al-'Ibar · Vol. 02-03
العِبَر · الأجزاء ٢–٣ — الدول الإسلامية

أخبارُ العرب من «كتاب العِبَر» — الأجزاء ٢–٣. فيه: الدول الإسلامية.

ولاية سعيد بن العاص الكوفة

كان عثمان لأول ولايته قد ولى على الكوفة الوليد بن عقبة استقدمه إليها من عمله بالجزيرة وعلى بني تغلب وغيرهم من العرب، فبقي على ولاية الكوفة خمس سنين وكان أبو زبيد الشاعر قد انقطع إليه من أخواله بني تغلب ليد أسداها إليه وكان نصرانيا فأسلم على يده وكان يغشاه بالمدينة والكوفة، وكان أبو زبيد يشرب الخمر فكان بعض السفهاء يتحدث بذلك في الوليد للملازمته إياه. ثم عدا الشباب من الأزد بالكوفة على رجل من خزاعة فقتلوه ليلا في بيته وشهد عليهم أبو شريح الخزاعي فقتلهم الوليد فيه بالقسامة، وأقام آباؤهم للوليد على حقه وكانوا ممن يتحدثون فيه، وجاءوا إلى ابن مسعود بمثل ذلك فقال: لا نتبع عورة من استتر عنا. وتغيظ الوليد من هذه المقالة وعاتب ابن مسعود عليها، ثم عمد أحد أولئك الرهط إلى ساحر قد أتى به الوليد فاستفتي ابن مسعود فيه وأفتى بقتله، وحبسه الوليد ثم أطلقه، فغضبوا وخرجوا إلى عثمان شاكين من الوليد وانه يشرب الخمر. فاستقدمه عثمان وأحضره وقال: رأيتموه يشرب؟ قالوا لا وإنما رأيناه يقيء الخمر فأمر سعيد بن العاص فجلده وكان علي حاضرا فقال: انزعوا خميصته للجلد. وقيل إن عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده فأبى فجلده عبد الله بن جعفر، ولما بلغ أربعين قال: أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة .

ولما وقعت هذه الواقعة عزل عثمان الوليد عن الكوفة وولى مكانه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، مات سعيد الأول كافرا وكان يكنى أحيحة، وخالد ابنه عم سعيد الثاني ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعاء وكان يكتب واستشهد يوم مرج الصفر، وربي سعيد الثاني في حجر عثمان فلما فتح الشام أقام مع معاوية ثم استقدمه عثمان وزوجه وأقام عنده حتى كان من رجال قريش. فلما استعمله عثمان وذلك سنة ثلاثين سار إلى الكوفة ومعه الأشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله والصعب بن جثامة، وكانوا شخصوا مع الوليد ليعينوه فصاروا عليه، فلما وصل ٢/٥٨١

خطب الناس وحذرهم وتعرف الأحوال، وكتب إلى عثمان أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب الروادف والتابعة على أهل الشرف والسابقة، فكتب إليه عثمان أن يفضل أهل السابقة ويجعل من جاء بعدهم تبعا يعرف لكل منزلته ويعطيه حقه. فجمع الناس وقرأ عليهم كتاب عثمان وقال: أبلغوني حاجة ذي الحاجة.

وجعل القراء في سمره فلم ترض أهل الكوفة ذلك وفشت المقالة، وكتب سعيد إلى عثمان فجمع الناس واستشارهم فقالوا: أصبت لا تطمع في الأمور من ليس لها بأهل فتفسد. فقال: يا أهل المدينة إني أرى الفتن دبت إليكم وإني أرى أن أتخلص الذي لكم وأنقله إليكم من العراق. فقالوا: وكيف ذلك؟ قال: تبيعونه ممن شئتم بما لكم في الحجاز واليمن. ففعلوا ذلك واستخلصوا ما كان لهم بالعراق، منهم طلحة ومروان والأشعث بن قيس، ورجال من القبائل اشتروا ذلك بأموال كانت لهم بخيبر ومكة والطائف.

غزو طبرستان

وفي هذه السنة غزا سعيد بن العاص طبرستان ولم يغزها أحد قبله، وقد تقدم أن الأصبهبذ صالح سويد بن مقرن عنها أيام عمر على مال، فغزاها سعيد في هذه السنة ومعه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وحذيفة بن اليمان في غيرهم، ووافق خروج ابن عامر من البصرة إلى خراسان فنزل نيسابور، ونزل سعيد قومس وهي صلح كان حذيفة صالحهم عليه بعد نهاوند. فأتى سعيد جرجان فصالحوه علي مائتي ألف، ثم أتى متاخمة جرجان على البحر فقاتله أهلها، ثم سألوا الأمان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، وفتحوا فقتلهم أجمعين إلا رجلا وقتل معه محمد بن الحكم بن أبي عقيل جد يوسف بن عمرو، وكان أهل جرجان يعطون الخراج تارة مائة ألف وأخرى مائتين وثلاثمائة وربما منعوه. ثم امتنعوا وكفروا فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف شديد، وصار الطريق إلى خراسان من فارس كما كان من قبل حتى ولي قتيبة بن مسلم خراسان. وقدمها يزيد بن المهلب فصالح المرزبان وفتح البحيرة ودهستان وصالح أهل جرجان على صلح سعيد. ٢/٥٨٢

غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف

وفي سنة ثلاثين هذه صرف حذيفة من غزو الري إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة وأقام له سعيد العاص بأذربيجان ردءا حتى عاد بعد مقتل عبد الرحمن كما مر، فأخبره بما رأى من اختلاف أهل البلدان في القرآن وأن أهل حمص يقولون قراءتنا خير من قراءة غيرنا وأخذناها عن المقداد، وأهل دمشق يقولون كذلك، وأهل البصرة عن أبي موسى، وأهل الكوفة عن ابن مسعود، وأنكر ذلك واستعظمه وحذر من الاختلاف في القرآن، ووافقه من حضر من الصحابة والتابعين، وأنكر عليه أصحاب ابن مسعود فأغلظ عليهم وخطأهم، فأغلظ له ابن مسعود فغضب سعيد وافترق المجلس، وسار حذيفة إلى عثمان فأخبره وقال: أنا النذير العريان فأدرك الأمة. فجمع عثمان الصحابة فرأوا ما رآه حذيفة، فأرسل عثمان إلى حفصة أن ابعثي إلينا بالصحف ننسخها وكانت هذه الصحف هي التي كتبت أيام أبي بكر، فإن القتل لما استحر في القراء يوم اليمامة قال عمر لأبي بكر: أرى أن تأمر بجمع القرآن لئلا يذهب الكثير منه لفناء القراء، فأبى وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله. ثم استبصر ورجع إلى رأي عمرو أمر زيد بن ثابت بجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال، وكتب في الصحف فكانت عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة. وأرسل عثمان فأخذها، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش ففعلوا. ونسخوا المصاحف فبعث الى كل أفق بمصحف يعتمد عليه، وحرق ما سوى ذلك الصحابة في سائر الأمصار، ونكره عبد الله بن مسعود في الكوفة حتى نحاهم عن ذلك وحملهم عليه.

مقتل يزدجرد

لما خرج ابن عامر من البصرة إلى فارس فافتتحها هرب يزدجرد من جور وهي أردشيرخره في سنة ثلاثين، وبعث ابن عامر في إثره مجاشع بن مسعود وقيل هرم بن ٢/٥٨٣

حيان اليشكري وقيل العبسي ، فاتبعه إلى كرمان فهرب إلى خراسان وهلك الجند في طريقهم بالثلج، فلم يسلم إلا مجاشع ورجع معه وكان مهلكهم على خمسة فراسخ من السيرجان، ولحق يزدجرد بمرو ومعه خرزاذ أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق ووصى به ما هو به مرزبان مرو فسأله في المال فمنعه وخافه على نفسه وعلى مرو، واستجاش بالترك فبيتوه وقتل أصحابه وهرب يزدجرد ماشيا إلى شط المرغاب وآوى إلى بيت رجل ينقر الرحاء، فلما نام قتله ورماه في النهر. وقيل إنما بيته أهل مرو ولما جاءوا إلى بيت الرجل أخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه وأهله، واستخرجوا يزدجرد من النهر وحملوه في تابوت إلى إصطخر فدفن في ناوس هنالك.

وقيل إن يزدجرد هرب من وقعة نهاوند إلى أرض أصبهان واستأذن عليه بعض رؤسائها وحجب فضرب البواب وشجه، فرحل عن أصبهان إلى الري، وجاء صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده فلم يجبه ومضى من فوره ذلك إلى سجستان، ثم إلى مرو في ألف فارس، وقيل بل أقام بفارس أربع سنين ثم بكرمان سنتين وطلبه دهقانها في شيء فمنعه فطرده عن بلاده، وأقام بسجستان خمس سنين، ثم نزل خراسان ونزل مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين وفرخزاد وكاتب ملوك الصين وفرغانة والخزر وكابل، وكان دهقان مرو قد منعه الدخول خوفا من مكروه ووكل ابنه بحفظ الأبواب، فعمد يزدجرد يوما إلى مرو ليدخلها فمنعه ابن الدهقان وأظهر عصيان أبيه في ذلك، وقيل بل أراد يزدجرد أن يجعل ابن أخيه دهقانا عليها فعمل في هلاكه، وكتب إلى نيزك طرخان يستقدمه لقتل يزدجرد ومصالحه العرب عليه وأن يعطيه كل يوم ألف درهم، فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب وأنه يقدم عليه فيلقاه منفردا عن العسكر وعن فرخزاد، فأجابه إلى ذلك بعد أن امتنع فرخزاد واتهمه يزدجرد في امتناعه فتركه لشأنه بعد أن أخذ خطه برضاه بذلك. وسار إلى نيزك فاستقبله بأشياء وجاء به إلى عسكره ثم سأله أن يزوجه ابنته فأنف يزدجرد من ذلك وسبعة فعلا رأسه بالمقرعة فركض منهزما وقتل أصحابه، وانتهى إلى بيت طحان فمكث فيه ثلاثا لم يطعم، ثم عرض عليه الطعام فقال لا أطعم إلا بالزمزمة، فسأل من زمزم ٢/٥٨٤

له حتى أكل ووشى المزمزم بأمره إلى بعض الأساورة فبعث إلى الطحان بخنقه وإلقائه في النهر، فأبى من ذلك وجحده، فدل عليه ملبسه وعرف المسك فيه فأخذوا ما عليه وخنقوه وألقوه في الماء فجعله أسقف مرو في تابوت ودفنه.

وقيل بل سار يزدجرد من كرمان قبل وصول العرب إليها إلى مرو وفي أربعة آلاف على الطبسين وقهستان، ولقيه قبل مرو قائدان من الفرس متعاديين فسعى أحدهما في الآخر، ووافقه يزدجرد في قتله، ونمى الخبر إليه فبيت يزدجرد وعدوه، فهرب إلى رحى على فرسخين من مرو، وطلب منه الطحان شيئا فأعطاه منطقته فقال: إنما أحتاج أربعة دراهم، فقال: ليست معي. ثم قام فقتله الطحان وألقى شلوه في الماء. وبلغ خبر قتله الى المطران بمرو فجمع النصارى ووعظهم عليه من حقوق سلفه فدفنوه وبنوا له ناووسا وأقاموا له مأتما، بعد عشرين سنة من ملكه ستة عشر منها في محاربة العرب.

وانقرض ملك الساسانية بموته. ويقال إن قتيبة حين فتح الصغد وجد جاريتين من ولد المخدج ابنه كان قد وطئ أمه بمرو فولدت هذا الغلام بعد موته ذاهب الشق فسمى المخدج ، وولد له أولاد بخراسان ووجد قتيبة هاتين الجاريتين من ولده فبعث بهما إلى الحجاج، وبعث بهما إلى الوليد أو بإحداهما فولدت له يزيد الناقص.

ظهور الترك بالثغور

كان الترك والخزر يعتقدون أن المسلمين لا يقتلون لما رأوا من شدتهم وظهورهم في غزواتهم حتى أكمنوا لهم في بعض الغياض فقتلوا بعضهم فتجاسروا على حربهم.

وكان عبد الرحمن بن ربيعة على ثغور أرمينية إلى الباب، واستخلف عليها سراقة بن عمرو وأقره عمر وكان كثير الغزو في بلاد الخزر، وكثيرا ما كان يغزو بلنجر وكان عثمان قد نهاه عن ذلك فلم يرجع، فغزاهم سنة اثنتين وثلاثين وجاء الترك لمظاهرتهم وتذامروا فاشتدت الحرب بينهم وقتل عبد الرحمن كما مر، وافترقوا فرقتين فرقة سارت نحو الباب لقوا سلمان بن ربيعة قد بعثه سعيد بن العاص من الكوفة مددا للمسلمين بأمر عثمان فساروا معه، وفرقة سلكوا على جيلان وجرجان فيهم سلمان الفارسي وأبو ٢/٥٨٥

هريرة. ثم استعمل سعيد بن العاص على الباب سلمان بن ربيعة مكان أخيه، وبعث معه جندا من أهل الكوفة عليهم حذيفة بن اليمان وأمدهم عثمان بحبيب بن مسلمة في جند الشام وسلمان أمير على الجميع، ونازعه حبيب الامارة فوقع الخلاف، ثم غزا حذيفة بعد ذلك ثلاث غزوات آخرها عند مقتل عثمان.

وخرجت جموع الترك سنة اثنتين وثلاثين من ناحية خراسان في أربعين ألفا عليهم قارن من ملوكهم فانتهى إلى الطبسين، واجتمع له أهل باذغيس وهراة وقهستان، وكان على خراسان يومئذ قيس بن الهيثم السلمي استخلفه عليها ابن عامر عند خروجه إلى مكة محرما فدوخ جهتها، وكان معه ابن عمه عبد الله بن حازم فقال لابن عامر:

اكتب لي على خراسان عهدا إذا خرج منها قيس ففعل، فلما أقبلت جموع الترك قال قيس لابن حازم: ما ترى، قال: أرى أن تخرج عن البلاد فإن عهد ابن عامر عندي بولايتها. فترك منازعته وذهب إلى ابن عامر، وقيل أشار عليه أن يخرج إلى ابن عامر يستمده، فلما خرج أظهر عهد ابن عامر له بالولاية عند مغيب قيس، وسار ابن حازم للقاء الترك في أربعة آلاف. ولما التقى الناس أمر جيشه بايقاد النار في أطراف رحالهم فهاج العدو على دهش، وغشيهم ابن حازم بالناس متتابعين، فانهزموا وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والسبي. وكتب ابن حازم بالفتح إلى ابن عامر فأقره على خراسان فلم يزل واليا عليها إلى حرب الجمل، فأقبل إلى البصرة وبقي أهل البصرة بعد غزوة ابن حازم هذه حتى غزوا المنتقضين من أهلها وعادوا جهزوا كتيبة من أربعة آلاف فارس هناك.

بدء الانتقاض على عثمان رضي الله عنه

لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر، وكان المختصون بصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهداه وآدابه المهاجرين والأنصار من قريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم. وأما سائر العرب من بني بكر بن وائل وعبد القيس وسائر ربيعة والأزد وكندة وتميم وقضاعة وغيرهم، فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان إلا قليلا منهم وكان لهم في الفتوحات قدم، فكانوا يرون ذلك لأنفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة من الصحابة ومعرفة حقهم، وما كانوا فيه من ٢/٥٨٦

الذهول والدهش لأمر النبوة وتردد الوحي وتنزل الملائكة، فلما انحسر ذلك العباب وتنوسي الحال بعض الشيء وذل العدو واستفحل الملك، كانت عروق الجاهلية تنفض ووجدوا الرئاسة عليهم للمهاجرين والأنصار من قريش وسواهم، فأنفت نفوسهم منه، ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات، والاستبطاء عليهم في الطاعات والتجني بسؤال الاستبدال منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان. وفشت المقالة في ذلك من أتباعهم وتنادوا بالظلم من الأمراء في جهاتهم وانتهت الأخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة، فارتابوا لها وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه. وبعث الى الأمصار من يأتيه بصحيح الخبر: محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه، فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم إلا عمارا فإنه استماله قوم من الأشرار انقطعوا إليه منهم عبد الله بن سبإ ويعرف بابن السوداء، كان يهوديا وهاجر أيام عثمان فلم يحسن إسلامه وأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر، وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لأهل البيت ويقول: إن محمدا يرجع كما يرجع عيسى. وعنه أخذ ذلك أهل الرجعة، وإن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يجز وصيته وإن عثمان أخذ الأمر بغير حق، ويحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الأمراء.

فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضا، وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فثبطوا عمارا عن المسير الى المدينة.

وكان مما أنكروه على عثمان إخراج أبي ذر من الشام ومن المدينة إلى الربذة، وكان الذي دعا إلى ذلك شدة الورع من أبي ذر وحمله الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا وانه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه، ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة. وكان ابن سبإ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله المال مال الله، ويوهم أن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين، حتى ٢/٥٨٧

عتب أبو ذر معاوية فاستعتب له وقال سأقول مال المسلمين ، وأتى ابن سبإ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه، وجاء به عبادة الى معاوية وقال هذا الذي بعث عليك أبا ذر. ولما كثر ذلك على معاوية شكاه إلى عثمان فاستقدمه وقال له ما لأهل الشام يشكون منك فأخبره، فقال: يا أبا ذر لا يمكن حمل الناس على الزهد وإنما علي أن أقضي بينهم بحكم الله وأرغبهم في الاقتصاد، فقال أبو ذر: لا نرضى من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا للجيران والاخوان ويصلوا القرابة، فقال له كعب الأحبار: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه. فضربه أبو ذر فشجه وقال: يا ابن اليهودية ما أنت وهذا. فاستوهب عثمان من كعب شجته فوهبه. ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا، فأذن له، ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأجرى عليه رزقا، وكان يتعاهد المدينة فعد أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كان من إعطاء مروان خمس مغانم إفريقية والصحيح أنه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه.

ومما عدوا عليه أيضا زيادة النداء الثالث على الزوراء يوم الجمعة، وإتمامه الصلاة في منى وعرفة مع أن الأمر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده كان على القصر. ولما سأله عبد الرحمن واحتج عليه بذلك قال له: بلغني أن بعض حاج اليمن والجفاة جعل صلاة المقيم ركعتين من أجل صلاتي وقد اتخذت بمكة أهلا ولي بالطائف مال. فلم يقبل ذلك عبد الرحمن فقال: زوجتك بمكة إنما تسكن بسكناك ولو خرجت ومالك بالطائف على أكثر من مسافة القصر. وأما حاج اليمن فقد شهدوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده وقد كان الإسلام ضرب بجرانه. فقال عثمان: هذا رأي رأيته. فمن الصحابة من تبعه على ذلك ومنهم من خالفه. ومما عدوا عليه سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يده في بئر أريس على ميلين من المدينة فلم يوجد. ٢/٥٨٨

وأما الحوادث التي وقعت في الأمصار فمنها قصة الوليد بن عقبة وقد تقدم ذكرها وأنه عزله على شرب الخمر واستبدله بسعيد بن العاص منه، وكان وجوه الناس وأهل القادسية يسمرون عنده مثل مالك بن كعب الأرحبي والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس من النخع وثابت بن قيس الهمداني وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الأزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضابيء وطليحة بن خويلد، وكانوا يفيضون في أيام الوقائع وفي أنساب الناس وأخبارهم وربما ينتهون إلى الملاحاة ويخرجون منها إلى المشاتمة والمقاتلة، ويعذلهم في ذلك حجاب سعيد بن العاص فينهرونهم ويضربونهم. وقد قيل إن سعيدا قال يوما: إنما هذا السواد بستان قريش، فقال له الأشتر: السواد الذي أفاء الله علينا بأسيافنا تزعم أنه بستان لك ولقومك؟ وخاص القوم في ذلك، فأغلظ لهم عبد الرحمن الأسدي ، صاحب شرطته فوثبوا عليه وضربوه حتى غشي عليه، فمنع سعيد بعدها السمر عنده.

فاجتمعوا في مجالسهم يثلبون سعيدا وعثمان، والسفهاء يغشونهم.

فكتب سعيد وأهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم، فكتب أن يلحقوهم بمعاوية وكتب إلى معاوية إن نفرا خلقوا للفتنة فقم عليهم وانههم وإن آنست منهم رشدا فاقبل وان أعيوك فارددهم علي، فأنزلهم معاوية وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق، وأقاموا عنده يحضرون مائدته ثم قال لهم يوما: «أنتم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة وقد أدركتم بالإسلام شرفا وغلبتم الأمم وحويتم مواريثهم وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا ولو لم تكن قريش كنتم أذلة إذا أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا على جنتكم وان أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحملون عنكم المؤنة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ولا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم» . فقال له صعصعة منهم: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر الناس ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فان الجنة إذا ٢/٥٨٩

اخترمت خلص إلينا. فقال معاوية: الآن عرفتكم وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول وأنت خطيبهم ولا أرى لك عقلا أعظم عليك أمر الإسلام، وتذكرني الجاهلية أخزى الله قوما عظموا أمركم فقهوا عني ولا أظنكم تفقهون، ثم ذكر شأن قريش وأن عزها إنما كان بالله في الجاهلية والإسلام ولم يكن بكثرة ولا شدة، وكانوا على أكرم أحساب وأكمل مروءة وبوأهم الله حرمه فآمنوا فيه مما أصاب العرب والعجم والأسود والأحمر في بلادهم، ثم ذكر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله ارتضى له أصحابا كان خيارهم قريشا فبنى الملك عليهم وجعل الخلافة فيهم فلا يصلح ذلك إلا بهم، ثم قرعهم ووبخهم وهددهم، ثم أحضرهم بعد أيام، وقال: اذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا ولا يضره، وإن أردتم النجاة فالزموا الجماعة ولا تبطرنكم النعمة وسأكتب الى أمير المؤمنين فيكم. وكتب إلى عثمان: «أنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان أبطرهم العدل إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحد إلا مع غيرهم فإنه سعيدا ومن عنده عنهم .

فخرجوا من عنده قاصدين الجزيرة ومروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص فأحضرهم، وقال: «يا ألة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد في نشاط خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم يا معشر من لا أدري أعرب هم أم عجم» . ثم مضى في توبيخهم على ما فعلوا وما قالوا لسعيد ومعاوية، فهابوا سطوته وطفقوا يقولون: نتوب إلى الله أقلنا أقالك الله، حتى قال: تاب الله عليكم. وسرح الأشتر إلى عثمان تائبا فقال له عثمان: أحلك حيث تشاء، فقال:

مع عبد الرحمن بن خالد قال: ذاك إليك فرجع إليهم. وقيل إنهم عادوا إلى معاوية من القابلة ودار بينهم وبينه القول وأغلظوا له وأغلظ عليهم، وكتب إلى عثمان فأمر أن يردهم الى سعيد، فردهم، فأطلقوا ألسنتهم وضج سعيد منهم، وكتب إلى ٢/٥٩٠

عثمان، فكتب إليه أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد فدار بينهم وبينه ما قدمناه.

وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبإ المعروف بابن السوداء، هاجر إلى الإسلام من اليهودية ونزل على حكيم بن جبلة العبدي وكان يتشيع لأهل البيت، ففشت مقالته بالطعن وبلغ ذلك حكيم بن جبلة فأخرجه وأتى الكوفة فأخرج أيضا واستقر بمصر، وأقام يكاتب أصحابه بالبصرة ويكاتبونه والمقالات تفشو بالطعن والنكير على الأمراء. وكان حمران بن أبان أيضا يحقد لعثمان أنه ضربه على زواجه امرأة في العدة وسيره إلى البصرة، فلزم ابن عامر وكان بالبصرة عامر بن عبد القيس وكان زاهدا متقشفا فأغرى به حمران صاحب ابن عامر فلم يقبل سعايته، ثم أذن له عثمان فقدم المدينة ومعه قوم فسعوا بعامر بن عبد القيس أنه لا يرى التزويج ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة، فألحقه عثمان بمعاوية وأقام عنده حتى تبينت براءته وعرف فضله وحقه وقال: ارجع إلى صاحبك فقال: لا أرجع إلى بلد استحل أهله مني ما استحلوا وأقام بالشام كثير العبادة والانفراد بالسواحل إلى أن هلك.

ولما فشت المقالات بالطعن والإرجاف على الأمراء اعتزم سعيد بن العاص على الوفادة على عثمان سنة أربع وثلاثين، وكان قبلها قد ولى على الأعمال أمراء من قبله، فولى الأشعث بن قيس على أذربيجان وسعيد بن قيس على الري والنسير العجلي على همذان والسائب بن الأقرع على أصبهان ومالك بن حبيب على ماه وحكيم بن سلامة على الموصل وجرير بن عبد الله على قرقيسيا وسلمان بن ربيعة على الباب وجعل على حلوان عتيبة بن النهاس وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، فخرجوا لأعمالهم وخرج هو وافدا على عثمان، واستخلف عمرو بن حريث وخلت الكوفة من الرؤساء وأظهر الطاعنون أمرهم وخرج بهم يزيد بن قيس يريد خلع عثمان، فبادره القعقاع بن عمرو فقال له: إنما نستعفي من سعيد. وكتب يزيد إلى الرهط الذين عند عبد الرحمن بن خالد بحمص في القدوم، فساروا إليه وسبقهم الأشتر ووقف على باب المسجد يوم الجمعة يقول جئتكم من عند عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان ٢/٥٩١

نسائكم على مائة درهم ورد أولى البلاء منكم إلى ألفين، ويزعم أن فيئكم بستان قريش. ثم استخف الناس ونادى يزيد في الناس من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، فخرجوا وذوو الرأي يعذلونهم فلا يسمعون.

وأقام أشراف الناس وعقلاؤهم مع عمرو بن حريث ونزل يزيد وأصحابه الجزعة قريبا من القادسية لاعتراض سعيد ورده، فلما وصل قالوا: ارجع فلا حاجة لنا بك قال: إنما كان يكفيكم أن تبعثوا واحدا إلي وإلى عثمان رجلا. وقال مولى له: ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع، فقتله الأشتر ورجع سعيدا الى عثمان فأخبره بخبر القوم وأنهم يختارون أبا موسى الأشعري، فولاه الكوفة وكتب إليهم: «أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد والله لأقرضنكم عرضي ولأبذلنكم صبري ولاستصلحنكم بجهدي» . وخطب أبو موسى الناس، وأمرهم بلزوم الجماعة، وطاعة عثمان، فرضوا ورجع الأمراء من قرب الكوفة واستمر أبو موسى على عمله.

وقيل إن أهل الكوفة أجمع رأيهم أن يبعثوا إلى عثمان ويعذلوه فيما نقم عليه، فأجمع رأيهم على عامر بن عبد القيس الزاهد وهو عامر بن عبد الله من بني تميم ثم من بني العنبر فأتاه وقال له: إن ناسا اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك ركبت أمورا عظاما، فاتق الله وتب إليه. فقال عثمان: ألا تسمعون إلى هذا الذي يزعم الناس أنه قارئ ثم يجيء يكلمني في المحقرات؟ وو الله لا يدري أين الله. فقال له عامر:

بل والله إني لأدري إن الله لبالمرصاد. فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله بن أبي سرح وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر وعمرو بن العاص، وكانوا بطانته دون الناس فجمعهم وشاورهم، وقال: إنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي وقد صنع الناس ما رأيتم فطلبوا أن أعزل عمالي وأرجع إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم. فقال ابن عامر:

أرى أن تشغلهم بالجهاد، وقال سعيد: متى تهلك قادتهم يتفرقوا، وقال معاوية:

اجعل كفالتهم إلى أمرائهم وأنا أكفيك الشام، وقال عبد الله: استصلحهم بالمال.

فردهم عثمان إلى أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ليكون لهم فيها شغل، ورد سعيد إلى الكوفة فلقيه الناس بالجزعة وردوه كما ذكرناه وولى أبا موسى وأمر عثمان ٢/٥٩٢

حذيفة بغزو الباب فسار نحوه.

ولما كثر هذا الطعن في الأمصار وتواتر بالمدينة وكثر الكلام في عثمان والطعن عليه، وكان له منهم شيعة يذبون عنه مثل زيد بن ثابت وأبي أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فلم يغنوا عنه، واجتمع الناس إلى علي بن أبي طالب وكلموه وعددوا عليه ما نقموه، فدخل على عثمان وذكر له شأن الناس وما نقموا عليه وذكره بأفعال عمر وشدته ولينه هو لعماله وعرض عليه ما يخاف من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة، فقال له: إن المغيرة بن شعبة وليناه وعمر ولاه، ومعاوية كذلك، وابن عامر تعرفون رحمه وقرابته. فقال له علي إن عمر كان يطأ على صماخ من ولاه وأنت ترفق بهم وكانوا أخوف لعمر من غلامه يرفأ ومعاوية يستبد عليك، ويقول هذا أمر عثمان فلا تغير عليه. ثم تكالما طويلا وافترقا وخرج عثمان على أثر ذلك، وخطب وعرض بما هو فيه من الناس وطعنهم وما يريدون منه، وأنهم تجرءوا عليه لرفقه بما لم يتجرؤا بمثله على ابن الخطاب، ووافقهم برجوعه في شأنه إلى ما يقدمهم.

حصار عثمان ومقتله رضي الله عنه وأتابه ورفع درجته

ولما كثرت الإشاعة في الأمصار بالطعن على عثمان وعماله، وكتب بعضهم إلى بعض في ذلك وتوالت الأخبار بذلك على أهل المدينة، جاءوا إلى عثمان وأخبروه فلم يجدوا عنده علما منه. وقال: أشيروا علي وأنتم شهود المؤمنين. قالوا: تبعث من تثق به إلى الأمصار يأتوك بالخبر. فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام وغيرهم إلى سواها فرجعوا، وقالوا: ما أنكرنا شيئا ولا أنكره علماء المسلمين ولا عوامهم، وتأخر عمار بن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر، وكتب عثمان إلى أهل الأمصار: إن قد رفع إلي أهل المدينة أن عمالي وقع منهم أضرار بالناس، وقد أخذتهم بأن يوافوني في كل موسم فمن كان له حق فليحضر يأخذ بحقه مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين. فبكى الناس عند قراءة كتابه عليهم ٢/٥٩٣

ودعوا له، وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه في الموسم: عبد الله بن عامر وابن أبي سرح ومعاوية وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرا وقال: ويحكم ما هذه الشكاية والاذاعة واني لأخشى والله أن يكونوا صادقين! فقالوا له: ألم يخبرك رسلك بأن أحدا لم يشافههم بشيء؟ وإنما هذه إشاعة لا يحل الأخذ بها واختلفوا في وجه الرأي في ذلك. فقال عثمان: إن الأمر كائن وبابه سيفتح ولا أحب أن تكون لأحد علي حجة في فتحه وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا فسكتوا الناس وبينوا لهم حقوقهم. ثم قدم المدينة فدعا عليا وطلحة والزبير ومعاوية حاضر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أنتم ولاة هذا الأمر واخترتم صاحبكم يعني عثمان وقد كبر وأشرف وفشت مقالة خفتها عليكم فما عنيتم فيه من شيء فأنا لكم به ولا تطمعوا الناس في أمركم. فانتهره علي، ثم ذهب عثمان يتكلم، وقال: اللذان كانا قبلي منعا قرابتهما احتسابا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قرابته وأن قرابتي أهل عيلة وقلة معاش فأعطيتهم فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه، فقالوا: أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ومروان خمسة عشر ألفا، قال: آخذ ذلك منهما، فانصرفوا راضين.

وقال له معاوية: أخرج معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك ما لا تطيقه، قال: لا أبتغي بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا. قال: فأبعث إليك جندا يقيمون معك، قال: لا أضيق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: لتغتالن ولتعرين ، قال: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم سار معاوية ومر على علي وطلحة والزبير فوصاهم بعثمان وودعهم ومضى. وكان المنحرفون عن عثمان بالأمصار قد تواعدوا عند مسير الأمراء إلى عثمان أن يثبوا عليه في مغيبهم، فرجع الأمراء ولم يتهيأ لهم ذلك، وجاءتهم كتب من المدينة ممن صار إلى مذهبهم في الانحراف عن عثمان أن أقدموا علينا فإن الجهاد عندنا، فتكاتبوا من أمصارهم في القدوم إلى المدينة، فخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وقيل في ألف وفيهم كنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وميسرة أو قتيرة بن فلان السكوني، وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي، وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان ٢/٥٩٤

العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم العامري، وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحرش وعليهم حرقوص بن زهير السعدي وكلهم في مثل عدد أهل مصر، وخرجوا جميعا في شوال مظهرين للحج.

ولما كانوا من المدينة على ثلاث مراحل تقدم ناس من أهل البصرة وكان هواهم في طلحة فنزلوا ذا خشب، وتقدم ناس من أهل الكوفة وكان هواهم في الزبير فنزلوا الأعوص، ونزل معهم ناس من أهل مصر وكان هواهم في علي وتركوا عامتهم بذي المروة. وقال زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم من أهل الكوفة: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا فو الله إن كان حقا لا يقوم لنا أمر.

ثم دخلوا المدينة ولقوا عليا وطلحة والزبير وأمهات المؤمنين وأخبروهم أنهم إنما أتوا للحج وأن يستعفوا من بعض العمال، واستأذنوا في الدخول فمنعوهم ورجعوا إلى أصحابهم وتشاوروا في أن يذهب من أهل الكوفة وكل مصر فريق إلى أصحابهم كيادا وظلما في الفرقة، فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت وقد بعث ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع عليه فعرضوا عليه أمرهم، فصاح بهم وطردهم وقال: إن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علم ذلك الصالحون. وأتى البصريون طلحة والكوفيون الزبير فقالا مثل ذلك فانصرفوا وافترقوا عن هذه الأماكن إلى عسكرهم على بعد. فتفرق أهل المدينة فلم يشعروا إلا والتكبير في نواحيها، وقد هجموا وأحاطوا بعثمان ونادوا بأمان من كف يده، وصلى عثمان بالناس أياما ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه، وغدا عليهم علي فقال: ما ردكم بعد ذهابكم، قالوا أخذنا كتابا مع بريد بقتلنا. وقال البصريون لطلحة والكوفيون للزبير مثل مقالة أهل مصر وانهم جاءوا لينصروهم، فقال لهم علي: كيف علمتم بما لقي أهل مصر وكلكم على مراحل من صاحبه حتى رجعتم علينا جميعا؟ هذا أمر أبرم بليل. فقالوا:

اجعلوه كيف شئتم لا حاجة لنا بهذا الرجل ليعتزلنا، وهم يصلون خلفه ومنعوا الناس من الاجتماع معه.

وكتب عثمان إلى الأمصار يستحثم فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث ٢/٥٩٥

عبد الله بن أبي سرح معاوية بن حديج وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وتسابقوا إلى المدينة على الصعب والذلول، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة فمن الصحابة عقبة بن عامر وعبد الله بن أبي أوفى وحنظلة الكاتب، ومن التابعين مسروق الأسود وشريح وعبد الله بن حكيم. وقام بالبصرة في ذلك عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان. وقام بالشام وبمصر جماعة أخرى من الصحابة والتابعين.

ثم خطب عثمان في الجمعة القابلة وقال يا هؤلاء الله الله فو الله إن أهل المدينة ليعلموا أنكم ملعونون على لسان محمد فامحوا الخطايا بالصواب. فقال محمد بن مسلمة: أنا أشهد بذلك. فأقعده حكيم بن جبلة، وقام زيد بن ثابت فأقعده آخر، وحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وأصيب عثمان بالحصباء فصرع وقاتل دونه سعد بن أبي وقاص والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة. ودخل عثمان بيته وعزم عليهم في الانصراف فانصرفوا، ودخل علي وطلحة والزبير على عثمان يعودونه وعنده نفر من بني أمية فيهم مروان فقالوا لعلي: أهلكتنا وصنعت هذا الصنع والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا، فقام مغضبا وعادوا إلى منازلهم. وصلى عثمان بالناس وهو محصور ثلاثين يوما، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أمير المصريين الغافقي بن حرب العكي، وتفرق أهل المدينة في بيوتهم وحيطانهم ملازمين للسلاح وبقي الحصار أربعين يوما. وقيل بل أمر عثمان أبا أيوب الأنصاري فصلى أياما، ثم صلى علي بعده بالناس وقيل أمر علي سهل بن حنيف فصلى عشر ذي الحجة ثم صلى العيد والصلوات حتى قتل عثمان.

وقد قيل في حصار عثمان أن محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان على عثمان، فلما خرج المصريون في رجب مظهرين للحج ومضمرين قتل عثمان أو خلعه وعليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي كان فيمن خرج مع المصريين محمد بن أبي بكر، وبعث عبد الله بن سعد في آثارهم وأقام محمد بن حذيفة بمصر، فلما كان ابن أبي سرح بأيلة بلغه أن المصريين رجعوا إلى عثمان فحصروه، وأن محمد بن أبي حذيفة غلب على مصر فرجع سريعا إليهما فمنع منهما، فأتى فلسطين وأقام بها ٢/٥٩٦

حتى قتل عثمان. وأما المصريون فلما نزلوا ذا خشب جاء عثمان إلى بيت علي ومت إليه بالقرابة في أن يركب إليهم ويردهم لئلا تظهر الجراءة منهم، فقال له علي: قد كلمتك في ذلك فأطعت أصحابك وعصيتني! يعني مروان ومعاوية وابن عامر وابن أبي سرح وسعيدا. فعلى أي شيء أردهم؟ فقال: على أن أصير إلى ما تراه وتشيره وأن أعصي أصحابي وأطيعك. فركب في ثلاثين من المهاجرين والأنصار فيهم سعيد بن زيد وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن عتاب، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد وزيد بن ثابت وحسان وكعب بن مالك، ومن العرب نيار بن مكرز، فأتوا المصريين وتولى الكلام معهم: علي ومحمد بن مسلمة، فرجعوا إلى مصر، وقال ابن عديس لمحمد أتوصينا بحاجة، قال: تتقي الله وترد من قبلك عن إمامهم فقد وعدنا أن يرجع وينزع. ورجع القوم إلى المدينة ودخل علي على عثمان وأخبره برجوع المصريين، ثم جاءه مروان من الغد فقال له: أخبر الناس بأن أهل مصر قد رجعوا وأن ما بلغهم عنك كان باطلا قبل أن تجيء الناس من الأمصار ويأتيك ما لا تطيقه ففعل. فلما خطب ناداه الناس من كل ناحية اتق الله يا عثمان وتب إلى الله وكان أولهم عمرو بن العاص، فرفع يده وقال لهم: إني تائب. وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين، ثم جاء الخبر بحصاره وقتله.

وقيل إن عليا لما رجع عن المصريين أشار على عثمان أن يسمع الناس ما اعتزم عليه من النزع قبل أن يجيء غيرهم، ففعل وخطب بذلك وأعطى الناس من نفسه التوبة، وقال: «أنا أول من اتعظ أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه فليأت أشرافكم يروني رأيهم فو الله إن ردني الحق عبدا لاستن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد وما عن الله مذهب إلا إليه فو الله لأعطينكم الرضى ولا أحتجب عنكم» . ثم بكى وبكى الناس ودخل منزله، فجاءه نفر من بني أمية يعذلونه في ذلك فوبختهم نائلة بنت الفرافصة فلم يرجعوا إليها، وعابوه فيما فعل واستذلوه في إقراره بالخطبة والتوبة عند الخوف، واجتمع الناس بالباب وقد ركب بعضهم بعضا، فقال لمروان: كلمهم فأغلظ لهم ٢/٥٩٧

في القول. وقال: «جئتم لنزع ملكنا من أيدينا. والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا» . وبلغ الخبر عليا فنكر ذلك، وقال لعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: أسمعت خطبته بالأمس ومقالة مروان للناس اليوم؟ يا لله ويا للناس إن قعدت في بيتي، قال: تركتني وقرابتي وحقي وإن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ويسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة الرسول. وقام مغضبا إلى عثمان واستقبح مقالة مروان وأنبه عليها وقال ما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتكم فقد أذهبت شرفك وغلبت على رأيك. ثم دخلت عليه امرأته نائلة وقد سمعت قول علي، فعذلته في طاعة مروان، وأشارت عليه باستصلاح علي فبعث إليه فلم يأته. فأتاه عثمان إلى منزله ليلا يستلينه ويعده الثبات على رأيه معه فقال: بعد أن قام مروان على بابك يشتم الناس ويؤذيهم، فخرج عثمان وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس، فقال علي: والله إني أكثر الناس ذبا عنك ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضى جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي. ثم منع عثمان الماء فغضب علي غضبا شديدا حتى دخلت الروايا على عثمان.

وقيل إن عليا كان عند حصار عثمان بخيبر فقدم والناس مجتمعون عند طلحة فجاء عثمان وقال: يا علي إن لي حق الإخاء والقرابة والصهر، ولو كان أمر الجاهلية فقط كان عارا على بني عبد مناف أن تنزع تيم أمرهم! فجاء علي إلى طلحة وقال: ما هذا، فقال طلحة: أبعد ما مس الحزام الطبيين يا أبا حسن. فانصرف علي إلى بيت المال، وأعطى الناس فبقي طلحة وحده وسر بذلك عثمان وجاء إليه طلحة فقال له والله ما جئت تائبا ولكن مغلوبا فالله حسيبك يا طلحة.

وقيل إن المصريين لما رجعوا خرج إليهم محمد بن مسلمة فأعطوه صحيفة قالوا وجدناها عند غلام عثمان بالبويب وهو على بعير من إبل الصدقة يأمر فيها بجلد عبد الرحمن بن عديس وعمرو بن الحمق وعروة بن البياع وحبسهم وحلق رءوسهم ٢/٥٩٨

ولحاهم وصلب بعضهم، وقيل وجدت الصحيفة بيد أبي الأعور السلمي. فعاد المصريون وعاد معهم الكوفيون والبصريون وقالوا لمحمد بن مسلمة حين سألهم: قد كلمنا عليا وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فوعدونا أن يكلموه فليحضر علي معنا عند عثمان. ثم دخل علي ومحمد على عثمان وأخبروه بقول أهل مصر فحلف ما كنت ولا علم. وقال محمد صدق هذا من عمل مروان. ودخل المصريون فشكى ابن عديس بابن أبي سرح وما أحدثه بمصر وأنه ينسب ذلك إلى كتاب عثمان وأنا جئنا من مصر لقتلك فردنا علي ومحمد وضمنا لنا النزوع عن هذا كله فرجعنا ولقينا هذا الكتاب وفيه أمرك لابن أبي سرح بجلدنا والمثلة بنا وطول الحبس وهو بيد علامك وعليه خاتمك، فحلف عثمان ما كتب ولا أمر ولا علم. قالوا: فكيف يجترأ عليك بمثل هذا فقد استحققت الخلع على التقديرين ولا يحل أن يولى الأمور من ينتهي إلى هذا الضعف، فاخلع نفسك فقال: لا أنزع ما ألبسني الله ولكن أتوب وأرجع.

قال: رأيناك تتوب وتعود فلا بد من خلعك أو قتلك وقتال أصحابك دون ذلك أن يخلص إليك أو تموت، فقال: لا ينالكم أحد بأخرى ولو أردت ذلك لاستجشت بأهل الأمصار. ثم كثر اللغط وأخرجوا ومضى علي إلى منزله، وحصر المصريون عثمان وكتب إلى معاوية وابن عامر يستحثهم وقام يزيد بن أسد القسري فاستنفر أهل الشام وسار إلى عثمان وبلغهم قتله بوادي القرى، فرجعوا وقيل سار من الشام حبيب بن مسلمة ومن البصرة مجاشع بن مسعود فبلغهم قتله بالربذة فرجعوا.

وكانت بطانة عثمان أشاروا عليه أن يبعث إلى علي في كفهم عنه على الوفاء لهم، فبعث إليه في ذلك فأجاب بعد توقف ثم بعث إليهم فقالوا لا بد لنا أن نتوثق منه وجاء فأعلمه وتوثق منه على أجل ثلاثة أيام، وكتب بينهم كتابا على رد المظالم وعزل من كرهوه من العمال. ثم مضى الأجل وهو مستعد ولم يغير شيئا، فجاء المصريون من ذي خشب يستنجدون عهدهم فأبى فحصروه وأرسل إلى علي وطلحة والزبير وأشرف عليهم فحياهم ودعا لهم، ثم قال: «أنشدكم الله تعالى هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون أنه لم يستجب لكم أو تقولون أن الله لم يبال بمن ولي هذا الدين أم تقولون أن الأمة ولوا مكابرة وعن غير مشورة فوكلهم إلى أمرهم أو لم يعلم عاقبة أمري، ثم أنشدكم الله ٢/٥٩٩

هل تعلمون لي من السوابق ما يجب حقه فمهلا فلا يحل إلا قتل ثلاثة: زان بعد إحصان وكافر بعد إيمان وقاتل بغير حق ثم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لا يرفع الله عنكم الاختلاف» . فقالوا له: ما ذكرت من الاستخارة بعد عمر فكل ما صنع الله تعالى فيه الخيرة، ولكن الله ابتلى بك عباده وأما حقك وسابقتك فصحيح، لكن أحدثت ما علمت ولا نترك إقامة الحق مخافة الفتنة عاما قابلا، وأما حصر القتل في الثلاثة ففي كتب الله قتل من سعى في الأرض فسادا ومن قاتل على البغي وعلى منع الحق والمكابرة عليه، وأنت إنما تمسكت بالإمارة علينا وإنما قاتل دونك هؤلاء لهذه التسمية فلو نزعتها انصرفوا. فسكت عثمان ولزم الدار وأقسم على الناس بالانصراف فانصرفوا إلا الحسن بن علي ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير.

وكانت مدة انحصاره أربعين يوما، ولثمان عشرة منها وصل الخبر بمسير الجنود من الأمصار فاشتد الانحصار ومنعوه من لقاء الناس ومن الماء، وأرسل إلى علي وطلحة والزبير وأمهات المؤمنين يطلب الماء فركب علي إليهم مغلسا، وقال: يا أيها الناس إن هذا لا يشبه أمر المؤمنين ولا الكافرين وإنما الأسير عند فارس والروم يطعم ويسقى.

فقالوا: لا والله ونعمة عين. فرجع وجاءت أم حبيبة على بغلتها مشتملة على إداوة وقالت: أردت أن أسأل هذا الرجل عن وصايا عنده لبني أمية أو تهلك أموال أيتامهم وأراملهم، فقالوا: لا والله، وضربوا وجه البغلة فنفرت وكادت تسقط عنها وذهب بها الناس إلى بيتها.

وأشرف عليهم عثمان وقرر حقوقه وسوابقه فقال بعضهم مهلا عن أمير المؤمنين، فجاء الأشتر وفرق الناس وقال: لا يمكر بكم. ثم خرجت عائشة إلى الحج ودعت أخاها فأبى، فقال له حنظلة الكاتب: تدعوك أم المؤمنين فلا تتبعها وتتبع سفهاء العرب فيما لا يحل ولو قد صار الأمر إلى الغلبة غلبك عليه بنو عبد مناف. ثم ذهب حنظلة إلى الكوفة وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم. وكان آل حزم يدسون الماء إلى بيت عثمان في الغفلات، وكان ابن عباس ممن لزم باب عثمان للمدافعة فأشرف عليه عثمان وأمره أن يحج بالناس، فقال: جهاد هؤلاء أحب إلي، فأقسم عليه وانطلق.

ولما رأى أهل مصر أن أهل الموسم يريدون قصدهم، وأن أهل الأمصار يسيرون إليهم اعتزموا على قتل عثمان رضي الله عنه يرجون في ذلك خلاصهم واشتغال الناس ٢/٦٠٠

عنهم، فقاموا إلى الباب ليقتحموه فمنعهم الحسن بن علي وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان وسعيد بن العاص ومن معهم من أبناء الصاحبة وقاتلوهم وغلبوهم دون الباب، ثم صدهم عثمان عن القتال وحلف ليدخلن فدخلوا وأغلق الباب فجاءوا بالنار وأحرقوه، ودخلوا وعثمان يصلي وقد افتتح سورة طه، وقد سار أهل الدار فما شغله شيء من أمرهم حتى فرغ وجلس إلى المصحف يقرأ فقرأ: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل 3: 173» . ثم قال لمن عنده إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه، ومنعهم من القتال وأذن للحسن في اللحاق بأبيه وأقسم عليه فأبى وقاتل دونه، وكان المغيرة بن الأخنس بن شريق قد تعجل من الحج في عصابة لنصره فقاتل حتى قتل. وجاء أبو هريرة ينادي يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار وقاتل، ثم اقتحمت الدار من ظهرها من جهة دار عمرو بن حزم فامتلأت قوما ولا يشعر الذين بالباب، وانتدب رجل فدخل على عثمان في البيت فحاوره في الخلع فأبى فخرج، ودخل آخر ثم آخر كلهم يعظه فيخرج ويفارق القوم، وجاء ابن سلام فوعظهم فهموا بقتله، ودخل عليه محمد بن أبي بكر فحاوره طويلا بما لا حاجة إلى ذكره ثم استحيا وخرج. ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم وأكبت عليه نائلة امرأته تتقي الضرب بيدها فنفحها أحدهم بالسيف في أصابعها. ثم قتلوه وسال دمه على المصحف، وجاء غلمانه فقتلوا بعض أولئك القاتلين وقتلاء أخر، وانتبهوا ما في البيت وما على النساء حتى نائلة، وقتل الغلمان منهم وقتلوا من الغلمان، ثم خرجوا إلى بيت المال فانتهبوه، وأرادوا قطع رأسه فمنعهم النساء فقال ابن عديس: اتركوه. ويقال إن الذي تولى قتله كنانة بن بشر التجيبي وطعنه عمرو بن الحمق طعنات، وجاء عمير بن ضابيء وكان أبوه مات في سجنه فوثب عليه حتى كسر ضلعا من أضلاعه. وكان قتله لثمان عشرة خلت من ذي الحجة وبقي في بيته ثلاثة أيام.

ثم جاء حكيم بن حزام وجبير بن مطعم إلى علي فأذن لهم في دفنه، فخرجوا به بين المغرب والعشاء ومعهم الزبير والحسن وأبو جهم بن حذيفة ومروان فدفنوه في حش كوكب ، وصلى عليه جبير وقيل مروان وقيل حكيم، ويقال: إن ناسا تعرضوا لهم ٢/٦٠١

ليمنعوا من الصلاة عليه، فأرسل إليهم علي وزجرهم. وقيل إن عليا وطلحة حضرا جنازته وزيد بن ثابت وكعب بن مالك.

وكان عماله عند موته على ما نذكره: فعلى مكة عبد الله بن الحضرمي، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن ربيعة، وعلى البصرة والبحرين عبد الله بن عامر، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى حمص عبد الرحمن بن خالد من قبله، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة كذلك، وعلى الأردن ابو الأعور السلمي كذلك، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكندي كذلك، وعلى البحرين عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى القضاء أبو الدرداء، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة والقعقاع بن عمرو على الحرب، وعلى خراج السواد جابر المزني وسماك الأنصاري على الخراج، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبدان خنيس ، وعلى بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى القضاء زيد بن ثابت.

بيعة علي رضي الله عنه

لما قتل عثمان اجتمع طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار وأتوا عليا يبايعونه، فأبى وقال: أكون وزيرا لكم خير من أن أكون أميرا ومن اخترتم رضيته، فألحوا عليه وقالوا: لا نعلم أحق منك ولا نختار غيرك حتى غلبوه في ذلك، فخرج إلى المسجد وبايعوه وأول من بايعه طلحة ثم الزبير بعد أن خيرهما ويقال إنهما ادعيا الإكراه بعد ذلك بأربعة أشهر وخرجا إلى مكة، ثم بايعه الناس. وجاءوا بسعد فقال لعلي: حتى تبايعك الناس فقال: اخلوه وجاءوا بابن عمر فقال: كذلك. فقال: ائتني بكفيل. قال: لا أجده فقال الأشتر: دعني أقتله فقال علي: دعوه أنا كفيله. وبايعت الأنصار وتأخر منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد وأبو ٢/٦٠٢

سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وسلمة بن سلامة بن وقش ، وتأخر من المهاجرين عبد الله بن سلام وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد وقدامة بن مظعون والمغيرة بن شعبة. وأما النعمان بن بشير فأخذ أصابع نائلة امرأة عثمان وقميصه الذي قتل فيه ولحق بالشام صريخا.

وقيل إن عثمان لما قتل بقي الغافقي بن حرب أميرا على المدينة خمسة أيام، والتمس من يقوم بالأمر فلم يجبه أحد، وأتوا إلى علي فامتنع، وأتى الكوفيون الزبير والبصريون طلحة فامتنعا، ثم بعثوا إلى سعد وابن عمر فامتنعا . فبقوا حيارى ورأوا أن رجوعهم إلى الأمصار بغير إمام يوقع في الخلاف والفساد، فجمعوا أهل المدينة وقالوا: أنتم أهل الشورى وحكمكم جائز على الأمة فاعقدوا الإمامة ونحن لكم تبع وقد أجلناكم يومين وإن لم تفعلوا قتلنا فلانا وفلانا وغيرهما يشيرون إلى الأكابر. فجاء الناس إلى علي فاعتذر وامتنع، فخوفوه الله في مراقبة الإسلام، فوعدهم إلى الغد.

ثم جاءوه من الغد وجاء حكيم بن جبلة في البصريين، فأحضر الزبير كرها، وجاء الأشتر في الكوفيين فأحضر طلحة كذلك وبايعوا لعلي، وخرج إلى المسجد وقال: هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أردتم وقد افترقنا أمس وأنا كاره فأبيتم إلا أن أكون عليكم، فقالوا: نحن على ما افترقنا عليه بالأمس، فقال لهم: اللهم اشهد! ثم جاءوا بقوم ممن تخلف قالوا نبايع على إقامة كتاب الله. ثم بايع العامة، وخطب علي وذكر الناس وذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة ورجع إلى بيته، فجاءه طلحة والزبير وقالا: قد اشترطنا إقامة الحدود فأقمها على قتلة هذا الرجل، فقال: لا قدرة لي على شيء مما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق، فافترقوا عنه. وأكثر بعضهم المقالة في قتلة عثمان وباستناده إلى أربعة في رأيه، وبلغه ذلك فخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم، ثم هرب مروان وبنو أمية ولحقوا بالشام، فاشتد على علي منع قريش من الخروج، ثم نادى في اليوم الثالث برجوع ٢/٦٠٣

الأعراب إلى بردهم، فأبوا وتدامرت معهم السبئية، وجاءه طلحة والزبير فقالا:

دعنا نأتي البصرة والكوفة فنستنفر الناس فأمهلهما. وجاء المغيرة فأشار عليه باستبقاء العمال حتى يستقر الأمر ويستبدلوا بمن شاء فأمهله، ورجع من الغد فأشار بمعاجلة الاستبدال، وجاءه ابن عباس فأخبره بخبر المغيرة، فقال: نصحك أمس وغشك اليوم.

قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي أن تخرج عند قتل الرجل إلى مكة وأما اليوم فإن بني أمية يشبهون على الناس بأن يلجموك طرفا من هذا الأمر ويطلبون ما طلب أهل المدينة في قتلة عثمان فلا يقدرون عليهم والأمر أن تقر معاوية. فقال علي رضي الله عنه: والله لا أعطيه إلا السيف. فقال له ابن عباس: أنت رجل شجاع لست صاحب رأيي في الحرب أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحرب خدعة. قال: بلى! فقال ابن عباس: أما والله إن أطعتني لأتركنهم ينظرون في دبر الأمور ولا يعرفون ما كان وجهها من غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا ابن عباس لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء . فقال ابن عباس: أطعني والحق بمالك بينبع وأغلق بابك عليك فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، وإن نهضت مع هؤلاء القوم يحملك الناس دم عثمان غدا. فأبى علي وقال: أشر علي وإذا خالفتك أطعني. قال: أيسر مالك عندي الطاعة. قال:

فسر إلى الشام فقد وليكتها. قال: إذا يقتلني معاوية بعثمان أو يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك ولكن أكتب إليه وعده فأبى. وكان المغيرة يقول نصحته فلم يقبل.

فغضب ولحق بمكة.

ثم فرق على العمال على الأمصار فبعث على البصرة عثمان بن حنيف، وعلى الكوفة عمارة بن شهاب بن المهاجرين، وعلى اليمن عبيد الله بن عباس، وعلى مصر قيس بن سعد، وعلى الشام سهل بن حنيف. فمضى عثمان إلى البصرة واختلفوا عليه فأطاعته فرقة وقال آخرون: ما يصنع أهل المدينة فنقتدي بهم، ومضى عمارة إلى الكوفة فلما بلغ زبالة لقي طليحة بن خويلد فقال له: ارجع فإن اليوم لا يستبدلون بأبي موسى وإلا ضربت عنقك، ومضى ابن عباس إلى اليمن فجمع يعلى بن منية مال الجباية ٢/٦٠٤

وخرج به إلى مكة ودخل عبيد الله إلى اليمن، ومضى قيس بن سعد إلى مصر ولقيه بأيلة خيالة من أهل مصر فقالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد من فل عثمان أطلب من آوي إليه وأنتصر به. ومضى حتى دخل مصر وأظهر أمره فافترقوا عليه فرقة كانت معه وأخرى تربصوا حتى يروا فعله في قتلة عثمان. ومضى سهل بن حنيف إلى الشام حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقال لهم: أنا أمير على الشام، قالوا إن كان بعثك غير عثمان فارجع فرجع.

فلما رجع وجاءت أخبار الآخرين دعا علي طلحة والزبير وقال قد وقع ما كنت أحذركم. فسألوه الإذن في الخروج من المدينة وكتب علي إلى أبي موسى مع معبد الأسلمي فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة وببيعتهم ومن الكاره منهم والراضي حتى كأنه يشاهد. وكتب إلى معاوية مع سبرة الجهني فلم يجبه إلى ثلاثة أشهر من مقتل عثمان، ثم دعا قبيصة من عبس وأعطاه كتابا مختوما عنوانه من معاوية إلى علي وأوصاه بما يقول وأعاده مع رسول علي، فقدما في ربيع الأول ودخل العبسي وقد رفع الطومار كما أمره حتى دفعه إلى علي، ففضه فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال نعم قال تركت قوما لا يرضون إلا بالقود قال: وممن؟

قال منك وتكرت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان منصوبا على منبر دمشق.

فقال: اللهم اني أبرأ إليك من دم عثمان! قد نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله. ثم رده إلى صاحبه وصاحت السبئية اقتلوا هذا الكلب وافد الكلاب، فنادى يا آل مضريا لقيس أحلف بالله ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحول والركاب وتقاووا عليه، فمنعته مضر ودس أهل المدينة على علي من يأتيهم برأيه في القتال وهو زياد بن حنظلة التميمي وكان منقطعا إليه فجالسه ساعة فقال له علي: سيروا لغو الشام. فقال لعلي: الأناة والرفق أمثل فتمثل يقول:

متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم

فعلم أن رأيه القتال ثم جاء إلى القوم الذين دسوه فأخبرهم ثم استأذنه طلحة والزبير في العمرة ولحقا بمكة. ثم اعتزم على الخروج إلى الشام ودعا أهل المدينة إلى قتالهم. ٢/٦٠٥

وقال: انطلقوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم. وأمر الناس بالتجهز إلى الشام ودفع اللواء لمحمد بن الحنفية، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمرو بن سلمة ميسرته، ويقال بل عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وولى أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي عبيدة مقدمته، ولم يول أحدا ممن خرج على عثمان. واستخلف على المدينة تمام بن العباس، وعلى مكة قثم بن العباس.

وكتب الى قيس بن سعد بمصر وعثمان بن حنيف بالبصرة وأبي موسى بالكوفة أن يندبوا الناس إلى الشام، وبينما هو على التجهز للشام إذا أتاه الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وأنهم على الخلاف فانتقض عن الشام.

أمر الجمل

ولما جاء خبر مكة إلى علي قام في الناس وقال: ألا إن طلحة والزبير وعائشة قد تمالئوا على نقض إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف إن كفوا وأقتصد نحوه، وندب أهل المدينة فتثاقلوا، وبعث كميلا النخعي فجاءه بعبد الله بن عمر فقال: انهض معي، فقال: أنا من أهل المدينة افعل ما يفعلون، قال: فأعطني كفيلا بأنك لا تخرج ، قال: ولا هذه، فتركه ورجع الى المدينة، وخرج إلى مكة وقد أخبر ابنة علي أم كلثوم بأنه سمع من أهل المدينة تثاقلهم وأنه على طاعة علي ويخرج معتمرا. وجاء الخبر من الغداة إلى علي بأنه خرج إلى الشام فبعث في أثره عل كل طريق، وماج أهل المدينة، وركبت أم كلثوم إلى أبيها وهو في السوق يبعث الرجال ويظاهر في طلبه فحدثته فانصرف عن ذلك ووثق به فيما قاله، ورجع إلى أهل المدينة فخاطبهم وحرضهم فرجعوا الى اجابته، وأول من أجابه أبو الهيثم بن التيهان البدري وخزيمة بن ثابت وليس بذي الشهادتين. ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس عن علي انتدب إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخفي معك ونقاتل دونك. ٢/٦٠٦

وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إلى مكة وعثمان محصور كما قدمناه، فقضت نسكها وانقلبت تريد المدينة فلقيت في طريقها رجلا من بني ليث اخوالها فأخبرها بقتل عثمان وبيعة علي، فقالت: قتل عثمان والله ظلما ولأطلبن بدمه فقال لها الرجل: ولم أنت كنت تقولين ما قلت؟ فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وانصرفت الى مكة. وجاءها الناس فقالت: «إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه وقد استعمل أمثالهم من كان قبله ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام. والله لاصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم ولو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه» . فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل مكة لعثمان: أنا أول طالب، فكانت أول مجيب وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا إلى مكة بعد قتل عثمان، منهم: سعيد بن العاص والوليد بن عقبة. وقدم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية من اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف فأناخ بالأبطح، ثم قدم طلحة والزبير من المدينة فقالت لهما عائشة: ما وراءكما؟ قالا:

تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب غلبوا على خيارهم فلم يمنعوا أنفسهم ولا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، فقالت: انهضوا بنا إليهم، وقال آخرون: نأتي الشام، فقال ابن عامر: إن معاوية كفا كم الشام فأتوا البصرة فلي بها صنائع ولهم في طلحة هوي. فنكروا عليه مجيئه من البصرة واستقام رأيهم على رأيه وقالوا: إن الذين معنا لا يطيقون من بالمدينة ويحتجون ببيعة علي وإذا أتينا البصرة أنهضناهم كما أنهضنا أهل مكة وجاهدنا، فاتفقوا ودعوا عبد الله بن عمر الى النهوض فأبى وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون. وكانت أمهات المؤمنين معها على قصد المدينة، فلما نهضت إلى البصرة قعدوا عنها وأجابتها حفصة فمنعها أخوها عبد الله. وجهزهم ابن عامر بما معه من المال ويعلى بن منية بما معه من المال والظهر، ونادوا في الناس ٢/٦٠٧

بالحملان فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف من أهل مكة ومن أهل المدينة وتلاحق بهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف، وبعثت أم الفضل وأم عبد الله بن عباس بالخبر استأجرت على كتابها من أبلغه عليا، ونهضت عائشة ومن معها، وجاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير فقال: على أيكما أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة، فقال ابن الزبير على أبي، وقال ابن طلحة على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان تقول له أتريد أن تفرق أمرنا ليصل بالناس ابن أختي تعني عبد الله بن الزبير.

وودع أمهات المؤمنين عائشة من ذات عرق باكيات، وأشار سعيد بن العاص على مروان بن الحكم وأصحابه بإدراك ثأرهم من عائشة وطلحة والزبير. فقالوا نسير لعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. ثم جاء إلى طلحة والزبير فقال: لمن تجعلان الأمر إن ظفرتما؟ قالا: لأحدنا الذي تختاره الناس، فقال: بل اجعلوه لولد عثمان لأنكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا: وكيف ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم؟ قال:

فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني عبد مناف فرجع، ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد ووافقه المغيرة بن شعبة ومن معه من ثقيف فرجعها، ومضى القوم ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان. وأركب يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمائة دينار وقيل بثمانين، وقيل بل كان لرجل من عرينة عرض لهم بالطريق على جمل فاستبدلوا به جمل عائشة على ان حمله بألف فزادوه أربعمائة درهم، وسألوه عن دلالة الطريق فدلهم ومر بهم على الماء الحوأب فنبحتهم كلابه. وسألوه عن الماء فعرفهم باسمه.

فقالت عائشة: ردوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وأقامت بهم يوما وليلة إلى أن قيل النجاء النجاء قد أدرككم علي، فارتحلوا نحو البصرة فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي، وأشار بأن يتقدم عبد الله بن عامر إليهم فأرسلته عائشة وكتبت معه إلى رجال من البصرة، إلى الأحنف بن قيس وسمرة وأمثالهم، وأقامت بالحفين تنتظر الجواب، ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وكان رجلا عامة، وأبا الأسود الدؤلي وكان ٢/٦٠٨

رجلا خاصة، وقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها. فجاءاها بالحفين وقالا: إن أميرنا بعثنا نسألك عن مسيرك؟ فقالت: إن الغوغاء ونزاع القبائل فعلوا ما فعلوا فخرجت في المسلمين أعلمهم بذلك وبالذي فيه الناس ورائنا وما ينبغي من إصلاح هذا الأمر. ثم قرأت لا خير في كثير من نجواهم 4: 114 الآية. ثم عدلا عنها إلى طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى والسيف على رأسي وما أستقبل على البيعة إن هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان. وقال لهما الزبير مثل ذلك، ورجعا إلى عثمان بن حنيف فاسترجع وقال:

دارت رحى الإسلام ورب الكعبة، ثم قال أشيروا علي، فقال عمران: اعتزل.

قال بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين. فجاءه هشام بن عامر فأشار عليه بالمسالمة والمسامحة حتى يأتي أمر علي، فأبى ونادى في الناس فلبس السلاح ثم دس من يتكلم في الجمع ليرى ما عندهم، فقال رجل: إن هؤلاء القوم إن كانوا جاءوا خائفين فبلدهم يأمن فيه الطير وان جاءوا لدم عثمان فما نحن بقتلته فأطيعوني وردوهم من حيث جاءوا. فقال الأسود بن سريع السعدي: إنما جاءوا يستعينون بنا على قتلته منا ومن غيرنا. فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا وكسره ذلك كله.

وانتهت عائشة ومن معها إلى المربد، وخرج إليها عثمان فيمن معه وحضر أهل البصرة، فتكلم طلحة من الميمنة: فحمد الله وذكر عثمان وفضله ودعا إلى الطلب بدمه وحث عليه، وكذلك الزبير فصدقهما أهل الميمنة. وقال أصحاب عثمان من الميسرة: بايعتم عليا ثم جئتم تقولون. ثم تكلمت عائشة وقالت: «كان الناس يتجنون على عثمان ويأتوننا بالمدينة فنجدهم فجرة ونجده برا تقيا وهم يحاولون غير ما يظهرون، ثم كثروا واقتحموا عليه داره وقتلوه واستحلوا المحرمات بلا ترة ولا عذر، ألا وأن مما ينبغي لكم ولا ينبغي غيره أخذ قتلة عثمان واقامة كتاب الله» ثم قرأت «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم 3: 23» الآية.

فاختلف أصحاب عثمان عليه ومال بعضهم إلى عائشة، ثم افترق الناس وتحاصبوا وانحدرت عائشة إلى المربد، وجاءها جارية بن قدامة السعدي فقال: «يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة السلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك وأنه من ٢/٦٠٩

رأى قتالك يرى قتلك، فإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وان كنت مكرهة فاستعيني بالله وبالناس على الرجوع» .

وأقبل حكيم بن جبلة وهو على الخيل فأنشب القتال، وأشرع أصحاب عائشة رماحهم فاقتتلوا على فم السكة ، وحجز الليل بينهم وباتوا يتأهبون وعاداهم حكيم بن جبلة فاعترضه رجل من عبد القيس فقتله حكيم، ثم قتل امرأة أخرى، واقتتلوا إلى أن زال النهار. وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف ولما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح وتوادعوا على أن يبعثوا إلى المدينة فإن كان طلحة والزبير أكرها سلم لهم عثمان الأمر وإلا رجعا عنه. وسار كعب بن سوار القاضي الى أهل المدينة يسألهم عن ذلك، فجاءهم يوم جمعة وسألهم فلم يجبه إلا أسامة بن زيد فإنه قال: بايعا مكرهين. فضربه الناس حتى كاد يقتل. ثم خلصه صهيب وأبو أيوب ومحمد بن مسلمة إلى منزله، ورجع كعب وبلغ الخبر بذلك إلى علي، فكتب إلى عثمان بن حنيف يعجزه ويقول والله ما أكرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظروا. ولما جاء كعب بقول أهل المدينة بعث طلحة والزبير إلى عثمان ليجتمع بها، فامتنع واحتج بالكتاب وقال هذا غير ما كنا فيه. فجمع طلحة والزبير الناس وجاءا إلى المسجد بعد صلاة العشاء في ليلة ظلماء شاتية، وتقدم عبد الرحمن بن عتاب في الوحل فوضع السلاح في الجائية من الزط والسابحة وهم أربعون رجلا فقاتلوهم وقتلوا عن آخرهم، واقتحموا على عثمان فأخرجوه إلى طلحة والزبير وقد نتفوا شعر وجهه كله، وبعثا إلى عائشة بالخبر فقالت خلوا سبيله، وقيل أمرت بإخراجه وضربه، وكان الذي تولى إخراجه وضربه مجاشع بن مسعود. وقيل إن الاتفاق إنما وقع بينهم على أن يكتبوا إلى علي فكتبوا إليه وأقام عثمان يصلي فاستقبلوه ووثبوا عليه فظفروا به وأرادوا قتله، ثم استبقوه من أجل الأنصار وضربوه وحبسوه.

ثم خطب طلحة والزبير وقالا يا أهل البصرة توبة بجوبة إنما أردنا أن نستعتب عثمان ٢/٦١٠

فغلب السفهاء فقتلوه. فقالوا لطلحة قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا! قال الزبير:

أما أنا فلم أكاتبكم، وأخذ يرمي عليا بقتل عثمان فقال رجل من عبد القيس: يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب داعي الإسلام وكان لكم بذلك الفضل، ثم استخلفتم مرارا ولم تشاورونا، وقتلتم كذلك، ثم بايعتم عليا وجئتم تستعدوننا عليه فماذا الذي نقمتم عليه؟ فهموا بقتله ومنعته عشيرته، ثم وثبوا من الغد على قتل عثمان ومن معه فقتلوا منهم سبعين.

وبلغ حكيم بن جبلة ما فعل بعثمان بن حنيف فجاء لنصره في جماعة من عبد القيس، فوجد عبد الله بن الزبير فقال له: ما شأنك؟

قال: تخلوا عن عثمان وتقيمون على ما كنتم حتى يقدم علي ولقد استحللتم الدم الحرام تزعمون الطلب بثأر عثمان وهم لم يقتلوه. ثم ناجزهم الحرب في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وأقام حكيم أربعة قواد فكان هو بحيال طلحة، وذريح بحيال الزبير، وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام. وتزاحفوا واستحر القتل فيهم حتى قتل كثير منهم وقتل حكيم وذريح، وأفلت حرقوص في فل من أصحابه إلى قومهم بني سعد، وتتبعوهم بالقتل وطالبوا بني سعد بحرقوص وكانوا عثمانية ، فاعتزلوا وغضبت عبد القيس كلهم والكثير من بكر بن وائل، وأمر طلحة والزبير بالعطاء في أهل الطاعة لهما، وقصدت عبد القيس وبكر بيت المال فقاتلوهم ومنعوهم، وكتب عائشة إلى أهل الكوفة بالخبر وأمرتهم أن يثبطوا الناس عن علي وأن يقدموا بدم عثمان، وكتبت بمثل ذلك الى اليمامة والمدينة.

ولنرجع إلى خبر علي وقد كان لما بلغه خبر طلحة والزبير وعائشة ومسيرهم إلى البصرة دعا أهل المدينة للنصرة وخطبهم، فتثاقلوا أولا وأجابه زياد بن حنظلة وأبو الهيثم وخزيمة بن ثابت وليس بذي الشهادتين وأبو قتادة في آخرين، وبعثت أم سلمة معه ابن عمها وخرج يسابق طلحة والزبير إلى البصرة ليردهما، واستخلف على المدينة تمام ابن عباس وقيل سهل بن حنيف، وعلى مكة قثم بن عباس، وسار في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وسار معه من نشط من الكوفيين والمصريين متخففين في تسعمائة، ولقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال يا أمير المؤمنين: لا تخرج منها فو الله إن ٢/٦١١

خرجت منهما لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا. فبدر الناس إليه، فقال: دعوه فنعم الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وسار فانتهى الى الربذة، وجاء خبر سبقهم إلى البصرة فأقام يأتمر بما يفعل ولحقه ابنه الحسن وعذله في خروجه وما كان من عصيانه إياه، فقال: ما الذي عصيتك فيه حين أمرتني؟ قال: أمرتك أن تخرج عند حصار عثمان من المدينة ولا تحضر لقتله، وثم عند قتله ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة الأمصار، ثم عند خروج هؤلاء أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا. فقال: أما الخروج من المدينة فلم يكن إليه سبيل وقد كان أحيط بنا كما أحيط بعثمان، وأما البيعة فخفنا ضياع الأمر والحل والعقد لأهل المدينة لا للعرب ولا للأمصار ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحق بالأمر بعده فبايع الناس غيري واتبعتهم في أبي بكر وعمر وعثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير مكرهين، فأنا أقاتل من خالف بمن أطاع إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين، وأما القعود عن طلحة والزبير فإذا لم انظر فيما يلزمني من هذا الأمر فمن ينظر فيه؟. ثم أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر يستنفران الناس، وأقام بالربذة يحرض الناس وأرسل إلى المدينة في أداته وسلاحه، وقال له بعض أصحابه عرفنا بقصدك من القوم؟ قال: الإصلاح إن قبلوه وإلا ننظرهم وان بادرونا امتنعنا.

ثم جاءه جماعة من طيئ نافرين معه فقبلهم وأثنى عليهم. ثم سار من الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح، ولما انتهى الى فيد أتته أسد وطيئ وعرضوا عليه النفير معه، فقال: الزموا قراركم ففي المهاجرين كفاية. ولقيه هنالك رجل من أهل الكوفة من بني شيبان فسأله عن أبي موسى، فقال إن أردت الصلح فهو صاحبه، وان أردت القتال فليس بصاحبه. فقال: والله ما أريد إلا الصلح حتى يرد علينا. ثم انتهى إلى الثعلبية والأساد، فبلغه ما لقي عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة، ثم جاء بذي قار عثمان بن حنيف وأراه ما بوجهه، فقال: «أصبت أجرا وخيرا إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب ثم ثالث فقالوا وفعلوا ثم بايعوني ومنهم طلحة والزبير ثم نكثا وألبا علي. ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي! والله إنهما ليعلمان اني لست دونهم» . ثم أخذ في الدعاء عليهما وابن وائل هنالك يعرضون عليه النفير فأجابهم مثل طيئ وأسد، وبلغه خروج عبد القيس على طلحة والزبير فأثنى عليهم. وأما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فبلغا إلى الكوفة ٢/٦١٢

ودفعا إلى أبي موسى كتاب علي وقاما في الناس بأمره فلم يجبهما أحد وشاوروا أبا موسى في الخروج إلى علي، فقال: الخروج سبيل الدنيا والقعود سبيل الآخرة فقعدوا كلهم. وغضب محمد ومحمد وأغلظا لأبي موسى، فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق علي وان كان لا بد من القتال فحتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا، فرجعا إلى علي بالخبر وهو بذي قار، فرجع علي باللائمة على الأشتر، وقال: أنت صاحبنا في أبي موسى فاذهب أنت وابن العباس وأصلح ما أفسدت.

فقدما على أبي موسى وكلما استعانا عليه بالناس لم يجب إلى شيء ولم ير إلا القعود حتى تنجلي الفتنة ويلتئم الناس، فرجع ابن عباس والأشتر إلى علي فأرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر وقال: لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت. فانطلقا حتى دخلا المسجد، وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن علي فضمه إليه وقال لعمار: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا وأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل. فأقبل الحسن على أبي موسى فقال: لم تثبط الناس عنا وما أردنا إلا الإصلاح ومثل أمير المؤمنين لا يخاف على شيء. قال: «صدقت بأبي أنت وأمي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب والمسلمون اخوان ودماؤهم وأموالهم حرام» فغضب عمار وسبه فسبه آخر وتثاور الناس، ثم كفهم أبو موسى. وجاء زيد بن صوحان بكتاب عائشة إليه وكتابها إلى أهل الكوفة فقرأهما على الناس في سبيل الإنكار عليها فسبه شبث بن ربعي ، وتهاوى الناس وأبو موسى يكفهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة، ويقول: أطيعوني وخلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج من الدار الهجرة وفراق أهل العلم. حتى ينجلي الأمر. وناداه زيد بن صوحان بإجابة علي والقيام بنصرته وتابعه القعقاع بن عمرو فقام بعده فقال: لا سبيل إلى الفوضى وهذا أمير المؤمنين مليء بما ولي وقد دعاكم فانفروا، وقال عبد خير مثل ذلك وزاد:

يا أبا موسى هل تعلم أن طلحة والزبير بايعا؟ قال: نعم. قال: فهل أحدث علي ما ينقض البيعة؟ لا أدري قال: لا دريت ونحن نتركك حتى تدري. ثم قال سيحان بن صوحان مثل ما قال القعقاع، وحرض على طاعة علي وقال: فإنه ٢/٦١٣

دعاكم تنظرون ما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين، فقال عمار وهو دعاكم إلى ذلك لتنظروا في الحق وتقاتلوا معه عليه، وقال الحسن:.

أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم وإن أمير المؤمنين يقول: إن كنت مظلوما أطيعوني أو ظالما فخذوا مني بالحق. والله إن طلحة والزبير أول من بايعني وأول من غدر. فأجاب الناس، وحرض عدي بن حاتم قومه وحجر بن عدي كذلك فنفر مع الحسن من الكوفة تسعة آلاف سارت منها ستة في البر وباقيهم في الماء.

وأرسل علي بعد مسير الحسن وعمار الأشتر إلى الكوفة فدخلها والناس في المسجد وأبو موسى والحسن وعمار في منازعة معه ومع الناس، فجعل الأشتر يمر بالقبائل ويدعوهم إلى القصر حتى انتهى إليه في جماعة الناس فدخله وأبو موسى بالمسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن يقول له اعتزل علمنا واترك منبرنا، فدخل الأشتر إلى القصر وأمر بإخراج غلمان أبي موسى بن القصر، وجاءه أبو موسى فصاح به الأشتر: أخرج لا أم لك وأجله تلك العشية. ودخل الناس لينهبوا متاعه فمنعهم الأشتر، ونفر الناس مع الحسن كما قلنا وكان الأمراء على أهل النفير على كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي، وعلى قبائل قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب وعلة بن مجدوح الذهلي، وعلى مذحج والأشعريين حجر بن عدي، وعلى بحيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي، ورؤساء الجماعة من الكوفيين القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب، ورؤساء النفار زيد بن صوحان والأشتر وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وأمثالهم. فقدموا على علي بذي قار، فركب إليهم ورحب بهم وقال: يا أهل الكوفة دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فهو الذي نريد وإن يحلوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤنا بالظلم ولا ندع أمرا فيه الصلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد ان شاء الله. فاجتمع الناس عنده بذي قار وعبد القيس بأسرها وهم ألوف ينتظرونه ما بينه وبين البصرة، ثم دعا القعقاع وكان من الصحابة فأرسله إلى أهل البصرة وقال: الق هذين الرجلين فادعهما للالفة ٢/٦١٤

والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له: كيف تصنع إذا قالوا ما لا وصاة مني فيه عندك؟ قال: نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهم ما لي عندنا منك رأيي فيه اجتهدنا رأينا وكلمناهم كما نسمع ونرى انه ينبغي، قال: أنت لها.

فخرج القعقاع فقدم البصرة وبدأ بعائشة وقال: أي أمة ما أشخصك؟ قالت:

أريد الإصلاح بين الناس، قال فابعثي الى طلحة والزبير تسمعي مني ومنهما، فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما: اني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت الإصلاح وكذلك قالا.

قال فأخبراني ما هو؟ قالا: قتلة عثمان! فإن تركهم ترك للقرآن، قال: فقد قتلتم منهم ستمائة من أهل البصرة وغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فان قاتلتم هؤلاء كلهم اجتمعت مضر وربيعة على حربكم فأين الإصلاح؟ قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال هذا الأمر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح خير ولا تعرضونا للبلاء فنتعرض له ويصرعنا وإياكم، فقالوا قد أصبت وأحسنت فارجع فان قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع وأخبر عليا فأعجبه وأشرف القوم على الصلح. وقد كانت وفود أهل البصرة أقبلوا إلى علي قبل رجوع القعقاع وتفاوضوا مع أهل الكوفة واتفقوا جميعا على الصلاح، ثم خطب علي الناس وأمرهم بالرحيل من الغد وأن لا يرحل معه أحد ممن أعان على عثمان. فاجتمع من أهل مصر ابن السوداء وخالد بن ملجم والأشتر والذين رضوا بمن سار إليه مثل علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أوفى، وتشاوروا فيما قال علي وقالوا: هو أبصر بكتاب الله وأقرب إلى العمل به من أولئك وهو يقول ما يقول، وإنما معه الذين أعانوا على عثمان فكيف إذا اصطلحوا واجتمعوا ورأوا قلتنا في كثرتهم. فقال الأشتر رأيهم والله فينا واحد وأن يصطلحوا فعلى دمائنا فهلموا نثب على طلحة نلحقه بعثمان ثم يرضى منا بالسكون، فقال ابن السوداء: طلحة وأصحابه نحو من خمسة آلاف وأنتم ألفان وخمسمائة فلا تجدون إلى ذلك سبيلا، وقال علباء بن الهيثم: اعتزلوا الفريقين حتى يأتيكم من تقومون به. فقال ابن السوداء: ود والله الناس لو انفردتم فيتخطفونكم، فقال عدي: والله ما رضيت ولا كرهت فاما إذ وقع ما وقع ونزل الناس بهذه المنزلة فان لنا خيلا وسلاحا. فإن أقدمتم أقدمنا وإن أحجمتم أحجمنا، ثم قال سالم بن ثعلبة وسويد بن أوفى: أبرموا أمركم. ثم تكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم ٢/٦١٥

في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال فلا يجدون بدا منه ويشغلهم الله عما تكرهون، وافترقوا على ذلك.

