al-'Ibar · Vol. 02
العِبَر · الجزء ٢ — إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام

أخبارُ العرب من «كتاب العِبَر» — الجزء ٢. فيه: إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام ونسبه الى، وملوك التبابعة من حمير وأوليتهم باليمن، وملك الحبشة اليمن، وغزو الحبشة الكعبة.

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد

وفيه ذكر معاصريهم من الأمم المشاهير، مثل السريانيين والنبط والكلدانيين والفرس والقبط وبني إسرائيل وبني يونان والروم، والإمام بأخبار دولهم. ويتقدم الكلام في ذلك مقدمتان:

إحداهما في أمم العالم وأنسابهم على الجملة.

الثانية في كيفية أوضاع الأنساب في هذا الكتاب.

المقدمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في أنسابهم

اعلم أن الله سبحانه وتعالى اعتمر هذا العالم بخلقه وكرم بني آدم باستخلافهم في أرضه، وبثهم في نواحيها لتمام حكمته، وخالف بين أممهم وأجيالهم إظهارا لآياته، فيتعارفون الأنساب، ويختلفون باللغات والألوان، ويتمايزون بالسير والمذاهب والأخلاق، ويفترقون بالنحل والأديان والأقاليم والجهات. فمنهم العرب والفرس والروم وبنو إسرائيل والبربر، ومنهم الصقالبة والحبش والزنج، ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب. ومنهم المسلمون والنصارى ٢/٣

واليهود والصابئة والمجوس، ومنهم أهل الوبر وهم أصحاب الخيام والحلل وأهل المدر وهم أصحاب المجاشر والقرى والأطم، ومنهم البدو الظواهر والحضر الأهلون. ومنهم العرب أهل البيان والفصاحة والعجم وأهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والإغريقية واللطينية والبربرية. خالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار أرضه بما يتوزعونه من وظائف الرزق وحاجات المعاش بحسب خصوصياتهم ونحلهم فتظهر آثار القدرة وعجائب الصنعة وآيات الوحدانية إن في ذلك لآيات للعالمين.

واعلم أن الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيرا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الأمة الواحدة إذا اتصلت مع الأيام وتشعبت بطونها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب.

اختلفت الأنساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوي استظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الأحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان وما يرجع الى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التي تكون فيهم منتقلة متعاقبة في بنيهم.

وسئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه الى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك وقال من يخبره به؟ وعلى هذا درج كثير من علماء السلف وكره أيضا أن يرفع في أنساب الأنبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان وقال من يخبره به. وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى: «والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله 14: 9» قال: كذب النسابون. واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم الى عدنان قال من هاهنا كذب النسابون. واحتجوا أيضا بما ثبت فيه أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات.

وذهب كثير من أئمة المحدثين والفقهاء مثل ابن إسحاق والطبري والبخاري الى جواز الرفع في الأنساب ولم يكرهوه، محتجين بعمل السلف فقد كان أبو بكر رضي الله عنه أنسب قريش لقريش ومضر بل ولسائر العرب وكذا ابن عباس وجبير بن مطعم وعقيل بن أبي طالب وكان من بعدهم ابن شهاب والزهري وابن سيرين وكثير من ٢/٤

التابعين. قالوا وتدعو الحاجة اليه في كثير من المسائل الشرعية مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح والعاقلة في الديات والعلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه القرشي الهاشمي الذي كان بمكة وهاجر الى المدينة فان هذا من فروض الايمان ولا يعذر الجاهل به. وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها. وكذا من يفرق في الحرية والاسترقاق بين العرب والعجم. فهذا كله يدعو الى معرفة الأنساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه فلا ينبغي أن يكون ممنوعا.

وأما حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الى عدنان قال من هاهنا كذب النسابون يعني من عدنان. فقد أنكر السهيلي روايته من طريق ابن عباس مرفوعا وقال الأصح انه موقوف على ابن مسعود. وخرج السهيلي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن البري بن أعراق الثري. قال وفسرت أم سلمة زيدا بأنه الهميسع والبري بأنه نبت أو نابت واعراق الثري بأنه إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم وإبراهيم لم تأكله النار كما لا تأكل الثرى. ورد السهيلي تفسير أم سلمة وهو الصحيح، وقال إنما معناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم كلكم بنو آدم وآدم من تراب لا يريد أن الهميسع ومن دونه ابن لإسماعيل لصلبه وعضد ذلك باتفاق الأخبار على بعد المدة بين عدنان وإسماعيل التي تستحيل في العادة أن يكون فيها بينهما أربعة آباء أو سبعة أو عشرة أو عشرون لأن المدة أطول من هذا كله كما نذكره في نسب عدنان فلم يبق في الحديث متمسك لأحد من الفريقين. وأما ما رووه من أن النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر فقد ضعف الأئمة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل الجرجاني وأبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البر. وألحق في الباب أن كل واحد من المذهبين ليس على إطلاقه فان الأنساب القريبة التي يمكن التوصل إلى معرفتها لا يضر الاشتغال بها لدعوى الحاجة اليها في الأمور الشرعية من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الايمان بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم، ونسب الخلافة والتفرقة بين العرب والعجم في الحرية والاسترقاق عند من يشترط ذلك كما مر كله وفي الأمور العادية أيضا تثبت به اللحمة الطبيعية التي تكون بها المدافعة والمطالبة. ومنفعة ذلك في اقامة الملك والدين ظاهرة. وقد كان صلى ٢/٥

الله عليه وسلم وأصحابه ينسبون الى مضر ويتساءلون عن ذلك. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. وهذا كله ظاهر في النسب القريب، وأما الأنساب البعيدة العسرة المدرك التي لا يوقف عليها إلا بالشواهد والمقارنات لبعد الزمان وطول الأحقاب أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الأجيال فهذا قد ينبغي أن يكون له وجه في الكراهة كما ذهب اليه من ذهب من أهل العلم مثل مالك وغيره لأنه شغل الإنسان بما لا يعنيه. وهذا وجه قوله صلى الله عليه وسلم فيما بعد عدنان من هاهنا كذب النسابون لأنها أحقاب متطاولة ومعالم دارسة لا تثلج الصدور باليقين في شيء منها مع أن علمها لا ينفع وجهلها لا يضر كما نقل والله الهادي الى الصواب.

ولنأخذ الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة ونترك تفصيل كل واحد منها الى مكانه فنقول: إن النسابين كلهم اتفقوا على أن الأب الأول للخليقة هو آدم عليه السلام كما وقع في التنزيل إلا ما يذكره ضعفاء الأخباريين من أن الجن والطم أمتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم، وهو ضعيف متروك وليس لدينا من أخبار آدم وذريته إلا ما وقع في المصحف الكريم وهو معروف بين الأئمة. واتفقوا على أن الأرض عمرت بنسله أحقابا وأجيالا بعد أجيال إلى عصر نوح عليه السلام وأنه كان فيهم أنبياء مثل شيث وإدريس وملوك في تلك الأجيال معدودون وطوائف مشهورون بالنحل مثل الكلدانيين ومعناه الموحدون، ومثل السريانيين وهم المشركون. وزعموا أن أمم الصابئة منهم وأنهم من ولد صابئ بن لمك بن أخنوخ، وكان نحلتهم في الكواكب والقيام لها كلها واستنزال روحانيتها وأن من حزبهم الكلدانيين أي الموحدين. وقد ألف أبو إسحاق الصابي الكاتب مقالة في أنسابهم ونحلتهم. وذكر أخبارهم أيضا داهر مؤرخ السريانيين والبابا الصابي الحراني وذكروا استيلاءهم على العالم وجملا من نواميسهم. وقد اندرسوا وانقطع أثرهم. وقد يقال أن السريانيين من أهل تلك الأجيال، وكذلك النمروذ والازدهاق وهو المسمى بالضحاك من ملوك الفرس وليس ذلك بصحيح عند المحققين.

واتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع بما كان من خراب المعمور ومهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار ٢/٦

أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أبا ثانيا للخليقة وهو نوح بن لامك ويقال لمك بن متوشلخ بفتح اللام وسكونها ابن خنوخ، ويقال أخنوخ، ويقال أشنخ، ويقال أخنخ وهو إدريس النبي فيما قاله ابن إسحاق ابن بيرد ويقال بيرد بن مهلائيل ويقال ماهلايل بن قاين ويقال قينن بن أنوش ويقال يانش بن شيث بن آدم، ومعنى شيث عطية الله هكذا نسبه ابن إسحاق وغيره من الأئمة وكذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بين الأئمة. ونقل ابن إسحاق أن خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو إدريس النبي صلوات الله عليه وهو خلاف ما عليه الأكثر من النسابين فإن إدريس عندهم ليس بجد لنوح ولا في عمود نسبه وقد زعم الحكماء الأقدمون أيضا أن إدريس هو هرمس المشهور بالإمامة في الحكمة عندهم. وكذلك يقال: أن الصابئة من ولد صابئ بن لامك وهو أخو نوح عليه السلام. وقيل أن صابئ متوشلخ جده.

واعلم أن الخلاف الذي في ضبط هذه الأسماء إنما عرض في مخارج الحروف فإن هذه الأسماء إنما أخذها العرب من أهل التوراة ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب، فإذا وقع الحرف متواسطا بين حرفين من لغة العرب، فترده العرب تارة الى هذا وتارة الى هذا. وكذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم، فمن هاهنا اختلف الضبط في هذه الأسماء.

واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط.

واعلم أن آدم هو كيومرث وهو نهاية نسبهم فيما يزعمون، وأن أفريدون الملك في آبائهم هو نوح، وأنه بعث لازدهاق وهو الضحاك فلبسه الملك وقبله كما يذكر بعد في أخبارهم. وقد تترجح صحة هذه الأنساب من التوراة وكذلك قصص الأنبياء الأقدمين إذ أخذت عن مسلمي يهودا ومن نسخ صحيحة من التوراة يغلب على الظن صحتها وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام وإسرائيل وشعوب الأسباط ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه. والنسب والقصص أمر لا يدخله النسخ فلم يبق إلا تحري النسخ الصحيحة والنقل المعتبر. وأما ما يقال من أن علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم. فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه: ان ذلك بعيد، وقال معاذ الله ان تعمد أمة الأمم الى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه، وقال وإنما بدلوه ٢/٧

وحرفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى: «وعندهم التوراة فيها حكم الله 5: 43» ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فإنما المعني به التأويل اللهم إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط. وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق واستوى الضابط منهم وغير الضابط، والعالم والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك الى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير متعمد من علمائهم وأحبارهم. ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذ تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه.

ثم اتفق النسابون ونقلت المفسرين على أن ولد نوح الذين تفرعت الأمم منهم ثلاثة:

سام وحام ويافث وقد وقع ذكرهم في التوراة، وأن يافث أكبرهم وحام الأصغر وسام الأوسط، وخرج الطبري في الباب أحاديث مرفوعة بمثل ذلك وأن سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش والزنج وفي بعضها السودان. وفي بعضها سام أبو العرب وفارس والروم، ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وحام أبو القبط والسودان والبربر، ومثله عن ابن المسيب ووهب بن منبه. وهذه الأحاديث وإن صحت فإنما الأنساب فيها مجملة ولا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريع أنساب الأمم من هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وكذلك نقل الطبري إنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الذي هلك في الطوفان، قال وتسميه العرب يام، وآخر مات قبل الطوفان اسمه عابر. وقال هشام كان له ولد اسمه بوناطر والعقب إنما هو من الثلاثة على ما أجمع عليه الناس وصحت به الأخبار، فأما سام فمن ولده العرب على اختلافهم وإبراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين.

والخلاف بينهم إنما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب الى سام.

فالذي نقله ابن إسحاق: أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم: أرفخشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم. وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة وأن بني أشوذ هم أهل الموصل، وبني غليم أهل خوزستان ومنها الأهواز. ولم يذكر في التوراة ولد لاوذ. وقال ابن إسحاق: وكان للاوذ أربعة من الولد: وهم طسم وعمليق وجرجان وفارس قال: ومن العماليق أمة جاسم فمنهم بنو لف وبنو هزان وبنو مطر ٢/٨

وبنو الأزرق ومنهم بديل وراحل وظفار، ومنهم الكنعانيون وبرابرة الشام وفراعنة مصر. وعن غير ابن إسحاق أن عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ. قال ابن إسحاق: وكانت طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية.

قال وولد إرم: عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت. ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشام والحجاز.

وقال هشام بن الكلبي: عبيل بن عوص أخو عاد. وقال ابن حزم عن قدماء النسابين: ان لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر. قال: فعلى هذا يكون جديس وثمود أخوين، وطسم وعملاق أخوين أبناء عم لحام وكلهم بنو عم عاد.

قال: ويذكرون أن عبد بن ضخم بن إرم وأن أميم بن لاوذ بن إرم. قال الطبري: وفهم الله لسان العربية عادا وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة. وربما يقال: إن من العرب العاربة يقطن أيضا، ويسمون أيضا العرب البائدة ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد. قال: وكان يقال عاد إرم فلما هلكوا قيل ثمود إرم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد إرم أرمان وهو النبط. وقال هشام بن محمد الكلبي: إن النبط بنو نبيط بن ماش بن إرم والسريان بنو سريان بن نبط.

وذكر أيضا أن فارس من ولد أشوذ بن سام وقال فيه فارس بن طبراش بن أشوذ، وقيل أنهم من أميم بن لاوذ وقيل ابن غليم وفي التوراة: ذكر ملك الأهواز واسمه كردلا عمرو من بني غليم والأهواز متصلة ببلاد فارس. فلعل هذا القائل ظن أن أهل أهواز هم فارس والصحيح أنهم من ولد يافث كما يذكر. وقال أيضا إن البربر من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم بنو تميلة من مأرب بن قاران بن عمر بن عمليق والصحيح أنهم من كنعان بن حام كما يذكر. وذكر في التوراة ولد إرم أربعة عوص وكاثر وماش ويقال مشح والرابع حول. ولم يقع عند بني إسرائيل في تفسير هذا شيء إلا أن الجرامقة من ولد كاثر. وقد قيل إن الكرد والديلم من العرب. وهو قول مرغوب عنه.

وقال ابن سعيد كان لأشوذ أربعة من الولد إيران ونبيط وجرموق وباسل فمن إيران الفرس والكرد والخزر، ومن نبيط النبط والسريان، ومن جرموق الجرامقة وأهل الموصل، ومن باسل الديلم وأهل الجبل. قال الطبري: ومن ولد أرفخشذ العبرانيون ٢/٩

وبنو عابر بن شالخ بن أرفخشذ وهكذا نسبه في التوراة. وفي غيره أن شالخ بن قينن بن أرفخشذ وإنما لم يذكر قينن في التوراة لأنه كان ساحرا وادعى الألوهية.

وعند بعضهم أن النمروذ من ولد ارفخشذ وهو ضعيف وفي التوراة أن عابر ولد اثنين من الولد هما فالغ ويقطن، وعند المحققين من النسابة أن يقطن هو قحطان عربته العرب هكذا. ومن فالغ إبراهيم عليه السلام وشعوبه ويأتي ذكرهم. ومن يقطن شعوب كثيرة ففي التوراة ذكر ثلاثة من الولد له وهم: المرذاذ ومعربه ومضاض وهم جرهم وإرم وهم حضور وسالف وهم أهل السلفات وسبا وهم أهل اليمن من حمير والتبابعة وكهلان وهدرماوت وهم حضرموت. وهؤلاء خمسة، وثمانية أخرى ننقل أسماءهم وهي عبرانية ولم نقف على تفسير شيء منها ولا يعلم من أي البطون هم، وهم: بباراح وأوزال ودفلا وعوثال وأفيمايل وأيوفير وحويلا ويوفاف، وعند النسابين أن جرهم من ولد يقطن فلا أدري من أيهم، وقال هشام بن الكلبي: إن الهند والسند من نوفير بن يقطن والله أعلم.

وأما يافث فمن ولده الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج باتفاق من النسابين. وفي آخرين خلاف كما يذكر. وكان له من الولد على ما وقع في التوراة سبعة. وهم كومر وياوان وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدهم ابن إسحاق هكذا وحذف ماذاي ولم يذكر كومر وتوغرما وأشبان وريغاث هكذا في نص التوراة. ووقع في الإسرائيليات أن توغرما هم الخزر، وأن أشبان هم الصقالبة، وأن ريغاث هم الإفرنج ويقال لهم برنسوس، والخزر هم التركمان وشعوب الترك كلهم من بني كومر ولم يذكروا من أي الثلاثة هم. والظاهر أنهم من توغرما ونسبهم ابن سعيد الى الترك ابن عامور بن سويل بن يافث، والظاهر أنه غلط وأن عامور هو كومر صحف عليه.

وهم أجناس كثيرة منهم الطغرغر وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طغماج والخزلقية والغز الذين كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين كان منهم الخلج، ويقال للهياطلة الصغد أيضا. ومن أجناس الترك الغور والخزر والقفجاق، ويقال الخفشاخ، ومنهم يمك والعلان، ويقال الأز، ومنهم الشركس وأزكش. ومن ماغوغ عند الإسرائيليين يأجوج ومأجوج، وقال ابن إسحاق: إنهم من كومر ومن ماذاي الديلم ويسمون في اللسان العبراني ماهان. ومنهم أيضا همذان وجعلهم بعض الإسرائيليين من بني همذان بن يافث وعد همذان ثامنا للسبعة المذكورين من ولده. ٢/١١

وأما ياوان واسمه يونان فعند الإسرائيليين أنه كان له من الولد أربعة وهم: داود بن واليشا وكيتم وترشيش، وأن كيتم من هؤلاء الأربعة هو أبو الروم والباقي يونان، وأن ترشيش أهل طرسوس.

وأما قطوبال فهم أهل الصين من المشرق والليمان من المغرب. ويقال أن أهل افريقية قبل البربر منهم وأن الإفرنج أيضا منهم. ويقال أيضا أن أهل الأندلس قديما منهم.

وأما ماشخ فكان ولده عند الإسرائيليين بخراسان وقد انقرضوا لهذا العهد فيما يظهر وعند بعض النسابين أن الأشبان منهم.

وأما طيراش فهم الفرس عند الإسرائيليين وربما قال غيرهم إنهم من كومر وأن الخزر والترك من طيراش وأن الصقالبة وبرجان والأشبان من ياوران وأن يأجوج ومأجوج من كومر وهي كلها مزاعم بعيدة عن الصواب. وقال اهروشيوش مؤرخ الروم أن القوط واللطين من ماغوغ. وهذا آخر الكلام في أنساب يافث.

وأما حام فمن ولده: السودان والهند والسند والقبط وكنعان باتفاق. وفي آخرين خلاف نذكره وكان له على ما وقع في التوراة أربعة من الولد وهم مصر ويقول بعضهم مصرايم وكنعان وكوش وقوط. فمن ولد مصر عند الإسرائيليين فتروسيم وكسلوحيم ووقع في التوراة فلشنين منهما معا. ولم يتعين من أحدهما وبنو فلشنين الذين كان منهم جالوت. ومن ولد مصر عندهم كفتورع ويقولون هم أهل دمياط ووقع الانقلوس ابن أخت قيطش الذي خرب القدس في الجلوة الكبرى على اليهود. قال إن كفتورع هو قبطقاي ويظهر من هذه الصيغة أنهم القبط لما بين الاسمين من الشبه. ومن ولد مصر عناميم وكان لهم نواحي إسكندرية وهم أيضا بفتوحيم ولوديم ولهابيم. ولم يقع إلينا تفسير هذه الأسماء. وأما كنعان بن حام فذكر من ولده في التوراة أحد عشر منهم صيدون ولهم ناحية صيدا وإيموري وكرساش، وكانوا بالشام وانتقلوا عند ما غلبهم عليه يوشع إلى إفريقية فأقاموا بها. ومن كنعان أيضا يبوسا وكانوا ببيت المقدس وهربوا أمام داود عليه السلام حين غلبهم عليه إلى إفريقية والمغرب وأقاموا بها. والظاهر أن البربر من هؤلاء المنتقلين أولا وآخرا إلا أن المحققين من نسابتهم على أنهم من ولد مازيغ بن كنعان فلعل مازيغ ينتسب إلى هؤلاء. ومن كنعان أيضا حيث الذين كان ملكهم عوج بن عناق. ومنهم عرفان وأروادى وخوي ولهم نابلس وسبا ولهم طرابلس وضمارى ولهم حمص وحما ولهم أنطاكية وكانت تسمى حما باسمهم وأما كوش بن حام ٢/١٢

فذكر له في التوراة خمسة من الولد وهم سفنا وسبا وجويلا ورعما وسفخا ومن ولد رعما شاو وهم السند ودادان وهم الهند. وفيها أن النمروذ من ولد كوش ولم يعينه وفي تفاسيرها أن جويلا زويلة وهم أهل برقة. وأما أهل اليمن من ولد سبا. وأما قوط فعند أكثر الإسرائيليين أن القبط منهم. ونقل الطبري عن ابن إسحاق أن الهند والسند والحبشة من بني السودان من ولد كوش. وأن النوبة وفزان وزغاوة والزنج منهم من كنعان. وقال ابن سعيد أجناس السودان كلهم من ولد حام ونسب ثلاثة منهم الى ثلاثة سماهم من ولده غير هؤلاء الحبشة الى حبش، والنوبة الى نوابة أو نوى، والزنج الى زنج، ولم يسم أحدا من آباء الأجناس الباقية وهؤلاء الثلاثة الذين ذكروا لم يعرفوا من ولد حام فلعلهم من أعقابهم، أو لعلها أسماء أجناس. وقال هشام بن محمد الكلبي إن النمروذ هو ابن كوش بن كنعان. وقال أهروشيوش مؤرخ الروم: إن سبا وأهل افريقية يعني البربر من جويلا بن كوش ويسمى يضول وهذا والله أعلم غلط لأنه مر أن يضول في التوراة من ولد يافث ولذلك ذكر أن حبشة المغرب من دادان ابن رعما من ولد مصر بن حام بنو قبط بن لأب بن مصرا ه الكلام في بني حام.

وهذا آخر الكلام في أنساب أمم العالم على الجملة والخلاف الذي في تفاصيلها يذكر في أماكنه والله ولي العون والتوفيق ٢/١٤

المقدمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم

اعلم أن الأنساب تتشعب دائما وذلك أن الرجل قد يكون له من الولد ثلاثة أو أربعة أو أكثر، ويكون لكل واحد منهم كذلك، وكل واحد منهم فرع ناشئ عن أصل أو فرع أو عن فرع فرع فصارت بمثابة الأغصان للشجرة تكون قائمة على ساق واحدة هي أصلها والفروع عن جانبها، ولكل واحد من الفروع فروع أخرى الى أن تنتهي إلى الغاية. فلذلك اخترنا بعد الكلام على الأنساب للأمة وشعوبها أن نضع ذلك على شكل شجرة نجعل أصلها وعمود نسبها باسم الأعظم من أولئك الشعوب ومن له التقدم عليهم فيجعل عمود نسبه أصلا لها وتفرع الشعوب الأخرى عن جانبه من كل جهة، كأنها فروع لتلك الشجرة حتى تتصل تلك الأنساب عمودا وفروعا بأصلها الجامع لها ظاهرة للعيان في صفحة واحدة، فترسم في الخيال دفعة ويكون ذلك أعون على تصور الأنساب وتشعبها. فإن الصور الحسية أقرب إلى الارتسام في الخيال من المعاني المتعلقة. ثم لما كانت هذه الأمم كلها لها دول وسلطان، اعتمدنا بالقصد الأول ذكر الملوك منهم في تلك الشجرات متصلة أنسابهم الى الجد الذي يجمعهم، بعد أن نرسم على كل واحد منهم رتبته في تعاقبهم واحدا بعد واحد بحروف أب ج د فالألف للأول والباء للثاني والجيم للثالث والدال للرابع والهاء للخامس وهلم جرا.

ونهاية الأجداد لأهل تلك الدولة في الآخر منهم، ويكون للأول غصون وفروع في كل جهة عنه فإذا نظرت في الشجرة علمت أنساب الملوك في كل دولة وترتبهم بتلك الحروف واحدا بعد واحد والله أعلم بالصواب.

القول في أجيال العرب وأوليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها وأنساب كل طبقة منها

(1) اعلم أن العرب منهم الأمة الراحلة الناجعة، أهل الخيام لسكناهم والخيل لركوبهم، والأنعام لكسبهم، يقومون عليها، ويقتاتون من ألبانها، ويتخذون الدفء والأثاث من أوبارها وأشعارها، ويحملون أثقالهم على ظهورها. يتنازلون حللا متفرقة، ٢/١٦

ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص، ويختطف الناس من السبل، ويتقلبون دائما في المجالات فرارا من حمارة القيظ تارة، وصبارة البرد أخرى، وانتجاعا لمراعي غنمهم، وارتيادا لمصالح إبلهم الكفيلة بمعاشهم، وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم، فاختصوا لذلك بسكنى الإقليم الثالث ما بين البحر المحيط من المغرب الى أقصى اليمن وحدود الهند من المشرق. فعمروا اليمن والحجاز ونجدا وتهامة وما وراء ذلك مما دخلوا إليه في المائة الخامسة كما ذكروه من مصر وصحاري برقة وتلولها وقسنطينة وإفريقية وزاغا والمغرب الأقصى والسوس، لاختصاص هذه البلاد بالرمال والقفار المحيطة بالأرياف والتلول والأرياف الآهلة بمن سواهم من الأمم في فصل الربيع وزخرف الأرض لرعي الكلإ والعشب في منابتها، والتنقل في نواحيها الى فصل الصيف لمدة الأقوات في سنتهم من حبوبها. وربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك معرات من أضرارهم بإفساد السابلة، ورعي الزرع مخضرا، وانتهابه قائما وحصيدا إلا ما حاطته الدولة، وذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم فيها. ثم ينحدرون في فصل الخريف الى القفار لرعي شجرها، ونتاج إبلهم في رمالها، وما أحاط به عملهم من مصالحها، وفرارا بأنفسهم وظعائنهم من أذى البرد الى دفء مشاتيها. فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف والصحراء ما بين الإقليم الثالث والرابع صاعدين ومنحدرين على ممر الأيام، شعارهم لبس المخيط في الغالب، ولبس العمائم تيجانا على رءوسهم يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها وهم عرب المشرق، وقوم يلفون منها الليث والأخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها وهم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناتة من أمم البربر قبلهم. وكذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية، وهجروا تنكب القسي. وكان المعروف لأولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الأمرين.

ثم إن العرب لم يزالوا موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان ولذلك سموا بهذا الاسم فإنه مشتق من الابانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «الثيب تعرب عن نفسها» . والبيان سمتهم بين الأمم منذ كانوا. وانظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أن يوفد عليه من كبرائهم وخطبائهم من رضي لذلك، فاختار منهم وفد أوفده عليه وكان من خبره واستغراب ما جاءوا به من البيان ما هو معروف ٢/١٧

فهذه كلها شعائرهم وسماتهم وأغلبها عليهم اتخاذ الإبل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها الارتياد مراعيها ومفاحص توليدها بما كان معاشهم منها. فالعرب أهل هذه الشعار من أجيال الآدميين. كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر لما كان معاشهم فيها فلهذا لا يختصون بنسب واحد بعينه الا بالعرض ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الأكثر وفي بعضهم خفيا على الجمهور. وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب إلا أنهم في الغالب يكونون أقرب الى الأولين من غيرهم. وهذا الانتقال لا يكون إلا في أزمنة متطاولة وأحقاب متداولة.

ولذلك يعرض في الأنساب ما يعرض من الجهل والخفاء.

واعلم أن جيل العرب بعد الطوفان وعصر نوح عليه السلام كان في عاد الأولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت ومن ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح. ثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الأمم وأبادهم الله بما شاء من قدرته وصار هذا الجيل في آخرين ممن قرب من نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ وكان من شأنه مع نمروذ ما قصه القرآن. ثم كان من هجرته الى الحجاز ما هو مذكور، وتخلف ابنه إسماعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانا لله، ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ إسماعيل بينهم، وربي في أحيائهم، وتعلم لغتهم العربية بعد أن كان أبوه أعجميا. ثم كان بناء البيت كما قصه القرآن، ثم بعثه الله الى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز فآمن كثير منهم واتبعوه.

ثم عظم نسله وكثر وصار بالجيل آخر من ربيعة ومضر ومن إليهم من إياد وعك وشعوب نزار وعدنان وسائر ولد إسماعيل وهم العرب التابعة للعرب. ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة وانقرض ما كان لهم من الدولة في الإسلام وخالطوا العجم بما كان لهم من التغلب عليهم ففسدت لغة أعقابهم في آماد متطاولة وبقي خلفهم أحياء بادين في القفار والرمال والخلاء من الأرض تارة والعمران تارة. وقبائل بالمشرق والمغرب والحجاز واليمن وبلاد الصعيد والنوبة والحبشة وبلاد الشام والعراق ٢/١٨

والبحرين وبلاد فارس والسند وكرمان وخراسان، أمم لا يأخذها الحصر والضبط، قد كاثروا أمم الأرض لهذا العهد شرقا وغربا، واعتزوا عليهم فهم اليوم أكثر أهل العالم وأملك لأمرهم من جميع الأمم. ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضري الذي نزل به القرآن، وهو لسان سلفهم، سميناهم لذلك العرب المستعجمة فهذه أجيال العرب منذ مبدإ الخليفة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة، كان لكل طبقة منها عصور وأجيال ودول وأحياء وقعت العناية بها دون من سواهم من الأمم لكثرة أجيالهم واتساع النطاق من ملكهم. فلنذكر لكل طبقة أحوال جيلها وبعض أيامهم ودولهم، ومن كان عهدهم من ملوك الأمم ودولهم، ليتبين لك بذلك مراتب الأجيال في الخليقة كيف تعاقبت والله سبحانه وتعالى ولي العون.

برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الأربع على ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل طبقة منها

فنبدأ أولا بذكر الطبقة الأولى وهم العرب العاربة ونذكر أنسابهم ومواطنهم وما كان لهم من الملك والدولة. ثم الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة من بني حمير بن سبا ونذكر أنسابهم وما كان لهم من الملك باليمن في التبابعة وأعقابهم. ثم نرجع إلى ذكر معاصرهم من العجم وهم ملوك بابل من السريانيين ثم ملوك الموصل ونينوى من الجرامقة ثم القبط وملوكهم بمصر، ثم بني إسرائيل ودولهم ببيت المقدس قبل تخريب بخت نصر وبعده وبالصابئة، ثم الفرس ودولهم الأولى والثانية، ثم يونان ودولهم الإسكندر وقومه، ثم الروم ودولهم في القياصرة وغيرهم.

ثم نرجع إلى ذكر الطبقة الثالثة وهم العرب التابعة للعرب من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيها العظيمين ربيعة ومضر. فنبدأ بقضاعة وأنسابهم وما كان لهم من الملك البدوي في آل النعمان بالحيرة والعراق ومن زاحمهم فيها من ملوك كندة بني حجر آكل المرار. ثم ما كان لهم أيضا من الملك البدوي بالشام في بني جفنة بالبلقاء والأوس والخزرج بالمدينة النبوية. ثم عدنان وأنسابهم وما كان لهم من الملك بمكة في قريش ثم ما شرفهم الله به وجيل الآدميين أجمع من النبوة، وذكر الهجرة والسير النبوية، ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك فنترجم للخلفاء الأربعة وما كان على عصرهم من الردة والفتوحات والفتن. ثم نذكر خلفاء الإسلام من بني أمية ٢/١٩

وما كان لعهدهم من أمر الخوارج. ثم نذكر خلفاء الشيعة وما كان لهم من الدول في الإسلام. فالأولى الدولة العظيمة لبني العباس التي انتشرت في أكثر ممالك الإسلام، ثم دولة العلوية المزاحمين لها بعد صدر منها وهي دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، ثم دولة العبيدية من الإسماعيلية بالقيروان ومصر، ثم القرامطة بالبحرين، ثم دعاة طبرستان والديلم ثم ما كان من هؤلاء العلوية بالحجاز ثم نذكر بني أمية المنازعين لبني العباس بالأندلس وما كان لهم من الدولة هنالك والطوائف من بعدهم، ثم نرجع الى ذكر المستبدين بالدعوة العباسية بالمغرب والنواحي وهم بنو الأغلب بإفريقية وبنو حمدان بالشام وبنو المقلد بالموصل وبنو صالح بن كلاب بحلب وبنو مروان بديار بكر وبنو أسد بالحلة وبنو زياد باليمن وبنو هود بالأندلس.

ثم نرجع إلى القائمين بالدعوة العبيدية بالنواحي وهم الصليحيون باليمن وبنو أبي الحسن الكلبي بصقيلة وصنهاجة بالمغرب. ثم نرجع الى المستبدين بالدعوة العباسية من العجم في النواحي وهم بنو طولون بمصر، ومن بعدهم بنو طغج وبنو الصفار بفارس وسجستان، وبنو سامان فيما وراء النهر، وبنو سبكتكين في غزنة وخراسان، وغورية في غزنة والهند، وبنو حسنويه من الكرد في خراسان. ثم نرجع إلى ذكر المستبدين على الخلفاء ببغداد من العجم وهم أهل الدولتين العظيمتين القائمتين بملك الإسلام من بعد العرب وهم بنو بويه من الديلم والسلجوقية من الترك. ثم نرجع إلى ملوك السلجوقية المستبدين بالنواحي وهم بنو طغتكين بالشام، وبنو قطلمش ببلاد الروم، وبنو خوارزم شاه ببلاد العجم وما وراء النهر، وبنو سقمان بخلاط وأرمينية، وبنو أرتق بماردين، وبنو زنكي بالشام، وبنو أيوب بمصر والشام. ثم الترك الذين ورثوا ملكهم هنالك، وبنو رسول باليمن ثم نرجع الى ذكر التتر من الترك القائمين على دولة الإسلام والماحين للخلافة العباسية ثم ما كان من دخولهم في دين الإسلام وقيامهم بالملك بالنواحي وهم بنو هولاكو بالعراق، وبنو دوشي خان بالشمال، وبنو أربنا ببلاد الروم، ومن بعد بني هولاكو بنو الشيخ حسن ببغداد وتوريز، وبنو المظفر بأصبهان وشيراز وكرمان، وبعد بني أرتنا ملوك بني عثمان من التركمان ببلاد الروم وما وراءها. ٢/٢٠

ثم نرجع إلى الطبقة الرابعة من المغرب وهم المستعجمة ومن له ملك بدوي منهم بالمغرب والمشرق. ثم نخرج بعد ذكر ذلك الى ذكر البربر ودولهم بالمغرب لأنهم كانوا من شرط كتابنا. وهنالك نذكر برنامج دولهم والله سبحانه أعلم.

الطبقة الاولى من العرب وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإمام بملكهم ودولهم على الجملة

هذه الأمة أقدم الأمم من بعد قوم نوح، وأعظمهم قدرة، وأشدهم قوة وآثارا في الأرض، وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه. لأن أخبار القرون الماضية من قبلهم، يمتنع اطلاعنا عليها التطاول الأحقاب ودروسها إلا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الأنبياء بوحي الله إليهم، وما سوى ذلك من الأخبار الأزلية فمنقطع الاسناد. ولذلك كان المعتمد عند الإثبات في أخبارهم، ما تنطق به آية القرآن في قصص الأنبياء الأقدمين، أو ما ينقله زعماء المفسرين في تفسيرها من أخبارهم وذكر دولهم وحروبهم ينقلون ذلك عن السلف من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أو سمعوه ممن هاجر إلى الإسلام من أحبار اليهود وعلمائهم أهل التوراة أقدم الصحف المنزلة فيما علمناه، وما سوى ذلك من حطام المفسرين وأساطير القصص وكتب بدء الخليقة فلا نعول على شيء منه. وإن وجد لمشاهير العلماء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبري، والبدء للكسائي، فإنما نحوا فيها منحى القصاص، وجروا على أساليبهم، ولم يلتزموا فيها الصحة، ولا ضمنوا لنا الوثوق بها فلا ينبغي التعويل عليها، وتترك وشأنها. وأخبار هذا الجيل من العرب وان لم يقع لها ذكر في التوراة، إلا أن بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا، وأوعى لأخبارهم، فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل، ثم إن هذه الأمم على ما نقل كان لهم ملوك ودول.

فملوك جزيرة العرب وهي الأرض التي أحاط بها بحر الهند من جنوبها، وخليج الحبشة من غربها، وخليج فارس من شرقها، وفيها اليمن والحجاز والشحر وحضرموت، وامتد ملكهم فيها الى الشام ومصر في شعوب منهم على ما يذكر. ويقال: انهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام، فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين، ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور حسبما نذكره، إلى أن ٢/٢١

غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان. وهؤلاء العرب العاربة شعوب كثيرة. وهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وعبد ضخم وجرهم وحضرموت وحضورا والسلفات.

وسمي أهل هذا الجيل العرب العاربة، إما بمعنى الرساخة في العروبية كما يقال: ليل أليل، وصوم صائم. أو بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها بما كانت أول أجيالها وقد تسمى البائدة أيضا بمعنى الهالكة، لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم.

فأما عاد وهم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام فكانت مواطنهم الأولى بأحقاف الرمل بين اليمن وعمان الى حضرموت والشحر. وكان أبوهم عاد فيما يقال أول من ملك من العرب، وطال عمره وكثر ولده، وفي التواريخ ولد له أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه، وتزوج ألف امرأة وعاش ألف سنة ومائتي سنة. وقال البيهقي: إنه عاش ثلاثمائة سنة، وملك بعده بنوه الثلاثة شديد وبعده شداد وبعده إرم. وذكر المسعودي: إن الذي ملك من بعد عاد وشداد منهم هو الذي سار في المالك واستولى على كثير من بلاد الشام والهند والعراق. وقال الزمخشري: إن شداد هو الذي بنى مدينة إرم في صحارى عدن، وشيدها بصخور الذهب وأساطين الياقوت والزبرجد، يحاكي بها الجنة لما سمع وصفها طغيانا منه وعتوا. ويقال: إن باني إرم هذه هو إرم بن عاد.

وذكر ابن سعيد عن البيهقي: أن باني ارم هو ارم بن شداد بن عاد الأكبر، والصحيح أنه ليس هناك مدينة اسمها إرم وإنما هذا من خرافات القصاص وإنما ينقله ضعفاء المفسرين. وإرم المذكورة في قوله تعالى: «إرم ذات العماد 89: 7» القبيلة لا البلد.

وذكر المسعودي أن ملك عوص كان ثلاثمائة وأن الذي ملك من بعده ابنه عاد بن عوص، وان جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم، وأنه الذي اختط مدينة دمشق ومصرها، وجمع عمد الرخام والمرمر إليها وسماها إرم. ومن أبواب مدينة دمشق الى هذا العهد باب جيرون، وذكره الشعراء في معاهدها قال الشاعر:

النخل فالقصر فالحماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

وهذا البيت في الصوت الأول من كتاب الأغاني. وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق جيرون ويزيد أخوان هما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وبهما عرف باب جيرون ونهر يزيد. والصحيح أن باب جيرون إنما سمي باسم مولى من موالي سليمان عليه السلام في دولة بني إسرائيل، جيرون كان ظاهرا في دولتهم.

وذكر ابن سعيد في أخبار القبط: أن شداد بن بداد بن هداد بن شداد بن عاد ٢/٢٢

حارب بعضا من القبط، وغلب على أسافل مصر ونزل الإسكندرية وبنى بها حينئذ مدينة مذكورة في التوراة يقال لها أون، ثم هلك في حروبهم، وجمع القبط إخوتهم من البربر والسودان وأخرجوا العرب من ملك مصر.

ثم لما اتصل ملك عاد وعظم طغيانهم وعتوهم انتحلوا عبادة الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب ويقال: ان ذلك لانتحالهم دين الصابئة، فبعث الله إليهم أخاهم هودا، وهو فيما ذكر المسعودي والطبري هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد، وفي كتاب البدء لابن حبيب رباح بن حرب بن عاد، وبعضهم يقول هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ. فوعظهم وكان ملوكهم لعهده: الخلجان، ولقمان بن عاد بن عاديا بن صدا بن عادفا، آمن به لقمان وقومه، وكفر الخلجان، وامتنع هود بعشيرته من عاد. وحبس الله عنهم المطر ثلاث سنين وبعثوا الوفود من قومهم إلى مكة يستسقون لهم، كان في الوفد على ما قاله الطبري نعيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن صدا بن عاد. وقيل ابن عنز منهم، وحلقمة بن الخسري، ومرثد بن سعد بن عنز.

وكان ممن آمن يهود واتبعه وكان بمكة من عاد هؤلاء: معاوية بن بكر وقومه، وكانت هزيلة أخت معاوية عند نعيم بن هزال وولدت له عبيدا وعمرا وعامرا، فلما وصل الوفد الى مكة مروا بمعاوية بن بكر وابنه بكر ونزل الوفد عليه. ثم تبعهم لقمان بن عاد، وأقاموا عند معاوية وقومه شهرا لما بينهم من الخئولة، ومكثوا يشربون وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر وابنه بكر. ثم غنتاهم شعرا تذكرهم بأمرهم فانبعثوا ومضوا إلى الاستسقاء، وتخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد، فدعوا في استسقائهم وتضرعوا وأنشأ الله السحب ونودي بهم ان اختاروا فاختاروا سوداء من السحب، وأنذروا بعذابها فمضت إلى قومهم وهلكوا كما قصه القرآن.

وفي خبر الطبري أن الوفد لما رجعوا إلى معاوية بن بكر، لقيهم خبر مهلك قومهم هنالك، وأن هودا بساحل البحر، وأن الخلجان ملكهم قد هلك بالريح فيمن هلك، وأن الريح كانت تدخل تحت الرجل فتحمله حتى تقطعوا في الجبال وتقلع الشجر وترفع البيوت، حتى هلكوا أجمعون انتهى كلام الطبري.

ثم ملك لقمان ورهطه من قوم عاد واتصل لهم الملك فيما يقال ألف سنة أو يزيد وانتقل ملكه الى ولده لقمان، وذكر البخاري في تاريخه أن الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا هو هدد بن بدد بن الخلجان بن عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر، وأن المدينة ٢/٢٣

بساحل برقة انتهى ولم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلبهم عليه يعرب بن قحطان، واعتصموا بجبال حضرموت إلى أن انقرضوا. وقال صاحب زجار أن ملكهم عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر هو الذي حارب يعرب بن قحطان، وكان كافرا يعبد القمر، وأنه كان على عهد نوح، وهذا بعيد لأن بعثة هود كانت عند استفحال دولتهم أو عند مبتدئها، وغلب يعرب كان عند انقراضها، وكذلك هدد الذي ذكر البخاري أنه ملك برقة إنما هو حافر الخلجان الذي اعتصم آخرهم بجبل حضرموت، وخبر البخاري مقدم.

وقال علي بن العزيز الجرجاني: وكان من ملوك عاد يعمر بن شداد، وعبد أبهر بن معديكرب بن شمد بن شداد بن عاد، وحناد بن مياد بن شمد بن شداد، وملوك آخرون أبادهم الله والبقاء لله وحده. فأما عبيل وهم إخوان عاد بن عوص فيما قاله الكلبي، وإخوان عوص بن إرم فيما قاله الطبري، وكانت ديارهم بالجحفة بين مكة والمدينة وأهلكهم السيل. وكان الذي اختط يثرب منهم هكذا قال المسعودي، وقال هو يثرب بن ابائلة بن مهلهل بن عبيل. وقال السهيلي إن الذي اختط يثرب من العماليق، وهو يثرب بن ابائلة بن مهلهل بن عبيل. وقال السهيلي إن الذي اختط يثرب من العماليق، وهو يثرب بن مهلايل بن عوص بن عمليق. وأما عبد ضخم بن إرم فقال الطبري كانوا يسكنون الطائف وهلكوا فيمن هلك من ذلك الجيل. وقال غيره إنهم أول من كتب بالخط العربي.

وأما ثمود وهم بنو ثمود بن كاثر بن إرم فكانت ديارهم بالحجر ووادي القرى فيما بين الحجاز والشام، وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال، ويقال لأن أعمارهم كان تطول فيأتي البلاء والخراب على بيوتهم، فنحتوها لذلك في الصخر، وهي لهذا العهد، وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ونهى عن دخولها كما في الصحيح، وفيه إشارة إلى أنها بيوت ثمود أهل ذلك الجيل. ويشهد ذلك ببطلان ما يذهب إليه القصاص، ووقع مثله للمسعودي من أن أهل تلك الأجيال كانت أجسامهم مفرطة في الطول والعظم، وهذه البيوت المشاهدة المنسوبة إليهم بكلام الصادق صلوات الله عليه، يشهد بأنهم في طولهم وعظم حجراتهم مثلنا سواء فلا أقدم من عاد وأهل أجيالهم فيما بلغنا.

ويقال إن أول ملوكهم كان عابر بن إرم بن ثمود ملك عليهم مائتي سنة. ثم كان من بعده جندع بن عمرو بن الدبيل بن إرم بن ثمود. ويقال ملك نحوا من ثلاثمائة سنة، ٢/٢٤

وفي أيامه كانت بعثة صالح عليه السلام، وهو صالح بن عبيل بن أسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود، وكانوا أهل كفر وبغي وعبادة أوثان، فدعاهم صالح إلى الدين والتوحيد. قال الطبري: فلما جاءهم بذلك كفروا وطلبوا الآيات، فخرج بهم إلى هضبة من الأرض، فتمخضت عن الناقة ونهاهم أن يتعرضوا لها بعقر أو هلكة، وأخبرهم مع ذلك أنهم عاقروها ولا بد، ورأس عليهم قدار بن سالف، وكان صالح وصف لهم عاقر الناقة بصفة قدار هذا. ولما طال النذير عليهم من صالح سئموه وهموا بقتله، وكان يأوي إلى مسجد خارج ملئهم، فكمن له رهط منهم تحت صخرة في طريقه ليقتلوه فانطبقت عليهم وهلكوا. وحنقوا ومضوا الى الناقة ورماها قدار بسهم في ضرعها وقتلها، ولجأ فصيلها إلى الجبل فلم يدركوه، وأقبل صالح وقد تخوف عليهم العذاب، فلما رآه الفصيل أقبل إليه ورغا ثلاث رغاءات، فأنذرهم صالح ثلاثا، وفي صبح الرابعة صعقوا بصيحة من السماء تقطعت بها قلوبهم فأصبحوا جاثمين، وهلك جميعهم حيث كانوا من الأرض، إلا رجلا كان في الحرم منعه الله من العذاب. قيل من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال. ويقال إن صالحا أقام عشرين سنة ينذرهم وتوفي ابن ثمان وخمسين سنة. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في غزوة تبوك بقرى ثمود فنهى عن استعمال مياههم وقال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون أن يصيبكم ما أصابهم. أه كلام الطبري.

وقال الجرجاني: كان من ملوكهم دوبان بن يمنع ملك الإسكندرية، وموهب بن مرة بن رحيب وكان عظيم الملك وأخوه هوبيل بن مرة كذلك. وفيما ذكره المفسرون أنهم أول من نحت الجبال والصخور، وأنهم بنو ألفا وسبعمائة مدينة وفي هذا ما فيه. ثم ذهبوا بما كسبوا ودرجوا في الغابرين وهلكوا. ويقال إن من بقاياهم أهل الرس الذين كان نبيهم حنظلة بن صفوان، وليس ذلك بصحيح. وأهل الرس هم حضور ويأتي ذكرهم في بني فالغ بن عابر، وكذلك يزعم بعض النسابة أن ثقيفا من بقايا ثمود هؤلاء وهو مردود. وكان الحجاج بن يوسف إذا سمع ذلك يقول كذبوا. وقال والله جل من قائل يقول وثمود فما ابقى أي أهلكهم فما أبقى أحدا منهم. وأهل التوراة لا يعرفون شيئا من أخبار عاد ولا ثمود لأنهم لم يقع لهم ذكر في التوراة، ولا لهود ولا لصالح عليهما السلام، بل ولا لأحد من العرب العاربة، لان ٢/٢٦

سياق الأخبار في التوراة عن أولئك الأمم انما هو لمن كان في عمود النسب ما بين موسى وآدم صلوات الله عليهم، وليس لأحد من آباء هؤلاء الأجيال ذكر في عمود ذلك النسب فلم يذكروا فيها.

وأما جديس وطسم فعند ابن الكلبي أن جديسا لإرم بن سام وديارهم اليمامة وهم أخوان لثمود بن كاثر، ولذلك ذكرهم بعدهم وان طسما للاوذ بن سام وديارهم بالبحرين. وعند الطبري أنهما معا للاوذ وديارهم باليمامة. ولهذين الاثنين خبر مشهور ينبغي سياقه عند ذكرهم. قال الطبري عن هشام بن محمد الكلبي بسنده إلى ابن إسحاق وغيره من علماء العرب: أن طسما وجديسا كانوا من ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها، وأكثرها خيرا وثمارا وحدائق وقصورا، وكان ملك طسم غشوما لا ينهاه شيء عن هواه، ويقال له: عملوق وكان مضرا لجديس مستذلا لهم، حتى كانت البكر من جديس لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها. وكان السبب في ذلك أن امرأة منهم كان اسمها هزيلة طلقها زوجها وأخذ ولده منها، فأمر عملوق ببيعها وأخذ زوجها الخمس من ثمنها، فقالت شعرا تتظلم منه، فامر ان لا تزوج منهم امرأة حتى يفترعها فقالوا كذلك حتى تزوجت الشموس، وهي عفيرة ابنة غفار بن جديس أخت الأسود، فافتضها عملوق، فقال الأسود بن غفار لرؤساء جديس: قد ترون ما نحن فيه من الذل والعار الذي ينبغي للكلاب أن تعافه فأطيعوني أدعوكم إلى عز الدهر، فقالوا وما ذاك، قال:

أصنع للملك وقومه دعوة فإذا جاءوا، يعني طسما، نهضنا إليهم بأسيافنا فنقتلهم.

فأجمعوا على ذلك ودفنوا سيوفهم في الرمل، ودعوا عملوقا وقومه فلما حضروا قتلوهم، فأفنوهم، وقتل الأسود عملوقا، وأفلت رباح بن مرة بن طسم فأتى حسان بن تبع مستغيثا، فنهض حسان في حمير لإغاثته حتى كان من اليمامة على ثلاث مراحل. قال لهم رباح إن لي أختا مزوجة في جديس اسمها اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها وانها لتبصر الراكب على ثلاث مراحل، وأخاف أن تنظر القوم. فأمر كل رجل أن يقلع شجرة فيجعلها في يديه ويسير كأنه خلفها، ففعلوا وبصرت بهم اليمامة فقالت لجديس: لقد سارت إليكم حمير وإني أرى رجلا من وراء شجرة بيده كتف يتعرقها، أو نعل يخصفها، فاستبعدوا ذلك ولم يحفلوا به. وصبحهم حسان وجنوده من حمير فأبادهم وخرب حصونهم وبلادهم ٢/٢٧

وهرب الأسود بن غفار الى جبلي طيئ، فأقام بهما، ودعا تبع باليمامة أخت رباح التي أبصرتهم فقلع عينها. ويقال إنه وجد بها عروقا سودا زعمت أن ذلك من اكتحالها بالإثمد، وكانت تلك البلد تسمى جو فسميت باليمامة اسم تلك المرأة.

قال أبو الفرج الأصبهاني: وكانت طيئ تسكن الجرف من أرض اليمن وهي اليوم محلة مراد وهمدان، وسيدهم يومئذ سامة بن لؤي بن الغوث بن طيئ، وكان الوادي مسبعة وهم قليل عددهم، وكان يجتاز بهم بعير في زمن الخريف ويذهب ثم يجيئ من قابل ولا يعرفون مقره، وكانت الأزد قد خرجت أيام سيل العرم واستوحشت طيئ فظعنوا على أثرهم، وقالوا لسامة هذا البعير إنما يأتي من الريف والخصب لان في بعرة النوى، فلما جاءهم زمن الخريف اتبعوه يسيرون لسيرة حتى هبط عن الجبلين، وهجموا على النخل في الشعاب وعلى المواشي وإذا هم بالأسود بن غفار، في بعض تلك الشعاب فهالهم خلقه وتخوفوه، ونزلوا ناحية ونفضوا الطريق فلم يروا أحدا، فأمر سامة ابنه الغوث بقتل الأسود، فجاء إليه فعجب من صغر خلقه، وقال: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن وأخبره خبر البعير ثم رماه فقتله وأقامت طيئ بالجبلين بعده.

وذكر الطبري عن غير ابن إسحاق أن تبع الذي أوقع بجديس هو والد حسان هذا، وهو ثبات أسعد أبو كرب بن ملكي كرب ويأتي ذكره في ملوك اليمن إن شاء الله تعالى انتهى كلام الطبري.

وقال غيره إن حسان بن تبع لما سار بحمير الى طسم بعث على مقدمته إليهم عبد كلال بن منوب بن حجر بن ذي رعين من أقيال حمير فسلك بهم رباح بن مرة الرمل وكانت الزرقاء أخت رباح ناكحا في طسم وتسمى عنزة واليمامة، وكانت تبصر على البعد فأنذرتهم فلم يقبلوا وصبح عبد بن كلال جديسا إلى آخر القصة، وبقيت اليمامة بعد طسم يبابا لا يأكل ثمرها إلا عوافي الطير والسباع حتى نزلها بنو حنيفة، وكانوا بعثوا رائدهم عبيد بن ثعلبة الحنفي يرتاد لهم في البلاد، فلما أكل من ذلك الثمر قال إن هذا الطعام! وحجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة، فسميت حجرا واستوطنها بنو حنيفة وبها صبحهم الإسلام كما يأتي في أخبارهم إن شاء الله تعالى.

وأما العمالقة فهم بنو عمليق بن لاوذ وبهم يضرب المثل في الطول والجثمان. قال ٢/٢٨

الطبري: عمليق أبو العمالقة كلهم أمم تفرقت في البلاد، فكان أهل المشرق وأهل عمان والبحرين وأهل الحجاز منهم، وكانت الفراعنة بمصر منهم، وكانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون منهم. وكان الذين بالبحرين وعمان والمدينة يسمون جاسم، وكان بالمدينة من جاسم هؤلاء بنو لف وبنو سعد بن هزال وبنو مطر وبنو الأزرق، وكان بالمدينة من جاسم هؤلاء بنو لف وبنو سعد بن هزال وبنو مطر وبنو الأزرق، وكان بنجد منهم بديل وراحل وغفار وبالحجاز منهم إلى تيماء بنو الأرقم ويسكنون مع ذلك نجدا وكان ملكهم يسمى الأرقم، قال: وكان بالطائف بنو عبد ضخم بن عاد الأول انتهى.

وقال ابن سعيد فيما نقله عن كتب التواريخ التي اطلع عليها في خزانة الكتب بدار الخلافة من بغداد قال: كانت مواطن العمالقة تهامة من أرض الحجاز فنزلوها أيام خروجهم من العراق أمام النماردة من بني حام، ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء إسماعيل صلوات الله عليه وآمن به من آمن منهم. وتطرد لهم الملك إلى أن كان منهم السميدع بن لاوذ بن عمليق وفي أيامه خرجت العمالقة من الحرم، أخرجتهم جرهم من قبائل قحطان فتفرقوا ونزل بمكان المدينة منهم بنو عبيل بن مهلايل بن عوص بن عمليق فعرفت به، ونزل أرض أيلة ابن هومر بن عمليق، واتصل ملكها في ولده وكان السميدع سمة لمن ملك منهم إلى أن كان آخرهم السميدع بن هومر الذي قتله يوشع لما زحف بنو إسرائيل إلى الشام بعد موسى صلوات الله عليه، فكان معظم حروبهم مع هؤلاء العمالقة هنالك، فغلبه يوشع وأسره وملك أريحا قاعدة الشام وهي قرب بيت المقدس ومكانها معروف لهذا العهد. ثم بعث من بني إسرائيل بعثا إلى الحجاز فملكوه وانتزعوه من أيدي العمالقة ملوكه ونزعوا يثرب وبلادها وخيبر. ومن بقاياهم يهود قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع وسائر يهود الحجاز على ما نذكره. ثم كان لهم ملك بعد ذلك في دولة الروم وملكوا أذينة بن السميدع على مشارف الشام والجزيرة من ثغورهم وأنزلوهم في التخوم ما بينهم وبين فارس، وهذا الملك أذينة ابن السميدع هو الذي ذكره الشاعر في قوله:

أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن أهله ذا يزن

وكان من بعده حسان بن أذينة، ومن بعده طرف بن حسان بن يدياه نسبة إلى امه، وبعده عمرو بن طرف، وكان بينه وبين جذيمة الأبرش حروب، وقتله جذيمة واستولى على ملكهم وكان آخرا من العمالقة كما نذكر ذلك في موضعه. ٢/٣٠

ومن هؤلاء العمالقة فيما يزعمون عمالقة مصر وأن بعض ملوك القبط استنصر بملك العمالقة بالشام لعهده واسمه الوليد بن دومغ، ويقال ثوران بن أراشة بن فادان بن عمرو بن عملاق فجاء معه ملك مصر واستعبد القبط. قال الجرجاني ومن ثم ملك العماليق مصر ويقال أن منهم فرعون إبراهيم وهو سنان بن الأشل بن عبيد بن عولج بن عمليق، وفرعون يوسف أيضا منهم وهو الريان بن الوليد بن فوران، وفرعون موسى كذلك وهو الوليد بن مصعب بن أبي أهون بن الهلوان، ويقال أنه قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران، وكان الذي ملك مصر بعد الريان بن الوليد طاشم بن معدان أه كلام الجرجاني وقال غيره: الريان فرعون يوسف وهو الذي تسميه القبط نقراوش وأن وزيره كان أطفير وهو العزيز وأنه آمن بيوسف، وأن أرض الفيوم كانت مغايض للماء فدبرها يوسف بالوحي والحكمة حتى صارت أعز الديار المصرية وملك بعده ابنه دارم بن الريان، وبعده ابنه معدانوس فاستبعد بني إسرائيل. قال الكلبي: ويذكر القبط أنه فرعون موسى، وذكر أهل الأثر أنه الوليد بن مصعب وأنه كان نجارا من غير بيت الملك فاستولى إلى أن ولي جرس السلطان ثم غلب عليه ثم استبد بعده وعليه انقرض أمر العمالقة. ولما غرق في اتباع موسى صلوات الله عليه رجع الملك إلى القبط فولوا من بيت ملكهم دلوكة العجوز كما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى، وأما بنو إسرائيل فليس عندهم ذكر لعمالقة الحجاز وعندهم أن عمالقة الشام من ولد عملاق بن أليفاز- بتفخيم الفاء- ابن عيصو أو عيصاب أو العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وفراعنة مصر منهم على الرأيين وأما الكنعانيون الذين ذكر الطبري أنهم من العمالقة، فهم عند الإسرائيليين من كنعان ابن حام، وكانوا قد انتشروا ببلاد الشام وملكوها، وكان معهم فيها بنو عيصوا المذكورون ويقال لهم بنو يدوم، ومن أيديهم جميعا ابتزها بنو إسرائيل عند المجيء أيام يوشع بن نون، ولذلك تزعم زناتة المغرب أنهم من هؤلاء العمالقة وليس بصحيح. وأما أميم فهم إخوان عملاق بن لاوذ قال السهيلي:

يقال بفتح الهمزة وكسر الميم. وبضم الهمزة وفتح الميم وهو أكثر ووجدت بخط بعض المشاهير أميم بتشديد الميم. ويذكر أنهم أول من بنى البنيان، واتخذ البيوت والآطام من الحجارة، وسقفوا بالخشب وكان ديارهم فيما يقال أرض فارس، ولذلك زعم بعض نسابة الفرس أنهم من أميم، وأن كيومرث الذين ينسبون إليه هو ابن أميم بن ٢/٣١

لاوذ وليس بصحيح وكان من شعوبهم وبار بن أميم نزلوا رمل عالج بين اليمامة والشحر وسالت عليهم الريح فهلكوا.

وأما العرب البائدة من بني أرفخشذ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فهم جرهم وحضورا وحضرموت والسلف. فأما حضورا فكانت ديارهم بالرس، وكانوا أهل كفر وعبادة أوثان، وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع فكذبوه وهلكوا كما هلك غيرهم من الأمم وأما جرهم فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية، وقال البيهقي: إن يعرب بن قحطان لما غلب عادا على اليمن وملكه من أيديهم ولى إخوته على الأقاليم، وولى جرهم على الحجاز، وولى بلاد عاد الأولى وهي الشحر، عاد بن قحطان، فعرفت به، وولى عمان يقطن بن قحطان انتهى كلام البيهقي، وقيل إنما نزلت جرهم الحجاز، ثم بنى قطور بن كركر بن عملاق لقحط أصاب اليمن، فلم يزالوا بمكة إلى أن كان شأن إسماعيل عليه السلام ونبوته فآمنوا به وقاموا بأمره وورثوا ولاية البيت عنه حتى غلبتهم عليه خزاعة وكنانة فخرجت جرهم من مكة، ورجعوا إلى ديارهم باليمن إلى أن هلكوا.

وأما حضرموت فمعدودون في العرب العاربة لقرب أزمانهم وليسوا من العرب البائدة لأنهم باقون في الأجيال المتأخرة، إلا أن يقال ان جمهورهم قد ذهب من بعد عصورهم الأولى واندرجوا في كندة، وصاروا من عدادهم، فهم بهذا الاعتبار قد هلكوا وبادوا والله أعلم. وقال علي بن عبد العزيز إنه كان فيهم ملوك التبابعة في علو الصيت ونهاية الذكر. قال وذكر جماعة من العلماء أن أول من انبسط ملكه منهم، وارتفع ذكره عمرو الأشنب بن ربيعة بن يرام بن حضرموت ثم خلفه ابنه نمر الأزج، فملك مائة سنة وقاتل العمالقة، ثم ملك كريب ذو كراب، ثم نمر الأزج مائة وثلاثا وثلاثين سنة، وهلك إخوته في ملكه. ثم ملك مرثد ذو مروان بن كريب مائة وأربعين سنة وكان يسكن مأرب ثم تحول إلى حضرموت، ثم ملك علقمة ذو قيعان ابن مرثد ذي مروان بحضرموت ثلاثين سنة، ثم ملك ذو عيل بن ذي قيعان عشر سنين وسكن صنعاء وغزا الصين فقتل ملكها وأخذ سيفه ذا النور، ثم ملك ذو عيل بن ذي عيل بحضرموت عشر سنين، ولما شخص سنان ذو ألم لغزو الصين تحول ذو عيل الى صنعاء واشتدت وطأته، وكان أول من غزا الروم من ملوك اليمن، وأول من أدخل الحرير والديباج الى اليمن. ثم ملك بدعات بن ذي عيل بحضرموت أربع ٢/٣٢

سنين، ثم ملك بدعيل بن بدعات وبني حصونا وخلف آثارا، ثم ملك بديع ذو عيل، ثم ملك حماد بن بدعيل بحضرموت فأنشأ حصنه المعقرب وغزا فارس في عهد سابور ذي الأكتاف وخرب وسبى ودام ملكه ثمانين سنة وكان أول من اتخذ الحجاب من ملوكهم. ثم ملك يشرح ذو الملك بن ودب بن ذي حماد بن عاد من بلاد حضرموت مائة سنة وكان أول من رتب الرواتب وأقام الحرس والروابط. ثم ملك منعم بن ذي الملك دثار بن جذيمة بن منعم، ثم يشرح بن جذيمة بن منعم، ثم نمر بن بشرح، ثم ساجن المسمى ابن نمر وفي أيامه تغلبت الحبشة على اليمن.

هذه قبائل هذا الجيل من العرب العاربة وما كانوا عليه من الكثرة والملك إلى أن انقرضوا وأزال الله من أمرهم بالقحطانية كما نحن ذاكروه. ولم نغفل منهم إلا من لم يصلنا ذكره من خيره والله وارث الأرض ومن عليها.

وأما جرهم فقال ابن سعيد: إنهم أمتان أمة على عهد عاد وأمة من ولد جرهم بن قحطان، ولما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز. ثم ملك من بعده ابنه عبد يا ليل، ثم بعده ابنه عبد المدان بن جرهم، ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان، ثم ابنه عبد المسيح بن نفيلة، ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح، ثم ابنه الحرس. ثم ملك من بعده جرهم بن عبد ياليل، ثم بعده ابنه عمرو بن الحرث، ثم أخوه بشير بن الحرث، ثم مضاض بن عمرو بن مضاض. قال وهذه الأمة الثانية هم الذين بعث إليهم إسماعيل عليه السلام وتزوج فيهم، انتهى. ٢/٣٤

وأما بنو سبا بن يقطن فلم يبيدوا، وكان لهم بعد تلك الأجيال البائدة أجيال باليمن منهم حمير وكهلان وملوك التبابعة وهم أهل الطبقة الثانية. وفي مسند الإمام أحمد:

أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هو فروة بن مسيك المرادي عن سبا أرجل هو أو امرأة أم أرض؟ فقال بل رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة والشام أربعة. فأما اليمانيون فمذ حج وكندة والأزد والأشعر وأنمار وحمير. وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان. وثبت أن أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية ولقنها عن الأجيال قبله فكانت لغة بنيه ولذلك سموا العرب المستعربة ولم يكن في آباء قحطان من لدى نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية، وكذلك كان أخوه فالغ، وبنوه إنما يتكلمون بالعجمية، إلى أن جاء إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة بنيه وهم أهل الطبقة الثالثة المسمون بالعرب التابعة للعرب. فلنذكر هذا النسب لينتظم أجياله مع الأجيال السابقة واللاحقة ونستوفي أنساب الأمم منها.

الخبر عن إبراهيم أبي الأنبياء عليهم السلام ونسبه الى فالغ بن عابر وذكر أولاده صلوات الله عليهم وأحوالهم

ولنذكر الآن أهل هذا النسب ما بين إسماعيل ونوح عليهما السلام ومن كان منهم، أو من إخوانهم أو أبنائهم من الأنبياء والشعوب والملوك وما كان لإسماعيل صلوات الله عليه من الولد. ونختم هذه الطبقة الأولى بذكرهم، وإن كانوا عجما في لغاتهم، إلا أنهم أصون الخليقة في أنسابهم، وكل البشر على بعض الآراء من أعقابهم، وهم مع ذلك معاصرون لهذه الطبقة، فيتسق الكلام فيهم على شرط كتابنا، ويتميز بذكر أخبارهم أحوال الطبقات التي بعدهم على الوفاء والكمال.

فنبدأ أولا بذكر عمود هذا النسب على التوالي، ثم نرجع إلى أخبارهم. وإسماعيل صلوات الله عليه هو ابن إبراهيم بن آزر وهو تارح وآزر اسم لصنمه لقب به ابن ناحور بن ساروخ بالخاء أو بالغين ابن عابر أو عنبر بن شالح أو شليخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وهذه الأسماء الأعجمية كلها منقولة من التوراة، ولغتها عبرانية، ومخارج حروفها في الغالب مغايرة لمخارج الحروف العربية. وقد يجيء الحرف منها بين ٢/٣٦

حرفين من العربية، فترده العرب الى أحد ذينك الحرفين وفي مخرجه، فيتغير عن أصله، ولذلك تكون فيها إمالة متسوطة أو محضة، فيصير الى حرف العلة الذي بعده من ياء أو واو، فلذلك تنقل الكلمة منها على اختلاف، وإلا فشأن الأعلام أن لا تختلف. وقال الطبري: إن بين شالخ وأرفخشذ أبا آخر اسمه قينن، وسقط ذكره من التوراة لأنه كان ساحرا وادعى الألوهية. وقال ابن حزم: في كتب النصارى أن بين فالغ وعابر أبا آخر اسمه ملكيصدق وهو أبو فالغ.

واعلم أن نوحا صلوات الله عليه بلغ عمره يوم الطوفان ستمائة سنة، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فكانت جملة ذلك تسعمائة وخمسين سنة، ألف سنة إلا خمسين وهذا نص المصحف الكريم، وكذا وقع في التوراة بعينه. ومن الغريب الواقع في التوراة أن عمر إبراهيم كان يوم وفاة نوح ثلاثا وخمسين سنة، لأنه قال إن أرفخشذ ولد لسام بعد سنتين من الطوفان، ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة ولد له ابنه شالخ، وبعد ثلاثين سنة ولد ابنه عابر، وبلغ عابر أربعا وثلاثين سنة فولد ابنه فالغ، وبلغ فالغ ثلاثين سنة فولد له أرغو، وبلغ أرغو اثنتين وثلاثين سنة فولد شاروغ، وبلغ شاروغ ثلاثين سنة فولد ناحور، وبلغ ناحور تسعا وعشرين سنة فولد تارح، وبلغ تارح خمسا وسبعين سنة فولد إبراهيم، وجملة هذه السنين من الطوفان إلى ولادة إبراهيم مائتان وسبع وتسعون سنة، وعمر نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسون سنة، فيكون إبراهيم بعد وفاة نوح ابن ثلاث وخمسين سنة، فيكون لقي نوحا صلوات الله عليهما وخالطه وأخذ عنه، وهو على رأي بعضهم أب لجميع الشعوب من بعده، فلذلك كان الأب الثالث للخليقة من بعد آدم ونوح صلوات الله عليهم أجمعين أه.

وفي كتاب البدء ونقله ابن سعيد: أن أول من ملك الأرض من ولد نوح، كنعان بن كوش بن حام، فسار من أرض كنعان بالشام الى أرض بابل، فبنى مدينة بابل اثني عشر فرسخا في مثلها، وورث ملكه ابنه النمرود بن كنعان، وعظم سلطانه في الأرض، وطال عمره، وغلب على أكثر المعمور، وأخذ بدين الصابئة، وخالفه الكلدانيون منهم في التوحيد وأسمائه، ومال معهم بنو سام، وكان سام قد نزل بشرقي الدجلة، وكان وصي أبيه في الدين والتوحيد، وورث ذلك ابنه أرفخشذ، ومعنى أرفخشذ مصباح مضيء، فاشتغل بالعبادة ودعاه الكلدانيون الى القيام بالتوحيد ٢/٣٧

فامتنع. ثم قام من بعده ابنه شالخ وعاش طويلا وقام من بعده بأمره ابنه عابر كذلك وخرج مع الكلدانيين على النمروذ منكرا لعبادة الهياكل، فغلبه نمروذ وأخرجه من كوثا، فلحق هو ومن معه من الحلفاء بالجزيرة وهي مدينة المجدل بين الفرات ودجلة. وعابر هذا هو أبو العبرانيين الذين تكلموا بالعبرانية، واستفحل ملكه بالمجدل. قال ابن سعيد وورث من بعده ابنه فالغ وهو الذي قسم الأرض بين ولد نوح، وفي زمانه بنى النمرود الصرح ببابل وكان من أمره ما نصه القرآن، وقام بأمر فالغ من بعده ابنه ملكان فيما زعموا وغلبه الجرامقة والنبط على ملكه، وقام بالمجدل في ملكهم إلى أن هلك وخلف ابنه أتيا ويقال له الخضر. وأما أرغو بن فالغ فعبر الى كلواذا ودخل في دين النبط، وهي بدعة الصابئة وولد له منهم ابنه شاروخ، ثم بعده ناحور بن شاروخ، ثم بعد تارح بن ناحور الذي سمي آزر، واستخلص النمروذ آزر وقدمه على بيت الأصنام، والنمروذ من ملوك الجرامقة واسمه هاصد بن كوش، انتهى كلام ابن سعيد.

وولد لتارخ وهو آزر على ما وقع في التوراة ثلاثة من الولد إبراهيم وناحور وهاران، ومات هاران في حياة أبيه تارح، وترك ابنه لوطا فهو ابن أخي إبراهيم. قال الطبري: ولد إبراهيم الخليل قيل بناحية كوثا من السواد وهو قول ابن إسحاق، وقيل بحران، وقيل ببابل. وعامة السلف انه ولد على عهد نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام. وكان الكهان يتحدثون بولادة رجل يخالف الدين، ويكسر الأصنام والأوثان، فأمر بذبح الولدان، فولدته أمه وتركته بمغارة في فلاة من الأرض حتى كبر وشب، ورأى في الكواكب ما رآه، وكملت نبوته، فأحضرته إلى أبيه ودعاه إلى التوحيد، فامتنع وكسر إبراهيم الأصنام، وأحضر عند نمروذ وقذفه في النار، فصارت بردا وسلاما، وخرج منها ولم تعد عليه كما نص ذلك القرآن. ثم تدبر النمروذ في أمره، وطلب من إبراهيم أن يقرب قربانا يفتدي مما دعاه إليه، فقال له إبراهيم:

لن يقبل منك إلا الإيمان، فقال: لا أستطيع، وترك إبراهيم وشأنه.

ثم أمر الله إبراهيم بالخروج من أرض الكلدانيين ببابل فخرج به أبوه تارح ومعهما على ما في التوراة ابنه ناحور بن تارح، وزوجته ملكا بنت أخيه هاران، وحافده لوط بن ٢/٣٨

هاران، قال في التوراة وكنته سارة يعني زوج إبراهيم، فقيل انها أخت ملكا بنت هاران بن تارح، وقيل بنت ملك حران، طعنت على قومها في الدين، فتزوجها إبراهيم على أن لا يضرها. ويرد هذا ما في التوراة انها خرجت معهم من أرض الكلدانيين إلى حران، فتزوجها، وقيل انها بنت هاران بن ناحور وهاران عم إبراهيم، قاله السهيلي، فأقاموا بحران ومات بها أبوه تارح وعمره مائتا سنة وخمس سنين، ثم أمر بالخروج إلى أرض الكنعانيين، ووعده الله بأن تكون أثرا لبنيه، وأنهم يكثرون مثل حصى الأرض. فنزل بمكان بيت المقدس وهو ابن خمس وسبعين سنة، ثم أصاب بلد الكنعانيين مجاعة، فخرج إبراهيم في أهل بيته وقدم مصر، ووصف لفرعون ملك القبط جمال امرأته سارة فأحضرها عنده، ولما هم بها يبست يده على صدره، فطلب منها الإقالة فدعت له الله فانطلقت يده. ويقال عاود ذلك ثلاثا يصاب في كلها وتدعو له فردها إلى إبراهيم، واستخدمها هاجر. قال الطبري والملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان وهو أخو الضحاك، والظاهر أنه من ملوك القبط.

ثم ساروا إلى أرض كنعان بالشام، ويقال أن هاجر أهداها ملك الأردن لسارة، وكان اسمه فيما قال الضبي صلاوق، وأنه انتزع سارة من إبراهيم، ولما هم بها صرع مكانه وسألها في الدعاء، فدعت له فأفاق فردها إلى إبراهيم، وأخدمها هاجر أمة كانت لبعض ملوك القبط. ولما عاد إبراهيم إلى أرض كنعان، نزل جيرون وهو مدفنه المسمى بالخليل، وكانت معظمة تعظمها الصابئة، وتسكب عليها الزيت للقربان، وتزعم أنها هيكل المشتري والزهرة، فسماها العبرانيون إيليا ومعناه بيت الله.

ثم أن لوطا فارق إبراهيم عليه السلام لكثرة مواشيهما وتابعهما وضيق المرعى، فنزل المؤتفكة بناحية فلسطين وهي بلاد العدور المعروف بعدور صقر، وكانت هناك على ما ٢/٣٩

نقله المحققون خمس قرى سدوم. ووجدهم على ارتكاب الفواحش، فدعاهم الى الدين، ونهاهم عن المخالفة، فكذبوه وعتوا، وأقام فيهم داعيا إلى الله إلى أن هلكوا كما قصة القرآن. وخرج لوط مع عساكر كنعان وفلسطين للقاء ملوك الشرق حين زحفوا إلى أرض الشام، وكانوا أربعة ملوك ملك الأهواز من بني غليم بن سام واسمه كرزلا عامر، وملك بابل واسمه في التوراة شنعا واسمه أمراقيل ويقال هو نمروذ، وملك الأستار وما أدري معنى هذه اللفظة واسمه أريوح، وملك كوتم ومعناه ملك أمم أو جماعة واسمه تزعال. وكان ملوك كنعان الذين خرجوا إليهم خمسة على عدد القرى الخمسة، وذلك أن ملك الأهواز كان استعبدهم اثنتي عشرة سنة، ثم عصوا فزحف إليهم واستجاش بالملوك المذكورين معه، فأصابوا من أهل جبال يسعين إلى فاران التي في البرية وكان بها يومئذ الجويون من شعوب كنعان أيضا. وخرج ملك سدوم وأصحابه لمدافعتهم فانهزم هو والملوك الذين معه من أهل سدوم، وسباهم ملك الأهواز ومن معه من الملوك، وأسروا لوطا وسبوا أهله وغنموا ماشيته. وبلغ الخبر إبراهيم عليه السلام فاتبعهم في ولده ومواليه نحوا من ثلاثمائة وثمانية عشر، ولحقهم بظاهر دمشق فدهمهم، فانفضوا وخلص لوطا في تلك الواقعة، وجاء بأهله ومواشيه وتلقاهم ملك سدوم واستعظم فعلتهم.

ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن هذه الأرض أرض الكنعانيين التي أنت بها، ملكتها لك ولذريتك وأكثرهم مثل حصى الأرض، وأن ذريتك يسكنون في أرض ليست لهم أربعمائة سنة ويرجع الحقب الرابع الى هنا.

ثم إن سارة وهبت مملوكتها هاجر القبطية لإبراهيم عليه السلام لعشر سنين من مجيئهم من مصر، وقالت لعل الله يرزقك منها ولدا. وكان إبراهيم قد سأل الله أن يهب له ولدا فوعده به. وكانت سارة قد كبرت وعقمت عن الولد، فولدت هاجر لإبراهيم إسماعيل عليهما السلام لست وثمانين من عمره، وأوحى الله إليه أني قد باركت عليه وكثرته ويولد له اثنا عشر ولدا، ويكون رئيسا لشعب عظيم. وأدركت سارة الغيرة من هاجر وطلبت منه إخراجها، وأمره الله أن يطيع سارة في أمرها، فهاجر بها إلى مكة ووضعها وابنها بمكان زمزم عند دوحة هنالك وانطلق. فقالت له هاجر: آلله أمرك؟ قال: نعم. فقالت: إذا لا يضيعنا. وانطلق إبراهيم وعطش إسماعيل بعد ذلك عطشا شديدا، وأقامت هاجر تتردد بين الصفا والمروة، إلى أن صعدت عليها ٢/٤٠

سبع مرات لعلها تجد شيئا، ثم أتته وهو يفحص برجليه فنبعت زمزم.

وعن السدي، أنه تركه في مكان الحجر، واتخذ فيه عريشا، وأن جبريل هو الذي همز له الماء بعقبه، وأخبر هاجر أنها عين يشرب بها ضيفان الله، وأن أبا هذا الغلام سيجيء ويبنيان بيتا لله هذا مكانه. ثم مرت رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم أقبلوا من كداء، ونزلوا أسفل مكة، فرأوا الطير حائمة، فقالوا: لا نعلم بهذا الوادي ماء، ثم أشرفوا فرأوا المرأة ونزلوا معها هنالك.

وعن ابن عباس: كانت أحياؤها قريبا من ذلك المكان، فلما رأوا الطير تحوم عليه، أقبلوا اليه فوجدوهما، فنزلوا معهما حتى كان بها أهل أبيات منهم، وشب إسماعيل بينهم، وتعلم اللغة العربية منهم، وأعجبهم وزوجوه امرأة منهم، وماتت أمه هاجر فدفنها في الحجر. ولما رجع إبراهيم وأقام في أهله بالشام، وبالغ أهل المؤتفكة في العصيان والفاحشة، ودعاهم لوط فكذبوه وأقام على ذلك. قال الطبري: فأرسل الله رسولا من الملائكة لا هلاكهم، ومروا بإبراهيم فأضافهم وخدمهم، وكان من ضحك سارة وبشارة الملائكة لها بإسحاق وابنه يعقوب ما قصه القرآن، وكانت البشارة بإسحاق وإبراهيم ابن مائة سنة وسارة بنت تسعين. وفي التوراة إنه أمر أن يحرر ولده إسماعيل لثلاث عشرة سنة من عمره، وكل من في بيته من الأحرار فكان ذلك لتسع وتسعين من عمر إبراهيم، وقال له ذلك عهد بيني وبينك وذريتك. ثم أهلك الله المؤتفكة ونجى لوطا إلى أرض الشام، فكان بها مع عمه إبراهيم صلوات الله عليهما. وولدت سارة إسحاق، وأمر الله إبراهيم بعد ولادة إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يعبد فيه ويذكر، ولم يعرف مكانه فجعل له علامة تسير معه حتى وقفت به على الموضع، يقال انها ريح لينة لها رأسان تسير معه حتى تكون بالموضع، ويقال بل بعث معه جبرئيل لذلك حتى أراه الموضع. وكان إبراهيم يعتاد إسماعيل لزيارته، ويقال انه كان يستأذن سارة في ذلك، وأنها شرطت عليه أن لا يقيم عندهم، وأن إبراهيم وجد امرأة لإسماعيل في غيبة منه وكانت من العماليق، وهي عمارة بنت سعيد بن أسامة بن أكيل، فرآها فظة غليظة فأوصاها لإسماعيل بان يحول عتبة بابه، فلما قصت عليه الخبر والوصية قال ذلك أبي يأمرني أن أطلقك فطلقها. وتزوج بعدها السيدة بنت مضاق بن عمرو الجرهمي، وخالفه إبراهيم إلى بيته فتسهلت له بالإذن وأحسنت التحية وقربت الوضوء والطعام، فأوصاها لإسماعيل بأني قد رضيت ٢/٤١

عتبة بابك، ولما قصت عليه الوصية قال ذلك أبي يأمرني بإمساكك فأمسكها. ثم جاء إبراهيم مرة ثالثة وقد أمره الله ببناء البيت وأمر إسماعيل بإعانته، فرفعوها من القواعد وتم بناؤها، وأذن في الناس بالحج.

ثم زوج لوط ابنته من مدين بن إبراهيم عليهما السلام، وجعل الله في نسلها البركة، فكان منه أهل مدين الأمة المعروفة.

ثم ابتلى الله إبراهيم بذبح ابنه في رؤيا رآها وهي وحي، وكانت الفدية ونجى الله ذلك الولد كما قص في القرآن. واختلف في ذلك الذبيح من ولديه فقيل إسماعيل وقيل إسحاق، وذهب إلى كلا القولين جماعة من الصحابة والتابعين، فالقول بإسماعيل لابن عباس وابن عمر والشعبي ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب القرظي وقد يحتجون له بقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن الذبيحين» ، ولا تقوى الحجة به لأن عم الرجل قد يجعل أباه يضرب من التجوز لا سيما في مثل هذا الفخر. ويحتجون أيضا بقوله تعالى: «فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب 11: 71» ، ولو كان ذبيحا في زمن الصبا، لم تصح البشارة بابن يكون له لأن الذبح في الصبا ينافي وجود الولد، ولا تقوم من ذلك حجة، لأن البشارة انما وقعت على وفق العلم بأنه لا يذبح وإنما كان ابتلاء لإبراهيم، والقول بإسحاق للعباس وعمرو وعلي وابن مسعود وكعب الأحبار وزيد بن أسلم ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير وعطا والزهري ومكحول والسدي وقتادة.

وقال الطبري: والراجح أنه إسحاق لأن نص القرآن يقتضي أن الذبيح هو المبشر به، ولم يبشر إبراهيم بولد إلا من زوجته سارة، مع أن البشارة وقعت إجابة لدعائه عند مهاجره من أرض بابل. وقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين 37: 99، ثم قال عقبة: رب هب لي من الصالحين 37: 100، ثم قال عقبة فبشرناه بغلام حليم 37: 101. وذلك كله كان قبل هاجر، لأن هاجر إنما ملكتها سارة بمضر، وملكتها لإبراهيم بعد ذلك بعشر سنين، فالمبشر به قبل ذلك كله إنما هو ابن سارة، فهو الذبيح بهذه الدلالة القاطعة. وبشارة الملائكة لسارة بعد ذلك حين كانوا ضيوفا عند إبراهيم في مسيرهم لإهلاك سدوم، إنما كان تجديدا لبشارة المتقدمة انتهى. ٢/٤٢

ثم توفيت سارة لمائة وسبع وعشرين من عمرها، وذلك في قرية جيرون من بلاد بني حبيب الكنعانيين، فطلب إبراهيم منهم مقبرة لها، فوهبه عفرون بن صخر مغارة كانت في مزرعته، فامتنع من قبولها إلا بالثمن، فأجاب إلى ذلك، وأعطاه إبراهيم أربعمائة مثقال فضة ودفن فيها سارة. وتزوج إبراهيم من بعدها قطورا بنت يقطان من الكنعانيين. وقال السهيلي قنطورا بزيادة نون بين القاف والطاء، وهذا الاسم أعجمي وطاؤه قريبة من التاء، فولدت له كما هو مذكور في التوراة ستة من الولد وهم: زمران يقشان مدان مدين أشبق شوخ. ثم وقع في التوراة ذكر أولادهم فولد يقشان سبا ودذان، وولد دذان أشوثم ولطوسيح ولاميم. وولد مدين عيفا وعيفين وحنوخ وأفيداع وألزاعا هذا آخر ولده من قنطورا في التوراة. وقال السهيلي: كان لإبراهيم عليه السلام أولاد آخرون خمسة من امرأة اسمها حجين أو حجون بنت أهيب، وهم كبسان وفروخ وأميم ولوطان ونافس. ولما ذكر الطبري بني قنطورا الستة وسمى منهم يقشان، قال بعده: وسائرهم من الأخرى وهي رعوة. ثم قال: ومن يقشان جيل البربر أه. فولد إبراهيم على هذا ثلاثة عشر: فإسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، وستة من قنطورا كما ذكر في التوراة، والخمسة بنو حجين عند السهيلي، أو رعوة عند الطبري.

وكان إبراهيم عليه السلام قد عهد لابنه إسحاق أن لا يتزوج في الكنعانيين، وأكد العهد والوصية بذلك لمولاه القائم على أموره، ثم بعثه إلى حران مهاجرهم الأول، فخطب من ابن أخيه بتويل بن ناحور بن آزر بنته رفقا فزوجها أبوها واحتملها ومن معها من الجواري وجاء بها إلى إسحاق في حياة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة فتزوجها، وولدت له يعقوب وعيصو توأمين وسنذكر خبرهما. ثم قبض الله نبيه إبراهيم صلوات الله عليه بمكان هجرته من أرض كنعان وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن مع سارة في مغارة عفرون الحبيبى، وعرف بالخليل لهذا العهد، ثم جعل الله في ذريته النبوة والكتاب آخر الدهر. ٢/٤٣

فإسماعيل سكن مع جرهم بمكة وتزوج فيهم وتعلم لغتهم وتكلم بها وصار أبا لمن بعده من أجيال العرب، وبعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بمكة، وإلى أهل اليمن فآمن بعض وكفر بعض. ثم قبضه الله إليه وخلف ولده بين جرهم، وكانوا على ما ذكر في التوراة اثنتي عشر أكبرهم بنايوت وهو الذي تقوله العرب نابت ونبت، ثم قيذار وأدبيل وبسام ومشمع وذوما ومسار وحراه وقيما وبطور ونافس وقدما. قال ابن إسحاق: وعاش فيما ذكر مائة وثلاثين سنة، ودفن في الحجر مع أمه هاجر، ويقال آجر. وفي التوراة أنه قبض ابن مائة وسبع وثلاثين سنة، وأن شيعته سكنوا من حويلا إلى شور قبالة مصر من مدخل أثور، وسكنوا على حذر شيع اخوته. وحويلا عند أهل التوراة هي جنوب برقة والواو منها قريبة من الياء، وشور هي أرض الحجاز، وأثور بلاد الموصل والجزيرة. ثم ولي أمر البيت من بعد إسماعيل ابنه نابت، وأقام ولده بمكة مع أخوالهم جرهم حتى تشعبوا وكثر نسلهم وتعددت بطونهم من عدنان في عداد معد، ثم بطون معد في ربيعة ومضر وإياد وأنمار بني نزار بن معد، فضاقت بهم مكة، على ما نذكره عند ذكر قريش وأخبار ملكهم بمكة، فكانت بطون عدنان هذه كلها من ولد إسماعيل لابنه نابت، وقيل لقيذار، ولم يذكر النسابون نسلا من ولده الآخرين، وتشعبت من إسماعيل أيضا عند جماعة من أهل العلم بالنسب بطون قحطان كلها فيكون على هذا أبا لجميع العرب بعده.

وأما إسحاق فأقام بمكانه من فلسطين، وعمر وعمي بعد الكثير من عمره وبارك على ولده يعقوب فغضب بذلك أخوه عيصو، وهم بقتله فأشارت عليه رفقا بنت بتويل بالسير الى حران عند خاله لا بان بن بتويل، فأقام عنده وزوجه بنتيه، فزوجه أولا الكبرى واسمها ليا وأخدمها جاريتها زلفة، ثم من بعدها أختها الصغير واسمها راحيل وأخدمها جاريتها بلها. وأول من ولد منهن ليا ولدت له روبيل، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا. وكانت راحيل لا تحبل فوهبت جاريتها بلها ليعقوب لتلد منه، فولدت له دان ثم نفتالي. ولما فعلت ذلك راحيل وهبت أختها ليا ليعقوب عليه السلام جاريتها زلفة فولدت له كادو وآشر، ثم ولدت ليا من بعد ذلك يساخر، ثم زبولون، فكمل له بذلك عشرة من الولد. ثم دعت راحيل الله عز وجل أن يهب لها ولدا من يعقوب فولدت يوسف، وقد كملت له بحران عشرون سنة، ثم أمر بالرحيل إلى أرض كنعان التي وعدوا بملكها. فارتحل وخرج لابان في اتباعه وعزم له في المقام ٢/٤٤

عنده، فأبى فودعه وانصرف إلى حران وسار يعقوب لوجهه حتى إذا قرب من بلد عيصو، وهو جبل يسعين بأرض الكرك والشوبك لهذا العهد، اعترضه عيصوا لتلقيه وكرامته، فأهدى إليه يعقوب من ماشيته هدية احتلف فيها وتودد إليه بالخضوع والتضرع، فذهب ما كان عند عيصو وأوحى الله إليه بأن يكون اسمه إسرائيل، ومر على أورشاليم وهي بيت المقدس فاشترى لك مزرعة ضرب فيها فسطاطه وأمر ببناء مرجح سماه إيل في مكان الصخرة. ثم حملت راحيل هنالك فولدت له بنيامين، وماتت من نفاسة ودفنها في بيت لحم. ثم جاء إلى أبيه إسحاق بقرية جيرون من أرض كنعان فأقام عنده.

ومات إسحاق عليه السلام لمائة وثمانين سنة من عمره ودفن مع أبيه في المغارة، وأقام يعقوب بمكانه وولده عنده، وشب يوسف عليه السلام على غير حالهم من كرامة الله به، وقص عليهم رؤياه التي بشر الله فيها بأمره فغصوا به وخرجوا معه الى الصيد، فألقوه في الجب واستخرجه السيارة الذين مروا به بعد ذلك وباعوه للعرب بعشرين مثقالا، ويقال إن الذي تولى بيعه هو مالك بن دعر بن واين بن عيفا بن مدين.

