقوا ما بأيديهم وأسروا الملك وأخاه البرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب جبيل وابن هنفري ومقدم الفداوية وجماعة من الفداوية والإستبارية ولم يصابوا منذ ملكوا هذه البلاد أعوام التسعين والأربعمائة بمثل هذه الوقعة ثم جلس صلاح الدين في خيمته وأحضر هؤلاء الأسرى فقرع الملك ووبخه بعد أن أجلسه إلى جانبه وفاء بمنصب الملك وقام إلى البرنس فتولى قتله بيده حرصا على الوفاء بنذره بعد أن عرفه بغدرته وبجسارته على ما كان يرومه في الحرمين وحبس الباقين وأما القمص صاحب طرابلس فنجا كما ذكرناه إلى بلده ثم مات لأيام قلائل أسفا ولما فرغ صلاح الدين من هزيمتهم نهض إلى طبرية فنازلها واستأمنت إليه الملكة بها فأمنها في ولدها وأصحابها ومالها وخرجت إليه فوفى لها وبعث الملك وأعيان الأسرى إلى دمشق فحبسوا بها وجمع أسرى الفداوية والاستبارية بعد أن بذل لمن يجده منهم من المقاتلة خمسين دينارا مصرية لكل واحد وقتلهم أجمعين قال ابن الأثير ولقد اجتزت بمكان الوقعة بعد سنة فرأيت عظامهم ماثلة على البعد أحجفتها السيول ومزقتها السباع ولما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها إلى عكا فنازلها واعتصم الإفرنج الذين بها بالأسوار وشادوا بالاستئمان فأمنهم وخيرهم فاختاروا الرحيل فحملوا ما أقلته رحالهم ودخلها صلاح الدين غرة جمادى سنة ثلاث وثمانين وصلوا في جامعها القديم الجمعة يوم دخولهم فكانت أول جمعة أقيمت بساحل الشام بعد استيلاء الإفرنج عليه وأقطع صلاح الدين بلد عكا لابنه الأفضل وجميع ما كان فيه للفداوية من أقطاع وضياع ووهب للفقيه عيسى الهكاري كثيرا مما عجز الإفرنج عن حمله وقسم الباقي على أصحابه ثم قسم الأفضل ما بقي في أصحابه بعد مسير صلاح الدين ثم أقام صلاح الدين أياما حتى أصلح أحوالها ورحل عنها والله تعالى أعلم.
فتح يافا وصيدا وجبيل وبيروت وحصون عكا
لما هزم صلاح الدين الإفرنج كتب إلى أخيه العادل بمصر يسيره ويأمره بالمسير إلى جهات ٥/٣٥٨
الإفرنج من جهات مصر فنازل حصن مجدل وفتحه وغنم ما فيه ثم سار إلى مدينة يافا ففتحها عنوة واستباحها وكان صلاح الدين أيام مقامه بعكا بعث بعوثه إلى قيسارية وحيفا وسطورية وبعليا وشقيف وغيرها في نواحي عكا فملكوها واستباحوها وامتلأت أيديهم من غنائمها وبعث حسام الدين عمر بن الأصعن في عسكر إلى نابلس فملك سبطية مدينة الأسباط وبها قبر زكريا عليه السلام ثم سار إلى مدينة نابلس فملكها واعتصم الإفرنج الذين بها بالقلعة فأقرهم على أموالهم وبعث تقي الدين عمر بن شاهنشاه إلى تبنين ليقطع الميرة عنها وعن صور فوصل إليها وحاصرها وضيق عليها حتى استأمنوا فأمنهم وملكها ومر إلى صيدا ومر في طريقه بصرخد فملكها بعد قتال وجاء الخبر بفرار صاحب صيدا فسار وملكها آخر جمادى الأولى من السنة ثم سار من يومه إلى بيروت وقاتلها من أحد جوانبها فتوهموا أن المسلمين دخلوا عليهم من الجانب الآخر فاهتاجوا لذلك فلم يستقروا ولا قدروا على تسكين الهيعة لكثرة ما معهم من أخلاط السواد فاستأمنوا إليه وملكها آخر يوم من جمادى لثمانية أيام من حصارها وكان صاحب جبيل أسير بدمشق فضمن لنائبها تسليم جبيل لصلاح الدين على أن يطلقه فاستدعاه وهو محاصر لبيروت وسلم الحصن وأطلقه وكان من أعيان الإفرنج وأولي الرأي منهم والله تعالى أعلم.
وصول المركيش إلى صور وامتناعه بها
كان القمص صاحب طرابلس لما نجا من هزيمة لحق بمدينة صور وأقام بها يريد حمايتها ومنعها من المسلمين فلما ملك صلاح الدين نسيس وصيدا وبيروت ضعف عزمه عن ذلك ولحق ببلده طرابلس وبقيت صيدا وصور بدون حامية وجاء المركيش من تجار الإفرنج من المغرب في كثرة وقوة فأرسى بعكا ولم يشعر بفتحها وخرج إليه الرائد فأخبره بمكان الأفضل بن صلاح الدين فيها وأن صور وعسقلان باقية لإفرنج فلم يطق الإقلاع إليهما لركود الريح فشغلهم بطلب الأمان ليدخل المرسي ثم طابت ريحه وجرت به إلى صور ٥/٣٥٩
وأمر الأفضل بخروج الشواني في طلبه فلم يدركوه حتى دخل مرسى صور فوجد بها أخلاطا كثيرة من فل الحصون المفتتحة فجاءوا إليه وضمن لهم حفظ المدينة وبذل أمواله في الإنفاق عليها على أن تكون هي وأعمالها له دون غيره واستحلفهم على ذلك ثم قام بتدبير أحوالها وشرع في تحصينها فحفر الخنادق ورم الأسوار واستبد بها والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتح عسقلان وما جاورها
ولما ملك صلاح الدين بيروت وجبيل وتلك الحصون صرف همته إلى عسقلان والقدس لعظم شأن القدس ولأن عسقلان مقطع بين الشام ومصر فسار عن بيروت إلى عسقلان ولحق به أخوه العادل في عساكر مصر ونازلها أوائل جمادى الأخيرة واستدعى ملك الإفرنج ومقدم الراية وكانا أسيرين بدمشق فأحضرهما وأمرهما بالاذن للإفرنج بعسقلان في تسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك وأساءوا الرد عليهما فاشتد في قتالهم ونصب المجانيق عليهم يردد الرسائل إليهم في التسليم عساه ينطلق ويأخذ بالثار من المسلمين فلم يجيبوه ثم جهدهم الحصار وبعد عليهم الصريخ فاستأمنوا إلى صلاح الدين على شروط اشترطوها كان أهمها عندهم أن يمنعهم من الهراسة لما قتلوا أميرهم في الحصار فأجابهم إلى جميع ما اشترطوه وملك المدينة منتصف السنة لأربعة عشر يوما من حصارها وخرجوا بأهليهم وأموالهم وأولادهم إلى القدس ثم بعث السرايا في تلك الأعمال ففتحوا الرملة والداروم وغزة ومدن الخليل وبيت لحم البطرون وكل ما كان للفداوية وكان أيام حصار عسقلان قد بعث عن أسطول مصر فجاء به حسام الدين لؤلؤ الحاجب وأقام يغير على مرسى عسقلان والقدس ويغنم جميع ما يقصده من النواحي والله سبحانه وتعالى يؤيد من يشاء بنصره.
فتح القدس
لما فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى بيت المقدس وبها البطرك الأعظم وبليان بن نيزران صاحب الرملة وربيسة قريبة الملك ومن نجا من زعمائهم من حطين وأهل البلد المفتتحة عليهم وقد اجتمعوا كلهم بالقدس واستماتوا للدين وبعد لصريخ وأكثروا الاستعداد ونصبوا المجانيق من داخله وتقدم إليه أمير من المسلمين فخرج إليه الإفرنج فأوقعوا ٥/٣٦٠
به وقتلوه في جماعة ممن معه وفجع المسلمون بقتله وساروا فنزلوا على القدس منتصف رجب وهالهم كثرة حاميته وطاف بهم صلاح الدين خمسة أيام فتحيز متبوأ عليه للقتال حتى اختار جهة الشمال نحو باب العمود وكنيسة صهيون يتحول إليه ونصب المجانيق عليها واشتد القتال وكان كل يوم يقتل بين الفريقين خلق وكان ممن استشهد عز الدين عيسى بن مالك من أكابر أمراء بني بدران وأبوه صاحب لمعة جعبر فأسف المسلمون لقتله وحملوا عليهم حتى أزالوهم عن مواقفهم وأحجروهم البلد وملكوا عليهم الخندق ونقبوا السور فوهن الإفرنج واستأمنوا لصلاح الدين أبى إلا العنوة كما ملكه الإفرنج أول الأمر سنة إحدى وسبعين وأربعمائة واستأمن له بالباب ابن نيزران صاحب الرملة وخرج إليه وشافهه بالاستئمان واستعطفه فأصر على الامتناع فتهدده بالاستماتة وقتل النساء والأبناء وحرق الأمتعة وتخريب المشاعر المعظمة واستلحام أسرى المسلمين وكانوا خمسة آلاف أسير واستهلاك جميع الحيوانات الداجنة بالقدس من الظهر وغيره فحينئذ استشار صلاح الدين صحبه فجنحوا الى تأمينهم فشارطهم على عشرة دنانير للرجل وخمسة للمرأة ودينارين للولد صبي أو صبية وعلى أجل أربعين يوما فمن تأخر أداؤه عنها فهو أسير وبذل بليان ابن نيزران عن فقراء أهل ملته ثلاثين ألف دينار وملك صلاح الدين المدينة يوم الجمعة لتسع وعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره وكان يوما مشهودا ورتب على أبواب القدس الأمناء لقبض هذا المال ولم يبن الأمر فيه على المشاحة فذهب أكثرهم دون شيء وعجز آخر الأمر ستة عشر ألف نسمة فأخذوا أسارى وكان فيه على التحقيق ستون ألف مقاتل غير النساء والولدان فإن الإفرنج أزروا إليه من كل جانب لما افتتحت عليهم حصونهم وقلاعهم ومن الدليل على مقاربة هذا العدد أن بليان صاحب الرملة أعطى ثلاثين ألف دينار على ثمانية عشر ألفا وعجز منهم ستة عشر ألفا وأخرج جميع الأمراء خلقا لا تحصى في زي المسلمين بعد أن يشارطوهم على بعض القطيعة واستوهب آخرون جموعا منهم يأخذون قطيعتهم فوهبهم إياهم وأطلق بعض نساء الملوك من الروم كانوا مترهبات فأطلقهم بعبيدهم وحشمهم وأموالهم وكذا ملكة القدس التي أسر صلاح الدين زوجها ملك الإفرنج بسببها وكان محبوسا بقلعة نابلس فأطلقها بجميع ما معها ولم يحصل من القطيعة على خراج وخرج البطرك الأعظم بما معه من ماله وأموال البيع ولم يتعرض له وجاءته امرأة البرنس صاحب الكرك الذي قتله يوم حطين تشفع في ولدها وكان أسيرا فبعثها إلى الكرك لتأذن الإفرنج في النزول عنه للمسلمين وكان على رأسه قبة خضراء لها صليب عظيم مذهب وتسلق جماعة من ٥/٣٦١
المسلمين إليه واقتلعوه وارتجت الأرض بالتكبير والعويل ولما خلا القدس من العدو أمر صلاح الدين برد مشاعره إلى أوضاعها القديمة وكانوا قد غيروها فأعيدت إلى حالها الأول وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار فطهرا ثم صلى المسلمون الجمعة الأخرى في قبة الصخرة وخطب محيي الدين بن زنكي قاضي دمشق بأمر صلاح الدين وأتى في خطبته بعجائب من البلاغة في وصف الحال وعظة الإسلام اقشعرت لها الجلود وتناقلها الرواة وتحدثت بها السمار أحوالا ثم أقام صلاح الدين بالمسجد للصلوات الخمس إماما وخطيبا وأمر بعمل المنبر له فتحدثوا عنده بأن نور الدين محمودا اتخذ له منبرا منذ عشرين سنة وجمع الصناع بحلب فأحسنوا صنعته في عدد سنين فأمر بحمله ونصبه بالمسجد الأقصى ثم أمر بعمارة المسجد واقتلاع الرخام الذي فوق الصخرة لأن القسيسين كانوا يبيعون الحجر من الصخرة ينحتونها نحتا ويبيعونها بالذهب وزنا بوزن فتنافس الإفرنج فيها التماس البركة منها ويدعونها في الكنائس فخشي ملوكهم أن تفنى الصخرة فعالوا عليها بفرش الرخام فأمر صلاح الدين بقلعه ثم استكثر في المسجد من المصاحف ورتب فيه القراء ووفر لهم الجرايات وتقدم ببناء الربط والمدارس فكانت من مكازمه رحمه الله تعالى وارتحل الإفرنج بعد أن باعوا جميع ما يملكونه من العقار بأرخص ثمن واشتراه أهل العسكر ونصارى القدس الأقدمون بعد أن ضربت عليهم الجزية كما كانوا والله تعالى أعلم.
حصار صور ثم صفد وكوكب والكرك
لما فتح صلاح الدين القدس أقام بظاهره إلى آخر شعبان من السنة حتى فرغ من جميع أشغاله ثم رحل إلى مدينة صور وقد اجتمع فيها من الإفرنج عوالم وقد نزل بها المركيش وضبطها ولما انتهى صلاح الدين إلى عكا أقام بها أياما فبالغ المركيش في الاستعداد وتعميق الخنادق وإصلاح الأسوار وكان البحر يحيط بها من ثلاث جهاتها فوصل جانب اليمين بالشمال وصارت كالجزيرة وسار إليها فنزل عليها لتسع بقين من رمضان على تل يشرف منه على مكان القتال وجعل القتال على أقيال عسكره نوبا بين ابنه الأفضل وابنه الظاهر وأخيه ٥/٣٦٢
العادل وابن أخيه تقي الدين ونصب عليها المجانيق والعرادات وكان الإفرنج يركبون في الشواني والحراقات ويأتون المسلمين من ورائهم فيرمون عليهم من البحر ويقاتلونهم ويمنعونهم من الدنو إلى السور فبعث صلاح الدين عن أسطول مصر من مرسى عكا فجاء ودافع الإفرنج وتمكن المسلمون من قتال الأسوار وحاصروها برا وبحرا ثم كبس أسطول الإفرنج خمسة من أساطيل المسلمين ففتكوا بهم ورد صلاح الدين الباقي إلى بيروت لقلتها فاتبعها أساطيل الإفرنج فلما أرهقوهم في الطلب ألقوا بأنفسهم إلى الساحل وتركوها فحكمها صلاح الدين ونقضها وجد في حصار صور فلم يفد وامتنعت عليه لما كان فيها من كثرة الإفرنج الذين أمنهم بعكا وعسقلان والقدس فنزلوا إليها بأموالهم وأمدوا صاحبها واستدعوا الإفرنج وراء البحر فوعدوهم بالنصر وأقاموا في انتظارهم ولما رأى صلاح الدين امتناعها شاور أصحابه في الرحيل فترددوا وتخاذلوا في القتال فرحل آخر شوال إلى عكا وأذن للعساكر في المشي إلى أوطانهم إلى فصل الربيع وعادت عساكر الشرق والشام ومصر وأقام بقلعة عكا في خواصه ورد أحكام البلد إلى خرديك من أمراء نور الدين وكان صلاح الدين عند ما اشتغل بحصار عسقلان بعث عسكرا لحصار صور فشددوا حصارها وقطعوا عنها الميرة وبعثوا إلى صلاح الدين وهو يحاصر صور فاستأمنوا له ونزلوا عنها فملكها وكان أيضا صلاح الدين لما سار إلى عسقلان جهز عسكرا لحصار قلعة كوكب يحرسون السابلة في طريقها من الإفرنج الذين فيها وهي مطلة على الأردن وهي للإستبارية وجهز عسكرا لحصار صفد وهي للفداوية مطلة على طبرية ولجأ إلى هذين الحصنين من سلم من وقعة حطين وامتنعوا بهما فلما جهز العساكر إليهما صلحت الطريق وارتفع منها الفساد فلما كان آخر ليلة من شوال غفل الموكلون بالحصار على قلعة كوكب وكانت ليلة شاتية باردة فكبسهم الإفرنج ونهبوا ما عندهم من طعام وسلاح وعادوا إلى قلعتهم وبلغ ذلك صلاح الدين وهو يعتزم على الرحيل عن صور فشحذ من عزيمته ثم جهز عسكرا على صور مع الأمير قايماز النجمي وارتحل إلى عكا فلما انصرم فصل الشتاء سار من عكا في محرم سنة أربع وثمانين إلى قلعة كوكب فحاصرها وامتنعت عليه ولم يكن بقي في البلاد الساحلية من عكا إلى الجنوب غيرها وغير صفد والكرك فلما امتنعت عليه جهز العسكر لحصارها مع قايماز النجمي ورحل عنها في ربيع الأول إلى دمشق ووافته رسل أرسلان وفرح الناس بقدومه والله تعالى ولي التوفيق. ٥/٣٦٣
غزو صلاح الدين إلى سواحل الشام وما فتحه من حصونها وصلحه آخرا مع صاحب انطاكية
لما رجع صلاح الدين من فتح القدس وحاصر صور وصفد وكوكب عاد إلى دمشق ثم تجهز للغزو إلى سواحل الشام وأعمال انطاكية وسار عن دمشق في ربيع سنة أربع وثمانين فنزل على حمص واستدعى عساكر الجزيرة وملوك الأطراف فاجتمعوا إليه وسار إلى حصن الأكراد فضرب عسكره هنالك ودخل متجردا إلى القلاع بنواحي انطاكية فنقص طرفها وأغار على ولايتها إلى طرابلس حتى شفي نفسه من ارتيادها وعاد إلى معسكره فجرت الأرض بالغنائم فأقام عند حصن الأكراد ووفد عليه هنالك منصور بن نبيل صاحب جبلة وكان من يوم استيلاء الافرنج على جبلة عند صاحب انطاكية حاكما على جميع المسلمين فيها ومتوليا أمور سمند فلما هبت ريح الإسلام بصلاح الدين وظهوره نزل إليه ليكشف الغماء ودله على عورة جبلة واللاذقية واستحثه لهما فسار أول جمادى ونزل بطرسوس وقد اعتصم الإفرنج منها ببرجين حصينين وأخلوا المدينة فخربوها واستباحوها وكان أحد الحصنين للفداوية وفيه مقدمهم الذي أسره صلاح الدين يوم المصاف وأطلقه عند فتح القدس واستأمن إليه أهل البرج الآخر ونزلوا له عنه فخربه صلاح الدين وألقى حجارته في البحر وامتنع عليه برج الفداوية فسار إلى المرقب وهو للإستبارية ولا يرام لعلوه وارتفاعه وامتناعه والطريق في الجبل إلى جبلة عليه فهو عن يمين الطريق والبحر عن يساره في مسلك ضيق إنما يمر به الواحد فالواحد.
فتح جبلة
وكان وصل أسطول من صاحب صقلية مددا للإفرنج في تلك السواحل في ستين قطعة فأرسوا بطرابلس فلما سمعوا بصلاح الدين أقلعوا إلى المغرب ووقفوا قبالتها ينضحون بسهامهم المارة بتلك الطريق فضرب صلاح الدين على ذلك الطريق سورا من جهة البحر من المتارس ووقف وراءه الرماة حتى سلك العسكر المضيق إلى جبلة ووصلها آخر جمادى وسبق إليها القاضي وملكها صلاح الدين لحينه ورفع أعلام الإسلام على سورها ونفى حاميتها إلى القلعة فاستنزلهم القاضي على الأمان واستمر منهم جماعة في رهن القاضي والمسلمين عند صاحب أنطاكية حتى أطلقهم وجاء رؤساء أهل البلد إلى طاعة صلاح الدين وهو بجبل ما ٥/٣٦٤
بين جبلة وحماة وكان الطريق عليه بينهما صعبا ففتحه صلاح الدين من ذلك الوقت واستناب بجبلة سابق الدين عثمان ابن الداية صاحب شيرز وسار عنها للاذقية والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم.
فتح اللاذقية
ولما فرغ صلاح الدين من أمر جبلة سار إلى اللاذقية فوصلها آخر جمادى الاولى وامتنع حاميتها بحصنين لها في أعلى الجبل وملك المسلمون المدينة وحصروا الإفرنج في القلعتين وحفروا تحت الأسوار وأيقن الإفرنج بالهلكة ودخل إليهم قاضي جبلة ثالث نزولها فاستأمنوا معه وأمنهم صلاح الدين ورفعوا أعلام الإسلام في الحصنين وخرب المسلمون المدينة وكانت مبانيها في غاية الوثاقة والضخامة وأقطعها لتقي الدين ابن أخيه فأعادها إلى أحسن ما كانت من العمارة والتحصين وكان عظيم الهمة في ذلك وكان أسطول صقلية في مرسى اللاذقية وسخطوا ما فعله أهلها ومنعوهم من الخروج منها وجاء مقدمهم إلى صلاح الدين فرغب منه إقامتهم على الجزية وعرض في كلامه بالتهديد بامداد الإفرنج من وراء البحر فأجابه صلاح الدين باستهانة أمر الإفرنج وهدده فانصرف إلى أصحابه ورحل صلاح الدين إلى صهيون والله تعالى أعلم.
فتح صهيون
ولما فرغ صلاح الدين من فتح اللاذقية سار إلى قلعة صهيون وهي على جبل صعبة المرتقى بعيدة المهوى يحيط بجبلها واد عميق ضيق ويتصل بالجبل من جهة الشمال وعليها خمسة أسوار وخندق عميق فنزل صلاح الدين على الجبل لضيقها وقدم ولده الظاهر صاحب حلب فنزل مضيق الوادي ونصب المنجنيقات هنالك فرمى بها على الحصن ونضحهم بالسهام من سائر أصناف القسي وصابروا قليلا ثم زحف المسلمون ثاني جمادى الأخرى وسلكوا بين الصخور حتى ملكوا أحد أسوارها وقاتلوهم منه فملكوا عليهم سورين آخرين وغنموا جميع ما كان في البلد من الدواب والبقر والذخائر ولجأ الحامية إلى القلعة وقاتلهم المسلمون عليها فنادوا بالأمان فشرط عليهم مثل قطيعة القدس وملك المسلمون الحصن وولي عليه ناصر الدين بن كورس صاحب قلعة بوفلس فحصنه وافترق المسلمون في تلك النواحي ٥/٣٦٥
فوجدوا الإفرنج قد فروا من حصونها فملكوها جميعا وهيئوا اليها طريقا على عقبة صعبة لعفاء طريقها السهلة بالإفرنج والإسماعيلية والله تعالى أعلم.
فتح بكاس والشغر
ثم سار صلاح الدين عن صهيون ثالث جمادى إلى قلعة بكاس وقد فارقها الإفرنج وتحصنوا بقلعة شغر فملك بكاس وحاصر قلعة الشغر والطريق منها مسلوك إلى اللاذقية وجبلة وصهيون فقاتلهم ونصب المنجنيقات عليها فقصرت حجارتها عن الوصول وكانوا تمنعوا وبعثوا خلال ذلك إلى صاحب انطاكية وكان الحصن من إيالته فاستمدوه وإلا أعطوا الحصن بما قذف الله في قلوبهم من الرعب فلما قعد عن نصرهم فاستأمنوا إلى صلاح الدين وسألوه إنظار ثلاث للفتح فأنظرهم وأخذ رهنهم ثم سلموه بعد الثلاث في منتصف جمادى من السنة والله تعالى أعلم.
فتح سرمينية
كان صلاح الدين عند اشتغاله بفتح هذه الحصون بعث ابنه الظاهر غازيا صاحب حلب إلى سرمينية وحاصرها واستنزل الإفرنج الذين بها على قطيعة أعطوها وهدم الحصن وكان فتحه آخر جمادى الأخيرة فانطلق جماعة من الأسارى كانوا بهذا الحصن وكانت هذه الفتوحات كلها في مقدار شهر وجميعها من أعمال انطاكية والله تعالى أعلم.
فتح برزية
ولما فرغ صلاح الدين من قلعة الشغر سار إلى قلعة برزية قبالة افامية وتقاسمها في أعمالها وبينهما بحيرة من ماء العاصي والعيون التي تجري وكانوا أشد شيء في الأذى للمسلمين فنازلها في الرابع والعشرين من جمادى الأخيرة وهي متعذرة المصعد من الشمال والجنوب وصعبته من الشرق وبجهة الغرب مسلك إليها فنزل هنالك صلاح الدين ونصب المجانيق فلم تصل حجارتها لبعد القلعة وعلوها فرجع إلى المزاحفة وقسم عساكره على أمرائها وجعل القتال بينهم نوبا فقاتلهم أولا عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار وأصعدهم إلى قلعتهم حتى صعب المرتقى على المسلمين وبلغوا مواقع سهامهم وحجارتهم من الحصن وكانوا ٥/٣٦٦
يدحرجون الحجارة على المقاتلة فلا يقوم لها شيء فلما تعب أهل هذه النوبة عادوا وصعد خاصة صلاح الدين فقاتلوا قتالا شديدا وصلاح الدين وتقي الدين ابن أخيه يحرضانهم حتى أعيوا وهموا بالرجوع فصاح فيهم صلاح الدين وفي أهل النوبة الثانية فتلاحقوا بهم وجاء أهل نوبة عماد الدين على أثرهم وحمي الوطيس وردوا الإفرنج على أعقابهم إلى حصنهم فدخلوا ودخل المسلمون معهم وكان بقية المسلمين في الخيام شرقي الحصن وقد أهمله الإفرنج فعمد أهل الخيام من تلك الناحية واجتمعوا مع المسلمين في أعقاب الإفرنج عند الحصن فملكوه عنوة وجاء الإفرنج إلى قبة الحصن ومعهم جماعة من أسارى المسلمين في القيود فلما سمعوا تكبير إخوانهم خارج القبة كبروا فدهش الإفرنج وظنوا أن المسلمين خالطوهم فألقوا باليد وأسرهم المسلمون واستباحوهم وأحرقوا البلد وأسروا صاحبها وأهله وولده وافترقوا في أسراهم فجمعهم صلاح الدين حتى إذا قارب انطاكية بعثهم إليها لأن زوجة صاحب أنطاكية كانت تراسل صلاح الدين بالأخبار وتهاديه فرعي لها ذلك والله تعالى ولي التوفيق.
فتح دربساك
ولما فرغ صلاح الدين من حصن برزية دخل من الغد إلى الجسر الجديد على نهر العاصي قرب انطاكية فأقام عليه فلحق به فخلف العسكر ثم سار إلى قلعة دربساك ونزل عليها في رجب من السنة وهي معاقل الفداوية التي يلجئون إلى الاعتصام بها ونصب عليها المجانيق حتى هدم من سورها ثم هجمها بالمزاحفة وكشف المقاتلة عن سورها ونقبوا منها برجا من أسفله فسقط ثم باكروا الزحف من الغد وصابرهم الإفرنج ينتظرون المدد من صاحبهم سمند صاحب انطاكية فلما تبينوا عجزه استأمنوا صلاح الدين فأمنهم في أنفسهم فقط وخرجوا إلى انطاكية وملك الحصن في عشرين من رجب من السنة والله تعالى أعلم.
فتح بغراس
ثم سار عماد الدين عن دربساك إلى قلعة بغراس على تعددها وقربها من انطاكية فيحتاج مع قتالها إلى ردء من العسكر بينه وبين انطاكية فحاصرها ونصب عليها المجانيق فقصرت عنها لعلوها وشق عليهم حمل الماء إلى أعلى الجبل وبينما هم في ذلك إذ جاء رسولهم يستأمن لهم فأمنهم في أنفسهم فقط كما أمن أهل دربساك وتسلم القلعة بما فيها وخربها فجددها ابن اليون صاحب الأرمن وحصنها وصارت في إيالته والله أعلم. ٥/٣٦٧
صلح انطاكية
ولما فتح حصن بغراس خاف سمند صاحب انطاكية وأرسل إلى صلاح الدين في الصلح على أن يطلق أسرى المسلمين الذين عنده وتحامل عليه أصحابه في ذلك ليريح الناس ويستعدوا فأجابه صلاح الدين إلى ذلك لثمانية أشهر من يوم عقد الهدنة وبعث إليه من استخلفه وأطلق الأسرى وكان سمند في هذا الوقت عظيم الإفرنج متسع المملكة وطرابلس وأعمالها قد صارت إليه بعد القمص واستخلف فيها ابنه الأكبر وعاد صلاح الدين إلى حلب فدخلها ثالث شعبان من السنة وانطلق ملوك الأطراف بالجزيرة وغيرها إلى بلادهم ثم رحل إلى دمشق وكان معه أبو فليتة قاسم بن مهنا أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم قد عسكر معه وشهد فتوجه وكان يتيمن بصحبته ويتبرك برؤيته ويجتهد في تأنيسه وتكرمته ويرجع إلى مشورته ودخل دمشق أول رمضان من السنة وأشير عليه بتفريق العساكر فأبى وقال هذه الحصون كوكب وصفد والكرك في وسط بلاد الإسلام فلا بد من البدار إلى فتحها والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتح الكرك
كان صلاح الدين قد جهز العساكر على الكرك مع أخيه العادل حتى سار إلى دربساك وبغراس وأبعد في تلك الناحية فشد العادل حصارها حتى جهدوا وفنيت أقواتهم فراسلوه في الأمان فأجابهم وسلموا المعلقة فملكها وملك الحصون التي حواليها وأعظمها الشويك وأمنت تلك الناحية واتصلت إيالة المسلمين من مصر إلى القدس والله تعالى أعلم.
فتح صفد
لما عاد صلاح الدين إلى دمشق أقام بها نصف رمضان ثم تجهز لحصار صفد فنزل عليها ونصب المجانيق وكانت أقواتهم قد تسلط عليها الحصار الأول فخافوا من نفادها فاستأمنوا فأمنهم وملكها ولحقوا بمدينة صور والله تعالى أعلم ٥/٣٦٨
فتح كوكب
لما كان صلاح الدين على صفد خافه الإفرنج على حصن كوكب فبعثوا إليه نجدة وكان قايماز النجمي يحاصره فشعر بتلك النجدة وركب إليهم وهم مختفون ببعض الشعاب فكبسهم ولم يفلت منهم أحد وكان فيهم مقدمان من الإستبارية فحملهما إلى صلاح الدين على صفد فأحضرهما للقتل على عادته في الفداوية والإستبارية فاستعطفه واحد منهما فعفا عنهما وحبسهما ولما فتح صفد سار إلى كوكب وحاصره وأرسل إليهم بالأمان فاصروا على الامتناع عليه فنصب عليهم المجانيق وتابع المزاحفة ثم عافه المطر عن القتال وطال مقامه فلما انقضى المطر عاود المزاحفة وضايقهم بالسور ونقب منه برجا فسقط فارتاعوا واستأمنوا وملك الحصن منتصف ذي القعدة من السنة ولحق الإفرنج بصور واجتمع الزعماء وتابعوا الرسل إلى إخوانهم وراء البحر في حوزة يستصرخونهم فتابعوا إليهم المدد واتصل المسلمون في الساحل من أيلة إلى بيروت لا يفصل بينهم إلا مدينة صور ولما فرغ صلاح الدين من صفد وكوكب سار إلى القدس فقضى فيه نسك الأضحى ثم سار إلى عكا فأقام بها إلى انسلاخ الشتاء والله تعالى أعلم.
فتح الشقيف
ثم سار صلاح الدين في ربيع سنة خمس وثمانين إلى محاصره الشقيف وكان لأرناط صاحب صيدا وهو من أعظم الناس مكرا ودهاء فلما نزل صلاح الدين بمرج العيون جاء إليه وأظهر له المحبة والميل وطلب المهلة إلى جمادى الأخيرة ليتخلص أهله وولده من المركيش بصور ويسلم له حصن الشقيف فأقام صلاح الدين هنالك لوعده وانقضت مدة الهدنة بينه وبين سمند صاحب أنطاكية فبعث تقي الدين ابن أخيه مسلحة في العساكر إلى البلاد التي قرب انطاكية ثم بلغه اجتماع الإفرنج بصور عند المركيش وان الإمداد وأفتهم من أهل ملتهم وراء البحر وان ملك الإفرنج بالشام الذي أطلقه صلاح الدين بعد فتح القدس قد اتفق مع المركيش ووصل يده به واجتمعوا في أمم لا تحصى وخشي أن يتقدم إليهم ويترك الشقيف وراءه فتنقطع عنه الميرة فأقام بمكانه فلما انقضى الأجل تقدم إلى الشقيف واستدعى أرناط فجاء واعتذر بأن المركيش لم يمكنه من أهله وولده وطلب الإمهال مرة أخرى فتبين صلاح الدين مكره فحبسه وأمره أن يبعث إلى أهل الشقيف بالتسليم فلم يجب فبعث به إلى دمشق فحبس ٥/٣٦٩
بها وتقدم إلى الشقيف فحاصره بعد أن أقام مسلحة قبالة الإفرنج الذين بظاهر صور فجاءه الخبر بأنهم فارقوا صور لحصار صيدا فلقيتهم المسلحة وقاتلوهم فغلبوهم وأسروا سبعة من فرسانهم وقتلوا آخرين وقتل مولى لصلاح الدين من أشجع الناس وردوهم على أعقابهم إلى معسكرهم بظاهر صور وجاء صلاح الدين بعد انقضاء الوقعة فأقام في المسلحة رجاء أن يصادف أحدا من الإفرنج فينتقم منهم وركب في بعض الأيام ليشارف معسكر الإفرنج فظن عسكره أنه يريد القتال فنجعوا وأوغلوا إلى العدو وبعث صلاح الدين الأمراء في أثرهم يردونهم فلم يرجعوا ورآهم الإفرنج فظنوا أن وراءهم كمينا فأرسلوا من يكشف خبرهم فوجدوهم منقطعين فحملوا عليهم وأناموهم جميعا وذلك تاسع جمادى الاولى من السنة ثم انحدر إليهم صلاح الدين في عساكره من الجبل فهزمهم إلى الجسر وغرق منهم في البحر نحو من مائة دارع سوى من قتل وعزم السلطان على حصارهم واجتمع إليه الناس ثم عاد الإفرنج إلى صور وعاد السلطان إلى بليس ليشارف عكا ويرجع إلى مخيمه ولما وصل إلى المعسكر جاء الخبر بأن الإفرنج يتعدون عن صدور مذاهبهم لحاجاتهم فكتب إلى المعسكر بعكا ووعدهم ثامن جمادى الأخيرة يوافونه من ناحيتهم للإغارة عليهم وأكمن لهم في الأودية والشعاب من سائر النواحي واختار جماعة من فرسان عسكره وتقدم إليهم بأن يتعرضوا للإفرنج ثم يستطردوا لهم إلى مواضع الكمناء ففعلوا وناشبوا الإفرنج وأنفوا من الاستطراد وطال على الكمناء الانتظار فخرجوا خشية على أصحابهم فوافوهم في شدة الحرب فانهزم المسلمون ووقع التمحيص وكان أربعة في الكمين من أمراء طيئ فعدلوا عن طريق أصحابهم وسلكوا الوادي وتبعهم بعض العسكر من موالي صلاح الدين ورآهم الإفرنج في الوادي فعلموا أنهم أضلوا الطريق فاتبعوهم وقتلوهم والله تعالى أعلم.
محاصرة الإفرنج أهل صور لعكا والحروب عليها
كانت صور كما قدمنا ضبطها المركيش من الإفرنج الواصل من وراء البحر وقام بها وكان كلما فتح صلاح الدين مدينة أو حصنا على الأمان لحق أهلها بصور فاجتمع بها عدد عظيم من الإفرنج وأموال جمة ولما فتح القدس لبس كثير من رهبانهم وقسيسيهم وزعمائهم السواد حزنا على البيت المقدس وارتحل بطرك من القدس وهم معه يستصرخون أهل الملة النصرانية من وراء البحر للأخذ بثأر القدس فخرجوا للجهاد من كل بلد حتى النساء اللواتي يجدن القوة على الحرب ومن لم يستطع الخروج استأجر مكانه وبذلوا الأموال لهم وجاء الإفرنج من كل ٥/٣٧٠
مكان ونزلوا بصور ومدد الرجال والأقوات والأسلحة متداركة لهم في كل وقت واتفقوا على الرحيل إلى عكا ومحاصرتها فخرجوا ثامن رجب من سنة خمس وثمانين وسلكوا على طريق الساحل وأساطيلهم تحاذيهم في البحر ومسلحة المسلمين تتخطفهم من جوانبهم حتى وصلوا إلى عكا منتصف رجب وكان رأي صلاح الدين أن يحاذيهم في مسيرهم لينال منهم فخالفه أصحابه واعتذروا بضيق الطريق ووعره فسلك طريقا آخر ووافاهم على عكا وقد نزلوا عليها وأحاطوا بها من البحر إلى البحر فليس للمسلمين إليها طريق ونزل صلاح الدين قبالتهم وبعث إلى الأطراف يستنفر الناس فجاءت عساكر الموصل وديار بكر وسنجار وسائر بلاد الجزيرة وجاء تقي الدين ابن أخيه من حماة ومظفر الدين كوكبري من حران والرها وكان أمداد المسلمين تصل في البر وإمداد الإفرنج في البحر وهم محصورون في صور محاصرين وكانت بينهم أيام مذكورة ووقائع مشهورة واقام السلطان بقية رجب لم يقاتلهم فلما استهل شعبان قاتلهم يوما بكاملة وبات الناس على تعبية ثم صبحهم بالقتال ونزل الصبر وحمل عليهم تقي الدين ابن أخيه منتصف النهار من الميمنة حملة أزالتهم عن مواقفهم وملك مكانهم واتصل بالبلد فدخلها المسلمون وشحنها صلاح الدين بالمدد من كل شيء وبعث إليهم الأمير حسام الدين أبا الهيجاء السمين من أكابر أمرائه من الأكراد الخطية من أربل ثم نهض المسلمون من الغد فوجدوا الإفرنج قد أداروا عليهم خندقا يمتنعون به ومنعوهم القتال يومهم وأقاموا كذلك ومع السلطان أحياء من العرب فكمنوا في معاطف النهر من ناحية الإفرنج على الساحل للخطف منهم وكبسوهم منتصف شعبان وقتلوهم وجاءوا برءوسهم إلى صلاح الدين فأحسن إليهم والله تعالى أعلم.
الواقعة على عكا
كان صلاح الدين قد بعث عن عسكر مصر وبلغ الخبر الإفرنج فأرادوا معاجلته قبل وصولهم وكانت عساكره متفرقة في المسالح على الجهات فمسلحة تقابل انطاكية وسمند من أعمال حلب ومسلحة بحمص تحفظها من أهل طرابلس ومسلحة تقابل صور ومسلحة بدمياط والإسكندرية واعتزم الإفرنج على مهاجمتهم بالقتال ولم يشعروا بهم وصحبوهم لعشرين من شعبان وركب صلاح الدين وعبأ عساكره وقصدوا الميمنة وعليها تقي الدين ابن أخيه فتزحزح بعض الشيء وأمده صلاح الدين بالرجال من عنده فحطوا على صلاح الدين في القلب فتضعضع واستشهد جماعة منهم الأمير علي بن مردان والظهير أخو الفقيه عيسى والي ٥/٣٧١
القدس والحاجب خليل الهكاري وغيرهم وقصدوا خيمة صلاح الدين فقتلوا من وزرائه ونهبوا واستشهد جمال الدين بن رواحة من العلماء ووضعوا السيف في المسلمين وانهزم الذين كانوا حوالي الخيمة ولم تسقط وانقطع الذين ولوها من الإفرنج عن أصحابهم وراءهم وحملت ميسرة المسلمين عليهم فاحجمتهم وراء الخنادق وعادوا إلى خيمة صلاح الدين فقتلوا كل من وجدوا عندها من الإفرنج وصلاح الدين قد عاد من إتباع أصحابه يردهم للقتال وقد اجتمعوا عليهم فلم يفلت منهم أحد وأسروا مقدم الفداوية فأمر بقتله وكان أطلقه مرة أخرى وبلغت عدة القتلى عشرة آلاف فألقوا في النهر واما المنهزمون من المسلمين فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاوز الأردن ورجع ومنهم من بلغ دمشق واتصل قتال المسلمين للإفرنج وكادوا يلجون عليهم معسكرهم ثم جاءهم الصريخ بنهب أموالهم وكان المنهزمون قد حملوا أثقالهم فامتدت إليها أيدي الأوباش ونهبوها فكان ذلك مما شغل المسلمين عن استئصال الإفرنج وأقاموا في ذلك يوما وليلة يستردون النهب من أيدي المسلمين ونفس بذلك عن الإفرنج بعض الشيء والله تعالى أعلم.
رحيل صلاح الدين عن الإفرنج بعكا
ولما انقضت هذه الواقعة وامتلأت الأرض من جيف الإفرنج تغير الهواء وأنتن وحدث بصلاح الدين قولنج كان يعاوده فأشار عليه أصحابه بالانتقال عسى الإفرنج ينتقلون وان أقاموا عدنا إليهم وحمله الأطباء على ذلك فرحل رابع رمضان من السنة وتقدم إلى أهل عكا بحياطتها وأعلمهم سبب رحيله فلما ارتحل اشتد الإفرنج في حصار عكا وأحاطوا بها دائرة مع اسطولهم في البحر وحفروا خندقا على معسكرهم وأداروا عليهم سورا من ترابه حصنا من صلاح الدين أن يعود إليهم ومسلحة المسلمين قبالتهم يناوشوهم القتال فلا يقاتلونهم وبلغ ذلك صلاح الدين وأشار أصحابه بإرسال العساكر ليمنع من التحصين فامتنع من ذلك لمرضه فتم للإفرنج ما أرادوه وأهل عكا يخرجون إليهم في كل يوم ويقاتلونهم والله تعالى أعلم.
معاودة صلاح الدين حصار الإفرنج على عكا
ثم وصل العادل أبو بكر بن أيوب منتصف شوال في عساكر مصر ومعه الجم الغفير من ٥/٣٧٢
المقاتلة والأصناف الكثيرة من آلات الحصار ووصل على أثره أسطول مصر مع الأمير لؤلؤ وكبس مركبا فغنم ما فيه ودخل به إلى عكا وبريء صلاح الدين من مرضه وأقام بمكانه بالجزيرة إلى انسلاخ الشتاء وسمع الإفرنج أن صلاح الدين سار إليهم واستقلوا مسلحة المسلمين عندهم فزحفوا إليهم في صفر سنة ست وثمانين واستمات المسلمون وقتل بين الفريقين خلق وبلغ الخبر بذلك صلاح الدين وجاءته العساكر من دمشق وحمص وحماة فتقدم من الجزيرة إلى تل كيسان وتابع القتال على الإفرنج يشغلهم عن المسلمين فكانوا يقاتلون الفريقين وكان الإفرنج مدة مقامهم على عكا قد صنعوا ثلاثة أبراج من الخشب ارتفاع كل برج ستون ذراعا وفيه خمس طبقات وغشوها بالجلود وطلوها بالأدوية التي لا تعلق النار بها وشحنوها بالمقاتلة ودنوها إلى البلد من ثلاث جهات في العشرين من ربيع الأول سنة ست وثمانين وأشرفوا بها على السور فكشف من عليه المقاتلة وشرع الإفرنج في طم الخندق وبعث أهل عكا سابحا في البحر يصف لهم حالهم فركب في عساكره واشتد في قتال الإفرنج فخف على أهل البلد ما كانوا فيه وأقاموا كذلك ثلاثة أيام يقاتلون الجهتين وعجزوا عن دفع الأبراج ورموها بالنفط فلم يؤثر فيها وكان عندهم رجل من أهل دمشق يعاني أحوال النفط فأخذ عقاقير وصنعها وحضر عند قراقوش حاكم البلد وأعطاه دواء وقال أرم بهذا في المنجنيق المقابل لإحدى الأبراج فيحترق فحرد عليه ثم وافق ورمى به في قدر ثم رمى بعده بقدر أخرى مملوءة نارا فاضطرمت النار واحترق البرج بمن فيه ثم فعل بالثاني والثالث كذلك وفرح أهل البلد وتخلصوا من تلك الورطة فأمر صلاح الدين بالإحسان إلى ذلك الرجل فلم يقبل وقال إنما فعلته لله ولا أريد الجزاء الا منه ثم بعث صلاح الدين الى ملوك الأطراف ليستنفرهم فجاء عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ثم علاء الدين بن طالب صاحب الموصل ثم عز الدين مسعود بن مودود وبعثه أبوه بالعساكر ثم زين الدين صاحب أربل وكان كل واحد منهم إذا وصل يتقدم بعسكر فيقاتلون الإفرنج ثم يضربون أبنيتهم وجاء الخبر بوصول الأسطول من مصر فجهز الإفرنج أسطولا لقتاله وشغلهم صلاح الدين بالقتال ليتمكن الأسطول من دخول عكا فلم يشغلوا عنه وقاتلوا الفريقين برا وبحرا ودخل الأسطول إلى مرسى عكا سالما والله تعالى أعلم يغيبه.
وصول ملك الألمان إلى الشام ومهلكه
هؤلاء الألمان شعب من شعوب الإفرنج كثير العدد موصوف بالبأس والشدة وهم موطنون ٥/٣٧٣
بجزيرة إنكلطيرة في الجهة الشمالية الغربية من البحر المحيط وهم حديثو عهد بالنصرانية ولما سار القسس والرهبان بخبر بيت المقدس واستنفار النصرانية لها قام ملكهم لها وقعد وجمع عساكره وسار للجهاد بزعمه وفسح النصارى له الطريق وقصد القسطنطينية فعجز ملك الروم عن منعه بعد أن كان يعد بذلك نفسه وكتب بها إلى صلاح الدين لكنه منع عنهم الميرة فضاقت عليهم الأقوات وعبروا خليج القسطنطينية ومروا بمملكة قليج أرسلان وتبعهم التركمان يحفون بهم ويتخطفون منهم وكان الفصل شتاء والبلاد باردة فهلك أكثرهم من البرد والجوع ومروا بقونية وبها قطب الدين ملك شاه بن قليج أرسلان قد غلب عليه أولاده وافترقوا في النواحي فخرج ليصدهم فلم يطق ذلك ورجع فساروا في أثره إلى قونية وبعثوا إليه بهدية على أن يأذن لهم في الميرة فأذن لهم واسترهنوا عشرين من أمرائه وتكاثر عليهم اللصوص فقيدوا أولئك الأمراء وحبسوهم وساروا إلى بلاد الأرمن وصاحبها كاقولي بن حطفاي بن اليون فأمدهم بالأزواد والعلوفات وأظهر طاعتهم وسار إلى أنطاكية ودخل ملكهم ليغتسل في نهر هنالك فغرق وملك بعده ابنه ولما بلغوا انطاكية اختلفوا فبعضهم مال إلى تمليك أخيه وبعضهم مال إلى العود فعادوا كلهم وسار ابن الملك فيمن ثبت معه يزيدون على أربعين ألفا وأصابهم الموتان وحسن إليهم صاحب انطاكية المسير إلى الإفرنج على عكا فساروا على جبلة واللاذقية ومروا بحلب وتخطف أهلها منهم خلقا وبلغوا طرابلس وقد أفناهم الموتان ولم يبق منهم إلا نحو ألف رجل فركبوا البحر إلى عكا ثم رأوا ما هم فيه من الوهن والخلاف فركبوا البحر إلى بلدهم وغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد وكان الملك قليج ارسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ويعده بمنعهم من العبور عليه فلما عبروا اعتذر بالعجز عنهم وافتراق أولاده واستبدادهم عليه وأما صلاح الدين فإنه استشار أصحابه عند وصول خبرهم فأشار بعضهم إلى لقائهم في طريقهم ومحاربتهم وأشار آخرون بالمقام لئلا يأخذ الإفرنج عكا ومال صلاح الدين إلى هذا الرأي وبعث العساكر من جبلة واللاذقية وشيزر إلى حلب ليحفظوها من عاديتهم والله تعالى ولي التوفيق.
