خروج المطرف والمغيرة بن شعبة
لما ولى الحجاج الكوفة وقدمها وجد بني المغيرة صلحاء أشرافا فاستعمل عروة على الكوفة ومطرفا على المدائن وحمزة على همذان فكانوا أحسن العمال سيرة وأشدهم على المريب. ولما جاء شبيب إلى المدائن نزل نهر شير ومطرف بمدينة الأبواب فقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن يرسل إليه من يعرض عليه الدعوة، فبعث إليه رجلا من أصحابه فقالوا نحن ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأنا نقمنا على قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتبسط بالجزية فقال مطرف دعوتم إلى حق جورا ظاهرا وأنا لكم متابع فبايعوني على قتال هؤلاء الظلمة بإحداثهم وعلى الدعاء إلى الكتاب والسنة على الشورى كما تركها عمر بن الخطاب حتى يولي المسلمون من يرضونه، فإن العرب إذا علمت أن المراد بالشورى الرضا من قريش رضوا فكثر مبايعكم فقالوا: لا نجيبك إلى هذا! وأقاموا أربعة أيام يتناظرون في ذلك ولم يتفقوا وخرجوا من عنده. ثم دعا مطرف أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين أصحاب شبيب وأن رأيه خلع عبد الملك والحجاج فوجموا من قوله وأشاروا عليه بالكتمان فقال له يزيد بن أبي زياد مولى أبيه لن والله يخفى على الحجاج شيء مما وقع ولو كنت في السحاب لاستنزلك فالنجاء بنفسك، ووافقه أصحابه فسار عن المدائن إلى الجبال ولما كان في بعض الطريق دعا أصحابه إلى الخلع والدعاء إلى الكتاب والسنة، وأن يكون الأمر شورى فرجع عنه بعض إلى الحجاج منهم سبرة بن عبد الرحمن مخنف وسار مطرف ومر بحلوان وبها سويد بن عبد الرحمن السعدي مع الأكراد فاعترضوه فأوقع مطرف بهم وأثخن في الأكراد ومال عن همذان ذات اليمين وبها أخوه حمزة واستمده بمال وسلاح فأمده سرا. وسار إلى قم وقاشان فبعث عماله في نواحيه وفزع إليه كل جانب فجاء سويد بن سرحان الثقفي وبكير بن هارون ٣/٢٠٠
النخعي من الري في نحو مائة رجل. وكان على الري عدي بن زياد الأيادي وعلى أصبهان البراء بن قبيصة فكتب إلى الحجاج بالخبر واستمده فأمده بالرجال، وكتب إلى عدي بالري أن يجتمع مع البراء على حرب مطرف فاجتمعوا في ستة آلاف وعدي أميرهم. وكتب الحجاج إلى قيس بن سعد البجلي وهو على شرطة حمزة بهمذان بأن يقبض على حمزة ويتولى مكانه فجاءه في جمع من عجل وربيعة وأقرأه كتاب الحجاج فقال سمعا وطاعة. وقبض قيس عليه وأودعه السجن وسار عدي والبراء نحو مطرف فقاتلوه وانهزم أصحابه وقتل يزيد مولى أبيه وكان صاحب الراية.
وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي وكان ناسكا صالحا وكان الذي تولى قتل مطرف عمر بن هبيرة الفزاري. وبعث عدي أهل البلاء إلى الحجاج وأمر بكير بن هارون وسويد بن سرحان، وكان الحجاج يقول مطرف ليس بولد للمغيرة وإنما هو ابن مصقلة الحر، لأن أكثر الخوارج كانوا من ربيعة لم يكن فيهم من قيس.
اختلاف الازارقة
قد تقدم لنا مقام المهلب في قتال الأزارقة على سابور بعد مسير عتاب عنه إلى الحجاج وأنه أقام في قتالهم سنة، وكانت كرمان لهم وفارس للمهلب فانقطع عنهم المدد وضاقت حالهم فتأخروا إلى كرمان وتبعهم المهلب ونزل خيررفت مدينة كرمان وقاتلهم حتى أزالهم عنها وبعث الحجاج العمال على نواحيها وكتب إليه عبد الملك بتسويغ للمهلب معونة له على الحرب. وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة يستحثه لقتال الخوارج فسار وقاتلهم والبراء مشرف عليه من ربوة واشتد قتاله، وجاء البراء من الليل فتعجب لقتاله وانصرف إلى الحجاج وأنهى غدر المهلب وقاتلهم ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شيء. ثم وقع الاختلاف بينهم فقيل في سببه ان المقعطر الضبي وكان عاملا لقطري على بعض نواحي كرمان قتل ٣/٢٠١
بعض الخوارج فطلبوا القود منه فمنعه قطري وقال: تأول فأخطأ، وهو من ذوي السابقة فاختلفوا وقيل بل كان رجل في عسكرهم يصنع النصول مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب فكتب المهلب كتابا مع رجل وامرأة أن يلتقيه في عسكرهم وفيه وصلت نصالك وقد أنفذت إليك ألف درهم. فلما وقف على الكتاب سأل الصانع فأنكر فقتله فأنكر عليه عبد ربه الكبير واختلفوا. (وقيل) بعث المهلب نصرانيا وأمره بالسجود لقطري فقتله بعض الخوارج وولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا فبقي في نحو الخمسين منهم وأقاموا يقتتلون شهرا، ثم لحق قطري بطبرستان وأقام عبد ربه بكرمان وقاتلهم المهلب وحاصرهم بخيرفت ولما طال عليهم الحصار خرجوا بأموالهم وحريمهم وهو يقاتلهم حتى أثخن فيهم. ثم دخل خيرفت وسار في اتباعهم فلحقهم على أربعة فراسخ فقاتلهم هو وأصحابه حتى أعيوا وكف عنهم. ثم استمات الخوارج ورجعوا فقاتلوه حتى يئس من نفسه. ثم نصره الله عليهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف كان منهم عبد ربه الكبير ولم ينج إلا القليل. وبعث المهلب المبشر إلى الحجاج فأخبره وسأله عن بني المهلب فأثنى عليهم واحدا واحدا قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها. فاستحسن قوله وكتب إلى المهلب يشكره ويأمره أن يولي على كرمان من يراه وينزل حامية ويقدم عليه، فولى عليها ابنه يزيد وقدم على الحجاج فاحتفل لقدومه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب! وسرح سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش عظيم نحو طبرستان لطلب قطري وعبيدة بن هلال ومن معهم من الخوارج. والتقوا هنالك بإسحاق بن محمد بن الأشعث في أهل الكوفة واجتمعا على طلبهم، فلقوهم في شعب من شعب طبرستان وقاتلوهم فافترقوا عن قطري ووقع عن دابته فتدهده إلى أسفل الشعب ومر به علج فاستقاه على أن يعطيه سلاحه، فعمد إلى أعلى الشعب وحدر عليه حجرا من فوق الشعب فأصابه في رأسه فأوهنه ونادى بالناس فجاء في أولهم نفر من أهل الكوفة فقتلوه منهم سورة بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف والسياح بن محمد بن الأشعث وحمل رأسه أبو الجهم إلى ٣/٢٠٢
إسحاق بن محمد فبعث به إلى الحجاج، وبعثه الحجاج إلى عبد الملك وركب سفيان فأحاط بالخوارج وحاصرهم حتى أكلوا دوابهم، ثم خرجوا إليه واستماتوا فقتلهم أجمعين وبعث برءوسهم إلى الحجاج ودخل دنباوند وطبرستان فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل دير الجماجم. قال بعض العلماء وانقرضت الأزارقة بعد قطري وعبيدة آخر رؤسائهم وأول رؤسائهم نافع بن الأزرق. واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة إلى أن افترقوا كما ذكرناه سنة سبع وسبعين فلم تظهر لهم جماعة، إلى رأس المائة.
خروج سودب
خرج سودب هذا أيام عمر بن عبد العزيز على رأس المائة واسمه بسطام وهو من بني يشكر فخرج في مائتي رجل وسار في خوخى وعامل الكوفة يومئذ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فكتب إليه عمر أن لا يعرض لهم حتى يقتلوا أو يفسدوا فيوجه إليهم الجند مع صليب حازم فبعث عبد الحميد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين فأقام بإزائه لا يحركه. وكتب عمر إلى سودب: بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، وكنت أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك فإن كان الحق معنا دخلت مع الناس، وإن كان الحق معك نظرنا في أمرك. فبعث إليه عاصما الحبشي مولى بني شيبان ورجلا من بني يشكر فقدما عليه بخاصر فسألهما ما أخرجكم وما الذي نقمتم؟ فقال عاصم ما نقمنا سيرتك إنك لتتحرى العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر مشورة من الناس أم غلبت عليه؟ قال عمر: ما سألته ولا غلبت عليه وعهد إلي رجل قبلي فقمت ولم ينكر أحد، ومذهبكم الرضا لكل من عدل، وإن أنا خالفت الحق فلا طاعة لي عليكم. قالا: فقد خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم فتبرأ منهم والعنهم فقال عمر: أنتم تريدون الآخرة وقد أخطأتم طريقها، وإن الله لم يشرع اللعن. وقد قال إبراهيم: ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقال: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وبقي تسمية أعمالهم مظالم ذما، ولو كان لعن أهل الذنوب فريضة لوجب عليكم لعن فرعون، أنتم لا تلعنونه وهو أخبث ٣/٢٠٣
الخلق، فكيف ألعن أنا أهل بيتي وهم مصلون صائمون ولم يكفروا بظلمهم! لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإيمان والشريعة، فمن عمل بها قبل منه، ومن أحدث حدثا فرض عليه الحد. فقالا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى التوحيد والإقرار بما نزل عليه. فقال عمر: وليس أحد ينكر ما نزل عليه ولا يقول لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن القوم أسرفوا على أنفسهم. قال عاصم: فابرأ منهم ورد أحكامهم. قال عمر: أتعلمان أن أبا بكر سبى أهل الردة وأن عمر ردها بالفدية ولم يبرأ من أبي بكر وأنتم لا تبرءون من واحد منهما. قال:
فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم فلم يقتتلوا ولا استعرضوا وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن حباب وجارية حاملا، ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض، ولا أنتم تتبرءون من واحد منهما. وكيف ينفعكم ذلك مع علمكم باختلاف أعمالكم؟
ولا يسعني أنا البراءة من أهل بيتي والدين واحد فاتقوا الله ولا تقبلوا المردود وتردوا المقبول، وقد أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد شهادة الإسلام وعصم ماله ودمه، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر الأديان وتحرمون دماءهم وأموالهم فقال اليشكري من استأمن على قوم وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون أتراه أدى الحق الذي لزمه؟ فكيف تسلم هذا الأمر بعدك إلى يزيد مع علمك أنه لا يعدل فيه؟ فقال: إنما ولاه غيري والمسلمون أولى بذلك بعدي. قال: فهو حق ممن فعله وولاه، قال أنظراني ثلاثا ثم جاءه عاصم فرجع عن رأي الخوارج وقال له اليشكري: أعرض عليهم ما قلت واسمع حجتهم. وأقام عاصم عند عمرو وأمر له بالعطاء وتوفي عمر لأيام قلائل ومحمد بن جرير ينتظر عود الرسل. ولما مات عمر كتب عبد الحميد إلى محمد بن جرير بمناجزة سودب قبل أن يصل إليهم خبر عمر، فقالت الخوارج ما خالف هؤلاء ميعادهم إلا وقد مات الرجل الصالح. واقتتلوا فانهزم محمد بن جرير واتبعه الخوارج إلى الكوفة، ورجعوا وقدم على سودب صاحباه وأخبراه بموت عمر، وسرح يزيد تميم بن الحباب في ألفين فهزمه أصحابه، ثم بعث إليهم الشجاع بن وداع في ألفين فقتلوه وهزموه بعد أن قتل منهم هدبة ابن عم سودب وبقي الخوارج بمكانهم. وجاء مسلمة إلى الكوفة فأرسل سعيد بن عمرو ٣/٢٠٤
الحريشي في عسكر آلاف فاستماتت الخوارج وكشفوا العساكر مرارا ثم حملوا عليهم فطحنوهم طحنا. وقتل سودب وأصحابه ولم يبق منهم أحد، وضعف أمر الخوارج إلى ظهور أيام هشام سنة عشرين ومائة بهلول بن بشر بن شيبان وبلغت كنارة، وكان لما عزم على الخوارج حج ولقي بمكة من كان على رأيه، فأبعدوا إلى قرية من قرى الموصل واجتمعوا بها وهم أربعون وأمروا عليهم البهلول وأخفوا أنفسهم بأنهم قدموا من عند هشام ومروا بقرية كان بهلول ابتاع منها خلا فوجده خمرا وأبى البائع من رده واستعدى عليه عامل القرية، فقال: الخمر خير منك ومن قومك فقتلوه وأظهروا أمرهم وقصدوا خالد القسري بواسط وتعللوا عليه بأنه يهدم المساجد ويبني الكنائس ويولي المجرد على المسلمين. وجاء الخبر إلى خالد فتوجه من واسط إلى الحيرة وكان بها جند من بني العين نحو ستمائة بعثوا مددا لعامل الهند، فبعثهم خالد مع مقدمهم لقتال بهلول وأصحابه وضم إليهم مائتين من الشرط والتقوا على الفرات، فقتل مقدمهم وانهزموا إلى الكوفة، وبعث خالد عابدا الشيباني من بني حوشب بن يزيد بن رويم فلقيه بين الموصل والكوفة فهزمهم إلى الكوفة وارتحل يريد الموصل. ثم بدا له وسار يريد هشاما بالشام وبعث خالد جندا من العراق وعامل الجزيرة جندا، وبعث هشام جندا فاجتمعوا بين الجزيرة والموصل بكحيل وهم في عشرين ألفا وبهلول في سبعين فقاتلوا واستماتوا وصرع بهلول وسأله أصحابه العهد فعهد إلى دعامة الشيباني ثم إلى عمر اليشكري من بعده. ومات بهلول من ليلته وهرب دعامة وتركهم ثم خرج عمر اليشكري فلم يلبث أن قتل. (ثم خرج) على خالد بعد ذلك بسنتين الغفري صاحب الأشهب وبهذا كان يعرف فبعث اليه السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف فالتقوا بناحية الفرات فانهزمت الخوارج ولقيهم عبيد أهل الكوفة وغوغاؤهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة فقتل وأحرق القرى فوجه إليه خالد جندا فقتلوا أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد فوعظه فأعجبه وعظه فأعفاه من القتل. وكان يسامره بالليل وسعى بخالد إلى هشام وأنه أخذ حروريا يستحق القتل فجعله سميرا، فكتب إليه ٣/٢٠٥
هشام بقتله فقتله. ثم خرج بعد ذلك الصخاري بن شبيب بالفريضة فمضى وندم خالد فطلبه فلم يرجع، وأتى جبل وبها نفر من اللات بن ثعلبة فأخبرهم وقال: إنما أردت التوصل إليه لأقتله بفلان من قعدة الصغرية كان خالد قتله صبرا. ثم خرج معه ثلاثون منهم فوجه إليهم خالد جندا فلقوهم بناحية المناذر فاقتتلوا فقتل الصحاري وأصحابه أجمعون. ورد أمر الخوارج بعد ذلك مرة فلما وقعت الفتن أيام هشام بالعراق والشام وشغل مروان بمن انتقض عليه فخرج بأرض كفريموتا سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وكان على رأي الحرورية، وخرج بسطام البهسي في مثل عدتهم من ربيعة، وكان مخالفا لرأيه، فبعث إليه من الصغرية أربعة آلاف أو يزيدون. وولى مروان على العراق النضر بن سعيد الحريشي وعزل به عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فامتنع عبد الله بالحيرة، وسار إليه النضر وتحاربا أشهرا. وكانت الصغرية مع النضر عصبة لمروان لطلبه بدم الوليد وأمه قيسية. فلما علم الضحاك والخوارج باختلافهم، أقبل إلى العراق سنة سبع وعشرين وزحف إليهم فتراسل ابن عمر والنضر وتعاقدا واجتمعا لقتاله بالكوفة، وكل واحد منهما يصلى بأصحابه وابن عمر أمير على الناس وجاء الخوارج فقاتلوهم فهزموهم إلى خندقهم ثم قاتلوهم في اليوم الثاني كذلك فسلك الناس إلى واسط منهم النضر بن سعيد الحريشي ومنصور ابن جمهور وإسماعيل أخو خالد القسري وغيرهم من الوجوه. فلحق ابن عمر بواسط واستولى الضحاك على الكوفة وعادت الحرب بين ابن عمر والنضر. ثم زحف إليهما الضحاك فاتفقا وقاتلا حتى ضرستهما الحرب، ولحق منصور بن جمهور بالضحاك والخوارج وبايعهم ثم صالحهم ابن عمر ليشغلوا مروان عنه، وخرج إليهم وصلى خلف الضحاك وبايعه وكان معه سليمان بن هشام وصل إليه هاربا من حمص لما انتقض بها وعليه عليها مروان فلحق بابن عمر وبايع معه الضحاك وصار معه وحرضه على مروان انما لحق بالضحاك وهو يحاصر نضيرا وتزوج أخت شيبان الحروري. فرجع الضحاك إلى الكوفة وسار منها إلى الموصل بعد عشرين شهرا من حصار واسط، بعد أن دخل أهل الموصل وعليهم القطرن أم أكمه من بني شيبان عامل لمروان فأدخلهم أهل البلد وقاتلهم القطرن فقتل ومن معه وبلغ الخبر إلى مروان وهو يحاصر حمص فكتب إلى ابنه عبد الله أن يسير إلى يمانع الضحاك عن توسط الجزيرة فسار في ثمانية آلاف فارس ٣/٢٠٦
والضحاك في مائة ألف وحاصره بنصيبين. ثم سار مروان بن محمد إليه فالتقيا عند كفريموتا من نواحي ماردين فقاتله عامة يومه إلى الليل وترجل الضحاك في نحو ستة آلاف وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وعثر على الضحاك في القتلى فبعث مروان برأسه إلى الجزيرة وأصبح الخوارج فبايعوا الخبيري قائد الضحاك وعاودوا الحرب مع مروان فهزموه وانتهوا إلى خيامه فقطعوا أطنابهم وجلس الخبيري على فرشه والجناحان ثابتان وعلى الميمنة عبد الله بن مروان وعلى الميسرة إسحاق بن مسلم العقيلي فلما انكشف قلة الخوارج أحاطوا بهم في مخيم مروان فقتلوهم جميعا والخبيري معهم. ورجع مروان من نحو ستة أميال وانصرف الخوارج وبايعوا شيبان الحروري وهو شيبان بن عبد العزيز اليشكري ويكنى أبا الدلقاء وقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف من يومئذ وأقام في قتالهم أياما وانصرف عن شيبان كثير منهم وارتحلوا إلى الموصل بإشارة سليمان بن هشام وعسكروا شرقي دجلة، وعقدوا الجسور واتبعهم مروان فقاتلهم لتسعة أشهر، وقتل من الطائفتين خلق كثير وأسر ابن أخ لسليمان بن هشام اسمه أمية بن معاوية فقطعه ثم ضرب عنقه وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة وهو بقرقيسياء يأمره بالسير إلى العراق وولاه عليها وعلى الكوفة يومئذ المثنى بن عمران العائدي من قريش خليفة للخوارج فلقي ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا وانهزمت الخوارج. ثم تجمعوا له بالنخيلة ظاهر الكوفة فهزمهم، ثم تجمعوا بالبصرة فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فهزمهم ابن هبيرة وقتل عبيدة واستباح عسكرهم، واستولى على العراق وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فمضى إلى الماهين وغلب عليها وعلى الخيل جميعا، وسار ابن هبيرة إلى واسط فحبس ابن عمر وكان سليمان بن حبيب عامل ابن عمر على الأهواز فبعث ابن هبيرة إليه نباتة بن حنظلة، وبعث هو داود بن حاتم والتقيا على دجلة ٣/٢٠٧
فانهزم داود وقتل وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن يبعث إليه عامر بن ضبابة المزني فبعثه في ثمانية آلاف وبعث شيبان لاعتراضه الجون بن كلاب الخارجي في جمع فانهزم عامر وتحصن بالسند وجعل مروان يمده بالجنود وكان منصور بن جمهور بالجبل يمد شيبان بالأموال. ثم كثرت جموع عامر فخرج إلى الجون والخوارج اللذين يحاصرونه فهزمهم وقتل الجون وسار قاصدا الخوارج بالموصل، فارتحل شيبان عنها وقدم عامر على مروان فبعثه في اتباع شيبان، فمر على الجبل وخرج على بيضاء ٣/٢٠٨
فارس وبها يومئذ عامر بن عبد الله بن حطويه بن جعفر في جموع كثيرة، فسار ابن معاوية إلى كرمان وقاتله عامر فهزمه ولحق بهراة وسار عامر بمن معه فلقي شيبان والخوارج بخيرفت فهزمهم واستباح عسكرهم ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها سنة ثلاثين ومائة، وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل شهرا، ثم انهزم شيبان ولحق بفارس وعامر بن صراة في اتباعه، ثم سار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان، وأقام بها. ولما ولي السفاح بعث حارثة بن خزيمة لحرب الخوارج هنالك لموجدة وجدها عليه، فأشير عليه ببعثه لذلك. فسار في عسكر إلى البصرة وركب السفن إلى جزيرة ابن كاوان، وبعث فضالة بن نعيم النهيلي في خمسمائة، فانهزم شيبان إلى عمان وقاتل هناك وقتله جلندي بن مسعود بن جعفر بن جلندي ومن معه سنة أربع وثلاثين. وركب سليمان بن هشام السفن بأهله ومواليه إلى الهند بعد مسير شيبان إلى جزيرة ابن كاوان حتى إذ بويع السفاح قدم عليه وأنشده سديف البيتين المعروفين وهما:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن بين الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع الصوت حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
فقتله السفاح وانصرف مروان بعد مسير شيبان إلى الموصل الى منزله بحران. فلم يزل بها حتى سار إلى الزاب، ومضى شيبان بعد سلمة إلى خراسان والفتنة بها يومئذ بين نصر ابن سيار والكرماني والحرث بن شريح وقد ظهر أبو مسلم بالدعوة العباسية فكان له من الحوادث معهم ما ذكرناه واجتمع مع علي بن الكرماني على قتال نصر بن سيار فلما صالح الكرماني أبا مسلم كما مر وفارق شيبان تنحى شيبان عن عمر لعلمه أنه لا يقاومه. ثم هرب نصر بن سيار إلى سرخس واستقام أمر أبي مسلم بخراسان، فأرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة ويأذنه بالحرب، واستجاش بالكرماني فأبى، فسار إلى سرخس واجتمع إليه الكثير من بكر بن وائل، وأرسل إليه أبو مسلم في الموادعة، فحبس الرسل، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث بالمسير إلى شيبان ٣/٢٠٩
فسار إليه فهزمه وقتل في عدة من بكر بن وائل. ويقال إن خزيمة بن حازم حضر مع بسام في ذلك.
خبر أبى حمزة وطالب وإسحق
كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي البصري وكان من الخوارج الإباضية وكان يوافي مكة كل موسم يدعو إلى خلاف مروان، وجاء عبد الله ابن يحيي المعروف بطالب الحق سنة ثمان وعشرين وهو من حضرموت فقال له:
انطلق معي فإني مطاع في قومي. فانطلق معه إلى حضرموت وبايعه على الخلافة وبعثه عبد الله سنة تسع وعشرين مع بلخ بن عقبة الأزدي في سبعمائة فقدموا مكة وحكموا بالموقف وعامل المدينة يومئذ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فطلبهم في الموادعة حتى ينقضي الموسم. وأقام للناس حجهم ونزل بمعنى وبعث إلى أبي حمزة عبيد الله بن حسن بن الحسن ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد وعبيد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن في أمثالهم، فكشر في وجه العلوي والعثماني وانبسط إلى البكري والعمري، وقال لهما: ما خرجنا إلا بسيرة أبويكما! فقال له عبيد الله بن حسن: ما جئنا للتفضيل بين آبائنا وإنما جئنا برسالة من الأمير وربيعة يخبرك بها. ثم أحكموا معه الموادعة إلى مدتها. ونفر عبد الواحد في النفر الأول فمضى إلى المدينة وضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء عشرة، وبعث عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمر ابن عثمان، فانتهوا إلى فديك. وجاءتهم رسل أبي حمزة يسألونهم التجافي عن حربهم وأن يخلوا بينهم وبين عدوهم فلما نزلوا قديد وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فطلع عليهم أصحاب أبي حمزة من الغياض فأثخنوا فيهم وكان قتلاهم نحو سبعمائة من قريش. وبلغ الخبر إلى عبد الواحد فلحق بالشام ودخل أبو حمزة المدينة منتصف صفر سنة ثلاثين وخطب على المنبر وأعلن بدعوته ووعظ، وذكر ورد مقالات من عليهم وسفه رأيهم وأحسن السيرة في أهل المدينة واستمالهم حتى سمعوه ٣/٢١٠
يقول: من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر وأقام ثلاثة أشهر، ثم ودعهم وسار نحو الشام. وكان مروان قد سرح إليهم عبد الملك بن محمد بن عطية بن هوازن في أربعة آلاف ليقاتل الخوارج حتى يبلغ اليمن فلقي أبا حمزة في وادي القرى، فانهزمت الخوارج وقتل أبو حمزة ولحق فلهم بالمدينة. وسار عطية في أثرهم إلى المدينة فأقام بها شهرا، ثم سار إلى اليمن واستخلف على المدينة الوليد ابن أخيه عروة، وعلى مكة رجلا من أهل الشام. وبلغ عبد الله طالب الحق مسيره إليه وهو بصنعاء فخرج للقائه، واقتتلوا، وقتل طالب الحق وسار ابن عطية إلى صنعاء وملكها. وجاء كتاب مروان بإقامة الحج بالناس، فسار في اثني عشر رجلا ومعه أربعون ألف دينار وخلف ثقله بصنعاء ونزل الحرف فاعترضه ابن حماية المرادي في جمع، وقال له ولأصحابه: أنتم لصوص فاستظهروا بعهد مروان فكذبوه وقاتلهم فقتلوه. وركد ريح الخوارج من يومئذ إلى أن ظهرت الدولة العباسية وبويع المنصور بعد السفاح (فخرج سنة سبع وثلاثين) بالجزيرة ملبد بن حرملة الشيباني فسارت اليه روابط الجزيرة في ألف فارس فهزمهم وقاد منهم. ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي ومهلل بن صفوان مولى المنصور، ثم نزار من قواد خراسان، ثم زياد بن مسكان ثم صالح بن صبيح فهزمهم كلهم واحدا بعد واحد، وقتل منهم. ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو عامل الجزيرة فهزمه وتحصن حميد منه، فبعث المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار في الجيوش، ومعه زياد بن مسكان فأكمن له الملبد، وقاتلهم. ثم خرج الكعبين فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه فبعث المنصور حازم بن خزيمة في ثمانية آلاف من أهل خراسان فسار إلى الموصل وعبر إليه الملبد دجلة فقاتله فانهزم أهل الميمنة وأهل الميسرة من أصحاب حازم، وترجل حازم وأصحابه، وترجل ملبد كذلك. وأمر حازم أصحابه فنضحوهم بالنبل، واشتد القتال وتزاحفت الميمنة والميسرة ورشقوهم، فقتل ملبد في ثمانمائة ممن ترجل معه، وثلاثمائة قبل أن يترجل. وتبعهم فضالة صاحب الميمنة فقتل منهم زهاء مائة وخمسين. ثم خرج سنة ثمان وأربعين أيام المنصور بنواحي الموصل حسان بن مخالد بن مالك بن الأجدع ٣/٢١١
الهمداني أخو مسروق. وكان على الموصل الصغر بن يجدة وليها بعد حرب بن عبد الله، فسار إليهم فهزموه إلى الدجلة. وسار حسان إلى العمال ثم إلى البحر وركب إلى السند وقاتل، وكاتب الخوارج بعمان يدعوهم ويستأذنهم في اللحاق بهم فأبوا، وعاد إلى الموصل فخرج إليه الصفر بن الحسن ابن صالح بن جنادة الهمذاني وهلال، فقتل هلالا واستبقى ابن الحسن فاتهمه بعض أصحابه بالعصبية وفارقوه.
وقد كان حسان أمه من الخوارج وخاله حفص بن أشتم من فقهائهم ولما بلغ المنصور خروجه قال: خارجي من همذان فقيل له إنه ابن أخت حفص بن أشتم. قال:
من هناك وإنما أنكر المنصور ذلك لأن عامة همذان شيعة. وعزم المنصور على الفتك بأهل الموصل، فإنهم عاهدوه على أنهم إن خرجوا فقد فلت ديارهم وأموالهم وأحضر أبا حنيفة وابن أبي ليلى بن شبرمة واستفتاهم فتلطفوا له في العفو فأشار إلى أبي حنيفة فقال: أباحوا ما لا يملكون كما لو أباحت امرأة، فزوجها بغير عقد شرعي فكف عن أهل الموصل. ثم خرج أيام المهدي بخراسان يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرة واجتمع شركس فبعث إليه المهدي يزيد بن مزيد الشيباني ابن أخي معن فاقتتلوا قتالا شديدا وأسره يزيد وبعث به إلى المهدي موثقا، وحمل من النهروان على بعير وحول وجهه إلى ذنبه كذلك فدخلوا إلى الرصافة وقطعوا ثم صلبوا . وكان حروبا متعودا فغلب على بوشنج ومروالروذ والطالقان والجوزجان، وكان على بوشنج مصعب بن زريق جد طاهر بن الحسين فهرب منه وكان من أصحابه معاذ الفارياني وقبض معه ثم خرج معه أيام المهدي بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي سنة تسع وستين وهزم منصور بن زياد وصاحب الخراج وقوي أمره، ثم اغتاله بعض أصحابه فقتله. ثم خرج آخر أيام المهدي بأرض الموصل خارجي من بني تميم اسمه ياسين يميل إلى مقاتلة صالح بن مسرح فهزم عسكر الموصل وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فبعث إليه المهدي القائد أبا هريرة محمد بن مروخ وهزيمة بن أعين مولى بني ضبة فحارباه حتى قتل في عدة من أصحابه وانهزم الباقون. ثم خرج بالجزيرة أيام الرشيد سنة ثمان وسبعين الوليد بن طريف من بني مغلب، وقتل إبراهيم بن خالد ابن خزيمة بنصيبين، ثم دخل أرمينية وحاصر خلاط عشرين يوما وافتدوا بثلاثين ٣/٢١٢
ألفا. ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد، وعبر إلى غرب دجلة وعاث في أرض الجزيرة، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن في العساكر فمكث يقاتله، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فاغروا به الرشيد وأنه أبقى على الوليد برجم وائل. فكتب إليه الرشيد يتهدده فناجزه يزيد الحرب في رمضان سنة تسع وسبعين وقاتلهم قتالا شديدا فقتل الوليد وجيء برأسه.
ثم أصبحت أخته مستلئمة للحرب فخرج إليها يزيد وضربها على رأسها بالرمح وقال لها اعدي فقد فضحت العشيرة فاستحيت وانصرفت وهي تقول في رثائه الأبيات المشهورة التي منها:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشام، فلم يخرج بعد ذلك إلا شذاذ متفرقون يستلحمهم الولاة بالنواحي إلا ما كان من خوارج البربر بإفريقية، فإن دعوة الخارجية فشت فيهم من لدن مسيرة الظفري سنة ثلاث وعشرين ومائة. ثم فشت دعوة الإباضية والصفرية منهم في هوارة ولماية ونفزة ومغيلة وفي مغراوة وبني يفرن من زناتة حسبما يذكر في أخبار البربر لسي رستم من الخوارج بالغرب دولة في تاهرت من الغرب الأوسط نذكرها في أخبار البربر أيضا. ثم سار بإفريقية منهم على دولة العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي، وكانت له معهم حروب وأخبار تذكرها في موضعها. ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم وافترقت جماعتهم وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أول الأمر. ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه، في مغراوة من شعوب زناتة ويسمون الراهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبي. أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب. وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة، وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باق تلك النحلة تدين بها أولئك البربر في المجاورة لهم مثل ذلك وتطير إلينا هذا العهد من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين، وتمهيد عقائده، وفروعه مباينة لمناحي السنة وطرقها بالكلية، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب ٣/٢١٣
وبناء الفروع على أصولهم الفاسدة. وكان بنواحي البحرين وعمان إلى بلاد حضرموت وشرقي اليمن ونواحي الموصل آثار تفشي وعروق في كل دولة، إلى أن خرج علي بن مهدي من خولان باليمن ودعا إلى هذه النحلة. وغلب يومئذ من كان من الملوك باليمن واستلحم بني الصليحي القائمين بدعوة العبيديين من الشيعة وغلبوهم على ما كان بأيديهم من ممالك اليمن، واستولوا أيضا على زبيد ونواحيها من يد موالي بني نجاح ومولى ابن زياد كما نذكر ذلك كله في أخبارهم إن شاء الله سبحانه وتعالى. فلتصفح في أماكنها. ويقال إن باليمن لهذا العهد شيعة من هذه الدعوة ببلاد حضرموت، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
الدولة الإسلامية بعد افتراق الخلافة
لم يزل أمر الإسلام جميعا دولة واحدة أيام الخلفاء الأربعة وبني أمية من بعدهم لاجتماع عصبية العرب. ثم ظهر من بعد ذلك أمر الشيعة، وهم الدعاة لأهل البيت، فغلب دعاة بني العباس على الأمر واستقلوا بخلافة الملك، ولحق الفل من بني أمية بالأندلس، فقام بأمرهم فيها من كان هنالك من مواليهم، ومن هرب، فلم يدخلوا في دعوة بني العباس، وانقسمت لذلك دولة الإسلام بدولتين لافتراق عصبية العرب. ثم ظهر دعاة أهل البيت بالمغرب والعراق من العلوية ونازعوا خلفاء بني العباس واستولوا على القاصية من النواحي كالأدارسة بالمغرب الأقصى، والعبيديين بالقيروان ومصر، والقرامطة بالبحرين، والدواعي بطبرستان والديلم والأطروش فيها من بعده. وانقسمت دولة الإسلام بذلك دولا متفرقة نذكرها واحدة بعد واحدة. ونبدأ منها أولا بذكر الشيعة ومبادئ دولهم، وكيف انساقت إلى العباسية ومن بعدهم إلى آخر دولهم. ثم نرجع إلى دولة بني أمية بالأندلس. ثم نرجع إلى دولة الدعاة للدولة العباسية في النواحي من العرب والعجم كما ذكرناه في برنامج الكتاب، والله الموفق للصواب.
مبدأ دولة الشيعة
(أعلم) أن مبدأ هذه الدولة أن أهل البيت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم من قريش. وفي ٣/٢١٤
الصحيح أن العباس قال لعلي في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه: اذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال له علي: إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده. وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فاختلفوا عنده في ذلك، وتنازعوا ولم يتم الكتاب. وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم، حتى لقد ذهب كثير من الشيعة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في مرضه ذلك لعلي، ولم يصح ذلك من وجه يعول عليه. وقد أنكرت هذه الوصية عائشة وكفى بإنكارها. وبقي ذلك معروفا من أهل البيت وأشياعهم. وفيما نقله أهل الآثار أن عمر قال يوما لابن العباس: إن قومكم يعني قريشا ما أرادوا أن يجمعوا لكم، يعني بني هاشم بين النبوة والخلافة فتحموا عليهم، وأن ابن عباس نكر ذلك، وطلب من عمر إذنه في الكلام فتكلم بما عصب له. وظهر من محاورتهما أنهم كانوا يعلمون أن في نفوس أهل البيت شيئا من أمر الخلافة والعدول عنهم بها. وفي قصة الشورى: أن جماعة من الصحابة كانوا يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره، ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له مثل الزبير ومعه عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وغيرهم. إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الألفة، لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف. ثم لما فشا التكبر على عثمان والطعن في الآفاق كان عبد الله ابن سبإ ويعرف بابن السوداء، من أشد الناس خوضا في التشنيع لعلي بما لا يرضاه من الطعن على عثمان وعلى الجماعة في العدول إليه عن علي، وأنه ولي بغير حق، فأخرجه عبد الله بن عامر من البصرة ولحق بمصر فاجتمع إليه جماعة من أمثاله جنحوا إلى الغلو في ذلك وانتحال المذاهب الفاسدة فيه، مثل خالد بن ملجم وسوذان بن حمدان وكنانة بن بشر وغيرهم. ثم كانت بيعة علي وفتنة الجمل وصفين، وانحراف الخوارج عنه بما أنكروا عليه من التحكيم في الدين. وتمحضت شيعته للاستماتة معه في حرب معاوية مع علي، وبويع ابنه الحسن وخرج عن الأمر لمعاوية، فسخط ذلك شيعة علي منه وأقاموا يتناجون في السر باستحقاق أهل البيت والميل إليهم، وسخطوا من الحسن ما كان منه، وكتبوا إلى الحسين بالدعاء له فامتنع، وأوعدهم ٣/٢١٥
إلى هلاك معاوية. فساروا إلى محمد بن الحنفية وبايعوه في السر على طلب الخلافة متى أمكنه، وولى على كل بلد رجلا، وأقاموا على ذلك ومعاوية يكف بسياسة من غربهم، ويقتلع الداء إذا تعين له منهم، كما فعل بحجر بن عدي وأصحابه، ويروض من شماس أهل البيت ويسامحهم في دعوى تقدمهم واستحقاقهم. ولا يهيج أحدا منهم بالتثريب عليه في ذلك، إلى أن مات وولي يزيد، وكان من خروج الحسين وقتله ما هو معروف، فكانت من أشنع الوقائع في الإسلام. عظمت بها الشحناء، وتوغل الشيعة في شأنهم، وعظم النكير والطعن على من تولى ذلك أو قعد عنه ثم تلاوموا على ما أضاعوه من أمر الحسين وأنهم دعوه ثم لم ينصروه فندموا ورأوا أن لا كفارة في ذلك إلا الاستماتة دون ثأره، وسموا أنفسهم التوابين. وخرجوا لذلك يقدمهم سليمان بن صرد الخزاعي، ومعه جماعة من خيار أصحاب علي. وكان ابن زياد قد انتقض عليه العراق ولحق بالشام وجمع وزرينج قاصدا العراق فزحفوا إليه وقاتلوه حتى قتل سليمان وكثير من أصحابه كما ذكرنا في خبره وذلك سنة خمس وستين. ثم خرج المختار بن أبي عبيد ودعا لمحمد بن الحنفية كما قدمناه في خبره، وفشا التعصب لأهل البيت في الخاصة والعامة بما خرج عن حدود الحق، واختلفت مذاهب الشيعة فيمن هو أحق بالأمر من أهل البيت، وبايعت كل طائفة لصاحبها سرا ورسخ الملك لبني أمية وطوى هؤلاء الشيعة قلوبهم على عقائدهم فيها، وتستروا بها مع تعدد فرقهم وكثرة اختلافهم كما ذكرناه عند نقل مذاهبهم في فصل الإمامة من الكتاب الأول. ونشأ زيد بن علي بن الحسين وقرأ على واصل بن عطاء إمام المعتزلة في وقته، وكان واصل مترددا في إصابة علي في حرب صفين والجمل، فنقل ذلك عنه وكان أخوه محمد الباقر يعذله في الأخذ عمن يرى سخطية جده، وكان زيد أيضا مع قوله بأفضلية علي على أصحابه، يرى أن بيعة الشيخين صحيحة وأن إقامة المفضول جائزة خلاف ما عليه الشيعة. ويرى أنهما لم يظلما عليا. ثم دعته الحال إلى الخروج بالكوفة سنة إحدى وعشرين ومائة، واجتمع له عامة الشيعة ورجع عنه بعضهم لما سمعوه يثني على الشيخين وأنهما لم يظلما عليا. وقالوا: لم يظلمك هؤلاء ورفضوا دعوته فسموا الرافضة من أجل ذلك. ثم قاتل يوسف بن عمر ٣/٢١٦
فقتله يوسف وبعث برأسه إلى هشام وصلب شلوه بالكناسة ولحق ابنه يحيى بخراسان فأقام بها، ثم دعته شيعة إلى الخروج فخرج هنالك سنة خمس وعشرين، وسرح إليه نصر بن سيار العساكر مع سالم بن أحور المازني فقتلوه وبعث برأسه إلى الوليد وصلب شلوه بالجوزجان وانقرض شأن الزيدية. وأقام الشيعة على شأنهم وانتظار أمرهم، والدعاء لهم في النواحي يدعون على الأحجال للرضا من آل محمد، ولا يصرحون بمن يدعون له حذرا عليه من أهل الدولة. وكان شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت، وكانوا يرون أن الأمر بعد محمد بن الحنفية لابنه أبي هشام عبد الله. وكان كثيرا ما يغدو على سليمان بن عبد الملك فمر في بعض أسفاره محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بمنزله بالحميمة من أعمال البلقاء فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات، وأوصى له بالأمر. وقد كان أعلم شيعته بالعراق وخراسان أن الأمر صائر إلى ولد محمد بن علي هذا، فلما مات قصدت الشيعة محمد بن علي وبايعوه سرا. وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق على رأس مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز، وأجابه عامة أهل خراسان وبعث عليهم النقباء وتداول أمرهم هنالك. وتوفي محمد سنة أربع وعشرين وعهد لابنه إبراهيم وأوصى الدعاة بذلك وكانوا يسمونه الإمام. ثم بعث أبو مسلم إلى أهل دعوته بخراسان ليقوم فيهم بأمره فهلك، وكتب إليهم بولايته ثم قبض مروان بن محمد على إبراهيم الإمام وحبسه بخراسان فهلك هنالك لسنة. وملك أبو مسلم خراسان وزحف إلى العراق فملكها كما ذكرنا ذلك كله من قبل وغلبوا بني أمية على أمرهم وانقرضت دولتهم.
الخبر عن بني العباس من دول الإسلام في هذه الطبقة الثالثة للعرب وأولية أمرهم وإنشاء دولتهم والإلمام بنكت أخبارهم وعيون أحاديثهم
هذه الدولة من دولة الشيعة كما ذكرناه وفرقها منهم يعرفون بالكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن علي بن الحنفية بعد علي، ثم بعده إلى ابنه أبي هشام عبد الله. ثم ٣/٢١٧
بعده إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بوصيته كما ذكرنا. ثم بعده إلى ابنه إبراهيم الإمام ابن محمد، ثم بعده إلى أخيه أبي العباس السفاح وهو عبد الله بن الحارثية، هكذا مساقها عند هؤلاء الكيسانية ويسمون أيضا الحرماقية نسبة إلى أبي مسلم لأنه كان يلقب بحرماق. ولبني العباس أيضا شيعة يسمون الراوندية من أهل خراسان يزعمون أن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو العباس، لأنه وارثه وعاصبه لقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وأن الناس منعوه من ذلك وظلموه إلى أن رده الله إلى ولده، ويذهبون إلى البراءة من الشيخين وعثمان ويجيزون بيعة علي لأن العباس قال له يا ابن أخي هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ولقول داود بن علي (عم الخليفة العباسي) على منبر الكوفة يوم بويع السفاح: يا أهل الكوفة إنه لم يقم فيكم إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي بن أبي طالب وهذا القائم فيكم يعني السفاح.
دولة السفاح
قد تقدم لنا كيف كان أصل هذه الدعوة وظهورها بخراسان على يد أبي مسلم، ثم استيلاء شيعتهم على خراسان والعراق، ثم بيعة السفاح بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ثم قتل مروان بن محمد وانقراض الدولة الأموية. ثم خرج بعض أشياعهم وقوادهم وانتقضوا على أبي العباس السفاح، وكان أول من انتقض حبيب بن مرة المري من قواد مروان، وكان بخولان والبلقاء خاف على نفسه وقومه، فخلع وبيض ومعناه لبس البياض ونصب الرايات البيض مخالفة لشعار العباسية في ذلك.
وتابعته قيس ومن يليهم والسفاح يومئذ بالحيرة بلغه أن أبا الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحرث الكلابي انتقض بقنسرين، وكان من قواد مروان، ولما انهزم مروان وقدم عليه عبد الله بن علي بايعه ودخل في دعوة العباسية وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فبعث بهم وبنسائهم القائد الذي جاءهم من قبل عبد الله بن علي. وشكوا ذلك إلى أبي الورد فقتل القائد، وخلع معه أهل قنسرين، وكاتبوا أهل حمص في الخلاف وقدموا عليهم أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية، وقالوا هو السفياني الذي يذكر. ولما بلغ ذلك عبد الله بن علي وادع حبيب ٣/٢١٨
ابن مرة وسار إلى أبي الورد بقنسرين ومر بدمشق، فخلع بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف فارس مع حرمه وأثقاله، وسار إلى حمص فبلغه أن أهل دمشق خلعوا وبيضوا وقام فيهم بذلك عثمان بن عبد الأعلى ابن سراقة الأزدي.
