الخبر عن الفتك بابن أنطول قائد العسكر من النصارى ثم خروج يحيى بن رحو وبني مرين عن الطاعة
لما تقبض عمر بن عبد الله على الوزير، كان معتقل سليمان بن داود بدار غريسة قائد ٧/٤١٦
النصارى، ومعتقل ابن ماسي بداره ضنا به عن الامتهان لمكان صهره. ولما كان يؤمل منه من الاستظهار على أمره بعصابته من الأبناء والإخوة والقرابة، وكان غريسة بن أنطول صديقا لسليمان بن ونصار، فلما رجع عن السلطان ليلة انفضاضهم، نزل عليه وكان يعاقره الخمر، فأتاه سحرا وتفاوضا في اعتقال عمرو وإقامة معتقله سليمان بن داود في الوزارة لما هو عليه من السن ورسوخ القدم في الأمر. ونمي إلى عمر الخبر، فارتاب وكان خلوا من العصابة ففزع إلى قائد المركب السلطاني من الرجل الأندلسيين يومئذ إبراهيم البطروجي ، فباثه أمره وبايعه على الاستماتة دونه. ثم استقل عصابتهم ففزع إلى يحيى بن رحو شيخ بني مرين وصاحب شوراهم فشكا إليه، فأشكاه ووعده الفتك بابن أنطول وأصحابه. وانبرم عقد ابن أنطول وسليمان ابن ونصار على شأنهم وغدوا إلى القصر. وداخل ابن أنطول طائفة من النصارى للاستظهار بهم، ولما توافت بنو مرين بمجلس السلطان على عادتهم وطعموا، دعا عمر بن عبد الله القائد ابن أنطول بين يدي يحيى بن رحو وقد أحضر البطروجي رجل الأندلسيين، فسأله تحويل سليمان بن داود من داره إلى السجن فأبى وضن به عن الإهانة حتى سأل مثلها من ابن ماسي صاحبه، فأمر عمر بالتقبض عليه، فكشر في وجوه الرجال واخترط سكينه للمدافعة، فتواثبت بنو مرين وقتلوه لحينه.
واستلحموا من وجد بالدار من جند النصارى عند دخولهم ، وفروا إلى معسكرهم ويعرف بالملاح جوار البلد الجديد.
وأرجف الغوغاء بالمدينة أن ابن أنطول غدر بالوزير فقتل جند النصارى حيث وجدوا من سكك المدينة. وتزاحفوا إلى الملاح لاستلحام من به من الجند، وركب بنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء، وانتهب يومئذ الكثير من أموالهم وآنيتهم وأمتعتهم.
وقتل النصارى كثيرا من المجان كانوا يعاقرون الخمر بالملاح، واستبد عمر بالدار واعتقل سليمان بن ونصار إلى الليل. وبعث من قتله بمحبسه. وحول سليمان بن داود إلى بعض الدور بدار الملك واعتقله بها، واستولى على أمره ورجع في الشورى إلى ٧/٤١٧
يحيى بن رحو، واعصوصب بنو مرين عليه، واعتز على الأمراء والدولة، وكان عد الخاصة السلطان أبي سالم حريصا على قتلهم، وكان عمر يريد استبقاءهم لما أمله في ابن ماسي، فخشنت صدورهم عليه، ودبروا في شأنه. وخاطب هو عامر بن محمد في اتصال اليد واقتسام ملك المغرب، وبعث إليه بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم، اعتده عنده وليجة لخلاصه من ربقة الحصار الذي هم به مشيخة بني مرين. وكان أبو الفضل هذا بالقصبة تحت الرقبة والأرصاد، فتفقد من مكانه.
وأغلظ المشيخة في العتب لعمر في ذلك، فلم يستعتب، ونبذ إليهم العهد وامتنع بالبلد الجديد، ومنعهم من الدخول إليه فاعصوصبوا على كبيرهم يحيى بن رحو وعسكروا بباب الفتوح، وجأجئوا بعبد الحليم ابن السلطان أبي علي وكان من خبرهم معه ما نذكره. وأطلق عمر بن عبد الله مسعود بن ماسي من محبسه وسرحه إلى مراكش، وأوعده في الاجلاب عليهم إن حاصروه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن وصول عبد الحليم ابن السلطان من تلمسان وحصار البلد الجديد
كان السلطان أبو الحسن لما قتل أخاه السلطان أبا علي وقضى الحق الذي له في ذمته عمل بالحق الذي عليه في ولده وحرمه، فكفلهم وغذاهم بنعمته، وساواهم بولده في كافة شئونهم، وأنكح ابنته تاحضريت العزيزة عليه عليا منهم المكنى بأبي سلوس ونزع عنه وهو بالقيروان أيام النكبة ولحق بالعرب. وأجلب معهم على السلطان بالقيروان وتونس. ثم انصرف من إفريقية ولحق بتلمسان ونزل على سلطانها أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن فبوأه كرامته. ثم شرع في الإجازة إلى الأندلس، وبعث فيه السلطان أبو عنان قبل فصوله، فاشخصوه إليه فاعتقله. ثم أحضره ووبخه على مرتكبه مع السلطان أبي الحسن وجحده حقه. ثم قتله لليلتين من شهور إحدى وخمسين وسبعمائة، ولما هلك السلطان أبو الحسن ولحقت جملته من ٧/٤١٨
الخاصة والأبناء بالسلطان أبي عنان، وأشخص إخوته إلى الأندلس، وأشخص معهم ولد الأمير أبي علي هؤلاء عبد الحليم وعبد المؤمن والمنصور والناصر وسعيد ابن أخيهم أبي زيان، فاستقروا بالأندلس في جوار ابن الأحمر. ثم طلب أبو عنان إشخاصهم بعد، كما طلب إشخاص أخيه، فأجارهم ابن الأحمر جميعا وامتنع من إسلامهم إليه. وكان من المغاضبة لذلك ما قدمناه.
ولما اعتقل السلطان أبو سالم الأبناء المرشحين برندة، كما قدمناه، نزع منهم عبد الرحمن بن علي بن أبي يفلوسن إلى غرناطة فلحق بأعماله. وكان السلطان أبو سالم بمكانهم مستريبا بشأنهم حتى لقد قتل محمد بن أبي يفلوسن ابن أخته تاحضريت وهو في حجرها وحجره، استرابه بما نمي عنه. ولما أجاز أبو عبد الله المخلوع ابن أبي الحجاج، إلى المغرب ونزل عليه وصار إلى إيالته، ورأى أن قد ملك أمره في هؤلاء المرشحين بغرناطة، وأرسل الرئيس محمد بن إسماعيل عند توثبه على الأمراء واستلحامه أبناء السلطان أبي الحجاج، فراسله في اعتقالهم ثم فسد ما بين الرئيس والطاغية، وأخذ منه كثيرا من حصون المسلمين. وبعث إلى السلطان أبي سالم في أن يخلي سبيل المخلوع إليه، فامتنع وفاء للرئيس. ثم دافع الطاغية عن ثغوره بإسعاف طلبته، فجهز المخلوع وملأ حقائبه صلة وأعطاه الآلة، وأوعز إلى أسطوله بسبتة فجهز وبعث علال بن محمد ثقة أبيه فأركبه الأسطول وركب معه إلى الطاغية. وخلص الخبر إلى الرئيس بمكانه من ملك غرناطة، وكان أبو حمو صاحب تلمسان يراسله في أولاد أبي علي، وأن يجيزهم إليه ليجدهم زبونا على السلطان أبي سالم، فبادر لحينه وأطلقهم من مكان اعتقالهم، وأركب عبد الحليم وعبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيهما على أبي يفلوسن. في الأسطول، وأجازهم إلى مرسى هنين بين يدي مهلك السلطان أبي سالم، فنزلوا من صاحب تلمسان بأعز جوار. ونصب عبد الحليم منهم لملك المغرب.
وكان محمد السبيع بن موسى بن إبراهيم نزع عن عمر ولحق بتلمسان، فتوافى معهم وأخبرهم بمهلك السلطان وبايع له وأغراه بالرحلة إلى المغرب ثم تتابعت وفود بني مرين بمثلها، فسرحه أبو حمو وأعطاه الآلة، واستوزر له محمد السبيع وارتحل معه ٧/٤١٩
يغذ السير. ولقي في طريقه محمد بن زكراز من أولاد علي من شيوخ بني ونكاس أهل دبدوا وثغر المغرب منذ دخول بني مرين إليه، فبايعه وحمل قومه على طاعته، وأغذ السير وكان يحيى بن رحو والمشيخة لما نبذ عمر بن عبد الله إليهم العهد، وعسكروا بباب الفتوح، أوفدوا مشيخة منهم على تلمسان لاستقدام السلطان عبد الحليم، فوافوه بتازي ورجعوا معه، وتلقته جماعة بني مرين بسبو، ونزلوا على البلد الجديد يوم السبت سابع محرم من سنة ثلاث وستين وسبعمائة واضطرب معسكرهم بكدية العرائس، وغادوا البلد القتال وراوحوها سبعة أيام، وتتابعت وفودهم وبيعات الأمصار توافيهم والحشود تتسايل إليهم ثم إن عمر بن عبد الله برز من السبت القابل في مقدمة السلطان أبي عمر بمن معه من جند المسلمين والنصارى، رامحة وناشبة.
ووكل بالسلطان من جاء به في الساقة على التعبية المحكمة. وناشبهم الحرب فدلفوا إليه فاستطرد لهم ليتمكن الناشبة من عقرهم من الأسوار حتى فشت فيهم الجراحات. ثم صمم نحوهم وانفرج القلب وانفضت الجموع وزحف السلطان في الساقة فانذعروا في الجهات. وافترق بنو مرين إلى مواطنهم ولحق يحيى بن رحو بمراكش مع مبارك بن إبراهيم شيخ الخلط، ولحق عبد الحليم وإخوته بتازي بعد أن شهد لهم أهل المقام بصدق الجلاد وحسن البلاء في ذلك المجال وصابر عمر بن عبد الله قدوم محمد بن أبي عبد الرحمن كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن قدوم الأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن وبيعته بالبلد الجديد في كفالة عمر بن عبد الله
لما نبذ بنو مرين عهدهم واعصوصبوا عليه، ونكروا ما جاء به من البيعة لأبي عمر مع فقده العقل الذي هو شرط الخلافة شرعا وعادة، ونقموا عليه، اتهم نفسه في نظره، وفرع إلى التماس المرشحين، فوقع نظره على حافد السلطان أبي الحسن محمد ابن الأمير أبي عبد الله النازع لأول دولة السلطان أبي سالم من رندة إلى الطاغية.
وكان قد نزل منه بخير مثوى، فبعث إليه مولاه عتيقا الخصي، ثم تلاه بعثمان بن الياسمين، ثم تلاهما بالرئيس الأبكم من بني الأحمر في كل ذلك يستحث قدومه، وخاطب المخلوع ابن الأحمر وهو في جوار الطاغية كما قدمناه قريب عهد بجواره، ٧/٤٢٠
فخاطبه في استحثاثه واستخلاصه من يد الطاغية. وكان المخلوع يرتاد لنفسه منزلا من ثغور المسلمين لما فسد بينه وبين الطاغية ورام النزوع عن إيالته، فاشترط على الوزير عمر النزول له عن رندة فتقبل شرطه، وبعث إليه الكتاب بالنزول عنها بعد أن وضع الملأ عليه خطوطهم من بني مرين والخاصة والشرفاء والفقهاء، فسار ابن الأحمر إلى الطاغية. وسأله تسريح محمد هذا إلى ملكه، وأن قبيله دعوه إلى ذلك، فسرحه بعد أن شرط عليه، وكتب الكتاب بقبوله وفصل من إشبيلية في شهر المحرم فاتح ثلاث وستين وسبعمائة ونزل بسبتة وبها سعيد بن عثمان من قرابة عمر بن عبد الله.
أرصده لقدومه فطير بالخبر إليه فخلع أبا عمر من الملك لعام من بيعته، وأنزله بداره مع حرمه. وبعث الى السلطان أبي زيان محمد بالبيعة والآلة والفساطيط. ثم جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة. وأغذ السير إلى الحضرة فنزل منتصف شهر صفر بكدية العرائس. واضطرب معسكره بها، وتلقاه الوزير يومئذ وبايعه وأخرج فسطاطه، فاضطربه بمعسكره وتلوم السلطان هنالك ثلاثا. ثم دخل في الرابع إلى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه وعمر مستبد عليه لا يكل إليه أمرا ولا نهيا. واستطال عند ذلك المنازعون أولاد أبي علي كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن تجهيز السلطان عبد الحليم واخوته الى سجلماسة بعد الواقعة عليهم بمكناسة
لما سمع عبد الحليم بقدوم محمد بن أبي عبد الرحمن من سبتة إلى فاس وهو بمكانه من تازى، سرح أخاه عبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيه إلى اعتراضه، فانتهوا إلى مكناسة وخاموا عن لقائه، فلما دخل إلى البلد الجديد أجلبوا بالغارة على النواحي وكثر العيث. وأجمع الوزير عمر على الخروج إليهم بالعساكر، فبرز بالتعبية والآلة، وبات بوادي النجاء. ثم أصبح على تعبيته وأغذ السير إلى مكناسة، فزحف إليه عبد المؤمن وابن أخيه عبد الرحمن في جموعهما فجاولهما القتال ساعة، ثم صمم إليهم فدفعهم عن مكناسة. وانكشفوا فلحقوا بأخيهم السلطان عبد الحليم بتازى، ونزل الوزير عمر بساحة مكناسة، وأوفد بالفتح على السلطان، وكنت وافده إليه يومئذ، فعمت البشرى واتصل السرور. وتهنأ السلطان بملكه وتودع من يومئذ سلطانه. ولما ٧/٤٢١
وصل عبد المؤمن إلى أخيه عبد الحليم بتازى مفلولا انتقض معسكره ونزعوا عنه إلى فاس، وذهب لوجهه هو وإخوته مع وزيرهم السبيع بن محمد ومن كان معهم من عرب المعقل، فلحقوا بسجلماسة. وكان أهلها قد دخلوا في بيعتهم ودانوا بطاعتهم فاستعروا بها. وجددوا رسم الملك والسلطان إلى أن كان من خروجهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن قدوم عامر بن محمد ومسعود بن ماسي من مراكش وما كان من وزارة ابن ماسي واستبداد عامر بمراكش
كان السلطان أبو سالم لما استقل بملك المغرب، استعمل على جباية المصامدة وولاية مراكش محمد بن أبي العلاء بن أبي طلحة من أبناء العمال، وكان مطلعا بها.
وناقش الكبير من ذوي عامر فأحفظه ذلك وربما تكررت سعايته في عامر عند السلطان ولم يقبل. ولما بلغ إلى عامر مهلك السلطان أبي سالم وقيام عمر بالأمر، وكانت بينهما خلة بيت محمد ابن أبي العلاء فتقبض عليه وامتحنه وقتله، واستقل بأمر مراكش وبعث إليه الوزير عمر بأبي الفضل بن السلطان أبي سالم يعتده لما يقع من حصار بني مرين إياه أن يجلب به عامر عليهم ويستنقضه كما ذكرناه. ثم سرح مسعود بن ماسي كما ذكرناه، ولما أحاط بنو مرين بالبلد الجديد جمع عامر من إليه من الجند والحشود وزحف بأبي الفضل بن السلطان أبي سالم إلى أنفى، ونزل بوادي أم ربيع، ولما انفض جمعهم من على البلد الجديد، لحق به يحيى بن رحو، وكان له صديقا ملاطفا، فتنكر له توفية لعمر بن عبد الله وصاحبه مسعود، وبعثه إلى الجبل ولم يشهد الجمع، فذهب مغاضبا. ولحق بسجلماسة بالسلطان عبد الحليم وهلك في بعض حروبه مع العرب. ولما انفض عبد المؤمن وأجفل عبد الحليم من تازي ولحقوا بسجلماسة، واستوسق الأمر لعمر بن عبد الله وفرغ من شأن المنازعين ومضايقتهم له، رجع إلى ما كان يؤمله من الاستظهار على أمره بمسعود بن ماسي وإخوته وأقاربه لمكان الصهر الذي بينهما، فاستقدمه للوزارة مرضاة لبني مرين لما كانوا عليه من استمالتهم لجميع المذاهب والإغضاء عما نالوه به من النكاية. وكان عامر بن محمد مجمعا القدوم على السلطان فقدم في صحابته ونزلا من الدولة بخير ٧/٤٢٢
منزل، وعقد السلطان لمسعود بن رحو على وزارته بإشارة الوزير عمر فاضطلع بها، ودفعه عمر إليها استمالة إليه وثقة بمكانه واستظهارا بعصابته. وعقد مع عامر بن محمد الحلف على مقاسمة المغرب من لحم وأدم رفيع وجعل إمارة مراكش لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم إسعافا بغرض عامر بن محمد في ذلك وأصهر عامر إليهم في بنت مولانا السلطان أبي يحيى المتوفى عنها السلطان أبو عنان ، فحملوا أولياءها على العقد عليها وانكفأ راجعا إلى مكان عمله بمراكش يجر الدنيا وراءه عزا وثروة وتابعا لجمادى من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وصرف عمر عزيمته إلى تشريد عبد الحليم وأخيه من سجلماسة، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن زحف الوزير عمر بن عبد الله الى سجلماسة
لما احتل عبد الحليم وإخوته بسجلماسة، اجتمع إليهم عرب المعقل كافة بحللهم.
واقتضوا خراج البلد فوزعوه فيهم، وانتضوا على الطاعة رهنهم. وأقطعهم جنات المختص بأسرها واعصوصبوا عليه. واستحثه يحيى بن رحو ومن هنالك من مشيخة بني مرين إلى النهوض للمغرب، فأجمع أمره على ذلك. وتدبر الوزير عمر أمره وخشي أن يضطرم جمرة، فأجمع إليه الحركة. ونادى في الناس بالعطاء والرحلة فاجتمعوا إليه وبث العطاء فيهم. واعترض العساكر وأزاح العلل وارتحل من ظاهر فاس في شعبان من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وارتحل معه ظهيره مسعود بن ماسي وبرز السلطان عبد الحليم إلى لقائهم. ولما تراءت الفئتان بتاغز وطت عند فرج الجبل المفضي من تلول المغرب الى الصحراء، هموا باللقاء. ثم تواقفوا أياما وتمشت بينهم رجالات العرب في الصلح والتجافي لعبد الحليم عن سجلماسة تراث أبيه، فعقد بينهما وافترقا. ورجع كل واحد منهما إلى عمله ومكانه من سلطانه. ودخل عمر والوزير مسعود إلى البلد الجديد في رمضان من سنته، وتلقاهما سلطانهما بأنواع المبرة والكرامة. ونزع الوزير محمد بن السبيع عن السلطان عبد الحليم ٧/٤٢٣
إلى الوزير عمر وسلطانه فتقبل وحل محل التكرمة والردافة للوزارة واستقر كل بمكانه.
وتوادعوا أمرهم إلى ما كان من خلع عبد المؤمن لأخيه عبد الحليم، ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن بيعة العرب لعبد المؤمن وخروج عبد الحليم الى المشرق
لما رجع عبد الحليم بعد عقد السلم مع الوزير عمر إلى سجلماسة واستقر بها وكان عرب المعقل من ذوي منصور فريقين: الأحلاف وأولاد حسين. وكانت سجلماسة وطنا للأحلاف وفي مجالاتهم منذ أول أمرهم ودخولهم المغرب. وكان من أولاد حسين في ممالأة الوزير عمر ما قدمناه، فكانت صاغية السلطان عبد الحليم إلى الأحلاف بسبب ذلك أكثر، فأسف ذلك أولاد حسين على الأحلاف وتجددت لذلك الفتنة وتزاحفوا. وأخرج السلطان عبد الحليم أخاه عبد المؤمن لرقع ما بينهما من الخرق ولأمته، فلما قدم على أولاد حسين دعوه إلى البيعة والقيام بأمره فأبى فأكرهوه عليها وبايعوه. وزحفوا إلى سجلماسة في صفر من سنة أربع وستين وستمائة وبرز عبد الحليم إليهم في أوليائه من الأحلاف وتواقفوا مليا وعقلوا رواحلهم وانكشف الأحلاف وانهزموا. وهلك يحيى بن رحو كبير المشيخة من بني مرين يومئذ في حربهم. وتغلبوا على سجلماسة، ودخل إليها عبد المؤمن وتخلى له أخوه عبد الحليم عن الأمر وخرج إلى المشرق لقضاء فرضه، فودعه وزوده بما أرادوا وارتحل إلى الحج وقطع المفازة إلى بلد مالي من السودان. وصحب منها ركاب الحج إلى مصر، ونزل على أميرها المتغلب على سلطانها يومئذ، وهو مليغا الحاصكي وأنهى خبره إليه وعرف بمكانه، فاستبلغ في تكريمه بما يناسب بيته وسلطانه. وقضى حجه وانصرف إلى المغرب، فهلك بقرب الإسكندرية سنة ست وستين وسبعمائة واستقل عبد المؤمن، بأمر سجلماسة حتى كان من نهوض العسكر إليه ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٢٤
الخبر عن نهوض ابن ماسي بالعساكر الى سجلماسة واستيلائه عليها ولحاق عبد المؤمن بمراكش
لما افترقت كلمة أولاد السلطان أبي عنان وخلع عبد المؤمن أخاه تطاول الوزير عمر إلى التغلب عليهم. ونزع إليه الأحلاف عدو أولاد حسين وشيعة عبد الحليم المخلوع، فجهز العساكر وبث العطاء وأزاح العلل، وسرح ظهيره مسعود بن ماسي إلى سجلماسة، فنهض إليها في ربيع من سنة أربع وستين وسبعمائة. وتلقاه الأحلاف بحللهم وناجعتهم، وأغذ السير ونزع الكثير من أولاد حسين للوزير مسعود. وبعث عامر بن محمد عن عبد المؤمن من سجلماسة، فتركها ولحق بعامر فتقبض عليه واعتقله بداره من جبل هنتاتة. ودخل الوزير مسعود إلى سجلماسة واستولى عليها. واقتلع منها جرثومة الشقاق بافتراق دعوة أولاد أبي علي منها. وكر راجعا إلى المغرب لشهرين من حركته، فاحتل بفاس إلى أن كان من خبر انتقاضه على عمر وفساد ذات بينهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن انتقاض عامر ثم انتقاض الوزير ابن ماسي على أثره
لما استقل عامر بالناحية الغربية من جبال المصامدة ومراكش وما إلى ذلك من الأعمال واستبد بها، ونصب لأمره أبا الفضل ابن السلطان أبي سالم واستوزر له واستكفأ لأمره ، وصارت كأنها دولة مستقلة، فصرف إليه النازعون من بني مرين على الدولة وجوه مفرهم ولجئوا إليه، فأجارهم عن الدولة واجتمع إليه منهم ملأ.
وأشاروا إليه باستقدام عبد المؤمن وأنه أبلغ ترشيحا من أبي الفضل بنسبه وقيامه على أمره وصاغية بني مرين إليه، فاستدعاه وأظهر لعمر أنه يروم بذلك مصلحته والمكر بعبد المؤمن. ونمي ذلك كله إلى عمر فارتاب به ونزع إليه آخرا السبيع بن موسى بن ٧/٤٢٥
إبراهيم الوزير. كان لعبد الحليم فكشف القناع في بطانته وتجهيز العساكر إليه.
واستراب بأهل ولايته، وعثر على كتاب من الوزير مسعود بن ماسي إليه يخالصه ويبذل له النصيحة، فتقبض على حامله وأودعه السجن، فتنكر مسعود وأغراه صحابته الملاشون له من بني مرين بالخروج ومنازعة عمر في الأمر. ووعدوه النصر منه، فاضطرب معسكره بالزيتون من خارج فاس موريا بالنزهة أبان الربيع.
وزخرف الأرض في شهر رجب من سنة خمس وستين وسبعمائة. وبني أصحابه الفساطيط في معسكره حتى إذا استوفى جمعهم واعتزم على الخروج، ارتحل مجاهرا بالخلاف، وعسكر بوادي النجا بمن كان يعده الخروج معه من بني مرين. ثم ارتحل إلى مكناسة، وكتب إلى عبد الرحمن بن علي بن يفلوسن. يستقدمه للبيعة، وكان بجهات تادلا قد خرج بها بعد انصرافهم من سجلماسة، وتخلف عن أخيه عبد المؤمن. وبعث عامر إليهم بعثا فهزموه ثم لحق ببني ونكاسن، فبعث إليه ابن ماسي وأصحابه، فقدم عليهم وبايعوه. وأخرج عمر سلطانه محمد بن أبي عبد الرحمن وعسكر بكدية العرائس. وبث العطاء وأزاح العلل. ثم ارتحل إلى وادي النجا، فبيته مسعود وقومه فثبت هو وعسكره في مراكزهم حتى إنجاب الظلام وفروا أمامهم، فاتبعوا آثارهم وانفض جمعهم وبدا لهم ما لم يحتسبوه من اصفاق الناس على السلطان ووزيره عمر واعتصامهم بطاعته، فانذعروا.
ولحق مسعود بن ماسي بن رحو بتادلا، ولحق الأمير عبد الرحمن ببلاد بني ونكاسن.
ورجع عمر والسلطان إلى مكانهما من الحضرة. واستمال مشيخة بني مرين فرجعوا إليه وعفا لهم عنها واستصلحهم. وتمسك أبو بكر بن حمامة بدعوة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأقامهما في نواحيه، وبايعه عليها موسى بن سيد الناس من بني علي أهل جبل دبدو من بني ونكاسن بما كان صهرا له. وخالفه قومه إلى الوزير عمر وواعدوه بالنهوض إلى أبي بكر بن حمامة، فنهض وغلبه على بلاده. واقتحم حصنه انكاوان وفر هو وصهره موسى وفارقوا سلطانهم عبد الرحمن ونبذوا إليه عهده.
ورجعوا إلى طاعة صاحب فاس، فلحق هو بتلمسان ونزل على السلطان أبي حمو ٧/٤٢٦
فاستبلغ في تكريمه ولحق وزيره مسعود بن ماسي بدبدة ونزل على أميره محمد بن زكراز صاحب ذلك الثغر. وبعث إلى الأمير عبد الرحمن من تلمسان ليطارد به لفرصة ظنها في المغرب ينتهزها. وأبي عليه أبو حمو من ذلك، فركب مطية الفرار ولحق بابن ماسي وأصحابه، فنصبوه للأمر وأجلبوا على تازى. ونهض الوزير إليهم في العساكر واحتل بتازى وتعرضوا للقائه، ففض جموعهم وردهم على أعقابهم إلى جبل دبدو وسعى بينهم ونزمار بن عريف ولي الدولة في قبض عنانهم عن المنازعة والتجافي عن طلب الأمر، وأن يجيزوا إلى الأندلس للجهاد فأجاز عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره ابن ماسي من غساسة فاتح سبع وستين وسبعمائة وخلا الجو من أجلابهم وعنادهم ورجع الوزير إلى فاس واحتشد إلى مراكش كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نهوض الوزير عمر وسلطانه الى مراكش
لما فرغ عمر من شأن مسعود وعبد الرحمن بن أبي يفلوسن صرف نظره إلى ناحية مراكش وانتزى عامر بن محمد بها. وأجمع أمره على الحركة إليه فأفاض العطاء.
ونادى بالسفر إلى حرب عامر وأزاح العلل، وارتحل إليه لرجب من سنة سبع وستين وسبعمائة وصعد عامر وسلطانه أبو الفضل إلى الجبل. فاعتصم به وأطلق عبد المؤمن من معتقله، ونصب له الآلة وأجلسه على سرير حذاء سرير أبي الفضل يوهم أنه قد بايع له، وانه أحكم أمره يجأجئ بذلك لبني مرين لما يعلم من صاغيتهم إليه.
وخشي مغبة ذلك، فألان له القول ولاطفه في الخطاب، وسعى بينهما في الصلح حسون بن علي الصبيحي فعقد له عمر من ذلك ما أرضاه وانقلب إلى فاس.
ورجع عامر عبد المؤمن إلى معتقله وأمر الأحوال على ما كانت من قبل إلى أن بلغهم قتل الوزير لسلطانه، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٢٧
الخبر عن مهلك السلطان محمد بن أبي عبد الرحمن وبيعة عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن
كان شأن هذا الوزير عمر في الاستبداد على سلطانه هذا عجبا حتى بلغ مبلغ الحجر من الصبيان. وكان جعل عليه العيون والرقباء حتى من حرمه وأهل قصره. وكان السلطان كثيرا ما يتنفس الصعداء مع ندمائه ومن يختصه بذلك من حرمه إلى أن حدث نفسه باغتيال الوزير، وأمر بذلك طائفة من العبيد كانوا يختصون به، فنمى القول، وأرسل به إلى الوزير بعض الحرم كانت عينا له عليه، فخشي على نفسه، وكان من الاستبداد والدولة أن الحجاب مرفوع له عن خلوات السلطان وحرمه، ومكاشفة رتبه، فخلص إليه في حشمه وهو معاقر لندمائه، فطردهم عنه وتناوله غطا حتى فاض وألقوه في بئر في روض الغزلان. واستدعى الخاصة فأراهم مكانه وأنه سقط عن دابته وهو ثمل في تلك البئر، وذلك في المحرم فاتح ثمان وستين وسبعمائة لست سنين من خلافته. واستدعى من حينئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن وكان في بعض الدور من القصبة بفاس تحت الرقباء والحراسة من الوزير لما كان السلطان محمد يروم الفتك به غيرة منه على الملك، لمكان ترشيحه، فحضر بالقصر وجلس على سرير الملك. وفتحت الأبواب لبني مرين والخاصة والعامة فازدحموا على تقبيل يده معطين الصفقة بطاعته. وكمل أمره وبادر الوزير من حينه إلى تجهيز العساكر إلى مراكش ونادى بالعطاء وفتح الديوان وكمل الأعراض وارتحل بسلطانه من فاس في شهر شعبان، وأغذ السير إلى مراكش ونازل عامر بن محمد بمعقله من جبل هنتاتة ومعه الأمير أبو الفضل ابن السلطان أبي سالم وعبد المؤمن ابن السلطان أبي علي، أطلقه من الاعتقال أيضا وأجلسه موازي ابن عمه، واتخذ له الآلة يموه به في شأنه الأول، ثم سعى بينه وبين عمر في الصلح، فانعقد بينهما وانكفأ راجعا بسلطانه إلى فاس في شهر شوال، فكان حتفه إثر ذلك، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم. ٧/٤٢٨
الخبر عن مقتل الوزير عمر بن عبد الله واستبداد السلطان عبد العزيز بأمره
كان عمر قد عظم استبداده على السلطان عبد العزيز فحجره ومنعه من التصرف في شيء من أمره. ومنع الناس من النهوض له في شيء من أمورهم. وكانت أمه حذرة عليه إشفاقا وحبا.
وكان عمر لما ملك أمره واستبد عليه، سما إلى الإصهار إليهم في بنت السلطان أبي عنان، واشترط لها زعموا تولية أخيها الأمير ونمي ذلك إلى السلطان، وأن عمر مغتاله لا محالة. وقارن ذلك أن عمر أوعز إلى السلطان بالتحول عن قصره إلى القصبة، فركب أسنة الغدر لاضطراره واعتزم على الفتك به، وأكمن بزوايا داره جماعة من الرجال وأعدهم بالتوثب به. ثم استدعاه إلى بيته للمؤامرة معه على سنته، فدخل معه وأغلق الموالي من الخصيان باب القصر من ورائه. ثم أغلظ له السلطان بالقول وعتبة. ودلف الرجال إليه من زوايا الدار فتناولوه بالسيوف هبرا. وصرخ ببطانته بحيث أسمعهم فحملوا على الباب وكسروا أغلاقه فألفوه مضرجا بدمائه، فولوا الأدبار وانفضوا من القصر وانذعروا وخرج السلطان إلى مجلسه فاقتعد أريكته واستدعى خاصته. وعقد لعمر بن مسعود بن منديل بن حمامة من بني مرين وشعيب بن ميمون بن وردان من الجشم ويحيى بن ميمون بن المصمود من الموالي، وكملت بيعته منتصف ذي القعدة سنة ثمان وستين وسبعمائة وتقبض على علي بن الوزير عمر وأخيه وعمه وحاشيتهم، وسر بهم واعتقلهم حتى أتى القتل عليهم لليال. واستأصل المكان شأفتهم وسكن وأمن ورد النافرين بأمانه وبسط بشره ثم تقبض لأيام على سليمان بن داود ومحمد السبيع، وكانا في مخالصة عمر بمكان فاعتقلهما استرابة بهما ولشيء نمى له عنهما. وأودعهما السجن إلى أن هلكا واعتقل معهما علال بن محمد والشريف أبا القاسم ريبة بصحابتهما. ثم امتن عليهما بشفاعة ابن الخطيب وزير ابن الأحمر وأقصاه. ثم أطلق عنانه في الاستبداد وقبض أيدي الخاصة والبطانة عن التصرف في شيء من سلطانه إلا بإذنه وعن أمره. وهلك لأشهر من استبداد الوزير شعيب بن ميمون. ثم هلك يحيى بن ميمون على ما نذكره إن شاء الله تعالى ٧/٤٢٩
الخبر عن انتزاء أبي الفضل بن المولى أبي سالم ثم نهوض السلطان اليه ومهلكه
لما فتك السلطان عبد العزيز بعمر بن عبد الله المتغلب عليه، سولت لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم نفسه مثلها في عامر بن محمد، لمكان استبداده عليه، وأغراه بذلك البطانة. وتوجس لها عامر فتمارض بداره. واستأذنه في الصعود إلى معتصمه بالجبل ليمرضه هنالك أقاربه وحرمه، وارتحل بجملته. ويئس أبو الفضل من الاستمكان منه وأغراه حشمه بالراحة من عبد المؤمن. ولليال من منصرف عامر ثمل أبو الفضل ذات ليلة، وبعث عن قائد الجند من النصارى، فأمر بقتل عبد المؤمن بمكان معتقله من قصبة مراكش فجاء برأسه إليه. وطار الخبر إلى عامر فارتاع وحمد الله إذ خلص من غائلته. وبعث ببيعته الى السلطان عبد العزيز وأغراه بأبي الفضل ورغبه في ملك مراكش. ووعده بالمظاهرة فأجمع السلطان أمره على النهوض إلى مراكش. ونادى في الناس بالعطاء، وقضى أسباب حركته وارتحل من فاس سنة تسع وستين وسبعمائة واستبد أبو الفضل من بعد مهلك عبد المؤمن واستوزر طلحة النوري وجعل علامته لمحمد بن محمد بن منديل الكناني، وجعل شوراه لمبارك بن إبراهيم بن عطية الخلطي. ثم أشخص طلحة النوري بسعاية الكناني، فقتله واعتمد منازلة عامر بعساكره. ولما فصل لذلك من مراكش جاءه الخبر بحركة السلطان عبد العزيز إليه، فانفض معسكره ولحق بتادلا ليعتصم بها في معقل بني جابر. وعاج السلطان بعساكره عن مراكش إليها، فنازله وأخذ بمخنقه وقاتله، ففل عسكره وداخله بعض بني جابر في الإخلال بمصافه يوم الحرب على مال يعطيه لهم، ففعلوا، وانهزمت عساكر أبي الفضل وجموعه، وتقبض على أشياعه. وسيق مبارك بن إبراهيم الى السلطان فاعتقله إلى أن قتله مع عامر عند مهلكه كما نذكره.
وفر الكناني إلى حيث لم يعلم مسقطه. ثم لحق بعامر بن محمد ولحق أبو الفضل بقبائل صناكة من ورائهم. وداخلهم أشياع السلطان من بني جابر وبذلوا لهم المال الدثر في إسلامه. فأسلموه وبعث السلطان إليهم وزيره يحيى بن ميمون، فجاء به أسيرا ٧/٤٣٠
وأحضره السلطان فوبخه وقرعه واعتقله بفسطاط في جواره، ثم غط من الليل.
وكان مهلكه في رمضان من سنة تسع وستين وسبعمائة سنين من إمارته على مراكش، وبعث السلطان إلى عامر يختبر طاعته بذلك فأبى عليه وجاهر بالخلاف إلى أن كان من شأنهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن نكبة الوزير يحيى بن ميمون بن مصمود ومقتله
كان يحيى بن ميمون هذا من رجالات دولتهم وربى في دولة السلطان أبي الحسن، وكان عمه علال عدوا له بعداوة أبيه. ولما انتزى السلطان أبو عنان على ملك أبيه، استخلص يحيى هذا سائر أيامه، وهلك عمر يوم مهلكه كما ذكرناه. واستعمل يحيى هذا ببجاية، فلم يزل بها إلى أن تقبض عليه الموحدون، لما استخلصوا بجاية من يده. وسار إلى تونس واعتقل بها مدة. ثم صرفوه إلى المغرب أيام عمر، فاختص به. ولما عقد له السلطان عبد العزيز على وزارته وكان قوي الشكيمة شديد الحزم صعب العداوة مرهف الحد، وكان عمه علال بعد أن أطلقه السلطان من الاعتقال نكبه عن إذنه وأقامه متصرفا بين يديه، فألقى إلى السلطان استبداد يحيى عليه وحذره من شأنه، ورفع إليه أنه يروم تحويل الدعوة لبعض القرابة من آل عبد الحق، وأنه داخل في ذلك قواد الجند من النصارى. وأصاب الوزير وجع قعد به عن مجلس السلطان، فاختلف الناس إلى زيارته وعكف ببابه قواد النصارى، فاستريب بأمرهم وتيقن الأمر بعكوفهم، فأرسل السلطان من حشمه من تقبض عليه وأودعه السجن.
ثم جنب إلى مصرعه من الغد وقتل قعصا بالرماح، وقتل المتهمون من القرابة وقواد الجند، واستلحموا جميعا وصاروا مثلا في الآخرين، والأمر لله.
الخبر عن حركة السلطان الى عامر بن محمد ومنازلته بجبله ثم الظفر به
لما فرغ السلطان من شأن أبي الفضل عقد على مراكش لعلي بن محمد بن أجانا من ٧/٤٣١
صنائع دولتهم. وأوعز إليه بالتضييق على عامر والأخذ بمخنقه وإلجائه إلى الطاعة.
وانقلب إلى فاس، واعتزم على الحركة إلى تلمسان. وبينما هو في الاستنفار لذلك إذ جاءه الخبر بأن علي بن أجانا نهض إلى عامر وحاصره أياما. وأن عامرا زحف إليه.
ففض معسكره وتقبض على ابن أجانا والكثير من العسكر، فاعتقلهم، فقام السلطان في ركائبه وقعد، وأجمع أمره على النهوض إليه بكافة بني مرين وأهل المغرب، فبعث في الحشود وبث العطاء، وعسكر بظاهر البلد حتى استوفى الغرض وعقد على وزارته لأبي بكر بن الغازي بن يحيى بن الكاس، لمكان فيه من مخايل الرئاسة والكفاية، وارتفع محله. وارتحل سنة سبعين وسبعمائة فاحتل بمراكش، ثم خرج إلى منازلة الجبل ونازلة ، وكان عامر بن محمد قد نصب بعض الأعياص من آل عبد الحق من ولد أبي ثابت بن يعقوب اسمه تاشفين، ولحق به علي بن عمر ويعلان من شيوخ بني ورتاجن كبير بني مرين، وصاحب الشورى فيهم لعهده، فاشتد أزره به. وتوافي به كثير من الجند النازعين عن السلطان رهبة من بأسه أو سخطة لحاله، أو رغبة فيما عند عامر فرتبهم . وأمسك الله يده عن العطاء، فلم تنس بقطرة. وطال مثوى السلطان بساحته وعلى حصاره. ورتب المقاعد للمقاتلة وغاداه للقتال وراوحه. وتغلب على حصونه شيئا فشيئا إلى أن تعلق بأعلى جبل تامسكروط، وكان لأبي بكر بن غازي غناء مذكور، ويئس أصحاب عامر وأشياعه من عطائه. وفسد ما بينه وبين علي بن عمر هذا، فدس إلى السلطان يطلب الأمان، وتوثق لنفسه ثم نزع إليه. وداخله فارس بن عبد العزيز أخي عامر في القيام بدعوة السلطان والخلاف على عمه، لما كان يوسق به من إرهاف الحد وتفضيل ابنه أبي بكر عليه فبلغ خبره إلى السلطان واقتضى له وثيقة من الأمان والعهد بعث به إليه فثار بعمه. واستدعى القبائل من الجبل فأجابوه واستحث السلطان للزحف إليهم، فزحفت العساكر والجنود واستولت على معتصم الجبل. ولما استيقن عامر أن قد أحيط به أوعز إلى ابنه أن يلحق بالسلطان مموها بالنزوع، فألقى بنفسه إليه وبذل له ٧/٤٣٢
الأمان وألحقه بجملته. وانتبذ عامر عن الناس وذهب لوجهه ليخلص إلى السوس فرده الثلج. وقد كانت السماء أرسلت به منذ أيام بردا وثلجا حتى تراكم بالجبل بعضه على بعض. وسد المسالك فاقتحمه عامر وهلك فيه بعض حرمه ونفق مركوبة.
وعاين الهلكة العاجلة فرجع مخفيا أثره إلى غار أوى إليه مع أدلاء بذل لهم المال يسلكون به ظهر الجبل إلى الصحراء بالسوس. وأقاموا ينتظرون إمساك الثلج. وأقام وأغرى السلطان بالبحث عنه فدلهم عليه بعض البربر عثروا عليه فسيق إلى السلطان وأحضره بين يديه ووبخه فاعتذر ونجع بالطاعة. ورغب في الإقالة واعترف بالذنب، فحمل إلى مضرب بني له بإزاء فسطاط السلطان، واعتقل هنالك. وتقبض يومئذ على محمد الكناني فاعتقل وانطلقت الأيدي على معاقل عامر ودياره، فانتهب من الأموال والسلاح والذخيرة والزرع والأقوات والخرق ما لا عين رأت ولا خطر على قلب أحد منهم. واستولى السلطان على الجبل ومعاقلة في رمضان من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة لحول من يوم حصاره. وعقد على هنتاتة لفارس بن عبد العزيز بن محمد ابن علي وارتحل إلى فاس واحتل بها آخر رمضان ودخلها في يوم مشهود برز فيه الناس. وحمل عامر وسلطانه تاشفين على جملين وقد أفرغ عليهما الرث وعبثت بهما أيدي الإهانة فكان ذلك عبرة لمن رآه ولما قضى منسك الفطر أحضر عامر فقرعه بذنوبه وأوتي بكتابه بخطه يخاطب فيه أبا حمو ويستنجده على السلطان فشهد عليه وأمر به السلطان فامتحن ولم يزل يجلد حتى انتن لحمه، وضرب بالعصي حتى ورمت أعضاؤه، وهلك بين يدي الوزعة، وأحضر الكناني ففعل به مثله. وجنب تاشفين سلطانه إلى مصرعه فقتل قعصا بالرماح وجنب مبارك بن إبراهيم من محبسه بعد الاعتقال، فألحق بهم ولكل أجل كتاب وصفا الجو للسلطان من المنازعين.
وفرغ لغزو تلمسان كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن ارتجاع الجزيرة الخضراء
قد تقدم لنا ذكر تغلب الطاغية ابن الهنشة على الجزيرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وأنه نازل بعدها جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وهلك بالطاعون وهو محاصر له عند ما استفحل أمره واشتدت شوكته. وكفى الله شأنه وولى أمر الجلالقة بعده ابنه ابن خلدون م 28 ج 7 ٧/٤٣٣
بطرة، وعدا على سائر إخوته. وفر أخوه القمط ابن حظية أبيه المسماة بلغتهم ألريق (بهمزة) إلى قمط برشلونة فأجاره وأنزله خير نزل. ولحق به من الزعماء المريكس ابن خالته وغيره من اقماطهم وبعث إليه بطرة ملك قشتالة في إسلام أخيه فأبي من إخفار جواره. وحدثت بينهما بذلك الفتنة الطويلة افتتح بطرة فيها كثيرا من معاقل صاحب برشلونة وأوطأ عساكره نواحي أرضه، وحاصر بلنسية قاعدة شرق الأندلس مرارا أرجف عليها بعساكره، وملأ البحر إليها بأساطيله إلى أن ثقلت على النصرانية وطأته وساءت فيها ملكته، فانتقضوا عليه ودعوا القمط أخاه فزحف إلى قرطبة. وثار على بطرة أهل إشبيلية وتيقن صاغية النصارى إليه، ففر عن ممالكه ولحق بملك الافرنج وراء جليقية وفي الجوف عنها وهو صاحب انكلطرة، واسمه ألفنس غالس.
ووفد عليه صريخا سنة سبع وستين وسبعمائة فجمع قومه وخرج في صريخه إلى أن استولى على ممالكه. ورجع ملك الأفرنج فعاد النصارى إلى شأنهم مع بطرة. وغلب القمط على سائر الممالك فتحيز بطرة إلى ثغوره مما يلي بلاد المسلمين. ونادى صريخا بابن الأحمر فانتهز فيها الفرصة. ودخل بعساكر المسلمين فأثخن في أرض النصرانية، وخرب معاقلهم ومدنهم مثل أبدة وجيان وغيرهما من أمهات أمصارهم. ثم رجع إلى غرناطة، ولم تزل الفتنة قائمة بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلب عليه القمط وقتله.
وفي خلال هذه الفتن بقيت ثغورهم مما يلي أرض المسلمين عورة. وتشوف المسلمون إلى ارتجاع الجزيرة التي قرب عهدهم بانتظامها في ملكة المسلمين. وكان صاحب المغرب في شغل عن ذلك بما كان فيه من انتقاض أبي الفضل ابن أخيه وعامر بن محمد، فراسل صاحب الأندلس أن يزحف إليه بعساكره على أن عليه عطاءهم وإمداده بالمال والأساطيل على أن يكون مثوبة جهاده خالصة له، فأجاب إلى ذلك وبعث إليه أحمال المال. وأوعز إلى أساطيله بسبتة فعمرت وأقلعت من مرسى الجزيرة لحصارها وزحف ابن الأحمر بعساكر المسلمين على أثرها بعد أن قسم فيهم العطاء وأزاح العلل، واستعد الآلات للحصار، فنازلها أياما قلائل. ثم أيقن النصارى بالهلك لبعدهم عن الصريخ ويأسهم عن مدد ملوكهم، وألقوا باليد وسألوا النزول على حكم السلم فأجابهم السلطان إليه، ونزلوا عن البلد وأقيمت فيها شعائر الإسلام ٧/٤٣٤
ومراسمه، ومحيت منها كلمة الكفر وطواغيته. وكتب الله أجرها لمن أخلص في معاملته وكان ذلك سنة سبعين وسبعمائة وولى ابن الأحمر عليها من قبله. ولم تزل لنظره إلى أن تمحض النظر عن هدمها خشية استيلاء النصرانية عليها، فهدمت أعوام ثمانين وسبعمائة وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس. والبقاء لله وحده.
الخبر عن حركة السلطان الى تلمسان واستيلائه عليها وعلى سائر بلادها وفرار أبي حمو عنها
كان عرب المعقل موطنين بصحراء المغرب من لدن السوس ودرعة وتافيلالت وملوية وصا . وكان بنو منصور منهم أولاد حسين والأحلاف مختصين بطاعة بني مرين وفي وطنهم. وكانوا مغلوبين للدولة تحت قهر من سلطانها. ولما ارتجع بنو عبد الواد ملكهم بتلمسان على يد أبي حمو، وكان الاحلاف بالمغرب، عاث هؤلاء المعقل وأكثروا في الوطن الفساد. ولما استقالت الدولة من عثارها تحيزوا إلى بني عبد الواد وأقطعوهم في أوطانهم. واستقروا هنالك من لدن نزوع عبد الله بن مسلم العامل بدرعة إلى أبي حمو ووزارته له. وفسد ما بين سلطان المغرب وأبي حمو من جراء ذلك. ونهض أبو حمو سنة ست وستين وسبعمائة إلى المغرب، وعاث في نواحي دبدو ثغر المغرب فنشأت لذلك نار العداوة بينه وبين صاحب الثغر محمد بن زكراز فكان داعية لعداء صاحب المغرب على الأيام. ولما استبد السلطان عبد العزيز وهلك صاحبهم عبد الله بن مسلم، وترددت الرسل بين أبي حمو وبين السلطان عبد العزيز، كان فيما اشترط عليه التجافي عن قبول عرب المعقل عرب وطنه، لما فيه من الاستكثار بهم عليه.
وأبي عليهم أبو حمو منها لاستظهاره بهم على زغبة من أهل وطنه وغيرهم. وكثر التلاحي في ذلك وأحفظ السلطان وهم بالنهوض إليه سنة سبعين وسبعمائة وأقصر لما أخذ بحجزته من خلاف عامر. وصاحب الثغر محمد بن زكراز أثناء ذلك يحرضه على الحركة إلى أبي حمو ويرغبه في ملك تلمسان. ولما قضى السلطان حركة مراكش ٧/٤٣٥
وفرغ من شأن عامر ورجع إلى فاس، ولقي بها أبو بكر بن عريف أمير سويد في قومه من بني مالك بحللهم وناجعتهم، صريخا على أبي حمو لما نال منهم. وتقبض على أخيهم محمد ورؤساء بني مالك جزاء بما يعرف لهم ولسلفهم من ولاية صاحب المغرب. ووفد عليه رسل أهل الجزائر ببيعتهم يستحثون السلطان لاستنقاذهم من لهواته. وأمر السلطان بذلك وليه ونزمار ومحمد بن زكراز صاحب دبدو فزعموا له بالغناء في ذلك واعتزم على النهوض إلى تلمسان وبعث الحاشدين إلى مراكش للاحتشاد، وتوافي الناس ببابه على طبقاتهم أيام منى من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وأفاض العطاء وأزاح العلل، ولما قضى منسك الأضحى اعترض العساكر ورحل إلى تلمسان، واحتل بتازى. وبلغ خبر نهوضه إلى أبي حمو، فجمع من إليه من زناتة الشرق وبني عامر من عرب المعقل وزغبة. وتوافت جموعه بساحة تلمسان واضطرب هنالك معسكره واعترض جنوده واعتزم على الزحف للقاء بني مرين ثقة بمكان المعقل. وتحيز من كان معه من عرب المعقل الأحلاف وعبيد الله إلى السلطان عبد العزيز بمداخلة وليهم ونزمار. واجتمعوا إليه وسرح معهم صنائعه فارتحلوا بين يديه وسلكوا طريق الصحراء. وبلغ خبر تحيزهم وإقبالهم إلى أبي حمو فأجفل هو وجنوده وأشياعه من بني عامر وسلكوا على البطحاء. ثم ارتحلوا عنها وعاجوا على منداس، وخرجوا إلى بلاد الديالم. ثم لحقوا بوطن رياح فنزلوا على أولاد سباع بن علي بن يحيى.
وارتحل السلطان عبد العزيز من تازي وقدم بين يديه وزيره أبا بكر بن غازي، فدخل تلمسان وملكها. ورحل السلطان على أثره واحتل بتلمسان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، فدخلها في يوم مشهود واستولى عليها وعقد لوزيره أبي بكر ابن غازي على العساكر من بني مرين والجنود والعرب من المعقل وسويد، وسرحه في اتباعه وجعل شوراه إلى وليه ونزمار وفوض إليه في ذلك. فارتحلوا من تلمسان آخر المحرم وكنت وافدا على أبي حمو، فلما أجفل عن تلمسان ودعته وانصرفت إلى هنين للإجازة إلى الأندلس. ووشى بعض المفسدين إلى السلطان بأني احتملت مالا للأندلس، فبعث جريدة من معسكره للقبض علي، ووافوني بوادي الزيتون قبل ٧/٤٣٦
مدخلي إلى تلمسان فأحضرني وسألني، وتبين كذب الواشي فأطلقني وخلع علي وحملني. ولما ارتحل الوزير في اتباع أبي حمو استدعاني وأمرني بالنهوض إلى رياح والقيام فيهم بدعوته وطاعته، وصرفهم عن طاعة أبي حمو وصريخه، فنهضت لذلك، ولحقت بالوزير بالبطحاء، وارتحلت معه إلى وادي ورك من بلاد العطاف، فودعته وذهبت لوجهي وجمعت رياح على طاعة السلطان ونكبت بهم عن طاعة أبي حمو فنكبوا عنها. وخرج أبو زيان من محل نزوله بحصين، فلحق بأولاد محمد ابن علي بن سباع من الزواودة. وارتحل أبو حمو من المسيلة فنزل بالدوسن وتلوم بها.
وأوفدت من الزواودة على الوزير ونزمار فكانوا أدلاءهم في النهوض إليه. ووافوه بمكانه من الدوسن في معسكره من زناتة وحلل بني عامر، والوزير في التعبية، وأمم زناتة والعرب من المعقل وزغبة ورياح مخيفة به. فأجهضوه عن ماله ومعسكره، فانتهب بأسره. واكتسحت أموال العرب الذين معه، ونجا بدمائه إلى مصاب.
وتلاحق به ولده وقومه متفرقين على كل مفازة، وتلوم الوزير بالدوسن أياما. ووافاه بذلك لحاق بني مرين وانقلب إلى المغرب. ومر على قصور بني عامر بالصحراء فاستباحها، وشردهم عنها إلى قاصية القفر ومفازة العطش. ولحق بتلمسان في ربيع الثاني.
ووفدت أنا بالزواودة على السلطان ورئيسهم أبو دينار بن علي بن أحمد، فبر السلطان مقدمه ورعى له سوابقه عند أخيه ، وخلع عليه وحمله وخلع على الوفد كافة وانصرفوا إلى مواطنهم. وبعث السلطان عماله على الأمصار، وعقد لصنائعه على النواحي، وجهز الكتائب مع وزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، لحصار حمزة بن علي بن راشد من آل ثابت بن منديل، كان ربي في حجر الدولة ونشأ في جو نعمتها وسخط حاله لديهم. فنزع إلى وطن سلفه من مغراوة. ونزل بجبل بني بو سعيد فأجاروه وبايعوه على الموت دونه. وسرح السلطان وزيره إلى الأخذ بمخنقهم، فنزل عليهم وقاتلهم وامتنعوا في رأس شاهقهم، فأوطن الوزير بالخميس من وادي شلف وأحجرهم بمعتصمهم. وتوافت لديه الأمداد من تلمسان، فجهزها ٧/٤٣٧
كتائب وبوأهم المقاعد للحصار، وأقام هنالك واستولى السلطان على سائر الوطن من الأمصار والأعمال، وعقد عليها واستوسق له ملك المغرب الأوسط كما كان لسلفه.
والله تعالى أعلم.
الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان الى تيطرا واجلاب العرب بأبي حمو على تلمسان الى أن غلبهم السلطان جميعا على الأمر واستوسق له الملك
لما خلص أبو حمو من وقعة الدوسن هو وأحياء بني عامر أشياعه، لحقوا بالصحراء وأبعدوا فيها عن قصورهم قبلة جبل راشد. وجمع الوزير ونزمار بن عريف بأحياء العرب كافة من زغبة والمعقل. وكان السلطان لما احتل بتلمسان طلب العرب منه إطلاق أيديهم على ما أقطعهم أبو حمو إياه من الوطن على الزبون والاعتزاز عليه، فاستنكف من ذلك لعظم سلطانه واستبداد ملكه، فسخطوا أحوالهم ورجوا أن يكون لأبي حمو ظهور ينالون به من ذلك ما أملوه. فلما انهزم وقلت عساكره، وظهر السلطان ظهورا لا كفاء له فيئسوا، أجمع رحو بن منصور أمير الخراج من عبيد الله إحدى بطون المعقل الخروج على السلطان، ولما خرج العرب إلى مشاتيهم لحق بأبي حمو وأحياء بني عامر وكاثروهم وقادوهم إلى العيث في الأوطان. فأجلبوا على ممالك السلطان ونازلوا وجدة في رجب من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وصمدت نحوهم العساكر من تلمسان، فأجفلوا وعاجوا إلى البطحاء فاكتسحوا أوطانها.
ونهض إليهم الوزير في العساكر ففروا أمامه، واتبع آثارهم إلى أن أصحروا. واستنسر خلال ذلك حمزة بن علي بن راشد، فبيت معسكر الوزير بمكانه من حصار شلف، ففض جموعه ولحق مفلولا بالبطحاء وبلغ الخبر إلى حصين وكانوا راهبين من السلطان، لما اشتهر عنهم من الأجلاب على الدول والقيام بأمر الخوارج، فجأجئوا بأبي زيان الثائر كان عندهم من مكانه بأحياء أولاد يحيى بن علي بن سباع من الزواودة، فلحق بهم وأجلبوا على ضواحي المدية ونازلوا عسكر السلطان بها.
واضطرم المغرب الأوسط نازلا، واتصل ذلك به مدة. ولما كان سنة ثلاث وسبعين ٧/٤٣٨
وسبعمائة استمال السلطان رحو بن منصور عن أبي حمو وبذل له مالا وأقطعه ما أحب من الضواحي، وفعل ذلك بسائرهم وملأ صدورهم ترغيبا. واعتزم على تجهيز العساكر معهم لحسم أدواء الفساد وإخراج الثوار من النواحي. واتهم وزيره عمر بن مسعود بالمداهنة في أمر المغراوي، فسرح من دولته من تقبض عليه وأشخصه إلى حضرته مقيدا. واعتقله بفاس وجهز عساكره واعترض جنوده، وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على حرب الثوار والخوارج، فنهض من تلمسان في رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة واعتمد حمزة على ابن راشد في معتصمه بجبل بني بو سعيد، وألح عليه بالقتال فعضتهم الحرب بنابها، وداخلهم الرعب، وأوفدوا مشيختهم على الوزير بالطاعة. ونبذ العهد إلى حمزة فعقد لهم ما ابتغوه. ولحق حمزة بأبي زيان بمكانه من حصين. ثم أثنى عزمه عن ذلك ورجع إلى ضواحي شلف. وبيته بعض الحامية فثبتوا في مراكزهم وانفض جمعه، وتقبض عليه وسيق إلى الوزير فاعتقله وبعث إلى السلطان في شأنه، فأمر بقتله، فاحتز رأسه ورءوس أشياعه وبعث بهم الى السلطان وعلق أشلاءهم بسور مليانة. ثم زحف إلى حصين فأحجرهم بمعقلهم بتيطرا، واجتمعت إليه أحياء زغبة كافة. فأحاط بهم من كل جانب وطاولهم الحصار وعاودوهم الحرب، وخاطبني السلطان بمكاني من الزاب، وأوعز إلي بنفير رياح كافة إلى معسكر الوزير فاستنزلهم بأحيائهم وناجعتهم، ونازلنا الجبل من ناحية الصحراء مما يلي ضواحي رياح، فأصابهم الجهد وداخلهم الرعب، وانفضوا من المعقل وانذعروا في الجهات في المحرم فاتح أربع وسبعين وسبعمائة ولحق أبو زيان بواركلي، واستولى الوزير على المعقل وانتهب ما فيه، واقتضى رهن حصين على الطاعة وقرر عليهم الوضائع والمغارم، فأعطوها عن يد. وكان أبو حمو في خلال ذلك قد أجلب على تلمسان ينتهز الفرصة في انتباذ العسكر عن السلطان. وكان وليه خالد بن عامر أمير بني عامر من زغبة مريد الطاعة، لما اتهم أبو حمو به من ولاية رديفه عبد الله بن عسكر بن معروف دونه، فأسخطه ذلك، وداخل السلطان عبد العزيز في الانحراف إليه عن أبي حمو على مال حمله إليه، فنزع عنه. وجهز له السلطان عسكر الحرب أبي حمو في ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من ٧/٤٣٩
بني عامر وأولاد يغمور من المعقل، وعقد عليهم لمحمد بن عثمان من قرابة أبي بكر بن غازي وتعرضوا للقائهم، ففض جمعهم ومنحوا أكتافهم وأحيط بمعسكر أبي حمو وحلل العرب فاكتسح ما فيها واستولى بنو مرين على أمواله وحرمه وولده، فاستاقوهم إلى السلطان وأشخصهم إلى فاس فأنزلهم بقصوره. وتقبض على مولاه عطية بن موسى صاحب شلف، فامتن عليه وألحقه بجملته. ونجا ابو حمو وألقى بنفسه إلى عبد الله بن صغير مستميتا، فامتن عليه وبعث معه الأدلاء إلى تيكورارين من بلاد القبلة، فنزلها وكان ذلك بين يدي فتح تيطرا بليال. واستوت قدم السلطان في ملكه واستولى على المغرب الأوسط، ودفع الثوار والخوارج عنه. واستمال كافة العرب إلى طاعته فأتوها راغبين راهبين. ووفد عليه للوزير أبو بكر بن غازي من قاصية الشرق ومعه مشيخة العرب من كل حي من أحيائهم فوصلهم واحتفى بقدومهم، وركب للقاء الوزير وطلب المشيخة في الرهن على الطاعة والاستحثاث لتشريد أبي حمو من تيكورارين، وأوسع حفايتهم وبرهم وانصرفوا إلى مشاتيهم معتملين في أسباب الحركة إلى تيكورارين إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن قدوم ابن الخطيب على السلطان بتلمسان نازعا اليه عن سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس
أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي فيه ساحتها المسمى بالمرج على وادي سنجيل، ويقال شنبيل المنحرف في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال، كان له بها سلف معروفون في وزارتها. وانتقل أبو عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام، ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب. وأخذ عن أشياخه وامتلأ حوض السلطان من نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه. وبلغ في الشعر والترسيل حيث لا يجاري فيهما. وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر وملأ الدولة بمدايحه وانتشرت في الآفاق قدماه، فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في ٧/٤٤٠
ديوان الكتاب ببابه مرءوسا بأبي الحسن بن الحباب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية. وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه، عند ما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم. فاستبد ابن الحباب برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فولى السلطان أبو الحجاج يومئذ محمد بن الخطيب هذا رياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة. ولقبه بها فاستقل بذلك. وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة. ثم داخله السلطان في تولية العمال على يديه بالمشارطات، فجمع له بها أموالا. وبلغ به المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد من قبله. وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة مغريا بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته.
ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة، وطعنه فأشواه وفاض لوقته، وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء. وبويع ابنه محمد بالأمر لوقته، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم. واستبد بالدولة، وأفراد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه، واتخذ لكتابته غيره، وجعل ابن الخطيب رديفا له في أمره وتشاركا في الاستبداد معا، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة. ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدين له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه. فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه، تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها استأذنه في إنشاد شيء من الشعر يقدمه بين يدي نجواه، فأذن له، وأنشد وهو قائم:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... ما ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك في النائبات بدر دجى ... لنا وفي المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا ٧/٤٤١
وجملة الأمر أنه وطن ... في غير علياك ما له وطر
ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا
وقد أهمتهم نفوسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا.
فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس. وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلا بجميع عطائهم . ثم أثقل كاهلهم بالإحسان، وردهم بجميع ما طلبوه.
وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد: لم يسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا. ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين. ثم نازلهم محمد الرئيس ابن عم السلطان يشاركه في جده الرئيس أبي سعيد. وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء. وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضوانا في بيته، فقتله. وذهب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج، لما كان صهره على شقيقته. وكان معتقلا بالحمراء، فأخرجه وبايع له وقام بأمره مستبدا عليه. وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان، فركب باديا إلى وادي آش وضبطها. وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب. وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس. واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه. وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس كما مر. وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم، فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس، ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب، فقبل ذلك منه. وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه. وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب. وحل معتقله. فأطلق، وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش، وسار في ركاب السلطان. وقدموا على السلطان أبي سالم فاهتز لقدوم ابن الأحمر، وركب في المواكب لتلقيه، وأجلسه إزاء كرسيه، وأنشد ابن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره، فوعده وقد ٧/٤٤٢
كان يوما مشهودا وقد مر ذكره. ثم أكرم مثواه وأرغد نزله، ووفر أرزاق القادمين في ركابه وانتصر به. وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والأقطاع. ثم استأنس واستأذن السلطان في التحول إلى جهات مراكش والوقوف على آثار الملك بها، فأذن له وكتب إلى العمال باتحافه، فتبادروا في ذلك وحصل منه على حظ وعند ما مر بسلا في قفوله من سفره، دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدته على روي الراء الموصولة يريثه ويستثير به استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها:
إن بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو غيرة ... هذا ثراه وهذه آثاره
فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة، فشفعوه. واستقر هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة. ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة كما مر في أخباره. وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد والقائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره. فسر السلطان بمقدمه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله.
وكان عثمان بن يحيى عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية في ركاب أبيه عند ما أحس بالشر من الرئيس صاحب غرناطة. وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة وأقام عثمان بدار الحرب، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك، وتغلب في مذاهب خدمته. وانحرفوا عن الطاغية بعد ما يئسوا من الفتح على يديه، فتحولوا عنه إلى ثغور بلاده. وخاطبوا عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي أطاعتهم بالأندلس، يرتقبون منها الفتح. وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك، وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية ومخالصة متأكدة، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله. وحملته على أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه، فقبل إشارتي في ذلك. وتسورها السلطان المخلوع، ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته. وهو مقدم في بطانته.