واقعة المسلمين مع الإفرنج على عكا
ثم زحف الإفرنج على عكا في عشر من جمادى الأخيرة من سنة ست وثمانين وخرجوا من ٥/٣٧٤
خنادقهم إلى عساكر صلاح الدين وقصد العادل أبو بكر بن أيوب في عساكر مصر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كشفهم الإفرنج عن الخيام وملكوها ثم كر عليهم المصريون فكشفوهم عن خيامهم وخالفهم بعض عساكر مصر إلى الخنادق فقطعوا عنهم بعض مدد أصحابهم فأخذتهم السيوف وقتل منهم ما يزيد على عشرين ألفا وكانت عساكر الموصل قريبا من عسكر مصر ومقدمهم علاء الدين خوارزم شاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل فعدمت ميرتهم وأمر صلاح الدين بمناجزتهم على هذا الحال وبلغه الخبر بموت الألمان وما أصاب قومه من الشتاب فسر المسلمون بذلك وظنوا وهن الإفرنج به ثم بعد يومين لحقت بالإفرنج إمداد في البحر مع كند من الكنود يقال له الكندهري ابن أخي الاقرسيس لأبيه وابن أخي ملك انكلطيرة لأمه ففرق في الإفرنج أموالا وجند لهم أجنادا ووعدهم بوصول الإمداد على أثره فاعتزموا على الخروج لقتال المسلمين فانتقل صلاح الدين من مكانه إلى الحزونة لثلاث بقين من جمادى الأخيرة لضيق المجال ونتن المكان من جيف القتلى ثم نصب الكندهري على عكا مجانيق وذبابات فأخذها أهل عكا وقتلوا عندها جموعا من الإفرنج فلم يتمكن من ذلك ولا من الستائر عليها لأن أهل البلاد كانوا يصيبونها فعمل تلا عاليا من التراب ونصب المجانيق من ورائه وضاقت الأحوال وقلت الميرة وأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية ببعث الأقوات في المراكب إلى عكا وبعث إلى بيروت بمثل ذلك فبعثوا مركبا ونصبوا فيها الصلبان يوهمون أنه للإفرنج حتى دخلوا إلى المرسي وجاءت بعد الميرة من الإسكندرية ثم جاءت ملكة من الإفرنج من وراء البحر في نحو ألف مقاتل للجهاد بزعمها فأخذت ببحر الإسكندرية هي وجميع ما معها ثم كتب البابا كبير الملة النصرانية من كنيسة برومة يأمرهم بالصبر والجهاد ويخبرهم بوصول الإمداد وأنه راسل ملوك الإفرنج يحثهم على إمدادهم فأزدادوا بذلك قوة واعتزموا على مناجزة المسلمين وجمروا عسكرا لحصار عكا وارتحلوا حادي عشر شوال من السنة فنقل صلاح الدين أثقال العسكر إلى على ثلاثة فراسخ من عكا ولقي الإفرنج على التعبية وكان أولاده الأفضل علي والظاهر غازي والظافر خضر في القلب وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة بعساكر مصر ومن انضم إليهم وعماد الدين صاحب سنجار وتقي الدين صاحب حماة ومعز الدين سنجر شاه ٥/٣٧٥
صاحب جزيرة ابن عمر في المسيرة وصلاح الدين في خيمة صغيرة على تل مشرف نصب له من أجل موضعه فلما وصل الإفرنج وعاينوا كثرة المسلمين ندموا على مفارقة خنادقهم وباتوا ليلتهم وعادوا من الغد إلى معسكرهم فاتبعوهم أهل المقدمة وتخطفوهم من كل ناحية وأحجروهم وراء خنادقهم ثم ناوشوهم القتال في الثالث والعشرين من شوال بعد أن أكمنوا لهم عسكرا فخرج لهم الإفرنج في نحو أربعمائة فارس واستطرد لهم المسلمون إلى أن وصلوا كمينهم فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد واشتد الغلاء على الإفرنج وبلغت الغرارة مائة دينار صوري مع ما كان يحمل إليهم من البلدان من بيروت على يد صاحبها أسامة ومن صيدا على يد نائبها سيف الدين علي ابن أحمد المشطوب ومن عسقلان وغيرها ثم اشتد الحال عليهم عند هيجان البحر وانقطاع المراكب في فصل الشتاء ثم هجم الشتاء وأرسى الإفرنج مراكبهم بصور خوفا عليها على عادتهم في صور في فصل الشتاء ووجد الطريق إلى عكا في البحر فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون ما نزل بهم وكان بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين فشكى من ضجره بطول المقام والحرب فأمر صلاح الدين بإنفاذ نائب وعسكر إليها بدلا منهم وأمر أخاه العادل بمباشرة ذلك فانتقل إلى جانب البحر عند جبل حيفا وجمع المراكب والشواني وبعث العساكر إليها شيئا فشيئا كلما دخلت طائفة خرج بدلها فدخل عشرون أميرا بدلا من ستين كانوا وأهملوا أهل الرجل وتعينت دواوين صاحب صلاح الدين وكانوا نصارى على الجند في إثباتهم وإطلاق نفقاتهم فبلغ الحامية بعكا وضعفت وعادت مراكب الإفرنج بعد انحسار الشتاء فانقطعت الأخبار عن عكا وعنها وكان من الأمراء الذين دخلوا عكا سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وعز الدين أرسلان مقدم الأسدية وابن جاولي وغيرهم وكان دخولهم عكا أول سنة سبع وثمانين والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفاة زين الدين صاحب إربل وولاية أخيه كوكبري
كان زين الدين يوسف بن زين الدين قد دخل في طاعة صلاح الدين وكانت له إربل كما مر لأبيه وحران والرها لأخيه مظفر الدين كوكبري وكان يعسكر مع صلاح الدين في غزواته وحضر عنده على عكا فأصابه المرض وتوفي في ثامن عشر رمضان سنة أربع وثمانين فقبض أخوه مظفر الدين كوكبري على بلد أمير من أمرائه وبعث إلى صلاح الدين يطلب إربل وينزل عن حران والرها فأجابه وأقطعه إياهما وأضاف إليهما شهرزور وأعمالها ودار بند العرابلي ٥/٣٧٦
وهي قفجاق وكاتب أهل إربل مجاهد الدين صاحب الموصل خوفا من صلاح الدين مع أن مجاهد الدين كان عز الدين قد حبسه كما مر ثم أطلقه وولاه نائبة وجعل بعض غلمانه عينا عليه فكان يناقضه في كثير من الأحوال فقصد مجاهد الدين أن يفعل معه مثل ذلك في إربل فامتنع منها وولاها مظفر الدين واستفحل أمره فيها ولما نزل مظفر الدين عن حران والرها ولاها صلاح الدين لابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه مضافة إلى ميافارقين بديار بكر وحماة وأعمالها بالشام وتقدم له أن يقطع أعمالها للجند فيتقوى بهم على الإفرنج فسار تقي الدين إليها وقرر أمورها ثم انتهى إلى ميافارقين وتجدد له طمع فيما يحاورها من البلاد فقصد مدينة حال من ديار بكر وسار إليه سيف الدين بكتمر صاحب خلاط في عساكره وقاتله فهزمه تقي الدين ووطئ بلاده وكان بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رستق وزير سلطان شاكرين وحبسه في قلعة هنالك فلما انهزم كتب إلى والي القلعة بقتله فوافاه الكتاب وتقي الدين محاصر له فلما ملك القلعة أطلق ابن رستق وسار إلى خلاط وحاصرها فامتنعت عليه فعاد عنها إلى ملازكرد فضيق عليها حتى استأمنوا له وضرب لهم أجلا في تسليم البلد ثم مرض ومات قبل ذلك الأجل بيومين وحمله ابنه إلى ميافارقين فدفنه بها واستفحلت دولة بكتمر في خلاط والله تعالى أعلم.
وصول إمداد الإفرنج من الغرب إلى عكا
ثم تتابعت إمداد الإفرنج من وراء البحر لإخوانهم المحاصرين لعكا وأول من وصل منهم الملك ملك إفرنسة وهو ذو نصب فيهم وملكه ليس بالقوى هكذا قال ابن الأثير وعنى أنه كان مستفحلا في ذلك العصر لأنه في الحقيقة ملك الإفرنج وهو في ذلك العصر أشد من كانوا قوة واستفحالا فوصل ثاني عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانين في ستة مراكب عظيمة مشحونة بالمقاتلة والسلاح فقوي الإفرنج على عكا بمكانه وولي حرب المسلمين فيها وكان صلاح الدين على معمر عمر قريبا من معسكر الإفرنج فكان يصابحهم كل يوم عن مزاحفة البلد وتقدم إلى أسامة في بيروت بتجهيز ما عنده من المراكب والشواني إلى مرسى عكا ليشغل الإفرنج أيضا فبعثها ولقيت خمسة مراكب في البحر وكان ملك الإنكلطيرة أقدمها وأقام على جزيرة قبرص طامعا في ملكها فغنم أسطول المسلمين الخمسة مراكب بما فيها ونفذت كلمة صلاح الدين إلى سائر النواب بأعماله بمثل ذلك فجهزوا الشواني وملئوا بها مرسى عكا وواصل الإفرنج قتال البلد ونصبوا عليها المنجنيقات رابع جمادى وتحول صلاح ٥/٣٧٧
الدين لمعسكره قريبا منهم ليشغلهم عن البلد فخف قتالهم عن أهل البلد ثم فرغ ملك إنكلطيرة من جزيرة قبرص وملكها وعزل صاحبها وبلغ إلى عكا في خمس وعشرين مركبا مشحونة بالرجال والأموال ووصل منتصف رجب ولقي في طريقه مركبا جهز من بيروت إلى عكا وفيه سبعمائة مقاتل فقاتله فلما يئس المسلمون الذين به من الخلاص نزل مقدمهم وهو يعقوب الحلي غلام ابن شفنين فحرق المركب خوفا من أن يظفر الإفرنج برجاله وذخائره فغرق ثم عمل الإفرنج ذبابات وكباشا وزحفوا بها فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا بعضها فرجع الإفرنج إلى نصب التلال من التراب يقاتلون من ورائها فامتنعت من نفوذ الحيلة فيها وضاق حال أهل عكا.
استيلاء الإفرنج على عكا
ولما جهد المسلمين بعكا الحصار خرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب من أكبر أمرائها إلى ملك إفرنسة يستأمنه لأهل عكا فلم يجبه وضعفت نفوس أهل البلد لذلك ووهنوا ثم هرب من الأمراء عز الدين أرسل الأسدي وابن عز الدين جاولي وسنقر الأرجاني في جماعة منهم ولحقوا بالعساكر فازداد أهل عكا وهنا وبعث الإفرنج إلى صلاح الدين في تسليمها فأجاب على أن يؤمنوا أهل البلد ويطلق لهم من أسراهم بعدد أهل البلد ويعطيهم الصليب الذي أخذه من القدس فلم يرضوا بما فعل إلى المسلمين بعكا أن يخرجوا بجمعهم ويتركوا البلد ويسيروا مع البحر ويحملوا على العدو حملة مستميتين ويجيء المسلمون من وراء العدو فعساهم يخلصون بذلك فلما أصبحوا زحف الإفرنج إلى البلد ورفع المسلمون أعلامهم وأرسل المشطوب من البلد إلى الإفرنج فصالحهم على الأمان على أن يعطيهم مائتي ألف دينار ويطلق لهم خمسمائة أسير ويعيد لهم الصليب ويعطي للمركيش صاحب صور أربعة عشر ألف دينار فأجابوا إلى ذلك وضربوا المدة للمال والأسرى شهرين وسلموا لهم البلد فلما ملكوها غدروا بهم وحبسوهم رهنا بزعمهم في المال والأسرى والصليب ولم يكن لصلاح الدين ذخيرة من المال لكثرة إنفاقه في المصالح فشرع في جمع المال حتى اجتمع مائة ألف دينار وبعث نائبا يستحلفهم على أن يضمن الفداوية من الخلف والضمان خوفا من غدر أصحابه وقال ملوكهم إذا سلمتم المال والأسرى والصليب تعطونا رهنا في بقية المال ونطلق أصحابكم وطلب صلاح الدين أن يضمن الفداوية الرهن ويحلفوا فامتنعوا أيضا وقالوا ٥/٣٧٨
ترسلون المائة ألف دينار والأسرى والصليب فنطلق من نراه ونبقي الباقي إلى مجيء بقية المال فتبين المسلمون غدرهم وأنهم يطلقون من لا يعبأ به ويمسكون الأمراء والأعيان حتى يفادوهم فلم يجبهم صلاح الدين إلى شيء ولما كان آخر رجب ركب الإفرنج إلى ظاهر البلد في احتفال وركب المسلمون فشدوا عليهم وكشفوهم عن مواقفهم فإذا المسلمون الذين كانوا عندهم قتلى بين الصفين قد استلحموا ضعفاءهم وتمسكوا بالأعيان للمفاداة فسقط في يد صلاح الدين وتمسك بالمال الذي جمعه لغيرها من المصالح والله تعالى أعلم.
تخريب صلاح الدين عسقلان
ولما استولى الإفرنج على عكا استوحش المركيش صاحب صور من ملك إنكلطيرة وأحس منه بالغدر فلحق ببلده صور ثم سار الإفرنج مستهل شعبان لقصد عسقلان وساروا مع ساحل البحر لا يفارقونه ونادى صلاح الدين باتباعهم مع ابنه الأفضل وسيف الدين أبي زكوش وعز الدين خرديك فاتبعوهم يقاتلونهم ويتخطفونهم من كل ناحية ففتكوا فيهم بالقتل والأسر وبعث الأفضل إلى أبيه يستمده فلم يحد العساكر مستعدة وسار ملك إنكلطيرة في ساقة الإفرنج فحملهم وانتهوا إلى يافا فأقاموا بها والمسلمون قبالتهم مقيمون ولحق بهم من عكا من احتاجوا إليه ثم ساروا إلى قيسارية والمسلمون يتبعونهم ويقتلون من ظفروا به منهم وزاحموهم عند قيسارية فنالوا منهم وباتوا بها مثاورين وأختطف المسلمون منهم بالليل فقتلوا وأسروا وساروا من الغد إلى أرسوف وسبقهم المسلمون إليها لضيق الطريق فحملوا عليهم عندها حتى اضطروهم إلى البحر فحينئذ استمات الإفرنج وحملوا على المسلمين فهزموهم وأثخنوا في تابعهم وألحقوهم بالقلب وفيه صلاح الدين وتستر المسلمون المنهزمون بخمر الشعراء فرجع الإفرنج عنهم وانفرج ما كانوا فيه من الضيق المذكور وساروا إلى يافا فوجدوها خالية وملكوها وكان صلاح الدين قد سار من مكان الهزيمة إلى الرملة وجمع مخلفه وأثقاله واعتزم على مسابقة الإفرنج إلى عسقلان فمنعه أصحابه وقالوا نخشى أن تزاحمنا الافرنج عليها ويغلبونا على حصارها كما غلبونا على حصار عكا ويملكوها آخرا ويقووا بما فيها من الذخائر والأسلحة فندبهم إلى المسير إليها وحمايتها من الإفرنج فلجوا في الامتناع من ذلك فسار وترك العساكر مع أخيه العادل قبالة الإفرنج ووصل إلى عسقلان وخربها تاسع عشر شعبان وألقيت حجارتها في البحر وبقي أثرها وهلك فيها من الأموال والذخائر ما لا يحصى فلما بلغ الإفرنج ذلك أقاموا بيافا وبعث المركيش إلى ملك إنكلطيرة يعذله حيث لم يناجز ٥/٣٧٩
صلاح الدين على عسقلان ويمنعه من تخريبها فما خربها حتى عجز عن حمايتها ثم رحل صلاح الدين من عسقلان ثاني شهر رمضان إلى الرملة فخرب حصنها ثم سار إلى القدس من شدة البرد والمطر لينظر في مصالح القدس وترتبهم في الاستعداد للحصار وأذن للعساكر في العود إلى بلادهم للإراحة وعاد إلى مخيمه ثامن رمضان وأقام الإفرنج بيافا وشرعوا في عمارتها فرحل صلاح الدين إلى نطرون وخيم به منتصف رمضان وتردد الرسل بين ملك إنكلطيرة وبين العادل على أن يزوجه ملك إنكلطيرة أخته ويكون القدس وبلاد المسلمين بالساحل للعادل وعكا وبلاد الإفرنج بالساحل لها إلى مملكتها وراء البحر بشرط رضا الفداوية وأجاب صلاح الدين إلى ذلك ومنع الأقسة والرهبان أخت ملك إنكلطيرة من ذلك ونكروا عليها فلم يتم وإنما كان ملك إنكلطيرة يخادع بذلك ثم اعتزم الإفرنج على القدس ورحلوا من يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة وسار صلاح الدين إلى القدس وقدم عليه عسكر مصر مع أبي الهيجاء السمين فقويت به نفوس المسلمين وسار الإفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة والمسلمون يحاذونهم وكانت بينهم وقعات أسروا في واحد منها نيفا وخمسين من مقاتلة الإفرنج واهتم صلاح الدين بعمارة أسوار القدس ورم ما ثلم منها وضبط المكان الذي ملك القدس منه وسد فروجه وأمر بحفر الخندق خارج الفصيل وقسم ولاية هذه الأعمال بين ولده وأصحابه وقلت الحجارة للبنيان وكان صلاح الدين يركب إلى الأماكن البعيدة وينقلها على مركوبة فيقتدي به العسكر ثم إن الإفرنج ضاقت أحوالهم بالنطرون وقطع المسلمون عنهم الميرة من ساحلهم فلم يكن كما عهده بالرملة وسأل ملك انكلطيرة عن صورة القدس ليعلم كيفية ترتيب حصارها فصورت له ورأى الوادي محيطا بها إلا قليلا من جهة الشمال مع عمقه ووعرة مسالكه فقال هذه لا يمكن حصارها لأنا إذا اجتمعنا عليها من جانب بقيت الجوانب الأخرى وأن افترقنا على جانب الوادي والجانب الآخر كبس المسلمون إحدى الطائفتين ولم تصل الأخرى لإنجادهم خوفا من المسلمين على معسكرهم وإن تركوا من أصحابه حامية المعسكر فالمدى بعيد لا يصلون للإنجاد إلا بعد الوفاة هذا إلى ما يلحقنا من تعذر القوت بانقطاع الميرة فعلموا صدقه وارتحلوا عائدين إلى الرملة ثم ارتحلوا في محرم سنة ثمان وثمانين إلى عسقلان وشرعوا في عمارتها وسار ملك إنكلطيرة إلى مسلح المسلمين فواقعوهم وجرت بينهم حروب شديدة وصلاح الدين يبعث سراياه من القدس إلى الإفرنج للإغارة وقطع الميرة فيغنمون ويعودون والله تعالى أعلم. ٥/٣٨٠
مقتل المركيش وملك الكندهري مكانه
ثم ارتحل صلاح الدين إلى سنان مقدم الإسماعيلية بالشام في قتل ملك إنكلطيرة والمركيش وجعل له على ذلك عشرة آلاف دينار فلم يمكنهم قتل ملك إنكلطيرة لما رأوه من المصلحة لئلا يتفرغ لهم صلاح الدين وبعث رجلين لقتل المركيش في زي الرهبان فاتصلا بصاحب صيدا وابن بازران صاحب وأقاما عندهما بصور ستة أشهر مقبلين على رهبانيتهما حتى أنس بهما المركيش ثم دعاه الأسقف بصور دعوى فوثبا عليه فجرحاه ولجأ أحدهما إلى كنيسة واختفى فيها وحمل إليها المركيش لشدة جراحة فأجهز عليه ذلك الباطني وقتله ونسب ذلك إلى ملك إنكلطيرة رجاء أن ينفرد بملك الإفرنج بالشام ولما قتل المركيش ملك المدينة زعيم من الإفرنج الواردين من وراء البحر يعرف بالكندهري ابن أخت ملك إفرنسة وابن أخي ملك إنكلطيرة من أبيه وتزوج بالملكة في ليلته وبنى بها وملك عكا وسائر البلاد بعد عود ملك إنكلطيرة وعاش إلى سنة أربع وتسعين وسقط من سطح ولما رحل ملك إنكلطيرة إلى بلاده أرسل هذا الكندهري إلى صلاح الدين واستماله للصلح والتمس منه الخلعة فبعث إليه بها ولبسها بعكا والله تعالى أعلم.
مسير الإفرنج إلى القدس
ولما قدم صلاح الدين القدس وكان قد بلغه مهلك تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه وأن ابنه ناصر الدين استولى على أعماله بالجزيرة وهي حران والرها وسميساط وميافارقين وجان وبعث إلى صلاح الدين يسأل إبقاءها في يده مضافة إلى ما كان لأبيه من الأعمال بالشام فاستقصره صلاح الدين لصغره وطلب منه ابنه الأفضل أن يعطيها له وينزل عن دمشق فأجابه الى ذلك وأمره أن يسير إليها وكاتب ملوك البلاد الشرقية بالموصل وسنجار والجزيرة واربل وسار لإنجاده بالعساكر وعلم ناصر الدين أنه لا قبل له بذلك فبعث للملك العادل يستشفع له عند صلاح الدين على أن يبقى بيده ما كان لأبيه بالشام فقط وينزل عن بلاد الجزيرة فأقطعها صلاح الدين أخاه الملك العادل وبعثه يتسلمها ويرد ابنه الأفضل فلحق ٥/٣٨١
بالأفضل بحلب وأعاده وعبر الفرات وتسلم البلاد من ناصر الدين بن تقي الدين وأنزل بها عماله واستصحبه وساير العساكر الجزرية إلى صلاح الدين بالقدس ولما بلغ الإفرنج أن صلاح الدين بعث ابنه الأفضل وأخاه العادل وفرق العساكر عليهما ولم يبق معه بالقدس إلا بعض الخاصة فطمعوا فيه وأغاروا على عسكر مصر وهو قاصد إليه ومقدمهم سليمان أخو العادل لأمه فأخذوه بنواحي الخليل وقتلوا وغنموا ونجا فلهم الى جبل الخليل وساروا الى الداروم فخربوه ثم ساروا إلى القدس وانتهوا إلى بيت قوجة على فرسخين من القدس تاسع جمادى الاولى من سنة ثمان وثمانين واستعد صلاح الدين للحصار وفرق أبراج السور على أمرائه وسلط السرايا والبعوث عليهم فرأوا ما لا قبل لهم به فتأخروا عن منازلتهم بيافا وأصبحت بقولهم وميرتهم غنائم للمسلمين وبلغهم أن العساكر الشرقية التي مع العادل والأفضل عادت إلى دمشق فعادوا إلى عكا وعزموا على محاصرة بيروت فأمر صلاح الدين ابنه الأفضل أن يسير في العساكر الشرقية إليها فسار وانتهى إلى مرج العيون فلم يبرح الافرنج من عكا واجتمع عند صلاح الدين خلال ذلك العساكر من حلب وغيرها فسار إلى يافا فحاصرها وملكها عنوة في عشري رجب من السنة ثم حاصر القلعة بقية يومه وأشرفوا على فتحها وكانوا ينتظرون المدد من عكا فشغلوا المسلمين بطلب الأمان إلى الغد فأجابوهم إليه وجاءهم ملك انكلطيرة ليلا وتبعه مدد عكا وبرز من الغد فلم يتقدم إليه أحد من المسلمين ثم نزل بين السماطين وجلس للأكل وأمر صلاح الدين بالحملة عليهم فتقدم أخ المشطوب وكان يلقب بالجناح وقال لصلاح الدين نحن نتقدم للقتال ومماليكك للغنيمة فغضب صلاح الدين وعاد عن الإفرنج إلى خيامه حتى جاء ابنه الأفضل وأخوه العادل فرحل إلى الرملة ينتظر مآل أمره مع الإفرنج وأقاموا بيافا والله تعالى أعلم.
الصلح بين صلاح الدين والإفرنج ومسير ملك إنكلطيرة إلى بلاده
كان ملك انكلطيرة إلى هذه المدة قد طال مغيبه عن بلاده ويئس من بلاد الساحل لأن المسلمين استولوا عليه فأرسل إلى صلاح الدين يسأله في الصلح وظن صلاح الدين أن ذلك مكر فلم يجبه وطلب الحرب فألح ملك إنكلطيرة في السؤال وظهر صدق ذلك منه فترك ما كان فيه من عمارة عسقلان وغزة والداروم والرملة وبعث إلى الملك العادل بأن يتوسط في ٥/٣٨٢
ذلك فأشار على صلاح الدين بالإجابة هو وسائر الأمراء لما حدث عند العسكر من الضجر ونفاد النفقات وهلاك الدواب والأسلحة وما بلغهم أن ملك إنكلطيرة عائد إلى بلاده وان لم تقع الإجابة آخر فصل الشتاء امتنع ركوب البحر فيقيم إلى قابل فلما وعي ذلك صلاح الدين وعلم صحته أجاب إلى الصلح وعقد الهدنة مع رسل الإفرنج في عشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين لمدة أربعة وأربعين شهرا فتحالفوا على ذلك وأذن صلاح الدين للإفرنج في زيارة القدس وارتحل ملك انكلطيرة في البحر عائدا إلى بلده وأقام الكندهري صاحب صور بعد المركيش ملكا على الإفرنج بسواحل الشام وتزوج الملكة التي كانت تملكهم قبله وقبل صلاح الدين كما مر وسار صلاح الدين إلى القدس فأصلح أسواره وأدخل كنيسة صهيون في البلد وكانت خارج السور واختط المدارس والربط والمارستان ووقف عليها الأوقاف واعتزم على الإحرام منه للحج فاعترضته القواطع دون ذلك فسار إلى دمشق خامس شوال واستخلف عليه الأمير جرديك من موالي نور الدين ومر بكفور المسلمين نابلس وطبرية وصفد وبيروت ولما انتهى إلى بيروت أتاه بها سمند صاحب انطاكية وطرابلس وأعمالها فالتزم طاعة صلاح الدين وعاد ودخل صلاح الدين دمشق في الخامس والعشرين من شوال وسر الناس بقدومه ووهن العدو والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفاة صلاح الدين وحال ولده وأخيه من بعده
ولما وصل صلاح الدين إلى دمشق وقد خف من شواغل الإفرنج بوهنهم وما عقد من الهدنة فأراح قليلا ثم اعتزم على احداث الغزو فاستشار ابنه الأفضل وأخاه العادل في مذهبه فأشار العادل بخلاط لأنه كان وعده أن يقطعه إياها إذا ملكها وأشار الأفضل ببلاد الروم إيالة بني قليج أرسلان لسهولة أمرها واعتراض الإفرنج فيها إذا قصدوا الشام لأنها طريقهم فقال لأخيه تذهب أنت لخلاط في بعض ولدي وبعض العسكر وأذهب أنا إلى بلاد الروم فإذا فرغت منها لحقت بكم فسرنا إلى أذربيجان ثم إلى بلاد العجم وأمره بالمسير إلى الكرك وهي من أقطاعه ليتجهز منها ويعود لشأنه فسار إلى الكرك ومرض صلاح الدين بعده ومات في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة لخمس وعشرين سنة من ملكه مصر رحمه الله تعالى وكان معه بدمشق ابنه الأفضل نور الدين والعساكر عنده فملك دمشق والساحل وبعلبك وصرخد وبصرى وبانياس وشوش وجميع الأعمال إلى الداروم وكان بمصر ابنه العزيز عثمان فاستولى عليها وكان بحلب ابنه الظاهر غازي فاستولى عليها وعلى أعمالها مثل حارم وتل باشر وإعزاز ٥/٣٨٣
وبرزية ودربساك وغيرها وأطاعه صاحب حماة ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شيركوه وله مع حماة سلمية والمعرة ومنبج وابن محمد بن شيركوه وله مع الرحبة حمص وتدمر وببعلبك بهرام شاه بن فرخ شاه بن شاهنشاه ولقبه الأمجد وببصرى الظافر بن صلاح الدين ولقبه الأمجد مع أخيه الأفضل وشيرز سابق الدين عثمان ابن الداية وبالكرك والشويك الملك العادل وبلغ الخبر إلى العادل فأقام بالكرك واستدعاه الأفضل من دمشق فلم يجبه فخوفه ابن أخيه العزيز صاحب مصر من عز الدين صاحب الموصل وقد كان سار من الموصل إلى بلاد العادل بالجزيرة فوعده بالنصر منه وأوهمه الرسول إن لم يسر إلى الأفضل بدمشق أنه متوجه إلى العزيز بمصر ليحالفه عليه فحينئذ ارتاب العادل وسار إلى الأفضل بدمشق فتلقاه بالميرة وجهز له العساكر لمدافعة عز الدين صاحب الموصل عن بلاد الجزيرة وأرسل إلى صاحب حمص وصاحب حماة يحضهم على إنفاذ العساكر معه وعبر بها الفرات وأقام بنواحي الرها وكان عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل لما بلغه وفاة صلاح الدين اعتزم على المسير إلى بلاد العادل بالجزيرة حران والرها وسائرها ليرتجعها من يده ومجاهد الدين قايماز أتابك دولته يثنيه عن ذلك ويعذله فيه فتبين حال العادل مع ابن أخيه وبينما هو في ذلك إذ جاءت الأخبار بأن العادل بحران ثم وافاهم كتابه بأن الأفضل ملك بعد أبيه صلاح الدين وأطاعه الناس فكاتب عز الدين جيرانه من الملوك مثل صاحب سنجار وصاحب ماردين يستنجدهم وجاء إليه أخوه على نصيبين وسار معه إلى الرها فأصابه المرض في طريقه ورجع إلى الموصل فمات أول رجب من السنة واستقرت إيالة العادل في ملكه من الجزيرة فلم يهجه منها أحد والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
مسير العزيز من مصر إلى حصار الأفضل بدمشق وما استقر بينهم في الولايات
كان العزيز عثمان بن صلاح الدين قد استقر بمصر كما ذكرناه وكان موالي أبيه منحرفين عن الأفضل ورؤساؤهم يومئذ جهاركس وقراجا وقد استقر بهم عدو الأفضل والأكراد وموالي شيركوه شيعة له فكان العدو يعدون العزيز بهؤلاء الشيع ويخوفونه من أخيه الأفضل ويغرونه بانتزاع دمشق من يده فسار لذلك سنة تسعين وخمسمائة ونزل على دمشق واستنزل الأفضل وهو بأعماله بالجزيرة وسار لعمه العادل بنفسه وسار معه الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب وناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه صاحب حماة وشيركوه ٥/٣٨٤
ابن محمد بن شيركوه صاحب حمص وعساكر الموصل من قبل عز الدين مسعود بن مودود وساروا كلهم إلى الأفضل بدمشق لإنجاده فامتنع على العزيز مرامه وتراسلوا في الصلح على أن يكون القدس وأعمال فلسطين للعزيز وجبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب وتبقى دمشق وطبرية والغور للأفضل وأن يستقر العادل بمصر مدبرا دولة العزيز على إقطاعه الأول وانعقد الصلح على ذلك ورجع العزيز إلى مصر وعاد كل إلى بلده والله تعالى أعلم.
حصار العزيز ثانيا دمشق وهزيمته
ولما عاد العزيز إلى مصر عاد موالي صلاح الدين إلى أغرائه بأخيه الأفضل فتجهز لحصاره بدمشق سنة إحدى وتسعين وسار الأفضل من دمشق إلى عمه العادل بقلعة جعبر ثم إلى أخيه الظاهر غازي بحلب مستنجدا لهما وعاد إلى دمشق فوجد العادل قد سبقه إليها واتفقا على أن تكون مصر للأفضل ودمشق للعادل ووصل العزيز إلى قرب دمشق وكان الأكراد وموالي شيركوه منحرفين عنه كما قدمناه وشيعة للأفضل ومقدمها سيف الدين أبو ركوش من الموالي وأبو الهيجاء السمين من الأكراد فدلسا للأفضل بالخروج إلى العزيز وواعداه الهزيمة عنه فخرجا في العساكر وانحاز إليهما الموالي والأكراد وانهزم العزيز إلى مصر وبعث الأفضل العادل إلى القدس فتسلمه من نائب العزيز وساروا في إتباعه إلى مصر والعساكر ملتفة على الأفضل فارتاب العادل وخشي أن لا يفي له الأفضل بما اتفقا عليه ولا يمكنه من دمشق فراسل العزيز بالثبات وأن ينزل حامية ووعد من نفسه المظاهرة على أخيه وتكفل له منعه من مقاتلته بلبيس فترك العزيز بها فخر الدين جهاركس في عسكر من موالي أبيه وأراد الأفضل مناجزتهم فمنعه العادل فأراد الرحيل إلى مصر فمنعه أيضا وقال له إن أخذت مصر عنوة انخرقت الهيبة وطمع فيها الأعداء والمطاولة أولى ودس إلى العزيز بإرسال القاضي الفاضل وكان مطاعا فيهم لمنزلته عند صلاح الدين فجاء إليهما وعقد الصلح بينهم على أن يكون للأفضل القدس وفلسطين وطبرية والأردن مضافة إلى دمشق ويكون للعادل كما كان القديم ويقيم بمصر عند العزيز يدبر أمره وتحالفوا على ذلك وعاد الأفضل إلى دمشق وأقام العادل عند العزيز بمصر انتهى والله أعلم.
استيلاء العادل على دمشق
ثم أن العزيز استمال العادل وأطمعه في دمشق أن يأخذها من أخيه ويسلمها إليه وكان الظاهر ٥/٣٨٥
صاحب حلب يعذل الأفضل في موالاة عمه العادل ويحرضه على أبعاده فيلج في ذلك ثم أن العادل والعزيز ساروا من مصر وحاصروا دمشق واستمالوا من أمراء الأفضل أبا غالب الحمصي على وثوق الأفضل به وإحسانه إليه ففتح لهم الباب الشرقي عشي السابع والعشرين من رجب سنة اثنتين وتسعين فدخل العادل منه إلى دمشق ووقف العزيز بالميدان الأخضر وخرج إليه أخوه الأفضل ثم دخل الأفضل دار شيركوه وأظهروا مصالحة الأفضل خشية من جموعه وأعادوه إلى القلعة وأقاموا بظاهر البلد والأفضل يغاديهم كل يوم ويراوحهم حتى استفحل أمرهم فأمروه بالخروج من دمشق وتسليم أعمالها وأعطوه قلعة صرخد وملك العزيز القلعة ونقل للعادل أن العزيز يريد أن يتردد إلى دمشق فجاء إليه وحمله على تسليم القلعة فسلمها وخرج الأفضل إلى رستاق له خارج البلد فأقام به وسار منه إلى صرخد وعاد العزيز إلى مصر وأقام العادل بدمشق والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه وأحكم.
فتح العادل يافا من الإفرنج واستيلاء الإفرنج على بيروت وحصارهم تبنين
ولما توفي صلاح الدين وملك أولاده بعده جدد العزيز الهدنة مع الكندهري ملك الإفرنج كما عقد أبوه معه وكان الأمير أسامة يقطع بيروت فكان يبعث الشواني للإغارة على الإفرنج وشكوا ذلك إلى العادل بدمشق والعزيز بمصر فلم يشكياهم فأرسلوا إلى ملوكهم وراء البحر يستنجدونهم فأمدوهم بالعساكر وأكثرهم من الألمان ونزلوا بعكا واستنجد العادل بالعزيز فبعث إليه بالعساكر وجاءته عساكر الجزيرة والموصل واجتمعوا بعين جالوت وأقاموا رمضان وبعض شوال من سنة اثنتين وتسعين ثم ساروا إلى يافا فملكوا المدينة أولا وخربوها وامتنع الحامية بالقلعة فحاصروها وفتحوها عنوة واستباحوها وجاء الإفرنج من عكا لصريخ إخوانهم وانتهوا إلى قيسارية فبلغهم خبر وفادتهم وخبر وفادة الكندهري ملكهم بعكا فرجعوا ثم اعتزموا على قصد بيروت فسار العادل لتخريبها حذرا عليها من الإفرنج فتكفل له أسامة عاملها بحمايتها وعاد ووصل إليها الإفرنج يوم عرفة من السنة وهرب منها أسامة وملكوها وفرق العادل العساكر فخربوا ما كان بقي من صيدا بعد تخريب صلاح الدين وعاثوا في نواحي صور فعاد الإفرنج إلى صور ونزل المسلمون على قلعة هونين ثم نازل الإفرنج حصن تبنين في صفر سنة أربع وتسعين وبعث العادل عسكرا لحمايته فلم يغنوا عنه ونقب الإفرنج أسواره ٥/٣٨٦
فبعث العادل بالصريخ إلى العزيز صاحب مصر فأغذ السير بعساكره وانتهى إلى عسقلان في ربيع من السنة وكان المسلمون في تبنين قد بعثوا إلى الإفرنج من يستأمن لهم ويسلمون لهم فأنذرهم بعض الإفرنج بأنهم يغدرون بهم فعادوا إلى حصنهم وأصروا على الامتناع حتى وصل العزيز إلى عسقلان فاضطرب الإفرنج لوصوله ولم يكن لهم ملك وإنما كان معهم الجنصكير القسيس من أصحاب ملك الألمان والمرأة زوجة الكندهري فاستدعوا ملك قبرص واسمه هبري وهو أخ الملك الذي أسر بحطين فجاءهم وزوجوه بملكتهم فلما جاء العزيز وسار من عسقلان إلى جبل الخليل وأطل على الإفرنج وناوشهم القتال رجع الإفرنج إلى صور ثم إلى عكا ونزلت عساكر المسلمين بالبحور فاضطرب أمراء العزيز واجتمع جماعة منهم وهم ميمون القصري وقراسنقر والحجاب وابن المشطوب على الغدر بالعزيز ومدبر دولته فخر الدين جهاركس فأغذا السير إلى مصر وتراسل العادل والإفرنج في الصلح وانعقد بينهم في شعبان من السنة ورجع العادل إلى دمشق وسار منها إلى ماردين كما يأتي خبره والله تعالى أعلم.
وفاة طغتكين بن أيوب باليمن وملك ابنه إسماعيل ثم سليمان بن تقي الدين شاهنشاه
قد كان تقدم لنا أن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب سار الى المدينة سنة ثمان وسبعين بعد وفاة أخيه شمس الدولة توران شاه واختلاف نوابه باليمن واستولى عليها ونزل زبيد وأقام بها إلى أن توفي في شوال سنة ثلاث وتسعين وكان سيئ السيرة كثير الظلم للرعية جماعا للأموال ولما استفحل بها أراد الاستيلاء على مكة فبعث الخليفة الناصر إلى أخيه صلاح الدين يمنعه من ذلك فمنعه ولما توفي ملك مكانه ابنه إسماعيل وبلغ المعز وكان أهوج فانتسب في بني أمية وادعى الخلافة وتلقب بالهادي ولبس الخضرة وبعث إليه عمه العادل بالملامة والتوبيخ فلم يقبل وأساء السيرة في رعيته وأهل دولته فوثبوا وقتلوه وتولى ذلك سيف الدين سنقر مولى أبيه ونصب أخاه الناصر سنة ثمان وتسعين فأقام بأمره ثم هلك سنقر لأربع سنين من دولته وقام مكانه غازي بن جبريل من أمرائهم وتزوج أم الناصر ثم قتل الناصر مسموما وثأر العرب منه بغازي المذكور وبقي أهل اليمن فوضى واستولى على طغان وبلاد حضر موت محمد بن محمد الحميري واستبدت أم الناصر وملكت زبيد وبعثت في طلب أحد من بني أيوب تملكه على ٥/٣٨٧
اليمن وكان للمظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه وقيل لابنه سعد الدين شاهنشاه ابن اسمه سليمان ترهب ولبس المسوح ولقيه بالموسم بعض غلمانها وجاءته فتزوجته وملكته اليمن والله سبحانه وتعالى أعلم.
مسير العادل إلى الجزيرة وحصاره ماردين
كان نور الدين أرسلان شاه مسعود صاحب الموصل قد وقع بينه وبين قطب الدين محمد ابن عمه عماد الدين زنكي صاحب نصيبين والخابور والرقة وبين أبيه عماد الدين قبله فتنة بسبب الحدود في تخوم أعمالهم فسار نور الدين إليه في عساكره وملك منه نصيبين ولحق قطب الدين بحران والرها إيالة العادل بن أيوب وبعث إليه بالصريخ وهو بدمشق وبذل له الأموال في إنجاده فسار العادل إلى حران وارتحل نور الدين من نصيبين إلى الموصل وسار قطب الدين إليها فملكها وسار العادل إلى ماردين في رمضان من السنة فحاصرها وكان صاحبها حسام الدين بولو أرسلان بن أبي الغازي بن ألبا بن تمرتاش أبي الغازي بن أرتق وهو صبي وكافله مولى النظام برتقش مولى أبيه والحكم له ودام حصاره عليها وملك الربض وقطع الميرة عنها ثم رحل عنها في العام القابل كما تقدم في أخبار دولة زنكي والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
وفاة العزيز صاحب مصر وولاية أخيه الأفضل
ثم توفي العزيز عثمان بن صلاح الدين آخر محرم سنة خمس وتسعين وكان فخر الدين إياس جهاركس مولى أبيه مستبدا عليه فأرسل العادل بمكانه من حصار ماردين يستدعيه للملك وكان جهاركس هذا مقدم موالي صلاح الدين وكانوا منحرفين عن الأفضل وكان موالي صلاح الدين شيركوه والأكراد شيعة وجمعهم جهاركس لينظر في الولاية وأشار بتولية ابن العزيز فقال له سيف الدين أيازكوش مقدم موالي شيركوه لا يصلح لذلك لصغره إلا أن يكفله أحد من ولد صلاح الدين لأن رياسة العساكر صنعه واتفقوا على الأفضل ثم مضوا إلى القاضي الفاضل فأشار بذلك أيضا وأرسل أياز كوش يستدعيه من صرخد فسار آخر صفر من السنة ولقيه الخبر في طريقه بطاعة القدس له وخرج أمراء مصر فلقوه ببلبيس وأضافه أخوه المؤيد مسعود وفخر الدين جهاركس ودولة العزيز فقدم أخاه وارتاب جهاركس واستأذنه في المسير ليصلح بين طائفتين من العرب اقتتلا فأذنه فسار فخر الدين إلى ٥/٣٨٨
القدس وتملكه ولحقه جماعة من موالي صلاح الدين منهم قراجا الدكرمس وقراسنقر وجاءهم ميمون القصري فقويت شوكتهم به واتفقوا على عصيان الأفضل وأرسلوا إلى الملك العادل يستدعونه فلم يعجل لإجابتهم لطمعه في أخذ ماردين وارتاب الأفضل بموالي صلاح الدين وهم شقيرة وأنبك مطيش وألبكي ولحق جماعة منهم بأصحابهم بالقدس وأرسل الأفضل إليهم في العود على ما يختارونه فامتنعوا وأقام هو بالقاهرة وقرر دولته وقدم فيها سيف الدين أياز كوش والملك لابن أخيه العزيز عثمان وهو كافل له لصغره وانتظمت أمورهم على ذلك انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
حصار الأفضل دمشق وعوده عنها
ولما انتظمت الأمور للأفضل بعث إليه الظاهر غازي صاحب حلب وابن عمه شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص يغريانه بملك دمشق لغيبة العادل عنها في حصار ماردين ويعدانه المظاهرة فسار من منتصف السنة ووصل إلى دمشق منتصف شعبان وسبقه العادل إليها وترك العساكر مع ابنه الكامل على ماردين ولما نزل الأفضل على دمشق وكان معه الأمير مجد الدين أخو عيسى الهكاري فداخل قوما من الأجناد في دمشق في أن يفتحوا له باب السلامة ودخل منه هو والأفضل سرا وانتهوا إلى باب البريد ففطن عسكر العادل لقلتهم وانقطاع مددهم فتراجعوا وأخرجوهم ونزل الأفضل بميدان الحصار وضعف أمره واعصوصب الأكراد من عساكره فارتاب بهم الآخرون وانحازوا عنهم في المعسكر ووصل شيركوه صاحب حمص ثم الظاهر صاحب حلب آخر شعبان وأول رمضان لمظاهرة الأفضل وأرسل العادل إلى موالي صلاح الدين بالقدس فساروا إليه وقوي بهم ويئس الأفضل وأصحابه وخرج عساكر دمشق ليبيتوهم فوجدوهم حذرين فرجعوا وجاء الخبر إلى العادل بوصول ابنه محمد الكامل إلى حران فاستدعاه ووصل منتصف صفر سنة ست وتسعين فعند ذلك رحلت العساكر عن دمشق وعاد كل منهم إلى بلاده انتهى والله أعلم.
إفراج الكامل عن ماردين
قد كان تقدم لنا مسير العادل إلى ماردين وسار معه صاحب الموصل وغيره من ملوك الجزيرة وديار بكر وفي نفوسهم غصص من تغلب العادل على ماردين وغلبهم فلما عاد العادل إلى ٥/٣٨٩
دمشق لمدافعة الأفضل وترك ابنه الكامل على حصار ماردين واجتمع ملوك الجزيرة وديار بكر على مدافعته عنها وسار نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل وابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي صاحب سنجار وابن عمه قطب الدين سنجر شاه بن غازي صاحب جزيرة ابن عمر واجتمعوا كلهم ببدليس حتى قضوا عيد الفطر وارتحلوا سادس شوال وقاربوا جبل ماردين وكان أهل ماردين قد اشتد عليهم الحصار وبعث النظام برتقش صاحبها إلى الكامل بتسليم القلعة على شروط اشترطها إلى أجل ضربه وأذن لهم الكامل في إدخال الأقوات في تلك المدة ثم جاءه الخبر بوصول صاحب الموصل ومن معه فنزل القائم للقائهم وترك عسكرا بالربض وبعث قطب الدين صاحب سنجار إلى الكامل ووعده بالانهزام فلم يغن ولما التقى الفريقان حمل صاحب الموصل عليهم مستميتا فانهزم الكامل وصعد إلى الربض فوجد أهل ماردين قد غلبوا عسكره الذي هنالك ونهبوا مخلفهم فارتحل الكامل منتصف شوال مجفلا ولحق بميافارقين وانتهب أهل ماردين مخلفه ونزل صاحبها فلقي صاحب الموصل وعاد إلى قلعته وارتحل صاحب الموصل إلى رأس عين لقصد حلوان والرها وبلاد الجزيرة من بلاد العادل فلقيه هنالك رسول الظاهر صاحب حلب يطلبه في السكة والخطبة فارتاب لذلك وكان عازما على نصرتهم فقعد عنهم وعاد إلى الموصل وأرسل إلى الأفضل والظاهر يعتذر بمرض طرقه وهم يومئذ على دمشق ووصل الكامل من ميافارقين إلى حران فاستدعاه أبوه من دمشق وسار إليه في العساكر فأفرج عنه الأفضل والظاهر والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء العادل على مصر
ولما رحل الأفضل والظاهر إلى بلادهم تجهز العادل إلى مصر وأغراه موالي صلاح الدين بذلك واستحلفوه على أن يكون ابن العزيز ملكا وهو كافله وبلغت الأخبار بذلك إلى الأفضل وهو في بلبيس فسار منها ولقيهم فانهزم لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ست وتسعين ودخل القاهرة ليلا وحضر الصلاة على القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني توفي تلك الليلة وسار العادل لحصار القاهرة وتخاذل أصحاب الأفضل عنه فأرسل إلى عمه في الصلح وتسليم الديار المصرية على أن يعوضه دمشق أو بلاد الجزيرة وهي حران والرها وسروج فلم يجبه وعوضه ميافارقين وجبال نور وتحالفوا على ذلك وخرج الأفضل من القاهرة ثامن عشر ربيع واجتمع بالعادل وسار إلى بلده صرخد ودخل العادل القاهرة من يومه ولما ٥/٣٩٠
وصل الأفضل صرخد بعث من يتسلم البلاد التي عوضه العادل وكان بها ابنه نجم الدين أيوب فامتنع من تسليم ميافارقين وسلم ما عداها وردد الأفضل رسله في ذلك إلى العادل فزعم أن ابنه عصاه فعلم الأفضل أنه أمره واستفحل العادل في مصر وقطع خطبة المنصور بن العزيز وخطب لنفسه واعترض الجند ومحصهم بالمحو والإثبات فاستوحشوا لذلك وبعث العادل فخر الدين جهاركس مقدم موالي صلاح الدين في عسكر إلى بانياس ليحاصرها ويملكها لنفسه ففصل من مصر للشام في جماعة الموالي الصلاحية وكان بها الأمير بشارة من أمراء الترك ارتاب العادل بطاعته فبعث العساكر إليه مع جهاركس والله تعالى أعلم.
مسير الظاهر والأفضل إلى حصار دمشق
ولما قطع العادل خطبة المنصور بن العزيز بمصر استوحش الأمراء لذلك ولما كان منه في اعتراض الجند فراسلوا الظاهر بحلب والأفضل بصرخد أن يحاصرا دمشق فيسير إليهما الملك العادل فيتأخرون عنه بمصر ويقومون بدعوتهما ونمي الخبر إلى العادل وكتب به إليه الأمير عز الدين اسامة جاء من الحج ومر بصرخد فلقيه الأفضل ودعاه الى أمرهم وأطلعه على ما عنده فكتب به إلى العادل وأرسل العادل إلى ابنه المعظم عيسى بدمشق يأمره بحصار الأفضل بصرخد وكتب إلى جهاركس بمكانه من حصار بانياس وإلى ميمون القصري صاحب نابلس بالمسير معه إلى صرخد ففر منها الأفضل إلى أخيه الظاهر بحلب فوجده يتجهز لأنه بعث أميرا من أمرائه إلى العادل فرده من طريقه فسار إلى منبج فملكها ثم قلعة نجم كذلك وذلك سلخ رجب من سنة سبع وتسعين وسار المعظم بقصد صرخد وانتهى إلى بصرى وبعث عن جهاركس والذين معه على بانياس فغالطوه ولم يجيبوه فعاد إلى دمشق وبعث إليهم الأمير أسامة يستحثهم فأغلظوا له في القول وتناوله البكاء منهم وثاروا به جميعا فتذمم لميمون القصري منهم فأمنه وعاد إلى دمشق ثم ساروا إلى الظاهر حضر به صلاح الدين وأنزله من صرخد واستحثوا الظاهر والأفضل للوصول فتباطأ الظاهر عنهم وسار من منبج إلى حماة فحاصرها حتى صالحه صاحبها ناصر الدين محمد على ثلاثين ألف دينار صورية فارتحل عنها تاسع رمضان إلى حمص ومعه أخوه الأفضل ومنها إلى بعلبك إلى دمشق ووافاه هنالك الموالي الصلاحية مع الظاهر خضر بن مولاهم وكان الوفاق بينهم إذا فتحوا دمشق أن تكون بيد الأفضل فإذا ملكوا مصر سار إليها وبقيت للظاهر وأقطع الأفضل صرخد لمولى أبيه زين الدين قراجا وأخرج أهله منها إلى حمص عند شيركوه بن محمد بن شيركوه وكان العادل قد ٥/٣٩١
سار من مصر إلى الشام فانتهى إلى نابلس وبعث عسكرا إلى دمشق ووصلوا قبل وصول هذه العساكر فلما وصلوها قاتلوها يوما وثانيه منتصف ذي القعدة وأشرفوا على أخذها فبعث الظاهر إلى الأفضل بأن دمشق تكون له فاعتذر بأن أهله في غير مستقر ولعلهم يأوون إلى دمشق في خلال ما يملك مصر فلج الظاهر في ذلك وكان الموالي الصلاحية مشتملين على الأفضل وشيعة له فخيرهم بين المقام والانصراف ولحق فخر الدين جهاركس وقراجا بدمشق فامتنعت عليهم وعادوا إلى تجديد الصلح مع العادل على أن يكون للظاهر منبج وأفامية وكفر طاب وبعض قرى المعرة والأفضل له سميساط وسروج ورأس عين وحملين فتم ذلك بينهم ورحلوا عن دمشق في محرم سنة ثمان وتسعين وسار الظاهر إلى حلب والأفضل إلى حمص فأقام بها عند أهله ووصل العادل إلى دمشق في تاسوعاء وجاء الأفضل فلقيه بظاهر دمشق وعاد إلى بلاده فتسلمها وكان الظاهر والأفضل لما فعلا من منبج الى دمشق بعثا الى نور الدين صاحب الموصل أن يقصد بلاد العادل بالجزيرة وكانت بينه وبينهما وبين صاحب ماردين يمين واتفاق على العادل منذ ملك مصر مخافة أن يطرق أعمالهم فسار نور الدين عن الموصل في شعبان ومعه ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار وعسكر ماردين ونزلوا رأس عين وكان بحران الفائز بن العادل في عسكر يحفظ أعمالهم بالجزيرة فبعث إلى نور الدين في الصلح ووصل الخبر بصلح العادل مع الظاهر والأفضل فأجابهم نور الدين إلى الصلح واستحلفوا وبعث أرسلان من عنده إلى العادل فاستحلفوه أيضا وصحت الحال والله تعالى ولي التوفيق.