وأنهم هزموا أبا غانم وعسكره وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانتهبوا ما خلف عندهم فأعرض عن ذلك وسار للقاء السفياني وأبي الورد، وقدم أخاه عبد الصمد في عشرة آلاف فكشف ورجع إلى أخيه عبد الله منهزما، فزحف عبد الله في جماعة القواد ولقيهم بمرج الأحزم وهم في أربعين ألفا فانهزموا، وثبت أبو الورد في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا. وهرب أبو محمد إلى ترمذ وراجع أهل قنسرين طاعة العباسية ورجع عبد الله بن علي إلى قتال أهل دمشق ومن معهم. فهرب عثمان بن سراقة ودخل أهل دمشق في الدعوة وبايعوا لعبد الله بن علي، ولم يزل أبو محمد السفياني بأرض الحجاز متغيبا إلى أيام المنصور فقتله زياد بن عبد الله الحارثي عامل الحجاز يومئذ، وبعث برأسه إلى المنصور مع ابنين له أسيرين فأطلقهما المنصور. ثم خلع أهل الجزيرة وبيضوا وكان السفاح قد بعث إليهما ثلاثة آلاف من جنده مع موسى بن كعب من قواده وأنزلهم بحران. وكان إسحاق بن مسلم العقيلي عامل مروان على أرمينية، فلما بلغته هزيمة مروان سار عنها واجتمع إليه أهل الجزيرة، وحاصروا موسى بن كعب بحران شهرين فبعث السفاح أخاه أبا جعفر إليهم وكان محاصرا لابن هبيرة بواسط، فسار لقتال إسحاق بن مسلم، ومر بقرقيسياء والرقة وأهلهما قد خلعوا وبيضوا. وسار نحو حران فأجفل إسحاق بن مسلم عنها، ودخل الرها وبعث أخاه بكار بن مسلم إلى قبائل ربيعة بنواحي ماردين، ورئيسهم يومئذ برمكة من الحرورية، فصمد إليهم أبو جعفر فهزمهم وقتل برمكة في المعركة وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق، فخلعه بالرها وسار إلى شمشاط بمعظم عسكره. وجاء عبد الله بن علي فحاصره، ثم جاء أبو جعفر فحاصروه سبعة أشهر وهو يقول: لا أخلع البيعة من عنقي حتى أتيقن موت صاحبها.
ثم تيقن موت مروان فطلب الأمان واستأذنوا السفاح، فأمرهم بتأمينه وخرج إسحاق إلى أبي جعفر فكان من آثر أصحابه. واستقام أهل الجزيرة والشام وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فلم يزل عليها حتى استخلف. ٣/٢١٩
حصار ابن هبيرة بواسط ومقتله
ثم تقدم لنا هزيمة يزيد بن هبيرة امام الحسن بن قحطبة وتحصنه بواسط وكان جويرة وبعض أصحابه أشاروا عليه بعد الهزيمة باللحاق بالكوفة فأبى. وأشار عليه يحيي بن حصين باللحاق بمروان وخوفه عاقبة الحصار فأبى خشية على نفسه من مروان واعتصم بواسط. وبعث أبو مسلمة الحسن بن قحطبة في العسكر لحصاره وعلى ميمنته ابنه داود فانهزم أهل الشام واضطروا إلى دجلة وغرق منهم كثير. ثم تحاجزوا ودخل ابن هبيرة المدينة وخرج لقتالهم ثانية بعد سبعة أيام فانهزم كذلك، ومكثوا أياما لا يقتتلون إلا رميا. وبلغ ابن هبيرة أن أبا أمية الثعلبي قد سود فحبسه فغضبت لذلك ربيعة ومعن بن زائدة وحبسوا ثلاثة نفر من فزارة رهنا في أبي أمية، واعتزل معن وعبد الله بن عبد الرحمن بن بشير العجلي فيمن معهما فخلى ابن هبيرة سبيل أبي أمية وصالحهم وعادوا إلى اتفاقهم. ثم قدم على الحسن بن قحطبة من ناحية سجستان أبو نصر مالك بن الهيثم فأوقد غيلان بن عبد الله الخزاعي على السفاح يخبره بقدوم أبي نصر، وكان غيلان واجدا على الحسن، فرغب من السفاح أن يبعث عليهم رجلا من أهل بيته، فبعث أخاه أبا جعفر، وكتب إلى الحسن العسكر لك والقواد قوادك ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا فأحسن طاعته ومؤازرته. وقدم أبو جعفر فأنزله الحسن في خيمته وجعل على حرسه عثمان بن نهيك. ثم تقدم مالك بن الهيثم لقتال أهل الشام وابن هبيرة فخرجوا لقتاله وأكمنوا معن بن زائدة وأبا يحيى الجرافي ثم استطردوا لابن الهيثم وانهزموا للخنادق فخرج عليهم معن وأبو يحيى فقاتلوهم إلى الليل وتحاجزوا ٣/٢٢٠
وأقاموا بعد ذلك أياما. ثم خرج أهل واسط مع معن ومحمد بن نباتة، فهزمهم أصحاب الحسن إلى دجلة فتساقطوا فيها وجاء مالك بن الهيثم فوجد ابنه قتيلا في المعركة، فحمل على أهل واسط حتى أدخلهم المدينة. وكان مالك يملأ السفن حطبا ويضرمها نارا فتحرق ما تمر به فيأمر ابن هبيرة بأن تجر بالكلاليب، ومكثوا كذلك أحد عشر شهرا. وجاء إسماعيل بن عبد الله القسري إلى ابن هبيرة بقتل مروان وفشلت اليمانية عن القتال معهم، وتبعهم الفزارية فلم يقاتل معه إلا الصعاليك.
وبعث ابن هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بأن يبايع له فأبطأ عنه جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحرثيان، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له جهة السفاح ولم يفعلا وتردد الشعراء بين أبي جعفر وابن هبيرة في الصلح، وأن يكتب له كتاب أمان على ما اختاره ابن هبيرة وشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه وأنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه إلى السفاح وأمر بإمضائه، وكان لا يقطع أمرا دون أبي مسلم، فكتب إليه يحي بن هبيرة قد خرج بعد الأمان إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة فلقيه الحاجب سلام بن سليم فأنزله وأجلسه على وسادة وأطاف بحجرة أبي جعفر عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن لابن هبيرة فدخل على المنصور وحادثة وخرج عنه ومكث يأتيه يوما ويغبه يوما. ثم أغرى أبا جعفر أصحابه بأنه يأتي في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل فيهتز له العسكر فأمر أبو جعفر أن يأتي في حاشيته فقط. فكان يأتي في ثلاثين ثم آخرا في ثلاثة ثم الح السفاح على أبي جعفر في قتله، وهو يراجعه للأمان الذي كتب له حتى كتب إليه السفاح والله لتقتلنه أو لأبعثن من يخرجه من حجرتك فيقتله.
فبعث أبو جعفر إلى وجوه القيسية والمضرية وقد أعد لهم ابن نهيك في مائة من الخراسانية في بعض حجره. وجاء القوم في اثنين وعشرين رجلا يقدمهم محمد بن نباتة وجويرة بن سهيل فدعاهم سلام الحاجب رجلين رجلين وعثمان بن نهيك يقيدهما إلى أن استكملهم وبعث أبو جعفر لحازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة في مائة إلى ابن هبيرة فقالوا: نريد حمل المال فدلهم حاجبه على الخزائن فأقاموا عندها الرجال وأقبلوا نحوه فقام حاجبه في وجوههم، فضربه الهيثم فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل في جماعة من مواليه ثم قتل ابن هبيرة آخرا وحملت رءوسهم ٣/٢٢١
إلى أبي جعفر. ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك أبي بشر وخالد بن مسلمة المخزومي وعمر بن در فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالدا فلم يجز السفاح أمانه وقتله واستأمن زياد بن عبيد الله لابن در فأمنه.
مقتل أبي مسلمة بن الخلال وسليمان بن كثير
قد تقدم لنا ما كان من أبي مسلمة الخلال في أمر أبي العباس السفاح واتهام الشيعة في أمره وتغير السفاح عليه وهو بعكوة أعين ظاهر الكوفة. ثم تحول إلى مدينة الهاشمية ونزل قصرها وهو يتنكر لأبي مسلمة، وكتب إلى أبي مسلم ببغيته وبرأيه فيه، فكتب إليه أبو مسلم بقتله. وقال له داود بن علي لا تفعل فيحتج بها أبو مسلم عليك والذين معك أصحابه وهم له أطوع، ولكن أكتب إليه يبعث من يقتله ففعل. وبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي فقتله. فلما قدم نادى السفاح بالرضا عن أبي مسلمة ودعا به وخلع عليه ثم دخل عنده ليلة أخرى فسهر عامة ليله، ثم انصرف إلى منزله فاعترضه مرار بن أنس وأصحابه فقتلوه وقالوا قتله الخوارج. وصلى عليه من الغد يحيى أخو السفاح وكان يسمى وزير آل محمد وأبو مسلم أمير آل محمد. وبلغ الخبر إلى أبي مسلم، وسرح سليمان بن كثير بالنكير لذلك فقتله أبو مسلم، وبعث على فارس محمد بن الأشعث وأمره أن يقتل ابن أبي مسلمة ففعل.
عمال السفاح
ولما استقام الأمر للسفاح ولى على الكوفة والسواد عمه داود بن علي ثم عزله وولاه على الحجاز واليمن واليمامة وولى مكانه على الكوفة عيسى ابن أخيه موسى بن محمد. ثم توفي داود سنة ثلاث وثلاثين فولى مكانه على الحجاز واليمامة خالد بن زياد بن عبيد الله بن عبيد وعلى اليمن محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد ٣/٢٢٢
وولى السفاح على البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، ثم عزله وولى مكانه عمه سليمان بن علي وأضاف إليه كور دجلة والبحرين وعمان. وولى عمه إسماعيل بن علي الأهواز وعمه عبد الله بن علي على الشام، وأبا عون عبد الملك ابن يزيد على مصر، وأبا مسلم على خراسان، وبرمك على ديوان الخراج. وولى عمه عيسى بن علي على فارس، فسبقه إليها محمد بن الأشعث من قبل أبي مسلم. فلما قدم عليه عيسى هم محمد بقتله، وقال أمرني أبو مسلم أن أقتل من جاءني بولاية من غيره. ثم أقصر عن قتله واستحلفه بأيمان لا مخارج لها أن لا يعلو منبرا ما عاش ولا يتقلد سيفا إلا في جهاد فوفى عيسى بذلك بقية عمره. واستعمل بعده على فارس عمه إسماعيل بن علي واستعمل على الموصل محمد بن صول فطرده أهلها وقالوا: بل علينا تولى خثعم، وكانوا منحرفين عن بني العباس، فاستعمل السفاح عليهم أخاه يحيى وبعثه في اثني عشر ألفا، فنزل قصر الإمارة وقتل منهم اثني عشر رجلا، فثاروا به وحمل السلاح فنودي فيهم بالأمان لمن دخل المسجد الجامع فتسايل الناس إليه، وقد أقام الرجال على أبوابه فقتلوا كل من دخل. يقال: قتل أحد عشر ألفا ممن لبس وما لا يحصى من غيرهم. وسمع صياح النساء بالليل فأمر من الغد بقتل النساء والصبيان، واستباحهم ثلاثة أيام. وكان في عسكره أربعة آلاف من الزنوج فعانوا في النساء. وركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته وقالت له: ألست من بني هاشم؟ ألست ابن عم الرسول؟ أما تعلم أن المؤمنات المسلمات ينكحهن الزنوج؟ فأمسك عنها وجمع الزنج من الغد للعطاء، وأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وبلغ السفاح سوء أمره في أهل الموصل فعزله، وولى مكانه إسماعيل بن علي، وولى يحيى مكان إسماعيل بالأهواز وفارس. وملك الروم ملطية وقاليقلا. وفي سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم فحصر ملطية والفتن يومئذ بالجزيرة، وعاملها يومئذ موسى بن كعب بن أسان. فلم يزل حاصرهم حتى نزلوا على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الجزيرة، وحملوا ما قدروا عليه. وخرب الروم ملطية وسار عنها إلى مرج الحصى ، وأرسل قسطنطين العساكر إلى قاليقلا من نواحي ماردين مع قائده كوشان الأرمني فحصرها وداخل بعض الأرمن من أهل المدينة فنقبوا له السور فاقتحم البلد من ذلك النقب واستباحها. ٣/٢٢٣
الثوار بالنواحى
كان المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة قد ولاه أبو علي اليمامة، فلما قتل يزيد أبوه امتنع هو باليمامة فبعث إليه زياد بن عبيد المدن بالعساكر من المدينة مع إبراهيم بن حبان السلمي فقتله وقتل أصحابه وذلك سنة ثلاث وثلاثين (وفيها) خرج شريك بن شيخ اسحارا على أبي مسلم ونقض أفعاله واجتمع إليه أكثر من ثلاثين ألفا فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله وقتله. (وفيها) توجه أبو داود وخالد بن إبراهيم إلى الختل فتحصن ملكهم ابن السبيل منهما ومنعه الدهاقين فحاصره أبو داود حتى جهد الحصار فخرج من حصنه مع الدهاقين ولحق بفرغانة ثم سار منها إلى بلد الصين وأخذ أبو داود من ظفر به في الحصن فبعث بهم إلى أبي مسلم (وفيها) الفتنة بين إخشيد فرغانة وملك الشاش، واستمد الإخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل وحصروا ملك الشاش حتى نزلوا على حكم ملك الصين، فلم يعرض له ولا لقومه بسوء. وبعث أبو مسلم زياد بن صالح لاعتراضهم فلقيهم على نهر الطراز فظفر بهم وقتل منهم نحوا من خمسين ألفا وأسر نحوا من عشرين ألفا ولحق بهم بالصين، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين. ثم انتقض بسام بن إبراهيم ابن بسام من فرسان أهل خراسان وسار من عسكر السفاح وجماعة على رأيه سرا إلى المدائن، فبعث السفاح في أثرهم خازم بن خزيمة فقاتلهم وقتل أكثرهم واستباحهم، وبلغ ماه. وانصرف، فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان في نحو سبعين من قرابتهم ومواليهم. وقيل له إن المغيرة من أصحاب بسام عندهم فسألهم عنه فقالوا مر بنا مجتازا فهددهم إن لا يأخذه فأغلظوا له في القول فقتلهم أجمعين، ونهب أموالهم وهدم دورهم، وغضبت اليمانية لذلك ودخل بهم زياد بن عبيد الله الحرثي على السفاح وشكوا إليه ما فعل بهم فهم بقتله وبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وذكراه سابقة الشيعة وطاعتهم وأنهم آثروكم على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم، فإن كان لا بد من ٣/٢٢٤
قتله فابعثه لوجه من الوجوه، فإن قتل فهو الذي تريد وإن ظفر فلك، بعثه إلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان من عمان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، فبعث معه سبعمائة رجل فحملهم سليمان بن علي من البصرة في السفن وقد انضم إليه من أهله وعشيرته ومواليه وعدة من بني تميم من البصرة، فلما أرسوا بجزيرة ابن كاوان قدم خازم فضلة بن نعيم المنشلي في خمسمائة إلى شيبان فانهزم هو وأصحابه وكانوا صفرية، وركبوا إلى عمان فقاتلهم الجلندي في الإباضية، فقتل شيبان ومن معه كما مر، وشيبان هذا غير شيبان بن سلمة الذي قتل بخراسان فربما يشتبهان. ثم ركب خازم البحر إلى ساحل عمان فنزل وقاتل الجلندي أياما أمر خازم أصحابه في آخرها أن يجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويدوروها بالنفط ويشعلوها بالنيران ويرموها في بيوت القوم، وكانت من خشب فلما اضطرمت فيها النار شغلوا بأهليهم وأولادهم عن القتل، فحمل عليهم خازم وأصحابه فاستلحموهم وقتل الجلندي وعشرة آلاف، فبعث خازم برءوسهم إلى البصرة فبعثها سليمان إلى السفاح فندم أه، ثم غزا خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها وهو مطيع واستباحهم وأخذ من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة، ومن الديباج والسروج ومتاع الصين وظرفه ما لم ير مثله، وحمله إلى أبي مسلم بسمرقند. وقتل عدة من دهاقين كش وملك طازان أخا الأخريد على كش، ورجع أبو مسلم إلى مرو بعد أن فتك في الصغد وبخارى وأمر ببناء سور سمرقند. واستخلف زياد بن صالح على بخارى وسمرقند ورجع أبو داود إلى بلخ. ثم بلغ السفاح انتقاض منصور ابن جمهور بالسند فبعث صاحب شرطته موسى بن كعب واستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير. وسار موسى لقتال ابن جمهور فلقيه بتخوم الهند وهو في نحو اثني عشر ألفا فانهزم ومات عطشا في الرمال ورحل عامله على السند بعياله وثقلته فدخل بهم بلاد الخزر. ثم انتقض سنة خمس وثلاثين زياد بن صالح وراء النهر. فسار أبو مسلم إليه من مرو وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى ٣/٢٢٥
ترمذ ليمنعها من زياد فلما وصل إليها خرج عليه ناس من الطالقان فقتلوه فبعث مكانه عيسى بن ماهان فسمع قتلة نصر فقتلهم. وسار أبو مسلم فانتهى إلى آمد ومعه سباع ابن النعمان الأزدي وكان السفاح قد دس معه إلى زياد بن صالح الأزدي أن ينتهز فرصة في أبي مسلم فيقتله. ونمي الخبر إلى أبي مسلم فحبس سباعا بآمد، وسار عنها وأمر عامله بقتله. ولقيه قواد زياد في طريقه وقد خلعوا زيادا فدخل أبو مسلم بخارى ونجا زياد إلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إلى أبي مسلم. وكتب أبو مسلم إلى أبي داود فقتله، وكان قد شغل بأهل الطالقان فرجع إلى كش وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام فلم يظفر منها بشيء، وبعث إلى بعض أصحاب أبي مسلم يعيب أبا داود عيسى، فضربه وحبسه، ثم أخرجه فوثب عليه الجند فقتلوه ورجع أبو مسلم إلى مرو.
حج أبي جعفر وأبي مسلم
وفي سنة ست وثلاثين استأذن أبو مسلم السفاح في القدوم عليه للحج، وكان منذ ولي خراسان لم يفارقها فأذن له في القدوم مع خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم إني قد عاديت الناس ولست أمن على نفسي فاذن له في ألف، وقال: إن طريق مكة لا تحتمل العسكر فسار في ثمانية آلاف فرقهم ما بين نيسابور والري، وخلف أمواله وخزائنه بالري وقدم في ألف وخرج القواد بأمر السفاح لتلقيه، فدخل على السفاح وأكرمه وأعظمه واستأذن في الحج فأذن له، قال: لولا أن أبا جعفر يريد الحج لاستعملتك على الموسم، فأنزله بقرية وكان قد كتب إلى أبي جعفر أن أبا مسلم استأذنني في الحج وأذنت له وهو يريد ولاية الموسم، فاسألني أنت في الحج، فلا تطمع أن يتقدمك، وأذن له فقدم الأنبار وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعدا من حيث بعث السفاح أبا جعفر إلى خراسان ليأخذ البيعة له ولابي جعفر من بعده ويولي أبا مسلم على خراسان فاستخلى أبو مسلم بأبي جعفر. فلما قدم ألان أبو جعفر السفاح بقتله وأذن له فيه ثم ندم وكفه عن ذلك، وسار أبو جعفر إلى الحج ومعه أبو مسلم واستعمل على حران مقاتل بن حكيم العكي. ٣/٢٢٦
موت السفاح وبيعة المنصور
كان أبو العباس السفاح قد تحول من الحيرة إلى الأنبار في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين فأقام بها سنتين ثم توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين لثلاث عشرة ليلة خلت منه ولأربع سنين وثمانين أشهر من لدن بويع وصلى عليه عمه عيسى ودفن بالأنبار. وكان وزيره أبو الجهم بن عطية وكان قبل موته قد عهد بالخلافة لأخيه أبي جعفر ومن بعده لعيسى ابن أخيهما موسى، وجعل العهد في ثوب وختمه بخواتيمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى، ولما توفي السفاح وكان أبو جعفر بمكة فأخذ البيعة على الناس عيسى بن موسى، وكتب إليه بالخبر فجزع واستدعى أبا مسلم وكان متأخرا عنه فاقرأه الكتاب فبكى واسترجع، وسكن أبا جعفر عن الجزع فقال: أخاف شر عبد الله بن علي. فقال أنا أكفيكه وعامة جنده أهل خراسان وهم أطوع لي منه فسري عنه. وبايع له أبو مسلم والناس وأقبلا حتى قدما الكوفة. ويقال إن أبا مسلم كان متقدما على أبي جعفر، فإن الخبر قد أتاه قبله فكتب أبو مسلم إليه يعزيه ويهنيه بالخلافة، وبعد يومين كتب له ببيعته وقدم أبو جعفر الكوفة سنة سبع وثلاثين وسار منها إلى الأنبار فسلم إليه عيسى بيوت الأموال والدواوين واستقام أمر أبي جعفر.
انتقاض عبد الله بن علي وهزيمته
كان عبد الله بن علي قدم على السفاح قبل موته فبعثه إلى الصائفة في جنود أهل الشام وخراسان فانتهى إلى دلوك ولم يدر حتى جاءه كتاب عيسى بن موسى بوفاة السفاح وأخذ البيعة لأبي جعفر وله من بعده كما عهد به السفاح، فجمع عبد الله الناس وقرأ عليهم الكتاب وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يبعث الجنود إلى حران تكاسل بنو أبيه عنها فقال لهم: من انتدب منكم فهو ولي عهدي فلم يندب غيري! وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروزي وغيرهما من القواد وبايعوه، وفيهم حميد بن حكيم بن قحطبة وغيره من خراسان والشام والجزيرة. ثم سار عبد الله حتى نزل حران وحاصر مقاتل بن حكيم العكي أربعين يوما وخشي من أهل خراسان فقتل منهم جماعة، وولى حميد بن قحطبة على حلب وكتب معه إلى عاملها زفر بن عاصم بقتله فقرأ الكتاب في طريقه وسار إلى العراق وجاء أبو جعفر من الحج ٣/٢٢٧
فبعث أبا مسلم لقتال عبد الله ولحقه حميد بن قحطبة نازعا عن عبد الله فسار معه وجعل على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي. ولما بلغ عبد الله خبر إقباله وهو على حران بذل الأمان لمقاتل بن حكيم ومن معه وملك حران. ثم بعث مقاتلا بكتابة إلى عثمان بن عبد الأعلى، فلما قرأ الكتاب قتله وحبس ابنيه حتى إذا هزم عبد الله قتلهما.
وأمر المنصور محمد بن صول وهو على أذربيجان أن يأتي عبد الله بن علي ليمكر به، فجاء وقال: إني سمعت السفاح يقول الخليفة بعدي عمي عبد الله فشعر بمكيدته وقتله. وهو جد إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب. ثم أقبل عبد الله بن علي حتى نزل نصيبين وخندق عليه وقدم أبو مسلم فيمن معه. وكان المنصور قد كتب إلى الحسن بن قحطبة عامله على أرمينية بأن يوافي أبا مسلم، فقدم عليه بالموصل، وسار معه ونزل أبو مسلم ناحية نصيبين وكتب إلى عبد الله: إني قد وليت الشام ولم أومر بقتالك فقال أهل الشام لعبد الله: سر بنا إلى الشام لنمنع نساءنا وأبناءنا. فقال لهم عبد الله ما يريد إلا قتالنا وإنما قصد المكر بنا، فأبوا إلا الشام. فارتحل بهم إلى الشام ونزل أبو مسلم في موضع معسكره وغور ما حوله من المياه فوقف أصحاب عبد الله بكار بن مسلم العقيلي وعلى ميسرته حبيب بن سويد الاسدي وعلى الخيل عبد الصمد بن علي أخو عبد الله وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة وعلى ميسرته خازم بن خزيمة، فاقتتلوا شهرا. ثم حمل أصحاب عبد الله على عسكر أبي مسلم فأزالوهم عن مواضعهم وحمل عبد الصمد فقتل منهم ثمانية عشر رجلا. ثم حمل عليهم ثانية فأزالوا صفهم. ثم نادى منادي أبي مسلم في أهل خراسان فتراجعوا وكان يجلس إذا لقي الناس على عريش ينظر منه إلى الحومة فإن رأى خللا أرسل بسده فلا تزال رسله تختلف بينه وبين الناس حتى ينصرفوا. فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين اقتتلوا وأمر أبو مسلم الحسن بن قحطبة أن يضم إلى الميسرة وينزل في الميمنة حماة أصحابه، فانضم أهل الشام من الميسرة إلى الميمنة كما أمرهم. وأمر أبو مسلم أهل القلب فحطموهم وركبهم أصحاب أبي مسلم ٣/٢٢٨
فانهزم أصحاب عبد الله فقال لابن سراقة ما ترى؟ قال: الصبر إلى أن تموت فالغرار فيكم بمثلك قبيح. قال: بل آتي العراق فأنا معك فانهزموا وحوى أبو مسلم عسكرهم. وكتب بذلك إلى المنصور ومضى عبد الله وعبد الصمد. فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى، وأمنه المنصور وقيل بل أقام بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مروان العجلي في خيول أرسلها المنصور، فبعث به موثقا مع أبي الخطيب، فأطلقه المنصور. وأما عبد الله فقدم البصرة وأقام عند أخيه سليمان متواريا حتى طلبه وأشخص إليه. ثم إن أبا مسلم أمن الناس بعد الهزيمة وأمر بالكف عنهم.
ذكر قتل أبي مسلم الخراساني
كان أبو مسلم لما حج مع المنصور يؤيد نفسه عليه ويتقدم بالإحسان للوفود وإصلاح الطريق والمياه، وكان الذكر له وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه ولما صدروا عن الموسم تقدم أبو مسلم ولقيه الخبر بوفاة السفاح فبعث إلى أبى جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة ولا رجع اليه ولا أقام ينتظره فغضب أبو جعفر وكتب اليه وأغلظ في العتاب فكتب يهنئه بالخلافة ويقدم إلى فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له فأبى وقدم أبو جعفر، وقد خلع عبيد الله بن علي، فسرح أبا مسلم لقتاله فهزمه كما مر، وجمع الغنائم من عسكره. فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها، فغضب أبو مسلم وقال: أنا أعين على الدعاء فكيف أخون الأموال؟ وهم ٣/٢٢٩
بقتل الخصيب ثم خلى عنه. وخشي المنصور أن يمضي إلى خراسان فكتب إليه بولاية مصر والشام فازداد نفارا، وخرج من الجزيرة يريد خراسان وسار المنصور إلى المدائن، وكتب إليه يستقدمه، فأجابه بالامتناع والمسك بالطاعة عن بعد، والتهديد بالخلع إن طلب منه سوى ذلك. فكتب إليه المنصور ينكر عليه هذا الشرط وأنه لا يحسن طاعة. وبعث إليه عيسى بن موسى برسالة يؤنسه ويسليه. وقيل بل كتب إليه أبو مسلم يعرض له بالخلع وأنه قد تاب إلى الله مما جناه من القيام بدعوتهم، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان وأمر المنصور عمه عيسى ومشيخة بني هاشم بالكتاب على أبي مسلم يحرضونه على التمسك بالطاعة ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالمراجعة. وبعث الكتب مع مولاه أبي حميد المروروذي، وأمره بملاينته والخضوع له بالقول حتى ييأس منه، فإذا يئس يخبره بقسم أمير المؤمنين لأوكلت أمرك إلى غيري ولو خضت البحر لخضته وراءك ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت. فأوصل أبو حميد الكتب وتلطف له في القول ما شاء واحتج عليه بما كان منه في التحريض على طاعتهم، فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم فأبى له من الإصغاء إلى هذا القول وقال والله لئن أتيته ليقتلنك. ثم بعث إلى نيزك صاحب الري يستشيره فأبى له من ذلك، وأشار عليه بنزول الري وخراسان من ورائه فيكون أمكن لسلطانه. فأجاب أبا حميد بالامتناع فلما يئس منه أبلغه مقالة المنصور فوجم طويلا ورعب من ذلك القول وأكبره. وكان المنصور قد كتب إلى عامل أبي مسلم بخراسان يرغبه في الانحراف عنه بولاية خراسان فأجاب سرا وكتب إلى أبي مسلم يحذره الخلاف والمعصية فزاده ذلك رعبا وقال لأبي حميد قبل انصرافه: قد كنت عزمت على المضي إلى خراسان ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين يأتيني برايته فإني أثق به. ولما قدم أبو إسحاق تلقاه بنو هاشم وأهل الدولة بكل ما يجب وداخله المنصور في صرف أبي مسلم عن وجهة خراسان ووعده بولايتها، فرجع إليه وأشار عليه بلقاء المنصور، فاعتزم على ذلك واستخلف مالك بن الهيثم على عسكره بحلوان، وسار فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخشي أبو أيوب وزير المنصور أن يحدث منه عند قدومه فتك فدعا بعض إخوانه وأشار عليه بأن يأتي أبا مسلم ويتوسل به إلى المنصور في ولاية كسكر ليعيب فيها مالا عظيما. وأن يشكر أخاه في ذلك، فإن أمير المؤمنين عازم أن يوليه ما ورى به ويريح نفسه. واستأذن له المنصور في لقاء أبي مسلم فأذن ٣/٢٣٠
له، فلقي أبا مسلم وتوسل إليه وأخبره الخبر فطابت نفسه وذهب عنه الحزن. ولما قرب أمر الناس بتلقيه ثم دخل على المنصور فقبل يده وانصرف ليريح ليلته، ودعا المنصور من الغد حاجبه عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس منهم شبيب بن رواح وابن حنيفة حرب بن قيس، وأجلسهم خلف الرواق، وأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه. واستدعى أبا مسلم، فلما دخل سأله عن سيفين أصابهما لعمه عبد الله بن علي وكان متقلدا بأحدهما فقال: هذا أحدهما! فقال: أرني فانتضاه أبو مسلم وناوله إياه فأخذ يقلبه بيده ويهزه. ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل يعاتبه فقال: كتبت إلى السفاح تنهاه عن الموت كأنك تعلمه: قال: ظننت أنه لا يحل، ثم اقتديت بكتاب السفاح وعلمت أنكم معدن العلم. قال فتوركك عني بطريق مكة! قال كرهت مزاحمتك على الماء قال فامتناعك من الرجوع إلي حين بلغك موت السفاح أو الإقامة حتى ألحقك! قال: طلبت الرفق بالناس والمبادرة إلى الكوفة! قال: فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك! قال: لا إنما وكانت بها من يحفظها.
قال: فمراغمتك ومسيرك إلى خراسان قال: خشيت منك فقلت آتي خراساني وأكتب بعذري فأذهب ما في نفسك مني! قال فالمال الذي جمعته بحران! قال أنفقته في الجند تقوية لكم. قال ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك وتخطب آسية بنت علي وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا. ثم قال له: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد نقبائنا من قبل أن ندخلك في هذا الأمر؟ قال: أراد الخلافة فقتلته. ثم قال أبو مسلم: كيف يقال هذا بعد بلائي وما كان مني؟ قال: يا ابن الخبيثة لو كانت أمة مكانك لأغنت إنما ذلك بدولتنا وربحنا. وأكب أبو مسلم يقبل يده ويعتذر فازداد المنصور غضبا. ثم قال أبو مسلم دع هذا فقد أصبحت لا أخاف إلا الله فشتمه المنصور وصفق بيديه فخرج الحرس وضربه عثمان بن نهيك فقطع حمائل سيفه فقال: استبقني لعدوك فقال: لا أبقاني الله إذا وأي عدو أعدى منك وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه، بذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين.
وخرج الوزير أبو الجهم فصرف الناس، وقال: الأمير قائل عند أمير المؤمنين فانصرفوا وأمر لهم بالجوائز وأعطى إسحاق مائة ألف ودخل عيسى بن موسى على المنصور فسأل عنه وأخذ في الثناء على طاعته وبلائه وذكر رأي الإمام إبراهيم فيه. ٣/٢٣١
فقال المنصور: والله ما أعلم على وجه الأرض عدوا أعدى لكم منه هو ذا في البساط فاسترجع عيسى، فأنكر عليه المنصور وقال: وهل كان لكم ملك معه؟ ثم دعا جعفر بن حنظلة واستشاره في أمر أبي مسلم فأشار بقتله فقال له المنصور وفقك الله ثم نظر إليه قتيلا فقال له يا أمير المؤمنين عد خلافتك من هذا اليوم. ثم دعا أبا إسحاق عن متابعة أبي مسلم وقال تكلم بما أردت وأخرجه قتيلا فسجد أبو إسحاق ثم رفع رأسه يقول الحمد لله أميت هو والله ما جئته قط إلا تكفنت وتحنطت ورفع ثيابه وأراه كفنه وحنوطه فرحمه. وقال له استقبل طاعتك واحمد الله الذي أراحك. وكتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر بن الهيثم على لسان أبي مسلم يأمره بحمل أثقاله، وقد كان أبو مسلم أوصاه إن جاءك كتاب بخاتمي تاما فاعلم أني لم أكتبه، فلما رآه كذلك فطن وانحدر إلى همذان يريد خراسان، فكتب له المنصور بولاية شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي بهمذان يحبسه فمر أبو نصر بهمذان وخادعه زهير ودعاه إلى طعامه وحبسه وجاء كتاب العهد بشهرزور لأبي نصر فأطلقه زهير ثم جاءه بعد ذلك الكتاب بقتله فقال: جاءني كتاب عهده فخليت سبيله. وقدم أبو نصر على المنصور فعذله في إشارته على أبي مسلم بخراسان فقال: نعم استنصحني فنصحت له وان استنصحني أمير المؤمنين نصحت وشكرت، واستعمله على الموصل. وخطب أبو جعفر الناس بعد قتل أبي مسلم وانسهم وافترق أصحابه وخرج منهم بخراسان رجل اسمه سنباد ويسمى فيروز أصبهبذ وتبعه أكثر الجيال يطلبون بدم أبي مسلم وغلب على نيسابور والري وأخذ خزائن أبي مسلم التي خلفها بالري حين شخص إلى السفاح وسبى الحرم ونهب الأموال ولم يعرض إلى التجار وكان يظهر أنه قاصد إلى الكعبة يهدمها فسرح إليه المنصور جمهور بن مرار العجلي والتقوا على طرق المفازة بين همذان والري، فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم ولحق سنباد بطبرستان فقتله بعض عمال صاحبها وأخذ ما معه وكتب إلى المنصور بذلك فكتب إليه المنصور في الأموال فأنكر فسرح إليه الجنود فهرب إلى الديلم ثم إن جمهور بن مرار لما حوى ما في عسكر سنباد ولم يبعث به خاف من المنصور فخلع واعتصم بالري فسرح إليه محمد بن الأشعث في الجيوش، فخرج من الري إلى أصبهان فملكها وملك محمد الري. ثم اقتتلوا وانهزم جمهور فلحق بأذربيجان، وقتله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى المنصور، وذلك سنة ثمان وثلاثين ٣/٢٣٢
حبس عبد الله بن علي
كان عبد الله بن علي بعد هزيمته أمام أبي مسلم لحق بالبصرة، ونزل على أخيه سليمان.
ثم إن المنصور عزل سليمان سنة تسع وثلاثين فاختفى عبد الله وأصحابه، فكتب المنصور إلى سليمان وأخيه عيسى بأمان عبد الله وقواده ومواليه وإشخاصهم إلى المنصور منهما فشخصوا. ولما قدما عليه فأذن لهما فأعلماه بحضور عبد الله واستأذناه له فشغلهما بالحديث وأمر بحبسه في مكان قد هيئ له في القصر، فلما خرج سليمان وعيسى لم يجدا عبد الله فعلما أنه قد حبس وأن ذمتهما قد أخفرت، فرجعا إلى المنصور فحبسا عنه وتوزع أصحاب عبد الله بين الحبس والقتل، وبعث ببعضهم إلى أبي داود خالد ابن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها. ولم يزل عبد الله محبوسا حتى عهد المنصور إلى المهدي سنة تسع وأربعين وأمر موسى بن عيسى فجعله بعد المهدي ودفع إليه عبد الله، وأمره بقتله، وخرج حاجا وسار عيسى كاتبه يونس بن فروة في قتل عبد الله بن علي فقال:
لا تفعل فإنه يقتلك به، وإن طلبه منك فلا ترده إليه سرا فلما قفل المنصور من الحج دس على أعمامه من يحرضهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله فشفعهم، وقال لعيسى جئنا به فقال: قتلته كما أمرتني فأنكر المنصور وقال خذوه بأخيكم فخرجوا به ليقتلوه حتى اجتمع الناس واشتهر الأمر فجاء به وقال: هو ذا حي سوي، فجعله المنصور في بيت أساسه ملح وأجرى عليه الماء فسقط ومات.
وقعة الراوندية
كان هؤلاء القوم من أهل خراسان ومن أتباع أبي مسلم يقولون بالتناسخ والحلول، وأن روح آدم في عثمان بن نهيك وأن الله حل في المنصور وجبريل في الهيثم بن معاوية. فحبس المنصور نحوا من مائتين منهم فغضب الباقون واجتمعوا وحملوا بينهم نعشا كأنهم في جنازة وجاءوا إلى السجن فرموا بالنعش وأخرجوا أصحابهم وحملوا على الناس في ستمائة رجل وقصدوا قصر المنصور وخرج المنصور من القصر ماشيا وجاء معن بن زائدة الشيباني وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة وقد اشتد طلب المنصور له فحضر عنده هذا اليوم متلثما وترجل وأبلى. ثم جاء إلى المنصور ولجام بغلته في يد الربيع حاجبه وقال: تنح ذا أنا أحق بهذا اللجام في هذا الوقت ٣/٢٣٣
وأعظم فنازل وقاتل حتى ظفر بالراوندية. ثم سأله فانتسب فأمنه واصطنعه. وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم ووقف على باب المنصور وقال أنا اليوم بواب. ثم قاتلهم أهل السوق وفتح باب المدينة ودخل الناس وحمل عليهم خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة حتى قتلوهم عن آخرهم. وأصاب عثمان بن نهيك في الحومة سهم فمات منه بعد أيام وجعل على الحبس بعده أخاه عيسى ثم بعده أبا العباس الطوسي وذلك كله بالهاشمية. ثم أحضر معنا ورفع منزلته وأثنى عليه بما كان منه في ذلك اليوم مع عمه عيسى، فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت إلى الحومة وجلا حتى رأيت شدتك فحملني ذلك على ما رأيت مني. وقيل إنه كان مختفيا عند أبي الخصيب حاجب المنصور وأنه جاء يوم الراوندية فاستأذن أبو الخصيب وشاوره المنصور في أمرهم فأشار ببث المال في الناس، وأبى المنصور إلا الركوب إليهم بنفسه فخرج بين يديه وأبلى حتى قتلوا. ثم تغيب فاستدناه وأمنه وولاه على اليمن.
انتقاض خراسان ومسير المهدي إليها
كان السفاح قد ولى على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم الدهلي بعد انتقاض بسام ابن إبراهيم ومهلكه. فلما كان سنة أربعين ثار به بعض الجند وهو بكشماهن وجاءوا إلى منزله فأشرف عليهم ليلا من السطح فزلت قدمه فسقط ومات ليومه. وكان عصام صاحب شرطته فقام بالأمر بعده. ثم ولى المنصور على خراسان عبد الجبار بن عبد الرحمن فقدم عليها وحبس جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء للعلوية، منهم مجاشع ابن حريث الأنصاري عامل بخارى وأبو المعرة خالد بن كثير مولى بني تميم عامل قهستان والحريش بن محمد الذهلي ابن عم أبي داود في آخرين. ثم قتل هؤلاء وألح على عمال أبي داود في استخراج المال وانتهت الشكوى إلى المنصور بذلك فقال لأبي أيوب: إنما يريد بفناء شيعتنا الخلع، فأشار عليه أبو أيوب أن تبعث من جنود خراسان لغزو الروم فإذا فارقوه بعثت إليه من شئت واستمكن منه. فكتب إليه بذلك فأجاب بأن الترك قد جاشت وإن فرقت الجنود خشيت على خراسان فقال له أبو أيوب: اكتب إليه بأنك ممده بالجيوش وابعث معها من شئت يستمكن منه، فأجاب عبد الجبار بأن خراسان مغلبة في عامها ولا تحتمل زيادة العسكر فقال له أبو يوسف هذا خلع فعاجله فبعث ابنه المهدي فسار ونزل الري وقدم خازم بن خزيمة ٣/٢٣٤
لحرب عبد الجبار فقاتلوه، فانهزم وجاء إلى مقطنة وتوارى فيها. فعبر إليه المحشد بن مزاحم من أهل مروالروذ وجاء به إلى خازم فحمله على بعير وعليه جبة صوف، ووجهه إلى عجز البعير وحمله إلى المنصور في ولده وأصحابه فبسط إليهم العذاب حتى استخرج الأموال ثم قطع يديه ورجليه وقتله وذلك سنة اثنتين وأربعين وبعث بولده إلى دهلك فعزلهم بها وأقام المهدي بخراسان حتى رجع إلى العراق سنة تسع وأربعين. وفي سنة اثنتين وأربعين انتقض عيينة بن موسى بن كعب بالسند، وكان عاملا عليها من بعد أبيه، وكان أبوه يستخلف المسيب بن زهير على الشرط فخشي المسيب إن حضر عيينة عند المنصور أن يوليه على الشرط، فحذره المنصور وحرضه على الخلاف فخلع الطاعة وسار المنصور إلى البصرة وسرح من هنالك عمر بن حفص بن أبي صفوة العتكي لحرب عيينة وولاه على السند والهند فورد السند وغلب عليها. وفي هذه السنة انتقض الأصبهبد بطبرستان وقتل من كان في أرضه من المسلمين فبعث المنصور مولاه أبا الخطيب وخازم بن خزيمة وروح بن حاتم في العساكر فحاصروه في حصنه مدة ثم تحيلوا ففتح لهم الحصن من داخله وقتلوا المقاتلة وسبى الذرية وكان مع الأصبهبد سم فشربه فمات.