واشتراه من العرب عزيز مصر وهو وزيرها أو صاحب شرطتها. قال ابن إسحاق واسمه أطفير بن رجيب وقيل قوطفير. وكان ملكها يومئذ من العماليق، والريان بن الوليد بن دومغ، وربي يوسف عليه السلام في بيت العزيز فكان من شأنه مع امرأته زليخا، ومكثه في السجن، وتعبيره الرؤيا للمحبوسين من أصحاب الملك ما هو مذكور في الكتاب الكريم. ثم استعمله ملك مصر عند ما خشي السنة والغلاء على خزائن الزرع في سائر مملكته يقدر جمعها وتصريف الأرزاق منها وأطلق يده بذلك في جميع أعماله، وألبسه خاتمه وحمله على مركبه، ويوسف لذلك العهد ابن ثلاثين سنة.

فقيل عزل أطفير العزيز وولاه، وقيل بل مات أطفير فتزوج زليخا وتولى عمله وكان ذلك سببا لانتظام شمله بأبيه واخوته لما أصابتهم السنة بأرض كنعان وجاء بعضهم للميرة، وكال لهم يوسف عليه السلام، ورد عليهم بضاعتهم وطالبهم بحضور أخيهم فكان ذلك كله سببا لاجتماعه بأبيه يعقوب بعد أن كبر وعمي.

قال ابن إسحاق: كان ذلك لعشرين سنة من مغيبه، ولما وصل يعقوب إلى بلبيس قريبا من مصر، خرج يوسف ليلقاه، ويقال خرج فرعون معه، وأطلق لهم أرض ٢/٤٥

بلبيس يسكنون بها وينتفعون. وكان وصول يعقوب صلوات الله عليه في سبعين راكبا من بينه، ومعه أيوب النبي من بني عيصو، وهو أيوب من برحما بن زبرج بن رعويل بن عيصو، واستقروا جميعا بمصر ثم قبض يعقوب صلوات الله عليه لسبع عشرة سنة من مقدمه ولمائة وأربعين من عمره، وحمله يوسف صلوات الله عليه إلى أرض فلسطين، وخرج معه أكابر مصر وشيوخها بإذن من فرعون. واعترضهم بعض الكنعانيين في طريقهم، فأوقعوا بهم، وانتهوا إلى مدفن إبراهيم وإسحاق عليهما السلام فدفنوه في المغارة عندهما، وانتقلوا الى مصر، وأقام يوسف صلوات الله عليه بعد موت أبيه ومعه إخوته إلى أن أدركته الوفاة فقبض لمائة وعشرين سنة من عمره، وأدرج في تابوت وختم عليه، ودفن في بعض مجاري النيل. وكان يوسف أوصى أن يجمل عند خروج بني إسرائيل إلى أرض اليفاع، فيدفن هنالك ولم تزل وصيته محفوظة عندهم إلى أن حمله موسى صلوات الله عليه عند خروجه ببني إسرائيل من مصر.

ولما قبض يوسف صلوات الله عليه، وبقي من بقي من الأسباط اخوته وبنيه تحت سلطان الفراعنة بمصر، تشعب نسلهم، وتعددوا إلى أن كاثروا أهل الدولة وارتابوا بهم فاستعبدوهم. قال المسعودي: دخل يعقوب إلى مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف في سبعين راكبا، وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى صلوات الله عليه نحوا من مائتين وعشر سنين، فتداولهم ملوك القبط والعمالقة بمصر، ثم أحصاهم موسى في التيه، وعد من يطيق حمل السلاح من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف ويزيدون. وقد ذكرنا ما في هذا العدد من الوهم والغلو في مقدمة الكتاب، فلا نطول به. ووقوعه في نص التوراة لا يقضي بتحقيق هذا العدد لأن المقام للمبالغة، فلا تكون اعداده نصوصا. وكان ليوسف صلوات الله عليه من الولد كثير، إلا أن المعروف منهم اثنان أفراثيم ومنشى وهما معدودان في الأسباط، لأن يعقوب صلوات الله عليه أدركهما وبارك عليهما وجعلهما من جملة ولده، وقد يزعم بعض من لا تحقيق عنده أن يوسف صلوات الله عليه استقل آخر بملك مصر. وينسب لبعض ضعفة المفسرين ومعتمدهم في ذلك قول ٢/٤٦

يوسف عليه السلام في دعائه: رب قد آتيتني من الملك 12: 101. ولا دليل لهم في ذلك لأن كل من ملك شيئا ولو في خاصة نفسه فاستيلاؤه يسمى ملكا حتى البيت والفرس والخادم، فكيف من ملك التصرف ولو كان في شعب واحد منها فهو ملك وقد كان العرب يسمون أهل القرى والمدائن ملوكا، مثل هجر ومعان ودومة الجندل، فما ظنك بوزير مصر لذلك العهد وفي تلك الدولة، وقد كان في الخلافة العباسية تسمى ولاة الأطراف وعمالها ملوكا، فلا استدلال لهم في هذه الصيغة. وأخرى أيضا فيما يستدلون به من قوله تعالى: «وكذلك مكنا ليوسف في الأرض 12: 56» أن لا يكون لهم فيه مستند لأن التمكين يكون بغير الملك. ونص القرآن إنما هو بولايته على أمور الزرع في جمعه وتفريقه كما قال تعالى: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم 12: 55» . ومساق القصة كلها أنه مرءوس في تلك الدولة بقرائن الحال كلها لا ما يتوهم من تلك اللفظة الواقعة في دعائه، فلا نعدل عن النص المحفوف بالقرائن إلى هذا المتوهم الضعيف.

وأيضا فالقصة في التوراة قد وقعت صريحة في أنه لم يكن ملكا ولا صار اليه ملك.

وأيضا فالأمر الطبيعي من الشوكة والقطامة له يدفع أن يكون حصل له ملك، لأنه إنما كان في تلك الدولة قبل أن يأتي إليه إخوته منفردا لا يملك إلا نفسه ولا يتأتى الملك في هذا الحال وقد تقدم ذلك في مقدمة الكتاب والله أعلم.

وأما عيصو بن إسحاق فسكن جبال بني يسعين من بني جوي، إحدى شعوب كنعان، وهي جبال الشراة بين تبوك وفلسطين وتعرف اليوم ببلاد كرك والشوبك، وكان من شعوبهم هناك على ما في التوراة بنو لوطان وبنو شوبال وبنو صمقون وبنو عنا وبنو ديشوق وبنو يصد وبنو ديسان سبعة شعوب. ومن بني ديشون الأشبان، فسكن عيصو بينهم بتلك البلاد، وتزوج منهم من بنات عنا بن يسعين من جوى، وهي أهليقاما، وتزوج أيضا من بنات حي من الكنعانيين عاذا بنت أيلول، وباسمت بنت إسماعيل عليه السلام. وكان له من الولد خمسة مذكورون في التوراة وأكبرهم أليفاز، بالفاء المفخمة وإشباع حركتها وزاي معجمة من بعدها، من عاذا بنت أيلول، ثم رعويل من باسمت بنت إسماعيل، ثم يعوض ويعلام وقورح من أهليقاما بنت عنا.

وولد أليفاز ستة من الولد ثيمال وأومار وصفو وكعتام وقتال وعمالق السادس، لسرية اسمها تمتاع وهي شقيقة لوطان بن يسعين. وولد رعويل بن عيصو أربعة من الولد، ناحة وزيدم وشتما ومرا. هكذا وقع ذكر ولد العيص وولدهم في التوراة، وفيها أن ٢/٤٧

العيص اسمه أروم ، فلذلك قيل لهم بنو أروم، ولبعض الإسرائيليين أن أروم اسم لذلك الجبل ومعناه بالعبرانية الجبل الأحمر الذي لا نبات به. وقد يقع لبعض المؤرخين أن القياصرة ملوك الروم من ولد عيصو، وقال الطبري: أن الروم وفارس من ولد رعويل ابن باسمت. وليس ذلك كله بصحيح ورأيته في كتاب يوسف بن كرمون مؤرخ العمارة الثانية ببيت المقدس قبيل الجلوة الكبرى، وكان من كهنونية اليهود وهو قريب من الغلط.

قال ابن حزم في كتاب الجمهرة: وكأن لإسحاق عليه السلام ابن آخر غير يعقوب اسمه عيصاب أو عيصو، كان بنوه يسكنون جبال الشراة بين الشام والحجاز، وقد بادوا جملة، إلا أن قوما يذكرون أن الروم من ولده وهذا خطأ. وإنما وقع لهم هذا الغلط لأن موضعهم كان يقال له أروم فظنوا أن الروم من ذلك الموضع، وليس كذلك لأن الروم إنما نسبوا الى رومس باني رومة، فإن ظن ظان أن قول النبي صلى الله عليه وسلم للحر بن قيس هل لك في بلاد بني الأصفر العام، وذلك في غزوة تبوك، يدل على أن الروم من بني الأصفر وهو عيصاب المذكور فليس كما ظن. وقول النبي صلى الله عليه وسلم حق، وإنما عنى عليه السلام بني عيصاب على الحقيقة لا الروم، لأن مغزاه عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة كان إلى ناحية الشراة مسكن القوم المذكورين أه كلام ابن حزم.

وزعم أهروشيوش مؤرخ الروم أن أم الفينان وهاءوا وعالوم وقدوح الأربعة من بنات كاتيم بن ياوان ابن يافث، والأول أصح لأنه نص التوراة. ثم كثر نسل بني عيصو بأرض يسعين وغلبوا الجويين على تلك البلاد وغلبوا بني مدين أيضا على بلادهم إلى أيلة. وتداول فيهم ملوك وعظماء كان منهم فالغ بن ساعور، وبعده يودب بن زيدح، ثم كان منهم هداد بن مداد الذي أخرج بني مدين عن مواطنهم، ثم كان فيهم بعده ملوك إلى أن زحف يوشع الى الشام وفتح أريحاء وما بعدها وانتزع الملك من جميع الأمم الذين كانوا هنالك، ثم استلحمهم بخت نصر عند ما ملك أرض القدس، ولحق بعضهم بأرض يونان، وبعضهم بإفريقية. وأما عمالق بن أليفاز فمن عقبه عند الإسرائيليين عمالقة الشام، وفي قول فراعنة مصر من القبط ونساب العرب، يأبون ٢/٤٨

من ذلك ونسبوهم إلى عملاق بن لاوذ كما مر. ثم بنو يروم وكنعان ولم يبق منهم عين تطرف والله الباقي بعد فناء خلقه.

وأما مدين بن إبراهيم فتزوج بابنة لوط وجعل الله في نسلها البركة، وكان له من الولد خمسة عيفا وعيفين وخنوخ وأنيداغ وألزاعا. وقد تقدم ذكرهم في ولد إبراهيم من قنطورا، فكان منهم مدين أمة كبيرة ذات بطون وشعوب، وكانوا من أكبر قبائل الشام وأكثرهم عددا، وكانت مواطنهم تجاور أرض معان من أطراف الشام مما يلي الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط، وكان لهم تغلب بتلك الأرض، فعتوا وبغوا وعبدوا الآلهة، وكانوا يقطعون السبل ويبخسون في المكيال. وبعث الله فيهم شعيبا نبيا منهم، وهو ابن نويل بن رعويل بن عيا بن مدين. قال المسعودي: مدين هؤلاء من ولد المحضر بن جندل بن يعصب بن مدين، وأن شعيبا أخوهم في النسب، وكانوا ملوكا عدة يسمون بكلمات أبجد إلى آخرها وفيه نظر. وقال ابن حبيب في كتاب البدء: هو شعيب بن نويب بن أحزم بن مدين. وقال السهيلي: شعيب بن عيفا، ويقال ابن صيفون، وشعيب هذا هو شعيب موسى الذي هاجر إليه من مصر أيام القبط واستأجره على إنكاح ابنته إياه على أن يخدمه ثماني سنين، وأخذ عنه آداب الكتاب والنبوة حسبما يأتي عند ذكر موسى صلوات الله عليهما وأخبار بني إسرائيل.

وقال الصيمري الذي استأجر موسى وزوجه: هو بثر بن رعويل، ووقع في التوراة أن اسمه يبثر وأن رعويل أباه أو عمه هو الذي تولى عقد النكاح. وكان لمدين هؤلاء مع بني إسرائيل حروب بالشام، ثم تغلب عليهم بنو إسرائيل وانقرضوا جميعا.

وأما لوط بن هاران أخي إبراهيم عليهما السلام فقد تقدم من خبره مع قومه ما ذكرناه هنالك، ولما نجا بعد هلاكهم لحق بأرض فلسطين، فكان بها مع إبراهيم إلى أن قبضة الله، وكان له من الولد على ما ذكر في التوراة عمون بتشديد الميم واشباع حركتها بالضم ونون بعدها، وموآيي بإشباع ضمة الميم واشباع فتحة الهمزة بعدها وياء تحتية وبعدها ياء ساكنة هوائية، وجعل الله في نسلهما البركة، حتى كانوا من أكثر قبائل الشام، وكانت مساكنهم بأرض البقاء ومدائنها في بلد موآيي ومعان وما والاهما، وكانت لهم مع بني إسرائيل حروب نذكرها في أخبارهم، وكان منهم بلعام بن باعورا بن رسيوم بن برسيم بن موآيي، وقصته مع ملك كنعان حين طلبه في الدعاء على بني إسرائيل أيام موسى صلوات الله عليه وأن دعاءه صرف إلى ٢/٤٩

الكنعانيين، مذكورة في التوراة ونوردها في موضعها.

وأما ناحور أخو إبراهيم عليه السلام فقد تقدم ذكره أنه هاجر مع إبراهيم عليه السلام من بابل الى حران، ثم إلى الأرض المقدسة، فكان معه هنالك، وكانت زوجته ملكا بنت أخيه هاران، وملكا هذه هي أخت سارة زوج إبراهيم عليه السلام وأم إسحاق، وكان لناحور من ملكا على ما وقع في نص التوراة ثمانية من الولد عوص وبوص وقمويل وهو أبو الأرمن، وكاس ومنه الكلدانيون الذين كان منه بخت نصر وملوك بابل، وحذو وبلداس وبلداف ويثويل. وكان له من سرية اسمها أدوما أربعة من الولد وهم طالج وكاحم وتاخش وماعخا. هؤلاء ولد ناحور أخي إبراهيم كلهم مذكورون في التوراة وهم اثنا عشر ولدا، وهؤلاء كلهم بادوا وانقرضوا، ولم يبق منهم إلا الأرمن من قمويل بن ناحورا أخي إبراهيم عليه السلام ابن آزر وهم لهذا العهد على دين النصرانية ومواطنهم في أرمينية شرقي القسطنطنية، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وهذا آخر الكلام في الطبقة الأولى من العرب ومن عاصرهم من الأمم، ولنرجع إلى أهل الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة، والله سبحانه وتعالى الكفيل بالإعانة. ٢/٥٠

الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وأيامهم وملوكهم والإلمام ببعض الدول التي كانت على عهدهم

وإنما سمي أهل هذه الطبقة بهذا الاسم لأن السمات والشعائر العربية لما انتقلت إليهم ممن قبلهم، اعتبرت فيها الصيرورة، بمعنى أنهم صاروا إلى حال لم يكن عليها أهل نسبهم، وهي اللغة العربية التي تكلموا بها، فهو من استفعل بمعنى الصيرورة من قولهم: استنوق الجمل، واستحجر الطين. وأهل الطبقة الأولى لما كانوا أقدم الأمم فيما يعلم جيلا، كانت اللغة العربية لهم بالأصالة وقيل العاربة.

واعلم أن أهل هذا الجيل من العرب يعرفون باليمنية والسبائية، وقد تقدم أن نسابة بني إسرائيل يزعمون أن أباهم سبا من ولد كوش بن كنعان، ونسابة العرب يأبون ذلك ويدفعونه، والصحيح الذي عليه كافتهم أنهم من قحطان، وأن سبا هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال ابن إسحاق يعرب بن يشجب فقدم وأخر. وقال ابن ماكولا على ما نقل عنه السهيلي اسم قحطان مهزم. وبين النسابة خلاف في نسب قحطان فقيل هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام أخو فالغ، ويقطن ولم يقع له ذكر في التوراة، وإنما ذكر فالغ ويقطن. وقيل هو معرب يقطن لأنه اسم أعجمي والعرب تتصرف في الأسماء الأعجمية بتبديل حروفها وتغييرها وتقديم بعضها على بعض. وقيل إن قحطان بن يمن بن قيدار، وقيل إن قحطان من ولد إسماعيل.

وأصح ما قيل في هذا إنه قحطان بن يمن بن قيدر، ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار، وأن يمن هذا سميت به اليمن. وقال ابن هشام أن يعرب ابن قحطان كان يسمى يمنا وبه سميت اليمن. فعلى القول بأن قحطان من ولد إسماعيل تكون العرب كلهم من ولده لأن عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها.

وقد احتج لذلك من ذهب إليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرماة الأنصار:

«ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» . والأنصار من ولد سبا وهو ابن قحطان، وقيل إنما قال ذلك لقوم من أسلم من أقصى إخوة خزاعة بن حارثة بناء على أن نسبهم في سبا. وقال السهيلي ولا حجة في شيء منهما لأنه إذا كانت العرب كلها من ولد ٢/٥٢

إسماعيل، فهذا من السهيلي جنوح إلى القول بمفهوم اللقب وهو ضعيف. ثم قال:

والصحيح أن هذا القول إنما كان منه صلى الله عليه وسلم لأسلم كما قدمناه وإنما أراد أن خزاعة من معد بن إلياس بن مضر وليسوا من سبا، ولا من قحطان كما هو الصحيح في نسبهم على ما يأتي. واحتجوا أيضا لذلك بأن قحطان لم يقع له ذكر في التوراة كما تقدم، فدل على أنه ليس من ولد عابر فترجح القول بأنه من إسماعيل، وهذا مردود بما تقدم أن قحطان معرب يقطن وهو الصحيح، وليس بين الناس خلاف في أن قحطان أبو اليمن كلهم. ويقال إنه أول من تلكم بالعربية ومعناه من أهل هذا الجيل الذين هم العرب المستعربة من اليمنية، وإلا فقد كان للعرب جيل آخر وهم العرب العاربة، ومنهم تعلم قحطان تلك اللغة العربية ضرورة ولا يمكن أن يتكلم بها من ذات نفسه. وكان بنو قحطان هؤلاء معاصرين لإخوانهم من العرب العاربة ومظاهرين لهم على أمورهم، ولم يزالوا مجتمعين في مجالات البادية مبعدين عن رتبة الملك وترفه الذي كان لأولئك فأصبحوا بمنجاة من الهرم الذي يسوق إليه الترف والنضارة، فتشعبت في أرض الفضا فصائلهم، وتعدد في جو القفر أفخاذهم وعشائرهم ونما عددهم، وكثر إخوانهم من العمالقة في آخر ذلك الجيل، وزاحموهم بمناكبهم، واستجدوا خلق الدولة بما استأنفوه من عزهم.

وكانت الدولة لبني قحطان متصلة فيهم، وكان يعرب بن قحطان من أعاظم ملوك العرب. يقال إنه أول من حياه قومه بتحية الملك. قال ابن سعيد: وهو الذي ملك بلاد اليمن وغلب عليها قوم عاد، وغلب العمالقة على الحجاز، وولى إخوته على جميع أعمالهم، فولى جرهما على الحجاز، وعاد بن قحطان على الشحر، وحضرموت بن قحطان على جبال الشحر، وعمان بن قحطان على بلاد عمان هكذا ذكر البيهقي.

وقال ابن حزم: وعد لقحطان عشرة من الولد وأنه لم يعقب منهم أحد، ثم ذكر ابنين منهم دخلوا في حمير، ثم ذكر الحرث بن قحطان، وقال فولد فيما يقال له لا سور، وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن ومن حضرموت إلى اليمامة، ثم ذكر يعرب بن قحطان وقال فيهم الحميرية والعداد انتهى. قال ابن سعيد وملك بعد يعرب ابنه يشجب وقيل اسمه يمن واستبد أعمامه بما في أيديهم من الممالك، وملك بعده ابنه عبد شمس وقيل عابر ويسمى سبا لأنه قيل إنه أول من سن السبي، وبنى مدينة سبا وسد مأرب. وقال صاحب التيجان إنه غزا ٢/٥٣

الأقطار وبنى مدينة عين شمس باقليم مصر وولى عليها ابنه بابليون. وكان لسبإ من الولد كثير وأشهرهم حمير وكهلان اللذان منهما الامتان العظيمتان من اليمنية أهل الكثرة والملك والعز وملك حمير منهم أعظمه. وكان منهم التبابعة كما يذكر في أخبارهم، وعد ابن حزم في ولده زيدان وابنه نجران بن زيدان وبه سميت البلد.

ولما هلك سبا قام بالملك بعده ابنه حمير ويعرف بالعرنجج، وقيل هو أول من تتوج بالذهب ويقال إنه ملك خمسين سنة، وكان له من الولد ستة فيما قال السهيلي:

واثل ومالك وزيد وعامر وعوف وسعد. وقال أبو محمد بن حزم الهميسع: ومالك وزيد وواثل ومشروح ومعديكرب وأوس ومرة. وعاش فيما قال السهيلي ثلاثمائة سنة، وملك بعده ابنه واثل وتغلب أخوه مالك بن حمير على عمان، فكانت بينهما حروب. وقال ابن سعيد: إن الذي ملك بعد حمير أخوه كهلان، ومن بعده واثل بن حمير، ثم من بعد واثل السكسك بن واثل، وكان مالك بن حمير قد هلك وغلب على عمان بعده ابنه قضاعة فحاربه السكسك وأخرجه عنها، وملك بعده ابنه يعفر بن السكسك، وخرجت عليه الخوارج، وحاربه مالك بن الحاف بن قضاعة، وطالت الفتنة بينهما، وهلك يعفر وخلف ابنه النعمان حملا ويعرف بالمعافر، واستبد عليه من بني حمير ماران بن عوف بن حمير ويعرف بذي رياش وكان صاحب البحرين، فنزل نجران واشتغل بحرب مالك بن الحاف بن قضاعة.

ولما كبر النعمان حبس ذا رياش واستبد بأمره وطال عمره وملك بعده ابنه أسجم بن المعافر، فاضطربت أحوال حمير، وصار ملكهم طوائف إلى أن استقر في الرائش وبنيه التبابعة كما نذكره.

ويقال ان بني كهلان تداولوا الملك مع حمير هؤلاء، وملك منهم جبار بن غالب بن كهلان، وملك أيضا من شعوب قحطان نجران بن زيد بن يعرب بن قحطان، وملك من حمير هؤلاء ثم من بني الهميسع بن حمير أبين بن زهير بن الغوث بن أبين بن الهميسع، واليه نسب عرب أبين من بلاد اليمن، وملك منهم أيضا عبد شمس بن واثل بن الغوث بن حيران بن قطن بن عريب بن زهير بن أبين بن الهميسع بن حمير، ثم ملك من أعقابه شداد بن الملطاط بن عمرو بن ذي هرم بن الصوان بن عبد شمس، وبعده أخوه لقمان، ثم أخوهما ذو شدد وهداد ومداثر، وبعده ابنه الصعب ويقال انه ذو القرنين، وبعده أخوه الحرث بن ذي شدد، وهو الرائش جد ٢/٥٤

الملوك التبابعة. وملك في حمير أيضا من بني الهميسع من بني عبد شمس هؤلاء حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس.

قال أبو المنذر هشام بن الكلبي في كتاب الأنساب ونقلته من أصل عتيق بخط القاضي المحدث أبي القاسم بن عبد الرحمن بن حبيش قال: ذكر الكلبي عن رجل من حمير من ذي الكلاع قال: أقبل قيس يحرق موضعا باليمن، فأبدى عن أزج، فدخل فيه، فوجد سريرا عليه رجل ميت وعليه جباب وشي مذهبة، في رأسه تاج، وبين يديه مجحن من ذهب، وفي رأسه ياقوتة حمراء، وإذا لوح مكتوب فيه: بسم الله رب حمير أنا حسان بن عمرو القيل مات في زمان هيد وماهيد هلك فيها اثنا عشر ألف قبيل فكنت آخرهم قبيلا فابتنيت ذا شعبين ليجرني من الموت فاخفرني أه كلامه. وقال الطبري: وقيل أن أول من ملك اليمن من حمير شمر بن الأملوك كان لعهد موسى عليه السلام وبني طفار وأخرج منها العمالقة، ويقال كان من عمال الفرس على اليمن. انتهى الكلام في أخبار حمير الأول والله سبحانه وتعالى ولي العون. ٢/٥٥

الخبر عن ملوك التبابعة من حمير وأوليتهم باليمن ومصاير أمورهم

هؤلاء الملوك من ولد عبد شمس بن واثل بن الغوث باتفاق من النسابين، وقد مر نسبه إلى حمير، وكانت مدائن ملكهم صنعاء، ومأرب على ثلاث مراحل منها، وكان بها السد، ضربته بلقيس ملكة من ملوكهم سدا ما بين جبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقا على قدر ما يحتاجون إليه في سقيهم، وهو الذي يسمى العرم والسكر وهو جمع لا واحد له من لفظه قال الجعدي:

من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما

أي السد ويقال ان الذي بنى السد هو حمير أبو القبائل اليمنية كلها قال الأعشى:

ففي ذلك للمؤتسى اسوة ... مأرب غطى عليه العرم

رخام بناه لهم حمير ... إذا جاءه من رامه لم يرم

وقيل بناه لقمان الأكبر ابن عاد كما قاله المسعودي، وقال: جعله فرسخا في فرسخ، وجعل له ثلاثين شعبا. وقيل وهو الأليق والأصوب أنه من بناء سبا بن يشجب، وأنه ساق إليه سبعين واديا، ومات قبل إتمامه، فأتمه ملوك حمير من بعده. وإنما رجحناه لأن المباني العظيمة، والهياكل الشامخة، لا يستقل بها الواحد كما قدمنا في الكتاب الأول، فأقاموا في جناته عن اليمين والشمال كما وصف القرآن.

ودولتهم يومئذ أوفر ما كانت، وأترف وأبذخ وأعلى يدا وأظهر، فلما طغوا وأعرضوا سلط الله عليهم الخلد، وهو الجرذ فنقبه من أسفله فأجحفهم السيل، وأغرق جناتهم، وخربت أرضهم، وتمزق ملكهم، وصاروا أحاديث.

وكان هؤلاء التبابعة ملوكا عدة في عصور متعاقبة، وأحقاب متطاولة، لم يضبطهم الحصر، ولا تقيدت منهم الشوارد. وربما كانوا يتجاوزون ملك اليمن إلى ما بعد عنهم من العراق والهند والمغرب تارة، ويقتصرون على يمنهم أخرى، فاختلفت أحوالهم واتفقت أسماء كثيرة من ملوكهم، ووقع اللبس في نقل أيامهم ودولهم، فلنأت بما صح منها متحريا جهد الإستطاعة عن طموس من الفكر، واقتفاء التقاييد المرجوع ٢/٥٧

اليها والأصول المعتمد على نقلها، وعدم الوقوف على أخبارهم مدونة في كتاب واحد والله المستعان.

قال السهيلي: معنى تبع الملك المتبع. وقال صاحب المحكم: التبابعة ملوك اليمن وأحدهم تبع لأنهم يتبع بعضهم بعضا كلما هلك واحد قام آخر تابعا له في سيرته، وزادوا الباء في التبابعة لارادة النسب. قال الزمخشري: قيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون، كما قيل الأقيال لأنهم يتقيلون. قال المسعودي: ولم يكونوا يسمون الملك منهم تبعا حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت، وقيل حتى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس، ومن لم يكن له شيء من الأمرين فيسمى ملكا ولا يقال له تبع.

وأول ملوك التبابعة باتفاق من المؤرخين، الحرث الرائش، وإنما سمي الرائش لأنه راش الناس بالعطاء أو اختلف الناس في نسبه بعد اتفاقهم على أنه من ولد واثل بن الغوث بن حيران بن قطن بن عريب بن زهير بن أبين بن الهميسع بن حمير فقال ابن إسحاق وأبو المنذر بن الكلبي: ان قيسا بن معاوية بن جشم. فابن إسحاق يقول في نسبه إلى سبا الحرث بن عدي بن صيفي، وابن الكلبي يقول الحرث بن قيس بن صيفي. وقال السهيلي هو الحرث بن همال بن ذي سدد بن الملطاط بن عمرو بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن واثل وجشم جد سبا هو بن عبد شمس، هذا عند المسعودي. وعند بعضهم أنه أخوه وأنهما معا ابنا واثل. وذكر المسعودي عن عبيد بن شرية الجرهمي، وقد سأله معاوية عن ملوك اليمن في خبر طويل ونسب الحرث منهم، فقال: هو الحرث بن شدد بن الملطاط بن عمرو بن أما الطبري فاختلف نسبه في نسب الحرث، فمرة قال: وبيت ملك التبابعة في سبا الأصغر ونسبه كما مر.

وقال في موضع آخر والحرث بن ذي شدد هو الرائش جد الملوك التبابعة، فجعله إلى شدد ولم ينسبه إلى قيس ولا عدي من ولد سبا. وكذلك اضطرب أبو محمد بن حزم في نسبه في الجمهرة مرة إلى الملطاط ومرة إلى سبا الأصغر، والظاهر أنه تبع في ذلك الطبري والله أعلم.

وملك الحرث الرائش فيما قالوا مائة وخمسا وعشرين سنة، وكان يسمى تبعا، وكان مؤمنا فيما قال السهيلي. ثم ملك بعده ابنه أبرهة ذو المنار مائة وثمانين سنة. قال المسعودي، وقال ابن هشام: أبرهة ذو المنار هو ابن الصعب بن ذي مداثر بن الملطاط، وسمي ذا المنار لأنه رفع المنار ليهتدي به. ثم ملك من بعده أفريقش بن ٢/٥٨

أبرهة مائة وستين سنة. وقال ابن حزم هو أفريقش بن قيس بن صيفي أخو الحرث الرائش، وهو الذي ذهب بقبائل العرب إلى افريقية، وبه سميت. وساق البربر إليها من أرض كنعان، مر بها عند ما غلبهم يوشع وقتلهم، فاحتمل الفل منهم، وساقهم إلى إفريقية، فأنزلهم بها، وقتل ملكها جرجير. ويقال إنه الذي سمى البرابرة بهذا الاسم لأنه لما افتتح المغرب، وسمع رطانتهم قال: ما أكثر بربرتهم فسموا البرابرة.

والبربرة في لغة العرب هي اختلاط أصوات غير مفهومة، ومنه بربرة الأسد. ولما رجع من غزو المغرب ترك هنالك من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى الآن بها، وليسوا من نسب البربر، قاله الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والسهيلي وجميع النسابين.

ثم ملك من بعد أفريقش أخوه العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار عند المسعودي قال: سمي بذلك لكثرة ذعر الناس من جوره. وملك خمسا وعشرين سنة، وكان على عهد سليمان بن داود وقبله بقليل، وغزا ديار المغرب، وسار إليه كيقاوس بن كنعان ملك فارس فبارزه وانهزم كيقاوس وأسره ذو الأذعار، حتى استنقذه بعد حين من يده وزيره رستم زحف إليه بجموع فارس إلى اليمن وحارب ذا الأذعار فغلبه واستخلص كيقاوس من أسره كما نذكره في أخبار ملوك فارس. وقال الطبري إن ذا الأذعار اسمه عمرو بن ابرهة ذي المنار بن الحرث الرائش بن قيس بن صيفي بن سبا الأصغر انتهى. وكان مهلك ذي الأذعار فيما ذكر ابن هشام مسموما على يد الملكة بلقيس.

وملك من بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن ذي الأذعار وهو ذو الصرح، وملك ستا أو عشرا فيما قال المسعودي. وملكت بعده ابنته بلقيس سبع سنين. وقال الطبري: إن اسم بلقيس يلقمة بنت اليشرح بن الحرث بن قيس انتهى. ثم غلبهم سليمان عليه السلام على اليمن كما وقع في القرآن فيقال تزوجها، ويقال بل عزلها في التأيم، فتزوجت سدد بن زرعة بن سبا، وأقاموا في ملك سليمان وابنه أربعا وعشرين سنة. ثم قام بملكهم ناشر بن عمرو ذي الأذعار، ويعرف بناشر النعم، لفظين مركبين جعلا اسما واحدا كذا ضبطه الجرجاني. وقال السهيلي ناشر بن عمرو، ثم قال ويقال ناشر النعم. وفي كتاب المسعودي نافس بن عمرو، ولعله تصحيف ونسبه إلى عمرو ذي الأذعار وليس يتحقق في هذه الأنساب كلها أنها للصلب فإن ٢/٥٩

الآماد، طويلة والأحقاب بعيدة، وقد يكون بين اثنين منهما عدد من الآباء، وقد يكون ملصقا به. وقال هشام بن الكلبي ان ملك اليمن صار بعد بلقيس إلى ناشر بن عمرو بن يعفر الذي يقال له ياسر أنعم، لانعامه عليهم بما جمع من أمرهم وقوي من ملكهم. وزعم أهل اليمن أنه سار غازيا إلى المغرب، فبلغ وادي الرمل ولم يبلغه أحد ولم يجد فيه مجازا لكثرة الرمل، وعبر بعض أصحابه، فلم يرجعوا فأمر بصنم من نحاس نصب على شفير الوادي، وكتب في صدره بالخط المسند هذا الصنم لياسر أنعم الحميري ليس وراءه مذهب فلا يتكلف أحد ذلك فيعطب انتهى.

ثم ملك بعد ياسر هذا ابنه شمر مرعش، سمي بذلك لارتعاش كان به. ويقال انه وطئ أرض العراق وفارس وخراسان وافتتح مدائنها وخرب مدينة الصغد وراء جيحون، فقالت العجم «شمر كنداي» شمر خرب. وبنى مدينة هنالك فسميت باسمه هذا، وعربته العرب فصار سمرقند. ويقال انه الذي قاتل قباذ ملك الفرس وأسره، وأنه الذي حير الحيرة. وكان ملكة مائة وستين سنة، وذكر بعض الأخباريين أنه ملك بلاد الروم، وأنه الذي استعمل عليهم ماهان قيصر فهلك، وملك بعده ابنه دقيوس. وقال السهيلي في شمر مرعش الذي سميت به سمرقند انه شمر بن مالك ومالك هو الأملوك الذي قيل فيه:

فنقب عن الأملوك واهتف بذكره ... وعش دار عز لا يغالبه الدهر

وهذا غلط من السهيلي فإنهم مجمعون على أن الأملوك كان لعهد موسى صلوات الله عليه وشمر من أعقاب ذي الأذعار الذي كان على عهد سليمان، فلا يصح ذلك إلا أن يكون شمر ابرهة، ويكون أول دولة التبابعة.

ثم ملك على التبابعة بعد شمر مرعش تبع الأقرن واسمه زيد. (قال السهيلي) وهو ابن شمر مرعش وقال الطبري انه ابن عمرو ذي الأذعار. وقال السهيلي إنما سمي الأقرن لشامة كانت في قرنه، وملك ثلاثا وخمسين سنة. وقال المسعودي ثلاثا وستين. ثم ملك من بعده ابنه ملكيكرب وكان مضعفا ولم يغزقط إلى أن مات. وملك بعده ابنه تبان أسعد أبو كرب، ويقال هو تبع الآخر وهو المشهور من ملوك التبابعة. وعند الطبري أن الذي بعد ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار تبع الأقرن أخوه، ثم بعد تبع الأقرن شمر مرعش بن ياسر ينعم، ثم من بعده تبع الأصغر وهو تبان أسعد أبو كرب هذا هو تبع الآخر وهو المشهور من ملوك التبابعة. وقال الطبري: ويقال له الرائد ٢/٦٠

وكان على عهد يستاسب وحافده أردشير يمن ابن ابنه أسفنديار من ملوك الفرس وأنه شخص من اليمن غازيا ومر بالحيرة فتحير عسكره هنالك فسميت الحيرة. وخلف قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فأقاموا هنالك وبنو الإطام، واجتمع إليهم ناس من طيرة وكلب والسكون وأياد والحرث بن كعب. ثم توجه إلى الأنبار ثم الموصل ثم أذربيجان، ولقي الترك فهزمهم وقتل وسبى، ثم رجع إلى اليمن، وهابته الملوك وهادنه ملوك الهند. ثم رجع لغزو الترك، وبعث ابنه حسان إلى الصغد، وابنه يعفر إلى الروم، وابن أخيه شمر ذي الجناح إلى الفرس. وان شمر لقي كيقباذ ملك الفرس فهزمه، وملك سمرقند وقتله، وجاز إلى الصين فوجد أخاه حسان قد سبقه إليها، فأثخنا في القتل والسبي، وانصرفا بما معهما من الغنائم إلى أبيهما. وبعث ابنه يعفر إلى القسطنطينية فتلقوه بالجزية، والإتاوة فسار إلى رومة، وحصرها ووقع الطاعون في عسكره، فاستضعفهم الروم ووثبوا عليهم فقتلوهم، ولم يفلت منهم أحد. ثم رجع إلى اليمن، ويقال أنه ترك ببلاد الصين قوما من حمير وأنهم بها لهذا العهد، وأنه ترك ضعفاء الناس بظاهر الكوفة فتحيروا لك وأقاموا معهم من كل قبائل العرب.

وقال ابن إسحاق إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة تبع الآخر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد الأقرن ابن عمرو ذي الأذعار، وتبان أسعد هو حسان تبع وهو فيما يقال أول من كسا الكعبة، وذكر ابن إسحاق الملأ والوصائل، وأوصى ولاته من جرهم بتطهيرها وجعل لها بابا ومفتاحا، وذكر ابن إسحاق أنه أخذ بدين اليهودية، وذكر في سبب تهوده أنه لما غزا إلى المشرق مر بالمدينة يثرب فملكها، وخلف ابنه فيهم، فعدوا عليه وقتلوه غيلة ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة من بني النجار. فلما أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة مجمعا على خرابها فجمع هذا الحي من أبناء قيلة لقتاله فقاتلهم، وبينما هم على ذلك جاءه حبران من أحبار يهود من بني قريظة، وقالا له: لا تفعل فإنك لن تقدر وأنها مهاجر نبي قرشي يخرج آخر الزمان فتكون قرارا له. وانه أعجب بهما واتبعهما على دينهما، ثم مضى لوجهه.

ولقيه دون مكة نفر من هذيل، وأغروه بمال الكعبة وما فيها من الجواهر والكنوز، فنهاه الحبران عن ذلك وقالا له إنما أراد هؤلاء هلاكك. فقتل النفر من الهذليين وقدم مكة فأمره الحبران بالطواف بها والخضوع، ثم كساها كما تقدم، وأمر ولاتها من ٢/٦١

جرهم بتطهيرها من الدماء والحيض وسائر النجاسات، وجعل لها بابا ومفتاحا، ثم سار إلى اليمن. وقد ذكر قومه ما أخذ به من دين اليهودية، وكانوا يعبدون الأوثان، فتعرضوا لمنعه ثم حاكموه إلى النار التي كانوا يحاكمون إليها، فتأكل الظالم وتدع المظلوم، وجاءوا بأوثانهم. وخرج الحبران متقلدان المصاحف، ودخل الحميريون فأكلتهم وأوثانهم، وخرج الحبران منها ترشح وجوههم وجباههم عرقا، فآمنت حمير عند ذلك، وأجمعوا على اتباع اليهودية. ونقل السهيلي عن ابن قتيبة في هذه الحكاية ان غزاة تبع هذه، إنما هي استصراخة أبناء قيلة على اليهود، فإنهم كانوا نزلوا مع اليهود حين أخرجوهم من اليمن على شروط، فنقضت عليهم اليهود فاستغاثوا بتبع فعند ذلك قدمها وقد قيل: ان الذي استصرخه أبناء قيلة على اليهود إنما هو أبو جبلة من ملوك غسان بالشام، جاء به مالك بن عجلان، فقتل اليهود بالمدينة، وكان من الخزرج كما نذكر بعد. ويعضد هذا أن مالك بن عجلان بعيد عن عهد تبع بكثير، يقال إنه كان قبل الإسلام بسبعمائة سنة ذكره ابن قتيبة. وحكى المسعودي في أخبار تبع هذا أن أسعد أبا كرب سار في الأرض، ووطأ الممالك وذللها ووطئ أرض العراق في ملك الطوائف، وعميد الطوائف يومئذ خرداد بن سابور، فلقي ملكا من ملوك الطوائف اسمه قباذ، وليس قباذ بن فيروز، فانهزم قباذ وملك أبو كرب العراق والشام والحجاز وفي ذلك يقول تبع أبو كرب:

إذ حسينا جيادنا من دماء ... ثم سرنا بها مسيرا بعيدا

واستبحنا بالخيل خيل قباذ ... وابن إقليد جاءنا مصفودا

وكسونا البيت الذي حرم ... الله ملاء منضدا وبرودا

وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابة اقليدا

(وقال أيضا)

لست بالتبع اليماني ان لم ... تركض الخيل في سواد العراق

أو تؤدي ربيعة الخرج قسرا ... لم يعقها عوائق العواق

وقد كانت لكندة معه وقائع وحروب، حتى غلبهم حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة من ملوك كهلان، فدانوا له ورجع أبو كرب إلى اليمن، فقتله حمير وكان ملكه ثلاثمائة وعشرين سنة. ٢/٦٢

ثم ملك من بعد أبي كرب هذا فيما قال ابن إسحاق ربيعة بن نصر بن الحرث بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام. وقال ابن هشام ويقال ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر. كان أبو حارثة تخلف باليمن بعد خروج أبيه، وأقام ربيعة بن نصر ملكا على اليمن بعد هؤلاء التبابعة الذين تقدم ذكرهم، ووقع له شأن الرؤيا المشهورة. قال الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها، وبعث في أهل مملكته في الكهنة والسحرة والمنجمين وأهل العيافة، فأشاروا عليه باستحضار الكاهنين المشهورين لذلك العهد في إياد وغسان، وهما شق وسطيح. قال الطبري شق هو أبو صعب شكر بن وهب بن أمول بن يزيد بن قيس عبقر بن أنمار، وسطيح هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذيب بن عدي بن مازن بن غسان، ولوقوع اسم ذيب في نسبه كان يعرف بالذيبي.

فأحضرهما وقص عليهما رؤياه وأخبراه بتأويلها، أن الحبشة يملكون بلاد اليمن من بعد ربيعة وقحطان بسبعين سنة، ثم يخرج عليهم ابن ذي يزن من عدن فيخرجهم، ويملك عليهم اليمن، ثم تكون النبوة في قريش في بني غالب بن فهر. ووقع في نفس ربيعة أن الذي حدثه الكاهنان من أمر الحبشة كائن، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرداذ فأسكنهم الحيرة.

ومن بيت ربيعة بن نصر كان النعمان ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. قال ابن إسحاق ولما هلك ربيعة بن نصر اجتمع ملك اليمن لحسان بن تبان أسعد أبي كرب. قال السهيلي وهو الذي استباح طسما كما ذكرناه، وبعث على المقدمة عبد كهلان بن يثرب بن ذي حرب بن حارث بن ملك بن عبدان بن حجر بن ذي رعين. واسم ذي رعين يريم وهو ابن زيد الجمهور، وقد مر نسبه إلى سبا الأصغر. وقال السهيلي في أيام حسان تبع كان خروج عمرو بن مزيقياء من اليمن بالأزد، وهو غلط من السهيلي لأن أبا كرب أباه إنما غزا المدينة فيما قال هو صريخا للأوس والخزرج على اليهود وهو من غسان ونسبه إلى مزيقياء، فعلى هذا يكون الذي استصرخه الأوس والخزرج على اليهود إنما هو من ملوك غسان كما يأتي في أخبارهم. قال ابن إسحاق: ولما ملك حسان بن تبع بن تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم كما كانت التبابعة تفعل، فكرهت حمير ٢/٦٣

وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجوع إلى بلادهم، فكلموا أخا له كان معهم في العسكر يقال له عمرو، وقالوا له اقتل أخاك نملكك وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك وخالفه ذو رعين في ذلك ونهى عمرا عن ذلك، فلم يقبل وكتب في صحيفة وأودعها عنده:

ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين

فأما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين

ثم قتل عمرو أخاه بعرصة لخم، وهي رحبة مالك بن طوق، ورجع حمير إلى اليمن فمنع النوم عليه السهر، وأجهده ذلك فشكى إلى الأطباء عدم نومه والكهان والعرافين، فقالوا ما قتل رجل أخاه إلا سلط عليه السهر. فجعل يقتل كل من أشار عليه بقتل أخيه ولم يغنه ذلك شيئا، وهم بذي رعين فذكره شعره فكانت فيه معذرته ونجاته. وكان عمرو هذا يسمى موثبان، قال الطبري: لوثوبه على أخيه، وقال ابن قتيبة لقلة غزوة ولزومه الوثب على الفراش. وهلك عمرو هذا لثلاث وستين سنة من ملكه.

قال الجرجاني والطبري: ثم مرج أمر حمير من بعده وتفرقوا، وكان ولد حسان تبع صغارا لا يصلحون للملك وكان أكبرهم قد استهوته الجن، فوثب على ملك التبابعة عبد كلال موثبا فملك عليهم أربعا وتسعين سنة، وكان يدين بالنصرانية، ثم رجع ابن حسان تبع من استهواء الجن فملك على التبابعة. قال الجرجاني ملك ثلاثا وسبعين سنة وهو تبع الأصغر ذو المغازي والآثار البعيدة. قال الطبري: وكان أبوه حسان تبع قد زوج بنته من عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية من ملوك كندة، فولدت له ابنه الحرث بن عمرو، فكان ابن تبع بن حسان هذا، فبعثه على بلاد معد، وملك على العرب بالحيرة مكان آل نصر بن ربيعة. قال وانعقد الصلح بينه وبين كيقباد ملك فارس على أن يكون الفرات حدا بينهم، ثم أغارت العرب بشرقي الفرات، فعاتبه على ذلك، فقال لا أقدر على ضبط العرب الا بالمال والجند، فأقطعه بلادا من السواد، وكتب الحرث إلى تبع يغريه بملك الفرس، وتضعيف أمر كيقباد، فغزاهم. وقيل إن الذي فعل ذلك هو عمرو بن حجر أبوه الذي ولاه تبع أبو كرب، وأنه أغراه بالفرس واستقدمه إلى الحيرة، فبعث عساكره مع ولده الثلاثة إلى الصغد والصين والروم، وقد تقدم ذكر ذلك. ٢/٦٤

قال الجرجاني: ثم ملك بعد تبع بن حسان تبع أخوه لأمه وهو مدثر بن عبد كلال، فملك احدى وأربعين سنة. ثم ملك من بعده ابنه وليعة بن مدثر وثلاثين سنة.

ثم ملك من بعده أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة بن مدثر قيلف بن يعلق بن معديكرب بن عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح الحرث بن مالك، أخو ذي رعين، وكعب أبو سبا الأصغر. قال الجرجاني: وبعض الناس يزعم أن أبرهة بن الصباح إنما ملك تهامة فقط. قال: ثم ملك من بعده حسان بن عمرو بن تبع بن ملكيكرب سبعا وخمسين سنة، ثم ملك لخيتعة ولم يكن من أهل بيت المملكة. قال ابن إسحاق ولما ملك لخيتعة غلب عليهم، وقتل خيارهم، وعبث برجالات بيوت المملكة منهم، قيل إنه كان ينكح ولدان حمير، يريد بذلك أن لا يملكوا عليهم، وكانوا لا يملكون عليهم من نكح، نقله ابن إسحاق. وقال أقام عليهم مملكا سبعا وعشرين سنة، ثم وثب عليه ذو نواس زرعة تبع بن تبان أسعد أبي كرب، وهو حسان أبي ذي معاهر فيما قال ابن إسحاق، وكان صبيا حين قتل حسان ثم شب غلاما جميلا ذا هيئة وفضل ووضاءة ففتك بالختيعة في خلوة اراده فيها على مثل فعلاته القبيحة، وعلمت به حمير وقبائل اليمن فملكوه واجتمعوا عليه، وجدد ملك التبابعة، وتسمى يوسف وتعصب لدين اليهودية، وكانت مدته فيما قال ابن إسحاق ثمانية وستين سنة، الى هنا أه ترتيب ابى الحسن الجرجاني. ثم قال: وقال آخرون ملك بعد أفريقش بن أبرهة قيس بن صيفي، وبعده الحرث بن قيس بن مياس، ثم ماء السماء بن ممروه ثم شرحبيل وهو يصحب بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن علي بن الهمال، ثم ياسر بن الحرث بن عمرو بن يعفر، ثم زهير بن عبد شمس أحد بني صيفي بن سبا الأصغر وكان فاسقا مجرما يفتض أبكار حمير حتى نشأت بلقيس بنت اليشرح بن ذي جدن بن اليشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي فقتلته غيلة، ثم ملكت. ولما أخذها سليمان ملك لمك بن شرحبيل، ثم ملك ذو وداغ فقتله ملكيكرب بن تبع بن الأقرن وهو أبو ملك، ثم هلك. فملك أسعد بن ٢/٦٥

قيس بن زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبا، وهو أبو كرب، ثم ملك حسان ابنه فقتله عمرو أخوه ووقع الاختلاف في حمير، ووثب على عمرو الختيعة ينوف ذو الشناتر وملك. ثم قتله ذو نواس بن تبع وملك. أه كلام الجرجاني.

وزعم ابن سعيد ونقله من كتب مؤرخي المشرق أن الحرث الرائش هو ابن ذي شدد ويعرف بذي مداثر، وأن الذي ملك بعده ابنه الصعب وهو ذو القرنين، ثم ابنه أبرهة بن الصعب وهو ذو المنار، ثم العبد ذو الأشفار ابن أبرهة بن عمرو ذي الأذعار ابن أبرهة، ثم قتلته بلقيس. قال في التيجان: إن حمير خلعوه، وملكوا شرحبيل ابن غالب بن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن واثل وكان بمأرب، فجاز به ذو الأذعار وحارب ابنه الهدهاد بن شرحبيل من بعده، وابنته بلقيس بنت الهدهاد الملكة من بعده، فصالحته على التزويج وقتلته، وغلبها سليمان عليه السلام على اليمن إلى أن هلك وابنه رحبعم من بعده. واجتمعت حمير من بعده على مالك بن عمرو ابن يعفر بن عمرو بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن يزيد بن يعفر بن السكسك بن واثل بن حمير، وملك بعده ابنه شمر يرعش وهو الذي خرب سمرقند، وملك بعده ابنه صيفي بن شمر على اليمن، وسار أخوه أفريقش بن شمر إلى إفريقية بالبربر وكنعان فملكها. ثم انتقل الملك إلى كهلان وقام به عمران بن عامر ماء السماء بن حارثة امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد وكان كاهنا، ولما احتضر عهد إلى أخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا وأعلمه بخراب سد مأرب وهلاك اليمن بالسيل، فخرج من اليمن بقومه وأصحاب اليمن سيل العرم فلم ينتظم لبني قحطان بيعته، واستولى على قصر مأرب من بعده ربيعة بن نصر. ثم رأى رؤيا ونذر بملك الحبشة وبعث ولده إلى العراق وكتب إلى سابور الأشعاني فأسكنهم الحيرة وكثرت الخوارج باليمن. فاجتمعت حمير على أن تكون لأبي كرب أسعد بن عدي بن صيفي فخرج من ظفار وغلب ملوك الطوائف باليمن، ودوخ جزيرة العرب، وحاصر الأوس والخزرج بالمدينة، وحمل حمير على اليهودية، وطالت مدته وقتلته حمير. وملك بعده ابنه حسان الذي أباد طسما، ثم قتله أخوه عمرو بمداخلة حمير، وهلك عمرو. فملك بعده أخوه لأبيه عبد كلال بن منوب، وفي أيامه خلع سابور أكتاف العرب. وملك بعده تبع بن حسان وهو الذي بعث ابن أخيه الحرث بن عمرو ٢/٦٦

الكندي إلى أرض بني معد بن عدنان بالحجاز فملك عليهم. وملك بعده مرثد بن عبد كلال. ثم ابنه وليعة وكثرت الخوارج عليه، وغلب أبرهة بن الصباح على تهامة اليمن، وكان في ظفار دار التبابعة حسان بن عمرو بن أبي كرب، ثم وثب بعده على ظفار ذو شناتر، وقتله ذو نواس كما مر، هذا ترتيب ابن سعيد في ملوكهم.

وعند المسعودي: أنه لما هلك كليكرب بن تبع المعروف بالأقرن، قال وهو الذي سار قومه نحو خراسان والصغد والصين، وولي بعده حسان بن تبع، فاستقام له الأمر خمسا وعشرين سنة، ثم قتله أخوه عمرو بن تبع، وملك أربعا وستين سنة، ثم تبع أبو كرب وهو الذي غزا يثرب وكسا الكعبة بعد أن أراد هدمها، ومنعه الحبران من اليهود، وتهود وملك مائة سنة. ثم بعده عمرو بن تبع أبي كرب، وخلع وملكوا مرثد بن عبد كلال، واتصلت الفتن باليمن أربعين سنة. ومن بعده وليعة بن مرثد تسعا وثلاثين سنة. ومن بعده أبرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد، ويدعى شيبة الحمد ثلاثا وتسعين سنة، وكانت له سير وقصص. ومن بعده عمرو ذو قيفان تسع عشرة سنة. ومن بعده لخيتعة ذو شناتر ومن بعده ذو نواس.

وأما ابن الكلبي والطبري وابن حزم فعندهم أن تبع أسعد أبي كرب هو ابن كليكرب بن زيد الأقرن ابن عمرو بن ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار الرائش بن قيس بن صيفي بن سبا الأصغر. وقال السهيلي انه أسقط أسماء كثيرة وملوكا. وقال ابن الكلبي وابن حزم: ومن ملوك التبابعة أفريقش بن صيفي، ومنهم شمر يرعش ابن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار، ومنهم بلقيس ابنه اليشرح بن ذي جدن بن اليشرح بن الحرث الرائش بن قيس بن صيفي. ثم قال ابن حزم بعد ذكر هؤلاء من التبابعة: وفي أنسابهم اختلاف وتخليط وتقديم وتأخير ونقصان وزيادة، ولا يصح من كتب أخبار التبابعة وأنسابهم إلا طرف يسير لاختلاف رواتهم وبعد العهد أه.

وقال الطبري لم يكن لملوك اليمن نظام وإنما كان الرئيس منهم يكون ملكا على مخلافه لا يتجاوزه، وان تجاوز بعضهم عن مخلافه بمسافة يسيرة من غير أن يرث ذلك الملك عن آبائه ولا يرثه أبناؤه عنه إنما هو شأن شداد المتلصصة يغيرون على النواحي باستغفال أهلها، فإذا قصدهم الطلب لم يكن لهم ثبات، وكذلك كان أمر ملوك اليمن يخرج أحدهم من مخلافه بعض الأحيان ويبعد في الغزو والإغارة فيصيب ما يمر به، ثم يتشمر عند خوف الطلب زاحفا إلى مكانه من غير أن يدين له أحد من غير مخلافه ٢/٦٧

بالطاعة أو يؤدي إليه خراجا أه.

وأما الخبر عن ذي نواس وما بعده فاتفق أهل الأخبار كلهم أن ذا نواس هو ابن تبان أسعد واسمه زرعة، وأنه لما تغلب على ملك آبائه التبابعة، تسمى يوسف وتعصب لدين اليهودية، وحمل عليه قبائل اليمن، وأراد أهل نجران عليها، وكانوا من بين العرب يدينون بالنصرانية ولهم فضل في الدين واستقامة. وكان رئيسهم في ذلك يسمى عبد الله بن الثامر، وكان هذا الدين وقع اليهم قديما من بقية أصحاب الحواريين من رجل سقط لهم من ملك التبعية يقال له ميمون نزل فيهم، وكان مجتهدا في العبادة، مجاب الدعوة، وظهرت على يده الكرامات في شفاء المرضى، وكان يطلب الخفاء عن الناس جهده، وتبعه على دينه رجل من أهل الشام اسمه صالح، وخرجا فارين بأنفسهما، فلما وطئا بلاد العرب اختطفتهما سيارة فباعوهما بنجران، وهم يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم، ويعلقون عليها في الأعياد من حليهم وثيابهم، ويعكفون عليها أياما. وافترقا في الدير على رجلين من أهل نجران، وأعجب سيد ميمون صلاته ودينه وسأله عن شأنه، فدعاه إلى الدين وعبادة الله، وأن عبادة النخلة باطل، وأنه لو دعا معبوده عليها هلكت. فقال له سيده إن فعلت دخلنا في دينك. فدعا ميمون فأرسل الله ريحا فجعفت النخلة من أصلها، وأطبق أهل نجران على أتباع دين عيسى صلوات الله عليه. ومن رواية ابن إسحاق أن ميمون نزل بقرية من قرى نجران، وكان يمر به غلمان أهل نجران، يتعلمون من ساحر كان بتلك القرية، وفي أولئك الغلمان عبد الله بن الثامر، فكان يجلس إلى ميمون، ويسمع منه فآمن به واتبعه، وحصل على معرفة اسم الله الأعظم، فكان مجاب الدعوة لذلك، واتبعه الناس على دينه، وأنكر عليه ملك نجران وهم بقتله. فقال له: لن تطيق حتى تؤمن وتوحد فآمن ثم قتله، فهلك ذلك الملك مكانه . واجتمع أهل نجران ٢/٦٨

على دين عبد الله بن الثامر، وأقام أهل نجران على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى دخلت عليهم في دينهم الأحداث. ودعاهم ذو نواس إلى دين اليهودية، فأبوا.

فسار إليهم في أهل اليمن وعرض عليهم القتل فلم يزدهم إلا جماحا، فخدد لهم الأخاديد، وقتل وحرق حتى أهلك منهم فيما قال ابن إسحاق عشرين ألفا أو يزيدون، وأفلت منهم رجل من سبا يقال له دوس ذو ثعلبان فسلك الرمل على فرسه وأعجزهم.

ملك الحبشة اليمن

قال هشام بن محمد الكلبي في سبب غزو ذي نواس أهل نجران أن يهوديا كان بنجران فعدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلما، فرفع أمره إلى ذي نواس، وتوسل له باليهودية واستنصره على أهل نجران وهم نصارى، فحمي له ولدينه وغزاهم. ولما أفلت دوس ذو ثعلبان فقدم على قيصر صاحب الروم يستنصره على ذي نواس، وأعلمه بما ركب منهم وأراه الإنجيل قد احترق بعضه بالنار، فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره، وطلب بثأره، وبعث معه النجاشي سبعين ألفا من الحبشة. وقيل إن صريخ دوس كان أولا للنجاشي، وإنه اعتذر اليه بقلة السفن لركوب البحر، وكتب إلى قيصر وبعث إليه بالإنجيل المحرق، فجاءته السفن وأجاز فيها العساكر من الحبشة، وأمر عليهم أرباطا رجلا منهم، وعهد إليه بقتلهم وسبيهم وخراب بلادهم فخرج أرباط لذلك ومعه أبرهة الأشرم فركبوا البحر، ونزلوا ساحل اليمن.

وجمع ذو نواس حمير ومن أطاعه من أهل اليمن على افتراق واختلاف في الأهواء، فلم يكن كبير حرب وانهزموا. فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه بفرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه وخاض ضحضاح البحر، ثم أفضى به إلى غمرة فأقحمه فيه، فكان آخر العهد به، ووطئ أرباط اليمن بالحبشة، وبعث إلى النجاشي بثلث السبي كما عهد له، ثم أقام بها فضبطها وأذل رجالات حمير، وهدم حصون الملك بها مثل سلجيق وسون وغمدان، وقال ذو يزن يرثي حمير وقصور الملك باليمن:

هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكن أسفا في إثر من ماتا

أبعد سون فلا عين ولا أثر ... وبعد سلجيق يبني الناس أبياتا ٢/٦٩

وفي رواية هشام بن محمد الكلبي أن السفن قدمت على النجاشي من قيصر، فحمل فيها الحبش ونزلوا بساحل اليمن، واستجاش ذو نواس بأقيال حمير فامتنعوا من صريخه وقالوا: كل أحد يقاتل عن ناحيته. فألقى ذو نواس باليد ولم يكن قتال.

وأنه سار بهم إلى صنعاء، وبعث عماله في النواحي لقبض الأموال، وعهد بقتلهم في كل ناحية، فقتلوا. وبلغ ذلك النجاشي فجهز إلى اليمن سبعين ألفا، وعليهم أبرهة فبلغوا صنعاء، وهرب ذو نواس واعترض البحر فكان آخر العهد به. وملك أبرهة اليمن ولم يبعث إلى النجاشي بشيء وذكر له أنه خلع طاعته فوجه جيشا من أصحابه عليهم أرباط. ولما حل بساحته دعاه إلى النصفة والنزال فتبارزا وخدعه أبرهة، وأكمن عبدا له في موضع المبارزة، فلما التقيا ضربه أرباط فشرم أنفه، وسمي الأشرم وخالفه العبد من الكمين فضرب أرباطا فأنفذه، وبلغ النجاشي خبر أرباط فحلف ليريقن دمه . ثم كتب إليه أبرهة واسترضاه فرضي عليه وأقره على عمله.

وقال ابن إسحاق إن أرباط هو الذي قدم اليمن أولا وملكه وانتقض عليه أبرهة من بعد ذلك، فكان ما ذكرنا من الحرب بينهما وقتل أرباط، وغضب النجاشي لذلك ثم أرضاه واستبد أبرهة بملك اليمن.

ويقال إن الحبشة لما ملكوا اليمن أمر أبرهة بن الصباح، وأقاموا في خدمته. قاله ابن سلام: وقيل إن ملك حمير لما انقرض أمر التبابعة صار متفرقا في الأذواء من ولد زيد الجمهور. وقام بملك اليمن منهم ذو يزن من ولد مالك بن زيد. قال ابن حزم:

واسمه علس بن زيد بن الحرث بن زيد الجمهور. وقال ابن الكلبي وأبو الفرج الأصبهاني: هو علس بن الحرث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور. قالوا كلهم: ولما ملك ذو يزن بعد مهلك ذي نواس واستبد أمر الحبشة على أهل اليمن، طالبوهم بدم النصارى الذين في أهل نجران، فساروا إليه وعليهم أرباط، ولقيهم فيمن معه فانهزم واعترض البحر، فأقحم فرسه وغرق فهلك بعد ذي نواس، وولي ابنه مرثد بن ذي يزن مكانه، وهو الذي استجاشه امرؤ القيس على بني أسد وكان من عقب ذي يزن أيضا، من هؤلاء الأذواء علقمة ذو قيفال بن شراحيل بن ذي يزن، وملك مدينة الهون فقتله أهلها من همدان أه. ولما استقر أبرهة في ملك اليمن أساء السير في حمير، ورؤسائهم وبعث في ريحانة بنت علقمة بن ٢/٧٠

مالك بن زيد بن كهلان فانتزعها من زوجها أبي مرة بن ذي يزن، وقد كانت ولدت منه ابنه معديكرب، وهرب أبو مرة، ولحق بأطراف اليمن واصطفى أبرهة ريحانة فولدت له مسروق بن أبرهة وأخته بسباسة. وكان لأبرهة غلام يسمى عمددة، وكان قد ولاه الكثير من أمره، فكان يفعل الأفاعيل حتى عدا عليه رجل من حمير أو خثعم فقتله وكان حليما فأهدر دمه.

غزو الحبشة الكعبة

ثم إن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء تسمى القليس لم ير مثلها وكتب إلى النجاشي بذلك، وإلى قيصر في الصناع والرخام والفسيفساء، وقال لست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. وتحدث العرب بذلك فغضب رجل من السادة، أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، وخرج حتى أتى القليس فقعد فيها، ولحق بأرضه. وبلغ أبرهة وقيل له الرجل من البيت الذي يحج إليه العرب، فحلف ليسيرن إليه يهدمه. ثم بعث في الناس يدعوهم إلى حج القليس، فضرب الداعي في بلاد كنانة بسهم فقتل وأجمع أبرهة على غزو البيت وهدمه، فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل. فلقيه ذو نفر الحميري وقاتله فهزمه وأسره، واستبقاه دليلا في أرض العرب. قال ابن إسحاق: ولما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فأتوه بالطاعة وبعثوا معه أبا رغال دليلا، فأنزله المغمس بين الطائف ومكة فهلك هنالك ورجمت العرب قبره من بعد ذلك قال جرير:

إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال

ثم بعث أبرهة خيلا من الحبشة، فانتهوا إلى مكة، واستاقوا أموال أهلها، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب وهو يومئذ سيد قريش، فهموا بقتاله ثم علموا أن لا طاقة لهم به فاقصروا. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة يعلمهم بمقصده من هدم البيت، ويؤذنهم بالحرب إن اعترضوا دون ذلك، وأخبر عبد المطلب بذلك عن أبرهة، فقال له:

والله ما نريد حربه، وهذا بيت الله فان يمنعه فهو بيته وان يخلي عنه فما لنا نحن من دافع. ثم انطلق به إلى أبرهة، ومر بذي نفر وهو أسير، فبعث معه إلى سائس الفيل، وكان صديقا لذي نفر، فاستأذن له على أبرهة، فلما رآه جله ونزل عن سريره، فجلس معه على بساطه. وسأله عبد المطلب في الإبل. فقال له أبرهة هلا ٢/٧١

سألت في البيت الذي هو دينك ودين آبائك وتركت البعير. فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. فرد عليه إبله. قال الطبري: وكان فيما زعموا قد ذهب مع عبد المطلب عمرو بن لعابة بن عدي بن الرمل سيد كنانة، وخويلد بن واثلة سيد هذيل، وعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ويرجع عن هدم البيت، فأبى عليهم، فانصرفوا. وجاء عبد المطلب وأمر قريشا بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب للتحرز فيها، ثم قام عند الكعبة ممسكا بحلقة الباب ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه، وعبد المطلب ينشد ويقول:

لا هم إن العبد ... يمنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك

وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك

في أبيات معروفة.

ثم أرسل الله عليهم الطير الأبابيل من البحر، ترميهم بالحجارة فلا تصيب أحدا منهم إلا هلك مكانه، وأصابه في موضع الحجر من جسده كالجدري والحصبة فهلك، وأصيب أبرهة في جسده بمثل ذلك، وسقطت أعضاؤه عضوا عضوا، وبعثوا بالفيل ليقدم على مكة فربض ولم يتحرك فنجا. وأقدم فيل آخر فحصب وبعث الله سيلا مجحفا فذهب بهم، وألقاهم في البحر. ورجع أبرهة إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فانصدع صدره عن قلبه ومات.

ولما هلك أبرهة ملك مكانه ابنه يكسوم وبه كان يكنى واستفحل ملكه وأذل حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة، فقتلوا رجالهم ونكحوا نساءهم واستخدموا أبناءهم.

ثم هلك يكسوم بن أبرهة فملك مكانه أخوه مسروق، وساءت سيرته وكثر عسف الحبشة باليمن، فخرج ابن ذي يزن واستجاش عليهم بكسرى، وقدم اليمن بعساكر الفرس، وقتل مسروقا وذهب أمر الحبشة بعد أن توارث ملك اليمن منهم أربعة في اثنتين وسبعين سنة أولهم أرباط، ثم أبرهة، ثم ابنه يكسوم، ثم أخوه مسروق بن أبرهة. ٢/٧٢

قصة سيف بن ذي يزن وملك الفرس على اليمن

ولما طال البلاء من الحبشة على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن الحميري من الأذواء بقية ذلك السلف، وعقب أولئك الملوك، وديال الدولة المفوض للخمود.

وقد كان أبرهة انتزع منه زوجته ريحانة بعد أن ولدت منه ابنه معديكرب كما مر.

ونسبه فيما قال الكلبي سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد الجمهور، هكذا نسبه ابن الكلبي، ومالك بن زيد هو أبو الأذواء. فخرج سيف وقدم على قيصر ملك الروم وشكى إليه أمر الحبشة، وطلب أن يخرجهم ويبعث على اليمن من شاء من الروم، فلم يسعفه عن الحبشة، وقال الحبشة على دين النصارى. فرجع إلى كسرى وقدم الحيرة على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة وما يليها من أرض العرب، فشكى إليه، واستمهله النعمان إلى حين وفادته على كسرى، وأوفد معه وسأله النصر على الحبشة وأن يكون ملك اليمن له.

فقال: بعدت أرضك عن أرضنا، أو هي قليلة الخير إنما هي شاء وبعير ولا حاجة لنا بذلك. ثم كساه وأجازه، فنثر دنانير الاجازة ونهبها الناس يوهم الغنى عنها بما في أرضه. فأنكر عليه كسرى ذلك. فقال: جبال أرضي ذهب وفضة، وإنما جئت لتمنعني من الظلم. فرغب كسرى في ذلك، وأمهله للنظر في أمره، وشاور أهل دولته، فقالوا في سجونك رجال حبستهم للقتل ابعثهم معه فإن هلكوا كان الذي أردت بهم، وإن ملكوا كان ملكا ازددته إلى ملكك. وأحصوا ثمانمائة وقدم عليهم أفضلهم وأعظمهم بيتا وأكبرهم نسبا وكان وهزر الديلمي.

وعند المسعودي وهشام بن محمد والسهيلي أن كسرى وعده بالنصر ولم ينصره وشغل بحرب الروم، وهلك سيف بن ذي يزن عنده، وكبر ابنه ابن ريحانة وهو معديكرب وعرفته أمه بأبيه، فخرج ووفد على كسرى يستنجزه في النصرة التي وعد بها أباه، وقال له: أنا ابن الشيخ اليمني الذي وعدته. فوهبه الدنانير ونثرها إلى آخر القصة.

وقيل إن الذي وفد على كسرى وأباد الحبشة هو النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف بن ذي يزن. قالوا ولما كتبت الفرس مع وهزر وكانوا ثمانمائة، وقال ابن قتيبة كانوا سبعة آلاف وخمسمائة، وقال ابن حزم كان وهزر من عقب جاماسب عم أنوشروان، فأمره على أصحابه وركبوا البحر ثمان سفائن فغرقت منها سفينتان وخلصت ست إلى ٢/٧٣

ساحل عدن. فلما نزلوا بأرض اليمن، قال وهزر لسيف: ما عندك؟ قال: ما شئت من قوس عربي ورجلي مع رجلك حتى نظفر أو نموت. قال أنصفت. وجمع ابن ذي يزن من استطاع من قومه، وسار إليه مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة وأوباش اليمن، فتواقفوا للحرب، وأمر وهزر ابنه أن يناوشهم القتال فقتلوه، وأحفظه ذلك. وقال: أروني ملكهم. فأروه إياه على الفيل عليه تاجه وبين عينيه ياقوتة حمراء ثم نزل عن الفيل إلى الفرس، ثم إلى البغلة. فقال وهزر، ركب بنت الحمار، ذل وذل ملكه. ثم رماه بسهم فصك الياقوتة بين عينيه، وتغلغل في دماغه، وتنكس عن دابته وداروا به، فحمل القوم عليهم وانهزم الحبشة في كل وجه، وأقبل وهزر إلى صنعاء، ولما أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكوسة. فهدم الباب، ودخل ناصبا رايته فملك اليمن ونفى عنها الحبشة وكتب بذلك إلى كسرى وبعث إليه بالأموال. فكتب إليه أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن على فريضة يؤديها كل عام ففعل، وانصرف وهزر إلى كسرى.

وملك سيف اليمن وكان أبوه من ملوكها وخلف وهزر نائبا على اليمن في جماعة من الفرس ضمهم إليه وجعله لنظر ابن ذي يزن وأنزله بصنعاء. وانفرد ابن ذي يزن بسلطانه، ونزل قصر الملك وهو رأس غمدان، يقال إن الضحاك بناه على اسم الزهرة وهو أحد البيوت السبعة الموضوعة على أسماء الكواكب وروحانيتها، خرب في خلافة عثمان قاله المسعودي.

وقال السهيلي: كانت صنعاء تسمى أوال، وصنعاء اسم بانيها صنعاء بن أوال بن عمير بن عابر بن شالخ. ولما استقل ابن ذي يزن بملك اليمن وفدت العرب عليه يهنوه بالملك، ولما رجع من سلطان قومه وأباد من عدوهم، وكان فيمن وفد عليه مشيخة قريش وعظماء العرب لعهدهم من أبناء إسماعيل وأهل بيتهم المنصوب لحجهم، فوفدوا في عشرة من رؤسائهم فيهم عبد المطلب، فأعظمهم سيف وأجلهم وأوجب لهم حقهم ووفر من ذلك قسم عبد المطلب من بينهم. وسأله عن بنيه حتى ذكر له شأن النبي صلى الله عليه وسلم وكفالته إياه بعد موت عبد الله أبيه عاشر ولد عبد المطلب، فأوصاه به وحضه على الإبلاغ في القيام عليه، والتحفظ به. ٢/٧٤

من اليهود وغيرهم، وأسر إليه البشرى بنبوته وظهور قريش قومهم على جميع العرب.

وأسنى جوائز هذا الوفد بما يدل على شرف الدولة وعظمها لبعد غايتها في الهمة، وعلو نظرها في كرامة الوفد، وبقاء آثار الترف في الصبابة شاهد لشرافة الحال في الأول.

ذكر صاحب الأعلام وغيره أنه أجاز سائر الوفد بمائة من الإبل وعشرة أعبد وعشرة وصائف وعشرة أرطال من الورق والذهب وكرش مليء من العنبر وأضعاف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب.

قال ابن إسحاق: ولما انصرف وهزر إلى كسرى غزا سيف على الحبشة وجعل يقتل ويبقر بطون النساء، حتى إذا لم يبق إلا القليل جعلهم خولا واتخذ منهم طوابير يسعون بين يديه بالحراب، وعظم خوفهم منه. فخرج يوما وهم يسعون بين يديه، فلما توسطهم وقد انفردوا به عن الناس، رموه بالحراب فقتلوه، ووثب رجل منهم على الملك. وقيل ركب خليفة وهزر فيمن معه من المسلحة، واستلحم الحبشة وبلغ ذلك كسرى، فبعث وهزر في أربعة آلاف من الفرس وأمره بقتل كل أسود أو منتسب إلى أسود ولو جعدا قططا ففعل، وقتل الحبشة حيث كانوا، وكتب بذلك إلى كسرى، فأمره على اليمن فكان بجبيه له حتى هلك. واستضافت حشابة ملك الحميريين بعد مهلك ابن ذي يزن وأهل بيته إلى الفرس، وورثوا ملك العرب وسلطان حمير باليمن بعد أن كانوا يزاحمونهم بالمناكب في عراقهم، ويجسونهم بالغزو خلال ديارهم. ولم يبق للعرب في الملك رسم ولا طلل إلا أقيالا من حمير وقحطان رؤساء في أحيائهم بالبدو لا تعرف لهم طاعة، ولا ينفذ لهم في غير ذاتهم أمر، إلا ما كان لكهلان إخوتهم بأرض العرب من ملك آل المنذر من لخم على الحيرة والعراق بتولية فارس، وملك آل جفنة من غسان على الشام بتولية آل قيصر كما يأتي في أخبارهم.

وقال الطبري: لما كانت اليمن لكسرى بعث إلى سرنديب من الهند قائدا من قواده، ركب إليها البحر في جند كثيف، فقتل ملكها واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر. وكان وهزر يبعث العير إلى كسرى بالأموال والطيوب، فتمر على طريق البحرين تارة وعلى أرض الحجاز أخرى. وعدا بنو تميم في بعض الأيام على عيره بطريق البحرين، فكتب إلى عامله بالانتقام منهم، فقتل منهم خلقا كما يأتي في أخبار كسرى. وعدا بنو كنانة على عيره بطريق الحجاز حين مرت بهم، وكان في جوار رجل من أشراف العرب من قيس، فكانت حرب الفجار بين قيس وكنانة ٢/٧٥

بسبب ذلك وشهدها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينبل فيها على أعمامه أي يجمع لهم النبل.

قال الطبري: ولما هلك وهزر أمر كسرى من بعده على اليمن ابنه المرزبان، ثم هلك فأمر حافده خرخسرو بن التيجان بن المرزبان، ثم سخط عليه وحمل إليه مقيدا، ثم أجاره ابن كسرى وخلى سبيله، فعزله كسرى وولى باذان فلم يزل إلى أن كانت البعثة وأسلم باذان وفشا الإسلام باليمن كما نذكره عند ذكر الهجرة وأخبار الإسلام باليمن.

هذا آخر الخبر عن ملوك التبابعة من اليمن ومن ملك بعدهم من الفرس، وكان عدد ملوكهم فيما قال المسعودي سبعة وثلاثين ملكا في مدة ثلاثة آلاف ومائتي سنة إلا عشرا، وقيل أقل من ذلك. فكانوا ينزلون مدينة ظفار. قال السهيلي زمار وظفار اسمان لمدينة واحدة، يقال بناها مالك بن أبرهة وهو الأملوك ويسمى مالك وهو ابن ذي المنار، وكان على بابها مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:

يوم شيدت ظفار فقيل لمن ... أنت فقالت لخير الأخيار

ثم سيلت من بعد ذلك قالت ... ان ملكي احابش الأشرار

ثم سيلت من بعد ذلك قالت ... ان ملكي لفارس الأحرار

ثم سيلت من بعد ذلك قالت ... ان ملكي لقريش النجار

ثم سيلت من بعد ذلك قالت ... ان ملكي لخير سنجار

وقليلا ما يلبث القوم فيها ... غير تشييدها لحامي البوار

من أسود يلقيهم البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الجدار

ولم تزل مدينة ظفار هذه منزلا للملوك، وكذلك في الإسلام صدر الدولتين، وكانت اليمن من أرفع الولايات عندهم، بما كانت منازل العرب العاربة، ودارا لملوك العظماء من التبابعة والأقيال والعباهلة. ولما انقضى الكلام في أخبار حمير وملوكهم باليمن من العرب، استدعى الكلام ذكر معاصريهم من العجم على شرط كتابنا لنستوعب أخبار الخليقة، ونميز حال هذا الجيل العربي من جميع جهاته، والأمم المشاهير من العجم الذين كانت لهم الدول العظيمة لعهد الطبقة الأولى والثانية من العرب وهم النبط والسريانيون أهل بابل، ثم الجرامقة أهل الموصل، ثم القبط، ثم بنو إسرائيل والفرس ويونان والروم، فلنأت الآن بما كان لهم من الملك والدولة وبعض أخبارهم على اختصار، والله ولي العون والتوفيق، لا رب غير ولا مأمول إلا خيره ٢/٧٦

الخبر عن ملوك بابل من النبط والسريانيين وملوك الموصل ونينوى من الجرامقة

قد تقدم لنا أن ملك الأرض من بعد نوح عليه السلام كان لكنعان بن كوش بن حام، ثم لابنه النمروذ من بعده، وانه كان على بدعة الصابئة، وأن بني سام كانوا حنفاء ينتحلون التوحيد الذي عليه الكلدانيون من قبلهم. قال ابن سعيد: ومعنى الكلدانيين الموحدين. ووقع ذكر النمروذ في التوراة منسوبا إلى كوش بن حام، ولم يقع فيها ذكر لكنعان بن كوش، فالله أعلم بذلك. وقال ابن سعيد أيضا: وخرج عابر بن شالخ بن أرفخشذ فغلبه، وسار من كوثا إلى أرض الجزيرة والموصل فبنى مدينة مجدل لك، وأقام بها إلى أن هلك، وورث أمره ابنه فالغ من بعده، وأصاب النمروذ وقومه على عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام ما أصابهم في الصرح وكانت البلبلة وهي المشهورة. وقد وقع ذكرها في التوراة ولا أدري معناها. والقول بأن الناس أجمعين كانوا على لغة واحدة فباتوا عليها، ثم أصبحوا وقد افترقت لغاتهم، قول بعيد في العادة، إلا أن يكون من خوارق الأنبياء فهو معجزة حينئذ ولم ينقلوه كذلك. والذي يظهر أنه اشارة إلى التقدير الإلهي في خرق العادة وافتراقها وكونها من آياته كما وقع في القرآن الكريم، ولا يعقل في أمر البلبلة غير ذلك.

وقال ابن سعيد سوريان بن نبيط ولاه فالغ على بابل، فانتقض عليه وحاربه، ولما هلك فالغ قام بأمره بعده ابنه ملكان، فغلبه سوريان على الجزيرة، وملكها هؤلاء الجرامقة إخوانه في النسب بنو جرموق بن أشوذ بن سام، وكانت مواطنهم بالجزيرة وكان ابن أخت سوريان منهم الموصل بن جرموق، فولاه سوريان على الجزيرة وأخرج بني عابر منها، ولحق ملكان منها بالجبال فأقام هناك، ويقال إن الخضر من عقبه، واستبد الموصل على خاله سوريان بن نبيط ملك بابل، وامتازت مملكة الجرامقة من مملكة النبط. وملك بعد الموصل ابنه راتق وكانت له حروب مع النبط، وملك من بعده ابنه أثور وبقي ملكها في عقبه وهو مذكور في التوراة، وملك بعده ابنه نينوى وبنى المدينة المقابلة للموصل من عدوة دجلة المعروفة باسمه، ثم كان من عقبه سنجاريف بن أثور بن نينوى بن أثور وهو الذي بنى مدينة سنجار وغزا بني إسرائيل فصلبوه على بيت المقدس. ٢/٧٨

وقال البيهقي: إن الجزيرة ملكها بعد مقتل سنجاريف أخوه ساطرون، وهو الذي بنى مدينة الخضر في برية سنجار على نهر الترتار لتولعه بصيد الأسود في غيضاتها.

وملك من بعده ابنه زان وكان يدين بالصابئة، ويقال إن يونس بن متى بعث إليه ويونس من الجرامقة من سبط بنيامين بن إسرائيل من ابنه، فآمن به زان بن ساطرون بعد الذي قصه القرآن من شأنه معهم، ثم ان بخت نصر لما غلب على بابل زحف إليه ودعاه إلى دين الصابئة، وشرط له أن يبقيه في ملكه فأجاب. ولم يزل على الجزيرة حتى زحف إليه جيوش الفرس مع أرتاق، فضمن القيام بالمجوسية على أن يبقوه في ملكه، وكتب بذلك أرتاق إلى بهمن فيضمن له، فأجابه بأن هذا رجل متلاعب بالأديان فأقتله، فقتله أرتاق وانقرض ملكه بعد ألف وثلاثمائة سنة فيما قال البيهقي. وفي أربعين ملكا منهم، وصارت الجزيرة لملوك الفرس، والذي عند الإسرائيليين سنجاريف من ملوك نينوى وهم أولاد موصل بن أشوذ بن سام. وأنه كان قبله بالموصل ملوك منهم وهم فول وتلفات وبلناص، وأنهم ملكوا بلد الأسباط العشرة، وهي شمورون المعروفة بالسامرة، وأنه غرب الأسباط الذين كانوا فيها إلى نواحي أصبهان وخراسان، وأسكن أهل كومة وهي الكوفة في شمورون هذه، فسلط الله عليهم السباع يفترسونهم في كل ناحية. فشكوا ذلك إلى سنجاريف وسألوه أن يخبرهم عن بلد شمورون في قسمة أي كوكب هي كي يتوجهوا إليه، ويستنزلوا روحانيته على طريق الصابئة، فأعرض عن ذلك وبعث كاهنان إليهم من اليهود فعلموهم دين اليهودية، وأخذوا به. وهؤلاء عند اليهود هم الشمرة نسبة الى شمرة وهي شمورون، وليس الشمرة عندهم من بني إسرائيل، ولان دينهم صحيح في اليهودية.

وزحف سنجاريف عندهم إلى بيت المقدس بعد استيلائه على شمورون فحاصرها، وداخله العجب بكثرة عساكره، فقال لبني إسرائيل من الذي خلصه إلهه من يدي حتى يخلصكم إلهكم، وفزع ملك بني إسرائيل إلى نبيهم مدليلا، وسأله الدعاء فدعا له وأمنه من شر سنجاريف، ونزلت بعسكره في بعض لياليهم آفة سماوية، فأصبحوا كلهم قتلى. يقال أحصى قتلاهم فكانوا مائة وخمسة وثمانين ألفا، ورجع سنجاريف إلى نينوى، ثم قتله أولاده في سجوده لمعبوده من الكواكب، وولي ابنه أيسر حدون، ثم استولى عليهم بعد ذلك بخت نصر كما سنذكره في خبره. ٢/٧٩

وأما ملوك بابل فهم النبط بنو نبيط بن أشوذ بن سام. وقال المسعودي: نبيط بن ماش بن إرم، وكانوا موطنين بأرض بابل وملك منهم سوريان بن نبيط، وقال المسعودي: هو أحد نبيط بن ماش ملك أرض بابل بولاية من فالغ، فلما مات فالغ أظهر بدعة الصابئة، وانتحلها بعده ابنه كنعان ويلقب بالنمروذ. وملك بعده ابنه كوش وهو نمروذ إبراهيم عليه السلام، وهو الذي قدم أباه آزر فاصطفاه هاجر على بيت الأصنام لأن أرغو بن فالغ لما هلك أبوه فالغ وكان على دين التوحيد الذي دعاه إليه أبوه عابر، رجع حينئذ أرغو إلى كوثا، ودخل مع النماردة في دين الصابئة، وتوارثها بنوه إلى آزر بن ناحور، فاصطفاه هاجر بن كوش وقدمه على بيت الأصنام، وولد له إبراهيم عليه السلام، وكان من أمره ما ذكرنا فيما نصه التنزيل ونقله الثقات.

ثم توالت ملوك النماردة ببابل وكان منهم بخت نصر على ما ذهب إليه بعضهم، ويقال إن الجرامقة وهم أهل نينوى غلبوا على بابل وملكها سنجاريف منهم واستعمل فيها بخت نصر من ملوكها، ثم انتقض عليه بالجزاء والطاعة، وغزا بني إسرائيل ببيت المقدس، فاقتحمها عليهم بعد الحصار، وأثخن فيهم بالقتل والأسر، وقتل ملكهم وخرب مسجدهم وتجاوزهم إلى مصر فملكها. ولما هلك بخت نصر ملك من بعده فيما ذكروه ابنه نشبت نصر، ثم من بعده بنيصر وغزاه أرتاق مرزبان كسرى من ملوك الكينية فقتله وملك بابل وأعمالها وصار النبط والجرامقة رعية للفرس، وانقرضت دولة النماردة ببابل، هكذا ذكر ابن سعيد ونقله عن داهر مؤرخ دولة الفرس، وجعل السريانيين والنبط أمة واحدة، وهما دولة واحدة. وأما المسعودي فجعلهما دولتين.

وأما السريانيون فقال هم أول ملوك الأرض بعد الطوفان، وسمى من ملوكهم تسعة متعاقبين في مائة سنة أو فوقها بأسماء أعجمية لا فائدة في نقلها لقلة الوثوق بالأصول التي بأيدينا من كتبه وكثرة التغيير في الأسماء الأعجمية. نعم ذكر أن شوشان بشينين معجمتين، وأنه أول من وضع التاج على رأسه. والرابع منهم انه الذي كور الكور ومدن المدن وأن ملك الهند لعهده كان اسمه رتبيل وأنه على ملكه واستولى على السريانيين، وأن بعض ملوك المغرب ظاهرهم عليه وانتزع لهم ملكهم منه ورده عليهم. وسمى الثامن منهم ماروت وأشار في آخر كلامه إلى أنهم كانوا مستولين على بابل وعلى الموصل، وأن ملوك اليمن ربما غلبوهم على أمرهم بعض الأحيان. وذكر في التاسع أنه كان غير مستقل بأمره، وان أخاه كان مقاسمة في سلطانه، وأن أول من ٢/٨٠

اتخذ الخمر فلان وأول من ملك فلان، وأول من لعب بالصقور والشطرنج فلان، مزاعم كلها بعيدة من الصحة. إنما وجهه أن السريانيين لما كانوا أقدم في الخليقة نسب اليهم كل قديم من الأشياء، أو طبيعي كالخط واللغة والسحر والله أعلم.

وأما النبط فعند المسعودي أنهم من أهل بابل لقوله في ترجمتهم ذكر ملوك بابل والنبط وغيرهم المعروفين بالكلدانيين، وذكر أن أولهم نمروذ الجبار ونسبه الى ماش بن إرم بن سام، وذكر أنه الذي بنى الصرح ببابل، واحتفر نهر الكوفة. ونسب النمروذ في موضع آخر الى كوش بن حام لا أدري هو أو غيره. ثم عد ملوكهم بعد النمروذ ستا وأربعين أو نحوها في ألف وأربعمائة من السنين بأسماء أعجمية متعذر ضبطها فتركت نقلها. إلا أنه ذكر في الموفى منهم عدد العشرين وبعد التسعمائة من سنيهم انه الذي غزت فارس لعهدة مدينة بابل. وذكر في الموفى عدد ثلاثة وثلاثين منهم عند الألف والأربعمائة من سنيهم انه سنجاريف الذي حارب بني إسرائيل حاصرهم ببيت المقدس حتى أخذ الجزية منهم. وأن آخر ملوكهم دارينوش، وهو دار الذي قتله الإسكندر لما ملك بابل. هذا ما ذكره المسعودي ولم يذكر منهم نمروذ الخليل عليه السلام. وذكر ان مدينتهم بابل وأن الذي اختطها اسمه نير واسم امرأته شمرام ملوك السريانيين اسمان أعجميان لا وثوق لنا بضبطهما. وقال الطبري نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام صاحب إبراهيم الخليل عليه السلام. وكان يقال عاد إرم، فلما هلكوا قيل ثمود إرم، فلما هلكوا قيل نمروذ إرم، فلما هلك قيل لسائر ولد إرم أرمان فهم النبط، وكانوا على الإسلام ببابل حتى ملكهم نمروذ فدعاهم إلى عبادة الأوثان فعبدوها انتهى كلام الطبري.

وقال هروشيوش مؤرخ الروم: إنه نمروذ الجسيم، وإن بابل كانت مربعة الشكل، وكان سورها في دور ثمانين ميلا، وارتفاعه مائتا ذراع وعرضه خمسون ذراعا، وهو كله مبني بالآجر والرصاص، وفيه مائة باب من النحاس، وفي أعلاه مساكن الحراس والمقاتلة تبيت على الجانبين في سائر دورة الطريق بينهما. وحول هذا السور خندق بعيد المهوى، أجري فيه الماء، وأن الفرس هدموه، ولما تغلبوا على ملك بابل تولى ذلك منهم جيرش وهو كسرى الأول انتهى كلام هروشيوش.

ويظهر من كلام هؤلاء ان اسم النمروذ سمت لكل من ملك بابل لوقوعه في أهل أنساب مختلفة مرة إلى سام ومرة إلى حام. وزعم بعض المؤرخين أن نمروذ الخليل ٢/٨١

عليه السلام هو النمروذ بن كنعان بن سنجاريف بن النمروذ الأكبر، وأن بخت نصر من عقبه وهو ابن برزاد بن سنجاريف بن النمرود ، وأن الفرس الكينية غلبوا بخت نصر على بابل، ثم أبقوه واستعملوه عليها، وأن كسرى الأول من بني ساسان خرب مدينة بابل. وعند الإسرائيليين وينقلونه عن كتاب دانيال وأرميا من أنبيائهم وضبط هذا الاسم يرميا ان بخت نصر من عقب كاسد بن حاور وهو أخو إبراهيم الخليل، وبنو كاسد هؤلاء من ملوك بابل ويعرفون بالكسدانيين نسبة إليه، وان بخت نصر منهم ملك أكثر المعمور، وغلب على بني إسرائيل، وأزال دولتهم، وخرب بيت المقدس، وانتهى ملكه إلى مصر وما وراءها، وكان ملكه خمسا وأربعين. وملك بعده ابنه أويل مرود ثلاثا وعشرين سنة، وبعده ابنه بلينصر ثلاث سنين ثم زحف إليه دارا من ملوك الفرس وصهره كورش فحاصروه بمدينة بابل، وقال بعض الإسرائيليين ان بخت نصر وملوك بابل من كسديم، وكسديم من عيلام بن سام وهو أخو أشوذ، ومن أشوذ ملوك الموصل انتهى الكلام في ملوك الموصل وملوك بابل.