حصار ماردين ثم الصلح بين العادل والأشرف
ثم بعث الملك العادل ابنه الأشرف موسى في العساكر لحصار ماردين فسار إليها ومعه عساكر الموصل وسنجار ونزلوا بالحريم تحت ماردين وسار عسكر من قلعة البازغية من أعمال ماردين لقطع الميرة عن عسكر الأشرف فلقيهم جماعة من عسكر الأشرف وهزموهم وأفسد التركمان السابلة في تلك النواحي وامتنع على الأشرف قصده فتوسط الظاهر غازي في الإصلاح بينهم على أن يحمل صاحب ماردين للعادل مائة وخمسين ألف دينار والدينار أحد عشر قيراطا من الأميري ويخطب له ببلاده ويضرب السكة باسمه وتعسكر طائفة من جنده معه متى دعاهم لذلك فأجاب العادل وتم الصلح بينهما ورحل الأشرف عن ماردين والله أعلم ٥/٣٩٢
أخذ البلاد من يد الأفضل
قد كان تقدم أن الظاهر والأفضل لما صالحا العادل سنة سبع وتسعين أخذ الأفضل سميساط وسروج ورأس عين وحملين وكانت بيده معها قلعة نجم التي ملكها الظاهر بين يدي الحصار قبل الصلح ثم استرد العادل البلاد من يد الأفضل سنة تسع وتسعين وأبقى له سميساط وقلعة نجم فطلب الظاهر قلعة نجم على أن يشفع له عند العادل في رد ما أخذ منه فلم يجب فتهدده ولم تزل الرسل تتردد بينهما حتى سلمها إليه في شعبان من السنة وبعث الأفضل أمه إلى العادل في رد سروج ورأس عين عليهم فلم يشفعها فبعث الأفضل إلى ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم بطاعته وأن يخطب له فبعث إليه بالخلعة وخطب له الأفضل في سميساط سنة ستمائة وسار من جملة نوابه في أعماله وفي سنة تسع وتسعين هذه خاف على مصر محمود بن العزيز صاحب مصر بعث العساكر إلى الرها لأنه لما قطع خطبته من مصر سنة ست وتسعين خاف على مصر من شيعة أبيه فأخرجه سنة ثمان وتسعين إلى دمشق ثم نقله في هذه السنة إلى الرها ومعه أخواته وأمه وأهله فأقاموا بها والله أعلم.
واقعة الأشرف مع صاحب الموصل
كانت الفتنة متصلة بين نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل وبين ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار واستمال العادل بن أيوب قطب الدين فخطب له بأعماله وسار إليه نور الدين غيرة من ذلك فحاصر نصيبين في شعبان من سنة ستمائة وبعث قطب الدين يستمد الأشرف موسى بن العادل وهو بحران فسار إلى رأس عين لإمداده ومدافعة نور الدين عنه بعد أن اتفق على ذلك مع مظفر الدين صاحب أربل وصاحب جزيرة ابن عمر وصاحب كيفا وآمد ففارق نور الدين نصيبين وسار إليها الأشرف وجاءه أخوه نجم الدين صاحب ميافارقين وصاحب كيفا وصاحب الجزيرة وساروا جميعا إلى بلد البقعاء ونور الدين صاحب الموصل قد انصرف من تل أعفر وقد ملكها إلى كفر زمان معتزما على مطاولتهم إلى أن يفترقوا ثم أغراه بعض مواليه كان بعثه عينا عليهم فقللهم في عينه وحرضه على معاجلتهم باللقاء فسار إلى نوشرا ونزل قريبا منهم ثم ركب لقتالهم واقتتلوا فانهزم نور الدين ولحق بالموصل ونزل الأشرف وأصحابه كفر زمان وعاثوا في البلاد واكتسحوها وترددت الرسل بينهم في الصلح على أن ٥/٣٩٣
يعيد نور الدين على قطب الدين قلعة تل أعفر التي أخذها له فتم ذلك سنة إحدى وستمائة وعاد إلى بلده والله تعالى أعلم.
وصول الإفرنج إلى الشام والصلح معهم
ولما ملك الإفرنج القسطنطينية من يد الروم سنة إحدى وستمائة تكالبوا على البلاد ووصل جمع منهم إلى الشام وأرسوا بعكا عازمين على ارتجاع القدس من المسلمين ثم ساروا في نواحي الأردن فاكتسحوها وكان العادل بدمشق استنفر العساكر من الشام ومصر وسار فنزل بالطور قريبا من عكا لمدافعتهم وهم قبالته بمرج عكا وساروا إلى كفركنا فاستباحوه ثم انقضت سنة إحدى وستمائة وتراسلوا في المهادنة على أن ينزل لهم العادل عن كثير من مناصف الرملة وغيرها ويعطيهم وغيرها وتم ذلك بينهم وسار العادل إلى مصر فقصد الإفرنج حماة وقاتلهم صاحبها ناصر الدين محمد فهزموه وأقاموا أياما عليها ثم رجعوا والله تعالى أعلم.
غارة ابن ليون على أعمال حلب
قد تقدم لنا ذكر ابن ليون ملك الأرمن وصاحب الدروب فأغار سنة اثنتين وستمائة على أعمال حلب واكتسحها واتصل ذلك منه فجمع الظاهر غازي صاحب حلب ونزل على خمسة فراسخ من حلب وفي مقدمته ميمون القصري من موالي أبيه منسوبا إلى قصر الخلفاء بمصر ومنه كان أبوه وكان الطريق إلى بلاد الأرمن متعذرا من حلب لتوعر الجبال وصعوبة المضايق وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده لما يلي حلب ومن ثغورها قلعة دربساك فخشي الظاهر عليها منه وبعث اليها مددا وأمر ميمون القصري أن يشيعه بطائفة من عسكره ففعل وبقي في خف الجند ووصل خبره الى ابن ليون فكبس القصري ونال منه ومن المسلمين وانهزموا أمامه فظفر بمخلفهم ورجع فلقي في طريقه المدد الذي بعث الى دربساك فهزمهم وظفر بما كان معهم وعاد الأرمن الى بلادهم فاعتصموا بحصونهم والله تعالى أعلم. ٥/٣٩٤
استيلاء نجم الدين بن العادل على خلاط
كان العادل قد استولى على ميافارقين وأنزل بها ابنه الأوحد نجم الدين ثم استولى نجم الدين على حصون من أعمال خلاط وزحف إليها سنة ثلاث وستمائة وقد استولى عليها بليان مولى شاهرين فقاتله وهزمه وعاد إلى ميافارقين فهزمهم ثم دخلت سنة أربع وستمائة وملك مدينة سوس وغيرها وأمده أبوه العادل بالعساكر فقصد خلاط وسار إليه بليان فهزمه نجم الدين وحاصره بخلاط وبعث بليان إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قليج أرسلان صاحب أرزن الروم يستنجده فجاء في عساكره واجتمع مع بليان وانهزم نجم الدين ونزلا على مدينة تلبوس فحاصرها ثم غدر طغرل شاه ببليان وقتله وسار إلى خلاط ليملكها فطرده أهلها فسار إلى ملازكرد فامتنعت عليه فعاد إلى بلاده وأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين فملكوه خلاط وأعمالها وخافه الملوك المجاورون له وملك الكرك وتابعوا الغارات على بلاده فلم يخرج إليهم خشية على خلاط واعتزل جماعة من عسكر خلاط فاستولوا على حصن وان من أعظم الحصون وأمنعها فعصوا على نجم الدين واجتمع إليهم جمع كثير وملكوا مدينة أرجيش واستمد نجم الدين على خلاط وأعمالها وعاد أخوه الأشرف إلى أعماله بحران والرها ثم سار الأوحد نجم الدين إلى ملازكرد ليرتب أحوالها فوثب أهل خلاط على عسكره فأخرجوهم وحصروا أصحابه بالقلعة ونادوا بشعار بني شاهرين وعاد نجم الدين إليهم وقد وافاه عسكر من الجزيرة فقوي بهم وحاصر خلاط واختلف أهلها فملكها واستلحم أهلها وحبس كثيرا من أعيانها كانوا فارين وذل أهل خلاط لبني أيوب بعد هذه الوقعة إلى آخر الدولة والله تعالى أعلم.
غارات الإفرنج بالشام
كان الإفرنج بالشام قد أكثروا الغارات سنة أربع وستمائة بحشد ثان ما ملكوا القسطنطينية واستفحل ملكهم فيها فأغار أهل طرابلس وحصن الأكراد منهم على حمص وأعمالها وعجز صاحبها شيركوه بن محمد بن شيركوه عن دفاعهم واستنجد عليهم فأنجده الظاهر صاحب حلب بعسكر أقاموا عنده للمدافعة عنه وأغار أهل قبرص في البحر على أسطول مصر فظفروا ٥/٣٩٥
منه بعدة قطع وأسروا من وجدوا فيها وبعث العادل إلى صاحب عكا يحتج عليه بالصلح فاعتذر بأن أهل قبرص في طاعة الإفرنج الذين بالقسطنطينية وأنه لا حكم له عليهم فخرج العادل في العساكر إلى عكا حتى صالحه صاحبها على إطلاق أسرى من المسلمين ثم سار إلى حمص ونازل القلعتين عند بحيرة قدس ففتحه وأطلق صاحبه وغنم ما فيه وخربه وتقدم إلى طرابلس فاكتسح نواحيها اثني عشر يوما وعاد إلى بحيرة قدس وراسله الإفرنج في الصلح فلم يجبهم وأظله الشتاء فأذن لعساكر الجزيرة في العود إلى بلادهم وترك عند صاحب حمص عسكرا أنجده بهم وعاد إلى دمشق فشتى بها والله أعلم.
غارات الكرج على خلاط وأعمالها وملكهم أرجيش
ولما ملك الأوحد نجم الدين خلاط كما مر ردد الكرج الغارات على أعمالها وعاثوا فيها ثم ساروا سنة خمس وستمائة إلى مدينة أرجيش فحاصروها وملكوها عنوة واستباحوها وخربوها وخام نجم الدين عن لقائهم ومدافعتهم إلى أن انتقض عليه أهل خلاط لما فارقها ووقع بينه وبينهم ما مر ثم سار الكرج سنة تسع إلى خلاط وحاصروها وحاربهم الأوحد وهزمهم وأسر ملكهم ثم فاداه بمائة ألف دينار وخمسة آلاف أسير وعلى الهدنة مع المسلمين وأن يزوج بنته من الأوحد فانعقد ذلك والله تعالى أعلم بغيبة.
استيلاء العادل على الخابور ونصيبين من عمل سنجار وحصارها
قد تقدم لنا أن قطب الدين زنكي بن محمود بن مودود صاحب سنجار والخابور ونصيبين وما إليها كانت بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة وفتنة متصلة وزوج نور الدين صاحب الموصل بنته من ابن العادل بن أيوب سنة خمس وستمائة واتصل بهما لذلك فزين له وزراؤه وأهل دولته أن يستنجد بالعادل على جزيرة ابن عمر وأعمالها التي لابن عمه سنجر شاه بن غازي بن مودود فتكون الجزيرة بكمالها مضافة إلى الموصل وملك العادل سنجار وما إليها وهي ولاية قطب الدين فتكون له فأجاب العادل إلى ذلك ورآه ذريعة إلى ملك الموصل وأطمع نور الدين في إيالة ٥/٣٩٦
قطب الدين إذا ملكها تكون لابنه الذي هو صهره على ابنته وتكون عنده بالموصل وسار العادل بعساكره سنة ست وستمائة وقصد الخابور فملكه فتبين لنور الدين صاحب الموصل حينئذ أنه لا مانع منه وندم على ما فرط في رأيه من وفادته ورجع إلى الاستعداد للحصار وخوفه الوزراء والحاشية أن ينتقض على العادل فيبدأ به وسار العادل من الخابور إلى نصيبين فملكها وقام بمدافعته عن قطب الدين وحماية البلد من الأمير أحمد بن برتقش مولى أبيه وشرع نور الدين في تجهيز العساكر مع ابنه القاهر مددا للعادل وبعث قطب الدين صاحب سنجار ابنه مظفر الدين يستشفع به إلى العادل لمكانه منه وأثره في موالاته فشفع ولم يشفعه العادل فراسل نور الدين صاحب الموصل في الاتفاق على العادل فأجابه وسار بعساكره من الموصل واجتمع مع نور الدين بظاهرها واستنجد بصاحب حلب الظاهر وصاحب بلاد الروم كنجسرو وتداعوا على الحركة إلى بلاد العادل إن امتنع من الصلح والإبقاء على صاحب سنجار وبعثوا إلى الخليفة الناصر أن يأمر العادل فبعث إليه أستاذ داره أبا نصر هبة الله بن المبارك بن الضحاك والأمير اقباش من خواص مواليه فأجاب إلى ذلك ثم غالطهم وذهب إلى المطاولة ثم صالحهم على سنجار فقط وله ما أخذ وتحالفوا على ذلك وعاد كل إلى بلده ثم قبض المعظم عيسى سنة عشر وستمائة على الأمير أسامة بأمر أبيه العادل وأخذ منه حصن كوكب وعجلون وكانا من أعماله فخر بهما وحصن أردن بالكوكب وبني مكانه حصنا قرب عكا على جبل الطور وشحنه بالرجال والأقوات والله تعالى أعلم.
وفاة الظاهر صاحب حلب وولاية ابنه العزيز
لما توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب صاحب حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام في جمادى الأخيرة سنة ثلاث عشرة وكان مرهف الحد ضابطا جماعة للأموال شديد الانتقام محسنا للقضاة وعهد بالملك لابنه الصغير محمد بن الظاهر وهو ابن ثلاث سنين وعدل عن الكبير لأن أمه بنت عمه العادل ولقبه العزيز غياث الدين وجعل أتابكه وكافله وخادمه طغرلبك ولقبه شهاب الدين وكان خيرا صاحب إحسان ومعروف فأحسن كفالة الولد وعدل في سيرته وضبط الإيالة بجميل نظره والله أعلم.
ولاية مسعود بن الكامل على اليمن
ولما ملك سليمان بن المظفر على اليمن سنة تسع وتسعين وخمسمائة أساء إلى زوجته أم الناصر ٥/٣٩٧
التي ملكته وضارها وأعرض عنها واستبد بملكه وملأ الدنيا ظلما وأقام على ذلك ثلاث عشرة سنة ثم انتقض على العادل وأساء معاملته وكتب إليه بعض الأحيان أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتب العادل إلى ابنه الكامل أن يبعث العساكر إلى اليمن مع وال من قبله فبعث ابنه المسعود يوسف واسمه بالتركي أقسنس في العساكر سنة اثنتي عشرة وستمائة فملك اليمن وقبض على سليمان شاه وبعث به معتقلا إلى مصر فلم يزل بها إلى أن استشهد في حروب دمياط مع الإفرنج أعوام تسع وأربعين وطالت أيام مسعود باليمن وحج سنة تسع عشرة وقدم أعلام أبيه على أعلام الخليفة الناصر فكتب الناصر يشكوه إلى أبيه فكتب إليه أبوه الكامل برئت من العادل يا أخس إن لم أقطع يمينك فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك ولا حول ولا قوة إلا بالله فاستعتب إلى أبيه وأعتبه ثم غلب سنة ست وعشرين على مكة من يد الحسن بن قتادة سيد بني إدريس بن مطاعن من بني حسن وولى عليها وعاد إلى اليمن فهلك بقية السنة وغلب على أمر اليمن بعده علي بن رسول أستاذ داره ونصب للملك ابنه الأشرف موسى وكفله ثم هلك موسى واستبد ابن رسول باليمن وأورثه بنيه فكانت لهم دولة اتصلت لهذا العهد كما نذكره في أخبارها أن شاء الله تعالى.
وصول الإفرنج من وراء البحر إلى سواحل الشام ومسيرهم إلى دمياط وحصارها واستيلاؤهم عليها
كان صاحب رومة أعظم ملوك الإفرنج بالعدوة الشمالية من البحر الرومي وكانوا كلهم يدينون بطاعته وبلغه اختلاف أموال الإفرنج بساحل الشام وظهور المسلمين عليهم فانتدب إلى إمدادهم وجهز إليهم العساكر فامتثلوا أمره من إيالته وتقدم إلى ملوك الإفرنج أن يسيروا بأنفسهم أو يرسلوا العساكر فامتثلوا أمره وتوافت الإمداد إلى عكا من سواحل الشام سنة أربع عشرة وسار العادل من مصر إلى الرملة وبرز الإفرنج من عكا ليصدوه فسار إلى نابلس يسابقهم إلى أطراف البلاد ويدافعهم عنها فسبقوه ونزل هو على بيسان من الأردن وزحف الإفرنج لحربه في شعبان من السنة وكان في خف من العساكر فخام عن لقائهم ورجع إلى دمشق ونزل مرج الصفر واستدعى العساكر ليجمعها وانتهب الفرنج مخلفه في بيسان واكتسحوا ما بينها وبين بانياس ونازلوا بانياس ثلاثا ثم عادوا إلى مرج عكا بعد أن خربوا تلك الأعمال وامتلأت أيديهم من نهبها وسباياها ثم ساروا إلى صور ونهبوا صيدا والشقيف على فرسخين من بانياس وعادوا إلى عكا بعد عيد الفطر ثم حاصروا حصن الطور على جبل ٥/٣٩٨
قريب من عكا كان العادل اختطها فحاصروها سبعة عشر يوما وقتل عليها بعض ملوكهم فرجعوا عنها وبعث العادل ابنه المعظم عيسى إلى حصن الطور فخربها لئلا يملكها الإفرنج ثم سار الإفرنج من عكا في البحر إلى دمياط وأرسوا بسواحلها في صفر والنيل بينهم وبينها وكان على النيل برج حصين تمر منه إلى سور دمياط سلاسل من حديد محكمة تمنع السفن من البحر الملح أن تصعد في النيل إلى مصر فلما نزل الإفرنج بذلك الساحل خندقوا عليهم وبنوا سورا بينهم وبين الخندق وشرعوا في حصار دمياط واستكثروا من آلات الحصار وبعث العادل إلى ابنه الكامل بمصر أن يخرج في العساكر ويقف قبالتهم ففعل وخرج من مصر في عساكر المسلمين فنزل قريبا من دمياط بالعادلية وألح الإفرنج على قتال ذلك البرج أربعة أشهر حتى ملكوه ووجدوا السبيل إلى دخول النيل ليتمكنوا من النزول على دمياط فبنى الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما يمانع الداخلين إلى النيل فقاتلوا عليه قتالا شديدا حتى قطعوه فأمر الكامل بمراكب مملوءة بالحجارة وخرقوها وغرقوها وراء الجسر تمنع المراكب من الدخول إلى النيل فعدل الإفرنج إلى خليج الأزرق وكان النيل يجري فيه قديما فحفروه فوق الجسر وأجروا فيه الماء إلى البحر وأصعدوا مراكبهم إلى قبالة معسكر المسلمين ليتمكنوا من قتالهم لأن دمياط كانت حاجزة بينهم فاقتتلوا معهم وهم في مراكبهم فلم يظفروا والميرة والإمداد متصلة إلى دمياط والنيل حاجز بينهم وبين الإفرنج فلا يحصل لهم من الحصار ضيق ثم بلغ الخبر بموت العادل فاختلف العسكر وسعى مقدم الأمراء عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب الهكاري في خلع الكامل وولاية أخيه الأصغر الفائز ونمى الخبر إلى الكامل فأسرى من ليلته إلى أشمون طناح وتفقده المسلمون من الغد فأجفلوا ولحقوا بالكامل وخلفوا سوادهم بما فيه فاستولى عليه الإفرنج وعبروا النيل إلى البر المتصل بدمياط وجالوا بينها وبين أرض مصر وفسدت السابلة بالأعراب وانقطعت الميرة عن دمياط واشتد الإفرنج في قتالها وهي في قلة من الحامية لإجفال المسلمين عنها بغتة ولما جهدهم الحصار وتعذر عليهم القوت استأمنوا إلى الإفرنج فملكوها آخر شعبان سنة ست عشرة وبنوا سراياهم فيما جاورها فأقفروه ورجعوا إلى عمارة دمياط وتحصينها وأقام الكامل قريبا منهم لحماية البلاد وبنى المنصورة بقرب مصر عند مفترق البحر من جهة دمياط والله تعالى أعلم. ٥/٣٩٩
وفاة العادل واقتسام الملك بين بنيه
قد ذكرنا خبر العادل مع الإفرنج الذين جاءوا من وراء البحر إلى سواحل الشام سنة أربع عشرة وما وقع بينه وبينهم بعكا وبيسان وأنه عاد إلى مرج الصفر قريبا من دمشق فأقام به فلما سار الإفرنج إلى دمياط انتقل هو إلى خانقين فأقام بها ثم مرض وتوفي سابع جمادى الأخيرة سنة خمس عشرة وستمائة لثلاث وعشرين سنة من ملكه دمشق وخمس وسبعين من عمره وكان ابنه المعظم عيسى بنابلس فجاء ودفنه بدمشق وقام بملكها واستأثر بمخلفه من المال والسلاح وكان لا يعبر عنه يقال كان المال العين في سترته سبعمائة ألف دينار وكان ملكا حليما صبورا مسددا صاحب إفادة وخديعة منجمة في أحواله وكان قد قسم البلاد في حياته بين بنيه فمصر للكامل ودمشق والقدس وطبرية والكرك وما إليها للمعظم عيسى وخلاط وما إليها وبلاد الجزيرة غير الرها ونصيبين وميافارقين للأشرف موسى والرها وميافارقين لشهاب الدين غازي وقلعة جعبر للخضر أرسلان شاه فلما توفي استقل كل منهم بعمله وبلغ الخبر بذلك إلى الملك الكامل بمكانه قبالة الإفرنج بدمياط فاضطرب عسكره وسعى المشطوب كما تقدم في ولاية أخيه الفائز ووصل الخبر بذلك إلى أخيه المعظم عيسى فأغذ السير من دمشق إليه بمصر وأخرج المشطوب إلى الشام فلحق بأخيهما الأشرف وصار في جملته واستقام للكامل ملكه بمصر ورجع المعظم من مصر فقصد القدس في ذي القعدة من السنة وخرب أسواره حذرا عليه من الإفرنج وملك الإفرنج دمياط كما ذكرناه وأقام الكامل قبالتهم والله تعالى ينصر من يشا من عباده.
وفاة المنصوب صاحب حماة وولاية ابنه الناصر
قد تقدم لنا أن صلاح الدين كان قد أقطع تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه مدينة حماة وأعمالها ثم بعثه إلى الجزيرة سنة سبع وثمانين فملك حران والرها وسروج وميافارقين وما إليها من بلاد الجزيرة فأقطعه إياها صلاح الدين ثم سار إلى بلاد أرمينية وقصد بكتمر صاحب خلاط وحاصرها ثم انتقل إلى حصار ملازكرد وهلك عليها تلك السنة وتولى ابنه ناصر الدين محمد ويلقب المنصور على أعماله ثم انتزع صلاح الدين منه بلاد الجزيرة وأقطعها أخاه العادل وأبقى حماة وأعمالها بيد ناصر الدين محمد المذكور فلم تزل بيده إلى أن توفي سنة سبع عشرة وستمائة لثمان وعشرين سنة من ولايته عليها بعد مهلك عم أبيه صلاح الدين والعادل ٥/٤٠٠
وكان ابنه ولي عهده المظفر عند العادل بمصر وابنه الآخر قليج أرسلان عند خاله المعظم عيسى بمكانه من حصاره لملازكرد فاستدعاه أهل دولته بحماة واشترط المعظم عليه ما لا يحمله وأطلقه إليهم فملك حماة وتلقب الناصر وجاءه أخوه ولي العهد من مصر فدافعه أهل حماة فرجع إلى دمشق عند المعظم وكاتبهم واستمالهم فلم يجيبوه ورجع إلى مصر والله تعالى أعلم.
مسير صاحب بلاد الروم إلى حلب وانهزامه ودخولها في طاعة الأشرف
قد كنا قدمنا وفاة الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب ومنبج سنة ثلاث عشرة وولاية ابنه الأصغر محمد العزيز غياث الدين في كفالة طغرل الخادم مولى أبيه الظاهر وأن شهاب الدين هذا الكامل أحسن السيرة وأفاض العدل وعف عن أموال الرعية ورد السعاية فيهم بعضهم على بعض وكان بحلب رجلان من الأشرار يكثران السعاية عند الظاهر ويغريانه بالناس ولقي الناس منهما شدة فأبعدهما شهاب الدين فيمن أبعد من أهل الشر ورد عليهما السعاية فكسدت سوقهما وتناولهما الناس بالألسنة والوعيد فلحقا ببلاد الروم وأطمعا صاحبها كيكاوس في ملك حلب وما بعدها ثم رأى أن ذلك لا يتم إلا أن يكون معه بعض بني أيوب لينقاد أهل البلاد إليه وكان الأفضل بن صلاح الدين بسميساط وقد دخل في طاعة كيكاوس غضبا من أخيه الظاهر وعمه العادل بما انتزعا من أعماله فاستدعاه كيكاوس وطلبه في المسير على أن يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل والخطبة والسكة لكيكاوس ثم يقصدون بلاد الأشرف بالجزيرة حران والرها وما إليهما على هذا الحكم وتحالفوا على ذلك وجمعوا العساكر وساروا سنة خمس عشرة فملكوا قلعة رعبان فتسلمها الأفضل ثم قلعة تل باشر من صاحبها ابن بدر الدين أرزم الباروقي بعد أن كانوا حاصروها وضيقوا عليها وملكها كيكاوس لنفسه فاستوحش الأفضل وأهل البلدان بفعل مثل ذلك في حلب وكان شهاب الدين كافل العزيز بن الظاهر مقيما بقلعة حلب لا يفارقها خشية عليها فطير الخبر إلى الملك الأشرف صاحب الجزيرة وخلاط لتكون طاعتهم وخطبتهم له والسكة باسمه ويأخذ من أعمال حلب ما اختار فجمع العساكر وسار إليهم سنة خمس عشرة ومعه وأميرهم نافع من خدمه وغيرهم من العرب ونزل بظاهر حلب ٥/٤٠١
وتوجه كيكاوس والأفضل من تل باشر إلى منبج وسار الأشرف نحوهم وفي مقدمته العرب فلقوا مقدمة كيكاوس فهزموها فلما عادوا إلى كيكاوس منهزمين أجفل إلى بلاده وسار الأشرف فملك رعبان وتل باشر وأخذ من كان بها من عساكر كيكاوس وأطلقهم فلحقوا بكيكاوس فجمعهم في دار وأحرقهم عليهم فهلكوا وسلم الأشرف ما ملكه من قلاع حلب لشهاب الدين الخادم كافل العزيز بحلب واعتزم على إتباع كيكاوس إلى بلاده فأدركه الخبر بوقاة أبيه العادل فرجع انتهى والله تعالى أعلم.
دخول الموصل في طاعة الأشرف وملكه سنجار
قد ذكرنا في دولة بني زنكي أن القاهر عز الدين مسعود صاحب الموصل توفي في ربيع سنة خمس عشرة وستمائة وولي ابنه نور الدين أرسلان شاه في كفالة مولى أبيه نور الدين لؤلؤ مولاه ومدبر دولته وكان أخوه عماد الدين زنكي في قلعة الصغد والسوس من أعمال الموصل بوصية أبيهما إليه بذلك وأنه بعد وفاة أخيه عز الدين طلب الأمر لنفسه وملك العمادية وظاهره مظفر الدين كوكبري صاحب إربل على شأنه فبعث نور الدين لؤلؤ إلى الأشرف موسى بن العادل والجزيرة كلها وخلاط وأعمالها في طاعته فأرسل إليه بالطاعة وكان على حلب مدافعا لكيكاوس صاحب بلاد الروم كما نذكره بعد فأجابه الأشرف بالقبول ووعده النصر على أعدائه وكتب إلى مظفر الدين يقبح عليه ما وقع من نكث العهد في اليمين التي كانت بينهم جميعا ويأمره بإعادة عماد الدين زنكي ما أخذه من بلاد الموصل والا فيسير بنفسه ويسترجعها ممن أخذها ويدعوه إلى ترك الفتنة والاشتغال معه بما هو فيه من جهاد الإفرنج فصمم مظفر الدين عن ندبته ووافقه صاحب ماردين وصاحب كيفا وآمد يجهز إلى الأشرف عسكرا إلى نصيبين للؤلؤ صاحب الموصل ثم جهز لؤلؤ العساكر إلى عماد الدين فهزموه ولحق بإربل عند المظفر وجاءت الرسل من الخليفة الناصر والملك الأشرف فأصلحوا بينهما وتحالفا ثم وثب عماد الدين زنكي إلى قلعة كواشى فملكها وبعث لؤلؤ إلى الأشرف وهو على حلب يستنجده فعبر الفرات إلى حران واستمال مظفر الدين ملوك الأطراف وحملهم على طاعة كيكاوس والخطبة له وكان عدو الأشرف ومنازعا له في منبج كما نذكره وبعث أيضا إلى الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابه منهم أحمد بن علي المشطوب صاحب الفعلة مع الكامل على دمياط وعز الدين محمد بن نور الدين الحميدي وفارقوا الأشرف إلى دبيس تحت ماردين ليجتمعوا على منع الأشرف من العبور إلى الموصل ثم استمال الأشرف ٥/٤٠٢
صاحب كيفا وآمد وأعطاه مدينة جانين وجبل الجودي ووعده بدارا إذا ملكها ولحق به صاحب كيفا وفارق أصحابه الملوك واقتدى به بعضهم في طاعة الأشرف والنزوع إليه فافترق ذلك الجمع وسار كل ملك إلى عمله وسار ابن المشطوب إلى إربل ومر بنصيبين فقاتله عساكرها وهزموه وافترق جمعه ومضى منهزما واجتاز بسنجار وبها فروخ شاه عمر بن زنكي بن مودود فبعث إليه عسكرا فجاءوا به أسيرا وكان في طاعة الأشرف فحبس له ابن المشطوب ثم رجاه فأطلقه وسار في جماعة من المفسدين إلى البقعاء من أعمال الموصل فاكتسحها وعاد إلى سنجار ثم سار ثانيا للإغارة على أعمال الموصل فأرصد له لؤلؤ عسكرا بتل أعفر من أعمال سنجار فلما مر بهم قاتلوه وصعد إلى تل أعفر منهزما وجاء لؤلؤ من الموصل فحاصره بها شهرا أو بعضه وملكها منتصف ربيع الآخر من سنة سبع عشرة وحبس ابن المشطوب بالموصل ثم بعث به إلى الأشرف فحبسه بحران إلى أن توفي في ربيع الآخر من سنة سبعة عشر ولما افترق جمع الملوك سار الأشرف من حران محاصرا لماردين ثم صالحه على أن يرد عليه رأس عين وكان الأشرف أقطعه له وعلى أن يأخذ منه ثلاثين ألف دينار وعلى أن يعطي صاحب كيفا وآمد قلعة المور من بلده ورجع الأشرف من دبيس إلى نصيبين يريد الموصل وكان عمر صاحب سنجار لما أخذ منه لؤلؤ تل أعفر تخاذل عنه أصحابه وساءت ظنونهم بنفسه لما ساء فعله في أخيه وفي غيره فاعتزم على الإلقاء باليد للأشرف وتسليم سنجار له والاعتياض عنها بالرقة وبعث رسله إليه بذلك فلحقوه في طريقه من دبيس إلى نصيبين فأجاب إلى ذلك وسلم إليه الرقة وسلم سنجار في مستهل جمادى الاولى سنة سبعة عشر وفارقها عمر فروخ شاه وإخوته بأهليهم وأموالهم وسار الأشرف من سنجار إلى الموصل فوصلها تاسع عشر جمادى الأولى من السنة وجاءته رسل الخليفة ومظفر الدين في الصلح ورد ما أخذه عماد الدين من قلاع الموصل إلى لؤلؤ ما عدا العمادية وطال الحديث في ذلك ورحل الأشرف يريد إربل ثم شفع عنده صاحب كيفا وغيره من بطانته وأنهوا إليه العساكر فأجاب إلى هذا الصلح وفسح لهم في تسليم القلاع إلى مدة ضربوها وسار عماد الدين مع الأشرف حتى يتم تسليم الباقي ورحل الأشرف عن الموصل ثاني رمضان وبعث لؤلؤ نوابه إلى القلاع فامتنع جندها من تسليمها إليهم وانقضى الأجل واستمال عماد الدين زنكي شهاب الدين غازي أخا الأشرف فاستعطف له أخاه فأطلقه ورد عليه قلعة العقروسوس وسلم لؤلؤ قلعة تل أعفر كما كانت من أعمال سنجار والله تعالى أعلم. ٥/٤٠٣
ارتجاع دمياط من يد الإفرنج
ولما ملك الإفرنج دمياط أقبلوا على تحصينها ورجع الكامل إلى مصر وعسكر بأطراف الديار المصرية مسلحة عليها منهم وبنى المنصورة بعد المنزلة وأقام كذلك سنين وبلغ الإفرنج وراء البحر فتحها واستيلاء إخوانهم عليها فلهجوا بذلك وتوالت امدادهم في كل وقت إليها والكامل مقيم بمكانه وتواترت الأخبار بظهور التتر ووصولهم إلى أذربيجان وأران وأصبح المسلمون بمصر والشام على تخوف من سائر جهاتهم واستنجد الكامل بأخيه المعظم صاحب دمشق وأخيه الأشرف صاحب الجزيرة وأرمينية وسار المعظم إلى الأشرف يستحثه للوصول فوجده في شغل بالفتنة التي ذكرناها فعاد عنه إلى أن انقضت تلك الفتنة ثم تقدم الإفرنج من دمياط بعساكرهم إلى جهة مصر وأعاد الكامل خطابه إليهما سنة ثماني عشرة يستنجدهما وسار المعظم إلى الأشرف يستحثه فجاء معه إلى دمشق وسار منها إلى مصر ومعه عساكر حلب والناصر صاحب حماة وشيركوه صاحب حمص والأمجد صاحب بعلبك فوجدوا الكامل على بحر أشمون وقد سار الإفرنج من دمياط بجموعهم ونزلوا قبالته بعدوة النيل وهم يرمون على معسكره بالمجانيق والناس قد أشفقوا من الإفرنج على الديار المصرية فسار الكامل وبقي أخوه الأشرف بمصر وجاء المعظم بعد الأشرف وقصد دمياط يسابق الإفرنج ونزل الكامل والأشرف وظفرت شواني المسلمين بثلاث قطع من شواني الإفرنج فغنموها بما فيها ثم ترددت الرسل بينهم في تسليم دمياط على أن يأخذوا القدس وعسقلان وطبرية وصيدا وجبلة واللاذقية وجميع ما فتحه صلاح الدين غير الكرك فاشتطوا واشترطوا إعادة الكرك والشويك وزيادة ثلاثمائة ألف دينار لرم أسوار القدس التي خربها المعظم والكامل فرجع المسلمون إلى قتالهم وافتقد الإفرنج الأقوات لأنهم لم يحملوها من دمياط ظنا بأنهم غالبون على السواد وميرته بأيديهم فبدا لهم ما لم يحتسبوا ثم فجر المسلمون النيل إلى العدوة التي كانوا عليها فركبها الماء ولم يبق لهم الا مسلك ضيق ونصب الكامل الجسور عند اشمون فعبرت العساكر عليها وملكوا ذلك المسلك وحالوا بين الإفرنج وبين دمياط ووصل إليهم مركب مشحون بالمدد من الميرة والسلاح ومعه حراقات فخرجت عليها شواني المسلمين وهي في تلك الحال فغنموها بما فيها واشتد الحال عليهم في معسكرهم وأحاطت بهم عساكر المسلمين وهم في تلك الحال يقاتلونهم ويتخطفونهم من كل جانب فأحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأرادوا الاستماتة في العود فرأوا ما حال بينهم وبينها من الرجل فاستأمنوا إلى الكامل والأشرف ٥/٤٠٤
على تسليم دمياط من غير عوض وبينما هم في ذلك وصل المعظم صاحب دمشق من جهة دمياط كما مر فازدادوا وهنا وخذلانا وسلموا دمياط منتصف سنة ثمان عشرة وأعطوا عشرين ملكا منهم رهنا عليها وأرسلوا الأقسة والرهبان منهم إلى دمياط فسلموها للمسلمين وكان يوما مشهودا ووصلهم بعد تسليمها مدد من وراء البحر فلم يغن عنهم ودخلها المسلمون وقد حصنها الإفرنج فأصبحت من أمنع حصون الإسلام والله تعالى أعلم.
وفاة الأوحد نجم الدين بن العادل صاحب خلاط وولاية أخيه الظاهر غازي عليها
قد تقدم لنا أن الأوحد نجم الدين بن العادل ملك ميافارقين وبعدها خلاط وأرمينية سنة ثلاث وستمائة ثم توفي سنة سبع فأقطع العادل ما كان بيده من الأعمال لأخيه الأشرف ثم أقطع العادل ابنه الظاهر غازي سنة عشرة سروج والرها وما إليها ولما توفي العادل واستقل ولده الأشرف بالبلاد الشرقية عقد لأخيه غازي على خلاط وميافارقين مضافا إلى ولايته من أبيه العادل وهو سروج والرها وجعله ولي عهده لأنه كان عاقرا لا يولد له وأقام على ذلك إلى أن انتقض على الأشرف عند ما حدثت الفتنة بين بني العادل فانتزع أكثر الأعمال منه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
فتنة المعظم مع أخويه الكامل والأشرف وما دعت إليه من الأحوال
كان بنو العادل الكامل والأشرف والمعظم لما توفي أبوهم قد اشتغل كل واحد منهم بأعماله التي عهد له أبوه وكان الأشرف والمعظم يرجعان إلى الكامل وفي طاعته ثم تغلب المعظم عيسى على صاحب حماة الناصر بن المنصور بن المظفر وزحف سنة تسع عشرة إلى حماة فحاصرها وامتنعت عليه فسار إلى سلمية والمعرة من أعمالها فملكها وبعث إليه الكامل صاحب مصر بالنكير والإفراج عن البلد فامتثل وأضغن ذلك عليه وأقطع الكامل سلمية لنزيله المظفر بن المنصور أخي صاحب حماة وكشف المعظم قناعة في فتنة أخويه الكامل والأشرف وأرسل إلى ملوك الشرق يدعوهم إلى المظاهرة عليهما وكان جلال الدين منكبري بن علاء الدين خوارزم شاه قد رجع من الهند بعد ما غلبه التتر على خوارزم وخراسان وغزنة ٥/٤٠٥
وعراق العجم وجاز إلى الهند ثم رجع سنة إحدى وعشرين وستمائة فاستولى على فارس وغزنة وعراق العجم وأذربيجان ونزل توريز وجاور بني أيوب في أعمالهم فراسله المعظم صاحب دمشق وصالحه واستنجده على أخويه فأجابه ودعا المعظم الظاهر أخا الأشرف وعامله على خلاط والمظفر كوكبري صاحب إربل إلى ذلك فأجابوه كلهم وانتقض الظاهر غازي على أخيه الأشرف في خلاط وأرمينية وأظهر عصيانه في ولايته التي بيده فسار إليه الأشرف سنة إحدى وعشرين وغلبه على خلاط فملكها وولى عليها حسام الدين أبا علي الموصلي كان أصله من الموصل واستخدم للأشرف وترقى في خدمته الى أن ولاه خلاط وعفا الأشرف عن أخيه الظاهر غازي وأقره على ميافارقين وسار المظفر صاحب إربل ولؤلؤ صاحبها في طاعة الأشرف فحاصرها وامتنعت عليه ورجع عنها وسار المعظم بنفسه من دمشق إلى حمص وصاحبها شيركوه بن محمد بن شيركوه في طاعة الكامل فحاصرها وامتنعت عليه ورجع إلى دمشق ثم سار الأشرف إلى المعظم طالبا للصلح فأمسكه عنده على أن ينحرف عن طاعة الكامل وانطلق إلى بلده فاستمر على شأنه ثم زحف جلال الدين صاحب أذربيجان سنة أربع وعشرين إلى خلاط فحاصرها مرة بعد مرة وأفرج عنها فسار حسام الدين نائبها إلى بلاد جلال الدين وملك حصونها واضطرب الحال بينهم وخشي الكامل مغبة الأمر مع المعظم بمالأته لجلال الدين والخوارزمية فاستنجد هو بالإفرنج وكات بالامبراطور ملكهم من وراء البحر يستحثه للقدوم على عكا في صريخه على أن ينزل له عن القدس وبلغ ذلك إلى المعظم فخشي العواقب وأقصر عن فتنته وكتب إليه يستعطفه والله تعالى أعلم.
وفاة المعظم صاحب دمشق وولاية ابنه الناصر ثم استيلاء الأشرف عليها واعتياض الناصر بالكرك
ثم توفي المعظم بن العادل صاحب دمشق سنة أربع وعشرين وولي مكانه ابنه داود ولقب بالناصر وقام بتدبير ملكه عز الدين أتابك خادم أبيه وجرى على سنن المعظم أولا في طاعة الكامل والخطبة له ثم انتقض سنة خمس وعشرين عند ما طالبه الكامل بالنزول له عن حصن الشويك فامتنع وانتقض وسار الكامل إليه في العساكر فانتهى إلى غزة وانتزع القدس ونابلس من أيديهم وولى عليها من قبله واستنجد الناصر عمه الأشرف فجاءه إلى دمشق وخرج منها إلى نابلس ثم تقدم منها إلى الكامل ليصلح أمر الناصر معه فدعاه الكامل إلى انتزاع دمشق من الناصر له وأقطعه إياها فلم يجب الناصر الى ذلك وعاد الى دمشق فحاصره ٥/٤٠٦
الأشرف ثم صالح الكامل ملك الإفرنج ليفرغ لأمر دمشق عن الشواغل وأمكنهم من القدس على أن يخرب سورها فاستولوا عليها كذلك وزحف الكامل الى دمشق سنة ست وعشرين فحاصرها مع الأشرف وخاف الحصار بالناصر فنزل لهما عنها على أن يستقل بالكرك والشويك والبلقاء فسلموا له في ذلك وسار إليها واستولى الأشرف على دمشق ونزل للكامل عن أعماله وهي حران والرها وما إليهما وبمكانهما من حصار دمشق ووصل الخبر إلى الكامل بوفاة ابنه المسعود صاحب اليمن وقد مر خبره والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
استيلاء المظفر بن المنصور على حماة من يد أخيه الناصر
ولما ملك الكامل دمشق شرع في إنجاد نزيله المظفر محمود بن المنصور صاحب حماة وبها أخوه الناصر وقد كاتبه بعض أهل البلد يستدعونه لملكها فجهزه بالعساكر وسار إليها فحاصرها ودس لمن كاتبه من أهلها فأجابوه وواعدوه ليلا فطرقها وتسورها وملكها وكتب إليه الكامل أن يقطع الناصر قلعة ماردين فأقطعه إياها وانتزع الكامل منه سلمية وأقطعها لصاحب حمص شيركوه بن محمد بن شيركوه واستقل المظفر محمود بملك حماة وفوض أمور دولته إلى حسام الدين علي بن أبي علي الهدباني فقام بها ثم استوحش منه فلحق بأبيه نجم الدين أيوب ولم تزل ماردين بيد الناصر أخي المظفر إلى سنة ثلاثين فهم الناصر بأن يملكها للإفرنج وشكا المظفر بذلك للكامل فأمره بانتزاعها منه ثم اعتقله الكامل إلى أن هلك سنة خمس وثلاثين انتهى والله أعلم.
استيلاء الأشرف على بعلبك من يد الأمجد وإقطاعها لأخيه إسماعيل بن العادل
كان السلطان صلاح الدين قد أقطع الأمجد بهرام شاه بن فرخ شاه أخي تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قلعة بعلبك وكانت بصرى لخضر ثم صارت بعد وفاة العادل لابنه الأشرف وعليها أخوه إسماعيل بن العادل فجهزه سنة ست وعشرين إلى بعلبك وحاصرها بها ٥/٤٠٧
الأمجد حتى تسلمها منه على إقطاع أقطعه إياه إسماعيل إلى دمشق فنزلها إلى أن قتلته مواليه والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتنة جلال الدين خوارزم شاه مع الأشرف واستيلاؤه على خلاط
قد كنا قدمنا أن جلال الدين خوارزم شاه ملك أذربيجان وجاور أعمال بني أيوب وكان الأشرف قد ولى على خلاط لما انتزعها من يد أخيه غازي سنة اثنتين وعشرين حسام الدين أبا علي الموصلي ثم صالح المعظم جلال الدين خوارزم شاه ودعاه إلى الفتنة مع أخويه كما قدمناه فزحف جلال الدين خوارزم شاه إلى خلاط وحاصرها مرتين ورجع عنها فسار حسام الدين إلى بلده وملك بعض حصونه وداخل زوجته التي كانت زوجة أزبك بن البهلوان وكانت مقيمة بخوي وهجرها جلال الدين وقطع عنها ما كانت تعتاده من التحكم في الدولة مع زوجها قبله فدست إلى حسام الدين نائب خلاط واستدعته هي وأهل خوي ليملكوه البلاد فسار وملك خوي وما فيها من الحصون ومدينة قرند وكاتبه أهل بقجوان وملكوه بلدهم وعاد إلى خلاط ونقل معه زوجة جلال الدين وهي بنت السلطان طغرل فامتعض جلال الدين لذلك ثم ارتاب الأشرف بحسام الدين نائب خلاط وأرسل أكبر أمرائه عز الدين أبيك فقبض على حسام الدين وكان عدوا له وقتله غيلة وهرب مولاه فلحق بجلال الدين ثم زحف جلال الدين في شوال سنة ست وعشرين إلى خلاط فحاصرها ونصب عليها المجانيق وقطع عنها الميرة مدة ثمانية أشهر ثم ألح عليها بالقتال وملكها عنوة آخر جمادى الاولى من سنة سبع وعشرين وامتنع أيبك وحاميتها بالقلعة واستماتوا واستباح جلال الدين مدينة خلاط وعاث فيها بما لم يسمع بمثله ثم تغلب على القلعة وأسر أيبك نائب خلاط فدفعه إلى مولى حسام الدين نائبها قبله فقتله بيده والله تعالى أعلم.
مسير الكامل في إنجاد الأشرف وهزيمة جلال الدين أمام الأشرف
ولما استولى جلال الدين على خلاط سار الأشرف من دمشق إلى أخيه الكامل بمصر يستنجده فسار معه وولى على مصر ابنه العادل ولقيه في طريقه صاحب الكرك الناصر بن ٥/٤٠٨
المعظم وصاحب حماة المظفر بن المنصور وسائر بني أيوب وانتهى إلى سلمية وكلهم في طاعته ثم سار إلى آمد فملكها من يد مسعود بن محمد بن الصالح بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق وكان صلاح الدين أقطعه إياها عند ما ملكها من ابن نعشان فلما نزل إليه اعتقله وملك آمد ثم انطلق بعد وفاة الكامل من الاعتقال ولحق بالتتر ثم استولى الكامل على البلاد الشرقية التي نزل له عنها الأشرف عوضا عن دمشق وهي حران والرها وما إليهما ولما تسلمها ولى عليها ابنه الصالح نجم الدين أيوب وكان جلال الدين لما ملك خلاط حضر معه صاحب أرزن الروم فاغتم لذلك علاء الدين كيقباد ملك بلاد الروم لما بينه وبين صاحب أرزن من العداوة والقرابة وخشيهما على ملكه فبعث إلى الكامل والأشرف بحران يستنجدهما ويستحث الأشرف للوصول فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى علاء الدين فاجتمع معه بسيواس وسار نحو خلاط وسار جلال الدين للقائهما والتقوا بأعمال أرزنكان وتقدم عسكر حلب للقتال ومقدمهم عز الدين عمر بن علي الهكاري من أعظم الشجعان فلم يثبت لهم مصاف جلال الدين وانهزم إلى خلاط فأخرج حاميته منها ولحق بأذربيجان ووقف الأشرف على خلاط وهي خاوية وكان صاحب أرزن الروم مع جلال الدين فجيء به أسيرا إلى ابن عمه علاء الدين صاحب بلاد الروم فسار به إلى أرزن وسلمها له وما يتبعها من القلاع ثم ترددت الرسل بينهم وبين جلال الدين في الصلح فاصطلحوا كل على ما بيده وتحالفوا وعاد الأشرف إلى سنجار وسار أخوه غازي صاحب ميافارقين فحاصر مدينة أرزن من ديار بكر وكان حاضرا مع الأشرف في هذه الحروب وأسره جلال الدين ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه العهد في طاعته فسار إليه شهاب الدين غازي وحاصره وملك منه أرزن صلحا وأعطاه عنها مدينة جاني من ديار بكر وكان اسمه حسام الدين وكان من بيت عريق في الملك يعرفون ببني الأحدب أقطعها لهم السلطان ملك شاه والله تعالى أعلم.
استيلاء العزيز صاحب حلب على شيزر ثم وفاته وولاية ابنه الناصر بعده
كان سابق الدين عثمان ابن الداية من أمراء الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي واعتقله ابنه الصالح إسماعيل فنكر عليه صلاح الدين ذلك وسار ببنيه إلى دمشق فملكها وأقطع سابق الدين شيزر فلم تزل له ولبنيه إلى أن استقرت لشهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين فسار إليه صاحب حلب محمد بن العزيز بن الغازي الظاهر بأمر الكامل سنة ثلاثين ٥/٤٠٩
وستمائة وملكها من يده ثم هلك سنة أربع وثلاثين وملك في حلب مكانه ابنه الناصر يوسف في كفالة جدته لأبيه صفية خاتون بنت العادل واستولى على الدولة شمس الدين لؤلؤ الأرمني وعز الدين المجلي وإقبال الخاتوني وكلهم في تصريفها والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
فتنة كيقباد صاحب بلاد الروم واستيلاؤه على خلاط
كان كيقباد بن كيكاوس صاحب بلاد الروم قد استفحل ملكه بها ومديده إلى ما يجاورها من البلاد فملك خلاط بعد أن دفع عنها مع الأشرف جلال الدين شاه كما قدمناه ونازعه الأشرف في ذلك واستنجد بأخيه الكامل فسار بالعساكر من مصر سنة إحدى وثلاثين وسار معه الملوك من أهل بيته وانتهى إلى النهر الأزرق من تخوم الروم وبعث في مقدمته المظفر صاحب حماة من أهل بيته فلقيه كيقباد وهزمه وحصره في خرت برت وتخاذل عن الحرب ثم استأمن المظفر صاحب حماة إلى كيقباد فأمنه وملك خرت برت وكان لبني أرتق ورجع الكامل بالعساكر إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وكيقباد في أتباعهم ثم سار إلى حران والرها فملكها من يد نواب الكامل وولى عليها من قبله وسار الكامل سنة ثلاث وثلاثين والله أعلم.