وأصبح علي راحلا حتى نزل على عبد القيس فانضموا اليه وساروا معه فنزل الزاوية، وسار من الزاوية إلى البصرة. وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة والتقوا بموضع قصر عبيد الله بن زياد منتصف جمادى الآخرة، وتراسلت بكر بن وائل وعبد القيس وجاءوا إلى علي رضي الله عنه فكانوا معه، وأشار على الزبير بعض أصحابه أن يناجز القتال، فاعتذر بما وقع بينه وبين القعقاع. وطلب من علي رضي الله تعالى عنه أصحابه مثل ذلك فأبى وسئل ما حالنا وحالهم في القتلى؟ فقال: أرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله إلا أدخله الله الجنة، ونهى عن قتالهم وبعث إليهم حكيم بن سلام ومالك بن حبيب إن كنتم على ما جاء به القعقاع فكفوا حتى ننزل وننظر في الأمر، وجاءه الأحنف بن قيس وكان معتزلا عن القوم وقد كان بايع عليا بالمدينة بعد قتل عثمان مرجعه من الحج، قال الأحنف: ولم أبايعه حتى لقيت طلحة والزبير وعائشة بالمدينة وعثمان محصور وعلمت أنه مقتول فقلت لهم من أبايع بعده؟ قالوا عليا فلما رجعت وقد قتل عثمان بايعت عليا فلما جاءوا إلى البصرة دعوني إلى قتال علي فحرت في أمري بين خذلانهم أو خلع طاعتي، فقلت: ألم تأمروني بمبايعته؟ قالوا نعم لكنه بدل وغير فقلت لا أنقض بيعتي ولا أقاتل أم المؤمنين، ولكن أعتزل، ونزل بالجلحاء على فرسخين من البصرة في زهاء ستة آلاف، فلما قدم علي جاءه وخيره بين القتال معه أو كف عشرة آلاف سيف عنه، فاختار الكف ونادى في تميم وبني سعد فأجابوه فاعتزل بهم حتى ظفر علي فرجع إليه واتبعه. ولما تراءى الجمعان خرج طلحة والزبير وجاءهم علي حتى اختلفت أعناق دوابهم. فقال علي: لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما فهل من حديث أحل لكما دمي قال طلحة: ألبت على عثمان! قال علي: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق فلعن الله قتلة عثمان يا طلحة. أما بايعتني؟

قال: والسيف على عنقي. ثم قال للزبير: أتذكر يوم قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقاتلنه وأنت له ظالم؟ قال اللهم نعم ولو ذكرت قبل مسيري ما سرت.

وو الله لا أقاتلك أبدا وافترقوا. فقال علي لأصحابه: إن الزبير قد عهد أن لا يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة وقال: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا ٢/٦١٦

أعرف أمري غير موطني هذا! قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال أدعهم وأذهب.

فقال له ابنه عبد الله: خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أن حامليها فتية أنجاد وأن تحتها الموت الأحمر فجنبت فأحفظه ذلك. وقال: حلفت. قال: كفر عن يمينك فأعتق غلامه مكحولا. وقيل إنما أراد الرجوع عن القتال حين سمع ان عمار بن ياسر مع علي لما ورد: ويح عمار تقتله الفئة الباغية.

وكان أهل البصرة على ثلاث فرق مفترقين مع هؤلاء وهؤلاء وثالثة اعتزلت كالأحنف ابن قيس وعمران بن حصين، ونزلت عائشة في الأزد ورأسهم صبرة بن شيمان، وأشار عليه كعب بن سور بالاعتزال فأبى وكان معها قبائل كثيرة من مضر والرباب وعليهم المنجاب بن راشد، وبنو عمرو بن تميم وعليهم أبو الجرباء، وبنو حنظلة وعليهم هلال بن وكيع وسليم وعليهم مجاشع بن مسعود، وبنو عامر وغطفان وعليهم زفر بن الحرث، والأزد وعليهم صبرة بن شيمان، وبكر وعليهم مالك بن مسمع، وبنو ناجية وعليهم الخريت بن راشد، وهم في نحو ثلاثين ألفا. وعلي في عشرين ألفا.

والناس جميعا متنازلون مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، ولا يشكون في الصلح وقد ردوا حكيما ومالكا إلى علي: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع، وجاء ابن عباس إلى طلحة والزبير، ومحمد بن طلحة إلى علي وتقارب أمر الصلح وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة يتشاورون، واتفقوا على إنشاب الحرب بين الناس فغسلوا وما يشعر بهم أحد، وقصد مضر الى مضر وربيعة إلى ربيعة ويمن الى يمن فوضعوا فيهم السلاح، وثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم. وبعث طلحة والزبير عبد الرحمن بن الحرث بن هشام الى الميمنة وهم ربيعة، وعبد الرحمن بن عتاب إلى الميسرة، وركبا في القلب، وسألا الناس ما هذا؟ فقالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا فقال طلحة والزبير إن عليا لا ينتهي حتى يسفك الدماء. ثم دفعوا أولئك المقاتلين فسمع علي وأهل عسكره الصيحة، فقال ما هذا؟ فقيل له أظنه سقط من هنا طرقنا أو نحوه السبئية بيتونا ليلا فرددتهم فوجدنا القوم على أهبة فركبونا، وثار الناس وركب علي. وبعث الى الميمنة والميسرة صاحبها، وقال: إن طلحة والزبير لا ٢/٦١٧

ينتهيان حتى تسفك الدماء ونادى في الناس كفوا، وكان رأيهم جميعا في تلك الفتنة أن لا يقتتلوا حتى يقيموا الحجة ولا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يستحلوا سلبا.

وأقبل كعب بن سور إلى عائشة وقال: قد أبى القوم إلا القتال فلعل الله يصلح بك.

فأركبها وألبسوا هودجها الأدراع وأوقفوها بحيث تسمع الغوغاء، واقتتل الناس حتى انهزم أصحاب الجمل وذهب، وأصيب طلحة بسهم في رجله فدخل البصرة ودمه يسيل إلى أن مات. وذهب الزبير إلى وادي السباع لما ذكره علي، فمر بعسكر الأحنف واتبعه عمرو بن الجرموز وكان يسائله حتى إذا قام إلى الصلاة قتله ورجع بفرسه وسلاحه وخاتمه إلى الأحنف فقال والله ما أدري أحسنت أم أسأت. فجاء ابن جرموز إلى علي وقال للحاجب: استأذن لقاتل الزبير فقال لحاجبه: ائذن له وبشروه بالنار. ولما بلغت الهزيمة البصرة ورأوا الخيل أطافت بالجمل فرجعوا وشبت الحرب كما كانت. وقالت عائشة لكعب بن سور وناولته مصحفا: تقدم فادعهم إليه واستقبل القوم فقتله السبئية رشقا بالسهم، ورموا عائشة في هودجها حتى جأرت بالاستغاثة ثم بالدعاء على قتلة عثمان، وضج الناس بالدعاء فقال علي ما هذا قالوا عائشة تدعوا على قتلة عثمان! فقال: اللهم العن قتلة عثمان. ثم أرسلت عائشة إلى الميمنة والميسرة وحرضتهم، وتقدم مضر الكوفة ومضر البصرة فاجتلدوا أمام الجمل حتى ضرسوا، وقتل زيد بن صوحان من أهل الكوفة وأخوه سيحان وارتث أخوهما صعصعة، وتزاحف الناس وتأخرت يمن الكوفة وربيعتها ثم عادوا فقتل على راياتهم عشرة. ثم أخذها يزيد بن قيس فثبت، وقتل تحت راية ربيعة زيد وعبد الله بن رقية وأبو عبيدة بن راشد بن سلمة، واشتد الأمر ولزقت ميمنة الكوفة بقلبهم وميسرة أهل البصرة بقلبهم، ومنعت ميمنة هؤلاء ميسرة هؤلاء وميسرة هؤلاء ميمنة هؤلاء، وتنادى شجعان مضر من الجانبين بالصبر وقصدوا الأطراف يقطعونها، وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله، وقاتل عند الجمل الأزد ثم بنو ضبه وبنو عبد مناة، وكثر القتل والقطع وصارت المجنبات إلى القلب واستحر القتل إلى الجمل حتى قتل على الخطام أربعون رجلا أو سبعون كلهم من قريش، فجرح عبد الله بن الزبير وقتل عبد الرحمن بن عتاب وجندب بن زهير العامري وعبد الله بن حكيم بن حزام ومعه راية قريش قتله الأشتر وأعانه فيه عدي بن حاتم، وقتل الأسود ٢/٦١٨

بن أبي البختري وهو آخذ بالخطام وبعده عمرو بن الأشرف الأزدي في ثلاثة عشر من أهل بيته وجرح مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة ما بين طعنة ورمية، ونادى علي اعقروا الجمل يتفرقوا، وضربه رجل فسقط فما كان صوت أشد عجيجا منه. وكانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل فأخذها الصقعب أخوه فقتل ثم أخوهما عبد الله كذلك، فأخذها العلاء بن عروة فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل ومعه زيد وسيحان ابنا صوحان وأخذها عدة فقتلوا منهم عبد الله بن رقية ثم منقذ بن النعمان، ودفعها الى ابنه مرة فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية بكر بن وائل في بني ذهل مع الحرث بن حسان فقتل في خمسة من بني أهل ورجال من بني محدوج وخمسة وثلاثين من بني ذهل.

وقيل في عقر الجمل: ان القعقاع دعا الأشتر وقد جاء من القتال عند الجمل إلى العود فلم يجبه، وحمل القعقاع والخطام بيد زفر بن الحرث فأصيب شيوخ من بني عامر، وقال القعقاع لبجير بن دجلة من بني ضبة وهو من أصحاب علي يا بجير صح بقومك يعقروا الجميل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين، فضرب ساق البعير فوقع على شقه، وأمن القعقاع من يليه واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه وهو كالقنفذ بالسهام، وفر من وراءه، وأمر علي فنودي لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور، وأمر بحمل الهودج من بين القتلى، وأمر محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة وأن ينظر هل بها جارحة فجاء يسألها. وقيل لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج إلى ناحية ليس قربة أحد وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير قال:

يغفر الله لك. قالت: ولك. وجاء وجوه الناس إليها فيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها، وقالت له: وددت اني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وجاء إلى علي فقال له مثل قولها ولما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر الصديق البصرة، ٢/٦١٩

فأقرها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية زوجه بنت الحرث بن أبي طلحة من بني عبد الدار أم طلحة الطلحات بن عبد الله، وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا ليلا إلى البصرة وأذن علي في دفن القتلى فدفنوا بعد أن أطاف عليهم، ورأى كعب بن سور وعبد الرحمن بن عتاب وطلحة بن عبيد الله وهو يقول: زعموا أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء مع أن هؤلاء فيهم. ثم صلى على القتلى من الجانبين وأمر بالأطراف فدفنت في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من كل شيء وبعث به إلى مسجد البصرة وقال من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا عليه سمة السلطان. وأحصى القتلى من الجانبين فكانوا عشرة الاف منهم من ضبة ألف رجل.

ولما فرغ علي من الوقعة جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد فقال له: تربصت فقال ما أراني إلا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان، فارفق فان طريقك بعيد وأنت إلي غدا أحوج منك أمس فلا تقل لي مثل هذا فاني لم أزل لك ناصحا. ثم دخل البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة فبايعه وعرض له في عمه زياد بأنه متربص، فقال والله إنه لمريض وعلى مسرتك لحريص. فقال: انهض أمامي فمضى فلما دخل عليه علي اعتذر فقبل عذره واعترض بالمرض قبل عذره، وأراده على البصرة فامتنع وقال: ولها رجلا من أهلك تسكن إليه الناس وسأشير عليه، وأشار بابن عباس فولاه، وجعل زيادا على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس بموافقته فيما يراه. ثم راح علي إلى عائشة في دار ابن خلف وكان عبد الله بن خلف قتل في الوقعة فأساءت أمه وبعض النسوة عليه، فأعرض عنهن وحرضه بعض أصحابه عليهن فقال: إن النساء ضعيفات وكنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات فكيف بهن مسلمات. ثم بلغه أن بعض الغوغاء عرض لعائشة بالقول والإساءة، فأمر من أحضر له بعضهم وأوجعهم ضربا، ثم جهزها علي إلى المدينة بما احتاجت إليه وبعثها مع أخيها محمد مع أربعين من نسوة البصرة اختارهن لمرافقتها، وأذن للفل ممن خرج عنها أن يرجعوا معها، ثم جاء يوم ارتحالها فودعها واستعتبت له واستعتب لها، ومشى معها أميالا وشيعها بنوه مسافة يوم، وذلك غرة رجب، فذهبت إلى مكة فقضت الحج ورجعت إلى المدينة. ورجع ٢/٦٢٠

بنو أمية من الفل ناجين الى الشام، فعتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن ويحيى أخوا مروان خلصوا إلى عصمة بن أبير التميمي إلى أن اندملت جراحهم، ثم بعثهم إلى الشام. وأما عبد الله بن عامر فخلص إلى بني حرقوص ومضى من هنالك، وأما مروان بن الحكم فأجاره أيضا مالك بن مسمع وبعثه وقيل كان مع عائشة فلما ذهبت إلى مكرة فارقها الى المدينة، وأما ابن الزبير فاختفى بدار بعض الأزد وبعث إلى عائشة يعلمها بمكانه فأرسلت أخاها محمدا وجاء إليها به.

ثم قسم علي جميع ما في بيت المال على من شهد معه، وكان يزيد على ستمائة ألف فأصاب كل رجل خمسمائة، وقال: ان أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم. فخاض السبئية في الطعن عليه بذلك وبتحريم أموالهم مع اراقة دمائهم، ورحلوا عنه فأعجلوه عن المقام بالبصرة، وارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه.

وقد قيل في سياق أمر الجمل غير هذا، هو أن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر إلى أبي موسى ليستنفر له أهل الكوفة وامتنع. سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي بالربذة فأخبره فأعاده إليه يقول له: إني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق، فامتنع أبو موسى وكتب إليه هاشم مع المحل بن خليفة الطائي، فبعث علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر يستنفران كما مر. وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميرا وبعث إليه: إني قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس وبعثت قرظة بن كعب واليا على الكوفة فاعتزل عملنا مذموما مدحورا وان لم تفعل فقد أمرته أن ينابذك وإن ظفر بك أن يقطعك إربا إربا وان الناس تواقفوا للقتال، وأمر علي من يتقدم بالمصحف يدعوهم إلى ما فيه وان قطع وقتل وحمله بعض الناس وفعل ذلك فقتل.

وحملت ميمنتهم على ميسرتهم فاقتتلوا ولاذ الناس بجمل عائشة أكثرهم من ضبة والأزد ثم انهزموا آخر النهار، واستحر في الأزد القتل وحمل عمار على الزبير يحوزه بالرمح ثم استلان له وتركه، وألقى عبد الله بن الزبير نفسه مع الجرحى. وعقر الجمل واحتمل عائشة أخوها محمد فأنزلها وضرب عليها قبة ووقف عليها علي يعاتبها، فقالت ٢/٦٢١

له ملكت فأسجح نعم ما أبكيت قومك اليوم، فسرحها في جماعة رجال ونساء الى المدينة وجهزها بما تحتاج إليه. هذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين. وقتل يوم الجمل عبد الرحمن أخوه طلحة من الصحابة والمحرز بن حارثة العبشمي وكان عمر ولاه على أهل مكة، ومجاشع ومجالد ابنا مسعود مع عائشة.

وعبد الله بن حكيم بن حزام وهند بن أبي هالة وهو ابن خديجة قتل مع علي وقيل بالبصرة وغيرهم. انتهى أمر الجمل.

ولما فرغ الناس من هذه الوقعة اجتمع صعاليك من العرب وعليهم جبلة بن عتاب الحنظلي وعمران بن الفضيل ابرجمي، وقصدوا سجستان وقد نكث أهلها، وبعث علي إليهم عبد الرحمن بن جرو الطائي فقتلوه، فكتب إلى عبد الله بن عباس أن يبعث إلى سجستان واليا، فبعث ربعي بن كاس العنبري في أربعة آلاف ومعه الحصين بن أبي الحر فقتل جبلة وانهزموا وضبط ربعي البلاد واستقامت.

انتقاض محمد بن أبي حذيفة بمصر ومقتله

لما قتل أبو حذيفة بن عتبة يوم اليمامة ترك ابنه محمدا في كفالة عثمان وأحسن تربيته وسكر في بعض الأيام فجلده عثمان، ثم تنسك وأقبل على العبادة وطلب الولاية من عثمان، فقال: لست بأهل فاستأذنه على اللحاق بمصر لغزو البحر فأذن له وجهزه ولزمه الناس وعظموه لما رأوا من عبادته، ثم غزا مع ابن أبي سرح غزوة الصواري كما مر، فكان يتعرض له بالقدح فيه وفي عثمان بتوليته ويجتمع في ذلك مع محمد بن أبي بكر، وشكاهما ابن أبي سرح إلي عثمان فكتب إليه بالتجافي عنهما لوسيلة ذلك بعائشة وهذا لتربيته. وبعث إلى ابن أبي حذيفة ثلاثين ألف درهم وحمل من الكسوة فوضعهما ابن أبي حذيفة في المسجد، وقال: يا معشر المسلمين كيف أخادع عن ديني وآخذ الرشوة عليه. فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان وبايعوه على رياستهم، وكتب إليه عثمان يذكره بحقوقه عليه فلم يرده ذلك. وما زال يحرض الناس عليه حتى خرجوا لحصاره وأقام هو بمصر، وخرج ابن أبي سرح إلى عثمان ٢/٦٢٢

فاستولى هو على مصر وضبطها إلى أن قتل عثمان وبويع علي وبايع عمرو بن العاص لمعاوية، وسار إلى مصر قبل قدوم قيس بن سعد فمنعهما فخدعا محمد حتى خرج إلى العريش فتحصن بها في ألف رجل، فحاصراه حتى نزل على حكمهم فقتلوه.

وفي هذا الخبر بعض الهون لأن الصحيح أن عمرا ملك مصر بعد صفين، وقيس ولاه علي لأول بيعته، وقد قيل ان ابن أبي حذيفة لما حوصر عثمان بالمدينة أخرج هو ابن أبي سرح عن مصر وضبطها، وأقام ابن أبي سرح بفلسطين حتى جاء الخبر بقتل عثمان وبيعة علي وتوليته قيس بن سعد على مصر، فأقام بمعاوية. وقيل إن عمرا سار إلى مصر بعد صفين فبرز إليه ابن أبي حذيفة في العساكر وخادعه في الرجوع إلى بيعة علي، وأن يجتمعا لذلك بالعريش في غير جيش من الجنود، ورجع إلى معاوية عمرو فأخبره، ثم جاء إلى ميعاده بالعريش وقد استعد بالجنود وأكمنهم خلفه حتى إذا التقيا طلعوا على أثره فتبين ابن أبي حذيفة الغدر فتحصن بقصر العريش إلى أن نزل على حكم عمرو. وبعث به إلى معاوية فحبسه إلى أن فر من محبسه فقتل، وقيل إنما بعثه عمرو إلى معاوية عند مقتل محمد بن أبي بكر وأنه أمنه ثم حمله إلى معاوية فحبسه بفلسطين.

ولاية قيس بن سعد على مصر

كان علي قد بعث إلى مصر لأول بيعته قيس بن سعد أميرا في صفر من سنة ست وثلاثين وأذن له في الإكثار من الجنود وأوصاه فقال له: لو كنت لا أدخلها إلا بجند آتي بهم من المدينة لا أدخلها أبدا فانا أدع لك الجند تبعثهم في وجوهك، وخرج في سبعة من أصحابه حتى أتى مصر وقرأ عليهم كتابا يعلمهم بمبايعته وطاعته وأنه أميرهم، ثم خطب فقال بعد أن حمدا لله: أيها الناس قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله. فبايعه الناس واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا بعض القرى كان فيها قوم يدعون إلى الطلب بدم عثمان، مثل يزيد بن الحرث ومسلمة بن مخلد، فهادنهم وجبى الخراج وانقضى أمر الجمل وهو بمصر.

وخشي معاوية أن يسير إليه علي في أهل العراق وقيس من ورائه في أهل مصر.

فكتب إليه يعظم قتل عثمان ويطوقه عليا ويحضه على البراءة من ذلك ومتابعته على أمره على أن يوليه العراقين إذا ظفر ولا يعزله، يولي من أراد من أهله الحجاز ٢/٦٢٣

كذلك، ويعطيه ما شاء من الأموال. فنظر في أهله بين موافقته أو معاجلته بالحرب فآثر الموافقة، فكتب إليه: «أما بعد فإني لم أقارف شيئا مما ذكرته وما اطلعت لصاحبي علي شيء منه. وأما متابعتك فانظر فيها وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك فلا يأتيك شيء من قبلي تكرهه حتى نرى وترى» . فكتب إليه معاوية:

«إني لم أرك تدنو فأعدك سلما ولا تتباعد فأعدك حربا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل والسلام» . فعلم قيس أن المدافعة لا تنفع معه فأظهر له ما في نفسه، وكتب إليه بالرد القبيح والشتم والتصريح بفضل علي والوعيد، فحينئذ أيس معاوية منه وكاده من قبل علي، فأشاع في الناس أن قيسا شيعة له تأتينا كتبه ورسله ونصائحه وقد ترون ما فعل بإخوانكم القائمين بثأر عثمان وهو يجري عليهم من الأعطية والأرزاق، فأبلغ ذلك إلى علي محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وعيونه بالشام فأعظم ذلك، وفاوض فيه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فقال له عبد الله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك واعزله عن مصر. ثم جاء كتابه بالكف عن قتال المعتزلين فقال ابن جعفر: مره بقتالهم خشية أن تكون هذه ممالأة. فكتب إليه يأمره بذلك فلم ير قيس ذلك رأيا وقال: متى قاتلناهم ساعدوا عليك عدوك وهم الآن معتزلون والرأى تركهم. فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر على مصر، وكان أخاه لأمه، واعزل قيسا فبعثه.

وقيل بعث قبل الأشتر النخعي، ومات بالطريق، فبعث محمد ولما قدم محمد على قيس خرج عنها مغضبا إلى المدينة وكان عليها مروان بن الحكم فأخافه، فخرج هو وسهل بن حنيف إلى علي. وكتب معاوية إلى مروان يعاتبه لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل كان أيسر علي من قيس بن سعد.

ولما قدم قيس على علي وكشف له عن وجه الخبر قبل عذره وأطاعه في أمره كله، وقدم محمد مصر فقرأ كتاب علي على الناس وخطبهم ، ثم بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم. ادخلوا في طاعتنا أو اخرجوا عن بلادنا. فقالوا:

دعنا حتى ننظر. وأخذوا حذرهم، ولما انقضت صفين وصار الأمر إلى التحكيم ٢/٦٢٤

بارزوه وبعث العساكر إلى يزيد بن الحرث الكناني بخربتا وعليهم الحرث بن جمهان فقتلوه ثم بعث آخر فقتلوه.

مبايعة عمرو بن العاص لمعاوية

لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص إلى فلسطين ومعه ابناه عبد الله ومحمد، فسكن بها هاربا مما توقعه من قتل عثمان إلى أن بلغه الخبر بقتله، فارتحل يبكي ويقول كما تقول النساء، حتى أتى دمشق فبلغه بيعة علي، فاشتد عليه الأمر وأقام ينتظر ما يصنعه الناس، ثم بلغه مسير عائشة وطلحة والزبير فأمل فرجا من أمره، ثم جاءه الخبر بوقعة الجمل فارتاب في أمره. وسمع أن معاوية بالشام لا يبايع عليا وأنه يعظم قتل عثمان، فاستشار ابنيه في المسير إليه، فقال له ابنه عبد الله توفي النبي صلى الله عليه وسلم والشيخان بعده وهم راضون عنك فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس. وقال له محمد: أنت ناب من أنياب العرب وكيف يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صيت. فقال: يا عبد الله أمرتني بما هو خير لي في ديني، ويا محمد أمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي. ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية فوجدوهم يطلبون دم عثمان، فقال: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. فأعرض معاوية قليلا، ثم رجع إليه وشركه في سلطانه.

أمر صفين

لما رجع علي بعد وقعة الجمل إلى الكوفة مجمعا على قصد الشام، بعث إلى جرير بن عبد الله البجلي بهمدان وإلى الأشعث بن قيس بآذربيجان وهما من عمال عثمان بأن يأخذا له البيعة ويحضرا عنده، فلما حضرا بعث جرير إلى معاوية يعلمه ببيعته ونكث طلحة والزبير وحزبهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلما قدم عليه طاوله في الجواب وحمل أهل الشام ليرى جرير قيامهم في دم عثمان واتهامهم عليا به، وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان ملوثا بالدم كما قدمناه وبأصابع زوجته نائلة، وضع معاوية القميص على المنبر والأصابع من فوقه، فمكث الناس يبكون مدة وأقسموا ألا يمسهم ماء إلا لجنابة ولا يناموا على فراش حتى يثأروا لعثمان ومن حال دون ذلك قتلوه. فرجع جرير بذلك إلى علي وعذله الأشتر في بعث ٢/٦٢٥

جرير وأنه طال مقامه حتى تمكن أهل الشام من رأيهم ، فغضب لذلك جرير ولحق بقرقيسياء واستقدمه معاوية فقدم عليه. وقيل أن شرحبيل بن السمط الكندي أشار على معاوية برد جرير لأجل منافسة كانت بينهما منذ أيام عمر، وذلك أن شرحبيل كان عمر بن الخطاب بعثه إلى سعد بالعراق ليكون معه فقربه سعد وقدمه ونافسه له أشعث بن قيس، فأوصى جريرا عند وفادته على عمر أن ينال من شرحبيل عنده، ففعل فبعث عمر شرحبيل إلى الشام فكان يحقد ذلك على جرير، فلما جاء الى معاوية أغراه شرحبيل به وحمله على الطلب بدم عثمان.

ثم خرج علي وعسكر بالنخيلة واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري وقدم عليه عبد الله بن عباس في أهل البصرة، وتجهز معاوية وأغراه عمرو بقلة عسكر علي واضطغان أهل البصرة له بمن قتل منهم، وعبى معاوية أهل الشام وعقد لعمرو ولا بنيه وغلامه وردان الألوية. وبعث علي في مقدمته زياد بن النضر الحارثي في ثمانية آلاف وشريح بن هانئ في أربعة آلاف، وسار من النخيلة إلى المدائن واستنفر من كان بها من المقاتلة وبعث منها معقل بن قيس في ثلاثة آلاف يسير من الموصل ويوافيه بالرقة. وولي علي على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، وسار فلما وصل إلى الرقة نصب له جسر فعبر وجاء زياد وشريح من ورائه، وكانا سمعا بمسير معاوية وخشيا أن يلقاهما معاوية وبينهما وبين علي البحر ورجعا إلى هيت وعبر الفرات، ولحقا بعلي فقدمهما امامه، فلما أتيا إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام فطاولاه وبعثا إلى علي فسرح الأشتر وأمره أن يجعلهم على مجنبتيه، وقال: لا تقاتلهم حتى آتيك. وكتب إلى شريح وزياد بطاعته فقدم عليهما وكف عن القتال سائر يومه حتى حمل عليهم أبو الأعور بالعشي فاقتتلوا ساعة وافترقوا، ثم خرج من الغداة وخرج إليه من أصحاب الأشتر هاشم بن عتبة المرقال واقتتلوا عامة يومهم. وبعث الأشتر سنان بن مالك النخعي إلي أبي الأعور السلمي يدعوه إلى البراز فأبي وحجز بينهم الليل، ووافاهم من الغد علي وعساكره، فتقدم الأشتر وانتهى إلى معاوية ولحق به علي. وكان معاوية قد ملك شريعة الفرات فشكى الناس إلى علي العطش فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية: «بأنا سرنا ونحن عازمون على الكف عنكم حتى نعذر إليكم فسابقنا جندكم بالقتال ونحن رأينا ٢/٦٢٦

الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وقد منعتم الماء والناس غير منتهين فابعث إلى أصحابك يخلون عن الماء للورد حتى ننظر بيننا وبينكم وان أردت القتال حتى يشرب الغالب فعلنا» . فأشار عمرو بن العاص بتخلية الماء لهم، وأشار ابن أبي سرح والوليد بن عقبة بمنعهم الماء، وعرضا بشتم فتشاتم معهم صعصعة ورجع، وأوعز إلى أبي الأعور بمنعهم الماء وجاء الأشعث بن قيس إلى الماء فقاتلهم عليه ثم أمر معاوية أبا الأعور يزيد بن أبي أسد القسري جد خالد بن عبد الله ثم بعمرو بن العاص بعده، وأمر علي الأشعث بشبث بن ربعي ثم بالأشتر وعليهم أصحاب علي وملكوا الماء عليهم، وأرادوا منعهم منه فنهاهم علي عن ذلك.

وأقام يومين ثم بعث إلى معاوية أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، يدعونه إلى الطاعة وذلك أول ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فدخلوا عليه وتكلم بشير بن عمرو بعد حمدا لله والثناء عليه والموعظة الحسنة وناشده الله أن لا يفرق الجماعة ولا يسفيك الدماء، فقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك. فقال بشير: ليس مثلك أحق بالأمر بالسابقة والقرابة.

قال: فما رأيك؟ قال: تجيبه إلى ما دعا إليه من الحق، قال معاوية: ونترك دم عثمان لا والله لا أفعله أبدا! ثم قال شبث بن ربعي: يا معاوية إنما طلبت دم عثمان تستميل به هؤلاء السفهاء العظام الى طاعتك، ولقد علمنا أنك أبطات على عثمان بالنصر لطلب هذه المنزلة فاتق الله ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله. فأجابه معاوية وأبدع في سبه وقال: انصرفوا فليس بيني وبينكم إلا السيف. فقال له شبث: أقسم بالله لنعجلها لك. ورجعوا إلى علي بالخبر.

وأقاموا يقتتلون أيام ذي الحجة كلها عسكر من هؤلاء وعسكر من هؤلاء، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام حذرا من الاستئصال والهلاك. ثم جاء المحرم فذهبوا إلى الموادعة حتى ينقضي طمعا في الصلح، وبعث إلى معاوية عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة ، فتكلم عدي بعد الحمد والثناء ودعا إلى الدخول في طاعة علي ليجمع الله به الكلمة فلم يبق غيرك ومن معك واحذر يا معاوية أن يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل. فقال معاوية: ٢/٦٢٧

كأنك جئت مهددا لا مصلحا هيهات يا عدي أنا ابن حرب والله ما يقعقع لي بالشنان وأنك من قتلة عثمان وأرجو أن يقتلك الله به. فقال له يزيد بن قيس: إنما أتيناك رسلا ولا ندع مع ذلك النصح والسعي في الالفة والجماعة وذكر من فضل علي واستحقاقه للأمر بتقواه وزهده. فقال معاوية بعد الحمد والثناء: أما الجماعة التي تدعون إليها فهي معنا وأما طاعة صاحبكم فلا نراها لأنه قتل خليفتنا وآوى أهل ثأرنا ونحن مع ذلك نجيبكم إلى الطاعة والجماعة إذا دفع إلينا قتلة عثمان. فقال شبث بن ربعي: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا؟ قال: نعم بمولاه. قال شبث: حتى تضيق الأرض والفضاء عليك. فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق.

وافترقوا عن معاوية ثم خلا بزياد بن خصفة وشكى إليه من علي وسأله النصر منه بعشيرته وأن يوليه أحد المصرين، فأبى وقال: إني على بينة من ربي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقام عنه فقال معاوية لعمرو: كأن قلوبهم قلب رجل واحد.

ثم بعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه، فتكلم حبيب بعد الحمد لله والثناء فقال: إن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره فاستثقلتم حياته واستبطأتم موته فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن كنت لم تقتله ثم اعتزل أمر الناس فيولوا من أجمعوا عليه. فقال علي: ما أنت وهذا الأمر؟ فاسكت فلست بأهل له، فقال والله لتراني بحيث تكره، فقال: وما أنت لا أبقى الله عليك ان أبقيت اذهب فصوب وصعد، ثم تكلم بعد الحمد لله والثناء وهداية الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلافة الشيخين وحسن سيرتهما، وقد وجدنا عليهما أن توليا ونحن أقرب منهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن سمحنا لهما بذلك، وولي عثمان فعاب الناس عليه وقتلوه، ثم بايعوني مخافة الفرقة فأجبتهم، ونكث علي رجلان وخالف صاحبكم الذي ليس له مثل سابقتي، والعجب من انقيادكم له دون بيت نبيكم ولا ينبغي لكم ذلك، وأنا أدعوكم إلى الكتاب والسنة ومعالم الدين وإماتة الباطل وإحياء الحق» فقالوا:

نشهد أن عثمان قتل مظلوما، فقال: لا أقول مظلوما ولا ظالما. قالوا: فمن لم يقل ذلك فنحن منه برآء وانصرفوا. فقرأ علي إنك لا تسمع الموتى 27: 80 الآية ثم، قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في ضلالهم أجد منكم في حقكم. ٢/٦٢٨

ثم تنازع عدي بن حاتم في راية طيئ وعامر بن قيس الحزمري وكان رهطه أكثر من رهط عدي، فقال عبد الله بن خليفة البولاني: ما فينا أفضل من عدي ولا من أبيه حاتم ولم يكن في الإسلام أفضل من عدي وهو الوافد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس طيئ في النخيلة والقادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند وتستر، وسأل علي قومهم فوافقوه على ذلك فقضى بها لعدي. ولما انسلخ المحرم نادى علي في الناس بالقتال وعبى الكتائب وقال: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا ولا تأخذوا مالا ولا تهيجوا امرأة وإن شتمتكم فإنهن ضعاف الأنفس والقوى، ثم حرضهم ودعا لهم وجعل الأشتر على خيل الكوفة وسهل بن حنيف على خيل البصرة وقيس بن سعد على رجالة البصرة وعمار بن ياسر على رجالة الكوفة وهاشم بن عتبة معه الراية ومسعر بن فدكي على القراء، وعبى معاوية كتائبه فجعل على الميمنة ذا الكلاع الحميري وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة، وعلى المقدمة أبا الأعور وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص وعلى رجالتها مسلم بن عقبة المري. وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس. وتبايع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم في خمسة صفوف فاقتتلوا عامة يومهم، وفي اليوم الثاني هاشم بن عتبة وأبو الأعور السلمي، وفي اليوم الثالث عمار بن ياسر وعمرو بن العاص فاقتتلوا أشد قتال وحمل عمار فأزال عمرا عن موضعه، وفي اليوم الرابع محمد بن الحنفية وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وتداعيا إلى البراز فرد علي ابنه وتراجعوا، وفي اليوم الخامس عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلا كذلك، ثم عاد في اليوم السادس الأشتر وحبيب فاقتتلا قتالا شديدا وانصرفا.

وخطب علي الناس عشية يومه وأمرهم بمناهضة القوم بأجمعهم وأن يطيلوا ليلتهم القيام، ويكثروا التلاوة ويدعو الله بالنصر والصبر، ويرموا غدا في لقائهم بالجد والحزم. فبات الناس يصلحون ليلتهم سلاحهم، وعبى علي الناس ليلته إلى الصباح، وزحف وسأل عن القبائل من أهل الشام وعرف مواقفهم وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، ومن ليس منهم أحد بالشام يصرفهم إلى من ليس منهم أحد ٢/٦٢٩

بالعراق مثل بجيلة صرفهم الى لخم. وخرج معاوية في أهل الشام فاقتتلوا يوم الأربعاء قتالا شديدا عامة يومهم ثم انصرفوا، وغلس علي يوم الخميس بالزحف وعلى ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء وعلى ميسرته عبد الله بن عباس والقراء مع عمار وقيس بن سعد وعبد الله بن يزيد والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي في القلب بين أهل الكوفة والبصرة ومعه أهل البصرة والكوفة ومعه أهل المدينة من الأنصار وخزاعة وكنانة.

ورفع معاوية قبة عظيمة وألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق وزحف ابن بديل في الميمنة فقاتلهم إلى الظهر وهو يحرض أصحابه. ثم كشف خيلهم واضطرهم إلى قبة معاوية، وجاء الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية فبعثهم إلى حبيب فحمل بهم على ميمنة أهل العراق فانجفل الناس عن ابن بديل إلا ثلاثمائة أو مائتين من القراء وانتهت الهزيمة إلى علي، وأمده علي بسهل بن حنيف في أهل المدينة فاستقبلهم جموع عظيمة لأهل الشام فمنعتهم، ثم انكشفت مضر من الميسرة وثبتت ربيعة وجاء علي يمشي نحوهم فاعترضه أحمر مولى أبي سفيان فحال دونه كيسان مولاه فقتله أحمر، فتناول علي أحمر من درعه فجذبه وضرب به الأرض وكسر منكبيه وعضديه، ثم دنا من ربيعة فصبرهم وثبت أقدامهم وتنادوا بينهم إن أصيب بينكم أمير المؤمنين افتضحتم في العرب، وكان الأشتر مر به راكضا نحو الميمنة واستقبل الناس منهزمين فأبلغهم مقالة علي: أين فراركم من الموت الذي لا تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم، ثم نادى أنا الأشتر فرجع إليه بعضهم فنادى مذحجا وحرضهم فأجابوه، وقصد القوم واستقبله شباب من همذان ثمانمائة أو نحوها وكان قد هلك منهم في ذلك اليوم أحد عشر رئيسا وأصيب منهم ثمانون ومائة وزحف الأشتر نحو الميمنة، وتراجع الناس واشتد القتال حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية عند الاصفرار وانتهى إلى ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القراء قد لصقوا بالأرض، فانكشفوا عنهم أهل الشام وأبصروا إخوانهم وسألوا عن علي فقيل لهم هو في الميسرة يقاتل، فقال ابن بديل استقدموا بنا ونهاه الأشتر فأبى ومضى نحو معاوية وحوله أمثال الجبال تقتل كل من دنا منه حتى وصل ٢/٦٣٠

الى معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به فقتل وقتل من أصحابه ناس ورجع آخرون مجرمين وأهل الشام في اتباعهم، فبعث الأشتر من نفس عنهم حتى وصلوا إليه وزحف الأشتر في همذان وطوائف من الناس فأزال أهل الشام عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل أخرى فصرع منهم أربعة صفوف حتى دعا معاوية بفرسه فركبه، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار فقاتلوا، وتقدم عقبة بن حديد النميري مستميتا ومعه إخوته وقاتلوا حتى قتلوا، وتقدم شمر بن ذي الجوشن مبارزا فضرب أدهم بن محرز الباهلي وجهه بالسيف وحمل هو على أدهم فقتله، وحمل قيس بن المكشوح ومعه راية بجيلة فقاتل حتى أخذها آخر كذلك.

ولما رأى علي أهل ميمنة أصحابه قد عادوا إلى مواقفهم وكشفوا العدو قبالتهم أقبل إليهم وعذلهم بعض الشيء عن مفرهم وأثنى على وجوههم، وقاتل الناس قتالا شديدا وتبارز الشجعان من كل جانب وأقبلت قبائل طيئ والنخع وخرجت حمير من ميمنة أهل الشام، وتقدم ذو الكلاع ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقصد ربيعة في ميسرة أهل العراق وعليهم ابن عباس وحملوا عليهم حملة شديدة فثبت ربيعة وأهل الحفاظ منهم وانهزم الضعفاء والفشلة، ثم رجعوا ولحقت بهم عبد القيس وحملوا على حمير فقتل ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر وأخذ سيف ذي الكلاع وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه من قاتله. ثم خرج عمار بن ياسر وقال اللهم اني لا أعمل اليوم عملا أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ثم نادى من سعى في رضوان ربه فلا يرجع إلى مال ولا ولد فأتاه عصابة فقال: «اقصدوا بنا هؤلاء الذين يطلبون بدم عثمان يخادعون بذلك عما في نفوسهم من الباطل» ، ثم مضى فلا يمر بواد من صفين الا اتبعه من هناك من الصحابة. ثم جاء الى هاشم بن عتبة وكان صاحب الراية فأنهضه حتى دنا من عمرو بن العاص وقال: يا عمرو بعت دينك بمصر؟ تبا لك فقال: إنما أطلب دم عثمان، فقال: أشهد أنك لا تطلب وجه الله في كلام كثير من أمثال ذلك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عمار تقتله الفئة الباغية. ٢/٦٣١

ولما قتل عمار حمل علي وحمل معه ربيعة ومضر وهمذان حملة منكرة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض حتى بلغوا معاوية فناداه علي: علام يقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال له عمرو: أنصفك.

فقال له معاوية: لكنك ما أنصفت. وأسر يومئذ جماعة من أصحاب علي فترك سبيلهم، وكذلك فعل علي، ومر علي بكتيبة من الشام قد ثبتوا فبعث إليهم محمد ابن الحنفية فازالهم عن مواقفهم، وصرح عبد الله بن كعب المرادي فمر به الأسود بن قيس فأوصاه بتقوى الله والقتال مع علي، وقال أبلغه عني السلام، وقال له قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره فإنه العالي.

ثم اقتتل الناس إلى الصباح وهي ليلة الجمعة وتسمي ليلة الهرير، وعلي يسير بين الصفوف ويحرض كل كتيبة على التقدم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة. ثم ركب الأشتر ودعا الناس إلى الحملة على أهل الشام فحمل حتى انتهى إلى عسكرهم وقتل صاحب رايتهم، وأمده علي بالرجال، فلما رأى عمرو شدة أهل العراق وخاف على أصحابه الهلاك، قال لمعاوية: مر الناس يرفعون المصاحف على الرماح ويقولون كتاب الله بيننا وبينكم فإن قبلوا ذلك ارتفع عنا القتال وإن أبى بعضهم وجدنا في افتراقهم راحة. ففعلوا ذلك، فقال الناس: نجيب إلى كتاب الله فقال لهم علي: «يا عباد الله امضوا على حقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلا مكيدة وخديعة» . فقالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فلا نقبل، فقال: إنما قتلناهم ليدينوا بكتاب الله فإنهم نبذوه. فقال له مسعر بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب الى كتاب الله وإلا دفعنا برمتك إلى القوم. أو فعلنا بك ما فعلنا بابن عفان. فقال:

إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر وكفه عن القتال، فبعث إليه يزيد بن هانئ بذلك فأبى، وقال:، قد رجوت أن يفتح ٢/٦٣٢

الله لي فلما جاء يزيد بذلك ارتج الموقف باللغط، وقالوا لعلي: ما نراك إلا أمرته بقتال فابعث إليه فليأتك وإلا اعتزلناك، فقال علي: ويحك يا يزيد قل له أقبل إلي فان الفتنة قد رفعت، فقال: ألرفع المصاحف؟ فقال: نعم قال: لقد ظننت أن ذلك يوقع فرقة كيف ندع هؤلاء وننصرف والفتح قد وقع، فقال يزيد: تحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل، ثم أقبل إليهم الأشتر وأطال عتبهم، وقال امهلوني فواقا فقد أحسست بالفتح، فأبوا فعذلهم وأطال في عذلهم، فقالوا دعنا يا أشتر قاتلناهم الله، فقال: بل خدعتم فانخدعتم. ثم كثرت الملاحاة بينهم وتشاتموا فصاح بهم علي فكفوا، فقال له الأشعث بن قيس: إن الناس قد رضوا بما دعوا إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية وسألته ما يريد. قال: افعل.

فأتاه وسأله: لأي شيء رفعتم المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه تبعثون رجلا ترضونه، ونحن آخر ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه. ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال الأشعث هذا الحق ورجع إلى علي والناس وأخبرهم، فقال الناس رضينا وقبلنا، ورضي أهل الشام عمرا، وقال الأشعث وأولئك القراء الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي لا أرضاه فقال الأشعث ويزيد بن الحصين ومسعر بن فدك: لا نرضي إلا به. قال فإنه ليس ثقة قد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى أمنته بعد شهر، قالوا لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، قال فالأشتر، قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ قال: فاصنعوا ما بدا لكم. فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل القتال، فقيل إن الناس قد اصطلحوا، فحمد الله، قيل وقد جعلوك حكما فاسترجع، وجاء أبو موسى إلى العسكر وطلب الأحنف بن قيس من علي أن يجعله مع أبي موسى، فأبى الناس من ذلك وحضر عمرو بن العاص عند علي لتكتب القضية بحضوره، فكتبوا بعد البسملة هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين، فقال: عمرو ليس هو بأميرنا، فقال له الأحنف: لا تمحها فاني أتطير بمحوها فمكث مليا، ثم قال الأشعث: امحها.

فقال علي: الله أكبر وذكر قصة الحديبية وفيها أنك ستدعى إلى مثلها فتجيبها، فقال عمرو: وسبحان الله نشبه بالكفار ونحن مؤمنون. فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا، فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك ٢/٦٣٣

مجلس بعد اليوم، فقال علي: أرجو أن يظهر الله مجلسي منك ومن أشباهك.

وكتب الكتاب: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم ومعاوية على أهل الشام ومن معهم أنا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات مما وجد الحكمان في كتاب الله. وهما أبو موسى عبد الله ابن قيس وعمرو بن العاص وما لم يجدا في كتب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يورداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا، وأجلاء القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وأن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام» . وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشام وضعوا خطوطهم في الصحيفة، وأبى الأشتر أن يكتب اسمه فيها وحاوره الأشعث في ذلك فأساء الرد عليه وتهدده. وكتب الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين. واتفقوا على أن يوافي علي موضع الحكمين بدومة الجندل وبأذرح في شهر رمضان، ثم جاء بعض الناس إلى علي يحضه على قتال القوم فقال:

لا يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الإقرار.

ثم رجع الناس عن صفين ورجع علي، وخالفت الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الذي جاءوا فيه حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة، ومر علي بقبر خباب بن الأرت توفي بعد خروجه فوقف واسترحم له، ثم دخل الكوفة فسمع رجة البكاء في الدور فقال يبكين على القتلى فترحم لهم، ولم يزل يذكر الله حتى دخل القصر فلم تدخل الخوارج معه وأتوا حرورا فنزلوا بها في اثني عشر ألفا، وقدموا شبث بن عمر التميمي أمير القتال وعبيد الله بن الكواء اليشكري أمير الصلاة، قالوا البيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر شورى بعد الفتح. فقالوا للناس بايعتم عليا إنكم أولياء من والى وأعداء من عادى، وبايع أهل الشام معاوية على ما أحب وكرهوا فلستم جميعا من الحق في شيء، فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بايعناه إلا على الكتاب والسنة لكن لما خالفتموه تعينتم للضلال وتعينا للحق. ثم بعث علي عبد الله بن عباس إليهم قوال لا تراجعهم حتى آتيك فلم يصبر عن ٢/٦٣٤

مكالمتهم، وقال: ما نقمتم من أمر الحكمين

وقد أمر الله بهما بين الزوجين فكيف بالأمة فقالوا لا يكون هذا بالرأي والقياس فإن ذلك جعله الله حكما للعباد وهذا أمضاه كما أمضى حكم الزاني والسارق. قال ابن عباس: قال الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم 5: 95، قالوا والأخرى كذلك وليس أمر الصيد والزوجين كدماء المسلمين. ثم قالوا له: قد كنا بالأمس نقاتل عمرو بن العاص فان كان عدلا فعلى ما قتلناه وان لم يكن عدلا فكيف يسوغ تحكيمه؟ وأنتم قد حكمتم الرجال في أمر معاوية وأصحابه والله تعالى قد امضى حكمه فيهم أن يقتلوا أو يرجعوا وجعلتم بينكم الموادعة في الكتب وقد قطعها الله بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة.

ثم جاء علي إلى فسطاط يزيد بن قيس منهم بعد أن علم أنهم يرجعون إليه في رأيهم، فصلى عنده ركعتين وولاه على أصبهان والري، ثم خرج إليهم وهم في مجلس ابن عباس فقال من زعيمكم قالوا: ابن الكواء قال: فما هذا الخروج؟ قالوا لحكومتكم يوم صفين، قال أنشدكم الله أتعلمون أنه لم يكن رأيي وإنما كان رأيكم مع أني اشترطت على الحكمين أن يحكما بحكم القرآن فان فعلا فلا ضير وإن خالفا فلا خير ونحن برآء من حكمهم، قالوا فتحكيم الرجال في الدماء عدل؟ قال إنما حكمنا القرآن إلا أنه لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، قالوا: فلم جعلتم الأجل بينكم؟ قال لعل الله يأتي فيه بالهدنة بعد افتراق الأمة فرجعوا إلى رأيه، وقال ادخلوا مصركم فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج الى عدونا فدخلوا من عند آخرهم.

أمر الحكمين

ولما انقضى الأجل وحان وقت الحكمين بعث علي أبا موسى الأشعري في أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي ومعهم عبد الله بن عباس يصلى بهم، وأوصى شريحا بموعظة عمر، فلما سمعها قال متى كنت أقبل مشورة علي وأعتد برأيه؟ قال وما يمنعك أن تقبل من سيد المسلمين، وأساء الرد عليه فسكت عنه. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام والتقوا بأذرح من دومة الجندل، فكان أصحاب عمرو أطوع من أصحاب ابن عباس لابن عباس، حتى لم يكونوا يسألوه عن كتاب معاوية إذا جاءه، ويسأل أهل العراق ابن عباس ويتهمونه، وحضر مع الحكمين: ٢/٦٣٥

عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن ابن الحرث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص على خلاف فيه، وقيل قدم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس.

ولما اجتمع الحكمان قال عمرو لأبي موسى: أتعلم أن عثمان قتل مظلوما وأن معاوية وقومه أولياؤه، قال: بلى، قال: فما يمنعك منه وهو في قريش كما علمت وإن قصرت به السابقة قدمه حسن السياسة وأنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبه وصاحبه والطالب بدم عثمان وعرض بالولاية، فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله واعلم أن هذا الأمر ليس بالشرف وإلا لكان لآل أبرهة بن الصباح وإنما هو بالدين والفضل مع أنه لو كان بشرف قريش لكان لعلي بن أبي طالب وما كنت لأرى لمعاوية طلبه دم عثمان وأوليه وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعرضيك بالولاية فلو خرج لي معاوية عن سلطانه ما وليته وما أرتشي في حكم الله، ثم دعاه إلى تولية عبد الله بن عمر، فقال له عمرو: فما يمنعك من ابني وهو من علمت؟ فقال: هو رجل صدق ولكنك غمسته في الفتنة، فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل ويطعم. وكانت في ابن عمر غفلة وكان ابن الزبير بإزائه فنبهه لما قال: فقال ابن عمر: لا أرشو عليها أبدا. ثم قال أبو موسى: يا ابن العاص إن العرب أسندت أمرها إليك بعد المقارعة بالسيوف فلا تردنهم في فتنة، قال له:

فخبرني ما رأيك، قال: أرى أن نخلع الرجلين ونجعل الأمر شورى يختار المسلمون لأنفسهم. فقال عمرو: والرأي ما رأيت.

ثم أقبلوا على الناس وهم ينتظرونهم، وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام لما له من الصحبة والسن، فقال: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق، فقال: إنا رأينا أمرا نرجو الله أن يصلح به الأمة، فقال له ابن عباس: ويحك أظنه خدعك فاجعل له الكلام قبلك، فأبى وقال: أيها الناس إنا نظرنا في أمر الأمة فلم نر أصلح لهم مما اتفقنا عليه وهو أن نخلع علينا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد خلعتهما فولوا من رأيتموه أهلا، فقال عمرو: إن هذا قد خلع صاحبه وقد خلعته كما خلعه وأثبت معاوية فهو ولي ابن عفان وأحق الناس بمقامه. ثم غدا ابن عباس وسعد على أبي موسى بالأئمة فقال: ما أصنع غدرني ورجع بالأئمة على ٢/٦٣٦

عمرو وقال لا وفقك الله غدرت وفجرت. وحمل شريح على عمرو فضربه بالسيف وضربه ابن عمر كذلك، وحجز الناس بينهم، فلحق أبو موسى بمكة وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي بالخبر فكان يقنت إذا صلى الغداة ويقول اللهم العن معاوية وعمرا وحبيبا وعبد الرحمن بن مخلد والضحاك بن قيس والوليد وأبا الأعور، وبلغ ذلك معاوية فكان إذا اقنت يلعن عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر .

أمر الخوارج وقتالهم

ولما اعتزم علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه زرعة بن البرح الطائي وحرقوص بن زهير السعدي من الخوارج وقالا له: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم، وقال علي: قد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وعاهدناهم، فقال حرقوص: ذلك ذنب تنبغي التوبة منه، فقال علي: ليس بذنب ولكنه عجز من الرأي، فقال زرعة: لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله، فقال علي: بؤسا لك كأني بك قتيلا تسفى عليك الرياح، قال: وددت لو كان ذلك.

وخرجا من عنده يناديان لا حكم إلا لله، وخطب علي يوما فتنادوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة، فقال علي: الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، وخطب ثانيا فقالوا كذلك، فقال: أما آن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا الفيء ما دمتم معنا ولا نقاتلكم حتى تبدءونا وننتظر فيكم أمر الله. ثم اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فوعظهم وحرضهم على الخروج إلى بعض النواحي لإنكار هذه البدع، وتبعه حرقوص بن زهير في المقالة، فقال حمزة بن سنان الأسدي : الرأي ما رأيتم لكن لا بد لكم من أمير وراية، فعرضوها على زيد بن حصين الطائي، ثم حرقوص بن زهير، ثم حمزة بن سنان، ثم ٢/٦٣٧

شريح بن أوفى العنسي فأبوا كلهم. ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فأجاب فبايعوه لعشر خلون من شوال، وكان يقال له ذو الثفنات. ثم اجتمعوا في منزل شريح وتشاوروا. وكتب ابن وهب إلى أهل البصرة منهم يستحشدهم على اللحاق بهم، ولما اعتزموا على السير تعبدوا ليلة الجمعة ويومها ساروا، فخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، واتبعه أبوه إلى المدائن فلم يقدر عليه فرجع ولقيه عبد الله بن وهب في عشرين فارسا وأراد قتله فمنعه من كان معه من طيئ.

وأرسل علي إلى عامل المدائن سعد بن مسعود بخبرهم فاستخلف ابن أخيه المختار بن عبيد وسار في طلبهم في خمسمائة فارس، فتركوا طريقهم وساروا على بغداد ولحقهم سعد بالكرخ مساء، وجاءه عبد الله في ثلاثين فارسا وقاتلهم وامتنعوا، وأشار أصحابه بتركهم إلى أن يأتي فيهم أمر علي فأبى، ولما جن عليهم الليل عبر عبد الله إليهم دجلة وسار إلى أصحابه بالنهروان، واجتمعت خوارج البصرة في خمسمائة رجل عليهم مسعر بن فدكي التميمي واتبعهم أبو الأسود الدؤلي بأمر ابن عباس ولحقهم فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، فأدلج مسعر بأصحابه فلحق بعبد الله بن وهب بالنهروان، ولما خرجت الخوارج بايع علي أصحابه على قتالهم، ثم أنكر شأن الحكمين وخطب الناس وقال بعد الحمد لله والموعظة: ألا إن هذين الحكمين نبذا حكم القرآن واتبع كل واحد هواه واختلفا في الحكم وكلاهما لم يرشد، فاستعدوا للسير إلى الشام. وكتب إلى الخوارج بالنهروان بذلك واستحثهم للمسير إلى العدو وقال: نحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. فكتبوا إليه: إنك غضبت لنفسك ولم تغضب لربك فان شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على السواء. فيئس علي منهم ورأى أن يمضي إلى الشام ويدعهم، وقام في الناس يحرضهم لذلك، وكتب إلى ابن عباس من معسكره بالنخيلة يأمره بالشخوص بالعساكر والمقام إلى أن يأتي أمره، فأشخص ابن عباس الأحنف بن قيس في ألف وخمسمائة، ثم خطب ثانية وندب الناس وقال: كيف ينفر هذا العدد القليل وأنتم ٢/٦٣٨

ستون ألف مقاتل! ثم تهددهم وأمرهم بالنفير مع جارية بن قدامة السعدي، فخرج معه ألف وستمائة ووافوا عليا في ثلاثة آلاف ويزيدون. ثم خطب أهل الكوفة ولاطفهم بالقول وحرضهم وأخبرهم بما فعل أهل البصرة مع كثرتهم وقال ليكتب إلي كل رئيس منكم ما في عشيرته من المقاتلة من أبنائهم ومواليهم، فأجابه سعيد بن قيس الهمداني ومعقل بن قيس وعدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس بالسمع والطاعة، وأمروا ذويهم ألا يتخلف منهم أحد، فكانوا أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ممن بلغ الحلم، وانتهت عساكره إلى ثمانية وستين ألفا.

وبلغه أن الناس يرون تقديم الخوارج فقال لهم: إن قتال أهل الشام أهم علينا لأنهم يقاتلونكم ليكونوا ملوكا جبارين ويتخذوا عباد الله خولا فرجعوا إلى رأيه وقالوا: سر بنا إلى حيث شئت. وبينما هو على اعتزام السير إلى أهل الشام بلغه أن خوارج أهل البصرة لقوا عبد الله بن خباب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من النهروان فعرفهم بنفسه، فسألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى خيرا، ثم عن عثمان في أول خلافته وآخرها فقال: كان محقا في الأول والآخر، فسألوه عن علي قيل التحكيم وبعده، فقال: هو أعلم بالله وأشد توقيا على دينه، فقالوا: إنك توالي الرجال على أسمائها، ثم ذبحوه وبقروا بطن امرأته ثم قتلوا ثلاث نسوة من طيئ.

فآسف عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس، فبعث الحرث بن مرة العبدي لينظر فيما بلغه عنهم فقتلوه، فقال له أصحابه: كيف ندع هؤلاء ونأمن غائلتهم في أموالنا وعيالنا إنما نقدم أمرهم على الشام، وقام الأشعث بن قيس بمثل ذلك فوافقهم علي وسار إليهم، وبعث من يقول لهم ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم فنكف عنكم حتى نرجع من قتال العرب لعل الله يردكم إلى خير، فقالوا: كلنا قتلهم وكلنا مستحل دماءكم ودماءهم، ثم جاءهم قيس بن سعد ووعظهم وأبو أيوب الأنصاري كذلك.

ثم جاءهم علي فتهددهم وسفه رأيهم ويريهم شأن الحكمين وأنهما لما خالفا حكم ٢/٦٣٩

الكتاب والسنة نبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول فقالوا: إنا كفرنا بالتحكيم وقد تبنا فان تبت أنت فنحن معك وان أبيت فقد نابذناك، فقال: كيف أحكم على نفسي بالكفر بعد إيماني وهجرتي وجهادي ثم انصرف عنهم. وقيل إن عليا خطبهم وأغلظ عليهم فيما فعلوه من الاستعراض والقتل فتنادوا لا تكلموهم وتأهبوا للقاء الله. ثم قصدوا جسر الخوارج ولحقهم علي دونه، وقد عبى أصحابه: وعلى ميمنته حجر بن عدي وعلى ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس وعلى الخيل أبو أيوب وعلى الرجالة أبو قتادة وعلى أهل المدينة سبعمائة أو ثمانمائة قيس بن سعد. وعبأت نحوه الخوارج: على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي وعلى الميسرة شريح بن أوفى العنسي وعلى الخيل حمزة بن سنان الأسدي وعلى الرجالة حرقوص بن زهير.

ودفع علي إلى أبي أيوب راية أمانا لهم لمن جاءها ممن لم يقتل ولم يستعرض فناداهم إليها وقال: من انصرف الى الكوفة والمدائن فهو آمن. فاعتزل عنهم فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة وقال أعتزل حتى يتضح لي أمر في قتال علي فنزل الدسكرة، وخرج آخرون إلى الكوفة، ورجع آخرون إلى علي وكانوا أربعة آلاف، وبقي منهم ألف وثمانمائة فحمل عليهم علي والناس حتى فرقهم على الميمنة والميسرة. ثم استقبلتهم الرماة وعطفت عليهم الخيل من المجنبتين ونهض إليهم الرجال بالسلاح فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما قيل لهم موتوا، وقتل عبد الله بن وهب وزيد بن حصن وحرقوص بن زهير وعبد الله بن شجرة وشريح بن أوفى. وأمر علي أن يلتمس المخدج في قتلاهم وهو الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في علاماتهم فوجد في القتلى فاعتبر علي وكبر واستنصر الناس، وأخذ ما في عسكرهم من السلاح والدواب فقسمه بين المسلمين ورد عليهم المتاع والإماء والعبيد. ودفن عدي بن حاتم ابنه طرفة ورجالا من المسلمين فنهى علي عن ذلك، وارتحل ولم يفقد من أصحابه إلا سبعة أو نحوهم.

وشكا إليه الناس الكلال ونفوذ السهام والرماح وطلبوا الرجوع إلى الكوفة ليستعدوا ٢/٦٤٠

فإنه أقوى على القتال ، وكان الذي تولي كلامه الأشعث بن قيس فلم يجبه، وأقبل فنزل ومنعهم من دخول منازلهم حتى يسيروا إلى عدوهم، فتسللوا أيام المقامة إلى البيوت وتركوا المعسكر خاليا فلما رأى علي ذلك دخل ثم ندبهم ثانيا فلم ينفروا، فأقام أياما ثم كلم رؤساءهم على رأيهم والذي يبطئ بهم فلم ينشط من ذلك إلا القليل، فخطبهم وأغلظ في عتابهم وأعلمهم بما له عليهم من الطاعة في الحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا.

ولاية عمرو بن العاص مصر

قد تقدم لنا ما كان من اجتماع العثمانية بنواحي مصر مع معاوية بن حديج السكوني، وان محمد بن أبي بكر بعث إليهم العساكر من الفسطاط مع ابن مضاهم فهزموه وقتلوه، واضطربت الفتنة بمصر على محمد بن أبي بكر، وبلغ ذلك عليا فبعث إلى الأشتر من مكان عمله بالجزيرة وهو نصيبين فبعثه على مصر وقال: ليس لها غيرك.

وبلغ الخبر إلى معاوية وكان قد طمع في مصر فعلم أنها ستتمنع بالأشتر، وجاء الأشتر فنزل على صاحب الخراج بالقلزم فمات هنالك، وقيل إن معاوية بعث إلى صاحب القلزم فسمه على أن يسقط عنه الخراج وهذا بعيد. وبلغ خبر موته عليا فاسترجع واسترحم وكان محمد بن أبي بكر لما بلغته ولاية الأشتر شق عليه فكتب علي يعتذر إليه وأنه لم يوله لسوء رأي في محمد وإنما هو لما كان يظن فيه من الشدة، وقد صار إلى الله ونحن عنه راضون فرضي الله عنه وضاعف له الثواب، فاصبر لعدوك وشمر للحرب وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر من ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفيك ما أهمك ويعينك على ما ولاك. فأجابه محمد بالرضى برأيه والطاعة لأمره، وأنه مزمع على حرابة من خالفه.

ثم لما كان من أمر الحكمين ما كان واختلف أهل العراق على علي، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، فأراد معاوية صرف عمله إلى مصر لما كان يرجو من الاستعانة على حروبه بخراجها، ودعا بطانته أبا الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وبسر بن ٢/٦٤١

أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وشرحبيل بن السمط وشاورهم في شأنها، فأشار عليه عمرو بافتتاحها وأشار ببعث الجيش مع حازم صارم يوثق ويجتمع إليه من كان على رأيه من العثمانية، وقال معاوية: بل الرأي أن نكاتب العثمانية بالوعد ونكاتب العدو بالصلح والتخويف ونأتي الحرب من بعد ذلك، ثم قال معاوية: إنك يا ابن العاص بورك لك في العجلة وأنا في التؤدة، فقال: أفعل ما تراه وأظن الأمر لا يصير إلا للحرب. فكتب معاوية إلى معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد يشكرهما على الخلاف، ويحثهما على الحرب والقيام في دم عثمان، وفرحا بجوابهما فطلب المدد فجمع أصحابه وأشاروا بذلك، فأمر عمرو بن العاص أن يتجهز إلى مصر في ستة آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة، فنزل أدنى أرض مصر واجتمعت إليه العثمانية، وبعث كتابه وكتاب معاوية إلى محمد بن أبي بكر بالتهديد وأن الناس اجتمعوا عليك وهم مسلموك فاخرج، فبعث بالكتابين إلى علي فوعده بإنفاذ الجيوش وأمره بقتال العدو والصبر.

فقدم محمد بن أبي بكر كنانة بن بشر في ألفين، فبعث معاوية عمرو بن حديج وسرحه في أهل الشام فأحاطوا بكنانة، فترجل عن فرسه وقاتل حتى استشهد. وجاء الخبر الى محمد بن أبي بكر فافترق عنه أصحابه وفروا، وآوى في مفره إلى خربة واستتر في تلك الخربة، فقبض عليه فأخذه ابن حديج وجاء به إلى الفسطاط، وطلب أخوه عبد الرحمن من عمرو أن يبعث إلى ابن حديج في البقاء عليه فأبى، وطلب محمد الماء فمنعه ابن حديج جزاء بما فعل بعثمان، ثم أحرقه في جوف حمار بعد أن لعنه ودعا عليه وعلى معاوية وعمرو. وكانت عائشة تقنت في الصلاة بالدعاء على قتلته. ويقال إنه لما انهزم اختفى عند جبلة بن مسروق حتى أحاط به معاوية بن حديج وأصحابه، فخرج إليهم فقاتل حتى قتل.

ولما بلغ الخبر عليا خطب الناس وندبهم الى أعدائهم وقال: اخرجوا بنا إلى الجزاعة بين الحيرة والكوفة. وخرج من الغد إلى المنتصف النهار يمشي إليها حتى نزلها فلم يلحق ٢/٦٤٢

به أحد، فرجع من العشي وجمع أشراف الناس ووبخهم فأجاب مالك بن كعب الأرحبي في ألفين، فقال سر وما أراك تدركهم فسار خمسا، ولقي حجاج بن عرفة الأنصاري قادما من مصر فأخبره بقتل محمد، وجاء إلى علي عبد الرحمن بن شبث الفزاري وكان عينا له بالشام، فأخبره بقتل محمد واستيلاء عمرو على مصر، فحزن لذلك، وبعث الى مالك بن كعب أن يرجع بالجيش وخطب الناس فأخبرهم بالخبر وعذلهم على ما كان منهم من التثاقل حتى فات هذا الأمر ووبخهم طويلا ثم نزل.

دعاء ابن الحضرمي بالبصرة لمعاوية ومقتله

ولما فتح معاوية مصر بعث عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة داعيا لهم وقد آنس منهم الطاعة بما كان من قتل علي أباهم يوم الجمل وأنهم على راية في دم عثمان، وأوصاه بالنزول في مصر يتودد إلى الأزد وحذره من ربيعة وقال إنهم ترائبه يعني شيعة لعلي.

فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة. وكان ابن عباس قد خرج إلى علي واستخلف عليها زيادا، ونزل في بني تميم واجتمع إليه العثمانية فحضهم على الطلب بدم عثمان من علي، فقال الضحاك بن قيس الهلالي: قبح الله ما جئت به وما تدعو إليه تحملنا على الفرقة بعد الاجتماع وعلى الموت ليكون معاوية أميرا؟ فقال له عبد الله بن حازم السلمي: اسكت فلست لها بأهل. ثم قال لابن الحضرمي: نحن أنصارك ويدك والقول قولك، فقرأ كتاب معاوية يدعوهم إلى رأيه من الطلب بدم عثمان على أن يعمل فيهم بالسنة ويضاعف لهم الأعطية. فلما فرغ من قراءته قام الأحنف بن قيس معتزلا وحض عمر بن مرحوم على لزوم البيعة والجماعة، وقام العباس بن حجر في مناصرة ابن الحضرمي، فقال له المثنى بن مخرمة لا يغرنك ابن صحار وارجع من حيث جئت، فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان الأزدي ألا تنصرني؟ قال: لو نزلت عندي فعلت. ودعا زياد أمير البصرة حصين بن المنذور ومالك بن مسمع ورءوس بكر بن وائل إلى المنعة من ابن الحضرمي إلى أن يأتي أمر علي، فأجاب حصين وتثاقل مالك وكان هواه في بني أمية، فأرسل زياد الى صبرة بن شيمان يدعوه ٢/٦٤٣

إلى الجوار بما معه من بيت المال فقال: إن حملته إلى داري أجرتك فتحول إليه ببيت المال والمنبر، وكان يصلي الجمعة في مسجد قومه، وأراد زياد اختبارهم فبعث إليهم من ينذرهم بمسيره بهم اليهم، وأخذ زياد جندا منهم بعد صبره لذلك وقال: إن جاءوا جئناهم، وكتب زياد إلي علي بالخبر فأرسل أعين بن ضبيعة ليفرق تميما عن ابن الحضرمي ويقاتل من عصاه بمن أطاعه، فجاء لذلك وقاتلهم يوما أو بعض يوم، ثم اغتاله قوم فقتلوه يقال من الخوارج.

ولاية زياد على فارس

ولما قتل ابن الحضرمي بالبصرة والناس مختلفون على علي طمع أهل النواحي من بلاد العجم في كسر الخراج، وأخرج أهل فارس عاملهم سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس فأشار عليه جارية بن قدامة بزيادة فأمر ابن عباس أن يوليه عليها، فبعثه إليها في جيش كثيف فطوى بهم أهل فارس وضرب ببعضهم بعضا وهرب قوم وأقام آخرون، وصفت له فارس بغير حرب. ثم تقدم إلى كرمان فدوخها مثل ذلك فاستقامت وسكن الناس، ونزل إصطخر وسكن قلعة بها تسمي قلعة زياد .

فراق ابن عباس لعلي رضي الله عنهم

وفي سنة أربعين فارق عبد الله بن عباس عليا ولحق بمكة، وذلك أنه مر يوما بأبي الأسود ووبخه على أمر، فكتب أبو الأسود إلي علي بأن ابن عباس استثر بأموال الله فأجابه علي يشكره على ذلك وكتب لابن عباس ولم يخبره بالكاتب، فكتب اليه ٢/٦٤٤

بكذب ما بلغه من ذلك وانه ضابط للمال حافظ له، فكتب إليه علي أعلمني ما أخذت ومن أين أخذت وفيما صنعت ؟ فكتب إليه ابن عباس فهمت استعظامك لما رفع إليك اني رزأته من هذا المال فابعث إلى عملك من أحببت فاني ظاعن عنه واستدعى أخواله من بني هلال، فجاءته قيس كلها ولم يبعث الأموال وقال:

هذه أرزاقنا، وأتبعه أهل البصرة ووقفت دونه قيس. فرجع صبرة بن شيمان الهمداني بالأزد وقال قيس: إخواننا وهم خير من المال فأطيعوني، وانصرف معهم بكر وعبد القيس ثم انصرف الأحنف بقومه من بني تميم وحجز بقية تميم عنه، ولحق ابن عباس بمكة.

مقتل علي

قتل علي رضي الله عنه سنة أربعين لسبع عشرة من رمضان وقيل لإحدى عشرة وقيل في ربيع الآخر والأول أصح، وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي واسمه الحجاج وعمرو بن بكر التميمي السعدي، ثلاثتهم من الخوارج لحقوا من فلهم بالحجاز، واجتمعوا فتذاكروا ما فيه الناس وعابوا الولاة وترحموا على قتلى النهروان، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلال وأرحنا منهم الناس، فقال ابن ملجم وكان من مصر: أنا أكفيكم عليا، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. وتعاهدوا أن لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت. واتعدوا لسبع عشرة من رمضان وانطلقوا، ولقي ابن ملجم أصحابه بالكوفة فطوى خبره عنهم، ثم جاء إلى شبيب بن شجرة من أشجع ودعاه إلى الموافقة في شأنه، فقال شبيب ثكلتك أمك فكيف تقدر على قتله. قال:

أكمن له في المسجد في صلاة الغداة فان قتلناه وإلا فهي الشهادة، قال: ويحك لا ٢/٦٤٥

أجدني أنشرح لقتله مع سابقته وفضله، قال: ألم يقتل العباد الصالحين أهل النهروان؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتله منهم، فأجابه: ثم لقي امرأة من تيم الرباب فائقة الجمال قتل أبوها وأخوها يوم النهروان، فأخذت قلبه فخطبها فشرطت عليه عبدا وقينة وقتل علي، فقالت كيف يمكن ما أنت تريدين؟ قالت التمس غرته فان قتلته شفيت النفوس وإلا فهي الشهادة. قال: والله ما جئت إلا لذلك ولك ما سألت، قالت: سأبعث معك من يشد ظهرك ويساعدك، وبعثت معه رجلا من قومها اسمه وردان.

فلما كانت الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي وكانت ليلة الجمعة جاء إلى المسجد ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج ونادى للصلاة علاه شبيب بالسيف فوقع بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على مقدم رأسه، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك. وهرب وردان إلى منزله وأخبر بعض أصحابه بالأمر فقتله. وهرب شبيب مغلسا. وصاح الناس به فلحقه رجل من حضرموت فأخذه وجلس عليه والسيف في يد شبيب والناس قد أقبلوا في طلبه، وخشي الحضرمي على نفسه لاختلاط الغلس فتتركه وذهب في غمار الناس، وشد الناس على ابن ملجم واستخلف علي على الصلاة جعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانئ فصلى الغداة بالناس، وأدخل ابن ملجم مكتوفا على علي فقال: أي عدو الله ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال: أراك مقتولا به. ثم قال إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وان بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا تحرضوا على دماء المسلمين وتقولوا قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا إلا قاتلي، يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه بسيفه ولا تمثلن بالرجل فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة. وقالت أم كلثوم لابن ملجم وهو مكتوف وهي تبكي: أي عدو الله إنه لا بأس على أبي والله مخزيك قال: فعلام تبكين؟ والله لقد شريته بألف وصقلته أربعين ولو كانت هذه الضربة بأهل بلد ما بقي منهم أحد. وقال جندب بن عبد الله لعلي أنبايع الحسن إن فقدناك؟ قال: ما آمركم به ولا أنهاكم أنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين ووصاهما قال: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان ٢/٦٤٦

بغتكما ولا تأسفا علي شيء زوى منها عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم قال لمحمد بن الحنفية: اني أوصيك بمثل ذلك وبتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك ولا تقطع أمرا دونهما، ثم وصاهم بابن الحنفية، ثم أعاد على الحسن وصيته. ولما حضرته الوفاة كتب وصيته العامة ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض.

فأحضر الحسن ابن ملجم فقال له: هل لك في البقاء علي واني قد عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية واني عاهدت الله على الوفاء بالعهد فخل بيني وبين ذلك فإن قتلته وبقيت فلك عهد الله أن آتيك، فقال: لا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله. وأما البرك فإنه قعد لمعاوية تلك الليلة فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف في أليته وأخذ فقال: عندي بشري أتنفعني ان أخبرتك بها قال: نعم. قال: إن أخا لي قتل عليا هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إن عليا ليس معه حرس، فأمر به معاوية فقتل، وأحضر الطبيب فقال: ليس إلا الكي أو شربة تقطع منك الولد. فقال: في يزيد وعبد الله ما تقربه عيني والنار لا صبر لي عليها، وقد قيل إنه أمر بقطع البرك فقطع وأقام إلى أيام زيادة فقتله بالبصرة، وعند ذلك اتخذ معاوية المقصورة وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد. ويقال إن أول من اتخذ المقصورة مروان بن الحكم سنة أربع وأربعين حين طعنه اليماني.

وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى فأمر صاحب شرطته خارجة بن أبي حبيبة بن عامر بن لؤي يصلي بالناس فشد عليه فضربه فقتله وهو يرى أنه عمرو بن العاص، فلما أخذوه وأدخلوه على عمرو قال فمن قتلت إذا؟ قالوا خارجة فقال: لعمرو بن العاص والله ما ظننته غيرك! فقال عمرو: وأردت عمرا وأراد الله خارجة. وأمر بقتله.

وتوفي علي رضي الله عنه وعلى البصرة عبد الله بن عباس وعلى قضائها ابو الأسود الدؤلي وعلى فارس زياد بن سمية وعلى اليمن عبيد الله بن العباس حتى وقع أمر بسر بن ٢/٦٤٧

أبي أرطاة، وعلى مكة والطائف قثم بن عباس وعلى المدينة أبو أيوب الأنصاري وقيل سهل بن حنيف.

بيعة الحسن وتسليمه الأمر لمعاوية

ولما قتل علي رضي الله عنه اجتمع أصحابه فبايعوا ابنه الحسن، وأول من بايعه قيس ابن سعد وقال: ابسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال الملحدين. فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله. ويأتيان على كل شرط. ثم بايعه الناس فكان يشترط عليهم انكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، فارتابوا وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد القتال.

وبلغ الخبر بمقتل علي إلى معاوية فبويع بالخلافة ودعي بأمير المؤمنين، وقد كان بويع بها بعد اجتماع الحكمين. ولأربعين ليلة بعد مقتل علي مات الأشعث بن قيس الكندي من أصحابه، ثم مات من أصحاب معاوية شرحبيل بن السمط الكندي.

وكان علي قبل قتله قد تجهز بالمسلمين إلى الشام، وبايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت، فلما بويع الحسن زحف معاوية في أهل الشام إلى الكوفة فسار الحسن في ذلك الجيش للقائه وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفا، وقيل بل كان عبد الله بن عباس على المقدمة وقيس في طلائعه. فلما نزل الحسن في المدائن شاع في العسكر أن قيس بن سعد قتل، واهتاج الناس وماج بعضهم في بعض وجاءوا إلى سرادق الحسن ونهبوا ما حوله حتى نزعوه بساطه الذي كان عليه واستلبوه رداءه وطعنه بعضهم في فخذه. وقامت ربيعة وهمدان دونه واحتملوه على سرير إلى المدائن ودخل الى القصر وكاد أمره أن ينحل، فكتب إلى معاوية يذكر له النزول عن الأمر على أن يعطيه ما في بيت المال بالكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف، ويعطيه خراج دارابجرد من فارس والا يشتم عليا وهو يسمع، وأخبر بذلك أخوه الحسين وعبد الله بن جعفر وعذلاه فلم يرجع اليهما. وبلغت صحيفته إلى معاوية فأمسكها وكان قد بعث عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة الى الحسن ومعهما صحيفة بيضاء ختم في أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهو لك فاشترط فيها أضعاف ما كان في الصحيفة، فلما سلم له وطالبه في الشروط أعطاه ما في الصحيفة الاولى وقال هو الذي ٢/٦٤٨

طلبت . ثم نزعه أهل البصرة خراج دارابجرد وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه. وخطب الحسن أهل العراق وقال: سخى نفسي عنكم ثلاث: قتل أبي وطعني وانتهاب بيتي، ثم قال ألا وقد أصبحتم بين قبيلين قبيل بصفين يبكون له وقبيل بالنهروان يطلبون بثأره وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر وأن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله بظبا السيوف، وإن أدرتم الحياة قبلنا وأخذنا لكم الرضى. فناداه الناس من كل جانب البقية البقية فأمضى الصلح. ثم بايع لمعاوية لستة أشهر من بيعته.

ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، وكتب الحسن إلى قيس بن سعد يأمره بطاعة معاوية فقام قيس في أصحابه فقال نحن بين القتال مع غير إمام أو طاعة إمام ضلالة، فقال له الناس: طاعة الإمام أولى، وانصرفوا إلى معاوية فبايعوه وامتنع قيس وانصرف. فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يقيم الحسن للناس خطيبا ليبدو للناس عيه، فلما قدم حمد الله وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول الله عزل وجل يقول لنبيه: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين 21: 111، فقال له معاوية اجلس وعرف أنه خدع في رأيه. ثم ارتحل الحسن في أهل بيته وحشمهم إلى المدينة وخرج أهل الكوفة لوداعه باكين، فلم يزل مقيما بالمدينة إلى أن هلك سنة تسع وأربعين. وقال أبو الفرج الأصبهاني سنة احدى وخمسين وعلى فراشه بالمدينة، وما ينقل من أن معاوية دس إليهم السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك.

وأقام قيس بن سعد على امتناعه من البيعة وكان معاوية قد بعث عبد الله بن عامر في جيش إلى عبيد الله بن عباس لما كتب إليه في الأمان بنفسه، فلقيه ليلا وأمنه وسار معه إلى معاوية، فقام بأمر العسكر بعده قيس بن سعد وتعاقدوا على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي علي دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة، وبلغ الخبر الى معاوية وأشار عليه عمرو في قتاله، وقال معاوية: يقتل في ذلك أمثالهم من أهل الشام ولا خير فيه. ثم بعث إليه بصحيفة ختم في أسفلها وقال: اكتب في هذا ما شئت فهو لك، فكتب قيس له ولشيعته الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ٢/٦٤٩

ولم يسأل مالا فأعطاه معاوية ذلك وبايعه قيس والشيعة الذين معه، ثم جاء سعد بن أبي وقاص فبايعه واستقر الأمر لمعاوية واتفق الجماعة على بيعته وذلك في منتصف سنة احدى وأربعين وسمي ذلك العام عام الجماعة من أجل ذلك. ثم خرج عليه الخوارج من كل جهة من بقية أهل النهروان وغيرهم فقاتلهم واستلحمهم كما يأتي في أخبارهم على ما اشترطناه في تأليفنا من إفراد الأخبار عن الدول وأهل النحل دولة دولة وطائفة طائفة.

وهذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبري وهو تاريخه الكبير فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك، وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فكثيرا ما يوجد في كلام المؤرخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الأهواء فلا ينبغي أن تسود بها الصحف ، وأتبعتها بمفردات من غير كتاب الطبري بعد أن تخيرت الصحيح جهد الطاقة وإذا ذكرت شيئا في الأغلب نسبته إلى قائلة، وقد كان ينبغي أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة، ولا ينظر في ذلك إلى حديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة فإنه لم يصح، والحق أن معاوية في عداد الخلفاء وإنما أخره المؤرخون في التأليف عنهم لأمرين:

الأول أن الخلافة لعهده كانت مغالبة لأجل ما قدمناه من العصبية التي حدثت لعصره، وأما قبل ذلك كانت اختيارا واجتماع فميزوا بين الحالتين، فكان معاوية أول خلفاء المغالبة والعصبية الذين يعبر عنهم أهل الأهواء بالملوك، ويشبهون بعضهم ببعض وحاشى الله أن يشبه معاوية بأحد ممن بعده، فهو من الخلفاء الراشدين ومن كان تلوه في الدين والفضل من الخلفاء المروانية ممن تلاه في المرتبة كذلك وكذلك من بعدهم من خلفاء بني العباس، ولا يقال إن الملك أدون رتبة من الخلافة فكيف يكون خليفة ملكا.

واعلم أن الملك الذي يخالف بل ينافي الخلافة هو الجبروتية المعبر عنها بالكسروية التي أنكرها عمر على معاوية حين رأى ظواهرها، وأما الملك الذي هو الغلبة والقهر بالعصبية والشوكة فلا ينافي الخلافة ولا النبوة فقد كان سليمان بن داود وأبوه صلوات ٢/٦٥٠

الله عليهما نبيين وملكين وكانا على غاية الاستقامة في دنياهما وعلى طاعة ربهما عز وجل. ومعاوية لم بطلب الملك ولا أبهته للاستكثار من الدنيا، وانما ساقه أمر العصبية بطبعها لما استولى المسلمون على الدول كلها وكان هو خليفتهم فدعاهم بما يدعو الملوك إليه قومهم عند ما تستفحل العصبية وتدعو لطبيعة الملك. وكذلك شأن الخلفاء أهل الدين من بعده إذا دعتهم ضرورة الملك إلى استفحال أحكامه ودواعيه، والقانون في ذلك عرض أفعالهم على الصحيح من الأخبار لا بالواهي، فمن جرت أفعاله عليها فهو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين، ومن خرجت أفعاله عن ذلك فهو من ملوك الدنيا وإنما سمي خليفة بالمجاز.

الأمر الثاني في ذكر معاوية مع خلفاء بني أمية دون الخفاء الأربعة أنهم كانوا أهل نسب واحد وعظيمهم معاوية، فجعل مع أخل نسبه، والخفاء الأولون مختلفو الأنساب فجعلوا في نمط واحد وألحق بهم عثمان وإن كان من أهل هذا النسب للحوقه بهم قريبا في الفضل والله يحشرنا في زمرتهم ويرحمنا بالاقتداء بهم.

تمت تكملة الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله

الخبر عن الدول الإسلامية ونبدأ منها بدولة بني أمية معقبة لخلفاء صدر الإسلام وذكر أوليتهم وأخبار دولهم واحدة واحدة الى انقضائها ٢/٦٥١

المجلد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

[تتمة الكتاب الثاني ... ]

[تتمة القول في أجيال العرب ... ]

[تتمة الطبقة الثالثة من العرب ... ]

[الخبر عن الدول الإسلامية ونبدأ منها بدولة بني أمية معقبة لخلفاء صدر الإسلام وذكر أوليتهم وأخبار دولهم واحدة واحدة الى انقضائها]

(كان) لبني عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش. وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه. وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرئاسة عليهم الا أن بني أمية كانوا أكثر عددا من بني هاشم وأوفر رجالا. والعزة إنما هي بالكثرة، قال الشاعر:

وإنما العزة للكاثر

وكان لهم قبيل الإسلام شرف معروف انتهى إلى حرب بن أمية وكان رئيسهم في حرب الفجار. وحدث الأخباريون أن قريشا تواقعوا ذات يوم وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة فتبادر إليه غلمة منهم ينادون يا عم أدرك قومك، فقام يجر إزاره حتى أشرف عليهم من بعض الربا ولوح بطرف ثوبه إليهم أن تعالوا فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمي وطيسهم. (ولما) جاء الإسلام ودهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي وتنزل الملائكة، وما وقع من خوارق الأمور ونسي الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم. أما المسلمون فنهاهم الإسلام عن أمور الجاهلية كما في الحديث أن الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها لأننا وأنتم بنو آدم وآدم من تراب. وأما المشركون فشغلهم ذلك الأمر ٣/٣

العظيم عن شأن العصائب وذهلوا عنه حينا من الدهر. ولذلك لما افترق أمر بني أمية وبني هاشم بالإسلام. إنما كان ذلك الافتراق بحصار بني هاشم في الشعب لا غير ولم يقع كبير فتنة لأجل نسيان العصبيات والذهول عنها بالإسلام حتى كانت الهجرة وشرع الجهاد ولم يبق إلا العصبية الطبيعية التي لا تفارق وهي بعزة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه، فهذه لا يذهبها شيء ولا هي محظورة بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد والدعاء إلى الدين ألا ترى إلى صفوان بن أمية وقوله عند ما انكشف المسلمون يوم حنين وهو يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسلم، فقال له أخوه: ألا بطل السحر اليوم؟ فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك. لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. ثم أن شرف بني عبد مناف لم يزل في بني عبد شمس وبني هاشم. فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة كذلك. ثم من بعده العباس والكثير من بني عبد المطلب وسائر بني هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بني هاشم بمكة واستغلظت رياسة بني أمية في قريش. ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون في بدر وهلك فيها عظماء بني عبد شمس: عتبة وربيعة والوليد وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. فاستقل أبو سفيان بشرف بني أمية والتقدم في قريش، وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في الأحزاب وما بعدها. (ولما كان الفتح) قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم أبو سفيان ليلتئذ، كما هو معروف وكان صديقا له:

يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرا. فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ثم من على قريش بعد أن ملكهم يومئذ وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء وأسلموا. وشكت مشيخة قريش بعد ذلك لأبي بكر ما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الأولين، وما بلغهم من كلام عمر في تركه شوراهم فاعتذر لهم أبو بكر وقال أدركوا إخوانكم بالجهاد وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الإسلام وقوموا الأعراب عن الحيف والميل. ثم جاء عمر فرمي بهم الروم وأرغب قريشا في النفير إلى الشام فكان معظمهم هنالك واستعمل يزيد بن أبي سفيان على الشام. وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة فولى مكانه أخاه معاوية وأقره عثمان من بعد عمر فاتصلت رياستهم على قريش في الإسلام برياستهم قبيل الفتح التي لم تحل صبغتها ولا ينسى عهدها أيام شغل بني هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا من أيديهم بما اعتاضوا عنها من مباشرة الوحي وشرف القرب من الله برسوله وما زال الناس يعرفون ذلك لبني أمية. وانظر ٣/٤

مقالة حنظلة بن زياد الكاتب لمحمد بن أبي بكر: إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف. (ولما هلك عثمان) واختلف الناس على علي كانت عساكر علي أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، وجموع معاوية إنما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشام منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكه، ثم كسر من جناح علي ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية وخلع الحسن نفسه واتفقت الجماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة إحدى وأربعين عند ما نسي الناس شأن النبوة والخوارق ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب ومعاوية يومئذ كبيرهم. فلم تتعده الخلافة ولا ساهمه فيها غيره فاستوت قدمه واستفحل شأنه واستحكمت في أرض مصر رياسته وتوثق عقده. وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التي لم يكن أحد من قومه أوفر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم ويصانع رءوس العرب وقروم مضر بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه وكانت غايته في الحلم لا تدرك وعصابته فيها لا تنزع ومرقاته فيها تزل عنها الأقدام (ذكر) أنه مازح عدي بن حاتم يوما يؤنبه بصحبة علي فقال له عدي: والله إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وأن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ولئن أدنيت إلينا من الغدر شبرا لندنين إليك من الشر باعا وأن حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم ، لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي فشم السيف يا معاوية يبعث السيف، فقال معاوية هذه كلمات حق فاكتبوها وأقبل عليه ولاطفه وتحادثا وأخباره في الحلم كثيرة.

بعث معاوية العمال الى الأمصار

لما استقل معاوية بالخلافة عام عدم الجماعة بعث العمال إلى الأمصار، فبعث على الكوفة المغيرة بن شعبة. ويقال إنه ولى عليها أولا عبد الله بن عمرو بن العاص فأتاه المغيرة منتصحا وقال: عمرو بمصر وابنه بالكوفة فأنت بين نابي أسد فعزله وولى المغيرة. وبلغ ٣/٥

ذلك عمرا فقال لمعاوية: يختان المال فلا تقدر على رده فعد فاستعمل من يخافك فنصب المغيرة على الصلاة وولى على الخراج غيره، وكان على القضاء شريح. (ولما ولي) المغيرة على الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري وأقره زياد بعده. وكان يغزو الديلم ثم بعث على البصرة بسر بن أرطاة وكان قد تغلب عليها حمران بن زيد عند صلح الحسن مع معاوية فبعث بسرا عليها فخطب الناس وتعرض لعلي. ثم قال: نشدت الله رجلا يعلم أني صادق أو كاذب ولا صدقني أو كذبني. فقال أبو بكرة: اللهم لا نعلمك إلا كاذبا فأمر به فخنق فقام أبو لؤلؤة الضبي فدفع عنه. وكان على فارس من أعمال البصرة زياد بن أبيه وبعث إليه معاوية يطلبه في المال فقال: صرفت بعضه في وجهه واستودعت بعضه للحاجة إليه وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله فكتب إليه معاوية بالقدوم لينظر في ذلك فامتنع فلما ولي بسر على البصرة جمع عنده أولاد زياد والأكابر عبد الرحمن وعبد الله وعباد وكتب إليه لتقدمن أو لأقتلن بنيك فامتنع واعتزم بسر على قتلهم فأتاه أبو بكرة وكان أخا زياد لأمه فقال: أخذتهم بلا ذنب وصالح الحسن على أصحاب علي حيث كانوا فأمهله بسر إلى أن يأتي بكتاب معاوية. ثم قدم أبو بكرة على معاوية وقال: إن الناس لم يبايعوك على قتل الأطفال وإن بسرا يريد قتل بني زياد! فكتب إليه بتخليتهم وجاء إلى البصرة يوم المهاد ولم يبق منه إلا ساعة وهم موثقون للقتل فأدركهم وأطلقهم انتهى. (ثم عزل) معاوية بسرا عن البصرة وأراد أن يولي عتبة بن أبي سفيان فقال له ابن عامر:

إن لي بالبصرة أموالا وودائع وإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه وجعل إليه معها خرسان وسجستان وقدمها سنة إحدى وأربعين فولي على خراسان قيس بن الهيثم السلمي وكان أهل بلخ وباذغيس وهراة ويوشلخ قد نضوا، فسار إلى بلخ وحاصرها حتى سألوا الصلح وراجعوا الطاعة، وقيل إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين على ما سيأتي (ثم قدم) قيس على ابن عامر فضربه وحبسه وولى مكانه عبد الله بن حازم، وقدم خراسان فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس ويوشلخ في الأمان والصلح فأجابهم وحمل لابن عامر مالا انتهى. (ثم ولى) معاوية سنة اثنتين وأربعين على المدينة مروان بن الحكم وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام. واستقصى مروان عبد الله بن الحرث بن نوفل وعزل مروان عن المدينة سنة تسع وأربعين وولى مكانه سعيد بن العاص وذلك لثمان سنين من ٣/٦

ولايته. وجعل سعيد على القضاء ابن عبد الرحمن مكان عبد الله بن الحرث ثم عزل معاوية سعيدا سنة أربع وخمسين ورد إليها مروان.

قدوم زياد وكان زياد قد امتنع بفارس بعد مقتل علي كما قدمناه وكان عبد الرحمن ابن أخيه أبي بكرة يلي أمواله بالبصرة ورفع إلى معاوية أن زيادا استودع أمواله عبد الرحمن فبعث إلى المغيرة بالكوفة أن ينظر في ذلك فأحضر عبد الرحمن وقال له: إن يكن أبوك أساء إلي فقد أحسن عمك وأحسن العذر عند معاوية (ثم قدم المغيرة) على معاوية فذكر له ما عنده من الوجل باعتصام زياد بفارس فقال: داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل فما آمن أن يبايع لرجل من أهل البيت ويعيد الحرب خدعة، فاستأذنه المغيرة أن يأتيه ويتلطف له ثم أتاه وقال: إن معاوية بعثني إليك وقد بايعه الحسن ولم يكن هناك غيره فخذ لنفسك قبل أن يستغني معاوية عنك. قال: أشر علي والمستشار مؤتمن فقال أرى أن تشخص إليه وتصل حبلك بحبله وترجع عنه فكتب إليه معاوية بأمانه وخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن رابد الضبي وحارثة بن بدر الغداني، واعترضه عبد الله بن حازم في جماعة وقد بعثه ابن عامر ليأتيه به فلما رأى كتاب الأمان تركه وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما أنفق وبما حمل إلى علي وبما بقي عنده مودعا للمسلمين فصدقه معاوية وقبضه منه. ويقال إنه قال له: أخاف أن تكون مكروبا بي فصالحني فصالحه على ألفي ألف درهم بعث بها إليه واستأذنه في نزول الكوفة فأذن له وكان المغيرة يكرمه ويعظمه وكتب إليه معاوية أن يلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن صرد وسيف بن ربعي وابن الكواء وابن الحميق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه الصلوات.

عمال ابن عامر على الثغور لما ولي ابن عامر على البصرة استعمل عبد الرحمن بن سمرة على سجستان فأتاها وعلى شرطتها عباد بن الحصين ومعه من الأشراف عمر بن عبيد الله بن معمر وغيره. وكان أهل البلاد قد كفروا، ففتح أكثرها حتى بلغ كابل وحاصرها أشهرا ونصب عليها المجانيق حتى ثلم سورها ولم يقدر المشركون على سد الثلمة.

وبات عباد بن الحسين عليها يطاعنهم إلى الصبح، ثم خرجوا من الغد للقتال فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة انتهى. (ثم سار) إلى نسف فملكها عنوة ثم إلى حسك فصالحه أهلها ٣/٧

ثم إلى الرجح فقاتلوه وظفر بهم وفتحها انتهى. ثم إلى زابلستان (وهي غزنة) وأعمالها ففتحها ثم عاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها انتهى. (واستعمل) على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال بل ولاه معاوية من قبله فغزا التيعان فأصاب مغنما ووفد على معاوية وأهدى له من خيولها، ثم عاد إلى غزوهم فاستنجدوا بالترك وقتلوه، وكان كريما في الغاية يقال: لم يكن أحد يوقد النار في عسكره، وسأل ذات ليلة عن نار رآها فقيل له خبيص يصنع لنفساء فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام. (واستعمل) على خراسان قيس بن الهيثم فتغافل بالخراج والهدنة فولى مكانه عبد الله بن حاتم. فخاف قيسا وأقبل فزاد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر وبعث مكانه رجلا من يشكر وقيل أسلم بن زرعة الكلابي (انتهى) . (ثم بعث) عبد الله بن حازم وقيل: إن ابن حازم قال لابن عامر: إن قيسا لا ينهض بخراسان وأخاف إن لقي قيس حربا أن ينهزم ويفسد خراسان، فاكتب لي عهدا إن عجز عن عدو قمت مقامه. فكتب وخرجت خارجة من طخارستان فأشار ابن حازم عليه أن يتأخر حتى يجتمع عليه الناس فلما سار غير بعيد أخرج ابن حازم عهده وقام بأمر الناس وهزم العدو. وبلغ الخبر إلى الأمصار فغضبت أصحاب قيس وقالوا خدع صاحبنا، وشكوا إلى معاوية فاستقدمه فاعتذر فقبل منه، وقال له أقم في الناس بعذرك ففعل انتهى. (وفي سنة) ثلاث وأربعين توفي عمرو بن العاص بمصر فاستعمل معاوية مكانه عبد الله ابنه.

عزل ابن عامر وكان ابن عامر حليما لينا للسفهاء فطرق البصرة الفساد من ذلك. وقال له زياد جرد السيف فقال: لا أصلح الناس بفساد نفسي. ثم بعث وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة ومنهم ابن الكواء وهو عبد الله بن أبي أوفى اليشكري فلما سألهم معاوية عن الأمصار أجابه ابن الكواء بعجز ابن عامر وضعفه فقال معاوية: تتكلم على أهل البصرة وهم حضور! وبلغ ذلك ابن عامر فغضب وولى على خراسان من أعداء ابن الكواء عبد الله بن أبي شيخ اليشكري أو طفيل بن عوف فسخر منه ابن الكواء لذلك وقال: وددت أنه ولى كل يشكري من أجل عداوتي. ثم أن معاوية استقدم ابن عامر فقدم ٣/٨

وأقام أياما فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثا قال: هن لك، قال: ترد علي عملي ولا تغضب وتهب لي مالك بعرفة ودورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم، فقال ابن عامر: وإني سائلك ثلاثا ترد علي عملي بعرفة ولا تحاسب لي عاملا ولا تتبع لي أثرا وتنكحني ابنتك هندا. قال: قد فعلت! ويقال: إن معاوية خيره بين أن يرده على اتباع أثره وحسابه بما سار إليه أو يعزله ويسوغه ما أصاب فاختار الثالثة فعزله وولى مكانه الحرث ابن عبد الله الأزدي

استخلاف زياد كانت سمية أم زياد مولاة للحرث بن كندة الطبيب وولدت عنده أبا بكرة ثم زوجها بمولى له وولدت زيادا وكان أبو سفيان قد ذهب إلى الطائف في بعض حاجاته فأصابها بنوع من أنكحة الجاهلية وولدت زيادا هذا، ونسبه إلى أبي سفيان وأقر لها به، إلا أنه كان بخفية، ولما شب زياد سمت به النجابة واستكتبه أبو موسى الأشعري وهو على البصرة، واستكفاه عمر في أمر فحسن منار دينه وحضر عنده يعلمه بما صنع، فأبلغ ما شاء في الكلام فقال عمرو بن العاص وكان حاضرا لله هذا الغلام، لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه. قال أبو سفيان وعلي يسمع: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه، فقال له علي: اسكت فلو سمع عمر هذا منك كان إليك سريعا. ثم استعمل علي زيادا على فارس فضبطها وكتب إليه معاوية يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه فقام في الناس فقال: عجبا لمعاوية يخوفني دين ابن عم الرسول في المهاجرين والأنصار! وكتب إليه علي إني وليتك وأنا أراك أهلا وقد كان من أبي سفيان فلتة من آمال الباطل وكذب النفس، لا توجب ميراثا ولا نسبا. ومعاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام (ه) . ولما قتل علي وصالح زياد معاوية وضع مصقلة بن هبيرة الشيباني على معاوية ليعرض له بنسب أبي سفيان ففعل، ورأى معاوية أن يستميله باستلحاقه فالتمس الشهادة بذلك ممن علم لحوق نسبه بأبي سفيان فشهد له رجال من أهل البصرة وألحقه، وكان أكثر شيعة علي ينكرون ذلك وينقمونه على معاوية حتى أخوه أبو بكرة. (وكتب زياد) إلى عائشة في بعض الأحيان من زياد بن أبي سفيان يستدعي جوابها بهذا النسب ليكون له حجة فكتبت ٣/٩

إليه: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد. وكان عبد الله بن عامر يبغض زيادا وقال يوما لبعض أصحابه: من عبد القيس؟! ابن سمية يقبح آثاري ويعترض عمالي لقد هممت بقسامة من قريش أن أبا سفيان لم ير سمية! فأخبر زياد بذلك فأخبر به معاوية، فأمر حاجبه أن يرده من أقصى الأبواب وشكا ذلك إلى يزيد، فركب معه فأدخله على معاوية فلما رآه قام من مجلسه ودخل إلى بيته فقال يزيد: نقعد في انتظاره فلم يزالا حتى عدا ابن عامر فيما كان منه من القول، وقال: إني لا أتكثر بزياد من قلة ولا أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حق الله فوضعته موضعه فخرج ابن عامر وترضى زيادا ورضي له معاوية.

ولاية زياد البصرة كان زياد بعد صلح معاوية واستلحاقه نزل الكوفة وكان يتشوف الامارة عليها. فاستثقل المغيرة ذلك منه فاستعفى معاوية من ولاية الكوفة فلم يعفه. فيقال إنه خرج زياد إلى الشام، ثم إن معاوية عزل الحرث بن عبد الله الأزدي عن البصرة وولى عليها زيادا سنة خمس وأربعين، وجمع له خراسان وسجستان ثم جمع له السند والبحرين وعمان، وقدم البصرة فخطب خطبته البتراء وهي معروفة، وإنما سميت البتراء لأنه لم يفتحها بالحمد والثناء، فحذرهم في خطبته ما كانوا عليه من الانهماك في الشهوات والاسترسال في الفسق والضلال، وانطلاق أيدي السفهاء على الجنايات وانتهاك الحرم وهم يدنون منهم، فأطال في ذلك عنفهم ووبخهم وعرفهم ما يجب عليهم في الطاعة من المناصحة والانقياد للأئمة وقال: لكم عندي ثلاث لا أحتجب عن طالب حاجة ولو طرقني ليلا ولا أحبس العطاء عن اباية ولا أحمر البعوث فلما فرغ من خطبته قال له عبد الله بن الأيهم: أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. قال: كذبت ذاك نبي الله داود ثم استعمل على شرطته عبد الله بن حصين وأمره أن يمنع الناس من الولوج بالليل. وكان قد قال في خطبته لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه وكان يأمر بقراءة سورة البقرة بعد صلاة العشاء مؤخرة ثم يمهل بقدر ما يبلغ الرجل أقصى البصرة، ثم يخرج صاحب الشرطة فلا يجد أحدا إلا قتله. وكان أول من شدد أمر السلطان وشيد الملك فجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه السفهاء والذعار وأمن الناس على أنفسهم ومتاعهم حتى كان الشيء يسقط من يد الإنسان فلا يتعرض له أحد حتى يأتي صاحبه فيأخذه ولا يغلق أحد بابا وأدر العطاء واستكثر من الشرط فبلغوا أربعة آلاف وسئل في ٣/١٠

إصلاح السابلة فقال: حتى أصلح المصر. فلما ضبطه أصلح ما وراءه، وكان يستعين بعدة من الصحابة منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة فاستعفى، فولى مكانه عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصما، ثم زرارة بن أوفى وكانت أخته عند زياد، وكان يستعين بأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب. ويقال: إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس رابطة، فكان خمسمائة منهم لا يفارقون المسجد، ثم قسم ولاية خراسان على أربعة: فولى على مرو أمين ابن أحمد اليشكري، وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مروالروذ والعاربات والطالقات قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطائي. ثم إن نافعا بعث إليه بجواد باهر غنمه في بعض وجوهه، وكانت قوائمه منه، فأخذ منها قائمة وجعل مكانها أخرى ذهبا وبعث الجواد مع غلامه زيد وكان يتولى أموره فسعى فيه عند زياد بأمر تلك القائمة فعزله وحبسه، وأغرمه مائة ألف كتب عليه بها كتابا، وقيل ثمانمائة ألف. وشفع فيه رجال من الأزد فأطلقه واستعمل مكانه الحكم بن عمرو الغفاري وجعل معه رجالا على الجباية منهم أسلم بن زرعة الكلابي. وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة. ثم سار سنة سبع وأربعين إلى جبال الغور، وكانوا قد ارتدوا، ففتح وغنم وسبى وعبر النهر في ولايته إلى ما وراءه فملأه غارة. ولما رجع من غزاة الغور مات بمرو واستخلف على عمله أنس بن أبي أناس بن ربين فلم يرضه زياد. وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد المحاربي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة.

صوائف الشام ودخل المسلمون سنة اثنتين وأربعين إلى بلاد الروم فهزموهم وقتلوا جماعة من البطارقة وأثخنوا فيها ثم دخل بسر بن أرطاة أرضهم سنة ثلاث وأربعين ومشى بها وبلغ القسطنطينية. ثم دخل عبد الرحمن بن خالد وكان على حمص فشتى بهم وغزاهم بسر تلك السنة في البحر. ثم دخل عبد الرحمن إليها سنة ست وأربعين فشتى بها، وشتى أبو عبد الرحمن السبيعي على انطاكية ثم دخلوا سنة ثمان وأربعين فشتى عبد الرحمن بأنطاكية أيضا. ودخل عبد الله بن قيس الفزاري في تلك السنة بالصائفة وغزاهم مالك بن هبيرة اليشكري في البحر وعقبة بن عامر الجهني في البحر أيضا بأهل مصر وأهل المدينة. ثم دخل مالك بن هبيرة سنة تسع وأربعين فشتى بأرض الروم ودخل عبد الله بن كرز الجيلي بالصائفة وشتى يزيد بن ثمرة الرهاوي في بلاد الروم بأهل الشام في البحر ٣/١١

وعقبة بن نافع بأهل مصر كذلك (ثم) بعث معاوية سنة خمسين جيشا كثيفا إلى بلاد الروم مع سفيان بن عوف وندب يزيد ابنه معهم فتثاقل فتركه. ثم بلغ الناس أن الغزاة أصابهم جوع ومرض وبلغ معاوية أن يزيد أنشد في ذلك:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالفدفد البيد من حمى ومن شوم

إذا اتطأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مران عندي أم كلثوم

وهي امرأته بنت عبد الله بن عامر فحلف ليلحقن بهم فسار في جمع كثير جمعهم إليه معاوية فيهم ابن عباس وابن عامر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري فأوغلوا في بلاد الروم وبلغوا القسطنطينية وقاتلوا الروم عليها. فاستشهد أبو أيوب الأنصاري ودفن قريبا من سورها ورجع يزيد والعساكر إلى الشام ثم شتى فضالة بن عبيد بأرض الروم سنة إحدى وخمسين وغزا بسر بن أرطاة بالصائفة.

وفاة المغيرة توفي المغيرة وهو عامل على الكوفة سنة خمسين بالطاعون، وقيل سنة تسع وأربعين وقيل سنة إحدى وخمسين، فولى مكانه معاوية زيادا وجمع له المصرين فسار زياد إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب فلما وصل الكوفة خطبهم فحصبوه على المنبر فلما نزل جلس على كرسي وأحاط أصحابه بأبواب المسجد يأتونه بالناس يستحلفهم على ذلك، ومن لم يخلف حبسه فبلغوا ثمانين واتخذ المقصورة من يوم حبس. ثم بلغه عن أوفى بن حسين شيء فطلبه، فهرب ثم أخذه فقتله وقال له عمارة بن عتبة بن أبي معيط: إن عمر بن الحمق يجتمع إليه شيعة علي فأرسل إليه زياد ونهاه عن الاجتماع عنده. وقال لا أبيح أحدا حتى يخرج علي، وأكثر سمرة بن جندب اليتامى بالبصرة يقال قتل ثمانية آلاف فأنكر ذلك عليه زياد انتهى.

(كان عمرو بن العاص) قبل وفاته استعمل عقبة بن عامر بن عبد قيس على إفريقية، وهو ابن خالته انتهى الى لواته ومرانه، فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى. ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين غذامس. وفي السنة التي بعدها ودان وكورا من كور السودان وأثخن في تلك النواحي، وكان له فيها جهاد وفتوح. ثم ولاه معاوية على إفريقية سنة خمسين وبعث إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد، لأنهم كانوا إذا جاءت عساكر المسلمين أسلموا، فإذا رجعوا عنهم ارتدوا فرأى أن يتخذ مدينة يعتصم بها ٣/١٢

العساكر من البربر فاختط القيروان وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم، وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع، وكملت في خمس سنين وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ودخل أكثر البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين ورسخ الدين. ثم ولى معاوية على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري واستعمل على إفريقية مولاه أبا المهاجر فأساء عزل عقبة واستخف به فسير ابن مخلد الأنصاري عقبة إلى معاوية وشكا إليه فاعتذر له ووعده برده إلى عمله، ثم ولاه يزيد سنة اثنتين وستين (وذكر) الواقدي: أن عقبة ولي إفريقية سنة ست وأربعين فاختط القيروان ثم عزله يزيد سنة اثنتين وستين بأبي المهاجر.

فحينئذ قبض على عقبة وضيق عليه فكتب إليه يزيد يبعثه إليه وأعاده واليا على إفريقية فحبس أبا المهاجر إلى أن قتلهم جميعا كسلة ملك البرانس من البربر كما نذكر بعد. (كان المغيرة بن شعبة أيام إمارته على الكوفة) كثيرا ما يتعرض لعلي في مجالسه وخطبه، ويترحم على عثمان ويدعو له فكان حجر بن عدي إذا سمعه يقول:

بلاياكم قد أضل الله ولعن. ثم يقول أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أحق بالذم. فبعث له المغيرة يقول: يا حجر اتق غضب السلطان وسطوته، فإنها تهلك أمثالك لا يزيده على ذلك. (ولما كان) آخر إمارته المغيرة قال في بعض أيامه مثل ما كان يقول فصاح به حجر ثم قال له: مر لنا بأرزاقنا فقد حبستها منا وأصبحت مولعا بذم المؤمنين، وصاح الناس من جوانب المسجد صدق حجر فر لنا بأرزاقنا، فالذي أنت فيه لا يجدي علينا نفعا. فدخل المغيرة إلى بيته وعذله قومه في جراءة حجر عليه يوهن سلطانه، ويسخط عليه معاوية فقال لا أحب أن آتي بقتل أحد من أهل المصر. وسيأتي بعدي من يصنع معه مثل ذلك فيقتله ثم توفي المغيرة وولي زياد فلما قدم خطب الناس وترحم على عثمان ولعن قاتليه. وقال حجر ما كان يقول فسكت عنه ورجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث وبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويعلنون بلعن معاوية والبراءة منهم وأنهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها ثم خطب الناس وحجر جالس يسمع فتهدده وقال: لست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأودعه نكالا لمن بعده ثم بعث إليه فامتنع من الإجابة فبعث صاحب الشرطة شداد بن الهيثم الهلالي إليه جماعة فسبهم ٣/١٣

أصحابه. فجمع زياد أهل الكوفة وتهددهم فتبرءوا فقال: ليدع كل رجل منكم عشيرته الذين عند حجر ففعلوا حتى إذا لم يبق معه إلا قومه، قال زياد لصاحب الشرطة: انطلق إليه فأت به طوعا أو كرها فلما جاءه يدعوه امتنع من الإجابة فحمل عليهم وأشار إليه أبوا العمرطة الكندي بأن يلحق بكندة فمنعوه، هذا وزياد على المنبر ينتظر ثم غشيهم أصحاب زياد وضرب عمرو بن الحمق فسقط ودخل في دور الأزد فاختفى وخرج حجر من أبواب كندة فركب ومعه أبو العمرطة إلى دور قومه واجتمع إليه الناس ولم يأته من كندة إلا قليل ثم أرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان ليأتوه بحجر، فلما علم أنهم قصدوه تسرب من داره إلى النخع ونزل على أخي الأشتر. وبلغه أن الشرطة تسأل عنه في النخع. فأتى الأزد واختفى عند ربيعة بن ناجد، وأعياهم طلبه فدعا حجر محمد بن الأشعث أن يأخذ له أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فجاء محمد ومعه جرير بن عبد الله وحجر بن يزيد وعبد الله بن الحرث أخو الأشتر فاستأمنوا له زيادا فأجابهم ثم أحضروا حجرا فحبسه وطلب أصحابه فخرج عمرو بن الحمق إلى الموصل ومعه زواعة بن شداد فاختفى في جبل هناك ورفع أمرهما إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ابن أخت معاوية، ويعرف بابن أم الحكم فسار إليهما وهرب زواعة وقبض على عمرو، وكتب إلى معاوية بذلك فكتب إليه أنه طعن عثمان سبعا بمشاقص كانت معه فاطعنه كذلك فمات في الأولى والثانية ثم جد زياد في طلب أصحاب حجر وأتى بقبيصة بن ضبعة العبسي بأمان فحبسه وجاء قيس بن عباد الشبلي برجل من قومه من أصحاب حجر فأحضره زياد وسأله عن علي فأثنى عليه فضربه وحبسه. وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث، ثم دخل بيته في الكوفة وسعى به إلى الحجاج فقتله. ثم أرسل زياد إلى عبد الله ابن خليفة الطائي من أصحاب حجر فتوارى وجاء الشرط فأخذوه ونادت أخته الفرار بقومه فخلصوه فأخذ زياد عدي بن حاتم وهو في المسجد وقال: ائتني بعبد الله وخبره جهرة فقال: آتيك بابن عمي تقتله؟ والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه فحبسه، فنكر ذلك الناس وكلموه وقالوا تفعل هذا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبير طيئ قال: أخرجه على أن يخرج ابن عمه عني فأطلقه وأمر عدي عبد الله أن يلحق بجبل طيئ فلم يزل هنالك حتى مات وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر وغيره ٣/١٤

ولما جمع منهم اثني عشر في السجن دعا رءوس الأرباع يومئذ وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد. فشهدوا كلهم أن حجرا جمع الجموع وأظهر شتم معاوية، ودعا إلى حربه وزعم أن الأمر لا يصلح إلا في الطالبيين ووثب بالمصر وأخرج العامل وأظهر غدر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن النفر الذين معه وهم رءوس أصحابه على مقدم رأيه ثم استكثر زياد من الشهود فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة والمنذر ابن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبي معيط وعمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم وفي الشهود شريح بن الحرث وشريح بن هانئ ثم استدعى زياد وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب ودفع إليهما حجر بن عدي وأصحابه وهم الأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فضيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم ابن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي، وكرام بن حبان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي ثم أتبع هؤلاء الإحدى عشر بعتبة بن الأخنس من سعد بن بكر وسعد بن غوات الهمداني، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى معاوية. ثم لحقهما شريح بن هانئ ودفع كتابه إلى معاوية بن وائل ولما انتهوا إلى مرج غدراء قريب دمشق تقدم ابن وائل وكثير إلى معاوية، فقرأ كتاب شريح وفيه بلغني أن زيادا كتب شهادتي وأني أشهد على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، حرام الدم والمال فإن شئت فاقبله أو فدعه، فقال معاوية: ما أرى هذا إلا أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج غدراء حتى لحقهم عتبة بن الأخنس وسعد بن غوات اللذين ألحقهما زياد بهما. وجاء عامر بن الأسود العجيلي إلى معاوية فأخبره بوصولهما، فاستوهب يزيد بن أسد البجلي عاصما وورقاء ابني عمه وقد كتب يزيد يزكيهما ويشهد ببراءتهما فأطلقهما معاوية وشفع وائل بن حجر في الأرقم وأبو الأعور السلمي في ابن الأخنس وحبيب بن سلمة في أخويه فتركهم وسأله مالك بن هبيرة السكوني ٣/١٥

في حجر فرده فغضب وحبس في بيته وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحسين بن عبد الله الكلابي، وأبا شريف البدري إلى حجر وأصحابه ليقتلوا منهم من أمرهم بقتله فأتوهم وعرض عليهم البراءة من علي فأبوا وصلوا عامة ليلتهم ثم قدموا من الغد للقتل وتوضأ حجر وصلى وقال: لولا أن يظنوا بي الجزع من الموت لاستكثرت منها. اللهم إنا نستعديك على أمشاء أهل الكوفة، يشهدون علينا، وأهل الشام يقتلوننا. ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد فقالوا: كيف وأنت زعمت أنك لا تجزع من الموت؟ فابرأ من صاحبك وندعك.

فقال: وما لي لا أجزع وأنا بين القبر والكفن، والسيف. وإن جزعت من الموت لا أقول ما يسخط الرب فقتلوه وقتلوا ستة معه وهم شريك بن شداد وصيفي بن فضيل وقبيصة بن حنيفة، ومحرز بن شهاب، وكرام بن حبان ودفنوهم وصلوا عليهم بعبد الرحمن بن حسان العنزي وجيء بكريم بن الخثعمي إلى معاوية فطلب منه البراءة من علي فسكت واستوهبه سمرة بن عبد الله الخثعمي من معاوية فوهبه له، على أن لا يدخل الكوفة. فنزل إلى الموصل ثم سأل عبد الرحمن بن حسان عن علي فأثنى خيرا ثم عن عثمان فقال: أول من فتح باب الظلم وأغلق باب الحق فرده إلى زياد ليقتله شر قتلة فدفنه حيا وهو سابع القوم. (وأما مالك) بن هبيرة السكوني فلما لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار ليخلصه وأصحابه فلقي القتلة وسألهم فقالوا مات القوم وسار إلى عدي فتيقن قتلهم فأرسل في إثر القتلة فلم يدركوهم، وأخبروا معاوية فقال: تلك حرارة يجدها في نفسه وكأني بها قد طفئت. ثم أرسل إليه بمائة ألف وقال: خفت أن يعيد القوم حربا فيكون على المسلمين أعظم من قتل حجر فطابت نفسه. (ولما بلغ) عائشة خبر حجر وأصحابه، أرسلت عبد الرحمن بن الحرث إلى معاوية يشفع فيهم فجاء وقد قتلوا فقال لمعاوية: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: حيث غاب علي مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت وأسفت عائشة لقتل حجر وكانت تثني عليه. وقيل في سياقة الحديث غير ذلك وهو أن زيادا أطال الخطبة في يوم جمعة فتأخرت الصلاة فأنكر حجر ونادى بالصلاة فلم يلتفت إليه. وخشي فوت الصلاة فحصبه بكف من الحصباء، وقام إلى ٣/١٦

الصلاة فقام الناس معه فخافهم زياد ونزل فصلى. وكتب إلى معاوية وعظم عليه الأمر، فكتب إليه أن يبعث به موثقا في الحديد وبعث من يقبض عليه فكان ما مر.

ثم قبض عليه وحمله إلى معاوية، فلما رآه معاوية أمر بقتله فصلى ركعتين وأوصى من حضره من قومه لا تفكوا عني قيدا ولا تغسلوا دما فإني لاق معاوية غدا على الجادة وقتل (انتهى) . (وقالت) عائشة لمعاوية: أين حملك عن حجر؟ قال: لم يحضرني رشيد (انتهى) . (وكان) زياد قد ولى الربيع بن زياد الحارثي على خراسان سنة إحدى وخمسين بعد أن هلك حسن بن عمر الغفاري وبعث معه من جند الكوفة والبصرة خمسين ألفا فيهم بريدة بن الحصيب، وأبو برزة الأسلمي من الصحابة وغزا بلخ ففتحها صلحا، وكانوا انتقضوا بعد صلح الأحمق بن قيس. ثم فتح قهستان عنوة واستلحم من كان بناحيتها من الترك، ولم يفلت منهم إلا قيزل طرخان وقتله قتيبة ابن مسلم في ولايته فلما بلغ الربيع بن زياد بخراسان قتل حجر سخط لذلك وقال: لا تزال العرب تقتل بعده صبرا ولو نكروا قتله منعوا أنفسهم من ذلك، لكنهم أقروا فذلوا. ثم دعا بعد صلاة جمعة لأيام من خبره وقال للناس: إني قد مللت الحياة، واني داع فأمنوا ثم رفع يديه وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا وأمن الناس. ثم خرج فما تواترت ثيابه حتى سقط، فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه. ثم مات ابنه بعده بشهرين واستخلف خليد ابن عبد الله الحنفي وأقره زياد.

وفاة زياد ثم مات زياد في رمضان سنة ثلاث وخمسين بطاعون أصابه في يمينه يقال بدعوة ابن عمر، وذلك أن زيادا كتب إلى معاوية إني ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز، فكتب له عهده بذلك، وخاف أهل الحجاز وأتوا عبد الله بن عمر يدعو لهم الله أن يكفيهم ذلك فاستقبل القبلة ودعا معهم وكان من دعائه: اللهم اكفناه، ثم كان الطاعون فأصيب في يمينه فأشير عليه بقطعها فاستدعى شريحا القاضي فاستشاره فقال إن يكن الأجل فرغ فتلقى الله أجذم ٣/١٧

كراهية في لقائه وإلا فتعيش أقطع، ويعير ولدك فقال: لا أبيت والطاعون في لحاف واحد، واعتزم على قطعها فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه، وقيل تركه لإشارة شريح وعذل الناس شريحا في ذلك فقال: المستشار مؤتمن. ولما حضرته الوفاة قال له ابنه: قد هيأت لكفنك ستين ثوبا فقال: يا بني قد دنا لأبيك لباس خير من لباسه. ثم مات ودفن بالتوسة قرب الكوفة، وكان يلبس القميص ويرقعه، ولما مات استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وكان خليفته على البصرة عبد الله بن عمر بن غيلان وعزل بعد ذلك عبد الله بن خالد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس.

ولاية عبيد الله بن زياد على خراسان ثم على البصرة

ولما قدم ابنه عبيد الله على معاوية وهو ابن خمس وعشرين سنة قال: من استعمل أبوك على المصرين؟ فأخبره فقال: لو استعملك لاستعملتك. فقال عبيد الله:

أنشدك الله أن يقول لي أحد بعدك لو استعملك أبوك وعمك استعملتك. فولاه خراسان ووصاه فكان من وصيته: اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيئا، فإن في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه، وإن أعطيت عهدا فأوف به، ولا تتبعن كثيرا بقليل، ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك. وإذا لقيت عدوك فكبر أكبر من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تطمعن أحدا في غير حقه، ولا تؤيسن أحدا من حق هو له. ثم ودعه فسار إلى خراسان أول سنة أربع وخمسين، وقدم إليها أسلم بن زرعة الكلابي، ثم قدم فقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل ففتح رامين ونسف وسكند ولقيه الترك فهزمهم وكان مع ملكهم امرأته خاتون، فأعجلوها عن لبس خفيها، فأصاب المسلمون أحدهما وقوم بمائتي ألف درهم. وكان عبيد الله ذلك اليوم يحمل عليهم وهو يطعن حتى يغيب عن أصحابه ثم يرفع رايته تقطر دما. وكان هذا الزحف من زحوف خراسان المعدودة، وكانت أربعة منها للأحنف بن قيس بقهستان والمرعات وزحف لعبد الله بن حازم قضى فيه جموع فاران وأقام عبيد الله واليا على خراسان سنتين وولاه معاوية سنة خمس وخمسين على البصرة. وذلك أن ابن غيلان خطب وهو أمير على البصرة، فحصبه رجل من بني ضبة فقطع يده فأتاه بنو ضبة يسألونه الكتاب إلى معاوية بالاعتذار ٣/١٨

عنه، وأنه قطع على أمر لم يصح، مخافة أن يعاقبهم معاوية جميعا فكتب لهم وسار ابن غيلان إلى معاوية رأس السنة وأوفاه الضبيون بالكتاب، فادعوا أن ابن غيلان قطع صاحبهم ظلما فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أما القود من عمالي فلا سبيل إليه، ولكن أدي صاحبكم من بيت المال وعزل عبد الله بن غيلان عن البصرة، واستعمل عليها عبيد الله بن زياد، فسار إليها عبيد الله وولى على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فلم يغز ولم يفتح.

العهد ليزيد

ذكر الطبري بسنده قال: قدم المغيرة على معاوية فشكا إليه الضعف، فاستعفاه فأعفاه وأراد أن يولي سعيد بن العاص وقال أصحاب المغيرة للمغيرة: إن معاوية قلاك، فقال لهم: رويدا ونهض إلى يزيد وعرض له بالبيعة. وقال ذهب أعيان الصحابة وكبراء قريش ورادوا أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وسياسة، وما أدري ما يمنع أمير المؤمنين من العهد لك فأدى ذلك يزيد إلى أبيه واستدعاه وفاوضه في ذلك. فقال: قد رأيت ما كان من الاختلاف وسفك الدماء بعد عثمان وفي يزيد منك خلف، فاعهد له يكون كهفا للناس بعدك فلا تكون فتنة ولا يسفك دم وأنا أكفيك الكوفة ويكفيك ابن زياد البصرة فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة، وأمره أن يعمل في بيعة يزيد فقدم الكوفة وذاكر من يرجع إليه من شيعة بني أمية فأجابوه، وأوفد منهم جماعة مع ابنه موسى فدعاه إلى عقد البيعة ليزيد.

فقال: أوقد رضيتموه؟ قالوا: نعم! نحن ومن وراءنا. فقال: ننظر ما قدمتم له ويقضي الله أمره، والأناة خير من العجلة ثم كتب إلى زياد يستنيره بفكر .

وكف عن هدم دار سعيد وكتب سعيد إلى معاوية يعذله في إدخال الظعينة بين قرايته ويقول لو لم تكن بني أب واحد لكانت قرابتنا ما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم يجب عليك أن تدعي ذلك فاعتذر له معاوية وتنصل. وقدم سعيد عليه وسأله عن مروان فأثنى خيرا فلما كان سنة سبع وخمسين عزل مروان وولى مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وقيل سنة ثمان . ٣/١٩ ٣/٢٠

عزل الضحاك عن الكوفة وولاية ابن أم الحكم ثم النعمان بن بشير

عزل معاوية الضحاك عن الكوفة سنة ثمان وخمسين وولى مكانه عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي وهو ابن أم الحكم أخت معاوية فخرجت عليه الخوارج الذين كان المغيرة حبسهم في بيعة المستورد بن علقمة، وخرجوا من سجنه بعد موته فاجتمعوا على حيان بن ضبيان السلمي ومعاذ بن جرير الطائي، فسير إليهم عبد الرحمن الجيش من الكوفة فقتلوا أجمعين كما يذكر في أخبار الخوارج. ثم إن أهل الكوفة نقلوا عن عبد الرحمن سوء سيرته، فعزله معاوية عنهم وولى مكانه النعمان بن بشير. وقال: أوليك خيرا من الكوفة، فولاه مصر، وكان عليها معاوية بن خديج السكوني، وسار إلى مصر فاستقبله معاوية على مرحلتين منها، وقال: ارجع إلى حالك لا تسر فينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة فرجع إلى معاوية وأقام معاوية بن خديج في عمله. ٣/٢١

ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان وفي سنة تسع وخمسين قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين أما لنا حق؟ قال: بلى! فماذا قال توليني؟ قال: بالكوفة النعمان بن بشير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالبصرة وخراسان عبيد الله أخوك، وبسجستان عباد أخوك ولا أرى ما يشبهك إلا أن أشركك في عمل عبيد الله فإن عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان فسار إليها، وقدم بين يديه قيس بن الهيثم السلمي، فأخذ أسلم بن زرعة وحبسه. ثم قدم عبد الرحمن فأغرمه ثلاثمائة ألف درهم وأقام بخراسان وكان متضعفا لم يقر قط. وقدم على يزيد بين يدي قتل الحسين، فاستخلف على خراسان قيس بن الهيثم. فقال له يزيد: كم معك من مال خراسان؟ قال عشرون ألف درهم فخيره بين أخذها بالحساب ورده إلى عمله أو تسويغه إياها وعزله، على أن يعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، فاختار تسويغها والعزل. وبعث إلى ابن جعفر بألف ألف وقال نصفها من يزيد ونصفها مني. ثم إن أهل البصرة وفدوا مع عبيد الله بن زياد على معاوية فأذن له على منازلهم ودخل الأحنف آخرهم وكان هيأ المنزلة من عبيد الله فرحب به معاوية وأجلسه معه على سريره. ثم تكلم القوم وأثنوا على عبيد الله وسكت الأحنف، فقال معاوية: تكلم يا أبا بحر فقال أخشى خلاف القوم، فقال: انهضوا فقد عزلت عنكم عبيد الله واطلبوا واليا ترضونه، فطفق القوم يختلفون إلى رجال بني أمية وأشراف الشام، وقعد الأحنف في منزله، ثم أحضرهم معاوية وقال: من اخترتم فسمى كل فريق رجلا والأحنف ساكت. فقال معاوية: تكلم يا أبا بحر فقال: إن وليت علينا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن وليت من غيرهم ينظر في ذلك قال: فإني قد أعدته عليكم، ثم أوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته ولما هاجت الفتنة لم يعزله غير الأحنف ثم أخذ على وفد البصرة البيعة لابنه يزيد معهم.

بقية الصوائف دخل بسر بن أرطاة سنة اثنتين وخمسين أرض الروم وشتى بها وقيل رجع ونزل هنالك سفيان بن عوف الأزدي فشتى بها وتوفي هنالك انتهى. وغزا بالصائفة محمد بن عبد الله الثقفي، ثم دخل عبد الرحمن ابن أم الحكم سنة ثلاث وخمسين إلى أرض الروم وشتى بها وافتتحت في هذه السنة رودس، فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي ونزلها المسلمون على حذر من الروم، ثم كانوا يعترضونه في البحر ٣/٢٢

ويأخذون سفنه، وكان معاوية يدركهم بالعطاء حتى خافهم الروم ثم نقلهم يزيد في ولايته. ثم دخل سنة أربع وخمسين الى بلاد الروم محمد بن مالك وشتى بها وغزا بالصائفة ابن يزيد السلمي، وفتح المسلمون جزيرة أروى قرب القسطنطينية ومقدمهم جنادة بن أبي أمية، فملكوها سبع سنين ونقلهم يزيد في ولايته وفي سنة خمس وخمسين كان شتى سفيان بن عوف بأرض الروم، وقيل عمر بن محرز وقيل عبد الله بن قيس. وفي سنة ست وخمسين كان شتى جنادة بن أبي أمية، وقيل عبد الرحمن بن مسعود، وقيل غزا في البحر يزيد ابن سمرة. وفي البر عياض بن الحرث. وفي سنة سبع وخمسين كان شتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وغزا مالك بن عبد الله الخثعمي في البر، وعمر بن يزيد الجهني في البحر.

وفي سنة ثمان وخمسين كان شتى عمر بن مرة الجهني بأرض الروم، وغزا في البحر جنادة بن أمية. وفتح المسلمون في هذه السنة حصن كفخ من بلاد الروم، وعليهم عمير بن الحباب السلمي صعد سورها وقاتل عليه وحده حتى انكشف الروم وفتحه.

وفي سنة ستين غزا مالك بن عبد الله سوية وملك جنادة بن أبي أمية رودس وهدم مدينتها.

وفاة معاوية وتوفي معاوية سنة ستين وكان خطب الناس قبل موته وقال: إني كزرع مستحصد وقد طالت إمارتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه، كما أن من كان قبلي خير مني. وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. اللهم إني قد أحببت لقاءك فاحبب لقائي وبارك لي. فلم يمض إلا قليل حتى ازداد به مرضه فدعا ابنه يزيد وقال: يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الأمور وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. وإني لا أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر الذي انتسب لك إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق غيره بايعك. وأما الحسين فإن أهل العراق لم يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ما مثله وحقا ٣/٢٣

عظيما. وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله وليس له همة إلا في النساء. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك وقدرت عليه فقطعه إربا إربا. هذا حديث الطبري عن هاشم وله عن هاشم من طريق آخر قال: لما حضرت وفاة معاوية سنة ستين كان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهري وكان صاحب شرطته، ومسلم بن عتبة المزني فقال: أبلغا يزيد وصيتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أهلك فأكرم من قدم إليك منهم وتعاهد من غاب. وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أخف من أن يشهر عليك مائة ألف سيف. وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، وإن رابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن قاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم ولست أخاف عليك من قريش إلا ثلاثا ولم يذكر في هذا الطريق عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال في ابن عمر: قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك وقال في الحسين: ولو أني صاحبه عفوت عنه. وأنا أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وقال في ابن الزبير: إذا شخص إليك فالبد له إلا أن يلتمس منك صلحا فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت.

(وتوفي في منتصف رجب) ويقال جمادى لتسع عشرة سنة وأشهر من ولايته وكان على خاتمه عبد الله بن محصن الحميري وهو أول من اتخذ ديوان الخاتم، وكان سببه أنه أمر لعمر بن الزبير بمائة ألف درهم، وكتب له بذلك إلى زياد بالعراق، ففض عمر الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية، وأخذ عمر بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله فأحدث عند ذلك ديوان الخاتم، وحزم الكتب ولم تكن تحزم وكان على شرطته قيس بن همزة الهمداني، فعزله ابن بيد بن عمر العدوي، وكان على حرسه المختار من مواليه. وقيل أبو المحارى مالك مولى حميرة وهو أول من اتخذ الحرس. وعلى حجابه مولاه سعد، وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي، وعلى القضاء فضالة بن عبد الله الأنصاري وبعده أبو دويس عائذ بن عبد الله الخولاني.

بيعة يزيد

بويع يزيد بعد موت أبيه وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة عمر ٣/٢٤

ابن سعيد بن العاص، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى الكوفة النعمان بن بشير. ولم يكن همه إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد بموت معاوية، وأن يأخذ حسينا وابن عمر وابن الزبير بالبيعة من غير رخصة فلما قرأ مروان الكتاب بنعي معاوية، استرجع وترحم، واستشار الوليد في أمر أولئك النفر، فأشار عليه أن يحضرهم لوقته فإن بايعوا وإلا قتلهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فيثب كل رجل منهم في ناحية، إلا ابن عمر فإنه لا يحب القتال، ولا يحب الولاية، إلا أن يرفع إليه الأمر. فبعث الوليد لوقته عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث، فجاء إلى الحسين وابن الزبير في المسجد في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس وقال: أجيبا الأمير فقالا: لا تنصرف إلا أن نأتيه، ثم حدثا فيما بعث إليهما، فلم يعلموا ما وقع. وجمع الحسين فتيانه وأهل بيته وسار اليه فأجلسهم بالباب، وقال إن دعوتكم أو سمعتم صوتي عاليا فادخلوا بأجمعكم. ثم دخل فسلم ومروان عنده فشكرهما على الصلة بعد القطيعة، ودعا لهما بإصلاح ذات البين فأقرأه الوليد الكتاب بنعي معاوية ودعاه إلى البيعة، فاسترجع وترحم وقال: مثلي لا يبايع سرا ولا يكتفى بها مني، فإذا ظهرت إلى الناس ودعوتهم كان أمرنا واحدا وكنت أول مجيب فقال الوليد وكان يحب المسالمة: انصرف. فقال مروان: لا يقدر منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينهم، ألزمه البيعة وإلا اضرب عنقه. فوثب الحسين وقال أنت تقتلني أو هو! كذبت والله! وانصرف إلى منزله. وأخذ مروان في عذل الوليد. فقال: يا مروان والله ما أحب أن لي ما طلعت الشمس من مال الدنيا وملكها، وأني قتلت الحسين إن قال لا أبايع. واما ابن الزبير فاختفى في داره وجمع أصحابه، وألح الوليد في طلبه، وبعث مواليه فشتموه وهددوه، وأقاموا ببابه في طلبه، فبعث ابن الزبير أخاه جعفرا يلاطف الوليد ويشكو ما أصابه من الذعر، ويعده بالحضور من الغداة، وأن يصرف رسله من بابه، فبعث إليهم وانصرفوا.

وخرج ابن الزبير من ليلته مع أخيه جعفر وحدهما، وأخذا طريق الفرع إلى مكة فسرح الرحالة في طلبه فلم يدركوه ورجعوا وتشاغلوا بذلك عن الحسين سائر يومه. ثم أرسل إلى الحسين يدعوه فقال: أصبحوا وترون وفري. وسار في الليلة الثانية ببنيه وإخوته وبني أخيه إلا محمد بن الحنفية، وكان قد نصحه وقال تنح عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وابعث دعاتك إلى الناس، فإن أجابوك فاحمد الله، وإن ٣/٢٥

اجتمعوا على غيرك فلم يضر بذلك دينك ولا عقلك، ولم تذهب به مروأتك ولا فضلك، وأنا أخاف أن تأتي مصرا أو قوما فيختلفون عليك، فتكون الأول إساءة، فإذا خير الأمة نفسا وأبا أضيعها ذمارا وأذلها. قال له الحسين: فإني ذاهب قال:

انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن فاتت بك لحقت بالرمال وشعب الجبال. ومن بلد إلى آخر حتى ننظر مصير أمر الناس، وتعرف الرأي فقال يا أخي نصحت وأشفقت! ولحق بمكة. وبعث الوليد إلى ابن عمر ليبايع فقال: أنا أبايع أمام الناس، وقيل ابن عمر وابن عباس كانا بمكة، ورجعا إلى المدينة فلقيا الحسين وابن الزبير وأخبراهما بموت معاوية وبيعة يزيد. فقال ابن عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين، وقدم هو وابن عباس المدينة وبايعا عنه بيعة الناس ولما دخل ابن الزبير مكة وعليها عمر بن سعيد قال: أنا عائد بالبيت، ولم يكن يصلي ولا يقف معهم ويقف هو وأصحابه ناحية.

عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد

ولما بلغ الخبر إلى يزيد بصنيع الوليد بن عتبة في أمر هؤلاء النفر، عزله عن المدينة واستعمل عليها عمر بن سعيد الأشرق فقدمها في رمضان واستعمل على شرطته عمر ابن الزبير بالمدينة لما كان بينه وبين أخيه من البغضاء، وأحضر نفرا من شيعة الزبير بالمدينة فضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، منهم المنذر بن الزبير وابنه محمد، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم. ثم جهز البعوث إلى مكة سبعمائة أو نحوها، وقال لعمر بن الزبير: من نبعث إلى أخيك؟ فقال: لا تجد رجلا أنكى له مني.

فجهز معه سبعمائة مقاتل فيهم أنيس بن عمرو الأسلمي. وعذله مروان بن الحكم في غزو مكة وقال له: اتق الله ولا تحل حرمة البيت فقال: والله لنغزونه في جوف الكعبة وجاء أبو شريح الخزاعي إلى عمر بن سعيد فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس. فقال له عمر: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ. وقيل إن يزيد كتب إلى عمر بن سعيد أن يبعث عمر بن الزبير بالجيش إلى أخيه، فبعثه في ألفي مقاتل وعلى مقدمته أنيس. فنزل أنيس بذي طوى ونزل عمر بالأبطح وبعث إلى أخيه أن بر يمين ٣/٢٦

يزيد، فإنه حلف أن لا يقبل بيعة إلا أن يؤتى بك في جامعه فلا يضرب الناس بعضهم بعضا، فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله بن الزبير من اجتمع له من أهل مكة مع عبد الله بن صفوان فهزموا أنيسا بذي طوى وقتل أنيس في الهزيمة وتخلف عن عمر بن الزبير أصحابه فدخل دار ابن علقمة وأجاره عبدة بن الزبير. وقال لأخيه:

قد أجرته فأنكر ذلك عليه. وقيل: إن صفوان قال لعبد الله بن الزبير: اكفني أخاك أنا أكفيك أنيس بن عمرو، وسار إلى أنيس فهزمه وقتله. وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمر فتفرق عنه أصحابه، وأجاره أخوه عبدة، فلم يجز أخوه عبد الله جواره وضربه بكل من ضربه بالمدينة وحبسه بسجن عارم ومات تحت السياط.

مسير الحسين إلى الكوفة ومقتله

ولما خرج الحسين إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع وسأله أين تريد؟ فقال: مكة وأستخير الله فيما بعد، فنصحه أن لا يقرب الكوفة، وذكره قتلهم أباه وخذلانهم أخاه، وأن يقيم بمكة لا يفارق الحرم حتى يتداعى إليه الناس. ورجع عنه وترك الحسين بمكة فأقام والناس يختلفون إليه، وابن الزبير في جانب الكعبة يصلي ويطوف عامة النهار، ويأتي الحسين فيمن يأتي ويعلم أن أهل الحجاز لا يلقون إليه مع الحسين.

ولما بلغ أهل الكوفة بيعة يزيد ولحاق الحسين بمكة اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد وكتبوا إليه عن نفر منهم سليمان والمسيب بن محمد، ورفاعة بن شداد، وحبيب ابن مظاهر وغيرهم يستدعونه وأنهم لم يبايعوا للنعمان، ولا يجتمعون معه في جمعة ولا عيد، ولو جئتنا أخرجناه وبعثوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال ثم كتبوا إليه ثانيا بعد ليلتين نحو مائة وخمسين صحيفة، ثم ثالثا يستحثونه للحاق بهم كتب له بذلك شيث بن ربعي وحجاز بن ابجر ويزيد بن الحرث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمر بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي فأجابهم الحسين: فهمت ما قصصتم وقد بعثت إليكم ابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، يكتب إلي بأمركم ورأيكم، فإن اجتمع ملؤكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم عليكم قريبا. ولعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، القائم بالقسط، الدين بدين الحق. وسار مسلم فدخل المدينة وصلى في المسجد وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فضلا الطريق وعطش القوم فمات الدليلان بعد أن أشارا ٣/٢٧

إليهم بموضع الماء، فانتهوا إليه وشربوا ونجوا فتطير مسلم من ذلك، وكتب إلى الحسين يستعفيه. فكتب إليه خشيت أن لا يكون حملك على ذلك إلا الجبن، فامض لوجهك والسلام. وسار مسلم فدخل الكوفة أول ذي الحجة من سنة ستين، واختلف إليه الشيعة وقرأ عليهم كتاب الحسين، فبكوا ووعدوه النصر وعلم مكانه النعمان بن بشير أمير الكوفة وكان حليما يجنح إلى المسالمة، فخطب وحذر الناس الفتنة. وقال:

لا أقاتل من لا يقاتلني ولا آخذ بالظنة والتهمة، ولكن إن نكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فو الله لأضربنكم بسيفي ما دام قائمته بيدي، ولو لم يكن لي ناصر فقال له بعض حلفاء بني أمية: لا يصلح ما ترى إلا الغشم، وهذا الذي أنت عليه مع عدوك رأي المستضعفين فقال: أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب الي من أن أكون من الأعزين في معصية الله. ثم تركه فكتب عبد الله بن مسلم وعمارة بن الوليد وعمارة بن سعد بن أبي وقاص إلى يزيد بالخبر، وتضعف النعمان وضعفه فابعث إلى الكوفة رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل عملك في عدوك فأشار عليه سرجون ٣/٢٨ ٣/٢٩

مسيرة المختار الى الكوفة وأخذها من ابن المطيع بعد وقعة كربلاء

مضى إبراهيم الى المختار وأخبره الخبر وبعثوا في الشيعة ونادوا بثأر الحسين، ومضى ٣/٣٠

إبراهيم إلى النخع فاستركبهم وسار بهم في المدينة ليلا وهو يتجنب المواضع التي فيها الأمراء ثم لقي بعضهم فهزمهم، ثم آخرين كذلك ثم رجع إلى المختار فوجد شيث بن ربعي وحجاز بن أبجر العجلي يقاتلانه فهزمهما، وحاشب بن المطيع فأشار إليه بجمع الناس والنهوض إلى القوم قبل فولى أمرهم فركب واجتمع الناس وتوافي إلى المختار نحو أربعة آلاف من الشيعة وبعث ابن مطيع شيث بن ربعي في ثلاثة آلاف، وربع بن إياس في أربعة آلاف فسرح إليهم المختار إبراهيم بن الأشتر لراشد في ستمائة فارس وستمائة راجل ونعيم بن هبيرة لشيث في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل واقتتلوا من بعد صلاة الصبح. وقتل نعيم فوهن المختار لقتله وظهر شيث وأصحابه عليهم وقاتل إبراهيم بن الأشتر راشد بن إياس فقتله، وانهزم أصحابه وركبهم الفشل. وبعث ابن المطيع جيشا كثيفا فهزمهم، ثم حمل على شيث فهزمه، وبعث المختار فمنعه الرماة من دخول الكوفة. ورجع المنهزمون إلى ابن مطيع فدهش فشجعه عمر ابن الحجاج الزبيدي وقال له: اخرج واندب الناس ففعل. وقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وندبهم ثم بعث عمر بن الحجاج في ألفين وشمر بن ذي الجوشن في ألفين ونوفل بن مساحق في خمسة آلاف. ووقف هو بكتائبه. واختلف على القصر شيث بن ربعي فحمل ابن الأشتر على ابن مساحق فهزمه وأسره، ثم من عليه ودخل ابن مطيع القصر وحاصره إبراهيم بن الأشتر ثلاثا ومعه يزيد بن أنس وأحمد بن شميط، ولما اشتد الحصار على ابن مطيع، أشار عليه شيث بن ربعي بأن يستأمن للمختار، ويلحق بابن الزبير وله ما يعده. فخرج عنهم مساء ونزل دار أبي موسى واستأمن القوم للمختار فدخل القصر وغدا على الناس في المسجد فخطبهم، ودعاهم إلى بيعة ابن الحنفية، فبايعه أشراف الكوفة على الكتاب والسنة، واللطف بأهل البيت، ووعدهم بحسن السيرة وبلغه أن ابن مطيع في دار أبي موسى فبعث إليه بمائة ألف درهم وقال يجهز بهذه. وكان ابن مطيع قد فرق بيوت الأموال على الناس، وسار ابن مطيع إلى وجهه وملك الكوفة، وجعل على شرطته عبد الله بن كامل، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة، وجعل الأشراف جلساءه، وعقد لعبد الله بن الحرث بن الأشتر على أرمينية، ولمحمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، ولعبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، ولإسحاق بن مسعود على المدائن، ولسعد بن حذيفة ابن اليمان على حلوان. وأمره بقتال الأكراد وإصلاح السابلة. وولى شريحا على ٣/٣١

القضاء ثم طعنت فيه الشيعة بأنه شهد على حجر بن عدي، ولم يبلغ عن هانئ بن عروة رسالته إلى قومه وأن عليا غرمه وأنه عثماني . وسمع ذلك هو فتمارض فجعل مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم مرض فولى مكانه عبد الله بن مالك الطائي.

مسيرة ابن زياد الى المختار وخلافة أهل الكوفة عليه

كان مروان بن الحكم لما استوثق له الشام بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز مع جيش ابن دلجة القيني وقد شاتة ومقتلة . والآخر إلى العراق مع عبيد الله بن زياد فكان من أمره وأمر التوابين من الشيعة ما تقدم وأقام محاصرا لزفر بن الحرث بقرقيسياء، وهو مع قومه قيس على طاعة ابن الزبير، فاشتغل بهم عن العراق سنة أو نحوها. ثم توفي مروان وولي بعده عبد الملك فأقره على ولايته وأمره بالجد ويئس من أمر زفر وقيس، فنهض إلى الموصل فخرج عنها عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إلى تكريت، وكتب إلى المختار بالخبر، فبعث يزيد بن أنس الأسدي في ثلاثة آلاف إلى الموصل، فسار إليها على المدائن وسرح ابن زياد للقائه ربيعة بن المختار الغنوي في ثلاثة آلاف فالتقيا ببابل وعبأ يزيد أصحابه وهو راكب على حمار وحرضهم، وقال: إن مت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي وإن هلك فعبد الله بن ضمرة الفزاري، وإن هلك فسعد الخثعمي. ثم اقتتلوا يوم عرفة وانهزم أهل الشام وقتل ربيعة، وسار الفل غير بعيد فلقيهم عبد الله بن حملة الخثعمي قد سرحه ابن زياد في ثلاثة آلاف فرد المنهزمين وعاد القتال يوم الأضحى، فانهزم أهل الشام وأثخن فيهم أهل الكوفة بالقتل والنهب، وأسروا منهم ثلاثمائة فقتلوهم. وهلك يزيد بن أنس من آخر يومه وقام بأمرهم ورقاء بن عازب خليفته، وهاب لقاء ابن زياد بعد يزيد، وقال: نرجع بموت أميرنا قبل أن يتجرأ علينا أهل الشام بذلك. وانصرف الناس وتقدم الخبر إلى الكوفة فأرجف الناس بالمختار وأشيع أن يزيد قتل وسر المختار رجوع العسكر فسرح إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف وضم إليه جيش يزيد ثم تأخر ابن زياد فسار لذلك. ثم اجتمع أشراف الكوفة عند شيث بن ربعي وكان شيخهم جاهليا اسلاميا، وشكوا من سيرة المختار وإيثاره الموالي عليهم، ودعوه إلى الوثوب به. فقال: حتى ألقاه وأعذر إليه، ثم ذهب إليه وذكر له جميع ما نكروه فوعده ٣/٣٢

الرجوع إلى مرادهم، وذكر له شأن الموالي وشركتهم في الفيء فقال: إن أعطيتموني عهدكم على قتال بني أمية وابن الزبير تركتهم فقال: اخرج إليهم بذلك وخرج فلم يرجع. واجتمع رأيهم على قتاله وهم شيث بن ربعي ومحمد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعد بن قيس وشمر بن ذي الجوشن وكعب بن أبي كعب النخعي، وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي. وقد كان ابن مخنف أشار عليهم بأن يمهلوه لقدوم أهل الشام وأهل البصرة فيكفونكم أمره قبل أن يقاتلكم بمواليكم وشجعانكم وهم عليكم أشد، فأبوا من رأيه وقالوا: لا تفسد جماعتنا. ثم خرجوا وشهروا السلاح وقالوا للمختار: اعتزلنا فإن ابن الحنفية لم يبعثك. قال: نبعث إليه الرسل مني ومنكم، وأخذ يعللهم بأمثال هذه المراجعات وكف أصحابه عن قتالهم ينتظر وصول إبراهيم بن الأشتر، وقد بعث إليه بالرجوع فجاء فرأى القوم مجتمعين ورفاعة بن شداد البجلي يصلي بهم. فلما وصل إبراهيم عبأ المختار أصحابه وسرح بين يديه أحمد ابن شميط البجلي وعبد الله بن كامل الشادي فانهزم أصحابهما وصبرا ومدهما المختار بالفرسان والرجال فوجا بعد فوج، وسار ابن الأشتر الى مصر وفيهم شيث ابن ربعي فقاتلوه فهزمهم فاشتد ابن كامل على اليمن ورجع رفاعة بن شداد أمامهم إلى المختار فقاتل معه حتى قتل من أهل اليمن عبد الله بن سعيد بن قيس، والفرات ابن زخر بن قيس، وعمر بن مخنف، وخرج أخوه عبد الرحمن فمات وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة وأسر من الوادعيين خمسمائة أسير فقتل المختار كل من شهد قتل الحسين منهم فكانوا نصفهم وأطلق الباقين ونادى المختار الأمان إلا من شهد في دماء أهل البيت وفر عمر بن الحجاج الزبيدي، وكان أشد من حضر قتل الحسين، فلم يوقف له على خبر وقيل أدركه أصحاب المختار فأخذوا رأسه، وبعث في طلب شمر بن ذي الجوشن، فقتل طالبه وانتهى إلى قرية الكلبانية فارتاح يظن أنه نجا. وإذا في قرية أخرى بإزائه أبو عمرة صاحب المختار، بعثه مسلخة بينه وبين أهل البصرة، فنمي إليه خبره فركب إليه فقتله وألقى شلوه للكلاب وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا أكثرهم من اليمن، وكان آخر سنة ست وستين، وخرج أشراف الناس إلى البصرة وتتبع المختار قتلة الحسين ودل على عبيد الله بن أسد الجهني ومالك بن نسير الكندي.

وحمل ابن مالك المحاربي بالقادسية فأحضرهم وقتلهم. ثم أحضر زياد بن مالك ٣/٣٣

الضبعي وعمران بن خالد العثري وعبد الرحمن بن أبي حشكارة البجلي، وعبد الله ابن قيس الخولاني، وكانوا نهبوا من الورث الذي كان مع الحسين فقتلهم وأحضر عبد الله أو عبد الرحمن بن طلحة وعبد الله بن وهيب الهمداني ابن عم الأعشى فقتلهم. وأحضر عثمان بن خالد الجهني وأبا أسماء بشر بن سميط القابسي، وكانا مشتركين في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفي سلبه، فقتلهما وحرقهما بالنار. وبحث عن خولي بن يزيد الأصبحي صاحب رأس الحسين، فجيء برأسه وحرق بالنار. ثم قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص بعد أن كان أخذ له الأمان منه عبد الله بن أبي جعدة ابن هبيرة فبعث أبا عمرة فجاءه برأسه وابنه حفص عنده فقال: تعرف هذا؟ قال:

نعم! ولا خير في العيش بعده فقتله. ويقال: إن الذي بعث المختار على قتلة الحسين أن يزيد بن شراحيل الأنصاري قدم على محمد بن الحنفية، فقال له ابن الحنفية:

يزعم المختار أنه لنا شيعة وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه فلما سمع المختار ذلك تتبعهم بالقتل وبعث برأس عمر وابنه إلى ابن الحنفية، وكتب إليه أنه قتل من قدر عليه وهو في طلب الباقين ثم أحضر حكيم بن طفيل الطائي، وكان رمى الحسين بسهم، وأصاب سلب العباس ابنه. وجاء عدي بن حاتم يشفع فيه فقتله ابن كامل والشيعة قبل أن يصل حذرا من قبول المختار شفاعته. وبحث عن مرة بن منقذ بن عبد القيس قاتل علي بن الحسين فدافع عن نفسه ونجا إلى مصعب بن الزبير وقد شلت يده بضربة وبحث عن زيد وفاد الحسين قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل رماه بسهمين وقد وضع كفه على جبهته يتقي النبل فأثبت كفه في جبهته وقتله بالأخرى فخرج بالسيف يدافع. فقال ابن كامل: ارموه بالحجارة فرموه حتى سقط وأحرقوه حيا. وطلب سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين فلحق بالبصرة. وطلب عمر بن صبح الصدائي فقتله طعنا بالرماح، وأرسل في طلب محمد بن الأشعث وهو في قريته عند القادسية فهرب إلى مصعب وهدم المختار داره. وطلب آخرين كذلك من المتهمين بأمر الحسين فلحقوا بمصعب وهدم دورهم. ٣/٣٤

شأن المختار مع ابن الزبير

كان على البصرة الحرث بن أبي ربيعة وهو القباع عاملا لابن الزبير. وعلى شرطته عباد بن حسين وعلى المقاتلة قيس بن الهيثم. وجاء المثنى بن مخرمة العبدي وكان ممن شهد مع سليمان بن صرد، ورجع فبايع للمختار وبعثه إلى البصرة يدعو له بها فأجابه كثير من الناس، وعسكر لحرب القباع. فسرح إليه عباد بن حسين وقيس بن الهيثم في العساكر فانهزم المثنى إلى قومه عبد القيس، وأرسل القباع عسكرا يأتونه به فجاءه زياد بن عمر العنكبي فقال له: لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنهم فأرسل الأحنف بن قيس وأصلح الأمر على أن يخرج المثنى عنهم فسار إلى الكوفة. وقد كان المختار لما أخرج ابن مطيع من البصرة كتب إلى ابن الزبير يخادعه ليتم أمره في الدعاء لأهل البيت، وطلب المختار في الوفاء بما وعده به من الولاية، فأراد ابن الزبير أن يتبين الصحيح من أمره، فولى عمر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام على الكوفة، وأعلمه بطاعة المختار وبعثه إليها وجاء الخبر إلى المختار، فبعث زائدة بن قدامة في خمسمائة فارس، وأعطاه سبعين ألف درهم، وقال: ادفعها إلى عمر فهي ضعف ما أنفق، وأمره بالانصراف بعد تمكث، فإن أبى فأره الخيل فكان كذلك. ولما رأى عمر الخيل أخذ المال وسار نحو البصرة، واجتمع هو وابن مطيع في امارة القباع قبل وثوب ابن مخرمة. وقيل إن المختار كتب إلى ابن الزبير: إني اتخذت الكوفة دارا فإن سوغتني ذلك وأعطيتني مائة ألف درهم سرت إلى الشام وكفيتك مروان، فمنعه من ذلك فأقام المختار بطاعته ويوادعه ليتفرغ لأهل الشام ثم بعث عبد الملك بن مروان عبد الملك بن الحرث ابن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى فكتب المختار إلى ابن الزبير يعرض عليه المدد فأجابه أن يعجل بإنفاذ الجيش إلى جند عبد الملك بوادي القرى فسرح شرحبيل ابن دوس الهمداني في ثلاثة آلاف أكريم من الموالي وأمره أن يأتي المدينة ويكاتبه بذلك، واتهمه ابن الزبير فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ألفين وأمره أن يستنفر العرب وإن رأى من جيش المختار خلافا ناجزهم وأهلكهم. فلقيهم عباس ٣/٣٥

بالرقيم وهم على تعبية فقال: سيروا بنا إلى العدو الذي بوادي القرى. فقال ابن دوس: إنما أمرني المختار أن آتي المدينة ففطن عباس لما يريد فأتاهم بالعلوفة والزاد وتخير ألفا من أصحابه وحمل عليهم فقتل ابن دوس وسبعين معه من شجعان قومه وأمن الباقين فرجعوا للكوفة، ومات أكثرهم في الطريق. وكتب المختار إلى ابن الحنفية يشكو ابن الزبير، ويوهمه أنه بعث الجيش في طاعته، ففعل بهم ابن الزبير ما فعل. ويستأذنه في بعث الجيوش إلى المدينة ويبعث ابن الحنفية عليهم رجلا من قبله فيفهم الناس أني في طاعتك، فكتب إليه ابن الحنفية قد عرفت قصدك ووفاءك بحقي وأحب الأمر إلي الطاعة، فأطع الله وتجنب دماء المسلمين. فلو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا والأعوان كثيرا لكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. (ثم دعا ابن الزبير) محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته إلى البيعة فامتنع وبعث إليه ابن الزبير وأغلظ عليه وعليهم، فاستكانوا وصبروا فتركهم. فلما استولى المختار على الكوفة وأظهر الشيعة دعوة ابن الحنفية خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فاعتزم عليهم في البيعة، وتوعدهم بالقتل، وحبسهم بزمزم، وضرب لهم أجلا وكتب ابن الحنفية إلى المختار بذلك فأخبر الشيعة وندبهم وبعث أمراء منهم في نحو ثلاثمائة، عليهم أبو عبد الله الجدلي وبعث لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم وساروا إلى مكة فدخلوا المسجد الحرام وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السيوف في الحرم وطفقوا ينادون بثأر الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم وأخرج ابن الحنفية وكان قد بقي من أجله يومان، واستأذنوه في قتال ابن الزبير.

فقال: لا أستحل القتال في الحرم ثم جاء باقي الجند وخافهم ابن الزبير وخرج ابن الحنفية إلى شعب علي واجتمع له أربعة آلاف رجل فقسم بينهم المال. (ولما قتل المختار) واستوثق أمر ابن الزبير بعث إليهم في البيعة فخافه على نفسه وكتب لعبد الملك فأذن له أن يقدم الشام حتى يستقيم أمر الناس ووعده بالإحسان. وخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشام. ولما وصل مدين لقيه خبر مهلك عمر بن سعيد فندم وأقام بأيلة، وظهر في الناس فضله وعبادته وزهده وكتب له عبد الملك أن يبايعه فرجع إلى مكة ونزل شعب أبي طالب، فأخرجه ابن الزبير فسار إلى الطائف، وعذل ابن عباس ابن الزبير على شأنه، ثم خرج عنه ولحق بالطائف ومات هنالك وصلى عليه ابن الحنفية وعاش إلى أن أدرك حصار الحجاج لابن الزبير. (ولما قتل ٣/٣٦

ابن الزبير) بايع لعبد الملك وكتب عبد الملك إلى الحجاج بتعظيم حقه وبسط أمله، ثم قدم إلى الشام وطلب من عبد الملك أن يرفع حكم الحجاج عنه ففعل، وقيل إن ابن الزبير بعث إلى ابن عباس وابن الحنفية في البيعة حتى يجتمع الناس على إمام، فإن في هذه فتنة فحبس ابن الحنفية في زمزم وضيق على ابن عباس في منزله وأراد إحراقهما فأرسل المختار جيشه كما تقدم ونفس عنهما ولما قتل المختار قوى ابن الزبير عليهما فخرجا إلى الطائف.

مقتل ابن زياد

ولما فرغ المختار من قتال أهل الكوفة آخر سنة ست وستين بعث إبراهيم بن الأشتر لقتال ابن زياد وبعث معه وجوه أصحابه وفرسانهم وشيعته وأوصاه، وبعث معه بالكرسي الذي كان يستنصر به وهو كرسي قد غشاه بالذهب وقال للشيعة: هذا فيكم مثل التابوت في بني إسرائيل، فكبر شأنه وعظم. وقاتل ابن زياد فكان له الظهور وافتتن به الشيعة، ويقال: إنه كرسي علي بن أبي طالب، وإن المختار أخذه من والد جعدة بن هبيرة، وكانت أمه أم هانئ بنت أبي طالب فهو ابن أخت علي. ثم أسرع إبراهيم بن الأشتر في السير وأوغل في أرض الموصل، وكان ابن زياد قد ملكها كما مر. فلما دخل إبراهيم أرض الموصل عبى أصحابه، ولما بلغ نهر الحارم بعث على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي، ونزل ابن زياد قريبا من النهر وكانت قيس مطبقة على بني مروان عند المرج، وجند عبد الملك يومئذ فلقي عمير بن الحباب السلمي إبراهيم بن الأشتر وأوعده أن ينهزم بالميسرة، وأشار عليه بالمشاجرة ورأى عند ابن الأشتر ميلا إلى المطاولة فثناه عن ذلك وقال: إنهم ٣/٣٧

ميلوا منكم رعبا وإن طاولتهم اجترءوا عليكم قال: وبذاك أوصاني صاحبي. ثم عبى أصحابه في السحر الأول، ونزل يمشي ويحرض الناس حتى أشرف على القوم وجاءه عبد الله بن زهير السلولي بأنهم خرجوا على دهش وفشل وابن الأشتر يحرض أصحابه ويذكرهم أفعال ابن زياد وأبيه. ثم التقى الجمعان وحمل الحصين بن نمير من ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم فقتل علي بن مالك الخثعمي، ثم أخذ الراية فرد بن علي فقتل، وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ورجع بالمنهزمين إلى الميسرة كما كانوا. وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب كما وعدهم فمنعته الأنفة من ذلك وقاتل قتالا شديدا. وقصد ابن الأشتر قلب العسكر وسواده الأعظم، فاقتتلوا أشد قتال حتى كانت أصوات الضرب بالحديد كأصوات القصارين، وإبراهيم يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم. ثم حملوا حملة رجل واحد فانهزم أصحاب ابن زياد. وقال ابن الأشتر إني قتلت رجلا تحت راية منفردة شممت منه رائحة المسك وضربته بسيفي فقصمته نصفين فالتمسوه فإذا هو ابن زياد فأخذت رأسه وأحرقت جثته. وحمل شريك بن جدير الثعلبي على الحصين بن نمير فاعتقله وجاء أصحابه فقتلوا الحصين. ويقال إن الذي قتل ابن زياد هو ابن جدير هذا، وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع وادعى قتله سفيان بن يزيد الأزدي وورقاء بن عازب الأزدي، وعبيد الله بن زهير السلمي واتبع أصحاب ابن الأشتر المنهزمين فغرق في النهر أكبر ممن قتل، وغنموا جميع ما في العسكر وطرأ ابن الأشتر بالبشارة إلى المختار فأتته بالمدائن وأنفذ ابن الأشتر عماله إلى البلاد فبعث أخاه عبد الرحمن على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة. وولى زفر بن الحرث قيس وحاتم بن النعمان الباهلي حران والرهاء وشمشاط وعمير بن الحباب السلمي كفرنوبي وطور عبدين وأقام بالموصل وأنفذ رءوس عبيد الله وقواده إلى المختار. ٣/٣٨

مسير مصعب إلى المختار وقتله إياه

كان ابن الزبير في أول سنة سبع وستين أو آخر ست عزل الحرث بن ربيعة وهو القباع وولى مكانه أخاه مصعبا فقدم البصرة وصعد المنبر وجاء الحرث فأجلسه مصعب تحته بدرجة ثم خطب وقرأ الآيات من أول القصص ونزل ولحق به أشراف الكوفة حتى قربوا من المختار، ودخل عليه شيث بن ربعي وهو ينادي وا غوثاه! ثم قدم محمد ابن الأشعث بعده واستوثقوه إلى المسير وبعث إلى المهلب بن أبي صفرة وهو عامله على فارس ليحضر معه قتال المختار فأبطأ وأغفل فأرسل إليه محمد بن الأشعث بكتابه، فقال المهلب: ما وجد مصعب بريدا غيرك؟ فقال: ما أنا ببريد ولكن غلبنا عبيدنا على أبنائنا وحرمنا فأقبل معه المهلب بالجموع والأموال وعسكر مصعب عند الجسر فأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة سرا ليثبط الناس عن المختار ويدعو إلى ابن الزبير وسار على التعبية وبعث في مقدمته عباد بن الحصين الحبطي التميمي وعلى ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر، وعلى ميسرته المهلب وبلغ الخبر المختار فقام في أصحابه، وقربهم إلى الخروج مع ابن شميط وعسكر محمد في أعفر وبعث رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر مع ابن شميط وأصحابه فثبتوا وحمل المهلب من الميسرة على ابن كامل فثبت ثم كر المهلب وحمل حملة منكرة وصبر ابن كامل قليلا وانهزموا وحمل الناس جميعا على ابن شميط فانهزم وقتل واستمر القتل في الرجالة وبعث مصعب عبادا فقتل كل أسير أخذه.