وهذا غاية ما أدى اليه البحث من أخبارهم وأنسابهم، وكان من هؤلاء والكلدانيين دين الصابئة وهو عبادة الكواكب واستجلاب روحانيتها. ويذكر أنهم كانوا لذلك أهل عناية بأرصاد الكواكب، ومعرفة طبائها، وخلاص المولدات، وما يشابه ذلك من علوم النجوم والطلسمات والسحر، وأنهم نهجوا ذلك لأهل الربع الغربي من الأرض. وقد يشهد لذلك قراءة من قرأ: وما أنزل على الملكين بكسر اللام، مشيرا إلى أن هاروت وماروت من ملوك السريانيين، وهم أول ملوك بابل، وعلى القراءة المشهور وأنهما من الملائكة، فيكون اختصاص هذه الفتنة، والابتلاء ببابل من بين أقطار الأرض، دليلا على وفور قسطهما من صناعة السحر الذي وقع الابتلاء به، ومما يشهد لانتحالهم السحر وفنونه من النجوم وغيرها، أن هذه العلوم وجدناها من منتحل أهل مصر المجاورين لهم، وكان لملوكها عناية شديدة بذلك، حتى كان من مباهاتهم موسى بذلك وحشر السحرة له ما كان، وبقايا الآثار السحرية في برابي اخميم من صعيد مصر ما يشهد لذلك أيضا والله أعلم. ٢/٨٢

الخبر عن القبط وأولية ملكهم ودولهم وتصاريف أحوالهم والإلمام بنسبهم

هذه الأمة أقدم أمم العالم وأطولهم أمدا في الملك، واختصوا بملك مصر وما اليها، ملوكها من لدن الخليقة إلى أن صبحهم الإسلام بها، فانتزعها المسلمون من أيديهم. ولعهدهم كان الفتح، وربما غلب عليهم جميع من عاصرهم من الأمم حين يستفحل أمرهم مثل العمالقة والفرس والروم واليونان، فيستولون على مصر من أيديهم، ثم يتقلص ظلهم، فراجع القبط ملكهم هكذا إلى أن انقرضوا في مملكة الإسلام.

وكانوا يسمون الفراعنة سمة لملوك مصر في اللغة القديمة، ثم تغيرت اللغة وبقي هذا الاسم مجهول المعنى، كما تغيرت الحميرية الى المضرية، والسريانية إلى الرومية.

ونسبهم في المشهور إلى حام بن نوح، وعند المسعودي إلى بنصر بن حام، وليس في التوراة ذكر لبنصر بن حام وإنما ذكر مصرايم وكوش وكنعان وقوط. وقال السهيلي إنهم من ولد كنعان بن حام لأنه لما نسب مصر، قال فيه: مصر بن النبيط أو ابن قبط بن النبيط من ولد كوش بن كنعان. وقال أهروشيوش: إن القبط من ولد قبط ابن لايق بن مصر. وعند الإسرائيليين أنهم من قوط بن حام.

وعند بعضهم أنهم من كفتوريم قبطقايين ومعناه القبط.

وقال المسعودي اختص بنصر بن حام أيام النمروذ ابن أخيه كنعان بولاية أرض مصر، واستبد بها وأوصى بالملك لابنه مصر، فاستفحل ملكه ما بين أسوان واليمن والعريش وأيلية وفرسيسة ، فسميت كلها أرض مصر نسبة إليه، وفي قبليها النوبة وفي شرقيها الشام وفي شمالها بحر الزقاق وفي غربها برقة والنيل من دونها. وطال عمر مصر وكبر ولده وأوصى بالملك لأكبرهم وهو قبط بن مصر أبو الأقباط، فطال أمد ملكه وكان له بنون أربع: قبط بن مصر وأن مصر هو الذي قسم الأرض وعهد إلى أكبرهم بالملك وهو قبط، فغلب عليهم فأضيفوا إليه لمكان الملك والسن، وملك بعد قبط بن مصر أشمون بن مصر، ثم من بعده صا ثم أخوهما أتريب، ثم عد ملوكا بأسماء ٢/٨٤

أعجمية بعيدة عن الضبط لعجمتها وفساد الأصول التي بين أيدينا من كتبته، ثم لما ذكر ستة منهم بعد أتريب قال: فكثر ولد بنصر بن حام وتشاغبوا وملك عليهم النساء، فسار إليهم ملك الشام من العمالقة الوليد بن دومع فملكهم وانقادوا إليه.

وأما ابن سعيد فيما نقل من كتب المشارقة فقال: ملك مصر ابنه قبط، ثم من بعده أخوه أتريب. قال: وفي أيام قبط زحف شداد بن مداد بن شداد بن عاد إلى مصر، وغلب على أسافلها، ومات قبط في حروبه، ثم جمع أتريب قومه واستظهر بالبربر والسودان على العرب حتى أخرجهم إلى الشام، واستبد اتريب بملك مصر وبنى المدينة المنسوبة إليه، ومدينة عين شمس. وملك بعده ابن أخيه البودشير بن قبط وهو الذي بعث هرمسا المصري إلى جبل القمر حتى ركب جرية النيل من لك، وعدل البطيحة الكبرى التي تنصب إليها عيون النيل، وعمر بلاد الواحات وحول إليها جمعا من أهل بيته. ثم ملك من بعده عديم بن البودشير، ثم ابنه شدات بن عديم، ثم ابنه منذوش بن شدات وجدد مدينة عين شمس. وكان لهم في السحر آثار عجيبة.

ثم ملك بعده ابنه مقلاوش بن مقناوش وعبد البقر وصورها من الذهب، ثم هلك وخلف ابنه مرقيش فغلب عليه عمه أشمون بن قبط، وبنى مدينة الأشمون. وملك بعده ابنه أشاد بن أشمون، ثم من بعده عمه صا بن قبط وبنى مدينة باسمه، وملك بعده ابنه ندراس وكان حكيما وهو الذي بنى هيكل الزهرة الذي هدمه بخت نصر. وملك بعده ابنه ماليق بن ندراس فرفض الصابئة ودان بالتوحيد، ودوخ بلاد البربر والأندلس، وحارب الإفرنج. وملك بعده ابنه حربيا بن ماليق فرجع عن التوحيد إلى الصابئة، وغزا بلاد الهند والسودان والشام. وملك بعده ابنه كلكي بن حربيا، وهو الذي تسميه القبط حكيم الملوك، واتخذ هيكل زحل وعهد إلى أخيه ماليا بن حربيا، واشتغل باللهو فقتله ابنه خرطيش وكان سفاكا للدماء، والقبط تزعم أنه فرعون الخليل عليه السلام، وأنه أول الفراعنة. ولما تعدى بالقتل إلى أقاربه سمته ابنته حوريا، وملكت القبط من بعده فنازعها أبراحس من ولد عمها أتريب، وحاربته فكان لها الغلب، وانهزم أبراحس إلى الشام، فاستظهر بالكنعانيين وبعث ملكهم قائده جيرون فلما قرب مصر استقبلته حوريا وأطمعته في زواجها على أن يقتل أبراحس ويبني مدينة الاسكندرية ففعل، ثم قتلته آخرا مسموما واستقام لها الأمر، وبنت منارة الاسكندرية، وعهدت بأمرها لدليقية ابنة عمها باقوم، فخرج عليها ٢/٨٥

أيمين من نسل أتريب طالبا بثأر قريبه ابراحس، ولحق بملك العمالقة يومئذ وهو الوليد ابن دومع الذي ذكرناه عند ذكر العمالقة فاستنصر به وجاء معه وملك ديار مصر.

واستبد بالقبط نقراوس فاشتغل باللذات، واستكفى من بنيه أطفير وهو العزيز فكفاه، وقام بأمره ودبر له يوسف الفيوم بالوحي والهندسة، وكانت أرضها مغايض للماء فأخرجه وعمر القرى مكانه على عدد أيام السنة، فجعله على خزائنه. وملك بعده دارم بن الريان وسمته القبط ويموص. وكان يوسف مدبر أمره بوصية أبيه، ومات لعهده فأساء السيرة وهلك غريقا في النيل. وملك بعده ابنه معد انوس بن دارم فترهب واستخلف ابنه كاشم فاستعبد بني إسرائيل للقبط، وقتله حاجبه ونصب بعده ابنه لاطش، فاشتغل باللهو فخلعه، ونصب آخر من نسل ندراس اسمه لهوب فتجبر، وتذكر القبط انه فرعون موسى عليه السلام. وأهل الأثر يقولون: إنه الوليد بن مصعب وأنه نجارا تقلب حاله الى عرافة الحرس، ثم تطور إلى الوزارة، ثم إلى الاستبداد. وهذا بعيد لما قدمناه في الكتاب الأول. وقال المسعودي: بل كان فرعون موسى من الأقباط.

ثم هلك فرعون موسى، وخشي القبط من ملوك الشام، فملكوا عليهم دلوكة من بيت الملك وهي التي بنت الحائط على أرض مصر، ويعرف بحائط العجوز لأنها طال عمرها حتى كبرت واتخذت البرابي ومقاييس النيل. ثم سمى المسعودي من بعد دلوكة ثمانية من ملوكهم على ذلك النحو من عجمة الأسماء، وقال في الثامن إنه فرعون الأعرج الذي اعتصم به بنو إسرائيل من بخت نصر، فدخل عليه مصر وقتله وهدم هياكل الصابئة ووضع بيوت النيران له ولولده. وذكر في تواريخهم قال: قال ابن عبد الحكم: وهذه العجوز دلوكة هي التي جددت البرابي بمصر، أرسلت إلى امرأة ساحرة كانت لعهدها اسمها ترورة، وكانت السحرة تعظمها، فعملت بربي من حجارة وسط مدينة منف، وصورت فيها صور الحيوانات من ناطق وأعجم، فلا يقع شيء بتلك الصورة إلا وقع بمثالها في الخارج. وكان لهم بذلك امتناع ممن يقصدهم من الأمم لأنهم كانوا أعلم الناس بالسحر، وأقامت عليهم عشرين سنة حتى بلغ صبي من أبنائهم اسمه دركون بطلوس فملكوه، وأقامت معه على ذلك أربعمائة سنة ، ثم مات فولوا ابنه يرديس بن دركون، ومن بعده أخاه نقاس بن نقراس، ومن بعده ٢/٨٦

مرينا بن مرينوس، ثم ابنه استمارس بن مرينا فطغى عليهم وخلعوه وقتلوه، وولوا عليهم من أشرافهم بلوطيس بن مناكيل أربعين سنة، ثم استخلف مالوس بن بلوطيس ومات، فاستخلف أخاه مناكيل بن بلوطيس ثم توفي، فاستخلف ابنه بركة ابن مناكيل فملكهم مائة وعشرين سنة، وهو فرعون الأعرج الذي سبى أهل بيت المقدس، ويقال أنه خلع.

وقال ابن عبد الحكم: وولي من بعده ابنه مرينوس بن بركة، فاستخلف ابنه فرقون بن مرينوس فملكهم ستين سنة ثم هلك، واستخلف أخاه نقاس بن مرينوس.

وكانت البرابي كلها إذا فسد منها شيء لا يصلحه إلا رجل من ذرية تلك العجوز الساحرة التي وضعتها، ثم انقطعت ذريتها ففسدت البرابي أيام نقاس هذا، وتجاسر الناس على طلب الملك الذي في أيديهم، وهلك نقاس، واستخلف ابنه قومس بن نقاس، فملكهم دهرا ثم ملك بخت نصر بيت المقدس، واستلحم بني إسرائيل وفرقهم وقتل وخرب ولحقوا بمصر، فأجارهم قومس ملكها وبعث فيهم بخت نصر فمنعهم وزحف إليه وغلب عليه وقتله وخرب مدينة منف. وبقيت مصر أربعين سنة خرابا.

وسكنها أرمياء مدة ثم بعث إليه بخت نصر فلحق به ثم رد أهل مصر إلى موضعهم، وأقاموا كذلك ما شاء الله إلى أن غلب الفرس والروم على سائر الأمم، وقاتل الروم أهل مصر إلى أن وضعوا عليهم الجزى، ثم تقاسمها فارس والروم، ثم تداولوا ملكها فتوالت عليها نواب الفرس. ثم ملكها الإسكندر اليوناني وجدد الإسكندرية، والآثار التي خارجها مثل عمود السواري ورواق الحكمة.

ثم غلب الروم على مصر والشام وأبقوا القبط في ملكها وصرفوهم في الولاية بمصر إلى أن جاء الله بالإسلام، وصاحب القبط بمصر والإسكندرية المقوقس، واسمه جريج بن مينا فيما نقله السهيلي. فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة، وجبرا مولى أبي رهم الغفاري، فقارب الإسلام وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته المعروفة ذكرها أهل السيركان، فيها البغلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركبها وتسمى دلدل، والحمار الذي يسمى يعفور، ومارية القبطية أم ولده إبراهيم وأمها وأختها سيرين وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن، وقدح من قوارير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب فيه، وعسل استظرفه له من بنها احدى قرى مصر معروفة بالعسل الطيب. ٢/٨٧

ويقال إن هرقل لما بلغه شأن هذه الهدية اتهمه بالميل الى الإسلام فعزله عن رياسة القبط.

وخرج مسلم في صحيحه من رواية أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا افتتحتم مصر أو إنكم مستفتحون مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما أو صهرا.» ورواه ابن إسحاق عن الزهري وقال: قلت للزهري ما الرحم التي ذكر؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. ولبعض رواة الحديث في تفسير الصهر أن مارية أم إبراهيم منهم، أهداها له المقوقس، وكانت من كورة حفن من عمل أنصنا. وقال الطبري إن عمرو بن العاص لما ملك مصر أخبرهم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فقال: هذا نسب لا يحفظ حقه إلا نبي لأنه نسب بعيد وذكروا له أن هاجر كانت امرأة لملك من ملوكنا ووقعت بيننا وبين أهل عين شمس حروب كانت لهم في بعضها دولة فقتلوا الملك وسبوها، ومن لك تسيرت الى أبيكم إبراهيم.

ولما كمل فتح مصر والإسكندرية وارتحل الروم الى القسطنطنية، أقام المقوقس والقبط على الصلح الذي عقده لهم عمرو بن العاص وعلى الجزى، وأبقوه على رياسة قومه، وكانوا يشاورونه فيما ينزل من المهمات إلى أن هلك، وكان ينزل الإسكندرية وفي بعض الأوقات ينزل منف من أعمال مصر. واختط عمرو بن العاص الفسطاط بموضع خيامه التي كان يحاصر مصر منها، فنزل بها المسلمون وهجروا المدينة التي كان بها المقوقس، الى أن خربت. وكان في خرابها ومهلك المقوقس انقراض أمرهم. وبقي أعقابهم الى هذا الزمان يستعملهم أهل الدول الإسلامية في حسابات الخراج، وجبايات الأموال لقيامهم عليها، وغنائهم فيها، وكفايتهم في ضبطها وتنميتها. وقد يهاجر بعضهم إلى الإسلام فترفع رتبتهم عند السلطان في الوظائف المالية التي أعلاها في الديار المصرية رتبة الوزارة، فيقلدونهم إياها ليحصل لهم بذلك قرب من السلطان وحظ عظيم في الدولة وبسطة يد في الجاه، تعددت منهم في ذلك رجال، وتعينت لهم بيوت قصر السلطان نظره على الاختيار منها لهذا العهد. وعامتهم يقيم على دين النصرانية الذين كانوا عليها لهذا العهد، وأكثرهم بنواحي الصعيد وسائر الأعمال متحرفون بالفلح والله غالب على أمره 12: 21.

وأما إقليم مصر فكان في أيام القبط والفراعنة جسورا كله بتقدير وتدبير يحبسونه ٢/٨٨

ويرسلونه كيف شاءوا، والجنات حفاف النيل من أعلاه إلى أسفله ما بين أسوان ورشيد، وكانت مدينة منف وعين شمس، يجري الماء تحت منازلها وأفنيتها بتقدير معلوم، ذكر ذلك كله عبد الرحمن بن شماسة، وهو من خيار التابعين، يرويه عن أشياخ مصر قالوا: ومدينة عين شمس كانت هيكل الشمس، وكان فيها من الأبنية والأعمدة والملاعب ما ليس في بلد. قلت: وفي مكانها لهذا العهد ضيعة متصلة بالقاهرة يسكنها نصارى من القبط وتسمى المطرية. قالوا: ومدينة منف مدينة الملوك قبل الفراعنة وبعدهم إلى أن خربها بخت نصر كما تقدم في دولة قومس بن نقاس، وكان فرعون ينزل مدينة منف، وكان لها سبعون بابا وبنى حيطانها بالحديد والصفر ، وكانت أربعة أنهار تجري تحت سريره ذكره أبو القاسم بن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك قال: وكان طولها اثني عشر ميلا، وكانت جباية مصر تسعين ألف ألف دينار مكررة مرتين بالدينار الفرعوني وهو ثلاثة مثاقيل. وانما سميت مصر بمصر بن بيصر بن حام، ويقال انه كان مع نوح في السفينة فدعا له فأسكنه الله هذه الأرض الطيبة، وجعل البركة في ولده. وحدها طولا من برقة إلى أيلة، وعرضا من أسوان إلى رشيد. وكان أهلها صابئة، ثم حملهم الروم لما ملكوها بعد قسطنطين على النصرانية، عند ما حملوا على الأمم المجاورة لهم من الجلالقة والصقالبة وبرجان والروس والقبط والحبشة والنوبة، فدانوا كلهم بذلك ورجعوا عن دين الصابئة في تعظيم الهياكل وعبادة الأوثان، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ٢/٨٩

الخبر عن بني إسرائيل وما كان لهم من النبوة والملك وتغلبهم على الأرض المقدسة بالشام وكيف تجددت دولتهم بعد الانقراض وما اكتنف ذلك من الأحوال

قد ذكرنا عند ذكر إبراهيم وبنيه صلوات الله وسلامه عليهم ما كان من شأن يعقوب بن إسحاق واستقراره بمصر مع بنيه الأسباط، وفي التوراة أن الله سماه إسرائيل. وإيل عندهم كلمة مرادفة لعبد وما قبلها من أسماء الله عز وجل وصفاته والمضاف أبدا متأخر في لسان المعجم، فلذلك كان إيل هو آخر الكلمة وهو المضاف. ثم قبض الله نبيه يعقوب بمصر لمائة وسبع وثمانين سنة من عمره، وأوصى أن يدفن عند أبيه، فطلب يوسف من فرعون أن يطلقه لذلك، فأذن له. وأمر أهل دولته بالانطلاق معه، فانطلقوا وحملوه إلى فلسطين فدفنوه بمقبرة آبائه، وهي التي اشتراها إبراهيم من الكنعانيين. ورجع يوسف إلى مصر وأقام بها إلى أن توفي لمائة وعشرين سنة من عمره، ودفن بمصر وأوصى أن يحملوا شلوه معهم إذا خرجوا إلى أرض الميعاد، وهي الأرض المقدسة.

وأقام الأسباط بمصر وتناسلوا وكثروا حتى ارتاب القبط بكثرتهم واستعبدوهم، وفي التوراة أن ملكا من الفراعنة جاء بعد يوسف لم يعرف شأنه ولا مقامه في دولة آبائه، فاسترق بني إسرائيل واستعبدهم. ثم تحدث الكهان من أهل دولتهم بأن نبوة تظهر في بني إسرائيل، وأن ملكك كائن لهم مع ما كان معلوما من بشارة آبائهم لهم بالملك، فعمد الفراعنة إلى قطع نسلهم بذبح الذكور من ذريتهم. فلم يزالوا على ذلك مدة من الزمان حتى ولد موسى. وهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب.

وأمه يوحانذ بنت لاوى عمة عمران وكان قاهث بن لاوى من القادمين إلى مصر مع يعقوب عليه السلام وولد عمران بمصر وولد هارون لثلاث وسبعين من عمره، وموسى لثمانين، فجعلته أمه في تابوت وألقته في ضحضاح اليم، وأرصدت أخته على بعد لتنظر من يلتقطه فتعرفه. فجاءت ابنة فرعون الى البحر مع جواريها فرأته ٢/٩٢

واستخرجته من التابوت فرحمته. وقالت: هذا من العبرانيين فمن لنا بظئر ترضعه.

فقالت لها أخته أنا آتيكم بها. وجاءت بأمه فاسترضعتها له ابنة فرعون، إلى أن فصل.

فأتت به إلى ابنة فرعون وسمته موسى وأسلمته لها. ونشأ عندها ثم شب، وخرج يوما يمشي في الناس وله صولة بما كان له في بيت فرعون من المربى والرضاع فهم لذلك أخواله، فرأى عبرانيا يضربه مصري فقتل المصري الذي ضربه ودفنه، وخرج يوما آخر فإذا هو برجلين من بني إسرائيل وقد سطا أحدهما على الآخر فزجره، فقال له ومن جعل لك هذا؟ أتريد أن تقتلني كما قتلت الآخر بالأمس. ونمي الخبر إلى فرعون فطلبه، وهرب موسى إلى أرض مدين عند عقبة أيلة.

وبنو مدين أمة عظيمة من بني إبراهيم عليه السلام، كانوا ساكنين هناك وكان ذلك لأربعين سنة من عمره، فلقى عند مائهم بنتين لعظيم من عظمائهم فسقى لهما، وجاءتا به الى أبيهما فزوجه بإحداهما، كما وقع في القرآن الكريم، وأكثر المفسرين على أنه شعيب بن نوفل بن عيقا بن مدين وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الطبري:

الذي استأجر موسى وزوجه بنته رعويل وهو بيتر حبر مدين، أي عالمهم، وأن رعويل هو الذي زوجه البنت وأن اسمه يبتر. وعن الحسن البصري انه شعيب رئيس بني مدين. وقيل انه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه. فأقام عند شعيب صهره مقبلا على عبادة ربه، إلى أن جاءه الوحي وهو ابن ثمانين سنة، وأوحى إلى أخيه هارون وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، فأوحى الله إليهما بأن يأتيا فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل فيستنقذانهم من مملكة القبط، وجور الفراعنة، ويخرجون إلى الأرض المقدسة التي وعدهم الله بملكها على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فخرجا إليه وبلغا بني إسرائيل الرسالة فآمنوا به واتبعوه، ثم حضرا إلى فرعون وبلغاه أمر الله له بأن يبعث معهما بني إسرائيل وأراه موسى عليه السلام معجزة العصا، فكان من تكذيبه وامتناعه واحضار السحرة لما رأى موسى في معجزته ثم إسلامهم ما نصه القرآن العظيم.

ثم تمادى فرعون في تكذيبه ومناصبته، واشتد جوره على بني إسرائيل واستعبادهم ٢/٩٣

واتخاذهم سخريا في مهنة الأعمال، فأصابت فرعون وقومه الجوائح العشرة واحدة بعد أخرى يسالمهم عند وقوعها، ويتضرع الى موسى في الدعاء بانجلائها، إلى أن أوحى الله الى موسى بخروج بني إسرائيل من مصر. ففي التوراة انهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كل بيت حملا من الغنم ان كان كفايتهم، أو يشتركون مع جيرانهم ان كان أكثر، وان ينضحوا دمه على أبوابهم لتكون علامة، وأن يأكلوه سواء برأسه وأطرافه، ومعناه لا يكسرون منه عظما ولا يدعون شيئا خارج البيوت، وليكن خبزهم فطيرا ذلك اليوم وسبعة أيام بعده، وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الربيع، وليأكلوا بسرعة وأوساطهم مشدودة، وخفافهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم، ويخرجوا ليلا وما فضل من عشائهم ذلك يحرقوه بالنار، وشرع هذا عيدا لهم ولا عقابهم ويسمى عيد الفصح.

وفي التوراة أيضا انه قتل في تلك الليلة أبكار النساء من القبط ودوابهم ومواشيهم ليكون لهم بذلك ثقل عن بني إسرائيل. وأنهم أمروا أن يستعيروا منهم حليا كثيرا يخرجون به، فاستعاروه وخرجوا في تلك الليلة بما معهم من الدواب والأنعام، وكانوا ستمائة ألف أو يزيدون. وشغل القبط عنهم بالمآتم التي كانوا فيها على موتاهم، وأخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام، استخرجه موسى صلوات الله عليه من المدفن الذي كان به بإلهام من الله تعالى، وساروا لوجههم حتى انتهوا الى ساحل البحر بجانب الطور. وأدركهم فرعون وجنوده، وأمر موسى بأن يضرب البحر بعصاه ويقتحمه، فضربه فانفلق طرقا. وسار فيها بنو إسرائيل وفرعون وجنوده في اتباعه، فهلكوا، ونزل بنو إسرائيل بجانب الطور، وسبحوا مع موسى بالتسبيح المنقول عندهم وهو: نسبح الرب البهي، الذي قهر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود الى آخره. قالوا: وكانت مريم أخت موسى وهارون صلوات الله عليهما تأخذ الدف بيدها، ونساء بني إسرائيل في أثرها بالدفوف والطبول، وهي ترتل لهن التسبيح سبحان الرب القهار الذي قهر الخيول وركبانها ألقاها في البحر وهو معنى الأول.

ثم كانت المناجاة على جبل الطور وكلام الله لموسى والمعجزات المتتابعة، ونزول الألواح، ويزعم بنو إسرائيل أنها كانت لوحين فيها الكلمات العشرة وهي: كلمة التوحيد، والمحافظة على السبت بترك الأعمال فيه، وبر الوالدين ليطول العمر، والنهي ٢/٩٤

عن القتل، والزنا، والسرقة، وشهادة الزور، ولا تمتد عين إلى بيت صاحبه، أو امرأته، أو لشيء من متاعه. هذه الكلمات العشرة التي تضمنتها الألواح.

وكان سبب نزول الألواح أن بني إسرائيل لما نجوا ونزلوا حول طور سينا صعد موسى إلى الجبل، فكلمه ربه وأمره أن يذكر بني إسرائيل بالنعمة عليهم في نجاتهم من فرعون وأن يتطهروا ويغسلوا ثيابهم ثلاثة أيام، ويجتمعوا في اليوم الثالث حول الجبل من بعد، ففعلوا وظلت الجبل غمامة عظيمة ذات بروق ورعود ففزعوا، وقاموا في سفح الجبل دهشين، ثم غشي الجبل دخان في وسطه عمود نور وتزلزل له الجبل زلزلة عظيمة شديدة، واشتد صوت الرعد الذي كانوا يسمعونه، وأمر موسى صلوات الله عليه بأن يقرب بني إسرائيل لسماع الوصايا والتكاليف، قال فلم يطيقوا فأمر بحضور هارون وتكون العلماء غير بعيد ففعل، وجاءهم بالألواح.

ثم سار بعد ذلك إلى ميعاد الله بعد أربعين ليلة، فكلمه ربه وسأله الرؤية، فمنعها فكان الصعق وساخ الجبل، وتلقى كثيرا من أحكام التوراة في المواعظ والتحليل والتحريم. وكان حين سار الى الميعاد استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، واستبطئوا موسى، وكان هارون قد أخبرهم بأن الحلي الذي أخذوه للقبط محرم عليهم، فأرادوا حرقة وأوقدوا عليه النار. وجاء السامري في شيعة له من بني إسرائيل، وألقى عليه شيئا كان عنده من أثر الرسول، فصار عجلا وقيل عجلا حيوانا، وعبده بنو إسرائيل، وسكت عنهم هارون خوفا من افتراقهم. وجاء موسى صلوات الله عليه من المناجاة وقد أخبر بذلك في مناجاته، فلما رآهم على ذلك ألقى الألواح، ويقال كسرها، وأبدل غيرها من الحجارة، وعند بني إسرائيل انهما اثنان، وظاهر القرآن أنها أكثر مع أنه لا يبعد استعمال الجمع في الاثنين، ثم أخذ برأس أخيه ووبخه واعتذر له بما اعتذر ثم حرق العجل، وقيل برده بالمبرد وألقاه في البحر.

وكان موسى صلوات الله عليه لما نجا ببني إسرائيل الى الطور بلغ خبره الى بيثر صهره من بني مدين، فجاء ومعه بنته صفورا زوجة موسى عليه السلام التي زوجها به أبوها رعويل كما تقدم، ومعها ابناها من موسى وهما جرشون وعازر، فتلقاها موسى صلوات الله عليه بالبر والكرامة وعظمه بنو إسرائيل، ورأى كثرة الخصومات ٢/٩٥

على موسى، فأشار عليه بأن يتخذ النقباء على كل مائة أو خمسين أو عشرة فيفصلوا بين الناس، وتفصل أنت فيما أهم وأشكل، ففعل ذلك.

ثم أمر الله موسى ببناء قبة للعبادة والوحي من خشب الشمشاد، ويقال هو السنط وجلود الأنعام وشعر الأغنام، وأمر بتزيينها بالحرير والمصبغ والذهب والفضة على أركانها صور منها صور الملائكة الكروبيين على كيفيات مفصلة في التوراة في ذلك كله، ولها عشر سرادقات مقدرة الطول والعرض، وأربعة أبواب وأطناب من حرير منقوش مصبغ، وفيها دفوف وصفائح من ذهب وفضة، وفي كل زاوية بابان وأبواب وستور من حرير، وغير ذلك مما هو مشروح في التوراة. وبعمل تابوت من خشب الشمشاد طول ذراعين ونصف في عرض ذراعين في ارتفاع ذراع ونصف مصفحا بالذهب الخالص من داخل وخارج، وله أربع حلق في أربع زوايا، وعلى حافته كروبيان من ذهب يعنون مثالي ملكين بأجنحة ويكونان متقابلين، وان يصنع ذلك كله فلان شخص معروف من بني إسرائيل. وأن يعمل مائدة من خشب الشمشاد طول ذراعين في عرض ذراع ونصف بطناب ذهب، وإكليل ذهب، بحافة مرتفعة باكليل ذهب، وأربع حلق ذهب في أربع نواحيها مغروزة في مثل الرمانة من خشب ملبس ذهبا، وصحافا ومصافي وقصاعا على المائدة كلها من ذهب. وان يعمل منارة من ذهب، بست قصبات من كل جانب ثلاث وعلى كل قصبة ثلاث سرج، وليكن في المنارة أربعة قناديل، ولتكن هي وجميع آلاتها من قنطار من ذهب. وأن يعمل مذبحا للقربان، ووصف ذلك كله في التوراة بأتم وصف.

ونصبت هذه القبة أول يوم من فصل الربيع ونصب فيها تابوت الشهادة وتضمن هذا الفصل في التوراة من الأحكام والشرائع في القربان والنحور وأحوال هذه القبة كثيرا وفيها: أن قبة القربان كانت موجودة قبل عبادة أهل العجل، وأنها كانت كالكعبة يصلون إليها وفيها، ويتقربون عندها، وأن أحوال القربان كانت كلها راجعة إلى هارون عليه السلام بعهد الله إلى موسى بذلك، وأن موسى صلوات الله عليه كان إذا دخلها يقفون حولها وينزل عمود الغمام على بابها، فيخرون عند ذلك سجدا لله عز وجل، ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه ويناجيه وينهاه، وهو واقف عند التابوت صامد لما بين ذينك الكروبيين. فإذا فصل ٢/٩٦

الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه إليه من الأوامر والنواهي، وإذا تحاكموا إليه في شيء ليس عنده من الله فيه بشيء، يجيء إلى قبة القربان، ويقف عند التابوت، ويصمد لما بين ذينك الكروبيين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الخصومة.

ولما نجا بنو إسرائيل ودخلوا البرية عند سينا أول المصيف لثلاثة أشهر من خروجهم من مصر، وواجهوا جبال الشام وبلاد بيت المقدس التي وعدوا بها أن تكون ملكا لهم على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم بمسيرهم إليها، وأتوه بإحصاء بني إسرائيل من يطيق حمل السلاح منهم من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، وضرب عليهم الغزو ورتب المصاف والميمنة والميسرة، وعين مكان كل سبط في التعبية وجعل فيه التابوت والمذبح في القلب، وعين لخدمتها بني لاوى من أسباطهم، وأسقط عنهم القتال لخدمة القبة، وسار على التعبية سالكا على برية فاران، وبعثوا منهم اثني عشر نقيبا من جميع الأسباط فأتوهم بالخبر عن الجبارين.

كان منهم كالب بن يوفنا بن حصرون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب، ويوشع بن نون بن أليشامع بن عميهون بن بارص بن لعدان بن تاحن بن تالح بن أراشف بن رافح بن بريعا بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، فاستطابوا البلاد واستعظمو العدو من الكنعانيين والعمالقة، ورجعوا إلى قومهم يخبرونهم الخبر وخذلوهم، إلا يوشع وكالب فقالا لهم ما قالا وهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. وخامر بنو إسرائيل عن اللقاء، وأبوا من السير الى عدوهم، والأرض التي ملكهم الله، إلى أن يهلك الله عدوهم على غير أيديهم.

فسخط الله ذلك منهم وعاقبهم بأن لا يدخل الأرض المقدسة أحد من ذلك الجيل إلا كالبا ويوشع. وإنما يدخلها أبناؤهم والجيل الذي بعدهم، فأقاموا كذلك أربعين سنة في برية سينا وفاران، يترددون حوالي جبال الشراة، وأرض ساعير، وأرض بلاد الكرك والشوبك، وموسى صلوات الله عليه بين ظهرانيهم يسأل الله لطفه بهم ومغفرته ويدفع عنهم مهالك سخطه، وشكوا الجوع، فبعث الله لهم المن حبات بيض منتشرة على الأرض مثل ذرير الكزبرة، فكانوا يطحنونه ويتخذون منه الخبز لأكلهم. ثم قرموا إلى اللحم فبعث لهم السلوى طيرا يخرج من البحر، وهو طير السماني، فيأكلون منه، ويدخرون ثم طلبوا الماء، فأمر أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأقاموا على ذلك ثم ارتاب واحد منهم اسمه فودح بن ٢/٩٧

يصهر بن قاهث، وهو ابن عم موسى بن عمران بن قاهث، فارتاب هو وجماعة منهم من بني إسرائيل بشأن موسى، واعتمدوا مناصبته فاصابتهم قارعة وخسفت بهم وبه الأرض وأصبحوا عبرة للمعتبرين. واعتزم بنو إسرائيل على الاستقالة مما فعلوه والزحف إلى العدو، ونهاهم موسى عن ذلك فلم ينتهوا وصعدوا جبل العمالقة فحاربهم أهل ذلك الجبل فهزموهم وقتلوهم في كل وجه. فأمسكوا وأقام موسى على الاستغفار لهم، فأرسل إلى ملك أدوم يطلب الجواز عليه إلى الأرض المقدسة فمنعهم، وحال دون ذلك.

ثم قبض هارون صلوات الله عليه لمائة وثلاثة وعشرين سنة من عمره، ولأربعين سنة من يوم خروجهم من مصر، وحزن له بنو إسرائيل لأنه كان شديد الشفقة عليهم، وقام بأمره الذي كان يقوم به ابنه العيزار ، ثم زحف بنو إسرائيل الى بعض ملوك كنعان، فهزموهم وقتلوهم وغنموا ما أصابوا معهم، وبعثوا الى سيحون ملك العموريين من كنعان في الجواز في أرضه إلى الأرض المقدسة فمنعهم وجمع قومه وغزا بني إسرائيل في البرية، فحاربوه وهزموه وملكوا بلاده الى حد بني عمون، ونزلوا مدينته وكانت لبني مؤاب. وتغلب عليها سيحون. ثم قاتلوا عوجا وقومه من كنعان وهو المشهور بعوج بن عوق، وكان شديد البأس فهزموه وقاتلوه وبنيه وأثخنوا في أرضه، وورثوا أرضهم الى الأردن بناحية أريحا. وخشي ملك بني مؤاب من بني إسرائيل، واستجاش بمن يجاوره من بني مدين وجمعهم، ثم أرسل إلى بلعام بن باعورا وكان ينزل في التخم بين بلاد بني عمون وبني مؤاب، وكان مجاب الدعوة معبرا للأحلام. واستدعاه ليستعين بدعائه، وأتاه الوحي بالنهي عن الدعاء، وألح عليه ذلك الملك وأصعده إلى الأماكن الشاهقة، وأراه معسكر بني إسرائيل منها، فدعا لهم وأنطقه الله بظهورهم وانهم يملكون الى الموصل. ثم تخرج أمة من أرض الروم فيغلبون عليهم، فغضب الملك وانصرف بلعام إلى بلاده.

وفشا في بني إسرائيل الزنا ببنات مؤاب ومدين فأصابهم الموتان، فهلك منهم أربعة وعشرون ألفا. ودخل فنحاص بن لعزرا على رجل من بني إسرائيل في خيمته ومعه امرأة من بني مدين قد أدخلها للزنا بمرأى من بني إسرائيل، فطعنها برمحه وانتظمها وارتفع الموتان عن بني إسرائيل. ثم أمر الله موسى وألعازر بن هارون بإحصاء بني ٢/٩٨

إسرائيل بعد فناء الجيل الذي أحصاهم موسى وهارون ببرية سينا، وانقضاء الأربعين سنة التي حرم الله عليهم فيها دخول تلك الأرض، وان يبعث بعثا من بني إسرائيل الى مدين الذين أعانوا بني مؤاب، فبعث اثني عشر ألفا من بني إسرائيل وعليهم فنحاص بن العيزر بن العزر بن هارون، فحاربوا بني مدين وقتلوا ملوكهم وسبوا نساءهم وملكوا أموالهم، وقسم ذلك في بني إسرائيل بعد أن أخذ منه لله، وكان فيمن قتل بلعام بن باعورا. ثم قسم الأرض التي ملك من بني مدين والعموريين وبني عمون وبني مؤاب، ثم ارتحل بنو إسرائيل ونزلوا شاطئ الأردن، وقال الله قد ملكتكم ما بين الأردن والفرات كما وعدت آباءكم. ونهوا عن قتال عيصو الساكنين ساعير وبني عمون وعن أرضهم. وأكمل الله الشريعة والأحكام والوصايا لموسى عليه السلام، وقبضه إليه لمائة وعشرين سنة من عمره، بعد أن عهد إلى فتاه يوشع أن يدخل ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ليسكنوها، ويعملوا بالشريعة التي فرضت عليهم فيها، ودفن بالوادي في أرض مؤاب ولم يعرف قبره لهذا العهد.

وقال الطبري: مدة عمر موسى صلوات الله عليه مائة وعشرون سنة، منها في أيام أفريدون عشرون، ومنها في أيام منوجهر مائة. قال: ثم سار يوشع من بعد موسى إلى أريحا، فهزم الجبارين ودخلها عليهم. وقال السدي: إن يوشع تنبأ بعد موسى، وسار إلى أريحا فهزم الجبارين، ودخلها عليهم، وأن بلعام بن باعورا كان مع الجبارين يدعو على يوشع، فلم يستجب له، وصرف دعاؤه على الجبارين. وكان بلعام من قرى البلقاء، وكان عنده الاسم الأعظم، فطلبه الكنعانيون في الدعاء على بني إسرائيل فامتنع، وألحوا عليه فأجاب، ودعا فصرف دعاؤه، وكان قيامه للدعاء على جبل حسان مطلا على عسكر بني إسرائيل، هذا خبر السدي في أن دعاء بلعام كان لعهد يوشع. والذي في التوراة أنه كان لعهد موسى، وأن بلعام قتل لعهد موسى كما مر في خبر الطبري.

وقال السدي: إن يوشع بعد وفاة موسى صلوات الله عليه أمر أن يعبر، فسار ومعه التابوت تابوت الميثاق، حتى عبر الأردن، وقاتل الكنعانيين فهزمهم، وأن الشمس جنحت للغروب يوم قتالهم ودعا الله يوشع فوقفت الشمس حتى تمت عليهم ٢/٩٩

الهزيمة، ثم نازل أريحاء ستة أشهر ، وفي السابع نفخوا في القرون، وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة فاستباحوها وأحرقوها. وكمل الفتح واقتسموا بلاد الكنعانيين كما أمرهم الله. هذا مساق الخبر عن سيرة موسى صلوات الله عليه وبني إسرائيل أيام حياته وبعد مماته حتى ملكوا أريحا.

وفي كتب الأخباريين أن العمالقة الذين كانوا بالشام قاتلهم يوشع فهزمهم وقتل آخر ملوكهم وهو السميدع بن هوبر بن مالك. وكان لقاؤهم إياه مع بني مدين في أرضهم وفي ذلك يقول عوف بن سعد الجرهمي:

ألم تر أن العلقمي بن هوبر ... بأيلة أمسى لحمه قد تمزعا

ترامت عليه من يهود جحافل ... ثمانون ألفا حاسرين ودرعا

ذكره المسعودي وقد تقدم لنا خلاف النسابة في هؤلاء العمالقة وأنهم لعمليق بن لاوذ أو لعمالق بن أليفاز بن عيصو الثاني، لنسابة بني إسرائيل سار إليه علماء العرب. وأما الأمم الذين كانوا بالشام لذلك العهد، فأكثرهم لبني كنعان. وقد تقدمت شعوبهم، وبنو أروم أبناء عمون، وبنو مؤاب أبناء لوط، وثلاثتهم أهل يستعير وجبال الشراة وهي بلاد الكرك والشوبك والبلقاء، ثم بنو فلسطين من بني حام ويسمى ملكهم جالوت وهو من الكنعانيين منهم، ثم بنو مدين ثم العمالقة. ولم يؤذن لبني إسرائيل في غير بلاد الكنعانيين فهي التي اقتسموها وملكوها وصارت لهم تراثا، وأما غيرها فلم يكن لهم فيها إلا الطاعة والمغارم الشرعية من صدقة وغيرها.

وفي كتب الأخباريين أن بني إسرائيل بعد ملكهم الشام، بعثوا بعوثهم إلى الحجاز، ولك يومئذ أمة من العمالقة يسمون جاسم، وكان اسم ملكهم الإرم بن الأرقم، وكان أوصاهم أن لا يستبقوا منهم من بلغ الحلم. فلما ظهروا على العمالقة وقتلوا ٢/١٠٠

الأرقم، استبقوا ابنه وضنوا به عن القتل لوضاءته. ولما رجعوا من بعد الفتح، وبخهم إخوانهم ومنعوهم دخول الشام وأرجعوهم إلى الحجاز، وما تملكوا من أرض يثرب، فنزلوها واستتم لهم فتح في نواحيها، ومن بقاياهم يهود خيبر وقريظة والنضير.

قال ابن إسحاق قريظة والنضير والتحام وعمرو هو هزل من الخزرج. وقال ابن الصريح: ابن التومان بن السبط بن أليسع بن سعد ابن لاوى بن النمام بن يتحوم بن عازر بن عزر بن هارون عليه السلام، واليهود لا يعرفون هذه القصة وبعضهم يقول كان ذلك لعهد طالوت والله أعلم.

الخبر عن حكام بني إسرائيل بعد يوشع الى أن صار أمرهم إلى الملك وملك عليهم طالوت

ولما قبض يوشع صلوات الله عليه بعد استكمال الفتح، وتمهيد الأمر، ضيع بنو إسرائيل الشريعة، وما أوصاهم به وحذرهم من خلافه، فاستطالت عليهم الأمم الذين كانوا بالشام، وطمعوا فيهم من كل ناحية. وكان أمرهم شورى فيختارون للحكم في عامتهم من شاءوا، ويدفعون للحرب من يقوم بها من أسباطهم، ولهم الخيار مع ذلك على من يلي شيئا من أمرهم، وتارة يكون نبيا يدبرهم بالوحي، وأقاموا على ذلك نحوا من ثلاثمائة سنة لم يكن لهم فيها ملك مستفحل، والملوك تناوشهم من كل جهة، إلى أن طلبوا من نبيهم شمويل أن يبعث عليهم ملكا، فكان طالوت، ومن بعده داود، فاستفحل ملكهم يومئذ وقهروا أعداءهم، على ما يأتي ذكره بعد. وتسمى هذه المدة بين يوشع وطالوت مدة الحكام ومدة الشيوخ.

وأنا الآن أذكر من كان فيها من الحكام على التتابع معتمدا على الصحيح منه، على ما وقع في كتاب الطبري والمسعودي، ومقابلا به ما نقله صاحب حماة من بني أيوب في تاريخه عن سفر الحكام والملوك من الإسرائيليات، وما نقله أيضا هروشيوش مؤرخ الروم في كتابه الذي ترجمه للحكم المستنصر من بني أمية قاضي النصارى وترجمانهم بقرطبة وقاسم بن أصبغ. قالوا كلهم: لما فتح يوشع مدينة أريحاء سار إلى نابلس فملكها ودفن هنالك شلو يوسف عليه السلام، وكانوا حملوه معهم ٢/١٠١

عند خروجهم من مصر. وقد ذكرنا انه كان أوصى بذلك عند موته. وقال الطبري: إنه بعد فتح أريحاء نهض الى بلد عاي من ملوك كنعان، فقتل الملك وأحرق المدينة، وتلقاه خيقون ملك عمان، وبارق ملك أورشليم بالجزي واستذموا بأمانه فأمنهم. وزحف إلى خيقون ملك الأرمانيين من نواحي دمشق فاستنجد بيوشع، فهزم يوشع ملك الأرمن إلى حوران واستلحمهم وصلب ملوكهم، وتتبع سائر الملوك بالشام فاستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا. وملك قيسارية، وقسم الأرض التي ملكها بين بني إسرائيل، وأعطى جبل المقدس لكالب ابن يوفنا فسكن مدينة أورشليم، وأقام مع بني يهودا، ووضع القبة التي فيها تابوت العهد والمذبح والمائدة والمنارة على الصخرة التي في بيت المقدس. وأما بنو أفرايم فكانوا يأخذون الجزية من الكنعانيين، ثم قبض يوشع وفي سفر الحكام أنه قبض لثمان وعشرين سنة من ملكه، وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقال الطبري: ابن مائة وستة وعشرين سنة. والأول أصح. قال: وكان تدبير يوشع لبني إسرائيل في زمن منوشهر عشرين سنة، وفي زمن أفراسياب سبع سنين. وقال أيضا: إن ملك اليمن شمر بن الأملوك من حمير كان لعهد موسى وبني ظفار وأخرج منها العمالقة. ويقال أيضا: كان من عمال الفرس على اليمن. وزعم هشام بن محمد الكلبي أن الفل من الكنعانيين بعد يوشع احتملهم أفريقش بن قيس بن صيفي من سواحل الشام، في غزاته الى المغرب التي قتل فيها جرجيس الملك، وأنه أنزلهم بإفريقية، فمنهم البربر وترك معهم صنهاجة وكتامة من قبائل حمير انتهى.

وقام بأمر بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنا بن حصرون بن بارص بن يهودا وقد مر نسبه، وكان فنحاص بن العيزر بن هارون كوهنا، يتولى أمر صلاتهم وقربانهم، ثم تنبأ وتنبأ أبوه العيزر وكان كالب مضعفا فأقاما كذلك سبع عشرة سنة. وقال الطبري كان مع كالف في تدبيرهم حزقيل بن يودي، ويقال له ولد العجوز لأنه ولد بعد أن كبرت أمه وعقمت. وحدث عن وهب بن منبه أن حزقيل هذا دبرهم بعد كالب ولم يقع لهذا ذكر في سفر الحكام. ثم بعد يوشع اجتمع بنو يهودا وبنو شمعون لحرب الكنعانيين، فغلبوهم وقتلوهم، وفتحوا أورشليم وقتلوا ملكها، ثم فتحوا غزة وعسقلان وملكوا الجبل كله، ولم يقتلوا الغور. وأما سبط بنيامين فكان في قسمهم ٢/١٠٢

بلد اليونانيين في أرضهم، وأخذوا منهم الخراج واختلطوا بهم، وعبدوا آلهتهم فسلط الله عليهم ملك الجزيرة واسمه كوشان شقنائم، ومعناه أظلم الظالمين. ويقال إنه ملك الأرمن في الجزيرة ودمشق وملك حوران وصيدا وحران ويقال والبحرين ويقال انه من أدوم.

وقال الطبري: من نسل لوط فاستعبد بني إسرائيل ثمان سنين بعد وفاة كالب بن يوفنا، ثم ولي الحكم فيهم عثينئال ابن أخيه قناز ابن يوفنا فحاربهم كوشان هذا، وأزال ملكته عن بني إسرائيل، ثم حاربه فقتله وكان له بعد ذلك حروب سائر أيامه مع بني مؤاب وبني عمون أسباط لوط ومع العماليق إلى أن هلك لأربعين سنة من دولته. ثم عبد بنو إسرائيل الأوثان من بعده فسلط الله عليهم ملك بني مؤاب واسمه عفلون، بعين مهملة ومعجمة ساكنة ولام مضمومة تجلب واوا ساكنة ونون بعدها، فاستعبدهم ثماني عشرة سنة. ثم قام بتدبيرهم أيهوذ بن كارا من سبط أفرايم، وقال ابن حزم: من بنيامين، وضبطه بهمزة ممالة تجلب ياء ثم هاء مضمومة تجلب واوا ثم ذال معجمة فأنقذهم من يد بني مؤاب وقتل ملكهم عفلون بحيلة تمت لهم في ذلك.

وهو أنه جاءه رسولا عن بني إسرائيل متنكرا بهدايا وتحف منهم حتى إذا خلا به طعنه فأنفذه ولحق بمكانه من جبل أفرايم، ثم اجتمعوا ونزلوا فقتلوا من الحرس نحوا من عشرة آلاف، وغلب ببني إسرائيل بني مؤاب واستلحمهم وهلك لثمانين سنة من دولته.

وقام بتدبيرهم بعده شمكار بن عناث من سبط كاد، وضبطه بفتح الشين المثلثة بعدها ميم ساكنة وكاف تقرب من مخرج الجيم ويجلب فتحها الفا وبعدها راء مهملة، ومات لسنة من ولايته وبنو إسرائيل على حيالهم من المخالفة، فسلط الله عليهم ملك كنعان واسمه يافين، بفاء شفوية تقرب من الباء، فسرح إليهم قائده سميرا فملك عليهم أمرهم واستعبدهم عشرين سنة. وكانت فيهم كوهنة امرأة متنبئة اسمها دافورا بفاء هوائية تقرب من الباء، وهي من سبط نفطالي، وقيل من سبط أفرايم، وقيل كان زوجها بارق ابن أبي نوعم من سبط نفطالي واسمه البيدوق، فدعته إلى حرب سميرا فأبى إلا أن تكون معه فخرجت ببني إسرائيل، وهزموا الكنعانيين، وقتل قائدهم سميرا وقامت بتدبيرهم أربعين سنة يرادفها زوجها بارق بن أبي نوعم. قال هروشيوش: وعلى عهدها كان أول ملوك الروم الطينيين بأنطاكية بنقش بن شطونش ٢/١٠٣

وهو أبو القياصرة. ثم توفيت دافورا وبقي بنو إسرائيل فوضى وعادوا إلى كفرهم فسلط الله عليهم أهل مدين والعمالقة.

قال الطبري: وبنو لوط الذين بتخوم الحجاز قهروهم سبع سنين، ثم تنبأ فيهم من سبط منشى بن يوسف كدعون بن يواش، وضبطه بفتح الكاف القريبة من الجيم وسكون الدال المهملة بعدها وعين مهملة مضمومة تجلب واوا وبعدها نون، فقام بتدبيرهم. وقد كان لمدين ملكان أحدهما اسمه رابح والآخر صلمناع، فبعث إلى بني إسرائيل عساكره مع قائدين عوديب وزديف، وأهم بني إسرائيل شأنهم، فخرج بهم كدعون فهزموا بني مدين، وغنموا منهم أموالا جمة، ومكثوا أيام كدعون هذا على استقامة في دينهم، وغلب لأعدائهم أربعين سنة، وكان له من الولد سبعون ولدا، وعلى عهده بنيت مدينة طرسوس. وقال جرجيس بن العميد:

وملطية أيضا. ولما هلك قام بتدبيرهم ولده أبو مليخ، وكانت أمه من بني شخام ابن منشى بن يوسف من أهل نابلس، فانجدوه بالمال وقتل بني أبيب كلهم ثم نازعوه بنو شخام أخواله الأمر، وطالت حروبه معهم، وهلك محاصرا لبعض حصونهم بحجر طرحته عليه امرأة من السور فشدخه. فقال لصاحب سلاحه أجهز علي لئلا يقال قتلته امرأة. وذلك لثلاث سنين من ولايته.

ثم دبر أمرهم بعده طولاع بن فوا بن داود من سبط يساخر، وضبطه بطاء قريبة من التاء تجلب ضمتها واوا ثم لام ألف ثم عين. وقال الطبري هو ابن خال أبي مليخ وابن عمه. (قلت) : والظاهر أنه ابن خاله لأن سبط هذا غير سبط ذاك. وقال ابن العميد: هو من سبط يساخر إلا أنه كان نازلا في سائر من جبل أفراييم. فمن هنا والله أعلم وقع اللبس في نسبه، ودبرهم ثلاثا وعشرين سنة. قال هروشيوش: وعلى عهده كان بمدينة طرونية من ملوك الروم اللطينيين برمامش بن بنقش. وملك ثلاثين سنة وقد مضى ذكره. ولما هلك طولاع قام بتدبيرهم بعده يائير بن كلعاد من سبط منشى بن يوسف وضبطه بياء مثناة تحتية مفتوحة وألف ثم همزة مكسورة بعدها ياء أخرى ثم راء مهملة، وقام في تدبيرهم اثنتين وعشرين سنة، ونصب أولاده كلهم حكاما في بني إسرائيل وكانوا نحوا من ثلاثين، فلما هلك طغوا وعبدوا الأصنام، ٢/١٠٤

فسلط الله عليهم بني فلسطين وبني عمون فقهروهم ثماني عشرة سنة.

وقام بتدبيرهم يفتاح من سبط منشى، وضبطه بياء مثناة تحتانية وفاء ساكنة وتاء مثناة من فوق بفتحة تجلب ألفا ثم حاء مهملة، فلما قام بأمرهم طلب ضريبة النحل من بني عمون فامتنعوا من إعطائها وكانوا ملوكا منذ ثلاثمائة سنة، فقاتلهم وغلبهم عليها وعلى اثنتين وعشرين قرية معها، ثم حارب سبط أفراييم وكانوا مستبدين وحدهم عن بني إسرائيل، فارادهم على اتفاق الكلمة والدخول في الجماعة حتى استقاموا على ذلك، وأقام في تدبيرهم ست سنين. وعلى عهده أصابت بلاد يونان المجاعة العظيمة التي هلك فيها أكثرهم.

ولما هلك قام بتدبيرهم أبصان من سبط يهودا من بيت لحم، وضبطه بهمزة مفتوحة وباء موحدة ساكنة وصاد مهملة بفتحة تجلب ألفا وبعدها نون، ويقال أنه جد داود عليه السلام، بوعز بن سلمون بن نحشون بن عميناذاب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهودا. وحصرون هذا هو جد كالب بن يوفنا الذي دبرهم بعد يوشع. ونحشون كان سيد بني يهود العهد خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام، وهلك في التيه.

ودخل ابنه سلمون أريحا مع يوشع ونزل بيت لحم على أربعة أميال من بيت المقدس.

قال هروشيوش: في أيام أبصان هذا كان انقراض ملك السريانيين، وخروج القوط وحروبهم مع النبط.

وأقام أبصان في تدبير بني إسرائيل سبع سنين ثم ملك. فقام بتدبيرهم إيلون من سبط زبولون وضبطه بهمزة مكسورة تجلب ياء ثم لام مضمومة تجلب واوا ثم نون، فدبرهم عشر سنين ثم هلك. فدبرهم عبدون بن هلال من سبط أفراييم ثمان سنين. وقال ابن العميد اسمه عكرون بن هليان وكان له أربعون ابنا وثلاثون حافدا. قال هروشيوش: وفي أيامه خربت مدينة طرونة قاعدة الروم اللطينيين خربها الروم الغريقيون في فتنة بينهم. ولما هلك عبدون دفن بأرض أفراييم في جبال العمالقة واختلف بنو إسرائيل بعده وعبدوا الأصنام وسلط الله عليهم بني فلسطين فقهروهم أربعين سنة، ثم تخلصهم من أيديهم شمشون بن مانوح من سبط دان، ويعرف بشمشون القوي لفضل قوة كانت في يده ويعرف أيضا بالجبار ٢/١٠٥

وكان عظيم سبطه، ودبر بني إسرائيل عشر سنين بل عشرين سنة، وكثرت حروبه مع بني فلسطين، وأثخن فيهم وأتيح لهم عليه في بعض الأيام فأسروه ثم حملوه وحبسوه. واستدعاه ملكهم بعض الأيام الى بيت آلهتهم ليكلمه فامسك عمود البيت، وهزه بيده فسقط البيت على من فيه وماتوا جميعا.

ولما هلك اضطربت بنو إسرائيل وافترقت كلمتهم وانفرد كل سبط بحاكم يولونه منهم، والكهنونية فيهم جميعا في عقب العيزار بن هارون من لدن وفاة هارون عليه السلام بتوليته موسى صلوات الله عليه بالوحي، ومعنى الكهنونية إقامة القرابين من الذبح والبخور على شروطها وأحكامها الشرعية عندهم. وقال ابن العميد: إنه ولي تدبيرهم بعد شمشون حاكم آخر اسمه ميخائيل بن راعيل، دبرهم ثمان سنين، ولم تكن طاعته فيهم مستحكمة، وأن الفتنة وقعت بين بني إسرائيل ففني فيها سبط بنيامين عن آخرهم.

ثم سكنت الفتنة وكان الكوهن فيهم لذلك العهد عالي بن بيطات بن حاصاب بن إليان بن فنحاص بن العيزار بن هارون، وقيل من ولد ايتامار بن هارون، وضبطه بعين مهملة مفتوحة تجلب ألفا ثم لام مكسورة تجلب ياء تحتانية. فلما سكنت الفتنة كانوا يجرعون إليه في أحكامهم وحروبهم. وكان له ابنان عاصيان، فدفعهما إلى ذلك، وكثر لعهده قتال بني فلسطين، وفشا المنكر من ولديه، وأمر بدفعهم عن ذلك فلم يزدادوا إلا عتوا وطغيانا، وأنذر الأنبياء بذهاب الأمر عنه وعن ولده، ثم هزمهم بنو فلسطين في بعض أيامهم وأصابوا منهم، فتذامر بنو إسرائيل، واحتشدوا وحملوا معهم تابوت العهد، ولقيهم بنو فلسطين، فانهزم بنو إسرائيل أمامهم وقتلوا ابنا عالي كوهن كما أنذر به أبو هما وشمويل. وبلغ أبا هما الكوهن خبر مقتلهما فمات أسفا لأربعين سنة من دولته، وغنم بنو فلسطين التابوت فيما غنموه، واحتملوه إلى بلادهم بعسقلان وغزة، وضربوا الجزية على بني إسرائيل، ولما مضى القوم بالتابوت فيما حكى الطبري، وضعوه عند آلهتهم فقلاها مرارا فأخرجوه إلى ناحية من القرية، فأصيبوا فتبادروا بإخراجه وحملوه على بقرتين لهما تبيعان ووضعتاه عند أرض بني إسرائيل، ورجعتا إلى ولديهما وأقبل إليه بنو إسرائيل فكان لا يدنوا منه أحد إلا مات حتى أذن شمويل لرجلين منهم حملاه إلى بيت أمهما وهي أرملة فكان لك حتى ملك طالوت أه. وكان ردهم التابوت لسبعة أشهر من يوم حملوه، وكان عالي الكوهن ٢/١٠٦

قد كفل ابن عمه شمويل بن الكنا بن يوام بن إلياهد بن ياو بن سوف. وسوف هو أخو حاصاب بن البلى بن يحاص.

وقيل إن شمويل من عقب فورح وهو قارون بن يصهار بن قاهاث بن لاوى. ونسبه إليه شمويل بن الفنا بن يروحام بن اليهوذ بن يوحا بن صوب بن ألقافا بن يويل بن عزير ابن صنعينا بن ثاحت بن أسر بن القانا بن النشاسات بن قارون. وكانت أمه نذرت أن تجعله خادما في المسجد، وألقته لك فكفله عالي وأوصى له بالكهونية، ثم أكرمه الله بالنبوة، وولاه بنو إسرائيل أحكامهم فدبرهم عشر سنين. وقال جرجيس بن العميد: عشرين سنة ونهاهم عن عبادة الأوثان فانتهوا وحاربوا أهل فلسطين واستردوا ما كانوا أخذوا لهم من القرى والبلاد، واستقام أمرهم ثم دفع الأمر الى ابنيه يؤال وأبيا، وكانت سيرتهما سيئة. فاجتمع بنو إسرائيل الى شمويل، وطلبوه أن يسأل الله في ولاية ملك عليهم، فجاء الوحي بولاية طالوت. فولاه وصار أمر بني إسرائيل ملكا بعد أن كان مشيخة، والله معقب الأمر بحكمته لا رب غيره. ٢/١٠٧

الخبر عن ملوك بني إسرائيل بعد الحكام ثم افتراق أمرهم والخبر عن دولة بني سليمان بن داود على السبطين يهوذا وبنيامين بالقدس الى انقراضها

لما نقم بنو إسرائيل على يؤال وأبيا ابني شمويل ما نقموا من أمورهم، واجتمعوا إلى شمويل، وسألوه من الله أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم ويجمع نشرهم ويدفع الذل عنهم، فجاء الوحي بأن يولي الله طالوت ويدهنه بدهن القدس، فأبوا بعد أن أمر شمويل بأن يستهموا عليه، فاستهموا على بني آبائهم، فخرج السهم على طالوت وكان أعظمهم جسما فولوه، واسمه عند بني إسرائيل شاول بن قيس بن أفيل، بالفاء الهوائية القريبة من الباء، ابن صاروا بن نحورت بن أفياح، فقام بملكهم، واستوزر أفنين ابن عمه نير بن أفيل. وكان لطالوت من الولد يهوناتان وملكيشوع وتشبهات وأنبياداف. وقام طالوت بملك بني إسرائيل، وحارب أعداءهم من بني فلسطين وعمون ومؤاب والعمالقة ومدين فغلب جميعهم، ونصر بنو إسرائيل نصرا لا كفاء له. وأول من زحف إليهم ملك بني عمون ونازل قرية بلقاء فهجم عليهم طالوت، وهو في ثلاثمائة ألف من بني إسرائيل فهزمهم واستلحمهم، ثم أغزى ابنه في عساكر بني إسرائيل الى فلسطين فنال منهم، واجتمعوا لحرب بني إسرائيل فزحف إليهم طالوت وشمويل فانهزموا واستلحمهم بنو إسرائيل، وأمر شمويل أن يسير إلى العمالقة وأن يقتلهم ودوابهم ففعل، واستبقى ملكهم أعاع مع بعض الأنام، فجاء الوحي الى شمويل بأن الله قد سخطه وسلبه الملك فخبره بذلك، وهجره شمويل فلم يره بعد.

وأمر شمويل أن يقدس داود، وبعث له بعلامته فسار إلى بني يهوذا في بيت لحم، وجاء به أبوه أيشا فمسحه شمويل، وسلب طالوت روح الجسد، وحزن لذلك ثم قبض شمويل وزحف جالوت وبنو فلسطين الى بني إسرائيل فبرز إليهم طالوت في العساكر وفيهم داود بن إيشا من سبط يهوذا، وكان صغيرا يرعى الغنم لأبيه، وكان يقذف بالحجارة في مخلاته فلا تكاد تخطىء. قال الطبري: وكان شمويل قد أخبر طالوت بقتل جالوت، وأعطاه علامة قاتلة، فاعترض بني إسرائيل حتى رأى ٢/١٠٩

العلامة فيه فسلمه وأقام في المصاف. وقد احتمل الحجارة في مخلاته، فلما عاين جالوت قذفه بحجارة فصكه في رأسه ومات، وانهزم بنو فلسطين، وحصل النصر.

فاستخلص طالوت حينئذ داود وزوجه ابنته، وجعله صاحب سلاحه، ثم ولاه على الحروب فاستكفى به. وكان عمره حينئذ فيما قال الطبري ثلاثين سنة. وأحبه بنو إسرائيل، واشتملوا عليه، وابتلي طالوت وبنوه بالغيرة منه، وهم بقتله ونفذ لذلك مرارا، ثم حمل ابنه يهونتان على قتله، فلم يفعل لخلة ومصافاة كانت بينهما ودس إلى داود بدخيلة أبيه فيه، فلحق بفلسطين وأقام فيهم أياما، ثم إلى بني مؤاب كذلك، ثم رجع الى سبطه يهوذا بنواحي بيت المقدس، فأقام فيهم يقاتل معهم بني فلسطين في سائر حروبهم، حتى إذا شعر به طالوت طلب بني يهوذا بإسلامه اليه، فأبوا فزحف إليهم فأخرجوه عنهم، ولحق ببني فلسطين وقاتلهم طالوت في بعض الأيام فهزموه، واتبعوه وأولاده يقاتلون دونه حتى قتل يهونتان ومشوى وملكيشوع وبنو فلسطين في اتباعه حتى إذا أيقن بالهلكة قتل نفسه بنفسه. وذلك فيما قال الطبري لأربعين سنة من ملكه.

ثم جاء داود إلى بني يهوذا فملكوه عليهم، وهو داود بن إيشا بن عوفذ، بالفاء الهوائية، ابن بوغر واسمه أفصان بالفاء، الهوائية والصاد المشمة. وقد قدمنا ذكره في حكام بني إسرائيل بن سلمون الذي نزل بيت لحم لأول الفتح ابن نحشون سيد بني يهوذا عند الخروج من مصر ابن عميناذاب بن إرم بن حصرون بن بارص بن يهوذا، هكذا نسبه في كتاب اليهود والنصارى، وأنكره ابن حزم قال: لأن نحشون مات بالتيه وإنما دخل القدس ابنه سلمون، وبين خروج بني إسرائيل من مصر وملك داود ستمائة سنة باتفاق منهم، والذي بين داود ونحشون أربعة آباء، فإذا قسمت الستمائة عليهم يكون كل واحد منهم إنما ولد له بعد المائة والثلاثين سنة وهو بعيد.

ولما ملك داود على بني يهوذا نزل مدينتهم حفرون بالفاء الهوائية، وهي قرية الخليل عليه السلام لهذا العهد، واجتمع الأسباق كلهم إلى يشوشات بن طالوت، فملكه في أورشليم وقام بأمره وزير أبيه أفيند وقد مر نسبه.

وفي كتاب أسفار الملوك من الإسرائيليات أن رجلا جاء الداود بعد وفاة طالوت، فأخبره بمهلكه ومهلك أولاده في هزيمتهم أمام بني فلسطين، وأمر هذا الرجل أن يقتله لما أدركوه، فقتله وجاء بتاجه ودملجه إلى داود، وانتسب الى العمالقة، فقتله ٢/١١٠

داود بقتله، وبكى على طالوت، وذهب الى سبط يهوذا بأرض حفرون بالفاء القريبة من الباء، وهي قرية الخليل لهذا العهد، وأقام شيوشيات بن طالوت في أورشليم، والأسباط كلهم مجتمعون عليه، وأقامت الحرب بينهم وبين داود أكثر من سنتين، ثم وقع الصلح بينهم والمهادنة، وأذعن الأسباط الى داود وتركوه، ثم اغتاله بعض قواده وجاء برأسه الى داود فقتله به. وأظهر عليه الحزن والأسف وكفل أخواته وبنيه أحسن كفالة.

واستبد داود بملك بني إسرائيل لثلاثين سنة من عمره وقاتل بني كنعان فغلبهم، ثم طالت حروبه مع بني فلسطين، واستولى على كثير من بلادهم، ورتب عليهم الخراج. ثم حارب أهل مؤاب وعمون وأهل أدوم وظفر بهم وضرب عليهم الجزية، ثم خرب بلادهم بعد ذلك، وضرب الجزية على الأرمن بدمشق وحلب، وبعث العمال لقبضها. وصانعه ملك انطاكية بالهدايا والتحف، واختط مدينة صهيون وسكنها واعتزم على بناء مسجد في مكان القبة التي كانوا يضعون بها تابوت العهد ويصلون إليها. فأوحى الله الى دانيال نبي على عهده أن داود لا يبني وانما يبنيه ابنه ويدوم ملكه فسر داود بذلك. ثم انتقض عليه ابنه ابشلوم، وقتل أخاه أمون غيرة منه على شقيقه بأمان وهرب. ثم استماله داود ورده، وأهدر دم أخيه وصير له الحكم بين الناس. ثم رجع ثانيا لأربع سنين بعدها وخرج معه سائر الأسباط، ولحق داود بأطراف الشام وقيل لحق بخيبر وما إليها من بلاد الحجاز، ثم تراجع للحرب فهزمه داود وأدركه يؤاب وزير داود وقد تعلق بشجرة فقتله، وقتل في الهزيمة عشرون ألف من بني إسرائيل، وسيق رأس قشلوط لولي أبيه داود فبكى عليه وحزن طويلا، واستألف الأسباط ورضي عنهم ورضوا عنه. ثم أحصى بني إسرائيل فكانوا ألف ألف ومائة ألف، وسبط يهوذا أزيد من أربعمائة ألف. وعوتب في الوحي لأنه أحصاهم بغير اذن، وأخبره بذلك بعض الأنبياء لعهده.

وأقام داود صلوات الله عليه في ملكه والوحي يتتابع عليه، وسور الزبور تنزل. وكان يسبح بالأوتار والمزامير، وأكثر المزامير المنسوبة إليه في ذكر التسبيح وشأنه. وفرض على الكهنونية من سبط لاوى التسبح بالمزامير قدام تابوت العهد اثني عشر كوهنا لكل ٢/١١١

ساعة. ثم عهد عند تمام أربعين سنة من دولته لابنه سليمان صلوات الله عليهما، ومسحه مابان النبي وصادوق الخبر مسحة التقديس، وأوصى ببناء بيت المقدس.

ثم قبض صلوات الله عليه ودفن في بيت لحم، وكان لعهده من الأنبياء نامان وكاد وآصاف. وكان الكهنون الأعظم افيثار بن أحيلج من عقب عالي الكوهن الذي ذكرناه في الحكام، وكان من بعده صادوق.

ثم قام بالملك من بعده من بني إسرائيل ابنه سليمان صلوات الله عليه وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فاستفحل ملكه وغالب الأمم، وضرب الجزية على جميع ملوك الشام مثل فلسطين وعمون وكنعان ومؤاب وأدوم والأرمن، وأصهر إليه لملوك من كل ناحية ببناتهم، وكان ممن تزوج بنت فرعون مصر. وكان وزيره يؤاب بن نيثرا وهو ابن أخت داود اسمها صوريا، وكان وزيرا لداود فلما ولي سليمان استوزره فقام بدولته ثم قتله بعد ذلك، واستوزر يشوع بن شيداح ، ولأربع سنين من ملكه شرع في بيت المقدس بعهد أبيه إليه بذلك، فلم يزل إلى آخر دولته بعد ان هدم مدينة انطاكية وبنى مدينة تدمر في البرية وبعث إلى ملك صور ليعينه في قطع الخشب من لبنان، وأجرى على الفعلة فيه في كل عام عشرين ألف كر من الطعام ومثلها من الزيت ومثلها من الخمر. وكان الفعلة في لبنان سبعين ألفا ولنحت الحجارة ثمانين ألفا وخدمة المناولة سبعون ألفا، وكان الوكلاء والعرفاء على ذلك العمل ثلاثة آلاف وثلاثمائة رجل.

ثم بنى الهيكل وجعل ارتفاعه مائة ذراع في طول ستين وعرض عشرين. وجعل بدائرة كله أروقة وفوقها مناظر، وجعل بدائر البيت ابريدا من خارج، ونمقه وجعل الظهر مقورا ليودع فيه تابوت العهد. وصفح البيت من داخله وسقفه بالذهب، وصنع في البيت كروبيين من الخشب مصفحتين بالذهب وهما تمثالان للملائكة الكروبيين، وجعل للبيت أبوابا من خشب الصنوبر، ونقش عليها تماثيل من الكروبيين والنرجس والنخل والسوسن وغشاها كلها بالذهب. وأتم بناء الهيكل في سبع سنين، وجعل لها بابا من ذهب، ثم بنى بيتا لسلاحه أقامه على أربعة صفوف من العمد من خشب الصنوبر في كل صف خمسة عشر عمودا، ووضع فيه مائتي ٢/١١٢

ترس من الذهب، في كل ترس ستمائة من حجر الجوهر والزمرد، وثلاثمائة درقة من الذهب، في كل درقة ثلاثمائة من حجر الياقوت، وسمى هذا البيت غيضة لبنان.

وصنع منبرا لجلوسه تحت رواق وكراسي كثيرة كلها من العاج ملبسة من الذهب. ثم بنى من فوق هذا البناء بيتا لابنة فرعون التي تزوج بها، وصنع بها أوعية النحاس لسائر ما يحتاج إليه بالبيت، واسترضى الصناع لذلك من مدينة صور. وعمل مذبح القربان بالبيت من الذهب، ومائدة الخبز الوجوه من الذهب، وخمس منابر عن بمين الهيكل، وخمسا عن يساره بجميع آلاتها من الذهب، ومجامر من الذهب.

وأحضر موروث أبيه من الذهب والفضة والأوعية الحسنة فأدخلها إلى البيت، وبعث إلى تابوت العهد من صهيون قرية داود إلى البيت الذي بناه له، فحمله رؤساء الأسباط والكهنونية على كواهلهم حتى وضعوه تحت أجنحة التمثالين للكروبيين بالمسجد. وكان في التابوت اللوحان من الحجارة اللذين صنعهما موسى عليه السلام بدل الألواح المنكسرة، وحملوا مع تابوت العهد قبة القربان وأوعيتها إلى المسجد.

وأقام سليمان أمام المذبح يدعو في يوم مشهود، اتخذ فيه وليمة لذلك ذبح فيها اثنتين وعشرين ألفا من البقر، ثم كان يقرب ثلاث مرات من السنة قرابين وذبائح كاملة، ويبخر البخور وجميع الأوعية لذلك كلها ذهب. وكانت جبايته في كل سنة ستمائة قنطار وستة وستون قنطارا من الذهب، غير الهدايا والقربان إلى بيت المقدس.

وكانت له سفن بحر الهند تجلب الذهب والفضة والبضائع والفيلة والقرود والطواويس، وكانت له خيل كثيرة مرتبة تجلب من مصر وغيرها تبلغ الفا وستمائة فرس معدة كلها للحرب. وكانت له ألف امرأة لفراشه ما بين حرة وسرية منها ثلاثمائة سرية. وفي الأخبار للمؤرخين أنه تجهز للحج فوافى الحرم واقام به ما شاء الله، وكان يقرب كل يوم خمسة آلاف بدنة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة. ثم سما إلى ملك اليمن وسار إليه فوافى صنعاء من يومه، وطلب الهدهد لالتماس الوضوء، وكانت قناقنه أي ملتمس الوضوء له في الأرض فافتقده، ورجع إليه بخبر بلقيس كما قصه القرآن. ودافعته بالهدية فلم يقبلها، فلاذت بطاعته ودخلت في دينه وطاعته، وملكته أمرها ووافته بملك اليمن، وأمرها بأن تتزوج فنكرت ذلك لمكان الملك فقال لا بد في الدين من ذلك. فقالت زوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه وملكه على اليمن واستعملها فيه ورجع إلى الشام. وقيل تزوجها وأمر الجن فبنوا لها سليمين ٢/١١٣

وغمدان. وكان يزورها في الشهر مرة يقيم عندها ثلاثا، وعلماء بني إسرائيل ينكرون وصوله إلى الحجاز واليمن، وإنما ملك اليمن عندهم بمراسلة ملكة سبإ، وانها وفدت عليه في أورشليم، وأهدت إليه مائة وعشرين قنطارا من الذهب، ولؤلؤا وجوهرا وأصنافا من الطيب والمسك والعنبر فأجازها وأحسن إليها. وانصرفت، هكذا في كتاب الأنساب من كتبهم.

ثم انتقض على سليمان آخر أيامه هدرور ملك الأرمن بدمشق، وهداد ملك أدوم، وكان قد ولى على ضواحي بيت المقدس وجميع أعماله يربعان بن نباط من سبط أفرايم، واستكفى به في ذلك، وكان جبارا فعوتب بالوحي على لسان أخيا النبي في توليته فأراد قتله، وشعر بذلك يربعان فهرب إلى مصر، فأنكحه فرعون ابنته وولدت له ابنه ناباط وأقام بمصر.

وقبض سليمان صلوات الله عليه لأربعين سنة من ملكه، وقيل اثنتين وخمسين، ودفن عند أبيه داود صلوات الله عليهما. وافترق ملك بني إسرائيل من بعده كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٢/١١٤

الخبر عن افتراق بنى إسرائيل منهم ببيت المقدس على سبط يهوذا وبنيامين الى انقراضه

لما قبض سليمان صلوات الله عليه وسلامه، ولي ابنه رحبعم ، وضبطه براء مهملة وحاء مهملة مضمومتين وباء موحدة ساكنة وعين مهملة مضمومة وميم، فقام بأمره وزاد في عمارة بيت لحم وغزة وصور وأيلة، واشتد على بني إسرائيل وطلبوا منه تخفيف الضرائب، فامتنع وطالبهم بالوظائف، وأخذ فيهم برأي الغواة من بطانته، فنقموا عليه ذلك وانتقضوا. وجاءهم يربعم بن نباط من مصر، فبايعوه وولوه عليهم، واجتمع عليه سائر الأسباط العشرة من بني إسرائيل، ما عدا سبط يهوذا وبنيامين، وتزاحفوا للحرب. ثم دعاهم بعض أنبيائهم للصلح فتواضعوا واصطلحوا.

وفي السنة الخامسة من ملك رحبعم زحف شيشاق ملك مصر إلى بيت المقدس، فهرب رحبعم، واستباحها شيشاق ورجع وضرب عليهم الجزية، ثم دفعوه ومنعوه. فأقام بنو داود في سلطانهم على بني يهوذا وبنيامين ببيت المقدس وعسقلان وغزة ودمشق وحلب وحمص وحماة وما إلى ذلك من أرض الحجاز، وملك الأسباط العشرة بنواحي نابلس وفلسطين، ثم نزلوا مدينة شومرون وهي شمرة وسامرة في الناحية الشرقية الشمالية من الشام مما يلي الفرات والجزيرة، واتخذوها كرسيا لملكهم ذلك، وأقاموا على هذا الافتراق إلى حين انقراض أمرهم، ووقعوا في الجلاء الذي كتب الله عليهم كما نذكره.

ثم هلك رحبعم لسبع عشرة سنة من دولته، وولي بعده على سبط يهوذا وبنيامين بأرض القدس ابنه أفيا ، وضبطه بهمزة مفتوحة ومتوسطة بين الفاء والذال من لغتهم وياء مثناة من تحت مشددة وألف، وكان على مثل سيرة أبيه. وكان عابدا صواما، وكانت أيامه كلها حربا مع يربعم بن نباط وبني إسرائيل، وهلك لثلاث سنين. وولى بعده ابنه أسا ، بضم الهمزة وفتح السين المهملة وألف ٢/١١٦

بعدها، ابن أفيا. وطال أمد ملكه، وكان رجلا صالحا، وكان على مثل سيرة جده داود صلوات الله عليه، وتعددت الأنبياء في بني إسرائيل على عهده، ومات يربعم بن نباط لسنتين من ملكه، وملك بعده ابنه ناداب وقتله يعشا بن أحيا كما نذكر في أخبارهم. ثم وقعت بينه وبين أسا حروب، واستمد اسا بملك دمشق فزحف معه، وكان يعشا ملك السامرة في ناحية يثرب لبنائها، فهرب وترك آلات البناء، فنقلها أسا ملك القدس وبنى بها الحصون. ثم خرج عليهم زادح ملك الكوش في ألف ألف مقاتل، ولقيهم أسا فهزمهم وأثخن فيهم. ولم تزل الحرب قائمة بين أسا وبين الأسباط بالسامرة سائر أيامه، وعلى عهده اختطت السامرة كما نذكر بعد.

ثم هلك أسا بن أفيا لإحدى وأربعين سنة من ملكه، وولي بعده ابنه يهوشاظ ، بياء مفتوحة مثناة تحتانية وهاء مضمومة وواو ساكنة وشين معجمة بعدها ألف ثم ظاء بين الذال والظاء المعجمتين، فكان على مثل سيرة أبيه، وكانت أيامه مع أهل السامرة وملوكهم سلما. واجتمع ملوك العمالقة، ويقال أروم ، وخرج لحربهم فهزمهم وغنم أموالهم. وكان لعهده من الأنبياء إلياس بن شوياق، واليسع بن شوبوات.

وقال ابن العميد: إيليا ومنحيا وعبوديا. وكانت له سفن في البحر يجلب له فيها بضائع الهند فأصابها قاصف الريح فتكسرت وغرقت. ثم هلك لخمسة وعشرين سنة من ملكه، وولي ابنه يهورام ، بفتح المثناة التحتية ثم هاء مضمومة تجلب واوا ثم راء مفتوحة تجلب ألفا وبعدها ميم، وانتقض عليه أروم، وولوا عليهم ملكا منهم، فزحف إليهم ووقع بهم في سفيرا أوسط بلادهم، وأثخن فيهم بالسبي والقتل. ثم رجع عنهم، وأقاموا في عصيانهم. وعلى عهده زحف ملك الموصل إلى الأسباط بالسامرة، فكانت بينه وبينهم حروب كما نذكر.

وقال ابن العميد: كانت على بني مؤاب جزية مضروبة لبني يهوذا، مائتان من الغنم كل سنة، فمنعوها، واجتمع ملوك القدس والسامرة لحربهم وحاصروهم سبعة أيام، وفقدوا الماء فاستسقى لهم اليسع وجرى الوادي. فخرج أهل مؤاب فظنوه ماء، ٢/١١٧

فقتلهم بنو إسرائيل وأثخنوا فيهم. وفي أيام يهورام رفع إيليا النبي وانتقل سره الى اليسع، وكان على عهده من الأنبياء أيضا عبوديا.

ثم هلك يورام لثمان سنين من ملكه، ودفن عند جد داود، وولي بعده ابنه أحزياهو ، بهمزة مفتوحة وحاء مهملة مضمومة وزاي معجمة ساكنة ثم ياء مثناة تحتية بفتحة تجلب ألفا ثم هاء مضمومة تجلب واوا، وأمه غثليا بنت عمري أخت أجاب وسار سيرة خاله، وملك سنة واحدة، وقيل سنتين، وخرج لقتال ملك الجزيرة والموصل واستنفر معه صاحب السامرة يورام ابن خاله أجاب، فاقتتلوا معه ثم انصرفوا وابن خاله جريح. وجاءه أحزياهو في بعض الأيام يعوده وكان ابن يهوشافاض بن منشي من سبط منشا بن يوسف يترصد قتل يورام بن أجاب ملك السامرة، فأصاب فرصة في ذلك الوقت فقتلهما جميعا. وقال ابن العميد ان يورام بن أجاب ملك السامرة خرج لحرب أروم، في رواية كلعاد وخرج معه أحزياهو فقتلا في تلك الحرب. قال: وقيل ان ياهوعشا رمى بسهم فأصاب يورام بن أجاب. وكان لعصره من الأنبياء اليسع وعامور وفنحاء.

ثم ملك بعد أحزيا أمه عثليا بنت عمري كذا وقع اسمها في كتاب الطبري، وفي كتاب الإسرائيليات اسمها أضالية. ويقال كانت من جواري سليمان، ثم استفحل ملكها بالقدس وقتلت بني داود كلهم، وأغفلت ابنا رضيعا من ولد أبيها أحزياهو اسمه يؤاش، بضم الياء المثناة التحتية ثم همزة مفتوحة تجلب ألفا ثم شين معجمة، أخفته عمته يهوشيع بنت يهورام في بعض زوايا القدس، وعلم بمكانه زوجها يهود يادع وهو يومئذ الكوهن الأعظم. حتى إذا كملت له سبع سنين، ونقم بنو يهوذا سيرة عثليا، اجتمعوا إلى يهود يادع الكوهن فاخرج لهم يؤاش بن أحزياهو من مكانه، واستحلفهم فبايعوا له وقتلوا جدته عثليا ومن معها لسبع سنين من ملكها. ٢/١١٨

وقام يؤاش بملكه في تدبير يهوديادع الكوهن، ثم أراد عبادة الأصنام، فمنعه زكريا النبي فقتله. وكان لعهده من الأنبياء اليسع وعوفريا وزكريا بن يهوديادع. وهلك يهوديادع لثلاث وعشرين سنة من ملك يؤاش بعد أن جدد يؤاش بيت المقدس، ولثمان وثلاثين من ملكه قبض اليسع النبي صلوات الله عليه، وعلى عهده زحف شريال ملك الكلدانيين ببابل إلى بيت المقدس، ويقال ملك نينوى والموصل. وقال ابن العميد: ملك الشام فأعطاهم جميع ما في خزائن الملك وبيت المقدس من الأموال، ودخل في طاعتهم إلى أن قتله وزراؤه وأهل دولته لأربعين سنة من ملكه.

وولوا مكانه ابنه أمصيا هو، بفتح الهمزة والميم وسكون الصاد المشمة بالزاي بعدها ياء مثناة تحتانية بفتحة تجلب ألفا ثم هاء مضمومة تجلب واوا، واستبدوا عليه ثم ثار عليهم بأمه وقتلهم أجمعين. وسار إلى أروم فظفر بهم، وقتل منهم نحوا من عشرين ألفا، ثم زحف إليه ملك الأسباط بالسامرة ولقيه فهزمه وحصل في أسره. وسار الى بيت المقدس فحاصرها، وهدم من سورها نحوا من أربعمائة ذراع، واقتحمها فغنم ما في خزائن بيت السلطان، وبيت الهيكل من الأموال والأواني والذخائر ورجع إلى السامرة، فأطلق أمصيا هو ملك القدس، فرجع إلى قومه ورم ما تثلم من سورها. ولم يزل مملكا حتى نقموا عليه أفعاله فقتلوه لسبع وعشرين سنة من ملكه. وكان لعهده من الأنبياء يونان وناحوم، وتنبأ لعصره عاموص.

ولما قتلوا أمصيا هو ولوا ابنه عزيا هو ، بعين مهملة مضمومة وزاي معجمة مكسورة مشددة وياء مثناة تحتانية تجلب ألفا وهاء تجلب واوا، وطالت مدته ثلاثا وخمسين سنة، واختلفت فيها أحواله. قال ابن العميد: ولخمس من ملكه كان ابتداء وضع سني الكبس التي هي سنة بعد أربع تزيد يوما على الماضية بحساب ربع يوم في كل سنة الذي اقتضاه حساب مسير الشمس عندهم. قال: ولست من ملكه انقرض ملك الأرمانيين من الموصل وصارت إلى بابل، لاثنتين وعشرين من ملكه غزا ملك بابل واسمه فول مدينة السامرة فاقتحمها، وأعطاه ملكها بدرة من المال فرجع عنه.

قال: ولعهده ملك على بابل رينوس ويلقب قطب الملك، ولعهده ملك على ٢/١١٩

اليونانيين ملكهم الأول من مدينة أنقياس لثلاث وعشرين سنة من تملك عزيا هو.

قال: ولإحدى وخمسين من ملكه ملك ببابل بخت نصر الأول. قال: ولعهده أيضا كان الملك الأول من الروم المقدويس ويسمى فروس. ولعهده كان من الأنبياء يوشع وغوزيا وأموص وأشعيا ويونس بن متى. قال ابن العميد وانتهت عساكر عزيا هو إلى ثلاثمائة ألف، وأصابه البرص بدعاء الكوهن لما أراد أن يخالف التوراة في استعمال البخور وهو محرم على سبط لاوى، فبرص ولزم بيته سنة وصار ابنه يؤام ينظر في أمر الملك إلى أن تغلب على أبيه. قال هروشيوش: وعلى عهده أيضا قتل شرديال آخر ملوك بابل من الكلدانيين على يد قائده أرباط بن المادس، واستبد بملك بابل وأصاره إلى قومه بعد حروب طويلة، ثم زحف إلى القوط والعرب من قضاعة فحاربهم طويلا وانصرف عنهم.

ثم هلك عزيا هو لثلاث وخمسين سنة من ملكه، وملك بعده ابنه يؤاب وكان صالحا تقيا، وكان لعهده من الأنبياء هوشيع وأشعيا ويويل وعوفد. وفي أيامه ابتدأ غلب ملك الجزيرة على اليهود وكانوا يعرفون بالسوريانيين. ثم هلك يوآب لست عشرة من ملكه، وملك ابنه أحاز، بهمزة مفتوحة ممالة وحاء مهملة تجلب ألفا وزاي معجمة، فخالف سنة آبائه، وعبد بنو إسرائيل الأوثان في أيامه، وحارب الأرمن واستجاش عليهم بملك الموصل، فزحف معه وحاصر دمشق وملكها منهم واستباحها، ورجع إلى بلاده. ثم خرج أحاز لحربهم فهزموه وقتلوا من اليهود مائة وعشرين ألفا ونحوها، وارجعوا أحاز الى دمشق أسيرا. قال هروشيوش: وعلى عهد أحاز كان انقراض ملك الماريس على يد كيرش ملك الفرس، ورجعت أعمالهم إليه.

ويقال: ان آخر ملوكهم هو اشتانيش، وكان جد كيرش لامه، وكفله صغيرا فلما شب وملك حارب جده فقتله وانتزع ملكه. وقال ابن العميد عن المسبحي: ولذلك العهد ملك على الروم الفرنجة غير اليونان، الاخوان روملس ورومانس، واختط مدينة رومة. وقال هروشيوش: ولعهده ملك على الروم اللطينيين بأرض أنطاكية روملس، ثم مركة وبنى مدينة رومة. ٢/١٢٠

ثم هلك أحاز لست عشرة من ملكه، وولى ابنه حزقيا هو، بحاء مهملة مكسورة وزاي معجمة ساكنة وقاف مكسورة وياء مثناة تحتانية مشددة تجلب ألفا وهاء مضمومة تجلب واوا، فقطع عبادة الأوثان وسار سيرة جده داود، ولم يكن في ملوك بني يهوذا مثله. وعصى على ملك الموصل وبابل وكوريش وهزم فلسطين وخرب قراهم. وفي أيامه وأيام أبيه سار شليشار ملك الجزيرة والموصل إلى الأسباط بالسامرة، فضرب عليهم الجزية. ثم سار في أيامه فأزال ملكهم. ولأربع من ملكه زحف إليه رضين ملك دمشق ورجع عنه من غير قتال. ولا ربع عشرة من ملكه زحف إليه سنجاريف ملك الموصل بعد فتح السامرة، فافتتح أكثر مدائن يهوذا وحاصرهم ببيت المقدس. وصانعه حزقيا هو بثلاثمائة قنطار من الفضة وثلاثين من الذهب أخرج فيها ما كان في الهيكل، وبيت الملك من المال ونثر الذهب من أبواب المسجد، دفع ذلك له ورجع عنه. ثم فسد ما بينهما وزحف إليه سنجاريف ثانيا وحاصره وامتنع من قبول مصانعته، وقال: من ذا الذي خلصه إلهه من يدي حتى يخلصكم أنتم إلهكم. فخافوا منه وفزعوا إلى النبي شعيا في الدعاء فأمنهم منه ودعا عليه فوقع الطاعون في عسكره، ثم تواقعوا في بعض الليالي، فبلغ قتلاهم مائة وعشرين ألفا ورجع سنجاريف إلى نينوى والموصل، فقتله أبناؤه وهربوا إلى بيت المقدس وملك ابنه السرمعون.