وفاة الأشرف بن العادل واستيلاء الكامل على ممالكه
كان الأشرف سنة أربع وثلاثين قد استوحش من أخيه الكامل ونقض طاعته ومالأه على ذلك أهل حلب وكنجسرو صاحب بلاد الروم وجميع ملوك الشام من قرابتهما غير الناصر بن المعظم صاحب الكرك فإنه أقام على طاعة الكامل وسار إليه بمصر فتلقاه بالمبرة والتكرمة ثم هلك الأشرف خلال ذلك سنة خمس وثلاثين وعهد بملك دمشق لأخيه الصالح إسماعيل صاحب بصرى فسار إليها وملكها وبقي الملوك في وفاقه على الكامل كما كانوا على عهد الأشرف إلا المظفر صاحب حماة فإنه عدل عنهم إلى الكامل وسار الكامل إلى دمشق فحاصرها وضيق عليها حتى تسلمها صلحا من الصالح وعوضه عنها بعلبك واستولى على سائر أعمال الأشرف ودخل سائر بني أيوب في طاعته والله أعلم ٥/٤١٠
وفاة الكامل وولاية ابنه العادل بمصر واستيلاء ابنه الآخر نجم الدين أيوب على دمشق
ثم توفي الكامل بن العادل صاحب دمشق ومصر والجزيرة سنة خمس وثلاثين بدمشق لستة أشهر من وفاة أخيه الأشرف فانفض الملوك راجعين كل إلى بلاده المظفر إلى حماة والناصر إلى الكرك وبويع بمصر ابنه العادل أبو بكر فنصب العساكر بدمشق الجواد يونس ابن عمه مودود بن العادل نائبا عنه وسار الناصر داود إلى دمشق ليملكها فبرز إليه الجواد يونس وهزمه وتمكن في ملك دمشق وخلع طاعة العادل بن الكامل وراسل الصالح أيوب في أن يملكه دمشق وينزل له الصالح عن البلاد الشرقية التي ولاه أبوه عليها فسار الصالح لذلك سنة ست وثلاثين وملك دمشق وسار يونس إلى البلاد الشرقية فاستولى عليها ولم تزل بيده إلى أن زحف إليه لؤلؤ صاحب الموصل وغلبه عليها واستقرت دمشق في يد الصالح ولما أخذ لؤلؤ البلاد من يونس الجواد سار عن القفر إلى غزة فمنعه الصالح من الدخول إليها فدخل إلى الإفرنج بعكا وباعوه من الصالح إسماعيل صاحب دمشق فاعتقله وقتله انتهى والله أعلم.
أخبار الخوارزمية
ثم زحف التتر إلى أذربيجان واستولوا على جلال الدين وقتلوه سنة ثمان وعشرين وإنفض أصحابه وذهبوا في كل ناحية وسار جمهورهم إلى بلاد الروم فنزلوا على علاء الدين كيقباد ملكها حتى إذا مات وملك ابنه كنجسرو ارتاب بهم وقبض على أمرائهم وانفض الباقون عنه وعاثوا في الجهات فاستأذن الصالح أيوب صاحب سنجار وما إليها أباه الكامل صاحب مصر في استخدامهم ليحسم عن البلاد ضررهم فاجتمعوا عنده وأفاض فيهم الأرزاق ولما توفي الكامل سنة خمس وثلاثين انتقضوا عن الصلح وخرجوا فاكتسحوا النواحي وسار لؤلؤ إلى سنجار فحاصر الصالح فبعث الصالح الخوارزمية فاستمالهم وأقطعهم حران والرها ولقي بهم لؤلؤا فهزمه وغنم معسكره والله تعالى أعلم.
مسير الصالح إلى مصر واعتقال الناصر له بالكرك
لما ملك العادل بمصر بعد أبيه اضطرب عليه أهل الدولة وبلغهم استيلاء أخيه الصالح على ٥/٤١١
دمشق فاستدعوه ليملكوه فبعث عن عمه الصالح إسماعيل من بعلبك ليسير معه فاعتذر عن الوصول وسار الصالح أيوب وولى على دمشق ابنه المغيث فتح الدين عمر ولما فصل عن دمشق خالفه إليها عمه الصالح إسماعيل فملكها ومعه شيركوه صاحب حمص وقبض على المغيث فتح الدين بن الصالح أيوب وبلغ الخبر إليه وهو بنابلس فانقضت عنه العساكر ودخل نابلس وجاءه الناصر داود من الكرك فقبض عليه واعتقله وبعث فيه أخوه العادل فامتنع من تسليمه إليه ثم قصد داود القدس فملكها من يد الإفرنج وخرب القلعة والله تعالى ولي التوفيق.
وفاة شيركوه صاحب مصر وولاية ابنه إبراهيم المنصور
ثم توفي المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص سنة ست وثلاثين وكانت ولايته أول المائة السابعة وولي من بعده ابنه إبراهيم ويلقب بالمنصور والله أعلم.
خلع العادل واعتقاله واستيلاء أخيه الصالح أيوب على مصر
ولما رجع الناصر داود من فتح القدس أطلق الصالح نجم الدين أيوب من الاعتقال فاجتمعت إليه مواليه واتصل اضطراب أهل الدولة بمصر على أخيه العادل فكاتبوا الصالح واستدعوه ليملكوه فسار معه الناصر داود وانتهى إلى غزة وبرز العادل إلى بلبيس وكتب إلى عمه الصالح بدمشق يستنجده على أخيه أيوب فسار من دمشق وانتهى إلى الغور ثم وثب بالعادل في معسكره مواليه ومقدمهم أيبك الأسمر وقبضوا عليه وبعثوا إلى الملك الصالح فجاء ومعه الناصر داود صاحب الكرك فدخل القلعة سنة سبع وثلاثين واستقر في ملكه وارتاب منه الناصر داود فلحق بالكرك واستوحش من الأمراء الذين وثبوا بأخيه فاعتقلهم وفيهم أيبك الأسمر وذلك سنة ثمان وثلاثين وحبس أخاه العادل إلى أن هلك في محبسه سنة خمس وأربعين ثم اختط قلعة بين سعي النيل إزاء المقياس واتخذها مسكنا وأنزل بها حامية من مواليه فكانوا يعرفون بالبحرية آخر أيامهم انتهى والله أعلم.
فتنة الخوارزمية
ثم كثر عيث الخوارزمية بالبلاد المشرقية وعبروا الفرات وقصدوا حلب فبرزت إليهم ٥/٤١٢
عساكرها مع المعظم توران شاه بن صلاح الدين فهزموه وأسروه وقتلوا الصالح بن الأفضل صاحب سميساط وكان في جملته وملكوا منبج عنوة ورجعوا ثم ساروا من حران وعبروا من ناحية الرقة وعاثوا في البلاد وجمع أهل حلب العساكر وأمدهم الصالح إسماعيل من دمشق بعسكر مع المنصور إبراهيم صاحب حمص وقصدوا الخوارزمية فانقلبوا إلى حران ثم تواقعوا مع العساكر فانهزموا واستولى عسكر حلب على حران والرها وسروج والرقة ورأس عين وما إليها وخلص المعظم توران شاه فبعث به لؤلؤ صاحب الموصل إلى عسكر حلب ثم سار عسكر حلب إلى آمد وحاصروا المعظم توران شاه وغلبوه على آمد وأقام بحصن كيفا إلى أن هلك أبوه بمصر واستدعى هو لملكها فسار لذلك وولي ابنه الموحد عبد الله بكيفا إلى أن غلب التتر على بلاد الشام ثم سار الخوارزمية سنة أربعين مع المظفر غازي صاحب ميافارقين من أقتال صاحب حلب ومعهم المنصور إبراهيم صاحب حمص فانهزموا وغنمت العساكر سوادهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
أخبار حلب
قد كان تقدم لنا ولاية الظاهر غازي على حلب بعد وفاة أبيه ثم توفي سنة أربع وثلاثين ونصب أهل الدولة ابنه الناصر يوسف في كفالة جدته أم العزيز صفية خاتون بنت العادل ولؤلؤ الأرمني وإقبال الخاتوني وعز الدين بن مجلي قائمون بالدولة في تصريفها وما زالت تجهز العساكر لدفاع الخوارزمية وتفتح البلاد إلى أن توفيت سنة أربعين واستقل الناصر بتدبير ملكه وصرف النظر في أموره لجمال الدين إقبال الخاتوني والله أعلم.
فتنة الصالح أيوب مع عمه الصالح إسماعيل على دمشق واستيلاء أيوب آخرا عليها
قد كان تقدم لنا أن الصالح إسماعيل بن العادل خالف الصالح أيوب على دمشق عند مسيره إلى مصر فملك دمشق سنة ست وثلاثين وكان بعد ذلك اعتقال الصالح بالكرك ثم استيلاؤه على مصر سنة سبع وثلاثين وبقيت الفتنة متصلة بينهما وطلب الصالح إسماعيل صاحب دمشق من الإفرنج المظاهرة على أيوب صاحب مصر على أن يعطيهم حصن الشقيف وصفد فأمضى ذلك ونكره مشيخة العلماء بعصره وخرج من دمشق عز الدين بن عبد السلام ٥/٤١٣
الشافعي ولحق بمصر فولاه الصالح خطة القضاء بها ثم خرج بعده جمال الدين ابن الحاجب المالكي إلى الكرك ولحق بالإسكندرية فمات بها ثم تداعى ملوك الشام لفتنة الصالح أيوب واتفق عليها إسماعيل الصالح صاحب دمشق والناصر يوسف صاحب حلب وجدته صفية خاتون وإبراهيم المنصور بن شيركوه صاحب حمص وخالفهم المظفر صاحب حماة وجنح إلى ولاية نجم الدين أيوب وأقام حالهم في الفتنة على ذلك ثم جنحوا إلى الصلح على أن يطلق صاحب دمشق فتح الدين عمر بن نجم الدين أيوب الذي اعتقله بدمشق فلم يجب إلى ذلك واستجدت الفتنة وسار الناصر داود صاحب الكرك مع إسماعيل الصالح صاحب دمشق واستظهروا بالإفرنج وأعطاهم إسماعيل القدس على ذلك واستنجد بالخوارزمية أيضا فأجابوه واجتمعوا بغزة وبعث نجم الدين العساكر مع مولاه بيبرس وكانت له ذمة باعتقاله معه فتلاقوا مع الخوارزمية وجاءت عساكر مصر مع المنصور إبراهيم بن شيركوه ولاقوا الإفرنج من عكا فكان الظفر لعساكر مصر والخوارزمية واتبعوهم إلى دمشق وحاصروا بها الصالح إسماعيل إلى أن جهده الحصار وسأل في الصلح على أن يعوض عن دمشق ببعلبك وبصرى والسواد فأجابه أيوب إلى ذلك وخرج إسماعيل من دمشق إلى بعلبك سنة ثمان وأربعين وبعث نجم الدين إلى حسام الدين علي بن أبي علي الهدباني وكان معتقلا عند إسماعيل بدمشق فشرط نجم الدين إطلاقه في الصلح الأول فأطلقه وبعث إليه بالنيابة عنه بدمشق فقام بها وانصرف إبراهيم المنصور إلى حمص وانتزع صاحب حماة منه سلمية فملكها واشتط الخوارزمية على الهدباني في دمشق في الولايات والإقطاعات وامتعضوا لذلك فسار بهم الصالح إسماعيل إلى دمشق موصلا الكرة ومعه الناصر صاحب الكرك فقام الهدباني في دفاعهم أحسن قيام وبعث نجم الدين من مصر إلى يوسف الناصر يستنجده على دفع الخوارزمية عن دمشق فسار في عساكره ومعه إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص فهزموا الخوارزمية على دمشق سنة أربع وأربعين وقتل مقدمهم حسام الدين بركت خان وذهب بقيتهم مع مقدمهم الآخر كشلوخان فلحقوا بالتتر واندرجوا في جملتهم وذهب أثرهم من الشام واستجار إسماعيل الصالح وكان معهم بالناصر صاحب حلب فأجاره من نجم الدين أيوب وسار حسام الدين الهدباني بعساكر دمشق الى بعلبك وتسلمها بالأمان وبعث بأولاد إسماعيل ووزيره ناصر الدين يغمور الى نجم الدين أيوب فاعتقلهم بمصر وسارت عساكر الناصر يوسف صاحب حلب الى الجزيرة فتواقعوا مع لؤلؤ صاحب الموصل فانهزم لؤلؤ وملك الناصر نصيبين ودارا وقرقيسيا وعاد عسكره إلى حلب والله تعالى أعلم. ٥/٤١٤
مسير الصالح أيوب إلى دمشق أولا وثانيا وحصار حمص وما كان مع ذلك من الأحداث
ثم بعث الصالح عن حسام الدين الهدباني من دمشق وولى مكانه عليها جمال الدين بن مطروح ثم سار إلى دمشق سنة خمس وأربعين واستخلف الهدباني على مصر ولما وصل إلى دمشق جهز فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى عسقلان وطبرية فحاصرهما مدة وفتحها من يد الإفرنج ووفد على الصالح بدمشق المنصور صاحب حماة وكان أبوه المظفر توفي سنة ثلاث وأربعين وولى المنصور ابنه هذا واسمه محمد ووفد أيضا الأشرف موسى صاحب حمص وقد كان أبوه إبراهيم المنصور توفي سنة أربع وأربعين قبلها بدمشق وهو ذاهب إلى مصر وافدا على الصالح أيوب وأقام بحمص ابنه مظفر الدين موسى ولقب الأشرف وجاءت عساكر حلب سنة ست وأربعين مع لؤلؤ الأرمني وحصروا مصر شهرين وملكوها من يد موسى الأشرف وأعاضوه عنها تل باشر من قلاع حلب مضافة إلى الرحبة وتدمر وكانتا بيده مع حمص وغضب لذلك الصالح فسار من مصر إلى دمشق وجهز العساكر إلى حصار حمص مع حسام الدين الهدباني وفخر الدين بن الشيخ فحاصروا مصر مدة وجاء رسول الخليفة المستعصم إلى الصالح أيوب شافعا فأفرج العساكر عنها وولى على دمشق جمال الدين يغمور وعزل ابن مطروح والله تعالى أعلم.
استيلاء الإفرنج على دمياط
كانت إفرنسة أمة عظيمة من الإفرنج والظاهر أنهم أصل الإفرنج وأن إفرنسة هي إفرنجة انقلبت السيز بها جميعا عند ما عربتها العرب وكان ملكها من أعظم ملوكهم لذلك العصر ويسمونه ري الإفرنس ومعنى ري لغتهم ملك إفرنس فاعتزم هذا الملك على سواحل الشام وسار لذلك كما سار من قبله من ملوكهم وكان ملكه قد استفحل فركب البحر إلى قبرس في خمسين ألف مقاتل وشتى بها ثم عبر سنة سبع وأربعين إلى دمياط وبها بنو كنانة أنزلهم الصالح بها حامية فلما رأوا ما لا قبل لهم به أجفلوا عنها فملكها ري إفرنس وبلغ الخبر إلى الصالح وهو بدمشق وعساكره نازلة بحمص فكر راجعا إلى مصر وقدم فخر الدين بن ٥/٤١٥
الشيخ أتابك عساكره ووصل بعده فنزل المنصورة وقد أصابه بالطريق وعك واشتد عليه والله تعالى أعلم.
استيلاء الصالح على الكرك
كان بين الصالح أيوب وبين الناصر داود ابن عمه المعظم من العداوة ما تقدم وقد ذكرنا اعتقال الناصر له بالكرك فلما ملك الصالح دمشق بعث العساكر مع أتابكه فخر الدين يوسف ابن الشيخ لحصار الكرك وكان أخوه العادل اعتقله وأطلقه الصالح وألزمه بيته ثم جهزه لحصار الكرك فسار إليها سنة أربع وأربعين وحاصرها وملك سائر أعمالها وخرب نواحيها وسار الناصر من الكرك إلى الناصر يوسف صاحب حلب مستجيرا به بعد أن بعث بذخيرته إلى المستعصم وكتب له خطه بوصولها وكان قد استخلف على الكرك عند ما سار إلى حلب ابنه الأصغر عيسى ولقبه المعظم فغضب أخواه الأكبران الأمجد حسن والظاهر شادي فقبضا على أخيهما عيسى ووفدا على الصالح سنة ست وأربعين وهو بالمنصورة قبالة الإفرنج فملك الكرك والشويك منهما وولى عليهما بدرا الصواي وأقطعهما بالديار المصرية والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفاة الصالح أيوب صاحب مصر والشام وسيد ملوك الترك بمصر وولاية ابنه توران شاه وهزيمة الإفرنج وأسر ملكهم
ثم توفي الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل سنة سبع وأربعين بمكانه من المنصورة قبالة الإفرنج وخشي أهل الدولة من الإفرنج فكتموا موته وقامت أم ولده شجرة الدر بالأمر وجمعت الأمراء وسيروا بالخبر إلى حسام الدين الهدباني بمصر فجمع الأمراء وقوى جاشهم واستحلفهم وأرسل الأتابك فخر الدين بن الشيخ بالخبر إلى المعظم توران شاه بن الصالح واستدعاه من مكان إمارته بحصن كيفا ثم انتشر خبر الوفاة وبلغ الإفرنج فشرهوا إلى قتال المسلمين ودلفوا إلى المعسكر فانكشف المسلمون وقتلوا الاتابك فخر الدين ثم أتاح الله الكرة للمسلمين وانهزم الإفرنج ووصل المعظم توران شاه من مكانه بحصن كيفا لثلاثة أشهر أو تزيد فبايعه المسلمون واجتمعوا عليه واشتدوا في قتال الإفرنج وغلبت أساطيلهم أساطيل العدو وسأل الإفرنج في الإفراج عن دمياط على أن يعاضوا بالقدس فلم يجبهم المسلمون إلى ذلك ٥/٤١٦
وسارت سرايا المسلمين من حولهم وفيما بين معسكرهم وبين دمياط فرحلوا راجعين إليها وأتبعهم المسلمون فأدركهم الدهش وانهزموا وأسر ملكهم ري إفرنس وهو المعروف بالفرنسيس وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا واعتقل الفرنسيس بالدار المعروفة بفخر الدين بن لقمان ووكل بها الخادم صبيح المعظمي ثم رحل المعظم بعساكر المسلمين راجعا إلى مصر والله تعالى أعلم.
مقتل المعظم توران شاه وولاية شجرة الدر وفداء الفرنسيس بدمياط
ولما بويع المعظم توران شاه وكانت له بطانة من المماليك جاء بهم من كيفا فتسلطوا على موالي أبيه وتقسموهم بين النكبة والإهمال وكان للصالح جماعة من الموالي وهم البحرية الذين كان ينزلهم بالدار التي بناها إزاء المقياس وكانوا بطانته وخالصته وكان كبيرهم بيبرس وهو الذي كان الصالح بعثه بالعساكر لقتال الخوارزمية عند ما زحفوا مع عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق وقد مر ذكر ذلك فصارت طاغيته معهم استمالهم الصالح فصاروا معه وزحفوا مع عساكره إلى عساكر دمشق والإفرنج فهزموهم وحاصروا دمشق وملكوها بدعوة الصالح كما مر واستوحش بيبرس حتى بعث إليه الصالح بالأمان سنة أربع وأربعين ولحقه بمصر فحبسه على ما كان منه ثم أطلقه وكان من خواص الصالح أيضا قلاون الصالحي كان من موالي علاء الدين قراسنقر مملوك العادل وتوفي سنة خمس وأربعين وورثه الصالح بحكم الولاء ومنهم أقطاي الجامدار وأيبك التركماني وغيرهم فأنفوا من استعلاء بطانة المعظم توران شاه عليهم وتحكمهم فيهم فاعصوصبوا واعتزموا على الفتك بالمعظم ورحل من المنصورة بعد هزيمة الإفرنج راجعا إلى مصر فلما قربت له الحراقة عند البرج ليركب البحر كبسوه بمجلسه وتناوله بيبرس بالسيف فهرب إلى البرج فاضرموه نارا فهرب إلى البحر فرموه بالسهام فألقى نفسه في الماء وهلك بين السيف والماء لشهرين من وصوله وملكه ثم اجتمع هؤلاء الأمراء المتولون قتل توران شاه ونصبوا للملك أم خليل شجرة الدر زوجة الصالح وأم ولده خليل المتوفى في حياته وبه كانت تلقب وخطب لها على المنابر وضربت السكة باسمها ووضعت علامتها على المراسم وكان نص علامتها أم خليل وقدم أتابك على العساكر عز الدين الجاشنكير أيبك التركماني فلما استقرت الدولة طلبهم الفرنسيس في الفداء على تسليم دمياط للمسلمين فاستولوا عليها سنة ثمان وأربعين وركب الفرنسيس البحر إلى عكا وعظم ٥/٤١٧
الفتح وأنشد الشعراء في ذلك وتساجلوا ولجمال الدين بن مطروح نائب دمشق أبيات في الواقعة يتداولها الناس لهذا العصر والله تعالى ولي التوفيق وهي.
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق عن قول فصيح
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد يسوع المسيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب أن الزمر بالطبل ريح
فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق بهم في ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أودعتهم ... بسوء تدبيرك بطن الضريح
خمسون ألفا لا يرى منهم ... إلا قتيل أو أسير جريح
وفقك الله لأمثالها ... لعلنا من شركم نستريح
إن كان باباكم بذا راضيا ... فرب غش قد أتى من نصيح
أوصيكم خيرا به أنه ... لطف من الله إليكم أتيح
لو كان ذا رشد على زعمكم ... ما كان يستحسن هذا القبيح
فقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثار أو لقصد قبيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح
والطواشي في لغة أهل المشرق هو الخصي ويسمونه الخادم أيضا والله أعلم.
استيلاء الناصر صاحب حلب على دمشق وبيعة الترك بمصر لموسى الأشرف بن أطسز بن المسعود صاحب اليمن وتراجعهما ثم صلحهما
ولما قتل المعظم توران شاه ونصب الأمراء بعده شجرة الدر زوجة الصالح امتعض لذلك أمراء بني أيوب بالشام وكان بدر الصوابي بالكرك والشويك ولاه الصالح عليهما وحبس عنده فتح الدين عمر بن أخيه العادل فاطلقه من محبسه وبايع له وقام بتدبير دولته جمال الدين بن يغمور بدمشق واجتمع مع الأمراء القصرية بها على استدعاء الناصر صاحب حلب وتمليكه فسار وملك دمشق واعتقل جماعة من موالي الصالح وبلغ الخبر إلى مصر فخلعوا شجرة الدر ونصبوا موسى الأشرف بن مسعود أخي الصالح بن الكامل وهو الذي ملك أخوه أطسز واسمه يوسف باليمن بعد أبيهما مسعود وبايعوا له وأجلسوه على التخت وجعلوا أيبك أتابكه ثم ٥/٤١٨
انتقض الترك بغزة ونادوا بطاعة المغيث صاحب الكرك فنادى الترك بمصر بطاعة المستعصم وجددوا البيعة للأشرف وأتابكه ثم سار الناصر يوسف بعسكره من دمشق إلى مصر فجهز الأمراء العساكر إلى الشام مع أقطاي الجامدار كبير البحرية ويلقب فارس الدين فاجفلت عساكر الشام بين يديه ثم قبض الناصر يوسف صاحب دمشق على الناصر داود لشيء بلغه عنه وحبسه بحمص وبعث عن ملوك بني أيوب فجاءه موسى الأشرف صاحب حمص والرحبة وتدمر والصالح إسماعيل بن العادل من بعلبك والمعظم توران شاه وأخوه نصر الدين ابنا صلاح الدين والأمجد حسام الدين والظاهر شادي ابنا الناصر وداود صاحب الكرك وتقي الدين عباس بن العادل واجتمعوا بدمشق وبعث في مقدمته مولاه لؤلؤ الأرمني وخرج أيبك التركماني في العساكر من مصر للقائهم وأفرج عن ولدي الصالح إسماعيل المعتقلين منذ أخذهم الهذباني من بعلبك ليتهم الناس أباهم ويستريبوا به والتقى الجمعان في العباسية فانكشفت عساكر مصر وسارت عساكر الشام في أتباعهم وثبت أيبك وهرب إليه جماعة من عساكر الناصر ثم صدق أيبك الحملة على الناصر فتفرقت عساكره وسار منهزما وجيء لأيبك بلؤلؤ الأرمني أسيرا فقتله وأسر إسماعيل الصالح وموسى الأشرف وتوران شاه المعظم وأخوه ولحق المنهزمون من عسكر مصر بالبلد وشعر المتبعون لهم من عساكر الشام بهزيمة الناصر وراءهم فرجعوا ودخل أيبك إلى القاهرة وحبس بني أيوب بالقلعة ثم قتل يغمور وزير الصالح إسماعيل المعتقل ببعلبك مع بنيه وقتل الصالح إسماعيل في محبسه ثم جهز الناصر العساكر من دمشق إلى غزة فتواقعوا مع فارس الدين أقطاي مقدم عساكر مصر فهزموهم واستولوا عليها وترددت الرسل بين الناصر وبين الأمراء بمصر واصطلحوا سنة خمسين وجعلوا التخم بينهم نهر الأردن ثم أطلق أيبك حسام الدين الهذباني فسار إلى دمشق وسار في خدمة الناصر وجاءت إلى الناصر شفاعة المستعصم في الناصر داود صاحب الكرك الذي حبسه بحمص فأفرج عنه ولحق ببغداد ومعه ابناه الأمجد والظاهر فمنعه الخليفة من دخولها فطلب وديعته فلم يسعف بها وأقام في أحياء عرية ثم رجع إلى دمشق بشفاعة من المستعصم للناصر وسكن عنده والله تعالى ينصر من يشاء من عباده. ٥/٤١٩
خلع الأشرف بن أطسز واستبداد أيبك وأمراء الترك بمصر
قد تقدم لنا آنفا بيعة أمراء التركمان بمصر للأشرف موسى بن يوسف أطسز بن الكامل وأنهم خطبوا له وأجلسوه على التخت بعد أن نصبوا للملك أيبك وكان طموحا إلى الاستبداد وكان أقطاي الجامدار من أمراء البحرية يدافعه عن ذلك ويغض من عنانه منافسة وغيره فأرصد له أيبك ثلاثة من المماليك اغتالوه في بعض سكك القصر وقتلوه سنة اثنتين وخمسين وكانت جماعة البحرية ملتفة عليه فانفضوا ولحقوا بالناصر في دمشق واستبد أيبك بمصر.
وخلع الأشرف وقطع الخطبة له فكان آخر أمراء بني أيوب بمصر وخطب أيبك لنفسه ثم تزوج شجرة الدر أم خليل الملكة قبله فلما وصل البحرية إلى الناصر بدمشق أطمعوه في ملك مصر واستحثوه فتجهز وسار إلى غزة وبرز أيبك بعساكره إلى العباسية فنزل بها وانتقض عليه فتوهموا بالثورة به فارتاب بهم ولحقوا بالناصر ثم ترددت الرسل بين الناصر وأيبك فاصطلحوا على أن يكون التخم بينهم العريش وبعث الناصر إلى المستعصم مع وزيره كمال الدين بن العديم في طلب الخلعة وكان أيبك قد بعث بالهدية والطاعة إلى المستعصم فمطل المستعصم الناصر بالخلعة حتى بعثها إليه سنة خمس وخمسين ثم قتل المعز أيبك قتلته شجرة الدر غيلة في الحمام سنة خمس وخمسين غيرة من خطبته بنت لؤلؤ صاحب الموصل فنصبوا مكانه ابنه عليا ولقبوه المنصور وثاروا به من شجرة الدر كما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى.
مسير المغيث بن العادل صاحب الكرك مع البحرية إلى مصر وانهزامهم
كان البحرية منذ لحقوا بالناصر بعد مقتل أقطاي الجامدار مقيمين عنده ثم ارتاب بهم وطردهم آخر سنة خمس وخمسين فلحقوا بغزة وكاتبوا المغيث فتح الدين عمر بن العادل بالكرك وقد كنا ذكرنا أن بدر الصوافي أخرجه من محبسه بالكرك بعده مقتل توران شاه بمصر وولاه الملك وقام بتدبير دولته وبعث إليه الآن بيبرس البند قداري مقدم البحرية من غزة ٥/٤٢٠
يدعوه إلى الملك وبلغ الخبر إلى الناصر بدمشق فجهز العساكر إلى غزة فقاتلوهم وانهزموا إلى الكرك فتلقاهم المغيث وقسم فيهم الأموال واستحثوه لملك مصر فسار معهم وبرزت عساكر مصر لقتالهم مع قطز مولى أيبك المعز ومواليه فالتقى الفريقان بالعباسية فانهزم المغيث والبحرية إلى الكرك ورجعت العساكر إلى مصر وفي خلال ذلك أخرج الناصر داود بن المعظم من دمشق حاجا ونادى في الموسم بتوسله إلى المستعصم في وديعته وانصرف مع الحاج إلى العراق فأكرهه المستعصم على براءته من وديعته فكتب وأشهد ولحق بالبرية وبعث إلى الناصر يوسف يستعطفه فأذن له وسكن دمشق ثم رجع مع رسول المستعصم الذي جاء معه إلى الناصر بالخلعة والتقليد فأقام بقرقيسياء حتى يستأذن له الرسول فلم يأذن له فأقام عند أحياء العرب في التيه فقربوا في تقلبهم من الكرك فقبض عليه المغيث صاحب الكرك وحبسه حتى إذا زحف التتر لبغداد بحث عنه المستعصم ليبعثه مع العساكر لمدافعتهم وقد استولى التتر على بغداد فرجع ومات ببعض قرى دمشق بالطاعون سنة ست وخمسين انتهى والله تعالى أعلم.
زحف الناصر صاحب دمشق إلى الكرك وحصارها والقبض على البحرية
ولما كان من المغيث والبحرية ما قدمناه ورجعوا منهزمين إلى الكرك بعث الناصر عساكره من دمشق إلى البحرية فالتقوا بغزة وانهزمت عساكر الناصر وظفرت البحرية بهم واستفحل أمرهم بالكرك فسار الناصر بنفسه إليهم بالعساكر من دمشق سنة سبع وخمسين وسار معه صاحب حماه المنصور بن المظفر محمود فنزلوا على الكرك وحاصروها وأرسل المغيث إلى الناصر في الصلح فشرط عليه أن يحبس البحرية فأجاب ونمي الخبر إلى بيبرس أميرهم البندقداري فهرب في جماعة منهم ولحق بالناصر وقبض المغيث على الباقين وبعث بهم إلى الناصر في القيود ورجع الكرك ثم بعث إلى الأمراء بمصر وزيره كمال الدين بن العديم يدعوهم إلى الاتفاق إلى مدافعة التتر وفي أيام مقدم ابن العديم مصر خلع الأمراء على ابن المعز أيبك وقبض عليه أتابك عسكره وموالي أبيه وجلس على التخت وخطب لنفسه ٥/٤٢١
وقبض على الأمراء الذين يرتاب منازعتهم كما نذكره في أخبارهم وأعاد ابن العديم إلى مرسلة صاحب دمشق بالإجابة والوعد بالمظاهرة والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
استيلاء التتر على الشام وانقراض ملك بني أيوب وهلاك من هلك منهم
ثم زحف التتر وسلطانهم هلاكو إلى بغداد واستولى على كرسي الخلافة وقتلوا المستعصم وطمسوا معالم الملة وكادت تكون من أشراط الساعة وقد شرحناها في أخبار الخلفاء ونذكرها في أخبار التتر فبادر الناصر صاحب دمشق بمصانعته وبعث ابنه العزيز محمدا إلى السلطان هلاكو بالهدايا والالطاف فلم يغن ورده بالوعد ثم بعث هلاكو عساكره إلى ميافارقين وبها الكامل محمد بن المظفر شهاب الدين غازي بن العادل الكبير فحاصروها سنتين ثم ملكوها عنوة سنة ثمان وخمسين وقتلوه وبعث العساكر إلى إربل فحاصروها ستة أشهر وفتحوها وسار ملوك بلاد الروم كيكاوس وقليج أرسلان ابنا كنجسرو إلى هلاكو أثر ما ملك بغداد فدخلوا في طاعته ورجعوا إلى بلادهم وسار هلاكو إلى بلاد أذربيجان ووفد عليه هنالك لؤلؤ صاحب الموصل سنة سبع وخمسين ودخل في طاعته ورده إلى بلده وهلك أثر ذلك وملك الموصل مكانه ابنه الصالح وسنجار ابنه علاء الدين ثم أوفد الناصر ابنه على هلاكو بالهدايا والتحف على سبيل المصانعة واعتذر عن لقائه بالتخوف على سواحل الشام من الإفرنج فتلقى ولده بالقبول وعذره وأرجعه إلى بلده بالمهادنة والمواعدة الجميلة ثم سار هلاكو إلى حران وبعث ابنه في العساكر إلى حلب وبها المعظم توران شاه بن صلاح الدين نائبا عن الناصر يوسف فخرج لقتالهم في العساكر وأكمن له التتر واستجروهم ثم كروا عليهم فاثخنوا فيهم ورحلوا إلى إعزاز فملكوها صلحا وبلغ الخبر إلى الناصر وهو بدمشق معسكر من ثورة سنة ثمان وخمسين وجاء الناصر بن المظفر صاحب حماة فأقام معه ينتظر أمرهم ثم بلغه أن جماعة من مواليه اعتزموا على الثورة به فكر راجعا إلى دمشق ولحق أولئك الموالي بغزة ثم أطلع على خبثهم وأن قصدهم تمليك أخيه الظاهر فاستوحش منهم ولحق الظاهر بهم فنصبوه للأمر واعصوصبوا عليه وكان معهم بيبرس البندقداري وشعر بتلاشي أحوالهم فكاتب المظفر صاحب مصر واستأمن إليه فأمنه وسار إلى مصر فتلقى بالكرامة وأنزل بدار الوزارة وأقطعه السلطان قطز قليوب بأعماله ثم هرب هلاكو إلى الفرات فملك وكان بها ٥/٤٢٢
إسماعيل أخو الناصر معتقلا فأطلقه وسرحه إلى عمله بالصبينة وبانياس وولاه عليهما وقدم صاحب أرزن إلى توران شاه نائب حلب يدعوه إلى الطاعة فامتنع فسار إليها وملكها عنوة وأمنها واعتصم توران شاه والحامية بالقلعة وبعث أهل حماة بطاعتهم إلى هلاكو وأن يبعث عليهم نائبا من قبله ويسمى برطانتهم الشحنة فأرسل إليهم قائدا يسمى خسروشاه وينسب في العرب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وبلغ الناصر أخذ حلب فأجفل عن دمشق واستخلف عليها وسار إلى غزة واجتمع عليه مواليه وأخوه وسار التتر إلى نابلس فملكوها وقتلوا من كان بها من العسكر وسار الناصر من غزة إلى العريش وقدم رسله إلى قطز تسأله النصر من عدوهم واجتماع الأيدي على المدافعة ثم تقدموا إلى واستراب الناصر بأهل مصر فسار هو وأخوه الظاهر ومعهما الصالح بن الأشرف موسى بن شيركوه إلى التيه فدخلوا إليه وفارقهم المنصور صاحب حماة والعساكر إلى مصر فتلقاهم السلطان قطز بالصالحية وآنسهم ورجع بهم إلى مصر واستولى التتر على دمشق وسائر بلاد الشام إلى غزة وولوا على جميعها أمراءهم ثم افتتحت قلعة حلب وكان بها جماعة من البحرية معتقلين منهم سنقر الأشقر فدفعهم هلاكو إلى السلطان جق من أكابر أمرائه وولى على حلب عماد الدين القزويني ووفد عليه بحلب الأشرف موسى بن منصور بن إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص وكان الناصر قد أخذها منه كما قدمناه فأعادها عليه هلاكو ورد جميع ولايته بالشام إلى رأيه وسار إلى قلعة حارم فملكها واستباحها وأمر بتخريب أسوار حلب وقلعتها وكذلك حماة وحمص وحاصروا قلعة دمشق طويلا ثم تسلموها بالأمان ثم ملكوا بعلبك وهدموا قلعتها وساروا إلى الصبينة وبها السعيد بن العزيز بن العادل فملكوها منه على الأمان وسار معهم ووفد على هلاكو فخر الدين بن الزكي من أهل دمشق فولاه القضاء بها ثم اعتزم هلاكو على الرجوع إلى العراق فعبروا الفرات وولى على الشام أجمع أميرا اسمه كتبغا من أكابر أمرائه واحتمل عماد الدين القزويني من حلب وولى مكانه آخر وأما الناصر فلما دخل في التيه هاله أمره وحسن له أصحابه قصد هلاكو فوصل إلى كتبغا نائب الشام يستأذنه ثم وصل فقبض عليه وسار به إلى حتى سلمها إليه أهلها وبعث به إلى هلاكو فمر ٥/٤٢٣
بدمشق ثم بحماة وبها الأشرف صاحب حمص وخسروشاه نائبها فخرجها لتلقيه ثم مر بحلب ووصل إلى هلاكو فأقبل عليه ووعده برده إلى ملكه ثم ثار المسلمون بدمشق بالنصارى أهل الذمة وخربوا كنيسة مريم من كنائسهم وكانت من أعظم الكنائس في الجانب الذي فتحه خالد بن الوليد رحمه الله وكانت لهم أخرى في الجانب الذي فتحه أبو عبيدة بالأمان ولما ولي الوليد طالبهم في هذه الكنيسة ليدخلها في جامع البلد وأعلى لهم في السوم فامتنعوا فهدمها وزادها في الجامع لأنها كانت لصقه فلما ولي عمر بن عبد العزيز استعاضوه فعوضهم بالكنيسة التي ملكها المسلمون بالعنوة مع خالد بن الوليد رحمه الله وقد تقدم ذكر هذه القصة فلما ثار المسلمون الآن بالنصارى أهل الذمة خربوا كنيسة مريم هذه ولم يبقوا لها أثرا ثم إن العساكر الإسلامية اجتمعت بمصر وساروا إلى الشام لقتال التتر صحبة السلطان قطز صاحب ومعه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل فسار إليه كتبغا نائب الشام ومعه الأشرف صاحب حمص والسعيد صاحب الصبينة ابن العزيز بن العادل والتقوا على عين جالوت بالغور فانهزم التتر وقتل أميرهم النائب كتبغا وأسر السعيد صاحب الصبينة فقتله قطر واستولى على الشام أجمع وأقر المنصور صاحب حماة على بلده ورجع إلى مصر فهلك في طريقه قتله بيبرس البندقداري وجلس على التخت مكانه وتلقب بالظاهر حسبما يذكر ذلك كله في دولة الترك ثم جاءت عساكر التتر إلى الشام وشغل هلاكو عنهم بالفتنة مع قومه وأسف على قتل كتبغا نائبة وهزيمة عساكره فأحضر الناصر ولامه على ما كان منه من تسهيله عليه أمر الشام وتجنى عليه أنه غره بذلك فاعتذر له الناصر فلم يقبل فرماه بسهم فأنفذه ثم أتبعه بأخيه الظاهر وبالصالح بن الأشرف موسى صاحب حمص وشفعت زوجة هلاكو في العزيز بن الناصر وكان مع ذلك يحبه فاستبقاه وانقرض ملك بني أيوب من الشام كما انقرض قبلها من مصر واجتمعت مصر والشام في مملكة الترك ولم يبق لبني أيوب بهما ملك إلا للمنصور بن المظفر صاحب حماة فإن قطزا أقره عليها والظاهر بيبرس من بعده وبقي في إمارته هو وبنوه مدة من دولة الترك وطاعتهم حتى أذن الله بانقراضهم وولي عليها غيرهم من أمرائهم كما نذكر في أخبار دولتهم والله وارث الأرض ومن عليها والعاقبة للمتقين. ٥/٤٢٤
دولة الترك الخبر عن دولة الترك القائمين بالدولة العباسية بمصر والشام من بعد بني أيوب ولهذا العهد ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم
قد تقدم لنا ذكر الترك وأنسابهم أول الكتاب عند ذكر أمم العالم ثم في أخبار الأمم السلجوقية وأنهم من ولد يافث بن نوح باتفاق من أهل الخليفة فعند نسابة العرب أنهم من عامور بن سويل بن يافث وعند نسابة الروم انهم من طيراش بن يافث هكذا وقع في التوراة والظاهر أن ما وقع لنسابة العرب غلط وأن عامور هو مصحف كومر لأن كافه تنقلب عند التعريب غينا معجمة فربما صحف عينا مهملة أو بقيت بحالها وأما سويل فغلط بالزيادة وأما ما وقع للروم من نسبتهم إلى طيراش فهو منقول في الإسرائيليات وهو رأي مرجوح عندهم لمخالفته لما في التوراة وأما شعوبهم وأجناسهم فكثيرة وقد عددنا منهم أول الكتاب التغزغز وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طمغاج وهي بلاد ملوكهم في الإسلام تركستان وكاشغر وعددنا منهم أيضا الخزلخية والغز الذين كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين منهم الخلج وبلادهم الصغد قريبا من سمرقند ويسمون بها أيضا وعددنا منهم أيضا الغور والخزر والقفجاق ويقال الخفشاخ ويمك والعلان ويقال اللان وشركس وأركش وقال صاحب كتاب زجار في الكلام على الجغرافيا أجناس من الترك كلهم وراء النهر إلى البحر المظلم وهي العسية والتغزغزية والخرخيرية والكيماكية والخزلخية والخزر والحاسان وتركش وأركش وخفشاخ والخلخ والغزية وبلغار وخجاكت ويمناك وبرطاس وسنجرت وخرجان وأنكر وذكر في موضع آخر أنكر من شعوب الترك وأنهم في بلاد البنادقة من أرض الروم وأما مواطنهم فإنهم ملكوا الجانب الشمالي من المعمور في النصف الشرقي منه قبالة الهند والعراق في ثلاثة أقاليم هي السادس والسابع والخامس كما ملك العرب الجانب الجنوبي من المعمور أيضا في جزيرة العرب وما إليها من أطراف الشام والعراق وهم رحالة مثلهم وأهل حرب وافتراس ومعاش من التغلب والنهب إلا في الأقل وقد ذكرنا أنهم عند الفتح لم يذعنوا إلا بعد طول حرب وممارسة أيام سائر دولة بني أمية وصدرا من صولة بني العباس وامتلأت أيدي العرب يومئذ من سبيهم فاتخذوهم خولا في المهن والصنائع ونسائهم فرشا للولادة كما فعلوه في سبي الفرس والروم وسائر الأمم الذين قاتلوهم على الدين وكان شأنهم أن لا يستعينوا برقيقهم في شيء مما يعانونه من الغزو والفتوح ومحاربة الأمم ومن أسلم منهم تركوه لسبيله التي هو ٥/٤٢٦
عليها من أمر معاشه على طاغية هواه لأن عصبية العرب كانت مستفحلة يومئذ وشوكتهم قائمة مرهفة ويدهم ويد سلطانهم في الأمر جميعا ومرماهم إلى العز والمجد واحد وكانوا كأسنان المشط لتزاحم الأنساب وغضاضة الدين حتى إذا أرهف الملك حده ونهج إلى الاستبداد طريقه واحتاج السلطان في القيام بأمره إلى الاستظهار على المنازعين فيه من قومه بالعصبية المدافعة دونه والشوكة المعترض شباها في أذياله حتى تجدع أنوفهم عن التطاول إلى رتبته وتغض أعنتهم عن السير في مضماره اتخذ بنو العباس من لدن المهدي والرشيد بطانة اصطنعوهم من موالي الترك والروم والبربر ملئوا منهم المواكب في الأعياد والمشاهد والحروب والصوائف والحراسة على السلطان وزينة في أيام السلم واكثافا لعصابة الملك حتى لقد اتخذ المعتصم مدينة سامرا لنزلهم تحرجا من أضرار الرعية باصطدام مراكبهم وتراكم القتام بجوهم وضيق السكك على المارين بزحامهم وكان اسم الترك غالبا على جميعهم فكانوا تبعا لهم ومندرجين فيهم وكانت حروب المسلمين لذلك العهد في القاصية وخصوصا مع الترك متصلة والفتوح فيهم متعاقبة وأمواج السبي من كل وجه متداركة وربما رام الخلفاء عند استكمال بغيتهم واستجماع عصابتهم اصطفاء علية منهم للمخالصة وقواد العساكر ورؤساء المراكب فكانوا يأخذون في تدريجهم لذلك بمذاهب الترشيح فينتقون من أجود السبي الغلمان كالدنانير والجوار كاللآلئ ويسلمونهم إلى قهارمة القصور وقرمة الدواوين يأخذونهم بحدود الإسلام والشريعة وآداب الملك والسياسة ومراس الثقافة في المران على المناضلة بالسهام والمسالحة بالسيوف والمطاعنة بالرماح والبصر بأمور الحرب والفروسية ومعاناة الخيول والسلاح والوقوف على معاني السياسة حتى إذا تنازعوا في الترشيح وانسلخوا من جلدة الخشونة إلى رقة الحاشية وملكة التهذيب اصطنعوا منهم للمخالصة ورقوهم في المراتب واختاروا منهم لقيادة العساكر في الحروب ورياسة المواكب أيام الزينة ورتق الفتوق الحادثة وسد الثغور القاصية كل على شاكلة غنائه وسابق اصطناعه فلم يزل هذا دأب الخلفاء في اصطناعهم ودعامة سرير الملك بعمدهم وتمهيد الخلافة بمقاماتهم حتى سموا في درج الملك وامتلأت جوانحهم من الغزو وطمحت أبصارهم إلى الاستبداد فتغلبوا على الدولة وحجروا الخلفاء وقعدوا بدست الملك ومدرج النهي والأمر وقادوا الدولة بزمامهم وأضافوا اسم السلطان إلى مراتبهم وكان مبدأ ذلك واقعة المتوكل وما حصل بعدها من تغلب الموالي واستبدادهم بالدولة والسلطان ونهج السلف منهم في ذلك السبيل للخلف واقتدى الآخر بالأول فكانت لهم دول في الإسلام متعددة تعقب غالبا دولة أهل العصبية وشوكة النسب كمثل دولة بني ٥/٤٢٧
سامان وراء النهر وبني سبكتكين بعدهم وبني طولون بمصر وبني طغج وما كان بعد الدولة السلجوقية من دولتهم مثل بني خوارزم شاه بما وراء النهر وبني طغرلتكين بدمشق وبني أرتق بماردين وبني زنكي بالموصل والشام وغير ذلك من دولهم التي قصصناها عليك في تصانيف الكتاب حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف ولبست أثواب البلاء والعجز ورميت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسي الخلافة وطمسوا رونق البلاد وأدالوا بالكفر من الإيمان بما أخذ أهلها عند الاستغراق في التنعم والتشاغل في اللذات والاسترسال في الترف من تكاسل الهمم والقعود عن المناصرة والانسلاخ من جلدة الرأس وشعار الرجولية فكان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بأحياء رمقه وتلافى شمل المسلمين بالديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها الغزيرة المتوافرة أمراء حامية وأنصارا متوافية يجلبون من دار الحرب إلى دار الإسلام في مقادة الرق الذي كمن اللطف في طيه وتعرفوا العز والخير في مغبته وتعرضوا للعناية الربانية بتلافيه يدخلون في الدين بعزائم إيمانية وأخلاق بدوية لم يدنسها لؤم الطباع ولا خالطتها أقذار اللذات ولا دنستها عوائد الحضارة ولا كسر من سورتها غزارة الترف ثم يخرج بهم التجار إلى مصر أرسالا كالقطا نحو الموارد فيستعرضهم أهل الملك منهم ويتنافسون في أثمانهم بما يخرج عن القيمة لا لقصد الاستعباد إنما هو إكثاف للعصبية وتغليظ للشوكة ونزوع إلى العصبية الحامية يصطفون من كل منهم بما يؤنسونه من شيم قومهم وعشائرهم ثم ينزلونهم في غرف الملك ويأخذونهم بالمخالصة ومعاهده التربية ومدارسة القرآن وممارسة التعليم حتى يشتدوا في ذلك ثم يعرضونهم على الرمي والثقافة وركض الخيل في الميادين والمطاعنة بالرماح والمماصعة بالسيوف حتى تشتد منهم السواعد وتستحكم الملكات ويستيقنوا منهم المدافعة عنهم والاستماتة دونهم فإذا بلغوا إلى هذا الحد ضاعفوا أرزاقهم ووفروا من أقطاهم وفرضوا عليهم استجادة السلاح وارتباط الخيول والاستكثار من أجناسهم لمثل هذا القصد وربما عمروا بهم خطط الملك ودرجوهم في مراتب الدولة فيسترشح من يسترشح منهم لاقتعاد كرسي السلطان والقيام بأمور المسلمين عناية من الله تعالى سابقة ولطائف في خلقه سارية فلا يزال نشو منهم يردف نشوا وجيل يعقب جيلا والإسلام يبتهج بما يحصل به من الغناء والدولة ترف أغصانها من نضرة الشباب وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام وأخوه العادل أبو بكر من بعده ثم بنوهم من بعدهم قد تناغوا في ذلك بما فوق الغاية واختص الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوكهم بالمبالغة في ذلك والإمعان فيه فكان عامة عسكره منهم فلما إنفض عشيرة وخذله ٥/٤٢٨
أنصاره وقعد عنه أولياؤه وجنوده لم يدع سببا في استجلابهم إلا أتاه من استجادة المترددين إلى ناحيتهم ومراضاة التجار في أثمانهم بأضعاف ثمنهم وكان رقيقهم قد بلغ الغاية من الكثرة لما كان التتر قد دوخوا الجانب الغربي من ناحية الشمال وأوقعوا بسكانه من الترك وهم شعوب القفجاق والروس والعلان والمولات وما جاورهم من قبائل جركس وكان ملك التتر بالشمال يومئذ دوشي خان بن جنكزخان قد أصابهم بالقتل والسبي فامتلأت أيدي أهل تلك النواحي برقيقهم وصاروا عند التجار من أنفس بضائعهم والله تعالى أعلم.