ثم غزوا منها مالقة، فكانت ركابا للفتح. وملكها السلطان واستولى بعدها على دار ٧/٤٤٣
ملكها بغرناطة، وعثمان بن يحيى مقدم القوم في الدولة عريق في المخالصة، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه. فلما فصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده، وأعاده السلطان إلى مكانه من الدولة من علو يده وقبول إشارته، فأدركته الغيرة من عثمان، ونكر على السلطان الاستكفاء به، والتخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه، فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق. ثم غربهم بعد ذلك، وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير المملكة، وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت عليه الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة. وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتوافقوا على السعاية فيه وقد صم السلطان عن قبولها. ونمي الخبر بذلك الى ابن الخطيب، فشمر عن ساعده في التقويض عنهم. واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ في التقبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي. كانوا قد نصبوه شيخا على الغزاة في الأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك، وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مرين، فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس، فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماسي ونزلوا على السلطان على المخلوع أعوام سبع وستين وسبعمائة فأكرم نزلهم، وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة، فقدم عبد الرحمن مكانه. وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد قتله الوزير عمر بن عبد الله، فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك. وتوقع انتقاض أمره منهم. ووقف على مخاطبات ابن عبد الرحمن يسر بها في بني مرين، فجزع لذلك. وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي واراحة نفسه من شغبهم، على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه، فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه، على يد سفيره إلى الأندلس، وكاتبه أبي يحيى بن أبي مدين. بني مرين وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماسي فتقبض عليهما. واعتقلهما وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية. وربما خيل أن السلطان مال إلى قبولها وأنهم قد ٧/٤٤٤
أحفظوه عليه، فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب. واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية. وسار إليها في لمة من فرسانه، ومعه ابنه علي الذي كان خالصة السلطان وذهب لطبنه. فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة، مال إليه وسرح إذنه بين يديه، فخرج قائد الخيل لتلقيه. وقد كان السلطان عبد العزيز قد أوعز إليه بذلك، وجهز إليه الأسطول من حينه، فأجاز إلى سبتة وتلقاه بها بأنواع التكرمة وامتثال الأوامر . ثم سار لقصد السلطان، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامته من تلمسان، فاهتزت له الدولة. وأركب السلطان خاصته لتلقيه، وأحله بمجلسه بمحل الأمن والغبطة، ومن دولته بمكان الشرف والعزة. وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى الأندلس في طلب أهله وولده، فجاء بهم على أكمل الحالات من الأمن والتكرمة. ثم لغط المنافسون له في شأنه وأغروا سلطانه بتتبع عثراته، وأبدى ما كان كامنا في نفسه من سقطات دالته وإحصاء عصابته . وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه. ورفعت إلى قاضي الحضرة الحسن بن الحسن، فاسترعاها وسجل عليه بالزندقة. وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه. وبعث القاضي أبو الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات، وإمضاء حكم الله فيه، فصم لذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يردى وقال لهم: هلا انتقمتم وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه؟ وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري. ثم وفر الجراية والاقطاع له ولبنيه ولمن جاء من فرسان الأندلس في جملته. فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي القائم بالدولة، فنزل بفاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنات، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى. واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٤٥
الخبر عن مهلك السلطان عبد العزيز وبيعة ابنه السعيد واستبداد أبي بكر بن غازي عليه ورجوع بني مرين إلى المغرب
كان السلطان منذ أول نشأته قد أزمنت به الحمى بما أصابه من مرض النحول، ولأجل ذلك تجافى السلطان أبو سالم على احتماله مع الأبناء إلى رندة. ولما شب أفاق من مرضه وصلح بدنه. ثم عاوده وجعه في مثواه بتلمسان وتزايد نحوله. ولما كمل الفتح واستفحل سلطانه واشتد به الوجع وصابر المرض وكتمه عن الناس خشية الإرجاف، واضطرب معسكره خارج تلمسان للحاق بالمغرب، ولما كان ليلة الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة قضى متودعا بين أهله وولده ودس الخدم بالخبر إلى الوزير، فخرج على الناس وقد احتمل محمد السعيد ابن السلطان على كنفه فعزى الناس عن خليفتهم لسبع سنين من خلافته، وألقى ابنه بين أيديهم فازدحموا عليه باكين متفجعين، يعطونه الصفقة ويقبلون يديه للبيعة، وأخرجوه للمعسكر. ثم أخرج الوزير شلو السلطان على أعواده وأنزله بفساطيطه، وأيقظ بالليل بحراسة المعسكر. وأذن للناس بالرحيل، فخرجوا أفواجا إلى المحلة.
ثم ارتحلوا لثلاث، وأغذوا السير إلى المغرب واحتلوا بتازى ثم أغذوا السير إلى فاس، واحتل ابن السلطان بدار ملكه وجلس للبيعة العامة بقصره. وتوافت وفود الأمصار ببيعتهم على العادة. واستبد عليه الوزير أبو بكر بن غازي، وحجبه بقصره وحجره عن التصرف في شيء من سلطانه، ولم يكن في سن التصرف، واستعمل على الجهات وجلس بمجلس الفضل، واشتغل بأمر المغرب إبراما ونقضا إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى
الخبر عن استيلاء أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط
لما فصل بنو مرين من تلمسان إثر مهلك السلطان عبد العزيز واحتلوا بتازي اجتمع المشيخة وعقدوا على تلمسان لإبراهيم ابن السلطان أبي تاشفين كان ربي في كفالة ٧/٤٤٦
دولتهم منذ مهلك أبيه، فآثروه بذلك لخلوصته. وبعثوه مع رحو بن منصور أمير عبيد الله من المعقل، وسرحوا معهما من كان بالمغرب من مغراوة إلى وطن ملكهم بشلف. وعقدوا عليهم لعلي بن هارون بن منديل بن عبد الرحمن وأخيه رحمون وانصرفوا إلى بلادهم. وكان عطية بن موسى مولى أبي حمو قد صار إلى السلطان عبد العزيز وألحقه بجملته وبطانته، فلما هلك السلطان خرج من القصر واختفى بالبلد حتى إذا فصل بنو مرين من معسكرهم ظاهر البلد، خرج من مكان اختفائه، وقام بدعوة مولاه أبي حمو، واجتمع إليه شيعة من أهل البلد مع من تأشب إليه من الغوغاء، وحملوا الخاصة على البيعة لأبي حمو، ووصلهم إبراهيم بن أبي تاشفين مع رحو بن منصور وقومه من عبيد الله، فنبذوه وامتنعوا عليه، فرجع عنهم إلى المغرب، وطير أولاد يعمور أولياء أبي حمو من عبيد الله بالخبر إليه وهو بمثواه من تيكورارين. واتصل بابنه أبي تاشفين وهو عند يحيى بن عامر فدخل إلى تلمسان ومن معه من بني عبد الواد، وتساقط إليه فلهم من كل جانب، ووصل السلطان على أثرهم بعد اليأس منه، فدخلها في جمادى من سنة أربع وسبعين وسبعمائة واستقل بملكه، وتقبض على بطانته الذين آسفوه في اغترابه، ونمي له عنهم السعي عليه، فقتلهم، ورجع ملك بني عبد الواد وسلطانهم، ونهض إلى مغراوة أولياء بني مرين بمكانهم من شلف، فغلبهم عليه بعد مطاولة وحروب سجال هلك فيها رحمون بن هارون، ومحا دعوة بني مرين من ضواحي المغرب الأوسط وأمصاره، واستقل بالأمر حسبما ذكرناه في أخباره. واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فهم بالنهوض إليه. ثم ثنى عزمه ما كان من خروج الأمير عبد الرحمن بناحية بطوية فشغله شأنه عن ذلك.
الخبر عن إجازة الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن الى المغرب واجتماع بطوية إليه وقيامهم بشأنه
كان محمد المخلوع ابن الأحمر قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة ٧/٤٤٧
ثلاث وستين وسبعمائة وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع، واستوى على كرسيه واستقل بملكه، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب واستخلصه وعقد له على وزارته، وفوض إليه في القيام بملكه فاستولى عليه وملك هواه. وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إلى أن نزلت به آفة في رياسته، فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه، وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة على ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونهم على أمرهم. ولما لحق الأمير عبد الرحمن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب واستخلصه لنجواه، ورفع في الدولة رتبته وأعلى منزلته، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة والمجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص، فكانت له آثار في الاضطلاع بها، ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه، وكان ابن الخطيب ساعيا في مرضاته عند سلطانه، فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره المطارد به مسعود بن ماسي، وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق فقدمه السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب. وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده، فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان. ثم تأكدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر فرغب السلطان في ملك الأندلس وحمله عليه وتواعدوا لذلك عند مرجعه من تلمسان إلى المغرب. ونمي ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان بهدية لم يسمع بمثلها، انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان من ذلك ونكره، ولما هلك واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه، ابن الخطيب وداخله وخاطبه ابن الأحمر فيه بمثل ما خاطب السلطان، فلم يؤب واستنكف ذلك وأقبح الرد، وانصرف رسله إليه، وقد رهب سطوته، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماسي ونهض إلى جبل الفتح فنازله بعساكره ٧/٤٤٨
ونزل عبد الرحمن ببطوية في ذي القعدة من سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ومعه وزيره مسعود بن ماسي، فاجتمع قبائل بطوية إليه وبايعوه على القيام بدعوته والموت دونه، واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فعقد لابن عمه محمد بن عثمان على سبتة وبعثه لسد ثغورها لما خشي عليها من ابن الأحمر، ونهض من فاس بالآلة والعساكر ونازل عبد الرحمن ببطوية، فقاتله أياما ثم رجع إلى تازى ثم إلى فاس، ودخل الأمير عبد الرحمن تازي واستولى عليها، ودخل الوزير إلى فاس وقعد بمجلس الفصل، وهو مجمع العودة إلى تازي لتشريد عدوه إلى أن جاء الخبر ببيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن بيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم واستقلاله بالملك وما كان خلال ذلك من الأحداث
لما نزل محمد بن عثمان بالثغر من سبتة لسد فروجها، ومدافعة ما يخشى من عادية ابن الأحمر عليها، وكان قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقه، وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان بالعتاب، فاستعتب له وقبح ما جاء به ابن عمه من الاستغلاظ له، فوجد ابن الأحمر بذلك السبيل إلى غرضه، وداخله في البيعة للسلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الرقبة والحوطة، وأن يقيمه للمسلمين سلطانا يحوط سياجهم ويدافع عنهم ولا يتركهم فوضى وهملا.
ويجب بيعة الصبي الذي لم تنعقد بيعته شرعا، واختص هذا بالسلطان من بين أولئك الأبناء وفاء بحقوق أبيه، ووعده بالمظاهرة على ذلك، واشترط عليه أن ينزلوا له عن الجبل إذا انعقد أمرهم، ويشخصوا إليه بيعة الأبناء والقرابة من طنجة ليكونوا في إيالته وتحت حوطته، وأن يبعثوا إليه ابن الخطيب متى قدروا عليه، ويبعثوا إليه بقية الأبناء والقرابة فقبل محمد بن عثمان شرطه كان سفيره في ذلك أحمد المرغني من طبقات كتاب الأشغال بسبتة، كان السلطان أبو الحسن تزوج أمه ٧/٤٤٩
ليلة إجازته من واقعة طريف وافتقاد حظاياه، حتى لحق به الحرم من فاس، فردها إلى أهلها ونشأ المرغني في توهم هذه الكفالة، فانتفخ نحره لذلك ويحسبها وصلة إلى أبناء السلطان أبي الحسن، وكان سفيرا بين محمد بن عثمان وابن الأحمر، فأمل الرئاسة في هذه الدولة، وركب محمد بن عثمان من سبتة إلى طنجة، وقصد مكان اعتقالهم. واستدعى أبا العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم من مكانه مع الأبناء فبايع له، وحمل الناس على طاعته، واستقدم أهل سبتة بكتاب للبيعة، فقدموا وخاطب أهل الجبل فبايعوا، وأفرج ابن الأحمر عنهم. وبعث إليه محمد بن عثمان بالنزول عن جبل الفتح، وخاطبوا أهله بالرجوع إلى طاعته، فارتحل من مالقة إليه ودخله واستولى عليه، ومحا دعوة بني مرين مما وراء البحر، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس وحمل إليه مالا للإعانة على أمره.
وكان محمد بن عثمان عند فصوله من فاس، وودعه الوزير ابن عمه فاوضه في شأن السلطان، وأن يقدم للناس إماما يرجعون إليه ويترك له أمرهم، وآمره في ذلك، ولم يفترقا على مبرم من أمرهم. فلما ارتكب هذا المرتكب وجاء بهذا الأمر، خاطب الوزير يموه عليه بأنه فعل بمقتضى المؤامرة، وأنه عن إذنه والله أعلم بما دار بينهما، ولج الوزير في تكذيبه والبراءة للناس مما رمى به ولاطفه في نقض ذلك الأمر، ورد أبا العباس إلى مكانه مع الأبناء تحت الحوطة، وأبى محمد بن عثمان من ذلك ودافعه باجتماع الناس عليه وانعقاد الأمر. وبينما الوزير يروم ذلك جاءه الخبر بأن محمد بن عثمان أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس، وأنهم حصلوا في كفالة ابن الأحمر، فوجم وأعرض عن ابن عمه وسلطانه، ونهض إلى تازى ليفرغ من عدوه إليهم، فنازل الأمير عبد الرحمن وأخذ بمخنقه، واهتبل محمد بن عثمان الغرة في ملك المغرب، فوصله مدد السلطان ابن الأحمر وعسكره تحت رايته، عقدها عليهم ليوسف بن سليمان بن عثمان بن أبي العلاء من مشيخة الغزاة المجاهدين، وعسكر آخر من رجل الأندلس الناشبة يناهزون سبعمائة. وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد بابن عمه السلطان أبي العباس أحمد، ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتها، وعقد بينهما الاتفاق والمواصلة وأن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا، وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس خالفوا إليه ٧/٤٥٠
الوزير وانتهوا إلى قصر ابن عبد الحليم ، وبلغ الخبر إلى الوزير بمكانه من حصار تازى فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرائس.
وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون، فصمد إليه الوزير بعساكره، وصمم نحوه بمكانه من قنة الجبل، فاختل مصافه وانهزمت ساقة العسكر من ورائه، ورجع على عقبه مفلولا وانتهب المعسكر ودخل إلى البلد الجديد. وجأجأ بالعرب أولاد حسين أن يعسكروا له بالزيتون ظاهر فاس، ويخرج بجموعه إلى حللهم، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازى بمن كان معه من العرب الأحلاف وشردهم إلى الصحراء، وشارف السلطان أبا العباس أحمد بجموعه العرب وزناتة، وبعثوا إلى ولي سلفهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصر مرادة الذي اختطه بملوية فجاءهم وأطلعوه على كامن أسرارهم، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق فاجتمعوا بوادي النجا. وحضر لعقدهم واتفاقهم وحلفهم على اتصال اليد على عدوهم ومنازلته بالبلد الجديد حتى يمكن الله منه وارتحلوا بجمعهم إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وسبعمائة وبرز إليهم الوزير بعساكره فدارت الحرب وحمى الوطيس واشتد القتال مليا. ثم زحف إليه العسكران بساقتهما وآلتهما فاختل مصافه وانهزمت جيوشه وجموعه وأحيط به، وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق. وأضرب السلطان أبو العباس معسكره بكدية العرائس، ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه، وضربوا على البلد الجديد سياجا بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاف.
ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الناشبة، واحتكموا في ضياع ابن الخطيب بفاس، فهدموها وعاثوا فيها. ولما كان فاتح سنة ست وسبعين وسبعمائة داخل محمد بن عثمان ابن عمه أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان، لما كان الحصار قد اشتد ويئس من الصريخ، وأعجزه المال فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي له في أعمال مراكش، وأن يديلوه بها من سجلماسة فعقدوا له على كره، وطووا على المكر. وخرج الوزير أبو بكر للسلطان أبي العباس أحمد، وبايعه واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة فبذله. ودخل السلطان أبو ٧/٤٥١
العباس أحمد إلى البلد الجديد سابع المحرم. وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها، وارتحل معه علي بن عمر بن ويغلان شيخ بني مرين والوزير ابن ماسي، ثم نزع عنه ابن ماسي إلى فاس لعهد كان قد اقتضاه من السلطان أبي العباس، وأجاز البحر إلى الأندلس فاستقر بها في إيالة ابن الأحمر، واستقل السلطان أبو العباس ابن السلطان أبي سالم بملك المغرب ووزيره محمد بن عثمان، وفوض إليه شئونه وغلب على هواه. وصار أمر الشورى إلى سليمان بن داود، كان نزع إليه من البلد الجديد من جملة أبي بكر بن غازي بعد أن كان أطلقه من محبسه، واستخلصه. وجعل إليه مرجع أمره فتركه أحوج ما كان إليه، ولحق بالسلطان أبي العباس بمكانه من حصار البلد الجديد. فلما استوسق ملكه ألقى الوزير محمد بن عثمان مقاد الدولة له، وصار إليه أمر الشورى ورياسة المشيخة. واستحكمت المودة بينه وبين ابن الأحمر وتأكدت المداخلة. وجعلوا إليه المرجع في نقضهم وإبرامهم لمكان الأبناء المرشحين من إيالته. ولما ارتحل الأمير عبد الرحمن إلى مراكش نبذوا إليه العهد وتعللوا عليه بأن العقد الأول له، إنما كان على ملك سلفه ومراكش إنما ألجأهم إلى العقد عليها إلجاء، واعتزموا على النهوض إليه ثم أقصروا وانعقدت بينهما السلم سنة ست وسبعين وسبعمائة وجعلوا التخم بينهما أزمور وعقدوا على ثغرها لحسان الصبيحي فلم يزل عليها إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الخبر عن مقتل ابن الخطيب
ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين وسبعمائة واستقل بسلطانه والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان بن داود رديف له، وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر عند ما بويع بطنجة على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز لملك الأندلس. فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقي الوزير أبا بكر بن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان ولاذ منه بالحصار، آوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد الجديد أقام أياما، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن، وطيروا بالخبر إلى ٧/٤٥٢
السلطان ابن الأحمر وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لما كان سليمان قد تابع السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس، حتى أعاده الله إلى ملكه. فلما استقر له سلطانه أجاز إليه سليمان سفيرا عن عمر بن عبد الله ومقتضيا عهده من السلطان. فصده ابن الخطيب عن ذلك بأن تلك الرئاسة إنما هي لأعياص الملك من آل عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة. فرجع سليمان آيسا وحقد ذلك لابن الخطيب. ثم جاور الأندلس بمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات ينفس كل منهما لصاحبه بما يحفظه لما كمن في صدورهما. وحين بلغ الخبر بالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله بن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس وأحضر ابن الخطيب بالشورى في مجلس الخاصة وأهل الشورى، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه، فعظم عليه النكرير فيها، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملاثم تل إلى محبسه. واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه ودس سليمان بن داود إليه لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلا ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، وأخرجوا شلوه من الغد فدفن في مقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على شأفة قبره طريحا وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه نارا، فاحترق شعره واسود بشره، وأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته وعجب الناس من هذه السفاهة التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لما يريد وكان عفى الله عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت، فيتجيش هو أتقه بالشعر يبكي نفسه (ومما قال في ذلك) :
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلات تلاه القنوت ٧/٤٥٣
وكنا عظاما فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... عزين فناحت عليها البيوت
فكم جزلت ذا الحسام الظبا ... وذو البحث كم جدلته التحوت
وكم سيق للقبر في خرقة ... فتى ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ... وفات ومن ذا الذي لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له ... فقل يفرح اليوم من لا يموت
الخبر عن اجازة سليمان بن داود الأندلس ومقامه إلى أن هلك بها
كان سليمان بن داود هذا منذ عضته الخطوب واختلفت عليه النكبات يروم الفرار بنفسه إلى الأندلس للمقامة مع غزاة المجاهدين من قومه. ولما استقر السلطان ابن الأحمر بفاس عند خلعه ووفادته على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة وداخله سليمان بن داود في تأميل الكون عنده، فعاهده على ذلك وأن يقدمه على الغزاة المجاهدين من قومه. ولما عاد إلى ملكه وفد عليه سليمان بن داود بغرناطة في سبيل السفارة عن عمر بن عبد الله سنة ست وستين وسبعمائة وأن يؤكد عقده من السلطان، فحال دون ذلك ابن الخطيب ومارى السلطان عن ذلك بأن شياخة الغزاة مخصوصة بأعياص الملك من بني عبد الحق لمكان عصابتهم بالأندلس، فأخفق أمل سليمان حينئذ وحقدها على ابن الخطيب ورجع إلى مرسلة، ثم كانت نكبته أيام السلطان عبد العزيز فلم يخلص منها إلا بعد مهلكه، أطلقه أبو بكر بن غازي المستبد بالأمر من بعده، ليعتضد بمكانه على شأنه. فلما استبد الحصار على ابن غازي خرج عنه سليمان ولحق بالسلطان أبي العباس ابن المولى أبي سالم بمكانه من ظاهر البلد ٧/٤٥٤
الجديد، فكان ذلك من أسباب الفتح، ولما دخل السلطان إلى دار ملكه من البلد الجديد فاتح سنة ست وستين وسبعمائة واستوسق أمره، رفع مجلس سليمان وأحله محل الشورى، واعتضد به وزيره محمد بن عثمان واستخلصه كما ذكرناه. وكان يرجع إلى رأيه وهو في خلال ذلك يحاول اللحاق بالأندلس، فكان من أول عمله التقرب إلى السلطان ابن الأحمر بإغراء الوزير محمد بن عثمان بقتل ابن الوزير مسنويه ، فتم ذلك لأول الدولة. وجرت الأمور بعدها على الاعتمال في مرضاته إلى أن حاول السفارة إليه في أغراض سلطانه، سنة ثمان وستين وسبعمائة في صحابة ونزمار بن عريف، فتلقاهما السلطان ابن الأحمر بما يتلقى به أمثالهما وأغرب في تكرمتهما. وأما ونزمار فانقلب راجعا لأول تأدية الرسالة، يتقضى من السلطان حظه لقواد أسطوله بتسهيل الإجازة إليه متى رامها. وخرج يتصيد فلحق بمرسى مالقة ودفع أمر السلطان بخطه، إلى قائد الأسطول، فأجازه إلى سبتة ولحق بمكانه. وأما سليمان فاعتزم على المقام عند ابن الأحمر وأقام هنالك خالصة ونجيا ومشاورا، الى أن هلك سنة إحدى وثمانين وسبعمائة.
الخبر عن شأن الوزير أبي بكر بن غازي وما كان من تغريبه الى مايرقة ثم رجوعه وانتقاضه بعد ذلك
لما اشتد الحصار بالوزير أبي بكر بن غازي وفنيت أمواله وأموال السلطان، وظن أنه أحيط به، داخله الوزير محمد بن عثمان من مكانهم بحصاره في النزول عن البلد على الأمان والإبقاء فأجاب وخرج إلى السلطان أبي العباس بن أبي سالم، فعقد له أمانا بخطه، وتحول إلى داره بفاس وأسلم سلطانه المنصوب للأمر، فتسلمه منه الوزير محمد بن عثمان، واشتد في الاحتياط عليه إلى أن بعثه إلى السلطان ابن الأحمر، فكان في جملة الأبناء عنده، ودخل السلطان أبو العباس إلى دار ملكه واقتعد سريره ونفذت في الممالك أوامره. وأقام أبو بكر بن غازي على حاله بداره والخاصة يباكرونه والنفوس منطوية على تأميله، فغص به أهل الدولة وترددت فيه ٧/٤٥٥
السعاية، وتقبض عليه السلطان وأشخصه إلى غساسة، وركب منها السفين إلى ميورقة آخر ست وسبعين وسبعمائة فأقام بها شهرا ومخاطباته مترددة إلى الوزير محمد بن عثمان. ثم عطفته عليه رحم، فأذن له في القدوم، إلى المغرب والمقامة بغساسة فقدمها أوائل سنة سبع وسبعين وسبعمائة واستبد بإمارتها. وبدا له رأي في تأميل الوثبة وظهر ما كان يخفيه لابن عمه من المنافسة، فخاطب ابن الأحمر وراء البحر ولاطفه بالتحف والهدايا، فكتب إلى ابن عمه محمد بن عثمان يحضه على إعادته إلى مكانه دفعا لغوائله، فأبى من ذلك، وداخله ونزمار بن عريف في بعضها كذلك، فلح في الامتناع وحمل سلطانه على نبذ العهد لأبي بكر بن غازي، فتنكر له وأجمع المسير إليه بعساكر العرب، فخرج من فاس سنة تسع وسبعين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى أبي بكر بن غازي فاستجاش بالعرب وأحثهم للوصول، فوصل إليه الأحلاف من المعقل، وسرب فيهم أمواله، وخرج من غساسة فألقى بينهم نفسه، وعمد إلى بعض العرب الطارئين فنصبه للأمر مشبها ببعض أبناء السلطان أبي الحسن. وزحف إليه السلطان حتى نزل بتازى، فأجفلت أحياء العرب أمام العساكر من بني مرين والجند، ونجا ابن غازي معهم بدمائه. ثم داخله ونزمار بن عريف في الإذعان للسلطان عن شق الخلاف، فأجاب ووصل به إلى سدة الملك، فبعث به السلطان محتاطا عليه إلى فاس فاعتقل بها. ونزلت مقدمات العساكر بوادي ملوية، وداخل صاحب تلمسان منها رعب، فأوفد على السلطان من قومه وكبار مجلسه ملاطفا مداريا، فتقبل منه وعقد السلم، وأصدر به كتابه وعهده بخطه، وانكفأ راجعا إلى حضرته بعد أن بث العمال في تلك النواحي على جبايتها، فجمعوا له منها ما رضي. ولما احتل بدار ملكه، أنفذ أمره بقتل أبي بكر بن غازي فقتل بمحبسه طعنا بالرماح وذهب مثلا في الأيام، واستوسق للسلطان أمره. وأحكم العقد مع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن صاحب مراكش، وترددت المهاداة بينهما بعض إلى بعض، وإلى صاحب الأندلس وإليه منهما فامتلأت المغرب هدنة وأمنا، وانبعثت الآمال بساطا وغبطة والحال متصلة على ذلك لهذا العهد آخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة أيام إشرافنا على هذا التأليف، والله مقدر الليل والنهار. ٧/٤٥٦
الخبر عن انتقاض الصلح بين الأمير عبد الرحمن صاحب مراكش والسلطان أبي العباس صاحب فاس واستيلاء عبد الرحمن على أزمور ومقتل عاملها حسون بن على
كان علي بن عمر كبير بني ورتاجن وشيخ بني ويغلان منهم، قد تحيز إلى الأمير عبد الرحمن منذ إجازته إلى الأندلس واستيلائه على تازى ثم زحفه إلى حصار البلد الجديد مع السلطان أبي العباس كما مر. فوصل في جملته إلى مراكش، وكان صاحب شواره وكبير دولته. وكان يظعن على خالد بن إبراهيم الهربرحى شيخ جاجة من قبائل المصامدة ما بين مراكش وبلاد السوس، وقد كان علي بن عمر انتقض على ابن غازي الوزير المستبد بعد السلطان عبد العزيز، ولحق بالسوس. ومر بخالد بن إبراهيم هذا فاعترضه في طريقه وأخذ الكثير من أثقاله ورواحله. وخلص هو إلى منجاته بالسوس، وقد حقد ذلك لخالد. ثم حث شيوخ المعقل عند ما أجاز الأمير عبد الرحمن من الأندلس إلى نواحي تازى يروم اللحاق بهم، فوفدوا عليه.
وسار معهم إلى أحيائهم وأقام معهم وهو في طاعة الأمير عبد الرحمن ودعوته إلى أن اتصل به بين يدي حصاره البلد الجديد مع السلطان أبي العباس. فلما فتح السلطان البلد الجديد أول سنة ست وسبعين وسبعمائة واستولى على ملكهم بها، وفصل عبد الرحمن إلى مراكش كما كان الوفاق بينهم، وسار علي بن عمر في جملة السلطان عبد الرحمن إلى مراكش، واستأذنه في قتل خالد صاحبه، فلم يأذن له، فأحفظه ذلك وطوى عليه، وبعد أيام صعد جبل وريكة في غرض من أغراض الدولة، وتقدم إلى حافده عامر ابن ابنه محمد بقتل خالد، فقتله بظاهر مراكش، ولحق بجده علي بن عمر بوريكة، فتلطف له الأمير عبد الرحمن وراسله بالملاينة والاستعطاف. ثم ركب إليه بنفسه واستصلحه ونزل به إلى مراكش فأقام معه أياما. ثم ارتاب ولحق بأزمور وعاملها يومئذ حسون بن علي الصبيحي فأغراه بالإجلاب على عمل مراكش، وزحفوا جميعا إلى عمل صنهاجة. ٧/٤٥٧
وسرح الأمير عبد الرحمن لمدافعتهم كبير دولته يومئذ وابن عمه عبد الكريم بن عيسى ابن سليمان بن منصور بن أبي مالك، وهو عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، فخرج في العساكر ومعه منصور مولى الأمير عبد الرحمن، فلقوا علي بن عمر فهزموه وأخذوا سواده، ولجأ إلى أزمور. ثم وفد هو وحسون بن علي إلى السلطان بفاس.
ووقعت أثناء ذلك المراسلة بين السلطانين، وانعقد بينهما الصلح. فأقام علي بن عمر بفاس ورجع حسون بن علي إلى مكان عمله بأزمور، ثم انتقض ما بين السلطانين ثانيا. وكان عند الأمير عبد الرحمن أخوان من ولد محمد بن يعقوب بن حسان الصبيحي وهما علي وأحمد، جرثومتا بغي وفساد، وعدا على كبيرهما علي بن يعقوب ابن علي بن حسان فقتله، واستعدى أخوه موسى عليه السلطان فأعداه. وأذن له في أن يثأر منه بأخيه فيقتله فخرج لذلك أحمد أخو علي، وهم بقتل موسى، فاستجار موسى بيعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن، وصهر الأمير عبد الرحمن. وأقام أياما في جواره، ثم هرب إلى أزمور فلحقه نار الفتنة. ونهض الأمير عبد الرحمن إلى أزمور فلم يطق حسان بن علي دفاعه فملكها عليه وقتله واستباحها.
وبلغ الخبر إلى السلطان بفاس فنهض في عساكره وانتهى إلى سلا. ورجع الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وسار السلطان في اتباعه حتى نزل بحصن أكمليم من مراكش، وأقام هنالك نحوا من ثلاثة أشهر والقتال يتردد بينهم. ثم سعى بين السلطانين في الصلح، فاصطلحوا على حدود العمالات أولا، وانكفأ صاحب فاس إلى عمله وبلده. وبعث الحسن بن يحيى بن حسون الصنهاجي عاملا على الثغر بأزمور، فأقام بها، وكان أصله من صنهاجة أهل وطن أزمور، وله سلف في خدمة بني مرين منذ أول دولتهم، وكان أبوه يحيى في دولة السلطان أبي الحسن عاملا في الجباية بأزمور وغيرها. وهلك في خدمته بتونس أيام مقام السلطان بها، وترك ولده يستعمل في مثل ذلك، ونزع الحسن هذا منهم إلى الجندية فلبس شارتها وتصرف في الولاية المناسبة لها. واتصل بخدمة السلطان أبي العباس لأول بيعته بطنجة. وكان يومئذ عاملا بالقصر الكبير فدخل في دعوته وصار في جملته، وشهد معه الفتح واستعمله في خطط السيف، حتى ولاه أزمور هذه الولاية فقام بها كما نذكره.
(وأما الصبيحيون) فالخبر عن أوليتهم أن جدهم حسان من قبيلة صبيح من أفاريق سويد، جاء مع عبد الله بن كندوز الكمي من بني عبد الواد حين جاء من تونس، ٧/٤٥٨
وأوفد على السلطان ابن عبد الحق ولقيه كما مر. وكان حسان من رعاة إبله. فلما استقر عبد الله بن كندوز بناحية مراكش وأقطعه السلطان يعقوب في أعمالها، وكان الظهر الذي يحمل عليه السلطان متفرقا في سارية المغرب، فجمعه وجعله لنظر عبد الله بن كندوز، فجمع له الرعاة وكبيرهم يومئذ حسان الصبيحي، فكان يباشر السلطان في شأن ذلك الظهر ويطالعه في مهماته، فحصلت له مداخلة أجلبت إليه الحظ، حتى ارتفع وكبر. ونشئوا في ظل الدولة وعزها وتصرفوا في الولايات فيها، وانفردوا بالشاوية فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات، وكان لحسان من الولد علي ويعقوب وطلحة وغيرهم، ومن حسان هذا تفرعت شعوبهم في ولده، وهم لهذا العهد متصرفون في الدولة على ما كان سلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل، ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة، والله أعلم.
الانتقاض الثاني بين صاحب فاس وصاحب مراكش ونهوض صاحب فاس إليه وحصاره ثم عودهما إلى الصلح
لما رجع السلطان إلى فاس على ما استقر من الصلح، طلب الأمير عبد الرحمن أن يدخل عمالة صنهاجة ودكالة في أعماله، وكتب السلطان إلى الحسن بن يحيى عامل أزمور وتلك العمالة بأن يتوجه إليه ويسد المذاهب في ذلك دونه. وكان الحسن بن يحيى مضطغنا على الدولة، فلما وصل إليه داخله في الخلاف وأن يملكه تلك العمالة، فازداد الأمير عبد الرحمن بذلك قوة على أمره، وتعلل على صاحب فاس بأن يكون حدا بين الدولتين ووادي أم ربيع. واستمر صاحب فاس على الاباية من ذلك، فنهض الأمير عبد الرحمن من مراكش، ودخل الحسن بن يحيى في طاعته فملكها، وبعث مولاه منصورا في العساكر إلى أنفاه فاستولى عليها وصادر أعيانها وقاضيها وواليها وبلغ الخبر إلى السلطان، فنهض من فاس في عساكره، وانتهى إلى ٧/٤٥٩
سلا، فهرب منصور من أنفاء وتركها. ولحق بمولاه عبد الرحمن فأجفل من أزمور إلى مراكش، والسلطان في أثره حتى انتهى إلى قنطرة الوادي، على غلوة من البلد، وأقام خمسة أشهر يحاصرها، واتصل الخبر بالسلطان ابن الأحمر صاحب الأندلس، فبعث خالصته الوزير أبا القاسم الحكيم الرندي ليعقد الصلح بينهما، فعقده على أن يسترهن السلطان أولاد الأمير عبد الرحمن وحافد أبي الحسن. وانكفأ السلطان راجعا إلى سلا. ولحق به جماعة من جملة الأمير عبد الرحمن من بني مرين وغيرهم، نزعوا عنه، وكان محمد بن يعقوب الصبحي لقي في طريقه مولى الأمير عبد الرحمن، جاء به مكرها إلى السلطان. وكان من النازعين أيضا يعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن، وأبو بكر بن رحو بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق، ومحمد بن مسعود الإدريسي وزيان بن عمر بن علي الوطاسي وغيرهم من المشاهير. وقدموا على السلطان بسلا فتقبلهم وأحسن كرامتهم، ورحل راجعا إلى فاس والله أعلم.
انتقاض علي بن زكريا شيخ الهساكرة على الأمير عبد الرحمن وفتكه بمولاه منصور ومقتل الأمير عبد الرحمن
لما رجع السلطان إلى فاس وبدا من الخلل في دولة الأمير عبد الرحمن وانتقاض الناس عليه ما قدمناه، نزع يده من التعويل على العساكر، وشرع في تحصين البلد.
وضرب الأسوار على القصبة وحفر الخنادق وتبين بذلك اختلال أمره. وكان علي بن زكريا شيخ هسكورة وكبير المصامدة وكان في دعوته منذ دخل مراكش فتلافى أمره مع صاحب فاس، ومد إليه يدا من طاعته. ثم انتقض على الأمير عبد الرحمن ودخل في دعوة السلطان، وبعث إليه الأمير عبد الرحمن مولاه منصورا يستألفه، فأرصد إليه في طريقه من حاشيته من قتله، وبعث برأسه إلى فاس، فنهض السلطان في عساكره إلى مراكش. واعتصم الأمير عبد الرحمن بالقصبة وقد كان أفردها عن المدينة بالأسوار. وخندق عليها فملك السلطان المدينة ورتب على القصبة المقاتلة من كل جهة، ونصب الآلة وأدار عليها من جهة المدينة حائطا وأقام يحاصرها تسعة ٧/٤٦٠
أشهر يغاديها القتال ويراوحها. وكان أحمد بن محمد الصبيحي من الذين بوءوا المقاعد لقتالها، فهم بالانتقاض وحدثته نفسه بغدرة السلطان والتوثب به. وسعى بذلك إلى السلطان، فتقبض عليه وحبسه. وبعث السلطان بالنفير إلى أعماله، فتوافت الأمداد من كل ناحية، وبعث إليه صاحب الأندلس مددا من العسكر. فلما اشتد القتال والحصار بالأمير عبد الرحمن ونفذت الأقوات، وأيقن أصحابه بالهلكة، وأهمتهم أنفسهم. وهرب عنه وزيره محمد بن عمر شيخ الهساكرة والمصامدة لعهد السلطان أبي الحسن وابنه، وقد مر ذكره. فلما لحق هذا بالسلطان وعلم أنه إنما جاء مضطرا قبض عليه وحبسه. ثم انفض الناس عن الأمير عبد الرحمن ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان. وأصبح في قصبته منفردا، وقد بات ليلته يراوض ولديه على الاستماتة وهما: أبو عامر وسليم. وركب السلطان من الغد في التعبية وجاء إلى القصبة فاقتحمها بمقدمته، ولقيهم الأمير عبد الرحمن وولداه مباشرا إلى الميدان بين أبواب دورهم، فجالوا معهم جولة قتل فيها ولداه، تولى قتلهم علي بن إدريس وزيان بن عمر الوطاسي وطال ما كان زيان يمتري يدي نعمهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم، فذهب مثلا في كفران النعمة وسوء الجزاء.
والله لا يظلم مثقال ذرة. 4: 40 وكان ذلك خاتم جمادى الأخيرة سنة أربع وثمانين وسبعمائة لعشر سنين من إمارته على مراكش. ثم رحل السلطان منقلبا إلى فاس، وقد استولى على سائر أعمال المغرب، وظفر بعدوه ودفع النازعين عن ملكه. والله أعلم.
اجلاب العرب على المغرب في مغيب السلطان بغرية من ولد أبي علي وأبي تاشفين بن أبي حمو صاحب تلمسان ومجيء أبي حمو على أثرهم
كان أولاد حسين من عرب المعقل مخالفين على السلطان من قبل مسيره إلى مراكش.
وكان شيخهم يوسف بن علي بن غانم قد حدثت بينه وبين الوزير القائم على الدولة ٧/٤٦١
محمد بن عثمان منافرة وفتنة. وبعث العساكر إلى سجلماسة، فخرب ما كان له بها من العقار والأملاك. وأقام منتقضا بالقفر. فلما حاصر السلطان الأمير عبد الرحمن بمراكش وأخذ بمخنقه أرسل أبا العشائر ابن عمه منصور إلى يوسف بن علي وقومه، ليجلبوا به على المغرب ويأخذوا بحجزة السلطان عن حصاره، فسار لذلك. ولما قدم على يوسف سار به إلى تلمسان مستجيشا بالسلطان أبي حمو لذلك القصد، لما كان بينه وبين الأمير عبد الرحمن من العهد على ذلك. فبعث أبو حمو معهم ابنه أبا تاشفين في بعض عساكره، وسار في الباقين على أثرهم. وسار أبو تاشفين وأبو العشائر إلى أحياء العرب، فدخلوا إلى أحواز مكناسة وعاثوا فيها. وكان السلطان عند سفره إلى مراكش استخلف على دار ملكه بفاس علي بن مهدي العسكري في جماعة من الجند. واستنجد بونزمار بن عريف شيخ سويد وولي الدولة المقيم بأحياء ملوية، فحالف بين عرب المعقل واستألف منهم العمارنة والمنبات وهم الأحلاف. واجتمع مع علي بن مهدي، وساروا لمدافعة العدو بنواحي مكناسة، فصدوهم عن مرامهم ومنعوهم من دخول البلاد فأقاموا متواقفين أياما. وقصد أبو حمو في عسكره مدينة تازى وحاصرها سبعا، وخرب قصر الملك هنالك ومسجده المعروف بقصر تازورت.
وبينما هم على ذلك بلغ الخبر اليقين بفتح مراكش وقتل الأمير عبد الرحمن، فأجفلوا من كل ناحية. وخرج أولاد حسين وأبو العشائر وأبو تاشفين والعرب الأحلاف في اتباعهم، وأجفل أبو حمو عن تازى راجعا إلى تلمسان ومر بقصر ونزمار في نواحي بطوية المسمى بمرادة، هدمه ووصل السلطان إلى فاس وقد تم له الظهور والفتح إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
نهوض السلطان الى تلمسان وفتحها وتخريبها
كان السلطان لما بلغه ما فعل العرب وأبو حمو بالمغرب لم يشغله ذلك عن شأنه، ونقم على أبي حمو ما أتاه من ذلك، وأنه نقص عهده من غير داع إلى النقض. فلما احتل بدار ملكه بفاس أراح أياما، ثم أجمع النهوض إلى تلمسان. وخرج في عساكره على عادتهم وانتهى إلى تاوريرت. وبلغ الخبر إلى أبي حمو، فاضطرب أمره واعتزم على الحصار، وجمع أهل البلد عليه واستعدوا له. ثم خرج في بعض ٧/٤٦٢
تلك الليالي بولده وأهله وخاصته، وأصبح مخيما بالصفصف وانفض أهل البلد إليه بعضهم بعياله وولده مستمسكين به، متفادين من معرة هجوم العساكر فلم يرعه ذلك عن قصده، وارتحل ذاهبا إلى البطحاء. ثم قصد بلاد مغراوة فنزل في بني بو سعيد قريبا من شلف، وأنزل أولاده الأصاغر وأهله بحصن تاحجمومت. وجاء السلطان إلى تلمسان فملكها واستقر فيها أياما. ثم هدم أسوارها وقصور الملك بها، بإغراء وليه ونزمار جزاء بما فعله أبو حمو في تخريب قصر تازروت وحصن مرادة. ثم خرج من تلمسان في اتباع أبي حمو، ونزل على مرحلة منها. وبلغه الخبر هنالك بإجازة السلطان موسى ابن عمه أبي عنان من الأندلس إلى المغرب وأنه خالفه إلى دار الملك، فانكفأ راجعا وأغذ السير إلى المغرب كما نذكر. ورجع أبو حمو إلى تلمسان واستقر في ملكه بها، كما ذكرناه في أخباره.
اجازة السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان من الأندلس الى المغرب واستيلاؤه على الملك وظفره بابن عمه السلطان أبي العباس وإزعاجه الى الأندلس)
قد تقدم أن السلطان محمد بن الأحمر المخلوع، كان له تحكم في دولة السلطان أبي العباس بن أبي سالم صاحب المغرب بما كان من إشارته على محمد بن عثمان ببيعته وهو معتقل بطنجة، ثم بما أمده من مدد العساكر والأموال، حتى أمره واستولى على البلد الجديد كما قدمناه في أول خبره. ثم بما كان له من الزبون عليهم بالقرابة المرشحين الذين كانوا معتقلين بطنجة مع السلطان أبي العباس من أسباط السلطان أبي الحسن من ولد أبي عنان وأبي سالم والفضل وأبي عامر وأبي عبد الرحمن وغيرهم. وكانوا متعاهدين في معتقلهم أن من أتاح الله له الملك منهم يخرجهم من الاعتقال ويجيزهم إلى الأندلس. فلما بويع السلطان أبو العباس وفى لهم بهذا العهد وأجازهم إلى الأندلس، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر أكرم نزل، أنزلهم بقصور ملكه بالحمراء وقرب لهم المراكب، وأفاض عليهم العطاء ووسع لهم الجرايات والأرزاق. وأقاموا ٧/٤٦٣
هنالك في ظل ظليل من كنفه فكان لهم به وثوب على ملك المغرب وكان الوزير القائم بها محمد بن عثمان يقدر له قدر ذلك كله فيجري في أغراضه وقصوده ويحكمه في الدولة ما شاء أن يحكمه، حتى توجهت الوجوه إلى ابن الأحمر وراء البحر من أشياخ بني مرين والعرب، وأصبح المغرب كأنه من بعض أعمال الأندلس. ولما نهض السلطان إلى تلمسان خاطبوه وأوصوه بالمغرب، وترك محمد بن عثمان بدار الملك كاتبه محمد بن الحسن، كان مصطنعا عنده من بقية شيع الموحدين ببجاية، فاختصه ورقاه واستخلفه في سفره هذا على دار الملك. فلما انتهوا إلى تلمسان وحصل له من الفتح ما حصل، كتبوا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر مع شيطان من ذرية عبو بن قاسم المرواني كان بدارهم وهو عبد الواحد بن محمد بن عبو كان يسمو بنفسه إلى العظائم التي ليس لها بأهل ويتربص لذلك بالدولة. وكان ابن الأحمر مع كثرة تحكمه فيهم يتنحى لهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفة في الأمر لا يجدون عنها وليجة، فيصطنع لهم ذلك. فلما قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقص عليه القصص، دس له أن أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا، وبلغ من ذلك ما حمل وما لم يحمل. وأشار له بجلاء المغرب من الحامية جملة وأن دار الملك ليس بها إلا كاتب حضري لا يحسن المدافعة، وهو أعرف به، فانتهز الفرصة ابن الأحمر وجهز موسى ابن السلطان أبي عنان من الأسباط المقيمين عنده. واستوزر له مسعود بن رحو بن ماسي من طبقات الوزراء من بني مرين ومن بني قودر من أحلافهم. وله في ذلك سلف وقد كان بعثه من قبل وزيرا للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبي بكر بن غازي. فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليها. وذهب عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس، فأذن له ورجع عنه إلى فاس. ثم فارقها وأجاز إلى الأندلس متودعا ومتوددا للكل ومعولا على ابن الأحمر، فتلقاه بالقبول وأوسع له النزول والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه. ولم يزل كذلك إلى أن جهزه وزيرا إلى المغرب مع السلطان أبي عنان وبعث معهما عسكرا. ثم ركب السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين ٧/٤٦٤
شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة، فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحو بن الزعيم المكدوني وجاءوا به إلى السلطان فملكها غرة صفر من سنة ست وثمانين وسبعمائة وسلمها إلى ابن الأحمر، فدخلت في طاعته. وسار هو إلى فاس، فوصلها لأيام قريبة، وأحاط بدار الملك، واجتمع عليه الغوغاء، ونزل الدهش بمحمد بن الحسن فبادر بطاعته. ودخل السلطان إلى دار الملك، وقبض عليه لوقته، وذلك في عشر ربيع الأول من السنة. وجاء الناس بطاعته من كل جانب، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس بمكانه من نواحي تلمسان بأن السلطان موسى قد نزل بسبتة، فجهز علي بن منصور وترجمان الجند وجند النصارى ببابه مع طائفة منهم. وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازى وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك. وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى فاس، فلقيهم خبر فتحها بتاوريرت، فتقدم إلى ملوية وتردد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة مع العرب أو قصد المغرب. ثم استمر عزمه، ونزل بتازى وأقام فيها أربعا، وتقدم إلى الركن، وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه تسللا إلى ابن عمه السلطان موسى المتولي على فاس، ويوم أصبح من الركن أرجفوا به. ثم انتقضوا عليه طوائف قاصدين فاس، ورجع هو إلى تازى بعد أن انتهب معسكره وأضرمت النار في خيامه وخزائنه. ثم أصبح بتازى من ليلته فدخلها، وعاملها يومئذ الخير من موالي السلطان أبي الحسن.
وذهب محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار بن عريف وأمراء المغرب من المعقل. ولما دخل السلطان أبو العباس إلى تازى كتب إلى ابن عمه السلطان موسى يذكره العهد بينهما، وقد كان السلطان ابن الأحمر عهد إليه أن يبعث به إليه إن ظفر به، فبادر السلطان موسى باستدعائه مع جماعة من وجوه بني عسكر، أهل تلك الناحية، وهم زكريا بن يحيى بن سليمان ومحمد بن داود بن أعراب ، ومعهم العباس بن عمر الوسناني فجاءوا به وأنزلوه بالزاوية بغدير الحمص بظاهر فاس، فقيد هنالك ثم بعثه إلى الأندلس موكلا به مع عمر بن رحو أخي الوزير مسعود بن ماسي. واستصحب ابنه أبا فارس وترك سائرهم بفاس وأجاز البحر من سبتة فأنزله السلطان ابن الأحمر بقلعة ملكه الحمراء، وفك قيوده ووكل به، ووسع له في الجراية فأقام هنالك ٧/٤٦٥
محتاطا به الى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى.
نكبة الوزير محمد بن عثمان ومقتله
أصل هذا الوزير محمد بن الكاس إحدى بطون بني ورتاجن، وكان بنو عبد الحق عند ما تأثلوا ملكهم بالمغرب يستعملون منهم في الوزارة. وربما وقعت بينهم هنالك وبين بني إدريس وبني عبد الله منافسة، قتلوا فيها بعض بني الكاس منهم في دولة السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. ثم استوزره السلطان أبو الحسن بعد مهلك وزيره يحيى بن طلحة ابن محلى بمكانه من حصار تلمسان، وقام بوزارته أياما ، وحضر معه وقعة طريف سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من هذه المائة، واستشهد فيها، ونشأ ابنه أبو بكر في ظل الدولة ممتعا بحسن الكفالة وسعة الرزق، وكانت أمه أم ولد، وخلفه عليها ابن عمه محمد بن عثمان هذا الوزير، فنشأ أبو بكر في حجره.
وكان أعلى رتبة منه بأولية أبيه وسلفه، حتى إذا بلغ أشده واستوى سمت به الحال ، وجال أمصار الملوك في اختياره وترشيحه، حتى استوزره السلطان عبد العزيز كما قلناه. وقام بوزارته أحسن قيام، وأصبح محمد بن عثمان هذا رديفه.
وهلك السلطان عبد العزيز فنصب أبو بكر ابنه السعيد للملك صبيا لم يثغر، وكان من انتقاض أمره وحصاره بالبلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليه ما قدمناه، قام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العباس مستبدا عليه. ودفع إليه أمور ملكه، وشغل بلذاته، فقام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العباس من أمور الدولة ما عاناه حتى كان من استيلاء السلطان موسى على دار ملكهم ما مر.
وانفض بنو مرين عنه للسلطان أبي العباس كما ذكرناه، ورجع إلى تازى، فدخلها السلطان أبو العباس وفارقهم محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار بن عريف وهو مقيم بتازى، وتذمم له فتجهم له ونزمار وأعرض عنه، فسار معدا إلى أحياء المنيات من ٧/٤٦٦
عرب المعقل. كانوا هنالك قبلة تازى لذمة صحابة كانت بينه وبين شيخهم أحمد ابن عبو فنزل عليه متذمما به، فخادعه وبعث بخبره إلى السلطان، فجهز إليه عسكرا مع المزوار عبد الواحد بن محمد بن عبو بن قاسم بن ورزوق بن بومريطت والحسن العوفي من الموالي فتبرأ منه العرب وأسلموه إليه، فجاءوا به وأشهروه يوم دخوله إلى فاس. واعتقل أياما وامتحن في سبيل المصادرة ثم استصفى. ثم قتل ذبحا بمحبسه، والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن خروج الحسن بن الناصر بغمارة ونهوض الوزير ابن ماسي اليه بالعساكر
لما استقل السلطان موسى بملك المغرب وقام مسعود بن ماسي بوزارته مستبدا عليه، وكان من تغريبهم السلطان أبا العباس إلى الأندلس وقتلهم وزيره محمد بن عثمان وافتراق أشياع الوزير محمد بن عثمان وقرابته وبطانته، فطلبوا بطن الأرض ولحق منهم ابن أخيه العباس بن المقداد بتونس، فوجد هنالك الحسن بن الناصر ابن السلطان أبي علي قد لحق بها من مقره بالأندلس في سبيل طلب الملك فثاب له رأي في الرجوع به إلى المغرب لطلب الأمر هنالك، فخرج به من تونس وقطع المفاوز والمشاق إلى أن انتهى إلى جبل غمارة، ونزل على أهل الصفيحة منهم، فأكرموا مثواه وتلقيه، وأعلنوا بالقيام بدعوته. واستوزر العباس بن المقداد. وبلغ الخبر إلى مسعود ابن ماسي فجهز العساكر مع أخيه مهدي بن ماسي، فحاصره بجبل الصفيحة أياما، وامتنع عليهم، فتجهز الوزير مسعود بن ماسي بالعساكر من دار الملك وسار لحصاره.
ثم رجع من طريقه لما بلغه من وفاة السلطان بعده، والله أعلم.
وفاة السلطان موسى والبيعة للمنتصر ابن السلطان أبي العباس
كان السلطان موسى لما استقل بملك المغرب استنكف من استبداد ابن ماسي عليه ٧/٤٦٧
وداخل بطانته في الفتك به. وأكثر ما كان يفاوض في ذلك كاتبه وخالصته محمد ابن كاتب أبيه، وخالصته محمد بن أبي عمر. وكان للسلطان موسى ندمان يطلعهم على الكثير من أموره منهم العباس بن عمر بن عثمان الوسناقي، وكان الوزير مسعود بن ماسي قد خلف أبا عمر على أمه وربي في حجره، فكان يدلي إليه بذلك، وينهي إليه ما يدور في مجلس السلطان في شأنه. فحصلت للوزير بذلك نفرة طلب لأجلها البعد عن السلطان. وبادر للخروج لمدافعة الحسن القائم بغمارة. واستخلف على دار الملك أخاه يعيش بن رحو بن ماسي. فلما انتهى إلى القصر الكبير لحقه الخبر بوفاة السلطان موسى، وكانت وفاته في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة لثلاث سنين من خلافته. وكان الناس يرمون يعيش أخا الوزير بأنه سمه، وبادر يعيش فنصب ابن عمه للملك، وهو المنتصر ابن السلطان أبي العباس، وانكفأ راجعا لوزير مسعود من القصر، وقتل السبيع محمد بن موسى من طبقة الوزراء، وقد مر ذكره وذكر قومه، وكان اعتقله أيام السلطان موسى فقتله بعد وفاته. واستمرت أمور الدولة في استقلاله والله أعلم.
إجازة الواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من الأندلس والبيعة له
كان الوزير مسعود بن ماسي لما استوحش من السلطان موسى بعث ابنه يحيى وعبد الواحد المزوار إلى السلطان ابن الأحمر يسأل منه إعادة السلطان أبي العباس إلى ملكه فأخرجه ابن الأحمر من الاعتقال وجاء به إلى جبل الفتح يروم إجازته إلى العدوة.
فلما توفي السلطان موسى بدا للوزير مسعود في أمره، ودس للسلطان ابن الأحمر في رده، وأن يبعث إليه بالواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من القرابة المقيمين عنده. ورآه أليق بالاستبداد والحجر، فأسعفه ابن الأحمر في ذلك، ورد السلطان أحمد إلى مكانه بالحمراء، وجاء بالواثق فحضر بجبل الفتح عنده، وفي خلال ذلك وصل جماعة من أهل الدولة وانتقضوا على الوزير مسعود، ولحقوا بسبتة، وأجازوا إلى السلطان ابن الأحمر وهم يعيش بن علي بن فارس الياباني ٧/٤٦٨
وسيور بن يحيى بن عمر الونكاسني وأحمد بن محمد الصبيحي، فوفد إليهم الواثق، ورجعوا به إلى المغرب على أنهم في خدمة الوزير، حتى إذا انتهوا إلى جبل زرهون المطل على مكناسة أظهروا الخلاف على الوزير وصعدوا الى قبائل زرهون واعتصموا بجبلهم. ولحق بهم من كان على مثل دينهم من الخلاف على ابن ماسي وصاروا معهم يدا مثل طلحة بن الزبير الورتاجني وسيور بن يحياتن بن عمر الونكاسني ومحمد التونسي من بني أبي الطلاق وفارح بن مهدي من معلوجي السلطان، وأصله من موالي بني زيان ملوك تلمسان.
وكان أحمد بن محمد الصبيحي حين جاء مع الواثق قد استطال على أصحابه وأصهر الاستبداد بما كان من طائفة الجند المستخدمين، فغص به أهل الدولة وتبرءوا منه للسلطان الواثق، فأظهر لهم البراءة منه، فوثبوا به وقتلوه عند خيمة السلطان، وتولى كبر ذلك يعيش بن علي بن فارس الياباني كبير بني مرين، فذهب مثلا في الغابرين، ولم تبك عليه سماء ولا أرض. وكان رزوق بن بوفريطت من موالي بني علي بن زيان من شيوخ بني ونكاسن من أعيان الدولة ومقدمي الجند، قد انتقض على الدولة أيام السلطان موسى ولحق بأحياء أولاد حسين من عرب المعقل المخالفين منذ أيام السلطان موسى. ونزل على شيخهم يوسف بن علي بن غانم لذمة صحابة بينهما من جوارهم في المواطن. وكان معه في ذلك محمد بن يوسف بن علال، كان أبوه يوسف من صنائع السلطان أبي الحسن، ونشأة دولته استوحشا من الوزير، فلحقا بالعرب فلما جاء هذا السلطان الواثق قدما عليه، فلقيهما بالتكرمة وأحلهما في مقامهما من الدولة، وخرج الوزير مسعود بن ماسي في العساكر، ونزل قبائلهم بجبل مغيلة وقاتلهم هنالك أياما وداخل الذين مع الواثق واستمالهم. وبعث عسكرا إلى مكناسة فحاصروها، وكان بها يومئذ عبد الحق بن الحسن بن يوسف الورتاجني، فاستنفر له منها وملكها، وترددت المراسلات بينه وبين الواثق وأصحابه على أن ينصبوه للأمر.
ويبعث بالمنتصر المنصوب عنده إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وانعقد الأمر بينهم على ذلك. وسار الواثق في أصحابه إلى الوزير ابن ماساي فنزل عليه. ومضى يعيش بن علي بن فارس عنهم ذاهبا لوجهه. وسار الوزير بالواثق إلى دار الملك، ٧/٤٦٩
فبايعه في شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بعد أن اشترط عليه لنفسه وأصحابه ما شاء. وأجاز سلطانه المنتصر إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وقبض على جماعة ممن كان مع الواثق مثل المزوار عبد الواحد، وقتله، وعلى فارح بن مهدي وحبسه، وعلى الخير مولى الأمير عبد الرحمن وامتحنه، وعلى آخرين سواهم. ثم قبض على جماعة من بطانة السلطان موسى كانوا يداخلونه في القبض والفتك به، فحبسهم وقتل بعضهم. وعلى جند الأندلس الذين جاءوا مددا للواثق، وعلى قوادهم من معلوجي ابن الأحمر فأودعهم السجن. ثم تقبض على كاتب السلطان موسى بن أبي الفضل بن أبي عمر مرجعه من السفارة عن سلطانه إلى الأندلس، فاعتقله وصادره. ثم خلى سبيله. ثم بعث إلى الحسن بن الناصر الثائر بجبل الصفيحة من غمارة مع إدريس بن موسى بن يوسف الياباني، فخادعه باستدعائه للملك والبيعة له، فخدعه واستنزله وجاء به فاعتقله أياما. ثم أجازه للأندلس، واستقر الأمر على ذلك، والله أعلم.
الفتنة بين الوزير ابن ماسي وبين السلطان ابن الأحمر واجازة السلطان أبي العباس الى سبتة لطلب ملكه واستيلاؤه عليها
لما بلغ الوزير ابن ماسي للواثق ورأى أنه قد استقل بالدولة ودفع عنها الشواغب، وصرف نظره إلى ما فرط من أعمال الدولة، وافتتح أمره بسبتة. وقد كان السلطان موسى لأول إجازته أعطاها لابن الأحمر كما مر. فبعث إليه الآن الوزير ابن ماسي في ارتجاعها منه على سبيل الملاطفة، فاستشاط لها ابن الأحمر ولج في الرد، فنشأت الفتنة لذلك، وجهز ابن ماسي العساكر لحصار سبتة مع العباس بن عمر بن عثمان الوسنافي ويحيى بن علال بن أمصمود، والرئيس محمد بن أحمد الأبكم من بني الأحمر. ثم من بيت السلطان الشيخ فاتح أمرهم وممهد دولتهم، وراسل السلطان إشبيلية والجلالقة من بني أدفونش وراء البحر، بأن يبعث إليهم ابن عم السلطان ابن الأحمر محمد بن إسماعيل مع الرئيس الأبكم ليجلبا من ناحيته على الأندلس.
وجاءت عساكر الوزير إلى سبتة فحاصروها ودخلوها عنوة. واعتصم حامية الأندلس الذين كانوا بها بالقصبة، واتصلت الجولة بين الفريقين وسط البلد، وأوفد ٧/٤٧٠
أهل القصبة النيران بالجبل علامة على أمرهم ليراها ابن الأحمر. وكان مقيما بمالقة، فبادر بتجهيز الأسطول مشحونا بالمقاتلة مددا لهم. ثم استدعى السلطان أبو العباس من مكانه بالحمراء، وأركبه السفين إلى القصبة في غرة صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة وأشرف عليهم من الغد وناداهم من السور يدعوهم إلى طاعته. فلما رأوه اضطربوا وافترقوا وخرج إليهم، فنهب سوادهم ودخلوا في طاعته متسايلين، ورجع جمهور العسكر ومقدموهم إلى طنجة واستولى السلطان على مدينة سبتة. وبعث إليه ابن الأحمر بالنزول عنها، وردها إليه فاستقرت في ملكه وكملت بها بيعته، وكان يوليه أمر الأضياف الواردين والله تعالى أعلم.
مسير السلطان أبي العباس من سبتة لطلب ملكه بفاس ونهوض ابن ماسي لدفاعه ورجوعه منهزما
ولما استولى السلطان أبو العباس على سبتة وتم له ملكها، واعتزم على المسير لطلب ملكه بفاس، وأغراه ابن الأحمر بذلك ووعده بالمدد لما كان من مداخلة ابن ماسي لجماعة من بطانته في أن يقتلوه ويملكوا الرئيس الأبكم يقال: إن الذي داخله في ذلك من بطانة ابن الأحمر يوسف بن مسعود البلنسي، ومحمد ابن الوزير أبي القاسم بن الحكيم الرندي وشعر بهم السلطان ابن الأحمر وهو يومئذ على جبل الفتح يطالع أمور السلطان أبي العباس، فقتلهم جميعا وإخوانهم. ويقال: إن ذلك كان بسعاية القائم على دولته مولاه خالد، كان يغص بهم ويعاديهم، فأخفى عليهم هذه . وتمت سعايته بهم، فاستشاط ابن الأحمر غضبا على ابن ماسي، وبعث إلى السلطان أبي العباس يستنفره للرحلة إلى طلب ملكه، فاستخلف على سبتة رحو ابن الزعيم المكرودي عاملها من قبل كما مر وسار إلى طنجة وعاملها من قبل الواثق صالح بن رحو الياباني ومعه بها الرئيس الأبكم من قبل العساكر، فحاصرها أياما وامتنعت عليه فجمر عنهم الكتائب وسار عنها إلى أصيلا، فدخلت في دعوته وملكها. ونهض الوزير من فاس في العساكر بعد أن استخلف أخاه يعيش على دار ٧/٤٧١
الملك وسار. ولحقت مقدمته بأصيلا ففارقها السلطان أبو العباس، وصعد إلى جبل الصفيحة، فاعتصم به وجاء الوزير ابن ماسي فتقدم الى حصاره بالجبل، وجمع عليه رماة الرجل من الأندلسيين الذين كانوا بطنجة، وأقام يحاصره بالصفيحة شهرين. وكان يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين من عرب المعقل، مخالفا على الوزير مسعود وداعية إلى السلطان أبي العباس وشيعة له. وكان يراسل ابن الأحمر في شأنه. فلما سمع باستيلائه على سبتة وإقباله إلى فاس، جمع أشياعه من العرب، ودخل في طاعته إلى بلاد المغرب ما بين فاس ومكناسة. وشن الغارات على البسائط واكتسحها، وأرجف الرعايا وأجفلوا إلى الحصون، وكان ونزمار بن عريف ولي الدولة شيعة للسلطان، وكان يكاتبه وهو بالأندلس ويكاتب ابن الأحمر بشأنه.
فلما اشتد الحصار بالسلطان في الصفيحة، بعث ابنه أبا فارس إلى ونزمار بمكانه من نواحي تازى. وبعث معه سيور بن يحيى بن عمر، فقام ونزمار بدعوته، وسار به إلى مدينة تازى، وعاملها سليمان الغودودي من قرابة الوزير ابن ماسي. فلما نزل بها أبو فارس ابن السلطان بادر إلى طاعته وأمكنه من البلد، فاستولى عليها واستوزر سليمان هذا. وسار إلى صفيروا ومعه ونزمار للاجتماع بعرب المعقل وأسف بهم إلى حصار فاس. وكان محمد بن الدمغة عاملا على ورغة، فبعث إليه السلطان عسكرا مع العباس بن المقداد ابن أخت الوزير محمد بن عثمان فقتلوه وجاءوا برأسه، ونجم الخلاف على يعيش بالبلد الجديد من كل جهة، وطير الخبر بذلك كله إلى أخيه بمكانه من حصار السلطان بالصفيحة، فانفضت عنه العساكر وأجفل راجعا إلى فاس. وسار السلطان في اتباعه ودخل في طاعته عامل مكناسة، وجاء الخير مولى الأمير عبد الرحمن ولقيه يوسف بن علي بن غانم ومن معه من أحياء العرب، وساروا جميعا إلى فاس. وكان أبو فارس ابن السلطان قد رحل من تازى إلى صفيروا للقاء أبيه، فاعترضه ابن ماسي في العساكر رجاء أن يفله. ولقيه ببني بهلول فنزع أهل المعسكر إلى أبي فارس ابن السلطان وهو بمكناسة، فارتحل يغذ السير إلى فاس.
وسار ابنه أبو فارس للقائه على وادي النجا. وصبحوا البلد الجديد فنزلوا عليه بجموعهم وقد اعتصم به الوزير في أوليائه وبطانته، ومعه يغمراسن بن محمد ٧/٤٧٢
السالفي ومراهن بني مرين الذين استرهنهم عند مسيره للقاء السلطان بأصيلا، والله أعلم.
ظهور دعوة السلطان أبي العباس في مراكش واستيلاء أوليائه عليها
كان الوزير مسعود بن ماسي قد ولى على مراكش وأعمال المصامدة أخاه عمر بن رحو وكانت منتظمة في طاعته. فلما بلغ الخبر بوصول السلطان إلى سبتة واستيلائه عليها قامت رءوس أوليائه إلى إظهار دعوته بتلك النواحي، فقام بدعوته بجبل الهساكرة علي بن زكريا. وبعث الوزير مسعود من مكانه في حصار السلطان بالصفيحة في أمداده بالعساكر من مراكش، فزحف إليه مخلوف بن سليمان الوارتيني صاحب الأعمال ما بين مراكش والسوس، وقعد الباقون عن نصره وتفرقوا. وصعد أبو ثابت حافد علي بن عمر إلى جبل الهساكرة ومعه يوسف بن يعقوب بن علي الصبيحي، فاستمد علي بن زكريا ورجع إلى مراكش مجلبا على علي ابن رحو مناوشة القتال ساعة. ثم غلبه على البلد وملكها من يده ونزل بقصبة الملك.