أمر بني العباس
بنو هاشم حين اضطرب أمر مروان بن محمد اجتمعوا إليه وتشاوروا فيمن يعقدون ٣/٢٣٥
له الخلافة فاتفقوا على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي. وكان يقال:
إن المنصور ممن بايعه تلك الليلة. ولما حج أيام أخيه السفاح سنة ست وثلاثين تغيب عنه محمد وأخوه إبراهيم، ولم يحضرا عنده مع بني هاشم. وسأل عنهما فقال له زياد ابن عبيد الله الحرثى أنا آتيك بهما وكان بمكة فرده المنصور إلى المدينة. ثم استخلف المنصور وطفق يسأل عن محمد ويختص بني هاشم بالسؤال سرا، فكلهم يقول:
إنك ظهرت على طلبه لهذا الأمر فخافك على نفسه، ويحسن العذر عنه إلا الحسن ابن زيد بن الحسن بن علي. فإنه قال له: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه لا ينام عنك، فكان موسى بن عبد الله بن حسن يقول بعد هذا: اللهم اطلب الحسن بن زيد بدمائنا. ثم إن المنصور حج سنة وألح على عبد الله بن حسن في إحضار ابنه محمد فاستشار عبد الله سليمان بن علي في إحضاره فقال له: لو كان عافيا عفى عن عمه! فاستمر عبد الله على الكتمان وبث المنصور العيون بين الأعراب في طلبه بسائر بوادي الحجاز ومياهها ثم كتب كتابا على لسان الشيعة إلى محمد بالطاعة والمسارعة وبعثه مع بعض عيونه إلى عبد الله وبعث معه بالمال والإلطاف كأنه من عندهم. وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن حسن بالخبر وكان محمد بجهينة، وألح عليه صاحب الكتاب أمر محمد ليدفع إليه كتاب الشيعة فقال له: اذهب إلى علي بن الحسن المدعو بالأغر يوصلك إليه في جبل جهينة فذهب وأوصله إليه. ثم جاءهم حقيقة خبره من كاتب المنصور وبعثوا أبا هبار إلى محمد وعلي بن حسن يحذرهما الرجل، فجاء أبو هبار إلى علي بن حسن وأخبره ثم سار إلى محمد فوجد العين عنده جالسا مع أصحابه فخلا به وأخبره، فقال: وما الرأي؟ قال: تقتله. قال: لا أقارف دم مسلم. قال: تقيده وتحمله معك. قال: لا آمن عليه لكثرة الخوف والإعجال. قال: فودعه عند بعض أهلك من جهينة. قال: هذه إذن. ورجع فلم يجد الرجل ولحق بالمدينة. ثم قدم على المنصور وأخبره الخبر وسمى اسم أبي هبار وكنيته، وقال: معه وبر فطلب أبو جعفر وبرا المري فسأله عن أمر محمد فأنكره وحلف فضربه وحبسه. ثم دعا عقبة بن سالم الأزدي وبعثه منكرا بكتاب والطاف من بعض الشيعة بخراسان إلى ٣/٢٣٦
عبد الله بن حسن ليظهر على أمره، فجاءه بالكتاب فانتهره وقال لا أعرف هؤلاء القوم. فلم يزل يتردد إليه حتى قبله وأنس به وسأله عقبة الجواب فقال: لا أكتب لأحد ولكن أقرئهم مني سلاما وأعلمهم أن ابني خارجان لوقت كذا. فرجع عقبة إلى المنصور فأنشأ الحج، فلما لقيه بنو حسن رفع مجالسهم وعبد الله إلى جنبه ثم دعا بالغداء فأصابوا منه. ثم قال لعبد الله بن حسن قد أعطيتني العهود والمواثيق أن لا تبغيني بسوء ولا تكيد لي سلطانا فقال: وأنا على ذلك. فلحظ المنصور عقبة بن سالم فوقف بين عبد الله حتى ملأ عينه منه فبادر المنصور يسأله الإقالة فلم يفعل، وأمر بحبسه وكان محمد يتردد في النواحي وجاء إلى البصرة فنزل في بني راهب وقيل في بني مرة بن عبيد، وبلغ الخبر إلى المنصور فجاء إلى البصرة وقد خرج عنها محمد، فلقي المنصور عمر بن عبيد فقال له: يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟
فقال: لا، فانصرف واشتد الخوف على محمد وإبراهيم وسار إلى عدن ثم إلى السند ثم إلى الكوفة، ثم إلى المدينة وكان المنصور حج سنة أربعين وحج محمد وإبراهيم وعزما على اغتيال المنصور وأبي محمد من ذلك. ثم طلب المنصور عبد الله بإحضار ولديه وعنفه وهم به، فضمنه زياد عامل المدينة. وانصرف المنصور وقدم محمد المدينة قدمة فتلطف له زياد وأعطاه الأمان له. ثم قال له: الحق بأي بلاد شئت وسمع المنصور فبعث أبا الأزهر إلى المدينة في جمادى سنة إحدى وأربعين ليستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطلب ويقبض زيادا وأصحابه. فسار بهم فحبسهم المنصور، وخلف زياد ببيت المال ثمانين ألف دينار ثم استعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وأمره بطلب محمد وإنفاق المال في ذلك فكثرت نفقته واستبطأه المنصور واستشار في عزله، فأشار عليه يزيد بن أسيد السلمي من أصحابه باستعمال رباح بن عثمان بن حسان المزني فبعثه أميرا على المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين، وأطلق يده في محمد بن خالد القسري. فقدم المدينة وتهدد عبد الله بن حسن في إحضار ابنيه. وقال له عبد الله يومئذ: إنك لتريق المذبوح فيها كما تذبح الشاة، فاستشعر ذلك ووجد فقال له حاجبه أبو البختري: إن هذا ما اطلع على الغيب فقال: ويلك! والله ما قال إلا ما سمع، فكان كذلك. ثم حبس رباح محمد بن خالد وضربه وجد في طلب محمد فأخبر أنه في شعبان رضوى من أعمال ينبع وهو جبل جهينة، فبعث عامله في طلبه فأفلت منه. ثم إن رباح بن مرة ٣/٢٣٧
حبس بني حسن وقيدهم وهم عبد الله بن حسن بن الحسن وإخوته حسن وإبراهيم وجعفر وابنه موسى بن عبد الله، وبنو أخيه داود وإسماعيل وإسحاق بنو إبراهيم بن الحسن، ولم يحضر معهم أخوه علي العائد. ثم حضر من الغد عند رباح وقال:
جئتك لتحبسني مع قومي فحبسه، وكتب إليه المنصور أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان المعروف بالديباجة. وكان أخا عبد الله لأمه أمهما فاطمة بنت الحسين. وكان عامل مصر قد عثر على علي بن محمد بن عبد الله ابن حسن بعثه أبوه إلى مصر يدعو له فأخذه وبعث به إلى المنصور فلم يزل في حبسه وسمى من أصحاب أبيه عبد الرحمن بن أبي المولى وأبا جبير فضربهما المنصور وحبسهما. وقيل عبد الله حبس أولا وحده وطال حبسه. فأشار عليه أصحابه بحبس الباقين فحبسهم. ثم حج المنصور سنة أربع وأربعين، فلما قدم مكة بعث إليهم وهم في السجن محمد بن عمران بن إبراهيم بن طلحة ومالك بن أنس يسألهم أن يرفعوا إليه محمدا وإبراهيم ابني عبد الله، فطلب عبد الله الإذن في لقائه فقال المنصور: لا والله حتى يأتيني به وبابنيه، وكان محسنا مقبولا لا يكلم أحدا إلا أجابه إلى رأيه. ثم إن المنصور قضى حجه وخرج إلى الربذة، وجاء رباح ليودعه فأمر باشخاص بني حسن ومن معهم إلى العراق فأخرجهم في القيود والأغلال وأردفهم في محامل بغير وطء، وجعفر الصادق يعاينهم من وراء ستر ويبكي. وجاء محمد إبراهيم مع أبيهما عبد الله يسايرانه مستترين بزي الأعراب ويستأذنه في الخروج فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما وإن منعتما أن تعيشا كريمين تمنعا أن تموتا كريمين، وانتهوا إلى الزيدية. وأحضر العثماني الديقا عند المنصور فضربه مائة وخمسين سوطا بعد ملاحاة جرت بينهما أغضبت المنصور. ويقال: إن رباحا أغرى المنصور به وقال له: إن أهل الشام شيعته ولا يتخلف عنه منهم أحد. ثم كتب أبو عون عامل خراسان إلى المنصور بأن أهل خراسان منتظرون أمر محمد بن عبد الله واحذر منهم. فأمر المنصور بقتل العثماني وبعث برأسه إلى خراسان، وبعث من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله وأن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قدم المنصور بهم الكوفة وحبسهم بقصر ابن هبيرة، يقال: انه قتل محمد بن إبراهيم بن حسن منهم على أسطوانة وهو حي فمات. ثم بعده عبد الله بن حسن ثم علي بن حسن، ويقال: إن المنصور أمر بهم فقتلوا، ولم ينج منهم إلا سلمان وعبد الله ابنا داود وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن حسن وجعفر بن حسن والله أعلم. ٣/٢٣٨
ظهور محمد المهدي ومقتله
ولما سار المنصور إلى العراق وحمل معه بني حسن رجع رباح إلى المدينة وألح في طلب محمد وهو مختف يتنقل في اختفائه من مكان إلى مكان وقد أرهقه الطلب حتى تدلى في بئر. فتدلى فغمس في مائها وحتى سقط ابنه من جبل فتقطع ودل عليه رباح بالمداد، فركب في طلبه فاختفى عنه ولم يره. ولما اشتد عليه الطلب أجمع الخروج وأغراه أصحابه بذلك. وجاء الخبر إلى رباح بأنه الليلة خارج فأحضر العباس بن عبد الله بن الحرث بن العباس ومحمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة وغيرهما، وقال لهم: أمير المؤمنين يطلب محمدا شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم. والله لئن خرج ليقتلنكم أجمعين. وأمر القاضي بإحضار عشيرة بني زهرة فجاءوا في جمع كثير وأجلسهم بالباب. ثم أحضر نفرا من العلويين فيهم جعفر بن محمد بن الحسين وحسين بن علي بن حسين بن علي ورجال من قريش فيهم إسماعيل ابن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد، وبينما هم عنده إذ سمعوا التكبير وقيل قد خرج محمد فقال له: ابن مسلم بن عقبة أطعني واضرب أعناق هؤلاء فأبى، وأقبل من المداد في مائة وخمسين رجلا وقصد السجن، فأخرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري وابن أخيه النذير بن يزيد ومن كان معهم وجعل على الرجالة خوات بن جبير وأتى دار الإمارة وهو ينادي بالكف عن القتل فدخلوا من باب المقصورة وقبضوا على رباح وأخيه عباس وابن مسلم بن عقبة فحبسهم، ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس وذكر المنصور بما نقمه عليه ووعد الناس واستنصر بهم واستعمل على المدينة عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي، وعلى الشرط أبا الغلمش عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وأرسل إلى محمد بن عبد العزيز يلومه على القعود عنه فوعده بالبصرة وسار ٣/٢٣٩
الى مكة، ولم يتخلف عن محمد من وجوه الناس إلا نفر قليل منهم: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حرام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. واستفتى أهل المدينة مالكا في الخروج مع محمد وقالوا: في أعناقنا بيعة المنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين فتسارع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته، وأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر يدعوه إلى بيعته، وكان شيخا كبيرا فقال: أنت والله وابن أخي مقتول فكيف أبايعك؟ فرجع الناس عنه قليلا وأسرع بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى محمد فجاءت جمادة أختهم إلى عمها إسماعيل وقالت: يا عم إن مقالتك ثبطت الناس عن محمد وإخوتي معه، فأخشى أن يقتلوا فردها، فيقال: إنها عدت عليه فقتلته، ثم حبس محمد بن خالد القسري بعد أن أطلقه واتهمه بالكتاب إلى المنصور فلم يزل في حبسه. ولما استوى أمر محمد ركب رجل من آل أويس بن أبي سرح اسمه الحسين بن صخر، وجاء إلى المنصور في تسع فخبره الخبر فقال: أنت رأيته؟ قال: نعم. وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تتابع الخبر وأشفق المنصور من أمره واستشار أهل بيته ودولته. وبعث إلى عمه عبد الله وهو محبوس يستشيره فأشار عليه بأن يقصد الكوفة فإنهم شيعة لأهل البيت فيملك عليهم أمرهم ويحفها بالمسالح حتى يعرف الداخل والخارج، ويستدعي سالم بن قتيبة من الري فيتحشد معه كافة أهل الشام ويبعثه وأن يبعث العطاء في الناس، فخرج المنصور إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان. ولما قدم الكوفة أرسل إلى يزيد يحيي وكان السفاح يشاوره فأشار عليه بأن يشحن الأهواز بالجنود وأشار عليه جعفر بن حنظلة الهراني بأن يبعث الجند إلى البصرة. فلما ظهر إبراهيم بتلك الناحية تبين وجه إشارتهما. وقال المنصور لجعفر: كيف خفت البصرة؟ قال: لأن أهل المدينة ليسوا أهل حرب حبسهم أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء الطالبيين، ولم ٣/٢٤٠
يبق إلا البصرة. ثم إن المنصور كتب إلى محمد المهدي كتاب أمان فأجابه عنه بالرد والتعريض بأمور في الأنساب والأحوال، فأجابه المنصور عن كتابه بمثل ذلك وانتصف كل واحد منهما لنفسه بما ينبغي الإعراض عنه مع أنهما صحيحان مرويان نقلهما الطبري في كتاب الكامل فمن أراد الوقوف فليلتمسها في أماكنها . ثم إن محمدا المهدي استعمل على مكة محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر وعلى اليمن القاسم بن إسحاق وعلى الشام موسى بن عبد الله. فسار محمد بن الحسن إلى مكة والقاسم معه ولقيهما السري بن عبد الله عامل مكة ببطن أذاخر فانهزم. وملك محمد مكة حتى استنفره المهدي لقتال عيسى بن موسى فنفر هو والقاسم بن عبيد الله، وبلغهما قتل محمد بنواحي قديد فلحق محمد بإبراهيم، فكان معه بالبصرة واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له الأمان امرأة عيسى، وهي بنت عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر. وأما موسى بن عبد الله فسار إلى الشام فلم يقبلوا منه فرجع إلى المدينة ثم لحق بالبصرة مختفيا وعثر عليه محمد بن سليمان بن علي وعلى ابنه عبد الله وبعث بهما إلى المنصور فضربهما وحبسهما. ثم بعث المنصور عيسى ابن موسى إلى المدينة لقتال محمد فسار في الجنود ومعه محمد بن أبي العباس بن السفاح وكثير بن حصين العبدي وحميد بن قحطبة وهوازمرد وغيرهم، فقال له: إن ظفرت فأغمد سيفك وابذل الأمان وإن تغيب فخذ أهل المدينة فإنهم يعرفون مذاهبه ومن لقيك من آل أبي طالب فعرفني به ومن لم يلقك فاقبض ماله. وكان جعفر الصادق فيمن تغيب، فقبض ماله. ويقال إنه طلبه من المنصور لما قدم بالمدينة بعد ذلك فقال: قبضه مهديكم. ولما وصل عيسى إلى فئته كتب إلى نفر من أهل المدينة ليستدعيهم منهم: عبد العزيز بن المطلب المخزومي وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمعي وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب فخرج إليه عبد الله هو وأخوه عمر وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل. واستشار المهدي أصحابه في القيام بالمدينة ثم في الخندق عليها، فأمر بذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحزاب. ونزل عيسى الأعرض ، وكان محمد قد منع الناس من الخروج ٣/٢٤١
فخيرهم، فخرج كثير منهم بأهلهم إلى الجبال وبقي في شرذمة يسيرة. ثم تدارك رأيه وأمر أبا الغلمش بردهم فأعجزوه ونزل عيسى على أربعة أميال من المدينة وبعث عسكرا إلى طريق مكة يعترضون محمدا إن انهزم إلى مكة، وأرسل إلى المهدي بالأمان والدعاء الى الكتاب والسنة ويحذره عاقبة البغي. فقال: إنما أنا رجل فررت من القتل. ثم نزل عيسى بالحرف لاثنتي عشرة من رمضان سنة خمس وأربعين، فقام يومين، ثم وقف على مسلم ونادى بالأمان لأهل المدينة وأن تخلوا بينه وبين صاحبه، فشتموه فانصرف وعاد من الغد، وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وشعارهم أحد أحد. وطلب أبو الغلمش من أصحابه البراز فبرز إليه أخو أسد فقتله. ثم آخر فقتلوا وقال أنا ابن الفاروق. وأبلى محمد المهدي يومئذ بلاء عظيما وقتل بيده سبعين رجلا. ثم أمر عيسى بن موسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة من الرجال إلى حائط دون الخندق فهدمه، وأجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه، وصابرهم أصحاب محمد إلى العصر. ثم أمر عيسى أصحابه فرموا الخندق بالحقائب ونصبوا عليها الأبواب وجازت الخيل واقتتلوا وانصرف محمد فاغتسل وتحنط. ثم رجع فقال : أترك أهل المدينة والله لا أفعل أو أقتل وأنت مني في سعة فمشى قليلا معه، ثم رجع وافترق عنه جل أصحابه، وبقي في ثلاثمائة أو نحوها. فقال له بعض أصحابه: نحن اليوم في عدة أهل بدر وطفق عيسى بن حصين من أصحابه يناشده في اللحاق بالبصرة أو غيرها، فيقول والله لا تبتلون بي مرتين. ثم جمع بين الظهر والعصر ومضى فأحرق الديوان الذي فيه أسماء من بايعهم . وجاء إلى السجن وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباسا وابن مسلم بن عقبة وتوثق محمد بن القسري بالأبواب فلم يصلوا إليه. ورجع ابن حصين إلى محمد فقاتل معه وتقدم محمد إلى بطن سلع ومعه بنو شجاع من الخمس. فعرقبوا دوابهم وكسروا جفون سيوفهم واستماتوا وهزموا أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثة. وصعد نفر من أصحاب عيسى الجبل وانحدروا منه إلى المدينة. ورفع بعض نسوة إلى العباس خمارا لها اسود على منارة المسجد. فلما رآه أصحاب محمد وهم ٣/٢٤٢
يقاتلون هربوا، وفتح بنو غفار طريقا لأصحاب عيسى فجاءوا من وراء أصحاب محمد ونادى حميد بن قحطبة للبراز فأبى، ونادى ابن حصين بالأمان فلم يصغ إليه ، وكثرت فيه الجراح ثم قتل وقاتل محمد على شلوه فهد الناس عنه هدا حتى ضرب فسقط لركبته وطعنه ابن قحطبة في صدره، ثم أخذ رأسه وأتى به عيسى فبعثه إلى المنصور مع محمد بن الكرام عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن، وأرسل معه رءوس بني شجاع، وكان قتل محمد منتصف رمضان. وأرسل عيسى الألوية فنصبت بالمدينة للأمان وصلب محمد وأصحابه ما بين ثنية الوداع والمدينة، واستأذنت زينب أخته في دفنه بالبقيع، وقطع المنصور الميرة في البحر عن المدينة، حتى أذن فيها المهدي بعده، وكان مع المهدي سيف علي ذو الفقار فأعطاه يومئذ رجلا من التجار في دين كان له عليه. فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة أخذه منه وأعطاه من دينه ثم أخذه منه المهدي، وكان الرشيد يتقلده وكان فيه ثمان عشرة فقرة، وكان معه من مشاهير بني هاشم أخو موسى وحمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين وحسين وعلي ابنا زيد بن علي، وكان المنصور يقول عجبا خرجا علي ونحن أخذنا بثأر أبيهما. وكان معه علي وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن وأبوهما الحسن مع المنصور والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر وأبوه علي مع المنصور، ومن غير بني هاشم محمد بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن العاص ومحمد ابن عجلان وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، أخذ أسيرا فضرب وحبس في سجن المدينة، فلم يزل محبوسا إلى أن نازل السودان بالمدينة على عبد الله بن الربيع الحارثي، وفر عنها إلى بطن نخل وملكوا المدينة ونهبوا طعام المنصور. فخرج ابن أبي سبرة مقيدا وأتى المسجد وبعث إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما، وبعثوا إلى السودان وردوهم عما ٣/٢٤٣
كانوا فيه، فرجعوا ولم يصل الناس يومئذ جمعة. ووقف الأصبغ بن أبي سفيان بن عاصم بن عبد العزيز لصلاة العشاء ونادى أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين، وصلى ثم أصبح ابن أبي سبرة ورد من العبيد ما نهبوه، ورجع ابن الربيع من بطن نخل وقطع رؤساء العبيد وكان مع محمد بن عبد الله أيضا عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء ابن يعقوب مولى بني سباع وبنوه تسعة وعيسى وعثمان ابنا خضير وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير قتله المنصور من بعد ذلك لما أخذ بالبصرة وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وعلي بن المطلب بن عبد الله بن حنطب وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وهشام بن عميرة بن الوليد بن بن عبد الجبار وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم.
شأن إبراهيم بن عبد الله وظهوره ومقتله
كان إبراهيم بن عبد الله أخو المهدي محمد قد اشتد الطلب عليه وعلى أخيه منذ خمس سنين، وكان إبراهيم يتنقل في النواحي بفارس وبكرمان والجبل والحجاز واليمن والشام، وحضر مرة مائدة المنصور بالموصل، وجاء أخرى إلى بغداد حين خطها المنصور مع النظار على قنطرة الفرات حين شدها وطلبه فغاض في الناس فلم يوجد ووضع عليه الرصد بكل مكان ودخل بيت سفيان بن حيان العمي وكان معروفا بصحبته فتحيل على خلاصه بأن أتى المنصور وقال: أنا آتيك بإبراهيم فأحملني وغلامي على البريد وابعث معي الجند ففعل. وجاء بالجند إلى البيت وأركب معه إبراهيم في زي غلامه وذهب بالجند إلى البصرة ولم يزل يفرقهم على البيوت ويدخلها موهما أنه يفتشه حتى بقي وحده فاختفى وطلبه أمير البصرة سفيان بن معاوية فأعجزه، وكان قدم قبل ذلك الأهواز فطلبه محمد بن حصين واختفى منه عند ٣/٢٤٤
الحسن بن حبيب ولقي من ذلك غيا. ثم قدم إبراهيم البصرة سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله بداره في بني ليث فدعا الناس إلى بيعة أخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبسي وعبد الله بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمر بن سلمة الهجيمي وعبد الله بن حي بن حصين الرقاشي وبثوا دعوته في الناس، واجتمع لهم كثير من الفقهاء وأهل العلم وأحصى ديوانه أربعة آلاف. واشتهر أمره ثم حولوه إلى وسط البصرة ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر ليقرب من الناس وولاه سفيان أمير البصرة على أمره، وكتب إليه أخوه محمد يأمره بالظهور وكان المنصور بظاهر، وأرسل من القواد مددا لسفيان علي إبراهيم إن ظهر، ثم إن إبراهيم خرج أول رمضان من سنة خمس وأربعين وصلى الصبح في الجامع وجاء دار الإمارة بابن سفيان وحبسه وحبس القواد معه، وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في ستمائة رجل وأرسل إبراهيم إليها المعين بن القاسم الحدروري في خمسين رجلا فهزمهما إلى باب زينب بنت سليمان بن علي وإليها ينسب الزينبيون من بني العباس فنادى بالأمان وأخذ من بيت المال ألفي ألف درهم، وفرض لكل رجل من أصحابه خمسين. ثم أرسل المغيرة على الأهواز في مائة رجل فغلب عليها محمد بن الحصين وهو في أربعة آلاف. وأرسل عمر بن شداد إلى فارس وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي، فتحصنا في دار بجرد وملك عمر نواحيها، فأرسل هارون بن شمس العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط فغلب عليها هارون بن حميد الإيادي وملكها. وأرسل المنصور لحربه عامر ابن إسماعيل في خمسة آلاف وقيل في عشرين فاقتتلوا أياما ثم تهادنوا يروا مآل الأميرين المنصور وإبراهيم. ثم جاء نعي محمد إلى أخيه إبراهيم قبل الفطر فصلى يوم العيد وأخبرهم فازدادوا حنقا على المنصور. ونفر في حره وعسكر من الغد، واستخلف على البصرة غيلة وابنه حسنا معه. وأشار عليه أصحابه من أهل البصرة بالمقام وإرسال الجنود وأمدادهم واحدا بعد واحد، وأشار أهل الكوفة باللحوق إليها لأن الناس في انتظارك ولو رأوك ما توانوا عنك، فسار وكتب المنصور إلى عيسى بن موسى بإسراع العود وإلى مسلم بن قتيبة بالري وإلى سالم بقصد إبراهيم وضم إليه غيرها من القواد.
وكتب إلى المهدي بإنفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز وفارس والمدائن وواسط ٣/٢٤٥
والسواد وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف يتربصون به. ثم رمى كل ناحية بحجرها وأقام خمسين يوما على مصلاه ويجلس ولم ينزع عنه جبته ولا قميصه وقد توسخا ويلبس السواد إذا ظهر للناس، وينزعه إذا دخل بيته. وأهديت له من المدينة امرأتان فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله وأمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد فلم يحفل بهما. وقال: ليست هذه أيام نساء حتى انظر رأس إبراهيم إلي أو رأسي له. وقدم عليه عيسى بن موسى فبعثه لحرب إبراهيم في خمسة عشر ألفا وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف وسار إبراهيم من البصرة ومائة ألف حتى نزلا بإزاء عيسى بن موسى على ستة عشر فرسخا من الكوفة، وأرسل إليه مسلم بن قتيبة بأن يخندق على نفسه أو يخالف عيسى إلى المنصور فهو في حف من الجنون. ويكون أسهل عليك فعرض ذلك إبراهيم على أصحابه فقالوا: نحن هارون وأبو جعفر في أيدينا! فأسمع ذلك رسول سالم فرجع، ثم تصافوا للقتال وأشار عليه بعض أصحابه أن يجعلهم كراديس ليكون أثبت والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره، فأبى إبراهيم إلا الصف صف أهل الإسلام، ووافقه بقية أصحابه. ثم اقتتلوا وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم معه الناس وعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فقال لهم حميد: لا طاعة في الهزيمة ولم يبق مع عيسى إلا فل قليل فثبت واستمات وبينما هو كذلك إذ قدم جعفر ومحمد بن سليمان بن علي وجاء من وراء إبراهيم وأصحابه فانعطفوا لقتالهم واتبعهم أصحاب عيسى ورجع المنهزمون من أصحابه بأجمعهم اعترضهم إمامهم، فلا يطيقون ومخافة ولا وثوبه، فانهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في ستمائة أو أربعمائة من أصحابه وحميد يقاتله. ثم أصابه سهم بنحره فأنزلوه واجتمعوا عليه. وقال حميد شدوا على تلك الجماعة فاحصروهم عن إبراهيم وقطعوا رأسه وجاءوا به إلى عيسى فسجد وبعثه إلى المنصور، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة الحرام سنة خمس وأربعين، ولما وضع رأسه بين يدي المنصور بكى، وقال: والله إني كنت لهذا كارها ولكني ابتليت بك وابتليت بي. ثم جلس للعامة فأذن للناس فدخلوا ومنهم من يثلب إبراهيم مرضاة للمنصور حتى دخل جعفر بن حنظلة النهراني فسلم ثم قال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك، فتهلل وجه المنصور وأقبل عليه وكناه بابي خالد واستدناه. ٣/٢٤٦
بناء مدينة بغداد
وابتدأ المنصور سنة ست وأربعين في بناء مدينة بغداد وسبب ذلك ثورة الراوندية عليه بالهاشمية، ولأنه كان يكره أهل الكوفة ولا يأمن على نفسه منهم. فتجافى عن جوارهم وسار إلى مكان بغداد اليوم، وجمع من كان هنالك من البطارقة فسألهم عن أحوال مواضعهم في الحر والبرد والمطر والوحل والهوام، واستشارهم فأشاروا عليه بمكانها وقالوا تجيئك الميرة في السفن من الشام والرقة ومصر والمغرب إلى المصرات. ومن الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل في دجلة.
ومن أرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب. وأنت بين أنهار كالخنادق لا تعبر إلا على القناطر والجسور وإذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع وأنت متوسط بين البصرة والكوفة وواسط والموصل قريب من البر والبحر والجبل. فشرع المنصور في عمارتها وكتب إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة في الصناع والفعلة واختار من ذوي الفضل والعدالة والعفة والأمانة والمعرفة بالهندسة فأحضرهم لذلك، منهم:
الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة الفقيه وأمر بخطها بالرماد فشكلت أبوابها وفصلانها وطاقاتها ونواحيها، وجعل على الرماد حب القطن فأضرم نارا ثم نظر إليها وهي تشتعل فعرف رسمها وأمر أن تحفر الأسس على ذلك الرسم. ووكل بها أربعة من القواد يتولى كل واحد منهم ناحية، ووكل أبا حنيفة بعد الآجر واللبن. وكان أراده على القضاء والمظالم فأبى فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له عملا فكان هذا. وأمر المنصور أن يكون عرض أساس القصر من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين وجعل في البناء القصب والخشب ووضع بيده أول لبنة وقال: «بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ثم قال ابنوا على بركة الله، فلما بلغ مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد المهدي، فقطع البناء وسار إلى الكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه ورجع من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد واستمر في بنائها، واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن والإيوان فقال: لا أرى ذلك لأنه من آثار الإسلام وفتوح العرب وفيه مصلى علي بن أبي طالب فاتهمه بمحبة العجم وأمر ٣/٢٤٧
بنقض القصر الأبيض فإذا الذي ينفق في نقضه أكثر من ثمن الجديد فأقصر عنه.
فقال خالد: لا أرى إقصارك عنه لئلا يقال عجزوا عن هدم ما بناه غيرهم، فأعرض عنه ونقل الأبواب إلى بغداد من واسط ومن الشام ومن الكوفة، وجعل المدينة مدورة وجعل قصره وسطها ليكون الناس منه على حد سواء. وجعل المسجد الجامع بجانب القصر وعمل لها سورين والداخل أعلى من الخارج. ووضع الحجاج ابن ارطاة قبلة المسجد، وكان وزن اللبنة التي يبنى بها مائة رطل وسبعة عشر رطلا وطولها ذراع في ذراع، وكانت بيوت جماعة من الكتاب والقواد تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع، وكانت الأسواق داخل المدينة فأخرجهم إلى ناحية الكرخ لما كان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها، وجعل الطرق أربعين ذراعا وكان مقدار النفقة عليها في المسجد والقصر والأسواق والفضلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثلاثين ألف درهم. وكان الأستاذ من البناءين يعمل يومه بقيراط، والروز كاري بحبتين، وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلا بما بقي عنده وأخذه حتى أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشر درهما بعد أن حبسه عليها.
العهد للمهدي وخلع عيسى بن موسى
كان السفاح قد عهد إلى عيسى بن موسى بن علي وولاه على الكوفة فلم يزل عليها، فلما كبر المهدي أراه المنصور أبوه أن يقدمه في العهد على عيسى، وكان يكرمه في جلوسه فيجلس عن يمينه والمهدي عن يساره فكلمه في التأخر عن المهدي في العهد فقال: يا أمير المؤمنين كيف بالإيمان التي علي وعلى المسلمين وأبى من ذلك، فتغير له المنصور وباعده بعض الشيء. وصار يأذن للمهدي قبله ولعمه عيسى بن علي وعبد الصمد. ثم يدخل عيسى فيجلس تحت المهدي واستمر المنصور على التنكر له وعزله عن الكوفة لثلاث عشرة سنة من ولايته، وولى مكانه محمد بن سليمان بن علي، ثم راجع عيسى نفسه فبايع المنصور للمهدي بالعهد وجعل عيسى من بعده.
ويقال إنه أعطاه أحد عشر ألف ألف درهم ووضع الجند في الطرقات لأذاه وإشهاد خالد بن برمك عليه جماعة من الشيعة بالخلع تركت جميعها لأنها لا تليق بالمنصور وعدالته المقطوع بها فلا يصح من تلك الأخبار شيء. ٣/٢٤٨
خروج استادسيس
كان رجل ادعى النبوة في جهات خراسان فاجتمع إليه نحو ثلاثمائة ألف مقاتل من أهل هراة وباذغيس وسجستان وسار إليه الأخثم عامل مروالروذ في العساكر فقاتل الأخثم وعامة أصحابه، وتتابع القواد في لقائه فهزمهم وبعث المنصور وهو بالبرادق خازم بن خزيمة إلى المهدي في اثني عشر ألفا فولاه المهدي حربه فزحف إليه في عشرين ألفا وجعل على ميمنته الهيثم بن شعبة بن ظهير، وعلى ميسرته نهار بن حصن السعدي وفي مقدمته بكار بن مسلم العقيلي، ودفع لواءه للزبرقان. ثم راوغهم في المزاحفة وجاء إلى موضع فخندق عليه وجعل له أربعة أبواب، وأتى أصحاب أستادسيس بالفئوس والمواعيل ليطموا الخندق فبدءوا بالباب الذي يلي بكار بن مسلم فقاتلهم بكار وأصحابه حتى ردوهم عن بابهم فأقبلوا على باب خازم وتقدم منهم الحريش من أهل سجستان فأمر خازم الهيثم بن شعبة أن يخرج من باب بكار ويأتي العدو من خلفهم وكانوا متوقعين قدوم أبي عون وعمر بن مسلم بن قتيبة وخرج خازم على الحريش واشتد قتاله معهم. وبدت أعلام الهيثم من ورائهم فكبر أهل العسكر وحملوا عليهم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فاستمر فيهم القتل فقتل سبعون ألفا وأسر أربعة عشر، وتحصن أستادسيس على حكم أبي عون فحكم بأن يوثق هو وبنوه ويعتق الباقون، وكتب إلى المهدي بذلك فكتب المهدي إلى المنصور ويقال إن أستادسيس أبو مراجل أم المأمون وابنه غالب خال المأمون الذي قتل الفضل بن سهل.
ولاية هشام بن عمر الثعلبي على السند
كان على السند أيام المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة ويلقب مرامي ألف رجل ولما كان من أمر المهدي ما قدمناه بعث ابنه عبد الله ٣/٢٤٩
الأشتر إلى البصرة ليدعو له، فسار من هنالك إلى عمر بن حفص وكان يتشيع فأهدى له خيلا ليتمكن بها من لقائه. ثم دعاه فأجاب وبايع له وأنزله عنده مختفيا ودعا القواد وأهل البلد فأجابوا فمزق الأعلام وهيأ لبسة من البياض يخطب فيها، وهو في ذلك إذ فجأه الخبر بقتل المهدي فدخل على ابنه أشتر وعزاه فقال له: الله في دمي فأشار عليه باللحاق بملك من ملوك السند عظيم المملكة، كان يعظم جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معروفا بالوفاء، فأرسل إليه بعد أن عاهده عليه، واستقر عند ذلك الملك. وتسلل إليه جماعة من الزيدية نحوا من أربعمائة، وبلغ ذلك المنصور فغاظه وكتب إلى عمر بن حفص بعزله وأقام يفكر فيمن يوليه السند، وعرض له يوما هشام بن عمر الثعلبي وهو راكب ثم اتبعه إلى بيته وعرض عليه أخته، فقال للربيع: لو كانت لي حاجة في النكاح لقبلت، فجزاك الله خيرا، وقد وليتك السند فتجهز لها وأمره أن يحارب ملك السند ويسلم إليه الأشتر ففعل، وأقام المنصور يستحثه. ثم خرجت خارجة بالسند فبعث هشام أخاه سفيحا لحسم الداء عنها، فمر بنواحي ذلك الملك فوجد الأشتر يتنزه في شاطئ همذان في عشرة من الفرسان فجاء ليأخذه فقاتلهم حتى قتل وقتل أصحابه جميعا. وكتب هشام بذلك إلى المنصور فشكره وأمر بمحاربة ذلك الملك فظفر به وغلب على مملكته، وبعث بسراري عبد الله الأشتر ومعه ولد منه اسمه عبد الله بعث بهم المنصور إلى المدينة وأسلمه إلى أهله ولما ولى هشام بن عمر على السند وعزل عمر بن حفص عنها ثم حدثت فتق بإفريقية بعثه إلى سده كما سيأتي في أخبارها.
بناء الرصافة للمهدي
ولما رجع المهدي من خراسان قدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة والبصرة فأجازهم وكساهم وجملهم وكذلك المنصور. ثم شعب عليهم الجند فأشار عليهم قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بأن يفرق بينهم ويستكفيه في ذلك، وأمر بعض غلمانه أن يعترضه بدار الخلافة ويسأله بحق الله ورسله والعباس وأمير المؤمنين أبي الحسين من أشرف اليمن أم مضر؟ فقال: مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها كتاب الله وعندها بيت الله ومنها خليفة الله فغضب اليمن إذ لم يذكر لها ٣/٢٥٠
فضلا. ثم كبح بعضهم بغلة قثم فامتنعت مضر وقطعوا الذي كبحها فتشاجر الحيان وتعصبت لليمن ربيعة والخراسانية للدولة وأصبحوا أربع فرق، وقال قثم للمنصور: اضرب كل واحدة بالأخرى وسير لابنك المهدي فلل أنير له بجنده فيتناظرون أهل مدينتك فقبل رأيه وأمر صالحا صاحب المصلى ببناء الرصافة للمهدي.
مقتل معن بن زائدة
كان المنصور قد ولى على سجستان معن بن زائدة الشيباني وأرسل إلى رتبيل في الضريبة التي عليه فبعث بها عروضا زائدة الثمن فغضب معن وسار إلى الرخج على مقدمته يزيد ابن أخيه يزيد ففتحها وسبى أهلها وقتلهم ومضى رتبيل إلى عزمه وانصرف معن إلى بست فشتى بها ونكر قوم من الخوارج سيرته فهجموا عليه وفتكوا به في بيته وقام يزيد بأمر سجستان وقتل قاتليه واشتدت على أهل البلاد وطأته فتحيل بعضهم بأن كتب المنصور على لسانه كتابا يتضجر من كتب المهدي إليه ويسأله أن يعفى من معاملته، فأغضب ذلك المنصور وأقرأ المهدي كتابه وعزله وحبسه ثم شفع فيه شخص إلى مدينة السلام فلم يزل مجفوا حتى بعث إلى يوسف البرم بخراسان كما يذكر بعد.
العمال على النواحي أيام السفاح والمنصور
كان السفاح قد ولى عند بيعته على الكوفة عمه داود بن علي وجعل على حجابته عبد الله بن بسام وعلى شرطته موسى بن كعب وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك وبعث عمه عبد الله لقتال مروان مع أبي عون بن يزيد بن قحطبة تقدمة، وبعث يحيى ابن جعفر ابن تمام بن العباس إلى المدائن، وكان أحمد بن قحطبة تقدمة وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن عمار بن ياسر إلى الأهواز مددا لبسام بن إبراهيم، ٣/٢٥١
ودفع ولاية خراسان إلى أبي مسلم، فولى أبو مسلم عليها إيادا وخالد بن إبراهيم وبعث عمه عبد الله في مقدمته لحرب مروان أخاه صالحا ومعه أبو عون بن يزيد، فلما ظفر وانصرف ترك أبا عون يزيد بمصر واستقل عبد الله بولاية الشام وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فولى على أرمينية يزيد بن أسد وعلى أذربيجان محمد بن صول ونزل الجزيرة. وكان أبو مسلم ولى على فارس محمد بن الأشعث حين قتل أبا مسلمة الخلال، فبعث السفاح عليها عيسى فمنعه محمد بن الأشعث واستخلفه على الولاية فبعث عليها عمه إسماعيل. وولى على الكوفة ابن أخيه موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية المهلبي وعلى السند منصور بن جمهور ونقل عمه داود إلى ولاية الحجاز واليمن واليمامة. ثم ولى على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان وتوفي داود بن علي سنة ثلاث وثلاثين، فولى مكانه على اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان وعلى مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثي وهو عم محمد بن يزيد. وفيها بعث محمد بن الأشعث إلى إفريقية ففتحها وفي سنة أربع وثلاثين بعث صاحب الشرطة موسى بن كعب لقتال منصور بن جمهور، وولاه مكانه على السند، فاستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير. وتوفي عامل اليمن محمد بن يزيد، فولى مكانه علي بن الربيع بن عبيد الله الحارثي. ولما استخلف المنصور وانتقض عبد الله بن علي وأبو مسلم ولى على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم وعلى مصر صالح بن علي وعلى الشام عبد الله بن علي. ثم هلك خالد ابن إبراهيم سنة أربعين فولى مكانه عبد الجبار ابن عبد الرحمن فانتقض لسنة من ولايته، فبعث المنصور ابنه المهدي على خراسان وفي مقدمته خازم بن خزيمة فظفر بعبد الجبار. وتوفي سليمان عامل البصرة سنة أربعين فولى مكانه سفيان بن معاوية، ومات موسى بن كعب بالسند وولى مكانه ابنه عيينة فانتقض، فبعث المنصور مكانه عمر بن حفص بن أبي صفرة وولى مصر في هذه السنة حميد بن قحطبة. وولى على الجزيرة والثغور والعواصم أخاه العباس ابن محمد وكان بها يزيد بن أسيد وعزل عمه إسماعيل عن الموصل، وولى مكانه مالك ابن الهيثم الخزاعي. وفي سنة ست وأربعين عزل الهيثم بن معاوية وولى على مكة والطائف مكانه السري بن عبد الله بن الحرث بن العباس نقله إليها من اليمامة، وولى مكانه من اليمن قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس، وعزل حميد بن ٣/٢٥٢
قحطبة عن مصر وولى مكانه نوفل بن الفرات، ثم عزله وولى مكانه يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة. وولى على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري ثم اتهمه في أمر ابن أبي الحسن فعزله، وولى مكانه رباح بن عثمان المزني ولما قتله أصحاب محمد المهدي ولى مكانه عبد الله بن الربيع الحارثي. ولما قتل إبراهيم أخو المهدي سنة خمس وأربعين ولى المنصور على البصرة سالم بن قتيبة الباهلي، وولى على الموصل ابنه جعفرا مكان مالك بن الهيثم وبعث معه حرب بن عبد الله من أكابر قواده. ثم عزل سالم بن قتيبة عن البصرة سنة ست وأربعين، وولى مكانه محمد بن سليمان، وعزل عبد الله بن الربيع عن المدينة، وولى مكانه جعفر بن سليمان، وعزل السري بن عبد الله عن مكة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن علي.
وولى سنة سبع وأربعين على الكوفة محمد بن سليمان مكان عيسى بن موسى لما سخطه بسبب العهد. وولى مكان محمد بن سليمان على البصرة محمد بن السفاح فاستعفاه ورجع إلى بغداد فمات، واستخلف بها عقبة بن سالم فأقره. وولى على المدينة جعفر بن سليمان، وولى سنة ثمان وأربعين على الموصل خالد بن برمك لإفساد الأكراد في نواحيها، وعزل سنة تسع وأربعين عمه عبد الصمد عن مكة، وولى مكانه محمد بن إبراهيم. وفي سنة خمسين عزل جعفر بن سليمان عن المدينة، وولى مكانه الحسن بن زيد بن الحسن. وفي سنة إحدى وخمسين عزل عمر بن حفص عن السند وولى مكانه هشام بن عمر والثعلبي، وولى عمر بن حفص على إفريقية.
ثم بعث يزيد بن حاتم من مصر مددا له، وولى مكانه بمصر محمد بن سعيد. وفي هذه السنة قتل معن بن زائدة بسجستان كما تقدم فقام بأمره يزيد ابن أخيه يزيد، فأقره المنصور ثم عزله وفي هذه السنة سار عقبة بن سالم من البصرة واستخلف نافع ابن عقبة فغزا البحرين وقتل ابن حكيم العدوي واستقصره المنصور بإطلاق أسراهم فعزله وولى جابر بن مومة الكلابي، ثم عزله وولى مكانه عبد الملك بن طيبان النهيري. ثم عزله وولى الهيثم بن معاوية العكي. وفيها ولى على مكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام، ثم عزله وولى مكانه إبراهيم ابن أخيه يحيى بن محمد، وولى على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري. ومات أسيد بن عبد الله أمير خراسان فولى مكانه حميد بن قحطبة وفي سنة ثلاث وخمسين توفي عبيد الله بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة فاستقضى شريك بن عبد الله النخعي وكان على اليمن ٣/٢٥٣
يزيد بن منصور وفي سنة خمس وأربعين بل أربع وخمسين عزل عن الجزيرة أخاه العباس وأغرمه مالا، وولى مكانه موسى بن كعب الخثعمي، وكان سبب عزله شكاية يزيد بن أسيد منه، ولم يزل ساخطا على العباس حتى غضب على عمه إسماعيل، فشفع فيه إخوته عمومة المنصور فقال عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين شفعوا في أخيهم وأنت ساخط على أخيك العباس منذ كذا! ولم يكلمك فيه أحد منهم فرضي عنه. وفي سنة خمس وخمسين عزل محمد بن سليمان عن الكوفة وولى مكانه عمر بن زهير الضبي أخا المسيب صاحب الشرطة، وكان من أسباب عزله، أنه حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة على الزندقة، وكتب إليه أن يتبين أمره فقتله قبل وصول الكتاب، فغضب عليه المنصور وقال: لقد هممت أن أقيده به. وعزل عمه عيسى في أمره لأنه الذي كان أشار بولايته. وفيها عزل الحسن بن زيد عن المدينة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن علي، وكان على الأهواز وفارس عمارة بن حمزة. وفي سنة سبع وخمسين ولى على البحرين سعيد بن دعلج صاحب الشرطة بالبصرة، فأنفذ إليها ابنه تميما ومات سوار بن عبد الله قاضي البصرة فولى مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العيري. وعزل محمد بن الكاتب عن مصر وولى مكانه مولاه مطرا وعزل هشام بن عمر عن السند وولى مكانه معبد بن الخليل. وفي سنة ثمان وخمسين عزل موسى بن كعب عن الموصل لشيء بلغه عنه فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة موريا بزيارة القدس ويكفل طريقة على الموصل فقبض عليه، وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم وأجله في إحضارها ثلاثا وإلا قتله، فبعث ابنه يحيى إلى عمارة بن حمزة ومبارك التركي وصالح صاحب المصلى وغيرهم من القواد ليستقرض منهم، قال يحيى:
فكلهم بعث إلا أن منهم من منعني الدخول ومنهم من يجيبني بالرد إلا عمارة بن حمزة فإنه أذن لي ووجهه إلى الحائط، ولم يقبل علي، وسلمت فرد خفيفا، وسأل كيف خالد فعرفته واستقرضته فقال: إن أمكنني شيء يأتيك فانصرفت عنه. ثم أنفذ المال فجمعناه في يومين وتعذرت ثلاثمائة ألف. وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة وانتشار الأكراد بها، وسخط موسى بن كعب فأشار عليه المسيب بن زهير بخالد بن برمك فقال: كيف يصلح بعد ما فعلنا؟ فقال: أنا ضامنه فصفح له عما بقي عليه، وعقد له على الموصل، ولابنه يحيى على أذربيجان. وسارا مع المهدي ٣/٢٥٤
فعزل موسى بن كعب وولاهما. قال يحيى: وبعثني خالد إلى عمارة بقرضه وكان مائة ألف، فقال لي: أكنت لأبيك صديقا؟ قم عني لا قمت. ولم يزل خالد على الموصل إلى وفاة المنصور. وفي هذه السنة عزل المنصور المسيب بن زهير عن شرطته وحبسه مقيدا لأنه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط حتى قتله، وكان مع أخيه عمر بن زهير بالكوفة، وولى المنصور على فارس نصر بن حرب بن عبد الله. ثم على الشرطة ببغداد عمر بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار، وعلى قضائها عبد الله بن محمد بن صفوان. ثم شفع المهدي في المسيب وأعاده إلى شرطته.
الصوائف
كان أمر الصوائف قد انقطع منذ سنة ثلاثين بما وقع من الفتن، فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية ونواحيها فنازل حصن بلخ ، واستنجدوا أهل ملطية فأمدوهم بثمانمائة مقاتل، فهزمهم الروم وحاصروا ملطية والجزيرة مفتوحة وعاملها موسى بن كعب بخراسان فسلموا البلد على الأمان لقسطنطين. ودخلوا إلى الجزيرة وخرب الروم ملطية، ثم ساروا إلى قاليقلا ففتحوها.
