الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق
فالمقدمة في الفكر الإنساني، الذي تميز به البشر عن الحيوانات واهتدى به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والنظر في معبوده، وما جاءت به الرسل من عنده، فصار جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته وفضله به على كثير خلقه.
الفصل الأول في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري
وذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك. وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيء لذلك التعاون ٥٤٢
وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه. فهو منكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر. وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من الصنائع. ثم لأجل هذا الفكر وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه. ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا. وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا. فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر. والله أعلم.
الفصل الثاني في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع
وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله.
وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يعرف علما وبين العالم النحرير. والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي. والملكات ٥٤٣
كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب.
والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم. ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل.
ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم، وإذ لو كان من العلم لكان واحدا عند جميعهم. ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا العربية وكذا كل علم يتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدل على أنها صناعات في التعليم. والعلم واحد في نفسه. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه. وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر. وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة. ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة. فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها.
ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل. وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم.
وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن. وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي. كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما ٥٤٤
أهل تونس. واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمد بن عبد السلام. شارح بن الحاجب وتلميذه وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الإمام وتلميذه. فإنه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة في مجالس بأعيانها وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الإمام بتلمسان لهذا العهد إلا أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم. ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقن تعليمهم. وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة وحذق في العقليات والنقليات. ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد. ونزل ببجاية واتصل سند تعليمه في طلبتها. وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها. وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقل من القليل. وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة. فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم. ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده. وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به، وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك. ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدة بالمدارس على المتعارف ٥٤٥
هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك. وأما أهل الأندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين. ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية والأدب. اقتصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه. وأما الفقه بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين. وأما العقليات فلا أثر ولا عين. وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها.
والله غالب على أمره. وأما المشرق فلم ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتصال العمران الموفور واتصال السند فيه. وإن كانت الأمصار العظيمة التي كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلا أن الله تعالى قد أدال منها بأمصار أعظم من تلك. وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان، وما وراء النهر من المشرق، ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب، فلم تزل موفورة وعمرانها متصلا وسند التعليم بها قائما. فأهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم بل وفي سائر الصنائع. حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب وأنهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى. وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب. ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية ويتشيعون لذلك ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع وليس كذلك. وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة اللهم إلا الأقاليم المنحرفة مثل الأول والسابع فإن الأمزجة فيها منحرفة والنفوس على نسبتها كما مر وإنما الذي فضل به أهل ٥٤٦
المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما تقدم في الصنائع، ونزيده الآن شرحا وتحقيقا. وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم. فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى.
وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم. ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيأ بها العقل بسرعة الإدراك للمعارف. ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها فضلا عن تعليمها وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس. إذ قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات. وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك. ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله وليس كذلك. وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي. فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس كذلك. فإنا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق ٥٤٧
الصنائع والتعليم فإن لهما آثارا ترجع إلى النفس كما قدمناه. وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة لما قدمناه في الفصل قبل هذا ظن المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في حقيقة الإنسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه والله يزيد في الخلق ما يشاء وهو إله السماوات والأرض.
الفصل الثالث في ان العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة
والسبب في ذلك أن تعليم العلم كما قدمناه من جملة الصنائع. وقد كنا قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار. وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش. فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع. ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو. كما قدمناه ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها. واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين. ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتعليم، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام. ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها ٥٤٨
تعليم العلم. وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا. وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته. فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال. فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها. والله يخلق ما يشاء.
الفصل الرابع في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد
اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلا وتعليما هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطإ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي. ولا مجال فيها للعقل ٥٤٩
إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي. إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه. وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئوها للإفادة. ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بد من النظر بالكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو علم التفسير ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القراء في قراءته وهذا هو علم القراءات ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك، وهذه هي علوم الحديث. ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه. وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو الفقه. ثم إن التكاليف منها بدني، ومنها قلبي، وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد مما لا يعتقد.
وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر. والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام. ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها وهي أصناف. فمنها علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الآداب حسبما نتكلم عليها. وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها وإن كانت كل ملة على الجملة لا بد ٥٥٠
فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنها العلوم الشرعية المنزلة من عند الله تعالى على صاحب الشرعية المبلغ لها. وأما على الخصوص فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها. وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور. فقد نهى الشرع عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل علينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد» ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال: «ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أتباعي. ثم إن هذه العلوم الشرعية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا شيء فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق. وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد منها التعليم. واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها حسبما نذكره الآن عند تعديد هذه الفنون. وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم كما قدمناه في الفصل قبله. وما أدري ما فعل الله بالمشرق والظن به نفاق العلم فيه واتصال التعليم في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم. والله سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والإعانة.
الفصل الخامس في علوم القرآن من التفسير والقراءات
القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف. وهو متواتر بين الأمة إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرق مختلفة في ٥٥١
بعض ألفاظه وكيفيات الحروف في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة تواتر نقلها أيضا بأدائها واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة. وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع إلا أنها عند أئمة القراءة لا تقوى قوتها في النقل. وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها. وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها لأنها عندهم كيفيات للأداء وهو غير منضبط. وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر القرآن. وأباه الأكثر وقالوا بتواترها وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع وهو الصحيح. ولم يزل القراء يتداولون هذه القراءات وروايتها إلى أن كتبت العلوم ودونت فكتبت فيما كتب من العلوم وصارت صناعة مخصوصة وعلما منفردا وتناقله الناس بالمشرق والأندلس في جيل بعد جيل. إلى أن ملك بشرق الأندلس مجاهد من موالي العامريين وكان معتنيا بهذا الفن من بين فنون القرآن لما أخذه به مولاه المنصور بن أبي العامر واجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمة القراء بحضرته فكان سهمه في ذلك وافرا. واختص مجاهد بعد ذلك بإمارة دانية والجزائر الشرقية فنفقت بها سوق القراءة لما كان هو من أئمتها وبما كان له من العناية بسائر العلوم عموما وبالقراءات خصوصا. فظهر لعهده أبو عمرو الداني وبلغ الغاية فيها ووقفت عليه معرفتها. وانتهت إلى روايته أسانيدها وتعددت تآليفه فيها. وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها واعتمدوا من بينها كتاب التيسير له. ثم ظهر بعد ذلك فيما يليه من العصور والأجيال أبو القاسم بن فيره من أهل شاطبة فعمد إلى تهذيب ما دونه أبو عمرو وتلخيصه فنظم ذلك كله في قصيدة لغز فيها أسماء القراء بحروف (أب ج د) ترتيبا أحكمه ليتيسر ٥٥٢
عليه ما قصده من الاختصار وليكون أسهل للحفظ لأجل نظمها. فاستوعب فيها الفن استيعابا حسنا وعني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والأندلس. وربما أضيف إلى فن القراءات فن الرسم أيضا وهي أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية لأن فيه حروفا كثيرة وقع رسمها على غير المعروف من قياس الخط كزيادة الياء في بأييد وزيادة الألف في لا أذبحنه ولا أوضعوا والواو في جزاء الظالمين وحذف الألفات في مواضع دون أخرى وما رسم فيه من التاءات ممدودا، والأصل فيه مربوط على شكل الهاء وغير ذلك وقد مر تعليل هذا الرسم المصحفي عند الكلام في الخط.
فلما جاءت هذه المخالفة لأوضاع الخط وقانونه احتيج إلى حصرها، فكتب الناس فيها أيضا عند كتبهم في العلوم. وانتهت بالمغرب إلى أبي عمر الداني المذكور فكتب فيها كتبا من أشهرها: كتاب المقنع وأخذ به الناس وعولوا عليه. ونظمه أبو القاسم الشاطبي في قصيدته المشهورة على روي الراء وولع الناس بحفظها. ثم كثر الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى، ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد في كتبه وهو من تلاميذ أبي عمرو الداني والمشتهر بحمل علومه ورواية كتبه ثم نقل بعده خلاف آخر فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا، وعزاه لناقليه، واشتهرت بالمغرب، واقتصر الناس على حفظها. وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشاطبي في الرسم.
وأما التفسير. فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه. وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو ٥٥٣
في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين لذلك كما قال تعالى: «لتبين للناس ما نزل إليهم 16: 44» فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ ويعرفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه. كما علم من قوله تعالى: «إذا جاء نصر الله والفتح 110: 1» إنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم. ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب فكتب الكثير من ذلك ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي وأمثال ذلك من المفسرين فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار. ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب فتنوسي ذلك وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان. فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم. وصار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي.
وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين. وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم ٥٥٤
من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات.
وأصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ. فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب فلخص تلك التفاسير كلها وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى. وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق.
والصنف الآخر من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب. وهذا الصنف من التفسير قل أن ينفرد عن الأول إذ الأول هو المقصود بالذات. وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة . نعم قد يكون في بعض التفاسير غالبا ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على ٥٥٥
مذاهبهم الفاسدة حيث تعرض له في آي القرآن من طرق البلاغة. فصار ذلك للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة وإذا كان الناظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السنية محسنا للحجاج عنها فلا جرم إنه مأمون من غوائله فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللسان. ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيين وهو شرف الدين الطيبي من أهل توريز من عراق العجم شرح فيه كتاب الزمخشري هذا وتتبع ألفاظه وتعرض لمذاهبه في الاعتزال بأدلة تزيفها ويبين أن البلاغة إنما تقع في الآية على ما يراه أهل السنة لا على ما يراه المعتزلة فأحسن في ذلك ما شاء مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة وفوق كل ذي علم عليم 12: 76.
الفصل السادس في علوم الحديث
وأما علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوعة لأن منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه وذلك بما ثبت في شريعتنا من جواز النسخ ووقوعه لطفا من الله بعباده وتخفيفا عنهم باعتبار مصالحهم التي تكفل الله لهم بها. قال تعالى: «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها 2: 106» (ومعرفة الناسخ والمنسوخ وإن كان عاقا للقرآن والحديث إلا أن الذي في القرآن منه اندرج في تفاسيره وبقي ما كان خاصا بالحديث راجعا إلى علومه. فإذا تعارض الخبران بالنفي والإثبات وتعذر الجمع بينهما ببعض التأويل وعلم تقدم أحدهما تعين أن المتأخر ناسخ) .
ومعرفة الناسخ والمنسوخ من أهم علوم الحديث وأصعبها. قال الزهري: «أعيا ٥٥٦
الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه» .
وكان للشافعي رضي الله عنه فيه قدم راسخة. (ومن علوم الأحاديث النظر في الأسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الأحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط لأن العمل إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجتهد في الطريق التي تحصل ذلك الظن وهو بمعرفة رواة الحديث بالعدالة والضبط. وإنما يثبت ذلك بالنقل عن أعلام الدين لتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة ويكون لنا ذلك دليلا على القبول أو الترك. وكذلك مراتب هؤلاء النقلة من الصحابة والتابعين وتفاوتهم في ذلك وتميزهم فيه واحدا واحدا.
وكذلك الأسانيد تتفاوت باتصالها وانقطاعها بأن يكون الراوي لم يلق الراوي الذي نقل عنه وبسلامتها من العلل الموهنة لها وتنتهي بالتفاوت إلى طرفين فحكم بقبول الأعلى ورد الأسفل. ويختلف في المتوسط بحسب المنقول عن أئمة الشأن. ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا على وضعها لهذه المراتب المرتبة. مثل الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب، وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم. وبوبوا على كل واحد منها ونقلوا ما فيه من الخلاف لأئمة اللسان أو الوفاق. ثم النظر في كيفية أخذ الرواية بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها وما للعلماء في ذلك من الخلاف بالقبول والرد. ثم اتبعوا ذلك بكلام في ألفاظ تقع في متون الحديث من غريب أو مشكل أو تصحيف أو مفترق منها أو مختلف وما يناسب ذلك. هذا معظم ما ينظر فيه أهل الحديث وغالبة وكانت أحوال نقلة الحديث في عصور السلف من الصحابة والتابعين معروفة عند أهل بلده فمنهم بالحجاز ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق ومنهم بالشام ومصر والجميع معروفون مشهورون في ٥٥٧
أعصارهم وكانت طريقة أهل الحجاز في أعصارهم في الأسانيد أعلى ممن سواهم وأمتن في الصحة لاستبدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط وتجافيهم عن قبول المجهول الحال في ذلك) وسند الطريقة الحجازية بعد السلف الإمام مالك عالم المدينة رضي الله تعالى عنه ثم أصحابه مثل الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه، وابن وهب وابن بكير والقضبي ومحمد بن الحسن ومن بعدهم الإمام أحمد بن حنبل وفي آخرين من أمثالهم. وكان علم الشريعة في مبدإ هذا الأمر نقلا صرفا شمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى أكملوها. وكتب مالك رحمه الله كتاب الموطإ أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه ورتبه على أبواب الفقه. ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث ٥٥٨
وأسانيدها المختلفة. وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين وقد يقع الحديث أيضا في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها. وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسندة الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين. واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه حتى يقال: إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين، منها ثلاثة آلاف متكررة وفرق الطرق والأسانيد عليها مختلفة في كل باب. ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى فألف مسندة الصحيح. حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والأسانيد وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه. ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله. وقد استدرك الناس عليهما في ذلك. ثم كتب أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي في السنن بأوسع من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل إما من الرتبة العالية في الأسانيد وهو الصحيح كما هو معرف وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماما للسنة والعمل. وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب الحديث في السنة فإنها وإن تعددت ترجع إلى هذه في الأغلب. ومعرفة هذه الشروط والاصطلاحات كلها هي علم الحديث وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا برأسه وكذا الغريب. وللناس فيه تآليف مشهورة ثم المؤتلف والمختلف. وقد ألف الناس في علوم الحديث وأكثروا. ومن فحول علمائه وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه. وأشهر كتاب للمتأخرين فيه كتاب أبي عمرو بن الصلاح كان لعهد أوائل المائة السابعة وتلاه ٥٥٩
محيي الدين النووي بمثل ذلك. والفن شريف في مغزاه لأنه معرفة ما يحفظ به السنن المنقولة عن صاحب الشريعة. وقد انقطع لهذا العهد تخريج شيء من الأحاديث واستدراكها على المتقدمين إذ العادة تشهد بأن هؤلاء الأئمة على تعددهم وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يكونوا ليغفلوا شيئا من السنة أو يتركوه حتى يعثر عليه المتأخر، هذا بعيد عنهم وإنما تنصرف العناية لهذا العهد إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها والنظر في أسانيدها إلى مؤلفها وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط والأحكام لتتصل الأسانيد محكمة إلى منتهاها. ولم يزيدوا في ذلك على العناية بأكثر من هذه الأمهات الخمس إلا في القليل. فأما البخاري وهو أعلاها رتبة فاستصعب الناس شرحه واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق ومعرفة أحوالهم واختلاف الناس فيهم.
ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه لأنه يترجم الترجمة ويورد فيها الحديث بسند أو طريق ثم يترجم أخرى ويورد فيها ذلك الحديث بعينه لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب. وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرر الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها ومن شرحه ولم يستوف هذا فيه فلم يوف حق الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم. ولقد سمعت كثيرا من شيوخنا رحمهم الله يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة يعنون أن أحدا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار. وأما صحيح مسلم فكثرت عناية علماء المغرب به وأكبوا عليه وأجمعوا على تفصيله على كتاب البخاري من غير الصحيح مما لم يكن على شرطه وأكثر ما وقع له في التراجم. وأملى الإمام المارزي من فقهاء المالكية عليه شرحا وسماه (المعلم بفوائد مسلم) اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه ثم أكمله القاضي عياض من بعده وتممه وسماه إكمال المعلم وتلاهما محيي ٥٦٠
الدين النووي بشرح استوفى ما في الكتابين وزاد عليهما فجاء شرحا وافيا. وأما كتب السنن الأخرى وفيها معظم مآخذ الفقهاء فأكثر شرحها في كتب الفقه إلا ما يختص بعلم الحديث فكتب الناس عليها واستوفوا من ذلك ما يحتاج إليه من علم الحديث وموضوعاتها والأسانيد التي اشتملت على الأحاديث المعمول بها من السنة. واعلم أن الأحاديث قد تميزت مراتبها لهذا العهد بين صحيح وحسن وضعيف ومعلول وغيرها تنزلها أئمة الحديث وجهابذته وعرفوها. ولم يبق طريق في تصحيح ما يصح من قبل. ولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنه قلب عن وضعه ولقد وقع مثل ذلك للإمام محمد بن إسماعيل البخاري حين ورد على بغداد وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قبلوا أسانيدها فقال: «لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان» . ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح ورد كل متن إلى سنده وأقروا له بالإمامة. واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب الموطإ وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها. وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسندة خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك. وقد تقول بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلت روايته. ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة. ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته والجد والتشمير في ذلك ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها. وإنما قلل منهم من قلل ٥٦١
الرواية لأجل المطاعن التي تعترضه فيها والعلل التي تعرض في طرقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف في الطرق.
هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر.
والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي. وقلت من أجلها رواية فقل حديثه. لأنه ترك رواية الحديث متعمدا فحاشاه من ذلك. ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم والتعويل عليه واعتباره ردا وقبولا. وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور فتوسعوا في الشروط وكثر حديثهم والكل عن اجتهاد وقد توسع أصحابه من بعده في الشروط وكثرت روايتهم.
وروى الطحطاوي فأكثر وكتب مسندة وهو جليل القدر إلا أنه لا يعدل الصحيحين لأن الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما مجمع عليها بين الأمة كما قالوه. وشروط الطحطاوي غير متفق عليها كالرواية عن المستور الحال وغيره فلهذا قدم الصحيحان بل وكتب السنن المعروفة عليه لتأخر شروطه عن شروطهم. ومن أجل هذا قيل في الصحيحين بالإجماع على قبولهما من جهة الإجماع على صحة ما فيهما من الشروط المتفق عليها. فلا تأخذك ريبة في ذلك فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم والتماس المخارج الصحيحة لهم. والله سبحانه وتعالى أعلم بما في حقائق الأمور. ٥٦٢
الفصل السابع في علم الفقه وما يتبعه من الفرائض
الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحذر والندب والكراهة والإباحة وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها فقه. وكان السلف يستخرجونها من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم. ولا بد من وقوعه ضرورة.
فإن الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها وخصوصا الأحكام الشرعية اختلاف بينهم معروف. وأيضا فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضا. فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها وأيضا فالوقائع المتجددة لا توفى بها النصوص. وما كان منها غير ظاهر في المنصوص فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع. ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم. ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم. وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم. وكانوا يسمون لذلك القراء أي الذين يقرءون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة. ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط ٥٦٣
وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء. وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز. وكان الحديث قليلا في أهل العراق لما قدمناه فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرأي. ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده. ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية. وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها. وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابهما. وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة. وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح. فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم. فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك. ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة. ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة وربما يعكف كثير من الطالبين ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يخلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربما عد بهذه النحلة من أهل ٥٦٤
البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين. وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم. وخالف إمامهم داود وتعرض للكثير من الأئمة المسلمين فنقم الناس ذلك عليه وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا، وتلقوا كتبه بالإغفال والترك حتى إنها ليحصر بيعها بالأسواق وربما تمزق في بعض الأحيان. ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي من العراق وأهل الحديث من الحجاز.
فأما أهل العراق فإمامهم الذي استقرت عنده مذاهبهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومقامه في الفقه لا يلحق شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشافعي. وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك ابن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى واختص بزيادة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة لأنه رأى أنهم فيما ينفسون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا إلى الجبل المباشرين لفعل النبي صلى الله عليه وسلم الآخذين ذلك عنه. وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية. وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم بل هو شامل للأمة. واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد. ومالك رحمه الله تعالى لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله وسلامه عليه.
وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة ذكرت في باب الإجماع والأبواب بها من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع. إلا أن اتفاق أهل ٥٦٥
الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم. ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق بها ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رحمهما الله تعالى. رحل إلى العراق من بعد مالك ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب، وخالف مالكا رحمه الله تعالى في كثير من مذهبه. وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل رحمه الله. وكان من علية المحدثين وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر. ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم. وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم. ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز والإعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين. وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا. ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة. فأما أحمد بن حنبل فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار بعضها ببعض. وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث وميلا بالاستنباط إليه عن القياس ما أمكن. وكان لهم ببغداد صولة وكثرة حتى كانوا يتواقعون مع الشيعة في نواحيها. وعظمت الفتنة من أجل ذلك ثم انقطع ذلك عند استيلاء التتر عليها. ولم يراجع وصارت كثرتهم بالشام. وأما أبو حنيفة فقلده ٥٦٦
اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم كلها. ولما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العباس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس. وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي بن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.
وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار.
وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم. ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره. وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة منهم. وكان من تلميذه بها: البويطي والمزني وغيرهم، وكان بها من المالكية جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم ثم الحارس بن مسكين وبنوه ثم القاضي أبو إسحاق بن شعبان وأولاده. ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم وارتحل إليها القاضي عبد الوهاب من بغداد، آخر المائة الرابعة على ما أعلم، من الحاجة والتقليب في المعاش. فتأذن خلفاء العبيديين بإكرامه، وإظهار فضله نعيا على بني العباس في اطراح مثل هذا الإمام، والاغتباط به.
فنفقت سوق المالكية بمصر قليلا، إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب فذهب منها فقه أهل البيت وعاد فقه الجماعة إلى الظهور بينهم ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام أيضا. ثم ابن ٥٦٧
الرقعة بمصر وتقي الدين بن دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر . وأما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس. وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم. والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق ولم يكن العراق في طريقهم فاقتصروا عن الأخذ عن علماء المدينة. وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلميذه من بعده. فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته. وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب. ولما صار مذهب كل إمام علما مخصوصا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذاهب إمامهم. وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا. وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد. وأهل المغرب جميعا مقلدون لمالك رحمه الله. وقد كان تلاميذه افترقوا بمصر والعراق، فكان بالعراق منهم القاضي إسماعيل وطبقته مثل ابن خويز منداد وابن اللبان والقاضي وأبي بكر الأبهري والقاضي أبي حسين بن القصار والقاضي عبد الوهاب ومن بعدهم. وكان بمصر ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم ٥٦٨
والحارث بن مسكين وطبقتهم ورحل من الأندلس يحيى بن يحيى الليثي، ولقي مالكا. وروى عنه كتاب الموطأ، وكان من جملة أصحابه. ورحل بعده عبد الملك بن حبيب فأخذ عن ابن القاسم وطبقته وبث مذهب مالك في الأندلس ودون فيه كتاب الواضحة. ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتبية.
ورحل من إفريقية أسد بن الفرات فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا، ثم انتقل إلى مذهب مالك. وكتب على ابن القاسم في سائر أبواب الفقه وجاء إلى القيروان بكتابه وسمي الأسدية نسبة إلى أسد بن الفرات، فقرأ بها سحنون على أسد ثم ارتحل إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه وعارضه بمسائل الأسدية فرجع عن كثير منها. وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه منها وكتب لأسد وأن يأخذ بكتاب سحنون فأنف من ذلك فترك الناس كتابه واتبعوا مدونة سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الأبواب فكانت تسمى المدونة والمختلطة. وعكف أهل القيروان على هذه المدونة وأهل الأندلس على الواضحة والعتبية. ثم اختصر ابن أبي زيد المدونة والمختلطة في كتابه المسمى بالمختصر ولخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب وأعتمده المشيخة من أهل إفريقية وأخذوا به وتركوا ما سواه. وكذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتبية وهجروا الواضحة وما سواها. ولم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح والإيضاح والجمع فكتب أهل إفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز التونسي وابن بشير وأمثالهم. وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وأمثاله. وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب النوادر فاشتمل على جميع أقوال المذاهب وفرع الأمهات كلها في ٥٦٩
هذا الكتاب ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة وزخرت بحار المذهب المالكي في الأفقين إلى انقراض دولة قرطبة والقيروان. ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك (إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب وتعديد أقوالهم في كل مسألة فجاء كالبرنامج للمذهب. وكانت الطريقة المالكية بقيت في مصر من لدن الحارث بن مسكين وابن المبشر وابن اللهيث وابن الرشيق وابن شاس. وكانت بالإسكندرية في بني عوف وبني سند وابن عطاء الله. ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب لكنه جاء بعد انقراض دولة العبيديين وذهاب فقه أهل البيت وظهور فقهاء السنة من الشافعية والمالكية ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة) عكف عليه الكثير من طلبة المغرب وخصوصا أهل بجاية لما كان ٥٧٠
كبير مشيختهم أبو علي ناصر الدين الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب. فإنه كان قرأ على أصحابه بمصر ونسخ مختصره ذلك فجاء به وانتشر بقطر بجاية في تلميذه، ومنهم انتقل إلى سائر الأمصار المغربية وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد يتداولون قراءته ويتدارسونه لما يؤثر عن الشيخ ناصر الدين من الترغيب فيه.
وقد شرحه جماعة من شيوخهم: كابن عبد السلام وابن رشد وابن هارون وكلهم من مشيخة أهل تونس وسابق حلبتهم في الإجادة في ذلك ابن عبد السلام وهم مع ذلك يتعاهدون كتاب التهذيب في دروسهم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 2: 213.
الفصل الثامن في علم الفرائض
وهو معرفة فروض الوراثة وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها الأصول أو مناسختها. وذلك إذا هلك أحد الورثة وانكسرت سهامه على فروض ورثته فإنه حينئذ يحتاج إلى حسب تصحيح الفريضة الأولى حتى يصل أهل الفروض جميعا في الفريضتين إلى فروضهم من غير تجزئة. وقد تكون هذه المناسخات أكثر من واحد واثنين وتتعدد لذلك بعدد أكثر. وبقدر ما تحتاج إلى الحسبان وكذلك إذا كانت فريضة ذات وجهين مثل أن يقر بعض الورثة بوارث وينكره الآخر فتصحح على الوجهين حينئذ. وينظر مبلغ السهام ثم تقسم التركة على نسب سهام الورثة من أصل الفريضة. وكل ذلك يحتاج إلى الحسبان وكان ٥٧١
غالبا فيه وجعلوه فنا مفردا. وللناس فيه تآليف كثيرة أشهر ما عند المالكية من متأخري الأندلس كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفي ثم الجعدي ومن متأخري إفريقية ابن النمر الطرابلسي وأمثالهم. وأما الشافعية والحنفية والحنابلة فلهم فيه تآليف كثيرة وأعمال عظيمة صعبة شاهدة لهم باتساع الباع في الفقه والحساب وخصوصا أبا المعالي رضي الله تعالى عنه وأمثاله من أهل المذاهب وهو فن شريف لجمعه بين المعقول والمنقول والوصول به إلى الحقوق في الوراثات بوجوه صحيحة يقينية عند ما تجهل الحظوظ وتشكل على القاسمين. وللعلماء من أهل الأمصار بها عناية. ومن المصنفين من يحتاج فيها إلى الغلو في الحساب وفرض المسائل التي تحتاج إلى استخراج المجهولات من فنون الحساب كالجبر والمقابلة والتصرف في الجذور وأمثال ذلك فيملئون بها تآليفهم. وهو وإن لم يكن متداولا بين الناس ولا يفيد فيما يتداولونه من وراثتهم لغرابته وقلة وقوعه فهو يفيد المران وتحصيل الملكة في المتداول على أكمل الوجوه. وقد يحتج الأكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث المنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الفرائض ثلث العلم وأنها أول ما ينسى وفي رواية نصف العلم خرجه أبو نعيم الحافظ واحتج به أهل الفرائض بناء على أن المراد بالفرائض فروض الوراثة. والذي يظهر أن هذا المحل بعيد وأن المراد بالفرائض إنما هي الفرائض التكليفية في العبادات والعادات والمواريث وغيرها.
وبهذا المعنى يصح فيها النصفية والثلثية. وأما فروض الوراثة فهي أقل من ذلك كله بالنسبة إلى علم الشريعة كلها يعني هذا المراد أن حمل لفظ الفرائض على هذا الفن المخصوص أو تخصيصه بفروض الوراثة إنما هو اصطلاح ناشئ للفقهاء ٥٧٢
عند حدوث الفنون والاصطلاحات. ولم يكن صدر الإسلام يطلق على هذا إلا على عمومه مشتقا من الفرض الذي هو لغة التقدير أو القطع. وما كان المراد به في إطلاقه إلا جميع الفروض كما قلناه وهي حقيقته الشرعية فلا ينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل في عصرهم فهو أليق بمرادهم منه. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
الفصل التاسع في أصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات
اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام والتآليف . وأصول الأدلة الشرعية هي الكتاب الذي هو القرآن ثم السنة المبنية له. فعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأحكام تتلقى منه بما يوحى إليه من القرآن ويبينه بقوله وفعله بخطاب شفاهي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر وقياس. ومن بعده صلوات الله وسلامه عليه تعذر الخطاب الشفاهي وانحفظ القرآن بالتواتر. وأما السنة فأجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب العمل بما يصل إلينا منها قولا أو فعلا بالنقل الصحيح الذي يغلب على الظن صدقه. وتعينت دلالة الشرع في الكتاب والسنة بهذا الاعتبار ثم ينزل الإجماع منزلتهما لإجماع الصحابة على النكير على مخالفيهم. ولا يكون ذلك إلا عن مستند لأن مثلهم لا يتفقون من غير دليل ثابت مع شهادة الأدلة بعصمة الجماعة فصار الإجماع دليلا ثابتا في الشرعيات. ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة والسلف بالكتاب والسنة فإذا هم يقيسون الأشباه بالأشباه منهما، ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم، ٥٧٣
وتسليم بعضهم لبعض في ذلك. فإن كثيرا من الواقعات بعده صلوات الله وسلامه عليه لم تندرج في النصوص الثابتة فقاسوها بما ثبت وألحقوها بما نص عليه بشروط في ذلك الإلحاق، تصحح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين. حتى يغلب على الظن أن حكم الله تعالى فيهما واحد وصار ذلك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه، وهو القياس وهو رابع الأدلة. واتفق جمهور العلماء على أن هذه هي أصول الأدلة وإن خالف بعضهم في الإجماع والقياس إلا أنه شذوذ. وألحق بعضهم بهذه الأدلة الأربعة أدلة أخرى لا حاجة بنا إلى ذكرها، لضعف مداركها وشذوذ القول فيها. فكان من أول مباحث هذا الفن النظر في كون هذه أدلة. فأما الكتاب فدليله المعجزة القاطعة في متنه والتواتر في نقله، فلم يبق فيه مجال للاحتمال.
وأما السنة وما نقل إلينا منها فالإجماع على وجوب العمل بما يصح منها كما قلناه، معتضدا بما كان عليه العمل في حياته صلوات الله وسلامه عليه من إنفاذ الكتب والرسل إلى النواحي بالأحكام والشرائع آمرا وناهيا. وأما الإجماع فلاتفاقهم رضوان الله تعالى عليهم على إنكار مخالفتهم مع العصمة الثابتة للأمة.
وأما القياس فبإجماع الصحابة رضي الله عنهم عليه كما قدمناه. هذه أصول الأدلة. ثم إن المنقول من السنة محتاج إلى تصحيح الخبر بالنظر في طرق النقل وعدالة الناقلين لتتميز الحالة المحصلة للظن بصدقة الذي هو مناط وجوب العمل بالخير. وهذه أيضا من قواعد الفن. ويلحق بذلك عند التعارض بين الخبرين وطلب المتقدم منها معرفة الناسخ والمنسوخ وهي من فصوله أيضا وأبوابه. ثم بعد ذلك يتعين النظر في دلالة الألفاظ وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة. والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان. وحين ٥٧٤
كان الكلام ملكة لأهله لم تكن هذه علوما ولا قوانين ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها لأنها جبلة وملكة. فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح ومقاييس مستنبطة صحيحة وصارت علوما يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله تعالى. ثم إن هناك استفادات أخرى خاصة من تراكيب الكلام وهي استفادة الأحكام الشرعية بين المعاني من أدلتها الخاصة من تراكيب الكلام وهو الفقه. ولا يكفي فيه معرفة الدلالات الوضعية على الأطلاق بل لا بد من معرفة أمور أخرى تتوقف عليها تلك الدلالات الخاصة وبها تستفاد الأحكام بحسب ما أصل أهل الشرع وجهابذة العلم من ذلك وجعلوه قوانين لهذه الاستفادة. مثل أن اللغة لا تثبت قياسا والمشترك لا يراد به معناه معا والواو لا تقتضي الترتيب والعام إذا أخرجت أفراد الخاص منه هل يبقى حجة فيما عداها؟ والأمر للوجوب أو الندب وللفور أو التراخي والنهي يقتضي الفساد أو الصحة والمطلق هل يحمل على المقيد؟ والنص على العلة كاف في التعدد أم لا ؟ وأمثال هذه. فكانت كلها من قواعد هذا الفن. ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية. ثم إن النظر في القياس من أعظم قواعد هذا الفن لأن فيه تحقيق الأصل والفرع فيما يقاس ويماثل من الأحكام وينفتح الوصف الذي يغلب على الظن أن الحكم علق به في الأصل من تبين أوصاف ذلك المحل أو وجود ذلك الوصف في الفرع من غير معارض يمنع من ترتيب الحكم عليه في مسائل أخرى من توابع ذلك كلها قواعد لهذا الفن. (واعلم) أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية. وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم أخذ معظمها. وأما الأسانيد فلم يكونوا ٥٧٥
يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه. وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه. أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس. ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها. وكتب المتكلمون أيضا كذلك إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية. والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل عن الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن. وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده وعني الناس بطريقة المتكلمين فيه. وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للغزالي وهما من الأشعرية وكتاب العهد لعبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة. وكانت الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه. ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين وهما الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول وسيف الدين الآمدي في كتاب الأحكام. واختلفت طرائقهما في الفن بين التحقيق والحجاج. فابن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل. وأما كتاب ٥٧٦
المحصول فاختصره تلميذ الإمام سراج الدين الأرموي في كتاب التحصيل وتاج الدين الأرموي في كتاب الحاصل واقتطف شهاب الدين القرافي منهما مقدمات وقواعد في كتاب صغير سماه التنقيحات. وكذلك فعل البيضاوي في كتاب المنهاج. وعني المبتدءون بهذين الكتابين وشرحهما كثير من الناس. وأما كتاب الإحكام للآمدي وهو أكثر تحقيقا في المسائل فلخصه أبو عمر بن الحاجب في كتابه المعروف بالمختصر الكبير. ثم اختصره في كتاب آخر تداوله طلبة العلم وعني أهل المشرق والمغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين في هذا الفن في هذه المختصرات. وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرا وكان من أحسن كتابة فيها، للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف سيف الإسلام البزدوي من أئمتهم وهو مستوعب وجاء ابن الساعاتي من فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الإحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين وسمي كتابه بالبدائع فجاء من أحسن الأوضاع وأبدعها وأئمة العلماء لهذا العهد يتداولونه قراءة وبحثا. وأولع كثير من علماء العجم بشرحه.
والحال على ذلك لهذا العهد. هذه حقيقة هذا الفن وتعيين موضوعاته وتعديد التآليف المشهورة لهذا العهد فيه. والله ينفعنا بالعلم ويجعلنا من أهله بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير.
وأما الخلافات. فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه. واتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار وكانوا بمكان من حسن الظن بهم اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة. فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة ٥٧٧
وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية. وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على صحة مذهبه الذي قلده وتمسك به وأجريت في مسائل الشريعة كلها وفي كل باب من أبواب الفقه فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبو حنيفة يوافق أحدهما وتارة بين مالك وأبي حنيفة والشافعي يوافق أحدهما وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم. كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات. ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته. وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه.
وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر والبحث. وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر وأيضا فأكثرهم أهل الغرب وهم بادية غفل من الصنائع إلا في الأقل. وللغزالي رحمه الله تعالى فيه كتاب المآخذ ولأبي بكر العربي من المالكية كتاب التلخيص جلبه من المشرق. ولأبي زيد الدبوسي كتاب التعليقة ولابن القصار من شيوخ المالكية عيون الأدلة وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما يبنى عليها من الفقه الخلافي مدرجا في كل مسألة ما يبنى عليها من الخلافيات.
وأما الجدال وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب ٥٧٨
الفقهية وغيرهم فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعا وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج. ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطأ فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول وكيف يكون حال المستدل والمجيب وحيث يسوغ له أن يكون مستدلا وكيف يكون مخصوصا منقطعا ومحل اعتراضه أو معارضته وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال.
ولذلك قيل فيه إنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره. وهي طريقتان طريقة البزدوي وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال وطريقة العميدي وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان وأكثره استدلال. وهو من المناحي الحسنة والمغالطات فيه في نفس الأمر كثيرة. وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي.
إلا أن صور الأدلة والأقيسة فيه محفوظة مراعاة يتحرى فيها طرق الاستدلال كما ينبغي. وهذا العميدي هو أول من كتب فيها ونسبت الطريقة إليه. وضع الكتاب المسمى بالإرشاد مختصرا وتبعه من بعده من المتأخرين كالنسفي وغيره جاءوا على أثره وسلكوا مسلكه وكثرت في الطريقة التآليف. وهي لهذا العهد مهجورة لنقص العلم والتعليم في الأمصار الإسلامية. وهي مع ذلك كمالية وليست ضرورية والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق. ٥٧٩
الفصل العاشر في علم الكلام
هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ ثم نرجع إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه فنقول: اعلم أن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه. وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا فلا بد له من أسباب أخرى ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو. وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها. فإذا لا يحصرها إلا العلم المحيط سيما الأفعال البشرية والحيوانية فإن من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإرادات إذ لا يتم كون الفعل إلا بإرادته والقصد إليه. والقصود والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا. وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى وكل ما يقع في النفس من التصورات مجهول سببه، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ولا على ترتيبها. إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضا والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها. وإنما يحيط علما في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة ٥٨٠
ويقع في مداركها على نظام وترتيب لأن الطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها.
وأما التصورات فنطاقها أوسع من النفس لأنها للعقل الذي هو فوق طور النفس فلا تدرك الكثير منها فضلا عن الإحاطة. وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقة. قال الله: «ثم ذرهم في خوضهم يلعبون 6: 91» . وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه وأصبح من الضالين الهالكين نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين. ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك واختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها. فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة. وأيضا فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر.
وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 17: 85» . فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا لاطلاعه على ما وراء الحس. قال صلى الله عليه وسلم: «من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة» . فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر وأن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة. فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد 112: 1- 4» ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله ٥٨١
وسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه. ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات. وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات وساقطة لديه بالكلية فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس. والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقا من ذلك والله من ورائهم محيط. فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك وأعلم بما ينفعك لأنه من طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها.
غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن في هذا الغلط ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك وإذ تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام ويحار وينقطع. فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها ٥٨٢
إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير وهذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين: «العجز عن الإدراك إدراك» . ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي فإن ذلك من حديث النفس وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات أيضا حصول ملكة الطاعة والانقياد وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود حتى ينقلب المريد السالك ربانيا. والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف. وشرحه أن كثيرا من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين قربة إلى الله تعالى مندوب إليها ويقول بذلك ويعترف به ويذكر مأخذه من الشريعة وهو لو رأى يتيما أو مسكينا من أبناء المستضعفين لفر عنه واستنكف أن يباشره فضلا عن التمسح عليه للرحمة وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو والصدقة. فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقام العلم ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف.
ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخر أعلى من الأول وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها. فمتى رأى يتيما أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه لا يكاد يصبر عن ذلك ولو دفع عنه. ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به والعلم حاصل عن الاتصاف ضرورة وهو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف. وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع وهذا علم أكثر النظار والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة. واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا فما طلب اعتقاده فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف وما طلب عمله من ٥٨٣
العبادات فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقق بها. ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة. قال صلى الله عليه وسلم: «في رأس العبادات جعلت قرة عيني في الصلاة» فإن الصلاة صارت له صفة وحالا يجد فيها منتهى لذاته وقرة عينه وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها؟ «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون 107: 4- 5» اللهم وفقنا «واهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 1: 6- 7» فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري للنفس هو التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي تحصل به السعادة وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية. ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب. أولها التصديق القلبي الموافق للسان وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. وهذا أرفع مراتب الإيمان وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وفي حديث هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله فقال في أصحابه: «هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا! قال: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. ومعناه أن ملكة الإيمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان وهي في المرتبة الثانية من العصمة. ٥٨٤
لأن العصمة واجبة للأنبياء وجوبا سابقا وهذه حاصلة للمؤمنية حصولا تابعا لأعمالهم وتصديقهم. وبهذه الملكة ورسوخها يقع التفاوت في الإيمان كالذي يتلى عليك من أقاويل السلف. وفي تراجم البخاري رضي الله عنه في باب الإيمان كثير منه. مثل أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص وأن الصلاة والصيام من الإيمان وأن تطوع رمضان من الإيمان والحياء من الإيمان. والمراد بهذا كله الإيمان الكامل الذي أشرنا إليه وإلى ملكته وهو فعلي. وأما التصديق الذي هو أول مراتبه فلا تفاوت فيه. فمن اعتبر أوائل الأسماء وحمله على التصديق منع من التفاوت كما قال أئمة المتكلمين ومن اعتبر أواخر الأسماء وحمله على هذه الملكة التي هي الإيمان الكامل ظهر له التفاوت. وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى التي هي التصديق إذ التصديق موجود في جميع رتبه لأنه أقل ما يطلق عليه اسم الإيمان وهو المخلص من عهدة الكفر والفيصل بين الكافر والمسلم فلا يجزي أقل منه. وهو في نفسه حقيقة واحدة لا تتفاوت وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الأعمال كما قلناه فافهم. واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الإيمان الذي في المرتبة الأولى الذي هو تصديق وعين أمورا مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بها بألسنتنا وهي العقائد التي تقررت في الدين. قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» وهذه هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام. ولنشر إليها مجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه فنقول. اعلم أن الشارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق الذي رد الأفعال كلها إليه وأفرده به كما قدمناه وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود وهو إذ ذاك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا. فكلفنا أولا: اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة ٥٨٥
المخلوقين وإلا لما صح أنه خالق لهم لعدم الفارق على هذا التقدير ثم تنزيهه عن صفات النقص وإلا لشابه المخلوقين ثم توحيده بالاتحاد وإلا لم يتم الخلق للتمانع ثم اعتقاد أنه عالم قادر فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الاتحاد والخلق ومريد وإلا لم يخصص شيء من المخلوقات ومقدر لكل كائن وإلا فالإرادة حادثة. وأنه يعيدنا بعد الموت تكميلا لعنايته بالإيجاد ولو كان لأمر فإن كان عبثا فهو للبقاء السرمدي بعد الموت. ثم اعتقاد بعثة الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة وعدم معرفتنا بذلك وتمام لطفه بنا في الإيتاء بذلك وبيان الطريقين. وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب. هذه أمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة.
وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الأئمة إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل. فحدث بذلك علم الكلام. ولنبين لك تفصيل هذا المجمل. وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها. ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه مرة في الذات وأخرى في الصفات. فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل. وهذا معنى قول ٥٨٦
الكثير منهم: اقرءوها كما جاءت أي آمنوا بأنها من عند الله. ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له. وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه. ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار. وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلين بتأويلها ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام. وليس ذلك بدافع عنهم لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كانا بالمعقولية واحدة من الجسم، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسما من أسمائه.
ويتوقف مثله على الأذن. وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك. وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات جهة لا كالجهات نزول لا كالنزول يعنون من الأجسام. واندفع ذلك بما اندفع به الأول، ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن. ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له وفي كتاب الحافظ ابن عبد البر وغيرهم فإنهم يحومون على هذا المعنى. ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم. ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة في ٥٨٧
تعميم هذا التنزيه في آي السلوب فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة زائدة على أحكامها لما يلزم على ذلك من تعدد القديم بزعمهم وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها وقضوا بنفي صفة الإرادة فلزمهم نفي القدر لأن معناه سبق الإرادة للكائنات وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام. وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ وإنما هو إدراك المسموع أو المبصر. وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس فقضوا بأن القرآن مخلوق وذلك بدعة صرح السلف بخلافها. وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم، وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف. وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل. ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال المعاد والجنة والنار والثواب والعقاب. وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج ٥٨٨
عن العهدة في ذلك لمن هي له، وكذلك على الأمة. وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعه علم الكلام: إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي. وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره. وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء. وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين. وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم. وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. وجملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية. إلا أن صور الأدلة فيها بعض الأحيان، على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة فكانت مهجورة عندهم لذلك. ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني من أئمة الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه. ثم لخصه في كتاب الإرشاد واتخذه الناس إماما لعقائدهم. ثم انتشرت من بعد ذلك ٥٨٩
علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط يسبر به الأدلة منها كما يسبر من سواها. ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدلت إلى ذلك وربما أن كثيرا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات. فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى وتسمى طريقة المتأخرين وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم. وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحدا من اشتباه المسائل فيهما. واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود البارئ وصفاته وهو نوع استدلالهم غالبا. والجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات. إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل. وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد. وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبيه عن تلك العقائد وإذا تأملت ٥٩٠
حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدرا بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه. ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنين من الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تآليفهم. إلا أن هذه الطريقة قد يعنى بها بعض طلبة العلم للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها. وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين وأصلها كتاب الإرشاد وما حذا حذوه. ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة، من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن كثير إيهاماته وإطلاقه ولقد سئل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص. فقال: «نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب» لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها. والله ولي المؤمنين ٥٩١
الفصل الحادي عشر في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر
اعلم أن عالم الكائنات يشتمل على ذوات محضة، كالعناصر وآثارها والمكونات الثلاثة عنها، التي هي المعدن والنبات والحيوان. وهذه كلها متعلقات القدرة الإلهية وعلى أفعال صادرة عن الحيوانات، واقعة بمقصودها، متعلقة بالقدرة التي جعل الله لها عليها: فمنها منتظم مرتب، وهي الأفعال البشرية، ومنها غير منتظم ولا مرتب، وهي أفعال الحيوانات غير البشر. وذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع، فإذا قصد إيجاد شيء من الأشياء، فلأجل الترتيب بين الحوادث لا بد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه، وهي على الجملة مبادئه، إذ لا يوجد إلا ثانيا عنها ولا يمكن إيقاع المتقدم متأخرا ولا المتأخر متقدما. وذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلا متأخرا عنه، وقد يرتقي ذلك أو ينتهي. فإذا انتهى إلى آخر المبادئ في مرتبتين أو ثلاث أو أزيد، وشرع في العمل الذي يوجد به ذلك الشيء بدأ بالمبدإ الأخير الذي انتهى إليه الفكر، فكان أول عمله. ثم تابع ما بعده إلى آخر المسببات التي كانت أول فكرته. مثلا: لو فكر في إيجاد سقف يكنه انتقل بذهنه إلى الحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط فهو آخر الفكر. ثم يبدأ في العمل بالأساس، ثم بالحائط، ثم بالسقف.
وهو آخر العمل.
وهذا معنى قولهم: (أول العمل آخر الفكرة، وأول الفكرة آخر العمل) ، فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على ٥٩٢
بعض. ثم يشرع في فعلها. وأول هذا الفكر هو المسبب الأخير، وهو آخرها في العمل. وأولها في العمل هو المسبب الأول وهو آخرها في الفكر. ولأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الانتظام في الأفعال البشرية.
وأما الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل، إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس ومدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنه لا يكون إلا بالفكر. ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، وغير المنتظمة إنما هي تبع لها، اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها، فكانت مسخرة للبشر. واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث، بما فيه، فكان كله في طاعته وتسخره. وهذا معنى الاستحلاف المشار إليه في قوله تعالى: «إني جاعل في الأرض خليفة 2: 30 » فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان. وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته. فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، ومنهم من لا يتجاوزها، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست فتكون إنسانيته أعلى. واعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإن في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات والخمس الذي ترتيبها وضعي، ومنهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه. وإن كان هذا المثال غير مطابق، لأن لعب الشطرنج بالملكة، ومعرفة الأسباب والمسببات بالطبع، لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد. والله خلق الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. ٥٩٣
الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي وكيفية حدوثه
إنك تسمع في كتب الحكماء قولهم أن الإنسان هو مدني الطبع، يذكرونه في إثبات النبوات وغيرها. والنسبة فيه إلى المدينة، وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشري. ومعنى هذا القول، أنه لا تمكن حياة المنفرد من البشر، ولا يتم وجوده إلا مع أبناء جنسه. وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته، فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه. وتلك المعاونة لا بد فيها من المفاوضة أولا، ثم المشاركة وما بعدها. وربما تفضي المعاملة عند اتحاد الأعراض إلى المنازعة والمشاجرة فتنشأ المنافرة والمؤالفة، والصداقة والعداوة. ويؤول إلى الحرب والسلم بين الأمم والقبائل. وليس ذلك على أي وجه اتفق، كما بين الهمل من الحيوانات، بل للبشر بما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال وترتيبها بالفكر، كما تقدم. جعل منتظما فيهم، ويسرهم لإيقاعه على وجوه سياسية وقوانين حكمية، ينكبون فيها عن المفاسد إلى المصالح، وعن الحسن إلى القبيح، بعد أن يميزوا القبائح والمفسدة، بما ينشأ عن الفعل من ذلك عن تجربة صحيحة، وعوائد معروفة بينهم: فيفارقون الهمل من الحيوان، وتظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال وبعدها عن المفاسد.
هذه المعاني التي يحصل بها ذلك لا تبعد عن الحس كل البعد ولا يتعمق فيها الناظر، بل كلها تدرك بالتجربة وبها يستفاد، لأنها معان جزئية تتعلق بالمحسوسات وصدقها وكذبها، يظهر قريبا في الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك. ويستفيد كل واحد من البشر القدر الذي يسر له منها مقتنصا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه، حتى يتعين له ما يجب ٥٩٤
وينبغي، فعلا وتركا. وتحصل في ملابسة الملكة في معاملة أبناء جنسه. ومن تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كل قضية. ولا بد بما تسعه التجربة من الزمن. وقد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة، إذ قلد فيها الآباء والمشيخة والأكابر، ولقن عنهم ووعى تعليمهم، فيستغني عن طول المعانات في تتبع الوقائع واقتناص هذا المعنى من بينها. ومن فقد العلم في ذلك والتقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه واتباعه، طال عناؤه في التأديب بذلك، فيجري في غير مألوف ويدركها على غير نسبة، فتوجد آدابه ومعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل، ويفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه. وهذا معنى القول المشهور: «من لم يؤدبه والده أدبه الزمان» . أي من لم يلقن الآداب في معاملة البشر من والديه- وفي معناهما المشيخة والأكابر- ويتعلم ذلك منهم، رجع إلى تعلمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام، فيكون الزمان معلمه ومؤدبه لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه.
وهذا هو العقل التجريبي، وهو يحصل بعد العقل التمييزي الذي تقع به الأفعال كما بيناه. وبعد هذين مرتبة العقل النظري الذي تكفل بتفسيره أهل العلوم، فلا يحتاج إلى تفسيره في هذا الكتاب. والله جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون.
الفصل الثالث عشر في علوم البشر وعلوم الملائكة
إنا نشهد في أنفسنا بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم: أولها: عالم الحس، ونعتبره بمدارك الحس الذي شاركنا فيه الحيوانات بالإدراك، ثم نعتبر الفكر الذي اختص به البشر فنعلم منه وجود النفس الإنسانية علما ضروريا بما بين جنبينا من مدارك العلمية التي هي فوق مدارك الحس، فتراه عالما آخر فوق ٥٩٥
عالم الحس. ثم نستدل على عالم ثالث فوقنا بما نجد فينا من آثاره التي تلقى في أفئدتنا كالإرادات والوجهات، نحو الحركات الفعلية، فنعلم أن هناك فاعلا يبعثنا عليها من عالم فوق عالمنا وهو عالم الأرواح والملائكة. وفيه ذوات مدركة لوجود آثارها فينا مع ما بيننا وبينها من المغايرة. وربما يستدل على هذا العالم الأعلى الروحاني وذواته بالرؤيا وما نجد في النوم، ويلقى إلينا فيه من الأمور التي نحن في غفلة عنها في اليقظة، وتطابق الواقع في الصحيحة منها، فنعلم أنها حق ومن عالم الحق. وأما أضغاث الأحلام فصور خيالية يخزنها الإدراك في الباطن ويجول فيها الفكر بعد الغيبة عن الحس. ولا نجد على هذا العالم الروحاني برهانا أوضح من هذا، فنعلمه كذلك على الجملة ولا ندرك له تفصيلا.
وما يزعمه الحكماء الإلهيون في تفصيل ذواته وترتيبها، المسماة عندهم بالعقول، فليس شيء من ذلك بيقيني لاختلال شرط البرهان النظري فيه، كما هو مقرر في كلامهم في المنطق. لأن من شرطه أن تكون قضاياه أولية ذاتية.