وحبس عمر بن رحو بها. وكتب للسلطان بذلك، وهو بمكناسة متوجها إلى فاس، فكتب إليه بأن يصله بعساكر مراكش لحصار دار الملك فجمع العساكر واستخلف على قصبة مراكش بعض بني عمه، ولحق بالسلطان، وأقام معه في حصار البلد الجديد، والله أعلم.
ولاية المنتصر ابن السلطان أبي علي على مراكش واستقلاله بها
كان السلطان أبو العباس حين ملك المغرب بعث ابنه المنتصر في البحر إلى سلا، ٧/٤٧٣
واستوزر له عبد الحق بن يوسف الورتاجني فوصل الى سلا وأقام بها، ومر به رزوق بن توفريطت راجعا من دكالة، حين نزول السلطان على البلد الجديد، فتلطف في استدعائه، ثم قبض عليه وبعث به لأبيه مقيدا فأودعه السجن وقتل بعد ذلك بمحبسه. ثم بعث السلطان إلى ابنه المنتصر بولاية مراكش وأن يسير إليها. فلما وصل إلى مراكش امتنع النائب بالقصبة، فدس لعبد الحق وزير المنتصر أن النائب قد هم بقتله، وحينئذ يمكن المنتصر من القصبة. فأجفل بالمنتصر وصعد إلى جبل هنتاتة، وطير بالخبر إلى السلطان، فتغير لأبي ثابت وأمره أن يكاتب نائبة بتمكين ابنه من القصبة. واستوزر له سعيد بن عبدون وبعثه بالكتاب، وعزل عبد الحق عن وزارة ابنه، واستدعاه لفاس، فوصل سعيد بن عبدون إلى مراكش، ودفع إلى النائب بالقصبة كتاب مستخلفه إلى الامتثال، وأمكنه من القصبة واعتزل عنها فدخلها. وبعث عن المنتصر ابن السلطان، واستولوا عليها، وقبضوا على نائب عامر الذي كان بها وسائر شيعته وبطانته، وامتحنوهم واستصفوهم إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
حصار البلد الجديد وفتحها ونكبة الوزير ابن ماسي ومقتله
لما نزل السلطان على البلد الجديد واجتمع إليه سائر قبيلته وأوليائه وبطانته، داخل الوزير مسعودا الحنق على بني مرين لانتباذهم عنه. فأمر بقتل أبنائهم الذين استرهنوهم على الوفاء له، فلاطفه يغمراسن السالفي في المنع من ذلك، فأقصر عنه، وضيق السلطان مخنقه بالحصار ثلاثة أشهر حتى دعا إلى النزول والطاعة، فبعث إليه ولي الدولة ونزمار بن عريف وخالصته محمد بن علال فعقد لهم الأمان لنفسه ولمن معه على أن يستمر على الوزارة ويبعث بسلطانه الواثق إلى الأندلس، واستحلفهم على ذلك وخرج معهم للسلطان فدخل السلطان البلد الجديد خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه. ولحين دخوله قبض على الواثق ٧/٤٧٤
وبعث به معتقلا إلى طنجة وقتل بها بعد ذلك. ولما استولى على أمره قبض على الوزير ابن ماسي ليومين من دخوله، وإخوته وحاشيته، وامتحنهم جميعا فهلكوا في العذاب. ثم سلط على مسعود من العذاب والانتقام ما لا يعبر عنه، ونقم عليه ما فعله في دور بني مرين النازعين إلى السلطان، فإنه كان متى هرب عند أحد منهم يعمد إلى بيوته فينهبها ويخربها فأمر السلطان بعقابه في أطلالها، فكان يؤتى به إلى كل بيت منها، فيضرب عشرين سوطا إلى أن قتله العذاب وتجاوز الحد. ثم أمر به فقطعت أربعته، فهلك عند قطع الثانية، فذهب مثلا في الآخرين.
وزارة محمد بن علال
كان أبوه يوسف بن علال من رؤساء الدولة وصانعة السلطان أبي الحسن. وربي في داره. ولما ضخم أمره سما به إلى ولاية الأعمال، فولاه على درعة فانتزى وانتخب أولياء الدولة. ثم ولاه السلطان أبو عنان أمر طنجة ومائدته وضيوفه واستكفى به في ذلك، وولاه أخوه أبو سالم بعده كذلك. ثم بعثه إلى سجلماسة فعانى بها من أمور العرب مشقة، وعزلها عنها، وهلك بفاس. وكان له جماعة من الولد قد نشؤا في ظل هذه النعمة، وحدبت النجابة بمحمد المذكور منهم. فلما استولى السلطان أبو العباس استعمله في أمور الضيوف والمائدة كما كانت لأبيه. ثم رقاه إلى المخالصة وخلطه بنفسه، فلما خلع السلطان واستولى الوزير ابن ماسي على المغرب، وكانت بينه وبين أخيه يعيش بن ماسي إحن قديمة، فسكن لصولتهم حتى إذا اضطرمت نار الفتنة بالمغرب وأجلبت عرب المعقل الخلاف، فاستوحش محمد هذا، فلحق بأحيائهم مع رزوق بن توفريطت كما مر ذكره ونزل على يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين، وأقاما معه في خلافه، حتى إذا أجاز السلطان الواثق إلى الأندلس، ووصل مع أصحابه إلى جبل زرهون، وأظهروا الخلاف على ابن ماسي بادر محمد هذا ورزوق إلى السلطان، ودخلا في طاعته متبرءين من النفاق الذي حملهم عليه ٧/٤٧٥
عداوة الوزير ابن ماسي. فما كان إلا أن انعقد الصلح بين الواثق وابن ماسي وسار به وأصحابه إلى فاس، وحصلوا في قبضة ابن ماسي فعفا لهم عما كان منهم، واستعملهم في مهود ولايتهم. ثم جاء الخبر بإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة، فاضطرب محمد بن يوسف وذكر مخالصة السلطان ومنافرة ابن ماسي، فأجمع أمره ولحق بسبتة، فتلقاه السلطان بالكرامة، وسر بمقدمه ودفعه إلى القيام بأمر دولته، فلم يزل متصرفا بين يديه إلى أن نزل إلى البلد الجديد. ولأيام من حصارها خلع عليه الوزارة ودفعه إليها، فقام بها أحسن قيام. ثم كان الفتح وانتظم أمر الدولة، ومحمد هذا يصرف الوزارة على أحسن أحوالها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ظهور محمد بن السلطان عبد الحليم بسجلماسة
قد تقدم لنا ذكر السلطان عبد الحليم ابن السلطان أبي علي، وكان يدعى بحلي كيف، بايع له بنو مرين وأجلبوا به على عمر بن عبد الله سنة ثلاث وستين وسبعمائة أيام مبعثه للسلطان أبي عمر ابن السلطان أبي الحسن. وحاصروا معه البلد الجديد حتى خرج لدفاعهم وقاتلهم، فانهزموا وافترقوا. ولحق السلطان عبد الحليم بتازى وأخوه عبد المؤمن بمكناسة، ومعه ابن أخيهما عبد الرحمن بن أبي يفلوسن. ثم بايع الوزير عمر بن عبد الله لمحمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن واستبدل به من أبي عمر لما كان بنو مرين يرمونه بالجنون والوسوسة، فاستدعى محمد بن أبي عبد الرحمن من مطرح اغترابه بإشبيلية وبايعه وخرج في العساكر لمدافعة عبد المؤمن وعبد الرحمن عن مكناسة، فلقيهما وهزمهما ولحقا بالسلطان عبد الحليم بتازى وساروا جميعا إلى سجلماسة، فاستقروا فيها والسلطان عبد الحليم، وقد تقدم خبر ذلك كله في أماكنه. ثم كان الخلاف بين عرب المعقل أولاد حسين والأحلاف. وخرج عبد المؤمن للإصلاح بينهم، فبايع له أولاد حسين ونصبوه كرها للملك. وخرج السلطان عبد الحق إليهم في جموع الأحلاف فقاتلوه وهزموه، وقتلوا كبار قومه، كان منهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي شيخ بني تيربيغن وكبير دولة بني مرين، أجلت المعركة عن قتله. ودخل عبد المؤمن البلد منفردا بالملك.
وصرف السلطان أخاه عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فرضه برغبته في ذلك، فسار على ٧/٤٧٦
طريق القفر مسلك الحاج من التكرور إلى أن وصل القاهرة، والمستبد بها يومئذ يلبغا الخاصكي، على الأشرف شعبان بن حسين من أسباط الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأكرم وفادته ووسع نزله وجرايته، وأدر لحاشيته الأرزاق، ثم أعانه على طريقه للحج بالأزواد والأبنية والظهر من الكراع والخف. ولما انصرف من حجه زوده لسفر المغرب. وهلك بضروجة سنة سبع وستين وسبعمائة ورجعت حاشيته إلى المغرب بحرمة وولده. وكان ترك محمدا هذا رضيعا، فشب متقلبا من الدولة من ملك إلى آخر، منتبذا عن قومه بغيرة السلطان أبي الحسن من بني عمهم السلطان أبي علي. وكان أكثر ما يكون مقامه عند أبي حمو سلطان بني عبد الواد بتلمسان لما يروم به من الأجلاب على المغرب، ودفع عادية بني مرين عنه. فلما وقع بالمغرب من انتقاض عرب المعقل على الوزير مسعود بن ماسي سنة تسع وثمانين وسبعمائة واستمروا على الخلاف، انتهز أبو حمو الفرصة، وبعث محمد بن عبد الحليم هذا إلى المعقل ليجلب بهم على المغرب، ويمزقوا من الملك ما قدروا عليه، فلحق بأحيائهم ونزل على الأحلاف الذين هم أمس رحما بسجلماسة وأقرب موطنا إليها. وكان الوزير ابن ماسي قد ولى عليها من أقاربه علي بن إبراهيم بن عبو بن ماسي، فلما ظهر عليه السلطان أبو العباس وضيق مخنقه بالبلد الجديد، دس إلى الأحلاف وإلى قريبه علي ابن إبراهيم أن ينصب محمد ابن السلطان أبي العباس عنه، وينفسوا من حصاره، ففعلوا ذلك. ودخل محمد إلى سجلماسة فملكها، وقام علي بن إبراهيم بوزارته حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، وفتك بالوزير مسعود بن ماسي وبإخوته وسائر قرابته، اضطرب علي بن إبراهيم وفسد ما بينه وبين سلطانه محمد، فخرج عن سجلماسة ودعا إلى أبي حمو سلطان تلمسان كما كان.
ثم زادت هواجس علي بن إبراهيم وارتيابه فخرج عن سجلماسة وتركها، ولحق بأحياء العرب. وسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه. ونزل على السلطان أبي حمو إلى أن هلك، فسار إلى تونس وحضر وفاة السلطان أبي العباس بها سنة تسع وتسعين وسبعمائة ولحق محمد ابن السلطان عبد الحليم بعد مهلك أبي حمو بتونس. ثم ارتحل بعد وفاة السلطان أبي العباس الى المشرق لحجة فرضه ، والله تعالى أعلم. ٧/٤٧٧
نكبة ابن أبي عمر ومهلكه وحركات ابن حسون
لما استقل السلطان بملكه واقتعد سريره، صرف نظره إلى أولياء تلك الدولة ومن يرتاب منه. وكان محمد بن أبي عمر قد تقدم ذكره وأوليته، من جملة خواصه وأوليائه وندمائه. وكان السلطان يقسم له من عنايته وجميل نظره ويرفعه عن نظرائه. فلما ولي السلطان موسى نزعت إليه نوازع المخالصة لأبيه من السلطان أبي عنان فقد كان أبوه أعز بطانته كما مر، فاستخلصه السلطان موسى للشورى ورفعه على منابر أهل الدولة. وجعل إليه كتاب علامته على المراسم السلطانية، كما كان لأبيه.
وكان يفاوضه في مهماته ويرجع إليه في أموره حتى غص به أهل الدولة ونمي عنه للوزير مسعود بن ماسي أنه يداخل السلطان في نكبته. وربما سعى عند سلطانه في جماعة من بطانة السلطان أحمد، فأتى عليهم النكال والقتل لكلمات كانت تجري بينهم وبينه في مجالسة المنادمة عند السلطان حقدها لهم. فلما ظفر بالحظ من سلطانه، سعى بهم فقتلهم. وكان القاضي أبو إسحاق اليزناسني من بطانة السلطان أحمد وكان يحضر مع ندمائه فحقد له ابن أبي عامر، وأغرى به سلطانه فضربه وأطافه، وجاء بها شنعاء غريبة في القبح. وسفر عن سلطانه إلى الأندلس، وكان يمر بمجلس السلطان أحمد ومكان اعتقاله. وربما يلقاه فلا يلم إليه ولا يجيبه ، ولا يوجب له حقا، فأحفظ ذلك السلطان. ولما فرغ من ابن ماسي قبض على ابن أبي عمر هذا وأودعه السجن، ثم امتحنه بعد ذلك إلى أن هلك بالسياط، عفا الله عنه. وحمل إلى داره، وبينما أهله يحضرونه إلى قبره وإذا بالسلطان قد أمر بأن يسحب بنواحي البلد إبلاغا في التنكيل، فحمل من نعشه وقد ربط حبل برجله، وسحب في سائر أنحاء المدينة. ثم ألقي في بعض المزابل . ثم قبض على حركات ابن حسون وكان مجلبا في الفتنة، وكان العرب المخالفون من المعقل، لما أجاز السلطان إلى سبتة، وحركات هذا بتدلا، راودوه على طاعة السلطان فامتنع أولا. ثم أكرهوه وجاءوا به ٧/٤٧٨
إلى السلطان فطوى على ذلك حتى استقام أمره. وملك البلد الجديد فتقبض عليه وامتحنه، إلى أن هلك، والله وارث الأرض ومن عليها.
خلاف علي بن زكريا بجبل الهساكرة ونكبته
لما ملك السلطان البلد الجديد واستولى على ملكه، وفد عليه علي بن زكريا شيخ هسكورة مستصفيا بما قدم من سوابقه. وقد كان حضر معه حصار البلد الجديد واستدعاه، فجاء بقومه وعساكر المصامدة وأبلى في حصارها، فرعى السلطان سوابقه وولاه الولاية الكبرى على المصامدة على عادة الدولة في ذلك. ثم وفد معه محمد بن إبراهيم الميراري من شيوخ المصامدة وكانت له ذمة صهر مع الوزير محمد ابن يوسف بن علال على أخته، فولاه السلطان مكان علي بن زكريا فغضب لها واستشاط وبادر إلى الانتقاض والخلاف. ونصب بعض القرابة من بني عبد الحق، فجهز إليه السلطان العساكر مع محمد بن يوسف بن علال وصالح بن حمو الياباني وأمر صاحب درعة وهو يومئذ عمر بن عبد المؤمن بن عمر أن ينهض إليه بعساكر درعة من جهة القبلة، فساروا إليه وحاصروه في جبله. وجاولوه مرات ينهزم في جميعها حتى غلبوه على جبله. وسار إلى إبراهيم بن عمران الصناكي المجاور له في جبله فاستذم به. وخشي إبراهيم معرة الخلاف والغلب، ورغبه الوزير محمد بن يوسف بما بذل له، فأمكنه منه، وقبض على الوزير وجاء به إلى فاس، فأدخله في يوم مشهود وشهره، واعتقل فلم يزل في الاعتقال إلى أن هلك السلطان أبو العباس.
وارتاب به أهل الدولة بعده فقتلوه، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفادة أبي تاشفين على السلطان أبي العباس صريخا على أبيه ومسيره بالعساكر ومقتل أبيه السلطان أبي حمو
كان أبو تاشفين ابن السلطان أبي حمو قد وثب على أبيه آخر ثمان وثمانين وسبعمائة ٧/٤٧٩
بممالئته لغيره من إخوته واعتقله بوهران. وخرج بالعساكر لطلب إخوته المنتصر وأبي زيان وعمر فامتنعوا عند حصين بجبل تيطرى فحاصرهم أياما. ثم تذكر غائلة أبيه، فبعث ابنه أبا زيان في جماعة من بطانته منهم ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله بن جابر الخراساني، فقتلوا بعض ولده بتلمسان، ومضوا إليه وهو بمحبسه في وهران. فلما شعر بهم أشرف من الحصن ونادى في أهل المدينة متذمما بهم، فهرعوا إليه. وتدلى إليهم في عمامته وقد احتزم بها فأنزلوه وأحدقوا به وأجلسوه على سريره. وتولى كبر ذلك خطيب البلد ابن جذورة ولحق أبو زيان بن أبي تاشفين ناجيا إلى تلمسان. واتبعه السلطان أبو حمو ففر منها إلى أبيه. ودخل أبو حمو تلمسان وهي طلل وأسوارها خراب، فأقام فيها رسم دولته. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فأجفل من تيطرى وأغذ السير فدخلها. واعتصم أبوه بمئذنة المسجد، فاستنزله منها وتجافى عن قتله. ورغب إليه أبوه في رحلة المشرق لقضاء فرضه، فاسعفه وأركبه السفين مع بعض تجار النصارى إلى الإسكندرية موكلا به. فلما حاذى مرسى بجاية لاطف النصراني في تخلية سبيله فأسعفه وملك أمره. وبعث إلى صاحب الأمر ببجاية يستأذنه في النزول، فأذن له. وسار منها إلى الجزائر، واستخدم العرب، واستصعب عليه أمر تلمسان، فخرج إلى الصحراء. وجاء إلى تلمسان من جهة المغرب فهزم عساكر ابنه أبي تاشفين وملكها. وخرج أبو تاشفين هاربا منها، فلحق بأحياء سويد في مشاتيهم. ودخل أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين وسبعمائة. وقد تقدم شرح هذه الأخبار كلها مستوعبة. ثم وفد أبو تاشفين مع محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صريخا على أبيه، ومؤملا الكرة بإمداده. فبعث له السلطان وأجمل عليه المواعيد. وقام أبو تاشفين في انتظارها والوزير محمد بن يوسف بن علال يعده ويمنيه ويحلف له على الوفاء. وبعث السلطان أبو حمو إلى ابن الأحمر لما يعلم من استطالته على دولة بني مرين كما مر، يتوسل إليه في أن يصدهم عن صريخ أبي تاشفين وإمداده عليه فجلا ابن الأحمر في ذلك وجعلها من أهم حاجاته. وخاطب السلطان أبا العباس في أن يجيز إليه أبا تاشفين، فتعلل عليه في ذلك بأنه استجار بابنه أبي فارس، واستذم به. ولم يزل الوزير ابن علال يفتل لسلطانه ولابن الأحمر في ٧/٤٨٠
الذروة والغارب، حتى تم أمره وأنجز له السلطان بالنظر موعده. وبعث ابنه الأمير أبا فارس والوزير ابن علال في العساكر صريخين له، وانتهوا إلى تازى. وبلغ الخبر إلى أبي حمو فخرج من تلمسان في عساكره، واستألف أولياءه من عبيد الله. ونزل بالغيران من وراء جبل بني راشد المطل على تلمسان، وأقام هنالك متحصنا بالجبل، وجاءت العيون إلى عساكر بني مرين بتازى بمكانه هو وأعرابه من الغيران، فأجمعوا غزوة. وسار الوزير علال وأبو تاشفين وسلكوا القفر ودليلهم سليمان بن ناجي من الأحلاف. حتى صبحوا أبا حمو ومن معه من أحياء الجراح في مكانهم بالغيران. فجاولوهم ساعة، ثم ولوا منهزمين، وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط، وأدركه بعض أصحاب أبي تاشفين فقتلوه قعصا بالرماح، وجاءوا برأسه إلى ابنه أبي تاشفين والوزير ابن علال، فبعثوا به إلى السلطان، وجيء بابنه عمير أسيرا، فهم أخوه أبو تاشفين بقتله، فمنعه بنو مرين أياما. ثم أمكنوه منه فقتله، ودخل تلمسان آخر إحدى وتسعين وسبعمائة وخيم الوزير وعساكر بني مرين بظاهر البلد، حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال. ثم قفلوا إلى المغرب وأقام أبو تاشفين بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابر تلمسان وأعمالها، ويبعث إليه بالضريبة كل سنة، كما اشترط على نفسه. وكان أبو حمو لما ملك تلمسان ولى ابنه أبا زيان على الجزائر، فلما بلغه مقتل أبيه امتعض ولحق بأحياء حصين ناجيا وصريخا. وجاءه وفد بني عامر من زغبة يدعونه للملك.
فسار إليهم. وقام بدعوته شيخهم المسعود بن صغير، ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فحاصرها أياما. ثم سرب أبو تاشفين المال في العرب فافترقوا عن أبي زيان، وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة.
ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل، وعاود حصار تلمسان في شوال. وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب، فجاءه بمدد من العساكر. ولما انتهى إلى تاوريرت، أفرج أبو زيان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء. ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب، فوفد عليه صريخا فتلقاه وبر مقدمه ووعده النصر من عدوه. وأقام هنالك إلى حين مهلك أبي تاشفين، والله أعلم. ٧/٤٨١
وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان
لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العباس ابن السلطان أبي سالم، ومؤديا الضريبة التي فرضها عليه منذ ملك، وأخوه الأمير زيان عند صاحب المغرب ينتظر وعده بالنصر عليه، حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزعات الملوكية، فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان. فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وسبعمائة وانتهى إلى تازى، وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به، ثم هلك منه في رمضان من السنة. وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤولة، فولى بعده مكانه صبيا من أبنائه، وأقام بكفالته. وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية واليا على الجزائر من قبل أبي تاشفين، فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب فدخل تلمسان، وقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه أبي تاشفين، فلما بلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب خرج إلى تازى، وبعث من هنالك ابنه أبا فارس في العساكر ورد أبا زيان بن أبي حمو إلى فاس، ووكل به. وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها واقام فيها دعوة أبيه. وتقدم وزير أبيه صالح بن أبي حمو إلى مليانة، فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية. واعتصم يوسف بن الزابية بحصن تاجمعومت وأقام الوزير صالح يحاصره. وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط، والله غالب على أمره.
وفاة أبي العباس صاحب المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط
كأن السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذي تقدم لفتح البلاد الشرقية. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج ٧/٤٨٢
سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق.
وتقدمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب، يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك. فلما قدم يوسف بها على السلطان أبي العباس أعظم موقعها وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها. وشرع في المكافأة عليها بمتخير الجياد والبضائع والثياب، حتى استكمل من ذلك ما رضيه. واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول. وأنه يرسله من تازى أيام مقامته تلك، فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم سنة ست وتسعين وسبعمائة واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولوه مكانه، ورجعوا به إلى فاس. وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال، وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها، وقائما بدعوة السلطان أبي فارس فيها، فسار إليها وملكها، وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها، فبعث إليهم أبو زيان عند ما بلغه ذلك وبذل لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه، فأجابوه إلى ذلك، وأسلموه إلى ثقات أبي زيان. وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم، فبادروا بقتله، وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه، واستقامت أمور دولته. وهم على ذلك لهذا العهد، والله غالب على أمره، وهو على كل شيء قدير.
وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية، وبقي علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بني مرين من أول الدولة. وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي، وخبر بني كندوز أمرائهم بمراكش. فلنرجع إلى ذكر أخبارهم، وبها نستوفي الكلام في أخبار بني عبد الواد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ٧/٤٨٣
الخبر عن القرابة المرشحين من آل عبد الحق من الغزاة المجاهدين بالأندلس الذين قاسموا ابن الأحمر في ملكه وانفردوا برياسة جهاده
كانت الجزيرة الأندلسية وراء البحر منذ انقراض أمر بني عبد المؤمن وقيام ابن الأحمر بأمرها، قليلة الحامية، ضعيفة الأحوال إلا من يلهمه الله لعمل الجهاد من قبائل زناتة المؤملين كرة الملك والمقتسمين ممالك المغرب، وخصوصا بني مرين أهل المغرب الأقصى لاتصال عدوة الأندلس ببسائطه ولتعدد الفراض ببحر الزقاق القريب العدوتين. وما زال أهل الزقاق على قديم الزمان لأجل ذلك فرضة دون سواحل المغرب.
(ولما استولى) بنو مرين على ممالكه، وضاقت أحوال المسلمين بالأندلس، وأخذ بمخنقهم الطاغية حتى ألجأهم إلى سيف البحر واستأثر بالقوسرة وما وراءها.
واستأثر بنو القمص أهل برشلونة وقطلوسة بشرق الأندلس. وانتشر في الأقطار ما كان من أمر قرطبة وأضنيها إشبيلية وبلنسية، وامتعض لذلك المسلمون وتنافسوا في الجهاد وإمداد الأندلس بأموالهم وأنفسهم، وسابق الناس إلى ذلك الأمير ابو زكريا بن أبي حفص بما كان صاحب الوقت والمؤمل للكرة، فاستنفذ الكثير من أمواله ومقرباته في إمدادهم بعد أن كانوا آثروا القيام بدعوته، وأوفدوا عليه المشيخة ببيعتهم. وكان ليعقوب بن عبد الحق أمل في الجهاد وحرص عليه. فاعتزم في سلطان أخيه أبي يحيى على الإجازة لذلك، فمنعه ضنة به عن الاغتراب عنه. وأوعز إلى صاحب سبتة يومئذ أبي علي بن خلاص بمنعه منها، فوعر له السبيل وسد عليه المذاهب.
ولم ينشب يعقوب بن عبد الحق أن قام بسلطان المغرب بعد أخيه أبي يحيى وشغل بشأنه. وأهمه شأن ابن أخيه إدريس منهم في الجهاد بعد العدوة، فاغتنمها منه وعقد له من مطوعة زناتة على ثلاثة آلاف أو يزيدون. وأجاز معه رحو ابن عمه عبد الله بن عبد الحق. وفصلوا إلى الأندلس سنة إحدى وستين وستمائة فحسنت ٧/٤٨٥
آثارهم في الجهاد وكرمت مقاماتهم. ثم رجع عامر بن إدريس إلى المغرب وكثر انتقاض القرابة. ونافسهم أقيال زناتة في مثلها، فاجتمع أبناء الملوك بالمغرب الأوسط مثل عبد الملك ويغمراسن بن زيان وعامر بن منديل بن عبد الرحمن وزيان بن محمد ابن عبد القوي فتعاقدوا على الإجازة إلى الأندلس إلى الجهاد، وأجازوا فيمن خف معهم من قومهم سنة ست وسبعين وستمائة، فامتلأت الأندلس بأقيال زناتة وأعياص الملك منهم. وكان فيمن أجاز من أعياصهم بنو عيسى بن يحيى بن وسناف بن عبو ابن أبي بكر بن حمامة. ومنهم سليمان وإبراهيم وكانت لهما آثار في الجهاد ومقامات محمودة، وكان موسى بن رحو لما نازلة السلطان وبني أبيه عبد الله بن عبد الحق بحصن علودان ونزلوا على عهده لحق بتلمسان. وكان بنو عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق عصبة من بين سائرهم، لأن عبد الله وإدريس كانا شقيقين لسوط النساء بنت عبد الحق، فاقتفى أثر يعقوب بن عبد الحق بن عبد الله محمدا ابن عمه إدريس، وخرج على السلطان بقصر كتامة سنة ثلاث وستين وستمائة، ثم استرضاه عمه واستنزله. وبقي يعقوب بن عبد الله في انتقاضه ينتقل في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلى من أولياء السلطان سنة ثلاث وستين وستمائة بجهات سلا، فكفى السلطان شأنه. ولما كان من عهد السلطان لابنه أبي مالك ما قدمناه نفس عليه هؤلاء القرابة هذا الشأن، فانتفضوا ولحق ابن إدريس بحصن علودان. ولحق موسى بن رحو بن عبد الله بجبال غمارة ومعه أولاد عمه أبي عياد بن عبد الحق، ونازلهم السلطان حتى نزلوا على عهده، وأجازهم إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فأقاموا بها للجهاد سوقا ونافسهم أقيال زناتة في مثلها بتلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فولاه السلطان ابن الأحمر على جميع الغزاة المجاهدين هنالك، لما كان كبيرهم ومحل سؤلهم . ولم يلبث أن عاد إلى المغرب، فولى السلطان مكانه أخاه عبد الحق. ثم رجع عنه مغاضبا إلى تلمسان، فولي مكانه على الغزاة المجاهدين إبراهيم بن عيسى بن يحيى بن وسناف إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٨٦
الخبر عن موسى بن رحو فاتح هذه الرئاسة بالأندلس وخبر أخيه عبد الحق من بعده وابنه حمو بن عبد الحق بعدهما
لما هلك السلطان الشيخ بن الأحمر وولي ابنه السلطان الفقيه، ووفد على السلطان يعقوب بن عبد الحق صريخا للمسلمين، فأجاز إليه أول إجازته سنة ثلاث وسبعين وستمائة وأوقع بجيوش النصرانية. وقتل الزعيم دننه واستولى له الغلب على الأندلس، وبدا لابن الأحمر في أمره وخشي مغبته، وتوقع أن يكون شأنه معه شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عياد. وكان بالأندلس قرابته بنو أشقيلولة قد قاسموه في ممالكها، وانفردوا بوادي آش ومالقة وقمارش حسبما ذكرناه في أخباره مع السلطان، وانتقض عليه أيضا من رؤساء الأندلس ابن عبدريل وابن الدليل، فكانوا يجلبون على بلاد المسلمين. وكانوا قد استنجدوا جيوش النصرانية ونازلوا غرناطة، وعاثوا في الجهات، فلما استوت قدم السلطان يعقوب بن عبد الحق بالأندلس، وصل هؤلاء الثوار به أيديهم، فخشيهم ابن الأحمر جميعا على نفسه.
وقلب السلطان ليوسف ظهر المجن، واستظهر عليه بالأعياص من قرابته. وكان هؤلاء القرابة من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق، وينسبون جميعا إلى سوط النساء كما ذكرناه، ومن أولاد أبي عياد بن عبد الحق لما أوجسوا الخيفة من السلطان واستشعروا النكير منه، لحقوا بالأندلس ثورية بالجهاد، وانتبذوا عن الهول فرارا من محله. وقد كان السلطان أبو يوسف حين انتقضوا عليه أشخصهم إلى الأندلس، فاجتمع منهم عند ابن الأحمر عصابة من أولاد عبد الحق كما قلناه، وأولاد وسناف وأولاد نزول وتاشفين بن معطي كبير بني تيربيغن من بني محمد. وتبعهم أولاد محلى أخوال السلطان أبي يوسف، وكان ابن الأحمر كثيرا ما يعقد لهم على الغزاة المجاهدين من زناتة لدار الحرب، فعقد أولا لموسى بن رحو سنة ثلاث وسبعين وستمائة ولأخيه عبد الحق بعد انصرافه إلى المغرب، ثم لإبراهيم بن عيسى بعد انصرافهما معا كما قلناه. ثم رجعا فعقد لموسى بن رحو ثانية على أشياخه، ٧/٤٨٧
وأثبت له قدما في الرئاسة ليحسن به دفاع السلطان أبي يوسف عنهم. ثم تداولت الامارة فيهم ما بينهم وبين عمومتهم. وربما عقد قبل ذلك أزمان الفترة ليعلى بن أبي عياد بن عبد الحق في بعض الغزوات، ولتاشفين بن معطي في أخرى سنة تسع وسبعين وستمائة ومعه طلحة بن محلى، فاعترضوا الطاغية دون حصر المسلمين وربما كان لهم الظهور. ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أبي تاشفين وعقد ابن الأحمر في بعض حروبه معه ليعلى بن أبي عياد على زناتة جميعا، وحاشهم إلى رايته، فانفضت جموع أبي يوسف، وظهروا عليه، وتقبضوا في المعركة على ابنه منديل، واستاقوه أسيرا إلى أن أطلقه السلطان ابن الأحمر في سلم عقده بعد مهلكه، مع أبيه يوسف بن يعقوب. واستبد موسى بن رحو من بعدها بإمارة الغزاة بالأندلس إلى أن هلك، فوليها من بعده أخوه عبد الحق إلى أن هلك سنة تسع وسبعين وستمائة وكان مظفر الراية على عدو المسلمين. ولما هلك ولي من بعده ابنه حمو بن عبد الحق فكانت هذه الامارة متصلة في بني رحو إلى أن انتقلت منهم إلى إخوانهم من بني أبي العلاء وغيرهم. واندرج حمو في جملة عثمان بن أبي العلاء من بعد حسبما نذكر.
وأما إبراهيم بن عيسى الوسنافي فإنه رجع إلى المغرب، ونزل على يوسف بن يعقوب وقتله بمكانه من حصار تلمسان بعد حين من الدهر، وبعد أن كبر وعمي. والله مالك الأمور لا رب غيره، وكان مهلك ابن أبي عياد سنة سبع وثمانين وستمائة ومعطي بن أبي تاشفين سنة تسع وثمانين وستمائة وطلحة بن محلى سنة ست وثمانين وستمائة والله أعلم.
الخبر عن عبد الحق بن عثمان شيخ الغزاة بالأندلس
كان عبد الحق هذا من أعياص الملك المريني ويعاسيبهم وهو من ولد محمد بن عبد الحق ثاني الأمراء على بني مرين بعد أبيهم عبد الحق. وهلك أبوه عثمان بن محمد بالأندلس إحدى أيام الجهاد سنة تسع وسبعين وستمائة وربي عبد الحق هذا في حجر السلطان يوسف بن يعقوب إلى أن كان من أمر خروجه مع الوزير رحو بن يعقوب على السلطان أبي الربيع ما ذكرناه في أخباره. ولحق بتلمسان وأجاز منها إلى الأندلس، ٧/٤٨٨
وسلطانه يومئذ أبو الجيوش ابن السلطان الفقيه. وشيخ زناتة حمو بن عبد الحق بن رحو. وخاطبهم السلطان أبو سعيد ملك المغرب في اعتقاله، فأجابوه وفر من محبسه، ولحق بدار الحرب. ولما انتقض أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد وبايع لنفسه بمالقة، وزحف إلى غرناطة فنازلها، ووقعت الحرب بظاهرها بين الفريقين وأخذ في بعض حروبهما حمو بن عبد الحق أسيرا، وسيق إلى السلطان أبي الوليد. وكان معه عمه أبو العباس بن رحو فأبى من اسار ابن أخيه وخلى عنه، فرجع إلى سلطانه فارتاب به لذلك. وعقد على الغزاة مكانه لعبد الحق بن عثمان استدعاه من مكانه بدار الحرب. ثم غلبهم أبو الوليد على غرناطة. وتحول أبو الجيوش على وادي آش على سلم انعقد بينهم، وسار معه عبد الحق بن عثمان على شأنه. ثم وقعت بينه وبين أبي الجيوش مغاضبة، لحق لأجلها بالطاغية وأجاز إلى سبتة، فاستظهر به أبو يحيى بن أبي طالب العزفي أيام حصار السلطان أبي سعيد إياه، فكان له في حماية ثغره والدفاع عنه آثار مذكورة. ثم عقد السلطان أبو سعيد السلم ليحيى العزفي، وأفرج عنه، فارتحل عبد الحق بن عثمان إلى إفريقية. ونزل ببجاية سنة تسع عشرة وسبعمائة على أبي عبد الرحمن بن عمر صاحب السلطان أبي يحيى المستبد بالثغور الغربية، فأكرم نزله، وأوسع قراره، وضرب له الفساطيط بالزينة من ساحة البلد استبلاغا في تكريمه وحمله وأصحابه على مائة وخمسين من الخيل، ثم أقدمهم على السلطان بتونس فبر مقدمهم، وخلط عبد الحق بنفسه وآثره بالخلة والصحابة، وأجله بمكان الاستظهار به وبعصابته. ولما عقد السلطان لمحمد بن سيد الناس على حجابته سنة سبع وعشرين وسبعمائة واستقدمه لذلك من ثغر بجاية كما ذكرناه، عظمت رياسته واستغلظ حجابه، وحجب عبد الحق ذات يوم عن بابه، فسخطها وذهب مغاضبا، وداخل أبا فارس في الخروج على أخيه، فأجابه وخرج به من تونس، فكان من خبرهم ومقتل أبي فارس وخلوص عبد الحق إلى تلمسان ونزوله على أبي تاشفين، وغزوة إلى إفريقية مع عساكر بني عبد الواد سنة سبع وعشرين وسبعمائة ما ذكرناه في أخبار الدولة الحفصية.
ثم لما رجع بنو عبد الواد إلى تلمسان صمد مولانا السلطان أبو يحيى إلى تونس في ٧/٤٨٩
أخريات سنته. وفر ابن أبي عمران السلطان المنصوب بتونس من بني أبي حفص إلى أحياء العرب، وتقبض على أبي رزين ابن أخي عبد الحق بن عثمان في جملة من أصحابه، فقتله قعصا بالرماح. ورجع عبد الحق بن عثمان إلى مكانه من تلمسان، فأقام بمثواه عند أبي تاشفين متبوئا من الكرامة والاعتزاز ما شاء إلى أن هلك بمهلك أبي تاشفين يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان عليهم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وقتلوا جميعا عند قصر الملك أبو تاشفين وأبناء عثمان ومسعود وحاجبه موسى بن علي، ونزيله عبد الحق هذا، وأبو ثابت ابن أخيه، فقطعت رءوسهم وتركت أشلاؤهم بساحة القصر عبرة للمعتبرين حسبما ذكرناه في أخبار أبي تاشفين، والله أعلم.
الخبر عن عثمان بن أبي العلاء من أمراء الغزاة المجاهدين بالأندلس
كان أولاد سوط النساء من ولد عبد الحق، أهل عصابة واعتزاز على قومهم، وهم أولاد إدريس وعبد الله ابنيها والشقيقين كما ذكرناه. وكان مهلك إدريس الأكبر يوم مهلك أبيه بتافريطت ومهلك عبد الله قبله. وخلف عبد الله ثلاثة من الولد تشعب فيهم نسله، وهم: يعقوب ورحو وإدريس. واستعمل أبو يحيى بن عبد الحق يعقوبا منهم على سلا عند افتتاحه إياها سنة تسع وأربعين وستمائة ثم انتزى بها بعد ذلك على عمه يعقوب سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان من شأن ثورة النصارى به ما ذكرناه، واستخلصها يعقوب بن عبد الحق ولحق يعقوب بن عبد الله بعلودان من بلاد غمارة، وامتنع بها، وخرج على أثره ابنا عمه إدريس وهما: عامر ومحمد، وانتزوا بالقصر الكبير، ولحق بهم كافة أولاد سوط النساء. وطالبهم السلطان فلحقوا بجبال غمارة ونازلهم، ثم استنزلهم بعد ذلك على الأمان، وعقد لعامر على الغزو إلى الأندلس سنة ستين وستمائة كما ذكرناه، وأجاز معه رحو بن عبد الله. ورجع محمد بن عامر ومر إلى تلمسان سنة ثمانين وستمائة وأجاز منها إلى الأندلس. ٧/٤٩٠
ثم خرجوا على السلطان يعقوب بن عبد الحق سنة تسع وثمانين وستمائة ومعهم ولد أبي عياد بن عبد الحق واعتصموا بعلودان، واستنزلهم السلطان على اللحاق بتلمسان فلحقوا بها. وأجاز أولاد سوط النساء وأولاد أبي عياد كافة إلى الأندلس واستقروا بها يومئذ، ورجع عامر منهم ومحمد وكان من خبره ما نذكر. وهلك يعقوب بن عبد الله سنة ثمان وستين وستمائة في اغترابه بقفوله من رباط الفتح، قتله طلحة بن محلى.
واستقر بنوه من أولاد سوط النساء بالمغرب، وكان ابنه أبو ثابت أميرا على بلاد السوس أيام السلطان يوسف بن يعقوب وأوقع بالركبة سنة تسع وتسعين وستمائة ولم يزل بنوه بالمغرب من يومئذ. وكان من إخوانه أبي العلاء ورحو ابنا عبد الله بن عبد الحق تشعب نسله فيهما، وأجاز رحو إلى الأندلس مع عامر ومحمد ابن عمه إدريس.
ثم أجاز موسى ابنه سنة تسع وتسعين وستمائة مع أولاد أبي عياد وأولاد سوط النساء. ثم رجع إلى محله من الدولة وفر ثانيا سنة خمس وسبعين وستمائة إلى تلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس واستقر بها. وأجاز أولاد أبي العلاء سنة خمس وثمانين وستمائة مع أولاد أبي يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان بن عبد الحق واستقروا بالأندلس، وكانوا يرجعون في رياستهم لكبيرهم عبد الله بن أبي العلاء. وعقد له ابن الأحمر على الغزاة من زناتة فيمن كان يعقد لهم من زناتة قبل استقرار المنصب، إلى أن هلك شهيدا في إحدى غزوات سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعقد المخلوع ابن الأحمر لأخيه عثمان بن أبي العلاء، على حامية مالقة وغربيها من الغزاة لنظر ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر. ولما غدر الرئيس أبو سعيد بسبتة سنة خمس وسبعمائة وتمت له في مثلها الحيلة، واضطرمت نار العداوة بينه وبين صاحب المغرب، فنصبوا عثمان هذا للأمر، وأجازوه إلى غمارة، فثار بها ودعا لنفسه، وتغلب على أصيلا والعرائش، وكان ما ذكرنا إلى أن غلبه أبو الربيع سنة ثمانين وستمائة، ورجع إلى مكانه بالأندلس ولما اعتزم أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد على الخروج على أبي الجيوش صاحب غرناطة، داخل في ذلك شيخ الغزاة بمالقة عثمان بن أبي العلاء، فساعده عليه، واعتقل أباه الرئيس أبا سعيد، وزحف ٧/٤٩١
إلى غرناطة سنة أربع عشرة وسبعمائة فلما استولى عليها عقد لعثمان هذا على إمارة الغزاة المجاهدين من زناتة، وصرف عنها عثمان بن عبد الحق: بن عثمان، فلحق بوادي آش مع أبي الجيوش. وصار حمو بن عبد الحق بن رحو في جملته بعد أن كان شيخا على الغزاة كما قلناه. واستمرت أيام ولاية عثمان هذا، وبعد فيها صيته، وغص صاحب المغرب أبو سعيد بمكانه، ولما استصرخه المسلمون للجهاد سنة ثمان عشرة وسبعمائة اعتذر بمكان عثمان هذا، واشترط عليهم القبض عليه حتى يرجع عنهم فلم يكن ذلك، ونازل الطاغية غرناطة وحاصرها، وكان لعثمان وبنيه في ذلك آثار مذكورة.
وأتاح الله للمسلمين في النصرانية على يد عثمان هذا وبنيه ما لم يخطر على قلب أحد منهم، فتأكد اغتباط الدولة والمسلمين بمكانهم إلى أن هلك أبو الوليد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، باغتيال بعض الرؤساء من قرابته بمداخلة عثمان هذا، زعموا في غدره، ونصب للأمر ابنه محمد صبيا لم يبلغ الحلم. وأقام بأمره وزيره محمد بن المحروق من صنائع دولتهم، فاستبد عليه وألقى زمام الدولة بيد عثمان في النقض والإبرام، فاعتز عليهم وقاسمهم في الأمر، واستأثر في أعطيات الغزاة بكثير من أموال الجباية، حتى خشي الوزير على الدولة. وأدار الرأي في كبره على التغلب، فجمح وفسد ما بينه وبين الوزير ابن المحروق، فانتقض عليه وخرج مغاضبا، فاضطربت فساطيطه بمرج غرناطة. واعصوصب جماعة الغزاة من قبائل زناتة عليه، واعتصم الوزير وأهل الدولة بالحمراء وسعى الناس بينهما أياما، وأدار الوزير الرأي في أن ينصب له كفؤا من قرابته، يجاذبه الحبل ويشغله بشأنه عن الدولة، فجأجأ بيحيى بن عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق وكان في جملة عثمان وأصهر إليه في ابنته. وعقد له على الغزاة وتسايلوا إليه. وبرز عثمان بمعسكره في عشيرة وولده، وعقد معه السلم في أن يجيز إلى المغرب. وأوفد بطانته على السلطان أبي سعيد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وارتحل من ساحة غرناطة في ألف فارس من ذويه وأقاربه وحشمه. وقصد تدرش ليجعلها فرضة لمجازه، حتى إذا حاذى تدرش ٧/٤٩٢
وكان بينه وبين رؤسائها مداخلة، فخرجوا إليه مؤدين حق مبرته، فغدر بهم وأركب إليها فملكها وضبطها، وأنزل بها حرمه وأثقاله. ودعا محمد ابن الرئيس أبي سعيد من شلوبانية كان منزلا بها، فجاء إليه ونصبه للأمر، وشن الغارات على غرناطة صباحا ومساء، واضطرمت نار الفتنة. واستركب يحيى بن رحو من قدر عليه من زناتة. وطالت الحرب سنين حتى إذا فتك السلطان محمد بن الأحمر بوزيره ابن المحروق، استدعى عثمان بن أبي العلاء، وعقد له السلم على أن يجيز عمه إلى المغرب ويلحق بغرناطة لشأنه من رياسة الغزاة، فتم ذلك سنة تسع وعشرين وسبعمائة ورجع إلى مكانه من الدولة. وهلك إثر ذلك لسبع وثلاثين سنة من إمارته على الغزاة. والبقاء لله وحده.
الخبر عن رياسة ابنه أبي ثابت من بعده ومصير أمرهم
لما هلك شيخ الغزاة ويعسوب زناتة عثمان بن أبي العلاء، قام بأمره وقومه ابنه أبو ثابت عامر، وعقد السلطان أبو عبد الله بن أبي الوليد له على الغزاة المجاهدين كما كان أبوه، فعظم شأنه قوة وشكيمة وكثرة عصابة ونفوذ رأي وبسالة. وكان لقومه اعتزاز على الدولة، بما عجموا من عودها، وكانوا أولي بأس وقوة فيها واستبداد عليها، وكان السلطان محمد بن أبي الوليد مستنكفا عن الاستبداد عليه في القلة والكثرة، فكان كثيرا ما يخرقهم بتسفيه آرائهم والتضييق عليهم في جاههم. ولما وفد على السلطان أبي الحسن سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة صريخا على الطاغية، واستغذ ابنه الأمير أبا مالك لمنازلة جبل الفتح، اتهموه بمداخلة السلطان أبي الحسن في شأنهم، فتنكروا وأجمعوا الفتك به، وداخلوا في ذلك بعض صنائعه ممن كان متربصا بالدولة فساعدهم. ولما افتتح الجبل وكان من شأنه ما قدمنا ذكره، وزحف الطاغية فأناخ عليه، وقصد ابن الأحمر الطاغية في بنيه راغبا أن يرجع إلى الحصن، فرجع ٧/٤٩٣
وافترقت عساكر المسلمين، ارتحل السلطان ابن الأحمر إلى غرناطة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وقد قعدوا له بمرصد من طريقه. ونمي الخبر إليه، فدعا بأسطوله لركوب البحر إلى مالقة، واستبق إليهم الخبر بذلك، فتبادروا إليه ولقوة بطريقة من ساحل اصطبونة، فلاحوه وعاتبوه في شأن صنيعته عاصم من معلوجيه، وحاجهم عنه، فاعتوروا عاصما بالرماح فنكر ذلك عليهم، فألحقوه به، وخر صريعا عن مركوبة، وبعثوا إلى أخيه يوسف فأعطوه بيعتهم، وصفقة أيمانهم، ورجعوا به إلى غرناطة وهو حذر منهم لفعلتهم التي فعلوا. واستمرت الحال على ذلك. ولما استكمل السلطان أبو الحسن فتح تلمسان وصرف عزائمه إلى الجهاد داخل ابن الأحمر في إزاحتهم عن الأندلس مكان جهاده، فصادف منه إسعافا وقبولا وحرصا على ذلك، وتقبض على أبي ثابت وإخوته إدريس ومنصور وسلطان. وفر أخوهم سليمان فلحق بالطاغية، وكان له في يوم طريف أثر في الإيقام بالمسلمين، ولما تقبض ابن الأحمر على أبي ثابت وإخوته، أودعهم جميعا المطبق أياما، ثم غربهم إلى إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وأوعز إليه السلطان أبو الحسن بالتوثق منهم أن يتصلوا بنواحي المغرب، ويخالفوه إليها أيام شغله بالجهاد في الأندلس، فاعتقلهم وأوفد أبا محمد بن تافراكين إلى سدة السلطان أبي الحسن إليه شفيعا فيهم، فتقبل شفاعته وأحسن نزلهم وكرامتهم، حتى إذا احتل بسبتة أيام حصار الجزيرة في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة سعى بهم عنده، فتقبض عليهم واعتقلهم بمكناسة. ولما انتزى ابنه الأمير أبو عنان على الأمر. وهزم منصور ابن أخيه أبي مالك صاحب فاس، ونازلة بالبلد الجديد، بعث فيهم إلى مكناسة، فأطلقهم من الاعتقال وأفاض فيهم الإحسان، واستظهر على شأنه. وأحل ابا ثابت محل الشورى من مجلسه، وداخل إدريس أخاه في المكر بالبلد الجديد، فنزع إليها ومكر بهم، وثار عليهم إلى أن نزلوا على حكم السلطان أبي عنان، فعقد لأبي ثابت على سبتة وبلاد الريف ليشارف منها الأندلس محل إمارته. وأطلق يده في المال والجيش، وفصل لذلك، فهلك بالطاعون يومئذ سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمعسكره إزاء معسكر السلطان من حصار البلد الجديد. واستقر إخوانه في إيالة السلطان أبي عنان بالمغرب الأقصى إلى أن كان من مفر أخيه إدريس وولايته على الغزاة بالأندلس، ما نذكره إن شاء الله تعالى. ٧/٤٩٤
الخبر عن يحيى بن عمر بن رحو وإمارته على الغزاة بالأندلس أولا وثانيا ومبدإ ذلك وتصاريفه
كان رحو بن عبد الله كبير ولد عبد الله بن عبد الحق، وكان له بنون كثيرون، وتشعب نسله فيهم، منهم: موسى وعبد الحق والعباس وعمر ومحمد وعلي ويوسف. أجازوا كلهم إلى الأندلس مع أولاد سوط النساء من تلمسان كما قدمناه. وأقام عمر بعدهم بتلمسان مدة واتخذ بها الأهل والولد. ثم لحقهم وولى موسى إمارة الغزاة بعد إبراهيم ابن عيسى الوسنافي، وبعده أخوه عبد الحق على الغزاة أقام بها مدة وأجاز إلى سبتة مع الرئيس أبي سعيد وعثمان بن أبي العلاء سنة خمس وسبعمائة وولي بعدها على الغزاة المجاهدين. ثم رجع إلى الأندلس، ولم يلبث بها أن أجاز إلى المغرب. ونزل على السلطان أبي سعيد، فأكرم نزله، ثم رجع إلى الأندلس. ولما ولي إمارة الغزاة عثمان بن أبي العلاء، وكان بينهم من المنافسة ما يكون بين فحول الشول، أشخص بني رحو جميعا إلى إفريقية، فنزلوا على مولانا السلطان أبي يحيى خير نزل، اصطفاهم واستخلصهم واستظهر جمعهم في حروبه. وهلك عمر بن رحو ببلاد الجريد وقبره ببشرى من نفزاوة معروف، ونزع ابنه يحيى من بين إخوته عن مولانا السلطان أبي يحيى، وصار في جملة ابن أبي عمران، ثم لحق بزواوة وأقام في بني يتراتن سنين، ثم أجاز إلى الأندلس واستقر بمكانه من قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وأصهر إليه بابنته، وخلطه بنفسه. ولما فسد ما بينه وبين ابن المحروق وزير السلطان بغرناطة سنة سبع وعشرين وسبعمائة واعصوصب عليه الغزاة بمعسكره من مرج غرناطة دس إليه يومئذ ابن المحروق إلى يحيى بن عمر هذا. ودعاه إلى مكان عمله ليضبطه بذلك، فأجاب ونزع عن عثمان وقومه إلى ابن المحروق وسلطانه.
وعقد له على الغزاة فتسايلوا إليه عن عثمان شيخهم، وانصرف إلى المدية وكان من شأنه ما قصصناه في أخباره، وأقام يحيى بن عمر في رياسته إلى أن هلك ابن المحروق بفتكة سلطانه. واستدعى عثمان بن أبي العلاء للرئاسة فرجع إليها. ٧/٤٩٥
وصرف يحيى بن عمر إلى وادي آش، وعقد له على الغزاة بها فأقام حينا، ثم رجع إلى مكانه بين قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وابنه أبا ثابت لما كانت أمه بنت موسى بن رحو، فكان يتعصب لخؤولته فيهم ثم هلك عثمان وكان ما قدمناه من شأن ولده وفتكهم بالسلطان المخلوع. وتقبض أخوهم أبو الحجاج عليهم، وأشخصهم إلى إفريقية وقوض مباني رياستهم. وعقد على الغزاة مكانهم ليحيى بن عمر هذا، فاضطلع بها أحسن اضطلاع. واستمرت حاله وحضر مشاهد أبي الحجاج مع السلطان أبي الحسن، فظهرت كفايته وغناؤه. ولما هلك أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة طعينا بمصلى العيد، في آخر سجدة من صلاته، بيد عبد من عبيد اصطبله مصاب في عقله، أغري زعموا به، وقتل لحينه هبرا بالسيوف. وبويع لابنه محمد، أخذ له البيعة على الناس يومئذ مولاه رضوان من معلوجاتهم، حاجب أبيه وعمه. وقام بأمره واستبد عليه وحجره، فقاسم يحيى بن عمر هذا في شأنه وشاركه في أمره وشد أزر سلطانه به، حتى إذا ثار بالحمراء الرئيس ابن عمهم محمد ابن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد قائما بدعوة إسماعيل بن أبي الحجاج أخي السلطان محمد كان ساكنا بالحمراء. وتحينوا لذلك مغيب السلطان في متنزهه بروضة خارج الحمراء، فخالفوه إليها وكبسوها ليلا فقتلوا الحاجب المستبد رضوان. وأجلس السلطان على سرير ملكه ونادوا بالناس إلى بيعته. ولما أصبح غدا عليهم يحيى بن عمر بعد أن يئسوا منه وخشوا عاديته، فأتاهم ببيعته وأعطى عليها صفقته وانصرف إلى منزله. وبعد استيلائهم استخلصوا إدريس بن عثمان بن أبي العلاء، كان وصل إليهم من دار الحرب بأرض برشلونة كما نذكر. وولوه إمارة الغزاة وائتمروا في التقبض على يحيى بن عمر. ونذر بذلك فركب في حاشيته يؤم دار الحرب من أرض الجلالقة، واتبعه إدريس فيمن إليه من قومه، فقاتلهم صدر نهاره وفض جموعهم. ثم خلص إلى تخوم النصرانية ولحق منها بسدة ملك المغرب أثر سلطانه المخلوع محمد بن أبي الحجاج، وخلف ابنه أبا سعيد عثمان بدار الحرب. ونزل يومئذ على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة فأكرم مثواه وأحله من مجلسه محل الشورى والمؤامرة، واستقر في جملته إلى أن بعث ملك قشتالة في السلطان المخلوع، بإشارة ابنه أبي سعيد وسعايته في ذلك، ليجلب به على أهل الأندلس بما نقضوا من عهده. وجهزه السلطان أبو سالم سنة ثلاث وستين وسبعمائة فصحبه ٧/٤٩٦
يحيى بن عمر هذا. ولقيهم ابنه أبو سعيد عثمان وقاموا بأمر سلطانهم، واستولى على الأندلس بمظاهرتهم، وكان لهم آثار في ذلك. ولما استولى على غرناطة سنة ثلاث وستين وسبعمائة عقد ليحيى بن عمر على إمارة الغزاة كما كان وأعلى يده. واستخلص عثمان لشوراه وخلطه ببطانته. ونافسه الوزير يومئذ محمد بن الخطيب فسعى فيهم، وأغرى السلطان بهم، فتقبض عليهم سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق. ثم أشخص يحيى سنة ست وستين وسبعمائة إلى المشرق وركب السفن من المدية فنزل بالإسكندرية، ورجع منها إلى المغرب، ونزل على عمر بن عبد الله أيام استبداده واستقر في كرامة وخير مقامة، ولم يزل بالمغرب على أعز الأحوال إلى أن هلك سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ثم استخلص ابنه أبا سعيد عثمان من الاعتقال سنة تسع وستين وسبعمائة إلى إفريقية ونزل ببجاية على مولانا السلطان أبي العباس حافد مولانا السلطان أبي يحيى واستقر في جملته. وحضر معه فتح تونس وأبلى فيه. وأقطع له السلطان وأسنى له الجراية، وخلطه بنفسه واصطفاه لشوراه وخلته، وهو لهذا العهد من عظماء مجلسه وظهرائه في مقامات حروبه، وإخوته بالأندلس على مراكز عزهم وفي ظلال عصبيتهم مع قومهم، وقد ذهب مواجد السلطان بالأندلس عليهم وصار إلى جميل رأيه فيهم. والله مالك الملك ومقلب القلوب لا رب غيره.
الخبر عن إدريس بن عثمان بن أبي العلاء وإمارته بالأندلس ومصاير أمره
لما هلك أبو ثابت بن عثمان بن أبي العلاء سنة خمسين وسبعمائة، واستمر إخوته في جملة السلطان أبي عنان ملك المغرب وأقطعهم وأسنى جراياتهم، وكان في إدريس منهم بقية الترشيح يراه الناس به. فلما نهض السلطان إلى فتح قسنطينة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة توغل في ديار إفريقية وحام قومه عن مواقعها، تحيلوا عليه في الرجوع به عن قصده منها. وأذنت المشيخة لمن معهم من قومهم في الانطلاق إلى المغرب حتى خف المعسكر من أهله وتآمروا، زعموا في اغتيال السلطان والإدالة منه ٧/٤٩٧
بإدريس هذا، ونذر بذلك فكر راجعا كما ذكرناه في أخباره. ولما اشيع ذلك ركب إدريس ظهر الغدر وفر من العسكر ليلا، ولحق بتونس، ونزل على القائم بالدولة يومئذ الحاجب أبي محمد بن تافراكين خير نزل وأبره. وركب السفين من تونس إلى العدوة، فنزل على ابن القمص صاحب برشلونة في حشمه وذويه. وأقام هنالك إلى أن كان من مهلك رضوان الحاجب المستبد بالأندلس سنة ستين وسبعمائة ما قدمناه فنزع إلى منبته من غرناطة. ونزل على إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج والقائم بدولته يومئذ الرئيس محمد ابن عمه إسماعيل بن محمد الرئيس أبي سعيد فلقوه مبرة وتكريما ورجوه بالإدالة به من يحيى بن عمر أمير الغزاة يومئذ، لما كانوا يتهمونه به من ممالأة المخلوع صاحب الأمر عليهم. ولما نزع يحيى بن عمر إلى الطاغية، ولحق بدار الحرب سنة إحدى وستين وسبعمائة عقدوا لإدريس بن عثمان هذا على الغزاة مكانه. وولوه خطة أبيه وأخيه بدولتهم، فاضطلع بها. ومالأ الرئيس محمدا على قتل سلطانه إسماعيل بن الحجاج واستبد بالأمر، ولسنتين من ولايته غلبه المخلوع أبو عبد الله على الأمر، وزحف إليه من رندة، كان نزل بها بعد خروجه من دار الحرب مغاضبا للطاغية. وأذن له وزير المغرب عمر بن عبد الله في نزولها فنزلها، ثم زحف إلى الثائر بغرناطة على ملكهم الرئيس وحاشيته فأجفلوا. ولحق الرئيس محمد بن إدريس هذا بقشتالة، ونزلوا في جملتهم وحاشيتهم على الطاغية، فتقبض عليهم. وقتل الرئيس محمد وحاشيته جزاء بما أتوه من غدر رضوان. ثم غدر السلطان إسماعيل من بعده وأودع إدريس ومن معه من الغزاة السجن بإشبيلية، فلم يزل في أسره إلى أن تحيل في الفرار بمداخلة مسلم من الأسرى أعد له فرسا إزاء معتقله، ففك قيده، ونقب البيت، وامتطى فرسه ولحق بأرض المسلمين سنة ست وستين وسبعمائة واتبعوه فأعجزهم، وجاء إلى السلطان أبي عبد الله محمد المخلوع فأكرم نزله وأحسن مبرته، ثم استأذنه في اللحاق بالمغرب فأذن له وأجاز إلى سبتة، وبلغ شأنه إلى صاحب الأمر بالمغرب يومئذ عمر بن عبد الله، فأوعز إلى صاحب سبتة بالتقبض عليه لمكان ما يؤنس من ترشيحه. وأودعه السجن بمكناسة، ثم نقله السلطان عبد العزيز إلى سجن الغدر بفاس، ثم قتلوه خنقا سنة سبعين وسبعمائة ٧/٤٩٨
والله وارث الأرض ومن عليها.
الخبر عن إمارة علي بن بدر الدين على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره
قد ذكرنا أن موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق، كان أجاز إلى الأندلس مع محمد وعامر ابني إدريس بن عبد الحق وقومهم، أولاد سوط النساء سنة تسع وستين وسبعمائة ثم رجع إلى المغرب وفر إلى تلمسان وأجاز منها إلى الأندلس. وولي إمارة الغزاة بها إلى أن هلك بعد أن أصهر إليه السلطان يوسف بن يعقوب في ابنته، فعقد له عليها وزفها إليه سنة تسع وسبعين وسبعمائة مع وفد من قومهم. وكان لموسى بن رحو من الولد جماعة أكبرهم المحمدان جمال الدين وبدر الدين، وضع عليهما هذين اللقبين على طريقة أهل المشرق الشريف المكي الوافد على المغرب لذلك العهد من شرفاء مكة. وكان هؤلاء الأعياص من ملوكهم وأقيالهم يعظمون أهل البيت النبوي ويلتمسون الدعاء والبركة منهم فيما تيسر من أحوالهم، فحمل موسى بن رحو ولديه هذين عند وضعهما إلى الشريف يحنكهما ويدعو لهما، فقال له الشريف خذ إليك جمال الدين، وقال في الآخر خذ إليك بدر الدين، فاستحب موسى دعاءهما بهذين اللقبين تبركا بتسمية الشريف بهما، فاشتهرا بهذين الاسمين. ولما بلغا الأشد وشاركا أباهما في حمل الرئاسة وكان من مهلكه ما ذكرناه، وانحرفت رياسة الغزاة عنهما إلى عمهما عبد الحق وابنه، فلحق جمال الدين منهما بالطاغية سنة ثلاث ثم أجاز البحر من قرطاجنة الى السلطان يوسف بن يعقوب من معسكره من حصار تلمسان، واستقر في جملته حتى إذا هلك السلطان تصدى ابنه ابو سالم للقيام بأمره، وكان مغلبا مضعفا فلم يتم أمره، وتناول الملك أبو ثابت حافد السلطان واستولى عليه. وفر أبو سالم عشي مهلكه ومعه من القرابة جمال الدين هذا وأعمامه العباس وعيسى وعلي بنو رحو بن عبد الله، فتقبض عليهم في طريقهم بمديونة وسيقوا إلى السلطان أبي ثابت، فقتل عمه أبا سالم وجمال الدين بن موسى بن رحو، وامتن على الباقين واستحياهم، وانصرف السلطان بعدها إلى الأندلس، فكانت له في الجهاد آثار كما ذكرناه قبل. وأما بدر الدين فلم يزل بالأندلس مع قومه، ومحله من الرئاسة والتجلة ٧/٤٩٩
محله من النسب إلى أن هلك، فقام بأمره من بعده ابنه علي بن بدر الدين مزاحما لقومه في الرئاسة، مباهيا في الترشيح. وكان كثيرا ما يعقد له ملوك بني الأحمر على الغزاة من زناتة المرابطين بالثغور فيما بعد عن الحضرة من قواعد الأندلس، مثل مالقة والمرية ووادي آش، سبيل المرشحين من أهل بيته، وكانت إمارة الغزاة بالأندلس مستأثرة بأمر السيف والحرب، مقاسمة للسلطان أكثر الجباية في الأعطية والأرزاق لما كانت الحاجة إليهم في مدافعة العدو ومقارعة ملك المغرب إلى ملك الأندلس، يغضون لهم عن استطالتهم عليهم لمكان حاجتهم إلى دفاع العدوين، حتى إذا سكن ريح الطاغية بما كان من شغله بفتنة أهل دينه منذ منتصف هذه المائة، وشغل بنو مرين أيضا بعد مهلك السلطان أبي الحسن وتناسوا عهد الغلب على أقتالهم وجيرانهم، وتناسوا عهد ذلك أجمع. فاعتزم صاحب الأندلس على محو هذه الخطة من دولته. وأغراه بذلك وزيره ابن الخطيب كما ذكرناه حرصا على خلاء الجو له، فتقبض على يحيى بن عمر وبنيه سنة أربع وستين وسبعمائة كما ذكرناه، وعقد على الغزاة المجاهدين لابنه ولي عهده الأمير يوسف، ومحا رسم الخطة لبني مرين بالجملة إلى أن توهم فناء الحامية منهم بفناء بيوت العصبية الكبرى، فراجع رأيه في ذلك. وكان علي بن بدر الدين خالصة له وكان مقدما على الغزاة بوادي آش. ولما لحق السلطان به ناجيا من النكبة ليلة مهلك رضوان، مانع دونه وظاهره على أمره حتى إذا ارتحل إلى المغرب ارتحل معه. ونزلوا جميعا على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة كما ذكرناه. ولما رجع إلى الأندلس رجع في جملته فكان له بذلك عهد وذمة رعاهما السلطان له، وكان يستخلصه ويناجيه. فلما تفقد مكان الأمير على الغزاة ونظر من يوليه عثر اختياره على هذا لسابقته ووسائله وما تولاه من نصحه ووقوفه عند حده، فعقد له سنة سبع وستين وسبعمائة على الغزاة كما كان أولوه، فقام بها واضطلع بأمورها، واستمرت حاله إلى أن هلك حتف أنفه سنة ثمان وستين وسبعمائة، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
الخبر عن إمارة عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره
كان أولاد السلطان أبي علي قد استوقروا بالأندلس وأجازوا إلى طلب الأمر بالمغرب. ٧/٥٠٠
وكان من أمرهم ما شرحناه، إلى أن أجاز عبد الرحمن هذا مع وزيره المصادر به مسعود بن رحو بن ماسي سنة ست وستين وسبعمائة من غساسة على سلم عقده لهم وزير المغرب المستبد بأمره يومئذ عمر بن عبد الله. ونزل عبد الرحمن هذا بالمنكب، وكان السلطان يومئذ معسكرا بها فتلقاه من البر بما يناسبه. وأكرم مثواه وأسنى الجراية له ولوزيره ولحاشيته. واستقروا في جملة الغزاة المجاهدين حتى إذا هلك علي بن بدر الدين سنة ثمان وستين وسبعمائة نظر السلطان فيمن يوليه أمرهم، فعثر اختياره على عبد الرحمن هذا لما عرف به من البسالة والإقدام ولقرب الشرائح بينه وبين ملك المغرب يومئذ، التي هي ملاك الترشيح لهذه الخطة بالأندلس كما قدمناه، لما كانت رشائح ولد عبد الله بن عبد الحق قد بعدت باتصال الملك في عمود نسب صاحب المغرب دون نسبهم، فآثره صاحب الأندلس بها، وعقد له على الغزاة المجاهدين سنة ثمان وستين وسبعمائة وأضفى عليه لبوس الكرامة والتجلة وأقعده بمجلس المؤازرة كما كان الأمراء قبله، واتصل الخبر بسلطان المغرب يومئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، فغص بمكانه، وتوهم أن هذه الإمارة زيادة في ترشيحه ووسيلة لملكه، وكانت لوزير الأندلس محمد بن الخطيب مداخلة مع صاحب المغرب، بما أمل أن يجعله فيئة لاعتصامه، فأوعز إليه بالتحيل على إفساد ما بينه وبين صاحب الأندلس، فجهد في ذلك جهده.