وتقدم محمد بن الأشعث في خيل من أهل الكوفة فلم يدركوا منهزما إلا قتلوه. ولما فرغ مصعب منهم أقبل فقطع الفرات من موضع واسط وحملوا الضعفاء وأثقالهم في السفن ثم خرجوا إلى نهر الفرات وسار إلى الكوفة. ولما بلغ المختار خبر الهزيمة ومن قتل من أصحابه وأن مصعبا أقبل إليه في البر والبحر سار إلى مجتمع الأنهار نهر الجزيرة والمسلحين والقادسية ونهر يسر فسكر الفرات فذهب ماؤه في الأنهار. وبقيت سفن أهل البصرة في الطين فخرجوا إلى السكر وأزالوه وقصدوا الكوفة. وسار المختار ونزل حروراء بعد أن حصن القصر وأدخل عدة الحصار، وأقبل مصعب وعلى ميمنته المهلب، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله، وعلى الخيل عباد بن الحصين، وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ ٣/٣٩

الهمداني وعلى الخيل عمر بن عبيد الله النهدي. ونزل محمد بن الأشعث فيمن هرب من أهل الكوفة بين العسكرين. ولما التقى الجمعان اقتتلوا ساعة وحمل عبد الله ابن جعدة بن هبيرة المخزومي على من بإزائه فحطم أصحاب المختار حطمة منكرة وكشفوهم، وحمل مالك بن عمر النهدي في الرجالة عند المساء على ابن الأشعث حملة منكرة فقتل ابن الأشعث وعامة أصحابه، وقتل عبيد الله بن علي بن أبي طالب وقاتل المختار. ثم افترق الناس ودخل القصر وسار مصعب من الغد فنزل السبخة وقطع عنهم الميرة وكان الناس يأتونهم بالقليل من الطعام والشراب خفية ففطن مصعب لذلك فمنعه وأصابهم العطش فكانوا يصبون العسل في الآبار ويشربون. ثم إن المختار أشار على أصحابه بالاستماتة فتحنط وتطيب وخرج في عشرين رجلا منهم السائب بن مسلك الأشعري فعذله فقال: ويحك يا أحمق وثب ابن الزبير بالحجاز، ووثب بجدة باليمامة، وابن مروان بالشام فكنت كأحدهم إلا أني طلبت بثأر أهل البيت إذ نامت عقد العرب، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية. ثم تقدم فقاتل حتى قتل على يد رجلين من بني حنيفة أخوين طرفة وطراف ابني عبد الله بن دجاجة. وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة لما رأى عزم المختار على الاستماتة تدلى من القصر، واختفى عند بعض إخوانه، ثم بعث الذين بقوا بالقصر إلى مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم أجمعين وأشار عليه المهلب باستبقائهم، فاعترضه أشراف أهل الكوفة، ورجع إلى رأيهم. ثم أمر بكف المختار ابن أبي عبيد فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد فلم ينزعها من هنالك إلا الحجاج.

وقتل زوجه عمرة بنت النعمان بن بشير زعمت أن المختار فاستأذن أخاه عبد الله وقتلها. ثم كتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ووعده بولاية أعنة الخيل وما غلب عليه من المغربة. وكتب إليه عبد الملك بولاية العراق، واختلف عليه أصحابه فجنح إلى مصعب خشية مما أصاب ابن زياد وأشراف أهل الشام وكتب إلى مصعب بالإجابة وسار إليه فبعث على عمله بالموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان المهلب بن أبي صفرة. وقيل إن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وإنه بعث على مقدمته أحمد بن ٣/٤٠

شميط، وبعث مصعب عباد الحبطي ومعه عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وتراضوا ليلا، فناجزهم المختار من ليلته وانكشف أصحاب مصعب إلى عسكرهم واشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب جماعة منهم محمد بن الأشعث فلما أصبح المختار وجد أصحابه قد توغلوا في أصحاب مصعب وليس عنده أحد فانصرف ودخل قصر الكوفة وفقد أصحابه فلحقوا به، ودخل القصر معه ثمانية آلاف منهم.

وأقبل مصعب فحاصرهم أربعة أشهر يقاتلهم بالسيوف كل يوم حتى قتل، وطلب الذين في القصر الأمان من مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم جميعا، وكانوا ستة آلاف رجل. ولما ملك مصعب الكوفة بعث عبد الله بن الزبير ابنه حمزة على البصرة مكان مصعب فأساء السيرة وقصر بالأشراف ففزعوا إلى مالك بن مسمع، فخرج إلى الجسر وبعث إلى حمزة أن الحق بأبيك. وكتب الأحنف إلى أبيه أن يعزله عنهم ويعيد لهم مصعبا ففعل وخرج حمزة بالأموال فعرض له مالك بن مسمع وقال: لا ندعك تخرج بأعطياتنا فضمن له عمر بن عبيد الله العطاء فكف عنه. وقيل إن عبيد الله بن الزبير إنما رد مصعبا إلى البصرة عند وفادته عليه بعد سنة من قتل المختار.

ولما رده إلى البصرة استعمل عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس وولاه حرب الأزارقة. وكان المهلب على حربهم أيام مصعب وحمزة، فلما رد مصعبا أراد أن يولي المهلب الموصل والجزيرة وأرمينية ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه واستخلف على عمله المغيرة. فلما قدم البصرة عزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس واستعمل عليها عمر بن عبيد الله بن معمر فكان له في حروبهم ما نذكره في أخبار الخوارج.

خلاف عمر بن سعيد الأشرف ومقتله

كان عبد الملك بعد رجوعه من قنسرين أقام بدمشق زمانا، ثم سار لقتال زخر بن الحرث الكلابي بقرقيسياء، واستخلف على دمشق عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي ابن أخته، وسار معه عمر بن سعيد. فلما بلغ بطنان انتقض عمر وأسرى ليلا إلى دمشق، وهرب ابن أم الحكم عنها فدخلها عمر وهدم داره، واجتمع إليه الناس ٣/٤١

فخطبهم ووعدهم وجاء عبد الملك على أثره فحاصره بدمشق ووقع بينهما القتال أياما ثم اصطلحا وكتب بينهما كتابا وأمنه عبد الملك فخرج إليه عمر ودخل عبد الملك دمشق فأقام أربعة أيام ثم بعث إلى عمر ليأتيه، فقال له عبد الله بن يزيد بن معاوية وهو صهره وكان عنده: لا تأتيه فإني أخشى عليك منه فقال: والله لو كنت نائما ما أيقظني! ووعد الرسول بالرواح إليه، ثم أتى بالعشي ولبس درعه تحت القباء، ومضى في مائة من مواليه وقد جمع عبد الملك عنده بني مروان وحسان بن نجد الكلبي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي وأذن لعمر فدخل. ولم يزل أصحابه يجلسون عند كل باب حتى بلغوا قاعة الدار وما معه إلا غلام واحد ونظر إلى عبد الملك والجماعة حوله فأحس بالشر وقال للغلام: انطلق إلى أخي يحيى وقل له يأتيني، فلم يفهم عنه وأعاد عليه فيجيبه الغلام لبيك وهو لا يفهم فقال له: أغرب عني. ثم أذن عبد الملك لحسان وقبيصة فلقيا عمر، ودخل فأجلسه معه على السرير وحادثة زمنا، ثم أمر بنزع السيف عنه فأنكر ذلك عمر وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال له عبد الملك أتطمع أن تجلس معي متقلدا سيفك؟ فأخذ عنه السيف، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية إنك حين خلعتني حلفت بيمين إن أنا رأيتك بحيث أقدر عليك أن أجعلك في جامعة، فقال بنو مروان ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم! وما عسيت أن أصنع بأبي أمية؟ فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين يا أبا أمية فقال عمر: قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين فأخرج من تحت فراشه جامعة وأمر غلاما فجمعه فيها وسأله أن لا يخرجه على رءوس الناس فقال أمكرا عند الموت؟

ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته ثم سأل الإبقاء فقال عبد الملك: والله لو علمت أنك تبقى إن أبقيت عليك وتصلح قريش لأبقيتك، ولكن لا يجتمع رجلان مثلنا في بلد فشتمه عمر وخرج عبد الملك إلى الصلاة وأمر أخاه عبد العزيز بقتله. فلما قام إليه بالسيف ذكره الرحم، فامسك عنه وجلس ورجع عبد الملك من الصلاة وغلقت الأبواب، فغلظ لعبد العزيز ثم تناول عمر فذبحه بيده وقيل أمر غلامه بن الزغير فقتله وفقد الناس عمر مع عبد الملك حين خرج إلى الصلاة فأقبل أخوه يحيى في أصحابه وعبيده وكانوا ألفا، ومعه حميد بن الحرث وحريث وزهير ٣/٤٢

ابن الأبرد فهتفوا باسمه ثم كسروا باب المقصورة وضربوا الناس بالسيوف، وخرج الوليد بن عبد الملك واقتتلوا ساعة ثم خرج عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي بالرأس فألقاه إلى الناس وألقى اليهم عبد العزيز بن مروان بدر الأموال فانتهبوها وافترقوا. ثم خرج عبد الملك إلى الناس وسأل عن الوليد فأخبر بجراحته وأتى بيحيى ابن سعيد وأخيه عنبسة فحبسهما وحبس بني عمر بن سعيد ثم أخرجهم جميعا وألحقهم بمصعب، حتى حضروا عنده بعد قتل مصعب فأمنهم ووصلهم. وكان بنو عمر أربعة أمية وسعد وإسماعيل ومحمد. ولما حضروا عنده، قال: أنتم أهل بيت ترون لكم على جميع قومكم فضلا لن يجعله الله لكم، والذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثا بل كان قديما في أنفس أوليكم على أولينا في الجاهلية فقال سعيد: يا أمير المؤمنين تعد علينا أمرا كان في الجاهلية والإسلام قد هدم ذلك ووعد جنة وحذر نارا. وأما عمر فهو ابن عمك وقد وصل إلى الله وأنت أعلم بما صنعت، وإن أحد ثنا به فبطن الأرض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك وقال: أبوكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله واخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأحسن حالتهم. وقيل إن عمر إنما كان خلفه وقتله حين سار عبد الملك لقتال مصعب طلبه أن يجعل له العهد بعده كما فعل أبوه فلم يجبه إلى ذلك، فرجع إلى دمشق فعصى وامتنع بها وكان قتله سنة تسعة وستين.

مسير عبد الملك إلى العراق ومقتل مصعب

ولما صفا الشام لعبد الملك اعتزم على غزو العراق وأتته الكتب من أشرافهم يدعونه، فاستمهله أصحابه فأبى، وسار نحو العراق وبلغ مصعبا سيره فأرسل إلى المهلب بن أبي صفرة وهو بفارس في قتال الخوارج يستشيره وقد كان عزل عمر بن عبيد الله بن معمر عن فارس وحرب الخوارج، وولى مكانه المهلب وذلك حين استخلف على الكوفة. وجاء خالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد على البصرة مختفيا، وأعيد لعبد الملك عند مالك ابن مسمع في بكر بن وائل والأزد، وأمد عبد الملك بعبيد الله ابن زياد بن ضبيان وحاربهم عمر بن عبيد الله بن معمر ثم صالحهم على أن يخرجوا خالدا فأخرجوه وجاء مصعب وقد طمع أن يدرك خالدا فوجده قد خرج ٣/٤٣

فسخط على ابن معمر وسب أصحابه وضربهم وهدم دورهم وحلقهم وهدم دار مالك بن مسمع واستباحها. وعزل ابن معمر عن فارس وولى المهلب وخرج إلى الكوفة فلم يزل بها حتى سار للقاء عبد الملك وكان معه الأحنف فتوفي بالكوفة ولما بعث عن المهلب ليسير معه أهل البصرة إلا أن يكون المهلب على قتال الخوارج رده وقال له المهلب إن أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا يتعدى ثم بعث مصعب عن إبراهيم بن الأشتر وكان على الموصل والجزيرة فجعله في مقدمته وسار حتى عسكر في معسكره، وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد ابن مروان، وخالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد، فنزلوا قريبا من قرقيسيا. وحضر زفر ابن الحرث الكلابي، ثم صالحه وبعث زفر معه الهذيل ابنه في عسكر وسار معه فنزل بمسكن قريبا من مسكن مصعب وفر الهذيل بن زفر فلحق بمصعب. وكتب عبد الملك إلى أهل العراق وكتبوا إليه وكلهم بشرط أصفهان وأتى ابن الأشتر بكتاب مختوما إلى مصعب فقرأه، فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فأخبره مصعب بما فيه وقال مثل هذا الا يرغب عنه فقال إبراهيم ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة ولقد كتب عبد الملك لأصحابك كلهم مثل هذا فأطعن واقتلهم أو احبسهم في أضيق محبس، فأبى عليه مصعب وأضمر أهل العراق الغدر بمصعب. وعذلهم قيس بن الهيثم منهم في طاعة أهل الشام فأعرضوا عنه. ولما تدانى العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب بقول، فقال: نجعل الأمر شورى فقال مصعب: ليس بيننا إلا السيف فقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر وأمده بالجيش، فأزال محمدا عن موقفه، وأمده عبد الملك بعبيد الله بن يزيد فاشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب بن عمر الباهلي والد قتيبة، وأمد مصعب إبراهيم بعتاب بن ورقاء فساء ذلك إبراهيم ونكره. وقال أوصيته لا يمدني بعتاب وأمثاله وكان قد بايع لعبد الملك فجر الهزيمة على إبراهيم وقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك.

وتقدم أهل الشام فقاتل مصعب ودعا رءوس العراق إلى القتال فاعتذروا وتثاقلوا فدنا محمد بن مروان من مصعب وناداه بالأمان وأشعره بأهل العراق فأعرض عنه، فنادى ابنه عيسى بن مصعب فأذن له أبوه في لقائه فجاءه وبذل له الأمان وأخبر أباه فقال: أتظنهم يعرفون لك ذلك؟ فإن أحببت فافعل قال: لا يتحدث نساء قريش ٣/٤٤

أنى رغبت بنفسي عنك. قال: فاذهب إلى عمك بمكة فأخبره بصنيع أهل العراق ودعني، فإني مقتول. فقال: لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن الحق أنت بالبصرة فإنهم على الطاعة أو بأمير المؤمنين بمكة فقال: لا يتحدث قريش أني فررت. ثم قال لعيسى: تقدم يا بني أحتسبك فتقدم في ناس فقتل وقتلوا. وألح عبد الملك في قبول أمانه فأبى ودخل سرادقه فتحفظ ورمى السرادق وخرج فقاتل ودعاه عبيد الله بن زياد بن ضبيان فشتمه وحمل عليه وضربه فجرحه. وخذل أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة أنفس، وأثخنته الجراحة فرجع إليه عبيد الله بن زياد ابن ضبيان فقتله وجاء برأسه إلى عبد الملك فأمر له بألف دينار فلم يأخذها. وقال:

إنما قتلته بثأر أخي. وكان قطع الطريق فقتله صاحب شرطته وقيل: إن الذي قتله زائدة بن قدامة الثقفي من أصحاب المختار وأخذ عبيد الله رأسه وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا بدار الجاثليق عند نهر رحبيل وكان ذلك سنة إحدى وسبعين. ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه وسار إلى الكوفة فأقام بالنخيلة أربعين يوما وخطب الناس فوعد المحسن، وطلب يحيى بن سعيد من جعفة وكانوا أخواله فأحضروه فأمنه وولى أخاه بشر بن مروان على الكوفة ومحمد بن نمير على همدان ويزيد بن ورقاء بن رويم على الري ولم يف لهم بأصبهان كما شرطوا عليه، وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسري، ويحيى بن معتوق الهمداني قد لجئا إلى علي بن عبد الله بن عباس ولجأ هذيل بن زفر بن الحرث وعمر بن يزيد الحكمي إلى خالد بن يزيد فأمنهم عبد الملك وصنع عمر بن حريث لعبد الملك طعاما فأخبره بالخورنق وأذن للناس عامة فدخلوا، وجاء عمر بن حريث فأجلسه معه على سريره وطعم الناس. ثم طاف مع عمر بن حريث على القصر يسأله عن مساكنه ومعالمه ولما بلغ عبد الله بن حازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: أمعه عمر بن معمر؟

قيل: هو على فارس. قال: فالمهلب قيل: في قتال الخوارج، قال: فعباد بن الحسين؟ قيل على البصرة. قال: وأنا بخراسان!

خذيني فجريني جهارا وأنشدي ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره

ثم بعث عبد الملك برأس مصعب إلى الكوفة، ثم إلى الشام فنصب بدمشق وأرادوا التطاوف به فمنعت من ذلك زوجة عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن ٣/٤٥

معاوية فغسلته ودفنته. وانتهى قتل مصعب إلى المهلب وهو يحارب الأزارقة فبايع الناس لعبد الملك بن مروان ولما جاء خبر مصعب لعبد الله بن الزبير خطب الناس فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ألا وإنه لم يذل الله من كان الحق معه وإن كان الناس عليه طرا. وقد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب فالذي أفرحنا منه أن قتله شهادة وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم عبد من عبيد الله وعون من أعواني ألا وإن أهل العراق، أهل الغدر والنفاق سلموه وباعوه بأقل الثمن فإن فو الله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص والله ما قتل رجل منهم في الجاهلية ولا في الإسلام ولا نموت إلا طعنا بالرماح وتحت ظلال السيوف. ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن تقبل لا آخذها أخذ البطور، وإن تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. (ولما بلغ الخبر) إلى البصرة تنازع ولايتها حمدان بن أبان وعبد الله بن أبي بكرة واستعان حمدان بعبد الله ابن الأهتم عليها، وكانت له منزلة عند بني أمية، فلما تمهد الأمر بالعراق لعبد الملك بعد مصعب ولى على البصرة خالد بن عبد الله بن أسيد، فاستخلف عليها عبيد الله ابن أبي بكرة، فقدم على حمدان وعزله حتى جاء خالد، ثم عزل خالدا سنة ثلاث وسبعين وولى مكانه على البصرة أخاه بشرا وجمع له المصرين وسار بشر إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى عبد الملك على الجزيرة وأرمينية بعد قتل مصعب أخاه محمد بن مروان سنة ثلاث وستين، فغزا الروم ومزقهم بعد أن كان هادن ملك الروم أيام الفتنة على ألف دينار يدفعها إليه في كل يوم.

أمر زفر بن الحرث بقرقيسياء

قد ذكرنا في وقعة راهط مسير بن زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه وأقام بها يدعو لابن الزبير ولما ولي عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبي معيط، وهو على ٣/٤٦

حمص بالمسير إلى زفر، فسار وعلى مقدمته عبد الله بن رميت العلائي فعاجله عبد الله بالحرب وقتل من أصحابه نحو ثلاثمائة ثم أقبل أبان فواقع زفر، وقيل ابنه وكيع بن زفر وأوهنه. ثم سار إليه عبد الملك إلى قرقيسيا قبل مسيره إلى مصعب فحاصره ونصب عليه المجانيق وقال: كلب لعبد الملك لا تخلط معنا القيسية، فإنهم ينهزمون إذا التقينا مع زفر ففعل. واشتد حصارهم وكان زفر يقاتلهم في كل غداة وأمر ابنه الهذيل يوما أن يحمل زفر حتى يضرب فسطاط عبد الملك ففعل وقطع بعض أطنابه، ثم بعث عبد الملك أخاه بالأمان لزفر وابنه الهذيل على أنفسهما ومن معهما وأن لهم ما أحبوا فأجاب الهذيل وأدخل أباه في ذلك. وقال: عبد الملك لنا خير من ابن الزبير فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة. وأن ينزل حيث شاء ولا يعين على ابن الزبير وبينما الرسل تختلف بينهم إذ قيل لعبد الملك قد هدم من المدينة أربعة أبراج، فترك الصلح وزحف إليهم، فكشفوا أصحابه إلى عسكرهم ورجع إلى الصلح واستقر بينهم على الأمان ووضع الدماء والأموال. وأن لا يبايع لعبد الملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة التي له في عنقه، وأن يدفع إليه مال نفسه في أصحابه وتأخر زفر عن لقاء عبد الملك خوفا من فعلته بعمر بن سعيد. فأرسل إليه بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إليه وأجلسه عبد الملك معه على سريره وزوج ابنه مسلمة الرباب بنت زفر وسار عبد الملك إلى قتال مصعب فبعث زفر ابنه الهذيل معه بعسكر ولما قارب مصعبا هرب إليه وقاتل مع ابن الأشتر حتى إذا اقتتلوا اختفى الهذيل في الكوفة حتى أمنه عبد الملك كما مر.

مقتل ابن حازم بخراسان وولاية بكير بن وشاح عليها

قد تقدم لنا خلاف بني تميم على ابن حازم بخراسان وأنهم كانوا على ثلاث فرق، وكف فرقتين منهم. وبقي يقاتل الفرقة الثالثة من نيسابور وعليهم بجير بن ورقاء الصريمي فلما قتل مصعب بعث عبد الملك إلى حازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه خراسان سبع سنين. وبعث الكتاب مع رجل من بني عامر بن صعصعة. فقال ابن حازم: لولا الفتنة بين سليم وعامر ولكن كل كتابك فأكله وكان بكير بن وشاح التميمي خليفة بن حازم على مرو، فكتب إليه عبد الملك بعهده على ٣/٤٧

خراسان ورغبه بالمطامع إن انتهى، فخلع ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك وأجابه أهل مرو وبلغ ابن حازم فخاف أن يأتيه بكير ويجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور فترك بجيرا وارتحل عنه إلى مرو ويزيد ابنه يترمد فأتبعه بجير ولحقه قريبا من مرو واقتتلوا فقتل ابن حازم. طعنه بجير وآخران معه فصرعوه وقعد أحدهم على صدره فقطع رأسه وبعث بجير البشير بذلك إلى عبد الملك وترك الرأس وجاء بكير بن وشاح في أهل مرو وأراد إنفاذ الرأس إلى عبد الملك وأنه الذي قتل ابن حازم وأقام في ولاية خراسان. وقيل إن ذلك إنما كان بعد قتل ابن الزبير وأن عبد الملك أنفذ رأسه إلى ابن حازم ودعاه إلى البيعة فغسل الرأس وكفنه وبعثه إلى ابن الزبير بالمدينة وكان من شأنه مع الرسول ومع بجير وبكير ما ذكرناه .

(كان) عبد الملك لما بويع بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من أهل الشأم وأمره أن يسكن بالعرصة ولا يدخل المدينة وعامل ابن الزبير يومئذ على المدينة الحرث بن حاطب بن الحرث بن معمر الجمعي، فهرب الحرث وأقام ابن أنيف شهرا يصلي بالناس الجمعة بالمدينة ويعود إلى معسكره ثم رجع ابن أنيف إلى الشام ورجع الحرث إلى المدينة وبعث ابن الزبير بن خالد الدورقي على خيبر وفدك. ثم بعث عبد الملك إلى الحجاز عبد الملك بن الحرث بن الحكم في أربعة آلاف فنزل وادي القرى، وبعث سرية إلى سليمان بخيبر وهرب وأدركوه فقتلوه ومن معه وأقاموا بخيبر وعليهم ابن القمقام وذكر لعبد الملك ذلك فاغتم وقال قتلوا رجلا صالحا بغير ذنب. ثم عزل ابن الزبير الحرث بن حاطب عن المدينة وولى مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري فبعث جابر إلى خيبر أبا بكر بن أبي قيس في ستمائة فانهزم ابن القمقام وأصحابه أمامه وقتلوا صبرا. ثم بعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان، وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى، ويعمل كما يعمل عمال ابن الزبير من الانتشار، وليسد خللا إن ظهر له بالحجاز، فبعث طارق خيلا إلى أبي بكير بخيبر واقتتلوا فأصيب أبو بكير في مائتين من أصحابه وكتب ابن الزبير إلى القباع وهو ٣/٤٨

عامله على البصرة يستمده ألفي فارس إلى المدينة فبعثهم القباع وأمر ابن الزبير جابر ابن الأسود أن يسيرهم إلى قتال طارق ففعل ولقيهم طارق فهزمهم وقتل مقدمهم، وقتل من أصحابه خلقا وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم، ورجع إلى وادي القرى. ثم عزل ابن الزبير جابرا عن المدينة واستعمل طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو طلحة النداء وذلك سنة سبعين. فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق ولما قتل عبد الملك مصعبا ودخل الكوفة وبعث منها الحجاج بن يوسف الثقفي في ثلاثة آلاف من أهل الشام لقتال ابن الزبير، وكتب معه بالأمان لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا فسار في جمادى سنة اثنتين وسبعين، فلم يتعرض للمدينة ونزل الطائف. وكان يبعث الخيل إلى عرفة ويلقاهم هناك خيل ابن الزبير فينهزمون دائما وتعود خيل الحجاج بالظفر. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بضعف ابن الزبير وتفرق أصحابه ويستأذنه في دخول الحرم لحصار ابن الزبير ويستمده، فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره باللحاق بالحجاج فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وأخرج عنها طلحة النداء عامل ابن الزبير، وولى مكانه رجلا من أهل الشام وسار إلى الحجاج بمكة في خمسة آلاف. ولما قدم الحجاج مكة أحرم بحجه ونزل بئر ميمون وحج بالناس ولم يطف ولا سعى، وحصر ابن الزبير عن عرفة فنحر بدنة بمكة ولم يمنع الحاج من الطواف والسعي. ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة وكان ابن عمر قد حج تلك السنة فبعث إلى الحجاج بالكف عن المنجنيق لأجل الطائفين ففعل، ونادى منادي الحجاج عند الإفاضة انصرفوا فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير، ورمى بالمنجنيق على الكعبة وألحت الصواعق عليهم في يومين وقتلت من أصحاب الشام رجالا فذعروا. فقال لهم الحجاج لا شك فهذه صواعق تهامة وإن الفتح قد حضر فأبشروا. ثم أصابت الصواعق من أصحاب ابن الزبير فسرى عن أهل الشام فكانت الحجارة تقع بين يدي ابن الزبير وهو يصلي فلا ينصرف ولم يزل القتال بينهم، وغلت الأسعار وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمها في أصحابه وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد من الذرة بعشرين وبيوت ابن الزبير مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ولا ينفق منها إلا ما يمسك الرمق، يقوي بها نفوس أصحابه. ثم أجهدهم الحصار وبعث الحجاج إلى أصحاب ابن الزبير بالأمان فخرج إليه منهم نحو عشرة آلاف، وافترق الناس عنه ٣/٤٩

وكان ممن فارقه ابناه حمزة وحبيب، وأقام ابنه الزبير حتى قتل معه. وحرض الناس الحجاج وقال: قد ترون قلة أصحاب ابن الزبير وما هم فيه من الجهد والضيق فتقدموا واملؤا ما بين الحجون والأبواء فدخل ابن الزبير على أمه أسماء وقال يا أمه قد خذلني الناس حتى ولدي والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت له:

أنت أعلم بنفسك إن كنت على حق وتدعو إليه فامض له فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك وقد بلغت بها علمين بين بني أمية. وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين فقال: يا أمه أخاف أن يمثلوا بي ويصلبوني فقالت: يا بني الشاة إذا ذبحت لا تتألم بالسلخ، فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال هذا رأيي والذي خرجت به داعيا إلى يومي هذا، وما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة وما أخرجني إلا الغضب لله وأن تستحل حرماته، ولكن أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتيني بصيرة وإني يا أمه في يومي هذا مقتول فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عمد بفاحشة ولم يجر ولم يغدر ولم يظلم ولم يقر على الظلم، ولم يكن آثر عندي من رضا الله تعالى. اللهم لا أقر هذا تزكية لنفسي لكن تعزية لأمي حتى تسلو عني فقالت: إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا إن تقدمتني احتسبتك وإن ظفرت سررت بظفرك. ثم قالت: أخرج حتى انظر ما يصير أمرك جزاك الله خيرا. قال: فلا تدعي الدعاء لي، فدعت له وودعها وودعته ولما عانقته للوداع وقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! فقال: ما لبستها إلا لأشد منك فقالت: إنه لا يشد مني فنزعها وقالت له البس ثيابك مشمرة ثم خرج فحمل على أهل الشام حملة منكرة فقتل منهم ثم انكشف هو وأصحابه وأشار عليه بعضهم بالفرار فقال: بئس الشيخ إذن أنا في الإسلام إذا واقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم وامتلأت أبواب المسجد بأهل الشام والحجاج وطارق بناحية الأبطح إلى المروة وابن الزبير يحمل على هؤلاء وعلى هؤلاء وينادي أبا صفوان لعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف فيجيبه من جانب المعترك ولما رأى الحجاج إحجام الناس عن ابن الزبير غضب وترجل وحمل إلى صاحب الراية بين يديه فتقدم ابن الزبير ٣/٥٠

إليهم وكشفهم عنه ورجع فصلى ركعتين عند المقام وحملوا على صاحب الراية فقتلوه عند باب بني شيبة وأخذوا الراية ثم قاتلهم وابن مطيع معه حتى قتل ويقال أصابته جراحة فمات منها بعد أيام. ويقال: إنه قال: لأصحابه يوم قتل: يا آل الزبير أوطبتم لي نفسا عن أنفسكم كأهل بيت من العرب اصطلمنا في الله؟ فلا يرعكم وقع السيوف فإن ألم الدواء في الجرح أشد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم بما تصونون وجوهكم وغضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا تسألوا عني، ومن كان سائلا فإني في الرعيل الأول ثم حمل حتى بلغ الحجون فأصابته حجارة في وجه فأرغش لها ودمي وجهه. ثم قاتل قتالا شديدا وقتل في جمادى الآخر سنة ثلاث وسبعين وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد، وكبر أهل الشام وثار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه، وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك وصلب جثته منكسة على ثنية الحجون اليمنى. وبعثت إليه أسماء في دفنه فأبى، وكتب إليه عبد الملك يلومه على ذلك فخلى بينها وبينه ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة وسبق الحجاج إلى عبد الملك فرحب به وأجلسه على سريره، وجرى ذكر عبد الله فقال عروة: إنه كان! فقال عبد الملك: وما فعل؟ قال: قتل فخر ساجدا. ثم أخبره عروة أن الحجاج صلبه فاستوهب جثته لأمه فقال: نعم، وكتب إلى الحجاج ينكر عليه صلبه فبعث بجثته إلى أمه وصلى عليه عروة ودفنه وماتت أمه بعده قريبا. ولما فرغ الحجاج من ابن الزبير دخل إلى مكة فبايعه أهلها لعبد الملك وأمر بكنس المسجد من الحجارة والدم وسار إلى المدينة وكانت من عمله فأقام بها شهرين وأساء إلى أهلها وقال: أنتم قتلة عثمان وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل بن سعد ثم عاد إلى مكة ونقلت عنه في ذم المدينة أقوال قبيحة أمره فيها إلى الله، وقيل إن ولاية الحجاج المدينة وما دخل منها كانت سنة أربع وسبعين وإن عبد الملك عزل عنها طارقا واستعمله. ثم هدم الحجاج بناء الكعبة الذي بناه ابن الزبير وأخرج الحجر منه وأعاده إلى البناء الذي أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يصدق ابن الزبير في الحديث الذي رواه عن عائشة. فلما صح عنده بعد ذلك قال وددت أني تركته وما تحمل. ٣/٥١

ولاية المهلب حرب الازارقة

ولما عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة واستعمل مكانه أخاه بشر بن مروان وجمع له المصرين أمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزارقة فيمن ينتخبه من أهل البصرة ويتركه وراءه في الحرب، وأن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة في جيش كثيف إلى المهلب، فيتبعوا الخوارج حتى يهلكوهم.

فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة ينتخب الناس من الديوان. وشق على بشر أن امرأة المهلب جاءت من عند عبد الملك، فغص به ودعا عبد الرحمن بن مخنف فأعلمه منزلته عنده وقال: إني أوليك جيش الكوفة بحرب الأزارقة فكن عند حسن ظني بك ثم أخذ يغريه بالمهلب وأن لا يقبل رأيه ولا مشورته، فأظهر له الوفاق وسار إلى المهلب فنزلوا رامهرمز ولقي بها الخوارج فحدق عليه على ميل من المهلب حيث يتراءى العسكران. ثم أتاهم نعي بشر بن مروان لعشر ليال من مقدمهم وأنه استخلف على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد فافترق الناس من أهل المصرين إلى بلادهم، ونزلوا الأهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم ويحذرهم عقوبة عبد الملك إن لم يرجعوا إلى المهلب فلم يلتفتوا إليه ومضوا إلى الكوفة واستأذنوا عمر بن حريث في الدخول ولم يأذن لهم فدخلوا وأضربوا عن إذنه.

ولاية أسد بن عبد الله على خراسان

ولما ولي بكير بن وشاح على خراسان اختلف عليه بطون تميم وأقاموا في العصبية له وعليه سنتين، وخاف أهل خراسان أن تفسد البلاد ويقهرهم العدو فكتبوا إلى عبد الملك بذلك وانها لا تصلح إلا على رجل من قريش واستشار أصحابه فقال له أمية بن عبيد الله بن خالد بن أسيد: نزكيهم برجل منك فقال: لولا انهزامك عن أبي فديك كنت لها فاعتذر وحلف أن الناس خذلوه ولم يجد مقاتلا فانحزت بالعصبة التي بقيت من المسلمين عن الهلكة، وقد كتب إليك خالد بن عبد الله بعذري وقد علمه الناس، فولاه خراسان. (ولما) سمع بكير بن وشاح بمسيره بعث، الى بجير بن ورقاء وهو في حبسه كما مر فأبى وأشار عليه بعض أصحابه أن يقبل مخافة القتل فقبل ٣/٥٢

وصالح بكير أو بعث إليه بكير بأربعين ألفا على أن لا يقاتله فلما قارب أمية نيسابور إليه بجير وعرفه عن أمور خراسان وما يحسن به طاعة أهلها وحذره غدر بكير وجاء معه إلى مرو فلم يعرض أمية لبكير ولا لعماله وعرض عليه شرطته فأبى. وقال: لا أحمل الجزية اليوم وقد كانت تحمل إلي بالأمس وأراد أن يوليه بعض النواحي من خراسان فحذره بجير منه. ثم ولى أمية ابنه عبد الله على سجستان فنزل بستا. وغزا رتبيل الذي ملك على الترك بعد المقتول الأول وكان هائبا للمسلمين فراسلهم في الصلح وبعث ألف ألف وبعث بهدايا ورقيق فأبى عبد الله من قبولها وطلب الزيادة فجلا رتبيل عن البلاد حتى أوغل فيها عبد الله. ثم أخذ عليه الشعاب والمضايق حتى سأل منه الصلح وأن يخلي عينه عن المسلمين فشرط رتبيل عليه ثلاثمائة ألف درهم والعهد بأن لا يغزو بلادهم فأعطاه ذلك وبلغ الخبر بذلك عبد الملك فعزله.

ولاية الحجاج العراق

ثم ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف على الكوفة والبصرة سنة خمسة وسبعين وأرسل إليه وهو بالمدينة يأمره بالمسير إلى العراق فسار على النجب في اثني عشر راكبا حتى قدم الكوفة في شهر رمضان. وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج فدخل المسجد وصعد المنبر وقال: علي بالناس فظنوه من بعض الخوارج فهموا به، حتى تناول عمير بن ضابئ البرجمي الحصباء وأراد أن يحصبه، فلما تكلم جعل الحصباء يسقط من يديه وهو لا يشعر به. ثم حضر الناس فكشف الحجاج عن وجهه وخطب خطبته المعروفة. ذكرها الناس وأحسن من أوردها المبرد في الكامل يتهدد فيها أهل الكوفة ويتوعدهم عن التخلف عن المهلب. ثم نزل وحضر الناس عنده للعطاء واللحاق بالمهلب فقام إليه عمير ابن ضابئ وقال: أنا شيخ كبير عليل وابني هذا أشد مني فقال: هذا خير لنا منك قال: ومن أنت؟ قال عمير بن ضابئ قال:

الذي غزا عثمان في داره؟ قال: نعم. فقال: يا عدوا الله إلى عثمان بدلا. قال: إنه حبس أبي وكان شيخا كبيرا. فقال: إني لا أحب حياتك إن في قتلك صلاح المصرين، وأمر به فقتل ونهب ماله. وقيل إن عنبسة بن سعيد بن العاص هو الذي أغرى به الحجاج حين دخل عليه. ثم أمر الحجاج مناديه فنادى ألا ٣/٥٣

إن ابن ضابئ تخلف بعد ثالثة من النداء فأمرنا بقتله، وذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب فتساءل الناس إلى المهلب وهو بدار هرمز وجاءه العرفاء فأخذوا كتبه بموافاة العسكر ثم بعث الحجاج على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، وبلغه الخبر فقسم في أهل البصرة ألف ألف وخرج عنها. ويقال إن الحجاج أول من عاقب على التخلف عن البعوث بالقتل قال الشعبي: كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي تنزع عمامته ويقام بين الناس، فلما ولي مصعب أضاف إليه حلق الرءوس واللحى، فلما ولي بشر أضاف إليه تعليق الرجل بمسمارين في يده في حائط فيخرق المسماران يده وربما مات فلما جاء الحجاج ترك ذلك كله وجعل عقوبة من تخلى بمكانه من الثغر أو البعث القتل. ثم ولى الحجاج على السند سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية ابن الحرث الكلابي العلاقي وأخوه، فغلباه على البلاد وقتلاه فأرسل الحجاج مجاعة ابن سعيد التميمي مكانه فغلب على الثغر وغزا وفتح فتوحات بمكران لسنة من ولايته.

وقوع أهل البصرة بالحجاج

ثم خرج الحجاج من الكوفة واستخلف عليها عروة بن المغيرة بن شعبة وسار إلى البصرة وقدمها وخطب كما خطب بالكوفة وتوعد على القعود عن المهلب كما توعد فأتاه شريك بن عمرو اليشكري وكان به فتق فاعتذر به وبأن بشر بن مروان قبل عذره بذلك وأحضر عطاءه ليرد لبيت المال فضرب الحجاج عنقه وتتابع الناس مزدحمين إلى المهلب ثم سار حتى كان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا. وأقام يشد ظهره وقال: يا أهل المصرين هذا والله مكانكم حتى يهلك الله الخوارج. ثم قطع لهم الزيادة التي زادها مصعب في الأعطية وكانت مائة مائة وقال: لسنا نجيزها. فقال عبد الله بن الجارود: إنما هي زيادة عبد الملك وقد أجازها أخوه بشر بأمره، فانتهره الحجاج فقال: إني لك ناصح وإنه قول من ورائي فمكث الحجاج أشهرا لا يذكر الزيادة ثم أعاد القول فيها فرد عليه ابن الجارود مثل الرد الأول. فقال له مضفلة بن كرب العبدي سمعا وطاعة للأمير فيما أحببنا وكرهنا وليس لنا أن نرد عليه. فانتهره ابن الجارود وشتمه وأتى الوجوه إلى عبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وقالوا:

إن هذا الرجل مجمع على نقص هذه الزيادة وإنا نبايعك على إخراجه من العراق، ٣/٥٤

ونكتب إلى عبد الملك أن يولي علينا غيره وإلا خلعناه وهو يخافنا ما دامت الخوارج في العراق، فبايعوه سرا وتعاهدوا وبلغ الحجاج أمرهم فاحتاط وجد. ثم خرجوا في ربيع سنة ستة وسبعين وركب عبد الله بن الجارود في عبد قيس على راياتهم ولم يبق مع الحجاج إلا خاصته وأهل بيته وبعث الحجاج يستدعيه فأفحش في القول لرسوله، وصرح بخلع الحجاج فقال له الرسول: تهلك قومك وعشيرتك! وأبلغه تهديد الحجاج إياه فضرب وأخرج وقال: لولا أنك رسول لقتلتك. ثم زحف ابن الجارود في الناس حتى غشي فسطاطه فنهبوا ما فيه من المتاع وأخذوا زجاجته وانصرفوا عنها.

فكان رأيهم أن يخرجوه ولا يقتلوه. وقال الغضبان بن أبي القبعثري الشيباني لابن الجارود: لا ترجع عنه وحرضه على معالجته فقال إلى الغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد لا ترجع عنه وحرضه على معالجته فقال إلى الغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد بن عمر العتكي صاحب الشرطة بالبصرة، فاستشارهما فأشار زياد بأن يستأمن القوم ويلحق بأمير المؤمنين وأشار عثمان بالثبات ولو كان دونه الموت. وقال: لا تخرج إلى أمير المؤمنين من العراق بعد أن رقاك إلى ما رقاك وفعلت ما فعلت بابن الزبير والحجاز فقبل رأي عثمان وحقد على زياد في إشارته وجاءه عامر بن مسمع يقول: قد أخذ لك الأمان من الناس فجعل الحجاج يغالطه رافعا صوته عليه ليسمع الناس ويقول والله لا آمنهم حتى تؤتوني بالهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم. ثم أرسل إلى عبيد بن كعب الفهري أن ائتني فامنعني، فقال له: إن أتيتني منعتك فأبى وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد وعبد الله بن حكيم بمثل ذلك، وأجابوه مثله. ثم إن عباد بن الحصين الجفطي مر بابن الجارود والهذيل وعبد الله بن حكيم يتناجون فطلب الدخول معهم فأبوا وغضب وسار إلى الحجاج وجاءه قتيبة بن مسلم في بني أعصر للحمية القتيبية. ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي وسعيد بن أسلم الكلابي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فثابت إليه نفسه وعلم أنه قد امتنع. وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع: إن شئت أتيتك وإن شئت أقمت وثبطت عنك، فأجابه أن أقم فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف وقال ابن الجارود لعبد الله بن زياد بن ضبيان ما الرأي؟ قال تركته أمس ولم يبق إلا الصبر ثم تراجعوا وعبى ابن الجارود وأصحابه على ميمنة الهذيل وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، وحمل ابن الجارود حتى حاصر اصحاب الحجاج وعطف الحجاج عليه فقارب ابن الجارود أن يظفر. ثم أصابه سهم غرب فوقع ميتا ونادى منادي الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وابن حكيم وأمر أن لا يتبع المنهزمين، ولحق ابن ضبيان بعمار فهلك هنالك. وبعث الحجاج برأس ابن الجارود ورأس ثمانية عشر من أصحابه إلى الملك ونصبت ليراها الخوارج فيتأسوا من الاختلاف وحبس الحجاج عبيد بن كعب ومحمد بن عمير لامتناعهما من الإتيان إليه وحبس ابن القبعثري لتحريضه عليه، فأطلقه عبد الملك وكان فيمن قتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك فقال الحجاج: لا أرى أنسا يعين علي ودخل البصرة وأخذ ماله. وجاءه أنس فأساء عليه وأفحش في كلمة في شتمه وكتب أنس إلى عبد الملك يشكوه فكتب عبد الملك إلى الحجاج يشتمه ويغلظ عليه في التهديد على ما فعل بأنس. «وأن تجيء إلى منزله وتتنصل إليه وإلا نبعث من يضرب ظهرك ويهتك سترك» . قالوا وجعل الحجاج في قراءته يتغير ويرتعد وجبينه يرشح عرقا. ثم جاء إلى أنس بن مالك واعتذر إليه. وفي عقب هذه الواقعة خرج الزنج بفرات البصرة، وقد كانوا خرجوا قبل ذلك أيام مصعب ولم يكونوا بالكثير وأفسدوا الثمار والزروع. ثم جمع لهم خالد بن عبد الله فافترقوا قبل أن ينال منهم وقتل بعضهم وصلبه. فلما كانت هذه الواقعة قدموا عليهم رجلا منهم اسمه رياح ويلقب بشير زنجي أي أسد الزنج وأفسدوا فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد بن عمر صاحب الشرطة أن يبعث إليهم من يقاتلهم وبعث ابنه حفصا في جيش فقتلوه وانهزم أصحابه فبعث جيشا فهزم الزنج وأبادهم.

مقتل ابن مخنف وحرب الخوارج

كان المهلب وعبد الرحمن بن مخنف واقفين للخوارج برامهرمز فلما أمدهم الحجاج بالعساكر من الكوفة والبصرة تأخر الخوارج من رامهرمز إلى كازرون وأتبعهم العساكر حتى نزلوا بهم. وخندق المهلب على نفسه، وقال ابن مخنف وأصحابه خدمنا سيوفنا. فبيتهم الخوارج وأصابوا الغرة في ابن مخنف فقاتل هو وأصحابه حتى قتلوا، هكذا حديث أهل البصرة، وأما أهل الكوفة فذكروا أنهم لما ناهضوا ٣/٥٥

الخوارج اشتد القتال بينهم ومال الخوارج على المهلب فاضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بالخيل والرجال، ولما رأى الخوارج مدده تركوا من يشغل المهلب وقصدوا عبد الرحمن فقاتلوه وانكشفوا عنه، وصبر في سبعين من قومه فثابوا إلى عتاب بن ورقاء، وقد أمره الحجاج أن يسمع للمهلب فثقل ذلك عليه، فلم يحسن بينهما العشرة وكان يتراءف في الكلام، وربما أغلظ له المهلب. فأرسل عتاب إلى الحجاج يسأله القعود، وكان حرب الخوارج وشبيب قد اتسع عليه، فصادفا منه ذلك مرقعا واستقدمه وأمره أن يترك العسكر مع المهلب فولى المهلب عليهم ابنه حبيبا، وأقام يقاتلهم بنيسابور نحوا من سنة وتحركت الخوارج على الحجاج من لدن سنة ستة وسبعين إلى سنة ثمان وشغل بحربهم وأول من خرج منهم صالح بن سرح من بني تميم بعث إليه العساكر فقتل فولوا عليهم شبيبا واتبعه كثير من بني شيبان وبعث إليهم الحجاج العساكر مع الحرث بن عميرة ثم مع سفيان الخثعمي ثم انحدر ابن سعيد فهزموها وأقبل شبيب إلى الكوفة فحاربهم الحجاج وامتنع ثم سرح عليه العساكر وبعث في أثرهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهزموهم. ثم بعث عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية مددا لهم فانهزموا وقتل عتاب وزهرة ثم قتل شبيب واختلف الخوارج بينهم وقتل منهم جماعة كما يذكر ذلك كله في أخبارهم.

ضرب السكة الإسلامية

كان عبد الملك كتب في صدر كتابه إلى الروم: قل هو الله أحد 112: 1 وذكر النبي مع التاريخ، فنكر ذلك ملك الروم وقال: اتركوه وإلا ذكرنا نبيكم في دنانيرنا بما تكرهونه فعظم ذلك عليه واستشار الناس فأشار عليه خالد بن يزيد بضرب السكة وترك دنانيرهم ففعل. ثم نقش الحجاج فيها قل هو الله أحد فكره الناس ذلك لأنه قد يمسها غير الطاهر. ثم بالغ في تخليص الذهب والفضة من الغش وزاد ابن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك عليه. ثم زاد خالد القسري عليهم في ذلك أيام هشام ثم أفرط يوسف بن عمر من بعدهم في المبالغة وامتحان العيار وضرب عليه فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية. ثم أمر المنصور أن لا يقبل في الخراج غيرها وسميت النقود الأولى مكروهة إما لعدم جودتها أو لما نقش عليها الحجاج ٣/٥٧

وكرهه. وكانت دراهم العجم مختلفة بالصغر والكبر، فكان منها مثقال وزن عشرين قيراطا واثني عشر وعشرة قراريط وهي أنصاف المثاقيل فجمعوا قراريط الأنصاف الثلاثة فكانت اثنين وأربعين فجعلوا ثلثها وهو اثنا عشر قيراطا وزن الدرهم العربي فكانت كل عشرة دراهم تزن مثاقيل. وقيل إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله والأصح أن عبد الملك أول من ضرب السكة في الإسلام.

مقتل بكير بن وشاح بخراسان

قد تقدم لنا عزل بكير عن خراسان وولاية أمية بن عبيد الله بن خالد بن أسيد سنة أربع وسبعين وأن بكيرا أقام في سلطان أمية بخراسان وكان يكرمه ويدعوه لولاية ما شاء من أعمال خراسان، فلا يجيب، وأنه ولاه طخارستان، وتجهز لها فيه بجير بن ورقاء فمنعه، ثم أمره بالتجهز لغزو ما وراء النهر، فحذره منه بجبر فرده فغضب بكير. ثم تجهز أمية لغزو غارا، وموسى بن عبد الله بن حازم لترمذ واستخلف ابنه على خراسان. فلما أراد قطع النهر قال لبكير: ارجع إلى مرو فأكفنيها فقد وليتكها، وقم بأمر ابن حازم فإني أخشى أن لا يضبطها. فانتخب من وثق به من أصحابه ورجع، وأشار عليه صاحبه عتاب بأن يحرق السفن ويرجع إلى مرو فيخلع أمية، ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على ذلك فقال لهم بكير: أخشى على من معي.

قالوا نأتيك من أهل مرو بمن تشاء، قال: يهلك المسلمون. قال ناد في الناس برفع الخراج فيكونون معك. قال فيهلك أمية وأصحابه. قال لهم عدد وعدد يقاتلون عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فأحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فخلع أمية وحبس ابنه وبلغ الخبر أمية فصالح أهل الشام بخارى ورجع وأمر باتخاذ السفن وعبر وجاءه موسى بن عبد الله بن حازم من مددا له وبعث شماس بن ورقاء في ثمانمائة في مقدمته فبيته بكير وهزمه، فبعث مكانه ثابت بن عطية فهزمه. ثم التقى أمية وبكير فاقتتلوا أياما. ثم انهزم بكير إلى مرو وحاصره أمية أياما حتى سأل الصلح على ولاية ما شاء من خراسان، وأن يقضي عنه أربعمائة ألف دينه، ويصل أصحابه ٣/٥٨

ولا يقبل فيه سعاية بجير فتم الصلح ودخل أمية مدينة مرو وأعاد بكيرا إلى ما كان عليه من الكرامة وأعطى عتاب العدابي عشرين ألفا وعزل بجير عن شرطته بعطا بن أبي السائب. وقيل إن بكيرا لم يصحب أمية إلى النهر وإنما استخلفه على مرو فلما عبر أمية النهر خلع وفعل ما فعل. ثم أن بجيرا سعى بأمية بأن بكيرا دعاه إلى الخلاف وشهد عليه جماعة من أصحابه، وأن معه ابني أخيه فقبض عليه أمية وقتله وقتل معه ابني أخيه وذلك سنة سبع وسبعين. ثم عبر النهر لغزو بلخ فحصره الترك حتى جهد هو وعسكره وأشرفوا على الهلاك ثم نجوا ورجعوا إلى مرو.

مقتل بجير بن زياد

ولما قتل بكير بسعاية بجير بن ورقاء تعاقد بنو سعد بن عوف من تميم وهم عشيرته على الطلب بدمه وخرج فتى منهم من البادية اسمه شمردل وقدم خراسان ووقف يوما على بجير فطعنه فصرعه ولم يمت وقتل شمردل وجاء مكانه صعصعة بن حرب العوفي ومضى إلى سجستان وجاور قرابة بجير مدة وانتسب إلى خنفية ثم قال لهم: إن لي بخراسان ميراثا فاكتبوا إلى بجير يعينني، فكتبوا له وجاء إليه وأخبره بنسبه وميراثه، وأقام عنده شهرا يحضر باب المهلب وقد أنس به وأمن غائلته، وجاء صعصعة يوما وهو عند المهلب في قميص ورداء ودنا ليكلمه فطعنه ومات من الغد وقال صعصعة فمنعته مقاعس وقالوا أخذ بثأره فحمل المهلب دم صعصعة وجعل دم بجير ببكير وقيل إن المهلب بعثه إلى بجير فقتله والله أعلم وكان ذلك سنة إحدى وثمانين.

ولاية الحجاج على خراسان وسجستان

وفي سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث المهلب بن أبي صفرة على خراسان وقد كان فرغ من حرب الأزارقة فاستدعاه وأجلسه معه على السرير، وأحسن إلى أهل البلاد من أصحابه وزادهم وبعث عبيد الله بن أبي بكرة على سجستان فأما المهلب فقدم ابنه حبيبا إلى خراسان فلم يعرض لأمية ولا لعماله حتى قدم أبوه المهلب بعد سنة من ٣/٥٩

ولايته، وسار في خمسة آلاف وقطع النهر الغربي وما وراء النهر، وعلى مقدمته أبو الأدهم الرماني في ثلاثة آلاف، فنزل على كش وجاءه ابن عمر الختن يستنجده على ابن عمه، فبعث معه ابنه يزيد، فبيت ابن العم عساكر الختن وقتل الملك وجاءه صر يريد قلعتهم حتى صالحوا بما رضي، ورجع. وبعث المهلب ابنه حبيبا في أربعة آلاف ووافى صاحب بخارى في أربعين ألفا. وكبس بعض جنده في قرية فقتلهم وأحرقها ورجع إلى أبيه. وأقام المهلب يحاصر كش سنتين حتى صالحوه على فدية وأما عبد الله بن أبي بكرة فأقام بسجستان ورتبيل على صلحه يؤدي الخراج. ثم امتنع فأمر الحجاج ابن أبي بكرة فغزوه واستباحوا بلاده، فسار في أهل المصرين وعلى أهل الكوفة شريح بن هانئ من أصحاب علي، فدخل بلاد رتبيل وتوغل فيها حتى كانوا على ثمانية عشر فرسخا من مدينتهم وأثخن واستباح وخرب القرى والحصون. ثم أخذ الترك عليهم القرى والشعاب حتى ظنوا الهلكة فصالحهم عبيد الله على الخروج من أرضهم، على أن يعطيهم سبعمائة ألف درهم. ونكر ذلك عليه شريح وأبى إلا القتال وحرض الناس ورجع وقتل حين، قتل في ناس من أصحابه ونجا الباقون وخرجوا من بلاد رتبيل، ولقيهم الناس بالأطعمة فكانوا يموتون إذا شبعوا. فجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمروا وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في غزو بلاد رتبيل فأذن له فجهز عشرين ألف فارس من الكوفة وعشرين ألفا من البصرة واختار أهل الغنى والشجاعة، وأزاح عللهم وأنفق فيهم ألفي ألف سوى أعطياتهم، وأخذهم بالخيل الرائعة والسلاح الكامل. وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وكان يبغضه ويقول أريد قتله. ويخبر الشعبي بذلك عبد الرحمن فيقول أنا أزيله عن سلطانه، فلما بعثه على ذلك الجيش تنصح أخوه إسماعيل للحجاج وقال لا تبعثه فإني أخشى خلافه. فقال هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسار عبد الرحمن في الجيش وقدم سجستان واستنفرهم وحذر العقوبة لمن يتعدى وساروا جميعا إلى بلاد رتبيل وبذل الخراج فلم يقبل منه ودخل بلاده فحواها شيئا فشيئا وبعث عماله عليها ورجع المصالح بالنواحي والأرصاد على العقاب والشعاب، وامتلأت أيدي الناس من الغنائم، ومنع من التوغل في البلاد إلى قابل.

وقد قيل في بعث عبد الرحمن بن الأشعث غير هذا وهو أن الحجاج كان قد أنزل هميان بن عدي السدي مسلحة بكرمان إن احتاج إليه عامل السند وسجستان، ٣/٦٠

فمضى هميان فبعث الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فهزمه وقام بموضعه. ثم مات عبد الله بن أبي بكرة فولاه الحجاج مكانه وجهز إليه هذا الجيش وكان يسمى جيش الطواويس لحسن زيهم.

أخبار ابن الأشعث ومقتله

ولما وصل كتاب ابن الأشعث إلى الحجاج كتب إليه يوبخه على القعود عن التوغل ويأمره بالمضي لما أمره به من هدم حصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم. وأعاد عليه الكتاب بذلك ثانيا وثالثا وقال له: إن مضيت وإلا فأخوك إسحاق أمير الناس.

فجمع عبد الرحمن الناس ورد الرأي عليهم وقال: قد كنا عزمنا جميعا على ترك التوغل في بلد العدو ورأينا رأيا وكتبت بذلك إلى الحجاج وهذا كتابه يستعجزني ويستضعفني ويأمرني بالتوغل بكم وأنا رجل منكم، فثار الناس وقالوا: لا نسمع ولا نطيع للحجاج. وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني: اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا الأمير عبد الرحمن فتنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا. وقال عبد المؤمن بن شيث بن ربعي: انصرفوا إلى عدو الله الحجاج فانفوه عن بلادكم ووثب الناس إلى عبد الرحمن على خلع الحجاج ونفيه من العراق وعلى النصرة له ولم يذكر عبد الملك. وصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل ما بقي من الدهر، وإن هزم منعه ممن يريده. وجعل عبد الرحمن على سبت عياض بن هميان الشيباني وعلى رومج عبد الله بن عامر التميمي، وعلى كرمان حرثة بن عمر التميمي. ثم سار إلى العراق في جموعه وأعشى همدان بين يديه يجري بمدحه وذم الحجاج. وعلى مقدمته عطية بن عمير العيرني. ولما بلغ فارس بدا للناس في أمر عبد الملك وقالوا إذا خلعنا الحجاج فقد خلعناه فخلعه الناس وبايعوا عبد الرحمن على السنة وعلى جهاد أهل الضلالة والمخلين وخلعهم. وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره ويستمده وكتب المهلب إلى الحجاج بأن لا يعترض أهل العراق حتى يسقطوا إلى أهليهم، فنكر كتابه واتهمه. وجند عبد الملك الجند إلى الحجاج فساروا إليه متتابعين، وسار الحجاج من البصرة فنزل تستر وبعث مقدمة خيل فهزمهم أصحاب عبد الرحمن بعد قتال شديد وقتل منهم جمعا كثيرا وذلك في أضحى إحدى وثمانين، وأجفل الحجاج إلى البصرة، ثم تأخر عنها إلى الغاوية ٣/٦١

وراجع كتاب المهلب فعلم نصيحته. ودخل عبد الرحمن البصرة فبايعه أهلها وسائر نواحيها لأن الحجاج كان اشتد على الناس في الخراج، وأمر من دخل الأمصار أن يرجع إلى القرى، يستوفي الجزية، فنكر ذلك الناس وجعل أهل القرى يبكون منه، فلما قدم عبد الرحمن بايعوه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك. ثم اشتد القتال بينهم في المحرم سنة اثنتين وثمانين، وتزاحفوا على حرب الحجاج وخلع عبد الملك. وانهزم أهل العراق وقصدوا الكوفة وانهزم منهم خلق كثير. وفشا القتل في القرى فقتل منهم عقبة بن الغافر الأزدي في جماعة استلحموا معه، وقتل الحجاج بعد الهزيمة منهم عشرة آلاف وكان هذا اليوم يسمى يوم الراوية. واجتمع من بقي بالبصرة على عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وبايعوه، فقاتل بهم الحجاج خمس ليال ثم لحق بابن الأشعث بالكوفة ربيعة طائفة من أهل البصرة. ولما جاء عبد الرحمن الكوفة وخليفة الحجاج عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي وثب بع مطر بن ناحية من بني تميم مع أهل الكوفة، فاستولى على القصر وأخرجه. فلما وصل ابن الأشعث لقيه أهل الكوفة واحتف به همدان وجاء إلى القصر فمنعه مطر فصعد الناس القصر وأخذوه فحبسه عبد الرحمن وملك الكوفة. ثم إن الحجاج استعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي ورجع إلى الكوفة فنزل دوير فيرة، ونزل عبد الرحمن دير الجماجم واجتمع إلى كل واحد أمداده وخندق على نفسه وبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمدا في جند كثيف وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج ويجرى عليهم أعطياتهم كأهل الشام، وينزل عبد الرحمن إلى أي بلد شاء عاملا لعبد الملك.

فوجم الحجاج لذلك وكتب إلى عبد الملك: إن هذا ممن يزيدهم جراءة وذكره بقضية عثمان وسعيد بن العاص. فأبى عبد الملك من رأيه وعرض عبد الله ومحمد بن مروان ما جاء به عبد الملك وتشاور أهل العراق بينهم وأشار عليهم عبد الرحمن بقبول ذلك، وأن العزة لهم على عبد الملك لا تزول، فتواثبوا من كل جانب منكرين لذلك ومجددين الخلع. وتقدمهم في ذلك عبد الله بن دواب السلمي وعمير بن تيحان، ثم برزوا للقتال وجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى الخيل سفيان بن الأبرد الكلبي، وعلى الرجالة عبد الله بن حبيب الحكمي. وجعل عبد الرحمن على ميمنته الحجاج بن ٣/٦٢

حارثة الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن ابن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وعلى رجالته محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى مجنبته عبد الله بن رزم الحرشي، وعلى القرى جبلة بن زخر بن قيس الجعفي وفيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأبو البختري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ثم أقاموا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون بقية سنتهم، وكتيبة القرى معروفة بالصبر يحملون عليها فلا تنتقص. فعبى الحجاج ثلاث كتائب مع الجراح بن عبد الله الحكمي وحملوا على القرى ثلاث حملات وجبلة يحرض القرى ويبيتهم والشعبي وسعيد بن جبير كذلك. ثم حملوا على الكتائب ففرقوها وأزالوها عن مكانها وتأخر جبلة عنهم ليكون لهم فئة يرجعون إليه، وأبصره الوليد بن نجيب الكلبي فقصده في جماعة من أهل الشام وقتله وجيء برأسه إلى الحجاج وقدموا عليهم مكانه وظهر القتل في القرى. ثم اقتتلوا بعد ذلك ما يزيد على مائة يوم كثر فيها القتلى والمبارزة. ثم اقتتلوا يوما في منتصف جمادى الآخرة وحمل سفيان بن الأبرد في ميمنة الحجاج على ميسرة عبد الرحمن فانهزم الأبرد بن قرة من غير قتال فتقوضت صفوف الميمنة، وركبهم أصحاب الحجاج، ثم انهزم عبد الرحمن وأصحابه.

ومضى الحجاج إلى الكوفة ومحمد بن مروان إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام. وأخذ الحجاج الناس على أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر، وقتل من أبى ودعا بكميل بن زياد صاحب علي فقتله لاقتصاصه. ثم أقام بالكوفة شهرا وأنزل أهل الشام في بيوت أهل الكوفة، ولحق ابن الأشعث بالبصرة فاجتمع إليه جموع المنهزمين ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ولحق به محمد بن سعد بن أبي وقاص بالمدائن، وسار نحو الحجاج ومعه بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان قدم عليه قبل الهزيمة من الري وكان انتقض بها ثم غلب عليها ولحق بعبد الرحمن فكان معه وبايع عبد الرحمن خلق كثير على الموت، ونزل مسكن وخندق عليه وعلى أصحابه والحجاج قبالتهم وقاتلهم خالد بن جرير بن عبد الله وكان قدم من خراسان في بعث الكوفة، فقاتلهم خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال، وقتل زياد بن غنيم القيني. وكان علي صالح الحجاج فهد منهم ثم أبى بكر القتال. وحل بسطام بن مصقلة بن هبيرة في أربعة آلاف من فرسان الكوفة والبصرة، كسروا جفون ٣/٦٣

سيوفهم وحملوا على أهل الشام فكشفوهم مرارا وأحاط بهم الرماة ولحقوا فقتلوا.

وحمل عبد الملك بن المهلب على أصحاب عبد الرحمن فكشفوهم. ثم حمل أصحاب الحجاج من كل جانب فانهزم عبد الرحمن وأصحابه وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبو البحتري الطائي ومعلى بن الأشعث نحو سجستان ويقال إن بعض الأعراب جاء إلى الحجاج فدله على طريق من وراء معسكر ابن الأشعث فبعث معه أربعة آلاف جاءوا من ورائه، وأصبح الحجاج فقاتله واستطرد له حتى نهب معسكره وأقبلت السرية من الليل إلى معسكر ابن الأشعث وكان الغرقى منهم أكثر من القتلى، وجاء الحجاج إلى المعسكر فقتل من وجد فيه وكان عدة القتلى أربعة آلاف منهم: عبد الله بن شداد بن الهادي وبسطام بن مصقلة وعمر بن ربيعة الرقاشي وبشر بن المنذر بن الجارود وغيرهم. (ولما سار) ابن الأشعث إلى سجستان أتبعه الحجاج بالعساكر، وعليهم عمارة بن تميم اللخمي، ومعهم محمد بن الحجاج فأدركوه بالسوس فقاتلوه وانهزم إلى سابور واجتمع إليه الأكراد وقاتلوا العساكر قتالا شديدا فهزم، وخرج عمارة ولحق ابن الأشعث بكرمان فلقيه عامله بها وهيأ له النزول فنزل. ثم رحل إلى زرنج فمنعه عامله من الدخول، فحاصرها أياما ثم سار إلى بست وعليها من قبله عياض بن هميان بن هشام السلوبي الشيباني، ثم استغفله فأوثقه. وكان رتبيل ملك الترك قد سار ليستقبله، ونزل على بست وتهدد عياضا فأطلقه، وحمل رتبيل إلى بلاده وأنزله عنده. واجتمع المنهزمون فاتفقوا على قصد خراسان لينموا بعشائرهم وقصدوا للصلاة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث يستقدمونه فقدم عليهم وثناهم عن قصد خراسان مخافة من سطوة يزيد بن المهلب وأن يجتمع أهل الشام وأهل خراسان فأبوا وقالوا بل يكثر بها تابعنا. فسار معهم إلى هراة فهرب عنهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فخشي الانتقاض وقال: إنما أتيتكم وأمركم جميعا وأنا الآن منصرف إلى صاحبي الذي جئت من عنده يعني رتبيل. ورجع عنهم في قليل وبقي معظم العسكر مع عبد الرحمن بن العباس بسجستان، فجمع بابن الأشعث وسار إلى خراسان في عشرين ألفا ونزل هراة ولقوا الرقاد فقتلوه. وبعث إليه يزيد بن المهلب بالرحلة من البلاد، فقال إنما نزلنا لنستريح ونرتحل، ثم أخذ في الجباية وسار نحوه يزيد بن المهلب والتقوا فافترق أصحاب عبد الرحمن عنه، وصبرت معه طائفة ٣/٦٤

ثم انهزموا وأمر يزيد بالكف عنهم وغنم ما في عسكرهم وأسر جماعة منهم فيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص وعمر بن موسى بن عبد الله بن معمر وعباس بن الأسود بن عوف والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز وأبوا العلج مولى عبيد الله بن معمر وسوار بن مروان وعبد الله بن طلحة الطلحات، وعبد الله بن فضالة الزهراني الأزدي. ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند وأتى ابن سمرة إلى مرو وانصرف يزيد إلى مرو. وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سيدة بن نجدة، وقال له أخوه حبيب: ألا تبعث عبد الرحمن بن طلحة؟ فإن له عندنا يدين، وقد ودى عن المهلب أبوه طلحة مائة ألف، فتركه وترك عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد. وبعث الباقين وقدموا عليه بمكان واسط قبل بنائها فدعا بفيروز وقال: ما أخرجك مع هؤلاء وليس بينك وبينهم نسب؟ قال: فتنة عمت الناس! قال: أكتب أموالك فكتب ألفي ألف وأكثر. فقال للحجاج: وأنا آمن على دمي؟ قال: لا والله لتؤدينها ثم أقتلك. قال: لا تجمع مالي ودمي وأمر به فنحي. ثم أحضر محمد بن سعد بن أبي وقاص فوبخه طويلا ثم أمر به فقتل ثم دعا بعمر بن موسى فوبخه ولاطفه في العذر فلم يقبل ثم أمر به فقتل. ثم أحضر الهلقام بن نعيم فوبخه.

وقال: ابن الأشعث طلب الممالك فالذي طلبت أنت؟ قال: أن توليني العراق مكانك فأمر به فقتل. ثم أحضر عبد الله بن عامر فعذله في عبد الله يزيد بن المهلب لأنه أطلق قومه من الأسر وقاد نحوه مطرا، فأطرق الحجاج، ثم قال: ما أنت وذاك؟ ثم أمر به فقتل فلم يزل في نفسه من يزيد حتى عزله. ثم أمر بفيروز فعذب ولما أحس بالموت قال أظهروني للناس ليردوا علي ودائعي فلما ظهر نادى من كان لي عنده شيء فهو في حل فأمر به فقتل. وأمر بقتل عمر بن فهر الكندي وكان شريفا، وأحضر أعشى همدان واستنشده قصيدته بين الأثلج وبين قيس، وفيها تحريض ابن الأشعث وأصحابه فقال: ليست هذه وإنما التي بين الأثلج وبين قيس بارق على روي الدال. فأنشده فلما بلغ قوله بخ بخ للوالدة وللمولود. قال: والله لا تبخبخ بعدها أبدا وقتل. (وسأل الحجاج) عن الشعبي فقال له يزيد بن أبي مسلم إنه لحق بالري فكتب إلى قتيبة بن مسلم وهو عامله على الري بإرسال الشعبي. فقدم على الحجاج سنة ثلاث وثمانين، وكان ابن أبي مسلم له صديقا فأشار عليه بحسن الاعتذار فلما دخل على الحجاج سلم عليه بالإمرة وقال: وأيم الله لا أقول إلا الحق ٣/٦٥

قد والله حرضنا وجهدنا فما كنا أقوياء فجرة، ولا أتقياء بررة، وقد نصرك الله وظفرت فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والحجة لك علينا. فقال الحجاج: هذا والله أحب الي ممن يقول ما شهدت ولا فعلت وسيفه يقطر من دمائنا. ثم أمنه وانصرف. (ولما ظفر الحجاج) بابن الأشعث وهزمه لحق كثير من المنهزمين بعمر بن الصلت وقد كان غلب على الري في تلك الفتنة. فلما اجتمعوا أرادوا أن يحظوا عند الحجاج ويمحوا عن أنفسهم ذنب الجماجم فأشاروا على عمر بخلع الحجاج فامتنع فدسوا عليه أباه فأجاب. ولما سار قتيبة إلى الري خرجوا مع عمر لقتاله ثم غدروا به فانهزم، ولحق بطبرستان وأقره الأصبهبد وأحسن اليه، وأرادوا الوثوب على الأصبهبد فشاور أباه وقال: قد علمت الأعاجم أني أشرف منه فمنعه أبوه ودخل قتيبة الري وكتب الحجاج إلى الأصبهبد أن يبعث بهم أو برءوسهم ففعل ذلك: (ولما انصرف) عبد الرحمن بن الأشعث من هراة إلى رتبيل قال له علقمة ابن عمر الازدي: لا أدخل معك دار الحرب لأن رتبيل إن دخل إليه الحجاج فيك وفي أصحابك قتلكم أو أسلمكم إليه، ونحن خمسمائة قد تبايعنا على أن نتحصن بمدينة حتى نأمن أو نموت كراما وقدم عليهم مودود البصري، وزحف إليهم عمارة بن تميم اللخمي وحاصرهم حتى استأمنوا فخرجوا إليه وقلاهم وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن يرهبه ويرغبه. وكان عبيد بن سميع التميمي من أصحاب ابن الأشعث وكان رسوله إلى رتبيل أولا فأنس به رتبيل وزحف عليه وأغرى القاسم بن الأشعث أخاه عبد الرحمن بقتله فخافه وزير لرتبيل أخذ العهد من الحجاج وإسلام عبد الرحمن إليه على أن يكف عن أرضه سبع سنين فأجابه رتبيل وخرج إلى عمارة سرا. وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك فأجاب وكتب له بالكف عنه عشر سنين، وبعث إليه رتبيل برأس عبد الرحمن وقيل مات بالسل فقطع رأسه وبعث به، وقيل أرسله مقيدا مع ثلاثين من أهل بيته إلى عمارة فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح القصر فمات، فبعث عمارة برأسه وذلك سنة أربع أو خمس وثمانين.

قد كنا قدمنا حصار المهلب مدينة كش من وراء النهر فأقام عليها سنتين، وكان استخلف على خراسان ابنه المغيرة فمات سنة اثنتين وثمانين، فجزع عليه وبعث ابنه يزيد إلى مرو ومكنه في سبعين فارسا، ولقيهم في مفازة نسف جمع من الترك يقاربون الخمسمائة فقاتلوهم قتالا شديدا يطلبون ما في أيديهم والمغيرة يمتنع حتى أعطى بعض ٣/٦٦

أصحابه لبعضهم شيئا من المتاع والسلاح، ولحقوا بهم ولحق يزيد بمرو. ثم سأل أهل كش من المهلب الصلح على مال يعطونه، فاسترهن منهم رهنا من أبنائهم في ذلك، وانفتل المهلب وخلف حريث بن قطنة مولى خزاعة ليأخذ الفدية ويرد الرهن، فلما صار ببلخ كتب إليه: لا تخل الرهن وإن قبضت الفدية حتى تقدم أرض بلخ لئلا يغيروا عليك فأقرأ صاحب كش كتابه وقال: إن عجلت أعطيتك الرهن، وأقول له جاء الكتاب بعد إعطائه. فعجل صاحب كش بالفدية وأخذ الرهن وعرض له الترك كما عرضوا ليزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى، ففدوهم فردا فردا وأطلقهم. ولما وصل إلى المهلب ضربه ثلاثين سوطا عقوبة على مخالفة كتابه في الرهن. فحلف حريث بن قطنة ليقتلن المهلب، وخاف ثابتا أن كان ذلك المسير إليه فبعث إليه المهلب أخاه ثابت بن قطنة يلاطفه فأبى وحلف ليقتلن المهلب، وخاف ثابت إن كان ذلك أن يقتلوا جميعا فأشار عليه باللحاق بموسى بن عبد الله بن حازم، فلحق به في ثلاثمائة من أصحابهما. (ثم هلك المهلب) واستخلف ابنه يزيد، وأوصى ابنه حبيبا بالصلاة وأوصى ولده جميعا بالاجتماع والألفة، ثم قال:

أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإنها تنسئ في الأجل وتثري المال وتكثر العدد وأنها كم عن القطيعة، فإنها تعقب النار والذلة والقلة، وعليكم بالطاعة والجماعة ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم واتقوا الجواب وزلة اللسان فإن الرجل تزل قدمه فينعش ويزل لسانه فيهلك واعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له. وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرف واصنعوا المعروف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت فكيف بالصنيعة عنده. وعليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة فإنها أنفع من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء وإن أخذ الرجل بالحزم فظفر قيل أتى الأمر من وجهه فظفر، وإن لم يظفر قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب.

وعليكم بقراءة القرآن وتعلم السنن وآداب الصالحين وإياكم وكثرة الكلام في مجالسكم. ثم مات وذلك سنة اثنتين وثمانين. (ويقال) إنه لما حثهم على الألفة والاجتماع أحضر سهاما محزومة فقال: أتكسرون هذه مجتمعة؟ قالوا: لا. قال:

فتكسرونها مفترقة؟ قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. واستولى يزيد على خراسان بعد أبيه وكتب له الحجاج بالعهد عليها ثم وضع العيون على بيزك حتى بلغه خروجه عن قلعته فسار إليها وحاصرها ففتحها وغنم ما كان فيها من الأموال والذخائر، وكانت ٣/٦٧

من أحصن القلاع. وكان بيزك إذا أشرف عليها يسجد لها. ولما فتحها كتب إلى الحجاج بالفتح وكان كاتبه يعمر العدواني حليف هذيل فكتب: إنا لقينا العدو فمنحنا الله أكنافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برءوس الجبال ومهامه الأودية وأهضام الغيطان وأفناء الأنهار. فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ قيل:

يحيى بن يعمر. فكتب بحمله على البريد فلما جاءه قال: أين ولدت؟ قال:

بالأهواز قال: فمن أين هذه الفصاحة؟ قال: حفظت من أولاد أبي وكان فصيحا قال: يلحن عنبسة بن سعيد؟ قال: نعم كثيرا. قال ففلان؟ قال: نعم. قال:

فأنا؟ قال: تلحن خفيفا تجعل أن موضع إن وأن موضع أن. قال: أجلتك ثلاثا وإن وجدتك بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان.

بناء الحجاج مدينة واسط

كان الحجاج ينزل أهل الشام على أهل الكوفة فضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان سنة ثلاث وثمانين، وعسكروا قريبا من الكوفة حتى يستتموا، ورجع منهم ذات ليلة فتى حديث عهد بعرس بابنة عمه فطرق بيته ودق الباب فلم يفتح له إلا بعد هنيهة وإذا سكران من أهل الشام فشكت إليه ابنة عمه مراودته إياها. فقال لها: ائذني له فأذنت له، وجاء فقتله الفتى وخرج إلى العسكر وقال: ابعثي إلى الشاميين وارفعي إليهم صاحبهم فأحضروها عند الحجاج فأخبرته. فقال: صدقت! وقال للشاميين لا قود له ولا عقل فإنه قتيل الله إلى النار. ثم نادى مناديه لا ينزل أحد على أحد وبعث الرواد فارتادوا له مكان واسط ووجد هناك راهبا ينظف بقعته من النجاسات فقال: ما هذه؟ قال: نجد في كتبنا أنه ينشأ هاهنا مسجد للعبادة.

فاختط الحجاج مدينة واسط هنالك وبنى المسجد في تلك البقعة.

عزل يزيد عن خراسان

يقال إن الحجاج وفد إلى عبد الملك ومر في طريقه براهب قيل له إن عنده علما من الحدثان فقال: هل تجدون في كتابكم ما أنتم فيه؟ قال: نعم فقال: مسمى أو موصوفا؟ قال: موصوفا. قال: فما تجدون صفة ملكنا؟ قال: صفته كذا. قال ثم من؟ قال: آخر اسمه الوليد. قال: ثم من؟ قال: آخر اسمه ثقفي. قال فمن تجد ٣/٦٨

بعدي قال رجل يدعى يزيد. قال أتعرف صفته قال لا أعرف صفته إلا أنه يغدر غدرة فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب ووجل منه وقدم على عبد الملك. ثم عاد إلى خراسان وكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب وأنهم زبيرية فكتب إليه إن وفاءهم لآل الزبير يدعوهم إلى الوفاء لي فكتب إليه الحجاج يخوفه غدرهم وما يقول الراهب فكتب إليه عبد الملك إنك أكثرت في يزيد فانظر من تولي مكانه فسمى له قتيبة بن مسلم فكتب له أن يوليه. وكره الحجاج أن يكاتبه بالعزل فاستقدمه وأمره أن يستخلف أخاه المفضل واستشار يزيد حصين بن المنذر الرقاشي فقال له: أقم واعتل وكاتب عبد الملك فإنه حسن الرأي فيك نحن أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره الخلاف. وأخذ يتجهز وأبطأ فكتب الحجاج إلى المفضل بولاية خراسان واستلحاق يزيد. فقال: إنه لا يضرك بعدي وإنما ولاك مخافة أن امتنع وخرج يزيد في ربيع سنة خمس وثمانين. ثم عزل المفضل لتسعة أشهر من ولايته وولى قتيبة بن مسلم وقيل سبب عزل اليزيد أن الحجاج أذل العراق كلهم إلا آل المهلب وكان يستقدم يزيد فيعتل عليه بالعدا والحروب وقيل كتب إليه أن يغزو خوارزم فاعتذر إليه بأنها قليلة السلب شديدة الكلف. ثم استقدمه بعد ذلك فقال إني أغزو خوارزم فكتب الحجاج لا تغزها فغزاها وأصاب سبيا وصالحه أهلها وانفتل في الشتاء. وأصاب الناس البرد فتدثروا بلباس الأسرى فبقوا عرايا وقتلهم المفضل. ولما ولى المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه ثم غزا شومان فغنم وقسم ما أصابه.