وهذه الذوات الروحانية مجهولة الذاتيات، فلا سبيل للبرهان فيها. ولا يبقى لنا مدرك في تفاصيل هذه العوالم إلا ما نقتبسه من الشرعيات التي يوضحها الإيمان ويحكمها. وأعقد هذه العوالم في مدركنا عالم البشر، لأنه وجداني مشهود في مداركنا الجسمانية والروحانية. ويشترك في عالم الحس مع الحيوانات وفي عالم العقل والأرواح مع الملائكة الذين ذواتهم من جنس ذواته، وهي ذوات مجردة عن الجسمانية والمادة، وعقل صرف يتحد فيه العقل والعاقل والمعقول، وكأنه ذات حقيقتها الإدراك والعقل، فعلومهم حاصلة دائما مطابقة بالطبع لمعلوماتهم لا يقع فيها خلل البتة.
وعلم البشر هو حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد أن لا تكون حاصلة. فهو كله مكتسب، والذات التي يحصل فيها صور المعلومات وهي النفس مادة هيولانية تلبس صور الوجود بصور المعلومات الحاصلة فيها شيئا شيئا، حتى ٥٩٦
تستكمل، ويصح وجودها بالموت في مادتها وصورتها. فالمطلوبات فيها مترددة بين النفي والإثبات دائما، بطلب أحدهما بالوسط الرابط بين الطرفين. فإذا حصل وصار معلوما افتقر إلى بيان المطابقة، وربما أوضحها البرهان الصناعي، لكنه من وراء الحجاب. وليس كالمعاينة التي في علوم الملائكة. وقد ينكشف ذلك الحجاب فيصير إلى المطابقة بالعيان الإدراكي. فقد تبين أن البشر جاهل بالطبع للتردد في علمه، وعالم بالكسب والصناعة لتحصيله المطلوب بفكرة الشروط الصناعية. وكشف الحجاب الذي أشرنا إليه إنما هو بالرياضة بالأذكار التي أفضلها صلاة تنتهي عن الفحشاء والمنكر، وبالتنزه عن المتناولات المهمة ورأسها الصوم، وبالوجهة إلى الله بجميع قواه. والله علم الإنسان ما لم يعلم.
الفصل الرابع عشر في علوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
إنا نجد هذا الصنف من البشر تعتريهم حالة إلهية خارجة عن منازع البشر وأحوالهم فتغلب الوجهة الربانية فيهم على البشرية في القوى الإدراكية والنزوعية من الشهوة والغضب وسائر الأحوال البدنية، فتجدهم متنزهين عن الأحوال الربانية، من العبادة والذكر لله بما يقتضي معرفتهم به، مخبرين عنه بما يوحى إليهم في تلك الحالة، من هداية الأمة على طريقة واحدة وسنن معهود منهم لا يتبدل فيهم كأنه جبلة فطرهم الله عليها. وقد تقدم لنا الكلام في الوحي أول الكتاب في فصل المدركين للغيب. وبينا لك أن الوجود كله في عوالمه البسيطة والمركبة على تركيب طبيعي من أعلاها وأسفلها متصلة كلها اتصالا لا ينخرم. وأن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدة لأن تنقلب إلى الذات التي تجاوزها من الأسفل والأعلى، استعدادا طبيعيا، كما في العناصر ٥٩٧
الجسمانية البسيطة، وكما في النخل والكرم من آخر أفق النبات مع الحلزون والصدف من أفق الحيوان وكما في القردة التي استجمع فيها الكيس والإدراك مع الإنسان صاحب الفكر والروية. وهذا الاستعداد الذي في جانبي كل أفق من العوالم هو معنى الاتصال فيها.
وفوق العالم البشري عالم روحاني، شهدت لنا به الآثار التي فينا منه، بما يعطينا من قوى الإدراك والإرادة فذوات العلم العالم إدراك صرف وتعقل محض، وهو عالم الملائكة، فوجب من ذلك كله أن يكون للنفس الإنسانية استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية، لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات، وفي لمحة من اللمحات. ثم تراجع بشريتها وقد تلقت في عالم الملكية ما كلفت بتبليغه إلى أبناء جنسها من البشر. وهذا هو معنى الوحي وخطاب الملائكة. والأنبياء كلهم مفطورون عليه، كأنه جبلة لهم ويعالجون في ذلك الانسلاخ من الشدة والغطيط ما هو معروف عنهم. وعلومهم في تلك الحالة علم شهادة وعيان، لا يلحقه الخطأ والزلل، ولا يقع فيه الغلط والوهم، بل المطابقة فيه ذاتية لزوال حجاب الغيب وحصول الشهادة الواضحة، عند مفارقة هذه الحالة إلى البشرية، لا يفارق علمهم الوضوح، استصحابا له من تلك الحالة الأولى، ولما هم عليه من الذكاء المفضي بهم إليها، يتردد ذلك فيهم دائما إلى أن تكمل هداية الأمة التي بعثوا لها، كما في قوله تعالى: «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه 41: 6» . فافهم ذلك وراجع ما قدمناه لك أول الكتاب، في أصناف المدركين للغيب، يتضح لك شرحه وبيانه، فقد بسطناه هنالك بسطا شافيا. والله الموفق ٥٩٨
الفصل الخامس عشر في أن الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب
قد بينا أول هذه الفصول أن الإنسان من جنس الحيوانات، وأن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له، يوقع به أفعاله على انتظام وهو العقل التمييزي أو يقتنص به العلم بالآراء والمصالح والمفاسد من أبناء جنسه، وهو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا وشاهدا، على ما هي عليه، وهو العقل النظري. وهذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه، ويبدأ من التمييز، فهو قبل التمييز خلو من العلم بالجملة، معدود من الحيوانات، لاحق بمبدئه في التكوين، من النطفة والعلقة والمضغة. وما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل الله له من مدارك الحس والأفئدة التي هي الفكر. قال تعالى في الامتنان علينا: «وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة 16: 78» فهو في الحالة الأولى قبل التمييز هيولى فقط، لجهله بجميع المعارف. ثم تستكمل صورته بالعلم الذي يكتسبه بآلاته، فكمل ذاته الإنسانية في وجودها. وانظر إلى قوله تعالى مبدإ الوحي على نبيه «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم 96: 1- 5» أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلا له بعد أن كان علقة ومضغة فقد كشفت لنا طبيعته وذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي والعلم الكسبي وأشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده، وهي الإنسانية. وحالتاه الفطرية والكسبية في أول التنزيل ومبدإ الوحي. وكان الله عليما حكيما ٥٩٩
الفصل السادس عشر في كشف الغطاء عن المتشابه من الكتاب والسنة وما حدث لأجل ذلك من طوائف السنية والمبتدعة في الاعتقادات
اعلم أن الله سبحانه بعث إلينا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى النجاة والفوز بالنعيم، وأنزل عليه الكتاب الكريم باللسان العربي المبين، يخاطبنا فيه بالتكاليف المفضية بنا إلى ذلك. وكان في خلال هذا الخطاب، ومن ضروراته، ذكر صفاته سبحانه وأسمائه، ليعرفنا بذاته، وذكر الروح المتعلقة بنا، وذكر الوحي والملائكة، الوسائط بينه وبين رسله إلينا. وذكر لنا يوم البعث وإنذاراته ولم يعين لنا الوقت في شيء منه. وثبت في هذا القرآن الكريم حروفا من الهجاء مقطعة في أوائل بعض سوره، لا سبيل لنا إلى فهم المراد بها. وسمى هذه الأنواع كلها من الكتاب متشابها. وذم على اتباعها فقال تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب 3: 7 » وحمل العلماء من سلف الصحابة والتابعين هذه الآية على أن المحكمات هي المبينات الثابتة الأحكام. ولذا قال الفقهاء في اصطلاحهم:
المحكم المتضح المعنى. وأما المتشابهات فلهم فيها عبارات. فقيل هي التي تفتقر إلى نظر وتفسير يصحح معناها، لتعارضها مع آية أخرى أو مع العقل، فتخفى دلالتها وتشتبه. وعلى هذا قال ابن عباس: «المتشابه يؤمن به ولا يعمل به» وقال مجاهد وعكرمة: «كلما سوى آيات الأحكام والقصص متشابه» ٦٠٠
وعليه القاضي أبو بكر وإمام الحرمين. وقال الثوري والشعبي وجماعة من علماء السلف: «المتشابه، ما لم يكن سبيل إلى علمه، كشروط الساعة وأوقات الإنذارات وحروف الهجاء في أوائل السور، وقوله في الآية «هذه أم الكتاب» أي معظمه وغالبة والمتشابه أقله، وقد يرد إلى المحكم. ثم ذم المتبعين للمتشابه بالتأويل أو بحملها على معان لا تفهم منها في لسان العرب الذي خوطبنا به.
وسماهم أهل زيغ، أي ميل عن الحق من الكفار والزنادقة وجهلة أهل البدع. وأن فعلهم ذلك قصد الفتنة التي هي الشرك أو اللبس على المؤمنين أو قصدا لتأويلها بما يشتهونه فيقتدون به في بدعتهم.
ثم أخبر سبحانه بأنه استأثر بتأويلها ولا يعلمه إلا هو فقال: وما يعلم تأويله إلا الله 3: 7. ثم أثنى على العلماء بالإيمان بها فقط. فقال: والراسخون في العلم يقولون آمنا به. ولهذا جعل السلف والراسخون مستأنفا، ورجحوه على العطف لأن الإيمان بالغيب أبلغ في الثناء ومع عطفه إنما يكون إيمانا بالشاهد، لأنهم يعلمون التأويل حينئذ فلا يكون غيبا. ويعضد ذلك قوله: «كل من عند ربنا 3: 7» ويدل على أن التأويل فيها غير معلوم للبشر. إن الألفاظ اللغوية إنما يفهم. منها المعاني التي وضعها العرب لها، فإذا استحال إسناد الخبر إلى مخبر عنه جهلنا مدلول الكلام حينئذ، وإن جاءنا من عند الله فوضنا علمه إليه ولا نشغل أنفسنا بمدلول نلتمسه، فلا سبيل لنا إلى ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن، فهم الذين عنى الله» ، فاحذروهم.
هذا مذهب السلف في الآيات المتشابهة. وجاء في السنة ألفاظ مثل ذلك محملها عندهم محمل الآيات لأن المنبع واحد.
وإذا تقررت أصناف المتشابهات على ما قلناه، فلنرجع إلى اختلاف الناس فيها. فأما ما يرجع منها على ما ذكروه إلى الساعة وأشراطها وأوقات الإنذارات وعدد الزبانية وأمثال ذلك، فليس هذا والله أعلم من المتشابه، لأنه لم يرد فيه ٦٠١
لفظ مجمل ولا غيره وإنما هي أزمنة لحادثات استأثر الله بعلمها بنصه في كتابه وعلى لسان نبيه. وقال: «إنما علمها عند الله 7: 187» . والعجب ممن عددا من المتشابه. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فحقيقتها حروف الهجاء وليس ببعيد أن تكون مرادة. وقد قال الزمخشري: فيها إشارة إلى بعد الغاية في الإعجاز، لأن القرآن المنزل مؤلف منها، والبشر فيها سواء، والتفاوت موجود في دلالتها بعد التأليف. وإن عدل عن هذا الوجه الذي يتضمن الدلالة على الحقيقة فإنما يكون بنقل صحيح، كقولهم في طه، إنه نداء من طاهر وهادي وأمثال ذلك. والنقل الصحيح متعذر، فيجيء المتشابه فيها من هذا الوجه. وأما الوحي والملائكة والروح والجن، فاشتباهها من حاء دلالتها الحقيقية لأنها غير متعارفة، فجاء التشابه فيها من أجل ذلك. وقد ألحق بعض الناس بها كل ما في معناها من أحوال القيامة والجنة والدجال والفتن والشروط، وما هو بخلاف العوائد المألوفة، وهو غير بعيد، إلا أن الجمهور لا يوافقونهم عليه. وسيما المتكلمون فقد عينوا محاملها على ما تراه في كتبهم، ولم يبق من المتشابه إلا الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه، مما يوهم ظاهره نقصا أو تعجيزا.
وقد اختلف الناس في هذه الظواهر من بعد السلف الذين قررنا مذهبهم. وتنازعوا وتطرقت البدع إلى العقائد. فلنشر إلى بيان مذاهبهم وإيثار الصحيح منه على الفاسد فنقول، «وما توفيقي إلا بالله 11: 88» : اعلم أن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بأنه عالم، قادر، مريد، حي، سميع، بصير، متكلم، جليل، كريم، جواد، منعم، عزيز، عظيم. وكذا أثبت لنفسه اليدين والعينين والوجه والقدم واللسان، إلى غير ذلك من الصفات: فمنها ما يقتضي صحة ألوهية، مثل العلم والقدرة والإرادة، ثم الحياة التي هي شرط جميعها، ومنها ما هي صفة كمال، كالسمع والبصر والكلام، ومنها ما يوهم النقص كالاستواء والنزول والمجيء، ٦٠٢
وكالوجه واليدين والعينين التي هي صفات المحدثات. ثم أخبر الشارع أنا نرى ربنا يوم القيامة كالقمر ليلة البدر، لا نضام في رؤيته كما ثبت في الصحيح.
فأما السلف من الصحابة والتابعين فأثبتوا له صفات الألوهية والكمال وفوضوا إليه ما يوهم النقص ساكتين عن مدلوله. ثم اختلف الناس من بعدهم، وجاء المعتزلة فأثبتوا هذه الصفات أحكاما ذهنية مجردة، ولم يثبتوا صفة تقوم بذاته، وسموا ذلك توحيدا، وجعلوا الإنسان خالقا لأفعاله، ولا تتعلق بها قدرة الله تعالى، سيما الشرور والمعاصي منها، إذ يمتنع على الحكيم فعلها. وجعلوا مراعاة الأصلح للعباد واجبة عليه. وسموا ذلك عدلا، بعد أن كانوا أولا يقولون بنفي القدر، وأن الأمر كله مستأنف بعلم حادث وقدرة وإرادة كذلك، كما ورد في الصحيح. وأن عبد الله بن عمر تبرأ من معبد الجهني وأصحابه القائلين بذلك. وانتهى نفي القدر إلى واصل بن عطاء الغزالي، منهم، تلميذ الحسن البصري، لعهد عبد الملك بن مروان. ثم آخرا إلى معمر السلمي، ورجعوا عن القول به. وكان منهم أبو الهذيل العلاف، وهو شيخ المعتزلة. أخذ الطريقة عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل. وكان من نفات القدر، واتبع رأي الفلاسفة في نفي الصفات الوجودية لظهور مذاهبهم يومئذ.
ثم جاء إبراهيم النظام، وقال بالقدر، واتبعوه. وطالع كتب الفلاسفة وشدد في نفي الصفات وقرر قواعد الاعتزال. ثم جاء الجاحظ والكعبي والجبائي، وكانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج والجدال، وهو الذي يسمى كلاما، وإما أن أصل طريقتهم نفي صفة الكلام. فلهذا كان الشافعي يقول: حقهم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم. وقرر هؤلاء طريقتهم وأثبتوا منها وردوا، إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم، وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحرث ابن أسد المحاسبي من أتباع ٦٠٣
السلف وعلى طريقة السنة. فأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية وأثبت الصفات لي قائمة بذات الله تعالى، من العلم والقدرة والإرادة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء. وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر لأنها وإن أوهم ظاهرا النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والصوت، وهو ما يدور في الخلد. والكلام حقيقة فيه دون الأول، فأثبتوها لله تعالى وانتفى إيهام النقص. وأثبتوا هذه الصفة قديمة عامة التعلق بشأن الصفات الأخرى. وصار القرآن اسما مشتركا بين القديم بذات الله تعالى، وهو الكلام النفسي والمحدث الذي هو الحروف المؤلفة المقروءة بالأصوات. فإذا قيل قديم، فالمراد الأول، وإذا قيل مقروء، مسموع، فلدلالة القراءة والكتابة عليه. وتورع الإمام أحمد بن حنبل من إطلاق لفظ الحدوث عليه، لأنه لم يسمع من السلف قبله: لا إنه يقول أن المصاحف المكتوبة قديمة، ولا أن القراءة الجارية على السنة قديمة، وهو شاهدها محدثة. وإنما منعه من ذلك الورع الذي كان عليه. وأما غير ذلك فإنكار للضروريات، وحاشاه منه. وأما السمع والبصر، وإن كان يوهم إدراك الجارحة، فهو يدل أيضا لغة على إدراك المسموع والبصر، وينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما.
وأما لفظ الاستواء والمجيء والنزول والوجه واليدين والعينين وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها، على طريقة العرب، حيث تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز. كما في قوله تعالى: «يريد أن ينقض» وأمثاله، طريقة معروفة لهم غير منكرة ولا مبتدعة.
وحملهم على هذا التأويل، وإن كان مخالفا لمذهب السلف في التفويض أن جماعة من أتباع السلف وهم المحدثون والمتأخرون من الحنابلة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في ٦٠٤
«استوى على العرش 7: 54» تثبت له استواء، بحيث مدلول اللفظة، فرارا من تعطيله. ولا نقول بكيفيته فرارا من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله «ليس كمثله شيء 42: 11، سبحان الله عما يصفون 23: 91، تعالى الله عما يقول الظالمون، لم يلد ولم يولد 112: 3» ولا يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، والاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعة الاستقرار والتمكن، وهو جسماني. وأما التعطيل الذي يشنعون بإلزامه، وهو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. وإنما المحذور في تعطيل الآلة. وكذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق، وهو تمويه. لأن التشابه لم يقع في التكاليف. ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، وحاشا لله من ذلك. وإنما مذهب السلف ما قررناه أولا من تفويض المراد بها إلى الله، والسكوت عن فهمها. وقد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: «إن الاستواء معلوم الثبوت لله» وحاشاه من ذلك، لأنه يعلم مدلول الاستواء. وإنما أراد أن الاستواء معلوم من اللغة، وهو الجسماني، وكيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، وهي مجهولة الثبوت لله.
وكذلك يحتجون على إثبات المكان بحديث السوداء، وأنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم. أين الله؟ وقالت في السماء، فقال أعتقها فإنها مؤمنة. 53 قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها المكان لله، بل لأنها آمنت بما جاء به من ظواهر، أن الله في السماء، فدخلت في جملة الراسخين الذين يؤمنون بالمتشابه من غير كشف عن معناه. والقطع بنفي المكان حاصل من دليل العقل النافي للافتقار. ومن أدلة السلوب المؤذنة بالتنزيه مثل «ليس كمثله شيء 42: 11» وأشباهه. ومن قوله: «وهو الله في السماوات وفي الأرض 6: 3» ، إذ الموجود لا يكون في مكانين، فليست في هذا للمكان قطعا، والمراد غيره. ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه والعينين واليدين، والنزول والكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم من الجسمانية وينزهونه عن مدلول الجسماني ٦٠٥
منها. وهذا شيء لا يعرف في اللغة. وقد درج على ذلك الأول والآخر منهم ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية. ورفضوا عقائدهم في ذلك، ووقع بين متكلمي الحنفية ببخارى وبين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ما هو معروف. وأما المجسمة ففعلوا مثل ذلك في إثبات الجسمية، وأنها لا كالأجسام. ولفظ الجسم له يثبت في منقول الشرعيات. وإنما جرأهم عليه إثبات هذه الظواهر، فلم يقتصروا عليه، بل توغلوا وأثبتوا الجسمية، يزعمون فيها مثل ذلك وينزهونه بقول متناقض سفساف، وهو قولهم: «جسم لا كالأجسام» . والجسم في لغة العرب هو العميق المحدود وغير هذا التفسير من أنه القائم بالذات أو المركب من الجواهر وغير ذلك، فاصطلاحات للمتكلمين يريدون بها غير المدلول اللغوي. فلهذا كان المجسمة أوغل في البدعة بل والكفر. حيث أثبتوا لله وصفا موهما يوهم النقص لم يرد في كلامه، ولا كلام نبيه. فقد تبين لك الفرق بين مذاهب السلف والمتكلمين السنية والمحدثين والمبتدعة من المعتزلة والمجسمة بما أطلعناك عليه. وفي المحدثين غلاة يسمون المشبه لتصريحهم بالتشبيه، حتى إنه يحكى عن بعضهم أنه قال: اعفوني من اللحية والفرج وسلوا عما بدا لكم من سواهما. وإن لم يتأول ذلك لهم، بأنهم يريدون حصر ما ورد من هذه الظواهر الموهمة، وحملها على ذلك المحمل الذي لأئمتهم، وإلا فهو كفر صريح والعياذ بالله. وكتب أهل السنة مشحونة بالحجاج على هذه البدع، وبسط الرد عليهم بالأدلة الصحيحة. وإنما أومأنا إلى ذلك إيماء يتميز به فصول المقالات وجملها. «والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله 7: 43» .
وأما الظواهر الخفية الأدلة والدلالة، كالوحي والملائكة والروح والجن والبرزخ وأحوال القيامة والدجال والفتن والشروط، وسائر ما هو متعذر على الفهم أو مخالف للعادات، فإن حملناه على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، وهم ٦٠٦
أهل السنة، فلا تشابه، وإن قلنا فيه بالتشابه، فلنوضح القول فيه بكشف الحجاب عنه فنقول: اعلم أن العالم البشري أشرف العوالم من الموجودات، وأرفعها. وهو وإن اتحدت حقيقة الإنسانية فيه فله أطوار يخالف كل واحد منها الآخر بأحوال تختص به حتى كأن الحقائق فيها مختلفة.
فالطور الأول: عالمه الجسماني بحسه الظاهر وفكره المعاشي وسائر تصرفاته التي أعطاه إياها وجوده الحاضر.
الطور الثاني: عالم النوم، وهو تصور الخيال بإنفاذ تصوراته جائلة في باطنه فيدرك منها بحواسه الظاهرة مجردة عن الأزمنة والأمكنة وسائر الأحوال الجسمانية، ويشاهدها في إمكان ليس هو فيه. ويحدث للصالح منها البشرى بما يترقب من مسراته الدنيوية والأخروية، كما وعد به الصادق صلوات الله عليه.
وهذان الطوران عامان في جميع أشخاص البشر، وهما مختلفان في المدارك كما تراه.
الطور الثالث: طور النبوة، وهو خاص بإشراف صنف البشر بما خصهم الله به من معرفته وتوحيده، وتنزل ملائكته عليهم بوحيه، وتكليفهم بإصلاح البشر في أحوال كلها مغايرة للأحوال البشرية الظاهرة.
الطور الرابع: طور الموت الذي تفارق أشخاص البشر فيه حياتهم الظاهرة إلى وجود قبل القيامة يسمى البرزخ يتنعمون فيه ويعذبون على حسب أعمالهم ثم يفضون إلى يوم القيامة الكبرى، وهي دار الجزاء الأكبر نعيما وعذابا في الجنة أو في النار.
والطوران الأولان شاهدهما وجداني، والطور الثالث النبوي شاهده المعجزة والأحوال المختصة بالأنبياء، والطور الرابع شاهده ما تنزل على الأنبياء من وحي الله تعالى في المعاد وأحوال البرزخ والقيامة، مع أن العقل يقتضي به، ٦٠٧
كما نبهنا الله عليه، في كثير من آيات البعثة. ومن أوضح الدلالة على صحتها أن أشخاص الإنسان لو لم يكن لهم وجود آخر بعد الموت غير هذه المشاهد يتلقى فيه أحوالا تليق به، لكان إيجاده الأول عبثا. إذ الموت إذا كان عدما كان مال الشخص إلى العدم، فلا يكون لوجوده الأول حكمة. والعبث على الحكيم محال.
وإذا تقررت هذه الأحوال الأربعة، فلنأخذ في بيان مدارك الإنسان فيها كيف تختلف اختلافا بينا يكشف لك غور المتشابه. فأما مداركه في الطور الأول فواضحة جلية. قال الله تعالى: «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة 16: 78 » . فبهذه المدارك يستولي على ملكات المعارف ويستكمل حقيقة إنسانية ويوفي حق العبادة المفضية به إلى النجاة.
وأما مداركه في الطور الثاني، وهو طور النوم، فهي المدارك التي في الحس الظاهر بعينها. لكن ليست في الجوارح كما هي في اليقظة. لكن الرأي يتيقن كل شيء أدركه في نومه لا يشك فيه ولا يرتاب، مع خلو الجوارح عن الاستعمال العادي لها. والناس في حقيقة هذه الحال فريقان: الحكماء، ويزعمون أن الصور الخيالية يدفعها الخيال بحركة الفكر إلى الحس المشترك الذي هو الفصل المشترك بين الحس الظاهر والحس الباطن، فتصور محسوسه بالظاهر في الحواس كلها. ويشكل عليهم هذا بأن المرائي الصادقة التي هي من الله تعالى أو من الملك أثبت وأرسخ في الإدراك من المرائي الخيالية الشيطانية، مع أن الخيال فيها على ما قرروه واحد.
الفريق الثاني: المتكلمون، أجملوا فيها القول، وقالوا: هو إدراك يخلقه الله في الحاسة فيقع كما يقع في اليقظة، وهذا أليق، وإن كنا لا نتصور كيفيته. ٦٠٨
وهذا الإدراك النومي أوضح شاهد على ما يقع بعده من المدارك الحسية في الأطوار.
وأما الطور الثالث، وهو طور الأنبياء، فالمدارك الحسية فيها مجهولة الكيفية عند وجدانيته عندهم بأوضح من اليقين. فيرى النبي الله والملائكة، ويسمع كلام الله منه أو من الملائكة، ويرى الجنة والنار، والعرش والكرسي، ويخترق السماوات السبع في إسرائه ويركب البراق فيها، ويلقى النبيين لك، ويصلي بهم، ويدرك أنواع المدارك الحسية، كما يدرك في طوره الجسماني والنومي، بعلم ضروري يخلقه الله له، لا بالإدراك العادي للبشر في الجوارح، ولا يلتفت في ذلك إلى ما يقوله ابن سينا من تنزيله أمر النبوة على أمر النوم في دفع الخيال صورة إلى الحس المشترك. فإن الكلام عليهم هنا أشد من الكلام في النوم، لأن هذا التنزيل طبيعة واحدة كما قررناه، فيكون على هذا حقيقة الوحي والرؤيا من النبي واحدة في يقينها وحقيقتها، وليست كذلك على ما علمت من رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوحي ستة أشهر وأنها كانت بمدة الوحي ومقدمته، ويشعر ذلك بأنه رؤية في الحقيقة. وكذلك حال الوحي في نفسه فقد كان يصعب عليه ويقاسي منه شدة كما هي في الصحيح، حتى كان القرآن يتنزل عليه آيات مقطعات. وبعد ذلك نزل عليه (براءة) في غزوة (تبوك) جملة واحدة، وهو يسير على ناقته. فلو كان ذلك من تنزل الفكر إلى الخيال فقط، ومن الخيال إلى الحس المشترك، لم يكن بين هذه الحالات فرق. وأما الطور الرابع، وهو طور الأموات في برزخهم الذي أوله القبر. وهم مجردون عن البدن، أو في بعثتهم عند ما يرجعون إلى الأجسام، فمداركهم الحسية موجودة، فيرى الميت في قبره المكان يسائلانه، ويرى مقعده من الجنة أو النار بعيني رأسه، ٦٠٩
ويرى شهود الجنازة ويسمع كلامهم وخفق نعالهم في الانصراف عنه، ويسمع ما يذكرونه به من التوحيد أو من تقرير الشهادتين، وغير ذلك. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر ، وفيه قتلى المشركين من قريش، وناداهم بأسمائهم، فقال عمر: يا رسول الله! أتكلم هؤلاء الجيف؟
فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم لما أقول. ثم في البعثة يوم القيامة يعاينون بأسمائهم وأبصارهم- كما كانوا يعاينون في الحياة- من نعيم الجنة على مراتبه وعذاب النار على مراتبه، ويرون الملائكة ويرون ربهم، كما ورد في الصحيح: إنكم ترون ربكم يوم القيامة، كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته. وهذه المدارك لم تكن لهم في الحياة الدنيا وهي حسية مثلها، وتقع في الجوارح بالعلم الضروري الذي يخلقه الله كما قلناه. وسر هذا أن تعلم أن النفس الإنسانية هي تنشأ بالبدن وبمداركه، فإذا فارقت البدن بنوم أو بموت أو صار النبي حالة الوحي من المدارك البشرية إلى المدارك الملكية، فقد استصبحت ما كان معها من المدارك البشرية مجردة عن الجوارح، فيدرك بها في ذلك الطور أي إدراك شاءت منها، أرفع من إدراكها، وهي في الجسد. قاله الغزالي رحمه الله، وزاد على ذلك أن النفس الإنسانية صورة تبقى لها، ب عد المفارقة فيها العينان والأذنان وسائر الجوارح المدركة أمثالا لها، كان في البدن وصورا.
وأنا أقول: إنما يشير بذلك إلى الملكات الحاصلة من تصريف هذه الجوارح في بدنها زيادة على الإدراك. فإذا تفطنت لهذا كله علمت أن هذه المدارك موجودة في الأطوار الأربعة، لكن ليس على ما كانت في الحياة الدنيا، وإنما هي تختلف بالقوة والضعف بحسب ما يعرض لها من الأحوال. ويشير المتكلمون إلى ذلك إشارة مجملة بأن الله يخلق فيها علما ضروريا بتلك المدارك، أي ٦١٠
مدرك كان، ويعنون به هذا القدر الذي أوضحناه. وهذه نبذة أومأنا بها إلى ما يوضح القول في المتشابه. ولو أوسعنا الكلام فيه لقصرت المدارك عنه.
فلنفزع إلى الله سبحانه في الهداية والفهم عن أنبيائه وكتابه، بما يحصل به الحق في توحيدنا، والظفر بنجاتنا والله يهدي من يشاء 2: 213.
الفصل السابع عشر في علم التصوف
هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة. وقال القشيري رحمه الله:
ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس. والظاهر أنه لقب. ومن قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه. قلت: والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم وذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك وإدراكه نوعان: إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض ٦١١
والبسط والرضى والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك. فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات وأحوال وهي التي يميز بها الإنسان. وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل عن الإعياء. وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة. وتلك الحال إما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات. ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة. قال صلى الله عليه وسلم «من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة» فالمريد لا بد له من الترقي في هذه الأطوار وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها، وتنشأ عنها الأحوال والصفات نتائج وثمرات. ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان. وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله. وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية. فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك. والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه. ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة. وغاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والامتثال. وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا، فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد مقاما يترقى منها ٦١٢
إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة. فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه. فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك. كتب رجال من أهل هذه الطرقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم. وجمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب الإحياء فدون فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك. ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها. والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشؤه وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح ولا يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما، ويكشف حجاب الحس، ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإدراك. فيتعرض حينئذ للمواهب ٦١٣
الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإلهي وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة. وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم.
فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا هاجمهم. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية. وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها. وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم.
ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك التي وراءه واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ وأنهم كشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها من العرش إلى الطش. هكذا قال الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة. ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم يكن هناك استقامة كالسحرة وغيرهم من المرتاضين. وليس مرادنا إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة ومثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يتشكل فيه معوجا على غير صورته. وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا. فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال. ولما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق ٦١٤
الموجودات العلوية والسفلية وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك. وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك. وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلم لهم. وليس البرهان والدليل بنافع في هذا الطريق ردا وقبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات.
تفصيل وتحقيق: يقع كثيرا في كلام أهل العقائد من علماء الحديث والفقه أن الله تعالى مباين لمخلوقاته. ويقع للمتكلمين أنه لا مباين ولا متصل. ويقع للفلاسفة أنه لا داخل العالم ولا خارجة. ويقع للمتأخرين من المتصوفة أنه متحد بالمخلوقات: إما بمعنى الحلول فيها، أو بمعنى إنه هو عينها، وليس هناك غيره جملة ولا تفصيلا. فلنبين تفصيل هذه المذاهب ونشرح حقيقة كل واحد منها، حتى تتضح معانيها فنقول، إن المباينة تقال لمعنيين:
أحدهما المباينة في الحيز والجهة، ويقابله الاتصال. ونشعر هذه المقابلة على هذه التقيد بالمكان إما صريحا وهو تجسيم، أو لزوما وهو تشبيه من قبيل القول بالجهة. وقد نقل مثله عن بعض علماء السلف من التصريح بهذه المباينة، فيحتمل غير هذا المعنى. ومن أجل ذلك أنكر المتكلمون هذه المباينة وقالوا: لا يقال في البارئ أنه مباين مخلوقاته، ولا متصل بها، لأن ذلك إنما يكون للمتحيزات. وما يقال من أن المحل لا يخلو عن الاتصاف بالمعنى وضده، فهو مشروط بصحة الاتصاف أولا، وأما مع امتناعه فلا، بل يجوز الخلو عن المعنى وضده، كما يقال في الجماد، لا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز ولا كاتب ولا أمي. وصحة الاتصاف بهذه المباينة مشروط بالحصول في الجهة على ما تقرر من مدلولها. والبارئ سبحانه منزه عن ذلك. ذكره ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين وقال: «ولا يقال في البارئ مباين للعالم ولا متصل به، ولا داخل فيه ولا خارج عنه. وهو معنى ما يقوله الفلاسفة أنه لا داخل العالم ولا خارجة، بناء على وجود الجواهر غير المتحيزة. وأنكرها ٦١٥
المتكلمون لما يلزم من مساواتها للبارئ في أخص الصفات، وهو مبسوط في علم الكلام.
وأما المعنى الآخر للمباينة، فهو المغايرة والمخالفة فيقال: البارئ مباين لمخلوقاته في ذاته وهويته ووجوده وصفاته. ويقابله الاتحاد والامتزاج والاختلاط. وهذه المباينة هي مذهب أهل الحق كلهم من جمهور السلف وعلماء الشرائع والمتكلمين والمتصوفة الأقدمين كأهل الرسالة ومن نحا منحاهم. وذهب جماعة من المتصوفة المتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية، إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته. وربما زعموا أنه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو، مثل أفلاطون وسقراط، وهو الذي يقينه المتكلمون حيث ينقلونه في علم الكلام عن المتصوفة ويحاولون الرد عليه لأنه ذاتان، تنتفي إحداهما، أو تندرج اندراج الجزء، فإن تلك مغايرة صريحة، ولا يقولون بذلك. وهذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح عليه السلام، وهو أغرب لأنه حلول قديم في محدث أو اتحاده به. وهو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة. وتقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أن ذات القديم كائنة في المحدثات محسوسها ومعقولها، متحدة بها في المتصورين، وهي كلها مظاهر له، وهو القائم عليها، أي المقدم لوجودها، بمعنى لولاه كانت عدما وهو رأي أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة وكأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية لمعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات والوجود والصفات. وغالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس والعقل بأن ذلك من المدارك البشرية، وهي أوهام. ولا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم والظن والشك، إنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، ووجود في المدرك ٦١٦
البشري فقط. ولا وجود بالحقيقة إلا للقديم، لا في الظاهر ولا في الباطن كما نقرره بعد، بحسب الإمكان. والتعويل في تعقل ذلك على النظر والاستدلال، كما في المدارك البشرية، غير مفيد، لأن ذلك إنما ينقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم. وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال. وربما قصد بعض المصنفين ذلك في كشف الموجودات وترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى بالأغمض فالأغمض.
وربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير. ويسمون هذا الصدور بالتجلي. وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني» وهذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء والرسل أجمعين والكمل من أهل الملة المحمدية. وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية. ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك، ثم عالم العناصر، ثم عالم التركيب. هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي ٦١٧
في عالم الفتق. ويسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات وهو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل. وربما أنكر بظاهر الشرع. هذا الترتيب وكذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة وهو رأي أغرب من الأول في تعقله وتفاريعه، يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموادها. والعناصر إنما كانت بما فيها من القوى وكذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها. ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كان بها التركيب، كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها وزيادة القوة المعدنية ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية وزيادة قوتها في نفسها وكذا القوة الإنسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية وزيادة. وكذا الذوات الروحانية والقوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الإلهية التي انبثت في جميع الموجودات كلية وجزئية وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه، لا من جهة الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ولا من جهة المادة فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية وهي في الحقيقة واحدة بسيطة والاعتبار هو المفصل لها كالإنسانية مع الحيوانية. ألا ترى أنها مندرجة فيها وكائنة بكونها. فتارة يمثلونها بالجنس مع النوع، في كل موجود كما ذكرناه وتارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال. وهم في هذا كله يفرون من التركيب والكثرة بوجه من الوجوه وإنما أوجبها عندهم الوهم والخيال. والذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من أن وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة بوجه. وكذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك الحسي، بل والموجودات ٦١٨
المعقولة والمتوهمة أيضا مشروطة بوجود المدرك العقلي فإذا الوجود المفصل كله مشروط بوجود المدرك البشري. فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحر والبرد والصلابة واللين بل والأرض والماء والنار والسماء والكواكب، إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها لما جعل في المدرك من التفصيل الذي ليس في الموجود وإنما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفصلة فلا تفصيل إنما هو إدراك واحد وهو أنا لا غيره. ويعتبرون ذلك بحال النائم فإنه إذا نام وفقد الحس الظاهر فقد كل محسوس وهو في تلك الحالة إلا ما يفصله له الخيال. قالوا: فكذا اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل بنوع مدركة البشري ولو قدر فقد مدركة فقد التفصيل وهذا هو معنى قولهم الموهم لا الوهم الذي هو من جملة المدارك البشرية. هذا ملخص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان وهو في غاية السقوط لأنا نقطع بوجود البلد الذي نحن مسافرون عنه وإليه يقينا مع غيبته عن أعيننا وبوجود السماء المظلة والكواكب وسائر الأشياء الغائبة عنا. والإنسان قاطع بذلك ولا يكابر أحد نفسه في اليقين مع أن المحققين من المتصوفة المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة ويسمى ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات ويعبرون عن ذلك بمقام الفرق وهو مقام العارف المحقق ولا بد للمريد عندهم من عقبة الجمع وهي عقبة صعبة لأنه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملئوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره. وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم. وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية ٦١٩
المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر. واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم. وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين.
يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله. ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال: «جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد» . وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية.
ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به. ثم قالوا بترتيب وجود الإبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء.
حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم رفعوه إلى علي رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا. وإلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا طريقة في لباس ولا حال. بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة. ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة.
تشهد بذلك سيرهم وأخبارهم، نعم إن الشيعة يخيلون بما ينعلون من ذلك اختصاص علي (رضي الله عنه) بالفضائل دون من سواه من الصحابة ذهابا مع عقائد التشيع المعروفة لهم. والذي يظهر أن المتصوفة بالعراق، لما ظهرت الإسماعيلية من الشيعة، وظهر كلامهم في الإمامة وما يرجع إليها ما هو معروف، فاقتبسوا من ذلك الموازنة بين الظاهر والباطن وجعلوا الإمامة لسياسة الخلف في الانقياد إلى الشرع، وأفردوه بذلك أن لا يقع اختلاف كما تقرر في الشرع. ثم جعلوا القطب لتعليم المعرفة بالله لأنه رأس العارفين، وأفردوه بذلك تشبيها بالإمام في الظاهر وأن يكون على وزانه في الباطن وسموه قطبا لمدار المعرفة ٦٢٠
عليه، وجعلوا الأبدال كالنقباء مبالغة في التشبيه فتأمل ذلك.
يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ومذاهبهم في كتبهم. والله يهدي إلى الحق.
تذييل: وقد رأيت أن أجلب هنا فصلا من كلام شيخنا العارف كبير الأولياء بالأندلس، أبي مهدي عيسى بن الزيات كان يقع له أكثر الأوقات على أبيات الهروي التي وقعت له في كتاب المقامات توهم القول بالوحدة المطلقة أو يكاد يصرح بها وهي قوله:
ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته ... تثنية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لأحد
فيقول رحمه الله على سبيل العذر عنه: «استشكل الناس إطلاق لفظ الجمود على كل من وحد الواحد ولفظ الإلحاد على من نعته ووصفه. واستبشعوا هذه الأبيات وحملوا قائلها على الكفر واستخفوه. ونحن نقول على رأي هذه الطائفة أن معنى التوحيد عندهم انتفاء عين الحدوث بثبوت عين القدم وأن الوجود كله حقيقة واحدة وانية واحدة. وقد قال أبو سعيد الجزار من كبار القوم: الحق عين ما ظهر وعين ما بطن. ويرون أن وقوع التعدد في تلك الحقيقة وجود الاثنينية.
وهم باعتبار حضرات الحس بمنزلة صور الضلال والصدا والمرأى. وأن كل ما سوى عين القدم، إذا استتبع فهو عدم. وهذا معنى: كان الله، ولا شيء معه، وهو الآن على ما هو عليه كان عندهم. ومعنى قول كبير الذي صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «ألا كل شيء، ما خلا الله باطل» . قالوا: فمن وحد ونعت، فقد قال بموجد محدث، هو نفسه، وتوحيد محدث هو فعله، موجود قديم، هو معبود. ٦٢١
وقد تقدم معنى التوحيد انتفاء عين الحدوث، وعين الحدوث، الآن ثابتة بل متعددة، والتوحيد مجحود والدعوى كاذبة. كمن يقول لغيره، وهما معا في بيت واحد: ليس في البيت غيرك، فيقول الآخر بلسان حاله: لا يصح هذا إلا لو عدمت أنت! وقد قال بعض المحققين في قولهم: «خلق الله الزمان» هذه ألفاظ تناقض أصولها لأن خلق الزمان متقدم على الزمان وهو فعل لا بد من وقوعه في الزمان، وإنما حمل ذلك ضيق العبارة عن الحقائق وعجز اللغات عن تأدية الحق فيها وبها. فإذا تحقق أن الموحد هو الموحد، وعدم ما سواه جملة، صح التوحيد حقيقة. وهذا معنى قولهم «لا يعرف الله إلا الله» ولا حرج على من وحد الحق مع بقاء الرسوم والآثار، وإنما هو من باب: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» . لأن ذلك لازم التقييد والعبودية والشفعية. ومن ترقى إلى مقام الجمع كان في حقه نقصا، مع علمه بمرتبته، وأنه تلبيس تستلزمه العبودية ويرمعه الشهود ويطهر من دنس حدوثه عين الجمع. وأعرق الأصناف في هذا الزعم القائلون بالوحدة المطلقة. ومدار المعرفة بكل اعتبار على الانتهاء إلى الواحد، وإنما صدر هذا القول من الناظم على سبيل التحريض والتنبيه والتفطين لمقام أعلى ترتفع فيه الشفعية ويحصل التوحيد المطلق عينا لا خطابا. وعبارة:
فمن سلم استراح ومن نازعته حقيقة أنس بقوله: كنت سمعه وبصره. وإذا عرفت المعاني لا مشاحة في الألفاظ. والذي يفيده هذا كله تحقق أمر فوق هذا الطور، لا نطق فيه ولا خبر عنه. وهذا المقدار من الإشارة كاف. والتعمق في مثل هذا حجاب، وهو الذي أوقع في المقالات المعروفة. انتهى كلام الشيخ أبي مهدي الزيات، ونقلته من كتاب الوزير ابن الخطيب الذي ألفه في المحبة، وسماه التعريف بالحب الشريف. وقد سمعته من شيخنا أبي مهدي مرارا، إلا أني رأيت رسوم الكتاب أوعى له، لطول عهدي به. والله الموفق.
ثم إن كثيرا من الفقهاء وأهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه ٦٢٢
المقالات وأمثالها وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة. والحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل فإن كلامهم في أربعة مواضع: أحدها الكلام على المجاهدات وما يحصل من الأذواق والمواجد ومحاسبة النفس على الأعمال لتحصل تلك الأذواق التي تصير مقاما ويترقى منه إلى غيره كما قلناه، وثانيها الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية والعرش والكرسي والملائكة والوحي والنبوة والروح وحقائق كل موجود غائب أو شاهد وتركيب الألوان في صدورها عن موجودها وتكونها كما مر، وثالثها التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات، ورابعها ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر ومحسن ومتأول. فأما الكلام في المجاهدات والمقامات وما يحصل من الأذواق والمواجد في نتائجها ومحاسبة النفس على التقصير في أسبابها فأمر لا مدفع فيه لأحد وأذواقهم فيه صحيحة والتحقق بها هو عين السعادة. وأما الكلام في كرامات القوم وأخبارهم بالمغيبات وتصرفهم في الكائنات فأمر صحيح غير منكر. وإن مال بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق. وما احتج به الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني من أئمة الأشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة فقد فرق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي وهو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به. قالوا: ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية فإن صفة نفسها التصديق. فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها وهو محال. هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات وإنكارها نوع مكابرة. وقد وقع للصحابة وأكابر السلف كثير من ذلك وهو معلوم مشهور. وأما الكلام في الكشف وإعطاء حقائق العلويات وترتيب صدور الكائنات فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه لما أنه وجداني عندهم وفاقد الوجدان عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه. واللغات لا تعطى له دلالة على مرادهم ٦٢٣
منه لأنها لم توضع إلا للمتعارف وأكثره من المحسوسات. فينبغي أن لا نتعرض لكلامهم في ذلك ونتركه فيما تركناه من المتشابه ومن رزقه الله فهم شيء من هذه الكلمات على الوجه الموافق لظاهر الشريعة فأكرم بها سعادة. وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه وصاحب الغيبة غير مخاطب والمجبور معذور. فمن علم منهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا وأمثاله وأن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد البسطامي وأمثاله. ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فمؤاخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه. وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه ولم يملكه الحال فمؤاخذ أيضا. ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله. والله أعلم. وسلف المتصوفة من أهل الرسالة أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب ولا هذا النوع من الإدراك إنما همهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا. ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن وأنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث وأن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان. وعلم الله أوسع وخلقه أكبر وشريعته بالهداية أملك فلا ينطقون بشيء مما يدركون. بل حظروا الخوض في ذلك ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع والاقتداء ويأمرون أصحابهم بالتزامها. وهكذا ينبغي أن يكون حال المريد والله الموفق للصواب ٦٢٤
الفصل الثامن عشر في علم تعبير الرؤيا
هذا العلم من العلوم الشرعية وهو حادث في الملة عند ما صارت العلوم صنائع وكتب الناس فيها. وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودا في السلف كما هو في الخلف. وربما كان في الملوك والأمم من قبل إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام. وإلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق ولا بد من تعبيرها. فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله عليه يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن. وكذلك ثبت عن الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله عنه والرؤيا مدرك من مدارك الغيب. وقال صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» . وقال: «لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» . وأول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين وإعزازه. وأما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو أن الروح القلبي وهو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشريانات ومع الدم في سائر البدن وبه تكمل أفعال القوى الحيوانية وإحساسها. فإذا أدركه الملال بكثرة التصرف في الإحساس بالحواس الخمس وتصريف القوى الظاهرة وغشي سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انحبس الروح من سائر أقطار البدن إلى مركزه القلبي فيستجم بذلك لمعاودة فعله فتعطلت الحواس الظاهرة كلها ٦٢٥
وذلك هو معنى النوم كما تقدم في أول الكتاب. ثم إن هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل من الإنسان والروح العاقل مدرك لجميع ما في عالم الأمر بذاته إذ حقيقته وذاته عين الإدراك. وإنما يمنع من تعلقه للمدارك الغيبية ما هو فيه من حجاب الاشتغال بالبدن وقواه وحواسه. فلو قد خلا من هذا الحجاب وتجرد عنه لرجع إلى حقيقته وهو عين الإدراك فيعقل كل مدرك. فإذا تجرد عن بعضها خفت شواغله فلا بد له من إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له وهو في هذه الحالة قد خفت شواغل الحس الظاهر كلها وهي الشاغل الأعظم فاستعد لقبول ما لك من المدارك اللائقة من عالمه. وإذا أدرك ما يدرك من عوالمه رجع به إلى بدنه. إذ هو ما دام في بدنه جسماني لا يمكنه التصرف إلا بالمدارك الجسمانية. والمدارك الجسمانية للعلم إنما هي الدماغية والمتصرف منها هو الخيال. فإنه ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة إليها عند النظر والاستدلال. وكذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول والخيال واسطة بينهما. ولذلك إذا أدركت النفس من عالمها ما تدركه ألقته إلى الخيال فيصوره بالصورة المناسبة له ويدفعه إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنه محسوس فيتنزل المدرك من الروح العقلي إلى الحسي. والخيال أيضا واسطة.
هذه حقيقة الرؤيا. ومن هذا التقرير يظهر لك الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الأحلام الكاذبة فإنها كلها صور في الخيال حالة النوم. ولكن إن كانت تلك الصور متنزلة من الروح العقلي المدرك فهو رؤيا. وإن كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام.
واعلم أن للرؤيا الصادقة علامات تؤذن بصدقها وتشهد بصحتها فيستشعر ٦٢٦
الرائي البشارة من الله مما ألقى إليه في نومه: فمنها سرعة انتباه الرائي عند ما يدرك الرؤيا، كأنه يعاجل الرجوع إلى الحس باليقظة ولو كان مستغرقا في نومه، لتقل ما ألقي عليه من ذلك الإدراك فيفر من تلك الحالة إلى حالة الحس التي تبقى النفس فيها منغمسة بالبدن وعوارضه، ومنها ثبوت ذلك الإدراك ودوامه بانطباع تلك الرؤيا بتفاصيلها في حفظه، فلا يتخللها سهو ولا نسيان.
ولا يحتاج إلى إحضارها بالفكر والتذكير، بل تبقى متصورة في ذهنه إذا انتبه.
ولا يغرب عنه شيء منها، لأن الإدراك النفساني ليس بزماني ولا يلحقه ترتيب، بل يدركه دفعة في زمن فرد. وأضغاث الأحلام زمانية، لأنها في القوى الدماغية يستخرجها الخيال من الحافظة إلى الحس المشترك كما قلناه. وأفعال البدن كلها زمانية فيلحقها الترتيب في الإدراك والمتقدم والمتأخر. ويعرض النسيان العارض للقوى الدماغية. وليس كذلك مدارك النفس الناطقة إذ ليست بزمانية، ولا ترتيب فيها. وما ينطبع فيها من الإدراكات فينطبع دفعة واحدة في أقرب من لمح البصر. وقد تبقى الرؤيا بعد الانتباه حاضرة في الحفظ أياما من العمر، لا تشذ بالغفلة عن الفكر بوجه إذا كان الإدراك الأول قويا، وإذا كان إنما يتذكر الرؤيا بعد الانتباه من النوم بإعمال الفكر والوجهة إليها، وينسى الكثير من تفاصيلها حتى يتذكرها فليست الرؤيا بصادقة، وإنما هي من أضغاث الأحلام. وهذه العلامات من خواص الوحي. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم «لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه 75: 16- 19» والرؤيا لها نسبة من النبوة والوحي كما في الصحيح. قال صلى الله عليه وسلم «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» فلخواصها أيضا نسبة إلى خواص النبوة، بذلك القدر، فلا تستبعد ذلك، فهذا وجه الحق.
والله الخالق لما يشاء.
وأما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركة وألقاه إلى الخيال ٦٢٧
فصوره فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء كما يدرك معنى السلطان الأعظم فيصوره الخيال بصورة البحر أو يدرك العداوة فيصورها الخيال في صورة الحية. فإذا استيقظ وهو لم يعلم من أمره إلا أنه رأى البحر أو الحية فينظر المعبر بقوة التشبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة وأن المدرك وراءها وهو يهتدي بقرائن أخرى تعين له المدرك فيقول مثلا: هو السلطان لأن البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه بها السلطان وكذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو لعظم ضررها وكذا الأواني تشبه بالنساء لأنهن أوعية وأمثال ذلك. ومن المرئي ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها ووضوحها أو لقرب الشبه فيها بين المدرك وشبهه. ولهذا وقع في الصحيح الرؤيا ثلاث:
رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان. فالرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل والتي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير والرؤيا التي من الشيطان هي الأضغاث. واعلم أن الخيال إذا ألقى إليه الروح مدركة. فإنما يصوره في القوالب المعتادة للحس وما لم يكن الحس أدركه قط من القوالب فلا يصور فيه شيئا فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر ولا العدو بالحية ولا النساء بالأواني لأنه لم يدرك شيئا من هذه وإنما يصور له الخيال أمثال هذه في شبهها ومناسبها من جنس مداركه التي هي المسموعات والمشمومات. وليتحفظ المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير وفسد قانونه. ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه. وتأويله كما يقولون: البحر يدل على السلطان، وفي موضع آخر يقولون: البحر يدل على الغيظ، وفي موضع آخر يقولون: البحر يدل على الهم والأمر الفادح. ومثل ما يقولون: الحية تدل على العدو، وفي موضع آخر ٦٢٨
يقولون: هي كاتم سر، وفي موضع آخر يقولون: تدل على الحياة وأمثال ذلك.
فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية، ويعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعين من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا. وتلك القرائن منها في اليقظة ومنها في النوم ومنها ما ينقدح في نفس المعبر بالخاصية التي خلقت فيه وكل ميسر لما خلق له. ولم يزل هذا العلم متناقلا بين السلف. وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء وكتب عنه في ذلك القوانين وتناقلها الناس لهذا العهد. وألف الكرماني فيه من بعده. ثم ألف المتكلمون المتأخرون وأكثروا. والمتداول بين أهل المغرب لهذا العهد كتب ابن أبي طالب القيرواني من علماء القيروان مثل الممتع وغيره وكتاب الإشارة للسالمي من أنفع الكتب فيه وأحضرها. وكذلك كتاب المرقبة العليا لابن راشد من مشيختنا بتونس. وهو علم مضيء بنور النبوة للمناسبة التي بينهما ولكونها كانت من مدارك الوحي كما وقع في الصحيح والله علام الغيوب.