وفي هذه السنة سار أبو داود وخالد بن إبراهيم إلى الجتن فدخلها فلم تمتنع عليه، وتحصن منه السبيل ملكهم، وحاصره مدة، ثم فرض الحصن ولحق بفرغانة.
ثم دخلوا بلاد الترك وانتهوا إلى بلد الصين، وفيها بعث صالح بن علي بن فلسطين سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدروب. وفي سنة خمس وثلاثين غزا عبد الرحمن بن حبيب عامل إفريقية جزيرة صقلية فغنم وسبى وظفر بما لم يظفر به أحد قبله. ثم سفل ولاة إفريقية بفتن البربر فأمن أهل صقلية وعمر الحصون والمعاقل وجعلوا الأساطيل تطوف بصقلية للحراسة، وربما صادفوا تجار المسلمين في البحر فأخذوهم وفي سنة ثمان وثلاثين خرج قسطنطين ملك الروم فأخذ ملطية عنوة وهدم سورها وعفا عن أهلها. فغزا العباس بن محمد الصائفة ومعه عماه صالح وعيسى، ٣/٢٥٥
وبني ما خربه الروم من سور ملطية من سورة الروم، ورد إليها أهلها وأنزل بها الجند ودخل دار الحرب من درب الحرث وتوغل في أرضهم. ودخل جعفر بن حنظلة البهراني من درب ملطية. وفي سنة تسع وثلاثين كان الفداء بين المسلمين والروم في أسرى قاليقلا وغيرهم. ثم غزا بالصائفة سنة أربعين عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ومعه الحسن بن قحطبة، وسار إليهم قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان وسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم ورجع، ولم تكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين، لاشتغال المنصور بفتنة بني حسن. وفي سنة ست وأربعين خرج الترك والحدر بن باب الأبواب وانتهوا إلى أرمينية وقتلوا من أهلها جماعة ورجعوا. وفي سنة سبع وأربعين أغار أستر خان الخوارزمي في جمع من الترك على أرمينية فغنم وسبى ودخل تفليس فعاث فيها. وكان حرب بن عبد الله مقيما بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارزمي بالجزيرة، فأمره المنصور بالمسير لحرب الترك مع جبريل بن يحيى، فانهزموا وقتل حرب في كثير من المسلمين. وفيها غزا بالصائفة مالك بن عبد الله الخثعمي من أهل فلسطين، ويقال له ملك الصوائف فغنم غنائم كثيرة وقسمها بدرب الحرث وفي سنة تسع وأربعين غزا بالصائفة العباس بن محمد ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، فدخلوا أرض الروم وعاثوا ورجعوا. ومات محمد بن الأشعث في طريقه في سنة إحدى وخمسين وقتل أخوه محمد ولم يدر. ثم غزا بالصائفة سنة أربع وخمسين زفر بن عاصم الهلالي. وفي سنة خمس بعدها طلب ملك الروم الصلح على أن يؤدي الجزية، وغزا بالصائفة يزيد بن أسيد السلمي وغزا بها سنة ست وخمسين وغزا بالصائفة معيوب بن يحيى من درب الحرثى ولقي العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا.
وفاة المنصور وبيعة المهدي
وفي سنة ثمان وخمسين توفي المنصور منصرفا من الحج ببئر ميمون لست خلت من ذي الحجة وكان قد أوصى المهدي عند وداعه فقال: لم أدع شيئا إلا تقدمت إليك فيه ٣/٢٥٦
وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل واحدة منها، وله سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا ففي الثاني والثالث حتى تبلغ سبعة. فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد ما تريد فيها وما أظنك تفعل. فانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت فيها من الأموال ما أنكر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البيوت. فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك وأن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيرا فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك وأن لا تخرج محبتك من قلوبهم، وأن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تستعين برجل من بني سليم وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. وقيل قال له: إني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة وقد يحس في نفسي أن أموت في ذي الحجة في هذه السنة، وإنما حد لي الحج على ذلك. فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجا ومخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب.
يا بني احفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحدود فإن فيها صلاحك في الآجل وصلاحك في العاجل، ولا تعتد فيها فتبور، فإن الله تعالى لو علم أن شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ادخر له من العذاب الأليم فقال: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا 5: 33 الآية. فالسلطان يا بني حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه المقيم فاحفظه وحصنه وذب عنه، وأوقع بالملحدين اقمع المارقين منه، وقابل الخارجين عنه بالعقاب، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل ٣/٢٥٧
ولا تشطط فإن ذلك أقطع للشعث وأحسم للعدو وأنجع في الدواء، واعف عن الفيء فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والأثرة والتبديد لأموال الرعية واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبيل وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم وارفع المكاره عنهم وأعد الأموال واخزنها، وإياك والتبديد فإن النوائب غير مأمونة وهي من شيم الزمان. وأعد الأكراع والرجال والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم لغد فتتداول الأمور وتضيع، وخذ في أحكام الأمور والنازلات في أوقاتها أولا أولا، واجتهد وشمر فيها وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن وأسئ الظن بعملك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسهل إذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك وكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير ساهية. ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه مستيقظ. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وسار إلى الكوفة فأحرم منها قارنا، وساق الهدي وأشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة. ولما سار منازل عرض له وجعه الذي مات به. ثم اشتد فجعل يقول للربيع وكان عديله بادر بي إلى حرم ربي هاربا من ذنوبي فلما وصل بئر ميمون مات سحر السادس من ذي الحجة لم يحضر إلا خدمه والربيع مولاه. فكتموا الأمر ثم غدا أهل بيته على عادتهم، فدعا عيسى بن علي العم ثم عيسى بن موسى بن محمد ولي العهد، ثم الأكابر وذوي الأنساب، ثم عامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي ثم بايع القواد وعامة الناس. وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة فبايعا الناس للمهدي بين الركن والمقام وجهزوه إلى قبره وصلى عليه عيسى بن موسى وقيل إبراهيم ابن يحيى، ودفن في مقبرة المعلاة وذلك لاثنتين وعشرين سنة من خلافته. وذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه وهو من أهل البصرة وكان يختلف إلى المنصور تلك الأيام قال: جئت من مكة صبيحة موته إلى العسكر، فإذا موسى بن المهدي عند عمود السرادق والقاسم بن المنصور في ناحية فعلمت أنه قد مات. ثم أقبل الحسن بن زيد العلوي والناس حتى ملئوا السرادق وسمعنا همس البكاء. ثم خرج أبو العنبر الخادم مشقوق الأقبية وعلى رأسه التراب وهو يستغيث، وقام القاسم فشق ثيابه. ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس فقرأه على الناس وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ٣/٢٥٨
المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بني هاشم وشيعة من أهل خراسان وعامة المسلمين. ثم بكى وبكى الناس ثم قال: البكاء أمامكم فأنصتوا رحمكم الله: ثم قرأ: أما بعد فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا ولا يذيق بعضكم بأس بعض. ثم أخذ في وصيتهم للمهدي وحثهم على الوفاء بعهده. ثم تناول الحسن بن زيد وقال: قم فبايع، فبايع موسى بن المهدي لأبيه ثم بايع الناس الأول فالأول.
ثم دخل بنو هاشم وهو في أكفانه مكشوف الرأس لمكان الإحرام، فحملوه على ثلاثة أميال من مكة فدفنوه. وكان عيسى بن موسى لما بايع الناس أبى من الشيعة فقال له علي بن عيسى بن ماهان: والله لتبايعن وإلا ضربنا عنقك. ثم بعث موسى بن المهدي والربيع بالخبر والبردة والقضيب وخاتم الخلافة إلى المهدي وخرجوا من مكة. ولما وصل الخبر إلى المهدي منتصف ذي الحجة اجتمع إليه أهل بغداد وبايعوه، وكان أول ما فعله المهدي حين بويع أنه أطلق من كان في حبس المنصور إلا من كان في دم أو مال أو ممن يسعى بالفساد، وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود وكان محبوسا مع الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن. فلما أطلق ساء ظن إبراهيم وبعث إلى من يثق به بحفر سرب يفضي إلى محبسه وبلغ ذلك يعقوب بن داود فجاء إلى ابن علاثة القاضي وأوصله إلى أبي عبيد الله الوزير ليوصله إلى المهدي فأوصله واستخلاه فلم يحدثه حتى قام الوزير والقاضي وأخبره بتحقيق الحال، فأمره بتحويل الحسن، ثم هرب بعد ذلك ولم يظفر به. وشاور يعقوب بن داود في أمره فقال أعطه الأمان وأنا أحضره وأحضره. ثم طلب من المهدي أن يجعل له السبيل في رفع أمور الناس وراء بابه إليه فأذن له وكان يدخل كلما أراد ويرفع إليه النصائح في أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وترويح العذاب وفكاك الأسرى والمحبوسين، والقضاء عن الغارمين والصدقة على المتعففين فحظي بذلك وتقدمت منزلته وسقطت منزلة أبي عبد الله، ووصله المهدي بمائة ألف وكتب له التوقيع بالإخاء في الله.
ظهور المقنع ومهلكه
كان هذا المقنع من أهل مرو ويسمى حكيما وهاشميا، وكان يقول بالتناسخ وأن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح ثم إلى أبي مسلم ثم إلى هاشم وهو ٣/٢٥٩
المقنع. فظهر بخراسان وادعى الإلهية واتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه فسمي المقنع، وأنكر قتل يحيى بن زيد وزعم أنه يأخذ بثأره، وتبعه خلق عظيم من الناس وكانوا يسجدون له. وتحصن بقلعة بسام من رساتيق كش وكان قد ظهر بخارى والصغد جماعة من المبيضة فاجتمعوا معه على الخلاف، وأعانهم كفار الأتراك وأغاروا على المسلمين من ناحيتهم، وحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر بن سيار، فقتلوا أخاه محمد بن نصر وحسان ابن أخيه تميم. وأنفذ المهدي إليهم جبريل بن يحيى وأخاه يزيد لقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر في بعض حصون بخارى وملكوه عنوة، فقتل منهم سبعمائة ولحق فلهم بالمقنع وجبريل في اتباعهم. ثم بعث المهدي أبا عون لمحاربة المقنع فلم يبالغ في قتاله فبعث معاذ بن مسلم في جماعة القواد والعساكر وعلى مقدمته سعيد الحريشي، وأتاه عقبة بن مسلم من ذم فاجتمعوا بالطواويس وأوقعوا بأصحاب المقنع فهزموهم، ولحق فلهم بالمقنع في بسام فتحصنوا بها. وجاء معاذ فنازلهم وفسد ما بينه وبين الحريشي، فكتب الحريشي إلى المهدي بالسعاية في معاذ ويضمن الكفاية إن أفرد بالحرب، فأجابه المهدي إلى ذلك وانفرد بحرب المقنع وأمده معاذ بابنه وجاءوا بآلات الحرب حتى طلب أصحاب المقنع الأمان سرا فأمنهم، وخرج إليه ثلاثون ألفا وبقي معه زهاء ألفين، وضايقوه بالحصار فأيقن بالهلاك وجمع نساءه وأهله فيقال سقاهم السم، ويقال بل أحرقهم وأحرق نفسه بالنار ودخلوا القلعة وبعث الحريشي برأس المقنع إلى المهدي فوصل إليه بحلب سنة ثلاث وتسعين.
الولاة أيام المهدي
وعزل المهدي سنة تسع وخمسين عمه إسماعيل عن الكوفة وولى عليها إسحاق بن الصفاح الكندي ثم الأشعي، وقتل عيسى بن لقمان بن محمد بن صاحب الجمحي وعزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة، وولى مكانهما عبد الملك بن أيوب بن طيبان الفهيري. ثم جعل الأحداث إلى عمارة بن حمزة فولاها للسود بن عبد الله الباهلي. وعزل قثم بن العباس عن اليمامة وولى مكانه الفضل بن صالح، وعزل مطرا مولى المنصور عن مصر ٣/٢٦٠
وولى مكانه أبا ضمرة محمد بن سليمان. وعزل عبد الصمد بن علي عن المدينة وولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيري ثم عزله وولى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان، ثم عزله وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي. وتوفي معبد بن الخليل عامل السند فولى مكانه روح بن حاتم بإشارة وزيره أبي عبد الله. وتوفي حميد بن قحطبة بخراسان فولى عليها مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم سخطه سنة ستين فعزله، وولى معاذ بن مسلم. وولى على سجستان حمزة بن يحيى وعلى سمرقند جبريل بن يحيى فبنى سورها وحصنها وكان على اليمن رجاء بن روح وولى على قضاء الكوفة شريك وولى على فارس والأهواز ودجلة قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن ثم عزله وولى مكانه محمد بن سليمان، وولى على السند بسطام بن عمر وولى على اليمامة بشر بن المنذر وفي سنة إحدى وتسعين ولى على السند محمد بن الأشعث واستقضى عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة وعزل الفضل بن صالح عن الجزيرة، وولى مكانه عبد الصمد بن علي، وولى عيسى بن لقمان على مصر ويزيد بن منصور على سواد الكوفة وحسان السروري على الموصل وبسطام بن عمر والثعلبي على أذربيجان، وعزله عن السند. وتوفي نصر بن مالك بن صالح صاحب الشرطة فولى مكانه حمزة بن مالك وكان الأبان بن صدقة كاتبا للرشيد، فصرفه وجعل مع الهادي، وجعل هو مع هارون يحيى ابن خالد وعزل محمد بن سليمان أبا ضمرة عن مصر وولى مكانه سليمان بن رجاء، وكان على سواد الكوفة يزيد بن منصور وعلى أحداثها إسحاق بن منصور. وفي سنة ست وستين عزل علي بن سليمان عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان، وعزل مسلمة بن رجاء عن مصر وولى مكانه عيسى بن لقمان ثم عزله لأشهر. وولى مكانه مولاه واضحا، ثم عزله وولى مكانه يحيى الحريشي، وكان على طبرستان عمر بن العلاء وسعيد بن دعلج وعلى جرجان مهليل بن صفوان ووضع ديوان الأرمة وولى عليها عمر بن يزيع مولاه.
العهد للهادي وخلع عيسى
كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية ٣/٢٦١
العهد والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، ونمي ذلك إلى المهدي فسر به واستقدم عيسى بن موسى من منزله بالرحبة من أعمال الكوفة فامتنع من القدوم. فاستعمل المهدي على الكوفة روح بن حاتم وأوصاه بالإضرار فلم يجد سبيلا إلى ذلك. وكان عيسى لا يدخل الكوفة إلا يوم جمعة أو عيد. وبعث إليه المهدي يتهدده فلم يجب، ثم بعث عمه العباس يستقدمه فلم يحضر، فبعث قائدين من الشيعة فاستحضراه إليه، وقدم على عسكر المهدي وأقام أياما يختلف إليه ولا يكلم بشيء. وحضر الدار يوما وقد اجتمع رؤساء الشيعة لخلعه فثاروا به وأغلق الباب الذي كان خلفه فكسروه، وأظهر المهدي النكير عليهم فلم يرجعوا إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته وأشدهم محمد بن سليمان واعتذر بالإيمان التي عليه. فأحضر المهدي القضاة والفقهاء وفيهم محمد بن علاثة ومسلم بن خالد الزنجي، فأفتوه بمخارج الإيمان وخلع نفسه وأعطاه المهدي عشرة آلاف درهم وضياعا بالزاب وكسكر وبايع لابنه موسى الهادي بالعهد. ثم جلس المهدي من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم وخرج إلى الجامع وعيسى معه فخطب وأعلم الناس ببيعة الهادي ودعاهم إليها فبادروا وأشهد عيسى بالخلع.
فتح باربد من السند
وبعث المهدي سنة تسع وخمسين عبد الملك بن شهلب المسمعي في جمع كثير من الجند والمقطوعة إلى بلاد الهند فركبوا البحر من فارس ونزلوا بأرض الهند، وفتحوا باربد فافتتحوها عنوة، ولجأ أهلها إلى البد فأحرقوه عليهم فاحترق بعض وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون وأقاموا بعض أيام إلى أن يطيب الريح فوقع فيهم موتان فهلك ألف فيهم إبراهيم بن صبيح. ثم ركبوا البحر إلى فارس فلما انتهوا إلى ساحل حران عصفت بهم الريح فانكسرت عامة مراكبهم وغرق الكثير منهم.
حج المهدي
وفي سنة ستين حج المهدي واستخلف على بغداد ابنه الهادي، وخاله يزيد بن منصور، واستصحب ابنه هارون وجماعة من أهل بيته، وكان معه الوزير يعقوب بن ٣/٢٦٢
داود، فجاء في مكة بالحسن بن إبراهيم الذي ضمنه على الأمان فوصله المهدي وأقطعه. ولما وصل إلى مكة اهتم بكسوة الكعبة فكساها بأفخر الكسوة بعد أن نزع ما كان عليها. وكانت فيها كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وقسم مالا عظيما هنالك في مصارف الخير فكان منه مما جاء به من العراق ثلاثون ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار ومن اليمن مائة ألف دينار ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع المسجد، ونقل خمسمائة من الأنصار إلى العراق جعلهم في حرسه وأقطع لهم وأجرى الأرزاق. ولما رجع أمر ببناء القصور بطريق مكة أوسع من قصور المنصور من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منها منهل، وبتحديد الأميال وحفر الآبار، وولى على ذلك بقطير بن موسى، وأمر بالزيادة في مسجد البصرة وتصغير المنابر إلى مقدار منبر النبي صلى الله عليه وسلم. وأمر في سنة سبع وستين بالزيادة في الحرمين على يد بقطير فدخلت فيه دور كثيرة، ولم يزل البناء فيهما إلى وفاة المهدي.
نكبة الوزير أبي عبد الله
كان أبو عبد الله الأشعري قد اتصل بالمهدي أيام أبيه المنصور فلطفت عنده منزلته واستوزره وسار معه إلى خراسان وعظمت به بطانة المهدي فأكثروا فيه السعاية، وكان الربيع يدرأ عنه ويعرض كتبه على المنصور ويحسن القول فيه. فكتب المنصور إلى المهدي بالوصاة به وأن لا يقبل فيه السعاية، ولما مات المنصور قام الربيع ببيعة المهدي، وقدموا إلى بغداد جاء الربيع إلى باب أبي عبد الله قبل المهدي وقبل أهله فعذله ابنه الفضل على ذلك، فقال: هو صاحب الرجل وينبغي أن نعامله بغير ما كنا نعامله، وإياك أن تذكر ما كنا نصنع في حقه أو تمنن بذلك في نفسك. فلما وقف ببابه أمهله طويلا من المغرب إلى العشاء ثم أذن له فدخل عليه وهو متكئ فلم يجلس ولا أقبل عليه. وشرع الربيع يذكر أمر البيعة فكفه وقال: قد بلغنا أمركم.
فلما خرج استطال عليه ابنه الفضل بالعذل فيما فعل بأن لم يكن الصواب. فقال له:
ليس الصواب إلا ما عملته، ولكن والله لأنفقن مالي وجاهي في مكروهة، وجد في السعاية فيه فلم يجد طريقا إليها لاحتياطه في أمر دينه وأعماله. فأتاه من قبل ابنه محمد ودس إلى المهدي بعرضه لحرمة وأنه زنديق، حتى لا استحكمت التهمة فيه أحضره ٣/٢٦٣
المهدي في غيبة من أبيه، ثم قال له: اقرأ فلم يحسن فقال لأبيه: ألم تقل أن ابنك يقرأ القرآن؟ فقال: فارقني منذ سنين وقد نسي، فأمر به المهدي فقتل. واستوحش من أبي عبد الله وساءت منزلته إلى أن كان من أمره ما نذكره وعزله عن ديوان الرسائل ورده إلى الربيع، وارتفعت منزلة يعقوب بن داود عند المهدي وعظم شأنه وأنفذ عهده إلى جميع الآفاق بوضع الأمناء ليعقوب، وكان لا ينفذ كتاب المهدي حتى يكتب يعقوب إلى يمينه بإنفاذ ذلك.
ظهور دعوة العباسية بالأندلس وانقطاعها
وفي سنة إحدى وستين أجاز عبد الرحمن بن حبيب الفهري من إفريقية إلى الأندلس داعية لبني العباس، ونزل بساحل مرسية، وكاتب سليمان بن يقطن عامل سرقسطة في طاعة المهدي فلم يجبه. وقصد بلاده فيمن معه من البربر فهزمه سليمان وعاد إلى تدبير . وسار إليه عبد الرحمن صاحب الأندلس وأحرق السفن في البحر تضييقا على ابن حبيب في النجاة فاعتصم بجبل منيع بنواحي بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه المال فاغتاله بعض البربر وحمل رأسه إليه فأعطاه ألف دينار وذلك سنة اثنتين وستين. وهم عبد الرحمن صاحب الأندلس أمر ذلك لغزو الشام من الأندلس على العدوة الشمالية لأخذ ثأره فعصى عليه سليمان بن يقطن والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري في سرقسطة فشغلوه عما اعتزم عليه من ذلك.
غزو المهدي
تجهز المهدي سنة ثلاث وستين لغزو الروم وجمع الأجناد من خراسان ومن الآفاق وتوفي عمه عيسى بن علي آخر جمادى الأخيرة بعسكره، وسار من الغد واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي واستصحب هارون، ومر في طريقه بالجزيرة والموصل، فعزل عبد الصمد بن علي وحبسه ثم أطلقه سنة ست وستين. ولما جاز ببني مسلمة بن عبد الملك ذكره عمه العباس بما فعله مسلمة مع جدهم محمد بن علي، وكان أعطاه مرة في اجتيازه عليه ألف دينار فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه وأعطاهم عشرين ألف دينار وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، فأقام بها وبعث ابنه ٣/٢٦٤
هارون للغزو وأجاز معه الدروب إلى جيحان مشيعا، وبعث معه عيسى بن موسى وعبد الملك بن صالح والحسن بن قحطبة والربيع بن يونس ويحيى بن خالد بن برمك وكان إليه أمر العسكر والنفقات، وحاصروا حصن سمالوا أربعين يوما ثم فتحوه بالأمان وفتحوا بعده فتوحات كثيرة، وعادوا إلى المهدي وقد أثخن في الزنادقة وقتل من كان في تلك الناحية منهم. ثم قفل إلى بغداد ومر ببيت المقدس وصلى في مسجده ورجع إلى بغداد.
العهد لهارون
وفي سنة ست وستين أخذ المهدي البيعة لابنه هارون بعد أخيه الهادي ولقبه الرشيد.
نكبة الوزير يعقوب بن داود
كان أبو داود بن طهمان كاتبا لنصر بن سيار هو وإخوته وكان شيعيا وعلى رأي الزيدية ولما خرج يحيى بن زيد بخراسان كان يكاتبه بأخبار نصر فأقصاه نصر، فلما طلب أبو مسلم بدم يحيى جاءه داود فأمنه في نفسه وأخذ ما اكتسبه من المال أيام نصر، وأقام بعد ذلك عاطلا. ونشأ له ولد أهل أدب وعلم وصحبوا أولاد الحسن. وكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله فورثوا ذلك عنه، ولما قتل إبراهيم طلبهم المنصور وحبس يعقوب وعليا مع الحسن بن إبراهيم حتى توفي، وأطلقهما المهدي بعده مع من أطلق.
وداخله المهدي في أمر الحسن لما فر من الحبس فكان ذلك سببا لوصلته بالمهدي حتى استوزره، فجمع الزيدية وولاهم شرقا وغربا وكثرت السعاية فيه من البطانة بذلك وبغيره وكان المهدي يقبل سعايتهم حتى يروا أنها قد تمكنت، فإذا غدا عليه تبسم وسأله. وكان المهدي مشتهرا بالنساء فيخوض معه في ذلك وفيما يناسبه ويتغلب برضاه وسامره في بعض الليالي وجاء ليركب دابته وقد نام الغلام، فلما ركب نفرت الدابة من قعقعة ردائه فسقط ورمحته فانكسر فانقطع عن المهدي وتمكن أعداؤه من السعاية حتى سخطه وأمر به فحبس وحبس عماله وأصحابه. ويقال بل دفع إليه علويا ليقتله فأطلقه، ونمي ذلك إلى المهدي فأرسل من أحضره، وقال ليعقوب أين العلوي؟ فقال: قتلته فأخرجه إليه حتى رآه. ثم حبس في المطبق ودلي في بئر فيه.
وبقي أيام المهدي والهادي ثم أخرج وقد عمي وسأل من الرشيد المقام بمكة فأذن له.
وقيل في سبب تغيره أنه كان ينهى المهدي عن شرب أصحابه النبيذ عنده، ويكثر ٣/٢٦٥
عليه في ذلك ويقول: أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ لا والله لا على هذا استوزرتني ولا عليه صحبتك!
مسير الهادي إلى جرجان
وفي سنة سبع وستين عصى وتداهر من شرو بن ملكا طبرستان من الديلم فبعث المهدي ولي عهده موسى الهادي وجعل على جنده محمد بن حميد وعلى حجابته نفيعا مولى المنصور وعلى حرسه عيسى بن ماهان وعلى رسائله أبان بن صدقة وتوفي أبان بن صدقة فبعث المهدي مكانه أبا خالد الأجرد . فسار المهدي وبعث الجنود في مقدمته وأمر عليهم يزيد فحاصرهما حتى استقاما وعزل المهدي يحيى الحريشي عن طبرستان وما كان إليه وولى مكانه عمر بن العلاء وولى على جرجان فراشة مولاه ثم بعث سنة ثمان وستين يحيى الحريشي في أربعين ألفا إلى طبرستان.
العمال بالنواحي
وفي سنة ثلاث وستين ولى المهدي ابنه هارون على المغرب كله وأذربيجان وأرمينية وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى وعلى الرسائل يحيى بن خالد بن برمك وعزل زفر بن عاصم عن الجزيرة وولى مكانه عبد الله بن صالح، وعزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولى مكانه المسيب بن زهير الضبي، وعزل يحيى الحريشي عن أصبهان وولى مكانه الحكم بن سعيد، وعزل سعيد بن دعلج عن طبرستان وولى مكانه عمر بن العلاء، ومهلهل بن صفوان عن جرجان وولاها هشام بن سعيد.
وكان على الحجاز واليمامة جعفر بن سليمان، وعلى الكوفة إسحاق بن الصباح، وعلى البحرين والبصرة وفارس والأهواز محمد بن سليمان، فعزله سنة أربع وستين وولى مكانه صالح بن داود. وكان على السند محمد بن الأشعث. وفي سنة خمس وستين عزل خلف بن عبد الله عن الري وولاها عيسى مولى جعفر، وولى على البصرة روح بن حاتم وعلى البحرين وعمان والأهواز وفارس وكرمان النعمان مولى المهدي. وعزل محمد بن الفضل عن الموصل وولى مكانه أحمد بن إسماعيل. وفي سنة ست وستين ٣/٢٦٦
عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن قضاء البصرة واستقضى مكانه خالد بن طليق ابن عمران بن حصين فاستعفى أهل البصرة منه. وولى المهدي على قضائه أبا يوسف حين سار إلى جرجان. واضطربت في هذه السنة خراسان على المسيب بن زهير فولاها أبا العباس الفضل بن سليمان الطوسي، وأضاف إليه سجستان، فولى هو على سجستان سعيد بن دعلج. وولى على المدينة إبراهيم ابن عمه وعزل منصور بن يزيد عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان الربعي. وكان على مصر إبراهيم بن صالح وتوفي في هذه السنة عيسى بن موسى بالكوفة وهي سنة سبع وستين. وعزل المهدي يحيى الحريشي عن طبرستان والرويان وما كان إليه وولاه عمر بن العلاء وولى على جرجان فراشة مولاه. وحج بالناس إبراهيم ابن عمه يحيى وهو على المدينة ومات بعد قضاء الحج، فولى مكانه إسحاق بن موسى بن علي وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثي وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري وعلى البصرة محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر بن عثمان التميمي وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي. وقتل موسى بن كعب ووقع الفساد في بادية البصرة من الأعراب بين اليمامة والبحرين وقطعوا الطرق وانتهكوا المحارم وتركوا الصلاة.
الصوائف
وفي سنة تسع وخمسين أغزى المهدي عمه العباس بالصائفة وعلى مقدمته الحسن الوصيف فبلغوا أهرة وفتحوا مدينة أوهرة ورجعوا سالمين ولم يصب من المسلمين أحد. وفي سنة إحدى وستين غزا بالصائفة يمامة بن الوليد فنزل دابق وجاشت الروم مع ميخاييل في ثمانين ألفا ونزل عمق مرعش فقتل وسبى وغنم، وحاصر مرعش وقتل من المسلمين عددا، وانصرف إلى جيحان فكان عيسى بن علي مرابطا بحصن مرعش فعظم ذلك على المهدي وتجهز لغزو الروم. وخرجت الروم سنة اثنتين وستين إلى الحرث فهدموا أسوارها وغزا بالصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفا من المرتزقة فبلغ جهة أدرركبه وأكثر التحريق والتخريق ولم يفتح حصنا ولا لقي ٣/٢٦٧
جمعا ورجع بالناس سالما. وغزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا فغنم وسبى وفتح ثلاثة حصون. ثم غزا المهدي بنفسه سنة ثلاث وستين كما مر ثم غزا سنة أربع وستين عبد الكبير بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحرث فخرج إليه ميخاييل وطارد الأرمني البطريقان في تسعين الفا فحام عن لقائهم ورجع بالناس، فغضب عليه المهدي وهم بقتله فشفع فيه وحبسه. وفي سنة خمس وستين بعث المهدي ابنه هارون بالصائفة وبعث معه الربيع فتوغل في بلاد الروم ولقيه عسكر نقيطا من القواميس فبارزه يزيد بن مزيد فهزمهم، وغلب على عسكرهم ولحقوا بالدمشق صاحب المسالح، فحمل لهم مائتي ألف دينار واثنتين وعشرين ألف درهم، وسار الرشيد بعساكره وكانت نحوا من مائة ألف فبلغ خليج قسطنطينية وعلى الروم يومئذ غسطة امرأة إليوك كافلة لابنها منه صغيرا، فجرى الصلح على الفدية وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق لأن مدخله كان ضيقا مخوفا فأجابت لذلك، وكان مقدار الفدية سبعين ألف دينار كل سنة ومدة الصلح ثلاث سنين وكان ما سباه المسلمون قبل الصلح خمسة آلاف رأس وستمائة رأس وقتل من الروم في وقائع هذه الغزوات أربعة وخمسون ألفا ومن الأسرى ألفان. ثم نقض الروم هذا الصلح سنة ثمان وستين ولم يستكملوا مدته بقي منها أربعة أشهر وكان على الجزيرة وقنسرين علي ابن سليمان فبعث يزيد بن البدر بن البطال في عسكر فغنموا وسبوا وظفروا ورجعوا.
وفاة المهدي وبيعة الهادي
وفي سنة تسع وستين اعتزم المهدي على خلع ابنه موسى الهادي من العهد والبيعة للرشيد به، وتقديمه على الهادي وكان بجرجان فبعث إليه بذلك فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع، فسار إليه المهدي فلما بلغ ماسبدان توفي هنالك. يقال مسموما من بعض جواريه، ويقال سمت إحداهما الأخرى في كثرى فغلط وأكلها ويقال حاز صيدا فدخل وراءه إلى خربة فدق الباب ظهره وكان موته في المحرم وصلى عليه ابنه الرشيد وبويع ابنه موسى الهادي لما بلغه موت أبيه وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان. وكان الرشيد لما توفي المهدي والعسكر بماسبدان نادى في الناس بإعطاء ٣/٢٦٨
تسكينا وقسم فيهم مائتين مائتين، فلما استوفوها تنادوا بالرجوع إلى بغداد وتشايعوا إليها واستيقنوا موت المهدي، فأتوا باب الربيع وأحرقوه وطالبوا بالأرزاق ونقبوا السجون.
وقدم الرشيد بغداد في أثرهم فبعثت الخيزران إلى الربيع فامتنع يحيى خوفا من غيرة الهادي وأمرت الربيع بتسكين الجند فسكنوا وكتب الهادي إلى الربيع يتهدده فاستشار يحيى في أمره وكان يثق بوده فأشار عليه بأن يبعث ابنه الفضل يعتذر عنه وتصحبه الهدايا والتحف ففعل ورضى الهادي عنه وأخذت البيعة ببغداد للهادي. وكتب الرشيد بذلك إلى الآفاق وبعث نصيرا الوصيف إلى الهادي بجرجان فركب اليزيد إلى بغداد فقدمها في عشرين يوما. فاستوزر الربيع وهلك لمدة قليلة من وزارته. واشتد الهادي في طلب الزنادقة وقتلهم، وكان منهم علي بن يعطى ويعقوب بن الفضل من ولد ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، كان قد أقر بالزندقة عند المهدي إلا أنه كان مقسما أن لا يقتل هاشميا فحبسه وأوصى الهادي بقتله وبقتل ولد عمهم داود بن علي فقتلهما (وأما عماله) فكان على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعلى مكة والطائف عبد الله بن قثم وعلى اليمن إبراهيم بن مسلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن سليم الحواري وعلى الكوفة موسى بن عيسى بن موسى، وعلى البصرة ابن سليمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي، وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن عمير مولى وعلى الموصل هاشم بن سعيد بن خالد، وعزله الهادي لسوء سيرته وولى مكانه عبد الملك وصالح بن علي (وأما الصائفة) فغزا بها في هذه السنة وهي سنة تسع وتسعين معيوب بن يحيى وقد كان الروم خرجوا مع بطريق لهم إلى الحرث فهرب الوالي ودخلها الروم وعاثوا فيها فدخل معيوب وراءهم من درب الراهب وبلغ مدينة استة وغنم وسبى وعاد.
ظهور الحسين المقتول بفتح
وهو الحسين بن علي بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط، كان الهادي ٣/٢٦٩
قد استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز كما مر فأخذ يوما الحسن بن المهدي بن محمد بن عبد الله بن الحسين الملقب أبا الزفت، ومسلم بن جندب الهذلي الشاعر، وعمر بن سلام مولى العمريين على شراب لهم، فضربهم وطيف بهم بالمدينة بالحبال في أعناقهم، وجاء الحسين إليه فشفع فيهم وقال: ليس عليهم حد فإن أهل العراق لا يرون به بأسا وليس من الحد أن نطيفهم فحبسهم. ثم جاء ثانية ومعه من عمومته يحيى بن عبد الله بن الحسن صاحب الديلم بعد ذلك فكفلاه وأطلقه من الحبس. وما زال آل أبي طالب يكفل بعضهم بعضا ويعرضون فغاب الحسن عن العرض يومين، فطلب به الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله كافليه وأغلظ لهما، فحلف يحيى أنه يأتي به من ليلته أو يدق عليه الباب يؤذنه به. وكان بين الطالبيين ميعاد للخروج في الموسم فأعجلهم ذلك عنه وخرجوا من ليلتهم. وضرب يحيى على العمري في باب داره بالسيف واقتحموا المسجد فصلوا الصبح وبايع الناس الحسين المرتضى من آل محمد على كتاب الله وسنة رسوله. وجاء خالد اليزيدي في مائتين من الجند والعمري وابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد في ناس كثيرين فقاتلوهم وهزموهم من المسجد، واجتمع يحيى وإدريس بن عبد الله بن حسن فقتلاه وانهزم الباقون وافترق الناس.
وأغلق أهل المدينة أبوابهم وانتهب القوم من بيت المال بضعة عشر ألف دينار وقيل سبعين ألفا، واجتمعت شيعة بني العباس من الغد وقاتلوهم إلى الظهر وفشت الجراحات وافترقوا. ثم قدم مبارك التركي من الغد حاجا فقاتل مع العباسية إلى منتصف النار وافترقوا، وواعدهم مبارك الرواح إلى القتال واستغفلهم وركب رواحله راجعا واقتتل الناس المغرب ثم افترقوا. ويقال إن مباركا دس إلى الحسين بذلك تجافيا عن أذية أهل البيت، وطلب أن يأخذ له عذرا في ذلك بالبيات فبيته الحسين واستطرد له راجعا. وأقام الحسين وأصحابه بالمدينة واحدا وعشرين يوما آخر ذي القعدة، ولما بلغها نادى في الناس بعتق من أتى إليه من العبيد فاجتمع إليه جماعة.
وكان قد حج تلك السنة رجال من بني العباس منهم سليمان بن المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي وموسى وإسماعيل أبناء عيسى بن موسى. ولما بلغ خبر الحسين إلى الهادي كتب إلى محمد بن سليمان وولاه على حربه وكان معه رجال وسلاح وقد أغذ بهم عن البصرة خوف الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وقدموا مكة فحلوا من العمرة التي كانوا أحرموا بها. وانضم إليهم من حج من شيعتهم ٣/٢٧٠
ومواليهم وقوادهم، واقتتلوا يوم التروية، فانهزم الحسين وأصحابه وقتل كثير منهم، وانصرف محمد بن سليمان وأصحابه إلى مكة ولحقهم بذي طوى رجل من خراسان برأس الحسين ينادي من خلفهم بالبشارة، حتى ألقى الرأس بين أيديهم مضروبا على قفاه وجبهته، وجمعت رءوس القتلى فكانت مائة ونيفا وفيها رأس سليمان أخي المهدي ابن عبد الله، واختلط المنهزمون بالحاج. وجاء الحسن بن المهدي أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وقتله وغضب محمد بن سليمان من ذلك وغضب الهادي لغضبه وقبض أمواله وغضب على مبارك التركي وجعله سائس الدواب فبقي كذلك حتى مات الهادي. وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله أخو المهدي فأتى مصر وعلي يريدها، وأصبح مولى صالح بن المنصور وكان يتشيع لآل علي فحمله على البريد إلى المغرب ووقع بمدينة وليلة من أعمال طنجة واجتمع البريد على دعوته وقتل الهادي وأصحابه بذلك وصلبه وكان لإدريس وابنه إدريس وأعقابهم حروب نذكرها بعده.
حديث الهادي في خلع الرشيد
كان الهادي يبغض الرشيد بما كان المهدي أبوهما يؤثره، وكان رأى في منامه أنه دفع إليهما قضيين فأورق قضيب الهادي من أعلاه وأورق قضيب الرشيد كله، وتأول ذلك بقصر مدة الهادي وطول مدة الرشيد وحسنها. فلما ولي الهادي أجمع خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر مكانه، وفاوض في ذلك قواده فأجابه يزيد بن مزيد وعلي بن عيسى وعبد الله بن مالك، وحرضوا الشيعة على الرشيد لينقصوه ويقولوا لا نرضى به، ونهى الهادي أن يشاور بين يديه بالحرب فاجتنبه الناس، وكان يحيى بن خالد يتولى أموره فاتهمه الهادي بمداخلته وبعث إليه وتهدده فحضر عنده مستميتا وقال:
يا أمير المؤمنين أنت أمرتني بخدمته من بعد المهدي! فسكن غضبه وقال له في أمر الخلع فقال: يا أمير المؤمنين أنت إن حملت الناس على نكث الإيمان فيه هانت عليهم فيمن توليه، وإن بايعت بعده كان ذلك أوثق للبيعة، فصدقه وسكت عنه، ٣/٢٧١
وعاد أولئك الذين جفلوه من القواد والشيعة فأغروه بيحيى وأنه الذي منع الرشيد من خلع نفسه، فحبسه الهادي فطلب الحضور للنصيحة، وقال له يا أمير المؤمنين أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو صبي ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم، وتأمن أن يسمو إليها عند ذلك أكابر أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك، والله لو لم يعقده المهدي لكان ينبغي أن تعقده أنت له حذرا من ذلك، وإني أرى أن تعقده لأخيك، فإذا بلغ ابنك أتيتك بأخيك فخلع نفسه وبايع له فقبل الهادي قوله وأطلقه. ولم يقنع القواد ذلك لأنهم كانوا حذرين من الرشيد في ذلك وضيق عليه واستأذنه في الصيد فمضى إلى قصر مقاتل ونكره الهادي وأظهر خفاءه وبسط الموالي والقواد فيه ألسنتهم.
وفاة الهادي وبيعة الرشيد
ثم خرج الهادي إلى حديقة الموصل فمرض واشتد مرضه هنالك واستقدم العمال شرقا وغربا. ولما ثقل تآمر القواد الذين بايعوا جعفرا في قتل يحيى بن خالد، ثم أمسكوا خوفا من الهادي. ثم توفي الهادي في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وقيل توفي بعد أن عاد من حديقة الموصل. ويقال إن أمه الخيزران وصت بعض الجواري عليه فقتلته لأنها كانت أول خلافته تستبد عليه بالأمور فعكف الناس واختلفت المواكب، ووجد الهادي لذلك فكلمته يوما في حاجة فلم يجبها فقالت: قد ضمنتها لعبد الله بن مالك. فغضب الهادي وشتمه وحلف لاقضيتها فقامت مغضبة، فقال:
مكانك وإلا انتفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. لئن بلغني أن أحدا من قوادي وخاصتي وقف ببابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، ما للمواكب تغدو وتروح عليك؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟
إياك إياك لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي! فانصرفت وهي لا تعقل. ثم قال لأصحابه: أيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، ويقال فعلت أم فلان وصنعت؟ فقالوا لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون معها؟
فيقال: إنه لما جد في خلع الرشيد خافت عليه منه، فلما ثقل مرضه وصت بعض الجواري فجلست على وجهه فمات، وصلى عليه الرشيد. وجاء هرثمة بن أعين إلى ٣/٢٧٢
الرشيد فأخرجه وأجلسه للخلافة، وأحضر يحيى فاستوزره وكتب إلى الأطراف بالبيعة. وقيل: إن يحيى هو الذي جاءه وأخرجه فصلى على الهادي ودفنه إلى يحيى وأعطاه خاتمه. وكان يحيى يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد. وعزل لأول خلافته عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة وولى مكانه إسحاق بن سليمان، وتوفي يزيد بن حاتم عامل إفريقية، فولى مكانه روح بن حاتم، ثم توفي فولى مكانه ابنه الفضل، ثم قتل فولى هرثمة بن أعين كما يذكر في أخبار إفريقية. وأفرد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها عمالة واحدة وسماها العواصم، وأمره بعمارة طرسوس ونزلها الناس. وحج لأول خلافته وقسم في الحرمين مالا كثيرا. وأغزى بالصائفة سليمان بن عبد الله البكائي، وكان على مكة والطائف عبد الله بن قثم وعلى الكوفة عيسى بن موسى وعلى البحرين والبصرة واليمامة وعمان والأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي، وعلى خراسان أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسي ثم عزله وولى مكانه جعفر بن محمد بن الأشعث. فسار إلى خراسان وبعث ابنه العباس إلى كابل فافتتحها وافتتح سابهار وغنم ما كان فيها. ثم استقدمه الرشيد فعزله وولى مكانه ابنه العباس، وكان على الموصل عبد الملك بن صالح فعزله وولى مكانه إسحاق بن محمد بن فروخ، فبعث إليه الرشيد أبا حنيفة حرب بن قيس فأحضره إلى بغداد وقتله، وولى مكانه وكان على أرمينية يزيد بن مزيد بن زائدة بن أخي معن فعزله وولى مكانه أخاه عبد الله بن المهدي. وولى سنة إحدى وسبعين على صدقات بني ثعلب روح بن صالح الهمداني فوقع بينه وبين ثعلب خلاف وجمع لهم الجموع فبيتوه وقتلوه في جماعة من أصحابه. وتوفي سنة ثلاث وسبعين محمد بن سليمان والي البصرة وكان أخوه جعفر كثير السعاية فيه عند الرشيد وأنه يحدث نفسه بالخلافة! وأن أمواله كلها فيء من أموال المسلمين ٣/٢٧٣
فاستصفاها الرشيد وبعث من قبضها، وكان لا يعبر عنها من المال والمتاع والدواب، واحضروا من العين فيها ستين ألف ألف دينار ولم يكن إلا أخوه جعفر فاحتج عليه الرشيد بإقراره أنها فيء. وتوفي سنة أربع وسبعين والي الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران، واستقضى يوسف بن أبي يوسف في حياة أبيه، وفي سنة خمس وسبعين عقد لابنه محمد بن زبيدة ولاية العهد ولقبه الأمين وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين بسعاية خاله عيسى بن جعفر بن المنصور ووساطة الفضل بن يحيى، وفيها عزل الرشيد العباس بن جعفر عن خراسان وولاها خاله الغطريف بن عطاء الكندي.
خبر يحيى بن عبد الله في الديلم
وفي سنة خمس وسبعين خرج يحيى بن عبد الله بن حسن أخو المهدي بالديلم واشتدت شوكته وكثر جمعه وأتاه الناس من الأمصار فندب اليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألفا وولاه جرجان وطبرستان والري وما إليها ووصل معه الأموال فسار ونزل بالطالقان وكاتب يحيى وحذره وبسط أمله وكتب إلى صاحب الديلم في تسهيل أمر يحيى على أن يعطيه ألف ألف درهم فأجاب يحيى على الأمان بخط الرشيد وشهادة الفقهاء والقضاة واجلة بني هاشم ومشايخهم عن عبد الصمد منهم فكتب له الرشيد بذلك وبعثه مع الهدايا والتحف وقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأفاض عليه العطاء وعظمت منزلة الفضل عنده ثم أن الرشيد حبس يحيى إلى أن هلك في حبسه.