ذكر بيبرس البندقداري
في تاريخه حكاية غريبة عن سبب دخول التتر لبلادهم بعد أن عد شعوبهم فقال ومن قبائلهم يعني القفجاق قبيلة طغصبا وستا وبرج أغلا والبولى وقنعرا على وأوغلي ودورت وقلابا أعلى وجرثان وقدكابركلي وكنن هذه إحدى عشرة قبيلة وليس فيها ذكر الشعوب العشرة القديمة الذكر التي عددها النسابة كما قدمناه أول الترجمة وهذه والله أعلم بطون متفرعة من القفجاق فقط وهي التي في ناحية الغرب من بلادهم الشمالية فإن سياق كلامه إنما هو في الترك المجلوبين من تلك الناحية لا من ناحية خوارزم ولا ما وراء النهر قال بيبرس ولما استولى التتر على بلادهم سنة ست وعشرين والملك يومئذ بكرسي جنكزخان لولده دوشي خان واتفق أن شخصا من قبيلة دورت يسمى منقوش بن كتمر خرج متصيدا فلقيه آخر من قبيلة طغصبا اسمه آقا كبك وبين القبيلتين عداوة مستحكمة فقتله وأبطأ خبره عن أهله فبعثوا طليعة لاستكشاف أمره اسمه جلنقر فرجع إليهم وأخبرهم وأنه قتل وسمى لهم قاتله فجمعوا للحرب وتزاحفت القبيلتان فانهزمت قبيلة طغصبا وخرج آقا كبك القاتل وتفرق جمعه فأرسل أخاه أقصر إلى ملكهم دوشي يستعلم ما على ذوي قبيلة دورت القفجاقية وذكره ما فعل كتمر وقومه بأخيه وأغراه بهم وسهل له الشأن فيهم وبعث دوشي خان جاسوسه لاستكشاف حالهم واختيار مراسهم وشكيمتهم فعاد إليه بتسهيل المرام فيهم وقال إن رأيت كلابا مكبين على فريستهم متى طردتهم عنها تمكنت منها فأطمعه ذلك في بلاد القفجاق واستحثه أقصر الذي جاء صريخا وقال له ما معناه نحن ألف رأس تجر ذنبا واحدا وأنتم رأس واحد تجر ألف ذنب فزاده ذلك أغراء ونهض بجموع التتر فأوقع بالقفجاق وأثخن فيهم قتلا وسبيا وأسرا وفرقهم في البقاع وامتلأت أيدي التجار وجلبوهم إلى مصر فعوضه الله بالدخول ٥/٤٢٩
في الإيمان والاستيلاء على الملك والسلطان انتهى كلام بيبرس ومساق القصة يدل على أن قبيلة دورت من القفجاق وأن قبيلة طغصبا من التتر فيقتضي ذلك أن هذه البطون التي عددت ليست من بطن واحد وكذلك يدل مساقها على أن أكثر هؤلاء الترك الذين بديار مصر من القفجاق والله تعالى أعلم.
الخبر عن استبداد الترك بمصر وانفرادهم بها عن بني أيوب ودولة المعز أيبك أول ملوكهم
قد تقدم لنا أن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل قد استكثر من المماليك الترك ومن في معناهم من التركمان والأرمن والروم وجركس وغيرهم إلا أن اسم الترك غالب على جميعهم لكثرتهم ومزيتهم وكانوا طوائف متميزين بسمات من ينسبون إليه من نسب أو سلطان فمنهم العزيزية نسبة إلى العزيز عثمان بن صلاح الدين ومنهم الصالحية نسبة إلى هذا الصالح أيوب ومنهم البحرية نسبة إلى القلعة التي بناها الصالح بين شعبتي النيل إزاء المقياس بما كانوا حاميتها وكان هؤلاء البحرية شوكة دولته وعصابة سلطانه وخواص داره وكان من كبرائهم عز الدين أيبك الجاشنكير التركماني ورديفه فارس الدين أقطاي الجامدار وركن الدين بيبرس البندقداري ولما كان ما قدمناه ووفاة الصالح بالمنصورة في محاصرة الإفرنج بدمياط في سنة سبع وأربعين وكتمانهم موته ورجوعهم في تدبير أمورهم إلى شجرة الدر زوجة الصالح وأم ولده خليل وبعثهم إلى ابنه المعظم توران شاه وانتظاره وأن الإفرنج شعروا بموت الصالح فدلفوا إلى معسكر المسلمين على حين غفلة فانكشف أوائل العسكر وقتل فخر الدين الأتابك ثم أفرغ الله الصبر وثبت أقدامهم وأبلى أمراء الترك في ذلك اليوم بلاء حسنا ووقفوا مع شجرة الدر زوج السلطان تحت الرايات ينوهون بمكانها فكانت لهم الكرة وهزم الله العدو وثم وصل المعظم توران شاه من كيفا فبايعوا له وأعطوه الصفقة وانتظم الحال واستطال المسلمون على الافرنج برا وبحرا فكان ما قدمناه من هزيمتهم والفتك بهم وأسر ملكهم الفرنسيس ثم رحل المعظم أثر هذا الفتح إلى مصر لشهرين من وصوله ونزل بفارس كور يريد مصر وكانت بطانته قد استطالوا على موالي أبيه وتقسموهم بين النكبة والإهمال فاتفق كبراء البحرية على قتله وهم أيبك وأقطاي وبيبرس فقتلوه كما مر ونصبوا للملك شجرة الدر أم خليل وخطب لها على المنابر ونقش اسمها على السكة ووضعت علامتها على المراسم ونصها أم خليل وقام أيبك التركماني بأتابكية العسكر ثم فودي الفرنسيس بالنزول عن دمياط وملكها المسلمون سنة ثمان وأربعين وسرحوه في البحر إلى بلاده بعد أن توثقوا منه باليمين أن لا ٥/٤٣٠
يتعرض لبلاد المسلمين ما بقي واستقلت الدولة بمصر للترك وانقرضت منها دولة بني أيوب بقتل المعظم وولاية المرأة وما اكتنف ذلك فامتعضوا له وكان فتح الدين عمر بن العادل قد حبسه عمه الصالح أيوب بالكرك لنظر بدر الصوابي خادمه الذي ولاه على الكرك والشويك لما ملكهما كما مر فأطلق بدر الدين من محبسه وبايع له وقام بأمره ولقبه المغيث واتصل الخبر بمصر وعلموا أن الناس قد نقموا عليهم ولاية المرأة فاتفقوا على ولاية زعيمهم أيبك لتقدمه عند الصالح وأخيه العادل قبله فبايعوا له وخلعوا أم خليل ولقبوه بالمعز فقام بالأمر وانفرد بملك مصر وولى مولاه سيف الدين قطز نائبا وعمر المراتب والوظائف بأمراء الترك والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
نهوض الناصر صاحب دمشق من بني أيوب إلى مصر وولاية الأشرف موسى مكان أيبك
كان الملك الصالح أيوب قبل موته قد استخلف جمال الدين بن يغمور على دمشق مكان ابن مطروح وأمراء الدولة الأيوبية بها متوافرون فلما بلغهم استبداد الترك بمصر وولاية أيبك وبيعه المغيث بالكرك أمعنوا النظر في تلافي أمورهم وكبراء بني أيوب يومئذ بالشام الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين حلب وحمص وما إليها فاستدعوه وبايعوا له بدمشق وأغروه بطلب مصر واتصل الخبر للترك في مصر فاعتزموا على أن ينصبوا بعض بني أيوب فيكفوا به ألسنة النكير عنهم فبايعوا لموسى الذي كان أبوه يوسف صاحب اليمن وهو يوسف أطسز بن المسعود بن الكامل وهو يومئذ ابن ست سنين ولقبوه الأشرف وتزحزح له أيبك عن كرسي السلطان إلى رتبة الأتابكية واستمر الناصر على غلوائه في النهوض إلى مصر واستدعى ملوك الشام من بني أيوب فأقبل إليه موسى الأشرف الذي كان صاحب حمص وإسماعيل الصالح بن العادل صاحب بعلبك والمعظم توران شاه بن صلاح الدين وأخوه نصر الدين وابنا داود الناصر صاحب الكرك وهما الأمجد حسن والظاهر شادي وارتحل من دمشق سنة ثمان وأربعين وفي مقدمته أتابكه لؤلؤ الأرمني وبلغ الخبر إلى مصر فاضطرب الأمر ونادوا بشعار الخلافة والدعاء للمستعصم وجددوا البيعة على ذلك للأشرف وجهزوا العساكر وخرجوا للقائهم وسار في المقدمة أقطاي الجامدار وجمهور البحرية وتبعهم أيبك ساقة في العساكر والتقى الجمعان بالعباسية فانكشف عسكر مصر أولا وتبعهم أهل الشام وثبت المعز في القلب ودارت عليه رحى الحرب وهرب إليه جماعة من عسكر الناصر فيهم أمراء العزيزية ٥/٤٣١
مثل جمال الدين لا يدعون وشمس الدين أتسز اليرلي وشمس الدين أتسز الحسامي غضبوا من رياسة لؤلؤ عليهم فهربوا وبقي لؤلؤ في المعركة صامدا ثم حمل المعز على الناصر وأصحابه فانهزموا وإنفض عسكرهم وجيء بلؤلؤ الأتابكي أسيرا فقتله صبرا وبأمراء بني أيوب فحبسهم ورجع أيبك من الوقعة فوجد عساكر الناصر مجتمعين بالعباسية يظنون الغلب لهم فعدل إلى بلبيس ثم إلى القلعة ورجعت عساكر الشام من أتباع المنهزمين لما شعروا بهزيمة صاحبهم فلحقوا بالناصر بدمشق ودخل أيبك إلى القاهرة وحبس بني أيوب بالقلعة ثم قتل منهم إسماعيل الصالح ووزيره ابن يغمور الذي كان معتقلا من قبل ولما وصل الناصر إلى دمشق أزاح علل عساكره وعجل الكرة إلى مصر ونزل غزة سنة خمسين وبرزت عساكر مصر للقائه فتواقفوا مليا ثم وصل نجم الدين البادر إلى رسول المستعصم فأصلح بين الطائفتين على أن يكون القدس والساحل إلى نابلس للمعز والتخم بين المملكتين نهر الأردن وانعقد الأمر على ذلك ورجع كل إلى بلده وأخرج المعز عن أمراء بني أيوب الذين حبسهم يوم الوقعة والله سبحانه وتعالى أعلم.
واقعة العرب بالصعيد مع أقطاي
لما شغل الصالح بالإفرنج وما بعدهم عظم فساد العرب بالصعيد واجتمعوا على الشريف خضر الدين أبي ثعلب بن نجم الدين عمر بن فخر الدين إسماعيل بن حصن الدين ثعلب الجعفري من ولد جعفر بن أبي طالب الذين أجازوا من الحجاز لما غلبهم بنو عمهم بنواحي المدينة في الحروب التي كانت بينهم وأطاعه أعراب الصعيد كافة ولم يقدر على كفهم عن الراية واتصل ذلك وهلك الصالح واستبد الترك بمصر وشغلوا عنهم بما كان من مطالبة بني أيوب لهم فلما فرغ المعز أيبك من أمر الناصر وعقد الصلح معه بعث لحربهم فارس الدين أقطاي وعز الدين أيبك الأفرم أمير البحرية فساروا إليهم ولقوهم بنواحي أخميم فهزموهم وفر الشريف ناجيا بنفسه ثم قبض عليه بعد ذلك وقتل ورجعت العساكر الى القاهرة والله تعالى أعلم.
مقتل اقطاي الجامدار وفرار البحرية إلى الناصر ورجوع أيبك إلى كرسيه
كان اقطاي الجامدار من أمراء البحرية وعظمائهم ويلقب فارس الدين وكان رديفا للمعز أيبك في سلطانه وأتابكه وكان يغض من عنانه عن الطموح إلى الكرسي وكان يخفض من ٥/٤٣٢
جناحه للبحرية يتألفهم بذلك فيميلون له عن أيبك فاعتز في الدولة واستفحل أمره وأخذ من المعز الإسكندرية اقطاعا وتصرف في بيت المال وبعث فخر الدين محمد بن الناصر بهاء الدين بن حياء إلى المظفر صاحب حماة في خطبة ابنته فتزوجها وأطلق يده في العطاء والإقطاع فعم الناس وكثر تابعه وغص به المعز أيبك وأجمع قتله فاستدعاه بعض الأيام للقصر للشورى سنة اثنتين وخمسين وقد اكمن له ثلاثة من مواليه في ممره بقاعة الأعمدة وهم قطز وبهادل وسنجر فوثبوا عليه عند مروره بهم وبادروه بالسيوف وقتلوه لحينه واتصلت الهيعة بالبحرية فركبوا وطافوا بالقلعة فرمى إليهم برأسه فانفضوا واستراب أمراؤهم فاجتمع ركن الدين بيبرس البندقداري وسيف الدين قلاون الصالحي وسيف الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بنسر الشمسي وسيف الدين بلبان الرشيدي وسيف الدين تنكر وأخوه سيف الدين موافق ولحقوا بالشام فيمن انضم إليهم من البحرية واختفى من تخلف منهم واستصفيت أموالهم وذخائرهم وارتجع ما أخذه اقطاي من بيت المال ورد ثغر الإسكندرية إلى أعمال السلطان وانفرد المعز أيبك بتدبير الدولة وخلع موسى الأشرف وقطع خطبته وخطب لنفسه وتزوج شجرة الدر زوجة الصالح التي كانوا ملكوها من قبل واستخلص علاء الدين آيدغدي العزيزي وجماعة العزيزية وأقطعه دمياط ولما وصل البحرية وأمراؤهم إلى غزة كاتبوا الناصر يستأذنونه في القدوم وساروا إليه فاحتفل في مبرتهم وأغروه بملك مصر فأجابهم وجهز العساكر وكتب المعز فيهم إلى الناصر وطلبوا منه القدس والبلاد الساحلية فاقطعها لهم ثم سار الناصر إلى الغور وبرز إلى القاهرة في العزيزية ومن إليهم ونزل العباسية وتوافق الفريقان مدة ثم اصطلحوا ورجع كل إلى بلده سنة أربع وخمسين وبعث أيبك رسوله إلى المستعصم بطاعته وطلب الألوية والتقليد ولما رجع إلى مصر قبض على علاء الدين آيدغدي لاسترابته به وأعاد دمياط إلى أعمال السلطان واتصلت أحواله إلى أن هلك في الدولة والله تعالى أعلم.
فرار الافرم إلى الناصر بدمشق
كان عز الدين أيبك الأفرم الصالحي واليا على قوص واخميم وأعمالها فقوي أمره وهم بالاستبداد وأراد المعز عزله فامتنع عليه فبعث بعض الخوارزمية مددا له ودس إليهم الفتك به فلما وصلوا إليه استخدمهم وخلطهم بنفسه فاغتالوه وقبضوا عليه وتراموا إليه للحين فبطشوا بهم وقتلوهم وخلعوه ثم عزله بعد ذلك عز الدين الصميري في خدمته واستدعاه إلى مصر فأقام عنده ثم بعثه مع أقطاي إلى الصعيد وحضر ومعه الشريف أبو ثعلب والعرب كما مر ٥/٤٣٣
وعاد أقطاي إلى مكانه من الدولة وأوعز المعز أيبك إلى الأفرم بالمقام لتمهيد بلاد الصعيد وأن يكون الصميري في خدمته وبلغه وهو هناك أن المعز عدا على أقطاي وقتله وأن أصحابه البحرية فروا إلى الشام فاستوحش وأظهر العصيان واستدعى الشريف أبا ثعلب وتظاهر معه على الفساد وجمعوا الأعراب من كل ناحية ثم بعث المعز سنة ثلاث وخمسين شمس الدين اليرلي في العساكر فهزمهم واعتقل الشريف فلم يزل في محبسه إلى أن قتله الظاهر ونجا الأفرم في فل من مواليه إلى الواحات ثم اعتزم على قصد الشام فرجع إلى الصعيد مع جماعة من أعراب جذام مروا به على السويس والطور ورجع عنه مواليه إلى مصر ولما انتهى إلى غزة تولع به الناصر فأذنه بالقدوم عليه بدمشق وركب يوم وصوله فتلقاه بالكسوة وأعطاه خمسة آلاف دينار ولم يزل عنده بدمشق إلى أن هرب البحرية من الكرك إلى مصر كما يذكر فخشي أن يأخذه الناصر وكاتب الأتابك قطز بمصر وسار إليه فقبله أولا ثم قبض عليه بعد ذلك واعتقله بالإسكندرية وكان الصميري قد بقي بعد الافرم في ولاية الصعيد واستفحل فيه فسولت له نفسه الاستبداد ولم يتم له فهرب إلى الناصر سنة أربع وخمسين انتهى والله تعالى أعلم.
مقتل المعز أيبك وولاية ابنه علي المنصور
كان المعز أيبك عند ما استفحل أمره ومهد سلطانه ودفع الأعداء عن حوزته طمحت نفسه إلى مظاهرة المنصور صاحب حماة ولؤلؤ صاحب الموصل ليصل يده بهما وأرسل إليهما في الخطبة وأثار ذلك غيرة من زوجته شجرة الدر وأغرت به جماعة من الخصيان منهم محسن الخزري وخصى العزيزي ويقال سنجر الخادمان فبيتوه في الحمام بقصره وقتلوه سنة خمس وخمسين لثلاث سنين من ولايته وسمع مواليه الناعية من جوف الليل فجاءوا مع سيف الدين قطز وسنجر الغتمي وبهادر فدخلوا القصر وقبضوا على الجوجري فقتلوه وفر سنجر العزيزي إلى الشام وهموا بقتل شجرة الدر وقام الموالي الصالحية دونها فاعتقلوها ونصبوا للملك علي بن المعز أيبك ولقبوه المنصور وكان أتابكه علم الدين سنجر الحلي واشتمل موالي المعز على ابنه المنصور فكبسوا علم الدين سنجر واعتقلوه وولوا مكانه أقطاي المعزي الصالحي مولى العزيز على الدولة في نقضها وإبرامها سنة ست وخمسين وأغرته أم المنصور بالصاحب شرف الدين الغازي لأن المعز كان يستودعه سراياه عنده فاستصفاه وقتله وفي هذه السنة توفي زهير بن ٥/٤٣٤
علي المهلي وكان يكتب عن الصالح ويلازمه في سجنه بالكرك ثم صحبه إلى مصر والله تعالى أعلم.
نهوض البحرية بالمغيث صاحب الكرك وانهزامهم
قد ذكرنا فرار البحرية إلى الناصر ونهوضهم به إلى مصر وخروج أيبك إلى العباسية وما كان بينهما من الصلح فلما انعقد الصلح ورجع الناصر إلى دمشق ورجعوا عنه إلى قلعة ولم يرضوا الصلح فاستراب بهم الناصر وصرفهم عنه فلحقوا بغزة ونابلس وبعثوا إلى المغيث صاحب الكرك بطاعتهم فأرسل الناصر عساكره للإيقاع بهم فهزموهم فسار إليهم بنفسه فهزموه إلى البلقاء ولحقوا بالكرك وأطمعوا المغيث في مصر واستمدوه لها فأمدهم بعسكره وقصدوا مصر وكبراؤهم بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وبليان الرشيدي وبرز الأمير سيف الدين قطز بعساكر مصر إلى الصالحية فهزمهم وقتل بلغار الأشرفي وأسر قلاوون الصالحي وبليان الرشيدي وأطلق قلاوون بعد أيام في كفالة أستاذ الدار فاختفى ثم لحق بأصحابه واستحثوا المغيث إلى مصر فنهض في عساكره سنة ست وخمسين ونزل الصالحية وقدم إليه عز الدين الرومي والكافوري والهواشر ممن كان يكاتبه من أمراء مصر وبرز سيف الدين قطز في عساكر مصر والتقى الجمعان فانهزم المغيث ولحق في الفل بالكرك وفرت البحرية إلى الغور فوجدوا هنالك أحياء من الأكراد فروا من جبال شهرزور أمام التتر فاجتمعوا بهم والتحموا بالصهر معهم وخشي الناصر غائلة اجتماعهم فجهز العساكر من دمشق إليهم والتقوا بالغور فانهزمت عساكره فتجهز ثانيا بنفسه وسار إليهم فخاموا عن لقائه وافترقوا فلحق الأكراد بمصر واعترضهم التركمان في طريقهم بالعريش فأوقعوا بهم وخلصوا إلى مصر ولحق البحرية بالكرك مع عسكر المغيث ووعدهم بالنصر وأرسل إليه من دمشق في إسلامهم إليه وتوعده أنفسهم واضطربوا ففر بيبرس وقلاوون إلى الصحراء وأقاموا بها ثم لحقوا بمصر وأكرمهم الأتابك قطز وأقطعهم وأقاموا عنده ولما فر بيبرس وقلاوون من المغيث قبض على بقية أمراء البحرية سنقر الأشقر وشكر وبرابق وبعث بهم إلى ٥/٤٣٥
الناصر فحبسهم بقلعة حلب إلى أن استولى التتر عليها ونقلهم هلاكو إلى بلاده والله سبحانه وتعالى أعلم.
خلع المنصور علي بن أيبك واستبداد قطز بالملك
ثم كان ما ذكرناه ونذكره من زحف هلاكو إلى بغداد واستيلائه عليها وما بعدها إلى الفرات وفتحه ميافارقين وإربل ومسير لؤلؤ صاحب الموصل إليه ودخوله في طاعته ووفادة ابن الناصر صاحب دمشق إليه رسولا عن أبيه بالهدايا والتحف على سبيل المصانعة والعذر عن الوصول بنفسه خوفا على سواحل الشام من الإفرنج فارتاب الأمراء بشأنهم واستصغروا سلطانهم المنصور علي بن المعز أيبك عن مدافعة هذا العدو لعدم ممارسته للحروب وقلة دربته بالوقاع واتفقوا على البيعة لسيف الدين قطر المعزي وكان معروفا بالصرامة والإقدام فبايعوا له وأجلسوه على الكرسي سنة ست وخمسين ولقبوه المظفر وخلعوا المنصور لسنتين من ولايته وحبسوه وأخويه بدمياط ثم غربهما ولقبوه المظفر وخلعوا المنصور لسنتين من ولايته وحبسوه وأخويه بدمياط ثم غربهما الظاهر بعد ذلك إلى القسطنطينية وكان المتولون لذلك الصالحية والعزيزية ومن يرجع إلى قطز من المعزية وكان بهادر وسنجر الغتمي غائبين فلما قدما استراب بهما قطز وخشي من نكيرهما ومزاحمتهما فقبض عليهما وحبسهما وأخذ في تمهيد الدولة فاستوثقت له وكان قطز من أولاد الملوك الخوارزمية يقال أنه ابن أخت خوارزم شاه واسمه محمود بن مودود أسره التتر عند الحادثة عليهم وبيع واشتراه ابن الزعيم حكاه النووي عن جماعة من المؤرخين والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
استيلاء التتر على الشام وانقراض أمر بني أيوب ثم مسير قطز بالعساكر وارتجاعه الشام من أيدي التتر وهزيمتهم وحصول الشام في ملك الترك
ثم عبر هلاكو الفرات سنة ثمان وخمسين وفر الناصر وأخوه الظاهر إلى التيه ولحق بمصر المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر وملك هلاكو بلاد الشام واحدة واحدة وهدم أسوارها وولى عليها وأطلق المعتقلين من البحرية بحلب مثل سنقر الأشقر وشكر وبرابق واستخدمهم ثم قفل إلى العراق لاختلاف بين إخوته واستخلف على ٥/٤٣٦
الشام كتبغا من أكبر أمرائه في اثني عشر ألفا من العساكر وتقدم إليه بمطالعة الأشرف إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص بعد أن ولاه على مدينة دمشق وسائر مدن الشام واحتمل معه الناصر وابنه العزيز بعد أن استشاره في تجهيز العساكر بالشام لمدافعة أهل مصر عنها فهون عليه الأمر وقللهم في عينه فجهز كتبغا ومن معه ولما فصل سار كتبغا إلى قلعة دمشق وهي ممتنعة بعد فحاصرها وافتتحها عنوة وقتل نائبها بدر الدين بربدك وخيم بمرج دمشق وجاءه من ملوك الإفرنج بالساحل ووفد عليه الظاهر أخو الناصر صاحب صرخد فرده إلى عمله وأوفد عليه المغيث صاحب الكرك ابنه العزيز بطاعته فقبله ورده إلى أبيه واجتمعت عساكر مصر واحتشد المظفر العرب والتركمان وبعث إليهم بالعطايا وأزاح العلل وبعث كتبغا إلى المظفر قطز بأن يقيم طاعة هلاكو بمصر فضرب أعناق الرسل ونهض إلى الشام مصمما للقاء العدو ومعه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل وزحف كتبغا وعساكر التتر ومعه الأشرف صاحب حمص والسعيد صاحب الضبينة ابن العزيز بن العادل وبعث إليهما قطز يستميلهما فوعده الأشرف بالانهزام يوم اللقاء وأساء العزيز الرد على رسوله وأوقع به والتقى الفريقان بالغور على عين جالوت وتحيز الأشرف عند ما تناشبوا فانهزم التتر وقتل أميرهم كتبغا في المعركة وجيء بالسعيد صاحب الضبينة أسيرا فوبخه ثم قتله وجيء بالعزيز بن المغيث وأسر يومئذ الذي ملك مصر بعد ذلك ولقي العادل بيبرس المنهزمين في عسكر من الترك فأثخن فيهم وانتهى إلى حمص فلقي مددا من التتر جاء لكتبغا فاستأصلهم ورجع إليه الأشرف صاحب حمص من عسكر التتر فأقره على بلده وبعث المنصور على بلده حماة وأقره عليها ورد إليه المعرة وانتزع منه سليمة فأقطعها لأمير العرب مهنا بن مانع بن جديلة وسار إلى دمشق فهرب من كان بها من التتر وقتل من وجد بها من بقاياهم ورتب العساكر في البلاد وولى على دمشق علم الدين سنجر الحلي الصالحي وهو الذي كان أتابك علي بن أيبك ونجم الدين أبا الهيجاء ابن خشترين الكردي وولى على حلب السعيد ويقال المظفر علاء الدين بن لؤلؤ صاحب الموصل وكان وصل إلى الناصر بمصر هاربا أمام التتر وسار معه فلما دخل الناصر منها لحق هو بمصر وأحسن إليه قطز ثم ولاه الناصر على حلب الآن ليتوصل إلى أخبار التتر من أخيه الصالح بالموصل وولى على نابلس وغزة والسواحل شمس الدين دانشير اليرلي من أمراء العزيز محمد وهو أبو الناصر وكان هرب منه عند نهوضه إلى مصر في جماعة من العزيزية ولحق بأتابك ثم ارتاب بهم وقبض على بعضهم ورجع اليرلي في الباقين ٥/٤٣٧
إلى الناصر فاعتقله بقلعة حلب حتى سار إلى التتر فلما دخل إليها سار اليرلي مع العساكر إلى مصر فأكرمه المظفر وولاه الآن على السواحل وغزة وأقام المظفر بدمشق عشرين ليلة وأقبل إلى مصر ولما بلغ إلى هلاكو ما وقع بقومه في الشام واستيلاء الترك عليه اتهم صاحب دمشق بأنه خدعه في إشارته وقتله كما مر وانقرض ملك بني أيوب من الشام أجمع وصار لملوك مصر من الترك والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
مقتل المظفر وولاية الظاهر بيبرس
كان البحرية من حين مقتل أميرهم أقطاي الجامدار يتحينون لأخذ ثاره وكان قطز هو الذي تولى قتله فكان مستريبا بهم ولما سار إلى التتر ذهل كل منهم عن شأنه وجاء البحرية من القفر هاربين من المغيث صاحب الكرك فوثقوا لأنفسهم من السلطان قطز أحوج ما كان إلى أمثالهم من المدافعة عن الإسلام وأهله فأمنهم واشتمل عليهم وشهدوا معه واقعة التتر على عين جالوت وأبلغوا فيها والمقدمون فيهم يومئذ بيبرس البندقداري وأنز الأصبهاني وبليان الرشيدي وبكتون الجوكنداري وبند وغار التركي فلما انهزم التتر من الشام واستولوا عليه وحسر ذلك المد وأفرج عن الخائفين الروع عاد هؤلاء البحرية إلى ديدنهم من الترصد لثار أقطاي فلما قفل قطز من دمشق سنة ثمان وخمسين أجمعوا أن يبرزوا به في طريقهم فلما قارب مصر ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعوه وتقدم إليه أنز شفيعا في بعض أصحابه فشفعه فأهوى يقبل يده فأمسكها وعلاه بيبرس بالسيف فخر صريعا لليدين والفم ورشقه الآخرون بالسهام فقتلوه وتبادروا إلى المخيم وقام دون فارس الدين اقطاي على ابن المعز أيبك وسأل من تولى قتله منكم فقالوا بيبرس فبايع له وأتبعه أهل المعسكر ولقبوه الظاهر وبعثوا أيدمر الحلي بالخبر إلى القلعة بمصر فأخذ له البيعة على من هناك ووصل الظاهر منتصف ذي القعدة من السنة فجلس على كرسيه واستخلف الناس على طبقاتهم وكتب إلى الأقطار بذلك ورتب الوظائف وولى الأمراء وولى تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الوزارة مع القضاء واقتدى بآثار أستاذه الصالح نجم الدين ومبدأ أمر هذا الظاهر بيبرس أنه كان من موالي علاء الدين أيدكين البندقداري مولى الصالح فسخط عليه واعتقله وانتزع ماله ومواليه وكان منهم بيبرس فصيره مع الجامدارية وما زال يترقى في المراتب إلى أن تقدم في الحروب ورياسة المراكب ثم كان خبره بعد الصالح ما قصصناه انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم ٥/٤٣٨
انتقاض سنجر الحلي بدمشق ثم آقوش البرلي بحلب
ولما بلغ علم الدين سنجر بدمشق مقتل قطز وولاية الظاهر بيبرس انتقض ودعا لنفسه وجلس على التخت بدمشق وتلقب المجاهد وخطب لنفسه وضرب السكة باسمه وتمسك المنصور صاحب حماة بدعوة الظاهر وجاءت عساكر التتر إلى الشام فلما شارفوا البيرة جرد إليهم السعيد بن لؤلؤ من حلب عسكرا فهزمهم التتر وقتلوهم واتهم الأمراء العزيزية والناصرية ابن لؤلؤ في ذلك فاعتقلوه وقدموا عليهم حسام الدين الجوكنداري وأقره الظاهر وزحف التتر إلى حلب فملكوها وهرب حسام الدين إلى حماة ثم زحف إليها التتر فلحق صاحبها المنصور وأخوه علي الأفضل إلى حمص وبها الأشرف بن شيركوه واجتمعت إليه العزيزة والناصرية وقصدوا التتر سنة تسع وخمسين فهزموهم بعد هزيمتهم ونازلوا حماة وسار المنصور والأشرف صاحب حمص إلى سنجر الحلي بدمشق ولم يدخلا في طاعته لضعفه وسار التتر من حماة إلى أفامية فحاصروها يوما وعبروا الفرات إلى بلادهم وبعث بيبرس الظاهر صاحب مصر أستاذه علاء الدين البند قداري في العساكر لقتال سنجر الحلي بدمشق وقاتلهم فهزموه ولجأ إلى القلعة ثم خرج منها ليلا إلى بعلبك وأتبعوه فقبضوا عليه وبعثوه إلى الظاهر فاعتقله واستقر أيدكين بدمشق ورجع صاحب حمص وحماة إلى بلديهما وبعث الظاهر إلى أيدكين بالقبض على بهاء الدين بقري وشمس الدين أقوش اليرلي وغيرهما من العزيزية فقبض على بقري وفر العزيزية والناصرية مع أقوش اليرلي وطالبوا صاحب حمص وصاحب حماة في الانتقاض فلم يجيباهم إلى ذلك فقال لفخر الدين أطلب لي الظاهر المقدم معك في خدمتك وبينما هو يسير لذلك خالفه اليرلي إلى حلب وثار بها وجمع العرب والتركمان ونصب للحرب فجاءت العساكر من مصر فقاتلوه وغلبوه عليها ولحق بالبيرة فملكها واستقر بها حتى إذا جهر الظاهر عساكره سنة ستين إلى حلب مع سنقر الرومي سار معه صاحب حماة وصاحب حمص للإغارة على أنطاكية ولقيهم اليرلي وأعطاهم طاعته وأقره الظاهر على البيرة ثم ارتاب به بعد ذلك واعتقله ثم علاء الدين أيدكين البند قداري مولى السلطان بدمشق وولى عليها بيبرس الوزير ورجع والله ينصر من يشاء من عباده انتهى. ٥/٤٣٩
البيعة للخليفة بمصر ثم مقتله بالحديثة وغانة على يد التتر والبيعة للآخر الذي استقرت الخلافة في عقبه بمصر
لما قتل الخليفة عبد الله المستعصم ببغداد بقي رسم الخلافة الإسلامية عطلا بأقطار الأرض والظاهر متشوف إلى تجديده وعمارة دسته ووصل إلى مصر سنة تسع وخمسين عم المستعصم وهو أبو العباس أحمد بن الظاهر كان بقصورهم ببغداد وخلص يوم البيعة وأقام يتردد في الأحياء إلى أن لحق بمصر فسر الظاهر بقدومه وركب للقائه ودعا الناس على طبقاتهم إلى أبواب السلطان بالقلعة وأفرد بالمجلس أدبا معه وحضر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز فحكم باتصال نسبه بالشجرة الكريمة بشهادة العرب الواصلين به والخدم الناجعين من قصورهم ثم بايع له الظاهر والناس على طبقاتهم وكتب إلى النواحي بأخذ البيعة له والخطبة على المنابر ونقش اسمه في السكة ولقب المستنصر وأشهد هو حينئذ الملأ بتفويض الأمر للظاهر والخروج له عن العهد وكتب بذلك سجله وأنشأه فخر الدين بن لقمان كاتب الترسيل ثم ركب السلطان والناس كافة إلى خيمة بنيت خارج المدينة فقرئ التقليد على الناس وخلع على أهل المراتب والخواص ونادى السلطان بمظاهرته وإعادته إلى دار خلافته ثم خطب هذا الخليفة يوم الجمعة وخشع في منبره فأبكى الناس وصلى وانصرفوا إلى منازلهم ووصل على أثره الصالح إسماعيل بن لؤلؤ صاحب الموصل وأخوه إسحاق صاحب الجزيرة وقد كان أبوهما لؤلؤ استخدم لهلاكو كما مر وأقره على الموصل وما إليها وتوفي سنة سبع وخمسين وقد ولي ابنه إسماعيل على الموصل وابنه إسماعيل المجاهد على جزيرة ابن عمر وابنه السعيد على سنجار وأقرهم هلاكو على أعمالهم ولحق السعيد بالناصر صاحب دمشق وسار معه إلى مصر وصار مع قطز وولاه حلب كما مر ثم اعتقل ثم ارتاب هلاكو بالأخوين فأجفلا ولحقا بمصر وبالغ الظاهر في إكرامهم وسألوه في إطلاق أخيهم المعتقل فأطلقه وكتب لهم بالولاية على أعمالهم وأعطاهم الألوية وشرع في تجهيز الخليفة إلى كرسيه ببغداد فاستخدم له العساكر وأقام له الفساطيط والخيام ورتب له الوظائف وأزاح علل الجميع يقال أنفق في تلك النوبة نحوا من ألف ألف دينار ثم سار من مصر في شوال من السنة إلى دمشق ليبعث من هناك الخليفة وابني لؤلؤ إلى ممالكهم ووصل إلى دمشق ونزل بالقلعة وبعث بليان الرشيدي وشمس الدين سنقر إلى الفرات وصمم الخليفة لقصده وفارقهم وسار الصالح إسماعيل وأخواه إلى الموصل وبلغ الخبر إلى هلاكو فجرد العساكر إلى الخليفة وكبسوه بغانة والحديثة فصابرهم قليلا ثم ٥/٤٤٠
استشهد وبعث العساكر إلى الموصل فحاصروها تسعة أشهر حتى جهدهم الحصار واستسلموا فملكها التتر وقتلوا الصالح إسماعيل والظاهر خلال ذلك مقيم بدمشق وقد وفد عليه بنو أيوب من نواحي الشام وأعطوه طاعتهم المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص فأكرم وصلهما وولاهما على أعمالها وأذن لهما في اتخاذ الآلة وبسط حكمهما على بلاد الإسماعيلية وإلى المنصور تل باشر الذي اعتاضه عن حمص لما آخذها منه الناصر صاحب حلب ووفد على الظاهر أيضا بدمشق الزاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص وصاحب بعلبك والمنصور والسعيد ابنا الصالح إسماعيل بن العادل والأمجد بن الناصر داود والأشرف بن مسعود والظاهر بن المعظم فأكرم وفادتهم وقابل بالإحسان والقبول طاعتهم وفرض لهم الأرزاق وقرر الجرايات ثم قفل إلى مصر وأفرج عن العزيز بن المغيث الذي كان اعتقله قطز وأطلقه يوم الموقعة بالكرك وولى على أحياء العرب بالشام عيسى بن مهنا بن مانع بن جريلة من رجالاتهم ووفر لهم الإقطاع على حفظ السابلة إلى حدود العراق ورجع إلى مصر فقدم عليه رجل من عقب المسترشد من خلفاء بني العباس ببغداد اسمه أحمد فأثبت نسبه ابن بنت الأعز كالأول وجمع الظاهر الناس على مراتبهم وبايع له وفوض إليه هو الأمور وخرج إليه عن التدبير وكانت هذه البيعة سنة ستين ونسبه عند العباسيين في أدراج نسبهم الثابت أحمد بن أبي بكر علي بن أبي بكر بن أحمد بن الإمام المسترشد وعند نسابة مصر أحمد بن حسن بن أبي بكر بن الأمير أبي علي القتبي بن الأمير حسن بن الإمام الراشد بن الإمام المسترشد هكذا قال صاحب حماة في تاريخه وهو الذي استقرت الخلافة في عقبه بمصر لهذا العهد انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
فرار التركمان من الشام إلى بلاد الروم
كان التركمان عند دخول التتر إلى بلاد الشام كلهم قد أجفلوا إلى الساحل واجتمعت أحياؤهم بالجوكان قريبا من صفد وكان الظاهر لما نهض إلى الشام اعترضه رسل الإفرنج من يافا وبيروت وصفد يسألونه في الصلح على ما كان لعهد صلاح الدين فأجابهم وكتب به إلى الانبردور ملكهم ببلاد إفرنسة وراء البحر فكانوا في ذمة من الظاهر وعهد ووقعت بين الإفرنج بصفد وبين أحياء التركمان واقعة يقال أغار فيها أهل صفد عليهم فأوقع بهم التركمان وأسروا عدة من رؤسائهم وفادوهم بالمال ثم خشوا عاقبة ذلك من الظاهر فارتحلوا إلى بلاد الروم وأقفر الشام منهم والله تعالى ينصر من يشاء من عباده. ٥/٤٤١
انتقاض الأشرفية والعزيزية واستيلاء اليرلي على البيرة
كان هؤلاء العزيزية والأشرفية من أعظم جموع هؤلاء الموالي وكان مقدم الأشرفية بهاء الدين بقري ومقدم العزيزية شمس الدين أقوش وكان المظفر قطز قد أقطعه نابلس وغزة وسواحل الشام ولما ولي الظاهر انتقض عليه سنجر الحلي بدمشق وجهز أستاذه علاء الدين البندقداري في العساكر لقتاله وكان الأشرفية والعزيزية بحلب وقد انتقضوا على نائبها السعيد بن لؤلؤ كما مر فتقدم البندقداري باستدعائهم معه إلى دمشق ثم أضاف الظاهر بيسان لليرلي زيادة على ما بيده فسار وملك دمشق ثم أوعز الظاهر إلى البندقداري بالقبض على العزيزية والأشرفية فلم يتمكن الأمن بقرى مقدم الأشرفية وفارقه الباقون وانتقضوا واستولى شرف الدين اليرلي على البيرة وأقام بها وشن الغارات على التتر شرقي الفرات فنال منهم ثم جهز عساكره إليه مع جمال الدين بامو الحموي فهزمهم وأطلقهم وأقام الظاهر على استمالته بالترغيب والترهيب حتى جنح إلى الطاعة واستأذن في القدوم وسار بكباس الفخري للقائه فلقيه بدمشق سنة إحدى وستين ثم وصل فأوسعه السلطان يدا وعطاء والواصلين معه على مراتبهم واختصه بمراكبته ومشورته وسأله النزول عن البيرة فنزل عنها فقبلها الظاهر وأعاضه عنها والله سبحانه وتعالى أعلم.
استيلاء الظاهر على الكرك من يد المغيث وعلى حمص بعد وفاة صاحبها
لما قفل السلطان من الشام سنة ستين كما قدمناه جرد عسكرا إلى الشويك مع بدر الدين أيدمري فملكها وولى عليها بدر الدين بليان الخصي ورجع إلى مصر وكان عند المغيث بالكرك جماعة من الأكراد الذين اجفلوا من شهرزور أمام التتر إلى الشام وكان قد اتخذهم جندا لعسكرته فسرحهم للإغارة على الشويك ونواحيه فاعتزم السلطان على الحركة إلى الكرك مخافة المغيث وبعث بالطاعة واستأمن الأكراد فقبلهم الظاهر وأمن الأكراد فوصلوا إليه ثم سار سنة إحدى وستين إلى الكرك واستخلف على مصر سنجر الحلي واستخلف على غزة فلقي هنالك أم المغيث تستعطفه وتستأمن منه لحضور ابنها فأجابها وسار إلى بيسان فسار المغيث للقائه فلما وصل قبض عليه وبعثه من حينه إلى القاهرة مع آق سنقر الفارقاني وقتل بعد ذلك بمصر وولي على الكرك عز الدين أيدمر وأرسل نور الدين بيسري الشمسي ليؤمن أهل الكرك ٥/٤٤٢
ويرتب الأمور بها وأقام بالطور في انتظاره فأبلغ بيسري القصد من ذلك ورجع إليه فارتحل إلى القدس وأمر بعمارة مسجده ورجع إلى مصر وبلغه وفاة صاحب حمص موسى الأشرف ابن إبراهيم المنصور شيركوه المجاهد بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه وكانت وراثة له من آبائه أقطعه نور الدين العادل لجده أسد الدين ولم تزل في أيديهم وأخذها الناصر يوسف صاحب حلب سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل باشر وأعادها عليه هلاكو وأقره الظاهر توفي سنة إحدى وستين وصارت للظاهر وانقرض منها ملك بني أيوب والله سبحانه وتعالى أعلم.
هزيمة التتر على البيرة وفتح قيسارية وارسوف بعدها
ثم رجعت عساكر التتر الى البيرة مع ردمانة من أمراء المغل سنة ثلاث وستين فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق فجهز السلطان العساكر مع لوغان من أمراء الترك فساروا في ربيع من السنة وسار السلطان في أثرهم وانتهى الى غزة ولما وصلت العساكر الى البيرة وأشرفوا عليها والعدو يحاصرها أجفلت عساكر التتر وساروا منهزمين وخلفوا سوادهم وأثقالهم فنهبتها العساكر وارتحل السلطان من غزة وقصد قيسارية وهي للافرنج فنزل عليها عاشر جمادى من السنة فنصب المجانيق ودعا أهلها للحرب واقتحمها عليهم فهربوا الى القلعة فحاصرها خمسا وملكها عنوة وفر الافرنج منها ثم رحل في خف من العساكر الى عملها فشن عليها الغارة وسرح عسكرا الى حيفا فملكها عنوة وخربوها وقلعتها في يوم أو بعض يوم ثم ارتحل الى ارسوف فنازلها مستهل جمادى الأخيرة فحاصرها وفتحها عنوة وأسر الافرنج الذين بها وبعث بهم الى الكرك وقسم أسوارها على الأمراء فرموها وعمد الى ما ملك في هذه الغزاة من القرى والضياع والأرضين فقسمها على الأمراء الذين كانوا معه وكانوا اثنين وخمسين وكتب لهم بذلك وقفل الى مصر وبلغه الخبر بوفاة هلاكو ملك التتر في ربيع من السنة وولاية ابنه ابغا مكانه وما وقع بينه وبين بركة صاحب الشمال من الفتنة ولأول دخوله لمصر قبض على شمس الدين سنقر الرومي وحبسه وكانت الفتنة قبل غزاته بين عيسى بن مهنا ولحق زامل بعد ذلك بهلاكو ثم استأمن الى الظاهر فآمنه وعاد الى احيائه والله تعالى أعلم.
غزو طرابلس وفتح صفد
كانت طرابلس للافرنج وبها سمند بن البرنس الأشتر وله معها انطاكية وبلغ السلطان انه قد ٥/٤٤٣
تجهز للقتال فلقيه النائب بها علم الدين سنجر الباشقر وانهزم المسلمون واستشهد كثير منهم فتجهز السلطان للغزو وسار من مصر في شعبان سنة أربع وستين وترك ابنه السعيد عليا بالقلعة في كفالة عز الدين ايدمر الحلي وقد كان عهد لابنه السعيد بالملك سنة اثنتين وستين ولما انتهى الى غزة بعث العساكر صحبة سيف الدين قلاون آيدغدي العزيزي فنازل القليعات وحلب وعرقا من حصون طرابلس فاستأمنوا اليه وزحفت العساكر وسار السلطان الى صفد فحاصرها عشرا ثم اقتحمها عليهم في عشرين من رمضان السنة وجمع الافرنج الذين بها فاستلحمهم أجمعين وأنزل بها الحامية وفرض أرزاقهم في ديوان العطاء ورجع الى دمشق والله تعالى أعلم.
مسير العساكر لغزو الأرمن
هؤلاء الأرمن من ولد أخي إبراهيم عليه السلام من بني قوميل بن ناحور وناحور بن تارح وعبر عنه في التنزيل بآزر وناحور أخو إبراهيم عليه السلام ويقال أن الكرج اخوة الأرمن وارمينية منسوبة اليهم وآخر مواطنهم الدروب المجاورة لحلب وقاعدتها سيس ويلقب ملكهم التكفور وكان ملكهم صاحب هذه الدروب لعهد الملك الكامل وصلاح الدين من بعده اسمه قليج بن اليون واستنجد به العادل وأقطع له وكان يعسكر معه وصالحه صلاح الدين على بلاده ثم كان ملكهم لعهد هلاكو والتتر هيثوم بن قسطنطين ولعله من أعقاب قليج أو قرابته ولما ملك هلاكو العراق والشام دخل هيثوم في طاعته فأقره على سلطانه ثم أمره بالاغارة على بلاد الشام وأمده صاحب بلاد الروم من التتر وسار سنة اثنتين وستين ومعه بنو كلاب من أعراب حلب وانتهوا الى سيس وجهز الظاهر عساكر حماة وحمص فساروا اليهم وهزموهم ورجعوا الى بلادهم فلما رجع السلطان من غزاة طرابلس سنة أربع وستين سرح العساكر لغزو سيس وبلاد الأرمن وعليهم سيف الدين قلاون والمنصور صاحب حماة فساروا لذلك وكان هيثوم ملكهم قد ترهب ونصب للملك ابنه كيقومن فجمع كيقومن الأرمن وسار للقائهم ومعه أخوه وعمه وأوقع بهم المسلمون قتلا وأسرا وقتل أخوه وعمه في جماعة من الأرمن واكتسحت عساكر المسلمين بلادهم واقتحموا مدينة سيس وخربوها ورجعوا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والسبي وتلقاهم الظاهر من دمشق عند قارا فلما رآهم ازداد سرورا بما حصل لهم وشكا اليه هنالك الرعية ما لحقهم من عدوان الأحياء الرحالة وانهم ينهبون موجودهم ويبيعون ما يتخطفونه منهم من الافرنج بعكا فأمر باستباحتهم ٥/٤٤٤
وأصبحوا نهبا في أيدي العساكر بين القتل والأسر والسبي ثم سار الى مصر وأطلق كيقومن من ملك الأرمن وصالحه على بلده ولم يزل مقيما الى أن بعث أبوه في فدائه وبذل فيه الأموال والقلاع فأبى الظاهر من ذلك وشرط عليه خلاص الأمراء الذين أخذهم هلاكو من سجن حلب وهم سنقر الأشقر وأصحابه فبعث فيهم تكفر الى هلاكو فبعث بهم اليه وبعث الظاهر بابنه منتصف شوال وتسلم القلاع التي بذلت في فدائه وكانت من أعظم القلاع وأحصنها منها مرزبان ورعبان وقدم سنقر الأشقر على الظاهر بدمشق وأصبح معه في الموكب ولم يكن أحد علم بأمره وأعظم اليه السلطان النعمة ورفع الرتبة ورعى له السابقة والصحبة وتوفي هيثوم سنة ستين بعدها والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
مسير الظاهر لغزو حصون الافرنج بالشام وفتح يافا والشقيف ثم انطاكية
كان الظاهر عند ما رجع من غزاة طرابلس الى مصر أمر بتجديد الجامع الأزهر واقامة الخطبة به وكان معطلا منها منذ مائة سنة وهو أول مسجد أسسه الشيعة بالقاهرة حين اختطوها ثم خرج الى دمشق لخبر بلغه عن التتر ولم يثبت فسار من هنالك الى صفد وكان أمر عند مسيره بعمارتها وبلغه اغارة أهل الشقيف على الثغور فقصدها وشن الغارة على عكا واكتسح بسائطها حتى سأل الأفرنج منه الصلح على ما يرضيه فشرط المقاسمة في صيدا وهدم الشقيف واطلاق تجار من المسلمين كانوا أسروهم ودية بعض القتلى الذي أصابوا دمه وعقد الصلح لعشر سنين ولم يوفوا بما شرط عليهم فنهض لغزوهم ونزل فلسطين في جمادى سنة ست وستين وسرح العساكر لحصار الشقيف ثم بلغه مهلك صاحب يافا من الافرنج وملك ابنه مكانه وجاءت رسله اليه في طلب الموادعة فحبسهم وصبح البلد فاقتحمها ولجأ أهلها الى القلعة فاستنزلهم بالأمان وهدمها وكان أول من اختط مدينة يافا هذه صنكل من ملوك الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام سنة ثلاث وتسعين واربعمائة ثم مدنها وأتم عمارتها ريد افرنس المأسور على دمياط عند ما خلص من محبسه بدار بن لقمان ثم رجع الى حصن الشقيف فحاصره وافتتحه بالأمان وبث العساكر في نواحي طرابلس فاكتسحوها وخربوا عمرانها وكنائسها وبادر صاحب طرطوس بطاعة السلطان وبعث الى العساكر بالميرة وأطلق الأسرى الذين عنده ثلاثمائة أو يزيدون ثم ارتحل السلطان الى حمص وحماة يريد انطاكية ٥/٤٤٥
وقدم سيف الدين قلاون في العساكر فنازل انطاكية في شعبان فسار المنصور صاحب حماة وجماعة البحرية الذين كانوا بأحياء العرب في القفر وكان صاحب انطاكية سمند بن تيمند وكانت قاعدة ملك الروم قبل الإسلام اختطها انطيخس من ملوك اليونانيين واليه تنسب ثم صارت للروم وملكها المسلمون عند الفتح ثم ملكها الافرنج عند ما ساروا الى ساحل الشام أعوام التسعين والأربعمائة ثم استطردها صلاح الدين من البرنس ارناط الذي قتله في واقعة حطين كما مر ثم ارتجعها الافرنج بعد ذلك على يد البرنس الأشتر وأظنه صنكل ثم صارت لابنه تيمند ثم لابنه سمند وكان عند ما حاصرها الظاهر بطرابلس وكان بها كند اصطبل عم يغمور ملك الأرمن أفلت من الواقعة عليه بالذرابند واستقر بأنطاكية عند سمند فخرج في جموعه لقتال الظاهر فانهزم أصحابه وأسر كند اصطبل على أن يحمل أهل انطاكية على الطاعة فلم يوافقوه ثم جهدهم الحصار واقتحمها المسلمون عنوة وأثخنوا فيهم ونجا فلهم الى القلعة فاستنزلوا على الأمان وكتب الظاهر الى ملكهم سمند وهو بطرابلس وأطلق كند اصطبل وأقاربه الى ملكهم هيثوم بسيس ثم جمع الغنائم وقسمها وخرب قلعة انطاكية وأضرمها نارا واستأمن صاحب بغراس فبعث اليه سنقر الفارقي استاذ داره فملكها وأرسل صاحب عكا الى الظاهر في الصلح وهو ابن أخت صاحب قبرس فعقد له السلطان الصلح لعشر سنين ثم عاد الى مصر فدخلها ثالث أيام التشريق من السنة والله تعالى أعلم.