الفصل التاسع عشر في العلوم العقلية وأصنافها
وأما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم ويستوون في مداركها ومباحثها. وهي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة وهي مشتملة على أربعة علوم: الأول علم المنطق وهو علم يعصم الذهن عن الخطإ في اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة وفائدته تمييز الخطإ من الصواب. فيما يلتمسه الناظر في ٦٢٩
(الموجودات وعوارضها) ليقف على تحقيق الحق في الكائنات نفيا وثبوتا بمنتهى فكره. ثم النظر بعد ذلك عندهم إما في المحسوسات من الأجسام العنصرية والمكونة عنها من المعدن والنبات والحيوان والأجسام الفلكية والحركات الطبيعية. والنفس التي تنبعث عنها الحركات وغير ذلك. ويسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي وهو العلم الثاني منها. وإما أن يكون النظر في الأمور التي وراء الطبيعة من الروحانيات ويسمونه العلم الإلهي وهو الثالث منها. والعلم الرابع وهو الناظر في المقادير ويشتمل على أربعة علوم وتسمى التعاليم. أولها:
علم الهندسة وهو النظر في المقادير على الإطلاق. إما المنفصلة من حيث كونها معدودة أو المتصلة وهي إما ذو بعد واحد وهو الخط أو ذو بعدين وهو السطح، أو ذو أبعاد ثلاثة وهو الجسم التعليمي. ينظر في هذه المقادير وما يعرض لها إما من حيث ذاتها أو من حيث نسبة بعضها إلى بعض. وثانيها علم الأرتماطيقي وهو معرفة ما يعرض للكم المنفصل الذي هو العدد ويؤخذ له من الخواص والعوارض اللاحقة. وثالثها علم الموسيقى وهو معرفة نسب الأصوات والنغم بعضها من بعض وتقديرها بالعدد وثمرته معرفة تلاحين الغناء. ورابعها علم الهيئة وهو تعيين الأشكال للأفلاك وحصر أوضاعها وتعددها لكل كوكب من السيارة والثابتة والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها ومن رجوعها واستقامتها وإقبالها وإدبارها. فهذه أصول العلوم الفلسفية وهي سبعة: المنطق وهو المقدم منها وبعده التعاليم فالأرتماطيقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات ولكل واحد منها فروع تتفرع عنه. فمن فروع الطبيعيات الطب ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن فروع الهيئة الأزياج وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك (ومن فروعها النظر في ٦٣٠
النجوم على الأحكام النجومية) ونحن نتكلم عليها واحدا بعد واحد إلى آخرها.
واعلم أن أكثر من عني بها في الأجيال الذين عرفنا أخبارهم الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام وهما فارس والروم فكانت أسواق العلوم نافقة لديهم على ما بلغنا لما كان العمران موفورا فيهم والدولة والسلطان قبل الإسلام وعصره لهم فكان لهذه العلوم بحور زاخرة في آفاقهم وأمصارهم. وكان للكلدانيين ومن قبلهم من السريانيين ومن عاصرهم من القبط عناية بالسحر والنجامة وما يتبعها من الطلاسم وأخذ ذلك عنهم الأمم من فارس ويونان فاختص بها القبط وطمى بحرها فيهم كما وقع في المتلو من خبر هاروت وماروت وشأن السحرة وما نقله أهل العلم من شأن البراري بصعيد مصر. ثم تتابعت الملل بحظر ذلك وتحريمه فدرست علومه وبطلت كأن لم تكن إلا بقايا يتناقلها منتحلو هذه الصنائع. والله أعلم بصحتها. مع أن سيوف الشرع قائمة على ظهورها مانعة من اختبارها. وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ونطاقها متسعا لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال الملك. ولقد يقال إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قتل الإسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية فاستولى على كتبهم وعلومهم. إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس، وأصابوا من كتبهم وصحائف علومهم مما لا يأخذه الحصر ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا. وأما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا وكان لهذه العلوم بينهم مجال رحب وحملها مشاهير من رجالهم مثل ٦٣١
أساطين الحكمة وغيرهم. واختص فيها المشاءون منهم أصحاب الرواق بطريقة حسنة في التعليم كانوا يقرءون في رواق يظلهم من الشمس والبرد على ما زعموا.
واتصل فيها سند تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط الدن، ثم إلى تلميذه أفلاطون ثم إلى تلميذه أرسطو ثم إلى تلميذه الإسكندر الأفرودسي، وتامسطيون وغيرهم. وكان أرسطو معلما للإسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ملكهم وانتزع الملك من أيديهم. وكان أرسخهم في هذه العلوم قدما وأبعدهم فيه صيتا وشهرة. وكان يسمى المعلم الأول فطار له في العالم ذكر.
ولما انقرض أمر اليونان وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها. وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدة باقية في خزائنهم ثم ملكوا الشام وكتب هذه العلوم باقية فيهم. ثم جاء الله بالإسلام وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له وابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم. وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع حتى إذا تبحبح من السلطان والدولة وأخذ الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم وتفننوا في الصنائع والعلوم. تشوقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الأساقفة والاقسة المعاهدين بعض ذكر منها وبما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها.
فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فبعث إليه بكتاب أوقليدس وبعض كتب الطبيعيات. فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها وازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها. وجاء المأمون بعد ذلك وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا وأوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك فأوعى منه واستوعب. وعكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها. وخالفوا كثيرا من آراء المعلم ٦٣٢
الأول واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده. ودونوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم وكان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي وأبو علي بن سينا بالمشرق والقاضي أبو الوليد بن رشد والوزير أبو بكر بن الصائغ بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم. واختص هؤلاء بالشهرة والذكر واقتصر كثيرون على انتحال التعاليم وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر والطلسمات. ووقفت الشهرة في هذا المنتحل على جابر بن حيان من أهل المشرق ومسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الأندلس وتلميذه. ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه. ولو شاء الله ما فعلوه. ثم إن المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران بهما وتناقصت العلوم بتناقصه اضمحل ذلك منهما إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس وتحت رقبة من علماء السنة. ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة وخصوصا في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر وأنهم على بح من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم. ولقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشتهر بسعد الدين التفتازاني منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم. وفي أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية وقدما عالية في سائر الفنون العقلية والله يؤيد بنصره من يشاء. كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق وأن رسومها هناك متجددة ومجالس تعليمها متعددة ودواوينها جامعة متوفرة وطلبتها متكثرة والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار. ٦٣٣
الفصل العشرون في العلوم العددية
وأولها الأرتماطيقي وهو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف إما على التوالي أو بالتضعيف مثل أن الأعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فإن جمع الطرفين منها مساو لجمع كل عددين بعدهما من الطرفين بعد واحد ومثل ضعف الواسطة إن كانت عدة تلك الأعداد فردا مثل الأفراد على تواليها والأزواج على تواليها ومثل أن الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها إلخ، أو يكون أولها ثلث ثانيها وثانيها ثلث ثالثها إلخ، فإن ضرب الطرفين أحدهما في الآخر كضرب كل عددين بعدهما من الطرفين بعد واحد أحدهما في الآخر. ومثل مربع الواسطة إن كانت العدة فردا وذلك مثل أعداد زوج الزوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستة عشر ومثل ما يحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية والمربعات والمخمسات والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن يجمع من الواحد إلى العدد الأخير فتكون مثلثة. وتتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ثم تزيد على كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مربعة. وتزيد على كل مربع مثلث الضلع الذي قبله فتكون مخمسة وهلم جرا. وتتوالى الأشكال على توالي الأضلاع ويحدث جدول ذو طول وعرض. ففي عرضه الأعداد على تواليها ثم المثلثات على تواليها ثم المربعات ثم المخمسات إلخ وفي طوله كل عدد وأشكاله بالغا ما بلغ وتحدث في جمعها وقسمة بعضها على بعض طولا وعرضا خواص غريبة استقريت منها وتقررت في دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزوج والفرد وزوج الزوج وزوج ٦٣٤
الفرد وزوج الزوج والفرد فإن لكل منها خواص مختصة به تضمنها هذا الفن وليست في غيره. وهذا الفن أول أجزاء التعاليم وأثبتها ويدخل في براهين الحساب. وللحكماء المتقدمين والمتأخرين فيه تآليف، وأكثرهم يدرجونه في التعاليم ولا يفردونه بالتآليف. فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء والنجاة وغيره من المتقدمين. وأما المتأخرون فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول ومنفعته في البراهين لا في الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين الحسابية كما فعله ابن البناء في كتاب رفع الحجاب وغيره والله سبحانه وتعالى أعلم. ومن فروع علم العدد صناعة الحساب. وهي صناعة علمية في حساب الأعداد بالضم والتفريق. فالضم يكون في الأعداد بالأفراد وهو الجمع.
وبالتضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر وهذا هو الضرب والتفريق أيضا يكون في الأعداد إما بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقي وهو الطرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدتها محصلة وهو القسمة. وسواء كان هذا الضم والتفريق في الصحيح من العدد أو الكسر. ومعنى الكسر نسبة عدد إلى عدد وتلك النسبة تسمى كسرا. وكذلك يكون بالضم والتفريق في الجذور ومعناها العدد الذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربع. فإن تلك الجذور أيضا يدخلها الضم والتفريق وهذه الصناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات وألف الناس فيها كثيرا وتداولوها في الأمصار بالتعليم للولدان. ومن أحسن التعليم عندهم الابتداء بها لأنها معارف متضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درب على الصواب. وقد يقال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره إنه يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس فيصير ذلك خلقا ويتعود الصدق ويلازمه مذهبا. ومن أحسن التآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصغير. ولابن البناء المراكشي فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثم شرحه بكتاب سماه رفع الحجاب وهو مستغلق على ٦٣٥
المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني وهو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه وهو كتاب جدير بذلك. وساوق فيه المؤلف رحمه الله كتاب فقه الحساب، لابن منعم والكامل للأحدب، ولخص براهينها وغيرها عن اصطلاح الحروف فيها إلى علل معنوية ظاهرة، هي سر الإشارة بالحروف وزبدتها. وهي كلها مستغلقة، وإنما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التعاليم لأن مسائلها وأعمالها واضحة كلها. وإذا قصد شرحها فإنما هو إعطاء العلل في تلك الأعمال. وفي ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمله. والله يهدي بنوره من يشاء وهو القوي المتين ومن فروعه الجبر والمقابلة. وهي صناعة يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك. فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التضعيف بالضرب. أولها العدد لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه وثانيها الشيء لأن كل مجهول فهو من جهة إبهامه شيء وهو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثانية وثالثها المال وهو أمر مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة الأس في المضروبين. ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحا. ويحطون المراتب إلى أقل الأسوس إن أمكن حتى يصير إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم وهي العدد والشيء والمال. فإن كانت المعادلة بين واحد وواحد تعين فالمال والجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعين.
والمال وإن عادل الجذور فيتعين بعدتها. وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل الهندسي من طريق تفصيل الضرب في الاثنين وهي مبهمة فيعينها ذلك الضرب المفصل. ولا يمكن المعادلة بين اثنين واثنين. وأكثر ما انتهت ٦٣٦
المعادلة بينهم إلى ست مسائل لأن المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركبة تجيء ستة. وأول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم، وجاء الناس على أثره فيه. وكتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه. وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا ومن أحسن شروحاته كتاب القرشي. وقد بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات إلى أكثر من هذه الستة الأجناس، وبلغها إلى فوق العشرين واستخرج لها كلها أعمالا وأتبعه ببراهين هندسية. والله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه وتعالى ومن فروعه أيضا المعاملات. وهو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات يصرف في صناعتنا ذلك الحساب في المجهول والمعلوم والكسر والصحيح والجذور وغيرها. والغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران والدربة بتكرار العمل حتى ترسخ الملكة في صناعة الحساب. ولأهل الصناعة الحسابية من أهل الأندلس تآليف فيها متعددة من أشهرها معاملات الزهراوي وابن السمح وأبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة المجريطي وأمثالهم ومن فروعه أيضا الفرائض. وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح وسهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره ومعلومه ومجهوله وترتب على ترتيب ٦٣٧
أبواب الفرائض الفقهية ومسائلها. فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة من الفروض والعول والإقرار والإنكار والوصايا والتدبير وغير ذلك من مسائلها وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السهمان باعتبار الحكم الفقهي وهي من أجل العلوم. وقد يورد أهلها أحاديث نبوية تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم وأنها أول ما يرفع من العلوم وغير ذلك. وعندي أن ظواهر تلك الأحاديث كلها إنما هي في الفرائض العينية كما تقدم لا فرائض الوراثات فإنها أقل من أن تكون في كميتها ثلث العلم. وأما الفرائض العينية فكثيرة وقد ألف الناس في هذا الفن قديما وحديثا وأوعبوا ومن أحسن التآليف فيه على مذهب مالك رحمه الله كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفي وكتاب ابن المنمر والجعدي والصردي وغيرهم. لكن الفضل للحوفي فكتابه مقدم على جميعها. وقد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله محمد بن سليمان الشطي كبير مشيخة فاس فأوضح وأوعب. ولإمام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعه في العلوم، ورسوخ قدمه، وكذا للحنفية والحنابلة. ومقامات الناس في العلوم مختلفة. والله يهدي من يشاء بمنه وكرمه لا رب سواه. ٦٣٨
الفصل الحادي والعشرون في العلوم الهندسية
هذا العلم هو النظر في المقادير إما المتصلة كالخط والسطح والجسم وإما المنفصلة كالأعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية. مثل أن كل مثلث فزواياه مثل قائمتين. ومثل أن كل خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو خرجا إلى غير نهاية. ومثل أن كل خطين متقاطعين فالزاويتان المتقابلتان منهما متساويتان. ومثل أن الأربعة مقادير المتناسبة ضرب الأول منها في الثالث كضرب الثاني في الرابع وأمثال ذلك. والكتاب المترجم لليونانيين في هذه الصناعة كتاب أوقليدس ويسمى كتاب الأصول وكتاب الأركان وهو أبسط ما وضع فيها للمتعلمين وأول ما ترجم من كتاب اليونانيين في الملة أيام أبي جعفر المنصور ونسخه مختلفة باختلاف المترجمين. فمنها لحنين بن إسحاق ولثابت بن قرة وليوسف بن الحجاج ويشتمل على خمس عشرة مقالة، أربع في السطوح وواحدة في الأقدار المتناسبة وأخرى في نسب السطوح بعضها إلى بعض وثلاث في العدد والعاشرة في المنطقات والقوى على المنطقات ومعناه الجذور وخمس في المجسمات. وقد اختصره الناس اختصارات كثيرة كما فعله ابن سينا في تعاليم الشفاء. أفرد له جزءا منها اختصه به. وكذلك ابن الصلت في كتاب الاقتصار وغيرهم. وشرحه آخرون شروحا كثيرة وهو مبدأ العلوم الهندسية بإطلاق. واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأن براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطإ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع وقد زعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون: «من لم يكن مهندسا ٦٣٩
فلا يدخلن منزلنا» وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون: «ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران» . وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه. ومن فروع هذا الفن الهندسة المخصوصة بالأشكال الكروية والمخروطات. أما الأشكال الكروية ففيها كتابان من كتب اليونانيين لثاوذوسيوس وميلاوش في سطوحها وقطوعها وكتاب ثاوذوسيوس مقدم في التعليم على كتاب ميلاوش لتوقف كثير من براهينه عليه. ولا بد منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لأن براهينها متوقفة عليه.
فالكلام في الهيئة كله كلام في الكرات السماوية وما يعرض فيها من القطوع والدوائر بأسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقف على معرفة أحكام الأشكال الكروية سطوحها وقطوعها. وأما المخروطات فهو من فروع الهندسة أيضا. وهو علم ينظر فيما يقع في الأجسام المخروطة من الأشكال والقطوع ويبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ببراهين هندسية متوقفة على التعليم الأول.
وفائدتها تظهر في الصنائع العملية التي موادها الأجسام مثل النجارة والبناء وكيف تصنع التماثيل الغريبة والهياكل النادرة وكيف يتخيل على جر الأثقال ونقل الهياكل بالهندام والميخال وأمثال ذلك. وقد أفرد بعض المؤلفين في هذا الفن كتابا في الحيل العلمية يتضمن من الصناعات الغريبة والحيل المستظرفة كل عجيبة. وربما استغلق على الفهوم لصعوبة براهينه الهندسية وهو موجود بأيدي الناس ينسبونه إلى بني شاكر. والله تعالى أعلم ومن فروع الهندسة المساحة وهو فن يحتاج إليه في مسح الأرض ومعناه استخراج مقدار الأرض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما ونسبة أرض من أرض إذ قويست بمثل ذلك. ويحتاج إلى ذلك في توظيف الخراج على المزارع والفدن وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط والأراضي بين الشركاء أو الورثة وأمثال ذلك. وللناس فيها موضوعات حسنة وكثيرة والله الموفق للصواب بمنه وكرمه المناظرة من فروع الهندسة وهو ٦٤٠
علم يتبين به أسباب الغلط في الإدراك البصري بمعرفة كيفية وقوعها بناء على أن إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه نقطة الباصر وقاعدته المرئي. ثم يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا. وكذا رؤية الأشباح الصغيرة تحت الماء ووراء الأجسام الشفافة كبيرة ورؤية النقطة النازلة من المطر خطا مستقيما والسلقة دائرة وأمثال ذلك. فيتبين في هذا العلم أسباب ذلك وكيفياته بالبراهين الهندسية ويتبين به أيضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض الذي يبنى عليه معرفة رؤية الأهلة وحصول الكسوفات وكثير من أمثال هذا. وقد ألف في هذا الفن كثير من اليونانيين. وأشهر من ألف فيه من الإسلاميين ابن الهيثم. ولغيره أيضا تآليف وهو من هذه الرياضة وتفاريعها.
الفصل الثاني والعشرون في علم الهيئة
وهو علم ينظر في حركات الكواكب الثابتة والمحركة والمتحيرة. ويستدل بكيفيات تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية. كما يبرهن على أن مركز الأرض مباين لمركز فلك الشمس بوجود حركة الإقبال والإدبار وكما يستدل بالرجوع والاستقامة للكواكب على وجود أفلال صغيرة حاملة لها متحركة داخل فلكها الأعظم وكما يبرهن على وجود الفلك الثامن بحركة الكواكب الثابتة وكما يبرهن على تعدد الأفلاك للكوكب الواحد بتعداد الميول له وأمثال ذلك. وإدراك الموجود من الحركات وكيفياتها وأجناسها إنما هو بالرصد فإنا إنما علمنا حركة الإقبال ٦٤١
والإدبار به. وكذا تركيب الأفلاك في طبقاتها وكذا الرجوع والاستقامة وأمثال ذلك. وكان اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون له الآلات التي توضع ليرصد بها حركة الكوكب المعين. وكانت تسمى عندهم ذات الحلق وصناعة عملها والبراهين عليه في مطابقة حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي الناس.
وأما في الإسلام فلم تقع به عناية إلا في القليل. وكان في أيام المأمون شيء منه وصنع هذه الآلة المعروفة للرصد المسماة ذات الحلق. وشرع في ذلك فلم يتم.
ولما مات ذهب رسمه وأغفل واعتمد من بعده على الأرصاد القديمة وليست بمغنية لاختلاف الحركات باتصال الأحقاب. وأن مطابقة حركة الآلة للرصد بحركة الأفلاك والكواكب إنما هو بالتقريب. وهذه الهيئة صناعة شريفة وليست على ما يفهم في المشهور أنها تعطي صورة السماوات وترتيب الأفلاك والكواكب بالحقيقة بل إنما تعطي أن هذه الصور والهيئات للأفلاك لزمت عن هذه الحركات. وأنت تعلم أنه لا يبعد أن يكون الشيء الواحد لازما لمختلفين وإن قلنا إن الحركات لازمة فهو استدلال باللازم على وجود الملزوم ولا يعطي الحقيقة بوجه على أنه علم جليل وهو أحد أركان التعاليم. ومن أحسن التآليف فيه كتاب المجسطي منسوب لبطليموس. وليس من ملوك اليونان الذين أسماؤهم بطليموس على ما حققه شراح الكتاب. وقد اختصره الأئمة من حكماء الإسلام كما فعله ابن سينا وأدرجه في تعاليم الشفاء. ولخصه ابن رشد أيضا من حكماء الأندلس وابن السمح وابن أبي الصلت في كتاب الاقتصار. ولابن الفرغاني هيئة ملخصة قربها وحذف براهينها الهندسية. والله علم الإنسان ما لم يعلم. سبحانه لا إله إلا هو رب العالمين. ومن فروعه علم الأزياج . وهي صناعة حسابية على قوانين عددية فيما يخص كل كوكب من طريق حركته وما أدى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطء واستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع ٦٤٢
الكواكب في أفلاكها لأي وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة. ولهذه الصناعة قوانين كالمقدمات والأصول لها في معرفة الشهور والأيام والتواريخ الماضية وأصول متقررة من معرفة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جدول مرتبة تسهيلا على المتعلمين وتسمى الأزياج، ويسمى استخراج مواضع الكواكب للوقت المفروض لهذه الصناعة تعديلا وتقويما. وللناس فيه تآليف كثيرة للمتقدمين والمتأخرين مثل البتاني وابن الكماد. وقد عول المتأخرون لهذا العهد بالمغرب على زيج منسوب لابن إسحاق من منجمي تونس في أول المائة السابعة. ويزعمون أن ابن إسحاق عول فيه على الرصد. وأن يهوديا كان بصقلية ماهرا في الهيئة والتعاليم وكان قد عني بالرصد وكان يبعث إليه بما يقع في ذلك من أحوال الكواكب وحركاتها فكان أهل المغرب لذلك عنوا به لوثاقة مبناه على ما يزعمون. ولخصه ابن البناء في آخر سماه المنهاج فولع به الناس لما سهل من الأعمال فيه وإنما يحتاج إلى مواضع الكواكب من الفلك لتبتني عليها الأحكام النجومية وهو معرفة الآثار التي تحدث عنها بأوضاعها في عالم الإنسان من الملك والدول والمواليد البشرية والكوائن الحادثة كما نبينه بعد ونوضح فيه أدلتهم إن شاء الله تعالى. والله الموفق لما يحبه ويرضاه لا معبود سواه. ٦٤٣
الفصل الثالث والعشرون في علم المنطق
وهو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعرفة للماهيات والحجج المفيدة للتصديقات وذلك لأن الأصل في الإدراك إنما هو المحسوسات بالحواس الخمس. وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الإدراك من الناطق وغيره وإنما يتميز الإنسان عنها بإدراك الكليات وهي مجردة من المحسوسات. وذلك بأن يحصل في الخيال من الأشخاص المتفقة صورة منطبقة على جميع تلك الأشخاص المحسوسة وهي الكلي. ثم ينظر الذهن بين تلك الأشخاص المتفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض فيحصل له صورة تنطبق أيضا عليهما باعتبار ما اتفقا فيه. ولا يزال يرتقي في التجريد إلى الكل الذي لا يجد كليا آخر معه يوافقه فيكون لأجل ذلك بسيطا. وهذا مثل ما يجرد من أشخاص الإنسان صورة النوع المنطبقة عليها. ثم ينظر بينه وبين الحيوان ويجرد صورة الجنس المنطبقة عليهما. ثم ينظر بينهما وبين النبات إلى أن ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر فلا يجد كليا يوافقه في شيء فيقف العقل هنالك عن التجريد. ثم إن الإنسان لما خلق الله له الفكر الذي به يدرك العلوم والصنائع وكان العلم: إما تصورا للماهيات ويعنى به إدراك ساذج من غير حكم معه وإما تصديقا أي حكما بثبوت أمر لأمر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إما بأن تجمع تلك الكليات بعضها إلى بعض على جهة التأليف فتحصل صورة في الذهن كلية منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصورة الذهنية مفيدة لمعرفة ماهية تلك الأشخاص وإما بأن يحكم بأمر على أمر فيثبت له ويكون ذلك تصديقا. وغايته في الحقيقة راجعة إلى التصور لأن فائدة ذلك إذا حصل إنما هي معرفة حقائق ٦٤٤
الأشياء التي هي مقتضى العلم الحكمي. وهذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية ليتميز الصحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطق. وتكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملا جملا ومفترقا مفترقا. ولم تهذب طرقه ولم تجمع مسائله حتى ظهر في يونان أرسطو فهذب مباحثه ورتب مسائله وفصوله وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها. ولذلك يسمى بالمعلم الأول وكتابه المخصوص بالمنطق يسمى النص وهو يشتمل على ثمانية كتب أربعة منها في صورة القياس وأربعة في مادته. وذلك أن المطالب التصديقية على أنحاء. فمنها ما يكون المطلوب فيه اليقين بطبعه ومنها ما يكون المطلوب فيه الظن وهو على مراتب فينظر في القياس من حيث المطلوب الذي يفيده وما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك الاعتبار ومن أي جنس يكون من العلم أو من الظن. وقد ينظر في القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصة. ويقال للنظر الأول إنه من حيث المادة ونعني به المادة المنتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظن ويقال للنظر الثاني إنه من حيث الصورة وإنتاج القياس على الإطلاق فكانت لذلك كتب المنطق ثمانية:
الأول في الأجناس العالية التي ينتهي إليها تجريد المحسوسات وهي التي ليس فوقها جنس ويسمى كتاب المقولات. والثاني في القضايا التصديقية وأصنافها ويسمى كتاب العبارة. والثالث في القياس وصورة إنتاجه على الإطلاق ويسمى كتاب القياس وهذا آخر النظر من حيث الصورة. ثم الرابع كتاب البرهان وهو النظر في القياس المنتج لليقين وكيف يجب أن تكون مقدماته يقينية. ويختص بشروط أخرى لإفادة اليقين مذكورة فيه مثل كونها ذاتية وأولية وغير ذلك. وفي هذا الكتاب الكلام في المعرفات والحدود إذ المطلوب فيها إنما هو اليقين لوجوب ٦٤٥
المطابقة بين الحد والمحدود لا تحتمل غيرها فلذلك اختصت عند المتقدمين بهذا الكتاب. والخامس: كتاب الجدل وهو القياس المفيد قطع المشاغب وإفحام الخصم وما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات ويختص أيضا من جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض وهي مذكورة هناك. وفي هذا الكتاب يذكر المواضع التي يستنبط منها صاحب القياس قياسه وفيه عكوس القضايا. والسادس: كتاب السفسطة وهو القياس الذي يفيد خلاف الحق ويغالط به المناظر صاحبه وهو فاسد وهذا إنما كتب ليعرف به القياس المغالطي فيحذر منه. والسابع: كتاب الخطابة وهو القياس المفيد ترغيب الجمهور وحملهم على المراد منهم وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات. والثامن:
كتاب الشعر وهو القياس الذي يفيد التمثيل والتشبيه خاصة للإقبال على الشيء أو النفرة عنه وما يجب أن يستعمل فيه من القضايا التخيلية. هذه هي كتب المنطق الثمانية عند المتقدمين. ثم إن حكماء اليونانيين بعد أن تهذبت الصناعة ورتبت رأوا أنه لا بد من الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور المطابق للماهيات في الخارج، أو لأجزائها أو عوارضها وهي الجنس والفصل والنوع والخاص والعرض العام، فاستدركوا فيها مقالة تختص بها مقدمة بين يدي الفن فصارت تسعا وترجمت كلها في الملة الإسلامية. وكتبها وتداولها فلاسفة الإسلام بالشرح والتلخيص كما فعله الفارابي وابن سينا ثم ابن رشد من فلاسفة الأندلس. ولابن سينا كتاب الشفاء استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها. ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق وألحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته وهي الكلام في الحدود والرسوم نقلوها من كتاب البرهان. وحذفوا كتاب المقولات لأن نظر المنطقي فيه بالعرض لا بالذات. وألحقوا في كتاب العبارة الكلام في العكس . وإن كان من كتاب الجدل في كتب المتقدمين لكنه من ٦٤٦
توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادة وحدقوا النظر فيه بحسب المادة وهي الكتب الخمسة: البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة. وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما وأغفلوها كأن لم تكن هي المهم المعتمد في الفن. ثم تكلموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا ونظروا فيه من حيث إنه فن برأسه لا من حيث إنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتسع. وأول من فعل ذلك الإمام فخر الدين بن الخطيب ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلى كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد. وله في هذه الصناعة كتاب كشف الأسرار وهو طويل واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التعليم ثم مختصر الجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفن وأصوله فتداوله المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به. وهجرت كتب المتقدمين وطرقهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته كما قلناه.
والله الهادي للصواب.
اعلم أن هذا الفن قد اشتد النكير على انتحاله من متقدمي السلف والمتكلمين، وبالغوا في الطعن عليه والتحذير منه، وحظروا تعلمه وتعليمه.
وجاء المتأخرون من بعدهم من لدن الغزالي والإمام ابن الخطيب، فسامحوا في ذلك بعض الشيء. وأكب الناس على انتحاله من يومئذ إلا قليلا، يجنحون فيه إلى رأي المتقدمين، فينفرون عنه ويبالغون في إنكاره. فلنبين لك نكتة القبول والرد في ذلك، لتعلم مقاصد العلماء في مذاهبهم، وذلك أن المتكلمين لما وضعوا علم الكلام لنصر العقائد الإيمانية بالحجج العقلية، كانت طريقتهم في ذلك بأدلة خاصة وذكروها في كتبهم كالدليل على حدث العالم بإثبات الأعراض وحدوثها، وامتناع خلو الأجسام عنها، وما لا يخلو عن الحوادث حادث.
وكإثبات التوحيد بدليل التمانع، وإثبات الصفات القديمة بالجوامع الأربعة إلحاقا للغائب بالشاهد، وغير ذلك من أدلتهم المذكورة في كتبهم. ثم مرروا تلك ٦٤٧
الادلة بتمهيد قواعد وأصول هي كالمقدمات لها مثل إثبات الجوهر الفرد والزمن الفرد والخلاء بين الأجسام ونفي الطبيعة والتركيب العقلي للماهيات. وأن العرض لا يبقى زمنين وإثبات الحال وهي صفة لموجود، لا موجودة ولا معدمة وغير ذلك من قواعدهم التي بنوا عليها أدلتهم الخاصة. ثم ذهب الشيخ أبو الحسن، والقاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق إلا أن أدلة العقائد منعكسة بمعنى أنها إذا بطلت بطل مدلولها. ولهذا رأى القاضي أبو بكر أنها بمثابة العقائد والقدح فيها قدح في العقائد لابتنائها عليها. وإذا تأملت المنطق وجدته كله يدور على التركيب العقلي، وإثبات الكلي الطبيعي في الخارج لينطبق عليه الكلي الذهني المنقسم إلى الكليات الخمس، التي هي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام، وهذا باطل عند المتكلمين. والكلي والذاتي عندهم إنما اعتبار ذهني ليس في الخارج ما يطابقه، أو حال عند من يقول بها فتبطل الكليات الخمس والتعريف المبني عليها. والمقولات العشر، ويبطل العرض الذاتي، فتبطل ببطلانه القضايا الضرورية الذاتية المشروطة في البرهان وتبطل المواضع التي هي لباب كتاب الجدل. وهي التي يؤخذ منها الوسط الجامع بين الطرفين في القياس، ولا يبقى إلا القياس الصوري، ومن التعريفات المساوئ في الصادقية على أفراد المحمود، لا يكون أعم منها، فيدخل غيرها، ولا أخص فيخرج بعضها، وهو الذي يعبر عنه النحاة بالجمع والمنع والمتكلمون بالطرد والعكس، وتنهدم أركان المنطق جملة. وإن أثبتنا هذه كما في علم المنطق أبطلنا كثيرا من مقدمات المتكلمين فيؤدي إلى إبطال أدلتهم على العقائد كما مر. فلهذا بالغ المتقدمون من المتكلمين في النكير على انتحال المنطق وعده بدعة أو كفرا على نسبة الدليل الذي يبطل. والمتأخرون من لدن الغزالي لما أنكروا انعكاس الأدلة، ولم يلزم عندهم من بطلان الدليل بطلان مدلوله، وصح عندهم رأي أهل المنطق في التركيب العقلي ووجود الماهيات الطبيعية وكلياتها ٦٤٨
في الخارج، قضوا بأن المنطق غير مناف للعقائد الإيمانية، وإن كان منافيا لبعض أدلتها، بل قد يستدلون على إبطال كثير من تلك المقدمات الكلامية، كنفي الجوهر الفرد والخلاء وبقاء الأعراض وغيرها، ويستبدلون من أدلة المتكلمين على العقائد بأدلة أخرى يصححونها بالنظر والقياس العقلي. ولم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنية بوجه. وهذا رأي الإمام والغزالي وتابعهما لهذا العهد، فتأمل ذلك واعرف مدارك العلماء ومآخذهم فيما يذهبون إليه. والله الهادي والموفق للصواب.
الفصل الرابع والعشرون في الطبيعيات
وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون فينظر في الأجسام السماوية والعنصرية وما يتولد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك. وفي مبدإ الحركة للأجسام وهو النفس على تنوعها في الإنسان والحيوان والنبات. وكتب أرسطو فيه موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم من علوم الفلسفة أيام المأمون وألف الناس على حذوها مستتبعين لها بالبيان والشرح وأوعب من ألف في ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة كما قدمنا ثم لخصه في كتاب النجا وفي كتاب الإشارات وكأنه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها ويقول برأيه فيها. وأما ابن رشد فلخص كتب أرسطو وشرحها متبعا له غير مخالف. وألف الناس في ذلك كثيرا لكن هذه هي المشهورة لهذا العهد والمعتبرة في الصناعة. ولأهل المشرق عناية بكتاب الإشارات لابن سينا وللإمام ابن الخطيب عليه شرح حسن وكذا الآمدي وشرحه ٦٤٩
أيضا نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه من أهل المشرق وبحث مع الإمام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره وبحوثه وفوق كل ذي علم عليم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 2: 213.
الفصل الخامس والعشرون في علم الطب
ومن فروع الطبيعيات صناعة الطب وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها وما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها وعلى المرض بالعلامات المؤذن بنضجه وقبوله الدواء أولا: في السجية والفضلات والنبض محاذين لذلك قوة الطبيعة فإنها المدبرة في حالتي الصحة والمرض. وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن ويسمى العلم الجامع لهذا كله علم الطب.
وربما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام وجعلوه علما خاصا، كالعين وعللها وأكحالها. وكذلك ألحقوا بالفن من منافع الأعضاء ومعناها المنفعة التي لأجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني. وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه. وإمام هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين جالينوس يقال إنه كان معاصرا لعيسى عليه السلام ويقال إنه مات بصقلية في سبيل تغلب ومطاوعة اغتراب. وتآليفه فيها هي الأمهات التي ٦٥٠
اقتدى بها جميع الأطباء بعده. وكان في الإسلام في هذه الصناعة أئمة جاءوا من وراء الغاية مثل الرازي والمجوسي وابن سينا ومن أهل الأندلس أيضا كثير وأشهرهم ابن زهر. وهي لهذا العهد في المدن الإسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران وتناقصه وهي من الصنائع التي لا تستدعيها إلا الحضارة والترف كما نبينه بعد. وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره.
والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء وإنما هو أمر كان عاديا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل.
فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» . فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع فليس هناك ما يدل عليه اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع. وليس ذلك في الطب المزاجي وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل ونحوه والله الهادي إلى الصواب لا رب سواه. ٦٥١
الفصل السادس والعشرون في الفلاحة
هذه الصناعة من فروع الطبيعيات وهي النظر في النبات من حيث تنميته ونشؤه بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك وكان للمتقدمين بها عناية كثيرة وكان النظر فيها عندهم عاما في النبات من جهة غرسه وتنميته ومن جهة خواصه وروحانيته ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كله في باب السحر فعظمت عنايتهم به لأجل ذلك. وترجم من كتب اليونانيين كتاب الفلاحة النبطية منسوبة لعلماء النبط مشتملة من ذلك على علم كبير. ولما نظر أهل الملة فيما اشتمل عليه هذا الكتاب وكان باب السحر مسدودا والنظر فيه محظورا فاقتصروا منه على الكلام في النبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك وحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة. واختصر ابن العوام كتاب الفلاحة النبطية على هذا المنهاج وبقي الفن الآخر منه مغفلا، نقل منه مسلمة في كتبه السحرية أمهات من مسائله كما نذكره عند الكلام على السحر إن شاء الله تعالى. وكتب المتأخرين في الفلاحة كثيرة ولا يعدون فيها الكلام في الغراس والعلاج وحفظ النبات من حوائجه وعوائقه وما يعرض في ذلك كله وهي موجودة. ٦٥٢
الفصل السابع والعشرون في علم الإلهيات
وهو علم ينظر في الوجود المطلق فأولا في الأمور العامة للجسمانيات والروحانيات من الماهيات والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان وغير ذلك ثم ينظر في مبادئ الموجودات وأنها روحانيات ثم في كيفية صدور الموجودات عنها ومراتبها ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام وعودها إلى المبدإ. وهو عندهم علم شريف يزعمون أنه يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه وأن ذلك عين السعادة في زعمهم. وسيأتي الرد عليهم بعد. وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة. وكتب المعلم الأول فيه موجودة بين أيدي الناس. ولخصه ابن سينا في كتاب الشفاء والنجاة وكذلك لخصه ابن رشد من حكماء الأندلس ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها ورد عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لاشتراكهما في المباحث، وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلطوهما فنا واحدا قدموا الكلام في الأمور العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها ثم بالروحانيات وتوابعها إلى آخر العلم كما فعله الإمام ابن الخطيب في المباحث المشرقية وجميع من بعده من علماء الكلام. وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها كأن الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد. والتبس ذلك على الناس وهو صواب لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا ٦٥٣
تعويل عليه بمعنى أنها لا تثبت إلا به فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق فيها فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان ومذاهب السلف فيها وتدفع شبه أهل البدع عنها الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية. وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية كما تلقاها السلف واعتقدوها وكثير ما بين المقامين. وذلك أن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهية فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف والمدارك المحاط بها. فإذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه.
والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم واستدعى ذلك الحجج النظرية ومحاذاة العقائد السلفية بها وأما النظر في مسائل الطبيعيات والإلهيات بالتصحيح والبطلان فليس من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين. فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف والحق مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل وليس كذلك بل إنما هو رد على الملحدين والمطلوب مفروض الصدق معلومه. وكذا جاء المتأخرون من غلاة المتصوفة المتكلمين بالمواجد أيضا فخلطوا مسائل الفنين بفنهم وجعلوا الكلام واحدا فيها كلها مثل كلامهم في النبوءات والاتحاد والحلول والوحدة وغير ذلك. والمدارك في هذه ٦٥٤
الفنون الثلاثة متغايرة مختلفة وأبعدها من جنس الفنون والعلوم مدارك المتصوفة لأنهم يدعون فيها الوجدان ويفرون عن الدليل والوجدان بعيد عن المدارك العلمية وأبحاثها وتوابعها كما بيناه ونبينه. والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم والله أعلم بالصواب.
الفصل الثامن والعشرون في علوم السحر والطلسمات
وهي علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية والأول هو السحر والثاني هو الطلسمات ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقودة بين الناس. إلا ما وجد في كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبوة موسى عليه السلام مثل النبط والكلدانيين فإن جميع من تقدمه من الأنبياء لم يشرعوا الشرائع ولا جاءوا بالأحكام إنما كانت كتبهم مواعظ وتوحيدا لله وتذكيرا بالجنة والنار وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم. وكان لهم فيها التآليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرها. ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة وغاص في زبدتها واستخرجها ووضع فيها غيرها من التآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة ٦٥٥
السيمياء لأنها من توابعها لأن إحالة الأجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر كما نذكره في موضعه. ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات فلخص جميع تلك الكتب وهذبها وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده. ولتقدم هنا مقدمة يتبين بها حقيقة السحر وذلك أن النفوس البشرية وإن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواص وهي أصناف كل صنف مختص بخاصية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف الآخر. وصارت تلك الخواص فطرة وجبلة لصنفها فنفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لها خاصية تستعد بها للانسلاخ من الروحانية البشرية إلى الروحانية الملكية حتى يصير ملكا في تلك اللمحة التي انسلخت فيها، وهذا هو معنى الوحي كما مر في موضعه، وهي في تلك الحالة محصلة للمعرفة الربانية ومخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله سبحانه وتعالى كما مر. وما يتسع في ذلك من التأثير في الأكوان ونفوس السحرة لها خاصة التأثير في الأكوان واستجلاب روحانية الكواكب للتصرف فيها والتأثير بقوة نفسانية أو شيطانية. فأما تأثير الأنبياء فمدد إلهي وخاصية ربانية ونفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية. وهكذا كل صنف مختص بخاصية لا توجد في الآخر.
والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحها فأولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد ويسمونه الطلسمات وهو أضعف رتبة من الأول والثالث تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقي فيها أنواعا من الخيالات ٦٥٦
والمحاكاة وضورا مما يقصده من ذلك ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه فينظر الراءون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة. هذا تفصيل مراتبه ثم هذه الخاصية تكون في الساحر بالقوة شأن القوى البشرية كلها وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل فهي لذلك وجهة إلى غير الله وسجود له. والوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان السحر كفرا والكفر من مواده وأسبابه كما رأيت. ولهذا اختلف الفقهاء في قتل الساحر هل هو لكفره السابق على فعله أو لتصرفه بالإفساد وما ينشأ عنه من الفساد في الأكوان والكل حاصل منه. ولما كانت المرتبتان الأوليان من السحر لها حقيقة في الخارج والمرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها اختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأوليين والقائلون بأن لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة. فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر بل إنما جاء من قبل اشتباه هذه المراتب والله أعلم. واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن. قال الله تعالى: «ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله 2: 102» . وسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعله وجعل سحره في مشط ومشاقة وجف طلعة ودفن في بئر ذروان فأنزل الله عز وجل عليه في المعوذتين: «ومن شر النفاثات في العقد 113: 4» قالت عائشة رضي الله عنها: «كان ٦٥٧
لا يقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا انحلت. وأما وجود السحر في أهل بابل وهم الكلدانيون من النبط والسريانيين فكثير ونطق به القرآن وجاءت به الأخبار وكان للسحر في بابل ومصر أزمان بعثة موسى عليه السلام أسواق نافقة. ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدعون ويتاناغون فيه وبقي من آثار ذلك في البراري بصعيد مصر شواهد دالة على ذلك ورأينا بالعيان من يصور صورة الشخص المسحور بخواص أشياء مقابلة لما نواه وحاوله موجودة بالمسحور وأمثال تلك المعاني من أسماء وصفات في التأليف والتفريق. ثم يتكلم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو معنى ثم ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام السوء ويعقد على ذلك المعنى في سبب أعده لذلك تفاؤلا بالعقد واللزام وأخذ العهد على من أشرك به من الجن في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة بالعزم. ولتلك البنية والأسماء السيئة روح خبيثة تخرج منه مع النفخ متعلقة بريقه الخارج من فيه بالنفث فتنزل عنها أرواح خبيثة ويقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله الساحر. وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر وعمله من يشير إلى كساء أو جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متخرق. ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض. وسمعنا أن بأرض الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتت قلبه ويقع ميتا وينقلب عن قلبه فلا يوجد في حشاه ويشير إلى الرمانة وتفتح فلا يوجد من حبوبها شيء. وكذلك سمعنا أن بأرض السودان وأرض الترك من يسحر السحاب فيمطر الأرض المخصوصة. وكذلك رأينا من عمل الطلسمات عجائب في الأعداد المتحابة وهي ر ك ر ف د أحد العددين مائتان وعشرون والآخر مائتان وأربعة وثمانون ومعنى المتحابة أن ٦٥٨
أجزاء كل واحد التي فيه من نصف وثلث وربع وسدس وخمس وأمثالها إذا جمع كان متساويا للعدد الآخر صاحبه فتسمى لأجل ذلك المتحابة. ونقل أصحاب الطلسمات أن لتلك الأعداد أثرا في الألفة بين المتحابين واجتماعهما إذا وضع لهما مثالان أحدهما بطالع الزهرة وهي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودة وقبول ويجعل طالع الثاني سابع الأول ويضع على أحد التمثالين أحد العددين والآخر على الآخر. ويقصد بالأكثر الذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الأكثر كمية أو الأكثر أجزاء فيكون لذلك من التألف العظيم بين المتحابين ما لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر. قاله صاحب الغاية وغيره من أئمة هذا الشأن وشهدت له التجربة. وكذا طابع الأسد ويسمى أيضا طابع الحصى وهو أن يرسم في قالب (هند إصبع) صورة أسد شائلا ذنبه عاضا على حصاة قد قسمها بنصفين وبين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها فيه وعلى ظهره صورة عقرب تدب. ويتحين برسمه حلول الشمس بالوجه الأول أو الثالث من الأسد بشرط صلاح النيرين وسلامتهما من النحوس.
فإذا وجد ذلك وعثر عليه طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب وغمس بعد في الزعفران محلولا بماء الورد ورفع في خرقة حرير صفراء فإنهم يزعمون أن لممسكه من العز على السلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له ما لا يعبر عنه. وكذلك للسلاطين فيه من القوة والعز على من تحت أيديهم. ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشأن في الغاية وغيرها وشهدت له التجربة. وكذلك وفق المسدس المختص بالشمس ذكروا أنه يوضع عند حلول الشمس في شرفها وسلامتها من النحوس وسلامة القمر بطالع ملوكي يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة وقبول ويصلح فيه ما يكون من مواليد الملوك من الأدلة الشريفة ويرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب. فزعموا أن ٦٥٩
له أثرا في صحابة الملوك وخدمتهم ومعاشرتهم. وأمثال ذلك كثير. وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدونة هذه الصناعة وفيه استيفاؤها وكمال مسائلها وذكر لنا أن الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك وسماه بالسر المكتوم وأنه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه. والإمام لم يكن من أئمة هذا الشأن فيما نظن ولعل الأمر بخلاف ذلك. وبالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون بالبعاجين وهم الذين ذكرت أولا أنهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرق ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فتنبعج. ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج لأن أكثر ما ينتحل من السحر بعج الأنعام يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم مستترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكام، لقيت منهم جماعة وشاهدت من أفعالهم هذه بذلك وأخبروني أن لهم وجهة ورياضة خاصة بدعوات كفرية وإشراك لروحانيات الجن والكواكب، سطرت فيها صحيفة عندهم تسمى الخزيرية يتدارسونها وأنهم بهذه الرياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم وأن التأثير الذي لهم إنما هو فيما سوى الإنسان الحر من المتاع والحيوان والرفيق ويعبرون عن ذلك بقولهم إنما نفعل فيما تمشي فيه الدراهم أي ما يملك ويباع ويشترى من سائر المتملكات هذا ما زعموه. وسألت بعضهم فأخبرني به وأما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك. هذا شأن السحر والطلسمات وأثارهما في العالم فأما الفلاسفة ففرقوا بين السحر والطلسمات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الإنسانية واستدلوا على وجود الأثر للنفس الإنسانية بأن لها آثارا في بدنها على غير المجرى الطبيعي وأسبابه الجسمانية بل آثار عارضة من كيفيات الأرواح تارة كالسخونة الحادثة عن الفرح والسرور ومن ٦٦٠
جهة التصورات النفسانية أخرى كالذي يقع من قبل التوهم. فإن الماشي على حرف حائط أو حبل منتصب إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك. ولهذا تجد كثيرا من الناس يعودون أنفسهم ذلك بالدربة عليه حتى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السقوط.
فثبت أن ذلك من آثار النفس الإنسانية وتصورها للسقوط من أجل الوهم. وإذا كان ذلك أثرا للنفس في بدنها من غير الأسباب الجسمانية الطبيعية فجائز أن يكون لها مثل هذا الأثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الأبدان في ذلك النوع من التأثير واحدة لأنها غير حالة في البدن ولا منطبعة فيه فثبت أنها مؤثرة في سائر الأجسام. وأما التفرقة عندهم بين السحر والطلسمات فهو أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقوله المنجمون ويقولون: السحر اتحاد روح بروح والطلسم اتحاد روح بجسم ومعناه عندهم ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية، والطبائع العلوية هي روحانيات الكواكب ولذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنجامة. والساحر عندهم غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير. والفرق عندهم بين المعجزة والسحر أن المعجزة قوة إلهية تبعث على النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك. والساحر إنما يفعل ذلك من لدن نفسه وبقوته النفسانية وبإمداد الشياطين في بعض الأحوال فبينهما الفرق في المعقولية والحقيقة والذات في نفس الأمر وإنما نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة وهي وجود المعجزة لصاحب الخير وفي مقاصد الخير وللنفوس المتمحصة للخير والتحدي بها على دعوى النبوة. والسحر إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين وضرر الأعداء ٦٦١
وأمثال ذلك. وللنفوس المتمحصة للشر. هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الإلهيين: وقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضا في أحوال العالم وليس معدودا من جنس السحر وإنما هو بالإمداد الإلهي لأن طريقتهم ونحلتهم من آثار النبوة وتوابعها ولهم في المدد الإلهي حفظ على قدر حالهم وإيمانهم وتمسكهم بكلمة الله وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر لا يأتيها لأنه متقيد فيما يأتيه يذره للأمر الإلهي. فما لا يقع لهم فيه الإذن لا يأتونه بوجه ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق وربما سلب حاله. ولما كانت المعجزة بإمداد روح الله والقوى الإلهية فلذلك لا يعارضها شيء من السحر.
وانظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقفت ما كانوا به يأفكون وذهب سحرهم واضمحل كأن لم يكن. وكذلك لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في المعوذتين ومن شر النفاثات في العقد. 113: 4 قالت عائشة رضي الله عنها: «فكان لا يقرأها على عقدة من العقد التي سحر فيها إلا انحلت» .
فالسحر لا يثبت مع اسم الله وذكره بالهمة الإيمانية وقد نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيها الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق. ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم. وهو فيما تزعم أهل الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وأن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا. إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت ويطل ما كانوا يعملون. وأما الشريعة فلم تفرق بين السحر والطلسمات وجعلته كله بابا واحدا محظورا. لأن الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا ٦٦٢
الذي فيه صلاح آخرتنا أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا وما لا يهمنا في شيء منهما فإن كان فيه ضرر أو نوع ضرر كالسحر الحاصل ضرره بالوقوع ويلحق به الطلسمات لأن أثرهما واحد وكالنجامة التي فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير فتفسد العقيدة الإيمانية برد الأمور إلى غير الله فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر. وإن لم يكن مهما علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربة إلى الله فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فجعلت الشريعة باب السحر والطلسمات والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر وخصته بالحظر والتحريم.
وأما الفرق عندهم بين المعجزة والسحر فالذي ذكره المتكلمون أنه راجع إلى التحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه. قالوا: والساحر مصروف عن مثل هذا التحدي فلا يقع منه. ووقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية لأن صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكذب لاستحال الصادق كاذبا وهو محال فإذا لا تقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق. وأما الحكماء فالفرق بينهما عندهم كما ذكرناه فرق ما بين الخير والشر في نهاية الطرفين. فالساحر لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه الشر ولا يستعمل في أسباب الشر وكأنهما على طرفي النقيض في أصل فطرتهما. والله يهدي من يشاء وهو القوي العزيز لا رب سواه ومن قبيل هذه التأثيرات النفسية الإصابة بالعين وهو تأثير من نفس المعيان عند ما يستحسن بعينه مدركا من الذوات أو الأحوال ويفرط في استحسانه وينشأ عن ذلك الاستحسان حسد يروم معه سلب ذلك الشيء عمن اتصف به فيؤثر فساده. وهو جبلة فطرية أعني هذه الإصابة بالعين. والفرق بينها وبين التأثيرات النفسانية أن صدوره فطري جبلي لا يتخلف ولا يرجع اختيار صاحبه ولا يكتسبه. وسائر التأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها والفطري منها قوة صدورها ولهذا قالوا: القاتل بالسحر أو بالكرامة ٦٦٣
يقتل والقاتل بالعين لا يقتل. وما ذلك إلا أنه ليس مما يريده ويقصده أو يتركه وإنما هو مجبور في صدوره عنه. والله أعلم بما في الغيوب ومطلع على ما في السرائر.
الفصل التاسع والعشرون علم أسرار الحروف
وهو المسمى لهذا العهد بالسيمياء. نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة، فاستعمل استعمال العام في الخاص. وحدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات، ومزاعمهم في تنزل الوجود عن الواحد وترتيبه.
وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب، وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء، فهي سارية في الأكوان على هذا النظام.
والأكوان من لدن الإبداع الأول تتنقل في أطواره وتعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعة ولا تحاط بالعدد مسائله. تعددت فيه تآليف البوني وابن العربي وغيرهما ممن اتبع آثارهما. وحاصله عندهم وثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان.
ثم اختلفوا في سر التصرف الذي في الحروف بما هو: فمنهم من جعله ٦٦٤
للمزاج الذي فيه، وقسم الحروف بقسمة الطبائع إلى أربعة أصناف كما للعناصر.