وقال الطبري إن ملك بني إسرائيل أسر سنجاريف وأوحى الله الى شعيا أن يطلقه فأطلقه. قال: وقيل إن الذي سار إليه سنجاريف من ملوك بني إسرائيل كان أعرج، وأن سنجاريف لعهد ملك أذربيجان، وكان يدعى سليمان الأعسر، فلما نزل بيت المقدس صار بينهما أحقاد كامنة، فتواقعوا وهلك عامة عسكرهما، وصار ما معهما غنيمة لبني إسرائيل، وبعث ملك بابل إلى حزقيا ملك الفرس بالهدايا والتحف، فأعظم موصلها، وبالغ في كرامة الوفد وفخر عليهم بخزانته وطوفهم عليها، فنكر ذلك عليه شعيا النبي وأنذره بان ملوك بابل يغنمون جميع هذه الخزائن، ويكون من أبنائك خصيان في قصرهم.

ثم هلك حزقيا هو لتسع وعشرين سنة من ملكه، وولي ابنه منشا، بميم مكسورة ونون ٢/١٢١

مفتوحة وشين معجمة مشددة وألف، وكان عاصيا قبيح السيرة، وكانت آثاره في الدين شنيعة، وأنكر عليه شعيا النبي أفعاله، فقتله نشرا بالمناشير من رأسه إلى مغرق ساقيه، وقتل جماعة من الصالحين معه. وفي التاسعة والثلاثين من ملكه، ملك سنجاريف الصغير مملكة الموصل قاله ابن العميد وفي الثانية والخمسين بنيت بوزنطية بناها بورس الملك، وهي التي جددها قسطنطين وسماها باسمه. وفي أيامه ملك برومة قنوقرسوس الملك، وفي الحادية والخمسين من ملكه زحف سنجاريف ملك الموصل إلى القدس فحاصرها ثلاث سنين، وافتتحها في الرابعة والخمسين من ملكه. وولي بعده ابنه أمون، بهمزة قريبة من العين والميم مضمومة تجلب واوا ثم نون، وكانت حاله مثل حال أبيه فملك سنتين، وقيل اثنتي عشرة، ثم اغتاله عبيده فقتلوه، واجتمع بنو يهوذا فقتلوا أولئك العبيد، وأقاموا ابنه يوشيا مكانه، وضبطه بياء مثناة تحتية مضمومة تجلب واوا بعدها شين معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحتية بفتحة تجلب ألفا. فلما ملك أحسن السيرة وهدم الأوثان وكان صالح الطريقة مستقيم الدين، وقتل كهنة الأصنام وهدم البيوت والمذابح التي بناها يربعام بن نباط بالبرابرة. وكان في أيامه من الأنبياء صفونا وكلدي امرأة شالوم وناحوم. وتنبأ لعهده أرمياء بن ألحيا من نسل هارون، وأخبرهم بالجلاء إلى بابل سبعين سنة، فأخذ يوشيا قبة القربان وتابوت العهد وأطبق عليهما في مغارة فلم يعرف مكانهما من بعد ذلك. وفي أيامه ملك المجوس بابل. ولإحدى وثلاثين من دولته ملك فرعون الأعرج مصر وزحف لقتال مسيح بالفرات، فخرج يوشيا لحربه وانهزم يوشيا فهلك بسهم أصابه لاثنتين وثلاثين من دولته.

وولى بعده ابنه يوآش، ويقال اسمه يهوياحاز فعطل أحكام التوراة، وأساء السيرة، فزحف إليه فرعون الأعرج، وأخذه ورجع به إلى مصر فمات لك. وضرب على أرضهم الخراج مائة قنطار فضة وعشرة ذهبا، وكانت ولايته ثلاثة أشهر. وولوا مكانه أخاه ألياقيم بن يوشيا، بهمزة مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتانية يجلب فتحها ألفا وقاف مكسورة تجلب ياء ثم ميم، وكان عاصيا كافرا، وكان يأخذ الخراج لفرعون من بني يهوذا على قدر أحوالهم. ثم زحف إليه بخت نصر ملك بابل لسبع من ولاية ألياقيم، ٢/١٢٢

فملك الجزيرة وسار إلى بيت المقدس فضرب عليهم الجزية أولا، ودخل ألياقيم في طاعته ثلاث سنين، وسلط الله عليه أروم وعمون ومؤاب والكلدانيين، ثم انتقض عليه فسرح الجيوش اليه، فقبضوا عليه واحتملوه الى بابل، فهلك في طريقه لإحدى عشرة سنة من ملكه. وولى بخت نصر مكانه ابنه يخنيو، بفتح الياء المثناة التحتانية بعدها خاء معجمة مضمومة ثم نون ساكنة وبعدها ياء تحتانية تجلب ضمتها واوا، فأقام ثلاثة أشهر، ثم زحف إليه وحاصره، وأخرج إليه أمه وأشراف مملكته فأشخصهم الى بلده. وجمع أهله ورجال دولته وسائر بني إسرائيل نحوا من عشرة آلاف، واحتملهم أسارى إلى بابل، وغنم جميع ما كان في الهيكل والخزائن من الأموال وجميع الأواني التي صنعها سليمان للمسجد، ولم يترك بمدينة القدس إلا الفقراء والضعفاء وبقي يخنيو ملك بني إسرائيل محبوسا سبعا وثلاثين سنة.

وقال ابن العميد: إن بخت نصر سار إلى القدس في الثالثة من مملكة ألياقيم، وسبى طائفة منها، وانتهب جميع ما في بيت الهيكل. وكان في سنة دانيال وخانيا وعزاريا وميصائل. وان في السنة الخامسة من ملكه قاتل بخت نصر فرعون الأعرج ملك مصر، وفي الثانية من ملك الياقيم غزا بخت نصر القدس ووضع عليهم الخراج وأبقى الياقيم في ملكه وهلك لثلاث سنين بعد ذلك وملك ابنه يخنيو. وكان لعهده من الأنبياء ارميا وأوريا بن شعيا وموري والد حزقيا. وفي أيامه تنبأ دانيال، ثم سار بخت نصر ليخنيو فأشخصه الى بابل كما مر.

وقال الطبري ووافقه نقل هروشيوش: إن بخت نصر ولى مكان يخنيو بن الياقيم عمه متنيا، بميم مفتوحة وتاء مثناة فوقانية مفتوحة مشددة ونون ساكنة وياء مثناة تحتانية بفتحة تجلب ألفا، ويسمى صدقيا هو، وكان عاصيا قبيح السيرة، ولتسع سنين من ولايته انتقض على بخت نصر، فزحف إليه في العساكر وحاصر بيت المقدس وبنى عليها المدر للحصار، وأقام ثلاث سنين واشتد الحصار بهم، فخرجوا هاربين منها إلى الصحراء واتبعهم العساكر من الكلدانيين وأدركوهم في أريحا، فقبض على ملكهم صدقيا هو وأتى به أسيرا فسمل عينيه. وقال الطبري: وذبح ولده بمرأى منه، ثم اعتقله ببابل إلى أن مات. ولحق بعض من بني إسرائيل بالحجاز فأقاموا مع العرب، وكان لعهده من الأنبياء ارميا وحبقون وباروح. وبعث بخت نصر قائده نبو زراذون، بنون مفتوحة وباء موحدة مضمومة تجلب واوا بعدها زاي وراء مفتوحة تجلب ألفا ٢/١٢٣

وذال مضمومة تجلب واوا بعدها نون، بعثه إلى مدينة القدس، وكانوا يدعونها مدينة يروشالم ، فخربها وخرب الهيكل وكسر عمد الصفر التي نصبها سليمان في المسجد طول كل عمود منها ثمانية عشر ذراعا وطول رءوسها ثلاثة أذرع، وكسر صرح الزجاج وسائر ما كان بها من آثار الدين والملك، واحتمل بقية الأواني وما كان وجده من المتاع، وسبى الكوهن سارية والحبر منشا وخدمة الهيكل إلى بابل. قال هروشيوش: وأبقى صدقيا هو محبوسا ببابل إلى أن أطلقه بزداق قائد بهمن ملك الفرس حين غلبوا على بابل فأطلقه ووصله وأقطعه.

وقال مؤرخ حماة ووافقه المسعودي: ان بخت نصر بعد تخريب القدس هرب منه بعض ملوك بني إسرائيل إلى مصر وبها فرعون الأعرج، وطلبه بخت نصر فأجاره فرعون وسار إليه بخت نصر فقتله وملك مصر. وافتتح من المغرب مدائن وبث فيها دعاته، وكان إرمياء نبي بني إسرائيل من سبط لاوى، ويقال اسمه إرمياء بن خلقيا، وكان على عهده صدقيا هو ووجده بخت نصر في محبسهم فأطلقه واحتمله معه في السبي الى بابل، وقيل انه مات في محبسه ولم يدركه بخت نصر. وكذلك احتمل معهم دانيال بن حزقيل من أنبيائهم.

وقال ابن العميد: وولي جدليا بن أحان على من بقي من ضعفاء اليهود بالقدس، ولسبعة أشهر من ولايته قام إسماعيل بن متنيا بن إسماعيل من بيت الملك فقتل جدليا واليهود والكلدانيين الذين معهم، ثم هرب إلى مصر وهرب معه ارميا، وهرب حبقون إلى الحجاز فمات وكان قيما ولحقهم بمصر. وتنبأ ارمياء في مصر وبابل وأورشليم وصور وصيدا وعمون ثمانية وثلاثين سنة، ورجمه أهل الحجاز فمات. وكان فيما أخبرهم به مسير بخت نصر الى مصر وتخريبه هياكلها وقتله أهلها. ولما دخل بخت نصر مصر نقل جسده الى الإسكندرية ودفنه بها، وقيل دفن بالقدس لوصيته. وأما حزقيا هو فقتله اليهود في السبي.

قال الطبري: وافترقت جالية بني إسرائيل في نواحي العراق الى ان ردهم ملوك الفرس الى القدس فعمروه وبنوا مسجده. وكان لهم فيه ملك في دولتين متصلتين الى أن وقع بهم الخراب الثاني والجلوة الكبرى على يد طيطش من ملوك القياصرة كما نذكر بعد. ٢/١٢٤

ولنذكر هنا ما وقع من الخلاف في نسب بخت نصر هذا، والى من يرجع من الأمم:

فقد ذهب قوم الى أنه من عقب سنجاريف ملك الموصل الذي كان يقاتل بني إسرائيل والسامرة بالقدس. قال هشام بن محمد الكلبي فيما نقل الطبري: هو بخت نصر بن نبوزراذون بن سنجاريف، ثم نسب سنجاريف إلى نمروذ بن كوش بن حام الذي وقع ذكره في التوراة في ولدكوش وعد بين سنجاريف والنمروذ ستة عشر أبا أو نحوها أولهم داريوش بن فالغ وعصا بن نمروذ، أسماء غير مضبوطة يغلب على الظن تصحيفها لعدم دراية الأصول وقلة الوثوق بضبطها. وقيل إن بخت نصر من نسل أشوذ بن سام، ولم يقع إلينا رفع هذا النسب ولعله أصح من الأول لأنه قد تقدم نسب سنجاريف في الجرامقة ثم في الموصل منهم وهم من ولد أشوذ باتفاق من أهل فارس، نقله أيضا الطبري عن ابن الكلبي، وان اسمه بختمرسه فسمي بخت نصر، وكان يملك ما بين الأهواز والروم من غربي دجلة أيام هراسب ويستاسب وبهمن من ملوك الفرس، وانه افتتح ما يليه من بلاد بابل والشام ثم سار الى القدس فافتتحها كما تقدم، وقيل ان بهمن بعث رسله إلى القدس في طلب الطاعة منهم فقتلوه، فبعث بهمن أصبهبذا للناحية القريبة من مملكته، وبعث معه داريوش من ملوك مارى بن نابت، وكيرش بن كيكوس من ملوك بنى غليم بن سام، وأحشوارش بن كيرش بن جاماهن من قرابته. وسار معهم بخت نصر بن نبوزراذون بن سنجاريف صاحب الموصل الذي لقومه البراءات في أهل المقدس فكان ما وقع من الفتح. وقيل كان بخت نصر صاحب الموصل في مقدمتهم وكان الفتح على يده.

وأما بنو إسرائيل فيزعمون أن بخت نصر من الكلدانيين، وهم ولد ناحور بن آزر أبي إبراهيم عليه السلام، وكان لهم الملك ببابل وكان بخت نصر هذا من أعقابهم، وكان مدة دولته خمسا وأربعين سنة، وكان فتحه المقدس لثمانية عشر من دولته. وملك بعده أويل مروماخ ثلاثا وعشرين سنة، ثم بعده ابنه فيلسنصر بن أويل ثلاث سنين، ثم غلب عليهم كورش وأزال ملكهم وهو الذي رد بني إسرائيل إلى بيت المقدس فعمروه وجددوا به ملكا كما نذكره. ٢/١٢٥

وفد اختلف في كيرش الذي رد بني إسرائيل الى القدس من هو بعد اتفاقهم على أنه من الفرس، فقيل هو يستاسب ولم يكن ملكا وإنما كان مملكا على خوزستان وأعمالها من قبل كيقوس وبنجسون بن سياوش ولهراسب من بعدهما، وكان عظيم الشأن ولم يكن ملكا. وقيل إن كيرش هو ابن احشوارش بن جاماسب بن لهراسب، وأبوه أحشوارش هذا الذي بعثه بهمن. ولما رجع من ذلك الفتح بعثه الى ناحية الهند والسند وانصرف الى حصن الأبر فولاه بابل وتزوج من سبي بني إسرائيل ابنة أبي حاويل الرحا وأخت مردخاي من الرضاع، وهو من أنبياء بني إسرائيل. فتزعم النصارى انها ولدت عند حيرا حوارس إلى بابل ابنه كيرش هذا فحضنه مردخاي ولقنه دين اليهودية، ولزم سائر أنبيائهم مثل متنيا وعازريا وميثائل وعزيز. وولي دانيال احكام دولته، وجعل إليه أمره وأذن له أن يخرج ما في الخزائن من السبي والذخائر والآنية ويرده إلى مكانه ويقوم في بناء القدس فعمره. وراجعه بنو إسرائيل وسأله هؤلاء الأنبياء أن يرجعوا إلى بيت المقدس فمنعهم اغتباطا بمكانهم.

وقيل إن كيرش هو كيرش بن كيكو بن غليم بن سام، وهو الذي كنا قدمنا أن بهمن بعثه مع قائده بخت نصر الى فتح بيت المقدس، وأن بختمرس ملكه بهمن على بابل، وكان يسمى بختمرسي كما ذكرنا، فملكها وملك ابنه من بعده ثلاثا وعشرين سنة، ثم ابنه بلتنصر سنة واحدة، ثم بلغ بهمن سوء سيرته فعزله وولى على بابل داريوش ألماذة بن ماداي، ثم عزله وولى كيرش بن كيكو، وكتب إليه بهمن بان يرفق ببني إسرائيل ويحسن ملكتهم وأن يردهم إلى أرضهم ويولي عليهم من يختارونه، ففعل، فاختاروا دانيال من أنبيائهم فولاه. وقيل وهو لعلماء بني إسرائيل ان بلتنصر حافد بخت نصر وهو ملك بابل والكلدانيين، وأن دارا ويسمى داريوش ملك ماري، وكورش وهو كيرش ملك فارس، كان في طاعته فانتقضا عليه، وخرج إليهم في العساكر فانهزم أولا، ثم بعث عساكره وقواده إليهم فهزمهم ثم قتله خادمه على فراشه. ولحق بداريوش وكورش وزحفا إلى بابل فغلبا الكلدانيين عليها، واختص دارا وقومه مادي وأظنهم الديلم ببابل ونواحيها. واختص كورش وقومه فارس بسائر الأعمال والكور، وكان كورش نذر ببناء بيت المقدس واطلاق الجالية ورد الآنية، ثم هلك دارا وانفرد كورش بالملك على فارس ومادي ووفى بنذره هذا محصل الخلاف في بخت نصر وكيرش والله أعلم. ٢/١٢٦

الواقع ان الأسماء محرفة ومحورة عن الأصل حتى في الصفحة الواحدة يرد الاسم مختلفا، وهذا ما جعلنا نعود الى التوراة وبعض المراجع القديمة ومقابلتها لضبط هذه الأسماء قدر الإمكان. ٢/١٢٧

الخبر عن دولة الأسباط العشرة وملوكهم الى حين انقراض أمرهم

قد تقدم لنا في دولة سليمان عليه السلام ان يربعام بن نباط من سبط افرائيم كان واليا لسليمان على جميع نواحي يورشليم وهي بيت المقدس، وقيل إنما كان واليا على عمل بني يوسف بنابلس وما إليها، وكان جبارا وان سليمان عوتب على ولايته من الله وانتقض ولحق بمصر، فلما قبض سليمان وولي ابنه رحبعم واختلف عليه بنو إسرائيل بما بلوا من سوء ملكته والزيادة في الضرائب عليهم، واجتمع الأسباط العشرة ما عدا يهوذا وبنيامين فاستقدموا يربعام بن نباط من مصر فبايعوا له وولوه الملك عليهم وحاربوا رحبعم ومن في طاعته وهم سبط يهوذا وبنيامين، فامتنعوا عليهم بمدينة يروشليم، ثم انحازوا إلى جهة فلسطين في عمل بني يوسف. ونزل يربعم مدينة نابلس بملك الأسباط العشرة ومنعهم من الدخول إلى بيت المقدس والقربان فيه، وكان عاصيا مسخوط السيرة.

ولم يزل الحرب بينه وبين رحبعم بن سليمان وابنه أبيا من بعده واثنين من ملك أسا بن أبيا، وكان أبيا ظاهرا عليه في حروبه، ثم هلك يربعام بن نباط لسنتين من ملك أبيا ولثلاث وعشرين من ملكه، فولي مكانه على الأسباط يوناذاب وكان على مثل سيرة أبيه من الجور وعبادة الأصنام، فسلط الله عليه بعشا بن أحيا فقتله وجميع أهل بيته لسنتين من ملكه. وقام بملك الأسباط فلم يزل يحارب أسا بن أبيا وأهل القدس سائر أيامه. وكان أسا يستمد عليه بملك دمشق من الأرمن. وسار معه إليه مرة، وكان أعشا بن أحيا نبي يثرب، فأجفل أمامهم وترك الآلات فأخذها أسا وبنى بها الحصون وهلك أعشا بن أحيا لأربع وعشرين سنة من ملكه ودفن في برصا مدينة ملكهم بعد أن أنذره بالهلاك نبيهم فاهو. ولما هلك ولي بعده ابنه إيليا، ويقال إيلهوا في السادسة والعشرين من ملك أسا فأقام سنين ثم بعث عساكر بني إسرائيل إلى محاصرة بعض المدن بفلسطين، فوثب عليه سبط من الأسباط من عقب كان يعرف زمري صاحب المراكب، ويقال ابن اليافا، فقتله وجميع أهل بيته وقام ٢/١٢٨

بالملك ومكث أياما يسيرة خلال ما بلغ الخبر لبني إسرائيل بمكانهم من حصار فلسطين، فلم يرضوه وملكوا عليهم صي بن كسات من سبطه ورجعوا الى زمري المتوثب على الملك فحاصروه، فلما أحيط به دخل مجلس الملك وأوقد نارا لتحرقه فاحترق فيه لسبعة أيام من فورتهم.

وكان عمري بن ناداب من سبط أفراييم ويلقب صاحب الحربة يرادف صي في الملك فقتله واستبد، وذلك في الحادية والثلاثين من ملك أسا. ثم اختلف عليه بنو إسرائيل ونصف بعضهم بنيامين فنال من سبط يساخر، وحاربهم عمري فغلبهم. وكان ينزل مدينة برصا، ولست سنين من ملكه اختط مدينة السامرية ابتاع لها جبل شمران من رجل اسمه سامر بقنطار فضة، وبنى فيه قصوره وسميت سبسطية، ثم غلبت عليها النسبة إلى البائع. ويقال إن الاسم كان شومرون فعرب سامرة وأهملت شينها المثلثة، وكانت هذه المدينة مدينة ملكهم الى انقراض أمرهم.

ثم هلك عمري لاثنتي عشرة سنة من ولايته ودفن في نابلس، وقام بملك الأسباط من بعده ابنه أحاب ، وكان على مذهبه ومذهب سلفه منهم من الكفر والعصيان، وتزوج بنت ملك صيدا، وبنى هيكلا بسامرة وجعل فيه صنما يسجد له وأفحش في قتل الأنبياء، وبنى قرية أريحاء ودعا عليه إيليا النبي فقحطوا ثلاث سنين خرج فيها إيليا الى البرية فسكنها، ثم رجع فدعا وأنزل الله المطر وذبح الذين حملوا أحاب على عبادة الأصنام هكذا قال ابن العميد.

والذي قاله الطبري إن هذا النبي الذي دعا عليهم هو الياس بن سين، وقيل ابن ياسين من نسل فنحاص بن العازار. وكان بعث الى أهل بعلبك والى أحاب وقومه.

وقال الطبري: فكذبوه فأصابهم القحط ثلاثا، ففزعوا إليه في الدعاء وبأهلهم في أصنامهم فلم تغن شيئا، فدعا لهم فمطروا، ثم انهم أقاموا على ما كانوا عليه من الكفر والعصيان. وكان أحاب شديدا عليه ودعا عليه الياس ثم طلب من الله أن يتوفاه بعد أن أنذر الناس بهلاكه وهلاك قومه بل عقبه. وتنبأ بعده اليسع بن أخطوب من سبط أفرائيم، وقيل ابن عم الياس. وقال ابن عساكر: اسمه أسباط بن عدي بن شوليم ٢/١٢٩

بن افرائيم. قال الطبري: كان مستخفيا مع الياس بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم خلفه في قريته انتهى كلام الطبري.

وقال ابن العميد: في أيام أحاب أوحى الله إلى إيليا أن يبارك على إلياس بن بغسا ففعل ذلك، وان يبارك على أدوم بدمشق، وعلى يا هو ملكا على بني إسرائيل ففعل ذلك. وهو أيضا على عهد أحاب فجاء سنداب ملك سورية فحاصر أحاب بن عمري والأسباط العشرة في السامرة، وخرجوا إليه فهزموه واستلحموا عامة عسكره، ثم رجع إليهم من العام القابل فخرجوا إليه وهزموه ثانيا وقتلوا من عسكره نحوا من مائة ألف، ومروا في اتباعهم، وامتنع سنداب في بعض حصونه وأحاطوا به فخرج إليهم ملقيا بنفسه على ملكهم أحاب، فعفا عنه ورده الى ملكه، وسخط ذلك النبي من فعله وأنذره بعذاب يصيب ولده عقوبة من الله تعالى على إبقائه عليهم. ثم خرج أحاب من ملك الأسباط مع يهوشافاظ ملك يهوذا المقدس لمحاربة ملك سورية، فأصابه سهم هلك فيه ودفن بسامرة لاثنتين وعشرين سنة من ملكه.

قال ابن العميد: وقيل لثمان عشرة. وقال إنما خرج لحرب كلعاد ملك أدوم فانهزم وقتل.

ولما هلك ملك من بعده ابنه أحزيا ويقال أمشيا وكان عاصيا سيء السيرة قتل عاموص النبي وعبد بعلا الصنم وهلك لسنتين، فملك أخوه يوآم وقيل انه لتسع عشرة من ملك يهوشافاظ ملك الفرس، فملك يوآم على الأسباط اثنتي عشرة سنة زحف فيها أولا إلى مؤاب لما منعوه الجزية التي كانت عليهم للأسباط مائتين من الغنم في كل سنة، واستنجد ملك يهوذا لحربهم فحاصرهم سبعة أيام وفقدوا الماء، فاستسقى لهم اليسع وجرى الوادي وخرج أهل مؤاب يظنونه دما، فقتلهم بنو إسرائيل. وجمع هداد ملك أدوم لحصار سامرة ونازلها ثلاث سنين، ثم دعا عليهم اليسع فاجفلوا ورجعوا إلى بلادهم. وفي الثانية عشر من ملك يؤام ملك الأسباط ثار عليه يهوشافاظ بن يشا من سبط منشا بن يوسف، وذلك عند منصرفه من محاربة ملوك الجزيرة وأروم مع أحزيا بن يهورام ملك القدس، وكان جريحا فعاده أحزيا وكان هذا الفتى يا هو يترصد قتل يؤام فأمكنته الفرصة فيه تلك الساعة فقتله وقتل معه أحزيا ملك القدس وبني يهوذا وملك على الأسباط. ٢/١٣٠

وقال ابن العميد: خرج يؤام بن أحاب ملك الأسباط لحرب أدوم ومعه أحزيا ملك القدس فقتلا جميعا في تلك الحرب. وقيل إن ياهو بن منشا رمى بسهم فأصاب يؤام بن أحاب فمات.

ولما ملك يا هو على الأسباط قتل بني أحاب كلهم كما أمره اليسع، وهلك لخمس وثلاثين من ملكه وولي ابنه يوآص، وقيل يهوذا، ولثمان وعشرين من دولة يوآص بن أحزيا ملك يهوذا القدس وكان قبيح السيرة عبادا للأصنام وعمل مذبحا بسامرة وهلك لسبع عشرة من ملكه، وولي بعده ابنه يوآش لسبع وثلاثين من دولة يوآص بالقدس وزحف إلى القدس فملكها من يد أمصيا ملك يهوذا، وهدم من سورها أربعمائة ذراع، وسبى أهل المقدس وسبى بني عزريا الكوهن، وأخذ جميع ما في المسجد ورجع إلى سامرة. ومرض اليسع فعاده يوآش فوعده بأنه يهلك أدوم ويظفر بهم.

ثلاث مرات، فكان كذلك، وهلك لثلاث عشرة سنة من ملكه. وولي من بعده ابنه يربعام وكان سيئ السيرة وزحف إلى أمصيا ملك يهوذا، وقيل إن الذي زحف إلى أمصيا إنما هو يؤاش أبوه، فهزمه وأخذه أسيرا وسار به إلى القدس فاقتحمها عنوة وغنم جميع ما في خزانتها وسبى بني عزريا الكوهن، ورجع إلى السامرة فأطلق أمصيا. ثم لإحدى وأربعين سنة من ملكه، ولسبع وعشرين من ملك عزيا هو بن أمصيا ملك القدس.

قال ابن العميد: وبقي بنو إسرائيل بالسامرة فوضى أحدى عشرة سنة، ثم ملكوا ابنه زكريا في الثامنة والثامنة والثلاثين من ملك عزيا هو فملك ستة أشهر، وقال ابن العميد شهرا، ثم وثب به مناخيم بن كاد من سبط زبلون من أهل برصا فقتله، وملك مكانه اثنتي عشرة سنة. وقال ابن العميد عشر سنين. قال وفي التاسعة والثلاثين من ملك عزيا هو خرج إلى مدينة برصا ففتحها عنوة واستباحها، وزحف إليه فول ملك الموصل فصانعه بألف قنطار من الفضة ورجع عنه، وكانت سيرته رديئة، ولما هلك مناخيم ملك ابنه بقحيا لأربعين من دولة عزيا ملك القدس فأقام فيهم اثنتي عشرة سنة، وقال ابن العميد سنتين، ثم ثار عليه من عماله باقح بن رصليا وكان على طريقة من تقدمه في الضلال فأقام ملكا على الأسباط بالسامرة عشر سنين، وهلك لدولته عزيا بن أمصيا ملك يهوذا بالقدس، وأقام باقح بن رصليا على سوء السيرة ٢/١٣١

وعبادة الأصنام إلى أن قتله هويشيع بن إيليا من سبط كاد في الثالثة من ملك يؤاب ملك القدس وبقي الأسباط بعده فوضى عشر سنين، ثم ملكوا قاتله هويشيع بن إيليا المذكور، فأقام مملكا عليهم سبع سنين وفي أيامه زحف إليه ملك أثور والموصل فصير الأسباط في دولته وأدوا إليه الخراج، ثم ان هويشيع راسل ملك مصر في الاستعانة به والرجوع إلى طاعته، فلما بلغ ذلك إلى ملك الموصل زحف إليه وحاصره في مدينة السامرة ثلاث سنين واقتحمها في الرابعة. وتقبض على هويشيع لتسع سنين من ملكه ونقله مع الأسباط كلهم إلى الموصل، ثم بعثهم إلى قرى أصبهان وأنزلهم بها، وقطع ملك بني إسرائيل من السامرة وبقي ملك يهوذا وبنيامين بالقدس، وكان ذلك لعهد احزيا بن آخاز من ملوكهم لسنة من دولته.

وتعاقبت ملوكهم بعد ذلك بالقدس إلى أن انقرضوا. وجمع ملك الموصل من كورة غارا وحماة وصفرارام، ويقال ومركتا وأسكنهم بالسامرة. وقال ابن العميد وتفسيرها حفيظة ويوآطر. قالوا وسلط الله عليهم السباع يفترسونهم فبعثوا إلى ملك الموصل أن يعرفهم بصاحب قسمة السامرية من الكواكب ليتوجهوا إليه بما يناسبه على طريقة الصابئة، فقيل إن العشرية التي رسخت فيها وهي دين اليهودية تمنع من ذلك ومن ظهور أثره. فبعث إليهم كوهنين من عامة اليهود يعلمانهم اليهودية فتلقوها عنهما، فهذا أصل السامرة في فرق اليهود وليسوا منهم عند أهل ملتهم لا في نسبهم ولا في دينهم، والله مالك الأمور لا رب غيره ولا معبود سواه سبحانه وتعالى. ٢/١٣٢

الخبر عن عمارة بيت المقدس بعد الخراب الأول وما كان لبني إسرائيل فيها من الملك في الدولتين لبني حشمناي وبني هيردوس إلى حين الخراب الثاني والجلوة الكبرى

هذه الأخبار التي كانت لليهود ببيت المقدس والملك الذي كان لهم في العمارة بعد جلاء بخت نصر وأمر الدولتين اللتين كانتا لهم في تلك المدة، لم يكتب فيها أحد من الأئمة ولا وقفت في كتب التواريخ مع كثرتها واتساعها على ما يلم بشيء من ذلك.

ووقع بيدي وأنا بمصر تأليف لبعض علماء بني إسرائيل من أهل ذلك العصر في أخبار البيت والدولتين اللتين كانتا بها ما بين خراب بخت نصر الأول وخراب طيطش الثاني الذي كانت عنده الجلوة الكبرى، استوفى فيه أخبار تلك المدة بزعمه ومؤلف الكتاب يسمى يوسف بن كريون وزعم أنه كان من عظماء اليهود وقوادهم عند زحف الروم إليهم، وأنه كان على صولة ، فحاصره أسبيانوس أبو طيطش واقتحمها عليه عنوة، وفر يوسف إلى بعض الشعاب وكمن فيها ثم حصل في قبضته بعد ذلك، واستبقاه ومن عليه وبقي في جملته. وكانت له تلك وسيلة إلى ابنه طيطش عند ما أجلى بني إسرائيل عن البيت فتركه بها للعبادة كما يأتي في أخباره. هذا هو التعريف بالمؤلف.

وأما الكتاب فاستوعب فيه أخبار البيت واليهود بتلك المدة وأخبار الدولتين اللتين كانتا بها لبني حشمناي وبني هيردوس من اليهود، وما حدث في ذلك من الأحداث فلخصتها هنا كما وجدتها فيه لأني لم أقف على شيء فيها لسواه، والقوم أعلم بأخبارهم إذا لم يعارضها ما يقدم عليها. وكما قال صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب. فقد قال ولا تكذبوهم. مع أن ذلك إنما هو راجع إلى أخبار اليهود وقصص الأنبياء التي كان فيها التنزيل من عند الله، لقوله بعد ذلك: «وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم 29: 46» . وأما الخبر عن الواقعات المستندة إلى الحس فخبر الواحد كاف فيه إذا غلب على الظن صحته، فينبغي أن نلحق هذه الأخبار بما تقدم ٢/١٣٤

من أخبارهم لتكمل لنا أحوالهم من أول أمرهم إلى آخره والله أعلم. ولم التزم صدقه من كذبه والله المستعان.

قال الطبري وغيره من الأئمة: كان يرميا ويقال أرميا بن خلقيا من أنبياء بني إسرائيل ومن سبط لاوى، وكان لعهد صدقيا هو آخر ملوك بني يهوذا ببيت المقدس، ولما توغلوا في الكفر والعصيان أنذرهم بالهلاك على يد بخت نصر وسأله عنه وأطلقه واحتمله معه في السبي، وكان فيما يقوله أرميا إنهم يرجعون إلى بيت المقدس بعد سبعين سنة يملك فيها بخت نصر وابنه وابن ابنه ويهلكون، وإذا فرغت مملكة الكلدانيين بعد السبعين يفتقدكم. يخاطب بذلك بني إسرائيل في نص آخر له عند كمال سبعين لخراب المقدس. وكان شعيا بن أمصيا من أنبيائهم أخبرهم بأنهم يرجعون إلى بيت المقدس على يد كورش من ملوك الفرس، ولم يكن وجد لذلك العهد، فلما استولى كورش على بابل وأزال مملكة الكلدانيين أذن لبني إسرائيل في الرجوع إلى بيت المقدس وعمارة مسجدها، ونادى في الناس أن الله أوصاني أن أبني بيتا فمن كان لله وسعيه لله فليمض إلى بنائه. فمضى بنو إسرائيل في اثنين وأربعين ألفا وعليهم زيريافيل، بالفاء الهوائية، بن شالتهيل بن يوخنيا آخر ملوكهم بالقدس الذي حبسه بخت نصر وقد مر ذكره. وقد مضى معهم عزير النبي من عقب أشيوع بن فنحاص ابن العازر بن هارون وبينه وبين أشيوع ستة آباء، لم أثق بنقلها لغلبة الظن بأنها مصحفة، ورد عليهم كورش الأواني وكانت لا يعبر عنها من الكثرة. قال ابن العميد: كانت خمسة آلاف وأربعمائة قصعة ذهبا وفضة. فمضوا إلى بيت المقدس وشرعوا في العمارة وشرع كورش وسعى عليهم في إبطال ذلك بعض أعدائهم من السامرة، ولم يكن أمد السبعين التي وعدهم بها انقضى لأن الخراب كان لثمان عشرة من ملك بخت نصر وكانت دولته خمسة وأربعين ومدة ابنه وابن ابنه خمس وعشرون، فبقيت من السبعين ثمانية عشر التي نفدت من ملك بخت نصر قبل الخراب، فمنعوا من العمارة بسعاية السامرية إلى أن انقضت الثمان عشرة.

وجاءت دولة دارا من ملوك الفرس فأذن لهم في العمارة وعاد السامرة لسعايتهم في إبطال ذلك عند دارا، فأخبره أهل دولته أن كورش أذن لهم في ذلك فخلى سبيلهم وعمروا بيت المقدس في الثانية من ملك دارا الأول، وهو أرفخشد والكوهن يومئذ عزيز، وجدد لهم التوراة بعد سنتين من رجوعهم إلى البيت. ثم هلك زيريافيل ٢/١٣٥

وخلفه فيهم بهشمياس، وقبض العزير وخلفه شمعون الصفا من بني هارون أيضا.

وقال يوسف بن كريون: إن بخت نصر لما رجع إلى بابل أقام ملكا سبعا وعشرين سنة، وملك بعده ابنه بلتنصر ثلاث سنين، وانتقض عليه داريوش ملك ماذي، وأظنهم الديلم وكيرش ملك فارس، وهزمتهم عساكره كما مر، فعمل في بعض أيامه صنيعا لقواده سرورا بالواقع، وسقاهم في أواني بيت المقدس التي احتملها جده من الهيكل، فسخط الله لذلك ورأى تلك الساعة كأن يدا خرجت من الحائط تومي بكتابة كلمات بالخط الكلداني والكلمات عبرانية، وهي أحصى وزن نفذ، فارتاع لذلك هو والحاضرون وفزع إلى دانيال النبي في تفسيرها. قال وهب بن منيه وهو من أعقاب حزقيل الأصغر وكان خلفا من دانيال الأكبر، فقال له دانيال: هذه الكلمات تنذر بزوال ملكك ومعناها أن الله أحصى مدة ملكك، ووزن أعمالك، ونفذ قضاؤه بزوال ملكك عنك وعن قومك. وقتل في تلك الليلة بلتنصر، وكان ما قدمناه من استقلال كورش وقومه فارس بالملك ورد الجالية إلى بيت المقدس، وأطلق لهم المال لعمارتها شكرا على الظفر بالكلدانيين ومضى بنو إسرائيل ومعهم عزرا الكاهن ونجميا ومردخاي وجميع رؤساء الجالية يبنون البيت والمذبح على حدودها وقربوا القرابين.

وكان كورش بعد ذلك يطلق لهم في كل سنة من الحنطة والزيت والبقر والغنم والخمر ما يحتاجون اليه في خدمة البيت ويطلق لهم جراية واسعة. وجرى ملوك الفرس بعده على سنة في ذلك إلا قليلا في أيام أخشويروش منهم، كان وزيره هامان وكان من العمالقة، وكان طالوت قد استخلفهم بأمر الله، فكان هامان يعاديهم لذلك وعظمت سعايته فيهم وحمله على قتلهم. وكان مردخاي من رؤسائهم قد زوج أخته من الرضاع لأخشويروش، فدس إليها مردخاي أن تشفع إلى الملك في قومها فقبلها وعطف عليهم وأعادهم إلى أن انقرضت دولة الفرس بمهلك دارا، واستولى بنو يونان بمهلك دارا على ملك فارس.

وملك الإسكندر بن فيلفوس ودوخ الأرض، وفتح سواحل الشام، وسار إلى بيت المقدس لأنها من طاعة دارا، وخاف الكهنة من وصوله إليهم، ورأى في بعض ٢/١٣٦

تمثال رجلا فقال: أنا رجل أرسلت لمعونتك. ونهاه عن أذية المقدس، وأوصاه بامتثال اشارتهم. فلما وصل إلى البيت لقيه الكوهن، فبالغ في تعظيمه ودخل معه إلى الهيكل، وبارك عليه، ورغب إليه الإسكندر أن يضع هنالك تمثاله من الذهب اليذكر به، فقال: هذا حرام لكن تصرف همتك في مصالح الكهنة والمصلين ويجعل لك من الذكر دعاؤهم لك، وأن يسمي كل مولود لبني إسرائيل في هذه السنة بالإسكندر، فرضي الإسكندر وحمل لهم المال وأجزل عطية الكوهن، وسأله أن يستخير الله في حرب دارا، فقال له: امض والله مظفرك. وحض دانيال وقص عليه الإسكندر رؤيا رآها فأولها له بأنه يظفر بدارا.

ثم انصرف الإسكندر وسار في نواحي بيت المقدس، ومر بنابلس ولقيه سنبلاط السامري وكان أهل المقدس أخرجوه عنهم، فأضافه وأهدى له أموالا وأمتعة واستأذنه في بناء هيكل في طول بريد فأذن له، فبناه وأقام صهره منشا كوهنا فيه، وزعم أنه المراد بقوله في التوراة اجعل البركة على جيل كريدم. فقصده اليهود في الأعياد، وحملوا اليه القرابين وعظم أمره، وغص بشأنه أهل بيت المقدس، إلى أن خربه هرمايوس بن شمعون أول ملوك بني حشمناى كما يأتي ذكره.

ثم هلك الإسكندر ببابل بعد استيفاء مدته لاثنتين وثلاثين من ملكه وقد كان قسم ملكه بين عظماء دولته، فكان سلياقوس بعد الإسكندر وكان عظيم أصحابه، فأكرم اليهود وحمل المال إلى فقراء البيت ثم سعى عنده بأن في الهيكل أموالا وذخائر نفيسة ورغبوه في ذلك، فبعث عظيما من قواده اسمه أبردوس ليقبض ذلك المال فحضر بالبيت، وأنكر الكاهن حنيان أن يكون بالبيت إلا بقية الصدقات من فارس ويونان وما أعطاهم سلياقوس آنفا، فلم يقبل، ووكل بهم في الهيكل فتوجهوا بالدعاء. وجاء أدروس ليقبض المال فصدع في طريقه، وجاء أصحابه إلى الكوهن حنينا وجماعة الكهنة يسألون الاقالة والدعاء لأردوس، فدعوا له وعوفي وارتحل.

وازداد الملك سلياقوس إعظاما للبيت وحمل ما كان يحمل إليهم مضاعفا. ٢/١٣٧

قال ابن كريون: ثم ترجمت التوراة لليونانيين وكان من خبرها أن تلماي ملك مصر من اليونانيين بعد الإسكندر، وكان من أهل مقدونية، وكان محبا للعلوم ومشغوفا بالحكمة والكتب الإلهية. وذكرت له كتب اليهود الأربعة والعشرون سفرا فتاقت نفسه للوقوف عليها، وكتب إلى كهنون القدس في ذلك وأهدى له، فاختار سبعين من أحبار اليهود وعلمائهم وفيهم كوهن عظيم اسمه ألعازر، وبعثهم إليه ومعهم الأسفار فتلقاهم بالكرامة وأوسع لهم النزول ورتب مع كل واحد كاتبا يملي عليه ما يترجم له، حتى ترجم الأسفار من العبرانية إلى اليونانية، وصححها وأجاز الأحبار وأطلق لهم من كان بمصر من سبي اليهود نحوا من مائة ألف، وصنع مائدة من الذهب نقشت عليها صورة أرض مصر والنيل ورصعها بالجواهر والفصوص وبعث بها إلى القدس فأودعت في الهيكل.

ثم ملك تلماي صاحب مصر، واستولى بعده أنطيخوس صاحب مقدونية على أنطاكية ثم على مصر، وأطاعه ملوك الطوائف بأرض العراق، واستفحل ملكه وعظم طغيانه، وأمر الأمم بعبادة الأصنام. وعمل أصناما على صورته، فامتنع اليهود من قبولها وسعى بهم عنده بعض شرارهم، وكانوا أهل نجدة وشوكة، فسار انطيخوس إليهم وأثخن فيهم بالقتل والسبي، وفروا إلى الجبال والبراري، فرجع واستخلف على بيت المقدس قائدة فليلقوس، وأمره أن يحملهم على السجود لأصنامه وعلى أكل الخنزير وترك السبت والختان، ويقتل من يخالفه. ففعل ذلك أشد ما يكون، وبسط على اليهود أيدي أولئك الأشرار الساعين، وقتل العازر الكوهن الذي ترجم لهم التوراة لما امتنع من السجود لصنمه وأكل قربانه. وكان فيمن هرب إلى الجبال والبراري متيتيا بن يوحنا بن شمعون الكوهن الأعظم ويعرف بحشمناي بن حونيا من بني نوذاب من نسل هارون عليه السلام، وكان رجلا صالحا خيرا شجاعا، وأقام بالبرية وحزن لما نزل بقومه. فلما أبعد انطيخوس الرحلة عن القدس، بعث متيتيا إلى اليهود يعرفهم بمكانه، وينمعض لهم ويحرضهم على الثورة على اليونانيين، فأجابوه وتراسلوا في ذلك، وبلغ الخبر فليلقوس قائد أنطيخوس، فسار في عسكره إلى البرية طالبا متيتيا وأصحابه، فلما وصل إليهم حاربهم فغلبوه وانهزم في عساكره. ٢/١٣٨

وقوي اليهود على الخلاف، وهلك متيتيا خلال ذلك وقام بأمره ابنه يهوذا فهزم عساكر فليلقوس ثانية. وشغل أنطيخوس بحروب الفرس فزحف إليهم من مقدونية، واستخلف عليهم ابنه أفظر، وضم إليه عظيما من قومه اسمه ليشاوش، وأمرهم أن يبعثوا العساكر إلى اليهود، فبعثوا ثلاثة من قوادهم وهم نيقانور وتلمياس وصردوس، وعهد إليهم بإبادة اليهود حيث كانوا فسارت العساكر، واستنفروا سائر الأرمن من نواحي دمشق وحلب، وأعداء اليهود من فلسطين وغيرهم. وزحف يهوذا بن متيتيا مقدم اليهود للقائم بعد أن تضرعوا إلى الله وطافوا بالبيت وتمسحوا به، ولقيهم عسكر نيقانور فهزموه، واثخنوا فيه بالقتل، وغنموا ما معهم، ثم لقيهم عسكر القائد ابن تلمياس وصردوس ثانيا فهزموهما كذلك، وقبضوا على فليلقوس القائد الأول لأنطيخوس فأحرقوه بالنار، ورجع نيقانور إلى مقدونية فدخلها وخبر ليشاوش وأفظر ابن الملك بالهزيمة، فجزعوا لها. ثم جاءهم الخبر بهزيمة أنطيخوس أمام الفرس، ثم وصل إلى مقدونية واشتد غيظه على اليهود، وجمع لغزوهم فهلك دون ذلك بطاعون في جسده، ودفن في طريقه. وملك أفظر وسموه أنطيخوس باسم أبيه.

ورجع يهوذا بن متيتيا إلى القدس، فهدم جميع ما بناه أنطيخوس من المذابح، وأزال ما نصبه من الأصنام، وطهر المسجد، وبنى مذبحا جديدا للقربان، فوضع فيه الحطب ودعا الله أن يريهم آية في اشتغاله من غير نار، فاشتعل كذلك ولم ينطف إلى الخراب الثاني أيام الجلوة، واتخذوا ذلك اليوم عيدا سموه عيد العساكر.

ونازل ليشاوش فزحف إليه يهوذا بن متيتيا في عسكر اليهود وثبت عسكر ليشاوش فانهزموا، ولجأ إلى بعض الحصون وطلب النزول على الأمان على أن لا يعود إلى حربهم، فأجابه يهوذا على أن يدخل أفظر معه في العقد وكان ذلك. وتم الصلح وعاهد أفظر اليهود على أن لا يسير إليهم، وشغل يهوذا بالنظر في مصالح قومه.

قال ابن كريون: وكان لذلك العهد ابتداء أمر الكيتم وهم الروم، وكانوا برومية وكان أمرهم شورى بين ثلاثمائة وعشرين رئيسا، ورئيس واحد عليهم يسمونه الشيخ يدبر أمرهم، ويدفعون للحروب من يثقون بغنائه وكفايته منهم أو من سواهم. هكذا كان شأنهم لذلك العهد، وكانوا قد غلبوا اليونانيين واستولوا على ملكهم، وأجازوا البحر إلى إفريقية فملكوها كما يأتي في أخبارهم، فأجمعوا السير إلى أنطيخوس أفظر وابن ٢/١٣٩

عمه ليشاوش بقية ملوك يونان بأنطاكية، وكاتبوا يهوذا ملك بني إسرائيل بالقدس يستميلونهم عن طاعة أنطيخوس واليونانيين فأجابوهم إلى ذلك، وبلغ ذلك أنطيخوس فنبذ إلى اليهود عهدهم وسار إلى حربهم فهزموه ونالوا منه. ثمة راسلهم في الصلح وأن يقيموا على عهدهم معه وتحمل لبيت المقدس بما كان يحمله من المال، وأن يقتل من عنده من شرار اليهود الساعين عليهم، فتم العهد بينهم على ذلك وقتل شملاوش من الساعين على اليهود، ثم جهز أهل رومة قائد حروبهم دمترياس بن سلياقوس إلى أنطاكية، ولقيه أنطيخوس أفظر فانهزم أنطيخوس وقتل هو وابن عمه ليشاوش، وملك الروم أنطاكية. ونزلها قائدهم دمترياس وكان ألقيموس الكوهن من شرار اليهود عند أنطيخوس، فلما ملك دمترياس قائد الروم فسعى عنده في اليهود ورغبه في ملك القدس والاستيلاء على أمواله، فبعث قائده نيقانور لذلك وخرج يهوذا ملك القدس لتلقيه وطاعته، وقدم بين يديه الهدايا والتحف، فمال نيقانور إلى مسالمة اليهود وحسن رأيه وأكد بينه وبينهم العهد. ورجع وبادر ألقيموس الكوهن إلى دمترياس وأخبره بميل قائده نيقانور إلى اليهود، وزاد في إغرائه فبعث إلى قائده ينكر عليه ويستحثه لإنفاذ أمره، وأن يحمل يهوذا مقيدا. وبلغ ذلك يهوذا فلحق بمدينة السامرة صبصطية، واتبعه نيقانور في العساكر فكر عليه يهوذا وهزمه وقتل أكثر عساكر الروم الذين معه. ثم ظفر به فصلبه على الهيكل ببيت المقدس، واتخذ اليهود ذلك اليوم عيدا وهو ثالث عشر آذار.

ثم بعث قائد الروم دمترياس من قابل قائده الآخر يعتروس في ثلاثين ألفا من الروم لمحاربة اليهود، وخرجت عساكرهم من المقدس، وفروا عن ملكهم يهوذا وافترقوا في الشعاب، وأقام معه منهم فل قليل، واتبعهم يعتروس فلقيه يهوذا وأكمن له فانهزم اليهود، وخرج عليهم كمين الروم فقتل يهوذا في كثير من ولايته ودفن إلى جانب أبيه متيتيا. ولحق أخوه يوناثال فيمن بقي من اليهود، بنواحي الأردن وتحصنوا ببئر سبع، فحاصرهم يعتروس هنالك أياما، ثم بيتوه فهزموه وخرج يوناثال واليهود في اتباعه فتقبضوا عليه، ثم أطلقوه على مسالمة اليهود وأن لا يسير إلى حربهم. فهلك يوناثال إثر ذلك وقام بأمر اليهود أخوهما الثالث شمعون، فاجتمع إليه اليهود من كل ناحية وعظمت عساكره، وغزا جميع أعدائهم ومن ظاهر عليهم من سائر الأمم، وزحف ٢/١٤٠

إليه دمترياس قائد الروم بأنطاكية فهزمه شمعون وقتل غالب عسكره.

ولم تعاودهم الروم بعدها بالحرب إلى أن هلك شمعون. وثب عليه صهره تلماي زوج أخته فقتله وتقبض على بنيه وامرأته، وهرب ابنه الأكبر قانوس بن شمعون إلى غزة فامتنع بها، وكان اسمه يوحان وكان شجاعا قتل في بعض الحروب شجاعا اسمه هرقانوس فسماه أبوه باسمه. ثم اجتمع عليه اليهود وملكوه وسار إلى بيت المقدس، وفر تلماي المتوثب على أبيه إلى حصن داخون، فامتنع به وسار هرقانوس إلى محاربته وضيق عليه، وأشرف تلماي في بعض الأيام من فوق السور بأم هرقانوس وأخته يتهدده بقتلهما، فكف عن الحرب، وانصرف لحضور عيد المظال ببيت المقدس فقتل تلماي أخته وأمه وفر من الحصن.

قال ابن كريون: ثم زحف دمترياس بن سلياقوس قائد الروم إلى القدس وحاصر اليهود فامتنعوا، وثلم السور، وراسلوه في تأخير الحرب إلى انقضاء عيدهم، ففعل على أن يكون له نصيب في القربان. ووقعت في نفسه صاغية اليهم، وأهدى تماثيل للبيت فحسن موقعها عندهم، وراسلوه في الصلح على المسالمة والمظاهرة لبعض فأجاب. وخرج إليه هرقانوس ملك اليهود وأعطاه ثلاثمائة بدرة من الذهب استخرجها من بعض قبور بني داود. ورحل عنهم الروم، وشغل هرقانوس في رم ما ثلم من السور، وحدثت خلال ذلك فتنة بين الفرس والروم فسار إليهم دمترياس في جموع الروم، وبينما أبطأ هرقانوس ملك اليهود لحضور عيدهم إذ جاءه الخبر بأن الفرس هزموا دمترياس، فنهز الفرصة وزحف إلى أعدائه من أهل الشام وفتح نابلس وحصون أروم التي بجبل الشراة، وقتل منهم خلقا ووضع عليهم الجزية وأخذهم بالختان والتزام أحكام التوراة، وخرب الهيكل الذي بناه سنبلاط السامري في طول بريد بإذن الإسكندر، وقهر جميع الأمم المجاورين لهم، ثم بعث وجوه اليهود وأعيانهم إلى الأشياخ والمدبرين برومة يسأل تجديد العهد، وأن يردوا على اليهود ما أخذ أنطيخوس ويونان من بلادهم التي صارت في مملكة الروم، فأجابوا وكتبوا له العهد بذلك وخاطبوه بملك اليهود. وإنما كان يسمى من سلف قبله من آبائه بالكوهن فسمى نفسه من يومئذ بالملك، وجمع بين منزلة الكهنونة ومنزلة الملك، وكان أول ملوك بني حشمناي. ثم سار إلى مدينة السامرة صبصطية ففتحها وخربها وقتل أهلها. ٢/١٤١

قال ابن كريون: وكان اليهود في دينهم يومئذ ثلاث فرق. فرقة الفقهاء وأهل القياس ويسمونهم الفروشيم وهم الربانيون، وفرقة الظاهرية المتعلقين بظواهر الألفاظ من كتابهم ويسمونهم الصدوقية وهم القراءون، وفرقة العباد المنقطعين إلى العبادة والتسبيح والزهاد فيما سوى ذلك ويسمونهم الحيسيد. وكان هرقانوس وآباؤه من الربانيين، ففارق مذهبهم إلى القراءين لأنه جمع اليهود يوما عند ما تمهد أمره، وأخذ بمذاهب الملك، وألقى به في صنيع احتفل فيه وألان لهم جانبه وخضع في قوله وقال:، أريد منكم النصيحة. فطمع بعض الربانيين فيه وقال: إن النصيحة أن تنزل عن الكهنونة وتقتصر على الملك وقد فاتك شرطها لأن أمك كانت سبية من أيام أنطيخوس. فغضب لذلك وقال للربانيين: قد حكمتكم في صاحبكم فأخذوا في تأديبه بالضرب فتنكر لهم من أجل ذلك، وفارق مذهبهم إلى مذهب القراءين، وقتل من الربانيين خلقا كثيرا، ونشأت الفتنة بين هاتين الطائفتين من اليهود، واتصلت بينهم الحرب إلى هذا العهد.

وهلك هرقانوس لإحدى وثلاثين سنة من دولته، وملك بعده ابنه أرستبلوس وكان كبيرهم، وكان له ولدان آخران وهم أنطقنوس ويحب الملك له ويبغض الإسكندر فأبعده إلى جبل الخليل، فلما ملك أرستبلوس أخذ من اخوته بمذهب أبيهم وقبض على الإسكندر وأمه واستخلص أنطقنوس وقدمه على العساكر، واكتفى به في الحروب، وترفع عن تاج الكهنونة ولبس تاج الملك. وخرج أنطقنوس إلى الأمم المجاورين الخارجين عن طاعتهم فردهم إلى الطاعة، وكثرت السعاية فيه عند أخيه من البطانة وأغروه به، فلما قدم أنطقنوس من مغيبه وافق عيد المظال، وكان أخوه ملتزما بيته لمرض طرقه، فعدل أنطقنوس عن بيته إلى الهيكل للتبرك، فأوهموا الملك أنه إنما فعل ذلك لاستمالة الكهنونية والعامة وأنه يروم قتل أخيه، وعلامة ذلك أنه جاء بسلاحه، فعهد أرستبلوس إلى حشمانه وغلمان قصه إن جاء متسلحا أن يقتلوه.

وكان ذلك وتمت حيلة البطانة وسعايتهم عليه وعلم أرستبلوس أن قد خدع في أخيه، فندم واغتم ولطم صدره حتى قذف الدم من فيه، وأقام عليلا بعده حولا كاملا ثم هلك. فأفرجوا على أخيه الإسكندر من محبسه، وبايعوا له بالملك واستقام له الأمر، ثم انتقض عليه أهل عكا وأهل صيدا وأهل غزة بعثوا إلى قبرص، وسار ٢/١٤٢

الإسكندر إلى عكا فحاصرها وكانت كلوبطرة ملكة من بقية اليونان قد انتقض عليها ابنها واسمه ألظيرو وأجاز البحر إلى جزيرة قبرص فملكها، فبعث أهل عكا أنهم يملكونه وأجاز إليهم في ثلاثين ألف مقاتل، حتى إذا أفرج الإسكندر عن حصارهم راجعوا أمرهم ومنعوا ألظيرو، وامن الدخول إليهم، فسار في بلاد الإسكندر ونزل على جبل الخليل فقتل منه خلقا، ونزل على الأردن. وفي خلال ذلك زحف الإسكندر إلى صيدا ففتحها عنوة واستباحها، وعاد إلى القدس وقد أطاعته البلاد وحسم داء المنتقضين عليه.

ثم تجددت الفتنة بين اليهود بالقدس وذلك أنهم اجتمعوا في عيد المظال بالمسجد، وحضر الإسكندر معهم فتلاعبوا بين يديه مراماة بما عندهم من مشوم ومأكول، وأصاب الإسكندر رمية من الربانيين فغضب لها، وشاتمهم القراءون بما كانوا من شيعته، فشتموا الإسكندر وقتلوا الشاتم وأصحابه فلم يغن عنهم، وعظم فيهم الفتك وانفض الجمع، وعهد الإسكندر ان يستد المذبح والكهنة بحائط عن الناس، ونفذ أمره بذلك، واتصلت الفتنة بين اليهود ست سنين قتل من الربانيين نحو من خمسين ألفا، والإسكندر يعين القراءين عليهم، وبعثوا إلى دمتريوس المسمى أنطيخوس، وبذلوا له المال فسار معهم إلى نابلس ولقي الإسكندر فهزمه وقتل عامة أصحابه ورجع. فخرج الإسكندر إلى الربانيين وأثخن فيهم وظفر منهم بجماعة تزيد على ثلاثمائة فقتلهم صبرا وقهر سائر اليهود. وسار إلى دمتريوس ففتح الكثير من بلاده، وخرج فظفر به الإسكندر وقتله.

وعاد إلى بيت المقدس لثلاث سنين في محاربة الربانيين ودمتريوس، فاستقام أمره وعظم سلطانه ثم طرقه المرض فقام عليلا ثلاثا آخرين، وخرج بعدها لحصار بعض الحصون وانتقضوا عليه فمات هنالك، وأوصى امرأته الإسكندرة بكتمان موته حتى يفتح الحصن وتسير بشلوه إلى القدس فتدفنه فيه، وتصانع الربانيين على ولدها فتملكه، لأن العامة إليهم أميل. ففعلت ذلك واستدعت من كان نافرا من الربانيين، وجمعتهم وقدمتهم للشورى، واستبدت بالملك. وكان لها ابنان من الإسكندر بن هرقانوس، اسم الأكبر منهما هرقانوس، والآخر أرستبلوس، وكانا صغيرين عند موت أبيهما فلما كبرا عينت هرقانوس للكهنونة وقدمت أرستبلوس على ٢/١٤٣

العساكر والحروب، وضمت إليه الربانيين، وأخذت الرهن من جميع الأمم وسألها الربانيون في الأخذ بثأرهم من القراءين خلقا كثيرا. وجاء القراءون إلى ابنها الكهنون ينكرون ذلك وأنه إذا فعل بهم ذلك، وقد كانوا شيعا لأبيه الإسكندر، فقد تحدث النفرة من سائر الناس. وسألوه أن يلتمس لهم اذنها في الخروج عن القدس والبعد عن الربانيين، فأذنت لهم رغبة في انقطاع الفتنة، وخرج معهم وجوه العسكر. ثم ماتت خلال ذلك لتسع سنين من دولتها، ويقال إن ظهور عيسى صلوات الله عليه كان في أيامها. وكان ابنها أرستبلوس قائد العسكر لما شعر بموتها خرج إلى القراءين يستدعيهم إلى نصرته فأجازوه، وتقبضت هي على ابنيه وامرأته، واجتمعت عليه العساكر من النواحي وضرب البوق وزحف لحرب أخيه هرقانوس والربانيين، وحاصرهم أرستبلوس ببيت المقدس، وعزم على هدم الحصن فخرج إليه أعيان اليهود والكهنونية ساعين في الصلح بينهما، وأجاب على أن يكون ملكا ويبقى هرقانوس على الكهنونية، فتم ذلك واستقر عليه أمره.

ابتداء أمر انظفتر أبو هيردوس

ثم سعى في الفتنة بينهما انظفتر أبو هيردوس، وكان من عظماء بني إسرائيل من الذين جمعوا مع العزير من بابل، وكان ذا شجاعة وبأس، وله يسار وقنية من الضياع والمواشي. وكان الإسكندر قد ولاه على بلاد أروم وهي جبال الشراة، فأقام في ولايتها سنين، وكثر ماله وأنكحوه منهم، فكان له منها أربعة من الأبناء وهم فسيلو وهيردوس وفرودا ويوسف، وبنت اسمها سلومث. وقيل أن أنظفتر لم يكن من بني إسرائيل، وإنما كان من أروم وربي في جملة بني خشمناي وبيوتهم. فلما مات الإسكندر وملكت زوجته الاسكندرة عزلته عن جبال الشراة، فأقام بالقدس. حتى إذا استبد بالأمر أرستبلوس، وكان بين هرقانوس وأنظفتر مودة وصحبة، فغص أرستبلوس بمكانه من أخيه لما يعلم من مكر أنظفتر وهم بقتله، فانفض عنه وأخذ في التدبير على أرستبلوس. وفشا في الناس تبغضه إليهم وينكر تغلبه، ويذكر لهم أن هرقانوس أحق بالملك منه، ثم حذر هرقانوس من أخيه وخيل إليه أنه يريد قتله، ٢/١٤٤

وبعث لشيعة هرقانوس المال على تخويفه من ذلك حتى تمكن منه الخوف، ثم أشار عليه بالخروج الى ملك العرب هرثمة، وكان يحب هرقانوس، فعقد معه عهدا على ذلك، ولحق هرقانوس بهرثمة ومعه أنظفتر، ثم دعوا هرثمة الى حرب أرستبلوس فأجابهم بعد مراوغة، وتزاحفوا ونزع الكثير من عسكر أرستبلوس إلى هرقانوس، فرجع هاربا الى القدس، ونازلهم هرقانوس وهرثمة واتصلت الحرب وطال الحصار.

وحضر عيد الفطير وافتقد اليهود القرابين فبعثوا إلى أصحاب هرقانوس فيها، فاشتطوا في الثمن، ثم أخذوه ولم يعطوهم شيئا، وقتلوا بعض النساك طلبوه في الدعاء على أرستبلوس وأصحابه، وامتنع فقتلوه، ووقع فيهم الوباء فمات منهم أمم.

قال ابن كريون: وكان الأرمن ببلاد دمشق وحمص وحلب، وكانوا في طاعة الروم، فانتقضوا عليهم في هذه المدة وحدثت عندهم صاغية إلى الفرس، فبعث الروم قائدهم فمقيوس فخرج لذلك من رومية، وقدم بين يديه قائده سكانوس فطوع الأرمن ولحق دمشق، ثم لحقه فمقيوس ونزل بها. وتوجهت إليه وجوه اليهود في أثرهم، وبعث إليه أرستبلوس من القدس وهرقانوس من مكان حصاره، كل واحد منهما يستنجده على أخيه، وبعثوا إليه بالأموال والهدايا فأعرض عنها، وبعث إلى هرثمة ينهاه عن الدخول بينهما فرحل عن القدس، ورحل معه هرقانوس وأنظفتر، وأعاد أرستبلوس رسله وهداياه من بيت المقدس، وألح في الطلب وجاء أنظفتر الى فمقيوس بغير مال ولا هدية، فنكث عنه فمقيوس، فرجع إلى رغبته ومسح أعطافه وضمن له طاعة هرقانوس الذي هو الكهنوت الأعظم. ويحصل بعد ذلك إضعاف أرستبلوس فأجابه فمقيوس على أن يتحيل له في الباطن ويكون ظاهره مع أرستبلوس حتى يتم الأمر، وعلى أن يحملوا الخراج عند حصول أمرهم، فضمن أنظفتر ذلك.

وحضر هرقانوس وأرستبلوس عند فمقيوس القائد يتظلم كل واحد من صاحبه، فوعدهم بالنظر بينهم إذا حل بالقدس.

وبعث أنظفتر في جميع الرعايا فجاءوا شاكين من أرستبلوس، فأمره فمقيوس من إنصافهم فغضب لذلك واستوحش وهرب من معسكر فمقيوس وتحصن في القدس، وسار فمقيوس في أثره فنزل أريحا ثم القدس وخرج أرستبلوس واستقال، فأقاله وبذل له الأموال على أن يعينه على أخيه ويحمل له ما في الهيكل من الأموال والجواهر، ٢/١٤٥

وبعث معه قائدة لذلك، فمنعهم الكهنونية وثارت بهم العامة وقتلوا بعض أصحاب القائد وأخرجوه. فغضب فمقيوس وتقبض لحينه على أرستبلوس، وركب ليقتحم البلد فامتنعت عليه، وقتل جماعة من أصحابه فرجع، وأقام عليهم. ووقعت الحرب بالمدينة بين شيع أرستبلوس وهرقانوس، وفتح بعض اليهود الباب لفمقيوس فدخل البلد وملك القصر وامتنع الهيكل عليه، فأقام يحاصره أياما، وصنع آلة الحصار فهدم بعض أبراجه واقتحمه عنوة، ووجد الكهنونية على عبادتهم وقربانهم مع تلك الحرب، ووقف على الهيكل فاستعظمه ولم يمد يده إلى شيء من ذخائره، وملك عليهم هرقانوس، وضرب عليهم الخراج يحمله كل سنة. ورفع يد اليهود عن جميع الأمم الذين كانوا في طاعتهم، ورد عليهم البلدان التي ملكها بنو حشمناي، ورجع الى رومة.

واستخلف هرقانوس وأنظفتر على المقدس وأنزل معهما قائده سكانوس الذي قدمه لفتح دمشق وبلاد الأرمن عند ما خرج من رومية، وحمل أرستبلوس وابنيه مقيدين معه، وهرب الثالث من بنيه وكان يسمى الإسكندر ولحقه فلم يظفر به. ولما بعد فمقيوس عن الشام ذاهبا إلى مكانه خرج هرقانوس وأنظفتر إلى العرب ليحملوهم على طاعة الروم، فخالفهم الإسكندر بن أرستبلوس إلى المقدس وكان متغيبا بتلك النواحي منذ مغيب أبيه لم يبرح، فدخل إلى المقدس وملكه اليهود عليهم وبنى ما هدمه فمقيوس من سور الهيكل، واجتمع إليه خلق كثير. ورجع هرقانوس وأنظفتر فسار إليهم الإسكندر وهزمهم وأثخن في عساكرهم. وكان قائد الروم كينانوس قد جاء إلى بلاد الأرمن من بعد فمقيوس، فلحق به واستنصره على الإسكندر فسار معه إلى القدس، وخرج إليهم الإسكندر فهزموه، ومضى إلى حصن له يسمى الإسكندرونة واعتصم به.

وسار هرقانوس إلى القدس فاستولى على ملكه، وسار كينانوس قائد الروم إلى الإسكندر فحاصره بحصنه واستأمن اليه فقبله وعفا عنه وأحسن إليه. وفي أثناء ذلك هرب أرستبلوس أخو هرقانوس من محبسه برومية، وابنه أنطقنوس واجتمع إليه، فحاربه كينانوس وهزمه وحصل في أسره فرده إلى محبسه برومية، ولم يزل هنالك إلى أن تغلب قيصر على رومية، واستحدث الملك في الروم.

وخرج فمقيوس من رومية إلى نواحي عمله وجمع العساكر لمحاربة قيصر، فأطلق ٢/١٤٦

ارستبلوس من محبسه، وأطلق معه قائدين في اثني عشر ألف مقاتل، وسرحهم إلى الأرمن واليهود ليردوهم عن طاعة فمقيوس، وكتب فمقيوس إلى أنظفتر ببيت المقدس أن يكفيه أمر أرستبلوس، فبعث قوما من اليهود لقوة في بلاد الأرمن ودسوا له سما في بعض شرابه كان فيه حتفه. وقد كان كينانوس كاتب الشيخ صاحب رومية في إطلاق من بقي من ولد أرستبلوس فأطلقهم.

قال ابن كريون: وكان أهل مصر لذلك العهد انتقضوا على ملكهم تلماي وطردوه وامتنعوا من حمل الخراج إلى الروم، فسار إليهم واستنفر معه أنظفتر فغلبهم وقتلهم، ورد تلماي إلى ملكه واستقام أمر مصر. ورجع كينانوس إلى بيت المقدس فجدد الملك لهرقانوس، وقدم أنظفتر مدبر المملكة وسار إلى رومية.

قال ابن كريون: ثم غضبت الفرس على الروم فندبوا إلى ذلك قائدا منهم يسمى عرنبوس، وبعثوه لحربهم، فمر بالقدس ودخل إلى الهيكل وطالب الكهنون بما فيه من المال، وكان يسمى ألعازر من صلحاء اليهود وفضلائهم، فقال له: إن كينانوس وفمقيوس لم يفعلوا ذلك بتلك. فاشتد عليه. فقال: أعطيك ثلاثمائة من الذهب وتتجافى عن الهيكل. ودفع إليه سبيكة ذهب على صورة خشبة كانت تلقى عليها الصور التي تنزل من الهيكل الذي تجدد، وكان وزنها ثلاثمائة فأخذها ونقض القول وتعد على الهيكل، وأخذ جميع ما فيه منذ عمارتها من الهدايا والغنائم وقربانات الملوك والأمم وجميع آلات القدس، وسار إلى لقاء الفرس فحاربوه وهزموه وأخذوا جميع ما كان معه وقتل. واستولت الفرس على بلاد الأرمن من دمشق وحمص وحلب وما إليها، وبلغ الخبر الى الروم فجهزوا قائدا عظيما في عساكر جمة اسمه كسنا و، فدخل بلاد الأرمن الذين كانوا غلبوا عليها. وساروا إلى القدس فوجد اليهود يحاربون هرقانوس وأنظفتر فأعانهما حتى استقام ملك هرقانوس ثم سار إلى الفرس في عساكره فغلبهم وحملهم على طاعة الروم، ورد الملوك الذين كانوا عصوا عليهم إلى الطاعة، وكانوا اثنين وعشرين ملكا من الفرس كان فمقيوس قائد الروم هزمهم، فلما سار عنهم انتقضوا.

قال ابن كريون: ثم ابتدأ أمر القياصرة وملك على الروم يولياس ولقبه قيصر لأن أمه ماتت حاملا به عند مخاضها فشق بطنها عنه فلذلك سمي قيصر، ومعناه بلغتهم القاطع. ويسمى أيضا يولياس باسم الشهر الذي ولد فيه وهو يوليه خامس ٢/١٤٧

شهورهم ومعنى هذه اللفظة عندهم الخامس، وكان الثلاثمائة والعشرون المدبرون أمر الروم والشيخ الذي عليهم قد أحكموا أمرهم مع جماعة الروم على أن لا يقدموا عليهم ملكا، وأنهم يعينون للحروب في الجهات قائدا بعد آخر. هذا ما اتفقوا عليه النقلة في الحكاية عن أمر الروم وابتداء ملك القياصرة. قالوا ولما رأى قيصر هذا الشيخ الذي كان لذلك العهد كبر وشب على غاية من الشجاعة والاقدام، فكانوا يبعثونه قائدا على العساكر إلى النواحي، فأخرجوه مرة إلى المغرب فدوخ البلاد، ورجع فسمت نفسه إلى الملك فامتنعوا له وأخبروه أن هذا سنة آبائهم منذ أحقاب، وحدثوه بالسبب الذي فعلوا ذلك لأجله، وهو أمر كيوس وأنه عهد لأولهم لا ينقض، وقد دوخ فمقيوس الشرق، وطوع اليهود ولم يطمع في هذا فوثب عليهم قيصر وقتلهم واستولى على ملك الروم منفردا به وسمى قيصر، وسار الى فمقيوس بمصر فظفر به وقتله، ورجع فوجد بتلك الجهات قواد فمقيوس فسار إليهم يولياس قيصر ومر ببلاد الأرمن فأطاعوه، وكان عليهم ملك اسمه مترداث فبعثه قيصر إلى حربهم.

فسار في الأرمن ولقيه هرقانوس ملك اليهود بعسقلان ونفر معه إلى مصر هو وأنظفتر ليمحوا بعض ما عرف منهم من موالاة فمقيوس، وساروا جميعا إلى مضر ولقيتهم عساكرها واشتد الحرب فحصر بلادهم، وكادت الأرمن أن ينهزموا، فثبت أنظفتر وعساكر اليهود وكان لهم الظفر واستولوا على مصر، وبلغ الخبر الى قيصر فشكر لأنظفتر حسن بلائه واستدعاه فسار إليه مع ملك الأرمن مترداث فقبله وأحسن وعده. وكان أنطقنوس بن أرستبلوس قد اتصل بقيصر وشكى بأن هرقانوس قتل أباه حين بعثه أهل رومة لحرب فمقيوس، وفتحيل عليه هرقانوس وأنظفتر وقتلاه مسموما، فأحسن أنظفتر العذر لقيصر بأنه إنما فعل ذلك في خدمة من ملك علينا من الروم، وإنما كنت ناصحا لقائدهم فمقيوس بالأمس، وأنا اليوم أيها الملك لك أنصح وأحب، فحسن موقع كلامه من قيصر ورفع منزلته وقدمه على عساكره لحرب الفرس، فسار اليه أنظفتر وأبلى في تلك الحروب ومناصحة قيصر، فلما انقلبوا من بلاد الفرس أعادهم قيصر الى ملك بيت المقدس على ما كانوا عليه.

واستقام الملك لهرقانوس وكان خيرا، إلا أنه كان ضعيفا عن لقاء الحروب فتغلب ٢/١٤٨

عليه أنظفتر، واستبد على الدولة، وقدم ابنه فسيلو ناظرا في بيت المقدس، وابنه هيردوس عاملا على جبل الخليل، وكان كما بلغ الحلم واحتازوا الملك من أطرافه وامتلأ أهل الدولة منهم حسدا وكثرت السعاية فيهم، وكان في أطراف عملهم ثائر من اليهود يسمى حزقيا وكان شجاعا صعلوكا واجتمع إليه أمثاله فكانوا يغيرون على الأرمن وينالون منهم. وعظمت نكايتهم فيهم فشكى عامل بلاد الأرمن وهو سفيوس ابن عم قيصر الى هيردوس وهو بجبل الخليل ما فعله حزقيا وأصحابه في بلادهم، فبعث هيردوس إليه سرية فكبسوهم، وقتل حزقيا وغيره منهم، وكتب بذلك إلى سفيوس فشكره وأهدى إليه اليهود.

ونكر اليهود ذلك من فعل هيردوس وتظلموا منه عند هرقانوس وطلبوه في القصاص منه، فأحضروه في مجلس الأحكام وأحضر السبعين شيخا من اليهود، وجاء هيردوس متسلحا ودافع عن نفسه، وعلم هرقانوس بغرض الأشياخ، ففصلوا المجلس فنكروا ذلك على هرقانوس، ولحق هيردوس ببلاد الأرمن فقدمه سفيوس على عمله.

ثم أرسل هرقانوس إلى قيصر يسأل تجديد عهود الروم لهم، فكتب له بذلك، وأمر بأن يحمل أهل الساحل خراجهم إلى بيت المقدس ما بين صيدا وغزة، ويحمل أهل صيدا إليها في كل سنة عشرين ألف وسق من القمح، وأن يرد على اليهود سائر ما كان بأيديهم إلى الفرات واللاذقية وأعمالها وما كان بنو حشمناي فتحوه عنوة من عدوات الفرات، لأن فمقيوس كان يتعدى عليهم في ذلك، وكتب العهد بذلك في ألواح من نحاس بلسان الروم ويونان، وعلقت في أسوار صور وصيدا واستقام أمر هرقانوس.

قال ابن كريون: ثم قتل قيصر ملك الروم. وأنظفتر وزير هرقانوس المستبد عليه. أما قيصر فوثب عليه كيساوس من قواد فمقيوس فقتله، وملك وجمع العساكر وعبر البحر إلى بلاد أشيت ففتحها، ثم سار إلى القدس وطالبهم بسبعين بدرة من الذهب، فجمع له أنظفتر وبنوه من اليهود، ثم رجع كيساوس إلى مقدونية فأقام بها. وأما أنظفتر فإن اليهود داخلوا القائد ملكيا الذي كان بين أظهرهم من قبل كيساوس في قتل أنظفتر وزير هرقانوس، فأجابهم الى ذلك، فدسوا إلى ساقيه سما فقتله، وجاء ابنه هيردوس إلى القدس مجمعا قتل هرقانوس، فكفه فسيلوا عن ذلك، وجاء كيساوس من مقدونية إلى صور، ولقي هرقانوس وهيردوس وشكوا إليه ما فعله قائده ملكيا من ٢/١٤٩

مداخلة اليهود في قتل أنظفتر، فأذن لهم في قتله فقتلوه. ثم زحف كينانوس بن أخي قيصر وقائده أنطيوس في العساكر لحرب كيساوس المتوثب على عمه قيصر، فلقيهم قريبا من مقدونية فظفرا به وقتلاه، وملك كينانوس مكان عمه وسمى أوغسطس قيصر باسم عمه. فأرسل إليه هرقانوس ملك اليهود بهدية وفيها تاج من الذهب مرصع بالجواهر وسأل تجديد العهد لهم، وأن يطلق السبي الذي سبي منهم أيام كيساوس، وأن يرد اليهود إلى بلاد يونان وأثينة، وأن يجري لهم ما كان رسم به عمه قيصر، فأجابه إلى ذلك كله.

وسار أنطيانوس وأوغسطس قيصر إلى بلاد الأرمن بدمشق وحمص، فلقته هنالك كلبطرة ملكة مصر وكانت ساحرة، فاستأمنته وتزوجها وحضر عنده هرقانوس ملك اليهود. وجاء جماعة من اليهود فشكوا من هيردوس وأخيه فسيلو وتظلموا منهما، وأكذبهم ملكهم هرقانوس وأبى عليها، وأمر انطيانوس بالقبض على أولئك الشاكين وقتل منهم، ورجع هيردوس وأخوه فسارا إلى مكانهما ومكان أبيهما من تدبير مملكة هرقانوس، وسار أنطيانوس إلى بلاد الفرس فدوخها وعاث في نواحيها وقهر ملوكهم وقفل الى رومة.

قال ابن كريون: وفي خلال ذلك لحق أنطقنوس وجماعة من اليهود بالفرس، وضمنوا لملكهم أن يحملوا إليه بدرة من الذهب وثمانمائة جارية من بنات اليهود ورؤسائهم يسبيهن له، على أن يملكه مكان عمه هرقانوس ويسلمه إليه، ويقتل هيردوس وأخاه فسيلو، فأجابهم ملك الفرس إلى ذلك، وسار في العساكر وفتح بلاد الأرمن وقتل من وجد بها من قواد الروم ومقاتلتهم، وبعث قائده بعسكر من القدس مع أنطقنوس موريا بالصلاة في بيت المقدس والتبرك بالهيكل، حتى إذا توسط المدينة ثار بها وأفحش في القتل، وبادر هيردوس إلى قصر هرقانوس ليحفظه، ومضى فسيلو إلى الحصن يضبطه. وتورط من كان بالمدينة من الفرس قتلهم اليهود عن آخرهم، وامتنعوا على القائد، وفسد ما كان دبره في أمر أنطقنوس فرجع إلى استمالة هرقانوس وهيردوس، وطلب الطاعة منهم للفرس وأنه يتلطف لهم عند الملك ٢/١٥٠

في إصلاح حالهم، فصغى هرقانوس وفسيلو إلى قوله وخرجوا إليه. وارتاب هيردوس وامتنع فارتحل بهما قائد الفرس حتى إذا بلغ الملك ببلاد الأرمن تقبض عليهما فمات فسيلو من ليلته، وقيد هرقانوس واحتمله إلى بلاده، وأشار أنطقنوس بقطع أذنه ليمنعه من الكهنونة.

ولما وصل ملك الفرس إلى بلاده أطلق هرقانوس من الاعتقال، وأحسن إليه إلى أن استدعاه هيردوس، كما يأتي بعد، وبعث ملك الفرس قائده إلى اليهود مع أنطقنوس ليملك، فخرج هيردوس عن القدس إلى جبل الشراة فترك عياله بالحصن عند أخيه يوسف، وسار إلى مصر يريد قيصر. فأكرمته كلبطرة ملكة مصر، وأركبته السفن إلى رومية، فدخل بها انطيانوس إلى أوغسطس قيصر، وخبره الخبر عن الفرس والقدس، فملكه أوغسطس وألبسه التاج وأركبه في رومية في زي الملك، والهاتف بين يديه بأن أوغسطس ملكه. واحتفل انطيانوس في صنيع له حضره الملك أوغسطس قيصر وشيوخ رومية، وكتبوا له العهد في ألواح من نحاس، ووضعوا ذلك اليوم التاريخ، وهو أول ملك هيردوس.

وسار أنطيانوس بالعسكر إلى الفرس ومعه هيردوس، وفارقه من أنطاكية وركب البحر إلى القدس لحرب أنطقنوس، فخرج أنطقنوس إلى جبال الشرارة للاستيلاء على عيال هيردوس، وأقام على حصار الحصن، وجاء هيردوس فحاربه وخرج يوسف من الحصن من ورائه، فانهزم أنطقنوس إلى القدس، وهلك أكثر عسكره.

وحاصره هيردوس وبعث انطقنوس بالأموال إلى قواد العسكر من الروم فلم يجيبوه، وأقام هيردوس على حصاره حتى جاء الخبر عن أنطيانوس قائد قيصر أنه ظفر بملك الفرس وقتله ودوخ بلادهم، وأنه عاد ونزل الفرات. فترك هيردوس أخاه يوسف على حصار القدس مع قائد الروم سيساو، ومن تبعهم من الأرمن، وسار للقاء أنطيانوس، وبلغه وهو بدمشق أن أخاه يوسف قتل في حصار القدس على يد قائده أنطقنوس، وأن العساكر انفضت ورجعوا إلى دمشق، وجاء سيساو منهزما قائد أنطيانوس بالعساكر. وتقدم هيردوس وقد خرج أنطقنوس للقائه فهزمه، وقتل عامة عسكره واتبعه إلى القدس. ووافاه سيساو قائد الروم فحاصروا القدس أياما، ثم اقتحموا البلد وتسللوا صاعدين إلى السور، وقتلوا الحرس وملكوا المدينة، وأفحش سيساو في قتل اليهود، فرغب إليه هيردوس في الإبقاء. وقال له: إذا قتلت قومي ٢/١٥١

فعلى من تملكني؟ فرفع القتل عنهم ورد ما نهب وقرب إلى البيت تاجا من الذهب وضعت فيه، وحمل إليه هيردوس أموالا. ثم عثروا على أنطقنوس مختفيا بالمدينة، فقيده سيساو القائد، وسار به إلى أنطيانوس، وقد كان سار من الشام إلى مصر، فجاءه بأنطقنوس هنالك، ولحق بهم هيردوس وسأل من أنطيانوس قتل أنطقنوس فقتله. واستبد هيردوس بملك اليهود وانقرض ملك بني حشمناي والبقاء لله وحده.

انقراض ملك بني حشمناي وابتداء ملك هيردوس وبنيه

وكان أول ما افتتح به ملكه أن بعث إلى هرقانوس الذي احتمله الفرس وقطعوا أذنه يستقدمه ليأمن على ملكه من ناحيته، ورغبه في الكهنونية التي كان عليها، فرغب وحذره ملك الفرس من هيردوس، وعزله اليهود الذين معه، وأراه أنها خديعة وأنه العيب الذي به يمنع الكهنونية، فلم يقبل شيئا من ذلك. وصغى إلى هيردوس وحسن ظنه به وسار إليه وتلقاه بالكرامة والإعطاء وكان يخاطبه بأبي في الجمع والخلوة.

وكانت الإسكندرة بنت هرقانوس تحت الإسكندر وابن أخيه أرستبلوس، وكانت بنتها منه مريم تحت هيردوس، فاطلعتا على ضمير هيردوس من محاولة قتله، فخبرتاه بذلك واشارتا عليه باللحاق بملك العرب ليكون في جواره، فخاطبه هرقانوس في ذلك وأن يبعث إليه من رجالاتهم من يخرج به إلى أحيائهم، وكان حامل الكتاب من اليهود مضطغنا على هرقانوس لأنه قتل أخاه وسلب ماله، فوضع الكتاب في يد هيردوس، فلما قرأه رده إليه وقال: أبلغه إلى ملك العرب وأرجع الجواب إلي. فجاءه بالجواب من ملك العرب إلى هرقانوس، وأنه أسعف وبعث الرجال فالقهم بوصولك إلي. فبعث هيردوس من يقبض على الرجال بالمكان الذي عينه، وأحضرهم وأحضر حكام البلاد اليهود والسبعين شيخا. وأحضر هرقانوس وقرأ عليه الكتاب بخطه، فلم يحر جوابا وقامت عليه الحجة، وقتله هيردوس لوقته لثمانين سنة من عمره وأربعين من ملكه، وهو آخر ملوك بني حشمناي.

وكان للإسكندر بن أرستبلوس، ابن يسمى أرستبلوس، وكان من أجمل الناس صورة، وكان في كفالة أمه الإسكندرة، وأخته يومئذ تحت هيردوس كما قلناه. وكان هيردوس يغص به وكانت أخته وأمهما يؤملان أن يكون كوهنا بالبيت مكان جده هرقانوس، وهيردوس يريد نقل الكهنونة عن بني حشمناي، وقدم لها رجلا من ٢/١٥٢

عوام الكهنونية، وجعله كبير الكهنونية، فشق ذلك على الاسكندرة بنت هرقانوس وبنتها مريم زوج هيردوس. وكان بين الإسكندرة وكلوبطرة ملكة مصر مواصلة ومهاداة، وطلبت منها أن تشفع زوجها انطيانوس في ذلك إلى هيردوس، فاعتذر له هيردوس بأن الكواهن لا تعزل، ولو أردنا ذلك فلا يمكننا أهل الدين من عزله، فبعث بذلك إلى الإسكندرة. ودست الإسكندرة إلى الرسول الذي جاء من عند أنطيانوس، وأتحفته بمال فضمن لهم أن انطيانوس يعزم على هيردوس في بعث أرستبلوس إليه، ورجع إلى أنطيانوس فرغبه في ذلك ووصف له من جماله وأغراه باستقدامه، فبعث فيه أنطيانوس إلى هيردوس وهدده بالوحشة إن منعه، فعلم أنه يريد منه القبيح، فقدمه كهنونا وعزل الأول، واعتذر لأنطيانوس بأن الكوهن لا يمكن سفره، واليهود تنكر ذلك. فأغفل أنطيانوس الأمر ولم يعاود فيه.

ووكل هيردوس بالإسكندرة بنت هرقانوس عهدته من يراعي أفعالها، فاطلع على كتبها إلى كلوبطرة أن تبعث إليها السفن والرجال يوصلنها إليها، وأن السفن وصلت إلى ساحل يافا، وأن الإسكندرة صنعت تابوتين لتخرج فيهما هي وابنتها على هيئة الموتى. فأرصد هيردوس من جاء بهما من المقابر في تابوتيهما فوبخهما ثم عفا عنهما. ثم بلغه أن أرستبلوس حضر في عيد المظال، فصعد على المذبح وقد لبس ثياب القدس وازدحم الناس عليه وظهر من ميلهم إليه ومحبتهم ما لا يعبر عنه، فغص بذلك واعمل التدبير في قتله. فخرج في منتزه له بأريحاء في نيسان، واستدعى أصحابه وأحضر أرستبلوس، فطعموا ولعبوا وانغمسوا في البرك يسبحون وعمد غلمان هيردوس إلى أرستبلوس فغمسوه في الماء حتى شرق وفاض، فاغتم الناس لموته وبكى عليه هيردوس ودفنه، وكان موته لسبع عشرة سنة من عمره. وتأكدت البغضاء بين الإسكندرة وابنتها مريم زوج هيردوس أخت هذا الغريق، وبين أم هيردوس وأخته، وكثرت شكواهما إليه فلم يشكهما لمكان زوجته مريم وأمها منه.

قال ابن كريون: ثم انتقض أنطيانوس على أوغسطس قيصر وذلك انه تزوج كلوبطرة وملك مصر، وكانت ساحرة فسحرته واستمالته، وحملته على قتل ملوك كانوا في طاعة الروم، وأخذ بلادهم وأموالهم، وسبي نسائهم وأموالهم وأولادهم.

وكان من جملته هيردوس وتوقف فيه خشية من أوغسطس قيصر، لأنه كان يكرمه بسبب ما صنع في الآخرين، فحمله على الانتقاض والعصيان، ففعل وجمع ٢/١٥٣

العسكر واستدعى هيردوس فجاءه وبعثه إلى قتال العرب، وكانوا خالفوا عليه، فمضى هيردوس لذلك ومعه أنيثاون قائد كلوبطرة، وقد دست له أن يجر الهزيمة على هيردوس ليقتل ففعل. وثبت هيردوس وتخلص من المعترك بعد حروب صعبة هلك فيها بين الفريقين خلق كثير.

ورجع هيردوس إلى بيت المقدس فصالح جميع الملوك والأمم المجاورين له، وامتنع العرب من ذلك فسار إليهم وحاربهم، ثم استباحهم بعد أيام ومواقف بذلوا وجمعوا له الأموال وفرض عليهم الخراج في كل سنة ورجع. وكان أنطيانوس لما بعثه إلى العرب سار هو إلى رومة وكانت بينه وبين أغسطس قيصر حروب هزمه قيصر في آخرها وقتله، وسار إلى مصر فخافه هيردوس على نفسه لما كان منه في طاعة أنطيانوس وموالاته، ولم يمكنه التخلف عن لقائه. فأخرج خدمه من القدس فبعث بأمه وأخته إلى قلعة الشراة لنظر أخيه فرودا، وبعث بزوجه مريم وأمها الإسكندرة إلى حصن الإسكندرونة لنظر زوج أخته يوسف ورجل آخر من خالصته من أهل صور اسمه سوما وعهد إليهما بقتل زوجته وأمها إن قتله قيصر.

ثم حمل معه الهدايا وسار الى أوغسطس قيصر وكان تحقد له صحبة أنطيانوس، فلما حضر بين يديه عنفه وأزاح التاج عن رأسه وهم بعقابه، فتلطف هيردوس في الاعتذار، وأن موالاته لأنطيانوس إنما كان لما أولى من الجميل في السعاية عند الملك وهي أعظم أياديه عندي، ولم تكن موالاتي له في عداوتك ولا في حربك ولو كان ذلك وأهلكت نفسي دونه كنت غير ملوم، فإن الوفاء شأن الكرام. فإن أزلت عني التاج فما أزلت عقلي ولا نظري، وإن أبقيتني فأنا محل الصنيعة والشكر. فانبسط أوغسطس لكلامه وتوجه كما كان، وبعثه على مقدمته إلى مصر، فلما ملك مصر وقتل كلوبطرة وهب لهيردوس جميع ما كان أنطيانوس أعطاها إياه ونفل. فأعاد هيردوس إلى ملكه ببيت المقدس وسار إلى رومية.