الصلح مع التتر
ثم نهض السلطان من مصر سنة سبع وستين لغزو الافرنج بسواحل الشام وخلف على مصر عز الدين ايدمر الحلي مع ابنه السعيد ولي عهده وانتهى الى ارسوف فبلغه أن رسلا جاءوا من عند ابغا بن هلاكو ومروا نقفور ملك الروم فبعث بهم الى فبعث أميرا من حلب لإحضارهم وقرأ كتاب ابغا نقفور تكفر في الصلح ويحتال فيما أذاعه من رسالته فأعاد رسله بجوابهم وأذن للامراء في الانطلاق الى مصر ورجع الى دمشق ثم سار منها في خف من العسكر الى القلاع وبلغه وفاة ايدمر الحلي بمصر فخيم بخربة اللصوص وأغذ السير الى مصر متنكرا منتصف شعبان في خف من التركمان وقد طوى خبره عن معسكره وأوهمهم القعود في ٥/٤٤٦
خيمته عليلا ووصل الى القلعة ليلة الثلاثاء رابعة سفره فتنكر له الحراس وطولع مقدم الطواشية فطلب منهم امارة على صدقهم فأعطوها ثم دخل فعرفوه وباكر الميدان يوم الخميس فسر به الناس ثم قضى حاجة نفسه وخرج ليلة الإثنين عائدا الى الشام كما جاء فوصل الى مخيمه ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان وفرح الأمراء بقدومه ثم فرق البعوث في الجهات وأغاروا على صور وملكوا احدى الضياع وساحوا في بسيط كركو فاكتسحوها وامتلأت أيديهم بالغنائم ورجعوا والله تعالى أعلم.
استيلاء الظاهر على صهيون
كان صلاح الدين بن أيوب قد أقطعها يوم فتحها وهي سنة أربع وثمانين وخمسمائة لناصر الدين منكبرس فلم تزل بيده الى أن هلك وولي فيها بعده ابنه مظفر الدين عثمان وبعده ابنه سيف الدين بن عثمان واستبد الترك بمصر وبعث سيف الدين أخاه عماد الدين سنة ستين بالهدايا الى الملك الظاهر بيبرس فقبلها وأحسن اليه ثم مات سيف الدين سنة تسع وستين وكان أوصى أولاده بالنزول للظاهر عن صهيون فوفد ابناه سابق الدين وفخر الدين على السلطان بمصر فأكرمهما وأقطعهما وولى سابق الدين منهما أميرا وولى على صهيون من قبله ولم يزل كذلك الى أن غلب عليها سنقر الأشقر عند ما انتقض بدمشق أيام المنصور والله تعالى أعلم.
نهوض الظاهر الى الحج
ثم بلغ الظاهر أن أبا نمي بن أبي سعد بن قتادة غلب عمه إدريس بن قتادة على مكة واستبد بها وخطب للظاهر فكتب له بالامارة على مكة واعتزم على النهوض الى الحج وتجهز لذلك سنة سبع وستين وأزاح علل أصحابه وشيع العساكر مع آقسنقر الفارقاني استاذ داره الى دمشق وسار الى الكرك موريا بالصيد وانتهى الى الشويك ورحل منه لإحدى عشرة ليلة من ذي القعدة ومر بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم فأحرم من ميقاتها وقدم مكة لخمس من ذي الحجة وغسل الكعبة بيده وحمل لها الماء على كتفه وأباح للمسلمين دخولها وأقام على بابها يأخذ بأيديهم ثم قضى حجه ومناسكه وولى نائبا على مكة شمس الدين مروان وأحسن الى الأمير أبي نمي والى صاحب ينبع وخليص وسائر شرفاء الحجاز وكتب الى صاحب اليمن: اني بمكة وقد وصلتها في سبع عشرة خطوة ثم فصل من ٥/٤٤٧
مكة ثالث عشر ذي الحجة فوصل المدينة على سبعة أيام ووصل الى الكرك منسلخ السنة ثم وصل دمشق غرة ثمان وستين وسار الى زيارة القدس وقدم العساكر مع الأمير آقسنقر الى مصر وعاد من الزيارة فأدركهم بتل العجول ووصل القلعة ثالث صفر من السنة والله تعالى أعلم.
اغارة الافرنج والتتر على حلب ونهوض السلطان اليهم
كان صمغان من أمراء التتر مقيما ببلاد الروم وأميرا عليها فوقعت المراسلة بينه وبين الافرنج في الاغارة على بلاد الشام وجاء صمغان في عسكره لموعدهم فأغار على أحياء العرب بنواحي حلب وبلغ الخبر الى الظاهر سنة ثمان وستين وهو يتصيد بنواحي الاسكندرية فنهض من وقته الى غزة ثم الى دمشق ورجع التتر على أعقابهم ثم سار الى عكا فاكتسح نواحيها وأثخن فيها وفعل كذلك بحصن الأكراد ورجع الى دمشق آخر رجب ثم الى مصر ومر بعسقلان فخربها وطمس آثارها وجاءه الخبر بمصر بأن الفرنسيس لويس بن لويس وملك انكلترة وملك اسكوسنا وملك نودل وملك برشلونة وهو ريدراكون وجماعة من ملوك الافرنج جاءوا في الاساطيل الى صقلية وشرعوا في الاستكثار من الشواني وآلة الحرب ولم يعرف وجه مذهبهم فاهتم الظاهر بحفظ الثغور والسواحل واستكثر من الشواني والمراكب ثم جاء الخبر الصحيح بأنهم قاصدون تونس فكان من خبرهم ما نذكره في دولة السلطان بها من بني أبي حفص والله تعالى أعلم.
فتح حصن الأكراد وعكا وحصون صور
ثم سار السلطان سنة تسع وستين لغزو بلاد الافرنج وسرح ابنه السعيد في العساكر الى المرقب لنظر الأمير قلاون وببعلبك الخزندار وسار هو الى طرابلس فاكتسحوا سائر تلك النواحي لحصن الأكراد عاشر شعبان من السنة فحاصره السلطان عشرا ثم اقتحمت أرباضه وانحجر الافرنج في قلعته واستأمنوا وخرجوا الى بلادهم وملك الظاهر الحصون وكتب الى صاحب الأستبار بالفتح وهو بطرسوس وأجاب بطلب الصلح فعقد له على طرسوس ٥/٤٤٨
والمرقب وارتحل السلطان عن حصن الأكراد بعد أن شحنه بالأقوات والحامية ونازل حصن عكا واشتد في حصاره واستأمن أهله اليه وملكه ثم ارتحل بعد الفطر الى طرابلس واشتد في قتالها وسأل صاحبها البرنس الصلح فعقد له على ذلك لعشر سنين ورجع الى دمشق ثم خرج آخر شوال الى العليقة وملك قلعته بالأمان على أن يتركوا الأموال والسلاح واستولى عليه وهدمه وسار الى اللجون وبعث اليه صاحب صور في الصلح على أن ينزل له عن خمس من قلاعه فعقد له الصلح لعشر سنين وملكها ثم كتب الى نائبة بمصر أن يجهز عشرة من الشواني الى قبرس فجهزها ووصلت ليلا الى قبرس والله أعلم.
استيلاء الظاهر على حصون الإسماعيلية بالشام
كان الإسماعيلية في حصون من الشام قد ملكوها وهي مصياف والعليقة والكهف والمنيفة والقدموس وكان كبيرهم لعهد الظاهر نجم الدين الشعراني وكان قد جعل له الظاهر ولايتها ثم تأخر عن لقائه في بعض الأوقات فعزله وولى عليها خادم الدين بن الرضا على أن ينزل له عن حصن مصياف وأرسل معه العساكر فتسلموه منه ثم قدم عليه سنة ثمان وستين وهو على حصن الأكراد وكان نجم الدين الشعراني قد أسن وهرم فاستعتب وأعتبه الظاهر وعطف عليه وقسم الولاية بينه وبين ابن الرضا وفرض عليهما مائة وعشرين ألف درهم يحملانها في كل سنة ولما رجع سنة تسع وستين وفتح حصن الأكراد مر بحصن العليقة من حصونهم فملكه من يد ابن الرضى منتصف شوال من السنة وأنزل به حامية ثم سار لقتال التتر على البيرة كما يذكر ورجع الى مصر فوجد الإسماعيلية قد نزلوا على الحصون التي بقيت بأيديهم وسلموها لنواب الظاهر فملكوها وانتظمت قلاع الإسماعيلية في ملكة الظاهر وانقرضت منها دعوتهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
حصار التتر البيرة وهزيمتهم عليها
ثم بعث ابغا بن هلاكو العساكر الى البيرة سنة احدى وسبعين مع درباري من مقدمي أمرائه فحاصرها ونصب عليها المجانيق وكان السلطان بدمشق فجمع العساكر من مصر والشام وزحف الى الفرات وقد جهز العساكر على قاصيته فتقدم الأمير قلاون وخالط التتر عليها في ٥/٤٤٩
مخيمهم فجالوا معه ثم انهزموا وقتل مقدمهم وخاض السلطان بعساكره بحر الفرات اليهم فأجفلوا وتركوا خيامهم بما فيها وخرج أهل البيرة فنهبوا سوادهم وأحرقوا آلات الحصار ووقف السلطان بساحتها قليلا وخلع على النائب بها لحق درباري بسلطانه ابغا مفلولا فسخطه ولم يعتبه والله تعالى ولى التوفيق.
غزوة سيس وتخريبها
ثم نهض الظاهر من مصر لغزو سيس في شعبان سنة ثلاث وسبعين وانتهى الى دمشق في رمضان وسار منها وعلى مقدمته الأمير قلاون وبدر الدين ببليك الخازندار فوصلوا الى المصيصة وافتتحوها عنوة وجاء السلطان على أثرهم وسار بجميع العساكر الى سيس بعد أن كنف الحامية بالبيرة خوفا عليها من التتر وبعث حسام الدين العنتابي ومهنا بن عيسى أمير العرب بالشام للاغارة على بلاد التتر من ناحيتها وسار إلى سيس فخربها وبث السرايا في نواحيها فانتهوا الى بانياس وأذنة واكتسحوا سائر الجهات ووصل الى دربند الروم وعاد الى المصيصة في التعبية فأحرقها ثم انتهى الى انطاكية فأقام عليها حتى قسم الغنائم ثم رحل الى القصر وكان للافرنج خالصا لتبركهم برومة الذي يسمونه البابا فافتتحه ولقيه هنالك حسام الدين العنتابي ومهنا بن عيسى راجعين من اغارتهم وراء الفرات ثم بلغه مهلك البرنس سمند بن تيمند صاحب طرابلس فبعث الظاهر بليان الدوادار ليقرر الصلح مع بنيه فقرره على عشرين ألف دينار وعشرين أسيرا كل سنة وحضر لذلك صاحب قبرس وكان جاء معزيا لبني البرنس ورجع الدوادار الى الظاهر فقفل الى دمشق منتصف ذي الحجة والله تعالى ينصر من شاء من عباده.
إيقاع الظاهر بالتتر في بلاد الروم ومقتل البرواناة بمداخلته في ذلك
كان علاء الدين البرواناة متغلبا على غياث الدين كنجسرو صاحب بلاد الروم من بني قليج ارسلان وقد غلب التتر على جميع ممالك بلاد الروم وأبقوا على كنجسرو اسم الملك في كفالة البرواناة وأقاموا أميرا من أمرائهم ومعه عسكر التتر حامية بالبلاد ويسمونه بالشحنة وكان أول ٥/٤٥٠
أمير من التتر ببلاد الروم بيكو وهو الذي افتتحها وبعده صمغان وبعده توقوو وتدوان شريكين في أمرهما لعهد الملك الظاهر وكان البرواناة يتأفف من التتر لاستطالتهم عليه وسوء ملكهم ولما استفحل أمر الظاهر بمصر والشام أمل البرواناة الظهور على التتر والكرة لبني قليج ارسلان بممالأة الظاهر فداخله في ذلك وكاتبه وزحف ابغا ملك التتر الى البيرة سنة أربع وسبعين وخرج الظاهر بالعساكر من دمشق وكاتبه البرواناة يستدعيه وأقام الظاهر على حمص وأرسل اليه البرواناة يستحثه للقاء التتر وعزم ابغا على البرواناة في الوصول فاعتذر ثم رحل متثاقلا وكتب اليه الأمراء بعده بأن الظاهر قد نهض الى بلاد الروم بوصيته اليه بذلك فبعث ابغا واستمده فأمده بعساكر المغل وأمره بالرجوع لمدافعة الظاهر فرجع ووجد جماعة من الأمراء قد كاتبوا الظاهر واستحثوه للقدوم فسقط في أيديهم وحيل بينهم وبين مرامهم ورجع الى مصر في رجب من السنة وأقام بها حولا. ثم لحق توقوو وتدوان أمير التتر ببلاد الروم وسار الى الثغور بالشام وبلغ السلطان خبرهما فسار من مصر في رمضان سنة خمس وسبعين وقصد بلاد الروم وانتهى الى النهر الأزرق فبعث شمس الدين سنقر الأشقر فلقي مقدمة التتر فهزمهم ورجع الى السلطان وساروا جميعا فلقوا التتر على البلنشين ومعهم علاء الدين البرواناة في عساكره فهزمهم وقتل الأمير توقوو وتدوان وفر البرواناة وسلطانه كنجسرو لما كان منفردا عنهم وأسر كثير من المغل منهم سلار بن طغرل ومنهم قفجاق وجاروصي وأسر علاء الدين بن معين الدين البرواناة وقتل كثير منهم ثم رحل السلطان الى قيسارية فملكها وأقام عليها ينتظر البرواناة لموعد كان بينهما وأبطأ عليه وقفل راجعا ورجع خبر الهزيمة الى ابغا ملك التتر واطلع من بعض عيونه على ما كان بين البرواناة والظاهر من المداخلة فتنكر للبرواناة وجاء لوقته حتى وقف على موضع المعركة وارتاب لكثرة القتلى من المغل وأن عسكر الروم لم يصب منهم أحد فرجع على بلادهم بالقتل والتخريب والاكتساح وامتنع كثير من القلاع ثم أمنهم ورجع وسار معه البرواناة وهم بقتله أولا ثم رجع لتخليته لحفظ البلاد فأعول نساء القتلى من المغل عند بابه فرحم لبكائهن وبعث أميرا من المغل فقتله في بعض الطريق والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه وأحكم.
وفاة الظاهر وولاية ابنه السعيد
ولما رجع السلطان من واقعته بالتتر على البلستين وقيسارية طرقه المرض في محرم سنة ست وسبعين وهلك من آخره وكان ببليك الخزندار مستوليا على دولته فكتم موته ودفنه ورجع ٥/٤٥١
بالعساكر الى مصر فلما وصل القلعة جمع الناس وبايع لبركة بن الملك الظاهر ولقبه السعيد وهلك ببليك اثر ذلك فقام بتدبير الدولة استاذ داره شمس الدين الفارقاني وكان نائب مصر أيام مغيب الظاهر بالشام واستقامت أموره ثم قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بيسري من أمراء الظاهر بسعاية بطانته الذين جمعهم عليه لأول ولايته وكانوا من أوغاد الموالي وكان يرجع اليهم لمساعدتهم له على هواه وصارت شبيبته ولما قبض على هذين الأميرين نكر ذلك عليه خاله محمد بن بركة خان فاعتقله معهما فاستوحشت أمه لذلك فأطلق الجميع فارتاب الأمراء وأجمعوا على معاتبته فاستعتب واستحلفوه ثم أغراه بطانته بشمس الدين الفارقاني مدبر دولته فقبض عليه واعتقله وهلك لايام من اعتقاله وولى مكانه شمس الدين سنقر الالفي ثم سعى أولئك البطانة به فعزله وولى مكانه سيف الدولة كونك الساقي صهر الأمير سيف الدين قلاون على أخت زوجته بنت كرمون كان أبوها من أمراء التتر قد خرج الى الظاهر واستقر عنده وزوج بنته من الأمير قلاون وبنته الأخرى من كوزبك ثم حضر عند السعيد لاشين الربعي من حاشيته وغلب على هراة واستمال أهل الدولة بقضاء حاجاتهم واستمر معروفه لهم واستمر الحال على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.
خلع السعيد وولاية أخيه شلامش
ولما استقر السعيد بملكه في مصر أجمع المسير إلى الشام للنظر في مصالحه فسار لذلك سنة سبع وسبعين فاستقر بدمشق وبعث العساكر الى الجهات وسار قلاون الصالحي وبدر الدين بيسري الى سيس زين له ذلك لاشين الربعي والبطانة الذين معه وأغروه بالقبض عليهم عند مرجعهم ثم حدث بين هؤلاء البطانة وبين النائب سيف الدين كونك وحشة وآسفوه بما يلقون فيه عند السلطان فغضب لذلك وسارت العساكر فأغاروا على سيس واكتسحوا نواحيها ورجعوا فلقيهم النائب كونك وأسر اليهم ما أضمر لهم السلطان فخيموا بالمرج وقعدوا عن لقاء السلطان وبعثوا اليه بالعذل في بطانته وأن ينصف نائبة منهم فأعرض عنهم ودس لموالي أبيه أن يعاودوهم اليه فأطلعوهم على كتابه فزادهم ضغنا وصرحوا بالانتقاض فبعث اليهم سنقر الأشقر وسنقر التركيتي استاذ داره بالاستعطاف فردوهما فبعث أمه بنت بركة خان فلم يقبلوها وارتحلوا الى القاهرة فوصلوها في محرم سنة ثمان وسبعين وبالقلعة عز الدين ايبك الافرم الصالحي أمير جندار وعلاء الدين اقطوان الساقي وسيف الدين بليان أستاذ داره فضبطوا أبواب القاهرة ومنعوهم من الدخول وترددت المراسلة بينهم وخرج ايبك الافرام ٥/٤٥٢
واقطوان ولاشين التركماني للحديث فتقبضوا عليهم ودخلوا الى بيوتهم ثم باكروا القلعة بالحصار ومنعوا عنها الماء وكان السعيد بعد منصرفهم من دمشق سار في بقية العساكر واستنفر الاعراب وبث العطاء وانتهى الى غزة فتفرقت عنه الاعراب واتبعهم الناس ثم انتهى الى بلبيس ورأى قلة العساكر فرد عن الشام مع عز الدين ايدمر الظاهري الى دمشق والنائب بها يومئذ اقوش فقبض عليه وبعث به الى الأمراء بمصر ولما رحل السعيد من بلبيس الى القلعة اعتزل عنه سنقر الأشقر وسار الأمراء في العساكر لاعتراضه دون القلعة وألقى الله عليه حجابا من الغيوم المتراكمة فلم يهتدوا الى طريقه وخلص الى القلعة وأطلق علم الدين سنجر الحنفي من محبسه ليستعين به ثم اختلف عليه بطانته وفارقه بعضهم فرجع الى مصانعة الأمراء بأن يترك لهم الشام أجمع فأبوا إلا حبسه فسألهم أن يعطوه الكرك فأجابوه وحلفهم على الأمان وحلف لهم أن لا ينتقض عليهم ولا يداخل أحدا من العساكر ولا يستميله فبعثوه من حينه الى الكرك وكتبوا الى النائب بها علاء الدين ايدكز الفخري أن يمكنه منها ففعل واستمر السعيد بالكرك وقام بدولته ايدكز الفخري واجتمع الأمراء بمصر وعرضوا الملك على الأمير قلاون وكان أحق به فلم يقبل وأشار الى شلامش بن الظاهر وهو ابن ثمان سنين فنصبوه للملك في ربيع سنة ثمان وسبعين ولقبوه بدر الدين وولى الأمير قلاون أتابك الجيوش وبعث مكان جمال الدين اقوش نائب دمشق بتسلمها منه وسار اقوش الى حلب نائبا وولى قلاون في الوزارة برهان الحصري السنحاوي وجمع المماليك الصالحية ووفر اقطاعاتهم وعمر بهم مراتب الدولة وأبعد الظاهرية وأودعهم السجون ومنع الفساد ولم يقطع عنهم رزقا الى أن بلغ العقاب فيهم أجله فأطلقهم تباعا واستقام أمره والله تعالى أعلم.
خلع شلامش وولاية المنصور قلاون
أصل هذا السلطان قلاون من القفجاق ثم من قبيلة منهم يعرفون برج أعلى وقد مر ذكرهم وكان مولى لعلاء الدين آقسنقر الكابلي مولى الصالح نجم الدين أيوب فلما مات علاء الدين صار من موالي الصالح وكان من نفرتهم واستقامتهم ما قدمناه ثم قدم الى مصر في دولة المظفر قطز مع الظاهر بيبرس ولما ملك الظاهر قربه واختصه وأصهر اليه ثم بايع لابنه السعيد من بعده ولما استوحش الأمراء من السعيد وخلعوه رغبوا من الأمير قلاون في الولاية عليهم كما قدمناه ونصب أخاه شلامش بن الظاهر فوافقه الأمراء على ذلك طواعية له واتصلت رغبتهم في ولايته مدة شهرين حتى أجابهم الى ذلك فبايعوه في جمادى سنة ثمان وسبعين ٥/٤٥٣
فقام بالأمر ورفع كثيرا من المكوس والظلامات وقسم الوظائف بين الأمراء وولى جماعة من مماليكه إمرة الألوف وزادهم في الأقطاعات وأفرج لوقته عن عز الدين ايبك الافرم الصالحي وولاه نائبا بمصر ثم استبقاه فأعفاه وولى مملوكه حسام الدين طرنطاي مكانه ومملوكه علم الدين سنجر الشجاعي رئاسة الدواوين وأقر الصاحب برهان الدين السنجاري في الوزارة ثم عزله بفخر الدين إبراهيم بن لقمان وبعث عز الدين ايدمر الظاهري الذي كان اعتقله جمال الدين اقوش حين رجع بعساكر الشام عن السعيد بن الظاهر من بلبيس فجيء به مقيدا واعتقله والله تعالى ولى التوفيق.
انتقاض السعيد بن الظاهر بالكرك ووفاته وولاية أخيه خسرو مكانه
ولما ملك السلطان قلاون شرع السعيد بالكرك وكاتب الأمراء بمصر والشام في الانتقاض وخاطبه السلطان بالعتاب على نقض العهد فلم يستعتب وبعث عساكره مع حسام الدين لاشين الجامدار الى الشويك فاستولى عليها فبعث السلطان نور الدين ببليك الايدمري في العساكر فارتدها في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وقارن ذلك وفاة السعيد بالكرك واجتمع الأمراء الذين بها ومقدمهم نائبة ايدكين الفخري وقال ايدكين أن نائبة كان ايدغري الحراني فنصبوا أخاه خسرو ولقبوه المسعود نجم الدين واستولى الموالي على رأيه وأفاضوا المال من غير تقدير ولا حساب حتى أنفقوا ما كان بالكرك من الذخيرة التي ادخرها الملك الظاهر وبعض أمراء الشام في الخلاف وبعثوا العساكر فاستولوا على الصليب وحاصروا صرخد فامتنعت وكاتبوا سنقر الأشقر المتظاهر على الخلاف فبعث السلطان ايبك الافرم في العساكر لحصار الكرك فحاصرها وضيق عليها ثم سأل المسعود في الصلح على ما كان الناصر داود بن المعظم فأجابه السلطان قلاون وعقد له ذلك ثم انتقض ثانية ونزع عنه نائبة علاء الدين ايدغري الحراني ونزع عنه الى السلطان فصدق ما نقل عنه من ذلك ثم بعث السلطان سنة خمس وثمانين نائبة حسام الدين طرنطاي في العساكر لحصار الكرك فحاصروها واستنزل المسعود وأخاه شلامش منها على الأمان وملكها وجاء بهما الى السلطان قلاون فأكرمهما وخلطهما بولده الى أن توفي فغربهما الأشرف الى القسطنطينية. ٥/٤٥٤
انتقاض سنقر الأشقر بدمشق وهزيمته ثم امتناعه بصهيون
كان شمس الدين سنقر الأشقر لما استقر في نيابة دمشق أجمع الانتقاض والاستبداد وتسلم القلاع من الظاهرية وولى فيها وطالب المنصور قلاون دخول الشام بأسرها من العريش الى الفرات في ولايته وزعم أنه عاهده على ذلك وولى السلطان على قلعة دمشق مولاه حسام الدين لاشين الصغير سلحدارا في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين فنكر ذلك سنقر وانتقض ودعا لنفسه ثم بلغه خبر قلاون وجلوسه على التخت فدعا الأمراء وأشاع أن قلاون قتل واستحلفهم على منعته وحبس من امتنع من اليمين وتلقب الكامل وذلك في ذي الحجة من السنة وقبض على لاشين نائب القلعة وجهز سيف الدين الى الممالك الشامية والقلاع للاستحلاف وولى في وزارة الشام مجد الدين إسماعيل بن كسيرات وسكن سنقر بالقلعة ثم بعث السلطان ايبك الأفرم بالعساكر الى الكرك لما توفي السعيد صاحبها وانتهى الى غزة واجتمع اليه ببليك الايدمري منقلبا من الشويك بعد فتحه فحذرهم سنقر الأشقر وخاطب الأفرم يتجنى على السلطان بأنه لم يفرده بولاية الشام وولى في قلعة دمشق وفي حلب وبعث الأفرم بالكتاب الى السلطان قلاون فأجابه وتقدم الى الأفرم أن يكاتبه بالعزل فيما فعله وارتكبه فلم يرجع عن شأنه وجمع العساكر من عمالات الشام واحتشد العربان وبعثهم مع قراسنقر المعري الى غزة فلقيهم الأفرم وأصحابه وهزموهم وأسروا جماعة من أمرائهم وبعثوا بهم الى السلطان قلاون فأطلقهم وخلع عليهم ولما وصلت العساكر مفلولة الى دمشق عسكر سنقر الأشقر بالمرج وكاتب الأمراء بغزة يستميلهم وبعث السلطان العساكر بمصر مع علم الدين سنجر لاشين المنصوري وبدر الدين بكتاش الفخري السلحدار فساروا الى دمشق فلقيهم الأشقر على الجسر بالكسرة فهزموه في صفر سنة تسع وسبعين وتقدموا الى دمشق فملكوها وأطلق علم الدين سنجر لاشين المنصوري من الاعتقال وولاه نيابة دمشق وولى على القلعة سيف الدين سنجار المنصوري وكتب الى السلطان بالفتح وسار سنقر الى الرحبة فامتنع عليه نائبها فسار الى عيسى بن مهنا ورجع عنه الى الفل وكاتبوا ابغا ملك التتر واستحثوا ملك الشام يستميلونه فلم يجب وبعث اليه العساكر فأجفلوا الى صهيون وملكها سنقر وملك معها شيزر وبعث السلطان العساكر لحصار شيزر مع عز الدين الأفرم فحاصرها وجاءت الأخبار بزحف ابغا ملك التتر الى الشام في مواعدة سنقر وابن مهنا واستدعى صغار صاحب ٥/٤٥٥
بلاد الروم فيمن معه من المغل وانه بعث بيدو ابن أخيه طرخان صاحب ماردين وصاحب سيس من ناحية أذربيجان وجاء هو على طريق الشام وفي مقدمته أخوه منكوتمر فلما تواترت الأخبار بذلك أفرج الأفرم عن حصار شيزر ودعا الأشقر الى مدافعة عدو المسلمين فأجابه ورفع عن موالاة ابغا وسار من صهيون للاجتماع بعساكر المسلمين وجمع السلطان العساكر بمصر وسار الى الشام واستخلف على مصر ابنه أبا الفتح عليا بعد أن ولاه عهده وقرأ كتابه بذلك على الناس وخرج لجمع العساكر في جمادى سنة تسع وسبعين وانتهى الى غزة ووصل التتر الى حلب وقد أجفل عنها أهلها وأقفرت منازلها فأضرموا النار في بيوتها ومساجدها وتولى كبر ذلك صاحب سيس والأرمن وبلغهم وصول السلطان الى غزة فأجفلوا راجعين الى بلادهم وعاد السلطان الى مصر بعد ان جرد العساكر الى حمص وبلاد السواحل بحمايتها من الأفرنج ورجع سنقر الأشقر الى صهيون وفارقه كثير من عسكره فلحقوا بالشام وأقام معه سنجر الدوادار وعز الدين اردين والأمراء الذين مكنوه من قلاع الشام عند انتقاضه والله سبحانه وتعالى أعلم.
مسير السلطان لحصار المرقب ثم الصلح معهم ومع سنقر الأشقر بصهيون ومع بني الظاهر بالكرك
كان الافرنج الذين بحصن المرقب عند ما بلغهم هجوم التتر على الشام شنوا الغارات في بلاد المسلمين من سائر النواحي فلما رجع التتر عن الشام استأذن بليان الطباخي صاحب حصن الأكراد في غزوهم وسار اليهم في حامية الحصون بنواحيه وجمع التركمان وبلغ حصن المرقب ووقف أسفله واستطرد له أهل الحصن حتى تورط في أوعار الجبل ثم هجموا عليه دفعة فانهزم ونالوا من المسلمين وبلغ الخبر الى السلطان فخرج من مصر لغزوهم آخر سنة تسع وسبعين واستخلف ابنه مكانه وانتهى الى الروحاء فوصله هنالك رسل الافرنج في تقرير الهدنة مع أهل المرقب على أن يطلقوا من أسروه من المسلمين في واقعة بليان فعقد لهم في المحرم سنة ثمانين وعقد لصاحب بيت الاستبار وابنه ولصاحب طرابلس سمند بن تيمند ولصاحب عكا على بلادهم وعلى قلاع الإسماعيلية وعلى جميع البلاد المستجدة الفتح وما سيفتحه على أن يسكن عمال المسلمين باللاذقية وأن لا يستنجدوا أسير قلعة ولا غيرها ولا يداخلوا التتر في فتنة ولا يمروا عليهم الى بلاد المسلمين إن أطاقوا ذلك وعقد معهم ذلك لإحدى عشرة سنة وبعث السلطان من أمرائه من يستحلف الافرنج على ذلك وبلغه الخبر ٥/٤٥٦
بأن جماعة من أمرائه أجمعوا الفتك به وداخلوا الافرنج في ذلك وكان كبيرهم كوندك فلما وصل الى بيسان قبض عليه وعليهم وقتلهم واستراب من داخلهم في ذلك ولحقوا بسنقر في صهيون ودخل السلطان دمشق وبعث العساكر لحصار شيزر ثم ترددت الرسل بينه وبين الأشقر في الصلح على أن ينزل عن شيزر ويتعوض عنها بالشقر وبكاس وعلى أن يقتصر في حامية الحصون التي لقطره على ستمائة من الفرسان فقط ويطرد عنه الأمراء الذين لحقوا به فتم الصلح على ذلك وكتب له التقليد بتلك الأعمال ورجع من عنده سنجر الدوادار فأحسن اليه السلطان وولى على نيابة شيزر بليان الطباخي وكان بنو الظاهر بالكرك يسألون السلطان في الصلح بالزيادة على الكرك كما كان السلطان داود فلما تم الصلح مع سنقر رجعوا الى القنوع بالكرك وبعث اليهم السلطان بأقاربهم من القاهرة وأتم لهم العقد على ذلك وبعث الأمير سلحدار والقاضي تاج الدين بن الأثير لاستحلافهم والله تعالى أعلم.
واقعة التتر بحمص ومهلك ابغا سلطانهم بإثرها
ثم زحف التتر سنة ثمانين الى الشام من كان ناحية متظاهرين فسار ابغا في عساكر المغل وجموع التتر وانتهى الى الرحبة فحاصرها ومعه صاحب ماردين وقدم أخوه منكوتمر في العساكر الى الشام وجاء صاحب الشمال منكوتمر من بني دوشي خان من كرسيهم بصراي مظاهرا لابغا بن هلاكو على الشام فمر بالقسطنطينية ثم نزل بين قيسارية وتفليس ثم سار الى منكوتمر بن هلاكو وتقدم معه الى الشام وخرج السلطان من دمشق في عساكر المسلمين وسابقهم الى حمص ولقيه هناك سنقر الأشقر فيمن معه من أمراء الظاهرية وزحف التتر ومن معهم من عساكر الروم والافرنج والأرمن والكرج ثمانون ألفا أو يزيدون والتقى الفريقان على حمص وجعل السلطان في ميمنته صاحب حماة محمد بن المظفر ونائب دمشق لاشين السلحدار وعيسى بن مهنا فيمن اليه من العرب وفي الميسرة سنقر الأشقر في الظاهرية مع جموع التركمان ومن اليهم جماعة من أمراءه وفي القلب نائبة حسام الدين طرنطاي والحاجب ركن الدين اياحي وجمهور العساكر المماليك ووقف السلطان تحت الرايات في مواليه وحاشيته ووقفت عساكر التتر كراديس وذلك منتصف رجب سنة ثمانين واقتتلوا ونزل الصبر ٥/٤٥٧
ثم انفضت ميسرة المسلمين واتبعهم التتر وانفضت ميسرة التتر ورجعوا على ملكهم منكوتمر في القلب فانهزم ورجع التتر من اتباع ميسرة المسلمين فمروا بالسلطان وهو ثابت في مقامه لم يبرح ورجع أهل الميرة ونزل السلطان في خيامه ورحل من الغد في اتباع العدو وأوعز الى الحصون التي في ناحية الفرات باعتراضهم على المقابر فعدلوا عنها وخاضوا الفرات في المجاهل فغرقوا ومر بعضهم برد سلمية فهلكوا وانتهى الخبر الى ابغا وهو على الرحبة فأجفل الى بغداد وصرف السلطان العساكر الى أماكنهم وسار سنقر الأشقر الى مكانه بصهيون وتخلف عنه كثير من الظاهرية عند السلطان وعاد السلطان الى دمشق ثم الى مصر آخر شعبان من السنة فبلغه الخبر بمهلك منكوتمر بن هلاكو بهمذان ومنكوتمر صاحب الشمال بصراي فكان ذلك تماما للفتح ثم هلك ابغا بن هلاكو سنة احدى وثمانين وكان سبب مهلكه فيما يقال انه اتهم شمس الدين الجريض وزيره باغتيال أخيه منكوتمر منصرفه من واقعة حمص فقبض عليه وامتحنه واستصفاه فدس له الجويني من سمه ومات وكان ابغا اتهم بأخيه أيضا أميرا من المغل كان شحنة بالجزيرة ففر منها وأقام مشركا وبعث السلطان قلاون بعثا الى ناحية الموصل للاغارة عليها وانتهوا الى سنجر فصادفوا هذا الأمير وجاءوا به الى السلطان فحبسه ثم أطلقه وأثبت اسمه في الديوان وكان يحدث بكثير من أخبار التتر وكتب بعضها عنه وبعث السلطان في هذه السنة بعوثا أخرى الى نواحي سيس من بلاد الروم جزاء بما كان من الأرمن في حلب ومساجدها فاكتسحوا تلك النواحي ولقيهم بعض أمراء التتر بمكان هنالك فهزموه ووصلوا الى جبال بلغار ورجعوا غانمين وبعث السلطان شمس الدين قراسنقر المنصوري الى حلب لإصلاح ما خرب التتر من قلعتها وجامعها فأعاد ذلك الى أحسن ما كان عليه ثم أسلم ملوك التتر فبعث أولا بكدار بن هلاكو صاحب العراق بإسلامه وأنه تسمى أحمد وجاءت رسله بذلك الى السلطان وهم شمس الدين أتابك ومسعود بن كيكاوس صاحب بلاد الروم وقطب الدين محمود الشيرازي قاضي شيواس وشمس الدين محمد بن الصاحب من حاشية صاحب ماردين وكان كتابه مؤرخا بجمادى سنة احدى وثمانين وحملوا على الكرامة وأجيب سلطانهم بما يناسبه ثم وصل رسول قودان بن طقان المتولي بكرسي الشمال بعد أخيه منكوتمر سنة اثنتين وثمانين بخبر ولايته ودخوله في دين الإسلام وبطلب تقليد الخليفة واللقب منه والراية للجهاد فيمن يليه من الكفار فأسعف بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم ٥/٤٥٨
استيلاء السلطان قلاون على الكرك وعلى صهيون ووفاة صاحب حماة
ثم توفي المنصور محمد بن المظفر صاحب حماة في شوال سنة اثنتين وثمانين وولي السلطان ابنه المظفر وبعث بالخلع له ولا قاربه وسار السلطان قلاون الى الشام في ربيع سنة ثلاث وثمانين لمحاصرة المرقب بما فعلوه من ممالأة العدو فحاصره حتى استأمنوا اليه وملك الحصن من أيديهم وانتظر وصول سنقر الأشقر من صهيون فلم يصل فرجع الى مصر وجهز النائب حسام الدين طرنطاي في العساكر لحصار الكرك بما وقع من شلامش وخسرو من الانتقاض فسار سنة خمس وثمانين وحاصرهم حتى استأمنوا وجاء بهم الى السلطان فركب للقائهم وبالغ في إكرامهم ثم ساءت سيرتهم فاستراب بهم واعتقلهم وغربهم الى القسطنطينية وولى على الكرك عز الدين المنصوري وبعده بيبرس الدويدار مؤلف أخبار الترك ثم جهز السلطان ثانيا النائب طرنطاي بالعساكر لحصار سنقر الأشقر بصهيون لانتقاضه وإغارته على بلاد السلطان فسار لذلك سنة ست وثمانين وحاصره حتى استأمن هو ومن معه وجاء به السلطان وأنزله بالقلعة ولم يزل عنده الى أن هلك السلطان فقبض عليه وتولى ابنه الأشرف من بعده كما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفاة ميخاييل ملك القسطنطينية
قد تقدم لنا كيف تغلب الافرنج على القسطنطينية من يد الروم سنة ستمائة وكان ميخاييل هذا من بطارقتهم أقام في بعض الحصون بنواحيها فلما أمكنته الفرصة بيتها وقتل من كان بها من الافرنج وفر الباقون في مراكبهم واجتمع الروم الى ميخاييل هذا وملكوه عليهم وقتل الملك الذي قبله وكان بينه وبين صاحب مصر والناصر قلاون من بعده اتصال ومهاداة ونزل بنو الظاهر عليه عند ما غربوا من مصر ثم مات ميخاييل سنة احدى وثمانين وولى ابنه ماندر ويلقب الراونس وميخاييل هذا يعرف بالأشكري وبنوه من بعده بنو الاشكري وهم ملوك القسطنطينية الى هذا العهد والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
أخبار النوبة
كان الملك الظاهر وفد عليه أعوام سنة خمس وسبعين ملك النوبة من تشكيل مستنجدا به ٥/٤٥٩
على ابن أخيه داود لما كان تغلب عليه وانتزع الملك من يده فوعده السلطان وأقام ينتظر واستفحل ملك داود وتجاوز حدود مملكته الى قرب أسوان من آخر الصعيد فجهز السلطان العساكر اليه مع آقسنقر الفارقاني وايبك الأفرم أستاذ داره وأطلق معهم مرتشكين ملك النوبة فساروا لذلك واستنفروا العرب وانتهوا الى رأس الجنادل واستولوا على تلك البلاد وأمنوا أهلها وساروا في البلاد فلقيهم داود الملك فهزموه وأثخنوا في عساكره وأسروا أخاه وأخته وأمه وسار الى مملكة السودان بالأبواب ورآه فقاتله ملكها وهزمه وأسره وبعث به مقيدا الى السلطان فاعتقل بالقلعة الى أن مات واستقر مرتشكين في سلطان النوبة على جراية مفروضة وهدايا معلومة في كل سنة وعلى أن تكون الحصون المجاورة لاسوان خالصة للسلطان وعلى أن يمكن ابن أخيه داود وجميع أصحابه من كل مالهم في بلادهم فوفى بذلك ثم مات الظاهر وانقرضت دولته ودولة بنيه وانتقل الملك الى المنصور قلاون فبعث سنة ست وثمانين العساكر الى النوبة مع علم الدين سنجر الخياط وعز الدين الكوراني وسار معهم نائب قوص عز الدين ايدمر السيفي بعد ان استنفر العربان أولاد أبي بكر وأولاد عمر وأولاد شريف وأولاد شيبان وأولاد كنز الدولة وجماعة من الغرب وبني هلال وساروا على العدوة الغربية والشرقية في دنقلة وملكهم بيتمامون هكذا اسماه النووي وأظنه أخا مرتشكين وبرزوا للعساكر فهزمتهم واتبعتهم خمسة عشر يوما وراء دنقلة ورتب ابن أخت بيتمامون في الملك ورجعت العساكر الى مصر فجاء بيتمامون الى دنقلة فاستولى على البلاد ولحق ابن أخته بمصر صريخا بالسلطان فبعث معه عز الدين أيبك الافرم في العساكر ومعه ثلاثة من الأمراء وعز الدين نائب قوص وذلك سنة ثمان وثمانين وبعثوا المراكب في البحر بالازودة والسلاح ومات ملك النوبة باسوان ودفن بها وجاء نائبة صريخا الى السلطان فبعث معه داود ابن أخي مرتشكين الذي كان أسيرا بالقلعة وتقدم جريس بين يدي العساكر فهرب بيتمامون وامتنع بجزيرة وسط النيل على خمس عشرة مرحلة وراء دنقلة ووقفت العساكر على ساحل البحر وتعذر وصول المراكب الى الجزيرة من كثرة الحجر وخرج بيتمامون منها فلحق بالأبواب ورجع عنه أصحابه ورجعت العساكر الى دنقلة فملكوا داود ورجعوا الى مصر سنة تسع وثمانين لتسعة أشهر من مسيرهم بعد أن تركوا أميرا منهم مع الملك داود ورجعوا الى مصر ورجع بيتمامون الى دنقلة وقتل داود وبعث الأمير الذي كان معهم الى السلطان وحمله رغبة في الصلح على أن يؤدي الضريبة المعلومة فأسعف لذلك واستقر في ملكه انتهى والله تعالى أعلم ٥/٤٦٠
فتح طرابلس
كان الافرنج الذين بها قد نقضوا الصلح وأغاروا على الجهات فاستنفر السلطان العساكر من مصر والشام وأزاح عللهم وجهز آلات الحصار وسار اليها في محرم سنة ثمان وثمانين فحاصرها ونصب عليها المجانيق وفتحها عنوة لأربعة وثلاثين يوما من حصارها واستباحها وركب بعضهم الشواني للنجاة فردتهم الريح الى السواحل فقتلوا وأسروا وأمر السلطان بتخريبها فخربت وأحرقت وفتح السلطان ما اليها من الحصون والمعاقل وأنزل حاميتها وعاملها بحصن الأكراد ثم اتخذ حصنا آخر لترك النائب والحامية في العمل وسمي باسم المدينة وهو الموجود لهذا العهد وكان من خبر هذه المدينة من لدن الفتح أن معاوية أيام ولايته الشام لعهد عثمان بن عفان رضي الله عنه بعث اليها سفيان بن مخنف الأزدي فحاصرها وبنى عليها حصنا حتى جهد أهلها الحصار وهربوا منها في البحر وكتب سفيان الى معاوية بالفتح وكان يبعث العساكر كل سنة للمرابطة بها ثم جاء الى عبد الملك بن مروان بطريق من الروم وسأله في عمارتها والنزول بها مجمعا على أن يعطيه الخراج فأجابه وأقام قليلا ثم غدر بمن عنده من المسلمين وذهب الى بلاد الروم فتخطفته شواني المسلمين في البحر وقتله عبد الملك ويقال الوليد وملكها المسلمون وبقي الولاة يملكونها من دمشق الى أن جاءت دولة العبيديين فأفردوها بالولاية ووليها رمان الخادم ثم سر الدولة ثم أبو السعادة علي بن عبد الرحمن بن جبارة ثم نزال ثم مختار الدولة بن نزال وهؤلاء كلهم من أهل دولته ثم تغلب قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار وتوفى سنة أربع وستين واربعمائة وكان من فقهاء الشيعة وهو الذي صنف الكتاب الملقب بخراب الدولة ابن منقذ بن كمود فقام بولاية أخيه أبي الحسن ابن محمد بن عمار ولقبه جلال الدين وتوفى سنة اثنتين وتسعين صنجيل من ملوكهم واسمه ميمنت ومعناه ميمون وصنجيل اسم مدينة عرف بها وأقام صنجيل يحاصرها طويلا وعجز ابن عمار عن دفاعه ثم قصد سلطان السلجوقية بالعراق محمد بن ملك شاه مستنجدا به واستخلف بالمناقب ابن عمه على طرابلس ومعه سعد الدولة فتيان بن الأغر فقتله أبو المناقب ودعا للأفضل ابن أمير الجيوش المستبد على خلفاء العبيديين بمصر لذلك العهد ثم هلك صنجيل وهو محاصر لها وولي مكانه السرداني من زعمائهم وبعث الأفضل قائدا الى طرابلس فأقام بها وشغل عن مدافعة العدو وبجمع الأموال ونمي عنه الى الأفضل أنه يروم الاستبداد فبعث آخر مكانه ونافر أهل البلد لسوء سيرته فتبين وصول المراكب من مصر بالمدد وقبض ٥/٤٦١
على أعيانهم وعلى مخلف فخر الملك بن عمار من أهله وولده وبعث بهم الى مصر وجاء فخر الملك بن عمار بعد أن قطع حبل الرجاء في يده من أنجاد السلجوقية لما كانوا فيه من الشغل بالفتنة وربما علله بعضهم بولاية الوزارة له ثم رجع الى دمشق سنة اثنتين وخمسمائة ونزل على طغتكين الاتابك ثم ملكها السرداني سنة ثلاث وخمسمائة بعد حصارها سبع سنين وجاء ابن صنحبيل من بلاد الافرنج فملكها منه وأقامت في مملكته نحوا من ثلاثين سنة ثم ثار عليه بعض الزعماء وقتله بطرس الأعور واستخلف في طرابلس القوش بطرار ثم كانت الواقعة بين صاحب القدس ملك الافرنج وبين زنكي الاتابك صاحب الموصل وانهزم الافرنج وأسر القوش في تلك الوقعة ونجا ملك الافرنج الى تغريب فتحصن بها وحضره زنكي حتى اصطلحا على أن يعطي تغريب ويطلق زنكي الأسرى في الواقعة فانطلق القوش إلى طرابلس فأقام بها مدة ووثب الإسماعيلية به فقتلوه وولي بعده رهند صبيا وحضر مع الافرنج سنة سبع وخمسين وقعة حارم التي هزمهم فيها العادل وأسر رهند يومئذ وبقي في اعتقاله الى أن ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب فاطلقه سنة سبعين وخمسمائة ولحق بطرابلس ولم تزل في ملكه وملك ولده الى أن فتحها المنصور سنة ثمان وثمانين كما مر والله تعالى أعلم.
إنشاء المدرسة والمارستان بمصر
كان المنصور قلاون قد اعتزم على إنشاء المارستان بالقاهرة ونظر له الأماكن حتى وقف نظره على الدار القطبية من قصور العبيديين وما يجاورها من القصرين واعتمد إنشاءه هنالك وجعل الدار أصل المارستان وبنى بإزائه مدرسة لتدريس العلم وقبة لدفنه وجعل النظر في ذلك لعلم الدين الشجاعي فقام بإنشاء ذلك لأقرب وقت وكملت العمارة سنة اثنتين وثمانين وستمائة ووقف عليها املاكا وضياعا بمصر والشام وجلس بالمارستان في يوم مشهود تناول قدحا من الأشربة الطبية وقال وقفت هذا المارستان على مثلي فمن دوني من أصناف الخلق فكان ذلك من صالح آثاره والله أعلم.
وفاة المنصور قلاون وولاية ابنه خليل الأشرف
كان المنصور قلاون قد عهد لابنه علاء الدين ولقبه الصالح وتوفي سنة سبع وثمانين فولى العهد مكانه ابنه الآخر خليل ثم انتقض الافرنج بعكا وأغاروا على النواحي ومرت بهم رفقة من التجار برقيق من الروم والترك جلبوهم للسلطان فنهبوهم وأسروهم فأجمع السلطان ٥/٤٦٢
غزوهم وخرج في العساكر بعد الفطر من سنة تسع وثمانين واستخلف ابنه خليلا على القاهرة ومعه زين الدين سيف وعلم الدين الشجاعي الوزير وعسكر بظاهر البلد فطرقه المرض ورجع الى قصره فمرض وتوفي في ذي القعدة من السنة فبويع ابنه خليل ولقب الأشرف وكان حسام الدين طرنطاي نائب المنصور اليه فأقره وأشرك معه زين الدين سيف في نيابة العتبة وأقر علم الدين الشجاعي على الوزارة وبدر الدين بيدو استاذ داره وعز الدين أيبك خزندار وكان حسام الدين لاشين السلجدار نائبا بدمشق وشمس الدين قراسنقر الجوكندار نائبا بحلب فأقرهما وجمع ما كان بالشام من ولاة أبيه ثم قبض على النائب حسام الدين طرنطاي لأيام قلائل وقتله واستولى على مخلفه وكان لا يعبر عنه كان الناض منها ستمائة ألف دينار وحملت كلها لخزانته واستقل بدر الدين بالنيابة وبعث الى محمد بن عثمان بن السلعوس من الحجاز فولاه الوزارة وكان تاجرا من تجار الشام وتقرب له أيام أبيه واستخدم له فاستعمله في بعض اقطاعه بالشام ووفر جبايتها فولاه ديوانه بمصر فأسرف في الظلم وأنهى أمره الى طرنطاي النائب فصادره المنصور وامتحنه ونفاه عن الشام وحج في هذه السنة وولى الأشرف فكان أول أعماله البعث عنه وولاه الوزارة فبلغ المبالغ في الظهور وعلو الكلمة واستخدم الخواص له وترفع عن الناس واستقل الرتب وقبض الأشرف على شمس الدين سنقر وحبسه وكان قد قبض مع طرنطاي النائب على عز الدين سيف لما بلغه أنه يدبر عليه مع طرنطاي ثم ثبتت عنده براءته فاطلقه والله تعالى أعلم.