مقتل موسى بن حازم

كان عبد الله بن حازم لما قتل بني تميم بخراسان وافترقوا عليه فخرج إلى نيسابور، وخاف بنو تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى: اقطع نهر بلخ حتى نلتجئ إلى بعض الملوك أو إلى حصن نقيم فيه. فسار موسى عن مرو في مائتين وعشرين فارسا واجتمع إليه شبه الأربعمائة وقوم من بني سليم وأتى قم فقاتله أهلها فظفر بهم وأصاب منهم مالا، وقطع النهر. وسأل صاحب بخارى أن يأوي إليه فأبى وخافه، وبعث إليه بصلة فسار عنه وعرض نفسه على ملوك الترك فأبوا خشية منه، وأتى سمرقند فأذن ٣/٦٩

له ملكها طرخون ملك الصغد في المقام فأقام وبلغه قتل أبيه عبد الله بن حازم ولم يزل مقيما بسمرقند. وبارز بعض أصحابه يوما بعض الصغد فقتله فأخرجه طرخون عنه فأتى كش فنزلها ولم يطق صاحبها مدافعته واستجاش عليه بطرخون. فخرج موسى للقائه وقد اجتمع معه سبعمائة فارس فاقتتلوا إلى الليل ودس موسى بعض أصحابه إلى طرخون يخوفه عاقبة أمره وأن كل من يأتي خراسان يطالبه بدمه فقال:

يرتحل عن كش؟ قال له: نعم! وكف حتى ارتحل وأتى ترمذ، فنزل إلى جانب حصن بها مشرف على النهر، وأبى ملك ترمذ من تمليكه الحصن فأقام هنالك ولاطف الملك وتودد له وصار يتصيد معه. وصنع له الملك يوما طعاما وأحضره في مائة من أصحابه ليأكلوا، فلما طعموا امتنعوا من الذهاب. وقال موسى هذا الحصن إما بيتي أو قبري وقاتلهم فقتل منهم عدة واستولى على الحصن وأخرج ملك ترمذ ولم يتعرض له ولا لأصحابه. ولحق به جمع من أصحاب أبيه فقوي بهم، وكان يغير على ما حوله. ولما ولي أمية خراسان سار لغزوه وخالفه بكير كما تقدم. ثم بعث إليه بعد صلحه مع بكير الجيوش مع رجل من خزاعة وحاصروه. وعاود ملك ترمذ استنصاره بالترك في جمع كثير ونزلوا عليه من جانب آخر. وكان يقاتل العرب أول النهار والترك آخره ثلاثة أشهر. ثم بيت الترك ليلة فهزمهم وحوى عسكرهم بما فيه من المال والسلاح ولم يهلك من أصحابه إلا ستة عشر رجلا. وأصبح الخزاعي والعرب وقد خافوا مثلها. وغدا عمر بن خالد بن حصين الكلابي على موسى بن حازم وكان صاحبه فقال: إنا لا نظفر إلا بمكيدة فاضربني وخلني، فضربه خمسين سوطا فلحق بالخزاعي وقال: إن ابن حازم اتهمني بعصبيتكم وأني عين لكم فأمنه الخزاعي وأقام عنده. ودخل عليه يوما وهو خال فقال له: لا ينبغي أن تكون بغير سلاح.

فرفع طرف فراشه وأراه سيفا منتضى تحته فضربه عمر حتى قتله ولحق بموسى. وتفرق الجيش واستأمن بعضهم موسى. ولما ولي المهلب على خراسان قال لبنيه: إياكم وموسى فإنه إن مات جاء على خراسان أمير من قيس. ثم لحق به حريث وثابت ابنا قطنة الخزاعي فكانا معه. ولما ولي يزيد أخذ أموالهما وحرمهما، وقتل أخاهما للأم الحرث بن معقد، فسار ثابت إلى طرخون صريخا، وكان محببا إلى الترك فغضب له طرخون. وجمع له نيزك وملك الصغد وأهل بخارى والصاغان، فقدموا مع ثابت إلى موسى وقد اجتمع عليه فل عبد الرحمن بن عباس من هراة وفل ابن ٣/٧٠

الأشعث من العراق ومن كابل. فكان معه نحو ثمانية آلاف فقال له ثابت وحريث:

سر بنا في هذا العسكر مع الترك، فنخرج يزيد من خراسان ونوليك، فحذر موسى أن يغلباه على خراسان، ونصحه بعض أصحابه في ذلك فقال لهما: إن أخرجنا يزيد قدم عامل المدينة عبد الملك، ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر ويكون لنا، فأخرجوهم وانصرف طرخون والترك. وقوي أمر العرب بترمذ وجبوا الأموال واستبد ثابت وحريث على موسى وأغراه أصحابه بهما فهم بقتلهما، وإذا بجموع العجم قد خرجت إليهم من الهياطلة والتبت والترك فخرج موسى فيمن معه للقتال. ووقف ملك الترك على ما قيل في عشرة آلاف، فحمل عليهم حريث بن قطنة حتى أزالهم عن موضعهم، وأصيب بسهم في وجهه وتحاجزوا ثم بيتهم موسى فانهزموا وقتل من الترك خلق كثير ومات منهم قليل. ومات حريث بعد يومين ورجع موسى بالظفر والغنيمة. وقال له أصحابه: قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت فأبى. وبلغ ثابتا بعض ما كانوا يخوضون فيه ودس محمد بن عبد الله الخزاعي عليهم على أنه من سبي الباسيان ولا يحسن العربية، فاتصل بموسى وكان ينقل إلى ثابت خبر أصحابه فقال لهم ليلة: قد أكثرتم علي فعلى أي وجه تقتلونه ولا أغدر به؟ فقال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عد لنا به إلى بعض الدور فقتلناه قبل أن يصل إليك. فقال والله: إنه لهلاككم وجاء الغلام إلى ثابت بالخبر فخرج من ليلته في عشرين فارسا وأصبحوا ففقدوه وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا. ونزل ثابت بحشور واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم. وسار إليه موسى وقاتله، فحصر ثابتا بالمدينة. وأتاه طرخون مددا فرجع موسى إلى ترمذ. ثم اجتمع ثابت وطرخون وأهل بخارى ونسف وأهل كش في ثمانين ألفا. فحاصروا موسى بترمذ حتى جهد أصحابه. وقال يزيد بن هذيل والله لأقتلن ثابتا أو أموت. فاستأمن إليه وحذره بعض أصحابه منه فأخذ ابنيه قدامة والضحاك رهنا وأقام يزيد يتلمس غرة ثابت. ومات ابن الزياد والقصير الخزاعي فخرج إليه ثابت يعزيه وهو بغير سلاح فضربه يزيد على رأسه وهرب وأخذ طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما. وهلك ثابت لسبعة أيام وقام مكانه من أصحابه ظهير وضعف أمرهم وبيتهم موسى ليلا في ٣/٧١

ثلاثمائة فبعث إليه طرخون كف أصحابك فإنا نرحل الغداة. فرجع وارتحل طرخون والعجم جميعا. ولما ولي المفضل خراسان بعث عثمان بن مسعود في جيش إلى موسى ابن حازم وكتب إلى مدرك بن المهلب في بلخ بالمسير معه، فعبر النهر في خمسة عشر ألفا، وكتب إلى رتبيل وإلى طرخون أن يكونوا مع عثمان. فحاصروا موسى بن حازم فضيقوا عليه شهرين، وقد خندق عثمان على معسكره حذر البيات فقال موسى لأصحابه: اخرجوا بنا مستميتين واقصدوا الترك فخرجوا وخلف النضر ابن أخيه سليمان في المدينة وقال له: إن أنا قتلت فملك المدينة لمدرك بن المهلب دون عثمان وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان وقال لا تقاتلوه إلا إن قاتلكم وقصد طرخون وأصحابه وصدقوهم القتال، فانهزم طرخون وأخذوا وحجزت الترك والصغد بينهم وبين الحصن فقاتلهم فعقروا فرسه وأردفه مولى له فبصر به عثمان حين وثب فعرفه فقصده وعقروا به الفرس وقتلوه، وقتل خلق كثير من العرب وتولى قتل موسى واصل العنبري ونادى منادي عثمان بكف القتل وبالأسر وبعث النضر بن سليمان إلى مدرك ابن المهلب فسلم إليه مدينة ترمذ وسلمها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسره لأنه من قيس وكان قتل موسى سنة خمس وثمانين لخمس عشرة سنة من تغلبه على ترمذ.

البيعة للوليد بالعهد

وكان عبد الملك يروم خلع أخيه عبد العزيز من ولاية العهد والبيعة لابنه الوليد، وكان قبيصة ينهاه عن ذلك ويقول: لعل الموت يأتيه وتدفع العار عن نفسك وجاءه روح بن زنباع ليلة وكان عنده عظيما ففاوضه في ذلك فقال: لو فعلته ما انتطح فيه عنزان.

فقال: نصلح إن شاء الله. وأقام روح عنده ودخل عليهما قبيصة بن ذؤيب من جنح ٣/٧٢

الليل وهما نائمان وكان لا يحجب عنه وإليه الخاتم والسكة فأخبره بموت عبد العزيز أخيه.

فقال روح: كفانا الله ما نريد ثم ضم مصر إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه عليها.

ويقال: إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد فكتب إلى عبد العزيز إني رأيت أن يصير الأمر إلى ابن أخيك، فكتب له أن تجعل الأمر له من بيعة فكتب له إني أرى في أبي بكر ما ترى في الوليد. فكتب له عبد الملك أن يحمل خراج مصر فكتب إليه عبد العزيز إني وإياك يا أمير المؤمنين قد أشرفنا على عمر أهل بيتنا ولا ندري أينا يأتيه الموت فلا تفسد علي بقية عمري فرق له عبد الملك وتركه. (ولما) بلغ الخبر بموت عبد العزيز عبد الملك أمر الناس بالبيعة لابنه الوليد وسليمان، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان. وكان على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي فدعا الناس إلى البيعة فأجابوا وأبى سعيد بن المسيب فضربه ضربا مبرحا وطاف به وحبسه. وكتب عبد الملك إلى هشام يلومه ويقول: إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا نفاق ولا خلاف وقد كان ابن المسيب امتنع من بيعة ابن الزبير فضربه جابر بن الأسود عامل المدينة لابن الزبير ستين سوطا، وكتب إليه ابن الزبير يلومه.

وقيل إن بيعة الوليد وسليمان كانت سنة أربع وثمانين والأول أصح. وقيل قدم عبد العزيز على أخيه عبد الملك من مصر فلما فارقه وصاه عبد الملك فقال: أبسط بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الأمور فهو أبلغ لك، وانظر حاجبك وليكن من خير أهلك فإنه وجهك ولسانك. ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، فإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسوا بك وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشورة فإنها تفتح مغاليق الأمور المبهمة واعلم أن لك نصف الرأي ولأخيك نصفه ولن يهلك امرؤ عن مشورة وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إصابتها.

وفاة عبد الملك وبيعة الوليد

ثم توفي عبد الملك منتصف شوال سنة ست وثمانين وأوصى إلى بنيه فقال: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ولحيكم الذي عنه ترمون وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم المنابر، ودوخ لكم البلاد، وأذل لكم مغنى الأعداء. وكونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب. وكونوا في الحرب أحرارا فإن القتال لا يقرب منية وكونوا ٣/٧٣

للمعروف منارا فإن المعروف يبقى أجره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب فإنه لصون له، واشكر لما يؤتي إليهم منه، وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا. (ولما دفن عبد الملك) قال الوليد: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة. فكان أول من عزى نفسه وهنأها. ثم قام عبد الله بن همام السامولي وهو يقول:

الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها

عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها

وبايعه ثم بايعه الناس بعده وقيل إن الوليد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لا مقدم لما أخره الله ولا مؤخر لما قدمه الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الأبرار وولي هذه الأمة بالذي يحق لله عليه في الشدة على المذنب واللين لأهل الحق والفضل، وإقامة ما أقام الله من منازل الإسلام وإعلائه من حج البيت وغزو الثغور وشن الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا. أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع المنفرد. أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه ثم نزل.

ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وأخباره

قدم قتيبة خراسان أميرا عن الحجاج سنة ستة وثمانين فعرض الجند وحث على الجهاد وسار غازيا وجعل على الحرب بمرو إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان بن السعدي وتلقاه دهاقين البلخ والطالقان وساروا معه. ولما عبر النهر تلقاه ملك الصغانيان بهداياه. وكان ملك أخرون وشومان يسيء جواره فدعاه إلى بلاده وسلمها إليه. وسار قتيبة إلى أخرون وشومان وهو من طخارستان فصالحه ملكهما على فدية أداها إليه. وقبضها ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم، ففتح بعد ٣/٧٤

رجوع قتيبة كاشان وأورشت من فرغانة، ثم أخسيكت مدينة فرغانة القديمة، وكان معه ابن يسار وأبلى في هذه الغزاة. وقيل إن قتيبة قدم خراسان سنة خمس وثمانين وكان من ذلك السبي امرأة برمك. وكان برمك على النوبهار، فصارت لعبد الله بن مسلم أخي قتيبة فوقع عليها وعلقت منه بخالد، ثم صالح أهل بلخ وأمر قتيبة برد السبي، فألحق عبد الله به حملها. ثم ردت إلى برمك. وذكر أن ولد عبد الله بن مسلم ادعوه ورفعوا أمرهم إلى المهدي وهو بالري، فقال لهم بعض قرابتهم إنكم إن استلحقتموه لا بد لكم أن تزوجوه، فتركوه ولما صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى بترك طرخان صاحب باذغيس فيمن عنده من أسرى المسلمين هددهم فبعث بهم إليه. ثم كتب إليه يستقدمه على الأمان فخشي وتثاقل، ثم قدم وصالح لأهل باذغيس على أن لا يدخلها قتيبة ثم غزا بيكنداد في مدائن بخارى إلى النهر سنة سبع وثمانين. فلما نزل بهم استجاشوا بالصغد وبمن حولهم من الترك. وساروا إليه في جموع عظيمة، وأخذوا عليه الطرق.

فانقطعت الأخبار والرسل ما بينه وبين المسلمين شهرين، ثم هزمهم بعض الأيام وأثخن فيهم بالقتل والأسر وجاء إلى السور ليهدمه، فسألوا الصلح فصالحهم واستعمل عليهم وسار عنهم غير بعيد. فقتلوا العامل ومن معه فرجع إليهم وهدم سورهم وقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم من السلاح وآنية الذهب والفضة ما لم يصيبوا مثله. ثم غزا سنة ثمان وثمانين بلد نومكثت فصالحوه وسار إلى رامسة فصالحوه أيضا، فانصرف وزحف أيضا إليه الترك والصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف وملكهم كوربعابور ابن أخت ملك الصين، واعترضوا مقدمته وعليها أخوه عبد الرحمن فقاتلهم حتى جاء قتيبة وكان ينزل معه، فأبلى مع المسلمين ثم انهزم الترك وجموعهم، ورجع قتيبة إلى مرو. ثم أمره الحجاج سنة تسع وثمانين وبخارى، وملكها وردان خذاه فعبر النهر من زم ولقيه الصغد وأهل كش ونسف بالمفازة وقاتلوه فهزمهم ومضى إلى بخارى فنزل عن يمين وردان ولم يظفر منه بشيء ورجع إلى مرو.

عمارة المسجد

كان الوليد عزل هشام بن إسماعيل المخزومي عن المدينة سنة سبع وثمانين لأربع سنين من ولايته، وولى عليها عمر بن عبد العزيز فقدمها ونزل دار مروان ودعا عشرة من فقهاء المدينة ٣/٧٥

فيهم الفقهاء السبعة المعروفون، فجعلهم أهل مشورته لا يقطع أمرا دونهم وأمرهم أن يبلغوه الحاجات والظلامات فشكروه وجزوه خيرا. ودعا له الناس ثم كتب إليه سنة ثمان أن يدخل حجر أمهات المؤمنين في المسجد ويشتري ما في نواحيه حتى يجعله مائتي ذراع في مثلها، وقدم القبلة ومن أبى أن يعطيك ملكه فقومه قيمة عدل وادفع إليه الثمن وأهدم عليه الملك، ولك في عمر وعثمان إسوة. فأعطاه أهل الأملاك ما أحب منها بأثمانها وبعث الوليد إلى ملك الروم أنه يريد بناء المسجد فبعث إليه ملك الروم بمائة ألف مثقال من الذهب ومائة من الفعلة وأربعين حملا من الفسيفساء وبعث بذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز واستكثر معهم من فعله الشام وشرع عمر في عمارته أه وولى الوليد في سنة تسع وثمانين على مكة خالد بن عبد الله القسري.

فتح السند

كان الحجاج قد ولى على ثغر السند ابن عمه محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، وجهز معه ستة آلاف مقاتل ونزل مكران، فأقام بها أياما ثم أتى فيريوز ففتحها ثم أرمايل ثم سار إلى الدبيل وكان به بد عظيم في وسط المدينة على رأسه دقل عظيم وعليه راية فإذا هبت الريح دارت فأطافت بالمدينة والبد صنم مركوز في بناء والدقل منارة عليه وكل ما يعبد فهو عندهم بد. فحاصر الدبيل ورماهم بالمنجنيق فكسر الدقل فتطيروا بذلك ثم خرجوا إليه فهزمهم وتسنم الناس الأسوار ففتحت عنوة وأنزل فيها أربعة آلاف من المسلمين وبنى جامعها وسار عنها إلى النيروز. وقد كانوا بعثوا إلى الحجاج وصالحوه فلقوا محمدا بالميرة وأدخلوه مدينتهم وسار عنها وجعل لا يمر بمدينة من مدائن السند إلا فتحها حتى بلغ نهر مهران، واستعد ملك السند لمحاربته واسمه داهر بن صصة ثم عقد الجسر على النهر وعبر فقاتله داهر وهو على الفيل وحوله الفيلة. ثم اشتد القتال وترجل داهر فقاتل حتى قتل وانهزم الكفار واستلحمهم المسلمون ولحقت امرأة داهر بمدينة راور فساروا إليها وخافته، فأحرقت نفسها وجواريها. وملك المدينة ولحق الفل بمدينة بدهمتاباد العتيقة على فرسخين من مكان المنصورة وهي يومئذ غيضة، ففتحها عنوة واستلحم من وجد بها ٣/٧٦

وخربها. ثم استولى على مدائن السند واحدة واحدة وقطع نهر ساسل إلى الملقاد فحاصرها وقطع الماء فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقتل سدنة البلد وهم ستة آلاف وأصابوا في البلد ذهبا كثيرا في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية كانت الأموال تهدى إليه من البلدان ويحجون إليه ويحلقون شعرهم عنده ويزعمون أنه هو أيوب فاستكمل فتح السند وبعث من الخمس بمائة وعشرين ألف ألف وكانت النفقة نصفها.

فتح الطالقان وسمرقند وغزو كش ونسف والشاش وفرغانة وصلح خوارزم

قد تقدم أن قتيبة غزا بخارى سنة تسع وثمانين، وانصرف عنها ولم يظفر. وبعث إليه الحجاج سنة تسعين يوبخه على الانصراف عنها ويأمره بالعود فسار إليها ومعه نيزك طرخان صاحب باذغيس، وحاصرها واستجاش ملكها وردان أخذاه بمن حوله من الصغد والترك. فلما جاء مددهم خرجوا إلى المسلمين وكانت الأزد في المقدمة فانهزموا حتى جازوا عسكر المسلمين ثم رجعوا وزحفت العساكر حتى ردوا الترك إلى موقفهم. ثم زحف بنو تميم وقاتلوا الترك حتى خالطوهم في مواقفهم وأزالوهم عنها وكان بين المسلمين وبينهم نهر لم يتجاسر أحد على عبوره إلا بنو تميم، فلما زالوا عن مواقفهم عبر الناس واتبعوهم وأثخنوا فيهم بالقتل، وخرج خاقان وابنه وفتح الله على المسلمين وكتب بذلك إلى الحجاج ولما استوت الهزيمة جاء طرخون ملك الصغد ومعه فارسان ودنا من عسكر قتيبة يطلب الصلح على فدية يؤديها فأجابه قتيبة وعقد له ورجع قتيبة ومعه نيزك وقد خافه لما رأى من الفتوح، فاستأذنه في الرجوع وهو بآمد، فرجع يريد طخارستان وأسرع السير وبعث قتيبة إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسه وتبعه المغيرة فلم يدركه وأظهر نيزك الخلع ودعا لذلك الأصبهند ملك بلخ. وباذان ملك مروالروذ وملك الطالقان وملك القاربات وملك الجوزجان فأجابوه، وتوعدوا لغزو قتيبة. وكتب إلى كاتب شاه يستظهر به وبعث إليه بأثقاله وأمواله واستأذنه في الإتيان إن اضطر إلى ذلك. وكان جيفونة ملك ٣/٧٧

طخارستان نيزك ينزل عنده، فاستضعفه وقبض عليه وقيده خشية من خلافه وأخرج عامل قتيبة من بلده. وبلغ قتيبة وخبرهم قبل الشتاء وقد تفرق الجند فبعث أخاه عبد الرحمن بن مسلم في اثني عشر ألف إلى البروقان، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء تقدم إلى طخارستان وأنا قريب منك. ولما انصرم الشتاء استقدم قتيبة الجنود من نيسابور وغيرها فقدموا، فسار نحو الطالقان وكان ملكها قد دخل معهم في الخلع ففتحها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في مثلها، واستخلف عليها أخاه محمد بن مسلم، وسار إلى القاربات فخرج إليه ملكها مطيعا واستعمل عليها وسار إلى الجوزجان فلقيه أهلها بالطاعة، وهرب ملكها إلى الجبال واستعمل عليها عامر بن ملك الحماس. ثم أتى بلخ وتلقاه أهلها بالطاعة وسار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب حمله، ومضى نيزك إلى بغلان وخلف المقاتلة على فم الشعب ولا يهتدي إلى مدخل، ومضايقوه يمنعونه. ووضع أثقاله في قلعة من وراء الشعب، وأقام قتيبة أياما يقاتلهم على فم الشعب ولا يهتدى إلى مدخل، حتى دله عليه بعض العجم هنالك على طريق سرب منه الرجال إلى القلعة فقتلوهم، وهرب من بقي منهم ومضى إلى سمنجان ثم إلى نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن وارتحل نيزك إلى وادي فرغانة، وبعث أثقاله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى إلى السكون فتحصن به ولم يكن له إلا مسلك واحد صعب على الدواب فحاصره قتيبة شهرين حتى جهدوا وأصابهم جهد الجدري وقرب فصل الشتاء فدعا قتيبة بعض خواصه ممن كان يصادق نيزك فقال:

انطلق إليه وأثن عليه بغير أمان وإن أعياك فأمنه وإن جئت دونه صلبتك. فمضى الرجل وأشار عليه بلقائه وأنه عازم على أن يشق هنالك، فقال: أخشاه فقال له:

لا يخلصك إلا إتيانك، تنصح له بذلك وبأنه يخشى عليه من غدر أصحابه الذين معه. ولم يزل يفتل له في الذروة والغارب، وهو يمتنع حتى قال له: إنه قد أمنك. فأشار عليه أصحابه بالقبول لعلمهم بصدقة وخرج معه نيزك ومعهم جيفونة ملك طخارستان الذي كان قيده حتى انتهوا إلى الشعب وهناك خيل أكمنه الرجل ما كان فيه وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك فوافاه كتابه لأربعين يوما بقتله فقتله وقتل معه صول طرخان خليفة جيفونة وابن أخي نيزك ومن أصحابه ٣/٧٨

سبعمائة وصلبهم وبعث برأسه إلى الحجاج وأطلق جيفونة وبعث به إلى الوليد ثم رجع إلى مرو. وأرسل إليه ملك الجوزجان يستأمنه فأمنه على أن يأتيه فطلب الرهن فأعطاه. وقدم ثم رجع فمات بالطالقان وذلك سنة إحدى وتسعين. ثم سار إلى شومان فحاصرها، وقد كان ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فبعث إليه بعد مرجعه من هذه الغزاة أن يؤدي ما كان صالح عليه، فقتل الرسول، فسار إليه قتيبة وبعث له صالح أخو قتيبة وكان صديقه ينصحه في مراجعة الطاعة فأبى، فحاصره قتيبة ونصب عليه المجانيق فهدم الحصن وجمع الملك ما في الحصن من مال وجوهر ورمى به في بئر لا يدرك قعره، ثم استمات وخرج فقاتل حتى قتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم بعث أخاه عبد الرحمن إلى الصغد وملكهم طرخون فأعطى ما كان صالح عليه قتيبة. وسار قتيبة إلى كش ونسف فصالحوه. ورجع ولقي أخاه ببخارى وساروا إلى مرو. (ولما رجع) عن الصغد، حبس الصغد ملكهم طرخون لإعطائه الجزية وولوا عليهم غورك فقتل طرخون نفسه ثم غزا في سنة اثنتين وتسعين إلى سجستان يريد رتبيل فصالحه وانصرف. وكان ملك خوارزم قد غلبه أخوه خرزاد على أمره وكان أصغر منه وعاث في الرعية وأخذ أموالهم وأهليهم فكتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه على أن يمكنه من أخيه ومن عصاه من دونهم، فأجابه قتيبة ولم يطلع الملك أحدا من مرازبته على ذلك وتجهز قتيبة سنة ثلاث وتسعين وأظهر غزو الصغد، فأقبل أهل خوارزم على شأنهم ولم يحتفلوا بغزوه، وإذا به قد نزل هزارسب قريبا منهم، وجاء أصحاب خوارزم شاه إليه فدعوه للقتال فقال: ليس لنا به طاقة ولكن نصالحه على شيء نعطيه كما فعل غيرنا، فوافقوه. وسار إلى مدينة الفيد من وراء النهر، وهذا حصن بلاده وصالحه بعشرة آلاف رأس وعين ومتاع وأن يعينه على خام جرد وقيل على مائة ألف رأس . وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى خام جرد وهو عدو لخوارزم شاه فقاتله وقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه، وأسر منهم أربعة آلاف فقتلهم وسلم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه من أمرائه فقتلهم، ودفع أموالهم إلى قتيبة. ولما قبض قتيبة أموالهم أشار عليه المحشر بن مخازم ٣/٧٩

السلمي بغزو الصغد وهم آمنون على مسافة عشرة أيام. فقال أكتم ذلك فقدم أخاه في الفرسان والرماة، وبعثوا بالأثقال إلى مرو، وخطب قتيبة الناس وحثهم على الصغد وذكرهم الضغائن فيهم. ثم سار فأتى الصغد بعد ثلاث من وصول أخيه، فحاصرهم بسمرقند شهرا واستجاشوا ملك الشاش وأخشاد خاقان وفرغانة فانتخبوا أهل النجدة من أبناء الملوك والمرازبة والأساورة وولوا عليهم ابن خاقان وجاءوا إلى المسلمين، فانتخب قتيبة من عسكره ستمائة فارس، وبعث بهم أخاه صالحا لاعتراضهم. في طريقهم، فلقوهم بالليل وقاتلوهم أشد قتال، فهزموهم وقتلوهم وقتلوا ابن خاقان ولم يفلت منهم إلا القليل وغنموا ما معهم، ونصب قتيبة المجانيق فرماهم بها وثلم السور واشتد في قتالهم، وحمل الناس عليهم إلى أن بلغوا الثلمة. ثم صالحوه على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال، في كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، وأن يمكنوه من بناء مسجد بالمدينة ويخلوها حتى يدخل فيصلي فيه.

فلما فعل ذلك ودخل المدينة أكرههم على إقامة جند فيها وقيل إنه شرط عليهم الأصنام وما في بيوت النار فأعطوه فأخذ الحلية وأحرق الأصنام وجمع من بقايا مساميرها وكانت ذهبا خمسين ألف مثقال. وبعث بجارية من سبيها من ولد يزدجرد إلى الحجاج، فأرسلها الحجاج إلى الوليد وولدت له يزيد. ثم قال فورك لقتيبة انتقل عنا فانتقل وبعث إلى الحجاج بالفتح. ثم رجع إلى مرو واستعمل على سمرقند إياس ابن عبد الله على حربها، وعبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم على خراجها، فاستضعف أهل خوارزم إياسا وجمعوا له فبعث قتيبة عبد الله عاملا على سمرقند وأمره أن يضرب إياسا وحبايا السطي مائة مائة ويخلعهما. فلما قرب عبد الله من خوارزم مع المغيرة بن عبد الله فبلغهم ذلك وخشي ملكهم من أبناء الذين كان قتلهم ففر إلى بلاد الترك. وجاء المغيرة فقتل وسبى وصالحه الباقون على الجزية، ورجع إلى قتيبة فولاه على نيسابور ثم غزا قتيبة سنة أربع وتسعين إلى ما وراء النهر وفرض البعث على أهل بخارى وكش ونسف وخوارزم، فسار منهم عشرون ألف مقاتل فبعثهم إلى الشاش وسار هو إلى خجندة فجمعوا له واقتتلوا مرارا كان الظفر فيها للمسلمين. وفتح الجند الذين ساروا إلى الشاش مدينة الشاش وأحرقوها ورجعوا إلى قتيبة وهو على كشان ٣/٨٠

مدينة فرغانة وانصرف إلى مرو ثم بعث الحجاج إليه جيشا من العراق وأمره بغزو الشاش فسار لذلك وبلغه موت الحجاج فرجعوا إلى مرو.

خبر يزيد بن المهلب واخوته

كان الحجاج قد حبس يزيد وإخوته سنة ست وثمانين وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان فأقاموا في محبسهم إلى سنة تسعين. وبلغه أن الأكراد غلبوا على فارس فعسكر قريبا من البصرة للبعث وأخرج معه بني المهلب وجعلهم في فسطاط قريبا منه ورتب عليهم الحرس من أهل الشام. ثم طلب منهم ستة آلاف ألف، وأمر بعذابهم وبكت أختهم هند بنت المهلب زوجة الحجاج فطلقها. ثم كف عنهم وجعل يستأدبهم وبعثوا إلى أخيهم مروان وكان على البصرة أن يعد لهم خيلا وكان حبيب منهم يعذب بالبصرة فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب فأقاموا يتعاقرون واستغفلهم يزيد والمفضل وعبد الملك وخرجوا ولم يفطنوا لهم. ورفع الحرس خبرهم إلى الحجاج فخشيهم على خراسان وبعث البريد إلى قتيبة يخبرهم ليحذرهم، وكان يزيد قد ركب السفن إلى البطائح واستقبلته الخيل المعدة له هناك، وساروا إلى الشام على السماوة ومعهم دليل من كلب ونمى خبرهم إلى الحجاج فبعث إلى الوليد بذلك.

وقدموا إلى فلسطين فنزلوا على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي وكان كريما على سليمان فأخبره بحالهم وأنهم استجاروا به من الحجاج، فقال: ائتني بهم فقد أجرتهم.

وكتب الحجاج إلى الوليد أن بني المهلب خانوا مال الله وهربوا مني فلحقوا بسليمان.

فسكن ما به لأنه كان خشيهم على خراسان كما خشيهم الحجاج وكان غضبا للمال الذي ذهبوا به فكتب سليمان إلى الوليد أن يزيد عندي وقد أمنته، وكان الحجاج أغرمه ستة آلاف ألف فأد نصفها وأنا أؤدي النصف. فكتب الوليد لا أؤمنه حتى تبعث به، فكتب سليمان لأجيئن معه، فكتب الوليد إذن لا أؤمنه. فقال يزيد لسليمان: لا يتشاءم الناس بي لكما فاكتب معي وتلطف ما أطقت، فأرسله وأرسل معه ابنه أيوب وكان الوليد أمر أن يبعث مقيدا. فقال سليمان لابنه: أدخل على عمك أنت ويزيد في سلسلة. فقال: الوليد لما رأى ذلك لقد بلغنا من سليمان. ثم دفع أيوب كتاب أبيع بالشفاعة وضمان المال عن يزيد فقرأه الوليد واستعطفه أيوب في ذمة أبيه وجواره، وتكلم يزيد واعتذر فأمنه الوليد ورجع إلى سليمان وكتب الوليد إلى الحجاج ٣/٨١

بالكف عنهم فكف عن حبيب وأبي عبسة وكانا عنده وأقام يزيد عند سليمان يهدي إليه الهدايا ويصنع له الأطعمة.

ولاية خالد القسري على مكة وإخراج سعيد بن جبير عنها ومقتله

ولما كان في سنة ثلاث وتسعين كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد يقص عليه أفعال الحجاج بالعراق وما هم فيه من ظلمه وعدوانه، فبلغ بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن كثيرا من المراق وأهل الشقاق قد انجلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة ومنعهم عمر وأصابه من ذلك وهن. فولى الوليد على مكة خالد بن عبد الله القسري وعثمان بن حيان بإشارة الحجاج، وعزل عمر عن الحجاز وذلك في شعبان من السنة. ولما قدم خالد مكة أخرج من كان بها من أهل العراق كرها وتهدد من أنزل عراقيا أو أجره دارا وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز يلجأ إلى مكة والمدينة كل من خلف الحجاج فيأمن. وكان منهم سعيد بن جبير هاربا من الحجاج وكان قد جعله على عطاء الجند الذين وجههم مع عبد الرحمن بن الأشعث إلى قتال رتبيل فلما خرج عبد الرحمن كان سعيد فيمن خلع فكان معه إلى أن هزم وسار إلى بلاد رتبيل. فلحق سعيد بأصبهان، وكتب الحجاج فيه إلى عاملها فتحرج من ذلك ودس إلى سعيد فسار إلى أذربيجان. ثم طال عليه المقام فخرج إلى مكة فكان بها مع ناس أمثاله من طلبة الحجاج يستخفون بأسمائهم. فلما قدم خالد بن عبد الله مكة أمره الوليد بحمل أهل العراق إلى الحجاج فأخذ سعيد بن جبير ومجاهدا وطلق بن حبيب، وبعث بهم إلى الحجاج فمات طلق في الطريق وجيء بالآخرين إلى الكوفة وأدخلا على الحجاج. فلما رأى سعيدا شتم خالدا القسري على إرساله وقال: لقد كنت أعرف أنه بمكة وأعرف البيت الذي كان فيه، ثم أقبل على سعيد وقال: ألم أشركك في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ ثم تفعل بعدد أياديه عنده. فقال: بلى! قال:

فما أخرجك على قتالي؟ أنا امرؤ من المسلمين أخطئ مرة وأصيب أخرى. ثم استمر في محاورته فقال: إنما كانت بيعة في عنقي فغضب الحجاج وقال: ألم آخذ بيعتك لعبد الملك بمكة بعد مقتل ابن الزبير؟ ثم جددت له البيعة بالكوفة فأخذت بيعتك ٣/٨٢

ثانيا؟ قال: بلى! قال: فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين، وتوفي بواحدة للفاعل بن الفاعل، والله لأقتلنك. فقال: إني لسعيد كما سمتني أمي فضربت عنقه فهلل رأسه ثلاثا أفصح منها بمرة. ويقال: إن عقل الحجاج التبس يومئذ وجعل يقول: قيودنا قيودنا فظنوها قيود سعيد بن جبير، فأخذوها من رجليه وقطعوا عليها ساقيه، وكان إذا نام يرى سعيد بن جبير في منامه آخذا بمجامع ثوبه يقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فينتبه مرعوبا يقول: ما لي ولسعيد بن جبير.

وفاة الحجاج

وتوفي الحجاج في شوال خمس وتسعين لعشرين سنة من ولايته العراق، ولما حضرته الوفاة استخلف على ولايته ابنه عبد الله وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهم الوليد بعد وفاته. وكتب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجهدك وجهادك أعداء المسلمين وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك الذي تحب، فأتمم مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأني انظر إلى بلادك والثغر الذي أنت فيه ولم يغير الوليد أحدا من عمال الحجاج.

أخبار محمد بن القاسم بالسند

كان محمد بن القاسم بالملتان وأتاه خبر وفاة الحجاج هنالك فرجع إلى الدور والثغور وكان قد فتحها. ثم جهزه الناس إلى السلماس مع حبيب فأعطوا الطاعة وسالمه أهل شرست وهي مغزى أهل البصرة وأهلها يقطعون في البحر. ثم سار في العسكر إلى فخرج إليه دوهر فقاتله محمد وهزمه وقتله. ونزل أهل المدينة على حكمه فقتل وسبى ولم يزل عاملا على السند إلى أن ولي سليمان بن عبد الملك فعزله وولى يزيد بن أبي كبشة السكسكي على السند مكانه فقيده يزيد وبعث به إلى العراق فحبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط وعذبه في رجال من قرابة الحجاج على ٣/٨٣

قتلهم. وكان الحجاج قتل أخاه آدم على رأي الخوارج ومات يزيد بن أبي كبشة لثمان عشرة ليلة من مقدمه. فولى سليمان على السند حبيب بن المهلب فقدمها وقد رجع ملوك السند إلى ممالكهم ورجع حبشة بن داهر إلى برهماباذ فنزل حبيب على شاطئ مهران وأعطاه أهل الروم الطاعة، وحارب فظفر، ثم أسلم الملوك لما كتب عمر بن عبد العزيز إلى الإسلام على أن يملكهم وهم أسوة المسلمين فيما لهم وعليهم، فأسلم حبشة والملوك وتسموا بأسماء العرب وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمر على ذلك الثغر فغزا بعض الهند وظفر. ثم ولى الجنيد بن عبد الرحمن على السند أيام هشام بن عبد الملك، فأتى شط مهران، ومنعه حبشة بن داهر العبور وقال: إني قد أعملت وولاني الرجل الصالح ولست آمنك فأعطاه الرهن ثم ردها حبشة وكفر وحارب فحاربه الجنيد في السفن وأسره ثم قتله. وهرب صصة بن داهر إلى العراق شاكيا لغدر الجنيد فلم يزل يؤنسه حتى جاءه فقتله. ثم غزا الجنيد الكيرج من آخر الهند وكانوا نقضوا فاتخذ كباشا زاحفة ثم صك بها سور المدينة فثلمها ودخل فقتل وسبى وغنم، وبعث العمال إلى المرمد والمعدل ودهنج وبعث جيشا إلى أرين فأغاروا عليها وأحرقوا ربضها وحصل عنده سوى ما حمل أربعون ألف ألف وحمل مثلها. وولى تميم بن زيد الضبي فضعف ووهن ومات قريبا من الديبل. وفي أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند وتركوا مراكزهم. ثم ولي الحكم بن سوام الكلبي وقد كفر أهل الهند الا أهل قصة، فبنى مدينة سماها المحفوظة وجعلها مأوى المسلمين، وكان معه عمر بن محمد بن القاسم وكان يفوض إليه عظائم الأمور وأغزاه عن المحفوظة. فلما قدم وقد ظهر أمره فبنى مدينة وسماها المنصورة وهي التي كانت أمراء السند ينزلونها واستخلص ما كان غلب عليه العدو، ورضي الناس بولايته. ثم قتل الحكم وضعفت الدولة الأموية عن الهند وتأتي أخبار السند في دولة المأمون. ٣/٨٤

فتح مدينة كاشغر

أجمع قتيبة لغزو مدينة كاشغر سنة ست وتسعين وهي أدنى مدائن الصين فسار لذلك وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعها بسمرقند وعبر النهر، وجعل على المجاز مسلحة يمنعون الراجع من العسكر إلا بإذنه! وبعث مقدمه إلى كاشغر فغنموا وسبوا وختم أعناق السبي. وأوغل حتى قارب الصين فكتب إليه ملك الصين يستدعي من أشراف العرب من يخبره عنهم وعن دينهم فانتخب قتيبة عشرة من العرب كان منهم هبيرة بن شمرج الكتابي. وامر لهم بعدة حسنة ومتاع من الخز والوشي وخيول أربعة وقال لهم: أعلموه أني حالف أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبي خراجهم. ولما قدموا على ملك الصين دعاهم في اليوم الأول فدخلوا وعليهم الغلائل والأردية، وقد تطيبوا ولبسوا النعال. فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن حضره، وقالوا بعد انصرافهم هؤلاء نسوان. فلبسوا الوشي والمطارف وعمائم الخز وغدوا عليه فلم يكلموهم وقالوا هذه أقرب إلى هيئة الرجال ثم دعاهم الثالثة فلبسوا سلاحهم وعلى رءوسهم البيضات والمغافر وتوشحوا السيوف واعتقلوا الرماح ونكبوا القسي فهالهم منظرهم ثم انصرفوا وركبوا فتطاردوا فعجب القوم منهم. ثم دعا زعيمهم هبيرة بن شمرج فسأله لم خالفوا في زيهم فقال: أما الأول فإنا نساء في أهلنا وأما الثاني فزينا عند أمرائنا، وأما الثالث فزينا لعدونا. فاستحسن ذلك، ثم قال له: قد رأيتم عظم ملكي وأنه ليس أحد يمنعكم مني، وقد عرفت قلتكم فقولوا لصاحبكم ينصرف وإلا بعثت من يهلككم. فقال هبيرة كيف نكون في قلة وأول خيلنا في بلادك وآخرها في منابت الزيتون. وأما القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه، ولنا آجال إذا حضرت فلن نتعداها وقد حلف صاحبنا أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويأخذ جزيتكم قال الملك: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث له بتراب من أرضنا فيطؤه، ويقبض أبناءنا فيختمهم وبهدية ترضيه، ثم أجازهم فأحسن. وقدموا على قتيبة فقبل الجزية ووطئ التراب وختم الغلمان وردهم ثم انصرف من غداته. وأوفد هبيرة إلى الوليد، وبلغه وهو في الفرات موت الوليد. ٣/٨٥

وفاة الوليد وبيعة سليمان

ثم توفي الوليد في منتصف جمادى الأخيرة من سنة ست وتسعين وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان من أفضل خلفاء بني أمية وبنى المساجد الثلاثة: مسجد المدينة، ومسجد القدس ومسجد دمشق. ولما أراد بناء مسجد دمشق كانت في موضعه كنيسة فهدمها وبناها مسجدا وشكوا ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال: نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فإنها خارج المدينة مما فتح عنوة ونبنيها مسجدا فتركوا ذلك. وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند، وكان يتخذ الضياع وكان متواضعا يمر بالبقال فيسأله بكم حزمة البقل؟ ويسعر عليه وكان يختم القرآن في ثلاث وفي رمضان في يومين وكان أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه إلا الحجاج وقتيبة وبعض خواصه. واستقدم سليمان ثم استبطأه فأجمع السير إليه ليخلعه فمات دون ذلك. ولما مات بويع سليمان من يومه وهو بالرملة فعزل عثمان بن حيان من المدينة آخر رمضان، وولى عليها أبا بكر ابن محمد بن عمر بن حزم، وعزل ولاة الحجاج عن العراق فولى يزيد بن المهلب على المصرين وعزل عنهما يزيد بن أبي مسلم. فبعث يزيد أخاه زيادا على عمان وأمر سليمان يزيد بن المهلب بنكبة آل أبي العقيل قوم الحجاج وبني أبيه وبسط أصناف العذاب عليهم، فولى على ذلك عبد الملك بن المهلب.

مقتل قتيبة بن مسلم

ولما ولي سليمان خافه قتيبة لما قدمناه من موافقته الوليد على خلعه فخشي أن يولي يزيد ابن المهلب خراسان فأجمع خلعه وكتب إليه لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمني لأخلعنك ولأملأنها عليك خيلا ورجلا فأمنه وكتب له العهد على خراسان وبعث إليه رسوله بذلك، فبعث الرسول وهو بحلوان أنه قد خلع وكان هو بعد بعثة الكتاب إلى سليمان قد اشتد وجله وأشار عليه أخوه عبد الله بالمعاجلة، فدعا الناس إلى الخلع وذكرهم بوائقه وسوء ولاية من تقدمه فلم يجبه أحد، فغضب وشتمهم وعدد وقالبهم قبيلة قبيلة وأثنى على نفسه بالأب والبلد والمعشر. فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان وأجمعوا على خلع قتيبة وخلافه وعذل قتيبة أصحابه فيما كان منه فقال: لما لم تجيبوني ٣/٨٦

غضبت فلم أدر ما قلت. وجاء الأزد إلى حضين بن المنذر «بالضاد المعجمة» فقالوا:

كيف ترى هذا يدعو إلى فساد الدين ويشتمنا فعرف مغزاهم فقال: إن مضر كيف ترى هذا يدعو إلى فساد الدين ويشتمنا فعرف مغزاهم فقال: إن مضر بخراسان كثير وتميم أكثرهم وهم شوكتها ولا يرضون بغيرهم فيصيبوا قتيبة ولا أرى لها إلا وكيعا. وكان وكيع موثقا من قتيبة بعزله وولاية ضرار بن حصين الضبي مكانه.

وقال حيان النبطي مولى بن شيبان ليس لها غير وكيع، ومشى الناس بعضهم إلى بعض سرا وتولى كبر ذلك حيان ونمي خبره إلى قتيبة فأمر بقتله إذا دخل عليه، وتنصح بعض خدم قتيبة بذلك إلى حيان فلما دعاه تمارض، واجتمع الناس إلى وكيع وبايعوه. فمن أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف، ومن بكر سبعة آلاف رئيسهم حضين بن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف عليهم ابن زخر ومن الموالي سبعة آلاف عليهم حيان النبطي وقيل من الديلم، وسمي نبطيا للكنته. وشرط على وكيع أن يحول له الجانب الشرقي من نهر بلخ فقبل، وفشا الخبر وبلغ قتيبة فدس ضرار بن سيان الضبي إلى وكيع فبايعه، وجاء إلى قتيبة بالخبر فأرسل قتيبة إلى وكيع فاعتذر بالمرض. فقال لصاحب شرطته: ائتني به وإن أبى ائتني برأسه فلما جاء إلى وكيع ركب ونادى في الناس فأتوه أرسالا. واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواصه وثقاته وبنو عمه، وأمر فنودي في الناس قبيلة قبيلة، وأجابوه بالجفوة. يقول: أين بنو فلان؟ فيقولون: حيث وضعتهم فنادى بأذكركم الله والرحم، فقالوا: أنت قطعتها! فنادى لكم العتبى، فقالوا: إنا لنا الله إذا فدعا ببرذون ليركبه فمنعه ورمحه فعاد إلى سريره وجاء حيان النبطي في العجم، فأمره عبد الله أخو قتيبة أن يحمل على القوم، فاعتذر وقال لابنه: إذا لقيتني حولت قلنسوتي فمل بالأعاجم إلى وكيع، ثم حولها وسار بهم ورمى صالح أخو قتيبة بسهم فحمل إلى أخيه. ثم تهايج الناس وجاء إلى عبد الرحمن أخي قتيبة الغوغاء ونحوهم فأحرقوا آريا فيه إبل قتيبة ودوابه. ثم زحفوا به حتى بلغوا فسطاطه فقطعوا أطنابه وجرح جراحات كثيرة ثم قطعوا رأسه وقتل معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم ومسلم وابنه كثير، وقيل قتل عبد الكريم بقزوين، فكان عدة من قتل من أهله أحد عشر رجلا، ونجا أخوه عمر مع أخواله من تميم. ثم صعد وكيع المنبر وأنشد الشعر في الثناء على نفسه وفعله والذم من قتيبة ووعد بحسن السيرة وطلب رأس قتيبة وخاتمه من الأزد ٣/٨٧

وهددهم عليه فجاءوا به فبعثه إلى سليمان. ووفى وكيع لحيان النبطي بما ضمن له.

ولاية يزيد بن المهلب خراسان

كان يزيد بن المهلب لما ولاه سليمان العراق على الحرب والصلاة والخراج استكره أن يحيف على الناس في الخراج فتلحقه المذمة كما لحقت الحجاج ويخرب العراق، وإن قصر عن ذلك لم يقبل منه فرغب من سليمان أن يعفيه من الخراج وأشار عليه بصالح ابن عبد الرحمن مولى تميم فولاه سليمان الخراج وبعثه قبل يزيد فلما جاء صالح إلى يزيد ضيق عليه صالح، وكان يزيد يطعم على ألف خوان فاستكثرها صالح فقال:

اكتب ثمنها علي وغير ذلك وضجر يزيد وجاء خبر خراسان ومقتل قتيبة فطمع يزيد في ولايتها ودس عبد الله بن الأهتم على سليمان أن يوليه خراسان ولا يشعر بطلبته بذلك. وسيره على البريد فقال له سليمان: إن يزيد إلي بذكر عملك بالعراق! فقال: نعم بها ولدت وبها نشأت. ثم استشاره فيمن يوليه خراسان ولم يزل سليمان بذكر الناس وهو يردهم، ثم حذره من وكيع وغدره قال: فسم أنت! قال شريطة الكمال الإجازة ممن أشير به، وإذا علم يكره ذلك. ثم قال: هو يزيد بن المهلب فقال سليمان: العراق أحب إليه، فقال ابن الأهتم: قد عملت ولكن نكرهه فيستخلف على العراق ويسير إلى خراسان، فكتب عهد يزيد على خراسان وبعثه مع ابن الأهتم فلما جاءه بعث ابنه مخادا على خراسان ثم سار بعده واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمي وعلى البصرة ابن عبد الله بن هلال الكلابي، وعلى الكوفة حرملة بن عيد اللمغمي. ثم عزله لأشهر بشير بن حيان النهدي، فكانت قيس تطلب بثأر قتيبة وتزعم أنه لم يخلع. فأوصى سليمان يزيد إن أقامت قيس بينة أنه لم يخلع أن يقيد به من وكيع.

أخبار الصوائف وحصار قسطنطينية

كانت الصوائف تعطلت من الشام منذ وفاة معاوية وحدوث الفتن واشتدت الفتن أيام عبد الملك اجتمعت الروم واستجاشوا على أهل الشام فصالح عبد الملك صاحب قسطنطينية على أن يؤدي إليه كل يوم جمعة ألف دينار خشية منه على المسلمين ونظرا ٣/٨٨

لهم، وذلك سنة سبعين لعشر سنين من وفاة معاوية. ثم لما قتل مصعب وسكنت الفتنة بعث الجيوش سنة إحدى وسبعين في الصائفة. فدخل فافتتح قيسارية، ثم ولى على الجزيرة وأرمينية أخاه محمد بن مروان سنة ثلاث وسبعين فدخل في الصائفة إلى بلاد الروم فهزمهم، ودخل عثمان بن الوليد من ناحية أرمينية في أربعة آلاف ولقيه الروم في ستين ألفا فهزمهم وأثخن فيهم بالقتل والأسر. ثم غزا محمد بن مروان سنة أربع وسبعين فبلغ أنبولية وغزا في السنة بعدها في الصائفة من طريق مرعش، فدوخ بلادهم وخرج الروم في السنة بعدها إلى العتيق فغزاهم من ناحية مرعش ثانية، ثم غزاهم سنة ست وسبعين من ناحية ملطية ودخل في الصائفة سنة سبع وسبعين الوليد ابن عبد الملك فأثخن فيهم ورجع وجاء الروم سنة تسع وسبعين فأصابوا من أهل أنطاكية وظفروا بهم فبعث عبد الملك سنة إحدى وثمانين ابنه عبيد الله بالعسكر ففتح قاليقلا. ثم غزا محمد بن مروان سنة اثنتين وثمانين أرمينية وهزمهم، فسألوه الصلح فصالحهم وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروه وقتلوه فغزاهم سنة خمس وثمانين وصاف فيها وشتى ثم غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ودوخها، ورجع وعاد إليها سنة سبع وثمانين. فأثخن فيهم بناحية المصيصة وفتح حصونا كثيرة. منها حصن بولق والأحزم وبولس وقمقيم. وقتل من المستقربة ألف مقاتل وسبى أهاليهم. ثم غزا بلاد الروم سنة تسع وثمانين مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس أردولية، ولقي جمعا من الروم فهزمهم. وقيل إن مسلمة قصد عمورية فلقي بها جمعا من الروم فهزمهم. وافتتح هرقلة وقمولية وغزا العباس الصائفة من ناحية البلد بدون. وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك سنة تسع وثمانين من ناحية أذربيجان ففتح حصونا ومدائن هناك. ثم غزا سنة تسعين ففتح الحصون الخمس التي بسورية. وغزا العباس حتى بلغ أردن وسورية. وفي سنة إحدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد في الصائفة مع مسلمة بن عبد الملك وكان الوليد قد ولى مسلمة على الجزيرة وأرمينية وعزل عمه محمد بن مروان عنها، فغزا الترك من ناحية أذربيجان حتى الباب وفتح مدائن وحصونا، ثم غزا سنة اثنتين وتسعين بعدها ففتح ثلاثة حصون وجلا أهل سر سنة إلى بلاد الروم ثم غزا العباس بن الوليد سنة ثلاث بعدها بلاد الروم ففتح سبيطلة، وغزا مروان بن الوليد فبلغ حنجرة. وغزا مسلمة ففتح ماشية وحصن الحديد وغزالة من ناحية ملطية. وغزا ٣/٨٩

العباس بن الوليد سنة أربع وتسعين ففتح انطاكية. وغزا عبد العزيز بن الوليد ففتح غزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطي مروج الحمام، ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفي سنة خمس وتسعين غزا العباس الروم ففتح هرقلة. وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة أرض الرضاخية وفتح الحصن الذي فتحه الرصاع، وغزا عمر بن هبيرة أرض الروم في البحر فشتى بها، وبعث سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية وبعث ابنه داود على الصائفة ففتح حصن المراة، وفي سنة ثمان وتسعين مات ملك الروم، فجاء القون إلى سليمان فأخبره وضمن له فتح الروم، وسار سليمان إلى وابق وبعث الجيوش مع أخيه مسلمة، ولما دنا من القسطنطينية أمر أهل المعسكر أن يحمل كل واحد مدين من الطعام ويلقوه في معسكرهم فصار أمثال الجبال واتخذ البيوت من الخشب وأمر الناس بالزراعة وصاف وشتى وهم يأكلون من زراعتهم وطعامهم الذي استاقوه مدخرا. ثم جهد أهل القسطنطينية الحصار، وسألوا الصلح على الجزية دينارا على الرأس، فلم يقبل مسلمة وبعث الروم إلى ألقون إن صرفت عنا المسلمين ملكناك فقال لمسلمة: لو أحرقت هذا الزرع علم الروم أنك قصدتهم بالقتال فنأخذهم باليد وهم الآن يظنون مع بقاء الزرع أنك تطاولهم، فأحرق الزرع فقوي الروم وغدر ألقون وأصبح محاربا، وأصاب الناس الجوع فأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وسلمان مقيم بوابق وحال الشتاء بينهم وبينه فلم يقدر أن يمدهم حتى مات وأغارت برجان على مسلمة وهو في قلة فهزمهم وفتح مدينتهم. وغزا في هذه السنة الوليد بن هشام فأثخن في بلاد الروم. وغزا داود بن سليمان سنة ثمان وتسعين ففتح حصن المراة مما يلي ملطية. وفي سنة تسع وتسعين بعث عمر بن عبد العزيز مسلمة وهو بأرض الروم وأمده بالنفول بالمسلمين وبعث إليه بالخيل والدواب، وحث الناس على معونتهم ثم أمر عمر بن عبد العزيز أهل طريدة بالجلاء عنها إلى ملطية وخربها. وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين وفرض على أهل الجزيرة مسلحة تكون عندهم إلى فصل الشتاء، وكانت متوغلة في أرض الروم فخربها عمر، وولى على ملطية جعونة بن الحرث من بني عامر بن صعصعة. وأغزى عمر سنة مائة من الهجرة بالصائفة الوليد بن هشام المعيطي وعمر ابن قيس الكندي. ٣/٩٠

فتح جرجان وطبرستان

كان يزيد بن المهلب يريد فتحهما لما أنهما كانتا للكفار، وتوسطتا بين فارس وخراسان ولم يصبهما الفتح. وكان يقول وهو في جوار سليمان بالشام إذا قصت عليه أخبار قتيبة وما يفعله بخراسان وما وراء النهر، ما فعلت جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت يوسس ونيسابور وليست هذه الفتوح بشيء والشأن في جرجان. فلما ولاه سليمان خراسان سار إليها في مائة ألف من أهل العراق والشام وخراسان سوى الموالي والمتطوعة، ولم تكن جرجان يومئذ مدينة إنما هي جبال ومخارم يقوم الرجل على باب منها فيمنعه فابتدأ بقهستان فحاصرها وبها طائفة من الترك فكانوا يخرجون فيقاتلون وينهزمون في كل يوم ويدخلون حصنهم ولم يزل على ذلك حتى بعث إليه دهقان يستأذن يسأل في الصلح ويسلم المدينة وما فيها فصالحه وأخذ ما فيها من الأموال والكنوز والسبي ما لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألفا من الترك، وكتب إلى سليمان بذلك. ثم سار إلى جرجان وكان سعيد بن العاصي قد صالحهم على الجزية مائة ألف في السنة فكانوا أحيانا يجبون مائة وأحيانا مائتين وأحيانا ثلاثمائة، وربما أعطوا ذلك وربما منعوا، ثم كفروا ولم يعطوا خراجا، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا الطريق إلى خراسان على فكان الناس يسلكون على فارس وسلماس. ثم فتح قتيبة طريق قومس وبقي أمر جرجان حتى جاء يزيد فصالحوه. ولما فتح يزيد قهستان وجرجان طمع في طبرستان فاستعمل عبد الله بن معمر اليشكري على ساسان وقهستان، وخلف معه أربعة آلاف فارس، وسار إلى أدنى جرجان من جهة طبرستان ونزل بآمد. ونسا راشد بن عمر في أربعة آلاف. ودخل بلاد طبرستان فسأل صاحبها الأصبهبذ في الصلح، وأن يخرج من طبرستان فأبى يزيد ورجا أن يفتحها، ووجه أخاه عيينة من وجه وابنه خالد بن يزيد من وجه، وإذا اجتمعا فعيينة على الناس واستجاش الأصبهبذ أهل جيلان والديلم والتقوا فانهزم ٣/٩١

المشركون، واتبعهم المسلمون إلى الشعب وصعد المشركون في الجبل فامتنعوا على المسلمين وصعد أبو عيينة بمن معه خلفهم فهزمهم المشركون في الوعر فكفوا وكاتب الأصبهبذ أهل جرجان ومقدمهم المرزبان أن يبيتوا للمسلمين عندهم ليقطعوا المادة عن يزيد والطريق بينه وبين جرجان ووعدهم بالمكافأة على ذلك فساروا بالمسلمين وهم غارون، وقتل عبد الله بن معمر وجميع من معه ولم ينج أحد وكتبوا إلى الأصبهبذ بأخذ المضايق والطرق، وبلغ ذلك يزيد وأصحابه فعظم عليهم وهالهم، وفزع يزيد إلى حيان النبطي وكان قد غرمه مائتي ألف درهم بسبب أنه كتب إلى ابنه مخلد كتابا فبدأ بنفسه. فقال له: لا يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، وقد علمت ما جاءنا من جرجان فاعمل في الصلح. فأتى حيان الأصبهبذ ومت إليه بنسب العجم وتنصل له وفتل له في الذروة والغارب حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل على يد كل رجل منهم ترس وطيلسان وجام من فضة وخرقة حرير وكسوة، فأرسل يزيد لقبض ذلك ورجع. أه. (وقيل) في سبب مسير يزيد إلى جرجان أن صولا التركي كان على قهستان والبحيرة، جزيرة في البحر على خمسة فراسخ من قهستان، وهما من جرجان مما يلي خوارزم وكان يغير على فيروز بن فولفول مرزبان جرجان وأشار فيروز بنصيب من بلاده، فسار فيروز إلى يزيد هاربا منه وأخذ صول جرجان وأشار فيروز على يزيد أن يكتب إلى الأصبهبذ ويرغبه في العطاء إن هو حبس صولا بجرجان حتى يحاصر بها، ليكون ذلك وسيلة إلى معاكسته وخروجه عن جرجان فيتمكن يزيد منه فكتب إلى الأصبهبذ وبعث بالكتاب إلى صول فخرج من حينه إلى البحيرة وبلغ يزيد الخبر فسار إلى جرجان ومعه فيروز واستخلف على خراسان ابنه مخلدا. وعلى سمرقند وكش ونسف وبخارى ابنه معاوية وعلى طخارستان ابن قبيصة بن المهلب، وأتى جرجان فلم يمنعه دونها أحد ودخلها ثم سار منها إلى البحير وحصر صولا بها شهرا حتى سأل الصلح على نفسه وماله وثلاثمائة ويسلم إليه البحيرة فأجابه ٣/٩٢

يزيد وخرج صول عن البحيرة وقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفا وأمر إدريس بن حنظلة العمى أن يحصي ما في البحيرة ليعطي الجند فلم يقدر. وكان فيها من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعسل شيء كثير ومن الذهب والفضة كذلك ولما صالح يزيد أصبهبذ طبرستان كما قدمناه سار إلى جرجان وعاهد الله إن ظفر بهم ليطحنن القمح على سائل دمائهم ويأكل منه فحاصرهم سبعة أشهر وهم يخرجون إليه فيقاتلونه ويرجعون وكانوا متمنعين في الجبل والأوعار وقصد رجل من عجم خراسان فأتبع بخلا في الجبل وانتهى إلى معسكرهم وعرف الطريق إليه ودل الأدلة على معالمه، وأتى يزيد فأخبره فانتخب ثلاثمائة رجل مع ابنه خالد وضم إليه جهم بن ذخر وبعثه وذلك الرجل يدل به، وواعده أن يناهضهم العصر من الغداة ولما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب عنده حتى اضطرمت النيران ونظر العدو إلى النار فهالهم وحاموا للقتال آمنين خلفهم فناشبهم يزيد إلى العصر وإذا بالتكبير من ورائهم فهربوا إلى حصنهم وأتبعهم المسلمون فأعطوا ما بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد فقتل المقاتلة وسبى الذرية وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان، ومكن أهل الثأر منهم حتى استلحموهم وجرى الماء على الدم وعليه الأرحاء فطحن وخبز وأكل وقتل منهم أربعين ألفا وبنى مدينة جرجان ولم تكن بنيت قبل ورجع إلى خراسان وولى على جرجان جهم بن ذخر الجعفي ولما قتل مقاتلهم صلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره.

وفاة سليمان وبيعة عمر بن عبد العزيز

ثم توفى سليمان بدابق من أرض قنسرين من سنة تسعة وتسعين في صفر منها، وقد كان في مرضه أراد أن يعهد إلى ولده داود، ثم استصغره وقال له كاتبه رجاء بن حيوة ابنك غائب عنك بقسطنطينية ولا يعرف حياته من موته فعدل إلى عمر بن عبد العزيز وقال له: إني والله لأعلم أنها تكون فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده، وكان عبد الملك قد جعل ذلك له وكتب بعد البسملة هذا كتاب من عبد الله بن سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز: إني قد وليتك الخلافة من بعدي ٣/٩٣

ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله، ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب ثم أمر كعب بن جابر العبسي صاحب الشرطة أن يجمع أهل بيته، وأمر رجاء بن حيوة أن يدفع لهم كتابه وقال: أخبرهم أنه كتابي فليبايعوا من وليت فيه فبايعوه رجلا رجلا وتفرقوا وأتى عمر إلى رجاء يستعمله ويناشده الله والمودة يستعفي من ذلك فأبى وجاءه هشام أيضا يستعمله ليطلب حقه في الأمر فأبى، فانصرف أسفا أن يخرج من بني عبد الملك ثم مات سليمان وجمع رجاء أهل بيته فقرأ عليهم الكتاب فلما ذكر عمر قال هشام: والله لا نبايعه أبدا فقال له رجاء: والله نضرب عنقك فقام أسفا يجر رجليه حتى جاء إلى عمر بن عبد العزيز وقد أجلسه رجاء على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فبايعه واتبعه الباقون ودفن سليمان وصلى عليه عمر بن عبد العزيز والوليد كان غائبا عن موت سليمان ولم يعلم بيعة عمر فعقد لواء ودعا لنفسه وجاء إلى دمشق. ثم بلغه عهد سليمان فجاء إلى عمر واعتذر إليه وقال: بلغني أن سليمان لم يعهد فخفت على الأموال أن تنهب فقال: عمر لو قمت بالأمر لقعدت في بيتي ولم أنازعك فقال عبد العزيز: والله لا أحب لهذا الأمر غيرك وأول ما بدأ به عمر لما استقرت البيعة له أنه رد ما كان لفاطمة بنت عبد الملك زوجته من المال والحلي والجوهر إلى بيت المال وقال: لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد فردته جميعه ولما ولى أخوها يزيد من بعد رده عليها فأبت وقالت: ما كنت أعطيه حيا أعطيه ميتا ففرقه يزيد على أهله وكان بنو أمية يسبون عليا فكتب عمر إلى الآفاق بترك ذلك، وكتب إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول بالمسلمين.

عزل يزيد بن المهلب وحبسه والولاية على عماله

ولما استقرت البيعة لعمر كتب في سنة مائة إلى يزيد بن المهلب أن يستخلف على عماله ويقدم فاستخلف مخلدا ابنه وقدم من خراسان وقد كان عمر ولى على البصرة عدي ابن أرطاة الفزاري وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وضم إليه أبا الزناد، فكتب إلى عدي بن أرطاة موسى أن يقبض على يزيد بن المهلب ويبعثه مقيدا، فلما نزل يزيد واسط وركب السفن يريد البصرة بعث علي بن ٣/٩٤

أرطاة موسى بن الرحيبة الحميري فلقيه في نهر معقل عند الجسر فقيده وبعث به إلى عمر، وكان عمر يبغضه ويقول إنه مراء وأهل بيته جبابرة فلما طالبه بالأموال التي كتب بها إلى سليمان من خمس جرجان قال: إنما كتبت لأسمع الناس، وعلمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بذلك. فقال له عمر: اتق الله وهذه حقوق المسلمين لا يسعني تركها ثم حبسه بحصن حلب وبعث الجراح بن عبد الله الحكمي واليا على خراسان مكانه. وانصرف يزيد بن يزيد فقدم على عمر واستعطفه لأبيه وقال له: يا أمير المؤمنين إن كانت له بينة فخذ بها وإلا فاستحلفه وإلا فصالحه أو فصالحني على ما تسأل فأبى عمر من ذلك وشكر من مخلد ما فعل، ثم ألبس يزيد جبة صوف وحمله على جمل وسيره إلى دهلك ومر يزيد على الناس وهو ينادي بعشيرة وبالنكير لما فعل به فدخل سلامة بن نعيم الخولاني على عمر وقال: أردد يزيد إلى محبسه لئلا ينزعه قومه، فإنهم قد غضبوا، فرده إلى أن كان من أمر فزارة ما يذكر.

ولاية عبد الرحمن بن نعيم القشيري على خراسان

ولما عزل يزيد عن خراسان وكان عامل جرجان جهم بن ذخر الجعفي فأرسل عامل العراق على جرجان عاملا مكانه، فحبسه جهم وقيده فلما جاء الجراح إلى خراسان أطلق أهل جرجان عاملهم، ونكر الجراح على جهم ما فعل وقال: لولا قرابتك مني ما سوغتك هذا! يعني أن جهما وجعفا معا ابنا سعد العشيرة. ثم بعث في الغزو وأوفد على عمر وفدا فكلم فيه بعضهم عمر بأنه يعري الموالي بلا عطاء ولا رزق ويؤاخذ من أسلم من أهل الذمة بالخراج. ثم عرض بأنه سيف من سيوف الجراح قد علم بالظلم والعدوان. فكتب عمر إلى الجراح انظر من صلى قبلك فخل عنه الجزية فسارع الناس إلى الإسلام فرارا من الجزية فامتحنهم بالختان وكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمران! الله بعث محمدا داعيا ولم يبعثه خاتنا واستقدم الجراح وقال: احمل معك أبا مخلد واستخلف على حرب خراسان عبد الرحمن ابن نعيم القشيري ولما قدم على عمر قال: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان.

قال: صدق من وصفك بالجفاء، ألا أقمت حتى تقطر ثم تسافر. ثم سأل عمر أبا مخلد عن عبد الرحمن بن عبد الله فقال يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء ويقدم إن وجد ما يساعده، قال: فعبد الرحمن بن نعيم؟ قال: يحب العافية وتأتيه! قال: ٣/٩٥

هو أحب إلي فولاه الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيري الخراج فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى قتل يزيد بن المهلب. وولي مسلمة فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف وظهر من أيام الجراح بخراسان دعاة بني العباس فيمن بعثه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس إلى الآفاق حسبما يذكر في أخبار الدولة العباسية.

وفاة عمر بن عبد العزيز وبيعة يزيد

ثم توفى عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان ودفن بها السنتين وخمسة أشهر من ولايته ولأربعين من عمره وكان يدعى أشج بني أمية رمحته دابة وهو غلام فشجته. ولما مات ولي بعده يزيد بن عبد الملك بعهد سليمان كما تقدم وقيل لعمر حين احتضر: أكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة فقال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك! ثم كتب أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما أترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك والسلام. ولما ولي يزيد عزل أبا بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن المدينة وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري وغير كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز وكان من ذلك شأن خراج اليمن فإن محمدا أخا الحجاج جعل عليهم خراجا مجددا وأزال ذلك عمر إلى العشر أو نصف العشر وقال: لئن يأتيني من اليمن حبة ذرة أحب إلي من تقرير هذه الوظيفة فلما ولي يزيد أعادها وقال لعامله خذها منهم ولو صاروا حرضا وهلك عمه محمد بن مروان فولى مكانه على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية عمه الآخر مسلمة بن عبد الملك.

احتيال يزيد بن المهلب مقتله

قد تقدم لنا حبس يزيد بن المهلب فلم يزل محبوسا حتى اشتد مرض عمر بن عبد العزيز فعمل في الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لأن زوجته بنت أخي الحجاج وكان سليمان أمر ابن المهلب بعذاب قرابة الحجاج كلهم فنقلهم من البلقاء وفيهم زوجة يزيد وعذبها وجاءه يزيد بن عبد الملك إلى منزله شافعا فلم يشفعه فضمن حمل ما قرر عليها فلم يقبل فتهدده فقال له ابن المهلب لئن وليت أنت لأرمينك بمائة ألف ٣/٩٦

سيف، فحمل يزيد بن عبد الملك عنها مائة ألف دينار. ولما اشتد مرض عمر خاف من ذلك وأرسل إلى مواليه أن يغدوا له بالإبل والخيل في مكان عينه لهم وبعث إلى عامل حلب باشفاقه من يزيد، وبذل له المال وإلى الحرس الذين يحفظونه فخلى سبيله، وأتى إلى دوابه فركبها ولحق بالبصرة. وكتب إلى عمر: إني والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك. ولكن خفت أن يقتلني يزيد شر قتله فقرأ عمر الكتاب وبه رمق فقال: اللهم إن كان ابن المهلب يريد بالمسلمين سوءا فألحقه به وهضه فقد هاض. انتهى. ولما بويع ليزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة وإلى عدي بن أرطاة بالبصرة بهربه والتحرر منه وأبى عدي أن يأخذ المهلب بالبصرة فحبس المفضل حبيبا ومروان ابني المهلب، وبعث عبد الحميد من الكوفة جندا عليهم هشام بن ساحق بن عامر فأتوا العذيب ومر بيزيد عليهم فوق القطقطانة فلم يقدموا عليه. ومضى نحو البصرة وقد جمع عدي بن أرطاة أهل البصرة وخندق عليها وبعث على خيلها المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل وجاء يزيد على أصحابه الذين معه وانضم إليه أخوه محمد فيمن اجتمع إليه من قومهم. وبعث عدي بن أرطاة على كل خمس من أخماس البصرة رجالا: فعلى الأزد المغيرة بن زياد بن عمر العتكي، وعلى تميم محرز بن حمدان السعدي، وعلى بكرة نوح بن شيبان بن مالك بن مسمع، وعلى عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى أهل العالية عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وهم قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان ومزينة فلم يعرضوا ليزيد وأقبل فانزل. انتهى. واختلف الناس إليه وأرسل إلى عدي أن يطلق له إخوته فينزل به البصرة، ويخرج حتى يأخذ لنفسه من يزيد، وبعث حميد ابن أخيه عبد الملك بن المهلب يستأمن له من يزيد بن عبد الملك فأجاره خالد القسري وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد له ولأهله وقد كان بعد منصرف حميد فرق في الناس قطع الذهب والفضة فانثالوا عليه، وعدي يعطي درهمين درهمين ثم تناجزوا الحرب وحمل أصحاب يزيد على أصحاب عدي فانهزموا ودنا يزيد من القصر، وخرج عدي بنفسه فانهزم أصحابه. وخاف إخوة يزيد وهم في الحبس أن يقتلوا قبل وصوله فأغلق الباب وامتنعوا فجاءهم الحرس يعالجون فأجفلهم الناس عنه فخلوا عنهم وانطلقوا إلى أخيهم. ونزل يزيد دار مسلم بن زياد إلى جنب القصر وتسور القصر بالسلالم وفتحه وأتى بعدي بن أرطاة فحبسه. وهرب رءوس ٣/٩٧

البصرة من تميم وقيس ومالك بن المنذر إلى الكوفة والشام وخرج المغيرة بن زياد بن عمر العتكي إلى الشام فلقي خالدا القسري وعمر بن يزيد وقد جاءوا بأمان يزيد بن المهلب مع حميد بن أخيه فأخبرهما بظهور يزيد على البصرة وحبسه عديا فرجعا إلى وعد لهما فلم يقبلا، وقبض عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة على خالد بن يزيد ابن المهلب وحماد بن ذخر، وحملهما وسيرهما إلى الشام فحبسهما يزيد حتى هلكا بالسجن وبعث يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثني عليهم ويمنيهم الزيادة وجهز أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد إلى العراق في سبعين ألف مقاتل أو ثمانين من أهل الشام والجزيرة، فقدموا الكوفة ونزلوا النخيلة. وتكلم العباس يوما ببعض الكلام فأساء عليه حيان النبطي بالكشة الأعجمية ولما سمع ابن المهلب بوصول مسلمة وأهل الشام فخطب الناس وشجعهم للقائهم وهون عليهم أمرهم وأخبرهم أن أكثرهم له واستوثق له أهل البصرة وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب وعليها عبد الرحمن بن نعيم وبعث بنو تميم ليمنعوه ولقيه الأزد على رأس المغارة فقالوا: ارجع عنا حتى نرى مآل أمركم. ثم خطب يزيد الناس يدعوهم إلى الكتاب والسنة ويحثهم على الجهاد وأن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم ونكر ذلك الحسن البصري والنضر بن أنس بن مالك وتابعهما الناس في النكير. وسار يزيد من البصرة إلى واسط واستخلف عليها أخاه مروان بن المهلب وأقام بواسط أياما ثم خرج منها سنة اثنتين ومائة واستخلف عليها أمان معونة وقدم أخاه عبد الملك بن المهلب نحو الكوفة فاستقبله ابن الوليد بسور له فاقتتلوا وانهزم عبد الملك وعاد إلى يزيد وأقبل مسلمة على شاطئ الفرات إلى الأنهار فعقد الجسر وعبر وسار حتى نزل على يزيد بن المهلب وفزع إليه ناس من أهل الكوفة وكان عسكره مائة وعشرين وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وشق المياه وجعل الأرصاد على أهل الكوفة أن يفزعوا إلى يزيد بن المهلب، وبعث بعثا إلى مسلمة مع صبرة بن عبد الرحمن بن مختف فعزل مسلمة بن عبد الحميد عن الكوفة واستعمل عليها محمد بن عمر بن الوليد بن عقبة. ثم أراد يزيد بن المهلب أن يبعث أخاه محمد بالعساكر يبيتون مسلمة فأبى عليه أصحابه وقالوا: قد وعدناهم بالكتاب والسنة ووعدوا بالإجابة فلا نغدرهم فقال يزيد: ويحكم تصدقونهم إنهم ٣/٩٨

يخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه والله ما في بني مروان أمكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصغرى يعني مسلمة. وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحث الناس على اللحاق بيزيد أخيه والحسن البصري يثبطهم ويتهدده فلم يكف ثم طلب الذين يجتمعون إليه فافترقوا فأقام مسلمة بن عبد الملك يطاول يزيد بن المهلب ثمانية أيام ثم خرج يوم الجمعة منتصف صغر فعبى أصحابه وعبى العباس بن الوليد كذلك والتقوا، واشتد القتال وأمر مسلمة فأحرق الجسر فسطع دخانه فلما رآه أصحاب يزيد انهزموا واعترضهم يزيد يضرب في وجوههم حتى كثروا عليه فرجع وترجل في أصحابه وقيل له: قتل أخوك حبيب فقال: لا خير في العيش بعده ولا بعد الهزيمة.

ثم استمات ودلف إلى مسلمة لا يريد غيره فعطف عليه أهل الشام فقتلوه هو وأصحابه، وفيهم أخوه محمد وبعث مسلمة برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد ابن الوليد بن عقبة وقيل إن الذي قتله الهذيل بن زفر بن الحرث الكلابي وأنف أن ينزل فيأخذ رأسه فأخذه غيره وكان المفضل بن المهلب يقاتل في ناحية المعترك وما علم بقتل يزيد فبقي ساعة كذلك يكر ويفر حتى أخبر بقتل إخوته فافترق الناس عنه، ومضى إلى واسط وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد فقاتلهم أبو رؤبة رأس الطائفة المرجئة ومعه جماعة منهم صدق، فقاتلوا ساعة من النهار ثم انصرفوا وأسر مسلمة ثلاثمائة أسير حبسهم بالكوفة. وجاء كتاب يزيد إلى محمد بن عمر بن الوليد بقتلهم فأمر العريان بن الهيثم صاحب الشرطة بذلك وبدأ بثمانين من بني تميم فقتلهم. ثم جاء كتاب يزيد بإعفائهم فتركهم وأقبل مسلمة فنزل الحيرة وجاء الخبر بقتل يزيد إلى واسط فقتل ابنه معاوية عدي بن أرطاة ومحمدا ابنه ومالكا وعبد الملك ابنا مسمع في ثلاثين ورجع إلى البصرة بالمال والخزائن واجتمع بعمه المفضل وأهل بيتهم، وتجهزوا للركوب في البحر وركبوا إلى قندابيل وبها وداع بن حميد الأزدي ولاه عليها يزيد بن المهلب ملجأ لأهل بيته إن وقع بهم ذلك فركبوا البحر بعيالهم وأموالهم إلى جبال كرمان فنزلوا بها واجتمع إليهم الفل من كل جانب. وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبي في طلبهم فقاتلهم وقتل من أصحاب المفضل النعمان بن إبراهيم ومحمد بن إسحاق بن محمد بن الأشعث وأسر ابن صول قهستان، وهرب عثمان بن إسحاق بن محمد بن الأشعث فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة ورجع ناس من أصحاب بني المهلب فاستأمنوا وأمنهم مسلمة منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر والورد ٣/٩٩

ابن عبد الله بن حبيب السعدي التميمي ومضى إلى آل المهلب ومن معهم بقندابيل فمنعهم وداع بن حميد من دخولها وخرج معهم لقتال عدوهم وكان مسلمة قد رد مدرك بن ضب بعد هزيمتهم في جبال كرمان وبعث في أثرهم هلال بن أحور التميمي فلحقهم بقندابيل فتبعوا لقتاله! وبعث هلال راية أمان فمال إليه وداع بن حميد وعبد الملك بن هلال وافترق الناس عن آل المهلب ثم استقدموا فاستأمنوا فقتلهم عن آخرهم: المفضل وعبد الملك وزياد ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبي عيينة بن المهلب وعمر بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب برتبيل ملك الترك وبعث هلال بن أحور برءوسهم وسبيهم وأسراهم إلى مسلمة بالحيرة فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك فسيرهم يزيد إلى العباس بن الوليد في حلب فنصب الرءوس وأراد مسلمة أن يبتاع الذرية فاشتراهم الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف وخلى سبيلهم. ولم يأخذ مسلمة من الجراح شيئا ولما قدم بالأسرى على يزيد بن عبد الملك وكانوا ثلاثة عشر أمر يزيد فقتلوا وكلهم من ولد المهلب واستأمنت هند بنت المهلب لأخيها عيينة إلى يزيد بن عبد الملك فأمنه وأقام عمر وعثمان عند رتبيل حتى أمنهما أسد بن عبد الله القسري وقدما عليه بخراسان.

ولاية مسلمة على العراق وخراسان

ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب بني المهلب ولاه يزيد بن عبد الملك على العراق وجمع له ولاية البصرة والكوفة وخراسان فأقر على الكوفة محمد بن عمر بن الوليد وكان قد قام بأمر البصرة بعد بني المهلب شبيب بن الحرث التميمي فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليم الكلبي وعلى شرطتها عمر بن يزيد التميمي وأراد عبد الرحمن أن يقتل شيعة بن المهلب بالبصرة فعزله وولى على البصرة عبد الملك بن بشر ابن مروان. وأقر عمر بن يزيد على الشرطة واستعمل مسلمة على خراسان صهره على سعيد بن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم بن أبي العباس ٣/١٠٠

ويلقب سعيد خدينة. دخل عليه بعض العرب بخراسان وعليه ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، وسئل عنه لما خرج فقال: خدينة وهي الدهقانة ربة البيت. ولما ولاه على خراسان سار إليها فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند فسار إليها وقدم الصغد وكان أهلها كفروا أيام عبد الرحمن بن نعيم، ثم عادوا إلى الصلح فوبخ ساكنها من العرب وغيرهم بالجبن فاعتذروا بأمر أميرهم علي بن حبيب العبدي. ثم حبس سعيد عمال عبد الرحمن بن عبد الله وأطلقهم، ثم حبس عمال يزيد بن المهلب رفع لهم أنهم اختانوا الأموال فعذبهم فمات بعضهم في العذاب وبقي بعضهم بالسجن حتى غزاهم الترك والصغد فأطلقهم.

العهد لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد

لما بعث يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب مع مسلمة أخيه والعباس بن أخيه الوليد قال له العباس: إنا نخاف أن يرجف أهل العراق بموتك ويبث ذلك في أعضادنا وأشار عليه بالعهد لعبد العزيز أخيه بن الوليد وبلغ ذلك مسلمة فجاءه وقال: أخوك أحق فإن ابنك لم يبلغ وأشار عليه بأخيه هشام وابنه الوليد من بعده.

والوليد ابن إحدى عشرة سنة فبايع لهما كذلك ثم بلغ ابنه الوليد فكان إذا رآه يقول الله بيني وبين من قدم هشاما عليك.

غزوة الترك

لما ولي سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خدينة واستعمل شعبة على سمرقند ثم عزله كما مر وولى مكانه عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير فطمعت الترك، وبعثهم خاقان إلى الصغد، وعلى الترك كورصول وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي وفيه مائة أهل بيت بذراريهم. وكتبوا إلى عثمان بسمرقند وخافوا أن يبطئ المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة. وندب عثمان الناس فانتدب المسيب بن بشر الرياحي ومعه أربعة آلاف من سائر القبائل.