قال ابن كريون: ولما عاد هيردوس الى بيت المقدس أعاد حرمه من أماكنهن، فعادت زوجته مريم وأمها من حصن الإسكندرونة وفي خدمتها يوسف زوج أخته وسوما الصوري وقد كانا حدثا المرأة وأمها بما أسر إليهما هيردوس، وقد كان سلف منه قتل هرقانوس وأرستبلوس فشكرتا له. وبينما هو آخذ في استمالة زوجته إذ رمتها أخته بالفاحشة مع سوما الصوري في ملاحاة جرت بينهما، ولم يصدق ذلك هيردوس ٢/١٥٤

للعداوة والثقة بعفة الزوجة. ثم جرى منها في بعض الأيام وهو في سبيل استمالتها عتاب فيما أسر إلى سوما وزوج أخته، فقويت عنده الظنة بهم جميعا وأن مثل هذا السر لم يكن إلا لأمر مريب، وأخذ في إخفائها وإقصائها ودست عليه أخته بعض النساء تحدثه بأن زوجته داخلته في أن تستحضر السم وأحضره فجرب وصح وقتل للحين صهره يوسف وصاحبه سوما، واعتقل زوجته ثم قتلها وندم على ذلك، ثم بلغه عن أمها الاسكندرة مثل ذلك فقتلها. وولى على أروم مكان صهره رجلا منهم اسمه كرسوس وزوجته أخته، فسار إلى عمله وانحرف عن دين التوراة والإحسان الذي حملهم عليه هرقانوس، وأباح لهم عبادة صنمهم وأجمع الخلاف، وطلق أخت هيردوس فسعت به إلى أخيها وخبرته بأحواله وأنه آوى جماعة من بني حشمناي المرشحين للملك منذ اثني عشر سنة. فقام هيردوس في ركائبه، وبحث عنه فحضر وطالبه ببني حشمناي الذي عنده، فأحضرهم فقتله وقتلهم، وأرهف حده وقتل جماعة من كبار اليهود ومقدميهم، أتمهم بالإنكار عليه. فأذعن له الناس واستفحل ملكه وأهمل المراعاة لوصايا التوراة وعمل في بيت المقدس سورا واتخذ منتزه لعب، وأطلق فيه السباع ويحمل بعض الجهلة على مقابلتها فتفترسهم، فنكر الناس ذلك وأعمل أهل الدولة الحيلة في قتله فلم تتم لهم، وكان يمشي متنكرا للتجسس على أحوال الناس، فعظمت هيبته في النفوس.

وكان أعظم طوائف اليهود عنده الربانيون بما تقدم لهم في ولايته، وكان لطائفة العباد من اليهود المسمى بالحيسيد مكانة عنده أيضا، كان شيخهم مناحيم لذلك العهد محدثا وكان حدثه وهو غلام بمصير الملك له، وأخبره وهو ملك بطول مدته في الملك فدعا له ولقومه. وكان كلفا ببناء المدن والحصون، ومدينة قيسارية من بنائه. ولما حدثت في أيامه المجاعة شمر لها وأخرج الزرع للناس وبثه فيهم بيعا وهبة وصدقة، وأرسل في الميرة من سائر النواحي، وأمر قيصر في سائر تخومه وفي مصر ورومة أن يحملوا الميرة إلى بيت المقدس، فوصلت السفن بالزرع إلى ساحلها من كل جهة.

وأجرى على الشيوخ والأيتام والأرامل والمنقطعين كفايتهم من الخبز، وعلى الفقراء والمساكين كفايتهم من الحنطة، وفرق على خمسين ألفا قصدوه من غير ملته، فرفعت المجاعة وارتفع له الذكر والثناء الجميل.

قال ابن كريون: ولما استفحل ملكه وعظم سلطانه أراد بناء البيت على ما بناه سليمان ٢/١٥٥

بن داود، لأنهم لما رجعوا إلى القدس باذن كورش عين لهم مقدار البيت لا يتجاوزونه، فلم يتم على حدود سليمان، ولما اعتزم على ذلك ابتدأ أولا بإحضار الآلات مستوفيات خشية أن يحصل الهدم وتطول المدة وتعرض القواطع والموانع. فأعد الآلات وأكمل جمعها في ست سنين، ثم جمع الصناع للبناء وما يتعلق به فكانوا عشرة آلاف، وعين ألفا من الكهنة يتولون القدس الأقدس الذي لا يدخله غيرهم.

ولما تم له ذلك شرع في الهدم فحصل لا قرب وقت، ثم بنى البيت على حدوده وهيئته أيام سليمان وزاد في بعض المواضع على ما اختاره ووقف عليه نظره، فكمل في ثمان سنين. ثم شرع في الشكر لله تعالى على ما هيأ له من ذلك فقرب القربان واحتفل في الولائم وإطعام الطعام، وتبعه الناس في ذلك أياما فكانت من محاسن دولته.

قال ابن كريون: ثم ابتلاه الله بقتل أولاده وكان له ولدان من مريم بنت الإسكندرة قتيلة السم، أحدهما الإسكندر والآخر ارستبلوس، وكانا عند قتل أمهما غائبين برومة يتعلمان خط الروم، فلما وصلا وقد قتل أمهما حصلت بينه وبينهما الوحشة، وكان له ولد آخر اسمه انظفتر على اسم جده، وكان قد أبعد أمه راسيس لمكان مريم، فلما هلكت واستوحش من ولدها لطلب محل راسيس منه، قدم ابنها أنظفتر وجعله ولي عهده، وأخذ في السعاية على اخوته خشية منهما بأنهما يرومان قتل أبيهما فانحرف عنهما. واتفق أن سار الى أوغسطس قيصر ومعه ابنه إسكندر، فشكاه عنده وتبرأ الإسكندر وحلف على براءته، فأصلح بينهما قيصر ورجع إلى القدس. وقسم القدس بين ولده الثلاثة، ووصاهم ووصى الناس بهم، وعهد أن لا يخالطوهم خشية مما يحدث عن ذلك، وأنظفتر مع ذلك متماد على سعايته بهما وقد داخل في ذلك عمه قدودا وعمته سلومنت، فأغروا أباه بأخويه المذكورين حتى اعتقلهما. وبلغ الخبر أرسلاوش ملك كفتور، وكانت بنته تحت الإسكندر، منهما فجاء إلى هيردوس مظهرا السخط على الإسكندر والانحراف عنه وتحيل في إظهار جراءتهما، وأطلعه على جلية الحال وسعاية أخيه وأخته، فانكشف له الأمر وصدقه وغضب على أخيه قدودا، فجاء إلى أرسلاوش وأحضره عند هيردوس حتى أخبره بمصدوقية الحال، ثم شفعه فيه وأطلق ولديه ورضي عنهما، وشكر لأرسلاوش من تلطفه في تلافي هذا الأمر وانصرف إلى بلده.

ولم ينف ذلك أنظفتر عن تدبيره عليهما، وما زال يغري أباه ويدس له من يغريه حتى ٢/١٥٦

أسخطه عليهما ثانية واعتقلهما، وأمضى بهما في بعض أسفاره مقيدين. ونكر ذلك بعض أهل الدولة فدس أنظفتر إلى أبيه المنكر علي من المدبرين عليك، وقد ضمن لحجامك الإسكندر مالا على قتلك. فأنزل هيردوس بهما العقاب ليتكشف الخبر، ونمي بأن ذلك الرجل معه ولذعه العقاب وأقر على نفسه وقتل هو وأبوه والحجام، ثم قتل هيردوس ولديه وصلبهما على مصطبة. وكان لابنه الإسكندر ولدان من بنت أرسلاوش ملك كفتور وهما كوبان والإسكندر، ولابنه أرستبلوس ثلاثة من الولد:

أعرباس وهيردوس وأستروبلوس. ثم ندم هيردوس على قتل ولديه، وعطف على أولادهما فزوج كوبان بن الإسكندر بابنة أخيه قدودا وزوج ابنة ابنه أرستبلوس من ابن ابنه أنظفتر، وأمر أخاه قدودا وابنه أنظفتر بكفالتهما والإحسان اليهم، فكرها ذلك واتفقا على فسخه وقتل هيردوس متى أمكن.

وبعث هيردوس ابنه أنظفتر إلى أوغسطس قيصر، ونما الخبر إليه بأن أخاه قدودا يريد قتله، فسخطه وأبعده وألزمه بيته. ثم مرض قدودا واستبد أخاه هيردوس ليعوده فعاده ثم مات، فحزن عليه ثم حزن باستكشاف ما نمي إليه، فعاقب جواريه، فأقرت إحداهما بأن أنظفتر وقدودا كانا يجتمعان عند رسيس أم أنظفتر يدبران على قتل هيردوس على يد خازن أنظفتر، فأقر بمثل ذلك وأنه بعث على السم من مصر وهو عند امرأة قدودا، فأحضرت فأقرت بأن قدودا أمرها عند موته بإراقته، وأنها أبقت منه قليلا يشهد لها إن سئلت. فكتب هيردوس الى ابنه أنظفتر بالقدوم، فقدم مستريبا بعد أن أجمع على الهروب، فمنعه خدم أبيه. ولما حضر جمع له الناس في مشهد وحضر رسول أغسطس وقدم كاتبه نيقالوس. وكان يحب أولاد هيردوس المقتولين ويميل إليهما عن أنظفتر، فدفع يخاصمه حتى قامت عليه الحجة وأحضر بقية السم وجرب في بعض الحيوانات فصدق فعله، فحبس هيردوس ابنه أنظفتر حتى مرض وأشرف على الموت، وأسف على ما كان منه لأولاده فهم بقتل نفسه، فمنعه جلساؤه وأهله، وسمع من القصر البكاء والصراخ لذلك، فهم أنظفتر بالخروج من محبسه ومنع، وأخبر هيردوس بذلك وأمر بقتله في الوقت فقتل. ثم هلك بعده لخمسة أيام ولسبعين سنة من عمره وخمس وثلاثين من ملكه.

وعهد بالملك لابنه أركلاوش وخرج كاتبه نيقالوس فجمع الناس وقرأ عليهم العهد وأراهم خاتم هيردوس عليه، فبايعوا له وحمل أباه إلى قبره على سرير من الذهب ٢/١٥٧

مرصع بالجوهر والياقوت وعليه ستور الديباج منسوجة بالذهب، وأجلس مسندا ظهره إلى الأرائك والناس أمامه من الاشراف والرؤساء، ومن خلفه الخدم والغلمان، وحواليه الجواري بأنواع الطيب إلى أن اندرج في قبره.

وقام أركلاوش بملكه وتقرب إلى الناس بإطلاق المسجونين، فاستقام أمره وانطلقت الألسنة بذم هيردوس والطعن عليه. ثم انتقضوا على أركلاوش بملكه بما وقع منه من القتل فيهم، فساروا إلى قيصر شاكين بذلك وعابوه عنده بأنه ولي من غير أمره، وحضر أركلاوش وكاتبه نيقالوس بخصمهم ودفع دعاويهم، وأشار عظماء الروم بإبقائه فملكه قيصر وأعاده الى القدس. وأساء السيرة في اليهود وتزوج امرأة أخيه الإسكندر وكان له أولاد منها فماتت لوقتها. ووصلت شكاية اليهود بذلك كله إلى قيصر فبعث قائدا من الروم الى المقدس، فقيد أركلاوش وحمله إلى رومة لسبع سنين من دولته، وولى عليه اليهود بالقدس أخاه أنطيفس، وكان شرا منه واغتصب امرأة أخيه فيلقوس وله منها ولدان، ونكر ذلك عليه علماء اليهود والكهنونية. وكان لذلك العهد يوحنا بن زكريا فقتله في جماعة منهم، وهذا هو المعروف عند النصارى بالمعمدان الذي عمد عيسى أي طهره بماء المعمودية بزعمهم.

وفي دولة أنطيفس هذا مات أوغسطس قيصر، فملك بعده طبريانوس وكان قبيح السيرة، وبعث قائده بعيلاس بصنم من ذهب على صورته ليسجد له اليهود فامتنعوا، فقتل منهم جماعة، فأذنوا بحربة وقاتلوه وهزموه. وبعث طبريانوس العساكر مع قائده إلى القدس فقبض على أنطيفس وحمله مقيدا. ثم عزله طبريانوس إلى الأندلس فمات بها وملك بعده على اليهود أغرباس ابن أخيه أرستبلوس المقتول، وهلك في أيامه طبريانوس قيصر وملك نيروش وكان أشر من جميع من تقدمه، وأمر أن يسمى إلا هو، وبنى المذبح للقربان وقرب وأطاعته الناس إلا اليهود، وبعثوا إليه في ذلك أفيلو الحكيم في جماعة فشتمهم وحبسهم وسخط اليهود. ثم قبحت أحواله وساءت أفعاله وثارت عليه دولته فقتلوه، ورموا شلوه في الطريق فأكلته الكلاب.

ثم ملك بعده قلديوس قيصر وأطلق أفيلو والذين معه إلى بيت المقدس، وهدم المذابح التي كان نيروش بناها. ٢/١٥٨

وكان أغرباس حسن السيرة معظما عند القياصرة وهلك لثلاث وعشرين سنة من دولته. وملك بعده ابنه أغرباس بأمر اليهود وملك عشرين سنة، وكثرت الحروب والفتن في أيامه في بلاد اليهود والأرمن، وظهرت الخوارج والمتغلبون، وانقطعت السبل وكثر الهرج داخل المدينة في القدس. وكان الناس يقتل بعضهم بعضا في الطرقات يحملون سكاكين صغار محدين لها فإذا ازدحم مع صاحبه في الطريق طعنه فأهواه حتى صاروا يلبسون الدروع لذلك، وخرج كثير من الناس عن المدينة فرارا من القتل. وهلك ولد طبريانوس قيصر ونيروش من بعده، وملك على الروم فيلقوس قيصر فسعى بعض الشرار عنده بأن هؤلاء الذين خرجوا من القدس يذمون على الروم، فبعث إليهم من قتلهم وأسرهم.

واشتد البلاء على اليهود وطالت الفتن فيهم، وكان الكهنون الكبير فيهم لذلك العهد عناني، وكان له ابن اسمه العازار وكان ممن خرج من القدس وكان فاتكا مصعلكا، وانضم إليه جماعة من الأشرار، وأقاموا يغيرون على بلاد اليهود والأرمن وينهبون ويقتلون، وشكتهم الأرمن إلى فيلقوس قيصر، فبعث من قيده وحمله وأصحابه إلى رومة، فلم يرجع الى القدس إلا بعد حين.

واشتد قائد الروم ببيت المقدس على اليهود وكثر ظلمه فيهم، فأخرجوه عنهم بعد أن قتلوا جماعة من أصحابه، ولحق بمصر فلقي هنالك أغرباس ملك اليهود راجعا من رومية ومعه قائدان من الروم، فشكى إليه فيلقوس بما وقع من اليهود، ومضى إلى بيت المقدس فشكى إليه اليهود بما فعل فيلقوس وأنهم عازمون على الخلاف، وتلطف لهم في الإمساك عن ذلك حتى تبلغ شكيتهم إلى قيصر ويعتذر منه، فامتنع العازار بن عناني وأبى إلا المخالفة، وأخرج القربان الذي كان بعثه معه نيروش قيصر من البيت، ثم عمد إلى الروم الذين جاءوا مع أغرباس فقتلهم حيث وجدوا، وقتل القائدين. ونكر ذلك أشياخ اليهود واجتمعوا لحرب العازر وبعثوا إلى أغرباس، وكان خارج القدس، فبعث إليهم بثلاثة آلاف مقاتل، فكانت الحرب بينهم وبين العازار سجالا، ثم هزمهم وأخرجهم من المدينة، وعاث في البلد وخرب قصور الملك ونهبها وأموالها وذخائرها، وبقي أغرباس والكهنونة والعلماء والشيوخ خارج المقدس. وبلغهم أن الأرمن قتلوا من وجدوه من اليهود بدمشق ونواحيها وبقيسارية، فساروا إلى بلادهم وقتلوا من وجدوه بنواحي دمشق من الأرمن. ثم ٢/١٥٩

سار أغرباس إلى قيرش قيصر وخبره الخبر فامتعض لذلك، وبعث إلى كسنينا وقائده على الأرمن، وقد كان مضى إلى حرب الفرس فدوخها وقهرهم، وعاد إلى بلاد الأرمن فنزل دمشق فجاءه عهد قيصر بالمسير مع أغرباس ملك اليهود إلى القدس، فجمع العساكر وسار وخرب كل ما مر عليه. ولقيه العازار الثائر بالقدس فانهزم ورجع، ونزل كسنينا وقائد الروم فأثخن فيهم، وارتحل كسنينا إلى قيسارية، وخرج اليهود في اتباعهم فهزموهم، ولحق كسنينا وأغرباس بقيصر قيرش، فوافقوا وصول قائده الأعظم اسبنانوس عن بلاد الغرب، وقد فتح الأندلس ودوخ أقطارها فعهد إليه قيرش قيصر بالمسير إلى بلاد اليهود وأمره أن يستأصلهم ويهدم حصونهم.

فسار ومعه ابنه طيطوش وأغرباس ملك اليهود، وانتهوا إلى أنطاكية، وتأهب اليهود لحربهم، وانقسموا ثلاث فرق في ثلاث نواحي مع كل فرقة كهنون، فكان عناني الكهنون الأعظم في دمشق ونواحيها، وكان ابنه العازر كهنون بلاد أروم وما يليها إلى أيلة، وكان يوسف بن كريون كهنون طبرية وجبل الخليل وما يتصل به، وجعلوا فيما بقي من البلاد من الأغوار الى حدود مصر من يحفظها من بقية الكهنونية. وعمر كل منهم أسوار حصونه ورتب مقاتلته.

وسار اسبنانوس بالعساكر من أنطاكية فتوسط في بلاد الأرمن وأقام، وخرج يوسف بن كريون من طبرية فحاصر بعض الحصون بناحية الأغرباس ففتحه واستولى عليه، وبعث أهل طبرية من ورائه إلى الروم فاستأمنوا إليهم، فزحف يوسف مبادرا وقتل من وجد فيها من الروم، وقبل معذرة أهل طبرية، وبلغه مثل ذلك عن جبل الخليل فسار إليهم وفعل فيهم فعله في طبرية. فزحف اليه اسبنانوس من عكا في أربعين ألف مقاتل من الروم ومعه أغرباس ملك اليهود وسارت معهم الأمم من الأرمن وغيرهم، إلا أروم فإنهم كانوا حلفاء لليهود منذ أيام هرقانوس. ونزل أسبنانوس بعساكره على يوسف بن كريون ومن معه بطبرية فدعاهم الى الصلح، فسألوا الإمهال إلى مشاورة الجماعة بالقدس، ثم امتنعوا وقاتلهم أسبنانوس بظاهر الحصن، فاستلمهم حتى قل عددهم، وأغلقوا الحصن فقطع عنهم الماء خمسين ليلة، ثم بيتهم الروم فاقتحموا عليهم الحصن فاستلحموهم، وأفلت يوسف بن كريون ومن معه من الفل فامتنعوا ببطن الأعراب، وأعطاهم أسبنانوس الأمان، فمال إليه يوسف وأبى القوم إلا أن ٢/١٦٠

يقتلوا أنفسهم وهموا بقتله، فوافقهم على رأيهم إلى أن قتل بعضهم بعضا ولم يبق من يخشاه، فخرج إلى أسبنانوس مطارحا عليه، وحرضه اليهود على قتله فأبى واعتقله وخرب أعمال طبرية وقتل أهلها ورجع إلى قيسارية.

قال ابن كريون: وفي خلال ذلك حدثت الفتنة في القدس بين اليهود داخل المدينة، وذلك أنه كان في جبل الخليل بمدينة كوشالة يهودي اسمه يوحنان، وكان مرتكبا للعظائم واجتمع إليه أشرار منهم فقوي بهم على قطع السابلة والنهب والقتل، فلما استولى الروم على كوشالة لحق بالقدس وتألف عليه أشرار اليهود من فل البلاد التي أخذها الروم، فتحكم على أهل المقدس وأخذ الأموال وزاحم عناني الكهنون الأعظم، ثم عزله واستبدل به رجلا من غواتهم وحمل الشيوخ على طاعته، فامتنعوا فتغلب عليهم فقتلهم. فاجتمع اليهود إلى عناني الكهنون وحاربهم يوحنان وتحصنوا في القدس، وراسله عناني في الصلح فأبى، وبعث إلى أروم يشتجيشهم فبعثوا إليه بعشرين ألفا منهم، فأغلق عناني أبواب المدينة دونهم، وحاط بهم من الأسوار، ثم استغفلوه وكبسوا المدينة، واجتمع معهم يوحنان فقتلوا من وجوه اليهود نحوا من خمسة آلاف وصادروا أهل النعم على أموالهم، وبعثوا يوحنان إلى المدن الذين استأمنوا إلى الروم فغنم أموالهم وقتل من وجد منهم. وبعث أهل القدس في استدعاء أسبنانوس وعساكره فزحف من قيسارية حتى إذا توسط الطريق خرج يوحنان من القدس وامتنع ببعض الشعاب، فمال إليه أسبنانوس بالعسكر وظفر بالكثير منهم فقتلوهم. ثم سار إلى بلاد أروم ففتحها، وسبسطية بلاد السامرة ففتحها أيضا، وعمر جميع ما فتح من البلاد، ورجع إلى قيسارية ليزيح علله ويسير الى القدس.

ورجع يوحنان أثناء ذلك من الشعاب، فغلب على المدينة، وعاث فيهم بالقتل، وتحكم في أموالهم، وأفسد حريمهم.

قال ابن كريون: وقد كان ثار بالمدينة في مغيب يوحنان ثائرا آخر اسمه شمعون، واجتمع إليه اللصوص والشرار حتى كثر جمعه وبلغوا نحوا من عشرين ألفا، وبعث إليه أهل أروم عسكرا فهزمهم واستولى على الضياع ونهب الغلال، وبعث إلى امرأته من المدينة فردها يوحنان من طريقها وقطع من وجد معها، ثم أسعفوه بامرأته وسار إلى أروم فحاربهم وهزمهم، وعاد إلى القدس فحاصرها وعظم الضرر على أهلها من شمعون خارج المدينة ويوحنان داخلها، ولجئوا إلى الهيكل وحاربوا يوحنان فغلبهم ٢/١٦١

وقتل منهم خلقا، فاستدعوا شمعون لينصرهم من يوحنان فدخل ونقض العهد وفعل أشر من يوحنان.

قال ابن كريون: ثم ورد الخبر إلى أسبنانوس وهو بمكانه من قيسارية بموت قيروش قيصر وأن الروم ملكوا عليهم مضعفا اسمه نطاوس فغضب البطارقة الذين مع أسبنانوس وملكوه، وسار الى رومة وخلف نصف العسكر مع ابنه طيطش، وقدم بين يديه قائدين إلى رومة لمحاربة نطاوس الذي ملكه الروم فهزم وقتل، وسار أسبنانوس إلى اسكندرية وركب البحر منها، ورجع طيطش الى قيسارية إلى أن ينسلخ فصل الشتاء ويزيح العلل.

وعظمت الفتن والحروب بين اليهود داخل القدس وكثر القتل حتى سالت الدماء في الطرقات، وقتل الكهنونية على المذبح وهم لا يقربون الصلاة في المسجد لكثرة الدماء، وتعذر المشي في الطرقات من سقوط حجارة الرمي ومواقد النيران بالليل، وكان يوحنان أخبث القوم وأشرهم.

ولما انسلخ الشتاء زحف طيطش في عساكر الروم إلى أن نزل على القدس وركب إلى باب البلد يتخير المكان لمعسكره ويدعوهم إلى السلم، فصموا عنه وأكمنوا له بعض الخوارج في الطريق فقاتلوه، وخلص منهم بشدته، فعبى عسكره من الغد ونزل بجبل الزيتون شرقي المدينة ورتب العساكر والآلات للحصار. واتفق اليهود داخل المدينة ورفعوا الحرب بينهم، وبرزوا إلى الروم فانهزموا، ثم عاودوا فظهروا، ثم انتقضوا بينهم وتحاربوا ودخل يوحنان الى القدس يوم الفطر فقتل جماعة من الكهنونة وقتل جماعة أخرى خارج المسجد. وزحف طيطش وبرزوا إليه فردوه إلى قرب معسكره، وبعث إليهم قائده نيقانور في الصلح فأصابه سهم فقتله، فغضب طيطش وصنع كبشا وأبراجا من الحديد توازي السور وشحنها بالمقاتلة، فأحرق اليهود تلك الآلات ودفنوها وعادوا إلى الحرب بينهم.

وكان يوحنان قد ملك القدس ومعه ستة آلاف أو يزيدون من المقاتلة، ومع شمعون عشرة الاف من اليهود وخمسة آلاف من أروم، وبقية اليهود بالمدينة مع العازر وأعاط طيطش الزحف بالآلات وثلم السور الأول وملكه إلى الثاني، فاصطلح اليهود بينهم وتذامروا واشتد الحرب، وباشرها طيطش بنفسه ثم زحف بالآلات إلى ٢/١٦٢

السور الثاني فثلمه، وتذامر اليهود فمنعوهم عنه ومكثوا كذلك أربعة أيام.

وجاء المدد من الجهات إلى طيطش ولاذ اليهود بالأسوار وأغلقوا الأبواب، ورفع طيطش الحرب ودعاهم إلى المسالمة، فامتنعوا. فجاء بنفسه في اليوم الخامس وخاطبهم ودعاهم وجاء معه يوسف بن كريون فوعظهم ورغبهم في أمنة الروم ووعدهم، وأطلق طيطش أسراهم فجنح الكثير من اليهود إلى المسالمة، ومنعهم هؤلاء لرؤساء الخوارج، وقتلوا من يروم الخروج إلى الروم، ولم يبق من المدينة ما يعصمهم إلا السور الثالث.

وطال الحصار واشتد الجوع عليهم والقتل، ومن وجد خارج المدينة لرعي العشب قتله الروم وصلبوه، حتى رحمهم طيطش ورفع القتل عمن يخرج في ابتغاء العشب. ثم زحف طيطش إلى السور الثالث من أربع جهاته ونصب الآلات، وصبر اليهود على الحرب وتذامر اليهود وصعب الحرب وبلغ الجوع في الشدة غايته، واستأمن متاي الكوهن إلى الروم وهو الذي خرج في استدعاء شمعون، فقتله شمعون وقتل بنيه وقتل جماعة من الكهنونية والعلماء والأئمة ممن حذر منه أن يستأمن. ونكر ذلك العازر بن عناني ولم يقدر على أكثر من الخروج من بيت المقدس. وعظمت المجاعة فمات أكثر اليهود، وأكلوا الجلود والخشاش والميتة، ثم أكل بعضهم بعضا، وعثر على امرأة تأكل ابنها، فأصابت رؤساؤهم لذلك رحمة، وأذنوا في الناس بالخروج، فخرجت منهم أمم وهلك أكثرهم حين أكلوا الطعام، وابتلع بعضهم في خروجه ما كان له من ذهب أو جوهر ضنة به، وشعر بهم الروم فكانوا يقتلونهم ويشقون عنها بطونهم، وشاع ذلك في توابع العسكر من العرب والأرمن فطردهم طيطش.

وطمع الروم في فتح المدينة وزحفوا إلى سورها الثالث بالآلات ولم يكن لليهود طاقة بدفعها وإحراقها فثلموا السور، وبنى اليهود خلف الثلمة فأصبحت منسدة، وصدمها الروم بالكبش فسقطت من الحدة، واستماتوا في تلك الحال إلى الليل. ثم بيت الروم المدينة وملكوا الأسوار عليهم وقاتلوهم من الغد فانهزموا الى المسجد، وقاتلوا في الحصن، وهدم طيطش البناء ما بين الأسوار إلى المسجد ليتسع المجال. ووقف ابن كريون يدعوهم إلى الطاعة فلم يجيبوا، وخرج جماعة من الكهنونية فأمنهم ومنع ٢/١٦٣

الرؤساء بقيتهم، ثم باكرهم طيطش بالقتال من الغد فانهزموا الأقداس وملك الروم المسجد وصحنه.

واتصلت الحرب أياما وهدمت الأسوار كلها وثلم سور الهيكل، وأحاط العساكر بالمدينة حتى مات أكثرهم وفر كثير. ثم اقتحم عليهم الحصن فملكه ونصب الأصنام في الهيكل ومنع من تخريبه. ونكر رؤساء الروم ذلك ودسوا من اضرم النار في أبوابه وسقفه، وألقى الكهنونة أنفسهم جزعا على دينهم وحزنوا، واختفى شمعون ويوحنان في جبل صهيون، وبعث إليهم طيطش بالأمان فامتنعوا وطرقوا القدس في بعض الليالي، فقتلوا قائدا من قواد العسكر ورجعوا إلى مكان اختفائهم. ثم هرب عنهم أتباعهم وجاء يوحنان ملقيا بيده إلى طيطش فقيده، وخرج إليه يوشع الكوهن بآلات من الذهب الخالص من آلات المسجد فيها منارتان ومائدتان، ثم قبض على فنحاس خازن الهيكل، فأطلعه على خزائن كثيرة مملوءة دنانير ودراهم وطيبا فامتلأت يده منها، ورحل عن بيت المقدس بالغنائم والأموال والأسرى، وأحصى الموتى في هذه الوقعة. قال ابن كريون: فكان عدد الموتى الذين خرجوا على الباب للدفن بأخبار مناحيم الموكل به مائة ألف وخمسة وعشرون ألفا وثمانمائة. وقال غير مناحيم كانت عدتهم ستمائة ألف دون من ألقي في الآبار، أو طرح إلى خارج الحصن وقتل في الطرقات ولم يدفن. وقال غيره كان الذي أحصي من الموتى والقتلى ألف ألف ومائة ألف والسبي والأسارى مائة ألف، كان طيطش في كل منزلة يلقي منهم إلى السباع إلى أن فرغوا. وكان فيمن هلك شمعون أحد الخوارج الثلاثة.

وأما الفرار بن عفان فقد كان خرج من القدس عند ما قتل شمعون أمتاي الكوهن كما ذكرنا، فلما رحل طيطش عن القدس نزل في بعض القرى وحصنها واجتمع إليه فل اليهود، واتصل الخبر بطيطش وهو في انطاكية، فبعث إليه عسكرا من الروم مع قائده سلياس فحاصرهم أياما، ثم نهض الكهنونة وأولادهم وخرجوا إلى الروم مستميتين، فقاتلوا إلى أن قتلوا عن آخرهم. وأما يوسف بن كريون فافتقد أهله وولده في هذه الوقائع ولم يقف لهم بعدها على خبر وأراده طيطش على السكنى عنده برومة، فتضرع اليه في البقاء بأرض القدس، فأجابه إلى ذلك وتركه. وانقرضت دولة اليهود أجمع، والبقاء لله وحده سبحانه وتعالى لا انقضاء لملكه.. ٢/١٦٤

الخبر عن شأن عيسى بن مريم صلوات الله عليه في ولادته وبعثته ورفعه من الأرض والإلمام بشأن الحواريين بعده وكتبهم الأناجيل الأربعة وديانة النصارى بملته واجتماع الاقسة على تدوين شريعته

كان بنو ماثان من ولد داود صلوات الله عليه كهنونية بيت المقدس، وهو ماثان بن ألعازر بن اليهود بن أخس بن رادوق بن عازور بن ألياقيم بن أيود بن زروقابل بن سالات بن يوخنانيا بن يوشيا السادس عشر من ملوك بني إسرائيل بن أمون بن عمون ابن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يواش بن أحزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن رحبعم بن سليمان ابن داود صلوات الله عليهما. ويوخنانيا بن يوشيا السادس عشر من ملوك بني سليمان ولد في جلاء بابل وهذا النسب نقلته من إنجيل متى . وكانت الكهنونية العظمى من بعد بني حشمناي لهم، وكان كبيرهم قبل عصر هيردوس عمران أبو مريم، ونسبه ابن إسحاق إلى أمون بن منشا الخامس عشر من ملوك بيت المقدس من لدن سليمان أبيهم، وقال فيه عمران بن ياشم بن أمون. وهذا بعيد لأن الزمان بين عمون وعمران أبعد من أن يكون بينهما أب واحد، فإن أمون كان قبيل الخراب الأول وعمران كان في دولة هيردوس قبيل الخراب الثاني، وبينهما قريب من أربعمائة سنة. ونقل ابن عساكر، والظن أنه ينقل عن مستند، أنه من ولد زريافيل الذي ولي على بني إسرائيل عند رجوعهم إلى بيت المقدس، وهو ابن يخنيا آخر ملوكهم الذي حبسه بخت نصر وولى عمه صدقيا هو بعده كما مر. وقال فيه:

عمران بن ماثان بن فلان بن فلان إلى زريافيل، وعد نحوا من ثمانية آباء بأسماء ٢/١٦٧

عبرانية لا وثوق بضبطها، وهو أقرب من الأول وفيه ذكر ماثان الذي هو شهرتهم، ولم يذكره ابن إسحاق.

وكان عمران أبو مريم كهنونا في عصره، وكانت تحته حنة بنت فاقود بن فيل وكانت من العابدات، وكانت أختها إيشاع ويقال خالتها تحت زكريا بن يوحنا، ونسبه ابن عساكر الى يهوشافاظ خامس ملوك القدس من عهد سليمان أبيهم وعد ما بينه وبين يهوشافاظ اثني عشر أبا أولهم يوحنا بأسماء عبرانية، كما فعل في نسب عمران، ثم قال وهو أبو يحيى صلوات الله عليهما، ويقال بالمد والقصر من غير ألف، وكان نبيا من بني إسرائيل صلوات الله عليهم أه. ونقلت من كتاب يعقوب بن يوسف النجار مثان يعني ماثان من سبط داود، وكان له ولدان يعقوب ويؤاقيم، ومات فتزوج أمهما بعده مطنان، ومطنان بن لاوي من سبط سليمان بن داود وسمي ماثان فولدت هالي من مطنان. ثم تزوج ومات ولم يعقب فتزوج امرأته أخوه لأمه يعقوب بن ماثان فولدت منه يوسف خطيب مريم ونسب إلى هالي، لأن من أحكام التوراة إن مات من غير عقب فامرأته لأخيه وأول ولد منها ينسب إلى الأول، فلهذا قيل فيه يوسف بن هالي بن مطنان، وإنما هو يوسف بن يعقوب بن ماثان وهو ابن عم مريم لحا .

وكان ليوسف من البنين خمسة بنين وبنت وهم يعقوب ويوشا وبيلوت وشمعون ويهوذا وأختهم مريم، كانوا يسكنون بيت لحم. فارتحل بأهله ونزل ناصرة وسكن بها وتعلم النجارة حتى صار يلقب بالنجار. وتزوج يؤاقيم حنة أخت إيشاع العاقر امرأة زكريا بن يوحنا المعمدان، وأقامت ثلاثين سنة لا يولد لها، فدعوا الله وولد لها مريم فهي بنت يؤاقيم موثان وهو مثان. وولدت إيشاع العاقر من زكريا ابنه يحيى. قلت في التنزيل مريم ابنة عمران فليعلم أن معنى عمران بالعبرانية يؤاقيم وكان له اسمان أه.

وعن الطبري وكانت حنة أم مريم لا تحبل، فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها حبيسا ببيت المقدس على خدمته على عاداتهم في نذر مثله، فلما حملت ووضعتها لفتها في خرقتها وجاءت بها إلى المسجد فدفعتها إلى عباده وهي ابنة امامهم وكهنونهم، فتنازعوا في كفالتها، وأراد زكريا أن يستبد بها لأن زوجه إيشاع خالتها، ونازعوه في ذلك لمكان أبيها من إمامهم، فاقترعوا فخرجت قرعة زكريا عليها فكفلها ووضعها في ٢/١٦٨

مكان شريف من المسجد لا يدخله سواها وهو المحراب فيما قيل. والظاهر أنها دفعتها إليهم بعد مدة إرضاعها.

فأقامت في المسجد تعبد الله وتقوم بسدانة البيت في نوبتها حتى كان يضرب بها المثل في عبادتها، وظهرت عليها الأحوال الشريفة والكرامات كما قصه القرآن. وكانت خالتها إيشاع زوج زكريا أيضا عاقرا، وطلب زكريا من الله ولدا، فبشره بيحيى نبيا كما طلب، لأنه قال يرثني ويرث من آل يعقوب وهم أنبياء فكان كذلك. وكان حاله في نشوه وصباه عجبا وولد في دولة هيردوس ملك بني إسرائيل، وكان يسكن القفار ويقتات الجراد ويلبس الصوف من وبر الإبل، وولاه اليهود الكهنونية ببيت المقدس، ثم أكرمه الله بالنبوة كما قصه القرآن. وكان لعهده على اليهود بالقدس أنطيفس بن هيردوس وكان يسمى هيردوس باسم أبيه، وكان شريرا فاسقا واغتصب امرأة أخيه وتزوجها ولها ولدان منه، ولم يكن ذلك في شعرهم مباحا، فنكر ذلك عليه العلماء والكهنونية وفيهم يحيى بن زكريا، المعروف بيوحنان ويعرفه النصارى بالمعمدان، فقتل جميع من نكر عليه ذلك وقتل فيهم يحيى صلوات الله عليه.

وقد ذكر في قتله أسباب كثيرة وهذا أقربها إلى الصحة.

وقد اختلف الناس هل كان أبوه حيا عند قتله فقيل إنه لما قتل يحيى طلبه بنو إسرائيل ليقتلوه، ففر أمامهم ودخل في بطن شجرة كرامة له فدلهم عليه طرف ردائه خارجا منها، فشقوها بالمنشار وشق زكريا فيها نصفين. وقيل بل مات زكريا قبل هذا والمشقوق في الشجرة إنما هو شعيا النبي وقد مر ذكره. وكذلك اختلف في دفنه فقيل دفن ببيت المقدس وهو الصحيح. وقال ابو عبيد بسنده إلى سعيد بن المسيب أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد دم يحيى بن زكريا يغلي، فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن دمه. ويشكل أن يحيى كان مع المسيح في عصر واحد باتفاق وأن ذلك كان بعد بخت نصر بأحقاب متطاولة وفي هذا ما فيه. وفي الإسرائيليات من تأليف يعقوب بن يوسف النجار أن هيردوس قتل زكريا عند ما جاء المجوس للبحث عن إيشوع والإنذار به، وأنه طلب ابنه يوحنا ليقتله مع من قتل من صبيان بيت لحم، فهربت به أمه إلى الشقراء واختلفت. فطالب به أباه زكريا وهو كهنون في الهيكل، فقال لا ٢/١٦٩

علم لي هو مع أمه فتهدده وقتله. ثم قال بعد قتل زكريا بسنة تولى الكهنونية يعقوب بن يوسف إلى أن مات هيرودوس.

وأما مريم سلام الله عليها فكانت بالمسجد على حالها من العبادة إلى أن أكرمها الله بالولاية وبين الناس في نبوتها خلاف من أجل خطاب الملائكة لها. وعند أهل السنة أن النبوة مختصة بالرجل، قاله أبو الحسن الأشعري وغيره وأدلة الفريقين في أماكنها.

وبشرت الملائكة مريم باصطفاء الله لها، وأنها تلد ولدا من غير أب يكون نبيا، فعجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قادر على ما يشاء، فاستكانت وعلمت أنها محنة بما تلقاه من كلام الناس فاحتسبت.

وفي كتاب يعقوب بن يوسف النجار أن أمها حنة توفيت لثمان سنين من عمر مريم، وكان من سنتهم أنها إن لم تقبل التزويج يفرض لها من أرزاق الهيكل، فأوحى الله إليه أن يجمع أولاد هارون ويردها إليهم، فمن ظهرت في عصاه آية تدفعها إليه تكون له شبه زوجة ولا يقربها، وحضر الجمع يوسف النجار فخرج من عصاه حمامة بيضاء ووقفت على رأسه، فقال له زكريا هذه عزراء الرب تكون لك شبه زوجة ولا تردها.

فاحتملها متكرها بنت اثنتي عشرة سنة إلى ناصرة فأقامت معه، إلى أن خرجت يوما تستسقي من العين فعرض لها الملك أولا وكلمها ثم عاودها وبشرها بولادة عيسى كما نص القرآن. فحملت وذهبت إلى زكريا ببيت المقدس فوجدته على الموت وهو يجود بنفسه، فرجعت الى ناصرة، ورأى يوسف الحمل فلطم وجهه وخشي الفضيحة مع الكهنونية فيما شرطوا عليه، فأخبرته بقول الملك، فلم يصدق وعرض له الملك في نومه وأخبره أن الذي بها من روح القدس، فاستيقظ وجاء إلى مريم فسجد لها وردها إلى بيتها. ويقال إن زكريا حضر لذلك وأقام فيهما سنة اللعان الذي أوصى به موسى، فلم يصبهما شيء وبرأهما الله. ووقع في إنجيل متى أن يوسف خطب مريم ووجدها حاملا قبل أن يجتمعا، فعزم على فراقها خوفا من الفضيحة، فأمر في نومه أن يقبلها وأخبره الملك بأن المولود من روح القدس، وكان يوسف صديقا وولد على فراشه إيشوع انتهى.

وقال الطبري: كانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها، وفي رواية عنه أنه ابن خالها، وكانوا سدنة في بيت المقدس لا يخرجان منه إلا لحاجة الإنسان، وإذا نفد ٢/١٧٠

ماؤهما فيملآن من أقرب المياه. فمضت مريم يوما وتخلف عنها يوسف، ودخلت المغارة التي كانت تعهد أنها للورد، فتمثل لها جبريل بشرا، فذهبت لتجزع، فقال لها «إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا 19: 19» فاستسقاها. وعن وهب بن منبه أنه نفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى الرحم، فاشتملت على عيسى، فكان معها ذو قرابة يسمى يوسف النجار، وكان في مسجد بجبل صهيون، وكان لخدمته عندهم فضل، وكانا يجمرانه ويقمانه. وكانا صالحين مجتهدين في العبادة، ولما رأى ما بها من الحمل استعظمه وعجب منه لما يعلم من صلاحها وأنها لم تغب قط عنه، ثم سألها فردت الأمر إلى قدرة الله، فسكت وقام بما ينو بها من الخدمة. فلما بان حملها أفضت بذلك إلى خالتها إيشاع، وكانت أيضا حبلى بيحيى، فقالت لها اني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. ثم أمرت بالخروج من بلدها خشية أن يعيرها قومها ويقتلوا ما في بطنها، فاحتملها يوسف إلى مصر وأخذها المخاض في طريقها، فوضعته كما قصة القرآن، واحتملته على الحمار، وأقامت تكتم أمرها من الناس وتتحفظ به، حتى بلغ اثنتي عشرة سنة وظهرت عليه الكرامات، وشاع خبره، فأمرت أن ترجع به إلى إيلياء فرجعت. وتتابعت عنه المعجزات وانثال الناس عليه يستشفون ويسألون عن الغيوب.

قال الطبري: وفي خبر السدي أنها إنما خرجت من المسجد لحيض أصابها، فكان نفخ الملك، وأن إيشاع خالتها التي سألتها عن الجمل وناظرتها فيه فحجتها بالقدرة، وأن الوضع كان في شرقي بيت لحم قريبا من بيت المقدس وهو الذي بنى عليه بعض ملوك الروم البناء الهائل لهذا العهد.

قال ابن العميد مؤرخ النصارى: ولد لثلاثة أشهر من ولادة يحيى بن زكريا، ولإحدى وثلاثين من دولة هيردوس الكبر، ولاثنتين وأربعين من ملك أوغسطس قيصر.

وفي الإنجيل أن يوسف تزوجها ومضى بها ليكتم أمرها في بيت لحم، فوضعته هنالك ووضعته في مذود لأنها لم يكن لها موضع نزل. وأن جماعة من المجوس بعثهم ملك الفرس يسألون أين ولد الملك العظيم؟ وجاءوا الى هيردوس يسألونه وقالوا جئنا لنسجد له، وحدثوه بما أخبر الكهان وعلماء النجوم من شأن ظهوره، وأنه يولد ببيت لحم من ابن سنتين فما دونها. وسمع اوغسطس قيصر بخبر المجوس فكتب إلى هيردوس يسأله، ٢/١٧١

فكتب له بمصدوقية خبره وأنه قتل فيمن قتل من الصبيان. وكان يوسف النجار قد أمر أن يخرج به الى مصر، فأقام هنالك اثنتي عشرة سنة، وظهرت عليه الكرامات، وهلك هيرودوس الذي كان يطلبه وأمروا بالرجوع إلى إيليا، فرجعوا.

وظهر صدق شعيا النبي في قوله عنه من مصر دعوتك. وفي كتاب يعقوب بن يوسف النجار حذرا من أن يكتب كما أمر أوغسطس في بعض أيامه فأجاءها المخاض وهي في طريقها على حمار، فصابرته إلى قرية بيت لحم وولدت في غار وسماه إيشوع، وأنه لما بلغ سنتين، وكان من أمر المجوس ما قدمناه، حذر هيرودوس من شأنه وأمر أن يقتل الصبيان ببيت لحم، فخرج يوسف به وبأمه إلى مصر، أمر بذلك في نومه، وأقام بمصر سنتين حتى مات هيرودوس، ثم أمر بالرجوع فرجع الى ناصرة، وظهرت عليه الخوارق من احياء الموتى وإبراء المعتوهين وخلق الطير وغير ذلك من خوارقه، حتى إذا بلغ ثماني سنين كف عن ذلك.

ثم جاء يوحنان المعمدان من البرية، وهو يحيى بن زكريا، ونادى بالتوبة والدعاء إلى الدين، وقد كان شعيا أخبر أنه يخرج أيام المسيح، وجاء المسيح من الناصرة ولقيه بالأردن فعمده يوحنان وهو ابن ثلاثين سنة، ثم خرج الى البرية واجتهد في العبادة والصلاة والرهبانية واختار تلامذته الاثني عشر: سمعان بطرس وأخوه أندراوس ويعقوب بن زيدي وأخوه يوحنا وفيليبس وبرتولوماوس وتوما ومتى العشار ويعقوب بن حلفا وتداوس وسمعان القناني ويهوذا الأسخريوطي. وشرع في إظهار المعجزات. ثم قبض هيرودوس الصغير على يوحنان وهو يحيى بن زكريا لنكيره عليه في زوجة أخيه، فقتله ودفن بنابلس.

ثم شرع المسيح الشرائع من الصلاة والصوم وسائر القربات، وحلل وحرم وأنزل عليه الإنجيل، وظهرت على يديه الخوارق والعجائب، وشاع ذكره في النواحي، واتبعه الكثير من بني إسرائيل، وخافه رؤساء اليهود على دينهم، وتأمروا في قتله. وجمع عيسى الحواريين فباتوا عنده ليلتين يطعمهم ويبالغ في خدمتهم بما استعظموه، قال وإنما فعلته لتتأسوا به، وقال يعظهم ليكفرن بي بعضكم قبل أن يصيح الديك ثلاثا ويبيعني أحدكم بثمن بخس وتأكلوا ثمني، ثم افترقوا. وكان اليهود قد بعثوا العيون ٢/١٧٢

عليهم، فأخذوا شمعون من الحواريين فتبرأ منهم وتركوه، وجاء يهوذا الأسخريوطي وبايعهم على الدلالة عليه بثلاثين درهما، وأراهم مكانه الذي كان يبيت فيه، وأصبحوا به إلى فلاطش النبطي قائد قيصر على اليهود. وحضر جماعة الكهنونية وقالوا هذا يفسد ديننا ويحل نواميسنا ويدعي الملك فأقتله. وتوقف فصاحوا به وتوعدوه بإبلاغ الأمر إلى قيصر فأمر بقتله.

وكان عيسى قد أبلغ الحواريين بأنه يشبه على اليهود في شأنه فقتل ذلك الشبه وصلب، وأقام سبعا. وجاءت أمه تبكي عند الخشبة فجاءها عيسى وقال: مالك تبكي؟ قالت: عليك. قال: إن الله رفعني ولم يصبني إلا خير وهذا شيء شبه لهم، وقولي للحواريين يلقوني بمكان كذا. فانطلقوا إليه وأمرهم بتبليغ رسالته في النواحي، كما عين لهم من قبل. وعند علماء النصارى أن الذي بعث من الحواريين إلى رومة بطرس ومعه بولس من الأتباع ولم يكن حواريا، وإلى أرض السودان والحبشة ويعبرون عن هذه الناحية بالأرض التي تأكل أهلها والناس متى العشار، وأندراوس إلى أرض بابل، والمشرق توماس، وإلى أرض إفريقية فيلبس، وإلى أفسوس قرية أصحاب الكهف يوحناس، وإلى أورشليم وهي بيت المقدس يوحنا، وإلى أرض العرب والحجاز برتلوماوس، وإلى أرض برقة والبربر شمعون القناني.

قال ابن إسحاق: ثم وثب اليهود على بقية الحواريين يعذبونهم ويفتنونهم، وسمع قيصر بذلك وكتب إليه فلاطش النبطي قائده بأخباره ومعجزاته وبغي اليهود عليه وعلى يوحنان قبله، فأمرهم بالكف عن ذلك. ويقال قتل بعضهم. وانطلق الحواريون إلى الجهات التي بعثهم إليها عيسى فآمن به بعض وكذب بعض. ودخل يعقوب أخو يوحنان إلى رومة فقتله غاليوس قيصر وحبس شمعون، ثم خلص وسار إلى أنطاكية ثم رجع إلى رومة أيام قلوديش قيصر بعد غاليوس، واتبعه كثير من الناس وآمن به بعض نساء القياصرة وأخبرها بخبر الصليب، فدخلت إلى القدس وأخرجته من تحت الزبل والقمامات بمكان الصلب وغشته بالحرير والذهب وجاءت به إلى رومة.

وأما بطرس كبير الحواريين وبولص اللذان بعثهما عيسى صلوات الله عليه إلى رومة فإنهما مكثا هنالك يقيمان دين النصرانية، ثم كتب بطرس الإنجيل بالرومية ونسبه إلى مرقص تلميذه، وكتب متى انجيله بالعبرانية في بيت المقدس ونقله من بعد ذلك ٢/١٧٣

يوحنان بن زيدي إلى رومة، وكتب لوقا انجيله بالرومية وبعثه الى بعض أكابر الروم، وكتب يوحنا بن زيدي انجيله برومة. ثم اجتمع الرسل الحواريون برومة ووضعوا القوانين الشرعية لدينهم وصيروها بيد أقليمنطس تلميذ بطرس، وكتبوا فيها عد الكتب التي يجب قبولها، فمن القديمة: التوراة خمسة أسفار، وكتاب يوشع بن نون، وكتاب القضاة، وكتاب راعوث، وكتاب يهوذا، وأسفار الملوك أربعة كتب، وسفر بنيامين، وسفر المقباسين ثلاثة كتب، وكتاب عزرا الامام، وكتاب أشير، وكتاب قصة هامان، وكتاب أيوب الصديق، ومزامير داود النبي، وكتب ولده سليمان خمسة، ونبوات الأنبياء الصغار والكبار ستة عشر كتابا، وكتاب يشوع بن شارخ . ومن الحديثة: كتب الإنجيل الأربعة، وكتب القتاليقون سبع رسائل، وكتاب بولس أربع عشرة رسالة، والإيركسيس وهو قصص الرسل ويسمى أفليمد ثمانية كتب تشتمل على كلام الرسل وما أمروا به ونهوا عنه.

وكتاب النصارى الكبار إلى أساقفتهم الذين يسمون البطارقة ببلاد معينة يعلمون بها دين النصرانية فكان: برومة بطرس الرسول الذي بعثه عيسى صلوات الله عليه، وكان بيت المقدس يعقوب النجار، وكان بالإسكندرية، مرقص تلميذ بطرس، وكان ببيزنطية وهي قسطنطينية أندرواس الشيخ، وكان بأنطاكية .

وكان صاحب هذا الدين عندهم والمقيم لمراسمه يسمونه البطرك وهو رئيس الملة وخليفة المسيح فيهم، ويبعث نوابه وخلفاءه إلى من بعد عنهم من أمم النصرانية ويسمونه الأسقف أي نائب البطرك، ويسمون القراء بالقسيس، وصاحب الصلاة بالجاثليق، وقومة المسجد بالشمامسة، والمنقطع الذي حبس نفسه في الخلوة للعبادة بالراهب، والقاضي بالمطران. ولم يكن بمصر لذلك العهد أسقف الى أن جاء دهدس الحادي عشر من أساقفة اسكندرية وكان بطرك أساقفة بمصر. وكان الأساقفة يسمون البطرك أبا، والقسوس يسمون الأساقفة أبا، فوقع الاشتراك في اسم الأب، فاخترع اسم ٢/١٧٤

البابا لبطرك الاسكندرية ليتميز عن الأسقف في اصطلاح القسوس، ومعناه أبو الاباء فاشتهر هذا الاسم. ثم انتقل الى بطرك رومة لأنه صاحب كرسي بطرس كبير الحواريين ورسول المسيح، وأقام على ذلك لهذا العهد يسمى البابا.

ثم جاء بعد قلوديش قيصر نيرون قيصر فقتل بطرس كبير الحواريين وبولص اللذين بعثهما عيسى صلوات الله عليه الى رومة، وجعل مكان بطرس أرنوس برومة. وقتل مرقص الإنجيلي تلميذ بطرس وكان بالإسكندرية يدعو الى الدين سبع سنين ويبعثه في نواحي مصر وبرقة والمغرب وقتله نيرون، وولى بعده حنينا وهو أول البطاركة عليها بعد الحواريين. وثار اليهود في دولته على أسقف بيت المقدس وهو يعقوب النجار وهدموا البيعة ودفنوا الصليب الى أن أظهرته هيلانة أم قسطنطين كما نذكره بعد، وجعل نيرون مكان يعقوب النجار ابن عمه شمعون بن كيافا.

ثم اختلفت حال القياصرة من بعد ذلك في الأخذ بهذا الدين وتركه كما يأتي في أخبارهم، الى أن جاء قسطنطين بن قسطنطين باني المدينة المشهورة، وكانت في مكانها قبله مدينة صغيرة تسمى بيزنطية. وكانت أمه هيلانة صالحة فأخذت بدين المسيح لاثنتين وعشرين سنة من ملك قسطنطين ابنها، وجاءت إلى مكان الصليب فوقفت عليه وترحمت وسألت عن الخشبة التي صلب عليهما بزعمهم، فأخبرت بما فعل اليهود فيها وأنهم دفنوها وجعلوا مكانها مطرحا للقمامة والنجاسة والجيف والقاذورات، فاستعظمت ذلك واستخرجت تلك الخشبة التي صلب عليها بزعمهم، وقيل من علامتها أن يمسها ذو العاهة فيعافى لوقته، فطهرتها وطيبتها وغشتها بالذهب والحرير، ورفعتها عندها للتبرك بها، وأمرت ببناء كنيسة هائلة بمكان الخشبة تزعم أنها قبره وهي التي تسمى لهذا العهد قمامة . وخربت مسجد بني إسرائيل وأمرت بأن تلقى القاذورات والكناسات على الصخرة التي كانت عليها القبة التي هي قبلة اليهود، إلى أن أزال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند فتح بيت المقدس كما نذكره هنالك.

وكان من ميلاد المسيح إلى وجود الصليب ثلاثمائة وثمان وعشرون سنة، وأقام هؤلاء النصرانية بطاركتهم وأساقفتهم على إقامة دين المسيح على ما وضعه الحواريون من القوانين والعقائد والأحكام. ثم حدث بينهم اختلاف في العقائد وسائر ما ذهبوا إليه ٢/١٧٥

من الإيمان بالله وصفاته، وحاش لله وللمسيح وللحواريين أن يذهبوا إليه، وهو معتقدهم التثليث. وإنما حملهم عليه ظواهر من كلام المسيح في الإنجيل لم يهتدوا إلى تأويلها، ولا وقفوا على فهم معانيها، مثل قول المسيح حين صلب بزعمهم: أذهب إلى أبي وأبيكم. وقال: افعلوا كذا وكذا من البر لتكونوا أبناء أبيكم في السماء وتكونوا تامين، كما أن أباكم الذي في السماء تام. وقال له في الإنجيل إنك أنت الابن الوحيد. وقال له شمعون الصفا إنك ابن الله حقا. فلما أثبتوا هذه الأبوة من ظاهر هذا اللفظ زعموا أن عيسى ابن مريم من أب قديم، وكان اتصاله بمريم تجسد كلمة منه مازجت جسد المسيح وتدرعت به، فكان مجموع الكلمة والجسد ابنا، وهو ناسوت كلي قديم أزلي، وولدت مريم إلها أزليا والقتل والصلب وقع على الجسد والكلمة، ويعبرون عنهما بالناسوت واللاهوت.

وأقاموا على هذه العقيدة ووقع بينهم فيها اختلاف، وظهرت مبتدعة من النصرانية اختلفت أقوالهم الكفرية، كان من أشدهم ابن دنصان، ودافعهم هؤلاء الأساقفة والبطاركة عن معتقدهم الذين كانوا يزعمونه حقا، وظهر يونس الشميصاني بطرك انطاكية بعد حين أيام افلوديس قيصر، فقال بالوحدانية ونفى الكلمة والروح، وتبعه جماعة على ذلك. ثم مات فرد الأساقفة مقالته وهجروها ولم يزالوا على ذلك إلى أيام قسطنطين بن قسطنطين، فتنصر ودخل في دينهم. وكان باسكندرية أسكندروس البطرك وكان لعهده أريوش من الأساقفة، وكان يذهب الى حدوث الابن وأنه إنما خلق الخلق بتفويض الأب إليه في ذلك، فمنعه إسكندروس الدخول إلى الكنيسة وأعلم أن إيمانه فاسد، وكتب بذلك إلى سائر الأساقفة والبطاركة في النواحي. وفعل ذلك بأسقفين آخرين على مثل رأي أريوش، فدفعوا أمرهم إلى قسطنطين وأحضرهم جميعا لتسع عشرة من دولته، وتناظروا. ولما قال أريوش: إن الابن حادث وأن الأب فوض إليه بالخلق. وقال الإسكندروس: بالخلق استحق الألوهية، فاستحسن قسطنطين قوله وأذن له أن يشيد بكفر أريوش.

وطلب الإسكندروس باجتماع النصرانية لتحرير المعتقد الإيماني، فجمعهم قسطنطين وكانوا ألفين وثلاثمائة وأربعين أسقفا وذلك في مدينة نيقية، فسمي المجتمع مجتمع نيقية، وكان رئيسهم الإسكندروس بطرك إسكندرية، وأسطانس بطرك أنطاكية، ٢/١٧٦

ومقاريوس أسقف بيت المقدس. وبعث سلطوس بطرك رومة بقسيس حضر معهم لذلك نيابة عنه، فتفاوضوا وتناظروا واتفقوا عنهم، بعد الاختلاف الكثير، على ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأي واحد، فصار قسطنطين إلى قولهم، وأعطى سيفه وخاتمه وباركوا عليه ووضعوا له قوانين الدين والملك، ونفى أريوش وأشيد بكفره وكتبوا العقيدة التي اتفق عليها أهل ذلك المجمع، ونصها عندهم على ما نقله ابن العميد من مؤرخيهم والشهرستاني في كتاب الملل والنحل وهو:

«نؤمن بالله الواحد الأحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن الوحيد إيشوع المسيح ابن الله ذكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا بعث العوالم وكل شيء الذي نزل من السماء وتجسد من روح القدس وولد من مريم البتول وصلب أيام فيلا طوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى بالقضاء بين الاحياء والأموات ونؤمن بروح الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه بمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة قدسية مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا بالحياة الدائمة أبد الآبدين انتهى» .

هذا هو اتفاق المجمع الأول الذي هو مجمع نيقية وفيه إشارة إلى حشر الأبدان ولا يتفق النصارى عليه، وإنما يتفقون على حشر الأرواح ويسمون هذه العقيدة الأمانة، ووضعوا معها قوانين الشرائع ويسمونها الهيمايون:

وتوفي الإسكندروس البطرك بعد هذا المجمع بخمسة أشهر، ولما عمرت هلانة أم قسطنطين الكنائس وأحب الملك أن يقدسها ويجمع الأساقفة لذلك، وبعث أوسانيوس بطرك القسطنطينية وحضر معهم أثناس بطرك الإسكندرية، واجتمعوا في صور وكان أوسانيوس الذي أخرجه إسكندروس مع أريوس من كنيسة إسكندرية.

وكان بسبب ذلك مجمع نيقية وكتاب الأمانة. ونفي أريوس حينئذ وأوسانيوس وصاحبهما ولعنوا. جاء أوسانيوس من بعد ذلك وأظهر البراءة من أريوس ومن مقالته فقبله قسطنطين وجعله بطركا بالقسطنطينية، فلما اجتمعوا في صور وكان فيهم أومانيوس على رأي أريوس، فأشار أوسانيوس بطرك القسطنطينية بأن يظاهر أثناس بطرك الاسكندرية عن مقالة أريوس. فقال أومانيوس: إن أريوس لم يقل إن المسيح ٢/١٧٧

خلق العالم وإنما قال هو كلمة الله التي بها خلق كما وقع في الإنجيل. فقال أثناس بطرك الاسكندرية: وهذا الكلام أيضا يقتضي أن الابن مخلوق وأنه خلق المخلوقات دون الأب لأنه إذا كان يخلق به فالأب لم يخلق شيئا لأنه مستعين بغيره والفاعل بغيره محتاج إلى ذلك المتمم فهو في ذاته الخالق والله سبحانه منزه عن ذلك وإن زعم أريوس ان الأب يريد الشيء والابن يكونه فقد جعل فعل الابن أتم لأن الأب إنما له الارادة فقط وللابن الاختراع فهو أتم.

فلما ظهر بطلان مقالة أريوس وثبوا على أومانيوس المناظر عن مقالة أريوس وضربوه ضربا وجيعا، وخلصه ابن أخت الملك، ثم قدسوا الكنائس، وانفض الجمع وبلغ الخبر إلى قسطنطين فندم على بطركية أوسانيوس بالقسطنطينية وغضب عليه ومات لسنتين من رياسته، واجتمع بعد ذلك أصحاب أريوس إلى قسطنطين فحسنوا له تلك المقالة، وأن جماعة نيقية ظلموا أريوس وبغوا عليه وصدوا عن الحق في قولهم إن الأب مساو للابن في الجوهرية وكاد الملك أن يقبل منهم. فكتب إليه كيراش أسقف بيت المقدس يحذره من مقالة أريوس فقبل ورجع. واختلف حال ملوك القياصرة بعد قسطنطين في الأخذ بالأمانة أو بمقالة أريوس، وظهور إحدى الطائفتين متى كان الملك على دينهم. وأفحش بعض ملوك القياصرة في الحق على مخالفه، فقال له بعض العلماء والحكماء: لا تنكر المخالفة فالحنفاء يختلفون أيضا وإنما هم الخلق يحمدون الله ويصفونه بالصفات الكثيرة والله يحب ذلك. فسكن بعض الشيء وكان بعضهم يعرض عن الطائفتين ويخلي كل أحد ودينه.

ثم كان المجمع الثاني بقسطنطينية بعد مجمع نيقية بمائتين وخمسين سنة اجتمعوا للنظر في مقالة مقدونيوس وسليوس، بأن جسد المسيح بغيرنا موت وأن اللاهوت أغناه عنها، مستدلين بما وقع في الإنجيل أن الكلمة صار لحما ولم يقل صار إنسانا، وجعلا من الإله عظيما وأعظم منه والأب أفضل عظما. وقال: إن الأب غير محدود في القوة وفي الجوهر. فأبطلوا هذه المقالة ولعنوهما وأشادوا بكفرهما وزادوا في الأمانة التي قررها جماعة نيقية ما نصه: «ونؤمن بروح القدس المنتقى من الأب» . ولعنوا من يزيد بعد ذلك على كلمة الأمانة أو ينقص منها.

ثم كان لهم بعد ذلك بأربعين سنة المجمع الثالث على نسطوريوس البطرك بالقسطنطينية لأنه كان يقول: إن مريم لم تلد إلها وإنما ولدت إنسانا، وإنما اتحد به في المشيئة لا في الذات وليس هو إلها حقيقية بل بالموهبة والكرامة. ويقول بجوهرين ٢/١٧٨

وأقنومين: وهذا الرأي الذي أظهره نسطوريوس كان رأي تاودوس وديودوس الأسقفين، وكان من مقالتهما أن المولود من مريم هو المسيح والمولود من الأب هو الابن الأزلي والابن الأزلي حل في المسيح المحدث فسمي المسيح ابن الله بالموهبة والكرامة، وإنما الاتحاد بالمشيئة والارادة. فأثبتوا لله ولدين أحدهما بالجوهر والثاني بالنعمة. وبلغت مقالة نسطوريوس إلى كرلس بطرك اسكندرية، فكتب الى بطرك رومة وهو أكليمس، وإلى يوحنا وهو بطرك أنطاكية، وإلى يونالوس أسقف بيت المقدس. فكتبوا إلى نسطوريوس ليدفعوه عن ذلك بالحجة فلم يرجع ولا التفت إلى قولهم. فاجتمعوا في مدينة أفسيس في مائتين أسقفا للنظر في مقالته، فقرروا إبطالها ولعنوه وأشاروا بكفره، ووجد عليهم يوحنا بطرك أنطاكية حيث لم ينتظروا حضوره فخالفهم ووافق نسطوريوس، ثم أصلح بينهم باوداسوس من بعد مدة واتفقوا على نسطوريوس. وكتب أساقفة المشارقة أمانتهم وبعثوا بها إلى كرلس فقبلها ونفى نسطوريوس إلى صعيد مصر، فنزل أخميم ومات بها لسبع سنين من نزولها، وظهرت مقالته في نصارى المشرق وبفارس والعراق والجزيرة والموصل الى الفرات.

وكان بعد ذلك بإحدى وعشرين سنة المجمع الرابع بمدينة خلقدونية، اجتمع فيه ستمائة وأربعة وثلاثون أسقفا من فتيان قيصر للنظر في مقالة ديسقورس بطرك الاسكندرية لأنه كان يقول: المسيح جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين وطبيعة من طبيعتين ومشيئة من مشيئتين. وكانت الأساقفة والبطاركة لذلك العهد يقولون بجوهرين وطبيعتين ومشيئتين وأقنوم واحد، فخالفهم ديسقورس في بعض الأساقفة وكتب خطه بذلك ولعن من يخالفه. فأراد مرقيان قيصر قتله، فأشارت البطارقة بإحضاره وجمع الأساقفة لمناظرته، فحضر بمجلس مرقيان قيصر وافتضح في مخاطبتهم ومناظرتهم. وخاطبته زوج الملك فأساء الرد فلطمته بيدها، وتناوله الحاضرون بالضرب، وكتب مرقيان قيصر إلى أهل مملكته في جميع النواحي بأن مجمع خلقدونية هو الحق ومن لا يقبله يقتل. ومر ديسقورس بالقدس وأرض فلسطين وهو مضروب منفي فاتبعوا رأيه، وكذلك اتبعه أهل مصر والإسكندرية، وولى وهو في النفي أساقفة كثيرة كلهم يعقوبية.

قال ابن العميد: وإنما سمي أهل مذهب ديسقورس يعقوبية لأن اسمه كان في الغلمانية ٢/١٧٩

يعقوب، وكان يكتب إلى المؤمنين من المسكين المنفي يعقوب. وقيل بل كان له تلميذ اسمه يعقوب فنسبوا إليه. وقيل بل كان شاويرش بطرك أنطاكية على رأي ديسقورس وكان له تلميذ اسمه يعقوب، فكان شاويرش يبعث يعقوب إلى المؤمنين ليثبتوا على أمانة ديسقورس فنسبوا إليه.

قال: ومن جمع خلقدونية افترقت الكنائس والأساقفة إلى يعقوبية وملكية ونسطورية، فاليعقوبية أهل مذهب ديسقورس الذي قررناه آنفا، والملكية أهل الأمانة التي قررها جماعة نيقية وجماعة خلقدونية بعدهم وعليها جمهور النصرانية، والنسطورية أهل المجمع الثالث وأكثرهم بالمشرق. وبقي الملكية واليعقوبية يتعاقبون في الرئاسة على الكراسي بحسب من يريدهم من القياصرة وما يختارونه من المذهبين.

ثم كان بعد ذلك بمائة وثلاثين سنة أو ثلاث وستين سنة المجمع الخامس بقسطنطينية في أيام يوسيطانوس قيصر، للنظر في مقالة أقفسح لأنه نقل عنه أنه يقول: بالتناسخ وينكر البعث. ونقل عن أساقفة أنقرا والمصيصة والرها أنهم يقولون أن جسد المسيح فنطايسا . فأحضر قيصر جمعهم بالقسطنطينية ليناظرهم البطرك بها، فقال البطرك: إن كان جسد المسيح فني فقوله وفعله كذلك. وقال الأسقف أقفسح: إنما قام المسيح من بين الأموات فأشادوا بكفره وأوجبوا لعنتهم ولعنة من يقول بقولهم. واستقرت فرق النصارى على هذه الثلاثة.

الخبر عن الفرس وذكر أيامهم ودولهم وتسمية ملوكهم وكيف كان مصير أمرهم الى تمامه وانقراضه

هذه الأمة من أقدم أمم العالم وأشدهم قوة وآثارا في الأرض، وكانت لهم في العالم دولتان عظيمتان طويلتان: الأولى منهما الكينية، ويظهر أن مبتدأها ومبتدأ دولة التبابعة وبني إسرائيل واحد وأن الثلاثة متعاصرة. ودولة الكينية هذه هي التي غلب عليها الإسكندر والساسانية الكسروية، ويظهر أنها معاصرة لدولة الروم بالشام، وهي التي غلب عليها المسلمون. وأما ما قبل هاتين الدولتين فبعيد، وأخباره متعارضة ٢/١٨٠

ونحن ذاكرون ما اشتهر من ذلك. وأما أنسابهم فلا خلاف بين المحققين أنهم من ولد سام بن نوح وأن جدهم الأعلى الذي ينتمون إليه هو فرس، والمشهور أنهم من ولد إيران بن أشوذ بن سام بن نوح. وأرض إيران هي بلاد الفرس، ولما عربت قيل لها إعراق، هذا عند المحققين. وقيل إنهم منسوبون إلى إيران بن إيران بن أشوذ، وقيل إلى غليم بن سام. ووقع في التوراة ذكر ملك الأهواز كردامر من بني غليم، فهذا أصل هذا القول والله أعلم، لأن الأهواز من ممالك بلاد فارس. وقيل: إلى لاوذ بن إرم بن سام، وقيل إلى أميم بن لاوذ، وقيل إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق.

ويقال إن الساسانية فقط من ولد إسحاق وأنه يسمى عندهم وترك، وأن جدهم منوشهر بن منشحر بن فرهس بن وترك، هكذا نقل المسعودي هذه الأسماء وهي كما تراه غير مضبوطة. وفيما قيل: إن الفرس كلهم من ولد إيران بن أفريدون الآتي ذكره، وأن من قبله لا يسمون بالفرس والله أعلم. وكان أول ما ملك إيران أرض فارس فتوارث أعقابه الملك ثم صارت لهم خراسان ومملكة النبط والجرامقة، ثم اتسعت مملكتهم إلى الإسكندرية غربا وباب الأبواب شمالا. وفي الكتب أن أرض إيران هي أرض الترك، وعند الإسرائيليين أنهم من ولد طيراش بن يافث وإخوتهم بنو مادي بن يافث وكانوا مملكة واحدة.

فأما علماء الفرس ونسابتهم فيأبون من هذا كله وينسبون الفرس إلى كيومرث ولا يرفعون نسبه إلى ما فوقه، ومعنى هذا الاسم عندهم ابن الطين وهو عندهم أول النسب، هذا رأيهم. وأما مواطن الفرس فكانت أول أمرهم بأرض فارس وبهم سميت، ويجاورهم إخوانهم في نسب أشوذ بن سام وهم فيما قال البيهقي: الكرد والديلم والخزر والنبط والجرامقة. ثم صارت لهم خراسان ومملكة النبط والجرامقة وسائر هؤلاء الأمم، ثم اتسعت ممالكهم إلى الإسكندرية.

وفي هذا الجيل على ما اتفق عليه المؤرخون أربع طبقات: الطبقة الأولى تسمى البيشدانية، والطبقة الثانية تسمى الكينية، والطبقة الثالثة تسمى الاشكانية، والطبقة الرابعة تسمى الساسانية، ومدة ملكهم في العالم على ما نقل ابن سعيد عن كتاب تاريخ الأمم لعلي بن حمزة الأصبهاني، وذلك من زمن كيومرث أبيهم إلى مهلك يزدجرد أيام عثمان أربعة آلاف سنة ومائتا سنة ونحو إحدى وثمانين سنة.

وكيومرث عندهم هو أول ملك نصب في الأرض ويزعمون، فيما قال المسعودي، أنه ٢/١٨١

عاش ألف سنة، وضبطه بكاف أول الاسم قبل الياء المثناة من أسفل، والسهيلي ضبطه، بجيم مكان الكاف والظاهر أن الحرف بين الجيم والكاف كما قدمناه.

الطبقة الاولى من الفرس وذكر ملوكهم وما صار اليه في الخليقة أحوالهم

الفرس كلهم متفقون على أن كيومرت هو آدم الذي هو أول الخليقة، وكان له ابن اسمه منشا ولمنشا سيامك ولسيامك أفروال ومعه أربعة بنين وأربع بنات، ومن أفروال كان نسل كيومرت، والباقون انقرضوا فلا يعرف لهم عقب. قالوا: وولد لأفروال أوشهنك بيشداد، فاللفظة الأولى حرفها الأخير بين الكاف والقاف والجيم واللفظة الأخرى معناها بلغتهم النور، قاله السهيلي.

وقال الطبري: أول حاكم بالعدل، وكان أفروال وارث ملك كيومرت وملك الأقاليم السبعة. قال الطبري عن ابن الكلبي: إنه أوشهنك بن عابر بن شالخ، قال: والفرس تدعيه وتزعم أنه بعد آدم بمائتي سنة، قال وإنما كان نوح بعد آدم بمائتي سنة فصيره بعد آدم. وأنكره الطبري لأن شهرة اوشهنك تمنع من مثل هذا الغلط فيه، ويزعم بعض الفرس أن أوشهنك بيشداد هو مهلايل وأن أباه أفروال هو قينن وأن سيامك هو أنوش وأن منشا هو شيث وأن كيومرت هو آدم. قال وزعمت الفرس أن ملك أوشهنك كان أربعين سنة فلا يبعد أن يكون بعد آدم بمائتي سنة.

وقال بعض علماء الفرس: أن كيومرت هو كومر بن يافث بن نوح، وأنه كان معمرا ونزل جبل دنباوند من جبال طبرستان وملكها، ثم ملك فارس وعظم أمره وأمر بنيه حتى ملكوا بابل. وأن كيومرت هو الذي بنى المدن والحصون واتخذ الخيل وتسمى بآدم وحمل الناس على دعائه بذلك، وأن الفرس من عقب ولده ماداي، ولم يزل الملك في عقبهم في الكينية والكسروية إلى آخر أيامهم.

وتقول الفرس أن أوشهنك وهو مهلايل ملك الهند، قالوا وملك بعد أوشهنك طهمورث بن أنوجهان بن أنكهد بن أسكهد بن أوشهنك. وقيل مكان أسكهد فيشداد، وكلها أسماء أعجمية لا عهدة علينا في نقلها لعجمتها وانقطاع الرواية في الأصول التي نقلت منها: ٢/١٨٢

قال ابن الكلبي: إن طهمورث أول ملوك بابل وأنه ملك الأقاليم كلها وكان محمودا في ملكه وفي أول سنة من ملكه ظهر بيوراسب ودعا إلى ملة الصابئة. وقال علماء الفرس: ملك بعد طهمورث جمشيد ومعناه الشعاع لجمالة وهو جم بن نوجهان أخو طهمورث، وملك الأرض واستقام أمره، ثم بطر النعمة وساءت أحواله فخرج عليه قبل موته بسنة بيوراسب وظفر به فنشره بمنشار وأكله وشرط أمعاءه. وقيل إنه ادعى الربوبية فخرج عليه أولا أخوه أستوير فاختفى. ثم خرج بيوراسب فانتزع الأمر من يده وملك سبعمائة سنة. وقال ابن الكلبي مثل ذلك.

قال الطبري: بيوراسب هو الازدهاك والعرب تسميه الضحاك، وهو بصاد بين السين والزاي وجاء قريب من الهاء وكاف قريبة من القاف وهو الذي عني أبو نواس بقوله:

وكان منا الضحاك تعبده ... الجامل والجن في محاربها

لأن اليمن تدعيه. قال: وتقول العجم إن جمشيد زوج أخته من بعض أهل بيته وملك على اليمن فولدت الضحاك. وتقول أهل اليمن في نسبه الضحاك بن علوان بن عبيدة بن عويج، وأنه بعث على مصر أخاه سنان بن علوان ملكا وهو فرعون إبراهيم، قاله ابن الكلبي.

وأما الفرس فينسبونه هكذا: بيوراسب بن رتيكان بن ويدوشتك بن فارس بن أفروال، ومنهم من خالف في هذا. ويزعمون أنه ملك الأقاليم كلها، وكان ساحرا كافرا وقتل أباه، وكان أكثر إقامة ببابل.

وقال هشام: ملك الضحاك وهو نمرود الخليل بعد جمشيد وأنه التاسع منهم، وكان مولده بدنباوند، وأن الضحاك سار إلى الهند فخالفه أفريدون إلى بلاده فملكها، ورجع الضحاك فظفر به أفريدون وحبسه بجبال دنباوند، واتخذ يوم ظفر به عيدا.

وعند الفرس أن الملك إنما كان للبيت الذي وطنه أوشهنك وجمشيد وأن الضحاك هو بيوراسب خرج عليهم وبنى بابل، وجعل النبط جنده، وغلب أهل الأرض بسحره، وخرج عليه رجل من عامة أصبهان اسمه عالي، وبيده عصا علق فيها جرابا واتخذها راية، ودعا الناس إلى حربه، فأجابوا وغلبه فلم يدع الملك وأشار بتولية بني جمشيد لأنه من عقب أوشهنك ملكهم الأول ابن أفروال، فاستخرجوا أفريدون من مكان اختفائه فملكوه واتبع الضحاك فقتله، وقيل أسره بدنباوند. ويقال كان على ٢/١٨٣

عهد نوح وإليه بعث. ولهذا يقال إن أفريدون هو نوح، والتحقيق عند نسابة الفرس على ما نقل هشام بن الكلبي أن أفريدون من ولد جمشيد بينهما تسعة آباء. وملك مائتي سنة ورد غصوب الضحاك ومظالمه. وكان له ثلاثة بنين الأكبر سرم والثاني طوج والثالث إيرج، وأنه قسم الأرض بينهم، فكانت الروم وناحية المغرب لسرم، والترك والصين والعراق لإيرج وآثره بالتاج والسرير، ولما مات قتله أخواه واقتسما الأرض بينهما ثلاثمائة سنة.

ويزعمون أن أفريدون وآباءه العشرة يلقبون كلهم أشكيان، وقيل في قسمته الأرض بين ولده غير هذا، وأن بابل كانت لإيرج الأصغر وكان يسمى خيارث ويقال كان لإيرج ابنان: وندان وأسطوبة وبنت اسمها خورك، وقتل الابنان مع أبيهما بعد مهلك أفريدون، وأن أفريدون ملك خمسمائة سنة وأنه الذي محا آثار ثمود من النبط بالسواد، وأنه أول من تسمى بكي، فقيل كي أفريدون ومعناه التنزيه أي مخلص متصل بالروحانيات. وقيل معناه البهاء لأنه يغشاه نور من يوم قتل الضحاك، وقيل معناه مدرك الثأر. وكان منوشهر الملك ابن منشحر بن إيرج من نسل أفريدون، وكانت أمه من ولد إسحاق عليه السلام فكفلته حتى كبر، فملك وثأر بأبيه إيرج من عمه بعد حروب كانت له معهما، ثم استبد ونزل بابل وحمل الفرس على دين إبراهيم عليه السلام، وثار عليه فراسياب ملك الترك فغلبه على بابل وملكها. ثم اتبعه إلى غياض طبرستان فجهز العساكر لحصاره وسار إلى العراق فملكه. ويقال فراسياب هذا من عقب طوج بن أفريدون، ولحق ببلاد الترك عند ما قتل منوشهر جد طوج فنشأ عندهم وظهر من بلادهم فلهذا نسب إليهم.

وقال الطبري: لما هلك منوشهر بن منشحور، غلب أفراسياب بن أشك بن رستم بن ترك على خيارات، وهي بابل، وأفسد مملكة فارس وحيرها، فثار عليه زومر بن طهمارست، ويقال راسب بن طهمارست. وينسب إلى منوشهر في تسعة آباء، وأن منوشهر غضب على طهمارست وكانوا يحاربون أفراسياب فهم بقتله وشفع فيه أهل الدولة فنفاه إلى بلاد الترك، وتزوج منهم ثم عاد إلى أبيه وأعمل الحيلة في إخراج امرأته من بلاد الترك وكانت ابنة وامن ملك الترك، فولدت له زومر ابنه.

وقام بالملك بعد منوشهر وطرد أفراسياب عن مملكة فارس وقتل جده وامن في حروبه ٢/١٨٤

مع الترك، ولحق أفراسياب بتركستان واتخذ يوم ذلك الغلب عيدا ومهر جانا وكان ثالث أعيادهم. وكان غلبه على بلاد فارس لاثنتي عشرة سنة من وفاة منوشهر جده، وكان زومر بن طهمارست هذا محمودا في سيرته وأصلح ما أفسد أفراسياب بن خيارت من مملكة بابل، وهو الذي حفر نهر الزاب بالسواد، وبنى على حافته المدينة العتيقة وسماها الزواهي، وعمل فيها البساتين وحمل إليها بزور الأشجار والرياحين. وكان معه في الملك كرشاسب من ولد طوج بن أفريدون وقيل من ولد منوشهر، ويقال إنما كان رديفا له وكان عظيم الشأن في أهل فارس، ولم يملك وإنما كان الملك لزومر بن طهمارست، وهلك لثلاث سنين من دولته. وفي أيامه خرج بنو إسرائيل من التيه وفتح يوشع مدينة أريحاء ودال الملك من بعده للكينية حسبما يذكر وأولهم كيقباذ.

ويقال إن مدة الملك لهذه الطبقة كانت ألفين وأربعمائة وسبعين سنة فيما قال البيهقي والأصبهاني، ولم يذكر من ملوكهم إلا هؤلاء التسعة الذين ذكرهم الطبري والله وارث الأرض ومن عليها. ٢/١٨٥

الطبقة الثانية من الفرس وهم الكينية وذكر ملوكهم وأيامهم إلى حين انقراضهم

هذه الطبقة الثانية من الفرس وملوكهم يعرفون بالكينية لأن اسم كل واحد مضاف إلى كي وقد تقدم معناه، والمضاف عند العجم متأخر عن المضاف إليه وأولهم فيما قالوا كيقباذ من عقب منوشهر بينهما أربعة آباء، وكان متزوجا بامرأة من رءوس الترك ولدت له خمسة من البنين: كي وافيا وكيكاوس وكي أرش وكي نية وكي فاسمن، وهؤلاء هم الجبابرة وآباء الجبابرة. قال الطبري: وقيل إن الملوك الكينية وأولادهم من نسله جرت بينه وبين الترك حروب، وكان مقيما بنهر بلخ يمانع الترك من طروق بلاده وملك مائة سنة وانتهى.

وملك بعده ابنه كيكاوس بن كينية وطالت حروبه مع فراسيات ملك الترك، وهلك فيها ابنه سياوخش، ويقال كان على عهد داود، وأن عمرا ذا الأذعار من ملوك التبابعة غزاه في بلاده فظفر به وحبسه عنده باليمن، وسار وزيره رستم بن دستان بجنود فارس إلى غزو ذي الأذعار فقتله وتخلص كيكاوس الى ملكه. وقال الطبري كان كيكاوس عظيم السلطان والحماية، وولد له ابنه سياوخش فدفعه إلى رستم الشديد ابن دستان، وكان أصهر بسجستان حتى إذا كملت تربيته وفصاله رده الى أبيه، فرضيه وكفلت به امرأة أبيه فسخطه، وبعثه لحراب فراسيات وأمره بالمناهضة، فراوده فراسيات في الصلح، وامتنع أبوه كيكاوس فخشي منه على نفسه، ولحق بفراسيات فزوجه بنته أم كي خسرو، ثم خشيه فراسيات على نفسه وأشار على ابنته بقتله فقتلته. وترك ابنة فراسيات حاملا بخسرو وولدته هنالك، وأعمل كيكاوس الحيلة في إخراجه فلحق به.

ويقال إنه لما بلغه قتل ابنه، بعث عساكره مع قواده فوطئوا بلاد الترك وأثخنوا فيها وقتلوا بني فراسيات فيمن قتلوه. قال الطبري وإنه غزا بلاد اليمن ولقيه ذو الأذعار في حمير وقحطان، فظفر به وأسره وحبسه في بئر وأطبق عليه. وإن رستم سار من سجستان فحارب ذا الأذعار ثم اصطلحا على أن يسلم إليه كيكاوس فأخذه ورجع إلى ٢/١٨٧

بابل، وكافأه كيكاوس على ذلك بالعتق من عبودية الملك، ونصب لجلوسه سريرا من فضة بقوائم من ذهب وتوجه بالذهب، وأقطعه سجستان وأباستان، وهلك لمائه وخمسين من دولته، وملك بعده فيما قال الطبري والمسعودي والبيهقي وجماعة من المؤرخين، حافده كي خسروا وابن ابنه سباوخش.

وقال السهيلي: إنه ملك كي خسرو وبعد ثلاثة آخرين بينه وبينه كيكاوس فأولهم بعده ابنه كي كينة، ثم من بعده ابنه اجو بن كي كينة، ثم عمه سباوخش بن كيكاوس، ثم بعد الثلاثة كي خسرو بن سباوخش أه. وهو غريب فإنهم متفقون على أن سباوخش مات في حياة أبيه في حروب الترك.

قال الطبري: وقد كان كيكاوس بن كي كينة بن كيقباذ ملك كي خسرو حين جاءه من بلاد الترك مع أمه وأسفاقدين بنت فراسيات. قالوا ولما ملك بعث العساكر مع أجو إلى أصبهان لحرب فراسيات ملك الترك للطلب بثأر أبيه سباوخش، فزحفوا إلى الترك وكانت بينهم حروب شديدة انهزمت فيها عساكر الفرس، فنهض كي خسرو بنفسه إلى بلخ وقدم عساكره وقواده فقصدوا بلاد الترك من سائر النواحي وهزموا عساكرهم وقتلوا قوادهم. وكان قاتل سباوخش بن كي خسرو فيمن قتل منهم، وبعث فراسيات ابنه وكان ساحرا الى كيخسرو ويستميله، فعمد إلى القواد بمنعه وقتاله، وقاتل فقتل، وزحف فراسيات فلقيه كي خسرو وكانت بينهما حروب شديدة انجلت عن هزيمة فراسيات والترك، واتبعه كي خسرو فظفر به في أذربيجان فذبحه وانصرف ظافرا. وكان فيمن حضر معه لهذا الفتح ملك فارس وهو كي أوجن بن حينوش بن كيكاوس بن كي كينة بن كيقباذ، وهو عند الطبري أبو كيهراسف الذي ملك بعد كيخسرو على ما نذكر.

وملك على الترك بعد فراسيات جوراسف ابن أخيه شراشف. ثم أن كي خسرو ترهب وتزهد في الملك واستخلف مكانه كيهراسف بن كي أوجن الذي قدمنا انه أبوه عند الطبري ولد كيخسرو فقيل غاب في البرية، وقيل مات، وذلك لستين سنة من ملكه.

ولما ملك كيهراسف اشتدت شوكة الترك فسكن لقتالهم مدينة بلخ على نهر جيحون، وأقام في حروبهم عامة أيامه، وكان أصبهبذ ما بين الأهواز والروم من غربي دجلة في أيام بخت نرسي المشتهر ببختنصر، وأضاف إليه كهراسف ملكا عند ما سار إليه وأذن له ٢/١٨٨

في فتح ما يليه، وسار إلى الشام مع ملوك الفرس وبخت نصر ملك الموصل وله سنجاريف ففتح بيت المقدس، وكان له الظهور على اليهود واستأصلهم كما مر في أخبارهم، وبخت نصر هذا الذي غزا العرب وقاتلهم واستباحهم، ويقال إن ذلك كان في أيام كي بهمن حافد كيستاسب بن كيهراسف.

قال هشام بن محمد: أوحى الله إلى أرميا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حافد زريافيل الذي رجع بني إسرائيل إلى بيت المقدس، بأمر بخت نصر أن يفرق العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ويستبيحهم بالقتل ويعلمهم بكفرهم بالرسل واتخاذهم الآلهة. وفي كتاب الإسرائيليين والوحي بذلك كان إلى يرميا بن خلقيا وقد مر ذكره، وأنه أمر أن يستخرج معد بن عدنان من بينهم ويكفله إلى انقضاء أمر الله فيهم انتهى.

قال: فوثب بخت نصر على من وجده ببلاده من العرب للميرة، فحبسهم ونادى بالغزو وجاءت منهم طوائف مستسلمين فقبلهم وأنزلهم بالأنبار والحيرة.

وقال غير هشام إن بخت نصر غزا العرب بالجزيرة وما بين أيلة والأبلة، وملأها عليهم خيلا ورجالا ولقيه بنو عدنان فهزمهم إلى حضورا واستلحمهم أجمعين. وأن الله أوحى إلى أرميا ويوحنا أن يستخرجا معد بن عدنان الذي من ولده محمد أختم به النبيين آخر الزمان، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وردفه يوحنا على البراق وجاء به إلى حران، وربى بين أنبياء بني إسرائيل.

ورجع بخت نصر إلى بابل وأنزل السبي بالأنبار فقيل أنبار العرب وسميت بهم، وخالطهم النبط بعد ذلك. ولما هلك بخت نصر خرج معد بن عدنان مع أنبياء بني إسرائيل إلى الحج فحجوا، وبقي هنالك مع قومه وتزوج بعانة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له نزار بن معد.

وأما كيهراسف فكان يحارب الترك عامة أيامه، وهلك في حروبهم لمائة وعشرين سنة من ملكه، وكان محمود السيرة، وكانت الملوك شرقا وغربا يحملون إليه الإتاوة ويعظمونه، وقيل إنه ولى ابنه كيستاسب على الملك وانقطع للعبادة. ولما ملك ابنه كيستاسب شغل بقتال الترك عامة أيامه، ودفع لحروبهم ابنه أسفنديار فعظم عناؤه فيهم. وظهر في أيامه زرادشت الذي يزعم المجوس نبوته، وكان فيما زعم أهل الكتاب من أهل فلسطين خادما لبعض تلامذة أرميا النبي خالصة عنده، فخانه في ٢/١٨٩

بعض أموره فدعا الله عليه فبرص ولحق بأذربيجان وشرع بها دين المجوسية. وتوجه إلى كيستاسب فعرض عليه دينه فأعجبه وحمل الناس على الدخول فيه، وقتل من امتنع.

وعند علماء الفرس أن زرادشت من نسل منوشهر الملك، وأن نبيا من بني إسرائيل بعث إلى كيستاسب وهو ببلخ، فكان زرادشت وجاماسب العالم، وهو من نسل منوشهر أيضا، يكتبان بالفارسية ما يقول ذلك النبي بالعبرانية، وكان جاماسب يعرف اللسان العربي ويترجمه لزرادشت، وأن ذلك كان لثلاثين سنة من دولة كيهراسف.