واختصت كل طبيعة بصنف من الحروف يقع التصرف في طبيعتها فعلا وانفعالا بذلك الصنف: فتنوعت الحروف بقانون صناعي يسمونه التكسير إلى نارية وهوائية ومائية وترابية على حسب تنوع العناصر، فالألف للنار والباء للهواء والجيم للماء والدال للتراب. ثم ترجع كذلك على التوالي من الحروف والعناصر إلى أن تنفذ. فتعين لعنصر النار حروف سبعة: الألف والهاء والطاء والميم والفاء والسين والذال، وتعين لعنصر الهواء سبعة أيضا: الباء والواو والياء والنون والضاد والتاء والظاء، وتعين لعنصر الماء أيضا سبعة: الجيم والزاي والكاف والصاد والقاف والثاء والغين، وتعين لعنصر التراب أيضا سبعة: الدال والحاء واللام والعين والراء والخاء والشين.
والحروف النارية لدفع الأمراض الباردة ولمضاعفة قوة الحرارة حيث تطلب مضاعفتها، إما حسا أو حكما، كما في تضعيف قوى المريخ في الحروب والقتل والفتك. والمائية أيضا لدفع الأمراض الحارة من حميات وغيرها، ولتضعيف القوى الباردة حيث تطلب مضاعفتها حسا أو حكما، كتضعيف قوى القمر وأمثال ذلك.
ومنهم من جعل سر التصرف الذي في الحروف للنسبة العددية: فإن حروف أبجد دالة على أعدادها المتعارفة وضعا وطبعا فبينها من أجل تناسب الأعداد تناسب في نفسها أيضا، كما بين الباء والكاف والراء لدلالتها كلها على الاثنين كل في مرتبته، فالباء على اثنين في مرتبة الآحاد، والكاف على اثنين في مرتبة العشرات، والراء على اثنين في مرتبة المئين. وكالذي بينها وبين الدال والميم والتاء لدلالتها على الأربعة، وبين الأربعة والاثنين نسبة الضعف. وخرج للأسماء أوفاق كما للأعداد يختص كل صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الذي يناسبه من حيث عدد الشكل أو عدد الحروف، وامتزج التصرف من السر الحرفي ٦٦٥
والسر العددي لأجل التناسب الذي بينهما. فأما سر التناسب الذي بين هذه الحروف وأمزجة الطبائع، أو بين الحروف والأعداد، فأمر عسير على الفهم، إذ ليس من قبيل العلوم والقياسات، وإنما مستندهم فيه الذوق والكشف. قال البوني: ولا تظن أن سر الحروف مما يتوصل إليه بالقياس العقلي، وإنما هو بطريق المشاهدة والتوفيق الإلهي. وأما التصرف في عالم الطبيعة بهذه الحروف والأسماء المركبة فيها وتأثر الأكوان عن ذلك فأمر لا ينكر لثبوته عن كثير منهم تواترا. وقد يظن أن تصرف هؤلاء وتصرف أصحاب الطلسمات واحد، وليس كذلك، فإن حقيقة الطلسم وتأثيره على ما حققه أهله أنه قوى روحانية من جوهر القهر، تفعل فيما له ركب فعل غلبة وقهر، بأسرار فلكية ونسب عددية وبخورات جالبات لروحانية ذلك الطلسم، مشدودة فيه بالهمة، فائدتها ربط الطبائع العلوية بالطبائع السفلية، وهو عندهم كالخميرة المركبة من هوائية وأرضية ومائية ونارية حاصلة في جملتها، تخيل وتصرف ما حصلت فيه إلى ذاتها وتقلبه إلى صورتها. وكذلك الإكسير للأجسام المعدنية، كالخميرة تقلب المعدن الذي تسري فيه إلى نفسها بالإحالة. ولذلك يقولون: موضوع الكيمياء جسد في جسد لأن الإكسير أجزاؤه كلها جسدانية. ويقولون: موضوع الطلسم روح في جسد لأنه ربط الطبائع العلوية بالطبائع السفلية. والطبائع السفلية جسد والطبائع العلوية روحانية. وتحقيق الفرق بين تصرف أهل الطلسمات وأهل الأسماء، بعد أن تعلم أن التصرف في عالم الطبيعة كله إنما هو للنفس الإنسانية والهمم البشرية أن النفس الإنسانية محيطة بالطبيعة وحاكمة عليها بالذات، إلا أن تصرف أهل الطلسمات إنما هو في استنزال روحانية الأفلاك وربطها بالصور أو بالنسب العددية، حتى يحصل من ذلك نوع مزاج يفعل الإحالة والقلب بطبيعته، فعل الخميرة فيما حصلت فيه. وتصرف أصحاب الأسماء إنما هو بما حصل لهم بالمجاهدة والكشف من النور الإلهي والإمداد الرباني، فيسخر ٦٦٦
الطبيعة لذلك طائعة غير مستعصية، ولا يحتاج إلى مدد من القوى الفلكية ولا غيرها، لأن مدده أعلى منها.
ويحتاج أهل الطلسمات إلى قليل من الرياضة تفيد النفس قوة على استنزال روحانية الأفلاك. وأهون بها وجهة ورياضة. بخلاف أهل الأسماء فإن رياضتهم هي الرياضة الكبرى، وليست لقصد التصرف في الأكوان إذ هو حجاب. وإنما التصرف حاصل لهم بالعرض، كرامة من كرامات الله لهم. فإن خلا صاحب الأسماء عن معرفة أسرار الله وحقائق الملكوت، الذي هو نتيجة المشاهدة والكشف، واقتصر على مناسبات الأسماء وطبائع الحروف والكلمات، وتصرف بها من هذه الحيثية وهؤلاء هم أهل السيمياء في المشهور- كأن إذا لا فرق بينه وبين صاحب الطلسمات، بل صاحب الطلسمات أوثق منه لأنه يرجع إلى أصول طبيعية علمية وقوانين مرتبة. وأما صاحب أسرار الأسماء إذا فاته الكشف الذي يطلع به على حقائق الكلمات وآثار المناسبات بفوات الخلوص في الوجهة، وليس له في العلوم الاصطلاحية قانون برهاني يعول عليه يكون حاله أضعف رتبة. وقد يمزج صاحب الأسماء قوى الكلمات والأسماء بقوى الكواكب، فيعين لذكر الأسماء الحسنى، أو ما يرسم من أوفاقها، بل ولسائر الأسماء، أوقاتا تكون من حظوظ الكواكب الذي يناسب ذلك الاسم، كما فعله البوني في كتابه الذي سماه الأنماط. وهذه المناسبة عندهم هي من لدن الحضرة العمائية. وهي برزخية الكمال الأسمائي، وإنما تنزل تفصيلها في الحقائق على ما هي عليه من المناسبة.
وإثبات هذه المناسبة عندهم إنما هو بحكم المشاهدة. فإذا خلا صاحب الأسماء عن تلك المشاهدة، وتلقى تلك المناسبة تقليدا، كأن عمله بمثابة عمل صاحب الطلسم، بل هو أوثق منه كما قلناه. وكذلك قد يمزج أيضا صاحب الطلسمات عمله وقوى كواكبه بقوى الدعوات المؤلفة من الكلمات المخصوصة لمناسبة بين الكلمات والكواكب، إلا أن مناسبة الكلمات عندهم ليست كما هي عند أصحاب ٦٦٧
الأسماء من الاطلاع في حال المشاهدة، وإنما يرجع إلى ما اقتضته أصول طريقتهم السحرية، من اقتسام الكواكب لجميع ما في عالم المكونات، من جواهر وأعراض وذوات ومعان، والحروف. والأسماء من جملة ما فيه.
فلكل واحد من الكواكب قسم منها يخصه، ويبنون على ذلك مباني غريبة منكرة من تقسيم سور القرآن وآيه على هذا النحو، كما فعله مسلمة المجريطي في الغاية. والظاهر من حال البوني في أنماطه أنه اعتبر طريقتهم. فإن تلك الأنماط إذا تصفحتها، وتصفحت الدعوات التي تضمنتها، وتقسيمها على ساعات الكواكب السبعة، ثم وقفت على الغاية، وتصفحت قيامات الكواكب التي فيها، وهي الدعوات التي تختص بكل كوكب، ويسمونها قيامات الكواكب، أي الدعوة التي يقام له بها، شهد له ذلك: إما بأنه من مادتها، أو بأن التناسب الذي كان في أصل الإبداع وبرزخ العلم قضى بذلك كله. «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 17: 85» . وليس كل ما حرمه الشارع من العلوم بمنكر الثبوت، فقد ثبت أن السحر حق مع حظره. لكن حسبنا من العلم ما علمنا.
ومن فروع علم السيمياء عندهم استخراج الأجوبة من الأسئلة، بارتباطات ش بين الكلمات- حرفية، يوهمون أنها أصل في معرفة ما يحاولون علمه من الكائنات الاستقبالية، وإنما هي شبه المعاياة والمسائل السيالة. ولهم في ذلك كلام كثير من أدعية وأوراد. وأعجبه زايرجة العالم للسبتي، وقد تقدم ذكرها. ونبين هنا ما ذكروه في كيفية العمل بتلك الزايرجة بدائرتها وجدولها المكتوب حولها، ثم نكشف عن الحق فيها وأنها ليست من الغيب، وإنما هي مطابقة بين مسألة وجوابها في الإفادة فقط، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وليس عندنا رواية يعول عليها في صحة هذه القصيدة إلا أننا تحرينا أصح النسخ منها في ظاهر الأمر. والله الموفق بمنه. وهي هذه: ٦٦٨
يقول سبيتي ويحمد ربه ... مصل على هاد إلى الناس أرسلا
محمد المبعوث خاتم الأنبيا ... ويرضى عن الصحب ومن لهم تلا
ألا هذه زايرجة العالم الذي ... تراه بحيكم وبالعقل قد حلا
فمن أحكم الوضع فيحكم جسمه ... ويدرك أحكاما تدبرها العلا
ومن أحكم الربط فيدرك قوة ... ويدرك للتقوى وللكل حصلا
ومن أحكم التصريف يحكم سره ... ويعقل نفسه وصح له الولا
وفي عالم الأمر تراه محققا ... وهذا مقام من بالأذكار كملا
فهذي سرائر عليكم بكتمها ... أقمها دوائر وللحاء عدلا
فطاء لها عرش وفيظ نقوشنا ... بنظم ونثر قد تراه مجدولا
ونسب دوائر كنسبة فلكها ... وارسم كواكبا لأدراجها العلا
وأخرج لأوتار وارسم حروفها ... وكور بمثله على حد من خلا
أقم شكل زيرهم وسو بيوته ... وحقق بهامهم ونورهم جلا
وحصل علوما للطباع مهندسا ... وعلما لموسيقى والأرباع مثلا
وسو لموسيقى وعلم حروفهم ... وعلم بآلات فحقق وحصلا
وسو دوائرها ونسب حروفها ... وعالمها أطلق والإقليم جدولا
أمير لنا فهو نهاية دولة ... زناتية آبت وحكم لها خلا
وقطر لأندلس فابن لهودهم ... وجاء بنو نصر وظفرهم تلا
ملوك وفرسان وأهل لحكمة ... فإن شئت نصبهم وقطرهم حلا
ومهدي توحيد بتونس حكمهم ... ملوك وبالشرق بالأوفاق نزلا
واقسم على القطر وكن متفقدا ... فإن شئت للروم فبالحر شكلا
ففنش وبرشنون الراء حرفهم ... وإفرنسهم دال وبالطاء كملا
ملوك كناوة دلوا لقافهم ... وإعراب قومنا بترقيق أعملا
فهند حباشي وسند فهرمس ... وفرس ططاري وما بعدهم طلا ٦٦٩
فقيصرهم جاء ويزدجردهم ... لكاف وقبطيهم بلامه طولا
وعباس كلهم شريف معظم ... ولكن تركي بذا الفعل عطلا
فإن شئت تدقيق الملوك وكلهم ... فختم بيوتا ثم نسب وجدولا
على حكم قانون الحروف وعلمها ... وعلم طبائعها وكله مثلا
فمن علم العلوم تعلم علمنا ... ويعلم أسرار الوجود وأكملا
فيرسخ علمه ويعرف ربه ... وعلم ملاحيم بحاميم فصلا
وحيث أتى اسم والعروض يشقه ... فحكم الحكيم فيه قطعا ليقتلا
وتأتيك أحرف فسو لضربها ... وأحرف سيبويه تأتيك فيصلا
فمكن بتنكير وقابل وعوضن ... بترنيمك الغالي للأجزاء خلخلا
وفي العقد والمجزور يعرف غالبا ... وزد لمح وصفيه في العقل فعلا
واختر لمطلع وسويه رتبة ... واعكس بجذريه وبالدور عدلا؟
ويدركها المرء فيبلغ قصده ... وتعطي حروفها وفي نظمها انجلا
إذا كان سعد والكواكب أسعدت ... فحسبك في الملك ونيل اسمه العلا
وإيقاع دالهم بمرموز ثممة ... فنسب دنادينا تجد فيه منهلا
وأوتار زيرهم فللحاء بمهم ... ومثناهم المثلث بجيمه قد جلا
وأدخل بأفلاك وعدل بجدول ... وأرسم أبا جاد وباقيه جملا
وجوز شذوذ النو تجري ومثله ... أتى في عروض الشعر عن جملة ملا
فأصل لديننا وأصل لفقهنا ... وعلم لنحونا فاحفظ وحصلا
فادخل لفسطاط على الوفق جذره ... وسبح باسمه وكبر وهللا
فتخرج أبياتا وفي كل مطلب ... بنظم طبيعي وسر من العلا
وتفنى بحصرها كذا حكم عدهم ... فعلم الفواتيح ترى فيه منهلا
فتخرج أبياتا وعشرون ضعفت ... من الألف طبعيا فيا صاح جدولا
تريك صنائعا من الضرب أكملت ... فصح لك المنى وصح لك العلا ٦٧٠
وسجع بزيرهم وأثنى بنقرة ... أقمها دوائر الزير وحصلا
أقمها بأوفاق وأصل لعدها ... من أسرار أحرفهم فعذبه سلسلا
43 ك 1 ك وك ح وأ ه عم له ر لا سع كط 1 ل م ن ح ع ف ول
الكلام على استخراج نسبة الأوزان وكيفياتها ومقادير المقابل منها وقوة الدرجة المتميزة بالنسبة إلى موضع المعلق من امتزاج طبائع وعلم طب أو صناعة الكيميا
أيا طالبا للطب مع علم جابر ... وعالم مقدار المقادير بالولا
إذا شئت علم الطب لا بد نسبة ... لأحكام ميزان تصادف منهلا
فيشفى عليلكم والإكسير محكم ... وأمزاج وضعكم بتصحيح انجلى
الطب الروحاني
وشئت إيلاوش 565 ه ودهنه بحلا ... لبهرام برجيس وسبعة أكملا
لتحليل أوجاع البوارد صححوا ... كذلك والتركيب حيث تنقلا
كد منع مهم 355 وهح 6 صح لهاى ولمح 1 آ 1 وهح وى سكره لال ح مههت مههه ع ع مى مر ح ح 2242 ل ك عا عر.
مطاريح الشعاعات في مواليد الملوك وبنيهم
وعلم مطاريح الشعاعات مشكل ... وضلع قسيها بمنطقة جلا
ولكن في حج مقام إمامنا ... ويبدو إذا عرض الكواكب عدلا
بدال مراكز بين طول وعرضها ... فمن أدرك المعنى علا ثم فوضلا
مواقع تربيع وسه مسقط ... لتسديسهم تثليث بيت التي تلا ٦٧١
يزاد لتربيع وهذا قياسه ... يقينا وجذره وبالعين أعملا
ومن نسبة الربعين ركب شعاعك ... بصاد وضعفه وتربيعه انجلى
اختص صح صح ع 8 سع وى هذا العمل هنا للملوك والقانون مطرد عمله ولم ير أعجب منه.
مقامات الملوك المقام الأول 5 المقام الثاني ع ع والمقام الرابع للح المقام الخامس لاى المقام السادس بير المقام السابع عره خط الاتصال والانفصال خط الاتصال خط الانفصال الوتر للجميع وتابع الجرر التام الاتصال والانفصال الواجب التام في الاتصالات إقامة الأنوار الجزر المجيب في العمل إقامة السوال عن الملوك مقام الأولا نورعه ي مقام بها ه حج لا
الانفعال الروحاني والانقياد الرباني
أيا طالب السر لتهليل ربه ... لدى أسمائه الحسنى تصادف منهلا
تطيعك أخيار الأنام بقلبهم ... كذلك ريسهم وفي الشمس أعملا ٦٧٢
ترى عامة الناس إليك تقيدوا ... وما قلته حقا وفي الغير أهملا
طريقك هذا السيل والسبل الذي ... أقوله غيركم ونصركموا اجتلى
إذا شئت تحيا في الوجود مع التقى ... ودينا متينا أو تكن متوصلا
كذي النون والجنيد مع سر صنعة ... وفي سر بسطام أراك مسر بلا
وفي العالم العلوي تكون محدثا ... كذا قالت الهند وصوفية الملا
طريق رسول الله بالحق ساطع ... وما حكم صنع مثل جبريل أنزلا
فبطشك تهليل وقوسك مطلع ... ويوم الخميس البدء والأحد انجلى
وفي جمعة أيضا بالأسماء مثله ... وفي اثنين للحسنى تكون مكملا
وفي طائه سر في هائه إذا ... أراك بها مع نسبة الكل أعطلا
وساعة سعد شرطهم في نقوشها ... وعود ومصطكى بخور تحصلا
وتتلو عليها آخر الحشر دعوة ... والإخلاص والسبع المثاني مرتلا
(اتصال أنوار الكواكب) بلعاني لا هي ... ى لا ظ غ لدسع ق صح م ف وى
وفي يدك اليمنى حديد وخاتم ... وكل برأسك وفي دعوة فلا
وآية حشر فاجعل القلب وجهها ... واتلو إذا نام الأنام ورتلا
هي السر في الأكوان لا شيء غيرها ... هي الآية العظمى فحقق وحصلا
تكون بها قطبا إذا جدت خدمة ... وتدرك أسرارا من العالم العلا
سري بها ناجي ومعروف قبله ... وباح بها الحلاج جهرا فأعقلا؟
وكان بها الشبلي يدأب دائما ... إلى أن رقى فوق المريدين واعتلى
فصف من الأدناس قلبك جاهدا ... ولازم لاذكار وصم وتنقلا
فما نال سر القوم إلا محقق ... عليم بأسرار العلوم محصلا ٦٧٣
مقامات المحبة وميل النفوس والمجاهدة والطاعة والعبادة وحب وتعشق وفناء الفناء وتوجه ومراقبة وخلة وأئمة
الانفعال الطبيعي
لبرجيس في المحبة الوفق صرفوا ... بقزدير أو نحاس الخلط أكملا
وقيل بفضة صحيحا رأيته ... فجعلك طالعا خطوطه ما علا
توخ به زيادة النور للقمر ... وجعلك للقبول شمسه أصلا
ويومه والبخور عود لهندهم ... ووقت لساعة ودعوته ألا
ودعوته بغاية فهي أعملت ... وعن طسيمان دعوة ولها جلا
وقيل بدعوة حروف لوضعها ... بحر هواء أو مطالب أهلا
فتنقش أحرفا بدال ولأمها ... وذلك وفق للمربع حصلا
إذا لم يكن يهوى هواك دلالها ... فدال ليبدو واو زينب معطلا
فحسن لبائه وبائهم إذا ... هواك وباقيهم قليلة جملا
ونقش مشاكل بشرط لوضعهم ... وما زدت أنسبه لفعلك عدلا
ومفتاح مريم ففعلهما سوا ... فبوري وبسطامي بسورتها تلا
وجعلك بالقصد وكن متفقدا ... أدلة وحشي لقبضة ميلا
فاعكس بيوتها بألف ونيف ... فباطنها سر وفي سرها انجلا
فصل في المقامات للنهاية
لك الغيب صورة من العالم العلا ... وتوجدها دار أو ملبسها الحلا
ويوسف في الحسن وهذا شبيهه ... بنثر وترتيل حقيقة أنزلا
وفي يده طول وفي الغيب ناطق ... فيحكي إلى عود يجاوب بلبلا
وقد جن بهلول بعشق جمالها ... وعند تجليها لبسطام أخذلا ٦٧٤
ومات أجليه وأشرب حبها ... جنيد وبصرى والجسم أهملا
فتطلب في التهليل غايته ومن ... بأسمائه الحسنى بلا نسبة خلا
ومن صاحب الحسنى له الفوز بالمنى ... ويسهم بالزلفى لدى جيرة العلا
وتخبر بالغيب إذا جدت خدمة ... تريك عجائبا بمن كان موئلا
فهذا هو الفوز وحسن تناله ... ومنها زيادات لتفسيرها تلا
الوصية والتختم والإيمان والإسلام والتحريم والاهلية
فهذا قصيدنا وتسعون عده ... وما زاد خطبة وختما وجدولا
عجبت لابيات وتسعون عدها ... تولد أبياتا وما حصرها انجلا
فمن فهم السر فيفهم نفسه ... ويفهم تفسيرا تشابه أشكلا
حرام وشرعي لإظهار سرنا ... لناس وان خصوا وكان التأهلا
فان شئت أهليه فغلظ يمينهم ... وتفهم برحلة ودين تطولا
لعلك أن تنجو وسامع سرهم ... من القطع والافشا فترأس بالعلا
فنجل لعباس لسره كاتم ... فنال سعادات وتابعه علا
وقام رسول الله في الناس خاطبا ... فمن يرأس عرشا فذلك أكملا
وقد ركب الأرواح أجساد مظهر ... فآلت لقتلهم بدق تطولا
إلى العالم العلوي يفنى فناؤنا ... ويلبس أثواب الوجود على الولا
فقد تم نظمأ وصلى إلهنا ... على خاتم الرسل صلاة بها العلا
وصلى إله العرش ذو المجد والعلا ... على سيد ساد الأنام وكملا
محمد الهادي الشفيع إمامنا ... وأصحابه أهل المكارم والعلا
[؟] مرتبة ... عن الحله سرح أسع ح ح ... صحيح وتعديل الكواكب عند كل تاريخ مطلوب س ك ل وو ه لو طرح الأوتاد الكلية 2 4 4 4 أل ه ح الأول تم 48 س 4 5 4 ح [؟] ح كلمة الزايرجه ٦٧٥
كيفية العمل في استخراج أجوبة المسائل من زايرجة العالم بحول الله منقولا عمن لقيناه من القائمين عليها
السؤال له ثلاثمائة وستون جوابا عدة الدرج، وتختلف الأجوبة عن سؤال واحد في طالع مخصوص باختلاف الأسئلة المضافة إلى حروف الأوتار، وتناسب العمل من استخراج الأحرف من بيت القصيد.
(تنبيه) - تركيب حروف الأوتار والجدول على ثلاثة أصول: حروف عربية تنقل على هيئاتها، وحروف برسم الغبار. وهذه تتبدل: فمنها ما ينقل على هيئته متى لم تزد الأدوار عن أربعة، فإن زادت عن أربعة نقلت إلى المرتبة الثانية من مرتبة العشرات، وكذلك لمرتبة المئين على حسب العمل كما سنبينه، ومنها حروف برسم الزمام كذلك، غير أن رسم الزمام يعطي نسبة ثانية، فهي بمنزلة واحد ألف وبمنزلة عشرة، ولها نسبة من خمسة بالعربي، فاستحق البيت من الجدول أن توضع فيه ثلاثة حروف في هذا الرسم وحرفان في الرسم، فاختصروا من الجدول بيوتا خالية. فمتى كانت أصول الأدوار زائدة على أربعة حسبت في العدد في طول الجدول، وإن لم تزد على أربعة لم يحسب إلا العامر منها.
والعمل في السؤال يفتقر إلى سبعة أصول: عدة حروف الأول حساب أدوارها بعد طرحها، اثني عشر اثني عشر، وهي ثمانية أحرف في الكامل وستة في الناقص أبدا. ومعرفة درج الطالع وسلطان البرج، والدور الأكبر الأصلي، وهو واحد أبدا. وما يخرج من إضافة الطالع للدور الأصلي، وما يخرج من ضرب الطالع والدور في سلطان البرج. وإضافة سلطان البرج للطالع والعمل جميعه ينتج عن ثلاثة أدوار مضروبة في أربعة، تكون اثني عشر دورا. ونسبة هذه الثلاثة ٦٧٦
الأدوار التي هي كل دور من أربعة نشأة ثلاثية، كل نشأة لها ابتداء. ثم إنها تضرب أدوارا رباعية أيضا ثلاثية. ثم إنها من ضرب ستة في اثنين، فكان لها نشأة، يظهر ذلك في العمل. ويتبع هذه الأدوار الاثني عشر نتائج، وهي في الأدوار، إما أن تكون نتيجة أو أكثر إلى ستة.
فأول ذلك نفرض سؤالا عن الزايرجة، هل هي علم قديم، أو محدث بطالع أول درجة من القوس أثناء حروف الأوتار؟ ثم حروف السؤال. فوضعنا حروف وتر رأس القوس ونظيره من رأس الجوزاء. وثالثه وتر رأس الدلو إلى حد المركز، وأضفنا إليه حروف السؤال، ونظرنا عدتها وأقل ما تكون ثمانية وثمانين، وأكثر ما تكون ستة وتسعين، وهي جملة الدور الصحيح، فكانت في سؤالنا ثلاثة وتسعين. ويختصر السؤال إن زاد عن ستة وتسعين، بأن يسقط جميع أدواره الاثني عشرية، ويحفظ ما خرج منها وما بقي، فكانت في سؤالنا سبعة أدوار، الباقي تسعة، أثبتها في الحروف ما لم يبلغ الطالع اثنتي عشرة درجة، فإن بلغها لم تثبت لها عدة ولا دور.
ثم تثبت أعدادها أيضا إن زاد الطالع عن أربعة وعشرين في الوجه الثالث، ثم تثبت الطالع وهو واحد، وسلطان الطالع وهو أربعة، والدور الأكبر وهو واحد، واجمع ما بين الطالع والدور وهو اثنان في هذا السؤال، واضرب ما خرج منهما في سلطان البرج يبلغ ثمانية، وأضف السلطان للطالع فيكون خمسة، فهذه سبعة أصول. فما خرج من ضرب الطالع والدور الأكبر في سلطان القوس، مما لم يبلغ اثني عشر فيه تدخل في ضلع ثمانية من أسفل الجدول صاعدا، وإن زاد على اثني عشر طرح أدوارا، وتدخل بالباقي في ضلع ثمانية، وتعلم على منتهى العدد والخمسة المستخرجة من السلطان والطالع، يكون الطالع في ضلع السطح المبسوط الأعلى من الجدول، وتعد متواليا خمسات أدوارا، وتحفظها إلى أن يقف العدد على حرف من أربعة، وهي ألف أو باء أو جيم أو زاي. فوقع العدد في عملنا ٦٧٧
على حرف الألف وخلف ثلاثة أدوار، فضربنا ثلاثة في ثلاثة كانت تسعة، وهو عدد الدور الأول. فأثبته واجمع ما بين الضلعين: القائم والمبسوط يكن في بيت ثمانية في مقابلة البيوت العامرة بالعدد من الجدول، وإن وقف في مقابلة الخالي من بيوت الجدول على أحدها، فلا يعتبر وتستمر على أدوارك. وأدخل بعدد ما في الدور الأول، وذلك تسعة في صدر الجدول مما يلي البيت الذي اجتمعا فيه، وهي ثمانية، مارا إلى جهة اليسار، فوقع على حرف لام ألف ولا يخرج منها أبدا حرف مركب. وإنما هو إذن حرف تاء أربعمائة برسم الزمام، فعلم عليها بعد نقلها من بيت القصيد، واجمع عدد الدور للسلطان يبلغ ثلاثة عشر، أدخل بها في حروف الأوتار، وأثبت ما وقع عليه العدد وعلم عليه من بيت القصيد.
ومن هذا القانون تدري كم تدور الحروف في النظم الطبيعي، وذلك أن تجمع حروف الدور الأول وهو تسعة لسلطان البرج وهو أربعة تبلغ ثلاثة عشر، أضعفها بمثلها تكون ستة وعشرين، أسقط منها درج الطالع وهو واحد في هذا السؤال الباقي خمسة وعشرون.
فعلى ذلك يكون نظم الحروف الأول، ثم ثلاثة وعشرون مرتين، ثم اثنان وعشرون مرتين، على حسب هذا الطرح إلى أن ينتهي للواحد من آخر البيت المنظوم. ولا تقف على أربعة وعشرين لطرح ذلك الواحد أولا. ثم ضع الدور الثاني وأضف حروف الدور الأول إلى ثمانية، الخارجة من ضرب الطالع والدور في السلطان تكن سبعة عشر الباقي خمسة. فاصعد في ضلع ثمانية بخمسة من حيث انتهيت في الدور الأول وعلم عليه، وأدخل في صدر الجدول بسبعة عشر، ثم بخمسة. ولا تعد الخالي، والدور عشرون، فوجدنا حرف ثاء خمسمائة، وإنما هو نون لأن دورنا في مرتبة العشرات، فكانت الخمسمائة بخمسين لأن دورها سبعة عشر فلو لم تكن سبعة عشر لكانت مئين. فأثبت نونا ثم أدخل بخمسة أيضا من أوله. وانظر ما حاذى ذلك من السطح تجد واحدا، فقهقر العدد واحدا يقع على ٦٧٨
خمسة، أضف لها واحدا لسطح تكن ستة. أثبت واوا وعلم عليها من بيت القصيد أربعة، وأضفها للثمانية الخارجة من ضرب الطالع مع الدور في السلطان تبلغ اثني عشر، أضف لها الباقي من الدور الثاني وهو خمسة تبلغ سبعة عشر، وهو ما للدور الثاني. فدخلنا بسبعة عشر في حروف الأوتار، فوقع العدد على واحد. أثبت الألف وعلم عليها من بيت القصيد وأسقط من حروف الأوتار ثلاثة حروف عدة الخارج من الدور الثاني، وضع الدور الثالث وأضف خمسة إلى ثمانية تكن ثلاثة عشر، الباقي واحد. انقل الدور في ضلع ثمانية بواحد وأدخل في بيت القصيد بثلاثة عشر، وخذ ما وقع عليه العدد وهو (ق) وعلم عليه. وأدخل بثلاثة عشر في حروف الأوتار وأثبت ما خرج، وهو سين، وعلم عليه من بيت القصيد، ثم أدخل مما يلي السين الخارجة بالباقي من دور ثلاثة عشر وهو واحد، فخذ مما يلي حرف سين من الأوتار فكان (ب) أثبتها وعلم عليها من بيت القصيد. وهذا يقال له: الدور المعطوف، وميزانه صحيح، وهو أن تضعف ثلاثة عشر بمثلها، وتضيف إليها الواحد الباقي من الدور تبلغ سبعة وعشرين، وهو حرف باء المستخرج من الأوتار من بيت القصيد. وأدخل في صدر الجدول بثلاثة عشر، وانظر ما قابله من السطح وأضعفه بمثله، وزد عليه الواحد الباقي من ثلاثة عشر، فكان حرف جيم، وكانت للجملة سبعة، فذلك حرف زاي فأثبتناه وعلمنا عليه من بيت القصيد. وميزانه أن تضعف السبعة بمثلها وزد عليها الواحد الباقي من ثلاثة عشر يكن خمسة عشر، وهو الخامس عشر من بيت القصيد وهذا آخر أدوار الثلاثيات، وضع الدور الرابع وله من العدد تسعة بإضافة الباقي من الدور السابق، فاضرب الطالع مع الدور في السلطان، وهذا الدور آخر العمل في البيت الأول من الرباعيات.
فاضرب على حرفين من الأوتار واصعد بتسعة في ضلع ثمانية وأدخل بتسعة من دور الحرف الذي أخذته آخرا من بيت القصيد، فالتاسع حرف راء، فأثبته ٦٧٩
وعلم عليه. وأدخل في صدر الجدول بتسعة وانظر ما قابلها من السطح يكون (ج) ، قهقر العدد واحدا يكون ألف وهو الثاني من حرف الراء من بيت القصيد فأثبته وعلم عليه. وعد مما يلي الثاني تسعة يكون ألف أيضا أثبته وعلم عليه وأضرب على حرف من الأوتار، وأضعف تسعة بمثلها تبلغ ثمانية عشر، أدخل بها في حروف الأوتار تقف على حرف راء، أثبتها وعلم عليها من بيت القصيد ثمانية وأربعين. وأدخل بثمانية عشر في حروف الأوتار تقف على (س) أثبتها وعلم عليها اثنين، وأضف اثنين إلى تسعة تكون أحد عشر. أدخل في صدر الجدول بأحد عشر تقابلها من السطح ألف أثبتها وعلم عليها ستة، وضع الدور الخامس وعدته سبعة عشر الباقي خمسة. اصعد بخمسة في ضلع ثمانية واضرب على حرفين من الأوتار وأضعف خمسة بمثلها، وأضفها إلى سبعة عشر عدد دورها الجملة سبعة وعشرون، أدخل بها في حروف الأوتار تقع على (ب) أثبتها وعلم عليها اثنين وثلاثين واطرح من سبعة عشر اثنين التي هي في أس اثنين وثلاثين الباقي خمسة عشر. أدخل في حروف الأوتار تقف على (ق) أثبتها وعلم عليها ستة وعشرين، وأدخل في صدر الجدول بست وعشرين تقف على اثنين بالغبار، وذلك حرف (ب) أثبته وعلم عليه أربعة وخمسين، وأضرب على حرفين من الأوتار وضع الدور السادس، وعدته ثلاثة عشر، الباقي منه واحد، فتبين إذ ذاك أن دور النظم من خمسة وعشرين، فإن الأدوار خمسة وعشرون وسبعة عشر وخمسة وثلاثة عشر وواحد، فاضرب خمسة في خمسة تكن خمسة وعشرين، وهو الدور في نظم البيت، فانقل الدور في ضلع ثمانية بواحد. ولكن لم يدخل في بيت القصيد بثلاثة عشر كما قدمناه، لأنه دور ثان من نشأة تركيبية ثانية، بل أضفنا الأربعة التي من أربعة وخمسين الخارجة على حروف (ب) من بيت القصيد إلى الواحد تكون خمسة، تضيف خمسة إلى ثلاثة عشر التي للدور تبلغ ثمانية عشر، أدخل بها في صدر الجدول وخذ ما قابلها من السطح وهو ألف، أثبته وعلم عليه من ٦٨٠
بيت القصيد اثني عشر واضرب على حرفين من الأوتار. ومن هذا الجدول تنظر أحرف السؤال، فما خرج منها زده مع بيت القصيد من آخره وعلم عليه من حروف السؤال ليكون داخلا في العدد في بيت القصيد، وكذلك تفعل بكل حرف بعد ذلك مناسبا لحروف السؤال، فما خرج منها زده إلى بيت القصيد من آخره وعلم عليه، ثم أضف إلى ثمانية عشر ما علمته على حرف الألف من الآحاد، فكان اثنين تبلغ الجملة عشرين. أدخل بها في حروف الأوتار تقف على حرف راء، أثبته وعلم عليه من بيت القصيد، ستة وتسعين وهو نهاية الدور في الحرف الوتري. فاضرب على حرفين من الأوتار وضع الدور السابع، وهو ابتداء لمخترع ثان ينشأ من الاختراعين. ولهذا الدور من العدد تسعة، تضيف لها واحدا تكون عشرة للنشأة الثانية، وهذا الواحد تزيده بعد إلى اثني عشر دورا، إذا كان من هذه النسبة، أو تنقصه من الأصل تبلغ الجملة خمسة عشر. فاصعد في ضلع ثمانية وتسعين وأدخل في صدر الجدول بعشرة تقف على خمسمائة، وإنما هي خمسون، نون مضاعفة بمثلها، وتلك (ق) أثبتها وعلم عليها من بيت القصيد اثنين وخمسين، وأسقط من اثنين وخمسين اثنين، وأسقط تسعة التي للدور، الباقي واحد وأربعون، فأدخل بها في حروف الأوتار تقف على واحد أثبته. وكذلك أدخل بها في بيت القصيد تجد واحدا، فهذا ميزان هذه النشأة الثانية فعلم عليه من بيت القصيد علامتين. علامة على الألف الأخير الميزاني، وأخرى على الألف الأولى فقط، والثانية أربعة وعشرون واضرب على حرفين من الأوتار، وضع الدور الثامن وعدته سبعة عشر الباقي خمسة، أدخل في ضلع ثمانية وخمسين وأدخل في بيت القصيد بخمسة تقع على عين بسبعين، أثبتها وعلم عليها. وأدخل في الجدول بخمسة، وخذ ما قابلها من السطح، وذلك واحد، أثبته وعلم عليه من البيت ثمانية وأربعين، وأسقط واحدا من ثمانية وأربعين للأس الثاني وأضف إليها خمسة، الدور. الجملة اثنان وخمسون. أدخل بها في صدر الجدول تقف ٦٨١
على حرف (ب) غبارية وهي مرتبة مئينية لتزايد العدد، فتكون مائتين وهي حرف راء، أثبتها وعلم عليها من القصيد أربعة وعشرين، فانتقل الأمر من ستة وتسعين إلى الابتداء وهو أربعة وعشرون، فأضف إلى أربعة وعشرين خمسة، الدور، وأسقط واحدا تكون الجملة ثمانية وعشرين. أدخل بالنصف منها في بيت القصيد تقف على ثمانية، أثبت (2) وعلم عليها وضع الدور التاسع، وعدده ثلاثة عشر الباقي واحد، اصعد في ضلع ثمانية بواحد. وليست نسبة العمل هنا كنسبتها في الدور السادس لتضاعف العدد، ولأنه من النشأة الثانية، ولأنه أول الثلث الثالث من مربعات البروج وآخر الستة الرابعة من المثلثات. فاضرب ثلاثة عشر التي للدور في أربعة التي هي مثلثات البروج السابقة، الجملة اثنان وخمسون، أدخل بها في صدر الجدول تقف على حرف اثنين غبارية، وإنما هي مئينية لتجاوزها في العدد عن مرتبتي الآحاد والعشرات، فأثبته مائتين راء، وعلم عليها من بيت القصيد ثمانية وأربعين، وأضف إلى ثلاثة عشر، الدور، واحد الأس، وأدخل بأربعة عشر في بيت القصيد تبلغ ثمانية، فعلم عليها ثمانية وعشرين، واطرح من أربعة عشر سبعة يبقى سبعة اضرب على حرفين من الأوتار، وأدخل بسبعة تقف على حرف لام، أثبته وعلم عليه من البيت. وضع الدور العاشر وعدده تسعة، وهذا ابتداء المثلثة الرابعة، واصعد في ضلع ثمانية بتسعة، تكون خلاء، فاصعد بتسعة ثانية تصير في السابع من الابتداء. اضرب تسعة في أربعة لصعودنا بتسعتين، وإنما كانت تضرب في اثنين، وأدخل في الجدول بستة وثلاثين تقف على أربعة زمامية وهي عشرية، فأخذناها أحادية لقلة الأدوار، فأثبت حرف دال، وإن أضفت إلى ستة وثلاثين واحد الأس كان حدها من بيت القصيد، فعلم عليها، ولو دخلت بالتسعة لا غير من ضرب في صدر الجدول لوقف على ثمانية، فاطرح من ثمانية أربعة الباقي أربعة وهو المقصود. ولو دخلت في صدر الجدول بثمانية عشر التي هي تسعة في اثنين لوقف على واحد زمامي وهو عشري، فاطرح ٦٨٢
منه اثنين تكرار التسعة، الباقي ثمانية نصفها المطلوب. ولو دخلت في صدر الجدول بسبعة وعشرين بضربها في ثلاثة لوقعت على عشرة زمامية، والعمل واحد. ثم أدخل بتسعة في بيت القصيد وأثبت ما خرج وهو ألف، ثم اضرب تسعة في ثلاثة التي هي مركب تسعة الماضية وأسقط واحدا وأدخل في صدر الجدول بستة وعشرين، وأثبت ما خرج وهو مائتان بحرف راء وعلم عليه من بيت القصيد ستة وتسعين. واضرب على حرفين من الأوتار وضع الدور الحادي عشر وله سبعة عشر الباقي خمسة، اصعد في ضلع ثمانية بخمسة وتحسب ما تكرر عليه المشي في الدور الأول، وأدخل في صدر الجدول بخمسة تقف على خال، فخذ ما قابله من السطح وهو واحد، فأدخل بواحد في بيت القصيد تكن سين، أثبته وعلم عليه أربعة. ولو يكون الوقف في الجدول على بيت عامر لأثبتنا الواحد ثلاثة. وأضعف سبعة عشر بمثلها وأسقط واحدا وأضعفها بمثلها وزدها أربعة تبلغ سبعة وثلاثين، أدخل بها في الأوتار تقف على ستة أثبتها وعلم عليها، وأضعف خمسة بمثلها. وأدخل في البيت تقف على لام أثبتها وعلم عليها عشرين، واضرب على حرفين من الأوتار. وضع الدور الثاني عشر وله ثلاثة عشر الباقي واحد، اصعد في ضلع ثمانية بواحد، وهذا الدور آخر الأدوار وآخر الاختراعين وآخر المربعات الثلاثية وآخر المثلثات الرباعية. والواحد في صدر الجدول يقع على ثمانين زمامية، وإنما هي آحاد ثمانية، وليس معنا من الأدوار إلا واحد، فلو زاد عن أربعة من مربعات اثني عشر أو ثلاثة من مثلثات اثني عشر لكانت (ح) ، وإنما هي (د) ، فأثبتها وعلم عليها من بيت القصيد أربعة وسبعين، ثم انظر ما ناسبها من السطح تكن خمسة، أضعفها بمثلها للأس تبلغ عشرة، أثبت (ى) وعلم عليها، وانظر في أي المراتب وقعت: وجدناها في الرابعة، دخلنا بسبعة في حروف الأوتار، وهذا المدخل يسمى التوليد الحرفي فكانت (ف) ، أثبتها وأضف إلى سبعة واحد الدور، الجملة ثمانية. أدخل بها في الأوتار تبلغ (س) ٦٨٣
أثبتها وعلم عليها ثمانية، واضرب ثمانية في ثلاثة الزائدة على عشرة الدور، فإنها آخر مربعات الأدوار بالمثلثات تبلغ أربعة وعشرين، أدخل بها في بيت القصيد وعلم على ما يخرج منها وهو مائتان وعلامتها ستة وتسعون، وهو نهاية الدور الثاني في الأدوار الحرفية، واضرب على حرفين من الأوتار وضع النتيجة الأولى ولها تسعة. وهذا العدد يناسب أبدا الباقي من حروف الأوتار بعد طرحها أدوارا وذلك تسعة، فاضرب تسعة في ثلاثة التي هي زائدة على تسعين من حروف الأوتار، وأضف لها واحدا الباقي من الدور الثاني عشر تبلغ ثمانية وعشرين، فأدخل بها في حروف الأوتار تبلغ ألفا، أثبته وعلم عليه ستة وتسعين. وإن ضربت سبعة التي هي أدوار الحروف التسعينية في أربعة وهي الثلاثة الزائدة على تسعين، والواحد الباقي من الدور الثاني عشر كان كذلك، واصعد في ضلع ثمانية بتسعة وأدخل في الجدول بتسعة تبلغ اثنين زمامية. واضرب تسعة فيما ناسب من السطح، وذلك ثلاثة، وأضف لذلك سبعة، عدد الأوتار الحرفية، واطرح واحدا الباقي من دور اثني عشر تبلغ ثلاثة وثلاثين، أدخل بها في البيت تبلغ خمسة، فأثبتها وأضف تسعة بمثلها وأدخل في صدر الجدول بثمانية عشر، وخذ ما في السطح وهو واحد، أدخل به في حروف الأوتار تبلغ (م) أثبته وعلم عليه، واضرب على حرفين من الأوتار. وضع النتيجة الثانية ولها سبعة عشر الباقي خمسة، فاصعد في ضلع ثمانية بخمسة واضرب خمسة في ثلاثة الزائدة على تسعين تبلغ خمسة عشر، أضف لها واحدا الباقي من الدور الثاني عشر تكن تسعة، وأدخل بستة عشر في بيت القصيد تبلغ (ت) أثبته وعلم عليه أربعة وستين، وأضف إلى خمسة الثلاثة الزائدة على تسعين، وزد واحدا الباقي من الدور الثاني عشر يكن تسعة، أدخل بها في صدر الجدول تبلغ ثلاثين زمامية، وانظر ما في السطح تجد واحدا أثبته وعلم عليه من بيت القصيد وهو التاسع أيضا من البيت، وأدخل بتسعة في صدر الجدول تقف على ثلاثة وهي عشرات، فأثبت (لام) وعلم ٦٨٤
عليه وضع النتيجة الثالثة وعددها ثلاثة عشر الباقي واحد. فانقل في ضلع ثمانية بواحد وأضف إلى ثلاثة عشر الثلاثة الزائدة على التسعين، وواحد الباقي من الدور الثاني عشر تبلغ سبعة عشر، وواحد النتيجة تكن ثمانية عشر، أدخل بها في حروف الأوتار تكن لا ما أثبتها فهذا آخر العمل.
والمثال في هذا السؤال السابق: أردنا أن نعلم أن هذه الزايرجة علم محدث أو قديم، بطالع أول درجة من القوس، أثبتنا حروف الأوتار، ثم حروف السؤال، ثم الأصول، وهي عدة الحروف ثلاثة وتسعون أدوارها سبعة الباقي منها تسعة، الطالع واحد، سلطان القوس أربعة، الدور الأكبر واحد، درج الطالع مع الدور اثنان، ضرب الطالع مع الدور في السلطان ثمانية، إضافة السلطان للطالع خمسة بيت القصيد.
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن ... غرائب شك ضبطه الجد مثلا
حروف الأوتار: ص ط ه ر ث ك ه م ص ص ون ب ه س أن ل م ن ص ع ف ص ور س ك ل م ن ص ع ف ض ق ر س ت ث خ ذ ظ غ ش ط ى ع ح ص ر وح ر وح ل ص ك ل م ن ص أب ج د ه وز ح ط ى.
(حروف السؤال) أل ز أى ر ج ة ع ل م م ح د ث أم ق د ى م الدور الأول 9 الدور الثاني 17 الباقي 5 الدور الثالث 13 الباقي 1 الدور الرابع 9 الدور الخامس 17 الباقي 5 الدور السادس 13 الباقي 1 الدور السابع 9 الدور الثامن 17 الباقي 5 الدور التاسع 13 الباقي 1 الدور العاشر 13 الدور الحادي عشر 17 الباقي 5 الدور الثاني عشر 13 الباقي 1 النتيجة الأولى 9 النتيجة الثانية 17 الباقي 5 النتيجة الثالثة 13 الباقي 1. ٦٨٥
ف وز أوس ر ر أأ س أب أر ق أع أر ص ح ر ح ل د أر س أل د ى وس ر أد م ن أل ل. ٦٨٦
دورها على خمسة وعشرين ثم على ثلاثة وعشرين مرتين ثم على واحد وعشرين مرتين إلى أن تنتهي إلى الواحد من آخر البيت وتنقل الحروف جميعا والله أعلم ن ف ر وح ر وح أل ود س أد ر ر س ر ه أل د ر ى س وأ ن س د ر وأ ب لا أم ر ب وأ أل ع ل ل.
هذا آخر الكلام في استخراج الأجوبة من زايرجة العالم منظومة. وللقوم طرائق أخرى من غير الزايرجة يستخرجون بها أجوبة المسائل غير منظومة.
وعندهم أن السر في استخراج الجواب منظوما من الزايرجة، إنما هو مزجهم بيت مالك بن وهيب وهو: سؤال عظيم الخلق البيت، ولذلك يخرج الجواب على روية. وأما الطرق الأخرى فيخرج الجواب غير منظوم. فمن طرائقهم في استخراج الأجوبة ما ننقله عن بعض المحققين منهم.
2- فصل في الاطلاع على الأسرار الخفية من جهة الارتباطات الحرفية
اعلم أرشدنا الله وإياك أن هذه الحروف أصل الأسئلة في كل قضية، وإنما تستنتج الأجوبة على تجزئته بالكلية، وهي ثلاثة وأربعون حرفا كما ترى والله علام الغيوب أول أع ظ س أل م خ ى د ل ز ق ت أر ذ ص ف ن غ ش أك ك ى ب م ض ب ح ط ل ج ه د ن ل ث أ.
وقد نظمها بعض الفضلاء في بيت جعل فيه كل حرف مشدد من حرفين وسماه القطب فقال:
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن ... غرائب شك ضبطه الجد مثلا
فإذا أردت استنتاج المسألة فاحذف ما تكرر من حروفها وأثبت ما فضل منه. ثم احذف من الأصل وهو القطب لكل حرف فضل من المسألة حرفا يماثله، وأثبت ما فضل منه. ثم امزج الفضلين في سطر واحد تبدأ بالأول من ٦٨٧
فضله، والثاني من فضل المسألة. وهكذا إلى أن يتم الفضلان أو ينفد أحدهما قبل الآخر، فتضع البقية على ترتيبها. فإذا كان عدد الحروف الخارجة بعد المزج موافقا لعدد حروف الأصل قبل الحذف فالعمل صحيح، فحينئذ تضيف إليها خمس نونات لتعدل بها الموازين الموسيقية وتكمل الحروف ثمانية وأربعين حرفا، فتعمر بها جدولا مربعا يكون آخر ما في السطر الأول أول ما في السطر الثاني، وتنقل البقية على حالها، وهكذا إلى أن تتم عمارة الجدول. ويعود السطر الأول بعينه وتتوالى الحروف في القطر على نسبة الحركة، ثم تخرج وتر كل حرف بقسمة مربعة على أعظم جزء يوجد له، وتضع الوتر مقابلا لحرفه، ثم تستخرج النسب العنصرية للحروف الجدولية، وتعرف قوتها الطبيعية وموازينها الروحانية وغرائزها النفسانية وأسوسها الأصلية من الجدول الموضوع لذلك، وهذه صورته: ٦٨٨
ثم تأخذ وتر كل حرف بعد ضربه في أسوس أوتاد الفلك الأربعة، واحذر ما يلي الأوتاد وكذلك السواقط لأن نسبتها مضطربة. وهذا الخارج هو أول رتب السريان. ثم تأخذ مجموع العناصر وتحط منها أسوس المولدات، يبقى أس عالم الخلق بعد عروضه للمدد الكونية، فتحمل عليه بعض المجردات عن المواد وهي عناصر الأمداد، يخرج أفق النفس الأوسط، وتطرح أول رتب السريان من مجموع العناصر يبقى عالم التوسط. وهذا مخصوص بعوالم الأكوان البسيطة لا المركبة. ثم تضرب عالم التوسط في أفق النفس الأوسط يخرج الأفق الأعلى، فتحمل عليه أول رتب السريان، ثم تطرح من الرابع أول عناصر الأمداد الأصلي يبقى ثالث رتبة السريان، فتضرب مجموع أجزاء العناصر الأربعة أبدا في رابع مرتبة السريان، يخرج أول عالم التفصيل، والثاني في الثاني يخرج ثاني عالم التفصيل، والثالث في الثالث يخرج ثالث عالم التفصيل، والرابع في الرابع يخرج رابع عالم التفصيل. فتجمع عوالم التفصيل وتحط من عالم الكل، تبقى العوالم المجردة، فتقسم على الأفق الأعلى يخرج الجزء الأول، ويقسم المنكسر على الأفق الأوسط يخرج الجزء الثاني، وما انكسر فهو الثالث، ويتعين الرابع هذا في الرباعي. وإن شئت أكثر من الرباعي فتستكثر من عوالم التفصيل ومن رتب السريان ومن الأوفاق بعد الحروف. والله يرشدنا وإياك. وكذلك إذا قسم عالم التجريد على أول رتب السريان خرج الجزء الأول من عالم التركيب، وكذلك إلى نهاية الرتبة الأخيرة من عالم الكون. فافهم وتدبر والله المرشد المعين.
ومن طريقهم أيضا في استخراج الجواب، قال بعض المحققين منهم: اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه، أن علم الحروف جليل يتوصل العالم به لما لا يتوصل بغيره من العلوم المتداولة بين العالم، وللعمل به شرائط تلتزم. وقد يستخرج العالم أسرار الخليقة وسرائر الطبيعة، فيطلع بذلك على نتيجتي ٦٨٩
الفلسفة، أعني السيميا وأختها، ويرفع له حجاب المجهولات ويطلع بذلك على مكنون خبايا القلوب. وقد شهدت جماعة بأرض المغرب، ممن اتصل بذلك، فأظهر الغرائب وخرق العوائد وتصرف في الوجود بتأييد الله.
واعلم أن ملاك كل فضيلة الاجتهاد وحسن الملكة مع الصبر، مفتاح كل خير، كما أن الخرق والعجلة رأس الحرمان، فأقول: إذا أردت أن تعلم قوة كل حرف من حروف الفابيطوس أعني أبجد إلى آخر العدد، وهذا أول مدخل من علم الحروف، فانظر ما لذلك الحرف من الأعداد، فتلك الدرجة التي هي مناسبة للحرف هي قوته في الجسمانيات. ثم اضرب العدد في مثله تخرج لك قوته في الروحانيات وهي وتره. وهذا في الحروف المنقوطة لا يتم بل يتم لغير المنقوطة، لأن المنقوطة منها مراتب لمعان يأتي عليها البيان فيما بعد.
واعلم أن لكل شكل من أشكال الحروف شكلا في العالم العلوي أعني الكرسي، ومنها المتحرك والساكن والعلوي والسفلي كما هو مرقوم في أماكنه من الجداول الموضوعة في الزيارج.
واعلم أن قوى الحروف ثلاثة أقسام: الأول وهو أقلها قوة تظهر بعد كتابتها، فتكون كتابته لعالم روحاني مخصوص بذلك الحرف المرسوم، فمتى خرج ذلك الحرف بقوة نفسانية وجمع همة كانت قوى الحروف مؤثرة في عالم الأجسام. الثاني قوتها في الهيئة الفكرية وذلك ما يصدر عن تصريف الروحانيات لها، فهي قوة في الروحانيات العلويات، وقوة شكلية في عالم الجسمانيات. الثالث وهو يجمع الباطن، أعني القوة النفسانية على تكوينه، فتكون قبل النطق به صورة في النفس، بعد النطق به صورة في الحروف وقوة في النطق.