فتح عكا وتخريبها
ثم سار الأشرف أول سنة تسعين وستمائة لحصار عكا متمما عزم أبيه فيها فجهز العساكر واستنفر أهل الشام وخرج من القاهرة فاغذ السير الى عكا ووافاه بها أمراء الشام والمظفر بن المنصور صاحب حماة فحاصرها ورماها بالمجانيق فهدم كثير من أبراجها وتلاها المقاتلة لاقتحامها فرشقوهم بالسهام فا من اللبود وزحفوا في كنها وردموا الخندق بالتراب فحمل كل واحد منهم ما قدر عليه حتى طموه وانتهوا الى الأبراج المتهدمة فألصقوها بالأرض واقتحموا البلد من ناحيتها واستلحموا من كان فيها وأكثروا القتل والنهب ونجا الفل من العدو الى ابراجها الكبار التي بقيت ماثلة فحاصرها عشرا آخر ثم اقتحمها عليهم ٥/٤٦٣
فاستوعبهم السيف وكان الفتح منتصف جمادى سنة سبعين لمائة وثلاث سنين من ارتجاع الكفار لها من يد صلاح الدين سنة سبع وثمانين وخمسمائة وأمر الأشرف بتخريبها فخربت وبلغ الخبر الى الافرنج بصور وصيدا وعتلية وحيفا فأجفلوا عنها وتركوها خاوية ومر السلطان بها وأمر بهدمها فهدمت جميعا وانكف راجعا الى دمشق وتقبض في طريقه على لاشين نائب دمشق لأن بعض الشياطين أوحى اليه أن السلطان يروم الفتك به فركب للفرار وأتبعه علم الدين سنجر الشجاعي وسار الى بيروت ففتحها ومر السلطان بالكرك فاستعفى نائبها ركن الدين بيبرس الدوادار وهو المؤرخ فولى مكانه جمال الدين اتسز الاشرفي ورجع السلطان الى القاهرة فبعث شلامش وخسرو ابني الظاهر من محبسهما بالإسكندرية الى القسطنطينية ومات شلامش هنالك وأفرج عن شمس الدين سنقر الأشقر وحسام الدين لاشين المنصوري اللذين اعتقلهما كما قدمناه وقبض على علم الدين سنجر نائب دمشق وسيق الى مصر معتقلا وأمر السلطان ببناء الرفوف بالقلعة على أوسع ما يكون وارفعه وبنى القبة بإزائه لجلوس السلطان أيام الزينة والفرح فبنيت مشرفة على سوق الخيل والميدان والله سبحانه وتعالى أعلم.
فتح قلعة الروم
ثم سار السلطان سنة احدى وتسعين في عساكره الى الشام بعد أن أفرج عن حسام الدين لاشين ورده الى إمارته وانتهى الى دمشق ثم سار الى حلب ثم دخل منها الى قلعة الروم فحاصرها في جمادى من السنة وملكها عنوة بعد ثلاثين يوما من الحصار وقاتل المقاتلة الذريعة وخرب القلعة وأخذ فيها بترك الأرمن أسيرا وانكف السلطان راجعا الى حلب فأقام بها شعبان وولى عليها سيف الدين الطباقي نائبا مكان قراسنقر الظاهري لأنه ولاه مقدم المماليك ورحل الى دمشق فقضى بها عيد الفطر واستراب لاشين النائب فهرب ليلة الفطر وأركب السلطان في طلبه وتقبض عليه بعض العرب في حية وجاء به الى السلطان فبعثه مقيدا الى القاهرة وولى على نيابة دمشق عز الدين أيبك الحميدي عوضا عن علم الدين سنجر الشجاعي ورجع الى مصر فافرج عن علم الدين سنجر الشجاعي وتوفي لسنة بعد إطلاقه ثم قبض على سنقر الأشقر وقتله وسمع نائبة بيدو ببراءة لاشين فأطلقه وتوفي ابن الأثير بعد شهر فولى مكانه ابنه عماد الدين أيوب وكان أيوب قد اعتقله المنصور لأول ولايته فأطلقه الأشرف هذه السنة لثلاث عشرة سنة من اعتقاله واستخلصه للمجالسة والشورى وتوفي ٥/٤٦٤
القاضي فتح الدين محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر كاتب السر وصاحب ديوان الإنشاء وله التقدم عنده وعند أبيه فولى مكانه فتح الدين أحمد بن الأثير الحلي وترك ابن عبد الظاهر ابنه علاء الدين عليا فالقى عليه النعمة منتظما في جملة الكتاب ثم سار السلطان الى الصعيد يتصيد واستخلف بيدو النائب على دار ملكه وانتهى الى قوص وكان ابن السلعوس قد دس اليه بأن بيدو احتجن بالصعيد من الزرع ما لا يحصى فوقف هنالك على مخازنها واستكثرها وارتاب بيدو لذلك ولما رجع الأشرف الى مصر ارتجع منه بعض اقطاعه وبقي بيدو مرتابا من ذلك وأتحف السلطان بالهدايا من الخيام والهجن وغيرهما والله تعالى أعلم.
مسير السلطان الى الشام وصلح الأرمن ومكثه في مصيا وهدم الشويك
ثم تجهز السلطان سنة اثنتين وتسعين الى الشام وقدم بيدو النائب بالعساكر وعاج على الكرك على الهجن فوقف عليها وأصلح من أمورها ورجع ووصل الى الشام فوافاه رسول صاحب سيس ملك الأرمن راغبا في الصلح على أن يعطى تهسنا ومرعش وتل حمدون فعقد لهم على ذلك وملك هذه القلاع وهي في غم الدرب من ضياع حلب وكانت تهسنا للمسلمين ولما ملك هلاكو حلب باعها النائب من ملك الأرمن سيس ثم سار السلطان الى حمص ووصل اليها في رجب من السنة ومعه المظفر صاحب حماة ونزل سلمية ولقيه مهنا بن عيسى أمير العرب فقبض عليه وعلى أخويه محمد وفضل وابنه موسى وبعثهم معتقلين مع لاشين الى دمشق ومن هناك الى مصر فحبسوا بها وولى على الغرب مكانهم محمد بن أبي بكر بن علي ابن جديلة وأوعز وهو بحمص الى نائب الكرك بهدم قلعة الشويك فهدمت وانكف راجعا الى مصر وقدم العساكر مع بيدو وجاء في الساقة على الهجن مع خواصه ولما دخل على مصر أفرج عن لاشين المنصوري والله تعالى أعلم.
مقتل الأشرف وولاية أخيه محمد الناصر في كفالة كيبغا
كان النائب بيدو مستوليا على الأشرف والأشرف مستريب به حتى كأنه مستبد وكان مستوحشا من الأشرف واعتزم الأشرف سنة ثلاث وتسعين على الصيد في البحيرة فخرج ٥/٤٦٥
اليها وبعث وزيره ابن السلعوس للاسكندرية لتحصيل الأموال والاقمشة فوجد بيدو قد سبقوا اليها واستصفوا ما هنالك فكاتب السلطان بذلك فغضب واستدعى بيدو فوبخه وتوعده ولم يزل هو يلاطفه حتى كسر من سورة غضبه ثم خلص الى أصحابه وداخلهم في التوثب به وتولى كبر ذلك منهم لاشين المنصوري نائب دمشق وقراسنقر المنصوري نائب حلب وكان الأمراء كلهم حاقدين على الأشرف لتقديمه حاشيته عليهم ولما كتب اليه السلعوس بقلة المال صرف مواليه الى القلعة تخفيفا من النفقة وبقي في القليل وركب بعض أيامه يتصيد وهو مقيم على فرجة فاتبعوه وأدركوه في صيده فأوجس في نفسه الشر منهم فعاجلوه وعلوه بالسيوف ضربه أولا بيدو وثنى عليه لاشين وتركوه مجندلا بمصرعه منتصف محرم من السنة ورجعوا الى المخيم وقد أبرموا أن يولوا بيدو فولوه ولقبوه القاهر وتقبض على بيسري الشمسى وسيف الدين بكتمر السلحدار واحتملوهما وساروا الى قلعة الملك وكان زين الدين سيف قد ركب للصيد فبلغه الخبر في صيده فسار في اتباعهم ومعه سوس الجاشنكير وحسام الدين أستاذ دار وركن الدين سوس وطقجي في طائفة من الجاشنكيرية وأدركوا القوم على الطرانة ولما عاينهم بيدو وبيسري وبكتمر المعتقلين في المخيم رجعوا الى كيبغا وأصحابه وفر عن بيدو من كان معه من العربان والجند وقاتل قليلا ثم قتل ورجع برأسه على القناة وافترق أصحابه قراسنقر ولاشين بالقاهرة ويقال أن لاشين كان مختفيا في مئذنة جامع ابن طولون ووصل كيبغا وأصحابه الى القلعة وبها علم الدين الشجاعي واستدعوا محمد بن قلاون أخا الأشرف وبايعوه ولقبوه الناصر وقام بالنيابة كيبغا وبالاتابكية حسام الدين وبالوزارة علم الدين سنجر وبالاستاذ دراية ركن الدين سوس الجاشنكير واستبدوا بالدولة فلم يكن الناصر يملك معهم شيئا من أمره وجدوا في طلب الأمراء الذين داخلوا بيدو في قتل الأشرف فاستوعبوهم بالقتل والصلب والقطع وكان بهادر رأس نوبة وأقوش الموصلي فقتلا وأحرقت أشلاؤهما وشفع كيبغا في لاشين وقراسنقر المتوليين كبر ذلك فظهرا من الاختفاء وعادا الى محلهما من الدولة ثم تقبض على الوزير محمد بن السلعوس عند وصوله من الاسكندرية وصادره الوزير الشجاعي وامتحنه فمات تحت الامتحان وأفرج عن ٥/٤٦٦
عز الدين ايبك الافرم الصالحي وكان الأشرف اعتقله سنة اثنتين وتسعين والله سبحانه وتعالى أعلم.
وحشة كيبغا ومقتل الشجاعي
ثم ان الشجاعي لطف محله من الناصر واختصه بالمداخلة وأشار عليه بالقبض على جماعة من الأمراء فاعتقلهم وفيهم سيف الدين كرجي وسيف الدين طونجي وطوى ذلك عن كيبغا وبلغه الخبر وهو في موكب بساحة القلعة وكان الأمراء يركبون في خدمته فاستوحش وارتاب بالشجاعي وبالناصر ثم جاء بعض مماليك الشجاعي الى كيبغا في الموكب وجرد سيفه لقتله فقتله مماليكه وتأخر هو ومن كان معه من الأمراء عن دخول القلعة وتقبضوا على سوس الجاشنكير استاذ دار وبعثوا به الى الاسكندرية ونادوا في العسكر فاجتمعوا وحاصروا القلعة وبعث اليهم السلطان أميرا فشرطوا عليه أن يمكنهم من الشجاعي فامتنع وحاصروه سبعا واشتد القتال وفر من كان بقي في القلعة من العسكر الى كيبغا وخرج الشجاعي لمدافعتهم فلم يغن شيئا ورجع الى السلطان وقد خامرة الرعب فطلب أن بحبس نفسه فمضى به المماليك الى السجن وقتلوه في طريقهم وبلغ الخبر الى كيبغا ومن كان معه فذهبت عنهم الهواجس واستأمنوا للسلطان فأمنهم واستحلفوه فحلف لهم ودخلوا الى القلعة وأفاض كيبغا العطاء في الناس وأخرج من كان في الطباق من المماليك بمداخلة الشجاعي فأنزلهم الى البلد بمقاصر الكسرو دار الوزارة والجوار وكانوا نحوا من تسعة آلاف فأقاموا بها ولما كان المحرم فاتح سنة أربع وتسعين استعدوا ليلة وركبوا فيها جميعا وأخرجوا من كان في السجون ونهبوا بيوت الأمراء واعجلهم الصبح عن تمام قصدهم وباكرهم الحاجب بهادر ببعض العساكر فهزمهم وافترقوا وتقبض على كثير منهم فأخذ منهم العقاب مأخذه قتلا وضربا وعزلا وأفرج عن عز الدين ايبك الأفرم وأعيد الى وظيفته أمير جندار ثم هلك قريبا واستحكم أمر السلطان ونائبة كيبغا وهو مستبد عليه واستمر الحال على ذلك الى أن كان ما نذكره أن شاء الله تعالى والله تعالى ولى التوفيق.
خلع الناصر وولاية كيبغا العادل
ولما وقعت الوحشة بين كيبغا والشجاعي وتلتها هذه الفتنة استوحش كيبغا في ظاهر أمره وانقطع عن دار النيابة متمارضا وتردد السلطان لعيادته ثم حمل بطانته على الاستبداد بالملك ٥/٤٦٧
والجلوس على التخت وكان طموحا لذلك من أول أمره فجمع الأمراء ودعاهم الى بيعته فبايعوه وخلع الناصر وركب الى دار السلطان فجلس على التخت وتلقب بالعادل وأخرج السلطان من قصور الملك وكان مع أمه ببعض الحجر وولى حسام الدين لاشين نائبا والصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز الخليلي الدار وزيرا نقله اليها من النظر في الديوان لعلاء الدين ولى العهد ابن قلاون وعز الدين ايبك الأفرم الصالحي أمير جندار وبهادر الحلبي أمير حاجب وسيف الدين منماص أستاذ دار وقسم امارة الدولة بين مماليكه وكتب الى نواب الشام بأخذ البيعة فأجابوا بالسمع والطاعة وقبض على عز الدين ايبك الخازندار نائب طرابلس وولى مكانه فخر الدين ايبك الموصلي وكان الخازندار ينزل حصن الأكراد ونزل الموصلي بطرابلس وعادت دار امارة ثم وفد سنة خمس وتسعين على العادل كيبغا طائفة من التتر يعرفون بالاربدانية ومقدمهم طرنطاي كان مداخلا لبدولي كنجاب ابن عمه ملك التتر فلما سار الملك الى غازان خافه طرنطاي وكانت احياؤه بين غازان والموصل وأوعز غازان الى التتر الذين من مارتكن فأخذ الطرق عليهم وبعث قط قرا من أمرائه للقبض على طرنطاي ومن معه من أكابر قبيله فسار لذلك في ثمانين فارسا فقتله طرنطاي وأصحابه وعبروا الفرات الى الشام واتبعهم التتر من ديار بكر فكروا عليهم فهزموهم وأمر العادل سنجر الدوادار أن يتلقاهم بالرحب واحتفل نائب دمشق لقدومهم ثم ساروا الى مصر فتلقاهم شمس الدين قراسنقر وكانوا يجلسون مع الأمراء بباب القلعة فأنفوا لذلك وكان سببا لخلع العادل كما نذكر ووصل على أثرهم بقية قومهم بعد أن مات منهم كثير ثم رسخوا في الدولة وخلطهم الترك بأنفسهم وأسلموا واستخدموا أولادهم وخلطوهم بالصهر والولاء والله سبحانه وتعالى أعلم.
خلع العادل كيبغا وولاية لاشين المنصور
كان أهل الدولة نقموا على السلطان كيبغا العادل تقديم مماليكه عليهم ومساواة الاربدانية من التتر بهم فتفاوضوا على خلعه وسار الى الشام في شوال سنة خمس وتسعين فعزل عز الدين ايبك الحموي نائب دمشق واستصفاه وولى مكانه سيف الدين عزلو من مواليه ثم سار الى حمص متصيدا ولقيه المظفر صاحب حماة فأكرمه ورده الى بلده وسار الى مصر والأمراء مجمعون خلعه والفتك بمماليكه وانتهى الى العوجاء من أرض فلسطين وبلغه عن بيسري الشمسي انه كاتب التتر فنكر عليه واغلظ له في الوعيد وارتاب الأمراء من ذلك وتمشت ٥/٤٦٨
رجالاتهم واتفقوا وركب حسام الدين لاشين وبدر الدين بيسري وشمس الدين قراسنقر وسيف الدين قفجاق وبهادر الحلبي الحاجب وبكتاش الفخري وببليك الخازندار واقوش الموصلي وبكتمر السلحدار وسلار وطغجي وكرجي ومعطاي ومن انضاف اليهم بعد أن بايعوا لاشين وقصدوا مخيم بكتوت الأزرق فقتلوه وجاءهم ميحاص فقتلوه أيضا وركب السلطان كيبغا في لفيفه فحملوا عليه فانهزم الى دمشق وبايع القوم لاشين ولقبوه المنصور وشرطوا عليه أن لا ينفر عنهم برأي فقبل وسار الى مصر ودخل القلعة ولما وصل كيبغا الى دمشق لقيه نائبة سيف الدين عزلو وأدخله القلعة واحتاط على حواصل لاشين والأمراء الذين معه وأمن جماعة من مواليه ووصلت العساكر التي كانت مجردة بالرحبة ومقدمهم جاغان وكانوا قد داخلوا لاشين في شأنه ونزلوا ظاهر دمشق واتفقوا على بيعة لاشين وأعلنوا بدعوته وانحل أمر العادل وسأل ولاية صرخد وألقي بيده فحبس بالقلعة لسنتين من ولايته وبعث الأمراء ببيعتهم للاشين ودخل سيف الدين جاغان الى القلعة ثم وصل كتاب لاشين ببعثه الى مصر وبعث الى كيبغا بولاية صرخد كما سأل ووصل قفجق المنصوري نائبا عن دمشق وأفرج لاشين بمصر عن ركن الدين بيبرس الجاشنكير وغيره من المماليك وولى قراسنقر نائبا وسيف الدين سلار أستاذ دار وسيف الدين بكتمر السلحدار أمير جاندار وبهادر الحلبي صاحب وأقر فخر الدين الخليلي على وزارته ثم عزله وولى مكانه شمس الدين سنقر الأشقر وقبض على قراسنقر النائب وسيف الدين سلار استاذ دار آخر سنة ست وتسعين وولى مكانه سيف الدين منكوتمر الحسامي مولاه واستعمل سيف الدين قفجق المنصوري نائبا ثم أمر بتجديد عمارة جامع ابن طولون وندب لذلك علم الدين سنجر الدوادار وأخرج للنفقة فيه من خالص ماله عشرين ألف دينار ووقف عليه املاكا وضياعا ثم بعث سنة تسع وسبعين بالناصر محمد بن قلاون الى الكرك مع سيف الدين سلار أستاذ دار وقال لزين الدين بن مخلوف فقيه بيته هو ابن استاذي وأنا نائبة في الأمر ولو علمت أنه يقوم بالأمر لأقمته وقد خشيت عليه في الوقت فبعثته الى الكرك فوصلها في ربيع وقال النووي انه بعث معه جمال الدين بن أقوش ثم قبض السلطان في هذه السنة على بدر الدين بيسري الشمسي بسعاية منكوتمر نائبة لان لاشين أراد أن يعهد اليه بالأمر فرده بيسري عن ذلك وقبحه عليه فدس منكوتمر بعض مماليك بيسري وانهوا الى السلطان أنه يريد الثورة فقبض عليه آخر ربيع الثاني من السنة وأودعه السجن فمات في محبسه وقبض في هذه السنة على ٥/٤٦٩
بهادر الحلبي وعلى عز الدين ايبك الحموي ثم أمر في هذه السنة برد الأقطاعات في النواحي وبعث الأمراء والكتاب لذلك وتولى ذلك عبد الرحمن الطويل مستوفي الدولة وقال مؤرخ حماة المؤيد كانت مصر منقسمة على أربعة وعشرين قيراطا أربعة منها للسلطان والكلف والرواتب وعشرة للامراء والإطلاقات والزيادات وعشرة للاجناد الجلقة فصيروها عشرة للامراء والإطلاقات والزيادات والأجناد وأربعة عشر للسلطان فضعف الجيش وقال النووي قرر للخاص في الروك الجيزة واطفج ودمياط ومنفلوط والكوم الأحمر وحولت السنة الخراجية من سنة ست وتسعين وهذا في العدد انما هو بعد انقضاء ثلاثة وثلاثين سنة واحدة وهي تفاوت ما بين السنين الشمسية والقمرية وهو حجة ديوان الجيش في انقضاء التفاوت الجيشي وهو تحويل بالأقلام فقط وليس فيه نقص شيء ثم أقطعت البلاد بعد الروك واستثنيت المراتب الجسرية والرزق الأحباسية انتهى كلام النووي رحمه الله والله تعالى أعلم.
فتح حصون سيس
ولما ولي سيف الدين منكوتمر النيابة وكانت مختصا بالسلطان استولى على الدولة وطلب من السلطان أن يعهد له بالملك فنكر ذلك الأمراء وثنوا عنه السلطان فتنكر لهم منكوتمر وأكثر السعاية فيهم حتى قبض على بعضهم وتفرق الآخرون في النواحي وبعث السلطان جماعة منهم سنة سبع وتسعين لغزو سيس وبلاد الأرمن كان منهم بكتاش أمير سلاح وقراسنقر وبكتمر السلحدار وتدلار وتمراز ومعهم الالفي نائب صفد في العساكر ونائب طرابلس ونائب حماة ثم أردفهم بعلم الدين سنجر الدوادار وجاءت رسل صاحب سيس وأغاروا عليها ثلاثة أيام واكتسحوها ثم مروا ببغراس ثم بمرج انطاكية وأقاموا بها ثلاثا ومروا بجسر الحديد ببلاد الروم ثم قصدوا تل حمدون فوجدوها خاوية وقد انتقل الأرمن الذين بها الى قلعة النجيمة وفتحوا قلعة مرعش وحاصروا قلعة النجيمة أربعين يوما وافتتحوها صلحا وأخذوا أحد عشر حصنا منها المصيصة وحموم وغيرهما واضطرب أهلها من الخوف فأعطوا طاعتهم ورجع العساكر الى حلب وبلغ السلطان لاشين أن التتر قاصدون الشام فجهز العساكر الى دمشق مع جمال الدين أقوش الأفرم وأمره أن يخرج العساكر من دمشق الى حلب مع قفجق النائب فسار الى حمص وأقام بها ثم بلغهم الخبر برجوع التتر ووصل أمر السلطان الى سيف الدين الطباخي نائب حلب بالقبض على بكتمر السلحدار والالفي نائب صفد وجماعة ٥/٤٧٠
من الأمراء بحلب بسعاية بكتمر وحاول الطباخي ذلك فتعذر عليه وبرز تدلار الى بسار فتوفي بها وأقام الآخرون وشعروا بذلك فلحقوا بقفجق النائب على حمص فآمنهم وكتب الى السلطان يشفع فيهم فأبطأ جوابه وعزله سيف الدين كرجي وعلاء الدين ايدغري من اجارتهم فاستراب وولى السلطان مكانه على دمشق جاغان فكتب الى قفجق بطلبهم فنفروا وافترق عسكره وعبر الفرات الى العراق ومعه أصحابه بعد أن قبضوا على نائب حمص واحتملوه ولحقهم الخبر بقتل السلطان لاشين وقد تورطوا في بلاد العدو فلم يمكنهم الرجوع ووفدوا على غازان بنواحي واسط وكان قفجق من جند التتر وأبوه من جند غازان خصوصا ولما وقعت الفتنة بين لاشين وغازان وكان فيروز أتابك غازان مستوحشا من سلطانه فكاتب لاشين في اللحاق به واطلع سلطانه على كتبه فأرسل الى قطلو شاه نائب حران فقبض على فيروز وقتله وقتل غازان أخويه في بغداد والله تعالى أعلم.
مقتل لاشين وعود الناصر محمد بن قلاون الى ملكه
كان السلطان لاشين قد فوض امر دولته الى مولاه منكوتمر فاستطال وطمع في الاستبداد ونكره الأمراء كما قدمناه فأغرى السلطان بهم وشردهم كل مشرد بالنكبة والبعاد وكان سيف الدين كرجي من الجاشنكير ومقدما عليهم كما كان قراسنقر مع الأشرف وكان جماعة المماليك معصوصبين عليه وسعى منكوتمر في نيابته على القلاع التي افتتحت من الأرمن ببلاد سيس فاستعفى من ذلك وأسرها في نفسه وأخذ في السعاية على منكوتمر وظاهره على أمره قفجي من كبار الجاشنكيرية وكان لطقجي صهر من كبار الجاشنكيرية اسمه طنطاي أغلظ له منكوتمر يوما في المخاطبة فامتعض وفزع الى كرجي وطقجي فاتفقوا على اغتيال السلطان وقصدوه ليلا وهو يلعب بالشطرنج وعنده حسام الدين قاضي الحنفية فأخبره كرجي بغلق الأبواب على المماليك فنكره ولم يزل يتصرف أمامه حتى ستر سيفه بمنديل طرحه عليه فلما قام السلطان لصلاة العتمة نحاها عنه وعلاه بالسيف وافتقد السلطان سيفه فتعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه وهموا بقتل القاضي ثم تركوه وخرج كرجي الى طقجي بمكان انتظاره وقصدوا منكوتمر وهو بدار النيابة فاستجار بطقجي فأجاره وحبسه بالجب ثم راجعوا رأيهم واتفقوا على قتله فقتلوه وكان مقتل لاشين في ربيع سنة ثمان وتسعين وكان من موالي علي بن المعز ايبك فلما غرب للقسطنطينية تركه بالقاهرة واشتراه المنصور قلاون من القاضي بحكم البيع على الغائب بألف درهم وكان يعرف بلاشين الصغير لانه كان هناك لاشين آخر أكبر منه وكان نائبا ٥/٤٧١
بحمص ولما قتل اجتمع الأمراء وفيهم ركن الدين بيبرس الجاشنكير وسيف الدين سلار أستاذ دار وحسام الدين لاشين الرومي وقد وصل على البريد من بلاد سيس جمال الدين أقوش الأفرم وقد عاد من دمشق بعد ان أخرج النائب والعساكر الى حمص وعز الدين ايبك الخزندار وبدر الدين السلحدار فضبطوا القلعة وبعثوا الى الناصر محمد بن قلاون بالكرك يستدعونه للملك فاعتزم طقجي على الجلوس على التخت واتفق وصول الأمراء الذين كانوا بحلب منصرفين من غزاة سيس وفيهم سيف الدين كرجي وشمس الدين سرقنشاه ومقدمهم بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح فأشار الأمراء على طقجي بالركوب للقائهم فأنف أولا ثم ركب ولقيهم وسألوه عن السلطان فقال قتل فقتلوه وكان كرجي عند القلعة فركب هاربا وأدرك عند القرافة وقتل ودخل بكتاش والأمراء للقلعة لحول من غزاة سيس ثم اجتمعوا بمصر وكان الأمر دائرا بين سلار وبيبرس وايبك الجامدار وأقوش الأفرم وبكتمر أمير جندار وكرت الحاجب وهم ينتظرون وصول الناصر من الكرك وكتبوا الى الأمراء بدمشق بما فعلوه فوافقوا عليه ثم قبضوا على نائبها جاغان الحسامي وتولى ذلك بهاء الدين قرا ارسلان السيفي فاعتقل ومات لايام قلائل فبعث الأمراء بمصر مكانه سيف الدين قطلوبك المنصوري ثم وصل الناصر محمد بن قلاون الى مصر في جمادى سنة ثمان وتسعين فبايعوا له وولى سلار نائبا وبيبرس أستاذ دار وبكتمر الجوكندار أمير جندار وشمس الدين الأعسر وزيرا وعزل فخر الدين بن الخليلي بعد أن كان أقره وبعث على دمشق جمال الدين أقوش الافرم عوضا عن سيف الدين قطلوبك واستدعاه الى مصر فولاه حاجبا وبعث على طرابلس سيف الدين كرت وعلى الحصون سيف الدين كراي وأقر بليان الطباخي على حلب وأفرج عن قراسنقر المنصوري وبعثه على الضبينة ثم نقله الى حماة عند ما وصله وفاة صاحبها المظفر آخر السنة وخلع على الأمراء وبث العطايا والأرزاق واستقر في ملكه وبيبرس وسلار مستوليان عليه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.
الفتنة مع التتر
قد كنا قدمنا ما كان من فرار قفجق نائب دمشق الى غازان وحدوث الوحشة بين المملكتين فشرع غازان في تجهيز العساكر الى الشام وبعث شلامش بن امال بن بكو في خمسة وعشرين ألفا في عساكر المغل ومعه أخوه قطقطو وأمره بالمسير من جهة سيس فسار لذلك ثم حدثته نفسه بالملك فخاضع وطلب الملك لنفسه وكاتب ابن قزمان أمير التركمان فسار اليه في ٥/٤٧٢
عشرة آلاف فارس وسار في ستين ألف فارس وسار الى سيواس فامتنعت عليه وكتب الى صاحب مصر مع مخلص الرومي يستنجده فبعث الى نائب دمشق بانجاده وبلغ الخبر غازان فبعث لقتاله مولاي من أمراء التتر في خمسة وثلاثين ألف فارس ولحقه الى سيواس فانتقض عليه العسكر ورجع التتر الى مولاي ولحق التركمان بالجبال ولحق هو بسيس في فل من العسكر وسار الى دمشق ثم الى مصر وسأل من السلطان لاشين أن يمده بعسكر ينقل به عياله الى الشام فأمر السلطان نائب حلب أن ينجده على ذلك فبعث معه عسكرا عليهم بكتمر الحلبي وساروا الى سيواس فاعترضهم التتر وهزموهم وقتل الحلبي ونجا شلامش الى بعض القلاع فاستنزله غازان وقتله واستقر أخوه قطقطو ومخلص وأقطع لهما وانتظما في عسكر مصر والله تعالى أعلم.
واقعة التتر على الناصر واستيلاء غازان على الشام ثم ارتجاعه منه
قد كنا قدمنا ما حدث من الوحشة بين التتر وبين الترك بمصر وقدمنا من أسبابها ما قدمناه فلما بويع الناصر بلغه أن غازان زاحف الى الشام فتجهز وقدم العساكر مع قطلبك الكبير وسيف الدين غزار، وسار على أثرهم آخر سنة ثمان وسبعين وانتهى الى غزة فنمي اليه أن بعض المماليك مجمعون للتوثب عليه وأن الاربدانية الذين وفدوا من التتر على كيبغا داخلوهم في ذلك وبينهما هو يستكشف الخبر إذ بمملوك من أولئك قد شهر سيفه واخترق صفوف العساكر وهم مصطفون بظاهر غزة فقتل لحينه وتتبع أمرهم من هذه البادرة حتى ظهرت حليتها فسبق الاربدانية ومقدمهم طرنطاي وقتل بعض المماليك وحبس الباقون بالكرك ورحل السلطان الى عسقلان ثم الى دمشق ثم سار ولقي غازان ما بين سلمية وحمص بمجمع المروج ومعه الكرج والأرمن في مقدمته أمراء الترك الذين هربوا من الشام وهم قفجق المنصوري وبكتمر السلحدار وفارس الدين البكي وسيف الدين غزار فكانت الجولة منتصف ربيع فانهزمت ميمنة التتر وثبت غازان ثم حمل على القلب فانهزم الناصر واستشهد كثير من الأمراء وفقد حسام الدين قاضي الحنفية وعماد الدين إسماعيل ابن الأمير وسار غازان الى حمص فاستولى على الذخائر السلطانية وطار الخبر الى دمشق فاضطرب العامة وثار الغوغاء وخرج المشيخة الى غازان يقدمهم بدر الدين بن جماعة وتقي الدين بن تيمية وجلال الدين القزويني وبقي البلد فوضى وخاطب المشيخة غازان في الأمان فقال قد خالفكم الى بلدكم ٥/٤٧٣
كتاب الأمان ووصل جماعة من أمرائه فيهم إسماعيل ابن الأمير والشريف الرضي وقرأ كتاب الأمان ويسمونه بلغاتهم الفرمان وترجل الأمراء بالبساتين خارج البلد وامتنع علم الدين سلحدار بالقلعة فبعث اليه إسماعيل يستنزله بالأمان فامتنع فبعث اليه المشيخة من أهل دمشق فزاد امتناعا ودس اليه الناصر بالتحفظ وأن المدد على غزة ووصل قفجق بكتمر فنزلوا الميدان وبعثوا الى سنجر صاحب القلعة في الطاعة فأساء جوابهم وقال لهم أن السلطان وصل وهزم عساكر التتر التي اتبعته ودخل قفجق الى دمشق فقرأ عهد غازان له بولاية دمشق والشام جميعا وجعل اليه ولاية القضاء وخطب لغازان في الجامع وانطلقت أيدي العساكر في البلد بأنواع جميع العيث وكذا في الصالحية والقرى التي بها والمزة وداريا وركب ابن تيمية الى شيخ الشيوخ نظام الدين محمود الشيباني وكان نزل بالعادلية فأركبه معه الى الصالحية وطردوا منها أهل العيث وركب المشيخة الى غازان شاكين فمنعوا من لقائه حذرا من سطوته بالتتر فيقع الخلاف ويقع وبال ذلك على أهل البلد فرجعوا الى الوزير سعد الدين ورشد الدين فأطلقوا لهم الأسرى والسبي وشاع في الناس أن غازان أذن للمغل في البلد وما فيه ففزع الناس الى شيخ الشيوخ وفرضوا على أنفسهم أربعمائة ألف درهم مصانعة له على ذلك وأكرهوا على غرمها بالضرب والحبس حتى كلت ونزل التتر بالمدرسة العادلية فأحرقها ارجواش نائب القلعة ونصب المنجنيق على القلعة بسطح جامع بني أمية فأحرقوه فأعيد عمله وكان المغل يحرسونه فانتهكوا حرمة المسجد بكل محرم من غير استثناء وهجم أهل القلعة فقتلوا النجار الذي كان يصنع المنجنيق وهدم نائب القلعة ارجواش ما كان حولها من المساكن والمدارس والابنية ودار السعادة وطلبوا ما لا يقدرون عليه وأمتهن القضاة والخطباء وعطلت الجماعات والجمعة وفحش القتل والسبي وهدمت دار الحديث وكثير من المدارس ثم قفل الى بلده بعد ان ولى على دمشق والشام قفجق وعلى حماة وحمص بكتمر السلحدار وعلى صفد وطرابلس والساحل فارس الدين البكي وخلف نائبة قطلو شاه في ستين ألف حامية للشام واستصحب وزيره بدر الدين بن فضل الله وشرف الدين ابن الأمير وعلاء الدين بن القلانسي وحاصر قطلو شاه القلعة فامتنعت عليه فاعتزم على الرحيل وجمع له قفجق الأوغاد في جمادى من السنة وبقي قفجق منفردا بأمره فأمن الناس بعض الشيء وأمر مماليكه ورجعت عساكر التتر من اتباع الترك بعد ان وصلوا الى القدس وغزة والرملة واستباحوا ونهبوا وقائدهم يومئذ مولاي من أمراء التتر فخرج اليه ابن تيمية واستوهبه بعض الأسرى فأطلقهم وكان الملك الناصر لما وصل الى القلعة ووصل معه كيبغا العادل وكان حضر ٥/٤٧٤
معه المعركة من محل نيابته بصرخد فلما وقعت الهزيمة سار مع السلطان الى مصر وبقي في خدمة النائب سلار وجرد السلطان العساكر وبث النفقات وسار الى الصالحية وبلغه رحيل غازان من الشام ووصل اليه بليان الطباخي نائب حلب على طريق طرابلس وجمال الدين الافرم نائب دمشق وسيف الدين كراي نائب طرابلس واتفق السلطان في عساكرهم وبلغه أن قطلو شاه نائب غازان رحل من الشام على أثر غازان فتقدم بيبرس وسار في العساكر ووقعت المراسلة بينه وبين قفجق وبكتمر والبكي فأذعنوا للطاعة ووصلوا الى بيبرس وسلار فبعثوا بهم الى السلطان وهو في الصالحية في شعبان من السنة فركب للقائهم وبالغ في تكرمتهم والاتطاع لهم وولى قفجق على الشوبك ورحل عائدا الى مصر ودخل بيبرس وسلار الى مصر وقرروا وفي ولايتها جمال الدين أقوش الافرم بدمشق وفي نيابة حلب قراسنقر المنصوري الجوكندار لاستعفاء بليان الطباخي عنها وفي طرابلس سيف الدين قطلبك وفي حماة كيبغا العادل وفي قضاء دمشق بدر الدين بن جماعة لوفاة امام الدين بن سعد الدين القزويني وعاد بيبرس وسلار الى مصر منتصف شوال وعاقب الافرم كل من استخدم للتتر من أهل دمشق وأغزى عساكره جبل كسروان والدرزية لما نالوا من العسكر عند الهزيمة وألزم أهل دمشق بالرماية وحمل السلاح وفرضت على أهل دمشق ومصر الأموال عن بعث الخيالة والمساكن لاربعة أشهر وضمان للقرى وكثر الإرجاف سنة سبعمائة بحركة التتر فتوجه السلطان الى الشام بعد أن فرض على الرعية أموالا واستخرجها لتقوية عساكره وأقام بظاهر غزة أياما يؤلف فيها الأمصار ثم بعث ألفي فارس الى دمشق وعاد الى مصر منسلخ ربيع الآخر وجاء غازان بعساكره وأجفلت الرعايا أمامه حتى ضاقت بهم السبل والجهات فنزل ما بين حلب ومرس ونازلها واكتسح البلاد الى انطاكية وجبل السمر وأصابهم هجوم البرد وكثرة الامطار والوحل وانقطعت الميرة عنهم وعدمت الأقوات وصوعت المراعي من كثرة الثلج وارتحلوا الى بلادهم وكان السلطان قد جهز العساكر كما قلنا الى الشام صحبة بكتمر السلحدار نائب صفد وولى مكانه سيف الدين فنحاص المنصوري ثم وقعت المراسلة بين السلطان الناصر وبين غازان وجاءت كتبه وبعث الناصر كتبه ورسله وولى السلطان على حمص فارس الدين البكي والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٤٧٥
وفاة الخليفة الحاكم وولاية ابنه المستكفي والغزاة الى العرب بالصعيد
ثم توفي الخليفة الحاكم بأمر الله أحمد وهو الذي ولاه الظاهر وبايع له سنة ستين فتوفي سنة احدى وسبعمائة لإحدى وأربعين سنة من خلافته وقد عهد لابنه أبي الربيع سليمان فبايع له الناصر ولقبه المستكفي وارتفعت شكوى الرعايا في الصعيد من الاعراب وكثر عيثهم فجهز السلطان العساكر مع شمس الدين قراسنقر فاكتسحهم وراجعوا الطاعة وقرر عليهم مالا حملوه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم وألف فرس واحدا وألفي جمل اثنين وعشرة آلاف ألف رأس من الغنم وأظهروا الاستكانة ثم أظهروا النفاق فسار اليهم كافل المملكة سلار وبيبرس في العساكر فاستلحموهم وأبادوهم وأصابوا أموالهم ونعمهم ورجعوا واستأذن بيبرس في قضاء فرضه فخرج حاجا وكان أبو نمى أمير مكة قد توفي وقام بأمره في مكة ابناه رميثة وخميصة واعتقلا أخويهما عطيفة وأبا الغيث فنقبا السجن وجاءا الى بيبرس مستعديين على أخويهما فقبض عليهما بيبرس وجاء بهما الى القاهرة وفي سنة ستين وسبعمائة بعدها خرجت الشواني مشحونة بالمقاتلة الى جزيرة أرواد في بحر طرطوس وبها جماعة من الافرنج قد حصنوها وسكنوها فملكوها وأسروا أهلها وخربوها وأذهبوا آثارها والله تعالى ولى التوفيق.
تقرير العهد لأهل الذمة
حضر في سنة سبعمائة وزير من المغرب في غرض الرسالة فرأى حال أهل الذمة وترفهم وتصرفهم في أهل الدولة فنكره وقبح ذلك واتصل بالسلطان نكيره فأمر بجمع الفقهاء للنظر في الحدود التي تقف عندها أهل الذمة بمقتضى عهود المسلمين لهم عند الفتح وأجمع الملاء فيهم على ما نذكر وهو أن يميز بين أهل الذمة بشعار يخصهم فالنصارى بالعمائم السود واليهود بالصفر والنساء منهن بعلامات تناسبهن وأن لا يركبوا فرسا ولا يحملوا سلاحا وإذا ركبوا الحمير يركبونها عرضا ويتنحون وسط الطريق ولا يرفعوا أصواتهم فوق صوت المسلمين ولا يعلوا بناءهم على بناء المسلمين ولا يظهروا شعائرهم ولا يضربوا بالنواقيس ولا ينصروا مسلما ولا يهودوه ولا يشتروا من الرقيق مسلما ولا من سباه مسلم ولا من جرت عليه سهام المسلمين ومن دخل منهم الحمام يجعل في عنقه جرسا يتميز به ولا ينقشوا فص الخاتم ٥/٤٧٦
بالعربي ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يخدموا في أعمالهم الشاقة مسلما ولا يرفعوا النيران ومن زنا منهم بمسلمة قتل وقال البترك بحضرة العدول حرمت على أهل ملتي وأصحابي مخالفة ذلك والعدول عنه وقال رئيس اليهود أوقعت الكلمة على أهل ملتي وطائفتي وكتب بذلك إلى الأعمال (ولنذكر) في هذا الموضع نسخة كتاب عمر بالعهد لأهل الذمة بعد كتاب نصارى الشام ومصر اليه ونصه هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى أهل الشام ومضر لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا على أنفسنا أن لا تحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا علية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان في خطط وأن نوسع أبوابنا للمارة ولبني السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتم عيبا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو اليه أحدا ولا نمنع أحد من ذي قرابتنا الدخول في دين الإسلام إن أرادوه وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتسمى بأسمائهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية وأن نجز مقدم رءوسنا ونكرم نزيلنا حيث كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا ولا نظهر صلباننا ولا نفتح كنفنا في طريق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب بنواقيسنا في شيء من حضرة المسلمين ولا نخرج شعانيننا ولا طواغيتنا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نوقد النيران في طريق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين ولا نطلع في منازلهم ولا نعلي منازلنا فلما أتى عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خلفنا في شيء مما شرطنا لكم علينا وضمناه على أنفسنا وأهل ملتنا فلا ذمة لنا عليكم وقد حل بنا ما حل بغيرنا من أهل المعاندة والشقاق فكتب عمر رضي الله عنه أمض ما سألوه وألحق فيه حرفا اشترطه عليهم مع ما اشترطوه من ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده وعلى أحكام هذا الكتاب جرت فتاوى الفقهاء في أهل الذمة نصا وقياسا وأما كنائسهم فقال أبو هريرة أمر عمر بهدم كل كنيسة استحدثت بعد الهجرة ولم يبق الا ما كان قبل الإسلام وسير عروة بن محمد فهدم الكنائس بصنعاء وصالح القبط على كنائسهم وهدم بعضها ولم يبق من الكنائس الا ما كان قبل الهجرة وفي اباحة رمها وإصلاحها لهم خلاف معروف بين الفقهاء والله تعالى ولى التوفيق ٥/٤٧٧
إيقاع الناصر بالتتر على شقحب
ثم تواترت الأخبار سنة اثنتين وسبعمائة بحركة التتر وأن قطلو شاه وصل الى جهة الفرات وأنه قدم كتابه الى نائب حلب بأن بلادهم محلة وأنهم يرتادون المراعي بنواحي الفرات فخادع بذلك عن قصده ويوهم الرعية أن يحفلوا من البسائط ثم وصلت الأخبار بإجازتهم الفرات فأجفل الناس أمامهم كل ناحية ونزل التتر مرعش وبعث العساكر من مصر مددا لأهل الشام فوصلوا الى دمشق وبلغهم هنالك أن السلطان قازان وصل في جيوش التتر الى مدينة الرحبة ونازلها فقدم نائبها قرى وعلوفة واعتذر له بأنه في طاعته الى أن يرد الشام فإن ظفر به فالرحبة أهون شيء وأعطاه ولده رهينة على ذلك فأمسك عنه ولم يلبث أن عبر الفرات راجعا إلى بلاده وكتب إلى أهل الشام كتابا مطولا ينذرهم فيه أن يستمدوا عسكر السلطان أو يستجيشوه ويخادعهم بلين القول وملاطفته وتقدم قطلو شاه وجوبان الى الشام بعساكر التتر يقال في تسعين ألفا أو يزيدون وبلغ الخبر الى السلطان فقدم العساكر من مصر وتقدم بيبرس كافل المملكة الى الشأم والسلطان وسلار على اثره ومعهم الخليفة أبو الربيع وساروا في التعبية ودخل بيبرس دمشق وكان النائب بحلب قراسنقر المنصوري وقد اجتمع اليه كيبغا العادل نائب حماة وأسد الدين كرجي نائب طرابلس بمن معهم من العساكر فأغار التتر على القرينين وبها أحياء من التركمان كانوا أجفلوا أمامهم من الفرات فاستاقوا أحياءهم بما فيها واتبعهم العساكر من حلب فأوقعوا بهم واستخلصوا أحياء التركمان من أيديهم وزحف قطلو شاه وجوبان بجموعهما الى دمشق يظنان أن السلطان لم يخرج من مصر والعساكر والمسلمون مقيمون بمرج الصفر وهو المسمى بشقحب مع ركن الدين بيبرس ونائب دمشق أقوش الافرم ينتظرون وصول السلطان فارتابوا لزحف التتر وتأخروا عن مراكزهم قليلا وارتاعت الرعايا من تأخرهم فأجفلوا الى نواحي مصر وبينما هم كذلك إذ وصل السلطان في عساكره وجموعه غرة رمضان من السنة فرتب مصافه وخرج لقصدهم فالتقى الجمعان بمرج الصفر وحمل التتر على ميمنة السلطان فثبت الله أقدامهم وصابروهم الى أن غشيهم الليل واستشهد جماعة في الجولة ثم انهزم التتر ولجئوا الى الجبل يعتصمون به واتبعهم السلطان فأحاط بالجبل الى أن أظل الصباح وشعر المسلمون باستماتتهم فأفرجوا لهم من بعض الجوانب وتسلل معظمهم مع قطلو شاه وجوبان وحملت العساكر الشامية على من بقي منهم ٥/٤٧٨
فاستلحموهم وأبادوهم واتبعت الخيول آثار المنهزمين وقد اعترضتهم الا وحال بما كان السلطان قدم إلى أهل الأنهار بين أيديهم فبثقوها ووحلت خيولهم فيها فاستوعبوهم قتلا وأسرا وكتب السلطان الى قازان بما يجدد عليه الحسرة ويملأ قلبه رعبا وبعث البشائر الى مصر ثم دخل الى دمشق وأقام بها عيد الفطر وخرج لثالثه منها الى مصر فدخلها آخر شوال في موكب حفل ومشهد عظيم وقر الإسلام بنصره وتيمن بنقيب نوابه وأنشده الشعراء في ذلك وفي هذه السنة توفي كيبغا العادل نائب حماة وهو الذي كان ولى الملك بمصر كما تقدم ذكره فدفن بدمشق وتوفي أيضا بليان الجوكندار نائب حمص وتوفي أيضا القاضي تقي الدين بن دقيق العيد بمصر لولايته ست سنين بها وولى مكانه بدر الدين بن جماعة وهلك قازان ملك التتر يقال أصابته حمى حادة للهزيمة التي بلغته فهلك وولى أخوه خربندا وفيها أفرج السلطان عن رميثة وحميصة ولدى الشريف أبي نمى وولاهما بدلا من أخويهما عطيفة وأبي الغيث والله تعالى أعلم. ٥/٤٧٩
أخبار الأرمن أخبار الأرمن وغزو بلادهم وادعاؤهم الصلح ثم مقتل ملكهم صاحب سيس على يد التتر
قد كان تقدم لنا ذكر هؤلاء الأرمن وأنهم وإخوتهم الكرج من ولد قويل بن ناحور بن آزر وناحور أخوا إبراهيم عليه السلام وكانوا أخذوا بدين النصرانية قبل الملة وكانت مواطنهم أرمينية وهي منسوبة إليهم وقاعدتها خلاط وهي كرسي ملكهم ويسمى ملكهم النكفور ثم ملك المسلمون بلادهم وضربوا الجزية على من بقي منهم واختلف عليهم الولاة ونزلت بهم الفتن وخرجت خلاط فانتقل ملكهم إلى سيس عند الدروب المجاورة لحلب وانزووا إليها وكانوا يؤدون الضريبة للمسلمين وكان ملكهم لعهد نور الدين العادل قليج بن اليون وهو صاحب ملك الدروب واستخدم للعادل وأقطع له ملك المصيصة وأردن وطرسوس من يد الروم وأبقاه صلاح الدين بعد العادل نور الدين على ما كان عليه من الخدمة وغدر في بعض السنين بالتركمان فعزاهم صلاح الدين وأخنى عليهم حتى أذعنوا ورجع إلى حاله من أداء الجزية والطاعة وحسن الجوار بثغور حلب ثم ملكهم لعهد الظاهر هيثوم بن قسطنطين ابن يأنس ويظهر أنه من أعقاب قليج أو من أهل بيته ولما ملك هلاكو العراق والشام دخل هيثوم في طاعته وأقره على سلطانه وأجلب مع التتر في غزواتهم على الشام وغزا سنة اثنتين وستين صاحب بلاد الروم من التتر واستنفر معه بني كلاب من أعراب حلب وعاثوا في نواحي عنتاب ثم ترهب هيثوم بن قسطنطين ونصب ابنه للملك وبعث الظاهر العساكر سنة أربع وستين ومعه قلاون المنصور صاحب حماة إلى بلادهم فلقيهم ليون في جموعه قبل الدربند فانهزم وأسروا خرب العساكر مدينة سيس وبذل هيثوم الأموال والقلاع في فداء ابنه ليون فشرط عليه الظاهر أن يستوهب سنقر الأشقر وأصحابه من أبغا بن هلاكو وكان هلاكو أخذهم من سجن حلب فاستوهبهم وبعث بهم وأعطى خمسا من القلاع منها رغبان ومرزبان لما توفي هيثوم سنة تسع وستين وملك بعده ابنه ليون وبقي الملك في عقبه وكان بينهم وبين الترك نفرة واستقامة لقرب جوارهم من حلب والترك يرددون العساكر إلى بلادهم حتى أجابوا بالصلح على الطاعة والجزية وشحنة التتر مقيم عندهم بالعساكر من قبل شحنة بلاد الروم ولما توفي ليون ملك بعده ابنه هيثوم ووثب عليه أخوه سنباط فخلعه وحبسه بعد أن سمل عينه الواحدة وقتل أخاهما الأصغر يروس ونازلت عساكر الترك لعهده ٥/٤٨٠
قلعة حموض من قبل العادل كيبغا فاستضعف الأرمن سنباط وهموا به فلحق بالقسطنطينية وقدموا عليهم أخاه رندين فصالح المسلمين وأعطاهم مرعش وجميع القلاع على جيحان وجعلوهم تخما ورجعت العساكر عنهم ثم أفرج رندين عن أخيه هيثوم الأعور سنة تسع وستين فأقام معه قليلا ثم وثب برندين ففر إلى القسطنطينية وأقام هيثوم بسيس في ملك الأرمن وقدم ابن أخيه تروس معسول أتابكا واستقامت دولته فيهم وسار مع قازان في وقعته مع الملك الناصر فعاث الأرمن في البلاد واستردوا بعض قلاعهم وخربوا تل حمدون فلما هزم الناصر التتر سنة اثنتين وسبعمائة بعث العساكر إلى بلادهم فاسترجعوا القلاع وملكوا حمص واكتسحوا بسائط سيس وما إليها ومنع الضريبة المقررة عليهم فأنفذ نائب حلب قراسنقر المنصوري سنة سبع وستمائة العساكر إليهم مع أربعة من الأمراء فعاثوا في بلادهم واعترضهم شحنة التتر بسيس فهزموهم وقتل أميرهم وأسر الباقون وجهز العساكر من مصر مع بكتاش الفخري أمير سلاح من بقية البحرية وانتهوا إلى غزة وخشي هيثوم مغبة هذه الحادثة فبعث إلى نائب حلب بالجزية التي عليهم لسنة خمس وقبلها وتوسل بشفاعته إلى السلطان فشفعه وأمنه وكان شحنة التتر ببلاد الروم لهذا العهد أرفلي وكان قد أسلم لما أسلم ابغا وبنى مدرسة بأذنة وشيد فيها مئذنة ثم حدث بينه وبين هيثوم صاحب سيس وحشة فسعى فيه هيثوم عند خربندا ملك التتر بأنه مداخل لأهل الشام وقد واطأهم على ملك سيس وما إليها واستشهد له بالمدرسة والمئذنة وكتب بذلك إلى أرفلي بعض قرابته فأسرها في نفسه واغتاله في صنيع دعاه إليه وقبض على وافد من مماليك الترك كان عند هيثوم من قبل نائب حلب يطلب الجزيرة المقررة عليه وهو آيدغدي الشهرزوري ولم يزل في سجن التتر الى أن فر من محبسه بتوريز سنة عشر وسبعمائة ونصب لملك سيس أوشني بن ليون وسار ارفلي إلى خربندا فسابقه ألتاق أخو هيثوم بنسائه وولده مستعدين عليه فتفجع لهم خربندا وسط أرفلي وقتله وأقر أوشين أخاه في ملكه لسيس فبادر إلى مراسلة الناصر بمصر وتقرير الجزية عليه كما كانت وما زال يبعثها مع الأحيان والله تعالى أعلم.