وقال علماء الفرس: إن زرادشت جاء بكتاب ادعاه وحيا، كتب في اثني عشر ألف بعده نقشا بالذهب، وأن كيستاسب وضع ذلك في هيكل بإصطخر ووكل به الهرابذة ومنع من تعليمه العامة. قال المسعودي: ويسمى ذلك الكتاب نسناه وهو كتاب الزمزمة، ويدور على ستين حرفا من حروف المعجم. وفسره زرادشت وسمى تفسيره زند، ثم فسر التفسير ثانيا وسماه زنديه، وهذه اللفظة هي التي عربتها العرب زنديق. وأقسام هذا الكتاب عندهم ثلاثة: قسم في أخبار الأمم الماضية، وقسم في حدثان المستقبل، وقسم في نواميسهم وشرائعهم مثل أن المشرق قبلة وأن الصلوات في الطلوع والزوال والغروب وأنها ذات سجدات ودعوات. وجدد لهم زرادشت بيوت النيران التي كان منوشهر أخمدها، ورتب لهم عيدين: النيروز في الاعتدال الربيعي والمهرجان في الاعتدال الخريفي، وأمثال ذلك من نواميسهم. ولما انقرض ملك الفرس الأول أحرق الإسكندر هذه الكتب، ولما جاء أردشير جمع الفرس على قراءة سورة منها تسمى أسبا. قال المسعودي: وأخذ كيستاسب بدين المجوسية من زرادشت لخمس وثلاثين سنة من نبوته فيما زعموا، ونصب كيستاسب مكانه جاماسب العالم من أهل أذربيجان، وهو أول موبذان كان في الفرس انتهى.

قال الطبري: وكان كيستاسب مهادنا أرجاماسب ملك الترك وقد اشترط عليه أن تكون دابة كيستاسب موقفة على بابه بمنزلة دواب الرؤساء عند أبواب الملوك، فمنعه من ذلك زرادشت وأشار عليه بفتنة الترك، فبعث إلى الدابة والموكل بها وصرفهما إليه.

وبلغ الخبر الى ملك الترك فبعث إليه بالعتاب والتهديد وأن يبعث بزرداشت إليه وإلا فيعزره. وأغلظ كيستاسب في الجواب وآذنه بالحرب، وسار بعضهما إلى بعض ٢/١٩٠

واقتتلوا وقتل رزين بن كيستاسب وانهزم الترك وأثخن فيهم الفرس، وقتل ساحر الترك قيدوشق ورجع كيستاسب إلى بلخ. ثم سعى عنده بابنه أسفنديار فحبسه وقيده وسار إلى جبل بناحية كرمان وسجستان فانقطع به للعبادة ودراسة الدين. وخلف أباه كهراسف في بلخ شيخا قد أبطله الكبر وترك خزائنه وأمواله فيها مع امرأته، فغزاهم بخاخدراسف وقدم أخا جورا في جموع الترك وكان مرشحا للملك فأثخن واستباح واستولى على بلخ، وقتل كهراسف أباهم وغنموا الأموال وهدموا بيوت النيران وسبوا حمايي بنت كستاسب وأختها، وكان فيما غنموه العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه زركش كاويان وهي راية الحداد الذي خرج على الضحاك وقتله. وولى أفريدون فسموا بتلك الراية ورصعوها بالجواهر ووضعوها في ذخائرهم يبسطوها في الحروب العظام، وكان لها ذكر في دولتهم وغنمها المسلمون يوم القادسية.

ثم مضى خدراسف ملك الترك في جموعه إلى كيستاسب وهو بجبال سجستان متعبدا فتحصن منه وبعث إلى ابنه أسفنديار مع جاماسب العالم وهو في الجبل فقلده الملك ومحاربة الترك، فسار إليهم وأبلى في حروبهم فانهزموا، وغنم ما معهم واسترد ما كانوا غنموه والراية زركش كاويان في جملته. ثم دخل أسفنديار إلى بلادهم في اتباعهم وفتح مدينتهم عنوة، وقتل ملكهم خدراسف وإخوته، واستلحم مقاتلته واستباح أمواله ونساءه، ودخل مدينة فراسيات ودوخ البلاد، وانتهى إلى بلاد صول والتبت، وولى على كل ناحية من الترك، وفرض الخراج، وانصرف إلى بلخ وقد غص به أبوه.

قال هشام بن محمد: فبعثه إلى رستم ملك سجستان الذي كان يستنفره كيقباذ جدهم من ملوك اليمن، وأقطعه تلك الممالك جزاء لفعله. فسار إليه أسفنديار وقاتله رستم وهلك كيستاسب لمائة وعشرين سنة. ويقال إنه الذي رد بني إسرائيل إلى بلادهم وأن أمه كانت من بني طالوت. ويقال إن ذلك هو حافد بهمن. وقيل إن الذي ردهم هو كورش من ملوك بابل أيام بهمن بأمره.

ثم ملك بعد كيستاسب حافده كي بهمن ويقال أردشير بهمن. قال الطبري: ويعرف بالطويل الباع لاستيلائه على الممالك والأقاليم. قال هشام بن محمد: ولما ملك سار إلى سجستان طالبا بثأر أبيه فكانت بينهما حروب فقتل فيها رستم بن دستان وأبوه ٢/١٩١

وإخوته وأبناؤه. ثم غزا الروم وفرض عليهم الإتاوة وكان من أعظم ملوك الفرس، وبنى مدنا بالسواد، وكانت أمه من نسل طالوت لأربعة آباء من لدنه وكانت له أم ولد من سبي بني إسرائيل اسمها راسف وهي أخت زريافيل الذي ملكه على اليهود ببيت المقدس وجعل له رياسة الجالوت وملك الشام، وملك ثمانين سنة، فملكت حمايي ملكها الفرس لجمالها ولحسن أدبها وكمال معرفتها وفروسيتها، وكانت بلغت شهرا أزاد. وقيل إنما ملوكها لأنها لما حملت من أبيها بدار الأكبر سألته أن يعقد له التاج في بطنها ففعل ذلك. وكان ابنه ساسان مرشحا للملك فغضب، ولحق بجبال إصطخر زاده يتولى ماشيته بنفسه، فلما مات أبوه فقدوا ذكرا من أولاده فولوا حمايي هذه وكانت مظفرة على الأعداء. ولما بلغ ابنها دارا الأشد، سلمت إليه الملك وسارت إلى فارس واختطت مدينة دارابجرد، وردت الغزو إلى بلاد الروم، وأعطيت الظفر فكثر سبيهم عندها، وملكت ثلاثين سنة. ولما ملك ابنها دار نزل بابل وضبط ملكه وغزا الملوك وأدوا الخراج إليه، ويقال إنه الذي رتب دواب البرد. وكان معجبا بابنه دارا حتى سماه باسمه وولاه عهده وهلك لاثنتي عشرة سنة.

وملك بعده ابنه دارا بهمن، وكان له مربي اسمه بيدلي قتله أبوه دارا بسعاية وزيره أرشيش محمود، وندم على قتله. فلما ولي دارا جعل على كتابته أخا بيدلي ثم استوزره رعيا لمرباه مع أخيه، فاستفسده على أرشيش وزيره ووزير أبيه وعلى سائر أهل الدولة استوحشوا منه. وقال هشام بن محمد: وملك دارا بن دارا أربع عشرة سنة فأساء السيرة وقتل الرؤساء وأهلك الرعية وغزاه الإسكندر بن فيلبس ملك بني يونان. وقد كانوا يسمونه فوثب عليه بعضهم وقتله، ولحق بالإسكندر وتقرب بذلك إليه فقتله الإسكندر وقال هذا جزاء من اجترأ على سلطانه، وتزوج بنته روشنك كما نذكره في أخبار الإسكندر.

وقال الطبري: قال بعض أهل العلم بأخبار الماضين كان لدارا من الولد يوم قتل أربع بنين أسسك وبنودار وأردشير وبنت اسمها روشنك وهي التي تزوجها الإسكندر.

قال: وملك أربع عشرة سنة، هذه هي الأخبار المشهورة للفرس الأولى إلى ملكهم الأخير دارا. ٢/١٩٢

قال هروشيوش مؤرخ الروم في مبدإ دولة الفرس هؤلاء إنما كانت بعد دخول بني إسرائيل إلى الشام، وعلى عهد عثنيئال بن قناز بن يوفنا، وهو ابن أخي كالب بن يوفنا الذي دبر أمر بني إسرائيل بعد يوشع. قال: وفي ذلك الزمان خرج أبو الفرس من أرض الروم الغريقيين من بلاد آسيا واسمه بالعربية فارس باليونانية يرشور وبالفارسية يرشيرش، فنزل بأهل بيته في ناحية وتغلب على أهل ذلك الموضع فنسبت إليه تلك الأمة، واشتق اسمها من اسمه، وما زال أمرهم ينمو إلى دولة كيرش الذي يقال فيه أنه كسرى الأول، فغلب على القضاعيين، ثم زحف إلى مدينة بابل وعرض له دونها النهر الثاني بعد الفرات وهو نهر دجلة، فاحتفر له الجداول وقسمه فيها، ثم زحف إلى المدينة وتغلب عليها وهدمها، ثم حارب السريانيين فهلك في حروبهم ببلاد شيت. وولى ابنه قنبيشاش بن كيرش فثأر منهم بأبيه، وتخطاهم إلى أرض مصر فهدم أوثانهم ونقض شرائعهم، فقتله السحرة وذلك لألف سنة من ابتداء دولتهم فولي أمر الفرس دارا وقتل السحرة بمصر ورد عمالة السريانيين إليهم، ورجع بني إسرائيل إلى الشام في الثانية من أيامه، وزحف إلى بلاد الروم الغريقيين طالبا ثأر كيرش، فلم يزل في حروبهم إلى أن هلك لثلاث وعشرين من دولته نار عليه أحد قواده فقتله، وولى بعده ابنه أرتشخار أربعين سنة، وولي بعده ابنه دارا أنوطو سبع عشرة سنة.

ثم ولي بعده ابنه أرتشخار بعد أن نازعه كيرش بن نوطو فقتله أرتشخار واستولى على لأمر وسالم الروم الغريقيين، ثم انتقضوا عليه واستعانوا بأهل مصر، فطالت الحرب ثم اصطلحوا ووقعت الهدنة، وهلك أرتشخار وذلك على عهد الإسكندر ملك اليونانيين وهو خال الإسكندر الأعظم، وهلك لعهده، فولي أبو الإسكندر الأعظم ببلد مقدونية وهو ملك فيلبش.

وهلك أرتشخار أوقش لست وعشرين من دولته وولي من بعده ابنه شخشار أربع سنين، وفي أيامه ولي على مقدونية واليونانيين وسائر الروم الغريقيين الإسكندر بن فيلبس. ثم ولي بعده شخاردارا وعلى عهده تغلب الإسكندر على يهود بيت المقدس وعلى جميع الروم الغريقيين، ثم حدثت الفتنة بينه وبين دارا وتزاحفوا مرات انهزم في كلها، وكان لاسكندر الظهور عليه، ومضى إلى الشام ومصر فملكهما وبنى ٢/١٩٣

الإسكندرية، وانصرف فلقيه دارا أنطوس فهزمه وغلب على ممالك الفرس واستولى على مدينتهم وخرج في اتباع دارا فوجده في بعض طريقه جريحا، ولم يلبث أن هلك من تلك الجراحة، فأظهر الإسكندر الحزن عليه وأمر بدفنه في مقابر الملوك، وذلك لألف سنة ونحو من ثمانين سنة منذ ابتداء دولتهم كما قلناه انتهى كلام هروشيوش.

وقال السهيلي: وجده مثخنا في المعركة فوضع رأسه على فخذه وقال: يا سيد الناس لم أرد قتلك ولا رضيته فهل من حاجة؟ فقال تتزوج ابنتي وتقتل قاتلي ففعل الإسكندر ذلك. وانقرض أمر هذه الطبقة الثانية والبقاء لله وحده سبحانه وتعالى. ٢/١٩٤

قال ابن العميد: في ترتيب هؤلاء الملوك الفرس من بعد كيرش إلى دارا. آخرهم يقال: إنه ملك من بعد كورش ابنه قمبوسيوس ثمانيا وقيل تسعا وقيل اثنتين وعشرين سنة، وقيل إنه غزا مصر واستولى عليها وتسمى بخت نصر الثاني، وملك بعد أريوش بن كستاسب خمسا وعشرين سنة وهو أول الملوك الأربعة الذين عناهم دانيال بقوله ثلاث ملوك يقومون بفارس والرابع يكثر ماله ويعظم على من قبله. فأولهم دارا بن كستاسب وهو مذكور في المجسطي، والثاني دارا ابن الأمة، والثالث الذي قتله الإسكندر، وقيل بل هو الرابع الذي عناه دانيال لأنه جعل أول الأربعة داريوش وأخشورش العادي وسركورش ورديفه في الملك، ثم عد الثلاثة بعده. وفي الثانية من ملكة داريوش بن كيستاسب لبابل تمت سبعون سنة لخراب القدس، وفي الثالثة كمل بناء البيت، ثم ملك بعد داريوش بن كيستاسب هذا أسمرديوس المجوسي سنة واحدة وقيل ثلاث عشرة سنة وسمى مجوسيا لظهور زرادشت بدين المجوسية في أيامه.

ثم ملك أخشويرش بن داريوش عشرين سنة وكان وزيره همان العمليقي، وقد مرت قصته مع الجارية من بني إسرائيل. ثم ملك من بعده ابنه ارطحشاشت بن أخشويرش ويلقب بطويل اليدين، وكانت أمه من اليهود بنت أخت مردخاي، وكانت خطية عند أبيه، وعلى يدها تخلص اليهود من سعاية وزيره فيهم عنده، وكان العزير في خدمته، ولعشرين من دولته أمر بهدم أسوار القدس ثم رغب إليه العزير في تجديدها فبناها في اثنتي عشرة سنة. قال ابن العميد عن المجسطي إن العزير هذا ويسمى عزراء هو الرابع عشر من الكهنونة من لدن هارون عليه السلام، وأنه كتب لبني إسرائيل التوراة وكتب الأنبياء من حفظه بعد عودهم من الجلاء الأول، لأن بخت نصر كان أحرقها، وقيل أن الذي كتب لهم ذلك هو يشوع بن أبو صادوق. ثم ملك من بعده أرطحشاشت الثاني خمس سنين وقيل إحدى وثلاثين وقيل ست عشرة وقيل شهرين، ورجح ابن العميد الخمس لموافقتها سياقة التواريخ، وكان لعهده أبقراط وسقراط في مدينة أشياش، ولعهده كتب النواميس الاثني عشر. ثم ملك بعده صغريتوس ثلاث سنين وقيل سنة واحدة وقيل سبعة أشهر، ولم يزل محنقا لمرض كان به إلى أن هلك. ثم ملك من بعده دارا ابن الأمة ويلقب الناكيش، وقيل داريوش ألياريوس، ملك سبع عشر سنة وكان على عهده من حكماء يونان سقراط وفيثاغورس وأقليوس، وفي الخامسة من دولته انتقض أهل مصر على يونان واستبدوا ٢/١٩٦

بملكهم بعد مائة وأربع وعشرين سنة، كانوا فيها في ملكتهم، ثم ملك من بعده أرطحشاشت ابن أخي كورش داريوش إحدى عشرة سنة وقيل اثنتين وعشرين سنة وقيل أربعين وقيل إحدى وعشرين، وكان لعهده ألياقم الكوهن الذي داهن الكهنونية ستا وأربعين سنة. ثم ملك من بعده أرطحشاشت وتسمى أخوش، ويقال أوغش، عشرين سنة وقيل خمسا وعشرين وقيل تسعا وعشرين، وزحف إلى مصر فملكها وهرب منها فرعون ساناق إلى مقدونية واسمه قصطرا، وبنى أرطحشاشت قصر الشمع وجعل فيه هيكلا وهو الذي حاصره عمرو بن العاص وملكه. ثم ملك من بعده ابنا أرشيش بن أرطحشاشت، وقيل اسمه فارس، أربع سنين وقيل إحدى عشرة، وكان لعهده من حكماء يونان بقراط وأفلاطون ودمقراطس، ولعهده قتل بقراط على القول بالتناسخ وقيل لم يكن مذهبه وإنما ألزمه بعض تلامذته ثم شهدوا عليه وقتل مسموما قتله القضاة بمدينة أثينا. ثم ملك من بعده ابنه دارا بن أرشيش عشرين سنة وقيل ست عشرة. وقال ابن العميد عن أبي الراهب: إنه دارا الرابع الذي أشار إليه دانيال كما مر، وكان هذا الملك عظيما فيهم وتغلب على يونان، وألزمهم الوظائف التي كانت عليهم لآبائه وملكهم يومئذ الإسكندر بن فيلبس وكان عمره ست عشرة سنة، فطمع فيه دارا وطلب الضريبة فمنع وأجاب بالاغلاظ وزحف إليه فقاتله وقتله واستولى الإسكندر على ملك فارس وما وراءه انتهى كلام ابن العميد.

الطبقة الثالثة من الفرس وهم الأشكانية ملوك الطوائف وذكر دولهم ومصاير أمورهم الى نهايتها

هذه الطبقة من ملوك الفرس يعرفون بالأشكانية، وكافها أقرب إلى الغين، من ولد أشكان بن دارا الأكبر، وقد مر ذكره، وكانوا من أعظم ملوك الطوائف عند افتراق أمر الفرس، وذلك أن الإسكندر لما قتل دارا الأصغر استشار معلمه أرسطو في أمر الفرس، فأشار عليه أن يفرق رياستهم في أهل البيوت منهم فتفترق كلمتهم ويخلص لك أمرهم، فولى الإسكندر عظماء النواحي من الفرس والعرب والنبط والجرامقة كلا على عمله واستبد كل بناحية واستقام له ملك فارس والمشرق. ولما مات الإسكندر قسم ملكه بين أربعة من أمرائه: فكان ملك مقدونية وأنطاكية وما إليها من ممالك ٢/١٩٧

الروم لفيلبس من قواده، وكانت الإسكندرية ومصر والمغرب لفيلادفس ولقبه بطليموس، وكان الشام وبيت المقدس وما إلى ذلك لدمطوس، وكان السواد إلى الجبال والأهواز وفارس ليلاقش سيلقس ولقبه أنطيخس وأقام السواد في ملكته أربعا وخمسين سنة.

قال الطبري: وكان أشك بن دارا الأكبر خلفه أبوه بالري فنشأ بها فلما كبر وهلك الإسكندر جمع العساكر وسار يريد أنطيخس، والتقيا بالموصل فانهزم أنطيخس وقتل، وغلب أشك على السواد من الموصل إلى الري وأصبهان، وعظمه سائر ملوك الطوائف لشرفه ونسبه وأهدوا إليه من غير أن يكون له عليهم إيالة في عزل ولا تولية، بل إنما كانوا يعظمونه ويبدءون باسمه في المخاطبات وهم مع ذلك متعادون، تختلف حالاتهم بعضهم مع بعض في الحرب والمهادنة. وقال بعضهم: كان رجلا من نسل الملوك من فارس مملكا على الجبال وأصبهان والسواد لفوات الإسكندر.

ثم غلب بعد ذلك ولده على السواد وجمعه إلى الجبال وأصبهان وصار كالرئيس على سائر ملوك الطوائف، ولذلك قصر ذكر هؤلاء الملوك دون غيرهم من الطوائف، فمنهم من قال: إنه أشك بن دارا، كما قدمنا، وهو قول الفرس. وقيل هو أشك عقب أسفنديار بن كستاسب بينهما ستة آباء. وقيل هو أشك بن أشكان الأكبر من ولد كينية بن كيقباذ، ويقال: إنه كان أعظم الأشكانية وقهر ملوك الطوائف وعلى إصطخر لاتصالها بأصبهان وتخطاها إلى ما يتاخمها من بلاد فارس فغلب عليه واتصل ملكه عشرين سنة. وملك بعده جور بن أشك وغزا بني إسرائيل بسبب قتلهم يحيى بن زكريا.

وقال المسعودي: ملك أشك بن أشك بن دارا بن أشكان الأول منهم عشر سنين، ثم سابور ابنه ستين سنة وغزا بني إسرائيل بالشام ونهب أموالهم، ولإحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى صلوات الله عليه بأرض فلسطين. ثم ملك عمه جور عشر سنين، ثم نيرو بن سابور إحدى وعشرين سنة وفي أيامه غلب طيطش قيصر على بيت المقدس وخربها وأجلى منها اليهود كما مر. ثم جور بن نيرو تسع عشرة سنة، ثم جرسي أخوه أربعين سنة، ثم هرمز أخوهما أربعين سنة، ثم ابنه أردوان بن هرمز خمس عشرة سنة، ثم ابنه كسرى بن أردوان أربعين سنة. ثم ابنه يلاوش بن كسرى أربعا وعشرين سنة، وفي أيامه غزت الروم السواد مع قيصر يطلبون بثأر أنطيخش ملك ٢/١٩٨

أنطاكية من اليونان الذي قتله أشك جد يلاوش هذا، فجمع يلاوش العساكر واستنفر ملوك الطوائف بفارس والعراق فوجهوا له بالمدد واجتمع له أربعمائة ألف من المقاتلة، وولى عليهم صاحب الحضر وكان من ملوك الطوائف على السواد، فزحف إلى قيصر فقتله واستباح عسكر الروم وقتل وفتح أنطاكية وانتهى إلى الخليج. وولى من بعد يلاش ابنه أردوان بن يلاوش ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عليه أردشير بن بابك بن ساسان وجمع ملك فارس من أيدي ملوك الطوائف وجدد الدولة الساسانية كما نذكر في أخبارهم.

قال الطبري: وفي أيام الطوائف كانت ولادة عيسى صلوات الله عليه لخمس وستين من غلب الإسكندر على بابل ولإحدى وخمسين من ملك الأشكانية، والنصارى يزعمون أن ذلك كان لمضي ثلاثمائة وثلاث وستين من غلب الإسكندر على بابل. قال الطبري: وجميع سني الطوائف من لدن الإسكندر إلى ظهور أردشير بن بابك واستوائه على الأمر مائتان وستون سنة، وبعضهم يقول خمسمائة وثلاث وعشرون سنة. وقال بعضهم: ملك في هذه المدة منهم تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعظم ملوك المدائن منهم وهم الأشكانيون.

يا ى ط ح ز جرسى د ب أردوان بن يلاوش بن كسرى بن أردوان بن هرمز بن فيروز بن سابور بن أشك بن أشك بن دارا الأكبر جور ج جور

الطبقة الرابعة من الفرس وهم الساسانية والخبر عن ملوكهم الأكاسرة إلى حين الفتح الإسلامي

هذه الدولة كانت من أعظم الدول في الخليقة وأشدها قوة وهي إحدى الدولتين اللتين صبحهما الإسلام في العالم وهما دولة فارس والروم. وكان مبدأ أمرها من توثب أردشير ابن بابك شاه ملك مرو، وهو ساسان الأصغر ابن بابك بن سامان بن بابك بن هرمز بن ساسان الأكبر بن كي بهمن. وقد تقدم ذكر كي بهمن وأن ابنه ساسان غضب لما توج للملك أخوه دارا وهو في بطن أمه، ولحق بجبال إصطخر فأقام هنالك وتناسل ولده بها إلى أن كان ساسان الأصغر منهم، فكان قيما على بيت النار ٢/١٩٩

لاصطخر، وكان شجاعا، وكانت امرأته من بيت ملك فولدت له ابنه بابك، وولد لبابك أردشير وضبطه الدار الدارقطني: بالراء المهملة. وكان على إصطخر يومئذ ملك من ملوك الطوائف وله عامل على دارابجرد خصي اسمه سري، فلما أتت لأردشير سبع سنين جاء به جده ساسان إلى ملك إصطخر وسأله أن يضمه إلى عامل دارابجرد الخصي يكفله إلى أن تتم تربيته، ولما هلك عامل دارابجرد أقام بأمره فيها أردشير هذا وملكها، وكان له علم من المنجمين بأن الملك سيصير إليه، فوثب على كثير من ملوك الطوائف بأرض فارس فاستولى عليهم، وكتب إلى أبيه بذلك، ثم وثب على عامل إصطخر فغلبه على ما بيده وملك إصطخر وكثيرا من أعمال فارس.

وكان زعيم الطوائف يومئذ أردوان ملك الأشكانيين فكتب إليه يسأله أن يتوجه فعنفه، وكتب إليه بالشخوص فامتنع، وخرج بالعساكر من إصطخر وقدم موبذان رورين فتوجه ثم فتح كرمان وبها ملك من ملوك الطوائف، وولى عليها ابنه، وكتب إليه أردوان يتهدده وأمر ملك الأهواز من الطوائف أن يسير إليه فرجع مغلوبا. ثم سار أردشير إلى أصبهان فقتل ملكها واستولى عليها، ثم إلى الأهواز فقتل ملكها كذلك، ثم زحف إليه أردوان عميد الطوائف فهزمه أردشير وقتله وملك همذان والجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ثم السودان. وبنى مدينة على شاطئ، دجلة شرقي المدائن. ثم رجع إلى إصطخر ففتح سجستان ثم جرجان ثم مرو وبلخ وخوارزم إلى تخوم خراسان، وبعث بكثير من الرءوس إلى بيت النيران، ثم رجع إلى فارس ونزل صول وأطاعه ملك كوشان ومكران ثم ملك البحرين بعد أن حاصرها مدة، وألقى ملكها بنفسه في البحر. ثم رجع فنزل المدائن وتوجه ابنه سابور، ولم يزل مظفرا وقهر الملوك حوله وأثخن في الأرض، ومدن المدن واستكثر العمارة وهلك لأربع عشرة سنة من ملكه بإصطخر بعد مقتل أردوان.

وقال هشام بن الكلبي: قام أردشير في أهل فارس يريد الملك الذي كان لآبائه قبل الطوائف وأن يجمعه لملك واحد، وكان أردوان ملكا على الاردوانيين وهم أنباط السواد، وكان بابا ملكا على الأرمانيين وهم أنباط الشام، وبينهما حرب وفتنة فاجتمعا على قتال أردشير فحارباه مناوبة. ثم بعث أردشير إلى بابا في الصلح على أن يدعه في الملك ويخلي بابا بينه وبين أردوان، فلم يلبث أن قتل أردوان واستولى على السواد فأعطاه بابا الطاعة بالشام ودانت له سائر الملوك وقهرهم. ثم رجع إلى أمر ٢/٢٠٠

العرب وكانت بيوتهم على ريف العراق ينزلون الحيرة، وكانوا ثلاث فرق: الأولى تنوخ ومنهم قضاعة الذين كنا قدمنا أنهم كانوا اقتتلوا مع ملك من التبابعة وأتى بهم وكانوا يسكنون بيوت الشعر والوبر ويضعونها غربي الفرات بين الأنبار والحيرة وما فوقها فأنفوا من الإقامة في مملكة أردشير وخرجوا إلى البرية، والثانية العباد الذين كانوا يسكنون الحيرة وأوطنوها، والثالثة الأحلاف الذين نزلوا بهم من غير نسبهم ولم يكونوا من تنوخ الناكثين عن طاعة الفرس ولا من العباد الذين دانوا بهم. فملك هؤلاء الأحلاف الحيرة والأنبار وكان منهم عمرو بن عدي وقومه، فعمروا الحيرة والأنبار ونزلوا وخربوها وكانتا من بناء العرب أيام بخت نصر، ثم عمرها بنو عمرو بن عدي لما أصاروها نزلا لملكهم إلى أن صبحهم الإسلام، واختط العرب الإسلاميون مدينة الكوفة فدثرت الحيرة.

وكان أردشير لما ملك أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم لوصية جده، ووجد بقصر أردوان جارية استملحها ودفعت عن نفسها القتل بإنكار نسبها فيهم، فقالت أنا مولاة وبكر، فواقعها وحملت وظنت الأمن على نفسها، فأخبرته بنسبها فتنكر ودفعها إلى بعض مرازبته ليقتلها، فاستبقاها ذلك المرزبان إلى أن شكى إليه أردشير قلة الولد والخوف على ملكه من الانقطاع وندم على ما سلف منه من قتل الجارية وإتلاف الحمل، فأخبره بحياتها وأنها ولدت ولدا ذكرا وأنه سماه سابور وأنه قد كملت خصاله وآدابه، فاستحضره أردشير واختبره فرضيه وعقد له التاج.

ثم هلك أردشير فملك سابور من بعده فأفاض العطاء في أهل الدولة وتخير العمال، ثم شخص إلى خراسان فمهد أمورها، ثم رجع فشخص إلى نصيبين فملكها عنوة فقتل وسبى، وافتتح من الشام مدنا وحاصر أنطاكية وبها من الملوك أريانوس فاقتحمها عليه وأسره وحمله إلى جنديسابور فحبسه بها إلى أن فاداه على أموال عظيمة ويقال على بناء شاذروان تستر ويقال جدع أنفه وأطلقه ويقال بل قتله، وكان بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وبها ملك من الجرامقة يقال له الساطرون من ملوك الطوائف وهو الذي يقول فيه الشاعر:

وأرى الموت قد تدلى من الحضر ... على رب أهله الساطرون

ولقد كان آمنا للدواهي ... ذا ثراء وجوهر مكنون ٢/٢٠١

وقال المسعودي: وهو الساطرون بن إستطرون من ملوك السريانيين. قال الطبري:

وتسميه العرب الضيزن. وقال هشام بن محمد الكلبي: من قضاعة وهو الضيزن بن معاوية بن العميد بن الأجدم بن عمرو بن النخع بن سليم، وسنذكر نسب سليم في قضاعة. وكان بأرض الجزيرة وكان معه من قبائل قضاعة ما لا يحصى وكان ملكه قد بلغ الشام، فخلف سابور في غزاته إلى خراسان وعاث في أرض السواد، فشخص إليه سابور عند انقضاء غزاته حتى أناخ على حصنه وحاصره أربع سنين قال الأعشى:

ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمة وهل خالد من نعم

أقام به سابور الجنود ... حولين يضرب فيه القمم

ثم إن ابنة ساطرون واسمها النضيرة خرجت إلى ربض المدينة وكانت من أجمل النساء، وسابور كان جميلا، فأشرفت عليه فشغفت به شغف بها، وداخلته في أمر الحصن ودلته على عورته فدخله عنوة وقتل الضيزن وأباد قضاعة الذين كانوا معه وأكثرهم بنو حلوان فانقرضوا، وخرب حصن الحضر. وقال عدي بن زيد في رثائه:

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور

شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريح المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور

ثم أعرس بالنضيرة بعين النمر وباتت ليلها تتضور في فراشها وكان من الحرير محشو بالقز والقسي فإذا ورقة آس بينها وبين الفراش تؤذيها، فقال: ويحك ما كان أبوك يغذيك؟ قالت الزبد والمخ والشهد وصفو الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا وأبعد ودا من أبيك الذي غذاك بمثل هذا. وأمر رجلا ركب فرسا جموحا وعصب غدائرها بذنبه ولم يزل يركضه حتى تقطعت أوصالها.

وعند ابن إسحاق أن الذي فتح حصن الحضر وخربه وقتل الساطرون هو سابور ذو الأكتاف. وقال السهيلي: لا يصح لأن الساطرون من ملوك الطوائف والذي أزال ملكهم هو أردشير وابنه سابور، وسابور ذو الأكتاف بعدهم بكثير هو التاسع من ملوك أردشير. قال السهيلي وأول من ملك الحيرة من ملوك الساسانية سابور بن ٢/٢٠٢

أردشير، والحيرة وسط بلاد السواد وحاضرة العرب، ولم يكن لأحد قبله من آل ساسان حتى استقام العرب على طاعته، وولى عليهم عمرو بن عدي جد آل المنذر بعده وأنزله الحيرة، فجبى خراجهم وإتاوتهم واستعبدهم لسلطانه وقبض أيديهم عن الفساد باقطار ملكه وما كانوا يرومونه بسواد العراق من نواحي مملكته. وولى بعده ابنه امرأ القيس بن عمرو بن عدي وصار ذلك ملكا لآل المنذر بالحيرة توارثوه حسبما نذكر بعد.

وهلك سابور لثلاثين سنة من ملكه وولي بعده ابنه هرمز ويعرف بالبطل فملك سنة واحدة، وولي بعده ابنه بهرام بن هرمز وكان عامله على مذحج من ربيعة ومضر وسائر بادية العراق والجزيرة والحجاز أمرؤ القيس بن عمرو بن عدي وهو أول من تنصر من ملوك الحيرة وطال أمد ملكه. قال هشام بن الكلبي: ملك مائة وأربع عشرة سنة من لدن أيام سابور أه.

وكان بهرام بن هرمز حليما وقورا وأحسن السيرة واقتدى بآبائه، وكان ماني الثنوي الزنديق صاحب القول بالنور والظلمة قد ظهر في أيام جده سابور فاتبعه قليلا ثم رجع إلى المجوسية دين آبائه، ولما ولي بهرام بن هرمز جمع الناس لامتحانه، فأشادوا بكفره وقتله وقالوا زنديق. قال المسعودي: ومعناه أن من عدل عن ظاهر إلى تأويله ينسبونه إلى تفسير كتاب زرادشت الذي قدمنا أن اسمه زندة فيقولون زنديه فعربته العرب فقالوا زنديق، ودخل فيه كل من خالف الظاهر إلى الباطن المنكر، ثم اختص في عرف الشرع بمن يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

ثم هلك بهرام بن هرمز لثلاث سنين وثلاثة أشهر من دولته، وولي ابنه بهرام ثماني عشرة سنة عكف أولها على اللذات، وامتدت أيدي بطانته إلى الرعايا بالجور والظلم فخربت الضياع والقرى حتى نبه الموبذان لذلك بمثل ضربه له، وذلك أنه سامره في ليلة فمر راجعا من الصيد فسمعا بومين يتحدثان في خراب، فقال بهرام ليت شعري هل أحد فهم لغات الطير؟ فقال له الموبذان: نعم إنا نعرف ذلك أيها الملك وإنهما يتحاوران في عقد نكاح وإن الأنثى اشترطت عليه إقطاع عشرين ضيعة من الخراب فقبل الذكر وقال: إذا دامت أيام بهرام أقطعتك ألفا. فتفطن بهرام لذلك وأفاق من غفلته وأشرف على أحوال ملكه مباشرا بنفسه وقابضا أيدي البطانة عن الرعية وحسنت أيامه إلى أن هلك. وولي بعده بهرام بن بهرام بن بهرام ثلاثة أسماء ٢/٢٠٣

متشابهة وتلقب شاه، وكان مملكا على سجستان وهلك لأربع سنين من دولته. وملك بعده أخوه قرسين بن بهرام تسع سنين أخرى، وكان عادلا حسن السيرة. وملك بعده ابنه هرمز بن قرسين فوجل منه الناس لفظاظته، ثم أبدل من خلقه الشر بالخير وسار فيهم بالعدل والرفق والعمارة وهلك لسبع سنين من ولايته. وكان هؤلاء كلهم ينزلون جنديسابور من خراسان. ولما هلك ولم يترك ولدا شق ذلك على أهل مملكته لميلهم إليه ووجدوا ببعض نسائه حملا فتوجوه وانتظروا إتمامه، وقيل بل كان هرمز أبوه أوصى بالملك لذلك الحمل فقام أهل الدولة بتدبير الملك ينتظرون تمام الولد.

وشاع في أطراف المملكة أنهم يتلومون صبيا في المهد فطمع فيهم الترك والروم، وكانت بلاد العرب أدنى إلى بلادهم وهم أحوج إلى تناول الحبوب من البلاد لحاجتهم إليها بما هم فيه من الشظف وسوء العيش، فسار منهم جمع من ناحية البحرين وبلاد القيس ووحاظة فأناخوا على بلاد فارس من ناحيتهم وغلبوا أهلها على الماشية والحرث والمعايش، وأكثر الفساد ومكثوا في ذلك حينا ولم يغزهم أحد من فارس ولا دافعوهم لصغر الملك، حتى إذا كبر وعرضوا عليه الأمور فأحسن فيها الفصل وبلغ ست عشرة سنة من عمره ، ثم أطاق حمل السلاح نهض حينئذ للاستبداد بملكه. وكان أول شيء ابتدأ به شأن العرب، فجهز إليهم العساكر وعهد إليهم أن لا يبقوا على أحد ممن لقوا منهم، ثم شخص بنفسه إليهم وغزاهم وهم غازون ببلاد فارس فقتلهم وأبرح القتل، وهربوا أمامه وأجاز البحر في طلبهم إلى الخط وتعدى إلى بلاد البحرين قتلا وتخريبا. ثم غزا بعدها رءوس العرب من تميم وبكر وعبد القيس فأثخن فيهم وأباد عبد القيس ولحق فلهم بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل وأسر وخرب ثم عطف إلى بلاد بكر وتغلب، ما بين مملكة فارس ومناظر الروم بالشام، فقتل من وجد هنالك من العرب وطم مياههم وأسكن من رجع إليه من بني تغلب دارين من البحرين والخطو من بني تميم هجروا من بكر بن وائل كرمان ويدعون بكر إياد ومن بني حنظلة الأهواز، وبنى مدينة الأنبار والكرخ والسوس.

وفيما قاله غيره إن إيادا كان تشتو بالجزيرة وتصيف بالعراق وتشن الغارة. وكانت ٢/٢٠٤

تسمى طما لانطباقها على البلاد، وسابور يومئذ صغير حتى إذا بلغ القيام على ملكه شرع في غزوهم ورئيسهم يومئذ الحرث بن الأغر الأيادي، وكتب إليهم بالنذر بذلك رجل من إياد كان بين ظهراني الفرس، فلم يقبلوا حتى واقعتهم العساكر فاستلحمهم وخرجوا إلى أرض الجزيرة والموصل إجلاء ولم يعاودوا العراق. ولما كان الفتح طلبهم المسلمون بالجزيرة مع تغلب وغيرهم فأنفوا ولحقوا بأرض الروم.

وقال السهيلي: عند ذكر سابور بن هرمز إنه كان يخلع أكتاف العرب ولذلك لقبه العرب ذو الأكتاف، وأنه أخذ عمرو بن تميم بأرضهم بالبحرين وله يومئذ ثلاثمائة سنة وإنه قال: إنما أقتلكم معاشر العرب لأنكم تزعمون أن لكم دولة. فقال له عمرو بن تميم: ليس هذا من الحزم أيها الملك فإن يكن حقا فليس قتلك إياهم بدافعه وتكون قد اتخذت يدا عندهم ينتفع بها ولدك وأعقاب قومك. فيقال إنه استبقاه ورحم كبره.

ثم غزا سابور بلاد الروم وتوغل فيها ونازل حصونهم، وكان ملوك الروم على عصره قسطنطين وهو أول من تنصر من ملوكهم وهلك قسطنطين وملك بعده إليانوس من أهل بيته وانحرف عن دين النصرانية وقتل الأساقفة وهدم البيع وجمع الروم وانحدر لقتال سابور. واجتمعت العرب معهم لثأرهم عند سابور بمن قتل منهم وسار قائد إليانوس واسمه يوسانوس في مائة وسبعين ألفا من المقاتلة، حتى دخل أرض فارس، وبلغ خبره وكثرة جموعه إلى سابور فأحجم عن اللقاء وأجفل وصحبه العرب، ففضوا جموعه وهرب في فل من عسكره، واحتوى إليانوس على خزائنه وأمواله واستولى على مدينة طبسون من مدائن ملكه. ثم استنفر أهل النواحي واجتمعت إليه فارس وارتجع مدينة طبسون وأقاما متظاهرين، وهلك إليانوس بسهم أصابه، فبقي الروم فوضى وفزعوا إلى يوسانوس القائد أن يملكوه، فشرط عليهم الرجوع إلى دين النصرانية كما كان قسطنطين فقبلوا. وبعث إليه سابور في القدوم عليه، فسار إليه في ثمانين من أشراف الروم، وتلقاه سابور وعانقه وبالغ في إكرامه وعقد معه الصلح على ٢/٢٠٥

أن يعطي الروم قيمة ما أفسدوه من بلاد فارس وأعطوا بدلا عن ذلك نصيبين فرضي بها أهل فارس، وكانت مما أخذه الروم من أيديهم فملكها سابور وشرد عنها أهلها خوفا من سطوته، فنقل إليها من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما. وانصرف يوسانوس بالروم وهلك عن قرب ورجع سابور إلى بلاده.

وفيما نقله بعض الأخباريين إن سابور دخل بلاد الروم متنكرا وعثر عليه فأخذ وحبس في جلد ثور وزحف ملك الروم بعساكره إلى جنديسابور فحاصرها، وإن سابور هرب من حبسه ودخل جنديسابور المدينة ثم خرج إلى الروم فهزمهم وأسر ملكهم قيصر، وأخذه بعمارة ما خرب من بلاده ونقل التراب والغروس إليها ثم قطع أنفه وبعث به على حمار إلى قومه، وهي قصة واهية تشهد العادة بكذبها.

ثم هلك سابور لاثنتين وسبعين سنة من ملكه وهو الذي بنى مدينة نيسابور وسجستان وبنى الإيوان المشهور لمقعد ملوكهم، وملك لعهده أمرؤ القيس بن عدي، وأوصى بالملك لأخيه أردشير بن هرمز، وفتك في أشراف فارس وعظمائهم فخلعوه لأربعين سنة من دولته. وملكوا سابور بن ذي الأكتاف فاستبشر الناس برجوع ملك أبيه إليه، وأحسن السيرة ورفق بالرعية وحمل على ذلك العمال والوزراء والحاشية ولم يزل عادلا، وخضع له عمه أردشير المخلوع، وكانت له حروب مع إياد وفي ذلك يقول شاعرهم:

على رغم سابور بن سابور أصبحت ... قباب إياد حولها الخيل والنعم

وقيل إن هذا الشعر إنما قيل في سابور ذي الأكتاف. ثم هلك سابور لخمس سنين من دولته، وملك أخوه بهرام ويلقب كرمان شاه وكان حسن السياسة وملك لإحدى عشرة سنة من دولته رماه بعض الرماة بسهم في القتال فقتله. وملك بعده ابنه يزدجرد الأثيم، وبعض نسابة الفرس يقول إنه أخوه ولي ابنه وإنما هو ابن ذي الأكتاف. وقال هشام بن محمد: كان فظا غليظا كثير المكر والخديعة يفرغ في ذلك عقله وقوة معرفته وكان معجبا برأيه سيئ الخلق كثير الحدة يستعظم الزلة الصغيرة ويرد الشفاعة من أهل بطانته متهما للناس قليل المكافأة. وبالجملة فهو سيئ الأحوال مذمومها واستوزر، لأول ولايته برسي الحكيم ويسمى فهر برشي ومهر مرسة، وكان متقدما في الحكمة والفضائل وأمل أهل المملكة أن تهرب من يزدجرد الأثيم، فلم يكن ذلك واشتد أمره على الأشراف بالإهانة وعلى من دونهم بالقتل. وبينما هو جالس في ٢/٢٠٦

مجلسه يوما إذا بفرس عابر لم يطق أحد إمساكه قد وقف ببابه، فقام إليه ليتولى إمساكه بنفسه فرمحه فمات لوقته لإحدى وعشرين سنة من ملكه.

وملك بعده ابنه بهرام بن يزدجرد ويلقب ببهرام جور، وكان نشوؤه ببلاد الحيرة مع العرب أسلمه أبوه إليهم فربي بينهم وتكلم بلغتهم ولما مات أبوه قدم أهل فارس رجلا من نسل أردشير، ثم زحف بهرام جور بالعرب فاستولى على ملكه نذكر في أخبار آل المنذر. وفي. يام بهرام جور سار خاقان ملك الترك إلى بلاد الصغد من ممالكه فهزمه بهرام وقتله، ثم غزا الهند وتزوج ابنة ملكهم فهابته ملوك الأرض، وحمل إليه الروم الأموال على سبيل المهادنة، وهلك لتسع وعشرين من دولته.

وملك ابنه يزدجرد بن بهرام جور واستوزر مهر برسي الحكيم الذي كان أبوه استوزره، وجرى في ملكه بأحسن سيرة من العدل والإحسان، وهو الذي شرع في بناء الحائط بناحية الباب والأبواب، وجعل جبل الفتح سدا بين بلاده وما وراءها من أمم الأعاجم، وهلك لعشرين سنة من دولته.

وملك من بعده ابنه هرمز وكان ملكا على سجستان فغلب على الدولة ولحق أخوه فيروز بملك الصغد بمروالروذ. وهذه الأمم هم المعروفون قديما بالهياطلة وكانوا بين خوارزم وفرغانة، فأمر فيروز بالعساكر وقاتل أخاه هرمز فغلبه وحبسه. وكانت الروم قد امتنعت من حمل الخراج فحمل إليهم العساكر مع وزيره مهر برسي، فأثخن في بلادهم حتى حملوا ما كان يحملونه واستقام أمره وأظهر العدل. وأصابهم القحط في دولته سبع سنين فأحسن تدبير الناس فيها وكف عن الجباية وقسم الأموال، ولم يهلك في تلك السنين أحد إتلافا. وقيل أنه استسقى لرعيته من ذلك القحط فسقوا وعادت البلاد إلى أحسن ما كانت عليه. وكان لأول ما ملك أحسن إلى الهياطلة جزاء بما أعانوه على أمره، فقوي ملكهم أمره وزحفوا إلى أطراف ملكه وملكوا طخارستان وكثيرا من بلاد خراسان وزحف هو إلى قتالهم فهزموه وقتلوه وأربعة بنين له وأربعة إخوة واستولوا على خراسان بأسرها. وسار إليهم رجل من عظماء الفرس من أهل شيراز فغلبهم على خراسان وأخرجهم منها حتى ألقوا بجميع ما أخذوه من عسكر فيروز من الأسرى والسبي، وكان مهلكه لسبع وعشرين من ملكه. وبنى المدن بالري ٢/٢٠٧

وجرجان وأذربيجان.

وقال بعضهم: إن ملك الهياطلة الذي سار إلى فيروز اسمه خشتوا ، والرجل الذي استرجع خراسان من يده هو خرسوس من نسل منوشهر، وإن فيروز استخلفه لما سار إلى خشتوا والهياطلة على مدينتي الملك وهما طبسون ونهرشير، فكان من أمره مع الهياطلة بعد فيروز ما تقدم.

وملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه يلاوش بن فيروز ونازعه أخوه قباذ الملك فغلبه يلاوش ولحق قباذ بخاقان ملك الترك يستنجده. وأحسن يلاوش الولاية والعدل وحمل أهل المدن على عمارة ما خرب من مدنهم، وبنى ميدنة ساباط بقرب المدائن، وهلك لأربع سنين من دولته. وملك من بعده أخوه قباذ بن فيروز وكان قد سار بعساكر الترك أمده بها خاقان، فبلغه الخبر بمهلك أخيه وهو بنيسابور من طريقه، وقد لقي بها ابنا كان له هنالك حملت به أمه منه عند مروره ذلك الى خاقان، فلما أحل بنيسابور ومعه العساكر سأل عن المرأة، فأحضرت ومعها الخبر وجاء الخبر هنالك بمهلك أخيه يلاوش فتيمن بالمولود وسار إلى سرحد الذي كان أبوه فيروز استخلفه على المدائن، ومال الناس إليه دون قباذ واستبد عليه. فلما كبر وبلغ سن الاستبداد بأمره أنف من استبداد سرحد عليه، فبعث إلى أصبهبذ البلاد وهو سابور مهران فقدم عليه وقبض على سرحد وحبسه ثم قتله ولعشرين من دولته حبس وخلع. ثم عاد إلى الملك وصورة الخبر عن ذلك أن مزدك الزنديق كان إباحيا، وكان يقول باستباحة أموال الناس وأنها فيء، وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجره، والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس لا يختص به أحد دون أحد وهو لمن اختاره، فعثر الناس منه على متابعة مزدك في هذا الاعتقاد واجتمع أهل الدولة فخلعوه وحبسوه، وملكوا جاماسات أخاه.

وخرج رزمهر شاكيا داعيا لقباذ ويقرب إلى الناس بقتل المزدكية، وأعاد قباذ إلى ملكه، ثم سعت المزدكية عنده في رزمهر بإنكار ما أتى قبلهم فقبله، واتهمه الناس برأي مزدك فانتقضت الأطراف وفسد الملك وخلعوه وحبسوه وأعادوا جاماسات. وفر قباذ من محبسه ولحق قباذ بالهياطلة وهم الصغد مستجيشا لهم، ومر في طريقه بأبو شهر فتزوج بنت ملكها وولدت له أنوشروان، ثم أمده ملك الهياطلة، فزحف إلى ٢/٢٠٨

المدائن لست سنين من مغيبه وغلب أخاه جاماسات واستولى على الملك. ثم غزا بلاد الروم وفتح آمد وسبى أهلها وطالت مدته وابتنى المدن العظيمة منها مدينة أرجان بين الأهواز وفارس، ثم هلك لثلاث وأربعين سنة من ملكه في الكرة الأولى.

وملك ابنه أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكان يلي الأصبهبذ وهي الرئاسة على الجنود، ولما ملك فرق أصبهبذ البلاد على أربعة فجعل: أصبهبذ المشرق بخراسان والمغرب بأذربيجان وبلاد الخزر واسترد البلاد التي تغلب عليها جيران الأطراف من الملوك مثل السند وبست الرخج وزابلستان وطخارستان ودهستان.

وأثخن في أمة البازر وأجلى بقيتهم، ثم أدهنوا واستعان بهم في حروبه. وأثخن في أمة صول واستلحمهم، وكذلك الجرامقة وبلنجر واللان وكانوا يجاورون أرمينية ويتملأون على غزوها فبعث إليهم العساكر واستلحموهم وأنزل بقيتهم أذربيجان.

وأحكم بناء الحصون التي كان بناها قباذ وفيروز بناحية صول واللان لتحصين البلاد، وأكمل بناء الأبواب والسور الذي بناه جده بجبل الفتح، بنوه على الأزماق المنفوخة تغوص في الماء كلما ارتفع البناء إلى أن استقرت بقعر البحر وشقت بالخناجر فتمكن الحائط من الأرض ثم وصل السور في البر ما بين جبل الفتح والبحر، وفتحت فيه الأبواب ثم وصلوه في شعاب الجبل وبقي فيه إلى أن كمل. قال المسعودي: إنه كان باقيا لعصره. والظن أن التتر خربوه بعد لما استولوا على ممالك الإسلام في المائة السابعة، ومكانه اليوم في مملكة بني ذو شيخان ملوك الشمال منهم. وكان لكسرى أنوشروان في بنائه خبر مع ملوك الخزر.

ثم استفحل ملك الترك زحف خاقان سيحور وقتل ملك الهياطلة واستولى على بلادهم وأطاعه أهل بلنجر وزحف إلى بلاد صول في عشرة آلاف مقاتل، وبعث الى أنوشروان يطلب منه ما أعطاه أهل بلنجر في الفداء، وضبط أنوشروان أرمينية بالعساكر، وامتنعت صول بملكها أنوشروان والناحية الأخرى بسور الأبواب، فرجع خاقان خائبا.

وأخذ أنوشروان في إصلاح السابلة والأخذ بالعدل وتفقد أهل المملكة وتخير الولاة والعمال مقتديا بسيرة أردشير بن بابك جده. ثم سار إلى بلاد الروم وافتتح حلب وقبرص وحمص وانطاكية ومدينة هرقل ثم الاسكندرية، وضرب الجزية على ملوك القبط، وحمل إليه ملك الروم الفدية، وملك الصين والتبت الهدايا. ثم غزا بلاد ٢/٢٠٩

الخزر وأدرك فيهم بثأره وما فعلوه ببلاده. ثم وفد عليه ابن ذي يزن من نسل الملوك التبابعة يستجيشه على الحبشة فبعث معه قائدا من قواده في جند من الديلم فقتلوا مسروقا ملك الحبشة باليمن وملكوها، وملك عليهم سيف بن ذي يزن. وأمره أن يبعث عساكره إلى الهند فبعث إلى سرنديب قائدا من قواده فقتل ملكها واستولى عليها وحمل إلى كسرى أموالا جمة. وملك على العرب في مدينة الحيرة. ثم سار نحو الهياطلة مطالبا بثأر جده فيروز فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل عساكره فرغانة وأثخن في بلاد الروم وضرب عليهم الجزى. وكان مكرما للعلماء محبا للعلم وفي أيامه ترجم كتاب كليلة وترجمه من لسان اليهود وحله بضرب الأمثال ويحتاج إلى فهم دقيق. وعلى عهده ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتين وأربعين سنة من ملكه وذلك عام الفيل. وكذلك ولد أبوه عبد الله بن عبد المطلب لأربع وعشرين من ملكه.

قال الطبري: وفي أيامه رأى الموبذان الإبل الصعاب تقود الخيل العراب وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فأفزعه ذلك، وقص الرؤيا على من يعبرها، فقال: حادث يكون من العرب. فكتب كسرى إلى النعمان أن يبعث إليه بمن يسأله عما يريده فبعث إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حسان بن نفيلة الغساني وقص عليه الرؤيا فدله على سطيح، وقال له: ائته أنت فسار إليه وقص عليه الرؤيا فأخبره بتأويلها وأن ملك العرب سيظهر والقصة معروفة. وكان فيما قاله سطيح إنه يملك من آل كسرى أربعة عشر ملكا فاستطال كسرى المدة وملكوا كلهم في عشرين سنة أو نحوها.

وبعث عامل اليمن وهرز بهدية وأموال وطرف من اليمن إلى كسرى، فأغار عليها بنو يربوع من تميم وأخذوها، وجاء أصحاب العير الى هوذة بن علي ملك اليمامة من بني حنيفة، فسار معهم إلى كسرى فأكرمه وتوجه بعقد من لؤلؤ ومن ثم قيل له ذو التاج، وكتب إلى عامله بالبحرين في شأنهم، وكان كثيرا ما يوقع ببني تميم ويقطعهم حتى سموه المكفر فتحيل عليهم بالميرة، ونادى مناديه في أحيائهم: إن الأمير يقسم فيكم بحصن المشعر ميرة، فتسايلوا إليه ودخلوا الحصن، فقتل الرجال وخصى ٢/٢١٠

الصبيان. وجاءت هدية أخرى من اليمن على أرض الحجاز أجازها رجل من بني كنانة فعدت عليه قيس وقتلوه وأخذوا الهدية، فنشأت الفتنة بين كنانة وقيس لأجل ذلك وكانت بينهما حرب الفجار عشرين سنة وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرا كان ينبل على أعمامه. ثم هلك أنوشروان لثمان وأربعين من دولته وملك ابنه هرمز.

قال هشام: وكان عادلا حتى لقد أنصف من نفسه خصيا كان له، وكانت له خؤلة في الترك وكان مع ذلك يقتل الأشراف والعلماء، وزحف إليه ملك الترك شبابة في ثلاثمائة ألف مقاتل، فسار هرمز إلى هراة وباذغيس لحربهم، وخالفه ملك الروم إلى ضواحي العراق، وملك الخزر الى الباب والأبواب، وجموع العرب إلى شاطئ الفرات. فعاثوا في البلاد ونهبوا واكتنفته الأعداء من كل جانب، وبعث قائده بهرام صاحب الري إلى لقاء الترك، وأقام هو بمكانه من خراسان بيت هراة وباذغيس، وقاتل بهرام الترك وقتل ملكهم شبابة بسهم أصابه واستباح معسكره وأقام بمكانه.

فزحف إليه برمومة بن شبابة بالترك فهزمه بهرام وحاصره في بعض الحصون حتى استسلم وبعث به الى هرمز أسيرا، وبعث معه بالأموال والجواهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة يقال في مائتين وخمسين ألفا من الأحمال، فوقع ذلك من هرمز أحسن المواقع. وغص أهل الدولة ببهرام وفعله فأكثروا فيه السعاية وبلغ الخبر إلى بهرام فخشيه على نفسه فداخل من كان معه من المرازبة وخلعوا هرمز، ودعوا لابنه أبرويز وداخلهم في ذلك أهل الدولة، فلحق أبرويز بأذربيجان خائفا على نفسه، واجتمع إليه المرازبة والأصبهبذيون فملكوه. ووثب بالمدائن الأشراف والعظماء ونفدويه وبسطام خال أبرويز فخلعوا هرمز وحبسوه تحرزا من قتله.

وأقبل أبرويز بمن معه إلى المدائن فاستولى على الملك، ثم نظر في أمر بهرام وتحرز منه وسار إليه وتوافقا بشط النهروان ، ودعاه أبرويز إلى الدخول في أمره ويشترط ما أحب، فلم يقبل ذلك وناجزه الحرب فهزمه. ثم عاود الحرب مرارا وأحس أبرويز بالقتل من أصحابه فرجع إلى المدائن منهزما، وعرض على النعمان أن يركبه فرسه فنجا عليها. وكان أبوه محبوسا بطبسون فأخبره الخبر وشاوره فأشار عليه بقصد موريق ملك الروم يستجيشه، فمضى لذلك ونزل المدائن لاثنتي عشرة سنة من ملكه. ٢/٢١١

وفي بعض من طرق هذا الخبر أن أبرويز لما استوحش من أبيه هرمز لحق بأذربيجان واجتمع عليه من اجتمع ولم يحدث شيئا. وبعث هرمز لمحاربة بهرام قائدا من مرازبته فانهزم وقتل ورجع فلهم إلى المدائن وبهرام في اتباعهم، واضطرب هرمز وكتبت إليه أخت المرزبان المهزوم من بهرام تستحثه للملك فسار إلى المدائن وملك، وأتاه أبوه فتواضع له أبرويز وتبرأ له من فعل الناس وأنه إنما حمله على ذلك الخوف، وسأله أن ينتقم له ممن فعل به ذلك وأن يؤنسه بثلاثة من أهل النسب والحكمة يحادثهم كل يوم فأجابه، واستأذنه في قتل بهرام جوبين فأشار به. وأقبل بهرام حثيثا وبعث خاليه نفدويه وبسطام يستدعيانه للطاعة فرد أسوأ رد وقاتل أبرويز واشتدت الحرب بينهما، ولما رأى أبرويز فشل أصحابه شاور أباه ولحق بملك الروم، وقال له خالاه عند وصولهم من المدائن: نخشى أن يدخل بهرام المدائن ويملك أباك ويبعث فينا إلى ملك الروم. وانطلقوا إلى المدائن فقتلوا هرمز ثم ساروا مع أبرويز وقطعوا الفرات، واتبعتهم عساكر بهرام وقد وصلوا إلى تخوم الروم وقاتلوهم وأسروا نفدويه خال أبرويز ورجعوا عنهم. ولحق أبرويز ومن معه بأنطاكية وبعث إلى قيصر موريق يستنجده فأجابه وأكرمه وزوجه ابنته مريم، وبعث إليه أخاه بناطوس بستين ألف مقاتل وقائدهم، واشترط عليه الإتاوة التي كان الروم يحملونها، فقبل وسار بالعساكر إلى أذربيجان ووافاه هنالك خاله نفدويه هاربا من الأسر الذي كانوا أسروه. ثم بعث العساكر من أذربيجان مع أصبهبذ الناحية، فانهزم بهرام جوبين ولحق بالترك وسار أبرويز إلى المدائن فدخلها وفرق في الروم عشرين ألف ألف دينار وأطلقهم إلى قيصر.

وأقام بهرام عند ملك الترك وصانع أبرويز عليه ملك الترك وزوجته حتى دست عليه من قتله، واغتم لذلك ملك الترك وطلقها من أجله، وبعث إلى أخت بهرام أن يتزوجها فامتنعت، ثم أخذ أبرويز في مهاداة قيصر موريق وألطافه، وخلعه الروم وقتلوه وملكوا عليهم ملكا اسمه قوفا قيصر، ولحق ابنه بأبرويز فبعث العساكر على ثلاثة من القواد وسار أحدهم ودوخوا الشام إلى فلسطين، ووصلوا إلى بيت المقدس فأخذوا أسقفتها ومن كان بها من الأقسة وطالبوهم بخشبة الصليب فاستخرجوها من الدفن وبعثوا بها إلى كسرى، وسار منهم قائد آخر إلى مصر واسكندرية وبلاد النوبة فملكوا ذلك كله، وقصد الثالث قسطنطينية وخيم على الخليج وعاث في ممالك الروم. ٢/٢١٢

ولم يجب أحد إلى طاعة ابن موريق وقتل الروم قوفا الذي كانوا ملكوه لما ظهر من فجوره، وملكوا عليهم هرقل فافتتح أمره بغزو بلاد كسرى وبلغ نصيبين، فبعث كسرى قائدا من أساورته فبلغ الموصل وأقام عليها يمنع الروم المجاوزة، وجاز هرقل من مكان آخر إلى جند فارس، فأمر كسرى قائده بقتاله فانهزم وقتل وظفر هرقل بحصن كسرى وبالمدائن، ووصل هرقل قريبا منها ثم رجع. وأولع كسرى العقوبة بالجند المنهزمين، وكتب إلى سخراب بالقدوم من خراسان وبعثه بالعساكر، وبعث هرقل عساكره والتقيا بأذرعات وبصرى فغلبتهم عساكر فارس، وسار سخراب في أرض الروم يخرب ويقتل ويسبي حتى بلغ القسطنطينية، ورجع وعزله أبرويز عن خراسان وولى أخاه.

وفي مناوبة هذا الغلب بين فارس والروم نزلت الآيات من أول سورة الروم. (قال الطبري) ، وأدنى الأرض التي أشارت إليها الآية هي أذرعات وبصرى التي كانت بها هذه الحروب. ثم غلبت الروم لسبع سنين من ذلك العهد وأخبر المسلمون بذلك الوعد الكريم لما أهمهم من غلب فارس الروم، لأن قريشا كانوا يتشيعون لفارس لأنهم غير دائنين بكتاب، والمسلمون يودون غلب الروم لأنهم أهل كتاب، وفي كتب التفسير بسط ما وقع في ذلك بينهم.

وأبرويز هذا هو الذي قتل النعمان بن المنذر ملك العرب وعامله على الحيرة سخطه بسعاية عدي بن زيد العبادي وزير النعمان، وكان قد قتل أباه وبعثه إلى كسرى ليكون عنده ترجمانا للعرب كما كان أبوه قد فعل بسعايته في النعمان وحمله على أن يخطب إليه ابنته، وبعث إليه رسوله بذلك عدي بن زيد فترجم له عنه في ذلك مقالة قبيحة أحفظت كسرى أبرويز مع ما كان تقدم له في منعه الفرس يوم بهرام كما تقدم، فاستدعاه أبرويز وحبسه بساباط، ثم أمر به فطرح للفيلة ، وولى على العرب بعده إياس بن قبيصة الطائي جزاء بوفاء ابن عمه حسان يوم بهرام كما تقدم. ٢/٢١٣

ثم كان على عهده وقعة ذي قار لبكر بن وائل ومن معهم من عبس وتميم على الباهوت مسلحة كسرى بالحيرة ومن معه من طيئ، وكان سببها أن النعمان بن المنذر أودع سلاحه عند هانئ بن مسعود الشيباني وكانت شكة ألف فارس، وطلبها كسرى منه، فأبى إلا أن يردها إلى بيته، فآذنه كسرى بالحرب وآذنوه بها. وبعث كسرى إلى إياس أن يزحف إليه بالمسالح التي كانت ببلاد العرب بأن يوافوا إياسا، واقتتلوا بذي قار وانهزمت الفرس ومن معهم. وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا أوحى إليه بذلك أو نفث في روعه، قيل إن ذلك كان بمكة وقيل بالمدينة بعد وقعة بدر بأشهر.

وفي أيام أبرويز كانت البعثة لعشرين من ملكه وقيل لاثنتين وثلاثين حكاه الطبري، وبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوه إلى الإسلام، كما تقدم في أخبار اليمن وكما يأتي في أخبار الهجرة.

ولما طال ملك أبرويز بطر وأشر وخسر الناس في أموالهم وولى عليهم الظلمة وضيق عليهم المعاش وبغض عليهم ملكه. وقال هشام: جمع أبرويز من المال ما لم يجمعه أحد، وبلغت عساكره القسطنطينية وإفريقية، وكان يشتو بالمدائن ويصيف بهمدان، وكان له اثنتا عشرة ألف امرأة، وألف فيل وخمسون ألف دابة. وبنى بيوت النيران وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ وأحصى جبايته لثمان عشرة سنة من ملكه فكان أربعمائة ألف ألف مكررة مرتين وعشرون ألف ألف مثلها فحمل إلى بيت المال بمدينة طبسون، وكانت هنالك أموال أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد منها اثنا عشر ألف بدرة في كل بدرة من الورق مصارفة أربعة آلاف مثقال فتكون جملتها ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال مكررة مرتين في صنوف من الجواهر والطيوب والأمتعة والآنية لا يحصيها إلا الله تعالى. ثم بلغ من عتوه واستخفافه بالناس أنه أمر بقتل المقيدين في سجونه وكانوا ستة وثلاثين ألفا، فنقم ذلك عليه أهل الدولة وأطلقوا ابنه شيرويه واسمه قباذ وكان محبوسا مع أولاده كلهم لإنذار بعض المنجمين له بأن بعض ولده يغتاله فحبسهم، وأطلق أهل الدولة شيرويه وجمعوا إليه المقيدين الذين أمر بقتلهم، ونهض إلى قصور الملك بمدينة نهر شير فملكها وحبس أبرويز وبعث إلى ابنه شيرويه يعنفه، فلم يرض ذلك أهل الدولة وحملوه على قتله، وقتل لثمان وثلاثين سنة من ملكه، وجاءته أختاه بوران وأزرميدخت فأسمعتاه وأغلظتا له فيما فعل فبكى ٢/٢١٤

ورمى التاج عن رأسه، وهلك لثمانية أشهر من مقتل أبيه في طاعون وهلك فيه نصف الناس أو ثلثهم، وكان مهلكه لسبع من الهجرة فيما قال السهيلي.

ثم ولي ملك الفرس من بعده ابنه أردشير طفلا ابن سبع سنين لم يجدوا من بين الملك سواه لأن أبرويز كان قتل المرشحين كلهم من بينه وبني أبيه، فملك عظماء فارس هذا الطفل أردشير وكفله بها در خشنش صاحب المائدة في الدولة، فأحسن سياسة ملكه وكان شهريران بتخوم الروم في جند ضمهم إليه أبرويز وحموهم هنالك وصاحب الشورى في دولتهم، ولما لم يشاوروه في ذلك غضب وبسط يده في القتل، وطمع في الملك وأطاعه من كان معه من العساكر. وأقبل الى المدائن وتحصن بهادر خشنش بمدينة طبسون دار الملك، ونقل إليها الأموال والذخائر وأبناء الملوك، وحاصرها شهريران فامتنعت، ثم داخل بعض العسس ففتحوا له الباب فاقتحمها وقتل العظماء واستصفى الأموال وفضح النساء.

وبعث أردشير الطفل الملك من قتله لسنة ونصف من ملكه، وملك شهريران على التخت ولم يكن من بيت الملك، وامتعض لقتل أردشير جماعة من عظماء الدولة وفيهم زادان فروخ وشهريران ووهب مؤدب الأساورة، وأجمعوا على قتل شهريران.

وداخلوا في ذلك بعض حرس الملك فتعاقدوا على قتله، وكانوا يعملون قدام الملك في الأيام والمشاهد سماطين، ومر بهم شهريران بعض أيام بين السماطين وهم مسلحون فلما حاذاهم طعنوه فقتلوه وقتلوا العظماء بعد قتل أردشير الطفل.

ثم ملكوا بوران بنت أبرويز ودفعت أمير الدولة إلى قبائل شهريران من حرس الملك وهو فروخ بن ماخد شيراز من أهل إصطخر، ورفعت رتبته، وأسقطت الخراج عن الناس، وأمرت برم القناطير والجسور وضرب الورق، وردت خشبة الصليب على الجاثليق ملك الروم، وهلكت لسنة وأربعة أشهر. وملكوا بعدها خشنشده من عمومة أبرويز عشرين يوما فملك أقل من شهر. ثم ملك أزرميدخت بنت أبرويز وكانت من أجل نسائهم، وكان عظيم فارس يومئذ فروخ هرمز أصبهبذ خراسان فأرسل إليها في التزويج، فقالت هو حرام على الملكة ودعته ليلة كذا، فجاء وقد عهدت إلى صاحب حرسها أن يقتله ففعل، فأصبح بدار الملك قتيلا وأخفي أثره.

وكان لما سار إلى أزرميدخت استخلف على خراسان ابنه رستم، فلما سمع بخبر أبيه ٢/٢١٥

أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن وملكها، وسمل أزرميدخت وقتلها، وقيل سمها فماتت وذلك لستة أشهر من ملكها، وملكوا بعدها رجلا من نسل أردشير بن بابك وقتل لأيام قلائل، وقيل بل هو من ولد أبرويز اسمه فروخ زاذ بن خسرو وجدوه بحصن الحجارة قريب نصيبين، فجاءوا به إلى المدائن وملكوه ثم عصوا عليه فقتلوه.

وقيل لما قتل كسرى بن مهرخشنش طلب عظماء فارس من يولونه الملك ولو من قبل النساء، فأتى برجل وجد بميسان اسمه فيروز بن مهرخشنش ويسمى أيضا خشنشدة أمه صهاربخت بنت يراد قرار بن أنوشروان فملكوه كرها، ثم قتلوه بعد أيام قلائل.

ثم شخص رجل من عظماء الموالي وهو رئيس الخول إلى ناحية الغرب، فاستخرج من حصن الحجارة قرب نصيبين ابنا لكسرى كان لجأ إلى طبسون فملكوه، ثم خلعوه وقتلوه لستة أشهر من ملكه.

وقال بعضهم: كان أهل إصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز فلما بلغهم أن أهل المدائن عصوا على ابن خسرو فروخ زاذ أتوا بيزدجرد من بيت النار الذي عندهم ويدعى أردشير، فملكوه بإصطخر وأقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فروخ زاذ خسرو لسنة من ملكه. واستقل يزدجرد بالملك وكان أعظم وزرائه رئيس الموالي الذي جاء بفرخزاد خسرو من حصن الحجارة. وضعفت مملكة فارس، وتغلب الأعداء على الأطراف من كل جانب، فزحف إليهم العرب المسلمون بعد سنتين من ملكه، وقيل بعد أربع، فكانت أخبار دولته كلها هي أخبار الفتح نذكرها هنالك إلى أن قتل بمرو بعد نيف وعشرين سنة من ملكه.

هذه هي سياقة الخبر عن دولة هؤلاء الأكاسرة الساسانية عند الطبري. ثم قال آخرها:

فجميع سني العالم من آدم إلى الهجرة على ما يزعمه اليهود أربعة آلاف سنة وستمائة واثنان وأربعون سنة، وعلى ما يدعيه النصارى في توراة اليونانيين ستة آلاف سنة غير ثمان سنين، وعلى ما يقوله الفرس إلى مقتل يزدجرد أربعة آلاف ومائة وثمانون سنة ومقتل يزدجرد عندهم لثلاثين من الهجرة، وأما عند أهل الإسلام فبين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم كذلك وبين إبراهيم وموسى كذلك ونقله الطبري عن ابن عباس وعن محمد بن عمرو بن واقد الإسلامي عن جماعة من أهل العلم وقال: إن الفترة بين عيسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة ورواه عن سلمان الفارسي وكعب الأحبار والله أعلم بالحق في ذلك والبقاء لله الواحد القهار. ٢/٢١٦

الخبر عن دولة يونان والروم وأنسابهم ومصايرهم

كان هؤلاء الأمم من أعظم أمم العالم وأوسعهم ملكا وسلطانا، وكانت لهم الدولتان العظيمتان للإسكندر والقياصرة من بعده الذين صبحهم الإسلام وهم ملوك بالشام، ونسبهم جميعا إلى يافث باتفاق من المحققين، إلا ما ينقل عن الكندي في نسب يونان إلى عابر بن فالغ وأنه خرج من اليمن بأهله وولده مغاضبا لأخيه قحطان فنزل ما بين الافرنجة والروم فاختلط نسبه بهم، وقد رد عليه أبو العباس الناشيء في ذلك بقوله:

تخلط يونان بقحطان ضلة ... لعمري لقد باعدت بينهما جدا

ولذلك يقال إن الإسكندر من تبع، وليس شيء من ذلك بصحيح، وإنما الصحيح نسبهم إلى يافث، ثم إن المحققين ينسبون الروم جميعا إلى يونان الإغريقيون منهم والطينيون. ويونان معدود في التوراة من ولد يافث لصلبه، واسمه فيها يافان بفاء تقرب من الواو، فعربته العرب الى يونان.

وأما هروشيوش فجعل الغريقيين خمس طوائف منتسبين إلى خمسة من أبناء يونان وهم: كيتم وحجيلة وترشوش ودودانم وإيشاي، وجعل من شعوب إيشاي سجينية وأثناش وشمالا وطشال ولجدمون. ونسب الروم اللطينيين فيهم ولم يعين نسبهم في أحد من الخمسة، ونسب الافرنج إلى غطرما بن عومر بن يافث، وقال: إن الصقالبة إخوانهم في نسبه، وقال: إن الملك كان في هذه الطوائف لبني أشكان بن غومر والملوك منهم هؤلاء الغريقيون قبل يونان وغيرهم. ونسب القوط الى ماداي بن يافث وجعل من إخوانهم الأرمن، ثم نسب القوط مرة أخرى إلى ماغوغ بن يافث وجعل اللطينيين من إخوانهم في ذلك النسب. ونسب القاللين منهم إلى رفنا بن غومار، ونسب إلى طوبال بن يافث الأندلس والإيطاليين والأركاديين، ونسب إلى طبراش بن يافث أجناس الترك. واسم الغريقيين عنده يشمل أبناء يونان كلهم كما ذكره، وينوع الروم إلى الغريقيين واللطينيين.

وقال ابن سعيد فيما نقله من تواريخ المشرق عن البيهقي وغيره: إن يونان هو ابن علجان بن يافث، قال: ولذلك يقال لهم العلوج ويشركهم في هذا النسب سائر ٢/٢١٨

أهل الشمال من غير الترك، وإن الشعوب الثلاثة من ولد يونان، فالإغريقيون من ولد أغر يقش بن يونان والروم من ولد رومي بن يونان واللطينيون من ولد لطين بن يونان، وإن الإسكندر من الروم منهم والله أعلم. ونحن الآن نذكر أخبار الدولتين الشهيرتين منهم مبلغ علمنا والله الموفق للصواب سبحانه وتعالى. ٢/٢١٩

الخبر عن دولة يونان والإسكندر منهم وما كان لهم من الملك والسلطان الى انقراض أمرهم

هؤلاء اليونانيون المتشعبون إلى الغريقيين واللطينيين- كما قلناه- اختصوا بسكنى الناحية الشمالية من المعمور مع إخوانهم من سائر بني يافث كلهم كالصقالبة والترك والافرنجة من ورائهم وغيرهم من شعوب يافث، ولهم منها الوسط ما بين جزيرة الأندلس إلى بلاد الترك بالمشرق طولا وما بين البحر المحيط والبحر الرومي عرضا، فمواطن اللطينيين منهم في الجانب الغربي ومواطن الغريقيين منهم في الجانب الشرقي والبحر بينهما خليج القسطنطينية. وكان لكل واحد من شعبي الغريقيين واللطينيين منهم دولة عظيمة مشهورة في العالم.

واختص الغريقيون باسم اليونانيين، وكان منهم الإسكندر المشهور الذكر أحد ملوك العالم، وكانت ديارهم كما قلناه بالناحية الشرقية من خليج القسطنطينية بين بلاد الترك ودروب الشام، ثم استولى على ما وراء ذلك من بلاد الترك والعراق والهند، ثم جال أرمينية وما وراءها من بلاد الشام وبلاد مقدونية ومصر والاسكندرية، وكان ملوكهم يعرفون بملوك مقدونية.

وذكر هروشيوش مؤرخ الروم من شعوب هؤلاء الغريقيين بنو لجدمون وبنو أنتناش، قال: وإليهم ينسب الحكماء الأنتاشيون وهم ينسبون لمدينتهم أجدة أنتاش، قال:

ومن شعوبهم أيضا بنو طمان ولجدمون كلهم بنو شمالا بن إيشاي، وقال في موضع آخر: لجدمون أخو شمالا.

وكانت شعوب هذه الأمة قبل الفرس والقبط وبني إسرائيل متفرقة بافتراق شعوبها، وكان بينهم وبين إخوانهم اللطينيين فتن وحروب، ولما استفحل ملك فارس لعهد الكينية أرادوهم على الطاعة لهم، فامتنعوا وغزتهم فارس، فاستصرخوا عليهم بالقبط فسالموهم إلى محاربة الغريقيين حتى أذلوهم وأخذوا الجزى منهم وولوا عليهم. ويقال:

إن أفريدون ولى عليهم ابنه، وأن جده الإسكندر لأبيه من أعقابه. ويقال: أن بخت نصر لما ملك مصر والمغرب أنفوه بالطاعة وكانوا يحملون خراجهم إلى ملك فارس عددا من كرات الذهب أمثال البيض ضريبة معلومة عليهم في كل سنة، ولما فرغوا ٢/٢٢٠

من شأن أهل فارس وأنفوا ملكهم بالجزى والطاعة صرفوا وجوههم إلى حرب اللطينيين، ثم استفحل أمر الإيشاءيين من الغريقيين ولم يكن قوامهم إلا الجرمونيون، فغلبوهم وغلبوا بعدهم اللطينيين والفرناسيين والأركاديين، واجتمع إليهم سائر شعوب الغريقيين واعتز سلطانهم وصار لهم الملك والدولة.

وقال ابن سعيد: إن الملك استقر بعد يونان في ابنه أغريقش في الجانب الشرقي من خليج قسطنطينية، وتوالى الملك في ولده وقهروا اللطينيين والروم ودال ملكهم في أرمينية، وكان من أعظمهم هرقل الجبار بن ملكان بن سلقوس بن أغريقش، يقال: إنه ضرب الإتاوة على الأقاليم السبعة. وملك بعده ابنه يلاق وإليه تنسب الأمة اليلاقية وهي الآن باقية على بحر سودان. واتصل الملك في عقب يلاق إلى أن ظهر إخوانهم الروم واستبدوا بالملك، وكان أولهم هردوس بن منطرون بن رومي بن يونان فملك الأمم الثلاثة وصار اسمه لقبا لكل من ملك بعده، وسمت به يهود الشام كل من قام بأمرها منهم. ثم ملك بعده ابنه هرمس، فكانت له حروب مع الفرس إلى أن قهروه وضربوا عليه الإتاوة، فاضطرب حينئذ أمر اليونانيين وصاروا دولا وممالك. وانفرد الاغريقيون برئيس لهم، وصنع مثل ذلك اللطينيون، إلا أن اللقب بملك الملوك كان لملك الروم، ثم ملك بعده ابنه مطريوش فحمل الإتاوة لملك الفرس لاشتغاله بحرب اللطينيين والإغريقيين. وملك بعده ابنه فيلفوش وكانت أمه من ولد سرم من ولد أفريدون الذي ملكه أبوه على اليونان، فظهر وهدم مدينة إغريقية وبنى مدينة مقدونية في وسط الممالك بالجانب الغربي من الخليج. وكان محبا للحكمة فلذلك كثر الحكماء في دولته. ثم ملك من بعده ابنه الإسكندر وكان معلمه من الحكماء أرسطو.

وقال هروشيوش: إن أباه فيلفوش إنما ملك بعد الإسكندر بن تراوش أحد ملوكهم العظماء، وكان فيلفوش صهرا له على أخته لينبادة بنت تراوش، وكان له منها الإسكندر الأعظم. قال: وكان ملك الإسكندر بن تراوش لعهد أربعة آلاف وثمانمائة من عهد الخليقة ولعهد أربعمائة أو نحوها من بناء رومة، وهلك وهو محاصر لرومة قتله اللطينيون عليها لسبع سنين من دولته. فولي أمر الغريقيين والروم من بعده صهره على أخته لينبادة فيلفوش ابن آمنة بن هركلش، واختلفوا عليه فافترق أمرهم ٢/٢٢١

وحاربهم إلى أن انقادوا وغلبهم على سائر أوطانهم. وأراد بناء القسطنطينية فمنعه الجرمانيون بما كانت لهم، فقاتلهم حتى استلحمهم، واجتمع إليه سائر الروم والغريقيين من بني يونان، وملك ما بين ألمانية وجبال ارمينية. وكان الفرس لذلك العهد قد استولوا على الشام ومصر فاعتزم فيلفوش على غزو الشام، فاغتاله في طريقه بعض اللطينيين وقتله بثأر كان له عنده. وولي من بعده ابنه الإسكندر فاستمر على مطالبة بلاد الشام، وبعث إليه ملوك فارس في الخراج على الرسم الذي كان لعهد أبيه فيلفوش، فبعث إليه الإسكندر إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض الذهب وأكلتها. ثم زحف إلى بلاد الشام واستولى عليها وفتح بيت المقدس وقرب فيه القربان وذلك لعهد مائتين وخمسين من فتح بخت نصر إياها، وامتعض أهل فارس لانتزاعه إياها من ملكتهم، فزحف إليه دارا في ستين ألفا من الفرس ولقيه الإسكندر في ستمائة ألف من قومه فغلبهم وفتح كثيرا من مدن الشام ورجع إلى طرسوس، فزحف إليه دارا ولقيه عليها فهزمه الإسكندر وافتتح طرسوس. ومضى وبنى الإسكندرية.

ثم تزاحف مع دارا وهزمه وقتله وتخطي إلى فارس فملك بلادها وهدم مدينة الملك بها وسبى أهلها، وأشار عليه معلمه أرسطو بأن يجعل الملك في أسافلهم لتتفرق كلمتهم ويخلص إليه أمرهم، فكاتب الإسكندر ملوك كل ناحية من الفرس والنبط والعرب وملك على كل ناحية وتوجه فصاروا طوائف في ملكهم، واستبد كل واحد منهم بجهة كان ملكها لعقبه ومعلمه أرسطو هذا من اليونانيين وكان مسكنه أثينا وكان كبير حكماء الخليقة غير منازع، أخذ الحكمة عن أفلاطون اليوناني، كان يعلم الحكمة وهو ماش تحت الرواق المظلل له من حر الشمس فسمى تلاميذه بالمشاءين. وأخذ أفلاطون عن سقراط ويعرف بسقراط الدن بسكناه في دن من الخزف اتخذه لرهبانيته، وقتله قومه أهل يونان مسموما لما نهاهم عن عبادة الأوثان، وكان هو أخذ الحكمة عن فيثاغورس منهم، ويقال: إن فيثاغورس أخذ عن تاليس حكيم ملطية، وأخذ تاليس عن لقمان. ومن حكماء اليونانيين دميقراطيس، وأنكيثاغورس كان مع حكمته مبرزا في علم الطب وبعث فيه بهمن ملك الفرس إلى يونان فامتنع من إيفاده عليه ضمانة به، وكان من تلامذته جالينوس لعهد عيسى عليه السلام ومات بصقلية ودفن بها. ٢/٢٢٢

ولما استولى الإسكندر على بلاد فارس تخطاها إلى بلاد السند فملكها وبنى بها مدينة سماها الإسكندرية، ثم زحف إلى بلاد الهند فغلب على أكثرها وحاربه فور ملك الهند فانهزم وأخذه الإسكندر أسيرا بعد حروب طويلة، وغلب على جميع طوائف الهنود وملك بلاد الصين والسند وذللت إليه الملوك وحملت إليه الهدايا والخراج من كل ناحية، وراسله ملوك الأرض من إفريقية والمغرب والافرنجة والصقالبة والسودان. ثم ملك بلاد خراسان والترك، واختط مدينة الإسكندرية عند مصب النيل في البحر الرومي، واستولى على الملوك يقال: على خمسة وثلاثين ملكا. وعاد إلى بابل فمات بها، يقال مسموما سمه عامله على مقدونية لأن أمه شكته إلى الإسكندر فتوعده فأهدى له سما وتناوله فمات لاثنتين وأربعين سنة من عمره، بعد أن ملك اثنتي عشرة سنة، سبعا منها قبل مقتل دارا وخمسا بعده.

قال الطبري: ولما مات عرض الملك على ابنه إسكندروس فاختار الرهبانية، فملك يونان عليهم لوغوس من بيت الملك ولقبه بطليموس. قال المسعودي: ثم سارت هذه التسمية لكل من يملك منهم ومدينتهم مقدونية وينزلون الاسكندرية، وملك منهم أربعة عشر ملكا في ثلاثمائة سنة.

وقال ابن العميد: كان قسم الملك في حياته بين أربعة من أمرائه بطليموس فليادا كان على الاسكندرية ومصر والمغرب، وفيلفوس بمقدونية وما إليها من ممالك الروم وهو الذي سم الإسكندر، ودمطرس بالشام، وسلقنوس بفارس والمشرق. فلما مات استبد كل واحد بناحيته.

وكتب أرسطو شرح كتاب هرمس وترجمه من اللسان المصري إلى اليوناني، وشرح ما فيه من العلوم والحكمة والطلسمات. وكتاب الأسطماخيس يحتوي على عبادة الأول، وذكر فيه أن أهل الأقاليم السبعة كانوا يعبدون الكواكب السيارة. كل إقليم لكوكب، ويسجدون له ويبخرون ويقربون ويذبحون، وروحانية ذلك الكوكب تدبرهم بزعمهم. وكتاب الأستماطس يحتوي على فتح المدن والحصون بالطلسمات والحكم، ومنها طلسمات لا نزال المطر وجلب المياه. وكتب الأشطرطاش في الاختيارات على سرى القمر في المنازل والاتصالات، وكتب أخرى في منافع ٢/٢٢٣

وخواص الأعضاء الحيوانيات والأحجار والأشجار والحشائش.

وقال هروشيوش: إن الذي ملك بعد الإسكندر صاحب عسكره بطليموس بن لاوي، فقام بأمرهم ونزل الاسكندرية واتخذها دارا لملكهم. ونهض كلمش بن الإسكندر وأمه بنت دارا ولينبادة أم الإسكندر وساروا إلى صاحب أنطاكية واسمه فمشاندر فقتلهم. واختلف الغريقيون على بطليموس وافترق أمره وحارب كل واحد منهم ناحيته، إلى أن غلبهم جميعا واستقام أمره، ثم زحف إلى فلسطين وتغلب على اليهود وأثخن فيهم بالقتل والسبي والأسر، ونقل رؤساءهم إلى مصر، ثم هلك لأربعين سنة من ملكه. وولي بعده ابنه فلديغيش، وأطلق أسرى اليهود من مصر، ورد الأواني إلى البيت وحباهم بآنية من الذهب وأمرهم بتعليقها في مسجد القدس، وجمع سبعين من أحبار اليهود ترجموا له التوراة من اللسان العبراني الى اللسان الرومي واللطيني، ثم هلك فلديغيش لثمان وثلاثين سنة من ملكه.

وولي بعده ابنه أنطريس ويلقب أيضا بطليموس لقبهم المخصوص بهم الى آخر دولتهم، فانعقدت السلم بينه وبين أهل إفريقية على مدعيون ملك قرطاجنة، ووفد عليه وعقد معه الصلح عن قومه، وزحف قواد رومة إلى الغريقيين ونالوا منهم. ثم هلك أنطريس لست وعشرين سنة من ملكه، وولي بعده أخوه فلوباذي فزحف إليه قواد رومة فهزمهم وجال في ممالكهم، ثم كانت حروبه معهم بعدها سجالا.

وزحف إلى اليهود فملك الشام عليهم وولى الولاة من قبله فيهم وأثخن بالقتل والسبي فيهم، يقال: إنه قتل منهم نحوا من ستين ألفا، وهلك لسبع عشرة سنة من ملكه.

وولي بعده ابنه إيفانش وعلى عهده كانت فتنة أهل رومة وأهل افريقية التي اتصلت نحوا من عشرين سنة، وافتتح أهل رومة صقلية وأجاز قوادهم إلى إفريقية وافتتحوا قرطاجنة، كما نذكر في أخبارهم، وهلك إيفانش لأربع وعشرين سنة من دولته.

وولي بعده بالإسكندرية ابنه فلو ماطر فزحف الغريقيون إلى رومة، وكان فيهم صاحب مقدونية وأهل أرمينية والعراق وظاهرهم ملك النوبة واجتمعوا لذلك، فغلبهم الرومانيون وأسروا صاحب مقدونية، وهلك فلو ماطر لخمس وثلاثين سنة من ملكه. وولي بعده ابنه إيرياطش وعلى عهده استفحل ملك أهل رومة واستولوا على الأندلس وأجازوا البحر إلى قرطاجنة بإفريقية فملكوها وقتلوا ملكها أشدريال وخربوا مدينتها بعد أن عمرت تسعمائة سنة من بنائها كما نذكر في أخبارها. وزحف أيضا أهل ٢/٢٢٤

رومة إلى الغريقيين فغلبوهم وملكوا عليهم مدينتهم قرنطة من أعظم مدنهم، يقال:

إنها كانت ثانية قرطاجنة.

ثم هلك إيرياطش لسبع وعشرين سنة من مدته وولي بعده ابنه شوطار سبع عشرة سنة وعلى عهده استفحل ملك أهل رومة ومهدوا الأندلس، وملك بعده أخوه الإسكندر عشر سنين، ثم ابنه ديونشيس مائة وثلاثين سنة وعلى عهده استولى الرومانيون على بيت المقدس ووضعوا الجزيرة على اليهود، وزحف قيصر يولش من قوادهم إلى الافرنجة ولمياش أيضا من قوادهم إلى الفرس فغلبوهم جميعا وما حولهم إلى أنطاكية واستولوا على ما كان لهم من ذلك. وخرج الترك من بلادهم فأغاروا على مقدونية فردهم هامس قائد الرومانيين بالمشرق على أعقابهم.

وهلك ديونشيس فوليت بعده ابنته كلابطرة سنتين فيما قال هروشيوش لخمسة آلاف ونيف من مبدإ الخليقة ولسبعمائة سنة من بناء رومة، وعلى عهدها استبد قيصر يولش بملك رومة وغلب عليها القواد أجمع ومحا دولتهم منها وذلك بعد مرجعه من حرب الافرنج، ثم سار الى المشرق فملك إلى أرمينية ونازعه مبانش هنالك فهزمه قيصر، وفر مبانش الى مصر مستنجدا ملكتها وهي يومئذ كلابطره، فبعثت برأسه الى قيصر خوفا منه، فلم يغنها ذلك وزحف قيصر إليها فملك مصر والإسكندرية من كلابطره هذه وانقرض ملك اليونانيين، وولى قيصر على مصر والاسكندرية وبيت المقدس من قبله وذلك لسبعمائة أو نحوها من بناء رومة ولخمسة آلاف من مبدإ الخليقة.

وذكر البيهقي: إن كلابطره زحفت إلى أرض اللطينيين وقهرتهم، وأرادت العبور إلى الأندلس فحال دونها الجبل الحاجز بين الأندلس والإفرنج فاستعملت في فتحه الحيل والنار حتى نفذت إلى الأندلس، وإن مهلكها كان على يد أوغسطس يولش ثاني القياصرة. وكذا ذكر المسعودي وأن ملكت لاثنتين وعشرين سنة، وكان زوجها أنطونيوس مشاركا لها في ملك مقدونية ومصر، وأن قيصر أوغسطس زحف إليهم فهلك زوجها انطونيوس في حروبه، ثم أراد التحكم في كلابطره ليستولي ٢/٢٢٥

على حكمتها إذ كانت بقية الحكماء من آل يونان، فخطبها وتحيلت في إهلاكه وإهلاك نفسها بعد أن اتخذت بعض الحيات القاتلة التي بين الشام والحجاز وأطلقتها بمجلسها بين رياحين نصبتها هنالك، ولمست الحيات فهلكت لحينها وأقامت بمكانها كأنها جالسة، ودخل أوغسطس لا يشعر بذلك حتى تناول من تلك الرياحين ليشمها فأصابته الحية وهلك لحينه وتمت حيلتها عليه. وانقرض ملك اليونانيين بهلاكها، وذهبت علومهم إلا ما بقي بأيدي حكمائهم في كتب خزائنهم حتى بحث عنها المأمون وأمر باستخراجها فترجمت له من هروشيوش.