ولاية جعفر بن يحيى مصر
كان موسى بن عيسى قد ولاه الرشيد مصر فبلغه أنه عازم على الخلع فرد أمرها إلى جعفر بن يحيى وأمره بإحضار عمر بن مهران وأن يوليه عليها، وكان أحول مشوه الخلق خامل البزة يردف غلامه خلفه. فلما ذكرت له الولاية قال على شرطية أن يكون أمري بيدي إذا صلحت البلاد انصرفت فأجابه إلى ذلك. وسار إلى مصر وأتى مجلس موسى فجلس في أخريات الناس حتى إذا افترقوا رفع الكتاب إلى موسى فقرأه وقال: متى يقدم أبو حفص؟ فقال: أنا أبو حفص! فقال موسى: لعن الله فرعون حيث قال: أليس لي ملك مصر ثم سلم له العمل. فتقدم عمر إلى كاتبه أن لا ٣/٢٧٤
يقبل من الهدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم وكانوا يمطلون بالخراج. فلما حضر النجم الأول والثاني وشكوا الضيق في الثالث أحضر الهدايا وحسبها لأربابها واستوفى خراج مصر ورجع إلى بغداد.
الفتنة بدمشق
وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية ورأس المضرية أبو الهيدام عامر بن عمارة من ولد خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري، وكان أصل الفتنة بين القيس وبين اليمانية أن اليمانية قتلوا منهم رجلا فاجتمعوا لثأره، وكان على دمشق عبد الصمد بن علي فجمع كبار العشائر ليصلحوا بينهم فأمهلتهم اليمانية وبيتوا المضرية فقتلوا منهم ثلاثمائة أو ضعفها، فاستجاشوا بقبائل قضاعة وسليم فلم ينجدوهم وأنجدتهم قيس، وساروا معهم إلى البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة وطال الحرب بينهم. وعزل عبد الصمد عن دمشق وولى مكانه إبراهيم بن صالح بن علي. ثم اصطلحوا بعد سنين ووفد إبراهيم على الرشيد وكان هواه مع اليمانية فوقع في قيس عند الرشيد واعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر واستخلف إبراهيم على دمشق ابنه إسحاق فحبس جماعة من قيس وضربهم. ثم وثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، واستنجد أخوه بالدواقيل من حوران فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا. ثم وثبت اليمانية بكليب بن عمر بن الجنيد بن عبد الرحمن وعنده ضيف له فقتلوهم، فجاءت أم الغلام سابة إلى أبي الهيدام، فقال انظريني حتى ترفع دماؤنا إلى الأمير، فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها. وبلغ ذلك إسحاق وحضر عنده أبو الهيدام فلم يأذن له ثم قتل بعض الدواقيل رجلا من اليمانية وقتلت اليمانية رجلا من سليم ونهبوا جيران محارب، وركب أبو الهيدام معهم إلى إسحاق فوعده بالنظر لهم، وبعث إلى اليمانية يغريهم به فاجتمعوا وأتوا إلى باب الجابية فخرج إليهم أبو الهيدام وهزمهم واستولى على دمشق وفتح السجون. ثم اجتمعت اليمانية واستنجدوا كلبا وغيرهم فاستمدوهم، واستجاش أبو الهيدام المضرية فجاءوه وهو يقاتل اليمانية عند باب توما فهزمهم أربع مرات. ثم أمره إسحاق بالكف وبعث إلى اليمانية يخبرهم بغرته، وجاء الخبر وركب وقاتلهم فهزمهم، ثم هزمهم أخرى على باب توما. ثم جمعت اليمانية أهل الأردن والجولان من كلب وغيرهم فأرسل من يأتيه بالخبر فأبطئوا ودخل المدينة فأرسل إسحاق من دلهم على مكمنه وأمرهم بالعبور إلى ٣/٢٧٥
المدينة، فبعث من أصحابه من يأتيهم من ورائهم فانهزموا. ولما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود عند قصر الحجاج وجاء أصحاب الهيدام من أراد نهب القرى التي لهم بنواحي دمشق. ثم سألوا الأمان من أبي الهيدام فأمنهم وسكن الناس.
وفرق أبو الهيدام أصحابه وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه إسحاق وسلط عليه العذافر السكسكي مع الجنود فقاتلهم فانهزم العذافر وبقي الجند يحاربونه ثلاثا.
ثم إن إسحاق قاتله في الثالثة والجند في اثني عشر ألفا ومعهم اليمانية، فخرج أبو الهيدام من المدينة وقاتلهم على باب الجابية حتى أزالهم عنه. ثم أغار جمع من أهل حمص على قرية لأبي الهيدام فقاتلهم أصحابه وهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأحرقوا قرى وديارا لليمانية في الغوطة، ثم توادعوا سبعين يوما أو نحوها وقدم السندي في الجنود من قبل الرشيد وأغزته اليمانية بأبي الهيدام فبعث هو إليه بالطاعة فأقبل السندي إلى دمشق وإسحاق بدار الحجاج، وبعث قائده في ثلاثة آلاف وأخرج إليهم أبو الهيدام ألفا وأحجم القائد عنهم ورجع إلى السندي فصالح أبا الهيدام وأمن أهل دمشق. وسار أبو الهيدام إلى حوران وأقام السندي بدمشق ثلاثا وقدم موسى بن عيسى واليا عليها فبعث الجند يأتونه بأبي الهيدام فكبسوا داره وقاتلهم هو وابنه وعبده فانهزموا وجاء أصحابه من كل جهة وقصد بصرى. ثم بعث إليه موسى فسار إليه في رمضان سنة سبع وسبعين وقيل إن سبب الفتنة بدمشق أن عامل الرشيد بسجستان قتل أخا الهيدام فخرج هو بالشام وجمع الجموع. ثم بعث الرشيد أخا له ليأتيه به فتحيل حتى قبض عليه وشده وثاقا وأتى به إلى الرشيد فمن عليه وأطلقه. وبعث جعفر ابن يحيى سنة ثمانين إلى الشام من أجل هذه الفتن والعصبية فسكن الثائرة وأمن البلاد وعاد.
فتنة الموصل ومصر
وفي سنة سبع وثمانين تغلب العطاف بن سفيان الأزدي على خراسان وأهل الموصل على العامل بها محمد بن العباس الهاشمي وقيل عبد الملك بن صالح فاجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج وبقي العامل معه مغلبا إلى أن سار الرشيد إلى الموصل وهدم سورها ولحق العطاف بأرمينية ثم بالرقم فاتخذها وطنا. وفي سنة ثمان وسبعين ٣/٢٧٦
ثارت الحوفية بمصر وهم من قيس وقضاعة على عاملها إسحاق بن سليمان وقاتلوه.
وكتب الرشيد إلى هرثمة بن أعين وكان بفلسطين فسار إليهم وأذعنوا بالطاعة، وولي على مصر ثم عزله لشهر وولى عبد الملك بن صالح عليها. وكان على خراسان أيام المهدي والهادي أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسي فعزله الرشيد، وولى على خراسان جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي فأبوه من النقباء من أهل مصر ومقدم ابنه العباس سنة ثلاث وسبعين، ثم قدم فغزا طخارستان وبعث ابنه العباس إلى كابل في الجنود وافتتح سابهار ورجع إلى مرو. ثم سار إلى العراق سنة ثلاث في رمضان وكان الأمين في حجره قبل أن يجعله في حجر الفضل بن يحيى. ثم ولى الرشيد ابنه العباس بن جعفر ثم عزله عنها فولى خالدا الغطريف بن عطاء الكندي سنة خمس وسبعين على خراسان وسجستان وجرجان فقدم خليفة داود بن يزيد وبعث عامل سجستان، وخرج في أيامه حصين الخارجي من موالي قيس بن ثعلبة من أهل أوق وبعث عامل سجستان عثمان بن عمارة الجيوش إليه فهزمهم حصين وقتل منهم وسار إلى باذغيس وبوشنج وهراة فبعث إليه الغطريف اثني عشر ألفا من الجند فهزمهم حصين وقتل منهم خلقا، ولم يزل في نواحي خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين. وسار الفضل إلى خراسان سنة ثمان وسبعين وغزا ما وراء النهر سنة ثمانين ثم ولى الرشيد على خراسان علي بن عيسى بن ماهان وقدم إليه يحيى فأقام بها عشرين سنة وخرج عليه في ولايته حمزة بن أترك وقصد بوشنج وكان على هراة عمرويه بن يزيد الأزدي فنهض إليه في ستة آلاف فارس فهزمهم حمزة وقتل جماعة منهم ومات عمرويه في الزحام، فبعث علي بن عيسى ابنه الحسن في عشرة آلاف ففض حربه فعزله، وبعث ابنه الآخر عيسى فهزمه حمزة فأمده بالعساكر ورده فهزم حمزة وقتل أصحابه، ونجا إلى قهستان في أربعين وأثخن عيسى في الخوارج بارق وجوين وفيمن كان يعينهم من أهل القرى حتى قتل ثلاثين ألفا. وخلف عبد الله بن العباس النسيقي بزرنج فجبى الأموال وسار بها ومعه الصفة ولقيه حمزة ٣/٢٧٧
فهزموه وقتلوا عامة أصحابه. وسار حمزة في القرى فقتل وسبى وكان علي قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج فخرج إلى حمزة وقصد قرية ففر الخوارج وهم الذين يرون التحكيم ولا يقاتلون والمحكمة هم الذين يقاتلون وشعارهم لا حكم إلا لله فكتب العقد إلى حمزة بالكف وواعدهم، ثم انتقض وعاث في البلاد وكانت بينه وبين أصحاب علي حروب كثيرة. ثم ولى الرشيد سنة اثنتين وثمانين ابنه عبد الله العهد بعد الأمين ولقبه المأمون وولاه على خراسان وما يتصل بها إلى همذان واستقدم عيسى ابن علي من خراسان وردها إليه من قبل المأمون وخرج عليه بنسا أبو الخصيب وهب ابن عبد الله النسائي وعاث في نواحي خراسان ثم طلبه الأمان فأمنه. ثم بلغه أن حمزة الخارجي عاث بنواحي باذغيس فقصده وقتل من أصحابه نحوا من عشرة آلاف وبلغ كل من وراء غزنة. ثم غدر أبو الخصيب ثانية وغلب أبيورد ونسا وطوس ونيسابور، وحاصر مرو وانهزم عنها وعاد إلى سرخس، ثم نهض إليه ابن ماهان سنة ست وثمانين فقتله في نسا وسبى أهله. ثم نمي إلى الرشيد سنة تسع وثمانين أن علي بن عيسى مجمع على الخلاف وأنه قد أساء السيرة في خراسان وعنفهم، وكتب إليه كبراء أهلها يشكون بذلك، فسار الرشيد إلى الري فأهدى له الهدايا والكثيرة والأموال ولجميع من معه من أهل بيته وولده وكتابه وقواده وتبين للرشيد من مناصحته خلاف ما أنهى إليه فرده إلى خراسان وولى على الري وطبرستان ودنباوند وقومس وهمذان وبعث علي ابنه عيسى لحرب خاقان سنة ثمان وثماني فهزمه وأسر إخوته، وانتقض على علي بن عيسى رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند وطالت حروبه معه وهلك في بعضها ابنه عيسى. ثم إن الرشيد نقم على علي بن عيسى أمورا منها استخفافه بالناس وإهانته أعيانهم، ودخل عليه يوما الحسين بن مصعب والد طاهر فأغلظ له في القول وأفحش في السب والتهديد وفعل مثل ذلك بهشام بن فأما الحسين فلحق بالرشيد شاكيا ومستجيرا وأما هشام فلزم بيته وادعى أنه بعلة الفالج حتى عزل علي، وكان مما نقم عليه أيضا أنه لم قتل ابنه عيسى في حرب رافع بن الليث أخبر بعض جواريه أنه دفن في بستانه ببلخ ثلاثين ألف ٣/٢٧٨
دينار . وتحدث الجواري بذلك فشاع في الناس، ودخلوا البستان ونهبوا المال، وكان يشكو إلى الرشيد بقلة المال ويزعم أنه باع حلي نسائه. فلما سمع الرشيد هذا المال استدعى هرثمة بن أعين وقال له: وليتك خراسان، وكتب له بخطه وقال له: اكتم أمرك وامض كأنك مدد. وبعث معه رجاء الخادم. فسار إلى نيسابور وولى أصحابه فيها ثم سار إلى مرو ولقيه علي بن عيسى فقبض عليه وعلى أهله وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف، وبعث إلى الرشيد من المتاع وقر خمسمائة بعير وبعث إليه بعلي بن عيسى على بعير من غير غطاء ولا وطاء، وخرج هرثمة إلى ما وراء النهر وحاصر رافع بن الليث بسمرقند إلى ان استأمن فأمنه، وأقام هرثمة بسمرقند وكان قدم مرو سنة ثلاث وتسعين.
إيداع كتاب العهد
وفي سنة ست وثمانين حج الرشيد وسار من الأنبار ومعه أولاده الثالثة محمد الأمين وعبد الله المأمون والقاسم، وكان قد ولى الأمين العهد وولاه العراق والشام إلى آخر.
الغرب. وولى المأمون العهد بعده وضم إليه من همذان إلى آخر المشرق، وبايع لابنه القاسم من بعد المأمون ولقبه المؤتمن وجعل خلعه وإثباته للمأمون. وجعل في حجر عبد الملك صالح وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم. ومر بالمدينة فأعطاه فيها ثلاثة أعطية عطاء منه ومن الأمين ومن المأمون فبلغ ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. ثم سار إلى مكة فأعطى مثلها، وأحضر الفقهاء والقضاة والقواد وكتب كتابا أشهد فيه على الأمين بالوفاء للمأمون وآخر على المأمون بالوفاء للأمين وعلق الكتابين في الكعبة وجدد عليها العهود هنالك. ولما شخص إلى طبرستان سنة تسع وثمانين وأقام بها أشهد من حضره أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع للمأمون وجدد له البيعة عليهم وأرسل إلى بغداد فجدد له البيعة على الأمين.
أخبار البرامكة ونكبتهم
قد تقدم لنا أن خالد بن برمك كان من كبار الشيعة وكان له قدم راسخ في الدولة وكان يلي الولايات العظام وولاه المنصور على الموصل، وعلى أذربيجان، وولى ابنه ٣/٢٧٩
يحيى على أرمينية ووكله المهدي بكفالة الرشيد فأحسن تربيته ودفع عنه أخاه الهادي أراده على الخلع وتولية العهد ابنه وحبسه الهادي لذلك. فلما ولي الرشيد استوزر يحيى وفوض إليه أمور ملكه وكان أولا يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد، ثم استبد بالدولة. ولما ماتت وكان بيتهم مشهورا بالرجال من العمومة والقرابة، وكان بنوه جعفر والفضل ومحمد قد شابهوا آباءهم في عمل الدولة واستولوا على حظ من تقريب السلطان واستخلاصه. وكان الفضل أخاه من الرضاع أرضعت أمه الرشيد وأرضعته الخيزران وكان يخاطب يحيى يا أبت واستوزر الفضل وجعفرا وولى جعفرا على مصر وعلى خراسان وبعثه إلى الشام عند ما وقعت الفتنة بين المضرية واليمانية، فسكن الأمور ورجع. وولى الفضل أيضا على مصر وعلى خراسان وبعثه لاستنزال يحيى بن عبد الله العلوي من الديلم ودفع المأمون لما ولاه العهد إلى كفالة جعفر بن يحيى فحسنت آثارهم في ذلك كله. ثم عظم سلطانهم واستيلاؤهم على الدولة وكثرت السعاية فيهم وعظم حقد الرشيد على جعفر منهم، يقال بسبب أنه دفع إليه يحيى بن عبد الله لما استنزله أخوه الفضل من الديلم، وجعل حبسه عنده فأطلقه استبدادا على السلطان ودالة وأنهى الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فسأله فصدقه الخبر فأظهر له التصويب وحقدها عليه، وكثرت السعاية فيهم فتنكر لهم الرشيد. ودخل عليه يوما يحيى بن خالد بغير إذن فنكر ذلك منه، وخاطب به طبيبه جبريل بن بختيشوع منصرفا به من مواجهته وكان حاضرا فقال يحيى: هو عادتي يا أمير المؤمنين، وإذ قد نكرت مني فسأكون في الطبقة التي تجعلني فيها! فاستحيى هارون وقال: ما أردت ما يكره. وكان الغلمان يقومون بباب الرشيد ليحيى إذ دخل، فتقدم لهم مسرور الخادم بالنهي عن ذلك فصاروا يعرضون عنه إذا أقبل، وأقاموا على ذلك زمانا. فلما حج الرشيد سنة سبعة وثمانين ورجع من حجه ونزل الأنبار أرسل مسرورا الخادم في جماعة من الجند ليلا فأحضر جعفرا بباب الفسطاط وأعلم الرشيد فقال: ائتني برأسه فطفق جعفر يتذلل ويسأله المراجعة في أمره حتى قذفه الرشيد بعصي كانت في يده وتهدده فخرج وأتاه برأسه وحبس الفضل من ليلته وبعث من احتاط على منازل يحيى وولده وجميع موجودهم وحبسه في منزله وكتب من ليلته إلى سائر النواحي بقبض أموالهم ورقيقهم، وبعث من الغد بشلو جعفر وأمر أن يقسم قطعتين.. وبنصبان على الجسر، وأعفى محمد بن خالد من النكبة ولم يضيق على يحيى ولابنه الفضل ومحمد ٣/٢٨٠
وموسى ثم تجردت عنه التهمة بعبد الملك بن صالح بن علي، وكانوا أصدقاء له، فسعى فيه ابنه عبد الرحمن بأنه يطلب الخلافة فحبسه عنه الفضل بن الربيع، ثم أحضره من الغداة وقرعه ووبخه فأنكر وحلف واعترف لحقوق الرشيد وسلفه عليه، فأحضر كاتبه شاهدا عليه فكذبه عبد الملك، فأحضر ابنه عبد الرحمن فقال هو مأمور معذور أو عاق فاجر، فنهض الرشيد من مجلسه وهو يقول سأصبر حتى أعلم ما يرضي الله فيك، فإنه الحكم بيني وبينك، فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإنه لا يؤثر هواه على رضا ربه. ثم أحضره الرشيد يوما آخر فأرعد له وأبرق وجعل عبد الملك يعدد وسائله ومقاماته في طاعته ومناصحته فقال له الرشيد: لولا إبقائي على بني هاشم لقتلتك ورده إلى محبسه. وكلمه عبد الله بن مالك فيه، وشهد له بنصحه فقال: أطلقه إذا، قال: أما في هذا القرب فلا ولكن سهل حبسه ففعل. وأجرى عليه مؤنه حتى مات الرشيد وأطلقه الأمين. وعظم حقده على البرامكة بسبب ذلك، فضيق عليهم وبعث إلى يحيى يلومه فيما ستر عنه من أمر عبد الملك. فقال: يا أمير المؤمنين كيف يطلعني عبد الملك على ذلك وأنا كنت صاحب الدولة، وهل إذا فعلت ذلك يجازيني بأكثر من فعلك؟ أعيذك بالله أن تظن هذا الظن إلا أنه كان رجلا متجملا يسرني أن يكون في بيتك مثله، فوليته ولا خصصته. فعاد إليه الرسول يقول: إن لم تقر قتلت الفضل ابنك. فقال: أنت مسلط علينا فافعل ما أردت. وجذب الرسول الفضل وأخرجه فودع أباه وسأله في الرضا عنه فقال: رضي الله عنك، وفرق بينهما ثلاثة أيام ولم يجد عندهما شيئا فجمعهما واحتفظ إبراهيم بن عثمان بن نهيك لقتل جعفر فكان يبكيه ويبكي قومه حزنا عليهم. ثم انتهى به إلى طلب الثأر بهم فكان يشرب النبيذ مع جواريه ويأخذ سيفه وينادي وا جعفراه وا سيداه والله لأثأرن بك ولأقتلن قاتلك، فجاء ابنه وحفص كان مولاه إلى الرشيد فأطلعاه على أمره، فأحضر إبراهيم وأظهر له الندم على قتله جعفرا والأسف عليه، فبكى إبراهيم وقال: والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله فانتهره الرشيد وأقامه. ثم دخل عليه ابنه بعد ليال قلائل فقتله يقال بأمر الرشيد.
وكان يحيى بن خالد محبوسا بالكوفة ولم يزل بها كذلك إلى أن مات سنة تسعين ومائة ومات بعده ابنه الفضل سنة ثلاث وتسعين. وكانت البرامكة من محاسن العالم ودولتهم من أعظم الدول وهم كانوا نكتة محاسن الملة وعنوان دولتها. ٣/٢٨١
الصوائف وفتوحاتها
كان الرشيد على ما نقله الطبري وغيره يغزو عاما ويحج عاما، ويصلي كل يوم مائة ركعة ويتصدق بألف درهم، وإذا حج حمل معه مائة من الفقهاء ينفق عليهم، وإذا لم يحج أنفق على ثلاثمائة حاج نفقة شائعة. وكان يتحذى بآثار المنصور إلا في بذل المال فلم ير خليفة قبله أبذل منه للمال. وكان إذا لم يغز غزا بالصائفة كبار أهل بيته وقواده، فغزا بالصائفة سنة سبعين سليمان بن عبد الله البكائي، وقيل غزا بنفسه.
وغزا بالصائفة سنة اثنتين وسبعين إسحاق بن سليمان بن علي فأثخن في بلاد الروم وغنم وسبى. وغزا في سنة أربع وسبعين بالصائفة عبد الملك بن صالح وقيل أبوه عبد الملك فبلغ في نكاية الروم ما شاء، وأصابهم برد سديد سقطت منه أيدي الجند. ثم غزا بالصائفة سنة سبع وسبعين عبد الرزاق بن عبد الحميد الثعلبي. وفي سنة ثمان وسبعين زفر بن عاصم وغزا سنة إحدى وثمانين بنفسه فافتتح حصن الصفصاف وأغزى عبد الملك بن صالح فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وكان الفداء بين المسلمين والروم وهو أول فداء في دولة بني العباس، وتولاه القاسم بن الرشيد وأخرج له من طرسوس الخادم الوالي عليها، وهو أبو سليمان فرج فنزل المدامس على اثني عشر فرسخا، وحضر العلماء والأعيان وخلق من أهل الثغور وثلاثون ألفا من الجند المرتزقة فحضروا هنالك وجاء الروم بالأسرى ففودي بهم من كان لهم من الأسرى، وكان أسرى المسلمين ثلاثة آلاف وسبعمائة. وغزا بالصائفة سنة اثنتين وثمانين عبد الرحمن ابن عبد الملك بن صالح دقشوسوس مدينة أصحاب الكهف. وبلغهم أن الروم سلوا ملكهم قسطنطين بن أليون وملكوا أمه ربى وتلقب عطشة، فأثخنوا في البلاد ورجعوا. وفي سنة ثلاث وثمانين حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل ابن يحيى فماتت ببردعة، ورجع من كان معها فأخبروا أباها أنها قتلت غيلة، فتجهز إلى بلاد الإسلام، وخرج من باب الأبواب وسبى أكثر من مائة ألف فارس وفعلوا ما لم يسمع بمثله. فولى الرشيد يزيد بن مزيد أمر أرمينية مضافة إلى أذربيجان وأمره ٣/٢٨٢
بالنهوض إليهم وأنزل خزيمة بن خازم بنصيبين ردءا لهم. وقيل إن سبب خروجهم أن سعيد بن مسلم قتل الهجيم السلمي فدخل ابنه إلى الخزر مستجيشا بهم على سعيد، ودخلوا أرمينية وهرب سعيد والخزر ورجعوا . وفي سنة سبع وثمانين غزا بالصائفة القاسم بن الرشيد وجعله قربانا لله وولاه العواصم، فأناخ على قرة وضيق عليها وبعث عليها ابن جعفر بن الأشعث فحاصر حصن سنان حتى جهد أهله وفادى الروم بثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم وتم بينهم الصلح ورحل عنهم، وكان ملك الروم يومئذ ابن زيني وقد تقدم ذكره فخلعه الروم وملكوا يقفور وكان على ديوان خراجهم ومات زيني بعد خمسة أشهر. ولما ملك يقفور كتب إلى الرشيد بما استفزه فسار إلى بلاد الروم وغازيا، ونزل هرقل وأثخن في بلادهم حتى سأل يقفور الصلح، ثم نقض العهد وكان البرد شديد الكلب وظن يقفور أن ذلك يمنعه من الرجوع، فلم يمنعه ورجع حتى أثخن في بلاده ثم خرج من أرضهم. وغزا بالصائفة سنة ثمان وثمانين إبراهيم بن جبريل ودخل من درب الصفصاف فخرج إليه يقفور ملك الروم وانهزم وقتل من عسكره نحوا من أربعين ألفا. وفي هذه السنة رابط القاسم بن الرشيد أبق وفي سنة تسع وثمانين كتب الرشيد وهو بالري كتب الأمان لشروين أبي قارن، ونداهرمز جدمازيار، مرزبان خستان صاحب الديلم . وبعث بالكتب مع حسين الخادم إلى طبرستان فقدم خستان ونداهرمز فأكرمهما الرشيد وأحسن إليهما وضمن ونداهرمز وشروين صاحبي طبرستان وذكرا كيف توجه الهادي لهما وحاصرهما. وفي سنة ست وثمانين كان فداء بين المسلمين حتى لم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي. وفي سنة تسعين سار الرشيد إلى بلاد الروم بسبب ما قدمناه من غدر يقفور في مائة وخمسة وثلاثين ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة ومن ليس له ذكر في الديوان، واستخلف المأمون ٣/٢٨٣
بالرقة وفوض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بذلك، فنزل على هرقل فحاصرها ثلاثين يوما وافتتحها وسبى أهلها وغنم ما فيها. وبعث داود بن عيسى بن موسى في سبعين ألفا غازيا في أرضهم ففتح الله عليه وخرب ونهب ما شاء. وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة وديسة وافتتح يزيد بن مخلد حصن الصفصاف وقونية ، وأناخ عبد الله بن مالك على حصن ذي الكلاع واستعمل الرشيد حميد بن معيوب على الأساطيل ممن بسواحل الشام ومصر إلى قبرس، فهزم وحرق وسبى من أهلها نحوا من سبعة عشر ألفا وجاء بهم إلى الواقعة فبايعوا بها وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار. ثم سار الرشيد إلى حلوانة فنزل بها وحاصرها، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وبعث يقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن ابنه دينارين وعن بطارقته كذلك، وبعث يقفور في جارية من بني هرقلة وكان خطبها ابنه فبعث بها إليه. ونقض في هذه السنة قبرس فغزاهم معيوب بن يحيى فأثخن فيهم وسباهم ولما رجع الرشيد من غزاته خرجت الروم إلى عين زربة والكنيسة السوداء وأغاروا ورجعوا فاستنقذ أهل المصيصة ما حملوه من الغنائم. وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضايق فانهزم، وقتل في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس. واستعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان وضم إليه ثلاثين ألفا من أهل خراسان، وأخرجه إلى الصائفة وسار بالعساكر الإسلامية في أثره ورتب بدرب الحرث عبد الله بن مالك وبمرعش سعيد بن مسلم بن قتيبة، وأغارت الروم عليه فأصابوا من المسلمين وانصرفوا ولم يتحرك من مكانه.
وبعث الرشيد محمد بن زيد بن مزيد إلى طرسوس وأقام هو بدرب الحرث وأمر قواده بهدم الكنائس في جميع الثغور وأخذ أهل الذمة بمخالفة زي المسلمين في ملبوسهم ٣/٢٨٤
وأمر هرثمة ببناء هرطوس وتولى ذلك، فخرج الخادم بأمر الرشيد وبعث إليها جندا من خراسان ثلاثة أيام، وأشخص ألفا من أهل المصيصة وألفا من أنطاكية فتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين. وفي هذه السنة تحركت الخرمية بناحية أذربيجان فبعث إليهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى وأسر، ووافاه بقرملين فأمره بقتل الأسرى وبيع السبي. وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن مالك الخزاعي فافتتح مطمورة وكان الفداء على يديه بالبرذون. ثم كان الفداء الثاني وكان عدة أسرى المسلمين فيه ألفين وخمسمائة.
الولاية على النواحي
كان على إفريقية مزيد بن حاتم كما قدمناه ومات سنة إحدى وسبعين بعد أن استخلف ابنه داود فبعث الرشيد على إفريقية أخاه روح بن حاتم فاستقدمه من فلسطين وبعثه إلى إفريقية. وعزل أبا هريرة محمد بن فروج عن الجزيرة وقتله وولى مكانه وفي سنة ست وسبعين ولى الرشيد على الموصل الحكم بن سليمان، وقد كان خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين وغنم وسار إلى داريا وآمد وأرزق وخلاط فقفل لذلك ورجع إلى نصيبين، فأتى الموصل وخرج إليه الفضل في عساكرها فهزمهم على الزاب. ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحابه. وفي سنة ست وسبعين مات روح بن حاتم بإفريقية واستخلف حبيب بن نصر المهلبي فسار الفضل إلى الرشيد فولاه على إفريقية، وعاد إليها فاضطرب عليه الخراسانية من جند إفريقية ولم يرضوه، فولى مكانه هرثمة بن أعين وبعث في العساكر فسكن الاضطراب، ورأى ما بإفريقية من الاختلاف فاستعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه، وقدم إلى العراق بعد سنتين ونصف من مغيبه. وفي هذه ولى الفضل بن يحيى على مصر مكان أخيه جعفر مضافا إلى ما بيده من الري وسجستان وغيرهما. ثم عزله عن مصر وولى عليها إسحاق بن سليمان فثارت به الجوقية من مصر وهم جموع من قيس وقضاعة فأمده بهرثمة بن أعين فأذعنوا وولاه عليهم شهرا، ثم عزله وولى عبد الملك بن ٣/٢٨٥
صالح مكانه، وفيها فوض أمر دولته إلى يحيى بن خالد. وفي سنة ثمانين بعث جعفر ابن يحيى إلى الشام في القواد والعساكر ومعه السلاح والأموال والعصبية التي كانت بها فسكنت الفتنة ورجع، فولاه خراسان وسجستان فاستعمل عليها عيسى بن جعفر، وولى جعفر بن يحيى المريس وقدم هرثمة بن أعين من إفريقية فاستخلفه جعفر على الحرد وعزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان وولاها عبد الله بن حازم، وولى على الجزيرة سعيد بن مسلم وولى على الموصل يحيى بن سعيد الحريشي فأساء السيرة وطالبهم بخراج سنين ماضية، فانجلا أكثر أهل البلد، وعزله الرشيد وولى عليها يحيى بن خالد. وفي سنة إحدى وثمانين ولى على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي وكان أبوه من قواد الشيعة ومحمد رضيع الرشيد وتلاده فلما استعفى هرثمة ولاه مكانه، واضطربت عليه إفريقية، وكان إبراهيم بن الأغلب بها واليا على الزاب، وكان جند إفريقية يرجعون إليه فأعانه وحمل الناس على طاعته بعد أن أخرجوه فكرهوا ولاية محمد بن مقاتل وحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب ولاية إفريقية على أن يترك المائة ألف دينار التي كانت تحمل من مصر معونة إلى والي إفريقية ويحمل هو كل سنة أربعين ألف دينار فاستشار الرشيد بطانته فأشار هرثمة بإبراهيم بن الأغلب، وولاه الرشيد في محرم سنة أربعة وثمانين، فضبط الأمور وقبض على المؤمنين وبعث بهم إلى الرشيد فسكنت البلاد. وابتنى مدينة بقرب القيروان وسماها العباسية وانتقل إليها بأهله وخاصته وحشمه، وصار ملك إفريقية في عقبه كما يذكر في أخبارها إلى أن غلبهم عليها الشيعة العبيديون.
وكان يزيد بن مزيد على أذربيجان فولاه الرشيد سنة ثمان وثمانين على أرمينية مضافة إليها، وولى خزيمة بن خازم على نصيبين. وولى الرشيد سنة أربع وثمانين على اليمن ومكة حمادا البربري وعلى السند داود بن يزيد بن حاتم وعلى الجبل يحيى الحريشي، وعلى طبرستان مهروية الزاي، وقتله أهل طبرستان سنة خمس وثمانين، فولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشي. وفيها توفي يزيد بن زائدة الشيطاني ببردعة وكان على أذربيجان وأرمينية فولى مكانه ابنه أسد بن يزيد بن حاتم. وفي سنة تسع وثمانين سار الرشيد إلى الري وولى على طبرستان والري ودنباوند ٣/٢٨٦
وقوس وهمذان عبد الملك بن مالك. وفي سنة تسعين ولى على الموصل خالد بن يزيد بن حاتم وقد تقدم لنا ولاية هرثمة على سليمان ونكبة علي بن عيسى. في سنة إحدى وتسعين ظفر حماد البربري بهيصيم اليماني وجاء به إلى الرشيد فقتله، وولى في هذه السنة على الموصل محمد بن الفضل ابن سليمان وكان على مكة الفضل بن العباس أخي المنصور والسفاح.
خلع رافع بن الليث بما وراء النهر
كان رافع بن نصر بن سيار من عظماء الجند فيما وراء النهر وكان يحيى بن الأشعث قد تزوج ببعض النساء المشهورات الجمال وتسرى عليها وأكثر ضرارها وتشوقت إلى التخلص منه، فدس إليها رافع بن الليث بأن تحاول من يشهد عليها بالكفر لتخلص منه وتحل للأزواج ثم ترجع وتتوب، فكان وتزوجها وشكا يحيى بن الأشعث إلى الرشيد وأطلعه على جل الأمر، فكتب إلى علي بن عيسى أن يفرق بينهما ويقيم الحد على رافع ويطوف به في سمرقند مقيدا على حمار ليكون عظة لغيره، ففعل ذلك ولم يجده رافع وحبس بسمرقند فهرب من الحبس ولحق بعلي بن عيسى في بلخ فهم بضرب عنقه، فشفع فيه ابنه عيسى فأمره بالانصراف إلى سمرقند فرجع إليها ووثب بعاملها فقتله وملكها وذلك سنة تسعين. فبعث علي لحربه ابنه عيسى فلقيه رافع وهزمه وقتله، فخرج علي بن عيسى لقتله وسار من بلخ إلى مرو مخافة عليها من رافع ابن الليث. ثم كانت نكبة علي بن عيسى وولاية هرثمة بن أعين على خراسان وكان مع رافع بن الليث جماعة من القواد ففارقوه إلى هرثمة منهم عجيف بن عنبسة وغيره. وحاصر هرثمة رافع بن الليث في سمرقند وضايقه، واستقدم طاهر ابن الحسين من خراسان فحضر عنده وعاث حمزة الخارجي في نواحي خراسان لخلائها من الجند، وحمل إليه عمال هراة وسجستان الأموال. ثم خرج عبد الرحمن إلى نيسابور سنة أربع وتسعين وجمع نحوا من عشرين ألفا، وسار إلى حمزة فهزمه وقتل من أصحابه خلقا وأتبعه إلى هراة حتى كتب المأمون إليه ورده عن ٣/٢٨٧
ذلك. وكانت سنة ثلاث وتسعين بين هرثمة وبين أصحاب رافع وقعة كان الظفر فيها لهرثمة وأسر بشرا أخا رافع وبعث به إلى الرشيد وافتتح بخارى. وكان الرشيد قد سار من الرقة بعد مرجعه من الصائفة التي بني فيها طرسوس على اعتزام خراسان لشأن رافع، وكان قد أصابه المرض، فاستخلف على الرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة بن خازم، وجاء إلى بغداد، ثم سار منها إلى خراسان في شعبان سنة اثنتين وتسعين واستخلف عليها ابنه الأمين، وأمر المأمون بالمقام معه فأشار عليه الفضل بن سهل بأن يطلب المسير مع الرشيد، وحذره البقاء مع الأمين فأسعفه الرشيد بذلك وسار معه.
وفاة الرشيد وبيعة الأمين
ولما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في سفر سنة ثلاث وتسعين وقد اشتدت عليه، فبعث ابنه المأمون إلى مرو ومعه جماعة من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن خزيمة والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسدي والحريشي ونعيم بن خازم، ثم سار الرشيد إلى موسى واشتد به الوجع وضعف عن الحركة وثقل فأرجف الناس بموته، وبلغه ذلك فأراد الركوب ليراه الناس فلم يطق النهوض فقال: ردوني. ووصل إليه وهو بطوس بشير أخو رافع أسيرا بعث به هرثمة بن أعين فأحضره وقال: لو لم يبق من أجلي إلا حركة شفتي بكلمة لقلت اقتلوه. ثم أمر قصابا ففصل أعضاءه ثم أغمي عليه وافترق الناس. ولما يئس من نفسه أمر بقبره فحفر في الدار التي كان فيها وأنزل فيه قوما قرءوا فيه القرآن حتى ختموه وهو في محفة على شفيره ينظر إليه وينادي وا سوأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مات وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح ومسرور وحسين ورشيد. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة أو تزيد وترك في بيت المال تسعمائة ألف ألف دينار. ولما مات الرشيد بويع الأمين في العسكر صبيحة يومه، والمأمون يومئذ بمرو وكتب حموية مولى المهدي صاحب البريد إلى نائبة ببغداد وهو سلام أبو مسلم يعلمه بوفاة الرشيد وهنأه بالخلافة فكان أول من فعل ذلك. وكتب صالح إلى أخيه الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد، وبعث معه بالخاتم والبردة ٣/٢٨٨
والقضيب، فانتقل الأمين من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة وصلى بالناس الجمعة وخطب ثم نعى الرشيد وعزى نفسه والناس، وبايعته جملة أهله ووكل سليمان بن المنصور وهم عم أبيه وأمه بأخذ البيعة على القواد وغيرهم. ووكل السندي بأخذ البيعة على الناس سواهم، وفرق في الجند ببغداد رزق سنين. وقدمت أمه زبيدة من الرقة فلقيها الأمين بالأنبار في جمع من بغداد من الوجوه، وكان معها خزائن الرشيد، وكان قد كتب إلى معسكر الرشيد وهو حي مع بكر بن المعتمر لما اشتدت علة الرشيد وإلى المأمون بأخذ البيعة لهم وللمؤتمن أخيهما، وإلى أخيه صالح بالقدوم بالعسكر والخزائن والأموال برأي الفضل. وإلى الفضل بالاحتفاظ على ما معه من الحرم والأموال، وأقر كل واحد على عمله كصاحب الشرطة والحرس والحجابة. وكان الرشيد قد سمع بوصول بكر بالكتاب فدعاه ليستخرجها سنه فجحدها فضربه وحبسه. ثم مات الرشيد وأحضره الفضل فدفعها إليه ولما قرءوا الكتاب تشاوروا في اللحاق بالأمين وارتحل الفضل بالناس لهواهم في وطنهم وتركوا عهود المأمون. فجمع المأمون من كان عنده من قواد أبيه وهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب بن حميد بن قحطبة والعلاء مولى الرشيد وكان على حجابته والعباس بن المسيب بن زهير وكان على شرطته وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته وعبد الرحمن بن عبد الملك ابن صالح وذو الرئاستين الفضل بن سهل وهو أخصهم به وأحظاهم عنده، فأشار بعضهم أن يركب في أثرهم ويردهم ومنعه الفضل من ذلك وقال: أخشى عليك منهم ولكن تكتب وترسل رسولك إليهم تذكرهم البيعة والوفاء، وتحذرهم الحنث، فبعث سهل بن صاعد ونوفلا الخادم بكتابه إليهم بنيسابور فقرأ الفضل كتابة وقال:
أنا واحد من الجند. وشد عبد الرحمن برجليه على سهل ليطعنه بالرمح وقال: لو كان صاحبك حاضرا لوضعته فيه وسب المأمون وانصرفوا، ورجع سهل ونوفل بالخبر إلى المأمون فقال له الفضل بن سهل: هؤلاء أعداء استرحت منهم وأنت بخراسان، وقد خرج بها المقنع وبعده يوسف البر فتضعضعت لهما الدولة ببغداد، وأنت رأيت عند خروج رافع بن الليث كيف كان الحال، وأنت اليوم نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم، فاصبر وأنا أضمن لك الخلافة. فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقال: إن عبد الله بن مالك والقواد أنفع مني لشهرتهم وقوتهم وأنا خادم ٣/٢٨٩
لمن يقوم بأمرك منهم حتى ترى رأيك. وجاءهم الفضل في منازلهم وعرض عليهم البيعة للمأمون، فمنهم من امتنع ومنهم من طرده، فرجع إلى المأمون وأخبره فقال أنت بالأمر وأشار عليه الفضل أن يبعث على الفقهاء ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة ورد المظالم ويعقد على الصفوف ففعل جميع ذلك، وأكرم القواد. وكان يقول للتميمي نقيمك مقام موسى ابن كعب وللربعي مكان أبي داود وخالد بن إبراهيم، ولليماني مكان قحطبة ومالك بن الهيثم، وكل هؤلاء نقباء الدولة. ووضع عن خراسان ربع الخراج فاغتبط به أهلها وقالوا: ابن أختنا وابن عم نبينا. وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري وأهدى إلى الأمين وكتب إليه وعظمه. ثم إن الأمين عزل لأول ولايته أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة واستعمل عليها خزيمة بن خازم وأقر المؤتمن على قنسرين والعواصم. وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى ابن محمد، وعلى حمص إسحاق بن سليمان فخالف عليه أهل حمص وانتقل عنهم إلى سلمية فعزله الأمين وولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشي، فقتل عدة منهم وحبس عدة، واضرم النار في نواحيها، وسألوا الأمان فأجابهم، ثم انتقضوا فقتل عدة منهم ثم ولى عليهم إبراهيم بن العباس.
أخبار رافع وملوك الروم
وفي سنة ثلاث وتسعين دخل هرثمة بن أعين سمرقند وملكها وقام بها ومعه طاهر ابن الحسين فاستجاش رافع بالترك فأتوه وقوي بهم. ثم انصرفوا وضعف أمره، وبلغه الحسن سيرة المأمون فطلب الأمان وحضر عند المأمون فأكرمه. ثم قدم هرثمة على المأمون فولاه الحرس وأنكر الأمين ذلك كله. وفي هذه السنة قتل يقفور ملك الروم في حرب برجان لسبع سنين من ملكه، وملك بعده ابنه استبراق وكان جريا فمات لشهرين وملك بعده صهره على أخته ميخاييل بن جرجيس، ووثب عليه الروم سنة أربع وتسعين بعد اثنتين من ملكه فهرب وترهب وولوا بعده إليوق القائد. ٣/٢٩٠
الفتنة بين الأمين والمأمون
ولما قدم الفضل بن الربيع على الأمين ونكث عهد المأمون خشي غائلته، فأجمع قطع علائقه من الأمور وأغرى الأمين بخلعه والبيعة للعهد لابنه موسى، ووافقه في ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن يخشى المأمون. وخالفهم خزيمة بن خازم وأخوه عبد الله وناشدوا الأمين في الكف عن ذلك وأن لا يحمل الناس على نكث العهود فيطرقهم لنكث عهده. ولج الأمين في ذلك، وبلغه أن المأمون عزل العباس بن عبد الله بن مالك عن الري وأنه ولى هرثمة بن أعين على الحرس وأن رافع بن الليث استأمن له فآمنه وسار في جملته فكتب إلى العمال بالدعاء لموسى ابنه بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فبلغ ذلك المأمون فأسقط اسم الأمين من الطرد وقطع البريد عنه. وأرسل الأمين إليه العباس بن موسى بن عيسى وخاله عيسى بن جعفر بن المنصور وصالحا صاحب الموصل، ومحمد بن عيسى بن نهيك يطلب منه تقديم ابنه موسى عليه في العهد ويستقدمه. فلما قدموا على المأمون استشار كبراء خراسان فقالوا: إنما بيعتنا لك على أن لا تخرج من خراسان فأحضر الوفد وأعلمهم بامتناعه مما جاءوا فيه. واستعمل الفضل بن سهل العباس بن موسى ليكون عينا لهم عند الأمين ففعل، وكانت كتبه تأتيهم بالأخبار. ولما رجع الوفد عاودوه بطلب بعض كور خراسان وأن يكون له بخراسان صاحب بريد يكاتبه، فامتنع المأمون من ذلك وأوعد إلى قعوده بالري ونواحيها يضبط الطرق وينقذها من غوائل الكتب والعيون، وهو مع ذلك يتخوف عاقبة الخلاف. وكان خاقان ملك التبت قد التوى عليه وجيفونة فارق الطاعة، وملوك الترك منعوا الضريبة، فخشي المأمون ذلك وحفظ عليه الأمر بأن يولى خاقان وجيفونة بلادهما، ويوادع ملك كابل، ويترك الضريبة لملوك الترك الآخرين. وقال له بعد ذلك ثم أضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال فان ظفرت وإلا لحقت بخاقان مستجيرا فقبل إشارته وفعلها، وكتب إلى الأمين يخادعه بأنه عامله على هذا الثغر الذي أمره الرشيد بلزومه وأن مقامه به أشد غناء ويطلب إعفاء من الشخوص إليه، فعلم الأمين أنه لا يتابعه على مراده فخلعه وبايع لولده في أوائل سنة خمس وتسعين وسماه الناطق بالحق، وقطع ذكر المأمون والمؤتمن من المنابر وجعل ولده موسى في حجر علي بن عيسى وعلى شرطته محمد بن عيسى بن نهيك ٣/٢٩١
وعلى حرسه أخوه عيسى، وعلى رسائله صاحب القتلى. وكان يدعى له على المنابر ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق، وأرسل إلى الكعبة من جاء بكتابي العهد للأمين والمأمون اللذين وضعهما الرشيد هنالك، وسارت الكتب من ذلك إلى المأمون ببغداد من عيونه بها، فقال المأمون: هذه أمور أخبر الرائي عنها وكفاني أنا أن أكون مع الحق وبعث الفضل بن سهل إلى جند الري بالأقوات والإحسان، وجمع إليهم من كان بأطرافهم. ثم بعث على الري طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق أسعد الخزاعي أبا العباس أميرا وضم إليه القواد والأجناد فنزلها ووضع المسالح والمراصد، وبعث الأمين عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وأمره أن يقيم بهمذان ويبعث مقدمته إلى ساوة.