ونسب عليه وعلى وزيره مسعود بن ماسي إلى عظماء القبيل وبعض البطانة من أهل الدولة التحسب والدعوة إلى الخروج على صاحب المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم فاعتقلوا في المطبق سنة سبعين وسبعمائة واسترضى صاحب المغرب بفعلته فيهم، ونزع الوزير ابن الخطيب بعد ذلك إلى السلطان عبد العزيز، وتبين للسلطان مكره واحتياله عليه في شأنهم. ولما هلك عبد العزيز وأظلم الجو بين صاحب الأندلس وبين ٧/٥٠١
القائم بالدولة أبي بكر بن غازي كما قدمناه، وامتعض ابن الأحمر للمسلمين من الفوضى، أطلق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماسي من الاعتقال وجهز لهما الأسطول، فأجازوا فيه إلى المغرب ونزلوا بمرسى غساسة على بطوية داعيا لنفسه، فقاموا بأمره وكان من شأنه مع الوزير أبي بكر بن غازي ما قصصناه، واستقر آخرا بمراكش وتقاسم ممالك المغرب وأعماله مع السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم صاحب المغرب لهذا العهد. وصار التخم بينهما وادي ملوية. ووقف كل واحد منهما عند حده، وأغفل صاحب الأندلس هذه الخطة من دولته ومحا رسمها من ملكه. وصار أمر الغزاة المجاهدين إليه، وباشر أحوالهم بنفسه، وعمهم بنظره، وخص القرابة المرشحين منهم بمزيد تكرمته وعنايته. والأمر على ذلك لهذا العهد، وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء لا رب غيره ولا معبود سواه. ٧/٥٠٢
تم كتاب أخبار الدول الإسلامية بالمغرب لولي الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي الإشبيلي المالكي.
والحمد لله رب العالمين .
التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب
أصل هذا البيت من إشبيلية انتقل عند الجلاء وغلب ملك الجلالقة ابن أدفونش عليها إلى تونس في أواسط المائة السابعة (نسبه) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون هذا لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هذه العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددا، لأن خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فإن كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة، فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل مائة، كما تقدم في أول الكتاب الأول. ونسبنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب، معروف وله صحبة. قال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة: هو وائل بن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل، ابن النعمان بن ربيعة بن الحرث بن عوف بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن مرة بن حمير بن زيد بن الحضرمي بن عمر بن عبد الله بن ٧/٥٠٣
عوف بن جردم بن جرسم بن عبد شمس بن زيد بن لؤي بن ثبت بن قدامة ابن أعجب بن مالك بن مالك بن لؤي بن قحطان. وابنه علقمة بن وائل وعبد الجبار بن علقمة بن وائل.
وذكره أبو عمر بن عبد البر في حرف الواو من الاستيعاب. وأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه وأجلسه عليه، وقال: «اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة» . وبعث معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم الإسلام والقرآن، فكان له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأول خلافته فأجازه، فرد عليه جائزته ولم يقبلها.
ولما كانت وقعة حجر بن عدي الكندي بالكوفة، اجتمع رءوس أهل اليمن، فيهم وائل هذا فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه، حتى أوثقوه وجاءوا به إلى معاوية فقتله كما هو معروف.
وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليون من ولده، جدهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريت بن معديكرب بن الحرث بن وائل بن حجر قال: ومن عقبه كريت بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس.
قال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وترك أبو العاصي محمدا وأحمد وعبد الله. قال: وأخوهم عثمان، له عقب ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس تلميذ مسلمة المجريطي . وهو أبو مسلم عمر بن محمد بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمه أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريت ٧/٥٠٤
الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريت انتهى. كلام ابن حزم.
(سلفه بالأندلس) ولما دخل خلدون بن عثمان جدنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقل إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، وكان الكريت من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني، ثار على أبي عبدة وملكها من يده أعواما. ثم ثار عليه عبد الله بن حجاج بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة الثالثة.
(وتلخيص الخبر عن ثورته ) ما نقله ابن سعيد عن الحجازي وابن حيان وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرخ إشبيلية أن الأندلس لما اضطرمت بالفتن أيام الأمير عبد الله، تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والاستبداد، وكان رؤساؤها المتطاولون إلى ذلك في ثلاثة بيوت: بيت أبي عبدة وبرئيسهم يومئذ ابن عبد الغافر بن أبي عبيدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى إشبيلية وأعمالها أبا عبدة، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه الممالك الضخمة.
وبيت بني خلدون ورئيسهم كريت المذكور، ويردفه خالد أخوه.
قال ابن حيان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية، نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجاج ورئيسهم يومئذ عبد الله. قال ابن حيان: هو من لخم وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية. فلما عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين ومائتين، وكان الأمير عبد الله قد ولى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه محمدا وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر وثاروا بمحمد بن الأمير ٧/٥٠٥
عبد الله، وبأمية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله.
وحاصروه حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبد أمية بإشبيلية، ودس على عبد الله بن حجاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. وضبط إشبيلية واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج ثم ثاروا به، وهم بقتل أبنائهم فراجعوا طاعته، وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه فاستمات وقتل حرمه وعقر خيوله، وأحرق موجودة. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلا غير مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خلع فقتلوه، فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدوا عليه وفتكوا بابنه، وتولى كبر ذلك كريت بن خلدون. واستقل بإمارتها.
وكان إبراهيم بن حجاج بعد ما قتل أخوه عبد الله على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري سمت نفسه إلى التفرد، فظاهر ابن حفصون أعظم ثوار الأندلس يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رندة، فكان له منه ردء. ثم انصرف إلى مداراة كريت بن خلدون وملابسته، فردفه في أمره، وأشركه في سلطانه، وكان في كريت تحامل على الرعية وتعصب، فكان يتجهم لهم ويغلظ عليهم، وابن حجاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفقة بهم عنده، فانحرفوا عن كريت إلى إبراهيم. ثم دس إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه العامة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشربوا من حبه، والنفرة عن كريت، ثم أجمع الثورة. وهاجت العامة بكريت فقتلوه، وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقر بإمارة إشبيلية.
قال ابن حيان: وحصن مدينة قرمونة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطا لخيله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتبهم طبقات، وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، وبعث إليه المدد في الصوائف . وكان مقصودا ٧/٥٠٦
ممدحا، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء ومدحه أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد وقصده من بين سائر الثوار فعرف حقه وأعظم جائزته.
ولم يزل بين بني خلدون بإشبيلية كما ذكره ابن حيان وابن حزم وغيرهما، سائر أيام بني أمية إلى زمان الطوائف ، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة.
ولما غلب كعب بن عباد على إشبيلية، واستبد على أهلها استوزر من بني خلدون هؤلاء واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الجلالقة كانت لابن عباد وليوسف بن تاشفين على ملوك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عباد فاستلحموا في ذلك الموقف. بما كان الظهور للمسلمين، ونصرهم الله على عدوهم. ثم تغلب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس، واضمحلت دولة العرب وفنيت قبائلهم.
(سلفه بإفريقية) ولما استولى الموحدون على الأندلس وملكوها من يد المرابطين، وكان ملوكهم عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم. وولوه على إشبيلية وغرب الأندلس مرارا، ثم ولوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكريا كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمهات، ويعرف بالمحتسب للأمير أبي زكريا ٧/٥٠٧
يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جارية من سبي الجلالقة، اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو زكريا يحيى ولي عهده الهالك في أيامه، وأخواه عمر وأبو بكر، وكانت تلقب أم الخلفاء. ثم انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية إفريقية سنة عشرين وستمائة. ودعا لنفسه بها وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين وستمائة واستبد بإفريقية، وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس، وثار عليهم ابن هود . ثم هلك واضطربت الأندلس وتكالب الطاغية عليها، وتردد الغزو إلى الفرنتيرة بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيان. وثار ابن الأحمر من غرب الأندلس من حصن أرجونة يرجو التماسك بما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجد، وبنو الوزير، وبنو سيد الناس، وبنو خلدون. وداخلهم في الثورة على ابن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ويتمسكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعرة، من مالقة إلى غرناطة إلى المرية، فلم يوافقوه على بلادهم. وكان مقدمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي وبايع مرة لابن هود ومرة لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية. ونزل غرناطة واتخذها دار ملكه، وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل الملك، فخشي بنو خلدون سوء العاقبة من الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة، وأجلب الطاغية على تلك الثغور فملك قرطبة وإشبيلية وقرمونة وجيان وما إليها في مدة عشرين سنة. ولما نزل بنو خلدون بسبتة أصهر إليهم العزفي بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له معهم صهر مذكور. وكان جدنا الحسن بن محمد، وهو سبط ابن المحتسب قد أجاز فيمن أجاز إليهم، فذكروا سوابق سلفه عند الأمير أبي زكريا، فقصده، وقدم عليه فأكرم قدومه، وارتحل إلى المشرق فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكريا على بونة، فأكرمه واستقر في ظل دولته ومرعى نعمته، وفرض له الأرزاق وأقطع الأقطاع. وهلك هنالك فدفن ببونة سنة سبع وأربعين وستمائة وولي ابنه المستنصر ٧/٥٠٨
محمد، فأجرى جدنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ثم ضرب الدهر ضرباته، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وستمائة، وولي ابنه يحيى، وجاء أخوه الأمير أبو إسحاق من الأندلس بعد أن كان فر إليها أمام أخيه المستنصر. فخلع يحيى، واستقل هو بملك إفريقية، ودفع جدنا أبا بكر محمدا على عمل الأشغال في الدولة على سنن عظماء الدولة الموحدين فيها قبله، من الانفراد بولاية العمال وعزلهم وحسبانهم على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو إسحاق لابنه محمد، وهو جدنا الأقرب على حجابة ولي عهده ابنه أبي فارس أيام أن أقصاه إلى بجاية . ثم استعفى جدنا من ذلك فأعفاه ورجع إلى الحضرة، ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة على ملكهم بتونس، اعتقل جدنا أبا بكر محمدا، وصادره على الأموال ثم قتله خنقا في محبسه. وذهب ابنه محمد جدنا الأقرب مع السلطان أبي إسحاق وأبنائه إلى بجاية فتقبض عليه ابنه أبو فارس، وخرج مع العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل بن المخلوع حتى إذا استلحموا بمرماجنة جنة خلص جدنا محمد مع أبي حفص ابن الأمير أبي زكريا من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيد الناس فلحقوا بمنجاتهم من قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره عليهم. فأما أبو الحسين بن سيد الناس، فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكريا الأوسط بتلمسان، وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص وسكن لايثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته وأقطعه، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أمر ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدباغ كاتب الفازازي وجعل محمد بن خلدون رديفا له في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلة والكرامة، ولم ٧/٥٠٩
يستعمله ولا عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني فاصطنعه، واستكفى به عند ما تنبضت عروق التغلب من العرب، ودفعه إلى حماية الجزيرة من لاج إحدى بطون سليم الموطنين بنواحيها، فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى الشرق وقضى سنة ثمان عشرة وأظهر التوبة والإقلاع، وعاود الحج متنقلا سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته مرارا فامتنع.
(أخبرني) محمد بن منصور بن مزني قال: لما هلك الحاجب بن محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان جدك محمد بن خلدون وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه أمره، فأبى واستعفى فأعفاه وآمره فيمن يوليه حجابته، فأثار عليه بصاحب ثغر بجاية محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس لاستحقاقه ذلك بكفايته واضطلاعه، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والدين فعمل السلطان على إشارته واستدعى ابن سيد الناس وولاه حجابته. وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من تونس يستعمل جدنا محمدا عليها وثوقا بنظره واستنامة إليه إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ونزع ابنه، وهو والدي محمد بن أبي بكر عن طريقة السيف والخدمة إلى طريقة العلم والرباط، لما نشأ عليه في حجر أبي عبد الله الرندي الشهير بالفقيه، كان كبير تونس لعهده في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبي حسين وعمه حسن، الوليين الشهيرين. وكان جدنا رحمه الله قد لازمه من يوم نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقه، وكان مقدما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه، عهدي بأهل البلد يتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حوكهم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ٧/٥١٠
(أما نشأتي) فإني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ أبي عبد الله محمد بن سعد بن نزال الأنصاري، أصله من جالبة الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءات لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه في القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد بن البطوي ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. وبعد أن استظهرت القرآن العظيم عن حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفرادا وجمعا في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعا بين الروايتين عنه، وعرضت عليه رحمه الله قصيدة الشاطبي اللامية في القراءات والرائية في الرسم. وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي عبد الله البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البر حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصرا على الأحاديث فقط.
ودرست عليه كتبا جمة مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الخطيب في الفقه ولم أكملهما بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي ٧/٥١١
وعلى أستاذي تونس: منهم الشيخ أبو عبد الله محمد العربي الحصايري، وكان إماما في النحو وله شرح مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش المزازي . ومنهم أبو العباس أحمد بن القصار، كان ممتعا في صناعة النحو، وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حي لهذا العهد بتونس.
ومنهم إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر، لازمت مجلسه وأفدت عليه، وكان بحرا زاخرا في علوم اللسان. وأشار علي بحفظ الشعر فحفظت كتب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم وشعر حبيب وطائفة من شعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضا مجلس إمام المحدثين بتونس، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي صاحب الرحلتين، وسمعت عليه كتاب مسلم بن الحجاج إلا فوتا يسيرا من كتاب الصيد، وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوله إلى آخره، وبعضا من الأمهات الخمس، وناولني كتبا كثيرة في العربية والفقه وأجازني إجازة عامة، وأخبرني عن مشايخه المذكورين أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العباس أحمد بن الغماز الخزرجي.
وأخذت الفقه بتونس من جماعة، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحياني، وأبو القاسم محمد القصير، وقرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيد البرادعي، مختصر المدونة، وكتاب المالكية، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ذلك انتاب مجلس شيخنا الإمام قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام مع أخي عمر رحمة الله عليهما، وأفدت منه وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك، وكانت له طرق عالية عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلهم سمعت عليه، وكتب لي وأجازني، ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف. ٧/٥١٢
وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن عند ما ملك إفريقية سنة ثمان وأربعين جماعة من أهل العلم كان يلزمهم شهود مجلسه، ويتجمل بمكانهم فيه، فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب وإمام مذهب مالك أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي، فكنت انتاب مجلسه وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن وصاحب علامته التي توضع أسفل مكتوباته، إمام المحدثين أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي، لازمته وأخذت عنه سماعا وإجازة، الأمهات الست. وكتاب الموطأ، والسير لابن إسحاق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث، وكتبا كثيرة سرت عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في التقييد والحفظ كاملة، كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة الاف سفر في الحديث والفقه والعربية والأدب والمعقول وسائر الفنون، مضبوطة كلها مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ضبط بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفة، حتى الفقه والعربية الغريبة الإسناد إلى مؤلفها في هذه العصور. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المقرءين بالمغرب. قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمر والداني وابن شريح لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازني بالإجازة العامة.
ومنهم شيخ العلوم العقلية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأيلي أصله من تلمسان وبها نشأ، وقرأ كتب التعليم وحذق فيها، وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة، فخرج منها وحج ولقي أعلام المشرق يومئذ، فلم يأخذ عنهم لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق وأفاق وقرأ المنطق والأصلين على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام، وكان قرأ بتونس مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن على تلميذ أبي زيتون الشهير الذكر وجاءا إلى تلمسان بعلم كثير من المنقول والمعقول، فقرأ الأيلي على أبي موسى منهما كما قلناه، ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب لأن سلطانها أبا حمو يومئذ من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق ٧/٥١٣
بمراكش، ولازم العالم الشهير الذكر أبا العباس بن البناء، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبل الهساكرة بعد وفاة الشيخ باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، فأفاده وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد والأبلي معه.
ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصاره. وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه العلوم العقلية ، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية، وكان رحمه الله تعالى يشهد لي بالتبريز في ذلك.
وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن، صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي، كان يكتب عن السلطان ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك الشعر والخطابة على المنابر، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم علينا بتونس صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد أفدت منه كما أفدت منهم. وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة على روي النون يرغب منه أن يذكره لشيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه للسلطان أبي الحسن في قصيدة على روي الياء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه:
عرفت زماني حين أفكرت عرفاني ... وأيقنت أن لا حظ في كف كيوان
وأن لا اختيار في اختيار مقوم ... وأن لا قراع بالقران لأقران ٧/٥١٤
وأن نظام الشكل أكمل نظمه ... لأضعاف قاض في الدليل برجحان
وأن افتقار المرء من فقراته ... ومن ثقله يغني اللبيب بأوزان
إلى آخرها، ثم يقول في ذكر العلماء القادمين:
هم القوم كل القوم أما حلومهم ... فأرسخ من طودي ثبير وثهلان
فلا طيش يعلوهم وأما علومهم ... فأعلامها تهديك من غير نيران
ثم يقول في آخرها
وهامت على عبد المهيمن تونس ... وقد ظفرت منه بوصل وقربان
وما علقت مني الضمائر غيره ... وإن هويت كلا بحب ابن رضوان
وكتب هذا الشاعر صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك.
لهي النفس في اكتساب وسعي ... وهو العمر في انتهاب وفي
وأرى الناس بين ساع لرشد ... يتوخى الهدى وساع لغي
وأرى العلم للبرية زينا ... فتزي منه بأحسن زي
وأرى الفضل قد تجمع كلا ... في ابن عبد المهيمن الحضرمي
ثم يقول في آخرها
ينبغي القرب من مراقي الأماني ... والترقي للجانب العلوي
فأنلها مرامها مستهلا ... كل دان يسعى وكل قصي
ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان فاتح تسع وأربعين وسبعمائة فشغلوا عن ذلك ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته. ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه، وهلك عبد المهيمن فيمن هلك، ودفن بمقبرة سلفنا بتونس، لخلة كانت بينه وبين والدي رحمه الله أيام قدومهم علينا.
فلما كانت وقعة القيروان ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك، حيث كان ولد السلطان وأهله، وانتقض عليه ابن تافراكين، وخرج من القيروان إلى العرب، وهم يحاصرون السلطان، وقد ٧/٥١٥
اجتمعوا على أبي دبوس وبايعوا له كما مر في أخبار السلطان، فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس، فحاصر القصبة وامتنعت عليه. وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس، وقد سمع الهيعة خرج من بيته إلى دارنا فاختفى عند أبي رحمه الله، وأقام متخفيا عندنا نحوا من ثلاثة أشهر. ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة، وركب البحر إلى تونس، وفر ابن تافراكين إلى المشرق، وخرج عبد المهيمن من الاختفاء، وأعاده السلطان إلى ما كان عليه من وظيفة الولاية والكتابة وكان كثيرا ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته، ومما كتب إليه وحفظته من خطه:
محمد ذو المكارم قد ثناني ... فعال شكره أبدا عناني
جزى الله ابن خلدون حياة ... منعمة وخلدا في الجنان
فكم أولى ووالى من جميل ... وبر بالفعال وباللسان
وراعى الحضرمية في الذي قد ... جنى من وده ورد الحنان
أبا بكر ثناؤك طول دهري ... أردد باللسان وبالجنان
وعن علياك ما امتدت حياتي ... أكافح بالحسام وباللسان
فمنك أفدت خلا لست دهري ... أرى عن حبه أثنى عناني
أوهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره، هم سباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن، اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب، فأما ابنا الإمام منهم، فكانا أخوين من أهل برشك من أعمال تلمسان، واسم أكبرهم أبو زيد عبد الرحمن، والأصغر أبو موسى عيسى. وكان أبوهما إماما ببعض مساجد برشك، واتهمه المتغلب يومئذ على البلد زيرم بن حماد بأن عنده وديعة من المال لبعض أعدائه، فطالبه بها، ولاذ بالامتناع، وبيته زيرم لينتزع المال من يده، فدافعه وقتل، وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في آخر المائة ٧/٥١٦
السابعة، وأخذا العلم بها عن تلميذ ابن زيتون، وتفقها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدكالي، وانقلبا إلى المغرب بحظ وافر من العلم، وأقاما بالجزائر يبثان العلم بها لامتناع برشك عليهما من أجل زيرم المتغلب عليها، والسلطان أبو يعقوب يومئذ صاحب المغرب الأقصى من بني مرين جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور ، وبث بها جيوشه في نواحيها، وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها، وملك عمر مغراوة بشلف، وحصر مليانة، بعث إليها الحسن بن أبي الطلاق من بني عسكر، وعلي بن محمد ابن الخير من بني ورتاجن، ومعهما لضبط الجباية واستخلاص الأموال الكاتب منديل بن محمد الكناني، فارتحل هذان الأخوان من الجزائر، وأخذا عليه ، فحليا بعين منديل الكناني ، فقربهما واصطفاهما، واتخذهما لتعليم ولده محمد. فلما هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب بمكانه من حصار تلمسان سنة خمس وسبعمائة على يد خصي من خصيانه طعنه فأشواه، وهلك. وأقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد أمور ذكرناها في أخباره، ووقع بينه وبين صاحب تلمسان من بعده يومئذ، أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن وأخيه أبي حمو العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان، ورد أعمالها عليه، فوفى لهم بذلك وعاد إلى المغرب.
وارتحل ابن أبي الطلاق من شلف، والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب. ومروا بتلمسان فأوصى لهما أبو حمو وأثنى عليهما حلة بمقامهما في العلم، واغتبط بهما أبو حمو وبنى لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان. وأقاما عنده على مجرى أهل العلم.
وسننهم. وهلك أبو حمو، وكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني الى تلمسان، وملكها عنوة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب، أسست لهما عقيدة صالحة، فاستدعاهما لحين دخوله، وأدنى مجلسهما وشاد بمكرمتهما، ورفع جاههما على أهل طبقتهما. وصار يجمل بهما مجلسه متى مر بتلمسان ووفدا عليه في الأولى التي نفر فيها أعيان بلادهما. ثم استنفرهما ٧/٥١٧
إلى الغزو وحضرا معه واقعة طريف، وعادا إلى بلدهما. وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك، وبقي أخوه موسى متبوئا ما شاء من ظلال تلك الكرامة.
ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كما مر في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرما موقرا، عالي المحل، قريب المجلس منه.
فلما استولى على إفريقية سرحه إلى بلده، فأقام بها يسيرا وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة موقرين فيها طبقا على طبق إلى هذا العهد. وأما السطي، واسمه محمد بن سليمان من قبيلة سطة، من بطون أوربة بنواحي فاس، فنزل أبوه سليمان مدينة فاس. ونشأ محمد فيها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكية بالمغرب، والطائر الذكر وقاضي الجماعة بفاس، وتفقه وقرأ عليه، وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأفقههم فيه. وكان السلطان أبو الحسن لعظم همته وبعد شأوه في الفضل يتشوف إلى تزيين مجلسه. بالعلماء، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته، كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان. وقدم علينا بتونس في جملته، وشهدنا وفور فضله ، وكان في الفقه من بينهم لا يجارى حفظا وفهما، عهدي به رحمه الله تعالى، وأخي موسى يقرأ عليه كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة، وكان هذا حاله في أكثر ما يعاني في جملة من الكتب . وحضر مع السلطان أبي الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس، وأقام بها نحوا من سنتين، وانتقض المغرب على السلطان واستقل به ابنه أبو عنان. ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين وسبعمائة ومر ببجاية فأدركه الغرق في سواحلها، فغرقت أساطيله وغرق أهله، وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم، ورمى به البحر ببعض الجزر هنالك حتى استنقذه منها بعض أساطيله، ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجودة، وهلك الكثير من عياله وأصحابه، وكان من أمره ما مر في أخباره. ٧/٥١٨
وأما الأيلي واسمه محمد بن إبراهيم فمنشؤه بتلمسان، وأصله من جالية الأندلس من أهل أيلة من بلد الجوف منها، أجاز بأبيه وعمه أحمد، فاستخدمهم يغمراسن ابن زيان وولده في جندهم، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته، فولدت له محمدا هذا. ونشأ بتلمسان في كفالة جده القاضي، فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه. فلما أيفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبة التعاليم، فبرز بها واشتهر وعكف الناس عليه في تعلمها، وهذا في سن البلوغ. ثم أظل السلطان يوسف بن يعقوب وخيم عليها يحاصرها، وسير العساكر إلى الأعمال، فافتتح أكثرها. وكان إبراهيم الأيلي قائدا بهنين مرسى تلمسان في لجة من الجند، فلما ملكها يوسف بن يعقوب اعتقل من وجد بها من أشياع بني عبد الواد واعتقل إبراهيم الأيلي، وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف ابن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم، فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق بهم من أجل ذلك. وأغراه أهله بالعزم عليه، فتسور الأسوار وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر الاسترهان صحيحا. واستخدمه يوسف بن يعقوب قائدا على الجند الأندلسيين بتاوريرت، فكره المقام على ذلك، ونزع عن طوره، ولبس المسوح، وسار قاصدا إلى الحج. وانتهى إلى رباط العباد مختفيا في صحبة الفقراء، فوجد هنالك رئيسا من أهل كربلا من بني الحسين جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوته فيه، وكان مغفلا ، فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب وشدة غلبه أيس من مرامه ونزع عن ذلك، واعتزم على الرجوع إلى بلده، فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته.
قال رحمه الله: وبعد حين انكشف لي حاله وما جاء له، واندرجت في جملته ٧/٥١٩
وأصحابه وتابعيه. قال: وكان يتلقاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد والنفقات من بلده، إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الاسكندرية.
قال: واشتدت علي الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الاغتسال لمكان هذا الرئيس، فأشار علي بعض بطانته بشرب الكافور، فاغترفت منه غرفة فشربتها فاختلطت. وقدم الديار المصرية على تلك الحال، وبها يومئذ تقي الدين بن دقيق العيد وابن الرفعة وصفي الدين الهندي، والتبريزي وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول. فلم يكن قصاراه إلا تمييز أشخاصهم إذا ذكرهم لنا، لما كان به من الاختلاط. ثم حج مع ذلك الرئيس وسار في جملته إلى كربلاء فبعث به من أصحابه من أوصله إلى مأمنه ببلاد زواوة من أطراف المغرب. وقال لي شيخنا رحمه الله: كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب واستبطنتها في جبة كنت ألبسها، فلما نزل بي ما نزل انتزعها مني، حتى إذا بعث أصحابه يشيعوني إلى المغرب دفعها إليهم، حتى إذا أوصلوني إلى المأمن أعطوني إياها، وأشهدوا علي في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم. ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار، فعاد إلى تلمسان وقد أفاق من اختلاطه، وانبعثت همته إلى تعلم العلم. وكان مائلا إلى العقليات فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام، وجملة من الأصلين، وكان أبو حمو صاحب تلمسان قد استفحل ملكه، وكان ضابطا للأمور، وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب، فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة أحواله . وتفادى شيخنا من ذلك فأكرهه عليه، فأعمل الحيلة في الخلاص منه، ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع ، وبعث فيه أبو حمو، فاختفى بفاس للتعاليم من اليهودي خليفة المغيلي ، فاستوفى عليه فنونها، وحذق وخرج متواريا من فاس، فلحق بمراكش أعوام عشر وسبعمائة. ونزل على الإمام أبي العباس بن البناء شيخ المعقول والمنقول، والمبرز في التصوف علما وحالا، فلزمه، وأخذ عنه وتضلع في علم المعقول ٧/٥٢٠
والتعاليم والحكمة. ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، وكان في طاعة السلطان، فدخل إليه شيخنا وأقام عنده مدة، قرأ عليه فيها وحصل. واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ، فكثرت إفادته، واستفادته، وعلي ابن محمد في ذلك على محبته وتعظيمه، وامتثال إشارته، فغلب على هواه، وعظمت رياسته في تلك القبائل. ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله، نزل الشيخ معه، وسكن بفاس. وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية، فانتشر علمه، واشتهر ذكره، فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام، ذكره له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدم في العلوم، وكان السلطان معتنيا بجمع العلماء بمجلسه كما ذكرناه. فاستدعاه من مكانه بفاس ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه، وعكف على التدريس والتعليم، ولزم صحابة السلطان، وحضر معه واقعة طريف، وواقعة القيروان بإفريقية. وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله خلة ، كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه، فلزمت مجلسه وأخذت عنه العلوم العقلية بالتعاليم. ثم قرأت المنطق وما بعده من الأصلين، وعلوم الحكمة. وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب. وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا، فأشرنا عليه بالمقام وثبطناه عن السفر، فقبل وأقام. وطالبنا به السلطان أبو الحسن فأحسنا له العذر، فتجافى عنه. وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه.
وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعا نتساجل في غشيان مجلسه، والأخذ عنه، فلما هلك السلطان أبو الحسن بجبل هنتاتة وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله، وملك تلمسان من بني عبد الواد، كتب فيه يطلبه من صاحب تونس وسلطانها يومئذ أبو إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي يحيى في كفالة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين، فأسلمه إلى سفيره. وركب معه البحر في اسطول أبي عنان الذي جاء فيه السفير، ومر ببجاية ودخلها، وأقام بها شهرا، حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول. ثم ارتحل ونزل بمرسى هنين وقدم على أبي عنان بتلمسان، وأحله محل التكرمة، ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء. وكان يقرأ عليه ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع ٧/٥٢١
وخمسين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة.
(وأما عبد المهيمن) كاتب السلطان أبي الحسن، فأصله من سبتة، وبيتهم بها قديم، ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي. ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته وأخذ عن مشيختها واختص بالأستاذ أبي إسحاق الغافقي ، ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد صاحب الأندلس سبتة، ونقل بني العزفي مع جملة أعيانها إلى غرناطة، ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه عبد المهيمن، فاستكمل قراءة العلم هنالك وقرأ على مشيختها ابن الزبير ونظرائه ، وتقدم في معرفة كتاب سيبويه، وبرز في علو الإسناد، وكثرة المشيخة. وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق، واستكتبه رئيس الأندلس يومئذ الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم الرندي، المستبد على السلطان المخلوع ابن الأحمر فكتب عنه ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه، مثل المحدث أبي عبد الله بن سيد الفهري وأبي العباس أحمد العزفي، والعالم الصوفي المتجرد أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصا به، وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة. فلما انكب الوزير الحكيم ، وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين، عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها. ثم ولي الأمر أبو سعيد وغلب عليه ابنه أبو علي، واستبد بحمل الدولة. تشوف إلى استدعاء الفضلاء، وتجمل بمكانهم، فاستقدم عبد المهيمن من سبتة واستكتبه سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وسبعمائة، وامتنع بالبلد الجديد، وخرج منها إلى سجلماسة لصلح عقده مع أبيه، فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن واتخذه كاتبا إلى أن دفعه إلى رياسة الكتاب، ورسم علامته في الرسائل ٧/٥٢٢
والأوامر، فتقدم لذلك سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. وسار مع أبي الحسن إلى إفريقية، وتخلف عن واقعة القيروان بتونس، لما كان به من علة التقرس. فلما كانت الهيعة بتونس، ووصل خبر الواقعة، وتحيز أولياء السلطان إلى القصبة مع حرمه، تسرب عبد المهيمن في المدينة منتبذا عنهم، وتوارى في بيتنا خشية أن يصاب معهم بمكروه. فلما انجلت تلك الغيابة، ورجع السلطان من القيروان إلى سوسة وركب منها البحر إلى تونس، أعرض عن عبد المهيمن لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة، وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين وقد كانت من قبل مقصورة على هذا البيت، وأقام عبد المهيمن عطلا من العمل شهرا . ثم أعتبه السلطان ورضي عنه، ورد إليه العلامة كما كان، ثم توفي لأيام قلائل بتونس بالطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة من المائة قبلها، وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة، فليطالع هناك من أحب الوقوف عليه.
(وأما ابن رضوان) الذي ذكره الرحوي في قصيدته، فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البحاري أصله من الأندلس، نشأ بمالقة، وأخذ عن مشيختها، وحذق في العربية والأدب، وتفنن في العلوم ونظم ونثر، وكان مجيدا في الترسيل، ومحسنا في كتابة الوثائق. وارتحل بعد واقعة طريف ونزل سبتة، ولقي بها السلطان أبا الحسن ومدحه وأجازه، واختص بالقاضي إبراهيم بن يحيى وهو يومئذ قاضي العساكر وخطيب السلطان، وكان يستنيبه في القضاء والخطابة، ثم نظمه في جملة الكتاب بباب السلطان. واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب ٧/٥٢٣
والأخذ عنه، إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية، وكانت واقعة القيروان، وانحصر بالقصبة بتونس مع من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه. وكان السلطان قد خلف ابن رضوان في بعض خدمته، فجلا عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات. وتولى كبر ذلك، فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل السلطان من القيروان، فرعى له حق خدمته تأنيسا وقربا، وكثرة استعمال إلى أن رحل من تونس في الأسطول إلى المغرب سنة خمسين وسبعمائة كما مر. واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل، وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتبا له، فأقاما كذلك أياما. ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبي يحيى. ونجا أبو الفضل إلى أبيه، ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه، فأقام بتونس حولا، ثم ركب البحر إلى الأندلس، وأقام بالمرية مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن، كان فيهم عامر ابن محمد بن علي شيخ هنتاتة كافلا لحرم السلطان أبي الحسن وابنه. أركبهم السفين معه من تونس عند ما ارتحل، فخلص إلى الأندلس، ونزلوا بالمرية وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس، فلحق بهم ابن رضوان وأقام معهم. ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس الى أن يستكتبه فامتنع، ثم هلك السلطان أبو الحسن وارتحل مخلفه الذين كانوا بالمرية، ووفدوا على السلطان أبي عنان، ووفد معهم ابن رضوان، فرعى له وسائله في خدمة أبيه، واستكتبه واختصه بشهود مجلسه مع طلبة العلم بحضرته. وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة، ونجي الخلوة وصاحب العلامة، وحسبان الجباية والعساكر، قد غلب على هوى السلطان، واختص به، فاستخدم له ابن رضوان حتى علق منه بذمة ، ولاية وصحبة وانتظام في السمر، وغشيان المجالس الخاصة، وهو مع ذلك يدنيه من السلطان. وينفق سوقه عنده، ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم، فحلا بعين السلطان ونفقت عنده فضائله. فلما سار أبو عمرو في العساكر إلى بجاية سنة أربع وخمسين وسبعمائة انفرد ابن رضوان بعلامة الكتاب عن السلطان، ثم رجع ابن أبي عمرو وقد سخطه السلطان، فأقصاه إلى بجاية وولاه ٧/٥٢٤
عليها، وعلى سائر أعمالها، وعلى حرب الموحدين بقسنطينة. وأفرد ابن رضوان بالكتابة، وجعل إليه العلامة كما كانت لابن أبي عمرو، فاستقل بها موفر الاقطاع والإسهام والجاه. ثم سخطه آخر سبع وخمسين وسبعمائة وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين والإنشاء والتوقيع لأبي إسحاق إبراهيم بن الحاج الغرناطي ، فلما كانت دولة السلطان أبي سالم جعل العلامة لعلي بن محمد بن مسعود صاحب ديوان العساكر والإنشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب عبد الرحمن ابن خلدون. ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين وسبعمائة واستبد الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائه، فجعل العلامة لابن رضوان سائر أيامه، وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، واستبد بملكه، فلم يزل ابن رضوان على العلامة، وهلك عبد العزيز وولي ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس وابن رضوان على حاله، ثم غلب السلطان أحمد على الملك وانتزعه من السعيد، وأبي بكر بن غازي، وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس، مستبدا عليه، والعلامة لابن رضوان كما كانت إلى أن هلك بأزمور في حركة السلطان أحمد إلى مراكش، لحصار عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي.
وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كثيرة من فضلاء المغرب وأعيانه، هلك كثير منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق، وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم.
(فمن حضر معه بإفريقية) الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد الزواوي شيخ القراء بالمغرب، أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، وروى عن الرحالة أبي عبد الله بن رشيد، وكان إماما في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا يجاري. وله مع ذلك ٧/٥٢٥
صوت من مزامير آل داود وكان يصلي بالسلطان التراويح ويقرأ عليه بعض الأحيان حزبه.
(وممن حضر معه) بإفريقية الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ من أهل مكناسة، كان مبرزا في المعقول والمنقول، وعارفا بالحديث وبرجاله، وإماما في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه، أخذ العلوم عن مشيخة فاس ومكناسة، ولقي شيخنا أبا عبد الله الأيلي، ولازمه وأخذ عنه العلوم العقلية، فاستنفد بقية طلبه عليه، فبرز آخرا، واختاره السلطان لمجلسه واستدعاه، ولم يزل معه إلى أن هلك غريقا في ذلك الأسطول.
(ومنهم القاضي أبو عبد الله) محمد بن عبد الله بن عبد النور من أعمال ندرومة ونسبه في صنهاجة كان مبرزا في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، تفقه فيه على الأخوين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام، وكان من جملة أصحابهما.
ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان رفع من منزلة ابني الإمام واختصهما بالشورى في بلدهما. وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري لهم الأرزاق ويعمر بهم مجلسه، فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجالس، فأشار عليه بابن عبد النور هذا، فأدناه وقرب مجلسه، وولاه قضاء عسكره، ولم يزل في جملته إلى أن هلك بالطاعون بتونس سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان قد خلف أخاه عليا رفيقه في تدريس ابن الإمام إلا أنه أقصر باعا منه في الفقه. فلما خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن، ونهض إلى فاس، استنفره في جملته وولاه قضاء مكناسة، فلم يزل بها حتى تغلب عمر بن عبد الله على الدولة كما مر، فنزع إلى قضاء فرضه فسرحه. فخرج حاجا سنة أربع وستين وسبعمائة فلما قدم على مكة وكان به بقية مرض، هلك في طواف القدوم.
وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد، وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ يلبغا الخاصكي فأحسن خلافته فيه وولاه من وظائف الفقهاء ما ٧/٥٢٦
سد به خلته، وصان عن سؤال الناس وجهه، وكان له عفا الله عنه كلف بعلم الكيمياء، طالبا لمن غلط في ذلك وأمثاله . فلم يزل يعاني من ذلك ما يورطه مع الناس في دينه وعرضه إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر، ولحق ببغداد وناله مثل ذلك. فلحق بماردين واستقر عند صاحبها، فأحسن جواره إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه والبقاء لله وحده.
(ومنهم شيخ التعاليم) أبو عبد الله محمد بن النجار من أهل تلمسان، أخذ العلم ببلده عن مشيختها، وعن شيخنا الأيلي وبرز عليه. ثم ارتحل إلى المغرب فلقي بسبتة إمام التعاليم أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجسطي في الهيئة، وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء، وكان إماما في علم النجامة وأحكامها، وما يتعلق بها، ورجع إلى تلمسان بعلم كثير، واستخلصته الدولة. فلما هلك أبو تاشفين وملك السلطان أبو الحسن نظمه في جملته وأجرى له رزقه، فحضر معه بإفريقية وهلك في الطاعون.
(ومنهم) أبو العباس أحمد بن شعيب من أهل فاس، برع في الأدب واللسان والعلوم العقلية، من الفلسفة والتعاليم والطب وغيرها. ونظمه السلطان أبو سعيد في جملة الكتاب وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه، فكان كاتبه وطبيبه، وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده، فحضر بإفريقية وهلك بها في ذلك الطاعون. وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدمين والمتأخرين، وكانت له إمامة في نقد الشعر وبصر به، وما حضرني الآن من شعره إلا قوله: ٧/٥٢٧
دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد
هل باكر الوسمي ساحتها ... واستن في قيعانها الجرد
أو بات معتل النسيم بها ... مستشفيا بالبان والرند
يتلو أحاديث الذين هم ... قصدي وإن جاروا عن القصد
أيام سمر ظلالها وطني ... منها وزرق مياهها وردي
ومطارح النظرات في رشاء ... أحوى المدامع أهيف القد
يرنو إليك بعين جارية ... قتل المحب بها على عمد
حتى أجد بهم على عجل ... ريب الخطوب وعاثر الجد
فقدوا فما وأبيك بعدهم ... عيشي شفى إلا على الفقد
وغدوا دفينا قد تضمنه ... بطن الثرى وقرارة اللحد
ومشردا من دون رؤيته ... قذف النوى وتنوفة البعد
أجرى علي العيش بعدهم ... أني جرعت حميمهم وحدي
لا تلحني يا صاح في شجن ... أخفيت منه فوق ما أبدي
بالقرب لي سكن يؤوبني ... من ذكره سهد على سهد
فرخان قد تركا بمضيعة ... رزئت عن الرفداء والرفد
(ومنهم) صاحبنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد، ومتوارثين خدمة تربته من لدن جدهم خادمه في حياته. وكان جده الخامس أو السادس واسمه أبو بكر بن مرزوق معروفا بالولاية فيهم. ولما هلك دفنه يغمراسن بن زيان السلطان بتلمسان من بني عبد الواد في التربة بقصره، ليدفن بإزائه متى قدر بوفاته. ونشأ محمد هذا بتلمسان، ومولده فيما أخبرني سنة عشر وسبعمائة ، وارتحل مع أبيه إلى المشرق سنة ثمان عشرة ٧/٥٢٨
وسبعمائة ومر ببجاية فسمع بها على الشيخ أبي علي ناصر الدين ودخل الشرق. وجاور أبوه بالحرمين الشريفين، ورجع هو إلى القاهرة وأقام بها. وقرأ على برهان الدين الصفاقصي المالكي وأخيه. وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطين. ثم رجع سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة الى المغرب ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه من حصار تلمسان، وقد شيد بالعباد مسجدا عظيما، وكان عمه ابن مرزوق خطيبا به على عادتهم في العباد. وتوفي فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه. وسمعه يخطب على المنبر ويشيد بذكره والثناء عليه، فحلا بعينه واختصه وقربه، وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء والأكابر والأخذ عنهم، والسلطان كل يوم يزيد ترقيه ، وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين، فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس. ثم سفر عنه بعد أن ملك إفريقية إلى ابن أدفونش ملك قشتالة في تقرير الصلح، واستنقاذ ابنه أبي عمر تاشفين. كان أسر يوم طريف فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان. ورجع بتاشفين مع طائفة من زعماء النصرانية جاءوا في السفارة عن ملكهم، ولقيهم خبر واقعة القيروان بقسنطينة من بلاد إفريقية، وبها عامل السلطان وحاميته، فثار أهل قسنطينة بهم جميعا ونهبوهم، وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى، وراجعوا الموحدين، واستدعوه فجاء إليهم وملك البلد. وانطلق ابن مرزوق عائدا إلى المغرب مع جماعة من الأعيان، والعمال والسفراء عن الملوك. ووفد على السلطان أبي عنان مع أمة حظية أبي الحسن وأثيرته. كانت راحلة إليه، فأدركها الخبر بقسنطينة، وحضرت الهيعة. فوثب ابنها أبو عنان على ملك أبيه واستيلائه على فاس، فرجعت إليه وابن مرزوق في خدمتها. ثم طلب اللحاق بتلمسان فسرحوه إليها، وأقام بالعباد مكان سلفه. وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يغمراسن بن زيان قد بايع له قبيلة بني عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة كما مر في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان فوجدا بها أبا سعيد عثمان بن جرار أقد استعمله عليها السلطان أبو عنان عند انتقاضه على أبيه، ومسيره إلى فاس، وانتقض ابن جرار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه عثمان بن ٧/٥٢٩
عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن جرار وحبسوه ثم قتلوه. واستبد أبو سعيد بملك تلمسان وأخوه أبو ثابت يردفه، وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس وغرق أسطوله ونجا هو إلى الجزائر فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان، فرأى أبو سعيد أن يكف غربة عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب ابن مرزوق فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عند السلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. وأطل أبو ثابت وقومه على الخبر فنكروه على أبي سعيد وعاتبوه فأنكر، فبعثوا صغير بن عامر في اعتراض ابن مرزوق فجاء به وحبسوه أياما. ثم أجازوه البحر إلى الأندلس فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف، فرعى له أبو الحجاج ذمة تلك المعرفة، وأدناه واستعمله في الخطابة بجامعة بالحمراء. فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين وسبعمائة بعد مهلك أبيه، واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. وكان يقرأ الكتب بين يديه في مجلسه العلي ويدرس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم. ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ليخطب له ابنه السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعا على مكانها، فسخطه لذلك ورجع السلطان من قسنطينة، فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية، فجاء وملك البلد. وركب القوم الأسطول ونزلوا بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الحجاب ببابه، فلقيه بتاسالت فقيده هنالك. وجاء به فأحضره السلطان وقرعه، ثم حبسه مدة وأطلقه بين يدي مهلكه.
واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان، وبايع بعض بني مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد ووزيره المستبد عليه الحسن بن عمر، وكان السلطان أبو سالم بالأندلس غربه إليها ٧/٥٣٠
أخوه السلطان أبو عنان مع بني عمهم ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم جميعا في قبضته. فلما توفي أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس مستبدا على ابن السلطان أبي الحجاج، فلحق هو بإشبيلية من دار الحرب، ونزل على بطرة ملكهم يومئذ، فهيأ له السفن وأجازه إلى العدوة فنزل، بجبل الصفيحة من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو مسير وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، ثم أمدوه واستولى على ملكه في خبر طويل ذكرناه في أخبار دولته. وكان ابن مرزوق يداخله وهو بالأندلس ويستخدم له، ويفاوضه في أموره وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل زعماء قومه في الأخذ بدعوته. فلما ملك السلطان أبو سالم رعى له تلك الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفت الوجوه إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ونقموه على السلطان، وتربصوا به حتى وثب عبد الله بن عمر بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين وسبعمائة وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه، محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن فامتحنه واستصفاه، ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم.
ولحق بتونس سنة أربع وستين وسبعمائة ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته المستبد عليه أبي محمد بن تافراكين، فأكرموا نزله وولوه الخطابة بجامع الموحدين بتونس. وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو إسحاق سنة سبعين وسبعمائة وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس حافد السلطان أبي يحيى من مقره بقسنطينة إلى تونس فملكها، وقتل خالدا سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.
وكان ابن مرزوق يستريب منه لما كان يميل وهو بفاس مع ابن عمه محمد صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه، فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس، فوجم لها وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرحه السلطان فركب السفن ونزل بالإسكندرية، ثم رحل إلى القاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه ٧/٥٣١
عندهم، وأوصلوه إلى السلطان وهو يومئذ الأشرف . فكان يحضر يومئذ مجلسه وولاه الوظائف العلمية، فكان ينتجع منها معاشه. وكان الذي وصل حبله بالسلطان أستاذ داره محمد بن آقبغا آص لقيه أول قدومه فحلا بعينه، واستظرف جملته، فسعى له وأنجح سعايته، ولم يزل مقيما بالقاهرة موقر الرتبة معروف الفضيلة، مرشحا لقضاء المالكية ملازما للتدريس في وظائفه إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين وسبعمائة هكذا ذكر من حضره من جملة السلطان أبي الحسن من أشياخنا وأصحابنا، وليس موضوع الكتاب الإطالة، فلنقتصر على هذا القدر، ونرجع إلى ما كنا فيه من أخبار المؤلف.
ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها الى المغرب والكتابة على السلطان أبي عنان
ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء الفضائل، متنقلا بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الأيلي، وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن شدوت بعض الشيء، واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق. مذ نهض إليه من قسنطينة صاحبها أبو زيد حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فخرج ابن تافراكين وسلطانه أبو إسحاق مع العرب أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العالمة أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بالاستزادة من العطاء، فعزله وأدالني منه، فكتبت العلامة عن السلطان، وهي «الحمد لله والشكر لله» بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم. وخرجت ٧/٥٣٢
معهم أول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وقد كنت منطويا على الرحلة من إفريقية لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلاني عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب وانحسر تيارهم عن إفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم، وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد رحمه الله، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنا لما خرجنا من تونس نزلنا بلاد هوارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض بفحص مرماجنة وانهزم صفنا ونجوت أنا إلى أبة، فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوسناني من كبراء المرابطين، ثم تحولت إلى سبتة ونزلت بها على محمد بن عبدون صاحبها، فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق مع رفيق من المغرب ، وسافرت إلى قفصة، وأقمت بها أياما حتى قدم علينا بها الفقيه محمد ابن الرئيس منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب وكان هو بتونس، فلما حاصرها الأمير أبو زيد خرج إليه فكان معه. فلما بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب، نهض إلى تلمسان فملكها، وقتل سلطانها عثمان بن عبد الرحمن، وأخاه أبا ثابت وأنه انتهى الى المدية وملك بجاية من يد صاحبها الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، وراسله عند ما أطل على بلده، فسار إليه، ونزل له عنها. وصار في جملته، وولي أبو عنان على بجاية عمر ابن علي شيخ بني وطاس من بني الوزير شيوخهم. فلما بلغهم هذا الخبر أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه عن حصار تونس، ومر بقفصة فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهبا إلى الزاب، فرافقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك، ونزل هو بعض قرى الزاب تحت جراية أخيه إلى أن انصرم الشتاء.
وكان أبو عنان لما ملك بجاية ولى عليها عمر بن علي بن الوزير من شيوخ بني وطاس فجاء فارح مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه ووثب هو على البلد وأرسل إلى الأمير أبي زيد يستدعيه من قسنطينة، فتمشت رجالات البلد بينهم خشية من سطوة السلطان. ٧/٥٣٣
ثم ثاروا بفارح فقتلوه وأعادوا دعوة السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن من شيوخ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم، فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، واكتنف له الجند وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتحلت من بسكرة وافدا على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه، وردني معه إلى بجاية فشهدت الفتح، وتسايلت وفود إفريقية إليه. فلما رجع إلى السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ كنت شابا لم يطر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء أواخر أربع وخمسين وسبعمائة وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني ووصفوني له، فكتب إلي الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة، وحصلت من الإفادة منهم على البغية.
وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار من أهل مراكش إمام القراءات لوقته، أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب وكبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري سيد أهل المغرب، وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفي.
(ومنهم) قاضي الجماعة بفاس أبو عبد الله محمد المغربي صاحبنا، من أهل تلمسان، أخذ العلم بها عن أبي عبد الله محمد السلوي ورد عليها من المغرب خلوا من المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن ٧/٥٣٤
فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه، ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفظهما. ثم لزم الفقيه عمران المشدالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين، وتفقه عليه، وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان، فقدمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام، وتفقه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهما في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا.
ولما جاء شيخا أبو عبد الله الأيلي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة قبل انتحاله العلم، كان السلطان توعده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الأيلي ومجالس ابني الإمام. واستبحر في العلم وتفنن. ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وخلع أباه، ندبه إلى كتب البيعة فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود. وارتحل مع السلطان إلى فاس، فلما ملكها عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاه مكانه، فلم يزل قاضيا بها إلى أن أسخطه لبعض النزعات الملوكية، فعزله وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركابه، ونقم على صاحب الأندلس تمسكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ ابن الأحمر بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده في جماعة من شيوخ العلم بغرناطة القاطنين بها منهم: شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي شيخ الدنيا جلالة وعلما ووقارا ورياسة وإمام اللسان فصاحة وبيانا وتقدما في نظمه ونثره. وترسلاته. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن الحاج البلقيني من أهل المرية شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء ٧/٥٣٥
بالأندلس، وسيد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في أساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم، فوفدوا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوفه للقائهما، فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة.
حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما سنة سبع وخمسين وسبعمائة وكان يوما مشهودا. واستقر القاضي المغربي في مكان بباب السلطان عطلا من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان وقعت بينه وبين أقاربه، امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه أن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى ينفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدونها محنة، ثم ولاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته، عند ما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين وسبعمائة اعتل القاضي المغربي في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس.
(ومنهم صاحبنا) الإمام العالم القدوة ، فارس المعقول والمنقول، وصاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمى العلوين، فكان أهل بلده لا يدافعون في نسبهم. وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممن لا يروعه دينه ولا معرفته بالأنساب ببعض من اللغو، لا يلتفت إليه، نشأ هذا الرجل بتلمسان وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الفقه والأصول والكلام، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الأبلي وتضلع من معارفه، فاستبحر وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه. ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين وسبعمائة ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله ابن عبد السلام وحضر مجلسه وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى لقد زعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا، لما كان هو أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الأبلي وقرأ عليه كثيرا من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة والفرائض علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وكانت له في كتب الخلافيات يد ٧/٥٣٦
طولى، وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه، وانقلب إلى تلمسان، وانتصب لتدريس العلم وبثه فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان. ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف أبو عنان إلى تلمسان فملكها سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فاستخلص الشريف أبا عبد الله واختاره لمجلسه العلي مع من اختاره من المشيخة، وزحف به إلى فاس فتبرم الشريف من الاغتراب وردد الشكوى وعرف السلطان ذلك وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده، وأودع له مالا عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن الشريف مطلع على ذلك، فانتزع الوديعة وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهرا، ثم أطلقه أول ست وخمسين وسبعمائة وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه إلى أن هلك السلطان آخر تسع وخمسين وسبعمائة.
وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى الشريف من فاس فسرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمسان. وأطلقه أبو حمو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزوجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه، وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر وسبعمائة.
(ومنهم صاحبنا) الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان مختصا به، وأثيرا لديه. وأصله من برجة الأندلس نشأ بها واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ وسمع وتفقه على مشيخة الأندلس. واستبحر في الأدب وبرز في النظم والنثر، وكان لا يجاري في كرم الطباع وحسن المعاشرة، ولين الجانب وبذل البشر والمعروف. وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين وسبعمائة، وبها الأمير أبو زكريا ابن السلطان أبي يحيى منفردا بملكها على حين أقفر من رسم الكتابة والبلاغة، ٧/٥٣٧
فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه وإيثاره بخطة الإنشاء والكتاب عن السلطان إلى أن هلك الأمير أبو زكريا، ونصب ابنه محمد مكانه، فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمدا بأهله وحاشيته إلى تلمسان كما تقدم في أخباره، فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان، وأقام بها واتصل خبره بأبي عنان ابن السلطان أبي الحسن وهو يومئذ أميرها، ولقيه، فوقع من قلبه بمكان إلى أن كانت واقعة القيروان.
وخلع أبو عنان واستبد بالأمر فاستكتبه وحمله إلى المغرب، ولم يسم به إلى العلامة لأنه آثر بها محمد بن أبي عمر بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم. وربي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته إلى أن انقرضوا جميعا. وهلك السلطان أبو عنان واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب، وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه، فنقل البرجي من الكتابة واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء إلى أن هلك سنة ست وثمانين وسبعمائة وأخبرني رحمه الله ان مولده سنة عشر وسبعمائة.
(ومنهم شيخنا المعمر الرحالة) أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلما وخبرة بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس وأخذ عن مشيختها، وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحاق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفزاوي. وأهل طبقتهما، وأخذ عنهم وتفقه عليهم، ورجع إلى المغرب ولازم سنن الأكابر والمشايخ إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس، فأقام على ذلك إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه فعزله بالفقيه أبي عبد الله المغربي، وأقام عطلا في بيته.
ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، واستدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته في مجلس خاص إلى أن هلك رحمه الله بين يدي مهلك السلطان أبي عنان، إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة. ٧/٥٣٨
حديث النكبة من السلطان أبي عنان
كان اتصالي بالسلطان أبي عنان آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة وقربني وأدناني، واستعملني في كتابته، واختصني بمجلسه للمناظرة والتوقيع عنه فكثر المنافسون وارتفعت السعايات حتى قويت عنده بعد أن كان لا يغير عن صفائه . ثم اعتل السلطان آخر سبع وخمسين وسبعمائة وكان قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفظ من مثل ذلك، من غيرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى نمي إليه بعض الغواة أن صاحب بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير عبد الله بني علي، فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما نمي إليه أني داخلته في ذلك، فقبض علي وامتحنني وحبسني. ثم أطلق الأمير محمدا وما زلت أنا في اعتقاله إلى أن هلك، وخاطبته بين يدي مهلكه مستوطفا بقصيدة أولها:
على أي حال لليالي أعاتب ... وأي صروف للزمان أغالب
كفى حزنا أني على القرب نازح ... وأني على دعوى شهودي غائب
وأني على حكم الحوادث نازل ... تسالمني طورا وطورا تحارب
ومنها في التشوق:
سلوتهم إلا ادكار معاهد ... لها في الليالي الغابرات غرائب
وإن نسيم الريح منهم يشوقني ... إليهم وتصيبني البروق اللواعب
وهي طويلة، نحو مائتين بيتا، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موقع، وهش لها.
وكان بتلمسان، فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقه الوجع، وهلك لخمس عشرة ليلة، في رابع وعشرين ذي الحجة، خاتم تسع وخمسين وسبعمائة. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عمر الى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع علي، وحملني، وأعادني إلى ما كنت ٧/٥٣٩
عليه، وطلبت منه الانصراف إلى بلدي، فأبى علي، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدمناه في أخبارهم.
الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء
ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب ملكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سرا، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة وائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد.
فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة، واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديد، فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان، فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثثته. فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواحي بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رحو بن ماساي، فتلقاه السلطان ٧/٥٤٠
بالكرامة كما يجب له، واستوزره عوضا نائبا للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غربه منصور بن سليمان إلى الأندلس فاستوزره واستكفاه.
ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر صعد إلى فاس ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وانا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل بدون أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الأسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل ، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا عند من هم من أهل هذه الصناعة.
ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال علي منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وكان مما أنشدته إياه ليلة المولد النبوي من سنة ثلاث وستين وسبعمائة .
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين موقف ساعة ... لعواد مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظاعنين وقد غدا ... قلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشربت بعدهم بماء غروب
يا ناقعا بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصب الملام وإنني ... ماء المدام لدي غير شروب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب
أصبوا إلى أطلال كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب ٧/٥٤١
عبثت به أيدي البلى وترددت ... في عطفها للدهر أي خطوب
تبلى معاهدها وإن عهودها ... ليجرها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرضت لمتيم ... هزت لذكراها أولى التشبيب
إيه على الصبر الجميل فإنه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغض طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة بما لبست من ... الأيام تجلوها بكل قشيب
يا سائق الأظعان يعتسف الفلا ... بتواصل الأسناد والتأويب
متهافتا عن رحل كل مدلل ... نشوان من آن ومس لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمأ الصبابة ضحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب
إن تعترض مسراهم سدف الدجى ... صدعوا الدجى بغرامة المشبوب
في كل شعب منية. من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب
هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لغانية أعين وقلوب
فتؤم من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوة آيها مجلوة ... تتلومن الآثار كل غريب
سر عجيب ليس يحجبه الثرى ... ما كان سر الله بالمحجوب
ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم والإطناب في مدحه:
إني دعوتك واثقا بإجابتي ... يا خير مدعو وخير مجيب
قصرت في مدحي فإن يك طيبا ... فبما لذكرك من أريج الطيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب ٧/٥٤٢
يا هل تبلغي الليالي زورة ... تدني إلي الفوز بالمرغوب
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحط أوزاري وإصر ذنوبي
في فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل نجيبة ونجيب
يطوي صحائف ليلهم نوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنم الحادي بذكرك رددوا ... أنفاس مشتاق إليك طروبي
أو غرد الركب الخلي بطيبة ... حنوا لملقاها حنين النيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب
الظاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كل سبيب
والواهبون المقربات صوافنا ... من كل خوار العنان لعوب
والمانعون الجار حتى عرضه ... في منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب
ومنها في ذكر إجازته البحر واستيلائه على ملكه:
سائل بني طامي العباب وقد سرى ... تزجيه ريح العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنة وعزائم ... يصد عن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلل الظلام بسعيه ... وسطا الهدى بفريقه المغلوب
أبني الأولى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروا بتاجها المغصوب
جمعوا لحفظ الدين أي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب
لله مجدك طارفا أو تالدا ... فلقد شهدنا منه كل عجيب
كم رهبة أو رغبة لك في العلا ... تقتاد بالترغيب والترهيب
لا زلت مسرورا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرغوب
تحيي المعالي غاديا أو رائحا ... وحديد سعدك ضامن المطلوب
ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:
قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد ٧/٥٤٣
ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد
ولرب وصل كنت آمله ... فاعتضت منه بمؤلم الصد
لا عهد عند الصبر أطلبه ... إن الغرام أضاع من عهدي
يلحى العذول فما أعنفه ... وأقول ضل فأبتغي رشدي
وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعللي بضعيف ما تهدي
يا سائق الأظعان معتسفا ... طي الفلاة لطية الوجد
أرح الركاب ففي الصبا نبأ ... يغني عن المستنة الجرد
وسل الربوع برامة خبرا ... عن ساكني نجد وعن نجد
ما لي يلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد
نعم الخليفة في هدى وتقى ... وبناء عز شامخ الطود
نجل السراة الغر شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد
ومنها في ذكر خلوصي إليه وما ارتكبته فيه:
لله منى إذ تأوبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفل بواترا قضبا ... وجموع أقيال أولي اليد
أو ريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حق المجد من قصدي
ووردت عن ظمأ مناهله ... فرويت عن عز ومن رفدي
هي جنة المأوى لمن كانت ... آماله بمطالب المجد
لو لم أعل برد كوثرها ... ما قلت هذي جنة اللد
من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد
أني أنفت على رجائهم ... وملكت عز جميعهم وحدي
ورقيمة الأعطاف حالية ... موشية بوشائح البرد
وحشيه الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالغرد ٧/٥٤٤
تسمو بجيد بالغ صعدا ... شرف الصروح بغير ما جهد
طالت رءوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفا وصلت ... آسارها بالقهد والوخد
تحدي على استصغائها ذللا ... وتبيت طوع القن والقد
بسعودك اللاتي ضمن لها ... طول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلبهم ... أيدي السرى بالغور والنجد
كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسل من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند
يا مستعينا جل في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم من يسدي
وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبدا وفي سعد
وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيرا لم يحضرني الآن شيء منه.
ثم غلب ابن مرزوق على هواه وأفرد بخالصته وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره وإنشاء مخاطباته ومر اسمه.