وأما ابن العميد فعد ملوك مصر والإسكندرية بعد الإسكندر أربعة عشر آخرهم كلابطره كلهم يسمون بطليموس، كما قال المسعودي. ولم يذكر ملوك المشرق منهم بعد الإسكندر ولا ملوك الشام ولا ملوك مقدونية الذين قسم الملك فيهم كما ذكرناه إلا بذكر ملك أنطاكية من اليونانيين ويسميه أنطيوخس كما ذكرناه الآن، وذكر في أسماء ملوك مصر هؤلاء وفي عددهم خلافا كثيرا إلا أنه سمى كل واحد منهم بطليموس، فقال في بطليموس الأول: إنه أخو الإسكندر أو مولاه اسمه فلافاذافسد أو أرنداوس أو لوغس أو فيليبس ملك سبعا وقيل أربعين، قال: وفي عصره بنى سلقيوس وأظنه ملك المشرق منهم قمامة وحلب وقنسرين وسلوقية والاذقية، قال:

ومنها كان الكوهن الأعظم بالقدس سمعان بن خونيا وبعده أخوه ألعازر، قال:

وفي التاسعة من ملك لوغش جاء أنطيوخس المعظم إلى بلد اليهود واستعبدهم، وفي الحادية عشر حارب الروم فغلبوه وأسروه وأخذوا منه ابنه أقفاقس رهينة، وفي الثالثة عشر تزوج أنطيوخس كلابطره بنت لوغش زوجها له أبوها وأخذ سورية بلاد المقدس في مهرها، وفي التاسعة عشر وثب أهل فارس والمشرق على ملكهم فخلعوه وولوا ابنه ثم هلك لوغش.

قال ابن العميد: بعد مائة وإحدى وثلاثين سنة لليونان ملك بطليموس بن الإسكندروس ويلقب غالب أثور، وملك مصر والإسكندرية والبلاد الغربية إحدى وعشرين سنة وقيل ثمانيا وثلاثين سنة ويسمى أيضا فيلادلفوس أي محب أخيه، وهو الذي استدعى أحبار اليهود وعلماءهم الاثنين وسبعين يترجموا له التوراة وكتب ٢/٢٢٦

الأنبياء من العبرانية إلى اليونانية وقابلوها بنسخهم فصحت، وكان من هؤلاء الأحبار سمعان المذكور أولا وعاش الى أن حمل على ذراعيه في الهيكل ومات ابن ثلاثمائة وخمسين، وكان منهم ألعازر الذي قتله أنطيوخس على امتناعه عن السجود لصنمه وقتله ابن سبعين سنة. ويظهر من هذا أن بطليموس هو تلماي وإنه من ملوك مقدونية وملك مصر لأن ابن كريون قال: وفي ذلك الزمان كان تلماي من أهل مقدونية ملك مصر وكان يحب العلوم، فاستدعى من اليهود سبعين من أحبارهم وترجموا له التوراة وكتب الأنبياء، وكان في عصره صادوق الكوهن انتهى. وملك خمسا وأربعين سنة.

وملك بعده بطليموس الأرنبا وقيل اسمه رغادي وقيل راكب الأنبر ملك أربعا وعشرين، وقيل سبعا وعشرين، وهو الذي بنى ملعب الخيل بإسكندرية الذي أحرق في عصر زينون قيصر. وملك بعده بطليموس محب أخيه ويقال: أوغسطس ويقال فيلادلفس ملك ست عشرة، وكان في عصره أخميم الكوهن. وملك بعده بطليموس الصائغ، ويقال: أخيه ملك خمس سنين وقيل خمسا وعشرين، وعلى عهده كان اليهود الكوهن وكان ضالا غشوما وقتله بعض خدمه خنقا. وملك بعده بطليموس محب أبيه، وقيل اسمه كلا فاطر ملك سبع عشرة سنة وأخذ الجزية من اليهود. وملك بعده بطليموس المظفر وقيل الغالب وقيل محب أمه ملك عشرين وقيل أربعا وعشرين، وفي التاسعة عشرة من ملكه خرج متيتيا بن يوحنا بن شمعون الكوهن الأعظم ويعرف بحشمناي من بني يوناداب من نسل هارون، بعث أنطيخوس ملك انطاكية ابنه ألغايش بالعساكر إلى القدس فاعمل الحيلة في ملكها وقتل العازر والكوهن وحمل بني إسرائيل على السجود لآلهته، فهرب متيتيا في جماعة من اليهود الى الجبال، حتى إذا خرجت عساكر يونان رجع إلى القدس ومر بالمذبح فوجد يهوديا يذبح خنزيرا عليه، وثار باليونانيين فقتل قائدهم وأخرجهم واستبد بملك القدس كما ذكرناه في أخباره.

ثم ملك بطليموس كلاباطر أي محب أبيه خمسا وعشرين سنة وقيل عشرين، وكان في أيامه بالقدس يهود ابن متيتيا وبعده أخوه يوناداب وبعده أخوه شمعون وبعده ٢/٢٢٧

أخوه هرقانوس واسمه يوحنان وهو أول من تسمى بالملك من بن حشمناي، وبعث ابنه يوحنا بالعساكر لقتال قيدونوس قائد أنطيخوس فغلبه، وارتفع عن اليهود الخراج الذي كانوا يعطونه لملوك سورية من أيام فيلفوس ملك المشرق. وملك بعده بطليموس أرغادي أي الفاضل وقيل بطليموس الصايغ وقيل سانيطر ملك عشرين وقيل ثلاثا وعشرين وقيل ثلاثة عشر، ولعهده جدد أنطيخوس بناء أنطاكية وسماها باسمه، ولعهده كان ملك هرقانوس على القدس وبنيه الثلاثة وخرب مدينة السامرة سبسطية، ولعهده أيضا زحف أنطيخوس إلى القدس وحاصرها، فصانعه هرقانوس بثلاثمائة كرة من الذهب استخرجها من قبر داود عليه السلام.

ثم ملك على مصر والاسكندرية بطليموس المخلص وقيل مقروطون وقيل شعري ملك ثماني عشرة وقيل عشرين وقيل سبعا وعشرين، ولعهده كان الإسكندروس تلماي بن هرقانوس سابع بني حشمناي بالقدس، وكانت فرقة اليهود عندهم ثلاثة: الربانيون ثم القراءون وهم في الإنجيل زنادقة وهم في الإنجيل الكتبة. ثم على مصر بطليموس محب أمه وقيل الإسكندروس وقيل قيقتس وقيل الإسكندر وقيل ابن المخلص ملك عشر سنين لا غير، ولعهده كانت الإسكندرة ملكة على بيت المقدس، ولعهده بطلت مملكة سورية لمائتين وسبع عشرة سنة من ملك يونان، وقتل بطليموس هذا قتله أهل إهراقية وأحرقوه. ثم ملك على مصر بطليموس فيناس وقيل إيزيس وقيل المنفي، لأن كلابطرة الملكة نفته عن الملك وملك ثمان سنين وقيل ثلاثا وعشرين يوما وقيل ثمانية عشر يوما، وبعضهم أسقطه من البطالسة ولم يذكره. ثم ملك على مصر بطليموس يوناشيش إحدى وعشرين سنة وقيل إحدى وثلاثين وقيل ثلاثين، ولعهده كان أرستبلوس وأخوه هرقانوس على القدس.

ثم ملك على مصر كلابطره بنت ديوناشيش ومعنى هذا الاسم الساكنة على الصخرة ملكت ثلاثين وقيل اثنتين وعشرين وكانت حاذقة، وفي الثالثة من ملكها حفرت خليج الإسكندرية وجرى فيه الماء وبنت باسكندرية هيكل زحل والعاروص وبنت ٢/٢٢٨

مقياسا بأخميم وآخر بمدينة أنصنا، وفي الرابعة من ملكها ملك برومة أغانيوس أول القياصرة ملك أربعا ثم يوليوس بعده ثلاثا، ثم أغسطس بن مونوجس فاستولى على الممالك والنواحي وبلغ خبره إليها فحصنت بلادها وبنت حائطا من الفرماء إلى النوبة شرقي النيل وحائطا آخر من إسكندرية إلى النوبة غربي النيل وهو حائط العجوز لهذا العهد. وبعض أوغسطس العساكر إلى مصر مع قائده أنطريوس ومعه مترداب ملك الأرمن، فخادعت كلابطره أنطريوس وأوعدته بتزويجها فقتل رفيقه مترداب وتزوجها وعصى أوغسطس، فسار أوغسطس إليها وملك مصر وقتل كلا بطرة وولديها وقائده بطريوس الذي تزوجها. يقال: إنها وضعت له سما في مجلسها وأن أوغسطس تناوله ومات، والله أعلم. وانقرضت مملكة يونان من مصر والاسكندرية والمغرب بملكها وصارت هذه الممالك للروم إلى حين الفتح الإسلامي، انتهى كلام ابن العميد.

والخلاف الذي ينقله عن جماعة مؤرخيهم يذكر منهم سعيد بن بطريق ويوحنا فم الذهب والمنجبي وابن الراهب وابو فانيوس. والظاهر أنهم من مؤرخي النصارى والبقاء لله الواحد القهار سبحانه لا إله غيره ولا معبود سواه. ٢/٢٢٩

الخبر عن اللطينيين وهم الكيتم المعرفون بالروم من أمم يونان وأشياعهم وشعوبهم وما كان لهم من الملك والغلب وذكر الدولة التي فيهم للقياصرة وأولية ذلك ومصايره

هذه الأمة من أشهر أمم العالم وهي ثانية الغريقيين عند هروشيوش ويجتمعان في نسب يونان، وثالثتهم عند البيهقي ويجتمعون في نسب يونان بن علجان بن يافث، واسم الروم يشملهم ثلاثتهم لما كان الروم أهل المملكة العظمى منهم، ومواطن هؤلاء اللطينيين بالناحية الغربية من خليج القسطنطينية إلى بلاد الافرنجة فيما بين البحر المحيط والبحر الرومي من شماليه. وملك هذه الأمة قديما كانت لهم مدينة اسمها طروبة، وذكر هروشيوش أن أول من ملك من اللطينيين ألفنس بن شطرنش بن أيوب وذلك لعهد دائرة بني إسرائيل وقد مر ذكرها في آخر الألف الرابع من مبدإ الخليقة. وملك من بعده ابنه بريامش واتصل الملك في عقب الفنس هذا وإخوته وكان منهم كرمنس بن مرسية بن شيبن بن مزكة الذي ألف حروف اللسان اللطيني وأثبتها ولم تكن قبله، وذلك على عهد يؤاثير بن كلعاد من حكام بني إسرائيل بعد أربعة آلاف وخمسين من مبدإ الخليقة.

وكان بين هؤلاء اللطينيين وبين الغريقيين إخوانهم فتن طويلة، وعلى يدهم خربت طروبة مدينة اللطينيين لعهد أربعة آلاف ومائة وعشرين من مبدإ الخليقة أيام عبدون ملك بني إسرائيل وقد مر ذكره، وكان ملكهم يومئذ أناش من عقب بريامش بن ألفنس بن شطرنش، وولي بعده ابنه أشكانيش بن أناش وهو الذي بنى مدينة ألبا.

ثم اتصل الملك فيهم إلى أن افترق أمرهم، ثم كان من أعقابهم برقاش أيام انقراض ملك الكلدانيين، وصار للمازنيين والقضاعيين على عهد عزياه بن أمصيا من ملوك بني إسرائيل ولعهد أربعة آلاف ومائة وعشرين سنة من مبدإ الخليقة، فصار الأمر في اللطينيين لبرقاش هذا بتولية ملك المازنيين ما كان لهم وللسريانيين قبلهم من الصيت في العالم والتفوق على الملوك بنسبهم وعصبيتهم. ثم اتصل الملك لابنه ولحافديه روملوس وأماش وهما اللذان اختطا مدينة رومة وذلك لعهد أربعة آلاف وخمسمائة ٢/٢٣٢

سنة من مبدإ الخليقة وعلى عهد حزقيا بن آحاز ملك بني إسرائيل، ولأربعمائة ونيف من خراب مدينة طروبة. وكان طول مدينة رومة من الشمال إلى الجنوب عشرين ميلا في عرض اثني عشر ميلا، وارتفاع سورها ثمانية وأربعون ذراعا في عرض عشرة أذرع، وكانت من أحفل مدن العالم، ولم تزل دار مملكة اللطينيين والقياصرة منهم حتى صبحهم الإسلام وهي في ملكهم.

وكان اللطينيون بعد روملس وأماش وانقراض عقبهم قد سئموا ولاية الملوك عليهم فعزلوهم وصار أمرهم شورى بين الوزراء وكانوا يسمونهم القنشلش ومعناه الوزراء بلغتهم، وكان عددهم سبعين على ما ذكر هروشيوش. ولم يزل أمرهم على ذلك مدة سبعمائة سنة إلى أن استبد عليهم قيصر بولش بن غايش أول ملوك القياصرة كما نذكر بعد.

وكانت لهم حروب مع الأمم المجاورة لهم من كل جهة فحاربوا اليونانيين ثم حاربوا الفرس من بعدهم، واستولوا على الشام ومصر ثم ملكوا جزيرة الأندلس ثم جزيرة صقلية ثم أجازوا إلى إفريقية فملكوها وخربوا قرطاجنة، وأجاز أهل إفريقية إليهم وحاصروا رومة واتصلت الفتن بينهم عشرين سنة أو نحوها على ما نذكر.

وذهب جماعة من الأخباريين إلى أن الروم من ولد عيصو بن إسحاق عليه السلام، قال ابن كريون: كان لليفاز بن عيصو ولد اسمه صفوا ولما خرج يوسف من مصر ليدفن أباه يعقوب في مدينة الخليل عليه السلام اعترضه بنو عيصو وقاتلوه، فهزمهم وأسر منهم صفوا بن أليفاز وبعثه إلى إفريقية، فصار عند ملكها، واشتهر بالشجاعة.

وحدثت الفتنة بين أغنياس وبين الكيتم وراء البحر فأجاز إليهم أغنياس في أهل إفريقية وأثخن فيهم، وظهرت شجاعة صفوا بن أليفاز، ثم هرب صفوا إلى الكيتم وعظم بينهم وحسن أثره في أهل إفريقية وفي الأمم المجاورة لكيتم من أموال وغيرها فزوجوه وملكوه عليهم، قال: وهو أول من ملك في بلاد أسبانيا، وأقام ملكا خمسا وخمسين سنة. ثم عد ابن كريون بعد ستة عشر ملكا من أعقابه آخرهم روملس باني رومة، وكان لعهد داود عليه السلام، وخاف منه فوضع مدينة رومة وبنى على جميعها هياكله ونسبت المدينة إليه وسميت باسمه وسمى أهلها الروم نسبة إليها. ٢/٢٣٣

ثم عد بعد روملس خمسة من الملوك اغتصب خامسهم رجلا في زوجه فقتلت نفسها، وقتله زوجها في الهيكل. وأجمع أهل رومة أن لا يولوا عليهم ملكا وقدموا شيوخا ثلاثمائة وعشرين يدبرون ملكهم، فاستقام أمرهم كما يجب، إلى أن تغلب قيصر وسمى نفسه ملكا، فصاروا من بعده يسمون ملوكا انتهى كلام ابن كريون.

وهو مناقض لما قاله هروشيوش، فإنه زعم أن بناء رومة كان لعهد داود عليه السلام، وهروشيوش قال: إنه كان لعهد حزقيا رابع عشر ملوك بني يهوذا من لدن داود عليه السلم، وبين المدتين تفاوت، وخبر هروشيوش مقدم لأن واضعيه مسلمان كانا يترجمان لخلفاء الإسلام بقرطبة وهما معروفان ووضعا الكتاب. فالله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك.

الخبر عن فتنة الكيتم مع أهل إفريقية وتخريب قرطاجنة ثم بناؤها على الكيتم وهم اللطينيون

كان بناء قرطاجنة هذه قبل بناء رومة باثنتين وسبعين سنة، قال هرشيوش: على يدي ديدن بن أليثا من نسل عيصو بن إسحاق. وكان بها أمير يسمى ملكون وهو الذي بعث إلى الإسكندر بطاعته عند استيلائه على طرسوس، ثم صار ملك إفريقية إلى أملقا من ملوكهم فافتتح صقلية وهاجت الحرب بينه وبين الرومانيين وأهل الاسكندرية بسبب أهل سردانية وذلك لخمسين سنة من بناء رومة، ثم وقعت السلم بينهم وهي السلم التي وفد فيها عتون من ملوك إفريقية على أنطريطش ملك مقدونية وإسكندرية وهو ملك الروم الأعظم. ثم ولى بقرطاجنة أملقا ابنه أنبيل فأجاز إلى بلاد الإفرنج وغلبهم على بلادهم، وزحف إليه قواد رومة فوالى عليهم الهزائم وبعث أخاه أشدربال إلى الأندلس فملكها، وخالفه قواد الرومانيين إلى إفريقية بعد أن ملكوا من حصون صقلية أربعين أو نحوها، ثم أجازوا إلى إفريقية فملكوها وقتلوا غشول خليفة أنبيل فيها وافتتحوا مدينة جردا. وخرج آخرون من قواد رومة إلى الأندلس فهزموا أشدربال واتبعوه إلى أن قتلوه. وفر أخوه أنبيل عن بلادهم بعد ثلاث عشرة ٢/٢٣٤

سنة من إجازته إليهم، وبعد أن حاصر رومة وأثخن في نواحيها فلحق بإفريقية ولقيه قواد أهل رومة الذين أجازوا إلى إفريقية فهزموه وحاصروه بقرطاجنة، حتى سأل الصلح على أن يغرم لهم ثلاثة آلاف قنطار من الفضة فأجابوه إليه.

وسكنت الحرب بينهم ثم ظاهر بعد ذلك أنبيل صاحب إفريقية ملوك السريانيين على حرب أهل رومة فهلك في حربهم مسموما. وبعد أن تخلص أهل رومة من تلك الحروب رجعوا إلى الأندلس فملكوها، ثم أجازوا البحر إلى قرطاجنة ففتحوها وقتلوا ملكها يومئذ أنبيل وخربوها لتسعمائة سنة من بنائها وسبعمائة لبناء رومة.

ثم دارت الحرب بين أهل رومة وملك النوبة، واستظهر ملك النوبة بالبربر بعد أن هزمه أهل رومة واتبعوه الى قفصة فملكوها واستولوا على ذخيرتها، وهي من بناء أركلش الجبار ملك الروم، وهزمهم أهل رومة فخافهم ملك البربر من ملوك النوبة إلى أن هلك في أسرهم. وكانت هذه الحروب لعهد بطليموس الإسكندر، بعد أن كان قواد رومة اجتمعوا على بناء قرطاجنة وتجديدها لاثنتين وعشرين سنة من خرابها فعمرت واتصل بها لأهل رومة ملك على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.

الخبر عن ملوك القياصرة من الكيتم وهم اللطينيون ومبدإ أمورهم ومصاير أحوالهم

لم يزل أمر هؤلاء الكيتم وهم اللطينيون راجعا إلى الوزراء منذ سبعمائة سنة، كما قلناه من عهد بناء رومة أو قبلها بقليل كما قال هروشيوش، تقترع الوزراء في كل سنة فيخرج قائد منهم إلى كل ناحية كما توجبه القرعة فيحاربون أمم الطوائف ويفتحون الممالك. وكانوا أولا يعطون إخوانهم من الروم اليونانيين طاعة معروفة بعد الفتن والمحاربة، حتى إذا هلك الإسكندر وافترق أمر اليونانيين والروم وفشلت ريحهم وقعت فتنة هؤلاء اللطينيين وهم الكيتم مع أهل افريقية، واستولوا عليها مرارا وخربوا قرطاجنة ثم بنوها كما ذكرناه. وملكوا الأندلس وملكوا الشام وأرض الحجاز وقهروا العرب بالحجاز وافتتحوا بيت المقدس وأسروا ملكها يومئذ من اليهود وهو أرستبلوس ابن الإسكندر ثامن ملوك بني حشمناي وغربوه الى رومة وولوا قائدهم على الشام، ثم ٢/٢٣٥

حاربوا ألغماس فكانت حربهم سجالا، إلى أن خرج بولس بن غايش ومعه ابن عمه لو جيار بن مدكة إلى جهة الأندلس، وحارب من كان بها من الإفرنج والجلالقة إلى أن ملك برطانية واشبونة ورجع إلى رومة، واستخلف على الأندلس أكتبيان ابن أخيه يونان. فلما وصل إلى رومة وشعر الوزراء أنه يروم الاستبداد عليهم فقتلوه.

فزحف اكتبيان ابن أخيه من الأندلس فأخذ بثأره وملك رومة واستولى على أرض قسطنطينية وفارس وإفريقية والأندلس، وعمه يولش هو الذي تسمى قيصر فصار سمة لملوكهم من بعده. وأصل هذا الاسم جاشر فعربته العرب إلى قيصر، ولفظ جاشر مشترك عندهم فيقال جاشر للشعر وزعموا أن يولش ولد شعره نام يبلغ عينيه، ويقال أيضا للمشقوق جاشر، وزعموا أن قيصر ماتت أمه وهي مقرب فبقر بطنها واستخرج يولس، والأول أصح وأقرب إلى الصواب.

وكانت مدة يولس قيصر خمس سنين، ولما ولى قيصر أكتبيان ابن أخته انفرد بملك الناحية الشمالية من الأرض، ووفد عليه رسل الملوك بالمشرق يرغبون في ولايته ويضرعون إليه في السلم فاسعفهم، ودانت له أقطار الأرض، وضرب الإتاوة على أهل الآفاق من الصغر. وكان العامل على اليهود بالشام من قبله هيردوس بن أنظفتر، وعلى مصر ابنه غايش. وولد المسيح لاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه. وهلك قيصر أكتبيان لست وخمسين من ملكه بعد سبعمائة وخمسين سنة لبناء رومة وخمسة آلاف ومائتين لمبدإ الخليقة انتهى كلام هروشيوش.

وأما ابن العميد مؤرخ النصارى فذكر عن مبدإ هؤلاء القياصرة أن أمر رومة كان راجعا إلى الشيوخ الذين يدبرون أمرهم، وكانوا ثلاثمائة وعشرين رجلا لأنهم كانوا حلفوا أن لا يولوا عليهم ملكا، فكان تدبيرهم يرجع إلى هؤلاء وكانوا يقدمون واحدا منهم ويسمونه الشيخ، وانتهى تدبيرهم في ذلك الزمان إلى أغانيوس فدبرهم أربع ٢/٢٣٦

سنين، وهو الذي سمي قيصر لأن أمه ماتت وهو جنين في بطنها فبقروا بطنها وأخرجوه، ولما كبر انتهت إليه رياسة هؤلاء الشيوخ برومة أربع سنين، ثم ولي من بعده يوليوس قيصر ثلاث سنين، ثم ولي من بعده أوغسطس قيصر بن مرنوخس، قال: ويقال إن أوغسطس قيصر كان أحد قواد الشيخ مدبر رومة، وتوجه بالعساكر لفتح المغرب والأندلس ففتحهما وعاد إلى رومة فملك عليهم، وطرد الشيخ من رياسته بها وتدبيره ووافقته الناس على ذلك. وكان للشيخ نائب بناحية المشرق يقال له فمقيوس، فلما بلغه ذلك زحف بعساكره إلى رومة فخرج إليه أوغسطس فهزمه وقتله واستولى على ناحية المشرق. وسير عساكره إلى فتح مصر مع قائدين من قواده هما أنطونيوس ومترداب ملك الأرمن بدمشق، فتوجها إلى مصر وبها يومئذ كلابطره الملكة من بقية البطالسة ملوك يونان بالإسكندرية ومصر، فحصنت بلادها وبنت بدعوتي النيل حائطين مبدؤهما من النوبة إلى الإسكندرية غربا وإلى الفرما شرقا وهو حائط العجوز لهذا العهد. ثم داخلت القائد أنطونيوس وخادعته بالتزويج فتزوجها وقتل رفيقه مترداب وعصي على أوغسطس، فزحف إليه وقتله وملك مصر وقتل كلابطره وولديها وكان يسميان الشمس والقمر، وملك مصر والإسكندرية وذلك لاثنتي عشرة سنة من ملكه.

قال ولاثنتين وأربعين سنة من ملك أوغسطس ولد المسيح بعد مولد يحيى بثلاثة أشهر. وذلك لتمام خمسة آلاف وخمسمائة سنة من سني العالم ولاثنتين وثلاثين من ملك هيردوس بالقدس، وقيل لخمس وثلاثين من مملكته، والكل متفقون على أنها لاثنتين وأربعين من ملك أوغسطس. قال: وسياقة التاريخ تقتضي أنها خمسة آلاف وخمسمائة شمسية من مبدإ العالم لأن من آدم إلى نوح ألفا وستمائة، ومن نوح إلى الطوفان ستمائة، ومن الطوفان إلى إبراهيم ألفا واثنتين وسبعين سنة، ومن إبراهيم إلى موسى أربعمائة وخمسا وعشرين، ومن موسى إلى داود عليهما السلام سبعمائة وستين، ومن داود إلى الإسكندر سبعمائة وستين سنة، ومن الإسكندر إلى مولد المسيح ثلاثمائة وتسع عشرة سنة. هكذا ذكر ابن العميد وأنها تواريخ النصارى وفيها نظر، ويظهر من كلامه أن قيصر الذي سماه أوغسطس، وذكر أن المسيح ولد لاثنتين وأربعين من ملكه هو الذي سماه هيردوس قيصر أكتبيان وجعل مهلكه لخمسة آلاف ومائتين من مبدإ الخليقة. وعند ابن العميد أن ملكه لخمسة آلاف وخمسمائة وخمس عشرة ٢/٢٣٧

والله أعلم بالحق من ذلك.

ثم ولي من بعد طباريش قيصر وكان وادعا واستولى على النواحي، وعلى عهده كان شأن المسيح وبغى اليهود عليه ورفعه الله من الأرض، وأقام الحواريون من بعده واليهود يضطهدونهم ويحبسونهم على إظهار أمرهم، وكان بلاطس النبطي الذي كان قائدا على اليهود يسعى إلى طباريش بأخبار المسيح وبغى اليهود عليه وعلى يوحنا المعمدان، وتبعتهم الحواريون من بعده بالأذية، وأراه انهم على حق فأمر بتخلية سبيلهم، وهم بالأخذ بدينهم فمنعه من ذلك قومه. ثم قبض على هيردوس وأحضره إلى رومة ثم نفاه الى الأندلس فمات بها، ثم ولي مكانته أغرباس ابن أخيه، وافترق الحواريون في الآفاق لإقامة الدين وحمل الأمم على عبادة الله. ثم قتل طباريش قيصر أغرباس ملك اليهود الى أشر من حالهم وقتلوا أتباع الحواريين من الروم.

ومات طباريش لثلاث وعشرين من ملكه بعد أن جدد مدينة طبرية، فيما قال ابن العميد، واشتق اسمها من اسمه وملك من بعده غاينس قيصر. وقال هيروشيوش: هو أخو طباريش وسماه غاينس فليفة من أكتبيان، وقال: هو رابع القياصرة وأشدهم وأراد اليهود على نصب وثنه ببيت المقدس فمنعوه. وقال ابن العميد: ووقعت في أيامه شدة على النصارى وقتل يعقوب أخاه يوحنا من الحواريين وحبس بطرس رئيسهم ثم هرب إلى انطاكية فأقام بها، وقدم هراديوس بطركا عليها وهو أول البطاركة فيها. ثم توجه إلى رومة لسنتين من ملك غانيس فدبرها خمسا وعشرين سنة ونصب فيها الأساقفة، وتنصرت امرأة من بيت الملك فعضدت النصارى، ولقي النصارى الذين بالقدس شدائد من اليهود وكان الأسقف عليهم يومئذ يعقوب بن يوسف الخطيب.

وقال ابن العميد عن المسبحي: إن فيلقس ملك مصر غزا اليهود لأول سنة من ملك غانيس واستعبدهم سبع سنين، قال وفي الرابعة من ملكه أمر عامله على اليهود بسورية وهي أورشاليم. وهي بيت المقدس- أن ينصب الأصنام في محاريب اليهود، ووثب عليه بعض قواده فقتله.

وملك من بعده قلوديش قيصر، قال هروشيوش: هو ابن طباريش وعلى عهده ٢/٢٣٨

كتب متى الحواري إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية، قال ابن العميد، ونقله يوحنا ابن زبدي إلى الرومية، قال: وفي أيامه كتب بطرس رأس الحواريين إنجيله بالرومية ونسبه إلى مرقص تلميذه، وكتب لوقا من الحواريين إنجيله بالرومية وبعث به إلى بعض الأكابر من الروم وكان لوقا طبيبا. ثم عظم الفساد بين اليهود ولحق ملكهم أغرباس برومة فبعث معه أقلوديش عساكر الروم فقتلوا من اليهود خلقا، وحملوا إلى أنطاكية ورومة منهم سبيا عظيما وخربت القدس وانجلى أهلها فلم يول عليهم القياصرة أحدا لخرابها، وافترقت اليهود على فرق كثيرة أعظمها سبعة. قال ولسبع من ملك أقلوديش دخلت بطريقة من الروم في دين النصارى على يد شمعون الصفا، وسمعت منه بالصليب، فجاءت إلى القدس لإظهاره، ورجعت إلى رومة.

وهلك أقلوديش قيصر لأربع عشرة سنة من ملكه وملك من بعده ابنه نيرون. قال هروشيوش: هو سادس القياصرة، وكان غشوما فاسقا، وبلغه أن كثيرا من أهل رومة أخذوا بدين المسيح فنكر ذلك وقتلهم حيث وجدوا، وقتل بطرس رأس الحواريين، وأقام أريوس بطركا برومة مكان بطرس من بعد خمس وعشرين سنة مضت لبطرس في كرسيها وهو رأس الحواريين ورسول المسيح إلى رومة، وقتل مرقص الإنجيلي بالإسكندرية لاثنتي عشرة من ملكه وكان هنالك منذ سبع سنين بها مساعدا إلى النصرانية بالإسكندرية ومصر وبرقة والمغرب، وولي مكانه حنانيا ويسمى بالقبطية جنبار وهو أول البطارقة بها واتخذ معه الأقسة الاثني عشر.

قال ابن العميد عن المسبحي: وفي الثانية من ملك نيرون عزل بلخس القاضي، كان على اليهود من جهة الروم، وولى مكانه قسطس القاضي، وقتل بوثار رئيس الكهنونية بالمقدس، ومات القاضي قسطس فثار اليهود على من كان بالمقدس من النصارى وقتلوا أسقفهم هنالك وهو يعقوب بن يوسف النجار، وهدموا البيعة وأخذوا الصليب والخشبتين ودفنوها إلى أن استخرجتها هلانة أم قسطنطين كما نذكر بعد.

وولي مكان يعقوب النجار ابن عمه شمعون بن كنابا، ثم ثار بهم اليهود وأخرجوهم من المقدس لعشر من ملك نيرون فأجازوا الأردن وأقاموا هنالك. وبعث نيرون قائده أسباشيانس، وأمر بقتل اليهود وخراب القدس وتحصن اليهود منه وبنوا عليهم ثلاثة حصون، وحاصرهم أسباشيانس وخرب جميع حصونهم وأحرقها وأقام عليهم سنة ٢/٢٣٩

كاملة. وقال هروشيوش: إن نيرون قيصر انتقض عليه أهل مملكته فخرج عن طاعته أهل برطانية من أرض الجوف، ورجع أهل أرمينية والشام الى طاعة الفرس. فبعث صهره على أخته وهو يشبشيان بن لوجيه فسار إليهم في العساكر وغلبهم على أمرهم.

ثم زحف الى اليهود بالشام وكانوا قد انتقضوا فحاصرهم بالقدس، وبينما هو في حصاره إذ بلغه موت نيرون لأربع عشرة سنة من ملكه، ثار به جماعة من قواده فقتلوه، وكان قد بعث قائدا الى جهة الجوف والأندلس، فافتتح برطانية ورجع إلى رومة بعد مهلك نيرون قيصر فملكه الروم عليهم، وأنه قتل أخاه يشبشيان فأشار عليه أصحابه بالانصراف إلى رومة. وبشره رئيس اليهود وكان أسيرا عنده بالملك، ويظهر أنه يوسف بن كريون الذي مر ذكره، فانطلق إلى رومة وخلف ابنه طيطش على حصار القدس فافتتحها وخرب مسجدها وعمرانها كما مر ذكره. قال: وقتل منهم نحوا من ستمائة ألف ألف مرتين وهلك في حصارها جوعا نحو هذا العدد، وبيع من سراريهم في الآفاق نحو من تسعين ألفا، وحمل منهم إلى رومة نحوا من مائة ألف استبقاهم لفتيان الروم يتعلمون المقاتلة فيهم ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح. وهي الجلوة الكبرى كانت لليهود بعد ألف ومائة وستين سنة من بناء بيت المقدس ولخمسة آلاف ومائتين وثلاثين من مبدإ الخليقة ولثمانمائة وعشرين من بناء رومة. فكان معه إلى أن افتتحها وكان المستبد بها بعد مهلك نيرون قيصر، وانقطع ملك آل يولس قيصر لمائة وست عشرة سنة من مبدإ دولتهم، واستقام ملك يشبشيان في جميع ممالك الروم وتسمى قيصر كما كان من قبل أه. كلام هروشيوش.

وقال ابن العميد: إن أسباشيانس لما بلغه وهو محاصر للقدس أن نيرون هلك، ذهب بالعساكر الذين معه، وبشره يوسف بن كريون كهنون طبرية من اليهود بأن مصير ملك القياصرة إليه، ثم بلغه أن الروم بعد مهلك نيرون ملكوا غليان بن قيصر فأقام عليهم تسعة أشهر، وكان رديء السيرة، وقتله بعض خدمه غيلة، وقدموا عوضه أنون ثلاثة أشهر ثم خلعوه، وملكوا أبطالس ثمانية أشهر، فبعث أسباشيانس وهو ٢/٢٤٠

الذي سماه هروشيوش يشبشيان قائدين إلى رومة فحاربوا أبطانش وقتلوه. وسار أسباشيانس إلى رومة وبعت إليه طيطش المحاصر للقدس بالأموال والغنائم والسبي، قال وكانت عدة القتلى ألف ألف والسبي تسعمائة ألف، واحتمل الخوارج الذين كانوا في نواحي القدس مع الأسرى، وكان يلقي منهم كل يوم للسباع فرائس إلى أن فنوا. قال: ولما ملك طيطش بيت المقدس رجع النصارى الذين كانوا عبروا إلى الأردن فبنوا كنيسة بالمقدس وسكنوا، وكان الأسقف فيهم سمعان بن كلوبا ابن عم يوسف النجار وهو الثاني من أساقفة المقدس.

ثم هلك أسباشيانس وهو يشبشيان لتسع سنين من ملكه وملك بعده ابنه طيطش قيصر سنتين وقيل ثلاثا. قال ابن العميد: لأربعمائة من ملك الإسكندر. وقال هروشيوش: كان متفننا في العلوم ملتزما للخير عارفا باللسان الغريقي واللطيني، وولي بعده أخوه دومريان خمس عشرة سنة، قال هروشيوش: وهو ابن أخت نيرون قيصر، قال: وكان غشوما كافرا وأمر بقتل النصارى فعل خاله نيرون، وحبس يوحنا الحواري، وأمر بقتل اليهود من نسل داود حذرا أن يملكوا، وهلك في حروب الإفرنج وسماه ابن العميد دانسطيانوس، وقال: ملك ست عشرة سنة وقيل تسعا، وكان شديدا على اليهود وقتل أبناء ملوكهم، وقيل له إن النصارى يزعمون أن المسيح يأتي ويملك فأمر بقتلهم، وبعث عن أولاد يهوذا بن يوسف من الحواريين وحملهم إلى رومة مقيدين، وسألهم عن شأن المسيح، فقالوا إنما يأتي عند انقضاء العالم فخلى سبيلهم. وفي الثالثة من دولته طرد بطرك إسكندرية لسبع وثمانين سنة للمسيح، وقدم مكانه ملموا فأقام ثلاث عشرة سنة ومات فولى مكانه كرماهو.

قال ابن العميد عن المسبحي: ولعهده كان أمر ليونيوس صاحب الطلسمات برومة، فنفى ذوسطيالوس جميع الفلاسفة والمنجمين من رومة وأمر أن لا يغرس بها كرم، ثم هلك ذو سطيالوس، وهو الذي سماه هروشيوش دومريان، وقال: هلك في حروب الإفرنج، وملك بعده برما ابن أخيه طيطش نحوا من سنتين وسماه ابن العميد تاوداس، وقال: إن المسبحي سماه قارون، قال: ويسمى أيضا برسطوس، وقال ملك على الروم سنة أو سنة ونصفا وأحسن السيرة وأمر برد من كان منفيا من النصارى وخلاهم ودينهم ورجع يوحنا الإنجيلي إلى أفسس بعد ست سنين. وقال هروشيوش: ٢/٢٤١

أطلقه من السجن. قال: ولم يكن له ولد فعهد بالملك إلى طريانس من عظماء قواده وكان من أهل مالقة فولي بعده وتسمى قيصر. قال ابن العميد: واسمه أنديانوس، وسماه المسبحي طرينوس وملك على الروم باتفاق المؤرخين سبع عشرة سنة، وقتل سمعان بن كلاويا أسقف بيت المقدس وأغناطيوس بطرك أنطاكية. ولقي النصارى في أيامه شدة وتتبع أئمتهم بالقتل واستعبد عامتهم، وهو ثالث القياصرة بعد نيرون في هذه الدولة. ولعهده كتب يوحنا إنجيله برومة في بعض الجزائر السادسة من ملكه وكان قد رجع اليهود الى بيت المقدس فكثروا بها وعزموا على الانتقاض، فبعث عساكره وقتل منهم خلقا كثيرا. وقال هروشيوش: إن الحرب طالت بينه وبين اليهود، فخربوا كثيرا من المدن إلى عسقلان ثم إلى مصر والإسكندرية فانهزموا هنالك وقتلوا وزحفوا بعدها إلى الكوفة، فأثخن فيهم بالقتل وخضد من شوكتهم.

قال ابن العميد: وفي تاسعة من ملكه مات كوثبانو بطرك الإسكندرية لإحدى عشرة سنة من ولايته، وولي مكانه أمرغو اثنتي عشرة سنة أخرى . وقال بطليموس صاحب كتاب المجسطي: إن شيلوش الحكيم رصد برومة في السنة الأولى من ملك طرنيوس وهو أندريانوس لأربعمائة وإحدى وعشرين للإسكندر ولثمانمائة وخمس وأربعين لبخت نصر. وقال ابن العميد: خرج عليه خارجي ببابل فهلك في حروبه لتسع عشرة سنة من ولايته كما قلناه، فولي من بعد أندريانوس إحدى وعشرين سنة، وقال ابن العميد عن ابن بطريق عشرين سنة. وقال هروشيوش: إنه أثخن في اليهود، ثم بنى مدينة المقدس وسماها إيلياء. وقال ابن العميد: كان شديدا على النصارى وقتل منهم خلقا، وأخذ الناس بعبادة الأوثان، وفي ثامنة ملكه خرب بيت المقدس وقتل عامة أهلها وبنى على باب المدينة عمودا وعليه لوح نقش فيه مدينة إيلياء. ثم زحف إلى الخارجي الذي خرج على طرنيوس قبله فهزمه إلى مصر وألزم أهل مصر حفر خليج من مجرى النيل إلى مجرى القلزم وأجرى فيه الحلو ، ثم ارتد بعد ذلك، وجاء الفتح والدولة الإسلامية فألزمهم عمرو بن العاص حفره حتى جرى فيه الماء ثم انسد لهذا العهد. ٢/٢٤٢

وكان أندريانوس هذا قد بنى مدينة القدس ورجع إليها اليهود وبلغه أنهم يرومون الانتقاض، وأنهم ملكوا عليهم زكريا من أبناء الملوك، فبعث إليهم العساكر وتتبعهم بالقتل وخرب المدينة حتى عادت صحراء، وأمر أن لا يسكنها يهودي، وأسكن اليونان بيت المقدس، وكان هذا الخراب لثلاث وخمسين سنة من خراب طيطش الذي هو الجلوة الكبرى. وامتلأ القدس من اليونان وكانت النصارى يترددون إلى موضع القبر والصليب يصلون فيه، وكانت اليهود يرمون عليه الزبل والكناسات، فمنعهم اليونان من الصلاة فيه وبنوا هنالك هيكلا على اسم الزهرة.

وقال ابن العميد عن المسبحي: وفي الرابعة من ملك أندريانوس بطل الملك من الرها وتداولتها القضاة من قبل الروم، وبنى أندريانوس بمدينة أثينوس بيتا ورتب فيه جماعة من الحكماء لمدارسة العلوم، قال: وفي خامسة ملكه قدم نسطس بطركا على إسكندرية وكان حكيما فاضلا فلبث إحدى عشرة سنة ثم مات، وقدم مكانه أمانيق في سادسة عشر من ملك أندريانوس فلبث إحدى عشرة سنة وهو سابع البطارقة. ثم مات أندريانوس لإحدى وعشرين من ملكه كما مر، وولي ابنه أنطونيش. قال هروشيوش: ويسمى قيصر الرحيم. وقال ابن العميد: ملك اثنتين وعشرين. وقال الصعيديون إحدى وعشرين. قال: وفي خامسة ملكه قدم مرتيانو بطركا بإسكندرية وهو الثامن منهم، فلبث تسع سنين ومات، وكان فاضل السيرة.

وقدم بعده كلوتيانو فلبث أربع عشرة سنة، ومات في سابعة ملكه أوراليانوس بعده وكان محبوبا. وقال بطليموس صاحب المجسطي: إنه رصد الاعتدال الخريفي في ثالثة ملك أنطونيوس، فكان لأربعمائة وثلاث وستين بعد الإسكندر.

ثم هلك أنطونيوس لاثنتين وعشرين كما مر، فملك من بعده أوراليانس. قال هروشيوش: وهو أخو أنطونيوس وسماه أورالش وأنطونيوس الأصغر، وقال: كانت له حروب مع أهل فارس وبعد أن غلبوا على أرمينية وسورية من ممالكه فدفعهم عنهما وغلبهم في حروب طويلة، وأصاب الأرض على عهده وباء عظيم، وقحط الناس سنتين، واستسقى لهم النصارى فأمطروا وارتفع الوباء والقحط بعد أن كان اشتد على النصارى وقتل منهم خلقا، وهي الشدة الرابعة من بعدت نيرون.

قال ابن العميد: وفي السابعة من ملكه قدم على الإسكندرية البطرك أغريبوس، ٢/٢٤٣

فلبث اثني عشر سنة ومات في تاسعة عشر من ملك أنطونيوس الأصغر، قال وفي أيامه ظهرت مبتدعة من النصارى واختلفت أقوالهم وكان منهم ابن ديصان وغيره، فجاهدهم أهل الحق من الأساقفة وأبطلوا بدعتهم.

وهلك أنطونيوس هذا لتسع عشرة من ملكه. وفي عاشرة ملكه ظهر أردشير بن بابك أول ملوك الساسانية واستولى على ملك الفرس، وكان صاحب الحضر متملكا على السواد فغلبه وملك السواد وقتله وقصته معروفة. وكان لعهده جالينوس المشهور بالطب وكان ربي معه، فلما بلغه أنه ملك على الروم قدم عليه من بلاد اليونان وأقام عنده، وكان لعهده أيضا ديمقراطس الحكيم، ولأول سنة من ملكه قدم بليانس بطركا على إسكندرية وهو الحادي عشر من بطاركتها فلبث فيهم عشر سنين ومات.

وولي مكانه ديمتريوس فلبث فيهم ثلاثا وثلاثين سنة ومات كمودة قيصر لثلاثة عشر كما قلناه. فولي من بعده ورمتيلوس ثلاثة أشهر. قال ابن العميد: وسماه ابن بطريق فرطنوش. وقال: وملك ثلاثة أشهر وسماه غيره فرطيخوس. وسماه الصعيديون برطانوس ومدة ملكه باتفاقهم شهران. وقال هروشيوش: اسمه اللبيس بن طيجليس وهو عم كمودة قيصر، قال وولي سنة واحدة وقتله بعض قواده وأقام في الملك ستة أشهر وقتل.

قال ابن العميد: وملك بعده يوليانس قيصر شهرين ومات، ثم ولي سوريانوس قيصر وسماه بعضهم سورس وسماه هروشيوش طباريش بن أرنت بن أنطونيش، واختلفوا في مدته، فقال ابن العميد عن ابن بطريق: سبع عشرة سنة، وقال المسبحي: ثمان عشرة، وعن أبي فانيوس ستة عشرة، وعن ابن الراهب ثلاث عشرة، وعن الصعيديين سنتين. قال وملك في رابعة من ملك أردشير واشتد على النصارى وفتك فيهم وسار إلى مصر والإسكندرية فقتلهم وهدم كنائسهم وشردهم كل مشرد، وبنى بالإسكندرية هيكلا سماه هيكل الآله. قال هروشيوش: وهي الشدة الخامسة من بعد شدة نيرون. قال: ثم انتقض عليه اللطينيون ولم يزل محصورا إلى أن هلك. وملك من بعده أقطونيش. قال ابن العميد عن ابن بطريق: ست سنين، وعن المسبحي: سبع سنين. وسماه أنطونيش قسطس. قال: وكان ابتداء ملكه عندهم لخمس وعشرين وخمسمائة من ملك ٢/٢٤٤

الإسكندر، ولعهده سار أردشير ملك الفرس إلى نصيبين فحاصرها وبنى عليها حصنا، ثم بلغه أن خارجا خرج عليه بخراسان، فاجفل عنهم بعد المصالحة على أن لا يتعرضوا لحصنه، فلما رحل بنوا من وراء الحصن وأدخلوه في مدينتهم، ورجع أردشير فنازلهم وامتنعوا عليه، فأشار بعض الحكماء بأن يجمع أهل العلم فيدعون الله دعوة رجل واحد، ففعلوا فملك الحصن لوقته. وقال هروشيوش: لما ولي أنطونيش ضعف عن مقاومة الفرس فغلبوا على أكثر مدن الشام ونواحي أرمينية وهلك في حروبهم وولي بعده مفريق بن مركة وقتله قواد رومة لسنة من ملكه وكذا قال ابن العميد، وسماه ابن بطريق بقرونشوش، والمسبحي هرقليانوس. قالوا جميعا:

وملك من بعده أنطونيش. قال ابن العميد عن ابن بطريق وابن الراهب: ثلاث سنين، وعن المسبحي والصعيديين: أربع سنين، قال: وفي أول سنة من ملكه بنيت مدينة عمان بأرض فلسطين، وملك سابور بن أردشير مدنا كثيرة من الشام.

ومات أنطونيش فملك من بعده إسكندروس لثلاث وعشرين من ملك سابور بن أردشير فملك على الروم ثلاث عشرة سنة وكانت أمه محبة في النصارى. وقال هروشيوش: ملك عشرين سنة وكانت أمه نصرانية وكانت النصارى معه في سعة من أمرهم. قال ابن العميد: وفي سابعة ملكه قدم تاوكلا بطركا بالإسكندرية وهو الثالث عشر من البطاركة فلبث فيهم ست عشر سنة ومات. قال هروشيوش: ولعشر من ملكه غزا فارس فقتل سابور بن أردشير وانصرف ظافرا فثار عليه أهل رومة وقتلوه.

وملك من بعده مخشميان بن لوجية ثلاث سنين، ولم يكن من بيت الملك وإنما ولوه لأجل حرب الإفرنج واشتد على النصارى الشدة السادسة من بعد نيرون. وأما ابن العميد فسماه فقيموس ووافق على الثلاث سنين في مدته وعلى ما لقي النصارى منه، وأنه قتل منه سرحبوس في سلمية وواجوس في بالس على الفرات، وقتل بطرك انطاكية فسمع أسقف بيت المقدس بقتله فهرب وترك الكرسي. قال: وفي ثالثة ملكه ملك سابور بن أردشير خلاف ما زعم هروشيوش من أنه قتله.

ثم هلك فقيموس أرمشميان وولي من بعده يونيوس ثلاثة أشهر وقتل فيما قال ابن العميد، وقال: سماه أبو فانيوس لوكس قيصر وابن بطريق بلينايوس ولم يذكره ٢/٢٤٥

هروشيوش. ثم ملك عرديانوس قيصر، قال ابن العميد عن ابن بطريق وابن الراهب: أربع سنين، وعن المسبحي والصعيديين: ست سنين، وسماه أبو فانيوس فودينوس والصعيديون قرطانوس. قال: وكان ملكه لإحدى وخمسين وخمسمائة من ملك الإسكندر. وقال هروشيوش: غرديار بن بليسان. قال: وملك سبع سنين وطالت حروبه مع الفرس وكان ظافرا عليهم وقتله أصحابه على نهر الفرات، قال وولي بعده فلفش بن أولياق بن أنطونيش سبع سنين وهو ابن عم الإسكندر الملك قبله وأول من تنصر من ملوك الروم. وقال ابن العميد عن الصعيديين: ملك ست سنين وقيل تسع سنين، وكان ملكه لخمس وخمسين وخمسمائة من ملك الإسكندر وآمن بالمسيح. وفي أول سنة من ملكه قدم دنوشيوش بطركا بالإسكندرية وهو رابع عشر البطاركة بها فلبث تسع عشرة سنة، ولعهد فيلفش هذا قدم غرديانوس أسقفا على بيت المقدس بعد هروب مركيوس ثم عاد من هروبه فأقام شريكا معه سنة واحدة، ومات غرديانوس فانفرد مركيوش أسقفا ببيت المقدس عشر سنين، قال:

وقتل فيلفش قيصر قائد من قواده يقال له دافيس وملك مكانه خمس سنين. وقال عن المسبحي وابن الراهب سنة، وعن ابن بطريق سنتين. قال: وكان يعبد الأصنام ولقي النصارى منه شدة، وكان من أولاد الملوك، وقتل بطرك رومة وأجاز من مدينة قرطاجنة إلى مدينة أفسس وبنى بها هيكلا وحمل النصارى على السجود له، قال: وفي أيامه كانت قصة فتية أهل الكهف وظهروا بعده في أيام تاودوسيوس.

وأما هروشيوش فسماه داجية بن مخشميان، وقال: ملك سنة واحدة، وكانت على النصارى في أيامه الشدة السابعة، وقتل بطرك رومة منهم.

وولي من بعده غالش قيصر سنتين واستباح في قتل النصارى وباء عظيم أقفلت له المدن. وقال هروشيوش: هو غالش بن يولياش، وقال ابن بطريق: إن يولياش كان شريكا له في ملكه ومات قبله. قال ابن العميد: إحدى عشرة سنة لسبعين وخمسمائة من ملك الإسكندر. وقال هروشيوش وابن بطريق: ملك خمس عشرة سنة واسمه غاليوش، وقال المسبحي: خمس عشرة سنة، وسماه داقيوس وغاليوش ابنه. وقال آخرون: اسمه أورليوش وملك خمس سنين. وقال أبو فانيوس: اسمه غليوس وملك أربع عشرة سنة. وقال الصعيديون ملك كذلك واسمه أوراليونوس. ٢/٢٤٦

قال ابن العميد: وكان يعبد الأصنام ولقي النصارى منه شدة في أول سنة من ملكه قدم مكتميوش بطركا بالإسكندرية وهو الخامس عشر من بطاركتها فلبث اثنتي عشرة سنة ومات، وفي خامسة ملكه قدم إسكندروس أسقفا ببيت المقدس ثم قتله بعد سبع سنين وبعث ابنه في عساكر الروم لغزو الفرس، فانهزم وحمل أسيرا إلى كسرى بهرام فقتله. وقال هرشيوش: ولي غلينوس خمسة عشر سنة فاشتد على النصارى الأمر وقتلهم وقتل معهم بطرك بيت المقدس، وكانت له حروب مع الفرس أسره في بعضها ملكهم سابور ثم من عليه وأطلقه، ووقع في أيامه برومة وباء عظيم فرفع طلبه عن النصارى بسببه، وفي أيامه خرج القوط من بلادهم وتغلبوا على بلاد الغريقيين ومقدونية وبلاد النبط، وكان هؤلاء القوط يعرفون بالسنسبين وكانت مواطنهم في ناحية بلاد السريانيين، فخرجوا لعهد غلنوش هذا وغلبوا كما قلناه على بلاد الغريقيين ومقدونية وعلى مرية.

وهلك غلينوش قتيلا على يد قواد رومة، ثم ملك أقاويدوش قيصر سنة واحدة، وقال ابن العميد عن المسبحي سنة وتسعة أشهر لثمانين وخمسمائة للإسكندر. وفي أول سنة من ملكه قدم يونس السميصاني بطركا بأنطاكية فلبث ثمان سنين وكان يقول بالوحدانية ويجحد الكلمة بالروح، ولما مات اجتمع الأساقفة بأنطاكية وردوا مقالته. وقال هروشيوش: ولي بعد غلينوش فلوديش بن يلاريان بن موكله فنسبه هكذا، وقال فيه من عظماء القواد. ولم يكن من بيت الملك ودفع القوط المتغلبين عن مقدونية من منذ خمس عشرة سنة عليها، ومات لسنتين من ملكه وهذا كما قال المسبحي.

وقال هروشيوش: ولي بعده أخوه نطيل سبع عشرة يوما وقتله بعض القواد، ولم يذكر ذلك ابن العميد. ثم ملك بعده أوريليانس ست سنين وسماه ابن بطريق أوراليوس والمسبحي أرينوس وأبو فانيوس أوليوس وهروشيوش أوليان بن بلنسيان.

وقال: ملك خمس سنين، قال ابن العميد: وفي الرابعة من ملكه قدم تاونا بطركا بالإسكندرية سادس عشر البطاركة فلبث عشر سنين. وكان النصارى يقيمون الدين خفية، فلما صار بطركا قابل الروم ولاطفهم بالهدايا فأذنوا له في بناء كنيسة مريم وأعلنوا فيها بالصلاة، قال: وفي سادسة ملكه ولد قسطنطين. وقال هروشيوش: إن ٢/٢٤٧

أورليان بن بلنسيان هذا حارب القوط فظفر بهم وجدد بناء رومة واشتد على النصارى تاسعة بعد نيرون ثم قتل. فولي بعده طانيش بن إلياس وملك قريبا من السنة. وقال ابن العميد: اسمه طافسوس وملك ستة أشهر. وقال ابن بطريق: اسمه طافساس وملك تسعة أشهر.

ثم ملك فروفش قيصر خمس سنين، وقال أبو فانيوس: اسمه فروش، وقال ابن بطريق وابن الراهب والصعيديون ست سنين، وقال المسبحي سبع سنين وسماه ألاكيوس وأرفيون، وسماه ابن بطريق بروش، وسماه هروشيوش فاروش بن أنطويش. قال: وتغلب على كثير من بلاد الفرس، وقال ابن العميد: كان ملكه لسابعة من ملك سابور ذي الأكتاف ولخمسمائة واثنتين وتسعين من ملك الإسكندر، وكان شديدا على النصارى وقتل منهم خلقا كثيرا وهلك هو وأبناه في الحرب.

وقال هروشيوش: ولما هلك فاروش ولي من بعده ابنه مناربان وقتل لحينه، ولم يذكره ابن العميد. ثم ملك بقلاديانوش إحدى وعشرين سنة، وقال المسبحي:

عشرين سنة، وقال غيره: ثماني عشرة سنة، وملك لخمسمائة وخمس وتسعين للإسكندر، وقال غيرهم: كان اسمه عربيطا وارتقى في أطوار الخدمة عند القياصرة إلى أن استخلصه فاريوش وجعله على خيله وكان حسن المزمار. ويقال أن الخيل كانت ترقص طربا لمزاميره، وعشقته بنت فاريوش الملك، ولما مات أبوها وإخوتها ملكها الروم عليهم فتزوجته وسلمت له في الملك، فاستولى على جميع ممالك الروم وما والاها، وقسطنطش ابن عمه على بلاد أشيا وبيزنطية، وأقام هو بأنطاكية وله الشام ومصر الى أقصى المغرب. وفي تاسعة عشر من ملكه انتقض أهل مصر والاسكندرية فقتل منهم خلقا ورجع إلى عبادة الأصنام وأمر بغلق الكنائس، ولقي النصارى منه شدة وقتل القسيس مار جرس وكان من أكابر أبناء البطارقة، وقتل ملقوس منهم أيضا. وفي عاشرة ملكه قدم مار بطرس بطركا بالإسكندرية فلبث عشر سنين وقتله، وجعل مكانه تلميذه إسكندروس، وكان كبير تلامذته اريوش كثيرا لمخالفة له فسخطه وطرده، ولما مات مار بطرس رجع أريوش عن المخالفة فأدخله إسكندروس إلى الكنيسة وصيره قسا. ٢/٢٤٨

قال ابن العميد: وفي أيام دقلاديانوس خرج قسطنطش ابن عمه ونائبة على بيزنطيا وأشيا ورأى هلانة، وكانت تنصرت على يد أسقف الرها، فأعجبته وتزوجها وولدت له قسطنطين، وحضر المنجمون لولادته فأخبروا بملكه، فأجمع ديقلاديانوس على قتله فهرب إلى الرها. ثم جاء بعد موت ديقلاديانوس فوجد أباه قسطنطش قد ملك على الروم فتسلم الملك من يده على ما نذكر، وهلك ديقلاديانوس لعشرين سنة من ملكه ولستمائة وستة عشرة سنة من ملك الإسكندر وملك من بعده ابنه مقسيمانوس قال ابن بطريق: سبع سنين، وقال المسبحي وابن الراهب: سنة واحدة.

قالوا وكان شريكه في الملك مقطوس، وكان أشد كفرا من ديقلاديانوس، ولقي النصارى منهما شدة وقتلا منهم خلقا كثيرا، وفي أول سنة من ملكه قدم الإسكندروس تلميذ مار بطرس الشهير بطركا بالإسكندرية، فلبث فيهم ثلاثا وعشرين سنة.

وعلى عهد مقسيمانوس تذكر تلك الخرافة بين المؤرخين من أن سابور ملك الفرس دخل أرض الروم متنكرا، وحضر مكان مقسيمانوس وسجنه في جلد بقرة وسار إلى مملكة فارس وسابور في ذلك الجلد وهرب منه، ولحق بفارس وهزم الروم، في حكاية مستحيلة وكلها أحاديث خرافة. والصحيح منه أن سابور سار إلى مملكة الروم فخرج إليه مقسيمانوس واستولى على ملكه كما نذكر بعد. وأما هروشيوش فلما ذكر مناربان قيصر بن قاريوس وأنه ملك بعد أبيه وقتل لحينه، ثم قال وقام بملكهم ديوقاريان وثأر من قاتله، خرج عليه أقرير بن قاريوس فقتله ديوقاريان بعد حروب طويلة، ثم انتقض عليه أهل ممالكه وثار الثوار ببلاد الإفرنجة والأندلس وإفريقية ومصر، وسار إليه سابور ذو الأكتاف فدفع ديوقاريان إلى هذه الحروب كلها مخشميان هركوريش وصيره قيصر، فبدأ أولا ببلاد الإفرنجة فغلب الثوار بها وأصلحها وكان الثائر الذي بالأندلس قد ملك برطانية سبع سنين فقتله بعض أصحابه ورجعت برطانية إلى ملك ديوقاريان، ثم استعمل مخشميان خليفة ديوقاريان صهره قسطنطش وأخاه مخشمس ابني وليتنوس، فمضى مخشمس إلى إفريقية وقهر الثوار بها وردها إلى طاعة الرومانيين، وزحف ديوقاريان قيصر الأعظم إلى مصر والإسكندرية فحصر الثائر بها إلى أن ظفر به وقتله، ومضى قسطنطش إلى اللمانيين في ناحية بلاد الافرنج فظفر بهم بعد حروب طويلة. وزحف مخشميان خليفة ديوقاريان إلى سابور ملك الفرس ٢/٢٤٩

فكانت حروبه معه سجالا حتى غلبه وأصاب منه، واستأصل مدينة غورة والكوفة من بلاده سبيا وقتلا ورجع إلى رومة. ثم سرحه ديوقاريان قيصر إلى حروب أهل غالش من الإفرنجة، فأثخن فيهم قتلا وسبيا، ثم اشتد ديوقاريان على النصارى الشدة العاشرة بعد نيرون وأثخن فيهم بالقتل ودام ذلك عليهم عشر سنين.

ثم اعتزل ديوقاريان وخليفته مخشميان الملك ورفضاه ودفعاه إلى قسطنطش بن وليتنوش وأخيه مخشمس ويسمى غلاريس، فاقتسما ملك الرومانيين، فكان لمخشمس غلاريس ناحية الشرق وكان لقسطنطش ناحية المغرب وكانت إفريقية وبلاد الأندلس وبلاد الافرنج في ملكته . وهلك ديوقاريان ومخشميان معتزلين عن الملك بناحية الشام وأقام قسطنطش في الملك، ثم هلك ببرطانية وأقام بملك اللطينيين من بعده ابنه قسطنطين. انتهى كلام هروشيوش.

ويظهر أن هذا الملك الذي سماه ابن العميد ديقلاديانوس هو الذي سماه هروشيوش ديوقاريان، والخبر من بعد ذلك متشابه والأسماء مختلفة ولا يخفى عليك وضع كل اسم في مكانه من الآخر والله سبحانه وتعالى أعلم.

الخبر عن القياصرة المتنصرة من اللطينيين وهم الكيتم واستفعال ملكهم بقسطنطينية ثم بالشام بعدها إلى حين الفتح الإسلامي ثم بعد إلى انقراض أمرهم

هؤلاء الملوك القياصرة المتنصرة من أعظم ملوك العالم وأشهرهم وكان لهم الاستيلاء على جانب البحر الرومي من الأندلس إلى رومة إلى القسطنطينية إلى الشام إلى مصر والإسكندرية إلى إفريقية والمغرب، وحاربوا الترك والفرس بالمشرق والسودان بالمغرب من النبوية فمن وراءهم. وكانوا أولا على دين المجوسية، ثم بعد ظهور الحواريين ونشر دين النصرانية بأرضهم وتسلطهم عليهم بأرضهم مرة بعد أخرى أخذوا بدينهم. وكان أول من أخذ به قسطنطين بن قسطنطش بن وليتنوس وأمه هلانة بنت مخشميان قيصر خليفة ديوقاريان قيصر الثالث والثلاثون من القياصرة، وقد ٢/٢٥٠

مر ذكره آنفا. وإنما سعى هذا الدين دين النصرانية نسبة إلى ناصرة القرية التي كان فيها مسكن عيسى عليه السلام عند ما رجع من مصر مع أمه. وأما نسبه إلى نصران فهو من أبنية المبالغة ومعناه أن هذا الدين في غير أهل عصابة فهو دين من ينصره من أتباعه.

ويعرف هؤلاء القياصرة ببني الأصفر وبعض الناس ينسبهم إلى عيصو بن إسحاق وقد أنكر ذلك المحققون وأبوه. وقال أبو محمد بن حزم عند ذكر إسرائيل عليه السلام كان لإسحاق عليه السلام ابن آخر غير يعقوب واسمه عيصاب، وكان بنوه يسكنون جبال السراة من الشام إلى الحجاز، وقد بادوا جملة إلا أن قوما يذكرون أن الروم من ولده وهو خطأ وإنما وقع لهم هذا الغلط لأن موضعهم كان يقال له أروم فظنوا أن الروم من ذلك الموضع وليس كذلك، لأن الروم إنما نسبوا إلى روملس باني رومة وربما يحتجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك للحرث بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر؟ ولا حجة فيه لاحتمال أن يريد بني عيصاب على الحقيقة لأن قصده كان إلى ناحية السراة وهو مسكن بني عيصو (قلت) : مسكن عيصو هؤلاء كان يقال له أيذوم، بالذال المعجمة إلى الظاء أقرب فعربتها العرب راء، ومن هنا جاء الغلط والله تعالى أعلم. وهذا الموضع يقال له يسعون أيضا والاسمان في التوراة.

قال ابن العميد: خرج قسطنطين المؤمن على مقسيمانوس فهزمه، ورجع إلى رومة وازدحم العسكر على الجسر فوقع بهم في البحر وغرق مقسمانوس مع من غرق، ودخل قسطنطين رومة وملكها بعد أن أقام ملكا على بيزنطية من بعد أبيه ستا وعشرين سنة، فبسط العدل ورفع الجور. وخرج قائده يسكن ناحية قسطنطينية، وولاه على رومة وأعمالها وألزمه بإكرام النصارى، ثم انتقض عليه وقتل النصارى وعبد الأصنام، وكان فيمن قتل ماريادس بطرك بطارقة، فبعث قسطنطين العساكر إلى رومة لحربه فساقوه أسيرا وقتله.

ثم تنصر قسطنطين في مدينة نيقيا لاثنتي عشر من ملكه وهدم بيوت الأصنام وبنى الكنائس، ولتاسع عشرة من ملكه كان مجمع الأساقفة بمدينة نيقية ونفى أريوس، كما ذكرنا ذلك كله من قبل وأن رئيس هذا المجمع كان إسكندروس بطرك الاسكندرية، وفي الخامسة عشر من رياسته توفي بعد المجمع بخمسة أشهر. وقال ابن بطريق كانت ولاية إسكندروس في الخامسة من ملك قسطنطين وبقي ست عشرة ٢/٢٥١

سنة وقتل في السادسة والعشرين من ملك ديقلاديانوس وأنه كان على عهد أوسانيوس أسقف قيسارية. قال المسبحي: مكث بطركا ثلاثا وعشرين وكسر صنم النحاس الذي هو هيكل زحل بإسكندرية، وجعل مكانه كنيسة فهدمها العبيديون عند ملكهم إسكندرية. وقال ابن الراهب: إن إسكندروس البطرك ولي أول سنة من ملك قسطنطين فمكث اثنتين وعشرين سنة وعلى عهده جاءت هلانة أم قسطنطين لزيارة بيت المقدس وبنت الكنائس وسألت عن موضع الصليب فأخبرها مقاريوس الأسقف: إن اليهود أهالوا عليه التراب والزبل فأحضرت الكهنونية وسألتهم عن موضع الصليب وسألتهم رفع ما هنالك من الزبل ثم استخرجت ثلاثة من الخشب وسألت أيتها خشبة المسيح، فقال لها الأسقف: علامتها أن الميت يحيا بمسيسها، فصدقت ذلك بتجربتها، واتخذوا ذلك اليوم عيدا لوجود الصليب، وبنت على الموضع كنيسة القمامة ، وأمرت مقاريوس الأسقف ببناء الكنائس وكان ذلك لثلاثمائة وثمان وعشرين من مولد المسيح عليه السلام.

وفي حادية وعشرين من ملك قسطنطين كان مهلك إسكندروس البطرك، وولي مكانه تلميذه أثناسيوس كانت أمه تنصرت على يده فربى ابنها عنده وعلمه وولي بطركا مكانه وسعى به أصحاب أريوس إلى الملك بعده مرتين بقي فيهما على كرسيه ثم رجع. وحمل قسطنطين اليهود بالقدس على النصرانية فأظهروها وافتتحوا في الامتناع من أكل الخنزير، فقتل منهم خلقا وتنصر بعضهم، فزعموا أن أخبار اليهود نقصوا من سني مواليد الآباء نحوا من ألف وخمسمائة سنة ليبطلوا مجيء المسيح في السوابيع التي ذكر دانيال أن المسيح يظهر عندها، وأنها لم يحن وقتها وأن التوراة الصحيحة هي التي فسرها السبعون من أحبار اليهود ملك مصر. وزعم ابن العميد أن قسطنطين أحضرها واطلع منها على النقض الذي قاله، قال: وهي التوراة التي بيد النصارى الآن.

قال ثم أمر قسطنطين بتجديد مدينة بيزنطية وسماها قسطنطينية باسمه وقسم ممالكه بين أولاده، فجعل لقسطنطين قسطنطينية وما والاها، لقسطنطين الآخر بلاد الشام الى أقصى المشرق، ولقسطوس الثالث رومة وما والاها. قال وملك خمسين سنة منها ٢/٢٥٢

ست وعشرون بيزنطية قبل غلبة مقسميانوس ومنها أربع وعشرون بعد استيلائه على الروم، وتنصر في اثنتي عشرة من آخر ملكه، وهلك لستمائة وخمسين للإسكندر.

قال هروشيوش: كان قسطنطين بن قسنطش على دين المجوسية، وكان شديدا على النصارى، ونفى بطرك رومة فدعا عليه وابتلى بالجذام، ووصف له في مداواته أن ينغمس في دماء الأطفال، فجمع منهم لذلك عددا ثم أدركته الرقة عليهم فأطلقهم، فرأى في منامه من يحضه على الاقتداء بالبطرك فرده إلى رومة وبريء من الجذام. وجنح من حينئذ إلى دين النصرانية، ثم خشي خلاف قومه في ذلك، فارتحل الى القسطنطينية ونزلها وشيد بناءها وأظهر ديانة المسيح، وخالف أهل رومة فرجع إليهم وغلبهم على أمرهم وأظهر دين النصرانية، ثم جاهد الفرس حتى ممالكهم. ولعشرين سنة من ملكه خرجت طائفة من القوط إلى بلاده فأغاروا وسبوا فزحف إليهم وأخرجهم من بلاده. ثم رأى في منامه عربا وبنودا على تمثال الصلبان وقائلا يقول هذه علامة الظفر لك، فخرجت أمه هلانة إلى بيت المقدس لطلب آثار المسيح وبنت الكنائس في البلدان ورجعت ثم هلك قسطنطين لإحدى وثلاثين سنة من ملكه أه. كلام هروشيوش.

ثم ولي قسطنطين الصغير بن قسطنطين وسماه هروشيوش قسطنش. قال ابن العميد: ملك أربعا وعشرين سنة وكان أخوه قسطوس برومية بولاية أبيهما ففي خامسة من ملك قسطنطين بعث العساكر فقتل مقنيطوس وأتباعه وولى على رومة من جهته فكانت له صاغية إلى أريوش فأخذ بمذهبه، وغلبت تلك المقالة على أهل قسطنطينية وأنطاكية ومصر والإسكندرية، وغلب أتباع أريوش على الكنائس ووثبوا على بطرك اسكندرية ليقتلوه فهرب كما مر، ثم هلك لأربع وعشرين سنة من ملكه.

وولي ابن عمه يولياش. وقال هروشيوش بن منخشمطش قال: وملك سنة واحدة.

وقال ابن العميد: ملك سنتين باتفاق لثلاثة من ملك سابور وكان كافرا وقتل النصارى وعزلهم عن الكنائس وأطرحهم من الديوان وسار لقتال الفرس فمات من سهم أصابه. وقال هروشيوش: تورط في طريقه في مفازة ضل فيها عن سبيله فتقبض عليه أعداؤه وقتلوه.

قال هروشيوش: وولي بعده بليان بن قسطنطين سنة أخرى، وزحف إلى الفرس وملكهم يومئذ سابور، فحجم عن لقائهم، فصالحهم ورجع وهلك في طريقه. ولم ٢/٢٥٣

يذكر ابن العميد بليان هذا وإنما قال: ملك من بعد يوليانوس الملك يوشانوس واحدة باتفاق في سادسة عشر من ملك سابور، وكان مقدم عساكر يوليانوس، فلما قتل اجتمعوا إليه وبايعوه واشترط عليهم الدخول في النصرانية فغلبوه، وأشار سابور بتوليته ونصب له صليبا في العسكر، ولما ولي نزل على نصيبين للفرس ونقل الروم الذي بها إلى آمد ورجع إلى كرسي مملكتهم، فرد الأساقفة إلى الكنائس، ورجع فيمن رجع أثناشيوش بطرك اسكندرية، وطلب منه أن يكتب له أمانة أهل مجمع نيقية، فجمع الأساقفة وكتبوها وأشار عليه بلزومها. ولم يذكر هروشيوش يوشانوش هذا وذكر مكانه آخر قال: وسماه بلنسيان بن قسنطش. قال: وقاتل أمما من القوط والافرنجة وغيرهم، قال: وافترق القوط في أيامه فرقتين على مذهبي أريوش وأمانة نيقية، قال: وفي أيامه ولي داماش بطركا برومة ثم هلك بالفالج، وملك بعده أخوه واليس أربع سنين وعمل على مذهب أريوش واشتد على أهل الأمانة وقتلهم. وثار عليه بأهل إفريقية بعض النصارى مع البربر فأجاز إليهم البحر وحاربهم فظفر بالثائر وقتله بقرطاجنة، ورجع إلى قسنطينية فحارب القوط والأمم من ورائهم وهلك في حروبهم.

وقال ابن العميد في قيصر الذي قتل واليس وسماه واليطنوس: إنه ملك اثنتي عشرة سنة فيما حكاه ابن بطريق وابن الراهب، وحكى عن المسبحي خمسة عشر سنة، وأن أخاه والياش كان شريكه في الملك وأنه كان مباينا وأنه ملك لستمائة وست وسبعين للإسكندر وسبع عشرة لسابور كسرى. قال: وفي أيامه وثب أهل اسكندرية على أثناشيوش البطرك ليقتلوه فهرب وقدموا مكانه لوقيوس وكان على رأي أريوش، ثم اجتمع أهل الأمانة بعد خمسة أشهر ورجعوه إلى كرسيه وطردوا لوقيوس، وأقام أثناشيوش بطركا إلى أن مات، فولوا بعده تلميذه بطرس سنتين، ووثب به أصحاب لوقيوس فهرب ورجع لوقيوس الى الكرسي فأقام ثلاث سنين. ثم وثب به أهل الأمانة ورجعوا بطرس وما لسنة من رجعته ولقي من داريانوس قيصر ومن أصحاب أريوش شدائد ومنحنا. وقال المسبحي: كان واليطينوس يديدن بالأمانة، وأخوه واليش يدين بمذهب أريوش أخذه عن ثاودكيس أسقف القسطنطينية، وعاهده على إظهاره، فلما ملك نفى جميع أساقفة الأمانة وسار أريوس اسقف أنطاكية بإذنه إلى الاسكندرية، فحبس بطرس البطرك وأقام مكانه أريوش من أهل سميساط، ٢/٢٥٤

وهرب بطرس من السجن وأقام برومة.

وكانت بين واليطينوس قيصر وبين سابور كسرى فتنة وحروب وهلك في بعض حروبه معهم، وولي بعده أخوه واليش. قال ابن العميد عن ابن الراهب: سنتين، وعن أبي فانيوس ثلاث سنين وسماه والاس. وقال: هو أبو الملكين اللذين تركا الملك وترهبا وسمى مكسينوس ودوقاديوس، قال: وفي الثانية من ملكه بعث طيماناوس أخا بطرس بطركا على إسكندرية فلبث فيهم سبع سنين ومات، وفي سادسة ملكه كان المجمع الثاني بقسطنطينية وقد مر ذكره. وفي أيام واليس قيصر هذا مات بطرك قسطنطينية فبعث أغريوس أسقف يزناروا وولاه مكانه فوليه أربع سنين ومات. ثم خرج على واليش خارج من العرب فخرج إليه فقتل في حروبه.

ثم ولي أغراديانوس قيصر، قال ابن العميد، وهو أخو واليش وكان والنطوس بن واليش شريكا له في الملك وملك سنة واحدة، وقال عن أبي فانيوس سنتين، وعن ابن بطريق ثلاث سنين، وذكر عن ابن المسبحي وابن الراهب: أن تاوداسيوس الكبير كان شريكا لهما وأن ابتداء ملكهم لستمائة وتسعين من ملك الإسكندر، وأنه رد جميع ما نفاه واليش قبله من الأساقفة إلى كرسيه وخلى كل واحد مكانه.

ومات أغراديانوس وابن أخيه في سنة واحدة، قال ابن العميد. وملك بعدهما تاوداسيوس سبع عشرة سنة باتفاق لستمائة وتسعين من ملك الإسكندر، ولإحدى وثلاثين من ملك سابور كسرى، وفي سادسة ملكه مات أثناشيوش، بطرك اسكندرية فولي مكانه كاتبه تاوفيلا، وكان بطرك القسطنطينية يوحنا فم الذهب، وأسقف قبرص أبو فانيوس كان يهوديا وتنصر. قال: وكان لتاوداسيوس ولدان أرقاديوس وبرباريوس، قال: وفي خامسة عشر من ملكه ظهر الفتية السبعة أهل الكهف الذين قاموا أيام دقيانوس ولبثوا في نومهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين كما قصه القرآن، ووجد معهم صندوق النحاس والصحيفة التي أودع البطريق فيها خبرهم، وبلغ الأمر إلى قيصر تاوداسيوس فبعث في طلبهم فوجدهم قد ماتوا، فأمر أن يبنى عليهم كنيسة ويتخذ يوم ظهورهم عيدا. قال المسبحي: وكان أصحاب أريوس قد استولوا على الكنائس منذ أربعين سنة فأزالهم عنها ونفاهم وأسقط من عساكره كل من يديدن بتلك المقالة، وعقد المجمع الثاني بقسطنطينية لمائتين وخمسين سنة من مجمع نيقية، وقرر فيه الأمانة الأولى بنيقية وعهدوا أن لا يزاد فيها ولا ينقص. وفي خامسة ٢/٢٥٥

عشر من ملكه مات سابور بن سابور وملك بعده بهرام. ثم هلك تاوداسيوس لسبع عشرة سنة من ملكه.

وأما هروشيوش فقال بعد ذكر واليش: وملك بعده وليطانش ابن أخيه فلنسيان ست سنين وهو الموفى أربعين عددا من ملوك القياصرة، قال واستعمل طودوشيش بن أنطيونش بن لوخيان على ناحية المشرق فملك الكثير منها، ثم هم أهل رومة على قائدهم فقتلوه وخلعوا وليطانش الملك، فلحق بطودوشيش بالمشرق فسلم إليه في الملك، فأقبل طودوشيش إلى رومة وقتل الثائر بها واستقل بملك القياصرة، وهلك لأربع عشرة سنة من ولايته، فولي ابنه أركاديش. ويظهر من كلام هروشيوش أن طودوشيش هو تاوداسيوس الذي ذكره ابن العميد، لأنهما متفقان في أن ابنه أركاديش ومتقاربان في المدة، فلعل وليطانش الذي ذكره هروشيوش هو أغراديانوس الذي ذكره ابن العميد أه.

قال ابن العميد: وملك أركاديش ولد تاوداسيوس الأكبر ثلاث عشرة سنة باتفاق في ثالثة ملك بهرام بن سابور وكان مقيما بالقسطنطينية، وولي أخاه أنوريش على رومة، قال: وولد لأركاديش ابن سماه طودوشيش باسم أبيه، ولما كبر طلب معلمه أريانوس ليعلم ولده، فهرب إلى مصر وترهب، ورغبه بالمال فأبى وأقام في مغارة بالجبل المقطم على قرية طرا ثلاث سنين، ومات فبنى الملك على قبره كنيسة وديرا يسمى دير القصير، ويقال: دير البغل. وفي أيامه غرق أبو فانيوس بمرجعه إلى قبرص، ومات يوحنا فم الذهب بطرك القسطنطينية وكان نفاه أركاديش بموافقة أبي فانيوس، ودعا كل منهما على صاحبه فهلكا. وفي التاسعة من ملك أركاديش مات بهرام بن سابور وملك ابنه يزدجرد.

ثم هلك أركاديش وملك من بعده طودوشيش الأصغر ابن أركاديش ثلاث عشرة سنة، وولى أخاه أنوريش على رومة، فاقتسما ملك اللطينيين، وانتقض لعهديهما قومس إفريقية وخالفه إلى طاعة القياصرة فحدثت بإفريقية فتنة لذلك. ثم غلب القومس أخاه فلحق بقبرص وترهب بها، ثم زحف القوط. إلى رومة وفر عنها أنوريش فحاربوها ودخلوها عنوة واستباحوها ثلاثا وتجافوا عن أموال الكنائس. قال: ولما هلك أركاديش قيصر استبد أخوه أنوريش بالملك خمس عشرة سنة وأحسن في دفاع القوط عن رومة وهلك، فولي من بعده طودوشيش ابن أخيه أركاديش ولم يذكر ابن ٢/٢٥٦

العميد أنوريش وإنما ذكر بعد أركاديش ابنه طودوشيش وسماه الأصغر، قال:

وملك اثنتين وأربعين سنة باتفاق في خامسة ملك يزدجرد، وكانت بينه وبين الفرس حروب كثيرة. قال: وفي أول سنة من ملكه مات تاوفيلا بطرك إسكندرية فولي مكانه كيرلوس ابن أخته، في سابعة عشر من ملكه قدم نسطوريش بطركا بالقسطنطينية فأقام أربع سنين وظهرت عنه العقيدة التي دان بها وقد تقدمت، وبلغت مقالته إلى كيرلس بطرك الإسكندرية، فخاطب في ذلك بطرك رومة وأنطاكية وبيت المقدس، ثم اجتمعوا بمدينة أفسيس في مائتي أسقف وأجمعوا على كفرنسطوريش ونفوه، فنزل أخميم من صعيد مصر وأقام بها سبع سنين، وأخذ بمقالته نصارى الجزيرة والموصل إلى الفرات ثم العراق وفارس إلى المشرق، وولى طودوشيش بالقسطنطينية مقسيموس عوضا عن نسطورس فأقام بها ثلاث سنين. وفي ثامنة وثلاثين من ملك طودوشيش الأصغر مات كيرلس بطرك الإسكندرية وولي مكانه ديسقرس، ولقي شدائد من مرقيان الملك بعده. وفي سادسة عشرة من ملك طودوشيش الأصغر مات يزدجرد كسرى وولي ابنه بهرام جور، وكانت بينه وبين خاقان ملك الترك وقائع ثم عدل عن حروبهم ودخل إلى أرض الروم فهزمه طودوشيش وملك ابنه يزدجرد. قال هروشيوش: وفي أيام طودوشيش الأصغر تغلب القوط على رومة وملكوها وهلك ملكهم أبطريك كما نذكر في أخبارهم، ثم صالحوا الروم على أن يكون لهم الأندلس فانقلبوا إليها وتركوا رومة انتهى.

قال ابن العميد: ثم ملك مرقيان بعده ست سنين باتفاق وتزوج أخت طودوشيش، وسماه هروشيوش مركيان بن مليكة. قالوا: وكان في أيامه المجمع الرابع بمقدونية، وقد تقدم ذكره، وإنه كان بسبب ديقوس بطرك إسكندرية وما أحدث من البدعة في الأمانة، فأجمعوا على نفيه وجعلوا مكانه برطارس، وافترقت النصارى إلى ملكية وهم أهل الأمانة فنسبوا إلى مركيان قيصر الملك الذي جمعهم وعهد بأن لا يقبل ما اتفق عليه أهل المجمع الخلقدوني، وإلى يعقوبية وهم أهل مذهب ديسقوس وتقدم الكلام في تسميتهم يعقوبية، وإلى نسطورية وهم نصارى المشرق. وفي أيام مركيان سكن شمعون الحبيس الصومعة بأنطاكية وترهب وهو أول من فعل ذلك من النصارى، وعلى عهده مات يزدجرد كسرى.

ومات مركيان قيصر لست سنين من ملكه وملك بعده لاون الكبير. قال ابن العميد: ٢/٢٥٧

لسبعمائة وسبعين من ملك الإسكندر ولثانية من ملك نيرون، ملك ست عشرة سنة.

ووافقه هروشيوش على مدته، وقال فيه ليون بن شمخلية. قال ابن العميد: وكان على مذهب الملكية ولما سمع أهل اسكندرية بموت مركيان وثبوا على برطارس البطرك فقتلوه بعد ست سنين من ولايته وأقاموا مكانه طيماناوس، وكان يعقوبيا فجاء قائد من قسطنطينية بعد ثلاث سنين من ولايته فنفاه، وأبدل عنه سورس من الملكية وأقام تسع سنين. ثم عاد طيماناوس بالأمر لاون قيصر ، ويقال: إنه بقي بطركا اثنتين وعشرين سنة. ولثانية عشر من ملك لاون زحف الفرس إلى مدينة آمد وحاصروها وامتنعت عليهم، وفي أيامه مات شمعون الحبيس صاحب العمود.

ثم هلك لاون قيصر لست عشرة سنة من ملكه. قال ابن العميد: وولي من بعده لاون الصغير وهو أبو زينون الملك بعده. وقال ابن بطريق: هو ابن سينون وكان يعقوبيا وملك سنة واحدة. ولم يذكره هروشيوش وإنما ذكر زينون الملك بعده، وسماه سينون بالسين المهملة. وقال ملك سبع عشرة سنة. وقال ابن العميد مثله ولثمانية عشر من ملك نيرون ولسبعمائة وسبع وثمانين للإسكندر، قال: وكان يعقوبيا وخرج عليه ولده ورجل من قرابته وحاربهما عشرين شهرا ثم قتلهما واتباعهما ودخل قسطنطينية ووجد بطركها وكان رديء العقيدة قد غير كتب الكنيسة وزاد ونقص، فكتب زينون قيصر إلى بطرك رومة وجمع الأساقفة فناظروه ونفوه. وفي سابعة ملك زينون مات طيماناوس بطرك اسكندرية فولي مكانه بطرس وهلك بعد ثمان سنين، فولي مكانه أثناسيوس وهلك لسبع سنين وكان قيما ببعض البيع في بطركيته. قال المسبحي: وفي أيام زينون احترق ملعب الخيل الذي بناه بطليموس الأرنبا بالإسكندرية. وقال ابن بطريق: وفي أيام زينون هاجت الحرب بين نيرون والهياطلة وهزموه في بعض حروبهم، ورد الكرة عليه بعض قواده كما في أخبارهم، ومات نيرون وتنازع الملك ابناه قياد ويلاش. وفي عاشرة من ملك زينون غلب يلاش أخاه واستقل بالملك ولحق أخوه قياد بخاقان ملك الترك، ثم هلك يلاش لأربع سنين ورجع قياد واستولى على مملكة فارس وذلك في أربعة عشر من ملك زينون فأقام ثلاثا وأربعين سنة.

وهلك زينون لسبع عشرة من ولايته، فملك بعده نسطاس سبعا وعشرين سنة في ٢/٢٥٨

أربعة من ملك قيادة ولثمانمائة وثلاث للإسكندر، وكان يعقوبيا وسكن حماة ولذلك أمر أن تشيد وتحصن فبنيت في سنتين. وعهد لأول ملكه أن يقتل كل امرأة كاتبة، وفي ثالثة ملكه أمر ببناء مدينة في المكان الذي قتل فيه دارا فوق نصيبين. ثم وقعت الحرب بينه وبين الأكاسرة وخرب قياد مدينة آمد ونازلت عساكر الفرس إسكندرية وأحرقوا ما حولها من البساتين والحصون، وقتل بين الأمتين خلق كثير. وفي سادسة ملكه مات أثناسيوس بطرك الاسكندرية فصير مكانه يوحنا وكان يعقوبيا ومات لتسع سنين، فصير بعده يوحنا الحسن ومات بعد إحدى عشرة. وفي أيام نسطاس قدم ساريوس بطركا بأنطاكية وكان كلاهما على أمة ديسقوس. وفي سابعة وعشرين من ملك نسطاس قدم ساريوس بطركا بأنطاكية. ومات يوحنا بطرك اسكندرية فولى مكانه ديسقوس الجديد ومات لسنتين ونصف.

وقال سعيد بن بطريق: إن إيليا بطرك المقدس كتب إلى نسطاس قيصر يسأله الرجوع إلى الملكية ويوضح له الحق في مذهبهم، وصبا إليه في ذلك جماعة من الرهبان، فأحضرهم وسمع كلامهم وبعث إليهم بالأموال للصدقات وعمارة الكنائس. وكان بقسطنطينية رجل على رأي ديسقوس فمضى إلى نشطانش قيصر ومضى وأشار عليه باتباع مذهب ديسقوس وأن يرفض المجمع الخلقدوني. فقبل ذلك منه وبعث إلى جميع أهل مملكته، وبلغ ذلك بطرك أنطاكية فكتب إلى نشطانش قيصر بالملامة على ذلك فغضب ونفاه، وجعل مكانه بأنطاكية سويوس وبلغ ذلك إلى إيليا بطرك القدس، فجمع الرهبان ورؤساء الديور في نحو عشرة آلاف ولعنوا سويوس وأجرموه والملك نشطانش معه. فنفاه نشطانش إلى إيليا وذلك في ثالثة وعشرين من ملكه، فاجتمع جميع البطاركة والأساقفة من الملكية وأجرموا نشطانش الملك وسويوس وديسقوس إمام اليعقوبية ونسطورس. قال ابن بطريق: وكان لسويوس تلميذ اسمه يعقوب البرادعي يطوف البلاد داعيا إلى مقالة سويوس ودسيقوس فنسب اليعاقبة إليه. وقال ابن العميد: وليس كذلك لأن اليعاقبة سموا بذلك من عهد ديسقوس كما مر.

ثم هلك نشطانش لسبع وعشرين من ملكه، وملك بعده يشطيانش قيصر لثمانية وثلاثين من ملك قياد بن نيرون ولثمانية وثلاثين للإسكندر، وملك تسع سنين باتفاق. وقال هروشيوش سبعا. وقال المسبحي: كان معه شريك في ملكه اسمه ٢/٢٥٩

يشطيان. وفي ثالثة ملكه غزت الفرس بلاد الروم فوقعت بين الفرس والروم حروب كثيرة، وزحف كسرى في آخرها لثمانية من ملك يشطيانش ومعه المنذر ملك العرب، فبلغ الرها وغلب الروم وغرق من الفريقين في الفرات خلق كثير وحمل الفرس أسارى الروم وسباياهم، ثم وقع الصلح بينهما بعد موت قيصر. وفي تاسعة ملكه أجاز البربر من المغرب إلى رومة وغلبوا عليها. قال ابن بطريق: وكان يشطيانش على دين الملكية فرد كل من نفاه نشطانش قبله منهم، وصير طيماناوس بطركا بالإسكندرية وكان يعقوبيا فلبث فيهم ثلاث سنين، وقيل سبع عشرة سنة.

وقال ابن الراهب: كان يشطيانش خلقدونيا ونفى طيماناوس البطرك عن إسكندرية وجعل مكانه أيوليناريوس وكان ملكيا، وعقد مجمعا بالقسطنطينية يريد جمع الناس على رأي الخلقدونية مذهبه، وأحضر شاويرش بطرك أنطاكية وأسقفة المشرق فلم يوافقوه، فاعتقل بطرك أنطاكية سنين ثم أطلقه فسار إلى مصر وبقي مختفيا في الديور.

ثم وصل أيوليناريوس بطرك إسكندرية ومعه كتاب الأمانة الخلقدونية، فقبل الناس منه وتبعوا مذهبه فيها وصاروا إليه.