فقال لهم المسيب: من أراد الغزو والصبر على الموت فليتقدم فرجع عنه ألف، وقالها بعد فرسخ فرجع ألف آخر، ثم أعادها ثالثة بعد فرسخ فاعتزله ألف. وسار حتى كان ٣/١٠١

على فرسخين من العدو فأخبره بعض الدهاقين بقتل الرهائن وميعادهم غدا. وقال أصحابي ثلاثمائة مقاتل وهم معكم فبعث المسيب إلى القصر رجلين عجميا وعربيا يأتيانه بالخبر، فجاءوا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء بدائر القصر لئلا يصل إليه أحد فصاح بهما فقالا له اسكت وادع لنا فلانا. فأعلماه قرب العسكر وسألا هل عندكم امتناع غدا؟ فقال: لهما نحن مستميتون. فرجعا إلى المسيب فأخبراه فعزم على تبييت الترك وبايعه أصحابه على الموت وساروا يومهم إلى الليل. ولما أمسى حثهم على الصبر وقال: ليكن شعاركم يا محمد ولا تتبعوا موليا واعقروا الدواب فإنه أشد عليهم، وليست بكم قلة فإن سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنته، وان كثر أهله. ثم دنوا من العسكر في السحر وثار الترك وخالطهم المسلمون وعقروا الدواب وترجل المسيب في أصحاب له فقاتلوا قتالا شديدا وقتل عظيم من عظماء الترك فانهزموا ونادى منادي المسيب لا تتبعوهم واقصدوا القصر واحملوا من فيه، ولا تحملوا من متاعهم إلا المال ومن حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله وإلا فله أربعون درهما. وحملوا من في القصر إلى سمرقند ورجع الترك من الغد فلم يروا في القصر أحدا. ورأوا قتلاهم فقالوا: لم يكن الذين جاءونا بالأمس.

غزو الصغد

ولما كان من انتقاض الصغد إعانتهم الترك على المسلمين ما ذكرنا تجهز سعيد لغزوهم وعبر النهر فلقيه الترك وطائفة من الصغد فهزمهم المسلمون. ونهاهم سعيد عن اتباعهم وقال هم جباية أمير المؤمنين فانكفوا عنهم. ثم سار المسلمون إلى واد بينهم وبين المرج فقطعه بعض العسكر وقد أكمن لهم الترك فخرجوا عليهم وانهزم المسلمون إلى الوادي وقيل بل كان المنهزمون مسلحة للمسلمين وكان فيمن قتل شعبة بن ظهر في خمسين رجلا. وجاء الأمير والناس فانهزم العدو وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا رد السبي وعاقب السرية فثقل سعيد على الناس وضعفوه ولما رجع من هذه الغزاة وكان سورة بن الأبجر قد قال لحيان النبطي يوم أمر سعيد بالكف عن الصغد وأنهم جباية أمير المؤمنين فقال: سورة ارجع عنهم يا حيان فقال: عقيرة ٣/١٠٢

الله لا أدعها. فقال انصرف يا نبطي. قال: أنبط الله وجهك فحقدها عليه سورة وأغرى به سعيد خدينة وقال: إنه أفسد خراسان على قتيبة ويثب عليك ويتحصن ببعض القلاع فقال له سعيد: لا يسمع هذا منك أحد، ثم حاول عليه وسقاه لبنا قد ألقى فيه ذهبا مسحوقا. ثم ركض والناس معه أربعة فراسخ فعاش حيان من بعدها ليالي قلائل ومات.

ولاية ابن هبيرة على العراق وخراسان

كان مسلمة لما ولي على هذه الأعمال لم يدفع من الخراج شيئا واستحيا يزيده من عزله فكتب إليه بالقدوم وأن يستخلف على عمله وسار لذلك سنة ثلاث وأربعمائة، فلقيه عمر بن هبيرة بالطريق على دواب البريد، وقال: وجهني أمير المؤمنين لحيازة أموال بني المهلب فارتاب لذلك، وقال له بعض أصحابه: كيف يبعث ابن هبيرة من عند الجزيرة لمثل هذا الغرض؟ ثم أتاه أن ابن هبيرة عزل عماله. وكان عمر بن هبيرة من النجابة بمكان، وكان الحجاج يبعثه في البعوث، وهو ممن سار لقتال مطرف بن المغيرة حين خلع ويقال إنه الذي قتله، وجاء برأسه، فسيره الحجاج إلى عبد الملك فاقطعه قرية قريبة من دمشق. ثم بعثه إلى كروم ابن مرثد الفزاري ليخلص منه مالا فارتاب وأخذ المال ولحق بعبد الملك عائدا به من الحجاج وقال قتلت ابن عمه ولست آمنه على نفسي، فأجاره عبد الملك، وكتب الحجاج إليه فيه فقال: أمسك عنه وعظم شأنه عبد الملك وبنوه واستعمله عمر بن عبد العزيز على الروم من ناحية أرمينية وأثخن فيهم وأسر سبعمائة منهم وقتلهم. واستخدم أيام يزيد لمحبوبته حبابة فسعت له في ولاية العراق، فولاه يزيد مكان أخيه مسلمة. ولما ولي قدم عليه المجشر بن مزاحم السلمي، وعبد الله بن عمر الليثي في وفد فشكوا من سعيد وحذيفة عاملهم وهو صهر مسلمة فعزله وولى مكانه على خراسان سعيد بن عمر الحريشي من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فسار خدينة عن خراسان وقدم سعيد فلم يعرض لعماله. ولما قدم على خراسان كان الناس بإزاء العدو وقد نكثوا، فحثهم على الجهاد وخاف الصغد منه بما كانوا أعانوا الترك أيام خدينة، فقال لهم ملكهم: احملوا له خراج ما مضى واضمنوا خراج ما يأتي ٣/١٠٣

والعمارة والغزو معه، وأعطوه الرهن بذلك. فأبوا إلا أن يستجيروا بملك فرغانة وخرجوا من بلادهم إلى خجندة وسألوا الجوار وأن ينزلوا شعب عصام. فقال:

أمهلونا عشرين يوما أو أربعين لنخليه لكم وليس لكم علي جوار قبل دخولكم إياه.

ثم غزاهم الحريش سنة أربع ومائة فقطع النهر وترك قصر الريح على فرسخين من الدنوسية، وأتاه ابن عم ملك فرغانة يغريه بأهل الصغد وأنهم بخجندة، ولم يدخلوا جواره بعد، فبعث معه عبد الرحمن القسري في عسكر، وجاء في أثره حتى نزلوا على خجندة، وخرج أهل صغد لقتالهم فانهزموا، وقد كانوا حفروا خندقا وغطوه بالتراب ليسقط فيه المسلمون عند القتال. فلما انهزموا ذلك اليوم أخطأهم الطريق وأسقطهم الله في ذلك الخندق. ثم حاصرهم الحريشي، ونصب عليهم المجانيق وأرسلوا إلى ملك فرغانة ليجيرهم، فقال: قد شرطت عليكم أن لا جوار قبل الأجل الذي بيني وبينكم. فسألوا الصلح من الحريشي على أن يردوا ما في أيديهم من سبي العرب، ويعطوا ما كسر من الخراج ولا يتخلف أحد منهم بخجندة، وإن أحدثوا حدثا استبيحت دماؤهم. فقبل منهم وخرجوا من خجندة ونزلوا في العسكر على كل من يعرفه. وبلغ الحريشي أنهم قتلوا امرأة فقتل قاتلها، فخرج قبيل منهم فاعترض الناس وقتل جماعة. وقتل الصغد من أسرى المسلمين مائة وخمسين، ولقي الناس منهم عنفا ثم أحاطوا بهم وهم يقاتلون بالخشب ليس لهم سلاح فقتلوا عن آخرهم ثلاثة آلاف أو سبعة آلاف. وكتب الحريشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب لعمر بن هبيرة فأحفظه ذلك ثم سرح الحريشي سليمان بن أبي السري إلى حصن يطيف به وراء الصغد ومعه خوارزم شاه وملك أجرون وسومان. فسار سليمان وعلى مقدمته المسيب بن بشر الرياحي، ولقيه أهل الحصن فهزمهم ثم حاصرهم فسألوا الصلح على أن لا يعرض لسبيهم ويسلموا القلعة بما فيها فقبل. وبعث إلى الحريشي فقبضه وبعث من قبضه. وسار الحريشي إلى كش ونسف حربا وخراجا سليمان بن أبي السري واستنزل مكانه آخر اسمه قشقري من حصنه على الأمان وجاء به إلى مرو فشنقه وصلبه. ٣/١٠٤

ولاية الجراح على أرمينية وفتح بلنجر

ولما سار ابن هبيرة على الجزيرة وأرمينية تشبب البهراني فحفل لهم الخزر وهم التركمان واستجاشوا بالقفجاق وغيرهم من أنواع الترك، ولقوا المسلمين بمرج الحجارة فهزموهم واحتوى التركمان على عسكرهم وغنموا ما فيه. وقدم المنهزمون على يزيد بن عبد الملك فولى على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وأمده بجيش كثيف وسار لغزو الخزر فعادوا للباب والأبواب. ونزل الجراح بردعة فأراح بها قليلا، ثم سار نحوهم وعبر نهر الكر وأشاع الإقامة ليرجع بذلك عيونهم إليهم ثم أسرى من ليلته وأجد السير إلى مدينة الباب فدخلها وبث السرايا للنهب والغارة. وزحف إليه التركمان وعليهم ابن ملكهم فلقيهم عند نهر الزمان واشتد القتال بينهم، ثم انهزم التركمان وكثر القتل فيهم، وغنم المسلمون ما معهم وساروا حتى نزلوا على الحصن، ونزل أهلها على الأمان فقتلهم. ثم سار إلى مدينة برغوا فحاصرها ستة أيام، ثم نزلوا على الأمان ونقلهم ثم ساروا إلى بلنجر وقاتلهم التركمان دونها فانهزموا وافتتح الحصن عنوة.

وغنم المسلمون جميع ما فيه فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار وكانوا بضعة وثلاثين ألفا. ثم إن الجراح رجع حصن بلنجر إلى صاحبه ورد عليه أهله وماله، على أن يكون عينا للمسلمين على الكفار. ثم نزل على حصن الوبيد وكان به أربعون ألف بيت من الترك فصالحوا الجراح على مال أعطوه إياه. ثم تجمع الترك والتركمان وأخذوا الطرق على المسلمين فأقام في رستاق سبى وكتب إلى يزيد بالفتح وطلب المدد وكان ذلك آخر عمر يزيد وبعث هشام بعد ذلك إليه بالمدد وأقره على العمل.

ولاية عبد الواحد القسري على المدينة ومكة

كان عبد الرحمن بن الضحاك عاملا على الحجاز منذ أيام عمر بن عبد العزيز وأقام عليها ثلاث سنين ثم حدثته نفسه خطبة فاطمة بنت الحسين فامتنعت فهددها بأن يجلد ابنها في الخمر وهو عبد الله بن الحسن المثنى. وكان على ديوان المدينة عامل من أهل الشام يسمى ابن هرمز. ولما رفع حسابه وأراد السير إلى يزيد جاء ليودع فاطمة، فقالت: أخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض لي. ثم بعث ٣/١٠٥

رسولها بكتابها إلى يزيد يخبره. وقدم ابن هرمز على يزيد فبينما هو يحدثه عن المدينة قال الحاجب: بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فذكر ابن هرمز ما حملته.

فنزل عن فراشه وقال عندك مثل هذا وما تخبرني به! فاعتذر بالنسيان. فأدخل يزيد الرسول وقرأ الكتاب وجعل ينكث الأرض بخيزارنة ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب قيل له عبد الواحد بن عبد الله القسري فكتب إليه بيده قد وليتك المدينة فانهض إليها واعزل ابن الضحاك وغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع وأنا على فراشي. وجاء البريد بالكتاب إليه ولم يدخل على ابن الضحاك فأحضر البريد ودس إليه بألف دينار فأخبره الخبر فسار ابن الضحاك إلى مسلمة بن عبد الملك واستجار به وسأل مسلمة فيه يزيد فقال: والله لا أعفيه أبدا فرده مسلمة إلى عبد الواحد بالمدينة فعذبه ولقي شرا، ولبس جبة صوف يسأل الناس وكان قد آذى الأنصار فذموه وكان قدوم القسري في شوال سنة أربع ومائة وأحسن السيرة فأحبه الناس وكان يستشير القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله.

عزل الحريشي وولاية مسلم الكلبي على خراسان

كان سعيد الحريشي عاملا على خراسان لابن هبيرة كما ذكرنا وكان يستخف به ويكاتب الخليفة دونه ويكنيه أبا المثنى. وبعث من عيونه من يأتيه بخبره فبلغه أعظم مما سمع فعزله وعذبه حتى أدى الأموال وعزم على قتله ثم كف عنه. وولى ابن هبيرة على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، ولما جاء إلى خراسان حبسه وقيده وعذبه كما قلنا. فلما هرب ابن هبيرة بعد ذلك عن العراق أرسل خالد القسري في طلبه الحريشي فأدركه على الفرات وقال لابن هبيرة ما ظنك بي قال: إنك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قسر قال: هو ذاك ثم انصرف وتركه.

وفاة يزيد وبيعة هشام

ثم توفي يزيد بن عبد الملك في شعبان سنة خمس ومائة لأربع سنين من خلافته وولى بعده أخوه هشام بعهده إليه بذلك كما مر، وكان بحمص فجاءه الخبر بذلك فعزل عمر ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري فسار إلى العراق من يومه. ٣/١٠٦

غزو مسلم الترك

غزا مسلم بن سعيد الترك سنة خمسة ومائة فعبر النهر وعاث في بلادهم ولم يفتح شيئا وقفل فأتبعه الترك ولحقوه على النهر فعبر بالناس ولم ينالوا منه. ثم غزا بقية السنة وحاصر أفشين حتى صالحوه على ستة آلاف رأس، ثم دفعوا إليه القلعة. ثم غزا سنة ست ومائة، وتباطأ عنه الناس، وكان ممن تباطأ البختري بن درهم، فرد مسلم نصر بن سيار إلى بلخ وأمره أن يخرج الناس إليه، وعلى بلخ عمر بن قتيبة أخو مسلم، فجاء نصر وأحرق باب البختري وزياد بن طريف الباهلي. ثم منعهم عمر من دخول بلخ وقد قطع سعيد النهر، ونزل نصر بن سيار البروقان وأتاه جند الضلاضيان، وتجمعت ربيعة والأزد بالبروقان على نصف فرسخ من نصر وخرجت مضر إلى نصر، وخرج عمر بن مسلم إلى ربيعة والأزد وتوافقوا وسفر الناس بينهما في الصلح وانصرف نصر. ثم حمل البختري وعمر بن مسلم على نصر فكر عليهم فقتل منهم ثمانية عشر وهزمهم وأتى بعمر بن مسلم والبختري وزياد بن طريف فضربهم مائة مائة وحلق رءوسهم ولحاهم وألبسهم المسوح. وقيل إن سبب تعزير عمر بن مسلم انهزام تميم عنه وقيل انهزام ربيعة والأزد ثم أمنهم نصر بعد ذلك وأمرهم أن يلحقوا بمسلم بن سعيد. ولما قطع مسلم النهر ولحقه من لحق من أصحابه سار إلى بخارى فلحقه بها كتاب خالد بن عبد الله القسري بولايته وبأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة وبلغه أن خاقان قد أقبل إليه فارتحل. ولحقه خاقان بعد ثلاثة مراحل لقي فيها طائفة من المسلمين فأصابهم. ثم أطاف بالعسكر وقاتل المسلمين، وقتل المسيب بن بشر الرياحي والبراء من فرسان المهلب وأخو غورك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر ورحل مسلم بالناس ثمانية أيام والترك مطيفون بهم بعد أن أمر بإحراق ما ثقل من الأمتعة، فأحرقوا ما قيمته ألف ألف. وأصبحوا في التاسع قريب النهر دونه أهل فرغانة والشاش. فأمر مسلم الناس أن يخرطوا سيوفهم ويحملوا فافرج أهل فرغانة والشاش عن النهر، ونزل مسلم بعسكره ثم عبر من الغد، واتبعهم ابن خاقان. فكان حميد بن عبد الله على الساقة من وراء النهر وهو مثخن بالجراحة.

فبعث إلى مسلم بالانتظار وعطف على الترك فقاتلهم وأسر قائدهم وقائد الصغد ثم أصابه سهم فمات. وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد ولقيهم هنالك كتاب ٣/١٠٧

أسد بن عبد الله القسري أخي خالد بولايته على خراسان واستخلافه عبد الرحمن بن نعيم. فقرأ مسلم الكتاب وقال سمعا وطاعة.

ولاية أسد القسري على خراسان

ولما غزا خالد بن عبد الله خراسان استخلف عليها أخاه أسد بن عبد الله فقدم ومسلم ابن سعيد بفرغانة فلما رجع وأتى النهى ليقطعه منعه الأشهب بن عبد الله التميمي وكان على السفن بآمد حتى عرفه أنه الأمير فأذن له. ثم عبر أسد النهر ونزل بالمرج وعلى سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج بالناس وتلقى أسدا وأدخله سمرقند وبعث أسد إلى عبد الرحمن بن نعيم بالولاية على العسكر فقفل بالناس إلى سمرقند. ثم عزل أسدا عنها وولى مكانه الحسن بن أبى العمرطة الكندي ثم قدم مسلم بن سعيد بن عبد الله بخراسان فكان يكرمه ومر بابن هبيرة وهو يروم الهرب وأسلم على يديه. ثم غزا الغور وهي جبال هراة فوضع أهلها أثقالهم في الكهوف ولم يكن إليهم طريق فاتخذ التوابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه ثم قطع كماق النهر وجاءه خاقان ولم يكن بينهما قتال وقيل عاد مهزوما من الجسر. ثم سار إلى عوبرين وقاتلها وأبلى نصر بن سيار ومسلم بن أحور وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم بما فيه.

ولاية أشرس على العراق

كان أسد بن عبد الله في ولايته على خراسان يتعصب حتى أفسد الناس وضرب نصر ابن سيار بالسياط وعبد الرحمن بن نعيم وسورة بن أبجر والبختري بن أبي درهم، وعامر بن مالك الحماني وحلقهم وسيرهم إلى أخيه، وكتب إليه أنهم أرادوا الوثوب بي فلامه خالد وعنفه وقال: هلا بعثت برءوسهم؟ وخطب أسد يوما فلعن أهل خراسان. فكتب هشام بن عبد الملك إلى خالد اعزل أخاك فعزله في رمضان سنة تسع وولى مكانه الحكم بن عوانة الكلبي فقعد عن الصائفة تلك السنة فاستعمل هشام على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي وأمره أن يراجع خالدا فكان خيرا ففرح به أهل خراسان. ٣/١٠٨

عزل أشرس

أرسل أشرس إلى سمرقند سنة عشر ومائة أبا الصيدا صالح بن ظريف مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي إلى سمرقند وغيرها مما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، وعليها الحسن بن العمرطة الكندي على حربها وخراجها، فدعاهم لذلك وأسلموا. وكتب غورك إلى الأشرس أن الجراح قد انكسر، فكتب أشرس إلى ابن العمرطة: بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما أسلموا نفورا من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. ثم عزل ابن العمرطة عن الخراج وولى عليها ابن هانئ ومنعهم أبو الصيدا أخذ الجزية ممن أسلم، وكتب هانئ إلى أشرس بأنهم أسلموا وبنوا المساجد فكتب إليه وإلى العمال أن يعيدوا الجزية على من كانت عليه ولو أسلم، فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على فراسخ من سمرقند وخرج معهم أبو الصيدا وربيع بن عمران والهيثم الشيباني وأبو فاطمة الأزدي وعامر بن قشير وبشير الجحدري وبيان العنبري وإسماعيل بن عقبة لينصروهم. وبلغ الخبر إلى أشرس فعزل ابن العمرطة عن الحرب وولى مكانه المجشر بن مزاحم السلمي وعميرة بن سعد الشيباني، فكتب المجشر إلى أبي الصيدا يستقدمه هو وأصحابه فقدم ومعه ثابت قطنة فحبسهما وسيرهما إلى أشرس، واجتماع الباقون وولوا عليهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا فكتب أشرس ووضع عنهم الخراج فرجعوا وضعف أمرهم وتتبعوا فحبسوا كلهم وألح هانئ في الخراج واستخف بفعل العجم والدهاقين. وأقيموا في العقوبات وحرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم وأخذت الجزية ممن أسلم.

فكفرت الصغد وبخارى، واستجاشوا بالترك وخرج أشرس غازيا فنزل آمد وأقام أشهرا وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم في عشرة آلاف فعبر النهر ولقي الترك وأهل الصغد وبخارى ومعهم خاقان، فحصروا قطنا في خندقه. وأغار الترك على سرح المسلمين، وأطلق أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو وبعثه معه في خيل، فاستقدمه من أيدي الترك ما أخذوه ثم عبر أشرس بالناس ولحق بقطن ولقيهم العدو فانهزموا أمامهم وسار أشرس بالناس حتى جاء بيكند فحاصرها المسلمون، وقطع أهل البلد عنهم الماء، وأصابهم العطش فرحلوا إلى المدينة ٣/١٠٩

واعترضهم دونها العدو فقاتلوهم قتالا شديدا وأبلى الحرث بن شريح وقطن بن قتيبة بلاء شديدا وأزالوا الترك عن الماء فقتل يومئذ ثابت قطنة وصخر بن مسلم بن النعمان العبدي، وعبد الملك بن دثار الباهلي وغيرهم وحمل قطن بن قتيبة في جماعة تعاقدوا على الموت، فانهزم العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم إلى الليل. ثم رجع أشرس إلى بخارى وجهز عليها عسكرا يحاصرونها وعليهم الحرث بن شريح الأزدي ثم حاصر خاقان مدينة كمرجة من خراسان وبها جمع من المسلمين. وقطعوا القنطرة وأتاهم ابن جسر وابن يزدجرد وقال: إن خاقان جاء يرد علي منكبي وأنا آخذ لكم الأمان فشتموه وأتاهم يزغري في مائتين وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه.

فطلب رجلا يكلمه فجاءه يزيد بن سعد الباهلي فرغبه باضعاف العطاء والإحسان على النزول ويسيرون معهم، فلاطفه ورجع إلى أصحابه وقال هؤلاء يدعونكم لقتال المسلمين، فأبوا وأمر خاقان فألقى الحطب الرطب في الخندق ليقطعه، وألقى المسلمون البهائم ليأكلوها ويحشوا جلودها ترابا ويملئوا بها الخندق. وأرسل الله سبحانه سحابة فاحتمل السيل ما في الخندق إلى النهر الأعظم ورمى المسلمون بالسهام فأصيب يزغري بسهم ومات من ليلته فقتلوا جميع من عندهم من الأسرى والرهن.

ولم يزالوا كذلك حتى نزلت جيوش المسلمين فرغانة فجردوا عليهم واشتد قتالهم وصالحهم المسلمون على أن يسلموا لهم كمرجة ويرحلوا عليها إلى سمرقند والدنوسية وتراهنوا على ذلك وتأخر خاقان حتى يخرجوا وخلف معهم كورصول ليبلغهم إلى مأمنهم فارتحلوا حتى بلغوا الدنوسية وأطلقوا الرهن وكان مدة الحصار ستين يوما.

عزل أشرس عن خراسان وولاية الجنيد

وفي سنة إحدى عشرة ومائة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن عمر بن الحرث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري أهدى إلى أم حكيم بنت يحيي بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جواهر فأعجبت هشاما فأهدى له أخرى مثلها فولاه خراسان وحمله على البريد فقدم خراسان في خمسمائة ووجد الخطاب ابن محرز السلمي خليفة أشرس على خراسان فسار الجنيد إلى ما وراء النهر ومعه الخطاب واستخلف على مرو المجشر بن مزاحم ٣/١١٠

السلمي وعلى بلخ سورة بن أبجر التميمي. وبعث إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد أن يبعث إليه بسرية مخافة أن يعترضه العدو، فبعث إليه أشرس عامر بن مالك الجابي فعرض له الترك والصغد فقاتلوهم ثم استداروا وراء معسكر الترك وحمل المسلمون عليهم من أمامهم فانهزم الترك ولحق عامر بالجنيد فأقبل معه وعلى مقدمته عمارة بن حزيم واعترضه الترك فهزمهم. وزحف اليه خاقان بنواحي سمرقند وقطن ابن قتيبة على ساقته، فهزم خاقان وأسر ابن أخيه وبعث به إلى هشام، ورجع إلى مرو ظافرا. واستعمل قطن بن قتيبة على بخارى والوليد بن القعقاع العبسي على هراة وحبيب بن مرة العبسي على شرطته ومسلم بن عبد الرحمن الباهلي على بلخ وعليها نصر بن سيار فبعث مسلم إلى نصر وجيء به في قميص دون سراويل، فقال شيخ مضر جئتم به على هذه الحالة؟ فعزل الجنيد مسلما عن بلخ وأوفد وفدا إلى هشام يخبر غزاته.

مقتل الجراح الحكمي

قد كان تقدم لنا دخوله إلى بلاد الخزر سنة أربع ومائة وانهزامهم أمامه وأنه أثخن فيهم وملك بلنجر وردها على صاحبها وأدركه الشتاء فأقام هنالك. وأن هشاما أقره على عمله ثم ولاه أرمينية فدخل بلاد التركمان من ناحية تفليس سنة إحدى عشرة ففتح مدينتهم البيضاء وانصرف ظافرا. فاجتمع الخزر والترك من ناحية اللاف، وزحف إليهم الجراح سنة اثنتي عشرة ولقيهم بمرج أردبيل، فاقتتلوا أشد قتال، وتكاثر العدو عليه فاستشهد ومن معه وقد كان استخلف أخاه الحجاج على أرمينية ولما قتل طمع الخزر وهم التركمان وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل، وقيل كان قتله ببلنجر.

ولما بلغ الخبر هشاما دعا سعيد الحريشي فقال: بلغني أن الجراح انهزم! قال:

الجراح أعرف بالله من أن ينهزم ولكن قتل فابعثني على أربعين من دواب البريد وابعث إلي كل يوم أربعين رجلا مددا واكتب إلى أمراء الأجناد يواسوني ففعل وسار الحريشي فلا يمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها فيجيبه من أراد الجهاد. ووصل مدينة أزور فلقيه جماعة من أصحاب الجراح فردهم معه ووصل إلى خلاط فحاصرها وفتحها وقسم غنائمها. ثم سار عنها يفتح القلاع والحصون إلى بروعة فنزلها وابن خاقان يومئذ بأذربيجان يحاصر مدينة ورثان منها ويعيث في نواحيها، وبعث الحريشي إلى ٣/١١١

أهل ورثان يخبرهم بوصوله فأخرج العدو عنهم ووصل إليهم الحريشي. ثم اتبع العدو إلى أردبيل وجاءه بعض عيونه بأن عشرة آلاف من عسكرهم على أربعة فراسخ منه ومعهم خمسة آلاف بيت من المسلمين أسارى وسبايا، فبيتهم وقتلهم أجمعين ولم ينج منهم أحد واستنقذ المسلمين منهم. وسار إلى باجروان فجاءه عين آخر ودله على جمع منهم فسار إليهم واستلحمهم أجمعين واستنقذ من معهم من المسلمين، وكان فيهم أهل الجراح وولده فحملهم إلى باجروان. ثم زحف إليهم جموع الخزر مع ابن ملكهم والتقوا بأرض زرند، واشتد القتال والسبي من معسكر الكفار فبكى المسلمون رحمة لهم وصدقوا الحملة، فانهزم الكفار واتبعهم المسلمون إلى نهر أرس وغنموا ما كان معهم من الأموال واستنقذوا الأسرى والسبايا وحملوهم إلى باجروان. ثم تناصر الخزر في ملكهم ورجعوا فنزلوا نهر البيلقان واقتتلوا قتالا شديدا. ثم انهزموا فكان من غرق أكثر ممن قتل وجمع الحريشي الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها وكتب إلى هشام بالفتح. واستقدمه وولى أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان.

وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان

وخرج الجنيد سنة اثنتي عشرة ومائة من خراسان غازيا إلى طخارستان وبعث إليها عمارة ابن حزيم في ثمانية عشر ألفا، وبعث إبراهيم بن سام الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر وحاشتك الترك وزحف بهم خاقان إلى سمرقند وعليها سورة بن أبجر فكتب إلى الهند مستغيثا فأمر الجنيد بعبور النهر فقال له المجشر بن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي: إن الترك ليسوا كغيرهم وقد مزقت جندك فسلم ابن عبد الرحمن بالنبراود والبختري بهراة وعمارة بن حزيم بطخارستان ولا تعبر النهر في أقل من خمسين الفا. فاستقدم عمارة وأمهل فقال: أخي على سورة وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للسير. وغور الترك الآبار في طريق كش وسار الجنيد على التعبية واعترضه خاقان ومعه أهل الصغد وفرغانة والشاش، وحملوا على مقدمته، وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير فرجعوا والترك في أتباعهم ثم حملوا على المدينة وأمدهم الجنيد ٣/١١٢

بنصر بن سيار وشدوا على العدو وقتل أعيانا منهم وأقبل الجنيد على الميمنة وأقبل تحت راية الأزد فقال له صاحب الراية: ما قصدت كرامتنا لكن علمت أنا لا نصل إليك ومنا عين تطرف. فصبروا وقاتلوا حتى كلت سيوفهم وقطع عبيدهم الخشب فقاتلوا بها حتى أدركهم الملل وتعانقوا ثم تحاجزوا وهلك من الأزد في ذلك المعترك نحو من ثمانين فيهم عبد الله بن بسطام ومحمد بن عبد الله بن جودان والحسين بن شيخ ويزيد ابن المفضل الحراني. وبين الناس كذلك إذ طلعت أوائل عسكر خاقان فنادى منادي الجنيد بالنزول فترجلوا، وخندق كل كائن على رجاله. وقصد خاقان جهة بكر بن وائل وعليهم زياد بن الحرث فحملت بكر عليهم فأفرجوا واشتد القتال، وأشار أصحاب الجنيد عليه بأن يبعث إلى سورة بن أبجر من سمرقند ليتقدم الترك إليه ليكون لهم شغل به عن الجنيد وأصحابه، فكتب يستقدمه فاعتذر فأعاد عليه وتهدده وقال:

أخرج وسر مع النهر لا تفارقه فلما خرج هو استبعد طريق النهر واستخلف على سمرقند موسى بن أسود الحنظلي وسار محمد في اثني عشر ألفا حتى إذا بقي بينه وبين الجنيد وعساكره فرسخ لقيه خاقان عند الصباح وحال بينهم وبين الماء واضرم النار في اليبس حواليهم فاستماتوا وحملوا وانكشفت الترك وأظلم الجو بالعجاج. وكان من وراء الترك لهب سقط فيه جميع العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه ثم عطف الترك فقتلوا المسلمين ولم يبق منهم إلا القليل وانحاش بالناس المهلب بن زياد والعجمي في ستمائة أو ألف، ومعه قريش بن عبد الله العبدي إلى رستاق المرغاب، وقاتلوا بعض قصوره فأصيب المهلب وولوا عليهم الرحب بن خالد. وجاءهم الاسكيد صاحب نسف وغورك ملك الصغد فنزلوا معه إلى خاقان فلم يجز أمان غورك وقتلهم ولم ينج منهم أحد. ثم خرج الجنيد من الشعب قاصدا سمرقند وأشار عليه مجشر بن مزاحم بالنزول فنزل ووافقته جموع الترك فجال الناس جولة وصبر المسلمون وقاتل العبيد وانهزم العدو ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل العيالات إلى مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر وكان صاحب الرأي بخراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الرحمن ابن صبح المخزومي وعبيد الله بن حبيب الهجري. ولما انصرفت الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة بن تيم الله وزميل بن سويد بن شيم بالخبر وتحامل فيه على سورة بن أبجر بما عصاه من مفارقة النهر حتى نال العدو منه فكتب إليه هشام قد بعث إليك من المدد عشرة آلاف من البصرة ومثلها من الكوفة وثلاثون ألف رمح ومثلها سيفا. وأقام ٣/١١٣

الجنيد بسمرقند وسار خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم فخاف عليه من الترك واستشار عبد الله بن أبي عبد الله مولى بن سليم بعد أن اختلف عليه أصحابه فاشترط عليه أن لا يخالفه فأشار بحمل العيالات من سمرقند فقدمهم واستخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل ووفر أعطياتهم وسار العيادات في مقدمته حتى من الضيق ودنا من الطواويس. فأقبل إليه خاقان بكير ميمنية أول رمضان سنة اثنتي عشرة، واقتتلوا قليلا، ثم رجع الترك وارتحل من الغد، فاعترضه الترك ثانيا وقتل مسلم بن أحوز بعض عظمائهم فرجعوا من الطواويس. ثم دخل الجنيد بالمسلمين بخارى وقدمت الجنود من البصرة والكوفة فسرح الجنيد معهم حورثة بن زيد العنبري فيمن انتدب معه.

ولاية عاصم على خراسان وعزل الجنيد

بلغ هشاما سنة ست عشرة أن الجنيد بن عبد الرحمن عامل خراسان تزوج بنت يزيد بن المهلب فغضب لذلك وعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي وكان الجنيد قد مرض بالاستسقاء. فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه فلما قدم عاصم وجده قد مات وكانت بينهما عداوة فحبس عمارة بن حزيم وكان الجنيد استخلفه وهو ابن عذبة فعذبه عاصم وعذب عمال الجنيد.

ولاية مروان بن محمد على أرمينية وأذربيجان

لما عاد مسلمة من غزو الخزر وهم التركمان إلى بلاد المسلمين وكان في عسكره مروان بن محمد بن مروان، فخرج مختفيا عنه إلى هشام وشكا له من مسلمة وتخاذله عن الغزو وما أدخل بذلك على المسلمين من الوهم. وبعث إلى العدو بالحرب وأقام شهرا حتى استعدوا وحشدوا ودخل بلادهم فلم يكن له فيهم نكاية وقصد أراد السلامة ورغب إليه بالغزو إليهم لينتقم منهم، وأن يمده بمائة وعشرين ألف مقاتل ويكتم عليه. ٣/١١٤

فأجابه لذلك وولاه على أرمينية. فسار إليها وجاءه المدد من الشام والعراق والجزيرة.

فأظهر أنه يريد غزو اللان وبعث إلى ملك الخزر في المهادنة فأجاب. وأرسل رسله لتقرير الصلح فأمسكهم مروان إلى أن تجهز وودعهم وسار على أقرب الطرق فوافاهم ورأى ملك الخزر أن اللقاء على تلك الحال غرر فتأخر إلى أقصى بلاده. ودخل مروان فأوغل فيها وخرب وغنم وسبى إلى آخرها. ودخل بلاد ملك السرير وفتح قلاعها وصالحوه على ألف رأس نصفها غلمان ونصفها جواري ومائة ألف مد تحمل إلى الباب. وصالحه أهل تومان على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مد. ثم دخل أرض وردكران فصالحوه. ثم أتى حمرين وافتتح حصنهم، ثم أتى سبدان فافتتحها صلحا، ثم نزل صاحب اللكز في قلعته وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج يريد ملك الخزر فأصيب بسهم ومات وصالح أهل اللكز مروان، وأدخل عامله وسار مروان إلى قلعة سروان فأطاعوا، وسار إلى الرودانية فأوقع بهم ورجع.

خلع الحرث بن شريح بخراسان

كان الحرث هذا عظيم الأزد بخراسان فخلع سنة ست عشرة ولبس السواد، ودعا إلى كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا على ما كان عليه دعاة بني العباس هناك. وأقبل الى الغاربات وجاءته رسل عاصم مقاتل بن حيان النبطي والخطاب بن محرز السلمي فحبسهما وفروا من السجن إلى عاصم بدم الحرث وغدره. وسار الحرث من الغاربات إلى بلخ وعليها نصر بن سيار والتخيبي، فلقياه في عشرة آلاف وهو في أربعة فهزمهم، وملك بلخ واستعمل عليها سليمان بن عبد الله بن حازم. وسار إلى الجوزجان عليها ثم سار إلى مرو ونمي إلى عاصم أن أهل مرو يكاتبونه فاستوثق منهم بالقسامة وخرج وعسكر قريبا من مرو، وقطع الجسور وأقبل الحرث في ستين ألفا ومعه فرسان الأزد وتميم ودهاقين الجوزجان والغاربات، وملك الطالقان وأصلحوا القناطر ثم نزع محمد بن المثنى في ألفين من الأزد وحماد بن عامر ٣/١١٥

الجابي في مثلها من بني تميم إلى عاصم، ولحقوا به. ثم اقتتلوا فانهزم الحرث وغرق كثير من أصحابه في نهر مرو وقتلوا قتلا ذريعا. وكان ممن غرق حازم. ولما قطع الحرث نهر مرو ضرب رواقه واجتمع إليه بها ثلاثة آلاف فارس وكف عاصم عنهم.

ولاية أسد القسري الثانية بخراسان

كتب عاصم إلى هشام سنة سبع عشرة أن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى العراق ليكون مددها قريب الغوث، فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله القسري وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد فبعث خالد أخاه أسدا فسار على مقدمته محمد بن مالك الهمداني. (ولما بلغ عاصم) الخبر راود الحرث بن شريح على الصلح وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه الكتاب والسنة، فإن أبى اجتمعا وأبى بعض أهل خراسان ذلك فانتقض بينهما واقتتلا، فانهزم الحرث وأسر من أصحابه كثير قتلهم عاصم. وبعث بالفتح إلى هشام مع محمد بن مسلم العنبري فلقيه أسد بالري وجاء إلى خراسان فبعث عاصما وطلبه بمائة ألف درهم، وأطلق عمارة بن حزيم وعمال الجنيد. ولم يكن لعاصم بخراسان إلا مرو ونيسابور وكانت مروالروذ للحرث، وواصل لخالد بن عبيد الله الهجري على مثل رأي الحرث. فبعث أسد عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحرث، وسار هو بالناس إلى آمد.

فخرج إليه زياد القرشي مولى حيان النبطي في العسكر، فهزمهم أسد وحاصرهم حتى سألوا الأمان، واستعمل عليهم يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيباني، وسار إلى بلخ، وقد بايعوا سليمان بن عبد الله بن حازم. فسار حتى قدمها ثم سار منها إلى ترمذ والحرث محاصر لهما، وأعجزه وصول المدد إليها فخرج إلى بلخ، وخرج أهل ترمذ فهزموا الحرث وقتلوا أكثر أصحابه. ثم سار أسد إلى سمرقند ومر بحصن زم وبه أصحاب الحرث فبعث إليهم وقال: إنما نكرتم منا سوء السيرة ولم يبلغ ذلك النساء واستحلال الفروج ولا مظاهرة المشركين على مثل سمرقند وأعطاه الأمان على تسليم سمرقند، وهدده إن قاتل بأنه لا يؤمنه أبدا. فخرج إلى الأمان وسار معه إلى سمرقند فأنزلهم على الأمان ثم رجع أسد إلى بلخ وسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التي فيها ثقل الحرث وأصحابه في طخارستان. فحاصرها وفتحها وقتل مقاتلهم ومنهم بنو بزري من ثعلب أصحاب الحرث. وباع سبيهم في سوق بلخ وانتقض على الحرث ٣/١١٦

أربعمائة وخمسون من أصحابه بالقلعة، ورئيسهم جرير بن ميمون القاضي. فقال لهم الحرث: إن كنتم مفارقي ولا بد فاطلبوا الأمان، وإن طلبتموه بعد رحيلي لا يعطونه لكم، فأبوا إلا أن ارتحل، فبعثوا بالأمان فلم يجبهم إليه. وسرح جديعة الكرماني في ستة آلاف فحصرهم حتى نزلوا على حكمه وحمل خمسين منهم إلى أسد فيهم ابن ميمون القاضي. فقتلهم وكتب إلى الكرماني بإهلاك الباقين واتخذ أسد مدينة بلخ دارا ونقل إليها الدواوين. ثم غزا طخارستان وأرض حبونة فغنم وسبى.

مقتل خاقان

ولما كانت سنة تسع عشرة غزا أسد بن عبد الله بلاد الختل فافتتح منها قلاعا وامتلأت أيدي العسكر من السبي والشاء وكثب بن السائحي صاحب البلاد يستجيش خاقان على العرب، ويضعفهم له فتجهز وخفف من الأزودة استعجالا للعرب فلما أحس به ابن السائحي بعث بالنذير إلى أسد فلم يصدقه، فأعاد عليه إني الذي استمددت خاقان لأنك معرت البلاد، ولا أريد أن يظفر بك خشية من معاداة العرب واستطالة خاقان علي، فصدقه حينئذ أسد وبعث الأثقال مع إبراهيم بن عاصم العقيلي، الذي كان ولي سجستان، وبعث معه المشيخة كثير بن أمية، وأبا سفيان بن كثير الخزاعي وفضيل بن حيان المهري وغيرهم وأمدهما بجند آخر. وجاء في أثرهم فانتهى إلى نهر بلخ وقد قطعه إبراهيم بن عاصم بالسبي والأثقال، فخاض النهر من ثلاثة وعشرين موضعا، وحمل الناس شياههم حتى حمل هو شاة فما استكمل العبور حتى طلعت عليهم الترك وعلى المسلمة الأزد وتميم. فحمل خاقان عليهم فانكشفوا فرجع أسد إلى عسكره وخندق. وظنوا أن خاقان لا يقطع النهر فقطع النهر إليهم وقاتله المسلمون في معسكرهم وباتوا والترك محيطون بهم فلما أصبحوا لم يروا منهم أحدا فعلموا أنهم اتبعوا الأثقال والسبي، واستعلموا علمها من الطلائع، فشاور أسد الناس فأشاروا بالمقام وأشار نصر بن سيار باتباعهم يخلص الأثقال ويقطع شقة لا بد من قطعها، فوافقه أسد وطير النذير إلى إبراهيم بن عاصم. وصبح خاقان للأثقال وقد خندقوا عليهم فأمر أهل الصغد بقتلهم فهزمتهم مسلحة المسلمين فصعد ٣/١١٧

على تل حتى رأى المسلمين من خلفهم. وأمر الترك أن يأتوهم من هنالك ففعلوا وخالطوهم في معسكرهم وقتلوا صاغان خذاه وأصحابه وأحسوا بالهلاك وإذا بالغبار قد رهج والترك يتنحون قليلا قليلا. وجاء أسد ووقف على التل الذي كان عليه خاقان وخرج إليه بقية الناس وجاءته امرأة صاغان خذاه معولة فأعول معها، ومضى خاقان يقود أسرى المسلمين في الآفاق ويسوق الإبل الموقورة والجواري وأراد أهل العسكر قتالهم فمنعهم أسد ونادى رجل من عسكر خاقان وهو من أصحاب الحرث بن شريح يعير أسدا ويحرضه ويقول: قد كان لك عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي، قد كانت ما رأيت، ولعل الله ينتقم منك. ومضى أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى جاء الشتاء، فدخل البلد وشتى فيها. وكان الحرث بن شريح بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان وأغراه بغزو خراسان وزحفوا إلى بلخ. وخرج أسد يوم الأضحى فخطب الناس وعرفهم بأن الحرث بن شريح استجلب الطاغية ليطفئ نور الله ويبدل دينهم، وحرضهم على الاستنصار بالله وقال أقرب ما يكون العبد لله ساجدا. ثم سجد وسجد الناس وأخلصوا الدعاء وخرج للقائهم وقد استمد خاقان من وراء النهر، وأهل طخارستان وحبونة في ثلاثين ألفا وجاء الخبر إلى أسد وأشار بعض الناس بالتحصن منهم بمدينة بلخ. واستمد خالد وهشام. وأبى الأسد إلا اللقاء، فخرج واستخلف على بلخ الكرماني بن علي، وعهد إليه أنه لا يدع أحدا يخرج من المدينة. واعتزم نصر بن سيار والقاسم بن نجيب وغيرهم على الخروج فأذن لهم وصلى بالناس ركعتين وطول. ثم دعا وأمر الناس بالدعاء ونزل من وراء القنطرة ينتظر من تخلف، ثم بدا له وارتحل فلقي طليعة خاقان وأسر قائدهم وسار حتى نزل على فرسخين من الجوزجان ثم أصبحوا وقد تراءى الجمعان وأنزل أسد الناس ثم تهيأ للحرب ومعه الجوزجان (أه) . وحملت الترك على الميسرة فانهزموا إلى رواق أسد، فشدت عليهم الأسد وبنو تميم والجوزجان من الميمنة فانكشفوا إلى خاقان وقد انهزم والحرث معه واتبعهم الناس ثلاثة فراسخ يقتلونهم واستاقوا مائة وخمسين ألفا من الشاء ودواب كثيرة. وسلك خاقان غير الجادة والحرث بن شريح ولقيهم أسد عند الطريق. وسلك الجوزجان بعثمان بن عبد الله بن الشخير طريقا، ٣/١١٨

يعرفها حتى نزلوا على خاقان وهو آمن، فتركوا الأبنية والقدور تغلي وبناء العرب والموالي والعسكر مشحون من آنية الفضة، وركب خاقان والحرث يمانع عنه. وأعجلوا امرأة خاقان عن الركوب فقتلها الخصي الموكل بها. وبعث أسد بجوار الترك دهاقين خراسان يفادون بها أسراهم، وأقام خمسة أيام وانصرف إلى بلخ لتاسعة من خروجه. ونزل الجوزجان وخاقان هارب أمامه. وانتهى خاقان إلى جونة الطخاري، فنزل عليه، وانصرف أسد إلى بلخ، وأقام خاقان عند جونة حتى أصلح آلته، وسار وسبيه بها فأخذه جدكاوش أبو فشين فأهدى إليه وأتحفه وحمل أصحابه يتخذ بذلك عنده يدا. ثم وصل خاقان بلاده وأخذ في الاستعداد في الحرب ومحاصرة سمرقند وحمل الحرث وابن شريح وأصحابه على خمسة آلاف برذون.

ولاعب خاقان بالنرد كورصول يوما فغمزه كورصول فأنف وتشاجر، فصك كورصول يد خاقان، فحلف خاقان ليكسرن يده فتنحى وجمع. ثم بيت خاقان فقتله وافترق الترك وحملوه وتركوه بالعراء فحمله بعض عظمائهم ودفنه. وكان أسد بعث بالفتح من بلخ إلى خالد بن عبد الله فأخبره وبعث به إلى هشام فلم يصدقه، ثم بعده القاسم بن نجيب بقتل خاقان، فحثت قيس أسدا وخالدا، وقالوا لهشام: استقدم مقاتل بن حيان. فكتب بذلك إلى خالد، فأرسل إلى أسد أن يبعث به فقدم على هشام والأبرش وزيره جالس عنده، فقص عليه الخبر فسر بذلك وقال لمقاتل: ما حاجتك؟ قال يزيد بن المهلب أخذ من حيان أبي مائة ألف درهم بغير حق، فأمر بردها علي. فاستحلفه وكتب له بردها، وقسمها مقاتل بين ورثة حيان. ثم غزا أسد الختل بعد مقتل خاقان، وقدم مصعب بن عمر الخزاعي إليها فسار إلى حصن بدرطرخان فاستأمن له أن يلقي أسدا فأمنه وبعث إلى أسد فسأل أن يقبل منه ألف درهم، وراوده على ذلك فأبى أسد ورده إلى مصعب ليرده إلى حصنه، فقال له مسلمة بن أبي عبد الله وهو من الموالي: إن أمير المؤمنين سيندم على حبسه. ثم أقبل أسد بالناس ووعد له المجشر بن مزاحم بدرطرخان أو قبول ما عرض، فندم أسد وأرسل إلى مصعب يسأل عنه فوجده مقيما عند مسلمة، فجيء به وقطعت يده. ثم أمر رجلا من الأزد كان بدرطرخان قتل أباه فضرب عنقه وغلب على القلعة. وبعث العساكر في بلاد الختل فامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي وامتنع ولد بدرطرخان ٣/١١٩

وأمواله في قلعة فوق بلدهم صغيرة فلم يوصل إليهم.

وفاة أسد

وفي ربيع الأول سنة عشرين توفي ابن عبدا القسري بمدينة بلخ واستخلف جعفر بن حنظلة النهرواني فعمل أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار بالعمل في رجب.

ولاية يوسف بن عمر الثقفي على العراق وعزل خالد

وفي هذه السنة عزل هشام خالدا عن أعماله جميعها بسعاية أبي المثنى وحسان النبطي وكانا يتوليان ضياع هشام بالعراق، فنقلا على خالد وأمر الأشدق بالنهوض على الضياع وأنهى ذلك حسان بعد أبي المثنى، وأن غلته في السنة ثلاثة عشر ألف ألف فوقرت في نفس هشام. وأشار عليه بلال بن أبي بردة والعريان بن الهيثم أن يعرض أملاكه على هشام ويضمنون له الرضا فلم يجبهم. ثم شكا من خالد بعض آل عمر والأشدق بأنه أغلظ له في القول بمجلسه، فكتب إليه هشام يوبخه ويأمره بأن يمشي ساعيا على قدميه إلى بابه ويترضاه ونميت عنه من هذا أقوال كثيرة وأنه يستقل ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يا ابن أم خالد بلغني أنك تقول ما ولاية العراق لي بشرف، يا ابن اللخناء كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صقر من قريش يشد يديك إلى عنقك. ثم كتب إلى يوسف بن عمر الثقفي وهو باليمن يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق فقد ولاه ذلك. فسار إلى الكوفة ونزل قريبا منها وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده وأهدى إليه وصيفا ووصيفة سوى الأموال والثياب ومر يوسف وأصحابه ببعض أهل العراق فسألوهم فعرضوا وظنوهم خوارج، وركب يوسف إلى دور ثقيف فكتموا، ثم جمع يوسف بالمسجد من كان هنالك من مضر ودخل مع الفجر فصلى، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما. وقيل إن خالدا كان بواسط وكتب إليه بالخبر بعض أصحابه من دمشق، فركب إلى خالد وأخبره بالخبر وقال: اركب إلى أمير المؤمنين واعتذر إليه قال: لا أفعل بغير إذن قال: فترسلني أستأذنه قال: لا. قال: فاضمن له جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده ٣/١٢٠

وهي مائة ألف ألف قال: والله ما أجد عشرة آلاف ألف قال: أتحملها أنا وفلان وفلان. قال: لا أعطي شيئا وأعود فيه فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستبقي الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال وهي عند الكوفة فنقتل ويأكلون الأموال فأبى خالد من ذلك كله فودعه طارق ومضى وبكى ورجع إلى الكوفة. وخرج خالد إلى الحمة وجاء كتاب هشام بخطه إلى يوسف بولاية العراق وأن يأخذ ابن النصرانية يعني خالدا وعماله فيعذبهم، فأخذ الأولاد وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت وقدم في جمادى الأخيرة سنة عشرين ومائة فنزل النجف وأرسل مولى كيسان فجاء بطارق ولقيه بالحيرة فضربه ضربا مبرحا ودخل الكوفة. وبعث عثمان عطاء بن مقدم إلى خالد بالحمة فقدم عليه وحبسه وصالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه على سبعة آلاف ألف. وقيل أخذ منه مائة ألف وكانت ولايته العراق خمس عشرة سنة ولما ولي يوسف نزلت الذلة بالعراق في العرب وصار الحكم فيه إلى أهل الذمة.

ولاية نصر بن سيار خراسان وغزوة وصلح الصغد

ولما مات أسد بن عبد الله ولى هشام على خراسان نصر بن سيار وبعث إليه عهده على عبد الكريم بن سليط الحنفي، وقد كان جعفر بن حنظلة لما استخلفه أسد عند موته عرض على نصر أن يوليه بخارى فقال له: البحتري بن مجاهد مولى بني شيبان لا تقبل فإنك شيخ مضر بخراسان، وكان عهدك قد جاء على خراسان كلها فكان كذلك ولما ولي نصر استعمل على بلخ مسلم بن عبد الرحمن وعلى مروالروذ وشاح ابن بكير بن وشاح، وعلى هراة الحرث بن عبد الله بن الحشرج، وعلى نيسابور زياد بن الرحمن القسري، وعلى خوارزم أبا حفص علي بن حقنة، وعلى الصغد قطن بن قتيبة. وبقي أربع سنين لا يستعمل في خراسان إلا مضريا فعمرت عمارة لم تعمر مثلها، وأحسن الولاية والجباية. وكان وصول العهد إليه بالولاية في رجب سنة عشرين فغزا غزوات أولها إلى ما وراء النهر من نحو باب الحديد. وسار إليها من بلخ ورجع إلى مرو فوضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة وجعلها على من كان يخفف عنه منهم وانتهى عددهم ثلاثين ألفا من الصنفين وضعت عن هؤلاء وجعلت على هؤلاء. ثم غزا الثانية إلى سمرقند، ثم الثالثة إلى الشاش سار إليها من ٣/١٢١

مرو ومعه ملك بخارى وأهل سمرقند وكش ونسف في عشرين ألفا. وجاء إلى نهر الشاش فحال بينه وبين عبوره كورصول، عسكر نصر في ليلة ظلماء، ونادى نصر لا يخرج أحد وخرج عاصم بن عمير في جند سمرقند، فجاولته خيل الترك ليلا وفيهم كورصول فأسره عاصم وجاء به إلى نصر فقتله وصلبه على شاطئ النهر فحزنت الترك لقتله وأحرقوا أبنيته وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم. وأمر نصر بإحراق عظامه لئلا يحملوها بعد رجوعه. ثم سار إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس، وكتب إليه يوسف بن عمران ليسير إلى الحرث بن شريح في الشاش ويخرب بلادهم ويسبيهم. فسار لذلك وجعل على مقدمته يحيى بن حصين وجاء بهم إلى الحرث وقاتلهم وقتل عظيما من عظماء الترك وانهزموا. وجاء ملك الشاش في الصلح والهدنة والرهن واشترط نصر عليه إخراج الحرث بن شريح من بلده فأخرجه إلى فاراب.

واستعمل على الشاش ينزل ابن صالح مولى عمرو بن العاص. ثم سار إلى أرض فرغانة وبعث أمه في إتمام الصلح، فجاءت لذلك وأكرمها نصر وعقد لها ورجعت. وكان الصغد لما قتل خاقان طمعوا في الرجعة إلى بلادهم، فلما ولي نصر بعث إليهم في ذلك وأعطوه ما سألوه من الشروط، وكان أهل خراسان قد نكروا شروطهم، وكان منها أن لا يعاقب من ارتد عن الإسلام إليهم ولا يؤخذ منهم أسرى إلا ببينة وحكم وعاب الناس ذلك على نصر لما أمضاه لهم. فقال: لو عاينتم شكوتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم. وأرسل إلى هشام في ذلك فأمضاه وذلك سنة ثلاث وعشرين.

ظهور زيد بن على ومقتله

ظهر زيد بن علي بالكوفة خارجا على هشام داعيا للكتاب والسنة وإلى جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء ورد المظالم وأفعال الخير ونصر أهل البيت. واختلف في سبب خروجه فقيل: إن يوسف ابن عمران لما كتب في خالد القسري كتب إلى هشام أنه شيعة لأهل البيت، وأنه ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ورد عليه الأمن، وأنه أودع زيدا وأصحابه الوافدين عليه مالا، فكان زيد قد قدم على خالد بالعراق هو ومحمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس فأجازهم ورجعوا إلى المدينة ٣/١٢٢

فبعث هشام عنهم وسألهم فأقروا بالجائزة وحلفوا على ما سوى ذلك وأن خالدا لم يودعهم شيئا فصدقهم هشام وبعثهم إلى يوسف فقاتلوا خالدا وصدقهم الآخر، وعادوا إلى المدينة ونزلوا القادسية. وراسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم، وقيل في سبب ذلك، إن زيدا اختصهم مع ابن عمه جعفر ابن الحسن المثنى في وقف علي، ثم مات جعفر فخاصم أخوه عبد الله زيدا وكانا يحضران عند عامل خالد بن عبد الملك بن الحرث، فوقعت بينهما في مجلسه مشاتمة وأنكر زيد من خالد إطالته للخصومة وأن يستمع لمثل هذا فأغلظ له زيد وسار إلى هشام فحجبه، ثم أذن له بعد حين فحاوره طويلا ثم عرض له بأنه ينكر الخلاف وتنقصه. ثم قال له: أخرج؟ قال: نعم ثم لا أكون إلا بحيث تكره! فسار إلى الكوفة وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: ناشدتك الله الحق بأهلك ولا تأت الكوفة وذكره بفعلهم مع جده وجده يستعظم ما وقع به. وأقبل الكوفة فأقام بها مستخفيا ينتقل في المنازل واختلف إليه الشيعة وبايعه جماعة منهم: مسلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسي ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري وناس من وجوه أهل الكوفة يذكر لهم دعوته. ثم يقول: أتبايعون على ذلك؟ فيقولون: نعم فيضع يده على أيديهم ويقول عهد الله عليك وميثاقه وذمته وذمة نبيه بيقين تتبعني ولا تقاتلني مع عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية. فإذا قال نعم وضع يده على يده ثم قال: اللهم اشهد فبايعه خمسة عشر ألفا وقيل أربعون. وأمرهم بالاستعداد وشاع أمره في الناس وقيل: إنه أقام في الكوفة ظاهرا ومعه داود بن علي ابن عبد الله بن عباس لما جاءوا لمقاتلة خالد فاختلف إليه الشيعة، وكانت البيعة. وبلغ الخبر إلى يوسف بن عمران فأخرجه من الكوفة ولحق الشيعة بالقادسية أو الغلبية وعذله داود بن علي في الرجوع معه وذكره حال جده الحسين فقالت الشيعة لزيد: هذا إنما يريد الأمر لنفسه ولأهل بيته فرجع معهم ومضى داود إلى المدينة. ولما أتى الكوفة جاءه مسلمة بن كهيل فصده عن ذلك وقال أهل الكوفة لا يعولون لك. وقد كان مع جدك منهم أضعاف من معك ولم تعاوله، وكان أعز عليهم منك على هؤلاء فقال له: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم. قال: فتأذن لي أن أخرج من هذا البلد فلا آمن أن يحدث حدث وأنا لا أهلك نفسي، فخرج لليمامة وكتب عبد الله بن الحسن المثنى إلى زيد يعذله ويصده فلم يصغ إليه وتزوج نساء بالكوفة وكان يختلف إليهن والناس يبايعونه، ثم أمر ٣/١٢٣

أصحابه يتجهزون. ونمى الخبر إلى يوسف بن عمر فطلبه وخاف فتعجل الخروج وكان يوسف بالحيرة وعلى الكوفة الحكم بن الصلت وعلى شرطته عمر بن عبد الرحمن من القاهرة ومعه عبيد الله بن عباس الكندي في ناس من أهل الشام. ولما علم الشيعة أن يوسف يبحث عن زيد جاء إليه جماعة منهم فقالوا: ما تقول في الشيخين؟

فقال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، وما سمعت أهل بيتي يذكرونهما إلا بخير. وغاية ما أقول أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس فدفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك الكفر، وقد عدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة. قال: فإذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إن هؤلاء ظلموا المسلمين أجمعين فإنا ندعوهم إلى الكتاب والسنة وأن نحيي السنن ونطفئ البدع، فإن أجبتم سعدتم وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام الحق يعنون محمدا الباقر، وأن جعفرا ابنه إمامنا بعده، فسماهم زيد الرافضة ويقال إنما سماهم الرافضة حيث فارقوه ثم بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بأن يجمع أهل الكوفة في المسجد فجمعوا وطلبوا زيدا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة فخرج منها ليلا واجتمع إليه ناس من الشيعة وأشعلوا النيران ونادوا يا منصور حتى طلع الفجر، وأصبح جعفر بن أبي العباس الكندي فلقى اثنين من أصحاب زيد يناديان بشعاره فقتل واحدا وأتى بالآخر إلى الحكم فقتله، وأغلق أبواب المسجد على الناس وبعث إلى يوسف بالخبر فسار من الحيرة وقدم الرياف بن سلمة الأراثيني في ألفين خيالة وثلاثمائة ماشية. وافتقد زيد الناس فقيل إنهم في الجامع محصورون، ولم يجد معه إلا مائتين وعشرين. وخرج صاحب الشرطة في خيله فلقي نصر بن خزيمة العبسي من أصحاب زيد ذاهبا إليه فحمل عليه نصر وأصحابه فقتلوه وحمل زيد على أهل الشام فهزمهم وانتهى إلى دار أنس بن عمر الأزدي ممن بايعه وناداه فلم يخرج إليه.

ثم سار زيد إلى الكناسة فحمل على أهل الشام فهزمهم ثم دخل الكوفة، والريات في اتباعه فلما رأى زيد خذلان الناس قال لنصر بن خزيمة: أفعلتموها حسينية؟ قال:

أما أنا فو الله لأموتن معك وإن الناس بالمسجد فامض بنا إليهم فجاء إلى المسجد ينادي بالناس بالخروج إليه فرماه أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد فانصرفوا عند المساء. وأرسل يوسف بن عمر من الغد العباس ابن سعد المزني في أهل الشام فجاءه في دار الزرق وقد كان أوى إليها عند المساء، فلقيه زيد بن ثابت فاقتتلوا فقتل نصر. ٣/١٢٤

ثم حملوا على أصحاب العباس فهزمهم زيد وأصحابه وعبأهم يوسف بن عمر من العشي ثم سرحهم فكشفهم أصحاب زيد ولم يثبت خيلهم لخيله. وبعث إليهم يوسف بن عمر بالقادسية واشتد القتال وقتل معاوية بن زيد ثم رمي زيد عند المساء بسهم أثبته فرجع أصحابه وأهل الشام يظنون أنهم تحاجزوا ولما نزع النصل من جبهته مات فدفنوه وأجروا عليه الماء وأصبح الحكم يوم الجمعة يتبع الجرحى من الدور ودله بعض الموالي على قبر زيد فاستخرجه وقطع رأسه وبعث بها إلى يوسف بالحيرة، فبعثه إلى هشام فنصبه على باب دمشق وأمر يوسف الحكم أن يصلب زيدا بالكناسة ونصر ابن خزيمة ومعاوية بن إسحاق ويحرسهم فلما ولي الوليد أمر بإحراقهم واستجار يحيي ابن زيد بعبد الملك بن شبر بن مروان فأجاره حتى سكن المطلب ثم سار إلى خراسان في نفر من الزيدية.

ظهور أبي مسلم بالدعوة العباسية

كان أهل الدعوة العباسية بخراسان يكتمون أمرهم منذ بعث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دعاته إلى الآفاق سنة مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز، لما مر أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ذاهبا وجائيا من الشام من عند سليمان بن عبد الملك فمرض عنده بالحميمة من أعمال البلقاء وهلك هنالك وأوصى له بالأمر. وكان أبو هاشم قد علم شيعته بالعراق وخراسان وأن الأمر صائر في ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فلما مات أبو هاشم قصدت الشيعة محمدا وبايعوه سرا وبعث دعاته منهم إلى الآفاق وكان الذي بعث إلى العراق مسيرة بن والي خراسان محمد بن حبيش، وأما عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال إبراهيم بن سلمة فجاءوا إلى خراسان ودعوا إليه سرا وأجابهم الناس وجاءوا بكتب من أجاب إلى مسيرة انتهى. فبعث بها إلى محمد واختار أبو محمد الصادق اثني عشر رجلا من أهل الدعوة فجعلهم نقباء عليهم وهم: سليمان بن كثير الخزاعي ولاهز بن قريط التميمي، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وأبو حمزة بن عمر ابن أعين مولى خزاعة وأخوه عيسى، وأبو علي شبلة بن طهمان الهروي مولى بني حنيفة. واختار بعده سبعين رجلا وكتب إليه محمد بن علي كتابا يكون لهم مثالا ٣/١٢٥

يقتدون به في الدعوة، وأقاموا على ذلك ثم بعث مسيرة رسله من العراق سنة اثنتين ومائة في ولاية سعيد خدينة، وخلافة يزيد بن عبد الملك. وسعى بهم إلى سعيد فقالوا نحن تجار فضمنهم قوم من ربيعة واليمن فأطلقهم وولد محمد ابنه عبد الله السفاح سنة أربع ومائة، وجاء إليه أبو محمد الصادق في جماعة من دعاة خراسان فأخرجه لهم ابن خمسة عشر يوما قال: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده، فقبلوا أطرافه وانصرفوا. ثم دخل معهم في الدعوة بكير بن هامان جاء من السند مع الجنيد بن عبد الرحمن فلما عزل قدم الكوفة ولقي أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن حبيش وعمار العبادي خال الوليد الأزرق دعاه إلى خراسان في ولاية أسد القسري أيام هشام ووشى بهم إليه فقطع أيدي من ظفر به منهم وصلبه وأقبل عمار إلى بكير بن هامان فأخبره فكتب إلى محمد بن علي بذلك فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ستعد. ثم كان أول من قدم محمد بن علي إلى خراسان أبو محمد زياد مولى همذان بعثه محمد بن علي سنة تسعة في ولاية أسد أيام هشام وقال له: انزل في اليمن وتلطف لمضر ونهاه عن الغالب النيسابورى شيعة بني فاطمة. فشتى زياد بمرو ثم سعى به إلى أسد فاعتذر بالتجارة، ثم عاد إلى أمره، فأحضره أسد وقتله في عشرة من أهل الكوفة ثم جاء بعدهم إلى خراسان رجل من أهل الكوفة اسمه كثير ونزل على أبي الشحم وأقام يدعو سنتين أو ثلاثة، ثم أخذ أسد بن عبد الله في ولايته الثانية سنة سبع عشرة. أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريط بثلاثمائة سوط وشهد حسن ابن زيد الأزدي ببراءتهم فأطلقهم. ثم بعث بكير بن هامان سنة ثماني عشرة عمار بن زيد على شيعتهم بخراسان فنزل مرو وتسمى بخراش وأطاعه الناس. ثم نزل دعوتهم بدعوة الحزمية فأباح النساء وقال: إن الصوم إنما هو عن ذكر الإمام وأشار إلى إخفاء اسمه والصلاة الدعاء له، والحج القصد إليه وكان خراش هذا نصرانيا بالكوفة وأتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم. وظهر أسد على خبره وبلغ الخبر بذلك إلى محمد بن علي فنكر عليهم قبولهم من خراش وقطع مراسلتهم فقدم عليه ابن كثير منهم يستعلم خبره ويستعطفه على ما وقع منهم، وكتب معه إليهم كتابا مختوما لم يجدوا فيه غير البسملة، فعلموا مخالفة خراش لأمره وعظم ٣/١٢٦

عليهم. ثم بعث محمد بن بكير بن بان وكتب معه بكذب خراش فلم يصدقوه فجاء إلى محمد وبعث معه عصيا مضبية بعضها بالحديد وبعضها بالنحاس ودفع إلى كل رجل عصا فعلموا أنهم قد خالفوا السيرة فتابوا ورجعوا وتوفي محمد بن علي سنة أربع وعشرين وعهد ابنه إبراهيم بالأمر وأوصى الدعاة بذلك، وكانوا يسمونه الإمام.

وجاء بكير بن هامان إلى خراسان بنعيه والدعاء لإبراهيم الإمام سنة ست وعشرين ومائة، ونزل مرو ودفع إلى الشيعة والنقباء كتابه بالوصية والسيرة فقبلوه، ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقاتهم فقدم بها بكير على إبراهيم. ثم بعث إليهم أبا مسلم سنة أربع وعشرين وقد اختلف في أوليته اختلافا كثيرا وفي سبب اتصاله بإبراهيم الإمام أو أبيه محمد فقيل: كان من ولد بزرجمهر، ولد بأصبهان وأوصى به أبوه إلى عيسى بن موسى السراج، فحمله إلى الكوفة ابن سبع سنين ونشأ بها واتصل بإبراهيم الإمام وكان اسم أبي مسلم إبراهيم بن عثمان بن بشار فسماه إبراهيم الإمام عبد الرحمن وزوجة أبيه أبي النجم عمران ابن إسماعيل من الشيعة فبنى بها بخراسان وزوج ابنته من محرز بن إبراهيم فلم يعقب.

وابنته أسماء من فهم بن محرز فأعقبت فاطمة وهي التي يذكرها الحزمية .

وقيل في اتصاله بإبراهيم الإمام أن أبا مسلم كان مع موسى السراج وتعلم منه صناعة السروج وكان يتجهز فيها بأصبهان والجبال والجزيرة والموصل واتصل بعاصم بن يونس العجلي صاحب عيسى السراج وابني أخيه عيسى وإدريس ابني معقل، وإدريس هو جد أبي دلف ونمى إلى يوسف بن عمران العجلي من دعاة بني العباس فحبسهم مع عمال خالد القسري. وكان أبو مسلم معهم في السجن بخدمتهم وقبل منهم الدعوة وقيل لم يتصل بهم من عيسى السراج وإنما كان من ضياع بني العجلي بأصبهان أو الجبل. وتوجه سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريط وقحطبة بن شبيب من خراسان يريدون إبراهيم الإمام بمكة، فمروا بعاصم بن يونس وعيسى وإدريس ابني معقل العجلي بمكانهم من الحبس فرأوا معهم أبا مسلم فأعجبهم وأخذوه ولقوا إبراهيم الإمام بمكة فأعجبه فأخذه. وكان يخدمه ثم قدم النقباء بعد ذلك على إبراهيم الإمام يطلبون أن يوجه من قبله إلى خراسان فبعث معه أبا مسلم. فلما تمكن ونوى أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس وكان من أولية هذا الخبر أن ٣/١٢٧

جارية لعبد الله بن العباس ولدت لغير رشدة فحدها واستعبد وليدها وسماه سليطا فنشأ واختص بالوليد. وادعى أن عبد الله بن عباس أقر بأنه ابنه وأقام البينة على ذلك وخاصم علي بن عبد الله في الميراث وأذاه. وكان في صحابته عمر الدن من ولد أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها سليط بالخبر، فاستعدت الوليد على علي فأنكر وحلف، فنبشوا في البستان فوجدوه. فأمر الوليد بعلي فضرب ليدله على عمر الدن. ثم شفع فيه عباد بن زياد فأخرج إلى الحميمة. ولما ولي سليمان رده إلى دمشق وقيل: إن أبا مسلم كان عبدا للعجليين، وابن بكير بن هامان كان كاتبا لعمال بعض السند وقدم الكوفة فكان دعاة بني العباس فحبسوا وبكير معهم.

وكان العجليون في الحبس، وأبو مسلم العبسي بن معقل. فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه، واستحسن الغلام فاشتراه من عيسى بن معقل بأربعمائة درهم وبعث به إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج من الشيعة. فسمع منه وحفظ وصار يتردد إلى خراسان. وقيل كان لبعض أهل هراة وابتاعه منه إبراهيم الإمام، ومكث عنده سنين وكان يتردد بكتبه إلى خراسان ثم بعثه أميرا على الشيعة وكتب إليهم بالطاعة له، وإلى أبي سلمة الخلال داعيهم بالكوفة يأمره بإنفاذه إلى خراسان فنزل على سليمان بن كثير وكان من أمره ما يذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى. ثم جاء سليمان بن كثير ولاهز بن قريط وقحطبة إلى مكة سنة سبع وعشرين بعشرين ألف دينار للإمام إبراهيم ومائتي ألف درهم ومسك ومتاع كثير ومعهم أبو مسلم وقالوا: هذا مولاك وكتب بكير بن هامان إلى الإمام بأنه أوصى بأمر الشيعة بعده لأبي سلمة حفص بن سليمان الخلال وهو رضى فكتب إليه إبراهيم بالقيام بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان بذلك فقبلوه وصدقوه وبعثوا بخمس أموالهم ونفقة الشيعة للإمام إبراهيم. ثم بعث إبراهيم في سنة ثمان وعشرين مولاه أبا مسلم إلى خراسان وكتب له: إني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا. وقد أمرته على خراسان وما غلبت عليه فارتابوا من قوله ووفدوا على إبراهيم الإمام من قابل مكة وذكر له أبو مسلم أنهم لم يقبلوه. فقال لهم: قد عرضت عليكم الأمر فأبيتم من قبوله، وكان عرضه على سليمان بن كثير ثم على إبراهيم بن مسلمة فأبوا. وإني قد أجمع رأيي على أبي مسلم وهو منا أهل البيت فاسمعوا له وأطيعوا. وقال لأبي مسلم: انزل في أهل ٣/١٢٨

اليمن وأكرمهم. فإن بهم يتم الأمر وآتهم البيعة. وأما مضر فهم العدو والغريب، واقتل من شككت فيه وإن قدرت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل وارجع إلى سليمان بن كثير واكتف به مني وسرحه معهم فساروا إلى خراسان.

وفاة هشام بن عبد الملك وبيعة الوليد بن يزيد

توفي هشام بن عبد الملك بالرصافة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة لعشرين سنة من خلافته وولي بعده الوليد ابن أخيه يزيد بعهد يزيد بذلك كما مر، وكان الوليد متلاعبا وله مجون وشراب وندمان، وأراد هشام خلعه فلم يمكنه. وكان يضرب من يأخذه في صحبته، فخرج الوليد في ناس من خاصته ومواليه وخلف كاتبه عياض بن مسلم ليكاتبه بالأحوال فضربه هشام وحبسه. ولم يزل الوليد مقيما بالبرية حتى مات هشام، وجاءه مولى أبي محمد السفياني على البريد بكتاب سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل بالخبر فسأل عن كاتبه عياض فقال: لم يزل محبوسا حتى مات هشام، فأرسل إلى الحراق أن يحتفظوا بما في أيديهم حتى منعوا هشاما من شيء طلبه. ثم خرج بعد موته من الحبس وختم أبواب الخزائن ثم كتب الوليد من وقته إلى عمه العباس بن عبد الملك أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وخدمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كان يراجع أباه في الرفق بالوليد، فانتهى العباس لما أمر به الوليد. ثم استعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب مروان ببيعته واستأذن في القدوم. ثم عقد الوليد من سنته لابنيه الحكم وعثمان بعده وجعلهما وليي عهده وكتب بذلك إلى العراق وخراسان.

ولاية نصر للوليد على خراسان

وكتب الوليد في سنته إلى نصر بن سيار بولاية خراسان وأفرده بها، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله فرد إليه الوليد خراسان. وكتب يوسف إلى نصر بالقدوم ويحمل معه الهدايا والأموال وعياله جميعا وكتب له الوليد بأن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة ويجمع له البراذين الغرة ويجمع بذلك إليه في ٣/١٢٩

وجوه أهل خراسان، واستحثه رسول يوسف فأجازه. ثم سار واستخلف على خراسان عصمة بن عبد الله الأسدي وعلى شاش موسى بن ورقاء وعلى سمرقند حسان بن من أهل الصغانيان وعلى آمد مقاتل بن علي الصغدي. وأسر إليهم أن يداخلوا الترك في المسير إلى خراسان ليرجع إليهم وبينا هو في طريقه إلى العراق بيهق لقيه مولى لبني ليث، وأخبره بقتل الوليد والفتنة بالشام وأن منصور بن جمهور قدم العراق وهرب يوسف بن عمر فرجع بالناس.

مقتل يحيى بن زياد

كان يحيى بن زياد سار بعد قتل أبيه وسكون الطلب عنه كما مر فأقام عنه الحريش ابن عمر ومروان في بلخ ولما ولي الوليد كتب إلى نصر بأن يأخذه من عند الحريش فأحضر الحريش وطالبه بيحيى، فأنكر، فضربه ستمائة سوط، فجاء ابنه قريش ودله على يحيى فحبسه وكتب إلى الوليد فأمره أن يخلي سبيله وسبيل أصحابه فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد فسار وأقام بسرخس فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عياد يخرجه عنها فأخرجه إلى بيهق وخاف يحيى بن يوسف بن عمر فسار إلى نيسابور وبها عمر ابن زرارة، وكان مع يحيى سبعون رجلا ولقوا دواب وأدركهم الإعياء فأخذوها بالثمن. وكتب عمر بن زرارة بذلك إلى نصر فكتب إليه يأمره بحربهم، فحاربهم في عشرة آلاف فهزموه وقتلوه، ومروا بهراة فلم يعرضوا لها وسرح نصر بن سيار مسلم بن أحور المازني إليهم فلحقهم بالجوزجان فقاتلهم قتالا شديدا وأصيب يحيى بسهم في جبهته فمات. وقتل أصحابه جميعا وبعثوا برأسه إلى الوليد وصلب بالجوزجان. وكتب الوليد إلى يوسف بن عمر بأن يحرق شلو زيد، فأحرقه وذراه في الفرات ولم يزل يحيى مصلوبا بالجوزجان حتى استولى أبو مسلم على خراسان فدفنه ونظر في الديوان أسماء من حضر لقتله فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء.

مقتل خالد بن عبد الله القسري

قد تقدم لنا ولاية يوسف بن عمر على العراق وأنه حبس خالدا أصحاب العراق ٣/١٣٠

وخراسان قبله فأقام بحبسه في الحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد ابن خالد والمنذر ابن أخيه أسد واستأذن هشاما في عذابه فأذن له على أنه إن هلك قتل يوسف به فعذبه. ثم أمر هشام بإطلاقه سنة إحدى وعشرين، فأتى إلى قرية بإزاء الرصافة فأقام بها، حتى خرج زيد وقتل وانقضى أمره، فسعى يوسف بخالد عند هشام بأنه الذي داخل زيدا في الخروج، فرد هشام سعايته ووبخ رسوله وقال:

لسنا نتهم خالدا في طاعة. وسار خالد إلى الصائفة وأنزل أهله دمشق وعليها كلثوم بن عياض القشيري، وكان يبغض خالدا. فظهر في دمشق حريق في ليال، فكتب كلثوم إلى هشام بأن موالي خالد يريدون الوثوب إلى بيت المال ويتطرقون إلى ذلك بالحريق كل ليلة في البلد. فكتب إليه هشام بحبس الكبير منهم والصغير والموالي فحبسهم. ثم ظهر على صاحب الحريق وأصحابه. وكتب بهم الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج ولم يذكر فيهم أحدا من آل خالد ومواليه فكتب هشام إلى كلثوم يوبخه ويأمره بإطلاق آل خالد وترك الموالي فشفع فيهم خالد عند مقدمه من الصائفة، فلما قدم دخل منزله وأذن للناس فاجتمعوا ببابه فوبخهم وقال: إن هشاما يسوقهن إلى الحبس كل يوم. ثم قال خرجت غازيا سامعا مطيعا فحبس أهلي مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين. ولم يغير ذلك أحد منكم، أخفتم القتل؟ أخافكم الله. والله ليكفن عني هشام أو لأعودن إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأصل يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وبلغ ذلك هشاما فقال: خرف أبو الهيثم. ثم تتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام بطلب يزيد بن خالد فأرسل إلى كلثوم بإنفاذه إليه فهرب يزيد فطلبه كلثوم من خالد وحبسه فيه فكتب إليه هشام بتخليته ووبخه انتهى.

ولما ولي الوليد بن يزيد استقدم خالدا وقال أين ابنك؟ قال: هرب من هشام وكنا نراه عندك حتى استخلفك الله فلم نره وطلبناه ببلاد قومه من الشراة فقال: ولكن خلفته طلبا للفتنة فقال: إنا أهل بيت طاعة. فقال: لتأتيني به أو لازهقن، نفسك فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه فأمر الوليد بضربه. ولما قدم يوسف بن عمر من العراق بالأموال اشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف فقال له الوليد: إن ٣/١٣١

يوسف يشتريك بكذا فاضمنها إلي قبل أن أدفعك إليه. فقال: ما عهدت العرب تباع! والله لو سألتني عودا ما ضمنته. فدفعه إلى يوسف فألبسه عباءة وحمله على غير وطاء وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه. ثم حمله إلى الكوفة فاشتد في عذابه ثم قتله ودفنه في عباءة يقال: إنه قتله بشيء وضعه على وجهه. وقيل وضع على رجليه الأعواد وقام عليها الرجال حتى تكسرت قدماه. وذلك في المحرم سنة ستة وعشرين ومائة.

مقتل الوليد وبيعة يزيد

ولما ولي الوليد لم يقلع عما كان عليه من الهوى والمجون. حتى نسب إليه في ذلك كثير من الشنائع مثل رمية المصحف بالسهام حين استفتح فوقع على قوله: وخاب كل جبار عنيد 14: 15 وينشدون له في ذلك بيتين تركتهما لشناعة مغزاهما . ولقد ساءت القالة فيه كثيرا، وكثير من الناس نفوا ذلك عنه وقالوا: إنها من شناعات الأعداء الصقوها به. قال المدائني: دخل ابن الغمر بن يزيد على الرشيد فسأله: ممن أنت؟

فقال: من قريش. قال: من أيها؟ فوجم، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان فقال: أنا ابن الغمر بن يزيد. فقال: رحم الله الوليد ولعن يزيد الناقص، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه، ارفع حوائجك فرفعها وقضاها. وقال شبيب بن شبة:

كنا جلوسا عند المهدي فذكر الوليد فقال المهدي: كان زنديقا فقام ابن علانة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا لقد أخبرني عنه من كان يشهده في ملاعبة وشربه ويراه في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المصيبة المصبغة. ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظيفة فيلبسها ويشتغل بربه. أترى هذا فعل من لا يؤمن بالله؟ فقال المهدي: بارك الله عليك يا ابن علانة، وإنما كان الرجل محسودا في خلاله ومزاحما بكبار عشيرة بيته من بني عمومته مع لهو كان يصاحبه، أوجد لهم به السبيل على نفسه. وكان من خلاله قرض الشعر الوثيق ونظم الكلام ٣/١٣٢

البليغ. قال يوما لهشام يعزيه في مسلمة أخيه: إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، واختل الثغر فهوى. وعلى أثر من سلف، يمضي من خلف، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى. فأعرض هشام وسكت القوم.

واما حكاية مقتله فإنه لما تعرض له بنو عمه ونالوا من عرضه أخذ في مكافأتهم.

فضرب سليمان بن عمه هشام مائة سوط وحلقه وغربه إلى معان من أرض الشام، فحبسه إلى آخر دولته وحبس أخاه يزيد بن هشام، وفرق بين ابن الوليد وبين امرأته، وحبس عدة من ولد الوليد، فرموه بالفسق والكفر واستباحة نساء أبيه.