مراسلة ملك المغرب ومهاداته
كان ملك المغرب الأقصى من بني مرين المتولين أمره من بعد الموحدين وهو يوسف بن يعقوب بن عبد الحق قد بعث الى السلطان الناصر سنة أربع وسبعمائة رسوله علاء الدين آيدغدي الشهرزوري من الشهرزورية المقربين هنالك أيام الظاهر بيبرس ومعه هدية حافلة من الخيل ٥/٤٨١
والبغال والإبل وكثير من ماعون المغرب وسائر طرفه جملة من الذهب العين في ركب عظيم من المغاربة ذاهبين لقضاء فرضهم فقابلهم السلطان بأبلغ وجوه التكرمة وبعث معهم أميرا لإكرامهم وقراهم في طريقهم حتى قضوا فرضهم وعاد الرسول آيدغدي المذكور من حجه سنة خمس فبعث السلطان معه مكافأة هديتهم بما يليق بها من النفاسة وعين لذلك أميرين من بابه آيدغدي البابلي وآيدغدي الخوارزمي كل منهما لقبه علاء الدين فانتهوا إلى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان كما هو في ربيع الآخر سنة ست قابلهم بما يجب لهم ولمرسلهم وأوسع لهم في الكرامة والحباء وبعثهم إلى ممالكه بفاس ومراكش ليتطوفا بها ويعاينا مسرتها وهلك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان وانطلق الرسولان المذكوران من فاس راجعين من رسالتهما في رجب سنة سبع في ركب عظيم من أهل المغرب اجتمعوا عليهم لقصد الحج ولقوا السلطان أبا ثابت البزولي من بعد يوسف بن يعقوب في طريقهم فبالغ في التكرمة والإحسان إليهم وبعث إلى مرسلهم الملك الناصر بهدية أخرى من الخيل والبغال والإبل ثم مروا بتلمسان وبها أبو زيان وأبو حمو ابنا عثمان بن يغمراس فلم يصرفا إليهما وجها من القبول وطلبا منهما خفير يخفرهما إلى تخوم بلادهما لما كانت نواحي تلمسان قد اضطربت بعد مهلك يوسف بن يعقوب وما كان من شأنه فبعث معهما بعض العرب فلم يغن عنهم واعترضهم في طريقهم أشرار حصن من زغبة بنواحي المرية فبالغوا في الدفاع فلم يغن عنهم واستولى الأشرار على الركب بما فيه ونهبوا جميع الحجاج ورسل الملك الناصر معهم وخلصوا برءوسهم إلى الشيخ بكر بن زغلي شيخ بني يزيد بن زغبة بوطن حمزة بنواحي بجاية فأوصلهم إلى السلطان بجباية أبي البقاء خالد من ولد الأمير أبي زكريا يحيى ابن عبد الواحد بن أبي حفص ملوك إفريقية فكساهم وحملهم إلى حضرة تونس وبها السلطان أبو عصيدة محمد بن يحيى الواثق من بني عمه فبالغ في تكرمتهم وسافر معهم إبراهيم ابن عيسى من بني وسنار أحد أمراء بني مرين كان أميرا على الغزاة بالأندلس وخرج لقضاء فرضه فمر بتونس واستنهضه سلطانها على الإفرنج بجزيرة جربة فسار اليها بقومه ومعه عبد الحق بن عمر بن رحو من أعيان بني مرين وكان الشيخ أبو يحيى زكريا بن أحمد اللحياني يحاصرها في عسكر تونس فأقام معهم مدة ثم استوحش أبو يحيى اللحياني من سلطانه بتونس فلحق بطرابلس وساروا جميعا إلى مصر وتقدم السلطان بإكرامهم حتى قضوا فرضهم وعادوا إلى المغرب واستمد أبو يحيى اللحياني السلطان الناصر فأمده بالأموال والمماليك وكان سببا لاستيلائه على الملك بتونس كما نذكره في أخباره أن شاء الله تعالى. ٥/٤٨٢
وحشة الناصر من كافلية بيبرس وسلار ولحاقه بالكرك وخلعه والبيعة لبيبرس
ثم عرضت وحشة بين السلطان الناصر وبين كافليه بيبرس وسلار سنة سبع فامتنع من العلامة على المراسم وترددت بينه وبينهم السعاة بالعتاب وركب بعض الأمراء في ساحة القلعة من جوف الليل ودافعهم الحامية في جوف الليل وافترقوا وامتعض السلطان لذلك وازداد وحشة ثم سعى بكتمر الجوكندار في إصلاح الحال وحمل السلطان على تغريب بعض الخواص من مماليكه إلى القدس وكان بيبرس ينسب إليهم هذه الفتنة ونشأتها من أجلهم ففر بهم السلطان وأعتب الأميرين ثم أعيد الموالي من القدس إلى محلهم من خدمتهم واتهم السلطان الجوكندار في سعايته فسخطه وأبعده وبعثه نائبا عن صفد ثم غص بما هو فيه من الحجر والاستبداد وطلب الحج فهجره بيبرس وسلار وسار على الكرك سنة ثمان وودعه الأمراء واستصحب بعضا منهم فلما مر بالكرك دخل القلعة وأخرج النائب جمال الدين أقوش الأشرف إلى مصر وبعث عن أهله وولده كانوا مع المحمل الحجازي فعادوا إليه من العقبة وصرف الأمراء الذين توجهوا معه وأظهر الانقطاع بالكرك للعبادة وأذن لهم في إقامة من يصلح لأمرهم فاجتمعوا بدار النيابة وتشاوروا واتفقوا على أن يكون بيبرس سلطانا عليهم وسلار على نيابته وبايعوا بيبرس في شوال سنة ثمان ولقبوه المظفر وقلده الخليفة أبو الربيع وكتب للناصر بنيابة الكرك وعينت له إقطاع يختص بها وقام سيف الدين سلار بالنيابة على عادة من قبله وأقر أهل الوظائف والرتب على مراتبهم وبعث أهل الشام بطاعتهم واستقر بيبرس في سلطانه والله تعالى أعلم.
انتقاض الأمير بيبرس وعود الناصر إلى ملكه
ولما دخلت سنة تسع هرب بعض موالي الناصر فلحقوا بالكرك وقلق الظاهر بيبرس المظفر وبعث في أثرهم فلم يدركوهم واتهم آخرون فقبض عليهم ونشأت الوحشة لذلك واتصلت المكاتبة من الأمراء الذين بالشام إلى السلطان بالكرك وخرج من مكانه يريد النهوض إليهم ثم رجع ووصل كتاب نائب دمشق أقوش الافرم فسكن الحال وبعث الجاشنكير بيبرس إلى السلطان برسالة مع الأمير علاء الدين مغلطاي أيدغلي وقطلوبغا تتضمن الإرجاف فثارت لها حفائظه وعاقب الرسولين وكاتب أمراء الشام يتظلم من بيبرس وأصحابه بمصر ويقول ٥/٤٨٣
سلمت لهم في الملك ورضيت بالضنك رجاء الراحة فلم يرجعوا عني وبعثوا إلي بالوعيد وأنهم فعلوا ما فعلوا بأولاد المعز أيبك وبيبرس الظاهر ومثل ذلك من القول ويستنجدهم ويمت إليهم بوسائل التربية والعتق في دفاع هؤلاء عنه والا لحقت ببلاد التتر وبعث بهذه الرسالة مع بعض الجند كان مستخدما بالكرك من عهد أقوش الاشرفي وأقام هنالك وكان مولعا بالصيد فاتصل بالسلطان في مصايده وبث إليه ذات يوم شكواه فقال أنا أكون رسولك الى أمراء الشام فبعث إليهم بهذه الرسالة فامتعضوا وأجابوه بالطاعة كما يجب منهم وسار السلطان الى البلقاء وأرسل جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق إلى مصر فأخبر الجاشنكير بيبرس بالحال واستمده بالعساكر للدفاع فبعث إليه بأربعة آلاف من العساكر مع كبار الأمراء وأزاح عللهم وأنفق في سائر العساكر بمصر وكثر الإرجاف وشغبت العامة وتعين مماليك السلطان للخروج إلى النواحي استرابة بمكانهم ووصل الخبر برجوع السلطان من البلقاء إلى الكرك لرأي رآه واستراب لرجعته سائر أصحابه وحاشيته وخاف أن يهجمهم عساكر مصر بما كان يشاع عندهم من اعتزام بيبرس على ذلك ثم دس السلطان إلى مماليكه وشيع إليهم فأجابوه وأعاد الكتاب إلى نواب الشام مثل شمس الدين آقسنقر نائب حلب وسيف الدين نائب حمص فأجابوه بالسمع والطاعة وبعث نائب حلب ولده إليه واستنهضوه للوصول فخرج من الكرك في شعبان سنة تسع ولحق به طائفة من أمراء دمشق وبعث النائب أقوش أميرين لحفظ الطرقات فلحقا بالسلطان وكتب بيبرس الجاشنكير إلى نواب الشام بالوقوف مع جمال الدين أقوش نائب دمشق والاجتماع على السلطان الناصر عن دمشق فأعرضوا ولحقوا بالسلطان وسار أقوش إلى البقاع والشقيف واستأمن إلى السلطان فبعث إليه بالأمان مع أميرين من أكابر أمرائه وسار إلى دمشق فدخلها وهي خالصة يومئذ لسيف الدين بكتمر أمير جامدار جاءه من صفد وهاجر إلى خدمته فتلقاه وجازاه أحسن الجزاء ثم وصل أقوش الأفرم فتلقاه السلطان بالميرة والتكرمة وأقره على نيابة دمشق واضطربت أمور الجاشنكير بمصر وخرجت طائفة من مماليك السلطان هاربين إلى الشام فسرح في أثرهم العساكر فأدركوهم ونال الهاربون منهم قتلا وجراحة ورجعوا وتجمعت وثاب العامة والغوغاء وأحاطوا بالقلعة وجاهروا بالخلعان وقبض على بعضهم وعوقب فلم يزدهم إلا عتوا وتحاملا وارتاب الجاشنكير لحاله واجتمع الناس للحلف وحضر الخليفة وجدد عليه وعليهم الحلف وبعث نسخة البيعة لتقرأ بالجامع يوم الجمعة فصاح الناس بهم وهموا أن يحصبوهم على المنبر فرجع إلى النفقة وبذل المال واعتزم على المسير إلى الشام وقدم ٥/٤٨٤
أكابر الأمراء فلحقوا بالسلطان من دمشق منتصف رمضان وقدم بين يديه أميرين من أمراء غزة فوصلاها واجتمعت إليه العرب والتركمان وبلغ الخبر إلى الجاشنكير فجمع إليه شمس الدين سلار وبدر الدين بكتوت الجوكندار وسيف الدين السلحدار وفاوضهم في الأمر فرأوا أن الخرق قد اتسع ولم يبق إلا البدار بالرغبة إلى السلطان أن يقطعه الكرك أو حماة أو صهيون ويتسلم السلطان ملكه فأجمعوا على ذلك وبعثوا بيبرس الدوادار وسيف الدين بهادر بعد أن أشهد الجاشنكير بالخلع وخرج من القلعة الى أطفيح بمماليكه فلم يستقر بها وتقدم قاصدا أسوان واحتمل ما شاء من المال والذخيرة وخيول الإصطبل وقام بحفظ القلعة صاحبه سيف الدين سلار وكاتب السلطان يطالعه بذلك وخطب للسلطان على المنابر ودعي باسمه على المآذن وهتف باسمه العامة في الطرقات وجهز سلار سائر شعار السلطنة ووصلت رسل الجاشنكير إلى السلطان بما طلب فأسعفه بصهيون وردهم إليه بالأمان والولاية ووافى السلطان عيد الفطر بالبركة ولقيه هنالك سيف الدين سلار وأعطاه الطاعة ودخل السلطان إلى القلعة وجلس باقي العيد بالإيوان جلوسا فخما واستحلف الناس عامة وسأله سلار في الخروج إلى إقطاعه فأذن له بعد أن خلع عليه فخرج ثالث شوال وأقام ولده بباب السلطان ثم بعث السلطان الأمراء إلى أخميم فانتزعوا من الجاشنكير ما كان احتمله من المال والذخيرة وأوصلوها إلى الخزائن ووصل معهم جماعة من مماليكه كانوا أمراء واختاروا الرجوع إلى السلطان وولى السلطان سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جاندار نائبا بمصر وقراسنقر المنصوري نائبا بدمشق وبعث نائبها الأفرم نائبا بصرخد وسيف الدين قفجق نائبا بحلب وسيف الدين بهادر نائبا بطرابلس وخرجوا جميعا إلى الشام وقبض السلطان على جماعة من الأمراء ارتاب بهم وولى على وزارته فخر الدين عمر بن الخليلي عوضا عن ضياء الدين أبي بكر ثم انصرف بيبرس الجاشنكير متوجها إلى صهيون وبها بهادر بها الأشجعي موكل به إلى حيث قصد ورجع عنه الأمراء الذين كانوا عنده إلى السلطان فاستضاف بعضهم إلى مماليكه واعتقل بعضهم ثم بدا للسلطان في أمره وبعث إلى قراسنقر وبهادر وهما مقيمان بغزة ولم ينفصلا إلى الشام أن يقبضا عليه فقبضا عليه وبعثا به إلى القلعة آخر ذي القعدة فاعتقل ومات هنالك والله تعالى ولي التوفيق. ٥/٤٨٥
خبر سلار ومآل أمره
لما انتقل السلطان إلى ملكه بمصر وكان لسلار من السعي في أمره وتمكين سلطانه ما ذكرناه وكانت له سوء بال عند السلطان يعتني برعيها له وكانت الشويك من أقطاعه فرغب إلى السلطان في المسير إليها والتخلي فيها فأذن له وخلع عليه وزاده في أقطاعه وأقطاع مماليكه وأتبعه مائة من الطواشية بأقطاعهم وسار من مصر إلى الشويك في شوال سنة ثمان وسبعمائة ثم بعث له داود المقسور بالكرك مضافا إلى الشويك وباللواء وبخلعة مذهبة ومركب ثقيل ومنطقة مجوهرة وأقام هنالك فلما كانت سنة عشر بعدها نمى إلى السلطان عن جماعة من الأمراء أنهم معتزمون على الثورة وفيهم أخو سلار فقبض عليهم جميعا وعلى شيع سلار وحاشيته الذين بمصر وبعث علم الدين الخوالي لاستقدامه من الكرك تأنيسا له وتسكينا فقدم في ربيع من السنة واعتقل إلى أن هلك في معتقله واستصفيت أمواله وذخائره بمصر والكرك وكانت شيئا لا يعبر عنه من الأموال والفصوص واللآلي والدروع والكراع والإبل ويقال أنه كان يغل كل يوم من أقطاعه وضياعه ألف دينار وأما أوليته فإنه لما خلص من أسر التتر صار مولى لعلاء الدين علي بن المنصور قلاون ولما مات صار لأبيه قلاون ثم لابنه الأشرف ثم لأخيه محمد بن الناصر وظهر في دولهم كلها وكان بينه وبين لاشين مودة فاستخدم له وعظم في دولته متقربا في المراكب متحريا لمحبة السلطان إلى أن انقرض أمره ويقال أنه لما احتضر في محبسه قيل له قد رضي عنك السلطان فوثب قائما ومشى خطوات ثم مات والله أعلم.
انتقاض النواب بالشام ومسيرهم إلى التتر وولاية تنكز على الشام
كان قفجق نائب حلب قد توفي بعد أن ولاه السلطان فنقل مكانه إلى حلب الكرجي من حماة سنة عشر فتظلم الناس منه فقبض عليه ونقل إليها قراسنقر المنصوري من نيابة دمشق وولى مكانه بدمشق سيف الدين كراي المنصوري سنة إحدى عشرة ثم سخطه واعتقله وولى مكانه بدمشق جمال الدين أقوش الأشرفي نقله إليها من الكرك ٥/٤٨٦
وتوفي بها محمد نائب طرابلس فنقل إليها أقوش الأفرم من صرخد ثم قبض على بكتمر الجوكندار نائب مصر وحبسه بالكرك وجعل مكانه في الثانية بيبرس الدوادار ثم ارتاب قراسنقر نائب حلب فهرب إلى البرية واجتمع مع مهنا بن عيسى ويقال أنه استأذن السلطان في الحج فأذن له فلما توسط البرية استوعرها فرجع فمنعه الأمراء الذين بحلب من دخولها إلا بإذن السلطان فرجع إلى الفرات وبعث مهنا بن عيسى شافعا له عند السلطان فقبله ورده إلى نيابة حلب ثم بلغ السلطان أن خربندار ملك التتر زاحف إلى الشام فجهز العساكر من مصر وتقدم إلى عساكر الشام بأن يجتمعوا معهم بحمص فارتاب قراسنقر وخرج من حلب وعبر الفرات ثم راجع نفسه واستأمن السلطان على ان يقيم بالفرات فأقطعه السلطان الشويك يقيم بها فلم يفعل وبقي بمكان من الفرات مع مهنا بن عيسى ثم ارتاب جماعة من الأمراء فلحقوا به وفيهم أقوش الأفرم نائب طرابلس وأمضوا عزمهم على اللحاق بخربندا فوصلوا إلى ماردين فتلقاهم صاحبها بالكرامة وحمل إليهم تسعين ألف درهم ورتب لهم الأتاوات ثم ساروا إلى خلاط إلى أن جاءهم إذن خربندا فساروا إليه واستحثوه للشام وبلغ الخبر إلى السلطان فأتهم الأمراء الذين في خدمته بالشام بمداخلة قراسنقر وأصحابه فاستدعاهم وبعث على حلب سيف الدين مكان قراسنقر وعلى طرابلس بكتمر الساقي مكان أقوش وبعث على العرب فضل بن عيسى مكان أخيه مهنا ووصل الأمراء إلى مصر فقبض عليهم جميعا وعلى أقوش الأشرفي نائب دمشق وولى مكانه تنكز الناصري سنة اثنتي عشرة وجعل له الولاية على سائر الممالك الإسلامية وقبض على نائبة بمصر بيبرس الدوادار وحبسه بالكرك وولى مكانه أرغون الدوادار وعسكر بظاهر القلعة وارتحل بعد عيد الفطر من السنة فلقيه الخبر أثناء طريقه بأن خربندا وصل إلى الرحبة ونازلها وانصرف عنها راجعا فانكفأ السلطان إلى دمشق وفرق العساكر بالشام ثم سار إلى الكرك واعتزم على قضاء فرضه تلك السنة وخرج حاجا من الكرك ورجع سنة ثلاث عشرة إلى الشام وبعث إلى مهنا بن عيسى يستميله وعاد الرسول بامتناعه ثم لحق سنة ست عشرة بخرابندا وأقطعه بالعراق وأقام هنالك فلم يرجع إلا بعد مهلك خربندا والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥/٤٨٧
رجوع حماة إلى بني المظفر شاهنشاه بن أيوب ثم لبني الأفضل منهم وانقراض أمرهم
قد كان تقدم لنا أن حماة كانت من أقطاع تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب أقطعه إياها عمه صلاح الدين بن أيوب سنة أربع وسبعين وخمسمائة فلم تزل بيده إلى أن توفي سنة سبع وثمانين وخمسمائة فأقطعها ابنه ناصر الدين محمدا ولقبه المنصور وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة بعد عمه صلاح الدين والعادل فوليها ابنه قليج أرسلان ويلقب الناصر سنة ست وعشرين وكان أخوه المظفر ولي عهد أبيه عند الكامل بن العادل فجهزه بالعساكر من دمشق وملكها من يد أخيه وأقام بها إلى أن هلك سنة ثلاث وأربعين وولي ابنه محمد ويلقب المنصور ولم يزل في ولايتها إلى أن سار يوسف بن العزيز ملك الشام من بني أيوب هاربا إلى مصر أيام التتر فسار معه المنصور صاحب حماة وأخوه الأفضل ثم خشي من الترك بمصر فرجع إلى هلاكو واستمر المنصور إلى مصر فأقام بها وملك هلاكو الشام وقتل الناصر وسائر بني أيوب كما مر ثم سار قطز إلى الشام عند ما رجع هلاكو عنه عند ما شغل عنه بفتنة قومه فارتجعه من ملكة التتر وولى على قواعده وأمصاره ورد المنصور إلى حماة فلم يزل واليا عليها وحضر واقعة على التتر بحمص سنة ثلاثين وكان يتردد إلى مصر سائر أيامه ويخرج مع البعوث إلى بلاد الأرمن وغيرها ويعسكر مع ملوك مصر متى طلبوه لذلك ثم توفي ثلاث وثمانين وأقر قلاون ابنه المظفر على ما كان أبوه وجرى هو معهم على سننه إلى أن توفي سنة ثمان وتسعين عند ما بويع الناصر محمد بن قلاون بعد لاشين، وانقطع عقب المنصور فولى السلطان عليها قراسنقر من أمراء الترك نقله إليها من الضبينة وأمره باستقرار بني أيوب وسائر الناس على أقطاعاتهم ثم كان استيلاء قازان على الشام ورجوعه سنة تسع وتسعين ومسير بيبرس وسلار وانتزاع الشام من التتر وكان كيبغا العادل الذي ملك مصر وخلعه لاشين نائبا بصرخد فجلا في هذه الوقائع وتنصح لبيبرس وسلار وحضر معهم بدمشق فولوه على حماة وغزا بالعساكر بلاد الأرمن وحضر هزيمة التتر مع الناصر سنة اثنتين وسبعمائة فرجع إلى حماة فمات بها وولى السلطان بعده سيف الدين قفجق استدعاه إليها من أقطاعه بالشويك وكان الأفضل علاء الدين أخو المنصور صاحب حماة توفي أيام أخيه المنصور وخلف ولدا اسمه إسماعيل ولقبه عماد الدين ونشأ في دولتهم عاكفا على العلم والأدب حتى توفر منهما حظه وله كتاب في التاريخ مشهور ولما رجع السلطان الناصر من الكرك إلى كرسيه وسطا ببيبرس وسلار راجع نظره في الإحسان إلى أهل هذا البيت واختار منهم عماد الدين إسماعيل هذا ٥/٤٨٨
وولاه على حماة مكان قومه ست عشرة وسبعمائة وكان عند رجوعه إلى ملكه قد ولى نيابة حلب سيف الدين قفجق وجعل مكانه بحماة أيدمر الكرجي وتوفي قفجق فنقل أيدمر من حماة إلى حلب مكانه وولى إسماعيل على حماة كما قلناه ولقبه المؤيد ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة اثنتين وثلاثين وولى الناصر ابنه الأفضل محمد برغبة أبيه إلى السلطان في ذلك ثم مات الملك الناصر في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وقام بعده بالأمر مولاه قوص ونصب ابنه أبا بكر محمدا فكان أول شيء أحدثه عزل الأفضل من حماة وبعث عليها مكانه صقر دمول النائب وسار الأفضل إلى دمشق فمات بها سنة اثنتين وأربعين وانقرضت إيالة بني أيوب من حماة والبقاء لله وحده لا رب غيره ولا معبود سواه.
غزو العرب بالصعيد وفتح ملطية وآمد
ثم خرج السلطان سنة ثلاث عشرة فعسكر بالأهرام موريا بالنزهة وقد بلغه ما نزل بالصعيد من عيث العرب وفسادهم في نواحيه وإضرارهم بالسابلة فسرح العساكر في كل ناحية منه وأخذ الهلاك منهم مأخذه الى ان تغلب عليهم واستباحهم من كل ناحية وشرد بهم من خلفهم ثم سرح العساكر سنة أربع عشرة بعدها إلى ملطية وهي للأرمن وملكها عنوة. وسار لذلك تنكز نائب دمشق بعساكر الشام وستة من أمراء مصر ونازلوها في محرم سنة خمس عشرة وبها جموع من نصارى الأرمن والعربان وقليل من المسلمين تحت الجزية فقاتلوهم حتى ألقوا باليد واقتحموها عنوة واستباحوها وجاءوا بملكها مع الأسرى فأبقاه السلطان وأنعم عليه ثم نمي عنه أنه يكاتب ملوك العراق فحبسه ثم بعث السلطان العساكر من حلب سنة خمس عشرة إلى عرقية من أعمال آمد ففتحوها وجاءت العساكر سنة سبع عشرة ثانية إلى آمد ففتحوها واستباحوها وغنموا منها أموالا جمة والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
الولايات
وفي سنة خمس عشرة سخط السلطان سيف الدين نمر نائب طرابلس الذي وليها بعد أقوش الأفرم وأمده به وسيق معتقلا إلى مصر وولى مكانه سيف الدين كستاي ثم هلك فولى مكانه شهاب الدين قرطاي نقله إليها من نيابة حمص وولى نيابة حمص سيف الدين أقطاي ثم قبض سنة ثمان عشرة على طغاي الحسامي من الجاشنكيرية وصرف نائبا الى صفد مكان بكتمر الحاجب ثم سخطه فأحضره معتقلا وحبسه بالإسكندرية وبعث على صفد سيف ٥/٤٨٩
الدين أقطاي نقله إليها من حمص وبعث على حمص بدر الدين بكتوت القرماني والله تعالى أعلم.
العمائر
ابتدأ السلطان سنة إحدى عشرة وسبعمائة ببناء الجامع الجديد بمصر وأكمله ووقف عليه الأوقاف المغلة ثم أمر سنة أربع عشرة ببناء القصر الأبلق من قصور الملك فجاء من أفخر المصانع الملوكية وفي سنة ثمان عشرة أمر بتوسعة جامع القلعة فهدم ما حوله من المساكن وزيد فيه إلى الحد الذي هو عليه بهذا العهد ثم أمر في سنة ثلاث وعشرين بعمارة القصور لمنازله بسرياقوس وبنى بإزائها الخانقاه الكبيرة المنسوبة إليه وفي سنة ثلاث وثلاثين أمر بعمارة الإيوان الضخم بالقلعة وجعله مجلس ملكه وبيت كرسيه ودعاه دار العدل والله تعالى أعلم.
حجات السلطان
وحج الملك الناصر محمد بن قلاون في أيام دولته ثلاث حجات أولا سنة ثلاث عشرة عند ما انقرض قراسنقر نائب حلب وأقوش الأفرم نائب طرابلس ومهنا بن عيسى أمير العرب وجاء خربندا إلى الشام ورجع من الرحبة فسار السلطان من مصر إلى الشام وبلغه رجوع خربندا فسار من هناك حاجا وقضى فرضه سنة ثلاث عشرة ورجع إلى الشام ثم حج الثانية سنة تسع عشرة ركب إليها من مصر في أواخر ذي القعدة ومعه المؤيد صاحب حماة والأمير محمد ابن أخت علاء الدين ملك الهند صاحب دلى ولما قضى حجه انطلق الأمير محمد ابن أخت علاء الدين من هناك إلى الهند على اليمن ورجع إلى مصر فأفرج عن رميثة أمير مكة من بني حسن وعن المعتقلين بمحبسه ووصله ووصلهم ثم حج الثالثة سنة اثنتين وثلاثين ومعه الأفضل بن المؤيد صاحب حماة على عادة أبيه في مراكبة السلطان وقفل من حجه سنة ثلاث وثلاثين فأمر بعمل باب الكعبة مصحفا بالفضة أنفق فيه خمسة وثلاثين ألف درهم وفي منصرفه من هذه الحجة مات بكتمر الساقي من أعظم أمرائه وخواصه ويقال أنه سمه وهو من مماليك بيبرس الجاشنكير وانتقل إلى الناصر فجعله أمير السقاة وعظمت منزلته عنده ولطفت خلته حتى كانا لا يفترقان إما في بيت السلطان وإما في بيته وكان حسن السياسة في الغاية وخلف بعد وفاته من الأموال والجواهر والذخائر ما يفوت الحصر والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه. ٥/٤٩٠
أخبار النوبة وإسلامهم
قد تقدم لنا غزو الترك إلى النوبة أيام الظاهر بيبرس والمنصور قلاون لما كان عليهم من الجزية التي فرضها عمرو بن العاص عليهم وقررها الملوك بعد ذلك وربما كانوا يماطلون بها أو يمتنعون من أدائها فتغزوهم عساكر المسلمين من مصر حتى يستقيموا وكان ملكهم بدنقلة أيام سارت العساكر من عند قلاون إليها سنة ثمانين وستمائة واسمه سمامون ثم كان ملكهم لهذا العهد اسمه آي لا أدري أكان معاقبا لسمامون أو توسط بينهما متوسط وتوفي آي سنة ست عشرة وسبعمائة وملك بعده في دنقلة أخوه كربيس ثم نزع من بيت ملوكهم رجل إلى مصر اسمه نشلى وأسلم فحسن إسلامه وأجرى له رزقا وأقام عنده فلما كانت سنة ست عشرة امتنع كربيس من أداء الجزية فجهز السلطان إليه العساكر وبعث معها عبد الله نشلى المهاجر إلى الإسلام من بيت ملكهم فخام كربيس عن لقائهم وفر إلى بلد الأبواب ورجعت العساكر إلى مصر واستقر نشلى في ملك النوبة على حاله من الإسلام وبعث السلطان إلى ملك الأبواب في كربيس فبعث به إليه وأقام بباب السلطان ثم أن أهل النوبة اجتمعوا على نشلى وقتلوه بمالأة جماعة من العرب سنة تسع وبحثوا عن كربيس ببلد الأبواب فألفوه بمصر وبلغ الخبر إلى السلطان فبعثه إلى النوبة فملكها وانقطعت الجزية بإسلامهم ثم انتشرت أحياء العرب من جهينة في بلادهم واستوطنوها وملكوها وملئوها عيثا وفسادا وذهب ملوك النوبة إلى مدافعتهم فعجزوا ثم ساروا إلى مصانعتهم بالصهر فافترق ملكهم وصار لبعض أبناء جهينة من أمهاتهم على عادة الأعاجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولى أعراب جهينة على بلادهم وليس في طريقه شيء من السياسة الملوكية للآفة التي تمنع من انقياد بعضهم إلى بعض فصاروا شيعا لهذا العهد ولم يبق لبلادهم رسم للملك وإنما هم الآن رجالة بادية يتبعون مواقع القطر شأن بوادي الأعراب ولم يبق في بلادهم رسم للملك لما أحالته صبغة البداوة العربية من صبغتهم بالخلطة والالتحام والله غالب على أمره والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.
بقية أخبار الأرمن إلى فتح إياس ثم فتح سيس وانقراض أمرهم
قد كنا قدمنا أخبار الأرمن إلى قتل ملكهم هيثوم على يد آيدغدي شحنة التتر ببلاد الروم ٥/٤٩١
سنة سبع واستقرار الملك بسيس لأخيه أو سير بن ليون وكان بينه وبين قزمان ملك التركمان مصاف سنة تسع عشرة فهزمه قزمان ولم يزل أوسير بن ليون ملكا عليهم إلى سنة اثنتين وسبعين فهلك ونصبوا للملك بعده ابنه ليون صغيرا ابن اثنتي عشرة سنة وكان الناصر قد طلب أوسير أن ينزل له عن القلاع التي تلي الشام فاتسع وجهز إليه عساكر الشام فاكتسحوا بلاده وخربوها وهلك أوسير على أثر ذلك ثم أمر الناصر كيبغا نائب حلب بغزو سيس فدخل إليها بالعساكر سنة ست وثلاثين واكتسح جهاتها وحصر قلعة النقير وافتتحها وأسر من الأرمن عدة يقال بلغوا ثلاثمائة وبلغ خبرهم الى النصارى باياس فثاروا بمن عندهم من المسلمين وأحرقوهم غضبا للأرمن لمشاركتهم في دين النصرانية ولم يثبت أن بعث إلى السلطان دمرداش بن جوبان شحنة المغل ببلاد الروم يعرفه بدخوله في الإسلام ويستنفر عساكره لجهاد نصارى الأرمن فأسعفه بذلك وجهز إليه عساكر الشام من دمشق وحلب وحماة سنة سبع وثلاثين ونازلوا مدينة إياس ففتحوها وخربوها ونجافلهم إلى الجبال فاتبعتهم عساكر حلب وعادوا إلى بلادهم ثم سار سنة إحدى وستين بندمر الخوارزمي نائب حلب لغزو سيس ففتح أذنة وطرسوس والمصيصة ثم قلعتي كلال والجرائدة وسنباط كلا وتمرور وولى نائبين في أذنة وطرسوس وعاد إلى حلب وولى بعده على حلب عشقيم النصارى فسار سنة ست وسبعين وحصر سيس وقلعتها شهرين إلى أن نفدت أقواتهم وجهدهم الحصار فاستأمنوا ونزلوا على حكمه فخرج ملكهم النكفور وأمراؤه وعساكره الى عشقيم فبعث بهم الى مصر واستولى المسلمون على سيس وسائر قلاعها وانقرضت منها دولة الأرمن والبقاء لله وحده انتهى.
الصلح مع ملوك التتر وصهر الناصر مع ملوك الشمال منهم
كان للتتر دولتان مستفحلتان إحداهما دولة بني هلاكو آخذ بغداد والمستولي على كرسي الإسلام بالعراق وأصارها هو وبنوه كرسيا لهم ولهم مع ذلك عراق العجم وفارس وخراسان وما وراء النهر ودولة بني دوشي خان بن جنكزخان بالشمال متصلة إلى خوارزم بالمشرق إلى القرم وحدود القسطنطينية بالجنوب وإلى أرض بلغار بالمغرب وكان بين الدولتين فتن وحروب كما تحدث بين الدول المتجاورة وكانت دولة الترك بمصر والشام مجاورة لدولة بني هلاكو وكان يطمعون في ملك الشام ويرددون الغزو إليه مرة بعد اخرى ويستميلون أولياءهم وأشياعهم من العرب والتركمان فيستظهرون بهم عليهم كما رأيت ذلك في أخبارهم وكانت ٥/٤٩٢
بين ملوكهم من الجانبين وقائع متعددة وحروبهم فيها سجال وربما غلبوا من الفتنة بين دولة بني دوشي وبين بني هلاكو ولبعدهم عن فتنة بني دوشي خان لتوسط الممالك بين مملكتهم ومملكة مصر والشام فتقع لهم الصاغية إليهم وتتجدد بينهم المراسلة والمهاداة في كل وقت ويستحث ملك الترك ملك صراي من بني دوشي خان لفتنة بني هلاكو والأجلاب عليهم في خراسان وما إليها من حدود مملكتهم ليشغلوهم عن الشام ويأخذوا بحجزتهم عن النهوض إليه وما زال ذلك دأبهم من أول دولة الترك وكانت رغبة بني دوشي خان في ذلك أعظم يفتخرون به على بني هلاكو ولما ولي صراي أنبك من بني دوشي خان سنة ثلاث عشرة وكان نائبا ببلاد الروم قطلغمير وفدت عليه الرسل من مصر على العادة فعرض لهم قطلغمير بالصهر مع السلطان الناصر ببعض نساء ذلك البيت على شرطية الرغبة من السلطان في ظاهر الأمر والتمهل منهم في إمضاء ذلك وزعموا أن هذه عادة الملوك منهم ففعل السلطان ذلك وردد الرسل والهدايا أعواما ستة الى أن استحكم ذلك بينهم وبعثوا اليه بمخطوبته طلبناش بنت طغاجي بن هند وابن بكر بن دوشي سنة عشرين مع كبير المغل وكان مقلدا يحمل على الأعناق ومعهم جماعة من أمرائهم وبرهان الدين أمام أزبك ومروا بالقسطنطينية فبالغ لشكري في كرامتهم يقال أنه أنفق عليهم ستين ألف دينار وركبوا البحر من هناك إلى الإسكندرية ثم ساروا بها إلى مصر محمولة على عجلة وراء ستور من الذهب والحرير يجرها كديش يقود، اثنان من مواليها في مظهر عظيم من الوقار والتجلة ولما قاربوا مصر ركب للقائهم النائبان أرغون وبكتمر الساقي في العساكر وكريم الدين وكيل السلطان وأدخلت الخاتون إلى القصر واستدعى ثالث وصولها القضاة والفقهاء وسائر الناس على طبقاتهم إلى الجامع بالقلعة وحضر الرسل الوافدون عندهم بعد أن خلع عليهم وانعقد النكاح بين وكيل السلطان ووكيل أزبك وانفض ذلك المجمع وكان يوما مشهودا ووصلت رسل أبي سعيد صاحب بغداد والعراق سنة اثنتين وعشرين وفيهم قاضي توريز يسألون الصلح وانتظام الكلمة واجتماع اليد على إقامة معالم الإسلام من الحج وإصلاح السابلة وجهاد العدو فأجاب السلطان إلى ذلك وبعث سيف الدين أيتمش المحمدي لأحكام العقد معهم وامتضاء إيمانهم فتوجهه لذلك بهدية سنية وعاد سنة ثلاث وعشرين ومعه رسل أبي سعيد ومعه جوبان لمثل ذلك فتم ذلك وانعقد بينهم وقد كانت قبل ذلك تجددت الفتنة بين أبي سعيد وصاحب صراي نفرة من أزبك صاحب صراي من تغلب جوبان على أبي سعيد وفتكه في المغل وكانت بين جوبان وبين سبول صاحب خوارزم وما وراء النهر فتنة ظهر فيها أزبك ٥/٤٩٣
وأمده بالعساكر فاستولى أزبك على أكثر بلاد خراسان وطلب من الناصر بعد الالتحام بالصهر المظاهرة على أبي سعيد وجوبان فأجابه إلى ذلك ثم بعث إليه أبو سعيد في الصلح كما قلناه فآثره وعقد له وبلغ الخبر إلى أزبك ورسل الناصر عنده فأغلظ في القول وبعث بالعتاب واعتذر له الناصر بأنهم إنما دعوه لإقامة شعائر الإسلام ولا يسع التخلف عن ذلك فقبل ثم وقعت بينه وبين أبي سعيد مراوضة في الصلح بعد أن استرد جوبان ما ملكه أزبك من خراسان فتوادع كل هؤلاء الملوك واصطلحوا ووضعوا أوزار الحرب حينا من الدهر إلى أن تقلبت الأحوال وتبدلت الأمور والله مقلب الليل والنهار.
مقتل أولاد بني نمى أمراء مكة من بني حسن
قد تقدم لنا استيلاء قتادة على مكة والحجاز من يد الهواشم واستقرارها لبنيه إلى أن استولى منهم أبو نمي وهو محمد بن أبي سعيد علي بن قتادة ثم توفي سنة اثنتين وسبعمائة وولي مكانه ابناه رميثة وخميصة واعتقلا أخويهما عطيفة وأبا الغيث ولما حج الأميران كافلا المملكة بيبرس وسلار هربا إليهما من مكان اعتقالهما وشكيا ما نالهما من رميثة وخميصة فأشكاهما الأميران واعتقلا رميثة وخميصة وأوصلاهما إلى مصر ووليا عطيفة وأبا الغيث وبعثا بهما إلى السلطان صحبة الأمير أيدمر الكوكبي الذي جاء بالعساكر معهما ثم رضي السلطان عنهما وولاهما مكان رميثة وخميصة وبعث معهما العساكر ثانيا سنة ثلاث عشرة وفر رميثة وخميصة عن البلاد ورجع العسكر وأقام أبو الغيث وعطيفة فرجع إليهما رميثة وخميصة وتلاقوا فانهزم أبو الغيث وعطيفة فسارا إلى المدينة في جوار منصور بن حماد فأمدهما ببني عقبة وبني مهدي ورجع إلى حرب رميثة وخميصة فاقتتلوا ثانيا ببطن مرو فانهزم أبو الغيث وقتل واستمر رميثة وخميصة ولحق بهما أخوهما عطيفة وسار معهما ثم تشاجروا سنة خمس عشر ولحق رميثة بالسلطان مستعديا على أخويه فبعث معه العساكر ففر خميصة بعد أن استصفى أهل مكة وهرب إلى السبعة مدن ولحقته العساكر فاستلحق أهل تلك المدن ولقيهم فانهزموا ونجا خميصة بنفسه ثم رجعت العساكر فرجع وبعث رميثة يستنجد السلطان فبعث إليه العساكر ففر خميصة ثم رجع واتفق مع أخويه رميثة وعطيفة ثم لحق عطيفة بالسلطان سنة ثمان عشرة وبعث معه العساكر فتقبضوا على رميثة وأوصلوه معتقلا فسجن بالقلعة واستقر عطيفة بمكة وبقي خميصة مشردا ثم لحق بملك التتر ملك العراق خربندا واستنجده على ملك الحجاز فانجده بالعساكر وشاع بين الناس أنه داخل الروافض الذين عند خربندا في ٥/٤٩٤
إخراج الشيخين من قبريهما وعظم ذلك على الناس ولقبه محمد بن عيسى أخو مهنا حسبة وامتعاضا للدين وكان عند خربندا فاتبعه واعترضه وهزمه ويقال أنه أخذ منه المعاول والفؤوس التي أعدوها لذلك وكان سببا لرضا السلطان عنه وجاء خميصة إلى مكة سنة ثماني عشرة وبعث الناصر العساكر اليه فهرب وتركها ثم أطلق رميثة سنة تسع عشرة فهرب إلى الحجاز ومعه وزيره علي بن هنجس فرد من طريقه واعتقل وأفرج عنه السلطان بعد مرجعه من الحج سنة عشرين ثم أن خميصة استأمن السلطان سنة عشرين وكان معه جماعة من المماليك هربوا إليه فخاموا أن يحضروا معه إلى السلطان فاغتالوه وحضروا وكان السلطان قد أطلق رميثة من الاعتقال فأمكنه منهم فثأر من المباشر قتل أخيه وعفا عن الباقين ثم صرف السلطان رميثة إلى مكة وولاه مع أخيه عطيفة واستمرت حالهما ووفد عطيفة سنة إحدى وعشرين على الأبواب ومعه قتادة صاحب الينبع يطلب الصريخ على ابن عمه عقيل قاتل ولده فأجابه السلطان وجهز العساكر لصريخه وقويل كل منهما بالأكراد وانصرفوا وفي سنة إحدى وثلاثين وقعت الفتنة بمكة وقتل العبيد جماعة من الأمراء والترك فبعث السلطان آيدغمش ومعه العساكر فهرب الشرفاء والعبيد وحضر رميثة وبذل الطاعة وحلف متبرئا مما وقع فقبل منه السلطان وعفا له عنها واستمرت حاله على ذلك إلى أن هلك سنة وتداولت الإمارة بين ابنيه عجلان وبقية ثم استبد عجلان كما نذكره في أخبارهم وورثتها بنوه لهذا العهد كما نذكره مرتبا في أخبارهم إن شاء الله تعالى.
حج ملك التكرور
كان ملك السودان بصحراء المغرب في الإقليم الأول والثاني منقسما بين أمم من السودان أولهم مما يلي البحر المحيط أمة صوصو وكانوا مستولين على غانة ودخلوا في الإسلام أيام الفتح وذكر صاحب كتاب زجار في الجغرافيا أن بني صالح من بني عبد الله بن الحسن بن الحسن كانت لهم بها دولة وملك عظيم ولم يقع لنا في تحقيق هذا الخبر أكثر من هذا وصالح من بني حسن مجهول وأهل غانة منكرون أن يكون عليهم ملك لأحد غير صوصو ثم يلي أمة صوصو أمة مالي من شرقهم وكرسي ملكهم بمدينة بني ثم من بعدهم شرقا عنهم أمة كوكو ثم التكرور بعدهم وفيما بينهم وبين النوبة أمة كانم وغيرها وتحولت الأحوال باستمرار العصور ٥/٤٩٥
فاستولى أهل مالي على ما وراءهم وبين أيديهم من بلاد صوصو وكوكو وآخر ما استولوا عليه بلاد التكرور واستفحل ملكهم إلى الغاية وأصبحت مدينتهم بني حاضرة بلاد السودان بالمغرب ودخلوا في دين الإسلام منذ حين من السنين وحج جماعة من ملوكهم وأول من حج منهم برمندار وسمعت في ضبطه من بعض فضلائهم برمند أنه وسبيله في الحج هي التي اقتفاها ملوكهم من بعده ثم حج منهم منسا ولي بن ماري جاطة أيام الظاهر بيبرس وحج بعده منهم مولاهم صاكوره وكان تغلب على ملكهم وهو الذي افتتح مدينة كوكو ثم حج أيام الناصر وحج من بعده منهم منسا موسى حسبما ذلك مذكور في أخبارهم عند دول البربر عند ذكر صنهاجة ودولة لمتونة من شعوبهم ولما خرج منسا موسى من بلاد المغرب للحج سلك على طريق الصحراء وخرج عند الأهرام بمصر وأهدى إلى الناصر هدية حفيلة يقال أن فيها خمسين ألف دينار وأنزله بقصر عند القرافة الكبرى وأقطعه إياها ولقيه السلطان بمجلسه وحدثه ووصله وزوده وقرب إليه الخيل والهجن وبعث معه الأمراء يقومون بخدمته إلى أن قضى فرضه سنة أربع وعشرين ورجع فأصابته في طريقه بالحجاز نكبة تخلصه منها أجله وذلك أنه ضل في الطريق عن المحمل والركب وانفرد بقومه عن العرب وهي كلها مجاهل لهم فلم يهتدوا إلى عمران ولا وقفوا على مورد وساروا على السمت إلى أن نفذوا عند السويس وهم يأكلون لحم الحيتان إذا وجدوها والأعراب تتخطفهم من أطرافهم إلى أن خلصوا ثم جدد السلطان له الكرامة ووسع له في الحباء وكان أعد لنفقته من بلاده فيما يقال مائة حمل من التبر في كل حمل ثلاثة قناطير فنفدت كلها وأعجزته النفقة فاقترض من أعيان التجار وكان في صحبته منهم بنو الكويك فاقرضوه خمسين ألف دينار واتباع منهم القصر الذي أقطعه السلطان وأمضى له ذلك وبعث سراج الدين بن الكويك معه وزيره يرد له منه ما أقرضه من المال فهلك هنالك وأتبعه سراج الدين آخرا بابنه فمات هنالك وجاء ابنه فخر الدين أبو جعفر بالبعض وهلك منسا موسى قبل وفاته فلم يظفروا منه بشيء انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.
أنجاد المجاهد ملك اليمن
قد تقدم لنا استبداد علي بن رسول فملك بعد مهلك سيده يوسف أتسز بن الكامل بن العادل بن أيوب ويلقب المسعود وكان علي بن رسول أستاذ داره ومستوليا على دولته فلما هلك سنة ست وعشرين وستمائة نصب ابن رسول ابنه موسى الأشرف لملكه وكفله قريبا ٥/٤٩٦
واستولى ابن رسول وأورث ملكه باليمن لبنيه لهذا العهد وانتقل الأمر للمجاهد منهم علي بن داود والمؤيد بن يوسف المظفر بن عمر بن المنصور بن علي بن رسول سنة إحدى وعشرين وانتقض عليه جلال الدين ابن عمه الأشرف فظهر عليه المجاهد واعتقله ثم انتقض عليه عمه المنصور سنة ثلاث وعشرين وحبسه وأطلق من محبسه واعتقل عمه المنصور وكان عبد الله الظاهر بن المنصور قائما بأمر أبيه ومنازلة المجاهد سنة أربع وعشرين بالصريخ إلى الناصر سليمان الترك بمصر وكان هو وقومه يعطونهم الطاعة ويبعثون إليهم الإتاوة من الأموال والهدايا وطرف اليمن وما عونه فجهز لهم الناصر صحبة بيبرس الحاجب وطبنال من أعظم أمرائه فساروا إلى اليمن ولقيهم المجاهد بعدن فأصلحوا بين الفريقين على أن تكون ويستقر المجاهد في سلطانه باليمن ومالوا على كل من كان سببا في الفتنة فقتلوهم ودوخوا اليمن وحملوا أهله على طاعة المجاهد ورجعوا إلى محلهم من الأبواب السلطانية والله تعالى ولي التوفيق.