خروج ابن ماهان لحرب طاهر ومقتله
ثم جهز الأمين علي بن ماهان إلى خراسان لحرب المأمون، يقال دس بذلك الفضل ابن سهل العين له عند الفضل بن الربيع، فأشار به عليهم لما في نفوس أهل خراسان من النفرة عن ابن ماهان فجدوا في حربه. ويقال حرض أهل خراسان على الكتب إلى ابن ماهان ومخادعته إن جاء. فأمره الأمين بالمسير وأقطعه نهاوند وهمذان وقم وأصبهان وسائر كور الجبل حربا وخراجا، وحكمه في الخزائن وأعطاه الأموال وجهز معه خمسين ألف فارس. وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي وهلال بن عبد الله الحضرمي في الانضمام، وركب إلى باب زبيدة ليودعها فأوصته بالمأمون بغاية ما يكون أن يوصى به، وأنه بمنزلة ابنها في الشفقة والموصلة وناولته قيدا من فضة وقالت له: إن سار إليك فقيده به مع المبالغة في البر والأدب معه. ثم سار علي بن عيسى من بغداد في شعبان وركب الأمين يشيعه في القواد والجنود ولم ير عسكر مثل عسكره. ولقي السفر بالسابلة فأخبروه أن طاهرا بالري يعرض أصحابه، وهو مستعد للقتال. وكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان يعدهم ويمنيهم، وأهدى لهم التيجان والأسورة على أن يقطعوا الطرق عن خراسان فأجابوا، ونزل أول بلاد الري فأشار عليه أصحابه باذكاء العيون والطلائع، والتحصن بالخندق فقال: مثل طاهر لا يستعد له، وهو إما أن يتحصن بالري فيثب إليه أهلها، وإما أن يفر إذا قربت منه خيلنا. ولما كان من الري على عشرة فراسخ استشار أصحاب طاهر في لقائه فمالوا إلى التحصن بالري فقال: أخاف أن يثب بنا أهلها. وخرج فعسكر على خمسة فراسخ ٣/٢٩٢
منها في أقل من أربعة آلاف فارس. وأشار عليه أحمد بن هشام كبير جند خراسان أن ينادي بخلع الأمين و
بيعة المأمون
لئلا يخادعه علي بن عيسى بطاعة الأمين وأنه عامله ففعل، وقال علي لأصحابه بادروهم فإنهم قليل ولا يصبرون على حد السيوف وطعن الرماح، وأحكم تعبية جنده وقدم بين يديه عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وبين كل رايتين غلوة سهم ليقاتلوا نوبا. وعبى طاهر أصحابه كراديس وحرضهم وأوصاهم، وهرب من أصحاب طاهر جماعة فجلدهم علي وأهانهم، فأقصر الباقون وجدوا في قتاله. وأشار أحمد بن هشام على طاهر بأن يرفع كتاب البيعة على رمح ويذكر علي بن عيسى بها نكثه. ثم اشتد القتال وحملت ميمنة علي فانهزمت ميسرة طاهر وكذلك ميسرته على ميمنة طاهر فأزالوها، واعتمد طاهر القلب فهزموهم ورجعت المجنبتان منهزمة وانتهت الهزيمة إلى علي وهو ينادي بأصحابه فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله وجاء برأسه إلى طاهر، وحمل شلوه على خشبة وألقي في بئر بأمر طاهر. وأعتق طاهر جميع غلمانه شكرا لله وتمت الهزيمة. واتبعهم أصحاب طاهر فرسخين واقفوهم فيها اثنتي عشرة مرة يقتلونهم في كلها ويأسرونهم حتى جن الليل بينهم. ورجع طاهر إلى الري وكتب إلى الفضل: كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس علي بين يدي وخاتمة في إصبعي، وجنده متصرفون تحت أمري والسلام. وورد الكتاب على البريد في ثلاثة أيام فدخل الفضل على المأمون وهنأه بالفتح ودخل الناس فسلموا عليه بالخلافة ووصل رأس علي بعدها بيومين وطيف به في خراسان، ووصل الخبر إلى الأمين بمقتل علي وهزيمة العسكر فأحضر الفضل بن الربيع وكيل المأمون ببغداد وهو نوفل الخادم فقبض ما بيده من ضياعه وغلاته وخمسين ألف ألف درهم كان الرشيد وصاه بها وندم الأمين على فعله، وسعت الجند والقواد في طلب الأرزاق فهم عبد الله بن حاتم بقتالهم فمنعه الأمين وفرق فيهم أموالا.
مسير ابن جبلة إلى طاهر ومقتله
ولما قتل علي بن عيسى بعث الأمين عبد الرحمن بن الأنباري في عشرين ألف فارس إلى همذان، وولاه عليها وعلى كل ما يفتحه من بلاد خراسان وأمده بالمال، فسار إلى همذان وحصنها وجاءه طاهر فبرز إليه ولقيه، فهزمه طاهر إلى البلد. ثم خرج عبد الرحمن ثانية فانهزم إلى المدينة وحاصره طاهر حتى ضجر منه أهل المدينة وطلب الأمان من طاهر وخرج من همذان. وكان طاهر عند نزوله عليها قد خشي من ٣/٢٩٣
صاحب قزوين أن يأتيه من ورائه فجهز العسكر على همذان وسار إلى قزوين في ألف فارس ففر عاملها وملكها ثم ملك همذان وسار أعمال الجبل وأقام عبد الرحمن بن جبلة في أمانه. ثم أصاب منه بعض الأيام غرة فركب وهجم عليه في عسكر فقاتله طاهر أشد القتال حتى انهزم أصحابه وقتل ولحق فلهم بعبد الله وأحمد ابني الحريشي في عسكر عظيم بعثهما الأمين مددا لعبد الرحمن فانهزموا جميعا إلى بغداد. وأقبل طاهر نحو البلاد وحده وأخذه إلى حلوان فخندق بها وجمع أصحابه.
بيعة المأمون
وأمر المأمون عندها بأن يخطب له على المنابر ويخاطب بأمير المؤمنين وعقد للفضل بن سهل على المشرق كله من جبل همذان إلى البيت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وحمل له عماله ثلاثة آلاف ألف درهم. وعقد له لواء ذا شعبتين ولقبه ذا الرئاستين يعني الحرب والعلم، وحمل اللواء علي بن هشام، وحمل العلم نعيم بن حازم وولى أخاه الحسن بن سهل ديوان الخراج.
ظهور السفياني
هو علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ويلقب أبا العميطر لأنه زعم أنها كنية الحردون فلقبوه بها، وكانت أمه نفيسة بنت عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب وكان يقول أنا ابن شيخي صفين يعني عليا ومعاوية، وكان من بقايا بني أمية بالشام وكان من أهل العلم والرواية فادعى لنفسه بالخلافة آخر سنة خمس وتسعين وأعانه الخطاب بن وجه العلس مولى بني أمية، كان متغلبا على صيدا فملك دمشق من يد سليمان بن المنصور، وكان أكثر أصحابه من كلب. وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس يدعوه ويتهدده فأعرض عنه وقصد السفياني القيسية فاستجاشوا بمحمد بن صالح فجاءهم في ثلاثمائة فارس من الصبات ومواليه. وبعث السفياني يزيد بن هشام للقائهم في اثني عشر ألفا فانهزم يزيد وقتل من أصحابه ألفان وأسر ثلاثة آلاف أطلقهم ابن بيهس وحلقهم. ثم جمع جمعا مع ابنه القاسم وخرجوا ٣/٢٩٤
إلى ابن بيهس فانهزموا وقتل القاسم وبعث برأسه إلى الأمين. ثم جمع جمعا آخر وخرجوا مع مولاه المعتمر فانهزموا وقتل المعتمر فوهن أمر السفياني وطمعت فيه قيس. ثم إن ابن بيهس مرض فجمع رؤساء بني نمير وأوصاهم بيعة مسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعد بن مسلمة عبد الملك بالخلافة. وقال لهم:
تولوه وكيدوا به السفياني فإنكم لا تتقون بأهل بيته. وعاد ابن بيهس إلى حوران واجتمعت نمير على مسلمة فبايعوه فقتل منهم وجمع مواليه ودخل على السفياني فقيده وحبس رؤساء بني أمية، وأدنى القيسية وجعلهم بطانة. وأفاق ابن بيهس من مرضه فجاء إلى دمشق وحاصرها وسلمها له القيسية في محرم سنة ثمان وتسعين وهرب مسلمة والسفياني إلى المزة وملك ابن بيهس دمشق إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق وسار إلى مصر ثم عاد إليها فاحتمل ابن بيهس معه إلى العراق ومات بها.
مسير الجيوش إلى طاهر ورجوعهم بلا قتال
ولما قتل عبد الرحمن بن جبلة أرسل الفضل بن الربيع إلى أسد بن يزيد بن مزيد ودعاه لحرب طاهر بعد أن ولي الأمين الخلافة، وشكر لأسد فضل الطاعة والنصيحة وشدة البأس ويمن التقية، وطلب منه أرزاق الجند من المال لسنة، وألف فرس تحمل من معه بعد إزاحته عللهم بالأموال، وأن لا يطلب بحسبان ما يفتتح. فقال قد أشططت ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركب ودخل على الأمين فأمر بحبسه، وقيل إنه طلب ولدي المأمون كانا عند أمهما ابنة الهادي ببغداد بحملهما معه، فإن أطاعه المأمون وإلا قتلهما. فغضب الأمين لذلك وحبسه، واستدعى عبد الله بن حميد بن قحطبة فاشتط وكذلك فاستدعى أحمد بن مزيد واعتذر له عبس أسد وبعثه لحرب طاهر، وأمر الفضل بأن يجهز له عشرين ألف فارس وشفع في أسد ابن أخيه فأطلقه. ثم سار وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا أخرى، وانتهوا إلى حلوان وأقاموا وطاهر بموضعه ودس المرجفين في عسكرهم بأن العطاء والمنع ببغداد والجند يقبضون أرزاقهم. حتى مشى الجند بعضهم إلى بعض، واختلفوا واختلفوا واقتتلوا ورجعوا من غير لقاء. وتقدم طاهر فنزل ٣/٢٩٥
حلوان وجاءه هرثمة في جيش من عند المأمون ومعه كتاب بأن يسلم إلى هرثمة ما ملكه من المدن ويتقدم إلى الأهواز ففعل ذلك.
أمر عبد الملك بن صالح وموته
قد تقدم لنا حبس عبد الملك بن صالح إلى أن مات الرشيد وأخرجه الأمين، ولما كان أمر طاهر جاء عبد الملك إلى الأمين وأشار عليه بأن يقدم أهل الشام لحربه، فهم أجرأ من أهل العراق وأعظم نكاية في العدو، وضمن طاعتهم بذلك، فولاه الأمين أهل الشام والجزيرة وقر له بالمال والرجال واستحثه، فسار إلى الرقة وكاتب أهل الشام فتسالموا إليه فأكرمهم وخلع عليهم وكثرت جموعه. ثم مرض واشتد مرضه ووقعت فتنة في عسكره بين الخراسانيين وأهل الشام بسبب دابة أخذت لبعضهم في وقعة سليمان بن أبي جعفر وعرفها عند بعض أهل الشام، فاقتتلوا وأرسل إليهم عبد الملك بالقتل فلم يقتلوا، وكثر القتل وأظهر عبد الملك النصرة للشاميين وانتقض الحسين ابن علي للخراسانيين، وتنادى الناس بالرجوع إلى بلادهم فمضى أهل حمص وقبائل كلب فانهزم أهل الشام وأقام عبد الملك بن صالح بالرقة، توفي بها.
خلع الأمين وإعادته
ولما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي في الجند بالرحيل إلى بغداد وقدمها فلقيه القواد ووجوه الناس ودخل منزله واستدعاه الأمين من جوف الليل فامتنع وأصبح، فوافى باب الجسر وأغراهم بخلع الأمين وحذرهم من نكثة ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا ولقيه أصحاب الأمين فانهزموا، وذلك منتصف رجب سنة ست، وأخذ البيعة للمأمون من الغد ووثب العباس بن عيسى بن موسى بالأمين فأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور ومعه أمه زبيدة، فلما كان من الغد طلب الناس أرزاقهم من الحسين وماج بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد فنكر استبداد الحسين بخلع الأمين وليس بذي منزلة ولا حسب ولا نسب ولا غنائم.
وقال أسد الحربي قد ذهب أقوام بخلع الأمين فاذهبوا أنتم بفكه يا معشر الحربية، فرجع الناس على أنفسهم باللائمة وقالوا ما قتل قوم خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف. ثم نهضوا إلى الحسين وتبعهم أهل الأرض فقاتلوه قتالا شديدا وأسروه ودخل ٣/٢٩٦
أسد الحربي إلى الأمين وكسر قيوده وأجلسه على أريكته، وأمرهم الأمين بلبس السلاح فانتهبه الغوغاء وجيء بالحسين إليه أسيرا، فاعتذر إليه وأطلقهم وأمره بجمع الجند والمسير إلى طاهر وخلع عليه ما وراء بابه ووقف الناس يهنئونه بباب الجسر حتى إذا خف عنه الناس قطع الجسر وهرب. وركب الجند في طلبه وأدركوه على فرسخ من بغداد وقتلوه وجاءوا برأسه إلى الأمين واختفى الفضل بن الربيع عند ذلك فلم يوقف له على خبر.
استيلاء طاهر على البلاد
ولما جاء كتاب المأمون بالمسير إلى الأهواز قدم إليها الحسين بن عمر الرستمي وسار في أثره وأتته عيونه بأن محمد بن يزيد بن حاتم قد توجه من قبل الأمين في جند ليحمي الأهواز من أصحاب طاهر، فبعث من أصحابه محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه مددا للرستمي. ثم أمدهم بقريش بن شبل ثم سار بنفسه حتى كان قريبا منهم وأشرفوا على محمد بن يزيد مكرم وقد أشار إليه أصحابه بالرجوع إلى الأهواز والتحصن بها حتى تأتيه قومه الأزد من البصرة، فرجع وأمر طاهر قريش شبل باتباعه قبل أن يتحصن بالأهواز، فخرج لذلك وفاته محمد بن يزيد إلى الأهواز وجاء على أثره فاقتتلوا قتالا شديدا، وفر أصحاب محمد واستمات هو ومواليه حتى قتلوا. وملك طاهر الأهواز وولى على اليمامة والبحرين وعمان ثم سار إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحريشي والهيثم بن شعبة خليفة خزيمة بن حازم، فهربا عنها وملكها طاهر وبعث قائدا من قواده إلى الكوفة وبها العباس بن الهادي، فخلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى طاهر وكذلك فعل المنصور بن المهدي بالبصرة والمطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل، وأقرهم طاهر على أعمالهم. وبعث الحرث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة وأقام بجرجابا ولما بلغ الخبر بذلك إلى الأمين بعث محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري إلى قصر ابن هبيرة فقاتلهم الحرث وداود قتالا شديدا وهزموهم إلى بغداد. وبعث الأمين أيضا الفضل بن موسى على الكوفة، فبعث إليه طاهر بن العلاء في جيش فلقيه في طريقه فأراد مسالمته بطاعة المأمون كيادا ثم قاتله فانهزم إلى بغداد. ثم سار طاهر إلى المدائن ٣/٢٩٧
وعليها البرمكي والمدد متصل له كل يوم، فقدم قريش بن شبل، فلما أشرف عليهم وأخذ البرمكي في التعبية فكانت لا تتم له، فأطلق سبيل الناس وركب بعضهم بعضا نحو بغداد، وملك طاهر لمدائن ونواحيها ثم نزل صرصر وعقد بها جسرا.
بيعة الحجاز للمأمون
ولما أخذ الأمين كتب العهد من مكة وأمر داود بن عيسى، وكان على مكة والمدينة بخلع المأمون قام في الناس ونكر نقض العهد، وذكرهم ما أخذ الرشيد عليهم من الميثاق لابنيه في المسجد الحرام أن يكونوا على الظالم، وأن محمدا بدأ بالظلم والنكث وخلع أخويه وبايع لطفل صغير رضيع، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما ظلما ثم دعا إلى خلعه والبيعة للمأمون فأجابوه، ونادى بذلك في شعاب مكة وخطبهم.
وكتب إلى ابنه سليمان بالمدينة بمثل ذلك ففعله، وذلك في رجب سنة ست وتسعين.
وسار من مكة على البصرة وفارس وكرمان إلى المأمون وأخبره فسر بذلك وولاه مكانه وأضاف إليه ولاية عك وأعطاه خمسمائة ألف درهم وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى على الموسم ويزيد بن جرير بن مزيد بن خالد القسري في جند كثيف عاملا على اليمن ومروا بطاهر وهو محاصر بغداد فأكرمهم وأقام يريد اليمن فبايعوه للمأمون وأطاعوه.
حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها ومقتل الأمين
ولما اتصلت بالأمين هذه الأحوال وقتل الحسين بن علي بن عيسى، شمر لحرب طاهر واستعد له وعقد في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة شتى وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة فساروا إليه والتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموا وأسر قائدهم علي بن محمد فبعث به هرثمة إلى المأمون وترك النهروان، وأقام طاهر بصرصر والجيوش تتعاقب من قبل الأمين فيهزمها. ثم بذل الأمين الأموال ليستفسد بها عساكرهم فسار إليه من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف ففرق فيهم الأموال وقود جماعة من الحربية ودس إلى رؤساء ٣/٢٩٨
الجند في عسكر طاهر ورغبهم فشغبوا على طاهر وسار كثير منهم إلى الأمين، وانضموا إلى قواد الحربية وقواد بغداد وساروا إلى صرصر. فعبى أصحابه كراديس وحرضهم ووعدهم.
ثم تقدم فقاتلهم مليا من النهار وانهزم أصحاب الأمين، وغنم أصحاب طاهر عسكرهم.
ولما وصلوا إلى الأمين فرق فيهم الأموال وقود منهم جماعة ولم يعط المنهزمين شيئا ودس إليهم طاهر واستمالهم فشغبوا على الأمين فأمر هؤلاء المحدثين بقتالهم وطاهر يراسلهم وقد أخذ رهائنهم على الطاعة، وأعطاهم الأموال. فسار فنزل باب الأنبار بقواده وأصحابه واستأمن إليه كثير من جند الأمين، وثارت العامة وفتقت السجون، ووثب الشطار على الأخيار ونزل زهير بن مسيب الضبي من ناحية، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر الخنادق ونزل هرثمة بناحية أخرى وفعل مثل ذلك. ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية ونزل طاهر بباب الأنبار فضيق على الأمين بمنزله ونفد ما كان بيد الأمين من الأموال، وأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في الجند، وأحرق الحديثة فمات بها خلق، واستأمن سعيد ابن مالك بن قادم إلى طاهر فولاه الأسواق وشاطئ دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وكل ما غلب عليه من الدروب، وأمده بالرجال والأموال. ووكل الأمين بقصر صالح وقصر سليمان بن المنصور إلى دجلة بعض قواده فألح في إحراق الدور والرمي بالمجانيق وفعل طاهر مثل ذلك. وكثر الخراب ببغداد وصار طاهر يخندق على ما يمكنه من النواحي ويقاتل من لم يجبه، وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وعجز الأجناد عن القتال. وقام به الباعة والعيارون وكانوا ينهبون أموال الناس. واستأمن إليه القائد الموكل بقصر صالح فأمنه وسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية في جمادى الأخيرة من سنة سبع. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب الشرطة فوهن الأمين. واجتمع العيارون والباعة والأجناد وقاتلوا أصحاب طاهر في قصر صالح، وقتلوا منهم خلقا وكاتب طاهر القواد بالأمان وبيعة المأمون فأجابه بنو قحطبة كلهم ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العباس الطائي وغيرهم. وفشل الأمين وفوض الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الحسن الهرش، ومعهم الغوغاء يتولون أمر تلك الفتنة. وأجفل الناس من بغداد وافترقوا في البلاد. ولما وقع بطاهر في قصر صالح ما وقع بأصحابه شرع في هدم المباني وتخريبها ثم قطع الميرة عنهم وصرف السفن التي تحمل فيها إلى الفرات. فغلت الأسعار ٣/٢٩٩
وضاق الحصار واشتد كلب العيارين فهزموا عبيد الله بن الوضاح وغلبوه على الشماسية. وجاء هرثمة ليعينه فهزموه أيضا وأسروه ثم خلصه أصحابه. وعقد طاهر جسرا فوق الشماسية وعبر إليهم وقاتلهم أشد قتال فردهم على أعقابهم، وقاتل منهم بشرا كثيرا وعاد ابن الوضاح إلى مركزه وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية، وكانت النفقة فيها بلغت عشرين ألف درهم. وأيقن الأمين بالهلاك وفر منه عبد الله بن حازم ابن خزيمة إلى المدائن لأنه اتهمه وحمل عليه السفلة والغوغاء. ويقال بل كاتبه طاهر وقبض ضياعه فخرج عن الأمين وقصد الهرش ومن معه جزيرة العباس من نواحي بغداد فقاتلهم بعض أصحاب طاهر وهزموهم وغرق منهم خلق كثير وضجر الأمين وضعف أمره وسار المؤتمن بن الرشيد إلى المأمون فولاه جرجان وكاتب طاهر خزيمة بن حازم ومحمد بن علي بن موسى بن ماهان وأدخلهما في خلع الأمين فأجاباه ووثبا آخر محرم من سنة ثمان وتسعين فقطعا جسر دجلة وخلع الأمين وبعث إلى هرثمة وكان بإزائهما فسار إليهما من ناحيته ودخل عسكر المهدي وملكه وقدم طاهر من الغد إلى المدينة والكرخ فقاتلهم وهزمهم وملكها عنوة ونادى بالأمان ووضع الجند بسوق الكرخ وقصر الوضاح وأحاط بمدينة المنصور وقصر زبيدة وقصر الخلد من باب الجسر إلى باب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة ونصب عليها المجانيق. واعتصم الأمين في أمه وولده بمدينة المنصور، واشتد عليه الحصار وثبت معه حاتم بن الصقر والحريشي والأفارقة. وافترق عامة الجنود والخصيان والجواري في الطرق وجاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي إلى الأمين وقالا له بقي من خيلك سبعة آلاف فرس نختار سبعة آلاف فنجعلهم عليها ونخرج على بعض الأبواب ولا يشعر بنا أحد ونلحق بالجزيرة والشام فيكون ملك جديد، وربما مال إليك الناس ويحدث الله أمرا فاعتزم على ذلك وبلغ الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك يتهددهم إن لم يصرفوه عن ذلك الرأي. فدخلوا على الأمين وحذروه من ابن الصقر وابن الأغلب أن يجعل نفسه في أيديهم فيتقربوا به إلى طاهر وأشاروا عليه بطلب الأمان على يد هرثمة بن أعين والخروج إليه وخالفهم إليه ابن الصقر وابن الأغلب. وقالوا له إذا ملت إلى الخوارج فطاهر خير لك من هرثمة فأبى وتطير من طاهر وأرسل إلى هرثمة يستأمنه. فأجابه أنه يقاتل في أمانة المأمون فمن دونه ٣/٣٠٠
وبلغ ذلك طاهرا فعظم عليه أن يكون الفتح لهرثمة واجتمع هو وقواده لهرثمة وقواده في منزل خزيمة بن حازم، وحضر سليمان والسندي وابن نهيك وأخبروا طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدا وأنه يخرج إلى هرثمة ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة فرضي. ثم جاء الهرش وأسر إليه أنهم يخادعونه وأنهم يحملونها مع الأمين إلى هرثمة فغضب وأعد رجالا حول قصور الأمين، وبعث إليه هرثمة لخمس بقين من محرم سنة ثمان وتسعين بأن يتربص ليلة لأنه رأى أولئك الرجال بالشط فقال: قد افترق عني الناس ولا يمكنني المقام لئلا يدخل علي طاهر فيقتلني.
ثم ودع ابنيه وبكى وخرج إلى الشط وركب حراقة هرثمة. وجعل هرثمة يقبل يديه ورجليه وأمر بالحراقة أن تدفع وإذا بأصحاب طاهر في الزواريق فشدوا عليها ونقبوها ورموهم بالآجر والنشاب فلم يرجعوا ودخل الماء إلى الحراقة فغرقت. قال أحمد بن سالم صاحب المظالم: فسقط الأمين وهرثمة وسقطنا فتعلق الملاح بشعر هرثمة وأخرجه وشق الأمين ثيابه. قال: وخرجت إلى الشط فحملت إلى طاهر فسألني عن نفسي فانتسبت وعن الأمين فقلت غرق فحملت إلى بيت وحبست فيه حتى أعطيتهم مالا فاديتهم به على نفسي. فبعد ساعة من الليل فتحوا علي الباب وأدخلوا علي الأمين عريان في سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة فاسترجعت وبكيت. ثم عرفني فقال:
ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة، فضممته وقلبه يخفق فقال: يا أحمد ما فعل أخي؟ فقلت: حي قال: قبح الله بريدهم كان يقول قد مات، يريد بذلك العذر عن محاربته فقلت: بل قبح الله وزراءك، فقال: تراهم يفون لي بالأمان؟
قلت: نعم إن شاء الله. ثم دخل محمد بن حميد الطاهري فاستثبتنا حتى عرفه وانصرف، ثم دخل علينا منتصف الليل قوم من العجم منتضين سيوفهم فدافع عن نفسه قليلا ثم ذبحوه ومضوا برأسه إلى طاهر ثم جاءوا من السحر فأخذوا جثته. ونصب طاهر الرأس حتى رآه الناس ثم بعث به إلى المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب ومعه الخاتم والبردة والقضيب وكتب معه بالفتح فلما رآه المأمون سجد. ولما قتل الأمين نادى طاهر بالأمان ودخل المدينة يوم الجمعة فصلى بالناس وخطب للمأمون وذم الأمين، ووكل بحفظ القصور الخلافية، وأخرج زبيدة أم الأمين وابنيه موسى وعبد الله إلى بلاد الزاب الأعلى. ثم أمر بحمل الولدين إلى المأمون وندم الجند على قتله وطالبوا طاهر بالأموال فارتاب بجند بغداد وبجنده أنهم تواطئوا عليه ٣/٣٠١
وثاروا به لخمس من قتل الأمين. فهرب إلى عقرقوبا ومعه جماعة من القواد ثم تعبى لقتالهم فجاءوا واعتذروا وأحالوا على السفهاء والأحداث فصفح عنهم وتوعدهم أن يعودوا لمثلها، وأعطاهم أربعة أشهر. واعتذر إليه مشيخة بغداد وحلفوا أنهم لم يدخلوا الجند في شيء من ذلك، فقبل منهم ووضعت أهل الحرب أوزارها واستوسق لأمر للمأمون في سائر الأعمال والممالك. ثم خرج الحسن الهرش في جماعة من السفلة واتبعه كثير من بوادي الأعراب ودعا إلى الرضا من آل محمد وأتى النيل فجبى الأموال ونهب القرى وولى المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما افتتحه طاهر من كور الجبل والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، فقدم سنة تسعة وتسعين وفرق العمال وولى طاهرا على الجزيرة والموصل والشام والمغرب وأمره أن يسير إلى قتال نصر بن شبيب، وأمر هرثمة بالمسير إلى خراسان وكان نصر بن شبيب من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر في كيسوم شمالي حلب، وكان له ميل إلى الأمين.
فلما قتل أظهر الوفاء له بالبيعة وغلب على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب وعبر إلى شرقي العراق وحصر حران. وسأل منه شيعة الطالبيين أن يبايعوا لبعض آل علي لما رأوه من بني العباس ورجالهم وأهل دولتهم وقال: والله لا أبايع أولاد السوداوات، فيقول: إنه خلقني ورزقني. قالوا:
فبعض بني أمية قال قد أدبر أمرهم والمدبر لا يقبل ولو سلم علي رجل مدبر لأعداني بإدباره، وإنما هو اي في بني العباس، وإنما حاربتهم لتقديمهم العجم على العرب. ولما سار إليه طاهر نزل الرقة وأقام بها وكتب إليه يدعوه إلى الطاعة وترك الخلاف فلم يجبه وجاء الخبر إلى طاهر في الرقة وفاة أبيه الحسين بن زريق بن مصعب بخراسان وأن المأمون حضر جنازته، ونزل الفضل قبره وجاءه كتاب المأمون يعزيه فيه. وبعد قتل الأمين كانت الوقعة بالموصل بين اليمانية والنزارية وكان علي بن الحسن الهمداني متغلبا على الموصل فعسف بالنزارية وسار عثمان بن نعيم البرجمي إلى ديار مصر وشكا إلى أحيائهم واستنفرهم فسار معه من مصر عشرون ألفا وأرسل إليهم علي بن الحسن بالرجوع إلى ما يريدون، فأبى عثمان فخرج علي في أربعة آلاف فهزمهم وأثخن فيهم وعادا إلى البلد. ٣/٣٠٢
ظهور ابن طباطبا العلوي
لما بعث المأمون الحسن بن سهل إلى العراق وولاه على ما كان افتتحه طاهر من البلاد والأعمال تحدث الناس أن الفضل بن سهل غلب على المأمون واستبد عليه وحجبه عن أهل بيته وقواده، فغضب بنو هاشم ووجوه الناس واجترءوا على الحسن بن سهل وهاجت الفتنة وكان أبو السرايا السري بن منصور يذكر أنه من بني شيبان من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود، وقيل من بني تميم بالجزيرة وطلب فعبر إلى شرقي الفرات وأقام هنالك يخيف السابلة، ثم لحق بيزيد بن مزيد بأرمينية في ثلاثين فارسا فقوده وقاتل معه الحرمية وأسر منهم وأخذ منهم غلامه أبا الشوك. ومات يزيد بن مزيد فكان مع ابنه أسد وعزل أسد فسار إلى أحمد بن مزيد. ولما بعث الأمين أحمد بن مزيد لحرب هرثمة بعثه طليعة إلى عسكره، فاستماله هرثمة فمال إليه ولحق به وقصد بني شيبان مع الجزيرة واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة واجتمع إليه أزيد من ألفي فارس. فلما قتل الأمين تعصى هرثمة عن أرزاقهم فغضب واستأذن في الحج فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم ففرقها في أصحابه ومضى وأوصاهم باتباعه، فاجتمع له منهم نحو مائتين وسار إلى عين التمر فأخذوا عاملها وقسموا ماله ولقوا عاملا آخر بمال موقور على ثلاثة أنفار فاقتسموه وأرسل هرثمة عسكرا خلفه فهزمهم ودخل البرية ولحق به من تخلف من أصحابه فكثر جمعه وسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة في سبعمائة فارس فخرج وقاتله فهزمه ورجع إلى القصر فحاصره أبو السرايا حتى نزل على الأمان وأخذ أمواله. وسار إلى الأنبار وعليها إبراهيم الشروي مولى المنصور، فقتله وأخذ ما فيها وعاد إليها عند إدراك الغلال فافتتحها. ثم قصد الرقة ومر بطوق بن مالك الثعلبي فاستجاشه على قيس فأقام عنده أربعة أشهر يقاتل قيسا بعصبية ربيعة حتى انقادت قيس إلى طوق. وسار أبو السرايا إلى الرقة فلقي محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وتلقب أبوه إبراهيم طباطبا فدعاه إلى الخروج، وأنفذ إلى الكوفة فدخلاها وبايعهم أهلها على بيعة الرضا من آل محمد، ونهب أبو السرايا قصر العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ ما فيه من الأموال والجواهر ما لا يحصى، وذلك منتصف جمادى الأخيرة سنة تسعة ٣/٣٠٣
وتسعين، وقيل إن أبا السرايا مطله هرثمة بأرزاق أصحابه فغضب ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبا. ولما ملك الكوفة هرع إليه الناس والأعراب من النواحي فبايعوه، وكان عليها سليمان بن المنصور من قبل الحسن بن سهل فبعث إليه زهير بن المسيب الضبي في عشرة آلاف وخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه واستباحوا عسكره وأصبح محمد بن طباطبا من الغد ميتا فنصب أبو السرايا مكانه غلاما من العلوية، وهو محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين واستبد عليه، ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة فأقام به وبعث الحسن بن سهل عبدوس ابن محمد بن خالد المروروذي في أربعة آلاف فلقيه أبو السرايا منتصف رجب وقتله ولم يفلت من أصحابه أحد كانوا بين قتيل وأسير، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة وبعث جيوشا إلى البصرة وواسط، وولى على البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري، وعلى مكة الحسين الأفطس بن الحسين بن علي بن زين العابدين وجعل إليه الموسم. وعلى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وعلى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر الصادق، وعلى الأهواز زيد بن موسى الصادق، فسار إلى البصرة وأخرج عنها العباس بن محمد بن داود بن الحسن المثنى إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي ففعل. وكان بواسط عبد الله بن سعد الخرشي من قبل الحسن بن سهل ففر أمامهم وبعث الحسن بن سهل إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي السرايا، وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا له، فرجع بعد امتناع، وسار إلى الكوفة في شعبان وبعث الحسن إلى المدائن وواسط علي بن أبي سعيد وأبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فوجه جيشا إلى المدائن فملكوها في رمضان. وتقدم فنزل نهر صرصر وعسكر هرثمة بإزائه غدوة. وسار علي بن أبي سعيد في سؤال المدائن فحاصر بها أصحاب أبي السرايا، ورجع هو من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وهرثمة وأتباعه، ثم حصره وقتل جماعة من أصحابه فانجاز إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بني العباس وشيعتهم فنهبوها وخربوها وأخرجوهم واستخرجوا ودائعهم عند الناس، وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فلما بلغه قدوم حسين الأفطس جمع شيعة بني العباس. وكان مسرور الكبير قد حج في مائة فارس فتعبى للحرب ودعا داود إلى حربهم فقال: لا أستحل ذلك في الحرم وخرج إلى العراق وتبعه مسرور وكان حسين الأفطس بسرف يخاف دخول مكة فبلغه ٣/٣٠٤
الخبر ان مكة قد خلت من بني العباس عنها فدخل في عشرة أنفس وطاف وسعى ووقف بعرفة ليلا وأتم الحج. وأقام هرثمة بنواحي الكوفة يحاصرها، واستدعى منصور بن المهدي وكاتب رؤساء الكوفة وسار علي بن سعيد من المدائن إلى واسط فملكها، ثم توجه إلى البصرة واشتد الحصار على أبي السرايا بالكوفة فهرب عنها في ثمانمائة فارس ومعه صاحبه الذي نصبه وهو محمد بن جعفر بن محمد ودخلها هرثمة منتصف محرم فأقام بها يوما وولى عليها غسان صاحب الحرس بخراسان وعاد وقصد أبو السرايا القادسية وسار منها إلى السوس ولقي بخراسان مالا حمل من الأهواز فقسمه في أصحابه. وكان على الأهواز الحسن بن علي المأموني، فخرج إليه فقاتله فهزمه وافترق أصحابه وجاء إلى منزله برأس عين من جلولاء ومعه صاحبه محمد وغلامه أبو الشوك فظفر بهم حماد الكندغوش وجاء بهم إلى الحسن بن سهل في النهروان فقتل أبا السرايا وبعث برأسه إلى المأمون، وبصاحبه محمد معه، ونصب شلوه على جسر بغداد. وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فملكها من يد زيد بن موسى بن جعفر الصادق، وكان يسمى زيد النار لكثرة ما أحرق من دور العباسيين وشيعتهم فاستأمن إليه زيد فأمنه وأخذه، وبعث الجيوش إلى مكة والمدينة واليمن لقتال من بها من العلويين، وكان إبراهيم بن موسى بن جعفر بمكة فلما بلغه خبر أبي السرايا ومقتله ولى وسار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى فهرب إلى مكة، واستولى إبراهيم على اليمن وكان يسمى الجزار لكثرة قتله وفتكه. ثم بعث رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب إلى مكة ليحج بالناس وقد جاء لذلك أبو الحسن المعتصم في جماعة من القواد فيهم حدوية بن علي بن عيسى بن ماهان، واليا على اليمن من قبل الحسن بن سهل، فخام العقيلي عن لقائهم واعترض قافلة الكسوة فأخذها ونهب أموال التجار ودخل الحجاج إلى مكة عراة فبعث الخلودي من القواد فصبحهم وهزمهم وأسر منهم وتفقد أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وضرب الأسراء عشرة أسواط لكل واحد وأطلقهم وحج المعتصم بالناس.
بيعة محمد بن جعفر بمكة
هو محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين ويلقب الديباجة، وكان عالما زاهدا ويروى عن أبيه وكان الناس يكتبون عنه. ولما ملك الحسين الأفطس ٣/٣٠٥
مكة كما ذكرناه عاث فيها ونزع كسوة الكعبة وكساها بأخرى من الغد أنفذها أبو السرايا من الكوفة وتتبع ودائع بني العباس وجعلها ذريعة لأخذ أموال الناس فخرجوا من مكة. وقلع أصحابه شبابيك الحرم وقلع ما على الأساطين من الذهب واستخرج ما كان في الكعبة من المال فقسمه في أصحابه وساء أثره في الناس. فلما قتل أبو السرايا تنكروا له فخشي على نفسه فجاء إلى محمد بن جعفر ليبايع له بالخلافة فلم يزل به هو وابنه حسن واستعانا عليه بابنه علي حتى بايعوه ودعوه بأمير المؤمنين. واستبد عليه ابنه علي وابن الأفطس بأسوا مما كان قبل، وأفحشوا في الزنا واللواط واغتصاب النساء والصبيان، فاجتمع الناس على خلع محمد بن جعفر أو يرد إليهم ابن القاضي كان مغتصبا ببيت ابنه علي، فاستأمنهم حتى ركب إلى بيت ابنه وسلم إليهم الغلام.
وجاء إسحاق بن موسى بن عيسى من اليمن فاجتمع الناس وخندقوا مكة وقاتلهم إسحاق وامتنعوا عليه فسار نحو العراق ولقي الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة مع الجلودي ورجاء بن جميل، وهو ابن عم الحسين بن سهل. فرجع بهم وقاتل الطالبيين فهزمهم وافترقوا، واستأمن إليه محمد بن جعفر فأمنه وملك مكة وسار محمد ابن جعفر إلى الجحفة، ثم إلى بلاد جهينة فجمع وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، فانهزم محمد وفقئت عينه وقتل خلق من أصحابه ورجع إلى موضعه. ولما انقضى الموسم استأمن الجلودي ورجاء بن جميل فأمناه ودخل مكة وخطب واعتذر عما فعله بأنه بلغه موت المأمون ثم صح أنه حي، وخلع نفسه وسار إلى الحسن والي المأمون بمرو فلم يزل عنده إلى أن سار المأمون إلى العراق فمات بجرجان في طريقه.
مقتل هرثمة
لما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع، وكان الحسن بن سهل بالمدائن فلم يعرج عليه وسار على عقرقوبا إلى النهروان قاصدا خراسان، ولقيته كتب المأمون متلاحقة أن يرجع إلى الشام والحجاز، فأبى إلا لقاءه دالة عليه بما سبق له من نصحه له ولآبائه.
وكان قصد أن يطلع المأمون على حال الفضل بن سهل في طيه الأخبار عنه وما عند الناس من القلق بذلك، وباستبداده عليه ومقامه بخراسان وعلم الفضل بذلك فأغرى به المأمون وألقى إليه انه سلط أبا السرايا وهو من جنده وقد خالف كتبك وجاء معاندا سيئ القالة، وإن سومح في ذلك اجترأ غيره فسخطه المأمون وبقي في ٣/٣٠٦
انتظاره، ولما بلغ مرو قرع طبوله يسمعها لئلا يطوى خبره عن المأمون، وسأل المأمون عنها فقيل هرثمة أقبل يرعد ويبرق، فاستدعاه وقال هرثمة مالأت العلويين وأبا السرايا ولو شئت إهلاكهم جميعا لفعلت، فذهب يعتذر فلم يمهله وأمر فربس بطنه وشدخ أنفه وسحب إلى السجن ثم دس إليه من قتله.
انتقاض بغداد على الحسن بن سهل
ولما بلغ خبر هرثمة إلى العراق كتب الحسن بن سهل إلى علي بن هشام والي بغداد من قبله أن يتعلل على الجند الحربية والبغداديين في أرزاقهم، لأنه كان بلغه عنهم قبل مسير هرثمة أنهم عازمون على خلعه وطرد عماله، وولوا عليهم إسحاق بن الهادي خليفة المأمون. فلم يزل الحسين يتلطف إليهم ويكاتبهم حتى اختلفوا فأنزل علي بن هشام ومحمد ابن أبي خالد في أحد جانبيها، وزهير بن المسيب في الجانب الآخر، وقاتلوا الحربية ثلاثة أيام، ثم صالحهم على العطاء وشرع فيه. وكان زيد بن موسى ابن جعفر قد أخذه علي بن أبي سعيد من البصرة وحبسه كما ذكرناه قبل، فهرب من محبسه وخرج بناحية الأنبار ومعه أخ لأبي السرايا. ثم تلاشى أمره وأخذوا إلى علي بن هشام ثم جاء خبر هرثمة وقد انتقض محمد بن أبي خالد على علي بن هشام بما كان يستحق به، وغضب يوما مع زهير بن المسيب فقنعه بالسوط، فسار إلى الحربية ونصب لهم الحرب، وانهزم علي بن هشام إلى صرصر.
وقيل إن ابن هشام أقام الحد على عبد الله بن علي بن عيسى فغضب الحربية وأخرجوه. واتصل ذلك بالحسن بن سهل وهو بالمدائن كما قلناه فانهزم إلى واسط أول سنة إحدى ومائتين، والفضل بن الربيع وقد ظهر من اختفائه من لدن الأمين. وجاء عيسى بن محمد بن أبي خالد من الرقة من عند طاهر، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن وهزموا كل من تعرض للقائهم من أصحابه. وكان زهير بن المسيب عاملا للحسن على جوخى من السواد وكان يكاتب بغداد فركب إليه محمد بن أبي خالد ٣/٣٠٧
وأخذه أسيرا وانتهب ماله وحبسه ببغداد عند ابنه جعفر. ثم تقدم إلى واسط وبعثه ابنه هارون إلى النيل فهزم نائب الحسن بها إلى الكوفة فلحق بواسط ورجع هارون إلى أبيه وتقدم نحو واسط فسار الحسن عنها. واقام الفضل بن الربيع مختفيا بها واستأمن لمحمد وبعثه إلى بغداد. وسار إلى الحسن على البقية ولقيتهم عساكر الحسن وقواده، وانهزم محمد وأصحابه وتبعهم الحسن إلى تمام الصلح، ثم لحقوا بجرجايا. ووجه محمد ابن ابنه هارون إلى فأقام بها وسار محمد ابن ابنه أبو رتيل وهو جريح إلى بغداد فمات بها ودفن في داره سرا. ومحمد أبو رتيل إلى زهير بن المسيب فقتله من ليلته . وقام خزيمة بن خازم بأمر بغداد، وبعث إلى عيسى بن محمد بأن يتولى حرب الحسن مكان أبيه، وبلغ الحسن موت محمد فبعث عسكره إلى هارون بالنيل فغلبوا وانتهبوها، ولحق هارون بالمدائن. ثم اجتمع أهل بغداد وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق انحرافا عن الحسن ابن سهل. وقيل إن الحسن لما ساعد أهل بغداد عيسى بن محمد بن أبي خالد على حربه خام عنه فلاطفه ووعده بالمصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية النواحي ، فقبل وطلب خط المأمون بذلك، وكتب إلى أهل بغداد إني شغلت بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلا من بني هاشم، فولوا المنصور بن المهدي وأحصى عيسى أهل عسكره فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا. وبعث منصور غسان بن الفرج إلى ناحية الكوفة فغزاه حميد الطوسي من قواد الحسن بن سهل وأخذ أسيرا ونزل النيل. فبعث منصور بن محمد يقطين في العساكر إلى حميد فلقيه حميد بكونا فهزمه وقتل من أصحابه ونهب ما حول كوثا ورجع إلى النيل وأقام ابن يقطين بصرصر. ٣/٣٠٨
أمر المطوعة
ولما كثر الهرج ببغداد وامتدت أيدي الدعاوي باذاية الناس في أموالهم وأفشى المناكير فيهم وتعذر ذلك، فخرجوا إلى القرى فانتهبوها. «واستعدى الناس أهل الأمر فلم يغدوا عليهم فتمشى الصلحاء من عمل ريظ وكل بينهم ورأوا أنهم في كل درب قليلون بالنسبة إلى خيارهم فاعتزموا على مدافعتهم واشتد خالد المدريوش من أهل، بغداد فدعا جيرانه وأهل محلته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن يغيروا على السلطان. فشد على من كان عندهم من أدعار وحبسهم ورفعهم إلى السلطان وتعدى ذلك إلى غير محلته. ثم قام بعده سهل بن سلامة الأنصاري من الحريشية من أهل خراسان ويكنى أبا حاتم فدعا إلى مثل ذلك وإلى العمل بالكتاب والسنة وعلق في عنقه مصحفا وعبر على العامة وعلى أهل الدولة فبايعوه على ذلك وعلى قتال من خالف» . وبلغ خبرهما إلى منصور بن المهدي وعيسى بن محمد بن أبي خالد فنكروا ذلك لأن أكثر الدعار كانوا يشايعونهم على أمرهم، فدخلوا بغداد بعد أن عقد عليه الصلح مع الحسن بن سهل على الأمان له ولأهل بغداد، وانتظروا كتاب المأمون ورضي أهل البلد بذلك، فسهل عليهم أمر المدريوش وسهل. ٣/٣٠٩
العهد لعلي الرضا والبيعة لإبراهيم بن مهدي
ولما بلغ أهل بغداد أن المأمون قد بايع بالعهد لعلي بن موسى الكاظم ولقبه الرضا من آل محمد، وأمر الجند بطرح السواد ولبس الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد ببغداد يعلمه بذلك في رمضان من سنة إحدى ومائتين، وأمره أن يأخذ من عنده من الجند وبني هاشم بذلك، فأجاب بعض وامتنع بعض، وكبر عليهم إخراج الخلافة من بني العباس.