وأما طبائعها فهي الطبيعيات المنسوبة للمتولدات في الحروف وهي الحرارة ٦٩٠
واليبوسة، والحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة والبرودة والرطوبة، فهذا سر العدد اليماني، والحرارة جامعة للهواء والنار وهما: (أه ط م ف ش ذ ج ز ك س ق ث ظ) ، والبرودة جامعة للهواء والماء (ب وى ن ص ت ض د ح ل ع ر خ غ) واليبوسة جامعة للنار والأرض (أه ط م ف ش ذ ب وى ن ص ت ض) فهذه نسبة حروف الطبائع وتداخل أجزاء بعضها في بعض. وتداخل أجزاء العالم فيها علويات وسفليات بأسباب الأمهات الأول، أعني الطبائع الأربع المنفردة، فمتى أردت استخراج مجهول من مسألة ما، فحقق طالع السائل أو طالع مسألته وأستنطق حروف أوتارها الأربعة: الأول والرابع والسابع والعاشر مستوية مرتبة، واستخرج أعداد القوى والأوتار كما سنبين، واحمل وانسب واستنتج الجواب يخرج لك المطلوب، إما بصريح اللفظ أو بالمعنى. وكذلك في كل مسألة تقع لك. بيانه: إذا أردت أن تستخرج قوى حروف الطالع، مع اسم السائل والحاجة، فاجمع أعدادها بالجمل الكبير، فكان الطالع الحمل رابعه السرطان سابعه الميزان عاشره الجدي، وهو أقوى هذه الأوتاد، فأسقط من كل برج حرفي التعريف، وانظر ما يخص كل برج من الأعداد المنطقة الموضوعة في دائرتها، واحذف أجزاء الكسر في النسب الاستنطاقية كلها وأثبت تحت كل حرف ما يخصه من ذلك، ثم أعداد حروف العناصر الأربعة وما يخصها كالأول. وارسم ذلك كله أحرفا ورتب الأوتاد والقوى والقرائن سطرا ممتزجا. وكسر واضرب ما يضرب لاستخراج الموازين، واجمع واستنتج الجواب يخرج لك الضمير وجوابه. مثاله افرض أن الطالع الحمل كما تقدم، ترسم (ح م ل) : فللحاء من العدد ثمانية لها النصف والربع والثمن (د ب أ) الميم لها من العدد أربعون، لها النصف والربع والثمن والعشر ونصف العشر إذا أردت التدقيق (م ك ى ه د ب) اللام لها من العدد ثلاثون، لها النصف والثلثان والثلث والخمس والسدس والعشر ٦٩١
(ك ى وه ج) . وهكذا تفعل بسائر حروف المسألة والاسم من كل لفظ يقع لك. وأما استخراج الأوتار فهو أن تقسم مربع كل حرف على أعظم جزء يوجد له. مثاله: حرف (د) له من الأعداد أربعة مربعها ستة عشر، اقسمها على أعظم جزء يوجد لها وهو اثنان يخرج وترا لدال ثمانية. ثم تضع كل وتر مقابلا لحرفه. ثم تستخرج النسب العنصرية، كما تقدم في شرح الاستنطاق، ولها قاعدة تطرد في استخراجها من طبع الحروف وطبع البيت الذي يحل فيه من الجدول كما ذكر الشيخ لمن عرف الاصطلاح. والله أعلم.
فصل في الاستدلال على ما في الضمائر الخفية بالقوانين الحرفية
وذلك لو سأل سائل عن عليل لم يعرف مرضه ما علته، وما الموافق لبرئه منه، فمر السائل أن يسمي ما شاء من الأشياء على اسم العلة المجهولة، لتجعل ذلك الاسم قاعدة لك. ثم أستنطق الاسم مع اسم الطالع والعناصر والسائل واليوم والساعة إن أردت التدقيق في المسألة، وإلا اقتصرت على الاسم الذي سماه السائل، وفعلت به كما نبين. فأقول مثلا: سمى السائل فرسا فأثبت الحروف الثلاثة مع أعدادها المنطقة. بيانه: أن للفاء من العدد ثمانين ولها (م ك ي ح ب) ثم الراء لها من العدد مائتان (ق ن ك ى) ثم السين لها من العدد ستون ولها (م ل ك) فالواو عدد تام له (د ج ب) والسين مثله ولها (م ل ك) . فإذا بسطت حروف الأسماء وجدت عنصرين متساويين، فاحكم لأكثرهما حروفا بالغلبة على الآخر، ثم احمل عدد حروف عناصر اسم المطلوب وحروفه دون بسط، وكذلك اسم الطالب واحكم للأكثر والأقوى بالغلبة.
وصفة قوى استخراج العناصر
فتكون الغلبة هنا للتراب وطبعه البرودة، واليبوسة طبع السوداء، فتحكم ٦٩٢
على المريض بالسوداء. فإذا ألفت من حروف الاستنطاق كلاما على نسبة تقريبية خرج موضع الوجع في الحلق، ويوافقه من الأدوية حقنة، ومن الأشربة شراب الليمون. هذا ما خرج من قوى أعداد حروف اسم فرس وهو مثال تقريبي مختصر. وأما استخراج قوى العناصر من الأسماء العلمية فهو أن تسمي مثلا محمدا، فترسم أحرفه مقطعة، ثم تضع أسماء العناصر الأربعة على ترتيب الفلك، يخرج لك ما في كل عنصر من الحروف والعدد. ومثاله:
فتجد أقوى هذه العناصر من هذا الاسم المذكور عنصر الماء، لأن عدد حروفه عشرون حرفا، فجعلت له الغلبة على بقية عناصر الاسم المذكور، وهكذا يفعل بجميع الأسماء. حينئذ تضاف إلى أوتارها، أو للوتر المنسوب للطالع في الزايرجة، أو لوتر البيت المنسوب لمالك بن وهيب، الذي جعله قاعدة لمزج الأسئلة وهو هذا:
سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن ... غرائب شك ضبطه الجد مثلا
وهو وتر مشهور لاستخراج المجهولات، وعليه كان يعتمد ابن الرقام وأصحابه. وهو عمل تام قائم بنفسه في المثالات الوضعية. وصفة العمل بهذا الوتر المذكور أن ترسمه مقطعا ممتزجا بألفاظ السؤال على قانون صنعة التكسير. ٦٩٣
وعدة حروف هذا الوتر أعني البيت ثلاثة وأربعون حرفا، لأن كل حرف مشدد من حرفين.
ثم تحذف ما تكرر عند المزج من الحروف ومن الأصل، لكل حرف فضل من المسألة حرف يماثله، وتثبت الفضلين سطرا ممتزجا بعضه ببعض الحروف. الأول من فضلة القطب والثاني من فضلة السؤال، حتى يتم الفضلتان جميعا، فتكون ثلاثة وأربعين، فتضيف إليها خمس نونات ليكون ثمانية وأربعين، لتعدل بها الموازين الموسيقية. ثم تضع الفضلة على ترتيبها فإن كان عدد الحروف الخارجة بعد المزج يوافق العدد الأصلي قبل الحذف فالعمل صحيح، ثم عمر بما مزجت جدولا مربعا يكون آخر ما في السطر الأول أول ما في السطر الثاني.
وعلى هذا النسق حتى يعود السطر الأول بعينه، وتتوالى الحروف في القطر على نسبة الحركة. ثم تخرج وتر كل حرف كما تقدم تضعه مقابلا لحرفه، ثم تستخرج النسب العنصرية للحروف الجدولية، لتعرف قوتها الطبيعية وموازينها الروحانية وغرائزها النفسانية وأسوسها الأصلية من الجدول الموضوع لذلك.
وصفة استخراج النسب العنصرية هو أن تنظر الحرف الأول من الجدول ما طبيعته وطبيعة البيت الذي حل فيه، فإن اتفقت فحسن، وإلا فاستخرج بين الحرفين نسبة. ويتسع هذا القانون في جميع الحروف الجدولية. وتحقيق ذلك سهل على من عرف قوانينه كما هو مقرر في دوائرها الموسيقية. ثم تأخذ وتر كل حرف بعد ضربه في أسوس أوتاد الفلك الأربعة كما تقدم. واحذر ما يلي الأوتاد. وكذلك السواقط لأن نسبتها مضطربة. وهذا الذي يخرج لك هو أول مراتب السريان. ثم تأخذ مجموع العناصر وتحط منها أسوس المولدات يبقى أس عالم الخلق بعد عروضه للمدد الكونية. فتحمل عليه بعض المجردات عن المواد وهي عناصر الإمداد، يخرج أفق النفس الأوسط. وتطرح أول رتب السريان من ٦٩٤
مجموع العناصر يبقى عالم التوسط. وهذا مخصوص بعوالم الأكوان البسيطة لا المركبة. ثم تضرب عالم التوسط في أفق النفس الأوسط يخرج الأفق الأعلى، فتحمل عليه أول رتب السريان، ثم تطرح من الرابع أول عناصر الإمداد الأصلي يبقى ثالث رتبة السريان. ثم تضرب مجموع أجزاء العناصر الأربعة أبدأ في رابع رتب السريان يخرج أول عالم التفصيل، والثاني في الثاني يخرج ثاني عالم التفصيل، وكذلك الثالث والرابع، فتجمع عوالم التفصيل وتحط من عالم الكل، تبقى العوالم المجردة، فتقسم على الأفق الأعلى يخرج الجزء الأول. ومن هنا يطرد العمل في التامة. وله مقامات في كتب ابن وحشية والبوني وغيرهما. وهذا التدبير يجري على القانون الطبيعي الحكمي في هذا الفن وغيره من فنون الحكمة الإلهية، وعليه مدار وضع الزيارج الحرفية والصنعة الإلهية والنيرجات الفلسفية.
والله الملهم وبه المستعان وعليه التكلان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الفصل الثلاثون في علم الكيمياء
وهو علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة ويشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من العضلات الحيوانية كالعظام والريش والبيض والعذرات فضلا عن المعادن. ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير وجمد الذائب منها بالتكليس وإمهاء الصلب بالقهر والصلابة وأمثال ذلك. وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونه الإكسير.
وأنه يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة ٦٩٥
بالاستعداد القريب من الفعل مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهبا إبريزا. ويكنون عن ذلك الإكسير إذا ألغزوا في اصطلاحاتهم بالروح وعن الجسم الذي يلقى عليه بالجسد. فشرح هذه الاصطلاحات وصورة هذا العمل الصناعي الذي يقلب هذه الأجساد المستعدة إلى صورة الذهب والفضة هو علم الكيمياء. وما زال الناس يؤلفون فيها قديما وحديثا. وربما يعزى الكلام فيها إلى من ليس من أهلها. وإمام المدونين فيها جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز.
وزعموا أنه لا يفتح مقفلها إلا من أحاط علما بجميع ما فيها. والطغراءي من حكماء المشرق المتأخرين له فيها دواوين ومناظرات مع أهلها وغيرهم من الحكماء. وكتب فيها مسلمة المجريطي من حكماء الأندلس كتابه الذي سماه رتبة الحكيم وجعله قرينا لكتابه الآخر في السحر والطلسمات الذي سماه غاية الحكيم. وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة وثمرتان للعلوم ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع. وكلامه في ذلك الكتاب وكلامهم أجمع في تآليفهم هي ألغاز يتعذر فهمها على من لم يعان اصطلاحاتهم في ذلك. ونحن نذكر سبب عدو لهم إلى هذه الرموز والألغاز. ولابن المغيربي من أئمة هذا الشأن كلمات شعرية على حروف المعجم من أبدع ما يجيء في الشعر ملغوزة كلها لغز الأحاجي والمعاياة فلا تكاد تفهم. وقد ينسبون للغزالي رحمه الله بعض التآليف فيها وليس بصحيح لأن الرجل لم تكن مداركه العالية لتقف عن خطإ ما يذهبون إليه حتى ينتحله. وربما نسبوا بعض المذاهب والأقوال فيها لخالد بن يزيد بن معاوية ربيب مروان بن الحكم ومن المعلوم البين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه أقرب فهو بعيد عن العلوم والصنائع بالجملة فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على معرفة طبائع المركبات وأمزجتها وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم تظهر بعد ولم تترجم اللهم إلا أن ٦٩٦
يكون خالد بن يزيد آخر من أهل المدارك الصناعية تشبه باسمه فممكن. وأنا أنقل لك هنا رسالة أبي بكر بن بشرون لأبي السمح في هذه الصناعة وكلاهما من تلاميذ مسلمة فيستدل من كلامه فيها على ما ذهب إليه في شأنها إذا أعطيته حقه من التأمل قال ابن بشرون بعد صدر من الرسالة خارج عن الغرض:
«والمقدمات التي لهذه الصناعة الكريمة قد ذكرها الأولون واقتص جميعها أهل الفلسفة من معرفة تكوين المعادن وتخلق الأحجار والجواهر وطباع البقاع والأماكن فمنعنا اشتهارها من ذكرها ولكن أبين لك من هذه الصنعة ما يحتاج إليه فتبدأ بمعرفته فقد قالوا: ينبغي لطلاب هذا العلم أن يعلموا أولا ثلاث خصال: أولها هل تكون؟ والثانية من أي تكون؟ والثالثة من أي كيف تكون؟
فإذا عرف هذه الثلاثة وأحكمها فقد ظفر بمطلوبه وبلغ نهايته من هذا العلم وأما البحث عن وجودها والاستدلال عن تكونها فقد كفيناكه بما بعثنا به إليك من الإكسير. وأما من أي شيء تكون فإنما يريدون بذلك البحث عن الحجر الذي يمكنه العمل وإن كان العمل موجودا من كل شيء بالقوة لأنها من الطبائع الأربع منها تركبت ابتداء وإليها ترجع انتهاء ولكن من الأشياء ما يكون فيه بالقوة ولا يكون بالفعل وذلك أن منها ما يمكن تفصيلها تعالج وتدبر وهي التي تخرج من القوة إلى الفعل والتي لا يمكن تفصيلها لا تعالج ولا تدبر لأنها فيها بالقوة فقط وإنما لم يمكن تفصيلها لاستغراق بعض طبائعها في بعض وفضل قوة الكبير منها على الصغير. فينبغي لك وفقك الله أن تعرف أوفق الأحجار المنفضلة التي يمكن فيها العمل وجنسه وقوته وعمله وما يدبر من الحل والعقد والتنقية والتكليس والتنشيف والتقليب فإن من لم يعرف هذه الأصول التي هي عماد هذه الصنعة لم ينجح ولم يظفر بخير أبدا. وينبغي لك أن تعلم هل يمكن أن يستعان عليه بغيره أو يكتفى به وحده وهل هو واحد في الابتداء أو شاركه غيره فصار في التدبير واحدا فسمي حجرا. وينبغي لك أن تعلم كيفية عمله وكمية ٦٩٧
أوزانه وأزمانه وكيف تركيب الروح فيه وإدخال النفس عليه؟ وهل تقدر النار على تفصيلها منه بعد تركيبها؟ فإن لم تقدر فلأي علة وما السبب الموجب لذلك؟
فإن هذا هو المطلوب فافهم. واعلم أن الفلاسفة كلها مدحت النفس وزعمت أنها المدبرة للجسد والحاملة له والدافعة عنه والفاعلة فيه. وذلك أن الجسد إذا خرجت النفس منه مات وبرد فلم يقدر على الحركة والامتناع من غيره لأنه لا حياة فيه ولا نور. وإنما ذكرت الجسد والنفس لأن هذه الصفات شبيهة بجسد الإنسان الذي تركيبه على الغذاء والعشاء وقوامه وتمامه بالنفس الحية النورانية التي بها يفعل العظائم والأشياء المتقابلة التي لا يقدر عليها غيرها بالقوة الحية التي فيها. وإنما انفعل الإنسان لاختلاف تركيب طبائعه ولو اتفقت طبائعه لسلمت من الأعراض والتضاد ولم تقدر النفس على الخروج من بدنه ولكان خالدا باقيا. فسبحان مدبر الأشياء تعالى. واعلم أن الطبائع التي يحدث عنها هذا العمل كيفية دافعة في الابتداء فيضية محتاجة إلى الانتهاء وليس لها إذا صارت في هذا الحد أن تستحيل إلى ما منه تركبت كما قلناه آنفا في الإنسان لأن طبائع هذا الجوهر قد لزم بعضها بعضا وصارت شيئا واحدا شبيها بالنفس في قوتها وفعلها وبالجسد في تركيبه ومجسته بعد أن كانت طبائع مفردة بأعيانها. فيا عجبا من أفاعيل الطبائع إن القوة للضعيف الذي يقوى على تفصيل الأشياء وتركيبها وتمامها فلذلك قلت قوي وضعيف. وإنما وقع التعبير والفناء في التركيب الأول للاختلاف وعدم ذلك في الثاني للاتفاق. وقد قال بعض الأولين التفصيل والتقطيع في هذا العمل حياة وبقاء والتركيب موت وفناء. وهذا الكلام دقيق المعنى لأن الحكيم أراد بقوله حياة وبقاء خروجه من العدم إلى الوجود لأنه ما دام على تركيبه الأول فهو فان لا محالة فإذا ركب التركيب الثاني عدم الفناء.
والتركيب الثاني لا يكون إلا بعد التفصيل والتقطيع فإذا التفصيل والتقطيع في هذا العمل خاصة. فإذا بقي الجسد المحلول انبسط فيه لعدم الصورة لأنه قد صار ٦٩٨
في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها وذلك أنه لا وزن له فيه وسترى ذلك إن شاء الله تعالى وقد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط اللطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ وإنما أريد بذلك التشاكل في الأرواح والأجساد لأن الأشياء تتصل بأشكالها. وذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل أوفق وأيسر من الطبائع اللطائف الروحانية منها من الغليظة الجسمانية. وقد يتصور في العقل أن الأحجار أقوى وأصبر على النار من الأرواح كما ترى أن الذهب والحديد والنحاس أصبر على النار من الكبريت والزئبق وغيرهما من الأرواح فأقول إن الأجساد قد كانت أرواحا في بدنها فلما أصابها حر الكيان قلبها أجسادا لزجة غليظة فلم تقدر النار على أكلها لإفراط غلظها وتلزجها. فإذا أفرطت النار عليها صيرتها أرواحا كما كانت أول خلقها. وإن تلك الأرواح اللطيفة إذا أصابتها النار أبقت ولم تقدر على البقاء عليها فينبغي لك أن تعلم ما صير الأجساد في هذه الحالة وصير الأرواح في هذا الحال فهو أجل ما تعرفه. أقول إنما أبقت تلك الأرواح لاشتعالها ولطافتها. وإنما اشتعلت لكثرة رطوبتها ولأن النار إذا أحست بالرطوبة تعلقت بها لأنها هوائية تشاكل النار ولا تزال تغتذي بها إلى أن تفنى. وكذلك الأجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة تلزجها وغلظها وإنما صارت تلك الأجساد لا تشتعل لأنها مركبة من أرض وماء صابر على النار فلطيفه متحد بكثيفه لطول الطبخ اللين المازج للأشياء. وذلك أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفه ودخول بعضه في بعض على غير التحليل والموافقة فصار ذلك الانضمام والتداخل مجاورة لا ممازجة فسهل بذلك افتراقهما كالماء والدهن وما أشبههما. وإنما وصفت ذلك لتستدل به على تركيب الطبائع وتقابلها فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها. وينبغي لك أن تعلم أن الأخلاط التي هي طبائع هذه الصناعة موافقة بعضها لبعض مفصلة من جوهر واحد يجمعها نظام واحد بتدبير واحد لا يدخل عليه غريب في الجزء منه ولا في الكل كما قال الفيلسوف: إنك إذا ٦٩٩
أحكمت تدبير الطبائع وتآليفها ولم تدخل عليها غريبا فقد أحكمت ما أردت إحكامه وقوامه إذ الطبيعة واحدة لا غريب فيها فمن أدخل عليها غريبا فقد زاغ عنها ووقع في الخطإ. واعلم أن هذه الطبيعة إذا حل لها جسد من قرائنها على ما ينبغي في الحل حتى يشاكلها في الرقة واللطافة انبسطت فيه وجرت معه حيثما جرى لأن الأجساد ما دامت غليظة جافية لا تنبسط ولا تتزاوج وحل الأجساد لا يكون بغير الأرواح فافهم هداك الله هذا القول. واعلم هداك الله أن هذا الحل في جسد الحيوان هو الحق الذي لا يضمحل ولا ينقص وهو الذي يقلب الطبائع ويمسكها ويظهر لها ألوانا وأزهارا عجيبة. وليس كل جسد يحل خلاف هذا هو الحل التام لأنه مخالف للحياة، وإنما حله بما يوافقه ويدفع عنه حرق النار، حتى يزول عن الغلظ، وتنقلب الطبائع عن حالاتها إلى ما لها أن تنقلب من اللطافة والغلظ. فإذا بلغت الأجساد نهايتها من التحليل والتلطيف ظهرت لها لك قوة تمسك وتغوص وتقلب وتنفذ وكل عمل لا يرى له مصداق في أوله فلا خير فيه. واعلم أن البارد من الطبائع هو ييبس الأشياء ويعقد رطوبتها والحار منها يظهر رطوبتها ويعقد يبسها وإنما أفردت الحر والبرد لأنهما فاعلان والرطوبة واليبس منفعلان وعلى انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الأجسام وتتكون وإن كان الحر أكثر فعلا في ذلك من البرد لأن البرد ليس له نقل الأشياء ولا تحركها والحر هو علة الحركة. ومتى ضعفت علة الكون وهو الحرارة لم يتم منها شيء أبدا كما أنه إذا أفرطت الحرارة على شيء ولم يكن ثم برد أحرقته وأهلكته. فمن أجل هذه العلة احتيج إلى البارد في هذه الأعمال ليقوى به كل ضد على ضده ويدفع عنه حر النار. ولم يحذر الفلاسفة أكبر شيء إلا من النيران المحرقة. وأمرت بتطهير الطبائع والأنفاس وإخراج دنسها ورطوبتها ونفي آفاتها وأوساخها عنها على ذلك استقام رأيهم وتدبيرهم فإنما عملهم إنما هو مع النار أولا وإليها يصير أخيرا فلذلك قالوا: إياكم والنيران المحرقات. وإنما ٧٠٠
أرادوا بذلك نفي الآفات التي معها فتجمع على الجسد آفتين فتكون أسرع لهلاكه.
وكذلك كل شيء إنما يتلاشى ويفسد من ذاته لتضاد طبائعه واختلافه فيتوسط بين شيئين فلم يجد ما يقويه ويعينه إلا قهرته الآفة وأهلكته. واعلم أن الحكماء كلها ذكرت ترداد الأرواح على الأجساد مرارا ليكون ألزم إليها وأقوى على قتال النار إذا هي باشرتها عند الألفة أعني بذلك النار العنصرية فاعلمه. ولنقل الآن على الحجر الذي يمكن منه العمل على ما ذكرته الفلاسفة فقد اختلفوا فيه فمنهم من زعم أنه في الحيوان ومنهم من زعم أنه في النبات ومنهم من زعم أنه في المعادن ومنهم من زعم أنه في الجميع. وهذه الدعاوى ليست بنا حاجة إلى استقصائها ومناظرة أهلها عليها لأن الكلام يطول جدا وقد قلت فيما تقدم إن العمل يكون في كل شيء بالقوة لأن الطبائع موجودة في كل شيء فهو كذلك فنريد أن تعلم من أي شيء يكون العمل بالقوة والفعل فنقصد إلى ما قاله الحراني إن الصبغ كله أحد صبغين: إما صبغ جسد كالزعفران في الثوب الأبيض حتى يحول فيه وهو مضمحل منتقض التركيب، والصبغ الثاني تقليب الجوهر من جوهر نفسه إلى جوهر غيره ولونه كتقليب الشجر بل التراب إلى نفسه وقلب الحيوان والنبات إلى نفسه حتى يصير التراب نباتا والنبات حيوانا ولا يكون إلا بالروح الحي والكيان الفاعل الذي له توليد الأجرام وقلب الأعيان. فإذا كان هذا هكذا فنقول إن العمل لا بد أن يكون إما في الحيوان وإما في النبات وبرهان ذلك أنهما مطبوعان على الغذاء وبه قوامهما وتمامهما. فأما النبات فليس فيه ما في الحيوان من اللطافة والقوة ولذلك قل خوض الحكماء فيه. وأما الحيوان فهو آخر الاستحالات الثلاث ونهايتها وذلك أن المعدن يستحيل نباتا والنبات يستحيل حيوانا والحيوان لا يستحيل إلى شيء هو الطف منه إلا أن ينعكس راجعا إلى الغلظ وأنه أيضا لا يوجد في العالم شيء تتعلق فيه الروح الحية غيره والروح الطف ما في العالم ولم تتعلق الروح بالحيوان إلا بمشاكلته إياها. فأما الروح التي في النبات فإنها ٧٠١
يسيرة فيها غلظ وكثافة وهي مع ذلك مستغرقة كامنة فيه لغلظها وغلظ جسد النبات فلم يقدر على الحركة لغلظه وغلظ روحه. والروح المتحركة ألطف من الروح الكامنة كثيرا وذلك أن المتحركة لها قبول الغذاء والتنقل والتنفس وليس للكامنة غير قبول الغذاء وحده. ولا تجري إذا قيست بالروح الحية إلا كالأرض عند الماء. كذلك النبات عند الحيوان فالعمل في الحيوان أعلى وأرفع وأهون وأيسر. فينبغي للعاقل إذا عرف ذلك أن يجرب ما كان سهلا ويترك ما يخشى فيه عسرا. واعلم أن الحيوان عند الحكماء ينقسم أقساما من الأمهات التي هي الطبائع والحديثة التي هي المواليد وهذا معروف متيسر الفهم فلذلك قسمت الحكماء العناصر والمواليد أقساما حية وأقساما ميتة فجعلوا كل متحرك فاعلا حيا وكل ساكن مفعولا ميتا. وقسموا ذلك في جميع الأشياء وفي الأجساد الذائبة وفي العقاقير المعدنية فسموا كل شيء يذوب في النار ويطير ويشتعل حيا وما كان على خلاف ذلك سموه ميتا فأما الحيوان والنبات فسموا كل ما انفصل منها طبائع أربعا حيا وما لم ينفصل سموه ميتا ثم إنهم طلبوا جميع الأقسام الحية. فلم يجدوا لوفق هذه الصناعة مما ينفصل فصولا أربعة ظاهرة للعيان ولم يجدوا غير الحجر الذي في الحيوان فبحثوا عن جنسه حتى عرفوه وأخذوه ودبروه فتكيف لهم منه الذي أرادوا. وقد يتكيف مثل هذا في المعادن والنبات بعد جمع العقاقير وخلطها ثم تفصل بعد ذلك. فأما النبات فمنه ما ينفصل ببعض هذه الفصول مثل الأشنان وأما المعادن ففيها أجساد وأرواح وأنفاس إذا مزجت ودبرت كان منها ما له تأثير. وقد دبرنا كل ذلك فكان الحيوان منها أعلى وأرفع وتدبيره أسهل وأيسر. فينبغي لك أن تعلم ما هو الحجر الموجود في الحيوان وطريق وجوده. إنا بينا أن الحيوان أرفع المواليد وكذا ما تركب منه فهو ألطف منه ٧٠٢
كالنبات من الأرض. وإنما كان النبات ألطف من الأرض لأنه إنما يكون من جوهره الصافي وجسده اللطيف فوجب له بذلك اللطافة والرقة. وكذا هذا الحجر الحيواني بمنزلة النبات في التراب. وبالجملة فإنه ليس في الحيوان شيء ينفصل طبائع أربعا غيره فافهم هذا القول فإنه لا يكاد يخفى إلا على جاهل بين الجهالة ومن لا عقل له. فقد أخبرتك ماهية هذا الحجر وأعلمتك جنسه وأنا أبين لك وجوه تدابيره حتى يكمل الذي شرطناه على أنفسنا من الإنصاف إن شاء الله سبحانه» ..
(التدبير على بركة الله) خذ الحجر الكريم فأودعه القرعة والإنبيق وفصل طبائعه الأربع التي هي النار والهواء والأرض والماء وهي الجسد والصبغ فإذا عزلت الماء عن التراب والهواء عن النار فارفع كل واحد في إنائه على حدة وخذ الهابط أسفل الإناء وهو الثفل فاغسله بالنار الحارة حتى تذهب النار عنه سواده ويزول غلظه وجفاؤه وبيضه تبييضا محكما وطير عنه فضول الرطوبات المستجنة فيه فإنه يصير عند ذلك ماء أبيض لا ظلمة فيه ولا وسخ ولا تضاد. ثم اعمد إلى تلك الطبائع الأول الصاعدة منه فطهرها أيضا من السواد والتضاد وكرر عليها الغسل والتصعيد حتى تلطف وترق وتصفو. فإذا فعلت ذلك فقد فتح الله عليك فابدأ بالتركيب الذي عليه مدار العمل. وذلك أن التركيب لا يكون إلا بالتزويج والتعفين فأما التزويج فهو اختلاط اللطيف بالغليظ وأما التعفين فهو التمشية والسحق حتى يختلط بعضه ببعض ويصير شيئا واحدا لا اختلاف فيه ولا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء. فعند ذلك يقوى الغليظ على إمساك اللطيف وتقوى الروح على مقابلة النار وتصبر عليها وتقوى النفس على الغوص في الأجساد والدبيب فيها. وإنما وجد ذلك بعد التركيب لأن الجسد المحلول لما ازدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه ودخل بعضها في بعض لتشاكلها فصار شيئا واحدا ٧٠٣
ووجب من ذلك أن يعرض للروح من الصلاح والفساد والبقاء والثبوت وما يعرض للجسد لموضع الامتزاج. وكذلك النفس إذا امتزجت بهما ودخلت فيهما بخدمة التدبير اختلطت أجزاؤها بجميع أجزاء الآخرين أعني الروح والجسد وصارت هي وهما شيئا واحدا لا اختلاف فيه بمنزلة الجزء الكلي الذي سلمت طبائعه واتفقت أجزاؤه فإذا ألقى هذا المركب الجسد المحلول وألح عليه النار وأظهر ما فيه من الرطوبة على وجهه ذاب في الجسد المحلول. ومن شأن الرطوبة الاشتعال وتعلق النار بها فإذا أرادت النار التعلق بها منعها من الاتحاد بالنفس ممازجة الماء لها. فإن النار لا تتحد بالدهن حتى يكون خالصا.
وكذلك الماء من شأنه النفور من النار. فإذا ألحت عليه النار وأرادت تطييره حبسه الجسد اليابس الممازج له في جوفه فمنعه من الطيران فكان الجسد علة لإمساك الماء والماء علة لبقاء الدهن والدهن علة لثبات الصبغ والصبغ علة لظهور الدهن وإظهار الدهنية في الأشياء المظلمة التي لا نور لها ولا حياة فيها. فهذا هو الجسد المستقيم وهكذا يكون العمل. وهذه التصفية التي سألت عنها وهي التي سمتها الحكماء بيضة وإياها يعنون لا بيضة الدجاج واعلم أن الحكماء لم تسمها بهذا الاسم لغير معنى بل أشبهتها. ولقد سألت مسلمة عن ذلك يوما وليس عنده غيري فقلت له: أيها الحكيم الفاضل أخبرني لأي شيء سمت الحكماء مركب الحيوان بيضة؟ اختيارا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم إليه؟ فقال: بل لمعنى غامض فقلت أيها الحكيم وما ظهر لهم من ذلك من المنفعة والاستدلال على الصناعة حتى شبهوها وسموها بيضة؟ فقال: لشبهها وقرابتها من المركب ففكر فيه فإنه سيظهر لك معناه. فبقيت بين يديه مفكرا لا أقدر على الوصول إلى معناه. فلما رأى ما بي من الفكر وأن نفسي قد مضت فيها أخذ بعضدي وهزني هزة خفيفة وقال لي: يا أبا بكر ذلك للنسبة التي بينهما في كمية الألوان عند امتزاج الطبائع وتأليفها. فلما قال ذلك انجلت عني الظلمة وأضاء لي نور قلبي ٧٠٤
وقوي عقلي على فهمه فنهضت شاكرا الله عليه إلى منزلي وأقمت على ذلك شكلا هندسيا يبرهن به على صحة ما قاله مسلمة. وأنا واضعه لك في هذا الكتاب.
مثال ذلك أن المركب إذا تم وكمل كان نسبة ما فيه من طبيعة الهواء إلى ما في البيضة من طبيعة الهواء كنسبة ما في المركب من طبيعة النار إلى ما في البيضة من طبيعة النار. وكذلك الطبيعتان الأخريان: الأرض والماء فأقول: إن كل شيئين متناسبين على هذه الصفة هما متشابهان. ومثال ذلك أن تجعل لسطح البيضة هزوح فإذا أردنا ذلك فإنا نأخذ أقل طبائع المركب وهي طبيعة اليبوسة ونضيف إليها مثلها من طبيعة الرطوبة وندبرهما حتى تنشف طبيعة اليبوسة طبيعة الرطوبة وتقبل قوتها. وكأن في هذا الكلام رمزا ولكنه لا يخفى عليك. ثم تحمل عليهما جميعا مثليهما من الروح وهو الماء فيكون الجميع ستة أمثال. ثم تحمل على الجميع بعد التدبير مثلا من طبيعة الهواء التي هي النفس وذلك ثلاثة أجزاء فيكون الجميع تسعة أمثال اليبوسة بالقوة. وتجعل تحت كل ضلعين من المركب الذي طبيعته محيطة بسطح المركب طبيعتين فتجعل أولا الضلعين المحيطين بسطحه طبيعة الماء وطبيعة الهواء وهما ضلعا (أح د) وسطح (ابجد) وكذلك الضلعان المحيطان بسطح البيضة اللذان هما الماء والهواء ضلعا (هزوح) فأقول إن سطح (ابجد) يشبه سطح (هزوح) طبيعة الهواء التي تسمى نفسا وكذلك (بج) من سطح المركب. والحكماء لم تسم شيئا باسم شيء إلا لشبهة به.
والكلمات التي سألت عن شرحها الأرض المقدسة وهي المنعقدة من الطبائع العلوية والسفلية. والنحاس هو الذي أخرج سواده وقطع حتى صار هباء ثم حمر بالزاج حتى صار نحاسيا والمغنيسيا حجرهم الذي تجمد فيه الأرواح وتخرجه الطبيعة العلوية التي تستجن فيها الأرواح لتقابل عليها النار والفرفرة لون أحمر قان يحدثه الكيان. والرصاص حجر له ثلاث قوى مختلفة الشخوص ولكنها متشاكلة ومتجانسة. فالواحدة روحانية نيرة صافية وهي الفاعلة والثانية نفسانية ٧٠٥
وهي متحركة حساسة غير أنها أغلظ من الأولى ومركزها دون مركز الأولى والثالثة قوة أرضية حاسة قابضة منعكسة إلى مركز الأرض لثقلها وهي الماسكة الروحانية والنفسانية جميعا والمحيطة بهما. وأما سائر الباقية فمبتدعة ومخترعة، إلباسا على الجاهل، ومن عرف المقدمات استغنى عن غيرها. فهذا جميع ما سألتني عنه وقد بعثت به إليك مفسرا ونرجو بتوفيق الله أن تبلغ أملك والسلام. انتهى كلام ابن بشرون وهو من كبار تلاميذ مسلمة المجريطي شيخ الأندلس في علوم الكيمياء والسيمياء والسحر في القرن الثالث وما بعده. وأنت ترى كيف صرف ألفاظهم كلها في الصناعة إلى الرمز والألغاز التي لا تكاد تبين ولا تعرف وذلك دليل على أنها ليست بصناعة طبيعية. والذي يجب أن يعتقد في أمر الكيمياء وهو الحق الذي يعضده الواقع أنها من جنس آثار النفوس الروحانية وتصرفها في عالم الطبيعة: إما من نوع الكرامة إن كانت النفوس خيرة أو من نوع السحر إن كانت النفوس شريرة فاجرة. فأما الكرامة فظاهرة وأما السحر فلأن الساحر كما ثبت في مكان تحقيقه يقلب الأعيان المادية بقوته السحرية. ولا بد له مع ذلك عندهم من مادة يقع فعله السحري فيها كتخليق بعض الحيوانات من مادة التراب أو الشجر والنبات وبالجملة من غير مادتها المخصوصة بها، كما وقع لسحرة فرعون في الحبال والعصي وكما ينقل عن سحرة السودان والهنود في قاصية الجنوب والترك في قاصية الشمال أنهم يسحرون الجو للأمطار وغير ذلك. ولما كانت هذه تخليقا للذهب في غير مادته الخاصة به كان من قبيل السحر والمتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة. ومن كان قبلهم من حكماء الأمم إنما نحوا هذا المنحى ولهذا كان كلامهم فيه ألغازا حذرا عليها من إنكار الشرائع على السحر وأنواعه لا أن ذلك يرجع إلى الضنانة بها كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك. وانظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم وسمى كتابه في السحر والطلسمات غاية الحكيم إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع هذه ٧٠٦
لأن الغاية أعلى من الرتبة فكأن مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية وتشاركها في الموضوعات. ومن كلامه في الفنين يتبين ما قلناه ونحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة الطبيعية. والله العليم الخبير.
الفصل الحادي والثلاثون في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها
هذا الفصل وما بعده مهم لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن.
وضررها في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها. وذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه وما وراء الحسي تدرك أدواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل. وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق.
ومحصل ذلك أن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل إنما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية فيجرد منها أولا صور منطبقة على جميع الأشخاص كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع. وهذه مجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الأوائل. ثم تجرد من تلك المعاني الكلية إذا كانت مشتركة مع معان أخرى وقد تميزت عنها في الذهن فتجرد منها معان أخرى وهي التي اشتركت بها. ثم تجرد ثانيا إن شاركها غيرها وثالثا إلى أن ينتهي التجريد إلى المعاني البسيطة الكلية المنطبقة على جميع المعاني والأشخاص ولا يكون منها تجريد بعد هذا وهي الأجناس العالية. وهذه ٧٠٧
المجردات كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض لتحصيل العلوم منها تسمى المعقولات الثواني. فإذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة وطلب تصور الوجود. كما هو فلا بد للذهن من إضافة بعضها إلى بعض ونفي بعضها عن بعض بالبرهان العقلي اليقيني ليحصل تصور الوجود تصورا صحيحا مطابقا إذا كان ذلك بقانون صحيح كما مر. وصنف التصديق الذي هو تلك الاضافة والحكم متقدم عندهم على صنف التصور في النهاية والتصور متقدم عليه في البداءة والتعليم لأن التصور التام عندهم هو غاية الطلب الإدراكي وإنما التصديق وسيلة له وما تسمعه في كتب المنطقيين من تقدم التصور وتوقف التصديق عليه فبمعنى الشعور لا بمعنى العلم التام وهذا هو مذهب كبيرهم أرسطو ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس وما وراء الحس بهذا النظر وتلك البراهين. وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه وهو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم أنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس في الحيوانات ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل. ووقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الإنسانية. ووجب عندهم أن يكون للفلك نفس وعقل كما للإنسان ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي العشر، تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد أول مفرد وهو العاشر. ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل وأن ذلك ممكن للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف في كلماتهم. وإمام هذه المذاهب ٧٠٨
الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر حججها فيما بلغنا في هذه الأحقاب هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون وهو معلم الإسكندر ويسمونه المعلم الأول على الإطلاق يعنون معلم صناعة المنطق إذ لم تكن قبله مهذبة وهو أول من رتب قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو تكفل له بقصدهم في الإلهيات ثم كان من بعده في الإسلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل إلا في القليل. وذلك أن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ من مذاهبهم من أضله الله من منتحلي العلوم وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل من تفاريعها وكان من أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة وأبو علي بن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام الملك من بني بويه بأصبهان وغيرهما. واعلم أن هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه. فأما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الأول واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق الله فالوجود أوسع نطاقا من ذلك «ويخلق ما لا تعلمون 16: 8» وكأنهم في اقتصارهم على إثبات العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الأجسام خاصة المعرضين عن النقل والعقل المعتقدين أنه ليس وراء الجسم في حكمة الله شيء. وأما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ويعرضونها على معيار المنطق وقانونه فهي قاصرة وغير وافية بالغرض. أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها. ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا ما لا يشهد له الحس ٧٠٩
من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟ وربما يكون تصرف الذهن أيضا في المعقولات الأول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات الثواني التي تجريدها في الرتبة الثانية فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة المحسوسات إذ المعقولات الأول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال. الانطباق فيها فنسلم لهم حينئذ دعاويهم في ذلك. إلا أنه ينبغي لنا الإعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فإن مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها. وأما ما كان منها في الموجودات التي وراء الحس وهي الروحانيات ويسمونه العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة فإن ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا.
ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا وبينها فلا يتأتى لنا برهان عليها ولا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية وأحوال مداركها وخصوصا في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد وما وراء ذلك من حقيقتها وصفاتها فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه. وقد صرح بذلك محققوهم حيث ذهبوا إلى أن مالا مادة له لا يمكن البرهان عليه لأن مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية. وقال كبيرهم أفلاطون: إن الإلهيات لا يوصل فيها إلى أينين وإنما يقال فيها بالأخلق والأولى يعني الظن: وإذا كنا إنما نحصل بعد التعب والنصب على الظن فقط فيكفينا الظن الذي كان أولا فأي فائدة لهذه العلوم والاشتغال بها ونحن إنما عنايتنا بتحصيل اليقين فيما وراء الحس من الموجودات وهذه هي غاية الأفكار الإنسانية عندهم. وأما قولهم إن السعادة في إدراك ٧١٠
الموجودات على ما هي عليه بتلك البراهين فقول مزيف مردود وتفسيره أن الإنسان مركب من جزءين أحدهما جسماني والآخر روحاني ممتزج به ولكل واحد من الجزءين مدارك مختصة به والمدرك فيهما واحد وهو الجزء الروحاني يدرك تارة مدارك روحانية وتارة مدارك جسمانية إلا أن المدارك الروحانية يدركها بذاته بغير واسطة والمدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ والحواس. وكل مدرك فله ابتهاج بما يدركه. واعتبره بحال الصبي في أول مداركه الجسمانية التي هي بواسطة كيف يبتهج بما يبصره من الضوء وبما يسمعه من الأصوات فلا شك أن الابتهاج بالإدراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد وألذ. فالنفس الروحانية إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل لها ابتهاج ولذة لا يعبر عنهما وهذا الإدراك لا يحصل بنظر ولا علم وإنما يحصل بكشف حجاب الحس ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة. والمتصوفة كثيرا ما يعنون بحصول هذا الإدراك للنفس بحصول هذه البهجة فيحاولون بالرياضة إماتة القوى الجسمانية ومداركها حتى الفكر من الدماغ وليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها عند زوال الشواغب والموانع الجسمانية يحصل لهم بهجة ولذة لا يعبر عنهما. وهذا الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم وهو مع ذلك غير واف بمقصودهم. فأما قولهم إن البراهين والأدلة العقلية محصلة لهذا النوع من الإدراك والابتهاج عنه فباطل كما رأيته إذ البراهين والأدلة من جملة المدارك الجسمانية لأنها بالقوى الدماغية من الخيال والفكر والذكر. ونحن نقول إن أول شيء نعنى به في تحصيل هذا الإدراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها لأنها منازعة له قادحة فيه وتجد الماهر منهم عاكفا على كتاب الشفاء والإشارات والنجاء وتلاخيص ابن رشد للقص من تأليف أرسطو وغيره يبعثر أوراقها ويتوثق من براهينها ويلتمس هذا القسط من السعادة فيها ولا يعلم أنه يستكثر بذلك من الموانع عنها. ومستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو ٧١١
والفارابي وابن سينا أن من حصل له إدراك العقل الفعال واتصل به في حياته فقد حصل حظه من هذه السعادة. والعقل الفعال عندهم عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات ويحملون الاتصال بالعقل الفعال على الإدراك العلمي وقد رأيت فساده وإنما يعني أرسطو وأصحابه بذلك الاتصال والإدراك إدراك النفس الذي لها من ذاتها وبغير واسطة وهو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس. وأما قولهم إن البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضا لأنا إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا آخر للنفس من غير واسطة وأنها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجا شديدا وذلك لا يعين لنا أنه عين السعادة الأخروية ولا بد بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة. وأما قولهم إن السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه فقول باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الأوهام والأغلاط في أن الوجود عند كل مدرك منحصر في مداركه وبينا فساد ذلك وإن الوجود أوسع من إن يحاط به أو يستوفي إدراكه بجملته روحانيا أو جسمانيا. والذي يحصل من جميع ما قررناه من مذاهبهم أن الجزء الروحاني إذا فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكا ذاتيا له مختصا بصنف من المدارك وهي الموجودات التي أحاط بها علمنا وليس بعام الإدراك في الموجودات كلها إذ لم تنحصر وأنه يبتهج بذلك النحو من الإدراك ابتهاجا شديدا كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوءه ومن لنا بعد ذلك بإدراك جميع الموجودات أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع إن لم نعمل لها، هيهات هيهات لما توعدون. وأما قولهم إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه وإصلاحها بملابسة المحمود من الخلق ومجانبة المذموم فأمر مبني على أن ابتهاج للنفس بإدراكها الذي لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها لأن الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات الجسمانية وألوانها. وقد بينا أن أثر السعادة والشقاوة ومن وراء الإدراكات ٧١٢
الجسمانية والروحانية فهذا التهذيب الذي توصلوا إلى معرفته إنما نفعه في البهجة الناشئة عن الإدراك الروحاني فقط الذي هو على مقاييس وقوانين. وأما ما وراء ذلك من السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ما أمر به من الأعمال والأخلاق فأمر لا يحيط به مدارك المدركين. وقد تنبه لذلك زعيمهم أبو علي ابن سينا فقال في كتاب المبدإ والمعاد ما معناه: إن المعاد الروحاني وأحواله هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس لأنه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة فلنا في البراهين عليه سعة. وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان لأنه ليس على نسبة واحدة وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية فلينظر فيها وليرجع في أحواله إليها. فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها. وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين. وذلك أن نظم المقاييس وتركيبها على وجه الإحكام والإتقان هو كما شرطوه في صناعتهم المنطيقية وقولهم بذلك في علومهم الطبيعية وهم كثيرا ما يستعملونها في علومهم الحكمية من الطبيعيات والتعاليم وما بعدها فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الإتقان والصواب في الحجج والاستدلالات لأنها وإن كانت غير وافية بمقصودهم فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار. هذه ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم وآرائهم ومضارها ما علمت. فليكن الناظر فيها متحرزا جهده معاطبها وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها. والله الموفق للصواب وللحق والهادي إليه. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله 7: 43 ٧١٣
الفصل الثاني والثلاثون في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها
هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية. فالمتقدمون منهم يرون أن معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها بالتجربة وهو أمر تقصر الأعمار كلها لو اجتمعت عن تحصيله إذ التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم أو الظن.
وأدوار الكواكب منها ما هو طويل الزمن فيحتاج تكرره إلى آماد وأحقاب متطاولة يتقاصر عنها ما هو طويل من أعمار العالم. وربما ذهب ضعفاء منهم إلى أن معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها كانت بالوحي وهو رأي فائل وقد كفونا مؤنة إبطاله. ومن أوضح الأدلة فيه أن تعلم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبعد الناس عن الصنائع وأنهم لا يتعرضون للإخبار عن الغيب إلا أن يكون عن الله فكيف يدعون استنباطه بالصناعة ويشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق. وأما بطليمس ومن تبعه من المتأخرين فيرون أن دلالة الكواكب على ذلك دلالة طبيعية من قبل مزاج يحصل للكواكب في الكائنات العنصرية قال لأن فعل النيرين وأثرهما في العنصريات ظاهر لا يسع أحدا حجده مثل فعل الشمس في تبدل الفصول وأمزجتها ونضج الثمار والزرع وغير ذلك وفعل القمر في الرطوبات والماء وإنضاج المواد المتعفنة وفواكه القناء وسائر أفعاله. ثم قال: ولنا فيما بعدها من الكواكب طريقان الأولى التقليد لمن نقل ذلك عنه من أئمة الصناعة إلا أنه غير مقنع للنفس والثانية الحدس والتجربة بقياس كل واحد منها إلى النير ٧١٤
الأعظم الذي عرفنا طبيعته وأثره معرفة ظاهرة فننظر هل يزيد ذلك الكوكب عند القران في قوته ومزاجه فتعرف موافقته له في الطبيعة أو ينقص عنها فتعرف مضادته. ثم إذا عرفنا قواها مفردة عرفناها مركبة وذلك عند تناظرها بأشكال التثليث والتربيع وغيرهما ومعرفة ذلك من قبل طبائع البروج بالقياس أيضا إلى النير الأعظم. وإذا عرفنا قوى الكواكب كلها فهي مؤثرة في الهواء وذلك ظاهر.