ولاني آخر الدولة «خطة المظالم» فوفيتها حقها ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذا في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه، وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه على ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما قام الوزير عمر بالأمر أقرني علي ما كنت عليه، ووفر أقطاعي وزاد في جرايتي وكنت أسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كنت فيه وأدل في ذلك بسابق مودة معه، ٧/٥٤٥
منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث آثافينا، ومصقلة فكاهتنا، واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حقي من القصور بي عما أسمو إليه إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان مغاضبا له، فتنكر لي وأقطعني جانبا من الإعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب الأوسط فمنعني من ذلك أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده، وألح في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة، واستجرت في ذلك برديفه وصهره الوزير مسعود بن رحو بن ماسي، ودخلت عليه يوم الفطر سنة ثلاث وستين وسبعمائة فأنشدته:
هنيئا لصوم لا عداه قبول ... وبشرى لعيد أنت فيه منيل
وهنئتها من عزة وسعادة ... تتابع أعوام بها وفصول
سقى الله دهرا أنت إنسان عينه ... ولا مس ربعا في حماك محول
فعصرك ما بين الليالي مواسم ... له غرر وضاحة وحجول
وجانبك المأمول للجود مشرع ... يحوم عليه عالم وجهول
عساك وإن ضن الزمان منولي ... فرسم الأماني من سواك محيل
أجرني فليس الدهر لي بمسالم ... إذا لم يكن لي في ذراك مقيل
وأوليتني الحسنى بما أنا آمل ... فمثلك يؤلي راجيا وينيل
وو الله ما رمت الترحل عن قلى ... ولا سخطة للعيش فهو جزيل
ولا رغبة عن هذه الدار إنها ... لظل على هذا الأنام ظليل
ولكن نأى بالشعب عنا حبائب ... شجاهن خطب والفراق طويل
يهيج بهن الوجد إني نازح ... وأن فؤادي حيث هن حلول
عزيز عليهن الذي قد لقيته ... وأن اغترابي في البلاد يطول
توارت بابني البقاع كأنني ... تخطفت أو غالت ركابي غول
ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى ... فطارت لقلبي أنة وعويل ٧/٥٤٦
وحييت عن شوق رباك كأنما ... يمثل لي فيء بها وطلول
أأحبابنا والعهد بيني وبينكم ... كريم وما عهد الكريم يحول
إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي ... فلا قربتني للقاء حمول
الام مقامي حيث لم ترد العلا ... مرادي ولم تعط القياد ذلول
أجاذب فضل العمر يوما وليلة ... وساء صباح بينها وأصيل
ويذهب بي ما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل
تعللني منه أمان خوادع ... ويؤنسني منه أمان مطول
أما لليالي لا ترد خطوبها ... ففي كبدي من وقعهن فلول
يروعني عن صرفها كل حادث ... تكاد له صم البلاد تزول
أداري على رغم العداة بريبة ... يصانع واش خوفها وعذول
وأغدو بأشجاني عليلا كأنما ... تجود بنفسي زفرة وغليل
وإني وإن أصبحت في دار غربة ... تحيل الليالي سلوتي وتديل
وصدتني الأيام عن خير منزل ... عهدت به أن لا يضام نزيل
لأعلم أن الخير والشر ينتهي ... مداه وأن الله سوف يديل
وإني عزيز بابن ماساي مكثر ... وإن هان أنصار وبان خليل
فأعانني الوزير مسعود عليه حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة فاتح أربع وستين وسبعمائة وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، وحين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة الوزير أبي عبد الله بن الخطيب، لما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته واعتمل في قضاء حاجاته في الدولة، ولما أجاز باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيما ٧/٥٤٧
ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف في قضاء حاجاتهم وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترط له من التجافي عن حصون المسلمين التي تملكها بالإجلاب، ففارقه إلى بلاد المسلمين باستجة وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله من أمصار الأندلس الغربية التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك، وتجافى له عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين وسبعمائة واستوحشت أنا من عمر إثر ذلك كما مر، وارتحلت إليه معولا على سوابقي عنده، فقرب في المكافآت كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الرحلة الى الأندلس
ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس من حفدة السلطان أبي يحيى، وبأني أمر على الأندلس وأجيز عليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية. وأكرمهم بنو العزفي أولا وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد فتنكروا لهم وغربهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفادى هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة، وانقرض بنو العزفي ٧/٥٤٨
ودولتهم، وهلك والد الشريف وصدر هو إلى رياسة الشورى. لما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير واليا من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان وبث فيهم الشريف دعوته، فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان وأمكنوه من بلدهم، فولى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كان كافل تربيته في صغره. وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمرا دونه، ووفد على السلطان بعض الأيام فتلقاه من المبرة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته، وكان معظما وقور المجلس، هش اللقاء، كريم الوفادة، متحليا بالعلم والأدب، منتحلا للشعر غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولما مررت به سنة أربع وستين وسبعمائة أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، ورأيت منه ما لا يقدر مثله من الملوك، وأركبني الحراقة ليلة سفري يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغرابا في الفضل والمساهمة، وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب، ثم خرجت منه إلى غرناطة وكتبت للسلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني، وليلة بت بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنيني بالقدوم، ويؤنسني ونصه:
حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرحب والسهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المعصب
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل
وودي لا يحتاج فيه لشاهد ... وتقريري المعلوم ضرب من الجهل
أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيرت أيها المحب الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماؤه، ويرف نماؤه، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا آلو في ٧/٥٤٩
حظ يلم بسياج لمته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدم حواريه في ملمته . من الأحابش وأمته. وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم مراح، وخصب صراح، ورنى وجراح ، وانتخاب واقتراح، وصدر ما به إلا انشراح، ومسرات يردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن ممتعا، والحمد لله باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا آلف الصيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رفأ حنوه اغترابي وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمالي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، وملتقى للسعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربك، متجملة بزيك، عاقلة خطي سمهريك ، ومولى مكارمه، مشيدة لأمثالك، ومضان منالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام.
ثم أصبحت من الغد قادما على البلد وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره بفرشه وما عونه، وأركب خاصته للقائي تحفيا وبرا ومجازاة بالحسنى. ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع علي وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجاء في خلوته، والمواكبة في ركوبه والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في خلوات أنسه، وأقمت عنده، وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بطرة بن الهنشة بن أدفونش لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة بهدية فاخرة من ثياب الحرير والجياد والمقربات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيلية وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية ٧/٥٥٠
سلفنا بإشبيلية وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم ابن زرور اليهودي المقدم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان بن القائم بدولتهم إلى الطاغية، فأقام عنده ونظمه في أطبائه، فلما قدمت أنا عليه أثنى علي عنده، فطلب الطاغية حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني واختصني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان فأقطعني قرية البيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب لي بها منشورا كان نصه ثم حضرت ليلة المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ:
حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني
إن الألى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسما لا يناجيني
أمثل الربع من شوقي فألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال قلبي عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... بالدمع وقف على أطلاله الجوني ٧/٥٥١
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أن قلبي إلى السلوان يدعوني
أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة عنكم تحييني
ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلا لا يداويني
يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسنا سوى جنة الفردوس والعين
أعندكم أنني ما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقا ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قربا يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوما بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادكاري يا ... من لم تكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في وصف الإيوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره:
يا مصنعا شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطرف مفتتنا ... فيما يروقك من شكل وتلوين
بعدا لإيوان كسرى إن مشورك ... السامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... «أشهى إلى القلب من أبواب جيرون»
ومنها في التعريض بمنصرفي من العدوة:
من مبلغ عني الصحب الألى تركوا ... ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني
وأنني ظاعنا لم ألق بعدهم ... دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون
سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون
أرتاد منها مليا لا يماطلني ... وعدا وأرجو كريما لا يعنيني
وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين ٧/٥٥٢
تلوح إن جليت درا وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنها ما تقسمه ... من كل حزن بطي الصدر مكنون
لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين
بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين
وأنشدته سنة خمس وستين وسبعمائة في إعذار ولده، والصنيع الذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى من نواحي الأندلس ولم يحضرني منها إلا ما أذكره:
صحا الشوق لولا عبرة ونحيب ... وذكرى تجد الوجد حين تثوب
وقلب أبى إلا الوفاء بعهده ... وإن نزحت دار وبان حبيب
ولله مني بعد حادثة النوى ... فؤاد لتذكير العهود طروب
يؤرقه طيف الخيال إذا سرى ... وتذكي حشاه نفحة وهبوب
خليلي لا تستعديا قد دعا الأسى ... فإني لما يدعو الأسى لمجيب
ألما على الأطلال نقض حقوقها ... من الدمع فياض الشؤون سكوب
ولا تعذلاني في البكاء فإنها ... حشاشة نفسي في الدموع تذوب
ومنها في تقدم ولده للاعذار من غير نكول:
فيمم منه الحفل لا متقاعس ... ولا نكس عند اللقاء هيوب
وراح كما راح الحسام من الوغى ... تروق حلاه والفرند خضيب
شواهر أهدتهن منك شمائل ... وخلق بصفوف المجد منك مشوب
ومنها في الثناء على ولديه:
هما النيران الطالعان على الهدى ... بآيات فتح شأنهن عجيب ٧/٥٥٣
شهابان في الهيجا نعامان في الثوى ... تسح المعالي منهما وتصوب
يدان لبسط المكرمات نماهما ... إلى المجد فياض اليدين وهوب
وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة:
أبى الطيف أن يعتاد إلا توهما ... فمن لي ألقى الخيال المسلما
وقد كنت أستهديه لو كان نافعي ... واستمطر الأجفان لو تمطر الظما
ولكن خيال كاذب وطماعة ... تعلل قلبا بالأماني متيما
أيا صاحبي نجواي والحب لوعة ... يبيح بشكواها الضمير المكتما
خذا لفؤادي العهد من نفس الصبا ... وطي النقا والبان من أجرع الحمى
الأصنع الشوق الذي هو صانع ... فحبي مقيم أقصر الشوق أوسما
وإني ليدعوني السلو تعللا ... وتنهاني الأشجان أن أتقدما
لمن دمن أقفرن إلا هواتف ... تردد في أطلالهن الترنما
عرفت بها سيما الهوى وتنكرت ... فعجت على آياتها متوسما
وذو الشوق يعتاد الربوع دوارسا ... ويعرف آثار الديار توهما
تؤوبني والليل بيني وبينه ... وميض بأطراف الثنايا تضرما
أجد لي العهد القديم كأنه ... أشار بتذكار العهود فأفهما
عجبت لمرتاع الجوانح خافق ... بكيت له خلف الدجا وتبسما
وبت أرويه كؤوس مدامعي ... وبات يعاطيني الحديث عن الحمى
وصافحته عن رسم دار بذي الغضي ... لبست بها ثوب الشبيبة معلما
لعهدي بها تدني الظباء أوانسا ... وتطلع في آفاقها الغيد أنجما
أحن إليها حيث سار بي الهوى ... وأنجد رحلي في البلاد وأتهما
ولما استقر القرار، واطمأنت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستبشار، وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر لاستقدام أهلي من مطرح اغترابهم من ٧/٥٥٤
قسنطينة، بعث إليهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمرية، فسار في إجازتهم في أسطوله، واحتلوا بالمرية. واستأذنت السلطان في تلقيهم، وقدمت بهم على الحضرة بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان ودمنة الفلح، وسائر ضروريات المعاش.
وكتبت الى الوزير ابن الخطيب عند ما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه أستأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله.
سيدي، قدمت بالطير اليمانين، على البلد الأمين، واستضفت الرفاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعربة عن كتب اللقاء، ودنو المزار، وذهاب البعد، وقرب الديار، وأستفهم سيدي عما عندي في القدوم على المخدوم، وأحب أن يستقدمني سيدي إلى الباب الكريم في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يقض حجيجه، ولم يصخ بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم والسلام.
ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن حملوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان، واشتماله علي، وحركوا له جواد الغيرة فتنكر. وشممت منه رائحة الانقباض مع استبداده بالدولة، وتحكمه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء للمودة، فارتمض لذلك، ولم يسعه إلا الاسعاف، فودع وزود وكتب لي مرسوما بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه:
هذا ظهير كريم، تضمن تشييعا وترفيعا وإكراما وإعظاما، وكان لعمل الصنيع ختاما، وعلى الذي أحسن تماما، وأشاد به للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساما ، وتوفر إقساما، وأعلق بالقبول أن نوى بعد القوى رجوعا وآثر على الظعن المزمع مقاما. ٧/٥٥٥
أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه، وحبسه الأمير أبو عبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر أيد الله أمره، وأعز نصره، وأعلى ذكره، للولي الجليس، الحظي المكين، المقرب الأود الابن الفقيه الجليل الصدر الأوحد، الرئيس العالم الفاضل الكامل، الموقع الأمين الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، المرفع المعظم، الصدر الأوحد، الأسمى الأفضل الموقر المبرور أبي يحيى ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظي، المعظم الموقر، المبرور المرحوم أبي عبد الله بن خلدون. وصله الله أسباب السعادة، وبلغه من فضله أقصى الإرادة، أعلن بما عنده، أيده الله من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفع، وإن كان غنيا عن الإعلان، وأعرب عن معرفة مقداره في الحسبان، العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه الحسان، من لدن وفد على بابه، وفادة العز الراسخ البنيان، وأقام المقام الذي عين له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله في ظل الأمن والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربي على الخير بالعيان، والتمسك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان. بعد أن لم يدخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعه، فولاه القيادة والسيادة وأحله جليسا معتمدا بالاستشارة، ثم أصحبه تشييعا يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له بر الوجاهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتمليه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الود، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبر ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء التحول، ولا الاعتقاد الكريم التبدل، ولا الزمن الأخير أن ينسخ الأول. على هذا فليطو ضميره، وليرد ما شاء نميره، ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام برا وبحرا على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق ٧/٥٥٦
هذا الاعتقال في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول، وإعانة وقبول، واعتناء موصول إلى أن يكمل الغرض، ويؤدي من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض بحول الله وقوته.
وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ست وستين وسبعمائة.
وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان، ونصها «صح هذا» .
الرحلة من الأندلس الى بجاية وولاية الحجابة بها على الاستبداد
كانت بجاية ثغرا لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار أمرهم للسلطان أبي يحيى منهم، واستقل بملك إفريقية، ولى في ثغر بجاية ابنه الأمير أبو زكريا، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير أبا عبد الله. وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ينازعونه في أعماله، ويحجرون الكتائب على بجاية ، ويجلبون على قسنطينة إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة من السلطان أبي الحسن ملك المغرب الأوسط والأقصى من بني مرين، وله الشفوف على سائر ملوكهم. وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة وقتل سلطانها أبا تاشفين وذلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وخف ما كان على الموحدين من أمر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين وسبعمائة، وخلف سبعة من الأولاد، كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن، ثم أبو العباس أحمد، فولى الأمير أبو زيد مكان أبيه في كفالة نبيل مولاهم. ثم توفي الأمير أبو زكريا ببجاية سنة ست وأربعين وسبعمائة، وخلف ثلاثة من الأولاد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها، فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن زكريا، وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين وسبعمائة وزحف أبو الحسن إلى إفريقية ٧/٥٥٧
فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب. وأقطع لهم هنالك إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو عنان أباه. وارتحل من تلمسان إلى فاس، فنقل معه هؤلاء الأمراء أهل بجاية وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم الأمير أبا عبد الله أولا، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس ليستبدوا بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن، فوصلوا إلى بلادهم وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين، فانتزعوها منه. واستقر أبو عبد الله ببجاية حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فهزم ملوكها من بني عبد الواد وأبادهم، ونزل المدية وأطل على بجاية، وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زبون الجند والعرب، وقلة الجباية. وخرج له عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عماله بها، ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب، فلم يزل عنده في كفاية وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة واستخلصني منه، نبضت عروق السابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله، واستدعاني لصحابته، فأسرعت وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك. ثم كثر المنافسون ورفعوا إلى السلطان وقد طرقه مرض أرجف له الناس، فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ذلك، على أن يوليني حجابته، فانبعث له السلطان وسطا بنا واعتقلني نحوا من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم واستولى على المغرب، ووليت كتابة سره، ثم نهض إلى تلمسان وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس، وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه ليدافع أبا حمو عن تلمسان ويكون خالصة له، وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية كما ذكرناه، والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواما تباعا. ٧/٥٥٨
ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العباس بها فخلعه، واستبد بالأمر وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بني مرين، فهزمهم وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس سنة ثمان وخمسين وسبعمائة فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه، فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين وسبعمائة أطلقه من الاعتقال وصحبه إلى دار ملكه ووعده برد بلده عليه.
فلما ولى أبو زيان على تلمسان أشار عليه خاصته ونصحاؤه بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم، فبعث أبا عبد الله إلى بجاية وقد كان ملكها عمه أبو إسحاق صاحب تلمسان ، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين. وبعث أبا العباس إلى قسنطينة وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها فملكها لوقته، وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية فطال إجلابه عليها، ومعاودته حصارها.
وألح أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحاق. وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتوليت كبر ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكتاب أهل مجلسه، حتى تم القصد من ذلك، وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه، ومعنى الحجابة في دولنا بالمغرب الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ صغير اسمه يحيى ، أصغر مني، فبعثه مع الأمير أبي عبد الله حافظا للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب وأظلم الجو بيني وبينه.
وبينما نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يدعمه في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة وكتب لي الأمير أبو عبد الله يستقدمني، فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله ابن الأحمر ذلك مني، لا لظنه سوى ذلك ، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت ٧/٥٥٩
العزم، ووقع منه الإسعاف والبر والألطاف. وركبت البحر من مرسى المرية، منتصف ست وستين وسبعمائة ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب للقائي، وتهافت أهل البلد علي من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوما مشهودا.
ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى، وخلع وحمل، وأصبحت من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقللت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة وأنا مع ذلك، عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة، إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة، لا أنفك عن ذلك.
ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال، وشبت نار هذه الفتنة بعرب أوطانهم من الزواودة من رياح، تنفيقا لسوق الزبون يميرون به أموالهم، فكانوا في أهم شقة بجمع بعضهم لبعض فالتقو سنة ست وستين وسبعمائة بفدحيوه ، وانقسم العرب عليهما، وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس، فانهزم السلطان أبو عبد الله ورجع إلى بجاية مفلولا بعد أن كنت جمعت له أموالا كثيرة أنفق جميعها في العرب، ولما رجع وأعوزته النفقة، خرجت بنفسي إلى قبائل البربر بالجبال الممتنعين من المغارم منذ سنين، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة. ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان يطلب منه الصهر، فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمه، وزوجه ابنته، ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع وستين وسبعمائة وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله لما كان يرهف الحد لهم، ويشد وطأته عليهم، فأجابوه إلى الانحراف عنه. وخرج الشيخ أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل إيزو معتصما به، فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد من رياح بمكانه ذلك، ٧/٥٦٠
بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش، وكبسه في مخيمه وركض هاربا، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعدة أهلها. وجاءني الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان بقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر والبيعة لبعض أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، وخرجت إلى السلطان أبي العباس فأكرمني وحياني ، وأمكنته من بلده، وأجرى أحوالها كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في والتحذير من مكاني، وشعرت بذلك، فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك، فأذن لي بعد ما أبى، وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن علي. ثم بدا له الشأن في أمري، وقبض على أخي واعتقله ببونة. وكبس بيوتنا، فظن بها ذخيرة وأموالا فأخفق ظنه. ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن علي وقصدت بسكرة لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزنى، وبين أبيه، فأكرم وبر وساهم في الحادث بماله وجاهه والله أعلم.
مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان
كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصهر في ابنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر الامتعاض لذلك، وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطانهم بإرهاف حده، وشدة بطشه. وسطوته فانحرفوا عنه باطنا وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه.
ودسوا للسلطان أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما استولى السلطان أبو العباس وقتل ابن عمه رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم قد قضيت، فاعصوصبوا عليه، وأظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسر منها ٧/٥٦١
حسوا في ارتقاء ، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، لما كان يرى نفسه كفؤها بعدده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها، فسار من تلمسان يجر الشوك والمدر ، خيم بالرشة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم من لدن تلمسان إلى بلاد حصين من بني عامر وبني يعقوب وسويد والديالم والعطاف وحصين.
وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند أعجله السلطان أبو حمو عن استكمال الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع، وبعث السلطان أبو العباس عن أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو من قسنطينة، كان معتقلا بها، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيرا أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان، وأبلغهم النذير أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها، فراسلوا أبا زيان وركبوا إليه، واعتقدوا معه وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمرة بإزائهم، فاقتلعوا خباءهم، وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة، وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيمه فحمل رواحله وسار، وغصت الطرق بزحامهم، وتراكم بعضهم على بعض، فهلك منهم عوالم. وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية، وقد غشيهم الليل، فتركوا أزوادهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد غص الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان، وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خبر خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أهلي ومخلفي، فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة، وكانت الأمور قد اشتبهت، فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي. ثم ارتحلت إلى بسكرة فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزني. فلما وصل السلطان أبو حمو إلى تلمسان وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية، وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم، وملك ٧/٥٦٢
زمامهم، ورأى أن يعول علي في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها:
الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، انك تصل إلى مقامنا الكريم بما خصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة المنيفة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، وقد أعلمناكم بذلك، وكتب بخط يده عبد الله المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له.
وبعده بخط الكاتب ما نصه: بتاريخ السابع عشر من شهر رجب الفرد الذي من عام تسع وستين وسبعمائة، عرفنا الله خيره. ونص الكتاب الذي هذه مدرجته، وهو بخط الكاتب: «أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد ووالى رعايتكم، إنا قد ثبت عندنا، وصح لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشييع قديما وحديثا لنا، مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ القدم في الفنون العلمية والآداب العربية.
وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي أسماه الله إلى درجات أمثالكم، وأرفع الخطط لنظرائكم، قربا منا، واختصاصا بمقامنا، واطلاعا على خفايا أسرارنا، آثرناكم بها إيثارا، وقدمناكم لها اصطفاء واختيارا، فاعملوا على الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله لما لكم فيه من التنويه، والقدر النبيه، حاجبا لعلي بابنا، ومستودعا لأسرارنا، وصاحبا لكريم علامتنا، إلى ما شاكل ذلك من الانعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا يشارككم مشارك في ذلك، ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالكم فأعملوه وعولوا عليه، والله تعالى يتولاكم، ويصل سراءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه جاء إلى أشياخ الزواودة في هذا الغرض، فقمت له في ذلك أحسن قيام وشايعته أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن السلطان أبي العباس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ذلك، وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله، وقدم علي ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمو كالنائب عني في الوظيفة، متفاديا عن تجشم أهوالها بما كنت ٧/٥٦٣
نزعت عن غواية الرتب. وطال علي إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ فاستكفى به في ذلك، ودفعه إليه.
ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوق إلي، وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر، فبعث إلي من هنالك ونصه:
بنفسي وما نفسي علي رخيصة ... فينزلني عنها المكاس بأثمان
حبيب نأى عني وصم لا أنثني ... وراش سهام البين عمدا فأضناني
وقد كان هم الشيب لا كان كائنا ... فقد آدني لما ترحل همان
شرعت له من دمع عيني موردا ... فكدر شربي بالفراق وأظماني
وأرعيته من حسن عهدي حمية ... فأجدب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضى ... قياسا بما عندي فأحنث أيماني
وإني على ما نالني منه من قلى ... لأشتاق من لقياه نعبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرسه ... فقست بحر الشوق جن سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمه ... وثبت وما استثبت شيمة هيمان
وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفسي برحمة عابد ... تظلل يوما مثله عبد رحمان
ولا شعرت من قبله بتشوق ... تخلل منها بين روح وجثمان
أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر على إبر الزبر لا بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم ٧/٥٦٤
القهر، ومن للعين أن تسلو سلو القصر عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد عن سرها الرائي والمشاهد، وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه أو ترحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول، فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق على الرواق ، وكادت لوعة الاشتياق أن تفضي إلى السياق .
تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصبر عصيانا
أقرع سني ندما تارة ... وأستميح الدمع أحيانا
وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسائل نون النؤى عن أهليه، وهيام المرقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة من منازل الموحدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين. لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسائل عن جفوني المؤرقة، ونائم عن شجوني المجتمعة المتفرقة، ظعن عن ملال، لا متبرما بشر حال وكدر الوصل بعد صفائه، وضرح النصل بعد عهد وفائه.
أقل اشتياقا أيها القلب إنما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازيا
فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وانشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، واستعديه على ظلم ابتدعه.
«خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لنشرت ألوية العتب، وبثثت كتائبها كمينا في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحا هز الأسنة وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة، وتقود من مجموع الطرس والنقس بلقا تردي في ٧/٥٦٥
الأعنة، ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح والمثوى الذي إليه مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان، فهو الجنوح.
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا
ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفو ذنبه، (ولله در القائل) :
فو حقه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أن حمصا داره
بلد متى أذكره هيج لوعتي ... وإذا قدحت الزند طار شراره
اللهم غفرا، وأين قراره النخيل، من مثوى الألف البخيل، ومكذبة المخيل، وأين نائية هجر، من متبرئ ممن ألحد وفجر
من أنكر غيث مسودة ... في الأرض ينوء بمخلفها
فبنان بني مزنى مزن ... تنهل بلطف مصرفها
مزن مذحل ببسكرة ... يوما نطقت بمصحفها
شكرت حتى بعبارتها ... وبمعنها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من ... الأيام ثنايا زخرفها
وشكرت الدنيا متى عرفت ... مزن فيها بمعرفها
بل نقول لا محل للولد ، لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، لقد حل بينك عرى الجلد، وخلد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد، فحيا الله زمانا شفيت في قربك زمانته ، واحتليت في ذروة مجدك جمانته، ويا من لمشوق لم يفض من طول خلتك لبانته ، وأهلا بروض أضلت شباب معارفك ٧/٥٦٦
بانته، فحمائمه بعدك تندب فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشبانه تتهافت وتتلاشى، وأدواحه في ارتباك، وحمائمه في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمرها لات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابة، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه، فلهفا عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق غراب بينها في ربوع الهوى، ونطق بالزجر فما نطق عن الهوى، وبأي شيء يعتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طما نهرك الفياض، وفهقت الحياض، ولا كان الشانئ المشنوء والحرب المهنوء من قطيع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الأمر الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل، فشرع الشراع فراع، وواصل الإسراع، فكأنما هو تمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة، وأختطف بهم من الشط نزهة العين، وعين النزهة، ولجج بها، والعيون تنظر، والعبر عن الاتباع تخطر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الأثر المنتسف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووفر الحبرة من الحسرة، إنما نشكو إلى الله البث والحزن، ونستمطر منه المزن ، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت لليأس أسنة ونصول.
ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول
فإن كان كلام الفراق رغيبا، لما نويت مغيبا، وجللت الوقت الهني تشغيبا، فلعل الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروى صحيحا غريبا. إيه سيدي كيف حال تلك الشمائل المزهرة المخايل، والشيم الهامية الديم؟ هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف البين ذباله؟ أو ترثي لمؤق شأنها سكب لا يفتر، وشوق ٧/٥٦٧
يبت حبال المشوق ويبتر وضنى تقصر عن حلله الفائقة صنعاء وتستر والأمر أعظم والله يستر، وما الذي يضيرك صير من بلفح السموم يضيرك ، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت، وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، إن تترفق بذماء، أو ترد بنغبة ماء، أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية عليها شذ أنفاسك، أو تنظر إلينا من البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال يزور، وتعللت بنوال منذور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور.
يا من ترحل والرياح لأجله ... تشتاق أن يعبق شذا رياها
تحيا النفوس إذا بعثت تحية ... وإذا قرأت ترى ومن أحياها
ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسنا تفديك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر موديك «ثن ولا تجعلها بيضة الديك وعذرا فإني لم أجترئ على خطابك بالفقرة الفقيرة، وأدللت لدي محرابك برفع العقيرة، عن نشاط بعث مرسومه ولا اغتباط بالأدب إلا بسياسة تسوسه، أو في على الفترة ناموسه وانما هو نفاق نفثة المصدور ، وهناء الجرب المجدور، وإن تعلل به مخارق، فثم قياس فارق، والذي هيأ هذا القدر وسببه، وسهل المكروه إلي منه وحببه، ما اقتضاه الصنو يحيى، أمد الله حياته، وحرس من الحوادث جهاته ، من خطاب ارتشف لهذه القريحة العديمة بلالتها، بعد أن رضي غلالتها، ورسخ إلى الصهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلا إسعافه، بما أعافه، فأمليت مجيبا ما لا يعد في يوم الرهان ٧/٥٦٨
نجيبا، وأسمعته وجيبا لما ساجلت بهذه الترهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان فسحه ، وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه وموقف شلوه ، إلا وقد تحيز إلى فئتك مغترا بل معترا، واستقبلها ضاحكا مفترا، وهش لها برا، وإن كان من الخجل مصفرا، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أو بعث التمر إلى هجر ، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض دون القريض ، وشغل المريض عن التعريض، وغلب الشوق الكسل، ونشرت الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر، والشباب عند البيات، والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض أبقاك الله، وأسمح لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب.
تولاك الله فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك أية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم يعتمد حلال ولدي وساكن خلدي، بل أخي وإن اتقيت عتبة وسيدي، ورحمة الله وبركاته، من محبة المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني من عام سبعين وسبعمائة.
وكان تقدم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إلي، بعث به إلى تلمسان فتأخر وصوله، حتى بعث به أخي يحيى عند وفادته على السلطان، ونص الكتاب.
يا سيدي إجلالا واعتدادا، وأخي ودا واعتقادا، ومحل ولدي شفقة حلت مني ٧/٥٦٩
فؤادا. طال علي انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك، فرجوت أن أبلغ المنية بهذا المكتوب إليك، وتخترق الموانع دونك، وإن كنت في موالاتك كالعاطش الذي لا يروى، والآكل الذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد المألوفة، فأنا بعد إنهاء التحية المطلولة الروض بماء الدموع، وتقرير الشوق القديم اللزيم، وشكوى البعاد الأليم، والابتهال في إتاحة القرب قبل الفوت من الله ميسر العسير، ومقرب البعيد، أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالا في مجال الخلوص لك، وأشدهم حرصا على اتصال سعادتك، وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة على الغبطة بك باللجإ إلى تلك الرئاسة الزكية، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على البعد، حرسها الله ملجأ للفضلاء، ومخيما لرجال العلياء، ومهبا لطيب الثناء، بحول وقوته، وقاربت كل ساح السلامة فاحمدوا الله على الخلاص، وقاربوا في معاملة الآمال، وضنوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاق، وأبخلوا بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدنيا خسيس، والموانع الحافة جمة، والحاصل حسرة، وما قل سعي يحمد حاله العاقبة ، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت، إنما ينال منه الضروري، ومثلك لا يعجزه مع الناس العافية، إضعاف ما يرجى به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله.
وإن تشوفت لحال المحب تلك السيادة الفذة والبنوة البرة، فالحال حال من جعل الزمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل، ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأجل مكتوب، يؤمل فيه عادة الستر من الله، إلا أن الضجر الذي تعلمونه حفظه الناس لما عجزت الحيلة، وأعوز الناصر وسدت المذاهب، والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال. ٧/٥٧٠
وفيما يرجع إلى السلطان تولاه الله على إضعاف ما باشر سيدي من الأغياء في البر، ووصل سبب الالتحام والاشتمال مع الإقبال وما ينتجه متعود الظهور، والحمد لله.
وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد فعلى ما علمت الآن الشوق يخامر القلوب، وتصور اللقاء مما يزهد في الوطن، وحاضر النعم سنى الله ذلك على أفضل حال، ويسره قبل الارتحال من دار المحال.
وفيما يرجع إلى الوطن فأحوال النائم خصبا، وهدنة وظهورا على العدو، وحسبك فافتتاح حصن آش وبرغة القاطعة بين بلاد الإسلام، ووبرة والعارين وبيعة وحصن السهلة في عام. ثم دخل بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة، والاستيلاء على ما يناهز خمسة آلاف من السبي من فتح دار الملك، وبلدة قرطبة، ومدينة جيان عنوة في اليوم الأغر المحجل، وقتل المقاتلة، وسبي الذرية، وتعفية الآثار حتى لا يلم بها العمران، ثم افتتاح مدينة رندة التي تلف جيان في ملاءتها، دار التجر، والرفاهية والبنات الحافلة، والنعم الثرة، نسأل الله جل وعلا أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سيب رحمته، وأن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه.
ولم يتزيد من الحوادث إلا ما علمتم من أخذ الله لنسب السوء، وخبث الأرض، المسلوب من أثر الخير، عمر بن عبد الله، وتحكم شر الميتة في نفسه، وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على نفيسة ، والاضطراب مستول على الوطن بعده، إلا أن القرب على علالته لا يرجحه غيره. ٧/٥٧١
والأندلس اليوم شيخ غزاتها عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي علي، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن علي بن بدر الدين رحمه الله. وقد استقر بها بعد انصراف سيدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رحو، وعمر بن عثمان بن سليمان.
والسلطان ملك النصارى بطرة قد عاد إلى ملكه بإشبيلية، وأخوه مجلب عليه بقشتالة وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم، داعين لأخيه، والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم عوائد في باب الظهور والخير، لم تكن تخطر في الآمال. وقد تلقب السلطان أيده الله بعقب هذه المكنفات بالغني بالله وصدرت عنه مخاطبات بمجمل الفتوح ومفصلها يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن.
وأما ما يرجع إلى ما يتشوف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت، فصدرت تقاييده، وتفاصيل يقال فيها بعد ما اعتملت تلك السيادة بالانصراف يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم.
منها أن كتابا رفع إلى السلطان في المحبة من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبة الله ، فجاء كتابا ادعى الأصحاب غرابته. وقد وجه إلى الشرق وصحبته كتاب «تاريخ غرناطة» وغيره من تأليفي. وتعرف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر، وانتال الناس عليه، وهو في لطافة الإعراض، متكلف أغراض المشارقة من ملحه:
سلمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤها لدى استنشاقه
من ينكر دعوتي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشاقه
والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سميته «الغيرة على أهل الحيرة» وجزء سميته «حمد الجمهور على السنن المشهور» . والإكباب على اختصار كتاب «التاج » للجوهري ورد حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتيبه ٧/٥٧٢
السهل، والله المعين على مشغلة نقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيادة والبنوة، إذ لا يتعذر وجود قافل من حج، أو لاحق بتلمسان يبعثها السيد الشريف منها، فالنفس شديدة التعطش، والقلوب قد بلغت من الشوق والاستطلاع الحناجر. والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلصك وإياي من الورطة، ويحملنا أجمعين على الجادة. ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عودا على بدء، ورحمة الله وبركاته من المحب المشوق الذاكر الداعي ابن الخطيب، في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة انتهى.
(فأجبته) عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته فلم يكن شأوه يلحق. ونص الجواب: سيدي مجدا وعلوا، وواحدي ذخرا مرجوا ومحل والدي برا وحنوا. ما زال الشوق مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد، يرعي سمعي أنباءك، ويخيل إلي من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهد غير مضاع وود ذي أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلو وحشر أنواع المسرات، وقدح للقائك زناد الأمل، والله أسأل الامتناع بك قبل الفوت على ما يرضيك، ويسني أماني وأمانيك. وحييته تحية الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج للصباح المتبلج، وأملى على معترج الأولياء خصوصا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعموما في الدولة من رسوخ القدم، وهبوب ريح النصر، والظهور على عدو الله باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانية، غريبة لا تثبت إلا في الحلم وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طيئ العصور السالفة إلى هذه المدة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حيث أظهر على يدها خوارق العادة، وما تجد آخر الأيام من معجزات ٧/٥٧٣
الملة، وكمل فيها والحمد لله بحسن التدبير ويمن التعبية ، من حميد الأثر، وخالد الذكر، طراز في حلة الخلافة النصرية، وتاج في مفرق الوزارة. كتبه الله لك فيما يرضاه الله من عباده.
ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا العصر المحروس، وأذعته في الملأ سرورا لعز الإسلام وإظهارا للنعمة، واستطرادا لذكر الدولة المولوية بما تستحقه من طيب الثناء والتماس الدعاء، والتحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدول السالفة والخالفة وتقدمها، فانشرحت الصدور حباء، وامتلأت القلوب إجلالا وتعظيما، وحسنت الآثار اعتقادا ودعاء.
وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من نعتي في مناقبها ترجمانا، زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين سكون الغريب من الشوق المزعج ، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفا لتجافي عرمها عن الأمن والتقويض عن دار العزيز المولى المنعم، والسيد الكريم، والبلد الطيب، والإخوان البررة، «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» وإن تشوفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم سيرا مع الأمل، ومغالبة للأيام على الحظ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر.
هل نافعي والجد في صبب ... مدى مع الآمال في صعد
رجع الله بنا إليه، ولعل في عظتكم النافعة شفاء من هذا الداء، العياء إن شاء الله، وأن لطف الله مصاحب من هذه الرئاسة المزنية، وحسبك بها عليه عصمة وافية ، صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدها منهم كما علمتم، حين تفاقم الخطب، وتلون الدهر، والإفلات من مظان النكبة، وقد رنقت حولها بعد ما جرته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمه، قريعة في الملك وقسيمه في النسب، والتياث الجاه، وتغير السلطان، واعتقال الأخ المخلف، ٧/٥٧٤
واليأس منه لولا تكييف الله في نجائه، والعيث بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع المقتناة من بقايا ما متعت به الدولة النصرية أبقاها الله من النعمة، فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث وأشرك في الجاه والمال، وأعان على نوائب الدهر وطلب الوثر حين رأى الدهر قلاني وأمل الملوك استخلاصي، وتجاوزوا في إتحافي والله المخلص من عقال الآمال، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورطة.
وأنبأني سيدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة في هذه الفتوحات الجليلة، وبودي لو وقع الإتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني الندم على ما فرطت.
وأما أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم من استقرار السلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبدا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره، رحمة الله عليه مضايقا في حياته الوطن واحكامه بالعرب، المستظهرين بدعوته، مصانعا لهم بوفرة على أمان الرعايا والسابلة. لو أمكن حسن السياسة جهد الوقت، ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة خلافا كما علمتم، محملا الدولة بصرامته وقوة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستقلين من الأعراب، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك إلا ما شمل البلاد من تغلب العرب ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال الدول في كل جهة وكل بداية إلى تمام.
وأما أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه . وأما المشرق فأخبار الحاج هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سلطانه، وانتزاء الجفاة على كرسيه، وفساد المصانع والسقايات المعدة لوفد الله وحاج بيته، ما يسخن العين ويطيل البث، حتى زعموا أن الهيعة اتصلت بالقاهرة أياما. وكثر الهرج في أزقتها وأسواقها لما وقع بين سندمر المتغلب بعد يلبغا الخاصكي، وبين سلطانه ظاهر القلعة، من الجولة التي كانت دائرتها عليه، أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى، من حاشيته، وموالي يلبغا، ٧/٥٧٥
وتقبض على الباقين، فأودع منهم السجون، وصلب الكثير، وقتل سندمر في محبسه، وألقى زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان فقام بها مستبدا وقادها مستقلا، وبيد الله تصاريف الأمور ومظاهر الغيوب جل وعلا.
ورغبتي من سيدي أبقاه الله أن لا يغب خطابه عني متى أمكن، أن يصل منته الجمة، وأن يقبل عني أقدام تلك الذات المولوية، ويعرفه بما عندي من التشيع لسلطانه، والشكر لنعمته، وأن ينهي عني لحاشيته وأهل اختصاصه التحية المختلسة من أنفاس الرياض، كبيرهم وصغيرهم.
وقد تأدى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاج نافع سلمه الله تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إياه بتلمسان بحضرة السلطان أبي حمو أيده الله، فربما يصل وسيدي يوضح من ثنائي ودعاني ما عجز عنه الكتاب، والله يبقيكم ذخرا للمسلمين وملاذا للآملين بفضله، والسلام الكريم عليكم، وعلى من لاذ بكم من السادة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحب فيكم المعتد بكم شيعة فضلكم ابن خلدون ورحمة الله وبركاته.
عنوانه سيدي وعمادي ورب الصائع والأيادي والفضائل الكريمة الخواتم والمبادي إمام الأمة، علم الأئمة، تاج الملة فخر العلماء عماد الإسلام، مصطفى الملوك الكرام، كافل الإمامة، تاج الدول أثير الله، ولي أمير المؤمنين، الغني بالله أيده الله، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله، وتولى عن المسلمين جزاه.
(وكتب) إلي من غرناطة: يا سيدي وولي وأخي ومحل ولدي، كان الله لكم حيث كنتم ولا أعدمكم لطفه وعنايته، لو كان مستقركم بحيث يتأتى إليه ترديد رسول، وإنفاذ مقتطع أو توجيه نائب، لرجعت على نفسي بالأئمة في إغفال حقكم، ولكن العذر ما علمتم، واحمدوا الله على الاستقرار في كنف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه، وشملكم فضله، شكرا لله حسبه الذي لم يخلف وشهرته التي لم تكدر.
وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ وافد الحرمين بمجموع الفتوح في إيصال كتابي ٧/٥٧٦
هذا، وبودي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رأسها وصدرها، فيكون لكم في ذلك بعض أنس، وربما تأدى ذلك في بعضه مما لم يختم عليه وظواهر الأمور نحيل عليه في تعريفكم بها، وأما البواطن فمما لا تتأتى كثرة وجمامة، وأخص ما أظن تشوفكم إليه حالي، فاعلموا أني قد بلغ بي الماء الزبى واستولى علي سوء المزاج المنحرف، وتوالت الأمراض، وأعوز الشفاء لبقاء السبب، والعجز عن دفعه، وهي هذه المداخلة جعل الله عاقبتها إلى خير، ولم أترك وجها من وجوه الحيلة إلا بذلته، فما أغنى عني شيئا، ولولا أني بعدكم شغلت الفكر بهذا التأليف مع الزهد، وبعد العهد، وعدم الإلماع بمطالعة الكتب، لم تتمش من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد، وأخر ما صدر عني كناش سميته باستنزال اللطف الموجود في أسر الوجود. أمليته في هذه الأيام التي أقيم فيها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد بودي لو وقفتم عليه، وعلى كتابي في المحبة، وعسى الله أن ييسر ذلك.
ومع هذا كله والله ما قصرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم إما من جهة أخيكم أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله، حتى من المغرب إذا سمعت الركب متوجها منه، فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا، والأحوال كلها على ما تركتموها عليه، وأحبابكم بخير على ما علمتم من الشوق والتشوف. والارتماض على مفارقتكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والله يحفظكم، ويتولى أموركم، والسلام عليكم ورحمة الله. من المحب الواحش ابن الخطيب في ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين وسبعمائة.
وبباطنه مدرجة نصها:
سيدي رضي الله عنكم استقر بتلمسان في سبيل تقلب ومسارعة مزاج تعرفونه.
صاحبنا المقدم في الطب أبو عبد الله الشقوري. فإذا اتصل بكم فأعينوه على ما يقف عليه اختياره، وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم.
عنوانه سيدي ومحل أخي الفقيه الجليل الصدر الكبير المعظم الرئيس الحاجب العالم ٧/٥٧٧
الفاضل الوزير ابن خلدون. وصل الله سعده وحرس مجده بمنه.
وإنما طولت بذكر هذه المخاطبات، وإن كانت فيما يظهر خارجة عن غرض الكتاب لأن فيها كثيرا من أخباري وشرح حالي فيستوفي ذلك منها ما يتشوف إليه من المطالعين للكتاب.
ثم إن السلطان أبا حمو لم يزل معتملا في الإجلاب على بجاية واستئلاف قبائل رياح لذلك، ومعولا علي مشايعتي فيه، ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص، لما كان بينه وبين أخيه صاحب بجاية وقسنطينة من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك، فكان يوفد رسله عليه في كل وقت، ويمرون بي وأنا ببسكرة فأكد الوصلة بمخاطبة كل منهما، وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبي حمو بعد إجفاله عن بجاية واختلال معسكره قد سار في أثره إلى تلمسان، وأجلب على نواحيها فلم يظفر بشيء، وعاد إلى حصين فأقام بينهم، واشتملوا عليه، ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط. ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم، فخرج في عساكره منتصف تسع وستين وسبعمائة إلى حصين وأبي زيان، واعتصموا بجبل تيطري، وبعث إلي في استنفار الزواودة للأخذ بحجزتهم من جهة الصحراء، وكتب يستدعي أشياخهم يعقوب بن علي كبير أولاد محمد، وعثمان بن يوسف كبير أولاد سباع بن يحيى. وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بامدادهم في ذلك، فأمدهم، وسرنا مغربين إليه حتى نزلنا القطفا بتل تيطري، وقد أحاط السلطان به من جهة التل، على أنه إذا افرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية، وبلغ الخبر إلى صاحب بجاية أبي العباس فعسكر بمن استألف من بقايا قبائل رياح، وعسكر بطرف ثنية القطفا المفضية إلى المسيلة. وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة، وهم خالد بن عامر كبير بني عامر، وأولاد عريف كبراء سويد، ونهضوا إلينا بمكاننا من القطفا، فأجفلت أحياء الزواودة، وتأخرنا إلى المسيلة. ثم إلى الزاب، وسارت زغبة إلى تيطري واجتمعوا مع أبي زيان وحصين وهجموا على معسكر أبي حمو ففلوه ورجع منهزما إلى تلمسان.
ولم يزل من بعد ذلك على استئلاف زغبة ورياح يؤمل الظفر بوطنه وابن عمه، والكرة على بجاية عاما فعاما، وأنا على حالي في مشايعته، وإيلاف ما بينه وبين الزواودة، والسلطان أبي إسحاق صاحب تونس وابنه خالد من بعده. ثم دخلت ٧/٥٧٨
زغبة في طاعته واجتمعوا على خدمته ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية، وذلك في أخريات إحدى وسبعين وسبعمائة فوفدت عليه بطائفة من الزواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان لنشارف أحواله، ونطالعه بما يرسم له في خدمته، فلقيناه بالبطحاء، وضرب لنا موعدا بالجزائر، انصرف به العرب إلى أهليهم، وتخلفت بعدهم لقضاء بعض الأغراض واللحاق بهم، وصليت به عيد الفطر على البطحاء، وخطبت به وأنشدته عند انصرافه من المصلى تهنئة بالعيد وغرضه :
هذي الديار فحيهن صباحا ... وقف المطايا بينهن طلاحا
لا تسأل الأطلال إن لم تروها ... عبرات عينك واكفا ممتاحا
فلقد أخذن على جفونك موثقا ... أن لا يرين مع البعاد شحاحا
إيه على الحي الجميع وربما ... طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا
ومنازل للظاعنين استعجمت ... حزنا وكانت بالسرور فصاحا
وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها إلا هذا.
وبينما نحن في ذلك إذ بلغ الخبر بأن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى من بني مرين قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش، وكان أخذ بمخنقه منذ حول، وساقه إلى فاس، فقتله بالعذاب، وأنه عازم على النهوض إلى تلمسان لما سلف من السلطان أبي حمو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر في جبله، من الإجلاب على ثغور المغرب، ولحين وصول هذا الخبر، أضرب السلطان أبو حمو على ذلك الذي كان فيه، وكر راجعا إلى تلمسان. وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة، فاستألف وجمع وسدد الرجال وقضى عيد الأضحى، وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس لتعذر الوجهة إلى بلاد رياح، وقد أظلم الجو بالفتنة، وانقطعت السبل، فأذن لي وحملني رسالة إلى السلطان ابن الأحمر. وانصرفت إلى المرسي بهنين، وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره، فأجفل بعدي من تلمسان ذاهبا إلى الصحراء على طريق البطحاء. وتعذر علي ركوب البحر من هنين فأقصرت، وتأدى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين، وأن معي وديعة احتملتها إلى صاحب ٧/٥٧٩
الأندلس، تخيل ذلك بعض الغواة، وكتب به إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، واستمر هو إلى تلمسان، ووافتني السرية بهنين وكشفوا الخبر، فلم يقفوا على صحته، وحملوني إلى السلطان فلقيته قريبا من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بنفيه، وعنفني على مفارقة دارهم، فاعتذرت له لما كان من عمر بن عبد الله المستبد عليهم، وشهد لي كبير مجلسه، وولي أبيه وابن وليه ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، واحتفت الألطاف، وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية، وأفهمني أنه يروم تملكها، فهونت عليه السبيل في ذلك فسر به، وأقمت تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الولي أبي مدين ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم، لو تركت له.
مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بني عبد الواد
ولما دخل السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي حمو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر ذاهبا، إلى بلاد رياح، فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. وجمع عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليه ونزمار وتدبيره. ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطئ أمره، وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوه بما كان السلطان أيس من استتباع رياح وتصريفهم فيما يريده من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعبادة عند رباط الولي أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع، فآنسني وقربني، ودعاني لما ذهب إليه من ذلك، فلم يسعني إلا إجابته، وخلع علي وحملني، وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال أمري وما ألقيه إليهم من أوامره، وكتب إلى يعقوب بن علي وابن ٧/٥٨٠
مزنى بمساعدتي على ذلك. وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمو من بين أحياء بني عامر، ويحولوه إلى حي يعقوب بن علي، فودعته وانصرفت في عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء، ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدمت أمامه وشيعني ونزمار يومئذ وأوصاني بأخيه محمد، وقد كان أبو حمو قبض عليه عند ما أحسن منهم بالخلاف، وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيدا واحتمله في معسكره، فأكد على ونزمار في المحاولة على استخلاصه بما أمكن، وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبدروني وتقدم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيان من بينهم، فسرنا جميعا وانتهينا إلى أحياء حصين وأخبرهم فرج بن عيسى بوصية عمه ونزمار إليهم فنبذوا إلى أبي زيان عهده، وبعثوا معه من أوصله إلى بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سباع، وتوغلوا به في القفر، واستمريت ذاهبا إلى بلاد رياح، فلما انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمو وأحياء رياح معسكرين قريبا منها في وطن أولاد سباع بن يحيى من الزواودة، وقد تسايلوا إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه، فلما سمعوا بمكاني من المسيلة، جاءوا إلي فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت أعيانهم وأشياخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل، فأتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوه. ونهض معهم وتقدمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي، واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمدا للقاء أبي حمو، وأمر بني عامر خالد بن عامر يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز، فوجده متدليا من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الدوسن وبات ليلتهم يعرض عليهم التحول من وطن أولاد بني سباع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه كذلك، فما راعهم آخر النهار إلا انتشار العجاج خارجا إليهم من أفواه الثنية، فركبوا يستشرفون، وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنية، وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة منثالة أمام الوزير أبي بكر بن غازي قد دل بهم الطريق ٧/٥٨١
وفد أولاد سباع الذين بعثهم من المسيلة، فلما أشرفوا على المخيم أغاروا عليه مع غروب الشمس. فأجفل بنو عامر وانتهب مخيم السلطان أبي حمو ورحاله وأمواله.
ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزق شمل ولده وحرمه حتى خلصوا إليه بعد أيام، واجتمعوا بقصور مصاف من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم، وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة وأطلق الموكلون به وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار وتلقوه بما يجب له، وأقام الوزير أبو بكر بن غازي بالدوسن أياما أراح فيها. وبعث إليه ابن مزنى بطاعته وأرغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل راجعا إلى المغرب، وتخلفت بعده أياما عند أهلي ببسكرة، ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم من الزواودة، يقدمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي وجماعة من أعيانهم.
فسابقنا الوزير إلى تلمسان وقدمنا على السلطان فوسعنا من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء بعد أن مر بقصور بني عامر هنالك، فخربها وكان يوم قدومه على السلطان يوما مشهودا، وأذن بعدها لوفود الزواودة في الانصراف إلى بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليه ونزمار بن عريف، فودعوه وبالغ في الإحسان وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين، فآمرني في ذلك، وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد توجسوا الخيفة من السلطان، وتنكروا له، وانصرفوا إلى أهليهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي، وأنزلوه بينهم، واشتملوا عليه، وعادوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه أيام أبي حمو واشتعل المغرب الأوسط نارا. ونجم صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد، فر من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها، فاستولى على شلف وبلاد قومه، وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين السلطان إلا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر الوزير ابن الخطيب من الأندلس وقدومه على السلطان بتلمسان حين توجس الخيفة من ٧/٥٨٢
سلطانه، بما كان له من الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه، فأعمل الرحلة إلى الثغور الغربية لمطالعتها بإذن سلطانه، فلما حاذى جبل الفتح قبل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليه بها في يوم مشهود، وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النعم بما لا يعهد بمثله. وكتب إلي من تلمسان يعرفني بخبره، ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس، ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصه:
الحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولا راد لما قضى الله.
يا سيدي ونعم الذخر الأبدي، والعروة الوثقى التي أعلقتها يدي أسلم عليك سلام القدوم على المخدوم، والخضوع للملك المتبوع، لا بل أحييكم تحية المشوق للمعشوق، والمدلج للصباح المتبلج، وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من حبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الآفاق بمناقبكم ديدنا معروفا، وسجية راسخة يعلم الله وكفى بالله شهيدا 4: 79. وهذا كما في علمكم أسنى ما اختلف أولا ولا آخرا، ولا شاهدا ولا غائبا، وأنتم أعلم بما تعني نفسه وأكبر شهادة بما في خفايا ضميري، ولو كنت ذلك فقد سلف من حقوقكم، وجميل أخذكم، واجتلاب الحظ لو هيأه القدر، لمساعيكم وإيثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم، ما يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة أو إخفار وطن ، ولو تعلق بقلب ساق حرزرزور فحاش لله أن يقدح في الخلوص لكم، أو يرجح سوائبكم ، إنما هي خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. وو الله وجميع ما يقسم به، ما اطلع على مستكنه مني غير صديقي، وصديقكم الملابس، كان لي ولكم، الحكيم الفاضل أبي عبد الله الشقوري أعزه الله. نفثة مصدور، ومباثة خلوص، إذ ٧/٥٨٣
أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان واضمحلال أمره من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، والخفوق إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم تعرضت فيهم للتهم، ووقفت بمجال الظنون، حتى تورطت في الهلكة بما ارتفع عني مما لم آته، ولا طويت العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة ولولا حسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في الهالكين الأولين، كل ذلك شوقا إلى لقائكم، وتمثلا لأنسكم، فلا تظنوا بي الظنون، ولا تصدقوا التوهمات، فأنا من قد عملتم صداقة وسذاجة وخلوصا، واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهدا وأحفظهم غيبا، وأعرفهم بوزان الإخوان، ومزايا الفضلاء، ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان، فأني كنت استشعر ممن استضافني ريبا بخطاب سواه، خصوصا جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة، واتصال اليد مع أن الرسول تردد إلي وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان تولاه الله باستكشاف ما أبهم من حالي، فلم أترك شيئا مما أعلم تشوقكم إليه إلا وكشفت له قناعة، وآمنته على إبلاغه، ولم أزل بعد إيناس المولى الخليفة لدمائي وجذبه بضبعي، سابحا في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر.
وسقطت إلي محل مجد خدمتي من هذه القاصية، أخبار خلوصكم إلى المغرب قبل فصول راحلتي إلى الحضرة، غير خلية ولا ملتئمة، ولم يتعين ملقي العصا، ولا مستقر النوى، فأرجأت الخطاب إلى استجلائها، وأفدت من كتابكم العزيز الجاري على سنن الفضل، ومذاهب المجد، غريب ما كيفه القدر من بديع الحال لديكم، وعجيب تأتى أملكم الشارد فيه كما كنا نستبعده عند المفاوضة، فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلف، من أهل وولد ومتاع وأثر بعد أن رضتم جموح الأيام وتوقلتم قلل العز وقدتم الدنيا بحذافيرها وأخذتم بآفاق السماء على أهلها. وهنيئا فقد نالت نفسكم التواقة أبعد أمانيها، ثم ٧/٥٨٤
تاقت إلى ما عند الله، وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا، ونزع اليد من حطامها عند الأصحاب والأقيال، ونهى الآمال إلا جذبا وعناية من الله وحبا، وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه.
واتصل بي ما كان من تحفي السيادة المولوية بكم واهتزاز الدولة لقدومكم، ومثل هذه الخلافة، أيدها الله من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير، وليت ذلك عند إقبالكم على الحظ، وأنسكم باجتلاء الآمال، حتى يحسن المتاع، ويتجمل السرير الملوكي بمكانكم، فالظن أن هذا الباعث الذي هزم الآمال ونبذ الحظوظ، وهون المفارق العزيز سومكم الله حتى يأخذ بيدكم إلى قضاء المجاهدة، ويستوي بكم على جدد الرياضة، «والله يهدي للتي هي أقوم» . كأني بالأقدام نقلت والبصائر بإلهام الحق صقلت والمقامات خلفت، بعد أن استقبلت، والعرفان شيمة أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأما حالي والظن بكم الاهتمام بها، والبحث عنها فغير خفية بالباب المولوي أعلاه الله، ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم أني قمت المقام المحمود في التشيع والانحياش، واستمالة الكافة إلى المناصحة، ومخالصة القلوب للولاية، وما يتشوقه مجدكم، ويتطلع إليه فضلكم، وأما اهتمامكم في خاصتها من النفس والولد، فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم، ناشئ تأديبي وثمرة ترتيبي، فسهلوا له الإذن، وألينوا له جانب النجوى حتى يؤدي ما عندكم وما عندي، وخذوه بأعقاب الأحاديث إن يقف عند مباديها، وائتمنوه على ما تحدثون، فليس بضنين على السر.
وتشوقي بما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المقرب في المجد والفضل، المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي مدين، كان ٧/٥٨٥
الله له في شأن الولد والمخلف تشوق الصديق لكم، الضنين على الأيام بقلامة الظفر من ذات يديكم، فأطلعوه طلع ذلك، ولا يهمكم بالفراق الواقع حسن، فالسلطان كبير، والأثر جميل، والعدو الساعي قليل حقير، والنية صالحة، والعمل خالص، ومن كان لله كان الله له.
واستطلاع الرئاسة المرتبة الكافلة كافأ الله يده البيضاء عني وعنكم إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم، ويشكر الزمان على ولائه بمثلكم .
وقد قررت من علو مناقبكم، وبعد شأوكم وغريب منحاكم، ما شهدت به آثاركم الشائعة الخالدة في الرئاسة، المتأدية على ألسنة الصادر والوارد من الكافة، من حمل الدولة، واستقامة السياسة، ووقفته على سلامكم، وهو يراجعكم بالتحية، ويساهمكم بالدعاء.
وسلامي على سيدي، وفلذة كبدي ومحل ولدي، الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن نجلكم، أعزه الله وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدولة بالمكان العزيز والرتبة النابهة، والله يلحفكم جميعا رداء العافية، والستر ويمهد لكم محل الغبطة والأمن، ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته، ويجريكم على عوائد لطفه وعنايته، والسلام الكريم يخصكم من المحب الشاكر الداعي الشائق شيعة فضلكم، عبد الرحمن بن خلدون ورحمة الله وبركاته. في يوم الفطر عام اثنين وسبعين وسبعمائة.
وكان بعث إلي مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس عند ما دخل جبل الفتح، وصار إلى إيالة بني مرين، فخاطبه من هنالك بهذا الكتاب، فرأيت أن أثبته هنا، وإن لم يكن من غرض التأليف لغرابته، ونهايته في الجودة، وأن مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب، مع ما فيه من زيادة الاطلاع على أخبار الدول في تفاصيل أحوالها ونص الكتاب.
بانوا فمن كان باكيا يبكي ... هذي ركاب السرى بلا شك
فمن ظهور الركاب معملة ... إلى بطون الربى إلى الفلك ٧/٥٨٦
تصدع الشمل مثل ما انحدرت ... إلى صبوب جواهر السلك
من النوى قبل لم أزل حذرا ... هذا النوى جل مالك الملك
مولاي كان الله لكم، وتولى أمركم. أسلم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع، من بعد التفرق والانصداع، وأقرر لديكم أن الإنسان أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلب في حكم الخواطر والأفكار، وأن لا بد لكل أول من آخر، وأن التفرق لما لزم كل اثنين بموت أو حياة، ولم يكن منه بد، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور.
ويعلم مولاي حال عبده منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم، ومقامه لديكم بحال قلق، ولولا تعليلكم ووعدكم وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم، وقطع نواحل الأيام حريصا على استكمال سنكم. ونهوض ولدكم واضطلاعكم بأمركم، وتمكن هدنة وطنكم، وما تحمل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم، وما استقر بيده من عهودكم، وأن العبد الآن تسبب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعز، ونجح السعي وتأتي لسنين، كثيرة الصلح، ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغب من القرابة، وتحرك لمطالعة الثغور الغربية، وقرب من فرضة المجاز واتصال الأرض ببلاد المشرق، لطرقته الأفكار وزعزعت صبره رياح الخواطر، وتذكر أشراف العمر على التمام، وعواقب الاستغراق، وسيرة الفضلاء عند شمول البياض، فغلبته حال شديدة هزمت التعشق بالشمل الجميع، والوطن المليح، والجاه الكبير، والسلطان القليل النظير، وعمل بمقتضى قوله «موتوا قبل أن تموتوا » فإن صحت الحال المرجوة من إمداد الله، تنقلت الأقدام إلى أمام، وقوى التعلق بعروة الله الوثقى، وإن وقع العجز، أو افتضح العزم، فالله يعاملنا بلطفه، وهذا المرتكب مرام صعب، لكن سهله علي أمور: منها أن الانصراف لما لم يكن منه بد، لم يتعين على غير هذه الصورة، إذ كان عندكم من باب المحال، ومنها أن مولاي لو سمح لي بغرض الانصراف لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا والله! ولكان الموت أسبق إلي، وكفى بهذه الوسيلة الحسنة التي يعرفها وسيلة. ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به، وأظن أني لا أصدق، ومنها اغتنام المفارقة في زمن ٧/٥٨٧
الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء إذا كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال. ومنها وهو أقوى الأعذار أني مهما لم أطق تمام هذا الأمر أو ضاق ذرعي به، لعجز أو مرض أو خوف طريق، أو نفاد زاد أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد البر الرضي، إذ لم أخلف ورائي مانعا من الرجوع من قول قبيح ولا فعل، بل خلفت الوسائل المرعية، والآثار الخالدة، والسير الجميلة، وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري، وتركتكم على أتم ما أرضاه، مثنيا عليكم داعيا لكم، وإن فسح الله في الأمد، وقضي الحاجة، فأملى العودة إلى ولدي وتربتي، وإن قطع الأجل فأرجو أن أكون ممن وقع أجره على الله.
فإن كان تصرفي صوابا وجاريا على السداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن حمق، وفساد عقل، فلا يلام من اختل عقله، وفسد مزاجه، بل يعذر ويشفق عليه، ويرحم، وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل، وجليت الذنوب، ونشرت بعدي العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستحضر الحساب من التربية والتعليم وخدمة السلف، وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان، والإرشاد إلى الأعمال الصالحة، والمداخلة والملابسة، لم يتخلل ذلك قط خيانة في مال ولا سر، ولا غش في تدبير ولا تعلق به محار ، ولا كدرة نقص، ولا حمل عليه خوف منكم، ولا طمع فيما بيدكم، وإن لم تكن هذه دواعي الرعي والوصلة والإبقاء، ففيم تكون بين بني آدم؟
وأنا قد رحلت فلا أوصيتكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد فهم رجالكم، وخدامكم، ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم، ولا بعيال، فهي من مزيات بيتكم، وخواص داركم، إنما أوصيكم بحظي العزيز، كان علي بوطنكم كم، وهو أنتم، فأنا أوصيكم بكم، فارعوني فيكم خاصة. أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد، وقبض عنان اللهو في موطن الجد، والحياء من الله الذي محص وأقال، وأعاد النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون، وأطلب منكم عوض ما وفرته ٧/٥٨٨
عليكم من زاد طريق ومكافاة وإعانة، زادا سهلا عليكم، وهو أن تقولوا لي: غفر الله لك ما ضيعت من حقي خطأ أو عمدا، وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت.
واعلموا أيضا على جهة النصيحة أن ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ملك، واعتقاده وبره والسؤال عنه وذكره بالجميل، والاذن في زيارته حنانة منكم وسعه ذرع، ودها، فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم أقشعت وترك الأزاهر تفوح والمحاسن تلوح، ومثاله معكم مثل المرضعة، أرضعت السياسة، والتدبير الميمون، ثم رفدتكم في مهد الصلح والأمان، وغطتكم بقناع العافية، وانصرفت إلى الحمام تغسل اللبن والوضر، وتعود فإن وجدت الرضيع نائما فحسن، أو قد انتبه فلم تتركه إلا في حد الانفطام. ونختم هذه العزارة بالحلف الأكيد أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا إلا وقد وفيت لكم، ولا فارقتكم إلا عن عجز، ومن ظن خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم، والله يرشدكم ويتولى أمركم. ويعول خاطركم في ركوب البحر.
انتهت نسخة الكتاب وفي طيها هذه الأبيات:
صاب مزن الدموع من جفن صبك ... عند ما استروح الصبا من مهبك
كيف يسلو يا جنتي عنك وقد ... كان قبل الوجود جن بحبك
ثم قل كيف كان قبل انتشاء الروح ... من أنسك الشهي وقربك
لم يدع بيتك المنيع حماه ... لسواه إلا بيت ربك
أول عذري الرضى فما جئت بدعا ... دمت والفضل والرضى من دأبك
وإذا ما ادعيت كربا لفقدي ... أين كربي ووحشتي من كربك
ولدي في ذراك وكري في دوحك ... لحدي وتربتي في تربك
يا زمانا أغرى الفراق بشملي ... ليتني أهبتي أخذت لحربك
أركبتني صروفك الصعب حتى ... جئت بالبين وهو أصعب صعبك
وكتب آخر النسخة يخاطبني. ٧/٥٨٩
هذا ما تيسر، والله ولي الخيرة لي ولكم من هذا الخباط الذي لا نسبة بينه وبين أولى الكمال، ردنا الله إليه، وأخلص توكلنا عليه، وصرف الرغبة على ما لديه.
وفي طي النسخة مدرجة نصها.
رضي الله عن سيادتكم، أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع، مما استحضره الولد في الوقت، وهو يسلم عليكم بما يجب لكم، وقد حصل من حظوة هذا المقام الكريم على حظ وافر، وأجزل إحسانه ونوه بجرايته، وأثبت الفرسان خلفه، والحمد لله.
ثم اتصل مقامي ببسكرة والمغرب الأوسط، مضطرب بالفتنة المانعة من الاتصال بالسلطان عبد العزيز وحمزة بن راشد ببلاد مغراوة والوزير عمر بن مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت وأبو زيان العبد الوادي ببلاد حصين وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته.
ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود ونكر منه تقصيره في أمر حمزة وأصحابه، فاستدعاه إلى تلمسان وقبض عليه، وبعث به إلى فاس معتقلا، فحبس هنالك، وجهز العساكر مع الوزير ابن غازي، فنهض إليه، وحاصره ففر من الحصن ولحق بمليانة مجتازا عليها، فأنذر به عاملها فتقبض عليه، وسيق إلى الوزير في جماعة من أصحابه، فضربت أعناقهم، وصلبهم عظة ومزدجر الأهل الفتنة.
ثم أوعز السلطان بالمسير إلى حصين وأبي زيان، فسار في العساكر واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم ونهض إلى حصين فامتنعوا بجبل تيطري، ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على جبل تيطري من جهة التل، فأخذ بمخنقهم، وكاتب السلطان أشياخ الزواودة من رياح بالمسير إلى حصار تيطري من جهة القبلة.