وتولى كبر ذلك منصور وإبراهيم ابنا المهدي وشايعهم عليه المطلب بن عبد الله بن مالك والسدي ونصر الوصيف وصالح صاحب المصلى ومنعوا يوم الجمعة من نادى في الناس بخلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدي ومن بعده لإسحاق بن الهادي. ثم بايعوه في المحرم سنة اثنتين ومائتين ولقبوه المبارك ووعد الجند بأرزاق ستة أشهر، واستولى على الكوفة والسواد، وخرج فعسكر بالمدائن وولى بها على الجانب الغربي العباس بن الهادي، وعلى الجانب الشرقي إسحاق بن الهادي. وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه القواد سعيد بن الساحور وأبو البط وغسان بن الفرج ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب كانوا منحرفين عن حميد فداخلوا إبراهيم بن الهادي في أن يهلكوه في قصر ابن هبيرة وشعر بذلك الحسن بن سهل فاستقدم حميدا وخلا لهم الجو منه فبعث إبراهيم بن المهدي عيسى ابن محمد بن أبي خالد وملك قصر ابن هبيرة وانتهب عسكر حميد ولحق به ابنه بجواريه. ثم عاد إلى الكوفة فاستعمل عليها العباس بن موسى الكاظم وأمره أن يدعو لأخيه فامتنع غلاة الشيعة من إجابته وقالوا: لا حاجة لنا بذكر المأمون وقعدوا عنه.
وبعث إبراهيم بن المهدي من القواد سعيدا وأبا البط لقتاله، فسرح إليهم العباس بن عمه وهو علي بن محمد الديباجة فانهزم، ونزل سعيد وأبو البط الحيرة ثم تقدموا لقتال أهل الكوفة، وقاتلهم شيعة بني العباس ومواليهم. ثم سألوا الأمان للعباس وخرجوا من داره. ثم قاتل أصحابه أصحاب سعيد فهزموهم وأحرقوا دور عيسى بن موسى، وبلغ الخبر إلى سعيد بالحيرة بأن العباس قد نقض ورجع عن الأمان فركب وجاء إلى ٣/٣١٠
الكوفة وقتل من ظفر به ولقيه أهله فاعتذروا إليه بأن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس باق على عهده. ودخل سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه وولوا مكانه غسان بن الفرج فقتل أخا السرايا.
ثم عزلوه وولوا الهول ابن أخي سعيد القائد وقدم حميد بن عبد الحميد لحربهم بالكوفة، فهرب الهول وبعث إبراهيم بن المهدي بن عيسى بن محمد بن أبي خالد لحصار الحسن بواسط على طريق النيل وكان الحسن متحصنا بالمدينة، فسرح أصحابه لقتالهم فانهزموا وغنم عسكرهم، ورجع عيسى إلى بغداد فقاتل سهل بن سلامة المطوع حتى غلبه على منزله فاختفى في غمار النظار وأخذوه بعد ليال وأتوا به إسحاق فقال: كل ما كنت أدعو إليه باطل فقالوا: أخرج فأعلم الناس بذلك فخرج وقال: قد كنت أدعوكم إلى الكتاب والسنة ولم أزل على ذلك فضربوه وقيدوه وبعثوا به إلى إبراهيم المهدي فضربه وحبسه، وظهر أنه قتل في محبسه خفية لسنة من قيامه.
ثم أطلقه فاختفى إلى أن انقرض أمر إبراهيم. وزحف حميد بن عبد الحميد سنة ثلاث ومائتين إلى قتال إبراهيم بن المهدي وأصحابه وكان عيسى بن محمد بن أبي خالد هو المتولي لقتالهم بأمر إبراهيم، فداخلهم في الغدر بإبراهيم وصار يتعلل عليه في المدافعة عنه، ونمي ذلك إلى إبراهيم بن هارون أخي عيسى فتنكر له، ونادى عيسى في الناس بمسالمة حميد فاستدعاه إبراهيم وعاتبه بذلك فأنكر واعتذر، فأمر به فضرب وحبس عدة من قواده وأفلت العباس خليفته، فمشى بعض الناس إلى بعض ووافقوا العباس على خلع إبراهيم وطردوا عامله من الجسر والكرخ. وثار الرعاع والغوغاء.
وكتب العباس إلى حميد يستقدمه ليسلم إليه بغداد ونزل صرصر وخرج إليه العباس والقواد وتواعدوا لخلع إبراهيم على أن يدفع لهم العطاء. وبلغ الخبر إلى إبراهيم فأخرج عيسى وإخوته، وسأله قتال حميد فامتنع. ودخل حميد فصلى الجمعة وخطب للمأمون وشرع في العطاء ثم قطعه عنهم فغضب الجند. وعاود إبراهيم سؤال عيسى في قتال حميد ومدافعته فقاتل قليلا، ثم استأسر لهم وانفض العسكر راجعين إلى إبراهيم. وارتحل حميد فنزل في وسط المدينة وتسلل أصحاب إبراهيم إلى المدائن فملكوها وقاتل بقيتهم حميد، وكان الفضل بن الربيع مع إبراهيم فتحول إلى حميد وكاتب المطلب بن عبد الله بن مالك بأن يسلموه إليه. وكان سعيد بن الساحور والبط وغيرهم من القواد يكاتبون علي بن هشام بمثل ذلك. ولما علم إبراهيم بما اجتمعوا ٣/٣١١
عليه أقبل على مداراتهم إلى أن جن الليل. ثم تسرب في البلد واختفى منتصف ذي الحجة من سنة ثلاث، وبلغ الخبر إلى حميد وعلي بن هشام، فأقبلوا إلى دار إبراهيم فلم يجدوه، وذلك لسنتين من بيعته. وأقام علي بن هشام على شرقي بغداد وحميد على غربيها وأظهر سهل بن سلامة ما كان يدعو إليه فقربه حميد ووصله.
قدوم المأمون إلى العراق
لما وقعت هذه الفتن بالعراق بسبب الحسن بن سهل ونفور الناس من استبداده وأخيه على المأمون ثم من العهد لعلي الرضا بن موسى الكاظم وإخراج الخلافة من بني العباس، وكان الفضل بن سهل يطوي ذلك عن المأمون ويبالغ في اخفائه حذرا من أن يتغير رأي المأمون فيه وفي أخيه. ولما جاء هرثمة للمأمون وعلم أنه يخبره بذلك وأن المأمون يثق بقوله، أحكم السعاية فيه عند المأمون حتى تغير له فقتله ولم يصغ إلى كلامه، فازدادت نفرة الشيعة وأهل بغداد وكثرت الفتن وتحدث القواد في عسكر المأمون بذلك، ولم يقدروا على إبلاغه، فجاءوا إلى علي الرضا وسألوه إنهاء ذلك إلى المأمون، فأخبره بما في العراق من الفتنة والقتال، وأنهم بايعوا إبراهيم بن المهدي فقال المأمون: إنما جعلوه أميرا يقوم بأمرهم! فقال: ليس كذلك وإن الحرب الآن قائمة بين ابن سهل وبينه، وإن الناس ينقمون عليك مكان الفضل والحسن ومكاني وعهدك لي، فقال له المأمون: ومن يعلم هذا غيرك؟ فقال يحيى بن معاذ وعبد العزيز ابن عمران وغيرهما من وجوه قوادك. فاستدعاهم فكتموا حتى استأمنوا إليه ثم أخبروه بما أخبره به الرضا، وأن الناس بالعراق يتهمونه بالرفض لعهده لعلي الرضا وأن طاهر ابن الحسين مع علم أمير المؤمنين ببلائه قد دفع إلى الرقة وضعف أمره، والبلاد تفتقت من كل جانب، وإن لم يتدارك الأمر ذهبت الخلافة منهم. فاستيقن المأمون ذلك وأمر بالرحيل واستخلف على خراسان غسان بن عباد وهو ابن عم الفضل بن سهل، وعلم الفضل بن سهل بذلك فشرع في عقاب أولئك القواد فلم يغنه. ولما نزل المأمون شرحبيل وثب بالفضل أربعة نفر فقتلوه في الحمام وهربوا، وجعل المأمون جعلا لمن جاء بهم، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري. فلما حضروا عند المأمون قالوا له:
أنت أمرتنا بقتله! وقيل بل اختلفوا في القول فقال بعضهم: أمرنا بقتله ابن أخيه، وقال آخرون بل عبد العزيز بن عمران من القواد وعلي وموسى وغيرهم، وأنكر ٣/٣١٢
آخرون. فأمر المأمون بقتلهم وقتل من أقروا عليه من القواد، وبعث إلى الحسن بن سهل وسار إلى العراق. وجاءه الخبر بأن الحسن بن سهل أصابته الماليخوليا واختلط فبعث دينارا مولاه ووكله بأمور العسكر وكان إبراهيم بن المهدي وعيسى بالمدائن وأبو البط وسعيد بالنيل والحرب متصلة بينهم. والمطلب بن عبد الله بن مالك قد اعتل بالمدائن فرجع إلى بغداد وجعل يدعو إلى المأمون سرا وإلى خلع إبراهيم وأن يكون منصور بن المهدي خليفة للمأمون وداخله في ذلك خزيمة بن خازم وغيره من القواد. وكتب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدما فنزل حميد نهر صرصر وعلي النهروان، وعاد إبراهيم بن المهدي من المدائن إلى بغداد منتصف صفر، وقبض على منصور وخزيمة ومنع المطلب مواليه، فأمر إبراهيم بنهب داره ولم يظفر، ونزل حميد وعلي بن هشام المدائن وأقاما بها. وزوج المأمون في طريقه ابنته من علي الرضا وبعث أخاه إبراهيم بن موسى الكاظم على الموسم، وولاه اليمن وكان به حمدويه بن علي ابن عيسى بن ماهان قد غلب عليه. ولما نزل المأمون مدينة طوس مات علي الرضا فجأة آخر صفر من سنة ثلاث من عنب أكله، وبعث المأمون إلى الحسن بن سهل بذلك، وإلى أهل بغداد وشيعته يعتذر من عهده إليه، وأنه قد مات ويدعوهم إلى الرجوع لطاعته. ثم سار إلى جرجان وأقام بها أشهرا وعقد على جرجان لرجاء بن أبي الضحاك قاعدا وراء النهر، ثم عزله سنة أربع وعقد لغسان بن عباد من قرابة الفضل بن سهل على خراسان وجرجان وطبرستان وسجستان وكرمان وروبان ودهارير، ثم عزله بطاهر كما نذكره. ثم سار إلى النهروان فلقيه أهل بيته وشيعته والقواد ووجوه الناس وكان قد كتب إلى طاهر أن يوافيه بها، فجاء من الرقة ولقيه هنالك. وسار المأمون فدخل بغداد منتصف صفر من سنة أربعة فنزل الرصافة ثم نزل قصره بشاطئ دجلة، وبقي القواد في العسكر وانقطعت الفتن وبقي الشيعة يتكلمون في لبس الخضرة، وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه فأول شيء سأل لبس السواد فأجابه، وقعد للناس وخلع عليه وعليهم الثياب السود واستقامت الأمور كانت الفتنة قد وقعت بالموصل بين بني شامة وبني ثعلبة وكان علي بن الحسن الهمداني متغلبا عليها في قومه فاستجارت ثعلبة بأخيه محمد فأمرهم بالخروج إلى البرية ففعلوا، وتبعهم بنو شامة في ألف رجل وحاصروهم بالقوجاء ٣/٣١٣
ومعهم بنو ثعلب، وبعث علي ومحمد إليهم بالمدد فقتلوا جماعة من بني شامة وأسروا منهم، ومن بني ثعلب، فجاء أحمد بن عمر بن الخطاب الثعلبي إلى علي فوادعه وسكنت الفتنة. ثم إن علي بن الحسين سطا بمن كان في الموصل من الأزد عسفا في الحكم عليهم، وقال لهم يوما: ألحقوا بعمان. فاجتمعت الأزد إلى السيد بن أنس كبيرهم وقاتلوه. وكان في تلك النواحي مهدي بن علوان من الخوارج فادخله علي ابن الحسين وبايعه وصلى بالناس، واشتدت الحرب. ثم كانت اصرا على علي وأصحابه وأخرجهم الأزد عن البلد إلى الحديثة ثم اتبعوهم فقتلوا عليا وأخاه أحمد في جماعة، ولجأ محمد إلى بغداد وملك السيد بن أنس والأزد الموصل وخطب للمأمون.
ولما قدم المأمون بغداد وفد عليه السيد بن أنس فشكاه محمد بن الحسين بن صالح واستعداءه عليه بقتل أخويه وقومه، فقال: نعم يا أمير المؤمنين! أدخلوا الخارجي بلدك وأقاموه على منبرك وأبطلوا دعوتك فأهدر المأمون دماءهم.
ولاية طاهر على خراسان ووفاته
كان المأمون بعد وصوله إلى العراق قد ولى طاهر بن الحسين الجزيرة والشرطة بجانبي بغداد والسواد، ودخل عليه يوما في خلوته فأذن له بالجلوس وبكى ففداه. فقال المأمون أبكي لأمر ذكره ذل وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن، وقضى طاهر حديثه وانصرف. وكان حسين الخادم حاضرا فدس إليه على يد كاتبه محمد بن هارون أن يسأل المأمون عن مكاتبته على مائة ألف درهم ومثلها للكاتب، وخلا حسين بالمأمون وسأله ففطن وقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، والمعروف عندي ليس بضائع فعيبي عن غير المأمون . فأجابه وركب إلى المأمون وفاوضه في أمر خراسان وأنها يخشى عليها من الترك وأن غسان بن عباد ليس بكفء لها. فقال: لقد فكرت في ذلك فمن ترى يصلح لها؟ قال: طاهر بن الحسين قال: هو خالع، قال: أنا ضامنه. فاستدعاه وعقد له من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق من حلوان إلى خراسان، وعسكر من يومه خارج بغداد وأقام شهرا تحمل إليه كل يوم عشرة آلاف ألف درهم عادة صاحب خراسان. وولى المأمون مكانه بالجزيرة ابنه عبد الله، وكان ٣/٣١٤
ينوب عن أبيه بالشرطة، فحملها إلى ابن عمه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وخرج إلى عمله ونزل الرقة لقتال نصر بن شيث. ثم سار طاهر إلى خراسان آخر ذي القعدة سنة خمس ومائتين. وقيل في سبب ولاية طاهر خراسان أن عبد الرحمن المطوع جمع جموعا كثيرة بنيسابور لقتال الحرورية، ولم يستأذن غسان بن عباد وهو الوالي على خراسان، فخشي أن يكون ذلك من المأمون فاضطرب وتعصب له الحسن بن سهل. وخشي المأمون على خراسان فولى طاهرا وسار إلى خراسان فأقام بها إلى سنة سبع، ثم اعتزم على الخلاف وخطب يوما فأمسك عن الدعاء للمأمون ودعا بصلاح الأمة، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون بخلعه، فدعا بأحمد بن أبي خالد فقال: أنت ضمنته! فسر وائتني به ثم جاء من الغد الخبر بموته فقال المأمون للبريد ونعم الحمد لله الذي قدمه وأخرنا، وولى طلحة من قبله وبعث إليه المأمون أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره فعبر أحمد إلى ما وراء النهر وافتتح أشر وسنة وأسر كاووس بن خالد حدد وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون ووهب طلحة لأحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألف ألف ولمكاتبته خمسمائة ألف درهم. ثم خالف الحسين بن الحسين بن مصعب بكرمان فسار إليه أحمد بن أبي خالد وأتى به إلى المأمون فعفا عنه.
ولاية عبد الله بن طاهر الرقة ومصر ومحاربته نصر بن شيث
وفي سنة ست ومائتين بلغ الخبر بوفاة يحيى بن معاذ عامل الجزيرة، وأنه استخلف ابنه أحمد، فولى المأمون عبد الله بن طاهر مكانه وجعل له ما بين الرقة ومصر، فأمره بحرب نصر بن شيث وقيل ولاه سنة خمس، وقيل سنة سبع، واستخلف على الشرطة ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب وهو ابن عمه، وكتب إليه أبو طاهر كتابا بالوصية جمع فيه محاسن الآداب والسياسة ومكارم الأخلاق، وقد ذكرناه في مقدمة كتابنا، فسار عبد الله بن طاهر لذلك وبعث الجيوش لحصار نصر ابن شيث بكيسوم في نواحي جانب، ثم سار إليه بنفسه سنة تسع ومائتين، وأخذ بمخنقه. وبعث إليه المأمون محمد بن جعفر العامري يدعوه إلى الطاعة، فأجاب على شرط أن لا يحضر عنده. فتوقف المأمون وقال: ما باله ينفر مني؟ فقال أبو جعفر: لما ٣/٣١٥
تقدم من ذنبه. فقال: أفتراه أعظم ذنبا من الفضل بن الربيع وقد أخذ جميع ما أوصى له به الرشيد من الأموال والسلاح وذهب مع القواد إلى أخي، وأسلمني وأفسد علي حتى كان ما كان، ومن عيسى بن أبي خالد وقد خالف علي ببلدي وأخرب داري، وبايع لإبراهيم دوني فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين هؤلاء لهم سوابق ودالة يبقون بها، ونصر ليست له في دولتكم سابقة وإنما كان من جند بني أمية، وأنا لا أجيب إلى هذا الشرط، ولح نصر في الخلاف حتى جهده الحصار واستأمن فأمنه عبد الله بن طاهر وخرج إليه سنة عشرة وبعث به إلى المأمون وأخرب حصن كيسوم لخمس سنين من حصاره ورجع عبد الله بن طاهر إلى الرقة ثم قدم بغداد سنة إحدى عشرة فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر الناس.
الظفر بابن عائشة وبإبراهيم بن المهدي
كان إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ويعرف بابن عائشة ممن تولى كبر البيعة لإبراهيم بن المهدي ومعه إبراهيم بن الأغلب ومالك بن شاهين وكانوا قد اختفوا عند قدوم المأمون في نواحي بغداد. ولما وصل نصر بن شيث وخرجت النظارة أنفذوا للخروج في ذلك اليوم ثم غلبهم بعض الناس فأخذوا في صفر من سنة عشرة، ثم ضربوا حتى أقروا على من كان معهم في الأمر فلم يعرض لهم المأمون وحبسهم فضاق عليهم المحبس وأرادوا أن ينقبوه، فركب المأمون بنفسه وقتلهم وصلب ابن عائشة ثم صلى عليه ودفنه. ثم أخذ في هذه السنة إبراهيم بن المهدي وهو متنقب في زي امرأة يمشي بين امرأتين واستراب به بعض العسس وقال أين تردن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت في يده فازداد ريبة ورفعهن إلى صاحب المسلحة، وجاء بهن إلى صاحب الجسر فذهب به إلى المأمون، وأحضره والغل في عنقه والملحبة على صدره ليراه بنو هاشم والناس. ثم حبسه عند أحمد بن أبي خالد، ثم أخرجه معه عند ما سار الحسن بن سهل ليغنم الصلح، فشفع فيه الحسن وقيل ابنته بوران، وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار المعتصم وكان عند المأمون فأدخله عليه وأنبه فيما كان منه. واعتذر بمنظوم من الكلام ومنثور أتى فيه من وراء الغاية وهو منقول في كتب التاريخ فلا نطيل بنقله. ٣/٣١٦
انتقاض مصر والاسكندرية
كان السري بن محمد بن الحكم واليا على مصر وتوفي سنة خمس ومائتين، وبقي ابنه عبد الله، فانتقض وخلع الطاعة وأنزل بالإسكندرية جالية من الأندلس أخرجهم الحكم بن هشام من ربضي قرطبة وغربهم إلى المشرق. ولما نزلوا بالإسكندرية ثاروا وملكوها وولوا عليهم أبا حفص عمر البلوطي. وفشل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شيث، فلما فرغ منه ثار من الشام إليهم، وقدم قائدا من قواده ولقيه ابن السري وقاتله وأغذ ابن طاهر المسير فلحقهم وهم في القتال، وانهزم ابن السري إلى مصر وحاصره عبد الله بن طاهر حتى نزل على الأمان، وذلك سنة عشرة. ثم بعث إلى الجالية الذين ملكوا الاسكندرية بالحرب، فسألوا الأمان على أن يرتحلوا إلى بعض الجزائر في بحر الروم مما يلي الاسكندرية ففعل. ونزلوا جزيرة أقريطش واستوطنوها وأقامت في مملكة المسلمين من أعقابهم دهرا إلى أن غلب عليها الإفرنجة.
العمال بالنواحي
لما استقر المأمون ببغداد وسكن الهيج وذلك سنة أربع، ولى على الكوفة أخاه أبا عيسى، وعلى البصرة أخاه صالحا، وعلى الحرمين عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وعلى الموصل السيد بن أنس الأزدي، وولى على الشرطة ببغداد ومعاون السواد طاهر بن الحسين استقدمه من الرقة، وكان الحسن بن سهل ولاه عليها فقدم واستخلف ابنه عبد الله عليها. ثم ولاه المأمون سنة خمس خراسان وأعمال المشرق كلها واستقدم ابنه عبد الله فجعله على الشرطة ببغداد مكان أبيه. وولى يحيى بن معاذ على الجزيرة وعيسى بن محمد بن أبي خالد على أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. ومات عامل مصر السري بن محمد بن الحكم فولى ابنه عبيد الله مكانه. ومات داود بن يزيد عامل السند فولى بشر بن داود مكانه على أن يحمل ألف ألف درهم كل سنة. ثم مات يحيى بن معاذ سنة ست واستخلف ابنه أحمد فعزله المأمون وولى مكانه عبد الله بن طاهر وضاف إليه مصر، وسيره لمحاربة نصر بن شيث وولى عيسى بن يزيد الجلودي محاربة الزط سنة خمس، ثم عزله سنة ست وولى داود بن منحور مع أعمال البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين، وولى ٣/٣١٧
في سنة سبع محمد بن حفص على طبرستان والرويان ودنباوند. وفيها أوقع السيد بن أنس بجماعة من عرب بني شيبان ووديعة بما فشا من إفسادهم في البلاد، فكبسهم بالدسكرة واستباحهم بالقتل والنهب. وفي سنة تسع ولى صدقة بن علي ويعرف بزريق على أرمينية وأذربيجان وأمره بمحاربة بابك، وقام بأمره أحمد بن الجنيد الاسكافي فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان. وكان على جبال طبرستان شهريار بن شروين فمات سنة عشر وقام مكانه ابنه سابور، فقتله مازيار بن قارن في حرب أسره فيها وملك جبال طبرستان وفي سنة إحدى عشرة قتل زريق بن علي بن صدقة الأزدي السيد بن أنس صاحب الموصل، وقد كان زريق تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان وولاه المأمون عليها، فجمع وقصد الموصل لحرب السيد فخرج إليه أربعة آلاف فاشتد القتال بينهم وقتل السيد في المعركة فغضب المأمون لقتله، وولى محمد بن حميد الطوسي على الموصل وأمره بحرب زريق وبابك الخرمي فسار إلى الموصل واستولى عليها سنة اثنتي عشرة. ومات موسى بن حفص عامل طبرستان فولى المأمون مكانه ابنه، وولى حاجب بن صالح على الهند فوقعت بينه وبين بشر بن داود صاحب السند حرب، وانهزم بشر إلى كرمان ثم قتل محمد بن حميد الطوسي سنة أربع عشرة قتله بابك الخرمي وذلك أنه لما فرغ من أمر المتغلبين بالموصل سار إلى بابك في العساكر الكاملة الحشد وتجاوز إليه المضايق ووكل بحفظها حتى انتهى إلى الجبل، فصعد وقد أكمن بابك الرجال في الشعراء فلما جاز ثلاثة فراسخ خرجت عليهم الكمائن فانهزموا وثبت محمد بن حميد حتى إذا لم يبق معه إلا رجل واحد فتسلل يطلب النجاة فعثر في جماعة من الحربية يقاتلون طائفة من أصحابه فقصدوه وقتلوه، وعظم ذلك على المأمون واستعمل عبد الله بن طاهر على خراسان لأنه كان بلغه أن أخاه طلحة بن طاهر مات وقام علي أخوه مكانه خليفة لعبد الله، وعبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك فولى على نيسابور محمد بن حميد فكثر عيث الخوارج بخراسان فأمره المأمون بالمسير إليها فسار ونزل نيسابور وسأل عن سيرة محمد بن حميد فسكتوا فعزله لسكوتهم وفي سنة اثنتي عشرة خلع أحمد بن محمد العمري، يعرف بالأحمر العين باليمن، فولى المأمون ابنه العباس على الجزيرة والثغور والعواصم وأخاه أبا إسحاق المعتصم على الشام ومصر وسير عبد الله بن طاهر إلى خراسان وأعطى لكل واحد منهم خمسمائة ألف درهم، وبعث المعتصم أبا عميرة ٣/٣١٨
الباذغيسي عاملا على مصر فوثب به جماعة من القيسية واليمانية فقتلوه سنة أربع عشرة، فسار المعتصم إلى مصر فقاتلهم وافتتح مصر وولى عليها واستقامت الأمور.
وفي سنة ثلاث عشرة ولى المأمون غسان بن عباس على السند لما بلغه خلاف بشر بن داود. وفي سنة أربع عشرة استقدم المأمون أبا دلف وكان بالكرخ من نواحي همذان منذ سار مع عيسى بن ماهان لحرب طاهر، وقتل عيسى فعاد إلى همذان وراسله طاهر يدعوه إلى البيعة فامتنع. وقال له ولا أكون مع أحد وأقام بالكرخ. فلما خرج المأمون إلى الري أرسل إليه يدعوه فسار نحوه وجلا بعد أن أغرى عليه أصحابه الامتناع. وفي سنة أربع عشرة قتل باليمن. وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان وخلع أهل قم وكانوا سألوا الحطيطة من خراجهم وهو ألف ألف درهم لأن المأمون لما جاء من العراق أقام بالري أياما وخفف عنهم من الخراج فطمع أهل قم في مثلها فأبى فامتنعوا من الأداء فسرح إليهم علي بن هشام وعجيف بن عنبسة وظفروا بهم وقتلوا يحيى بن عمران وهدموا سورها وجبوها على سبعة آلاف ألف. وفي سنة ست عشرة ظهر عبدوس الفهري بمصر وقتل بعض عمال المعتصم، فسار المأمون إلى مصر وأصلحها وأتى بعبدوس فقتله وقدم من برقة وأقام بمصر وفيها غضب المأمون على علي بن هشام ووجه عجيفا وأحمد بن هشام لقبض أمواله وسلامه لما بلغه من عسفه وظلمه وأراد قتل عجيف واللحاق ببابك فلم يقدر وظفر به عجيف وجاء به إلى المأمون فأمر بقتله وطيف برأسه في الشام والعراق وخراسان ومصر ثم ألقي في البحر. وقدم غسان بن عباد من السند ومعه بشر بن داود مستأمنا، فولى على السند عمران بن موسى العكي وهرب جعفر بن داود القمي إلى قم فخلع وكان محبوسا بمصر منذ عزله المأمون عن قم فهرب الآن وخلع فغلبه علي بن عيسى القمي وبعث به إلى المأمون فقتل.
الصوائف
وفي سنة مائتين قتل الروم ملكهم إليون لسبع سنين ونصف من ملكه، وأعادوا ميخاييل بن جرجس المخلوع، وبقي عليهم تسع سنين. ثم مات سنة خمس عشرة وملك ابنه نوفل وفتح عبد الله بن حرداويه والي طبرستان البلاد والسيرن من بلاد الديلم وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسرا ياليل ملك الديلم وذلك سنة إحدى ومائتين. وفيها ظهر بابك الخرمي في ٣/٣١٩
الجاوندانية أصحاب جاوندان سهل، وتفسيره الدائم الباقي وتفسير خرم فرح، وكانوا يعتقدون مذاهب المجوس وفي سنة أربع عشرة خرج أبو بلال الصابي الشاري، فسرح إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد وقتلوه. وفي سنة خمس عشرة دخل المأمون بلاد الروم بالصائفة وسار عن بغداد في المحرم واستخلف عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وهو ابن عم طاهر، وولاه السواد وحلوان وكور دجلة، ولما وصل تكريت لقيه محمد بن علي الرضا فأجازه وزف إليه ابنته أم الفضل، وسار إلى المدينة فأقام بها وسار المأمون على الموصل إلى منبج ثم دابق، ثم أنطاكية ثم المصيصة وطرطوس. ودخل من هناك فافتتح حصن قرة عنوة وهدمه.
وقيل بل فتحه على الأمان، وفتح قبله حصن ماجد كذلك. وبعثه أشناس إلى حصن سدس، ودخل ابنه العباس ملطية ووجه المأمون عجيفا وجعفر الخياط إلى حصن سنان فأطاع. وعاد المعتصم من مصر فلقي المأمون قبل الموصل، ولقيه العباس ابنه برأس عين. وجاء المأمون منصرفه من العراق إلى دمشق، ثم بلغه أن الروم أغاروا على طرطوس والمصيصة وأثخنوا فيهم بالقتل. وكتب إليه ملك الروم فيه بنفسه فرجع إليهم وافتتح كثيرا من معاقلهم وأناخ على هرقلة حتى استأمنوا وصالحوه، وبعث المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا منها مطمورة، وبعث يحيى بن أكثم فأثخن في البلاد وقتل وحرق وسبى. ثم رجع المأمون إلى كيسوم فأقام بها يومين ثم ارتحل إلى دمشق.
وفي سنة سبع عشرة رجع المأمون إلى بلاد الروم فأناخ على لؤلؤة فحاصرها مائة يوم، ثم رحل عنها وخلف عجيفا على حصارها. وجاء نوفل ملك الروم فأحاط به فبعث إليه المأمون بالمدد فارتحل نوفل واستأمن أهل لؤلؤة إلى عجيف، وبعث نوفل في المهادنة والمأمون على سلوين فلم يجبه. ثم رجع المأمون سنة ثمان عشرة وبعث ابنه العباس إلى بناء طوانة فبنى بها ميلا في ميل ودورها أربعة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب ونقل إليها الناس من البلدان.
وفاة المأمون وبيعة المعتصم
ثم مرض المأمون على نهر البربرون واشتد مرضه ودخل العراق وهو مريض فمات بطرسوس وصلى عليه المعتصم وذلك لعشرين سنة من خلافته، وعهد لابنه المعتصم وهو أبو إسحاق محمد فبويع له بعد موته، وذلك منتصف رجب من سنة ثمان عشرة ٣/٣٢٠
ومائتين. وشغب الجند وهتفوا باسم العباس بن المأمون فأحضره وبايع فسكتوا وخرب لوقته ما كان بناه من مدينة طوانة وأعاد الناس إلى بلادهم وحمل ما أطاق حمله من الآلة وأحرق الباقي.
ظهور صاحب الطالقان
وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين، كان ملازما للمسجد بالمدينة فلزمه شيطان من أهل خراسان وزين له أنه أحق بالإمامة، وصار يأتيه بحجاج خراسان يبايعونه. ثم خرج به إلى الجوزجان وأخفاه وأقبل على الدعاء له، ثم حمله على إظهار الدعوة للرضا من آل محمد على عادة الشيعة في هذا الإبهام كما قدمناه. وواقعه قواد عبد الله بن طاهر بخراسان المرة بعد المرة فهزموه وأصحابه، وأخرج ناجيا بنفسه ومر بنسا، فوشي به إلى العامل فقبض عليه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فبعثه إلى المعتصم منتصف ربيع أول سنة تسع عشرة، فحبسه عند الخادم مسرور الكبير، ووكل بحفظه فهرب من محبسه ليلة الفطر من سنته ولم يوقف له على خبر.
حرب الزط
وهم قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاثوا فيها وأفسدوا البلاد وولوا عليهم رجلا منهم اسمه محمد بن عثمان، وقام بأمره آخر منهم اسمه سماق. وبعث المعتصم لحربهم في هذه السنة عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة فسار إلى واسط وحاربهم، فقتل منهم في معركة ثلاثمائة وأسر خمسمائة، ثم قتلهم وبعث برءوسهم إلى باب المعتصم وأقام قبالتهم سبعة أشهر. ثم استأمنوا إليه في ذي الحجة آخر السنة وجاءوا بأجمعهم في سبعة وعشرين ألفا، المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا فعباهم عجيف في السفن على هيئتهم في الحرب ودخل بهم بغداد في عاشوراء سنة عشرين، وركب المعتصم إلى الشماسة في سفينة حتى رآهم، ثم غربهم إلى عين زربة فأغارت عليهم الروم فلم يفلت منهم أحد.
بناء سامرا
كان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحرف بمصر وسماهم المطاربة وقوما من ٣/٣٢١
سمرقند وأشر وسنة وفرغانة وسماهم الفرغانة، وأكثر من صبيانهم، وكانوا يركضون الدواب في الطرق ويختلفون بها ركضا، فيصدمون النساء والصبيان فتتأذى العامة بهم، وربما انفرد بعضهم فقتلوه وتأذى الناس من ذلك ونكروه وربما أسمعوا النكير للمعتصم، فعمد إلى بناء القاطون، وكانت مدينة بناها الرشيد ولم يستتمها وخربت، فجددها المعتصم وبناها سنة عشرين وسماها سر من رأى فرخمها الناس سامرا وسارت دارا لملكهم من لدن المعتصم ومن بعده واستخلف ببغداد حتى انتقل إليها ابنه الواثق.
نكبة الفضل بن مروان
كان للمعتصم في ولاية أخيه كاتب يعرف بيحيى الجرمقاني ، واتصل به الفضل بن مروان وهو من البردان، وكان حسن الخط. فلما هلك الجرمقاني استكتبه المعتصم وسار معه إلى الشام فأثرى. ولما استخلف المعتصم استولى على هواه واستتبع الدواوين واحتجر الأموال ثم صار يرد أوامر المعتصم في العطايا ولا ينفذها، واختلفت فيه السعايات عند المعتصم ودسوا عليه عنده من ملأ مجلسه ومساخره من يعير المعتصم باستبداده عليه ورد أوامره فحقد له ذلك. ثم نكبه سنة عشرين وصادره وجميع أهل بيته، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك بن الزيات وغرب الفضل إلى بعض قرى الموصل قد تقدم لنا حديث بابك الخرمي (محاربة بابك الخرمي) وظهوره سنة اثنتين ومائتين بدعوة جاوندان بن سهل، واتخذ مدينة البر لامتناعه وولى المأمون حروبه، فهزم عساكره وقتل جماعة من قواده وخرب الحصون فيما بين أردبيل وزنجان، فلما ولي المعتصم بعث أبا سعيد محمد بن يوسف فبنى الحصون التي خربها وشحنها بالرجال والأقوات، وحفظ السابلة لجلب الميرة. وبينما هو في ذلك أغارت بعض سرايا بابك بتلك النواحي فخرج في طلبهم واستنقذ ما أخذوه، وقتل كثيرا وأسر أكثر، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم. وكان ابن البعيث أيضا في قلعة له حصينة من كور أذربيجان ملكها من يد ٣/٣٢٢
ابن الرواد، وكان يصانع بابك ويضيف سراياه إذا مروا به. ومر به في هذه الأيام قائده عصمة، وأضافه على العادة، ثم قبض عليه وقتل أصحابه وبعث به إلى المعتصم، فسأله عن عورات بلاد بابك فدله عليها. ثم حبسه وعقد لقائده الأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب بابك، فسار إليها ونزل بساحتها وضبط الطرقات ما بينه وبين أردبيل، وأنزل قواده في العساكر ما بينه وبين أردبيل يتلقون الميرة من أردبيل من واحد إلى الآخر حتى تصل عسكر الأفشين. وكان إذا وقع بيده أحد من جواسيس بابك يسأله عن إحسان بابك إليه فيضاعفه ويطلقه. ثم إن المعتصم بعث بغا الكبير بمدد الأفشين بالنفقات وسمع بابك فاعتزم على اعتراضه وأخبر الأفشين بذلك بعض جواسيسهم، فكتب إلى بغا أن يرتحل من حصن النهر قيلا ثم يرجع إلى أردبيل ففعل ذلك. وجاءت الأخبار إلى بابك وركب الأفشين في يوم مواعدته لبغا واغذ المسير، وخرجت سرية بابك فلقيت قافلة النهر ولم يصادفوا بغا فيها فقتلوا من وجدوا فيها من الجند وفاتهم المال. ولقوا في طريقهم الهيثم من قواد الأفشين فهزموه وامتنع بحصنه، ونزل بابك عليه يحاصره وإذا بالأفشين قد وصل، فأوقع بهم وقتل الكثير من جنده، ونجا بابك إلى موقان وأرسل إلى عسكره في البر فلحقت به، وخرج معهم من موقان إلى البذ. ولما رجع الأفشين إلى عسكره استمر على حصار بابك وانقطعت عنه الميرة من سائر النواحي، ووجه صاحب مراغة إليه ميرة فلقيتها سرية من سرايا بابك فأخذوها، ثم خلص إليه بغا بما معه من المال ففرقه في العساكر، وأمر الأفشين قواده فتقدموا ليضيقوا الحصار على بابك في حصن البذ، ونزل على ستة أميال منه. وسار بغا الكبير حتى أحاط بقرية البذ وقاتلهم وقتلوا منهم جماعة فتأخر إلى خندق محمد بن حميد من القواد، وبعث إلى الأفشين في المدد، فبعث إليه أخاه الفضل وأحمد بن الخليل بن هشام وأبا خوس وصاحب شرطة الحسن بن سهل، وأمره بمناجزتهم إلى الحرب في يوم عينه له، فركبوا في ذلك اليوم، وقصدوا البذ وأصابهم برد شديد ومطر، وقاتل الأفشين فغلب من بإزائه من أصحاب بابك واشتد عليهم المطر فنزلوا واتخذ بغا دليلا أشرف به على جبل يطل منه على الأفشين ونزل عليهم الثلج والضباب فنزلوا منازلهم. وعمد بابك إلى الأفشين ففض معسكره وضجر أصحاب بغا من مقامهم في رأس الجبل فارتحل بهم ولا يعلم ٣/٣٢٣
ما تم على الأفشين، وقصد حصن البذ فتعرف خبر الافشين ورجع على غير الطريق الذي دخلوا منه لكثرة مضايقه وعقباته وتبعته طلائع بابك فلم يلتفت إليهم مسابقة للمضايق أمامه. وأجنهم الليل وخافوا على أثقالهم وأموالهم فعسكر بهم بغا من رأس جبل وقد تعبوا وفنيت أزوادهم وبيتهم بابك ففضهم ونهبوا ما كان معهم من المال والسلاح ونجوا إلى خندقهم الأول في أسفل الجبل وأقام بغا هنالك. وكان طرخان كبير قواد بابك قد استأذنه أن يشتوا بقرية في ناحية مراغة، فأرسل الأفشين إلى بعض قواده بمراغة فأسرى إليه وقتله وبعث برأسه. ودخلت سنة اثنتين وعشرين فبعث المعتصم جعفر الخياط بالعساكر مددا للأفشين، وبعث إتياخ بثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند فأرسلها وعاد، ورحل الأفشين لأول فصل الربيع، ودنا من الحصن وخندق على نفسه. وجاءه الخبر بأن قائد بابك واسمه أدين قد عسكر بإزائه وبعث عياله إلى بعض حصون الجبل، فبعث الأفشين بعض قواده لاعتراضهم فسلكوا مضايق وتملقوا وأغاروا إلى أن لقوا العيال فأخذوهم وانصرفوا، وبلغ الخبر أدين فركب لاعتراضهم وحاربهم واستنقذ بعض النساء. وعلم بشأنهم الأفشين من علامات كان أمرهم بها إن رأى بهم ريبا فركب إليهم فلما أحسوا به فرجوا عن المضيق ونجا القوم، وتقدم الأفشين قليلا قليلا إلى حصن البذ وكان يأمر الناس بالركوب ليلا للحراسة خوف البيات فضجر الناس من التعب وارتاد في رءوس تلك الجبال أماكن يتحصن فيها الرجالة فوجد ثلاثة فأنزل فيها الرجالة بأزوادهم وسد الطرق إليها بالحجارة وأقام يحاصرهم. وكان يصلي الصبح بغلس، ثم يسير زحفا ويضرب الطبول الناس لزحفه في الجبال والأودية على مصافهم، وإذا أمسك وقفوا وكان إذا أراد أن يتقدم المضيق الذي أتى منه عام أول خلف به عسكرا على رأس العقبة يحفظونه لئلا يأخذه الحرسة منه عليهم. وكان بابك متى زحفوا عليه كمن عسكرا تحت تلك العقبة، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان الكمين فلم يطق وكان يأمر أبا سعيد وجعفرا لخياط وأحمد بن الخليل بن هشام فيتقدمون إلى الوادي في ثلاثة كراديس، ويجلس على تلك ينظر إليهم وإلى قصر بابك ويقف بابك قبالته في عسكر قليل وقد أكمن بقية العسكر فيشربون الخمر ويلعبون بالسرياني، فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه بروذالروذ مصافا بعد مصاف، الأقرب إلى العدو ثم الذي يليه، ٣/٣٢٤
وآخرين ترجع العسكر الذي عقبه المضيق حتى ضجرت الخرمية من المطاولة، وانصرف بعض الأيام وتأخر جعفر فخرج الخرمية من البذ على أصحابه فردهم جعفر على أعقابهم، وارتفع الصياح ورجع الأفشين وقد نشبت الحرب. وكان مع أبي دلف من أصحاب جعفر قوم من المطوعة فضيقوا على أصحاب بابك وكانوا يصدعون البذ، وبعث جعفر إلى الأفشين يستمده خمسمائة راجل من الناشبة فأتى له وأمره بالتحيل في الانصراف، وتعلق أولئك المطوعة بالبذ وارتفع الصياح وخرج الكمناء من تحت العقبة، وتبين الأفشين أماكنهم واطلع على خدعتهم. وانصرف جعفر إلى الأفشين وعاتبه فاعتذر إليه يستأمن الكمين وأراه مكانه، فانصرف عن عتابه وعلم أن الرأي معه. وشكا المطوعة ضيق العلوفة والزاد فأذن لهم في الانصراف وتناولوه بألسنتهم، ثم طلبوه في المناهضة فأذن لهم ووادعهم ليوم معلوم، وجهز وحمل المال والزاد والماء والمحامل لجرجان، وتقدم إلى مكانه بالأمس وجهز العسكر على العقبة على عادته، وأمر جعفرا بالتقدم بالمطوعة وأن يأتوا من أسهل الوجوه وأطلق يده بمن يريده من الناشبة والنفاطين، وتقدم جعفر إلى مكانه بالأمس والمتطوعة معه، فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ حتى ضرب جمعهم ما به وجاء الفعلة بالفئوس وطيف عليهم بالمياه والأزودة ثم جاء الخرمية من الباب وكسروا على المطوعة وطرحوهم على السور ورموهم بالحجارة فنالت منهم وضعفوا عن الحرب، ثم تحاجزوا آخر يومهم وأمرهم الافشين بالانصراف وداخلهم اليأس من الفتح تلك السنة، وانصرف أكثر المطوعة. ثم عاود الأفشين الحرب بعد أسبوعين وبعث من جوف الليل ألفا من الناشبة إلى الجبل الذي وراء البذ حتى يعاينوا الأفشين من هذه الناحية فيرمون على الخرمية. وبعث عسكرا آخر كمينا تحت ذلك الجبل الذي وراء البذ، وركب هو من الغداة إلى المكان الذي يقف فيه على عادته. وتقدم جعفر الخياط والقواد حتى صاروا جميعا حول ذلك الجبل، فوثب كمين بابك من أسفل الجبل بالعسكر الذي جاء إليه لما فضحهم الصبح، وانحدر الناشبة من الجبل وقد ركبوا الأعلام على رماحهم، وقصدوا جميعا أدين قائد بابك في جفلة، فانحدر إلى الوادي، فحمل عليه جماعة من أصحاب القواد فرمى عليهم الصخور من الجبل وتحدرت إليهم ولما رأى ذلك بابك استأمن للأفشين على أن يحمل عياله من البذ، وبينما هم في ذلك إذ جاء الخبر إلى الأفشين بدخول البذ، وأن الناس صعدوا بالأعلام فوق قصور بابك حتى دخل واديا هنالك ٣/٣٢٥
وأحرق الأفشين قصور بابك وقتل الخرمية عن آخرهم، وأخذ أمواله وعياله، ورجع إلى معسكره عند المساء، وخالفه بابك إلى الحصن فحمل ما أمكنه من المال والطعام وجاء الأفشين من الغد فهدم القصور وأحرقها وكتب إلى ملوك أرمينية وبطارقتهم بإذكاء العيون عليه في نواحيهم حتى يأتوه به، ثم عثر على بابك بعض العيون في واد كثير الغياض يمر من أذربيجان إلى أرمينية فبعث من يأتي به فلم يعثروا عليه لكثرة الغياض والشجر. وجاء كتاب المعتصم بأمانه فبعث به الأفشين بعض المستأمنة من أصحاب بابك فامتنع من قبوله. وقتل بعضهم، ثم خرج من ذلك الوادي هو وأخوه عبد الله ومعاوية وأمه يريدون أرمينية، ورآهم الحرس الذين جاءوا لأخذه وكان أبو السفاح هو المقدم عليهم فمروا في اتباعهم وأدركوهم على بعض المياه، فركب ونجا وأخذ أبو السفاح معاوية وأم بابك وبعث بهم إلى الأفشين وسار بابك في جبال أرمينية مختفيا وقد أذكوا عليه العيون حتى إذا مسه الجوع بعث بعض أصحابه بدنانير لشراء قوتهم فعثر به بعض المسلحة. وبعث إلى سهل بن ساباط فجاء واجتمع بصاحب بابك الذي كانت حراسة الطريق عليه، ودله على بابك فأتاه وخادعه حتى سار إلى حصنه وبعث بالخبر إلى الأفشين فبعث إليه بقائدين من قبله وأمرهما بطاعة ابن ساباط، فأكمنهما في بعض نواحي الحصن وأغرى بابك بالصيد وخرج معه فخرج القائدان من الكمين فأخذاه وجاء به إلى الأفشين ومعهما معاوية بن سهل بن ساباط فحبسه ووكل بحفظه وأعطى معاوية ألف درهم، وآتى سهلا ألف ألف درهم ومنطقة مفرقة بالجوهر. وبعث إلى عيسى بن يوسف بن أسطقانوس ملك البيلقان يطلب منه عبد الله أخا بابك، وقد كان لجأ إلى حصنه عند ما أحاط به ابن ساباط فأنفذه إليه، وحبسه الأفشين مع أخيه. وكتب إلى المعتصم فأمره بالقدوم بهما وذلك في شوال من سنة اثنتين وعشرين، وسار الأفشين بهما إلى سامرا فكان يلقاه في كل رحلة رسول من المعتصم بخلعة وفرس. ولما قرب من سامرا تلقاه الواثق وكبر لقدومه وأنزل الأفشين وبابك عنده بالمطيرة، وتوج الأفشين وألبسه وشاحين ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في عسكره، وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين. وجاء أحمد ابن أبي داود إلى بابك متنكرا وكلمه، ثم جاء المعتصم أيضا ٣/٣٢٦
متنكرا فرآه. ثم عقد من الغد واصطف النظارة سماطين وجيء ببابك راكبا على فيل، فلما وصل أمر المعتصم بقطع أطرافه ثم بذبحه، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب شلوه بسامراء وبعث بأخيه عبد الله إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد ليفعل به مثل ذلك ففعل. وكان الذي أنفق الأفشين في مدة حصاره لبابك سوى الأرزاق والأنزال والمعاون عشرة آلاف ألف درهم يوم ركوبه لمحاربته، وخمسة آلاف يوم قعوده.