والمزاج الذي يحصل منها للهواء يحصل لما تحته من المولدات وتتخلق به النطف والبزر فتصير حالا للبدن المتكون عنها وللنفس المتعلقة به الفائضة عليه المكتسبة لما لها منه ولما يتبع النفس والبدن من الأحوال لأن كيفيات البزرة والنطفة كيفيات لما يتولد عنهما وينشأ منهما. قال: وهو مع ذلك ظني وليس من اليقين في شيء وليس هو أيضا من القضاء الإلهي يعني القدر إنما هو من جملة الأسباب الطبيعية للكائن والقضاء الإلهي سابق على كل شيء. هذا محصل كلام بطليمس وأصحابه وهو منصوص في كتابه الأربع وغيره. ومنه يتبين ضعف مدرك هذه الصناعة وذلك أن العلم الكائن أو الظن به إنما يحصل عن العلم بجملة أسبابه من الفاعل والقابل والصورة والغاية على ما يتبين في موضعه. والقوى النجومية على ما قرروه إنما هي فاعلة فقط والجزء العنصري هو القابل ثم إن القوى النجومية ليست هي الفاعل بجملتها بل هناك قوى أخرى فاعلة معها في الجزء المادي مثل قوة التوليد للأب والنوع التي في النطفة وقوى الخاصة التي تميز بها صنف من النوع وغير ذلك. فالقوى النجومية إذا حصل كمالها وحصل العلم فيها إنما هي فاعل واحد من جملة الأسباب الفاعلة للكائن. ثم إنه يشترط مع العلم بقوى النجوم وتأثيراتها مزيد حدس وتخمين وحينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن. والحدس والتخمين قوى للناظر في فكره وليس من علل الكائن ولا من أصول الصناعة فإذا فقد هذا الحدس والتخمين رجعت أدراجها عن الظن إلى الشك. هذا إذا حصل العلم بالقوى النجومية على سداده ولم تعترضه آفة وهذا معوز ٧١٥
لما فيه من معرفة حسبانات الكواكب في سيرها لتتعرف به أوضاعها ولما أن اختصاص كل كوكب بقوة لا دليل عليه. ومدرك بطليمس في إثبات القوى للكواكب الخمسة بقياسها إلى الشمس مدرك ضعيف لأن قوة الشمس غالبة لجميع القوى من الكواكب ومستولية عليها فقل أن يشعر بالزيادة فيها أو النقصان منها عند المقارنة كما قال وهذه كلها قادحة في تعريف الكائنات الواقعة في عالم العناصر بهذه الصناعة. ثم إن تأثير الكواكب فيما تحتها باطل إذ قد تبين في باب التوحيد أن لا فاعل إلا الله بطريق استدلالي كما رأيته واحتج له أهل علم الكلام بما هو غني عن البيان من أن إسناد الأسباب إلى المسببات مجهول الكيفية والعقل منهم على ما يقضى به فيما يظهر بادئ الرأي من التأثير فلعل استنادها على غير صورة التأثير المتعارف. والقدرة الإلهية رابطة بينهما كما ربطت جميع الكائنات علوا وسفلا سيما والشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله تعالى ويبرأ مما سوى ذلك. والنبوءات أيضا منكرة لشأن النجوم وتأثيراتها. واستقراء الشرعيات شاهد بذلك في مثل قوله: إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته وفي قوله أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي. فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب الحديث الصحيح. فقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع وضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل مع ما لها من المضار في العمران الإنساني بما تبعث من عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين اتفاقا لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له ويظن اطراد الصدق في سائر أحكامها وليس كذلك. فيقع في رد الأشياء إلى غير خالقها. ثم ما ينشأ عنها كثيرا في الدول من توقع القواطع وما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الأعداء والمتربصين بالدولة إلى الفتك والثورة. وقد شاهدنا من ذلك كثيرا فينبغي أن تحظر هذه الصناعة على جميع أهل ٧١٦
العمران لما ينشأ عنها من المضار في الدين والدول، ولا يقدح في ذلك كون وجودها طبيعيا للبشر بمقتضى مداركهم وعلومهم. فالخير والشر طبيعتان موجودتان في العالم لا يمكن نزعهما وإنما يتعلق التكليف بأسباب حصولهما فيتعين السعي في اكتساب الخير بأسبابه ودفع أسباب الشر والمضار. هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم ومضاره. وليعلم من ذلك أنها وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يمكن أحدا من أهل الملة تحصيل علمها ولا ملكتها بل إن نظر فيها ناظر وظن الإحاطة بها فهو في غاية القصور في نفس الأمر. فإن الشريعة لما حظرت النظر فيها فقد الاجتماع من أهل العمران لقراءتها والتحليق لتعليمها وصار المولع بها من الناس وهم الأقل وأقل من الأقل إنما يطالع كتبها ومقالاتها في كسر بيته متسترا عن الناس وتحت ربقة الجمهور مع تشعب الصناعة وكثرة فروعها واعتياصها على الفهم فكيف يحصل منها على طائل؟ ونحن نجد الفقه الذي عم نفعه دينا ودنيا وسهلت مآخذه من الكتاب والسنة وعكف الجمهور على قراءته وتعليمه ثم بعد التحقيق والتجميع وطول المدارسة وكثرة المجالس وتعددها إنما يحذق فيه الواحد بعد الواحد في الأعصار والأجيال. فكيف يعلم مهجور للشريعة مضروب دونه سد الخطر والتحريم مكتوم عن الجمهور صعب المآخذ محتاج بعد الممارسة والتحصيل لاصوله وفروعه إلى مزيد حدس وتخمين يكتنفان به من الناظر فأين التحصيل والحذق فيه مع هذه كلها. ومدعى ذلك من الناس مردود على عقبه ولا شاهد له يقوم بذلك لغرابة الفن بين أهل الملة وقلة حملته فاعتبر ذلك يتبين لك صحة ما ذهبنا إليه. والله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. ومما وقع في هذا المعنى لبعض أصحابنا من أهل العصر عند ما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن وحاصروه بالقيروان وكثر إرجاف الفريقين الأولياء والأعداء وقال في ذلك أبو القاسم الروحي من شعراء أهل تونس: ٧١٧
أستغفر الله كل حين ... قد ذهب العيش والهناء
أصبح في تونس وأمسى ... والصبح لله والمساء
الخوف والجوع والمنايا ... يحدثها الهرج والوباء
والناس في مرية وحرب ... وما عسى ينفع المراء
فأحمدي يرى عليا ... حل به الهلك والتواء
وآخر قال سوف يأتي ... به إليكم صبا رخاء
والله من فوق ذا وهذا ... يقضي لعبديه ما يشاء
يا راصد الخنس الجواري ... ما فعلت هذه السماء
مطلتمونا وقد زعمتم ... أنكم اليوم أملياء
مر خميس على خميس ... وجاء سبت وأربعاء
ونصف شهر وعشر ثان ... وثالث ضمه القضاء
ولا نرى غير زور قول ... أذاك جهل أم ازدراء
إنا إلى الله قد علمنا ... أن ليس يستدفع القضاء
رضيت بالله لي إلها ... حسبكم البدر أو ذكاء
ما هذه الأنجم السواري ... إلا عباديد أو إماء
يقضى عليها وليس تقضي ... وما لها في الورى اقتضاء
ضلت عقول ترى قديما ... ما شأنه الجرم والفناء
وحكمت في الوجود طبعا ... يحدثه الماء والهواء
لم تر حلوا إزاء مر ... تغذوهم تربة وماء
الله ربي ولست أدري ... ما الجوهر الفرد والخلاء
ولا الهيولى التي تنادي ... ما لي عن صورة عراء
ولا وجود ولا، انعدام ... ولا ثبوت ولا انتفاء
والكسب لم أدر فيه إلا ... ما جلب البيع والشراء ٧١٨
وإنما مذهبي وديني ... ما كان للناس أولياء
إذ لا فصول ولا أصول ... ولا جدال ولا رياء
ما تبع الصدر واقتفينا ... يا حبذا كان الاقتفاء
كانوا كما يعلمون منهم ... ولم يكن ذلك الهذاء
يا أشعري الزمان إني ... أشعرني الصيف والشتاء
لم أجز بالشر غير شر ... والخير عن مثله جزاء
وإنني إن أكن مطيعا ... فلست أعصى ولي رجاء
وإنني تحت حكم بار ... أطاعه العرش والثراء
ليس انتصار بكم ولكن ... أتاحه الحكم والقضاء
لو حدث الأشعري عمن ... له إلى رأيه انتماء
لقال أخبرهم بأني ... مما يقولونه براء
الفصل الثالث والثلاثون في انكار ثمرة الكيميا واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها
اعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصنائع ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن اقتناء المال منها أيسر وأسهل على مبتغيه فيرتكبون فيها من المتاعب والمشاق ومعاناة الصعاب وعسف الحكام وخسارة الأموال في النفقات زيادة على النيل من غرضه والعطب آخرا إذا ظهر على خيبة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وإنما أطمعهم في ذلك رؤية أن المعادن تستحيل وينقلب بعضها إلى بعض للمادة المشتركة فيحاولون بالعلاج صيرورة الفضة ذهبا والنحاس والقصدير فضة ويحسبون أنها من ممكنات عالم ٧١٩
الطبيعة ولهم في علاج ذلك طرق مختلفة لاختلاف مذاهبهم في التدبير وصورته وفي المادة الموضوعة عندهم للعلاج المسماة عندهم بالحجر المكرم هل هي العذرة أو الدم أو الشعر أو البيض أو كذا أو كذا مما سوى ذلك. وجملة التدبير عندهم بعد تعين المادة أن تمهى بالفهر على حجر صلد أملس وتسقى أثناء إمهائها بالماء وبعد أن يضاف إليها من العقاقير والأدوية ما يناسب القصد منها ويؤثر في انقلابها إلى المعدن المطلوب. ثم تجفف بالشمس من بعد السقي أو تطبخ بالنار أو تصعد أو تكلس لاستخراج مائها أو ترابها فإذا رضي بذلك كله من علاجها وتم تدبيره على ما اقتضته أصول صنعته حصل من ذلك كله تراب أو مائع يسمونه الإكسير ويزعمون أنه إذا ألقي على الفضة المحماة بالنار عادت ذهبا أو النحاس المحمي بالنار عاد فضة على ما قصد به في عمله. ويزعم المحققون منهم أن ذلك الإكسير مادة مركبة من العناصر الأربعة حصل فيها بذلك العلاج الخاص والتدبير مزاج ذو قوى طبيعية تصرف ما حصلت فيه إليها وتقلبه إلى صورتها ومزاجها وتبث فيه ما حصل فيها من الكيفيات والقوى كالخميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها وتعمل فيه ما حصل لها من الانفشاش والهشاشة ليحسن هضمه في المعدة ويستحيل سريعا إلى الغذاء. وكذا إكسير الذهب والفضة فيما يحصل فيه من المعادن يصرفه إليهما ويقلبه إلى صورتهما. هذا محصل زعمهم على الجملة فتجدهم عاكفين على هذا العلاج يبتغون الرزق والمعاش فيه ويتناقلون أحكامه وقواعده من كتب لأئمة الصناعة من قبلهم يتداولونها بينهم ويتناظرون في فهم لغوزها وكشف أسرارها إذ هي في الأكثر تشبه المعمى. كتآليف جابر بن حيان في رسائله السبعين ومسلمة المجريطي في كتابه رتبة الحكيم والطغرائي والمغيربي في قصائده العريقة في إجادة النظم وأمثالها ولا يحلون من بعد هذا كله بطائل منها. ففاوضت يوما شيخنا أبا البركات التلفيقي كبير مشيخة ٧٢٠
الأندلس في مثل ذلك ووقفته على بعض التآليف فيها فتصفحه طويلا ثم رده إلي وقال لي وأنا الضامن له أن لا يعود إلى بيته إلا بالخيبة. ثم منهم من يقتصر في ذلك على الدلسة فقط. إما الظاهرة كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو خلطهما على نسبة جزء أو جزءين أو ثلاثة أو الخفية كإلقاء الشبه بين المعادن بالصناعة مثل تبييض النحاس وتلبيسه بالزوق المصعد فيجيء جسما معدنيا شبيها بالفضة ويخفى إلا على النقاد المهرة فيقدر أصحاب هذه الدلس مع دلستهم هذه سكة يسربونها في الناس ويطبعونها بطابع السلطان تمويها على الجمهور بالخلاص. وهؤلاء أخس الناس حرفة وأسوأهم عاقبة لتلبسهم بسرقة أموال الناس فإن صاحب هذه الدلسة إنما هو يدفع نحاسا في الفضة وفضة في الذهب ليستخلصها لنفسه فهو سارق أو شر من السارق. ومعظم هذا الصنف لدينا بالمغرب من طلبة البربر المنتبذين بأطراف البقاع ومساكن الأغمار يأوون إلى مساجد البادية ويموهون على الأغنياء منهم بأن بأيديهم صناعة الذهب والفضة والنفوس مولعة بحبهما والاستهلاك في طلبهما فيحصلون من ذلك على معاش. ثم يبقى ذلك عندهم تحت الخوف والرقبة إلى أن يظهر العجز وتقع الفضيحة فيفرون إلى موضع آخر ويستجدون حالا أخرى في استهواء بعض أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم. ولا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم وهذا الصنف لا كلام معهم لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة ولا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم وتناولهم من حيث كانوا وقطع أيديهم متى ظهروا على شأنهم لأن فيه إفسادا للسكة التي تعم بها البلوى وهي متمول الناس كافة. والسلطان مكلف بإصلاحها والاحتياط عليها والاشتداد على مفسديها. وأما من انتحل هذه الصناعة ولم يرض بحال الدلسة بل استنكف عنها ونزه نفسه عن إفساد سكة المسلمين ونقودهم وإنما يطلب إحالة الفضة للذهب والرصاص والنحاس والقصدير إلى ٧٢١
الفضة بذلك النحو من العلاج وبالإكسير الحاصل عنده فلنا مع هؤلاء متكلم وبحث في مداركهم لذلك. مع أنا لا نعلم أن أحدا من أهل العالم تم له هذا الغرض أو حصل منه على بغية إنما تذهب أعمارهم في التدبير والفهر والصلابة والتصعيد والتكليس واعتيام الأخطار بجمع العقاقير والبحث عنها. ويتناقلون في ذلك حكايات وقعت لغيرهم ممن تم له الغرض منها أو وقف على الوصول يقنعون باستماعها والمفاوضات فيها ولا يستريبون في تصديقها شأن الكلفين المغرمين بوساوس الأخبار فيما يكلفون به فإذا سئلوا عن تحقيق ذلك بالمعاينة أنكروه وقالوا إنما سمعنا ولم نر. هكذا شأنهم في كل عصر وجيل واعلم أن انتحال هذه الصنعة قديم في العالم وقد تكلم الناس فيها من المتقدمين والمتأخرين فلننقل مذاهبهم في ذلك ثم نتلوه بما يظهر فيها من التحقيق الذي عليه الأمر في نفسه فنقول إن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعة المتطرقة وهي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين هل هي مختلفات بالفصول وكلها أنواع قائمة بأنفسها أو إنها مختلفة بخواص من الكيفيات وهي كلها أصناف لنوع واحد؟ فالذي ذهب إليه أبو النصر الفارابي وتابعه عليه حكماء الأندلس أنها نوع واحد وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة والألوان من الصفرة والبياض والسواد وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد والذي ذهب إليه ابن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها مختلفة بالفصول وأنها أنواع متباينة كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته له فصل وجنس شان سائر الأنواع. وبنى أبو نصر الفارابي على مذهبه في اتفاقها بالنوع إمكان انقلاب بعضها إلى بعض لإمكان تبدل الأغراض حينئذ وعلاجها بالصنعة. فمن هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء ٧٢٢
عنده ممكنة سهلة المأخذ. وبنى أبو علي بن سينا على مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة واستحالة وجودها بناء على أن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه وإنما يخلقه خالق الأشياء ومقدرها وهو الله عز وجل. والفصول مجهولة الحقائق رأسا بالتصور فكيف يحاول انقلابها بالصنعة. وغلطه الطغرائي من أكابر أهل هذه الصناعة في هذا القول. ورد عليه بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه وإنما هو في إعداد المادة لقبوله خاصة. والفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه وبارئه كما يفيض النور على الأجسام بالصقل والإمهاء. ولا حاجة بنا في ذلك إلى تصوره ومعرفته قال: «وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مع الجهل بفصولها مثل العقرب من التراب والنتن ومثل الحيات المتكونة من الشعر ومثل ما ذكره أصحاب الفلاحة من تكوين النحل إذا فقدت من عجاجيل البقر. وتكوين القصب من قرون ذوات الظلف وتصييره سكرا بحشو القرون بالعسل بين يدي ذلك الفلح للقرون فما المانع إذا من العثور على مثل ذلك في الذهب والفضة. فتتخذ مادة تضيفها للتدبير بعد أن يكون فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب والفضة. ثم تحاولها بالعلاج إلى أن يتم فيها الاستعداد لقبول فصلها» . انتهى كلام الطغرائي بمعناه. وهو الذي ذكره في الرد على ابن سينا صحيح. لكن لنا في الرد على أهل هذه الصناعة مأخذا آخر يتبين منه استحالة وجودها وبطلان مزعمهم أجمعين لا الطغرائي ولا ابن سينا. وذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدة بالاستعداد الأول يجعلونها موضوعا ويحاذون في تدبيرها وعلاجها تدبير الطبيعة في الجسم المعدني حتى أحالته ذهبا أو فضة ويضاعفون القوى الفاعلة والمنفعلة ليتم في زمان أقصر. لأنه تبين في موضوعة أن مضاعفة قوة الفاعل تنقص من زمن فعله وتبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه بعد ألف وثمانين من السنين دورة الشمس الكبرى فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان زمن كونه أقصر من ذلك ضرورة على ٧٢٣
ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك حصول صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة فتفعل في الجسم المعالج الأفاعيل المطلوبة في إحالته وذلك هو الإكسير على ما تقدم. واعلم أن كل متكون من المولدات العنصرية فلا بد فيه من اجتماع العناصر الأربعة على نسبة متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما تم امتزاجها فلا بد من الجزء الغالب على الكل. ولا بد في كل ممتزج من المولدات من حرارة غريزية هي الفاعلة لكونه الحافظة لصورته. ثم كل متكون في زمان فلا بد من اختلاف أطواره وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي إلى غايته. وانظر شأن الإنسان في طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم التصوير ثم الجنين ثم المولود ثم الرضيع ثم إلى نهايته. ونسب الأجزاء في كل طور تختلف في مقاديرها وكيفياتها وإلا لكان الطور الأول بعينه هو الآخر وكذا الحرارة الغريزية في كل طور مخالفة لها في الطور الآخر. فانظر إلى الذهب ما يكون له في معدنه من الأطوار منذ ألف سنة وثمانين وما ينتقل فيه من الأحوال فيحتاج صاحب الكيمياء إلى أن يساوق فعل الطبيعة في المعدن ويحاذيه بتدبيره وعلاجه إلى أن يتم. ومن شرط الصناعة أبدا تصور ما يقصد إليه بالصنعة فمن الأمثال السائرة للحكماء أول العمل آخر الفكرة وآخر الفكرة أول العمل. فلا بد من تصور هذه الحالات للذهب في أحواله المتعددة ونسبها المتفاوتة في كل طور واختلاف الحار الغريزي عند اختلافها ومقدار الزمان في كل طور وما ينوب عنه من مقدار القوى المضاعفة ويقوم مقامه حتى يحاذي بذلك كله فعل الطبيعة في المعدن أو تعد لبعض المواد صورة مزاجية كصورة الخميرة للخبز وتفعل في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها. وهذه كلها إنما يحصرها العلم المحيط والعلوم البشرية قاصرة عن ذلك وإنما حال من يدعي حصوله على الذهب بهذه الصنعة بمثابة من يدعي بالصنعة تخليق إنسان من المني. ونحن إذا سلمنا له الإحاطة بأجزائه ونسبته وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك علما ٧٢٤
محصلا بتفاصيله حتى لا يشذ منه شيء عن علمه سلمنا له تحليق هذا الإنسان وأنى له ذلك. ولنقرب هذا البرهان بالاختصار ليسهل فهمه فنقول: حاصل صناعة الكيمياء وما يدعونه بهذا التدبير أنه مساوقة الطبيعية المعدنية بالفعل الصناعي ومحاذاتها به إلى أن يتم كون الجسم المعدني أو تخليق مادة بقوى وأفعال وصورة مزاجية تفعل في الجسم فعلا طبيعيا فتصيره وتقلبه إلى صورتها.
والفعل الصناعي مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة المعدنية التي يقصد مساوقتها أو محاذاتها أو فعل المادة ذات القوى فيها تصورا مفصلا واحدة بعد أخرى. وتلك الأحوال لا نهاية لها والعلم البشري عاجز عن الإحاطة بما دونها وهو بمثابة من يقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات. هذا محصل هذا البرهان وهو أوثق ما علمته وليست الاستحالة فيه من جهة الفصول كما رأيته ولا من الطبيعة إنما هو من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها. وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك وله وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته. وذلك أن حكمة الله في الحجرين وندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس ومتمولاتهم. فلو حصل عليهما بالصنعة لبطلت حكمة الله في ذلك وكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء. وله وجه آخر من الاستحالة أيضا وهو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأعوص والأبعد. فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون أنه صحيح وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها أو أقل زمانا لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته في كون الفضة والذهب وتخلقهما وأما تشبيه الطغراءي هذا التدبير بما عثر عليه من مفردات لأمثاله في الطبيعة كالعقرب والنحل والحية وتخليقها فأمر صحيح في هذه أدى إليه العثور كما زعم. وأما الكيمياء فلم ينقل عن أحد من أهل العالم أنه عثر عليها ولا على طريقها وما زال منتحلوها يخبطون فيها عشواء إلى هلم جرا ولا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة. ولو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه أولاده أو تلميذه وأصحابه وتنوقل في الأصدقاء وضمن تصديقه ٧٢٥
صحة العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا وإلى غيرنا. وأما قولهم إن الإكسير بمثابة الخميرة. وإنه مركب يحيل ما يحصل فيه ويقلبه إلى ذلك فاعلم أن الخميرة إنما تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء من الأفعال والطبائع. والمطلوب بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى فهو تكوين وصلاح والتكوين أصعب من الفساد فلا يقاس الإكسير بالخميرة. وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهم فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي. وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق وما كان من ذلك للحلاج وغيره وقد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبه ذلك. وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى وهذا كلام جابر في رسائله ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجة بنا إلى شرحه وبالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع فكما لا يتدبر ما منه الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر ولا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد ما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله وعمله ويقال لهذا التدبير الصناعي التدبير العقيم لأن نيله إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشي على الماء وامتطاء الهواء والنفوذ في كشائف الأجساد ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة أو مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الأنبياء. قال تعالى: «وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني 5: 110» وعلى ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها. فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره فتكون عنده ٧٢٦
معارة. وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره. ومن هذا الباب يكون عملها سحريا فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس وخوارق العادة إما معجزة أو كرامة أو سحرا. ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها إلغازا لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة. وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى تحصيلها. والله بما يعملون محيط. وأكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة وانتحالها هو كما قلناه العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش وابتغاؤه من غير وجوهه الطبيعية كالفلاحة والتجارة والصناعة فيستصعب العاجز ابتغاءه من هذه ويروم الحصول على الكثير من المال دفعة بوجوه غير طبيعية من الكيمياء وغيرها. وأكثر من يعنى بذلك الفقراء من أهل العمران حتى في الحكماء المتكلمين في إنكارها واستحالتها. فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان علية الوزراء فكان من أهل الغنى والثروة والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش وأسبابه. وهذه تهمة ظاهرة في أنظار النفوس المولعة بطرقها وانتحالها. والله الرازق ذو القوة المتين لا رب سواه.
الفصل الرابع والثلاثون في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل
اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك. وحينئذ يسلم له منصب التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها. ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولا بد دون رتبة التحصيل. ويمثل ذلك من شأن الفقه في ٧٢٧
المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلا وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه. ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله وحينئذ يسلم له منصب الفتيا وهي كلها متكررة والمعنى واحد. والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها. ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير وكان التعليم سهلا ومأخذه قريبا ولكنه داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها ويمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين والبغداديين والأندلسيين من بعدهم وطرق المتقدمين والمتأخرين مثل ابن الحاجب وابن مالك وجميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره دونه ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تآليف رجل من أهل صناعة العربية من أهل مصر يعرف بابن هاشم ظهر من كلامه فيها أنه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة لم تحصل إلا لسيبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظم ملكته وما أحاط به من أصول ذلك الفن وتفاريعه وحسن تصرفه فيه. ودل على أن الفضل ليس منحصرا في المتقدمين سيما مع ما قدمناه من كثرة الشواغب بتعدد المذاهب والطرق والتآليف ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء. وهذا نادر من نوادر الوجود وإلا فالظاهر أن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة؟ ولكن الله يهدي من يشاء ٧٢٨
الفصل الخامس والثلاثون في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف والغاء ما سواها
اعلم أن العلوم البشرية خزانتها النفس الإنسانية بما جعل الله فيها من الإدراك الذي يفيدها ذلك الفكر المحصل لها ذلك بالتصور للحقائق أولا، ثم بإثبات العوارض الذاتية لها أو نفيها عنها ثانيا، إما بغير وسط أو بوسط، حتى يستنتج الفكر بذلك مطالبه التي يعنى بإثباتها أو نفيها. فإذا استقرت من ذلك صورة علمية في الضمير فلا بد من بيانها لآخر، إما على وجه التعليم، أو على وجه المفاوضة، تصقل الأفكار في تصحيحها. وذلك البيان إنما يكون بالعبارة، وهي الكلام المركب من الألفاظ النطقية التي خلقها الله في عضو اللسان مركبة من الحروف، وهي كيفيات الأصوات المقطعة بعضلة اللهاة واللسان ليتبين بها ضمائر المتكلمين بعضهم لبعض في مخاطباتهم وهذه رتبة أولى في البيان عما في الضمائر، وإن كان معظمها وأشرفها العلوم، فهي شاملة لكل ما يندرج في الضمير من خبر أو إنشاء على العموم. وبعد هذه الرتبة الأولى من البيان رتبة ثانية يؤدى بها ما في الضمير، لمن توارى أو غاب شخصه وبعد، أو لمن يأتي بعد ولم يعاصره ولا لقيه. وهذا البيان منحصر في الكتابة، وهي رقوم باليد تدل أشكالها وصورها بالتواضع على الألفاظ النطقية حروفا بحروف وكلمات بكلمات، فصار البيان فيها على ما في الضمير بواسطة الكلام المنطقي، فلهذا كانت في الرتبة الثانية واحدا، فسمي هذا البيان. يدل على ما في الضمائر من العلوم والمعارف، فهو أشرفها. وأهل الفنون معتنون بإيداع ما يحصل في ضمائرهم من ذلك في بطون الأوراق بهذه الكتابة، لتعلم الفائدة في حصوله للغائب والمتأخر، وهؤلاء هم المؤلفون. والتآليف بين العوالم البشرية والأمم الإنسانية كثير، ومنتقلة في الأجيال والأعصار وتختلف باختلاف الشرائع والملل والأخبار عن الأمم والدول. ٧٢٩
وأما العلوم الفلسفية، فلا اختلاف فيها، لأنها إنما تأتي على نهج واحد، فيما تقتضيه الطبيعة الفكرية، في تصور الموجودات على ما هي عليه، جسمانيها وروحانيها وفلكيها وعنصريها ومجردها ومادتها. فإن هذه العلوم لا تختلف، وإنما يقع الاختلاف في العلوم الشرعية لاختلاف الملل، أو التاريخية لاختلاف خارج الخبر. ثم الكتابة مختلفة باصطلاحات البشر في رسومها وأشكالها، ويسمى ذلك قلما وخطا. فمنها الخط الحميري، ويسمى المسند، وهو كتابة حمير وأهل اليمن الأقدمين، وهو يخالف كتابة العرب المتأخرين من مضر، كما يخالف لغتهم. وإن الكل عربيا. إلا أن ملكة هؤلاء في اللسان والعبارة غير ملكة أولئك. ولكل منهما قوانين كلية مستقرأة من عبارتهم غير قوانين الآخرين. وربما يغلط في ذلك من لا يعرف ملكات العبارة. ومنها الخط السرياني، وهو كتابة النبط والكلدانيين. وربما يزعم بعض أهل الجهل أنه الخط الطبيعي لقدمه فإنهم كانوا أقدم الأمم، وهذا وهم، ومذهب عامي. لأن الأفعال الاختيارية كلها ليس شيء منها بالطبع، وإنما هو يستمر بالقدم والمران حتى يصير ملكة راسخة، فيظنها المشاهد طبيعية كما هو رأي كثير من البلداء في اللغة العربية، فيقولون: العرب كانت تعرب بالطبع وتنطق بالطبع، وهذا وهم. ومنها الخط العبراني الذي هو كتابة بني عابر بن شالح من بني إسرائيل وغيرهم. ومنها الخط اللطيني، خط اللطينيين من الروم، ولهم أيضا لسان مختص بهم. ولكل أمة من الأمم اصطلاح في الكتاب يعزى إليها ويختص بها.
مثل الترك والفرنج والهنود وغيرهم. وإنما وقعت العناية بالأقلام الثلاثة الأولى.
أما السرياني فلقدمه كما ذكرنا، وأما العربي والعبري فلتنزل القرآن والتوراة بهما بلسانهما. وكان هذان الخطان بيانا لمتلوهما، فوقعت العناية بمنظومهما أولا وانبسطت قوانين لاطراد العبارة في تلك اللغة على أسلوبها لتفهم الشرائع التكليفية من ذلك الكلام الرباني. وأما اللطيني فكان الروم، وهم أهل ذلك ٧٣٠
اللسان، لما أخذوا بدين النصرانية، وهو كله من التوراة، كما سبق في أول الكتاب، ترجموا التوراة وكتب الأنبياء الإسرائيليين إلى لغتهم، ليقتنصوا منها الأحكام على أسهل الطرق. وصارت عنايتهم بلغتهم وكتابتهم آكد من سواها.
وأما الخطوط الأخرى فلم تقع بها عناية، وإنما هي لكل أمة بحسب اصطلاحها. ثم إن الناس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها وإلغاء ما سواها، فعدوها سبعة:
أولها: استنباط العلم بموضوعه وتقسيم أبوابه وفصوله وتتبع مسائله، أو استنباط مسائل ومباحث تعرض للعالم المحقق ويحرص على إيصاله بغيره، لتعم المنفعة به فيودع ذلك بالكتاب في المصحف، لعل المتأخر يظهر على تلك الفائدة، كما وقع في الأصول في الفقه. تكلم الشافعي أولا في الأدلة الشرعية اللفظية ولخصها، ثم جاء الحنفية فاستنبطوا مسائل القياس واستوعبوها، وانتفع بذلك من بعدهم إلى الآن.
وثانيها: أن يقف على كلام الأولين وتآليفهم فيجدها مستغلقة على الأفهام ويفتح الله له في فهمها فيحرص على إبانة ذلك لغيره ممن عساه يستغلق عليه، لتصل الفائدة لمستحقها. وهذه طريقة البيان لكتب المعقول والمنقول، وهو فصل شريف.
وثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطإ في كلام المتقدمين ممن اشتهر فضله وبعد في الإفادة صيته، ويستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه، فيحرص على إيصال ذلك لمن بعده، إذ قد تعذر محوه ونزعه بانتشار التأليف في الآفاق والأعصار، وشهرة المؤلف ووثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك الكتاب ليقف على بيان ذلك.
ورابعها: أن يكون الفن الواحد قد نقصت منه مسائل أو فصول بحسب ٧٣١
انقسام موضوعة فيقصد المطلع على ذلك أن يتمم ما نقص من تلك المسائل ليكمل الفن بكمال مسائله وفصوله، ولا يبقى للنقص فيه مجال.
وخامسها: أن تكون مسائل العلم قد وقعت غير مرتبة في أبوابها ولا منتظمة، فيقصد المطلع على ذلك أن يرتبها ويهذبها، ويجعل كل مسألة في بابها، كما وقع في المدونة من رواية سحنون عن ابن القاسم، وفي العتبية من رواية العتبي عن أصحاب مالك، فإن مسائل كثيرة من أبواب الفقه منها قد وقعت في غير بابها فهذب ابن أبي زيد المدونة وبقيت العتبية غير مهذبة.
فنجد في كل باب مسائل من غيره. واستغنوا بالمدونة وما فعله ابن أبي زيد فيها والبرادعي من بعده.
وسادسها: أن تكون مسائل العلم مفرقة في أبوابها من علوم أخرى فيتنبه بعض الفضلاء إلى موضوع ذلك الفن وجميع مسائله، فيفعل ذلك، ويظهر به فن ينظمه في جملة العلوم التي ينتحلها البشر بأفكارهم، كما وقع في علم البيان.
فإن عبد القاهر الجرجاني وأبا يوسف السكاكي وجدا مسائله مستقرية في كتب النحو وقد جمع منها الجاحظ في كتاب البيان والتبيين مسائل كثيرة، تنبه الناس فيها لموضوع ذلك العلم وانفراده عن سائر العلوم، فكتبت في ذلك تآليفهم المشهورة، وصارت أصولا لفن البيان، ولقنها المتأخرون فأربوا فيها على كل متقدم.
وسابعها: أن يكون الشيء من التآليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهبا فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك، بالاختصار والإيجاز وحذف المتكرر، إن وقع، مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول.
فهذه جماع المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف ومراعاتها. وما سوى ذلك ففعل غير محتاج إليه وخطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء، ٧٣٢
مثل انتحال ما تقدم لغيره من التآليف أن ينسبه إلى نفسه ببعض تلبيس، من تبديل الألفاظ وتقديم المتأخر وعكسه، أو يحذف ما يحتاج إليه في الفن أو يأتي بما لا يحتاج إليه، أو يبدل الصواب بالخطإ، أو يأتي بما لا فائدة فيه.
فهذا شأن الجهل والقحة. ولذا قال أرسطو، لما عدد هذه المقاصد، وانتهى إلى آخرها فقال: وما سوى ذلك ففصل أو شره، يعني بذلك الجهل والقحة. نعوذ بالله من العمل في ما لا ينبغي للعاقل سلوكه. والله يهدي للتي هي أقوم.
الفصل السادس والثلاثون في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم
ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدونون منها برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن. وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسرا على الفهم. وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وابن مالك في العربية والخونجي في المنطق وأمثالهم. وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد وهو من سوء التعليم كما سيأتي. ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها. لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت. ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة لكثرة ما يقع ٧٣٣
في تلك من التكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التامة. وإذا اقتصر على التكرار قصرت الملكة لقلته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها. «ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» . والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفصل السابع والثلاثون في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته
اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب. ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة. وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شد فلا يترك عويصا ولا مهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات.
وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ٧٣٤
ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجا ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال والأمثال الحسية. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتم الملكة في الاستعداد ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن وإذا ألقيت عليه الغايات في البداءات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه. وإنما أتى ذلك من سوء التعليم. ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئا كان أو منتهيا ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره. لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق حتى يستولي على غايات العلم وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم وأدركه الكلال وانطمس فكره ويئس من التحصيل وهجر العلم والتعليم. والله يهدي من يشاء. وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها. وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولا وأحكم ارتباطا وأقرب صبغة لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه. والله علمكم ما لم تكونوا ٧٣٥
تعلمون. ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان معا ويستصعبان ويعود منهما بالخيبة. وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرا عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب. واعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في تعلمك فإن تلقيتها بالقبول وأمسكتها بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة وأقدم لك مقدمة تعينك في فهمها وذلك أن الفكر الإنساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته وهو (وجدان حركة للنفس) في البطن الأوسط من الدماغ. تارة يكون مبدأ للأفعال الإنسانية على نظام وترتيب وتارة يكون مبدأ لعلم ما لم يكن حاصلا بأن يتوجه إلى المطلوب. وقد يصور طرفيه يروم نفيه أو إثباته فيلوح له الوسط الذي يجمع بينهما أسرع من لمح البصر إن كان واحدا. أو ينتقل إلى تحصيل آخر إن كان متعددا ويصير إلى الظفر بمطلوبه هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية التي تميز بها البشر من بين سائر الحيوانات. ثم الصناعة المنطقية هي كيفية فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه لتعلم سداده من خطئه وأنها وإن كان الصواب لها ذاتيا إلا أنه قد يعرض لها الخطأ في الأقل من تصور الطرفين على غير صورتهما من اشتباه الهيئات في نظم القضايا وترتيبها للنتاج فتعين المنطق للتخلص من ورطة هذا الفساد إذا عرض. فالمنطق إذا أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها ولكونه أمرا صناعيا استغني عنه في الأكثر.
ولذلك تجد كثيرا من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في العلوم دون صناعة علم المنطق ولا سيما مع صدق النية والتعرض لرحمة الله تعالى فإن ٧٣٦
ذلك أعظم معنى. ويسلكون بالطبيعة الفكرية على سدادها فيفضي بالطبع إلى حصول الوسط والعلم بالمطلوب كما فطرها الله عليه. ثم من دون هذا الأمر الصناعي الذي هو المنطق مقدمة أخرى من التعلم وهي معرفة الألفاظ ودلالتها على المعاني الذهنية تردها من مشافهة الرسوم بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب. فلا بد أيها المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها إلى الفكر في مطلوبك. فأولا: دلالة الكتابة المرسومة على الألفاظ المقولة وهي أخفها ثم دلالة الألفاظ المقولة على المعاني المطلوبة ثم القوانين في ترتيب المعاني للاستدلال في قوالبها المعروفة في صناعة المنطق. ثم تلك المعاني مجردة في الفكر اشتراطا يقتنص بها المطلوب بالطبيعة الفكرية بالتعرض لرحمة الله ومواهبه. وليس كل أحد يتجاوز هذه المراتب بسرعة ولا يقطع هذه الحجب في التعليم بسهولة، بل ربما وقف الذهن في حجب الألفاظ بالمناقشات أو عثر في اشتراك الأدلة بشغب الجدال والشبهات وقعد عن تحصيل المطلوب. ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا قليلا ممن هداه الله. فإذا ابتليت بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أو تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق الشبهات واترك الأمر الصناعي جملة وأخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه. وسرح نظرك فيه وفرغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه واضعا لها حيث وضعها أكابر النظار قبلك مستعرضا للفتح من الله كما فتح عليهم من ذهنهم من رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك وحصل الإمام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا الفكر ونظره عليه كما قلناه وحينئذ فارجع ٧٣٧
به إلى قوالب الأدلة وصورها فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي ثم اكسه صور الألفاظ وأبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان.
وأما إن وقفت عند المناقشة والشبهة في الأدلة الصناعية وتمحيص صوابها من خطئها وهذه أمور صناعية وضعية تستوي جهاتها المتعددة وتتشابه لأجل الوضع والاصطلاح فلا تتميز جهة الحق منها إذ جهة الحق إنما تستبين إذا كانت بالطبع فيستمر ما حصل من الشك والارتياب وتسدل الحجب على المطلوب وتقعد بالناظر عن تحصيله. وهذا شأن الأكثرين من النظار والمتأخرين سيما من سبقت له عجمة في لسانه فربطت عن ذهنه ومن حصل له شغب بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد أنه الذريعة إلى إدراك الحق بالطبع فيقع في الحيرة بين شبه الأدلة وشكوكها ولا يكاد يخلص منها. والذريعة إلى إدراك الحق بالطبع إنما هو الفكر الطبيعي كما قلناه إذا جرد عن جميع الأوهام وتعرض الناظر فيه إلى رحمة الله تعالى وأما المنطق فإنما هو واصف لفعل هذا الفكر فيساوقه في الأكثر. فاعتبر ذلك واستمطر رحمة الله تعالى متى أعوزك فهم المسائل تشرق عليك أنواره بالإلهام إلى الصواب. والله الهادي إلى رحمته وما العلم إلا من عند الله.
الفصل الثامن والثلاثون في أن العلوم الإلهية لا توسع فيها الأنظار ولا تفرع المسائل
اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم كالعربية والحساب ٧٣٨
وغيرهما للشرعيات كالمنطق للفلسفة. وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته وإيضاحا لمعانيها المقصودة. وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط. ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل لأن ذلك مخرج لها عن المقصود إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يغني. وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة فهي من نوع اللغو وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟ فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها ولا يستكثروا من مسائلها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويقفوا به عنده. فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل ورأى من نفسه قياما بذلك وكفاية به فليرق له ما شاء من المراقي صعبا أو سهلا وكل ميسر لما خلق له. ٧٣٩
الفصل التاسع والثلاثون في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه
اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث. وصار القرآن أصل التعليم الذي يبنى عليه ما يحصل بعد من الملكات. وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات. وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال من يبنى عليه. واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر، أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة. وكذا في الكبير إذا رجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم. وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم. إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين ٧٤٠
العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب. ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم.
لكنهم ينقطعون عن ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم ولا يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التعليم الأول. وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد المعلم. وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستنظار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبع لذلك. وبالجملة فطريقهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النصارى على شرق الأندلس، واستقروا بتونس وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك. وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا ولا أدري بم عنايتهم منها. والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تتعلم سائر الصنائع ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة ومن أراد تعلم الخط فعلى قدر ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته. فأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها. وليس لهم ملكة في غير ٧٤١
أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام. وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في فصله. وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر، حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي. وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها. فكانوا لذلك أهل حظ وأدب بارع أو مقصر، على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبي . ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ وقدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس. قال: «لأن الشعر ديوان العرب ويدعو على تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليك بهذه المقدمة» . ثم قال:
«ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أوامره يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمر غيره أهم ما عليه منه» . ثم قال: «ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه» ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط. هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر رحمه الله وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبي من الآفات والقواطع ٧٤٢
عن العلم فيفوته القرآن، لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم. فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق. ولكن الله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه.
الفصل الأربعون في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم
وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة. ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله. وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه. ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء وأنظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق. وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح ٧٤٣
المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه. فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب. وقد قال محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين: «لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا» . ومن كلام عمر رضي الله عنه:
«من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله» . حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته. ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده. قال خلف الأحمر: بعث إلي الرشيد في تأديب ولده محمد الأمين فقال: «يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه. ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه.
ولا تمعن في مسامحته فيستجلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة» . انتهى.
الفصل الحادي والأربعون في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم
والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل: تارة علما وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة.
إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى ٧٤٤
قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم. ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين. فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصل وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في المكان وتصحح معارفه وتميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم. وهذا لمن يسر الله عليه طرق العلم والهداية. فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 2: 213.
الفصل الثاني والأربعون في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها
والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن، أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس. ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات. وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي. فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر. ولا تصير بالجملة إلى المطابقة وإنما يتفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك كالأحكام الشرعية فإنها فروع ٧٤٥
عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة فتطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج. فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها.
والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنها خفية. ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها. ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور فتكون العلماء لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم.
ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس من أهل العمران لأنهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط. والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به ولا يعدي الحكم بقياس ولا تعميم ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ولا يجاوزها في ذهنه كالسابح لا يفارق البر عند الموج. قال الشاعر:
فلا توغلن إذا ما سبحت ... فإن السلامة في الساحل
فيكون مأمونا من النظر في سياسته مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره. وفوق كل ذي علم عليم.
ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس فإنها تنظر في المعقولات الثواني. ولعل المواد فيها ٧٤٦
ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني. وأما النظر في المعقولات الأول وهي التي تجريدها قريب فليس كذلك لأنها خيالية وصور المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
الفصل الثالث والأربعون في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم
من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبته فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي. والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه. والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة. وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك. ونقله إلى القراء أي الذين يقرءون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ قراء إشارة إلى هذا. فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن الله لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح. قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» . فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم ٧٤٧
احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع. وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها. والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم. وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم. وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى لاتساع الفن بالعراق. وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس» . وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة العباسية وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم، والنظر فيه، فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من ٧٤٨
الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع. والرؤساء أبدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين. وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار. حتى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وأمتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسياسة كما ذكرناه في نقل المراتب الدينية. فهذا الذي قررناه هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم. وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه. واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم شأن الصنائع كما قلناه أولا. فلم يزل ذلك في الأمصار الإسلامية ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر. فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة. ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع. وبقي بعض الحضارة في ما وراء النهر لما هناك من الحضارة بالدولة التي فيها فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر. وقد دلنا على ذلك كلام بعض علمائهم من تآليف وصلت إلينا إلى هذه البلاد وهو سعد الدين التفتازاني. وأما غيره من العجم فلم نر لهم من بعد الإمام ابن الخطيب ونصير الدين الطوسي كلاما يعول على نهايته في الإصابة.
فاعتبر ذلك وتأمله تر عجبا في أحوال الخليقة. والله يخلق ما يشاء لا شريك له ٧٤٩
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله.
الفصل الرابع والأربعون في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي
والسر في ذلك أن مباحث العلوم كلها إنما هي في المعاني الذهنية والخيالية، من بين العلوم الشرعية، التي هي أكثر مباحثها في الألفاظ وموادها من الأحكام المتلقاة من الكتاب والسنة ولغاتها المؤدية لها، وهي كلها في الخيال، وبين العلوم العقلية، وهي في الذهن. واللغات إنما هي ترجمان عما في الضمائر من تلك المعاني، يؤديها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعليم، وممارسة البحث بالعلوم لتحصيل ملكتها بطول المران على ذلك. والألفاظ واللغات وسائط وحجب بين الضمائر، وروابط وختام عن المعاني. ولا بد في اقتناص تلك المعاني من ألفاظها لمعرفة دلالاتها اللغوية عليها، وجودة الملكة لناظر فيها، وإلا فيعتاض عليه اقتناصها زيادة على ما يكون في مباحثها الذهنية من الاعتياص. وإذا كانت ملكته في تلك الدلالات راسخة، بحيث يتبادر المعاني إلى ذهنه من تلك الألفاظ عند استعمالها، شأن البديهي والجبلي، زال ذاك الحجاب بالجملة بين المعاني والفهم، أو خف، ولم يبق إلا معاناة ما في المعاني من المباحث فقط. هذا كله إذا كان التعليم تلقينا وبالخطاب والعبارة. وأما إن احتاج المتعلم إلى الدراسة والتقييد بالكتاب ومشافهة الرسوم الخطية من الدواوين بمسائل العلوم، كان هنالك حجاب آخر بين الخط ورسومه في الكتاب، وبين الألفاظ المقولة في الخيال. لأن رسوم الكتابة لها دلالة خاصة على ٧٥٠
الألفاظ المقولة. وما لم تعرف تلك الدلالة تعذرت معرفة العبارة، وإن عرفت بملكة قاصرة كانت معرفتها أيضا قاصرة، ويزداد على الناظر والمتعلم بذلك حجاب آخر بينه وبين مطلوبة، من تحصيل ملكات العلوم أعوص من الحجاب الأول. وإذا كانت ملكته في الدلالة اللفظية والخطية مستحكمة ارتفعت الحجب بينه وبين المعاني. وصار إنما يعاني فهم مباحثها فقط. هذا شأن المعاني مع الألفاظ والخط بالنسبة إلى كل لغة. والمتعلمون لذلك في الصغر أشد استحكاما لملكاتهم. ثم إن الملة الإسلامية لما اتسع ملكها واندرجت الأمم في طيها ودرست علوم الأولين بنبوتها وكتابها، وكانت أمية النزعة والشعار، فأخذ الملك والعزة وسخرية الأمم لهم بالحضارة والتهذيب، وصيروا علومهم الشرعية صناعة، بعد أن كانت نقلا، فحدثت فيهم الملكات، وكثرت الدواوين والتآليف، وتشوفوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم وأربوا فيها على مداركهم، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسيا منسيا وطللا مهجورا وهباء منثورا. وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ودواوينها المسطرة بخطهم، واحتاج القائمون بالعلوم إلى معرفة الدلالات اللفظية والخطية في لسانهم دون ما سواه من الألسن، لدروسها وذهاب العناية بها. وقد تقدم لنا أن اللغة ملكة في اللسان، وكذا الخط صناعة ملكتها في اليد، فإذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصرا في اللغة العربية، لما قدمناه من أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقل أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى، وهو ظاهر. وإذا كان مقصرا في اللغة العربية ودلالاتها اللفظية والخطية اعتاص عليه فهم المعاني منها كما مر. إلا أن تكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم حين انتقل منها إلى العربية، كأصاغر أبناء العجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، ولا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية. وكذا ٧٥١
أيضا شأن من سبق له تعلم الخط الأعجمي قبل العربي. ولهذا نجد الكثير من علماء الأعاجم في دروسهم ومجالس تعليمهم يعدلون عن نقل التفاسير من الكتب إلى قراءتها ظاهرا يخففون بذلك عن أنفسهم مئونة بعض الحجب ليقرب عليهم تناول المعاني. وصاحب الملكة في العبارة والخط مستغن عن ذلك، بتمام ملكته، وإنه صار له فهم الأقوال من الخط، والمعاني من الأقوال، كالجبلة الراسخة، وارتفعت الحجب بينه وبين المعاني. وربما يكون الدؤوب على التعليم والمران على اللغة، وممارسة الخط يفيضان لصاحبهما إلى تمكن الملكة، كما نجده في الكثير من علماء الأعاجم، إلا أنه في النادر. وإذا قرن بنظيره من علماء العرب وأهل طبقته منهم، كان باع العربي أطول وملكته أقوى، لما عند المستعجم من الفتور بالعجمة السابقة التي يؤثر القصور بالضرورة ولا يعترض ذلك بما تقدم بأن علماء الإسلام أكثرهم العجم، لأن المراد بالعجم هنالك عجم النسب لتداول الحضارة فيهم التي قررنا أنها سبب لانتحال الصنائع والملكات ومن جملتها العلوم. وأما عجمة اللغة فليست من ذلك، وهي المرادة هنا. ولا يعترض ذلك أيضا مما كان لليونانيين في علومهم من رسوخ القدم فإنهم إنما تعلموها من لغتهم السابقة لهم وخطهم المتعارف بينهم. والأعجمي المتعلم للعلم في الملة الإسلامية يأخذ العلم بغير لسانه الذي سبق إليه، ومن غير خطه الذي يعرف ملكته. فلهذا يكون له ذلك حجابا كما قلناه. وهذا عام في جميع أصناف أهل اللسان الأعجمي من الفرس والروم والترك والبربر والفرنج، وسائر من ليس من أهل اللسان العربي. وفي ذلك آيات للمتوسمين. ٧٥٢
الفصل الخامس والأربعون في علوم اللسان العربي
أركانه أربعة وهي اللغة والنحو والبيان والأدب ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب وشرح مشكلاتها من لغاتهم فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة. وتتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام حسبما يتبين في الكلام عليها فنا فنا والذي يتحصل أن الأهم المقدم منها هو النحو إذ به تتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الإفادة. وكان من حق علم اللغة التقدم لولا أن أكثر الأوضاع باقية في موضوعاتها لم تتغير بخلاف الإعراب الدال على الإسناد والمسند والمسند إليه فإنه تغير بالجملة ولم يبق له أثر. فلذلك كان علم النحو أهم من اللغة إذ في جهله الإخلال بالتفاهم جملة وليست كذلك اللغة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
علم النحو
اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده. وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم. وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني. مثل الحركات التي تعين الفاعل أي المفعول من المجرور أعني المضاف ومثلي الحروف التي تفضي بالأفعال أي الحركات إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك إلا في لغة ٧٥٣
العرب. وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد له من ألفاظ تخصه بالدلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب.
وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . فصار للحروف في لغتهم. والحركات والهيئات أي الأوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها. إنما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا.
فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين . والسمع أبو الملكات اللسانية ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع. وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع. ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا وأمثال ذلك. وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة.
واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو. وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة، ويقال بإشارة علي رضي الله عنه لأنه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة. ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد وكان الناس أحوج ما كان الناس إليها لذهاب تلك الملكة من العرب. فهذب الصناعة وكمل أبوابها. وأخذها عنه سيبويه فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها ووضع ٧٥٤
فيها كتابه المشهور الذي صار إماما لكل ما كتب فيها من بعده. ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج كتبا مختصرة للمتعلمين يحذون فيها حذو الإمام في كتابه. ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها في الكوفة والبصرة المصرين القديمين للعرب. وكثرت الأدلة والحجاج بينهم وتباينت الطرق في التعليم وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين. وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثيرا من ذلك الطول مع استيعابهم لجميع ما نقل كما فعله ابن مالك في كتاب التسهيل وأمثاله أو اقتصارهم على المبادئ للمتعلمين، كما فعله الزمخشري في المفصل وابن الحاجب في المقدمة له. وربما نظموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الأرجوزتين الكبرى والصغرى وابن معطي في الأرجوزة الألفية. وبالجملة فالتآليف في هذا الفن أكثر من أن تحصى أو يحاط بها وطرق التعليم فيها مختلفة فطريقة المتقدمين مغايرة لطريقة المتأخرين. والكوفيون والبصريون والبغداديون والأندلسيون مختلفة طرقهم كذلك. وقد كادت هذه الصناعة تؤذن بالذهاب لما رأينا من النقص في سائر العلوم والصنائع بتناقص العمران ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفى فيه أحكام الإعراب مجملة ومفصلة. وتكلم على الحروف والمفردات والجمل وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها وسماه بالمغني في الإعراب. وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظم سائرها فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها وكأنه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه. والله يزيد في الخلق ما يشاء ٧٥٥
علم اللغة
هذا العلم هو بيان الموضوعات اللغوية وذلك أنه لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه. ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدى الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعة عندهم ميلا مع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين. وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي. ألف فيها كتاب العين فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي. وتأتى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاضرة وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد. لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائية. ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك.
ثم الثالث والرابع. ثم يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين فيكون واحدا فتكون كلها أعدادا على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين فتجمع كما هي بالعمل المعروف عند أهل الحساب وهو أن تجمع الأول مع الأخير وتضرب المجموع في نصف العدة. ثم تضاعف لأجل قلب الثنائي لأن التقديم والتأخير بين الحروف معتبر في التركيب فيكون الخارج جملة الثنائيات. وتخرج الثلاثيات من ضرب عدد الثنائيات فيما يجمع من واحد إلى ستة وعشرين على ٧٥٦
توالي العدد لأن كل ثنائية يزيد عليها حرفا فتكون ثلاثية. فتكون الثنائية بمنزلة الحرف الواحد مع كل واحد من الحروف الباقية وهي ستة وعشرون حرفا بعد الثنائية فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد ويضرب فيه جملة الثنائيات. ثم تضرب الخارج في ستة، جملة مقلوبات الكلمة الثلاثية فيخرج مجموع تراكيبها من حروف المعجم. وكذلك في الرباعي والخماسي. فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف.
واعتمد فيه ترتيب المخارج فبدأ بحروف الحلق ثم بعده من حروف الحنك ثم الأضراس ثم الشفة وجعل حروف العلة آخرا وهي الحروف الهوائية. وبدأ من حروف الحلق بالعين لأنه الأقصر منها فلذلك سمي كتابه بالعين لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا وهو تسميته بأول ما يقع فيه من الكلمات والألفاظ. ثم بين المهمل منها من المستعمل وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر لقلة استعمال العرب له لثقله ولحق به الثنائي لقلة دورانه وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب فكانت أوضاعه أكثر لدورانه.
وضمن الخليل ذلك كله في كتاب العين واستوعبه أحسن استيعاب وأوعاه .
وجاء أبو بكر الزبيدي وكتب لهشام المؤيد بالأندلس في المائة الرابعة فاختصره مع المحافظة على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله وكثيرا من شواهد المستعمل ولخصه للحفظ أحسن تلخيص. وألف الجوهري من المشارقة كتاب الصحاح على الترتيب المتعارف لحروف المعجم فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة لاضطرار الناس في الأكثر إلى أواخر الكلم فجعل ذلك بابا. ثم يأتي بالحروف أول الكلمة على ترتيب حروف المعجم أيضا ويترجم عليها بالفصول إلى آخرها. وحصر اللغة اقتداء بحصر الخليل. ثم ألف ٧٥٧
فيها من الأندلسيين ابن سيده من أهل دانية في دولة علي بن مجاهد كتاب المحكم على ذلك المنحى من الاستيعاب وعلى نحو ترتيب كتاب العين. وزاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين. ولخصه محمد بن أبي الحسين صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس.
وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها فكانا توأمي رحم وسليلي أبوة ولكراع من أئمة اللغة كتاب المنجد، ولابن دريد كتاب الجمهرة ولابن الأنباري كتاب الزاهر هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه.
وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من الكلم ومستوعبة لبعض الأبواب أو لكلها. إلا أن وجه الحصر فيها خفي ووجه الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت. ومن الكتب الموضوعة أيضا في اللغة كتاب الزمخشري في المجاز سماه أساس البلاغة بين فيه كل ما تجوزت به العرب من الألفاظ وفيما تجوزت به من المدلولات وهو كتاب شريف الإفادة. ثم لما كانت العرب تضع الشيء على العموم ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظا أخرى خاصة بها فوق ذلك عندنا، وبين الوضع والاستعمال واحتاج إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ كما وضع الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ومن الإنسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح حتى صار استعمال الأبيض في هذه كلها لحنا وخروجا عن لسان العرب. واختص بالتأليف في هذا المنحى الثعالبي وأفرده في كتاب له سماه فقه اللغة وهو من أكد ما يأخذ به اللغوي نفسه أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه. فليس معرفة الوضع الأول بكاف في الترتيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك. وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره حذرا من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها وهو أشد من اللحن في الإعراب وأفحش. وكذلك ألف بعض المتأخرين في الألفاظ ٧٥٨
المشتركة وتكفل بحصرها وإن لم تبلغ إلى النهاية في ذلك فهو مستوعب للأكثر.