وكاتب أحمد بن مزني صاحب بسكرة بإمدادهم بأعطياتهم، وكتب إلي يأمرني بالمسير بهم لذلك، فاجتمعوا علي، وسرت بهم أول سنة أربع وسبعين وسبعمائة حتى نزلنا بالقطفة ، في جماعة منهم على الوزير بمكانه من حصار تيطري، فحد لهم حدود الخدمة، وشارطهم على الجزاء. ورجعت إلى أحيائهم بالقطفة، فاشتدوا في ٧/٥٩٠
حصار الجبل وألجئوهم بسوامهم وظهرهم إلى قنته، فهلك لهم الخف والحافر ، وضاق ذرعهم بالحصار من كل جانب، وراسل بعضهم في الطاعة خفية فارتاب بعضهم من بعض وانفضوا ليلا من الجبل، وأبو زيان معهم ذاهبين إلى الصحراء، واستولى الوزير على الجبل بما فيه من مخلفهم، ولما بلغوا مأمنهم من القفر نبذوا إلى أبي زيان عهده، فلحق بجبال غمرة، ووفد أعيانهم على السلطان عبد العزيز بتلمسان، وفاءوا إلى طاعته فتقبل طاعتهم، وأعادهم إلى أوطانهم، وتقدم الوزير عن أمر السلطان بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سباع للقبض على أبي زيان في جبل غمرة، وفاء بحق الطاعة لأن غمرة من رعاياهم، فمضينا لذلك، فلم نجده عندهم، وأخبرونا أنه ارتحل عنهم إلى بلد واركلا من مدن الصحراء، فنزل على صاحبها أبي بكر بن سليمان، فانصرفنا من هنالك، ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم، ورجعت أنا إلى أهلي ببسكرة، وخاطبت السلطان بما وقع في ذلك، وأقمت منتظرا أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته فرحلت إليه.
فضل الوزير ابن الخطيب
وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النظم والنثر، والمعارف والأدب، لا يساجل مداه ، ولا يهتدى فيها بمثل هداه.
فمما كتب عن سلطانه إلى سلطان تونس جوابا عن كتاب وصل إليه مصحوبا بهدية من الخيل والرقيق، فراجعهم عنه بما نصه إلى آخره:
الخلافة التي ارتفع في عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلت مباني فخرها الشائع، وعزها الذائع، على ما أسسه الأسلاف ووجب لحقها الجازم، وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسلاف، وثناؤنا ٧/٥٩١
على مجدها الكريم، وفضلها العميم، كما تأرجت الرياض الأفواف ، لما زارها الغمام الوكاف ، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع أبواب السموات العلا الاستشراف ، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة، وفواضلها العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير عن نيل ذلك المرام الكبير الحق والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذ توجهت الوجوه ومن نؤثره إذا أهمنا ما نرجوه، ونفديه ونبديه إذا استمنح المحقوب واستدفع المكروه السلطان الكذا بن أبي إسحاق بن السلطان الكذا، أبي يحيى بن أبي بكر بن السلطان الكذا، أبي زكريا بن السلطان الكذا، أبي إسحاق ابن الأمير الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي محمد بن عبد الواحد بن أبي حفص، أبقاه الله ومقامه مقام إبراهيم رزقا وأمانا. لا يخص جلب الثمرات إليه وقتا ولا يعين زمانا، وكان على من يتخطف الناس من حوله مؤيدا بالله معانا.
معظم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقه بالابتدار، المثنى على معاليه المخلدة الآثار، في اصونة النظام والنثار ، ثناء الروضة المعطار، على الامطار، الداعي الى الله بطول بقائه في عصمة منسدلة الأستار، وعزة ثابتة المركز مستقيمة المدار، وان يختم له بعد بلوغ غايات الحال، ونهاية الأعمال، بالزلفى وعقبي الدار.
عبد الله الغني بالله أمير المسلمين، محمد بن مولانا أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر. ٧/٥٩٢
سلام كريم كما حملت أحاديث الازهار نسمات الأسحار، وروت ثغور الاقاحي والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلى على منصة الاشتهار، وجه عروس النهار، يخص خلافتكم الكريمة النجار، العزيزة الجار ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن قياسها، وجعل الأرواح «اجنادا مجندة» - كما ورد في الخبر- تحن الى أجناسها، منجد هذه الملة من أوليائه الجلة بمن يروض الآمال بعد شماسها ، وييسر الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودات في ذاته وابتغاء مرضاته على حين أخلاف لباسها، الملك الحق، وأصل الأسباب بحوله بعد انتكاث امراسها ومغني النفوس بطوله، بعد إفلاسها- حمدا يدر أخلاف النعم بعد إبساسها ، وينشر رمم الأموال من أرماسها ، ويقدس النفوس بصفات ملائكة السموات بعد إبلاسها .
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله سراج الهداية ونبراسها عند اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهر الأرض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بين ناسها، وسيد الرسل الكرام ما بين شيثها وإلياسها، الآتي مهيمنا على آثارها، في حين فترتها ومن بعد نصرتها واستيئاسها ، مرغم الضراغم في أخياسها ، بعد افترارها وافتراسها ، ومعفر أجرام الأصنام ومصمت أجراسها. ٧/٥٩٣
والرضا عن آله وأصحابه وعثرته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحراسها، وملقحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام مراسها ، ورهبان الدجى تتكفل مناجاة السميع العليم، في وحشة الليل البهيم بإيناسها، وتفاوح نسيم الأسحار، عند الاستغفار، بطيب أنفاسها.
والدعاء لخلافتكم العلية المستنصرية بالصنائع التي تشعشع أيدي العزة القعساء من أكواسها، ولا زالت العصمة الإلهية كفيلة باحترامها واحتراسها، وأنباء الفتوح، المؤيدة بالملائكة والروح، ريحان جلاسها وآيات المفاخر التي ترك الأول للآخر، مكتتبة الأسطار بأطراسها، وميادين الوجود مجالا لجياد جودها وبأسها، والعز والعدل منسوبين لفسطاطها وقسطاسها، وصفيحة النصر العزيز تقبض كفها، المؤيدة بالله، على رياسها ، عند اهتياج أضدادها، وشره أنكاسها ، لانتهاب البلاد وانتهاسها وهبوب رياح رياحها وتمرد مرداسها .
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق الأنام، لطاعة ملككم المنصور الأعلام، عند إحساسها ، وآتاكم من آيات العنايات، آية تضرب الصخرة الصماء، ممن عصاها بعصاها، فتبادر بانبجاسها ،- من ٧/٥٩٤
حمراء غرناطة، حرسها الله، وأيام الإسلام، بعناية الملك العلام تحتفل وفود الملائكة الكرام، لولائمها وأعراسها، وطاعين الطعان، في عدو الدين المعان، تجدد عهدها بعام عمواسها .
والحمد لله حمدا معادا يقيد شوارد النعم، ويستدر مواهب الجود والكرم ويؤمن من انتكاث الجدود وانتكاسها ، ولي الآمال ومكاسها ، وخلافتكم هي المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، وتستمد أضواء الفضائل من مقباسها ، وتروي رواة الإفادة، والإجادة غريب الوجادة ، عن ضحاكها وعباسها . وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم، وقد فعل، وأنطق بحجج فخركم من احتفى وانتعل، فإنه وصلنا كتابكم الذي حسبناه، على صنائع الله لنا، تميمة لا تلقع بعدها عين، وجعلناه- على حلل مواهبه- قلادة لا يحتاج معها زين، ودعوناه من جيب الكنانة آية بيضاء الكتابة، لم يبق معها شك ولا مين، وقرأنا منه وثيقة ود هضم فيها عن غريم الزمان دين، ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع بين يديه وشاء، واحتزم بهميان عقدته مشاء، وسئل عن معانيه الاختراع فقال: «إنا أنشأناهن إنشاء» 56: 35 ٧/٥٩٥
، فأهلا به من عربي أبي يصف السانح والبانة ، ويبين فيحسن الإبانة، أدى الأمانة، وسئل عن حيه فانتمى إلى كنانة ، وأفصح وهو لا ينبس ، وتهللت قسماته وليل حبره يعبس، وكأن خاتمه المقفل على صوانه ، المتحف بباكر الورد في غير أوانه، رعف من مسك عنوانه، ولله من قلم دبج تلك الحلل، ونقع بمجاج الدواة المستمدة من عين الحياة الغلل ، فلقد تخارق في الجود، مقتديا بالخلافة التي خلد فخرها في الوجود، فجاد بسر البيان ولبابة، وسمح في سبيل الكرم حتى بماء شبابه، وجمع لفرط بشاشته وفهامته، بعد شهادة السيف بشهامته، فمشى من الترحيب، في الطرس الرحيب، على أم هامته.
وأكرم به من حكيم، أفصح بملغوز الإكسير ، في اللفظ اليسير، وشرح بلسان الخبير، سر صناعة التدبير ، كأنما خدم الملكة الساحرة بتلك البلاد، قبل اشتجار الجلاد ، فآثرته بالطارف من سحرها والتلاد، أو عثر بالمعلقة، وتيك القديمة المطلقة، بدفية دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني ٧/٥٩٦
الحنايا ، قبل أن تقطع به عن أمانيه المنايا، ببديعة، أو خلف جرجير الروم، قبل منازلة القروم، على وديعة، أو أسلمه ابن أبي سرح ، في نشب للفتح وسرح ، أو حتم له روح بن حاتم ببلوغ المطلب، أو غلب الحظوظ بخدمة آل الأغلب ، أو خصه زيادة الله بمزيد ، أو شارك الشيعة في أمر أبي يزيد ، أو سار على منهاج، في مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كل هاج.
وأعجب به، وقد عزز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطباع، بين مثان للإبداع ومثالث، كيف اقتدر على هذا المحيد، وناصح مع التثليث مقام التوحيد، نستغفر الله ولي العون، على الصمت والصون، فالقلم هو الموحد قبل الكون، والمتصف من صفات السادة، أولي العبادة، بضمور الجسم ٧/٥٩٧
وصفرة اللون، إنما هي كرامة فاروقية، وأثارة من حديث سارية وبقية، سفر وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب، عن كريم جناب، وإصابة السهم لسواه محسوبة، وإلى الرامي الذي سدده منسوبة، ولا تنكر على الغمام بارقة، ولا على المتحققين بمقام التوحيد كرامة خارقة، فما شاءه الفضل من غرائب بر وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشكر فيها وسجد، حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع من مهبها، واستزارت غمائم الطباع من مصبها، فآتت أكلها مرتين بإذن ربها، لا. بل كتيبة عز طاعنت بقنا الألفات سطورها، فلا يرونها النقد ولا يطورها ، ونزعت عن قسي النونات خطوطها، واصطفت من بياض الطرس ، وسواد النفس، بلق تحوطها.
فما كأس المدير، على الغدير ، بين الخورنق والسدير ، تقامر بنرد الحباب، عقول ذوي الألباب، وتغرق كسرى في العباب ، وتهدي،- وهي الشمطاء- نشاط الشباب، وقد أسرج ابن سريج وألجم، وأفصح ٧/٥٩٨
الغريض بعد ما جمجم، وأعرب الناي الأعجم، ووقع معبد بالقضيب، وشرعت في حساب العقد بنان الكف الخضيب، وكأن الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه، وعند إغراء الثقيل بثانية ، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه، المراود تشرع في الوشي، أو العناكب تسرع في المشي، وما المخبر بنيل الرغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا. بل إشارة البشير، بكم المشير، على العشير، بأجلب للسرور، من زائره المتلقى بالبرور، وأدعى للحبور، من سفيره المبهج السفور، فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب الجرد، تمرح في الأرسان ، وتتشوف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهز معاطف الارتياح، من صهيلها الصراح، بالنغمات الحسان، إذا أوجست الصريخ نازعت أفناء الأعنة، وكاثرت بأسنة آذانها مشرعة الأسنة، فإن ادعى الظليم أشكالها فهو ظالم، أو نازعها الظبي هواديها وأكفالها فهو هاذ أو حالم، وإن سئل الأصمعي عن عيوب الغرر والأوضاح ، قال مشيرا إلى وجوهها الصباح : ٧/٥٩٩
«جلدة بين العين والأنف سالم»
من كل عبل الشوى ، مسابق للنجم إذا هوى، سامي التليل ، عريض ما تحت الشليل ، ممسوحة أعطافه بمنديل النسيم البليل.
من أحمر كالمدام، تجلى على الندام ، عقب الفدام ، أتحف لونه بالورد، في زمن البرد، وحيي أفق محياه بكوكب السعد، وتشوف الواصفون إلى عد محاسنه فأعيت على العد، بحر يساجل البحر عند المد، وريح تباري الريح عند الشد ، بالذراع الأشد ، حكم له مدير فلك الكفل باعتدال فصل القد، وميزه قدره المميز عند الاستباق، بقصب السباق ، عند اعتبار الحد، وولد مختط غرته أشكال الجمال، على الكمال، بين البياض والحمرة ونقاء الخد، وحفظ رواية الخلق الوجيه ، عن جده الوجيه ، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجد . ٧/٦٠٠
وأشقر، أبي الخلق، والوجه الطلق أن يحفر، كأنما صيغ من العسجد، وطرف بالدر وأنعل بالزبرجد، ووسم في الحديث بسمة اليمن والبركة ، واختص بفلج الخصام، عند اشتجار المعركة، وانفرد بمضاعف السهام، المنكسرة على الهام، في الفرائض المشتركة ، واتصف فلك كفله بحركتي الإرادة والطبع من أصناف الحركة، أصغى إلى السماء بأذن ملهم، وأغرى لسان الصهيل- عند التباس معاني الهمز والتسهيل- ببيان المبهم، وفتنت العيون من ذهب جسمه، ولجين نجمه، بالدينار والدرهم، فإن انقض فرجم، أو ريح لها حجم، وإن اعترض فشفق لاح به للنجم نجم.
وأصفر قيد الأوابد الحرة، وأمسك المحاسن وأطلق الغرة، وسئل من أنت في قواد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب؟ فقال: أنا المهلب بن أبي صفرة ، نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحثى به وجوه الحرب العوان ، أغار بنخوة الصائل ، على معصفرات الأصائل ، فارتداها، وعمد إلي خيوط شعاع الشمس، عند جانحة الأمس، فألحم منها حلته وأسداها، واستعدت عليه تلك المحاسن فما أعداها، فهو أصيل تمسك بذيل الليل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من الفتام ليله، فيحسده فرقد الأفق وسهيله . ٧/٦٠١
وأشهب تغشى من لونه مفاضة، وتسربل منه لأمة فضفاضة، قد احتفل زينه، لما رقم بالنبال لجينه، فهو الأشمط، الذي حقه لا يغمط، والدارع المسارع، والأعزل الذارع ، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع . وأكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السابقين الأولين متهالك، وأشهب يروي من الخليفة، ذي الشيم المنيفة، عن مالك.
وحبارى كلما سابق وبارى، استعار جناح الحبارى، فإذا أعملت الحسبة، قيل من هنا جاءت النسبة، طرد النمر، لما عظم أمره وأمر ، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزه الفروة ملطخة بدمه، وكأن مضاعف الورد نثر عليه من طبقة، أو الفلك، لما ذهب الحلك، مزج فيه بياض صبحه بحمرة شفقه
....
وقرطاسي حقه لا يجهل
، «متى ما ترقى العين فيه تسفل» ،
إن نزع عنه جلة ، فهو نجم كله، انفرد بمادة الألوان، قبل أن تشوبها يد الأكوان، أو تمزجها أقلام الملوان ، يتقدم الكتيبة منه لواء ناصع، أو أبيض مناصع ، لبس وقار المشيب، في ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيلة المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب، وإن تعتب منه للتأخير متعتب، قلنا: الواو لا ترتب ، ما بين فحل وحرة، وبهرمانة ودرة، ويا لله ٧/٦٠٢
من ابتسام غرة، ووضوح يمن في طرة ، وبهجة للعين وقرة، وإن ولع الناس بامتداح القديم، وخصوا الحديث بفري الأديم ، وأوجف المتعصب، وإن أبى المنصب، مرتبة التقديم، وطمح الى رتبة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد الكيل، ودجا الليل، وظهره في فلك الأنصاف الميل، لما تذوكرت الخيل، فجيء بالوجيه والخطار ، والذائد وذي الخمار وداحس والسكب ، والأبجر وزاد الركب ، والجموح واليحموم ، والكميت ومكتوم ، والأعوج وحلوان، ولاحق والغضبان، وعفزر، والزعفران والمحبر واللعاب، والأغر والغراب، وشعلة والعقاب، والفياض واليعبوب، والمذهب واليعسوب، والصموت والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهداج، ٧/٦٠٣
والحرون وخراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومجاح، والعصا والنعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، وخوصاء والعرادة ، فكم بين الشاهد والغائب، والفروش والرغائب ، وفرق ما بين الأثر والعيان، غني عن البيان، وشتان بين الصريح والمشتبه، ولله در القائل:
«خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به »
والناسخ يختلف به الحكم، وشر الدواب عند التفضيل بين هذه الدواب الصم البكم إلا ما ركبه نبي، أو كان له يوم الافتخار وبرهان خفي ومفضل ما سمع على ما رأى غبي، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت، لأقضمت حب القلوب علفا، وأوردت ماء الشبيبة نطفا ، واتخذت لها من عذر الخدود الملاح عذر موشية ، وعللت بصفير الحان القيان كل عشية، وأنعلت بالأهلة، وغطيت بالرياض بدل الأجلة .
إلى الرقيق ، الخليق بالحسن الحقيق، يسوقه إلى مثوى الرعاية روقة الفتيان رعاته، ويهدي عقيقها من سبحه أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته، وقفت ناظر الاستحسان لا يريم ، لما بهره منظرها الوسيم، وتخامل ٧/٦٠٤
الظليم ، وتضاؤل الريم وأخرس مفوه اللسان، وهو بملكات البيان، الحفيظ العليم، وناب لسان الحال، عن لسان المقال، عند الاعتقال ، فقال يخاطب المقام الذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركات وجوده: لو علمنا أيها الملك الأصيل، الذي كرم منه الاجمال والتفصيل، أن الثناء يوازيها، لكلنا لك بكيلك، أو الشكر يعادلها ويجازيها، لتعرضنا بالوشل إلى نيل نيلك ، أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله:
«أدرك بخيلك» ، حين شرق بدمعه الشرق ، وانهزم الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه- والحكم لله- الخرق ورأى أن مقام التوحيد بالمظاهرة على التثليث، وحزبه الخبيث، الأولى والأحق.
والآن قد أغنى الله بتلك النية، عن اتخاذ الطوال الردينية ، وبالدعاء من تلك المثابة الدينية إلى رب المنية ، وعن الجرد العربية، في مقاود الليوث الأبية، وجدد برسم هذه الهدية، مراسيم العهود الودية، والذمم الموحدية، لتكون علامة على الأصل، ومكذبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف الوصل، ولأمها حراما على النصل .
وحضر بين يدينا رسولكم، فقرر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علو مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد ما كنا ٧/٦٠٥
لنقنع من جناه المهتصر ، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله بالقصر، لولا طرو الحصر .
وقد كان بين الأسلاف- رحمة الله عليهم ورضوانه- ود أبرمت من أجل الله معاقده ، ووثرت للخلوص ، الجلي النصوص، مضاجعه القارة ومراقده، وتعاهد بالجميل يوجع لفقده فاقده، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده، فنحن الآن لا ندري أي مكارمكم نذكر، أو أي فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديتكم، وفي وصفها للأقلام سبح ، ولعدو الإسلام بحكمة حكمتها كبح ، إنما نكل الشكر لمن يوفي في جزاء الأعمال البرة، ولا يبخس مثقال الذرة ولا أدنى من مثقال الذرة، ذي الرحمة الثرة ، والألطاف المتصلة المستمرة، لا إله إلا هو.
وإن تشوفتم إلى الأحوال الراهنة، وأسباب الكفر الواهية بقدرة الله- الواهنة ، فنحن نطرفكم بطرفها ، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفيها، وهو أننا لما أعادنا الله من التمحيص، إلى مثابة التخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرر على من قبلنا وعلينا- أن الدنيا- وإن غر الغرور وأنام على سرر الغفلة السرور، فلم ينفع الخطور على أجداث الأحباب والمرور،- ٧/٦٠٦
جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي ولا يحبر ، إنما هو خبر يخبر، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر، وأن الأعمار أحلام، وأن الناس نيام، وربما رحل الراحل عن الخان ، وقد جلله بالأذى والدخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا ، والتفقد للثغور مسواكا، وضجيع المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله:
«يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة» 61: 10 من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق الحصون المضاعة وجنح التقية دامس ، وعواريها لا ترد يد لامس ، وساكنها بائس، والأعصم في شعفاتها من العصمة يائس، فزينا ببيض الشرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها وغشينا بالصفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حس العيان، أنها قطع من بيض العنان ، وتكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفلة للمؤمنين من فزع الدنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدونة الجيش عرضا، وفرضنا إنصافه مع الاهلة فرضا، واستندنا من التوكل على الله الغني الحميد إلى ظل لواء، ونبذنا إلى الطاغية ٧/٦٠٧
عهده على سواء وقلنا: ربنا أنت العزيز، وكل جبار لعزك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما سواه قليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
فتحركنا أول الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خف من الحشود، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفرة والجنود، إلى حصن آشر البازي المطل، وركاب العدو الضال المضل، ومهدي نفثات الصل ، على امتناعه وارتفاعه، وسمو يفاعه ، وما بذل العدو فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلا مده الملمومة وأحجاره، حتى فرعنا بحول من لا حول ولا قوة إلا به- أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحناه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا بيدنا في رم ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة الرجال، واقتدينا بنبينا- صلوات الله عليه وسلامه- في الخندق لما حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول حديثه والارتجال ، وما كان ليقر للإسلام مع تركه القرار، وقد كثب الجوار، ٧/٦٠٨
وتداعى الدعرة وتعاوى الشرار .
وقد كنا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدت بين القاعدتين رندة ومالقة الطريق، وألبست ذل الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن يسيغا الريق، فلا سبيل الى الإلمام، لطيف المنام، إلا في الأحلام، ولا رسالة إلا في أجنحة هدل الحمام، فيسر الله فتحها، وعجل منحها، بعد حرب انبتت فيها النحور، وتزينت الحور. وتبع هذه الأم بنات شهيرة، وبقع للزرع والضرع خيرة ، فشفي الثغر من بوسه، وتهلل وجه الإسلام بتلك الناحية الناجية بعد عبوسة.
ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة ، على بعد المدى، وتغلغلها في بلاد العدا، واقتحام هول الفلا وغول الردى، مدينة تبنتها حمص فأوسعت الدار، وأغلت الشوار ، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار ، رجح لدينا قصدها على البعد، والطريق الجعد، ما أسفت به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم، مروا بها آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم ٧/٦٠٩
الاعتقال، والقيود الثقال، وأضرعهم الإسار وجللهم الإنكسار، فجدلوهم في مصرع واحد، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد ، وترة الماجد ، فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لا يضل ولا ينسى وصبحتها الخيل، ثم تلاحق الرجل لما جن الليل، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذمار ، وأخذها الدمار، ومحقت من مصانعها البيض الأهلة وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهلها الضلوع الحرار ، وسلطت على هياكلها النار، واستولى على الآلاف العديدة من سبيها، وانتهى إلى إشبيلية الثكلى المغار فجلل وجوه من بها من كبار النصرانية الصغار ، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقله الأوقار .
وعدنا والأرض تموج سبيا، لم نترك بعفرين شبلا ولا بوجرة ظبيا ، والعقائل حسرى، والعيون يبهرها الصنع الأسرى وصبح السرى قد حمد من بعد المسرى ، فسبحان الذي أسرى ، ولسان الحمية ينادي، في تلك الكنائس المخربة والنوادي: يا لثارات الأسرى! ٧/٦١٠
ولم يكن إلا أن نفلت الأنفال ، ووسمت بالأوضاح الأغفال ، وتميزت الهوادي والأكفال ، وكان إلى غزو مدينة جيان الاحتفال، قدنا إليها الجرد تلاعب الظلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا، والمهندة الدلق تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا، واستكثرنا من عدد القتال احتياطا، وأزحنا العلل عمن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنم ورباطا، ونادينا الجهاد! الجهاد! يا أمة الجهاد! راية النبي الهادي! الجنة تحت ظلال السيوف الحداد!، فهز النداء إلى الله تعالى كل عارم وغامر ، وائتمر الجم من دعوى الحق إلى أمر آمر، وأتى الناس من الفجوج العميقة رجالا وعلى كل ضامر ، وكاثرت الرايات أزهار البطاح لونا وعدا، وسدت الحشود مسالك الطريق العريضة سدا، ومد بحرها الزاخر مدا، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدا.
وهذه المدينة هي الأم الولود، والجنة التي في النار لسكانها من الكفار الخلود، وكرسي الملك، ومجنبة الوسطى من السلك، باءت بالمزايا العديدة ونجحت، وعند الوزان بغيرها من أمات البلدان، رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيات السود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس المصلصلة. ٧/٦١١
فأدنينا إليها المراحل، وعنينا ببحار المحلات المستقلات منها الساحل ، ولما أكثبنا جوارها، وكدنا نلتمح نارها، تحركنا إليها ووشاح الأفق المرقوم، بزهر النجوم، قد دار دائره، والليل من خوف الصباح، على سطحه المستباح، قد شابت غدائره، والنسر يرفرف باليمن طائره، والسماك الرامح يثأر بعز الإسلام ثائره، والنعائم راعدة فرائص الجسد، من خوف الأسد ، والقوس يرسل سهم السعادة ، بوتر العادة، إلى أهداف النعم المعادة، والجوزاء عابرة نهر المجرة ، والزهرة تغار من الشعري العبور ٧/٦١٢
بالضرة، وعطارد يسدي في حبل الحروب، على البلد المحروب ويلحمه، ويناظر على أشكالها الهندسية فيفحمه، والأحمر يبهر، وبعلمه الأبيض يغري وينهر، والمشتري يبدئ في فضل الجهاد ويعيد، ويزاحم في الحلقات، على ما للسعادة من الصفقات، ويزيد ، وزحل عن الطالع منزحل ، وعن العاشر مرتحل، وفي زلق السعود وحل، والبدر يطالع حجر المنجنيق ، كيف يهوي إلى النيق ، ومطلع الشمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب.
ولما فشا سر الصباح، واهتزت أعطاف الرايات بتحيات مبشرات الرياح أطللنا عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرا يروع بأسا ومنعة ، ويروق وضعا وصنعة، تلفعت معاقلة الشم للسحاب ببرود، ٧/٦١٣
ووردت من غدر المزن في برود ، وأشرعت لاقتطاف أزهار النجوم والذراع بين النطاق معاصم رود ، وبلدا يحيي الماسح والذارع ، وينظم المحاني والأجارع ، فقلنا: اللهم نفله أيدي عبادك، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، ونزلنا بساحتها العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمنا من فحصها بسورة «التين والزيتون» ، متبرئة من أمان الرحمان للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحمية نفوسهم النفيسة، وسجية شجاعتهم البئيسة ، عن أن تبوأ للقتال المقاعد ، وتدني بأسماع شهير النفير منهم الأباعد، وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدفعوا من أصحر إليهم من الفرسان.
وسبق إلى حومة الميدان ، حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد ، في موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت السهام فيه غماما ، وطارت كأسراب الحمام تهدى حماما ، وأضحت القنا قصدا ، بعد أن كانت شهابا رصدا، وماج بحر القتام بأمواج النصول، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصياح الموصول، فلا ترى إلا شهيدا تظلل مصرعه الحور ، وصريعا تقذف به الى الساحل تلك البحور، ونواشب تبأى بها الوجوه الوجيهة عند الله والنحور، ٧/٦١٤
فالمقضب ، فوده يخضب، والأسمر، غصنه يستثمر، والمغفر ، حماه يخفر، وظهور القسي تقصم ، وعصم الجند الكوافر تفصم ، وورق اليلب في المنقلب يسقط، والبيض تكتب والسمر تنقط ، فاقتحم الربض الأعظم لحينه، وأظهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشيطان من خدينه ، ونهب الكفار وخذلوا، وبكل مرصد جدلوا، ثم دخل البلد بعده غلابا، وجلل قتلا واستلابا، فلا تسل إلا الظبا والأسل عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، وتخريب المبائت والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود الأول الى الوجود الثاني ، وتخارق السيف فجاء بغير المعتاد، ونهلت القنا الردينية من الدماء، حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسي وسحت، وأرنت حتى بحت، ونفدت موادها فشحت، مما ألحت، وسدت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وقطع الدابر ، وأزلف الشهيد وأحسب الصابر ، وسبقت رسل الفتح الذي لم يسمع بمثله في ٧/٦١٥
الزمن الغابر. تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر.
أقمنا بها أياما نعقر الأشجار ، ونستأصل بالتخريب الوجار ، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي: يا لثارات الإسكندرية تشفيا من الفجار ، ورعيا لحق الجار، وقفلنا وأجنحة الرايات، برياح العنايات، خافقة وأوفاق ، التوفيق، الناشئة من خطوط الطريق، موافقة، وأسواق العز بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة- والحمد لله مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصهب السبال ، ورفعت على الأكفال، ردفاء كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام والاحتيال، وهلك بمهلك هذه الأم هذه الأم بنات كن يرتضعن ثديها الحوافل ، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجلت النار بوارها. ٧/٦١٦
ثم تحركنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء الأدلاء قبل المتح ، فبشرت بالمنح، وقصدنا مدينة أبدة، وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيان في حين الحين ، مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق ، وتمشت فيه أرباضها تمشي الكتابة الجامحة في المهرق ، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح المعيي ريعه عمل الحاسب وكوارة الدبر اللاسب المتعددة اليعاسب ، فأناخ العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف ، ببنان السيوف، على متديريها المعاقرة ، وصبحتها طلائع الفاقرة ، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول ، الباقرة ، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطيف، ولا تسأل عن الكيف، فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة ، ما بلغ من هذه البائسة التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، ٧/٦١٧
وتضاءل بالرغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.
ثم تأهبنا لغزو أم القرى الكافرة، وخزائن المزاين الوافرة، وربة الشهرة السافرة ، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ماهية! ذات الأرجاء الحالية الكاسية ، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني الماهية، والزهراء الزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السور المشيد البناء دارا، ونهر المجرة من نهرها الفياض، المسلول حسامه من غمود الغياض ، قد لصق بها جارا، وفلك الدولاب، المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، ورجع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأول وادكارا حيث الطود كالتاج، يزدان بلجين العذب المجاج ، فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسي الجسور المديدة، كأنها عوج المطي العديدة، تعبر النهر قطارا، ٧/٦١٨
حيث آثار العامري المجاهد ، تعبق بين تلك المعاهد، شذي معطارا، حيث كرائم السحائب، تزور عرائس الرياض الحبائب، فتحمل لها من الدر نثارا، حيث شمول الشمال تدار على الأدواح ، بالغدو والرواح، فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح، تفتض من شقائق البطاح، أبكارا، حيث ثغور الأقاح الباسم، تقبلها بالسحر زوار النواسم، فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلى العتيق، قد رحب مجالا وطال منارا ، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، ٧/٦١٩
حيث الظهور المثارة بسلاح الفلاح، تجب عن مثل أسنمة المهارى ، والبطون كأنها لتدميث الغمائم، بطون العذارى، والأدواح العالية، تخترق أعلامها الهادية، بالجداول الحيارى . فما شئت من جو بقيل ، ومعرس للحسن ومقيل، وما لك للعقل وعقيل ، وخمائل، كم فيها للبلابل، من قال وقيل، وخفيف يجاور بثقيل، وسنابل تكي من فوق سوقها، وقصب بسوقها، الهمزات على الألفات، والعصافير البديعة الصفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصبا والجنوب، مالئة الجيوب، بدر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل ، فتطلبه بالذحل ، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السوسن والبهار ، غير العبدان من سودان النحل، وبحر الفلاحة ٧/٦٢٠
الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطية البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي ، وقرار دموع الغوادي ، للتجاسر على تخطيه، عند تمطيه ، الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كل صيد ، أقل كرسيه خلافة الإسلام، وأغار بالرصافة والجسر دار السلام ، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام أو تعبر به عن ذلك الكمال فنون الكلام.
فأعملنا إليها السرى والسير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها الخير . ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام:
«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة والرامية، وتصدى للنزال، من ٧/٦٢١
صناديدها الصهب السبال، أمثال الهضاب الراسية، تجنها جنن السوابغ الكاسية، وقواميسها المفادية للصلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية ، وخنازيرها التي عدتها عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلى بلجينه، ولآلئ زينه، منها النحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها ، ولا أتت الأيام الحبالي بمثل أجنة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر ، أو مثلها بجفر الهباءة خرف وهجر ، ومن شبهها بحرب داحس والغبراء ، فما عرف الخبر، فليسأل من جرب وخبر، ومن نظرها بيوم شعب جبلة فهو ذو بله ، أو عادلها ببطن عاقل ، فغير عاقل، أو احتج بيوم ذي قار ، فهو إلى ٧/٦٢٢
المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد ، فسهمه غير السديد، انما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد وزلزال جبال أوتاد ، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد ، أعلم فيه البطل الباسل ، وتورد الأبيض الباتر ، وتأود الأسمر العاسل ، ودوم الجلمد المتكاسل، وانبعث من حدب الحنية ، إلى هدف الرمية ، الناشر الناسل ، ورويت لمرسلات السهام المراسل، ثم أفضى أمر الرماح إلى التشاجر والارتباك، ونشبت الأسنة في الدروع نشب السمك في الشباك، ثم اختلط المرعي بالهمل ، وعزل الرديني عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقت غدر السوابغ خلجانا، واتحدت جداول الدروع، فصارت بحرا، وكان التعانق، فلا ترى إلا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع، واستكشفت مآل الصبر الأنفس الشفافة ، وهبت بريح النصر الطلائع المبشرة الهفافة ، ثم أمد السيل ذلك ٧/٦٢٣
العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللباب، وقال لسان النصر: «ادخلوا عليهم الباب» ، فأصبحت طوائف الكفار، حصائد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار ، ورءوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرقة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحد والمقدار، والوقوف عند اختفاء سر الأقدار.
ثم عبرنا نهرها، وشددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأدرنا بلآليء القباب البيض خصرها، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما ، وترمي الأدواح ببوارها، وتسلط النيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث والانتساف ، ونوالي على زروعها وربوعها كرات رياح الاعتساف، حتى يتهيأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنا بفضل الله إرث نعمتها، ثم كانت من موقفها الإفاضة من بعد نحر النحور، وقذف جمار الدمار على العدو المدحور، وتدافعت خلفنا السيقات المتسقات تدافع أمواج البحور.
وبعد أن ألححنا على جناتها المصحرة ، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم ، وعوضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربنا فأصبحت كالصريم ، وأغرينا حلاق النار بجمم الجميم ، وراكمنا في أحواف ٧/٦٢٤
أجرافها غمائم الدخان، يذكر طيبه البان بيوم الغميم ، وأرسلنا رياح الغارات «لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم» ، واستقبلنا الوادي يهول مدا، ويروع سيفه الصقيل حدا، فيسره الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة أيدي الانتهاز، وسألنا من سائله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز، فعم الاكتساح والاستباح جميع الأحواز فأديل المصون، وانتهبت القرى، وهدت الحصون، واجتثت الأصول، وحطمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصابحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى السوابق ومجر العوالي ، على التوالي، والحسرات تتجدد في أطلالها البوالي، وكأن بها قد ضرعت، وإلى الدعوة المحمدية أسرعت، بقدرة من لو انزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية الله وتصدعت ، وعزة من أذعنت الجبابرة لعزه وخضعت، وعدنا والبنود لا يعرف اللف نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التقطيب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى متعلقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقه، وسرابيل الدروع خلقه ، والجياد من ردها إلى المرابط والأواري ، رد العواري، حنيقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين الاختيال والمراح، ٧/٦٢٥
تحت حلل السلاح، عود الصبيان إلى المكاتب، والطبل بلسان العز هادر والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر ، ووجود نوع الرماح، من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم يرتب بين يديه من السبي النوادر، ووارد مناهل الأجور، غير المحلاء ، ولا المهجور، غير صادر ، ومناظر الفصل الآتي، عقب أخيه الشاتي، على المطلوب المواتي مصادر والله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب ، قادر، لا إله إلا هو. فما أجمل لنا صنعه الحفي ، وأكرم بنا لطفه الخفي، اللهم لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلا إليك، ولا نلتمس خير الدنيا والاخرة إلا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك، يا مبدئ يا معيد، وأعنا من وسائل شكرك، على ما ينثال به المزيد، يا حي يا قيوم يا فعال لما يريد .
وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعيد صيته مشرئب ليته ، وفخر من فوق النجوم العواتم مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشارد، وقلنا: البركة في قدم الوارد، وهو أن ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة الإسلام قد غصبت، والتماثيل فيها ببيوت الله قد نصبت أدالها الله- بمحاولتنا- الطيب من الخبيث، والتوحيد من التثليث، وعاد إليها الإسلام عود الأب الغائب، الى البنات الحبائب، يسأل عن شئونها، ويمسح دموع الرقة من ٧/٦٢٦
جفونها، وهي للروم خطة خسف قلما ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود. والى الله علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الركع السجود.
عرفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير لنسركم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهاب متقاض ، أولى من ساهم في بر، وعامل الله بخلوص سر، وأين يذهب الفضل عن بيتكم، وهو صفة حيكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرها إيوانكم، وأصحاب الامام مالك- رضي الله عنه- مستقرها قيروانكم، وهجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة الى أيامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق عليه السلام وشائح سلطانكم ، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيدات تعريف أبوابكم.
والله- عز وجل- يتولى عنا من شكركم المحتوم، ما قصر المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرسوم، ويحل محبتكم من القلوب محل الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم.
والسلام الكريم، الطيب الزكي المبارك البر العميم، يخصكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصبح وجها منيرا، بعد أن أرسل النسيم سفيرا، وكان الوميض الباسم لأكواس الغمائم ، على أزهار الكمائم ، مديرا، ورحمة الله وبركاته. ٧/٦٢٧
وكتب إلي يهنئني بمولود، ويعاتب على تأخير الخبر بولادة عنه :
هنيئا أبا الفضل الرضا وأبا زيد ... وأمنت من بغي يخاف ومن كيد
بطالع يمن طال في السعد شأوه ... فما هو من عمره الرجال ولا زيد
وقيد بشكر الله أنعمه التي ... أوابدها تأبى سوى الشكر من قيد
أهلا بدري المكاتب ، وصدري المراتب، وعتبى الزمن العاتب وبكر المشتري والكاتب ، ومرحبا بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب ، في أجلى المراقب، وسهلا بغني البشير، وعزة الأهل والعشير، وتاج الفخر الذي يقصر عنه كسرى وأردشير ، الآن اعتضدت الحلة الحضرمية بالفارس، وأمن السارح في حمى الحارس، وسعدت بالمنير الكبير، أفلاك التدوير ، من حلقات المدارس، وقرت بالجنى الكريم عين الغارس، واحتقرت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس، ٧/٦٢٨
وقيل للمشكلات: طالما ألفت الخمرة ، وأمضيت على الأذهان الامرة ، فتأهبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لماك. ولله من نصبة احتفى فيها المشتري واحتفل، وكفى سني تربيتها وكفل، واختال عطارد في حلل الجذل لها ورفل، واتضحت الحدود ، وتهللت الوجوه ، وتنافست المثلثات تؤمل الحظ وترجوه، ونبه البيت على واجبه، وأشار لحظ الشرف بحاجبه، وأسرع نير النوبة في الأوبة ، قائما في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج المولدة بيت البنين ، وتخطت خطا القمر رأس الجوزهر وذنب التنين، وساوق منها حكم الأصل، حذوك النعل بالنعل، ٧/٦٢٩
تحويل السنين ، وحقق هذا المولود بين المواليد نسبة عمر الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشره السعدان اقتران الجسد، وثبت بدقيقة مركزه قلب الأسد، وسرق من بيت أعدائه خرثي الغل والحسد، ونظفت طرق التسيير ، كما نفعل بين يدي السادة عند المسير، وسقط الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودفع المقاتل إلى الوبال الكبير.
لم لا ينال العلا أو يعقد التاج ... والمشتري طالع والشمس هيلاج
والسعد يركض في ميدانها مرحا ... جذلان والفلك الدوار هملاج
كأن به- والله يهديه- قد انتقل من مهد التنويم، الى النهج القويم، ومن أريكة الذراع، الى تصريف اليراع ، ومن كتد الداية ، الى مقام الهداية، والغاية المختطفة البداية، جعل الله وقايته عليه عوذة ، وقسم حسدته قسمة محرم اللحم، بين منخنقة ونطيحة ومتردية ٧/٦٣٠
وموقوذة ، وحفظ هلاله في البدار الى تمه وبعد تمه، وأقر به عين أبيه وأمه. غير أني- والله يغفر لسيدي- بيد أني راكع في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتب وواجد، إذ كان ظني أن البريد بهذا الخبر إلي يعمل، وأن إتحافي به لا يهمل، فانعكست القضية، ورابت الحال المرضية، وفضلت الأمور الذاتية الأمور العرضية، والحكم جازم، وأحد الفرضين لازم، إما عدم السوية ، ويعارضه اعتناء حبله مغار ، وعهدة سلم لم يدخلها جزية ولا صغار، أو جهل بمقدار الهبة، ويعارضه علم بمقدار الحقوق، ورضى مناف للعقوق، فوقع الأشكال، وربما لطف عذر كان عليه الاتكال. وإذا لم يبشر مثلي بمنحة الله قبل تلك الذات السرية، الخليقة بالنعم الحرية، فمن الذي يبشر، وعلى من يعرض بزها أو ينشر، وهي التي واصلت التفقد ، وبهرجت المعاملة وأبت أن تنقد، وأنست الغربة وجرحها غير مندمل ، ونفست الكربة وجنحها على الجوانح مشتمل، فمتى فرض نسيان الحقوق لم ينلني فرض، ولا شهد به علي سماء ولا أرض، وإن قصر فيما يجب لسيدي عمل، لم يقصر رجاء ولا أمل، ولي في شرح حمده ناقة وجمل . ومنه جل وعلا نسأل أن يريه قرة العين في نفسه وماله وبنيه، ويجعل أكبر عطايا الهيالج أصغر سنيه، ويقلد عواتق ٧/٦٣١
الكواكب البابانية حمائل أمانيه. وإن تشوف سيدي لحال وليه، فخلوة طيبة، ورحمة من جانب الله صيبة، وبرق يشام ، فيقال: حدث ما وراءك يا هشام. ولله در شيخنا إذ يقول:
لا بارك لله في إن لم ... أصرف النفس في الأهم
وكثر الله في همومي ... إن كان غير الخلاص همي
وإن أنعم سيدي بالإلماع بحاله، وحال الولد المبارك، فذلك من غرر إحسانه، ومنزلته في لحظ لحظبي بمنزلة إنسانه، والسلام.
العودة الى المغرب الأقصى
ولما كنت في الاعتمال في مشايعة السلطان عبد العزيز ملك المغرب ، كما ذكرت تفاصيله، وأنا مقيم ببسكرة في جوار صاحبها أحمد بن يوسف بن مزنى، وهو صاحب زمام رياح، وأكثر عطائهم من السلطان مفترض عليه في جباية الزاب ، وهم يرجعون اليه في الكثير من أمورهم، فلم أشعر إلا وقد حدثت المنافسة منه في استتباع العرب، ووغر صدره ، وصدق في ظنونه وتوهماته، وطاوع الوشاة فيما يوردون على سمعه من التقول والاختلاق، وجاش صدره بذلك، فكتب إلى ونزمار بن عريف، ولي السلطان، وصاحب شواره، يتنفس الصعداء من ذلك، فأنهاه إلى السلطان، فاستدعاني لوقته، وارتحلت من بسكرة ٧/٦٣٢
بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم سنة أربع وسبعين وسبعمائة متوجها الى السلطان وكان قد طرقه المرض فما هو إلا أن وصلت مليانة من أعمال المغرب الأوسط، لقيني هنالك خبر وفاته، وأن ابنه أبا بكر السعيد نصب بعده للأمر في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي وأنه ارتحل إلى المغرب الأقصى مغذا السير إلى فاس، وكان على مليانة يومئذ علي بن حسون بن أبي علي الهساطي من قواد السلطان وموالي بيته، فارتحلت معه إلى أحياء العطاف ونزلنا على أولاد يعقوب بن موسى من أمرائهم، وبدرني بعضهم إلى حلة أولاد عريف أمراء سويد، ثم لحق بنا بعد أيام علي بن حسون في عساكره وارتحلنا جميعا إلى المغرب على طريق الصحراء، وكان أبو حمو قد رجع بعد مهلك السلطان من مكان انتباذه بالقفر في تيكورارين إلى تلمسان فاستولى عليها وعلى سائر أعماله، وأوعز إلى بني يغمور من شيوخ عبيد الله في المعقل أن يعترضونا بحدود بلادهم من رأس العين مخرج وادي صا ، فاعترضونا هنالك فنجا من نجامنا على خيولهم إلى جبل دبدو وانتهبوا جميع ما كان معنا وأرجلوا الكثير من الفرسان، وكنت فيهم، وبقيت يومئذ في قفره ضاحيا عاريا إلى أن حصلت إلى العمران ولحقت بأصحابي بجبل دبدو ووقع في خلال ذلك من الألطاف ما لا يعبر عنه، ولا يسع الوفاء بشكره. ثم سرنا إلى فاس ووفدت على الوزير أبي بكر وابن عمه محمد بن عثمان بفاس في جمادى من السنة، وكان لي معه قديم صحبة واختصاص منذ نزع معي إلى السلطان أبي سالم بجبل الصفيحة، عند إجازته من الأندلس لطلب ملكه كما مر في غير موضع من الكتاب، فلقيني من بر الوزير وكرامته وتوفير جرايته وإقطاعه، فوق ما احتسب وأقمت بمكاني من دولتهم أثير المحل، ثابت الرتبة عظيم الجاه، منوة المجلس عند السلطان. ثم انصرم فصل الشتاء وحدث بين الوزير أبي بكر بن غازي وبين السلطان ابن الأحمر منافرة بسبب ابن الخطيب، وما دعا إليه ابن الأحمر من إبعاده عنهم، وأنف الوزير من ذلك فأظلم الجو بينهما، وأخذ الوزير في تجهيز بعض القرابة من بني الأحمر ليشغله به ونزع ابن ٧/٦٣٣
الأحمر إلى إطلاق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن من ولد السلطان أبي علي، والوزير مسعود بن رحو بن ماسي كان حبسهما أيام السلطان عبد العزيز وأشار بذلك ابن الخطيب حين كان في وزارتهما بالأندلس، فأطلقهما الآن وبعثهما لطلب الملك بالمغرب، وأجازهما في الأسطول إلى سواحل غساسة فنزلوا بها ولحقوا بقبائل بطوية هنالك، فاشتملوا عليهم، وقاموا بدعوة الأمير عبد الرحمن. ونهض ابن الأحمر من غرناطة في عساكر الأندلس فنزل على جبل الفتح فحاصره، وبلغت الأخبار بذلك إلى الوزير أبي بكر بن غازي القائم بدعوة بني مرين، فوجه لحينه ابن عمه محمد بن عثمان بن الكاس إلى سبتة لإمداد الحامية الذين لهم بالجبل، ونهض هو في العساكر إلى بطوية لقتال الأمير عبد الرحمن، فوجده قد ملك ملك تازي، فأقام عليها يحاصره، وكان السلطان عبد العزيز قد جمع شبابا من بني أبيه المرشحين، فحبسهم بطنجة. صاحبه على ما كان منه، واشتد عذل ابن الأحمر على إخلائهم الكرسي من كفئه، ونصبهم السعيد بن عبد العزيز صبيا لم يثغر، فاستعتب له محمد، واستقال من ذلك، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين بطنجة، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضا بأنه إن تضايق عليه الأمر من الأمير عبد الرحمن، يفرج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء.
وكان محمد بن الكاس قد استوزره السلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه، فبادر من وقته إلى طنجة وأخرج السلطان أحمد ابن السلطان أبي سالم من محبسه، وبايع له وسار به إلى سبتة، وكتب لابن الأحمر يعرفه بذلك، ويطلب منه المدد على أن ينزل له عن جبل الفتح، فأمده بما شاء من المال والعسكر واستولى على جبل الفتح وشحنه بحاميته، وكان أحمد ابن السلطان أبي سالم قد تعاهد مع بني أبيه في محبسهم، على أن من صار له الملك إليه منهم، يجيز الباقين إلى الأندلس، فلما بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم، وأجازهم جميعا، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر، فأكرم نزلهم ووفر جراياتهم. وبلغ الخبر بذلك كله إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازى، فأخذه المقيم المقعد من فعلة ابن عمه، ٧/٦٣٤
وكر راجعا إلى دار الملك، وعسكر بكدية العرائس من فاس وتوعد ابن عمه محمد بن عثمان فاعتذر بأنه امتثل وصيته، فاستشاط وتهدده واتسع الخرق بينهما، وارتحل محمد بن عثمان بسلطانه ومدده من عسكر الأندلس إلى أن احتل بجبل زرهون المطل على مكناسة، فعسكر به، واشتملوا عليه، وزحف إليهم الوزير أبو بكر وصعد الجبل فقاتلوه وهزموه، ورجع إلى مكانه بظاهر دار الملك، وكان السلطان ابن الأحمر قد أوصى محمد بن عثمان بالاستعانة بالأمير عبد الرحمن والاعتضاد به، ومساهمته في جانب من أعمال المغرب يستبد به لنفسه، فراسله محمد ابن عثمان في ذلك، واستدعاه واستمده وكان ونزمار بن عريف ولي سلفهم قد أظلم الجو بينه وبين الوزير أبي بكر، لأنه سأله وهو يحاصر تازى في الصلح مع الأمير عبد الرحمن فامتنع، واتهمه بمداخلته والميل له، فاعتزم على التقبض عليه، ودس إليه بعض عيونه، فركب الليل ولحق بأحياء الأحلاف من المعقل، وكانوا شيعة للأمير عبد الرحمن، ومعهم علي بن عمر الويغلاني كبير بني ورتاجن، كان انتقض على الوزير ابن غازي ولحق بالسوس . ثم خاض القفر إلى هؤلاء الأحلاف فنزل بينهم مقيما لدعوة الأمير عبد الرحمن، فجاءهم ونزمار مفلتا من حبالة الوزير أبي بكر وحرضهم على ما هم فيه، ثم بلغهم خبر السلطان أحمد بن أبي سالم ووزيره محمد ابن عثمان، وجاءهم وافد الأمير عبد الرحمن يستدعيهم. وخرج من تازي فلقيهم، ونزل بين أحيائهم، ورحلوا جميعا إلى إمداد السلطان أبي العباس حتى انتهوا إلى صفروي . ثم اجتمعوا جميعا على وادي النجا، وتعاقدوا على شأنهم، وأصبحوا غدا على التعبية، كل من ناحيته. ٧/٦٣٥
وركب الوزير أبو بكر لقتالهم فلم يطق، وولى منهزما فانحجر بالبلد الجديد ، وخيم القوم بكدية العرائس محاصرين له، وذلك أيام عيد الفطر من سنة خمس وسبعين وسبعمائة فحاصروها ثلاثة أشهر وأخذوا بمخنقها إلى أن جهد الحصار الوزير ومن معه، فأذعن للصلح على خلع الصبي المنصوب السعيد ابن السلطان عبد العزيز، وخروجه إلى السلطان أبي العباس ابن عمه، والبيعة له، وكان السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن قد تعاهدوا عند الاجتماع بوادي النجا على التعاون والتناصر، على أن الملك للسلطان أبي العباس بسائر أعمال المغرب، وأن للأمير عبد الرحمن بلد سجلماسة ودرعة والأعمال التي كانت لجده السلطان أبي علي أخي السلطان أبي الحسن. ثم بدا للأمير عبد الرحمن في ذلك أيام الحصار، واشتط بطلب مراكش وأعمالها فأغضوا له في ذلك، وشارطوه على ذلك حتى يتم لهم الفتح، فلما انعقد ما بين السلطان أبي العباس والوزير أبي بكر، وخرج إليه من البلد الجديد، وخلع سلطانه الصبي المنصوب، ودخل السلطان أبو العباس إلى دار الملك فاتح ست وسبعين وسبعمائة وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذ السير إلى مراكش، وبدا للسلطان أبي العباس ووزيره محمد بن عثمان في شأنه، فسرحوا العساكر في اتباعه، وانتهوا خلفه إلى وادي بهت فواقفوه ساعة من نهار، ثم أحجموا عنه، وولوا على راياتهم، وسار هو إلى مراكش، ورجع عنه وزيره مسعود بن ماسي بعد أن طلب منه الإجازة إلى الأندلس يتودع بها، فسرحه لذلك، وسار إلى مراكش فملكها.
وأما أنا فكنت مقيما بفاس في ظل الدولة وعنايتها، منذ قدمت على الوزير سنة أربع وسبعين وسبعمائة كما مر، عاكفا على قراءة العلم وتدريسه، فلما جاء السلطان أبو العباس والأمير عبد الرحمن وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة إليهم من الفقهاء والكتاب والجند، وأذن للناس جميعا في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أبا كرهما معا، وكان بيني وبين الوزير محمد بن عثمان ما مر ٧/٦٣٦
ذكره قبل هذا، فكان يظهر لي رعاية ذلك، ويكثر من المواعيد، وكان الأمير عبد الرحمن يميل إلي ويستدعيني أكثر أوقاته، ويشاورني في أحواله، فغص بذلك الوزير محمد بن عثمان وأغرى سلطانه فتقبض علي. وسمع الأمير عبد الرحمن بذلك، وعلم أني إنما أتيت من جراه، فحلف ليقوضن خيامه، وبعث وزيره مسعود بن ماسي لذلك، فأطلقني من الغد، ثم كان افتراقهما لثالثة. ودخل الأمير أبو العباس دار الملك، وسار الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وكنت أنا يومئذ مستوحشا، فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزما على الإجازة إلى الأندلس من ساحل آسفي، معولا في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ماسي لهواي فيه، فلما رجع مسعود ثني عزمي في ذلك، ولحقنا بونزمار بن عريف بمكانه من نواحي كرسيف، لتقدمه وسيلة إلى السلطان أبي العباس صاحب فاس في الجواز إلى الأندلس، ووافينا عنده داعي السلطان فصحبناه إلى فاس، واستأذنه في شأني، فأذن لي بعد مطاولة وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان بن داود بن أعراب، ورجال الدولة.
وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان، رجع عنه من بلاد زغبة إلى السلطان عبد العزيز، فاستقر في خدمته، وبعده في خدمة ابنه السعيد المنصوب مكانه. ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له وقدم على السلطان أبي حمو، فأعاده لكتابة سره كما كان أول أمره، وأذن لي أنا بعده فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدعة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الاجازة الثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف
ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبي العباس صاحب فاس والذهاب مع الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف طلبا للوسيلة في انصرافي إلى الأندلس بقصد الفرار والانقياض، والعكوف على قراءة العلم، فتم ذلك ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة ولقيني السلطان بالكرامة وأحسن النزل على عادته، وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب ٧/٦٣٧
السلطان ابن الأحمر من بعد ابن الخطيب الفقيه أبا عبد الله بن زمرك، ذاهبا إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة، فلما وصل إلى فاس، وتحدث مع أهلي في إجازتهم، تنكروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتهموا أني ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن الذي اتهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي.
وخاطبوا ابن الأحمر في أن يرجعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، وكان مسعود بن ماسي قد أذنوا له في اللحاق بالأندلس، فحملوه مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له اني كنت ساعيا في خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به. وبعث إليه ابن الخطيب مستصرخا به، ومتوسلا، فخاطبت في شأنه أهل الدولة، وعولت فيه منهم على ونزمار وابن ماسي، فلم تنجح تلك السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه، فلما قدم ابن ماسي على السلطان ابن الأحمر وقد أغروه بي فألقى إلى السلطان ما كان مني في شأن ابن الخطيب، فاستوحش من ذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين والجو بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مر. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث عني إلى تلمسان، واستقررت بها بالعباد، ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا معي وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين وسبعمائة وأخذت في بث العلم، وعرض للسلطان أبي حمو رأي في الزواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه ونكرته على نفسي لما آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهرا، وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول فلقوني بالتحف والكرامة، وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي بتلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة أولاد سلامة من بلاد بني توجين التي صارت لهم بأقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة ٧/٦٣٨
أعوام متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسألت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره إن شاء الله تعالى.
الفيئة الى السلطان أبي العباس بتونس
ولما نزلت بقلعة ابن سلامة من أحياء أولاد عريف، وسكنت بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي هنالك وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوفت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت النكير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أربى على البنية لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته، والمراجعة، فما كان غير بعيد، وإذا بخطابه وعهوده بالإذن والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوق للرحلة فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الاجص من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس، وارتحلنا في رجب سنة ثمانين وسبعمائة وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار الضيعة التي اختطها بالزاب، فرحلت معهم إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها الأمير إبراهيم ابن السلطان أبي العباس بمخيمه ومعسكره، فحضرت عنده وقسم لي من بره وكرامته فوق الرضى وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، ريثما أصل إلى حضرة أبيه، وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومه، ٧/٦٣٩
وسرت إلى السلطان أبي العباس وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي بر مقدمي وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس وأوعز إلى نائبة بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية من الجراية والعلوفة، وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت إلى الأهل والولد وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمدا المنتصر بتوزر وجعل نفطة ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفرا مزهرا، فأقبل علي واستدناني لمجالسته، والنجاء في خلوته، فغص بطانته من ذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة، وكان في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المرسي بمجالسة الشيوخ، فكثيرا ما كان يظهر شفوفي عليه، وإن كان أسن مني فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه، ولما قدمت تونس انثال علي طلبة العلم من أصحابه وسواهم يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفتهم بذلك، فعظم عليه، وكان يسر التنفير إلى الكثير منهم، فلم يقبلوا، واشتدت غيرته ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأنيب والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معرض عنهم في ذلك، وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوقه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل فأكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل الي منها، وأكملت منها نسخة رفعتها إلى خزانته. وكان مما يغرون به السلطان قعودي على امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب وتوجته باسمه أنشدت في ٧/٦٤٠
ذلك اليوم هذه القصيدة امتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، واعتذر عن انتحال الشعر واستعطفه بهدية الكتاب إليه فقلت:
هل غير بابك للغريب مؤمل ... أو عن جنابك للاماني معدل
هي همة بعثت إليك على النوى ... عزما كما شحذا لحسام الصيقل
متبوأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل
حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنو لها زهر النجوم وتحفل
حيث الخيام البيض ترفع للقرى ... قد فاح في أرجائهن المندل
حيث الحمى للعز في ساحاته ... ظل أفاءته الوشيج الذبل
حيث الرماح يكاد يورق عودها ... مما تعل من الدماء وتنهل
حيث الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيهم والمندل
حيث الجياد أملن شجعان الوغى ... مما أطالوا في المنار وأوغلوا
حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ... والبشر في صفحاتها يتهلل
حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل
من شيعة المهدي بل من شيعة ... التوحيد جاء به الكتاب مفصل
شادوا على التقوى مباني عزهم ... لله ما شادوا بذاك وأثلوا
بل شيعة الرحمن ألقى حبهم ... في خلقه فسموا بذاك وفضلوا
قوم أبو حفص أب لهم وما ... أدراك والفاروق جد أول
نسب كما اضطردت أنابيب القنا ... وأتى على تقويمهن معدل
سام على هام الزمان كأنه ... للفجر تاج بالبدور مكلل ٧/٦٤١
فضل الأنام حديثهم وقديمهم ... ولأنت إن نصبوا أعزوا أفضل
وبنوا على قلل التخوم ووطدوا ... وبناؤك العالي أشد وأطول
ولقد أقول لخائض بحر الغلا ... والليل مدثر الجوانب أليل
ماض على غول الدجى لا يتقي ... منها وذا بله ذبال مشعل
متقلب فوق الرماح كأنه ... طيف بأطراف المهاد موكل
يبغي منال الفوز من طرق الغنى ... ويرود مخصبها الذي لا يمجل
أرح الركاب فقد ظفرت بواهب ... يعطي عطاء المنعمين فيجزل
لله من خلق كريم في الندى ... كالروض حياه ندي مخضوضل
هذا أمير المؤمنين إمامنا ... في الدين والدنيا إليه الموئل
هذا أبو العباس خير خليفة ... شهدت له الشيم التي لا تجهل
مستنصر بالله في قهر العدا ... وعلى إعانة ربه متوكل
سبق الملوك إلى العلا متمهلا ... لله منك السابق المتمهل
فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا ... يتسابقون إلى العلاء وأكمل
قائس قديما منهم بقديمكم ... فالأمر فيه واضح لا يجهل
دانوا لقومكم بأقوم طاعة ... هي عروة الدين التي لا تفصل
سائل تلمسانا بها وزناتة ... ومرين قبلهم كما قد ينقل
وأسأل بأندلس مدائن ملكها ... تخبرك حين استأنسوا واستأهلوا
وأسأل بذا مراكشا وقصورها ... فلقد تجيب رسومها من يسأل
يا أيها الملك الوفي يا ذا الذي ... ملاء القلوب وفوق ما يتمثل
لله منك مؤيد عزماته ... تمضي كما يمضي القضاء المرسل
حيث الزمان يحت أعظم حته ... فافتر عنه وهو أكلح أعضل
والشمل من أنبائه متصدع ... وعلا خلافتهم مضاع مهمل ٧/٦٤٢
والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم ... ورجوا إصلاح الحال منك وأملوا
فعجلته لما انتدبت لأمره ... بالبأس والعزم الذي لا يمهل
ذللت منه جامحا لا ينثني ... سهلت وعرا كاد لا يتسهل
وألنت من سوس العتاة وذدتهم ... عن ذلك الحرم الذي قد حللوا
كانت لصولة صولة ولقومه ... يعدو ذؤيب بها وتسطو المعقل
ومهلهل تسدي وتلحم في التي ... ما أحكموها فهي بعد مهلهل
والمراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أولاد أبي الليل. وذؤيب هو ابن عمه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم، ومهلهل هم بنو مهلهل بن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجع إلى وصف العرب وأحيائهم:
عجب الأنام لشأنهم بادون قد ... قذفت بحيهم المطي الذلل
رفعوا القباب على العماد وعندها ... الجرد السلاهب والرماح العسل
في كل طامي الرب منعقد الحصا ... تهدي للجته الظماء فتنهل
حي شرابهم السراب ورزقهم ... ريح يروح به الكمي ومنصل
حي حلول بالعراء ودونهم ... قذف النوى إن يظعنوا أو يقبلوا
كانوا يروعون الملوك بما بدوا ... وغدت ترفه بالنعيم وتخضل
فبدوت لا تلوي على دعة ولا ... تأوي إلى ظل القصور وتهزل
طورا يصافحك الهجير وتارة ... فيه بخفاق البنود تظلل
وإذا تعاطى الضمر في يوم الوغى ... كأس النجيع فبالصهيل تعلل
مخشوشنا في العز معتملا له ... في مثل هذا يحسن المستعمل
تفري حشى البيداء لا يسري بها ... ركب ولا يهوي إليه جحفل
وتجر أذيال الكتائب فوقها ... تختال في السمر الطوال وترفل ٧/٦٤٣
ترميهم منها بكل مدجج ... شاكي السلاح إذا استعار الأعزل
وبكل أسمر غصنه متأود ... وبكل أبيض شطه متهدل
حتى تفرق ذلك الجمع الألى ... عصفت بهم ريح الجلاء فزلزلوا
ثم استملتهم بنعمتك التي ... خضعوا لعزك بعدها وتذللوا
ونزعت من أهل الجريد غواية ... وقطعت من أسبابها ما أوصلوا
خربت من بنيانها ما شيدوا ... وقطعت من أسبابها ما أصلوا
ونظمت من أمصاره وثغوره ... للملك عقدا بالفتوح يفصل
فسددت مطلع النفاق وأنت لا ... تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل
بشكيمة مرهوبة وسياسة ... تجري كما يجري فرات سلسل
عذب الزمان لها ولذ مذاقه ... من بعد ما قد مر منه الحنظل
فضوى الأنام لعز أروع مالك ... سهل الخليقة ما جد متفضل
وتطابقت فيه القلوب على الرضا ... سيان منها الطفل والمتكهل
يا مالكا وسع الزمان وأهله ... عدلا وأمنا فوق ما قد أملوا
فالأرض لا يخشى بها غول ولا ... يعدو بساحتها الهزبر المشبل
والسرب يجتابون كل تنوفة ... سرب القطا ما راعهن الأجدل
سبحان من بعلاك قد أحيا المنى ... وأعاد حلي الجيد وهو معطل
سبحان من بهداك أوضح للورى ... قصد السبيل فأبصر المتأمل
فكأنما الدنيا عروس تجتلى ... فتميس في حلل الجمال وترفل
وكأن مطبقة البلاد بعدله ... عادت فسيحا ليس فيها مجهل
وكأن أنوار الكواكب ضوعفت ... من نور غرته التي هي أجمل
وكأنما رفع الحجاب لناظر ... فرأى الحقيقة في الذي يتخيل
ومنها في العذر عن مدحه:
مولاي غاضت فكرتي وتبلدت ... مني الطباع فكل شيء مشكل
تسمو إلى درك الحقائق همتي ... فأصد عن إدراكهن وأعزل ٧/٦٤٤
وأجد ليلى في امتراء قريحتي ... فتعود غورا بعد ما تسترسل
فأبيت يختلج الكلام بخاطري ... والنظم يشرد والقوافي تجفل
وإذا امتريت العفو منه جاهدا ... عاب الجهابذ صنعه واسترذلوا
من بعد حول انتقيه ولم يكن ... في الشعر لي قول يعاب ويمهل
فأصونه عن أهله متواريا ... أن لا يضمهم وشعري محفل
وهي البضاعة في القبول نفاقها ... سيان فيه الفحل والمتطفل
وبنات فكري إن أتتك كليلة ... زهراء تخطر في القصور وتخطل
فلها الفخار إذا منحت قبولها ... وأنا على ذاك البليغ المقول
ومنها في ذكر الكتاب المؤلف بخزانته:
وإليك من سير الزمان وأهله ... عبرا يدين بفضلها من يعدل
صحفا تترجم عن أحاديث الاولى ... درجوا فتجمل عنهم وتفصل
تبدي التبابع والعمالق سرها ... وثمود قبلهم وعاد الأول
والقائمون بملة الإسلام من ... مضر وبربرهم إذا ما حصلوا
لخصت كتب الأولين بجمعها ... وأتيت أولها بما قد أغفلوا
وألنت حوشي الكلام كأنما ... سرد للغات بها لنطقي ذلل
وجعلته لسوار ملكك مفخرا ... يبهي الندي به ويزهو المحفل
والله ما أسرفت فيما قلته ... شيئا ولا الاسراف مني يجمل
ولأنت أرسخ في المعالي رتبة ... من أن يموه عنده متطفل
فملاك كل فضيلة وحقيقة ... الناس تعرف فضلها ان بدلوا
والحق عندك في الأمور مقدم ... أبدا فماذا يدعيه المبطل ٧/٦٤٥
والله أعطاك التي لا فوقها ... فاحكم بما ترضى فأنت الأعدل
أبقاك ربك للعباد تربهم ... فالله يخلقهم ورعيك يكفل
وكنت انصرفت من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني وأنا مقيم بها أنه أصابه في طريقه مرض، وعقبه برء فخاطبته بهذه القصيدة:
ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس ... وتخللتنا رحمة من بوس
وتوضحت غرر البشائر بعد ما ... انبهمت فأطلعها حداة العيس
صدعوا بها ليل الهموم كأنما ... صدعوا الظلام بجذوة المقبوس
فكأنهم جنات عدن في الورى ... نشرت لها الآمال من مرموس
قرت عيون الخلق منها بالتي ... شربوا النعيم لها بغير كؤوس
يتمايلون من المسرة والرضا ... ويقابلون أهلة بشموس
من راكب وافى يحيى راكبا ... وجليس أنس قاده لجليس
ومشفع لله يؤنس عنده ... أثر الهدى في المعهد المأنوس
يعتد منها رحمة قدسية ... فيبوء للرحمن بالتقديس
طب بإخلاص الدعاء وإنه ... يشفي من الداء العيا والبوس
والمعني به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس.