وهلك يشطيانش لتسع سنين من ملكه ثم ملك يشطينانش قيصر لإحدى وأربعين من ملك قياد ولثمانمائة وأربعين للإسكندر وكان ملكيا وهو ابن عم يشطيانش الملك قبله. وقال المسبحي: بل كان شريكه كما مر وملك أربعين سنة باتفاق. وقال أبو فانيوس: ثلاثا وثلاثين. وفي سابعة ملكه غزا كسرى بلاد الروم وأحرق إيليا وأخذ الصليب الذي كان فيها، وفي حادية عشر من ملكه عصت السامرية عليه فغزاهم وخرب بلادهم، وفي سادسة عشر من ملكه غزا الحارث بن جبلة أمير غسان والعرب ببرية الشام وغزا بلاد الأكاسرة وهزم عساكرهم وخرب بلادهم ولقيه بعض مرازبة كسرى فهزمهم ورد السبي منهم، ثم وقع الصلح بين فارس والروم وتوادعوا. وفي خمس وثلاثين من ملك يشطينانش عهد بأن يتخذ عيد الميلاد في رابع وعشرين من كانون، وعيد الغطاس في ست منه، وكانا من قبل ذلك جميعا في سادس كانون. وقال المسبحي: أراد يشطينانش حمل الناس على رأي الملكية، فأحضر طيماناوس بطرك اسكندرية وكان يعقوبيا، وأراده على ذلك فامتنع فهم بقتله، ثم أطلقه فرجع إلى مصر مختفيا ثم نفاه بعد ذلك وجعل مكانه بولس، وكان ملكيا فلم ٢/٢٦٠

يقبله اليعاقبة وأقام على ذلك سنين.

قال سعيد بن بطريق: ثم بعث قيصر قائدا من قواده اسمه يوليناريوس وجعله بطرك إسكندرية فدخل الكنيسة بزي الجند ثم لبس زي البطاركة وقدس. فهموا به فصار إلى سياستهم فاقصروا ثم حملهم على رأي اليعقوبية وقتل من امتنع وكانوا مائتين.

وفي أيام يشطينانش هذا ثار السامرة بأرض فلسطين وقتلوا النصارى وهدموا كنائسهم فبعث العساكر وأثخنوا فيهم وأمر ببناء الكنائس كما كانت، وكانت كنيسة بيت لحم صغيرة فأمر بأن يوسع فيها فبنيت كما هي لهذا العهد. وفي عهده كان المجمع الخامس بقسطنطينية بعد مائة وثلاث وستين من الجمع الخلقدوني ولتاسعة وعشرين من ملك يشطينانش وقد مر ذكر ذلك. وفي عهد قيصر هذا مات أيوليناريوس القائد الذي جعل بطركا بإسكندرية لسبع عشرة سنة من ولايته، وهو كان رئيس هذا المجمع، وجعل مكانه يوحنا وكان أمانيا وهلك لثلاث سنين، وانفرد اليعاقبة بالإسكندرية وكان أكثرهم القبط وقدموا عليهم طودوشيوش بطركا لبث فيهم اثنتين وثلاثين سنة، وجعل الملكية بطركهم داقيانوس وطردوا طودوشيوش من كرسيه ستة أشهر، ثم أمر يشطينانش قيصر بأن يعاد فأعيد وطلب منه المغامسة أن يقدم دقيانوش بطرك الملكية على الشمامسة فأجابهم. ثم كتب يشطينانش الى طودوشيوش البطرك باجتماع المجمع الخلقدوني أو يترك البطركية، فتركها ونفاه وجعل مكانه بولس التنسي فلم يقبله أهل إسكندرية ولا ما جاء به. ثم مات وغلقت كنائس القبط اليعقوبية ولقوا شدائد من الملكية ومات طودوشيوش البطرك في سابعة وثلاثين من ملكة يشطيانش وجعل مكانه باسكندرية بطرس ومات بعد سنتين.

قال ابن العميد: وسار كسرى أنوشروان في مملكة يشطيانش قيصر إلى بلاد الروم وحاصر أنطاكية وفتحها وبنى قبالتها مدينة سماها رومة ونقل إليها أهل انطاكية. ثم هلك يشطيانش وملك بعده يوشطونش قيصر لست وثلاثين من ملك أنوشروان ولثمانمائة وثمانين للإسكندر فملك ثلاثة عشر سنة. وقال هروشيوش إحدى عشرة سنة. ولثانية من ملكه مات بطرس ملك إسكندرية فجعل مكانه داميانو فمكث ستا وثلاثين سنة وخربت الديور على عهده، وفي الثانية عشر من ملكه مات كسرى أنوشروان بعد أن كان بعث العساكر من الديلم مع سيف بن ذي يزن من التبابعة ففتحوا اليمن وصارت للأكاسرة. ثم هلك يوشطونش قيصر لإحدى عشرة أو ثلاث ٢/٢٦١

عشرة من ملكه. وملك بعده طباريش قيصر لثالثة من ملك هرمز ابن أنوشروان ولثمانمائة واثنتين وتسعين للإسكندر، فملك ثلاث سنين عند ابن بطريق وابن الراهب، وأربعا عند المسبحي. ولعهده انتقض الصلح بين الروم وفارس واتصلت الحرب، وانتهت عساكر الفرس إلى رأس عين الخابور، فثار إليهم موريق من بطاركة الروم فهزمهم، ثم جاء طباريش قيصر على أثره فعظمت الهزيمة واستحر القتل في الفرس وأسر الروم منهم نحوا من أربعة آلاف غربهم إلى جزيرة قبرص، ثم انتقض بهرام مرزبان هرمز كسرى وطرده عن الملك بمنجع من تخوم بلاد الروم وبعث بالصريخ إلى طباريش قيصر، فبعث إليه المدد من الفرسان والأموال. يقال كان عسكر المدد أربعين ألفا فسار هرمز ولقيه بهرام بين المدائن وواسط فانهزم واستبيح، وعاد هرمز إلى ملكه وبعث إلى طباريش بالأموال والهدايا أضعاف ما أعطاه، ورد إليه ما كانت الفرس أخذته من بلادهم وسألهم وغيرها، ونقل من كان فيها من الفرس إلى بلاده. وسأله طباريش بأن يبني هيكلين للنصارى بالمدائن وواسط فأجابه إلى ذلك.

ثم هلك طباريش قيصر وملك من بعده موريكش قيصر في السادسة لهرمز ولثمانمائة وخمس وتسعين للإسكندر وملك عشرين سنة باتفاق المؤرخين فأحسن السيرة. وفي حادية عشر من ملكه بلغه عن بعض اليهود بأنطاكية أنه بال على صورة المسيح، فأمر بقتلهم ونفيهم. ولعهده انتقض على هرمز كسرى قريبه بهرام وخلعه واستولى على ملكه وقتله، وسار ابنه أبرويز إلى موريكش قيصر صريخا فبعث معه العساكر ورد أبرويز إلى ملكه، وقتل بهرام الخارج عليه وبعث إليه بالهدايا والتحف كما فعل أبوه من قبله مع القياصرة، وخطب أبرويز من موريكش قيصر ابنته مريم فزوجه إياها ٢/٢٦٢

وبعث معها من الجهاز والأمتعة والأقمشة ما يضيق عنه الحصر.

ثم وثب على موريكش بعض مماليكه بمداخلة قريبه البطريق قوقاص فدسه عليه فقتله وملك على الروم وتسمى قيصر وذلك لتسعمائة وأربع عشرة للإسكندر وخمس عشرة لأبرويز، فملك ثماني سنين وقتل أولاد موريكش وأفلت صغير منهم فلحق بطور سينا وترهب ومات هنالك. وبلغ أبرويز كسرى ما جرى على موريكش وأولاده فجمع عساكره وقصد بلاد الروم ليأخذ ثأر صهره ، وبعث عساكره مع مرزبانه خزرويه إلى القدس وعهد إليه بقتل اليهود وخراب البلد. وبعث مرزبان آخر إلى مصر والإسكندرية، وجاء بنفسه في عساكر الفرس إلى القسطنطينية وحاصرها وضيق عليها، وأما خزرويه المرزبان فسار إلى الشام وخرب البلاد. واجتمع يهود طبرية والخليل وناصرة وصور وأعانوا الفرس على قتل النصارى وخراب الكنائس، فنهبوا الأموال وأخذوا قطعة من الصليب، وعادوا إلى كسرى بالسبي وفيهم ذخريا بطرك القدس، فاستوهبته مريم بنت موريكش من زوجها أبرويز فوهبه إياها مع قطعة الصليب. ولما خلت الشام من الروم واجتمع الفرس على القسطنطينية، تراسل اليهود من القدس والخليل وطبرية ودمشق وقبرص، واجتمعوا في عشرين ألفا وجاءوا إلى صور ليملكوها، وكان فيها من اليهود نحو من أربعة آلاف فتقبض بطركها عليهم وقيدهم، وحاصرهم عساكر اليهود وهدموا الكنائس خارج صور والبطرك يقتل المقيدين ويرمي برءوسهم إلى أن فنوا، وارتحل كسرى عن القسطنطينية جاثيا فأجفل اليهود عن صور وانهزموا.

وقال ابن العميد: وفي رابعة من قوقاص قيصر قدم يوحنا الرحوم بطركا على الملكية باسكندرية ومصر، وإنما سمي الرحوم لكثرة رحمته وصدقته، وهو الذي عمل البيمارستان للمرضى بإسكندرية. ولما سمع بمسير الفرس هرب مع البطريق الوالي بإسكندرية إلى قبرص فمات بها لعشر سنين من ولايته، وخلا كرسي الملكية بإسكندرية سبع سنين. وكان اليعاقبة باسكندرية قدموا عليهم في أيام قوقاص قيصر بطركا اسمه أنشطانيوش مكث فيهم اثنتي عشرة سنة، واسترد ما كانت الملكية بإسكندرية سبع سنين. وكان اليعاقبة باسكندرية قدموا عليهم في أيام قوقاص قيصر بطركا اسمه أنشطانيوش مكث فيهم اثنتي عشرة سنة، واسترد ما كانت الملكية استولت عليه من الكنائس اليعقوبية، وجاء أثناسيوس بطرك أنطاكية بالهدايا سرورا بولايته، فتلقاه هو بالأساقفة والرهبان، واتخذت الكنيسة بمصر والشام وأقام عنده ٢/٢٦٣

أربعين يوما ورجع إلى مكانه. ومات أنسطانيوش بعد اثنتي عشرة من ولايته لثلاثمائة وثلاثين من ملك ديقلاديانوس.

ولما انتهى أبرويز في حصار القسطنطينية نهايته وضيق عليها وعدموا الأقوات، واجتمع البطارقة بعلوقيا وبعثوا السفن مشحونة بالأقوات مع هرقل أحد بطاركة الروم، ففرحوا به، ومالوا إليه وداخلهم في الملك، وأن قوقاص سبب هذه الفتنة، فثاروا عليه وقتلوه وملكوا هرقل، وذلك لتسعمائة واثنتين وعشرين للإسكندر، فارتحل أبرويز عن القسطنطينية راجعا إلى بلاده، وملك هرقل بعد ذلك إحدى وثلاثين سنة ونصف عند المسبحي وابن الراهب، واثنتين وثلاثين عند ابن بطريق.

وكانت ملكته أول سنة من الهجرة. وقال هروشيوش: لتسع وسماه هرقل بن هرقل بن أنطونيش.

ولما تملك هرقل بعث أبرويز بالصلح بوسيلة قتلهم موريكش فأجابهم على تقرير الضريبة عليهم فامتنعوا فحاصرهم ست سنين أخرى إلى الثمان التي تقدمت، وجهدهم الجوع فخادعهم هرقل بتقرير الضريبة على أن يفرج عنهم حتى يجمعوا له الأموال. وضربوا الموعد معه ستة أشهر، ونقض هرقل فخالف كسرى إلى بلاده، واستخلف أخاه قسطنطين على قسطنطينية، وسار في خمسة آلاف من عساكر الروم إلى بلاد فارس فخرب وقتل وسبى وأخذا بني أبرويز كسرى من مريم بنت موريكش وهما قباد وشيرويه. ومر بحلوان وشهرزور إلى المدائن ودجلة ورجع إلى أرمينية، ولما قرب من القسطنطينية، وارتحل أبرويز كسرى إلى بلاده فوجدها خرابا وكان ذلك مما أضعف من مملكة الفرس وأوهنها.

وخرج هرقل لتاسعة من ملكه لجمع الأموال، وطلب عامل دمشق منصور بن سرحون فاعتذر بأنه كان يحمل الأموال إلى كسرى، فعاقبه واستخلص منه مائة ألف دينار وأبقاه على عمله. ثم سار إلى بيت المقدس وأهدى إليه اليهود فأمنهم أولا ثم عرفه الأساقفة والرهبان بما فعلوه في الكنائس، ورآها خرابا وأخبروه بمن قتلوه من النصارى، فأمر هرقل بقتلهم فلم ينج منهم إلا من اختفى أو أبعد المفر إلى الجبال والبراري، وأمر بالكنائس فبنيت.

وفي العاشرة من ملكه قدم أندراسكون بطركا لليعاقبة بإسكندرية فأقام ست سنين ٢/٢٦٤

خربت فيها الديور، ثم مات فجعل مكانه بنيامين فمكث سبعا وثلاثين سنة ومات، والفرس يومئذ قد ملكوا مصر والإسكندرية. وأما هرقل فسار من بيت المقدس إلى مصر وملكها وقتل الفرس، وولى على الإسكندرية فوس وكان أمانيا وجمع له بين البطركة والولاية. ورأى بنيامين البطرك في نومه شخصا يقول قم فاختف إلى أن يجوز غضب الرب فاختفى، وتقبض هرقل على أخيه مينا وأراده على الأخذ بالأمانة الخلقدونية فامتنع فأحرقه بالنار ورمى بجثته في البحر. ثم عاد هرقل إلى قسطنطينية بعد أن جمع الأموال من دمشق وحمص وحماة وحلب وعمر البلاد، إلى أن ملك مصر عمرو بن العاص وفتحها لثلاثمائة وسبع وخمسين لديقلاديانس، وكتب لبنيامين البطرك بالأمان فرجع إلى إسكندرية بعد أن غاب عن كرسيه ثلاث عشرة سنة.

قال ابن العميد: وانتقل التاريخ إلى الهجرة لإحدى عشرة من ملك هرقل وذلك لتسعمائة وثلاث وثلاثين للإسكندر وستمائة وأربع عشرة للمسيح. قال المسعودي:

وقيل إن مولده عليه السلام كان لعهد نيشطيانش الثاني الذي ذكر إنه نوسطيونس خمس عشرة سنة وهو الذي ضرب السكة الهرقلية، وبعده مورق بن هرقل، قال:

والمشهور بين الناس أن الهجرة وأيام الشيخين كان ملك الروم لهرقل. قال: وفي كتب السير أن الهجرة كانت على عهد قيصر بن مورق، ثم كان بعهد ابنه قيصر بن قيصر أيام أبي بكر، ثم هرقل بن قيصر أيام عمرو عليه كان الفتح وهو المخرج من الشام، قال ومدة ملكهم إلى الهجرة مائة وخمس وسبعون سنة.

قال الطبري: مدة ما بين عمارة المقدس بعد تخريب بخت نصر إلى الهجرة على قول النصارى ألف سنة وتزيد، ومن ملك الإسكندر إليها تسعمائة ونيف وعشرين سنة، ومنه إلى مولد عيسى ثلاثمائة وثلاث سنين، وعمره إلى رفعه اثنان وثلاثون سنة، ومن رفعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة. وقال هروشيوش إن ملك هرقل كانت الهجرة في تاسعته وسماه هرقل بن هرقل بن أنطونيوس لستمائة وإحدى عشرة من تاريخ المسيح، ولألف ومائة من بناء رومة والله تعالى أعلم. ٢/٢٦٥

الخبر عن ملوك القياصرة من لدن هرقل والدولة الإسلامية الى حين انقراض أمرهم وتلاشي أحوالهم

قال ابن العميد وفي الثانية من الهجرة بعث أبرويز عساكره إلى الشام والجزيرة فملكها، وأثخن في بلاد الروم، وهدم كنائس النصارى واحتمل ما فيها من الذهب والفضة والآنية، حتى نقل الرخام الذي كان بالمباني، وحمل أهل الرها على رأي اليعقوبية بإغراء طبيب منهم كان عنده فرجعوا إليه وكانوا ملكية. وفي سابعة الهجرة بعث عساكر الفرس ومقدمهم مرزبانه شهريار فدوخ بلاد الروم وحاصر القسطنطينية، ثم تغير له فكتب إلى المرازبة معه بالقبض عليه، واتفق وقوع الكتاب بيد هرقل فبعث به إلى شهريار فانتقض ومن معه، وطلبوا هرقل في المدد فخرج معهم بنفسه في ثلاثمائة ألف من الروم وأربعين ألفا من الخزر الذين هم التركمان، وسار إلى بلاد الشام والجزيرة وافتتح مدائنهم التي كان ملكها كسرى من قبل وفيما افتتح أرمينية، ثم سار إلى الموصل فلقيه جموع الفرس وقائدهم المرزبان فانهزموا وقتل.

وأجفل أبرويز عن المدائن واستولى هرقل على ذخائر ملكهم، وكان شيرويه بن كسرى محبوسا فأخرجه شهريار وأصحابه وملكوه وعقدوا مع هرقل الصلح، ورجع هرقل إلى آمد بعد أن ولى أخاه تداوس على الجزيرة والشام، ثم سار إلى الرها ورد النصارى اليعاقبة إلى مذهبهم الذي أكرهوا على تركه وأقام بها سنة كاملة.

وعن غير ابن العميد: وفي آخر سنة ست من الهجرة كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كتابه من المدينة مع دحية الكلبي يدعوه إلى الإسلام، ونصه على ما وقع في صحيح البخاري «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يوتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. «ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون 3: 64» . فلما بلغه الكتاب جمع من كان بأرضه من قريش وسألهم عن أقربهم نسبا منه فأشاروا ٢/٢٦٦

إلى أبي سفيان بن حرب، فقال لهم: إني سائله عن شأن هذا الرجل فاستمعوا ما يقوله. ثم سأل أبا سفيان عن أحوال تجب أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو ينزه عنها، وكان هرقل عارفا بذلك، فأجابه أبو سفيان عن جميع ما سأله من ذلك.

فرأى هرقل أنه نبي لا محالة مع أنه كان حزاء ينظر في علم النجوم، وكان عنده علم من القرآن الكائن قبل الملة بظهور الملة والعرب، فاستيقن بنبوته وصحة ما يدعو إليه حسبما ذكره البخاري في صحيحه.

وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرث بن أبي شمر الغساني ملك غسان بالبلقاء من أرض الشام وعامل قيصر على العرب مع شجاع بن وهب الأسدي يدعوه إلى الإسلام، قال شجاع: فأتيته وهو بغوطة دمشق يهيئ النزل لقيصر حين جاء من حمص إلى إيلياء، فشغل عني إلى أن دعاني ذات يوم وقرأ كتابي وقال: من ينتزع مني ملكي أنا سائر إليه ولو كان باليمن. ثم أمر بالخيول تنعل، وكتب بالخبر إلى قيصر، فنهاه عن المسير ثم أمرني بالانصراف وزودني بمائة دينار.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثامنة من الهجرة جيشه الى الشام وهي غزوة مؤتة كان المسلمون فيها ثلاثة آلاف وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب فجعفر فعبد الله من رواحة. فانتهوا إلى معان من أرض الشام، ونزل هرقل صاب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وانضمت إليه جموع جذام والغيد وبهرام وبلى، وعلى بلى مالك بن زافلة، ثم زحف المسلمون إلى البلقاء ولقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب على مؤتة فكان التمحيص والشهادة، واستشهد زيد ثم جعفر ثم عبد الله، وانصرف خالد بن الوليد بالناس فقدموا المدينة. ووجد النبي صلى الله عليه وسلم على من قتل من المسلمين ولا كوجده على جعفر بن أبي طالب لأنه كان تلاده.

ثم أمر بالناس في السنة التاسعة بعد الفتح وحنين والطائف أن يتهيؤا لغزو الروم فكانت غزوة تبوك، فبلغ تبوك وأتاه صاحب أيلة وجرباء وأذرح وأعطوا الجزية وصاحب أيلة يومئذ يوحنا بن رؤبة بن نفاثة أحد بطون جذام وأهدى له بغلة بيضاء، وبعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل وكان بها أكيدر بن عبد الملك فأصابوه بضواحيها في ليلة مقمرة فأسروه وقتلوا أخاه وجاءوا به إلي النبي صلى الله عليه وسلم فحقن دمه وصالحه على الجزية ورده الى قريته. وأقام بتبوك بعض عشرة ليلة وقفل إلى المدينة وبلغ خبر يوحنا إلى هرقل فأمر بقتله وصلبه عند قريته أه من غير ابن العميد. ٢/٢٦٧

ورجعنا إلى كلامه قال: وفي الثالثة عشرة من الهجرة جهز أبو بكر العساكر من المسلمين العرب لفتح الشام: عمرو بن العاص لفلسطين، ويزيد بن أبي سفيان لحمص، وشرحبيل بن حسنة للبلقاء، وقائدهم أبو عبيدة بن الجراح. وبعث خالد بن سعيد بن العاص إلى سماوة فلقيه ماهاب البطريق في جموع الروم، فهزمهم خالد إلى دمشق ونزل مرجع الصفراء، ثم أخذوا عليه الطريق ونازلوه ثانية فتجهز إلى جهة المسلمين وقتل ابنه. وبعث أبو بكر خالد بن الوليد بالعراق يسير إلى الشام أميرا على المسلمين فسار ونزل معهم دمشق وفتحوها كما نذكر في الفتوحات. وزحف عمرو بن العاص إلى غيره ولقيته الروم هنالك فهزمهم وتحصنوا ببيت المقدس وقيسارية.

ثم زحف عساكر الروم من كل جانب في مائتين وأربعين ألفا والمسلمون في بضع وثلاثين ألفا، والتقوا باليرموك فانهزم الروم وقتل منهم من لا يحصى وذلك في خامسة عشر من الهجرة. ثم تتابعت عليهم الهزائم ونازل أبو عبيدة وخالد بن الوليد حمص فصالحوهم على الجزية. ثم سار خالد إلى قنسرين فلقيه منياس البطريق في جموع الروم فهزمهم، وقتل منهم خلق كثير وفتح قنسرين ودوخ البلاد، ثم سار عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فحاصروا مدينة الرملة وجاء عمر بن الخطاب إلى الشام فعقد لأهل الرملة الصلح على الجزية، وبعث عمرا وشرحبيل لحصار بيت المقدس فحاصروها، ولما أجهدهم البلاء طلبوا الصلح على أن يكون أمانهم من عمر نفسه، فحضر عندهم وكتب أمانهم ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب لأهل إيلياء إنهم آمنون على دمائهم وأولادهم ونسائهم وجميع كنائسهم لا تسكن ولا تهدم» أه.

ودخل عمر بن الخطاب بيت المقدس وجاء كنيسة القمامة فجلس في صحنها، وحان وقت الصلاة فقال للبترك أريد الصلاة، فقال له: صل موضعك، فامتنع وصلى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفردا، فلما قضى صلاته قال للتبرك لو صليت داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي وقالوا هنا صلى عمر، وكتب لهم أن لا يجمع على الدرجة للصلاة ولا يؤذن عليها. ثم قال للبترك أرني موضعا أبني فيه ٢/٢٦٨

مسجدا فقال: على الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب، ووجد عليها دما كثيرا فشرع في إزالته وتناوله بيده يرفعه في ثوبه، واقتدى به المسلمون كافة فزال لحينه، وأمر ببناء المسجد. ثم بعث عمرو بن العاص إلى مصر فحاصرها وأمده بالزبير بن العوام في أربعة آلاف من المسلمين فصالحهم المقوقس على الجزية، ثم سار إلى الاسكندرية فحاصرها وافتتحها.

وفي السابعة عشر من الهجرة جاء ملك الروم إلى حمص في جموع النصرانية وبها أبو عبيدة فهزمهم واستلحمهم، ورجع هرقل إلى أنطاكية، وقد استكمل المسلمون فتح فلسطين وطبرية والساحل كله. واستنفر العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام وقدم عليهم ماهاب البطريق وبعثه للقاء العرب، وكتب إلى عامله على دمشق منصور بن سرحون أن يمده بالأموال، وكان يحقد عليه نكبته من قبل، واستصفى ماله حين أفرج الفرج عن حصاره بالقسطنطينية لأول ولايته، فاعتذر العامل للبطريق عن المال وهون عليه أمر العرب. فسار من دمشق للقائهم ونازلهم بجابية الخولان، ثم اتبعه العامل ببعض مال جهزه للعساكر، وجاء العسكر ليلا وأوقد المشاعل وضرب الطبول ونفخ البوقان، فظنهم الروم عسكر العرب جاءوا من خلفهم وأنهم أحيط بهم، فأجفلوا وتساقطوا في الوادي وذهبوا طوائف إلى دمشق وغيرها من ممالك الروم، ولحق ماهاب بطور سيناء وترهب إلى أن هلك. واتبع المسلمون الفل مع منصور إلى دمشق وحاصروها ستة أشهر فرقوا على أبوابها. ثم طلب منصور العامل الأمان للروم من خالد فأمنه، ودخل المدينة من الباب الشرقي، وتسامع الروم الذين بسائر الأبواب فهربوا وتركوها، ودخل منها الأمراء الآخرون عنوة ومنصور ينادي بأمان خالد، فاختلف المسلمون قليلا ثم اتفقوا على أمان الروم الذين كانوا بالإسكندرية بعد ان افتتحها عمرو بن العاص ركبوا إليه البحر ووافوه بها.

ثم هلك هرقل لإحدى وعشرين من الهجرة ولإحدى وثلاثين من ملكه، فملك على الروم بقسطنطينية قسطنطين وقتله بعض نساء أبيه لستة أشهر من ملكه، وملك أخوه هرقل بن هرقل، ثم تشاءم به الروم فخلعوه وقتلوه وملكوا عليهم قسنطينوس بن قسطنطين، فملك ست عشرة سنة ومات لسابعة وثلاثين من الهجرة. وفي أيامه غزا ٢/٢٦٩

معاوية بلاد الروم سنة أربع وعشرين وهو يومئذ أمير على الشام في خلافة عمر بن الخطاب، فدوخ البلاد وفتح منها مدنا كثيرة وقفل، ثم أغزى عساكر المسلمين إلى قبرص في البحر ففتح منها حصونا وضرب الجزية على أهلها سنة سبع وعشرين. وكان عمرو بن العاص لما فتح الاسكندرية كتب لبنيامين بطرك اليعاقبة بالأمان، فرجع بعد ثلاث عشرة من مغيبه، وكان ولاه هرقل في أول الهجرة كما قدمنا. وملك الفرس مصر والاسكندرية عشر سنين عند حصار قسطنطينية أيام هرقل، ثم غاب عن الكرسي عند ما ملك الفرس وقدموا الملكية، وبقي غائبا ثلاث عشرة سنة أيام الفرس عشرة وثلاث من ملكة المسلمين، ثم أمنه عمرو بن العاص فعاد ثم مات في تاسعة وثلاثين من الهجرة، وخلفه في مكانه أغاثوا فملك سبع عشرة سنة.

ولما هلك قسنطينوس بن قسطنطين في سابعة وثلاثين من الهجرة كما قلناه ملك على الروم في القسطنطينية ابنه يوطيانوس فمكث اثني عشرة سنة وتوفي سنة خمسين، فملك بعده طيباريوس ومكث سبع سنين، وفي أيامه غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في عساكر المسلمين وحاصرها مدة ثم أفرج عنها، واستشهد أبو أيوب الأنصاري في حصارها ودفن في ساحتها ، ولما قفل عنها توعدهم بتعطيل كنائسهم بالشام إن تعرضوا لقبره.

ثم قتل طيباريوس قيصر سنة ثمان وخمسين وملك أوغسطس قيصر، وفي أيام ولايته مات أغاثوا بطرك اليعاقبة القبط باسكندرية وقدم مكانه يوحنا. ثم قتل أوغسطس قيصر ذبحه بعض عبيده سنة ، وملك ابنه أصطفانيوس وكان لعهد عبد الملك بن مروان. وفي سنة خمس وستين من الهجرة زاد عبد الملك في المسجد الأقصى وأدخل الصخرة في الحرم. ثم خلع أصطفانيوس ثم ملك بعده لاون ومات ٢/٢٧٠

سنة ثمان وسبعين، وملك طيباريوس سبع سنين ومات سنة ست وثمانين، فملك سطيانوس وذلك في أيام الوليد بن عبد الملك، وهو الذي بنى مسجد بني أمية بدمشق، يقال إنه أنفق فيه أربعمائة صندوق في كل صندوق أربعمائة عشر ألف دينار، وكان فيه من جملة الفعلة اثنا عشر ألف مرخم، ويقال كانت فيه ستمائة سلسلة من الذهب لتعليق القناديل فكانت تغشى عيون الناظرين وتفتن المسلمين فأزالها عمر بن عبد العزيز وردها إلى بيت المال. وكان الوليد لما اعتزم على الزيادة في المسجد أمر بهدم كنيسة النصارى وكانت ملاصقة للمسجد فأدخلها فيه، وهي معروفة عندهم بكنيسة مار يوحنا، ويقال إن عبد الملك طلبهم في ذلك فامتنعوا، وإن الوليد بذل لهم فيها أربعين ألف دينار فلم يقبلوا، فهدمها ولم يعطهم شيئا، وشكوا أمرها إلى عمر بن عبد العزيز وجاءوه بكتاب خالد بن الوليد وعهده أن لا تخرب كنائسهم ولا تسكن، فراودهم على أخذ الأربعين ألفا التي بذل لهم الوليد فأبوا، فأمر أن ترد عليهم فعظم ذلك على الناس، وكان قاضيه أبو داريس الخولاني فقال لهم: تتركون هذه الكنيسة في الكنائس التي في العنوة في المدينة وإلا هدمناها، فأذعنوا وكتب لهم عمر الأمان على ما بقي من كنائسهم.

وفي سنة ست وسبعين بعث كاتب الخراج إلى سليمان بن عبد الملك بأن مقياس حلوان بطل فأمر ببناء مقياس في الجزيرة بين الفسطاط والجزيرة فهو لهذا العهد.

وفي سنة إحدى ومائة من الهجرة ملك تداوس على الروم سنة ونصفا، ثم ملك بعده لاون أربعا وعشرين سنة، وبعده ابنه قسطنطين. وفي سنة ثلاث عشرة ومائة غزا هشام بن عبد الملك الصائفة اليسرى، وأخوه سلمان الصائفة اليمنى، ولقيهم قسطنطين في جموع الروم فانهزموا وأخذ أسيرا ثم أطلقوه بعد. وفي أيام مروان بن محمد وولاية موسى بن نصير لقي النصارى بالإسكندرية ومصر شدة وأخذوا بغرامة المال واعتقل بطرك الاسكندرية أبي ميخايل، وطلب بجملة من المال فبذلوا موجودهم وانطلقوا يستسعون ما يحصل لهم من الصدقة، وبلغ ملك النوبة ما حل بهم فزحف في مائة ألف من العساكر إلى مصر، فخرج إليه عامل مصر، فرجع من غير قتال. وفي أيام ٢/٢٧١

هشام ردت كنائس الملكية من أيدي اليعاقبة، وولي عليهم بطرك قريبا من مائة سنة، وكانت رياسة البطرك فيها لليعاقبة وكانوا يبعثون الأساقفة للنواحي، ثم صارت النوبة من ورائهم للحبشة يعاقبة.

ثم ملك بالقسطنطينية رجل من غير بيت الملك اسمه جرجس، فبقي أيام السفاح والمنصور وأمره مضطرب، ثم مات وملك بعده قسطنطين بن لاون وبنى المدن وأسكنها أهل أرمينية وغيرها. ثم مات قسطنطين بن لاون وملك ابنه لاون، ثم هلك لاون وملك بعده نقفور.

وفي سنة سبع وثمانين ومائة غزا الرشيد هرقلة ودوخ جهاتها، وصالحه نقفور ملك الروم على الجزية فرجع إلى الرقة وأقام شاتيا وقد كلب البرد، وأمن نقفور من رجوعهم فانتقض، فعاد إلى الرشيد وأناخ عليه حتى قرر الموادعة والجزية عليه ورجع.

ودخلت عساكر الصائفة بعدها من درب الصفصاق فدوخوا أرض الروم، وجمع نقفور ولقيهم فكانت عليه هزيمة شنعاء قتل فيها أربعون ألفا ونجا نقفور جريحا. وفي سنة تسعين ومائة دخل الرشيد بالصائفة إلى بلاد الروم في مائة وخمسة وثلاثين ألفا سوى المطوعة، وبث السرايا في الجهات، وأناخ على هرقلة ففتحها، وبلغ سبيها ستة عشر ألفا، وبعث نقفور بالجزية فقبل وشرط عليهم أن لا يعمر هرقلة.

وهلك نقفور في خلافة الأمين وولي ابنه أستبران قيصر، وغزا المأمون سنة خمس عشرة ومائتين إلى بلاد الروم ففتح حصونا عدة ورجع إلى دمشق. ثم بلغه أن ملك الروم غزا طرسوس والمصيصة وقتل منها نحوا من ألف وستمائة رجل، فرجع وأناخ على أنطواغوا حتى فتحها صلحا، وبعث المعتصم ففتح ثلاثين من حصون الروم، وبعث يحيى بن أكثم بالعساكر فدوخ أرضهم، ورجع المأمون إلى دمشق. ثم دخل بلاد الروم وأناخ على مدينة لؤلؤة مائة يوم وجهز إليها العساكر مع عجيف مولاه، ورجع ملك الروم فنازل عجيفا، فأمده المأمون بالعسكر فرحل عنه ملك الروم وافتتح لؤلؤة صلحا. ثم سار المأمون إلى بلاد الروم ففتح سلعوس والبروة وبعث ابنه العباس بالعساكر فدوخ أرضهم وبنى مدينة الطولية ميلاد في ميل وجعل لها أربعة أبواب. ثم دخل غازيا بلاد الروم ومات في غزاته سنة ثمان عشرة ومائتين. وفي أيامه غلب قسطنطين على مملكة الروم وطرد ابن نقفور عنها، وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين فتح المعتصم عمورية وقصتها معروفة في أخباره. أه كلام ابن العميد. وأغفلنا من ٢/٢٧٢

كلامه أخبار البطاركة من لدن فتح الاسكندرية لأنا رأيناه مستغنى عنه وقد صارت بطركيتهم الكبرى التي كانت بالإسكندرية بمدينة رومة، وهي هنالك للملكية ويسمونه البابا ومعناه أبوا الآباء، وبقي ببلاد مصر بطرك اليعاقبة على المعاهدين من النصارى بتلك الجهات وعلى ملوك النوبة والحبشة.

وأما المسعودي فذكر ترتيب هؤلاء القياصرة من بعد الهجرة والفتح كما ذكره ابن العميد، قال: والمشهور بين الناس أن الهجرة وأيام الشيخين كان ملك الروم فيها لهرقل، قال: وفي كتب أهل السير أن الهجرة كانت على عهد قيصر بن مورق، ثم كان بعده ابنه قيصر بن قيصر أيام أبي بكر، ثم هرقل بن قيصر أيام عمر، وعليه كان الفتح وهو المخرج من الشام أيام أبي عبيدة وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فاستقر بالقسطنطينية. وبعده مورق بن هرقل أيام عثمان، وبعده مورق بن مورق أيام علي ومعاوية، وبعده قلفط بن مورق آخر أيام معاوية وأيام يزيد ومروان بن الحكم وكان معاوية يراسله ويراسل أباه مورق، وكانت تختلف إليه علامة نياق وبشره مورق بالملك وأخبره أن عثمان يقتل وأن الأمر يرجع إلى معاوية، وهادي ابنه قلفط حين سار إلى حرب علي رضي الله عنه، ثم نزلت جيوش معاوية مع ابنه الزيد قسطنطينية وهلك عليها في حصاره أبو أيوب الأنصاري. ثم ملك من بعد قلفط بن مورق لاون بن قلفط أيام عبد الملك بن مروان، وبعده جيرون بن لاون أيام الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز. ثم غشيهم المسلمون في ديارهم وغزوهم في البر والبحر، ونازل مسلمة القسطنطينية، واضطرب ملك الروم وملك عليهم جرجيس بن مرعش وملك تسع عشرة سنة ولم يكن من بيت الملك. ولم يزل أمرهم مضطربا إلى أن ملك عليهم قسطنطين بن ألبون وكانت أمه مستبدة عليه لمكان صغره، ومن بعده نقفور بن استيراق أيام الرشيد وكانت له معه حروب وغزاه الرشيد فأعطاه الانقياد ودفع إليه الجزية، ثم نقض العهد فتجهز الرشيد إلى غزوة ونزل هرقلة وافتتحها سنة تسعين ومائة وكانت من أعظم مدائن الروم، وانتقاد نقفور بعد ذلك وحمل الشروط. وملك بعده استيراق بن نقفور أيام الأمين، وغلب عليه قسطنطين ابن قلفط وملك أيام المأمون، وبعده نوفيل أيام المعتصم واسترد زبطرة ونازل عمورية وافتتحها وقتل من كان بها من أمم النصرانية. ثم ملك ميخايل بن نوفيل أيام الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين، ثم تنازع الروم وملكوا عليهم نوفيل بن ميخاييل، ٢/٢٧٣

ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي ولم يكن من بيت الملك وكان ملكه أيام المعتز والمهتدي وبعضا من أيام المعتمد، ومن بعده إليون بن بسيل بقية أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد. ومن بعده الإسكندروس ونقموا سيرته فخلعوه وملكوا أخاه لاوي بن إليون بقية أيام المعتضد والمكتفي وصدرا من أيام المقتدر، ثم هلك وملك ابنه قسطنطين صغيرا وقام بأمره أرمنوس بطريق البحر وزوجه ابنته ويسمى الدمستق وهو الذي كان يحارب سيف الدولة ملك الشام من بني حمدان، واتصل ذلك أيام المقتدر والقاهر والراضي والمتقي. وافترق أمر الروم وأقام بعض بطارقتهم ويعرف أستفانس في بعض النواحي وخوطب بالملك أرمنوس بطركا بكرسي القسطنطينية. إلى هنا انتهى كلام المسعودي. وقال عقبه: فجميع سني الروم المتنصرة من أيام قسطنطين بن هلانة إلى عصرنا وهو حدود الثلاثمائة والثلاثين للهجرة خمسمائة سنة وسبع سنين، وعدد ملوكهم أحد وأربعون ملكا، قال: فيكون ملكهم إلى الهجرة مائة وخمسا وسبعين سنة. أه كلام المسعودي.

وفي تاريخ ابن الأثير: إن أرمانوس لما مات ترك ولدين صغيرين، وكان الدمستق على عهده قوقاش وملك ملطية من يد المسلمين بالأمان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وكان أمر الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وملك قوقاش مرعش وعرزرية وحصونهما وأوقع بجابية طرسوس مرارا، وسار سيف الدولة في بلادهم فبلغ خرشنة وصارخة ودوخ البلاد وفتح حصونا عدة ثم رجع. ثم ولى أرمانوس نقفور دمستقا، واسم الدمستق عندهم على من يلي شرقي الخليج حيث ملك ابن عثمان لهذا العهد، فأقام نقفور دمستقا، وهلك أرمانوس وترك ولدين صغيرين، وكان نقفور غائبا في بلاد المسلمين فلما رجع اجتمع إليه زعماء الروم وقدموه لتدبير أمر الولدين وألبسوه التاج، وسار إلى بلاد المسلمين سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة إلى حلب فهزم سيف الدولة وملك البلد وحاصر القلعة فامتنعت عليه، وقتل ابن أخت الملك في حصارها فقتل جميع الأسرى الذين عنده.

ثم بنى سنة ست وخمسين مدينة بقيسارية ليجلب منها على بلاد الإسلام، فخافه أهل طرسوس واستأمنوا إليه فسار إليهم وملكها بالأمان وملك المصيصة عنوة. ثم بعث أخاه في العساكر سنة تسع وخمسين إلى حلب فملكها، وهرب أبو المعالي بن سيف الدولة إلى البرية، وصالحه مرعويه بعد أن امتنع بالقلعة ورجع. ثم أن أم ٢/٢٧٤

الملكين ابني أرمانوس اللذين كانا مكفولين له، استوحشت منه وداخلت في قتله ابن الشميشق فقتله سنة ستين. وقام ابن أرمانوس الأكبر وهو بسيل بتدبير ملكه، وجعل ابن الشميشق دمستقا وقام على الأورق أخي نقفور، وعلى ابنه ورديس بن لاون واعتقلهما. وسار إلى الرها وميافارقين، وعاث في نواحيهما، وصانعه أبو تغلب بن حمدان صاحب الموصل بالمال فرجع. ثم خرج سنة اثنتين وستين، فبعث أبو تغلب ابن عمه أبا عبد الله بن حمدان فهزمه وأسره وأطلقه. وكان لأم بسيل أخ قام بوزارتها فتحيل في قتل ابن الشميشق بالسم.

ثم ولى بسيل بن أرمانوس سقلاروس دمستقا، فعصى عليه سنة خمس وستين وطلب الملك لنفسه، وغلبه بسيل. ثم خرج على بسيل ورد بن منير من عظماء البطارقة، واستجاش بأبي تغلب بن حمدان وملكوا الأطراف، وهزم عساكر بسيل مرة بعد مرة، فأطلق ورديس لاون وهو ابن أخي نقفور من معقلة وبعثه في العساكر لقتاله فهزمه ورديس، ولحق ورد بن منير بميافارقين صريخا بعضد الدولة، وراسله بسيل في شأنه فجنح عضد الدولة إلى بسيل وقبض على ورديس واعتقله ببغداد، ثم أطلقه ابنه صمصام الدولة لخمس سنين من اعتقاله، وشرط عليه إطلاق أسرى المسلمين، والنزول عن حصون عدة من معاقل الروم، وأن لا يغير على بلاد الإسلام. وسار فاستولى على ملطية ومضى إلى القسطنطينية فحاصرها وقتل ورديس بن لاون، واستنجد بسيل بملك الروم وزوجه أخته ثم صالح وردا على ما بيده. ثم هلك ورد بعد ذلك بقليل واستولى بسيل على أمره وسار إلى قتال البلغار فهزمهم وملك بلادهم وعاث فيها أربعين سنة. واستمده صاحب حلب أبو الفضائل بن سيف الدولة، فلما زحف إليه منجوتكين صاحب دمشق من قبل الخليفة بمصر سنة إحدى وثمانين، فجاء بسيل لمدده وهزمه منجوتكين ورجع مهزوما ورجع منجوتكين الى دمشق، ثم عاود الحصار فجاء بسيل صريخا لأبي الفضائل فأجفل منجوتكين من مكانه على حلب، وسار إلى حمص وشيزر فملكها وحاصر طرابلس، وصالحه ابن مروان على ديار بكر. ثم بعث الدوقس الدمستق إلى أمامه فبعث إليه صاحب مصر أبا عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان في العساكر فهزمه وقتله.

ثم هلك بسيل سنة عشر وأربعمائة لنيف وسبعين من ملكه وملك بعده أخوه قسطنطين وأقام تسعا ثم هلك عن ثلاث بنات، وفملك الروم عليهم الكبرى منهن وأقام بأمرها ٢/٢٧٥

ابن خالها أرمانوس وتزوجت به فاستولى على مملكة الروم. وكان خاله ميخاييل متحكما في دولته ومداخلا لأهله فمالت إليه الملكة وحملته على قتل أرمانوس، فقتله واستولى على الأمر. ثم أصابه الصرع وأذاه فعمد لابن أخته واسمه ميخاييل أيضا وكان أرمانوس قد خرج سنة إحدى وعشرين إلى حلب في ثلاثة آلاف مقاتل، ثم خار عن اللقاء فاضطرب ورجع واتبعه العرب فنهبوا عساكره، وكان معه ابن الدوقس من عظماء البطارقة فارتاب وقبض عليه. وخرج سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في جموع الروم فملك الرها وسروج وهزم عساكر ابن مروان.

ولما ملك ميخاييل سار إلى بلاد الإسلام فلقيه الدربري صاحب الشام من قبل العلوية فهزمه واقتصر الروم بعدها عن الخروج إلى بلاد الإسلام. وملك ميخاييل ابن أخته كما قلناه وقبض على أخواله وقرابتهم وأحسن السيرة في المملكة، ثم طلب زوجته في الخلع فأبت، فنفاها إلى بعض الجزائر واستولى على المملكة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ونكر عليه البترك ما وقع فيه فهم بقتله ودخل بعض حاشيته في ذلك، ونمى الخبر الى البترك فنادى في النصرانية بخلعه وحاصره في قصره واستدعى الملكة التي خلعها ميخاييل من مكانها وأعادوها إلى الملك فنفت ميخاييل كما نفاها أولا.

ثم اتفق البترك والروم على خلع الملكة بنت قسطنطين وملكوا أختها الأخرى تودورة وسلموا ميخاييل لها، ثم وقعت الفتنة بين شيعة تودورة وشيعة ميخاييل واتصلت، وطلب الروم أن يملكوا عليهم من يمحو هذه الفتنة وأقرعوا على المرشحين فخرجت القرعة على قسطنطين منهم فملكوه أمرهم، وتزوج بالملكة الصغيرة تودورة وجعلت أختها الكبرى على ما بذلته لها وذلك سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.

ثم توفي قسطنطين سنة ست وأربعين، وملك على الروم أرمانوس وقارن ذلك بظهور الدولة السلجوقية واستيلاء طغرلبك على بغداد، فردد الغزو إليهم من ناحية أذربيجان، ثم سار ابنه الملك آلب أرسلان وملك مدنا من بلاد الكرخ منها مدينة آي وأثخن في بلادهم. ثم سار ملك الروم الى منبج وهزم ابن مرداس وابن حسان وجموع العرب، فسار آلب أرسلان إليه سنة ثلاث وستين وخرج أرمانوس في مائتي ألف من الروم والعرب والدوس والكرخ ونزل على نواحي أرمينية، فزحف إليه آلب أرسلان من أذربيجان فهزمه وحصل في أسره ثم فاداه على مال يعطيه وأجروه عليه وعقد معه ٢/٢٧٦

صلحا. وكان أرمانوس لما انهزم وثب ميخاييل بعده على مملكة الروم، فلما انطلق من الأسر ورجع دفعه ميخاييل عن الملك والتزم أحكام الصلح الذي عقده مع آلب أرسلان وترهب أرمانوس إلى هنا انتهى كلام ابن الأثير.

ثم استفحل ملك الافرنج بعد ذلك واستبدوا بملك رومة وما وراءها، وكان الروم لما أخذوا بدين النصرانية حملوا عليه الأمم المجاورين لهم طوعا وكرها، فدخل فيه طوائف من الأمم منهم الأرمن وقد تقدم نسبهم إلى ناحور أخي إبراهيم عليه السلام وبلدهم أرمينية وقاعدتها خلاط، ومنهم الكرج وهم من شعوب الروم وبلادهم الخزر ما بين أرمينية والقسطنطينية شمالا في جبال ممتنعة، ومنه الجركس في جبال بالعدوة الشرقية من بحر نيطش وهم من شعوب الترك، ومنهم الروس في جزائر ببحر نيطش وفي عدوته الشمالية ومنه البلغار نسبة إلى مدينة لهم في العدوة الشمالية أيضا من بحر نيطش، ومنهم البرجان أمة كبيرة متوغلون في الشمال لا تعرف أخبارهم لبعدها، وهؤلاء كلهم من شعوب الترك.

وأعظم من أخذ به من الأمم الافرنج وقاعدة بلادهم فرنجة، ويقولون فرنسة بالسين وملكهم الفرنسيس، وهم في بسائط على عدوة البحر الرومي من شمالية وجزيرة الأندلس من ورائهم في المغرب تفصل بينهم وبينها جبال متوعرة ذات مسالك ضيقة يسمونها ألبون وساكنها الجلالقة من شعوب الافرنج، وهؤلاء فرنسة أعظم ملوك الافرنجة بالعدوة الشمالية من هذا البحر، واستولوا من الجزيرة البحرية منه على صقلية وقبرص وأقريطش وجنوة، واستولوا أيضا على قطعة من بلاد الأندلس إلى برشلونه، واستفحل ملكهم بعد القياصرة الأول.

ومن أمم الافرنجة البنادقة وبلادهم حفافي خليج يخرج من بحر الروم متضايقا إلى ناحية الشمال ومغربا بعض الشيء على سبعمائة ميل من البحر وهذا الخليج مقابل لخليج القسطنطينية، وفي القرب منه وعلى ثمان مراحل من بلاد جنوة، ومن ورائها مدينة رومة حاضرة الافرنجة ومدينة ملكهم وبها كرسي البطرك الأكبر الذي يسمونه البابا. ومن أمم الافرنجة الجلالقة وبلادهم الأندلس وهؤلاء كلهم دخلوا في دين النصرانية تبعا للروم إلى من دخل فيه منهم من أمم السودان والحبشة والنوبة، ومن كان على ملكة الروم من برابرة العدوة بالمغرب مثل نغزاوة وهوارة بإفريقية والمصامدة بالمغرب الأقصى، واستفحل ملك الروم ودين النصرانية. ٢/٢٧٧

ولما جاء الله بالإسلام وغلب دينه على الأديان وكانت مملكة الروم قد انتشرت في حفافي البحر الرومي من عدوتيه، فانتزعوا منهم لأول أمرهم عدوته الجنوبية كلها من الشام ومصر وإفريقية والمغرب وأجازوا من خليج طنجة فملكوا الأندلس كلها من يد القوط والجلالقة وضعف أمر الروم وملكهم بعد الانتهاء إلى غايته شأن كل أمة. ثم شغل الافرنجة بما دهمهم من العرب في الأندلس والجزائر بما كانوا يتخيمونهم ويرددون الصوائف إلى بسائطهم أيام عبد الرحمن الداخل وبنيه الأندلس، وعبد الله الشيعي وبنيه بإفريقية. وملكوا عليهم جزائر البحر الرومي التي كانت لهم مثل صقلية وميورقة ودانية وأخواتها، إلى أن فشل ربح الدولتين وضعف ملك العرب، فاستفحل الافرنجة ورجعت لهم واسترجعوا ما ملكه المسلمون إلا قليلا بسيف البحر الرومي مضايق العرض في طول أربع عشرة مرحلة واستولوا على جزائر البحر كلها، ثم سموا إلى الشام وبيت المقدس مسجد أنبيائهم ومطلع دينهم فسربوا إليه آخر المائة الخامسة، وتواثبوا على الأمصار والحصون وسواحله. ويقال: إن المستنصر العبيدي هو الذي دعاهم لذلك وحرضهم عليه لما رجى فيه من اشتغال ملوك السلجوقية بأمرهم، وإقامتهم سدا بينه وبينهم عند ما سموا إلى ملك الشام ومصر.

وكان ملك الافرنجة يومئذ اسمه بردويل وصهره زجار ملك صقلية من أهل طاعته، فتظاهروا على ذلك وساروا إلى القسطنطينية سنة إحدى وتسعين ليجعلوها طريقا إلى الشام، فمنعهم ملك الروم يومئذ ثم أجازهم على أن يعطوه ملطية إذا ملوكها فقبلوا شرطه. ثم ساروا إلى بلاد ابن قلطمش، وقد استولى يومئذ على مرية وأعمالها وأرزن الروم وأقصر وسيواس، وافتتح تلك الأعمال كلها عند هبوب ريح قومه على السلجوقية، ثم حدثت الفتنة بينهم وبين الروم بالقسطنطينية، واستنجد كل منهم بملوك المسلمين في ثغور الشام والجزيرة، وعظمت الفتن في تلك الآفاق ودامت الحال على ذلك نحوا من مائة سنة وملك الروم بالقسطنطينية في تناقص واضمحلال.

وكان زجار صاحب صقلية يغزو القسطنطينية من البحر ويأخذ ما يجد في مرساها من سفن التجار وشواني المدينة، ولقد دخل جرجي بن ميخاييل صاحب أسطوله الى ٢/٢٧٨

مينا القسطنطينية سنة أربع وأربعين وخمسمائة ورمى قصر الملك بالسهام، فكانت تلك أنكى على الروم من كل ناحية.

ثم كان استيلاء الإفرنج على القسطنطينية آخر المائة السادسة وكان من خبرها أن ملك الروم بالقسطنطينية أصهر إلى الفرنسيس عظيم ملوك الافرنج في أخته فزوجها له الفرنسيس وكان له منها ابن ذكر، ثم وثب بملك الروم أخوه فسمله وملك القسطنطينية مكانه. ولحق الابن بخاله الفرنسيس صريخا به على عمه فوجده قد جهز الأساطيل الارتجاع بيت المقدس، واجتمع فيها ثلاثة من ملوك الافرنجة بعساكرهم دوقس البنادقة صاحب المراكب البحرية وفي مراكبه كان ركوبهم، وكان شيخا أعمى نقادا ذا ركب والمركس مقدم الفرنسيس وكيدفليد وهو أكبرهم، فأمر الفرنسيس بالجواز على القسطنطينة ليصلحوا بين ابن أخته وبين عمه ملك الروم، فلما وصلوا إلى مرسى القسطنطينية، خرج عمه وحار بهم فهزموه ودخلوا البلد وهرب الى أطراف البلد وقتل حاضروه وأضرموا النار في البلد، فاشتغل الناس بها وأدخل الصبي بشيعته، فدخل الافرنج معه وملكوا البلد وأجلسوا الصبي في ملكه وساء أثرهم في البلد، وصادروا أهل النعم وأخذوا أموال الكنائس، وثقلت ووطأتهم على الروم فعقلوا الصبي وأخرجوهم واستدعوا ملكهم عم الصبي من مكان مقره وملكوه عليهم.

وحاصرهم الإفرنج فاستنجد بسليمان بن قليج أرسلان صاحب قونية وبلاد الروم شرقي الخليج، وكان في البلد خلق من الإفرنج، فقبل أن يصل سليمان ثاروا فيها وأضرموا النيران حتى شغل بها الناس، وفتحوا الأبواب فدخل الإفرنج واستباحوها ثمانية أيام حتى أقفرت، واعتصم الروم بالكنيسة العظمى منها وهي مموقيا . ثم خرجت جماعة القسيسين والأساقفة والرهبان، وفي أيديهم الإنجيل والصلبان فقتلوهم أجمعين، ولم يراعوا لهم ذمة ولا عهدا، ثم خلعوا الصبي واقترعوا ثلاثتهم على الملك فخرجت القرعة على كيدفليد كبيرهم فملكوه على القسطنطينية وما يجاورها، وجعلوا لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل أقريطش ورودس وغيرهما، وللمركيس مقدم ٢/٢٧٩

الفرنسيس البلاد التي في شرقي الخليج. ثم تغلب عليها بطريق من بطارقة الروم اسمه لشكري ودفع عنها الإفرنج وبقيت بيده واستولى بعدها على القسطنطينية، وكان اسمه ميخاييل، وفي كتاب المؤيد صاحب حماة أنه أقام ببعض الحصون. ثم بنيت القسطنطينية وملكها وفر الافرنج في مراكبهم وملك الروم وقتل الذي كان ملكا قبله، وتوفي سنة إحدى وثمانين وستمائة وعقد معه الصلح المنصور قلاون صاحب مصر والشام لذلك العهد.

قال: وملك بعده ابنه ماند ويلقب الدوقس وشهرتهم جميعا اللشكري ثم انقرضت دولة بني قليج أرسلان، وملك أعمالهم التتر كما نذكر في أخبارهم، وبقي بني اللشكري ملوكا على القسطنطينية إلى هذا العهد، وملك شرقي الخليج بعد انقضاء دولة التتر من بلاد الروم ابن عثمان جق أمير التركمان، وهو الآن متحكم على صاحب القسطنطينية ومتغلب على نواحيه من سائر جهاته. هذا ما بلغنا من أخبار الروم من أول دولتهم منذ يونان والقياصرة لهذا العهد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

الخبر عن القوط وما كان لهم من الملك بالأندلس الى حين الفتح الإسلامي وأولية ذلك ومصايره

هذه الأمة من أمم أهل الدولة العظيمة المعاصرة لدول الطبقة الثانية من العرب وقد ذكرناهم عقب اللطينيين لأن الملك صار إليهم من بينهم كما ذكرناه، وسياقة الخبر عنهم أنهم كانوا يعرفون في الزمن القديم بالسيسيين نسبة إلى الأرض التي كانوا يعمرونها بالمشرق فيما بين الفرس واليونان، وهم في نسبهم إخوة الصين من ولد ماغوغ بن يافث، وكانت لهم مع الملوك السريانيين حروب موصوفة زحف إليهم فيها مومن مالي ملك سريان فدافعوه لعهد إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم كانت لهم حروب مع الفرس عند تخريب بيت المقدس وبناء رومة، ثم غلبهم الإسكندر وصاروا في ملكته واندرجوا في قبائل الروم ويونان. ثم لما ضعف أمر الروم بعد الإسكندر وتغلبوا على بلاد الغريقيين ومقدونية ونبطة أيام غلبنوش بن بارايان من ملوك القياصرة وكانت ٢/٢٨٠

بينه وبينه حروب سجال، ثم غلبهم القياصرة من بعده وظفروا بهم، حتى إذا انتقل القياصرة إلى القسطنطينية وفشل أمرهم برومة زحف إليها هؤلاء القوط واقتحموها عنوة فاستباحوها. ثم خرجوا عنها أيام طودوشيش بن أركاديش بعد حروب كثيرة، وكان أميرهم لذلك العهد أنطرك كما ذكرناه، ومات لعهد طودوشيش وأراد أن يجعل اسمه سمة الملوك برومة منهم مكان سمة قيصر، فاختلف عليه أصحابه في ذلك فرجع عنه، ثم صالح الرومانيين على أن يكون له ما يفتح من بلاد الأندلس لما كان امر الرومانيين قد ضعف عن الأندلس ولحق بها ثلاث طوائف من الغريقيين فاقتسموا ملكها وهم الأبيون والشوانيون والقندلش وباسم قندلس سميت الأندلس.

وكان بالأندلس من قبلهم الأرباريون من ولد طوال بن يافث وهم إخوة الأنطاليس، سكنوها من بعد الطوفان وصاروا إلى طاعة أهل رومة، حتى دخل إليهم هؤلاء الطوالع من الغريقيين عند ما اقتحم القوط مدينة رومة وغلبوا الأمم الذين كانوا بها من ولد طوال. وقد يقال: إن هؤلاء الطوالع كلهم من ولد طوال بن يافث وليسوا من الغريقيين، واقتسم هؤلاء الطوالع ملكها وكانت جليقية لقندلش ولشبونة وماردة وطليطلة ومرسية لشوانش وكانوا أشرافهم. وكانت إشبيلية وقرطبة وجيان وطالعة للأبيق وأميرهم عندريقش أخو لشيقش أربعين سنة حين زحف إليهم القوط من رومة، وكان قد ولي عليهم بعد أطفانش ملك آخر منهم اسمه طشريك وقتله الرومانيون، وولي مكانه منهم ماستة ثلاث سنين وزوج أخته من طودوشيش ملك الرومانيين وصالحه على أن يكون له ما يفتحه من الأندلس. ثم مات وولي مكانه لزريق ثلاث عشرة سنة وهو الذي زحف إلى الأندلس وقتل ملوكها وطرد الطوائف الذين كانوا بها فأجازوا إلى طنجة وتغلبوا على بلاد البربر وصرفوا البربر الذين كانوا بالعدوة عن طاعة القسطنطين إلى طاعتهم، فلم يزالوا على ذلك إلى دولة يشتيانش نحوا من ثمانين سنة، ثم هلك طورديق ملك القوط بالأندلس وولي مكانه ٢/٢٨١

سبع عشرة سنة، وانتقض عليه البسكتس إحدى طوائف القوط فزحف إليهم وردهم إلى طاعته ثم هلك.

وولي بعده الديك ثلاثا وعشرين سنة، وكانت الافرنج لعهده قد طمعوا في ملك الأندلس وأن يغلبوا عليها القوط، فجمعوا لهم وملكوا على أنفسهم منهم، فزحف إليهم الديك في أمم القوط إلى أن توغل في بلاد الافرنج فغلبوه وقتلوه وعامة أصحابه.

وكانت القوط قبل دخولهم إلى الأندلس فرقتين كما ذكرنا في دولة بلنسيان بن قسطنطين من القياصرة المتنصرة، وكانت إحدى الفرقتين قد أقامت بمكانها من نواحي رومة فلما بلغهم خبر الديك صاحب الأندلس منهم امتعضوا لذلك، وكان أميرهم طورديك منهم، فزحف إلى الافرنج وغلبهم على ما كانوا لملكونه من الأندلس، ودخل القوط الذين كانوا بالأندلس في طاعته فولى عليهم ابنه أشتريك ورجع إلى مكانه من نواحي رومة، فزحف الافرنج إلى محاربة أشتريك حتى غلبوه على طلوسة من ناحيتهم.

وهلك أشتريك بعد خمس سنين من ملكه وولي عليهم بعده بشليقش أربع سنين، ثم بعده طودريق إحدى وستين سنة وقتله بعض أصحابه بأشبيلية، وولي بعده أبرليق خمس سنين، وبعده طودس ثلاث عشرة سنة، وبعده طودشكل سنتين، وبعده أيلة خمس سنين وانتقض عليه أهل قرطبة فحاربهم وتغلب عليهم. وبعده طنجاد خمس عشرة سنة، وبعده ليولة سنة واحدة، وبعده لوبليدة ثماني عشرة سنة وانتقضت عليه الأطراف فحاربهم وسكنهم ونكر عليه النصارى تثليث أريش وراودوه على الأخذ بتوحيدهم الذين يزعمونه فأبى وحاربهم فقتل. وولي ابنه زدريق ست عشرة سنة ورجع إلى توحيد النصارى بزعمهم وهو الذي بنى البلاد المنسوبة إليه بقرطبة. ولما هلك ولي بعده على القوط ليوبة سنتين، وبعده تبديقا عندمار سنتين، وبعده شيشوط ثماني سنين وعلى عهده كان هرقل ملك قسطنطينية والشام، ولعهده كانت الهجرة.

وهلك شيشوط ملك القوط وولي بعده زدريق آخر منهم ثلاثة أشهر، وبعده شتلة ثلاث سنين، وبعده سنشادش خمس سنين، وبعده خنشوند سبع سنين، وبعده وجنشوند ثلاثا وعشرين سنة، ولهذه العصور ابتدأ ضعف الأحكام للقوط. وبعده ٢/٢٨٢

مانيه ثمان سنين، وبعده لوري ثمان سنين، وبعده ايقه ست عشرة سنة، وبعده غطسة أربع عشرة سنة وهو الذي وقع من قصته مع ابنه يليان عامل طنجة ما وقع.

ثم بعده زدريق سنتين وهو الذي دخل عليه المسلمون وغلبوه على ملك القوط وملكوا الأندلس، ولذلك العهد كان الوليد بن عبد الملك حسبما نذكره عند فتح الأندلس إن شاء الله تعالى.

هذه سياقة الخبر عن هؤلاء القوط نقلته من كلام هروشيوش وهو أصح ما رأيناه في ذلك والله سبحانه وتعالى الموفق المعين بفضله وكرمه لا رب غيره ولا مأمول إلا خيره.

الطبقة الثالثة من العرب وهم العرب التابعة للعرب وذكر افاريقهم وأنسابهم وممالكهم وما كان لهم من الدول على اختلافها والبادية والرحالة منهم وملكها

هذه الأمة من العرب البادية أهل الخيام الذين لا إغلاق لهم لم يزالوا من أعظم أمم العالم وأكثر أجيال الخليقة، يكثرون الأمم تارة وينتهى إليهم العز والغلبة بالكثرة فيظفرون بالملك ويغلبون على الأقاليم والمدن والأمصار، ثم يهلكهم الترفه والتنعم ويغلبون عليهم ويقتلون ويرجعون إلى باديتهم، وقد هلك المتصدرون منهم للرئاسة بما باشروه من الترف ونضارة العيش وتصيير الأمر لغيرهم من أولئك المبعدين عنهم بعد عصور أخرى. هكذا سنة الله في خلقه وللبادية منهم مع من يجاورهم من الأمم حروب ووقائع في كل عصر وجيل بما تركوا من طلب المعاش، وجعلوا طلب المعاش رزقهم في معاشهم بترصد السبيل وانتهاب متاع الناس.

ولما استفحل الملك للعرب في الطبقة الأولى للعمالقة، وفي الثانية للتبابعة، وكان ذلك عن كثرتهم فكانوا منتشرين لذلك العهد باليمن والحجاز ثم بالعراق والشام، فلما تقلص ملكهم وكانوا بالعراق منهم بقية أقاموا ضاحين من ظل الملك. يقال في مبدإ كونهم هنالك أن بخت نصر لما سلطه الله على العرب وعلى بني إسرائيل بما كانوا من بغيهم وقتلهم الأنبياء، قتل أهل الوبر بناحية عدن اليمن نبيهم شعيب بن ذي ٢/٢٨٣

مهدم على ما وقع في تفسير قوله تعالى: «فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون 21: 12» .

فأوحى الله إلى إرمياء بن حزقيا وبرخيا أن يسيرا بخت نصر إلى العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم أن يقتل ولا يستحيى ويستلحمهم أجمعين ولا يبقى منهم أثرا، وقال بخت نصر: وأنا رأيت مثل ذلك. وسار إلى العرب، وقد نظم ما بين أيلة والأبلة خيلا ورجلا، وتسامع العرب بأقطار جزيرتهم واجتمعوا للقائه، فهزم عدنان أولا ثم استلحم الباقين ورجع إلى بابل، وجمع السبايا فأنزلهم بالأنبار ثم خالطهم بعد ذلك النبطة.

وقال ابن الكلبي: إن بخت نصر لما نادى بغزو العرب افتتح أمره بالقبض على من كان في بلاده من تجارهم للميرة وأنزلهم الحيرة، ثم خرج إليهم في العساكر فرجعت قبائل منهم إليه آثروا الإذعان والمسالمة، وأنزلهم بالسواد على شاطئ الفرات، وابتنوا موضع عسكرهم وسموه الأنبار، ثم أنزلهم الحيرة فسكنوها سائر أيامه ورجعوا إلى الأنبار بعد مهلكه.

قال الطبري: إن تبعا أبا كرب لما غزا العراق أيام أردشير بهمن كانت طريقه على جبل طيئ ومنه إلى الأنبار، وانتهى إلى موضع الحيرة ليلا، فتحير وأقام فسمي المكان الحيرة. ثم سار لوجهه وخلف هنالك قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، وطنوا وبنوا ولحق بهم ناس من طيئ وكلب والسكون وإياد والحرث بن كعب فكانوا معهم.

وقيل وهو قريب من الأول: خرج تبع في العرب حتى تحيروا بظاهر الكوفة فنزل بها ضعفاء الناس فسميت الحيرة، ولما رجع ووجدهم قد استوطنوا، تركهم هنالك وفيهم من كل قبائل العرب من هذيل ولخم وجعفي وطيئ وكلب وبني لحيان من جرهم.

قال هشام بن محمد: لما مات بخت نصر انتقل الذين أسكنهم بالحيرة إلى الأنبار ومعهم من انضم إليهم من بني إسماعيل وبني معد وانقطعت طوالع العرب من اليمن عنهم، ثم كثر أولاد معد وفرقتهم العرب، وخرجوا يطلبون المنسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشام، ونزلت قبائل منهم البحرين وبها يومئذ قوم من الأزد نزلوها أيام خروج مزيقياء من اليمن، وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم بن أسد بن وبرة بن قضاعة وابن أخيهما مالك بن زهير وابن عمرو ٢/٢٨٤

بن فهم في جماعة من قومهم والخنفار بن الحيق بن عمرو بن معد بن عدنان في قفص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن لطمان بن عبد مناف بن بعدم بن دعمي بن أياد بن أرقص بن صبيح بن الحارث بن أفصى بن دعمي وزهير بن الحرث بن أليل بن زهير بن أياد، واجتمعوا بالبحرين وتحالفوا على المقام والتناصر وأنهم يد واحدة، وكان هذا الاجتماع والحلف أزمان الطوائف، وكان ملكهم قليلا ومفترقا وكان كل واحد منهم يغير على صاحبه ويرجع على أكثر من ذلك. فتطلعت نفوس العرب بالبحرين إلى ريف العراق، وطمعوا في غلب الأعاجم عليه أو مشاركتهم فيه، واهتبلوا الخلاف الذي كان بين الطوائف وأجمع رؤساؤهم المسير إلى العراق.

فسار منهم الأول الخنفار بن الحبق في أشلاء قفص بن معد ومن معهم من أخلاط الناس، فوجدوا بأرض بابل الى الموصل بني إرم بن سام الذين كانوا ملوكا بدمشق، وقيل لها من أجلهم دمشق إرم وهم من بقايا العرب الأولى، فوجدوهم يقاتلون ملوك الطوائف، فدفعوهم عن سواد العراق، فارتفعوا عنه إلى أشاء قفص، هؤلاء ينسبون إلى عمرو بن عدي بن ربيعة جد بني المنذر عند نسابة مضر، وفي قول حماد الراوية كما يأتي ذكره. ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم وابن مالك بن زهير من قضاعة وغطفان بن عمرور وصبح بن صبيح وزهير بن الحرث من أياد فيمن معهم من غسان وحلفائهم بالأنبار، وكلهم تنوخ كما قدمنا، فغلبوا بني إرم ودفعوهم عن جهات السواد. وجاء على أثرهم نمارة بن قيس ونمارة بن لخم نجدة من قبائل كندة، فنزلوا الحيرة وأوطنوها، وأقامت طالعة الأنبار وطالعة الحيرة لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم حتى مر بهم تبع وترك فيهم ضعفة عساكره كما تقدم، وأوطنوا فيهم من كل القبائل كما ذكرنا جعف وطيئ وتميم وبني لحيان من جرهم. ونزل كثير من تنوخ ما بين الحيرة والأنبار بادين في الخيام لا يأوون إلى المدن ولا يخالطون أهلها، وكانوا يسمون عرب الضاحية، وأول من ملكه منهم أزمان الطوائف مالك بن فهم، وبعده أخوه عمرو، وبعده ابن أخيه جذيمة الأبرش كما يأتي ذكر ذلك كله.

وكان أيضا ولد عمرو مزيقياء بعد خروجه من اليمن بالأزد قومه عند خروجه أنذرهم بسيل العرم في القصة المشهورة، وقد انتشروا بالشام والعراق وتخلف من تخلف منهم بالحجاز وهم خزاعة، فنزلوا مر الظهران وقاتلوا جرهما بمكة فغلبوهم عليها، ونزل نصر بن الأزد عمان، ونزلت غسان جبال الشراة، وكانت لهم حروب مع بني معد ٢/٢٨٥

إلى أن استقروا هنالك في التخوم بين الحجاز والشام، هذا شأن من أوطن العراق والشام من قبائل سبا، تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذجح وكندة والأشعريون وحمير وأنمار وهو أبو خثعم وبجيلة، فكان الملك لهؤلاء باليمن في حمير ثم التبابعة منهم، ويظهر من هذا أن خروج مزيقياء والأزد كان لأول ملك التبابعة أو قبله بيسير.

وأما بنو معد بن عدنان فكان إرميا وبرخيا لما أوحي إليهما بغزو بخت نصر العرب، وأمرهما الله أن يستخرجا معد بن عدنان لأن من ولده محمدا صلى الله عليه وسلم، أخرجه آخر الزمان أختم به النبيين وأرفع به من الضعة، فأخرجاه على البراق وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وذهبا به إلى حران فربي عندهما. وغزا بخت نصر العرب واستلحمهم وهلك عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا، ثم هلك بخت نصر فخرج معد بن عدنان مع أنبياء بني إسرائيل، فحجوا جميعا وطفق يسأل عمن بقي من ولد الحرث بن مضاض الجرهمي. وكانت قبائل دوس أكثر جرهم على يده فقيل له بقي جرهم بن جلهة ، فتزوج ابنته معانة وولدت له نزار بن معد.

قال السهيلي، وكان رجوع معد إلى الحجاز بعد ما رفع الله بأسه عن العرب، ورجعت بقاياهم التي كانت بالشواهق إلى مجالاتهم بعد أن دوخ بخت نصر بلادهم وخرب معمورهم واستأصل حضورا وأهل الرس التي كانت سطوة الله بالعرب من أجلهم. أه. كلام السهيلي.

ثم كثر نسل معد في ربيعة ومضر وأياد، وتدافعوا إلى العراق والشام، وتقدم منهم أشاء قفص- كما ذكرنا- وجاءوا على أثرهم، فنزلوا مع أحياء اليمنية الذين ذكرناهم قبل، وكانت لهم مع تبع حروب وهو الذي يقول:

لست بالتبع اليماني إن لم ... تركض الخيل في سواد العراق

أو تؤدي ربيعة الخرج قسرا ... لم تعقها موانع العواق

ثم كان بالعراق والشام والحجاز أيام الطوائف ومن بعدهم في أعقاب ملك التبابعة اليمنية والعدنانية ملك ودول بعد أن درست الأجيال قبلهم وتبدلت الأحوال السابقة ٢/٢٨٦

لعصرهم، فاستحق بذلك أن يكون جيلا منفردا عن الأول، وطبقة مباينة للطباق السالفة. ولما لم يكن لهم أثر في إنشاء العروبية كما للعرب العاربة، ولا في لغتها عنهم كما في المستعربة، وكانوا تبعا لمن تبعهم في سائر أحوالهم استحقوا التسمية بالعرب التابعة للعرب. واستمرت الرئاسة والملك في هذه الطبقة اليمانية أزمنة وآمادا بما كانت صبغتها لهم من قبل وأحياء مضر وربيعة تبعا لهم، فكان الملك بالحيرة للخم في بني المنذر، وبالشام لغسان في بني جفنة، وبيثرب كذلك في الأوس والخزرج ابني قيلة. وما سوى هؤلاء من العرب فكانوا ظواعن بادية وأحياء ناجعة، وكانت في بعضهم رياسة بدوية وراجعة في الغالب إلى أحد هؤلاء، ثم نبضت عروق الملك في مضر وظهرت قريش على مكة ونواحي الحجاز أزمنة عرف فيها منهم ودانت الدول بتعظيمهم. ثم صبح الإسلام أهل هذا الجيل وأمرهم على ما ذكرناه فاستحالت صبغة الملك إليهم، وعادت الدول لمضر من بينهم، واختصت كرامة الله بالنبوة بهم، فكانت فيهم الدول الإسلامية كلها، إلا بعضا من دولها قام بها العجم اقتداء بالملة وتمهيدا للدعوة حسبما نذكر ذلك كله.

فلنأت الآن بذكر قبائل هذه الطبقة من قحطان وعدنان وقضاعة، وما كان لكل واحدة منها من الملك قبل الإسلام وبعده: ومن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني في أخبار خزيمة بن نهد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة قال: كان بدء تفرق بني إسماعيل من تهامة ونزوعهم عنها إلى الآفاق وخروج من خرج منهم عن نسبه، أن قضاعة كانوا مجاورين لنزار وكان خزيمة بن نهد فاسقا متعرضا للنساء، فشبب بفاطمة بنت يذكر وهو عامر بن عنزة، وذكرها في شعره حيث يقول:

إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا

وحالت دون ذلك من هموم ... هموم تخرج الشجر الربينا

أري ابنة يذكر ظعنت فحلت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا

وسخط ذلك يذكر خشية خزيمة على نفسه فاغتاله وقتله، وانطفت نار يذكر ولم يصح على خزيمة شيء تتوجه به المطالبة على قضاعة حتى قال في شعره:

فاه كان عند رضاب العصير ... ففيها يعل به الزنجبيل

قتلت أباها على حبها ... فتبخل إن بخلت أو تقيل ٢/٢٨٧

فلما سمعت نزار شعر خزيمة بن نهد وقتله يذكر بن عنزة، ثاروا مع قضاعة وتساندوا مع أحياء العرب الذين كانوا معهم، وكانت هذه مع نزار ونسبها يومئذ كندة بن جنادة بن معد، وجيرانهم يومئذ أجأ بن عمرو بن أد بن أدد ابن أخي عدنان بن أدد.

وكانت قضاعة تنتسب إلى معد ومعد إلى عدنان، والأشعريون إلى الأشعر بن أدد أخي عدنان، وكانوا يظعنون من تهامة إلى الشام ومنازلهم بالصفاع. وكانت عسقلان من ولد ربيعة، وكانت قضاعة ما بين مكة والطائف، وكندة من العمد إلى ذات عرق، ومنازل أجأ والأشعر ومعد ما بين جدة والبحر. فلما اقتتلوا هزمت نزار قضاعة وقتل خزيمة وخرجوا مفترقين، فسارت تيم اللات من قضاعة وبعض بني رفيدة منهم وفرقة من الأشعريين نحو البحرين، ونزلوا هجر وأجلوا من كان بها من النبط وملوكها. وكانت الزرقاء بنت زهير كاهنة منهم فتكهنت لهم بنزول ذلك المكان والخروج عن تهامة وقالت في شعرها:

ودع تهامة لا وداع مخالف ... بذمامه لكن قلي وملام

لا تنكري هجرا مقام غريبة ... لن تعدمي من ظاعنين تهام

ثم تكهنت لهم في سجع بأنهم يقيمون بهجر حتى ينعق غراب أبقع عليه خلخال ذهبا ويقع على نخلة وصفتها فيسيرون إلى الحيرة، وكان في سجعها مقام وتنوخ فسميت تلك القبائل تنوخ من أجل هذه اللفظة. ولحق بهم قوم من الأزد فدخلوا في تنوخ وأصاب بقية قضاعة الموتان، وسارت فرقة من بني حلوان فنزلوا عبقرة من أرض الجزيرة ونسج نساؤهم البرود العبقرية من الصوف والبرود التزيدية إليهم لأنهم بنو تزيد، وأغارت عليهم الترك فأصابوا منهم، وأقبل الحرث بن قراد البهراني ليستجيش بني حلوان فعرض له أبان بن سليح صاحب العين فقتله الحرث ولحقت بهرا بالترك، فاستنقذوا ما أخذوه من بني تزيد وهزموهم وقال الحرث:

كأن الدهر جمع في ليال ... ثلاث بينهن بشهرزور

صففنا للأعاجم من معد ... صفوفا بالجزيرة كالسعير

وسارت سليح بن عمرو بن الحاف وعليهم الهدرجان بن مسلمة، حتى نزلوا فلسطين على بني أدينة بن السميدع بن عاملة، وسارت أسلم بن الحاف وهي عذرة ونهد وحويكة وجهينة حتى نزلوا بين الحجر ووادي القرى، وأقامت تنوخ بالبحرين ٢/٢٨٨

سنين. ثم أقبل الغراب بحلقتي الذهب ووقع على النخلة ونعق كما قالت الزرقاء فذكروا قولها وارتحلوا إلى الحيرة فنزلوها وهم أول من اختطها، وكان رئيسهم مالك بن زهير واجتمع إليه ناس كثيرة من بسائط القرى، وبنوا بها المنازل وأقاموا زمانا ثم أغار عليهم سابور الأكبر وقاتلوه، وكان شعارهم يا لعباد الله فسموا العباد. وهرمهم سابور فافترقوا، وسار أهل المهبط منهم مع الضيزن بن معاوية التنوخي فنزل بالحضر الذي بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا عليه. وأغارت حمير على قضاعة فأجلوهم وهم كلب. وخرج بنو زبان بن تغلب بن حلوان فلحقوا بالشام، ثم أغارت عليهم كنانة بعد ذلك بحين واستباحوهم فلحقوا بالسماوة وهي إلى اليوم منازلهم. أه كلام صاحب الأغاني (قلت) : وأحياء جدهم لهذا العهد ما بين عنزة وقلتة وفلسطين إلى معان من أرض الحجاز.

الخبر عن أنساب العرب من هذه الطبقة الثالثة واحدة واحدة وذكر مواطنهم ومن كان له الملك منهم

اعلم أن جميع العرب يرجعون إلى ثلاثة أنساب وهي عدنان وقحطان وقضاعة:

فأما عدنان: فهو من ولد إسماعيل بالاتفاق، إلا ذكر الآباء الذين بينه وبين إسماعيل فليس فيه شيء يرجع إلى يقينه، وغير عدنان من ولد إسماعيل قد انقرضوا فليس على وجه الأرض منهم أحد.

وأما قحطان: فقيل من ولد إسماعيل وهو ظاهر كلام البخاري في قوله، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، وساق في الباب قوله صلى الله عليه وسلم لقوم من أسلم يناضلون:

«ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» . ثم قال: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة من سبإ والأوس والخزرج منهم، وأصحاب هذا المذهب على أن قحطان ابن الهميسع بن أبين بن قيذار بن نبت بن إسماعيل.

والجمهور على أن قحطان هو يقطن المذكور في التوراة في ولد عابر وأن حضرموت من شعوب قحطان. ٢/٢٨٩

وأما قضاعة: فقيل إنها حمير قاله ابن إسحاق والكلبي وطائفة. وقد يحتج لذلك بما رواه ابن لهيعة عن عقبة بن عامر الجهني قال: يا رسول الله ممن نحن؟ قال: أنتم من قضاعة بن مالك. وقال عمرو بن مرة وهو من الصحابة:

نحن بن والشيخ العجاز الأزهري ... قضاعة بن مالك بن حمير

النسب المعروف غير المنكر وقال زهير: قضاعية وأختها مضرية، فجعلهما أخوين. وقال: إنهما من حمير بن معد بن عدنان. وقال ابن عبد البر: وعليه الأكثرون، ويروي عن ابن عباس وابن عمرو وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وابن مصعب الزبيري وابن هشام. قال السهيلي: والصحيح أن أم قضاعة وهي عبكرة مات عنها مالك بن حمير وهي حامل بقضاعة فتزوجها معد وولدت قضاعة فتكنى به ونسب إليه وهو قول الزبير. أه كلام السهيلي. وفي كتب الحكماء الأقدمين من يونان مثل بطليموس وهروشيوش ذكر القضاعيين والخبر عن حروبهم، فلا يعلم أهم أوائل قضاعة هؤلاء وأسلافهم أو غيرهم، وربما يشهد للقول بأنهم من عدنان وأن بلادهم لا تتصل ببلاد اليمن وإنما هي ببلاد الشام وبلاد بني عدنان. والنسب البعيد يحيل الظنون ولا يرجع فيه إلى يقين.

ولنبدأ بقحطان وبطونها: لما أن الملك الأقدم للعرب كان في نسب سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ومنه تشعب بطون حمير بن سبإ وكهلان بن سبإ وينفرد بنو حمير بالملك وكان منهم التبابعة أهل الدولة المشهورة وغيرهم كما نذكر. فلنبدأ بذكر حمير أولا من القحطانية، ونذكر بعدهم قضاعة لانتسابهم في المشهور إلى حمير، ثم نتبعهم بذكر كهلان إخوان حمير من القضاعية، ثم نرجع إلى ذكر عدنان.

الخبر عن حمير من القحطانية وبطونها وتفرع شعوبها

قد تقدم لنا ذكر الشعوب من حمير الذين كان لهم الملك قبل التبابعة فلا حاجة لنا إلى إعادة ذكرهم. وتقدم لنا أن حمير بن سبإ كان له من الولد تسعة وهم:

الهميسع ومالك وزيد وعريب وواثل ومشروح ومعديكرب وأوس ومرة، فبنو مرة دخلوا إلى حضرموت، وكان من حمير أبين بن زهير بن الغوث بن أبين بن الهميسع ابن حمير وإليهم تنسب عدن أبين، ومنهم بنو الأملوك وبنو عبد شمس وهما ابنا وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير، وعريب وأبين أخوان. ومن بني عبد ٢/٢٩٠

شمس بنو شرعب بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس، وقد تقدم قول من ذهب إلى أن جشم وعبد شمس أخوان وهما ابنا وائل، والصحيح ما ذكرناه هنا فلنرجع وبنو خيران وشعبان وهما ابنا عمرو أخي شرعب بن قيس وزيد الجمهور بن سهل أخي خيران وشعبان، ورابعهم حسان القيل بن عمرو وقد مر ذكره، ومن زيد الجمهور ذو رعين واسمه يريم بن زيد بن سهيل وإليه ينسب عبد كلال الذي تقدم ذكره في ملوك التبابعة. والحارث وعريب ابنا عبد كلال بن عريب بن يشرح بن مدان بن ذي رعين وهما اللذان كتب لهما النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم كعب بن زيد الجمهور ويلقب كعب الظلم وأبناء سبإ الأصغر بن كعب وإليه ينتهي نسب ملوك التبابعة. ومن زيد الجمهور بنو حضور بن عدي بن مالك بن زيد وقد مر ذكرهم. وتقول اليمن إن منهم كان شعيب بن ذي مهدم النبي الذي قتله قومه، فغزاهم بخت نصر فقتلهم.

وقيل بل هو من حضور بن قحطان الذي اسمه في التوراة يقطن. ومنهم أيضا بنو ميثم وبنو حالة ابني سعد بن عوف بن عدي بن مالك أخي ذي رعين، وعوف هذا أخو حضور وأخوه أحاظة وميثم بنو حراز بن سعد، فمن ميثم كعب الأحبار وقد مر ذكره، وهو كعب بن ماتع بن هلسوع لن ذي هجري بن ميثم. ومن أحاظة رهط ذي الكلاع وهو السميقع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن يزيد وهو ذو الكلاع الأكبر بن النعمان بن أحاظة، ومن عمرو بن سعيد الخبائر والسحول بنو سوادة بن عمرو بن الغوث بن سعيد يحصب، وذو أصبح أبرهة بن الصباح، وكان من ملوك اليمن لعهد الإسلام وقد مر ذكره ونسبه، ومنهم مالك بن أنس إمام دار الهجرة وكبير فقهاء السلف وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر وهو نافع بن عمرو بن الحرث بن عثمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح وابناه يحيى ومحمد وأعمامه أويس، وأبو سهل والربيع، وكانوا حلفاء لبني تيم من قريش. ومن زيد الجمهور مرثد بن علس بن ذي جدن بن الحرث ابن زيد وهو الذي استجاشه امرؤ القيس على بني أسد قاتلي أبيه.

ومن بني سبإ الأصغر الأوزاع وهم بنو مرثد بن زيد بن شدد بن زرعة بن سبإ الأصغر، ومن إخوان هؤلاء الأوزاع بنو يعفر الذين استبدوا بملك اليمن كما يأتي عند ذكر ملوك اليمن في الدولة العباسية، وهو يعفر بن عبد الرحمن بن كريب بن عثمان بن الوضاح بن إبراهيم بن مانع بن عون بن تدرص بن عامر بن ذي مغار البطين بن ٢/٢٩١

ذي مرايش بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن شدد بن زرعة. وكان آخر ملوك بني يعفر هؤلاء باليمن أبو حسان أسعد بن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر ملك أبو إبراهيم صنعاء وبنى قلعة كحلان باليمن، وورث ملكه بنوه من بعده إلى أن غلب عليهم الصليحيون من همدان بعدوة العبيديين من الشيعة كما نذكر في أخبارهم. ومن زيد الجمهور ملوك التبابعة وملوك حمير من ولد صيفي بن سبإ الأصغر بن كعب بن زيد.

قال ابن حزم: فمن ولد صيفي هذا تبع وهو تبان وهو أيضا أسعد أبو كرب بن كليكرب وهو تبع بن زيد وهو تبع بن عمرو وهو تبع ذو الأذعار بن أبرهة وهو تبع ذو المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي، قال: فولد تبع أسعد أبو كرب حسان ذو معاهر وتبع زرعة وهو ذو نواس الذي تهود وهود أهل اليمن، ويسمى يوسف، وقتل أهل نجران من النصارى. وعمرو بن سعد وهو موثبان، فقال: ومن هؤلاء التبابعة شمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار، وأفريقش بن قيس بن صيفي، وبلقيس بنت إيلي أشرح بن ذي جدن بن إيلي أشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي. قال:

وفي أنساب التبابعة تخليط واختلاف ولا يصح منها ومن أخبارهم إلا القليل. أه.

ومن زيد الجمهور ذو يزن بن عامر بن أسلم بن زيد. وقال ابن حزم: إن عامر هو ذو يزن، قال ومن ولده: سيف بن النعمان بن عفير بن زرعة بن عفير بن الحرث بن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف بن ذي يزن، الذي استجاش كسرى على الحبشة وأدخل الفرس إلى اليمن. هذه بطون حمير وأنسابها وديارهم باليمن من صنعاء إلى ظفار إلى عدن، وأخبار دولهم قد تقدمت والله وارث الأرض ومن عليها وهو غير الوارثين.

ونلحق بالكلام في أنساب حمير بن سبإ أنساب حضرموت وجرهم وما ذكره النسابون من شعوبهما: فإنهم يذكرونهما مع حمير لأن حضرموت وجرهم إخوة سبإ كما وقع في التوراة وقد ذكرناه ولم يبق من ولد قحطان بعد سبإ معروف العقب غير هذين. فأما حضرموت فقد تقدم ذكرهم في العرب البائدة ومن كان منهم من الملوك يومئذ، ونبهنا هنالك أن منهم بقية في الأجيال المتأخرة اندرجوا في غيرهم فلذلك ذكرناهم في هذه الطبقة الثالثة. قال ابن حزم: ويقال إن حضرموت هو ابن يقطن أخي قحطان والله أعلم. وكان فيهم رياسة إلى الإسلام، منهم وائل بن حجر له ٢/٢٩٢

صحبة وهو وائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف بن سعد بن عوف بن عدي بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن مرة بن حمير بن زيد بن لابي بن مالك بن قدامة بن أعجب بن مالك بن لابي بن قحطان، وابنه علقمة بن وائل. وسقط عنده بين حجر أبي وائل وسعيد ابن مسروق أب اسمه سعد وهو ابن سعيد. ثم قال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليون فيقال إنهم من ولد الجبار بن علقمة بن وائل ومنهم علي المنذر بن محمد وابنه بقرمونة وإشبيلية، اللذين قتلهما إبراهيم بن حجاج اللخمي غيلة، وهما ابنا عثمان أبي بكر بن خالد بن عثمان أبي بكر بن مخلوف المعروف بخلدون الداخل المشرق.

وقال غيره في خلدون الأول: إنه ابن عمرو بن خلدون. وقال ابن حزم في خلدون:

إنه ابن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريب بن معديكرب بن الحرث بن وائل بن حجر. وقال غيره: خلدون بن مسلم بن عمر بن الخطاب بن هانئ بن كريب بن معديكرب بن الحرث بن وائل. قال ابن حزم: والصدف من بني حضرموت وهو الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر، قال: ومن حضرموت العلاء بن الحضرمي الذي ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم البحرين وأبو بكر وعمر بن بعده إلى أن توفي سنة إحدى وعشرين، وهو العلاء بن عبد الله بن عبدة بن حماد بن مالك حليف بني أمية بن عبد شمس وأخوه ميمون بن الحضرمي ابن الصدف. فيقال عبد الله بن حماد بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن أكبر بن عريب بن مالك بن الخزرج بن الصدف، قال وأخت العلاء الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبد الله أه.

وأما جرهم فقال ابن سعيد: إنهم أمتان أمة على عهد عاد وأمة من ولد جرهم بن قحطان، ولما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز، ثم ملك من بعده ابنه عبد ياليل بن جرهم، ثم ابنه جرشم بن عبد ياليل، ثم ملك من بعده ابنه عبد المدان بن جرشم، ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان، ثم ابنه عبد المسيح بن نفيلة، ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح، ثم ابنه عمرو بن مضاض، ثم أخوه الحرث بن مضاض، ثم ابنه عمرو بن الحرث، ثم أخوه بشر بن الحرث، ثم مضاض بن عمرو بن مضاض. قال وهذه الأمة الثانية هم الذين بعث إليهم إسماعيل وتزوج فيهم أه. ٢/٢٩٣