وأما المختصرات الموجودة في هذا الفن المخصوصة بالمتداول من اللغة الكثير الاستعمال تسهيلا لحفظها على الطالب فكثيرة مثل الألفاظ لابن السكيت والفصيح لثعلب وغيرهما. وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهم على الطالب للحفظ. والله الخلاق العليم لا رب سواه.
فصل: واعلم أن النقل الذي تثبت به اللغة، إنما هو النقل عن العرب أنهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنهم وضعوها لأنه متعذر وبعيد، ولم يعرف لأحد منهم. وكذلك لا تثبت اللغات بقياس ما لم نعلم استعماله، على ما عرف استعماله في ماء العنب، باعتبار الإسكار الجامع. لأن شهادة الاعتبار في باب القياس إنما يدركها الشرع الدال على صحة القياس من أصله. وليس لنا مثله في اللغة إلا بالعقل، وهو محكم، وعلى هذا جمهور الأئمة. وإن مال إلى القياس فيها القاضي وابن سريح وغيرهم. لكن القول بنفيه أرجح. ولا تتوهمن أن إثبات اللغة في باب الحدود اللفظية، لأن الحد راجع إلى المعاني، ببيان أن مدلول اللفظ المجهول الخفي هو مدلول الواضح المشهور، واللغة إثبات أن اللفظ كذا، لمعنى كذا، والفرق في غاية الظهور.
علم البيان
هذا العلم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة، وهو من العلوم اللسانية لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده. ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني وذلك أن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي: إما تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض، والدالة على هذه هي المفردات من الأسماء والأفعال والحروف وإما تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة، ويدل عليها بتغير الحركات من الإعراب وأبنية الكلمات. وهذه كلها هي صناعة ٧٥٩
النحو. ويبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين وما يقتضيه حال الفعل وهو محتاج إلى الدلالة عليه لأنه من تمام الإفادة وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة في كلامه. وإذا لم يشتمل على شيء منها فليس من جنس كلام العرب فإن كلامهم واسع ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة. ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم (جاءني زيد) من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم فمن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال: زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند.
وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة.
وكذا تأكيد الإسناد على الجملة كقولهم: زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم متغايرة كلها في الدلالة وإن استوت من طريق الإعراب فإن الأول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن والثاني المؤكد بأن يفيد المتردد والثالث يفيد المنكر فهي مختلفة. وكذلك تقول: جاءني الرجل ثم تقول مكانه بعينه جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال. ثم الجملة الإسنادية تكون خبرية وهي التي لها خارج تطابقه أولا، وإنشائية وهي التي لا خارج لها. كالطلب وأنواعه. ثم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذا كان للثانية محل من الإعراب: فيشرك بذلك منزلة التابع المفرد نعتا وتوكيدا وبدلا بلا عطف أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب:
ثم يقتضي المحل الإطناب والإيجاز فيورد الكلام عليهما. ثم قد يدل باللفظ ولا يراد منطوقه ويراد لازمه إن كان مفردا كما تقول: زيد أسد فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد وتسمى هذه استعارة. وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه كما تقول: زيد كثير ٧٦٠
الرماد وتريد ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف لأن كثرة الرماد ناشئة عنهما فهي دالة عليهما. وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ من المفرد والمركب وإنما هي هيئات وأحوال الواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه، فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالة التي للهيئات والأحوال والمقامات وجعل على ثلاثة أصناف: الصنف الأول يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ويسمى علم البلاغة، والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان. وألحقوا بهما صنفا آخر وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق إما بسجع يفصله أو تجنيس يشابه بين ألفاظه أو ترصيع يقطع أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما وأمثال ذلك ويسمى عندهم علم البديع. وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان وهو اسم الصنف الثاني لأن الأقدمين أول من تكلموا فيه، ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها. ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئا فشيئا إلى أن محص السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفا من الترتيب وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان فجعل هذا الفن من بعض أجزائه. وأخذه المتأخرون من كتابه ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد كما فعله السكاكي في كتاب التبيان وابن مالك في كتاب المصباح وجلال الدين القزويني في كتاب الإيضاح والتلخيص وهو أصغر حجما ٧٦١
من الإيضاح والعناية به لهذا العهد عند أهل المشرق في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره. وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في وفور العمران. والمشرق أوفر عمرانا من المغرب كما ذكرناه. أو نقول لعناية العجم وهم معظم أهل المشرق كتفسير الزمخشري، وهو كله مبني على هذا الفن، وهو أصله. وإنما اختص بأهل المغرب من أصنافه علم البديع خاصة، وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية، وفرعوا له ألقابا وعددوا أبوابا ونوعوا أنواعا. وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ، وأن علم البديع سهل المأخذ. وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا عنهما. وممن ألف في البديع من أهل إفريقية ابن رشيق وكتاب العمدة له مشهور. وجرى كثير من أهل إفريقية والأندلس على منحاه. واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة وهي أعلى مراتب الكمال مع الكلام فيما يختص بالألفاظ في انتفائها وجودة رصفها وتركيبها وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه. وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه. فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقاما في ذلك لأنهم فرسان الكلام وجها بذته والذوق عندهم موجود بأوفر ما يكون وأصحه. وأحوج ما يكون إلى هذا الفن المفسرون وأكثر تفاسير المتقدمين غفل عنه حتى ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه في التفسير وتتبع آي القرآن بأحكام هذا الفن بما يبدي البعض من إعجازه فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة. ولأجل هذا يتحاماه كثير من أهل ٧٦٢
السنة مع وفور بضاعته من البلاغة. فمن أحكم عقائد السنة وشارك في هذا الفن بعض المشاركة حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه أو يعلم أنه بدعة فيعرض عنها ولا تضر في معتقده فإنه يتعين عليه النظر في هذا الكتاب للظفر بشيء من الإعجاز مع السلامة من البدع والأهواء. والله الهادي من يشاء إلى سواء السبيل.
علم الأدب
هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها. وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور، على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك، متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها. وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة. والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه. ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهي القرآن والحديث. إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها. وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكتاب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرد وكتاب البيان والتبيين للجاحظ وكتاب النوادر لأبي علي ٧٦٣
القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها. وكتب المحدثين في ذلك كثيرة. وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن لما هو تابع للشعر إذ الغناء إنما هو تلحينه. وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه فلم يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة. وقد ألف القاضي أبو الفرج الأصبهاني كتابه في الأغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم. وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتأريخ والغناء وسائر الأحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنى له بها. ونحن الآن نرجع بالتحقيق على الإجمال فيما تكلمنا عليه من علوم اللسان.
والله الهادي للصواب.
الفصل السادس والأربعون في أن اللغة ملكة صناعية
اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع وهذا هو معنى البلاغة. والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة ثم تتكرر فتكون حالا. ومعنى الحال ٧٦٤
أنها صفة غير راسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم. ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى. وهذا معنى فساد اللسان العربي. ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم. ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم. وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق. ٧٦٥
الفصل السابع والأربعون في أن لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير
وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد. إلا أن البيان والبلاغة في اللسان المضري أكثر وأعرق، لأن الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها. ويبقى ما تقتضيه الأحوال ويسمى بساط الحال محتاجا إلى ما يدل عليه. وكل معنى لا بد وأن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود لأنها صفاته وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع. وأما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تراكيب الألفاظ وتأليفها من تقديم أو تأخير أو حذف أو حركة أعراب. وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة. ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات كما قدمناه فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظا وعبارة من جميع الألسن. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . واعتبر ذلك بما يحكى عن عيسى بن عمر وقد قال له بعض النحاة: «إني أجد في كلام العرب تكرارا في قولهم: زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم والمعنى واحد» .
فقال له: إن معانيها مختلفة، فالأول: لإفادة الخالي الذهن من قيام زيد، والثاني: لمن سمعه فتردد فيه، والثالث: لمن عرف بالإصرار على إنكاره فاختلفت الدلالة باختلاف الأحوال. وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد. ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن ٧٦٦
اللسان العربي فسد اعتبارا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الإعراب الذي يتدارسون قوانينه. وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم وألقاها القصور في أفئدتهم وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الأولى والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الإبانة موجود في كلامهم لهذا العهد وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم والشاعر المفلق على أساليب لغتهم. والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك. ولم يفقد من أحوال اللسان المدون إلا حركات الإعراب في أواخر الكلم فقط الذي لزم في لسان مضر طريقة واحدة ومهيعا معروفا وهو الإعراب. وهو بعض من أحكام اللسان. وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغة أخرى. وكان القرآن منزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه. وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو وصناعة العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وافيا . ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية في دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها. ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الأول في لغة مضر فليست اللغات وملكاتها مجانا. ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة وتغير عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته. تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا خلافا لمن يحمله القصور على أنها لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على ٧٦٧
مقاييس اللغة المضرية وقوانينها كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول وكثير من أشباه هذا وليس ذلك بصحيح. ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلناه حمل ذلك على الاستنباط والاستقراء وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه. ومما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد حيث كانوا من الأقطار شأنهم في النطق بالقاف فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الأمصار كما هو مذكور في كتب العربية أنه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى. وما ينطقون بها أيضا من مخرج الكاف وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من الحنك الأعلى كما هي بل يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف وهو موجود للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الأمم والأجيال مختصا بهم لا يشاركهم فيها غيرهم.
حتى إن من يريد التقرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها. وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف. ويظهر بذلك أنها لغة مضر بعينها فإن هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقا وغربا في ولد منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان من سليم بن منصور ومن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور. وهم لهذا العهد أكثر الأمم في المعمور وأغلبهم وهم من أعقاب مضر وسائر الجيل معهم من بني كهلان في النطق بهذه القاف أسوة. وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة ويظهر من ذلك أنها لغة مضر الأولين ولعلها لغة النبي صلى الله عليه وسلم بعينها قد ادعى ذلك فقهاء أهل البيت وزعموا أن من قرأ في أم القرآن «اهدنا إلى الصراط ٧٦٨
المستقيم» بغير القاف التي لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته ولم أدر من أين جاء هذا؟ فإن لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها وإنما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الأمصار من لدن الفتح. وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلا أنهم أبعد من مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار. فهذا يرجح فيما يوجد من اللغة لديهم أنه من لغة سلفهم. هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم شرقا وغربا في النطق بها وأنها الخاصية التي يتميز بها العربي من الهجين والحضري. والظاهر أن هذه القاف التي ينطق بها أهل الجيل العربي البدوي هو من مخرج القاف عند أولهم من أهل اللغة، وأن مخرج القاف متسع، فأوله من أعلى الحنك وآخره مما يلي الكاف. فالنطق بها من أعلى الحنك هو لغة الأمصار، والنطق بها مما يلي الكاف هي لغة هذا الجيل البدوي. وبهذا يندفع ما قاله أهل البيت من فساد الصلاة بتركها في أم القرآن، فإن فقهاء الأمصار كلهم على خلاف ذلك. وبعيد أن يكونوا أهملوا ذلك، فوجهه ما قلناه. نعم نقول إن الأرجح والأولى ما ينطق به أهل الجيل البدوي لأن تواترها فيهم كما قدمناه، شاهد بأنها لغة الجيل الأول من سلفهم، وأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. ويرجح ذلك أيضا إدغامهم لها في الكاف لتقارب المخرجين. ولو كانت كما ينطق بها أهل الأمصار من أصل الحنك، لما كانت قريبة المخرج من الكاف، ولم تدغم. ثم إن أهل العربية قد ذكروا هذه القاف القريبة من الكاف، وهي التي ينطق بها أهل الجيل البدوي من العرب لهذا العهد، وجعلوها متوسطة بين مخرجي القاف والكاف. على أنها حرف مستقل، وهو بعيد. والظاهر أنها من آخر مخرج القاف لاتساعه كما قلناه. ثم إنهم يصرحون باستهجانه واستقباحه كأنهم لم يصح عندهم أنها لغة الجيل الأول. وفيما ذكرناه من اتصال نطقهم بها، لأنهم إنما ورثوها من سلفهم جيلا بعد جيل، وأنها شعارهم الخاص بهم، دليل على أنها لغة ذلك الجيل الأول، ولغة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ذلك كله. وقد يزعم زاعم أن ٧٦٩
هذه القاف التي ينطق بها أهل الأمصار ليست من هذا الحرف، وأنها إنما جاءت من مخالطتهم للعجم، وإنهم ينطقون بها كذلك، فليست من لغة العرب. ولكن الأقيس كما قدمناه من أنهما حرف واحد متسع المخرج. فتفهم ذلك. والله الهادي المبين.
الفصل الثامن والأربعون في أن لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها للغة مضر
اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا وهي عن لغة مضر أبعد. فأما إنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا.
وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس معهما وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه. وهذا معنى اللسان واللغة. وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد. وأما إنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة . فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد لأن الملكة إنما تحصل بالتعليم كما قلناه. وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الأولى التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم. فعلى مقدار ما يسمعونه من العجم ويربون عليه يبعدون عن الملكة الأولى. واعتبر ذلك في أمصار إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق. أما إفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة من ٧٧٠
العجم بوفور عمرانها بهم ولم يكد يخلو عنهم مصر ولا جيل فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة. والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه فهي عن اللسان الأول أبعد. وكذا المشرق لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم في الأكرة والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولا ودايات وأظآرا ومراضع ففسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى. وكذا أهل الأندلس مع عجم الجلالقة والإفرنجة. وصار أهل الأمصار كلهم من هذه الأقاليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تخالف لغة مضر ويخالف أيضا بعضهم بعضا كما نذكره وكأنه لغة أخرى لاستحكام ملكتها في أجيالهم. والله يخلق ما يشاء ويقدر.
الفصل التاسع والأربعون في تعليم اللسان المضري
اعلم أن ملكة اللسان المضري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت ولغة أهل الجيل كلهم مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن وإنما هي لغة أخرى من امتزاج العجمة بها كما قدمناه. إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات. ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من ٧٧١
أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال.
والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر. وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا. ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها. والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه.
الفصل الخمسون في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم
والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة. فهو علم بكيفية لا نفس كيفية. فليست نفس الملكة وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا. مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم لملكتها في التعبير عن بعض أنواعها الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها قدام منفذها الأول بمطرح ما بين الثقبين الأولين ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها. وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا. وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب فيقول: هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر ٧٧٢
قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة. وهو لو طولب بهذا العمل أو شيء منه لم يحكمه. وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربية.
فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وأنها مستغنية عنها بالجملة. وقد نجد بعض المهرة في صناعة الإعراب بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتفاقي وأكثر ما يقع للمخالطين لكتاب سيبويه. فإنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط بل ملأ كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته. وتنبه به لشأن الملكة فاستوفى تعليمها فكان أبلغ في الإفادة. ومن هؤلاء المخالطين لكتاب سيبويه من يغفل عن التفطن لهذا فيحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ملكة. وأما المخالطون لكتب المتأخرين العارية عن ذلك إلا من القوانين النحوية مجردة عن أشعار العرب وكلامهم، فقل ما يشعرون لذلك بأمر هذه الملكة أو ينتبهون لشأنها فتجدهم يحسبون أنهم قد ٧٧٣
حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد الناس عنه. وأهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم فتنقطع النفس لها وتستعد إلى تحصيلها وقبولها. وأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا إن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل وبعدت عن مناحي اللسان وملكته وأفاد ذلك حملتها في هذه الأمصار وآفاقها البعد عن الملكة بالكلية، وكأنهم لا ينظرون في كلام العرب. وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان. وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم لكنهم أجروها على غير ما قصد بها وأصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها. وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم. والله مقدر الأمور كلها والله أعلم بالغيب. ٧٧٤
الفصل الواحد والخمسون في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أنه لا يحصل للمستعربين من العجم
اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان. وقد مر تفسير البلاغة وأنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك. فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التركيب حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر، إلا بما استفاد من حصول هذه الملكة. فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي. ويقول كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع. وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان فإن هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها وقد مر ذلك. وإذا تقرر ذلك فملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم ٧٧٥
وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم. ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده. وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم. وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية والبيانية فإن ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء. وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم. ومثاله: لو فرضنا صبيا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فإنه يتعلم لغتهم ويحكم شأن الإعراب والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها. وليس من العلم القانوني في شيء وإنما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه. وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصل الملكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربي بين أجيالهم . والقوانين بمعزل عن هذا واستعير لهذه الملكة عند ما ترسخ وتستقر اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان والذوق وإنما هو موضوع لإدراك الطعوم. لكن لما كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث النطق بالكلام كما هو محل لإدراك الطعوم استعير لها اسمه. وأيضا فهو وجداني اللسان كما أن الطعوم محسوسة له فقيل له ذوق. وإذا تبين لك ذلك علمت منه أن الأعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب فإنه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة التي قررنا أمرها لأن قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللسان وهي لغاتهم أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركب لما يضطرون إليه من ذلك. وهذه الملكة قد ذهبت لأهل الأمصار وبعدوا عنها كما تقدم. وإنما لهم في ٧٧٦
ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللسان المطلوبة. ومن عرف أحكام تلك الملكة من القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء. إنما حصل أحكامها كما عرفت. وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب. فإن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط. وأما المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيء وراءها وكأنهم في أول نشأتهم من العرب الذين نشئوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام لأنهم أدركوا الملة في عنفوانها واللغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولا من أهل الأمصار ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته. واليوم الواحد من العجم إذا خالط أهل اللسان العربي بالأمصار فأول ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الآثار. ويجد ملكتهم الخاصة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللسان العربي. ثم إذا فرضنا أنه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقل أن يحصل له ما قدمناه من أن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة. وإن فرضنا أعجميا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالحفظ والمدارسة فربما يحصل له ذلك لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر. وربما يدعي كثير ممن ينظر في هذه القوانين البيانية حصول هذا الذوق له بها وهو غلط أو مغالطة وإنما حصلت له الملكة إن حصلت في تلك القوانين البيانية وليست من ملكة العبارة في شيء. والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم. ٧٧٧
الفصل الثاني والخمسون في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعسر
والسبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة حتى نزل بها اللسان عن ملكته الأولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد. ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان. وتعتقد النحاة أن هذه المسابقة بصناعتهم وليس كذلك وإنما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللسان وكلام العرب. نعم صناعة النحو أقرب إلى مخالطة ذلك وما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية وحصول ملكتها لتمكن المنافاة حينئذ. واعتبر ذلك في أهل الأمصار.
فأهل إفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الأول كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم. ولقد نقل ابن الرفيق أن بعض كتاب القيروان كتب إلى صاحب له: يا أخي ومن لا عدمت فقده أعلمني أبو سعيد كلاما أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تأتي وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج. وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلا ليس من هذا حرفا واحدا. وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله. وهكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري شبيه بما ذكرنا. وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطبقة ولم تزل كذلك لهذا العهد ولهذا ما كان بإفريقية من ٧٧٨
مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف. وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الآن مائلة إلى القصور. وأهل الأندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملكة بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرا. وكان فيهم ابن حيان المؤرخ إمام أهل الصناعة في هذه الملكة ورافع الراية لهم فيها وابن عبد ربه والقسطلي وأمثالهم من شعراء ملوك الطوائف لما زخرت فيها بحار اللسان والأدب وتداول ذلك فيهم مئين من السنين حتى كان الانفضاض والجلاء أيام تغلب النصرانية. وشغلوا عن تعلم ذلك وتناقص العمران فتناقص لذلك شأن الصنائع كلها فقصرت الملكة فيهم عن شأنها حتى بلغت الحضيض. وكان من آخرهم صالح بن شريف ومالك بن مرحل من تلاميذ الطبقة الإشبيليين بسبتة وكتاب دولة بني الأحمر في أولها. وألقت الأندلس أفلاذ كبدها من أهل تلك الملكة بالجلاء إلى العدوة لعدوة الإشبيلية إلى سبتة ومن شرقي الأندلس إلى إفريقية. ولم يلبثوا إلى أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة لعسر قبول العدوة لها وصعوبتها عليهم بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية وهي منافية لما قلناه. ثم عادت الملكة من بعد ذلك إلى الأندلس كما كانت ونجم بها ابن بشرين وابن جابر وابن الجياب وطبقتهم. ثم إبراهيم الساحلي الطريحي وطبقته وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك لهذا العهد شهيدا بسعاية أعدائه. وكان له في اللسان ملكة لا تدرك واتبع أثره تلميذه من بعده. وبالجملة فشأن هذه الملكة بالأندلس أكثر وتعليمها أيسر وأسهل بما هم عليه لهذا العهد كما قدمناه من معاناة علوم اللسان ومحافظتهم عليها وعلى علوم الأدب وسند تعليمها. ولأن أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم. وليست عجمتهم أصلا للغة ٧٧٩
أهل الأندلس والبربر في هذه العدوة وهم أهلها ولسانهم لسانها إلا في الأمصار فقط. وهم منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم بخلاف أهل الأندلس. واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدولة الأموية والعباسية فكان شأنهم شأن أهل الأندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها لبعدهم لذلك العهد عن الأعاجم ومخالطتهم إلا في القليل. فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم وكان فحول الشعراء والكتاب أوفر لتوفر العرب وأبنائهم بالمشرق. وانظر ما اشتمل عليه كتاب الأغاني من نظمهم ونثرهم فإن ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم وفيه لغتهم وأخبارهم وأيامهم وملتهم العربية وسيرتهم وآثار خلفائهم وملوكهم وأشعارهم وغناؤهم وسائر معانيهم له فلا كتاب أوعب منه لأحوال العرب. وبقي أمر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدولتين وربما كانت فيهم أبلغ ممن سواهم ممن كان في الجاهلية كما نذكره بعد. حتى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمرهم ودولتهم وصار الأمر للأعاجم والملك في أيديهم والتغلب لهم. وذلك في دولة الديلم والسلجوقية. وخالطوا أهل الأمصار وكثروهم فامتلأت الأرض بلغاتهم، واستولت العجمة على أهل الأمصار والحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي وملكته وصار متعلمها منهم مقصرا عن تحصيلها. وعلى ذلك نجد لسانهم لهذا العهد في فني المنظوم والمنثور وإن كانوا مكثرين منه. والله يخلق ما يشاء ويختار والله سبحانه وتعالى اعلم وبه التوفيق لا رب سواه. ٧٨٠
الفصل الثالث والخمسون في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر
اعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين في الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية. وفي النثر وهو الكلام غير الموزون وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب في الكلام. فأما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء وأما النثر فمنه السجع الذي يؤتى به قطعا ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة يسمى سجعا ومنه المرسل وهو الذي يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها. ويستعمل في الخطب والدعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم.
وأما القرآن وإن كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا. بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها. ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية وهو معنى قوله تعالى: «الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم 39: 23» . وقال: «قد فصلنا الآيات 6: 97» . ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعا ولا التزم فيها ما يلتزم في السجع ولا هي أيضا قواف. وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلها على العموم لما ذكرناه واختصت بأم القرآن للغلبة فيها كالنجم للثريا ولهذا سميت السبع المثاني. وانظر هذا مع ما قاله المفسرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحق برجحان ما قلناه. واعلم أن لكل واحد من هذه الفنون أساليب تختص به عند أهله ولا تصلح للفن الآخر ولا تستعمل فيه مثل النسيب المختص بالشعر والحمد والدعاء المختص بالخطب والدعاء المختص بالمخاطبات وأمثال ذلك. وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة ٧٨١
الأسجاع والتزام التقفية وتقديم النسب بين يدي الأغراض. وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن. واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة واستعملوها في المخاطبات السلطانية وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ارتضوه وخلطوا الأساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق. وصارت المخاطبات السلطانية لهذا العهد عند الكتاب الغفل جارية على هذا الأسلوب الذي أشرنا إليه وهو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب. وهذا الفن المنثور المقفى أدخل المتأخرون فيه أساليب الشعر فوجب أن تنزه المخاطبات السلطانية عنه إذ أساليب الشعر تنافيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب. والتزام التقفية أيضا من اللوذعة والتزيين وجلال الملك والسلطان وخطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك ويباينه. والمحمود في المخاطبات السلطانية الترسل وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلا في الأقل النادر. وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلف له ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فإن المقامات مختلفة ولكل مقام أسلوب يخصه من إطناب أو إيجاز أو حذف أو إثبات أو تصريح أو إشارة أو كناية واستعارة. وأما إجراء المخاطبات السلطانية على هذا النحو الذي هو على أساليب الشعر فمذموم وما حمل عليه أهل العصر إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوبه . وولعوا بهذا المسجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتضى الحال فيه. ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع ٧٨٢
والألقاب البديعة ويغفلون عما سوى ذلك. وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد حتى إنهم ليخلون بالإعراب في الكلمات والتصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان معها فيرجحون ذلك الصنف من التجنيس. ويدعون الإعراب ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس. فتأمل ذلك بما قدمناه لك تقف على صحة ما ذكرناه. والله الموفق للصواب بمنه وكرمه والله تعالى أعلم.
الفصل الرابع والخمسون في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للأقل
والسبب في ذلك أنه كما بيناه ملكة في اللسان فإذا تسبقت إلى محله ملكة أخرى قصرت بالمحل عن تمام الملكة اللاحقة. لأن تمام الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر. وإذا تقدمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادة القابلة وعائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة وتعذر التمام في الملكة وهذا موجود به في الملكات الصناعية كلها على الإطلاق. وقد برهنا عليه في موضعه بنحو من هذا البرهان. فاعتبر مثله في اللغات فإنها ملكات اللسان وهي بمنزلة الصناعة. وانظر من تقدم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي أبدا. فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي ولا يزال قاصرا فيه ولو تعلمه وعلمه. وكذا البربري والرومي. والإفرنجي قل أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللسان ٧٨٣
العربي. وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر حتى إن طالب العلم من أهل هذه الألسن إذا طلبه بين أهل اللسان العربي جاء مقصرا في معارفه عن الغاية والتحصيل وما أوتي إلا من قبل اللسان. وقد تقدم لك من قبل أن الألسن واللغات شبيهة بالصنائع. وقد تقدم لك أن الصنائع وملكاتها لا تزدحم.
وأن من سبقت له إجادة في صناعة فقل أن يجيد في أخرى أو يستولي فيها على الغاية. والله خلقكم وما تعملون 37: 96.
الفصل الخامس والخمسون في صناعة الشعر ووجه تعلمه
هذا الفن من فنون كلام العرب وهو المسمى بالشعر عندهم ويوجد في سائر اللغات إلا أننا الآن إنما نتكلم في الشعر الذي للعرب. فإن أمكن أن تجد فيه أهل الألسن الأخرى مقصودهم من كلامهم وإلا فلكل لسان أحكام في البلاغة تخصه.
وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويا وقافية ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة. وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه حتى كأنه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده. وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته. ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك ويستطرد للخروج من فن إلى فن ومن مقصود إلى مقصود بأن يوطئ المقصود الأول ومعانيه إلى أن يناسب المقصود الثاني ويبعد الكلام عن التنافر. كما يستطرد من التشبيب إلى المدح ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو ٧٨٤
الطيف ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه وعساكره ومن التفجع والعزاء في الرثاء إلى التأثر وأمثال ذلك. ويراعي فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه. فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمنها علم العروض. وليس كل وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما. واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب. ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم. وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن الملكات كلها. والملكات اللسانية كلها إنما تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه في تلك الملكة. والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين لاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده ويصلح أن ينفرد دون ما سواه فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ويبرزه مستقلا بنفسه. ثم يأتي ببيت آخر كذلك ثم ببيت آخر ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده. ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة. ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه. ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها واستعمالها فيه. لنذكر هنا سلوك ٧٨٥
الأسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم. فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ به. ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص. وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصها فيه رصا كما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول كقوله: «يا دار مية بالعلياء فالسند» ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال كقوله: «قفا نسأل الدار التي خف أهلها» . أو باستبكاء الصحب على الطلل كقوله: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» . أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين كقوله: «ألم تسأل فتخبرك الرسوم» . ومثل تحية الطلول بالأمر لمخاطب غير معين بتحيتها كقوله: «حي الديار بجانب الغزل» . أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله:
أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم
أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله: ٧٨٦
يا برق طالع منزلا بالأبرق ... واحد السحاب لها حداء الأينق
أو مثل التفجع في الجزع باستدعاء البكاء كقوله:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
أو باستعظام الحادث كقوله: «أرأيت من حملوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي» . أو بالتسجيل على الأكوان بالمصيبة لفقده كقوله:
منابت العشب لا حام ولا راع ... مضى الردى بطويل الرمح والباع
أو بالإنكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقول الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
أو بتهنئة فريقه بالراحة من ثقل وطأته كقوله:
ألقى الرماح ربيعة بن نزار ... أودى الردى بفريقك المغوار
وأمثال ذلك كثير من سائر فنون الكلام ومذاهبه. وتنتظم التراكيب فيه بالجمل وغير الجمل إنشائية وخبرية، اسمية وفعلية، متفقة، مفصولة وموصولة، على ما هو شأن التراكيب في الكلام العربي في مكان كل كلمة من الأخرى. يعرفك فيه ما تستفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها.
فإن مؤلف الكلام هو كالبناء أو النساج والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه أو المنوال الذي ينسج عليه. فإن خرج عن القالب في بنائه أو عن ٧٨٧
المنوال في نسجه كان فاسدا. ولا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية لذلك لأنا نقول قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها الخاصة بالقياس. وهو قياس علمي صحيح مطرد كما هو قياس القوانين الإعرابية. وهذه الأساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء إنما هي هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر كما قدمنا ذلك في الكلام بإطلاق. وإن القوانين العلمية من العربية والبيان لا يفيد تعليمه بوجه. وليس كل ما يصح في قياس كلام العرب وقوانينه العلمية استعملوه. وإنما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسية. فإذا نظر في شعر العرب على هذا النحو وبهذه الأساليب الذهنية التي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس. ولهذا قلنا إن المحصل لهذه القوالب في الذهن إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم. وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور فإن العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنين وجاءوا به مفصلا في النوعين. ففي الشعر بالقطع الموزونة والقوافي المقيدة واستقلال الكلام في كل قطعة وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتشابه بين القطع غالبا وقد يقيدونه بالأسجاع. وقد يرسلونه وكل واحدة من هذه معروفة في لسان العرب. والمستعمل منها عندهم هو الذي يبني مؤلف الكلام عليه تأليفه ولا يعرفه إلا من حفظ كلامهم حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة الشخصية قالب كلي مطلق يحذو حذوه في التأليف كما يحذو البناء على القالب والنساج على المنوال. فلهذا كان من تآليف الكلام منفردا عن نظر النحوي والبياني والعروضي. نعم إن مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتم بدونها فإذا تحصلت هذه الصفات كلها في الكلام اختص بنوع من النظر لطيف في هذه ٧٨٨
القوالب التي يسمونها أساليب. ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ونثرا. وإذا تقرر معنى الأسلوب ما هو فلنذكر بعده حدا أو رسما للشعر به تفهم حقيقته على صعوبة هذا الغرض. فإنا لم نقف عليه لأحد من المتقدمين فيما رأيناه. وقول العروضيين في حده إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له. وصناعتهم إنما تنظر في الشعر من حيث اتفاق أبياته في عدد المتحركات والسواكن على التوالي، ومماثلة عروض أبيات الشعر لضربها. وذلك نظر في وزن مجدد عن الألفاظ ودلالتها. فناسب أن يكون حدا عندهم، ونحن هنا ننظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة. فلا جرم إن حدهم ذلك لا يصلح له عندنا فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول: الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به. فقولنا الكلام البليغ جنس وقولنا المبني على الاستعارة والأوصاف فصل له عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر وقولنا المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل وقولنا مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة لأن الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شيء. وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعرا إنما هو كلام منظوم لأن الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور. وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب فلا يكون شعرا. وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية ٧٨٩
يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء لأنهما لم يجريا على أساليب العرب فيه، وقولنا في الحد الجاري على أساليب العرب فصل له عن شعر غير العرب من الأمم عند ما يرى أن الشعر يوجد للعرب وغيرهم. ومن يرى أنه لا يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ذلك ويقول مكانه الجاري على الأساليب المخصوصة. وإذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشعر فلنرجع إلى الكلام في كيفية عمله فنقول: اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها: الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب. وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس. وأكثره شعر كتاب الأغاني لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية. ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ. فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط. واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ. ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ. وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها. فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يؤخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة.
ثم لا بد له من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار وكذا المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور. ثم مع هذا كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه. قالوا: وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند ٧٩٠
الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر وفي هؤلاء الجمام. وربما قالوا إن من بواعثه العشق والانتشاء ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله.
قالوا: فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه. وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه بعضها ويبني الكلام عليها إلى آخره لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها. فربما تجيء نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم تبق إلا المناسبة فليتخير فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولا يضن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة. فإن الإنسان مفتون بشعره إذ هو نبات فكره واختراع قريحته ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من التراكيب. والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة. وقد حظر أئمة اللسان المولد من ارتكاب الضرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة. ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده. وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم. وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإن فيه نوع تعقيد على الفهم. وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى منها. فإن كانت المعاني كثيرة كان حشوا واستعمل الذهن بالغوص عليها فمنع الذوق عن استيفاء مدركة من البلاغة. ولا يكون الشعر سهلا إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن. ولهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر شرق الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري ٧٩١
بعدم النسج على الأساليب العربية كما مر فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر والحاكم بذلك هو الذوق. وليجتنب الشاعر أيضا الحوشي من الألفاظ والمقصر وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة وكذلك المعاني المبتذلة بالشهرة فإن الكلام ينزل بها عن البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الإفادة كقولهم: النار حارة والسماء فوقنا. وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الإفادة يبعد عن رتبة البلاغة إذ هما طرفان. ولهذا كان الشعر في الربانيات والنبويات قليل الإجادة في الغالب ولا يحذق فيه إلا الفحول وفي القليل على العشر لأن معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك. وإذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه ويعاوده فإن القريحة مثل الضرع يدر بالامتراء ويجف بالترك والإهمال. وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد. ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البغية من ذلك. وهذه نبذة كافية والله المعين. وقد نظم الناس في أمر هذه الصناعة الشعرية ما يجب فيها. ومن أحسن ما قيل في ذلك وأظنه لابن رشيق:
لعن الله صنعة الشعر ماذا ... من صنوف الجهال منه لقينا
يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلا للسامعين مبينا
ويرون المحال معنى صحيحا ... وخسيس الكلام شيئا ثمينا
يجهلون الصواب منه ولا يدرون ... للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامون ... وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما يناسب في النظم ... وإن كان في الصفات فنونا ٧٩٢
فأتى بعضه يشاكل بعضا ... وأقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى ولم يكن أن يكونا
فتناهى من البيان إلى أن ... كاد حسنا يبين للناظرينا
فكأن الألفاظ منه وجوه ... والمعاني ركبن فيها عيونا
إنما في المرام حسب الأماني ... يتحلى بحسنة المنشدونا
فإذا ما مدحت بالشعر حرا ... رمت فيه مذاهب المشتهينا
فجعلت النسيب سهلا قريبا ... وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما يهجن في السمع ... وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما عرضته بهجاء ... عبت فيه مذاهب المرقبينا
فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكيت فيه على ... الغادين يوما للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كان ... من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا جئت بالوعد ... وعيدا وبالصعوبة بينا
فتركت الذي عتبت عليه ... حذرا آمنا عزيزا مهينا
وأصح القريض ما قارب النظم ... وإن كان واضحا مستبينا
فإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا
ومن ذلك أيضا قول بعضهم وهو الناشي:
الشعر ما قومت ربع صدوره ... وشددت بالتهذيب أس متونه
ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه ٧٩٣
وجمعت بين قريبه وبعيده ... وجمعت بين مجمه ومعينة
وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وقضيته بالشكر حق ديونه
أصفيته (بتفتش ورضيته) ... وخصصته بخطيره وثمينه
فيكون جزلا في مساق صنوفه ... ويكون سهلا في اتفاق فنونه
وإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شئونه
وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... بثبوته وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخ في زلة ... أدمجت شدته له في لينه
فتركته مستأنسا بدماثة ... مستأمنا لوعوثه وحزونه.
وإذا نبذت إلى الذي علقتها ... إذ صارمتك بفاتنات شئونه
تيمتها بلطيفه ورفيقه ... وشغفتها بخبيه وكمنه
وإذا اعتذرت لسقطة أسقطتها ... وأشكت بين مخيله ومبينه
فيحول ذنبك عند من يعتده ... عتبا عليه مطالبا بيمينه
الفصل السادس والخمسون في أن صناعة النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني
اعلم أن صناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني وإنما المعاني تبع لها وهي أصل. فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر ٧٩٤
إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله وجريه على لسانه حتى تستقر له الملكة في لسان مضر ويتخلص من العجمة التي ربي عليها في جيله ويفرض نفسه مثل وليد نشأ في جيل العرب ويلقن لغتهم كما يلقنها الصبي حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم. وذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل شأن الملكات والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ وأما المعاني فهي في الضمائر.
وأيضا فالمعاني موجودة عند كل واحد وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى فلا يحتاج إلى تكلف صناعة في تأليفها وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف والماء واحد في نفسه. وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء. كذلك جودة اللغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد. والمعاني واحدة في نفسها وإنما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللسان إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن بمثابة المقعد الذي يروم النهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه. والله يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. ٧٩٥
الفصل السابع والخمسون في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتها بجودة المحفوظ
قد قدمنا أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ. فمن كان محفوظه من أشعار العرب الإسلاميين شعر حبيب أو العتابي أو ابن المعتز أو ابن هانئ أو الشريف الرضي أو رسائل ابن المقفع أو سهل ابن هارون أو ابن الزيات أو البديع أو الصابيء تكون ملكته أجود وأعلى مقاما ورتبة في البلاغة ممن يحفظ شعر ابن سهل من المتأخرين أو ابن النبيه أو ترسل البيساني أو العماد الأصبهاني لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك يظهر ذلك للبصير الناقد صاحب الذوق. وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده ثم إجادة الملكة من بعدهما. فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة لأن الطبع إنما ينسج على منوالها وتنمو قوى الملكة بتغذيتها. وذلك أن النفس وإن كانت في جبلتها واحدة بالنوع فهي تختلف في البشر بالقوة والضعف في الإدراكات. واختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من الإدراكات والملكات والألوان التي تكيفها من خارج. فبهذه يتم وجودها وتخرج من القوة إلى الفعل صورتها والملكات التي تحصل لها إنما تحصل على التدريج كما قدمناه. فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والترسيل، والعلمية بمخالطة العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار، والفقهية بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها وتخريج الفروع على الأصول، والتصوفية الربانية بالعبادات والأذكار وتعطيل الحواس الظاهرة بالخلوة والانفراد عن الخلق ما استطاع حتى تحصل له ملكة الرجوع إلى حسه الباطن وروحه وينقلب ربانيا وكذا سائرها. وللنفس في كل واحد منها لون تتكيف به ٧٩٦
وعلى حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها فملكة البلاغة العالية الطبقة في جنسها إنما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام ولهذا كان الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرين في البلاغة وما ذلك إلا لما يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة لأن العبارات عن القوانين والعلوم لا حظ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم. وهكذا نجد شعر الفقهاء والنحاة والمتكلمين والنظار وغيرهم ممن لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب. أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرينية قال: ذكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن وكان المقدم في البصر باللسان لعهده فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي ولم أنسبها له وهو هذا:
لم أدر حين وقفت بالأطلال ... ما الفرق بين جديدها والبالي
فقال لي على البديهة: هذا شعر فقيه، فقلت له: ومن أين لك ذلك، فقال:
من قوله ما الفرق؟ إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب، فقلت له: لله أبوك إنه ابن النحوي. وأما الكتاب والشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في محفوظهم ومخالطتهم كلام العرب وأساليبهم في الترسل وانتقائهم لهم الجيد من الكلام. ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة فقلت له: أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته مع بصري به وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنون من كلام العرب وإن كان محفوظي قليلا. وإنما أتيت والله أعلم بحقيقة الحال من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية والقوانين التألفية. فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في ٧٩٧
القراءات في الرسم واستظهرتهما وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول وجمل الخونجي في المنطق وبعض كتاب التسهيل وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس فامتلأ محفوظي من ذلك وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب تعاق القريحة عن بلوغها.
فنظر إلي ساعة معجبا ثم قال: لله أنت وهل يقول هذا إلا مثلك؟ ويظهر لك من هذا الفصل وما تقرر فيه سر آخر وهو إعطاء السبب في أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم.
فإنا نجد شعر حسان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وغيلان ذي الرمة والأحوص وبشار ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدرا من الدولة العباسية في خطبهم وترسيلهم ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة وطرفة بن العبد ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة. والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثليهما لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة. وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والبصر بالبلاغة. ولقد سألت يوما شيخنا الشريف أبا القاسم قاضي غرناطة لعهدنا وكان شيخ هذه الصناعة أخذ بسبتة عن جماعة من مشيختها من ٧٩٨
تلاميذ الشلوبين واستبحر في علم اللسان وجاء من وراء الغاية فيه فسألته يوما ما بال العرب الإسلاميين أعلى طبقة في البلاغة من الجاهليين؟ ولم يكن ليستنكر ذلك بذوقه فسكت طويلا ثم قال لي: والله ما أدري، فقلت: أعرض عليك شيئا ظهر لي في ذلك ولعله السبب فيه. وذكرت له هذا الذي كتبت فسكت معجبا ثم قال لي: يا فقيه هذا كلام من حقه أن يكتب بالذهب. وكان من بعدها يؤثر محلي ويصيخ في مجالس التعليم إلى قولي ويشهد لي بالنباهة في العلوم، والله خلق الإنسان وعلمه البيان.
الفصل الثامن والخمسون في بيان المطبوع من الكلام والمصنوع وكيف جودة المصنوع أو قصوره
اعلم أن الكلام الذي هو العبارة والخطاب، إنما سره وروحه في إفادة المعنى. وأما إذا كان مهملا فهو كالموات الذي لا عبرة به. وكمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدها عند أهل البيان لأنهم يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومعرفة الشروط والأحكام التي بها تطابق التراكيب اللفظية مقتضى الحال، هو فن البلاغة. وتلك الشروط والأحكام للتراكيب في المطابقة استقريت من لغة العرب وصارت كالقوانين. فالتراكيب بوضعها تفيد الإسناد بين المسندين، بشروط وأحكام هي جل قوانين العربية. وأحوال هذه التراكيب من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وإضمار وإظهار، وتقييد وإطلاق وغيرها، يفيد الأحكام المكتنفة من خارج بالإسناد، وبالمتخاطبين حال التخاطب بشروط وأحكام هي قوانين لفن، يسمونه علم المعاني من فنون ٧٩٩
البلاغة. فتندرج قوانين العربية لذلك في قوانين علم المعاني لأن إفادتها الإسناد جزء من إفادتها للأحوال المكتنفة بالإسناد. وما قصر من هذه التراكيب عن إفادة مقتضى الحال لخلل في قوانين الإعراب أو قوانين المعاني كان قاصرا عن المطابقة لمقتضى الحال، ولحق بالمهمل الذي هو في عداد الموات.
ثم يتبع هذه الإفادة لمقتضى الحال التفنن في انتقال التركيب بين المعاني بأصناف الدلالات، لأن التركيب يدل بالوضع على معنى، ثم ينتقل الذهن إلى لازمه أو ملزومه أو شبهه، فيكون فيها مجازا: إما باستعارة أو كناية كما هو مقرر في موضعه، ويحصل للفكر بذلك الانتقال لذة كما تحصل في الإفادة وأشد. لأن في جميعها ظفر بالمدلول من دليله. والظفر من أسباب اللذة كما علمت. ثم لهذه الانتقالات أيضا شروط وأحكام كالقوانين صيروها صناعة، وسموها بالبيان.
وهي شقيقة علم المعاني المفيد لمقتضى الحال، لأنها راجعة إلى معاني التراكيب ومدلولاتها. وقوانين علم المعاني راجعة إلى أحوال التراكيب أنفسها من حيث الدلالة. واللفظ والمعنى متلازمان متضايقان كما علمت. فإذا علم المعاني وعلم البيان هما جزء البلاغة، وبهما كمال الإفادة، فهو مقصر عن البلاغة ويلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم وأجدر به أن لا يكون عربيا، لأن العربي هو الذي يطابق بإفادته مقتضى الحال. فالبلاغة على هذا هي أصل الكلام العربي وسجيته وروحه وطبيعته.
ثم اعلم أنهم إذا قالوا: «الكلام المطبوع» فإنهم يعنون به الكلام الذي كملت طبيعته وسجيته من إفادة مدلوله المقصود منه، لأنه عبارة وخطاب، ليس المقصود منه النطق فقط. بل المتكلم يقصد به أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامة، ويدل به عليه دلالة وثيقة. ثم يتبع تراكيب الكلام في هذه السجية التي له بالأصالة ضروب من التحسين والتزيين، بعد كمال الإفادة وكأنها تعطيها رونق الفصاحة من تنميق الأسجاع، والموازنة بين حمل الكلام وتقسيمه ٨٠٠
بالأقسام المختلفة الأحكام والتورية باللفظ المشترك عن الخفي من معانيه، والمطابقة بين المتضادات، ليقع التجانس بين الألفاظ والمعاني، فيحصل للكلام رونق ولذة في الأسماع وحلاوة وجمال كلها زائدة على الإفادة.
وهذه الصنعة موجودة في الكلام المعجز في مواضع متعددة مثل: «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى 92: 1- 2» ، ومثل: «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى 92: 5- 6» ، إلى آخر التقسيم في الآية. وكذا: «فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا 79: 37- 38» إلى آخر الآية. وكذا: «هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا 18: 104» . وأمثاله كثير. وذلك بعد كمال الإفادة في أصل هذه التراكيب قبل وقوع هذا البديع فيها. وكذا وقع في كلام الجاهلية منه، لكن عفوا من غير قصد ولا تعمد. ويقال إنه وقع في شعر زهير.
وأما الإسلاميون فوقع لهم عفوا وقصدا، وأتوا منه بالعجائب. وأول من أحكم طريقته حبيب بن أوس والبحتري ومسلم بن الوليد، فقد كانوا مولعين بالصنعة، ويأتون منها بالعجب. وقيل ان أول من ذهب إلى معاناتها بشار بن برد وابن هرمة، وكانا آخر من يستشهد بشعره في اللسان العربي. ثم اتبعهما عمرو بن كلثوم والعتابي ومنصور النميري ومسلم بن الوليد وأبو نواس. وجاء على آثارهم حبيب والبحتري. ثم ظهر ابن المعتز فختم على البديع والصناعة أجمع. ولنذكر مثالا من المطبوع الخالي من الصناعة، مثل قول قيس بن ذريح:
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا
وقول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت عما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلها ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت ٨٠١
فتأمل هذا المطبوع، الفقيد الصنعة، في إحكام تأليفه وثقافة تركيبه. فلو جاءت فيه الصنعة من بعد هذا الأصل زادته حسنا.
وأما المصنوع فكثير من لدن بشار، ثم حبيب وطبقتهما، ثم ابن المعتز خاتم الصنعة الذي جرى المتأخرون بعدهم في ميدانهم، ونسجوا على منوالهم.
وقد تعددت أصناف هذه الصنعة عند أهلها، واختلفت اصطلاحاتهم في ألقابها.
وكثير منهم يجعلها مندرجة في البلاغة على أنها غير داخلة في الإفادة، وأنها هي تعطي التحسين والرونق. وأما المتقدمون من أهل البديع، فهي عندهم خارجة عن البلاغة. ولذلك يذكرونها في الفنون الأدبية التي لا موضوع لها. وهو رأي ابن رشيق في كتاب العمدة له، وأدباء الأندلس. وذكروا في استعمال هذه الصنعة شروطا، منها أن تقع من غير تكلف ولا اكتراث في ما يقصد منها. وأما العفو فلا كلام فيه لأنها إذا برئت من التكلف سلم الكلام من عيب الاستهجان، لأن تكلفها ومعاناتها يصير إلى الغفلة عن التراكيب الأصلية للكلام، فتخل بالإفادة من أصلها، وتذهب بالبلاغة رأسا. ولا يبقى في الكلام إلا تلك التحسينات، وهذا هو الغالب اليوم على أهل العصر. وأصحاب الأذواق في البلاغة يسخرون من كلفهم بهذه الفنون، ويعدون ذلك من القصور عن سواه. وسمعت شيخنا الأستاذ أبا البركات البلفيقي، وكان من أهل البصر في اللسان والقريحة في ذوقه يقول: إن من أشهى ما تقترحه علي نفسي أن أشاهد في بعض الأيام من ينتحل فنون هذا البديع في نظمه أو نثره، وقد عوقب بأشد العقوبة، ونودي عليه، يحذر بذلك تلميذه أن يتعاطوا هذه الصنعة، فيكلفون بها، ويتناسون البلاغة. ثم من شروط استعمالها عندهم الإقلال منها وأن تكون في بيتين أو ثلاثة من القصيد، فتكفي في زينة الشعر ورونقه. والإكثار منها عيب، قاله ابن رشيق وغيره. وكان شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي منفق اللسان العربي بالأندلس لوقته يقول: هذه الفنون البديعية إذا وقعت للشاعر أو للكاتب فيقبح أن يستكثر منها، لأنها من ٨٠٢
محسنات الكلام ومزيناته، فهي بمثابة الخيلان في الوجه يحسن بالواحد والاثنين منها، ويقبح بتعدادها. وعلى نسبة الكلام المنظوم هو الكلام المنثور في الجاهلية والإسلام. كان أولا مرسلا معتبر الموازنة بين جمله وتراكيبه، شاهدة موازنته بفواصله، من غير التزام سجع ولا اكتراث بصنعة. حتى نبغ إبراهيم بن هلال الصابي كاتب بني بويه، فتعاطى الصنعة والتقفية وأتى بذلك بالعجب.
وعاب الناس عليه كلفه بذلك في المخاطبات السلطانية. وإنما حمله عليه ما كان في ملوكه من العجمة والبعد عن صولة الخلافة المنفقة لسوق البلاغة. ثم انتشرت الصناعة بعده في منثور المتأخرين ونسي عهد الترسيل وتشابهت السلطانيات والإخوانيات والعربيات بالسوقيات. واختلط المرعي بالهمل. وهذا كله يدلك على أن الكلام المصنوع بالمعاناة والتكليف، قاصر عن الكلام المطبوع، لقلة الاكتراث فيه بأصل البلاغة، والحاكم في ذلك الذوق. والله خلقكم وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.
الفصل التاسع والخمسون في ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر
اعلم أن الشعر كان ديوانا للعرب فيه علومهم وأخبارهم وحكمهم. وكان رؤساء العرب منافسين فيه وكانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده وعرض كل واحد منهم ديباجته على فحول الشأن وأهل البصر لتمييز حوله. حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت أبيهم إبراهيم كما فعل امرؤ القيس ابن حجر والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد وطرفة بن العبد وعلقمة بن عبدة والأعشى وغيرهم من أصحاب المعلقات السبع . فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة ٨٠٣
على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه في مضر على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات. ثم انصرف العرب عن ذلك أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا. ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملة. ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه. وكان لعمر بن أبي ربيعة كبير قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية وطبقة مرتفعة وكان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به. ثم جاء من بعد ذلك الملك الفحل والدولة العزيزة وتقرب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها. ويجيزهم الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم من قومهم ويحرصون على استهداء أشعارهم يطلعون منها على الآثار والأخبار واللغة وشرف اللسان. والعرب يطالبون ولدهم بحفظها. ولم يزل هذا الشأن أيام بني أمية وصدرا من دولة بني العباس. وانظر ما نقله صاحب العقد في مسامرة الرشيد للأصمعي في باب الشعر والشعراء تجد ما كان عليه الرشيد من المعرفة بذلك والرسوخ فيه والعناية بانتحاله والتبصر بجيد الكلام ورديئه وكثرة محفوظه منه. ثم جاء خلق من بعدهم لم يكن اللسان لسانهم من أجل العجمة وتقصيرها باللسان وإنما تعلموه صناعة ثم مدحوا بأشعارهم أمراء العجم الذين ليس اللسان لهم طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الأغراض كما فعله حبيب والبحتري والمتنبي وابن هانئ ومن بعدهم وهلم جرا. فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للأولين كما ذكرناه آنفا. وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخرين وتغير الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة ومذمة لأهل المناصب الكبيرة. والله مقلب الليل والنهار. ٨٠٤
الفصل الستون في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد
اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أو ميروس الشاعر وأثنى عليه. وكان في حمير أيضا شعراء متقدمون. ولما فسد لسان مضر ولغتهم التي دونت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة فكانت تحيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات. وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد. واختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق فلأهل الشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس وأمصاره. ثم لما كان الشعر موجودا بالطبع في أهل كل لسان لأن الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحركات والسواكن وتقابلها موجودة في طباع البشر فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة. بل كل جيل وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع كلامهم. فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات مشتملة ٨٠٥
على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء ويستطردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام. وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون. فأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد بالأصمعيات نسبة إلى الأصمعي راوية العرب في أشعارهم. وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي والحوراني والقيسي. وربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية. ثم يغنون به ويسمون الغناء به باسم الحوراني نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا العهد.