يا ابن الخلافة والذين بنورهم ... نهجت سبيل الحق بعد دروس
والناصر الدين القويم بعزمه ... طردت إمامتها بغير عكوس
هجر المنى فيها ولذات المنى ... في لذة التهجير والتغليس
حاط الرياضة بالسياسة فانطوت ... منه لا كرم مالك وسيوس ٧/٦٤٦
أسد يحامي عن حمى أشباله ... حتى ضووا منه لأمنع خيس
قسما بموشي البطاح وقد غدت ... تختال زهوا في ثياب عروس
والماثلات من الحنايا. جثما ... بالبيد من طسم وفل جديس
وخز البلى منها الغوارب والذرى ... فلفتن حذرا بالعيون الشوس
لبقاك حرز للأنام وعصمة ... وحياة أرواح لنا ونفوس
ولأنت كافل ديننا بحماية ... لولاك ضيع عهدها وتنوسي
الله أعطاك التي لا فوقها ... وحباك حظا بالموكوس
تعنو القلوب إليك قبل وجوهنا ... سيان من رأس ومن مرءوس
فإذا أقمت فإن رعبك راحل ... يحمي على الأعداء كل وطيس
وإذا رحلت فالسعادة آية ... تقتادها في موكب وخميس
وإذا الأدلة في الكمال تطابقت ... جاءت بمسموع لها ومقيس
فأنعم بملكك دولة عادية ... تشقي الأعادي بالعذاب البئيس
وإليكها مني على خجل بها ... عذراء قد حليت بكل نفيس
عذراك قد طمس الشباب ونوره ... وأضاء صبح الشيب عند طموس
لولا عنايتك التي أوليتني ... ما كنت أعني بعدها بطروس
والله ما أبقت ممارسة النوى ... مني سوى رسم أمر دريس
أنحى الزمان علي في الأدب الذي ... دارسته بمجامع ودروس
فسطا على فرعي وروع مأمني ... واجتث من دوح النشاط غروسي
ورضاك رحمتي التي أعتدها ... تحيي منى نفسي وتذهب بؤسي
ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس القائد ٧/٦٤٧
فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامي معه خشية على أمره مني بزعمه، وتواطئوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان حتى شهد به في غيلة مني ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعث إلي وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصا، فخرجت معه وانتهيت إلى تبسة، وسط وطن تلول إفريقية، وكان منحدرا في عسكره وتوابعه من العرب إلى توزر لأن ابن يملول أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة واستنقذها من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسة رجعني إلى تونس فأقمت بضيعة الرياحين من نواحيها لضم زراعتي بها الى أن قفل السلطان ظافرا منصورا فصحبته إلى تونس.
ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أجمع السلطان الحركة إلى الزاب بما كان صاحبه ابن مزني قد آوى ابن يملول إليه ومهد له في جواره، فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السنة قبلها، وكان بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسي والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودعتهم وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرعت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه.
الرحلة الى المشرق وولاية القضاء بمصر
ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة أقمنا في البحر نحوا من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي ٧/٦٤٨
العقدة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم العلل والنهل سيحه، ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نتحدث بهذا البلد وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا حاجهم وتاجرهم في الحديث عنه، سألت صاحبنا كبير الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري مقدمه من الحج سنة أربعين وسبعمائة فقلت له: كيف هذه القاهرة؟
فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام.
وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من السحاب يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب.
وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين وسبعمائة فسألته عن القاهرة فقال.
أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها الاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون لذلك.
ولما دخلتها أقمت أياما وانثال علي طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها.
ثم كان الاتصال بالسلطان فأبر مقامي وآنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته شأنه ٧/٦٤٩
مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر اغتباطا بعودي إليه فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه لتخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه .
بسم الله الرحمن الرحيم . 1: 1 عبد الله ووليه أخوه برقوق [
......
] .
السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، مولى الإحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين ، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس . خلد الله سلطانه، ونصر ٧/٦٥٠
جيوشه وأعوانه- يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين، قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والاخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده، وجاد جده.
اما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجنادا مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره الله بالرعب مسيرة شهر وأيده وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبدة. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله- وله الحمد- جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر إعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم، وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء رضي الله عنهم ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل من سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس .
السامي، الشيخي، الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي ، جمال الإسلام والمسلمين، جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد ٧/٦٥١
الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدرا، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رغبة عن بلاده، بل تحببا إلينا، وتقربا إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح- من حين ورد علينا- يبالغ في شكر الحضرة العلية، ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواطرنا الشريفة إلى حبها، وآثرنا المكاتبة إليها.
«والعين تعشق قبل الأذن أحيانا»
وذكر لنا في أثناء ذلك، أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة للعلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسه بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله. ٧/٦٥٢
كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، فولاني تدريسها مكانه ، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة، تمييزا عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقا وغربا، وبالصعيد والفيوم ، واستقلاله بالنظر في أموال اليتامى والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديما بالولاية إنما كانت تكون له.
فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين وسبعمائة اختصني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكري وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه وخلع علي بإيوانه وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقمت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود ووفيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة مسويا بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل ٧/٦٥٣
الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر، والطيب ملتبسا بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بمرجع العقاب، ومؤلم النكال وتأدى لعلمي الجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب الدواوين للقضاة والتوقيع في مجالسهم، وتدربوا على إملاء الدعاوي وتسجيل الحكومات ، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة بجاههم يدرعون به مما يتوقعونه من مغبتهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلط بعض قلمه، على العقود المحكمة فيوجد السبيل إلى حلها بوجه فقهي أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصا في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر لكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للأحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا، شارطوه وأجابوه مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا فيه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا من ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك.
فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى أهل الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب الحيرة لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، فبينما هم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة، ولا يكادون إذا بهم ظهروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها وتناولوها بالجزاف، وأجازوها من غير مرتب ولا مستند للأهلية، ولا مرشح، إذ ٧/٦٥٤
الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منها رسنا، ويتناول من حافته شقا، يروم به الفتح على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته متتبعا إياه في شغب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذر وأهلية المفتي وشهرة الإفتاء عندنا ، فلا يكاد هذا المدى ينحسم ولا الشغب ينقطع.
فصدعت في ذلك بالحق وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، ولا ينتمون إلى شيخ معروف مشهود، ولا يعرف لهم كتاب في فن اتخذوا الناس هزوا وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ومثابة للحرم، فأرغمهم ذلك مني وملأهم حسدا، وحقدوا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، ليشترون بها الجاه، ويجترءوا به على الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم، يترخصون به الإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت حكم الله فيمن أجازوه، فلم يغنوا عن الله شيئا وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة، وانطلقوا يواطئون السفهاء من النيل في عرضي، وسوء الاحدوثة عني بمختلق الافك وقول الزور، ويبثونه في الناس ويدسون إلى السلطان التظلم مني، فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب على الله، ما منيت به في هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سوي من الصرامة وقوة الشكيمة، وتحري العدالة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والإعراض متى غمزني لامسها ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة فنكروه مني ودعوني إلى متابعتهم فيما ٧/٦٥٥
يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعلمون أن قد تمالئوا عليه.
وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا علموا خلافها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقضي له من النار» .
فأبيت من ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها، ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي البا ولمن ينادي بالتأفف مني عونا، وفي النكير علي أمة، وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير وجه الحق، لاعتمادي على علمي في الجرح، وهي قضية إجماع. وانطلقت الألسن، وارتفع الصخب وأرادني بعض على الحكم بغرضهم، فتوقفت وأغروا بي الخصوم، فتنادوا بالتظلم عند السلطان، فجمع القضاة وأهل الفتياء في مجلس جعل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله تعالى إرغاما لهم، فغدوا على حرد قادرين، ودسوا الأولياء السلطان وعظماء الدولة، يقبحون لهم إهمال جاههم ورد شفاعاتهم، مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي ويشربونهم البغضاء إلي، والله يجازيهم وسائلهم.
فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته خشية من نكير السلطان وسخطه، فتوقفت بين الورد والصدر على صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني وشملتني نعمة السلطان أيده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت كما زعموا مصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها، فانطلقت حميد ٧/٦٥٦
الأثر مشيعا من الكافة بالأسد والدعاء، وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة وتتناجى الآمال في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعا فيه قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته بالعافية التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه، عاكفا على تدريس علم أو قراءة كتاب أو إعمال قلم في تدوين أو تأليف، مؤملا من الله قطع صبابة العمر في العبادة، ومحو عائق السعادة، بفضل الله ونعمته.
السفر لقضاء الحج
ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودعت السلطان والأمراء وزودوا وأعانوا فوق الكفاية، وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة إلى مرسي الطور بالجانب الغربي من بحر السويس، وركبت البحر من هنالك عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع لشهر فوافينا المحمل، ورافقتهم من هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجة، فقضيت الفريضة في هذه السنة.
ثم عدت إلى الينبع فأقمت بها خمسين ليلة حتى تهيأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح فما وسعنا إلا قطع البحر إلى جانبه الشرقي، ونزلنا بساحل القصير ثم بذرقنا، ثم سرنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص قاعدة الصعيد، فأرحنا بها أياما، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، فوصلنا إليها لشهر من سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين وسبعمائة وقضيت حق السلطان في لقائه، وإعلامه بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبل ذلك بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من رعايته وظل إحسانه. ٧/٦٥٧
وكنت لما نزلت بالينبع لقيت بها الفقيه الأديب المتفنن أبا القاسم بن محمد بن شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفق سوق البلاغة، أبي إسحاق إبراهيم الساحلي المعروف جده بالطويجن وقد قدم حاجا وفي صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير الكبير العالم كاتب سر السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، الحظي لديه أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوف ويذكر بعهود الصحبة نصه:
سلوا البارق النجدي على عمل نجدي ... تبسم فاستبكى جفوني من الوجد
أجاد ربوعي باللوى، درك اللوى ... وسح به صوب الغمائم من بعدي
ويا زاجر الأظعان وهي ضوامر ... دعوها ترد هيما عطاشا على نجد
ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا ... فإن زفير الشوق من مثلها يعدي
براها الهوى بري القداح وخطها ... حزون على صفح من القفر ممتد
عجبت لها أني تجاذبني الهوى ... وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي
لئن شاقها بين العذيب وبارق ... مياه بفيء الظل للبان والرند
فما شاقني إلا بدور خدورها ... وقد لحن يوم النفر في قضب ملد
فكم في قباب الحي من شمس كلة ... وفي فلك الأزرار من قمر سعد
وكم صارم قد سل من لحظ أحور ... وكم ذابل قد هز من ناعم القد
خذوا الحذر من سكان رامة إنها ... ضعيفات كر اللحظ تفتك بالأسد
سهام جفون من قسي حواجب ... يصاب بها قلب البري على عمد
وروض جمال ضاع عرف نسيمه ... وما ضاع غير الورد في صفحة الخد
ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤا ... فرش بماء الورد روضا من الورد
وكم غصن قد عانق الغصن مثله ... وكل على كل من الشوق يستعدي
قبيح وداع قد جلا لعيوننا ... محاسن من روض الجمال بلا عد ٧/٦٥٨
رعى الله ليلى لو علمت طريقها ... فرشت لأخفاف المطي بها خدي
وما شاقني والطيف يرهب أدمعي ... ويسبح في بحر من الليل مزبد
وقد سل خفاق الذوائب بارق ... كما سل لماع الصقال من الغمد
وهزت محلاة يد الشوق في الدجى ... فحل الذي أبرمت للصبر من عقدي
وأقلق خفاق الجوانح نسمة ... تنم مع الأصباح خافقة البرد
وهب عليل لف طي بروده ... أحاديث أهداها إلى الغور من نجد
سوى صادح في الأيك لم يدر ما الهوى ... ولكن دعا مني الشجون على وعد
فهل عند ليلى نعم الله ليلها ... بأن جفوني ما تمل من السهد
وليلة إذ وافى الحجيج إلى منى ... وفت لي المنى منها بما شئت من قصد
فقضيت منها فوق ما أحسب المنى ... وبرد عفاف صانه الله من برد
وليس سوى لحظ خفي نجيله ... وشكوى كما ارفض الجمان من العقد
غفرت لدهري بعدها كل ما جنى ... سوى ما جشى وفد المشيب على فودي
عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي ... وما زال فضل الضد يعرف بالضد
ومن نام في ليل الشباب ضلالة ... سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد
أما والهوى ما حدت عن سنن الهدى ... ولا جرت في طرق الصبابة عن قصد
تجاوزت حد العاشقين الأولى مضوا ... وأصبحت في دين الهوى أمة وحدي
نسيت وما أنسى وفائي لخلتي ... وأقفر ربع القلب إلا من الوجد
إليك أبا زيد شكاة رفعتها ... وما أنت من عمر ولدي ولا زيد
بعيشك خبرني وما زلت مفضلا ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرح ... فظلت يد الأشواق تقدح من زندي
وصفق حتى الريح في لمم الربى ... وأشفق حتى الطفل في كبد المهد
يقابلني منك الصباح بوجنة ... حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي ٧/٦٥٩
وتوهمني الشمس المنيرة غرة ... بوجهك صان الله وجهك عن رد
محياك أجلى في العيون من الضحى ... وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
وما أنت إلا الشمس في علو أفقها ... نفديك من قرب وتلحظ من بعد
وفي ماغمة من لا ترى الشمس عينه ... وما نفع نور الشمس في الأعين الرمد
من القوم صانوا المجد صون عيونهم ... كما قد أباحوا المال ينهب للرفد
إذا ازدحموا يوما على الماء أسرة ... فما ازدحموا إلا على مورد المجد
ومهما أغاروا منجدين صريخهم ... يشبون نار الحرب في الغور والنجد
ولم يقتنوا بعد الثناء ذخيرة ... سوى الصارم المصقول والصافن النهد
وما اقتسم الأنفال إلا ممدح ... بلاها بأعراف المطهمة الجرد
أتنسى ولا تنسى ليالينا التي ... خلسنا بها العينين من جنة الخلد
ركبنا إلى اللذات في طلق الصبا ... مطايا الليالي وادعين إلى حد
فإن لم ندر فيها الكئوس فإننا ... وردنا بها للأنس مستعذب الورد
لقيتك في غرب وأنت رئيسه ... وبابك للأعلام مجتمع الوفد
فآنست حتى ما شكوت بغربة ... وواليت حتى لم أجد مضض الفقد
وعدت لقطري شاكرا ما بلوته ... من الخلق المحمود والحسب العد
إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا ... وزرت مزار الغيث في عقب الجهد
ألذ من النعمى على حال فاقة ... وأشهى من الوصل الهني على صد
ولو ساء أن قوضت رحلك بالنوى ... وعوضت منها بالزميل وبالوخد
لقد سرني أن لحت في أفق العلا ... على الطائر الميمون والطالع السعد
طلعت بأفق الشرق نجم هداية ... فجئت مع الأنوار فيه على وعد ٧/٦٦٠
يمينا بمن تسري المطي سراهم ... عليها سهام قد رمت هدف القصد
إلى بيته كيما تزور معاهدا ... بأن بها جبريل عن كرم العهد
لأنت لنا مهما دجا ليل مشكل ... قدحت به للنور وارية الزند
وحيث استقلت في ركاب لطية ... فأنت تحيي النفس في القرب والبعد
وإني بباب الملك حيث عهدتني ... مذيل ظلال الجاه مستحصف العقد
أجهز بالإنشاء كل كتيبة ... من الكتب والكتاب في عرضها جندي
نلوذ من المولى الإمام محمد ... بظل على نهر المبرة ممتد
إذا فاض من يميناه بحر سماحة ... وعم به الطوفان في النجد والوهد
ركبنا إلى الإحسان في سفن الرجا ... بحور عطاء ليس تزجر عن صد
فمن مبلغ الأنصار عني ألوكة ... مغلغلة في الصدق منجزة الوعد
بآية ما أعطى الخليفة ربه ... مفاتيح فتح ساقها سائق السعد
ودونك من روض المحامد نفحة ... تفوق إذا اصطف الندي من الند
ثناء يقول المسك إن ذاع عرفه ... أيا لك من ند أيا لك من ند
وما الماء في جو السحاب مروقا ... بأظهر ذات منك في كنف المهد
فكيف وقد حلتك أسرابها الجلا ... وباهت بك الأعلام بالعلم الفرد
وما الطل في ثغر من الزهر باسم ... بأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودي
ولا البدر معصوما بتاج تمامه ... بأبهر من ودي وأسير من حمدي
بقيت ابن خلدون إمام هداية ... ولا زلت من دنياك في جنة الخلد
ووصلها بقوله: سيدي شيخ الأعلام، كنز رؤساء الإسلام، مشرف حملة السيوف والأقلام، جمال الخواص والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، سر العلاء أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجة البلغاء، أبقاكم الله ٧/٦٦١
بقاء جميلا، يعقد لواء الفخر، ويعلى منار الفضل، ويرفع عماد المجد، ويوضح معالم السيادة ، ويرسل أشعة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ويطلق ألسنة المحامد، وينير أفق المعارف، ويعذب مورد العناية، ويمتع بعمر النهاية ولا نهاية.
بآي التحيات أفاتحك وقدرك أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى في الثناء وتبع، فأثرك لا يقتفي ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، وزمزمة نافرها اللسان العربي المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الخفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن كانت التحيتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما أريد.
تحية الإسلام أصل في الفخر نسبا. وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن نحييك بما حيا الله في كتابه رسله وأنبياءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه، فأقول:
السلام عليكم يرسل من رحمة الله غماما ويفتق من الطروس عن أزهار المحامد كماما، ويستصحب من البركات ما يكون على التي هي أحسن من ذلك مقاما، وأجدد السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين المستمدة من أنوارها سرج المهتدين. زادها الله صلاحا وعرفها نجاحا يتبع فلاحا، وأقرر ما عندي من تعظيم ارتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء، أنشر بيدك البيضاء صحفه، وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فضلك العميم، ونسبك الصميم، فو الله ما أدري بأي بيعة لفخرك تدفع الظلم، وفي أي بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جلل، والشمس تكبر على حلي وحلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن أثرك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق وأسلة اليراع، تخضب مفارق الطروس بصبيغ الحبر المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبداع والاختراع، فإنما هو بث يبكي، وفراق يشكي، فيعلم الله مرضي عن أن أشافه ٧/٦٦٢
من أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيا الشارق ، ولمح البارق.
ولقد وجهت إليك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر اللائي استأثر بهن البحر، قدس الله أرواحهم، وأعظم الله أجرك فيهم، فإنها أنافت على مائة وخمسين بيتا، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد المسافة، والذي يطرق في سوء الظن بذلك ما صدر في مقابلته منكم. فإني على علم من كرم قصدكم، ومن حين استغربناكم بذلك الأفق الشرقي لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع اثنين منهما بهذا الأفق الغربي (أه.) .
وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي الهمزة ومطلعها:
أمدامع منهلة أم لؤلؤ ... لما استهل العارض المتلألئ
وبعث في طي الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفا، قال وحقها أن تكتب بالواو لأنها تبدل بالواو وتسهل بين الهمزة والواو، وحرب الإطلاق أيضا يسوقها، واوا، هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفا على كل حال على لغة من لا يسهل لكنه ليس بشيء.
وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقي لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سره ولم يرجع إلي منها شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي.
وكان في الكتاب فصل عرفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحو المستبد بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه:
كان مسعود بن رحو الذي أقام بالأندلس عشرين عاما يتبثك النعيم ويقود الدنيا ويتحيز العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد عثمان كما تعرفتم من نسخة كتب إنشائه ٧/٦٦٣
بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب لضعف السلطان رحمة الله. ولم يكن إلا أن كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته سواد العقوق، وداخل من سبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم، وكان قائدها الشيخ الأبهة فل الحصار وجلى القتال، ومحش الحرب أبو زكريا بن شعيب، فثبت للصدمة ونور للأندلس، فبادره المدد من الجبل ومن مالقة، وتوالت الأمداد وخاف أهل البلد، ورجع شرفاؤه ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم، وجاءهم المدد أيضا، ثم دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال، وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العباس لتبادر القصبة به ويتوجه منها إلى المغرب لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره.
وبعده فصل آخر يطلب فيه كتبا من مصر يقول فيه:
والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو به النفع عند الله، وقد علمتم أن عندي التفسير الذي أوصله عثمان النجاني من تأليف الطيبي والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه وكتاب المغني لابن هشام، وسمعت عن براءة تفسير للإمام بهاء الدين ابن عقيل ووصلت إلي براءة من كلام أكمل الدين الأشيري رضي الله عن جميعهم، ولكني لم أصل إلا للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب أو أبا سليمان لا أدري الآن صنف كتابا في البيان في سفرين جعله مقدمة لكتاب تفسيره الكبير. فإن أمكن سيدي توجيهه لا بأس انتهى.
وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه محمد بن يوسف بن زمرك الصريحي، وتاريخه ٧/٦٦٤
العشرون من محرم سنة تسع وثمانين وسبعمائة (وكتب إلي) قاضي الجماعة بغرناطة أبو الحسن علي بن الحسن البني :
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله يا سيدي وواحدي ودا وحبا، ونجي الروح بعدا وقربا أبقاكم الله وثوب سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم كلما أفلت الأقمار بازغ، أسلم بأثم عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة مهدها الله عن ذلك لكم يتضوع طيبه وشكر لا يذوى وإن طال الزمان طيبه قد كان بلغ ما جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم مرها، فتمثلت بما قاله شيخنا أبو الحسن بن الجياب عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم عن خطة القضاء.
لا مرحبا بالناس أنفارك ... إذ جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك
ثم تعرفت كيفية انفصالكم وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنا لكم فرددت وقد توهمت مشاهدتكم هذه الأبيات.
لك الله يا بدر السماحة والبشر ... لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر
ولكنك استعفيت عنها تورعا ... وتلك سبيل الصالحين كما تدري
جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته للنشر منك وللحشر
وحق بأن العلم ولاك خطة ... من العز لا تنفك عنها مدى العمر
تزيد على مر الجديدين جدة ... وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري
ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... وكم لذوي الدنيا الدنية من خطر ٧/٦٦٥
وأمسى لأنواع الولايات نابذا ... فغير نكير أن يواجه بالنكر
فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله ... من الزهد فيها والتوقي من الوزر
ولا تكترث من حاسديك فإنهم ... حصى والحصى لا يرتقي مرتقى الدر
ومن عامل الأقوام بالله مخلصا ... له فيهم نال الجزيل من الأجر
بقيت لرفع المجد تحمي ذماره ... وخار لك الرحمن في كل ما يجري
إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، أطنبتم في كتابكم في الثناء على السلطان الذي أنعم بالاعفاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، واستوهبتم الدعاء له من الأولياء ولله دركم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب فيه استقامة الأمور وصلاح الخاصة والجمهور، وعند ذلك ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضا من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد العظيمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، فالزمان بكم حيث كنتم مباه، والمحامد مجموعة لكم جمع ثناه. ولما وقف على مكتوبكم إلي مولانا السلطان أبو عبد الله، أطال الله الثناء على مقاصدكم، وتحقق جميل ودادكم، وصحيح اعتقادكم، وعمر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما لديكم.
ثم ختم الكتاب بالسلام من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن مؤرخا بصفر سنة تسعين وسبعمائة وفي طيه مدرجة بخطه وقد قصر فيها عن الإجادة نصها:
سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفركم يمناكم بذوائب مناكم أعتذر لكم عن الكتاب المدرج به هذا غير خطي فإني في ذلك الوقت بحال مرض في عيني، ولكم العافية الوافية، فيسعني سمحكم وربما كان لديكم تشوف بما نزل في هذه المدة بالمغرب من الهرج أماطه الله، وأمن بلاد المسلمين.
والموجب أن الحصة الموجهة في خدمة أميرهم الواثق ظهر له ولوزيره ومن ساعده على ٧/٦٦٦
رأيه إمساكها رهينة، وجعله في القيود إلى أن يقع الخروج لهم على مدينة سبتة، وكان القائد على هذه الحصة العلج المدعو المهند، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله.
وكثر التردد في القضية إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العباس تولاه الله، صحبة فرج بن رضوان بحصة ثانية، وكان ما كان حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام ثم دعا وختم الكتاب.
وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا الكتاب المؤلف لأن فيها تحقيقا لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها، فربما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع.
وبعد قضاء الفريضة رجعت إلى القاهرة محفوفا بستر الله ولطفه، ولقيت السلطان، فتلقاني أيده الله بمعهود مبرته وعنايته وكانت فتنة الناصري بعدها سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. والله يعرفنا عوارف لطفه، ويمد علينا ظل ستره، ويختم لنا بصالح الأعمال، وهذا آخر ما انتهيت إليه، وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله الموفق برحمته للصواب، والهادي إلى حسن المآرب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب والحمد لله رب العالمين.
(ولاية الدروس والخوانق
أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام معنيون- على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيوب- بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التخلق بآداب الصوفية السنية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصلوات. أخذوا ذلك عمن قبلهم من الدول الخلافية، فيختطون مبانيها ويقفون الأراضي المغلة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدربي الفقراء. وإن استفضل الريع شيئا عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفا على الذرية الضعاف من العيلة . واقتدى بسنتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرئاسة والثروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة ٧/٦٦٧
القاهرة، وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدولة التركية، وآثارها الجميلة الخالدة.
وكنت لأول قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسميت لذلك القمحية، كما وقف أخرى على الشافعية هنالك، وتوفي مدرسها حينئذ، فولاني السلطان تدريسها، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين وسبعمائة، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم جلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر القوم بما يناسبهم، ويوفي حقهم، ووصفت المقام، وكان نصها:
الحمد لله الذي بدأ بالنعم قبل سؤالها، ووفق من هداه للشكر على منالها، وجعل جزاء المحسنين في محبته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلم الإنسان الأسماء والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميزه بالعقل الذي فضله على أصناف الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجن والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسعادة من جد في امتثالها، ويسر كلا لما خلق له ، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربك من خلقها وخلقها وأرزاقها وآجالها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجة البالغة لله على كمالها، الذي رقاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطين والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسلها ، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميز حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام دينا، فأتم علينا النعمة بإكمالها .
والرضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها ، وليوث ملاحمه ٧/٦٦٨
المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للناس، في توسطها واعتدالها، وظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صلى الله عليه وعليهم صلاة تتصل الخيرات باتصالها، وتنال البركات من خلالها.
أما بعد فإن الله سبحانه لما أقر هذه الملة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها وأوصابها ، وأورث الأرض عباده الصالحين من أيدي غصابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها ، وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها وجعل لها من العلماء حفظة وقواما، ونجوما يهتدي بها التابع وأعلاما، يقربونها للدراية تبيانا وإفهاما، ويوسعونها بالتدوين ترتيبا وإحكاما، وتهذيبا لأصولها وفروعها ونظاما.
ثم اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها بإقامة السياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظهور والانتشار، والذكر السيار، والبركات المخلدة والآثار، ولها بالملوك العز والفخار، والصولة التي يلين لها الجبار، ويذل لعزة المؤمنين بها الكفار، وتجلل وجوه الشرك معها الصغار، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدول تحتفل والأمصار، والليل يختلف والنهار، حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين بأنوار أسنتهم ظلم الضلالة والشك، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك ، المصيبين بسهامهم النافذة ثغر الجهالة والشرك، المظهرين سر قوله: «لا تزال طائفة من أمتي» فيما يتناولونه من الأخذ والترك، ففسحوا خطة الإسلام، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام، وبثوها في أقصى التخوم من الحجاز والشام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسي مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع ٧/٦٦٩
المثاني والقرآن وعمرت المساجد بالصلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسبحان معلنة بشعار الإيمان، وازدان جوها بالقصر فالقصر والإيوان فالإيوان. ونظم دستها بالعزيز، والظاهر، والأمير، والسلطان. فما شئت من ملك يخفق العز في إعلامه، وتتوقد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنته وسهامه، ومن أسرة للعلماء تتناول العلم بوعد الصادق ولو تعلق بأعنان السماء ، وتنير سراجه في جوانب الشبه المدلهمة الظلماء، ومن قضاة يباهون بالعلم والسؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل والمناقب اشتمال الصماء ، ويفصلون الخصومات برأي يفرق بين اللبن والماء.
ولا كدولة السلطان الظاهر، والعزيز القاهر، يعسوب العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العز الباهر، ومصرف الكتائب تزري بالبحر الزاخر، وتقوم بالحجة للقسي على الأهلة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدو الكافر، ورحمته المتكفلة للعباد باللطف الساتر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيد بالبيض البواتر، والرماح الشواجر ، والأقلام المرتضعة أخلاف العز في مهود المحابر، والفيض الرباني الذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيد الملوك والسلاطين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد أمده الله بالنصر المصاحب، والسعد المؤازر، وعرفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الآخر، فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرأي عند ما سدد من سهمه، وأوقع الرعايا في ظل من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشد ٧/٦٧٠
بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها، من بين مصرف لعنانها، متقدم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، ورب مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصواب عن مكانها، ومنفذ أحكام يشرق الحق في بيانها، ويضوع العدل من أردانها ونجي خلوة في المهم الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل الجرار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسعادة والخيرات المبدأة المعادة تابعهم ومتبوعهم.
ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم والفضائل تمد وشلنا من فراته المغدق، أو لوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا، وأوسعوا بهمتي إيضاحا، ونكرتي تعريفا، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدين أيوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التثليث والرفض الخبيث من البلاد، ومطهر القدس الشريف من رجس الكفر بعد أن كانت النواقيس والصلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبلة يسعى نورها بين يديه في يوم التناد ، فأقامني السلطان- أيده الله- لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدما على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشأن، وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمدوا بالصفح والإغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة ، والاعتراف من اللوم- إن شاء الله- منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في ٧/٦٧١
مدارج القبول أعماله، ويبلغه في الدارين آماله، ويجعل للحسنى والمقر الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشمل دولتهم ودولته، ويمد قضاة المسلمين وحكامهم بالعون والتسديد، ويمتعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السعيد، بمنه وكرمه.
وانفض ذلك المجلس، وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار، وتناجت النفوس بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه. وخلع علي، وبعث معي من أجلسني بمقعد الحكم في المدرسة الصالحية في رجب ست وثمانين وسبعمائة، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمراء ما تقدم ذكره.
وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللحاق بي اغتباطا بمكاني، فرغبت من السلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشفاعة، فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندرية، فعصفت بهم الرياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريسا وتأليفا.
ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعين لي فيها تدريس المالكية، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التدريس على عادتهم في ذلك ونصها:
«الحمد لله الذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع ٧/٦٧٢
عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده ، ويسر كلا لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين لصلاحه أو فساده، وعلمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عما في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حق جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدسة بسبحات الذكر وأوراده.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيد الثقلين في العالم من إنسه وجنه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيد الملائكة والنبيين، الذي ختم [الله] كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الذي شرف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصل له الذكر الحكيم تفصيلا، كذلك ليثبت من فؤاده وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين، ليكون من المنذرين لعباده ، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده وأنزل عليه النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من رغم . بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد لله غائلة انقطاعه ولا نفاذه، ثم أعد له من الكرامات ما أعد في معاده، وفضله بالمقام المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في امته، واعتصم بمقاده.
والرضى عن آله وأصحابه، غيوث رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه ٧/٦٧٣
الطاهرة وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحق وعنادة، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزيادة، وسلم كثيرا، وعن الأئمة الأربعة ، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبينها، وحرر مقاصدها الشريفة وعينها، وتعرض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها اللوامه، فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها، وشرط التحصيل والدراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها ، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرفنا بركة الاقتداء بهداه وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته، وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضلهم بما خولهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيته.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم بأمور الإسلام عند ما أعيا حملها الأكتاد ، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من ٧/٦٧٤
حاشيته الأبدال وأنبت الأوتاد ، ومنفق أسواق العز بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرزق، وظله الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحق، قاصم الجبابرة، والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال والأساورة ، وحائز قصب السبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة، مؤيد كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين، سلطان المسلمين أبو سعيد. صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعز خدينه ، وكان وليه على القيام بأمور المسلمين ومعينة، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤملونه. لما قلده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسي الملك، وانتظمت عقود الدول في لبات الأيام، وكانت دولته واسطة السلك، وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان الترك.
وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والترك.
وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرها بمحبه الله [له] شهادة خالصة من الريب، بريئة من الشك. حتى استولى من العز والملك على المقام الذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفس إلى ما عند الله، فصرف قصده إليه وأعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدرها بالمنة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الأنس والجنة، لا، بل النسم والأجنة . ثم آوى الخلق إلى عدله ٧/٦٧٥
تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنة، ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يبني له بها الله البيوت في الجنة، والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه.
وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشريف، والهيكل الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السحب ومناولة الشهب مارنه العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء رباني ينشأ في جوه للرحمة والسكينة ظلة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشمس منه ثغر بسام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي استله من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده بالعز والعزم وأمضاه، وحاكمه المؤيد الذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعز الأعلى جهركس الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الإتقان والإبداع. واختصها من أصناف الفعلة بالماهر الصناع، يتناظرون في إجادة الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكأن العبقري ، يفري- الفري ، أو ٧/٦٧٦
العفاريت، قدمت من أماريت . وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصخر بالأذواد لا بالواد، واستنزلوا صم الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشوها من الوشي الأزهر، المضاعف الصدف والمرمر، ومائع اللجين الأبيض والذهب الأحمر، بكل مسهم الحواشي حالي الأبراد، وقدروه مساجد للصلوات والأذكار، ومقاعد للسبحات بالعشي والإبكار، ومجالس للتلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتخلي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتعرض للفتوح الربانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والنضار، في محك القرائح والأبصار. تتفجر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب الجنة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غر السوابق من العلوم والحقائق، في طلق ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه.
ثم اختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا، ومن شيوخ الحقائق الصوفية فرسانا، تصفح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا، وأشد بقدرهم عناية وإحسانا، ودفعهم إلى وظائفه توسعا في مذاهب الخير وافتنانا. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتسابا لله وقربانا، وتقيلا لمذاهب الملوك من قومه واستنانا، ثم نظمني معهم تطولا وامتنانا، ونعمة عظمت موقعا وجلت شانا، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخرا عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالا على هؤلاء الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحف، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السلطان- أيده الله- خصت كما عمت، ووسمت أغفال النكرة والإهمال وسمت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت، وقد ينتظم الدر ٧/٦٧٧
مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتيجان، وتراض المسومة العراب على مسابقة الهجان ، والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشيته وذويه، وخاصته ولفيفه، عن الله وفضله.
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية ، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطور الى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكة، فقضيت الفرض عامئذ وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيئ ظله.
ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش فولاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، وقمت ذلك اليوم- على العادة- بخطبة نصها:
«الحمد لله إجلالا وإعظاما، واعترافا بحقوق النعم والتزاما، واقتباسا للمزيد منها ٧/٦٧٨
واغتناما، وشكرا على الذي أحسن وتماما، وسع كل شيء رحمة وإنعاما، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاما، وصرف الكائنات في قبضة قدرته ظهورا وخفاء وإيجادا وإعداما، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاما، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصا عنه ولا مراما.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماما والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعا وحطمت أصناما، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاما ، أول النبيين رتبة وآخرهم ختاما، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرسل إماما، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما وحربا على عدوه وسماما ، وصلوا في مظاهرته جدا واعتزاما، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما، حتى ملئوا الأرض إيمانا وإسلاما، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا وإرغاما ، فأصبح ثغر الدين بساما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما، صلاة ترجح القبول ميزانا، وتبوئ عند الله مقاما.
والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتبعة، مصابيح الأمان ومفاتيح السنة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتقين إماما.
أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظهور، والعز الخالد على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة لصيت عالية المقدار، جامعة- بمحاسن آدابه وعزة جنابه- معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفجرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفأخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهدا بالكمال لأوله وآخره.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع ٧/٦٧٩
لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العز والسعادة من أفقه السافر، واسطة السلك من هذا النظام، والتاج المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة إحسانه الجزيل وأنعامه، وأطال في السعادة والخيرات المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظرا جميلا من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافرا عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمنه على سلطانه ودولته، وهو الوفي- والحمد لله- بأمانته، ثم صرف نظره إلى بيوت الله يعنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم من يؤهله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفأخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سرورا بمكانها، واهتزت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.
وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان- يوم يعرض على الرحمن- كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، وإيثارا بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور، ٧/٦٨٠
السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.
وقد رأيت أن أقرر للقراءة في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.
فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه- رضي الله عنه، ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه «الموطأ» من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيي بن يحيي، ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.
أما الإمام مالك- رضي الله عنه، فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصا أهل المغرب.
قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله.
كان إماما، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.
وجده أبو عامر بن عمرو بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم معروف، فهو حميري صليبة، وقرشي حلفا. ولد سنة إحدى وتسعين- فيما ٧/٦٨١
قال ابن بكير ، واربع وتسعين- فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها. أخذ عن ربيعة الرأي ، وابن شهاب وعن عمه أبي سهيل ، وعن جماعة ممن عاصرهم من التابعين وتابعين وتابعي التابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شابا يناهز العشرين، وأقام مفتيا بالمدينة ستين سنة. وأخذ عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، وابن وهب ، والأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وابن المبارك- في أمثال لهم وأنظار. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي : عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون عن ابن ٧/٦٨٢
نافع : توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة : كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة» إنه مالك بن أنس.
وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك، فشد به يديك، وقال أحمد بن حنبل : إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألف الناس في فضائله كتبا، وشأنه مشهور.
وأما الذي بعثه على تصنيف «الموطأ» - فيما نقل أبو عمر بن عبد البر- فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، عمل كتابا على مثال «الموطأ» ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئا من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا! ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور ، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس ٧/٦٨٣
توطئة. قال مالك: فلقد علمني التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه «الموطأ» أي المسهل . قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطأة، أي صار وطيئا، ووطأته توطئة، ولا يقال وطيته .
ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنف إلى هلم .
وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي : ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صوابا، من «موطأ» مالك . وقال يونس بن عبد الأعلى : ما رأيت كتابا الف في العلم أكثر صوابا من «موطأ» مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لراويه عنه فمنها موطأ الإمام محمد بن ٧/٦٨٤
إدريس الشافعي ، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي . رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم، وكان فيما أخذ عنه «الموطأ» ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب «الموطأ» وتفاسيرهم، ويشيرون إلى الروايات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها، فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى بن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقا وغربا.
وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن يحيى فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي ٧/٦٨٥
الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد- ثلاثة من المحدثين- ابن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين وسبعمائة من هذه المائة السابعة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس، فسمعت عليه بعضا من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدرا من كتاب «الموطأ» ، وأجازني بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا كلهم: حدثنا الشيخ المعمر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي ، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي ، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي .
وحدثني به أيضا شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي ، عن الإمام شرف الدين ٧/٦٨٦
محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني . قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن الصفار قاضي الجماعة بقرطبة.
وحدثني به أيضا شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد ابن الغماز، عن شيخه أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، عن القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون ، شارح كتاب «الموطأ» ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولاني ، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي ، وقال ابن حبيش:
حدثنا به القاضي أبو عبد الله بن أصبغ ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله محمد بن الطلاع . وقال ابن حبيش أيضا: حدثنا به أبو ٧/٦٨٧
القاسم أحمد بن محمد ورد ، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن خلف ابن المرابط ، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الطلمنكي ، قال القاضي أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطلمنكي:
حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى. وقال الطلمنكي: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزاز، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد ابن وضاح ، قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها خروج المعتكف إلى العيد فإن يحيى شك في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن عبد الرحمن الملقب شبطون عن مالك.
ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني الآن اتصال سندي فيها.
فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي كاتب السلطان أبي الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه بعض «الموطأ» ، وأجازني بالإجازة العامة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وعن شيخه الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل سبتة، ويتصل سنده فيه بالقاضي عياض، وأبي العباس العز في صاحب كتاب (الدر المنظم في المولد المعظم) . ٧/٦٨٨
ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير عن القاضي أبي عبد الله بن بكار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتصل سنده فيه بالقاضي أبي الوليد الباجي ، والحافظ أبي عمر بن عبد البر بسندهما.
ومنها عن شيخنا المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري شيخ القراءة بتونس، ومعلمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع وعرضت عليه قصيدتي الشاطبي في القراءة، وفي الرسم، وعرضت عليه كتاب التقصي لابن عبد البر، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامة، وفي هذه بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد بن الغماز، وعن شيخه أبي العباس أحمد بن موسى البطرني بسندهما.
ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصفار المراكشي، شيخ القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدث المغرب أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنها لم تحضرني الآن، وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتدئ، وبالله أهتدي.
وانفض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجي في ذلك الخاصة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التحية والمشافهة بالدعاء، الى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فأبعده، وأخره عن خطة القضاء في رجب ست وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبي إلا إمضاءه، وخلع علي، وبعث الأمراء ٧/٦٨٩
معي إلى مقعد الحكم بمدرسة القضاء، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله وعهده في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع في ذلك ما تقدم ذكره، وكثر شغب أهل الباطل والمراء، فأعفاني السلطان منها لحول من يوم الولاية، وكان تقدمها وصول الخبر بغرق السفين الواصل من تونس إلى الإسكندرية، وتلف الموجود والمولود، وعظم الأسف، وحسن العزاء، والله قادر على ما يشاء.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين وسبعمائة لقضاء الفرض، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ورافقت المحمل إلى مكة، فقضيت الحج عامئذ، وعدت إلى مصر في البحر كما سافرت أولا. وشغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش، فولاني السلطان إياها بدلا من مدرسته في محرم أحد وتسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من الانقباض، والتدريس، والتأليف، حتى ولاني خانقاه بيبرس، ثم عزلني عنها بعد سنة أو أزيد، بسبب أنا أذكره الآن.
ولاية خانقاه بيبرس، والعزل منها
لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين وسبعمائة، ومضيت على حالي من التدريس والتأليف، وتعاهد السلطان باللقاء والتحية والدعاء، وهو ينظر إلي بعين الشفقة، ويحسن المواعيد. وكانت بالقاهرة خانقاه شيدها السلطان بيبرس، ثامن ملوك الترك الذي استبد على الناصر محمد بن قلاون هو ورفيقه سلار وأنف الناصر من استبدادهما، وخرج للصيد، فلما حاذى الكرك امتنع به، وتركهم وشأنهم، فجلس بيبرس على التخت مكانه، وكاتب الناصر أمراء الشام من مماليك أبيه، واستدعوه للقيام معه، وزحف بهم إلى مصر، وعاد إلى سلطانه، وقتل بيبرس ٧/٦٩٠
وسلار سنة ثمان وسبعمائة . وشيد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر من أعظم المصانع وأحفلها، وأوفرها ريعا، وأكثرها أوقافا، وعين مشيختها، ونظرها لمن يستعد له بشرطه في وقفه، فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعا لمن يتولاه، وكان ناظرها يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض، فولاني السلطان مكانه توسعة علي، وإحسانا إلي، وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري.
فتنة الناصري (وسياقه الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع، ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج الى الضخامة والاستيلاء، ثم الى الضعف والاضمحلال، والله بالغ أمره)
وذلك أن الدول الكلية، وهي التي تتعاقب فيها الملوك واحدا بعد واحد، في مدة طويلة، قائمين على ذلك بعصبية النسب أو الولاء، وهذا كان الأصل في استيلائهم وتغلبهم، فلا يزالون كذلك إلى انقراضهم، وغلب مستحقين آخرين ينزعونه من أيديهم بالعصبية التي يقتدرون بها على ذلك، ويحوزون الأعمال التي كانت بأيدي الدولة الأولى، يفضون جبايتها بينهم على تفاضل البأس والرجولة والكثرة في العصابة أو القلة، وهم على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال البداوة، وعدم الثروة من قبل. ثم تنمو الثروة فيهم بنمو الجباية التي ملكوها، ويزين حب الشهوات للاقتدار عليها، فيعظم الترف في الملابس والمطاعم والمساكن والمراكب والممالك، وسائر الأحوال، ويتزايد شيئا فشيئا ٧/٦٩١
بتزايد النعم وتتسع الأحوال أوسع ما تكون، ويقصر الدخل عن الخرج، وتضيق الجباية عن أرزاق الجند وأحوالهم، ويحصل ذلك لكل أحد ممن تحت أيديهم، لأن الناس تبع لملوكهم ودولتهم، ويراجع كل أحد نظره فيما هو فيه من ذلك، فيرجع وراءه، ويطلب كفاء خرجه بدخله.
ثم إن البأس يقل من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة، وما صاروا إليه من رقة الحاشية والتنعم، فيتطاول من بقي من رؤساء الدولة إلى الاستبداد بها غيرة عليها من الخلل الواقع بها. ويستعد لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ويحملهم على الإقلاع عن الترف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيرة أو بمن يدعوه لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع، وهو أحق الناس به، وأقربهم إليه، فيصير الملك له، وفي عشيرة، وتصير كأنها دولة أخرى، تمر عليها الأوقات. ويقع فيها ما وقع في الأولى، فيستولي آخر منهم كذلك إلى أن تنقرض الدولة بأسرها، وتخرج عن القوم الأولين أجمع. وتأتي دولة أخرى مباينة لعصابة هؤلاء في النسب، أو الولاء. سنة الله في عباده.
وكان مبدأ هذه الدولة التركية، أن بني أيوب لما ملكوا مصر والشام، كما قصصناه عليك في أخبارهم واستقل بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسواحل، وكان قليل العصابة، إنما كان عشيرة من الكرد يعرفون ببني هذان ، وهم قليلون، وإنما كثر منهم جماعة المسلمين، بهمة الجهاد الذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدين على يده. وانتزع السواحل كلها من أيدي نصارى الفرنج، حتى مسجد بيت المقدس، فإنهم كانوا ملكوه وأفحشوا فيه بالقتل والسبي،، فأذهب الله هذه الوصمة على يد صلاح الدين، وانقسم ملك بني أيوب بعده بين ولده وولد أخيه. واستفحل أمرهم، واقتسموا مدن الشام، ومصر بينهم، إلى أن جاء آخرهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر أخي صلاح الدين، وأراد الاستكثار من العصابة لحماية الدولة، وإقامة رسوم الملك، وأن ذلك يحصل باتخاذ المماليك، والإكثار منهم، كما كان ٧/٦٩٢
آخرا في الدولة العباسية ببغداد، وأخذ التجار في جلبهم إليه، فاشترى منهم أعدادا، وأقام لتربيتهم أساتيذ معلمين لحرفة الجندية، من الثقافة والرمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخلقية إلى أن اجتمع له منهم عدد جم يناهز الألف، وكان مقيما بأحواز دمياط في حماية البلاد من طوارق الفرنج المتغلبين على حصنها دمياط. وكان أبوه قد اتخذ لنزله هنالك قلعة سماها المنصورة ، وبها توفي رحمه الله، فكان نجم الدين نازلا في مدافعة ساكني دمياط من الفرنج، فأصابه هنالك حدث الموت، وكان ابنه المعظم توران شاه نائبا في حصن كيفا من ديار بكر وراء الفرات، فاجتمع الجند على بيعته، وبعثوا عنه، وانتظروا. وتقطن الفرنج لشأنهم، فهجموا عليهم، واقتتلوا فنصر الله المسلمين، وأسر ملك الفرنج ريد إفرنس، فبعثوا به إلى مصر. وحبس بدار لقمان، إلى أن فادوه بدمياط، كما هو مذكور في أخبار بني أيوب. ونصبوا- للملك، ولهذا اللقاء- زوجة الصالح أيوب واسمها شجر الدر ، فكانت تحكم بين الجند، وتكتب على المراسيم ، وركبت يوم لقاء الفرنج، تحت الصناجق ، والجند محدقون بها، حتى أعز الله دينه، وأتم نصره. ثم وصل توران شاه المعظم، فأقاموه في خطة الملك مكان أبيه الصالح ٧/٦٩٣
أيوب، ووصل معه مماليك يدلون بمكانهم منه، ولهم به اختصاص، ومنه مكان، وكان رؤساء الترك يومئذ القائمون بالدولة من عهد أبيه وجده. أقطاي الجمدار وأيبك التركماني، وقلاون الصالحي، فأنفوا من تصرفات مماليك توران شاه، واستعلائهم بالحظ من السلطان، وسخطوهم وسخطوه، وأجمعوا قتله. فلما رحل إلى القاهرة اغتالوه في طريقه بفارسكور، وقتلوه، ونصبوا للأمر أيبك التركماني منهم، واستحدثوا هذه الدولة التركية كما شرحناه في أخبارها، وهلك بعد أيبك ابنه علي المنصور، ثم مولاه قطز، ثم الظاهر بيبرس البندقداري . ثم ظهر أمر الططر ، واستفحل ملكهم. وزحف هولاكو بن طولي بن جنكيزخان من خراسان إلى بغداد، فملكها، وقتل الخليفة المستعصم آخر بني العباس. ثم زحف إلى الشام، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيوب، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان، زحف إلى خراسان، فامتعض لذلك، وكر راجعا، وشغل بالفتنة معه إلى إن هلك. وخرج قطز من مصر عند ما شغل هولاكو بفتنة بركة، فملك الشام كله، أمصاره ومدنه، وأصاره للترك موالي بني أيوب. واستفحلت دولة هؤلاء المماليك، واتصلت أيامها واحدا بعد واحد، كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاون عند ما ملك بيبرس الظاهر منهم، فتظاهر به، وأصهر إليه، والترف يومئذ لم يأخذ منهم، والشدة والشكيمة موجودة فيهم، والبأس والرجولة شعار لهم، وهلك الظاهر بيبرس، وابناه من بعده، كما في أخبارهم. وقام قلاوون بالأمر، فاتسع نطاق ملكه، وطال ذرع سلطانه، وقصرت أيدي الططر عن الشام بمهلك هولاكو، وولاية الأصاغر من ولده، فعظم ملك قلاون، وحسنت آثار سياسته، وأصبح حجة على من بعده، ثم ملك بعده ابناه:
خليل الأشرف، ثم محمد الناصر. وطالت أيامه، وكثرت عصابته من مماليكه، ٧/٦٩٤
حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره. ورتب للدولة المراتب، وقدم منهم في كل رتبة الأمراء، وأوسع لهم الأقطاع والولايات، حتى توفرت أرزاقهم واتسعت بالترف أحوالهم. ورحل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر، فأوسعهم حباء وبرا.
وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق، وأصبحت دولتهم غرة في الزمان، وواسطة في الدول. ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك، واحدا بعد آخر، مستبدين عليهم، متنافسين في الملك، حتى يغلب واحد منهم الآخر، فيقتله، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر، وينصب آخر منهم مكانه، إلى أن انساق الأمر لولده حسن النصر، فقتل مستبده شيخون، وملك أمره. وألقى زمام الدولة بيد مملوكه يلبغا، فقام بها، ونافسه أقرانه، وأغروا به سلطانه، فأجمع قتله. ونمي إليه الخبر وهو في علوفة البرسيم عند خيله المرتبطة لذلك، فاعتزم على الامتناع، واستعد للقاء. واستدعاه سلطانه، فتثاقل عن القدوم. واستشاط السلطان، وركب في خاصته إليه، فركب هو لمصادمته. وهاجم السلطان ففله، ورجع إلى القلعة، وهو في اتباعه، فلم يلفه بقصره، وأغرى به البحث فتقبض عليه، واستصفاه، وقتله، ونصب للملك محمد المنصور بن المظفر حاجي بن الناصر. وقام بالدولة أحسن قيام، وأغرى نفسه بالاستكثار من المماليك، وتهذيبهم بالتربية، وتوفير النعم عندهم بالإقطاع، والولايات، حتى كمل منهم عدد لم تعهده الدولة. ثم خلع المنصور بن المظفر لسنتين، ونصب مكانه للملك شعبان الأشرف بن حسين بن الناصر، فأقام على التخت وهو في كفالته، وهو على أوله في إعزاز الدولة، وإظهار الترف والثروة، حتى ظهرت مخايل العز والنعم، في المساكن والجياد والمماليك والزينة، ثم بطروا النعمة، وكفروا الحقوق، فحنقوا عليه لما كان يتجاوز الحدود بهم في الآداب، فهموا بقتله وخلصوا نجيا لذلك في متصيدهم الشتوي، وقد برزوا له بخيامهم وسلطانهم على عادتهم.
ولما أحس بذلك ركب ناجيا بنفسه إلى القاهرة، فدخلوا على السلطان الأشرف، وجاءوا به على إثره، وأجازوا البحر، فقبضوا عليه عشي يومهم، ثم قتلوه في محبسه عشاء. وانطلقت أيديهم على أهل البلد بمعرات لم يعهدوها من أول دولتهم، من النهب والتخطف وطروق المنازل والحمامات للعبث بالحرم، وإطلاق أعنة الشهوات والبغي في كل ناحية، فمرج أمر الناس، ورفع الأمر إلى السلطان، ٧/٦٩٥
وكثر الدعاء واللجأ إلى الله. واجتمع أكابر الأمر إلى السلطان، وفاوضوه في كف عاديتهم، فأمرهم بالركوب، ونادى في جنده ورعيته بانطلاق الأيدي عليهم، والاحتياط بهم في قبضة القهر، فلم يكن إلا كلمح البصر، وإذا بهم في قبضة الأسر. ثم عمرت بهم السجون، وصفدوا وطيف بهم على الجمال ينادي بهم، إبلاغا في الشهرة، ثم وسط أكثرهم، وتتبع البقية بالنفي والحبس بالثغور القصية، ثم أطلقوا بعد ذلك. وكان فيمن أطلق جماعة منهم بحبس الكرك: فيهم برقوق الذي ملك أمرهم بعد ذلك، وبركة الجوباني ، وألطنبغا الجوباني وجهركس الخليلي.
وكان طشتمر ، دوادار يلبغا ، قد لطف محله عند السلطان الأشرف، وولي الدوادارية له، وكان يؤمل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ذلك يجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه، ويغري السلطان بها شفاها ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب السلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه علي ولي عهده. فلما كثروا، وأخذتهم أريحية العز بعصبيتهم، صاروا يشتطون على السلطان في المطالب، ويعتزون بعصبية اليلبغاوية.
واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين وسبعمائة على قضاء الفرض، فخرج لذلك خروجا فخما، واستناب ابنه عليا على قلعته وملكه في كفالة قرطاي من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة، فلما بلغ العقبة اشتط المماليك في ٧/٦٩٦
طلب جرايتهم من العلوفة والزاد، واشتط الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدوادار يغضي عنهم يحسب وقت استبداده قد أزف، إلى أن راغمهم السلطان بالزجر، فركبوا عليه هنالك، وركب من خيامه مع لفيف من خاصته، فنضحوه بالنبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبح القاهرة، وعرس هو ولفيفه بقبة النصر.
وكان قرطاي كافل ابنه علي المنصور، حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي مكالمة عند مغيب السلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه، فأغرى عليا المنصور بن السلطان بالتوثب على الملك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة، وقد أجلس عليا مكفوله بباب الإسطبل، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه بالتخت، وبينما هم في ذلك، صبحهم الخبر بوصول السلطان الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه نياما هنالك، وقد تسلل من بينهم هو وبلبغا الناصري من أكابر اليلبغاوية، فقطوا رءوسهم جميعا، ورجعوا بها تسيل دما. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا النداء عليه، وإذا بامرأة قد دلتهم عليه في مكان عرفته، فتسابقوا إليه، وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء طشتمر الدوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلف السلطان، واعتزم على قتالهم طمعا في الاستبداد الذي في نفسه، فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميرا آخر من اليلبغاوية قد ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه، فاستنام له قرطاي، وطمع هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلا صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك، فركب في بعض أيامه، وأركب معه السلطان عليا، واحتاز الأمر من يد قرطاي، ٧/٦٩٧
وصيره إلى صفد ، واستقل بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشام مع سائر أمرائه، فخرج أينبك في العساكر، وسرح المقدمة مع جماعة من الأمراء، وكان منهم برقوق وبركة المستوليان عقب ذلك، وخرج هو والسلطان في الساقة ، فلما انتهوا إلى بلبيس، ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزما، فرجع إلى القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبة النصر، فسرح العساكر لذلك، فلما فصلوا فر هو هاربا، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية. واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا الناصري ودمرداش اليوسفي وبركة وبرقوق، فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال بالأمر وتغلبوا على سائر الأمراء، واعتقلوهم بالإسكندرية. وفوضوا الأمر إلى يلبغا الناصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنها منية نفسه، وسار إلى مصر، فدفعوا الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافا لعصبيتهما، فانصرفت الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثب، ولما كان الأضحى في سنة تسع وسبعين وسبعمائة استعجل أصحابه على غير روية، وركبوا وبعثوا إليه فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه يلبغا الناصري، وخلت الدولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا المراتب بأصحابهما. ثم كثر شغب التركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا الناصري إلى النيابة بحلب ليستكفوا به في تلك الناحية.
ثم تنافس برقوق وبركة في الاستقلال، وأضمر كل واحد منهما لصاحبه، وخشي منه، فقبض برقوق على بطانة بركة من عصابته ليخص بذلك جناحه، فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى قبة النصر ليواضع برقوقا وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. وأقام برقوق بمكانه من الاسطبل، وسرب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. وأقاموا كذلك أياما يغادونهم ويراوحونهم ثلاثا، إلى أن عضت بركة وأصحابه الحرب، فانفضوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى ٧/٦٩٨
الإسكندرية، فحبس هنالك إلى أن قتله ابن عرام نائب الإسكندرية. وارتفع أصحابه إلى برقوق شاكين، فثأرهم منه بإطلاق أيديهم في النصفة، فانتصفوا منه بقتله في ساحة القلعة، بعد أن سمر، وحمل على جمل عقابا له، ولم يقنعهم ذلك، فأطلق أيديهم فيما شاءوا منه، ففعلوا ما فعلوا. وانفرد برقوق- بعد ذلك- بحمل الدولة ينظر في أعطافها بالتهديد، والتسديد، والمقاربة ، والحرص على مكافأة الدخل بالخرج. ونقص ما أفاض فيه بنو قلاون من الإمعان في الترف، والسرف في العوائد والنفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الراجح، وعجزت الدولة عن تمشية أحوالها، وراقب ذلك كله برقوق، ونظر في سد خلل الدولة منه، وإصلاحها من مفاسده، يعتد ذلك ذريعة للجلوس على التخت، وحيازة اسم السلطان من أولاد قلاون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى أن حصل من ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته، فجلس على التخت في تاسع عشر رمضان من سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وتلقب بالظاهر. ورتب أهل عصابته في مراتب الدولة، فقام وقاموا بها أحسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاون إلى برقوق الظاهر وبنيه. واستمر الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية- رفقاؤه في ولاء يلبغا- فيما صار إليه من الأمر، وخصوصا يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به الظاهر فبعث باستدعائه، فجاء وحبسه مدة، ثم رجعه إلى نيابة حلب، وقد وغر صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر، فبعث سنة تسعين وسبعمائة دواداره للقبض عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية ، وهو منطاش من أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر إلبا على الظاهر، فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه، وبلغ الخبر إلى الظاهر برقوق، فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من أصحابه: وهم الدوادار الأكبر يونس ، ٧/٦٩٩
وجهركس الخليلي أمير الاسطبل، والأتابكي أيتمش، وأيدكار حاجب الحجاب وأحمد بن يلبغا أستاذهم . وخرج الناصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان وأمراء الشام، ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضوا. ونجا ايتمش إلى قلعة دمشق، فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق، ثم أجمع المسير إلى مصر، وعميت أنباؤهم حتى أطلوا على مصر.
وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة أنمى عنه، أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط في قتل السلطان يوم ركوبه إلى الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صح الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعا إلى تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع، ولما وصل إلى قيطا اجتمعت العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه الليل، ثم دخل إلى بيته وخرج متنكرا، وتسرب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، وأمير حاج ابن الأشرف، فأعادوه إلى التخت ولقبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم ألطنبغا الجوباني الذي كان أمير مجلس ، وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياما، ثم أطلقه وبعثه نائبا على دمشق، ثم ارتفعت عنه الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصري نائب حلب في ذلك، وأكد ذلك عند السلطان ما كان بينه وبين الناصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه.
ولما جاء حبسه بالإسكندرية، فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن ٧/٧٠٠
الأشرف على التخت، بعث عنه ليستعين به على أمره، وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث عنه، فاستدعى الجوباني واستنام له، واستحلفه على الأمان، فحلف له، وجاء به إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصري في المضي إليه وتأمينه. وحبسوه في بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره، فأشار أمراء اليلبغاوية كلهم بقتله، وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنا بالشام للصحابة بينه وبين الناصري، فحضهم على قتله، ومنع الجوباني من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك ، ودافعوا منطاشا بأنهم يبعثونه إلى الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولوا عليها نائبا وأوصوه به، فأخفق مسعى منطاش، ودبر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذا فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضا، ووقف عند مدرسة الناصر حسن يحاصر الناصري بالقلعة. واستجاش هو بأمراء اليلبغاوية، فداهنوا في إجابته، ووقفوا بالرميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياما حتى انفض جمع الناصري، وخرج هاربا، فاعترضه أصحاب الطريق بفارسكور، وردوه، فحبسه منطاش بالإسكندرية مع صاحبه، واستقل بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر، فامتنع النائب، واعتذر بوقوفه على خط السلطان والخليفة والقضاة. وبث الظاهر عطاءه في عامة أهل الكرك، فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الذي جاء في ذلك، فقتلوه، وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق من العرب، واتصل به بعض مماليكه، وسار إلى الشام. واعترضه ابن باكيش نائب ٧/٧٠١
غزة ، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، وأخرج منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظاهر عن دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق ، فواقعه، وأقام محاصرا له. ووصل إليه كمشبغا الحموي نائب حلب، وكان قد أظهر دعوته في عمله، وتجهز للقائه بعسكره، فلقيه وأزال علله، فأقام له أبهة الملك. وبيناهم في الحصار إذ جاء الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب ، فلما تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السلطان أمير حاج وعساكره ففضهم، وانهزم كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في إتباعه، فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج، ففضها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، وصاروا في عمياء من أمرهم، وفر منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبيته ، ونزل على دمشق محاصرا لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة، فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظاهر إلى ملكه. ورحل إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلب مماليكه عليها، وذلك أن القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين هنالك في مطبق أعد لهم، فتناجوا في التسور منه إلى ظاهره، والتوثب على القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الذي كان هنالك بمن كان معه من الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا وساس أمرهم، وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك الى الظاهر، أغذ السير إلى مصر. وتلقاه الناس فرحين مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وولى بطا دوادارا، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى ٧/٧٠٢
مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه. وولى سودون على نيابته، وكان ناظرا بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم علي أحوالا من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه، ومن تصرفات دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها، فوغر صدره من ذلك، وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى استدعاها منا منطاش، وأكرهنا على كتابها، فكتبناها، وورينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، وخصوصا علي، فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني، فولى فيها غيري وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات اعتذر عن ذلك ليطالعه بها، فتغافل عنها، وأعرض عني مدة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونص الأبيات:
سيدي والظنون فيك جميلة ... وأياديك بالأماني كفيلة
لا تحل عن جميل رأيك إني ... ما لي اليوم غير رأيك حيلة
واصطنعني كما اصطنعت بإسداء ... يد من شفاعة أو وسيلة
لا تضعني فلست منك مضيعا ... ذمة الحب، والأيادي الجميلة
وأجرني فالخطب عض بنابيه ... وأجرى الى حماي خيوله ٧/٧٠٣
ولو أني دعا بنصري داع ... كنت لي خير معشر وفصيلة
أنه أمري الى الذي جعل الله ... أمور الدنيا له مكفولة
وأراه في ملكه الآية ... الكبرى فولاه ثم كان مديله
أشهدته عناية الله في التمحيص ... أن كان عونه ومنيله
العزيز السلطان والملك الظاهر ... فخر الدنيا وعز القبيلة
ومجير الإسلام من كل خطب ... كاد زلزال بأسه أن يزيله
ومديل العدو بالطعنة النجلا ... وتفري ماذيه ونصوله
وشكور لأنعم الله يفني ... في رضاه غدوه وأصيله
وتلطف في وصف حالي وشكوى ... خلتي يا صفية وخليله
قل له والمقال يكرم من مثلك ... في محفل العلا أن يقوله
يا خوند الملوك يا معد الدهر ... إذا عدل الزمان فصوله
لا تقصر في جبر كسرى فما ... زلت أرجيك للأياد الطويلة
أنا جار لكم منعتم حماه ... ونهجتم الى المعالي سبيله
وغريب أنستموه على الوحشة ... والحزن بالرضى والسهولة
وجمعتم من شمله فقضى الله ... فراقا وما قضى مأموله
غاله الدهر في البنين وفي الأهل ... وما كان ظنه أن يغوله
ورمته النوى فقيدا قد ... اجتاحت عليه فروعه وأصوله
فجذبتم بضبعه وأنلتم ... كل ما شاءت العلا أن تنيله
ورفعتم من قدره قبل أن ... إليكم عياءه وخموله
وفرضتم له حقيقة ود ... حاش لله أن ترى مستحيلة
همة ما عرفتها لسواكم ... وأنا من خبرت دهري وجيله ٧/٧٠٤
والعدا نمقوا أحاديث إفك ... كلها في طرائق معلولة
روجوا في شأني غرائب زور ... نصبوها لأمرهم أحبولة
ورموا بالذي أرادوا من ... البهتان ظنا بأنها مقبولة
زعموا انني أتيت من الأقوال ... ما لا يظن بي أن أقوله
كيف لي أغمط الحقوق وأني ... شكر نعماكم علي الجزيلة؟
كيف لي أنكر الأيادي التي ... تعرفها الشمس والظلال الظليلة؟
إن يكن ذا فقد برئت من ... الله تعالى وخنت جهرا رسوله
طوقونا أمر الكتاب فكانت ... لقداح الظنون فينا مجيلة
لا ورب الكتاب أنزله الله ... على قلب من وعى تنزيله
ما رضينا بذاك فعلا ولا جئناه ... طوعا ولا اقتفينا دليله
إنما سامنا الكتاب ظلوم ... لا يرجى دفاعه بالحيلة
سخط ناجز وحلم بطيء ... وسلاح للوخز فينا صقلية
ودعوني ولست من منصب الحكم ... ولا ساحبا لديهم ذيوله
غير أني وشى بذكري واش ... يتقصى أوتاره وذحوله
فكتبنا معولين على حلمك ... تمحو الإصار عنا الثقيلة
ما أشرنا به لزيد ولا عمرو ... ولا عينوا لنا تفصيله
إنما يذكرون عمن وفيمن ... مبهمات أحكامها منقولة
ويظنن أن ذاك على ما ... أضمروا من شناعة أو رذيلة
وهو ظن عن الصواب بعيد ... وظلام لم يحسنوا تأويله
وجناب السلطان نزهه الله ... عن العاب بالهدى والفضيلة
وأجل الملوك قدرا صفوح ... يرتجي ذنب دهره ليقيله
فاقبلوا العذر إننا اليوم نرجو ... بحياة السلطان منكم قبوله
وأعينوا على الزمان غريبا ... يشتكي جدب عيشه ومحوله ٧/٧٠٥
جاركم ضيفكم نزيل حماكم ... لا يضيع الكريم يوما نزيله
جددوا عنده رسوم رضاكم ... فرسوم الكرام غير محيلة
داركوه برحمة فلقد أمست ... عقود اصطباره محلولة
وانحلوه جبرا فليس يرجي ... غير إحسانكم لهذي النحيلة
يا حميد الآثار في الدهر يا ... ألطنبغا يا روض العلا ومقيله
كيف بالخانقاه ينقل عني ... لا لذنب أو جنحة منقولة
بل تقلدتها شغورا بمرسوم ... شريف وخلعة مسدولة
ولقد كنت آملا لسواها ... وسواها بوعده ان ينيله
وتوثقت للزمان علييها ... بعقود ما خلتها محلولة
أبلغن قصتي فمثلك من يقصد ... فعل الحسنى بمن ينتمي له
واغنموا من مثوبتي ودعائي ... قربة عند ربكم مقبولة
وفي التعريض بسفره إلى الشام:
واصحب العز ظافرا بالأماني ... واترك العصبة العدا مفلولة
واعتمل في سعادة الملك الظاهر ... أن تمحو الأذى وتزيله
وتعيد الدنيا لأحسن شمل ... حين تضحي بسعده مشمولة
واطلب النصر من سعادته يصحبك ... دأبا في الظعن والحيلولة
وارتقب ما يحله بالأعادي ... في جمادى أو زد عليه قليله
وخذوه فألا بحسن قبول ... صدق الله في الزمان مقولة
فلقد كان يحسن الفال عند ... المصطفى دائما ويرضى جميلة
السعاية في المهاداة والإتحاف بين ملوك المغرب والملك الظاهر
كثيرا ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضا بالاتحاف بطرف أوطانهم، ٧/٧٠٦
للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادي يعقوب المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد الفرنج عن سواحل الشام حين كان معنيا بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد الكريم بن منقذ من أمراء شيزر ، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في الأسطول لما كان في الكتاب إليه من العدول عن تخطيطه بأمير المؤمنين، فوجدها غصة في صدره منعته من إجابته إلى سؤاله، وكان المانع لصلاح الدين من ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني بما كان يشاوره في أموره، وكان مقيما لدعوة الخليفة العباسي بمصر، فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لاثنين في الملة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن، الخلافة ليست لقبا فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدة والحماية، والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحق. فلما انقرضت دولة الموحدين، وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم لهذه البلاد الشرقية، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم، فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البر والمواصلة، بالاتحاف والاستطراف والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية، فسنت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقها أن تذكر، وكان يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب مصر عام سبعمائة ، وهو يومئذ الناصر بن محمد بن قلاون، هدية ضخمة، أصحبها كريمة ٧/٧٠٧
من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطرف، وأصناف الذخائر، وخصوصا الخيل والبغال.
أخبرني الفقيه ابو إسحاق الحسناوي، كاتب الموحدين بتونس، أنه عاين تلك الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التنسي كبير أهل الفتيا بتلمسان. ثم كافأ الناصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما إلى مراكش للنزاهة في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مراكش، فجهزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيعهما الى مصر، فاعترضتهما قبائل حصين ونهبوهما ، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر.
ولما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، وكانت لها عليه تربية، فأرادت الحج في أيامه وبعنايته، فأذن لها في ذلك، وبعث في خدمتها وليه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل العتاق، والمطايا الفرة وقماش الحرير والكتان، والصوف ومدبوغ الجلود الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخار المخصوص كل مصر من المغرب بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها مكيلة من اللآلئ والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذهبية المرصعة بالجواهر، واللجم المذهبة، والسيوف المحلاة بالذهب واللآلئ، كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف دينار، ٧/٧٠٨
وتدرجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة، فكانت قيمته مائة دينار. تحدث الناس بهذه الهدية دهرا، وعرضت بين يدي الملك الناصر، فأشار إلى خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضيوف، في إنزالهم وقراهم وإزوادهم إلى الحجاز وإلى بلادهم، وبقي شأن الهدية حديثا يتجاراه الناس في مجالسهم وأسمارهم، وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ولما فصل أرسال ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك الناصر معهم هدية كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة بالإسكندرية، تحمل كل عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على بيوت للمراقد، وأواوين للجلوس والطبخ، وأبراج للإشراف على الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض، وفيها تمثال مسجد بمحرابه، وعمده، ومئذنته، حوائطها كلها من خرق الكتان الموصولة بحبك الخياطة مفصلة على الأشكال التي يقترحها المتخذون لها.
وكان فيها خيمة أخرى مستديرة الشكل، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظل خمس مائة فارس أو أكثر، وعشرة من عتاق الخيل بالمراكب الذهبية الصقيلة، ولجمها كذلك، ومرت هذه الهدية بتونس، ومعها الخدام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ أصناف تلك الهدية، وتوجهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجب منها دهرا على الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في الأوقات.
ولما وصلت إلى مصر، واتصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التشوف إلى جياد الخيل، وخصوصا من المغرب، لما فيها [من تحمل] الشدة والصبر على المتاعب، وكان يقول لي مثل ذلك، وأن خيل مصر قصرت بها الراحة والتنعم، عن الصبر على التعب، فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في ٧/٧٠٩
ذلك السفين، وكل شيء بقدر.
ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف ابن علي بن غانم، كبير أولاد حسين ناجيا من سخط السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم، من ملوك بني مرين بفاس، يروم قضاء فرضه، ويتوسل بذلك لرضى سلطانه، فوجد السلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش، فعرضته لصاحب المحمل. فلما عاد من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، وشكا بثه، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحمله مع ذلك هدية إليه من قماش وطيب وقسي، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف، فقبل سلطانه فيه شفاعة الظاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة لمهاداة الملك الظاهر، وأحسن في انتقاء أصناف الهدية، فعاجلته المنية دون ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياما ثم هلك، وولي أخوه أبو عامر، فاستكمل الهدية، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول.
وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشراء، فعين لذلك مملوكا من مماليكه منسوبا إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا ، وبعث عني، فحضرت بين يديه، وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك الى سلطان تونس من الموحدين ، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس والمغرب من بني مرين، وحمله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب والقسي، وانصرف عام تسعة وتسعين وسبعمائة إلى المغرب، وشيعه كل واحد من ملوكه إلى مأمنه، وبالغ في إكرامه بما يتعين. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ويوسف بن علي على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس المخاطب أولا. وأظلهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجهين إلى مصر، وقد أفاض السلطان من إحسانه وعطائه، على الرسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقر عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومروا بتلمسان، وبها ٧/٧١٠
يومئذ أبو زيان، ابن السلطان أبي حمو من آل يغمراسن بن زيان، فبعث معهم هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشعر، فامتدح الملك الظاهر بقصيدة بعثها مع هديته، ونصها من أولها الى آخرها:
لمن الركائب سيرهن دميل ... والصبر- إلا بعدهن- جميل
يا أيها الحادي رويدك إنها ... ظعن يميل القلب حيث تميل
رفقا بمن حملته فوق ظهورها ... فالحسن فوق ظهورها محمول
لله آية أنجم: شفافة ... تنجاب عنها للظلام سدول
شهب بآفاق الصدور طلوعها ... ولها بأستار الجدول أفول
في الهودج المزرور منها غادة ... تزع الدجى بجبينها فيحول
فكأنها قمر على غصن على ... متني كثيب والكثيب مهيل
ثارت مطايا فثار بي الهوى ... واعتاد قلبي زفرة وغليل
أومت لتوديعي فغالب عبرتي ... نظر تخالسه العيون كليل
دمع أغيض منه خوف رقيبها ... طورا ويغلبني الأسى فيسيل
ويح المحب وشت به عبراته ... فكأنها قال عليه وقيل
صان الهوى وجفونه يوم النوى ... لمصون جوهر دمعهن تذيل
وتهابه أسد السرى في خيسها ... ويروعه ظبي الحمى المكحول
تأبى النفوس الضيم إلا في الهوى ... فالحر عبد والعزيز ذليل
يا بانة الوادي ويا أهل الحمى ... هل ساعة تصغين لي فأقول
ما لي إذا هب النسيم من الحمى ... أرتاح شوقا للحمى وأميل
خلوا الصبا يخلص إلي نسيمها ... إن الصبا لصبابتي تعليل
ما لي أحلا عن ورود محله ... وأذاد عنه وورده منهول ٧/٧١١
والباب ليس بمرتج عن مرتج ... والظن في المولى الجميل جميل
من لي بزورة روضة الهادي الذي ... ما مثله في المرسلين رسول
هو أحمد ومحمد والمصطفى ... والمجتبى وله انتهى التفضيل
يا خير من أهدى الهدى وأجل من ... أثنى عليه الوحي والتنزيل
وحي من الرحمن يلقيه على ... قلب النبي محمد جبريل
مدحتك آيات الكتاب وبشرت ... بقدومك التوراة والإنجيل
صلة الصلاة عليك تحلو في فمي ... مهما تكرر ذكرك المعسول
فور بعك المأهول إن بأضلعي ... قلبا بحبك ربعه مأهول
هل من سبيل للسرى حتى أرى ... خير الورى فهو المنى والسول
حتام تمطلني الليالي وعدها ... إن الزمان بوعده لبخيل
ما عاقني إلا عظيم جرائمي ... إن الجرائم حملهن ثقيل
أنا مغرم فتعطفوا انا مذنب ... فتحاوزوا أنا عاثر فأقيلوا
وأنا البعيد فقربوا والمستجير ... فأمنوا والمرتجى فأنيلوا
يا سائقا نحو الحجاز حمولة ... والقلب بين حمولة محمول
لمحمد بلغ سلام سميه ... فذمامه بمحمد موصول
وسل الإله له اغتفار ذنوبه ... يسمع هناك دعاؤك المقبول
وعن المليك أبي سعيد فلتنب ... فلكم له نحو الرسول رسول
متحمل لله كسوة بيته ... يا حبذاك المحمل المحمول
سعد المليك أبي سعيد إنه ... سيف على أعدائه مسلول
ملك يحج المغرب الأقصى به ... فلهم به نحو الرسول وصول ٧/٧١٢
ملك به نام الأنام وأمنت ... سبل المخاف فلا يخاف سبيل
فالملك ضخم والجناب مؤمل ... والفضل جم والعطاء جزيل
والصنع أجمل والفخار مؤثل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل
يا مالك البحرين بلغت المنى ... قد عاد مصر على العراق يصول
يا خادم الحرمين حق لك الهنا ... فعليك من روح الإله قبول
يا متحفي ومفاتحي برسالة ... سلسالة يزهى بها الترسيل
أهديتها حسناء بكرا ما لها ... غيري، وإن كثر الرجال، كفيل
ضاء المداد من الوداد بصحفها ... حتى اضمحل عبوسه المجبول
جمعت وحاملها بحضرتنا كما ... جمعت بثينة في الهوى وجميل
وتأكدت بهدية ودية ... هي للإخاء المرتضى تكميل
أطلعت فيها للقسي أهلة ... يرتد عنها الطرف وهو كليل
وحسام نصر زاهيا بنضاره ... راق العيون فرنده المعسول
ماضي الشبا لمصابه تعنو الظبا ... فيه تصول على العدا وتطول
وبدائع الحلل اليمانية التي ... روى معاطفها بمصر النيل
فأجلت فيها ناظري فرأيتها ... حفا يجول الحسن حيث تجول
جلت محاسنها فأهوى نحوها ... بفم القبول اللثم والتقبيل
يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي ... ومن القلوب إلى هواه تميل
إن كان رسم الود منك مذيلا ... بالبر وهو بذيله موصول
فنظيره عندي وليس يضيره ... بمعارض وهم ولا تخييل
ود «يزيد» و «ثابت» شهدا به ... و «لخالد» بخلوده تذييل
وإليكها تنبيك صدق مودتي ... صح الدليل ووافق المدلول
فإذا بذاك المجلس السامي سمت ... فلديك إقبال لها وقبول ٧/٧١٣
دام الوداد على البعاد موصلا ... بين القلوب وحبله موصول
وبقيت في نعم لديك مزيدها ... وعليك يضفو ظلها المسدول
ثم مروا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي العباس من ملوك الموحدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزز بها هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحدين أبي عبد الله بن تافراكين، ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظاهر في آخر السنة، وعرضت بين يدي السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسيوف والبسط ومراكب الخيل، وحمل كثيرا منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات.
وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج واللجم الذهبية، والسيوف المحلاة، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير والكتان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف.
وهدية صاحب تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموهة، وأحمالا من الأقمشة.
وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشاة ببراقع الثياب من غير مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه، وجلس السلطان يوم عرضها جلوسا فخما في إيوانه، وحضر الرسل، وأدوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان بالبر والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضخمة. ثم حضر وقت خروج الحاج، فأستأذنوا في الحج مع محمل السلطان، فأذن لهم، وأرغد أزودتهم. وقضوا حجهم، ورجعوا إلى حضرة السلطان ومعهود مبرته. ثم انصرفوا إلى مواطنهم، وشيعهم من بر السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الباقية على الأبد، فحمدت الله على ذلك.
ولاية القضاء الثانية بمصر
ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة، مكبا على ٧/٧١٤
الاشتغال بالعلم، تأليفا وتدريسا، والسلطان يولي في الوظيفة من يراه أهلا متى دعاه إلى ذلك داع، من موت القائم بالوظيفة، أو عزله، وكان يراني الأولى بذلك، لولا وجود الذين شغبوا من قبل في شأني، من أمراء دولته، وكبار حاشيته، حتى انقرضوا. واتفقت وفاة قاضي المالكية إذ ذاك ناصر الدين بن التنسي ، وكنت مقيما بالفيوم لضم زرعي هنالك، فبعث عني، وقلدني وظيفة القضاء في منتصف رمضان من سنة إحدى وثمانمائة، فجريت على السنن المعروف مني، من القيام بما يجب للوظيفة شرعا وعادة، وكان رحمه الله يرضى بما يسمع عني في ذلك. ثم أدركته الوفاة في منتصف شوال بعدها، وأحضر الخليفة والقضاة والأمراء، وعهد إلى كبير أبنائه فرج، ولإخوته من بعده واحدا واحدا، وأشهدهم على وصيته بما أراد. وجعل القائم بأمر ابنه في سلطانه إلى أتابكه ايتمش ، وقضى رحمة الله عليه، وترتبت الأمور من بعده كما عهد لهم، وكان النائب بالشام يومئذ أمير من خاسكية السلطان يعرف بتنم ، وسمع بالواقعات بعد السلطان فغص أن لم يكن هو كافل ابن الظاهر بعده، ويكون زمام الدولة بيده. وطفق سماسرة الفتن يغرونه بذلك، وبينما هم في ذلك إذ وقعت فتنة الأتابك أيتمش، وذلك أنه كان للأتابك دوادار غر يتطاول إلى الرئاسة، ويترفع على أكابر الدولة بحظه من أستاذه، وما له من الكفالة على السلطان، فنقموا حالهم مع هذا الدوادار، وما يسومهم به من الترفع عليهم، والتعرض لإهمال نصائحهم، فأغروا السلطان ٧/٧١٥
بالخروج من ربقة الحجر، وأطاعهم في ذلك، وأحضر القضاة بمجلسه للدعوى على الأتابك باستغنائه عن الكافل، بما علم من قيامه بأمره وحسن تصرفاته. وشهد بذلك في المجلس أمراء أبيه كافة، وأهل المراتب والوظائف منهم، شهادة قبلها القضاة. وأعذروا إلى الأتابك فيهم فلم يدفع في شيء من شهادتهم، ونفذ الحكم يومئذ برفع الحجر عن السلطان في تصرفاته وسياسة ملكه، وانفض الجمع، ونزل الأتابك من الإسطبل إلى بيت سكناه. ثم عاود الكثير من الأمراء نظرهم فيما أتوه من ذلك، فلم يروه صوابا، وحملوا الأتابك على نقضه، والقيام بما جعل له السلطان من كفالة ابنه في سلطانه. وركب، وركبوا معه في آخر شهر المولد النبوي، وقاتلهم أولياء السلطان فرج عشي يومهم وليلتها، فهزموهم، وساروا إلى الشام مستصرخين بالنائب تنم، وقد وقر في نفسه ما وقر من قبل، فبر وفادتهم، وأجاب صريخهم. واعتزموا على المضي إلى مصر. وكان السلطان لما انفضت جموع الأتابك، وسار إلى الشام، اعتمله في الحركة والسفر لخضد شوكتهم، وتفريق جماعتهم، وخرج في جمادى حتى انتهى إلى غزة، فجاءه الخبر بأن نائب الشام تنم، والأتابك، والأمراء الذين معه، خرجوا من الشام زاحفين للقاء السلطان، وقد احتشدوا وأوعبوا، وانتهوا قريبا من الرملة ، فراسلهم السلطان مع قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي ، وناصر الدين الرماح، أحد المعلمين لثقافة الرماح، يعذر إليهم، ويحملهم على اجتماع الكلمة، وترك الفتنة، وإجابتهم إلى ما يطلبون من مصالحهم، فاشتطوا في المطالب، وصمموا على ما هم فيه. ووصل الرسولان بخبرهم، فركب السلطان من الغد، وعبى عساكره، وصمم لمعاجلتهم، فلقيهم أثناء طريقه، وهاجمهم فهاجموه، ثم ولوا الأدبار منهزمين.
وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه، فما غشيهم الليل إلا وهم مصفدون في الحديد، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم كلهم. ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق، فآوى إليها، واعتقله نائب القلعة. وسار السلطان إلى دمشق، فدخلها على التعبئة في يوم أغر، وأقام بها أياما، وقتل هؤلاء ٧/٧١٦
الأمراء المعتقلين، وكبيرهم الأتابك ذبحا، وقتل تنم من بينهم خنقا، ثم ارتحل راجعا إلى مصر.
وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن لي في ذلك. ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه، وتعففت عن الدخول إلى القمامة لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن، إذ هو بناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه.
وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه السلام. ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، مرقوما على رءوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدين بن الخلال ، ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية، فحرضه بعض أصحابه على السعي في المنصب، وبذل ما تيسر من موجودة لبعض بطانة السلطان الساعين له في ذلك، فتمت سعايته في ذلك، ولبس منتصف المحرم سنة ثلاث وثمانمائة، ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه، إلى أن كان السفر لمدافعة تمر عن الشام.
سفر السلطان الى الشام لمدافعة الططر عن بلاده
هؤلاء الططر من شعوب الترك، وقد اتفق النسابة والمؤرخون على أن أكثر أمم العالم فرقتان، وهما: العرب والترك، وليس في العالم أمة أوفر منهما عددا، هؤلاء في ٧/٧١٧
جنوب الأرض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتناوبون الملك في العالم، فتارة يملك العرب ويزحلون الأعاجم إلى آخر الشمال، وأخرى يزحلهم الأعاجم والترك إلى طرف الجنوب، سنة الله في عباده.
فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الططر ، واستقرت الدول الإسلامية فيهم لهذا العهد فنقول: إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه الأرض، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه، وهي عند أهل الجغرافيا مقدار الربع منه، وقسموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمونها الأقاليم، مبتدأة من خط الاستواء بين المشرق والمغرب، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رءوس السكان، إلى تمام السبعة أقاليم. وهذا الخط في جنوب المعمور، وتنتهي السبعة الأقاليم في شماله. وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الربع المنكشف، لإفراط الحر فيه، وهو يمنع من التكوين، وكذلك ليس بعد الأقاليم السبعة في جهة الشمال عمارة، لإفراط البرد فيها، وهو مانع من التكوين أيضا. ودخل الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة، في مدخل فسيح، وانساح مع خط الاستواء مغربا، فمر بالصين، والهند والسند واليمن، في جنوبها كلها. وانتهى إلى وسط الأرض، عند باب المندب ، وهو البحر الهندي والصيني، ثم انحرف من طرفه الغربي في خليج عند باب المندب، ومر في جهة الشمال مغربا باليمن وتهامة والحجاز ومدين وأيلة وفاران ، وانتهى إلى ٧/٧١٨
مدينة القلزم ، ويسمى بحر السويس، وفي شرقيه بلاد الصعيد إلى عيذاب ، وبلاد البجاة ، وخرج من هذا البحر الهندي من وسطه خليج آخر يسمى الخليج الأخضر ، ومر شمالا إلى الأبلة ، ويسمى بحر فارس ، وعليه في شرقيه بلاد فارس ، وكرمان ، والسند ، ودخل الماء أيضا، من جهة الغرب في خليج متضايق في الإقليم الرابع، ويسمى بحر الزقاق ، تكون سعته هنالك ثمانية عشر ميلا. ويمر مشرقا ببلاد البربر، من المغرب الأقصى والأوسط وأرض إفريقية والإسكندرية وأرض التيه وفلسطين والشام، وعليه في الغرب بلاد الإفرنج كلها، وخرج منه في الشمال خليجان: الشرقي منهما خليج القسطنطينية والغربي خليج البنادقة ، ويسمى هذا البحر البحر الروسي، والشامي.
ثم إن هذه السبعة الأقاليم المعمورة، تنقسم من شرقيها وغربيها بنصفين: فنصفها ٧/٧١٩
الغربي في وسطه البحر الرومي، وفي النصف الشرقي من جانبه الجنوبي البحر الهندي، وكان هذا النصف الغربي أقل عمارة من النصف الشرقي، لأن البحر الرومي المتوسط فيه، انفسح في انسياحه، فغمر الكثير من أرضه. والجانب الجنوبي منه قليل العمارة لشدة الحر، فالعمران فيه من جانب الشمال فقط، والنصف الشرقي عمرانه أكثر بكثير، لأنه لا بحر في وسطه يزاحم. وجانبه الجنوبي فيه البحر الهندي، وهو متسع جدا، فلطف الهواء فيه بمجاورة الماء، وعدل مزاجه للتكوين، فصارت أقاليمه كلها قابلة للعمارة، فكثر عمرانه. وكان مبدأ هذا العمران في العالم، من لدن آدم صلوات الله عليه، وتناسل ولده أولا في ذلك النصف الشرقي، وبادت تلك الأمم ما بينه وبين نوح، ولم نعلم شيئا من أخبارها، لأن الكتب الإلهية لم يرد علينا فيها إلا أخبار نوح وبنيه، وأما ما قبل نوح فلم نعرف شيئا من أخباره، وأقدم الكتب المنزلة المتداولة بين أيدينا التوراة، وليس فيها من أخبار تلك الأجيال شيء، ولا سبيل إلى اتصال الأخبار القديمة إلا بالوحي، وأما الأخبار فهي تدرس بدروس أهلها.
واتفق النسابون على أن النسل كله منحصر في بني نوح، وفي ثلاثة من ولده، وهم سام، وحام، ويافث، فمن سام: العرب، والعبرانيون، والسبائيون ، ومن حام: القبط، والكنعانيون، والبربر، والسودان، ومن يافث: الترك، والروم، والخزر ، والفرس، والديلم، والجيل.
ولا أدري كيف صح انحصار النسب في هؤلاء الثلاثة عند النسابين، أمن النقل؟ وهو بعيد كما قدمناه، أو هو رأي تفرع لهم من انقسام جماعة المعمور، فجعلوا شعوب كل جهة لأهل نسب واحد يشتركون فيه، فجعلوا الجنوب لبني سام، والمغرب لبني حام، والشمال لبني يافث. إلا أنه المتناقل بين النسابة في العالم، كما قلناه، فلنعتمده ونقول: أول من ملك الأرض من نسل نوح عليه السلام، النمرود بن كنعان بن كوش بن حام ووقع ذكره في التوراة. وملك بعده عابر بن شالخ الذي ينسب إليه ٧/٧٢٠
العبرانيون، والسريانيون، وهم النبط، وكانت لهم الدولة العظيمة، وهم ملوك بابل، من نبيط بن أشور بن سام، وقيل نبيط بن ماش بن إرم، وهم ملوك الأرض بعد الطوفان على ما قاله المسعودي. وغلبهم الفرس على بابل، وما كان في أيديهم من الأرض، وكانت يومئذ في العالم دولتان عظيمتان، لملوك بابل هؤلاء، وللقبط بمصر: هذه في المغرب، والأخرى في المشرق، وكانوا ينتحلون الأعمال السحرية، ويعولون عليها في كثير من أعمالهم، وبرابي مصر ، وفلاحة ابن وحشية، يشهدان بذلك. فلما غلب الفرس على بابل، استقل لهم ملك المشرق، وجاء موسى- صلوات الله عليه- بالشريعة الأولية، وحرم السحر وطرقه، وغلب الله له القبط بإغراق فرعون وقومه، ثم ملك بنو إسرائيل الشام، واختطوا بيت المقدس، وظهر الروم في ناحية الشمال والمغرب، فغلبوا الفرس الأولى على ملكهم. وملك ذو القرنين الإسكندر ما كان بأيديهم، ثم صار ملك الفرس بالمشرق إلى ملوكهم الساسانية، وملك بني يونان بالشام والمغرب إلى القياصرة، كما ذكرنا ذلك كله من قبل. وأصبحت الدولتان عظيمتين، وانتظمتا العالم بما فيه. ونازع الترك ملوك فارس في خراسان ، وما وراء النهر ، وكانت بينهم حروب مشهورة، واستقر ملكهم في بني أفراسياب، ثم ظهر خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه، وجمع العرب على كلمة الإسلام، فاجتمعوا له، «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم» ، وقبضه الله اليه، وقد أمر بالجهاد، ووعد عن الله بأن الأرض لأمته، فزحفوا إلى كسرى، وقيصر بعد سنتين من وفاته، فانتزعوا الملك من أيديهما، وتجاوزوا الفرس إلى الترك، والروم إلى البربر والمغرب، وأصبح العالم كله منتظما في دعوة الإسلام. ثم اختلف أهل الدين من بعده في رجوعهم إلى من ينظم أمرهم، وتشيع قوم من العرب فزعموا أنه ٧/٧٢١
أوصى بذلك لابن عمه علي، وامتنع الجماعة من قبول ذلك، وأبوا إلا الاجتهاد في تعيينه، فمضى على ذلك السلف في دولة بني أمية التي استفحل الملك والإسلام فيها، وتناقل التشيع بتشعب المذاهب، في استحقاق بني علي، وأيهم يتعين له ذلك، حتى انساق مذهب من مذاهبهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، فظهرت شيعته بخراسان، وملكوا تلك الأرض كلها، والعراق بأسره.
ثم غلبوا على بني أمية، وانتزعوا الملك من أيديهم، واستفحل ملكهم، والإسلام باستفحاله، وتعدد خلفاؤهم. ثم خامر الدولة ما يخامر الدول من الترف والراحة، ففشلوا. وكثر المنازعون لهم من بني علي وغيرهم، فظهرت دولة لبني جعفر الصادق بالمغرب، وهم العبيديون بنو عبيد الله المهدي بن محمد، قام بها كتامة وقبائل البربر، واستولوا على المغرب ومصر، ودولة بني العلوي بطبرستان، قام بها الديلم وإخوانهم الجيل، ودولة بني أمية النائية بالأندلس، لأن بني العباس لما غلبوهم بالمشرق، وأكثروا القتل فيهم، هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ونجا إلى المغرب. ثم ركب البحر إلى الأندلس، فاجتمع عليه من كان هنالك من العرب وموالي بني أمية، فاستحدث هنالك ملكا آخر لهم، وانقسمت الملة الإسلامية بين هذه الدول الأربع إلى المائة الرابعة. ثم انقرض ملك العلوية من طبرستان ، وانتقل إلى الديلم، فاقتسموا خراسان وفارس والعراق، وغلبوا على بغداد، وحجر الخليفة بها بنو بويه منهم . وكان بنو سامان- من أتباع بني طاهر- قد تقلدوا عمالات ما وراء النهر، فلما فشل أمر الخلافة استبدوا بتلك النواحي، وأصاروا لهم فيها ملكا ضخما ، وكان آخرهم محمود بن سبكتكين من مواليهم، فاستبد عليهم، وملك خراسان، وما وراء النهر إلى الشاش، ثم ٧/٧٢٢
غزنة ، وما وراءها جنوبا إلى الهند. وأجاز إلى بلاد الهند، فافتتح منها كثيرا، واستخرج من كنوزها ذخائر لم يعثر عليها أحد قبله. وأقامت الملة على هذا النمط إلى انقضاء المائة الرابعة، وكان الترك منذ تعبدوا للعرب، وأسلموا على ما بأيديهم وراء النهر، من كاشغر ، والصاغون إلى فرغانة ، وولاهم الخلفاء عليها، فاستحدثوا بها ملكا، وكانت بوادي الترك في تلك النواحي منتجعة أمطار السماء، وعشب الأرض، وكان الظهور فيهم لقبيلة الغز من شعوبهم، وهم الخوز، إلا أن استعمال العرب لها عرب خاءها المعجمة غينا، وأدغمت واوها في الزاي الثانية، فصارت زايا واحدة مشددة. وكانت رياسة الغز هؤلاء في بني سلجوق بن ميكائيل، وكانوا يستخدمون لملوك الترك بتركستان تارة، ولملوك بني سامان في بخارى أخرى.
وتحدث بينهما الفتنة، فيتألفون من شاءوا منهما ، ولما تغلب محمود بن سبكتكين على بني سامان، وأجاز من خراسان فنزل بخارى ، واقتعد كرسيهم، وتقبض على كبار بني سلجوق هؤلاء، وحبسهم بخراسان. ثم مات وقام بالأمر أخوه مسعود ، فملك مكانه، وانتقض عليه بنو سلجوق هؤلاء، وأجاز الغز إلى خراسان فملكوها، وملكوا طبرستان من يد الديلم، ثم أصبهان ٧/٧٢٣
وفارس، من أيدي بني بويه، وملكهم يومئذ طغرلبك بن ميكائيل من بني سلجوق، وغلب على بغداد من يد بني معز الدولة بن بويه المستبدين على الخليفة يومئذ المطيع ، وحجره عن التصرف في أمور الخلافة والملك، ثم تجاوز إلى عراق العرب، فغلب على ملوكه، وأبادهم، ثم بلاد البحرين وعمان، ثم على الشام، وبلاد الروم، واستوعب ممالك الإسلام كلها، فأصارها في ملكه، وانقبضت العرب راجعة إلى الحجاز، مسلوبة من الملك، كأن لهم فيه نصيب، وذلك أعوام الأربعين والأربعمائة، وخرج الإفرنج على بقايا بني أمية بالأندلس، فانتزعوا الملك من أيديهم، واستولوا على حواضر الأندلس وأمصارها، وضاق النطاق على العبيديين بالقاهرة بملوك الغز يزاحمونهم فيها من الشام، بمحمود بن زنكي وغيره من أبنائهم ومماليكهم، وبملوك المغرب قد اقتطعوا ما وراء الإسكندرية، بملوك صنهاجة في إفريقية، والملثمين المرابطين بعدهم بالمغرب الأقصى والأوسط، والمصامدة الموحدين بعدهم كذلك، وأمام الغز والسلجوقية في ملك المشرق، وبنوهم ومواليهم من بعدهم إلى انقضاء القرن السادس، وقد فشل ريح الغز، واختلت دولتهم، فظهر فيهم جنكيزخان أمير المغل من شعوب الططر ، وكان كاهنا، وجده النجر كاهنا مثله. ويزعمون أنه ولد من غير أب ، فغلب الغز في المفازة، واستولى على ملك الططر، وزحف إلى كرسي ٧/٧٢٤
الملك بخوارزم. وهو علاء الدين خوارزم شاه، سلفه من موالي طغرلبك، فغالبه على ملكه، وفر أمامه، واتبعه إلى بحيرة طبرستان، فنجا إلى جزيرة فيها، ومرض هنالك ومات ، ورجع جنكيزخان إلى مازندران، من أمصار طبرستان فنزلها، وأقام بها، وبعث عساكره من المغل حتى استولوا على جميع ما كان للغز، وأنزل ابنه طولى بكرسي خراسان، وابنه دوشي خان بصراي وبلاد الترك، وابنه جفطاي بكرسي الترك فيما وراء النهر، وهي كاشغر وتركستان، وأقام بمازندران إلى أن مات جنكيزخان ودفن بها ، ومات ابنه طولي وله ولدان، قبلاي وهولاكو ، ثم هلك قبلاي، واستقل هولاكو بملك خراسان، وحدث بينه وبين بركة بن دوشي خان فتنة بالمنازعة في القانية، تحاربوا فيها طويلا، ثم أقصروا، ٧/٧٢٥
وصرف هولاكو وجهه إلى بلاد أصبهان، وفارس، ثم إلى الخلفاء المستبدين ببغداد، وعراق العرب، فاستولى على تلك النواحي، واقتحم بغداد على الخليفة المستعصم، آخر بني العباس وقتله، وأعظم فيها العيث والفساد، وهو يومئذ على دينه من المجوسية، ثم تخطاه إلى الشام، فملك أمصاره وحواضره إلى القدس، وملوك مصر يومئذ من موالي بني أيوب قد استحاشوا ببركة صاحب صراي، فزحف إلى خراسان ليأخذ بحجزة هولاكو عن الشام ومصر. وبلغ خبره إلى هولاكو فحرد لذلك، لما بينهما من المنافسة والعداوة، وكر راجعا إلى العراق، ثم إلى خراسان، لمدافعة بركة. وطالت الفتنة بينهما إلى أن هلك هولاكو سنة ثلاث وستين من المائة السابعة، وزحف أمراء مصر من موالي بني أيوب، وكبيرهم يومئذ قطز، وهو سلطانهم فاستولى على أمصار الشام التي كان هولاكو انتزعها من أيدي بني أيوب، واحدة واحدة، واستضاف الشام إلى مصر في ملكه. ثم هدى الله أبغا بن هولاكو إلى الإسلام، فأسلم بعد أن كان أسلم بركة ابن عمه صاحب التخت بصراي من بني دوشي خان على يد مريد من أصحاب شمس الدين كبرى ، فتواطأ هو وأبغا بن هولاكو على الإسلام. ثم أسلم بعد ذلك بنو جقطاي وراء النهر، فانتظمت ممالك الإسلام في أيدي ولد جنكيزخان من المغل، ثم من الططر، ولم يخرج عن ملكهم منها إلا المغرب والأندلس ومصر والحجاز، وأصبحوا، وكأنهم في تلك الممالك خلف من السلجوقية والغز. واستمر الأمر على ذلك لهذا العهد، وانقرض ملك بني هولاكو بموت أبي سعيد آخرهم سنة أربعين من المائة الثامنة . وافترقت دولتهم بين عمال الدولة وقرابتها من المغل، فملك عراق العرب، وأذربيجان ٧/٧٢٦
وتوريز ، الشيخ حسن سبط هولاكو ، واتصل ملكها في بنيه لهذا العهد، وملك خراسان وطبرستان شاه ولي من تابعة بني هولاكو، وملك أصبهان، وفارس، بنو مظفر البردي من عمالهم أيضا، وأقاموا بنو دوشي خان في مملكة صراي وآخرهم بها طقطمش بن بردي بك ، ثم سما لبني جقطاي وراء النهر، وملوكهم أمل في التغلب على أعمال بني هولاكو، وبني دوشي خان، بما استفحل ملكهم هنالك، لعدم الترف والتنعم، فبقوا على البداوة، وكان لهم ملك اسمه ساطلمش هلك لهذا العهد، وأجلسوا ابنه على التخت مكانه، وأمراء بني جقطاي جميعا في خدمته، وكبيرهم تيمور المعروف بتمر بن طرغاي فقام بأمر هذا الصبي وكفله، وتزوج أمه، ومد يده إلى ممالك بني دوشي خان التي كانت على دعوتهم وراء النهر، مثل سمرقند ، وبخارى، وخوارزم، وأجاز إلى طبرستان وخراسان فملكهما. ثم ملك أصبهان، وزحف إلى بغداد، فملكها من يد أحمد بن أويس. وفر أحمد مستجيرا بملك مصر، وهو الملك الظاهر برقوق، وقد تقدم ذكره، فأجاره، ووعده النصر من عدوه. وبعث الأمير تمر رسلا إلى صاحب مصر، يقررون معه الولاية والاتحاد، وحسن الجوار، فوصلوا إلى الرحبة، فلقيهم عاملها، ودار بينهم الكلام فأوحشوه في الخطاب، وأنزلهم، فبيت جميعهم، وقتلهم. وخرج الظاهر برقوق من مصر، وجمع العرب والتركمان، وأناخ على الفرات، وصرخ بطقطمش من كرسيه بصراي، فحشد ووصل إلى الأبواب . ثم زحف تمر إلى الشام سنة ست وتسعين وسبعمائة وبلغ الرها ، والظاهر يومئذ على ٧/٧٢٧
الفرات، فخام تمر عن لقائه. وسار إلى محاربة طقطمش، فاستولى على أعماله كلها، ورجعت قبائل المغل إلى تمر، وساروا تحت رايته. وذهب طقطمش في ناحية الشمال، وراء بلغار، متذمما بقبائل اروس من شعوب الترك في الجبال.
وسارت عصائب الترك كلها تحت رايات تمر، ثم اضطرب ملوك الهند، واستصرخ خارج منهم بالأمير تمر، فسار إليهم في عساكر المغل، وملك دلي ، وفر صاحبها الى كنباية مرسى بحر الهند، وعاثوا في نواحي بلاد الهند. ثم بلغه هنالك مهلك الظاهر برقوق بمصر، فرجع إلى البلاد، ومر على العراق، ثم على أرمينية وأرزنكان ، حتى وصل سيواس فخربها، وعاث في نواحيها، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المائة التاسعة. ونازل قلعة الروم ، فامتنعت، وتجاوزها الى حلب، فقابله نائب الشام وعساكره في ساحتها، ففضهم، واقتحم المغل المدينة من كل ناحية. ووقع فيها من العيث والنهب والمصادرة واستباحة الحرم، ما لم يعهد الناس مثله، ووصل الخبر الى مصر، فتجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر الى المدافعة عن الشام، وخرج في عساكره من الترك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدهم عنها.
لقاء الأمير تمر سلطان المغل والططر
لما وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الروم، وخرب سيواس، ورجع ٧/٧٢٨
إلى الشام، جمع السلطان عساكره، وفتح ديوان العطاء، ونادى في الجند بالرحيل الى الشام، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة ، فاستدعاني دواداره يشبك وأرادني على السفر معه في ركاب السلطان، فتجافيت عن ذلك. ثم أظهر العزم علي بلين القول، وجزيل الانعام فأصخيت، وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث وثمانمائة، فوصلنا إلى غزة، فأرحنا بها أياما نترقب الأخبار، ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الططر إلى أن نزلنا شقحب ، وأسرينا فصبحنا دمشق، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصدا دمشق، فضرب السلطان خيامه وأبنيته بساحة قبة يلبغا. ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد، فأقام بمرقب على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا، فكانت حربهم سجالا، ثم نمي الخبر إلى السلطان وأكابر أمرائه، أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم، واختلال الدولة ٧/٧٢٩
بذلك، فأسروا ليلة الجمعة من شهر [
....
] وركبوا جبل الصالحية، ثم انحطوا في شعابه، وساروا على شافة البحر إلى غزة، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر، فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر، وأصبح أهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم الأنباء.
وجاءني القضاة والفقهاء، واجتمعت بمدرسة العادلية، واتفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه. وخرج القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي ومعه شيخ الفقراء بزاوية [
....
] فأجابهم إلى التأمين، وردهم باستدعاء الوجوه والقضاة، فخرجوا إليه متدلين من السور بما صبحهم من التقدمة، فأحسن لقاءهم وكتب لهم الرقاع بالأمان، وردهم على أحسن الآمال، واتفقوا معه على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته.
وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني، وهل سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول. وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولا، ثم أصخوا لي، ودلوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب، ونائبة الذي عينه للولاية على دمشق، واسمه شاه ملك، من بني جقطاي أهل عصابته، فحييتهم وحيوني، وفديت وفدوني، وقدم لي شاه ملك، مركوبا، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه. فلما وقفت بالباب خرج الإذن بإجلاسي في خيمة هنالك تجاور خيمة جلوسه، ثم زيد في التعريف باسمي أني القاضي المالكي المغربي، فاستدعاني، ٧/٧٣٠
ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئا على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه، يشير بها إلى عصب المغل جلوسا أمام خيمته، حلقا حلقا. فلما دخلت عليه فاتحت بالسلام، وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إلي فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت. ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم ، فأقعده يترجم ما بيننا، وسألني من أين جئت من المغرب؟ ولما جئت؟ فقلت: جئت من بلادي لقضاء الفرض ركبت إليها البحر، ووافيت مرسى الإسكندرية يوم الفطر سنة أربع وثمانين من هذه المائة الثامنة، والمفرحات بأسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك العشرة الأيام بعددها. فقال لي: وما فعل معك؟ قلت كل خير، بر مقدمي، وأرغد قراي، وزودني للحج، ولما رجعت وفر جرايتي، وأقمت في ظله ونعمته، رحمه الله وجزاه.
فقال: وكيف كانت توليته إياك القضاء؟ فقلت: مات قاضي المالكية قبل موته بشهر، وكان يظن بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة، وتحري المعدلة والحق، والإعراض عن الجاه، فولاني مكانه، ومات لشهر بعدها، فلم يرض أهل الدولة بمكاني، فأدالوني منها بغيري جزاهم الله. فقال لي: وأين ولدك؟ فقلت: بالمغرب الجواني كاتب للملك الأعظم هنالك. فقال وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ فقلت هو عرف خطابهم معناه الداخلي، أي الأبعد، لأن المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب الى هنا برقة، وإفريقية ، والمغرب الأوسط : تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى: فاس ومراكش، وهو معنى ٧/٧٣١
الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ذلك المغرب؟ فقلت: في الزاوية التي بين البحر المحيط، والخليج المسمى بالزقاق، وهو خليج البحر الشامي؟ فقال:
وسبتة؟ فقلت: على مسافة من طنجة على ساحل الزقاق، ومنها التعدية إلى الأندلس، لقرب مسافته، لأنها هناك نحو العشرين ميلا. فقال: وفاس؟ فقلت:
ليست على البحر، وهي في وسط التلول، وكرسي ملوك المغرب من بني مرين.
فقال: وسجلماسة؟ قلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب.
فقال: لا يقنعني هذا، وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلها، أقاصيها وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه وأمصاره، حتى كأني أشاهده. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب من ذلك، وأوعبت الغرض فيه في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنضفة القطع. ثم أشار إلى خدمه بإحضار طعام من بيته يسمونه الرشتة، ويحكمونه على أبلغ ما يمكن، فأحضرت الأواني منه، وأشار بعرضها علي، فمثلت قائما وتناولتها وشربت واستطبت، ووقع ذلك منه أحسن المواقع، ثم جلست وسكتنا، وقد غلبني الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية، صدر الدين المناوي، أسره التابعون لعسكر مصر. بشقحب، وردوه، فحبس عندهم في طلب الفدية منه، فأصابنا من ذلك وجل، فزورت في نفسي كلاما أخاطبه به، وأتلطفه بتعظيم أحواله، وملكه. وكنت قبل ذلك بالمغرب قد سمعت كثيرا من الحدثان في ظهوره، وكان المنجمون المتكلمون في قرانات العلويين يترقبون القران العاشر في المثلثة الهوائية ، وكان يترقب عام ستة وستين من المائة السابعة. فلقيت ذات يوم من عام أحد وستين وسبعمائة بجامع القرويين من فاس، الخطيب أبا علي بن باديس خطيب قسنطينة، وكان ماهرا في ذلك الفن، فسألته عن هذا القران المتوقع، وما هي آثاره؟ فقال لي: يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي الشرقي، من أمة بادية ٧/٧٣٢
أهل خيام، تتغلب على الممالك، وتقلب الدول، وتستولي على أكثر المعمور.
فقلت: ومتى زمنه؟ فقال: عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره. وكتب لي بمثل ذلك الطبيب ابن زرزر اليهودي، طبيب ملك الأفرنج ابن أذفونش ومنجمه. وكان شيخي رحمه الله إمام المعقولات محمد بن إبراهيم الآبلي متى فاوضته في ذلك، أو سايلته عنه يقول: أمره قريب، ولا بد لك إن عشت أن تراه.
وأما المتصوفة فكنا نسمع عنهم بالمغرب ترقبهم لهذا الكائن، ويرون أن القائم به هو الفاطمي المشار إليه في الأحاديث النبوية من الشيعة وغيرهم، فأخبرني يحيى بن عبد الله حافد الشيخ أبي يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب، أن الشيخ قال لهم ذات يوم، وقد انفتل من صلاة الغداة: إن هذا اليوم ولد فيه القائم الفاطمي، وكان ذلك في عشر الأربعين من المائة الثامنة، فكان في نفسي من ذلك كله ترقب له.
فوقع في نفسي لأجل الوجل الذي كنت فيه أن أفاوضه في في شيء من ذلك يستريح إليه، ويأنس به مني، ففاتحته وقلت: أيدك الله! لي اليوم ثلاثون أو أربعون سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار: وما سبب ذلك؟ فقلت: أمران، الأول أنك سلطان العالم، وملك الدنيا، وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بالجزاف، فإني من أهل العلم، وأبين ذلك فأقول:
إن الملك إنما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون قدر الملك، واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد، أن أكثر أمم البشر فرقتان: العرب والترك، وأنتم تعلمون ملك العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على نبيهم، وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس، وانتزاع ملكهم أفراسياب خراسان من أيديهم شاهد بنصابهم من الملك.
ولا يساويهم في عصبيتهم أحد من ملوك الأرض من كسرى، أو قيصر، أو الإسكندر، أو بخت نصر، أما كسرى فكبير الفرس ومليكهم، وأين الفرس من الترك؟ وأما قيصر والإسكندر فملوك الروم، وأين الروم من الترك؟ وأما بخت نصر فكبير أهل بابل، والنبط. وأين هؤلاء من الترك؟ وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا ٧/٧٣٣
الملك.
وأما الأمر الثاني مما يحملني على تمني لقائه، فهو ما كنت أسمعه من أهل الحدثان بالمغرب، والأولياء، وذكرت ما قصصته من ذلك قبل. فقال لي: وأراك قد ذكرت بخت نصر مع كسرى، وقيصر، والإسكندر، ولم يكن في عدادهم، لأنهم ملوك أكابر. وبخت نصر قائد من قواد الفرس، كما أنا نائب من نواب صاحب التخت، وهو هذا، وأشار إلى الصف القائمين وراءه، وكان واقفا معهم، وهو ربيبه الذي تقدم لنا أنه تزوج أمه بعد أبيه ساطلمش، فلم يلفه هناك، وذكر له القائمون في ذلك الصف أنه خرج عنهم.
فرجع إلي فقال: ومن أي الطوائف هو بخت نصر؟ فقلت: بين الناس فيه خلاف، فقيل من النبط بقية ملوك بابل، وقيل من الفرس الأولى، فقال: يعني من ولد منوشهر . قلت نعم هكذا ذكروا، فقال: ومنوشهر له علينا ولادة من قبل الأمهات. ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه، وقلت له: وهذا مما يجعلني على بني لقائه.
فقال الملك: وأي القولين أرجح عندك فيه؟ فقلت إنه من عقبة ملوك بابل، فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر. فقلت: يعكر تملينا رأي الطبري، فإنه مؤرخ الأمة ومحدثهم، ولا يرجحه غيره، فقال: وما علينا من الطبري؟ نحضر كتب التاريخ للعرب والعجم، ونناظرك. فقلت: وأنا أيضا أناظر على رأي الطبري، وانتهى بنا القول، فسكت، وجاءه الخبر بفتح باب المدينة، وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان، فرفع من بين أيدينا، لما في ركبته من الداء، وحمل على فرسه فقبض شكائمه، واستوى في مركبه. وضربت الآلات حفافيه حتى ارتج لها الجو. وسار نحو دمشق، ونزل في تربة منجك عند باب الجابية، فجلس هناك، ودخل إليه القضاة وأعيان البلد، ودخلت في جملتهم، فأشار إليهم بالانصراف، وإلى شاه ملك نائبة أن يخلع عليهم في وظائفهم، وأشار إلي بالجلوس، فجلست بين يديه. ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء، ٧/٧٣٤
فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين، وتناظروا في إذهاب الماء الدائر بحفير القلعة، لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه، فتناظروا في مجلسه طويلا، ثم انصرفوا، وانصرفت الى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك، فأذن فيه. وأقمت في كسر البيت، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب، فكتبته في أيام قليلة، ورفعته إليه فأخذه من يدي، وأمر موقعه بترجمته إلى اللسان المغلي. ثم اشتد في حصار القلعة، ونصب عليها الآلات من المجانيق، والنفوط، والعرادات، والنقب، فنصبوا لأيام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى، وضاق الحصار بأهل القلعة، وتهدم بناؤها من كل جهة، فطلبوا الأمان.
وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه، فأمنهم السلطان تمر، وحضروا عنده.
وخرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هنالك، من الأموال والظهر والخيام. ثم أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسيها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح. وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء.
وكان أيام مقامي عند السلطان تمر، خرج إليه من القلعة يوم أمن أهلها رجل من أعقاب الخلفاء بمصر، من ذرية الحاكم العباسي الذي نصبه الظاهر بيبرس، فوقف إلى السلطان تمر يسأله النصفة في أمره، ويطلب منه منصب الخلافة كما كان لسلفه، فقال له السلطان تمر: أنا أحضر لك الفقهاء والقضاة، فإن حكموا لك بشيء أنصفتك فيه. واستدعى الفقهاء والقضاة، واستدعاني فيهم، فحضرنا عنده وحضر هذا الرجل الذي يسأل منصب الخلافة، فقال له عبد الجبار: هذا مجلس النصفة فتكلم. فقال: إن هذه الخلافة لنا ولسلفنا، وإن الحديث صح بأن ٧/٧٣٥
الأمر لبني العباس ما بقيت الدنيا، يعني أمر الخلافة. وإني أحق من صاحب المنصب الآن بمصر، لأن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقوه، وصار إلى هذا بغير مستند، فاستدعى عبد الجبار كلا منا في أمره، فسكتنا برهة، ثم قال: ما تقولون في هذا الحديث؟ فقال برهان الدين بن مفلح: الحديث ليس بصحيح.
واستدعى ما عندي في ذلك فقلت: الأمر كما قلتم من أنه غير صحيح، فقال السلطان تمر: فما الذي أصار الخلافة لبني العباس إلى هذا العهد في الإسلام؟
وشافهني بالقول، فقلت: أيدك الله! اختلف المسلمون من لدن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هل يجب على المسلمين ولاية رجل منهم يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم، أم لا يجب ذلك؟ فذهبت طائفة إلى أنه لا يجب، ومنهم الخوارج، وذهب الجماعة إلى وجوبه، واختلفوا في مستند ذلك الوجوب، فذهب الشيعة كلهم إلى حديث الوصية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك لعلي، واختلفوا في تنقلها عنه إلى عقبه إلى مذاهب كثيرة تشذ عن الحصر. وأجمع أهل السنة على إنكار هذه الوصية، وأن مستند الوجوب في ذلك إنما هو الاجتهاد، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه والعدل، بفوضون إليه النظر في أمورهم.
ولما تعددت فرق العلوية وانتقلت الوصية بزعمهم من بني الحنفية إلى بني العباس، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وبث دعاته بخراسان. وقام أبو مسلم بهذه الدعوة، فملك خراسان والعراق، ونزل شيعتهم الكوفة، واختاروا للأمر أبا العباس السفاح ابن صاحب هذه الدعوة، ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنة والشيعة، فكاتبوا كبار الأمة يومئذ، وأهل الحل والعقد، بالحجاز والعراق، يشاورونهم في أمره، فوقع اختيارهم كلهم على الرضى به، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع وإصفاق. ثم عهد بها إلى أخيه المنصور ، وعهد بها المنصور إلى بنيه، فلم تزل متناقلة فيهم، إما ٧/٧٣٦
بعهد أو باختيار أهل العصر، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد. فلما استولى عليها هولاكو وقتله، افترق قرابته، ولحق بعضهم بمصر، وهو أحمد الحاكم من عقب الراشد، فنصبه الظاهر بيبرس بمصر، بممالأة أهل الحل والعقد من الجند والفقهاء. وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر، لا يعلم خلاف ذلك. فقال لهذا الرافع: قد سمعت مقال القضاة، وأهل الفتيا، وظهر أنه ليس لك حق تطلبه عندي. فانصرف راشدا.
الرجوع عن هذا الأمير تمر الى مصر
كنت لما لقيته، وتدليت إليه من السور كما مر أشار علي بعض الصحاب ممن يخبر أحوالهم بما تقدمت له من المعرفة بهم، فأشار بأن أطرفه ببعض هدية، وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم، فانتقيت من سوق الكتب مصحفا رائعا حسنا في جزء محذو، وسجادة أنيقة، ونسخة من قصيدة البردة المشهورة للأبوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة. وجئت بذلك فدخلت عليه، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه، فلما رآني مقبلا مثل قائما وأشار إلي عن يمينه، فجلست وأكابر من الجقطية حفافية، فجلست قليلا، ثم استدرت بين يديه، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها، وهي بيد خدامي، فوضعتها، واستقبلني، ففتحت المصحف فلما رآه وعرفه، قام مبادرا فوضعه على رأسه. ثم ناولته البردة، فسألني عنها وعن ناظمها فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها. ثم ناولته السجادة، فتناولها وقبلها. ثم وضعت علب الحلوى بين يديه، وتناولت منها حرفا على العادة في التأنيس بذلك. ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين الحاضرين في مجلسه، وتقبل ذلك كله، وأشعر بالرضى به. ثم حومت على الكلام بما عندي في شأن نفسي، وشأن أصحاب لي هنالك. فقلت أيدك الله! لي كلام أذكره بين يديك، فقال: قل. فقلت أنا غريب بهذه البلاد غربتين، واحدة من ٧/٧٣٧
المغرب الذي هو وطني ومنشأي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها، وقد حصلت في ظلك، وأنا أرجو رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي، فقال: قل الذي تريد أفعله لك، فقلت: حال الغربة أنستني ما أريد، وعساك- أيدك الله- أن تعرف لي ما أريد. فقال: انتقل من المدينة إلى الأردو عندي، وأنا إن شاء الله أو في كنه قصدك. فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك، فأشار إليه بإمضاء ذلك، فشكرت ودعوت وقلت: وبقيت لي أخرى. فقال: وما هي؟ فقلت هؤلاء المخلفون عن سلطان مصر. من القراء، والموقعين، والدواوين ، والعمال، صاروا إلى إيالتك والملك لا يغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير، وعمالاتكم متسعة، وحاجة ملككم إلى المتصرفين في صنوف الخدم أشد من حاجة غيركم، فقال وما تريد لهم؟ قلت:
مكتوب أمان يستنيمون إليه، ويعولون في أحوالهم عليه. فقال لكاتبه: اكتب لهم بذلك ، فشكرت ودعوت. وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الأمان، وختمه شاه ملك بخاتم السلطان، وانصرفت إلى منزلي. ولما قرب سفره واعتزم على الرحيل عن الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إلي وقال: عندك بغلة هنا؟ قلت نعم، قال حسنة؟ قلت نعم، قال وتبيعها؟ فأنا أشتريها منك، فقلت أيدك الله! مثلي لا يبيع من مثلك، إنما أنا أخدمك بها، وبأمثالها لو كانت لي، فقال: أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به، اصطنعتني، وأحللتني من مجلسك محل خواصك، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله أيقابلك بمثله، وسكت وسكت وحملت البغلة- وأنا معه في المجلس- إليه، ولم أرها بعد.
ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي: أتسافر إلى مصر؟ فقلت أيدك الله، رغبتي إنما هي أنت، وأنت قد آويت وكفلت، فإن كان السفر إلى مصر في خدمتك فنعم، وإلا فلا بغية لي فيه، فقال لا، بل تسافر إلى عيالك وأهلك، فالتفت إلى ابنه، وكان مسافرا إلى شقحب لمرباع دوابه، واشتغل يحادثه، فقال لي الفقيه عبد الجبار الذي كان يترجم بيننا: إن السلطان يوصي ابنه بك، فدعوت له، ثم رأيت أن ٧/٧٣٨
السفر مع ابنه غير مستبين الوجهة، والسفر إلى صفد أقرب السواحل إلينا أملك لأمري، فقلت له ذلك، فأجاب إليه، وأوصي بي قاصدا كان عنده من حاجب صفد ابن الداويداري ، فودعته وانصرفت، واختلفت الطريق مع ذلك القاصد، فذهب عني، وذهبت عنه، وسافرت في جمع أصحابي، فاعترضتنا جماعة من العشير قطعوا علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا إلى قرية هنالك عرايا.
واتصلنا بعد يومين أو ثلاث بالصبيبة فخلفنا بعض الملبوس، وأجزنا إلى صفد، فأقمنا بها أياما. ثم مر بنا مركب من مراكب ابن عثمان سلطان بلاد الروم، وصل فيه رسول كان سفر إليه عن سلطان مصر، ورجع بجوار رسالته، فركبت معهم البحر إلى غزة، ونزلت بها، وسافرت منها إلى مصر، فوصلتها في شعبان من هذه السنة، وهي سنة ثلاث وثمانمائة، وكان السلطان صاحب مصر، قد بعث من بابه سفيرا إلى الأمير تمر إجابة إلى الصلح الذي طلب منه، فأعقبني إليه. فلما قضى رسالته رجع، وكان وصوله بعد وصولي، فبعث إلي مع بعض أصحابه يقول لي: إن الأمير تمر قد بعث معي إليك ثمن البغلة التي ابتاع منك، وهي هذه فخذها، فإنه عزم علينا من خلاص ذمته من مالك هذا. فقلت لا أقبله إلا بعد إذن من السلطان الذي بعثك إليه، وأما دون ذلك فلا. ومضيت إلى صاحب الدولة فأخبرته الخبر فقال وما عليك؟ فقلت: إن ذلك لا يجمل بي أن أفعله دون إطلاعكم عليه، فأغضى عن ذلك، وبعثوا إلي بذلك المبلغ بعد مدة، واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أعطيه كذلك، وحمدت الله على الخلاص.
وكتبت حينئذ كتابا إلى صاحب المغرب، عرفته بما دار بيني وبين السلطان الططر تمر، وكيف كانت واقعته معنا بالشام، وضمنت ذلك في فصل من الكتاب نصه:
«وإن تفضلتم بالسؤال عن حال المملوك، فهي بخير والحمد لله، وكنت في العام الفارط توجهت صحبة الركاب السلطاني إلى الشام عند ما زحف الططر إليه من بلاد الروم والعراق، مع ملكهم تمر، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك، ٧/٧٣٩
وخربها جميعا، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه. ونهض السلطان في عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق، وأقام في مقابلته نحوا من شهر، ثم قفل راجعا إلى مصر، وتخلف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت في المخلفين. وسمعت أن سلطانهم تمر سأل عني، فلم يسع إلا لقاؤه فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، وقابلني بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسا وثلاثين يوما، أباكره وأراوجه. ثم صرفني، وودعني على أحسن حال، ورجعت إلى مصر. وكان طلب مني بغلة كنت أركبها فأعطيته إياها، وسألني البيع فتأففت منه، لما كان يعامل به من الجميل، فبعد انصرافي إلى مصر بعث إلي بثمنها مع رسول كان من جهة السلطان هنالك، وحمدت الله تعالى على الخلاص من ورطات الدنيا.
وهؤلاء الططر هم الذين خرجوا من المفازة وراء النهر، بينه وبين الصين، أعوام عشرين وستمائة مع ملكهم الشهير جنكزخان وملك المشرق كله من أيدي السلجوقية ومواليهم إلى عراق العرب، وقسم الملك بين ثلاثة من بنيه وهم جفطاي، وطولي، ودوشي خان:
فجفطاي كبيرهم، وكان في قسمته تركستان وكاشغر، والصاغون، والشاش وفرغانة، وسائر ما وراء النهر من البلاد.
وطولي كان في قسمته أعمال خراسان، وعراق العرب وبلاد فارس وسجستان والسند. وكان أبناؤه: قبلاي، وهولاكو.
ودوشي خان كان في قسمته بلاد قبجق، ومنها صراي، وبلاد الترك إلى خوارزم.
وكان لهم أخ رابع يسمى أوكداي كبيرهم، ويسمونه الخان، ومعناه صاحب التخت، وهو بمثابة الخليفة في ملك الإسلام. وانقرض عقبه، وانتقلت الخانية إلى قبلاي، ثم إلى بني دوشي خان، أصحاب صراي. واستمر ملك الططر في هذه الدول الثلاث، وملك هولاكو بغداد، وعراق العرب، إلى ديار بكر ونهر الفرات.
ثم زحف إلى الشام وملكها، ورجع عنها، وزحف إليها بنوه مرارا، وملوك مصر من الترك يدافعونهم عنها، إلى أن انقرض ملك بني هولاكو أعوام أربعين وسبعمائة، ٧/٧٤٠
وملك بعدهم الشيخ حسن النوين وبنوه. وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم، وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر. ثم في أعوام السبعين أو الثمانين وسبعمائة، ظهر في بني جفطاي وراء النهر أمير اسمه تيمور، وشهرته عند الناس تمر، وهو كافل لصبي متصل النسب معه إلى جفطاي في آباء كلهم ملوك، وهذا تمر بن طرغاي هو ابن عمهم، كفل صاحب التخت منهم اسمه محمود، وتزوج أم صرغتمش، ومد يده إلى ممالك التتر كلها، فاستولى عليها إلى ديار بكر، ثم جال في بلاد الروم والهند، وعاثت عساكره في نواحيها، وخرب حصونها ومدنها، في أخبار يطول شرحها. ثم زحف بعد ذلك إلى الشام، ففعل به ما فعل، والله غالب على أمره. ثم رجع آخرا إلى بلاده، والأخبار تتصل بأنه قصد سمرقند، وهي كرسيه.
والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدرت ألف ألف فغير كثير، ولا تقول أنقص، وإن خيموا في الأرض ملئوا الساح، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء، وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران، وابتلائهم بأنواع العذاب، على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادي الأعراب.
وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم، والناس ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض، لما يرون من تفضيله لأهل البيت، وآخرون إلى انتحال السحر، وليس من ذلك كله في شيء، إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث واللجاج بما يعلم وبما لا يعلم، عمره بين الستين والسبعين، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني، فيجرها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة، وهو مصنوع له، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده.
ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر
كنت- لما أقمت عند السلطان نمر تلك الأيام التي أقمت- طال مغيبي عن ٧/٧٤١
مصر، وشيعت الأخبار عني بالهلاك، فقدم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء المالكية، وهو جمال الدين الأقفهسي ، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النفس عن التصدي لحاجات الناس، ورع في دينه، فقلدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة.
فلما رجعت إلى مصر، عدلوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري، فولوني في أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحق، والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب، ووقع الإنكار علي ممن لا يدين للحق، ولا يعطي النصفة من نفسه، فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من المالكية يعرف بجمال الدين البساطي ، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ماله، ووجوها من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم، فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، وانتقد رأيه، ورجع إلي الوظيفة خاتم سنة أربع وثمانمائة، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا البساطي الى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأول سنة ست وثمانمائة ، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع وثمانمائة ، ثم أدالوا به مني أواخر ذي القعدة من السنة وبيد الله تصاريف الأمور.٧/٧٤٢