وخوفوا بني أمية منه بأنه اتخذ ميتة جامعة لهم وطعنوا عليه في تولية ابنيه الحكم وعثمان العهد مع صغرهما. وكان أشدهم عليه في ذلك يزيد بن الوليد لأنه كان يتنسك فكان الناس إلى قوله أميل. ثم فسدت اليمامة عليه بما كان منه لخالد القسري. وقالوا: إنما حبسه ونكبه لامتناعه من بيعة ولديه. ثم فسدت عليه قضاعة وكان اليمن وقضاعة أكثر جند الشام. واستعظموا منه ما كان من بيعة خالد ليوسف ابن عمر، وصنعوا على لسان الوليد قصيدة معيرة اليمنية بشأن خالد. فازداد واختفى. وأتوا إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة. وشاور عمر بن زيد الحكمي فقال: شاور أخاك العباس وإلا فأظهر أنه قد بايعك، فإن الناس له أطوع. فشاور العباس فنهاه عن ذلك فلم ينته، ودعا الناس سرا وكان بالبادية. وبلغ الخبر مروان بأرمينية فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يعظم عليه الأمر ويحذره الفتنة ويذكر له أمر يزيد، فأعظم ذلك سعيد وبعث بالكتاب إلى العباس فتهدد أخاه يزيد فكتمه فصدقه. ولما اجتمع ليزيد أمره أقبل إلى دمشق لأربع ليال متنكرا، معه سبعة نفر على الحمر. ودخل دمشق ليلا وقد بايع له أكثر أهلها سرا وأهل المزة.

وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج فاستوياها فنزل قطنا، واستخلف عليها ابنه محمدا وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي. ونمى الخبر إليهما فكذباه وتواعد يزيد مع أصحابه بعد المغرب بباب الفراديس. ثم دخلوا المسجد فصلوا العتمة، ولما قضوا الصلاة جاء حرس المسجد لإخراجهم فوثبوا عليهم، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فجاء به إلى المسجد في زهاء مائتين وخمسين، وطرقوا باب المقصورة فأدخلهم الخادم فأخذوا أبا العاج وهو سكران ٣/١٣٣

وخزان بيت المال. وبعث عن محمد بن عبد الملك فأخذه وأخذوا سلاحا كثيرا كان بالمسجد، وأصبح الناس من الغد من النواحي القريبة متسائلين للبيعة أهل المزة والسكاسك وأهل دارا وعيسى بن شيب الثعلبي في أهل درهة وحرستا، وحميد بن حبيب اللخمي في أهل دمرعران، وأهل حرش والحديثة ودرير كاوربعي بن هشام الحرثي في جماعة من عر وسلامان. ويعقوب بن عمير بن هانئ العبسي وجهينة ومواليهم. ثم بعث عبد الرحمن بن مصادي في مائتي فارس، فجاء بعبد الملك بن محمد بن الحجاج من قصره على الأمان. ثم جهز يزيد الجيش الى الوليد بمكانه من البادية مع عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ومنصور بن جمهور وقد كان الوليد لما بلغه الخبر بعث عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق فأقام بطريقة قليلا، ثم بايع ليزيد وأشار على الوليد أصحابه أن يلحق بحمص فيتحصن بها. قال له ذلك يزيد بن خالد بن يزيد، وخالفه عبد الله بن عنبسة وقال: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره وحرمه قبل أن يقاتل فسار إلى قصر النعمان ابن بشير، ومعه أربعون من ولد الضحاك وغيره. وجاء كتاب العباس بن الوليد بأنه قادم عليه، وقاتلهم عبد العزيز ومنصور بعد أن بعث إليهم زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى الكتاب والسنة. فقتله أصحاب الوليد واشتد القتال بينهم وبعث عبد العزيز بن منصور بن جمهور لاعتراض العباس بن الوليد أن يأتي بالوليد، فجاء به كرها إلى عبد العزيز وأرسل الوليد إلى عبد العزيز بخمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي على أن ينصرف عنه فأبى. ثم قاتل قتالا شديدا حتى سمع النداء بقتله وسبه من جوانب الحومة، فدخل القصر فأغلق الباب وطلب الكلام من أعلى القصر، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي فذكره بحرمة وفعله فيهم فقال ابن عنبسة: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، وإنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله. قال: حسبك الله يا أخا السكاسك! فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت. ثم رجع إلى الدار فجلس يقرأ في المصحف وقال: يوم كيوم عثمان فتسوروا عليه وأخذ يزيد بن عنبسة بيده يقيه لا يريد قتله، وإذا بمنصور بن جمهور في جماعة معه ضربوه واجتزوا رأسه فساروا به إلى يزيد فأمر بنصبه، فتلطف له يزيد بن فروة مولى ٣/١٣٤

بني مرة في المنع من ذلك، وقال: هذا ابن عمك وخليفة وإنما تنصب رءوس الخوارج ولا آمن أن يتعصب له أهل بيته. فلم يجبه، وأطافه بدمشق على رمح ثم دفع إلى أخيه سليمان بن يزيد وكان معهم عليه وكان قتله آخر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين لسنتين وثلاثة أشهر من بيعته. ولما قتل خطب الناس يزيد فذمه وثلبه وأنه إنما قتله من أجل ذلك، ثم وعدهم بحسن الظفر والاقتصار عن النفقة في غير حاجاتهم وسد الثغور والعدل في العطاء والأرزاق ورفع الحجاب وإلا فلكم ما شئتم من الخلع.

وكان يسمى الناقص لأنه نقص الزيادة التي زادها الوليد في أعطيات الناس وهي عشرة عشرة. ورد العطاء كما كان أيام هشام وبايع لأخيه إبراهيم بالعهد ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض طرقه .

ولما قتل الوليد وكان قد حبس سليمان ابن عمه هشام بعمان، خرج سليمان من الحبس وأخذ ما كان هناك من الأموال ونقله إلى دمشق. ثم بلغ مقتله إلى حمص وأن العباس بن الوليد أعان على قتله فانتقضوا وهدموا دار العباس وسبوها، وطلبوه فلحق بأخيه يزيد. وكاتبوا الأجناد في الطلب بدم يزيد وأمروا عليهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك ومعاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وراسلهم يزيد فطردوا رسوله فبعث أخاه مسرورا في الجيش فنزل حوارين. ثم جاء سليمان بن هشام من فرد عليه ما أخذ الوليد من أموالهم، وبعث على الجيش وأمر أخاه مسرورا بالطاعة. واعتزم أهل حمص على المسير إلى دمشق فقال لهم مروان: ليس من الرأي أن تتركوا خلفكم هذا الجيش وإنما نقاتله قبل، فيكون ما بعده أهون علينا. فقال لهم السميط بن ثابت : إنما يريد خلافكم وإنما هواه مع يزيد والقدرية، فقتلوه وولوا عليهم محمدا السفياني وقصدوا دمشق، فاعترضهم ابن ٣/١٣٥

هشام بغدرا فقاتلهم قتالا شديدا وبعث يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب وهشام بن مضاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية. وبينما سالم يقاتلهم إذ أقبلت عساكر من ثنية العيقاب فانهزم أهل حمص، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري: الله الله على قومك يا سليمان. فكف الناس عنهم وبايعوا ليزيد. وأخذ أبا محمد السفياني ويزيد بن خالد ابن يزيد وبعثهما إلى يزيد فحبسهما أه. واستعمل على حمص معاوية بن يزيد بن الحصين وكان لما قتل الوليد وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه وتولى منهم سعيد وضبعان ابنا روح. وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين فأحضروا يزيد بن سليمان وولوه عليهم. وبلغ ذلك أهل الأردن فولوا عليهم محمد بن عبد الملك. وبعث يزيد سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني على ثمانين ألفا، وبعث إلى ابني روح بالإحسان والولاية، فرجعا بأهل فلسطين. وقدم سليمان عسكرا من خمسة آلاف إلى طبرية فنهبوا القرى والضياع وخشي أهل طبرية على من وراءهم، فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، ونزلوا بمنازلهم، فافترقت جموع الأردن وفلسطين وسار سليمان بن هشام ولحقه أهل الأردن فبايعوا ليزيد وسار إلى طبرية والرملة وأخذ على أهلهما البيعة ليزيد وولى على فلسطين ضبعان بن روح وعلى الأردن إبراهيم بن الوليد.

ولاية منصور بن جمهور على العراق ثم ولاية عبد الله بن عمر

لما ولي يزيد استعمل منصور بن جمهور على العراق وخراسان ولم يكن من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحنقا على يوسف بقتله خالد القسري. ولما بلغ يوسف قتل الوليد ارتاب في أمره، وحبس اليمانية لما تجتمع المضرية عليه. فلم ير عندهم ما يحب فأطلق اليمانية. وأقبل منصور وكتب من عين البقر إلى قواد الشام في الحيرة بأخذ يوسف وعماله، فأظهر يوسف الطاعة ولما قرب منصور ٣/١٣٦

دخل دار عمر ابن محمد بن سعيد بن العاص ولحق منها بالشام سرا وبعث يزيد بن الوليد خمسين فارسا لتلقيه. فلما أحس بهم هرب واختفى، ووجد بين النساء فأخذوه وجاءوا به إلى يزيد فحبسه مع ابني الوليد، حتى قتلهم مولى ليزيد بن خالد القسري.

ولما دخل منصور بن جمهور الكوفة لأيام خلت من رجب أفاض العطاء وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج، واستعمل أخاه على الري وخراسان، فسار لذلك فامتنع نصر بن سيار من تسليم خراسان له. ثم عزل يزيد منصور بن جمهور لشهرين من ولايته، وولى على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال: سر إلى أهل العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك. فسار وانقاد له أهل الشام وسلم إليه منصور العمل، وانصرف إلى الشام وبعث عبد الله العمال على الجهات واستعمل عمر بن الغضبان بن القبعثرى على الشرطة وخراج السواد والمحاسبات وكتب إلى نصر بن سيار بعهده على خراسان.

انتقاض أهل اليمامة

ولما قتل الوليد كان علي بن المهاجر على اليمامة عاملا ليوسف بن عمر فجمع له المهير بن سليمان بن هلال من بني الدول بن خولة . وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر فالتقوا وانهزم علي وقتل ناس من أصحابه، وهرب إلى المدينة وملك المهير اليمامة ثم مات. واستخلف عليها عبد الله بن النعمان من بني قيس بن ثعلبة. من الدؤل فبعث المندلب بن إدريس الحنفي على الفلج قرية من قرى بني عامر بن صعصعة فجمع له بني كعب بن ربيعة بن عامر وبني عمير فقتلوا المندلب وأكثر أصحابه. فجمع عبد الله ابن النعمان جموعا من حنيفة وغيرها وغزا الفلج وهزم بني عقيل وبني بشير وبني جعدة وقتل أكثرهم. ثم اجتمعوا ومعهم نمير فلقوا بعض حنيفة بالصحراء فقتلوهم وسلبوا نساءهم، ثم جمع عمر بن الوازع الحنفي الجموع وقال لست بدون عبد الله بن النعمان وهذه فترة من السلطان. وأغار وامتلأت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه وأقبلت بنو عامر والتقوا فانهزم بنو حنيفة ومات أكثرهم من العطش. ورجع بنو عامر بالأسرى والنساء ولحق عمر بن الوازع باليمامة ثم جمع ٣/١٣٧

عبيد الله بن مسلم الحنفي جمعا وأغار على قشير وعكل فقتل منهم عشرين وسمى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على اليمامة من قبل أبيه حتى ولي العراق لمروان فتعرض المثنى لبني عامر وضرب عدة من بني حنيفة وحلقهم. ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفيا حتى قدم كسرى بن عبيد الله الهاشمي واليا على العامة لبني العباس ودل عليه فقتله.

اختلاف أهل خراسان

ولما قتل الوليد وقدم على نصر عهد خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز صاحب العراق، انتقض عليه جديع بن علي الكرماني وهو أزدي. وإنما سمى الكرماني لأنه ولد بكرمان وقال لأصحابه: هذه فتنة فانظروا لأموركم رجلا.

فقالوا له: أنت! وولوه. وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما ولي نصر عزله عن الرئاسة بغيره فتباعد ما بينهما. وأكثر على نصر أصحابه في أمر الكرماني، فاعتزم على حبسه، وأرسل صاحب حرسه ليأتي به.

وأراد الأزد أن يخلصوه فأبى، وجاء إلى نصر يعدد عليه أياديه قبله من مراجعة يوسف بن عمر في قتله، والغرامة عنه، وتقديم ابنه للرئاسة. ثم قال: فبدلت ذلك بالإجماع على الفتنة، فأخذ يعتذر ويتنصل، وأصحاب نصر يتحاملون عليه مثل مسلم بن أحور وعصمة بن عبد الله الأسدي. ثم ضربه وحبسه آخر رمضان سنة ست وعشرين. ثم نقب السجن واجتمع له ثلاثة آلاف، وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على الكتاب والسنة. فلما جاء الكرماني قدمه عبد الملك ثم عسكر نصر على باب مروالروذ، واجتمع إليه الناس، وبعث سالم بن أحور في الجموع إلى الكرماني وسفر الناس بينهما على أن يؤمنه نصر ولا يحبسه. وأجاب نصر إلى ذلك وجاء الكرماني إليه وأمره بلزوم بيته. ثم بلغه عن نصر شيء فعاد إلى حاله، وكلموه فيه فأمنه، وجاء إليه وأعطى أصحابه عشرة عشرة. فلما عزل جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز خطب نصر قدام بن جمهور وأثنى على عبد الله، فغضب الكرماني لابن الجمهور وعاد لجمع المال واتخاذ السلاح. وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة ويصلي خارج المقصورة، ويدخل فيسلم ولا يحبس. ثم أظهر الخلاف وبعث إليه نصر سالم بن أحور فأفحش في ٣/١٣٨

صرفه وسفر بينهما الناس في الصلح على أن يخرج الكرماني من خراسان وتجهز للخروج إلى جرجان.

أمان الحرث بن شريح وخروجه من دار الحرث

لما وقعت الفتنة بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر أن يستظهر الكرماني عليه بالحرث بن شريح، وكان مقيما ببلاد الترك منذ اثنتي عشرة سنة كما مر، فأرسل مقاتل بن حيان النبطي يراوده على الخروج من بلاد الترك، بخلاف ما يقتضي له الأمان من يزيد بن الوليد وبعث خالد بن زياد البدي الترمذي وخالد بن عمرة مولى بني عامر لاقتضاء الأمان له من يزيد، فكتب له الأمان وأمر نصرا أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة أن يكتب لهما بذلك أيضا. ولما وصل إلى نصر بعث إلى الحرث بذلك فلقيه الرسول راجعا مع مقاتل بن حيان وأصحابه ووصل سنة سبع وعشرين في جمادى الأخيرة وأنزله نصر بمرو، ورد عليه ما أخذ له، وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما وأطلق أهله وولده. وعرض عليه أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل. وقال: لست من الدنيا واللذات في شيء، وإنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنة وبذلك أساعدك على عدوك، وإنما خرجت من البلاد منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور فكيف تزيدني عليه؟ وبعث إلى الكرماني: إن عمل نصر بالكتاب عضدته في أمر الله ولا أعتبك إن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة. ثم دعا قبائل تميم فأجاب منهم ومن غيرهم كثير واجتمع إليه ثلاثة آلاف وأقام على ذلك.

انتقاض مروان لما قتل الوليد

كان مروان بن محمد بن مروان على أرمينية وكان على الجزيرة عبدة بن رياح العبادي. وكان الوليد قد بعث بالصائفة أخاه فبعث معه مروان ابنه عبد الملك. فلما انصرفوا من الصائفة لقيهم بجرزان حين مقتل الوليد، وسار عبدة عن الجزيرة.

فوثب عبد الملك بالجزيرة وجرزان فضبطهما، وكتب إلى أبيه بأرمينية يستحثه، فسار طالبا بدم الوليد بعد أن أرسل إلى الثغور من يضبطها. وكان معه ثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين، وكان صاحب فتنة. وكان هشام قد حبسه على إفساد ٣/١٣٩

الجند بإفريقية عند مقتل كلثوم بن عياض، وشفع فيه مروان فأطلقاه واتخذا عنده يدا. فلما سار من أرمينية داخل ثابت أهل الشام في العود إلى الشام من وجه الفرات واجتمع له الكبير من جند مروان وناهضه القتال. ثم غلبهم وانقادوا له وحبس ثابت بن نعيم وأولاده. ثم أطلقهم من حران إلى الشام وجمع نيفا وعشرين ألفا من الجزيرة ليسير بهم إلى يزيد، وكتب إليه يشترط ما كان عبد الملك ولى أباه محمدا من الجزيرة والموصل وأذربيجان، فأعطاه يزيد ولاية ذلك وبايع له مروان وانصرف.

وفاة يزيد وبيعة أخيه إبراهيم

ثم توفي يزيد آخر سنة ست وعشرين لخمسة أشهر من ولايته. ويقال إنه كان قدريا وبايعوا لأخيه إبراهيم من بعده، إلا أنه انتقض عليه الناس ولم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وأقام على ذلك نحوا من ثلاثة أشهر ثم خلعه مروان ابن محمد على ما يذكر وهلك سنة اثنتين وثلاثين .

مسير مروان إلى الشام

ولما توفي يزيد وولي أخوه إبراهيم وكان مضعفا، انتقض عليه مروان لوقته، وسار إلى دمشق. فلما انتهى إلى قنسرين وكان عليها بشر بن الوليد عاملا لأخيه يزيد ومعه أخوهما مسرور، ودعاهم مروان إلى بيعته ومال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة، وخرج بشر للقاء مروان فلما تراءى الجمعان مال ابن هبيرة وقيس إلى مروان وأسلموا بشرا ومسرورا فأخذهما مروان وحبسهما، وسار بأهل قنسرين ومن معه إلى حمص، وكانوا امتنعوا من بيعة إبراهيم. فوظه إليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك في جند أهل دمشق. فكان يحاصرهم. فلما دخل مروان رحل عبد العزيز عنهم، وبايعوا مروان وخرج للقائه سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفا ومروان في ثمانين فدعاهم إلى الصلح وترك الطلب بدم الوليد على أن يطلقوا ابنيه الحكم وعثمان وليي عهده فأبوا وقاتلوه. وسرب عسكرا جاءوهم من خلفهم فانهزموا، وأثخن فيهم أهل حمص فقتلوا ٣/١٤٠

منهم نحوا من سبعة عشر ألفا وأسروا مثلها. ورجع مروان بالفل وأخذ عليهم البيعة للحكم وعثمان ابني الوليد وحبس يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيين فهلكا في حبسه. وكان ممن شهد قتل الوليد ابن الحجاج وهرب يزيد بن خالد القسري إلى دمشق فاجتمع له مع إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج وتشاوروا في قتل الحكم وعثمان، خشية أن يطلقهما مروان فيثأرا بأبيهما. وولوا ذلك يزيد بن خالد فبعث مولاه أبا الأسد فقتلهما وأخرج يوسف ابن عمر فقتله، واعتصم أبو محمد السفياني ببيت في الحبس فلم يطيقوا فتحة، وأعجلهم خيل مروان فدخل دمشق وأتى بأبي الوليد ويوسف بن عمر مقتولين فدفنهما، وأتى بأبي عمر السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة وقال: إن ولي العهد جعلها لك. ثم بايعه وسمع الناس فبايعوه وكان أولهم بيعة معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وأهل حمص. ثم رجع مروان إلى خراسان واستأمن له إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام وقدما عليه، وكان قدوم سليمان من تدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا لمروان.

انتقاض الناس على مروان

ولما رجع إلى خراسان راسل ثابت بن نعيم من فلسطين أهل حمص في الخلاف على مروان فأجابوه وبعثوا إلى من كان بتدمر ممن طلب وجاء الأصبغ بن دؤالة الكلبي وأولاده، ومعاوية السكسكي فارس أهل الشام وغيرها في ألف من فرسانهم، ودخلوا حمص ليلة الفطر من سنة سبعة وعشرين وزحف مروان في العساكر من حران ومعه إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام، ونزل عليهم ثالث يوم الفطر، وقد سدوا أبوابهم فنادى مناديه: ما دعاكم إلى النكث؟ قالوا لم ننكث ونحن على الطاعة.

ودخل عمر الوضاح في ثلاثة آلاف فقاتله المحتشدون هنالك للخلاف وخرجوا من الباب الآخر وجفل مروان في اتباعهم وعلا الباب. فقتل منهم نحو خمسمائة وصلبهم وهدم من سورها علوه وأفلت الأصبغ بن دؤالة وابنه قرافصة. ثم بلغ مروان وهو بحمص خلاف أهل الغوطة وأنهم ولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحاصروا دمشق وأميرها زامل بن عمر، فبعث مروان إليهم ابا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحرث، وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف. فلما دنوا من دمشق حملوا عليهم، وخرج إليهم من كان بالمدينة فهزموهم وقتلوا يزيد بن خالد وبعثوا برأسه إلى مروان وأحرقوا المزة ٣/١٤١

وقرى البرامة. ثم خرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين وحاصر طبرية وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم. فبعث مروان إليه أبا الورد، فلما قرب منه خرج أهل طبرية عليه فهزموه ولقيه أبو الورد منهزما فهزمه أخرى، وافترق أصحابه وأسر ثلاثة من ولده وبعث بهم إلى مروان. وتغيب ثابت وولى مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكناني فظفر بثابت بعد شهرين وبعث به إلى مروان موثقا فقطعه وأولاده الثلاثة، وبعثهم إلى دمشق فصلبوه. ثم بايع لابنيه عبد الله وعبيد الله وزوجهما بنتي هشام، ثم سار إلى ترمذ من دير أيوب وكانوا قد غوروا المياه فاستعمل المزاد والقرب والإبل وبعث وزيره الأبرش الكلبي إليهم وأجابوا إلى الطاعة. وهرب نفر منهم إلى البلد وهدم الأبرش سورها ورجع بمن أطاع إلى مروان ثم بعث مروان يزيد ابن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الشيباني الخارجي بالكوفة وأمده ببعوث أهل الشام ونزل قرقيسيا ليقدم ابن هبيرة لقتال الضحاك. وكان سليمان بن هشام قد استأذنه بالمقام في الرصافة أياما ويلحق به فرجعت طائفة عظيمة من أهل الشام الذين بعثهم مروان مع ابن هبيرة فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان بن هشام بالبيعة فأجاب، وسار معهم إلى قنسرين فعسكر بها، وكاتب أهل الشام فأتوه من كل وجه. وبلغ الخبر مروان فكتب إلى ابن هبيرة بالمقام ورجع من قرقيسيا إلى سليمان فقاتله فهزمه، واستباح معسكره وأثخن فيهم وقتل أسراهم، وقتل إبراهيم أكبر ولد سليمان وخالد بن هشام المخزومي جا أبيه فيما ينيف على ثلاثين ألفا وهرب سليمان إلى حمص في الفل فعسكر بها وبنى ما كان تهدم من سورها. وسار مروان إليه فلما قرب منه بيته جماعة من أصحاب سليمان تبايعوا على الموت، وكان على احتراس وتعبية فترك القتال بالليل وكمنوا له في طريقه من الغد فقاتلهم إلى آخر النهار، وقتل منهم نحوا من ستمائة وجاءوا إلى سليمان فلحق بتدمر وخلف أخاه سعيدا بحمص وحاصره مروان عشرة أشهر ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا حتى استأمنوا ٣/١٤٢

له وأمكنوه من سعيد بن هشام وآخرين شرطهم عليهم. ثم سار لقتال الضحاك الخارجي بالكوفة. وقيل إن سليمان بن هشام لما انهزم بقنسرين لحق بعبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بالعراق، وسار معه إلى الضحاك فبايعوه وكان النصر بن سعيد قد ولي العراق، فلما اجتمعوا على قتاله سار نحو مروان فاعترضه بالقادسية جنود الضحاك من الكوفة مع ابن ملحان فقتله النضر. وولى الضحاك مكانه بالكوفة المثنى بن عمران وسار الضحاك إلى الموصل وأقبل ابن هبيرة إلى الكوفة فنزل بعيد التمر وسار إليه المثنى فهزمه ابن هبيرة وقتله وعدة من قواد الضحاك. وانهزم الخوارج ومعهم منصور بن جمهور ثم جاءوا إلى الكوفة واحتشدوا وساروا للقاء ابن هبيرة فهزمهم ثانية، ودخل الكوفة وسار إلى واسط وأرسل الضحاك عبيدة بن سوار الثعلبي لقتاله، فنزل الصراة وقاتله ابن هبيرة هنالك فانهزمت الخوارج كما يأتي في أخبارهم.

ظهور عبد الله بن معاوية

كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الكوفة في إخوانه وولده، فأكرمهم عبد الله وأجرى عليهم ثلاثمائة درهم في كل يوم وأقاموا كذلك. ولما بويع إبراهيم بن الوليد بعد أخيه واضطرب الشام وسار مروان إلى دمشق، حبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاد في رزقه بعده لمروان يبايعه ويقاتله . فلما ظفر مروان بإبراهيم سار إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة وقاتله عبد الله بن عمر ثم خاف إسماعيل أن يفتضح فكفوا خبرهم فوقعت العصبية بين الناس من إيثار عبد الله بن عمر بعضا من مضر وربيعة بالعطاء دون غيرهم، فثارت ٣/١٤٣

ربيعة فبعث إليهم أخاه عاصما ملقيا بيده فاستحيوا ورجعوا وأفاض في رءوس الناس يستميلهم. فاستنفر الناس واجتمعت الشيعة إلى عبد الله بن معاوية فبايعوه وأدخلوه قصر الكوفة وأخرجوا منه عاصم بن عمر فلحق بأخيه بالحيرة وبايع الكوفيون ابن معاوية ومنهم منصور بن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وعمر بن العطاء، وجاءته البيعة من المدائن وجمع الناس وخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة، فسرح للقائه مولاه. ثم خرج في أثره وتلاقيا ونزع منصور بن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وعمر بن العطاء. وجاءته البيعة من ابن عمر ولحقوا بالحيرة وانهزم ابن معاوية إلى الكوفة. وكان عمر بن الغضبان قد حمل على ميمنة ابن عمر فكشفها وانهزم أصحابه من ورائه، فرجع إلى الكوفة وأقام مع ابن معاوية في القصر، ومعهم ربيعة والزيدية على أفواه السكك يقاتلون ابن عمر. ثم أخذ ربيعة الأمان لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية، وسار ابن معاوية إلى المدائن وتبعه قوم من أهل الكوفة فتغلب بهم على حلوان والجبل وهمذان وأصبهان والري إلى أن كان من خبره ما نذكره.

غلبة الكرماني على مرو وقتله الحرث بن شريح

لما ولي مروان وولى على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كتب يزيد إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فارتاب الحرث وقال: ليس لي أمان من مروان وخرج فعسكر وطلب من نصر أن يجعل الأمر شورى فأبى، وقرأ جهم بن صفوان مولى راسب وهو رأس الجهمية سيرته وما يدعو إليه على الناس، فرضوا وكثر جمعه. وأرسل إلى نصر في عزل سالم بن أحور عن الشرطة، وتغيير العمال.

فتقرر الأمر بينهما على أن يردوا ذلك إلى رجال أربعة: مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان بتعيين نصر والمغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة بتعيين الحرث. ٣/١٤٤

وأمر نصر أن يكتب بولاية سمرقند وطخارستان لمن يرضاه هؤلاء الأربعة. وكان الحرث يقول إنه صاحب السور وإنه يهدم سور دمشق ويزيل ملك بني أمية فأرسل إليه نصر: إن كان ما تقوله حقا فتعال نسير إلى دمشق، وإلا فقد أهلكت عشيرتك.

فقال الحرث: هو حق لكن لا تبايعني عليه أصحابي. قال: فكيف تهلك عشرين ألفا من ربيعة واليمن؟ ثم عرض عليه ولاية ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل.

فقال له: فابدأ بالكرماني فأقتله وأنا في طاعتك. ثم اتفقا على تحكيم جهم ومقاتل، فاحتكما بأن يعزله نصر ويكون الأمر شورى. فأتى نصر فخالفه الحرث، وقدم على نصر جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة منهم عاصم بن عمير الضريمي وأبو الديال الناجي ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، فكانوا معه وأمر الحرث أن يقرأ سيرته في الأسواق والمساجد، وأتاه الناس وقرئت على باب نصر.

فضرب غلمان نصر قارئها فنادى بهم وتجهزوا للحرب. ونقب الحرث سور مرو من الليل ودخل بالنهار فاقتتلوا وقتل جهم بن مسعود الناجي وأعين مولى حيان ونهبوا منزل مسلم بن أحور، فركب سالم حين أصبح فقاتل الحرث وهزمه، وجاء إلى عسكره فقتل كاتبه وبعث نصر إلى الكرماني وكان في الأزد وربيعة وكان موافقا للحرث لما قدمناه، فجاءه نصر على الأمان وحادثهم وأغلظوا له في القول فارتاب ومضى، وقتل من أصحابه جهم بن صفوان. ثم بعث الحرث ابنه حاتما إلى الكرماني يستجيشه فقال له أصحابه: دع عدويك يضطربان، ثم ضرب بعد يومين وناوش القتال أصحاب نصر فهزمهم، وصرع تميم بن نصر ومسلم بن أحور وخرج نصر من مرو من الغد فقاتلهم ثلاثة أيام وانهزم الكرماني وأصحابه ونادى مناد يا معشر ربيعة واليمن إن أبا سيار قتل فانهزمت مضر ونصر وترجل ابنه تميم فقاتل وأرسل إليه الحرث إني كاف عنك فإن اليمانية يعيرونني بانهزامكم، فاجعل أصحابك إزاء الكرماني، ولما انهزم نصر غلب الكرماني على مرو ونهب الأموال فأنكر ذلك عليه الحرث، ثم اعتزل عن الحرث بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال: إنما كنا نقاتل معك طلبا للعدل، فأما إن اتبعت الكرماني للعصبية فنحن لا نقاتل فدعا الحرث الكرماني إلى الشورى فأبى، فانتقل الحرث عنه وأقاموا أياما. ثم ثلم الحرث السور ودخل البلد وقاتله الكرماني قتالا شديدا فهزمه وقتله وأخاه سوادة. واستولى الكرماني على مرو وقيل إن الكرماني خرج مع الحرث لقتال ٣/١٤٥

بشر بن جرموز ثم ندم الحرث على اتباع الكرماني وأتى عسكر بشر فأقام معهم وبعث إلى مضر من عسكر الكرماني فساروا إليهم وكانوا يقتتلون كل يوم ويرجعون إلى خنادقهم ثم نقب الحرث بعد أيام سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني واقتتلوا فقتل الحرث وأخاه وبشر بن جرموز وجماعة من بني تميم وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة فانهزم الباقون وصفت مرو لليمن وهدموا دور المضرية.

ظهور الدعوة العباسية بخراسان

قد ذكرنا أن أبا مسلم كان يتردد إلى الإمام من خراسان ثم استدعاه سنة تسعة وعشرين ليسأله عن الناس فسار في سبعين من النقباء مؤدين بالحج ومر بنسا فاستدعى أسيدا فأخبره بأن كتب الإمام جاءت إليه مع الأزهر بن شعيب وعبد المالك بن سعيد، ودفع إليه الكتب ثم لقيه بقومس كتاب الإمام إليه وإلى سليمان بن كثير إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث يلقاك كتابي ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض وجاء أبو مسلم إلى مرو وأعطى كتاب الإمام لسليمان بن كثير وفيه الأمر بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ودعوا إلى طاعة بني العباس وكتبوا إلى الدعاة بإظهار الأمر، وترك أبو مسلم بقرية من قرى مرو في شعبان من سنة تسع وعشرين ثم بثوا الدعاة في طخارستان ومروالرود والطالقان وخوارزم، وأنهم إن أعجلهم عدوهم دون الوقت عاجلوه وجردوا السيوف للجهاد، ومن شغله العدو عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعد الوقت. ثم سار أبو مسلم فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي آخر رمضان ونصر بن سيار يقاتل الكرماني وشيبان فعقد اللواء الذي بعث به الإمام إليه وكان يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا. ثم عقد الراية التي بعثها معه وتسمى السحاب وهو يتلو: أذن للذين يقاتلون 22: 39 الآية. ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وأخوه سليمان ومواليه ومن أجاب الدعوة من أهل تلك القرى وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم في خرقان فأصبحوا عنده ثم قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح في سبعمائة راجل. وقدم من الدعاة أبو العباس المروزي وحصن أبو مسلم بسفيدنج ورمها وحضر عيد الفطر، فصلى سليمان بن كثير وخطب على المنبر في العسكر وبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة. وكبر في الأولى ست تكبيرات وفي الثانية خمسا خلاف ما كان بنو أمية ٣/١٤٦

يفعلون. وكل ذلك مما سنه لهم الإمام وأبوه. ثم انصرفوا من الصلاة مع الشيعة فطمعوا وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب نصر بن سيار يبدأ باسمه فلما قوى بمن اجتمع إليه كتب إلى نصر وبدأ بنفسه وقال: (أما بعد) فإن الله تباركت أسماؤه عير قوما في القرآن فقال: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير 35: 42 (إلى) ولن تجد لسنت الله تحويلا 35: 43 فاستعظم الكتاب وبعث مولاه يزيد لمحاربة أبي مسلم لثمانية عشر شهرا من ظهوره فبعث إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي فدعاه إلى الرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستكبروا فقاتلهم مالك وهو في مائتين يوما بكماله.

وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فسرحهم إلى مالك فقوي مالك بهم، وقاتلوا القوم فحمل عبد الله الطائي على يزيد مولى نصر فأسره، وانهزم أصحابه وأرسله الطائي إلى أبي مسلم ومعه رءوس القتلى فأحسن أبو مسلم إلى يزيد وعالجه، ولما اندملت جراحة قال: إن شئت أقمت عندنا وإلا رجعت إلى مولاك سالما بعد أن تعاهدنا على أن لا تحاربنا ولا تكذب علينا فرجع إلى مولاه. وتفرس نصر أنه عاهدهم فقال: والله هو ما ظننت وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم وأنهم الله يصلون الصلاة لوقتها بأذان وإقامة ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحسب أمرهم إلا سيعلو ولولا أنك مولاي لأقمت عندهم. وكان الناس يرجفون عنهم بعبادة الأوثان واستحلال الحرام. ثم غلب حازم بن خزيمة على مروالروذ وقتل عامل نصر بها وكان من بني تميم من الشيعة وأراد بنو تميم منعه فقال: أنا منكم فإن ظفرت فهي لكم وإن قتلت كفيتم أمري فنزل قرية زاها. ثم تغلب على أهلها فقتل بشر بن جعفر السغدي عامل نصر عليها أوائل ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن حازم. وقيل في أمر أبي مسلم غير هذا وأن إبراهيم الإمام أزوج أبا مسلم لما بعثه خراسان بابنه أبي النجم وكتب إلى النقباء بطاعته. وكان أبو مسلم من سواد الكوفة فهزما فانتهى لإدريس بن معقل العجلي ثم سار إلى ولاية محمد بن علي، ثم ابنه إبراهيم، ثم للأئمة من ولاية من ولده وقدم خراسان وهو حديث ٣/١٤٧

السن واستصغره سليمان بن كثير فرده وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا وراء النهر، فلما جاء إلى مرو أقرأه كتاب الإمام وسألهم عن أبي مسلم فأخبروه أن سليمان بن كثير رده لحداثة سنه وأنه لا يقدر على الأمر، فنخاف على أنفسنا وعلى من يدعوه فقال لهم أبو داود: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع خلقه، وأنزل عليه كتابه بشرائعه وأنبأه بما كان وما يكون وخلف علمه رحمة لأمته وعمله إنما هو عند عترته وأهل بيته وهم معدن العلم وورثة الرسول فيما علمه الله أتشكون في شيء من ذلك؟ قالوا: لا. قال: فقد شككتم والرجل لم يبعثه إليكم حتى علم أهليته لما يقوم به فبعثوا عن أبي مسلم وردوه من قومس بقول أبي داود وولوه أمرهم وأطاعوه ولم تزل في نفس أبي مسلم من سليمان بن كثير. ثم بعث الدعاة ودخل الناس في الدعوة أفواجا واستدعاه الإمام سنة تسع وعشرين أن يوافيه بالمرسوم ليأمره في إظهار الدعوة وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويحمل ما اجتمع عنده من الأموال فسار في جماعة من النقباء والشيعة فلقيه كتاب الإمام بقومس يأمره بالرجوع وإظهار الدعوة بخراسان، وبعث قحطبة بالمال وأن قحطبة سار إلى جرجان. واستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما بما عندهما من مال الشيعة فسار به نحو الإمام.

مقتل الكرماني

قد ذكرنا من قبل أن الكرماني قتل الحرث بن شريح فخلصت له مرو وتنحى نصر عنها ثم بعث نصر سالم بن أحور في رابطته وفرسانه إلى مرو فوجد يحيي بن نعيم الشيباني في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من الأزد وأبو الحسن ابن الشيخ في ألف منهم والحربي السغدي في ألف من اليمن. فتلاحى سالم وابن المثنى وشتم سالم الكرماني فقاتلوه فهزموه وقتل من أصحابه نحو مائة. فبعث نصر بعده عصمة بن عبد الله الأسدي فكان بينهم مثل ما كان أولا، فقاتلهم محمد السغدي، فانهزم السغدي وقتل من أصحابه أربعمائة. ورجع إلى نصر فبعث مالك بن عمر التميمي فاقتتلوا كذلك وانهزم مالك وقتل من أصحابه سبعمائة ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة. ولما استيقن أبو مسلم أن كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وأنه لا مدد لهم جعل يكتب إلى شيبان الخارجي يذم اليمانية تارة ومضر أخرى ويوصي ٣/١٤٨

الرسول بكتاب مضر أن يتعرض لليمانية ليقرؤا ذم مضر والرسول بكتاب اليمانية أن يتعرض لمضر ليقرؤا ذم اليمانية حتى صار هوى الفريقين معه ثم كتب إلى نصر بن سيار والكرماني: أن الإمام أوصاني بكم ولا أعد ورأيه فيكم. ثم كتب يستدعي الشيعة أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا ومقاتل بن حكيم بن غزوان وكانوا أول من سود ونادوا يا محمد يا منصور! ثم سود أهل أبي ورد ومروالروذ وقرى مرو فاستدعاهم أبو مسلم وأقبل فنزل بين خندق الكرماني وخندق نصر وهابه الفريقان وبعث إلى الكرماني إني معك وقبل فانضم أبو مسلم إليه، وكتب نصر بن سيار إلى الكرماني يحذره منه ويشير عليه بدخول مرو ليصالحه فدخل ثم خرج من الغد، وأرسل إلى نصر في إتمام الصلح في مائتي فارس، فرأى نصر فيه غرة فبعث إليه ثلاثمائة فارس فقتلوه. وسار ابنه إلى أبي مسلم وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة إلى بعض الدور. ودخل أبو مسلم مرو فبايعه علي بن الكرماني، وقال له أبو مسلم أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. وكان نصر حين نزل أبو مسلم بين خندقه وخندق الكرماني ورأى قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه بخروجه وكثرة من معه ودعائه لإبراهيم بن محمد:

أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تذكو ... وإن الحرب أولها الكلام

فإن لم تطفئوها يخرجوها ... مسجرة يشيب لها الغلام

أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام

فإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام

تعزي عن رجالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام.

فوجده مشتغلا بحرب الضحاك بن قيس فكتب إليه الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فاحثهم التلول قبلك. فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده.

وصادف وصول كتاب نصر إلى مروان عثورهم على كتاب من إبراهيم الإمام لابي مسلم يوبخه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكنته ويأمره أن لا يدع بخراسان متكلما بالعربية. فلما قرأ الكتاب بعث إلى عامله بالبلقاء أن يسير إلى الحيسة فيبعث إليه بإبراهيم بن محمد مشدود الوثاق فحبسه مروان. ٣/١٤٩

اجتماع أهل خراسان على قتل أبي مسلم

لما أظهر أبو مسلم أمره سارع إليه الناس، وكان أهل مرو يأتونه ولا يمنعهم نصر، وكان الكرماني وشيبان الخارجي لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك، فكان الناس يأنسون به لذلك، وأرسل نصر إلى شيبان الخارجي في الصلح ليتفرغ لقتال أبي مسلم، إما أن يكون معه أو يكف عنه، ثم نعود إلى ما كنا فيه فهم شيبان بذلك، وكتب أبو مسلم إلى الكرماني فحرضه على منع شيبان من ذلك فدخل عليه وثناه عنه ثم بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة فملكها وطرد عنها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي عامل نصر. فجاء يحيي بن نعيم بن هبيرة الشيباني إلى الكرماني وشيبان وأغراهما بمصالحة نصر وقال: إن صالحتم نصرا قاتله أبو مسلم وترككم لأن أمر خراسان لمضر وإن لم تصالحوه صالحه وقاتلكم فقدموا نصر قبلكم. فأرسل شيبان إلى نصر في الموادعة فأجلب وجاء مسلم بن أحور بكتب الموادعة فكتبوها وبعث أبو مسلم إلى شيبان في موادعة ثلاثة أشهر فقال ابن الكرماني إذا ما صالحت نصرا إنما صالحه شيبان وأنا موتور بأبي ثم عاود القتال وقعد شيبان عن نصره وقال: لا يحل الغدر فاستنصر ابن الكرماني بأبي مسلم فأقبل حتى نزل الماخران لاثنتين وأربعين يوما من نزوله يسفيدنج وخندق على معسكره وجعل له بابين وعلى شرطته مالك بن الهيثم وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند أبا صالح كامل بن المظفر وعلى الرسائل أسلم بن صبيح وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب وكان القاسم يصلي بأبي مسلم ويقرأ القصص بعد العصر فيذكر فضل بني هاشم وسالف بني أمية ولما نزل أبو مسلم الماخران أرسل إلى ابن الكرماني بأنه معه فطلب لقاءه فجاءه أبو مسلم وأقام عنده يومين ثم رجع وذلك أول المحرم سنة ثلاثين ثم عرض الجند وأمر كامل ابن مظفر بكتب أسمائهم وأنسابهم في دفتر فبلغت عدته سبعة آلاف ثم إن القبائل من ربيعة ومضر واليمن توادعوا على وضع الحرب والاجتماع على قتال أبي مسلم فعظم ذلك عليه وتحول عن الماخران لأربعة أشهر من نزولها لأنها كانت ٣/١٥٠

تحت الماء وخشي أن يقطع فتحول إلى طبسين وخندق بها، وخندق نصر بن سيار على نهر عياض وأنزل عماله بالبلاد، فأنزل أبا الديال في جنده لطوسان فآذوا أهلها وعسفوهم وكان أكثرهم مع أبي مسلم في خندق فسير إليهم جندا فقاتلوه فهزموه وأسروا من أصحابه ثلاثين، فأطلقهم أبو مسلم ثم بعث محرز بن إبراهيم في جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مروالروذ وبلخ وطخارستان فخندق بين نصر وبين هذه البلاد، واجتمع إليه ألف رجل وقطع المادة عن نصر.

مقتل عبد الله بن معاوية

قد تقدم لنا أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بويع بالكوفة وغلبه عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ولحق بالمدائن وجاءه ناس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري وأقام بأصبهان وكان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس فجاء إلى دار الإمارة بإصطخر وطرد عامل عبد الله بن عمر عنها، وبايع الناس لعبد الله بن معاوية. ثم سار إلى كرمان فأغار عليها وانضم إليه قواد من أهل الشام فسار إلى سالم بن المسيب عامل عبد الله ابن عمر على شيراز فقتله سنة ثمان وعشرين. ثم سار محارب إلى أصبهان وحول عبد الله ابن معاوية إلى إصطخر بعد أن استعمل على الجبال أخاه الحسن بن معاوية، وأتى إلى إصطخر فنزل بها وأتاه بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال وبعث العمال. وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي ثم أتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله ابن أخيه عيسى. ولما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي على الأهواز وأن يقاتل عبد الله بن معاوية، وبلغ سليمان بن حبيب وهو بالأهواز فسرح داود بن حاتم للقاء نباتة، وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور وقد غلب الأكراد عليها فطردهم عنها، وبايع لابن معاوية، فبعث أخاه يزيد بن معاوية عليها. ثم إن محارب بن موسى فارق عبد الله بن معاوية وجمع، وقصد نيسابور فقاتله يزيد بن معاوية وهزمه، فأتى كرمان وأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه ثم نافره، فقتله ابن الأشعث وأربعة وعشرين ابنا له. ثم بعث يزيد بن هبيرة بعد نباتة بن حنظلة ابنه داود ابن يزيد في العساكر إلى عبد الله بن معاوية، وعلى مقدمته داود بن ضبارة. وبعث ٣/١٥١

معن بن زائدة من وجه آخر، فقاتلوا عبد الله بن معاوية وهزموه وأسروا وقتلوا، وهرب منصور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر، وبعثوا بالأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم ومضى ابن معاوية عن فارس إلى خراسان. وسار معن بن زائدة في طلب منصور بن جمهور وكان فيمن أسر مع عبد الله بن معاوية عبد الله بن علي بن عبد الله ابن عباس، شفع فيه حرب ابن قطن من أخواله بني هلال، فوهبه له ضبارة وغاب عبد الله بن معاوية عن ابن ضبارة، ورمى أصحابه باللواطة، فبعث إلى ابن هبيرة ليخبره، وسار ابن ضبارة في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحاصره بها حتى خرج منها هاربا ومعه أخوه الحسن ويزيد وجماعة من أصحابه، فسلك المفازة على كرمان إلى خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد، وقد استولى على خراسان فوصل إلى نواحي هراة وعليها مالك فقال له:

انتسب نعرفك. فانتسب له فقال: أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل الرسول وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم. قال: إن جدي كان عند معاوية حين ولد أبي فبعث إليه مائة ألف على أن يسمي ابنه باسمه فقال: لقد اشتريتم الأسماء الخبيثة بالثمن اليسير فلا نرى لك حقا فيما تدعو إليه ثم بعث بخبره إلى أبي مسلم فأمره بالقبض عليه وعلى من معه فحبسهم. ثم كتب إليه بإطلاق أخويه الحسن ويزيد وقتل عبد الله فوضع الفراش على وجهه فمات .

لما تعاقد نصروا ابن الكرماني وقبائل ربيعة واليمن ومضر على قتال أبي مسلم عظم على الشيعة، وجمع أبو مسلم أصحابه ودس سليمان بن كثير إلى ابن الكرماني يذكره بثأر أبيه من نصر فانتقضوا، فبعث نصر إلى أبي مسلم بموافقة مضر وبعث إليه أصحاب ابن الكرماني وهم ربيعة واليمن بمثل ذلك. واستدعى وفد الفريقين ليختار الركون إلى أحدهما وأحضر الشيعة لذلك وأخبرهم بأن مضر أصحاب مروان وعماله وشيعته وقبله يحيى بن زيد. فلما حضر الوفد تكلم سليمان بن كثير، ويزيد بن شقيق ٣/١٥٢

السلمي بمثل ذلك وبأن نصر بن سيار عامل مروان ويسميه أمير المؤمنين وينفذ أوامره فليس على هدى، وإنما يختار علي بن الكرماني وأصحابه ووافق السبعون من الشيعة على ذلك وانصرف الوفد ورجع أبو مسلم من أبين إلى الماخران وأمر الشيعة ببناء المساكن وأمن من فتنة العرب ثم أرسل إليه علي بن الكرماني أن يدخل مرو من ناحيته ليدخل هو وقومه من الناحية الأخرى، فلم يطمئن لذلك أبو مسلم وقال:

ناشبهم الحرب من قبل فناشب ابن الكرماني نصر بن سيار الحرب ودخل مرو من ناحيته وبعث أبو مسلم بعض النقباء. فدخل معه ثم سار وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع. فدخل مرو والفريقان يقتتلان، ومضى إلى قصر الإمارة وهو يتلو: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها 28: 15. وأمر الفريقين بالانصراف فانصرفوا إلى معسكرهم وصفت له مرو، وأمر بأخذ البيعة من الجند، وتولى أخذها أبو منصور طلحة بن زريق أحد النقباء الذين اختارهم محمد بن علي من الشيعة حين بعث دعاته إلى خراسان سنة ثلاث وأربع، وكانوا اثني عشر رجلا. فمن خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وعمر بن أعين. ومن طيئ قحطبة بن شبيب بن خالد سعدان. ومن تميم أبو عيينة موسى بن كعب ولاهز ابن قريط والقاسم بن مجاشع وأسلم بن سلام ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم الشيباني وأبو علي الهروي، ويقال شبل بن طهمان وكان عمر بن أعين مكان موسى بن كعب وأبو النجم إسماعيل بن عمران مكان أبي علي الهروي وهو ختن أبي مسلم. ولم يكن أحد من النقباء ووالده غير أبي منصور طلحة بن زريق بن سعد وهو أبو زينب الخزاعي، وكان قد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب وغزا معه. وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور. وكان نص البيعة: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق، والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى تبدأكم به ولاتكم، وذلك سنة ثلاثين ومائة. ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريط في جماعة إلى نصر بن سيار يدعو إلى البيعة، وعلم نصر أن أمره قد استقام ولا طاقة له بأصحابه، فوعده بأنه يأتيه يبايعه من الغد، وأرسل أصحابه بالخروج من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه. فقال ٣/١٥٣

أسلم بن أحوز لا يتهيأ لنا الليلة. فلما أصبح أبو مسلم كتابه وأعاد لاهز بن قريط إلى نصر يستحثه فأجاب وأقام لوضوئه، فقال لاهز: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فخرج نصر عند المساء من خلف حجرته ومعه ابنه تميم والحكم بن غيلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرابا. واستبطأه لاهز فدخل المنزل فلم يجده وبلغ أبا مسلم هربه فجاء إلى معسكره وقبض على أصحابه منهم سالم ابن أحوز صاحب شرطته والبحتري كاتبه، وابنان له ويونس بن عبد ربه ومحمد ابن قطن وغيرهم. وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلبه ليلتهما فأدركا امرأته قد خلفها وسار فرجعوا إلى مرو. وبلغ نصر من سرخس فأقام بطوس خمس عشرة ليلة. ثم جاء نيسابور فأقام بها وتعاقد ابن الكرماني مع أبي مسلم على رأيه. ثم بعث إلى شيبان الحروري يدعوه إلى البيعة فقال شيبان: بل أنت تبايعني واستنصر بابن الكرماني فأبى عليه، وسار شيبان إلى سرخس واجتمع له جمع من بكر بن وائل وبعث إليه أبو مسلم في الكف فسجن الرسل. فكتب إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث المكنى بأبي ورد أن يسير إليه فقاتله وقتله وقتل بكر بن وائل الرسل الذين كانوا عنده. وقيل إن أبا مسلم إنما وجه إلى شيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن حازم وبسام بن إبراهيم. ثم بعث أبو مسلم كعبا من النقباء إلى أبيورد فافتتحها، ثم أبا داود خالد بن إبراهيم من النقباء إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فجمع له أهل بلخ وترمذ وجند طخارستان ونزل الجوزجان، ولقيهم أبو داود فهزمهم وملك مدينة بلخ. وساروا إلى ترمذ فكتب أبو مسلم إلى أبي داود يستقدمه وبعث مكانه على بلخ يحيى بن نعيم أبا الميلاء فداخله زياد بن عبد الرحمن في الخلاف على أبي مسلم، واجتمع لذلك زياد ومسلم بن عبد الرحمن الباهلي، وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر ونزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه. واتفقت كلمة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة وولوا عليهم مقاتل بن ٣/١٥٤

حيان النبطي مخافة أن يتنافسوا. وبعث أبو مسلم أبا داود إليهم فأقبل بعساكره حتى اجتمعوا على نهر السرحسان واقتتلوا. وكان زياد وأصحابه قد خلفوا أبا سعيد القرشي مسلحة وراءهم خشية أن يؤتوا من خلفهم وكانت راياته سودا وأغفلوا ذلك. فلما اشتد القتال زحف أبو سعيد في أصحابه لمددهم فظنوه كمينا للمسودة فانهزموا وسقطوا في النهر، وحوى أبو داود معسكرهم بما فيه وملك بلخ. ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ وكتب أبو مسلم يستقدم أبا داود وبعث النضر بن صبيح المزني على بلخ. ولما قدم أبو داود أشار على أبي مسلم بالتفرقة بين علي وعثمان ابني الكرماني. فبعث عثمان على بلخ وقدمها فاستخلف الفرافصة بن ظهير العبسي وسار هو والنضر بن صبيح إلى مروالروذ وجاء مسلم بن عبد الرحمن الباهلي من ترمذ في المضرية، فاستولى على بلخ ورجع إليه عثمان والنضر فهربوا من ليلتهم ولم يعن النضر في طلبهم وقاتلهم عثمان ناحية عنه فانهزم، ورجع أبو داود إلى بلخ وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه علي بن الكرماني وقد اتفق مع أبي داود على قتال ابني الكرماني فقتل أبو داود عثمان في بلخ وقتل أبو مسلم عليا في طريقه إلى نيسابور.

مسير قحطبة للفتح

وفي سنة ثلاثين قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم من عند الإمام إبراهيم وقد عقد له لواء على محاربة العدو فبعثه أبو مسلم في مقدمته وضم إليه العساكر وجعل إليه التولية والعزل، وأمر الجنود بطاعته. وقد كان حين غلب على خراسان بعث العمال على البلاد فبعث ساعي بن النعمان الأزدي على سمرقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان ومحمد بن الأشعث الخزاعي على طبسين وجعل مالك بن الهيثم على شرطته. وبعث قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد: أبو عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك وعثمان بن نهيك، وحازم بن خزيمة وغيرهم فهزم أهل طوس وأفحش في قتلهم، ثم بعث أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق الحجة، وكتب إلى قحطبة بقتال تميم ابن نصر بالسودقان، ٣/١٥٥

ومعه الثاني بن سويد وأصحاب شيبان، وأمده بعشرة آلاف مع علي بن معقل فزحف إليهم ودعاهم بدعوته وقاتلهم، فقتل تميم بن نصر وجماعة عظيمة من أصحابه، يقال بلغوا ثلاثين ألفا واستبيح معسكرهم وتحصن الباقي بالمدينة فاقتحمها عليهم، وخلف خالد بن برمك على قبض الغنائم، وسار إلى نيسابور فهرب منها نصر بن سيار الى قومس ثم تفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان وكان يزيد بن هبيرة بعثه مددا لنصر، فأتى فارس وأصبهان ثم سار إلى الري، ثم إلى جرجان وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها رمضان وشوال وارتحل إلى جرجان، وجعل ابنه الحسن على مقدمته وانتهى إلى جرجان وأهل الشام بها مع نباتة فهابهم أهل خراسان فخطبهم قحطبة وأخبرهم أن الإمام أخبره أنهم يلقونه مثل هذه العدد فينصرونه عليهم. ثم تقدم للقتال وعلى ميمنته ابنه الحسن فانهزم أهل الشام وقتل نباتة في عشرة آلاف منهم وبعث برأسه إلى أبي مسلم، وذلك في ذي الحجة من السنة وملك قحطبة جرجان. ثم بلغه أن أهل جرجان يرومون الخروج عليه فاستعرضهم وقتل منهم نحوا من ثلاثين ألفا وسار نصر من قومس إلى خوار الري وعليها أبو بكر العقيلي وكتب إلى ابن هبيرة بواسط يستمده فحبس رسله. فكتب مروان إلى ابن هبيرة فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا إلى نصر وعليهم ابن عطيف.

هلاك نصر بن سيار

ثم بعث قحطبة ابنه الحسن إلى محاصرة نصر في خوار الري في محرم سنة إحدى وثلاثين، وبعث إليه المدد مع أبي كامل وأبي القاسم محرز بن إبراهيم وأبي العباس المروزي. ولما تقاربوا نزع أبو كامل إلى نصر فكان معه وهرب جند قحطبة وأصحاب نصر أصابهم شيء من متاعهم فبعثه نصر إلى ابن هبيرة فاعترضه ابن عطيف بالري فأخذه فغاضبه نصر فأقام ابن عطيف بالري وسار نصر إلى الري وعليها حبيب بن يزيد النهشلي. فلما قدمها سار ابن عطيف إلى همذان وكان فيها مالك ابن أدهم بن محرز الباهلي، فعدل ابن عطيف عنها إلى أصبهان وبها عامر بن ٣/١٥٦

ضبارة، وقدم نصر الري فأقام بها يومين ومرض وارتحل. فلما بلغ نهاوة مات لاثنى عشر من ربيع الأول من اسنة ودخل أصحابه همذان.

استيلاء قحطبة على الري

ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزيمة بن حازم إلى سمنان وأقبل قحطبة من جرجان وقدم زياد بن زرارة القشيري وقد كان قدم على طاعة أبي مسلم واعتزم على اللحاق بابن ضبارة، فبعث قحطبة في أثره المسيب بن زهير الضبي فهزمه، وقتل عامة من مع ابن معاوية ورجع، ولحق قحطبة ابنه الحسن إلى الري فخرج عنها حبيب بن يزيد النهشلي وأهل الشام، ودخلها الحسن في صفر ثم لحق به أبوه وكتب بالخبر إلى أبي مسلم. وقد أكثر أهل الري إلى بني أمية فأخذ أبو مسلم أملاكهم ولم يردها عليهم إلا السفاح بعد حين فأقام قحطبة بالري وكتب أبو مسلم إلى أصبهبذ طبرستان بالطاعة وأداء الخراج فأجاب، وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند وكبير الديلم بمثل ذلك فأفحش في الرد.

فكتب أبو مسلم إلى موسى بن كعب أن يسير إليه من الري فسار ولم يتمكن منه لضيق بلاده وكان الديلم يقاتلونه كل يوم، فكثر فيهم الجراح والقتل، ومنعهم الميرة فأصابهم الجوع فرجع موسى إلى الري ولم يزل المصمغان متمنعا إلى أيام المنصور فأغزاه حماد بن عمر في جيش كثيف، ففتح دنباوند. ولما ورد كتاب قحطبة على أبي مسلم ارتحل عن مرو ونزل نيسابور ثم سير قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الري بثلاث ليال، فسار عنها مالك بن أدهم وأهل الشام وخراسان إلى نهاوند ونزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمده قحطبة بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة وأقام محاصرا لها.

استيلاء قحطبة على أصبهان ومقتل ابن ضبارة وفتح نهاوند وشهرزور

قد تقدم لنا أن ابن هبيرة بعث ابنه داود يزيد لقتال عبد الله بن معاوية بإصطخر، ٣/١٥٧

وبعث معه عامر بن ضبارة فهزموه واتبعوه إلى كرمان سنة تسع وعشرين، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان سنة ثلاثين، كتب إلى ابنه داود ضبارة بالمسير إلى قحطبة فسار من كرمان في خمسين ألفا ونزلوا أصبهان وبعث إليهم قحطبة جماعة من القواد عليهم مقاتل بن حكيم الكعبي فنزلوا قم وسار قحطبة إلى نهاوند مددا لولده الحسن الذي حاصرهم فبعث مقاتلا بذلك قحطبة، فسار حتى لحقه، وزحفوا للقاء داود ابن ضبارة وهم في مائة ألف وقحطبة في عشرين ألفا.

وحمل قحطبة وأصحابه فانهزم ابن ضبارة وقتل واحتووا على ما كان في معسكرهم مما لا يعبر عنه من الأصناف وذلك في رجب. وطير قحطبة بالخبر إلى ابنه الحسن وسار إلى أصبهان فأقام بها عشرين ليلة، وقدم على ابنه فحاصروا نهاوند ثلاثة أشهر إلى آخر شوال، ونصبوا عليهم المجانيق وبعث بالأمان إلى من كان في نهاوند من أهل خراسان فلم يقبلوا، فبعث إلى أهل الشام فقالوا أشغل عنا أهل المدينة بالقتال نفتح لك المدينة من ناحيتنا، ففعلوا، وخرجوا إليه جميعا فقتلوا أهل خراسان فيهم أبو كامل وحاتم بن شريح وابن نصر بن سيار وعاصم بن عمير وعلي بن عقيل وبيهس. وكان قحطبة لما جاء إلى نهاوند بعث ابنه الحسن إلى جهات حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندي فتركها وهرب. ثم بعث قحطبة عبد الملك بن يزيد ومالك بن طرا في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمته عبد الله بن محمد فقاتلوا عثمان آخر ذي الحجة فانهزم وقتل. وملك أبو عون بلاد الموصل. وقيل إن عثمان هرب إلى عبد الله بن مروان وغنم أبو عون عسكره وقتل أصحابه، وبعث إليه قحطبة بالمدد وكان مروان بن محمد بحران فسار في أهل الشام والجزيرة والموصل ونزل الزاب الأكبر وأتوا شهرزور إلى المحرم سنة اثنتين وثلاثين.

حرب سفاح بن هبيرة مع قحطبة ومقتلهما وفتح الكوفة

ولما قدم على يزيد بن هبيرة ابنه داود منهزما من حلوان خرج يزيد للقاء قحطبة في مدد لا يحصى، وكان مروان أمده بحوثرة بن سهيل الباهلي، فسار معه حتى نزل حلوان واحتفر الخندق الذي كانت فارس احتفرته أيام الواقعة. وأقام وأقبل ٣/١٥٨

قحطبة إلى حلوان ثم عبر دجلة إلى الأنبار فرجع ابن هبيرة مبادرا إلى الكوفة وقدم إليها حوثرة في خمسة عشر ألفا وعبر قحطبة الفرات من الأنبار لثمان من المحرم سنة اثنتين وثلاثين، وابن هبيرة معسكر على فم الفرات وعلى ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، ومعه حوثرة وفل ابن ضبارة. وأشار عليه أصحابه أن يدع الكوفة ويقصد هو خراسان فيتبعه قحطبة فأبى إلا البدار إلى الكوفة، وعبر إليها دجلة من المدائن، وعلى مقدمته حوثرة والفريقان يسيران على جانب الفرات. وقال قحطبة لأصحابه إن الإمام أخبرني بأن وقعة تكون بهذا المكان والنصر لنا، ثم دلوه على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة وابن نباتة فانهزم أهل الشام، وقعد قحطبة وشهد مقاتل العللي بأن قحطبة عهد لابنه الحسن بعده، فبايع جميع الناس لأخيه الحسن، وكان في سرية فبعثوا عنه وولوه ووجد قحطبة في جدول هو وحرب بن كم ابن أحوز وقيل: إن قحطبة لما عبر الفرات وقاتل ضربه معن بن زائدة فسقط وأوصى إذا مات أن يلقى في الماء. ثم انهزم ابن نباتة وأهل الشام ومات قحطبة وأوصى بأمر الشيعة إلى أبي مسلمة الخلال بالكوفة وزير آل محمد. ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة فانهزم إلى واسط واستولى الحسن ابن قحطبة على ما في معسكرهم. وبلغ الخبر إلى الكوفة فثار بها محمد بن خالد القسري بدعوة الشيعة خرج ليلة عاشوراء وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثي وعلى شرطته عبد الرحمن بن بشير العجلي وسار إلى فهرب زياد ومن معه من أهل الشام ودخل القصر ورجع إليه حوثرة وعن محمد عامة من معه ولزم القصر. ثم جاء قوم من بجيلة من أصحاب حوثرة فدخلوا في الدعوة ثم آخرون من كنانة، ثم آخرون من نجدل فارتحل حوثرة نحوه وكتب محمد إلى قحطبة ٣/١٥٩

وهو لم يعلم بهلاكه فقرأه الحسن على الناس وارتحل نحو الكوفة فصبحها الرابعة من مسيرة وقيل إن الحسن بن قحطبة سار إلى الكوفة بعد قتل ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب عنها وسبق محمد بن خالد وخرج في أحد عشر رجلا فلقى الحسن ودخل معه وأتوا إلى أبي مسلمة فاستخرجوه من بني مسلمة وعسكر بالنخيلة، ثم نزل حمام أعين. وبعث الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وبايع الناس أبا مسلمة حفص ابن سليمان الخلال وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد القسري على الكوفة وكان يسمى الأمير، حتى ظهر أبو العباس السفاح وبعث حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد والمسيب بن هبيرة وخالد بن مرمل ، إلى دير فناء وشراحيل إلى عير وبسام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الرحمن بن عمر بن هبيرة فقاتله بسام وانهزم إلى البصرة وعليها مسلم بن قتيبة الباهلي عاملا لأخيه. وبعث بسام في أثره سفيان ابن معاوية بن يزيد بن المهلب واليا على البصرة، فجمع سالم قيسا ومضر وبني أمية وجاء قائد من قواد ابن هبيرة في ألفي رجل، وجمع سفيان اليمانية وحلفاءهم من ربيعة واقتتلوا في صفر. وقتل ابن سفيان واسمه معاوية فانهزم لذلك. ثم جاء إلى سالم أربعة آلاف مددا من عند مروان فقاتل الأزد واستباحهم ولم يزل بالبصرة حتى قتل ابن هبيرة فهرب عنها واجتمع ولد الحرث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أياما حتى قدم أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي من قبل أبي مسلم. فلما بويع أبو العباس السفاح ولاها سفيان بن معاوية.

بيعة السفاح

قد كنا قدمنا خبر الدعاة وقبض مروان على إبراهيم بن محمد وأنه حبسه بحران وكان نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم باللحاق بالكوفة وأوصى على أخيه أبي العباس عبد الله ابن الحرثية. فسار أبو العباس ومعه أهل بيته وفي إخوته أبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابن أخيه إبراهيم وعيسى ابن أخيه موسى ومن أعمامه داود وعيسى وصالح ٣/١٦٠

وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وموسى ابن عمه داود ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة في صفر وأبو سلمة والشيعة على حمام أعين بظاهر الكوفة وأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم عن جميع القواد والشيعة أربعين ليلة، وأراد فيما زعموا أن يحول الأمر إلى أبي طالب. وسأله أبو الجهم من الشيعة وغيره فيقول: لا تعجلوا ليس هذا وقته. ولقي أبو حميد محمد بن إبراهيم ذات يوم خادم إبراهيم الإمام وهو سابق الخوارزمي فسأله عن الإمام فقال: قتل إبراهيم وأوصى إلى أخيه أبي العباس وها هو بالكوفة ومعه أهل بيته. فسأله في اللقاء فقال: حتى أستأذن وواعده من الغد في ذلك المكان، وجاء أبو حميد إلى أبي الجهم فأخبره وكان في عسكر أبي سلمة فقال له: تلطف في لقائهم. فجاء إلى موعد سابق ومضى معه ودخل عليهم فسأل عن الخليفة فقال داود ابن علي: هذا إمامكم وخليفتكم يشير إلى أبي العباس.

فسلم عليه بالخلافة وعزاه بإبراهيم الإمام، ورجع ومعه خادم من خدمهم إلى أبي الجهم فأخبره عن منزلهم وأن أبا العباس أرسل إلى أبي سلمة أن يبعث إليه كراء الرواحل التي جاءوا إليها، فلم يبعث إليهم شيئا فمشى أبو الجهم وأبو الحميد والخادم إلى موسى بن كعب وأخبروه بالأمر وبعثوا إلى الإمام مائتي دينار مع خادمه. واتفق رأي القواد على لقاء الإمام فنهض موسى بن كعب وأبو الجهم عبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وأبو حميد وعبد الله ابن بسام ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن حصين وسليمان بن الأسود فدخلوا على أبي العباس فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في إبراهيم. ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم وخلفوا الباقين عند الإمام وأوصوهم إن جاء أبو سلمة لا يدخلن إلا وحده وبلغه الخبر فجاء ودخل وحده كما حدوا له وسلم على أبي العباس بالخلافة وأمره بالعود إلى معسكره وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول فلبسوا الصفاح واصطفوا للخروج إلى أبي العباس وأتوه بالدواب له ولمن معه من أهل بيته، وأركبوهم إلى دار الإمارة، ثم رجع إلى المسجد فخطب وصلى بالناس وبايعوه ثم صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه وصعد عمه داود فقام دونه وخطب خطبته البليغة المشهورة وذكر حقهم في الأمر وميراثهم له، وزاد الناس في أعطياتهم، وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك فحبس على المنبر وقام عمه داود على أعلى المراقي فخطب ٣/١٦١

مثله وذم سيرة بني أمية وعاهد الناس على إقامته الكتاب والسنة وسيرة النبي. ثم اعتذر عن عود السفاح بعد الصلاة إلى المنبر وأنه أراد أن لا يخلط كلام الجمعة بغيرها، وإنما قطعه عن إتمام الكلام شدة الوعك فأدعوا الله له بالعافية. ثم بالغ في ذم مروان وشكر شيعتهم من أهل خراسان وأن الكوفة منزلهم لا يتخلون عنها وأنه ما صعد هذا المنبر خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار إلى السفاح وأن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا حتى نسلمه لعيسى بن مريم. ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر في المسجد يأخذ البيعة على الناس حتى جن الليل.

وخرج أبو العباس إلى عسكر أبي سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر. وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام واستخلف على الكوفة عمه داود وبعث عمه عبد الله إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور وبعث ابن أخيه موسى إلى الحسن ابن قحطبة وهو يحاصر ابن هبيرة بواسط وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى أحمد ابن قحطبة بالمدائن وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمر بن عثمان بن مالك ابن الطواف وأقام السفاح بالعسكر شهرا ثم ارتحل فنزل قصر الإمارة من المدينة الهاشمية. وقد قيل إن داود بن علي وابنه موسى لم يكونا بالشام عند مسير بني العباس إلى الكوفة وإنهما لقياهم بدومة الجندل فعرفا خبرهم وقال لهم داود: كيف تأتون الكوفة ومروان بن محمد في حران في أهل الشام والجزيرة فطل على العراق ويزيد بن هبيرة بالعراق؟ فقال: يا عم من أحب الحياء ذل فرجع داود وابنه معه.

مقتل إبراهيم بن الامام

قد تقدم لنا أن مروان حبسه بحران وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان والعباس بن الوليد بن عبد الملك وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز وأبا محمد السفياني فهلك منهم في السجن من وباء وقع بحران: العباس بن الوليد وإبراهيم بن الإمام وعبد الله بن عمر. وخرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبوسين بعد أن قتلوا صاحب السجن فقتلهم الغوغاء من أهل حران وكان فيمن قتلوه شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر الثعلبي وبطريق أرمينية واسمه كوشان ٣/١٦٢

وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس لم يستحل الخروج منه. ولما قدم مروان منهزما من الزاب حل عنه فيمن بقي وقيل إن شراحيل بن مسلمة كان محبوسا مع إبراهيم وكانا يتزاوران ويتهاديان، فدس في بعض الأيام إلى إبراهيم بن الإمام بلبن مسموم على لسان شراحيل فاستطلق بطنه. وقيل إن شراحيل قال: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 احتيل والله عليه، وأصبح ميتا من ليلته.

هزيمة مروان بالزاب ومقتله بمصر

قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور فقتل عثمان بن سفيان وأقام بناحية الموصل وأن مروان بن محمد سار إليه من حران في مائة وعشرين ألفا وسار أبو عون إلى الزاب ووجه أبو سلمة عيينة بن موسى والمنهال بن قبان وإسحاق بن طلحة كل واحد في ثلاثة آلاف مددا له. فلما بويع أبو العباس وبعث مسلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائي في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعي الطائي في ألفين ودراس بن فضلة في خمسمائة كلهم مددا لأبي عون، ثم ندب أهل بيته إلى المسير إلى أبي عون، فانتدب عبد الله بن علي فسار وقدم على أبي عون فتحول له عن سرادقه بما فيه ثم أمر عيينة بن موسى بخمسة آلاف تعبر النهر من الزاب أول جمادى الأخير سنة اثنتين وثلاثين وقاتل عساكر مروان إلى المساء ورجع ففقد مروان الجسر من الغد وقدم ابنه عبد الله وعبر فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة نحو عبد الله بن مروان فسرح ابن مروان الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فانهزم أصحاب المخارق وأسر هو وجيء به إلى مروان مع رءوس القتلى، فقال: أنت المخارق؟ قال: لا. قال: فتعرفه في هذه الرءوس؟ قال: نعم. قال: هو ذا فخلى سبيله وقيل بل أنكر أن يكون في الرءوس فخلى سبيله وعاجلهم عبد الله بن علي بالحرب قبل أن يفشوا الخبر وعلى ميمنته أبو عون وعلى ميسرته الوليد بن معاوية وكان عسكره نحوا من عشرين ألفا، وقيل اثني عشر وأرسل مروان إليه في الموادعة فأبى وحمل الوليد بن معاوية بن مروان ٣/١٦٣

وهو صهر مروان على ابنته، فقاتل أبا عون حتى انهزم إلى عبد الله بن علي فأمر الناس فارتحلوا ومشى قدما ينادي يا لثارات إبراهيم وبالأشعار يا محمد يا منصور. وأمر مروان القبائل بأن يحملوا فتخاذلوا واعتذروا حتى صاحب شرطته. ثم ظهر له الخلل فأباح الأموال للناس على أن يقاتلوا فأخذوها من غير قتال. فبعث ابنه عبد الله يصدهم عن ذلك فتبادروا بالفرار وانهزموا وقطع مروان الجسر وكان من غرق أكثر ممن قتل. وغرق إبراهيم بن الوليد المخلوع وقيل بل قتله عبد الله بن علي بالشام وممن قتل يحيى بن علي ابن هشام وكان ذلك في جمادى الأخيرة سنة اثنتين وثلاثين، وأقام عبد الله في عسكره سبعة أيام واجتاز عسكر مروان بما فيه وكتب بالفتح إلى أبي العباس السفاح، وسار مروان منهزما إلى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمر الثعلبي وابن خزيمة الأسدي، فقطعا الجسر ومنعاه العبور إليهم وقيل هذا أمير المؤمنين فتجاهلوا وقالوا أمير المؤمنين لا يفر. ثم أسمعوه الشتم والقبائح فسار إلى حران وبها أبان ابن أخيه، وسار إلى حمص وجاء عبد الله إلى حران فلقيه أبو مسعود فأمنه ولقي الجزيرة. ولما بلغ مروان حمص أقام بها ثلاثا وارتحل فاتبعه أهلها لينهبوه فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وسار إلى دمشق وعليها الوليد ابن عمه فأوصاه بقتال عدوه. وسار إلى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي، فأرسل إلى عبد الله ابن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره، ثم سار عبد الله بن علي في أثره من حران بعد أن هدم الدار التي حبس فيها أخوه الإمام إبراهيم. وانتهى إلى قنج فأطاعه أهلها وقدم عليه أخوه عبد الصمد بعثه السفاح مددا في ثمانية آلاف وافترق قواد الشيعة على أبواب دمشق فحاصروها أياما ثم دخلوها عنوة لخمس من رمضان واقتتلوا بها كثيرا وقتل عاملها الوليد بن معاوية وأقام عبد الله بدمشق خمس عشرة ليلة وارتحل يريد فلسطين فأجفل مروان إلى العريش، وجاء عبد الله فنزل نهر أبي فطرس ووصله هناك كتاب السفاح بأن يبعث صالح بن علي في طلب مروان. فسار صالح في ذي القعدة وعلى مقدمته أبو عون وعامر بن إسماعيل الحارثي فأجفل مروان إلى النيل ثم إلى الصعيد ونزل صالح الفسطاط وتقدمت عساكره فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم ودلوهم على مكانه ببوصير فسار إليه أبو عون وبيته هنالك خوفا من أن ٣/١٦٤

يفضحه الصبح فانهزم مروان وطعن فسقط في آخر ذي الحجة الحرام وقطع رأسه، وبعث به طليعة أبي عون إليه. فبعثه إلى السفاح وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان إلى أرض الحبشة وقاتلوهم فقتل عبيد الله ونجا عبد الله وبقي إلى أيام المهدي فأخذه عامل فلسطين وسجنه المهدي. وكان طليعة أبي عون عامر بن إسماعيل الحارثي فوجد نساء مروان وبناته في كنيسة بوصير قد وكل بهن خادما يقتلهن بعده بهن صالح ولما دخلن عليه سألنه في الإبقاء فلامهن على قتالهم عند بني أمية. ثم عفا عنهن وحملهن إلى حران يبكين. وكان مروان يلقب بالحمار لحرنه في مواطن الحرب. وكان أعداؤه ويلقبونه الجعدي نسبة إلى الجعد بن درهم كان يقول بخلق القرآن ويتزندق. وأمر هشام خالد القسري بقتله فقتله. ثم تتبعوا بني أمية بالقتل ودخل أسديف يوما على السفاح وعنده سليمان بن هشام وقد أمنه والده فقال:

لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن بين الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا

فأمر السفاح بسليمان فقتل. ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده ثمانون أو تسعون من بني أمية يأكلون على مائدته فقال:

أصبح الملك في ثبات الأساس ... بالبهاليل من بني العباس

طلبوا أمر هاشم فنعونا ... بعد ميل من الزمان وباس

لا تقيلن عبد شمس عثارا ... فاقطعن كل رقلة وغراس

فلنا أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي

فلقد غاضني وغاض سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس

والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاويا رهن غربة ونعاس

فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسط من فوقهم الأنطاع فأكل الطعام عليهم وأنينهم يسمع حتى ماتوا، وذلك بنهر أبي فطرس وكان فيمن قتل: محمد بن عبد الملك بن مروان والمعز بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان وسعيد بن عبد الملك وأبو ٣/١٦٥

عبيدة بن الوليد بن عبد الملك. وقيل: إن إبراهيم المخلوع قتل معهم، وقيل إن أسديفا هو الذي أنشد هذا الشعر للسفاح وأنه الذي قتلهم. ثم قتل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة جماعة من بني أمية فأمر بأشلائهم في الطرق فأكلتهم الكلاب، وقيل إن عبد الله بن علي أمر بنبش قبور الخلفاء من بني أمية فلم يجدوا في القبور إلا شبه الرماد وخيطا في قبر معاوية وجمجمة في قبر عبد الملك. وربما وجد فيها بعض الأعضاء الا هشام بن عبد الملك فإنه وجد كما هو لم يبل، فضربه بالسوط ثم صلبه وحرقة وذراه في الريح، والله أعلم بصحة ذلك. ثم تتبعوا بني أمية بالقتل فلم يفلت منهم إلا الرضعاء أو من هرب إلى الأندلس مثل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام وغيره ممن تبعه من قرابته كما يذكر في أخبارهم.

بقية الصوائف في الدولة الاموية

قد انتهينا بالصوائف إلى آخر أيام عمر بن عبد العزيز وفي سنة اثنتين ومائة أيام اليزيد غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلي العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقا وقتل منهم سبعمائة أسير. وغزا العباس بن الوليد الروم أيضا ففتحها لسنة. ثم غزا سنة ثلاث بعدها فافتتح مدينة رسلة. ثم غزا الجراح الحكمي أيام هشام سنة خمس فبلغ وراء بلنجر وغنم، وغزا في هذه السنة سعيد بن عبد الملك أرض الروم وبعث ألف مقاتل في سرية فهلكوا جميعا. وغزا فيها مروان بن محمد بالصائفة اليمنى، ففتح مدينة قريبة من أرض الزوكخ. ثم غزا سعيد بن عبد الملك بالصائفة أيام هشام سنة ست. ثم غزا مسلمة بن عبد الملك الروم من الجزيرة وهو وال عليها ففتح قيسارية. وغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا . وغزا معاوية بن هشام في البحر قبرس، وغزا سنة تسع ففتح حصنا آخر يقال له طبسة . وغزا سنة عشر بالصائفة عبد الله بن عقبة الفهري، وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن خديج. وغزا بالصائفة اليسرى سنة إحدى عشرة معاوية بن هشام وبالصائفة اليمنى سعيد بن هشام وفي البحر عبد الله بن أبي مريم. وافتتح معاوية في ٣/١٦٦

صائفة ثلاث عشرة مدينة خرشفة . وغزا سنة ثلاث عشرة عبد الله البطال، فانهزم فثبت عبد الوهاب من أصحابه فقتل. ودخل معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش. ثم غزا سنة أربع عشرة بالصائفة اليسرى وأصحاب ربض أفرق .

والتقى عبد الله البطال مع قسطنطين، فهزمه البطال وأسره. وغزا سليمان بن هشام بالصائفة اليسرى فبلغ قيسارية، وهزم مسلمة بن عبد الملك خاقان وباب الباب . وغزا معاوية بن هشام بالصائفة سنة خمس عشرة وغزا سفيان بن هشام بالصائفة اليسرى سنة سبع عشرة. وسليمان بن هشام بالصائفة اليمنى من ناحية الجزيرة، وفرق السرايا في أرض الروم وبعث فيها مروان بن محمد من أرمينية فافتتحوا من أرض اللان آهلها أخذها قومانساه صلحا، وغزا معاوية وسليمان أيضا أرض الروم سنة ثماني عشرة. وغزا فيها مروان بن محمد من أرمينية ودخل أرض وارقيس ، فهرب وارقيس إلى الحرور ونازل حصنه فحاصره. وقتل وارقيس بعض من اجتاز به وبعث برأسه إلى مروان ونزل أهل الحصن على حكمه فقتل وسبى. وغزا سنة تسع عشرة مروان بن محمد من أرمينية ومر ببلاد اللان إلى بلاد الخزر على بلنجر وسمندر وانتهى إلى خاقان فهرب خاقان منه. وغزا سليمان بن هشام سنة عشرين بالصائفة فافتتح سندرة وغزا إسحاق بن مسلم العقيلي قومانساه وافتتح قلاعه وخرب أرضه.