ولهم فن آخر كثير التداول في نظمهم يجيئون به معصبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويه ويلتزمون القافية الرابعة في كل بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربع والمخمس الذي أحدثه المتأخرون من المولدين. ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد وخصوصا علم اللسان يستنكر صاحبها هذه الفنون التي لهم إذا سمعها ويمج نظمهم إذا أنشد ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها. وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أو بالعكس وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه. فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحة الدلالة وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحت البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك. وأساليب الشعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميز ٨٠٦
عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب.
فمن أشعارهم على لسان الشريف بن هاشم يبكي الجازية بنت سرحان، ويذكر ظعنها مع قومها إلى المغرب:
قال الشريف ابن هاشم علي ... ترى كبدي حرى شكت من زفيرها
يغز للإعلام أين ما رأت خاطري ... يرد غلام البدو يلوي عصيرها
وماذا شكاة الروح مما طرا لها ... عداة وزائغ تلف الله خبيرها
يحس إن قطاع عامر ضميرها ... طوى وهند جافي ذكيرها
وعادت كما خوارة في يد غاسل ... على مثل شوك الطلح عقدوا يسيرها
تجابذوها اثنين والنزع بينهم ... على شوك لعه والبقايا جريرها
وباتت دموع العين ذارفات لشأنها ... شبيه دوار السواني يديرها
تدارك منها النجم حذرا وزادها ... مرون يجي متراكبا من صبيرها
يصب من القيعان من جانب الصفا ... عيون ولجاز البرق في غزيرها
هذا الغنى حتى تسابيت غزوة ... ناضت من بغداد حتى فقيرها
ونادى المنادي بالرحيل وشدوا ... وعرج عاريها على مستعيرها
وشد لها الأدهم دياب بن غانم ... على أيدين ماضي وليد مقرب ميرها
وقال لهم حسن بن سرحان غربوا ... وسوقوا النجوع إن كان أنا هو غفيرها
ويركض وبيده شهامه بالتسامح ... وباليمين لا يجدوا في مغيرها
غدرني زيان السيح من عابس ... وما كان يرضى زين حمير وميرها
غدرني وهو زعما صديقي وصاحبي ... وأناليه ما من درقتي ما يديرها
ورجع يقول لهم بلال بن هاشم ... بحر البلاد العطشى ما بخيرها
حرام علي باب بغداد وأرضها ... داخل ولا عائد ركيزه من نعيرها
تصدف روحي عن بلاد ابن هاشم ... على الشمس أو حول الغظامن هجيرها ٨٠٧
وباتت نيران العذارى قوادح ... بلوذ وبجرجان يشدوا أسيرها
ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي سعدى اليفرني مقارعهم بإفريقية وأرض الزاب ورثاؤهم له على جهة التهكم:
تقول فتاة الحي سعدى وهاضها ... لها في ظعون الباكرين عويل
أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفة ... خذ النعت مني لا تكون هبيل
تراه يعالي وادي ران وفوقه ... من الربط عيساوي بناه طويل
أراه يميل النور من شارع النقا ... به الواد شرقا واليراع دليل
أيا لهف كبدي على الزناتي خليفة ... قد كان لأعقاب الجياد سليل
قتيل فتى الهيجا دياب بن غانم ... جراحة كأفواه المزاد تسيل
أيا جائزا مات الزناتي خليفة ... لا ترحل إلا أن يريد رحيل
ألا واش رحلنا ثلاثين مرة ... وعشرا وستا في النهار قليل
ومن قولهم على لسان الشريف بن هاشم يذكر عتابا وقع بينه وبين ماضي بن مقرب:
تبدى ماضي الجبار وقال لي ... أشكر ما نحنا عليك رضاش
أشكر أعد ما بقي ود بيننا ... ورانا عريب عربا لابسين نماش
نحن غدينا نصدفو ما قضى لنا ... كما صادفت طعم الزباد طشاش
أشكر أعد إلى يزيد ملامه ... ليحدو ومن عمر بلاده عاش
ان كان نبت الشوك يلقح بأرضكم ... هنا العرب ما زدنا لهن صياش
ومن قولهم في ذكر رحلتهم إلى الغرب وغلبهم زناتة عليه:
وأي جميل ضاع لي في الشريف بن هاشم ... وأي رجال ضاع قبلي جميلها ٨٠٨
لقد كنت أنا وياه في زهو بيتنا ... عناني بحجة ما غباني دليلها
وعدت كأني شارب من مدامة ... من الخمر فهو ما قدر من يميلها
أو مثل شمطامات مظنون كبدها ... غريبا وهي مدوخه عن قبيلها
أتاها زمان السوء حتى تدوحت ... وهي بين عربا غافلا عن نزيلها
كذلك أنا مما لحاني من الوجى ... شاكي بكبد باديتها زعيلها
وأمرت قومي بالرحيل وبكروا ... وقووا وشداد الحوايا حميلها
قعدنا سبعة أيام محبوس نجعنا ... والبدو ما ترفع عمود يقيلها
نظل على حداب الثنايا نوازي ... يظل الجرى فوق النضا ونصيلها
ومن شعر سلطان بن مظفر بن يحيى من الزواودة أحد بطون رياح وأهل الرئاسة فيهم، يقولها وهو معتقل بالمهدية في سجن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص أول ملوك إفريقية من الموحدين:
يقول وفي بوح الدجا بعد وهنة ... حرام على أجفان عيني منامها
يا من لقلب حالف الوجد والأسى ... وروح هيامي طال ما في سقامها
حجازية بدوية عربية ... عداوية ولها بعيد مرامها
مولعة بالبدو لا تألف القرى ... سوى عانك الوعسا يؤتي خيامها
غيات ومشتاها بها كل شتوة ... ممحونة بيها وبيها صحيح غرامها
ومر باها عشب الأراضي من الحيا ... يواتي من الخور الخلايا جسامها
تشوق شوق العين مما تداركت ... عليها من السحب السواري عمامها
وماذا بكت بالما وماذا تناحطت ... عيون غرار المزن عذبا حمامها
كأن عروس البكر لاحت ثيابها ... عليها ومن نور الأقاحي خزامها
فلاة ودهنا واتساع ومنة ... ومرعى سوى ما في مراعي نعامها
ومشروبها من مخض ألبان شولها ... غنيم ومن لحم الجوازي طعامها ٨٠٩
تفانت عن الأبواب والموقف الذي ... يشيب الفتى مما يقاسي زحامها
سقى الله ذا الوادي المشجر بالحيا ... وبلا ويحيى ما بلي من رمامها
فكافأتها بالود مني وليتني ... ظفرت بأيام مضت في ركامها
ليالي أقواس الصبا في سواعدي ... إذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها
وفرسي عديد تحت سرجي مشاقة ... زمان الصبا سرجا وبيدي لجامها
وكم من رداح أسهرتني ولم أرى ... من الخلق أبهى من نظام ابتسامها
وكم غيرها من كاعب مرجحنة ... مطرزة الأجفان باهي وشامها
وصفقت من وجدي عليها طريجة ... بكفي ولم ينسى جداها ذمامها
ونار بخطب الوجد توهج في الحشا ... وتوهج لا يطفأ من الماء ضرامها
أيا من وعدتي الوعد هذا إلى متى ... فني العمر في دار عماني ظلامها
ولكن رأيت الشمس تكسف ساعة ... ويغمى عليها ثم يبدأ غيامها
بنود ورايات من السعد أقبلت ... إلينا بعون الله يهفو علامها
أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتي ... ورمحي على كتفي وسيري أمامها
بجرعا عتاق النوق من فوق شامس ... أحب بلاد الله عندي حشامها
إلى منزل بالجعفرية للوى ... مقيم بها ما لذ عندي مقامها
ونلقى سراة من هلال بن عامر ... يزيل الصدا والغل عني سلامها
بهم تضرب الأمثال شرقا ومغربا ... إذا قاتلوا قوما سريع انهزامها
عليهم ومن هو في حمامهم تحية ... مدى الدهر ما غنى يفينا حمامها
فدع ذا ولا تأسف على سالف مضى ... فذي الدنيا ما دامت لأحد دوامها
ومن أشعار المتأخرين منهم قول خالد بن حمزة بن عمر، شيخ الكعوب، من أولاد أبي الليل، يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل ويجيب شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلهل، عن أبيات فخر عليهم فيها بقومه:
يقول وذا قول المصاب الذي نشا ... قوارع قيعان يعاني صعابها ٨١٠
يريح بها حادي المصاب إذا سعى فنونا من إنشاد القوافي عذابها محيرة مختارة من نشادها تحدى بها تام الوشا ملتهابها مغربلة عن ناقد في غضونها محكمة القيعان دأبي ودأبها وهيض بتذكاري لها يا ذوي الندى قوارع من شبل وهذي جوابها اشبل جنينا من حباك طرائفا فراح يريح الموجعين الغنا بها فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم سوى قلت في جمهورها ما أعابها لقولك في أم المتين بن حمزة وحامي حماها عاديا في حرابها أما تعلم أنه قامها بعد ما لقي رصاص بني يحيى وغلاق دأبها شهابا من أهل الأمر يا شبل خارق وهل ريت من جا للوغى واصطلى بها سواها طفاها أضرمت بعد طفيه وأثنى طفاها جاسرا لا يهابها وأضرمت بعد الطفيتين ألن صحت لفاس إلى بيت المنى يقتدى بها وبان لوالي الأمر في ذا انشحابها فصار وهي عن كبر الاسنة تهابها كما كان هو يطلب على ذا تجنبت رجال بني كعب الذي يتقى بها
ومنها في العتاب:
وليدا تعاتبتوا أنا أغنى لأنني ... غنيت بمعلاق الثنا واغتصابها
علي ونا ندفع بها كل مبضع ... بأسياف ننتاش العدا من رقابها
فإن كانت الأملاك بغت عرائس ... علينا بأطراف القنا اختضابها
ولا بعدها الارهاف وذبل ... وزرق كالسنة الحناش انسلابها
بني عمنا ما نرتضي الذل غلمه ... تسير السبايا والمطايا ركابها
وهي عالما بأن المنايا تنيلها ... بلا شك والدنيا سريع انقلابها
ومنها في وصف الظعائن:
قطعنا قطوع البيد لا نختشي العدا ... فتوق بحوبات مخوف جنابها ٨١١
ترى العين فيها قل لشبل عرائف ... وكل مهاة محتظيها ربابها
ترى أهلها غب الصباح ان يفلها ... بكل حلوب الجوف ما سد بابها
لها كل يوم في الأرامي قتائل ... ورا الفاجر الممزوج عفو رضابها
ومن قولهم في الأمثال الحكمية
وطلبك في الممنوع منك سفاهة ... وصدك عمن صد عنك صواب
إذا رأيت أناسا يغلقوا عنك بابهم ... ظهور المطايا يفتح الله باب
ومن قول شبل يذكر انتساب الكعوب إلى برجم:
لشيب وشبان من أولاد برجم ... جميع البرايا تشتكي من ضهادها
ومن قول خالد يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين المستبد بحجابة السلطان بتونس على سلطانها مكفولة أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى وذلك فيما قرب من عصرنا:
يقول بلا جهل فتى الجود خالد ... مقالة قوال وقال صواب
مقالة حبر ذات ذهن ولم يكن ... هريجا ولا فيما يقول ذهاب
تهجست معنا نابها لا لحاجة ... ولا هرج ينقاد منه معاب
وكنت بها كبدي وهي نعم صابة ... حزينة فكر والحزين يصاب
تفوهت بادي شرحها عن مآرب ... جرت من رجال في القبيل قراب
بني كعب أدنى الأقربين لدمنا ... بني عم منهم شائب وشباب
جرى عند فتح الوطن منا لبعضهم ... مصافاة ود واتساع جناب
وبعضهم ملنا له عن خصيمه ... كما يعلموا قولي يقينه صواب
وبعضهمو مرهوب من بعض ملكنا ... جزاعا وفي جو الضمير كتاب
وبعضهمو جانا جريحا تسمحت ... خواطر منها للنزيل وهاب ٨١٢
وبعضهمو نظار فينا بسوة ... نقهناه حتى ما عنا به ساب
رجع ينتهي مما سفهنا قبيحه ... مرارا وفي بعض المرار يهاب
وبعضهمو شاكي من أوغاد قادر ... غلق عنه في أحكام السقائف باب
فصمناه عنه واقتضي منه مورد ... على كره مولى البالقي ودياب
ونحن على دافي المدى نطلب العلا ... لهم ما حططنا للفجور نقاب
وحزنا حمى وطن بترشيش بعد ما ... نفقنا عليها سبقا ورقاب
ومهد من الأملاك ما كان خارجا ... على أحكام والي أمرها له ناب
بردع قروم من قروم قبيلنا ... بني كعب لاواها الغريم. وطاب
جرينا بهم عن كل تأليف في العدا ... وقمنا لهم عن كل قيد مناب
إلى أن عاد من لا كان فيهم بهمة ... ربيها وخيراته عليه نصاب
وركبوا السبايا المثمنات من أهلها ... ولبسوا من أنواع الحرير ثياب
وساقوا المطايا يا لشرا لا نسوا له ... جماهير ما يغلو بها بجلاب
وكسبوا من أصناف السعايا ذخائر ... ضخام لحزات الزمان تصاب
وعادوا نظير البرمكيين قبل ذا ... وإلا هلالا في زمان دياب
وكانوا لنا درعا لكل مهمة ... إلى أن بان من نار العدو شهاب
وخلوا الدار في جنح الظلام ولا اتقوا ... ملامه ولا دار الكرام عتاب
كسوا الحي جلباب البهيم لستره ... وهم لو دروا لبسوا قبيح جباب
كذلك منهم حانس ما دار النبا ... ذهل حلمي ان كان عقله غاب
يظن ظنونا ليس نحن بأهلها ... تمنى يكن له في السماح شعاب
خطا هو ومن واتاه في سوء ظنه ... بالاثبات من ظن القبائح عاب
فوا عزوتي ان الفتى بو محمد ... وهوب لآلاف بغير حساب
وبرحت الأوغاد منه ويحسبوا ... بروحه ما يحيى بروح سحاب
جروا يطلبوا تحت السحاب شرائع ... لقوا كل ما يستاملوه سراب ٨١٣
وهو لو عطى ما كان للرأي عارف ... ولا كان في قلة عطاه صواب
وان نحن ما نستاملوا عنه راحة ... وانه باسهام التلاف مصاب
وان ما وطا ترشيش يضياق وسعها ... عليه ويمشي بالفزوع لزاب
وانه منها عن قريب مفاصل ... خنوج عناز هوالها وقباب
وعن فاتنات الطرف بيض غوانج ... ربوا خلف استار وخلف حجاب
يتيه إذا تاهوا ويصبوا إذا صبوا ... بحسن قوانين وصوت رباب
يضلوه عن عدم اليمين وربما ... يطارح حتى ما كأنه شاب
بهم حازله زمه وطوع أوامر ... ولذة مأكول وطيب شراب
حرام على ابن تافركين ما مضى ... من الود إلا ما بدل بحراب
وان كان له عقل رجيح وفطنة ... يلجج في اليم الغريق غراب
وأما البدا لا بدها من فياعل ... كبار إلى أن تبقى الرجال كباب
ويحمي بها سوق علينا سلاعه ... ويحمار موصوف القنا وجعاب
ويمسي غلام طالب ريح ملكنا ... ندوما ولا يمسي صحيح بناب
أيا واكلين الخبز تبغوا أدامه ... غلطتوا أدمتوا في السموم لباب
ومن شعر علي بن عمر بن إبراهيم من رؤساء بني عامر لهذا العهد أحد بطون زغبة يعاتب بني عمه المتطاولين إلى رياسته:
محبرة كالدر في يد صانع ... إذا كان في سلك الحرير نظام
أباحها منها فيه أسباب ما مضى ... وشاء تبارك والضعون تسام
غدامنه لام الحي حيين وانشطت ... عصاها ولا صبنا عليه حكام
ولكن ضميري يوم بان بهم إلينا ... تبرم على شوك القتاد برام
وإلا كأبراص التهامي قوادح ... وبين عواج الكانفات ضرام
والا لكان القلب في يد قابض ... أتاهم بمنشار القطيع غشام
لما قلت سما من شقا البين زارني ... إذا كان ينادي بالفراق وخام ٨١٤
ألا يا ربوع كان بالأمس عامر ... بيحيى وحله والقطين لمام
وغيد تداني للخطأ في ملاعب ... دجى الليل فيهم ساهر ونيام
ونعم يشوف الناظرين التحامها ... لنا ما بدا من مهرق وكظام
وعرود باسمها ليدعو لسربها ... واطلاق من شرب المها ونعام
واليوم ما فيها سوى البوم حولها ... ينوح على اطلال لها وخيام
وقفنا بها طورا طويلا نسألها ... بعين سخينا والدموع سجام
ولا صح لي منها سوى وحش خاطري ... وسقمي من أسباب إن عرفت أوهام
ومن بعد ذاتدى لمنصور بو علي ... سلام ومن بعد السلام سلام
وقولوا له يا بو ألوفا كلح رأيكم ... دخلتم بحور غامقات دهام
زواخر ما تنقاس بالعود إنما ... لها سيلات على الفضا وإكام
ولا قستمو فيها قياسا يدلكم ... وليس البحور الطاميات تعام
وعانوا على هلكاتكم في ورودها ... من الناس عدمان العقول لئام
أيا غزوة ركبوا الضلالة ولا لهم ... قرار ولا دنيا لهن دوام
الا غناهمو لو ترى كيف زايهم ... مثل سراب فلاة ما لهن تمام
خلو القنا يبغون في مرقب العلا ... مواضع ما هيا لهم بمقام
وحق النبي والبيت وأركانه العلى ... ومن زارها في كل دهر وعام
لبر الليالي فيه ان طالت الحيا ... يذوقون من خمط الكساع مدام
ولا برها تبقى البوادي عواكف ... بكل رديني مطرب وحسام
وكل مسافة كالسد إياه عابر ... عليها من أولاد الكرام غلام
وكل كميت يكتعص عض نابه ... يظل يصارع في العنان لجام
وتحمل بنا الأرض العقيمة مدة ... وتولدنا من كل ضيق كظام
بالأبطال والقود الهجان وبالقنا ... لها وقت وجنات البدور زحام
أتجحدني وأنا عقيد نقودها ... وفي سن رمحي للحروب علام ٨١٥
ونحن كأضراس الموافي بنجعكم ... حتى يقاضوا من ديون غرام
متى كان يوم القحط يا مير أبو علي ... يلقى سعايا صائرين قدام
كذلك بو حمو إلى اليسر ابعته ... وخلى الجياد العاليات تسام
وخل رجالا لا يرى الضيم جارهم ... ولا يجمعوا بدهى العدو زفام
ألا يقيموها وعقد بؤسهم ... وهم عذر عنه دائما ودوام
وكم ثار طعنها على البدو سابق ... ما بين صحاصيح وما بين حسام
فتى ثار قطار الصوى يومنا على ... لنا أرض ترك الظاعنين زمام
وكم ذا يجيبوا أثرها من غنيمة ... حليف الثنا قشاع كل غيام
وإن جاء خافوه الملوك ووسعوا ... غدا طبعه يجدي عليه قيام
عليكم سلام الله من لسن فاهم ... ما غنت الورقا وناح حمام
ومن شعر عرب نمر بنواحي حوران لامرأة قتل زوجها فبعثت إلى أحلافه من قيس تغريهم بطلب ثأره تقول:
تقول فتاة الحي أم سلامه ... بعين أراع الله من لا رثى لها
تبيت بطول الليل ما تألف الكرى ... موجعة كان الشقا في مجالها
على ما جرى في دارها وبو عيالها ... بلحظة عين البين غير حالها
فقدنا شهاب الدين يا قيس كلكم ... ونمتوا عن أخذ الثار ماذا مقالها
أنا قلت إذا ورد الكتاب يسرني ... ويبرد من نيران قلبي ذبالها
أيا حين تسريح الذوائب واللحى ... وبيض العذارى ما حميتو جمالها ٨١٦
الموشحات والأزجال للأندلس
وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة. ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات. ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد. وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه. وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني. وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما. فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية. وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهير يقول: كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:
بدر تم. شمس ضحا ... غصن نقا. مسك شم
ما أتم. ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم
لا جرم. من لمحا ... قد عشقا. قد حرم
وزعموا أنه لم يسبقه وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف.
وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن ٨١٧
جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيلية وكان كل واحد منهم اصطنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الأعمى الطليطلي للإنشاد فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان. سافر عن در ... ضاق عنه الزمان. وحواه صدري
صرف ابن بقي موشحته وتبعه الباقون. وذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قط وشاحا على قول إلا ابن بقي حين وقع له:
أما ترى أحمد. في مجده العالي لا يلحق ... أطلعه الغرب. فأرنا مثله يا مشرق
وكان في عصرهما من الموشحين المطبوعين أبو بكر الأبيض. وكان في عصرهما أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة ومن الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته التي أولها:
جرر الذيل أيما جر ... وصل الشكر منك بالشكر
فطرب الممدوح لذلك لما ختمها بقوله:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر
فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح: وا طرباه: وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وختمت وحلف بالأيمان المغلظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب. فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه. وذكر أبو الخطاب بن زهر أنه جرى في مجلس أبي بكر بن زهير ذكر أبي بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر فغص منه بعض الحاضرين فقال كيف تغص ممن يقول: ٨١٨
ما لذ لي شراب راح «على رياض الأقاح ... لولا هضيم الوشاح» إذا أسا في الصباح
أو في الأصيل «أضحى يقول: ... ما للشمول» لطمت خدي؟
وللشمال «هبت فمال ... غصن اعتدال» ضمه بردي
مما أباد القلوبا «يمشي لنا مستريبا ... يا لحظه رد نوبا» ويا لماه الشنيبا
برد غليل «صب عليل ... لا يستحيل» فيه عن عهدي
ولا يزال «في كل حال ... يرجو الوصال» وهو في الصد
واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف. قال الحسن بن دويدة: رأيت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح:
شمس قاربت بدرا ... راح ونديم
وابن بهرودس الذي له:
يا ليلة الوصل والسعود ... بالله عودي
وابن مؤهل الذي له:
ما العيد في حلة وطاق. وشم وطيب. ... وإنما العيد في التلاقي. مع الحبيب.
وأبو إسحاق الرويني قال ابن سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنه دخل على ابن زهير وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس. وجرت المحاضرة فأنشد لنفسه موشحة وقع فيها:
كحل الدجى يجري «من مقلة ... الفجر» على الصباح
ومعصم النهر «في حلل ... خضر» من البطاح ٨١٩
فتحرك ابن زهير وقال أنت تقول هذا؟ قال: اختبر! قال: ومن تكون؟
فعرفه، فقال: ارتفع فو الله ما عرفتك، قال ابن سعيد وسابق الحلبة الذي أدرك هؤلاء أبو بكر بن زهير وقد شرقت موشحاته وغربت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهير لو قيل لك ما أبدع وأرفع ما وقع لك في التوشيح قال كنت أقول:
ما للموله من سكره لا يفيق. يا له سكران. من غير خمر. ما للكئيب المشوق.
يندب الأوطان.
هل تستعاد. أيامنا ... بالخليج. وليالينا
أو نستفاد. من النسيم ... الأريج. مسك دارينا
أو هل يكاد. حسن المكان ... البهيج. أن يحيينا؟
روض أظله. دوح عليه أنيق. مورق الأفنان. والماء يجري. وعائم وغريق.
من جنى الريحان.
واشتهر بعده ابن حيون الذي له من الزجل المشهور قوله:
يفوق سهمه كل حين ... بما شئت من يد وعين
وينشد في القصيد:
خلقت مليح علمت رامي ... فليس تخل ساع من قتال
وتعمل بذي العينين متاعي ... ما تعمل يدي بالنبال
واشتهر معهما يومئذ بغرناطة المهر بن الفرس، قال ابن سعيد، ولما سمع ابن زهر قوله:
لله ما كان من يوم بهيج ... بنهر حمص على تلك المروج
ثم انعطفنا على فم الخليج ... نفض في حانه مسك الختام ٨٢٠
عن عسجد زانه صافي المدام ورداء الأصيل ضمه كف الظلام
قال ابن زهر: أين كنا نحن عن هذا الرداء وكان معه في بلده مطرف. أخبر ابن سعيد عن والده أن مطرفا هذا دخل على ابن الفرس فقام له وأكرمه، فقال:
لا تفعل! فقال ابن الفرس: كيف لا أقوم لمن يقول:
قلوب تصاب بألحاظ تصيب ... فقل كيف تبقى بلا وجد
وبعد هذا ابن حزمون بمرسية. ذكر ابن الرائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه فأنشده موشحة لنفسه فقال له ابن حزمون: لا يكون الموشح بموشح حتى يكون عاريا عن التكلف، قال على مثل ماذا؟ قال على مثل قولي:
يا هاجري هل إلى الوصال ... منك سبيل
أو هل ترى عن هواك سالي ... قلب العليل
وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة. قال ابن سعيد كان والدي يعجب بقوله:
إن سيل الصباح في الشرق ... عاد بحرا في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورق
أتراها خافت من الغرق ... فبكت سحرة على الورق
واشتهر بأشبيلية لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل، قال ابن سعيد عن والده، سمعت سهل ابن مالك يقول له: يا ابن الفضل لك على الوشاحين الفضل بقولك:
وا حسرتا لزمان مضى ... عشية بأن الهوى وانقضى
وأفردت بالرغم لا بالرضى ... وبت على جمرات الغضى
أعانق بالفكر تلك الطلول ... وألثم بالوهم تلك الرسوم ٨٢١
قال وسمعت أبا بكر بن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدباج موشحاته غير ما مرة، فما سمعته يقول له لله درك، إلا في قوله:
قسما بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر
جمد الصبح ليس يطرد ما لليلي فيما أظن غد اصح يا ليل إنك الأبد
أو قفصت قوادم النسر ... فنجوم السماء لا تسري
ومن محاسن موشحات ابن الصابوني قوله:
ما حال صب ذي ضنى واكتئاب ... أمرضه يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتناب ... ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب
جفا جفوني النوم لكنني ... لم أبكه الا لفقد الخيال
وذا الوصال اليوم قد غرني ... منه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللائم من صدني ... بصورة الحق ولا بالمحال
واشتهر ببر أهل العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشحة المشهورة:
الإصباح قدحت زناد ... الأنوار في مجامز الزهر
وابن خرز البجائي وله من موشحة:
ثغر الزمان موافق ... حباك منه بابتسام
ومن محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها فمنها قوله:
هل دري ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صب حله عن مكنس
فهو في نار وخفق مثل ما ... لعبت ريح الصبا بالقبس
وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره وقد مر ذكره فقال: ٨٢٢
جادك الغيث إذا الغيث همي ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر أشتات المنى ... ينقل الخطو على ما يرسم
زمرا بين فرادى وثنا ... مثل ما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلل الروض سنى ... فثغور الزهر فيه تبسم
وروى النعمان عن ماء السما ... كيف يروي مالك عن أنس؟
فكساه الحسن ثوبا معلما ... يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سر الهوى ... بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى ... مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... أنه مر كلمح البصر
حين لذ النوم منا أو كما ... هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما ... أثرت فينا عيون النرجس
أي شيء لامرئ قد خلصا ... فيكون الروض قد مكن فيه
تنهب الأزهار فيه الفرصا ... أمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء يناجي والحصا ... وخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيورا برما ... يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيبا فهما ... يسرق الدمع بأذني فرس
يا أهيل الحي من وادي الغضا ... وبقلبي مسكن أنتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربة ٨٢٣
فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تنقذوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرما ... يتلاشى نفسا في نفس
حبس القلب عليكم كرما ... أفترضون خراب الحبس
وبقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغري به وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنب ... في هواه بين وعد ووعيد
ساحر المقلة معسول اللمى ... جال في النفس مجال النفس
سدد السهم فأصمى إذ رمى ... بفؤادي نبلة المفترس
إن يكن جار وخاب الأمل ... وفؤاد الصب بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أول ... ليس في الحب لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثل ... في ضلوع قد براها وقلوب
حكم اللحظ بها فاحتكما ... لم يراقب في ضعاف الأنفس
ينصف المظلوم ممن ظلما ... ويجازي البر منها والمسي
ما لقلبي كلما هبت صبا ... عاده عيد من الشوق جديد؟
كان في اللوح له مكتتبا ... قوله إن عذابي لشديد
جلب الهم له والوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرما ... فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع من مهجتي إلا الدما ... كبقاء الصبح بعد الغلس ٨٢٤
سلمي يا نفس في حكم القضا ... واعبري الوقت برجعى ومتاب
واتركي ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبى قد تقضت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرضى ... ملهم التوفيق في أم الكتاب
الكريم المنتهى والمنتمي ... أسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثلما ... ينزل الوحي بروح القدس
وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك التي اشتهرت شرقا وغربا وأولها:
حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار
تنظر المسك على كافور ... في جلنار
كللي يا سحب تيجان الربى ... بالحلى واجعلي
سوارها منعطف الجدول
ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا. واستحدثوا فنا سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة.
وأول من أبدع في هذه الطريقة. الزجلية أبو بكر بن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، لكن لم يظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه. وكان لعهد الملثمين، وهو إمام الزجالين على الإطلاق.
قال ابن سعيد: ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب.
قال: وسمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيلي، إمام الزجالين في عصرنا يقول: ٨٢٥
ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء من فيه على صفائح من الحجر متدرجة فقال:
وعريش قد قام على دكان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... من غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسان ... بيه الفراق
وانطلق من ثم على الصفاح ... وألقى الصياح
وكان ابن قزمان، مع أنه قرطبي الدار، كثيرا ما يتردد إلى إشبيلية ونيتاب نهرها، فاتفق أن اجتمع ذات يوم جماعة من أعلام هذا الشأن. وقد ركبوا في النهر للنزهة، ومعهم غلام جميل الصورة من سروات أهل البلد وبيوتهم. وكانوا مجتمعين في زورق للصيد، فنظموا في وصف الحال، وبدأ منهم عيسى البليدي فقال:
يطمع بالخلاص قلبي وقد فاتو ... وقد ضمني عشقو لشهماتو
تراه قد حصل مسكين محلاتو ... يغلق وكذاك أمر عظيم صاباتو
توحش الجفون الكحل إن غابو ... وذيك الجفون الكحل أبلاتو
ثم قال أبو عمرو بن الزاهر الإشبيلي:
نشب والهوى من لج فيه ينشب ... ترى ايش دعاه يشقى ويتعذب
مع العشق قام في بألوان يلعب ... وخلق كثير من ذا اللعب ماتوا
ثم قال أبو الحسن المقري الداني:
نهار مليح يعجبن أوصافو ... شراب وملاح من حولي قد طافوا
والمقلين يقول من فوق صفصافو ... والبوري أخرى فقلاتو ٨٢٦
ثم قال أبو بكر بن مرتين:
الحق تريد حديث بقالي عاد ... في الواد النزيه والبوري والصياد
لسنا حيتان ذيك الذي يصطاد ... قلوب الورى هي في شبيكاتو
ثم قال أبو بكر بن قزمان:
إذا شمر كمامو يرميها ... ترى البوري يرشق لذاك الجيها
وليس مرادو أن يقع فيها ... إلا أن يقبل بدياتو
وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود، وله محاسن من الزجل منها قوله:
قد كنت منشوب واختشيت النشب ... وردني ذا العشق لأمر صعب
حتى تنظر الخد الشريق البهي ... تنتهي في الخمر ألما تنتهي
يا طالب الكيميا في عيني هي ... تنظر بها الفضة وترجع ذهب
وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزل ... وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضض ... وترى الآخر يذهب
والنبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
وتريد تجي إلينا ... ثم تستحي وتهرب
ومن محاسن أزجاله قوله:
لاح الضيا والنجوم حيارى ... فقم بنا ننزع الكسل
شربت ممزوج من قراعا ... أحلى هي عندي من العسل
يا من يلمني كما تقلد ... قلدك الله بما تقول ٨٢٧
يقول بان الذنوب تولد ... وأنه يفسد العقول
لارض الحجاز موريكن لك أرشد ... ايش ما ساقك معي في ذا الفضول
مر أنت للحج والزيارا ... ودعني في الشرب منهمل
من ليس لو قدره ولا استطاع ... النية أبلغ من العمل
وظهر بعد هؤلاء بأشبيلية ابن جحدر الذي فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل الذي أوله هذا:
من عاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا بري ممن يعاند الحق
قال ابن سعيد لقيته ولقيت تلميذه المعمع صاحب الزجل المشهور الذي أوله:
يا ليتني ان رأيت حبيبي ... أفتل اذنو بالرسيلا
ليش أخذ عنق الغزيل ... وسرق فم الحجيلا
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل ابن مالك إمام الأدب، ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:
امزج الأكواس واملالي تجدد ... ما خلق المال إلا أن يبدد
ومن قوله على طريقة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:
بين طلوع وبين نزول ... اختلطت الغزول
ومضى من لم يكن ... وبقي من لم يزول
ومن محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا بني أعظم مصائبي ... وحين حصل لي قربك سببت قاربي ٨٢٨
وكان لعصر الوزير ابن الخطيب بالأندلس محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش، وكان إماما في هذه الطريقة وله من زجل يعارض به مدغليس في قوله:
لاح الضياء والنجوم حيارى بقوله:
حل المجون يا أهل الشطارا ... مذحلت الشمس في الحمل
تجددوا كل يوم خلاعا ... لا تجعلوا بينها ثمل
إليها يتخلعوا في شنبل ... على خضورة ذاك النبات
وحل بغداد واجتياز النيل ... أحسن عندي من ذيك الجهات
وطاقتها أصلح من أربعين ميل ... ان مرت الريح عليه وجات
لم تلتق الغبار امارا ... ولا بمقدار ما يكتحل
وكيف ولاش فيه موضع رقاعا ... إلا ونسرح فيه النحل
وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر، وفيها نظمهم حتى أنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر، لكن بلغتهم العامية ويسمونه الشعر الزجلي مثل قول شاعرهم:
دهر لي نعشق جفونك وسنين ... وأنت لا شفقة ولا قلب يلين
حتى ترى قلبي من أجلك كيف رجع ... صنعة السكة بين الحدادين
الدموع ترشرش والنار تلتهب ... والمطارق من شمال ومن يمين
خلق الله النصارى للغزو ... وأنت تغزو قلوب العاشقين
وكان من المجيدين لهذه الطريقة لأول هذه المائة الأديب أبو عبد الله اللوشي وله فيها قصيدة يمدح فيها السلطان ابن الأحمر:
طل الصباح قم يا نديمي نشربو ... ونضحكو من بعد ما نطربو
سبيكة الفجر أحكت شفق ... في ميلق الليل فقم قلبو ٨٢٩
ترى عيارها خالص أبيض نقي ... فضة هو لكن الشفق ذهبو
فتنتفق سكتوا عند البشر ... نور الجفون من نورها يكسبو
فهو النهار يا صاحبي للمعاش ... عيش الغني فيه بالله ما أطيبوا
والليل أيضا للقبل والعناق ... على سرير الوصل يتقلبو
جاد الزمان من بعد ما كان بخيل ... ولش ليفلت من يديه عقربو
كما جرع مرو فما قد مضى ... يشرب بيننو ويأكل طيبو
قال الرقيب يا أدبا أيش ذا ... في الشرب والعشق ترى ننجبو
وتعجبوا عذالي من ذا الخبر ... فقلت يا قوم من ذا تتعجبوا
نعشق مليح الا رقيق الطباع ... علاش تكفروا بالله أو تكتبوا
ليش يربح الحسن إلا شاعر أديب ... يفض بكرا ويدع ثيبو
أما الكاس فحرام نعم هو حرام ... على الذي ما يدري كيف يشربو
ويد الذي يحسن حسابه ولم ... يقدر يحسن ألفاظ أن يجلبوا
وأهل العقل والفكر والمجون ... يغفر ذنوبهم لهذا إن أذنبوا
ظبي بهي فيها يطفي الجمر ... وقلبي في جمر الغضى يلهبو
غزال بهي ينظر قلوب الأسود ... وبالوهم قبل النظر يذهبوا
ثم يحييهم إذا ابتسم يضحكوا ... ويفرحوا من بعد ما يندبوا
فميم كالخاتم وثغر نقي ... خطيب الأمة للقبل يخطبو
جوهر ومرجان أي عقد يا فلان ... قد صففه الناظم ولم يثقبو
وشارب أخضر يريد لاش يريد ... من شبهه بالمسك قد عيبو
يسبل دلال مثل جناح الغراب ... ليالي هجري منه يستغربوا
على بدن أبيض بلون الحليب ... ما قط راعي للغنم يحلبوا
وزوج هندات ما علمت قبلها ... ديك الصلا يا ريت ما أصلبوا
تحت العكاكن منها خصر رقيق ... من رقتو يخفي إذا تطلبوا ٨٣٠
أرق هو من ديني فيما تقول جديد عتبك حق ما أكذبوا أي دين بقا لي معاك وأي عقل من يتبعك من ذا وذا تسلبوا تحمل ارداف ثقال كالرقيب حين ينظر العاشق وحين يرقبو ان لم ينفس غدر أو ينقشع في طرف ديسا والبشر تطلبوا يصير إليك المكان حين تجي وحين تغيب ترجع في عيني تبو محاسنك مثل خصال الأمير أو الرمل من هو الذي يحسبو عماد الأمصار وفصيح العرب من فصاحة لفظه يتقربو بحمل العلم انفرد والعمل ومع بديع الشعر ما أكتبوا ففي الصدور بالرمح ما أطعنه وفي الرقاب بالسيف ما أضربوا من السماء يحسد في أربع صفات فمن يعد قلبي أو يحسبو الشمس نورو والقمر همتو الغيث جودو والنجوم منصبو يركب جواد الجود ويطلق عنان الاغنيا والجند حين يركبوا من خلعتو يلبس كل يوم بطيب منه بنات المعالي تطيبوا نعمتو تظهر على كل من يجيه قاصد ووارد قط ما خيبوا قد أظهر الحق وكان في حجاب لاش يقدر الباطل بعد ما يحجبو وقد بنى بالسر ركن التقى من بعد ما كان الزمان خربو تخاف حين تلقاه كما ترتجيه فمع سماحة وجهو ما أسيبو يلقى الحروب ضاحكا وهي عابسة غلاب هو لا شيء في الدنيا يغلبو إذا جبد سيفه ما بين الردود فليس شيء يغني من يضربو وهو سمي المصطفى والإله للسلطنة اختار واستنخبو تراه خليفة أمير المؤمنين يقود جيوشو ويزين موكبو لذي الإمارة تخضع الرءوس نعم وفي تقبيل يديه يرغبوا ببيته بقي بدور الزمان يطلعوا في المجد ولا يغربوا ٨٣١
وفي المعالي والشرف يبعدوا وفي التواضع والحيا يقربوا والله يبقيهم ما دار الفلك وأشرقت شمسه ولاح كوكبو وما يغني ذا القصيد في عروض يا شمس خدر ما لها مغربو
ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر، في أعاريض مزدوجة كالموشح، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا وسموه عروض البلد، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلا قليلا مطلعها:
أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام ... على الغصن في البستان قريب الصباح
وكف السحر يمحو مداد الظلام ... وماء الندى يجري بثغر الاقاح
باكرت الرياض والطل فيها افتراق ... كثير الجواهر في نحور الجوار
ودمع النواعير ينهرق انهراق ... يحاكي ثعابين حلقت بالثمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساق ... ودار الجميع بالروض دور السوار
وأيدي الندى تخرق جيوب الكمام ... ويحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الصبا يطلى بمسك الغمام ... وجر النسيم ذيلو عليها وفاح
رأيت الحمام بين الورق في القضيب ... قد ابتلت ارياشو بقطر الندى
تنوح مثل ذاك المستهام الغريب ... قد التف من توبو الجديد في ردا
ولكن بما أحمر وساقو خضيب ... ينظم سلوك جوهر ويتقلدا
جلس بين الأغصان جلسة المستهام ... جناحا توسد والتوى في جناح
وصار يشتكي ما في الفؤاد من غرام ... منها ضم منقاره لصدره وصاح
قلت يا حمام أحرمت عيني الهجوع ... أراك ما تزال تبكي بدمع سفوح
قال لي بكيت حتى صفت لي الدموع ... بلا دمع نبقي طول حياتي ننوح
على فرخ طار لي لم يكن لو رجوع ... ألفت البكا والحزن من عهد نوح
كذا هو ألوفا وكذا هو الزمام ... انظر جفون صارت بحال الجراح ٨٣٢
وأنتم من بكى منكم إذا تم عام ... يقول عناني ذا البكا والنواح
قلت يا حمام لو خضت بحر الضنى ... كنت تبكي وترثي لي بدمع هتون
ولو كان بقلبك ما بقلبي أنا ... ما كان يصير تحتك فروع الغصون
اليوم نقاسي الهجر كم من سنا ... حتى لا سبيل جمله تراني العيون
ومما كسا جسمي النحول والسقام ... أخفاني نحولي عن عيون اللواح
لو جتنى المنايا كان يموت في المقام ... ومن مات بعد يا قوم لقد استراح
قال لي لو رقدت لا وراق الرياض ... من خوفي عليه ودا النفوس للفؤاد
وتخضبت من دمعي وذاك البياض ... طوق العهد في عنقي ليوم التناد
أما طرف منقاري حديثو استفاض ... بأطراف البلد والجسم صار في الرماد
فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته، وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل. واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها. فمن المزدوج ما قاله ابن شجاع من فصولهم وهو من أهل تازا:
المال زينة الدنيا وعز النفوس ... يبهي وجوها ليس هي باهيا
فها كل من هو كثير الفلوس ... ولوه الكلام والرتبة العاليا
يكبر من كثر ما لو ولو كان صغير ... ويصغر عزيز القوم إذ يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا تغير ... وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من هو في قومو كبير ... لمن لا أصل عند وو لا لو خطر
لذا ينبغي يحزن على ذي العكوس ... ويصبغ عليه ثوب فراش صافيا
اللي صارت الاذناب أمام الرءوس ... وصار يستفيد الواد من الساقيا
ضعف الناس على ذا وفسد ذا الزمان ... ما يدروا على من يكثروا ذا العتاب
اللي صار فلان يصبح بو فلان ... ولو رأيت كيف يرد الجواب ٨٣٣
عشنا والسلام حتى رأينا عيان ... أنفاس السلاطين في جلود الكلاب
كبار النفوس جدا ضعاف الاسوس ... هم ناحيا والمجد في ناحيا
يرو أنهم والناس يروهم تيوس ... وجوه البلد والعمدة الراسيا
ومن مذاهبهم قول ابن شجاع منهم في بعض مزدوجاته:
تعب من تبع ذا الزمان ... أهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك
ما منهم مليح عاهد الا وخان ... قليل من عليه تحبس ويحبس عليك
يهبوا على العشاق ويتمنعوا ... ويستعمدوا تقطيع قلوب الرجال
وان واصلوا من حينهم يقطعوا ... وان عاهدوا خانوا على كل حال
مليح كان هويتو وشت قلبي معو ... وصيرت من خدي لقدمو نعال
ومهدت لو من وسط قلبي مكان ... وقلت لقلبي أكرم لمن حل فيك
وهون عليك ما يعتريك من هوان ... فلا بد من هول الهوى يعتريك
حكمتوا علي وارتضيت بو أمير ... فلو كان يرى حالي إذا يبصرو
يرجع مثل در حولي بوجه الغدير ... مرديه ويتعطس بحال انحرو
وتعلمت من ساعا بسبق الضمير ... ويفهم مرادو قبل أن يذكرو
ويحتل في مطلو لو أن كان ... عصر في الربيع أو في الليالي يريك
ويمشي بسوق كان ولو بأصبهان ... وايش ما يقل يحتاج لو يجيك
حتى أتى على آخرها.
وكان منهم علي بن المؤذن بتلمسان، وكان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف، أبدع في مذاهب هذا الفن. ومن أحسن ما علق له بمحفوظي قوله في رحلة السلطان أبي الحسن وبني مرين إلى إفريقية يصف هزيمتهم بالقيروان، ويعزيهم عنها ويؤنسهم بما وقع لغيرهم بعد أن عيبهم على غزاتهم إلى إفريقية في ملعبة من فنون هذه الطريقة ٨٣٤
يقول في مفتحها، وهو من أبدع مذاهب البلاغة في الأشعار بالمقصد في مطلع الكلام وافتتاحه ويسمى براعة الاستهلال:
سبحان مالك خواطر الأمرا ... ونواصيها في كل حين وزمان
ان طعناه أعظم لنا نصرا ... وان عصيناه عاقب بكل هوان
إلى أن يقول في السؤال عن جيوش المغرب بعد التخلص:
كن مرعى قل ولا تكن راعي ... فالراعي عن رعيته مسئول
واستفتح بالصلاة على الداعي ... للإسلام والرضا السني المكمول
على الخلفاء الراشدين والاتباع ... واذكر بعدهم إذا تحب وقول
أحجاجا تخللوا الصحرا ... ودوا سرح البلاد مع السكان
عسكر فاس المنيرة الغرا ... وين سارت بو عزايم السلطان
أحجاج بالنبي الذي زرتم ... وقطعتم لو كلاكل البيدا
عن جيش الغرب حين يسألكم ... المتلوف في افريقيا السودا
ومن كان بالعطايا يزودكم ... ويدع برية الحجاز رغدا
قام قل للسد صادف الجزرا ... ويعجز شوط بعد ما يخفان
ويزف كر دوم تهب في الغبرا ... أي ما زاد غزالهم سبحان
لو كان ما بين تونس الغربا ... وبلاد الغرب سد السكندر
مبنى من شرقها إلى غربا ... طبقا بحديد أو ثانيا بصفر
لا بد الطير أن تجيب نبا ... أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر
ما أعوصها من أمور وما شرا ... لو تقرأ كل يوم على الديوان
لجرت بالدم وانصدع حجرا ... وهوت الخراب وخافت الغزلان
أدر لي بعقلك الفحاص ... وتفكر لي بخاطرك جمعا
ان كان تعلم حمام ولا رقاص ... عن السلطان شهر وقبله سبعا
تظهر عند المهيمن القصاص ... وعلامات تنشر على الصمعا ٨٣٥
الا قوم عاريين فلا سترا ... مجهولين لا مكان ولا إمكان
ما يدروا كيف يصوروا كسرا ... وكيف دخلوا مدينة القيروان
أمولاي أبو الحسن خطينا الباب ... قضية سيرنا إلى تونس
فقنا كنا على الجريد والزاب ... واش لك في أعراب افريقيا القوبس
ما بلغك من عمر فتى الخطاب ... الفاروق فاتح القرى المولس
ملك الشام والحجاز وتاج كسرى ... وفتح من افريقيا وكان
رد ولدت لو كره ذكرى ... ونقل فيها تفرق الاخوان
هذا الفاروق مردي الأعوان ... صرح في افريقيا بذا التصريح
وبقت حمى إلى زمن عثمان ... وفتحها ابن الزبير عن تصحيح
لمن دخلت غنائمها الديوان ... مات عثمان وانقلب علينا الريح
وافترق الناس على ثلاثة أمرا ... وبقي ما هو للسكوت عنوان
إذا كان ذا في مدة البرارا ... اش نعمل في أواخر الأزمان
وأصحاب الحضر في مكناساتا ... وفي تاريخ كأنا وكيوانا
تذكر في صحتها أبياتا ... شق وسطيح وابن مرانا
ان مرين إذا تكف براياتا ... لجدا وتونس قد سقط بنيانا
قد ذكرنا ما قال سيد الوزرا ... عيسى بن الحسن الرفيع الشان
قال لي رأيت وأنا بذا أدري ... لكن إذا جاء القدر عميت الأعيان
ويقول لك ما دهى المرينيا ... من حضرة فاس إلى عرب دياب
أراد المولى بموت ابن يحيى ... سلطان تونس وصاحب الأبواب
ثم أخذ في ترحيل السلطان وجيوشه، إلى آخر رحلته ومنتهى أمره، مع أعراب إفريقية، وأتى فيها بكل غريبة من الإبداع. وأما أهل تونس فاستحدثوا فن الملعبة أيضا على لغتهم الحضرية، إلا أن أكثره رديء ولم يعلق بمحفوظي منه شيء لرداءته ٨٣٦
الموشحات والأزجال في المشرق
وكان لعامة بغداد أيضا فن من الشعر يسمونه المواليا، وتحته فنون كثيرة يسمون منها القوما، وكان وكان، ومنه مفرد ومنه في بيتين، ويسمونه دو بيت على الاختلاف المعتبرة عندهم في كل واحد منها، وغالبها مزدوجة من أربعة أغصان. وتبعهم في ذلك أهل مصر القاهرة وأتوا فيها بالغرائب، وتبحروا فيها في أساليب البلاغة بمقتضى لغتهم الحضرية، فجاءوا بالعجائب، ورأيت في ديوان الصفي الحلي من كلامه «أن المواليا من بحر البسيط، وهو ذو أربعة أغصان وأربع قواف، ويسمى صوتا وبيتين. وأنه من مخترعات أهل واسط، وأن كان وكان فهو قافية واحدة وأوزان مختلفة في أشطاره: الشطر الأول من البيت أطول من الشطر الثاني ولا تكون قافيته إلا مردفة بحرف العلة وأنه من مخترعات البغداديين. وأنشد فيه لنا:
بغمز الحواجب حديث تفسير ومنو أوبو، وأم الأخرس تعرف بلغة الخرسان» . انتهى كلام الصفي. ومن أعجب ما علق بحفظي منه قول شاعرهم:
هذي جراحي طريا ... والدما تنضح
وقاتلي يا أخيا ... في الفلا يمرح
قالوا ونأخذ بثأرك ... قلت ذا أقبح
إلى جرحتي يداويني ... يكون أصلح
ولغيره:
طرقت باب الخبا قالت من الطارق ... فقلت مفتون لا ناهب ولا سارق
تبسمت لاح لي من ثغرها بارق ... رجعت حيران في بحر أدمعي غارق
ولغيره: ٨٣٧
عهدي بها وهي لا تأمن علي البين ... وان شكوت الهوى قالت فدتك العين
لمن يعاين لها غيري غلام الزين ... ذكرتها العهد قالت لك على دين
ولغيره في وصف الحشيش:
دي خمر صرف التي عهدي بها باقي ... تغني عن الخمر والخمار والساقي
قحبا ومن قحبها تعمل على احراقي ... خبيتها في الحشى طلت من احداقي
ولغيره:
يا من وصالو لأطفال المحبة بح ... كم توجع القلب بالهجران أوه أح
أودعت قلبي حوحو والتصبر بح ... كل الورى كخ في عيني وشخصك دح
ولغيره:
ناديتها ومسيبي قد طواني طي ... جودي علي بقبلة في الهوى يا مي
قالت وقد كوت داخل فؤادي كي ... ما ظن ذا القطن يغشى فم من هو حي
ولغيره:
رآني ابتسم سبقت سحب أدمعي برقه ... ماط اللثام تبدي بدر في شرقه
اسبل دجى الشعرتاه القلب في طرقه ... رجع هدانا بخيط الصبح من فرقه
ولغيره:
يا حادي العيس ازجر بالمطايا زجر ... وقف على منزل أحبابي قبيل الفجر
وصيح في حيهم يا من يريد الأجر ... ينهض يصلي على ميت قتيل الهجر
ولغيره:
عيني التي كنت ارعاكم بها باتت ... ترعى النجوم وبالتسهيد اقتاتت
وأسهم البين صابتني ولا فاتت ... وسلوتي عظم الله أجركم ماتت ٨٣٨
ولغيره:
هويت في قنطرتكم يا ملاح الحكر ... غزال يبلى الأسود الضاريا بالفكر
غصن إذا ما انثنى يسبي البنات البكر ... وان تهلل فما للبدر عند وذكر
ومن الذي يسمونه دو بيت:
قد أقسم من أحبه بالباري ... أن يبعث طيفه مع الأسحار
يا نار أشواقي به فاتقدي ... ليلا فعساه يهتدي بالنار
واعلم أن الأذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية. فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الأندلس والمغرب. لأن اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم. وكل واحد منهم مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشعر من أهل جلدته وفي خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات للعالمين وقد كدنا نخرج عن الغرض. ٨٣٩
وجاء مصليا خلفه منهم ابن رافع، رأس شعراء المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة. قالوا وقد أحسن في ابتدائه في موشحته التي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنم بأبدع تلحين ... وسقت المذانب رياض البساتين
وفي انتهائه حيث يقول:
تخطر ولا تسلم عساك المأمون ... مروع الكتائب يحيى بن ذي النون
ثم جاءت الحلبة التي كانت في دولة الملثمين، فظهرت لهم البدائع، وسابق فرسان حلبتهم الأعمى الطليطلي ، ثم يحيى بن بقي، وللطليطلي من الموشوحات المهذبة قوله:
كيف السبيل إلى ... صبري وفي العالم أشجان
والركب وسط الفلا ... بالخرد النواعم قد بان
خاتمة
ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية له.
ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل. والله يعلم وأنتم لا تعلمون 2: 216.
قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه: أتممت هذا الجزء الأول المشتمل على المقدمة بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة. ثم نقحته بعد ذلك وهذبته وألحقت به تواريخ الأمم كما ذكرت في أوله وشرطته. وما العلم الا من عند الله العزيز الحكيم. ٨٤٠
المجلد الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم