الخبر عن طاعة الجزائر واستنزال ابن علان منها وذكر أوليته
كانت مدينة الجزائر هذه من أعمال صنهاجة، ومختطها بلكين بن زيري ونزلها بنوه من بعده. ثم صارت للموحدين وانتظمها بنو عبد المؤمن في أمصار المغربين وإفريقية، ولما استبد بنو أبي حفص بأمر الموحدين وبلغت دولتهم بلاد زناتة. وكانت تلمسان ثغرا لهم، واستعملوا عليها يغمراسن وبنيه من بعده، وعلى ضواحي مغراوة بني منديل بن عبد الرحمن، وعلى وانشريس وما إليها من عمل توجين محمد بن عبد القوى وبنيه. وبقي ما وراء هذه الأعمال إلى الحضرة لولاية الموحدين أهل دولته، فكان العامل على الجزائر من الموحدين أهل الحضرة.
وفي سنة أربع وستين وستمائة انتقضوا على المستنصر ومكثوا في ذلك الانتقاض سبعا.
ثم أوعز إلى أبي هلال صاحب بجاية بالنهوض إليها في سنة إحدى وسبعين وستمائة فحاصرها أشهرا وأفرج عنها. ثم عاودها بالحصار سنة أربع وسبعين وستمائة أبو الحسن ابن ياسين بعساكر الموحدين فاقتحمها عليهم عنوة واستباحها. وتقبض على مشيختها فلم يزالوا معتقلين إلى أن هلك المستنصر. ولما انقسم أمر بني أبي حفص واستقل الأمير أو زكريا الأوسط بالثغور الغربية وأبوه، بعثوا إليه بالبيعة، وولى عليهم ابن أكمازير، ٧/١٣٤
وكانت ولايتها من قبل، فلم يزل هو واليا عليها إلى أن أسن وهرم. كان ابن علان من مشيخة الجزائر مختصا به، ومنتصبا في أوامره ونواهيه، ومصدرا لإمارته وحصل له بذلك الرئاسة على أهل الجزائر سائر أيامه. فلما هلك ابن أكمازير حدثته نفسه بالاستبداد والانتزاء بمدينته، فبعث عن أهل الشوكة من نظائره ليله هلاك أميره. وضرب أعناقهم وأصبح مناديا بالاستبداد، واتخذ الآلة واستركب واستلحق من الغرباء والثعالبة عرب متيجة، واستكثر من الرجال والرماة. ونازلته عساكر بجاية مرارا فامتنع عليهم. وغلب مليكش على جباية الكثير من بلاد متيجة، ونازلة أبو يحيى بن يعقوب بعساكر بني مرين عند استيلائهم على البلاد الشرقية، وتوغلهم في القاصية، فأخذ بمخنقها وضيق عليها، ومر بابن علان القاضي أبو العباس الغماري رسول الأمير خالد إلى يوسف بن يعقوب، فأودعه الطاعة للسلطان والضراعة إليه في الإبقاء، فأبلغ ذلك عنه وشفع له، فأوعز إلى أبيه يحيى بمسالمته . ثم نازلة الأمير خالد بعد ذلك فامتنع عليه وأقام على ذلك أربع عشرة سنة وعيون الخطوب تحدده ، والأيام تستجمع لحربه. فلما غلب السلطان أبو حمو على بلاد توجين واستعمل يوسف بن حبون الهواري على وانشريس، ومولاه مسامحا على بلاد مغراوة، ورجع إلى تلمسان. ثم نهض سنة اثنتي عشرة وسبعمائة الى بلاد شلف فنزل بها، وقدم مولاه مسامحا في العساكر فدوخ متيجة من سائر نواحيها، وترس بالجزائر، وضيق حصارها حتى مسهم الجهد وسأل ابن علان النزول على أن يشترط لنفسه، فتقبل السلطان اشتراطه، وملك السلطان أبو حمو الجزائر وانتظمها في أعماله. وارتحل ابن علان في جملة مسامح، ولحقوا بالسلطان بمكانه من شلف فانكفأ إلى تلمسان وابن علان في ركابه، فأسكنه هنالك ووفي له بشرطه إلى أن هلك والبقاء لله سبحانه.
الخبر عن حركة صاحب المغرب الى تلمسان وأولية ذلك
لما خرج عبد الحق بن عثمان من أعياص الملك على السلطان أبي الربيع بفاس، ٧/١٣٥
وبايع له الحسن بن علي بن أبي الطلاق صاحب بني مرين بمداخلة الوزير رحو بن يعقوب كما قدمناه في أخبارهم. وملكوا تازى، زحف إليهم السلطان أبو الربيع فبعثوا وفدهم إلى السلطان أبي حمو صريخا. ثم أعجلهم أبو الربيع وأجهضهم على تازى، فلحقوا بالسلطان أبي حمو ودعوه إلى المظاهرة على المغرب ليكونوا رداء له دون قومهم. وهلك السلطان أبو الربيع خلال ذلك واستقل بملك المغرب أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، فطالب السلطان أبا حمو بإسلام أولئك النازعين إليه، فأبى من إسلامهم وإخفار زمته فيهم وأجازهم البحر إلى العدوة، فأغضى له السلطان أبو سعيد عنها، وعقد له السلم. ثم استراب يعيش بن يعقوب بن عبد الحق بمكانه عند أخيه السلطان أبي سعيد لما سعى فيه عنده، فنزع عنه إلى تلمسان وأجاره السلطان أبو حمو على أخيه فأحفظه ذلك، ونهض إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة وعقد لابنه الأمير أبي علي وبعثه في مقدمته، وسار هو في الساقة. ودخل أعمال تلمسان على هذه التعبية فاكتسح بسائطها، ونازل وجدة فقاتلها وضيق عليها.
ثم تخطاها إلى تلمسان فنزل بساحتها وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها، وغلب على ضواحيها ورعاياها، وسار السلطان أبو سعيد في عساكره يتقرى شعارها وبلادها بالحطم والانتساف والعيث. فلما أحيط به وثقلت وطأة السلطان عليه وحذر المغبة منه ألطف الحيلة في خطاب الوزراء الذين كان يسرب أمواله فيهم ويخادعهم من نصائح سلطانهم حتى اقتضى مراجعتهم في جاره يعيش بن يعقوب وإدالته من أخته. ثم بعث خطوطهم بذلك إلى السلطان أبي سعيد فامتلاء قلبه منها خشية ورهبة، واستراب بالخاصة والأولياء ونهض إلى المغرب على تعبيته. ثم كان خروج ابنه عمر عليه بعد مرجعه، وشغلوا عن تلمسان وأهلها برهة من الدهر حتى جاء أمر الله في ذلك عند وقته، والله تعالى أعلم.
الخبر عن مبدإ حصار بجاية وشرح الداعية اليه
لما رجع السلطان أبو سعيد إلى المغرب وشغل عن تلمسان، فزع أبو حمو لأهل ٧/١٣٦
القاصية من عمله. وكان راشد بن محمد بن ثابت بن منديل قد جاء من بلاد زواوة أثناء هذه الغمرة، فاحتل بوطن شلف واجتمع إليه أوشاب قومه، وحين تجلت الغمرة عن السلطان أبي حمو نهض إليه بعد أن استعمل ابنه أبا تاشفين على تلمسان، وجمع له الجموع ففر أمامه ناجيا إلى مثوى اغترابه ببجاية. وأقام بنو سعيد بمعاقلهم من جبال شلف على دعوته، فاحتل السلطان أبو حمو بوادي تمل فخيم به. وجمع أهل أعماله لحصار بني أبي سعيد شيعة راشد بن محمد، واتخذ هنالك قصره المعروف باسمه. وسرح العساكر لتدويخ القاصية ولحق به هنالك الحاجب ابن أبي حين مرجعه من الحج سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فأغراه بملك بجاية ورغبه فيه. وكان قد ثاب له طمع منذ رسالة السلطان مولانا أبي يحيى إليه.
وذلك أنه لما انتقض على أخيه خالد ودعا لنفسه بقسنطينة، ونهض إلى بجاية فانهزم عنها كما قدمنا في أخباره. وأوفد على السلطان أبي حمو بعض رجال دولته مغريا له بابن خلوف وبجاية ثم بعث إليه ابن خلوف أيضا يسأله المظاهرة والمدد فأطمعه ذلك في ملك بجاية.
(ولما هلك) ابن خلوف كما قدمناه، لحق به كاتبه عبد الله بن هلال، فأغراه واستحثه، وشغله عن ذلك شأن الجزائر. فلما استولى على الجزائر، بعث مولاه مسامحا في عسكر مع ابن أبي حي، فبلغوا إلى جبل الزاب وهلك ابن أبي حي ورجع مسامح. ثم شغله عن شأنها زحف، وفرغ من أمر عدوه، ونزل بلد شلف كما ذكرناه آنفا ولحق به عثمان بن سباع بن يحيى بن سباع بن سهل أمير الزواودة، يستحثه لملك الثغور الغربية من عمل الموحدين، فاهتز لذلك وجمع له الجموع، وعقد لمسعود ابن عمه أبي عامر برهوم على عسكر وأمره بحصار بجاية، وعقد لمحمد ابن عمه يوسف قائد مليانة على عسكر، ولمولاه مسامح على عسكر آخر، وسرحهم إلى بجاية وما وراءها لتدويخ البلاد. وعقد لموسى بن علي الكردي على عسكر ضخم، وسرحه مع العرب من الزواودة وزغبة على طريق الصحراء. فانطلقوا إلى وجههم ذلك، وفعلوا الأفاعيل كل فيما يليه وتوغلوا في البلاد الشرقية، حتى انتهوا إلى بلاد بونة. ثم انقلبوا من هنالك ومروا في طريقهم بقسنطينة، ونازلوها أياما. ٧/١٣٧
وصعدوا جبل ابن ثابت المطل عليها فاستباحوه. ثم مروا ببني باورار فاستباحوها وأضرموها، واكتسحوا سائر ما مروا عليه. وحدثت بينهم المناكرة حسدا ومنافسة، فافترقوا ولحقوا بالسلطان ولحق مسعود بن برهوم محاصرا لبجاية وبنى حصنا بأصفون لمقامه. وكان يسرح الجيوش لقتالها فتجول في ساحتها، ثم تراجع إلى الحصن. ولم يزل كذلك حتى بلغه خبر خروج محمد بن يوسف فأجفل عنها على ما نذكره الآن فلم يرجعوا لحصارها إلا بعد مدة والله تعالى أعلم.
الخبر عن خروج محمد بن يوسف ببلاد بني توجين وحروب السلطان معه
لما رجع محمد بن يوسف من قاصية الشرق كما قدمناه، وسابقه إلى السلطان موسى بن علي الكردي، وجوانحه تلتهب غيظا وحقدا عليه. وسعى به عند السلطان فعزله عن مليانة، فوجم لها وسأله زيارة ابنه الأمير أبي تاشفين بتلمسان، وهو ابن أخته فأذن له. وأوعز إلى ابنه بالقبض عليه، فأبى من ذلك، وأراد هو الرجوع إلى معسكر السلطان فخلى سبيله. ولما وصل إليه تنكر له وحجبه، فاستراب وملاء قلبه الرعب، وفر من المعسكر ولحق بالمرية ، ونزل على يوسف بن حسن بن عزيز عاملها للسلطان من بني توجين. فيقال انه أوثقه اعتقالا حتى غلبه قومه على بغيته من الخروج معه، لما كان السلطان أبو حمو يوسقهم به من نزاعته، فأخذ له البيعة على قومه ومن إليهم من العرب. وزحفوا إلى السلطان بمعسكره من نهل، فلقيهم في عساكره، فكانت الدبرة على السلطان، ولحق بتلمسان وغلب محمد بن يوسف على بني توجين ومغراوة ونزل مليانة. وخرج السلطان من تلمسان لأيام من دخولها، وقد جمع الجموع وأزاح العلل وأوعز إلى مسعود بن برهوم بمكانه من حصار بجاية بالوصول إليه بالعساكر، ليأخذ بحجزتهم من ورائهم، وخرج محمد بن يوسف على مليانة لاعتراضه، واستعمل على مليانة يوسف بن حسن بن عزيز، فلقيه ببلاد مليكش وانهزم محمد بن يوسف. ولجأ إلى جبل مرصالة وحاصره بها مسعود بن ٧/١٣٨
برهوم أياما، ثم أفرج عنه. ولحق بالسلطان فنازلوا جميعا مليانة. وافتتحها السلطان عنوة وجيء بيوسف بن حسن أسيرا من مكمنه ببعض المسارب فعفا عنه وأطلقه، ثم زحف إلى المرية فملكها وأخذ الرهن من أهل تلك النواحي، وقفل إلى تلمسان.
واستطال محمد بن يوسف على النواحي ففشت دعوته في تلك القاصية. وخاطب مولانا السلطان أبا يحيى بالطاعة فبعث إليه بالهدية والآلة، وسوغه سهام يغمراسن ابن زيان بإفريقية، ووعده بالمظاهرة وغلب سائر بلاد بني توجين. وبايع له بنو تيغرين أهل جبل وانشريس، فاستولى عليه. ثم نهض السلطان إلى الشرق سنة سبع عشرة وسبعمائة وملك المرية واستعمل عليها يوسف بن حسن لمدافعة محمد بن يوسف، واستبلغ في أخذ الرهن منه ومن أهل العمالات وقبائل زناتة والعرب، حتى من قومه بني عبد الواد. ورجع إلى تلمسان وأنزله بالقصبة وهي الغور الفسيح الخطة تماثل بعض الأمصار العظيمة، اتخذها للرهن. وكان يبالغ في ذلك حتى يأخذ الرهن المتعددة من البطن الواحد والفخذ الواحد والرهط. وتجاوز ذلك إلى أهل الأمصار والثغور والمشيخة والسوقة فملأ تلك القصبة من أبنائهم وإخوانهم، وشحنها بالأمم بعد الأمم، وأذن لهم في ابتناء المنازل واتخاذ النساء. واختط لهم المساجد فجمعوا بها لصلاة الجمعة، ونفقت بها الأسواق والصنائع وكان حال هذه البنية من أغرب ما حكي في العصور عن سجن. ولم يزل محمد بن يوسف بمكان خروجه من بلاد توجين إلى أن هلك السلطان، والبقاء لله.
الخبر عن مقتل السلطان أبي حمو وولاية ابنه أبي تاشفين من بعده
كان السلطان أبو حمو قد اصطفى ابن عمه برهوم وتبناه من بين عشيرته وأولي قرباه لمكان صرامته ودهائه، واختصاص أبيه برهوم المكنى أبا عامر بعثمان بن يغمراسن شقيقه من بين إخوته ، فكان يؤثره على بنيه ويفاوضه في شئونه، ويصله إلى خلواته. وكان دفع إلى ابنه عبد الرحمن أبا تاشفين أترابا له من العلوجين يقومون ٧/١٣٩
بخدمته في مرباه ومنتشئه، كان منهم: هلال المعروف بالقطاني ، ومسامح المسمى بالصغير، وفرج بن عبد الله وظافر ومهدي وعلي بن تاكررت وفرج الملقب شقورة، وكان ألصقهم وأعلقهم بنفسه تلاد له منهم يسمى هلالا، وكان أبو حمو أبوه كثيرا ما يقرعه ويوبخه إرهاقا في اكتساب الخلال، وربما يقذع في تقريعه لما كان عفا الله عنه فحاشا فيحفظه لذلك. وكان مع ذلك شديد السطوة متجاوزا بالعقاب وحدوده في الزجر والأدب، فكان أولئك العلوجين تحت رهب منه، وكانوا يغرون لذلك مولاهم أبا تاشفين بأبيه، ويبعثون غيرته لما يذكرون له من اصطفاء ابن أبي عامر دونه. وقارن ذلك أن مسعود بن أبي عامر أبلى في لقاء محمد ابن يوسف الخارج على أبي حمو البلاء الحسن عند ما رجع من حصار بجاية، فاستحمد له السلطان ذلك، وعير ابنه عبد الرحمن بمكان ابن عمه هذا من النجابة والصرامة يستجد له بذلك خلالا ويغريه بالكمال. وكان عمه أبو عامر إبراهيم بن يغمراسن ثري بما نال من جوائز الملوك في وفاداته، وما أقطع له أبوه وأخوه سائر أيامهما.
ولما هلك سنة ست وتسعين وستمائة أوصى أخاه عثمان بولده فضمهم إليه، ووضع تراثهم بموضع ماله، حتى يأنس منهم الرشد في أحوالهم، حتى إذا كانت غزاة ابنه أبي سرحان هذه، وعلا فيها ذكره وبعد صيته، رأى السلطان أبو حمو أن يدفع إليه تراث أبيه لاستجماع خلاله، فاحتمل إليه من المودع. ونمي الخبر إلى ولده أبي تاشفين وباطنته السوء من العلوجين، فحسبوه مال الدولة قد حمل إليه لبعد عهدهم بما وقع في تراث أبي عامر أبيه، واتهموا السلطان بإيثاره بولاية العهد دون ابنه، فأغروا أبا تاشفين بالتوثب على الأمر وحملوه على الفتك بمشتويه مسعود بن أبي عامر، واعتقال السلطان أبي حمو ليتم له الاستبداد. وتحينوا لذلك قائلة الهاجرة عند منصرف السلطان من مجلسه، وقد اجتمع إليه ببعض حجر القصر خاصته من البطانة وفيهم مسعود بن أبي عامر والوزراء من بني الملاح. وكان بنو الملاح هؤلاء قد استخصهم السلطان بحجابته سائر أيامه، وكان مسمى الحجابة عنده قهرمة الدار والنظر في الدخل والخرج، وهم أهل بيت من قرطبة كانوا يحترفون فيها بسكة الدنانير ٧/١٤٠
والدراهم، وربما دفعوا إلى النظر في ذلك ثقة بأماناتهم، نزل أولهم بتلمسان مع جالية قرطبة فاحترفوا بحرفتهم الأولى وزادوا إليها الفلاحة وتحلوا بخدمة عثمان بن يغمراسن وابنه، وكان لهم في دولة أبي حمو مزيد حظوة وعناية، فولى على حجابته منهم لأول دولته محمد بن ميمون بن الملاح. ثم ابنه محمد الأشقر من بعده. ثم ابنه إبراهيم بن محمد من بعدهما، واشترك معه من قرابته علي بن عبد الله بن الملاح، فكانا يتوليان مهمه بداره ويحضران خلوته مع خاصته، فحضروا يومئذ مع السلطان بعد انقضاض مجلسه كما قلناه، ومعه من القرابة مسعود القتيل وحماموش بن عبد الملك بن حنينة. ومن الموالي معروف الكبير ابن أبي الفتوح بن عنتر من ولد نصر بن علي أمير بني يزيد بن توجين، وكان السلطان قد استوزره.
(فلما علم) أبو تاشفين باجتماعهم هجم ببطانته عليهم وغلبوا الحاجب على بابه حتى ولجوه متسايلين بعد أن استمسكوا من اغلاقه، حتى إذا توسطوا الدار اعتوروا السلطان بأسيافهم فقتلوه. وحام أبو تاشفين عنها، فلم يفرجوا عليه ولاذ أبو سرحان منهم ببعض زوايا الدار، واستمكن من غلقها دونهم، فكسروا الباب وقتلوه، واستلحموا من كان هنالك من البطانة، فلم يفلت إلا الأقل. وهلك الوزراء بنو الملاح واستبيحت منازلهم. وطاف الهاتف بسكك المدينة بأن أبا سرحان غدر بالسلطان، وأن ابنه أبا تاشفين ثأر منه، فلم يخف على الناس الشأن. وكان موسى ابن علي الكردي قائد العساكر قد سمع الصيحة فركب إلى القصر، فوجده مغلقا دونه، فظن الظنون فخشي استيلاء مسعود على الأمر فبعث إلى العباس بن يغمراسن كبير القرابة، فأحضره عند باب القصر حتى إذا مر بهم الهاتف واستيقن مهلك أبي سرحان، رد العباس على عقبه إلى منزله. ودخل إلى السلطان أبي تاشفين، وقد أدركه الدهش من المواقعة فثبته ونشطه فحفه، وأجلسه بمجلس أبيه وتولى له عقد البيعة على قومه خاصة وعلى الناس عامة، وذلك آخر جمادى الأولى من تلك السنة.
وجهز السلطان إلى مدفنه بمقبرة سلفه من القصر القديم، وأصبح مثلا في الآخرين والبقاء لله.
وأشخص السلطان لأول ولايته سائر القرابة الذين كانوا بتلمسان من ولد يغمراسن، ٧/١٤١
وأجازهم إلى العدوة حذرا من مغبة ترشيحهم، وما يتوقع من الفتن على الدولة من قبلهم وقلد حجابته مولاه هلالا فاضطلع بأعبائها، واستبد بالعقد والحل والإبرام والنقض صدرا من دولته، إلى أن نكبه حسبما نذكره. وعقد ليحيى بن موسى السنوسي من صنائع دولتهم على شلف وسائر أعمال مغراوة، وعقد لمحمد بن سلامة بن علي على عمله من بلاد بني يدللتن من توجين، وعزل أخاه سعدا، فلحق بالمغرب.
وعقد لموسى بن علي الكردي على قاصية المشرق، وجعل إليه حصار بجاية، وأغرى دولته بتشييد القصور واتخاذ الرياض والبساتين، فاستكمل ما شرع فيه أبوه من ذلك أربى عليه، فاحتفلت القصور والمصانع في الحسن ما شاءت، واتسعت أخباره على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نهوض السلطان أبي تاشفين لمحمد بن يوسف بجبل وانشريس واستيلاؤه عليه
كان محمد بن يوسف بعد مرجع السلطان أبي حمو كما ذكرناه قد تغلب على جبل وانشريس ونواحيه واجتمع إليه الفل من مغراوة فاستفحل أمره، واشتدت في تلك النواحي شوكته. وأهم أبا تاشفين أمره فاعتزم على النهوض إليه، وجمع لذلك وأزاح العلل. وخرج من تلمسان سنة تسع عشرة وسبعمائة واحتشد سائر القبائل من زناتة والعرب، وأناخ على وانشريس وقد اجتمع به بنو توجين ومغراوة مع محمد بن يوسف. وكان يتغرين من بني توجين بطانة ابن عبد القوي يرجعون في رياستهم إلى عمر بن عثمان بن عطية حسبما نذكره. وكان قد استخلص سواه من بني توجين دونه فأسفه بذلك، وداخل السلطان أبا تاشفين وواعده أن يتحرك عنه، فاقتحم السلطان عليهم الجبل وانحجزوا جميعا إلى حصن توكال، فخالفهم عمر بن عثمان في قومه إلى السلطان بعد أن حاصرهم ثمانيا، فتخرم الجمع واختل الأمر وانفض الناس فاقتحم الحصن، وتقبض على محمد بن يوسف وجيء به إلى السلطان أسيرا وهو في مركبه فعدد عليه، ثم وخزه برمحه، وتناوله الموالي برماحهم فأقعصوه، وحمل رأسه ٧/١٤٢
على القناة إلى تلمسان، فنصب بشرفات البلد، وعقد لعمر بن عثمان على جبل وانشريس وأعمال بني عبد القوي، ولسعيد العربي من مواليه على عمل المرية.
وزحف إلى الشرق فأغار على أحياء رياح وهم بوادي الجنان حيث الثنية المفضية من بلاد حمزة إلى القبلة، وصبح أحياءهم فاكتسح أموالهم ومضى في وجهه إلى بجاية، فعرس بساحتها ثلاثا وبها يومئذ الحاجب يعقوب بن عمر فامتنعت عليه، فظهر له وجه المعذرة لأوليائهم في استحصانها لهم. وقفل إلى تلمسان إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن حصار بجاية والفتنة الطويلة مع الموحدين التي كان فيها حتفه وذهاب سلطانه وانقراض الأمر عن قومه برهة من الدهر
لما رجع السلطان أبو تاشفين من حصار بجاية سنة تسع عشرة وسبعمائة اعتمل في ترديد البعوث إلى قاصية الشرق، والإلحاح بالغزو إلى بلاد الموحدين، فأغزاها جيوشه سنة عشرين وسبعمائة فدوخوا ضواحي بجاية وقفلوا. ثم غزاهم ثانية سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وعليهم موسى بن علي الكردي فانتهى إلى قسنطينة وحاصرها فامتنعت عليه فأفرج عنها، وابتنى حصن بكر لأول مضيق الوادي، وادي بجاية، وأنزل به العساكر لنظر يحيى بن موسى قائد شلف وقفل إلى تلمسان. ثم نهض موسى بن علي ثالثة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة فدوخ نواحي بجاية ونازلها أياما وامتنعت عليه فأفرج عنها. ووفد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة على السلطان حمزة بن عمر بن أبي الليل كبير البدو بإفريقية صريخا على صاحب إفريقية مولانا السلطان أبي يحيى، فبعث معهم العساكر من زناتة وعامتهم من بني توجين وبني راشد، وأمر عليهم القواد وجعلهم لنظر قائده موسى بن علي الكردي، ففصلوا إلى إفريقية، وخرج السلطان للقائهم، فانهزموا بنواحي مرماجنة، وتخطفتهم الأيدي فاستلحموا، وقتل مسامح مولاه، ورجع موسى بن علي، فاتهمه السلطان بالادهان وكان من نكبته ما نذكره في أخباره وسرح العساكر سنة أربع وعشرين وسبعمائة فدوخت نواحي بجاية، ولقيهم ابن سيد الناس فهزموهم، ونجا إلى البلد.
ووفد على السلطان سنة خمس وعشرين وسبعمائة مشيخة سليم حمزة بن عمر بن ٧/١٤٣
أبي الليل وطالب بن مهلهل، الغملان المتزاحمان في رياسة الكعوب. ومحمد بن مسكين من بني القوس كبراء حكيم، فاستحثوه للحركة واستصرخوه على إفريقية، وبعث معهم العساكر لنظر قائده موسى بن علي ونصب لهم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد من أعياص الحفصيين. وخرج مولانا السلطان أبو يحيى من تونس للقائهم وخشيهم على قسنطينة فسابقهم إليها، فأقام موسى بن علي بعساكره على قسنطينة، وتقدم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد في أحياء سليم إلى تونس فملكها كما ذكرناه في أخبارهم. وامتنعت قسنطينة على موسى بن علي فأقلع عنها لخمس عشرة ليلة من حصارها وعاد إلى تلمسان. ثم أغزاه السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة في الجيوش وعهد إليه بتدويخ الضاحية ومحاصرة الثغور، فنازل قسنطينة وأفسد نواحيها. ثم رجع إلى بجاية فحاصرها، ثم عزم على الإقلاع ورأى أن حصن بكر غير صالح لتجهيز الكتائب إليها لبعده، وارتاد للبناء عليها ما هو أقرب منه، فاختط بمكان سوق الخميس بوادي بجاية مدينة لتجهيز الكتائب لها على بجاية، وجمع الأيدي على بنائها من الفعلة والعساكر، فتمت لأربعين يوما وسموها تامزيزدكت باسم الحصن القديم الذي كان لبني عبد الواد قبل الملك بالجبل قبلة وجدة، وأنزل بها عساكر تناهز ثلاثة آلاف، وأوعز السلطان إلى جميع عماله ببلاد المغرب الأوسط بنقل الحبوب إليها حيث كانت، والأدم وسائر المرافق حتى الملح، وأخذ الرهن من سائر القبائل على الطاعة واستوفوا جبايتهم. فثقلت وطأتهم على بجاية واشتد حصارها وغلت أسعارها.
(وبعث) مولانا السلطان أبو يحيى جيوشه وقواده سنة سبع وعشرين وسبعمائة فسلكوا إلى بجاية على جبل بني عبد الجبار، وخرج بهم قائدها أبو عبد الله بن سيد الناس إلى ذلك الحصن. وقد كان موسى بن علي عند بلوغ خبرهم إليه استنفر الجنود من ورائه، وبعث إلى القواد قبله بالبراز فالتقى الجمعان بضاحية تامزيزدكت، فانكشف ابن سيد الناس ومات ظافر الكبير مقدم الموالي من العلوجين بباب السلطان واستبيح معسكرهم. ولما سخط السلطان قائده موسى بن علي ونكبه كما نذكره في أخباره أغزى يحيى بن موسى السنوسي في العساكر إلى إفريقية ومعه القواد، فعاثوا في ٧/١٤٤
نواحي قسنطينة وانتهوا إلى بلد بونة ورجعوا. وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة بعدها وفد حمزة بن عمر على السلطان أبي تاشفين صريخا، ووفد معه أو بعده عبد الحق ابن عثمان، فحل الشول من بني مرين. وكان قد نزل على مولانا السلطان أبي يحيى منذ سنين، فسخط بعض أحواله ولحق بتلمسان، فبعث السلطان معهم جميع قواده بجيوشه لنظر يحيى بن موسى. ونصب عليهم محمد بن أبي بكر بن عمران من أعياص الحفصيين، ولقيهم مولانا السلطان أبو يحيى بالدياس من نواحي بلاد هوارة، وانخزل عنه أحياء العرب من أولاد مهلهل الذين كانوا معه، وانكشفت جموعه واستولى على ظعائنه بما فيها من الحرم، وعلى ولديه أحمد وعمر، فبعثوا بهم إلى تلمسان، ولحق مولانا المنصور أبو يحيى بقسنطينة وقد أصابه بعض الجراحة في حومة الحرب، وسار يحيى بن موسى وابن أبي عمران إلى تونس، واستولوا عليها ورجع يحيى بن موسى عنهم بجموع زناتة لأربعين يوما من دخولها، فقفل إلى تلمسان وبلغ الخبر إلى مولانا السلطان أبي يحيى بقفول زناتة عنهم، فنهض إلى تونس وأجهض عنها ابن أبي عمران بعد أن كان أوفد من بجاية ابنه أبا زكريا يحيى ومعه محمد بن تافراكين من مشيخة الموحدين صريخا على أبي تاشفين، فكان ذلك داعية إلى انتقاض ملكه كما نذكره بعد. وداخل السلطان أبا تاشفين بعض أهل بجاية، ودلوه على عورتها، واستقدموه فنهض إليها وحذر بذلك الحاجب ابن سيد الناس فسابقه إليها، ودخل يوم نزوله عليها، وقتل من اتهمه بالمداخلة فانحسم الداء.
وأقلع السلطان أبو تاشفين عنها، وولى عيسى بن مزروع من مشيخة بني عبد الواد على الجيش الذي بتامزيزدكت، وأوعز إليه ببناء حصن أقرب إلى بجاية من تامزيزدكت فبناه بالياقونه من أعلى واد قبالة بجاية. فأخذ بمخنقها واشتد الحصار إلى أن أخذ السلطان أبو الحسن بحجزتهم، فأجفلوا جميعا إلى تلمسان، ونفس مخنق الحصار عن بجاية. ونهض مولانا السلطان أبو يحيى بجيوشه من تونس إلى تامزيزدكت سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فخربها في ساعة من نهار كأن لم تغن بالأمس، حسبما ذكرنا ذلك في أخباره. والله تعالى أعلم. ٧/١٤٥
الخبر عن معاودة الفتنة بين بني مرين وحصارهم تلمسان ومقتل السلطان أبي تاشفين ومصائر ذلك
كان السلطان أبو تاشفين قد عقد السلم لأول دولته مع السلطان أبي سعيد ملك المغرب، فلما انتقض عليه ابنه أبو علي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بعد المهادنة الطويلة من لدن استبداده بسجلماسة، بعث ابنه القعقاع إلى أبي تاشفين في الأخذ بحجزة أبيه عنه، ونهض هو إلى مراكش فدخلها. وزحف إليه السلطان أبو سعيد فبعث أبو تاشفين قائده موسى بن علي في العساكر إلى نواحي تازى، فاستباح عمل كارث، واكتسح زروعه وقفل. واعتدها عليه السلطان أبو سعيد، وبعث أبو تاشفين وزيره داود بن علي بن مكن رسولا إلى السلطان أبي علي بسجلماسة، فرجع عنه مغاضبا وجنح أبو تاشفين بعدها إلى التمسك بسلم السلطان أبي سعيد، فعقد لهم ذلك وأقاموا عليها مدة. فلما نفر ابن مولانا السلطان أبي يحيى على السلطان أبي سعيد ملك المغرب، وانعقد الصهر بينهم كما ذكرناه في أخبارهم، وهلك السلطان أبو سعيد، نهض السلطان أبو الحسن إلى تلمسان بعد أن قدم رسله إلى السلطان أبي تاشفين في أن يقلع بجيوشه عن حصار بجاية، ويتجافى للموحدين عن عمل تنس فأبى وأساء الرد، وأسمع الرسل بمجلسه هجر القول. وأفزع لهم الموالي في الشتم لمرسلهم بمسمع من أبي تاشفين، فأحفظ ذلك السلطان أبو الحسن ونهض في جيوشه سنة اثنتين وثلاثين إلى تلمسان فتخطاها إلى تاسالت وضرب بها معسكره، وأطال المقام وبعث المدد إلى بجاية مع الحسن البطوي من صنائعه، وركبوا في أساطيله من سواحل وهران ووافاهم مولانا السلطان أبو يحيى ببجاية وقد جمع لحرب بني عبد الواد وهدم تامزيزدكت وجاء لموعد السلطان أبي الحسن معه أن يجتمعا بعساكرهما لحصار تلمسان، فنهض من بجاية إلى تامزيزدكت وقد أجفل منها عساكر بني عبد الواد وتركوها قفرا . ولحقت بها عساكر الموحدين، فعاثوا فيها تخريبا ونهبا.
وألصقت جدرانها بالأرض وتنفس مخنق بجاية من الحصار، وانكمش بنو عبد الواد ٧/١٤٦
إلى ما وراء تخومهم.
وفي خلال ذلك انتقض أبو علي ابن السلطان أبي سعيد على أخيه، وصمد من مقره بسجلماسة إلى درعة، وفتك بالعامل وأقام فيها دعوته كما نذكر ذلك بعد. وطار الخبر إلى السلطان أبي الحسن بمحلته بتاسالت، فنهض راجعا إلى المغرب لحسم دائه، وراجع السلطان أبو تاشفين عزه وانبسطت عساكره في ضواحي عمله، وكتب الكتائب وبعث بها مددا للسلطان أبي علي. ثم استنفر قبائل زناتة وزحف إلى تخوم المغرب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ليأخذ بحجزة السلطان أبي الحسن عن أخيه، وانتهى إلى الثغر من تاوريرت ولقيه هناك تاشفين ابن السلطان أبي الحسن في كتيبة جهزها أبوه معه هنالك لسد الثغور، ومعه منديل بن حمامة شيخ بني تيريفين من بني مرين في قومه. فلما برزوا إليه انكشف ورجع إلى تلمسان. ولما تغلب السلطان أبو الحسن على أخيه وقتله سنة أربع وثلاثين وسبعمائة جمع لغزو تلمسان وحصارها ونهض إليها سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وقد استنفذ وسعه في الاحتفال لذلك واضطربت بها عساكره وضرب عليها سياج الأسوار وسرادقات الحفائر أطيفت عليهم، حتى لا يكاد الطيف يخلص منهم ولا إليهم. وسرح كتائبه إلى القاصية من كل جهة، فتغلب على الضواحي وافتتح الأمصار جميعا، وخرب وجدة كما يأتي ذكر ذلك كله. وألح عليها بالقتال يغاديها ويراوحها، ونصب المجانيق وانحجز بها مع السلطان أبي تاشفين زعماء زناتة من بني توجين وبني عبد الواد وكان عليهم في بعض أيامها اليوم المشهور الذي استلحمت فيه أبطالهم وهلك أمراؤهم. وذلك أن السلطان أبا الحسن كان يباكرهم في الأسحار فيطوف من وراء أسواره التي ضربها عليهم شوطا يرتب المقاتلة ويثقف الأطراف ويسد الفروج ويصلح الخلل، وأبو تاشفين يبعث العيون في ارتصاد فرصه فيه، وأطاف في بعض الأيام منتبذا عن الجملة فكمنوا له حتى إذا سلك ما بين الجبل والبلد انقضوا عليه يحسبونها فرصة قد وجدوها، وضايقوه حتى كاد السرعان من الناس أن يصلوا إليه، وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانا، وركب ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك جناحا عسكره، وعقابا جحافله وتهاوت إليهم صقور بني مرين من كل جو، فانكشفت عساكر البلد ورجعوا ٧/١٤٧
القهقرى، ثم ولوا الأدبار منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد، واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه، فكان الهالك يومئذ بالردم أكثر من الهالك بالقتل. وهلك من بني توجين يومئذ كبير الحشم وعامل جبل وانشريس، ومحمد بن سلامة بن علي أمير بني يدللتن وصاحب قلعة تاوغزوت وما إليها من عملهم، وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما وأمثال استلحموا في هذه الوقعة فحط هذا اليوم جناح الدولة وحطم منها، واستمرت منازلة السلطان أبي الحسن إياها إلى آخر رمضان من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فاقتحمها يوم السابع والعشرين منه غلابا. ولجأ السلطان أبو تاشفين إلى باب قصره في لمة من أصحابه، ومعه ولداه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي وعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من أعياص بني مرين، وهو الذي لحق بهم من تونس كما ذكرناه، وسيأتي ذكره وخبره. ومعه يومئذ ابنا أخيه أبو زيان وأبو ثابت فمانعوا دون القصر مستميتين إلى أن استلحموا ورفعت رءوسهم على عصي الرماح، فطيف بها، وغصت سكك البلد من خارجها وداخلها بالعساكر، وكظت أبوابها بالزحام، حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المذهب ما بين السقف ومسلك الباب وانطلقت الأيدي على المنازل نهبا واكتساحا، وخلص السلطان إلى المسجد الجامع، واستدعى رؤساء الفتيا والشورى أبا زيد عبد الرحمن وأبا موسى عيسى ابني الإمام، قدمهما من أعماله لمكان معتقده في أهل العلم، فحضروه ورفعوا إليه أمر الناس وما نالهم من معرة العسكر ووعظوه فأناب ونادى مناديه برفع الأيدي عن ذلك، فسكن الاضطراب وأقصر العيث. وانتظم السلطان أبو الحسن أمصار المغرب الأوسط وعمله إلى سائر أعماله. وتاخم الموحدين بثغوره وطمس رسم الملك لآل زيان ومعالمه، واستتبع زناتة عصبا تحت لوائه من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وأقطعهم ببلاد المغرب سهاما أدالهم بها من تراثهم من أعمال تلمسان، فانقرض ملك آل يغمراسن برهة من الدهر إلى أن أعاده منهم أعياص سموا إليه بعد حين عند نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان كما نذكره، فأومض بارقه، وهبت ريحه، والله يؤتي ملكه من يشاء. ٧/١٤٨
الخبر عن رجال دولته وهم موسى بن علي ويحيى بن موسى ومولاه هلال وأوليتهم ومصاير أمورهم واختصاصهم بالذكر لما صار من شهرتهم وارتفاع صيتهم
فأما موسى بن علي الحاجب الهالك مع السلطان، فأصله من قبيلة الكرد من أعاجم المشرق، وقد أشرنا الى الخلاف في نسبهم بين الأمم. وذكر المسعودي منهم أصنافا سماهم في كتابه من الشاهجان والبرسان والكيكان إلى آخرين منهم، وأن مواطنهم ببلاد أذربيجان والشام والموصل، وأن منهم نصارى على رأي اليعقوبية وخوارج على رأي البراءة من عثمان وعلي انتهى كلامه.
(وكان) منهم طوائف بجبل شهرزور من عراق العجم وعامتهم يتقلبون في الرحلة.
وينتجعون لسائمتهم مواقع الغيث، ويتخذون الخيام لسكناهم من اللبود، وجل مكاسبهم الشاء والبقر من الأنعام، وكانت لهم عزة وامتناع بالكثرة ورياسات ببغداد أيام تغلب الأعاجم على الدولة واستبدادهم بالرياسة. ولما طمس ملك بني العباس وغلب التتر على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة، وقتل ملكهم هلاون آخر خلفاء العباسيين، وهو المستعصم. ثم ساروا في ممالك العراق وأعماله، فاستولوا عليها وعبر الكثير من الكرد نهر الفرات فرارا أمام التتر لما كانوا يدينون بدين المجوسية وصاروا في إيالة الترك، فاستنكف أشرافهم وبيوتاتهم من المقام تحت سلطانهم. وجاز منهم إلى المغرب عشيرتان تعرفان ببني لوين وبني بابير فيمن إليهم من الأتباع ودخلوا المغرب لآخر دولة الموحدين ونزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن تلقيهم وأكرم مثواهم، وأسنى لهم الجراية والأقطاع وأحلهم بالمحل الرفيع من الدولة.
(ولما انتقض) أمر الموحدين بحدثان وصولهم صاروا إلى ملكة بني مرين، ولحق بعضهم بيغمراسن بن زيان، ونزع المستنصر إلى إفريقية يومئذ بيت من بني بابير لا أعرفهم، كان منهم محمد بن عبد العزيز المعروف بالمزوار، صاحب مولانا السلطان أبي يحيى وآخرون غيره منهم ركان من أشهر من بقي في إيالة بني مرين منهم. ثم ٧/١٤٩
من بني بابير علي بن حسن بن صاف وأخوه سلمان، ومن بني لوين الخضر بن محمد، ثم بنو حمور، ثم بنو بوصة. وكانت رياسة بني بابير لسلمان وعلي، ورياسة لوين لخضر بن محمد. وكادت تكون الفتنة بينهم كما كانت في مواطنهم الاولى، فإذا اتعدوا للحرب توافت إليهم أشياعهم من تلمسان، وكان نضالهم بالسهام وكانت القسي سلاحهم. وكان من أشهر الوقائع بينهم وقيعه بفاس سنة أربع وسبعين وستمائة، جمع لها خضر رئيس بني لوين وسلمان وعلي رئيسا بني بابير، واقتتلوا خارج باب الفتوح. وتركهم يعقوب بن عبد الحق لشأنهم من الفتنة حياء منهم، فلم يعرض لهم. وكان مهلك سلمان منهم بعد ذلك مرابطا بثغر طريف عام تسعين وستمائة، وكان لعلي بن حسن ابنه موسى اصطفاه السلطان يوسف بن يعقوب، وكشف له الحجاب عن داره، وربى بين حرمه فتمكنت له دالة سخط بسببها بعض الأحوال مما لم يرضه، فذهب مغاضبا ودخل إلى تلمسان أيام كان يوسف بن يعقوب محاصرا لها، فتلقاه عثمان بن يغمراسن من التكرمة والترحيب بما يناسب محله من قومه ومنزلته من اصطناع السلطان. وأشار يوسف بن يعقوب على أبيه باستمالته فلقيه في حومة القتال وحادثة واعتذر له بكرامة القوم إياه، فحضه على الوفاء لهم، ورجع إلى السلطان فخبره الخبر فلم ينكر عليه. وأقام هو بتلمسان وهلك أبوه علي بالمغرب سنة سبع وسبعمائة.
ولما هلك عثمان بن يغمراسن بن زيان زاده بنوه اصطناعا ومداخلة، وخلطوه بأنفسهم وعقدوا له على العساكر لمحاربة أعدائهم. وولوه الأعمال الجليلة والرتب الرفيعة من الوزارة والحجابة. ولما هلك السلطان أبو حمو وقام بأمره ابنه أبو تاشفين، وكان هو الذي تولى له أخذ البيعة على الناس، وغص بمكانه مولاه هلال فلما استبد عليه وكان كثيرا ما ينافس موسى بن علي ويناقشه، فخشيه على نفسه، وأجمع على إجازة البحر للمرابطة بالأندلس، فبادره هلال وتقبض عليه وغربه إلى العدوة ونزل بغرناطة، وانتظم في الغزاة المجاهدين وأمسك عن جراية السلطان فلم يمد إليها يدا أيام مقامه، وكانت من أنزه ما جاء به وتحدث به الناس فأغربوا، واتقدت لها جوانح هلال حسدا وعداوة، فأغرى سلطانه فخاطب ابن الأحمر في استقدامه، فأسلمه إليه. واستعمله السلطان في حروبه على قاصيته حتى كان من نهوضه بالعساكر إلى إفريقية للقاء مولانا السلطان أبي يحيى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. وكانت الدبرة ٧/١٥٠
عليه واستلحمت زناتة، ورجع في الفل فأغرى هلال السلطان وألقى في نفسه التهمة به. ونمي ذلك إليه فلحق بالعرب الزواودة، وعقد مكانه على محاصرة بجاية ليحيى ابن موسى صاحب شلف، ونزل هو على سليمان ويحيى بن علي بن سباع بن يحيى من أمراء الزواودة في أحيائهم فلقوه مبرة وتعظيما، وأقام بين أحيائهم مدة، ثم استقدمه السلطان ورجع إلى محله من مجلسه. ثم تقبض عليه لأشهر، وأشخصه إلى الجزائر فاعتقله بها وضيق عليه محبسه ذهابا مع أغراض منافسة هلال، حتى إذا أسخط هلالا استدعاه من محبسه أضيق ما كان، فانطلق إليه. فلما تقبض على هلال قلد موسى بن علي حجابته، فلم يزل مقيما لرسمها إلى يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان، فهلك مع أبي تاشفين وبنيه في ساحة قصرهم كما قلناه. وانقضى أمره والبقاء لله.
وانتظم بنوه بعد مهلكه في جملة السلطان أبي الحسن وكان كبيرهم سعيد قد خلص من بين القتلى في تلك الملحمة بباب القصر بعد هدو من الليل مثخنا بالجراح، وكانت حياته بعدها تعد من الغرائب، ودخل في عفو السلطان إلى أن عادت دولة بني عبد الواد، فكان له في سوقها نفاق حسبما نذكره والله غالب على أمره.
(وأما يحيى بن موسى) فأصله من بني سنوس إحدى بطون كومية، ولهم ولاء في بني كمين بالاصطناع والتربية. ولما فصل بنو كمين إلى المغرب قعدوا عنهم واتصلوا ببني يغمراسن واصطنعوهم، ونشأ يحيى بن موسى في خدمة عثمان وبنيه واصطناعهم. (ولما كان) الحصار ولاه أبو حمو مهمة من التطواف بالليل على الحرس بمقاعدهم من الأسوار، وقسم القوت على المقاتلة بالمقدار، وضبط الأبواب والتقدم في حومة الميدان ، وكان له أعوان على ذلك من خدامه قد لزموا الكون معه في البكر والآصال. والليل والنهار، وكان يحيى هذا منهم فعرفوا له خدمته وذهبوا إلى اصطناعه وكان من أول ترشيحه ترديد أبي يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم: فيما يدور بينهم من المضاربة، فكان يجلي في ذلك ويوفي من عرض مرسلة ، ولما خرجوا من الحصار أربوا به على رتب الاصطناع والتنويه. ٧/١٥١
(ولما ملك أبو تاشفين) استعمله بشلف مستبدا بها وأذن له في اتخاذ الآلة. ثم لما عزل موسى بن علي عن حرب الموحدين وقاصية الشرق عزله به، وكانت المرية وتنس من عمله. فلما نازل السلطان أبو الحسن تلمسان راسله بالطاعة والكون معه، فتقبله وجاء به من مكان عمله، فقدم عليه بمخيمه على تلمسان، فاختصه بإقباله ورفع مجلسه من بساط، ولم يزل عنده بتلك الحال إلى أن هلك بعد افتتاح تلمسان والله مصرف الأقدار.
(وأما هلال) فأصله من سبي النصارى القطلونيين أهداه السلطان ابن الأحمر الى عثمان بن يغمراسن، وصار إلى السلطان أبي حمو فأعطاه إلى ولده أبي تاشفين فيما أعطاه من الموالي المعلوجين، ونشأ عنده وتربى، وكان مختصا عنده بالراحلة والدالة، وتولى كبر تلك الفعلة التي فعلوا بالسلطان أبي حمو. ولما ولي بعده ابنه أبو تاشفين ولاه على حجابته، وكان مهيبا فظا غليظا، فقعد مقعد الفصل ببابه وأرف للناس سطوه ، وزحزح المرشحين عن رتب المماثلة إلى التعلق بأهدابه، فاستولى على الأمر واستبد على السلطان. ثم حذر مغبة الملك وسوء العواقب، فاستأذن السلطان في الحج وركب إليه من هنين بعض السفن اشتراها بماله وشحنها بالعديد والعدة والأقوات والمقاتلة، وأقام كاتبه الحاج محمد بن حواتة بباب السلطان على رسم النيابة عنه، وأقلع سنة أربع وعشرين وسبعمائة فنزل بالإسكندرية وصحب الحاج من مصرفي جملة الأمير عليهم، ولقي في طريقه سلطان السودان من آل منسي موسى، واستحكمت بينهما المودة. ثم رجع بعد قضاء فرضه إلى تلمسان. فلم يجد مكانه من السلطان ولم يزل من بعد ذلك يتنكر له وهو يسايسه بالمداراة والاستجداء إلى أن سخطه، فتقبض عليه سنة تسع وعشرين وسبعمائة وأودعه سجنه، فلم يزل معتقلا إلى أن هلك من وجع أصابه قبيل فتح تلمسان، ومهلك السلطان بأيام، فكانت آية عجبا في تقارب مهلكهما واقتران سعادتهما ونحوسهما. وقد كان السلطان أبو الحسن يتبع الموالي الذين شهدوا مقتل السلطان أبي حمو، وأفلت هلال هذا من عقابه بموته. والله بالغ حكمه. ٧/١٥٢
الخبر عن انتزاء عثمان بن جرار على ملك تلمسان بعد نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان وعود الملك بذلك لبني زيان
كان بنو جرار هؤلاء من فضائل نيدوكسن بن طاع الله وهم بنو جرار بن يعلى بن نيدوكسن، وكان بنو محمد بن زكراز يفضون إليهم من أول الأمر، حتى صار الملك إليهم واستبدوا به، فجروا على جميع الفصائل من عشائرهم ذيل الاحتقار. ونشأ عثمان بن يحيى بن محمد بن جرار هذا من بينهم مرموقا بعين التجلة والرئاسة، وسعى عند السلطان أبي تاشفين بأن في نفسه تطاولا للرئاسة فاعتقله مدة. وفر من محبسه فلحق بملك المغرب السلطان سعيد فآثر محله وأكرم منزله، واستقر بمثواه فنسك وزهد. واستأذن السلطان عند تغلبه على تلمسان في الحج بالناس فأذن له. وكان قائد الركب من المغرب إلى مكة سائر أيامه حتى استولى السلطان أبو الحسن على أعمال الموحدين، وحشد أهل المغرب من زناتة والمغرب لدخول إفريقية اندرج عثمان هذا في جملته، واستأذنه قبيل القيروان في الرجوع إلى المغرب فأذن له ولحق بتلمسان فنزل على أميرها من ولد الأمير أبي عنان، كان قد عقد له على عملها، ورشحه لولاية العهد بولايتها، فازدلف إليه بما بثه من الخبر عن أحوال أبيه، وتلطف فيما أودع سمعه من تورط أبيه في مهالك إفريقية، وإياسه من خلاصه، ووعده بمصير الأمر إليه على ألسنة الخبراء والكهان. وكان يظن فيه أن لديه من ذلك علما، وعلى تفيئة ذلك كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان. وظهر مصداق ظنه وإصابة قياسه فأغراه بالتوثب على ملك أبيه بتلمسان، والبدار إلى فاس لغلب منصور ابن أخيه أبي مالك عليها، كان استعمله جده أبو الحسن هنالك وأراه آية سلطانه وشواهد ملكه، وتحيل عليه في إشاعة مهلك السلطان أبي الحسن وإلقائه على الألسنة حتى أوهم صدقه. وتصدى الأمير أبو عنان للأمر، وتسايل إليه الفل من عساكر بني مرين، فاستلحق وبث العطاء وأعلن بابا لدعاء نفسه في ربيع سنة تسع وأربعين وسبعمائة وعسكر خارج تلمسان للنهوض إلى المغرب كما نذكره في أخبارهم ولما فصل دعا عثمان لنفسه وانتزى على كرسيه واتخذ الآلة وأعاد من ملك بني عبد الواد رسما لم ٧/١٥٣
يكن لآل جرار، واستبد أشهرا قلائل إلى أن خلص إليه من آل زيان من ولد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن من طمس معالمه، وخسف به وبداره، وأعاد أمر بني عبد الواد في نصابه حسبما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن دولة أبي سعيد وأبي ثابت من آل يغمراسن وما فيها من الأحداث
كان الأمير أبو يحيى جدهما من أكبر ولد يغمراسن بن زيان، وكان ولي عهده بعد مهلك أخيه عمر الأكبر. ولما تغلب يغمراسن على سجلماسة سنة إحدى وستين وستمائة استعمله عليها، فأقام بها حولا وولد له هناك ابنه عبد الرحمن. ثم رجع إلى تلمسان فهلك بها ونشأ عبد الرحمن بسجلماسة، ولحق بتلمسان بعد أمه ، فأقام مع بني أبيه إلى أن غص السلطان بمكانه وغربه إلى الأندلس، فمكث بها حينا، وهلك في مرابطته بثغر قرمونة في بعض أيام الجهاد. وكان له بنون أربعة يوسف وعثمان والزعيم وإبراهيم، فرجعوا إلى تلمسان وأوطنوها أعواما حتى إذا استولى السلطان أبو الحسن على ملكهم، وأضاف إلى دولته دولتهم نقلهم من تلمسان إلى المغرب في جملة أعياصهم. ثم سألوا إذنه في المرابطة بثغور الأندلس التي في عمله، فأذن لهم وفرض لهم العطاء وأنزلهم بالجزيرة فكانت لهم بالجهاد مواقف مذكورة ومواطن معروفة. ولما استنفر السلطان أبو الحسن زناتة لغزو إفريقية سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كانوا في جملته مع قومهم بني عبد الواد وفي رايتهم، ومكانهم معلوم بينهم. فلما اضطرب أمر السلطان أبي الحسن وتألب عليه الكعوب من بني سليم أعراب إفريقية، وواضعوه الحرب بالقيروان، كان بنو عبد الواد أول النازعين عنه إليهم. فكانت النكبة وانحجز بالقيروان وانطلقت أيدي الأعراب على الضواحي وانتقض المغرب من سائر أعماله، أذنوا لبني عبد الواد في اللحاق بقطرهم ومكان عملهم، فمروا بتونس وأقاموا بها أياما، وخلص الملاء منهم نجيا في شأن أمرهم ومن يقدمون عليهم فأصفقوا بعد الشورى على عثمان بن عبد الرحمن واجتمعوا إليه لعهده بهم يومئذ، وقد خرجوا به ٧/١٥٤
إلى الصحراء وأجلسوه بباب مصلى العيد من تونس على درقة. ثم ازدحموا عليه بحيث توارى شخصه عن الناس، يسلمون عليه بالإمارة ويعطونه الصفقة على الطاعة والبيعة حتى استهلوا جميعا. ثم انطلقوا به إلى رحالهم. واجتمع مغراوة أيضا إلى أميرهم علي بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل الذي ذكرناه من قبل، وتعاهدوا على الصحابة إلى أعمالهم والمهادنة آخر الأيام واستئثار كل بسلطانه وتراث سلفه، وارتحلوا على تفيئة ذلك الى المغرب. وشنت البوادي عليهم الغارات في كل وجه، فلم يظفروا منهم بقلامة ظفر: مثل ونيفن ونونة وأهل جبل بني ثابت. ولما مروا ببجاية وكان بها فل من مغراوة وتوجين، نزلوا بها منذ غلبوا على أعمالهم، وصاروا في جند السلطان فارتحلوا معهم. واعترضهم بجبل الزاب برابرة زواوة، فأوقعوا بهم وظهر من نجدتهم وبلائهم في الحروب ما هو معروف لأوليهم. ثم لحقوا بشلف فتلقتهم قبائل مغراوة، وبايعوا لسلطانهم علي بن راشد فاستوسق ملكه.
وانصرف بنو عبد الواد والأميران أبو سعيد وأبو ثابت بعد أن أحكموا العقد وأبرموا الوثاق مع علي بن راشد وقومه. وكان في طريقهم بالبطحاء أحياء سويد ومن معهم من أحلافهم قد نزلوا هناك مع شيخهم وترمار بن عريف، منهزمهم من تاسالت أمام جيوش السلطان أبي عنان فأجفلوا من هنالك، ونزل بنو عبد الواد مكانهم، وكان في جملتهم جماعة من بني جرار بن نيدوكسن كبيرهم عمران بن موسى، ففر ابن عثمان بن يحيى بن جرار إلى تلمسان فعقد له على حرب أبي سعيد وأصحابه، فنزل الجند الذين خرجوا معه إلى السلطان أبي سعيد. وانقلب هو الى تلمسان والقوم في أثره، فأدرك بطريقة وقتل. ومر السلطان إلى البلد فثارت العامة بعثمان بن جرار فاستأمن لنفسه من السلطان فأمنه ودخل إلى قصر الملك آخر جمادى الأخيرة من سنة تسع وأربعين وستمائة فاقتعد أريكته وأصدر أوامره واستوزر واستكتب، وعقد لأخيه أبي ثابت الزعيم على ما وراء بابه من متون ملكهما، وعلى القبيل والحروب، واقتصر هو على ألقاب الملك وأسمائه ولزم الدعة. وتقبض لأول دخوله على عثمان بن يحيى بن جرار فأودعه المطبق إلى أن مات في رمضان من سنته، ويقال قتيلا. وكان ٧/١٥٥
من أول غزوات السلطان أبي ثابت غزاته إلى كومية، وذلك أن كبيرهم إبراهيم بن عبد الملك كان شيخا عليهم منذ حين من الدهر، وكان ينتسب في بني عابد، وهم قوم عبد المؤمن بن علي من بطون كومية. فلما وقع الهرج بتلمسان حسب أنه لا ينجلي غمامه وحدثته نفسه بالانتزاء فدعا لنفسه، وأضرم بلاد كومية وما إليها من السواحل نارا وفتنة. فجمع له السلطان أبو ثابت ونهض إلى كومية فاستباحهم قتلا وسبيا واقتحم هنين، ثم ندرومة بعدها. وتقبض على إبراهيم بن عبد الملك الخارج فجاء به معتقلا إلى تلمسان وأودعه السجن، فلم يزل به إلى أن قتل بعد أشهر.
وكانت أمصار المغرب الأوسط وثغوره لم تزل على طاعة السلطان أبي الحسن والقيام بدعوته، وبها حاميته وعماله وأقربها إلى تلمسان مدينة وهران، كان بها القائد عبد بن سعيد بن جانا من صنائع بني مرين، وقد ضبطها وثقفها وملأها أقواتا ورجلا وسلاحا، وملأ مرساها أساطيل، فكان أول ما قدموه من أعمالهم النهوض إليه فنهض السلطان أبو ثابت بعد أن جمع قبائل زناتة والعرب ونزل على وهران وحاصرها أياما.
وكان في قلوب بني راشد أحلافهم مرض فداخلوا قائد البلد في الانقضاض على السلطان أبي ثابت ووعدوه الوفاء بذلك عند المناجزة، فبرز وناجزهم الحرب فانهزم بنو راشد وجروا الهزيمة على من معهم وقتل محمد بن يوسف بن عنان بن فارس أخي يغمراسن بن زيان من أكابر القرابة، وانتهب المعسكر ونجا السلطان أبو ثابت إلى تلمسان إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن لقاء أبي ثابت مع الناصر ابن السلطان أبي الحسن وفتح وهران بعدها
كان السلطان أبو الحسن بعد وقعة القيروان قد لحق بتونس، فأقام بها والعرب محاصرون له ينصبون الأعياص من الموحدين لطلب تونس واحدا بعد آخر كما ذكرناه في أخبارهم. وبينما هو مؤمل الكرة ووصول المدد من المغرب الأقصى إذ بلغه الخبر بانتثار السكك أجمع، وبانتقاض ابنه وحافده، ثم استيلاء بني عنان على المغرب ٧/١٥٦
كله، ورجوع بني عبد الواد ومغراوة وتوجين إلى ملكهم بالمغرب الأوسط ووفد عليه يعقوب بن علي أمير الزواودة، فاتفق مع عريف بن يحيى، أمير سويد وكبير مجلس السلطان، على أن يغرياه ببعث ابنه الناصر إلى المغرب الأوسط. للدعوة التي كانت قائمة بأمصاره في الجزائر ووهران وجبل وانشريس، وكان به نصر بن عمر بن عثمان ابن عطية قائما بدعوته، وأن يكون عريف بن يحيى في جملة الناصر لمكانه من السلطان ومكان قومه من الولاية. وكان ذلك من عريف تفاديا من المقام بتونس فأجاب إليه السلطان وبعثهم جميعا، ولحق الناصر ببلاد حصين فأعطوه الطاعة وارتحلوا معه، ولقيه العطاف والديالم وسويد فاجتمعوا إليه وتألبوا معه، وارتحلوا يريدون منداس. وبينما الأمير أبو ثابت يريد معاودة الغزو إلى وهران إذ فجأه الخبر بذلك، فطير به إلى السلطان أبي عنان وجاءه العسكر من بني مرين مددا صحبة أبي زيان ابن أخيه أبي سعيد، كان مستقرا بالمغرب منذ نهوضهم إلى القيروان وبعث عنه أبوه فجاء مع المدد من العساكر والمال، ونهض أبو ثابت من تلمسان أول المحرم سنة خمسين وسبعمائة وبعث إلى مغراوة بالخبر فقعدوا عن مناصرته، ولحق ببلاد العطاف فلقيه الناصر هنالك في جموعه بوادي ورك آخر شهر ربيع الأول، فانكشفت جموع العرب وانهزموا، ولحق الناصر بالزاب فنزل على أبي مزني ببسكرة إلى أن أصحبه من رجالات سليم من أوصله إلى أبيه بتونس. ولحق عريف بن يحيى بالمغرب الأقصى، واحتل عند السلطان أبي عنان بمكانه من مجلسهم، فحصل على البغية ورجع العرب كلهم إلى طاعة أبي ثابت وخدمته، واستراب بصغير بن عامر بن إبراهيم فتقبض عليه وأشخصه معتقلا مع البريد إلى تلمسان، فاعتقل بها إلى أن أطلق بعد حين. وقفل أبو ثابت إلى تلمسان فتلوم بها أياما، ثم نهض إلى وهران في جمادى من سنته، فحاصرها أياما، ثم افتتحها عنوة وعفا عن علي بن جانا القائم بعد مهلك أخيه عبو وعلى من معه، وأطلق سبيلهم واستولى على ضواحي وهران وما إليها، ورجع إلى تلمسان وقد استحكمت العداوة بينه وبين مغراوة، وكان قد استجرها ما قدمناه من قعودهم عن نصره، فنهض إليهم في شوال ٧/١٥٧
من سنته والتقوا في عدوة وادي زهير فاقتتلوا مليا. ثم انكشفت مغراوة ولحقوا بمعاقلهم واستولى أبو ثابت على معسكرهم وملك مازونة، وبعث ببيعتها إلى أخيه السلطان أبي سعيد. وكان على أثر ذلك وصول السلطان أبي الحسن من تونس، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن وصول السلطان أبي الحسن من تونس ونزوله بالجزائر وما دار بينه وبين أبي ثابت من الحروب ولحوقه بعد الهزيمة بالمغرب
كان السلطان أبو الحسن بعد واقعة القيروان طال مقامه بتونس وحصار العرب إياه، واستدعاه أهل المغرب الأقصى وانتقض عليه أهل الجريد وبايعوا للفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، فأجمع الرحلة إلى المغرب وركب السفن من تونس أيام الفطر من سنة خمسين وسبعمائة فعصفت به الريح وأدركه الغرق، فغرق أسطوله على ساحل بجاية ونجا بدمائه إلى بعض الجزائر هنالك، حتى لحقه أسطول من أساطيله، فنجا فيه إلى الجزائر وبها حمو بن يحيى بن العسري قائده وصنيعة أبيه، فنزل عليه.
وبادر إليه أهل ضاحيتها من مليكش والثعالبة، فاستخدمهم وبث فيهم العطاء.
واتصل خبره بونزمار بن عريف وهو في أحياء سويد، فوفد عليه في مشيخة من قومه، ووفد معه نصر بن عمر بن عثمان صاحب جبل وانشريس من بني تيغرين، وعدي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي الثائر بنواحي المرية من ولد عبد القوى، فأعطوه الطاعة واستحثوه للخروج معهم، فردهم للحشد، فجمعوا من إليهم من قبائل العرب وزناتة. وبينما الأمير أبو ثابت ببلاد مغراوة محاصرا لهم في معاقلهم إذ بلغه الخبر بذلك في ربيع سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فعقد السلم معهم ورجع إلى قتال هؤلاء، فأخذ على منداس وخرج إلى السرسو قبلة وانشريس.
وأجفل أمامه ونزمار وجموع العرب الذين معه، ولحق به هنالك مدد السلطان أبي عنان قائدهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي، فاتبع آثار العرب وشردهم.
ولحقت أحياء حصين بمعاقلهم من جبل تيطرى، ثم عطف على المرية ففتحها وعقد ٧/١٥٨
عليها لعمر بن موسى الجلولي من صنائعهم. ثم نهض إلى حصين فاقتحم عليهم الجبل فلاذوا بالطاعة وأعطوا أبناءهم رهنا عليها، فتجاوزهم إلى وطاء حمزة فدوخها، واستخدم قبائلها من العرب والبربر، والسلطان أثناء ذلك مقيم بالجزائر. ثم قفل أبو ثابت إلى تلمسان وقد كان استراب بيحيى بن رحو وعسكره من بني مرين. وأنهم داخلوا السلطان أبا الحسن وبعث فيه إلى السلطان أبي عنان، فأداله بعيسى بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب فبعثه قائدا على الحصة المرينية، فتقبض على يحيى بن رحو ولحقوا مع أبي ثابت بتلمسان. ثم أجاز إلى المغرب وأوعز السلطان أبو الحسن إلى ابنه الناصر مع أوليائه من زناتة والعرب فاستولى على المرية وقتل عثمان بن موسى الجلولي. ثم تقدم إلى مليانة فملكها، وإلى تيمزوغت كذلك.
وجاء على أثره السلطان أبو الحسن أبوه، وقد اجتمعت إليه الجموع من زغبة ومن زناتة ومن عرب إفريقية سليم ورباح مثل: محمد بن طالب بن مهلهل، ورجال من عشيرته، وعمر بن علي بن أحمد الزواودي، وأخيه أبي دينار، ورجالات من قومهما. وزحف على هذه التعبية وابنه الناصر أمامه، فأجفل عليه بن راشد وقومه مغراوة عن بلادهم إلى البطحاء، وطير الخبر إلى أبي ثابت فوافاه في قومه وحشوده، وزحفوا جميعا إلى السلطان أبي الحسن وقومه، فالتقى الجمعان بتيمغزين من شلف. وصابروا مليا، ثم انكشف السلطان أبو الحسن وقومه، وطعن ولده الناصر بعض فرسان مغراوة وهلك آخر يومه. وقتل محمد بن علي بن العربي قائد أساطيله وابن البواق والقبائلي كاتباه. واستبيح معسكره وما فيه من متاع وحرم، وخلص بناته إلى وانشريس، وبعث بهن أبو ثابت إلى السلطان أبي عنان بعد استيلائه على الجبل. وخلص السلطان أبو الحسن إلى أحياء سويد، بالصحراء فنجا به ونزمار بن عريف إلى سجلماسة كما يأتي ذكره في أخباره، ودوخ أبو ثابت بلاد بني توجين وقفل إلى تلمسان والله تعالى أعلم.
الخبر عن حروبهم مع مغراوة واستيلاء أبي ثابت على بلادهم ثم على الجزائر ومقتل علي بن راشد بتنس على أثر ذلك
كان بين هذين الحيين من عبد الواد ومعراوة فتن قديمة سائر أيامهم، قد ذكرنا الكثير ٧/١٥٩
منها في أخبارهم. وكان بنو عبد الواد قد غلبوهم على أوطانهم حتى قتل راشد بن محمد في جلائه أمامهم بين زواوة. ولما اجتمعوا بعد نكبة القيروان على أميرهم علي بن راشد وجاءوه من إفريقية إلى أوطانهم مع بني عبد الواد، ولم يطيعوهم حينئذ أن يغلبوهم رجعوا حينئذ إلى توثيق العهد وتأكيد العقد فأبرموه وقاموا على الموادعة والتظاهر على عدوهم، وعروق الفتنة تنبسط من كل منهم . ولما جاء الناصر من إفريقية وزحف إليه أبو ثابت، قعد عنه علي بن راشد وقومه، فاعتدها عليهم وأسرها في نفسه. ثم اجتمع بعد ذلك للقاء السلطان أبي الحسن حتى انهزم ومضى إلى المغرب. فلما رأى أبو ثابت أنه قد كفى عدوه الأكبر وفرغ إلى عدوه الأصغر نظر في الانتقاض عليهم. فبينما هو يروم أسباب ذلك إذ بلغه الخبر أن بعض رجالات بني كمين من مغراوة جاء إلى تلمسان فاغتالوه فحمى له أنفه وأجمع لحربهم.
وخرج من تلمسان فاتحة اثنتين وخمسين وسبعمائة وبعث في أحياء زغبة من بني عامر وسويد، فجاءوه بفارسهم وراجلهم وظعائنهم، وزحف إلى مغراوة فخافوا من لقائه، وتحصنوا بالجبل المطل على تنس، فحاصرهم فيه أياما اتصلت فيها الحروب وتعددت الوقائع. ثم ارتحل عنهم فجال في نواحي البلد، ودوخ أقطارها، وأطاعته مليانة والمرية وبرشك وشرشال. ثم تقدم بجموعه إلى الجزائر فأحاط بها وفيها فل بني مرين وعبد الله بن السلطان أبي الحسن، تركه هناك صغيرا في كفالة علي بن سعيد ابن جانا، فغلبهم على البلد وأشخصهم في البحر إلى المغرب، وأطاعته الثعالبة ومليكش وقبائل حصين. وعقد على الجزائر لسعيد بن موسى بن علي الكردي، ورجع إلى مغراوة فحاصرهم بمعقلهم الأول بعد أن انصرفت العرب إلى مشاتيها، فاشتد الحصار على مغراوة وأصاب مواشيهم العطش، فانحطت دفعة واحدة من الجبل تطلب المورد فأصابهم الدهش. ونجا ساعتئذ علي بن راشد إلى تنس، فأحاط به أبو ثابت أياما. ثم اقتحمها عليه غلابا منتصف شعبان من سنته، فاستعجل المنية وتحامل على نفسه فذبح نفسه، وافترقت مغراوة من بعده وصارت أوزاعا في القبائل ٧/١٦٠
وقفل أبو ثابت إلى تلمسان إلى أن كان من حركة السلطان أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن استيلاء السلطان أبي عنان على تلمسان وانقراض أمر بني عبد الواد ثانية
لما لحق السلطان أبو الحسن بالمغرب، وكان من شأنه مع ابنه أبي عنان إلى أن هلك بجبل هنتاتة على ما نذكره في أخبارهم. فاستوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان وفرغ لعدوه وسما لاسترجاع الممالك التي ابتزها أبوه وانتزعها ممن توثب عليه، وكان قد بعث إليه علي بن راشد من مكان امتناعه من جبل تنس يسأل منه الشفاعة، ونذر بذلك أبو سعيد وأخوه، فخرج أبو ثابت وحشد القبائل من زناتة والعرب منتصف ذي القعدة، ونزل بوادي شلف. واجتمع الناس إليه وواصلته هناك بيعة تدلس في ربيع من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. غلب عليها الموحدون جانا الخراساني من صنائعه، وبلغه من مكانه ذلك زحف السلطان أبي عنان فرجع إلى تلمسان، ثم خرج إلى المغرب. وجاء على أثره أخوه السلطان أبو سعيد في العساكر من زناتة ومعه بنو عامر من زغبة والفل من سويد، إذ كان جمهورهم قد لحقوا بالمغرب لمكان عريف بن يحيى وابنه من ولاية بني مرين، فزحفوا على هذه التعبية وزحف السلطان أبو عنان في أمم المغرب من زناتة والعرب المعقل والمصامدة وسائر طبقات الجنود والحشد، وانتهوا جميعا إلى انكاد من بسيط وجدة، فكان اللقاء هنالك آخر ربيع الثاني من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة واجتمع بنو عبد الواد على صدمة العساكر وقت القائلة، وبعد ضرب الأبنية وسقاء الركاب وافتراق أهل المعسكر في حاجاتهم، فأعجلوهم عن ترتيب المصاف. وركب السلطان أبو الحسن لتلافي الأمر، فاجتمع إليه أوشاب من الناس وانفض سائر المعسكر ثم زحف إليهم فيمن حضره وصدقوهم القتال، فاختل مصافهم ومنحوا أكتافهم وخاضوا بحر الظلماء.
واتبع بنو مرين آثارهم وتقبض على أبي سعيد ليلتئذ مقيدا أسيرا إلى السلطان أبي ٧/١٦١
عنان، فأحضره بمشهد الملأ ووبخه. ثم نقل إلى محبسه وقتل لتاسعة من ليالي اعتقاله. وارتحل السلطان أبو عنان إلى تلمسان، ونجا الزعيم أبو ثابت بمن معه من فل بني عبد الواد ومن خلص إليه منهم ذاهبا إلى بجاية ليجد في إيالة الموحدين وليجة من عدوه، فبيته زواوة في طريقه وألد عن أصحابه وأرجل عن فرسه وذهب راجلا عاريا ومعه رفقاء من قومه منهم أبو زيان محمد ابن أخيه السلطان أبي سعيد، وأبو حمو وموسى ابن أخيهم يوسف ابن أخيه، ووزيرهم يحيى بن داود بن فكن وكان السلطان أبو عنان أوعز إلى صاحب بجاية يومئذ المولى أبي عبيد الله حافد مولانا السلطان أبي بكر بأن يأخذ عليهم الطرق، ويذكي في طلبهم العيون، فعثر عليهم بساحة البلد وتقبض على الأمير أبي ثابت الزعيم وابن أخيه محمد بن أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود وأدخلوا إلى بجاية. ثم خرج صاحبها الأمير أبو عبد الله إلى لقاء السلطان أبي عنان، واقتادهم في قبضة أسره فلقيه بمعسكره من ظاهر المرية ، فأكرم وفادته وشكر صنيعه، وانكفأ راجعا إلى تلمسان فدخلها في يوم مشهود. وحمل يومئذ أبو ثابت ووزيره يحيى على جملين يتهاديان بهما بين سماطي ذلك المحمل، فكان شأنهما عجبا. ثم سيقا ثاني يومهما الى مصرعهما بصحراء البلد، فقتلا قعصا بالرماح وانقرض ملك آل زيان، وذهب ما أعاده لهم بنو عبد الرحمن هؤلاء من الدولة بتلمسان إلى أن كانت لهم الكرة الثالثة على يد أبي حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن المتولي لهذا العهد على ما سنذكره ونستوفي من أخباره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن دولة السلطان أبى حمو الأخير مديل الدولة بتلمسان في الكرة الثالثة لقومه وشرح ما كان فيها من الأحداث لهذا العهد
كان يوسف بن عبد الرحمن هذا في إيالة أخيه السلطان أبي سعيد بتلمسان هو ٧/١٦٢
أخوه أبو حمو موسى، وكان متكاسلا عن طلب الظهور، متجافيا عن التهالك في طلب العز جانحا إلى السكون ومذاهب أهل الخير، حتى إذا عصفت بدولتهم رياح بني مرين، وتغلب السلطان أبو عنان عليهم وابتزهم ما كان بيدهم من الملك، وخلص ابنه أبو حمو موسى مع عمه أبي ثابت إلى الشرق، وقذفت النوى بيوسف مع أشراف قومه إلى المغرب فاستقر به. ولما تقبض على أبي ثابت بوطن بجاية أغفل أمر أبي حمو من بينهم ونبت عنه العيون، فنجا إلى تونس ونزل بها على الحاجب أبي محمد بن تافراكين، فأكرم نزله وأحله بمكان أعياص الملك من مجلس سلطانه، ووفر جرايته، ونظم معه آخرين من فل قومه، وأوعز السلطان أبو عنان إليه بإزعاجهم عن قرارهم في دولته، فحمى لها أنفه وأبى عن الهضيمة لسلطانه، فأغرى ذلك أبا عنان بمطالبته، وكانت حركته إلى بلاد إفريقية ومنابذة العرب من رياح وسليم لعهده ونقضهم لطاعته كما نستوفي أخباره.
ولما كانت سنة تسع وخمسين وسبعمائة قبل مهلكه اجتمع أمر الزواودة من رياح إلى الحاجب أبي محمد بن تافراكين، ورغبوه في لحاق أبي حمو موسى بن يوسف بالعرب من زغبة، وأنهم ركابه لذلك ليجلب على نواحي تلمسان، ويجعل السلطان أبي عنا شغلا عنهم. وسألوه أن يجهز عليه بعض آلة السلطان. ووافق ذلك رغبة صغير بن عامر أمير زغبة في هذا الشأن، وكان يومئذ في أحياء يعقوب بن علي وجواره، فأصلح الموحدون شأنه بما قدروا عليه ودفعوه إلى مصاحبة صغير وقومه من بني عامر، وارتحل معهم من الزواودة عثمان بن سباع ومن أحلافهم بنو سعيد دعار بن عيسى بن رحاب وقومه ونهضوا بجموعهم يريدون تلمسان وأخذوا على القفر ولقيهم أثناء طريقهم الخبر عن مهلك السلطان أبي عنان فقويت عزائمهم على ارتجاع ملكهم، ورجع عنهم صولة بن يعقوب. وأغذ السير إلى تلمسان وبها الكتائب المجمهرة من بني مرين، واتصل خبر أبي حمو بالوزير الحسن بن عمر القائم بالدولة من بعد مهلك السلطان أبي عنان، والمتغلب على ولده السعيد من بعده، فجهز المدد إلى تلمسان من الحامية والأموال، ونهض أولياء الدولة من أولاد عريف بن يحيى أمراء البدو من المغرب في قومهم من سويد ومن إليهم من العرب لموافقة ٧/١٦٣
السلطان أبي حمو وأشياعه، فانفض جمعهم وغلبوا على تلك المواطن واحتل السلطان أبو حمو وجموعه بساحة تلمسان، وأناخوا ركابهم عليها، ونازلوها ثلاثا، ثم اقتحموها في صبيحة الرابع، وخرج ابن السلطان أبي عنان الذي كان أميرا عليها في لمة من قومه، فنزل على صغير بن عامر أمير القوم، فأحسن تجلته وأصحبه من عشيرته إلى حضرة أخيه ، ودخل السلطان أبو حمو تلمسان لثمان خلون من الربيع الأول سنة ستين وسبعمائة واحتل منها بقصر ملكه، واقتعد أريكته، وبويع بيعة الخلافة، ورجع إلى النظر في تمهيد قواعد ملكه وإخراج بني مرين من أمصار مملكته. والله أعلم.
الخبر عن إجفال أبي حمو عن تلمسان أمام عساكر المغرب ثم عوده إليها
كان القائم بأمر المغرب بعد السلطان أبي عنان وزيره الحسن بن عمر كافل ابنه السعيد الذي أخذ له البيعة على الناس، فاستبد عليه وملك أمره، وجرى على سياسة السلطان الهالك واقتفى أثره في الممالك الدانية والقاصية في الحماية والنظر لهم وعليهم. ولما اتصل به خبر تلمسان وتغلب أبي حمو عليها قام في ركائبه وشاور الملأ في النهوض. إليه، فأشاروا عليه بالقعود وتسريح الجنود والعساكر، فسرح لها ابن عمه مسعود بن رحو بن علي بن عيسى بن ماساي بن فودود وحكمه في اختيار الرجال واستجادة السلاح وبذل الأموال واتخاذ الآلة، فزحف إلى تلمسان واتصل الخبر بالسلطان أبي حمو وأشياعه من بني عامر، فأفرج عنها ولحق بالصحراء. ودخل الوزير مسعود بن رحو تلمسان وخالفه السلطان أبي حمو إلى المغرب، فنزل بسيط أنكاد. وسرح إليهم الوزير مسعود بن رحو ابن عمه عامر بن عبد بن ماساي في عسكر من كتائبه ووجوه قومه، فأوقع بهم العرب وأبو حمو ومن معهم واستباحوهم.
وطار الخبر إلى تلمسان واختلفت أهواء من كان بها من بني مرين، وبدا ما كان في قلوبهم من المرض لتغلب الحسن بن عمر على سلطانهم، ودولتهم فتحيزوا زرافات ٧/١٦٤
لمبايعة بعض الأعياص من آل عبد الحق. وفطن الوزير مسعود بن رحو لما دبروه، وكان في قلبه مرض من ذلك فاغتنمها وبايع لمنصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق كبير الأعياص المنفرد بالتجلة. وارتحل به وبقومه من بني مرين إلى المغرب، وتجافى عن تلمسان وشأنها واعترضه عرب المعقل في طريقهم إلى المغرب، فأوقع بهم بنو مرين وصمموا لصليهم، ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان، واستقر بحضرته ودار ملكه، ولحق به عبد الله بن مسلم فاستوزره وأسام إليه فاشتد به أزره وغلب على دولته كما نذكره إلى أن هلك، والبقاء لله وحده.
الخبر عن مقدم عبد الله بن مسلم من مكان عمله بدرعة ونزوله من ايالة بني مرين إلى أبي حمو وتقليده إياه الوزارة وذكر أوليته ومصاير أموره
كان عبد الله بن مسلم من وجوه بني زردال من بني بادين إخوة بني عبد الواد وتوجين ومصاب، إلا أن بني زردال اندرجوا في بني عبد الواد لقلتهم واختلطوا بنسبهم، ونشأ عبد الله بن مسلم في كفالة موسى بن علي لعهد السلطان أبي تاشفين مشهورا بالبسالة والإقدام، طار له بها ذكر وحسن بلاؤه في حصار تلمسان. ولما تغلب السلطان أبو الحسن علي بني عبد الواد وابتزهم ملكهم استخدمهم، وكان ينتقي أولي الشجاعة والإقدام منهم، فيرمي بهم ثغور المغرب، ولما اعترض بنو عبد الواد ومر به عبد الله هذا ذكر له شأنه ونعت ببأسه، فبعثه إلى درعة واستوصى عامله به، فكان له عنه غناء في مواقفه مع خوارج العرب وبلاء حسن، جذب ذلك بضبعه، ورقى عند السلطان منزلته، وعرفه على قومه.
ولما كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان ومرج أمر المغرب، وتوثب أبو عنان على الأمر، وبويع بتلمسان واستجمع حافده منصور بن أبي مالك عبد الواحد لمدافعته، وحشد حامية الثغور للقائه، وانفضت جموعه بتازى وخلص إلى البلد الجديد ونازلة، وكان عبد الله بن مسلم في جملته. ولما نازلة السلطان أبو عنان واتصلت الحرب بينهم أياما، كان له فيها ذكر. ولما رأى أنه أحيط بهم، سابق الناس إلى السلطان أبي عنان فرأى سابقيته وقلده عمل درعة، فاضطلع بها مدة ٧/١٦٥
خلافته وتأكدت له أيام ولايته مع عرب المعقل وصلة وعهد ضرب بهما في مواخاتهم بسهم. وكان السلطان أبو عنان عند خروج أخيه أبي الفضل عليه لحقه بجبل ابن حميدي من معاقل درعة، أوعز إليه بأن يعمل الحيلة في القبض عليه، فداخل ابن حميدي ووعده وبذل له فأجاب وأسلمه. وقاده عبد الله بن مسلم أسيرا إلى أخيه السلطان أبي عنان فقتله. ولما استولى السلطان أبو سالم رفيق أبي الفضل في منوي اغترابهما بالأندلس على بلاد المغرب من بعد مهلك السلطان أبي عنان، وما كان أثره من الخطوب، وذلك آخر سنة ستين وسبعمائة خشيه ابن مسلم على نفسه، ففارق ولايته ومكان عمله وداخل أولاد حسين أمراء المعقل في النجاة به إلى تلمسان فأجابوه، ولحق بالسلطان أبي حمو في ثروة من المال وعصبة من العشيرة وأولياء من العرب، فسر بمقدمه وقلده لحينه وزارته وشد به أواخي سلطانه، وفوض إليه تدبير ملكه، فاستقام أمره وجمع القلوب على طاعته وجاء بالمعقل من مواطنهم الغريبة، فأقبلوا عليه وعكفوا على خدمته. وأقطعهم مواطن تلمسان وآخى بينهم وبين زغبة، فعلا كعبه واستفحل أمره، واستقامت رياسته إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
الخبر عن استيلاء السلطان أبي سالم على تلمسان ورجوعه الى المغرب بعد أن ولى عليها أبو زيان حافد السلطان أبي تاشفين وما آل أمره
لما استوسق للسلطان أبي سالم ملك المغرب ومحا أثر الخوارج على الدولة، سما إلى امتداد ظله إلى أقصى تخوم زناتة كما كان لأبيه وأخيه، وحركه إلى ذلك ما كان من فرار عبد الله بن مسلم إلى تلمسان بحيالة عمله، فأجمع أمره على النهوض إلى تلمسان وعسكر بظاهر فاس منتصف إحدى وستين وسبعمائة وبعث في الحشود فتوافت ببابه واكتملت. ثم ارتحل إليها، وبلغ الخبر الى السلطان أبي حمو ووزيره عبد الله ابن مسلم فنادوا في العرب من زغبة والمعقل كافة فأجابوهم إلا شرذمة قليلة من ٧/١٦٦
الأحلاف، وخرجوا بهم إلى الصحراء ونازل حللهم بعسكره. ولما دخل السلطان أبو سالم وبنو مرين تلمسان خالفوهم إلى المغرب فنازلوا وطاط وبلاد ملوية وكرسف، وحطموا زروعها وانتسفوا أقواتها وخربوا عمرانها. وبلغ السلطان أبا سالم ما كان من صنيعهم، فأهمه أمر المغرب وأجلاب المفسدين عليه. وكان في جملته من آل يغمراسن محمد بن عثمان ابن السلطان أبي تاشفين ويكنى بأبي زيان، ويعرف بالفنز ومعناه العظيم الرأس فدفعه للأمر وأعطاه الآلة وكتب له كتيبة من توجين ومغراوة كانوا في جملته، ودفع إليه أعطياتهم وأنزله بقصر أبيه بتلمسان وانكفأ راجعا إلى حضرته، فأجفلت العرب والسلطان أبو حمو أمامه وخالفوه إلى تلمسان فأجفل عنها أبو زيان وتحيز إلى بني مرين بأمصار الشرق من البطحاء ومليانة ووهران وأوليائهم من بني توجين وسويد من قبائل زغبة ودخل السلطان أبو حمو ووزيره عبد الله بن مسلم إلى تلمسان، وكان مقير بن عامر هلك في مذهبهم ذلك. ثم خرجوا فيمن إليهم من كافة عرب المعقل وزغبة في أتباع أبي زيان ونازلوه بجبل وانشريس فيمن معه إلى أن غلبوا عليه وانفض جمعه، ولحق بمكانه من إيالة بني مرين بفاس.
ورجع السلطان أبو حمو إلى معاقل وطنه يستنقذها من ملكة بني مرين، فافتتح كثيرها وغلب على مليانة والبطحاء. ثم نهض إلى وهران ونازلها أياما واقتحمها غلابا، واستلحم بها من بني مرين عددا. ثم غلب على المرية والجزائر، وأزعج عنها بني مرين فلحقوا بأوطانهم. وبعث رسله إلى السلطان أبي سالم فعقد معه المهادنة ووضعوا أوزار الحرب. ثم كان مهلك السلطان أبي سالم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وقام بالأمر من بعده عمر بن عبد الله بن علي من أبناء وزرائهم مبايعا لولد السلطان أبي الحسن واحدا بعد آخر كما نذكره عند ذكر أخبارهم إن شاء الله تعالى.
الخبر عن قدوم أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد من المغرب لطلب ملكه وما كان من أحواله
كان أبو زيان هذا، وهو محمد ابن السلطان أبي سعيد عثمان بن عبد ٧/١٦٧
الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، لما تقبض عليه مع عمه أبي ثابت ووزيرهم يحيى بن داود بجاية من أعمال الموحدين، وسيقوا إلى السلطان أبي عنان، فقتل أبا ثابت ووزيره واستبقى محمدا هذا وأودعه السجن سائر أيامه، حتى إذا هلك واستوسق أمر المغرب لأخيه أبي سالم من بعد خطوب وأهوال يأتي ذكرها، امتن عليه السلطان أبو سالم وأطلقه من الاعتقال ونظمه بمجلس ملكه في مراتب الأعياص وأعده لمزاحمة ابن عمه. وجرت بينه وبين السلطان أبي حمو سنة اثنتين وستين وسبعمائة بين يدي مهلكه نكراء بعد مرجعه من تلمسان، ومرجع أبي زيان حافد السلطان أبي تاشفين من بعده، تحقق السعي فيما نصبه له، فسما له أمل في أبي زيان هذا أن يستأثر بملك أبيه، ورأى أن يحسن الصنيع فيه فيكون فيئة له، فأعطاه الآلة ونصبه للملك، وبعثه إلى وطن تلمسان، وأتى إلى تازى ولحقه هنالك الخبر بمهلك السلطان أبي سالم. ثم كانت فتن وأحداث نذكرها في محلها وأجلب عبد الحليم ابن السلطان أبي علي ابن السلطان أبي سعيد بن يعقوب بن عبد الحق على فاس، واجتمع إليه بنو مرين ونازلوا البلد الجديد. ثم انفض جمعهم ولحق عبد الحليم بتازى كما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ورجا من السلطان أبي حمو المظاهرة على أمره فراسله في ذلك واشترط عليه كبح ابن عمه أبي زيان فاعتقله مرضاة له، ثم ارتحل إلى سجلماسة كما نذكره بعد ونازلة في طريقه أولاد حسين من المعقل بحللهم وأحيائهم فاستغفل أبو زيان ذات يوم الموكلين به، ووثب على فرس قائم حذاءه وركضه من معسكر عبد الحليم إلى حلة أولاد حسين مستجيرا بهم، فأجاروه. ولحق ببني عامر على حين غفلة، وجفوة كانت بين السلطان أبي حمو وبين خالد بن عامر أميرهم ذهب لها مغاضبا، فأجلب به على تلمسان. وسرح إليهم السلطان أبو حمو عسكرا فشردهم عن تلمسان. ثم بذل المال لخالد بن عامر على أن يقصيه إلى بلاد رياح، ففعل وأوصله إلى الزواودة فأقام فيهم. ثم دعاه أبو الليل بن موسى شيخ بني يزيد وصاحب وطن حمزة وبني حسن وما إليه، ونصبه للأمر مشاقة وعنادا للسلطان أبي حمو. ونهض إليه الوزير عبد الله بن مسلم في عساكر بني عبد الواد وحشود العرب وزناتة فأيقن أبو الليل بالغلب ٧/١٦٨
وبذل له الوزير المال وشرط له التجافي عن وطنه على أن يرجع عن طاعة أبي زيان ففعل، وانصرف إلى بجاية ونزل بها على المولى أبي إسحاق ابن مولانا السلطان أبي يحيى أكرم نزل، ثم وقعت المراسلة بينه وبين السلطان أبي حمو وتمت المهادنة وانعقد السلم على إقصاء أبي زيان عن بجاية المتاخمة لوطنه، فارتحل إلى حضرة تونس. وتلقاه الحاجب أبو محمد بن تافراكين، قيوم دولة الحفصيين لذلك العهد من المبرة والترحيب وإسناء الجراية له، وترفيع المنزلة بما لم يعهد لمثله من الأعياص.
ثم لم تزل حاله على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى.
الخبر عن قدوم أبي زيان حافد السلطان أبي تاشفين ثانية من المغرب الى تلمسان لطلب ملكها وما كان من أحواله
كان العرب من سويد إحدى بطون زغبة فيئة لبني مرين وشيعة من عهد عريف بن يحيى مع السلطان أبي الحسن وابنه أبي عنان، فكانوا عند بني عبد الواد في عداد عدوهم من بني مرين مع طاغية الدولة لبني عامر أقتالهم، فكانوا منابذين لبني عبد الواد آخر الأيام، وكان كبيرهم ونزمار بن عريف أوطن كرسف في جوار بني مرين، مذ مهلك السلطان أبي عنان، وكان مرموقا بعين التجلة يرجعون إلى رأيه ويستمعون إلى قوله. وأهمه شأن إخوانه في موطنهم ومع أقتالهم بني عامر، فاعتزم على نقض الدولة من قواعدها، وحمل صاحب المغرب عمر بن عبد الله على أن يسرح محمد بن عثمان حافد أبي تاشفين لمعاودة الطلب لملكه، ووافق ذلك نفرة استحكمت بين السلطان أبي حمو وأحمد بن رحو بن غانم كبير أولاد حسن من المعقل بعد أن كانوا فيئة له ولوزيره عبد الله بن مسلم، فاغتنمها عمر بن عبد الله وخرج أبو زيان محمد بن عثمان سنة خمس وستين وسبعمائة فنزل في حلل المعقل بملوية. ثم نهضوا به إلى وطن تلمسان وارتاب السلطان أبو حمو بخالد بن عمر أمير بني عامر فتقبض عليه وأودعه المطبق ، ثم سرح وزيره عبد الله بن مسلم في عساكر بني عبد الواد ٧/١٦٩
والعرب، فأحسن دفاعهم وانفضت جموعهم ورحلهم إلى ناحية الشرق، وهو في اتباعهم إلى أن نزلوا المسيلة من وطن رياح، وصاروا في جوار الزواودة. ثم نزل بالوزير عبد الله بن مسلم داء الطاعون الذي عاود أهل العمران عامئذ من بعد ما أهلكهم سنة تسع وأربعين وسبعمائة قبلها، فانكفأ به ولده وعشيرته راجعين، وهلك في طريقه وأرسلوا شلوه إلى تلمسان فدفن بها. وخرج السلطان أبو حمو إلى مدافعة عدوه وقد فت مهلك عبد الله في عضده. ولما انتهى إلى البطحاء وعسكر بها، ناجزته جموع السلطان أبي زيان الحرب وأطلت راياته على المعسكر فداخلهم الرعب وانفضوا، وأعجلهم الأمر عن أبنيتهم وأزوادهم، فتركوها وانفضوا وتسلل أبو حمو يبغي النجاة إلى تلمسان واضطرب أبو زيان فسطاطه بمكان معسكره، وسابقه أحمد بن رحو أمير المعقل إلى منجاته فلحقه بسيك وكر إليه السلطان أبو حمو فيمن معه من خاصته، وصدقوه الدفاع فكبا به فرسه وقطع رأسه. ولحق السلطان أبو حمو بحضرته وارتحل أبو زيان والعرب في اتباعه إلى أن نازلوه بتلمسان أياما. وحدثت المنافسة بين أهل المعقل وزغبة، واسف زغبة استبداد المعقل عليهم وانفراد أولاد حسين برأي السلطان دونهم، فاغتنمها أبو حمو وأطلق أميرهم عامر بن خالد من محبسه، وأخذ عليه الموثق من الله ليخذلن الناس عنه ما استطاع، وليرجعن بقومه عن طاعة أبي زيان وليفرقن جموعه، فوفى له بذلك العهد ونفس عليه المخنق وتفرقت أحزابهم ورجع أبو زيان إلى مكانه من إيالة بني مرين واستقام أمر السلطان أبي حمو وصلحت دولته بعد الالتياث، إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن حركة السلطان أبي حمو على ثغور المغرب
كان ونزمار بن عريف متولي كبر هذه الفتن على أبي حمو، وبعث الأعياص عليه واحدا بعد واحد، لما كان بينهم من العداوة المتصلة كما قدمناه. وكان منزله كرسيف من ثغور المغرب. وكان جاره محمد بن زكراز كبير بني علي من بني ونكاسن ٧/١٧٠
الموطنين بجبل دبدو، وكانت أيديهما عليه واحدة فلما سكن غرب الثوار عنه وأزاحهم عن وطنه إلى المغرب، وانعقد سلمه معهم، رأى أن يعتور هذين الأميرين في ثغورهما، فاعتمل الحركة إلى المغرب فاتح سنة ست وستين وسبعمائة وانتهى إلى دبدو وكرسيف، وأجفل ونزمار وامتنع بمعاقل الجبال، فانتهب أبو حمو الزروع وشمل بالتخريب والعيث سائر النواحي. وقصد محمد بن زكراز أيضا في معقل دبدو فامتنع بحصنه الذي اتخذه هناك، وعاج عليه أبو حمو بركابه، وجاس خلال وطنه، وشمل بالتخريب والعيث نواحي بلده، وانكفأ راجعا إلى حضرته، وقد عظمت في تخوم بني مرين وثغورهم نكايته، وثقلت عليهم وطأته، وانعقدت بينهما بعد بدء المهادنة والسلم. فانصرفت عزائمه إلى بلاد إفريقية، فكانت حركته إلى بجاية من العام المقبل ونكبته عليها كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن حركة السلطان أبي حمو إلى بجاية ونكبته عليها
كان صاحب بجاية المولى الأمير أبو عبد الله لما استولى عليها وعادت إليه العودة الثانية سنة خمس وستين وسبعمائة كما ذكرناه في أخباره، زحف إلى تدلس، فغلب عليها بني عبد الواد، وأنزل بها عامله وحاميته. ثم أظلم الجو بينه وبين صاحب قسنطينة السلطان أبي العباس ابن عمه الأمير أبي عبد الله لما جرته بينهما المتاخمة في العمالات، فنشأت بينهما فتن وحروب شغل بها عن حماية تدلس، وألحت عليها عسكر بني عبد الواد بالحصار. وأحيط بها فأوفد رسله على السلطان أبي حمو صاحب تلمسان في المهادنة على النزول له عن تدلس، فتسلمها أبو حمو وأنزل بها حاميته. وعقد معه السلم وأصهر إليه في ابنته فأجابه، وزفها إليه فتلقاها قبلة زواوة بآخر عملهم من حدود بجاية. وفرغ صاحب بجاية لشأنه، وكان أثناء الفتنة معه قد بعث إلى تونس عن أبي زيان ابن عمه السلطان أبي سعيد لينزله بتدلس، ويشغل به السلطان أبا حمو عن فتنته.
وكان من خبر أبي زيان هذا أنه أقام بتونس بعد مهلك الحاجب أبي محمد بن تافراكين كما ذكرناه إلى أن دس إليه مرضى القلوب من مشيخة بني عبد الواد ٧/١٧١
بتلمسان بالإجلاب على السلطان أبي حمو. ووعدوه عن أنفسهم الجنوح معه، فصغى إليها واعتدها وارتحل يريد تخوم تلمسان وعمل بجاية. ومر بقسنطينة فتجافى عن الدخول إليها، وتنكر لصاحبها، وبلغ خبره السلطان أبا العباس صاحبها يومئذ فأجمع أمره على صده عن وجهه، وحبسه بقسنطينة واتصلت الفتنة بينه وبين ابن عمه صاحب بجاية، وكان شديد الوطأة على أهل بلده مرهف الحد لهم بالعقاب الشديد، حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يبلغ سنتين في ملكه، فاستحكمت النفرة وساءت الملكة، وعضل الداء وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبي العباس باستنفاذهم من ملكة العسف والهلاك، بما كان أتيح له من الظهور على أميرهم، فنهض إليها آخر سنة سبع وستين وسبعمائة وبرز الأمير أبو عبد الله للقائه وعسكر بنامروا الجبل المطل على تاكردت وصبحه السلطان أبو العباس بمعسكره هنالك، فاستولى عليه وركض هو فرسه ناجيا بنفسه. ومرت الخيل تعادي في أثره حتى أدركوه، فأحاطوا به وقتلوا قعصا بالرماح عفا الله عنه. وأجاز السلطان أبو العباس إلى البلد فدخلها منتصف يوم العشرين من شعبان، ولاذ الناس به من دهش الواقعة وتمسكوا بدعوته، وآتوه طاعتهم، فانجلت القيامة واستقام الأمر، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي حمو فأظهر الامتعاض لمهلكه والقيام بثأره وسير من ذلك حشوده في ارتقاء ونهض يجر الأمم إلى بجاية من العرب وزناتة والحشد حتى أناخ بها وملأت مخيماته الجهات بساحتها، وجنح السلطان الى مبارزته، فتمهد به أهل البلد ولاذوا بمقامه فأسعفهم وطير البريد الى قسنطينة، فأطلق أبا زيان من الاعتقال وسوغه الملابس والمراكب والآلة، وزحف به مولاه بشير في عسكر إلى أن نزل حذاء معسكر أبي حمو واضطربوا محلهم بسفح جبل بني عبد الجبار وشنوا الغارات على معسكر أبي حمو صباحا ومساء لما كان نمي إليهم من مرض قلوب جنده والعرب الذين معه. وبدا للسلطان أبي حمو ما لم يحتسب من امتناعها، وكان تقدم إليه بعض سماسرة الفتن بوعد على لسان المشيخة من أهل البلد أطمعه فيها، ووثق بأن ذلك يغنيه عن الاستعداد، فاستبق إليها وأغفل الحزم فيما دونها، فلما امتنعت عليه ٧/١٧٢
انطبق الجو على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة، واستجم الزبون في احياء معسكره بظهور العدو المساهم في الملك. وتفادت رجالات العرب من سوء المغبة وسطوة السلطان، فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة، وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم، واضطرب الفساطيط مضايقة للأسوار، متسنمة وعرا من الجبل لم يرضه أهل الرأي. وخرج رجل الجبل على حين غفلة فجاولوا من كان بتلك الأخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف. وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفض المعسكر بأجمعه. وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة فأجهضوه عنها فتركها، وانتهب مخلفه أجمع. وتصايح الناس بهم من كل حدب، وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم، وكظت بزحامهم، وتواقعوا لجنوبهم، فهلك الكثير منهم وكانت من غرائب الواقعات، تحدث الناس بها زمانا وسيقت حظاياه إلى بجاية، واستأثر الأمير أبو زيان منهن بحظيته الشهيرة ابنة يحيى الزابي، ينسب إلى عبد المؤمن بن علي. وكان أصهر فيها إلى أبيها أيام تقلبه في سبيل الاغتراب ببلاد الموحدين كما سبق، وكانت أعلق بقلبه من سواها، فخرجت في مغانم الأمير أبي زيان. وتحرج عن مواقعتها حتى أوجده أهل الفتيا السبيل إلى ذلك لحنث زعموا وقع من السلطان أبي حمو في نسائه. وخلص السلطان أبو حمو من هوة ذلك العصب بعد غصة الريق، ونجا إلى الجزائر لا يكاد يرد النفس من شناعة ذلك الهول. ثم خرج منها ولحق بتلمسان، واقتعد سرير ملكه واشتدت شوكة أبي زيان ابن عمه، وتغلب على القاصية واجتمعت إليه العرب، وكثر تابعه. وزاحم السلطان أبا حمو بتلك الناحية الشرقية سنين تباعا نذكر الآن أخبارها، إن شاء الله تعالى.
الخبر عن خروج أبي زيان بالقاصية الشرقية من بلاد حصين وتغلبه على المرية والجزائر ومليانة وما كان من الحروب معه
لما انهزم السلطان أبو حمو بساحة بجاية عشي يومه من أوائل ذي الحجة، خاتم سنة سبع وستين وسبعمائة قرع الأمير أبو زيان طبوله واتبع أثره، وانتهى إلى بلاد حصين ٧/١٧٣
من زغبة. وكانوا سائمين من الهضيمة والعسف إذا كانت الدول تجريهم مجرى الرعايا المعبدة في المغرم، وتعدل بهم عن سبيل إخوانهم من زغبة أمامهم ووراءهم لبغية الغزو فبايعوه على الموت الأحمر ووقفوا بمعتصم من جبل تيطري إلى أن دهمتهم عساكر السلطان. ثم أجلبوا على المرية وكان بها عسكر ضخم للسلطان أبي حمو لنظر وزرائه: عمران بن موسى بن يوسف، وموسى بن برغوث، ووادفل ابن عبو بن حماد، ونازلوهم أياما ثم غلبوهم على البلد. وملكها الأمير أبو زيان ومن على الوزراء ومشيخة بني عبد الواد وترك سبيلهم إلى سلطانهم، وسلك سبيلهم الثعالبة في التجافي عن ذل المغرم، فأعطوه يد الطاعة والانقياد للأمير أبي زيان، وكانت في نفوس أهل الجزائر نفرة من جور العمال عليهم، فاستمالهم بها سالم بن إبراهيم بن نصر أمير الثعالبة إلى طاعة الأمير أبي زيان. ثم دعا أبو زيان أهل مليانة إلى مثلها فأجابوه. واعتمل السلطان أبو حمو نظره في الحركة الحاسمة لدائهم ، فبعث في العرب وبذل المال، وأقطع البلاد على أشطاط منهم في الطلب. وتحرك إلى بلاد توجين ونزل قلعة بني سلامة سنة ثمان وستين وسبعمائة يحاول طاعة أبي بكر بن عريف أمير سويد. فلم يلبث عنه خالد بن عامر ولحق بأبي بكر بن عريف، واجتمعا على الخلاف عليه ونقض طاعته. وشنوا الغارة على معسكره، فاضطرب وأجفلوا وانتهبت محلاته وأثقاله، ورجع إلى تلمسان. ثم نهض إلى مليانة فافتتحها، وبعث إلى رياح على حين صاغية إليه من يعقوب بن علي بن أحمد وعثمان بن يوسف بن سليمان بن علي أميري الزواودة لما كان وقع بينهما وبين السلطان مولانا أبي العباس من النفرة، فاستنظره للحركة على الأمير أبي زيان وبعدها إلى بجاية.
وضمنوا له طاعة البدو من رياح، وبعثوا إليه رهنهم على ذلك فردها وثوقا بهم، ونهض من تلمسان وقد اجتمع إليه الكثير من عرب زغبة. ولم يزل أولاد عريف بن يحيى وخالد بن عامر في أحيائهما منحرفين عنه بالصحراء. وصمم إليهم فاجفلوا أمامه، وقصد المخالفين من حصين والأمير أبا زيان إلى معتصمهم بجبل تيطري. ٧/١٧٤
وأغذ إليه السير يعقوب بن علي وعثمان بن يوسف بمن معهم من جموع رياح حتى نزلوا بالقلعة حذاءهم. وبدر أولاد عريف وخالد بن عامر إلى الزواودة ليشردوهم عن البلاد قبل أن تتصل يد السلطان بيدهم، فصبحوهم يوم الخميس أخريات ذي القعدة من سنة تسع وستين وسبعمائة ودارت بينهم حرب شديدة، وأجفلت الزواودة أولا، ثم كان الظهور لهم آخرا. وقتل في المعركة من زغبة عدد، ويئسوا من صدهم عما جاءوا إليه، فانعطفوا إلى حصين والأمير أبي زيان، وصعدوا إليهم بناجعتهم، وصاروا لهم مددا على السلطان أبي حمو، وشنوا الغارة على معسكره، فصمدوا نحوه وصدقوه القتال، فاختل مصافه، وانهزمت عساكره، ونجا بنفسه إلى تلمسان على طريق الصحراء. وأجفل الزواودة إلى وطنهم، وتحيز كافة العرب من زغبة إلى الأمير أبي زيان، واتبع آثار المنهزمين، ونزل بسيرات. وخرج السلطان أبو حمو في قومه ومن بقي معه من بني عامر. وتقدم خالد إلى مصادمته ففله السلطان وأجفل القوم من ورائه. ثم تلطف في مراسلته وبذل المال له وأوسع له في الاشتراط فنزع إليه والتبس بخدمته، ورجع الأمير أبو زيان إلى أوليائه من حصين متمسكا بولاية أولاد عريف.
ثم نزع محمد بن عريف إلى طاعة السلطان، وضمن له العدول بأخيه عن مذاهب الخلاف عليه، وطال سعيه في ذلك فاتهمه السلطان وحمله خالد بن عامر عدوه على نكبته، فتقبض عليه وأودعه السجن. واستحكمت نفرة أخيه أبي بكر، ونهض السلطان بقومه وكافة بني عامر إليه سنة سبعين وسبعمائة واستغلظ أمر أبي بكر فجمع الحرث بن أبي مالك ومن وراءهم من حصين، واعتصموا بالجبال من دراك وتيطري، ونزل السلطان بجموعه لعود بلاد الديالمة من الحرث، فانتسفها والتمعها وحطم زروعها ونهب مداثرها. وامتنع عليه أبو بكر ومن معه من الحرث وحصين والأمير أبي زيان بينهم، فارتحل عنهم وعطف على بلاد أولاد عريف وقومهم من سويد فملأها عيثا، وخرب قلعة ابن سلامة لما كانت أحسن أوطانهم. ورجع عليهم إلى تلمسان وهو يرى ان كان قد شفا نفسه في أولاد عريف، وغلبهم على أوطانهم، ورجع عليهم منزلة عدوهم، فكان من لحاق أبي بكر بالمغرب وحركة بني مرين ما نذكره ٧/١٧٥
الخبر عن حركة السلطان عبد العزيز على تلمسان واستيلائه عليها ونكبة أبي حمو وبني عامر بالدوس من بلاد الزاب وخروج أبي زيان من تيطري الى أحياء رياح
لما تقبض أبو حمو على محمد بن عريف وفرق شمل قومه سويد، وعاث في بلادهم أجمع، رأى أخيه الأكبر الصريخ بملك المغرب. فارتحل إليه بناجعته من بني مالك أجمع من أحياء سويد والديالم والعطاف حتى احتل بسائط ملوية من تخوم المغرب.
وسار إلى أخيه الأكبر ونزمار بمقره من قصر مرادة الذي اختطه بإرجاع وادي ملوية في ظل دولة بني مرين وتحت جوارهم لما كان ملاك أمرهم بيده، ومصادرهم عن آرائه خطة ورثها عن أبيه عريف بن يحيى مع السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن وابنه أبي عنان. فتقبل ملوك المغرب مذاهب سلفهم فيه، وتيمنوا برأيه واستأمنوا إلى نصيحته. فلما قدم عليه أخوه أبو بكر مستحفيا بملك المغرب، وأخبر باعتقال أخيه الآخر محمد، قدح عزائمه، وأوفد أخاه أبا بكر ومشيخة قومهم من بني مالك على السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن منصرفه من افتتاح جبل هنتاتة، وظفر بعامر بن محمد بن علي النازع إلى الشقاق في معتصمه، فلقوه في طريقه ولقاهم مبرة وتكرمة واستصرخوه لاستنقاذ أخيهم فأجاب صريخهم، ورغبوه في ملك تلمسان وما وراءها، فوافق صاغيته لذلك بما كان في نفسه من الموجدة على السلطان أبي حمو لقبوله كل من ينزع إليه من عربان المعقل أشياع الدولة وبدوها، وما كان بعث إليه في ذلك، وصرف عن استماعه، فاعتزم على الحركة إلى تلمسان، وألقى زمامه بيد ونزمار وعسكر بساحة فاس. وبعث الحاشدين في الثغور والنواحي من المغرب، فتواقف الحاشدون ببابه، وارتحل بعد قضاء النسك من الأضحى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة واتصل الخبر بالسلطان أبي حمو وكان معسكرا بالبطحاء، فانكفأ راجعا إلى تلمسان، وبعث في أوليائه عبيد الله والأحلاف من عرب المعقل، فصموا عن إجابته ونزعوا إلى ملك المغرب، فأجمع رأيه إلى التحيز إلى بني عامر وأجفل غرة المحرم سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة واحتل السلطان عبد العزيز تلمسان في يوم عاشوراء بعدها.
وأشار ونزمار بن عريف بتسريح العساكر في اتباعه، فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن ٧/١٧٦
غازي بن السكاء حتى انتهى إلى البطحاء. ثم لحق به هنالك ونزمار وقد حشد العرب كافة، وأغذ السير في اتباع السلطان أبي حمو وبني عامر، وكانوا قد أبعدوا المذهب، ونزلوا على الزواودة وسرح إليهم السلطان يومئذ عبد العزيز يحملهم على طاعته، والعدول بهم عن صحابة بني عامر وسلطانهم. وسرح فرج بن عيسى بن عريف إلى حصين لاقتضاء طاعتهم واستدعاء أبي زيان إلى حضرته، ونبذهم عهده، وانتهيا جميعا إلى أبي زيان مقدمة أوليائه ، ولحق بأولاد يحيى بن علي ابن سباع من الزواودة، وانتهيت أنا إليهم فخفظت عليهم الشأن في جواره لما كانت مرضاة السلطان، وحذرتهم شأن أبي حمو وبني عامر، وأوفدت مشيختهم على ونزمار والوزير أبي بكر بن غازي فدلوهما على طريقه، فأغذوا السير وبيتوهم بمنزلهم على الدوس آخر عمل الزاب من جانب المغرب ففضوا جموعهم، وانتهبوا جميع معسكر السلطان أبي حمو بأموالهم وأمتعته وظهره. ولحق فلهم بمصاب ورجعت العساكر من هنالك، فسلكت على قصور بني عامر بالصحراء قبلة جبل راشد التي منها ربا ولون ساعون إليها فأنتهبوها وخربوها وعاثوا فيها وانكفؤا راجعين إلى تلمسان. وفرق السلطان عماله في بلاد المغرب الأوسط من وهران ومليانة والجزائر والمرية وجبل وانشريس. واستوسق به ملكه ونزع عنه عدوه، ولم يبق به يومئذ إلا ضرمة من نار الفتنة ببلاد مغراوة بوعد من ولد علي بن راشد، سخط خالد في الديوان ولحق بجبل بني سعيد. واعتصم به فجهز السلطان الكتائب لحصاره، وسرح وزيره عمر بن مسعود لذلك كما ذكرناه في أخبار مغراوة. واحتقر شأنه. وأوفدت أنا عليه يومئذ مشيخة الزواودة، فأوسعهم حباء وكرامة، وصدروا مملوءة حقائبهم خالصة قلوبهم منطلقة بالشكر ألسنتهم. واستمر الحال إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم. ٧/١٧٧
الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان الى تيطري واجلاب أبي حمو على تلمسان ثم انهزامهما وتشريدهما على سائر النواحي
كان بنو عامر من زغبة شيعة خالصة لبني عبد الواد من أول أمرهم، وخلص سويد لبني مرين كما قدمناه، فكان من شأن عريف وبنيه عند السلطان أبي الحسن وبنيه ما هو معروف. فلما استبيحت أحياؤهم بالدوس مع أبي حمو، ذهبوا في القفر إشفاقا ويأسا من قبول بني مرين عليهم لما كان ونزمار بن عريف وإخوانه من الدولة، فحدبوا على سلطانهم أبي حمو يتقلبون معه في القفار. ثم نزع إليهم رحو بن منصور فيمن أطاعه من قومه عبيد الله من المعقل، وأجلبوا على وجدة فاضطرم النفاق على الدولة نارا، وخشي حصين مغبة أمرهم من السلطان بما تسموا به من الشقاق والعناد، فمدوا أيديهم إلى سلطانهم أبي زيان، وأوفد مشيختهم لاستدعائه من حلة أولاد يحيى بن علي فاحتل بينهم وأجلبوا به على المرية فملكوا نواحيها، وامتنع عليهم مصرها، واستمر الحال على ذلك واضطرب المغرب الأوسط على السلطان، وانتقضت به طاعته وسرح الجيوش والعساكر إلى قتال مغراوة وحصين، فأجمع أبو حمو وبنو عامر على قصده بتلمسان حتى إذا احتلوا قريبا منها دس السلطان عبد العزيز بعض شيعته إلى خالد بن عامر وزغبة في المال والحظ منه، وكان أبو حمو قد آسفه بمخالطة بعض عشيرة وتعقب رأيه برأي من لم يسم إلى خطته. ولم يرتض كفاءته فجنح إلى ملك المغرب، ونزع يده من عهد أبي حمو، وسرح السلطان عبد العزيز عسكره إلى خالد فأوقع بأبي حمو ومن كان من العرب عبيد الله وبني عامر، وانتهب معسكره وأمواله، واحتقبت حرمه وحظاياه إلى قصر السلطان، وتقبض على مولاه عطية، فمن عليه السلطان وأصاره في حاشيته ووزرائه، وأصفقت زغبة على خدمة ملك المغرب وافق هذا الفتح عند السلطان فتح بلاد مغراوة، وتغلب وزيره أبو بكر بن غازي على جبل بني سعيد، وتقبض على حمزة بن علي بن راشد في لمة من أصحابه، فضرب أعناقهم وبعث بها إلى سدة السلطان، وصلب أشلاءهم بساحة مليانة معظم الفتح واكتمل الظهور. وأوعز السلطان إلى وزيره أبي بكر بن غازي بالنهوض إلى ٧/١٧٨
حصين، فنهض إليهم وخاطبني وأنا مقيم ببسكرة في دعايته بأن احتشد أولياءه من الزواودة ورياح، والتقى الوزير والعساكر على حصن تيطري، فنازلناه أشهرا. ثم انفض جمعهم وفروا من حصنهم، وتمزقوا كل ممزق، وذهب أبو زيان على وجهه، فلحق ببلد واركلا قبلة الزاب لبعدها عن منال الجيوش والعساكر، فأجاروه وأكرموا نزله. وضرب الوزير على قبائل حصين والثعالبة المغارم الثقيلة، فأعطوها عن يد وجهضهم باقتضائها، ودوخ قاصية الثغور ورجع إلى تلمسان عالي الكعب عزيز السلطان ظاهر اليد. وقعد له السلطان بمجلسه يوم وصوله قعودا فخما، وصل فيه إليه، وأوصل من صحبه من وفود العرب والقبائل فقسم فيهم بره وعنايته وقبوله على شاكلته. واقتضى من أمراء العرب زغبة أبناءهم الأعزة رهنا على الطاعة، وسرحهم لغزو أبي حمو بمنتبذه من تيكورارين فانطلقوا لذلك، وهلك السلطان عبد العزيز لليال قلائل من مقدم وزيره، وعساكره أواخر شهر ربيع الآخر من سنة أربع وسبعين وسبعمائة لمرض مزمن كان يتفادى بالكتمان والصبر من ظهوره. وانكفأ بنو مرين راجعين إلى ممالكهم بالمغرب بعد أن بايعوا لولده دراجا حماسيا، ولقبوه بالسعيد وجعلوا أمره إلى الوزير أبي بكر بن غازي، فملك أمرهم عليهم واستمرت حاله كما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن عود السلطان أبي حمو الأخير الى تلمسان الكرة الثالثة لبني عبد الواد في الملك
لما هلك السلطان عبد العزيز ورجع بنو مرين إلى المغرب، نصبوا من أعياص بني يغمراسن لمدافعة أبي حمو من بعدهم عن تلمسان، إبراهيم بن السلطان أبي تاشفين، كان ناشئا بدولتهم مذ هلك أبوه. وتسلل من جملتهم عطية بن موسى مولى السلطان أبي حمو وخالفهم إلى البلد غداة رحيلهم، فقام بدعوة مولاه ودافع إبراهيم بن تاشفين عن مرامه، وبلغ الخبر أولياء السلطان أبي حمو من عرب المعقل أولاد يغمور بن عبيد الله، فطيروا إليه النحيب على حين غلب عليه اليأس. وأجمع الرحلة إلى بلاد السودان لما بلغه من اجتماع العرب للحركة عليه كما قلناه، فأغذ السير ٧/١٧٩
من مطرح اغترابه. وسابقه ابنه ولي عهده في قومه عبد الرحمن أبو تاشفين مع ظهيرهم عبد الله بن صغير فدخلوا البلد، وتلاهم السلطان لرابعة دخولهم، وعاود سلطانه واقتعد أريكته، وكانت إحدى الغرائب وتقبض ساعتئذ على وزرائه، اتهمهم بمداخلة خالد بن عامر فيما نقض من عهده وظاهر عليه عدوه، فأودعهم السجن وذبحهم ليومهم حنقا عليهم. واستحكم لها نفرة خالد وعشيرته، وحصلت ولاية أولاد عريف بن يحيى لمنافرة بني عامر إياه، وإقبال السلطان عبد العزيز عليه، ووثق بمكان ونزمار كبيرهم في تسكين عادية ملوك المغرب عليه . ورجع إلى تمهيد وطنه، وكان بنو مرين عند انفضاضهم إلى مغربهم قد نصبوا من اقتال مغراوة، ثم بني منديل علي بن هارون بن ثابت بن منديل وبعثوه إلى شلف مزاحمة للسلطان أبي حمو، ونقضا لأطراف ملكه. وأجلب أبو زيان ابن عمه على بلاد حصين، فكان من خبره معهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن رجوع أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد إلى بلاد حصين ثم خروجه عنها
كان الأمير أبو زيان ابن السلطان أبي سعيد، لما هلك السلطان عبد العزيز وبلغه الخبر بمنجاته من واركلا، نهض منها إلى التلول، واسف إلى الناحية التي كان منتزيا بها مساهما لأبي حمو فيها، فاقتطعت لدعوته كما كانت، ورجع أهلها إلى ما عرفوا من طاعته، فنهض السلطان أبو حمو لتمهيد نواحيه وتثقيف أطراف ملكه، ودفع الخوارج عن ممالكه، وظاهره على ذلك أمير البدو من زغبة أبو بكر ومحمد ابنا عريف بن يحيى، دس إليهما بذلك كبيرهما ونزمار، وأخذهما بمناصحة السلطان ومخالصته، فركبا من ذلك أوضح طريق وأسهل مركب. ونبذ السلطان العهد إلى خالد وعشيرة، فضاقت عليهم الأرض ولحقوا بالمغرب لسابقة نزوعهم إلى السلطان عبد العزيز. وابتدأ السلطان بما يليه، فأزعج بمظاهرتهما علي بن هارون عن أرض شلف سنة خمس وسبعين وسبعمائة بعد حروب هلك في بعضها أخوه رحمون بن ٧/١٨٠
هارون. وخلص إلى بجاية، فركب منها السفن إلى المغرب، ثم تخطى السلطان أبو حمو إلى ما وراء شلف. وسفر محمد بن عريف بينه وبين ابن عمه بعد أن نزع إليه الكثير من أوليائه حصين والثعالبة بما بذل لهم من الأموال، وبما سئموا من طول الفتنة، فشارطه على الخروج من وطنه إلى جيرانهم من رياح على أتاوة وتحمل اليه، فقبل ووضع أوزار الحرب، وفارق مكان ثورته، وكان لمحمد بن عريف فيها أثر محمود، واستألف سالم بن إبراهيم كبير الثعالبة المتغلب على بسيط متيجة وبلد الجزائر، بعد أن كان خب في الفتنة، وأوضع فاقتضى له من السلطان عهده من الأمان والولاية على قومه وعمله. وقلد السلطان أبناءه ثغور أعماله. فأنزل ابنه بالجزائر لنظر سالم بن إبراهيم من تحت استبداده، وابنه أبا زيان بالمدية، وانقلب السلطان إلى حضرته بتلمسان بعد أن دوخ قاصيته، وثقف أطراف عمله، وأصلح قلوب أوليائه واستألف شيعة عدوه، فكان فتحا لا كفاء له من بعد ما خلع من ربقة الملك، ونزع من شرع السلطان وانتبذ من قومه وممالكه إلى قاصية الأرض، ونزل في جوار من لا ينفذ أمره ولا يقوم بطاعته. والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء.
الخبر عن اجلاب عبد الله بن صغير وانتقاض أبي بكر بن عريف وبيعتهما للأمير أبي زيان ورجوع أبي بكر الى الطاعة
كانت خالد بن عامر وابن أخيه عبد الله بن صغير وسائر إخوانهم من ولد عامر بن إبراهيم قد لحقوا بالمغرب صرخى ببني مرين لما وقع بينهم وبين أبي حمو من الفعلة التي فعل خالد معه. ويئس عبد الله بن صغير من صريخهم بما عقد ونزمار بن عريف من السلم بين صاحب المغرب وصاحب تلمسان، فخاض القفر بمن معه من قومه ولحق بوطن زغبة، وأجلب على جبل راشد وبه العمور أحلاف سويد من بني هلال.
فاعترضتهم سويد ودارت بينهم حرب شديدة، كان الظهور فيها لسويد عليهم. وفي خلال ذلك فسد ما بين السلطان وبين أبي بكر بن عريف بسبب صاحب جبل ٧/١٨١
وانشريس يوسف بن عمر بن عثمان، أراده السلطان على النزول عن عمله، فغضب له أبو بكر لقديم الصداقة بين سلفهما، ووصل يده بعبد الله بن صغير بعد الواقعة. ودعاه إلى بيعة أبي زيان فأجابه وأوفدوا رجالاتهم عليه بمكانه من مجالات رياح، فوصلوه معهم ونصبوه للأمر، وتحيز محمد بن عريف إلى السلطان في جموع سويد. ونهض السلطان من تلمسان سنة سبع وسبعين وسبعمائة فيمن معه من قبائل بني عبد الواد وعرب المعقل وزغبة، ودس إلى أولياء أبي زيان يرغبهم في المواعد.
وحكم أبا بكر في الاشتراط عليه ففاء إلى الطاعة والمخالصة. ورجع أبو زيان إلى مكانه من حلل الزواودة، وأغذ السلطان السير إلى حضرته فتملى أريكته، وحدث بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن وصول خالد بن عامر من المغرب والحرب التي دارت بينه وبين سويد وأبي تاشفين هلك فيها عبد الله بن صغير وإخوانه
لما بلغ خالد بن عامر بمكانه من المغرب خبر عبد الله ابن أخيه صغير، قفل من المغرب يئسا من مظاهرة بني مرين فخفق السعي في صريخه بهم لما كانوا عليه من افتراق الأمر كما ذكرناه قبل. ووصل معه ساسي بن سليم في قومه بني يعقوب، وتظاهر الحيان على العيث في بلاد أبي حمو. واجتمع إليهم أبناء الفتنة من كل أوب، فأجلبوا على الأطراف وشنوا الغارة في البلاد، وجمع أولاد عريف لحربهم قومهم من سويد وأحلافهم من العطاف، وبعثوا بالصريخ إلى السلطان فسير لحرب عدوه وعدوهم ابنه أبا تاشفين ولي عهده في قومه، وبرز لذلك في العساكر والجنود. ولما انتهى إلى بلاد هوارة، واضطرب عسكره بها، أعجله صريخ أوليائه عن مناخ الركاب، فاستعجل الرحلة ولحق بأوليائه أولاد عريف ومن معهم من أشياع الدولة من زغبة.
وأغذوا السير إلى واد هناك شرقي القلعة، فتلاقى الجمعان وتواقفوا للقاء سائر ٧/١٨٢
يومهم. واستضاءوا بإضرام النيران مخافة البيات، وأصبحوا على التعبية. وتمشت الرجالات في مواضعة الحرب، فأعجبهم مناشبة القوم، وتزاحفت الصفوف، وأعلم الكماة، وكشفت الحرب عن ساقها، وحمي الوطيس، وهبت الريح المبشرة، فخفقت لها رايات الأمير وهدرت طبوله، ودارت رحى الحرب وصمدت إليها كتائب العرب، فبرئ فيها الأبطال منهم وانكشفوا، وأجلت المعركة عن عبد الله ابن صغير صريعا، فأمر أبو تاشفين فاحتز رأسه وطير به البريد إلى أبيه. ثم عثرت المواكب بأخيه ملوك بن صغير مع العباس ابن عمه موسى بن عامر، ومحمد بن زيان من وجوه عشيرتهم متواقعين بجنودهم متضاجعين في مراقدهم كأنما أقعدوا للردي، فوطأتهم سنابك الخيل وغشيهم قتام المراكب. وأطلقت العساكر أعنتها في اتباع القوم فاستاقوا نعمهم وأموالهم. وكثرت يومئذ الأنفال، وغشيهم الليل فتستروا بجناحه. ولحقهم فلهم بجبل راشد، وأطرب أبو تاشفين أباه بمشتهى ظهوره وأملاه السرور بما صنع الله على يده، وما كان له ولقومه من الأثر في مظاهرة أوليائه. وطار له بها ذكر على الأيام، ورجع إلى أبيه بالحضرة مملوء الحقائب بالأنفال والجوانح بالسرور والأيام بالذكر عنه وعن قومه، ومضى خالد لوجهه في فل من قومه. ولحق بجبل راشد إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
الخبر عن انتقاض سالم بن إبراهيم ومظاهرته خالد بن عامر على الخلاف وبيعتهما للأمير أبي زيان ثم مهلك خالد ومراجعة سالم الطاعة وخروج أبي زيان الى بلاد الجريد
كان سالم بن إبراهيم هذا كبير الثعالبة المتغلبين على حصن متيجة منذ انقراض مليكش، وكانت الرئاسة فيهم لأهل بيته حسبما ذكرناه في أخبارهم عند ذكر المعقل. ولما كانت فتنة أبي زيان بعد نكبة أبي حمو على بجاية، وهبت ريح العرب واستغلظ أمرهم، وكان سالم هذا أول من غمس يده في تلك الفتنة، ومكر بعلي بن غالب من بيوتات الجزائر، كان مغربا عنها منذ تغلب بني مرين على المغرب الأوسط ٧/١٨٣
أيام بني عثمان ولحق بها عند ما أظلم الجو بالفتنة، واستحكمت نفرة أهل الجزائر عن أبي حمو، فأظهر بها الاستبداد واجتمع بها إليه الأوشاب والطغام. ونكره سالم أمير الضاحية أطمعه في الاستيلاء على الجزائر، فداخل في شأنه الملأ من أهل المدينة، وحذرهم منه أنه يروم الدعوة للسلطان أبي حمو، فاستشاطوا نفرة وثاروا به، حتى إذا رأى سالم أنه قد أحيط به خلصه من أيديهم وأخرجه إلى حيه. وأبلغه هنالك. وحول دعوة الجزائر إلى الأمير أبي زيان تحت استبداده، حتى إذا كان من أمر بني مرين وحلول السلطان عبد العزيز بتلمسان كما قدمناه، أقام دعوتهم في الجزائر إلى حين مهلكه ورجوع أبي حمو إلى تلمسان. وأقبل جيش أبي زيان إلى تيطري، فأقام سالم هذا دعوته في أحيائه وفي بلد الجزائر، خشية على نفسه من السلطان أبي حمو، لما كان يعتمد عليه في الادالة من أمره بالجزائر بأمر ابن عمه. ولما كان من خروج أبي زيان إلى أحياء رياح على يد محمد بن عريف ما قدمناه. واقتضى سالم عهده من السلطان، وولي سالم على الجزائر، أقام سالم على أمره من الاستبداد بتلك الأعمال واستضافة جبايتها لنفسه، وأوعز السلطان إلى سائر عماله باستيفاء جبايتها، فاستراب وبقي في أمره على المداهنة.
وحدثت إثر ذلك فتنة خالد بن عامر، فتربص دوائرها رجاء أن يكون الغلب له، فيشغل السلطان عنه. ثم بدا له ما لم يحتسب، وكان الغلب للسلطان ولأوليائه. وكان قد حدثت بينه وبين بني عريف عداوة خشي أن يحمل السلطان على النهوض إليه، فبادر إلى الانتقاض على أبي حمو، واستقدم الأمير أبو زيان فقدم عليه وجأجأ بخالد بن عامر من المخالفين معه من العرب، فوصلوا إليه أول سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وعقد بينهم حلفا مؤكدا، وأقام الدعوة للأمير أبي زيان بالجزائر. ثم زحفوا إلى حصار مليانة وبها حامية السلطان فامتنعت عليهم، ورجعوا إلى الجزائر فهلك خالد بن عامر على فراشه ودفن بها، وولي أمر قومه من بعده المسعود ابن أخيه صغير، ونهض إليهم السلطان أبو حمو من تلمسان في قومه وأوليائه من العرب، فامتنعوا بجبال حصين وناوشتهم جيوش السلطان القتال بأسافل الجبل فغلبوهم عليها، وانفضت الناجعة عنهم من الديالم والعطاف وبني عامر، فلحقوا بالقفر. ٧/١٨٤
ورأى سالم أصحابه أن قد أحيط بهم فلاذ بالطاعة، وحمل عليها أصحابه. وعقد لهم السلطان من ذلك ما أرادوه على أن يفارقوا الأمير أبا زيان ففعلوا. وارتحل عنهم فلحق ببلاد المغرب ريغ، ثم أجازها إلى نفطة من بلاد الجريد، ثم إلى توزر، فنزل على مقدمها يحيى بن يملول، فأكرم نزله وأوسع قراره إلى أن كان من أمره ما نذكر.
ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان وفي نفسه من سالم حرارة لكثرة اضطرابه ومراجعته الفتن، حتى توسط فصل الشتاء، وأبعدت العرب في مشاتيها، فنهض من تلمسان في جيوش زناتة، وأغذ السير فصبح بحصن متيجة بالغارة الشعواء. وأجفلت الثعالبة فلحقوا برءوس الجبال وامتنع سالم بجبل بني خليل. وبعثوا ابنه وأولياءه إلى الجزائر فامتنعوا بها وحاصروه أياما. ثم غلبوه على مكامنه. فانتقل إلى بني ميسرة من جبال صنهاجة. وخلف أهله ومتاعه، وصار الكثير من الثعالبة إلى الطاعة، وابتهلوا بأمان السلطان وعهده إلى فحص متيجة، وبعث هو أخاه ثانيا إلى السلطان بانتقاضه العهد ، ونزل من رأس ذلك الشاهق إلى ابنه أبي تاشفين فأوصله إلى السلطان إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان، فأخفر عهده وذمة ابنه، وتقبض عليه صبيحة ليلته. وبعث قائده إلى الجزائر فاستولى عليها وأقام دعوته بها، وأوفد عليه مشيختها فتقبض عليهم، وعقد على الجزائر لوزيره موسى بن مرعوت ، ورجع إلى تلمسان فقضى بها عيد النحر، ثم أخرج سالم بن إبراهيم من محبسه إلى خارج البلد، وقتل قعصا بالرماح، ونصب شلوه وأصبح مثلا للآخرين، ولله البقاء.
وعهد السلطان لابنه المنتصر على مليانة وأعمالها، ولابنه أبي زيان على وهران.
وراسله ابن يملول صاحب توزر، وصهره ابن قرى صاحب بسكرة وأولياؤهما من الكعوب والزواودة لما أهمهم أمر السلطان أبي العباس، وخافوه على أمصارهم فراسلوا أبا حمو يضمنون له مسالمة أبي زيان على أن يوفي لهم بما اشترط له من المال، وعلى أن يشب نار الفتنة من قبله على بلاد الموحدين ليشغل السلطان أبا العباس عنهم على حين عجزه وضعف الدولة عنه. فأوهمهم من نفسه القدرة وأطمعهم في ذلك. ٧/١٨٥
وما زال يراجعهم ويراجعونه بالمقاربة والوعد إلى أن أحيط بابن يملول، واستولى السلطان على بلده فلحق ببسكرة وهلك بها لسنة من خروجه آخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة وبقي ابن مزني من بعده متعللا بتلك الأماني الكاذبة إلى أن ظهر أمره وتبين عجزه، فراجع طاعة السلطان أبي العباس واستقام على الموادعة، ولحق الأمير أبو زيان بحضرة السلطان بتونس فنزل بها أكرم نزل مؤملا منه المظاهرة على عدوه.
والحال بالمغرب الأوسط لهذا العهد على ما شرحناه مرارا من تغلب العرب على الضواحي والكثير من الأمصار. وتقلص ظل الدولة عن القاصية وارتدادها على عقبها إلى مراكزها بسيف البحر، وتضاؤل قدرتها على قدرتهم، وإعطاء اليد في مغالبتهم ببذل رغائب الأموال. وإقطاع البلاد والنزول عن الكثير من الأمصار، والقنوع بالتغريب بينهم وإغراء بعضهم ببعض والله ولي الأمور.
قسمة السلطان للأعمال بين ولده وما حدث بينهم من التنافس
كان لهذا السلطان أبي حمو جماعة من الولد كبيرهم أبو تاشفين عبد الرحمن. ثم بعده أربعة لأم واحدة، كان تزوجها بميلة من أعمال قسنطينة أيام جولته في بلاد الموحدين، كبيرهم المنتصر. ثم أبو زيان محمد، عمر ويلقب عميرا، ثم بعد ولد كثيرون أبناء علات. وكان أبو تاشفين ولي عهده، وقد رفعه على الباقين وأشركه في رأيه ، وأوجب له الحق على وزراء دولته، فكان لذلك رديفه في ملكه ومظهر سلطانه. وكان مع ذلك يتعاهد أولئك الإخوة الأشقاء بحنوه، ويقسم لهم من ترشيحه والنجاء في خلوته، فتنغص أبو تاشفين منهم، فلما استفحل أمر السلطان وانمحت من دولته آثار الخوارج ، أعمل نظره في قسمة الأعمال بين ولده وترشيحهم للإمارة والبعد بهم عن أخيهم أبي تاشفين، أن يصيبهم بمكروه عند إيناس الغيرة منهم، فولى المنتصر كبيرهم على مليانة وأعمالها، وأنفذه إليها ومعه أخوه عمر الأصغر في كفالته، وولى أخاهما الأوسط أبا زيان على المرية وما إليها من بلاد ٧/١٨٦
حصين. وولى ابنه يوسف ابن الزابية على تدلس وما إليها من آخر أعماله. واستقر أمرهم على ذلك. ثم كان من انتقاض سالم الثعلبي بالجزائر ما قدمناه، فنمي إلى السلطان أن ابنه أبا زيان داخله في الخلاف، فلما فرغ من أمر سالم كما مر وطرد أبا زيان ابن عمه عن أعماله إلى الجريد، أعمل نظره في نقل ابنه أبي زيان من المرية إلى ولاية وهران وأعمالها بعدا له عن العرب المجلبين في الفتن، وأنزل معه بعض وزرائه عينا عليه، وأقام واليا عليها والله أعلم.
وثبة أبي تاشفين بيحيى بن خلدون كاتب أبيه
كان أول شيء حدث من منافسة أبي تاشفين لإخوته، أن السلطان لما ولى ابنه أبا زيان على وهران وأعمالها طلبه أبو تاشفين في ولايتها لنفسه فأسعفه ظاهرا، وعهد إلى كاتبه يحيى بن خلدون بمماطلته في كتابها حتى يرى المخلص من ذلك، فأقام الكاتب يطاوله. وكان في الدولة لئيم من سفلة الشرط يدعى بموسى بن يخلف، صحبهم أيام الاغتراب بتيكورارين أيام ملك تلمسان عليهم السلطان عبد العزيز بن السلطان أبي الحسن كما مر. وخلاله وجه السلطان أبي حمو وابنه، فتقرب إليه بخدمته ورعاها له. فلما رجع السلطان إلى تلمسان بعد مهلك عبد العزيز قدمه وآثره واستخلصه، فكان من أخلص بطانته. وكان أبو تاشفين أيضا استخلصه وجعله عينا على أبيه.
وكان هو أيضا يغص بابن خلدون كاتب السلطان، ويغار من تقدمه عنده ويغري به أبا تاشفين جهده، فدس إليه أثناء هذه المطاولة أن الكاتب ابن خلدون إنما مطله بالكتاب خدمة لأبي زيان أخيه وإيثارا له عليه، فاستشاط له أبو تاشفين، وترصد له منصرفه من القصر إلى بيته بعد التراويح في احدى ليالي رمضان سنة ثمانين وسبعمائة في رهط من الأوغاد، كان يطوف بهم في سكك المدينة، ويطرق معهم بيوت أهل السر والحشمة في سبيل الفساد، فعرضوا له وطعنوه بالخناجر حتى سقط عن دابته ميتا. وغدا الخبر على السلطان صبيحة تلك الليلة فقام في ركائبه وبث الطلب عن أولئك الرهط في جوانب المدينة. ثم بلغه أن ابنه أبا تاشفين صاحب الفعلة، فأغضى وطوى عليها جوانحه، وأقطع أبا تاشفين مدينة وهران كما وعده. وبعث ابنه أبا زيان ٧/١٨٧
على بلاد حصين والمرية كما كان. ثم طلب أبو تاشفين من أبيه أن تكون الجزائر خالصة له فأقطعه إياها، وأنزل بها من إخوته يوسف ابن الزابية بما كان شيعة له من بينهم وفيئة في صحبته ومخالصته، فأقام واليا عليها، والله أعلم.
حركة أبي حمو على ثغور المغرب الأوسط ودخول ابنه أبي تاشفين الى جهات مكناسة
كان أبو العباس بن السلطان أبي سالم ملك بني مرين بالمغرب الأقصى قد نهض في عساكره سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة الى مراكش، وبها الأمير عبد الرحمن بن يفلوس ابن السلطان أبي علي مقاسمة في نسبه وملكه. وكان قد سوغ له مراكش وأعمالها عند ما أجلب معه على البلد الجريد سنة خمس وسبعين وسبعمائة كما في أخبارهم. واستقر الأمير عبد الرحمن بمراكش. ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أحمد، ونهض إليه من فاس فحاصره أولا وثانيا يفرج فيهما عنه. ثم نهض إليه سنة أربع وثمانين وسبعمائة فحاصره وأخذ بمخنقه وأطال حصاره. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير المعقل من العرب منتقضا على السلطان وقد بعث السلطان العساكر إلى أحيائه، فهزموه وخربوا بيوته وبساتينه بسجلماسة ورجعوا. وأقام هو بصحرائه منتقضا. فلما جهد الحصار الأمير عبد الرحمن بمراكش، بعث أبا العشائر ابن عمه منصور بن السلطان أبي علي إلى يوسف بن علي بن غانم، ليجلب به على فاس وبلاد المغرب، فيأخذ بحجزة السلطان عنه وينفس من مخنقه، فسار يوسف بن على مع أبي العشائر إلى السلطان أبي حمو بتلمسان يستنجده على هذا الغرض لقدرته عليه دون العرب، بما له من العساكر والأبهة، فأنجده على ذلك. وقدم ابنه أبا تاشفين معهم، وخرج هو في أثرهم، فساروا إلى المغرب. ونزل يوسف بن علي بقومه قريبا من مكناسة، ومعه الأميران أبو العشائر وأبو تاشفين. وجاء أبو حمو من خلفهم فحصر تازى سبعا، وخرب قصر تازروت المعد هنالك لنزل السلطان.
وكان السلطان قد استخلف على فاس في مغيبه علي بن مهدي العسكري من عمال ٧/١٨٨
دولته ووجوه قبيله، وكان هنالك عرب المنبأة من المعقل قد أخذوا الميرة، فأهاب بهم ونزمار بن عريف ولي الدولة من عرب سويد، وهو نازل بقصر مرادة من جوار تازى، فاستألفهم لمدافعة أبي حمو وابنه. وخرج بهم علي بن مهدي. ثم وصل الخبر باستيلاء السلطان على مراكش منتصف خمس وثمانين وسبعمائة فأجفل أبو تاشفين وأبو العشائر ومن معهما من العرب، واتبعهم علي بن مهدي بمن معه من المنباة. وأجفل أبو حمو على تازى ومر بمرادة على قصر ونزمار فهدمه وعاث فيه، وانكفأ راجعا إلى تلمسان. وفارق ابنه أبو تاشفين أصحابه أبا العشائر والعرب ولحق بأبيه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
نهوض السلطان أبي العباس صاحب المغرب إلى تلمسان واستيلاؤه عليها واعتصام أبي حمو بجبل تاحجموت
لما استولى السلطان أبو العباس على مراكش كما قلناه، رجع إلى دار ملكه بفاس وقد آسفه السلطان أبو حمو باجلابه على وطنه هو وابنه أبو تاشفين مع العرب أيام مغيبه بمراكش، فأجمع الرحلة إلى تلمسان، وخرج في عساكره. وراجع يوسف بن علي الطاعة ورحل معه في جموعه. وبلغ الخبر إلى السلطان أبي حمو فتردد بين الحصار بتلمسان أو مفارقتها. وكان بينه وبين ابن الأحمر صاحب الأندلس مواصلة، ولابن الأحمر دالة على السلطان أبي العباس كما مر. فكان يحفظ له الشأن في قصد تلمسان ويلبثه عنها فيعطيه المقادة في ذلك، فيعلل هو السلطان أبا حمو بأن السلطان أبا العباس لا يصل إليه. ثم أجمع السلطان أبو العباس أمره، ونهض على حين غفلة مغذا إلى تلمسان. وتقدم الخبر إلى أبي حمو فأجمع مفارقة تلمسان بعد أن أظهر لأوليائه وأهل دولته أنه على الحصار. ثم خرج حين غشية الليل الى معسكره بالصفيف، وافتقده أهل بلده من صبيحتهم، فتبادر أكثرهم إليه متعلقين بأذياله خوفا من معرة العدو، ثم ارتحل يطوي المراحل إلى البطحاء، ودخل السلطان أبو ٧/١٨٩
العباس تلمسان واستولى عليها، وجهز العساكر لاتباع أبي حمو وقومه، فأجفل من البطحاء ولحق بتاحجموت فاعتصم بمعقلها ولحق به ابنه المنتصر من مليانة بما كان معه من الذخيرة، فاستمد بها وأقام هناك عازما على الامتناع والله تعالى أعلم.
رجوع السلطان أبي العباس الى المغرب واختلال دولته ورجوع السلطان أبي حمو الى ملكه بتلمسان
كان السلطان أبو العباس لما استولى على مملكة تلمسان، طير كتبه ورسله بفتحها إلى ابن الأحمر صاحب الأندلس، ويعتذر إليه من مخالفة رأيه في الحركة إليها. وقد كان ابن الأحمر آسفه ذلك إلى ما انتظم إليه من النزعات الملوكية التي يؤسف بها بعضهم بعضا، وهو يطوي جوانحه عليها، واطلع على فساد طاقة السلطان أبي العباس في أهل دولته وفقد ضمائرهم له، فأزعج لوقته موسى ابن السلطان أبي عنان من أعياص ملكهم، كان عنده بالأندلس، وجهزه بما يحتاج إليه وبعث في خدمته مسعود بن رحو بن ماسالي وزيرهم المشهور، وأركبه السفن إلى سبتة، فنزلوا بساحتها أول ربيع سنة ست وثمانين وسبعمائة واستولوا عليها. ثم تقدموا إلى فاس فنازلوا دار الملك أياما وبها محمد بن حسن كاتب محمد بن عنان القائم بدولة السلطان أبي العباس والمستبد عليه، واشتدوا في حصارها وتوافت إليهم الأمداد والحشود فداخله الخور وألقي بيده، وداخل السلطان موسى إلى دار الملك تاسع عشر ربيع الأول من السنة، وجلس على أريكته، وآتاه الناس طاعتهم. وطار الخبر إلى السلطان أبي العباس بتلمسان وقد تجهز لاتباع أبي حمو، ونزل على مرحلة من تلمسان بعد أن أغراه ونزمار بن عريف أمير سويد بتخريب قصور الملك بتلمسان، وكانت لا يعبر عن حسنها، اختطها السلطان أبو حمو الأول وابنه أبو تاشفين، واستدعى لها الصناع والفعلة من الأندلس لحضارتها وبداوة دولتهم يومئذ بتلمسان، فبعث إليهما السلطان أبو الوليد صاحب الأندلس بالمهرة والحذاق من أهل صناعة البناء بالأندلس، فاستجادوا لهم القصور والمنازل والبساتين بما أعيا على الناس بعدهم أن يأتوا بمثله، ٧/١٩٠
فأشار ونزمار على السلطان أبي العباس بتخريب هذه القصور وأسوار تلمسان انتقاما بزعمه من أبي حمو، وأخذا بالثأر منه فيما أعتمده من تخريب قصر الملك بتازى، وتخريب قصره هو بمرادة، فأتى عليها الخراب أسرع من لمح البصر. وبينما هو في ذلك وهو يروم السفر لاتباع أبي حمو، إذ جاءه الخبر بأن السلطان موسى ابن عمه السلطان أبي عنان قد استولى على دار ملكهم بفاس، واقتعد أريكتهم، فكر راجعا إلى المغرب لا يلوي على شيء، وترك تلمسان لشأنها، وكان من أمره ما يأتي ذكره في أخبارهم، وطار الخبر إلى السلطان أبي حمو بمكانه من تاحجموت، فاغذ السير إلى تلمسان ودخلها، وعاد إلى ملكه بها، وتفجع لتلك القصور بما ذهب من رونق حسنها، وراجع دولته بني عبد الواد وسلطانهم بتلمسان والله سبحانه وتعالى أعلم.
تجدد المنافسة بين أولاد السلطان أبي حمو ومجاهرة أبي تاشفين بذلك لهم ولأبيه
كان التنافس بين هؤلاء الأولاد خفيا على الناس بما كان السلطان أبوهم يؤامل بينهم ويداري بعضهم عن بعض. فلما خرجوا أمام بني مرين وعادوا إلى تلمسان صار تنافسهم إلى العداوة. واتهم أبو تاشفين أباه بممالأة إخوته عليه، فشمر لعقوقه وعداوته! وشعر السلطان بذلك فأعمل الحركة إلى ناحية البطحاء موريا بإصلاح العرب، ومعتزما على لقاء ابنه المنتصر بمليانة جناحه، ويتخطى إلى الجزائر فيجعلها دار ملكه بعد أن استخلف بتلمسان ابنه أبا تاشفين وحالفه على المناصحة. واطلع موسى بن يخلف على خبيئة السلطان بذلك، فدس بها إلى أبي تاشفين على عادته، فطار به الأسف كل مطار وأغذ السير من تلمسان فيمن معه من العسكر، وصبح أباه بأسافل البطحاء قبل أن يتصل بالمنتصر، وكشف القناع عن التكبر والتسخط على ما بلغه، فحلف له السلطان على ذلك وأرضاه بالرجوع معه إلى تلمسان فرجعا جميعا.
خلع السلطان أبي حمو واستبداد ابنه أبي تاشفين بالملك واعتقاله إياه
ولما رجع السلطان من البطحاء وبطل ما كان يؤمله من الاتصال بالمنتصر، دس إليه ٧/١٩١
مع خالصة من أهل دولته يعرف بعلي بن عبد الرحمن بن الكليب بأحمال من المال يودعها إلى أن يجد السبيل لحاجة نفسه. وكتب له بولاية الجزائر ليقيم بها حتى يخلص إليه. واطلع موسى على ذلك فأطلع أبا تاشفين على الخبر، فبعث في أثره من حاشيته من اغتال ابن الكليب وجاء إليه بالمال والكتب، فاطلع منها على حقيقة أمرهم وأنهم متربصون به، فاستشاط وجاهر أباه وغدا عليه بالقصر، فأوقفه على الكتاب وبالغ في عذله. وتحيز موسى بن يخلف إلى أبي تاشفين، وهجر باب السلطان وأغرى به ابنه فغدا على أبيه بالقصر بعد أيام وخلعه، وأسكنه بعض حجر القصر، ووكل به، واستخلص ما كان معه من الأموال والذخيرة. ثم بعث به إلى قصبة وهران فاعتقله بها، واعتقل من حضر بتلمسان من إخوته، وذلك آخر ثمان وثمانين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى المنتصر بمليانة وأبي زيان وعمير، فلحقوا بقبائل حصين واستذموا بهم، فأذموهم وأنزلوهم عندهم بجبل تيطري. وجمع أبو تاشفين العساكر واستألف العرب من سويد وبني عامر، وخرج في طلب المنتصر وإخوته، ومر بمليانة فملكها. ثم تقدم إلى جبل تيطري وأقام في حصارهم به، وهم ممتنعون عليه. والله تعالى أعلم.
خروج السلطان أبي حمو من الاعتقال ثم القبض عليه وتغريبه الى المشرق
لما طال مقام أبي تاشفين على تيطري لحصار إخوته، ارتاب بأمر أبيه وطول مغيبه عنه. وشاور أصحابه في شأنه، فأشاروا بقتله واتفقوا على ذلك، فبعث أبو تاشفين ابنه أبا زيان في لمة من حاشيته فيهم ابن الوزير عمران بن موسى، وعبد الله ابن الخراساني، فقتلوا من كان معتقلا بتلمسان من أبناء السلطان، وتقدموا إلى وهران وسمع أبو حمو بقدومهم، فأوجس الخيفة منهم واطلع من جدران القصبة ينادي بالصريخ في أهل البلد، فتبادروا إليه من كل جهة، وتدلى لهم بحبل وصله من عمامته التي كان متعمما بها، فشالوه حتى استقر بالأرض واجتمعوا إليه. وكان الرهط الذين جاءوا والقتلة بباب القصر، وقد أغلقه دونهم. فلما سمعوا الهيعة واستيقنوا الأمر، طلبوا ٧/١٩٢
النجاة بدمائهم. واجتمع أهل البلد على السلطان، وتولى كبر ذلك خطيبهم، وجددوا له البيعة وارتحل من حينه إلى تلمسان، فدخلها أوائل تسع وثمانين وسبعمائة وهي يومئذ عورة بما كان بنو مرين هدموا من أسوارها وأزالوا حصنها. وبعث فيمن كان مخلفا بأحياء بني عامر من أكابرهم ووجوههم، فقدموا عليه. وطار الخبر إلى أبي تاشفين بمكانه من حصار تيطري، فانكفأ راجعا إلى تلمسان فيمن معه من العساكر والعرب، وبادره قبل أن يستكمل أمره فأحيط به. ونجا إلى مئذنة الجامع فاعتصم بها، ودخل أبو تاشفين القصر، وبعث في طلبه. وأخبر بمكانه فجاء إليه بنفسه واستنزله من المئذنة، وأدركته الرقة، فجهش بالبكاء وقبل يده، وغدا به إلى القصر واعتقله ببعض الحجر هنالك، ورغب إليه أبوه في تسريحه إلى المشرق لقضاء فرضه، فشارط بعض تجار النصارى المترددين إلى تلمسان من القيطلان على حمله إلى الإسكندرية، وأركبه السفن معهم بأهله من فرضة وهران ذاهبا لطيبة موكلا به، وأقبل أبو تاشفين على القيام بدولته، والله تعالى أعلم.
نزول السلطان أبي حمو ببجاية من السفين واستيلاؤه على تلمسان ولحاق أبي تاشفين بالمغرب
لما ركب السلطان أبو حمو السفين ذاهبا إلى الإسكندرية، وفارق أعمال تلمسان وحاذى بجاية، داخل صاحب السفينة في أن ينزله ببجاية، فأسعفه بذلك. فخرج من الطارمة التي كان بها معتقلا، وصار الموكلون به في طاعته. وبعث إلى محمد بن أبي مهدي قائم الأسطول ببجاية المستبد على أميرها من ولد السلطان أبي العباس بن أبي حفص. وكان محمد خالصة المستنصر بن أبي حمو من ناحية دولتهم. قد خلص إلى بجاية من تيطري بعد ما تنفس لحصار عنهم فبعثه ابن أبي مهدي إلى السلطان أبي حمو بالإجابة إلى ما سأل. وأنزله ببجاية آخر تسع وثمانين وسبعمائة وأسكنه بستان الملك المسمى بالرفيع، وطير بالخبر إلى السلطان بتونس، فشكر له ما آتاه من ذلك، وأمره بالاستبلاغ في تكريمه، وأن يخرج عساكر بجاية في خدمته إلى حدود عمله متى احتاج إليها. ثم خرج السلطان أبو حمو من بجاية ونزل متيجة واستنفر طوائف العرب من كل ناحية فاجتمعوا إليه ونهض يريد تلمسان واعصوصب ٧/١٩٣
قومه بنو عبد الواد على أبي تاشفين بما بذل فيهم من العطاء وقسم من الأموال، فنابذوا السلطان أبا حمو واستصعب عليه أمرهم. وخرج إلى الصحراء وخلف ابنه أبا زيان في جبال شلف مقيما لدعوته. وبلغ إلى تاسة من ناحية المغرب. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فبعث عسكرا إلى شلف مع ابنه أبي زيان ووزيره محمد بن عبد الله ابن مسلم، فتواقفوا مع أبي زيان ابن السلطان أبي حمو فهزمهم. وقتل أبو زيان بن أبي تاشفين ووزيره ابن مسلم، وجماعة من بني عبد الواد. وكان أبو تاشفين لما بلغه وصول أبيه إلى تاسة، سار إليه من تلمسان في جموعه، فأجفل أبو حمو إلى وادي صا واستجاش بالأحلاف من عرب المعقل هنالك، فجاءوا لنصره، ورعوا زمامه فنزلها، وأقام أبو تاشفين قبالته وبلغه هنالك هزيمة ابنه ومقتله، فولى منهزما إلى تلمسان وأبو حمو في اتباعه. ثم سرح أبو تاشفين مولاه سعادة في طائفة من العسكر لمحاولة العرب في التخلي عن أبي حمو، فانتهز فيه الفرصة وهزمه وقبض عليه، وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين بتلمسان، وكان يؤمل النجاح عند سعادة فيما توجه فيه، فأخفق سعيه، وانفض عنه بنو عبد الواد والعرب الذين معه، وخرج هاربا من تلمسان مع أوليائه من سويد إلى مشاتيهم بالصحراء. ودخل السلطان أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين وسبعمائة وقدم عليه أبناؤه فأقاموا معه بتلمسان، فطرق المنتصر ابنه المرض فهلك بها لأيام من دخوله تلمسان، واستقر الأمر على ذلك، والله أعلم.
نهوض أبي تاشفين بعساكر بني مرين ومقتل السلطان أبي حمو
لما خرج أبو تاشفين من تلمسان أمام أبيه، واتصل بأحياء سويد، أجمعوا رأيهم على الاستنجاد بصاحب المغرب، فوفد أبو تاشفين ومعه محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صاحب فاس، وسلطان بني مرين صريخين على شأنهما، فقبل وفادتهما ووعدهما بالنصر من عدوهما. وأقام أبو تاشفين عنده ينتظر إنجاز وعده، ٧/١٩٤
وكان بين أبي حمو وابن الأحمر صاحب الأندلس وشيجة ود وعقيدة وصلة، ولابن الأحمر دالة وتحكم في دولة أبي العباس صاحب المغرب بما سلف من مظاهرته على أمره منذ أول دولته، فبعث أبو حمو في الدفاع عنه من إجازة أبي تاشفين من المغرب إليه، فلم يجبه صاحب المغرب وفاء بذمته وعلله بالقعود عن نصره. وألح عليه ابن الأحمر في ذلك، فتعلل بالمعاذير. وكان أبو تاشفين قد عقد لأول قدومه مع وزير الدولة محمد بن يوسف بن علال حلفا اعتقد الوفاء به، فكان هواه في إنجاده ونصره من عدوه، فلم يزل يفتل لسلطانه في الذروة والغارب، ويلوي عن ابن الأحمر المواعيد حتى أجابه السلطان إلى غرضه.
وسرح ابنه الأمير أبا فارس والوزير محمد بن يوسف بن علال في العساكر لمصارخة أبي تاشفين. وفصلوا عن فاس أواخر إحدى وتسعين وسبعمائة وانتهوا إلى تازى. وبلغ خبرهم إلى السلطان أبي حمو فخرج من تلمسان وجمع أشياعه من بني عامر والخراج بن عبيد الله وقطع جبل بني ورنيد المطل على تلمسان، وأقام بالغيران من جهاته. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فقدم إلى تلمسان فجدد المكر والخديعة وشيطان الفتنة والشر موسى بن يخلف، فاستولى عليها وأقام دعوة أبي تاشفين فيها، فطير الخبر إلى أبي حمو ابنه عمير، فصبحه بها لليلة من مسيرة، فأسلمه أهل البلد.
وتقبض عليه، وجاء به أسيرا إلى أبيه بمكانه من الغيران، فوبخه أبو حمو على فعاله. ثم أذاقه أليم عقابه ونكاله، وأمر به فقتل أشنع قتلة. وجاءت العيون إلى أبي فارس ابن صاحب المغرب ووزيره ابن علال بمكان أبي حمو واغرابه بالغيران، فنهض الوزير ابن علال في عساكر بني مرين لغزوه، وسار أمامهم سليمان بن ناجي من الأحلاف إحدى بطون المعقل، يدل بهم طريق القفر حتى صبحوه ومن معه من أحياء الخراج في مكان مقامتهم بالغيران. وناوشوهم القتال فلم يطيقوهم لكثرتهم، وولوا منهزمين، وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط وأدركه بعض فرسانهم وعرفه فقتله قعصا بالرماح، وجاءوا برأسه إلى الوزير ابن علال وأبي تاشفين، وجيء بابنه عمير أسيرا. وهم أبو تاشفين أخوه بقتله فمنعوه أياما، ثم أمكنوه منه فقتله، ودخل أبو تاشفين تلمسان أواخر إحدى وتسعين وسبعمائة وخيم الوزير وعساكر بني مرين ٧/١٩٥
بظاهر البلد حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال. ثم قفلوا إلى المغرب وأقام هو بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابره، ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما اشترط على نفسه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
مسير أبي زيان بن أبي حمو لحصار تلمسان ثم اجفاله عنها ولحاقه بصاحب المغرب
كان السلطان أبو حمو قد ولى على الجزائر ابنه أبا زيان لما عاد إلى ملكه بتلمسان، وأخرج منها أبا تاشفين. فلما قتل أبو حمو بالغيران كما قلناه، وخرج أبو زيان من الجزائر ناجيا إلى أحياء حصين يؤمل الكرة بهم والأخذ بثأر أبيه وأخيه، فاشتملوا عليه وأجابوا صريخه. ثم وفد عليه أمراء بني عامر من زغبة يدعونه لملكه، فسار إليهم وقام بدعوته وطاعته شيخهم المسعود بن صغير، ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فحاصروها أياما، وسرب أبو تاشفين المال في العرب، فافترقوا على أبي زيان، وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة. ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل، وعاود حصار تلمسان في شوال، وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب، فجاءه بمدد من العسكر. ولما انتهى إلى تاوريرت أفرج أبو زيان عن تلمسان، وأجفل إلى الصحراء. ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب فوفد عليه صريخا، فتلقاه وبر مقدمه، ووعده النصر من عدوه، وأقام عنده إلى حين مهلك أبي تاشفين والله تعالى أعلم.
وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان
لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العباس ابن السلطان أبي سالم، ومؤديا للضريبة التي فرضها عليه منذ أول ملكه، وأخوه الأمير أبو زيان مقيم عند صاحب المغرب ينتظر وعده في النصر عليه ٧/١٩٦
حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزغات الملوكية، فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان، فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وسبعمائة وانتهى إلى تازي وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به. ثم هلك منه في رمضان من السنة. وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم، وكان يمت إليه بخؤولة، فولى بعده مكانه صبيا من أبنائه وقام بكفالته، وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية واليا على الجزائر من قبل أبي تاشفين، فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب، ودخل تلمسان فقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه تاشفين. فلما بلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب، خرج إلى تازى وبعث من هناك ابنه أبا فارس في العساكر، ورد أبا زيان بن أبي حمو إلى فاس ووكل به. وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام فيها دعوة أبيه، وتقدم وزير أبيه صالح بن حمو إلى مليانة فملكها، وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية. واعتصم يوسف ابن الزابية بحصن تاحجموت. وأقام الوزير صالح يحاصره، وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط، والله غالب على أمره.
وفاة أبي العباس صاحب المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط
كان السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى، وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذي تقدم لفتح البلاد الشرقية. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق، وتقدمت إلى السلطان فئة وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجة هدية إلى صاحب المغرب، يطوقه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك.
فلما قدم بها يوسف على السلطان أبي العباس عظم موقعها، وجلس في مجلس جعله لعرضها والمباهاة بها، وشرع في المكافأة عنها بتخير الجياد والبضائع والثياب، حتى استكمل من ذلك ما رضيه، واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول.
وأنه يرسله من تازى أيام مقامته هناك، فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم ٧/١٩٧
سنة ست وتسعين وسبعمائة واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى، وولوه مكانه، ورجعوا به إلى فاس، وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال، وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها، وقائما بعد السلطان أبي فارس فيها، فسار إليها وملكها، وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها، فبعث إليهم أبو زيان عند ما بلغه ذلك وبذل لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه، فأجابوه إلى ذلك وأسلموه إلى ثقات أبي زيان، وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم، فبادروا بقتله، وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله، وذهبت الفتنة بذهابه، واستقامت أمور دولته، وهم على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره.
وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية، (وبقي) علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بني مرين منذ أول الدولة، وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي، وخبر بني كندور أمرائهم بمراكش، فلنرجع إلى ذكر أخبارهم، وبها نستوفي الكلام في أخبار بني عبد الواد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ٧/١٩٨
الخبر عن بني كمي أحد بطون بني القاسم بن عبد الواد وكيف نزعوا إلى بني مرين وما صار لهم بنواحي مراكش وأرض السوس من الرئاسة
قد تقدم لنا أول الكلام في بني عبد الواد أن بني كمي هؤلاء من شعوب القاسم، وأنهم بنو كمي بن يمل بن يزكن بن القاسم إخوة طاع الله وبني دلول وبني معطي دلول. وبني معطي بن جوهر بن علي . وذكرنا ما كان بين طاع الله وبين إخوانهم بني كمي من الفتنة، وكيف قتل كندوز بن عبد الله كبير بني كمي زيان بن ثابت بن محمد كبير بني طاع الله، وأن جابر بن يوسف بن محمد القائم بالأمر من بعده ثار منهم بزيان، وقتل كندوزا غيلة أو حربا، وبعث برأسه إلى يغمراسن بن زيان فنصب عليها أهل. بيته القدور شفاية لنفوسهم. واستمر الغلب بعدها على بني كمي، فلحقوا بحضرة تونس وكبيرهم إذ ذاك عبد الله بن كندوز. ونزلوا على الأمير أبي زكريا حتى كان من استيلائه على تلمسان ما قدمنا ذكره. وطمع عبد الله في الاستبداد بتلمسان، فلم يتفق ذلك. ولما هلك مولانا الأمير أبو زكريا، وولي ابنه المنتصر، أقام عبد الله صدرا من دولته. ثم ارتحل هو وقومه إلى المغرب ونزل على يعقوب بن عبد الحق قبل فتح مراكش، فاهتز يعقوب لقدومه وأحله بالمكان الرفيع من دولته. وأنزل قومه بجهات مراكش، وأقطعهم البلاد التي كفتهم مهماتهم.
وجعل السلطان انتجاع إبله وراحلته في أحيائهم. وقدم على رعايتها حسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخاه موسى، وصلا في لفيفه من بلاد المشرق، وكانا عارفين برعاية الإبل والقيام عليها، وأقاموا يتقلبون في تلك البلاد، ويتعدون في نجعتها إلى أرض السوس. وأوفد يعقوب بن عبد الحق عبد الله بن كندوز هذا على المنتصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين وستمائة مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه. والتحم بنو كمي ببني مرين وأصبحوا إحدى بطونهم. وهلك عبد الله بن كندوز، وصارت رياستهم من بعده لابنه عمر بن عبد الله. فلما نهض يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ٧/٢٠٠
إلى المغرب الأوسط وشغل بحصار تلمسان، وتحدث الناس بما نزل بعبد الواد من بني مرين، أخذت بني كمي الحمية وامتعضوا لقومهم، وأجمعوا الخلاف والخروج على السلطان. ولحقوا بحاجة سنة ثلاث وسبعمائة، واستولوا على بلاد السوس، فخرج إليهم أخو السلطان الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب، فناجزوه الحرب بتادارت وغلبوه، واستمروا على خلافهم. ثم عاود محاربتهم بتامطولت سنة أربع وسبعمائة بعدها، فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم. وقتل عمر بن عبد الله وجماعة من كبرائهم، وفروا أمامه إلى الصحراء، ولحقوا بتلمسان وهدم يعيش بن يعقوب تارودنت قاعدة أرض السوس، وأقام بنو كندوز بعدها بتلمسان نحوا من ستة أشهر. ثم توجسوا الغدر من ولد عثمان بن يغمراسن فرجعوا إلى مراكش. واتبعهم عساكر السلطان وأبلى منهم في القتال عنهم محمد بن أبي بكر بن حمامة بن كندوز، وخلصوا إلى منجاتهم مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان يوسف بن يعقوب. وراجعوا طاعة الملوك بالمغرب فعفوا لهم عما سلف من هذه الجزيرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية، فأمحضوا النصيحة والمخالصة. وكان أميرهم من بعد عمر ابنه محمد، وأقام في إمارتهم سنين ثم ابنه موسى بن محمد من بعده كذلك.
واستخلصه السلطان أبو الحسن أيام الفتنة بينه وبين أخيه أبي علي، لعهد أبيهما السلطان أبي سعيد ومن بعده، فكانت له في المدافعة عن نواحي مراكش آثار وأيام. ثم هلك موسى بن محمد فولى السلطان أبو الحسن مكانه ابنه يعقوب بن موسى. ولما غلب على تلمسان وأصار بني عبد الواد في خوله وجنوده، تمشت رجالاتهم وساموا أشجانهم حتى إذا كانت واقعة القيروان وتواقف السلطان وبني سليم داخلهم يعقوب بن موسى في أن ينخذل عن السلطان إليهم ببني عبد الواد ومن إليهم من مغراوة وتوجين، وأوعدهم لذلك، ثم مشى في قومه وكافة بني عبد الواد فأجابوه الى ذلك. ولحقوا جميعا ببني سليم، فجروا بذلك الهزيمة على السلطان وكانت نكبة القيروان المشهورة. ولحقوا بعدها بتلمسان، وولوا أمرهم في ٧/٢٠١
بني يغمراسن. وهلك يعقوب بن موسى بإفريقية، ولحق أخوه رحو بالمغرب. وكان السلطان أبو عنان قد استعمل على جماعتهم وعملهم عبو بن يوسف بن محمد. وهو ابن عمهم دنيا، فأقام فيهم كذلك حتى هلك، فولي من بعده ابنه محمد بن عبو وهم على ذلك لهذا العهد، يعسكرون للأمير بمراكش، ويتولون من خدمة السلطان هنالك ما لهم فيه الغناء والكفاية. فكأنهم بمعزل عن بني عبد الواد لاستحكام العداوة بمقتل زيان بن ثابت. والله وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، لا رب غيره ولا معبود سواه ٧/٢٠٢
الخبر عن بني راشد بن محمد بن يادين وذكر أوليتهم وتصاريف أحوالهم
وإنما قدمنا ذكرهم قبل استتمام بطون بني يادين لأنهم لم يزالوا أحلافا لبني عبد الواد ومن جملتهم، فكانت أخبارهم من أخبارهم، وأما راشد أبوهم فهو أخو يادين.
واختص بنوه كما قلنا ببني عبد الواد، وكانت مواطنهم بالصحراء بالجبل المعروف براشد اسم أبيهم. وكانت مواطن مديونة من قبائل البربر قبلة تاسالت وبنو ورنيد من بطون دمر قبلة تلمسان الى قصر سعيد. وكان جبل هوارة موطنا لبني يلوما الذين كان لهم الملك كما قدمنا. ولما اضمحل أمر بني يلوما وذهبت دولتهم، زحف بنو راشد هؤلاء من بطونهم بجبل راشد إلى بسائط مديونة وبني ورنيد، فشنوا عليهم الغارات، وطالت بينهم الحرب إلى أن غلبوهم على مواطنهم وألجئوهم إلى الأوعار، فاستوطن بنو ورنيد الجبل المطل على تلمسان، واستوطن مديونة جبل تاسالت. وملك بنو راشد بسائطهم القبلية. ثم استوطنوا جبلهم المعروف بهم لهذا العهد، وهو بلد بني يفرن الذين كانوا ملوك تلمسان لأول الإسلام، وكان منهم أبو قرة الصفري كما قدمناه.
وكان منهم بعد ذلك يعلى بن محمد الأمير الذي قتله جوهر الصقلي قائد الشيعة كما ذكرناه في أخبارهم. ويعلى هذا هو الذي اختط بهذا الجبل مدينة ايفكان التي هدمها جوهر يوم قتله. فلما ملك بنو راشد هذا الجبل استوطنوه وصار حصنا لهم، ومجالاتهم في ساحة القبلة إلى أن غلبهم العرب عليها لهذا العهد، وألجئوهم إلى الجبل.
وكان غلب بني راشد على هذه الأوطان بين دخول بني عبد الواد إلى المغرب الأوسط، وكانوا شيعة لهم وأحلافا في فتنتهم مع بني توجين وبني مرين، وكانت رياستهم في بيت منهم يعرفون ببني عمران، وكان القائم بها لأول دخولهم إبراهيم بن عمران واستبد عليه أخوه وترمار وقام بأمرهم إلى أن هلك، فولى ابنه مقاتل بن وترمار وقتل عمه إبراهيم وافترقت رياسة بني عمران من يومئذ بين بني إبراهيم وبني وترمار إلا أن رياسة بني إبراهيم أظهر، فولي بعد إبراهيم بن عمران ابنه وترمار وكان معاصرا ليغمراسن بن زيان وطال عمره، ولما هلك لتسعين من المائة السابعة ولي ٧/٢٠٣
أمرهم غانم ابن أخيه محمد بن إبراهيم. ثم كان فيهم من بعده موسى بن يحيى بن وترمار، لا أدري معاقبا لغانم أو توسطهما أحد. ولما زحف بنو مرين إلى تلمسان آخر زحفهم، صار بنو راشد هؤلاء إلى طاعة السلطان أبي الحسن، وشيخهم لذلك العهد أبو يحيى موسى بن عبد الرحمن بن وترمار بن إبراهيم. وانحصر بتلمسان بنو عمه كرجون بن وترمار وانقرض أمر بني عبد الواد وأشياعهم. ونقل بنو مرين رءوس زناتة أجمع إلى المغرب الأقصى، فكان بنو وترمار هؤلاء ممن صار إلى المغرب وأوطنوه إلى أن صار الأمر لبني عبد الواد الكرة الثالثة على يد أبي حمو الأخير موسى بن يوسف. وكان شيخ بني راشد لعهده ابن أبي يحيى بن موسى المذكور أقبل إليهم من المغرب من إيالة بني مرين، فاتهمه أبو حمو بمداخلتهم، فتقبض عليه واعتقله مدة بوهران. وفر من معتقله فلحق بالمغرب وارتحل بين أحيائهم مدة. ثم رجع إلى الطاعة واقتضى العهد من السلطان أبي حمو، وولاه على قومه. ثم تقبض عليه واعتقله إلى أن قتله بمحبسه سنة ثمان وستين وسبعمائة، وانقرض أمر بني وترمار بن إبراهيم، وأما بنو وترمار بن عمران فقام بأمرهم بعد مقاتل بن وترمار أخوه أبو زركن بن وترمار، ثم ابنه يوسف بن أبي زركن، ثم آخرون من بعدهم لم تحضرني أسماؤهم إلى أن غلب عليهم بنو وترمار بن إبراهيم. وقد ذهبت لهذا العهد رياسة أولاد عمران جميعا، وصار بنو راشد هؤلاء خولا للسلطان وجباية، وبقيتهم بجبلهم على الحال التي ذكرناها، والله وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. ٧/٢٠٤
الخبر عن بني توجين من شعوب بني يادين من أهل هذه الطبقة الثالثة من زناتة وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب الأوسط وأولية ذلك ومصايره
كان هذا الحي من أعظم أحياء بني يادين وأوفرهم عددا. وكانت مواطنهم حفافي وادي شلف قبلة جبل وانشريس من أرض السرسو، وهو المسمى لهذا العهد نهر صا وكان بأرض السرسو بجهة الغرب منه بطون من لواتة، وغلبهم عليها بنو وجديجن ٧/٢٠٥
ومطماطة. ثم صارت أرض السرسو لبني توجين هؤلاء واستضافوها الى مواطنهم الأولى وصارت مواطنهم ما بين موطن بني راشد وجبل دراك في جانب القبلة. وكانت لهم رياسة أيام صنهاجة لعطية بن دافلتن، وابن عمه لقمان بن المعتز كما ذكره ابن الرقيق. ولما كانت فتنة حماد بن بلكين مع عمه باديس، ونهض إليه باديس من القيروان حتى احتل بوادي شلف، تحيز إليه بنو توجين هؤلاء، وكان لهم في حروب حماد آثار مذكورة. وكان لقمان بن المعتز أظهر من عطية بن دافلتن، وكان قومهم يومئذ زهاء ثلاثة آلاف. وأوفد لقمان ابنه بدرا على باديس قبل اللقاء طاعة له وانحياشا. فلما انهزم حماد رعى لهم باديس انحياشهم إليه، وسوغ لهم ما غنموه، وعقد للقمان على قومه ومواطنه، وعلى ما يفتحه من البلاد بدعوته. ثم انفرد برياستهم بعد حين بنو دافلتن. ويقال إنه دافلتن بن أبي بكر بن الغلب. وكانت رياستهم لعهد الموحدين لعطية بن مناد بن العباس بن دافلتن، وكان يلقب عطية الحيو.
وكانت بينهم لعهده وبين بني عبد الواد حروب، كان متولي كبرها من بني عبد الواد شيخهم لذلك العهد عدوى بن يكنيجن بن القاسم، فلم تزل تلك الفتنة بينهم إلى أن غلبهم بنو عبد الواد آخرا على مواطنهم كما نذكره.
ولما هلك عطية الحيو قام بأمرهم أبو العباس، وكانت له آثار في الإجلاب على ضواحي المغرب الأوسط. ونقض طاعة الموحدين إلى أن هلك سنة سبع وستمائة، دس عامل تلمسان يومئذ أبو زيد بن لوحان من اغتاله فقتله. وقام بأمرهم من بعده ابنه عبد القوي، فانفرد برياستهم وتوارثها عقبه من بعده كما نذكره. وكان من أشهر بطون بني توجين هؤلاء يومئذ بنو يدللتن وبنو قمري وبنو مادون وبنو زنداك وبنو وسيل وبنو قاضي وبنو مامت، ويجمع هؤلاء الستة بنو مدن. ثم بنو تيغرين وبنو يرناتن وبنو منكوش، ويجمع هؤلاء الثلاثة بنو سرغين ، ونسب بني زنداك دخيل فيهم، وإنما هم من بطون مغراوة. وبنو منكوش هؤلاء منهم عبد القوي بن العباس ابن عطية الحيو، هكذا رأيت نسبه لبعض مؤرخي زناتة المنكوشي. وكانت رياسة بني ٧/٢٠٦
توجين جميعا عند انقراض أمر بني عبد المؤمن لعبد القوي بن العباس بن عطية الحيو، وأحياؤهم جميعا بتلك المجالات القبلية.
فلما وهن أمر بني عبد المؤمن وتغلب مغراوة على بسائط متيجة، ثم على جبل وانشريس، نازعهم عبد القوي هذا وقومه أمر وانشريس، وغالبوهم إلى أن غلبوهم عليه، واستقر في ملكهم وأوطنه بنو تيغرين وبنو منكوش من أحيائهم. ثم تغلبوا على منداس وأوطنها أحياء بني مدن جميعا. وكان الظهور منهم لبني يدللتن، ورياسة بني يدللتن لبني سلامة. وبقي بنو يرناتن من بطونهم بمواطنهم الأولى قبلة وانشريس. وكان من أحلاف بني عطية الحيو بنو تيغرين منهم خاصة، وأولاد عزيز بن يعقوب، ويعرفون جميعا بالوزراء ولما تغلبوا على الأوطان والتلول، وأزاحوا مغراوة عن المدية ووانشريس وتافركينت، واستأثروا بملكها وملك الأوطان عن غربيها مثل:
منداس والجعبات وتاوغزوت، ورئيسهم لذلك العهد عبد القوي بن العباس، والكل لأمره. فصار له ملك بدوي ولم يفارق فيه سكنى الخيام ولا أبعاد النجعة ولا ائتلاف الرحلتين. ينتابون في مشاتيهم إلى مصاب والزاب، وينزلون في المصايف بلادهم هذه من التل ولم يزل هذا شأن عبد القوي وابنه محمدا، إلى أن تنازع بنوه الأمر من بعده، وقتل بعضهم بعضا. وتغلب بنو عبد الواد على عامة أوطانهم وأحيائهم، واستبد عليهم بنو يرناتن وبنو يدللتن فصاروا إلى بني عبد الواد. وبقي أعقابهم بجبل وانشريس إلى أن انقرضوا على ما نذكره بعد.
وكان عبد القوي لما غلب مغراوة على جبل وانشريس، اختط حصن مرات، بعد أن كان منديل المغراوي شرع في اختطاطه، فبنى منه القصبة ولم يكمله، فأكمله محمد بن عبد القوي من بعده. ولما استبد بنو أبي حفص بأمر إفريقية، وصارت لهم خلافة الموحدين نهض الأمير أبو زكريا إلى المغرب الأوسط، ودخلت في طاعته قبائل صنهاجة، وفرت زناتة أمامه. وردد إليهم الغزو فأصاب منهم. وتقبض في بعض غزواته على عبد القوي بن العباس أمير بني توجين فاعتقله بالحضرة. ثم من عليه وأطلقه على أن يستألف له قومه، فصاروا شيعة له ولقومه آخر الدهر. ونهض الأمير أبو زكريا بعدها إلى تلمسان، فكان عبد القوي وقومه في جملته حتى إذا ملك ٧/٢٠٧
تلمسان، ورجع إلى الحضرة عقد لعبد القوي هذا على قومه ووطنه، وأذن له في اتخاذ الآلة، فكانت أول مراسم الملك لبني توجين هؤلاء. وكانت حالهم مع بني عبد الواد تختلف في السلم والحروب. ولما هلك السعيد على يد يغمراسن وقومه كما ذكرناه، استنفر يغمراسن سائر أحياء زناتة لغزو المغرب، ومسابقة بني مرين إليه، فنفر معه عبد القوي في قومه سنة سبع وأربعين وستمائة وانتهوا إلى تازى، واعترضهم أبو يحيى بن عبد الحق أمير بني مرين في قومه، فنكصوا واتبعهم إلى انكاد فكان اللقاء، وانكشفت جموع بني يادين وكانت الهزيمة التي ذكرناها في أخبار بني عبد الواد. وهلك عبد القوي مرجعه منها في سنته بالموضع المعروف باحمون من مواطنهم. وتصدى للقيام بعده بأمرهم ابنه يوسف، فمكث في تلك الإمارة أسبوعا، ثم قتله على جدث أبيه أخوه محمد بن عبد القوي، وولي عهد أبيه سابع مواراته. وفر ابنه صالح بن يوسف إلى بلاد صنهاجة بجبال المدية، فأقام بها هو وبنوه. واستقل محمد برياسة بني توجين، واستغلظ ملكه، وكان الفحل الذي لا يقرع أنفه. ونازعه يغمراسن أمره ونهض إلى حربه سنة تسع وأربعين وستمائة وعمد إلى حصن تافركينت فنازله، وبه يومئذ حافده علي بن زيان بن محمد في عصابة من قومه، فحاصره أياما وامتنعت عليه فارتحل عنها، ثم تواضعوا أوزار الحرب ودعاه يغمراسن إلى مثل ما دعا إليه أباه من غزو بني مرين في بلادهم فأجاب. ونهضوا سنة سبع وخمسين وستمائة ومعهم مغراوة فانتهوا إلى كلدمان ما بين تازى وأرض الريف. ولقيهم يعقوب بن عبد الحق في جموعه فانكشفوا ورجعوا منهزمين إلى بلادهم كما ذكرناه. وكانت بينه وبين يغمراسن بعد ذلك فتن وحروب، فنازله فيها بجبل وانشريس مرات، وجاس خلال وطنه. ولم يقع بعدها بينهما مراجعة لاستبداد يغمراسن بالملك، وسموه إلى التغلب على زناتة أجمع وبلادهم، وكانوا جميعا منحاشين إلى الدولة الحفصية. وكان محمد بن عبد القوي كثير الطاعة للسلطان المستنصر.
(ولما نزل) النصارى الإفرنجة بساحل تونس سنة ثمان وستين وستمائة وطمعوا في ملك الحضرة، بعث المستنصر إلى ملوك زناتة بالصريخ فصرفوا وجوههم إليه، وخف من بينهم محمد بن عبد القوي في قومه ومن احتشد من أهل وطنه، ونزل على السلطان ٧/٢٠٨
بتونس وأبلى في جهاد العدو أحسن البلاء، وكانت له في أيامه معهم مقامات مذكورة، ومواقف مشهورة، وعند الله محتسبة معدودة. ولما ارتحل العدو عن الحضرة وأخذ محمد بن عبد القوي في الانصراف إلى وطنه، أسنى السلطان جائزته، وعم بالإحسان وجوه قومه وعساكره، وأقطعه بلاد مغراوة وأوماش من وطن الزاب، وأحسن منقلبه. ولم يزل بعد ذلك معتقلا بطاعته مستظهرا على عدوه بالانحياش إليه. ولما استغلظ بنو مرين على يغمراسن بعد استيلائهم على أمصار المغرب واستبدادهم بملكه، وصل محمد يده بهم في الاستظهار على يغمراسن، وأوفد ابنه زيان بن محمد عليهم.
ولما نهض يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان سنة سبعين وستمائة وأوقع بيغمراسن في الوقيعة التي هلك فيها ابنه فارس. نهض محمد بن عبد القوي للقائه ومر في طريقه بالبطحاء، وهي يومئذ ثغر لأعمال يغمراسن فهدمها. ولقي يعقوب بن عبد الحق في ساحة تلمسان مباهيا بآلته فأكرم يعقوب وفادته وبر مقدمه. ونازلوها أياما فامتنعت عليهم، وأجمعوا على الإفراج وتأذن لهم يعقوب بن عبد الحق متلوما عليها إلى أن يلحق محمد وقومه ببلادهم، حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ففعل، وملأ حقائبهم باتحافه، وجنب لهم مائة من الجياد العتاق بالمراكب الثقيلة، وأراح عليهم ألف ناقة حلوب، وعمهم بالصلات والخلع الفاخرة، واستكثر لهم من السلاح والفازات والأخبية والحملان وارتحلوا، ولحق محمد بن عبد القوي بمكانه من جبل وانشريس، واتصلت حروبه مع يغمراسن، وكثر اجلابه على وطنه وعيثه في بلاده. وهو مع ذلك مقيم على موالاة يعقوب واتحافه بالعتاق من الخيل والمستجاد من الطرف. حتى أن يعقوب إذا اشترط على يغمراسن في مهادنته جعل سلمهم من سلمه، وحربهم من حربه، وبسببهم كان نهوض يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين وستمائة لما اشترط عليه ذلك، ولج في قبوله، فنهض إليه وأوقع به بخرزوزة. ثم أناخ عليه بتلمسان، ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي فلقيه بالقصاب ، وعاثوا في نواحي تلمسان نهبا وتخريبا. ثم أذن يعقوب لمحمد وقومه في الانطلاق إلى بلادهم، وتلوم هو بمكانه من ضواحي تلمسان مدة منجاتهم إلى مكانهم من وانشريس حذرا عليهم من اعتراض ٧/٢٠٩
يغمراسن. ولم يزل شأنهما ذلك إلى أن هلك يغمراسن بسدلونة من بلاد مغراوة خاتمة إحدى وثمانين وستمائة وفي خلال ذلك استغاظ بنو مرين على بني عبد الواد، واستوسق لمحمد هذا ملكه، فتغلب على أوطان صنهاجة بجبال المدية، وأخرج الثعالبة من جبل تيطري بعد أن غدر بمشيختهم وقتلهم، فانزاحوا عنه إلى بسائط متيجة وأوطنوها. واستولى محمد على حصن المدية وهو المسمى بأهله لمدية (بفتح اللام والميم وكسر الدال وتشديد الياء بعدها وهاء النسب في آخرها) . وهم بطن من بطون صنهاجة وكان المختط لها بلكين بن زيري. ولما استولى محمد عليها وعلى ضواحيها انزل أولاد عزيز بن يعقوب من حشمه بها، وجعلها لهم موطنا وولاية. وفر بنو صالح ابن أخيه يوسف بن عبد القوي من مكانهم بين صنهاجة منذ مقتل أبيه يوسف كما ذكرناه. ولحقوا ببلاد الموحدين بإفريقية، فلقوهم مبرة وتكريما. وأقطعوا لهم بضواحي قسنطينة، وكانوا يقولون عليهم أيام حروبهم وفي مواطن قتالهم.
وكان من أظهرهم عمر بن صالح وابناه صالح ويحيى بن عمر، وحافده يحيى بن صالح بن عمر في آخرين مشاهير.
وأعقابهم لهذا العهد بنواحي قسنطينة وفي إيالة الملوك من آل أبي حفص، يعسكرون معهم في غزواتهم ويبلون في حروبهم، ويقومون بوظائف خدمتهم. وكان الوالي من أولاد عزيز على المدية حسن بن يعقوب، وبنوه من بعده يوسف وعلي، وكانت مواطنهم ما بين المدية وموطنهم الأول ماخنون. وكان بنو يدللتن أيضا من بني توجين قد استولوا على حصن الجعبات وقلعة تاوغزوت. ونزل القلعة كبيرهم سلامة بن علي مقيما على طاعة محمد بن عبد القوي وقومه، فاتصل ملك محمد بن عبد القوي في ضواحي المغرب الأوسط ما بين مواطن بني راشد إلى جبال صنهاجة بنواحي المدية، وما في قبلة ذلك من بلاد السرسو وجباله إلى أرض الزاب. وكان يبعد الرحلة في مشتاه فينزل الروسن ومغرة والمسيلة. ولم يزل دأبه ذلك. ولما هلك يغمراسن سنة إحدى وثمانين وستمائة كما ذكرناه استجدت الفتنة بين عثمان ابنه وبين محمد بن عبد القوى على أثر ذلك سنة أربع وثمانين وستمائة وولي من بعده ابنه سيد الناس، فلم تطل مدة ملكه. وقتله أخوه موسى لسنة أو نحوها من بعده مهلك أبيه. وقام موسى بن ٧/٢١٠
محمد في إمارة بني توجين نحوا من عامين. وكان أهل مرات من أشد أهل وطنه شوكة وأقواهم غائلة، فحدثته نفسه أن يستلحم مشيختهم ويريح نفسه من محاذرتهم، فأجمع لذلك ونزلها، ونذروا بشأنه ورأيه فيهم فاستماتوا جميعا وثاروا به فقاتلهم. ثم انهزم مثخنا بالجراحة وألجئوه إلى مهاوي الحصن فتردى منها وهلك. وولي من بعده عمر ابن أخيه إسماعيل بن محمد مدة أربعة أعوام، ثم غدر به أولاد عمه زيان بن محمد فقتلوه وولوا كبيرهم إبراهيم بن زيان وكان حسن الولاية عليهم، يقال: ما ولي بعد محمد فيهم مثله. وفي خلال هذه الولايات استغلظ عليهم بنو عبد الواد واشتدت وطأة عثمان بن يغمراسن عليهم بعد مهلك أبيهم محمد، فنهض إليهم سنة ست وثمانين وستمائة وحاصرهم بجبل وانشريس وعاث في أوطانهم ونقل زروعها إلى مازونة حين غلب عليها مغراوة. ثم نازل حصن تافركينت وملكها بمداخلة القائد بها غالب الخصي مولى سيد الناس بن محمد، وقفل إلى تلمسان. ثم نهض إلى أولاد سلامة بقلعة تاوغزوت، وامتنعوا عليه مرارا، ثم أعطوه اليد على الطاعة ومفارقة بني محمد بن عبد القوي فنبذوا لهم العهد، وصاروا إلى إيالة عثمان بن يغمراسن. وفرضوا لهم المغارم على بني يدللتن. وسلك عثمان بن يغمراسن مسلك التضريب بين قبائل بني توجين وتحريضهم على إبراهيم بن زيان أميرهم، فعدا عليه زكراز بن أعجمي شيخ بني مادون وقتله بالبطحاء في إحدى غزواته لسبعة أشهر من ملكه. وولي بعده موسى بن زرارة بن محمد بن عبد القوي، بايع له بنو تيغرين واختلف سائر بني توجين فأقام بعض سنة. وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بني توجين شعبا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه. وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحي المدية وهلك في مفره ذلك. ثم نهض عثمان إلى المدية سنة ثمان وثمانين وستمائة بعدها فملكها بمداخلة المدية من قبائل صنهاجة، غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها. ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى إيالة أولاد عزيز، فصالحوا عثمان بن يوسف على الإتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوي وبنيه، فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين. ثم شغل بما دهمه من مطالبة بني مرين أيام يوسف بن يعقوب، فولى على بني توجين من بني محمد بن عبد القوي أبو بكر بن إبراهيم بن محمد مدة ٧/٢١١
عامين، أخاف فيها الناس وأساء السيرة. ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالأصم، وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف ابن زيان بن محمد. وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبني تيغرين عاما أو يزيد. وكان يحيى بن عطية كبير بني تيغرين هو الذي تولى البيعة لعطية الأصم.
فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبي سرحان، ثم أخيه أبي يحيى. وكان نهوض أبي يحيى سنة إحدى وسبعمائة، فتوغل في ناحية الشرق، ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس، فهدم حصونه، وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بني توجين فشردهم عنها، وأطاعه أهل تافركينت، ثم انتهى إلى المدية فافتتحها صلحا، واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب، فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم. ثم راجع بنو عبد القوي بصائرهم في التمسك بالطاعة. ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم، وأقطعهم. وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي، وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته، واستقام ملكه. وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الأصم، واستقام على طاعته وقتا، ثم انتقض بين يدي مهلكه سنة ست وسبعمائة وحمل قومه على الخلاف. ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافى بنو مرين من بعدها لبني يغمراسن عن جميع الأمصار التي تملكوها بالمغرب الأوسط، استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها. ولحق الفل من أولاد عبد القوي ببلاد الموحدين، فحلوا من دولتهم محل الإيثار والتكرمة. وكان للعباس بن محمد بن عبد القوي مع الملوك من آل أبي حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك، وبقي عقبه في جند السلطان. ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بني تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بني يفرن.
فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما، ثم هلك، وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية. ثم هلك وولي من بعده ابنه عمر بن عثمان، واستقل مع قومه بجبل وانشريس، واستقل أولاد عزيز بالمدية ونواحيها ورياستهم ليوسف وعلي ابني حسن ابن يعقوب، والكل في طاعة أبي حمو سلطان بني عبد الواد لما غلبهم على أمرهم، ٧/٢١٢
وانتزع الرئاسة من بني عبد القوي أمرائهم إلى أن خرج على السلطان أبي حمو ابن عمه يوسف بن يغمراسن، ولحق بأولاد عزيز فبايعوه وداخلوا في كشانة عمر بن عثمان كبير بني تيغرين وصاحب جبل وانشريس، فأجابهم وأصفق معهم سائر الأعشار ويكوشة وبنو يرناتن. وزحفوا مع محمد بن يوسف إلى السلطان أبي حمو في عسكره بتهل ففضوه، وكان من شأن فتنته معهم ما ذكرناه في أخبار بني عبد الواد إلى أن هلك السلطان أبو حمو وولي ابنه أبو تاشفين، فنهض إليهم في العساكر، وكان عمر بن عثمان قد لحقته الغيرة من مخالصة محمد بن يوسف لأولاد عزيز دون قومه، فداخل السلطان أبا تاشفين في الانحراف عنه، فلما نزل بالجبل، ولحق محمد بن يوسف بحصن توكال ليمتنع له، نزع عنه عمر بن عثمان ولحق بأبي تاشفين ودله على مكامن الحصن، فدلف إليه أبو تاشفين وأخذ بمخنقه. وافترق عن محمد بن يوسف أولياؤه وأشياعه فتقبض عليه، وقيد أسيرا إلى السلطان أبي تاشفين فقتل بين يديه قعصا بالرماح سنة تسع عشرة وسبعمائة وبعث برأسه إلى تلمسان، وصلب شلوه بالحصن الذي امتنع فيه أيام انتزائه. ورجع أمر وانشريس إلى عمر بن عثمان هذا، وحصلت ولايته لأبي تاشفين إلى أن هلك بتلمسان في بعض أيامهم مع بني مرين، أعوام نازلها السلطان أبو الحسن كما ذكرنا في أخبار الحصار.
ثم لما تغلب بنو مرين على المغرب الأوسط استعمل السلطان أبو الحسن ابنه نصر بن عمر على الجبل، وكان خير وال وفاء بالذمة والطاعة وخلوصا في الولاية، وصدقا في الانحياش، وإحسانا للمملكة، وتوفيرا للجباية. ولما كانت نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان، وتطاول الأعياص من زناتة إلى استرجاع ملكهم، انتزى بضواحي المدية من آل عبد القوي عدي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي، وناغى الخوارج في دعوتهم، واشتمل عليه بنو عزيز هؤلاء وبنو يرناتن جيرانهم، وزحف إلى جبل وانشريس لينال مع الحشم من يلي أمرهم والمداخلين لعدوهم في قطع دابرهم، وكبيرهم يومئذ نصر بن عمر بن عثمان. وبايع نصر المسعود ابن أبي زبد بن خالد بن محمد بن عبد القوي من أعقابهم، ثم خلص إليهم من ٧/٢١٣
جملة عدي بن يوسف حذرا على نفسه من أصحابه. وقاتلهم عدي وقومه فامتنعوا عليه، ودارت بينهم حروب كانت العاقبة فيها والظهور لنصر بن عمر وقومه. ثم دخل عدي في جملة السلطان أبي الحسن لما خلص من تونس إلى الجزائر، وبقي مسعود بينهم وملكه أبو سعيد بن عبد الرحمن لما ملك تلمسان هو وقومه. فلم يزل هنالك الى أن غلبهم السلطان أبو عنان، فسار في جملته بعد أن فر إلى زواوة. واستنزله منها ونقله إلى فاس، وانقضى ملكهم ودولتهم، وانقطع أثر بني محمد بن عبد القوي. وأقام نصر بن عمر في ولاية جبل وانشريس وعقد له السلطان أبو عنان عليه سائر دولته. ولم يزل قائما بدعوة بني مرين من بعده إلى أن غلبهم السلطان أبو حمو الأخير، وهو ابن موسى بن يوسف على الأمر، فأعطاه نصر الطاعة. ثم اضطرمت نار الفتنة بين العرب وبين بني عبد الواد أعوام سبعين وسبعمائة، وقاموا بدعوة أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو، فانحاش نصر بن عمر إليهم، وأخذ بدعوة الأمير أبي زيان حينا. ثم هلك أيام تلك الفتنة وقام بأمرهم من بعده أخوه يوسف بن عمر متقبلا مذاهبه. وهو لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة صاحب جبل وانشريس، وحاله مع أبي حمو مختلف في الطاعة والخلاف، والله مالك الأمور، لا رب غيره ولا معبود سواه ٧/٢١٤
الخبر عن بني سلامة أصحاب قلعة تاوغزوت رؤساء بني يدللتن من بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وأوليتهم ومصايرهم
كان بنو يدللتن هؤلاء من شعوب بني توجين وأشدهم شوكة وأوفرهم عددا، وكان لهم ظهور من بين سائر تلك البطون. وكان بنو عبد القوي ملوك بني توجين يعرفون لهم ذلك، ويوجبون لهم حقه. ولما دخلوا إلى التلول بعد انقراض بني يلومي وبني ومانوا نزل بنو قاضي وبنو مادون بأرض منداس، فأوطنوها. وجاء بنو يدللتن على أثرهم، فأوطنوا الجعبات وتاوغزوت ورياستهم يومئذ لنصر بن سلطان بن عيسى. ثم هلك فقام بأمرهم ابنه مناد بن نصر، ثم أخوه علي بن نصر من بعده ثم ابنه إبراهيم بن علي من بعده. ثم هلك وقام بأمرهم أخوه سلامة بن علي على حين استفحل ملك عبد القوي وبنيه، فاستفحل أمره هو في قومه واختط القلعة بتاوغزوت المنسوبة إليه وإلى بنيه، وكانت من قبل رباطا لبعض المنقطعين من عرب سويد. ويزعم بنو سلامة هؤلاء أنهم دخلاء في نسب توجين، وأنهم من العرب من بني سليم بن منصور. وجاء جدهم عيسى أو سلطان نازعا عن قومه لدم أصابه فيهم، فخلطه شيخ بني يدللتن من بني توجين بنسبه، وكفل بنيه من بعده فكانت له سببا في رياسته على بني يدللتن وبنيه من بعده.
ولما هلك سلامة بن علي قام بأمرهم من بعده ابنه يغمراسن بن سلامة، على حين استغلظ بنو عبد الواد على بني توجين من بعد مهلك محمد بن عبد القوي سلطانهم الأكبر. فكان عثمان بن يغمراسن يتردد إلى بلادهم بالغزو، ويطيل فيها العيث.
ونازل في بعض غزواته قلعتهم هذه، وبها يغمراسن فامتنع عليه. وخالفه يوسف بن يعقوب وبنو مرين إلى تلمسان، فأجفل على القلعة وسابق بني مرين إلى دار ملكه.
واتبعه يغمراسن بن سلامة مغيرا في أعقابه، فكر عليه بالمكان المعروف بتليوان.
ودارت بينهم هناك حروب هلك فيها يغمراسن بن سلامة، وقام بالأمر من بعده أخو محمد بن سلامة، فأذعن لطاعة عثمان بن يغمراسن، وخالف بنو عبد القوي وجعل الإتاوة على قومه ووطنه لملوك بني عبد الواد، فلم تزل عليهم لملوك تلمسان. ولحق ٧/٢١٦
اخوه سعد بالمغرب، وجاء في جملة السلطان يوسف بن يعقوب في غزوته التي حاصر فيها تلمسان حصاره الطويل، فرعى لسعد بن سلامة هجرته إليه وولاه على بني يدللتن والقلعة. وفر أخوه محمد بن سلامة فلحق بجبل راشد وأقام هنالك الى أن هلك يوسف بن يعقوب ورجع أمر المغرب الأوسط لبني عبد الواد فوضعوا الإتاوة على بني توجين وأصاروهم الى الجباية. ولم يزل سعد على ولايته إلى أن هلك أبو حمو وولي تاشفين، فسخط سعدا وبعث عن أخيه محمد من جبل راشد، فولاه مكانه.
ولحق سعد بالمغرب، وجاء في جملة السلطان أبي الحسن، ودخل أخوه محمد مع أبي تاشفين فانحصر بتلمسان، وولي سعد بن سلامة مكانه. ثم هلك محمد في بعض أيام الحصار وحروبه. ولما انقرض أمر بني عبد الواد رغب سعد من السلطان تخلية سبيله لقضاء فرضه، فحج وهلك مرجعه من الحج في طريقه. وعهد إلى السلطان أبي الحسن واستوصاه ببنيه على لسان وليه عريف بن يحيى كبير بني سويد. فولى السلطان أبو الحسن ابنه سليمان بن سعد على بني يدللتن والقلعة، وانتقض أمر السلطان أبي الحسن وعاد الأمر إلى أبي سعيد وأبي ثابت ابني عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، فكانت بينه وبينهم ولاية انحراف. وكان أولياؤهم من العرب بني سويد من زغبة لما كانوا جيرانهم في مواطنهم من ناحية القبلة، فطمع وترمار بن عريف شيخهم في التغلب على وطن بني يدللتن، ومانعه دونه سليمان هذا، وبالغ في دفاعه إلى أن ملك السلطان أبو عنان بلاد المغرب الأوسط، ورعى لوترمار وابنه عريف حق انحياشهم إليه وهجرتهم إلى قومه، فأقطع وترمار بن عريف القلعة وما إليها وجباية بني يدللتن أجمع. وألحق سليمان بن سعد بن سلامة في جنده ووجوه عسكره إلى أن هلك السلطان، وعاد الأمر لبني عبد الواد على يد أبي حمو الأخير، فولي سليمان على القلعة وعلى قومه. واستغلظ أمر العرب عليه فاستراب سليمان هذا ونذر بالشر منه، فلحق بأولاد عريف، ثم راجع الطاعة فتقبض عليه واغتاله، وذهب دمه هدرا. ثم غلبه العرب على عامة المغرب الأوسط، وأقطع القلعة وبني يدللتن لأولاد عريف استئلافا لهم. ثم أقطعهم بني مادون ثم منداس، فأصبحت بطون بني توجين كلها خولا لسويد وعبدا لجبايتهم إلا جبل وانشريس فإنه لم يزل لبني تيغرين والوالي عليهم يوسف بن عمر منهم كما قلناه. ونظم أبو حمو أولاد سلامة في جنده وأثبتهم في ديوانه وأقطعهم القصبات من نواحي تلمسان في عطائهم. ٧/٢١٧
وهم على ذلك لهذا العهد. ولله الخلق والأمر، لا رب سواه ولا معبود إلا إياه، له الحكم وإليه ترجعون، وهو نعم المولى ونعم النصير، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الخبر عن بني يرناتن إحدى بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وما كان لهم من التقلب والامارة وذكر أوليتهم ومصايره
كان بنو يرناتن هؤلاء من أوفر قبائل بني توجين وأعزهم جانبا وأكبرهم صيتا. ولما دخل بنو توجين إلى تلول المغرب الأوسط، أقاموا بمواطنهم الأولى ما بين واضون وزمتة . ثم يعودون من القبلة يجولون جانبي نهر واصل من أعلى وادي شلف. ٧/٢١٨
وكانت رياستهم في نصر بن علي بن تميم بن يوسف بن بونوال، وكان شيخهم مهيب ابن نصر منهم، وكان عبد القوي بن العباس وابنه محمد أمراء بني توجين يختصونهم بالإثرة والتجلة لمكانهم من قومهم، وما يؤنسون من عظيم عنائهم. وكان محمد بن عبد القوي في سلطانه يؤثر عليهم من الحشم أولاد عزيز، وكان واليهم لعهده وعهد بنيه عبو بن حسن بن عزيز. وقد كان أصهر مهيب بن نصر إلى عبد القوي في ابنته، فأنكحه إياها وولدت له نصر بن مهيب، فشرفت خؤولته لمحمد بن عبد القوي وعلا كعبه في إمارته. ثم ولي بعده ابنه علي بن نصر، وكان له من الولد نصر وعنتر وآخرون يعرفون بأمهم، واسمها تاسرغينت. وولي بعده ابنه نصر بن علي فطال أمد إمارته في قومه. واختلف بنو عبد القوي وغلبهم بنو عبد الواد على ما بأيديهم، فصرفت ملوك زناتة وجه العناية إليه، فبعد صيته وعرف بنوه من بعده بشهرته، وكان ولودا فيقال: إنه خلف ثلاثة عشر من البنين، ما منهم إلا صاحب حرب أو مقنب. ومن مشاهيرهم عمر الذي قتله السلطان أبو الحسن بمرات حين سعى به أنه داخل في اغتياله، ففر وأدرك فقتل بمرات. ومنهم منديل الذي قتله بنو تيغرين أيام ولوا علي ابن الناصر وقتلوا معه عبو بن حسن بن عزيز، ومنهم عنان ومات قتيلا في حصار تلمسان أيام أبي تاشفين، ومنهم مسعود ومهيب وسعدو وداود وموسى ويعقوب والعباس ويوسف في آخرين معروفين عندهم. هذا شأن أولاد نصر بن علي بن نصر ابن مهيب.
وأما ولد عنتر أخيه فكان منهم أبو الفتوح بن عنتر. ثم من ولده عيسى بن أبي الفتوح، فكان رئيسا على بني أبيه، وكانت إحدى وصائفهم سقطت بدار عثمان بن يغمراسن، وادعت الحمل من سيدها أبي الفتوح، وجاءت بأخ لعيسى يسمى معروفا، ربي بدارهم. واستوزره أبو حمو وابنه من بعده، وبلغ المبالغ في دولتهم وكان يدعى معروفا الكبير. ولحق به أيام رياسته في دولة أبي حمو الأول أخوه عيسى ابن أبي الفتوح مغاضبا لقومه، فسعى له في الولاية على بني راشد وجباية أوطانهم، وأنزله بلد سعيدة، فكانت له بها إمارة، وكان له من الولد أبو بكر وعبو وطاهر ووترمار، وعند ما غلب بنو مرين على بني عبد الواد ولاهم السلطان أبو الحسن على بني يرناتن متداولين وأما ولد تاسرغينت من بني علي بن نصر بن مهيب، فلم يكن لهم ذكر في رياسة قومهم، إلا أن بعض وصائفهم سقطت أيضا إلى دار أبي تاشفين ٧/٢١٩
فولدت غلاما يعرف بعطية بن موسى نشأ في دارهم ينسب إلى بني تاسرغينت هؤلاء.
وتناولته النجابة في خدمتهم، فولوه الأعمال النبيهة، وهو لهذا العهد عامل أبي حمو الأخير على شلف وما إليها. وقد غلب العرب لهذا العهد على وطن بني يرناتن، وملكوا عليهم يعود ماحنون. وبقيت صبابتهم بجبل ورنيد . وعليهم لهذا العهد سعيد بن عمر من ولد نصر بن علي بن نصر بن مهيب، يعطون المغرم للسلطان ويصانعون العرب بالإتاوة. وبيد الله تصاريف الأمور سبحانه لا رب غيره. ٧/٢٢٠
الخبر عن بني مرين وأنسابهم وشعوبهم وما تأثلوا بالمغرب من السلطان والدولة التي استعملت سائر زناتة وانتظمت كراسي الملك بالعدوتين وأولية ذلك ومصايره
قد ذكرنا أن بني مرين هؤلاء من شعوب بني واسين، وذكرنا نسب واسين في زناتة، وذكرنا أنهم بنو مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت ابن عبد الله بن ورتنيص بن المعز بن إبراهيم بن سجيك بن واسين، وأنهم إخوة بني يلومي ومديونة. وربما يشهد بذلك جوار مواطنهم قبل الملك ما بين صا وملوية.
وذكرنا كيف اقتسموا الضاحية والقفر مع إخوانهم بني بادين بن محمد، وكيف اتصلت فتنتهم معهم سائر أيامهم. وكان الغلب أولا لبني بادين بن محمد لكثرة عددهم، فإنهم كما ذكرنا خمسة بطون: بنو عبد الواد وتوجين ومصاب، وبنو زردال وإخوانهم بنو راشد بن محمد. وكانوا أهل تلول المغرب الأوسط دونهم. وبقي هذا الحي من بني مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية. وربما يتخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب. ويذكر نسابتهم أن الرئاسة فيهم قبل تلك العصور كانت لمحمد بن ورزين بن فكوس بن كوماط بن مرين، وأنه كان لمحمد إخوة آخرون يعرفون بأمهم تنالفت. وكان بنو عمه ونكاسن بن فكوس. وكان لمحمد من الولد سبعة: شقيقان وهما حمامة وعسكر. وأبناء علات أمهات أولاد، وهم سنكمان وسكميان وسكم ووراغ وقزونت وتسمى هذه الخمسة في لسانهم تيريغين، ومعناه عندهم الجماعة.
يزعمون أن محمدا لما هلك قام بأمره في قومه ابنه حمامة، وكان الأكبر. ثم من بعده أخوه عسكر، وكان له من الولد ثلاثة: نكوم وأبو يكنى، ويلقب المخضب، وعلي ويلقب لاعدر. ولما هلك قام برياسته فيهم ابنه المخضب، فلم يزل أميرا عليهم إلى أن كان أمر الموحدين. وزحف عبد المؤمن إلى تاشفين بن علي بن يوسف، فحاصره ٧/٢٢١
بتلمسان. وسرح الشيخ أبا حفص في العساكر لحرب زناتة بالمغرب الأوسط، وجمع له بنو بادين كلهم وبنو يلومي وبنو مرين ومغراوة، ففض الموحدون جموعهم واستلحموا أكثرهم. ثم راجع بنو يلومي وبنو بادين طاعتهم، وأخلص بنو عبد الواد في خدمتهم ونصيحتهم. ولحق بنو مرين بالقفر، فلما غلب عبد المؤمن على وهران واستولى على أموال لمتونة وبعث ذخيرتهم بتلك الغنائم إلى جبل تين ملل حيث داره، ومن أين كان منبعث الدعوة. وبلغ الخبر إلى بني مرين بمكانهم من الزاب، وشيخهم يومئذ المخضب بن عسكر، فأجمع اعتراضهما بقومه. ولحق العير بوادي تلاغ، فاحتازها من أيدي الموحدين. واستنفر عبد المؤمن لاستنقاذها أولياءه من زناتة، وسرحهم مع الموحدين لذلك، فأبلى بنو عبد الواد فيها بلاء حسنا. وكان اللقاء في فحص مسون، وانكشف بنو مرين، وقتل المخضب بن عسكر، واكتسح بنو عبد الواد حللهم، وذلك سنة أربعين وخمسمائة. فلحق بنو مرين بعدها بصحرائهم ومجالات قفرهم، وقام بأمرهم من بعد المخضب أبو بكر ابن عمه حمامة ابن محمد إلى أن هلك، فقام بأمره ابنه محيو، ولم يزل مطاعا فيهم إلى أن استنفرهم المنصور لغزاة الأركة، فشهدوها وأبلوا البلاء الحسن. وأصابت محيو يومئذ جراحة انتقضت عليه مرجعه منها، فهلك بصحراء الزاب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وكان من رياسة عبد الحق ابنه من بعده، وبقائها في عقبه ما نذكره إن شاء الله تعالى ٧/٢٢٢
الخبر عن إمارة عبد الحق بن محيو المستقرة في بنيه وإمارة ابنه عثمان من بعده ثم أخيه محمد بن عبد الحق بعدهما وما كان فيها من الأحداث
لما هلك محيو بن أبي بكر بن حمامة من جراحته كما قلناه، وكان له من الولد عبد الحق ووسناف ويحياتن. وكان عبد الحق أكبرهم، فقام بأمر بني مرين، وكان خير أمير عليهم قياما بمصالحهم وتعففا عما في أيديهم، وتقويما لهم على الجادة ونظرا في العواقب، واستمرت أيامهم. ولما هلك الناصر رابع خلفاء الموحدين بالمغرب سنة عشر وستمائة مرجعه من غزاة العقاب، وقام بأمر الموحدين من بعده ابنه يوسف المستنصر، نصبه الموحدون للأمر غلاما لم يبلغ الحلم. وشغلته أحوال الصبا وجنونه عن القيام بالسياسة وتدبير الملك، فأضاع الحزم وأغفل الأمور. وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه. ونفس عن مخنقهم من قبضة الاستبداد والقهر، فضاعت الثغور وضعفت الحامية. وتهاونوا بأمرهم، وفشلت ريحهم. وكان هذا الحي لذلك العهد بمجالات القفار، من فيكيك الى صا وملوية كما قدمناه من شأنهم. وكانوا يطرقون في صعودهم إلى التلول والأرياف منذ أول دولة الموحدين وما قبلها جهات كرسيف إلى وطاط، ويأنسون بمن هنالك من بقايا زناتة الأولى: مثل مكناسة بجبال تازى، وبني يرنيان من مغراوة الموطنين قصور وطاط من أعالي ملوية. فيتقلبون بتلك الجهات عام المربع والمصيف، وينحدرون إلى مشاتيهم بما امتاروه من الحبوب لأقواتهم. فلما رأوا من اختلال بلاد المغرب ما رأوا انتهزوا فيها الفرصة، وتخطوا إليها القفر، ودخلوا ثناياه، وتفرقوا في جهاته.
وأرجفوا بخيلهم وركابهم على ساكنه، واكتسحوا بالغارة والنهب عامة بسائطهم. ولجأت الرعايا إلى معتصماتهم ومعاقلهم، وكثر شاكيهم. وأظلم الجو بينهم وبين السلطان والدولة، فآذنوهم بالحرب وأجمعوا لغزوهم وقطع دابرهم. وأغرى الخليفة المستنصر عظيم الموحدين أبا علي بن وانودين بجميع العساكر والحشود من مراكش، وسرحه إلى السيد أبي إبراهيم ابن أمير الموحدين يوسف بن عبد المؤمن بمكانه من إمارة فاس. وأوعز إليه أن يخرج لغزو بني مرين، وأمره أن يثخن ولا ٧/٢٢٤
يستبقي. واتصل الخبر ببني مرين وهم في جهات الريف وبلاد بطوية، فتركوا أثقالهم بحصن تازوطا، وصمدوا إليهم. والتقى الجمعان بوادي نكور، فكان الظهور لبني مرين والدبرة على الموحدين. وامتلأت الأيدي من أسلابهم وأمتعتهم، ورجعوا إلى تازى وفاس عراة يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف عند أهل المغرب بالمشغلة. يوارون به سوءاتهم لكثرة الخصب عامئذ، واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلاء. حتى لقد سميت الواقعة يومئذ بعام المشغلة.
وصمد بنو مرين بعدها إلى تازى، ففلوا حاميتها أخرى. ثم اختلفت بنو محمد رؤساؤهم وانتبذ عنهم من عشائرهم بنو عسكر بن محمد، لمنافسة وجدوها في أنفسهم من استقلال بني عمهم حمامة بن محمد بالرياسة دونهم، بعد أن كان أومض عندهم منها في عسكر، وابنه المخضب إيماض من أخلف بارقه. فحالفوا عبد الحق أميرهم وقومه إلى مظاهرة أولياء الموحدين، وحامية المغرب من قبائل رياح الموطنين بالهبط وأزغار لحديث عهدهم بالتوحش والعز منذ إنزال المنصور إياهم بذلك القطر من إفريقية، فتحيزوا إليهم وكاثروهم على قومهم.
وصمدوا جميعا للقاء بني مرين سنة أربع عشرة وستمائة، ودارت بينهم حرب تولى الصبر مقامها. وهلك فيها أميرهم عبد الحق وكبير بنيه إدريس. وتذامر لمهلكها بنو مرين. وجلى في تلك الحومة حمامة بن يصليتن من بني عسكر، والأمير ابن محيو السكمي. فانكشفت رياح آخرا، وقتل منهم أبطال. وولى بنو مرين عليهم بعد مهلك عبد الحق ابنه عثمان تلو إدريس، وشهرته بينهم أدرغال، ومعناه برطانتهم الأعور. وكان لعبد الحق من الولد عشرة، تسعة ذكور وأختهم ورتطليم: فإدريس وعبد الله ورحو لامرأة من بني علي اسمها سوط النساء، وعثمان ومحمد لامرأة من بني ونكاسن اسمها النوار بنت تصاليت، وأبو بكر لامرأة من بني تنالفت وهي تاغزونت بنت أبي بكر بن حفص، وزيان لامرأة من بني ورتاجن، وأبو عياد لامرأة من بني وللوى إحدى بطون عبد الواد واسمها أم الفرج، ويعقوب لأم اليمن بنت محلى من بطوية. وكان أكبرهم إدريس الهالك مع أبيه عبد الحق، فقام بأمر بني مرين من بعد عبد الحق ابنه عثمان، بايعه لوقته حمامة بن يصليتن ولمير بن محيو ومن إليهما من مشيخة قومهما. واتبعوا منهزمة رياح وأثخنوا فيهم. وثار عثمان بأبيه وأخيه حتى شفا نفسه منهم ولاذوا بالسلم، فسالمهم على أتاوة يؤدونها إليه وإلى قومه كل سنة. ثم ٧/٢٢٥
استشرى من بعد ذلك داء بني مرين وأعضل خطبهم، وكثر الثوار بالمغرب، وامتنع عامة الرعايا عن المغرم، وفسدت السابلة. واعتصم الأمراء والعمال من السلطان فمن دونه بالأمصار والمدن، وغلبوا أولئك على الضاحية. وتقلص ظل الحكام عن البدو جملة. وافتقد بنو مرين الحامية دون الوطن والدفاع، فمدوا إلى البلاد يدا. وسار بهم أميرهم أبو سعيد عثمان بن عبد الحق في نواحي المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه، ويضع المغارم على أهله حتى دخل أكثرهم في أمره، فبايعه من الظواعن الشاوية والقبائل الآهلة: هوارة وزكارة، ثم تسول ومكناسة، ثم بطوية وقشتالة، ثم سدراتة وبهلولة ومديونة. ففرض عليهم الخراج وألزمهم المغارم، وفرق فيهم العمال. ثم فرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازى ومكناسة وقصر كتامة ضريبة معلومة يؤدونها إليه على رأس كل حول، على أن يكف الغارة عنهم ويصلح سابلتهم. ثم غزا ظواعن زناتة سنة عشرين وستمائة، وأثخن فيهم حتى أذعنوا، وقبض أيديهم عما امتدت إليه من الفساد والنهب. وعطف بعدها على رياح أهل أزغار والهبط وأثأر به بأبيه، فأثخن فيهم وأبادهم. ولم يزل دأبه ذلك إلى أن هلك باغتيال علجة سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وقام بأمر بني مرين من بعده أخوه محمد بن عبد الحق، فتقبل سنن أخيه في تدويخ بلاد المغرب وأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم والوضائع من ظواعنه وبدوه وسائر رعاياه. وبعث الرشيد أبا محمد بن وانودين لحربهم. وعقد له على مكناسة، فدخلها وأجحف بأهلها في المغارم. ثم نزل بنو مرين بمتيجة وغيرها من ضواحيها، فنادى في عساكره وخرج إليهم، فدارت بينهم حرب شديدة هلك فيها خلق من الجانبين. وبارز محمد بن إدريس بن عبد الحق قائدا من الروم، واختلفا ضربتين هلك العلج بإحداهما، وانجرح محمد في وجهه بالأخرى. واندمل جرحه، فصار أثر في وجهه لقب من أجله أبا ضربة. ثم شد بنو مرين على الموحدين، فانكشفوا ورجع ابن وانودين إلى مكناسة مفلولا. وبقي بنو عبد المؤمن أثناء ذلك في مرض من الأيام، وتثاقل عن الحماية. ثم أومضت دولتهم آخرا إيماض الخمود. وذلك أنه لما هلك الرشيد بن المأمون سنة أربعين وستمائة، وولي أخوه علي وتلقب بالسعيد، وبايعه أهل المغرب، انصرفت عزائمه إلى غزو بني مرين، وقطع أطماعهم عما سمت إليه من تملك الوطن، فأغزى عسكر الموحدين لقتالهم، ومعهم قبائل العرب والمصامدة ٧/٢٢٦
وجموع الروم. فنهضوا سنة اثنتين وأربعين وستمائة في جيش كثيف يناهز عشرين ألفا فيما زعموا. وزحف إليهم بنو مرين بوادي ياباش، وصبر الفريقان، وهلك الأمير محمد بن عبد الحق في الجولة بيد زعيم من زعماء الروم. وانكشفت بنو مرين واتبعهم الموحدون، ودخلوا تحت الليل، فلحقوا بجبال غياثة من نواحي تازى واعتصموا بها أياما. ثم خرجوا إلى بلاد الصحراء، وولوا عليهم أبا يحيى بن عبد الحق، فقام بأمرهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن دولة الأمير أبي يحيى بن عبد الحق مديل الأمر لقومه بني مرين وفاتح الأمصار ومقيم الرسوم الملوكية من الآلة وغيرها لمن بعده من امرائهم
لما ولي أبو يحيى بن عبد الحق أمر بني مرين سنة اثنتين وأربعين وستمائة، كان من أول ما ذهب إليه ورآه من النظر لقومه، أن قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين عشائر بني مرين. وأنزل كلا منهم في ناحية تسوغها سائر الأيام طعمة. فاستركبوا الرجل أتباعهم، واستلحقوا من غاشيتهم، وتوفرت عساكرهم. ثم نبضت نار المنافسة بين أحيائهم، وخالف بنو عسكر جماعتهم، وصاروا إلى الموحدين، فحرضوهم على أبي يحيى بن عبد الحق وبني حمامة وأغروهم بهم. وبعثوا الصريخ إلى يغمراسن بن زيان، فوصل في قومه إلى فاس. واجتمعوا جميعا إلى قائد الموحدين. وأعطوا الرهن على صدق البلاء في الأمير أبي يحيى وأتباعه. وصمدوا إليه حتى انتهوا إلى ورغة، ثم إلى كرت . وأعجزهم فانكفوا راجعين إلى فاس. ونذر يغمراسن بغدر الموحدين، فخرج في قومه مع أوليائه بني عسكر. وعارضهم الأمير أبو يحيى بوادي سبو، فلم يطق حربهم. ورجع عنهم عسكر الموحدين بما صرخ في معسكرهم من موت الخليفة السعيد. ثم بعثوا إليهم لملاطفتهم في الفيئة إلى الطاعة ومذاهب الخدمة، القائد عنبر الخصي مولى الخليفة في حصة من الروم والناشبة، فتقبض عليهم بنو عسكر وتمسكوا بهم في رهنهم. وقتلوا كافة النصارى، فأطلق أبناءهم ولحق ٧/٢٢٧
يغمراسن وقومه بتلمسان. ثم رجع بنو عسكر إلى ولاية أميرهم أبي يحيى. واجتمع بنو مرين لشأنهم وتملكوا الأعمال. ثم مدوا عينهم إلى تملك الأمصار، فنزل أبو يحيى بجملته جبل زرهون. ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الأمير أبي زكريا بن أبي حفص صاحب إفريقية، لما كان يومئذ على دعوته وفي ولايته، فحاصرها وضيق عليها بقطع المرافق وترديد الغارات ومعاودة الحرب، إلى أن أذعنوا لطاعته، فافتتحها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبي الحسن بن أبي العافية.
وبعثوا بيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكانت من إنشاء أبي المطرف بن عميرة، كان قاضيا فيهم يومئذ، فأقطع السلطان ليعقوب ثلث جبايتها، ثم أحس الأمير أبو يحيى بن عبد الحق من نفسه الاستبداد، ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة. وبلغ الخبر إلى السعيد بتغلبه على مكناسة وصرفها إلى دعوة ابن أبي حفص، فوجم لها وفاوض الملأ من أهل دولته في أمره، وأراهم كيف اقتطع الأمر عنهم شيئا فشيئا:
فابن أبي حفص اقتطع إفريقية. ثم يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد اقتطعوا تلمسان والمغرب الأوسط، وأقاموا فيها دعوة ابن أبي حفص، وأطمعوه في الحركة إلى مراكش بمظاهرتهم. وابن هود اقتطع عدوة الأندلس، وأقام فيها دعوة بني العباس، وابن الأحمر في الجانب الآخر مقيم لدعوة ابن أبي حفص. وهؤلاء بنو مرين تغلبوا على ضواحي المغرب، ثم سموا إلى تملك الأمصار. ثم افتتح أميرهم أبو يحيى مكناسة وأظهر فيها دعوة ابن أبي حفص، وجاهر بالاستبداد. ويوشك إن رضينا هذه الدنية، وأغضينا عن هذه الواقعات، أن يختل الأمر أو تنقرض الدعوة. فتذامروا وامتعضوا وتداعوا للصمود إليهم، فجهز السعيد عساكره.
واحتشد عرب المغرب وقبائله، واستنفر الموحدين والمصامدة، ونهض من مراكش سنة خمس وأربعين وستمائة يريد مكناسة: وبني مرين أولا، ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا، ثم إفريقية وابن أبي حفص آخرا. واعترض العساكر والحشود بوادي بهت.
ووصل الأمير أبو يحيى إلى معسكره متواريا عنهم عينا لقومه، حتى صدقهم كنه الخبر. وعلم أن لا طاقة له بهم، فأفرج عن البلاد. وتناذر بنو مرين بذلك من أماكنهم، فتلاحقوا به واجتمعوا إليه بتازوطا من بلاد الريف. ونزل سعيد مكناسة، ولاذ أهلها بالطاعة، وسألوا العفو عن الجريرة. واستشفعوا بالمصاحف، برز بها الأولاد على رءوسهم، وانتظموا مع النساء في صعيد حاسرات منكسرات الطرف من ٧/٢٢٨
الخشوع ووجوم الذنب والتوسل. فعفا عنهم وتقبل فيئهم، وارتحل إلى تازى في اتباع بني مرين. وأجمع بنو أوطاس الفتك بأبي يحيى بن عبد الحق غيرة ومناسفة، ودس إليه بذلك مهيب من مشيختهم، فترحل عنهم إلى بلاد بني يزناسن، ونزل بعين الصفا.
ثم راجع نظره في مسالمة الموحدين والفيئة إلى أمرهم ومظاهرتهم على عدوهم يغمراسن وقومه من بني عبد الواد، ليكون فيها شفاء نفسه منهم، فأوفد مشيخة قومه عليه بتازى، فأدوا طاعته وفيئته، فتقبلها وصفح لهم عن الجرائر التي أتوها.
وسألوه أن يستكفي بالأمير أبي يحيى في أمر تلمسان ويغمراسن، على أن يمده بالعساكر رامحة وناشبة، فاتهمهم الموحدون وحذروا منهم غائلة العصبية، فأمرهم السعيد بالعسكرة معه، فأمده الأمير أبو يحيى بخمسمائة من قبائل بني مرين. وعقد عليهم لابن عمه أبي عياد بن يحيى بن أبي بكر بن حمامة، وخرجوا تحت رايات السلطان. ونهض من تازى يريد تلمسان وما وراءها، وكان من خبر مهلكه على جبل تامززدكت بيد بني عبد الواد ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما هلك وانفضت عساكره متسابقين إلى مراكش، وجمهورهم مجتمعون إلى عبد الله ابن الخليفة السعيد ولي عهده، وتحت رايات أبيه. وطار الخبر بذلك إلى الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، وهو بجهات بني يزناسن. وقد خلص إليه هنالك ابن عمه أبو عياد. وبعث بني مرين من تيار تلك الصدمة، فانتهز الفرصة وأرصد لعسكر الموحدين وفلهم بكرسيف، فأوقع بهم وامتلأت أيدي بني مرين من أسلابهم، وانتزعوا الآلة من أيديهم. وأصار إليه كتيبة الروم والناشبة من الغزو، واتخذ الموكب الملوكي. وهلك الأمير عبد الله بن السعيد في جوانب تلك الملحمة، ويئسوا للموحدين بعدها من الكرة. ونهض الأمير أبو يحيى وقومه إلى بلاد المغرب مسابقين إليه يغمراسن بن زيان بما كان ملوك الموحدين، أوجدوهم السبيل إلى ذلك باستجاشة على بني مرين أيام فتنتهم معهم، فكانوا يبيحونه حرم المغرب ويوطئونه عساكر قومه ما بين تازى إلى فاس، إلى القصر مع عساكر الموحدين، فكان ليغمراسن وقومه بذلك طمع فيها لولا ما كبحهم فأس بني مرين وجدع من أنوفهم.
وكان أول ما بدأ به أبو يحيى بن عبد الحق أعمال وطاط، فافتتح حصونهم بملوية ٧/٢٢٩
ودوخ جبلهم. ثم رحل إلى فاس، وقد أجمع أمره على انتزاعها من ملكة بني عبد المؤمن، وإقامة الدعوة لابن أبي حفص بها وبسائر نواحيها. والعامل بها يومئذ السيد أبو العباس، فأناخ عليها بركابه. وتلطف في مداخلة أهلها، وضمن لهم جميل النظر وحميد السياسة. وكف الأيدي عنهم، والحماية لهم بحسن المغبة، وصالح العائدة، فأجابوه ووثقوا بعهده وعنائه. وآووا إلى ظله وركنوا إلى طاعته، وانتحال الدعوة الحفصية بأمره. ونبذوا طاعة بني عبد المؤمن يأسا من صريخهم وكثرتهم. وحضر أبو محمد القشتالي، وأشهده الله على الوفاء بما اشترط على نفسه من النظر لهم والذب عنهم، وحسن الملكة والكفالة. وتقبل مذاهب العدل فيهم، فكان حضوره ملاك تلك العقدة والبركة التي يعرف أثرها خلفهم في تلك البيعة. وكانت البيعة بالرابطة خارج باب الفتوح. ودخل إلى قصبة فاس لشهرين اثنين من مهلك السعيد، فاتح ست وأربعين وستمائة. وأخرج السيد أبا العباس من القصبة، وبعث معه خمسين فارسا أجازوه أم ربيع ورجعوا. ثم نهض إلى منازلة تازى، وبها السيد أبو علي، فنازلها أربعة أشهر. ثم نزلوا على حكمه، فقتلهم ومن على آخرين منهم. وسد ثغرها، وثقف أطرافها، وأقطع رباط تازى وحصون ملوية لأخيه يعقوب بن عبد الحق. ورجع إلى فاس، فوفد عليه بها مشيخة أهل مكناسة، وجددوا بيعتهم وعاودوا طاعتهم. ولحق بهم على أثرهم أهل سلا ورباط الفتح، فتملك الأمير أبو يحيى هذه البلاد الأربعة أمهات أمصار المغرب. واستولى على نواحيها إلى وادي أم ربيع، فأقام فيها دعوة ابن أبي حفص، وبعث بها إليه. واستبد بنو مرين بملك المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد بملك المغرب الأوسط، وبنو أبي حفص بإفريقية. وخمد ذبال آل عبد المؤمن، وركدت ريحهم، وآذنت بالانقراض دولتهم، وأشرف على الفناء أمرهم. وإلى الله عاقبة الأمور.
الخبر عن انتقاض أهل فاس على أبي يحيى بن عبد الحق وظفره بهم بعد إيقاعه بيغمراسن وقومه بايسلى
لما ملك الأمر أبو يحيى بن عبد الحق بمدينة فاس سنة ست وأربعين وستمائة، استولى على بلاد المغرب بعد مهلك السعيد. وقام بأمر الموحدين بمراكش أبو حفص عمر ٧/٢٣٠
المرتضى ابن السيد أبي إبراهيم إسحاق الذي كان قائد عسكر الموحدين في حربهم مع بني مرين عام المشغلة، ابن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. كان السعيد تركه واليا بقصبة رباط الفتح من سلا، فاستدعاه الموحدون وبايعوه بيعة الخلافة. وقام بأمرهم، فلما تغلب الأمير أبو يحيى على بلاد المغرب وملك مدينة فاس كما ذكرناه، خرج إلى بلاد فازاز والمعدن لفتح بلاد زناتة وتدويخ نواحيها.
واستعمل على فاس مولاه السعود بن خرباش، من جماعة الحشم أخلاف بني مرين وصنائعهم. وكان الأمير أبي يحيى استبقى بها من كان فيها من عسكر الموحدين من غير عيصهم في السبيل التي كانوا عليها من الخدمة. وكان فيهم طائفة من الروم، استخدمهم إلى نظر قائدهم شأنه، وكانوا من حصة السعود هنالك. ووقعت بينهم وبين شيع الموحدين من أهل البلد مداخلة، وفكوا بالسعود عاملهم وقلبوا الدعوة للمرتضى الخليفة بمراكش سكيت الحلبة ومخلف المضمار. وكان المتولي لكبر تلك الثورة ابن حشار المشرف وأخوه وابن أبي طاهر وابنه، اجتمعوا إلى القاضي أبي عبد الرحمن المغيلي، زعيم فئة الشورى بينهم يومئذ وتوامروا فيها. وأغروا قائد الروم بقتل السعود، وعدوا عليه بمقعد حكمه من القصبة، وهاجوه ببعض المحاورات فغضب. ووثب عليه الرومي، فقتله وطاف برأسه الهاتف بسكك المدينة في شوال سنة سبع وأربعين وستمائة. وانتهبت داره، واستبيحت حرمه. ونصبوا قائد الروم لضبط البلد، وبعثوا بيعتهم إلى المرتضى. واتصل الخبر بالأمير أبي يحيى، وهو منازل بلد فازاز، فأفرج عنها. وأغذ السير إلى فاس، فأناخ بعساكره عليها. وشمر لحصارها، وقطع السابلة عنها. وبعثوا إلى المرتضى بالصريخ، فلم يرجع إليهم قولا، ولا ملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا وجه لما نزل بهم وجها. حاشا إنه استجاش بالأمير أبي يحيى يغمراسن بن زيان على أمره، وأغراه بعدوه، وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته.
وتعلقت أطماع يغمراسن بطروق بلاد المغرب، فاحتشد لحركته. ونهض من تلمسان للأخذ بحجزة الأمير أبي يحيى عن فاس، وإجابة صريخ الخليفة لذلك. وبلغ الأمير أبا يحيى خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلته البلد، فجمر الكتائب عليها. ٧/٢٣١
صمد إليه قبل وصوله من تخوم بلاده، والتقى الجمعان بايسلى من بسائط وجدة، فتزاحف القوم وأبلوا. وكانوا ملحمة عظيمة، هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد إبراهيم بن هشام من بني عبد الواد. ثم انكشف بنو عبد الواد، وهلك يغمراسن بن تاشفين من أكابر مشيختهم، ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان.
وانكفأ الأمير أبو يحيى إلى معسكره للأخذ بمخنق فاس، فسقط في أيدي أهلها، ولم يجدوا وليجة من دون طاعته، فسألوا الأمان، وبذله لهم على غرم ما تلف له من المال بداره يوم الثورة، وقدره مائة ألف دينار، فتحملوها. وأمكنوه من قياد البلد، فدخلها في جمادى من سنة ثمان وأربعين وستمائة. وطالبهم بالمال، فعجزوا ونقضوا شرطه، فحق عليهم القول. وتقبض على القاضي أبي عبد الرحمن وابن أبي طاطو وابنه، وابن حشار وأخيه المتولين كبر الفعلة فقتلهم، ورفع على الشرفات رءوسهم.
وأخذ الباقين بغرم المال طوعا أو كرها، فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادهم لأحكام بني مرين. وضرب الرهب على قلوبهم لهذا العهد، فخشعت منهم الأصوات وانقادت الهمم، ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة. والله مالك الأرض ومن عليها.
الخبر عن تغلب الأمير أبي يحيى على مدينة سلا وارتجاعها من يده وهزيمة المرتضى بعدها
لما كمل للأمير أبي يحيى فتح مدينة فاس، واستوسق أمر بني مرين بها، رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها. ودوخ أوطان زناتة، واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين فيها. ثم تخطى إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين وستمائة، فملكها وتاخم الموحدين بثغرها. واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله ابن عبد الحق، وعقد له على ذلك الثغر، وضم إليه الأعمال. وبلغ الخبر بذلك إلى المرتضى، فأهمه الشأن. وأحضر الملأ من الموحدين وفاوضهم، واعتزم على حرب بني مرين. وسرح العساكر سنة خمسين وستمائة، فأحاطت بسلا، فافتتحوها وعادت إلى طاعة المرتضى. وعقد عليها لأبي عبد الله بن أبي يعلو من مشيخة الموحدين. وكان المرتضى قد صمد بنفسه سنة تسع وأربعين وستمائة إلى محاربة بني ٧/٢٣٢
مرين في جموع الموحدين وعساكر الدولة، صمد بنو مرين للقائه. والتقى الجمعان بايملولين، ففضوا جموعه، وكانت الدبرة عليه والظهور لهم. ثم كان بعدها فتح سلا، وغلب الموحدين عليها. وأجمع المرتضى بعدها على احتشاد أهل سلطانه، ومعاودة الخروج بنفسه إلى غزوهم لما خشي من امتداد أمرهم. وتقلص ملك الموحدين، فعسكر خارج حضرته سنة ثلاث وخمسين وستمائة وبعث الحاشرين في الجهات، فاجتمع إليه أمم الموحدين والعرب والمصامدة. وأغذ السير تلقاءهم، حتى إذا انتهى إلى جبال بهلولة من نواحي فاس، وصمد إليه الأمير أبو يحيى في عساكر بني مرين، ومن اجتمع إليهم من دونهم. والتقى الجمعان هنالك. وصدقهم بنو مرين القتال، فاختل مصاف السلطان، وانهزمت عساكره وأسلمه قومه. ورجع إلى مراكش مفلولا. واستولى القوم على معسكره واستباحوا سرادقه وفساطيطه، وانتهبوا جميع ما وجدوا بها من المال والذخيرة، واستاقوا سائر الكراع والظهر، وامتلأت أيديهم من الغنائم. واعتز أمرهم، وانبسط سلطانهم، وكان يوما له ما بعده. وأغرى أثر هذه الحركة عساكر بني مرين تادلا واستباح بني جابر حاميتها من جشم ببلد أبي نفيس، واستلحم أبطالهم، وألان من حدهم، وخضد من شوكتهم. وفي أثناء هذه الحروب كان مقتل علي بن عثمان بن عبد الحق، وهو ابن أخي الأمير أبي يحيى. شعر منه بفساد الدخلة والاجتماع للتوثب به، فدس لابنه أبي حديد مفتاح بقتله، بجهات مكناسة سنة إحدى وخمسين وستمائة. والله تعالى أعلم.
الخبر عن فتح سجلماسة وبلاد القبلة وما كان في ذلك من الاحداث
لما يئس بنو عبد المؤمن من غلبهم بني مرين على ما صار في أيديهم من بلاد المغرب وعادوا إلى مدافعتهم عن صمامة الدولة التي تحملت إياها شفافهم لو أطاقوا المدافعة عنها وملك بنو مرين عامة بلاد التلول، اعتزم الأمير أبو يحيى بعدها على الحركة إلى بلاد القبلة ففتح سجلماسة ودرعة وما إليها سنة ثلاث وخمسين وستمائة وافتتحها بمداخلة من ابن القطراني، غدر بعامل الموحدين فتقبض عليه، وأمكن منها الأمير ٧/٢٣٣
أبا يحيى فملكها، وما إليها من درعة سائر بلاد القبلة. وعقد لابنه أبي حديد. وبلغ الخبر إلى المرتضى فسرح العساكر سنة أربع وخمسين وستمائة لاستنقاذها، وعقد عليهم لابن عطوش، ففر راجعا إلى مراكش، ثم نهض سنة خمس وخمسين وستمائة إلى محاربة يغمراس وبنيه بأبي سليط، فأوقع بهم واعتزم على اتباعه، فثناه عن رأيه في ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق لعهد تأكد بينه وبين يغمراس فرجع. ولما انتهى إلى المقر مدة هذه، بلغه أن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة من بعض أهلها أطمعته في ملكها، فأغذ السير إليها بجموعه، ودخلها ولصبيحة دخوله وصل يغمراسن لشأنه، فلما علم بمكان أبي يحيى من البلد سقط في يده ويئس من غلابه، ودارت بينهم حرب تكافئوا فيها وهلك سليمان بن عثمان بن عبد الحق ابن أخي الأمير أبي يحيى، وانقلب يغمراسن إلى بلده، وعقد الأمير أبو يحيى على سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن، واستعمل على الجباية عبد السلام الأوربي وداود بن يوسف، وانكفأ راجعا إلى فاس. والله تعالى أعلم.
الخبر عن مهلك أبي يحيى وما كان اثر ذلك من الاحداث التي تمحضت عن استبداد أخيه يعقوب بن عبد الحق بالأمر
لما رجع الأمير أبو يحيى من حرب يغمراسن بسجلماسة، أقام أياما بفاس. ثم نهض إلى سجلماسة متفقدا لثغورها، فانقلب منها عليلا. وهلك حتف أنفه على سرير ملكه في رجب سنة ست وخمسين وستمائة أمضى ما كان عزما، وأطول إلى تناول الملك يدا. اختطفته المنون عن شأنه ودفن بمقبرة باب الفتوح من فاس، ضجيعا للمولى أبي محمد الفشتالي كما عهد لأهل بيته. وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر واشتمل عليه عامة قومه. ومالت المشيخة وأهل الحل والعقد إلى عمه يعقوب بن عبد الحق، وكان غائبا عن مهلك أخيه بتازي، فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الأكابر. وأحس عمر بصاغية الناس إليه، وحرضه أتباعه على الفتك بعمه ، فاعتصم بالقصبة، وسعى الناس في إصلاح ذات بينهما، فتفادى يعقوب عن الأمر، ودفعه لابن أخيه، على أن تكون له بلاد تازى وبطوية وملوية، ولما لحق ٧/٢٣٤
بتازى واجتمع إليه كافة بني مرين، عذلوه فيما كان منه فاستلأم، وحملوه على العودة في الأمر، ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والمؤازرة فأجاب، وبايعوه وصمد إلى فاس، وبرز عمر للقائه فانتهى إلى المسجدين، ولما تراءى الجمعان خذ له جنوده وأسلموه، فرجع إلى فاس مغلولا، ووجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة وينزل له عن الأمر، فأجابه إلى ذلك، ودخل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مدينة فاس فملكها سنة سبع وخمسين وستمائة وتمشت طاعته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم الربيع وسجلماسة وقصر كتامة. واقتصر عمر على إمارة مكناسة فتولاها أياما، ثم اغتاله من عشيرة عمر وإبراهيم ابنا عمه عثمان بن عبد الحق والعباس ابن عمه محمد بن عبد الحق فقتلوه وثأروا منه بدم كانوا يعتدونه عليه. وهلك لعام أو بعد عام من إمارته، فكفى يعقوب شأنه واستقام سلطانه، وذهب التنازع والمشاق عن أمره. وكان يغمراسن بعد مهلك قرنه الأمير أبي يحيى سما له أمل في الاجلاب على المغرب، فجمع لذلك قومه واستجاش بني توجين ومغراوة وأظمعهم في غيل الأسود ونهضوا إلى المغرب حتى انتهوا إلى كلدامان وصمد السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى لقائهم فغلبهم ورجعوا الى تفيئته ، ومر يغمراسن ببلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم فيها النكاية. ورجع السلطان إلى فاس وتقبل مذاهب أخيه الأمير أبي يحيى في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره. وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي النصارى، فكان له بها أثر جميل وذكر خالد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن فجأة العدو مدينة سلا واستنقاذها من أيديهم
كان يعقوب بن عبد الله قد استعمله عمه الأمير أبو يحيى على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه. ولما استرجعها الموحدون من يده أقام يتغلب في جهاتها مراصدا لأهلها وحاميتها. ولما بويع عمه يعقوب بن عبد الحق اسقته بعض الأحوال، فذهب ٧/٢٣٥
مغاضبا حتى نزل غبولة، وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وسلا ليعتدها ذريعة لما أسر في نفسه، فتمت له الحيلة، وركب عاملها ابن يعلو البحر فارا إلى أزمور.
وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله البلد وجاهر بالخلع، وصرف إلى منازعة عمه السلطان أبي يوسف وجوه العزم، وداخل تجار الحرب في الامداد بالسلاح. فتماروا في ذلك وكثر سفر المترددين بينهم، حتى كثروا أهلها وأسملوا فيها غرة عيد الفطر من سنة ثمان وخمسين وستمائة عند شغل الناس بعيدهم. وثاروا بسلا، وسبوا الحرم وانتهبوا الأموال، وضبطوا البلد وامتنع يعقوب بن عبد الله برباط الفتح، وطار الصريخ إلى السلطان أبي يوسف، وكان بتازى مستشرفا لأحوال يغمراسن، فنادى في قومه، وطار بأجنحة الخيول ووصلها ليوم وليلة، وتلاحقت به أمداد المسلمين من أهل الديوان والمطوعة. ونازلها أربع عشرة ليلة، ثم اقتحمها عليهم عنوة، وأثخن فيهم بالقتل. ثم رم بالبناء ما كان متثلما بسورها الغربي حيث أمكنت منه الفرصة في البلد وتناول البناء فيه بيده والله لا يضيع عمل عامل.
وخشي يعقوب بن عبد الله بادرة السلطان، فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه. ثم نهض إلى بلاد تامسنا وأنفى، فملكها وضبطها ولحق يعقوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة، فامتنع به وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلي بن زيان لمنازلته. وسار إلى لقاء يغمراسن لقاء المهادنة، فلقيه بجوحرمان وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب، ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه أبناء أخيه أولاد إدريس. ولحقوا بقصر كتامة. شايعوا يعقوب ابن عمهم عبد الله على رأيه. واجتمعوا إلى أكبرهم محمد بن إدريس فيمن إليهم من العشير والصنائع، فنهض إليهم واعتصموا بجبال غمارة، ثم استنزلهم واسترضاهم وعقد لعامر ابن إدريس سنة ستين وستمائة على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المطوعة من بني مرين، وأغزاهم إلى العدوة لجهاد العدو وحملهم، وفرض لهم. وشفع بها عمله في واقعة سلا وهو أول جيش أجاز من بني مرين، فكان لهم في الجهاد والمرابطة مقامات محمودة وذكر خالد تقبل سلفهم فيها خلفهم من بعدهم حسبما نذكره.
وأقام يعقوب بن عبد الله خارجا بالنواحي مثقلا في الجهات إلى أن قتله طلحة بن على ٧/٢٣٦
بساقيه غبولة من ناحية سلا سنة ثمان وستين وستمائة فكفى السلطان شأنه. وكان المرتضى مذ توالت عليهم الوقائع واستمر الظهور لبني مرين انحجر في جدرانه وتوارى بالأسوار عن عدوه، فلم يسم إلى لقاء زحف ولا حدث نفسه بشهود حرب، واستأسد بنو مرين على الدولة وشرهوا إلى التهام البقية، وأسفوا إلى منازلة مراكش دار الخلافة، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن منازلة السلطان أبي يوسف حضرة مراكش دار الخلافة وعنصر الدولة وما كان أثر ذلك من نزوع أبي دبوس إليه وكيف نصبه للامر وكان مهلك المرتضى على يده ثم انتقض عليه
لما فرغ السلطان من شأن الخوارج عليه من عشيرة، استجمع لمنازلة المرتضى والموحدين في دارهم، ورأى أنه أوهن لدولتهم وأقوى لأمره عليهم. وبعث قومه واحتشد أهل ممالكه، واستكمل تعبيته وسار حتى انتهى إلى ايكليز واعتزم على ذلك سنة ستين وستمائة وشارف دار الخلافة. ثم نزل بقعرها وأخذ بمخنقها. وعقد المرتضى لحربهم للسيد أبي العلاء إدريس المكنى بأبي دبوس ابن السيد أبي عبد الله ابن السيد أبي حفص بن عبد المؤمن، فعبى كتائبه ورتب مصافه، وبرز لمدافعتهم ظاهر الحضرة، فكانت بينهم حروب بعد العهد بمثلها، استشهد فيها الأمير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق، وكانوا يسمونه برطانتهم المعجوب ففت مهلكه في عضدهم، وارتحلوا عنها إلى أعمالهم، واعترضهم عساكر الموحدين بوادي أم الربيع، وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين، فاقتتلوا في بطن الوادي وانهزمت عساكر الموحدين. وكان في مسيل الوادي كدي تحسر عنها غمر الماء تبدو كأنها أرجل، فسميت الواقعة بها أم الرجلين. ثم سعى سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه السيد أبي دبوس بطلبه الأمر لنفسه، وشعر بالسعاية فخشي ٧/٢٣٧
بادرة المرتضى ولحق بالسلطان أبي يوسف مدخله إلى فاس من منازلته آخر سنة إحدى وستين وستمائة نازعا إليه، فأقام عنده مليا. ثم سأل منه الإعانة على أمره بعسكر يمده وآلة يتخذها لملكه، ومال يصرفه في ضروراته على أن يشركه في القسمة والفتح والسلطان، فأمده بخمسة آلاف من بني مرين، وبالكفاية من المال والمستجاد من الآلة وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل مملكته ومن سواهم أن يكونوا يدا معه. وسار في الكتائب حتى شارف الحضرة، ودس إلى أشياعه ومن يداخله من الموحدين في أمره، فثاروا بالمرتضى وأخفضوه عنها، فلحق بأزمور مستجيشا بصهره ابن عطوش. ودخل أبو دبوس الحضرة في المحرم فاتح خمس وستين وستمائة وتقبض ابن عطوش عامل أزمور على المرتضى واقتاده أسيرا إلى أبي دبوس، فبعث مولاه مزاحما فاحتز رأسه في طريقه، واستقل بالخلافة صبابه آل عبد المؤمن. ثم بعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة، فاستنكف، وعثا ونقض العهد وأساء الخطاب، فنهض إليه في جموع بني مرين وعساكر المغرب، فخام عن اللقاء وانحجز بمراكش. ونازلة السلطان أياما تباعا ثم سار في الجهات والنواحي يحطم الزرع وينسف الأقوات. وعجز أبو دبوس عن دفاعه، فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله عما وراءه، ويأخذ بحجزته عن التهامه على ما نذكر لو أمهلته الأيام، وانفسح له الأجل.
الخبر عن وقيعة تلاغ بين السلطان يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان بإغراء أبي دبوس وتضريبه
لما نازل السلطان أبو يوسف حضرة مراكش وقعد على ترائبه للتوثب عليها، لم يجد أبو دبوس وليجة من دون قصده إلا استجاشته بيغمراسن وقومه عليه، ليأخذوا بحجزته عنه، ويشغلوه من ورائه. فبعث إليه الصريخ في كشف بلواه ومدافعة عدوه. وأكد العهد وأسنى الهدية، فشمر يغمراسن لاستنقاذه وجذب عدوه من ورائه، وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرم نارا فأهاج عليه وعلى قومه من السلطان يعقوب ليثا عاديا، وأرهف منه عزما ماضيا، وأفرج يعقوب على مراكش بعزم النهوض إلى ٧/٢٣٨
تلمسان، ونزل بفاس، فتلوم بها أياما حتى أخذ أهبة الحرب، وأكمل استعدادها ورحل فاتح ست وستين وستمائة وسلك على كرسيف، ثم على تافرطا، وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ، وعبى كل منهم كتائبه ورتب مصافه، وبرز النساء سافرات الوجوه على سبيل التحريض لحسن وسعد بن ويرغين ولما فاء الفيء ومال النهار، وكثرت حشود المغرب وجموع بني عبد الواد ومن إليهم، انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم. وهلك أبو حفص عمر كبير ولد يغمراسن وولي عهده في جماعة من عشيرة، ذكرناهم في أخباره. وأخذ يغمراسن بأعقاب قومه، فكان لهم ردءا إلى أن خلصوا من المعترك ووصلوا إلى بلادهم في جمادى من سنتهم، وعاد السلطان أبو يوسف إلى مكانه من حصار مراكش والله أعلم.
الخبر عن السفارة والمهاداة التي وقعت بين السلطان يعقوب ابن عبد الحق وبين المستنصر الخليفة بتونس لن آل أبي حفص
كان الأمير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص منذ دعا لنفسه بتونس سنة خمس وعشرين وستمائة طموحا إلى ملك مراكش مقر الدعوة ومنبعث الدولة وأصل الخلافة. وكان يؤمل لذلك زناتة، وإلا فما دونه من خضد شوكة آل عبد المؤمن، وتقليم أظافر بأسهم، وردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه، وتغلب على تلمسان سنة أربعين وستمائة ودخل يغمراسن بن زيان في دعوته وصار فيئة له وتبعه على عدوه كما ذكرناه، فوصل به جناحة للمدافعة. وناغاه بنو مرين في مراسلة ابن أبي حفص ومخاطبته، والتخفيض عليه فيما يهمه من شأن عدوه، وحمل ما يفتحون من بلاد المغرب على البيعة له والطاعة مثل: فاس ومكناسة والقصر. وكان هو يلاطفهم بالتحف والهدايا، ويريهم البر في الكتاب والخطاب والمعاملة والتكريم للوفد غير سبيل آل عبد المؤمن، فكانوا يجنحون بذلك إلى مراسلته، وإيفاد قرابتهم عليه.
وولي ابنه المستنصر بعده سنة سبع وأربعين وستمائة فتقبل مذاهب أبيه وأوفى عليه بالإيعاز إليهم بمنازلة مراكش، وضمان الإنفاق عليهم فيها، فكان يبث لذلك أحمالا ٧/٢٣٩
من المال والسلاح وأعدادا وافرة من الخيل بمراكبها للحملان، ولم يزل ذلك دأبه معهم. ولما فعل أبو دبوس فعلته في نقض العهد واستجمع السلطان لمنازلته، قدم بين يدي عمله مراسلة الخليفة المستنصر يخبره الخبر ويتلطف له في استنزال المدد، فأوفد عليه ابن أخيه عامر بن إدريس بن عبد الحق، وأصحبه عبد الله بن كندوز لعبد الواد كبير بني كمي، وقريع يغمراسن الذي ثأر يغمراسن من أبيه كندوز بأبيه زيان كما ذكرناه في أخبارهم. وكان خلص إليه من حضرة المستنصر فلقاه مبرة وتكريما، وأوفد معهم الكاتب أبا عبد الله محمد الكناني من صنائع دولة آل عبد المؤمن، كان نزع إلى أخيه الأمير أبي يحيى لما رأى من اختلال الدولة، وأنزله مكناسة وآثره بالصحبة والخلة، فجمع له يعقوب بن عبد الحق في هذا الوفد من الأشراف من يحسن الرئاسة، ويعرب عما في ضمائر الناس، ويدله على شرف مرسلة. فوفدوا على المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وأدوا رسالتهم وحركوا له جوار المظاهرة على صاحب مراكش وكبح عنانه، فحن واهتز سرورا من أعواده، ولقاهم مبرة التكريم وإحسان النزل، ورد الأمير عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز لوقتهما. وتمسك بالكناني من بينهم لمصاحبة وفده، فطال مقامه عنده إلى أن كان من فتح مراكش ما نذكره.
ثم أوفد المستنصر على السلطان يعقوب بن عبد الحق آخر سنة تسع وستين وستمائة بعدها شيخ الجماعة من الموحدين لعهده أبا زكريا يحيى بن صالح الهنتاني مع جماعة من مشيخة الموحدين في مرافقة محمد الكناني، وبعث معهم إلى السلطان هدية سنية يلاطفه بها ويتاحفه، انتخب فيها من الجياد والسلاح وأصناف الثياب الغريبة العمل ما انتقاه. ووفق رضاه وهمته على الاستكثار منه، فحسن موقعها وتحدث وانقلب وفده أحسن منقلب بعد أن تلطف محمد الكناني في ذكر الخليفة المستنصر على منبر مراكش، فتم له، وشهد له وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا محبورين مسرورين، واتصلت بعد ذلك مهاداة المستنصر ليعقوب بن عبد الحق إلى أن هلك، وحذا ابنه الواثق من بعده على سننه، فبعث إليه سنة سبع وسبعين وستمائة هدية حافلة، بعث بها القاضي أبا العباس الغماري قاضي بجاية فعظم موقعها، وكان لأبي العباس الغماري بالمغرب ذكر تحدث به الناس والله أعلم ٧/٢٤٠
الخبر عن فتح مراكش ومهلك أبي دبوس وانقراض دولة الموحدين من المغرب
لما رجع السلطان أبو يوسف من حرب يغمراسن ورأى أن قد كفى عدوه وكف غربة ورد من كيده وكيد أبي دبوس صريخه، صرف حينئذ عزائمه إلى غزو مراكش، والعودة إلى مضايقتها كما كان لأول أمره، ونهض لغزاته من فاس في شعبان من سنته. ولما جاوزوا أم الربيع، بث السرايا وسرح الغارات، وأطلق الأيدي والأعنة للنهب والعيث، فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها، وتقرى نواحيها كذلك بقية عامة.
ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا، فأثخن فيهم واستباحهم. ثم نزل وادي العبيد، ثم غزا بلاد صنهاجة، ولم يزل ينقل ركابه بأنحاء البلاد المراكشية وأحوازها حتى حضرت صدور بني عبد المؤمن وقومه، وأغزاهم أولياء الدولة من عرب جشم بنهوض الخليفة لمدافعة عدوه، فجمع لذلك وبرز في جيوش ضخمة وجموع وافرة، واستجره أبو يوسف بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ، فيستمكن منه حتى نزل عفو. ثم كر إليه والتحم القتال فاختل مصافه وفرت عساكره. وانهزم يريد مراكش فأدركوه دون أمله. واعتاقه أجله، فطعن في مفره وخر صريعا لليدين وللفم واجتز رأسه. وهلك بمهلكه وزيره عمران وكاتبه علي بن عبد الله المغيلي. وارتحل السلطان أبو يوسف إلى مراكش وفر من كان بها من الموحدين، فلحقوا بجبل تين ملل، وبايعوا إسحاق أخا المرتضى، فبقي ذبالة هنالك سنين. ثم تقبض عليه سنة أربع وسبعين وستمائة، وسيق إلى السلطان هو وأبو سعيد ابن عمه السيد أبي الربيع والقبائلي وأولاده فقتلوا جميعا. وانقرض أمر بني عبد المؤمن. والله وارث الأرض ومن عليها.
وخرج الملاء وأهل الشورى من الحضرة إلى السلطان فأمنهم ووصلهم. ودخل مراكش في بروز فخم فاتح سنة ثمان وستين وستمائة وورث ملك آل عبد المؤمن وتولاه. واستوسق أمره بالمغرب، وتطامن الناس لبأسه، وسكنوا لظل سلطانه. وأقام بمراكش إلى رمضان من سنته، وأغزى ابنه الأمير أبا مالك إلى بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها، ثم خرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بهم ٧/٢٤١
الوقيعة المشهورة التي خضدت من شوكتهم، ورجع لشهرين من غزاته، ثم أجمع الرحلة إلى داره بفاس فعقد على مراكش وأعمالها لمحمد بن علي بن يحيى من كبار أوليائهم ومن أهل خؤولته، وكان من طبقة الوزراء حسبما يأتي التعريف به وبعشيرته، وأنزله بقصبة مراكش، وجعل المسالح في أعمالها لنظره، وعهد إليه بتدويخ الأقطار ومحو آثار بني عبد المؤمن، وفصل إلى حضرته في شوال وأراح بسلا، فكان من خبر عهده لابنه ما نذكره ان شاء الله تعالى.
الخبر عن عهد السلطان لابنه أبي مالك وما كان عقب ذلك من خروج القرابة عليه أولاد أخيه إدريس واجازتهم الى الأندلس
لما تلوم السلطان بسلا منصرفه من رباط الفتح وأراح بها ركائبه عرض له طائف من المرض ووعك وعكا شديدا. فلما أبل جمع قومه وعهد لابنه فيهم أبي مالك عبد الواحد كبير ولده، لما علم من أهليته لذلك. وأخذ له البيعة عليهم، فأعطوها طواعية، وأسف القرابة من ولد أخويه عبد الله وإدريس لأمهما سوط النساء، ووجدوا في أنفسهم لما يرون أن عبد الله وإدريس أكابر ولد عبد الحق، ولهما التقدم على من بعدهما من ولده، وأنهما أحق بالأمر، فرجعت هنت إلى أذنابها ، ونفسوا عن ابن السلطان لما أخذ له من البيعة والعهد. ونزعوا عنه إلى جبل علودان من جبال غمارة عش خلافهم. ومدرج فتنتهم، وذلك سنة تسع وستين وستمائة ورياستهم يومئذ لمحمد بن إدريس وموسى بن رحو بن عبد الله، وخرج معهم ولد أبي عياد بن عبد الحق وأغزاهم السلطان ولده أبا يعقوب يوسف في خمسة آلاف من عسكره، فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم، ولحق به أخوه أبو مالك في عسكره، ومعه مسعود بن كانون شيخ سفيان. ثم خرج في أثرهم السلطان أبو يوسف واجتمع معسكرهم بتافركا ونازلوهم ثلاثا. وهلك في حروبهم منديل بن ورتطليم. ولما رأوا أن أحيط بهم سألوا الأمان، فبذله وأنزلهم. واستل سخائمهم ومسح ما في صدورهم، ووصل بهم إلى ٧/٢٤٢
حضرته. وسألوا منه الاذن في اللحاق بتلمسان حياء من كبر ما ارتكبوه، فأذن لهم، وأجازوا البحر إلى الأندلس، وخالفهم عامر بن إدريس لما أنس من صاغية السلطان إليه، فتخلف عنهم بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد الى قومه بعد منازلة السلطان بتلمسان كما نذكره الآن.
واحتل بنو إدريس وعبد الله وابن عمهم أبو عياد بأندلس على حين أقفر من الحامية جوها، واستأسد العدو على ثغرها. وغلبت شفاههم فاحتلوها أسودا ضارية، وسيوفا ماضية، معودين لقاء الأبطال وقراع الحتوف والنزال. مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة العز وبسالة التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا شجي في صدره دون الوطن الذي كان طعمه له في ظنه، وارتدوه على عقبه، ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من آمالهم لمدافعة طاغيتهم. وزاحموا أمير الأندلس في رياستها بمنكب، فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وقبائلهم ومن سواهم من أمم البرابرة، وتناقلوه وساهموه في الجباية لفرط العطاء والديوان، فبذله لهم واستمدوا على العدو وحسن أثرهم فيها كما نذكره بعد في أخبار القرابة. ثم أعمل السلطان نظره في غزو تلمسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن حركة السلطان أبي يوسف الى تلمسان وواقعيته على يغمراسن وقومه بايسيلى
لما غلب السلطان أبو يوسف على بني عبد المؤمن وفتح مراكش واستولى على ملكهم سنة ثمان وستين وستمائة وعاد إلى فاس كما ذكرناه، تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن وبني عبد الواد، وما أسفوا به من تخذيل عزائمه ومجادلته عن قصده.
ورأى أن واقعة تلاغ لم تشف صدره، ولا أطفأت نار موجدته، فأجمع أمره على غزوهم. واقتدر بما صار إليه من الملك والسلطان على حشد أهل المغرب لحربهم وقطع دابرهم، فعسكر بفاس، وسرح ولده وولي عهده أبا مالك إلى مراكش في ٧/٢٤٣
خواصه ووزرائه حاشدين في مدائنها وضواحيها وقبائل العرب والمصامدة وبني ورا وغمرة وصنهاجة، وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة، وحامية الأمصار من جند الروم وناشبة الغزو فاستكثر من أعدادهم واستوفى حشدهم. واحتفل السلطان بحركته وارتحل عن فاس سنة سبعين وستمائة وتلوم بملوية إلى أن لحقته الحشود وتوافت إليه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم، وبنو جابر ومن معهم من الأثبج، وقبائل ذوي حسان والشبانات من المعقل أهل السوس الأقصى، وقبائل رياح أهل أزغار والهبط. فاعترض هنالك عساكر وعبى مواكبه، فيقال بلغت ثلاثين ألفا. وارتحل يريد تلمسان، ولما انتهى إلى أنكاد وافته رسل ابن الأحمر هنالك ووفد المسلمين بالأندلس صريخا على العدو يستجيشون بإخوانهم المسلمين ويسألونهم الإعانة، فتحركت همته للجهاد ونصر المسلمين من عدوهم. ونظر في صرف الشواغل عن ذلك، وجنح إلى السلم مع يغمراسن، وصوب الملاء في ذلك رأيه لما كانوا عليه من إيثار الجهاد. وانتدب جماعة من المشيخة إلى السعي في صلاح ذات بينهما، وانكفأ من غرب عدوتهما.
وساروا إلى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان وقد أخذ أهبته واستعد للقاء. واحتشد زناتة أهل ممالكه بالشرق من بني عبد الواد وبني راشد ومغراوة وأحلافهم من العرب زغبة. فلج في ذلك واستكبر وصم عن إسعافهم. وزحف في جموعه، والتقى الجمعان بوادي ايسيلي من بسائط وجدة، والسلطان أبو يوسف قد عبى كتائبه، ورتب مصافه وجعل ولديه الأميرين أبا مالك وأبا يعقوب في الجناحين، وسار في القلب، فدارت بينهم حرب شديدة انجلت عن هلاك فارس بن يغمراسن، وجماعة من بني عبد الواد. وكاثرهم حشود المغرب الأقصى وقبائله، وعساكر الموحدين والبلاد المراكشية، فولوا الأدبار. وهلك عامة عسكر الروم لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب. وتقبض على قائدهم بيرنيس. ونجا يغمراسن بن زيان في فله مدافعا دون أهله إلى تلمسان. ومر بفساطيطه، فأضرمها نارا، وانتهب معسكره، واستبيحت حرمه. وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأصرع بالتراب ٧/٢٤٤
أسوارها، وألصق بالرغام جدرانها. ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الأيدي في ساحتها بالنهب والعيث، وشن الغارات على البسائط، فاكتسحها سبيا ونسفها نسفا.
وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساي، وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخبار مذكورة. وكان مهلكه في شوال من هذه السنة. ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، ومستصرخه على بني عبد الواد لما نال منه يغمراسن من طبخ القهر وذل الغلب والتحيف في كافة قبيلة مباهيا بآلته، فأكرم السلطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه. واتخاذ رتبة السلاح لمباهاته، وأقام محاصرا لتلمسان معه أياما حتى وقع اليأس وامتنع البلد، واشتد شوكة حاميته ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الإفراج عنها وأشار على الأمير محمد بن عبد القوي وقومه بالقفول قبل قفوله، وان يغذوا السير إلى بلادهم.
وملاء حقائبهم باتحافه وجنب لهم من المائة من المقربات بمراكبها، وأراح عليهم ألف ناقة حلوب. وعمهم بالخلع مع الصلات والخلع الفاخرة. واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط، وحملهم على الظهر، وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريس حذرا من غائلة يغمراسن من انتهاز الفرصة فيهم.
ثم دخل إلى فاس ودخلها مفتتح إحدى وسبعين وستمائة وهلك ولده الأمير أبو مالك ولي عهده لأيام من مقدمه، فأسف لمهلكه. ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده، ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب. وكان في غزوته هذه ملك حصن تاونت، وهو معقل مطغرة، وشحنه بالأقوات لما رآه ثغرا مجاورا لعدوه. وأسلمه لنظر هارون ابن شيخ مطغرة. ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه. وأقام هارون بحصن تاونت، ودعا لنفسه. ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن واستلمه سنة خمس وسبعين وستمائة ولحق بالسلطان أبي يوسف كما ذكرناه في أخباره، عند ذكر قبيلة مطغرة وكان من شأنه ما ذكرناه.
الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الاتاوة عليهم وما قارن ذلك من الاحداث
كانت هاتان المدينتان سبتة وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ٧/٢٤٥
ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرفأ الأساطيل، ودارا لإنشاء الآلات التجرية ، وفرضة الجواز إلى الجهاد. فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بني عبد المؤمن.
وقد ذكرنا أن الرشيد كان عقد علي أعمالها لأبي علي بن خلاص من أهل بلنسية، وأنه بعد استفحال الأمير أبي زكريا بإفريقية ومهلك الرشيد، صرف الدعوة إليه سنة أربعين وستمائة وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبي القاسم. وولى على طنجة يوسف ابن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الأمير قائدا على الرجل الأندلسيين، وضابطا للقصبة. وعقد الأمير أبو زكريا على سبتة لأبي يحيى بن أبي زكريا، ابن عمه أبي يحيى الشهيد ابن الشيخ أبي حفص فنزل بها واستراب أبو علي ابن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقا في البحر، فرحل بجملته إلى تونس في السفن، وأراح ببجاية، فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين وستمائة ويقال هلك في سفينته ودفن بجاية، ولما هلك الأمير أبو زكريا سنة سبع وأربعين وستمائة بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المستنصر وطردوا ابن الشهيد، وقتلوا العمال الذين كانوا معه، وصرفوا الدعوة للمرتضى. وتولى ذلك حجفون الرنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي كبير المشيخة بسبتة، وأعظمهم تجلة، نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبي العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغذوا بالعلم والدين، لما كان له فيها قدم إلى أن هلك، فأوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه من حقه وحق أبيه من قبله، وكانوا يفزعون إليه في المهمات ويسلمون له في الشورى، فأغرى الرنداحي بهذه الفعلة ففعلها وعقد المرتضى لأبي القاسم العزفي على سبتة مستقلا من غير إشراف أحد من السادة، ولا من الموحدين. واكتفى بغنائه في ذلك الثغر وعقد لحجبون الرنداحي على قيادة الأساطيل بالمغرب، فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم العزفي بمناكب رياسته، فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على ابن الأحمر ومنهم من نزل بجاية على أبي حفص، ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم. واستقل الفقيه أبو القاسم العزفي برياسة سبتة، وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد.
وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الأحوال وتبعا لها، فاتبع ابن الأمير صاحبها إمارة ٧/٢٤٦
الفقيه أبي القاسم. ثم انتقض عليه لسنة واستبد وخطب لابن أبي حفص، ثم للعباسي، ثم لنفسه، وسلك فيها مسلك العزفي في سبتة، ولبثوا كذلك ما شاء الله، حتى إذا ملك بنو مرين المغرب وانبثوا في شعابه، ومدوا اليد في ممالكه فتناولوها، ونزلوا معاقلة وحصونه فافتتحوها، وهلك الأمير أبو يحيى عبد الحق وابنه عمر من بعده. وتحيز بنوه في ذويهم وأتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا، فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها، واكتسحوا ما حواليها، وشارطهم ابن الأمير على خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة.
فاتصلت يده بيدهم، وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم. ثم مكروا وأضمروا الغدر ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح، وفتكوا بابن الأمير غيلة، فثارت بهم العامة لحينهم واستلحموا في مصرع واحد سنة خمس وستين وستمائة واجتمعوا إلى ولده وبقيت في ملكته خمسة أشهر. ثم استولى عليها العزفي فنهض إليها بعساكره من الرجل برا وبحرا، واستولى عليها، وفر ابن الأمير ولحق بتونس ونزل على المستنصر واستقرت طنجة في إيالة العزفي فضبطها وقام بأمرها، وولى عليها من قبله. وأشرك الملاء من أشرافها في الشورى. ونازلها الأمير أبو مالك سنة ست وستين وستمائة فامتنعت عليه وأقامت على ذلك ستا، حتى إذا انتظم السلطان أبو يوسف ببلاد المغرب في ملكته، واستولى على حضرة مراكش ومحا دولة بني عبد المؤمن، وفرغ من أمر عدوه يغمراسن، وهم بتلك الناحية واستضافة عملها، فأجمع الحركة إليها ونازل طنجة مفتتح سنة اثنتين وسبعين بما كانت في البسيط من دون سبتة، وأقام عليها أياما. ثم اعتزم على الإفراج عنها، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وافترق بينهم. وتنادى في بعض الناشية من السور بشعاب بني مرين، فبادر سرعان أناس إلى تسور حيطانها فملكوها عليهم، وقاتلوا أهل البلد ظلام ليلتهم، ثم دخلوا البلد من صبيحتها عنوة، ونادى منادي السلطان في الناس بالأمان والعفو عن أهل البلد، فسكن روعهم ومهد وفرغ من شأن طنجة. ثم بعث ولده الأمير أبا يعقوب في عساكر ضخمة لمنازلة العزفي في سبتة وارغامه على الطاعة، فنازلها أياما، ثم لاذ بالطاعة على المنعة. واشترط على نفسه خراجا يؤديه كل سنة، فتقبل السلطان منه، وأفرجت عساكره عنهم، وقفل إلى حضرته. وصرف نظره إلى فتح سجلماسة وإزعاج بني عبد الواد المتغلبين عليها، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٢٤٧
الخبر عن فتح سجلماسة الثاني ودخولها عنوة على بني عبد الواد والمنبات من عرب المعقل
قد ذكرنا ما كان من تغلب الأمير أبي يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وبلاد درعة، وأنه عقد عليها وعلى سائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن، وأنزل معه ابنه مفتاحا المكنى بأبي حديد في مشيخته لحياطتها. وأن المرتضى سرح وزيره ابن عطوش سنة أربع وخمسين وستمائة في العساكر لارتجاعها، فنهض الأمير أبو يحيى إليه وشرده عنها ورجعه على عقبه. وأن يغمراسن بن زيان من بعد واقعة أبي سليط سنة خمس وخمسين وستمائة، قصدها لعورة دل عليها، وغرة أمل إصابتها، فسابقه إليها الأمير أبو يحيى ومالقة من دونها ورجع عنها خائب المسعى مفلول الحامية. وكان الأمير أبو يحيى من بعد أن عقد عليها ليوسف بن يزكاسن عقد عليها من بعده لسنة ونصف من ولايته ليحيى بن أبي منديل كبير بني عسكرا قتالهم، ومقاسميهم نسب محمد بن وطيص ثم عقد عليها لشهرين لمحمد بن عمران ابن عبلة من بني يرنيان صنائع دولتهم. واستعمل معه على الجباية أبا طالب الحبشي وجعل مسلحة الجند بها لنظر أبي يحيى القطراني، وملكه قيادتهم. وأقاموا على ذلك سنتين اثنتين.
ولما هلك الأمير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش، سما للقطراني أمل في الاستبداد بها، وداخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن الغزي وفتكوا بعمار الورند غزاني شيخ الجماعة بالبلد. وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة، فخرج ولحق بالسلطان، واستبد القطراني بها. ثم ثار به أهل البلد سنة ثمان وخمسين وستمائة لسنة ونصف من لدن استبداده وقتلوه.
وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش. وتولى كبر ذلك القاضي ابن حجاج وعلي بن عمر، فعقد له المرتضى عليها وأقام بها أميرا. ونازلتهم عساكر بني مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين وستمائة ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا، ٧/٢٤٨
وأفرج عنهم. وأقام علي بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين، ثم هلك. وكان الأمير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الأوسط، وصار في ملكته، تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوي منصور، بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بني يادين في القفر. وإنما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن من بني عامر بمجالاتهم من مصاب ببلاد بني يزيد، فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصا. ورحلوهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة، فملكوا تلك المجالات.
ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوي عبيد الله منهم واستخلص المنبات هؤلاء، فكانوا له حلفاء وشيعة ولقومه ودعوته خالصة. وكانت سجلماسة في مجالاتهم منقلب ظعنهم وناجعتهم، ولهم فيها طاعة معروفة. فلما هلك علي بن عمر آثروا يغمراسن بملكها، فحملوا أهل البلد على القيام بطاعته، وخاطبوه وجأجئوا به، فغشيها بعساكره وملكها وضبطها. وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكراز بن يندوكس ويعرف بابن حنينة نسبه إلى أم أبيه أخت يغمراسن ومعه يغمراسن بن حمامة. وأنزل معهما ولده الأمير يحيى لإقامة الرسم الملوكي. ثم أداله بأخيه من السنة الأخرى، وكذا كان شأنه في كل سنة. ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وانتظم أمصاره ومعاقلة في طاعته، وغلب بني عبد المؤمن على دار خلافتهم، ومحا رسمهم، وافتتح طنجة وطوع سبتة مرفأ الجواز إلى العدوة، وثغر المغرب، سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها وإدالة دعوته فيها من دعوتهم، فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة اثنتين وسبعين وستمائة فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع، من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر، ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات، وهندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانه أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها. فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها، إلى أن سقطت ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بإلحاح الحجارة من المنجنيق عليها، فبادروا إلى اقتحام البلد، فدخلوها عنوة من ٧/٢٤٩
تلك الفرجة في صفر من سنة ثلاث وسبعين وستمائة فقتلوا المقاتلة والحامية وسبوا الذرية ، وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة، ومن كان معهم من بني عبد الواد وأمراء المنبات، وكمل فتح بلاد المغرب للسلطان أبي يوسف، وتمشت طاعته في أقطاره. فلم يبق فيه معقل يدين بغير دعوته، ولا جماعة تتحيز إلى غير فيئته ولا أمل ينصرف إلى سواه، ولما كملت له نعم الله في استيساق ملكه وتمهيد أمره، انصرف أمله إلى الغزو وإيثار طاعة الله بجهاد أعدائه، واستنقاذ المستضعفين من وراء البحر من عباده على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ولما انكفأ راجعا من سجلماسة، قصد مراكش من حيث جاء، ثم وقف إلى سلا فأراح بها أياما ونظر في شئونها، وسد ثغورها. وبلغه الخبر بوفادة أبي طالب صاحب سبتة الفقيه أبي القاسم العزفي على فاس، فأغذ السير إلى حضرته، وأكرم وفادته وأحسن منقلبه إلى أبيه مملوء الحقائب ببره، رطب اللسان بشكره. ثم شرع في إجازة ولده كما نذكره الآن إن شاء الله تعالى.
الخبر عن شأن الجهاد وظهور السلطان أبي يوسف على النصارى وقتل زعيمهم ذننه وما قارن ذلك
كانت عدوة الأندلس منذ أول الفتح ثغرا للمسلمين، فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم. وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف، وبين الظفر والناب من اسود الكفر لتوقر أممهم جوارها وإحاطتهم بها من جميع جهاتها، وحجز البحر بينهم وبين إخوانهم المسلمين وقد كان عمر بن عبد العزيز رأى أن يخرج المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم، وبعدهم عن الصريخ.
وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأيا. واعتزم عليه لولا ما عاقه من المنية وعلى ذلك، فكان للإسلام فيه اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر، بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن. وكانت نهاية عزهم وسورة غلبهم أيام بني أمية ٧/٢٥٠
بها، الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئات من السنين أو ما يقاربها.
حتى انتثر سلكها بعد المائة الرابعة من الهجرة، وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب. واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم وجاءت دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقا بالمغرب من كلمة الإسلام. وتمسكوا بالسنة وتشوقوا إلى الجهاد، واستدعاهم إخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم، فأجازوا إليهم وأبلوا في جهاد العدو أحسن البلاء، وأوقعوا بالطاغية ابن أدفوش يوم الزلاقة وغيرها. وفتحوا حصونا واسترجعوا أخرى واستنزلوا الثوار ملوك الطوائف، وجمعوا الكلمة بالعدوتين. وجاء على أثرهم الموحدون سالكين أحسن مذاهبهم، فكان لهم في الجهاد آثار على الطاغية أيام، منها يوم الأرك ليعقوب بن المنصور وغيره من الأيام، حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم وتنازع الأمر سادة بني عبد المؤمن الأمراء بالأندلس، وتحاربوا على الخلافة واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهار، فخشي أهل الأندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم وتولى ذلك ابن هود بمرسية وشرق الأندلس، وعم بدعوته سائر أقطارها، وأقام الدعوة فيها للعباسيين، وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخبارهم. واستوفينا كلا بما وضعناه في مكانه. ثم انحجز ابن هود على الغريبة لبعدها عنه، وفقده للعصابة المتناولة لها، وأنه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة وتكالب الطاغية على الأندلس من كل جهة، وكثر اختلاف المسلمين بينهم. وشغل بنو عبد المؤمن بما دهمهم من المغرب من شأن بني مرين وزناتة. فتلافى محمد بن يوسف بن الأحمر أمر الغربية، وثار بحصنه أرجونة وكان شجاعا قدما ثبتا في الحروب، فتلقف الكرة من يد ابن هود خلع الدعوة العباسية، ودعا للأمير أبي زكريا بن أبي حفص سنة تسع وعشرين وستمائة فلم يزل في فتنة ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الأندلس واحدة بعد أخرى إلى أن هلك ابن هود سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الأندلس من كل جانب ووفر له ابن هود ٧/٢٥١
الجزية وبلغ بها أربعمائة ألف من الدنانير في كل سنة. ونزل له على اثنتين من حصون المسلمين. وخشي ابن الأحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته، ونفر في جملته إلى منازلة إشبيلية نكاية لأهلها. ولما هلك الأمير أبو زكريا نبذ الدعوة الحفصية، واستبد لنفسه، وتسمى بأمير المسلمين، ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبني مردنيش، ودعاه الأمر إلى النزول للطاغية من بلاد الفرنتيرة، فنزل عليها بأسرها. وكانت هذه المدة من سنة اثنتين وعشرين إلى سنة سبعين، فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم، والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب، ووضيعة ومداراة في السلم. واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أدفوش قرطبة سنة ست وثلاثين، وجيان سنة أربع وأربعين، وإشبيلية سنة ست وأربعين.
وتملك قمط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التي لا تعد ولا تحصى، وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الأحمر بغرب الأندلس، وضاق نطاقه على الممانعة دون البسائط الفيح من الفرنتيرة وما قاربها، ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه، فعقد السلم مع الطاغية على النزول عنها أجمع. ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم. واختار لنزله مدينة غرناطة، وابتنى بها لسكناه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه. وفي أثناء هذا كله لم يزل صريخه ينادي بالمسلمين من وراء البحر والملأ من أهل الأندلس يفدون على أمير المسلمين أبي يوسف للإعانة ونصر الملة، واستنقاذ الحرم والولدان من أنياب العدو فلا يجد مفزعا إلى ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين، ثم مع يغمراسن. ثم شغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن الأحمر المعروف بالشيخ، وأبي دبوس، لقبين كانا له على حين استكمال أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة إحدى وسبعين وستمائة على أن بني مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفي نفوسهم جنوح إليه وصاغية.
ولما استوحش بنو إدريس بن عبد الحق وخرجوا سنة إحدى وستين وستمائة على ٧/٢٥٢
السلطان يعقوب بن عبد الحق واسترضاهم واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو وإجازة البحر لصريخ المسلمين بالأندلس، واجتمع إليهم من مطوعة بني مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن إدريس فوصلوا إلى الأندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو، وكان الشيخ ابن الأحمر عهد إلى ولده القائم بالأمر بعده محمد، الشهير بالفقيه، لانتحاله طلب العلم أيام أبيه. وأوصاه أن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره، ويدرأ به ويقدمه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية. فبادر لذلك لحين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الأندلس كافة عليه، ولقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية وملاذ العز ومقاد الملك. وتبادروا للإسلام وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين، وثقل وطأته، فحيا وفدهم ورؤساءهم، وبادر لإجابة داعي الله واستئثار الجنة. وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثرا أعمال الجهاد كلفا به مختارا له حتى أعطي الخيار سائر آماله، حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الأندلس أيام أخيه الأمير أبي يحيى وطلب إذنه في ذلك عند ما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين وستمائة فلم يأذن له وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيرته. وأوعز الأمير أبو يحيى لصاحب الأمر بسبتة لذلك العهد أبي علي بن خلاص بأن يمنعه الإجازة، ويقطع عنه أسبابها. ولما انتهى إلى قصر الجواز، ثنى عزمه عن ذلك الولي يعقوب بن هارون الخبري، ووعده بالجهاد أميرا مستنفرا للمسلمين ظاهرا على العدو، فكان في نفسه من ذلك شغل وإليه صاغية.
فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكروا همته، فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير. ونهض من فاس شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين وستمائة إلى فرضة المجاز من طنجة. وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية. واستدعى من الغد صاحب سبتة في السفن لإجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الأساطيل، فأجاز العسكر ونزل بطريف، وأراح ثلاثا، ودخل دار الحرب وتوغل فيها، وأجلب على ثغورها وبسائطها. وامتلأت أيديهم من المغانم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار، حتى نزل ٧/٢٥٣
بساحة شريس، فخام حاميتها عن اللقاء وانحجروا في البلد، وقفل عنها إلى الجزيرة وقد امتلأت أيديهم من الأموال وحقائبهم من السبي وركائبهم من الكراع والسلاح.
ورأى أهل الأندلس قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطاعة الكبرى على أهل الكفر، واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه، وخشي على ثغور بلاده من عادية يغمراسن في الفتنة، فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد في وفد من بني مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع للاتفاق والموادعة. ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكرم موصله وموصل قومه. وبادر إلى الإجابة والألفة، وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السلطان لعقد السلم. وبعث معهم الرسل وأسنى الهدية وجمع الله كلمة الإسلام، وعظم موقع هذا السلم من أمير المسلمين لما كان في نفسه من الصاغية إلى الجهاد، وإيثاره مبرورات الأعمال. وبث الصدقات يشكر الله على ما منحه من التفرغ لذلك. ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع، ودعا المسلمين إلى الجهاد. وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابرة وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة. وأهاب بهم وشرع في إجازة البحر، فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين وستمائة واحتل بساحة طريف.
وكان لما استصرخه السلطان ابن الأحمر وأوفد عليه مشايخ الأندلس اشترط عليه النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره، فتجافى له عن رندة وطريف. ولما احتل بطنجة بادر إليه ابن هشام الثائر بالجزيرة الخضراء، وأجاز البحر إليه. ولقيه بظاهر طنجة فأدى له طاعته وأمكنه من قياد بلده. وكان الرئيس أبو محمد بن أشقيلولة وأخوه أبو إسحاق صهر السلطان ابن الأحمر تبعا له في أمره ومؤازرا له على شأنه كله. وأبوهما أبو الحسن هو الذي تولى كبر الثورة على ابن هود ومداخلة أهل إشبيلية في الفتك بابن الباجي. فلما استوت قدمه في ملكه وغلب الثوار على أمره فسد ما بينهما بعد أن كان ولى أبا محمد على مقاله وأبا إسحاق على وادي آش ، فامتنع أبو محمد بن أشقيلولة بمالقة واستأثر بها وبغربيتها دونه. ومع ذلك فكانوا على ٧/٢٥٤
الصاغية فيئة ولحمة. ولما أحس أبو محمد بإجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق، قدم إليه الوفد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم، وانحاش إلى جانب السلطان وولايته، وأمحضه المخالصة والنصيحة. فلما احتل السلطان بناحية طريف ملأت كتائبه ساحة الأرض ما بينهما وبين الجزيرة وتسابق السلطان ابن الأحمر، وهو الفقيه أبو محمد ابن الشيخ أبي دبوس صاحب غرناطة والرئيس أبو محمد بن أشقيلولة صاحب مالقة والغربية، وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش إلى لقاء السلطان وتناغوا في برور مقدمه والإذعان له، ففاوضهما في أمور الجهاد، وأرجعهما لحينه إلى بلديهما. وانصرف ابن الأحمر مغاضبا لبعض النزعات أحفظته وأغذ السير إلى الفرنتيرة، وعقد لولده الأمير أبي يعقوب على خمسة آلاف من عسكره. وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزرع وتحطم الغروس وتخرب العمران وتنتهب الأموال وتكتسح السرح وتقتل المقاتلة وتسبي النساء والذرية، حتى انتهى إلى المدور وتالسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنوة. وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها. وقفل والأرض تموج سبيا إلى أن عرس بأستجة من تخوم دار الحرب. وجاء النذير باتباع العدو وآثارهم لاستنقاذ أسراهم وارتجاع أموالهم. وأن زعيم الروم وعظيمهم ذنته خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه. فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفا من الفرسان أمامها، وسار يقتفيها، حتى إذا طلت رايات العدو من ورائهم كان الزحف، ورتب المصاف وحرض وذكر. وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها، وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها. وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها.
ولم يكن إلا كلا ولا، حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية، وقتل الزعيم ذننه والكثير من جموع الكفر. ومنح الله المسلمين أكتافهم، واستمر القتل فيهم. وأحصي القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف، واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده. ونصر الله حزبه ٧/٢٥٥
وأعز أولياءه ونصر دينه. وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامها بنصر الكلمة. وبعث أمير المسلمين برأس الزعيم ذننه إلى ابن الأحمر فرده زعموا سرا إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه، ولاية أخلصها لهم، مداراة وانحرافا عن أمير المسلمين، ظهرت شواهده عليه بعد حين كما نذكره، وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته، فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم، بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه. ويقال: كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا، ومن الأسارى سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين، ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة، وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة، حتى لقد زعموا بيعت الشاة في الجزيرة بدرهم واحد، وكذلك السلاح. وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياما ثم خرج لجمادى غازيا إلى إشبيلية فجاس خلالها وتقرى نواحيها وأقطارها، وأثخن بالقتل والنهب في جهاتها وعمرانها. وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح. ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته، ونظر في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزل عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم. وتحيز لها مكانا لصق الجزيرة، فأوعز ببناء المدينة المشهورة بالبنية وجعل ذلك لنظر من يثق به من ذويه . ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنة أربع وسبعين وستمائة فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر، واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على بادس مرفأ الجواز ببلاد غمارة. وتولى ذلك إبراهيم بن عيسى كبير بني وسناف بن محيو. ثم رحل إلى فاس فدخلها في شعبان، وصرف النظر إلى أحوال دولته، واختطاط البلد الجديد لنزله ونزل حاشيته، واستنزال الثوار عليه بالمغرب على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على بقية ذلك من الأحداث
لما قفل السلطان أمير المسلمين من غزاتة الجهادية، وتم صنع الله لديه في ظهور ٧/٢٥٦
الإسلام على يديه، واعتزاز أهل الأندلس بفيئته، راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته، شفعت مواهب السعادة، وأجملت عوائد الصنع، وذلك أن صبابة بني عبد المؤمن وفلهم، لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تين ملل جرثومة أمرهم، ومنبعث دعوتهم. وملاحد خلفائهم، وحضرة سلفهم، ودار إمامهم، ومسجد مهديهم. كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره، ملتمسين بركة زيارته، ويقدمون ذلك أمام غزواتهم قرية بين يدي أعمالهم يعتدونها من صالح مساعيهم. فلما خلص الفل إليه اعتصموا بمعقله وآووا إلى ركونه، ونصبوا للقيام بأمرهم عيصا من أعياص خلفاء بني عبد المؤمن ضعيف المنبه خاسر الصفقة من مواهب الحظ، وهو إسحاق أخو المرتضى. وبايعوه سنة تسع وستين وستمائة يرجون منه رجع الكرة، وإدالة الدولة، وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش.
ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن علي بن محلى على أعمال مراكش، لم يقدم عملا على محاربتهم، وتخذيل الناس عنهم، واستمالة أشياعهم. وجمعوا له سنة أربع وسبعين وستمائة على غرة ظنوها، فأوقع بهم وفل من غربهم. ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه، واقتحمه عليهم عنوة بعد مطاولة النزال والحرب. وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة، وتقبض على خليفته المستضعف. وابن عمه أبي سعيد ابن السيد أبي الربيع ومن معهما من الأولياء. وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة بمراكش، فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم. وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده، وعاثت العساكر في جبل تينما واكتسحت أمواله. وبعثرت قبور خلفاء بني عبد المؤمن. واستخرج شلو يوسف وابنه يعقوب المنصور، فقطعت رءوسهم. وتولى كبر ذلك أبو علي الملياني النازع إلى السلطان أبي يوسف من مليانة عش غوايته ومواطن انتزائه كما قدمناه وكان السلطان أقطعه بلاد أغوات إكراما لوفادته، فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر ٧/٢٥٧
وراى أن قد شفى نفسه بإخراج هؤلاء الخلائق من أرماسهم، والعيث بأشلائهم لما نقم منه الموحدون. وأزعجوه من قراره، فنكرها السلطان لجلاله. وتجاوز عنها للملياني تأنيسا لقربته وجواره، وعدها من هناته.
ولما وصل أمير المسلمين إلى حضرته من غزاة الجهاد، ترادفت عليه أخبار هذه الملحمة، وقطع دابر بني عبد المؤمن، فتظاهر السرور لديه، وارتفعت إلى الله كلمات الشكر طيبة منه. ولما سكن غرب الثوار، وتمهد أمر المغرب، ورأى أمير المسلمين أن أمره قد استفحل، وملكه قد استوسق، واتسع نطاق دولته، وعظمت غاشيته وكثر وافده، رأى أن يختط بلدا يتميز بسكناه في حاشيته وأهل خدمته وأوليائه الحاملين سرير ملكه. فأمر ببناء البلد الجديد لصق فاس، بساحة الوادي المخترق وسطها من أعلاه، وشرع في تأسيسها لثالث من شوال في سنة أربع وسبعين وستمائة هذه.
وجمع الأيدي عليها، وحشد الصناع والفعلة لبنائها. وأحضر لها الحزى والمعدلين لحركات الكواكب، فاعتاموا في الطوالع النجومية مما يرضون أثره، ورصدوا أوانه.
وكان فيهم الإمامان أبو الحسن بن القطان وأبو عبد الله بن الحباك، المقدمان في الصناعة، فكمل تشييد هذه المدينة على ما رسم وكما رضي. ونزلها بحاشيته، وذويه سنة أربع وسبعين وستمائة كما ذكرناه. واختطوا بها الدور والمنازل، وأجرى فيها المياه إلى قصوره، وكانت من أعظم آثار هذه الدولة وأبقاها على الأيام. ثم أوعز بعد ذلك ببناء قصبة مدينة مكناسة، فشرع في بنائها من سنته، وكان لحين إجازته البحر قافلا من غزاته لحق طلحة بن محلى بجبل أزرو نازعا إلى قبائل زناتة من صنهاجة، فاغذ إليه السلطان بعساكره وأناخ عليه. واستنزله لشهر على ما سأل من الأمان والرتبة. وحسم الداء من خروجه. واستوزر صنيعته فتح الله السدراتي، وأجرى له رزق الوزارة على عوائدهم. ثم بعث إلى يغمراسن كفاء هديته التي أتحفه بها بين يدي غزاته. وكان شغله عنها أمر الجهاد، فبعث له فسطاطا رائقا كان صنع له بمراكش، وحكمات مموهة بالذهب والفضة، وثلاثين من البغال الفارهة ذكورا وإناثا بمراكبها الفارسية من السروج، والنسوانية من الولايا، وأحمالا من الأديم المعروف دباغة بالشركسي، إلى غير ذلك مما يباهي به ملوك المغرب وينافسون فيه. ٧/٢٥٨
وفي سنة خمس وسبعين وستمائة من بعدها أهدى له محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، وصاحب جبل وانشريش أربعة من الجياد انتقاها من خيل المغرب كافة، ورأى أنها على قلة عددها أحفل هدية. وفي نفسه أثناء هذا كله من الجهاد شغل شاغل يتخطى إليه سائر أعماله حسبما نذكر.
الخبر عن إجازة أمير المسلمين ثانية وما كان فيها من الغزوات
لما قفل أمير المسلمين من غزاته الأولى، واستنزل الخوارج وثقف الثغور، وهادي الملوك واختط المدينة لنزله كما ذكرنا ذلك كله. ثم خرج فاتح سنة ست وسبعين وستمائة إلى جهة مراكش لسد ثغوره، وتثقيف أطرافه. وتوغل في أرض السوس، وبعث وزيره فتح الله السدراتي بالعساكر فجاس خلاله، ثم انكفأ راجعا. وخاطب قبائل المغرب كافة بالنفير إلى الجهاد، فتباطئوا واستمر على تحريضهم، ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة فثبطوا، فخف هو واحتل بطريف آخر محرم.
ثم ارتحل إلى الجزيرة، ثم إلى رندة. ووافاه هنالك الرئيسان أبو إسحاق بن أشقيلولة صاحب قمارش، وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه. وارتحلوا إلى منازلة إشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوي. وكان بها ملك الجلالقة ابن أدفونش، فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محاميا عن أهلها. ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الأمير أبا يعقوب في المقدمة، وزحف في التعبية فأحجروا العدو في البلد، واقتحموا أثرهم الوادي وأثخنوا فيهم. وباتت العساكر ليلتهم يجادون في متون الخيل وقد أضرموا النيران بساحتها. وارتحل من الغد إلى أرض الشرط، وبث السرايا والغوازي في سائر النواحي. وأناخ بجمهور العسكر عليها، فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها. ودخل حصن قطيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة، وأثخن في القتل والسبي. ثم ارتحل بالغنائم والأثقال إلى الجزيرة لسرار شهره، فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين. ثم خرج غازيا إلى شريش منتصف ربيع الآخر ٧/٢٥٩
فنازلها وأذاقها نكال الحرب. وأقفر نواحيها، وقطع أشجارها وأباد خضراءها وحرق ديارها، ونسف آثارها، وأثخن فيها بالقتل والأسر. وبعث ولده الأمير أبي يعقوب في سرية من معسكره للغوار على اشبيلية وحصون الواد ، فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطير . ثم صبح إشبيلية بمقارة فاكتسحها وانفكأ إلى أمير المسلمين، فقفلوا جميعا إلى الجزيرة. وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم. ثم ندب إلى غزو قرطبة، ورغبهم في عمرانها وثروة مساكنها، وخطب بلادها، فانعطفوا إلى إجابته، وخاطب ابن الأحمر يستنفره. وخرج لأول جمادى من الجزيرة، ووافاهم ابن الأحمر بناحية أرشدونة، فأكرم وصوله وشكر حفوفه الى الجهاد وبداره. ونازلوا حصن بني بشير فدخلته عنوة، وقتلت المقاتلة وسبيت النساء، ونفلت الأموال وخرب الحصن. ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي وأثرى العسكر. وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها، وانحجرت حامية العدو من وراء الأسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياهم في نواحيها، فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها. وترددوا على جهاتها، ودخل حصن بركونة عنوة، ثم أرجونة كذلك، وقدم بعثا إلى حيانة قاسمها حظها من الخسف والدمار. وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانها. وإتلاف بلده. فجنح إلى السلم وخطبه من أمير المسلمين، فدفعه إلى ابن الأحمر وجعل الأمر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه، وأجابهم ابن الأحمر إليه بعد عرضه على أمير المسلمين والتماس إذنه فيه لما فيه من المصلحة وجنوح أهل الأندلس إليه منذ المدد الطويلة، فانعقد السلم. وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الأحمر وخرج له عن الغنائم كلها، فاحتوى عليها. ودخل أمير المسلمين الى الجزيرة في أول رجب من عامئذ، فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور، وتملك مالقة كما نذكره. ٧/٢٦٠
الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن اشقيلولة
كان بنو اشقيلولة هؤلاء من رؤساء الأندلس المؤملين لمدافعة العدو، وكانوا نظراء لابن الأحمر في الرئاسة، وهما أبو محمد عبد الله وأبوا إسحاق إبراهيم ابنا أبي الحسن بن أشقيلولة. وكان أبو محمد منهم صهرا له على ابنته فكانوا له بذلك خاصة فأشركهم في أمره واعتضد بعصابتهم وبأبيهم من قبل على مقاومة ابن هود وسائر الثوار حتى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم الى مقامات الوزراء.
وعقد لأبي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية، وعقد لأبي الحسن صهره على أخته على وادي آش وما إليها، وعقد لابنه أبي إسحاق إبراهيم بن علي على قمارش وما إلى ذلك. ووجدوا في أنفسهم، واستمر الحال على ذلك. ولما هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وستمائة وولي ابنه الفقيه محمد، سموا إلى منازعته. وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق، وهو منازل طنجة. ووفد معه أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعته أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وستمائة وعقد له عليها. ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب، ثم رجع لسنته فقتل بمالقة. ولما أجاز السلطان إلى الأندلس إجازته الأولى سنة أربع وسبعين وستمائة تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الأحمر وفاوضهما السلطان في أمر الجهاد وردهما إلى أعمالها. ولما أجاز إجازته الثانية سنة ست وسبعين وستمائة لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا أشقيلولة: أبو محمد صاحب مالقة، وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش وقمارش، فشهدا معه الغزاة. ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة، ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان. وهو متلوم بالجزيرة، منصرفه عن الغزو كما ذكرناه، فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها، فعقد عليها لابنه أبي زيان منديل، فسار إليها في بعث، وكان ابن أشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان، أمر ابن عمه محمد الأزرق بن أبي الحجاج يوسف بن الزرقاء بإخلاء منازل السلطان بالقصبة واعدادها، فتم ذلك لثلاث ليال، واضطرب الأمير أبو زيان معسكره بخارجها، وأنفذ محمد بن عمران بن عيلة في ٧/٢٦١
رهط من رجال بني مرين إلى القصبة فنزلها وملك أمر البلد. وكان السلطان ابن الأحمر لما بلغه وفاة أبي محمد بن أشقيلولة سما أمله إلى الاستيلاء على مالقة وأن ابن أخته شيعة له. وبعث لذلك وزيره أبا سلطان عزيز الداني، فوافى معسكر الأمير أبي زيان بساحتها. ورجا أن يتجافى عنها لسلطانه، فأعرض عن ذلك وتجهم له.
ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان. وانقلب الداني عنها بخفي حنين، ولما قضى السلطان بالجزيرة صومه ونسكه، خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال، وبرز إليه أهلها في يوم مشهود، واحتفلوا له احتفال أيام الزينة سرورا بمقدم السلطان، ودخولهم في إيالته. وأقام فيهم إلى خاتم سنته. ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم. وأنزل معه المسالح وزيان بن أبي عياد بن عبد الحق في طائفة لنظره من أبطال بني مرين. واستوصاه بمحمد بن أشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة. ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وستمائة وقد اهتزت الدنيا لقدومه وامتلأت القلوب سرورا بما كيفه الله من نصر المسلمين بالعدوة، وعلو راية السلطان على كل راية.
وعظمت لذلك موجدة ابن الأحمر، ونشأت الفتنة كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن تظاهر ابن الأحمر والطاغية على منع السلطان أبي يوسف من إجازة ابن الأحمر واصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الأخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان على يغمراسن بخرزوزة
لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة إجازته الأولى، ولقي العدو بأستجة، وقتل الله ذننه بأيدي عسكره. وصنع له من الظهور والعز ما لا كفاء له، ارتاب ابن الأحمر بمكانه، فبدا له ما لم يكن يحتسب، وظن بأمير المسلمين الظنون، واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الأندلس. وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بني أشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لأمره، فشرق بمكانه وحذر غوائله. وتكدر الجو بينهما وأجاز الإجازة الثانية، فانقبض ابن الأحمر عن لقائه، ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على ألسنة كتابهما نسردها الآن، ٧/٢٦٢
(فمن ذلك قصيدة كتبها إليه ابن الأحمر سنة أربع وسبعين وستمائة بعد واقعة ذننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب، فخاطبه بها ليلة الإقامة بالجزيرة حذرا من غائلة العدو، وينحو فيها منحى الاستعطاف وهي من نظم كاتبه أبي عمر بن المرابط:
هل من معيني في الهوى أو منجدي ... من متهم في الأرض أو من منجد
هذا الهوى داع فهل من مسعف ... بإجابة وإنابة أو مسعد
هذا سبيل الرشد قد وضحت فهل ... بالعدوتين من امرئ مسترشد
يرجو النجاة بجنة الفردوس أو ... يخشى المصير إلى الجحيم الموقد
يا آمل النصر العزيز على العدا ... أجب الهدى تسعد به وتؤيد
سر النجاة إلى النجاة مشمرا ... إن الهدى لهو النجاة لمن هدي
يا من يقول غدا أتوب ولا غد ... ألديك علم أن تعيش إلى غد
لا تغترر بنسيئة الأجل الذي ... إن لم يحن لك نقده فكأن قد
سفر عليك طويلة أيامه ... لم تستعدا لطوله فاستعدد
أو ما علمت بأنه لا بد من ... زاد لكل مسافر فتزود
هذا الجهاد رئيس أعمال التقى ... خذمنه زادك لارتحالك تسعد
هذا الرباط بأرض أندلس فرح ... منه لما يرضي إلهك واغتدي
سودت وجهك بالمعاصي فالتمس ... وجها للقيا الله غير مسود
وامح الخطايا بالدموع فربما ... محت الدموع خطيئة المتعمد
من ذا يتوب لربه من ذنبه ... أو يقتدي بنبيه أو يهتدي
وتعوضت منهم بكل معاند ... مستكبر قد كان لم يتشهد
كم من أسير عندهم وأسيرة ... فكلاهما يبغي الفداء فما فدي
كم من عقيلة معشر معقولة ... فيهم تود لو انها في ملحد
كم من وليد بينهم قد ود من ... ولداه ودا أنه لم يولد
كم من تقي في السلاسل موثق ... يبكي لآخر في الكبول مقيد
وشهيد معترك توزعه الردى ... ما بين حدي ذابل ومهند
ضجت ملائكة السماء لحالهم ... ورثى لهم من قلبه كالجلمد
أفلا تذوب قلوبكم إخواننا ... مما دهانا من ردى أو من ردي ٧/٢٦٣
أفلا تراعون الأذمة بيننا ... من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم في إخوانكم ... وسيوفكم للثأر لم تتقلد
يا حسرتى لحمية الإسلام قد ... خمدت وكانت قبل ذا تتوقد
أين العزائم ما لها لا تقتضي ... هل يقطع الهندي غير مجرد
أبني مرين أنتم جيراننا ... وأحق من في صرخة بهم ابتدي
فالجار كان به يوصي المصطفى ... جبريل حقا في الصحيح المسند
أبني مرين والقبائل كلها ... في المغرب الأدنى لنا والأبعد
كتب الجهاد عليكم فتبادروا ... منه إلى الفرض الأحق الأوكد
وارضوا بإحدى الحسنيين وأقرضوا ... حسنا تفوزوا بالحسان الخرد
هذي الجنان تفتحت أبوابها ... والحور قاعدة لكم بالمرصد
هل من بايع من ربه من مشتر ... منه الحصول على النعيم السرمد
لله في نصر الخليفة موعد ... صدق فثوروا لانتجاز الموعد
هذي الثغور بكم إليكم تشتكي ... شكوى العديم إلى الغني الأوجد
ما بال شمل المسلمين مبدد ... فيها وشمل الكفر غير مبدد
أنتم جيوش الله ملء فضائه ... تأسون للدين الغريب المفرد
ماذا اعتذاركم غدا لنبيكم ... وطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال لم فرطتم في أمتي؟ ... وتركتموهم للعدو المعتدي؟
تالله لو أن العقوبة لم تخف ... لكفى الحياء من وجه ذاك السيد
إخواننا صلوا عليه وسلموا ... وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد
واسعوا لنصرة دينه يسقيكم ... من حوضه في الحشر أعذب مورد
وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه:
لبيك لا تخش اعتداء المعتدي إلخ وكذلك أجاب عنها أيضا مالك بن المرحل بقوله: ٧/٢٦٤
شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي إلخ فأجابهما أبو عمرو بن المرابط كاتب ابن الأحمر بقوله:
قل للبغاة وللعداة الحسد إلخ ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق الإجازة الثانية سنة ست وسبعين وستمائة كما نذكره، صار ابن الأحمر إلى الاستعتاب والرضا ولقي يعقوب بن عبد الحق فأنشد كاتبه أبو عمرو بن المرابط يوم اجتماعهما قوله بشرى لحزب الله والإيمان إلخ ولما انقضى المجلس أمر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلة قصيدته، وأنشدها ثاني المجلس بحضرة ابن الأحمر ونصها اليوم كن في غبطة وأمان إلخ ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية، جل عمله بعد مهلك صاحبها أبي محمد عبد الله بن أشقيلولة، فبرم لذلك وخيل عليه، ففزع الى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده بيده، وان يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدافع به السلطان وقومه عن أرضه، ويأمن معه من زوال سلطانه، لما كانت كلمة الإسلام حجزا دونه. فاهتبل الطاغية غرتها، ونكث عهد أمير المسلمين، ونقض السلم، ونبذ إليه العهد. واغزى أساطيله الجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعساكره. وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز. هنا وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه. وانتبذ عمر ابن يحيى بن محلى عن قومه بمكان إمارته مالقة، وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء لبني حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب. وأصهر عبد الحق أبو الأملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن، فكان من ولدها السلطان يعقوب بن عبد الحق. وكانت امرأة صالحة خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين وستمائة فقضت فريضة الله عليها وعادت إلى المغرب رابعة من السنين سنة سبع وأربعين وستمائة ثم خرجت ثانية سنة اثنتين وخمسين وستمائة فتطوعت بحجة أخرى وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين وستمائة فكان لبني محلى أبيها مكان من الدولة ودالة على السلطان لخؤولتهم ووشايج قرابتهم وغنائهم في قومهم ولما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش، عقد لمحمد بن علي بن محلى على جميع أعمالها، فكانت له بالاضطلاع بها مقاما محمودة. واتصلت ولايته عليها من لدن سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين وستمائة ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكر. ولما نزع محمد بن أشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين وستمائة ٧/٢٦٥
متجافيا له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبي محمد، واستولى السلطان عليها، واعتزم على الإجازة كما قدمناه، وعقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى. وكان أخوه طلحة بن يحيى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة، واعتزاز على السلطان بمكان الخئولة، وهو الذي قتل يعقوب بن عبد الحق بغبولة سنة ثمان وستين وستمائة كما قلناه، وظاهر فتح الله الهدراي مولى السلطان ووزيره على قتال أبي العلاء بن أبي طلحة بن أبي قريش، عامل المغرب بكدية العرايش بظاهر فاس سنة اثنتين وستين وستمائة ونزع سنة أربع وسبعين وستمائة إلى جبل آزروا عند مرجع السلطان من إجازته الأولى، فاستنزله ورجعه إلى مجلسه من جملته. ثم نزع من الجزيرة إلى غرناطة سنة ست وسبعين وستمائة عند مرجع السلطان من أمر مالقة، وأجاز البحر إلى بلاد الريف. ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بني توجين. ثم أجازا إلى الأندلس سنة سبع وسبعين وستمائة عند ما أضرم نار هذه الفتنة بين هذا السلطان وبين ابن الأحمر والطاغية، واحتل أسطول النصارى بالزقاق، وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر. وأحس أخوه عمر صاحب مالقة باظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل فلاطفه ابن الأحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول عن مالقة، والاعتياض عنها بشلوبانية والمنكب طعمة. وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب وخرج ابن الأحمر بعساكره إلى مالقة، وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بو عياد قائد بني مرين ومحمد بن أشقيلولة. وأمكن ابن الأحمر من البلد فداخلها آخر رمضان من سنته.
وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان السلطان ائتمنه عليه من المال والعدد الجهادية. واتصلت يد ابن الأحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الإجازة، وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في مشاقة السلطان وإفساد ثغوره وإنزال العوائق به المانعة من حركته، والأخذ بأذياله عن النهوض إلى الجهاد. وأسنوا فيما بينهما الإتحاف والمهاداة. وجنب يغمراسن إلى ابن الأحمر ثلاثين ٧/٢٦٦
من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف، وبعث إليه ابن الأحمر صحبة ابن مروان التجاني كفء ذلك عشرة آلاف دينار، فلم يرض بالمال في هديته ورده.
وأصفقت أيديهم جميعا على السلطان، ورأوا أن قد بلغوا في إحكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم، واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش. كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر المحرم فاتح سبع وسبعين وستمائة لما كان من عيث العرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة. فنقف أطرافها وحسم أدواءها. ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة، نهض لثالثة من شوال يريد طنجة. ولما انتهى إلى تامسنا، وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة، وإحاطة عساكره بها سادس شوال، بعد أن كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع، وأنه مشرف على التهامها. وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل.
ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذي القعدة. وأن الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم. فكر إليه راجعا وقدم بين يديه حافده تاشفين بن أبي مالك، ووزيره يحيى حازم، وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه، وانتهب معسكرهم وحللهم، واستباح عرب الحرث ابن سفيان. ولحق مسعود بمعقل السكسيوي، ونازلة السلطان بعساكره أياما.
وسرح ابنه الأمير أبا زيان منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها، فأوغل في ديارها وقفل إلى أبيه خاتم سنته. واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال وإعواز الأقوات، وأنهم قتلوا الأصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر، فأهمه ذلك وأعمل النظر فيه، وعقد لولي عهده ابنه الأمير أبي يعقوب من مراكش على الغزو إليها. وأغزى الأساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم، فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وسبعين وستمائة وأوعز إلى البلاد البحرية لاعداد الأساطيل بسبتة وطنجة وسلا، وقسم الأعطيات وتوفرت همم المسلمين على الجهاد، وصدقت عزائمهم على الموت. وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفي صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن، وقام فيه المقام المحمود. واستقر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه.
ورأى ابن الأحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة، وإشراف الطاغية على أخذها، فندم في ممالأته ونبذ عهده، وأعد أساطيل سواحله من المنكب والمرية ومالقة مددا ٧/٢٦٧
للمسلمين. واجتمعت الأساطيل بمرفإ سبتة تناهز السبعين، قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زي وأحسن قوة وأكمل عدة وأوفر عدد، وعقد عليهم الأمير أبو يعقوب رايته، وأقلعوا عن طنجة ثامن ربيع الأول. وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه، وباتوا ليلة المولد الكريم بمرقى الجبل، وصبحوا العدوة وأساطيلهم تناهز أربعمائة، فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من شكتهم، وأخلصوا لله عزائمهم، وصدقوا مع الله نياتهم، وتنادوا بالجنة شعارهم. ووعظ وذكر خطباؤهم، والتحم القتال ونزل الصبر. ولم يكن إلا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل، فانكشفوا وتساقطوا في العباب. فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم، وملك المسلمون أساطيلهم ودخلوا مرقى الجزيرة وفرضتها عنوة، فاختل معسكر الطاغية. وداخلهم الرعب من إجازة الأمير أبي يعقوب ومن معه من الحامية، فأفرج لحينه عن البلد، وانتشرت النساء والصبيان بساحته، وغلبت المقاتلة كثيرا من العسكر على مخلفهم، فغنموا من الحنطة والأدم والفواكه ما ملأ أسواق البلد أياما، حتى وصلتها الميرة من النواحي.
وأجاز الأمير أبو يعقوب من حينه فأرهب العدو في كل ناحية، وصده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الأحمر، فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما، ويصل به لمنازلة غرناطة يدا. وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسه، وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة. وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الأمير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها، ونكر على ابنه. وزوى عنه وجه رضاه، ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي. وأجاز أبو يعقوب ابن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة، فلقوا السلطان بمكانه من بلاد السوس. وولى عليهم ابنه أبا زيان فنزل بالجزيرة، وأحكم العقدة مع الطاغية، ونازل المريلة من طاعة ابن الأحمر برا وبحرا فامتنعت عليه. وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذرا من الطاغية فتقبلهم. ثم جاءه المدد من المغرب، ونازل رندة فامتنعت. والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الأندلس. ونازل ابن الأحمر بغرناطة مع بني أشقيلولة وابن الدليل. ثم راجع ابن الأحمر مسالمة بني مرين، وبعث لأبي زيان ابن السلطان بالصلح، واجتمع معه بأحواز مريلة كما نذكر بعد. ٧/٢٦٨
ولما ارتحل السلطان من معسكره إلى جبل السكسيوي يريد السوس، ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه الى مراكش حتى إذا انقضت غزاة البربر رجع إلى فاس، وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا للجهاد. وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين وستمائة حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة، وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية، وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها. وظاهره على ابن الأحمر منافسوه في رياسته بنو أشقيلولة، فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبي إسحاق صاحب وادي آش، ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين وستمائة خمسة عشر يوما ثم أفرجوا، ولقيتهم عساكر غرناطة من زناتة بعد ذلك من سنتهم. وغلبهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معطي كبير تيربيغين بحصن المسلى، فأظهرهم الله عليهم. وهلك من النصارى ما يناهز سبعمائة من فرسانهم. واستشهد فيها من أعياص بني مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق. واستجر الطاغية سنة ثمانين وستمائة بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله أخو صاحب وادي آش إلى منازلة غرناطة، فنازلها الطاغية وأقام عليها أياما. ثم ارتحل وقد اعتز عليهم، وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الأحمر من خسف الطاغية، فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة، فرجع السلطان إلى إزالة العوائق عن شأنه من الجهاد، وكان من أعظمها فتنة يغمراسن.
واستيقن ما دار بينه وبين ابن الأحمر والطاغية ابن أخي أدفونش من الاتصال والاصفاق في تجديد الصلح والاتفاق، فلج وكشف الوجه في العناد وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة، وأنه معتزم على طي بلاد المغرب. فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن. وقفل إلى فاس لثلاثة أشهر من نزوله طنجة، فدخلها آخر شوال وأعاد الرسل إلى يغمراسن لإقامة الحجة عليه، والتجأ بمسالمة بني توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمير المسلمين. فقام يغمراسن في ركائبه وقعد ولج في طغيانه. وارتحل أمير المسلمين من فاس سنة تسع وسبعين وستمائة وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى. ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار ٧/٢٦٩
العساكر ثم ارتحل إلى تاسة ثم تاقيا وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم، والتقت عيون القوم، فكانت بينهم حرب. وركب على آثارهما العسكران والتحم القتال، وكان الزحف بخرزوزة من ملعب تيفني ، ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الأمير أبي يعقوب جناحين للعسكر. واشتد القتال سائر النهار، وانكشف بنو عبد الواد عند ما أراح القوم، وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط، وبات عسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم، واتبعوا من الغد آثار عدوهم. واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن، وامتلأت أيدي بني مرين من نعمهم وشائهم. ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة. ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، لقيه بناحية القصبات، وعاثوا جميعا في بلاده نهبا وتخريبا ثم أذن لبني توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوما لوصول محمد بن عبد القوي وقومه إلى منجاتهم من جبل ونشريس حذرا عليهم من غائلة يغمراسن. ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين وستمائة ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها فاتح إحدى وثمانين وستمائة بعدها، وسرح ابنه الأمير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره، ووافاه بمراكش صريخ الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه، فاغتنم الفرصة في فساد بينهم لقضاء أربه من الجهاد، وارتحل مبادرا بالإجازة إلى الأندلس. والله تعالى أعلم.
الخبر عن اجازة السلطان أبي يوسف صريخا للطاغية لخروج ابنه شانجة عليه وافتراق كلمة النصرانية وما كان في هذه الأخبار من الغزوات
لما رجع السلطان من غزاة تلمسان إلى فاس، وارتحل إلى مراكش وافاه بها وفد الطاغية من بطارقته وزعماء دولته، وقواميس ملته صريخا على ابنه شانجة. خرج عليه في طائفة من النصارى وغلبوه على أمره، فانتصر أمير المسلمين ودعاه لحربهم ٧/٢٧٠
وأمله لاسترجاع ملكه من أيديهم، فأجاب أمير المسلمين داعية رجاء للكرة بافتراقهم، وارتحل حتى انتهى إلى قصر المجاز، وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد، وأجاز إلى الخضراء فاحتل بها لربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين وستمائة واجتمعت عليه مسالح الثغور بالأندلس وسار حتى نزل صخرة عباد ، فوافاه بها الطاغية ذليلا لعز الإسلام مؤملا صريخ السلطان، فأكبر وفادته وأكرم موصله وعظم قدره وأمده لنفقاته بمائة ألف من مال المسلمين استرهن فيها التاج الذخيرة عند سلفه، وبقي بدارهم فخرا للأعقاب لهذا العهد. ودخل معه دار الحرب غازيا حتى ينازل قرطبة، وبها شانجة ابن الطاغية الخارج عليه مع طائفة، فقاتلها أياما ثم أفرج عنها.
وتنقل في جهاتها ونواحيها وارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها، وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط من أقصى الثغر، فامتلأت أيدي المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التي استاقوها. وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها لشعبان من سنته، وكان عمر بن محلى نزع إلى طاعة السلطان فهم به ابن الأحمر، ونبذ إليه عهده. وارتجع المنكب من يده ونازلة بعساكره فاتح هذه السنة، فجهز السلطان إليه لوصوله الجزيرة أسطوله. وأفرج ابن الأحمر عنه، فبادر إلى السلطان بطاعته، ووصل بيعة شلوبانية فأبقاه فيها بدعوته. ثم راجع طاعة ابن الأحمر في شوال من سنته، فتقبل فيئته وأعاضه عنها بالمنكب إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن شأن السلم مع ابن الأحمر وتجافي السلطان له عن مالقة ثم تجدد الغزو بعد ذلك
لما اتصلت يد السلطان بيد الطاغية، خشي ابن الأحمر غائلته، فجنح إلى موالاة شانجة الخارج عن أبيه. ووصل يده بيده، وأكد له العقد على نفسه وأضرمت له الأندلس نارا وفتنة. ولم تغن شانجة عن ابن الأحمر شيئا ورجع السلطان من غزاته مع الطاغية، وقد ظهر على ابنه فأجمع على منازلة مالقة، ونهض إليها من الجزيرة فاتح اثنتين وثمانين وستمائة فتغلب على الحصون الغربية كلها. ثم أسعف إلى مالقة ٧/٢٧١
فأناخ عليها بعساكره. وضاق النطاق على ابن الأحمر وبدا له سوء المغبة في شأن مالقة ومداخلة ابن محلى في الغدر بها، وأعمل نظره في الخلاص من ورطتها. ولم ير لها إلا ولي عهد السلطان ابنه أبا يوسف، فخاطبه بمكانه من المغرب مستصرخا لرقع هذا الخرق، وجمع كلمة المسلمين على عدوهم، فأجابه واغتنم المثوبة في مسعاه.
وأجاز لشهر صفر، فوافى أمير المسلمين بمعسكره على مالقة. ورغب منه السلم لابن الأحمر عن شأن مالقة والتجافي له عنها، فأسعف رغبة ابنه لما يؤمل في ذلك من رضى الله في جهاد عدوه وإعلاء كلمته. وانعقد السلم وانبسط أمل ابن الأحمر، وتجددت عزائم المسلمين، وقفل السلطان إلى الجزيرة وبث السرايا في دار الحرب فأوغلوا وأثخنوا. ثم استأنف الغزو بنفسه إلى طليطلة فخرج من الجزيرة غازيا غرة ربيع الثاني من سنة اثنتين وثمانين وستمائة حتى انتهى إلى قرطبة، فأثخن وغنم وخرب العمران وافتتح الحصون. ثم ارتحل نحو البرت وخلف معسكره بظاهر بياسة وأغذ السير في أرض قفر لليلتين انتهى إلى البرت من نواحي طليطلة ، فسرح الخيل في البسائط حتى تقرى جميع ما فيها. ولم ينته إلى طليطلة لتثاقل الناس بكثرة الغنائم، وأثخن في القتل، وقفل على غير طريقه فأثخن وخرب وانتهى إلى أبدة. ووقف بساحتها والعدو منحجزون، ثم رجع إلى معسكره بساسة وأراح ثلاثا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها. وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها شهر رجب وقسم الغنائم ونفل من الخمس. وولى على الجزيرة حافده عيسى ابن الأمير أبي مالك ابنه، فهلك شهيدا بالمعترك لشهرين من ولايته، وأجاز السلطان غرة شعبان إلى المغرب، ومعه ابنه أبو زيان منديل، وأراح بطنجة ثلاثا. وأغذ السير إلى فاس فاحتل بها آخر شعبان، ولما قضى صيامه ونسكه، ارتحل إلى مراكش لتمهيدها. وتفقد أحوالها. وقسم من نظره لنواحي سلا وأزدرد فأقام برباط الفتح شهرين اثنين، واحتل مراكش فاتح ثلاث وثمانين وستمائة وبلغه مهلك الطاغية ابن أدفونش واجتماع النصرانية على ابنه شانجة الخارج عليه، فتحركت إلى الجهاد عزائمه وسرح الأمير أبا يعقوب ولي عهده ٧/٢٧٢
بالعسكر إلى بلاد السوس لغزو العرب، وكف عاديتهم، ومحو آثار الخوارج المنتزين على الدولة، فأجفلوا أمامه، واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد السوس، فهلك أكثر العرب في تلك القفار مسغبة وعطشا، وقفل لما بلغه من اعتلال أمير المؤمنين، ووصل إلى مراكش وقد أبل، وقد اعتزم على الجهاد والغزو وشكر الله، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن إجازة السلطان أبي يوسف الرابعة ومحاصرة شريش وما تخلل ذلك من الغزوات
لما اعتزم أمير المسلمين على الإجازة واعترض جنوده وحاشيته، وأزاح عللهم، وبعث في قبائل المغرب بالنفير، ونهض من مراكش في جمادى الآخرة لثلاث وثمانين وستمائة واحتل رباط الفتح منتصف شعبان فقضى به صومه ونسكه، ثم ارتحل إلى قصر مصمودة وشرع في إجازة العساكر والحشود من المرتزقة والمطوعة خاتم سنته. ثم أجاز البحر بنفسه غرة صفر من سنة أربع وثمانين وستمائة بعدها واحتل بظاهرها . ثم سار منها إلى الخضراء وأراح أياما. ثم خرج غازيا حتى انتهى إلى وادلك ، وسرح الخيول في بلاد العدو وبسائطها يحرق وينسف. فلما خرب بلاد النصرانية ودمر أرضهم قصد مدينة شريش ، فنزل بساحتها وأناخ عليها، وبث السرايا والغارات في جميع نواحيها، وبعث المسالح التي كانت بالثغور، فتوافت لديه. ولحقه حافده عمر بن أبي مالك بجمع وافر من المجاهدين من أهل المغرب فرسانا ورجالا، ووافته حصة العزفي من سبتة غزاة ناشبة تناهز خمسمائة من الرجل. وأوعز إلى ولي عهده الأمير أبي يعقوب باستنفار من بقي بالعدوة من المسلمين الى الجهاد، وعقد لحافده الآخر منصور بن عبد الواحد على ألف فارس من الغزاة. وأعطاه الراية ٧/٢٧٣
وسرحه لغزو إشبيلية لآخر صفر من سنته، فغنموا ومروا بقرمونة في منصرفهم.
فاستباحوها وأثخنوا بالقتل والأسر ورجعوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم. وبعث وزيره محمد بن عطو ومحمد بن عمران بن عبلة عيونا، فوافوا حصن القناطر وروطة، واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور، فعقد ثانية لحافده عمر بن عبد الواحد على مثلها من الفرسان لثالثة من ربيع وأعطاه الراية، وسرحه إلى بسائط وادلك، فرجعوا من الغنائم بما ملأ العساكر بعد أن أثخنوا فيها بالقتل والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثمار، وأبادوا عمرانها. ثم سرح ثامن ربيع عسكرا للإغارة على حصن أركش، ووافوه على غرة فاكتسحوا أموالهم. ثم عقد تاسع ربيع لابنه أبي معروف على ألف من الفرسان. وسرحه لغزو إشبيلية فساروا حتى توقف عليها.
وانحجزت منه حاميتها، فخرب عمرانها وحرق زروعها وقطع شجرها. وامتلأت أيدي عسكره سبيا وأموالا، ورجع إلى معسكر السلطان مملوء الحقائب. ثم عقد ثالثة لحافده عمر منتصف ربيع لغزو حصن كان بالقرب من معسكره، وسرح الرجل من الناشبة والفعلة بالآلات. وأمده بالرجل من المصامدة. وغزاة سبتة فاقتحموه عنوة على أهله، وقتلوا المقاتلة وسبوا النساء والذرية، وأرغموا خده بالتراب.
ولسبع عشرة من الشهر ركب السلطان إلى حصن سقوط قريبا من معسكره، فخربه وحرقه بالنار، واستباحة. وقتل المقاتلة وسبى أهله. ولعشرين من شهره وصل ولي عهده، الأمير أبو يعقوب من العدوة بنفير أهل المغرب وكافة القبائل في جيوش ضخمة، وعساكر موفورة، وركب أمير المسلمين للقائهم وبرور مقدمهم. واعترض العساكر الموافية يومئذ فكانت ثلاثة عشر ألفا من المصامدة، وثمانية آلاف من برابرة المغرب متطوعون كلهم بالجهاد، فعقد السلطان له على خمسة آلاف من المرتزقة وألفين من المتطوعة وثلاثة عشر ألفا من الرجل والفين من الناشبة وسرحه لغزو إشبيلية والإثخان في نواحيها، فعبى كتائبه ونهض لوجهه. وبث الغارات بين يديه، فأثخنوا وسبوا وقتلوا واقتحموا الحصون واكتسحوا الأموال. وعاج على الشرق والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم من حصونها عدة، وقفل إلى معسكر أمير المسلمين ٧/٢٧٤
ظاهرا عزيزا غانما. ولسادس ربيع الثاني وصل الأمير أبو زيان منديل بن طريف بعسكر وافر من المسلمين فعقد له غداة وصوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادي الكبير، فأغار على قرمونة. وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له وصدقهم القتال فانكشفوا حتى احجزوهم في البلد. ثم أحاطوا ببرج كان قريبا من البلد، فقاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة، ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة إشبيلية، فأغار واقتحم برجا كان هنالك عينا على المسلمين، وأضرمه نارا.
وامتلأت أيدي عساكره، وقفل إلى معسكر أمير المسلمين.
ولثلاث عشرة من ربيع الثاني عقد للأمير أبي يعقوب لمنازلة جزيرة كيوثر ، فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة. وفي ثاني جمادى عقد لطلحة بن يحيى بن محلى، وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين وستمائة خرج إلى الحج، فقضى فرضه ورجع، ومر في طريقه بتونس واتهمه الدعي ابن أبي عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة اثنتين وثمانين، ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب. ثم أجاز الأندلس غازيا في ركاب السلطان، فعقد له في هذه الغزاة على مائتين من الفرسان وسرحه إلى إشبيلية ليكون رتبة للمعسكر وبعث معه لذلك عيونا من اليهود والمعاهدين من النصارى، يتعرفون له أخبار الطاغية شانجة وأمير المسلمين أثناء ذلك يغادي شريش ويراوحها بالقتال والتخريب، ونسف الآثار، وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو، فلا يخلو يوما عن تجهيز عسكر أو اغزاء جيش أو عقد راية أو بعث سرية، حتى انتسف العمران في جميع بلاد النصرانية، وخرب بسائط إشبيلية وليلة وقرمونة واستجة وجبال الشرق وجميع بسائط الفرنتيرة. وأبلى في هذه الغزوات عياد العاصمي من شيوخ جشم، وخضر الغزي أمير الأكراد بلاء عظيما.
وكان لهم فيها ذكر. وكذلك غزاة سبتة وسائر المجاهدين والعرب من جشم وغيرهم.
فلما دمرها تدميرا ونسفها تخريبا واكتسحها غارة ونهبا، وزحم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر، اعتزم على القفول وأفرج عن شريش لآخر رجب، ووافاه مدد غرناطة من عساكر الغزاة وقائدهم يعلى بن أبي عياد بن عبد الحق بوادي بردة، ٧/٢٧٥
فلقاهم مبرة، وتكريما وانقلبوا إلى أهلهم. واتصل به أن العدو أوعز إلى أساطيله باحتلال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز أمير المسلمين الى جميع سواحله من سبتة وطنجة والمنكب وجزيرة وطيف وبلاد الريف ورباط الفتح. واستدعى أساطيله فتوافت منها ستة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها وعديدها، فأحجمت أساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها. واحتل بالجزيرة غرة رمضان. واستيقن الطاغية شانجة وأهل ملته أن بلادهم قد فنيت وأرضهم خربت وتبينوا العجز عن المدافعة والحماية، فجنحوا إلى السلم وضرعوا إلى أمير المسلمين في كف عاديته عنهم على ما يذكر ووصل إلى السلطان بمكانه من منازلة شريش عمر بن أبي يحيى بن محلى نازعا إلى طاعته، فاتهمه لما سبق من تلاعبه وأمر أخاه طلحة فنكبه. واحتمل إلى طريف فاعتقل بها، وسار طلحة إلى المنكب فاستصفى أموال أخيه عمر وذخائره وسار إلى السلطان. وأقر ثانية أخاه موسى على عمله بالمنكب، وأمده بعسكر من الرجل. ثم أطلق عمر لليال من اعتقاله. وأجاز طلحة وعمر في ركاب السلطان.
ونزع منصور بن أبي مالك حافد السلطان إلى غرناطة، ثم لحق منها بالمنكب وأقام مع موسى بن أبي يحيى بن محلى، فأقره السلطان ورضي بمقامه والله تعالى أعلم.
الخبر عن وفادة الطاغية شانجة وانعقاد السلم ومهلك السلطان على تفيئة ذلك
لما نزل ببلاد النصرانية بلاد ابن أدفونش من أمير المسلمين ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبي نسائهم وإبادة مقاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم، زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر واستيقنوا أن لا عاصم من أمير المسلمين، فاجتمعوا إلى طاغيتهم شانجة، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، متوجعين مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم النكال. وحملوه على الضراعة لأمير المسلمين في السلم وإيفاد الملأ من كبار النصرانية عليه في ذلك. وإلا فلا تزال تصيبهم منه قارعة، وتحل قريبا من دارهم فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمة لدينه. وأوفد على أمير المسلمين من بطارقتهم وشما مستهم وأساقفهم يخطبون السلم ويضرعون في المهادنة والإبقاء ووضع أوزار الحرب، فردهم أمير المسلمين ٧/٢٧٦
اعتزازا عليهم. ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه. فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن من صاغيتهم إليه وذلهم لعز الإسلام. وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه، والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو غداوتهم، ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده، وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة. وبعث لعمه عبد الحق ابن الترجمان باشتراط ذلك وأحكام عقده. فاستبلغ وأكد في الوفاء. ووفدت رسل ابن الأحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه دون أمير المسلمين على قومه، ومدافعته عنهم، فأحضرهم بمشهد ابن الترجمان وأسمعهم ما عقد أمير المسلمين على قومه وأهل ملته. وقال لهم إنما أنتم عبيد آبائي فلستم معي في مقام السلم والحرب، وهذا أمير المسلمين ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عنكم فانصرفوا. ولما رأى عبد الحق صاغيته إلى مرضاة السلطان وسوس إليه بالوفادة لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة، وأراه مغبة ذلك في سل السخيمة وتسكين الحفيظة وتمكين الألفة، فصغى إلى وفاته. وسأل لقي الأمير أبي يعقوب ولي عهده من قبل ليطمئن عليه، فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش.
وباتا بمعسكر المسلمين هنالك. ثم ارتحلا من الغد للقاء أمير المسلمين وقد أمر الناس بالاحتفال للقاء الطاغية وقومه وإظهار شعار الإسلام أبهته، فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية.
ولقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل. وقدم الطاغية بين يديه هدية أتحف بها أمير المسلمين وابنه من ظرف بلاده، كان فيها زوج من الحيوان الوحشي المسمى بالفيل، وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الظرف. فقبلها السلطان وابنه وقابلوه بكفائها ومضاعفتها، وكمل عقد السلم، وتقبل الطاغية سائر الشروط ورضي بعز الإسلام عنه. وانقلب إلى قومه بملء صدره من الرضا والمسرة وسأل منه أمير المسلمين أن يبعث من كتب العلم التي بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام، فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر حملا بعث بها إليه، فوقفها السلطان بالمدرسة التي أسسها بفاس لطلب العلم.
وقفل أمير المسلمين إلى الجزيرة لليلتين بقيتا لرمضان، فقضى صومه ونسكه. وجعل من قيام ليله جزءا لمحاضرة أهل العلم. وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم الفطر بمشهد ٧/٢٧٧
الملأ في مجلس أمير المسلمين. وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة عزوز المكناسي. ذكر فيها سير أمير المسلمين وغزواته على نسق.
ثم أعمل أمير المسلمين نظره في الثغور فرتب بها المسالح وعقد عليها لابنه الأمير أبي زيان منديل، وأنزله بركوان مقربة مالقة، واستوصاه بأن لا يحدث في بلاد ابن الأحمر حدثا. وعقد لعياد بن أبي عياض العاصمي على مسلحة أخرى، وأنزله بأصطبونة. وأجاز ابنه الأمير أبا يعقوب لتفقد أحوال المغرب ومباشرة أموره، فأجاز في أسطول القائد محمد بن القاسم الرنداحي قائد سبتة. وأوعز إليه بالبناء على قبر أبيه أبي الملوك عبد الحق، ولقيه إدريس بتافرطست، فاختط هنالك رباطا وبنى على قبورهم أسمنة من الرخام، ونقشها بالكتابة، ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن، ووقف على ذلك ضياعا وفدنا. وهلك خلال ذلك وزيره يحيى بن أبي منديل العسكري لمنتصف رمضان. ثم اعتل بعد ذلك أمير المسلمين لشهر ذي الحجة واشتد وجعه وهلك لآخر محرم سنة خمس وثمانين وستمائة والله أعلم.
الخبر عن دولة السلطان وما كان فيها من الاحداث وشأن الخوارج لأول دولته
لما اعتل أمير المسلمين أبو يوسف بالجزيرة، مرضه نساؤه، وطيرن الخبر إلى ولي العهد الأمير أبي يعقوب وهو بمكانه من المغرب، فأغذ السير، وقضى أمير المسلمين قبل وصوله، فأخذ له البيعة على الناس وزراء أبيه وعظماء قومه، وأجاز إليهم البحر، فجددوا بيعته غرة صفر سنة خمس وثمانين وستمائة وأخذوها على الكافة. وانعقد أمر السلطان يومئذ ففرق الأموال وأجزل الصلات، وسرح السجون ورفع عن الناس الأخذ بزكاة الفطر، ووكلهم فيها إلى أمانتهم. وقبض أيدي العمال عن الظلم والاعتداء والجور على الرعايا، ورفع المكوس ومحا رسم الرتب، وصرف اعتناءه إلى إصلاح السابلة. وكان أول شيء أحدث من أمره إلى أن بعث ابن الأحمر وضرب موعدا للقائه، فبدر إليه ولقيه بظاهر مربالة لأول ربيع. ولقاه مبرة وتكريما ٧/٢٧٨
وتجافى له عن جميع الثغور الأندلسية التي كانت لمملكته ما عدا الجزيرة وطريف.
وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة، ورجع السلطان إلى الجزيرة ووافاه بها وفد الطاغية شانجة مجددين عقد السلم الذي عقد له أمير المسلمين عفا الله عنه فأجابهم. ولما تمهد أمر الأندلس ومر عن النظر فيها، عهد لأخيه أبي عطية العباس على الثغور الغربية والإمارة عليها. وعقد لعلي بن يوسف بن يزكاسن على مسالحها، وأمده بثلاثة آلاف من عساكره. وأجاز إلى المغرب فاحتل بقصر مصمودة سابع ربيع الثاني. ثم ارتحل إلى فاس، واحتل بها لاثنتي عشرة خلت من جمادى، ولحين استقراره بدار ملكه، خرج عليه محمد بن إدريس بن عبد الحق في إخوته وبنيه وذويهم، ولحق بجبل ورغة . ودعا لنفسه، وسرح إليه السلطان أخاه أبا معروف، فبدا له في النزوع إليهم، ولحق بهم. فأغزاهم السلطان عساكره وردد إليهم البعوث والكتائب، وتلطف في استنزال أخيه، فنزل عن الخلاف وعاد إلى حسن طاعته. وفر أولاد إدريس إلى تلمسان، وتقبض عليهم أثناء طريقهم، وسرح السلطان أخاه أبا زيان إلى تازى، وأوعز إليه بقتلهم بمليلي خارج تازى لرجب من سنة خمس وثمانين وستمائة ورهب الأعياص عند ذلك من بادرة السلطان ففرقوا ولحق بغرناطة أولاد أبي العلاء إدريس بن عبد الحق، وأولاد يحيى بن عبد الحق، وأولاد عثمان بن يزول.
ورجع أولاد أبي يحيى إلى السلطان بعد اقتضاء عهده وأمانه. وهلك أخوه محمد بن يعقوب بن عبد الحق لشعبان من منته. وهلك عمر ابن أخيه أبي مالك بطنجة. ثم خرج على السلطان عمر بن عثمان بن يوسف العسكري بقلعة قندلاوة، ونبذ الطاعة وأذن بالحرب. وأوعز السلطان إلى بني عسكر ومن إليهم من القبائل المجاورين لها، فاحتشدوا له ونازلوه. ثم نهض بركابه وعساكره إلى منازلته، واحتل بسدورة ، وخافه عمر على نفسه، وأيقن أنه أحيط به، فسأل الأمان.
وبذله السلطان على شريطة اللحاق بتلمسان، فبعث من يوثق به من الخيرة فنزل.
فوفى له السلطان بعهده، ولحق بتلمسان بأهله وولده.
ثم ارتحل السلطان في رمضان من سنته إلى مراكش لتمهيد أنحائها، وتثقيف أطرافها، ٧/٢٧٩
واحتل بها في شوال، واعتمل النظر في مصالحها، ونزع خلال ذلك طلحة بن محلى البطوي إلى بني حسان من المعقل، وخرج على السلطان ودعا لنفسه. وعقد السلطان لمنصور ابن أخيه أبي مالك على العساكر، وعهد له بولاية السوس وسرحه لاستنزال الخوارج، ومحو آثار الفساد. وارتاب بمكان أخيه عمر فغربه إلى غرناطة، فقتله أولاد أبي العلاء يوم وصوله إليها، فسار الأمير منصور في الجيوش والكتائب، وغزا عرب المعقل وأثخن فيهم. وقتل طلحة بن محلى في بعض حروبهم لثلاث عشرة في جمادى سنة ست وثمانين وستمائة وبعث برأسه إلى سدة السلطان فعلق بتازى. ثم نهض في رمضان لغزو المعقل بصحراء درعة لما أضروا العمران وأفسدوا السابلة. وسار إليهم في اثني عشر ألفا من الفرسان، ومر على بلاد هسكورة معترضا جبل درن. وأدركهم بالقفر نواجع، فأثخن فيهم بالقتل والسبي. واستكثر من رءوسهم فعلقت بشرافات مراكش وسجلماسة وفاس. وعاد من غزوة إلى مراكش آخر شوال، فنكب محمد بن علي بن محلى عاملها القديم الولاية عليها من لدن غلب الموحدين، لما وقع من الارتياب بأولاد محلى لما آتاهم كبيرهم طلحة، فنكب غرة المحرم من سنة سبع وثمانين وستمائة. وهلك في محبسه لشهر صفر بعده. وهلك على ذلك المزوار قاسم بن عتو . وعقد السلطان على مراكش وأعمالها لمحمد بن عطو الجاناتي من موالي دولتهم ولاء الحلف. وترك معه ابنه أبا عامر. ثم ارتحل إلى حضرة فاس، فاحتل بها منتصف ربيع، ووافته بها عرسه بنت موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق من غرناطة في وفد من وزراء ابن الأحمر وأهل دولته، فأعرس بها وكان بعث إلى أبيها من قبل في الاصهار بها. ووافت معها رسل ابن الأحمر يسألونه التجافي عن وادي آش، فأسعفهم بها، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن دخول وادي آش في طاعة السلطان ثم رجوعها الى طاعة ابن الأحمر
كان أبو الحسن بن أشقيلولة ظهير السلطان ابن الأحمر على ملكه، ومعينة على شأنه، وكان له في الدولة بذلك مكان. ولما هلك خلف من الولد أبا محمد عبد الله وأبا ٧/٢٨٠
إسحاق إبراهيم، فعقد ابن الأحمر لأبي محمد على مالقة ولأبي إسحاق على قمارش ووادي آش. ولما هلك السلطان ابن الأحمر حدثت مغاضبات ومنافسات بينهما وبينه، وتأدى ذلك إلى الفتنة كما قلناه ودخل أبو محمد في طاعة السلطان أبي يوسف. ثم هلك فلحق ابنه محمد بالسلطان، ونزل له عن البلد سنة ست وسبعين وستمائة ثم هلك أبو إسحاق سنة اثنتين وثمانين وستمائة وغلب ابن الأحمر على حصن قمارش وصار إليه. وكان الرئيس أبو إسحاق قد عقد لابنه أبي الحسن على وادي آش وحصونها، واتصلت الفتنة بينه وبين ابن الأحمر، وظاهر أبو الحسن عليه الطاغية وأجلب أخوه أبو محمد معه على غرناطة هو وابن الدليل. وطال أمر الفتنة بينهما وبين ابن الأحمر. ثم انعقد السلم بين المسلمين والنصارى، وخشي أبو محمد بن أشقيلولة على نفسه عادية ابن الأحمر، فتذمم بطاعة صاحب المغرب، وأقام دعوته بوادي آش سنة ست وثمانين وستمائة فلم يعرض لها ابن الأحمر حتى إذا وقعت المواصلة بينه وبين ابن السلطان أبي يعقوب، وكان شأن هذا الصهر على يده، بعث رسله إلى السلطان يسأله التجافي عن وادي آش، فتجافى له عنها وبعث إلى أبي الحسن بن أشقيلولة بذلك فتركها. وارتحل إليه سنة سبع وثمانين وستمائة ولقيه بسلا، فأعطاه القصر الكبير وأعماله طعمة سوغه إياها. ثم نزل لبنيه آخر دولتهم. واستمكن ابن الأحمر من وادي آش وحصونها، ولم يبق له بالأندلس منازع من قرابته. والله يؤتي ملكه من يشاء، والله أعلم.
الخبر عن خروج الأمير أبي عامر ونزوعه الى مراكش ثم فيئته الى الطاعة
لما احتل السلطان بفاس وأقام بها خرج عليه ابنه أبو عامر، ولحق بمراكش، ودعا لنفسه أخريات شوال من سنة سبع وثمانين وستمائة وساعده على الخلاف والانتزاء عاملها محمد بن عطو. وخرج السلطان في أثره إلى مراكش، فبرز إلى لقائه، فكانت الدائرة عليهم وحاصرهم السلطان بمراكش أياما. ثم خلص أبو عامر إلى بيت المال فاستصفى ما فيه وقتل المشرف ابن أبي البركات، ولحق بجبال المصامدة، ودخل السلطان من غده إلى البلد يوم عرفة، فعفا وسكن ونهض منصور ابن أخيه ٧/٢٨١
الأمير أبو مالك من السوس إلى حاجة فدوخ انحاءها. ثم سرح إليه المدد من مراكش، فأوقعوا بوكنة من برابرة السوس، وقتل منهم ما يناهز أربعين من سرواتهم. وكان فيمن قتل منهم شيخهم حيون بن إبراهيم. ثم إن ابنه أبا عامر ضاق ذرعه بسخط أبيه وإجلابه في الخلاف، فلحق بتلمسان ومعه وزيره ابن عطو فاتح سنة ثمان وثمانين وستمائة فآواهم عثمان بن يغمراسن، ومهد لهم المكان ولبثوا عنده أياما. ثم عطف السلطان على ابنه رحم لما عطفت ابنته عليه، فرضي عنه وأعاده إلى مكانه، وطالب عثمان بن يغمراسن أن يسلم إليه ابن عطو الناجم في النفاق مع ابنه، فأبى من إضاعة جواره وإخفار ذمته، وأغلظ له الرسول في القول فسطا به واعتقله، فثارت من السلطان الحفائظ الكامنة، وتحركت الإحن القديمة، والنزلات المتوارثة. واعتزم على غزو تلمسان والله أعلم.
الخبر عن تجدد الفتنة مع عثمان بن يغمراسن وغزو السلطان مدينة تلمسان ومنازلته إياها
كانت الفتنة بين هذين الحيين قديمة من لدن مجالاتهم بالقفر من حمراء ملوية إلى صا، إلى فيكيك، ولما انتقلوا إلى التلول وتغلبوا على الضواحي بالمغرب الأقصى والأوسط، لم تزل فتنتهم متصلة وأيام حروبهم فيها مذكورة. وكانت دولة الموحدين عند اختلالها والتياثها تستنصر منهم بالتضريب بينهم والفتنة، فتأكدت لذلك أحوالها واتصلت أيامها. وكان بين يغمراسن بن زيان وأبي يحيى بن عبد الحق فيها وقائع ومشاهد، نقلنا منها بعضا من كل. واستظهر الموحدون بيغمراسن عليه في بعضها.
وكان الغلب أكثر ما يكون لأبي يحيى بن عبد الحق لوفور قبيلة. إلا أن يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه. ولما طمس أثر بني عبد المؤمن واستولى يعقوب ابن عبد الحق على ملكهم، وصارت في جملته عساكرهم، وتضاعف عليه، وأسف على ملك يغمراسن ملكه. وجمع له فأوقع به في تلاغ الواقعة المعروفة. ثم أوقع به ثانية وثالثة. ولما استوت قدم يعقوب بن عبد الحق في ملكه، واستكمل فتح ٧/٢٨٢
المغرب وسائر أمصاره، وكبح يغمراسن عن التطاول إلى مقاومته، وأوهن قواه بفل جموعه ومنازلته في داره، ومظاهرة أقتاله من زناتة بني توجين ومغراوة عليه.
فانصرف بعد ذلك إلى الجهاد، فكان له فيه شغل عما سواه كما نقلناه في أخباره.
ولما انصرف ارتاب ابن الأحمر بمكان السلطان يعقوب بن عبد الحق من الأندلس، وحذره على ملكه، وتظاهر مع الطاغية على منعه من الإجازة إلى عدوتهم، ثم خشوا أن لا يستقلوا بمدافعته، فراسلوا يغمراسن في الأخذ بحجزته. وأجابهم إليها وجرد عزائمه لها، واتصلت أيديهم في التظاهر عليه. ثم فسد ما بين ابن الأحمر والطاغية ولم يكن له بد من ولاية يعقوب بن عبد الحق، فتولى بواسطة ابنه يوسف بن يعقوب كما ذكرناه وأطلعوه على خباء يغمراسن في مظاهرتهم، فأغزاه سنة تسع وسبعين وستمائة وهزمه بخرزونة . ونازلة بتلمسان ووطأ عدوه من بني توجين بساحته كما ذكرناه. ثم انصرف إلى شأنه من الجهاد، وهلك يغمراسن بن زيان على تفيئة ذلك سنة إحدى وثمانين وستمائة، وأوصى ابنه عثمان ولي عهده، زعموا أن لا يحدث نفسه بمقاومة بني مرين ومساماتهم في الغلب، وأن لا يبرز إلى لقائهم بالصحراء، وأن يلوذ منهم بالجدران متى سموا إليه. وألقى إليه، زعموا أن بني مرين بعد تغلبهم على مراكش، وانضياف سلطان الموحدين إلى سلطانهم، ازدادت قوتهم وتضاعف غلبهم. وقال له زعموا فيما أوصاه. ولا يغرنك أني رجعت إليهم بعدها، وبرزت إلى لقائهم، فإني أنفت أن أرجع عن مقاومتهم بعد اعتيادها، وأترك مبارزتهم وقد عرفها الناس. وأنت لا يضرك العجز عن مبارزتهم والنكول عن لقائهم، فليس لك في ذلك مقام معلوم، ولا عادة سالفة، واجهد جهدك في التغلب على إفريقية وراءك، فإن فعلت كانت المناهضة. وهذه الوصاة زعموا هي التي حملت عثمان وبنيه من بعده على طلب ملك إفريقية، ومنازلة بجاية وحربهم مع الموحدين. ولما هلك يغمراسن ذهب ابنه إلى مسالمة بني مرين، فبعث أخاه محمدا إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق، وأجاز البحر إليه بالأندلس. ووافاه بأركش في إجازته الرابعة سنة أربع وثمانين وستمائة فعقد له ما جاء إليه من السلم والمهادنة، ورجعه إلى أخيه وقومه ممتلئا كرامة وسرورا. وهلك يعقوب بن عبد الحق أثر ذلك سنة خمس وثمانين ٧/٢٨٣
وستمائة وقام بالأمر ابنه يوسف بن يعقوب. وانتزى الخوارج عليه بكل جهة، فشمر لهم واستنزلهم وحسم أدواءهم. ثم خرج عليه ابنه آخرا كما ذكرناه بممالأة وزير السلطان محمد بن عطو. ثم فاء إلى طاعة أبيه ورضي عنه، وأعاده إلى مكانه من حضرته. وطالب عثمان بن يغمراسن كما ذكرناه في ابن عطو المنتزي عليه مع ابنه، فأبى عثمان من تسليمه وتحركت حفيظة السلطان واعتزم على غزوهم، فارتحل من مراكش لصفر من سنة سبع وثمانين وعقد عليها لابنه الأمير أبي عبد الرحمن. ثم نهض لغزاته من فاس آخر ربيع من سنته في عساكره وجنوده، وحشد القبائل وكافة أهل المغرب، وسار حتى نزل تلمسان فانحجز عثمان وقومه بها، ولاذوا منه بجدرانها.
فسار في نواحيها ينسف الآثار ويخرب العمران ويحطم الزرع. ثم نزل بذراع الصابون بساحتها. ثم انتقل منه إلى تامة وحاصرها أربعين يوما، وقطع أشجارها، وأباد خضراءها. ولما امتنعت عليه أفرج عنها وانكفأ راجعا إلى المغرب. وقضى نسك الفطر بعين الصفا من بلاد بني يرناتن، ونسك الأضحى وقربانه بتازى، وتلبث بها، ومنها كان فصوله للغزو عند انتقاض الطاغية كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن انتقاض الطاغية واجازة السلطان لغزوه
لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد، وتجاوز التخوم وأغار على الثغور، فأوعز إلى قائد المسالح علي بن يوسف بن يزكاسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازلة شريش. وشن الغارات على بلاد الطاغية، فنهض لذلك في ربيع الآخر من سنة تسعين وستمائة وجاس خلالها، وتوغل في أقطارها، وأبلغ في النكاية. وفصل السلطان من تازى غازيا على أثره في جمادى، واحتل قصر مصمودة، واستنفر أهل المغرب وقبائله. ونفروا وشرع في إجازتهم البحر. وبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزا دون الإجازة، فأوعز السلطان إلى قواد أساطيله بالسواحل فأغزاهم. والتقت الأساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف ٧/٢٨٤
المسلمون ومحصهم الله. ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء، وصاعدوا عن الزقاق. وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطريف. ثم دخل دار الحرب غازيا، فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر، وضيق عليهم. وبث السرايا في أرض العدو، وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيها إلى أن بلغ في النكاية والإثخان. وقضى من الجهاد وطرا، وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن العسكر، فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة. ثم أجاز إلى المغرب فاتح إحدى وتسعين وستمائة فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه كما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
الخبر عن انتقاض ابن الأحمر ومظاهرته للطاغية على طريف أعادها الله للمسلمين
لما قفل السلطان من غزاتة فاتح إحدى وتسعين وستمائة كما ذكرناه، وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده، فأهم الطاغية أمره، وثقلت عليه وطأته، والتمس الوليجة من دونه. وحذر ابن الأحمر غائلته، ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الأندلس وغلبه على أمره، ففاوض الطاغية وخلصوا نجيا. وتحدثوا أن استمكانه من الإجازة إليهم إنما هو لقرب مسافة بحر الزقاق، وانتظام ثغور المسلمين حفافيه لتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الأساطيل وأن أم تلك الثغور طريف، وأنهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق. وكان أسطولهم بمرقاها بمرصد الأساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر، فاعتزم الطاغية على منازلة طريف. وزعم له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك، وشرط له المدد والميرة لأقوات العسكر أيام منازلتها، على أن تكون له إن خلصت. وتعاونوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف. وألح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنها المدد والميرة. واحتلت أساطيله ببحر الزقاق، فحالفوا دون الصريخ من السلطان وإخوانهم المسلمين. وضرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريبا منه، وسرب إليه المدد من السلاح والرجال والميرة من الأقوات، وبعث عسكرا لمنازلة حصن أصطبونة، وتغلب عليه بعد مدة من الحصار. واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب ٧/٢٨٥
أهل طريف الجهد، ونال منهم الحصار، فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد، فصالحهم واستنزلهم سنة إحدى وتسعين وستمائة ووفى لهم بعهده. واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية عنها لما عقدوا عليه، فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضا منها، ففسد ذات بينهما، ورجع ابن الأحمر إلى تمسكه بالسلطان واستعانته به لأهل ملته على الطاغية. وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة عن شأن طريف.
فوافوه بمكانه من منازلة تازوطا كما يذكر بعد. فأبرموا العقد وأحكموا الصلح وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين وستمائة بأسعاف غرضه من المواخاة واتصال اليد. وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالأندلس علي بن يزكاسن في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وستمائة وعقد السلطان لابنه ولي عهده، الأمير أبي عامر على ثغور الأندلس التي في طاعته، وعهد له بالنظر في مصالحها. وأنفذه إلى قصر المجاز بعسكره فوافاه هنالك السلطان ابن الأحمر كما يذكر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
الخبر عن وفادة ابن الأحمر على السلطان والتقائهما بطنجة
لما رجعت الرسل الى ابن الأحمر، وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجتهم، وأحكمت في المواخاة مقاصدهم، وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع، وطار سرورا من أعواده. وأجمع الرحلة إلى السلطان لإحكام الود والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها، واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم. فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة اثنتين وتسعين وستمائة واحتل بنيونش من ساحة سبتة. ثم ارتحل إلى طنجة، وقدم بين يدي نجواه هدية سنية أتحف بها السلطان، كان من أحفلها وأحسنها موقعا لديه فيما زعموا المصحف الكبير، أحد مصاحف عثمان ابن عفان أحد الأربعة المنبعثة إلى الآفاق، المختص هذا منها بالمغرب، كما نقله السلف. كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة، فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك، وأخوه الأمير ٧/٢٨٦
أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته. ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه، ووافاه بطنجة، وبلغ في تكرمته وبر وفادته ما يكرم به مثله. وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل وأعرض عنه وقبل منه. وبر واحتفى ووصل وأجزل، ونزل له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصنا من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره. وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم اثنتين وتسعين وستمائة محبوا محبورا. وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن الخرباش الجشمي، فنازلها مدة، وامتنعت فأفرج عنها. وصرف السلطان همته إلى غزو تلمسان وحصارها. كما يذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن انتزاء الوزير الوساطي بحصن تازوطا من جهات الريف واستنزال السلطان إياه
كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بني واطاس من قبل بني مرين، ويرون أن نسبهم دخيل في بني مرين. وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بني واطاس، ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم. ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك، والرئاسة شامخة بأنوفهم. وكانوا يرومون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق، فلم يطيقوه. ولما احتل السعيد بتازى غازيا إلى تلمسان كما ذكرناه، ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به. ونذر بشأنهم فارتحل، ففروا إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بني يزناسن، وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد.
وكانت بلاد الريف لبني واطاس من لدن دخول بني مرين المغرب واقتسامهم لأعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم. وكان حصن تازوطا بها من أمنع المعاقل بالمغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه، وينزلونه من أوليائهم من يثقون بغنائه واطلاعه، ليكون آخذا بناصية هؤلاء الرهط. وشجا في صدورهم عما يسيمون إليه. وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الأمير أبي مالك بعد مهلك ابنه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق. وكان عمر بن يحيى ابن الوزير وأخوه ٧/٢٨٧
عامر رئيسين على بني واطاس لذلك العهد، فاستوهنوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه، وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية، فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخي السلطان شهر شوال من سنة إحدى وتسعين وستمائة وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنها، وغلبه على مال الجباية الذي كان بقصره، فاستصفاه واستأثر به.
واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه. ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفا لما أصابه. وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لمنازلته فأناخ عليه. ثم نهض السلطان على أثره ووافاه واضطرب معسكره بساحته. وخالف عامر أخاه عمر إلى السلطان بقومه حذرا من مغبة الأمر، وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص، وظن أن قد أحيط به ودس إلى أخيه عامر، فاستأذن السلطان في مداخلته في الدخول على الحصن فأذن له. واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان. وبدا لعامر في رأيه عند ما خلص إلى الحصن وخلاله من أخيه عمر الجو. وحذر غائلة السلطان وخشي أن يثأر منه بابن أخيه، فامتنع بالحصن. ثم ندم وسقط في يده، وفي خلال ذلك كان وصول وفد الأندلس، وأرسوا أساطيلهم بمرسى غساسة، فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه، فتقبلت شفاعتهم على شريطة إجازته إلى الأندلس، وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاشيته إلى الأسطول مكرا بهم، وخاض الليل إلى تلمسان، وتقبض السلطان على ولده وقتل. وأسلم أهل الاسطول من كان من حاشيته لديهم، وتجافوا عن إجازتهم على السلطان لما مكر بهم عامر فامر فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله، ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة اثنتين وتسعين وستمائة والله تعالى أعلم.
الخبر عن نزوع أبي عامر ابن السلطان الى بلاد الريف وجهات غمارة
كان الأمير أبو عامر بعد إجازة ابن الأحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه، وتأكيد ٧/٢٨٨
مؤاخاته وإغراء وزيره بمنازلة طريف، واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوطا رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بإيعاز أبيه إليه بذلك لتسكين أحوالها. وكان أولاد الأمير أبي يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم، وقرت في صدر السلطان، فأقاموا بها أياما، ثم استعطفوا السلطان واسترضوه، فرضي وأذن لهم في الرجوع في محلهم من قومهم ودولتهم. وبلغ الخبر الأمير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف، فأجمع على اغتيالهم في طريقهم فظن أنه يرضي بذلك أباه.
واعترضهم بوادي القطف من ملوية سنة خمس وتسعين وستمائة فاستلحمهم وانتهى الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد، وتبرأ إلى ابنه من إخفار ذمته. ومن صنيع ابنه. وسخطه وأقصاه، فذهب مغاضبا ولحق ببلاد الريف. ثم صعد إلى جبل غمارة، فلم يزل طريدا بينهم. ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن وردار الجشمي، ثم لنظر يرزيكن بن المولاة تاميمونت. وأوقع بهم مرارا آخرها بيرزيكن سنة سبع وتسعين وستمائة، وذكر الربجي مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وستمائة وقتله لأولاد الأمير أبي يحيى كان سنة خمس وتسعين وستمائة بعدها أغزاهم من مثوى انتزائه، وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم. ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببني سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين وستمائة ونقل شلوه إلى فاس فووري بباب الفتوح ملحد قومهم هنالك. وأعقب ولدين نقلهما السلطان جدهما، فكانا الخليفتين من بعده ملي ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن حصار تلمسان الكبير وما تخلل ذلك من الاحداث
كان عثمان بن يغمراسن بعد إفراج السلطان سنة تسع وثمانين وستمائة وانتقاض الطاغية ٧/٢٨٩
وابن الأحمر عليه كما قلناه، صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره وأوفد على الطاغية ابن بريدي من صنائع دولته سنة اثنتين وتسعين وستمائة ووجهه الطاغية مع الريك ريكسن رسول من كبار قومه. ثم عاد إليه الحاج مسعود من حاشيته، ووصل يده بيده يظن ذلك دافعا عنه. واعتدها السلطان عليه وطوى له على النث. حتى إذا فرغ من شأن الأندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين وستمائة لإحدى عشرة من سني ملكه، وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الأندلس سنة أربع وتسعين وستمائة فأجاز إليه السلطان ابن الأحمر ولقيه بطنجة، وأحكم معه المؤاخاة. ولما استيقن سكون أحوالها، نزل لابن الأحمر عن جميع الثغور التي بها الطاغية، وأجمع غزو تلمسان، ولحق به بين يدي ذلك ثابت بن منديل المغراوي صريخا على ابن يغمراسن ومستجيشا بقومه فتقبله وأجاره.
وكان أصاب الناس أعوام اثنتين وتسعين وستمائة قحط، ونالتهم سنة وهنوا لها. ثم أن الله رحم خلقه وأدر نعمته، وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم. ووفد عليه سنة أربع وتسعين وستمائة ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخا به من عثمان بن يغمراسن، فبعث من كبار قومه موسى بن أبي حمو إلى تلمسان شغيعا في ثابت بن منديل فرده عثمان أقبح رد وأساء في إجابته، فعاود الرسالة إليهم في شأنه، فلم يزدهم إلا إصرارا فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك، ونهض سنة أربع وتسعين وستمائة حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت، وكانت تخما لعمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب، وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن. فطرد السلطان عامل ابن يغمراسن وتميز بها، واختط الحصن الذي هنالك لهذا العهد. تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم، وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته. واتخذه ثغرا لملكه، وأنزل بني عسكر لحياطته وسد فروجه.
وعقد عليهم لأخيه أبي يحيى بن يعقوب، وانكفأ راجعا إلى الحضرة.
ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين وستمائة غازيا إلى تلمسان، ومر بوجدة، فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزغاوة . وانتهى إلى ندرومة، ونازلها أربعين يوما ورماها بالمنجنيق. وضيق عليها وامتنعت عليه فأفرج عنها ثاني الفطر. ثم أغزى ٧/٢٩٠
تلمسان سنة ست وتسعين وستمائة وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن، فهزمه وحجزه بتلمسان، ونزل بساحتها وقتل خلقا من أهلها، ونازلها أياما. ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الأضحى من سنته بتازى. فأعرس هنالك لحافدة أبي ثابت ابن منديل، كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين وستمائة قتيلا ببحيرة الزيتون من ظاهر فاس. قتله بعض بني ورتاجن في دم كان لهم في قومه، فثأر السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته. وأوعز ببناء القصر بتازى، وقفل إلى فاس فاتح سنة سبع وتسعين وستمائة. ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس. ثم نهض جمادى غازيا تلمسان ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها، واتخذ بها قصبة ودارا لسكناه ومسجدا وأغزى إلى تلمسان، ونزل بساحتها، وأحاطت عساكره إحاطة الهالة بها، ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة بقوس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون بعملها، وكانت توقر على أحد عشر بغلا. ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان وتسعين وستمائة ومر بوجدة، فأنزل بها الكتائب من بني عسكر لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت، وأوعز إليهم بترديد الغزاة على أعمال ابن يغمراسن وإفساد سابلتها. وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم، فأوفدوا على الأمير أبي يحيى وفدا منهم يسألون الأمان بمن وراءهم من قومهم، على أن يمكنوه من قياد بلدهم، ويدينوا بطاعة السلطان، فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم، ودخل البلد بعساكره، واتبعهم أهل تاوونت وأوفد مشيختهم جميعا على السلطان آخر جمادى، فقدموا عليه لحضرته وأدوا طاعتهم، فقبلها. ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوه وعدوهم ابن يغمراسن، ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية، ما استنهض السلطان لذلك على ما يذكر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الأحداث
لما توفرت عزائم السلطان عن النهوض إلى تلمسان، ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها وبقومها، واستيقن أنه لا مدافع له عن ذلك، نهض من فاس شهر رجب من سنة ٧/٢٩١
ثمان وتسعين وستمائة بعد أن استكمل حشده. ونادى في قومه، واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم. وارتجل في التعبية واحتل بساحة تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها وضرب معسكره بفنائها. وحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه، وأدار الأسوار سياجا على عمرانها كله، ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى.
ورتب المسالح على أبوابها وفرجها، وسرح عساكره لمحاصرتها فاقتحموها وآتوا طاعتهم، وأوفد مشيختهم وسط شعبان. ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقرى البسائط ومنازلة الأمصار، فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين وستمائة وتنس في شعبان بعده، وتالموت والقصبات وتامزردكت في رمضان منه، وفيه كان فتح مدينة وهران. وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره. وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي، وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين، وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه، واقتحمت أمصارها مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريش والمرية وتافركينت، وأطاعه زيري المنتزي ببرشك. وأتى بيعته، وابن علان المنتزي بالجزائر. وأزعج الناكثين منهم عن طاعته، واستألف أهل الطاعة كما نذكره. وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس، فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة كما نذكره، وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره، ووفد عليه شرفاء مكة بني أبي نمى كما نذكر. وهو في خلال ذلك مستجمع للمطاولة بالحصار والتضييق، متجاف عن القتال إلا في بعض الأيام، ولم تبلغ أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطوة بمن يميرها ويأخذ بالمرصاد على من يتسلل بالأقوات اليها. قد جعل سرداق الأسوار المحيطة ملاكا لأمره في ذلك، فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها، إلى أن هلك بعد مائة شهر كما نذكره. واختط بمكان فسطاط المعسكر قصرا لسكناه، واتخذ به مسجدا لمصلاه وأدار عليها السور، وأمر الناس بالبناء فبنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة ٧/٢٩٢
والقصور الأنيقة، واتخذوا البساتين وأجروا المياه. ثم أمر بإدارة السور سياجا على ذلك سنة اثنتين وسبعمائة، وصيرها مصرا، فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق، واحتفال بناء وتشييد منعة. وأمر باتخاذ الحمامات والمارستان، وابتنى مسجدا جامعا، وشيد له مئذنة رفيعة، فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها، وسماها المنصورة، واستبحر عمرانها ونفقت أسواقها ، ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق فكانت إحدى مدائن المغرب.
وخربها آل يغمراسن عند مهلكه، وارتحال كتائبه عنها، بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك، وأذنوا بالانقراض كما نذكره، فتداركهم من لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في المهالك، والله غالب على أمره.
الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الأحداث
لما أناخ السلطان على تلمسان وتغلب على ضواحي بني عبد الواد، وافتتح أمصارهم، سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبني توجين. وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وستمائة وأصهر إليه في حافدته، فعقد له عليها. وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم، وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين وستمائة كما ذكرنا ذلك من قبل، فلما تغلب السلطان على مال بني عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة، وعقد عليها لعلي بن محمد من عظماء بني ورتاجن، فتغلبوا على الضواحي وشردوا مغراوة إلى رءوس المعاقل.
واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها. ثم استنزلوه على الأمان تسع وتسعين وستمائة فأوفدوه على السلطان، فلقاه مبرة وتكرمة، وخلطه بجملته (لمكان) صهره معه. ثم افتتحوا مدينة تدلس ومازونة وشرشال.
وأعطى زيري بن حماد المنتزي على برشك من بلادهم يد الطاعة. وأوفد على السلطان للبيعة، واستولوا على ضواحي شلف كلها. ولاذت مغراوة بطاعة السلطان. ٧/٢٩٣
وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويفرن بن منديل فآسف ذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص. ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته، ونافس عمر بن ويفرن في إمارة قومه، فلحق بجبال متيجة، وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه، فاعصوصبوا عليه. وداخلوا أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في ربيع من المائة السابعة. ثم بيت عمر بن ويفرن بمعسكره من أزمور، فقتله واستباح المعسكر. وبلغ الخبر إلى السلطان، فسرح العساكر من بني مرين وعقد لعلي بن الحسن بن أبي الطلاق على قومه من بني عسكر، ولعلي بن محمد الخيري على قومه من بني ورتاجن، وجعل الأمر شورى بينهما، وأشرك معهما عليها الحساني من صنائع دولته، وأبا بكر بن إبراهيم بن عبد القوي من أعياص بني توجين. وعقد على مغراوة محمد بن عمر بن منديل، وأشركه معهم، وزحفوا إلى راشد. ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بني بو سعيد فيمن معه من شيعة مغراوة. وأنزل بمازونة عليا وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت، واستوصاهم بضبط البلد، وأنه مشرف عليهم من الجبل.
وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة، وضربوا معسكرهم بساحتها، وأخذوا بمخنقها، واهتبل علي وقومه غرة في معسكر بني مرين فبيتهم سنة إحدى وسبعمائة. وانفض المعسكر وتقبض على علي بن محمد الخيري، ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانهم من حصارهم، وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان. وأنفذوه إليه فتقبض عليه. ثم نزل علي ثانية من غير عهد، فأشخصوه إلى السلطان فلقاه مبرة وتكريما، تأنيسا الراشد المنتزي بمعقله.
واقتحمت على أهلها عنوة سنة ثلاث وسبعمائة فمات منهم عالم واحتملت رءوسهم إلى سدة السلطان، رءوسهم إلى سدة السلطان، فرميت في حفائر البلد المحصور إرهابا لهم وتخذيلا، ولما عقد السلطان لأخيه أبي يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم، نازل راشد بمعقله من بني بو سعيد، فبيت راشد معسكرهم إحدى لياليه، فانفضوا وقتل طائفة من بني مرين. ووجد السلطان لها فأمر بقتل علي وحمو ابني عمه يحيى، ومن كان معتقلا معهما من قومهما. ورفعوا على الجذوع وأثبتوهم بالسهام، ونزل راشد بعدها عن معقلة ولحق بمتيجة، وانحاش إليه منيف بن ثابت، وأوشاب من مغراوة وتحيز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر بن منديل الذي عقد له السلطان ٧/٢٩٤
عليهم. ثم تأشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش، وصمد إليهم الأمير ابو يحيى في عساكره ثانية، ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم، فبذله السلطان لهم، وأجاز منيف بن ثابت إلى الأندلس فيمن إليه من بنيه وعشيرة، فاستقروا بها آخر الأيام. ولحق راشد ببلاد الموحدين ووفد محمد بن منديل سنة خمس وسبعمائة على السلطان، فأوسعه حبا وتكريما. وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان، وصرف إليها العمال، ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست وسبعمائة والله تعالى أعلم.
الخبر عن افتتاح بلاد توجين وما تخلل ذلك
لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها، وتغلب على بني عبد الواد، وسما إلى تملك بلاد توجين. وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم، وملك جبل وانشريش وتصرف في بني عبد القوي بالولاية والعزل وأخذ الإتاوة سنة إحدى وسبعمائة، وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التي هدمها محمد بن عبد القوي، فبناها وتوغل في قاصية المشرق، ثم انكفأ راجعا إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بني توجين سنة اثنتين وسبعمائة وفر بنو عبد القوي إلى ضواحيهم بالقفر، ودخل إلى جبل وانشريش وهدم حصونهم به، ورجع إلى الحضرة. ثم بادر أهل تافركينت سنة ثلاث وسبعمائة بإيتاء طاعتهم . وانتقضوا طاعتهم بعدها. ثم بعث أهل المرية بطاعتهم السلطان، فتقبلها وأوعز ببناء قصبتها. وراجع بنو عبد القوي بعد ذلك بصائرهم فدخلوا في طاعة السلطان، ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث وسبعمائة فتقبل طاعتهم ورعى سابقتهم، وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم، وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي، وأوعز ببناء قصبة المرية سنة أربع وكملت سنة خمس وسبعمائة وهلك علي بن الناصر خلال ذلك، فعقد عليهم لمحمد بن عطية الأصم كما ذكرناه. فاستمر على الطاعة، ثم انتقض سنة ست وسبعمائة وحمل قومه على الخلاف، وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما نذكره إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٧/٢٩٥
الخبر عن مراسلة الموحدين ملوك افريقية بتونس وبجاية لزناتة وأحوالهم معهم
كان لبني أبي حفص ملوك إفريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بني مرين وبني عبد الواد سوابق مذكورة، فكان لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يؤدون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها مذ تغلب الأمير أبي زكريا بن عبد الواحد على تلمسان. وعقده عليها ليغمراسن، واستمر حالهم على ذلك. وكانت لهم أيضا مع بني مرين ولاية وسابقة بما كان بنو مرين مذ أول أمرهم يخاطبون الأمير أبا زكريا، ويبعثون له بيعة البلاد التي يتغلبون عليها، مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا. ثم صارت مخالصته من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق. وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش، وقد ذكرنا السفارة التي وقعت بينهما سنة خمس وستين وستمائة وأن يعقوب أوفد عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكناني، وأوفد عليه المستنصر سنة سبع وستين وستمائة بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتي في وفد من مشيخة الموحدين، ومعهم هدية سنية. ثم أوفد الواثق ابنه سنة تسع وسبعين قاضي بجاية المذكور أبا العباس أحمد الغماري، وأسنى الهدية معه. ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبي حفص. وطار الأمير أبو زكريا بابن الأمير أبي إسحاق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه بتلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن، وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين وستمائة، واستضاف إليها قسنطينة وبونة، وصيرهما عملا لملكه، ونصب لهما كرسيا لأمره، وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبي حفص صاحب تونس، فشق ذلك عليه ونكره، واستمرت الحال على ذلك. ولما نزل السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأرسى قواعد ملكه بساحتها، وسرح عساكره لالتهام الأمصار والجهات، وتوجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم.
وكان الأمير أبو زكريا في جهات تدلس محاميا عن حوزته وعمله. ووصله هنالك راشد بن محمد نازعا عن السلطان أبي يعقوب. ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في اتباعه، فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين وستمائة بناحية ٧/٢٩٦
جبل الزاب، ففضوا جمعه وأوقعوا به واستلحموا جنوده، واستمر القتل فيهم، وبقيت عظامهم ماثلة بمصارعهم سنين.
ورجع الأمير أبو زكريا إلى بجاية فانحصر بها وهلك على تفيئة ذلك على رأس المائة السابعة. وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الزواودة لعهده عثمان بن سباع بن يحيى ابن دريد بن مسعود البلط، فوفد على السلطان أخريات إحدى وسبعمائة، ورغبه في ملك بجاية. واستمده للسير إليها، فأوعز إلى أخيه الأمير أبي يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة، بأن ينهض إلى أعمال الموحدين. وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدي العساكر يتقصون الطريق إلى أن تجاوز الأمير أبو يحيى بعساكره بجاية، واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية. وأطل على بلاد سدويكش وانكفأ راجعا، فأوطأ عساكره ساحة بجاية وبها الأمير خالد بن يحيى، وناشبهم القتال بعض أيام، جلا فيها أولياء السلطان أبي البقاء عن أنفسهم وسلطانهم. وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فخربه، وكان من آنق الرياض وأحفلها. وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد، وأعرض عن أعمال الموحدين. وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد بن المستنصر الملقب بأبي عصيدة بن يحيى الواثق، فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن أكمازير عاقدا أسباب الولاية، ومحكما مذاهب الوصلة، ومقررا سوابق السلف. فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث وسبعمائة. وناغاه الأمير أبو البقاء خالد صاحب بجاية، وأوفد مشيخة من أهل دولته كذلك. وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم.
ثم عاد ابن أكمازير سنة أربع وسبعمائة، ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يزريكن في وفد من عظماء الموحدين، وأوفد صاحب بجابة حاجبه أبا محمد الرخامي، وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن. ووفدوا جميعا على السلطان ثالث جمادى، فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء، ووصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أريكة ملكه وأطافهم قصوره ورياضه بعد أن فرشت ونمقت، فملأ قلوبهم جلالا وعظمة، ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش، ويشاهدوا آثار سلفهم، وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاغ في ٧/٢٩٧
تكرمتهم واتحافهم، فانتهوا من ذلك إلى الغاية، وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى، وانصرفوا إلى ملكهم بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم.
ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس وسبعمائة بعدها، فوفد أبو عبد الله بن أكمازير من تونس وعياد بن سعيد من بجاية. وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التونسي وعلي بن يحيى البركشي رسولين يسألان المدد بأسطوله، فقضوا رسالتهم وانقلبوا سنة خمس وسبعمائة. ووصل بخبرها أبو عبد الله المزدوري من مشيخة الموحدين، واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسي من صنائع السلطان، كما أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الأمير أبي البقاء خالد صاحب بجاية في طلب الأسطول أيضا، فرجعوه بالمعاذير.
وأوفدوا معه عبد الله بن عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة، وأوعز إلى عامله بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الأسطول، فجرى في ذلك على مذهبه وانقلبوا جميعا أحسن منقلب. وغنى السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام مما طلتهم ببيعته. واتصل الخبر بصاحب تلمسان الأمير أبي زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان بن يغمراسن آخر سنة ثلاث وسبعمائة فبلغه صنيع الموحدين في موالاة عدوه السلطان يوسف بن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه، فأسفهم ذلك وأخرسوا منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن، فلم يراجعوا دعوتهم من بعد، وهلك السلطان على نفيئة ذلك، والبقاء لله وحده.
الخبر عن مراسلة ملوك المشرق الأقصى ومهاداتهم ووقادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل ذلك
لما استولى السلطان على المغرب الأوسط بممالكه وأعماله، وهنأته ملوك الأقطار وأعراب الضواحي والقفار، وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق، واستجد أهل المغرب عزما في قضاء فرضهم، ورغبوا من السلطان إذنه لركب الحاج في السفر إلى ٧/٢٩٨
مكة، فقد كان عهدهم بمثلها الفساد السابلة واستهجان الدول. فبينما السلطان في ذلك آمل إذ داخله لحرم الله وروضة نبيه صلى الله عليه وسلم شوق، فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة، كتبه ونمقه أحمد بن الحسن الكاتب المحسن، واستوسع في جرمه وعمل غشاءه من بديع الصنعة، واستكثر فيه من معالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت، وجعلت منها حصاة وسط المعلق تفوق الحصيات مقدارا وشكلا وحسنا، واستكثر من الأصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف، وبعث به مع الحاج سنة ثلاث وسبعمائة وعني بشأن هذا الركب، فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمسمائة من الأبطال، وقلد القضاء عليهم محمد بن رغبوش من أعلام أهل المغرب، وخاطب صاحب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته، وأتحفه بهدية من طرف بلاده استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة، يقال إن المطايا كانت منها أربعمائة حدثني بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وما عونه. ونهج بها السبيل للحاج من أهل المغرب، فأجمعوا الحج سنة أربع سبعمائة بعدها وعقد السلطان على دلالتهم لأبي زيد الغفاري، وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الأول.
وفي شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الأولين حملة المصحف ووفد معهم على السلطان الشريف لبيدة بن أبي نمي نازعا عن سلطان الترك لما كان تقبض على أخويه حميضة ورميثة اثر مهلك أبيهم أبي نمي صاحب مكة سنة إحدى وسبعمائة، فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره، ويطوف على معالم الملك وقصوره، وأوعز إلى العمال بتكريمه واتحافه على شاكلته. ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وسبعمائة وفصل منها إلى المشرق، وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله موري حاجا، ولشعبان من سنة خمس وسبعمائة وصل أبو زيد الغفاري دليل ركب الحاج الآخرين، ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان، لما اسفهم صاحب مصر بالتقبض على إخوانهم، وكان شأنهم ذلك متى غاظهم السلطان. فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها، وأهدوا إلى السلطان ثوبا من كسوة البيت شغف به، واتخذ منه ثوبا للباسه في الجمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركا ٧/٢٩٩
به، ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه، وذهب إلى المكافأة، فجمع من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله، من نوع الفيل والزرافة، وأوفد بها من عظماء دولته الأمير اليليلي وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس وسبعمائة ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست وسبعمائة بعدها. ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة، واهتز السلطان لقدومها وأركب الناس إلى لقائها، واحتفل للقاء هذا الأمير اليليلي ومن معه من أمراء الترك، وبر وفادتهم، واستبلغ في تكريمهم نزلا وقرى، وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم، وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنة من بعده في تكريمهم، فأحسن منقلبهم وملاء حقائبهم صلة، وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع وسبعمائة ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان وسبعمائة اعترضهم الأعراب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إلى مصر بجريعة الزمن . فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها. وطالما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه له، ويهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئا، وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون أن الذين نهبوهم أعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبي حمو لعهدهم، منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة.
(أخبرني) شيخنا محمد بن إبراهيم الأبلي قال: حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعض الحاج من أهل بلده مستصحبا كتاب الملك الناصر بالعتاب عن شأن هؤلاء الأمراء، وما أصابهم في طريقهم من بلاده، وأهدى له مع ذلك كوبين من دهن البلسان المختص ببلدهم، وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسي الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب، فاستقل السلطان هديته تلك بالنسبة إلى ما أهدوا إلى ملك المغرب، ثم استدعى القاضي محمد بن هدية، وكان يكتب عنه فقال له: اكتب الآن إلى الملك الناصر كما أقول لك، ولا تحرف كلمة عن موضعها إلا ما تقتضيه صناعة الإعراب، وقل له: أما عتابك عن شأن الرسل وما أصابهم ٧/٣٠٠
في طريقهم فقد حضروا عندي وأبنت لهم الاستعجال حذرا مما أصابهم، وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل الأعراب، فكان جوابهم أنا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في أعراب فلاتنا . وأما الهدية فترد عليك، أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف إلا الزيت وحسبنا به دهنا. وأما المماليك الرماة فقد افتتحنا بهم إشبيلية وصرفناهم إليك لتستفتح بهم بغداد والسلام. قال لي شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون أن انتهابهم كان باذن منه.
وكان هذا الكتاب دليلا على ما في نفسه. وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.
الخبر عن انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس سعيد على سبتة وخروج عثمان بن العلاء في غمارة
لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان ابن الأحمر المعروف بالفقيه، عند إجازته إليه بطنجة سنة اثنتين وتسعين وستمائة كما ذكرناه، وفرغ لعدوه تمسك ابن الأحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة إحدى وسبعمائة في شهر شعبان منه. وقام بالأمر الأندلسي من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع. واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشايخ رندة، كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه. فاضطلع بأموره وغلب عليه. وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال إنه ابن الحكيم، فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان وسبعمائة كما نذكره، وكان من أول آرائه عند استيلائه على الأمر من بعد أبيه المبادرة إلى إحكام ولاية السلطان، واتصال يده بيده، فأوفد إليه لحين ولايته وزير أبيه السلطان أبي عزيز الداني، ووزيره الكاتب أبا عبد الله بن الحكيم، فوصلا الى السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقاهما بالقبول والمبرة، وجددت له أحكام الود والولاية، وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب. وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالرباط، فتبادروا إلى إسعافه، وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم، فوصلت سنة اثنتين وسبعمائة. وكانت لهم نكاية في العدو وأثر ٧/٣٠١
البلد المخروب. ثم بدا لمحمد بن الأحمر المخلوع في ولاية السلطان لمنافسات جرت إلى ذلك. وبعث إلى أدفونش هراندة بن شانجة، وأحكم له عقد السلم ولاطفة في الولاية، فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث وسبعمائة واتصل خبره بالسلطان فسخطه ورجع إليه حصتهم آخر سنة ثلاث وسبعمائة، واتصل خبره بالسلطان لسنة من مقدمهم بعد أن أبلوا وأثخنوا، وطوى لهم على النث واعتمل ابن الأحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة السلطان والارصاد لسطوته بهم. وأوعز إلى صاحب مالقة ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن محمد بن نصر، وليه من دون القرابة بما كان له من الصهر على أخته، والمضطلع له بثغر الغربية، فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على ابن العزفي، والرجوع إلى ولاية ابن الأحمر. وكان أهل سبتة منذ هلك إبراهيم الفقيه أبو القاسم العزفي سنة سبع وسبعين وستمائة قام بأمرهم ولده أبو حاتم. وكان أبو طالب رديفا له في الأمر إلا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرئاسة، وإيثار أبي حاتم للخمول مع إيجابه حق أخيه الأكبر، واجابته الداعي من دون دفع إليه فاستقام أمرهما مدة. وكان من سياستهما من أول أمرهما، الأخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما، والعمل بطاعته والتجافي عن السكني بقصور الملك والتحرج من أبهة السلطان لمكانهم، فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائدا من البيوتات اصطنعوه وجعلوا إليه أحكام البلد، وضبط الحامية له فاضطلع بذلك سنين. ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزغات الرئاسية وحجر عليه الأحكام في ذويه. ثم أغرى به أباه وطالبه، بحساب الخرج لعطاء الحامية وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريبة به ثقة بمكانه واستنامة إليه. وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والأخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته. ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الأحكام بالقصبة على النث، فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جاره بسبتة، ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصحبهم في أساطيله، فشرع الرئيس أبو سعيد في إنشاء الأساطيل البحرية، واستنفار الناس للمثاغرة، وأن العدو لمالقة بالمرصاد، وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات، وأخفى وجه قصده عن الناس، حتى إذا ٧/٣٠٢
افلعت أساطيله بيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس وسبعمائة وأرسى بساحتها الموعد صاحب القصبة، فأدخله إلى حصنه فملكه، ونشر راياته بأسوارها، وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا وركب إلى دور بني العزفي فتقبض عليهم، وعلى والدهم وحاشيتهم. وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة، فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم، ونادى في الناس بالأمان، وبسط المعدلة، وأركب ابن العزفي السفن إلى مالقة. ثم أجازوا غرناطة وقدموا على ابن الأحمر، فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم، وجلس لهم جلوسا فخما حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم، وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنية الأرزاق. واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا بعد إلى المغرب كما نذكر واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها، وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها. وكان عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميرا على الغزاة بمالقة، وقائدا لعصبتهم تحت لوائه. فموه بنصبه للملك بالمغرب. وخاطب قبائل غمارة في ذلك، فوقفوا بين الإقدام والإحجام واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان، فاستشاط لها غيظا وحمي أنفه نفرة، واستنفره الصريخ، فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة، وجمع إليه العساكر وتقدم إليه باحتشاد قبائل الريف وبلاد تازى، فأغذ السير إليها وأحاطت عساكره بها، فحاصرها مدة. ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره، وأفرج عنها منهزما، فسخطه السلطان وذوى عنه وجه رضاه، وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة، وبلاد غمارة، وتغلب على تكيساس، وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست وسبعمائة لسنة من استيلائهم على سبتة، مقيما رسم السلطان مناديا بالدعاء لنفسه، فاعتزم السلطان على النهوض إليه من أمر تلمسان، لما كانت على شفا هلكة ومحا بينة انفضاض، لولا عوائق الأقدار بمهلكه، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس
كان هؤلاء الرهط من بني عبد الواد من بطون بني علي من شعب أبي القاسم، ٧/٣٠٣
وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن بن كمي ولما استقل زيان برياسة أولاد علي بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله، ونفس عليه كنذوز هذا ما آتاه الله من الرئاسة، وجاذبه حبلها، واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به. ثم تأشب عليه أخلاط من قومه وواضعه الحرب . وهلك زيان بيد كندوز، وقام بأمر أولاد علي جابر بن يوسف بن محمد. ثم تناقلت الرئاسة فيهم إلى أن عادت لولد ثابت بن محمد، واستقل بها أبو عزة زكراز بن زيان ولم تطل أيامه. والتحم بين أولاد كمي وبين أولاد طاع الله، وتناسوا الإحن، وصارت رياسة طاع الله لولد يغمراسن بن زيان، واستتبعوا قبائل عبد الواد كافة، واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز، فاغتاله ببيته، دعاه لمأدبة جميع لها بني أبيه، حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه بأسيافهم واحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى أمهم، فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفيا منه وحفيظة. وطالب يغمراسن بقية بني كندوز ففروا أمام مطالبته، وأبعدوا المذهب ولحقوا بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص، فأقاموا بسدته أحوالا، وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز، ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة، فراجعوا المغرب ولحقوا ببني مرين أقتالهم. ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل، فلقاه من البر والترحيب بما ملأ صدره وأكد اغتباطه، وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه، وأنزلهم هنالك. وجعل انتجاع إبله وراحلته لحسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخيه موسى من ذويهم وحاشيتهم، وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه، واكتفى به في كثير من أموره، وأوفده على المستنصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين وستمائة مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه. واستقر بنو كندوز هؤلاء بالمغرب الأقصى، واستمرت الأيام على ذلك، وصاروا من جملة قبائل بني مرين وفي عدادهم.
وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعده.
ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب عزائمه إلى بني عبد الواد ونازل تلمسان، وطاول حصارها، واستطال بنو مرين وذووهم على بني عبد الواد، وأحسوا بهم أخذتهم ٧/٣٠٤
العزة بالإثم، وأدركتهم النعرة، فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان ولحقوا بحاجة سنة ثلاث وسبعمائة. واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعمائة، فناجزوه الحرب بتادرت، واستمروا على خلافهم. ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع وسبعمائة فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم وأوهت من رياستهم . وقتل جماعة من بني عبد الواد بأزعار وتاكما ، وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس، وهدم تارودانت قاعدة أرضها وأم قراها، كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن، وقد مر ذكرهم. وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حرب سجال هلك في بعضها عمه علي بن يدر سنة ثمان وستين وستمائة وصارت إمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا، ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب، وهدم تارودانت قاعدة أرضها. ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها. ويزعم بنو يدر هؤلاء أنهم مستقرون بذلك القصر من لدن عهد الطوالع من العرب، وأنهم لم يزالوا أمراء به تعقد لهم ولايته كابرا عن كابر، ولقد أدركت على عهد السلطان أبي عنان وأخيه أبي سالم من بعده شيخا كبيرا من ولد عبد الرحمن، فحدثني بمثل ذلك، وأنهم من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والله أعلم. ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان، وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريمة، وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية، فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن مهلك المشيخة من المصامدة بتلبيس أبي الملياني
قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية، وما كان من ثورته ٧/٣٠٥
بمليانة وانتزائه عليها. ثم إزعاج العسكر إياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين، وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة. وأقطعه بلد أغمات طعمة، فاستقر بها، وما كان منه في العبث بأشلاء الموحدين ونبش أجداثهم، وموجدة السلطان والناس عليه لذلك. وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك، ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة، فلم يضطلع بها وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجز المال لنفسه، وحاسبوه فصدقوه السعاية، فاعتقله السلطان وأقصاه، وهلك سنة ست وثمانين وستمائة واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستعمله في كتابته، وأقام على ذلك ببابه وفي جملته.
وكان السلطان سخط على مشيخة المصامدة علي بن محمد كبير هنتاتة، وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة، وأوعز إلى ابنه الأمير علي بمراكش باعتقالهما، فاعتقلهما فيمن لهما من الولد والجاشية. وأحسن بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر. وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد، بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله، لما كانوا كلهم ثقاتا أمناء، وكانوا عند السلطان كأسنان المشط. فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين وستمائة كتابا عن أمر أبيه، يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين. ووضع عليها العلامة التي تنفذ بها الأوامر، وختم الكتاب. وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد. وعجب الناس بشأنه. ولما وصل الكتاب إلى ابن السلطان بمراكش أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم، وقتل علي بن محمد وولده، وعبد الكريم بن عيسى وولده عيسى، وعلي ومنصور وابن أخيه عبد العزيز. وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه، وأنفذ البريد باعتقال ابنه، وجرد على ابن الملياني ففقد ولحق بتلمسان.
ونزل على آل زيان. ثم لحق من بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه. وبها هلك. واقتصر السلطان من يومئذ في علامته على من يختاره من صنائعه ويثق بأمانته. وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته، فاختصت من بعده لهذا العهد، والله تعالى أعلم ٧/٣٠٦
الخبر عن رياسة اليهود بني رقاصة ومقتلهم
كان السلطان يعقوب في صباه مؤثرا للذاته ومستترا بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار. وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان. وكان خليفة بن رقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرمانا لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين، فكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها، فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شئونها، فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده، حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه، واتصلت خلواته في معاقرة الندمان، وانفرد ابن وقاصة بخلوته ذلك مع ما كان من القهرمة، عظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة. وتلقى الخاصة الأوامر منه، فصار له الوجه بينهم وعظم قدره بعظم الدولة.
(أخبرني) شيخي الأبلي قال: وكان لخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم، وابن عم يسمى خليفة، لقبوه بالصغيرة لمكانه هو من هذا الاسم. وكان له صهر يعرفون ببني السبتي، كبيرهم موسى، وكان رديفه في قهرمته، فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها العلية من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء. وأوجده السبيل عليهم، فسطا بهم سطوة واحدة واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان. وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم، وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم، فلم تبق منهم باقية. واستبقى منهم خليفة الأصغر احتقارا لشأنه، حتى كان من قتله بعد ما نذكر، وعبث بسائرهم، وطهرت الدولة من رجسهم، وأزيل منها معرة رياستهم، والأمور بيد الله سبحانه.
الخبر عن مهلك السلطان أبي يعقوب
كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبيد الخصيان من موالي ابن الملياني يسمى ٧/٣٠٧
سعادة، صار إلى السلطان من لدن استعماله إياه بمراكش، وكان على ثبج من الجهل والغباوة. بمكان، وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه، ولما كانت واقعة العز مولاه، واتهم بمداخلة بعض الحرم، وقتل بالظنة، واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره، اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم. وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان، فعمد إليه وهو في بعض الحجر من قصره، وآذنه فأذن له فألفاه مستلقيا على فراشه مختضبا بالحناء، فوثب عليه وطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هاربا. وانطلق بعض الأولياء في أثره، فأدرك من العشي بناحية تاسالة فتقبض عليه، وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية. وصابر السلطان ميتته إلى آخر النهار، ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وسبعمائة وقبر هنالك. ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة، فدفن بها مع سلفه والبقاء لله وحده.
(الخبر عن ولاية السلطان أبي ثابت) واستلحامه المرشحين وما تخلل ذلك من الاحداث
كان الأمير أبو عامر ابن السلطان أبي يعقوب وولي عهده لما هلك طريدا ببلاد بني سعيد بغمارة والريف سنة ثمان وتسعين وستمائة كما ذكرنا، خلف ولديه عامرا وسليمان في كفالة السلطان جدهما، فكان لهما بعينه حلاوة وفي قلبه لوطة، لمكان حبه لأبيهما واغترابه عنه، فحدب عليهما وآثرهما من نفسه بمكان. وكان الأمير أبو ثابت عامر أصغر قومه، إقداما وشجاعة وجراءة، وكانت له في بني ورتاجن خؤلة. فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه، وحضر لها الأمير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه، عز بمجتمعهم اتفاقا، وحملوه على الطاعة، وكان أقرب للأمر منه لو حضره رجال، فأعطى القياد في المساعدة، وطوى على النث. وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان، فبايعوا ابنه الأمير أبا سالم. وكاد أمر بني ٧/٣٠٨
مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد، فبعث الأمير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للأمير أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن. وعقد لهما حلفا على الإفراج عنهم. ثم أمره أن يمده بالآلة ويرفعا له كسر البيت إن كان غير ما أمل. وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بني مرين وأهل الحل والعقد إلى الأمير أبي ثابت. وتفرد ببيعة أبي سالم البطانة والوزراء والحاشية والأجناد ومن إليهم، وكان بالبلد الجديد مسكنه، وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبى كتائبه، فوقف وتهيب وخام عن اللقاء ووعدهم الإقدام بالغداة، وكر راجعا إلى قصره، فيئسوا منه، وتسللوا إذا إلى الأمير أبي ثابت، وهو بمرقب من الجبل مطل عليهم حتى إذا انحجر أبو سالم بالبلد، انحاش إليه الجملة دفعة واحدة. فلما استوفت القبائل والعساكر لديه، زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه، وانتهى إلى ساحتها مغتنما الفرصة. وخرج إليه أبو زيد يخلف بن عمران الفودودي، فأرجل عن فرسه بأمر أبي يحيى، وقتل بين يديه قعصا بالرماح. وكان قريب عهد بالوزارة، استوزره السلطان قبيل مهلكه في شعبان من سنة ست وسبعمائة.
وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيرة من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق العباسي وعيسى وعلي ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى. وأتبعهم الأمير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة، فتقبضوا عليهم ونفذ أمر السلطان بقتل أبي سالم وجمال الدين، واستبقى الآخرين. وأمر بإحراق باب البلد ليفتحها العسكر، فأطل عليهم قهرمان دارهم عبد الله بن أبي مدين الكاتب، وأخبره بفرار أبي سالم، وباتفاق الناس على طاعته. ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى ينفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل. وأمره الأمير أبو يحيى باعتقال أبي الحجاج بن اشقيلولة، فاعتقله لقديم من العداوة كانت بينهما، ثم أمر بقتله، وإنفاذ رأسه فقتل. وأمر السلطان ليلتئذ بإضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام وبات راكبا، ودخل القصر لصبحه فوارى جده بعد أن صلى عليه.
وغص بمكان الأمير أبي يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ ٧/٣٠٩
عبد الحق بن عثمان ابن الأمير أبي يفرن ، محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل إبراهيم بن عبد الجليل الونكاسي وإبراهيم بن عيسى اليرنياني وغيرهما من الخاصة، فأشاروا بقتله، ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته، وابتغاء العصابة لأمره. وركب الأمير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة، فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان. ثم خرج على الخاصة وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل. ثم برز السلطان إليهم وهو موثق فأمر بالإجهاز عليه، ولم يمهله، وألحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودي، وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط، فرهب منه القرابة، وفر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضينت ومسعود بن الأمير أبي مالك، والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق ولحقوا جميعا بعثمان بن أبي العلاء بمكانه من غمارة، وخلا الجو من المرشحين، واستبد السلطان بملك قومه، وأمن غوائل المنازعين.
ولما تم له الأمر واستوسق أمر الملك، وفى لبني عثمان بن يغمراسن بالإفراج عنهم، ونزل لهم عن جميع البلاد التي صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الأوسط من أعمالهم، وأعمال بني توجين ومغراوة. ودعاه إلى بدار المغرب، ما كان من اختلال عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة، ودعائه لنفسه بين يدي مهلك السلطان، وخروجه إلى بلاد غمارة، واستيلائه على قصر كتامة، فاعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الأمر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير إبراهيم بن عبد السلام لما كانت حينئذ غاصة بالساكن مستبحرة في الاعتمار، ممتلئة من الخرثي والآلة، فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعيد إلى أن استوقوا الرحلة، وتركوها قواء، خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بني مرين إلى المغرب، وتحينوا لذلك فترات الفتن، فطمسوا معالمها طمسا ونسفوها نسفا. وقدم السلطان بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الحق انعجون في العساكر ٧/٣١٠
والجنود، وعقد له على حرب ابن أبي العلاء. وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التي كانت بثغور المشرق، ولما نزل عنها جميعا لبني عثمان بن يغمراسن ارتحل غرة ذي الحجة، ودخل فاس فاتح سبع وسبعمائة والله أعلم.
الخبر عن انتزاء يوسف بن أبي عياد بمراكش وتغلب السلطان عليه
لما فصل أبو ثابت عن معسكرهم بتلمسان إلى المغرب، قدم بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الحق انعجون ابن السلطان أبي يوسف في العساكر والجنود، وعقد له على حرب عثمان بن أبي العلاء كما ذكرناه. وعقد على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحق، وعهد له بالنظر في أحوالها، فسار إليها واحتل بها. ثم حدثته نفسه بالانتزاء، فقتل الوالي بمراكش، واستركب واستلحق، واتخذ الآلة، وجاهر بالخلعان. وتقبض على والي البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعمائة، ودعا لنفسه. واتصل الخبر بالسلطان لأول قدومه، فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود الجشمي، ويعقوب بن أصناك، في خمسة آلاف من عساكره، ودفعهم إلى حربه. وخرج في أثرهم بكتائبه. وبرز يوسف بن أبي عياد، وأجازوا أم الربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره واتبعه الوزير ففر إلى أغمات. ثم فر إلى جبال هسكورة، ولحق به موسى بن سعيد الصبيحي من أغمات، تدلى من سورها، ودخل الوزير يوسف إلى مراكش.
ثم خرج إثره ولحقه، فكانت بينهما جولة، وقتل منهم خلق، ولحق بهسكورة.
ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وسبعمائة وأمر بقتل أوربة المداخلة كانوا له في انتزائه فاستلحموا. ولما لحق يوسف بن أبي عياد بجبال هسكورة، ونزل على مخلوف بن عبو، وتذمم بجواره، فلم يجره على السلطان.
وتقبض عليه، واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الأمر، فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم السلطان بالسياط. وبعث برأس يوسف إلى فاس، فنصب بسورها وأثخن القتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء، فاستلحم منهم أمم بمراكش وأغمات. وسخط خلال ذلك وزيره إبراهيم بن عبد الجليل ٧/٣١١
فاعتقله واعتقل عشيرة من بني دولين ومن بني ونكاسن، وقتل الحسن بن دولين منهم، ثم عفا عنهم. وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش، فتلقاه السكسيوي بطاعته المعروفة. وأسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته.
ثم سرح قائده يعقوب بن آصناد في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال. وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان. وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش، فاحتل بها غرة رمضان. ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من شيوخ بني ورا. وجعل طريقه في بلاد صنهاجة، وسار في بلاد تامسنا، وتلقاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم، فاستصحبهم إلى آنفى وتقبض على ستين من أشياخهم، فاستلحم منهم عشرين ممن نمي عنهم إفساد السابلة. ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الأعراب أمة ممن يؤثر عنه الحرابة. ثم ارتحل منتصف شوال الغز ورياح أهل آزغار والهبط. واثار بالإحن القديمة، فأثخن فيهم بالقتل والسبي وقفل إلى فاس، فاحتل بها منتصف ذي القعدة. وفجأه الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان، واستلحام الروم من عساكره، ومهلك عبد الواحد الفودودي من رجالات دولته. وأن عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمره بجهات غمارة، فأجمع لغزوه، والله أعلم
الخبر عن غزاة السلطان لمدافعة عثمان بن أبي العلاء ببلاد الهبط ومهلكه بطنجة بعد ظهوره
لما ملك الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر سبتة سنة خمس وسبعمائة، وأقام بها الدعوة لابن عمه المخلوع محمد بن محمد الفقيه ابن محمد الشيخ ابن يوسف بن نصر كما ذكرناه، وأجاز معه رئيس الغزاة المجاهدين بمحل إمارته من مالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص هذا البيت، كان مرشحا للملك فيهم. واستقدمه معه ليفرق به الكلمة في المغرب بفتنة الدولة مدافعة عن سبتة لما كان هاج السلطان قومه فأخذها واستقام ملكها. وطمع ٧/٣١٢
عثمان في ملك المغرب بامدادهم ومظاهرتهم، وسولت له نفسه ذلك، فخرج من سبتة وولى على جيش الغزاة بعده عمر ابن عمه رحو بن عبد الله. ونجم هو ببلاد غمارة، فدعا لنفسه وإجابته القبائل منهم. واحتل بحصن علودان من أمنع معاقلهم، وبايعوه على الموت. ثم نهض إلى أصيلا والعريش فغلب عليها. واتصل ذلك كله بالسلطان الهالك أبي يعقوب فلم يحركه استهانة بأمرهم. وبعث ابنه أبا سالم بالعساكر، فنازل سبتة أياما. ثم أقلع عنها. وبعث بعده أخاه يعيش بن يعقوب وأنزله طنجة، وجمر معه الكتائب وجعلها ثغرا. وزحف إليه عثمان بن أبي العلاء فتأخر عن طنجة إلى القصر. ثم اتبعه فخرج إليه أهل القصر فرسانا ورجالا ورماة مع يعيش، فوصلوا إلى وادي وراء، ثم انهزموا إلى البلد. ومات عمر بن ياسين، ونزل عثمان عليهم القصر يوما، ثم دخله من غده. ثم كان مهلك السلطان، وفر يعيش بن يعقوب خيفة من أبي ثابت، فلحق بعثمان بن أبي العلاء واستقام أمره بتلك الجهات برهة. وكان السلطان أبو ثابت لما احتل بالمغرب شغله ما كان من انتزاء يوسف بن أبي عياد بمراكش كما قدمناه، فعقد على حرب عثمان بن أبي العلاء مكان عمه يعيش بن يعقوب لعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من رجال بيته، فزحف إليه. ونهض عثمان إلى لقائه منتصف ذي الحجة سنة سبع وسبعمائة فهزمه واستلحم من كان معه من جند الروم. وهلك في تلك الوقعة عبد الواحد الفودودي من رجالات السلطان المرشحين ردفاء الوزارة. وسار عثمان إلى قصر كتامة فنزله، واستولى على جهاته. وعلى تفيئة ذلك كان رجوع السلطان من غزاة مراكش وقد حسم الداء ومحا أثر النفاق، فاعتزم على الحركة إلى بلاد غمارة يمحو منها أثر دعوة ابن أبي العلاء التي كادت تلج عليه ممالكه بالمغرب، ويرده على عقبه ويستخلص سبتة من يد ابن الأحمر لما صارت ركابا لمن يروم الانتزاء والخروج من القرابة والأعياص المستنفرين وراء البحر غزاة في سبيل الله، فنهض من فاس منتصف ذي الحجة من سنة سبع وسبعمائة ولما انتهى إلى قصر كتامة تلوم به ثلاثا حتى توافت عساكره وحشوده، وكمل اعتراضها وفر عثمان بن أبي العلاء أمامه، وارتحل السلطان في اتباعه فنازل حصن علودان واقتحمه عنوة. واستلحم به زهاء أربعمائة.
ثم نازل بلد الدمنة، واقتحمها وأثخن فيها قتلا وسبيا لتمسكهم بطاعة ابن أبي العلاء ومظاهرتهم له. ثم كبس القصر واستباحة. ثم ارتحل إلى طنجة واحتل بها غرة ثمان ٧/٣١٣
وسبعمائة وانحجر ابن أبي العلاء بسبتة مع أوليائه وسرح السلطان عساكره، فتفرقت نواحي سبتة بالاكتساح والغارة. وأمر باختطاط بلد تيطاوين لنزول معسكره والأخذ بمخنق سبتة. وأوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبي الصبر إليهم في شأن النزول عن البلد. وفي خلال ذلك اعتل السلطان فمرض وقضى أياما قلائل وهلك في ثامن صفر من سنته، ودفن بظاهر طنجة. ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فووري هنالك. رحمة الله عليه وعليهم.
الخبر عن دولة السلطان أبي الربيع وما كان فيها من الاحداث
لما ملك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالأمر عمه علي ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه رزيكة، وخلص الملأ من بني مرين أهل الحل والعقد إلى أخيه أبي الربيع فبايعوه. وتقبض على عمه علي بن رزيكة المستام للإمرة، فاعتقله بطنجة إلى أن هلك بها سنة عشر وسبعمائة لجمادى. وبث العطاء في الناس وأجزل وارتحل نحو فاس. واتبعه عثمان بن أبي العلاء في جيش كثيف، وبيته وقد نذر به العسكر فأيقظوا ليلتهم ووافاهم على الظهر بساحة علودان، فناجزهم الحرب. وكانت الدائرة على عثمان وقومه. وتقبض على ولده وكثير من عساكره. وأثخن أولياء السلطان فيهم بالقتل والسبي، وكان الظهور الذي لا كفاء له. ووصل أبو يحيى بن أبي الصبر إلى الأندلس، وقد أحكم عقدة الصلح. وقد كان ابن الأحمر جاء للقاء السلطان أبي ثابت، ووصل إلى الجزيرة الخضراء فأدركه خبر مهلكه، فتوقف عن الجواز، وأجاز ابن أبي الصبر بأحكام المؤاخاة. واجتاز عثمان بن أبي العلاء إلى العدوة فيمن معه من القرابة. فلحق بغرناطة. وأغذ السلطان السير إلى حضرته، فدخل فاس آخر ربيع من سنة ثمان وسبعمائة واستقامت الأمور وتمهد الملك، وعقد السلم مع صاحب تلمسان موسى بن عثمان بن يغمراسن، وأقام وادعا بحضرته. وكانت أيامه خير أيام، هدنة وسكونا وترفا لأهل الدولة. وفي أيامه تغالى الناس في أثمان العقار، فبلغت قيمتها فوق المعتاد. حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين.
وتنافس الناس في البناء فعالوا الصروح، واتخذوا القصور المشيدة بالصخر والرخام ٧/٣١٤
وزخرفوها بالزليج والنقوش. وتناغوا في لبس الحرير وركوب الفاره. وأكل الطيب واقتناء الحلي من الذهب والفضة. واستبحر العمران، وظهرت الزينة والترف، والسلطان وادع بداره متملى أريكته إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن مقتل عبد الله بن أبي مدين
كان أبو شعيب بن مخلوف من بني أبي عثمان من قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير، وكان منتحلا للدين ومشتهرا به. ولما أجلب بنو مرين على المغرب وجالوا في بسائطه، وتغلبوا على ضواحيه، صحب البر منهم البر والفاجر من أهله مثله. وكان بنو عبد الحق قد تحيزوا لأبي شعيب هذا فيمن تحيزوه للصحابة من أهل الدين، فكان إمام صلاتهم. وكان يعقوب بن عبد الحق أشدهم صحابة له، وأوفاهم به ذماما فاتصل به حبله، واتصلت صحابته، وعظم في الدولة قدره وانبسط بين الناس جاه ولده وأقاربه وحاشيته. وربى بنو شعيب هذا عبد الله ومحمد المعروف بالحاج، وأبو القاسم ومن بعدهم من إخوتهم بقصر كتامة في جو ذلك الجاه. وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستخلصهم يوسف بن عبد الحق لخدمته، واستعملهم على مختصاته. ثم ترقى بهم في رتب خدمته وأخصائه، درجة بعد أخرى إلى أن هلك أبوهم أبو مدين شعيب سنة سبع وتسعين وستمائة وكان المقدم منهم عند السلطان عبد الله، فاربى على ثنيات العز والوزارة والخلة والولاية. وتقدم لحظوته في مجلسه كل حظوة، واختصه بوضع علامته على الرسائل والأوامر الصادرة عنه، وجعل إليه حسبان الخراج والضرب على أيدي العمال، وتنفيذ الأوامر بالقبض والبسط فيهم. واستخلصه لمناجاة الخلوات والإفضاء بذات الصدور، فوقف ببابه الإشراف من الخاصة والقبيل والقرابة والولد، وسودوه وخطبوا نائله. وكان عبد الله قد استعمل مع ذلك أخاه محمدا على جباية المصامدة بمراكش، وهنأ أبا القاسم ٧/٣١٥
الدعة بفاس، فأقام بها متمليا راحته عريضا جاهه، طاعما كاسيا، تتسرب إليه أموال العمال في سبيل الإتحاف، وتقف ببابه صدور الركائب إلى أن هلك السلطان أبو يوسف. ويقال إن له خائنة في دمه مع سعاية الملياني. ولما ولي من بعده أخوه أبو الربيع فتقبل فيه مذاهب سلفه. وكان بنو وقاصة اليهود حين نكبوا، باشر نكبتهم لمكانه من إصدار الأوامر. ويزعمون أن له فيهم سعاية. وكان خليفة الأصغر منهم قد استبقى كما ذكرناه، فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي الربيع استعمل خليفة بداره في بعض المهن، وباشر الخدم حتى اتصل بمباشرة السلطان، فجعل غايته السعاية بعبد الله بن أبي مدين. وكان يؤثر عن السلطان أبي الربيع بأنه لا تؤمن بوائقه مع حرم ذويه، وتعرف خليفة ذلك من مقالات الناس، فدس إلى السلطان أن عبد الله بن أبي مدين يعرض باتهام السلطان في ابنته، وأن صدره وغر بذلك، وأنه مترصد بالدولة. وكان يخشى العائلة بما كان عليه من مداخلة القبيل، ولما كان داعيته من دواعي آل يعقوب، فتعجل السلطان دفع غائلته واستدعاه صبيحة زفاف ابنته، زعموا عن زوجها فاستحثه قائد الروم من داره بفاس. ونذر بالشر، فلم يغنه النذر، ومر في طريقه إلى دار السلطان بمقبرة أبي يحيى بن العربي، فطعنه القائد هنالك من ورائه طعنة أكبته على ذقنه. واحتز رأسه وألقاه بين يدي السلطان.
ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجده بين يديه، فذهبت نفسه عليه وعلى مكانه من الدولة حسرة وأسفا، وأيقظ السلطان لمكر اليهودي، فوقفه على براءة كان ابن أبي مدين بعثها للسلطان معه بالتنصل والحلف، فتيقظ وعلم مكر اليهودي به، فندم وفتك لحينه بخليفة بن وقاصة وذويه من اليهود المتصدين للخدمة، وسطا بهم سطوة الهلكة، فأصبحوا مثلا للآخرين، والله أعلم.
الخبر عن ثورة أهل سبتة بالأندلسيين ومراجعتهم طاعة السلطان
لما قفل السلطان أبو الربيع من غزاة سبتة بعد أن شرد عثمان بن أبي العلاء وأحجره ٧/٣١٦
بسبتة، وأجاز منها إلى العدوة ومن كان معه من القرابة كما قلناه، بلغه الخبر بضجر أهل سبتة، ومرض قلوبهم من ولاية الأندلسيين وسوء ملكتهم. ودس إليه بعض أشياعه بالبلد بمثل ذلك، فأغزى صنيعته تاشفين بن يعقوب الوطاسي أخا وزيره في عساكر ضخمة من بني مرين. وسائر الطبقات من الجند. وأوعز إليه بالتقدم إلى سبتة ومنازلتها، فأغذ إليها السير ونزل بساحتها، ولما أحس به أهل البلد تمشت رجالاتهم وتنادوا بشعارهم، وثاروا على من كان بينهم من قواد ابن الأحمر وعماله وأخرجوا منها حاميته وجنوده. واقتحمها العساكر واحتل بقصبتها تاشفين بن يعقوب عاشر صفر من سنة تسع وسبعمائة. وطير الفوائق بالخبر إلى السلطان فعم السرور وعظم شأن الفرح. وتقبض على قائد القصبة أبي زكريا يحيى بن مليلة، وعلى قائد البحر أبي الحسن بن كماشة، وعلى قائد الحروب بها من الأعياص عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق. كان صاحب الأندلس عقد له مكان ابن عمه عثمان بن أبي العلاء عند إجازته البحر إلى الجهاد كما ذكرناه. وكتب إلى السلطان بالفتح، وأوفد عليه الملأ من مشيخة أهل سبتة وأهل الشورى. وبلغ الخبر إلى ابن الأحمر فارتاع لذلك وخشي عادية السلطان، وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة. وقد كان الطاغية في تلك الأيام نازل الجزيرة الخضراء، وأقلع عنها على الصلح بعد أن أذاقها من الحصار شدة، وبعد أن نازل جبل الفتح، فتغلب عليه وملكه. وانهزم زعيم من زعمائه يعرف بألفنش بيرس، هزمه أبو يحيى بن عبد الله بن أبي العلاء صاحب الجيش بمالقة، لقيه وهو يجوس خلال البلاد بعد تملك الجبل، فهزم النصارى وقتلوا أبرح قتل. وأهم المسلمين شأن الجبل فبادر السلطان أبو الجيوش.
بإنفاذ رسله راغبين في السلم خاطبين للولاية. وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها، ترغيبا للسلطان في الجهاد، فتقبل منه السلطان وعقد له الصلح على ما رغب، وأصهر إليه في أخته، فأنكحه إياها. وبعث بالمدد للجهاد، أموالا وخيولا وجنائب مع عثمان بن عيسى اليرنياني. واتصلت بينهما الولاية إلى مهلك السلطان والبقاء لله وحده. ٧/٣١٧
الخبر عن بيعة عبد الحق بن عثمان بممالأة الوزير والمشيخة وظهور السلطان عليهم ثم مهلكه باثر ذلك
كانت رسل ابن الأحمر خلال هذه المهادنة والمكاتبات تختلف إلى باب السلطان، ووصل منهم في بعض أحيانها خلف من مترفيهم، فجاهر بالكبائر، فكشف صفحة وجهه في معاقرة الخمر والإدمان عليه. وكان السلطان منذ شهر جمادى الأولى سنة تسع وسبعمائة قد عزل القاضي بفاس أبا غالب المغيلي، وعهد بأحكام القضاء لشيخ الفتيا المذكور بها أبي الحسن الملقب بالصغير. وكان على نهج من تغيير المنكرات والتعسف فيها، حتى لقد كان مطاوعا في ذلك وسواس النسك الأعجمي، ومتجاوزا به الحدود المتعارفة بين أهل الشريعة في سائر الأمصار. وأحضر عنده ذات يوم هذا الرسول ثملا، وحضر العدول فاستروحوه، ثم أمضى حكم الله فيه، وأقام عليه الحد. وأضرمته هذه الموجدة، فاضطرم غيظا وتعرض للوزير رحو بن يعقوب الوطاسي منصرفه من دار السلطان في موكبه، وكشف عن ظهر يريه السياط وينعي عليهم سوء هذا المرتكب مع الرسل. فتبرم لذلك الوزير وأدركته الحفيظة، وسرح وزعته وحشمه في إحضار القاضي على أسوإ الحالات من التنكيل والتل لذقنه، فمضوا لتلك الوجهة، واعتصم القاضي بالمسجد الجامع، ونادى المسلمين، فثارت العامة فيهم، ومرج أمر الناس. واتصل الخبر بالسلطان فتلافاه بالبعث في أولئك النفر من وزعة الوزير، وضرب أعناقهم، وجعلهم عظة لمن وراءهم، فأسرها الوزير في نفسه، وداخل الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر بن محمد شيخ بني مرين، والمسلم له في شوارهم. وقائد الروم غنصالة المنفرد برياسة العسكر وشوكته، وكان لهم بالوزير اختصاص آثروه له على سلطانه، فدعا لهم لبيعة عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الأعياص، وخلع طاعة السلطان فأجابوه وبايعوا له، وتم أمرهم نجيا. ثم خرج عاشر جمادى من سنة عشر ٧/٣١٨
وسبعمائة إلى ظاهر البلد الجديد بمكان الرمكة، وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملأ. وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو تخم بلاد العسكر، وإزاء نبدورة من معاقل الحسن بن علي زعيم تلك الثورة. ثم ارتحلوا من الغد إلى تازى وخرج السلطان في أثرهم فعسكر بسبو وتلوم لاعتراض العساكر، وإزاحة العلل، واحتل القوم برباط تازي، وأوفدوا على موسى بن عثمان بن يغمراسن سلطان بني عبد الواد يدعونه إلى المظاهرة واتصال اليد، والمدد بالعساكر والأموال جنوحا إلى التي هي آثر لديه من تفريق كلمة عدوه، فتثاقل عن ذلك لمكان السلم الذي عقد له السلطان مذ أول الدولة، وليستبين سبيل القوم. وقدم السلطان بين يديه يوسف بن عيسى الجشمي، وعمر بن موسى الفودودي في جموع كتيبة من بني مرين. وسار في ساقتهم، فانكشف القوم عن تازى ولحقوا بتلمسان صرخا.
وحمد السلطان مغبة تثاقله عن نصرهم ووجد بها الحجة عليهم، إذ غاية مظاهرته إياهم أن يملكهم تازى، وقد انكشفوا عنها فيئسوا من صريخه. وأجاز عبد الحق بن عثمان ورحو بن يعقوب إلى الأندلس، فأقام رحو بها إلى أن قتله أولاد ابن أبي العلاء، ورجع الحسن بن علي إلى مكانه من قبيله ومحله من مجلس السلطان بعد أن اقتضى عهده بالأمان على ذلك. ولما احتل السلطان بتازى حسم الداء ومحا أثر الشقاق، وأثخن في حاشية الخوارج وذويهم بالقتل والسبي. ثم اعتل أثناء ذلك وهلك لليال من اعتلاله سلخ جمادى الأخيرة من سنة عشر وسبعمائة ووري بصحن الجامع الأعظم من تازى، وبويع السلطان أبو سعيد، كما نذكره إن شاء الله.
الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد وما كان فيها من الأحداث
لما هلك السلطان أبو الربيع بتازى تطاول للأمر عمه عثمان ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه قضنيت . واستام المنصب وأسدى في ذلك وألحم. وحضر الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدء من الليل، وأثاروا شيخ القرابة يومئذ وكبير الأعياص ٧/٣١٩
المرشحين، وسربت إليهم الأموال. وجاءهم عثمان ابن السلطان أبي يعقوب مستاما، فزجروه واستدعوا السلطان أبا سعيد، فحضر وبايعوه ليلتئذ وأنفذ كتبه إلى النواحي والجهات باقتضاء البيعة. وسرح ابنه الأكبر الأمير أبا الحسن إلى فاس، فدخلها غرة رجب من سنة عشر وسبعمائة. ودخل القصر واطلع على أمواله وذخيرته، وفي غد ليلته أخذت البيعة للسلطان بظاهر تازي على بني مرين، وسائر زناتة والعرب والقبائل والعساكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء. فقام بالأمر واستوسق له الملك. وفرق الأعطيات وأسنى الجوائز، وتفقد الدواوين ورفع الظلامات، وحط المغارم والمكوس. وسرح أهل السجون، ورفع عن أهل فاس وظيفة الرباع وارتحل لعشرين من رجب إلى حضرته، فاحتل بفاس. وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد المغرب. ثم خرج لذي القعدة بعدها إلى رباط الفتح لتفقد الأحوال والنظر في أحوال الرعايا، واهتم بالجهاد، وأنشأ الأساطيل للغزو في سبيل الله. ولما قضى منسك الأضحى بعده، رجع إلى حضرته بفاس. ثم عقد سنة إحدى عشرة وسبعمائة لأخيه الأمير أبي البقاء يعيش على ثغور الأندلس: الجزيرة ورندة وما إليها من الحصون. ثم نهض من الحصون سنة ثلاث عشرة وسبعمائة إلى مراكش لما كان بها من اختلال الأحوال، وخروج عدي بن هنو الهسكوري، ونقضه للطاعة، فنازله وحاصره مدة، واقتحم حصنه عنوة عليه، وحمله إلى دار ملكه عنوة، فأودعه المطبق. ثم رجع إلى غزو تلمسان، والله أعلم.
الخبر عن حركة السلطان أبي سعيد الى تلمسان أولى حركاته اليها
لما خرج عبد الحق بن عثمان على السلطان أبي الربيع، وتغلب على تازى بمظاهرة الحسن بن علي بن أبي الطلاق كبير بني عسكر، واختلف رسلهم إلى أبي حمو موسى بن عثمان سلطان بني عبد الواد، اسف ذلك بني مرين وحرك من ٧/٣٢٠
إحنهم ، ولما لحق الخارجون على الدولة بالسلطان أبي حمو وأقبل عليهم أضرم ذلك حقد بني مرين. وولى السلطان أبو سعيد الأمر وفي أنفسهم من بني عبد الواد غصة. فلما استوسق أمر السلطان، ودوخ الجهات المراكشية، وعقد على البلاد الأندلسية وفرغ من شأن المغرب، اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليه سنة أربع عشرة وسبعمائة ولما انتهى إلى وادي ملوية قدم ابنيه أبا الحسن وأبا علي في عسكرين عظيمين في الجناحين، وسار في ساقتهما، ودخل بلاد بني عبد الواد على هذه التعبية، فاكتسح نواحيها واصطلم نعمها. ونازل وجدة، فقاتلها قتالا شديدا وامتنعت عليه ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها. وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها، وغلب على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها، فحطمها حطما، ونسف جهاتها نسفا، ودوخ جبال بني يرناسن وفتح معاقلها وأثخن فيها وانتهى إلى وجدة. وكان معه في معسكره أخوه يعيش بن يعقوب، وقد أدركته بعض استرابة بأمره ففر إلى تلمسان، ونزل على أبي حمو ورجع السلطان على تعبيته إلى تازى، فأقام بها. وبعث ابنه الأمير أبا علي إلى فاس فكان من خروجه على أبيه ما نذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي وما كان بينه وبين أبيه من الواقعات
كان للسلطان أبي سعيد اثنان من الولد أكبرهما لأمته الحبشية، وهو علي، والأصغر لمملوكة من سبي النصارى وهو عمر. وكان هذا الأصغر آثرهما لديه، وأعلقهما بقلبه منذ نشأ، فكان عليه حدبا وبه مشغوفا. ولما استولى على ملك المغرب، رشحه بولاية عهده، وهو شاب لم يطر شاربه. ووضع له ألقاب الإمارة، وصير معه الجلساء والخاصة والكتاب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه. وعقد على وزارته لإبراهيم بن عيسى اليرنياني من صنائع دولتهم وكبار المرشحين بها. ولما رآه أخوه الأكبر أبو الحسن صاغية أبيه إليه، وكان شديد البرور بوالديه، انحاش إليه وصار في جملته، وخلط نفسه بحاشيته طاعة لأبيه واستمرت حال الأمير أبي علي على هذا، وخاطبه الملوك من ٧/٣٢١
النواحي وخاطبهم، وهادوه وعقد الرايات، وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص، وكاد أن يستبد. ولما قفل السلطان أبو سعيد من غزاته إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة أقام بتازى وبعث ولديه إلى فاس، فلما استقر الأمير أبو علي بفاس حدثته نفسه بالاستبداد على أبيه، وخلعه وراوضه المداخلون له في المكر بالسلطان حتى يتقبض عليه، فأبي وركب الخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنفسه، فأطاعه الناس لما كان السلطان جعل إليه من أمرهم. وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو السلطان، فبرز من تازى بعسكره يقدم رجلا ويؤخر أخرى.
ثم بدا للأمير أبي علي في شأن وزيره، وحدثته نفسه بالتقبض عليه استرابة به لما كان بلغه من المكاتبة بينه وبين السلطان، فبعث لذلك عمر بن يخلف الفردودي، وتفطن الوزير لما حاوله من المكر، فتقبض عليه ونزع إلى السلطان أبي سعيد فتقبله ورضي عنه. وارتحل إلى لقاء ابنه، ولما تراءى الجمعان بالقرمدة ما بين فاس وتازى، واختل مصاف السلطان وانهزم عسكره وأفلت بعد أن أصابته جراحة في يده وهن لها، ولحق بتازى فليلا جريحا. ولحق به ابنه الأمير أبو الحسن نازعا إليه من جملة أخيه أبي علي بعد المحنة وفاء لحق أبيه، فاستبشر السلطان بالظهور والفتح، وحمد المغبة، وأناخ الأمير أبو علي بعساكره على تازى، وسعى الخواص بين السلطان وابنه في الصلح على أن يخرج له السلطان عن الأمر ويقتصر على تازى وجهاتها، فتم ذلك بينهما وانعقد. وشهد الملأ من مشيخة العرب وزناتة وأهل الأمصار، واستحكم عقده وانكفأ الأمير أبو علي إلى حضرة فاس مملكا. وتوافت إليه بيعات الأمصار بالمغرب ووفودهم، واستوسق أمره.
ثم اعتل على أثر ذلك واشتد وجعه، وصار إلى حال الموت وخشي الناس على أنفسهم تلاشى الأمر بمهلكه، فسايلوا إلى السلطان بتازى، ثم نزع على الأمير أبي علي وزيره أبو بكر بن النوار وكاتبه منديل بن محمد الكتاني، وسائر خواصه، ولحقوا بالسلطان وحملوه على تلافي الأمر، فنهض من تازى واجتمع إليه كافة بني مرين والجند. وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصرا لها، وابتنى دارا لسكناه وجعل لابنه الأمير أبي الحسن ما كان لأخيه أبي علي من ولاية العهد وتفويض الأمر. ٧/٣٢٢
وتفرد أبو علي بطائفة من النصارى المستخدمين بدولتهم، كان قائدهم يمت إليه بخؤولة، وضبط البلد مدة مرضه حتى إذا أفاق وتبين اختلال أمره، بعث إلى أبيه في الصفح والرضى، وان ينزل له عما انتزى عليه من الأمر على أن يقطعه سجلماسة وما إليها، ويسوغه ما احتمل من المال والذخيرة من دراهم، فأجابه لذلك، وانعقد بينهما سنة خمس عشرة وسبعمائة وخرج الأمير أبو علي بخاصته وحشمه، وعسكر بالزيتون من ظاهر البلد. وفي له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة، ودخل السلطان إلى البلد الجديد ونزل بقصره، وأصلح شئون ملكه، وأنزل ابنه الأمير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصوره، وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال. وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب، ووضع العلامة على كتبه وسائر ما كان لأخيه. ووفدت إليه بيعات الأمصار بالمغرب، ورجعوا إلى طاعته.
ونزل الأمير أبو علي بسجلماسة فأقام بها ملكا، ودون الدواوين، واستلحق واستركب، وفرض العطاء واستخدم ظواعن العرب من المعقل، وافتتح معاقل الصحراء وقصور تاورت وتيكورارين وتمنطيت، وغزا بلاد السوس فافتتحها وتغلب على ضواحيها، وأثخن في أعرابها من ذوي حسان والشبانات وزكنة، حتى استقاموا على طاعته.
وبيت عبد الرحمن بن يدر أمير الأنصار بالسوس في تارودانت مقره، فافتتحها عليه عنوة وقتله، واصطلم نعمته وأباد سلطانه. وأقام لبني مرين في بلاد القبلة ملكا وسلطانا، وانتقض على السلطان سنة عشرين وسبعمائة وتغلب على درعة، وسما إلى طلب مراكش، فعقد السلطان على حربه لأخيه الأمير أبي الحسن، وجعله إليه، وأغزاه ونهض على أثره، واعتل بمراكش، وثقف أطرافها وحسم عللها. وعقد عليها لكندوز بن عثمان من صنائع دولتهم، وقفل بعساكره إلى الحضرة. ثم نهض الأمير أبو علي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بجموعه من سلجماسة وأغذ السير إلى مراكش، فاختلفت عساكره بها قبل أن يجتمع لكندوز أمره. فتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناة وملك مراكش وسائر ضواحيها. وبلغ الخبر إلى السلطان، فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد. وأزاح العلل، واستوفى ٧/٣٢٣
الأعطيات، وقدم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده الغالب على أمره في عساكره وجموعه. وجاء في ساقته، وسار على هذه التعبية. ولما انتهى إلى بويو من وادي ملوية نذروا بالبيات من أبي علي وجنوده، فحذروهم وأيقظوا ليلتهم.
وبيتهم بمعسكرهم ذلك، فكانت الدبرة عليه. وفل عسكره. وارتحلوا من الغد في أثره. وسلك على جبال درن، وافترقت جنوده في أوعاره، ولحقهم من معراتها شناعات، حتى ترجل الأمير أبو علي عن فرسه، وسعى على قدميه، وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق، ولحق بسجلماسة، ومهد السلطان نواحي مراكش، وعقد عليها لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي، فعظم غناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة، فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضا والعودة إلى السلم، فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبه، فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب. ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه من ملك القبلة إلى أن هلك السلطان، وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نكبة منديل الكتاني ومقتله
كان أبوه محمد بن محمد الكتاني من علية الكتاب بدولة الموحدين، ونزع من مراكش عند ما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة، فأوطنها في إيالة بني مرين. واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يثائر على صحابته من أعلام المغرب. وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرناه في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فازداد الكتاني عند ابنه يوسف بن يعقوب حظوة ومكانه إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين وستمائة وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرما بمقام عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار ٧/٣٢٤
السلطان ومخالصته في خلواته مغضيا لذلك. متوقعا النكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه، مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان عرف فيه بسبقه وتشابه صديقه وعدوه. ولما تغلب السلطان على ضواحي شلف ومغراوة واستعمل على حسبان الجباية، وجعل إليه ديوان العسكر هنالك، وإلى نظره اعتراضهم وتمحيصهم، فنزل على مليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيري والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب، ورجع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيان وأخيه أبي حمو فخف عليهما، وحلا بعيونهما، واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه. وكان معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله، وتأكدت بينهما الخلة التي رعاها له السلطان أبو سعيد. فلما ولي أمر المغرب مت بذلك إليه، فعرفه له واختصه وخالصة، وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته، ومستخلص أحواله، والمفاوضة بذات صدره. ورفع مجلسه في بسائطه، وقدمه على خاصته. وكان كثير الطاعة للأمير أبي علي ابنه المتغلب على أبيه قبل أول أمره .
ولما استبد وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه. ثم نزع عنه حين تبين اختلال أمره، وكان الأمير أبو الحسن يحقد عليه ولاية أخيه أبي علي لما كان بينهما من المنافسة.
وكان كثيرا ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه، وامتهانه في خدمته. وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه وإلحاح في الهلكة التي أحكم السلطان عليها أذنا واعية، حتى تأذن الله بإهلاكه. وكان منديل هذا كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا، فاعتد عليه من ذلك كلمات وأحوالا، وسخطه سنة ثمان عشرة وسبعمائة واذن لابنه الأمير أبي الحسن في نكبته، فاعتقله واستصفى أمواله، وطوى ديوانه وامتحنه أياما، ثم قتله بمحبسه خنقا، ويقال جوعا. وذهب مثلا في الغابرين، والله خير الوارثين. ٧/٣٢٥
الخبر عن انتقاض العزفي بسبتة ومنازلته ثم مصيرها الى طاعة السلطان بعد مهلكه
كان بنو العز في لما تغلب عليهم الرئيس أبو سعيد ونقلهم إلى غرناطة سنة خمس وسبعمائة استقروا بها في إيالة المخلوع ثالث ملوك بني الأحمر، حتى إذا استولى السلطان أبو الربيع على سبتة سنة تسع وسبعمائة أذنوه في الإجازة إلى المغرب، فأجازوا إلى فاس، فاستقروا بها. وكان يحيى وعبد الرحمن ابنا أبي طالب من سراتهم وكبارهم، وكانوا يغشون مجالس أهل العلم، لما كانوا عليه من انتحال الطلب .
وكان أبو سعيد أيام إمارة بني أبيه يجالس بالمسجد الجامع القرويين شيخ الفتيا أبا الحسن الصغير. وكان يحيى بن أبي طالب يلازمه، فاتصل به وصارت له وسيلة يحتسبها عنده. فلما ولي الأمر واستقل به، رعى لهم زمام صحابتهم، ووفى لهم مقاصدهم. وعقد ليحيى على سبتة، ورجعهم إلى مقر إمارتهم منها ومحل رياستهم، فارتحلوا إليها سنة عشر وسبعمائة وأقاموا دعوة السلطان أبي سعيد والتزموا طاعته. ثم تغلب الأمير أبو علي على أمر أبيه، واستبد عليه فعقد على سبتة لأبي زكريا حيون بن أبي العلاء القرشي، وعزل يحيى بن أبي طالب عنها. واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمه حاتم، واستقروا في جملة السلطان. وهلك أبو طالب بفاس خلال ذلك حتى إذا كان من خروج الأمير أبي علي على أبيه ما قدمناه، لحق يحيى بن أبي طالب وأخوه بالسلطان نازعين من جملة الأمير أبي علي. فلما اعتل بالبلد الجديد ونازلة السلطان بها فحينئذ عقد السلطان ليحيى بن أبي طالب على سبتة، وبعثه إليها ليقيم دعوته بتلك الجهات. وتمسك بابنه محمد رهنا على طاعته، فاستقل بإمارتها، وأقام دعوة السلطان وطاعته بها. وأخذ بيعته على الناس، واتصل ذلك سنتين . وهلك عمه أبو حاتم هنالك بعد مرجعه معه من المغرب سنة ست عشرة وسبعمائة. ثم انتقض على طاعة السلطان ونبذ طاعة الأمراء، ورجع إلى حال سلفه من أمر الشورى في البلد. واستقدم من الأندلس عبد الحق بن ٧/٣٢٦
عثمان فقدم عليه وعقد له على الحرب ليفرق الكلمة به، ويوهن ببأسه عزائم السلطان في مطالبته. وجهز السلطان إليه العساكر من بني مرين وعقد علي حربه للوزير إبراهيم بن عيسى، فزحف إليه وحاصره، وتعلل عليهم بطلب ابنه، فبعث به السلطان إلى وزيره إبراهيم ليعطي طاعته، فيسلمه، وجاءه الخبر من عيون كانت بالعسكر وأن ابنه كائن بفسطاط الوزير بساحة البحر، بحيث تتأتى الفرصة في أخذه، فبيت المعسكر، وهجم عبد الحق بن عثمان بحشمه وذويه على فسطاط الوزير، فاحتمله إلى أبيه وركبت العساكر للهيعة، فلم يقفوا على خبر حتى تفقد الوزير ابن العز في.
واتهموا قائدهم إبراهيم بن عيسى الوزير بممالأة العدو على ذلك، فاجتمعت مشيختهم وتقبضوا عليه، وحملوه إلى السلطان ابتلاء للطاعة واستبصارا في نصح السلطان، فشكر لهم وأطلق وزيره لابتلاء نصيحته. ورغب يحيى بن العزفي بعدها في رضى السلطان وولايته. ونهض السلطان سنة تسع عشرة وسبعمائة إلى طنجة لاختبار طاعته، فعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه الوفاء لجباية السلطان، وأسنى هديته في كل سنة. واستمرت الحال على ذلك إلى أن هلك يحيى العزفي سنة عشرين وسبعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه محمد إلى نظر عمه محمد بن علي بن الفقيه أبي القاسم شيخ قرابتهم. وكان قائد الأساطيل بسبتة وولي النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الرنداحي إلى الأندلس، واختلف الغوغاء بسبتة، وانتهز السلطان الفرصة فأجمع على النهوض إليها سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وبادروا بإيتاء طاعتهم. وعجز محمد ابن يحيى عن المناهضة، وظنها محمد بن عيسى من نفسه، فتعرض للأمر في أوغاد من اللفيف، فاجتمعوا إليه وادفعهم الملأ عن ذلك، وحملوهم على الطاعة، واقتادوا بني العز في إلى السلطان فانقادوا، واحتل السلطان بقصبة سبتة، وثقف جهاتها ورم منثلمها وأصلح خللها. واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها، فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله الصدراتي على حاميتها، وعقد لأبي القاسم بن أبي مدين على جبايتها والنظر في مبانيها، وإخراج الأموال للنفقات فيها. وأسنى جوائز الملأ من مشيختها، ووفر أقطاعاتهم وجراياتهم. وأوعز ببناء البلد المسمى أفراك على سبتة، فشرعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وسبعمائة وانكفأ راجعا إلى حضرته، والله تعالى أعلم ٧/٣٢٧
الخبر عن استقدام عبد المهيمن للكتابة والعلامة
كان بنو عبد المهيمن من بيوتات سبتة، ونسبهم في حضرموت. وكانوا أهل تجلة ووقار، منتحلين للعلم. وكان أبو محمد قاضيا بسبتة أيام أبي طالب وأبي حاتم، وكان له معهم صهر. ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطلب والجلالة، وقرأ صناعة العربية على الأستاذ الغافقي وحذق فيها. ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبي سعيد سنة خمس وسبعمائة واحتملوا إلى غرناطة، احتمل فيهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه. وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها، وازداد علما وبصرا باللسان والحديث. واستكتب بدار السلطان محمد المخلوع، واختص بوزيره المتغلب على دولته محمد بن الحكيم الرندي فيمن اختص به من رؤساء بني العزفي. ثم رجع بعد نكبة ابن الحكيم إلى سبتة، وكتب عن قائدها ابن مسلمة مدة. ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع وسبعمائة اقتصر على الكتابة، وأقام منتحلا مذاهب سلفه في انتحال العلم ونزول المروءة. ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد، وتغلب على الأمر ابنه أبو علي، وكان محبا للعلم مولعا بأهله منتحلا لفنونه.
وكانت دولته خلوا من صناعة التراسل مذ عهد الموحدين للبداوة الموجودة في أولهم . وحصل للأمير أبي علي بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطن به لشأن ذلك، وخلو دولتهم من الكتاب المرسلين، وأنهم إنما يحكمون الخط الذي حذقوا فيه. ورأى الأصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصناعة، فولع به. وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم، فيختصه الأمير أبو علي بمزيد بره وكرامته، ويرفع مجلسه، ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه. حتى إذا أمضى عزيمته في ذلك أوعز إلى عامله بسبتة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة أن يشخصه إلى بابهم فقلده كتابته وعلامته حتى إذا خرج أبو علي على أبيه تحيز عبد المهيمن الى الأمير أبي الحسن، فلما صولح أبو علي على النزول عن البلد الجديد وكتب شرطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه، وأمضى له السلطان ذلك وأنف الأمير أبو ٧/٣٢٨
الحسن منها، فأقسم ليقتلنه إن عمل بذلك، فرفع عبد المهيمن أمره إلى السلطان ولاذ به، وألقى نفسه بين يديه، فرق لشكواه وأمره باعتزالهما معا والرجوع إلى خدمته. وأنزله بمعسكره وأقام على ذلك، واختصه منديل الكتاني كبير الدولة وزعيم الخاصة، وأنكحه ابنته، ولما نكب منديل جعل السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب وإصلاحها، وإنشائها حتى عرف السلطان له ذلك، فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة وسبعمائة فاضطلع بها ورسخت قدمه في مجلس السلطان، وارتفع صيته. واستمر على ذلك أيام السلطان وابنه أبي الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة والله سبحانه وتعالى خير الوارثين.
الخبر عن صريخ أهل الأندلس ومهلك بطرة على غرناطة
كان الطاغية شانجة بن أدفونش قد تكالب على أهل الأندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة اثنتين وثمانين وستمائة. ومنذ غلب على طريف شغل السلطان يوسف بن يعقوب بعده ببني يغمراسن، ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم، وهلك شانجة سنة ثلاث وسبعين وولى ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبني مرين حولا كاملا، ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتد الحصار على المسلمين. وراسل هراندة بن أدفونش صاحب برشلونة أن يشغل أهل الأندلس من ورائهم، ويأخذ بحجزتهم، فنازل المرية وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع وسبعمائة ونصب عليها الآلات. وكان منها برج العود المشهور بطول الأسوار بمقدار ثلاث قامات، وتحيل المسلمون على إحراقه فأحرق. وحفر العدو تحت الأرض مسربا مقدار ما يسير فيه عشرون راكبا. وتفطن المسلمون واحتفر قبالتهم مثله إلى أن نفذ بعضهم ٧/٣٢٩
لبعض، واقتتلوا من تحت الأرض وعقد ابن الأحمر لعثمان بن أبي العلاء زعيم الأعياص على عسكر بعثه مددا لأهل المرية، فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانة ، فهزمهم عثمان واستلحمهم، ونزل قريبا من معسكر الطاغية وألح بمغاداتهم ومراوحتهم الى أن رغبوا إليه في السلم وأفرج عن البلد. وتغلب الطاغية، خلال ذلك على جبل الفتح، وأقامت عساكره على سماتة واسطبونة ، وزحف العباس بن رحو بن عبد الله وعثمان بن أبي العلاء في العساكر لاغاثة البلدين، فأوقع عثمان بعسكر اسطبونة، وقتل قائدهم ألفنش بيرش في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا. ثم زحف عثمان لاغاثة العباس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصارى به، فانفضوا الخبر زحفه، وبلغ الخبر إلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتكة عثمان في قومه، فسرح جموع النصرانية، ولقيهم عثمان فأوقع بهم، وقتل زعماءهم. وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالف أهل البلد إلى معسكره، وانتهبوا محلاته وفساطيطه، وأتيحت للمسلمين عليهم الكرة، وامتلأت الأيدي من غنائمهم وأسراهم. ثم هلك الطاغية أثر هذه الهزائم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وهو هراندة بن شانجة. وولي بعد ابنه الهنشة طفلا صغيرا، جعلوه لنظر عمه دون بطرة ابن شانجة، وزعيم النصرانية جوان فكفلاه. واستقام أمرهم على ذلك، وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه، فاهتبل النصرانية الغرة في الأندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأناخوا عليها بعسكرهم وأممهم. وبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبي العلاء من دولتهم، ومحله من رياستهم، وأنه مرشح للأمر في قومه بني مرين، يخشى معه تفريق الكلمة. وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمته حتى يتم أمر الجهاد، ويعيده إليهم حوطة على المسلمين. ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبي العلاء لصرامته وعصابته ٧/٣٣٠
من قومه، فأخفق سعيهم واستلحموا. وأطالت أمم النصرانية بغرناطة، وطمعوا في التهامها. ثم إن الله نفس مخنقهم، ودافع قدرته عنهم، وكيف لعثمان بن أبي العلاء وعصبته واقعة فيهم كانت أغرب الوقائع. صمدوا إلى موقف الطاغية بجملتهم، وكانوا زهاء مائتين أو أكثر، وصابروهم حتى خالطوهم في مراكزهم، فصرعوا بطرة وجوان، وولوهم الأدبار. واعترضتهم من ورائهم مسارب الماء للشرب من شقيل فتطارحوا فيها. وهلك أكثرهم، واكتسحت أموالهم، وأعز الله دينه، وأهلك عدوه. ونصب رأس بطرة بسور البلد عبرة لمن يذكر، وهو باق هنالك لهذا العهد.
والله تعالى أعلم.
الخبر عن صهر الموحدين والحركة الى تلمسان على اثره وما تخلل ذلك من الاحداث
لما انفرج الحصار عن ولد يغمراسن بن زيان أحد ملوك بني عبد الواد سنة ست وسبعمائة وتجافى أبو ثابت عن بلادهم، ونزل لهم عما كان بنو مرين ملكوه منها بسيوفهم. واستقل أبو حمو بملك بني عبد الواد على رأس الحول منها، صرف نظره واهتمامه إلى بلاد المشرق، فتغلب على بلاد مغراوة، ثم على بلاد بني توجين، ومحا منها أثر سلطانهم. ولحق أعياصهم من ولد عبد القوي بن عطية ولد منديل بن عبد الرحمن بالموحدين بني أبي حفص مع من تبعهم من رءوس قبائلهم، وصاروا في جملة عساكرهم. واستلحق مولانا السلطان أبو يحيى وحاجبه يعقوب بن عمر منهم جندا كثيفا أثبتهم في الديوان، وغالب بهم الخوارج والمنازعين للدولة. ثم زحف أبو حمو إلى الجزائر وغلب ابن علان عليها سنة ونقله إلى تلمسان ووفى له.
وفر بنو منصور أمراء ملكيش أهل بسيط متيجة من صنهاجة، فلحقوا بالموحدين واصطنعوهم. وتملك قاصية المغرب الأوسط وتاخم عمل الموحدين بعمله. ثم تغلب على تدلس سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وتجنى على مولانا السلطان أبي يحيى بما وقع بينهم من المراسلة أيام انتزى ابن مخلوف ببجاية كما ذكرناه في أخباره. فحث عزائمه ٧/٣٣١
لمنزلتها وطلب بلاد الموحدين، وأوطأ عساكره أرضهم، ونازل أمصارهم بجاية وقسنطينة. واختص بجاية بشوكته من ذلك، وجهز العساكر مع مسعود ابن عمه أبي عامر إبراهيم لمضايقتها. وكان خلال ذلك ما قدمناه من خروج محمد بن يوسف ابن يغمراسن عليه سنة وقيام بني توجين بأمره، واقتطاع جبل وانشريس من عمالة ملكه.
واستمرت الحال على ذلك حتى هلك السلطان أبو حمو سنة ثمان عشرة وسبعمائة وقام بأمرهم ابنه أبو تاشفين عبد الرحمن فصنع له في ابن عمه محمد بن يوسف. ونهض إليه بعساكر بني عبد الواد حتى نازلة بمعتصمه من جبل وانشريش وداخله عمر بن عثمان كبير بني تيغرين في المكر به، فتقبض عليه وقتله سنة تسع عشرة وسبعمائة وارتحل إلى بجاية حتى احتل بساحتها، وامتنع عليه الحاجب ابن عمر فأقام يوما أو بعضه. ثم انكفأ راجعا إلى تلمسان، وردد البعوث إلى أوطان بجاية، وابتنى الحصون لتجمير الكتائب، فابتنى بوادي بجاية من أعلاه حصن بكر، ثم حصن تامزردكت. ثم اختط بتيكلات على مرحلة منها بلدا سماها تامزيزدكت على اسم المعقل الذي كان لأوليهم بالجبل قبالة وجدة. وامتنع يغمراسن به على السعيد كما قدمناه، فاختط بلد تيكلات هذه، وشحنها بالأقوات والعساكر، وصيرها ثغرا لملكه، وأنزل بها جنده.
وعقد عليها لموسى بن علي الكردي كبير دولته، ودولة أبيه . واستحثه أمراء الكعوب من بني سليم لملك إفريقية حين مغاضبتهم لمولانا السلطان أبي يحيى اللحياني، وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي عمران، وأبي إسحاق بن أبي يحيى الشهيد، مرة بعد أخرى كما ذكرناه في أخبارهم جميعا. وكانت حروبهم سجالا إلى أن كان بين جيوش زناتة والموحدين الزحف المشهور بالرياش من نواحي مرماجنة سنة تسع وعشرين وسبعمائة زحفت فيه إلى السلطان أبي يحيى عساكر زناتة مع حمزة بن عمر أمير بني كعب. ومن إليه من البدو، وعليهم يحيى بن موسى من صنائع دولة آل يغمراسن. وقد نصبوا للملك محمد بن أبي عمران بن أبي حفص، ومعهم عبد الحق بن عثمان من أعياض بني عبد الحق في بنيه وذويه. وكان نزع إليهم من عند الموحدين كما ذكرناه، فاختل مصاف مولانا السلطان أبي يحيى ٧/٣٣٢
وانهزم، واستولوا على فساطيطه بما فيها من الذخيرة والحرم، وانتهبوا معسكره وتقبضوا على ولديه الموليين أحمد وعمر، وأشخصوهما إلى تلمسان. وأصيب السلطان في بدنه بجراحات أوهنته، وخلص إلى بونة ناجيا برمقه. وركب السفين منها إلى بجاية، فأقام بها يدمل جراحة، واستولت زناتة على تونس. ودخلها محمد بن أبي عمران وسموه باسم السلطان ومقادته في يد يحيى بن موسى أمير زناتة. واعتزم مولانا السلطان أبو يحيى على الوفادة على ملك المغرب السلطان أبي سعيد صريخا على آل يغمراسن. وأشار حاجبه محمد بن سيد الناس بإنفاذ ابنه الأمير أبي زكريا صاحب الثغر استنكافا له عن مثلها، فتقبل إشارته وأركب ابنه البحر لذلك. وبعث إليه معه أبا محمد عبد الله بن تاشفين من مشيخة الموحدين نافضا أمامه طرف المقاصد والمحاورات، ونزلوا بغساسة من سواحل المغرب، وقدموا على السلطان أبي سعيد بحضرته، وأبلغوه صريخ مولانا السلطان أبي يحيى، فاهتز لذلك هو وابنه الأمير أبو الحسن، وقال لابنه الأمير في ذلك المحفل: يا بني لقد قصدك أكبر أقوامنا وموصلك، وو الله لأبذلن في مظاهرتكم مالي وقومي ونفسي، ولأسيرن بعساكري إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك، فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين. وكان فيما شرطه عليهم السلطان أبو سعيد مسير مولانا السلطان أبي يحيى بعساكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا. ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين وسبعمائة ولما انتهوا إلى وادي ملوية وعسكر بضره، جاءهم الخبر اليقين باستيلاء السلطان أبي يحيى على حضرة تونس وإجهاضه زناتة وسلطانهم عنها. فاستدعى مولانا السلطان الأمير أبا زكريا يحيى ابنه ووزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم وأسنى جوائزهم وحاجاتهم . وركبوا أساطيلهم من غساسة وأرسل معهم للخطبة الصهر إبراهيم بن أبي حاتم العزفي والقاضي بحضرته أبي عبد الله بن عبد الرزاق، وانكفأ على عقبه راجعا إلى حضرته. ولما انعقد الصهر بين الأمير أبي الحسن، والسلطان أبي يحيى في ابنته شقيقة الأمير يحيى، زفها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين، كبيرهم أبو القاسم بن عبو . ووصلوا بها إلى موسى غساسة سنة إحدى وثلاثين بين يدي مهلك السلطان أبي سعيد، فقاموا لها على أقدام البر ٧/٣٣٣
والتكرمة، وبعثوا الظهر إلى غساسة لركوبها وحمل أثقالها، وصيغت حكمات الذهب والفضة ومدت ولايا الحرير المغشاة بالذهب، واحتفل لوافدها وأعراسها غاية الاحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم. وتولت قهارمة الدار من عجز النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك فطم الصنيع، وتحدث الناس به. وهلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها، والبقاء لله وحده.
الخبر عن مهلك السلطان أبي سعيد عفا الله عنه وولاية السلطان أبي الحسن وما تخلل ذلك من الاحداث
كان السلطان لما بلغه وصول العروس بنت مولانا السلطان أبي يحيى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة واهتزت الدولة لقدومها عليهم تعظيما لحق أبيها وقومها واحتفاء بها، ارتحل السلطان أبو سعيد إلى تازى ليشارف أحوالها بنفسه احتفاء في تكرمتها وسرورا بعرس ابنه. واعتل هنالك ومرض حتى إذا أشفى على الهلكة، ارتحل به ولي العهد الأمير أبو الحسن إلى الحضرة، وحمله في فراشه على أكتاف الحاشية والخول، حتى نزل بسبو، ثم أدخله كذلك ليلا إلى داره. وأدركته المنية في طريقه، فقضى رحمة الله عليه، فوضعوه بمكانه من البيت. واستدعى الصالحين لمواراته، فووري لشهر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة والبقاء لله وحده، وكل شيء هالك إلا وجهه.
ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجالات الدولة لولي عهده الأمير أبي الحسن، وعقدوا له على أنفسهم، وآتوه طاعتهم وبيعتهم. وأمر بنقل معسكره من سبو، وأضرب بالزيتون من ساحة فاس. ولما ووري السلطان، خرج إلى معسكره بالتعبية، واجتمع إليه الناس على طبقاتهم لأداء البيعة، وجلس بفسطاطه، وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الوزعة ، والمتصرفين وحاجب الباب القديم الولاية بذلك في دارهم منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب. وزفت إليه يومئذ عروسه بنت السلطان أبي يحيى، ٧/٣٣٤
فأعرس بها بمكانه من المعسكر، وأجمع أمره على الانتقام لأبيها من عدوه. وبدأ باستكشاف حال أخيه أبي علي، وكان السلطان أبوهما يستوصيه به لما كان له بقلبه من العلاقة. وكان ولي العهد هذا يؤثر لرضاه جهده، فاعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحواله، والله تعالى أعلم.
الخبر عن حركة السلطان أبي الحسن إلى سجلماسة وانكفائه عنها الى تلمسان بعد الصلح مع أخيه والاتفاق
لما هلك السلطان أبو سعيد وكملت بيعة السلطان أبي الحسن، وكان كثيرا ما يستوصيه بأخيه أبي علي لما كان كلفا به شفوقا عليه، فأراد مشارفة أحواله قبل النهوض إلى تلمسان، فارتحل من معسكره بالزيتون قاصدا سجلماسة، وتلقته في طريقه وفود الأمير أبي علي أخيه مؤديا حقه، موجبا مبرته، مهنئا له بما آتاه الله من الملك، متجافيا عن المنازعة فيه، قانعا من تراث أبيه بما سأل، في يده، طالبا العقد له بذلك من أخيه. فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل، وعقد له على سجلماسة وما إليها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيهما. وشهد الملأ من القبيل وسائر زناتة والعرب، وانكفأ راجعا إلى تلمسان لإجابة صريخ الموحدين، وأغذ السير إليها.
ولما انتهى إلى تلمسان تنكب عنها متجاوزا إلى جهة المشرق لوعد مولانا السلطان أبي يحيى بالنزول معه على تلمسان، كما كان عليه وفاقهم ومشارطتهم مع الأمير أبي زكريا الرسول إليهم. فاحتل بتاسالت في شعبان من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وتلوم بها وأوعز إلى أساطيله بمراسي المغرب فأغزاها إلى سواحل تلمسان. وجهز لمولانا السلطان أبي يحيى مددا من عسكره أركبهم الأساطيل من سواحل وهران، وعقد عليهم لمحمد البطوي من صنائع دولته. ونزلوا بجاية، ووافوا بها مولانا السلطان أبا يحيى فصاروا في جملته. ونهضوا معه إلى تيكلات ثغر بني عبد الواد المجمرة بها الكتائب لحصار بجاية، وبها يومئذ ابن هزرع من قوادهم، وأجفل من كان بها من العسكر قبل وصوله إليهم، فلحقوا بآخر عملهم من المغرب الأوسط. وأناخ مولانا السلطان أبو يحيى عليها بعساكر من الموحدين والعرب والبربر وسائر الحشود، فخربوا عمرانها وانتهبوا ما كان من الأقوات مختزنا بها، وكان بحرا لا يدرك ساحله، لما كان ٧/٣٣٥
السلطان أبو حمو من لدن اختطها قد أوعز إلى العمال بسائر البلاد الشرقية، منذ عمل البطحاء أن ينقلوا أعشار الحبوب إليها وسائر الأقوات. وتقبل ابنه السلطان أبو تاشفين مذهبه في ذلك. ولم يزل دأبهم إلى حين حلت بها هذه الفاقرة فانتهب الناس من تلك الأقوات ما لا كفاء له. وأضرعوا مختطها بالأرض فنسفوها نسفا، وذروها قاعا صفصفا. والسلطان أبو الحسن خلال ذلك متشوف لأحوالهم منتظر قدوم مولانا السلطان أبي يحيى عليه لمنازلة تلمسان، حتى وافاه الخبر بانتقاض أخيه كما نذكره، فانكفأ راجعا، واتصل الخبر بمولانا السلطان أبي يحيى فقفل إلى حضرته. وحمل البطوي معه وأسنى جائزته وجوائز عسكره، وانصرفوا إلى السلطان مرسلهم في سفنهم من ساعتها. وانقبض عنان السلطان أبي تاشفين عن غزو بلاد الموحدين إلى أن انقرض أمره، والبقاء لله وحده.
الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي ونهوض السلطان أبي الحسن اليه وظفره به
لما توغل السلطان أبو الحسن في غزاة تلمسان وتجاوزها إلى تاسالت لوعد مولانا السلطان أبي يحيى، دس أبو تاشفين إلى الأمير أبي علي في اتصال اليد والاتفاق على السلطان أبي الحسن، وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه متى هم به، وانعقد بينهما على ذلك. وانتقض الأمير أبو علي على أخيه السلطان أبي الحسن، ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل بها عامل السلطان، واستعمل عليه من ذويه، وسرح العسكر إلى بلاد مراكش. واتصل الخبر بالسلطان وهو بمعسكره بتاسالت، فأحفظه شأنه، وأجمع على الانتقام منه، فانكفأ راجعا إلى الحضرة.
وأنزل بثغر تاوريرت تخم عمله معسكرا، وعقد عليه لابنه تاشفين، وجعله إلى نظر وزيره منديل بن حمامة بن تيربيغين، وأغذ السير إلى سجلماسة، فنزل عليها وأحاطت عساكره بها، وأخذ بمخنقها وحشد الفعلة والصناع لعمل الآلات لحصارها، والبناء بساحتها. وأقام يغاديها القتال ويراوحها حولا كريتا. ونهض أبو تاشفين في عساكره وقومه إلى ثغر المغرب ليوطئه عساكره، وبعث في نواحيه يجاذب السلطان عن مكانه من حصاره. ولما انتهى إلى تاوريرت برز إليه ابن السلطان في وزرائه وعساكره، ٧/٣٣٦
وزحفوا إليه في التعبية، فاختل مصافه وانهزم ولم يلق أحدا، وعاد إلى منحجره وبادر إلى إمداد الأمير أبي علي بعسكره، فعقد على حصة من جنده وبعث بهم إليه، فتسربوا إلى البلد زرافات ووحدانا حتى استكملوا عنده، وطاولهم السلطان الحصار وأنزل بهم أنواع الحرب والنكال حتى تغلب عليهم، واقتحم البلد عنوة، وتقبض على الأمير أبي علي عند باب قصره. وسيق إلى السلطان فأمهله واعتقله، واستولى على ملكه. وعقد على سجلماسة واستعمل عليها، ورحل منكفئا إلى الحضرة، فاحتل بها سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واعتقل أخاه في إحدى حجر القصر إلى أن قتله لأشهر من اعتقاله خنقا بمحبسه. وعدد له هذا الفتح بفتح الجبل واسترجاعه من يد العد ودمره الله بأيدي عسكره، وتحت راية ابنه أبي مالك، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن منازلة جبل الفتح واستئثار الأمير أبي مالك والمسلمين به
لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد المتغلب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبي الجيوش، قام بالأمر بعده ابنه محمد طفلا صغيرا لنظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الأندلس وصنائع الدولة. واستبد عليه. فلما شب وناهز أنف من الاستبداد عليه، وأغراه المعلوجي من حشمه بالوزير، فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين وسبعمائة وشمر للاستبداد وشد أواخي الملك. وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع، وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة، وكان شجى في صدرها، وأهم المسلمين شأنه. وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان فيه من فتنة ابنه، فرجعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الأحمر منذ سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لأول المائة الثامنة.
واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين وسبعمائة وولي عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط أخواله. وأسف الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبي سعيد فملك أكثرها، ومنع البحر من الإجازة. وقارن ذلك استبداد صاحب الأندلس، وقتله لوزيره ابن المحروق. وأهمه شأن الطاغية، فبادر لإجازة البحر. ووفد على ابن خلدون م 22 ج 7 ٧/٣٣٧
السلطان أبي الحسن بدار ملكه من فاس سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فأكبر موصله وأركب الناس للقائه، وأنزله بروض المصارة لصق داره، واستبلغ في تكريمه.
وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر، وما أهمهم من عدوهم، وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجى في صدر الثغور، فأشكاه السلطان. وعامل الله في أسباب الجهاد، وكان مشغوفا به متقبلا مذهب جده يعقوب فيه. وعقد لابنه الأمير أبي مالك على خمسة آلاف من بني مرين، وأنفذه مع السلطان محمد بن إسماعيل لمنازلة الجبل، فاحتل بالجزيرة، وتتابع إليه الأطول بالمدد. وأرسل ابن الأحمر حاشرين في الأندلس، فتسايلوا إليه، وأضربوا معسكرهم جميعا بساحة الجبل.
وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن، إلى أن تغلبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واقتحمه المسلمون عنوة، ونفلهم الله من كان به من النصرانية بما معهم، ووافاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه، وقد شحنه المسلمون بالأقوات، نقلوها من الجزيرة على خيولهم. وباشر نقلها الأمير أبو مالك وابن الأحمر، فنقلها الناس عامة. وتحيز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه.
ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه. وبرز أبو مالك بعساكره، فنزل بحذائه وبعث إلى الأمير أبي عبد الله صاحب الأندلس. فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوخ أرض النصرانية. وخرج فنزل بإزاء عسكر الطاغية، وتحصن العدو في محلتهم.
وقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه، وخفة ما به من الحامية والسلاح، فبادر السلطان ابن الأحمر إلى لقاء الطاغية. وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعا نفسه من الله في رضى المسلمين، وسد فرجتهم، فتلقاه الطاغية راجلا حاسرا إعظاما لموصله، وأجابه إلى ما سأل من الإفراج عن هذا المعقل، وأتحفه بذخائر مما لديه، وارتحل لفوره. وأخذ الأمير أبو مالك في تثقيف أطراف الثغر، وسد فروجه، وأنزل الحامية به، ونقل الأقوات إليه، وكان فتحا طوق دولة السلطان أبي الحسن قلادة الفخر إلى آخر الأيام. ثم رجع بعدها إلى شأنه من منازلة تلمسان، والله تعالى أعلم. ٧/٣٣٨
الخبر عن حصار تلمسان وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض أمر بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين
لما تغلب السلطان على أخيه وحسم علة انتزائه ومنازعته وسد ثغور المغرب، وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية، وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكة الطاغية نحوا من عشرين سنة. فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان.
ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور. وأوفد السلطان إلى أبي تاشفين شفعاء في أن يتخلى عن عمل الموحدين جملة، ويتراجع لهم عن تدلس، ويرجع إلى تخوم عمله منذ أول الأمر، ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك، ويقدروه حق قدره، واستنكف أبو تاشفين مع ذلك وأغلظ للرسل في القول، وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبيد في الرد عليهم والنيل من مرسلهم، فانقلبوا إليه بما أحفظه، فانبعثت عزائم السلطان للصمود إليهم. وعسكر بساحة البلد الجديد، وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والعساكر. ثم تعجل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبى مواكبه، وسار في التعبية. وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين وسبعمائة وسار يجر الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده. ومر بوجدة، فجمر الكتائب لحصارها. ثم مر بند رومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها، فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ثم سار على تعبيته حتى أناخ على تلمسان، وبلغه الخبر بتغلب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة فأوعز إليه بتخريب أسوارها، فأضرعوها بالأرض.
وتوافت إليه إمداد النواحي وجهاتها وحشودها، وربض على فريسته. ووفدت إليه قبائل مغراوة وبني توجين فآتوه طاعتهم. ثم سرح عساكره إلى الجهات فتغلب على وهران وهنين، ثم على مليانة وتنس والجزائر كذلك سنة ست وثلاثين وسبعمائة ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله، والمتاخم كان لعمل الموحدين، والقائم بحصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرة وتكريما، ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه. وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى ٧/٣٣٩
ابن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين، وصاحب شوراهم بمجلس السلطان، والمخصوص بصهر من السلطان. عقد له على ابنته فسار في الألوية والجنود وطوع ضاحية الشرق وقبائله، وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المرية . ونظم البلاد في طاعة السلطان، وأحشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا له وكاثروا جنوده. واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين.
وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتين. وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره. وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعة محمد من الدولة.
واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط. واختط السلطان بغربي تلسمان البلد الجديد لسكناه، ونزل عساكره وسماه المنصورية . وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق. ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه وشيد قبالة كل برج من أبراج البلد برجا على ساقة خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم، ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيد برجا آخر أقرب منه، وترتفع شرفاته فوق خندقهم. ولم يزل يتقرب بوضع الأبراج من حد إلى ما بعده، حتى اختطها من قرب على ساقه خندقهم. وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعيالها، ورتب المجانيق إلى رجمها ودكها، فنالت من ذلك فوق الغاية. واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار. وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم، وربما ينفرد في طوافه بعض الأيام عن حاشيته، فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرة. وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطل على البلد، حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم، وأرسلوا عليه عقبان جنودهم، واضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره، وكاد أن ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير سويد. ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه:
ابو عبد الرحمن وأبو مالك، في جموع بني مرين، وتهاوت فرسان المعسكر من كل جانب، فشمر جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم. ثم دفعوهم عنها، وحملوهم على ٧/٣٤٠
هوة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل. واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين، ومحمد بن سلامة بن علي كبير بني يدللتن منهم أيضا وغيرهم. وكان يوما له ما بعده. واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ. ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم، واتصلت الحرب مدة عامين. ثم اقتحمها السلطان غلابا لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته، وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق بن عثمان من أعياص عبد الحق. نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه ونستوفي خبره. فهلك هو وابنه وابن أخيه، وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها، فتقبض عليه. واختبنه بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه، فاعترضه وقد غض الطرف بموكبه، فأمر به في الحين فقتل، واحتز رأسه، وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتفريعه، وذهب مثلا في الغابرين. واقتحم السلطان بكافة عساكره، وتواقع الناس بباب كشوط لجنوبهم من كظيظ الزحام، فهلك منهم أمم.
وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرات في أموالهم وحرمهم.
وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته. واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام، وفاء بحق العلم وأهله، فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب، فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعية، وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد. وقد كمل الفتح وعز النصر، وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين، وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبي يحيى مجددا للعهد، فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين. ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح، فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بشارة، واعتدها بمساعيه. ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم، وشفى نفسه ٧/٣٤١
بقتل سلطانهم، وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان، وفرض لهم العطاء، واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم،. وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين، وسائر زناتة وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله، وساروا عصبا تحت لوائه، فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة، وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين، واندرجوا في جملته، واتسع نطاق ملكه. وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب.
والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
الخبر عن نكبة الأمير عبد الرحمن بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه آخرا
قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره، وتلوم السلطان أبي الحسن بتاسالت لانتظار مولانا السلطان أبي يحيى.
ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية، لم يطالبهم بذلك. وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤديا حقه مستخبرا مآل عدوهم. فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيره أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه. وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به، وارتحل من تلمسان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وعسكر ببسيط بمتيجة منتظرا وفادة مولانا السلطان أبي يحيى عليه، وتكاسل السلطان عنها لما أراه سيفه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها، وقال له: إن لقاء سلطانين لا يتفق إلا في يوم على أحدهما، فكره ذلك السلطان وتقاعد عنه: وطال مقام السلطان أبي الحسن في انتظار الموعد الذي ألقى إليه أبو محمد بن تافراكين، واعتل لأشهر من مقامه ومرض بفسطاطه. وتحدث أهل المعسكر بمهلكه. وكان ابنا الأمير أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبي سعيد. وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الإمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء. واستلحاق الفرسان والانفراد بالعساكر، فكانا من ذلك على ثبج. وجعل لهما مع ذلك الجلوس لمقعد فصله، ٧/٣٤٢
مناوية لتنفيذ الأوامر السلطانية، فكانا لذلك رديفين له في سلطانه.
ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزب أهل المعسكر لهما أحزابها، وبث كل واحد منهما المال وحمل على المقربات. وصارت شيعا وانقسموا فرقا. وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الأمر قبل أن يتبين حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك. وتفطن خاصة السلطان لها، فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتسع الخرق، فبرز إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به، فازدحموا على مجلسه وتقبيل يده. وتقبض على أهل الظنة من العساكر، فأودعهم السجن وسخط على الأميرين. ورحل الناس من معسكرهما، فردهما إلى معسكره. ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما، وطفئت نار فتنتهما وسكن سعي المفسدين عندهما وانتبذ الناس عنهما.
فاشتدت روعة الأمير أبي عبد الرحمن، وركب من فساطيطه وخاض الليل، وأصبح بحلة أولاد علي أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة، فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل. ورده إلى أبيه، فاعتقله بوجدة، ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتل بعد ذلك سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وثبت بالسجان فقتله. وأنفذ السلطان حاجبه علان بن محمد فقضى عليه. ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه. ورضي السلطان صبيحة نزوع أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك، وعقد له على ثغور عمله بالأندلس، وصرفه إليها، وانكفأ إلى تلمسان.
والله أعلم.
الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبسيه بابي عبد الرحمن
لما تقبض السلطان على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن، تفرق خدمة وحشمه وانذعروا في الجهات. وهمل جازر من مطبخه، كان يعرف بابن هيدور، كان شبيها له في الصورة، فلحق ببني عامر من زغبة، وكانوا لذلك العهد منحرفين عن ٧/٣٤٣
الطاعة، خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه اختصا عريف بن يحيى أمير بني سويد أقتالهم، منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين. فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق، وانتبذوا بالقفار. ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر وإخوته. وعقد السلطان على حربهم لونزمار ابن وليه عريف. وكان سيد البدو يومئذ، فجمع لهم وشمر لطلبهم، وأبعدوا أمامه في المذاهب، وأوقع بهم مرارا. ولحق بهم هذا الجازر، وانتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع عنه، فشبه لهم وبايعوه وأجلبوا به على نواحي المرية . وبرز إليهم قائدها مجاهد بن من صنائع الدولة، ففضوا جمعه وانهزم أمامهم. ثم جمع لهم ونزمار وفروا عن تلك النواحي وافترق جمعهم. ونبذوا لذلك الجازر عهده، فلحق ببني يرناتن من زواوة، ونزل على سيدتهم شمسي فقامت بأمره. وحمل بنوها من بني عبد الصمد قومهم على طاعته. وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومن مكذب حتى تبينت ووقفوا على كذبه في انتسابه، فنبذوا عهده ولحق بالزواودة أمراء رياح، ونزل على سيدهم يعقوب بن علي، وانتسب له في مثل ذلك، فأجاره إن صدق نسبه.
وأوعز السلطان إلى السلطان أبي يحيى صاحب إفريقية في شأنه، فبعث إلى يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه، فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم دواؤه. وبقي بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وسبعمائة والله تعالى أعلم.
الخبر عن شأن الجهاد واغزاء السلطان ابنه الأمير ابا مالك واستشهاده
لما فرغ السلطان من أمر عدوه وما تبع من ذلك من الأحوال، صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفا به. وكان الطاغية منذ شغل بني مرين عن الجهاد منذ عهد يعقوب بن عبد الحق قد اعتزوا على المسلمين بالعدوة. ونازلوا معاقلهم، ٧/٣٤٤
وتغلبوا على الكثير منها، وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة. ووضعوا عليه الجزية فتقبلها وأسفوا إلى التهام المسلمين بالأندلس. فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وعلت على الأيدي يده، وانفسح نطاق ملكه، دعته نفسه إلى الجهاد.
وأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور من عمله بالعدوة سنة أربعين وسبعمائة بالدخول إلى دار الحرب، وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء، فشخص غازيا في الحفل، وتوغل في بلاد الطاغية واكتسحها، وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدره من أرضهم وأناخ بها. واتصل به الخبر بأن النصارى جمعوا له، وأغذوا السير في اتباعه. وأشار عليه الملأ بالخروج من أرضهم وإجازة الوادي الذي كان تخما بين أرض الإسلام ودار الحرب. وأن يصير إلى مدن المسلمين فيمتنع بها، فلج في إبايته وصمم على التعريس. وكان قرما ثبتا إلا أنه غير بصير بالحروب لمكان سنه، فصبحهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يركبوا وخاطبوهم في ابايتهم. وأدرك الأمير أبو مالك بالأرض قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه، واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم، ورجعوا على أعقابهم. واتصل الخبر بالسلطان فتفجع لهلاك ابنه، واسترحم له، واحتسب عند الله أجره وفي سبيله قتله. وشرع في إجازة العساكر للجهاد وتجهيز الأساطيل.
الخبر عن واقعة الملند والظفر به وظهور اساطيل المسلمين على اسطول النصارى
لما بلغ الخبر إلى السلطان باستشهاد ابنه، أخرج وزراءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل. وفتح ديوان العطاء، واعترض الجنود وأزاح عللهم. واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد. وتسامعت أمم النصرانية بذلك، فاستعدوا للدفاع. وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة. واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي العدوة. وبعث إلى الموحدين بتجهيز أسطولهم إليه، فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم، ووافى ستة ٧/٣٤٥
في ستة عشر من أساطيل إفريقية، كان من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية. وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة. وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها، وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق. وقد اكتمل عديدهم وعدتهم، فاستلأموا وتظاهروا في السلاح.
وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا. ثم قربوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاف، فلم يمض إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر، وأظفر الله المسلمين بعدوهم، وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة، فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رءوسهم في جوانب البلد.
ونظمت أصفاد الأسرى بدار الإنشاء. وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة، وأنشدت الشعراء بين يديه، وكان يوما من أعز الأيام، والمنة لله.
الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين
لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز، شرع السلطان في إجازة العساكر الغزاة من المطوعة والمرتزقة، وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة. ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله مع خاصته وحشمه آخر سنة أربعين وسبعمائة ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها، واضطرب معسكره بفنائها، وبدأ بمنازلتها. ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو، فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا، وأنزلوا بهم أنواع القتال، ونصبوا عليها الآلات. وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر، وطال ثواؤهم بمكانهم من حصار البلد، ففنيت أزودتهم وافتقدوا العلوفات، فوهن الظهر واختلت أحوال المعسكر. واحتشد الطاغية أمم النصرانية ٧/٣٤٦
وظاهره البرتقال صاحب أشبونة، وغرب الأندلس، فجاء معه في قومه. وزحف إليهم لستة أشهر من نزولهم. ولما قرب معسكرهم سرب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها، فدخلوه ليلا على حين غفلة من العسس الذي أرصد لهم. وأحسوا بهم آخر ليلتهم، فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد، فقتلوا منهم عددا ولبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته. وزحف الطاغية من الغد في جموعه، وعبى السلطان مواكب المسلمين صفوفا، وتزاحفوا ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر، وعمدوا إلى فسطاط السلطان ودافعهم عنه الناشبة الذين أعدوا لحراسته فاستلحموهم. ثم دافعهم النساء عن أنفسهن فقتلوهن وخلصوا إلى خطايا السلطان: عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب، وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية، وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن. وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر نارا وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم، فأحاطوا به وتقبضوا عليه، وولى السلطان متحيزا إلى فئة المسلمين، واستشهد كثير من الغزاة ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة وأنكر قتل النساء والولدان، ووقف منه لمنتهى أثره، وانكفأ راجعا إلى بلاده، ولحق ابن الأحمر بغرناطة، وخلص السلطان إلى الجزيرة، ثم إلى الجبل. ثم ركب السفين إلى سبتة في ليله ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم. وأرجأ لهم الكرة على عدوهم.
الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة، ثم تغلبه عليها بعد أن غلب على القلعة من ثغور ابن الأحمر
لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس، وطمع في التهامهم، وجمع عساكر النصرانية، ونازل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة. وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والأيدي على حصارها، واشتد مخنقها وأصابهم الجهد من العطش، فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأدال الله الطيب منها بالخبيث، وانصرف إلى بلده. وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع ٧/٣٤٧
الكرة وبعث في الأمصار للاستنفار، وأخرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى اكتمل له منها عدد. ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها، وقدم عساكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت. وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير، وبعثه إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوزارة ببابه، وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته. وتلاقت الأساطيل ومحص الله المسلمين واستشهد منهم أعاد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين وأقبل الطاغية من إشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفا أساطيل المسلمين وفرضة المجاز. وأمل أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف، وحشد الفعلة والصناع للآلات، وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار. واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة. وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة. وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة ليسرب عليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الفعلة من أساطيلهم، وتحت جناح الليل، فلم يغنهم ذلك، واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد. وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية، بعد إذن الطاغية له في الإجازة مكرا به وترصد له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق، وضاقت أحوال الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان. وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفى لهم.
وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل، ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم مما فاتهم، وخلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس. وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة، مع تمكنه منها بما كان لديه من العساكر. وانكفأ السلطان إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله، وإنجاز وعده في رجوع الكرة وعلو الدين. والله متم نوره ولو كره الكافرون ٧/٣٤٨
الخبر عن شفاعة صاحب تونس في أولاد أبي العلاء ووصولهم الى السلطان
كان عثمان بن أبي العلاء من أعياض آل عبد الحق، شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالأندلس. وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدو، وغزو دار الحرب، ومساهمة صاحب الأندلس الجهاد كما نستوفي أخباره. وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ بأهل الأندلس اعتذر بمكانه بينهم. واشترط عليهم أن يمكنوه من قياده حتى يقضي نوبة الجهاد، فلم يسعفوه بذلك. ولما هلك عثمان بن أبي العلاء، قام بالأمر من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبي ثابت عامر. وقويت عصابتهم بالموالي والأبناء، وغلبت على يد السلطان يدهم، واستبدوا عليه في أكثر الأحوال، واستنكف لها، وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبي الحسن. وارتاب بنو أبي العلاء في إجازته إليه، واتهموه على أنفسهم، وأسعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره. فلما تغلب المسلمون عليه، وقضى ابن الأحمر من مدافعة الطاغية عنه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه، واعتزم على القفول إلى حضرته، أجمعوا الفتك به في طريقه. وداخلوا في ذلك مولاه ابن المعلوجي لما أسفهم به من إرهاف حده والتضييق عليهم في جاههم، فبرموا وطووا على البث ، حتى إذا وجدوا من أبي العلاء صاغية إلى ذلك، خفوا إلى إجابتها، ونذر بهم محمد بن الأحمر فبعث عن السفن تعرضه في طريقه وساحل إليهم، وتسابقوا لشأنهم قبل فوته، فأدركوه دون حصن أصطبونة. وعتبوه فاستعتب، وأغلظوا له في القول، وقتلوا مولاه عاصما صاحب ديوان العطاء تجنيا عليه. ونكر ذلك السلطان فتناولوه بالرماح قعصا وطعنا حتى أقعصوه. ورجعوا إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالي. وجاءوا بأخيه أبي الحجاج يوسف بن أبي الوليد، فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه. وسرح لحينه قائده ابن عزون، فاستولى له على دار ملكه، وتم أمره وحجبه رضوان مولى أبيهم، واستبد عليه، وسكن بين ٧/٣٤٩
جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل، حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد، وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس، وعقد لابنه الأمير أبي مالك، أسر إليهم في شأن بني أبي العلاء بما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها. ووافق منه داعية لذلك فتقبض عليهم أبو الحجاج وأودعهم المطبق أجمع. ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم، ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته، فتوقف عنها. وأبى من إخفار ذمتهم ووسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنوا به من الشر. ورغب ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم، علما بأن شفاعته لا ترد فأجابه لذلك، وجنبوهم إليه مع ابن بكرون. واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتاب الشفاعة فيهم من السلطان. وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فتلقاهم بالبر والترحيب إكراما لشفيعهم. وأنزلهم بمعسكره وجنب لهم المقربات بالمراكب الثقيلة، وضرب لهم الفساطيط، وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته. ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة، سعى عنده فيهم بأن كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الملك، فتقبض عليهم وأودعهم في السجن بمكناسة، إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
الخبر عن هدية السلطان الى المشرق وبعثه بنسخ المصحف من خطه الى الحرمين والقدس
كان للسلطان أبي الحسن مذهب في ولاية ملوك المشرق، والكلف بالمعاهد الشريفة تقبله من سلفه. وضاعفه لديه متن ديانته. ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى، وتغلب على المغرب الأوسط، وصار أهل النواحي تحت ربقة منه، واستطال بجناح سلطانه، خاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر، وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم. وكان فرانقه في ذلك ٧/٣٥٠
فارس بن ميمون بن وردار. وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين السلف. وأجمع السلطان على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله تعالى، وابتغاء للمثوبة، فانتسخها وجمع الوراقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها، والقراء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها، وصنع لها وعاء مؤلفا من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم الجوهر والياقوت واتخذ له اصونه الجلد المحكمة الصنعة وغشي بصفائح الذهب، ونظم بالجوهر والياقوت، واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة، المرقوم أديمها بخطوط الذهب من فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتان. وأخرج من خزائنه أموالا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القراء فيها، وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام، خواص مجلسه وكبار أهل دولته، مثل عريف بن يحيى أمير زغبة، والسابق المقدم في بساطه على كل خالصة عطية بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة. وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وعريف الوزعة ببابه وصاحب دولته عبو بن قاسم المزوار ، واحتفل في الهدية للمزوار للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدث الناس به دهرا. ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقربات، بسروج الذهب والفضة ولجمها، خالصا ومغشي ومموها، وخمسمائة حمل من متاع المغرب وما عونه وأسلحته، ومن نسج الصوف المحكم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم، وأزرا معلمة وغير معلمة. ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملونا وغير ملون، وساذجا ومنمقا.
ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف، وتنسب إلى اللمط.
ومن خرثي المغرب وما عونه وما يستظرف صناعته بالمشرق، حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت. واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك، فأذن لها واستبلغ في تكريمها. واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه.
وفصلوا من تلمسان سنة وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم، ٧/٣٥١
فتقبلها وحسن لديه موقعها. وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوما مشهودا، تحدث به الناس دهرا، ولقاهم في طريقهم أنواع البر والتكرمة حتى قضوا فرضهم، ووضعوا المصحف الكريم حيث أمرهم صاحبهم. وأسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب، ومن ثياب الإسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب، ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم ووصلتهم. وبقي حديث هذه الهدية مذكورا بين الناس لهذا العهد.
ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول، ووقفها على القراءة بالمدينة، وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته. سنة واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل، فخاطبه السلطان وأتحفه وعزاه عن أبيه، وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين فقضى من وفادته ما حمل. وكان شأنه عجبا في إظهار أبهة سلطانه، والإنفاق على المستضعفين من الحاج في طريقه، واتحاف رجال الدولة التركية بدأت يده والتعفف عما في أيديهم. ثم شرع بعد استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتاب نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس، فلم يقدر إتمامها، وهلك قبل فراغه من نسخها، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن هدية السلطان الى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب
كان للسلطان أبي الحسن مذهب في الفخر يتطاول به إلى مناغات الملوك الأعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الأقتال والأمصار ، وإيفاد الرسل على ملوك النواحي القاصية والتخوم البعيدة. وكان ملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاورا لملكه بالمغرب على مائة مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية. ولما غلب بني عبد الواد على تلمسان وابتزهم ملكهم، واستولى على ممالك المغرب الأوسط، وتحدث الناس ٧/٣٥٢
بشأن أبي تاشفين وحصاره ومقتله، وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلب وآية العز وإهانة العدو وشاعت أخبار ذلك في الآفاق. وسما سلطان مالي منسا موسى المتقدم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته. فأوفد عليه فرانقين من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة، فوفدوا على السلطان في التهنئة بالغلب والظفر بالعدو، فأكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم. ونزع إلى طريقته في الفخر، فأتحف طرفا من متاع المغرب وماعونه من ذخيرة داره وأسناها، وعين رجالا من أهل دولته، كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصي. وأوفدهم بها على ملك مالي منسا سليمان بن منسا موسى، لمهلك أبيه قبل مرجع وفده. وأوعز إلى أعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجائين، فشمر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل، وصحبهم في طريقهم امتثالا لأمر السلطان. وتوغل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول المشقة، فأحسن مبرتهم وأعظم موصلهم وأكرم وفادتهم ومنقلبهم. وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظمون سلطانه، ويوجبون حقه، ويؤدون طاعته من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به، فأدوا رسالتهم وبلغ السلطان أربا من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه، وقضاء حق الشكر لله في صنعه.
الخبر عن اصهار السلطان الى صاحب تونس
لما هلكت ابنة السلطان أبي يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبي الحسن بفساطيطه، بقي في نفسه منها شيء حنينا إلى ما شغفته به من خلالها وعزة سلطانها، وقيامها على بيتها، وظفرها في تصريفها ، والاستمتاع بأصول الترف ولذاذة العيش في عشيرتها، فسما أمله إلى الاعتياض عنها ببعض أخواتها. وأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير زغبة، وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل ابن عبد الله بن أبي مدين، وفقيه الفتوى بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان ٧/٣٥٣
السطي، ومولاه عنبر الخصي، فوفدوا يوم مثنى من سنة ست وأربعين وسبعمائة وأنزلوا منزل البر، واستبلغ في تكريمهم ودس الحاجب أبو عبد الله بن تافراكين إلى سلطانه غرض وفادتهم، فأبى من ذلك صونا لحرمة عن جولة الأقطار وتحكم الرجال، واستعظاما لمثل هذا العرس. ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبي الحسن في رد خطبته مع الأذمة السابقة بينهما من الصهر والمخالصة إلى أن أجاب وأسعف. وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما وأخذ الحاجب في شوار العروس، وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل وارتحلوا من تونس لربيع من سنة تسع وأربعين وسبعمائة وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذا العروس أن يزفها على السلطان أبي الحسن قياما بحقه، وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدمهم عبد الواحد بن محمد بن أكمازير، صحبوا ركابها إليه. ووفدوا جميعا على السلطان واتصل الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا السلطان أبي يحيى عفا الله عنه، فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عند ما وصلوا إليه، واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيها الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار الى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى إفريقية كما نذكر إن شاء الله تعالى.
الخبر عن حركة السلطان الى إفريقية واستيلائه عليها
كان السلطان أبو الحسن قد امتدت عينه إلى ملك إفريقية لولا مكان السلطان أبي يحيى من ولايته وصهره، وأقام يتحين لها الأوقات، ولما بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردوا خطبته، نهض من المنصورة بتلمسان وأغذ السير إلى فاس ففتح ديوان العطاء، وأزاح علل العسكر، وعقد على المغرب الأقصى لحافده منصور ابن الأمير أبي مالك، وفوض إلى الحسن بن سليمان بن يرزيكن في أحكام الشرطة، وعقد له على الضاحية، وارتحل إلى تلمسان مضمرا الحركة إلى إفريقية حتى إذا جاء الخبر اليقين بالإسعاف والزفاف سكن عزمه وهدأ طائره. فلما هلك السلطان أبو ٧/٣٥٤
يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وكان من قيام ابنه عمر بالأمر، ونزوع الحاجب أبي محمد بن تافراكين في رمضان منها ما ذكرناه، تحركت عزائم السلطان لذلك. ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحدين، فرغب وجاء على أثره الخبر بما كان من قتل عمر لأخيه أحمد ولي العهد، وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه، وما أودعه السلطان بحاشيته من الوفاق على ذلك بخطه، واقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتو في سفارته إليه، فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه، وهدر من دم أخيه. وارتكب مذاهب العقوق فيهم، وخرق السباج الذي فرضه بخطه عليهم، فأجمع الحركة إلى إفريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعا إليه ومستغذا مسيره، ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية، وأزاح عللهم. وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا الأمير أبي يحيى، وفد على السلطان أبي الحسن إثر مهلك جده بقرب المآب بسفارة أبيه إليه، ويطلب الإقرار على عمله. فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية، طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية.
ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة عقد لابنه الأمير أبي عنان على المغرب الأوسط، وعهد إليه بالنظر في أموره كافة، وجعل إليه جبايته، وارتحل يريد إفريقية. وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو. ولما احتل بوهران ووافاه هنالك وفد قسطيلة وبلاد الجريد، يقدمهم أحمد بن مكي أمير حربه ورديف أخيه عبد الملك في إمارته، ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر سقط إليها بعد خروج الأمير أبي عمر العباس ولي العهد عنها، ومهلكه بتونس، وأحمد بن عامر بن العابد رئيس نفطة، رجعا إليهما كذلك بعد مهلك ولي العهد، فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملإ من وجوه بلادهم، فآتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته. وتثاقل محمد بن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق به، فبعث بيعته معهم، فأكرم وفدهم وعقد لهم على أمصارهم، وصرفهم إلى أعمالهم. وتمسك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه، وفي جملته، وأغذ السير. ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية، وافاه بها منصور بن فضل بن مزني أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل ٧/٣٥٥
وطنه، ويعقوب بن علي بن أحمد سيد الزواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة، فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته. وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العسكري من صنائع أبيه، فلما عسكر بساحة بجاية أبو عبد الله وأبي عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه، وانفضوا من حوله، ولحقت مشيختهم من القضاة وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان. وسابقهم إليه حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس، فأدى طاعته ورجعه إليه للخروج للقاء ركابه. وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد، بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد، واعتذر من تخلفه فتقبل عذره وأحله من البر والتكرمة محل الولد العزيز. وأقطعه عمل كومية من نواحي هنين، وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه أبي عنان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به. ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم. ونظر في أحوال ثغورها فثقفها وسد فروجها. وعقد عليها لمحمد بن النوار من طبقة الوزراء والمرشحين لها، وأنزل معه حامية من بني مرين. وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسون بن البواق، وارتحل مغذا لسيرة حتى احتل بقسطينة. وتلقاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبي يحيى وأخواه أبو العباس أحمد وأبو يحيى زكريا وسائر إخوتهم، فأتوه ببيعتهم ونزلوا له عن عملهم. وأدالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان، عقد للمولى أبي زيد على إمارتها، وجعل له إسوة إخوته في أقطاع جبايتها، ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العباس، وانزل معه العباس بن عمر في قومه من بني عسكر. وأمضى أقطاعات الزواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثا لركابه. وأخبره برحيل السلطان عمر ابن مولانا السلطان أبي يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل أقتالهم من الكعوب موجها إلى ناحية قابس. وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس، فسرح معه حمو بن يحيى العسكري قائده في عسكر من بني مرين والجند. وارتحلوا في اتباع السلطان أبي حفص، وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة، واعترض عساكره بسطح الجعاب منها. وصرف يوسف بن مزني إلى عمله بالزاب، بعد أن خلع عليه وحمله. ٧/٣٥٦
ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى على مكان عمله ببونة، وملأ حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرحه، ثم ارتحل على أثرهم وأوعز حمو بن يحيى مع الناجعة من أولاد أبي الليل، ولحقوا بالأمير أبي حفص بمباركة من ناحية قابس، فأوقعوا به وتردى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان القائم بدولته من المعلوجي، فتقبض عليهما وسيقا إلى أبي حمو فاعتقلهما إلى الليل، ثم ذبحهما وأنفذ برءوسهما إلى السلطان. ولحق الفل بقابس، فتقبض عبد الملك بن مكي على أبي القاسم بن عتو صاحب الأمير أبي حفص وشيخ الموحدين، وعلى صخر بن موسى شيخ بني سكين من سدويكش فيمن تقبض عليه من ذلك الفل، وأشخصهم مقرنين في الأصفاد إلى السلطان. وسرح السلطان عساكره إلى تونس، وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بني عسكر على ابنته، وأنفذ معه أحمد بن مكي فاحتلوا بتونس، واستولوا عليها. وانطلق ابن مكي إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحملهم. ونزل السلطان بناحية باجة، فوافاه هنالك البريد برأس الأمير أبي حفص. وعظم الفتح.
ثم ارتحل إلى تونس واحتل بها يوم الأربعاء الثامن لجمادى الآخرة من سنة ثمان.
وتلقاه وفد تونس وملؤها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيا، فآتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين بملكتهم. ثم عبى يوم السبت إلى دخولها مواكبه، وصف جنوده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة. وركب بنو مرين إلى مراكزهم في جموعهم وتحت راياتهم. وركب السلطان من فسطاطه وراكبه من على يمينه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة، ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين ومن على يساره الأمير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبي يحيى، ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد، كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خروج أخيه الأمير أبي فارس فأطلقهم السلطان أبو الحسن وصحبوه إلى تونس، فكانوا طرازا في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم. وهدرت طبوله، وخفقت راياته، وكانت يومئذ مائة. وجاء والمواكب تجتمع عليه صفا صفا إلى أن وصل إلى البلد، وقد ماجت الأرض بالجيوش، وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه. ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبي محمد بن تافراكين كسوته وقرب إليه فرسه بسرجه ولجامه.
وطعم الناس بين يديه وانتشروا. ودخل السلطان مع أبي محمد بن تافراكين إلى حجر ٧/٣٥٧
القصر ومساكن الخلفاء، فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوة برأس الطابية، فطاف على بساتينه وجوائزه، وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى ابن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها. ووصل إليه فل الأمير أبي حفص والأسرى بقابس مقرنين في أصفادهم، فأودعهم السجن بعد أن قطع أبا القاسم بن عتو وصخر بن موسى من خلاف، لفتيا الفقهاء بحرابتهم . وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها. ووقف على آثار الأولين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين، وزار أجداث العلماء والصالحين.
ثم سار إلى المهدية ووقف على ساحل البحر، ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبل أشد قوة وآثارا في الأرض، واعتبر بأحوالهم. ومر في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير، وانكفأ راجعا إلى تونس، واحتل بها غرة رمضان وأنزل المسالح على ثغور إفريقية، وأقطع بني مرين البلاد والضواحي، وأمضى أقطاعات الموحدين للعرب. واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد عظم الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنة. واتصلت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من هذه العدوة، وإلى رندة من عدوة الأندلس. والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ودفع إليه الشعراء بتونس يهنئونه بالفتح، وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوي من ناشئة أهل الأدب فرفع إليه قوله:
أجابك شرق إذ دعوت ومغرب ... فمكة هشت للقاء ويثرب
وناداك مصر والعراق وشامه ... بدارا، فصدع الدين عندك يشعب
وحيتك أو كادت تحيى منابر ... عليها دعاة الحق باسمك تخطب
فسارع منا كل دان وشاسع ... إلى طاعة من طاعة الله تحسب
وتاقت لك الأرواح حبا ورغبة ... وأنت على الآمال تنأى وتقرب
ففي البلدة البيضاء معشر ... وأنت بأفق الناصرية ترقب
ووافتك من ذات النخيل وفودها ... فلقاهم أهل لديك ومرحب
ولم تتلكأ عن إباء بجاية ... ولكن تراض الصعب حينا وتركب
تأبت فلما أن أطلت عساكر ... ترى الشهب منها تستباح وتنهب ٧/٣٥٨
تبادر منهم مذعن ومسلم ... وأذعن منهم شاغب ومؤلب
وما تونس إلا بمصر مروع ... وفي حرم أمست لديك تسرب
وما أهلها إلا بغاث لصائد ... وبالعز منها استنصروا وتعقبوا
وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم ... فها أنت كهف للجميع ومهرب
فكل يرى أن الزمان أداله ... بكم فأجاب العيش والعيش مخصب
وكذلك ابن طائع وإن اعتلت ... به السن أحوالا وأنت له أب
وما ذاك إلا أن عدلك ينتمي ... إلى الخلفاء الراشدين وينسب
تساميت في ملك ونسك بحظة ... حذياك محراب لديها ومركب
إذا لذ للأملاك خمر مدامة ... فلذ لك القرآن يتلى ويكتب
وإن أد من القوم الصبوح فإنما ... على ركعات بالضحى أنت تدأب
وإن حمدوا الشرب الغبوق فإنما ... شرابك بالإمساء ذكر مرتب
وإن خشنت أخلاقهم وتحجبوا ... فما أنت فظ بل، ولا متحجب
لقد كرمت منك السجايا فأصبحت ... إذا ما أمر الدهر تحلو وتعذب
كما شيدت بيتا في ذؤابة معشر ... يزيدهم قحطان فخرا ويغرب
هم التاركو قلب القساور خضعا ... وعن شأوهم كفت عبيد وأغلب
هم الناس والأملاك تحت جوارهم ... هم العظم الأرض العظيمة مغرب
هم المالكو الملك العظيم فبيتهم ... على كاهل السبع الشداد مطنب
لقد أصبحت بغداد تحسد بأسهم ... وحلة ودت أن تكون مناسب
تجلت ببيت المجد منهم كواكب ... لقد حل منها شارق ومغرب
فالله منهم ثلة بغريبة ... يروم بناها الأعجمي فيعرب
لقد قام عبد الحق للحق طالبا ... فما فاته منه الذي قام يطلب
وأعقب يعقوبا يؤم سبيله ... فلم يخطه وهو السبيل المنجب ٧/٣٥٩
وخلف عثمانا فلله صارم ... به بان للإسلام شرع ومذهب
فكم في سبيل الله شن إغارة ... لما شاد أهل الكفر أمست تخرب
ولما أراد الله إتمام منة ... تقلدها منا مطيع ومذنب
أتى بك للدين الحنيفي آية ... تعرى بها عن لامع الحق غيهب
فجئت بما يرضى به الله سالكا ... سبيلا إلى رضوانه بك يذهب
وقمت بأمر الله حق قيامه ... يناضل عنه منك نضل مدرب
وأصبح أهل الله أهلا وشيعة ... لكم ولهم منكم مكان ومنصب
وحل بأهل الفتك ما حل عزمهم ... وقام لديهم واعظ مترقب
وجاهدت في الرحمن حق جهاده ... فراهب أهل الكفر بأسك يرهب
وأنقذت من أيدي الإغارة أمة ... وأولى جهاد كان بل هو أوجب
فأصبحت الدنيا عروسا يزفها ... لأمرك من جاري المقادير مغرب
فلا مصر إلا قد تمناك أهله ... ولا أرض إلا باذكارك تخصب
وما الأرض إلا منزل أنت ربه ... وما حلها إلا الودود المرجب
تملكت شطر الأرض كسبا وشطرها ... وراثا فطاب الكل إرثا ومكسب
بجيش على الألواح والماء يمتطي ... وجيش على الضمر السوابق يركب
وجيش من الإحسان والعدل والتقى ... وذلك لعمر الله أغلى وأغلب
فلا مركب إلا يزين راكبا ... ولا راكب إلا به ازدان مركب
ولا رمح إلا وهو أهيف خاطر ... ولا سيف إلا وهو أبيض فأضب
فكم كاتب خطيه ودواته ... ولم يقر خطا يغتدى وهو يكتب
يمر على الأبطال وهو كأنه ... هزبر وأبطال الفوارس ربرب
وكم كاتب لا ينكر الطعن رمحه ... خبير بأيام الأعاريب معرب
له من عجيب السحر بالقول أضرب ... وفي هامة القوم المضارب مضرب
فها هو في الأقوال واش محبر ... وها هو في الأمثال ثاو مجرب ٧/٣٦٠
ومن ساحب بردا من العلم والتقى ... عليه ذيول الداودية تسحب
له صبغة في العلم جاءت بأصبغ ... وشهبان فهم لم يشمهن أشهب
فيا عسكرا قد ضم أعلام عالم ... به طاب في الدنيا لنا متقلب
هم الفئة العلياء والمعشر الذي ... إذا حل شعبا فهو للحق مشعب
لك الفضل في الدنيا على كل قاطن ... ومرتحل أنى يجيء ويذهب
ويا مالكا عدلا رضى متورعا ... مناقبه العلياء تتلى وتكتب
شرعت من الإحسان فينا شريعة ... تساوى بهاناء ومن يتقرب
وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم ... فمنك أخو التقوى قريب مقرب
وأعليت قدر العلم إذ كنت عالما ... فقيها وفي طلابه لك مأرب
فمدحك محتوم على كل قائل ... ومن ذا الذي يحصي الرمال ويحسب
فلله كم تعطي وتمطي وتجتبي ... فللبحر من كفيك قد صح منسب
فلا برحت كفاك في الأرض مزنة ... يطيب بها للخلق مرعى ومشرب
ولا زلت في علياء مجدك راقيا ... وشانئك المدحوض ينكى وينكب
توافي على أقصى أمانيك آمنا ... فلا بر يستعصى ولا يتعصب
الخبر عن واقعة العرب مع السلطان أبي الحسن بالقيروان وما تخللها من الأحداث
كان هؤلاء الكعوب من بني سليم رؤساء البدو بإفريقية، وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذ أولها بل وما قبله، إذ كان سليم هؤلاء منذ تغلب العرب من مضر على الدول والممالك أول الإسلام انتبذوا إلى الضواحي والقفار، وأعطوا من صدقاتهم عن عزة، وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدي أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري. فلما انثالت الدولة العباسية واستبد الموالي من العجم عليهم، اعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد، وأجلبوا على الحاج بالحرمين، ونالتهم منهم معرات، ولما انقسم ملك الإسلام بين العباسية والشيعة ٧/٣٦١
واختطوا القاهرة، نفقت لهم أسواق الفتنة والتعزز، وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة. ثم أغراهم العبيديون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على أثر الهلاليين فخربوا عمرانها وأجروا في خلائها، حتى إذا خرج ابن غانية على الموحدين وانتزى بالثغور الشرقية طرابلس وقابس، واجتمع معه قراقش الغزي مولى بني أيوب ملوك مصر والشام، وانضاف إليهم أفاريق العرب من بني سليم هؤلاء وغيرهم، أجلبوا معه على الضواحي والأمصار، وصاروا في جملتهم من ناعق فتنتهم. ولما هلك قراقش وابن غانية واستبد آل أبي حفص بإفريقية وأعز الزواودة على الأمير أبي زكريا يحيى ابن عبد الواحد بن أبي حفص، استظهر عليهم ببني سليم هؤلاء، وزاحمهم بظواعنهم وأقطعهم بإفريقية ونقلهم عن مجالاتهم بطرابلس وأنزلهم بالقيروان، فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز، ولما افترق سلطان بني أبي حفص، واستبد الكعوب برياسة البدو، وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها، وأصابت منهم وأصابوا منها، وكان بين مولانا الأمير أبي يحيى وبين حمزة بن عمر أخي الأمير منازعة وفتن وحرب سجال أعانه عليها ما كان من زحف بني عبد الواد إلى إفريقية وطمعهم في تملك ثغورها، فكان يستجر جيوشهم لذلك، وينصب الأعياص من بني أبي حفص يزاحم بهم، ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخرا واستجره إلى الطاعة ما كان من قطع كلمة الزبون عن مولانا السلطان أبي يحيى، وهلاك عدوه من آل يغمراسن، بسيف وليه وظهيره السلطان أبي الحسن، فأذعن وسكن غرب اعتزازه. وحمل بني سليم على إعطاء صدقاتهم، فأعطوها بالكراهة. ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون، وقام بالأمر بنوه ولم يعرفوا عواقب الأمور ولا أبلوا باعتساف الدولة، ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة. وحاربوه فغلبوه، وأجلبوا على السلطان في ملكه، ونازلوه بعقر داره سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ولما سامهم الأمير ابن مولانا السلطان أبي يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه، نزعوا إلى أخيه ولي العهد، فجاء إلى تونس وملكها سبعا. ثم اقتحم عليه أخوه الأمير أبو حفص فقتله. وتقبض يوم اقتحامه البلد ٧/٣٦٢
على أبي الهول بن حمزة أخيهم، فقتله صبرا بباب داره بالقصبة، فأسفهم بها.
ونزعوا الى السلطان أبي الحسن ورغبوه في ملك إفريقية واستعدوه إليها.
ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في الاعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم، وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحي والأمصار، نكره وأدالهم من الأمصار التي أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضها لهم في الديوان. واستكثر جبايتهم، فنقصهم الكثير منها وشكا إليه الرعية من البدو وما ينالونهم به من الظلامات والجور بفرض الاتاوة التي يسمونها الخفارة، فقبض أيديهم عنها وأوعز إلى الرعايا بمنعهم منها، فارتابوا لذلك، وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصدوا لها. وتسامع ذؤبانهم وبواديهم بذلك، فأغاروا على قياطين بني مرين ومسالحهم بثغور إفريقية وفروجها، واستاقوا أموالهم، وكثر شاكيهم وأظلم الجو منهم بينهم وبين السلطان والدولة.
ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهدية وفد من مشيختهم، كان فيهم خالد بن حمزة مستحبة إلى إفريقية، وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين، وابن عمه خليفة بن بو زيد من أولاد القوس، فأنزلهم السلطان وأكرمهم.
ثم رفع إليه الأمير عبد الرحمن ابن السلطان أبي يحيى زكريا بن اللحياني كان في جملته، وكان من خبره أنه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدمناه سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فدعا لنفسه بجهات طرابلس. وتابعه أعراب ذباب، وبايع له عبد الملك بن مكي صاحب قابس. ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تامزيزدكت كما ذكرناه، فملكها أياما وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها. ولحق عبد الواحد بن اللحياني إلى تلمسان، إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره، ففارقهم وخرج إليه، فأحله محل التكرمة والمبرة واستقر في جملته إلى أن ملك تونس. ورفع إليه عند مقدم هذا الوفد أنهم دسوا إليه مع بعض حشمه، وطلبوه في الخروج معهم لينصبوه للأمر بإفريقية وتبرأ إلى السلطان من ٧/٣٦٣
ذلك، فأحضروا بالقصر ووبخهم الحاجب علال بن محمد بن المصمود، وأمر بهم، فسحبوا إلى السجن.
وفتح السلطان ديوان العطاء وعسكر بسيجوم من ساحة البلد بعد قضائه منسك الفطر من سنته. وبعث في المسالح والعساكر فتوافت إليه واتصل الخبر بأولاد أبي اليل وأولاد القوس باعتقال وفدهم وعسكرة السلطان لهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتعاقدوا على الموت، وبعثوا إلى أقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم بن أحمد.
وكانوا بعد مهلك سلطانهم أبي حفص قد لحقوا بالقفر وانتبذوا عن إفريقية فرارا من مطالبة السلطان بما كانوا شيعة لعدوهم. فأغذ السير إليهم أبو الليل بن حمزة متطارحا عليهم بنفسه في الاجتماع على الخروج على السلطان، فأجابوه وارتحلوا معه. وتوافت أحياء بني كعب وحكيم جميعا بتوزر من بلاد الجريد، فهدروا الدماء بينهم وتدامروا وتبايعوا على الموت، والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للأمر، فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من أعقاب أبي دبوس فريسة بني مرين من خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، عند ما استولى عليها. وكان من خبره أن أباه عثمان بن إدريس بن أبي دبوس لحق بمهلك أبيه بالأندلس، وصحب هنالك مرغم بن صابر شيخ بني ذباب وهو أسير ببرشلونة. فلما انطلق من أسره صحبه إلى وطن ذباب بعد أن عقد قمص برشلونة بينهما حلفا، وأمدهما بأسطول على مال التزماه له. ونزل بضواحي طرابلس وجبال البربر بها، ودعا لنفسه هنالك وقام بدعوته كافة العرب من ذباب، وقاتل طرابلس، فامتنعت عليه. ثم بايعه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب بإفريقية، وأجلب به على تونس، فلم يتم أمره لرسوخ دعوة الحفصيين بإفريقية وانقطاع أمر بني عبد المؤمن منها، وآثارهم منذ الأحوال العديدة والآماد المتقادمة فنسي أمرهم.
وهلك عثمان بن إدريس هذا بجربة، ثم ابنه عبد السلام بعده، وترك من الولد ثلاثة: أصغرهم أحمد، وكان صناع اليدين. ولحقوا بتونس بعد ما طوحت بهم طوائح الاغتراب، وظنوا أن قد تنوسي شأن أبيهم، فتقبض عليهم مولانا السلطان أبو يحيى وأودعهم السجن إلى أن غربهم إلى الاسكندرية سنة أربع وأربعين وسبعمائة ورجع أحمد إلى إفريقية، واحتل بتوزر محترفا بالخياطة يتعيش منها، فاستدعاه بنو كعب هؤلاء حين اتفقت أهواؤهم ومن اتبعهم من أحلافهم أولاد القوس، وسائر ٧/٣٦٤
شعوب علاق. وخرج إليهم من توزر فنصبوه للأمر وجمعوا له شيئا. من الفساطيط والآلة والكسوة الفاخرة والمقربات. وأقاموا له رسم السلطان، وعسكروا عليه بحللهم وقياطينهم، وارتحلوا لمناجزة السلطان، ولما قضى منسك الأضحى من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ارتحل من ساحة تونس يريدهم، فوافاهم في الفرح بين بسيط تونس وبسيط القيروان المسمى بالثنية، فأجفلوا أمامه وصدقوه القتال منهزمين، وهو في اتباعهم إلى أن احتل بالقيروان، ورأوا أن لا ملجأ منه، فتذامروا واتفقوا على الاستماتة، ودس إليهم من عسكر السلطان بنو عبد الواد ومغراوة وبنو توجين فغلبوا بني مرين، ووعدوهم بالمناجزة صبيحة يومهم ليتحيزوا إليهم براياتهم، وصبحوا معسكر السلطان، وركب إليهم في الآلة والتعبية، فاختل المصاف، وتحيز إليهم الكثير، ونجا السلطان إلى القيروان فدخلها في الفل من عساكره ثامن المحرم سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتدافعت ساقات العرب في أثره وتسابقوا إلى المعسكر، فانتهبوه ودخلوا فسطاط السلطان، فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه، وأحاطوا بالقيروان، وأحاطت حللهم بها سياجا، وتعاوت ذئابهم بأطراف البقاع، وأجلب ناعق الفتنة من كل مكان. وبلغ الخبر إلى تونس فاستحصن بالقصبة أولياء السلطان وحرمه، ونزع ابن تافراكين من جملة السلطان بالقيروان إليهم، فعقدوا له على حجابة سلطانهم أحمد بن أبي دبوس ودفعوه إلى محاربة من كان بالقصبة بتونس، وأغذ إليها السير واجتمع إليه أشياخ الموحدين وزعانف الغوغاء والجند، وأحاطوا بالقصبة، وعاودها القتال، ونصب المنجنيق لحصارها. ووصل سلطانه أحمد على أثره، فامتنعت عليهم، ولم يغنوا فيها غناء، وافترق أمر الكعوب وخالف بعضهم بعضا إلى السلطان، وتساقطوا إليه، فتنفس مخنق الحصار عن القيروان، واختلفت إليه رسل أولاد مهلهل، وأحسن بهم أولاد أبي الليل بن حمزة بنفسه، وعاهد السلطان على الإفراج، ولم يفوا بعهده. وداخل السلطان أولاد مهلهل في الخروج إلى سوسة، فعاهدوه على ذلك. وأوعز أسطوله بمرساها وخرج معهم ليلا على تعبية، فلحق بسوسة وبلغ الخبر إلى ابن تافراكين بمكانه من حصار القصبة، فركب السفين ليلا إلى الإسكندرية. وارتاب سلطانهم ابن أبي دبوس، لما وقف ٧/٣٦٥
على خبره فانفض جمعهم وأفرجوا عن القصبة. وركب السلطان أسطوله من سوسة، ونزل بتونس آخر جمادى واعتمل في إصلاح أسوارها وإدارة الخندق عليها، وأقام لها من الامتناع والتحصين رسما ثبت له من بعده، ودفع به في نحر عدوه.
واستقل من نكبة القيروان وعثرتها، وخلص من هوتها والله يفعل ما يشاء.
ولحق أولاد أبي الليل وسلطانهم أحمد بن أبي دبوس بتونس، فأحاطوا بالسلطان واستبلغوا في حصاره، وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان، فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة رأيهم في طاعة السلطان فدخل كبيرهم عمر إليه في شعبان، وتقبضوا على سلطانهم أحمد بن أبي دبوس وقادوه إلى السلطان استبلاغا في الطاعة، وامحاضا للولاية فتقبل فيئتهم، وأودع ابن أبي دبوس السجن، وأصهر إلى عمر بابنه أبي الفضل، فعقد له على بنته، واختلفت أحوالهم في الطاعة والانحراف إلى أن كان ما نذكر. والله غالب على أمره.
الخبر عن انتقاض الثغور الغربية ورجوعها إلى دعوة الموحدين
كان المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، لما قدم على السلطان أبي الحسن بتلمسان في زفاف شقيقته سنة سبع وأربعين وسبعمائة بعد ما اتصل به في طريقه مهلك أبيه، أوسع له السلطان كنفه، ومهد له جانب كرامته وبره، وغمز له بوعد في المظاهرة على ملك أبيه تعزى به عن فقده. وارتحل السلطان إلى إفريقية. والمولى الفضل يرجو أن يجعل سلطانها إليه، حتى إذا استولى السلطان على الثغرين بجاية وقسنطينة، وارتحل إلى تونس، عقد له على مكان إمارته أيام أبيه ببونة، فصرفه إليه، فانقطع أمله وفسد ضميره وطوى على البث حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان، سما إلى التوثب على ملك سلفه. وكان أهل قسنطينة وبجاية قد برموا من الدولة، واستنقلوا وطأة الإيالة لما اعتادوا من الملك الرفيق ، فأشرأبوا إلى الثورة ٧/٣٦٦
عند ما بلغهم خبر النكبة. وقد كان توافي بقسنطينة ركاب من المغرب في طوائف من الوفود والعساكر، وكان فيهم ابن صغير من أبناء السلطان، عقد له على عسكر من أهل المغرب، وأوعز إليه باللحاق بتونس، وفيهم عمال المغرب قدموا عند رأس الحول بجبايتهم وحسبانهم، وفيهم أيضا وفد من زعماء النصارى بعثهم الطاغية ابن أدفونش مع تاشفين ابن السلطان لما أطلقه من الأسر بعد ما عقد السلم والمهادنة، وكان أسيرا عندهم من لدن واقعة طريف كما ذكرناه. وكان أصابه مس من الجنون.
فلما خلصت الولاية بين السلطان والطاغية، وعظم عنه الإتحاف والمهاداة، وبلغه خبر السلطان وتملكه إفريقية، أطلق ابنه تاشفين وبعث معه هؤلاء الزعماء للتهنئة، وفيهم أيضا وفد من أهل مالي ملوك السودان بالمغرب، أوفدهم ملكهم منسا سليمان للتهنئة بسلطان إفريقية. وكان معهم أيضا يوسف بن مزتي عامل الزاب وأميره، قدم بجباية عمله. واتصل به خبر الركاب بقسنطينة فلحق بهم مؤثرا صحابتهم إلى سدة السلطان. وتوافت هؤلاء الوفود جميعا بقسنطينة، واعصوصبوا على ولد السلطان.
فلما وصل خبر النكبة اشرأب الغوغاء من أهل البلد إلى الثورة، وتحلبت شفاههم إلى ما بأيديهم من أموال الجباية وأحوال الثورة، فنقموا عليهم سوء الملكة، ودس مشيختهم إلى المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى بمكانه من بونة، وقد كشف القناع في الانتزاء على عمله والدعاء لنفسه، فخطبوه للأمر، واستحثوه للقدوم، فأغذ السير. وتسامع بخبره أولياء السلطان، فخشي ابن مزني على نفسه، وخرج إلى معسكره بحلة أولاد يعقوب ابن علي أمير الزواودة، ولجأ ابن السلطان وأولياؤه إلى القصبة. ومكر بهم أهل البلد في الدفاع دونهم حتى إذا أطلت رايات المولى الفضل وثبوا بهم، وحجزوهم إلى القصبة وأحاطوا بها حتى استنزلوهم على أمان عقدوه لهم. ولحقوا بحلة يعقوب، فعسكروا بها بعد أن نقض أهل البلاد عهدهم في ذات يدهم، فاستصفوه وأشار عليهم ابن مزني باللحاق ببسكرة لتكون ركابهم إلى السلطان، فارتحلوا جميعا في جوار يعقوب لما له في تلك الضواحي، حتى لحقوا ببسكرة، ونزلوا منها على ابن مزني خير نزل، وكفاهم كل شيء يهمهم على طبقاتهم ومقاماتهم، وعناية السلطان بمن كان وافدا منهم، حتى سار بهم يعقوب بن علي إلى السلطان وأوفدهم عليه في رجب من سنته. واتصل الخبر بأهل بجاية بالفعلة التي فعل أهل قسنطينة، فساجلوهم في الثورة. وكنسوا منازل أولياء السلطان وعماله، ٧/٣٦٧
فاستباحوها واستلبوهم وأخرجوهم من بين ظهرانيهم عراة، فلحقوا بالمغرب وطيروا الخبر إلى المولى الفضل، واستحثوه للقدوم، فقدم عليهم وعقد على قسنطينة وبونة لمن استكفى به من خاصته ورجالات دولته، واحتل بجاية لشهر ربيع من سنته.
وأعاد ملك سلفه. واستوسق أمره بهذه الثغور إلى أن كان من خبره مع السلطان بعد خروجه من بجاية ما نذكره ان شاء الله.
الخبر عن انتزاء أولاد السلطان بالمغرب الأوسط والأقصى ثم استقلال أبي عنان بملك المغرب
لما اتصل خبر النكبة بالقيروان بالأمير أبي عنان ابن السلطان، وكان صاحب تلمسان والمغرب الأوسط، وتساقط إليه الفل من عسكر أبيه عراة زرافات ووحدانا، وأرجف الناس بمهلك السلطان بالقيروان، فتطاول الأمير أبو عنان للاستئثار بسلطان أبيه دون الأبناء، لما كان له من الإيثار عند أبيه لصيانته وعفافه، واستظهاره القرآن، فكان محلا بعين أبيه لأمثالها. وكان عثمان بن يحيى بن جرار من مشيخة بني عبد الواد وأولاد يندوكسن بن طاع الله منهم، وكان له محل من الدولة كما ذكرناه عند أخباره، وكان السلطان أذن له في الرجوع إلى المغرب، فرجع من معسكره بالمهدية، ونزل بزاوية العباد من تلمسان، وكان مسمتا وقورا، جهينة خبر ممتعا في حديثه، وكان مرجما فيه الوقوف على الحدثان. وكان الأمير أبو عنان متشوقا إلى خبر أبيه، ففزع إلى عثمان بن جرار في تعرفها. واستدعاه وأنس به، وكان في قلبه مرض من السلطان، فأودع إذن الأمير أبي عنان ما أراد من الأماني بتورط السلطان في المهلكة، وبشره بمصير الأمر إليه، فصادف منه إذنا واعية. واشتمل عليه ابن جرار من بعدها. ورد الخبر بنكبة السلطان فأغراه ابن جرار بالتوثب على الملك، وسول له الاستئثار به من دون إخوانه يقينا بمهلك السلطان. ثم أوهمه الصدق بإرجاف الناس بموت السلطان، فاعتزم وشحذ عزيمته في ذلك ما اتصل به من حافد السلطان منصور ابن الأمير أبي مالك صاحب فاس وأعمال المغرب من الانتزاء على عمله، وأنه فتح ديوان العطاء واستلحق واستركب لغيبة بني مرين عن ٧/٣٦٨
بلادهم، وخلاء جوه من عساكرهم، وأظهر العسكر والحشد لاستنقاذ السلطان من هوة القيروان يسد منها حسوا في ارتقاء، وتفطن لشأنه الحسن بن سليمان بن يرزيكن عامل القصبة بفاس، وصاحب الشرطة بالضواحي، فاستأذنه باللحاق بالسلطان، فأذن له راحة من مكانه. وأصحبه عمال المصامدة ونواحي مراكش ليستقدمهم على السلطان بجباياتهم، فلحق بالأمير أبي عنان على حين أمضى عزيمته على التوثب والدعاء لنفسه، فقبض أموالهم وأخرج ما كان بموضع السلطان بالمنصورة من المال والذخيرة، وجاهر بالدعاء لنفسه، وجلس للبيعة بمجلس السلطان من قصره في ربيع سنة تسع وأربعين وسبعمائة فبايعه الملأ. وقرأ كتاب بيعتهم على الإشهاد، ثم بايعه العامة، وانفض المجلس وقد عقد سلطانه ورست قواعد ملكه. وركب في التعبية والآلة حتى نزل بقبة الملعب. وطعم الناس وانتشروا وعقد على وزارته للحسن بن يرزيكن، ثم لفارس بن ميمون بن وردار وجعله رديفا له وتبعا. ورفع مكان ابن جرار عليهم. واختص لولايته ومناجاة خلوته كاتبه أبا عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمر وسنذكر خبره. ثم فتح الديوان واستركب من تساقط إليه من فل أبيه، وخلع عليهم ودفع إليهم أعطياتهم وأزاح عللهم. وبينما هو يريد الرحلة إلى المغرب بلغه أن ونزمار بن عريف ولي السلطان، وخالصته عريف بن يحيى، وكان أمير زغبة لعهده ومقدما على سائر البدو، وبلغه أنه قد جمع له يريد حربه، وغلبه على ما صار إليه من الانتزاء والثورة على أبيه. وأنه قصد تلمسان بجموعه من العرب وزناتة المغرب الأوسط، فعقد للحسن بن سليمان وزيره على حربه وأعطاه الآلة وسرحه للقائه، وسرح معه من حضر من بني عامر أقتال سويد، وارتحل في عسكره حتى احتل تسالة، وناجزه ونزمار الحرب، ففلت جموعه ومنحوا أكتافهم، واتبع الوزير عسكرهم ، واكتسح أموالهم وحللهم، وعاد إلى سلطانه بالفتح والغنائم.
وارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب، وعقد على تلمسان لعثمان بن جرار وأنزله بالقصر القديم منها، حتى كان من أمره مع عثمان بن عبد الرحمن ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما انتهى إلى وادي الزيتون وشى إليه بالوزير الحسن بن سليمان أنه مضمر الفتك به بتازى تزلفا إلى السلطان ووفاء بطاعته، وأنه داخل في ذلك الحافد منصورا صاحب ٧/٣٦٩
أعمال المغرب، بما كان يظهر من طاعة جده، فارتاب الأمير أبو عنان به واستظهر واشيه على ذلك بكتابه. فلما قرأه تقبض عليه، وقتله بالمساء خنقا، وأغذ السير إلى المغرب.
وبلغ الخبر منصور بن أبي مالك صاحب فاس فزحف للقائه، والتقى الجمعان بناحية تازى وبوادي أبي الاجراف، فاختل مصاف منصور وانهزمت جموعه ولحق بفاس. وانحجر بالبلد الجديد وارتحل الأمير أبو عنان في أثره، وتسايل الناس على طبقاتهم إليه، وآتوه الطاعة وأناخ بعساكره على البلد الجديد في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين، وأخذ بمخنقها وجمع الأيدي والفعلة على الآلات لحصارها، ولحين نزوله على البلد الجديد أوعز إلى الوالي بمكانه، أن يطلق أولاد أبي العلاء المعتقلين بالقصبة، فأطلقهم ولحقوا به فأقاموا معه على حصار البلد الجديد، وطال تمرسه بها إلى أن ضاقت أحوالهم واختلفت أهواؤهم، ونزع إليه أهل الشوكة منهم. ونزع إليهم عثمان بن إدريس بن أبي العلاء فيمن إليه من الحاشية بإذنه له في ذلك سرا ليمكن إليه ، فدس إليه وواعدوه الثورة بالبلد، فثار بها واقتحمها الأمير أبو عنان عليهم، ونزل منصور بن أبي مالك على حكمه، فاعتقله إلى أن قتله بمحبسه، واستولى على دار الملك وسائر أعمال المغرب وتسابقت إليه وفود الأمصار للتهنئة بالبيعة.
وتمسك أهل سبتة بطاعة السلطان والانقياد لقائدهم عبد الله بن علي بن سعيد من طبقة الوزراء حينا، ثم توثبوا به وعقدوا على أنفسهم للأمير أبي عنان، وقادوا عاملهم إليه. وتولى كبر الثورة فيهم زعيمهم الشريف أبو العباس أحمد بن محمد بن رافع من بيت أبي الشريف من آل الحسين ، كانوا انتقلوا إليها من صقلية، واستوسق للأمير أبي عنان ملك المغرب، واجتمع إليه قومه من بني مرين للأمر، وأقام مع السلطان بتونس وفاء بحقه، وحص جناح أبيه عن الكرة على الكعوب الناكثين لعهده، الناكبين عن طاعته، فأقام بتونس يرجو الأيام، ويؤمل الكرة.
والأطراف تنتقض والخوارج تتجدد إلى أن ارتحل إلى المغرب بعد اليأس، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٣٧٠
الخبر عن انتقاض النواحي وانتزاء بني عبد الواد بتلمسان ومغراوة بشلف وتوجين بالمرية
لما كانت نكبة السلطان بالقيروان وانتثر ملك زناتة، وانتقضت قواعد سلطانهم، اجتمع كل قوم منهم لإبرام أمرهم والنظر في شأن جماعتهم، وكانوا جميعا نزعوا إلى الكعوب الخارجين على السلطان، وبنزوعهم تمت الدبرة عليه. ولحقوا بتونس مع الحاجب أبي محمد بن تافراكين ليلحقوا منها بأعمالهم. وكان في جملة السلطان جماعة من أعياصهم منهم عثمان وإخوته الزعيم ويوسف وإبراهيم أبناء عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيان سلطان بني عبد الواد، صار في إيالة السلطان منذ فتح تلمسان وإنزالهم بالجزيرة للرباط. ثم رجعوا بعد استئثار الطاغية بها من مكانهم من دولته، وساروا إلى القيروان تحت لوائه ومنهم علي بن راشد بن محمد بن منديل. وقد ذكرنا أخبار أبيه وأنه ربي في إيالة السلطان وجو الدولة يتيما، وكفلته نعمتها منذ نشأته حتى كأنه لا يعرف سواها، فاجتمع بنو عبد الواد بتونس وعقدوا على أنفسهم لعثمان ابن عبد الرحمن لما كان كبير إخوته، وأتوه ببيعتهم شرقي المصلى العتيق المطل على سيجوم من ساحة البلد، لعهده بهم يومئذ. وقد وضعوا له درقة بالأرض من اللمط أجلسوه عليها، ثم ازدحموا مكبين على يده يقبلونها للبيعة. ثم اجتمع من بعدهم مغراوة إلى علي بن راشد وبايعوه وحفوا به. وتعاهد بنو عبد الواد ومغراوة على الألفة وانتظام الكلمة وهدر الدماء. وارتحلوا إلى أعمالهم بالمغرب الأوسط، فنزل علي بن راشد قومه بموضع عملهم من ضواحي شلف، وتغلبوا على أمصاره وافتتحوا تدلس وأخرجوا منها أولياء السلطان وعسكره، وقتلوا القاضي بمازونة سرحان، كان مقيما بها لدعوة السلطان، ثم سولت له نفسه التوثب والانتزاء، فدعا لنفسه، وقتله علي بن راشد وقومه.
وأجاز عبد الرحمن وقومه من بني عبد الواد إلى محل ملكهم بتلمسان، فألفوا عثمان ابن جرار قد انتزى بها بعد منصرف الأمير أبي عنان ودعا لنفسه، فتجهم له الناس لتوثبه على المنصب الذي ليس لأبيه، واستمسك بالبلد أياما يؤمل نزوع قومه إليه. ثم ٧/٣٧١
زحف إليه بنو عبد الواد وسلطانهم فصدقوه الزحف، وثارت به الغوغاء، وكسروا أبواب البلد، وخرجوا إلى السلطان فأدخلوه القصر، واحتل به في جمادى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة وتسابق الناس إلى مجلسه مثنى وفرادى، وبايعوه البيعة العامة.
ثم تفقد ابن جرار، ثم أغرى به البحث، فعثر عليه ببعض زوايا القصر، واحتمل إلى المطبق فأودع به إلى أن سرب إليه الماء فمات غريقا في هوته. وساهم السلطان أبو سعيد عثمان أخاه أبا ثابت الزعيم في سلطانه، وأشركه في أمره، وأردفه في ملكه، وجعل إليه أمر الحرب والضواحي والبدو كلها. واستوزر قريبه يحيى بن داود بن مكن، من ولد محمد بن يندوكس بن طاع الله، واستوسق ملكهم، وأوفدوا مشيختهم على الأمير أبي عنان صاحب المغرب، وسلطان بني مرين، فعقدوا معه السلم والمهادنة، واشترطوا له عن أنفسهم دفاع السلطان إليه. وزحفوا إلى وهران من ثغور أعمالهم، ونازلوا بها أولياء السلطان وعساكره، وعاملها يومئذ عبد الله بن أجانا من صنائع السلطان أبي الحسن إلى أن غلبوه عليها، واستنزلوه صلحا لأشهر من حصارها.
واستمسك أهل الجزائر بطاعة السلطان، واعتصموا بها، وعقد عليها لقائده محمد ابن يحيى بن العسكري من صنائع أبيه، بعثه إليهم من تونس بعد نكبة القيروان.
ونجم بالمدية علي بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي داعيا لنفسه، وطالبا سلطان سلفه، وامتنع عليه معقل ملكهم بجبل وانشريش لمكان ولد عمر بن عثمان وقومهم من بني تيغرين في رياسته، وانحاش إليه أولاد عزيز من بني توجين أهل ضاحية المدية فقاموا بأمره، واعصوصبوا عليه، وكانت بينه وبين أبناء عمر بن عثمان بوانشريش حرب سجال إلى أن هلك، وخلص أمر بني توجين لأبناء عمر بن عثمان، وهم على مذهبهم من طاعة السلطان وتمسكهم بدعوته، وهو مقيم خلال هذا بتونس إلى أن أزمع الرحلة، واحتل بالجزائر كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٣٧٢
الخبر عن رجوع الثغور الغربية لأمراء الموحدين ببجاية وقسنطينة
لما توثب الأمير أبو عنان على ملك أبيه وبويع بتلمسان، وكانت للأمير أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكريا صاحب بجاية لديه خلة ومصافاة، من لدن بعثه إليه السلطان أبوه من بجاية. وأنزله بتلمسان فدعا له السابقة وآثره بالإمارة، وعقد له على محل إمارته من بجاية، وأمده بما يرضيه من المال والسلاح. ودفعه إليها ليكون حجرا دون السلطان بتونس، وضمن له هذا الأمير صده عن الخلوص إليه، وسد المذاهب دونه. وأوعز أبو عنان إلى أساطيله بوهران، فركبها الأمير إلى تدلس ودخلها. ونزل إليه صنهاجة أهل ضاحية بجاية، عن عمه الأمير أبي العباس الفضل، واعصوصبوا عليه، وقاموا بأمره لقديم نعمته وسالف إمارة أبيه. ولما ارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب، رحل في جملته الأمير أبو زيد عبد الرحمن ابن الأمير أبي عبد الله صاحب قسنطينة ومعه إخوته، فاختصهم يومئذ بتغريبه وخلطهم بنفسه.
فلما غلب الأمير أبو عنان منصور ابن أخيه أبي مالك على البلد الجديد، واستولى على المغرب، رأى أن يبعث ملوك الموحدين إلى بلادهم، ويدفع في صدر أبيه بمكانهم، فسرح الأمير أبا زيد وإخوته، وكان منهم السلطان أبو العباس الذي جبر الله به الصدع، ونظم الشمل، فوصلوا إلى موطن ملكهم ومحل إمارتهم. وكان مولاهم نبيل حاجب أبيهم قد تقدم إلى بجاية، ولحق بالأمير أبي عبد الله من حصارها. ثم تقدم إلى قسنطينة وبها مولى من موالي السلطان المتغلب عليها، وهو الأمير أبو العباس الفضل. فلحين إطلاله على جهاتها وشعور أهلها بمكانه، لفحت منهم عزائز المودة، وذكروا جميع الإيالة، وأجمعوا التوثب بواليهم. واحتل نبيل بظاهر قسنطينة، فشرهت العامة إلى إمارته، والقيام بدعوة مواليه. وتوثب أشياعهم على أولياء عمهم، فأخرجوهم، واستولى القائد نبيل على قسنطينة وأعمالها، وأقام دعوة الأمير أبي زيد وإخوته كما كانت أول مرة بها: وجاءوا من المغرب إلى مراكز إمارتهم، ودعوتهم بها قائمة، ورايتهم على أنحائها خافقة، فاحتلوا بها حلول الآساد ٧/٣٧٣
بعرانينها والكواكب بآفاقها، ونهض الأمير أبو عبد الله محمد فيمن اجتمع إليه من البطانة والأولياء، إلى محاصرة بلد بجاية، فأحجر عمه بالبلد، وأخذ بمخنقها أياما، ثم أفرج عنها، ثم رجع إلى مكانه من حصارها. ودس إليه بعض أشياعه بالبلد، وسرب إليه المال في الغوغاء، فواعدوه فتح أبواب الربض في إحدى ليالي رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة واقتحم البلد وملاء الفضاء بهدير طبوله، فهب الناس من مراقدهم فزعين وقد ولج الأمير وقومه البلد. ونجا الأمير الفضل إلى شعاب الجبل وكواريه المطل على القصبة راجلا حافيا، فاختفى به إلى أن عثر عليه ضحى النهار، وسيق إلى ابن أخيه، فحن عليه وأركبه السفين إلى محل إمارته من بونة.
وخلص ملك بجاية للأمير أبي عبد الله هذا واقتعد سرير آبائه بها، وكتبوا للأمير أبي عنان بالفتح، وتجديد المخالصة والموالاة، والعمل عن مدافعة أبيه من جهاته، والله تعالى أعلم.
الخبر عن نهوض الناصر ابن السلطان ووليه عريف بن يحيى من تونس الى المغرب الأوسط
لما بلغ السلطان خبر ما وقع بالمغرب من انتقاض أطرافه، وتغلب الأعياص من قومه وسواهم على أعماله، ووصل إليه يعقوب بن علي أمير الزواودة بولده وعماله ووفده، نظر في تلافي أمره بتسريح ولده الناصر إلى المغرب الأوسط لارتجاع ملكه، ومحو آثار الخوارج من أعمالهم. فنهض مع يعقوب بن علي وأصحبه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ليستظهر به على ملك المغرب، وقدمهما طليعة بين يديه، وسار الناصر إلى بسكرة، واضطرب معسكره بها، ثم فصل من بلاد رياح إلى بلاد زغبة، واجتمع إليه أولياؤهم من العرب ومن زناتة من بني توجين أهل وانشريش وغيرهم. وزحف إليهم الزعيم أبو ثابت من تلمسان في قومه من بني عبد الواد وغيرهم للمدافعة. والتقى الجمعان بوادي ورك فانفضت جموع الناصر وانذعروا، ورجع على عقبه إلى بسكرة وخلص عريف بن يحيى إلى قومه سويد، ثم قطع القفر إلى المغرب الأقصى. ولحق ٧/٣٧٤
بالأمير أبي عنان فنزل منه بألطف محل، ورجع الناصر إلى بسكرة، وارتحل مع أوليائهم أولاد مهلهل لمدافعة أولاد أبي الليل وسلطانهم المولى الفضل عن تونس كما ذكرناه. وأحسوا به، فنهض إليهم، وفروا أمامه، إلى أن خلص الناصر إلى بسكرة ثانية، واتخذها مثوى إلى أن لحق بأبيه بالجزائر عند رحلته من تونس إليها كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن رحلة السلطان أبي الحسن الى المغرب وتغلب المولى الفضل على تونس وما دعا إلى ذلك من الأحوال
لما خلص المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى من نكبة بجاية، وامتن عليه ابن أخيه، فلحق بمحل إمارته من بونة. ووافته بها مشيخة أولاد أبي الليل، أوفدهم عليه بنو حمزة بن عمر يستحثونه لملك إفريقية، يرغبونه فيه، فأجاب داعيتهم ونهض إليهم بعد قضاء نسك الفطر من سنة تسع وأربعين، ونزل مجللهم وأوجفوا بخيلهم وركابهم على ضواحي إفريقية، وجبوها، وصمدوا إلى تونس فنازلوها وأخذوا بمخنقها أياما، ثم أخذ بحجزتهم عنها شيعة السلطان وأولياؤه من أولاد مهلهل وابنه الناصر عند قفوله من المغرب الأوسط مفلولا فرحلوهم وشردوهم.
ثم رجعوا إلى مكانهم من حصارها، ثم انفضوا عنها. وتحيز خالد بن حمزة إلى شيعة السلطان أبي الحسن مع أولاد مهلهل وقومه، فاعتزوا به وذهب عمر بن حمزة إلى المشرق لقضاء فرضه، وأجفل أبو الليل أخوه مع المولى الفضل إلى القفر حتى كان من دخول أهل الجريد في طاعته ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكان السلطان لما خلص من القيروان إلى تونس، وفد إليه أحمد بن مكي مهنيا ومفاوضا في شأن الثغر وما مني به من انتقاض الأطراف وفساد الرعية. وتدارك السلطان أمره عند فواته بالتولية على أهل القطر من جنسهم استئلافا للكافة. واستبقاء لطاعتهم. فعقد على عمل قابس وجربة والحامة ، وما إليها لعبد الواحد ابن السلطان زكريا بن أحمد اللحياني، وأنفذه مع أحمد بن مكي إلى عمله، فهلك بجربة لليال من مقدمه في الطاعون ٧/٣٧٥
الجارف عامئذ.
وعقد لأبي القاسم بن عتو شيخ الموحدين على توزر ونفطة وسائر بلاد الجريد، بعد أن كان استخلصه بعد مفر أبي محمد بن تافراكين قريعة، وما أضمر من سوء دخلته، فنزل بتوزر وجمع أهل الجريد على الولاية والمخالصة، ولما نازل المولى أبو العباس الفضل تونس مرتين، وشرد أولاد مهلهل وامتنعت عليه، عمد إلى الجريد سنة خمس وأربعين وسبعمائة يحاول فيه ملكا، وخاطب أبا القاسم بن عتو يذكره عهده وعهد سلفه وحقوقهم، فتذكر وحن، ونظر إلى ما ناله به السلطان من المثلة في أطرافه.
واستثار كامن حقده، فانحرف وحمل الناس على طاعة المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، فسارعوا إلى الإجابة وبايعه أهل توزر وقفصة ونفطة والحامة، ثم دعا ابن مكين إلى طاعته فأجاب إليها وبايعه أهل قابس وجربة أيضا.
وانتهى الخبر إلى السلطان باستيلاء المولى الفضل على أمصار إفريقية، وأنه ناهض إلى تونس، فأهمه الشأن وخشي على أمره، وكانت بطانته يوسوسون إليه بالرحلة إلى المغرب لاسترجاع نعمتهم باسترجاع ملكه، فأجابهم إليه وشحن أساطيله بالأقوات، وأزاح علل المسافرين. ولما قضى منسك الفطر من سنة خمسين وسبعمائة ركب البحر أيام استفحال فصل الشتاء، وعقد لابنه أبي الفضل على تونس ثقة بما بينه وبين أولاد حمزة من الصهر، وتفاديا بمكانه من معرة الغوغاء وثورتهم. وأقلع من مرسى تونس، ولخمس دخل مرسى بجاية، وقد احتاجوا إلى الماء فمنعهم صاحب بجاية من الورود، وأوعز إلى سائر سواحله بمنعهم، فزحفوا إلى الساحل وقاتلوا من صدهم عن الماء إلى أن غلبوهم واستقوا وأقلعوا، وعصفت بهم الريح ليلتئذ وجاءهم الموج من كل مكان، وألقاهم اليم بالساحل بعد أن تكسرت الأجفان، وغرق الكثير من بطانته وعامة الناس، وقذف الموج بالسلطان فألقاه إلى الجزيرة قرب الساحل من بلاد زواوة مع بعض حشمه عراة، فمكثوا ليلتهم وصبحهم جفن من الأساطيل كان قد سلم من ذلك العاصف، فقربوا إليه حين رأوه وقد تصايح به البربر من الجبال وتواثبوا إليه فاختطفه أولياؤه من أهل الجفن قبل أن يصل إليه البربر، ٧/٣٧٦
وقذفوا به إلى الجزائر فنزل بها، ولأم صدعه. وخلع على من وصل من فل الأساطيل ومن خرج إليه من أوليائه، ولحق به ابنه الناصر من بسكرة، واتصل بالمولى الفضل خبر رحيله من تونس وهو ببلاد الجريد، فأغذ السير إلى تونس، ونزل بها على ابنه ومن كان بها من مخلف أوليائه، فغلبوهم عليها. واتصل أهل البلد بهم وأحاطوا يوم منى بالقصبة. واستنزلوا ابن السلطان أبا الفضل الأمير بالقصبة على الأمان، فخرج إلى بيت أبي الليل بن حمزة، وأنفذ معه من أبلغه إلى مأمنه، فلحق بأبيه بالجزائر وبادر إلى السلطان علي بن يوسف المنتزى بالمدية من بني عبد القوي، فصار في جملته، وخرج له عن الأمر، وزعم أنه إنما كان قائما بدعوته، فتقبل منه وأقره على عمله.
ووفد عليه أولياؤه من العرب سويد والحرث والحصين ومن إليهم ممن اجتمع إلى وليه ونزمار بن عريف المتمسك بطاعته. ووفد عليه أيضا علي بن راشد أمير مغراوة، وأغزاه بني عبد الواد ، واشترط عليه إقراره بوطنه وعمله إذا تم أمره، فأبى من قبول الاشتراط ظنا بعهده عن النكث، فنزع عنه وصار إلى مظاهرة بني عبد الواد عليه. وبعث أبو سعيد عثمان صاحب تلمسان إلى الأمير أبي عنان في المدد، فبعث إليه بعسكر من بني مرين عقد عليهم ليحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي من تيربيغن، وزحف الزعيم أبو ثابت إلى حرب السلطان أبي الحسن فيمن اجتمع له من عسكر بني مرين ومغراوة. وخرج السلطان من الجزائر وعسكر بمتيجة، واحتشد ونزمار سائر العرب بحللهم، ووافاه بهم، وارتحلوا إلى شلف، ولما التقى الجمعان بشدبونة صدقه مغراوة الحملة وصابرهم ابنه الناصر وطعن في الجولة فهلك واختل مصاف السلطان واستبيح معسكره، وانتهب فساطيطه، وخلص مع وليه ونزمار بن عريف وقومه بعد أن استبيحت حللهم، فخرجوا إلى جبل وانشريش، ثم لحقوا بجبل راشد، ورجع القوم عن اتباعهم، وانكفؤا إلى الجزائر فتغلبوا عليها، وأخرجوا من كان بها من أولياء السلطان ومحوا آثار دعوته من المغرب الأوسط جملة.
والأمر بيد الله يؤتيه من يشاء. ٧/٣٧٧
الخبر عن استيلاء السلطان على سجلماسة ثم فراره عنها امام ابنه إلى مراكش واستيلائه عليها وما تخلل ذلك
لما انفضت جموع السلطان بشدبونة وقل عساكره، وهلك الناصر ابنه، خلص إلى الصحراء مع وليه ونزمار ولحق بحلل قومه سويد وأوطانهم قبلة جبل وانشريش، وأجمع أمره على قصد المغرب موطن قومه ومنبت عزه ودار ملكه. وارتحل معه وليه ونزمار بالنازعة من قومه، وخرجوا إلى جبل راشد. ثم أبعدوا المذاهب وقطعوا المفاوز إلى سجلماسة في القفر. فلما أطلوا عليها وعاين أهلها السلطان تهافتوا عليه تهافت الفراش، وخرج إليه العذارى من وراء ستورهن صاغية إليه، وإيثارا لإيالته. وفر العامل بسجلماسة إلى منجاته. وكان الأمير أبو عنان لما بلغه الخبر بقصد سجلماسة، ارتحل إليها في قومه وكافة عساكره بعد أن أزاح عللهم وأفاض عطاءه فيهم، وكان ببني مرين نفرة عن السلطان وحذر من غائلته لجنايتهم بالتخاذل في المواقف، والفرار عنه في الشدائد، ولما كان يبعد بهم في الأسفار ويتجشم بهم المهالك، فكانوا لذلك مجتمعين على منابذته، ومخلصين في مناصحة ابنه منازعة، فما لبث السلطان أن جاءه الخبر بوصولهم إليه في العساكر الضخمة، مغذين السير إلى دفاعه، وعلم من حاله أنه لا يطيق دفاعهم، وأجفل عنه ونزمار وليه في قومه سويد. وكان من خبره أن عريف بن يحيى كان نزع إلى الأمير أبي عنان وأحله بمحله المعهود من تشريفهم وولايتهم، حتى إذا بلغه الخبر بمناصحة ونزمار للسلطان ومظاهرته وقصده المغرب معه بناجعته، زوى عنه وجه رضاه بعض الشيء، وأقسم له لئن لم تفارق السلطان لأوقعن بك وبابنك عشر وكان معه في جملة الأمير أبي عنان، وأمره بأن يكتب له بذلك، فآثر ونزمار رضى أبيه. وعلم أن غناءه عن السلطان في وطن المغرب قليل، فأجفل عنه ولحق بالزاب وانتبذ عن قومه، وألقى عصاه ببسكرة، فكان ثواؤه بها إلى أن لحق بالأمير أبي عنان على ما نذكره.
ولما أجفل السلطان عن سجلماسة، دخل الأمير أبو عنان إليها وثقف أطرافها وسد ٧/٣٧٨
فروجها، وعقد عليها ليحياتن بن عمر بن عبد المؤمن كبير بني ونكاسن، وبلغه قصد السلطان إلى مراكش، فاعتزم على الرحلة إليها وأبى عليه قومه، فرجع بهم إلى فاس إلى أن كان من خبرهم مع السلطان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن استيلاء السلطان على مراكش ثم انهزامه أمام الأمير أبي عنان ومهلكه بجبل هنتاتة عفا الله عنه
لما أجفل السلطان عن سجلماسة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بين يدي الأمير أبي عنان وعسكر بني مرين، قصد مراكش، وركب إليها الأوعار من جبال المصامدة.
ولما شارفها تسارع إليه أهل جهاتها بالطاعة من كل أوب، ونسلوا من كل حدب.
ولحق عامل مراكش بالأمير أبي عنان ونزع إلى السلطان صاحب ديوان الجباية أبو محمد بن محمد بن أبي مدين بما كان في المودع من مال الجباية، فاختصه واستكتبه وجعل إليه علامته، واستركب واستلحق وجبى الأموال، وبث العطاء، ودخل في طاعته قبائل العرب من جشم وسائر المصامدة. وثاب له بمراكش ملك أمل معه أن يستولي على سلطانه، ويرتجع فارط أمره من يد مبتزه. وكان الأمير أبو عنان لما رجع إلى فاس عسكر بساحتها، وشرع في العطاء وإزاحة العلل، وتقبض على كاتب الجباية يحيى بن حمزة بن شعيب بن محمد بن أبي مدين، اتهمه بممالأة بني مرين في الإمالة عليه عن اللحاق بمراكش من سجلماسة. وأثار حقده في ذلك ما كان من نزوع عمه أبي المجد إلى السلطان بأموال الجباية، ووسوس إليه في السعاية به كاتبه وخالصته أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن أبي عمر لما بينهما من المنافسة، فتقبض عليه وامتحنه، ثم قطع لسانه وهلك في ذلك الامتحان، وارتحل الأمير أبو عنان وجموع بني مرين إلى مراكش، وبرز السلطان إلى لقائهم ومدافعتهم، وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادي أم ربيع، وتربص كل بصاحبه إجازة الوادي. ثم أجازه السلطان أبو الحسن وأصبحوا جميعا في التعبية، ٧/٣٧٩
والتقى الجمعان بتامرغوست في آخر صفر من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره، ولحق به أبطال بني مرين فرجعوا عنه حياء وهيبة.
وكبا به فرسه يومئذ في مفره، فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله. واعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الزواودة، ورديف أخيه يعقوب، كان هاجر مع السلطان من الجزائر، ولم يزل في جملته إلى يومئذ. فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه ردءا له. وتقبض على حاجبه علال بن محمد، فصار في يد الأمير أبي عنان وأودعه السجن إلى أن امتن عليه بعد مهلك أبيه.
وخلص السلطان إلى جبل هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي، فنزل عليه وأجاره واجتمع إليه الملأ من قومه هنتاتة ومن انضاف إليهم من المصامدة، وتدامروا وتعاهدوا على الدفاع عنه، وبايعوه على الموت، وجاء أبو عنان على أثره حتى احتل بمراكش، وأنزل عساكره على جبل هنتاتة، ورتب المسالح لحصاره وحربه، وطال عليه ثواؤه، وطلب السلطان من ابنه الإبقاء، وبعث في حاجبه محمد بن أبي عمر فحضر عنده، وأحسن العذر عن الأمير أبي عنان والتمس له الرضى منه، فرضي عنه، وكتب له بولاية عهده. وأوعز إليه بأن يبعث له مالا وكسى، فسرح الحاجب ابن أبي عمر بإخراجها من المودع بدار ملكهم، واعتل السلطان خلال ذلك، فمرضه أولياؤه وخاصته، وافتصد لإخراج الدم، ثم باشر الماء لفصده للطهارة، فورم وهلك لليال قريبة عفا الله عنه، لثلاث وعشرين من ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وبعث أولياؤه الخبر إلى ابنه بمعسكره من ساحة مراكش، ورفعوه على أعواده إليه فتلقاه حافيا حاسرا، وقبل أعواده وبكى، واسترجع ورضي عن أوليائه وخاصته، وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته، ووارى أباه بمراكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفهم بشالة في طريقه إلى فاس وتلقى أبا دينار ابن علي بن أحمد بالقبول والكرامة، وأحله محل الرحب والسعة، وأسنى جائزته، وخلع عليه وحمله. وانصرف من فاس إلى قومه يستحثهم للقاء السلطان أبي عنان بتلمسان لما كان أجمع على الحركة إليها بعد مهلك أبيه، ورعى لعبد العزيز بن محمد أمير هنتاتة إجارته للسلطان واستماتته دونه، فعقد له على قومه وأحله بالمحل الرفيع من دولته ومجلسه، واستبلغ في تكريمه، والله تعالى أعلم. ٧/٣٨٠
الخبر عن حركة السلطان أبي عنان إلى تلمسان وإيقاعه ببني عبد الواد بانكاد ومهلك سلطانهم سعيد
لما هلك السلطان أبو الحسن وانقضى شأن الحصار ارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى مقبرتهم بشالة فدفنه مع من هنالك من سلفه. وأغذ السير إلى فاس وقد استبد بالأمر، وخلت الدولة عن المنازع، فاحتل بفاس وأجمع أمره على غزو بني عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي سموا لاستخلاصه. ولما كان فاتح سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة نادى بالعطاء وأزاح العلل، وعسكر بساحة البلد الجديد، واعترض العساكر وارتحل يريد تلمسان، واتصل الخبر بأبي سعيد وأخيه، فجمعوا قومهم ومن إليهم من الأشياع والأحزاب من زناتة والعرب، وارتحلوا إلى لقائه، ونزل السلطان بعساكره وادي ملوية، وتلوم به أياما لاعتراض الحشود والعرب. ثم رحل على التعبية حتى إذا احتل ببسيط أنكاد وتراءى الجمعان، انفض سرعان المعسكر ولحقوا بالعرب وركب السلطان في التعبية وخاض بحر القتال، وقد أظلم الجو به حتى إذا خلص إليهم من غمره، وخالطهم في صفوفهم، ولوا الأدبار، ومنحوهم الأكتاف، واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوه واستباحوهم قتلا وسبيا، وصفدوهم أسرى، وغشيهم الليل وهم متسايلون في أثرهم، وتقبض على أبي سعيد سلطانهم، فسيق إلى السلطان فأمر باعتقاله، وأطلق أيدي بني مرين من الغد على حلل العرب من المعقل، فاستباحوهم واكتسحوا أموالهم جزاء بما شرهوا إليه من النهب في المحلة في هيعة ذلك المجال. ثم ارتحل على تعبيته إلى تلمسان فاحتل بها لربيع من سنته، واستوت في ملكها قدمه، وأحضر أبا سعيد فقرعه ووبخه وأراه أعماله حسرة عليها، وأحضر الفقهاء وأرباب الفتيا، فأفتوا بحرابته وقتله. فأمضى حكم الله فيه، فذبح في محبسه لتاسعة من اعتقاله، وجعله مثلا للآخرين. وخلص أخوه الزعيم أبو ثابت إلى قاصية الشرق، فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم. ٧/٣٨١
الخبر عن شأن أبي ثابت وإيقاع بني مرين به بوادي شلف وتقبض الموحدين عليه بجاية
لما أوقع السلطان ببني عبد الواد بأنكاد، وتقبض على أبي سعيد سلطانهم، خلص أبو ثابت أخوه في فل منهم، ومر بتلمسان، فاحتمل حرمهم ومخلفهم، وأجفل إلى الشرق، فاحتل بشلف من بلاد مغراوة وعسكر هنالك. واجتمع إليه أوشاب من زناتة، وحدث نفسه باللقاء، ووعدها بالصبر والثبات، وسرح السلطان وزيره فارس بن ميمون بن ودرار في عساكر بني مرين والجند، فأغذ السير إليهم وارتحل من تلمسان على أثره، ولما تراءى الجمعان صدق الفريقان المجاولة، وخاضوا النهر بالقراع. ثم صدق بنو مرين الحملة واجتازوا النهر إليهم، فانكشفوا واتبعوا آثارهم واستلحموهم، واستباحوا معسكرهم واستاقوا أموالهم ودوابهم ونساءهم، وارتحلوا في اتباعهم، وكتب الوزير بالفتح إلى السلطان، ومر أبو ثابت بالجزائر طارقا، وأجاز إلى قاصية المشرق، فاعترضهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم، وانتهبوا أسلابهم، ومروا حفاة عراة، واحتل الوزير بالجزائر، واستولى عليها واقتضى بيعة السلطان منهم فآتوها، واحتل الوزير بالمدية وأوعز إلى أمير بجاية المولى أبي عبد الله حافد مولانا الأمير أبي يحيى مع وليه ونزمار وخالصته يعقوب بن علي بالتقبض على أبي ثابت وأشياعه فأذكوا العيون عليهم وقعدوا لهم بالمرصاد، وعثر بعض الحشم على أبي ثابت وأبي زيان ابن أخيه أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود، فرفعوهم إلى الأمير ببجاية، فاعتقلهم وارتحل للقاء السلطان بالمدية وبعثهم مع مقدمته، وجاء على أثرهم ونزل على السلطان بمعسكره من المدية خير نزل، بعد أن تلقاه بالمبرة والاحتفاء، وركب للقائه، ونزل عن فرسه للسلطان، فنزل السلطان برا له، وأودع أبا ثابت السجن. وتوافت إليه وفود الزواودة بمكانه من المدية، فأكرم وفدهم وأسنى أعطياتهم من الخلع والحملان والذهب، وانقلبوا خير منقلب، ووافته بمكانه ذلك بيعة ابن مزني عامل الزاب ووفدهم، فأكرمهم ووصلهم. وفرغ السلطان من شأن المغرب الأوسط، وبث العمال في نواحيه، وثقف أطرافه، وسما إلى ملك إفريقية كما نذكره إن شاء الله تعالى ٧/٣٨٢
الخبر عن تملك السلطان أبي عنان بجاية وانتقال صاحبها الى المغرب
لما وصل السلطان أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكريا يحيى صاحب بجاية إلى السلطان بمكانه من المدية في شعبان من سنته، وأقبل السلطان عليه، وبوأه كنف ترحيبه وكرامته، خلص الأمير به نجيا، وشكا إليه ما يلقاه من أهل عمله من الامتناع من الجباية والسعي في الفساد، وما يتبع ذلك من زبون الحامية واستبداد البطانة. وكان السلطان متشوقا لمثلها، فأشار عليه بالنزول عنها، وأن يديله عنها بما شاء من بلاده، فسارع إلى قبول إشارته، ودس إليه مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يشهد بذلك على رءوس الملاء، ففعل، ونقم عليه بطانته ذلك، وفر بعضهم من معسكره، فلحق بإفريقية، ومنهم علي ابن القائد محمد بن الحكيم. وأمره السلطان أن يكتب بخطه إلى عامله على البلد بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان منها ففعل وعقد السلطان عليها لعمر بن علي الوطاسي من أولاد الوزير الذي ذكرنا خبر انتزائهم بتازوطا من قبل، ولما قضى السلطان حاجته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية، انكفأ راجعا إلى تلمسان لشهود الفطر بها، ودخلها في يوم مشهود، وحمل أبا ثابت ووزيره يحيى بن داود على جملين يخطوان بهما في ذلك المحفل بين السماطين، فكانا عبرة لمن حضر وسيقا من الغد إلى مصارعهما، فقتلا قعصا بالرماح، وأنزل السلطان المولى الأمير أبا عبد الله صاحب بجاية خير نزل، وفرش له في مجلسه تكرمة له إلى أن كان من توثب صنهاجة وأهل بجاية بعمر بن علي ما نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى.