وغزا مروان من أرمينية سنة إحدى وعشرين وأفنى قلعة بيت السرير فقتل وسبى، ثم قلعة أخرى كذلك ودخل عزسك وهو حصن الملك فهرب منه الملك ودخل ٣/١٦٧

حصنا له يسمى جرج فيه سرير الذهب فنازله مروان حتى صالحه على ألف فارس كل سنة ومائة ألف مدني ثم دخل أرض أرزق ونصران فصالحه ملكها. ثم أرض تومان كذلك. ثم أرض حمدين فأخرب بلاده وحصر حصنا له شهرا حتى صالحه ثم أرض مسداد ففتحها على صلح ثم نزل كيلان فصالحه أهل طبرستان وكيلان وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان. وغزا مسلمة بن هشام الروم في هذه السنة فافتتح بها مطامير وفي سنة اثنتين وعشرين بعدها قتل البطال واسمه عبد الله بن الحسين الأنطاكي وكان كثير الغزو في بلاد الروم والإغارة عليهم. وقدمه مسلمة على عشرة آلاف فارس فكان يغزو بلاد الروم إلى أن قتل هذه السنة. وفي سنة أربعة وعشرين غزا سليمان بن هشام بالصائفة على عهد أبيه فلقي أليون ملك الروم فهزمه وغنم. وفي سنة خمسة وعشرين خرجت الروم إلى حصن زنطره وكان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهري وخزينة الروم وبني بناء غير محكم فأخربوه ثانية أيام مروان. ثم بناه الرشيد وطرقه الروم أيام المأمون فشعبوه فأمر ببنائه وتحصينه ثم طرقوه أيام المعتصم وخبره معروف. وفي هذه السنة غزا الوليد بن يزيد بالصائفة أخاه العمر وبعث الأسود بن بلال المحاربي بالجيش في البحر إلى قبرس ليجير أهلها بين الشام والروم فافترقوا فريقين، وغزا أيام مروان سنة ثلاثين بالصائفة الوليد بن هشام ونزل العمق وبنى حصن مرعش ٣/١٦٨

عمال بني أمية على النواحي

استعمل معاوية أول خلافته سنة أربعين عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة ثم عزله واستعمل المغيرة بن شعبة على الصلاة واستعمل على الخراج وكان على النقباء بها شريح وكان حمران بن أبان قد وثب على البصرة عند ما صالح الحسن معاوية فبعث معاوية بشر بن أرطاة على البصرة وأمده فقتل أولاد زياد بن أبيه، وكان عاملا على فارس لعلي بن أبي طالب، فقدم البصرة وقد ذكرنا خبره مع بني زياد فيما قبل. ثم ولى على البصرة عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وضم إليه خراسان وسجستان فجعل على شرطته حبيب بن شهاب وعلى القضاء عميرة بن تبرى، وقد تقدم لنا أخبار قيس في خراسان وكان عمرو بن العاص على مصر كما تقدم، فولى سنة إحدى وأربعين من قبله على إفريقية عقبة بن نافع بن عبد قيس، وهو ابن خالته فانتهى إلى لواتة ومزاتة فأطاعوه ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى.

ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين بعدها غذامس وقتل وسبى وافتتح سنة ثلاثة وأربعين بعدها بلد ودان وولى معاوية بالمدينة سنة اثنتين وأربعين مروان بن الحكم فاستقضى عبد الله بن الحرث بن نوفل، وولى معاوية على مكة في هذه السنة خالد بن العاص ابن هشام، وكان على أرمينية حبيب بن مسلمة الفهري وولاه عليها معاوية ومات سنة اثنتين وأربعين فولى مكانه واستعمل ابن عامر في هذه السنة على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي ويقال ولاه معاوية وعزل ابن عامر في هذه السنة قيس بن الهيثم عن خراسان وولى مكانه الحرث ابن عبد الله بن حازم. ثم عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة سنة أربع وأربعين وولى مكانه الحرث بن عبد الله الأزدي، ثم عزله لأربعة أشهر وولى أخاه زيادا سنة ٣/١٦٩

خمس وأربعين، فولى على خراسان الحكم بن عمر الغفاري، وجعل معه على الخراج أسلم بن زرعة الكلابي. ثم مات الحكم فولى خليد بن عبد الله الحنفي سنة سبعة وأربعين ثم ولى على خراسان سنة ثمان بعدها غالب بن فضالة الليثي، وتولى عمرو بن العاص سنة تسعة وأربعين فولى مكانه سعيد بن العاص، فعزل عبد الله بن الحرث عن القضاء واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن وفي سنة خمسين توفي المغيرة بن شعبة فضم الكوفة إلى أخيه زياد، فجاء إليها واستخلف على البصرة سمرة ابن جندب، وكان يقسم السنة بين المصريين في الإقامة نصفا بنصف وفي سنة خمسين هذه اقتطع معاوية إفريقية عن معاوية بن خديج بمصر وولى عقبة بن نافع الفهري وكان مقيما ببرقة وزويلة من وقت فتحها أيام عمرو بن العاص، فأمده بعشرة آلاف فسار إليها وانضاف إليه من أسلم من البربر، ودوخ البلاد وبنى بالقيروان، وأنزل عساكر المسلمين ثم استعمل معاوية على مصر وإفريقية مولاه أبا المهاجر، فأساء عزل عقبة، وجاء عقبة إلى الشام فاعتذر إليه معاوية ووعده بعمله ومات معاوية فولاه يزيد سنة اثنتين وستين. وذكر الواقدي أن عقبة ولي سنة اثنتين وستين واستعمل أبا المهاجر فولي الأمصار، فحبس عقبة وضيق عليه وأمره يزيد بإطلاقه فوفد عقبة فأعاده إلى عمله. فحبس أبا المهاجر وخرج غازيا وأثخن حتى قتله كسيلة كما يأتي في أخباره وفي سنة إحدى وخمسين ولى زياد على خراسان الربيع بن زياد الحرث مكان خليد بن عبد الله الحنفي وفي سنة ثلاث وخمسين توفي زياد واستخلف على البصرة سمرة بن جندب وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد. ثم ولى الضحاك بن قيس سنة خمس بعدها وفي هذه السنة مات الربيع بن زياد عامل خراسان قبل موت زياد واستخلفه ابنه عبد الله ومات لشهرين واستخلف خليد بن يربوع الحنفي وكان على صفا بيروز الديلمي من قبل معاوية فمات سنة ثلاث وخمسين وفي سنة أربع وخمسين عزل معاوية عن المدينة سعيد بن العاص ورد إليها مروان بن الحكم ثم عزله سنة سبعة وولى مكانه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وعزل سنة تسعة وخمسين عن البصرة ابن جندب وولى مكانه عبد الله بن عمر بن غيلان، وولى على خراسان عبيد الله بن زياد ثم ولاه سنة خمس بعدها على البصرة مكان بن غيلان ثم ولى على خراسان سنة ستة وخمسين سعيد بن عثمان بن عفان وفي سنة ثمانية وخمسين عزل معاوية عن الكوفة الضحاك بن قيس واستعمل مكانه ابن أم الحكم وهي ٣/١٧٠

أخته، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وطرده أهل الكوفة فولاه مصر فرده معاوية بن خديج وولى مكانه على الكوفة سنة تسعة وخمسين النعمان بن بشير وولى فيها على خراسان عبد الرحمن بن زياد فقدم إليها قيس بن الهيثم السلمي فحبس أسلم بن زرعة فأغرمه ثلاثمائة ألف درهم. ثم مات معاوية سنة ستين وولاته على النواحي من ذكرناه وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك بن الأعور وعزل يزيد لأول ولايته الوليد بن عقبة عن المدينة والحجاز وولاها عمر بن سعيد الأشدق ثم عزله سنة إحدى وستين، ورد الوليد بن عقبة وولى على خراسان سالم بن زياد، فبعث سالم إليها الحرث بن معاوية الحرثي وبعث أخاه يزيد إلى سجستان وكان بها أخوهما عباد فخرج عنهما. وقاتل يزيد أهل كابل فهزموه، فبعث مسلم على سجستان طلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي فبقي سنة، وبعث سنة اثنتين وستين عقبة بن نافع إلى إفريقية فحبس أبا المهاجر، واستخلف على القيروان زهير بن قيس البلوي كما نذكر في اخباره. وتوفي في هذه السنة مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر. ثم هلك يزيد سنة أربع وستين واستخلف على أهل العراق عبيد الله بن زياد. وولى أهل البصرة عليهم عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب ويلقب ببة، وهرب ابن زياد إلى الشام. وجاء إلى الكوفة عامر بن مسعود من قبل ابن الزبير وبلغه خلاف أهل الري وعليهم الفرخان فبعث عليهم محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب فهزموه، فبعث عتاب بن ورقاء فهزمهم. ثم بويع مروان وسار إلى مصر فملكها من يد عبد الرحمن بن حجام القرشي داعية ابن الزبير وولى عليها عمر بن سعيد ثم بعثه للقاء مصعب بن الزبير لما بعثه أخوه عبد الله إلى الشام، وولى على مصر ابنه عبد العزيز فلم يزل عليها واليا إلى أن هلك لسنة خمسة وثمانين، فولى عبد الملك عليها ابنه عبد الله بن عبد الملك.

وخلع أهل خراسان بعد يزيد سالم بن زياد واستخلف المهلب بن أبي صفرة، ثم ولى مسلم عبد الله بن حازم فاستبد بخراسان إلى حين. ثم خرج أهل الكوفة عمر بن حريث خليفة بن زياد وبايعوا لابن الزبير وقدم المختار بن أبي عبيد أميرا على الكوفة ٣/١٧١

من قبله بعد ستة أشهر من مهلك يزيد، وامتنع شريح من القضاء أيام الفتنة واستعمل ابن الزبير على المدينة أخاه مصعبا سنة خمس وستين مكان أخيه عبد الله وثار بنو تميم بخراسان على عبد الله بن حازم فغلبه عليها بكير بن وشاح وغلب المختار على ابن مطيع عامل ابن الزبير بالكوفة سنة ست وستين (ثم مات) مروان سنة خمس وستين وولي عبد الملك. وولى ابن الزبير أخاه مصعبا على البصرة وولى مكانه بالمدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري. ثم ملك عبد العزيز العراق سنة إحدى وسبعين واستعمل على البصرة خالد بن عبد الله بن أسد وعلى الكوفة أخاه بشر بن مروان وكان على خراسان عبد الله بن حازم بدعوة ابن الزبير، فقام بكير بن وشاح التميمي بدعوة عبد الملك وقتله. وولاه عبد الملك خراسان. وكان على المدينة طلحة بن عبد الله بن عوف بدعوة ابن الزبير بعد جابر بن الأسود، فبعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان فغلبه عليها. ثم قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين وانفرد عبد الملك بالخلافة وولى على الجزيرة وأرمينية أخاه محمدا. وعزل خالد بن عبد الله عن البصرة وضمها إلى أخيه بشر فسار إليها واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى على الحجاز واليمن واليمامة الحجاج بن يوسف وبعثه من الكوفة لحرب ابن الزبير وعزل طارقا عن المدينة وسار من جنده. وفي سنة أربع وسبعين استقضى أبا إدريس الخولاني وأمر بشر أخاه أن يبعث المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة. وعزل عن خراسان بكير بن وشاح وولى مكانه أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فبعث أمية ابنه عبد الله على سجستان. وكان على إفريقية زهير بن قيس البلوي فقتله البربر سنة تسع وستين.

وشغل عبد الملك بفتنة ابن الزبير، فلما فرغ منها بعث إلى إفريقية سنة أربع وسبعين حسان بن النعمان القيساني في عساكر لم ير مثلها، فأثخن فيها وافترقت جموع الروم ٣/١٧٢

والبربر. وقتل الكاهنة كما يذكر في أخبار إفريقية ثم ولى عبد الملك سنة خمس وسبعين الحجاج بن يوسف على العراق فقط، وولى على السند سعيد بن أسلم بن زرعة وقتل في حروبها، وكان أمر الخوارج وفي سنة ست وسبعين ولي على المدينة أبان ابن عثمان وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أبي أوفى بعد هشام بن هبيرة وعلى قضاء المدينة عبد الله بن قشير بن مخرمة. ثم كانت حروب الخوارج كما نذكر في أخبارهم. وفي سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف، فبعث الحجاج على خراسان المهلب بن أبي صفرة وعلى سجستان عبد الله بن أبي بكرة وولى على قضاء البصرة موسى بن أنس واستعفى شريح بن الحرث من القضاء بالكوفة فولى مكانه أبا بردة بن أبي موسى ثم ولى على قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وخرج عبد الرحمن بن الأشعث فملك سجستان وكرمان وفارس والبصرة ثم قتل ورجعت إلى حالها، وذلك سنة إحدى وثمانين. وفي سنة اثنتين وثمانين مات المهلب بن أبي صفرة واستخلف ابنه يزيد على خراسان فأقره الحجاج. وفي هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة وولى مكانه هشام بن إسماعيل المخزومي فعزل هشام نوفل ابن مساحق عن القضاء وولى مكانه عمر بن خالد الزرقي. وبنى الحجاج مدينة واسط. وفي سنة خمس وثمانين عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولى مكانه هشام أخاه المفضل قليلا ثم ولى قتيبة بن مسلم وتوفي عبد الملك. وعزل الوليد لأول ولايته هشام بن إسماعيل عن المدينة وولى مكانه عمر بن عبد العزيز فولى على القضاء أبا بكر بن عمر بن حزم وولى الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وولى على قضائها عبد الله بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبا بكر بن أبي موسى الأشعري. وفي سنة تسع وثمانين ولى الوليد على مكة خالد بن عبد الله القسري وكان على ثغر السند محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي وهو ابن عم الحجاج. ففتح السند وقتل ملكه، وكان على مصر عبد الله بن عبد الملك ولاه عليها أبوه ففل ملكها. فعزله الوليد في هذه السنة وولى مكانه قرة بن شريك، وعزل خالدا عن الحجاز وولى عمر بن عبد العزيز. وفي سنة إحدى وتسعين عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية وولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك وكان على طندة في قاصية المغرب طارق بن زياد عاملا لمولاه موسى بن نصير ٣/١٧٣

عامل الوليد بالقيروان فأجاز البلاد والبحر إلى بلاد الأندلس وافتتحها سنة اثنتين وتسعين كما يذكر في أخبارها، وفي سنة ثلاث وتسعين عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وولى مكانه خالد بن عبد الله على مكة وعثمان بن حيان على المدينة. ومات الحجاج سنة خمس وتسعين ثم مات الوليد سنة ست وتسعين وفيها قتل قتيبة بن مسلم لانتقاضه على سليمان وولاها سليمان يزيد بن المهلب وفيها مات قرة بن شريك وكان على المدينة أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن موسى وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وفي سنة سبع وتسعين عزل سليمان بن موسى بن نصير عن إفريقية وولى مكانه محمد بن يزيد القرشي حتى مات سليمان فعزل واستعمل عمر مكانه إسماعيل بن عبد الله وفي سنة ثمان وتسعين كان فتح طبرستان وجرجان أيام سليمان بن عبد الملك على يد يزيد ابن المهلب وفي سنة تسع وتسعين استعمل عمر ابن عبد العزيز على البصرة عدي بن أرطاة الفزاري، وأمره بإبقاء يزيد بن المهلب موثوقا فولى على القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري ثم إياس بن معاوية وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب. وولى على المدينة عبد العزيز بن أرطاة وولى على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي. ثم عزل سنة مائة وولى عبد الرحمن بن نعيم القرشي وولى على الجزيرة عمر بن هبيرة الفزاري، وعلى إفريقية إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم وعلى الأندلس السمح بن مالك الخولاني.

ثم في سنة إحدى ومائة عزل إسماعيل عن إفريقية وولاها يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فلم يزل عليها إلى أن قتل. وفي سنة اثنتين ومائة ولي يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على العراق وخراسان فولى على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحرث ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية ويقال له سعيد خدينة. ثم استحيا من مسلمة في أمر الجراح فعزله وولى مكانه ابن يزيد بن هبيرة، فجعل على قضاء الكوفة القاسم ٣/١٧٤

ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى.

وكان على مصر أسامة بن زيد، وليها بعد قرة بن شريك وولى ابن هبيرة على خراسان سعيدا الحريشي مكان حذيفة. وفي سنة ثلاث ومائة جمع يزيد مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عن مكة وعن الطائف وولى مكانه على الطائف عبد الواحد بن عبد الله البصري. وفي سنة أربع ومائة ولى يزيد على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وعزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة لثلاث سنين من ولايته، وولى عليهما مكانه عبد الواحد النصري وعزل ابن هبيرة سعيد الحريشي عن خراسان وولى عليها مسلم بن سعيد ابن أسلم بن زرعة الكلابي، وولى على قضاء الكوفة الحسين بن حسين الكندي. ومات يزيد بن عبد الملك سنة خمس وولي هشام فعزل ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري، واستعمل خالد على خراسان أخاه أسدا سنة سبع ومائة.

وعزل مسلم بن سعيد وولى على البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس. وولى على السند الجنيد بن عبد الرحمن. واستعمل هشام على الموصل الحر بن يوسف، وعزل عبد الواحد النصري عن الحجاز، وولى مكانه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، واستقضى بالمدينة محمد بن صفوان الجمحي، ثم عزله واستقضى الصلت الكندي. وعزل الجراح بن عبد الله عن أرمينية وأذربيجان وولى مكانه أخاه مسلمة، فولى عليها الحرث ابن عمر الطائي. وكان على اليمن سنة ثمان يوسف بن عمر، وفي سنة تسع عزل خالد أخاه أسدا عن خراسان وولى هشام عليها أشرس بن عبد الله السلمي، وأمره أن يكاتب خالدا بعد أن كان خالد ولى الحكم بن عوانة الكلبي مكان أخيه، فلم يقر فعزله هشام. ومات في سنة تسع عامل القيروان بشر بن صفوان، فولى هشام مكانه عبيدة بن عبد الرحمن بن الأغر السلمي فعزل عبيدة يحيى بن سلمة الكلبي عن الأندلس، واستعمل حذيفة بن الأخوص الأشجعي. ثم عزل لستة أشهر ووليها عثمان بن أبي نسعة الخثعمي وفي سنة عشر ومائة جمع خالد الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بردة وعزل تمامة عن القضاء. وفي سنة إحدى عشرة عزل هشام عن خراسان أشرس بن عبد الله وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن الحرث بن خارجة بن ٣/١٧٥

سنان بن أبي حارثة المري وولى على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمي وعزل مسلمة.

وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن عامل إفريقية وعثمان بن أبي تسعة عن الأندلس، وولى مكانه الهيثم بن عبيد الكناني. وفي سنة اثنتي عشرة قتل الجراح بن عبد الله صاحب أرمينية قتله التركمان، فولى هشام مكانه سعيدا الحريشي. ومات الهيثم عامل الأندلس وولوا على أنفسهم مكانه محمد بن عبد الله الأشجعي شهرين وبعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبيل ابن عبد الرحمن السلمي عامل إفريقية.

وغزا إفرنجة فاستشهد، فولى عبيدة مكانه عبد الملك بن قطن الفهري وعزل عبيدة عن إفريقية وولى مكانه عبيد الله بن الحجاب، وكان على مصر فسار إليها. وفي سنة أربع عشرة عزل هشام مسلمة عن أرمينية وولى مكانه مروان بن محمد بن مروان.

وعزل إبراهيم بن هشام عن الحجاز وولى مكانه على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم، وعلى مكة والطائف محمد بن هشام المخزومي. وفي سنة ست عشرة ومائة عزل هشام الجنيد بن عبد الرحمن المري عن خراسان وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. وفيها استعمل عبد الله بن الحجاب على الأندلس عقبة بن الحجاج القيسي مكان عبد الملك بن قطن ففتح خليتيه وفي سنة سبع عشرة ومائة عزل هشام عاصم بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه خالد بن عبد الله القسري فاستخلف خالد أخاه أسدا. وولى هشام على إفريقية والأندلس عبيد الله بن الحجاب وكان على مصر فسار اليها واستخلف على مصر ولده وولى على الأندلس عقبة بن الحجاج وعلى طنجة ابنه إسماعيل وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان وفتح وغنم. وأغزاه إلى صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ففتح أكثرها ثم واستدعاه لفتنة ميسرة كما نذكره في أخبارهم وفي سنة ثمان عشرة عزل هشام عن المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث وولى مكانه محمد بن هشام بن إسماعيل. وفي سنة عشرين مات أسد بن عبد الله الخراساني وولي مكانه نصر بن سيار. وعزل هشام خالد القسري عن جميع أعماله بالعراقين وخراسان وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي ٣/١٧٦

استقدمه إليها من ولاية اليمن، فأقر نصر بن سيار على خراسان، وكان على قضاء الكوفة ابن شرمة وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة وولى يوسف بن عمر بن شرمة على سجستان واستقضى مكانه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وكان على قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة فمات في هذه السنة وفي سنة ثلاث وعشرين قتل كلثوم بن عياض الذي حثه هشام لقتال البربر بالمغرب وتوفي عقبة بن الحجاج أمير الأندلس وقيل بل خلعوه، وولى مكانه عبد الملك بن قطن ولايته الثانية كما يذكر.

وفي سنة أربع وعشرين ظهر أمر أبي مسلم بخراسان. وتلقب بلخ على الأندلس ثم مات وكان سار إليها من فل كلثوم بن عياض لما قتله البربر بالمغرب وولى هشام على الأندلس أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي فأمر حنظلة بن صفوان أن يوليه فولاه وكان ثعلبة بن خزامة سلامة الجرابي قد ولوه بعد بلج فعزله أبو الخطار. وفي هذه السنة ولى الوليد بن يزيد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي على الحجاز فأسره ثم قتل الوليد سنة ست وعشرين فعزل يزيد عن العراق يوسف بن عمر وولى مكانه منصور ابن جمهور، فبعث عامله على خراسان فامتنع نصر بن سيار من تسليم العمل له. ثم عزل يزيد منصور بن جمهور وولى مكانه على العراق عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز، وغلب حنظلة على إفريقية عبد الرحمن بن حبيب كما يذكر في خبرها. وعزل يزيد عن المدينة يوسف بن محمد بن يوسف، وولى مكانه عبد العزيز ابن عمر بن عثمان، وغلب سنة سبع وعشرين عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على الكوفة، وولى مروان على الحجاز عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعلى العراق النضر بن سعيد الحريشي. وامتنع ابن عمر من استلام العمل إليه ووقعت الفتنة بينهم. ولحق ابن عمر بالخوارج كما يذكر في أخبارهم واستولى بنو العباس على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ولي يوسف بن عبد الرحمن الفهري على الأندلس بعد نوابة بن سلامة كما يأتي في أخبارهم. وولى مروان على الحجاز عبد الواحد وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وفي سنة ثلاثين ملك أبو مسلم ٣/١٧٧

خراسان وهرب عنها نصر بن سيار فمات بنواحي همذان سنة إحدى وثلاثين وجاء المسودة عليهم قحطبة فطلبوا ابن هبيرة على العراق وملكوه وبايعوا خليفتهم أبا العباس السفاح. ثم غلبوا مروان على الشام ومصر وقتلوه. وانقرض أمر بني أمية وعاد الأمر والخلافة لبني العباس والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده وهذه أخبار بني أمية مخلصة من كتاب أبي جعفر الطبري ولنرجع إلى أخبار الخوارج كما شرطنا في أخبارها بالذكر، والله المعين لا رب غيره.

الخبر عن الخوارج وذكر أوليتهم وتكرر خروجهم في الملة الإسلامية

قد تقدم لنا خبر الحكمين في حرب صفين واعتزل الخوارج عليا منكرين للتحكيم مكفرين به ولاطفهم في الرجوع عن ذلك وناظرهم فيه بوجه الحق فلجوا وأبوا إلا الحرب وجعلوا أشعارهم النداء بلا حكم إلا لله وبايعوا عبد الله ابن وهب الراسبي وقاتلهم علي بالنهروان فاستلحمهم أجمعين ثم خرج من فلهم طائفة بالأنبار فبعث إليهم من استلحمهم ثم طويفة أخرى مع هلال بن علية فبعث معقل بن قيس فقتلهم. ثم أخرى ثالثة كذلك، ثم أخرى على المدائن كذلك، ثم أخرى بشهرزور كذلك، وبعث شريح بن هانئ فهزموه فجرح واستلحمهم أجمعين، واستأمن من بقي فأمنهم وكانوا نحو خمسين. وافترق شمل الخوارج ثم اجتمع من وجدانهم الثلاثة الذين توعدوا لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فقتل بالسهم عبد الرحمن بن ملجم عليا رضى الله عنه وباء بإثمه وسلم الباقون، ثم اتفقت الجماعة على بيعة معاوية سنة إحدى وأربعين واستقل معاوية بخلافة الإسلام.

وقد كان فروة بن نوفل الأشجعي اعتزل عليا والحسن ونزل شهرزور وهو في خمسمائة من الخوارج فلما بويع معاوية قال فروة لأصحابه: قد جاء الحق فجاهدوا وأقبلوا فنزلوا النخيلة عند الكوفة فاستنفر معاوية أهل الكوفة فخرجوا لقتالهم، وسألوا أهل الكوفة أن يخلوا بينهم وبين معاوية فأبوا فاجتمعت أشجع على فروة وأتوا له من القتال ٣/١٧٨

ودخلوا الكوفة قهرا واستعمل الخوارج بعده عبد الله بن أبي الحريشي من طيئ وقاتلوا أهل الكوفة فقاتلوا وابن أبي الحريشي معهم ثم اجتمعوا بعده على حوثرة بن وداع الأسدي وقدموا إلى النخيلة في مائة وخمسين ومعهم فل ابن أبي الحريشي.

وبعث معاوية إلى حوثرة أباه ليرده عن شأنه فأبى، فبعث إليهم عبد الله بن عوف في معسكر فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين دخلوا الكوفة وتفرقوا فيها، وذلك في جمادى الأخيرة سنة إحدى وأربعين. وسار معاوية إلى الشام وخلف المغيرة بن شعبة فعاد فروة ابن نوفل الأشجعي إلى الخروج فبعث إليه المغيرة خيلا عليها ابن ربعي ويقال معقل ابن قيس فلقيه بشهرزور فقتله ثم بعث المغيرة إلى شبيب بن أبجر من قتله، وكان من أصحاب ابن ملجم وهو الذي أتى معاوية يبشره بقتل علي فخافه على نفسه وأمر بقتله فتنكر بنواحي الكوفة إلى أن بعث المغيرة من قتله ثم بلغ المغيرة أن بعضهم يريد الخروج وذكر له معن بن عبد الله المحاربي فحبسه ثم طالبه بالبيعة لمعاوية فأبى فقتله.

ثم خرج على المغيرة أبو مريم مولى بني الحرث بن كعب فأخرج معه النساء، فبعث المغيرة من قتله وأصحابه ثم حكم أبو ليلى في المسجد بمشهد الناس وخرج في اثنين من الموالي فأتبعه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسور الكوفة سنة اثنتين وأربعين ثم خرج على ابن عامر في البصرة سهم بن غانم الجهني في سبعين رجلا منهم الحطيم وهو يزيد بن حالك الباهلي، ونزلوا بين الجسرين والبصرة ومر بهم بعض الصحابة منقلبا من الغزو فقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه، وقالوا: هؤلاء كفرة وخرج إليهم ابن عامر فقتل منهم عدة وأمن باقيهم ولما أتى زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب منهم الحطيم إلى الأهواز وجمع ورجع إلى البصرة فافترق عنه أصحابه فاختفى وطلب الأمان من زياد فلم يؤمنه ثم دل عليه فقتله وصلبه بداره. وقيل بل قتله عبد الله بعد زياد سنة أربع وخمسين. ثم اجتمع الخوارج بالكوفة على المستورد بن عقلة التيمي من تيم الرباب وعلى حيان بن ضبيان السلمي وعلى معاذ بن جوين الطائي. وكلهم من فل النهروان الذين ارتموا في القتلى ودخلوا الكوفة بعد مقتل علي واجتمعوا في أربعمائة في منزل حيان بن ضبيان وتشاوروا في الخروج، وتدافعوا الإمارة. ثم اتفقوا على المستورد وبايعوه في جمادى الأخيرة وكبسهم المغيرة في منزلهم فسجن حيان وأفلت ٣/١٧٩

المستورد فنزل الحيرة واختلف إليه الخوارج. وبلغ المغيرة خبرهم فخطب الناس وتهدد الخوارج فقام إليه معقل بن قيس فقال: ليكفك كل رئيس قومه. وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس وكان عالما بمنزلهم عند سليم بن مخدوج العبدي إلا أنه لا يسلم عشيرته، فخرجوا ولحقوا بالصراة في ثلاثمائة فجهز إليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف وجعل معظمهم من شيعة علي، وخرج معقل في الشيعة وجاء الخوارج ليعبروا النهر إلى المدائن فمنعهم عاملها سمال بن عبد العبسي ودعاهم إلى الطاعة على الأمان فأبوا فساروا إلى المذار. وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فبعث شريك بن الأعور الحارثي في ثلاثة آلاف من الشيعة وجاء معقل بن قيس إلى المدائن وقد ساروا إلى المذار، فقدم بين يديه أبا الرواع الشاكري في ثلاثمائة، وسار ولحقهم أبو الرواع بالمذار فقاتلهم. ثم لحقه معقل بن قيس متقدما أصحابه عند المساء فحملت الخوارج عليه فثبت وباتوا على تعبية، وجاء الخبر إلى الخوارج بنهوض شريك بن الأعور من البصرة فأسروا من ليلتهم راجعين وأصبح معقل واجتمع بشريك وبعث أبا الرواع في أتباعهم في ستمائة فلحقهم بجرجان فقاتلهم فهزمهم إلى ساباط وهو في اتباعهم. ورأى المستورد أن هؤلاء مع أبي الرواع حماة أصحاب معقل فتسرب عنهم إلى معقل وأبو الرواع في اتباعه ولما لحق بمعقل قاتلهم قتالا وأدركهم أبو الرواع بعد أن لقي كثيرا من أصحاب معقل منهزمين فردهم واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل المستورد معقلا طعنه بالرمح فأنفذه وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد فقسم دماغه بالسيف وماتا جميعا. وأخذ الراية عمر بن محرز بن شهاب التميمي بعهد معقل بذلك. ثم حمل الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم إلا خمسة أو ستة. وعند ابن الكلبي أن المستورد من تيم من بني رباح. خرج بالبصرة أيام زياد قريب الأزدي ورجاف الطائي ابنا الخالة، وعلى البصرة سمرة بن جندب وقتلوا بعض بني ضبة فخرج عليهم شبان من بني علي وبني راسب فرموهم بالنبل، وقتل قريب وجاء عبد الله بن أوس الطائي برأسه واشتد زياد في أمر الخوارج وسمرة وقتلوا منهم خلقا. ثم خرج سنة اثنتين وخمسين على زياد بن حراش العجلي في ثلاثمائة بالسواد فبعث اليهم زياد سعد بن حذيفة في خيل فقتلوهم، وخرج أيضا أصحاب المستورد حيان بن ضبيان ومعاذ من طيئ فبعث إليهما من قتلهما وأصحابهما. وقيل بل استأمنوا وافترقوا. ثم اجتمع بالبصرة سنة ثمان وخمسين سبعون رجلا من الخوارج من عبد ٣/١٨٠

القيس وبايعوا طواف بن على أن يفتكوا بابن زياد، وكان سبب ذلك أن ابن زياد حبس جماعة من الخوارج بالبصرة وحملهم على قتل بعضهم بعضا وخلى سبيل القاتلين ففعلوا وأطلقهم، وكان منهم طواف ثم ندموا وعرضوا على أولياء المقتولين القود والدية فأبوا، وأفتاهم بعض علماء الخوارج بالجهاد لقوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا 16: 110 الآية، فاجتمعوا للخروج كما قلنا. وسعى بهم إلى ابن زياد فاستعجلوا الخروج وقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء كما قلنا. فندب ابن زياد الشرط والمحاربة فقاتلوهم. فانهزم الشرط أولا ثم كثرهم الناس فقتلوا عن آخرهم.

واشتد ابن زياد على الخوارج وقتل منهم جماعة كثيرة منهم: عروة بن أدبة أخو مرداس وأدبة أمهما وأبوهما جرير بن تميم. وكان وقف على ابن زياد يوما يعظه فقال أتبنون بكل ريع آية تعبثون 26: 128 الآيات؟ فظن ابن زياد أن معه غيره فأخذه وقطعه وقتل ابنيه. وكان أخوه مرداس من عظمائهم وعبادهم وممن شهد النهروان بالاستعراض ويحرم خروج النساء ولا يرى بقتال من لا يقاتله. وكانت امرأته من العابدات من بني يربوع وأخذها ابن زياد فقطعها. والح ابن زياد في طلب الخوارج وقتلهم وخلى سبيل مرداس من بينهم لما وصف له من عبادته، ثم خاف فخرج إلى الأهواز وكان يأخذ مال المسلمين إذا مر به فيعطي منه أصحابه ويرد الباقي. وبعث ابن زياد إليهم أسلم بن زرعة الكلابي في الغي رجل ودعاهم إلى معاودة الجماعة فأبوا وقاتلوهم فهزموا أسلم وأصحابه فسرح إليهم ابن زياد عباد بن علقمة المازني. ولحقهم بتوج وهم يصلون فقتلهم أجمعين ما بين راكع وساجد لم يتغيروا عن حالهم ورجع إلى البصرة برأس أبي بلال مرداس فرصده عبيدة بن هلال في ثلاثة نفر عند قصر الإمارة ليستفتيه فقتلوه واجتمع عليهم الناس فقتلوا منهم وكان على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة فأمره زياد بتتبع الخوارج إلى أن تقدم فحبسهم، وأخذ الكفلاء على بعضهم وأتى بعروة بن أدبة فقال أنا كفيلك وأطلقه. ولما جاء ابن زياد قتل المحبوسين منهم والمكفولين، وطالب ابن أبي بكرة بعروة بن أدبة فبحث عنه حتى ظفر به وجاء به إلى ابن زياد فقطعه وصلبه سنة ثمان وخمسين. ثم مات يزيد واستفحل أمر ابن الزبير بمكة وكان الخوارج لما اشتد عليهم ابن زياد بعد قتل أبي بلال مرداس أشار عليهم ٣/١٨١

نافع بن الأزرق منهم باللحاق بابن الزبير لجهاد عساكر يزيد لما ساروا إليه قالوا: وإن لم يكن على رأينا داحضا عن البيت وقاموا يقاتلون معه فلما مات يزيد وانصرفت العساكر كشفوا عن رأي ابن الزبير فيهم وجاءوه يرمون من عثمان ويتبرءون منه فصرح بمخالفتهم. وقال بعد خطبة طويلة أثنى فيها على الشيخين وعلي وعثمان واعتذر عنه فيما يزعمون، وقال: أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو لأعدائه قالوا: فبرئ الله منك قال بل بريء الله منكم فافترقوا عنه. وأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي وعبد الله بن صفار السعدي وعبد الله بن أباض، وحنظلة بن بيهس وبنو الماخور: عبد الله وعبيد الله والزبير من بني سليط بن يربوع وكلهم من تميم، حتى أتوا البصرة وانطلق أبو طالوت عن بني بكر بن وائل وأبو فديك عبد الله بن نور بن قيس ابن ثعلبة وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة فوثبوا بها مع أبي طالوت. ثم تركوه ومالوا عنه إلى نجدة ابن عامر الحنفي. ومن هنا افترقت الخوارج على أربع فرق:

الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنظلي وكان رايه البراءة من سائرة المسلمين وتكفيرهم والاستعراض وقتل الأطفال واستحلال الأمانة لأنه يراهم كفارا. والفرقة الثانية النجدية وهم بخلاف الأزارقة في ذلك كله. والفرقة الثالثة الإباضية أصحاب عبد الله بن إباض المري وهم يرون أن المسلمين كلهم يحكم لهم بحكم المنافقين فلا ينتهون إلى الرأي الأول ولا يقفون عند الثاني ولا يحرمون مناكحة المسلمين ولا موارثتهم ولا المنافقين فيهم وهم عندهم كالمنافقين، وقول هؤلاء أقرب إلى السنة ومن هؤلاء البيهسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبعي. والفرقة الرابعة الصفرية وهم موافقون للأباضية إلا في العقدة فإن الإباضية أشد على العقدة منهم. وربما اختلفت هذه الآراء من بعد ذلك واختلف في تسمية الصفرية فقيل نسبوا إلى ابن صفار وقيل اصفروا بما نهكتهم العبادة وكانت الخوارج من قبل هذا الافتراق على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشاذ من الفروع. وفي أصل اختلافهم هذا مكاتبات بين نافع بن الأزرق وأبي بيهس وعبد الله بن إباض ذكرها المبرد في كتاب الكامل فلينظر هناك، (ولما جاء نافع) إلى نواحي البصرة سنة أربع وستين فأقام بالأهواز يعترض الناس وكان على البصرة عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، فسرح إليه مسلم عبس بن كويز بن ربيعة من أهل البصرة بإشارة الأحنف ابن قيس، فدافعه عن نواحي البصرة وقاتله بالأهواز، على ميمنة مسلم الحجاج بن ٣/١٨٢

باب الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر العدابي، وعلى ميمنة ابن الأزرق عبيدة بن هلال وعلى ميسرته الزبير بن الماخور التميمي. فقتل مسلم ثم قتل نافع فأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب والخوارج عبد الله بن الماخور ثم قتل الحجاج، وعبد الله فأمر أهل البصرة ربيعة بن الاخدم والخوارج عبيد الله بن الماخور. ثم اقتتلوا حتى أمسوا، وجاء إلى الخوارج مدد فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتل ربيعة وولوا مكانه حارثة بن بدر فقاتل وردهم على الأعقاب ونزل الأهواز. ثم عزل عن البصرة عبد الله بن الحرث وبعث ابن الزبير عليها الحرث القباع بن أبي ربيعة فزحف الخوارج إلى البصرة، وأشار الأحنف بن قيس بتولية المهلب حروبهم، وقد كان ابن الزبير ولاه خراسان، فكتبوا لابن الزبير بذلك فأجاب، واشترطوا للمسلم ما سأل من ولاية ما غلب عليه، والإعانة بالأموال، فاختار من الجند اثني عشر ألفا وسار إليهم فدفعهم عن الجسر. وجاء حارثة بن بدر بمن كان معه في قتال الخوارج، فردهم الحرث إلى المهلب وركب حارثة البحر يريد البصرة فغرق في النهر. وسار المهلب وعلى مقدمته ابنه المغيرة فقاتلهم المقدمة ودفعوهم عن سوق الأهواز إلى مادر.

ونزل المهلب بسولاف وقاتله الخوارج وصدقوا الحملة فكشفوا أصحاب المهلب ثم ترك من الغد قتالهم وقطع دجيل ونزل العقيل ثم ارتحل فنزل قريبا منهم وخندق عليه وأذكى العيون والحرس. وجاء منهم عبيدة بن هلال والزبير بن الماخور في بعض الليالي ليبيتوا عسكر المهلب فوجدوهم حذرين وخرج إليهم المهلب من الغد في تعبية والأزد وتميم في ميمنته، وبكر وعبد القيس في ميسرته، وأهل العالية في القلب.

وعلى ميمنة الخوارج عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماخور واقتتلوا ونزل الصبر. ثم شدوا على الناس فأجفل عسكر المهلب وانهزم وسبق المنهزمين إلى ربوة ونادى فيهم فاجتمع له ثلاثة آلاف أكثرهم من الأزد، فرجع بهم وقصد عسكر الخوارج واشتد قتالهم ورموهم بالحجارة، وقتل عبد الله بن الماخور وكثير منهم وانكفؤا راجعين إلى كرمان وناحية أصبهان منهزمين، واستخلفوا عليهم الزبير ابن الماخور وأقام المهلب بمكانه حتى جاء مصعب بن الزبير أميرا على البصرة وعزل ٣/١٨٣

المهلب. (وأما نجدة) وهو نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن مفرج الحنفي.

وكان مع نافع بن الأزرق، فلما افترقوا سار إلى اليمامة ودعا أبو طالوت إلى نفسه، وهو من بكر بن وائل وتابعه نجدة ونهب الحضارم بلد بني حنيفة وكان فيها رقيق كثير يناهز أربعة آلاف فقسمها في أصحابه، وذلك سنة خمس وستين. واعترض عيرا من البحرين جاءت لابن الزبير فأخذها وجاء بها إلى أبي طالوت فقسمها بين أصحابه. ثم رأى الخوارج أن نجدة خير لهم من أبي طالوت فخالفوه وبايعوا نجدة وسار إلى بني كعب بن ربيعة فهزمهم وأثخن فيهم، ورجع نجدة إلى اليمامة في ثلاثة آلاف، ثم سار إلى البحرين سنة سبع وستين فاجتمع أهل البحرين من عبد القيس وغيرهم على محاربته. وسالمته الأزد والتقوا بالعطيف فانهزمت عبد القيس وأثخن فيهم نجدة وأصحابه وأرسل سرية إلى الخط فظفروا بأهله. ولما قدم مصعب بن الزبير البصرة سنة تسع وستين بعث عبد الله بن عمر الليثي الأعور في عشرين ألفا ونجدة بالعطيف فقاتلوهم وهزمهم نجدة وغنم ما في عسكرهم وبعث عطية بن الأسود الحنفي من الخوارج إلى عمان وبها عباد ابن عبد الله شيخ كبير فقاتله عطية فقتله وأقام أشهرا وسار عنها، واستخلف عليها بعض الخوارج فقتله أهل عمان وولوا عليهم سعيدا وسليمان ابني عباد. ثم خالف عطية نجدة وجاء إلى عمان فامتنعت منه، فركب البحر إلى كرمان وأرسل إليه المهلب جيشا فهرب إلى سجستان ثم إلى السند فقتله خيل المهلب بقندابيل. ثم بعث نجدة المعرفين إلى البوادي بعد هزيمة ابن عمير فقاتلوا بني تميم بكاظمة وأعانهم أهل طويلع فبعث نجدة من استباحهم وأخذ منهم الصدقة كرها.

ثم سار إلى صنعاء فبايعوه وأخذ الصدقة من مخالفيها. ثم بعث أبا فديك إلى حضرموت فأخذ الصداقة منهم. وحج سنة ثمان وستين في تسعمائة رجل وقيل في ألفين، ووقف ناحية عن ابن الزبير على صلح عقد بينهما. ثم سار نجدة إلى المدينة وتأهبوا لقتاله، فرجع إلى الطائف وأصاب بنتا لعبد الله بن عمر بن عثمان فضمها إليه وامتحنه الخوارج بسؤاله بيعها فقال: قد أعتقت نصيبي منها. قالوا: فزوجها، قال: هي أملك بنفسها، وقد كرهت الزواج ولما قرب من الطائف جاءه عاصم بن عروة بن مسعود فبايعه عن قومه وولى عليهم الخازرق وعلى يبانة والسراة. وولى على ٣/١٨٤

ما يلي نجران سعد الطلائع، ورجع إلى البحرين وقطع الميرة عن الحرمين. وكتب إليه ابن عباس أن ثمامة بن أشاك لما أسلم قطع الميرة عن مكة وهم مشركون، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة فخلاها لهم، وانك قطعت الميرة ونحن مسلمون فخلاها لهم نجدة. ثم اختلف إليه أصحابه لأن أبا سنان حيي بن وائل أشار عليه بقتل من أطاعه تقية، فانتهره نجدة وقال: إنما علينا أن نحكم بالظاهر. وأغضبه عطية في منازعة جرت بينهما على تفضيله لسرية البر على سرية البحر في الغنيمة فشتمه نجدة فغضب وسأله في درء الحد في الخمر عن رجل من شجعانهم فأبى، وكاتبه عبد الملك في الطاعة على أن يوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الدماء فاتهموه في هذه المكاتبة ونقموا عليه أمثال هذه، وفارقه عطية إلى عمان. ثم انحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة واستخفى نجدة وألح أبو فديك في طلبه وكان مستخفيا في قرية من قرى حجر. ثم نذر به فذهب إلى أخواله من تميم وأجمع المسير إلى عبد الملك، فعلم به أبو فديك، وجاءت سرية منهم وقاتلهم فقتلوه. وسخط قتله جماعة من أصحاب أبي فديك وأعتمده مسلم بن جبير فطعنه اثنتي عشر طعنة وقتل مسلم لوقته، وحمل أبو فديك إلى منزله، ثم جاء مصعب إلى البصرة سنة ثمان وستين واليا على العراقين عن أخيه، وكان المهلب في حرب الأزارقة فأراد مصعب أن يوليه بلاد الموصل والجزيرة وأرمينية، ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه من فارس وولاه، وولى على فارس وحرب الأزارقة عمر بن عبد الله بن معمر. وكان الخوارج قد ولوا عليهم بعد قتل عبد الله بن الماخور سنة خمس وستين أخاه الزبير فجاءوا به إلى إصطخر، وقدم عمر ابنه عبيد الله إليهم فقتلوه ثم قاتل الزبير عمر فهزمهم وقتل منهم سبعون. وفلق قطري بن الفجاءة وشتر صالح بن مخراق وساروا إلى نيسابور، فقاتلهم عمر بها وهزمهم، فقصدوا أصبهان فاستحموا بها. ثم أقبلوا إلى فارس وتجنبوا عسكر عمر ومروا على ساجور ثم أرجان، فأتوا الأهواز قاصدين العراق.

وأغذ عمر السير في أثرهم، وعسكر مصعب عند الجسر. فسار الزبير بالخوارج فقطع أرض صرصر وشن الغارة على أهل المدائن يقتلون الولدان والرجال، ويبقرون بطون الحبالى، وهرب صاحب المدائن عنها وانتهت جماعة منهم إلى الكرخ، فقاتلهم أبو ٣/١٨٥

بكر بن مخنف فقتلوه وخرج أمير الكوفة وهو الحرث بن أبي ربيعة القباع حتى انتهى إلى الصراة ومعه إبراهيم بن الأشتر وشبيب بن ربعي، وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحرث ومحمد بن عمير، وأشاروا عليه بعقد الجسر والعبور إليهم، فانهزموا إلى المدائن. وأمر الحرث عبد الرحمن ابن مختف باتباعهم في ستة آلاف إلى حدود أرض الكوفة، فانتهوا إلى الري وعليها يزيد بن الحرث بن دويم الشيباني وما والاهم عليه أهل الري فهزموه وقتلوه. ثم انحطوا إلى أصبهان وبها عتاب بن ورقاء فحاصروه أشهرا وكان يقاتلهم على باب المدينة ثم دعا إلى الاستماتة في قتالهم فخرجوا وقاتلوهم، وانهزمت الخوارج وقتل الزبير واحتووا على معسكرهم. ثم بايع الخوارج قطري بن الفجاءة المازني ويكنى أبا نعامة وارتحل بهم إلى كرمان حتى استجمعوا فرجعوا إلى أصبهان فامتنعت، فأتوا الأهواز وقاموا. وبعث مصعب إلى المهلب فرده إلى قتال الخوارج وولى على الموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر، وجاء المهلب فانتجعت الناس من البصرة وسار إلى الخوارج فلقيهم بسولاف واقتتلوا ثمانية أشهر وبعث مصعب إلى عتاب بن ورقاء الرباحي عامل أصبهان بقتال أهل الري بما فعله في ابن دويم، فسار إليهم وعليهم الفرخان فقاتلهم وافتتحها عنوة وقلاعها وعاث في نواحيها.

خبر ابن الحر ومقتله

كان عبيد الله بن الحر الجعفي من خيار قومه صلاحا وفضلا. ولما قتل عثمان حزن عليه، وكان مع معاوية على علي، وكانت له زوجة بالكوفة فتزوجت لطول مغيبه.

فأقبل من الشام وخاصم زوجها إلى علي فعدد عليه شهوده صفين. فقال:

أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا ورد إليه امرأته. فرجع إلى الشام وجاء إلى الكوفة بعد مقتل علي ولقي إخوانه وتفاوضوا في النكير على علي ومعاوية. ولما قتل الحسين تغيب على ملحمته وسأل عنه ابن زياد فلم يره. ثم لقيه فأساء عذله، وعرض له بالكون مع عدوه فأنكر وخرج مغضبا. وراجع ابن زياد رأيه فيه فطلبه فلم يجده فبعث عنه فامتنع، وقال: أبلغوه أني لا آتيه طائعا أبدا وأتى منزل أحمد بن ٣/١٨٦

زياد الطائي فاجتمع إليه أصحابه، وخرج إلى المدائن. ومضى لمصارع الحسين وأصحابه فاستغفر لهم، ولما مات يزيد وقعت الفتنة اجتمع إليه أصحابه وخرج بنواحي المدائن، ولم يعترض للقتل ولا للمال، إنما كان يأخذ مال السلطان متى لقيه فيأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ويرد الباقي ويأخذ لصاحب المال بما أخذ. وحبس المختار امرأته بالكوفة وجاء فأخرجها من الحبس وأخرج كل من فيه وأراد المختار أن يسطو به فمنعه إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل لقتال ابن زياد. ثم فارقه ولم يشهد معه وشهد مع مصعب قتال المختار وقتله. ثم أغرى به مصعب فحبسه وشفع فيه رجال من وجوه مذحج فشفعهم وأطلقه، وأتى إليه الناس يهنئونه فصرح بأن أحدا لا يستحق بعد الأربعة ولا يحل أن يعقد لهم بيعة في أعناقنا، فليس لهم علينا من الفضل ما يستحقون به ذلك، وكلهم عاص مخالف، قوي الدنيا ضعيف الآخرة، ونحن أصحاب الأيام مع فارس، ثم لا يعرف حقنا وفضلنا وإني قد أظهرت لهم العداوة. وخرج للحرب فأغار فبعث إليه مصعب سيف بن هانئ المرادي يعرض عليه الطاعة على أن يعطيه قطعة من بلاد فارس فأبى، فسرح إليه الأبرد بن فروة الرباحي في عسكر فهزمه عبيد الله فبعث إليه حريث بن زيد فهزمه فقتله، فبعث إليه الحجاج بن حارثة الخثعمي ومسلم بن عمر فقاتلهما بنهر صرصر وهزمهما، فأرسل إليه مصعب بالأمان والولاية فلم يقبل، وأتى إلى فارس فهرب دهقانها بالمال وتبعه ابن الحر إلى عين التمر وعليه بسطام بن معقلة بن هبيرة الشيباني، فقاتل عبيد الله وأوفاهم الحجاج بن حارثة فهزمهما عبيد الله وأسرهما وأخذ المال الذي مع الدهقان. وأقام بتكريت ليحيي الخراج فسرح مصعب لقتاله الأبرد ابن فروة الرباحي والجون بن كعب الهمداني في ألف وأمدهم المهلب بيزيد بن المعقل في خمسمائة وقاتلهم عبيد الله يومين في ثلاثمائة ثم تحاجزوا وقال لأصحابه: إني سائر بكم إلى عبد الملك فتجهزوا! ثم قال: إني خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا وقصد الكوفة وجاءته العساكر من كل جهة، ولم يزل يهزمهم ويقتل منهم بنواحي الكوفة والمدائن. وأقام يغير بالسواد ويجبي الخراج ثم لحق بعبد الملك فأكرمه وأجلسه معه على سريره، وأعطاه مائة ألف درهم وقسم في أصحابه الأعطيات وسأل من عبد الملك أن يوجه معه عسكرا لقتال مصعب فقال: سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك بالرجال. فسار نحو الكوفة ونزل بناحية الأنبار وأذن لأصحابه في ٣/١٨٧

إتيان الكوفة ليخبروا أصحابه بقدومه. وبعث الحرث بن أبي ربيعة إليه جيشا كثيفا فقاتلهم وتفرق عنه أصحابه وأثخنه الجراح فخاض البحر إلى سفينة فركبها حتى توسط الفرات فأشرف خيل على السفينة وتبادروا به فقام يمشي في البحر فتعلقوا به فألقى نفسه في الماء مع بعضهم فغرقوه.

حروب الخوارج مع عبد الملك والحجاج

ولما استقر عبد الملك بالكوفة بعد قتل مصعب بعث على البصرة خالد بن عبد الله وكان المهلب يحارب الأزارقة فولاه على خراج الأهواز وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد إلى قتال الخوارج، ومعه مقاتل بن مسمع، وأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى داربجرد وبعث قطري بن الفجاءة صالح بن مخراق في تسعمائة فاستقبل عبد العزيز ليلا على غير تعبية فانهزم وقتل مقاتل بن مسمع وأسرت بنت المنذر بن الجارود امرأة عبد العزيز فقتلها الخوارج. وتغير عبد العزيز إلى رامهرمز. وكتب خالد بالخبر إلى عبد الملك فكتب إليه على ولاية أخيه الحرب وولاية المهلب جباية الخراج وأمره بأن يسرح المهلب بحربهم. وكتب إلى بشر بالكوفة بإمداده بخمسة آلاف مع من يرضاه، فإذا فرغوا من قتال الخوارج ساروا إلى الري، فكانوا هنالك مسلحة فأنفذ بشر العسكر وعليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكتب له عهده على الري. وخرج خالد بأهل البصرة ومعه المهلب واجتمعوا بالأهواز.

وجاءت الازارقة فأحرقوا السفن. ومر المهلب بعبد الرحمن بن الأشعث وأمره أن يخندق عليه وأقاموا كذلك عشرين ليلة. ثم زحف الخوارج بالناس فهال الخوارج كثرتهم وانصرفوا. وبعث خالد داود بن قحدم في آثارهم وانصرف إلى البصرة وكتب بالخبر إلى عبد الملك فكتب إلى أخيه بشر أن يبعث أربعة آلاف من أهل الكوفة إلى فارس، ويلحقوا بداود بن قحدم في طلب الأزارقة. فبعث بهم بشر بن عتاب ولحقوا بداود واتبعوا الخوارج حتى أصابهم الجهد ورجع عامتهم مشاة إلى الأهواز. ٣/١٨٨

(ثم خرج أبو فديك) من بني قيس بن ثعلبة فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر الحنفي كما مر. وهزم خالدا فكتب إلى عبد الملك بذلك، وأمر عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير لقتال أبي فديك. فانتدب معه عشرة آلاف وسار بهم وأهل الكوفة على ميمنته عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل البصرة في ميسرته عليهم عمر بن موسى أخيه، وهو في القلب وانتهوا إلى البحرين واصطفوا للقتال وحملوا على أبي فديك وأصحابه فكشفوا ميسرته حتى أبعدوا إلا المغيرة بن المهلب ومجاعة وعبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى أهل الكوفة بالميمنة ورجع أهل الميسرة. وحمل أهل الميمنة على الخوارج فهزموهم واستباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه بالمشقر حتى نزلوا على الحكم فقتل منهم ستة آلاف وأسر ثمانمائة وذلك سنة ثلاث وسبعين. ثم ولى عبد الملك أخاه بشرا على البصرة فسار إليها وأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزارقة وأن ينتخب من أهل البصرة من أراد ويتركه ورأيه في الحرب ويمده بعسكر كثيف من أهل الكوفة مع رجل معروف بالنجدة. فبعث المهلب لانتخاب الناس جديع بن سعيد بن قبيصة وشق على بشر أن ولاية المهلب من عبد الملك وأوغرت صدره فبعث على عسكر الكوفة عبد الرحمن ابن مخنف وأغراه بالمهلب في ترك مشورته وتنغصه. وسار المهلب إلى رامهرمز وبها الخوارج وأقبل ابن مخنف في أهل الكوفة فنزل على ميل منه بحيث يتراءى العسكران. ثم أتاهم نبأ بشر ابن مروان وأنه استخلف خالد بن عبد الله بن خالد على البصرة وخليفته على الكوفة عمر بن حريث فافترق ناس كثيرة من أهل البصرة وأهل الكوفة فنزلوا الأهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم فلم يلتفتوا إليه. وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة وكتب إليهم عمر بن حريث بالنكير والعود إلى المهلب ومنعهم الدخول فدخلوا ليلا إلى بيوتهم (ثم قدم الحجاج) أميرا على العراقين سنة خمس وسبعين فخطب بالكوفة خطبته المعروفة كان منها: «ولقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم إلى مصركم عاصين مخالفين، وأيم الله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهب داره» . ثم دعا العرفاء وقال ألحقوا الناس بالمهلب وأتوني بالبراءة بموافاتهم، ولا تغلقن أبواب الجسر. ووجد عمر بن ضابىء من المتخلفين وأخبر أنه من قتلة عثمان فقتله فأخر جند المهلب وازدحموا على الجسر وجاء العرفاء إلى المهلب برامهرمز ٣/١٨٩

فأخذوا كتابه بموافاة الناس، وأمرهم الحجاج بمناهضة الخوارج فقاتلوهم شيئا ثم انزاحوا إلى كازرون وسار المهلب وابن مخنف فنزلوا بهم وخندق المهلب ولم يخندق ابن مخنف وبيتهم الخوارج فوجدوا المهلب حذرا فمالوا إلى ابن مخنف فانهزم عنه أصحابه وقاتل حتى قتل وفي حديث أهل الكوفة أنهم لما ناهضوا الخوارج مالوا إلى المهلب واضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بعامة عسكره وبقي في خف من الجند. فمال إليه الخوارج فنزل ونزل معه القراء واحد وسبعون من أصحابه فقتلوا. وجاء المهلب من الغد فدفنه وصلى عليه وكتب بالخبر إلى الحجاج فبعث على معسكره عتاب بن ورقاء وأمره بطاعة المهلب، فأجاب لذلك وفي نفسه منه شيء. وعاتبه المهلب يوما ورفع إليه القضيب فرده ابنه المغيرة عن ذلك وكتب عتاب يشكو المهلب إلى الحجاج ويسأله العود وصادف ذلك أمر شبيب فاستقدمه وبقي المهلب.

حروب الصفرية وشبيب مع الحجاج

ثم خرج صالح بن مسرح التميمي من بني امرئ القيس بن زيد مناة وكان يرى رأي الصغرية وكان عابدا ومسكنه أرض الموصل والجزيرة وله أصحاب يقرئهم القرآن والفقه وكان يأتي الكوفة ويلقى أصحابه ويعد ما يحتاج إليه فطلبه الحجاج فترك الكوفة وجاء إلى أصحابه بالموصل ودار فدعاهم إلى الخروج وحثه عليه. وجاءه كتاب شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني من رءوسهم يحثه على مثل ذلك. فكتب إليه إني في انتظارك فاقدم. فقدم شبيب في نفر من أصحابه منهم أخوه المضاد والمحلل ابن وائل اليشكري ولقيه بدارا، وأجمع صالح الخروج. وبث إلى أصحابه وخرجوا في صفر سنة ست وسبعين. وأمر بالدعاء قبل القتال وخير في الدماء والأموال وعرضت لهم دواب لمحمد بن مروان بالجزيرة فأخذوها وحملوا عليها أصحابهم. وبلغ محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة خروجهم فسرح إليهم عدي بن عدي الكندي في ألف فسار من حران وكان ناسكا فكره حروبهم وبعث إليهم بالخروج فحبسوا الرسول. فساروا إليه فطلعوا عليه وهو يصلي الضحى وشبيب في الميمنة وسويد بن سليم في الميسرة وركب عدي على غير تعبية فانهزم واحتوى الخوارج على معسكره ومضوا إلى آمد وسرح محمد بن مروان خالد بن حر السلمي في ألف وخمسمائة، والحرث بن جعونة العامري في مثلها، وقال: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه. ٣/١٩٠

وبعث صالح شبيبا إلى الحرث وتوجه نحو خالد وقاتلوهم أشد القتال واعتصم أصحاب محمد بخندقهم فسارت الخوارج عنهم وقطعوا أرض الجزيرة والموصل إلى الدسكرة. فسرح إليهم الحجاج الحرث بن عميرة ابن ذي الشعار في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة فلقيهم على تخم ما بين الموصل وصرصر والخوارج في تسعين رجلا.

فانهزم سويد بن سليم وقتل صالح وصرع شبيب. ثم وقف على صالح قتيلا فنادى بالمسلمين فلاذوا به ودخلوا حصنا هنالك وهم سبعون. وعاث الحرث بهم وأحرق عليهم الباب ورجع حتى يصحبهم من الغداة. فقال لهم شبيب بايعوا من شئتم من أصحابكم واخرجوا بنا إليهم فبايعوه وأطفئوا النار بالماء في اللبود وخرجوا إليه فبيتوا وصرح الحرث فحملوا أصحابه وانهزموا نحو المدائن وحوى شبيب عسكرهم. وسار شبيب إلى أرض الموصل فلقي سلامة بن سنان التميمي من تميم شيبان إلا أخاه فضالة من أكابر الخوارج. وكان خرج قبل صالح في ثمانية عشر رجلا ونزل على ماء لبني عنزة فقتلوهم، وأتوا برءوسهم إلى عبد الملك يتقربون له بهم. فلما دعا شبيب سلامة إلى الخروج شرط عليه أن ينتخب ثلاثين فارسا ويسير بهم إلى عنزة فيثأر منهم بأخيه فقبل شرطه وسار إلى عنزة فأثخن فيهم وجعل يقتل الحلة بعد الحلة . ثم أقبل شبيب إلى داران في نحو سبعين رجلا ففرت منهم طائفة من بني شيبان نحو ثلاثة آلاف فنزلوا ديرا خرابا وامتنعوا منه، وسار في بعض حاجاته واستخلف أخاه مضاد بن يزيد بجماعة من بني شيبان في أموالهم مقيمين، فقتل منهم ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد وأشرف بنو شيبان على مضاد وأصحابه، وسألوا الأمان ليخرجوا إليهم ويسمعوا دعوتهم فأخرجوا وقبلوا ونزلوا إليهم واجتمعوا بهم وجاء شبيب فاستصوب فعلهم وسار بطائفة نحو أذربيجان. وكان الحجاج قد بعث سفيان بن أبي العالية الخثعمي إلى طبرستان يحاصرها في ألف فارس، فكتب إليه الحجاج أن يرجع فصالح أهل طبرستان ورجع فأقام بالدسكرة يطلب المدد وبعث الحجاج أيضا إلى الحرث بن عميرة الهمداني قاتل صالح أن يأتيه بجيش الكوفة والمدائن وإلى سورة ٣/١٩١

ابن أبجر التميمي في خيل المناظر. ويعجل سفيان في طلب شبيب فلحقه بخانقين فاستطردهم وأكمن كمينا لهم مع أخيه، واتبعوه في سفح الجبل فخرج عليهم الكمين فانهزموا بغير قتال، وثبت سفيان وقاتل ثم حمل شبيب فانكشف ونجا إلى بابل مهرود، وكتب إلى الحجاج بالخبر وبوصول العساكر إلا سورة بن أبجر فكتب الحجاج إلى سورة يتهدده ويأمره أن يتخذ من المدائن خمسمائة فارس ويسير إلى شبيب فسار. وانتهى شبيب إلى المدائن ثم إلى الهندوان فترحم على أصحابه هنالك وبيتهم سورة هنالك وهم حذرون فلم يصب منهم الغرة ورجع نحو المدائن وشبيب في اتباعه. وخرج ابن أبي العصغي عامل المدائن فقاتلهم وهرب الكثير من جنده إلى الكوفة ومضى شبيب إلى تكريت ووصل سورة إلى الكوفة بالغل فحبسه الحجاج ثم أطلقه. وسرح عثمان بن سعيد بن شرحبيل الكندي ويلقب الجزل في أربعة آلاف ليس فيهم من المنهزمين أحد وساروا لحرب شبيب وأصحابه. وقدم بين يديه عياض بن أبي لبنة الكندي وجعلوا يتبعون شبيبا من رستاق إلى رستاق وهو على غير تعبية والجزل على التعبية ويخندق على نفسه متى نزل وطال ذلك على شبيب وكان في مائة وستين فقسمه على أربع فرق وثبت الجزل ومشايخه فلم يصب منهم فرجع عنهم.

ثم صحبهم ثانية فلم يظفر منهم بشيء. وسار الجزل في التعبية كما كان وشبيب يسير في أرض الخوارج وغيرها يكسب الخراج. وكتب الحجاج إلى الجزل ينكر عليه البطء ويأمره بالمناهضة وبعث سعيد بن المجالدي على جيش الجزل فجاءهم بالهندوان ووبخهم وعجزهم وجاءهم الخبر بأن شبيبا قد دخل قطيطيا والدهقان يصلح لهم الغداء، فنهض سعيد في الناس وترك الجزل مع العسكر وقد صف بهم خارج الخندق وجاء سعيد إلى قطيطيا وعلم به شبيب فأكل وتوضأ وصلى. وخرج فحمل على سعيد وأصحابه مستعرضا فانهزموا وثبت سعيد فقتله وسار في اتباعهم إلى الجزل فقاتلهم الجزل حتى وقع بين القتلى جريحا. وكتب إلى الحجاج بالخبر وأقام بالمدائن وانتهى شبيب إلى الكرخ وعبر دجلة إليه وأرسل إلى سوق بغداد فأتاهم في يوم سوقهم ٣/١٩٢

واشترى منه حاجاته وسار إلى الكوفة فلما قرب منها بعث الحجاج سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل فساروا إلى شبيب وأمر عثمان بن قطن فعسكر في السبخة وخالفه شبيب إلى أهل السبخة فقاتلوه وجاء سويد في آثاره فمضى نحو الحيرة وسويد في إتباعه ثم رحل من الحيرة. وجاء كتاب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه فمضى في إتيانه وشبيب يغير في طريقه وأخذ على القطقطانة ثم على قصر بني مقاتل ثم على الأنبار ثم ارتفع على أدنى أذربيجان. ولما أبعد سار الحجاج إلى البصرة واستعمل على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فجاءه كتاب دهقان بابل مهرود يخبره بقصد شبيب الكوفة فبعث بالكتاب إلى الحجاج. وأقبل شبيب حتى نزل عقرقوبا ، ونزل وسار منها يسابق الحجاج إلى الكوفة. وطوى الحجاج المنازل فوصل الكوفة عند العصر ووصل شبيب عند المغرب فأراح وطعموا ثم ركبوا ودخلوا إلى السوق وضرب شبيب القصر بعموده. ثم اقتحموا المسجد الأعظم فقتلوا فيه من الصالحين ومروا بدار صاحب الشرطة فدعوه إلى الأمير ونكرهم فقتلوا غلامه ومروا بمسجد بني ذهل فقتلوا ذهل بن الحرث وكان يطيل الصلاة فيه. ثم خرجوا من الكوفة واستقبلهم النضر بن القعقاع بن شور الذهلي، وكان ممن أقبل مع الحجاج من البصرة فتخلف عنه فلما رآه قال: السلام عليك أيها الأمير، فقال له شبيب:

قل أمير المؤمنين ويلك! فقالها. وأراد شبيب أن يلقنه للقرابة بينهما. وكان النضر ناحية بيت هانئ بن قبيصة الشيباني فقال له: يا نضر لا حكم إلا لله ففطن بهم وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 وشد عليه أصحاب شبيب فقتلوه. ونادى منادي الحجاج بالكوفة يا خيل الله اركبي وهو بباب القصر وكان أول من أتاه عثمان بن قطن ابن عبد الله بن الحسين ذي القصة ، ثم جاء الناس من كل جانب، فبعث الحجاج خالد بن الأسدي وزائدة بن قدامة الثقفي وأبا الضريس مولى بني تميم، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر وزياد بن عبد الله العتكي في ألفين ألفين وقال: إن كان حرب فأميركم زائدة بن قدامة وبعث معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله من سجستان، وكان عبد الملك قد ولاه عليها، وأمر الحجاج أن ٣/١٩٣

يجهزه ويبعثه في آلاف من الجنود إلى عمله، فجهزه. وحدث أمر شبيب فقال له الحجاج: تجاهد ويظهر اسمك ثم تمضي إلى عملك، فساروا جميعا ونزلوا أسفل الفرات. وأخذ شبيب نحو القادسية وجرد الحجاج ألفا وثمانمائة من نقاوة الجند مع ذخر بن قيس ، وأمره بمواقعة شبيب أينما أدركه، وإن ذهب فأتركه. فأدركه بالسلخين وعطف عليه شبيب فقاتل ذخر حتى صرع وفيه بضعة عشر جرحا وانهزم أصحابه يظنون أنه قتل ثم أفاق من برد السحر فدخل قرية وسار إلى الكوفة ثم قصد شبيب وأعوانه وهم على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فقال: إن هزمناهم فليس دون الحجاج والكوفة مانع وانتهى إليهم وقد تعبوا للحرب وعلى الميمنة زياد بن عمر العتكي وعلى الميسرة بشر بن غالب الأسدي وكل أمير بمكانه. وعبى شبيب أصحابه ثلاثة كتائب فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمر فانكشفوا وثبت زياد قليلا. ثم حمل الثانية فانهزموا وانهزم جريحا عند المساء. ثم حملوا على عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر فانهزم ولم يقاتل ولحق بزياد بن عمر وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن موسى بن طلحة عند الغروب فقاتلوه وصبر لهم ثم حمل مضاد أخو شبيب على بشر بن غالب في الميسرة فصبر ونزل في خمسين رجلا فقاتلوه حتى قتلوا. وحملت الخوارج على أبي الضريس مولى بني تميم فهزموه حتى انتهى إلى أعين ثم حملوا عليه وعلى أعين فهزموهما إلى زائدة بن قدامة. فلما انتهوا إليه نادى نزال وقاتلهم إلى السحر ثم حمل شبيب عليه فقتله وقتل أصحابه ودخل أبو الضريس مع الفل إلى الجوسق بإزائهم. ورفع الخوارج عنهم السيف ودعوهم إلى البيعة لشبيب عند الفجر فبايعوه وكان فيمن بايعه أبو بردة وبقي محمد بن موسى لم ينهزم، فلما طلع الفجر سمع شبيب أذانهم وعلم مكانهم فأذن وصلى ثم حمل عليهم فانهزمت طائفة منهم وثبتت أخرى وقاتل محمد حتى قتل. وأخذ الخوارج ما في العسكر وانهزم الذين بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد. وجاء شبيب إلى الجوسق الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه فأقام يوما عليهم وسار عنهم وأراده أصحابه على ٣/١٩٤

الكوفة وازاءهم خوخى فتركها وخرج على نفر وسمع الحجاج بذلك فظن أنه يريد المدائن وهي باب الكوفة وأكثر السواد لها فهاله ذلك وبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وخوخى والأنبار وعزل عنها عبد الله بن أبي عصيفير. وقيل في مقتل محمد بن موسى غير هذا وهو أنه كان شهد مع عمر بن عبد الله بن معمر قتال أبي فديك فزوجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك فولاه سجستان فمر بالكوفة وقيل للحجاج إن جاء إلى هذا أحد ممن تطلبه منعك منه فمره بقتال شبيب في طريقه لعل الله يريحك منه ففعل الحجاج. وعدل محمد إلى قتال شبيب وبعث إليه شبيب بدهاء الحجاج وخديعته إياه وأن يعدل عنه فأبى إلا شبيبا فبارزه وقتله شبيب. ولما انهزم الأمراء وقتل موسى بن محمد بن طلحة دعا الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث وأمره أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير في طلب شبيب أين كان، فسار لذلك. ثم كتب إليه وإلى أصحابه يتهددهم إن انهزموا ومر ابن الأشعث بالمدائن وعاد الجزل من جراحته فوصاه وحذره وحمله على فرسه وكانت لا تجاري. وسار شبيب على دقوقا وشهرزور وابن الأشعث في إتباعه إلى أن وقف على أرض الموصل وأقام يقاتله أهلها، فكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبيبا وأسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فأقتله أو تنفيه فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده. فجعل ابن الأشعث يتبعه وشبيب يقصد به الأرض الخشنة الغليظة وإذا دنا منه رجع يبيته فيجده على حذرة حتى أتعب الجيش وأحفى دوابهم ونزل بطن أرض الموصل ليس بينه وبين سواد إلا نهر حولايا في دادان الأعلى من أرض خوخى ونزل عبد الرحمن في عواقيل النهر وكانت أيام النحر، وطلب شبيب الموادعة فيها فأجابه قصدا للمطاولة وكتب عثمان بن قطن بذلك إلى الحجاج فنكر وبعث إلى عثمان بن قطن بإمارة العسكر وأمره بالمسير وعزل عبد الرحمن بن الأشعث وبعث على المدائن مطرف بن المغيرة مكان ابن قطن وقدم ابن قطن على عسكر الكوفة عشية يوم التروية وناداهم إلى الحرب فاستمهلوه وأنزله عبد الرحمن بن الأشعث وأصبحوا إلى القتال ثالث يومهم على تعبية وفي الميمنة خالد بن نهيك بن قيس وفي الميسرة عقيل بن شداد السلولي وابن قطن في الرجالة ٣/١٩٥

وعبر إليهم شبيب في مائة وثلاثين رجلا فوقف في الميمنة وأخوه مضاد في القلب وسويد بن سليم في الميسرة وحمل شبيب على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل وقتل معه مالك بن عبد الله الهمداني وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها وقاتل خالد بن نهيك فجاء شبيب من ورائه فقتله وتقدم عثمان إلى مضاد في القلب فاشتد القتال وحمل شبيب من وراء عثمان وعطف عليهم سويد بن سليم ومضاد من القلب حتى أحاطوا به فقتلوه وانهزمت العساكر ووقع عبد الرحمن بن الأشعث فأتاه ابن أبي شثبة الجعفي وهو على بغلة فأردفه ونادى في الناس باللحاق بدير أبي مريم ورفع شبيب السيف عن الناس ودعاهم إلى البيعة فبايعوه ولحق ابن الأشعث بالكوفة فاختفى حتى أمنه الحجاج ومضى شبيب إلى ماه نهرادان فأقام فيه فصل الصيف فلحق به من كان للحجاج عليه تبعة ثم أقبل إلى المدائن في ثمانمائة رجل وعليها مطرف بن المغيرة وبلغ الخبر إلى الحجاج فقام في الناس وتسخط وتوعد. فقال زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستطيع القيام إلا معتمدا: أنت تبعث الناس متقطعين فيصيبون منهم فاستنفر الناس جميعا وابعث عليهم رجلا شجاعا مجربا يرى الفرار عارا والصبر مجدا وكرما. فقال الحجاج: أنت ذلك الرجل! فقال: إنما يصلح من يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على الفرس ولا أطيق من هذا شيئا وقد ضعف بصري ولكن أكون مع أمير وأشير عليه.

فقال له: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله أول أمرك وآخره. ثم قال للناس:

سيروا فتجهزوا بأجمعكم فتجهزوا وكتب الحجاج إلى عبد الملك بأن شبيبا شارف المدائن يريد الكوفة وهم عاجزون عن قتاله بما هزم جندهم وقتل أمراءهم ويستمده من جند الشام، فبعث إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين وذلك سنة ست وسبعين وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي يستقدمه من عند المهلب وقد وقع بينهما كما مر فقدم عتاب وولاه على الجيش فشكر زهرة بن حوية له وقال: رميتهم بحجرهم والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل. وبعث الحجاج إلى جند الشام يحذرهم البيات ويوصيهم ٣/١٩٦

الاحتياط وأن يأتوا على عين التمر. وعسكر عتاب بجماع أعين ثم قطع شبيب دجلة الى المدائن وبعث إليه مطرف أن يأتيه رجال من وجوههم ينظر في دعوتهم فرجا منه وبعث اليه بغيث بن سويد في جماعة مكثوا عنده أربعا ولم يرجعوا من مطرف بشيء. ونزل عتاب الصراة وخرج مطرف إلى الجبال خوفا أن يصل خبره مع شبيب إلى الحجاج فخلا لهم الجو. وجاء مضاد إلى المدائن فعقد الجسر ونزل عتاب سوق حكم في خمسين ألفا وسار شبيب بأصحابه في ألف رجل، فصلى الظهر بساباط وأشرف على عسكر عتاب عند المغرب وقد تخلف عنه أربعمائة من أصحابه فصلى المغرب، وعبى أصحابه ستمائة سويد بن سليم في مائتين في الميسرة، والمحلل بن وائل في مائتين في الميمنة وهو في مائتين في القلب. وكان على ميمنة عتاب محمد بن عبد الرحمن بن سعيد وعلى ميسرته نعيم بن عليم وعلى الرجالة حنظلة بن الحرث اليربوعي وهو ابن عمه وهم ثلاثة صفوف بين السيوف والرماح والرماة. ثم حرض الناس طويلا وجلس في القلب ومعه زهرة بن مرتد وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وابو بكر بن محمد بن أبي جهم العدوي وأقبل شبيب حين أضاء القمر بين العشاءين فحمل على الميسرة وفيها ربيعة فانقضوا وثبت قبيصة بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم على رايتهم حتى قتلوا. ثم حمل شبيب على عتاب بن ورقاء وحمل سويد بن سليم على محمد بن سليم في الميمنة في تميم وهمدان واشتد القتال وخالط شبيب القلب وانفضوا وتركوا عتابا وفر ابن الأشعث في ناس كثيرين وقتل عتاب بن ورقاء وركب زهرة بن حوية فقاتل ساعة ثم طعنه عامر بن عمر الثعلبي من الخوارج ووطأته الخيل فقتله الفضل بن عامر الشيباني منهم، ووقف عليه شبيب وتوجع له ونكر الخوارج ذلك وقالوا: أتتوجع لرجل كافر؟ فقال: أعرف قديمه.

ثم رفع السيف عن الناس ودعا للبيعة فبايعوه وهربوا تحت ليلهم وحوى ما في العسكر وأتاه أخوه من المدائن وأقام يومين ثم سار نحو الكوفة ولحق سفيان بن الأبرد وعسكر الشام بالحجاج، فاستغنى بهم عن أهل الكوفة واشتد بهم وخطب فوبخ أهل الكوفة ٣/١٩٧

وعجزهم وجاء شبيب فنزل حمام أعين فسرح الحجاج إليه الحرث بن معاوية الثقفي في نحو ألف من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب فبادر إليه شبيب فقتله وانهزم أصحابه إلى الكوفة وأخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك وجاء شبيب فنزل السبخة ظاهر الكوفة وبنى بها مسجدا وسرح الحجاج مولاه أبا الورد في غلمان لقتاله فحمل عليه شبيب وقتله يظنه الحجاج ثم أخرج إليه مولاه طهمان كذلك فقتله. فركب الحجاج في أهل الشام وجعل سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف على أفواه السكك وقعد على كرسيه ونادى في أهل الشام وحرضهم فغضوا الأبصار وجثوا على الركب وشرعوا الرماح وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس معه ومع سويد بن سليم ومع المحلل بن وائل وحمل سويد وبيتوا وطاعنوه حتى انصرف وقدم الحجاج كرسيه وحمل المحلل ثانية فكذلك وقدم الحجاج كرسيه فثبتوا له وألحقوه بأصحابه. وسرب شبيب سويد بن سليم إلى أهل السكك وكان عليها عروة بن المغيرة بن شعبة فلم يطق دفاعه ثم حمل شبيب فطاعنوه وردوه وانتهى الحجاج إلى مسجده وصعده وملك العرصة. وقال له خالد ابن عتاب ائذن لي في قتالهم فإني موتور فأذن له، فجاءهم من ورائهم وقتل أخا شبيب وغزالة امرأته وخرق عسكرهم وحمل الحجاج عليهم فانهزموا، وتخلف شبيب ردءا لهم. فأمر الحجاج أصحابه بموادعتهم ودخل الكوفة فخطب وبشر الناس. ثم سرح حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف فارس لاتباعه وحذره بيانه فانتهى في أثره إلى الأنبار وقد افترق عن شبيب كثير من أصحابه للأمان الذي نادى الحجاج به، فجاءه شبيب عند الغروب وقد قسم حبيب جنده أرباعا وتواصوا بالاستماتة فقاتلهم شبيب طائفة بعد طائفة فما زالت قدم إنسان عن موضعها إلى آخر الليل. ثم نزل شبيب وأصحابه واشتد القتال وكثر القتلى وسقطت الأيدي وفقئت الأعين، وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين ومن أهل الشام نحو مائة وأدركهم الإعياء والفشل جميعا فانصرف شبيب بأصحابه وقطع دجلة ومر في أرض خوخى.

ثم قطع دجلة أخرى عند واسط ومضى على الأهواز وفارس إلى كرمان ليريح بها.

(وقد قيل) في هذه الحرب غير هذا، وهو أن الحجاج بعث إليه أمراء واحدا بعد واحد فقتلهم وكان منهم أعين صاحب حمام أعين وكان غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين بالبقرة وآل عمران فجاء شبيب ودخل الكوفة ليلا ٣/١٩٨

وأوفت بنذرها. ثم قاتلهم الناس وخرجوا وقام الحجاج في الناس يستشيرهم وبرز إليه قتيبة وعذله في بعث الرعاع ينهزمون ويموت قائدهم والرأي أن تخرج بنفسك فتحالمه فخرج من الغد إلى السبخة وبها شبيب واختفى مكانه عن القوم ونصب أبا الورد مولاه تحت اللواء فحمل عليه شبيب فقتله. ثم حمل على خالد بن عتاب في الميسرة ثم على مطرف بن ناجية في الميمنة فكشفهما ونزل عند ذلك الحجاج وأصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد وبينما هم على ذلك إذ اختلف الخوارج وقال مصقلة بن مهلهل الضبي لشبيب: ما تقول في صالح بن مسرح؟

قال: برئت منه. فبرئ مصقلة منه، وفارقه. وشعر الحجاج باختلافهم فسرح خالد بن عتاب لقتالهم فقاتلهم في عسكرهم وقتل غزالة وبعث برأسها إلى الحجاج فأمر شبيب من اعترضه فقتل حامله، وجاء به فغسله ودفنه. وانصرف الخوارج وتبعهم خالد وقتل مضاد أخو شبيب ورجع خالد عنهم بعد أن أبلى. وسار شبيب إلى كرمان. وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستمده فبعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في العساكر فأنفق فيهم المال، وسرحه بعد انصراف الخوارج بشهرين وكتب إلى عامل البصرة وهو الحكم بن أيوب زوج ابنته أن يبعث بأربعة آلاف فارس من جند البصرة إلى سفيان فبعثهم مع زياد بن عمر العتكي فلحقه انقضاء الحرب. وكان شبيب بعد أن استجم بكرمان أقبل راجعا فلقي سفيان بالأهواز فعبر إليه جسر دجيل وزحف في ثلاثة كراديس فقاتلهم أشد قتال وحملوا عليهم أكثر من ثلاثين حملة وسفيان وأهل الشام مستميتين يزحفون زحفا حتى اضطر الخوارج إلى الجسر فنزل شبيب في مائة من أصحابه، وقاتل إلى المساء حتى إذا جاء الليل انصرف وجاء إلى الجسر فقدم أصحابه وهو على أثرهم فلما مر بالجسر اضطرب حجر تحت حافر فرسه وهو على حرف السفينة فسقط في الماء وغرق وهو يقول: وكان أمر الله مفعولا، ذلك تقدير العزيز العليم. وجاء صاحب الجسر إلى سفيان وهو يريد الانصراف بأصحابه فقال: إن رجلا من الخوارج سقط فتنادوا بينهم غرق أمير ٣/١٩٩

المؤمنين ومروا وتركوا عسكرهم فكبر سفيان وأصحابه وركب إلى الجسر وبعث إلى عسكرهم فحوى ما فيه وكان كثير الخيرات ثم استخرجوا شبيبا من النهر ودفنوه.