الخبر عن ثورة أهل بجاية ونهوض الحاجب اليها في العساكر
كان صنهاجة هؤلاء من أعقاب ملكانة ملوك القلعة وبجاية، نزل أولوهم بوادي ٧/٣٨٣
بجاية بين القبائل من برابرتها الكتاميين في مواطن بني ورياكل منذ أول دولة الموحدين، وأقطعوهم على العسكرة معهم، ولما ضعفت جنود الموحدين وقل عددهم انفردوا بالعسكرة مع السلطان، وصار لهم بذلك اعتزاز وزبون على الدولة.
وكان الأمير أبو عبد الله هذا قد أصاب منهم لأول أمره، وقتل محمد بن تميم من أكابر مشيختهم، وكان صاحبه فارح مولى ابن سيد الناس عريفا عليه من عهد أبيه الأمير أبي زكريا، وكان مستبدا على المولى أبي عبد الله، فلما نزل عن إمارته للسلطان أبي عنان سخط ذلك ونقمه عليه، وأسرها في نفسه ولم يبدها لكماله، وسرحه أميره مع عمر بن علي الوطاسي لينقل حرمه ومتاعه وماعون داره، فوصل إليها وشكا إليه الصنهاجيون مغبة أمرهم في ثقل الوطأة وسوء الملكة فأشكاهم ودعاهم إلى الثورة ببني مرين، والقيام بدعوة الموحدين للمولى أبي زيان صاحب قسنطينة، فأجابوه وتواعدوا بالفتك بعمر بن علي بمجلسه من القصبة. وتولى كبرها منصور بن الحاج من مشيختهم، وباكره بداره على عادة الأمراء، ولما أكب عليه ليلثم أطرافه طعنه بخنجره، وفر إلى بيته جريحا فولجوا عليه واستلحموه. وثارت الغوغاء من أهل البلد في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
وركب الحاجب فارح وهتف الهاتف بدعوة المولى أبي زيد صاحب قسنطينة، وطيروا بالخبر واستدعوه، فتثاقل عن إجابتهم، وبعث مولى ابن المعلوجي للقيام بأمرهم.
وبلغ الخبر إلى السلطان فاتهم المولى أبا عبد الله بمداخلة حاجبة، فاعتقله بداره.
واعتقل وفدا من ملاء بجاية كان ببابه، وثبتت آراء المشيخة من أهل بجاية، وتمشت رجالاتهم وأولو الرأي والشورى منهم في الفتك بصنهاجة والعلج، وداخلهم القائد هلال مولى ابن سيد الناس من المعلوجي، وعلي بن محمد بن ألميت حاجب الأمير أبي زكريا يحيى، ومحمد ابن الحاجب أبي عبد الله بن سيد الناس وتواعدوا للفتك بفارح يوم وصول النائب من قبل صاحب قسنطينة، فجهروا بالنكير على الحاجب، ودعوه إلى المسجد ليؤامروه. ونذر بأمرهم فاعتد دار شيخ الفتيا أحمد بن إدريس فاقتحموا عليه الدار، وباشره مولاه محمد بن سيد الناس، فطعنه وأشواه، ورمي بشلوه من سقف الدار، وقطع رأسه، فبعثوا به إلى السلطان، وفر منصور بن الحاج وقومه صنهاجة من البلد، وكان بالمرسي أحمد بن سعيد القرموني من خاصة السلطان، جاء في السفن لبعض حاجاته من تونس، ووافى مرسي بجاية يومئذ فأنزلوه ٧/٣٨٤
واعصوصبوا عليه، وتنادوا بدعوة السلطان وطاعته، فأشار عليهم أحمد القرموني أن يبعثوا إلى قائد تدلس من مشيخة بني مرين يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن الونكاسي، فاستدعوه ووصل إليهم في جملة من العسكر، وبعثوا بأخبارهم إلى السلطان وانتظروا. فلما بلغ الخبر إلى السلطان أمر حاجبه محمد بن أبي عمر بالنهوض إلى بجاية، فعسكر بساحة تلمسان. وانتقى له السلطان من قومه وجنوده خمسة آلاف فارس أزاح عللهم، واستوفى أعطياتهم وسرحه فنهض من تلمسان بعد قضاء منسك الأضحى، وأغذ السير إلى بجاية، ولما نزل ببني حسن جمع له بمعسكرهم من تيكلات، وخرج إليه المشيخة والوزراء، فتقبض على القائد هلال وأشخصه إلى السلطان ودخل البلد على التعبية، واحتل بقصبتها لمحرم فاتح أربع وخمسين وسبعمائة وسكن الناس وخلع على المشيخة، واختص علي بن ألميت ومحمد بن سيد الناس، واستظهر بهم على أمره، وتقبض على جماعة من الغوغاء وعلى من تحت أيديهم ممن يتهم بالمداخلة في الثورة يناهزون مائتين، واعتقلهم وأركبهم السفن إلى المغرب، فودع الناس وسكنوا وتوافت وفود الزواودة من كل جهة، فأجزل صلاتهم واقتضى الطاعة منهم . ووصل عامل الزاب يوسف، وسد فروجه وارتحل إلى تلمسان أول جمادى لشهرين من مدخله، وأغذ السير بمن معه من العرب والوفود، وكنت يومئذ في جملتهم، وقد خلع علي وحملني وأجزل صلتي، وضرب لي الفساطيط، فوفدت في ركابه، وقدم تلمسان لأول جمادى الأخيرة، فجلس السلطان للوفد واعترض ما جنب له من الجياد والهدية، وكان يوما مشهودا.
ثم أسنى السلطان جوائز الوفد، واختص يوسف بن مزني ويعقوب بن علي بمزيد من البر والصلة، وخصوا بجاه من الكرامة، وآمرهم في شأن إفريقية ومنازلة قسنطينة.
ورجع معهم الحاجب ابن أبي عمر على كره منه لما نذكره من أخباره، وانصرفوا إلى مواطنهم لأول شعبان من سنة أربع وخمسين وسبعمائة وانقلبت معه بعد ٧/٣٨٥
إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان، والوعد الجميل بتجديد ما إلى قومه ببلده من الأقطاع والله أعلم.
الخبر عن الحاجب ابن أبي عمرو وما عقد له السلطان على ثغر بجاية وعلى منازلة قسنطينة ونهوضه لذلك
سلف هذا الرجل من أهل المهدية من أجواد العرب من بني تميم بإفريقية، وانتقل جده علي إلى تونس باستدعاء السلطان المستنصر، وكان فقيها عارفا بالفتيا والأحكام، وقلده القضاء بالحضرة واستعمله على كتب علامته في الرسائل والأوامر الكبرى والصغرى، فاضطلع بذلك، وهلك على حالة من التجلة والمنصب، وقلد ابنه عبد الله من بعده العلامتين أيام أبي حفص عمر ابن الأمير أبي زكريا كما كان لأبيه، فاضطلع لذلك وكان أخوه أحمد بن علي مستنا وقورا منتحلا للعلم.
ونشأ ابنه محمد وقرأ بتونس، وتفقه على مشيختها. ولما التاثت أمورهم وتلاشت أحوالهم، خرج محمد بن أحمد بن على مبتغيا للرزق والمعاش، وطوحت به الطوائح إلى بلد القل. وكان منتحلا للطلب والكتابة، فاستعمل شاهدا بمرسى القل أيام رياسة الحاجب ابن أبي عمرو ، وكانت له صحبة مع حسن بن محمد السبتي المنتحل بنسب الشرف. وكانا رفيقين في مطارح اغترابهما، فسعى له في مرافقة الشهرة، فأسعفا واتصلا بابن أبي عمرو فحمد مذاهبهما، ولما نزع الشريف عبد الوهاب زعيم تدلس إلى طاعة الموحدين أيام التياث أبي حمو بخروج محمد بن يوسف عليه، واعتلال الدولة، ودخل في أمر ابن أبي عمرو وجملته، فبعث محمد ابن أبي عمرو هذا وصاحبه إلى تدلس، واستعمل حسن الشريف في القضاء، ومحمد بن أبي عمرو في شهادة الديوان. فلما برئت الدولة من مرضها، واستفحل أمر أبي حمو وتغلب على تدلس، وصار رئيس الفتيا من الإمام لاقتضاء طاعتها، وإنفاذ أهلها على السلطان في الوفد، واستقرا بتلمسان يومئذ واستعملا في خطة ٧/٣٨٦
القضاء متعاقبين أيام بني عبد الواد وأيام السلطان أبي الحسن. وتعصب على بن أبي عمرو أيام قضائه جماعة من مشيخة البلد، وسعوا به إلى السلطان أبي الحسن، وتظلموا فأشكاهم على علم ببراءته، واختصه بتأديب ولده فارس هذا وتعليمه، فأفرغ وسعه في ذلك وربى ولده محمدا هذا الحاجب مع السلطان أبي عنان توأما وخليلا وألقى عليه محبته حتى إذا خلص له الملك رفع رتبة محمد بن أبي عمرو هذا، ورقاه من منزلة إلى أخرى حتى إذا أربى به على سائر المراتب، وجعل إليه العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة وسائر ألقاب دولته، وخصوصيات داره، فانصرفت إليه الوجوه، ووقفت ببابه الأشراف من الأعياص والقبائل والشرفاء والعلماء، وسرب إليه العمال أموال الجباية تزلفا، وطال أمره واستيلاؤه على السلطان ونفس عليه رجال الدولة ووزراؤها ما آتاه الله من الحظ، حتى إذا خلا لهم وجه السلطان منه عند نهوضه إلى بجاية، حامت أغراض السعاية على مكانه فقرطست وألقى السلطان أذنه إلى استماعها. فلما رجع من بجاية، وكانت له الدالة على السلطان، وجد عليه في قبول الألاقي. ولقيه مغاضبا فتنكر له السلطان، ثم تجنى بطلب الغيبة عن الدولة، ويعقد له على بجاية متوهما أن السلطان ضنين به، فبادر السلطان إلى إسعافه، وبدا له ما لم يحتسب من الأعراض عنه.
ورجع إلى الرغبة في الإقالة فلم يسعف. وعقد له على حرب قسنطينة وحكمه في المال والجيش، وارتحل في شعبان من سنة أربع وخمسين وسبعمائة واحتل ببجاية آخرها وأشتى بها.
ونصب الموحدون تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المعتقل عندهم من لدن عهد المولى الفضل واعتقاله إياه، فنصبوه للأمر لتفريق كلمة بني مرين وجمعوا له الآلة والفساطيط، وقام بأمره ميمون بن علي لمنافسته مع أخيه يعقوب، وسمع بخبره يعقوب، فأغذ السير بحاله من بلاد الزاب، وفرق جمعهم وردهم على أعقابهم، وأحجزهم بالبلد. ولما انصرم الشتاء وقضى منسك الأضحى، عسكر بساحة البلد، واعترض العساكر وأزاح عللهم، وفرق أعطياتهم، وارتحل إلى منازلة قسنطينة، واجتمع إليه الزواودة بحللهم، وجمع المولى أبو زيد صاحب قسنطينة من كان على دعوته من أحياء بونة وميمون بن علي بن أحمد وشيعته من الزواودة، وعقد عليهم لحاجبه نبيل وسرحه للقاء ابن أبي عمرو وعساكره، فأوقع بهم الحاجب ٧/٣٨٧
لجمادى من سنة خمس وخمسين وسبعمائة واكتسح أموالهم ونازل قسنطينة حتى تفادوا منه بتمكينه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المنصوب للأمر، فاقتادوه إليه وأشخصه إلى أخيه السلطان. وأوفد المولى أبو زيد ابنه على السلطان أبي عنان، فتقبل وفادته وشكر مراجعته، وانكفأ الحاجب ابن أبي عمرو إلى بجاية، وأقام بها إلى أن هلك في المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة فذهب حميد السيرة عند أهل البلد، وتفجعوا لمهلكه، وبعث السلطان دوابه لارتحال عياله وولده، ونقل شلوه إلى مقبرة أبيه بتلمسان. وسرح ابنه أبا زيان في عساكر بني مرين لمواراته بها. وعقد على بجاية لعبد الله بن علي بن سعيد وزيره، فنهض إليها في شهر ربيع من سنة ست وخمسين وسبعمائة واستقر بها وتقبل ما حمده الناس من مذاهب الحاجب وسيرته فيها على ما نذكره، وجهز العساكر إلى حصار قسنطينة إلى أن كان من فتحها ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.
الخبر عن خروج أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن بجبل السكسيوي ومكر عامل درعة به ومهلكه
كان السلطان أبو عنان بعد مهلك أبيه لحق به في جملته أخواه أبو الفضل محمد وأبو سالم إبراهيم، وتدبر في ترشيحهما وحذر عليهما مغبته، فأشخصهما إلى الأندلس، واستقرا بها في إيالة أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد ابن الرئيس أبي سعيد. ثم ندم على ما أتاه من ذلك، فلما استولى على تلمسان والمغرب الأوسط، ورأى أن قد استفحل أمره واعتز بسلطانه، أوعز إلى أبي الحجاج أن يشخصهما إليه ليكون مقامهما لديه أحوط للكلمة من أن يعتمد على تفريقهما سماسرة الفتن. وخشي أبو الحجاج عليهما غائلته فأبى من إسلامهما إليه، وأجاب الرسل بأنه لا يخفر ذمته وجوار المسلمين المجاهدين، فأحفظ السلطان كلمته، وأوعز إلى حاجبه محمد بن أبي عمرو بأن يخاطبه في ذلك بالتوبيخ واللائمة، فكتب له كتابا قرعه فيه وقفني عليه الحاجب ببجاية أيام كوني معه، فقضيت عجبا من فصوله وأغراضه، ولما قرأه أبو الحجاج دس إلى كبيرهما أبي الفضل باللحاق بالطاغية، وكانت بينهما ولاية ومخالصة منذ مهلك أبيه الهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، فنزع إليه أبو ٧/٣٨٨
الفضل وأجاره، وجهز به أسطولا إلى مراسي المغرب. وأنزله بساحة السوس، فلحق بالسكسيوي عبد الله ودعا لنفسه. وبلغ الخبر إلى السلطان بين مقدم حاجبه ابن أبي عمرو من فتح بجاية سنة أربع وخمسين وسبعمائة فجهز عساكره إلى المغرب، وعقد على حرب السكسيوي لوزيره فارس بن ميمون بن وردار وسرحه إليه، فنهض من تلمسان لربيع سنة أربع وخمسين وسبعمائة وأغذ السير إلى السكسيوي ونزل بمخنقه، وأحاط به، واختط مدينة لمعسكره وتجهيز كتائبه بسفح جبله، سماها القاهرة.
واستبد الحصار على السكسيوي وأرسل إلى الوزير في الرجوع إلى طاعته المعروفة، وأن ينبذ العهد إلى أبي الفضل، ففارقه وانتقل إلى جبال المصامدة.
ودخل الوزير فارس إلى أرض السوس فدوخ أقطارها، ومهد الحال ، وسارت الألوية والجيوش في جهاته، ورتب المسالح في ثغوره وأمصاره مثل ايغري وفوريان وتارودانت، وثقف أطرافه وسد فروجه. وسار أبو الفضل في جبال المصامدة إلى أن انتهى إلى صناكة، وألقى بنفسه على ابن حميدي منهم مما يلي بلاد درعة، فأجاره وقام بأمره. ونازلة عامل درعة يومئذ عبد الله بن مسلم الزردالي من مشيخة دولة بني عبد الواد، كان اصطنعه السلطان أبو الحسن منذ تغلبه عليهم، وفتحه لتلمسان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فاستقر في دولتهم، ومن جملة صنائعهم، فأخذ بمخنق ابن حميدي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إليه، وداخله في التقبض على أبي الفضل، وأن يبذل له في ذلك ما أحب من المال، فأجاب ولاطف عبد الله بن مسلم الأمير أبا الفضل ووعده من نفسه الدخول في الأمر، وطلب لقاءه، فركب إليه أبو الفضل. ولما استمكن منه عبد الله بن مسلم تقبض عليه، ودفع لابن الحميدي ما اشترط له من المال، وأشخصه معتقلا إلى أخيه السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأودعه السجن، وكتب بالفتح إلى القاصية. ثم قتله لليال من اعتقاله خنقا بمحبسه. وانقضى أمر الخوارج، وتمهدت الدولة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٣٨٩
الخبر عن انتقاض عيسى بن الحسن بجبل الفتح ومهلكه
كان عيسى بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق هذا من مشيخة بني مرين، وكان صاحب شوراهم لعهده، وقد كنا قصصنا من أخبار أبيه الحسن عند ذكر دولة أبي الربيع. وكان السلطان أبو الحسن قد عقد له على ثغور عمله بالأندلس، وأنزله بجبل الفتح عند ما أكمل بناءه وجعل إليه النظر في مسالح الثغور وتفريق العطاء على مسالحها، فطال عهد ولايته ورسخ فيها قدمه، وكان السلطان أبو الحسن يبعث عنه في الشورى متى عنت. وحضره عند سفره إلى افريقية وأشار عليه بالاقتصار عنها، وأراه ان قبائل بني مرين لا تفي اعدادهم بمسالح الثغور إذا رتبت شرقا وغربا وعدوة البحر وأن إفريقية تحتاج من ذلك إلى أوفر الأعداد وأشد الشوكة، لتغلب العرب عليها، وبعد عهدهم بالانقياد، فأعرض السلطان عن نصيحته لما كان شره إلى تملكها، وصرفه إلى مكان عمله بالثغور الأندلسية. ولما كانت نكبة القيروان وانتزى الأبناء بفاس وتلمسان، أجاز البحر لحسم الداء ونزل بغساسة ثم انتقل إلى وطنه بتازى وجمع قومه بني عسكر، وألقى السلطان أبا عنان قد هزم عساكر ابن أخيه وأخذ بمخنقه، فأجاب عليه وبيته بمعسكره من ساحة البلد الجديد وعقد السلطان أبو عنان على حربه لصنيعته سعيد بن موسى العجيسي، وأنزله بثغر بلاد بني عسكر على وادي بوحلوا. وتواقفا كذلك أياما حتى تغلب السلطان أبو عنان على البلد الجديد، ثم أرسل عيسى بن الحسن في الرجوع إلى طاعته وأبطأ عنه صريخ السلطان أبي الحسن بإفريقية فراجعه واشترط عليه، فتقبل وسار إليه فتلقاه السلطان وامتلاء سرورا بمقدمه، وأنزله بصدوره وجعل الشورى إليه في مجلسه، واستمرت على ذلك حاله.
ولما تمكنت حال ابن أبي عمرو بعد مهلك السلطان أبي الحسن انفرد بخلة السلطان ومناجاته، وحجبه عن الخاصة والبطانة، أحفظه ذلك ولم يبدها. واستأذن السلطان في الحج، فأذن له وقضى فرضه، ورجع إلى محله من بساط السلطان سنة ٧/٣٩٠
ست وخمسين وسبعمائة ولقي ابن أبي عمرو بجباية، وتطارح عليه في ان يصلح حاله عند سلطانه، فوعده في ذلك، ولما وفد على السلطان وجده قد استبد في الشورى، وتنكر للخاصة والجلساء، فاستأذنه في الرجوع إلى محله من الثغر لإقامة رسم الجهاد فأذن له. وأجاز البحر إلى جبل الفتح من سنته، وكان صاحب ديوان العطاء بالجبل يحيى الفرقاجي، وكان مستظهرا على العمال، وكان ابنه أبو يحيى قدم برم بمكانه.
فلما وصل عيسى إلى الجبل اتبعه السلطان بأعطيات المسالح مع مسعود بن كندوس من صنائع دولته، فسرب الفرقاجي إلى الضرب على يده شأنه مع ابنه أيام مغيبه، وأنف عيسى من ذلك فتقبض عليه، وأودعه المطبق، ورد ابن كندوس على عقبه، وأركبه السفين من ليلته إلى سبتة، وجاهر بالخلعان، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي عنان فقلق لذلك، وقام في ركائبه وقعد، وأوعز بتجهيز الأساطيل، وظن أنه قد تدبر من الطاغية وابن الأحمر. وبعث أحمد بن الخطيب قائد البحر بطنجة عينا على شأنهم، فوصل إلى مرسى الجبل. وكان عيسى بن الحسن لما جاهر بالخلعان تمشت رجالات الثغر وعرفاء الرجل من غمارة الغزاة الموطنون بالجبل، وتحدثوا في شأنه، وامتنعوا من الخروج على السلطان، وتآمروا في إسلامه برمته.
وخلا به سليمان بن داود من عرفاء العسكر ، كان من خواصه وأهل شوراه، وكان عيسى قد مكن قومه عند السلطان واستعمله على رنده، فلما جاهر عيسى بالخلعان، وركب ظهر الغدر، خالفه سليمان هذا إلى طاعة السلطان، وأنفذ كتبه وطاعته، واشتبه عليه الأمر فندم إذ لم يكن بني أمره على أساس من الرأي، فلما احتل أسطول أحمد بن الخطيب بمرسى الجبل، خرج إليه وناشده الله والعهد أن يبلغ السلطان طاعته، والبراءة مما صنع أهل الجبل، ونسبها إليهم. فعند ذلك خشي غمارة على أنفسهم، فثاروا به، ولجأ إلى الحصن فاقتحموه عليه وشدوه وابنه وثاقا، وألقوه في أسطول ابن الخطيب، وأنزله بسبتة وطير للسلطان بالخبر، فخلع عليه وأمر خاصته فخلعوا عليه. وبعث عمر ابن وزيره عبد الله بن علي وعمر بن العجوز قائد جند النصارى، فأحضروهما بدار السلطان يوم منى من سنة ست وخمسين وسبعمائة وجلس لهما السلطان ووقفا بين يديه وتنصلا واعتذرا، فلم يقبل منهما وأودعهما السجن وشدد ٧/٣٩١
وثاقهما، حتى قضى منسك الأضحى. ولما كان ختم سنته أمر بهما فجنبا إلى مصارعهما وقتل عيسى قعصا بالرماح، وقطع ابنه أبو يحيى من خلاف، وأبى من مداواة قطعه، فلم يزل يتخبط في دمه إلى أن هلك لثالثة قطعه، وأصبحا مثلا في الآخرين، وعقد على جبل الفتح وسائر ثغور الأندلس لسليمان بن داود إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نهوض السلطان الى فتح قسنطينة وفتحها ثم فتح تونس عقبها
لما هلك الحاجب محمد بن أبي عمرو، عقد السلطان على ثغور بجاية وما وراءها من بلاد إفريقية لوزيره عبد الله بن علي بن سعيد، وسرحه إليها وأطلق يده في الجباية والعطاء. وكانت جبال ضواحي قسنطينة قد تملكها السلطان لما كانت الزواودة متغلبة عليها. وكان عامة أهل ذلك الوطن قبائل سدويكش، وعقد السلطان عليهم لموسى ابن إبراهيم بن عيسى، وأنزله بتاوريرت آخر عمل بجاية في أقاربه وولده وصنائعه.
ولما نزل ابن أبي عمرو بجاية وأخذ بمخنق قسنطينة، ثم أرحل عنها على ما عقد من السلم مع المولى الأمير أبي زيد، أنزل موسى بن إبراهيم بميلة، فاستقر بها. ولما ولي الوزير عبد الله بن علي أمر إفريقية، أوعز إليه السلطان بمنازلة قسنطينة، فنزلها سنة سبع وخمسين وسبعمائة وأخذ بمخنقها، ونصب المنجنيق عليها، واشتد الحصار بأهلها، وكادوا أن يلقوا باليد لولا ما بلغ العسكر من الإرجاف بمهلك السلطان فأفرجوا عنها، ولحق المولى أبو زيد ببونة، وأسلم البلد إلى أخيه مولانا الأمير أبي العباس أيده الله تعالى، عند ما وصل إليه من إفريقية، كان بها مع العرب طالبا ملكهم بتونس، ومجلبا بهم على ابن تافراكين منذ نازلوا تونس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة كما مر، فلما رجع الآن إلى قسنطينة مع خالد بن حمزة، داخل المولى أبا زيد في خروجه إلى حصار تونس، وإقامة مولانا أبي العباس بقسنطينة، فأجاب لذلك وخرج معه، ودخل مولانا أبو العباس إلى قسنطينة، ودعا لنفسه، وضبط قسنطينة وكان مدلا ببأسه وإقدامه، وداخله بعض المنحرفين من بني مرين من أولاد ٧/٣٩٢
بو سعيد وسدويكش في تبييت موسى بن إبراهيم بمعسكره من ميلة، فبيتوه وانتهبوا معسكره وقتلوا أولاده وخلص إلى تاوريرت، ثم إلى بجاية، ولحق بمولانا السلطان مفلولا. ونكر السلطان على وزيره عبد الله بن علي ما وقع بموسى بن إبراهيم، وأنه قصر في إمداده، فسرح شعيب بن ميمون وتقبض عليه، وأشخصه إلى السلطان معتقلا، وعقد على بجاية مكانه ليحيى بن ميمون بن مصمود من صنائع دولته، وفي خلال ذلك راسل المولى أبو زيد الحاجب أبا محمد عبد الله بن تافراكين المتغلب على عمه إبراهيم في النزول لهم عن بونه، والقدوم عليهم بتونس، فقبلوه وأحلوه محل ولي العهد، واستعملوا على بونة من صنائعهم، ولما بلغ خبر موسى بن إبراهيم إلى السلطان أيام التشريق من سنة سبع وخمسين وسبعمائة اعتزم على الحركة إلى إفريقية، واضطرب معسكره بساحة البلد الجديد، وبعث في الحشد إلى مراكش. وأوعز إلى بني مرين بأخذ الأهبة للسفر، وجلس للعطاء والاعتراض من لدن وصول الخبر إليه إلى شهر ربيع من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. ثم ارتحل من فاس وسرح في مقدمته وزيره فارس بن ميمون في العساكر، وسار في ساقته على التعبية إلى أن احتل ببجاية، وتلوم لإزاحة العلل. ونازل الوزير قسنطينة. ثم جاء السلطان على أثره ولما أطلت راياته، وماجت الأرض بعساكره، ذعر أهل البلد، وألقوا بأيديهم إلى الإذعان، وانفضوا من حول سلطانهم مهطعين إلى السلطان، وتحيز صاحب البلد في خاصته إلى القصبة. ووصل أخوه المولى الفضل فطلب الأمان، فبذله السلطان لهم وخرجوا، وأنزلهم بمعسكره أياما، ثم بعث بالسلطان في الاسطول إلى سبتة فاعتقله بها إلى أن كان من أمره ما نذكره بعد.
وعقد على قسنطينة لمنصور ابن الحاج خلوف الباباني من مشيخة بني مرين وأهل الشورى منهم، وأنزله بالقصبة في شعبان من سنته، ووصل إليه بمعسكره من ساحة قسنطينة بيعة يحيى بن يملول صاحب توزر، وبيعة علي بن الخلف صاحب نفطة.
ووفد ابن مكي مجددا طاعته. ووصل إليه أولاد مهلهل أمراء الكعوب وأقتال بني أبي الليل يستحثونه لملك تونس، فسرح معهم العساكر وعقد عليهم ليحيى بن رحو بن تاشفين، وبعث أسطوله في البحر مددا لهم، وعقد عليه للرئيس محمد بن يوسف ٧/٣٩٣
الأبكم، وساروا إلى تونس وأخرج الحاجب أبا محمد بن تافراكين سلطانه أبو إسحاق ابن مولانا السلطان أبي يحيى مع أولاد أبي الليل، وجهز معه العساكر لما أحس بقدوم عساكر السلطان. ووصل الأسطول إلى مرسى تونس فقاتلهم يوما أو بعض يوم، وركب الليل إلى المهدية فتحصن بها. ودخل أولياء السلطان إلى تونس في رمضان من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وأقاموا بها دعوته. واحتل يحيى بن رحو بالقصبة، وأنفذ الأوامر، وكتبوا إلى السلطان بالفتح. ونظر السلطان بعد ذلك في أحوال ذلك، وقبض أيدي العرب من رياح عن الإتاوة التي يسمونها الخفارة فارتابوا، وطالبهم بالرهن فأجمعوا على الخلاف. فأرهف لهم حده، وتبين يعقوب ابن علي أميرهم مكره، فخرج معهم ولحقوا جميعا بالزاب، وارتحل في أثرهم.
وسار يوسف بن مزني عامل الزاب ببعض الطريق أمامه حتى نزل ببسكرة. ثم ارتحل إلى طولقة فتقبض على مقدمها عبد الرحمن بن أحمد بإشارة ابن مزني، وخرب حصون يعقوب بن علي، وأجفلوا إلى القفر أمامه. ورجع عنهم. وحمل له ابن مزني جباية الزاب بعد أن رد عامة معسكره بالقرى من الأدم والحنطة والحملان والعلوفة ثلاث ليال نفذت في ذلك، وكافأه السلطان على صنيعه، فخلع عليه وعلى أهله وولده وأسنى جوائزهم ورجع إلى قسنطينة، واعتزم على الرحلة إلى تونس.
وضاق ذرع العساكر بشأن النفقات والأبعاد في المذهب، وارتكاب الخطر في دخول افريقية، فتمشت رجالاتهم في الانفضاض عن السلطان. وداخلوا الوزير فارس بن ميمون فوافقهم على ذلك وأذن المشيخة والنقباء لمن تحت أيديهم من القبائل في اللحاق بالمغرب حتى تفردوا، وأنهى إلى السلطان أنهم تآمروا في قتله. ونصب إدريس بن أبي عثمان بن أبي العلاء للأمر، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم. ورأى قلة من معه من العساكر، وعلم بانفضاضهم، فكر راجعا إلى المغرب بعد أن ارتحل عن قسنطينة مرحلتين إلى الشرق، وأغذ السير إلى فاس، واحتل بها غرة ذي الحجة من سنته. وتقبض يوم دخوله على وزيره فارس بن ميمون، اتهمه بمداخلة بني مرين في شأنه، وقتله رابع أيام التشريق قعصا بالرماح، وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع منهم السجن، وبلغ إلى الجهات خبر رجوعه من قسنطينة إلى ٧/٣٩٤
المغرب فارتحل أبو محمد بن تافراكين من المهدية إلى تونس، ولما أطل عليها ثار شيعته بالبلد على من كان بها من عساكر السلطان، وخلصوا إلى السفين، فنجوا إلى المغرب، وجاء على أثرهم يحيى بن رحو بمن معه من العساكر من أولاد مهلهل، كان بناحية الجريد لاقتضاء جبايته، واجتمعوا جميعا بباب السلطان، وأرجأ حركته إلى العام القابل، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن وزارة سليمان بن داود ونهوضه بالعساكر إلى إفريقية
لما رجع السلطان من إفريقية ولم يستتم فتحها، بقي في نفسه منها شيء. وخشي على ضواحي قسنطينة من يعقوب بن علي ومن معه من الزواودة المخالفين، فأهمه شأنهم، واستدعى سليمان بن داود من مكانه بثغور الأندلس، وعقد له على وزارته، وسرحه في العساكر إلى إفريقية، فارتحل إليها في ربيع من سنة تسع وخمسين وسبعمائة وكان يعقوب بن علي لما كشف وجهه في الخلاف، أقام السلطان مكانه أخاه ميمون بن علي منازعة، وقدمه على أولاد محمد من الزواودة، وأحله بمكانه من رياسة البدو والضواحي، ونزع إليه عن أخيه يعقوب الكثير من قومهم، وتمسك بطاعة السلطان طوائف من أولاد سباع بن يحيى وكبيرهم يومئذ عثمان بن يوسف بن سليمان، فانحاشوا جميعا للوزير ونزلوا على معسكره بحللهم. وارتحل السلطان في أثره حتى احتل بتلمسان فأقام بها لمشارفة أحواله منها، واحتل الوزير سليمان بوطن قسنطينة. وأغذ السير إلى عمال الزاب يوسف بن مزني بأن تكون يده معه، وأن يؤامره في أحوال الزواودة لرسوخه في معرفتها، فارتحل إليه من بسكرة، ونازلوا جبل أوراس واقتضوا جبايته ومغارمه. وشردوا المخالفين من الزواودة عن العيث في الوطن، فتم غرضهم من ذلك. وانتهى الوزير وعساكر السلطان إلى أول أوطان إفريقية من آخر مجالات رياح، وانكفأ راجعا إلى المغرب. ووافى السلطان بتلمسان، ووصلت معه وفود العرب الذين أبلوا في الخدمة، فوصلهم السلطان ٧/٣٩٥
وخلع عليهم وحملهم، وفرض لهم العطاء بالزاب وكتب لهم به، وانقلبوا إلى أهلهم، ووفد على أثرهم أحمد بن يوسف بن مزني، أوفده أبوه بهدية السلطان من الخيل والرقيق والرزق فتقبلها السلطان وأكرم وفادته وأنزله، واستصحبه إلى فاس ليريه أحوال كرامته، وليستبلغ في الاحتفاء به، واحتل بدار ملكه منتصف ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة والله أعلم.
الخبر عن مهلك السلطان أبي عنان ونصب السعيد للأمر باستبداد الوزير حسن بن عمر في ذلك
لما وصل السلطان إلى دار ملكه بفاس، احتل بها بين يدي العيد الأكبر حتى إذا قضى الصلاة من يوم الأضحى أدركه المرض، وأعجله طائف الوجع عن الجلوس يوم العيد على العادة، فدخل إلى قصره ولزم فراشه، واستبد به وجعه، وأطاف به النساء يمرضنه. وكان ابنه أبو زيان ولي عهده، وكان وزيره يحيى بن موسى القفولي من صنائع دولتهم وأبناء وزرائهم، قد عقد له السلطان على وزارته واستوصاه به، فتعجل الأمر، وداخل رءوس بني مرين في الانحياش إلى أميرهم والفتك بالوزير الحسن بن عمر وداخله في ذلك عمر بن ميمون لعداوة بينهما وبين الوزير فخشيهما الحسن بن عمر على نفسه. وفاوض عليه أهل المجلس بذات صدره، وكانت نفرتهم عن ولي العهد مستحكمة لما أبلوا من سوء خلته وشر ملكته، فاتفقوا على تحويل الأمر عنه. ثم نمي إليهم أن السلطان مشرف على الهلكة لا محالة، وأنه موقع بهم من قبل مهلكه، فأجمعوا أمرهم على الفتك به والبيعة لأخيه السعيد طفلا خماسيا، وباكروا دار السلطان فتقبضوا على وزيره موسى بن عيسى وعمر بن ميمون فقتلوهما، وأجلسوا السعيد للبيعة. وأوعز وزيره مسعود بن رحو بن ماسى بالتقبض على أبي زيان من نواحي القصر، فدخل إليه وتلطف في إخراجه من بين الحرم.
وقاده إلى أخيه فبايع وتل إلى بعض حجر القصر، فأتلف فيها مهجته. واستقل الحسن بن عمر بالأمر يوم الأربعاء الرابع والعشرين لذي الحجة من سنة تسع ٧/٣٩٦
وخمسين وسبعمائة والسلطان أثناء ذلك على فراشه يجود بنفسه. وارتقب الناس دفنه يوم الأربعاء والخميس بعده، فلم يدفن فارتابوا، وفشا الكلام وارتاب الجماعة، فأدخل الوزير زعموا إليه بمكانه من بيته من غطه حتى أتلفه. ودفن يوم السبت، وحجب الحسن بن عمر الولد المنصوب للأمر، وأغلق عليه بابه، وتفرد بالأمر والنهي دونه. ولحق عبد الرحمن ابن السلطان أبي عنان بجبل الكاي يوم بيعة أخيه، وكان أسن منه وإنما آثروه لمكان ابن عمه مسعود بن ماسي من وزارته، فبعثوا إليه من لاطفه واستنزله على الأمان، وجاء به إلى أخيه فاعتقله الحسن بالقصبة من فاس.
وبعث على أبناء السلطان الأصاغر الأمراء بالثغور، فجاء المعتصم من سجلماسة، وامتنع المعتمد بمراكش، وكان بها في كفالة عامر بن محمد الهنتاتي استوصاه به السلطان وجعله هنالك لنظره، فمنعه من الوصول، وخرج به من مراكش إلى معقلة من جبل هنتاتة، وجهز الوزير العساكر لمحاربته، ولم يزل هنالك إلى أن استنزله عمه السلطان أبو سالم عند استيلائه على ملك المغرب، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الخبر عن تجهيز العساكر الى مراكش ونهوض الوزير سليمان بن داود لمحاربة عامر بن محمد
كان عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة من قبائل المصامدة. وكان السلطان يعقوب قد استعمل أباه محمد بن علي على جبايتهم، والسلطان أبو سعيد استعمل عمه موسى بن علي وربي عامر هذا في كفالة الدولة، وسار في جملة السلطان إلى إفريقية، وولاه السلطان أحكام الشرطة بتونس. ولما ركب البحر إلى المغرب أركب حرمه وحظاياه في السفن، وجعلهم إلى نظر عامر بن محمد. وأجازوا البحر إلى الأندلس فنزلوا المرية وبلغهم غرق السلطان أبي الحسن وعسكره، فأقام بهم بمكانه من المرية، ودعي للسلطان أبي عنان، فلم يجب داعية وفاء ببيعة أبيه، حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بدارهم بالجبل، ورعى لهم السلطان أبو عنان إجارتهم لأبيه، حين لفظته البلاد وتحاماه الناس، أجمع أمره على الوفادة عليه، فوفد بمن معه من الحرم. وأكرم السلطان أبو عنان وفادته وأحسن نزله، ثم عقد له على جباية المصامدة سنة أربع وخمسين وسبعمائة وبعثه لها من تلمسان، فاضطلع بهذه الولاية وأحسن ٧/٣٩٧
الغناء فيها، والكفاية عليها، حتى كان السلطان أبو عنان يقول: وددت لو أصبت رجلا يكفيني ناحية المشرق من سلطاني كما كفاني عامر بن محمد ناحية المغرب، وأتورع، ونافسه الوزراء في مقامه ذلك عند السلطان ورتبته. وانفرد الحسن بن عمر آخر الأمر بوزارة السلطان، واشتدت منافسته وانتهت إلى العداوة والسعاية.
وكان السلطان بين يدي مهلكه ولى أبناءه الأصاغر على أعمال ملكه، فعقد لابنه محمد المعتمد على مراكش، واستوزر له، وجعله إلى نظر عامر واستوصاه به. فلما هلك السلطان واستقل الحسن بن عمر بالأمر ونصب السعيد للملك، استقدم الأبناء من الجهات، فبعث عن المعتمد من مراكش فأبى عليه عامر من الوفادة عليهم، وصعد به إلى معقلة من جبل هنتاتة، وبلغ الحسن بن عمر خبره، فجهز إليه العساكر وأزاح عللهم، وعقد على حربه للوزير سليمان بن داود مساهمه في القيام بالأمر، وسرحه في المحرم سنة ستين وسبعمائة، فأغذ السير إلى مراكش واستولى عليها، وصعد إلى الجبل فأحاط به، وضيق على عامر وطاول منازلته. وأشرف على اقتحام معقلة إلى أن بلغه خبر افتراق بني مرين، وخروج منصور بن سليمان من أعياص الملك على الدولة، وأنه منازل للبلد الجديد، فانفض العسكر من حوله وتسابقوا إلى منصور بن سليمان، فلحق به الوزير سليمان بن داود وتنفس الحصار عن عامر، إلى أن استولى السلطان أبو سالم على ملك المغرب في شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستقدم عامرا والمعتمد ابن أخيه من مكانهم بالجبل، فقدم عليه وأسلمه إليه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن ظهور أبي حمو بنواحي تلمسان وتجهيز العساكر لمدافعته، ثم تغلبه وما تخلل ذلك من الأحداث
كان ولد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن هؤلاء أربعة كما ذكرناه في أخبارهم، وكان يوسف كبيرهم، وكان سكوتا منتحلا لطرق الخير لا يريد علوا في الأرض، ولما هلك أخوه عثمان بتلمسان، عقد له على هنين ، وكان ابنه يوسف بن موسى ٧/٣٩٨
متقبلا مذهبه في السكوت والدعة ومجانبة أهل الشر، ولما تغلب السلطان أبو عنان عليهم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وفر أبو ثابت إلى قاصية المشرق، واستلبهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم سعوا على أقدامهم، وانتبذ أبو ثابت وأبو زيان ابن أخيه أبي سعيد وموسى ابن أخيه يوسف ووزيرهم يحيى بن داود ناحية عن قومهم، وسلكوا غير طريقهم، وتقبض على أبي ثابت ويحيى بن داود محمد بن عثمان، وخلص موسى إلى تونس، فنزل على الحاجب محمد بن تافراكين وسلطانه خير نزل، وأجارهم مع فل من قومه خلصوا إليهم وأسنوا جرايتهم. وبعث السلطان أبو عنان فيهم إلى ابن تافراكين فأبى من إسلامهم وجاهر بإجارتهم على السلطان.
ولما استولت عساكر السلطان على تونس، وأجفل عنها سلطانها أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى، خرج موسى بن يوسف هذا في جملته، ولما رجع السلطان إلى المغرب صمد المولى أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى، وابن أخيه المولى أبي زيد صاحب قسنطينة مع يعقوب بن علي وقومه من الزواودة إلى منازلة قسنطينة وارتجاعها، وسار في جملتهم موسى بن يوسف هذا فيمن كان عنده من زناتة قومه. وكان بنو عامر من زغبة خارجين على السلطان أبي عنان منذ غلبه بنو عبد الواد على تلمسان. وكانت رياستهم إلى صغير بن عامر بن إبراهيم، لحق بإفريقية في قومه ونزلوا على يعقوب بن علي، وجاوروه بحللهم وظعنهم، فلما أفرجوا عن قسنطينة بعد امتناعها، واعتزم صغير على الرحلة بقومه إلى وطنهم من صحراء المغرب الأوسط، دعوا موسى بن يوسف هذا إلى الرحلة معهم لينصبوه للأمر، ويجلبوا به على تلمسان، فخلى الموحدون سبيله، وأعانوه بما اقتدروا عليه لوقتهم، وعلى حال سفرهم من آلة وفسطاط. وارتحل مع بني عامر، وارتحل مع صولة بن يعقوب بن علي، وزيان بن عثمان بن سباع من أمراء الزواودة، وصغار بن عيسى في حلل من بني سعيد إحدى بطون رياح. وأغذوا السير إلى المغرب للعيث في نواحيه. وجمع لهم أقتالهم من سويد أولياء السلطان والدولة، والتقوا بقبلة تلمسان، فانهزمت سويد وهلك عثمان بن ونزمار كبيرهم، وكان مهلك السلطان في خلال ذلك.
وكان السلطان حين استعمل الأبناء على الجهات، عقد لمحمد المهدي من أولاده على ٧/٣٩٩
تلمسان. ولما اتصل الخبر بوفاة السلطان بالمغرب، أغذوا السير إلى تلمسان، وملكوا ضواحيها، وجهز الحسن بن عمر لها عسكرا عقد عليه وعلى الحامية الذين بها لسعيد ابن موسى العجيسي من صنائع السلطان. وسرحه إليها، وسار في جملته أحمد بن مزني فاصلا إلى عمله بعد أن وصله وخلع عليه وحمله، وسار سعيد بن موسى في العساكر إلى تلمسان، واحتل بها في صفر من سنة ستين وسبعمائة وزحف إليه جموع بني عامر وسلطانهم أبو حمو موسى بن يوسف، فغلبوهم على الضاحية وأحجزوهم بالبلد. ثم ناجزوهم الحرب أياما، واقتحموها عليهم لليال خلون من ربيع، واستباحوا من كان بها من العسكر، وامتلأت أيديهم من أسلابهم ونهابهم. وخلص سعيد بن موسى بابن السلطان إلى حلة صغير بن عامر فأجاره ومن جاء على أثره من قومه، وأوفد برجالات من بني عامر ينصبون له الطريق أمامه إلى أن أبلغوه مأمنه من دار ملكهم، واستولى أبو حمو على ملك تلمسان، واستأثر بالهدية التي ألفى بمودعها، كان السلطان انتقاها وبعث بها إلى صاحب برشلونة بطرة بن ألقنط وبعث إليه فيه بفرس أدهم من مقرباته بمركب ولحام مذهبين ثقيلين. فاتخذ أبو حمو ذلك الفرس لركوبه، وصرف الهدية في مصارفه ووجوه مذاهبه. والله غالب على أمره.
الخبر عن نهوض الوزير مسعود بن ماسي إلى تلمسان وتغلبه عليها ثم انتقاضه ونصبه سليمان بن منصور للامر
لما بلغ الوزير الحسن بن عمر خبر تلمسان واستيلاء أبي حمو عليها، جمع مشيخة بني مرين وأمرهم بالنهوض إليها، فأبوا عليه من النهوض بنفسه، وأشاروا بتجهيز العساكر ووعدوه مسيرهم كافة، ففتح ديوان العطاء وفرق الأموال وأسنى الصلات وأزاح العلل، وعسكر بساحة البلد الجديد. ثم عقد عليهم لمسعود بن رحو بن ماسي وحمل معه المال وأعطاه الآلة وسار في الألوية والعساكر. وكان في جملته منصور بن سليمان بن منصور بن أبي مالك بن يعقوب بن عبد الحق، وكان الناس يرجفون بأن ٧/٤٠٠
سلطان المغرب صائر إليه بعد مهلك أبي عنان. وشاع ذلك على ألسنة الناس وذاع وتحدث به السمر والندمان، وخشي منصور على نفسه لذلك، فجاء إلى الوزير الحسن وشكا إليه ذلك، فانتهره أن يختلج بفكره هذا الوسواس انتهارا خلا من وجه السياسة، فانزجر واقتصر. ولقد شهدت هذا الموطن، ورحمت ذلة انكساره وخضوعه في موقفه. ورحل الوزير مسعود في التعبية وأفرج أبو حمو عن تلمسان، ودخلها مسعود في ربيع الثاني واستولى عليها. وخرج أبو حمو إلى الصحراء، وقد اجتمعت عليه جموع العرب من زغبة والمعقل. ثم خالفوا بني مرين إلى المغرب واحتلوا بانكاد بحللهم وظواعنهم، وجهز إليهم مسعود بن رحو عسكرا من جنوده انتقى فيه مشيخة بني مرين وأمراءهم، وعقد عليهم لعامر ابن عمه عبو بن ماسي ، وسرحهم فزحفوا إليه بساحة وجدة، وصدقهم العرب الحملة، فانكشفوا واستبيح معسكرهم، واستلبت مشيختهم، وأرجلوا عن خيلهم، ودخلوا إلى وجدة عراة. وبلغ الخبر إلى بني مرين بتلمسان، وكان في قلوبهم مرض من استبداد الوزير عليهم وحجره لسلطانهم، فكانوا يتربصون بالدولة. فلما بلغ الخبر وحاص الناس لها حيصة الحمر، خلص بعضهم نجيا بساحة البلد، واتفقوا على البيعة ليعيش بن علي بن أبي زيان ابن السلطان أبي يعقوب فبايعوه.
وانتهى الخبر إلى الوزير مسعود بن رحو، وكان متحينا السلطان منصور بن سليمان فاستدعاه وأكرهه على البيعة، وبايعه معه الرئيس الأكبر من بني الأحمر، وقائد جند النصارى القهردور ، وتسايل إليه الناس، وتسامع الملأ من بني مرين بالخبر، فتهاووا إليه من كل جانب. وذهب يعيش بن أبي زيان لوجهه، فركب البحر وخلص إلى الأندلس، وانعقد الأمر لمنصور بن سليمان. واحتمل بني مرين على كلمته، وارتحل بهم من تلمسان يريد المغرب. واعترضهم جموع العرب في طريقهم فأوقعوا بهم، وامتلأت أيديهم من أسلابهم وظعنهم. وأغذوا السير إلى المغرب، واحتلوا بسبو في منتصف جمادى الأخيرة، وبلغ الخبر إلى الحسن بن عمر فاضطرب معسكره بساحة البلد. وأخرج السلطان في الآلة والتعبية إلى أن أنزله بفسطاطه. ولما غشيهم الليل انفض عنه الملأ إلى السلطان منصور بن سليمان، فأوقد ٧/٤٠١
الشموع وأذكى النيران حوالي الفسطاط، وجمع الموالي والجند وأركب السلطان، ودخل إلى قصره، وانحجز بالبلد الجديد، وأصبح منصور بن سليمان فارتحل في التعبية حتى نزل بكدية العرائس في الثاني والعشرين لجمادى الأخيرة، واضطرب معسكره بها، وغدا عليها بالقتال وشد عليها الحملات، وامتنعت يومها. ثم جمع الأيدي على اتخاذ الآلات للحصار. واجتمعت إليه وفود الأمصار بالمغرب للبيعة، ولحقت به كتائب بني مرين التي كانت محجرة بمراكش لحصار عامر مع الوزير سليمان بن داود فاستوزره، وأطلق عبد الله بن علي وزير السلطان أبي عنان من معتقله بسبتة، فخلص منه خلوص الإبريز بعد السبك. وأمر منصور بن سليمان بتسريح السجون، فخرج من كان بها من دعار بجاية وقسنطينة، وكانوا معتقلين من لدن استيلاء السلطان أبي عنان على بلادهم. وانطلقوا إلى مواطنهم، وأقام على البلد الجديد يغاديها القتال ويراوحها ونزع عنه إلى الوزير الحسن بن عمر طائفة من بني مرين. ولحق آخرون ببلادهم، وانتقضوا عليه ينتظرون مآل أمره. ولبث على هذه الحال إلى غرة شعبان، فكان من قدوم السلطان أبي سالم لملك سلفه بالمغرب، واستيلائه عليه، ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نزول المولى أبي سالم بجبال غمارة واستيلائه على ملك المغرب ومقتل منصور بن سليمان
كان السلطان أبو سالم بعد مهلك أبيه واستقراره بالأندلس، وخروج أبي الفضل بالسوس لطلب الأمر، ثم ظفر السلطان أبي عنان به ومهلكه كما ذكرناه، قد تورع وسكن وسالمه السلطان. ثم لما هلك سلطان الأندلس أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة يوم الفطر بمصلى العيد طعنه أسود مدسوس كان ينسب إلى أخيه محمد من بعض إماء قصرهم. ونصبوا للأمر ابنه محمدا وحجبه مولاه رضوان .
واستبد عليه. وكان للسلطان أبي عنان اعتزاز كما ذكرناه، وكان يؤمل ملك الأندلس. وأوعز إليهم عند ما طرقه طائف المرض سنة سبع وخمسين وسبعمائة أن ٧/٤٠٢
يبعثوا إليه طبيب دارهم إبراهيم بن زرور الذمي، وامتنع من ذلك اليهودي، واعتذر وردوه فتنكر لهم السلطان، ولما وصل إلى فاس من فتح قسنطينة وإفريقية تقبض على وزيره والمشيخة من قبله، تجنيا عليهم إذ لم يبادروا السلطان بنفسه أو حاجبه للتهنئة . وأظلم الجو بينهم، واعتزم على النهوض إليهم وكانوا منحاشين بالجملة إلى الطاغية بطرة بن أدفونش صاحب قشتالة، منذ مهلك أبيه الهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ثم استبد رضوان على الدولة بعد مهلك أبي الحجاج، فكانت له صاغية إليه، ظاهرها النظر للمسلمين بمسالمة عدوهم. وكان السلطان أبو عنان يعتد ذلك عليهم، وعلم أنه لا بد أن يمدهم بأساطيله ويدافعوه عن الإجازة إليهم. وكان بين الطاغية بطرة وبين قمص برشلونة فتنة هلك فيها أهل ملتهم، فصرف السلطان قصده إلى قمص برشلونة وخاطبه في اتصال اليد على ابن أدفونش، واجتمع أسطول المسلمين وأسطول النصارى القمص بالزقاق، وضربوا لذلك الموعد وأتحفه السلطان بهدية سنية من متاع المغرب وماعونه، ومركب ذهبي صنيع، ومقرب من جياده وأنفذها إليه، فبلغت تلمسان، وهلك قبل وصولها إلى محلها، ولما هلك السلطان أبو عنان أمل أخوه المولى أبو سالم ملك أخيه، وطمع في مظاهرة أهل الأندلس له على ذلك لما كان بينهم وبين أخيه، واستدعاه أشياع من أهل المغرب، ووصل البعض منهم إليه بمكانه من غرناطة، وطلب الاذن من رضوان في الإجازة، فأبى عليه، فأحفظه ذلك. ونزع إلى ملك قشتالة متطارحا بنفسه عليه أن يجهز له الأسطول للإجازة إلى المغرب، فاشترط عليه وتقبل شرطه. وأجازه في أسطوله إلى مراكش، فامتنع عامر من قبوله لما كان فيه من التضييق والحصار بحضرة سليمان بن داود كما ذكرناه. فانكفأ راجعا على عقبه. فلما حاذى طنجة وبلاد غمارة وألقى بنفسه إليهم، ونزل من الصفيحة من بلادهم. واشتملت عليه قبائلهم، وتسايلوا إليه من كل جانب وبايعوه على الموت.
وملك سبتة وطنجة، وبها يومئذ السلطان أبو العباس بن أبي حفص صاحب قسنطينة لحق بها بعد الخروج من اعتقاله بسبتة كما ذكرناه، فاختصه المولى أبو سالم ٧/٤٠٣
بالصحبة والخلة، والبواء في اغترابه ذلك، إلى أن استولى على ملكه، وألفى بطنجة الحسن بن يوسف الورتاجني، وكاتب ديوان الجند أبا الحسن بن علي بن السعود، والشريف أبا القاسم التلمساني. فكان منصور بن سليمان ارتاب بهم واتهمهم بمداخلة الوزير الحسن بن عمر بمكانه من البلد الجديد، فصرفهم من معسكره إلى الأندلس، فوافوا الأمير أبا سالم عند استيلائه على طنجة، فصاروا إلى إيالته، واستوزر الحسن بن يوسف، واستكتب لعلامته أبا الحسن علي بن السعود، واختص الشريف بالمجالسة والمراكبة. ثم قام أهل الثغور الأندلسية بدعوته، وأجاز يحيى بن عمر صاحب جبل الفتح بمن كان معه من العسكر، وطالت حصاة المولى أبي سالم واتسع معسكره، وبلغ الخبر إلى الثائر على البلد الجديد منصور بن سليمان، فجهز عسكرا لدفاعه وعقد عليه لأخويه عيسى وطلحة، وأنزلهما قصر كتامة، وقاتلوه فهزموه، واعتصم بالجبل وبادر الحسن بن عمر من وراء الجدران فبعث طاعته إليه، ووعده بالتمكين من دار ملكه. وداخل بعض أشياع المولى أبي سالم مسعود بن رحو بن ماسي وزير منصور في النزوع إلى السلطان، وكان قد ارتاب بمنصور وابنه علي، فنزع وانفض الناس من حول منصور، وتخاذل أشياعه من بني مرين، ولحق بباديس من سواحل المغرب. ومشى أهل العسكر بأجمعهم في ساقاتهم ومواكبهم على التعبية، فلحقوا بالسلطان أبي سالم واستعدوه إلى دار ملكه، فأغذ السير وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد من الأمر لتسعة أشهر من خلافته، وأسلمه عمه وخرج إليه فبايعه.
ودخل السلطان إلى البلد الجديد يوم الجمعة منتصف شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستولى على ملك المغرب، وتوافت وفود النواحي بالبيعات، وعقد للحسن بن عمر على مراكش، وجهزه إليها بالعساكر ريبة بمكانه. واستوزر مسعود بن رحو بن ماسي والحسن بن يوسف الورتاجني، واصطفى من خواصه خطيب أبيه الفقيه أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، وجعل إلى مؤلف هذا الكتاب توقيعه وكتابة سره. وكنت نزعت إليه من معسكر منصور بن سليمان بكدية العرايس لما رأيت من اختلال أحواله، ومصير الأمر إلى السلطان، فأقبل علي وأنزلني بمحل التنويه، ٧/٤٠٤
واستخلصني لكتابته. واستوسق أمره بالمغرب وتقبض شيعة السلطان بباديس على منصور بن سليمان وابنه علي وقادوهم مصفدين إلى سدته، وأحضرهم ووبخهم، وجنبوا إلى مصارعهم، فقتلوا قعصا بالرماح آخر شعبان من سنته. وجمع الأبناء والقرابة المرشحين من ولد أبيه، وأشخصهم إلى رندة من ثغورهم بالأندلس، ووكل بهم من يحرسهم، ونزع محمد ابن أخيه أبو عبد الرحمن منهم إلى غرناطة. ثم لحق منها بالطاغية، واستقر لديه حتى كان من تملكه المغرب ما نقصه إن شاء الله تعالى.
وهلك الباقون غرقا بالبحر بإيعاز السلطان بذلك بعد مدة من سلطانه، أركبهم السفن إلى المشرق، ثم غرقهم. وخلص الملك من الخوارج والمنازعين، واستوسق له الأمر، والله غالب على أمره. واحتفل السلطان في كرامة مولانا السلطان أبي العباس، وأشاد ببره وأوعز باتخاذ دار عامر بن فتح الله وزير أبيه لنزله، ومهد له المجلس لضيق أريكته، ووعده بالمظاهرة على ملكه إلى أن بعثه من تلمسان عند استيلائه عليها، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان
لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر، واستبد عليه رضوان مولى أبيه، وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته. فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم، وقد كان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد في شقيقته فكان يدعوه سرا إلى القيام بأمره متى أمكنته فرصة في الدولة، فخرج السلطان إلى بعض منتزهاته برياضه، فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين من رمضان من سنة ستين وسبعمائة في بعض أوشاب، جمعهم من الطغام لثورته. وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته، وقربوا إلى إسماعيل فرسه فركب فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته، وقرعوا طبولهم بسور الحمراء، وفر السلطان من مكانه بمنتزهه إلى وادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان، واتصل الخبر بالسلطان المولى أبي سالم، فامتعض لمهلك رضوان، وخلع السلطان رعيا لما سلف له في جوارهم، وأزعج ٧/٤٠٥
لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقلاله، فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب، وأطلق اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله بن الخطيب، كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفا للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع. فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه، فأطلقوه. ولحق الرسول أبو القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب، وأجاز لذي القعدة من سنته. وقدم على السلطان بفاس وأجل قدومه، وركب للقائه، ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل ترتيبه ، وغص بالمشيخة والعلية. ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائقة يستصرخه لسلطانه، ويستحثه لمظاهرته على أمره. واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة، ونص القصيدة:
سلا هل لديها من محبرة ذكر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي دارا على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوي الذي ربى جناحي وكره ... فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
نبت بي لا عن جفوة وقلالة ... ولا نسخ الوصل الهني لها هجر
ولكنها الدنيا قليل متاعها ... ولذاتها دأبا تزور وتزور
فمن لي بنيل القرب منها ودوننا ... مدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله عينا من رآنا وللأسى ... ضرام له في كل جانحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوى ... وللبين أشجان يضيق لها الصدر
بكينا على النهر السرور عشية ... فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السري ... وآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر فأبشري ... بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر
وإن تجبن الأيام لم تجبن النهى ... وإن يخذل الأقوام لم يخدل الصبر
وإن عركت مني الخطوب مجربا ... نقابا تسوى عنده الحلو والمر ٧/٤٠٦
فقد عجمت عودا صليتا مقوما ... وعزما كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قد زرت منزلي ... فلا اللحم حل ما جنيت ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم ملء همومنا ... فلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتخب من آل يعقوب كلما ... دجا الخطب لم يكذب لعرمته فخر
تناقلت الركبان طيب حديثه ... فلما رأته صدق الخبر الخبر
ندي لو حواه البحر لذ مذاقه ... ولم يتعقب مده أبدا جزر
وباس غدا يرتاع من خوفه الردى ... وترفل في أذياله الفتية البكر
أطاعته حتى العصم في قنن الربا ... وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا مولى الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعدنا بذاك المجد فانصرف الردى ... ولذنا بذاك العز فانهزم الشر
ولما أتينا البحر نرهب موجه ... ذكرنا بذاك العز الغمر فاحتقر البحر
خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ... فإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ... إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المسلمين وأخلصت ... وقد طاب منها السر لله والجهر
ومدت إلى الله الأكف ضراعة ... فقال لهن الله قد قضي الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التي ... لها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكا ... وقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ... فلا ضيمة تعدو ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحا ... بأنك في أولاده الولد البر
وقد كنت حقا بالخلافة بعده ... على الفور لكن كل شيء له قدر ٧/٤٠٧
فأوحشت من دار الخلافة أهلها ... أقامت زمانا لا يلوح بها البدر
ورد عليك الله حقك إذ قضى ... بأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقا بخلقه ... وقد عدموا ركن الأمانة واضطروا
وزادك بالتمحيص عزا ورفعة ... وأجرا ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان بحكمه ... لك النقض والإبرام والنهي والأمر
وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه ... كسير ومن علياك يلتمس النصر
غريب يرجي منك ما أنت أهله ... فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر
فعد يا أمير المؤمنين لبيعة ... موثقة قد حل عقدتها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بآل مرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق للحق ثأره ... ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ... بحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإن قيل مال مالك الدثر وافر ... وإن قيل جيش عندك العسكر الحر
يكف بك العادي ويحيا بك الهدى ... ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك ثانيا ... وقلده نعماك التي ما لها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ... فقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ... تحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا يؤدك كفله ... سوى أنه عرض له في الغلى حظر
وما العمر إلا زينة مستعارة ... ترد ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر
ومن دون ما تبقيه يا مالك العلى ... جياد المذاكي والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأراجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة ... مطهمة غارت بها الأنجم الزهر ٧/٤٠٨
وأسد رجال من مرين أعزة ... عمائمها بيض وآمالها سمر
عليهم من الماذي كل مفاضة ... تدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إن هبوا لكشف مملة ... فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطوا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عاهدوا بروا
وإن سمعوا العواء وافوا بأنفس ... كرام على هاماتها في الورى البر
وإن مدحوا هزوا ارتياحا كأنهم ... نشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ... وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي وتبدلت ... طباعي، فلا طبع يقيني ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني به ... وأحييتني لم يبق عين ولا أثر
فأوجدت منى فائتا أي فائت ... وأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر
بدأت بفضل لم أكن لعظمه ... بأهل فحل اللطف وانشرح الصدر
وطوقتني النعمى المضعفة التي ... يقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافل ... إلى أن يعود العز والجاه والوقر
جزاك الذي أسنى مقامك رحمة ... تفك بها العاني وينفس مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتي بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر
ثم انقضى المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله، وقد فرشت له القصور وقربت له الجياد بالمراكب المذهبة، وبعث إليه بالكساء الفاخرة، ورتب الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع، وانحفظ عليه رسم سلطانه في الركب والرجل، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الأداة أدبا مع السلطان، واستقر في حملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين وسبعمائة ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٠٩
الخبر عن انتقاض الحسن بن عمر وخروجه بتادلا وتغلب السلطان عليه ومهلكه
لما فصل الوزير الحسن بن عمر إلى مراكش واستقر بها، تأثل له بها سلطان ورياسة، نفسها أهل مجلس السلطان وسعوا في تنكر السلطان له، حتى أظلم الجو بينهما، وشعر الوزير بذلك فارتاب بمكانه، وخشي بادرة السلطان على نفسه، وخرج من مراكش في شهر صفر من سنة إحدى وستين وسبعمائة فلحق بتادلا منحرفا عن الطاعة، مرتبكا أمره، وتلقاه بنو جابر من جشم، واعصوصبوا عليه وأجاروه.
وجهز السلطان عساكره إلى حربه، وعقد عليها لوزيره الحسن بن يوسف وسرحه إليه فاحتل بتادلا، ولحق الحسن بن عمر بالجبل، واعتصم به مع الحسين بن علي الورديغي كبيرهم. وأحاطت بهم العساكر وأخذوا بمخنقهم، وداخل الوزير بعض أهل الجبل من صناكة في الثورة بهم، وسرب إليهم المال فثاروا بهم، وانفض جمعهم، وتقبض على الحسن بن عمر، وقاده برمته إلى عسكر السلطان فاعتقله الوزير، وانكفأ راجعا إلى الحضرة. وقدم بها على السلطان في يوم مشهود، واستركب السلطان فيه العسكر وجلس ببرج الذهب مقعده في ساحة البلد لاعتراض عساكره. وحمل السلطان الحسن بن عمر على جمل طيف به بين أهل ذلك المحشر، وقرب إلى مجلس السلطان فأومأ إلى تقبيل الأرض فوق جمله، وركب السلطان إلى قصره، وانفض الجمع وقد شهروا وصاروا عبرة من عبر الدنيا. ودخل السلطان قصره فاقتعد أريكته واستدعى خاصته وجلساءه، وأحضره فوبخه وقرر عليه مرتكبه، فتلوى بالمعاذير وفزع إلى الإنكار. وحضرت هذا المجلس يومئذ فيمن حضره من العلية والخاصة، فكان مقاما تسيل فيه العيون رحمة وعبرة. ثم أمر به السلطان فسحب على وجهه، ونتفت لحيته وضرب بالعصي، وتل إلى محبسه، وقتل لليال من اعتقاله قعصا بالرماح بساحة البلد، ونصب شلوه بسور البلد عن باب المحروق، وأصبح مثلا في الآخرين. ٧/٤١٠
الخبر عن وفد السودان وهديتهم وأغرابهم فيها بالزرافة
كان السلطان أبو الحسن لما أهدى إلى ملك السودان منسا سليمان بن منسا موسى هديته المذكورة في خبره، اعتمل في مكافأته وجمع لمهادات من طرف أرضه وغرائب بلاده، وهلك السلطان أبو الحسن خلال ذلك، ووصلت الهدية إلى أقصى ثغورهم من الأرس . وهلك منسا سليمان قبل وصولها. واختلف أهل مالي وافترق أمرهم . وتواثب ملوكهم على الأمر وقتل بعضهم بعضا، وشغلوا بالفتنة حتى قام فيهم منسا زاطة واستوسق له أمرهم ونظر في أعطاف ملكه، وأخبر بشأن الهدية وأخبر أنها بوالاتن فأمر بإنفاذها إلى ملك المغرب، وضم إليها حيوان الزرافة الغريب الشكل، العظيم الهيكل، المختلف الشبه بالحيوانات. وفصلوا بها من بلادهم فوصلوا إلى فاس في صفر من سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان يوم وفادتهم يوما مشهودا جلس لهم السلطان ببرج الذهب مجلس العرض. ونودي في الناس بالبروز إلى الصحراء، فبرزوا ينسلون من كل حدب حتى غص بهم الفضاء وركب بعضهم بعضا في الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقتها وأنشد الشعراء في معرض المدح والتهنئة، ووصف الحال. وحضر الوفد بين يدي السلطان وأدوا رسالتهم بتأكيد الود والمخالصة، والعذر عن إبطاء الهدية بما كان من اختلاف أهل مالي وتواثبهم على الأمر، وتعظيم سلطانهم وما صار إليه. والترجمان يترجم عنهم وهم يصدقونه بالنزع في أوتار قسيهم عادة معروفة لهم. وحيوا السلطان يحثون التراب على رءوسهم على سنة ملوك العجم. ثم ركب السلطان وانفض ذلك الجمع وقد طار به الذكر. واستقر ذلك الوفد في إيالة السلطان وتحت جرايته، وهلك السلطان قبل انصرافهم، فوصلهم القائم بالأمر من بعده، وانصرفوا إلى مراكش وأجازوا منها إلى ذوي حسان عرب المعقل من السوس المتصلين ببلادهم. ولحقوا من هنالك بسلطانهم، والأمر لله وحده. ٧/٤١١
الخبر عن حركة السلطان الى تلمسان واستيلائه عليها وإيثار أبي زيان حافد أبي تاشفين بملكها وما كان من ذلك من صرف أمراء الموحدين إلى بلادهم
لما استقل السلطان بملك المغرب سنة ستين وسبعمائة كما ذكرناه، وكان العامل على درعة عبد الله بن مسلم الزردالي من أخلاف بني عبد الواد وشيعة أبي زيان ، اصطنعه السلطان أبو الحسن عند تغلبه على تلمسان. واستعمله أبو عنان بعد ذلك على بلاد درعة كما ذكرناه. وتأتى له المكر بأبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن حين خروجه على أخيه السلطان أبي عنان بجبل ابن حميدي، فارتاب عند استقلال المولى أبي سالم بالأمر. وخشي بادرته لما رآه من حقده عليه بسبب أخيه أبي الفضل، لما كان بينهما من لحمة الاغتراب، فداخل بطانة له من عرب المعقل، واحتمل ذخائره وأمواله وأهله وقطع القفر إلى تلمسان، ولحق بالسلطان أبي حمو آخر سنة ستين وسبعمائة فنزل منه خير نزل، وعقد له حين وصوله على وزارته، وباهى به وبمكانه، وفوض إليه في التدبير والحل والعقد، فشمر عن ساعده في الخدمة، وجأجأ بعرب المعقل من مواطنهم رغبة في ولايته وإيثارا لمكانته من الدولة، ورهبة من سلطان المغرب لما كانوا ارتكبوه من موافقة بني مرين مرة بعد أخرى، فاستقروا بتلمسان وانحاشوا جميعا إلى بني عبد الواد، وبعث السلطان أبو سالم إلى أبي حمو في شأن عاملهم عبد الله بن مسلم، فلم يرجع له جوابا عنه، وحضر عليه ولاية المعقل أهل وطنه، فلج في شأنهم فأجمع السلطان أمره على النهوض إليهم. واضطرب معسكره بساحة البلد وفتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالنفير إلى تلمسان. وأزاح العلل.
وبعث الحاشدين من وزرائه إلى مراكش فتوافت حشود الجهات ببابه، وفصل من.
فاس في جمادى من سنة إحدى وستين وسبعمائة وجمع أبو حمو من في إيالته وعلى التشييع لدولته من زناتة والعرب من بني عامر والمعقل كافة، ما عدا العمارنة، كان ٧/٤١٢
أميرهم الزبير بن طلحة متحيزا إلى السلطان. وأجفلوا عن تلمسان وخرجوا إلى الصحراء. ودخل السلطان إلى تلمسان ثالث رجب، وخالفه أبو حمو وأشياعه إلى المغرب، فنزلوا كرسيف بلد ونزمار بن عريف، وخربوه واكتسحوا ما وجدوا فيه حقدا على ونزمار وقومه بولاية بني مرين. وتخطوا إلى وطاط، فعاثوا في نواحيه، وانقلبوا إلى أنكاد، وبلغ السلطان خبرهم فتلافى أمر المغرب. وعقد على تلمسان لحافد من حفدة السلطان أبي تاشفين، كان ربي في حجرهم وتحت كفالة نعمتهم، وهو أبو زيان محمد بن عثمان، وشهرته بالفتى، وأنزله بالقصر القديم من تلمسان وعسكر عليه زناتة الشرق كلهم، واستوزر له ابن عمه عمر بن محمد بن إبراهيم بن مكي ومن أبناء وزرائهم سعيد بن موسى بن علي، وأعطاه عشرة أحمال من المال دنانير ودراهم، ودفع إليه الآلة. وذكر حينئذ لمولانا السلطان أبي العباس سوابقه وإيلافه في المنزل الخشن، فنزل له عن محل إمارته قسنطينة.
وصرف أيضا المولى أبا عبد الله صاحب بجاية لاسترجاع بلده بجاية، فعقد لهما بذلك وحملهما. وخلع عليهما وأعطاهما حملين من المال.
وكانت بجاية لذلك العهد قد تغلب عليها عمهم المولى أبو إسحاق إبراهيم صاحب تونس، فكتب إلى عاملهم على قسنطينة منصور بن الحاج خلوف أن ينزل عن بلدة مولانا السلطان أبي العباس أحمد، ويمكنه منها، وودع هؤلاء الأمراء وانكفأ راجعا إلى حضرته لسد ثغور المغرب، وحسم داء العدو، فدخل فاس في شعبان من سنته. ولم يلبث أن رجع أبو زيان على أثره بعد أن أجفل عن تلمسان ولحق بوانشريش. وتغلب عليه أبو حمو وفض جموعه، فلحق بالسلطان واستقل أبو حمو بملك تلمسان، وبعث في السلم إلى السلطان فعقد له من ذلك ما رضيه كما ذكرناه.
الخبر عن مهلك السلطان أبي سالم واستيلاء عمر بن عبد الله على ملك المغرب ونصبه للملوك واحدا بعد واحد إلى أن هلك
كان السلطان قد غلب على هواه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق وكان من خبره أن ٧/٤١٣
سلفه من أهل رباط الشيخ أبي مدين كان جده قيما على خدمة قبره ومسجده واتصل القيام على هذا الرباط في عقبه، وكان جده الثالث محمد معروفا بالولاية، ولما مات دفنه يغمراسن بالقصر القديم ليجاوره بجدثه تبركا به، وكان ابنه أحمد أبو محمد هذا قد ارتحل إلى المشرق، وجاور الحرمين إلى أن هلك وربى ابنه محمد بالمشرق ما بين الحجاز ومصر. وقفل إلى المغرب بعد أن أسر أشياء في الطلب وتفقه على أولاد الإمام، ولما ابتنى السلطان أبو الحسن مسجد العباد ولاه الخطابة به، وسمعه يخطب على المنبر وقد أحسن في ذكره والدعاء له، فحلا بعينه واستخلصه لنفسه وأحله محل القرب من نفسه ، وجعله خطيبا حيث يصلي من مساجد المغرب، وسفر عنه إلى الملوك، ولما كانت نكبة القيروان خلص إلى المغرب واستقر برباط العباد بجبل سلفه، بعد أحوال أضربنا عن ذكرها اختصارا.
ولما خلص السلطان إلى الجزائر داخله أبو سعيد صاحب تلمسان في السفارة عنه إلى السلطان أبي الحسن وصلاح ما بينهما فسار لذلك ونقمه أبو ثابت وبنو عبد الواد ونكروه على سلطانهم. وسرحوا صغير بن عامر في اتباعه، فتقبض عليه وأودعوه المطبق. ثم أشخصوه بعد حين إلى الأندلس فاتصل بأبي الحجاج صاحب غرناطة.
وولاه خطابته لما اشتهر به من إجادة الخطبة للملوك بزعمهم. وألف السلطان أبا سالم في مثوى اغترابهما من غرناطة، وشاركه عند أبي الحجاج في مهماته. ولما نزل بجبال غمارة داخل بني مرين والوزراء في القيام بدعوته. وكان له في ذلك مقام محمود. فرعى السلطان وسائله وبوآته القديمة والحادثة إلى مقامه عند أبيه، فلما استوسق له ملك المغرب استخصه بولايته وألقى عليه محبته وعنايته، وكان مؤامره ونجي خلوته والغالب على هواه، فانصرفت إليه الوجوه وخضعت له الرقاب ووطئ عقبه الأشراف والوزراء، وعطف على بابه القواد والأمراء وصار زمام الدولة بيده. وكان يتجافى عن ذلك أكثر أوقاته حذرا من سوء المغبة، ويزجر من يتعرض ٧/٤١٤
له في الشكاية ويردهم إلى أصحاب المراتب والخطط بباب السلطان، وهم يعلمون أنه قد ضرب على أيديهم، فنقموا ذلك وسخطوا الدولة من أجله. ومرضت قلوب أهل الحل والعقد من تقدمه: ونفس عليه الوزراء ما ثبت له عند السلطان من الحظ، فتربصوا بالدولة، وشمل هذا الداء الخاصة والعامة. وكان عمر بن عبد الله ابن علي لما هلك أبوه الوزير عبد الله بن علي في جمادى سنة ستين وسبعمائة عند استيلاء السلطان على ملكه، تحلبت شفاه أهل الدولة على تراثه. وكان مثريا فاستجار منهم بابن مرزوق، وساهمه في تراث أبيه بعد أن حملوا السلطان على النيل منه، والإهانة له، فأجاره منهم. ورفع عند السلطان رتبته وحمله على الإصهار إليه في أخته، وقلده السلطان أمانة البلد الجديد دار ملكه متى عنت له الرحلة عنها. وأصهر عمر إلى وزير الدولة مسعود بن ماسي تسكينا لروعته واستخلاصا لمودته، وسفر عن السلطان إلى صاحب تلمسان في شعبان من سنة اثنين وستين وسبعمائة ونمي عنه أنه داخل صاحب تلمسان في بعض المكر فهم بنكبته وقتله، ودافع عنه ابن مرزوق وخلص من عقابه، وطوى على البث وتربص بالدولة. وأعيد إلى مكانه من الأمانة على دار الملك أول ذي القعدة مرجعه من تلمسان لما كان السلطان قد تحول عنها إلى القصبة بفاس، واختط إيوانا فخما لجلوسه بها، لضيق قصوره بها . فلما استولى عمر على دار الملك حدثته نفسه بالتوثب وسول له ذلك ما اطلع عليه من مرض القلوب والنكير على الدولة، لمكان ابن مرزوق من السلطان فداخل قائد الجند غريسة ابن انطول وتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي القعدة سنة اثنين وستين وسبعمائة وخلصوا إلى تاشفين الموسوس ابن السلطان أبي الحسن بمكانه من البلد الجديد، فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك، وقربوا له مركبه وأخرجوه إلى أريكة السلطان فأقعدوه عليها. وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة له، وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى مودع المال، ففرضوا العطاء من غير تقدير ولا حسبان، وماج أهل البلد الجديد من الجند بعضهم في بعض، ٧/٤١٥
واختطفوا ما وصلوا إليه من العطاء، وانتهبوا ما كان بالمخازن الخارجية من السلع والعدة. وأضرموا النار في بيوتها سترا على ما ضاع منها، وأصبح السلطان بمكانه من القصبة، فركب واجتمع إليه من حضر من الأولياء والقبائل، وغدا على البلد الجديد وطاف بها يروم منها منفذا، فاستعصب واضطرب معسكره بكدية العرائس لحصارها، ونادى في الناس بالاجتماع إليه. ونزل عند قائلة الهاجرة بفسطاطة، فتسايل الناس عنه إلى البلد الجديد فوجا بعد فوج بمرأى منه إلى أن سار إليها أهل مجلسه وخاصته، فطلب النجاة بنفسه وركب في لمة من الفرسان مع وزرائه:
مسعود بن رحو وسليمان بن داود ومقدم الموالي والجند ببابه سليمان بن نصار ، وأذن لابن مرزوق في الدخول إلى داره، ومضى على وجهه. ولما غشيهم الليل انفضوا عنه، ورجع الوزير إلى دار الملك فتقبض عليهما عمر بن عبد الله ومساهمه غريسة بن أنطول واعتقلاهما متفرقين، وأشخص علي بن مهدي بن يرزيجن في طلب السلطان، فعثر عليه نائما في بعض المحاشر بوادي ورغة، وقد نزع عنه لباسه اختفاء بشخصه، وتوارى على العيون بمكانه، فتقبض عليه وحمله على بغل، وطير الخبر إلى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شعيب بن ميمون بن وردار ، وفتح الله بن عامر ابن فتح الله. وأمرهما بقتله وإنفاذ رأسه، فلقياه بخندق القصب إزاء كدية العرائس، فأمر بعض جنود النصارى أن يتولى ذبحه وحمل رأسه في مخلاة، فوضعه بين يدي الوزير والمشيخة. واستقل عمر بالأمر ونصب الموسوس تاشفين يموه به على الناس، وذوات الأمور إلى غاياتها ولكل أجل كتاب.