وجميع من قتل بابك في عشرين سنة أيام قتيبة مائة ألف وخمسة وخمسين ألف ، وهزم من القواد يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد ابن الجنيد وزريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث.
وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة والذي استنقذ من يديه من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان جعلوا في حظيرة، فمن أتى من أوليائهم وأقام بينة على أحد منهم أخذه، والذي صار في يد الأفشين من بني بابك وعياله سبعة عشر رجلا وثلاثا وعشرين امرأة.
فتح عمورية
وفي سنة ثلاث وعشرين خرج نوفل بن ميخاييل ملك الروم إلى بلاد المسلمين، فأوقع بأهل زبطرة، لأن بابك لما أشرف على الهلاك كتب إليه أن المعتصم قد وجه عساكره حتى خياطه يعني جعفر بن دينار وطباخه يعنى إيتاخ ولم يبق عنده أحد، فانتهز الفرصة ثلاثا أو دونها. وظن بابك أن ذلك يدعو المعتصم إلى إنفاذ العساكر لحرب الروم، فيخف عنه ما هو فيه، فخرج نوفل في مائة ألف وفيهم من المجمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال وهزمهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فلحق بالروم، وبلغ زبطرة فاستباحها قتلا وسبيا وأعاد على ملطية وغيرها، ومثل بالأسرى. وبلغ الخبر إلى المعتصم فاستعظمه وبلغه أن هاشمية صاحت وهي في أيدي الروم: وا معتصماه! فأجاب وهو على سريره لبيك، لبيك! ونادى بالنفير ونهض من ساعته فركب دابته واحتقب شكالا وسكة من حديد فيها رداؤه. وجمع العساكر وأحضر قاضي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق ومعه ابن سهل في ثلاثمائة ٣/٣٢٧
وثلاثين من العدول فأشهدهم بما وقف من الضياع، ثلثا لولده وثلثا لمواليه، وثلثا لوجه الله. وسار فعسكر بقرى دجلة لليلتين من جمادى الأولى وبعث عجيف بن عنبسة وعمر الفرغاني وجماعة من القواد مددا لأهل زبطرة، فوجدوا الروم قد ارتحلوا عنها فأقاموا حتى تراجع الناس واطمأنوا. ولما ظفر ببابك سأل أي بلاد الروم أعظم عندهم فقيل له عمورية، فتجهز إليها بما لا يماثله أحد قبله من السلاح والآلة والعدد، وحياض الأدم والقرب والروايا وجعل مقدمته أشناس، وبعده محمد بن إبراهيم بن مصعب وعلى الميمنة إيتاخ، وعلى الميسرة جعفر بن دينار الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، وجاء إلى بلاد الروم فأقام بسلوقية على نهر السن قريبا من البحر، وعلى مسيرة يوم من طرطوس وبعث الأفشين إلى سروج وأمره بالدخول من درب الحرث وبعث أشناس من درب طرطوس وأمره بانتظاره بالصفصاف، وقدم وصيفا في أثر أشناس وواعدهم يوم اللقاء. ورحل المعتصم لست بقين من رجب. وبلغه الخبر أن ملك الروم عازم على كبس مقدمته فبعث إلى أشناس بذلك وأن يقيم ثلاثة أيام ليلحق به. ثم كتب إليه أن يبعث إليه من قواده من يأتيه بخبر الروم وملكهم فبعث عمر الفرغاني في مائتي فارس، فطاف في البلاد وأحضر جماعة عند أشناس أخبروه بأن ملك الروم بينما هو ينتظر المقدمة ليواقعها إذ جاءه الخبر بأن العساكر دخلت من جهة أرمينية يعني عسكر الأفشين، فاستخلف ابن خاله على عسكره وسار إلى تلك الناحية فوجه أشناس بهم إلى المعتصم. وكتب المعتصم إلى الأفشين بالمقام حذرا عليه وجعل لمن يوصل الكتاب عشرة آلاف درهم، وأوغل في بلاد الروم فلم يدركه الكتاب. وكتب المعتصم إلى أشناس بأن يتقدم والمعتصم في أثره حتى إذا كانوا على ثلاث مراحل من أنقرة أسر أشناس في طريقه جماعة من الروم فقتلهم، وقال لهم شيخ منهم: أنا أدلك على قوم هربوا من أنقرة معهم الطعام والشعيرة فبعث معه مالك بن كرد في خمسمائة فارس فدل بهم إلى مكان أهل أنقرة فغنموا منهم ووجدوا فيهم جرحى قد حضروا وقعة ملك الروم مع الأفشين، وقالوا: لما استخلف على عسكره سار إلى ناحية أرمينية فلقينا ٣/٣٢٨
المسلمين صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا رجالهم وافترقت عساكرنا في طلبهم، ثم رجعوا بعد الظهر فقاتلونا وحرقوا عسكرنا وفقدنا الملك وانهزمنا، ورجعنا إلى العسكر فوجدناه قد انتقض وجاء الملك من الغد فقتل نائبة الذي استخلفه، وكتب إلى بلاده بعقاب المنهزمين ومواعدتهم بمكان كذا ليلقى المسلمين بها. ووجه خصيا له إلى أنقرة ليحفظها فوجد أهلها قد أجلوا فأمره الملك بالمسير إلى عمورية، فوعى مالك ابن كرد خبرهم ورجع بالغنيمة والأسرى إلى أشناس وأطلق الأمير الذي دله. وكتب أشناس بذلك إلى المعتصم ثم جاء البشير من ناحية الأفشين بالسلامة، وأن الوقعة كانت لخمس بقين من شعبان. وقدم الأفشين على المعتصم بأنقرة ورحل بعد ثلاث والأفشين في ميمنته وأشناس في ميسرته وهو في القلب، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمرهم بالتخريب والتحريق ما بين أنقرة وعمورية. ثم وافى عمورية وقسمها على قواده، وخرج إليه رجل من المنتصرة فدله على عورة من السور بني ظاهره وأخل باطنه فضرب المعتصم خيمته قبالته ونصبت عليه المجانيق، فتصدع السور. وكتب بطريقها باطيس والخصي إلى الملك يعلمانه بشأنهما في السور وغيره، فوقع في يد المسلمين مع رجلين. وفي الكتاب أن باطيس عازم على أن يخرج ليلا ويمر بعسكر المسلمين ويلحق بالملك فنادى المعتصم حرسه، ثم انثلمت فوهة من السور بين برجين وقد كان الخندق طم بأوعية الجلود المملوءة ترابا ثم ضرب بالذبالات عليها فدحرجها الرجال إلى السور فنشبت في تلك الأوعية وخلص من فيها بعد الجهد. ولما جاء من الغد بالسلالم والمنجنيقات فقاتلوهم على تلك الثلمة وحارب وبدر بالحرب أشناس وجمعت المنجنيقات على تلك الثلمة وحارب في اليوم الثاني الأفشين والمعتصم راكب إزاء الثلمة، وأشناس وأفشين وخواص الخدام معه.
ثم كانت الحرب في اليوم الثالث على المعتصم وتقدم اتياخ بالمغاربة والأتراك واشتد القتال على الروم إلى الليل وفشت فيهم الجراحات، ومشى بطريق تلك الناحية إلى رؤساء الروم، وشكا إليهم واستمدهم فأبوا. فبعث إلى المعتصم يستأمن فأمنه وخرج من الغد إلى المعتصم وكان اسمه وبدوا فبينما هو والمعتصم يحادثه أومأ عبد الوهاب ٣/٣٢٩
ابن علي من بين يديه إلى المسلمين بالدخول فافتتحوا من الثلمة ورآهم وبدوا فخاف فقال له المعتصم: كل شيء تريده هو لك. ودخل المسلمون المدينة وامتنع الروم بكنيستهم وسطها فأحرقها المسلمون عليهم. وامتنع باطيس البطريق في بعض أبراجها حتى استنزله المعتصم بالأمان، وجاء الناس بالأسرى والسبي من كل جانب، واصطفى الأشراف وقتل من سواهم وبيعت مغانمهم في خمسة أيام وأحرق الباقي.
ووثب الناس على المغانم في بعض الأيام ينهبونها فركب المعتصم وسار نحوهم فكفئوا بعمورية فهدمت وأحرقت وحاصرها خمسة وخمسين يوما من سادس رمضان إلى آخر شوال، وفرق الأسرى على القواد ورجع نحو طرطوس . ولم يزل نوفل مملكا على الروم إلى أن هلك سنة تسع وعشرين ومائتين في ولاية الواثق، ونصبوا ابنه ميخاييل في كفالة أمه ندورة فأقامت عليهم ست سنين ثم اتهمها ابنها ميخاييل بقمط من أقماطها عليها وألزمها بيتها سنة ثلاث وثلاثين.
حبس العباس بن المأمون ومهلكه
كان المعتصم يقدم الأفشين على عجيف بن عنبسة ولما بعثه إلى زبطرة لم يطلق يده في النفقات كما أطلق للأفشين وكان يستقصر شأن عجيف وأفعاله، فطوى عجيف على النكث ولقي العباس بن المأمون فعذله على قعوده عند وفاة المأمون عن الأمر حتى بويع المعتصم وأغراه قبلا في ذلك فقبل العباس منه، ودس رجلا من بطانته يقال له السمرقندي قرابة عبد الله بن الوضاح وكان له أدب ومداراة فاستأمن له جماعة من القواد ومن خواص المعتصم فبايعوه وواعد كل واحد منهم أن يثب بالقائد الذي معه فيقتله من أصحاب المعتصم والأفشين وأشناس بالرجوع إلى بغداد فأبى من ذلك وقال: لا أفسد العراق. فلما فتحت عمورية وصعب التدبير بعض الشيء أشار عجيف بأن يضع من ينهب الغنائم فإذا ركب المعتصم وثبوا به ففعلوا مثل ما ذكرنا. وركب فلم يتجاسروا عليه. وكان للفرغاني قرابة غلام أمرد في جملة المعتصم فجلس مع ندمان الفرغاني تلك الليلة وقص عليهم ركوب المعتصم فأشفق الفرغاني وقال يا بني أقلل من المقام عند أمير المؤمنين والزم خيمتك، وإن سمعت هيعة فلا ٣/٣٣٠
تخرج فأنت غلام غر. ثم ارتحل المعتصم إلى الثغور وتغير أشناس على عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل وأساء عليهما فطلبا من المعتصم أن يضمهما إلى من شاء وشكيا من أشناس فقال له المعتصم أحسن أدبهما فحبسهما وحملهما على بغل، فلما صار بالصفصاف حدث الغلام ما سمع من قريبه عمر الفرغاني فأمر بغا أن يأخذه من عند أشناس ويسأله عن تأويل مقالته فأنكر وقال إنه كان سكران، فدفعه إلى إتياخ. ثم دفع أحمد بن الخليل إلى أشناس عنده نصيحة للمعتصم وأخبره خبر العباس بن المأمون والقواد والحرث السمرقندي فأنفذ أشناس إلى الحرث وقيده وبعث به إلى المعتصم، وكان في المقدمة فأخبر الحرث المعتصم بجلية الأثر فأطلقه وخلع عليه، ولم يصدقه على القواد لكثرتهم. ثم حضر العباس بن المأمون واستحلفه أن لا يكتم عنه شيئا فشرح له القصة فحبسه عند الأفشين وتتبع القواد بالحبس والتنكيل وقتل منهم المشاء بن سهيل ثم دفع العباس للأفشين، فلما نزل منبج طلب الطعام فأطعم ومنع الماء. ثم أدرج في نبج فمات. ولما وصل المعتصم إلى نصيبين احتفر لعمر الفرغاني بئرا وطمت عليه، ولما دخلوا بلاد الموصل قتل عجيف بمثل ما قتل به العباس واستلحم جميع القواد في تلك الأيام وسموا العباس اللعين. ولما وصل إلى سامرا جلس أولاد المأمون في داره حتى ماتوا.
انتقاض مازيار وقتله
كان مازيار بن قارن بن وندا هرمز صاحب طبرستان وكان منافرا لعبد الله بن طاهر فلا يحمل إليه الخراج وقال: لا أحمله إلا للمعتصم فيبعث المعتصم من يقبضه من أصحابه ويدفعه إلى وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان. وعظمت الفتنة بين مازيار وعبد الله وعظمت سعاية عبد الله في مازيار عند المعتصم حتى استوحش منه.
ولما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله عند المعتصم وطمع في ولاية خراسان ظن أن انتقاض مازيار وسيلة لذلك فجعل يستميل مازيار ويحرضه على عداوة ابن طاهر وإن ٣/٣٣١
أدت إلى الخلاف ليبعثه المعتصم لحربه فيكون ذلك وسيلة له إلى استيلائه على خراسان ظنا بأن ابن طاهر لا ينهض لمحاربته. فانتقض مازيار وحمل الناس على بيعته كرها وأخذ رهائنهم وعجل جباية الخراج فأستكثر منه وخرب سور آمد وسور سابة وفتل أهلها إلى جبل يعرف بهرمازا بارونى وسرخاشان سور طمس منها إلى البحر على ثلاثة أميال وهي على حد جرجان وكانت تبنيه سدا بين الترك وطبرستان وجعل عليه خندقا ومن أهل جرجان إلى نيسابور، وأنفذ عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان، فعسكر على الخندق، ثم بعث مولاه حيان بن جبلة إلى قومس فعسكر على جبال شروين، وبعث المعتصم من بغداد محمد بن إبراهيم بن مصعب وبعث منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري، وبعث ابا الساج إلى دنباوند وأحاطت العساكر بحياله من كل ناحية، وداخل أصحاب الحسن بن الحسين أصحاب سرخاشان في تسليم سورهم وليس بينهما إلا عرض الخندق، فكلموه وسار الآخرون إليه على حين غفلة من القائدين، وركب الحسن بن الحسين وقد ملك أصحابه السور ودخلوا منه فهرب سرخاشان وقبضوا على أخيه شهريار فقتل. ثم قبض على سرخاشان على خمسة فراسخ من معسكره وجيء به إلى الحسن بن الحسين فقتله أيضا. ثم وقعت بين حيان بن جبلة وبين فارق بن شهريار وهو ابن أخي مازيار ومن قواده، مداخلة استمالت حيان، فأجاب أن يسلم مدينة سارية إلى حد جرجان على أن يملكوه جبال آبائه، وبعث حيان إلى ابن طاهر فسجل لقارن بما سأل، وكان قارن في جملة عبد الله بن قارن أخي مازيار ومن قواده فأحضر جميعهم لطعامه وقبض عليهم، وبعث بهم إلى حيان فدخل جبال قارن في جموعه واعتصم لذلك مازيار، وأشار عليه أخوه القوهيار أن يخلي سبيل من عنده من أصحاب ينزلون من الجبل إلى مواطنهم لئلا يؤتى من قبلهم، فصرف ٣/٣٣٢
صاحب شرطته وخراجه وكاتبه حميدة، فلحقوا بالسهل ووثب أهل سارية بعامله عليهم مهرستان بن شهرين فهرب ودخل حيان سارية. ثم بعث قوهيار أخو مازيار محمد بن موسى بن حفص عامل طبرستان وكانوا قد حبسوه عند انتقاضهم، فبعثه إلى حيان ليأخذ له الأمان وولاية جبال آبائه على أن يسلم إليه مازيار، وعذل قوهيار بعض أصحابه في عدو له بالاستئمان عن الحسن إلى حيان فرجع إليهم وكتبوا إلى الحسن يستدعونه قوهيار من أخيه مازيار فركب من معسكره بطمس وجاء لموعدهم ولقي حيان على فرسخ فرده إلى جبال شروين التي افتتحها، ووبخه على غيبته عنها فرجع الى سارية وتوفي، وبعث عبد الله مكانه بن الحسين بن مصعب وعهد إليه أن لا يمنع قارن ما يريده، ولما وصل الحسن إلى خرم آباذ وسط جبال مازيار لقيه قوهيار هنالك، واستوثق كل منهما من صاحبه، وكاتب محمد بن إبراهيم ابن مصعب من قواد المعتصم قوهيار بمثل ذلك، فركب قاصدا إليه، وبلغ الحسن خبره فركب في العسكر وحازم يسابق محمد بن إبراهيم إلى قوهيار فسبقه ولقي قوهيار وقد جاء بأخيه مازيار فقبض عليه وبعثه مع اثنين من قواده إلى خرم آباذ ومنها إلى مدينة سارية. ثم ركب واستقبل محمد بن إبراهيم بن مصعب وقال: أين تريد؟
فقال: إلى المازيار فقال هو بسارية، ثم حبس الحسن أخوي المازيار ورجع إلى مدينة سارية فقيد المازيار بالقيد الذي قيد به محمد بن محمد بن موسى بن حفص، وجاء كتاب عبد الله بن طاهر بأن يدفع المازيار وأخويه وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم يحملهم إلى المعتصم. وسأل الحسن المازيار عن أمواله فذكر أنها عند قوم من وجوه سارية سماهم وأمر الحسن القوهيار بحمل هذه الأموال، وسار إلى الجبل ليحملها، فوثب به مماليك المازيار من الديلم وكانوا ألفا ومائتين فقتلوه بثأر أخيه وهربوا إلى الديلم، فاعترضتهم جيوش محمد بن إبراهيم وأخذوهم فبعث بهم إلى مدينة سارية.
وقيل إن الذي غدر بالمازيار ابن عم له كان يتوارث جبال طبرستان والمازيار يتوارث سهلها، وكانت جبال طبرستان ثلاثة أجبل فلما انتقض واحتاج إلى الرجال دعا ابن عمه من السهل وولاه على أصعبها وظن أنه قد توثق به فكاتب هو الحسن وأطلعه على مكاتبة الأفشين لمازيار وداخله في الفتك على أن يوليه ما كان لآبائه، وأن المازيار ٣/٣٣٣
لما ولاه الحسن بن سهل طبرستان انتزع الجبل من يده فأفضى له الحسن كتاب ابن طاهر وتوثق له فيه، وأوعده ليوم معلوم ركب فيه الحسن إلى الجبل فأدخله ابن عم مازيار وحاصروه حتى نزل على حكمه. ويقال أخذه أسيرا في الصيد. ومضى الحسن به ولم يشعر صاحب الجبل الآخر وأقام في قتاله لمن كان بإزائه فلم يشعر إلا والعساكر من ورائه فانهزم، ومضى إلى بلاد الديلم فأتبعوه وقتلوه. ولما صار المازيار في يده طلبت منه كتب الأفشين فأحضرها، وأمر ابن طاهر أن يبعث بها معه إلى المعتصم، فلما وصل إلى المعتصم ضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك وذلك سنة أربع وعشرين.
ولاية ابن السيد على الموصل
وفي سنة أربع وعشرين ولى المعتصم على الموصل عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي وكان سبب ولايته أن رجلا من مقدمي الأكراد يعرف بجعفر بن فهرجس كان قد عصى بأعمال الموصل، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم، وأفسدوا البلاد فبعث المعتصم لحربه عبد الله بن السيد بن أنس فقاتله وغلبه وأخرجه منها بعد أن كان استولى عليها ولحق بجبل دانس وامتنع بأعاليه، وقاتله عبد الله وتوغل في مضايق ذلك الجبل، فهزمه الأكراد وأثخنوا في أصحابه بالقتل، وقتل إسحاق بن أنس عم عبد الله فبعث المعتصم مولاه إتياخ في العساكر إلى الموصل سنة خمس وعشرين وقصد جبل داسن فقاتل جعفرا وقتله وافترق أصحابه، وأوقع بالأكراد واستباحهم وفروا أمامه إلى تكريت.
نكبة الأفشين ومقتله
كان الأفشين من أهل اشروسنة تبوأها ونشأ ببغداد عند المعتصم وعظم محله عنده ولما حاصر بابك كان يبعث إلى أشر وسنة بجميع أمواله، فيكتب ابن طاهر بذلك إلى المعتصم، فيأمره المعتصم بأن يجعل عيونه عليه في ذلك. وعثر مرة ابن طاهر على تلك الأموال فأخذها وصرفها في العطاء، وقال له حاملوها: هذا مال الأفشين، فقال: كذبتم لو كان ذلك لأعلمني أخي أفشين به، وإنما أنتم لصوص، وكتب إلى ٣/٣٣٤
الأفشين بذلك بأنه دفع المال إلى الجند ليوجههم إلى الترك فكتب إليه أفشين مالي ومال أمير المؤمنين واحد، وسأله في إطلاق القوم فأطلقهم واستحكمت الوحشة بينهما وتتابعت السعاية فيه من طاهر، وربما فهم الأفشين أن المعتصم يعزله عن خراسان فطمع في ولايتها، وكان مازيار يحسن له الخلافة ليدعو المعتصم ذلك إلى عزله وولاية الأفشين لحرب مازيار. فكان من أمر مازيار ما ذكرناه وسيق إلى بغداد مقيدا، وولى المعتصم الأفشين على أذربيجان فولى عليها من قبله منكجور من بعض قرابته فاستولى على مال عظيم لبابك. وكتب به صاحب البريد إلى المعتصم فكذبه منكجور وهم بقتله، فمنعه أهل أردبيل فقاتلهم، وسمع ذلك المعتصم فأمر الأفشين بعزل منكجور وبعث قائدا في عسكره مكانه، فخلع منكجور وخرج من أردبيل فهزمه القائد ولحق ببعض حصون أذربيجان كان بابك خربه، فأصلحه وتحصن فيه شهرا ثم وثب فيه أصحاب وأسلموه إلى القائد، فقدم به إلى سامرا فحبسه المعتصم واتهم الأفشين في أمره وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين بأن القائد كان بغا الكبير وأنه خرج إليه بالأمان انتهى ولما أحس الأفشين بتغير المعتصم أجمع أمره على الفرار واللحاق بأرمينية، وكانت في ولايته ويخرج منها إلى بلاد الخزر ويرجع إلى بلاد أشر وسنة، وصعب عليه ذلك بمباشرة المعتصم أمره فأراد أن يتخذ لهم صنيعا يشغلهم فيه نهارهم، ثم يسير من أول الليل. وعرض له في أثناء ذلك غضب على بعض مواليه وكان سيئ الملكة فأيقن مولاه بالهلكة، وجاء إلى إتياخ فأحضره إلى المعتصم وخبره الخبر فأمره بإحضاره وحبسه بالجوسق، وكان ابنه الحسن عاملا على بعض ما وراء النهر فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال عليه، وكان يشكو من نوح بن أسد صاحب بخارى. فكتب ابن طاهر إلى الحسن بولاية بخارى وكتب إلى نوح بذلك وأن يستوثق منه إذا وصل إليه ويبعث به، ثم يبعث به إلى ابن طاهر، ثم إلى المعتصم. ثم أمر المعتصم بإحضار الأفشين ومناظرته فيما قيل عنه، فأحضر عند الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات وعنده القاضي أحمد بن أبي دواد وإسحاق بن إبراهيم وجماعة القواد والأعيان، وأحضر المازيار من محبسه والمؤيد والمرزبان بن تركش أحد ملوك الصغد، ورجلان من أهل الصغد يدعيان أن الأفشين ضربهما وهما إمام ومؤذن بمسجد. فكشفا عن ظهورهما وهما عاريان من ٣/٣٣٥
اللحم، فقال ابن الزيات للأفشين: ما بال هذين؟ قال: عهدا إلى معاهدين فوثبا على بيت أصنامهم فكسراها، واتخذ البيت مسجدا فعاقبتهما على ذلك. وقال ابن الزيات: ما بال الكتاب المحلى بالذهب والجوهر عندك وفيه الكفر؟ وقال: كتاب ورثته من آبائي وأوصوني بما فيه من آدابهم فكنت آخذها منه وأترك كفرهم، ولم أحتج إلى نزع حلبته، وما ظننت أن مثل هذا يخرج عن الإسلام. ثم قال المؤيد أنه يأكل لحم المخنقة ويحملني على أكلها ويقول: هو أرطب من لحم المذبوحة! ولقد قال لي يوما حملت على كل مكروه لي حتى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل، إلى هذه الغاية لم أختتن ولم تسقط عني شعرة العانة. فقال الأفشين: أثقة هذا عندكم في دينه؟ وكان مجوسيا قالوا: لا! قال: فكيف تقبلونه علي؟ ثم قال للمؤيد: أنت ذكرت أني أسررت إليك ذلك، فلست بثقة في دينك ولا بكريم في عهدك ثم قال له المرزبان: كيف يكاتبك أهل أشر وسنة؟ قال: ما أدري! قال:
أليس يكاتبونك بما تفسره بالعربي إلى إله الآلهة من عبده فلان؟ قال: بلى! فقال ابن الزيات: فمات أبقيت لفرعون؟ قال هذه عادة منهم لأبي وجدي ولي قبل الإسلام، ولو منعتهم لفسدت علي طاعتهم. ثم قال له: أنت كاتبت هذا وأشار إلى المازيار. كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لن ينصر هذا الدين غيري وغيرك وغير بابك، فأما بابك فقد قتل نفسه بجمعه، ولقد عهدت أن أمنعه فأبى إلا خنقه، وأنت إن خالفت لم يرمك القوم بغيري ومعي أهل النجدة، وإن توجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا العرب والمغاربة والترك، والعربي كلب تناوله لقمة وتضرب رأسه، والمغاربة أكلة رأس، والأتراك لهم صدمة ثم تجول الخيل جولة فتأتي عليهم، ويعود هذا الدين إلى ما كان عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدعى أن أخي كتب إلى أخيه فما يجب علي؟ ولو كتب فأنا أستميله مكرا به لأحظى عند الخليفة كما حظي به ابن طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد فقال له الأفشين: ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى تقتل جماعة فقال: أمتطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما يمنعك وهو شعار الإسلام؟ قال: خشيت على نفسي من قطعه! قال: فكيف وأنت تلقى الرماح والسيوف؟ قال تلك ضرورة أصبر عليها وهذا أستجلبه. فقال ابن أبي دؤاد لبغا الكبير: قد بان لكم أمره يا بغا عليك به. فدفعه بيديه ورده إلى محبسه، وضرب مازيار أربعمائة سوط فمات منها، وطلب أفشين من المعتصم أن ٣/٣٣٦
ينفذ إليه من يثق به، فبعث حمدون بن إسماعيل فاعتذر له عن جميع ما قيل فيه وحمل إلى دار إتياخ فقتل بها وصلب على باب العامة، ثم أحرق وذلك في شعبان من سنة ست وعشرين، وقيل قطع عنه الطعام والشراب حتى مات.
ظهور المبرقع
كان هذا المبرقع يعرف بأبي حرب اليماني وكان بفلسطين، وأراد بعض الجند النزول في داره فمنعه بعض النساء فضربها الجندي، وجاء فشكت إليه بفعل الجندي، فسار إليه وقتله، ثم هرب إلى جبال الأردن فأقام به واختفى ببرقع على وجهه وصار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعيب الخليفة ويزعم أنه أموي، واجتمع له قوم من تلك الناحية وقالوا: هو السفياني ثم أجابه جماعة من رؤساء اليمانية منهم ابن بهيس وكان مطاعا في قومه وغيره فاجتمع له مائة ألف، وسرح المعتصم رجاء بن أيوب في ألف من الجند فخام عن لقائه لكثرة من معه، وعسكر قبالته ينتظر أوان الزراعة وانصراف الناس عنه لأعمالهم. وبينما هم في الانصراف توفي المعتصم وثارت الفتنة بدمشق، فأمره الواثق بقتل من أثار الفتنة والعود إلى المبرقع، ففعل وقاتله فأخذه أسيرا وابن بهيس معه، وقتل من أصحابه عشرين ألفا وحمله وذلك سنة سبع وعشرين ومائتين.
وفاة المعتصم وبيعة الواثق
وتوفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن المأمون بن الرشيد منتصف ربيع الأول سنة سبع وعشرين لثمان سنين وثمانية أشهر من خلافته، وبويع ابنه هارون الواثق صبيحته وتكنى أبا جعفر. فثار أهل دمشق بأميرهم وحاصروه وعسكروا بمرج واسط وكان رجاء بن أيوب بالرملة في قتال المبرقع، فرجع إليهم بأمر الواثق فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة ومن أصحابه نحو ثلاثمائة، وصلح أمر دمشق، ورجع رجاء إلى قتال المبرقع حتى جاء به أسيرا بيعة ٣/٣٣٧
الواثق توجه أشناس ووشحه وكان للواثق سمر يجلسون عنده ويفيضون في الأخبار حتى أخبروه عن شأن البرامكة واستبدادهم على الرشيد واحتجابهم الأموال فأغراه ذلك بمصادرة الكتاب فحبسهم وألزمهم الأموال. فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إتياخ أربعمائة ألف، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألفا، ومن إبراهيم بن رباح وكاتبه مائة ألف، ومن أبي الوزر مائة وأربعين ألفا وكان على اليمن إتياخ وولاه عليها المعتصم بعد ما عزل جعفر بن دينار، وسخطه وحبسه ثم رضي عنه وأطلقه، فلما ولي الواثق ولى إتياخ على اليمن من قبله سار بأميان، فسار إليها وكان الحرس إسحاق بن يحيى بن معاذ ولاه المعتصم بعد عزل الأفشين، وولى الواثق على المدينة سنة إحدى وعشرين محمد بن صالح بن العباس وبقي محمد بن داود على مكة، وتوفي عبد الله بن طاهر سنة ثلاثين وكان على خراسان وكرمان وطبرستان والري وكان له الحرب والشرطة والسواد فولى الواثق على أعماله كلها ابنه طاهرا.
وقعة بغا في الاعراب
كان بنو سليم يفسدون بنواحي المدينة ويتسلطون على الناس في أموالهم وأوقعوا بناس من كنانة وباهلة، وبعث محمد بن صالح إليهم مسلحة المدينة ومعهم متطوعة من قريش والأنصار فهزمهم بنو سليم وقتلوا عامتهم وأحرقوا لباسهم وسلاحهم وكراعهم ونهبوا القرى ما بين مكة والمدينة وانقطع الطريق، فبعث الواثق بغا الكبير، وقدم المدينة في شعبان فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم خمسين رجلا وأسر مثلها، واستأمنوا له على حكم الواثق، فقبض على ألف منهم ممن يعرف بالفساد فحبسهم بالمدينة وذلك سنة ثلاثين. ثم حج وسار إلى ذات عرق وعرض على بني هلال مثل بني سليم فأخذ من المفسدين منهم نحو ثلاثمائة رجل وحبسهم بالمدينة وأطلق الباقين. ثم خرج بغا إلى بني مرة فنقب أولئك الأسرى الحبس وقتلوا الموكلين، فاجتمع عليهم أهل المدينة ليلا ومنعوهم من الخروج فقاتلوهم إلى الصبح ثم قتلوهم، وشق ذلك على بغا وكان سبب غيبته أن فزارة وبني مرة تغلبوا على فدك، فخرج إليهم وقدم رجلا من قواده يعرض عليهم الأمان، فهربوا من سطوته إلى الشام واتبعهم إلى تخوم الحجاز من الشام، وأقام أربعين ليلة ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر منهم. وجاءه قوم من بطون غفار وفزارة وأشجع وثعلبة فاستحلفهم على الطاعة ثم سار إلى بني كلاب فأتوه في ٣/٣٣٨
ثلاثة آلاف رجل فحبس أهل الفساد منهم ألفا بالمدينة وأطلق الباقين، وأمره الواثق سنة اثنين وثلاثين بالمسير إلى بني نمير باليمامة وما قرب منها لقطع فسادهم، فسار إليهم ولقي جماعة الشريف منهم فحاربهم وقتل منهم خمسين وأسر أربعين. ثم سار إلى مرة وبعث إليهم في الطاعة فامتنعوا وساروا إلى جبال السند وطف اليمامة وبعث سراياهم فأوقع بهم في كل ناحية ثم سار إليهم في ألف رجل فلقيهم قريبا من أضاخ فكشفوا مقدمته وميسرته وأثخنوا في عسكره بالقتل والنهب. ثم ساروا تحت الليل وهو في اتباعهم يدعوهم إلى الطاعة وبعث طائفة من جنده يدعون بعضهم وأصبح وهو في قلة، فحملوا عليه وهزموه إلى معسكره، وإذا بالطائفة الذين بعثهم قد جاءوا من وجهتهم فلما رآهم بنو نمير من خلفهم ولوا منهزمين وأسلموا رجالهم وأموالهم ونجوا على خيلهم ولم يفلت من رجالتهم أحد، وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة، وأقام بمكان الوقعة واستأمن له أمراؤهم فقيدهم وحبسهم بالبصرة. وقدم عليه واجن الأشروسني في سبعمائة مقاتل مددا فبعثه إلى اتباعهم إلى أن بلغ تبالة من أعمال اليمن ورجع، وسار بغا إلى بغداد بمن معه منهم وكانوا نحو ألفي رجل ومائتي رجل، وكتب إلى صالح أمير المدينة أن يوافيه ببغداد من عنده منهم فجاء بهم وسلموا جميعا.
مقتل أحمد بن نصر
وهو أحمد بن مالك وهو أحد النقباء كما تقدم وكان أحمد هذا نسيبة لأهل الحديث ويغشاه جماعة منهم مثل ابن حصين وابن الدورقي وأبي زهير، ولقن منهم النكير على الواثق بقوله بخلق القرآن. ثم تعدى ذلك إلى الشتم وكان ينعته بالخنزير والكافر، وفشا ذلك عنه وانتدب رجلان ممن كان يغشاه هما أبو هارون السراج وطالب وغيرهما فدعوا الناس له وبايعه خلق على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرقوا الأموال في الناس دينارا لكل رجل، وأنفذوا لثلاث تمضي من شعبان من سنة إحدى وثلاثين يظهرون فيها دعوتهم. واتفق أن رجالا ممن بايعهم من بني الأشرس جاءوا قبل الموعد بليلة وقد نال منهم السكر فضربوا الطبل وصاحب الشرطة إسحاق بن إبراهيم غائب، فارتاع خليفته محمد أخوه فأرسل من يسأل عن ذلك فلم يوجد ٣/٣٣٩
أحد، وأتوه برجل أعور اسمه عيسى وجدوه في الحمام فدلهم على بني الأشرس وعلى أحمد بن نصر وعلى أبي هارون وطالب، ثم سيق خادم أحمد بن نصر فذكر القصة، فقبض عليه وبعث بهم جميعا إلى الواثق بسامراء مقيدين، وجلس لهم مجلسا عاما وحضر فيه أحمد بن أبي دؤاد، ولم يسأله الواثق عن خروجه وإنما سأله عن خلق القرآن فقال: هو كلام الله. ثم سأله عن الرؤية فقال: جاءت بها الأخبار الصحيحة ونصيحتي أن لا يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سأل الواثق العلماء حوله عن أمره، فقال عبد الرحمن بن إسحاق قاضي الجانب الغربي:
هو حلال الدم! وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب. فدعا الواثق بالصمصامة فانتضاها ومشى إليه فضربه على حبل عاتقه ثم على رأسه، ثم وخزه في بطنه، ثم أجهز سيما الدمشقي عليه وحزوا رأسه ونصب ببغداد وصلب شلوه عند بابها.
الفداء والصائفة
وفي سنة إحدى وثلاثين عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن مسلم بن قتيبة على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وجانمان الخادم، وأمرهما أن تمتحن الأسرى باعتقاد القرآن والرؤية. وجاء الروم بأسراهم والمسلمون كذلك والتقوا على نهر اللامس على مرحلة من طرطوس وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين والنساء والصبيان ثمانمائة وأهل الذمة مائة. فلما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن مسلم شاتيا وأصاب الناس ثلج ومطر وهلك منهم مائة نفس، وأسر منهم نحوها وخرق بالنبل قرون خلق، ولقيه بطريق من الروم فخام عن لقائه ثم غنم ورجع، فعزله الواثق وولى مكانه نصر بن حمزة الخزاعي.
وفاة الواثق وبيعة المتوكل
وتوفي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم محمد لست بقين من سنة اثنتين وثلاثين، وكانت علته الاستسقاء وأدخل في تنور مسجر فلقي خفة، ثم عاوده في اليوم الثاني أكثر من الأول فأخرج في محفة فمات فيها، ولم يشعروا به. وقيل إن ابن أبي دؤاد غمضه ومات لخمس سنين وتسعة أشهر من خلافته، وحضر في الدار أحمد بن أبي ٣/٣٤٠
دؤاد وإتياخ ووصيف وعمر بن فرح وابن الزيات، وأراد البيعة لمحمد بن واثق وهو غلام إمر فألبسوه، فإذا هو قصير فقال وصيف: أما تتقون الله تولون الخلافة مثل هذا! ثم تناظروا فيمن يولونه وأحضروا المتوكل فألبسه ابن أبي دؤاد الطويلة وعممه وسلم عليه بامارة المؤمنين ولقبه المتوكل، وصلى على الواثق ودفنه. ثم وضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وولى على بلاد فارس إبراهيم بن محمد بن مصعب، وكان على الموصل غانم بن محمد الطويس فأقره وعزل ابن العباس محمد بن صول عن ديوان النفقات وعقد لابنه المنتصر على الحرمين واليمن والطائف.
نكبة الوزير ابن الزيات ومهلكه
كان محمد بن عبد الملك بن الزيات قد استوزره الواثق فاستمكن من دولته وغلب على هؤلاء، وكان لا يحفل بالمتوكل ولا يوجب حقه، وغضب الواثق عليه مرة فجاء إلى ابن الزيات ليستنزله فأساء معاملته في التحية والملاقاة فقال: اذهب فإنك إذا صلحت رضي عنك. وقام عنه حزينا فجاء إلى القاضي أحمد بن دؤاد فلم يدع شيئا من البر إلا فعله وحياه وفداه، وخطب حاجته فقال: أحب أن ترضي عني أمير المؤمنين فقال: أفعل ونعمة عين! ولم يزل بالواثق حتى رضي عنه. وكان ابن الزيات كتب إلى الواثق عند ما خرج عنه المتوكل أن جعفرا أتاني فسأل الرضا عنه وله وفرة شبه زي المخنثين، فأمره الواثق أن يحضره من شعر قفاه فاستحضره فجاء يظن الرضا عنه وأمر حجاما أخذ من شعره وضرب به وجهه فحقد له ذلك وأساء له. ولما ولي الخلافة بقي شهرا ثم أمر إتياخ أن يقبض عليه ويقيده بداره ويصادره، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين، فصادره واستصفى أمواله وأملاكه وسلط عليه أنواع العذاب، ثم جعله في تنور خشب في داخله مسامير تمنع من الحركة وتزعج من فيه لضيقه، ثم مات منتصف ربيع الأول، وقيل إنه مات من الضرب وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله. وكان عمر بن الفرح الرحجي يعامل المتوكل بمثل ذلك فحقد له، ولما استخلف قبض عليه في رمضان واستصفى أمواله ثم صودر على أحد عشر ألف ألف. ٣/٣٤١
نكبة اتياخ ومقتله
كان اتياخ مولى السلام الأبرص وكان عنده ناخوريا طباخا، وكان شجاعا فاشتراه المعتصم منه سنة تسع وتسعين وارتفع في دولته ودولة الواثق ابنه وكان له المؤنة بسامراء مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب. وكانت نكبة العظماء في الدولة على يديه وحبسهم بداره، مثل أولاد المأمون وابن الزيات وصالح وعجيف وعمر بن الفرج وابن الجنيد وأمثالهم، وكان له البريد والحجابة والجيش والمغاربة والأتراك. وشرب ذات ليلة مع المتوكل فعربد على إتياخ وهم إتياخ بقتله، ثم غدا عليه فاعتذر له ودس عليه من زين له الحج فاستأذن المتوكل فأذن له وخلع عليه وجعله أمير كل بلد يمر به. وسار لذلك في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وسار العسكر بين يديه وجعلت الحجابة إلى وصيف الخادم ولما عاد إتياخ من الحج بعث إليه المتوكل بالهدايا والالطاف، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره بحبسه.
فلما قارب بغداد كتب إليه إسحاق بأن المتوكل أمر أن يدخل بغداد وأن تلقاه بنو هاشم ووجوه الناس وأن يقعد بدار خزيمة بن خازم فيأمر للناس بالجوائز على قدر طبقاتهم ففعل ذلك، ووقف إسحاق على باب الدار فمنع أصحابه من الدخول إليه ووكل بالأبواب ثم قبض على ولديه منصور ومظفر وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، وبعث إتياخ إليه يسأله الرفق بالولدين ففعل، ولم يزل إتياخ مقيدا بالسجن إلى أن مات فقيل إنهم منعوه الماء وبقي ابناه محبوسين إلى أن أطلقهما المنتصر بعد المتوكل.
شأن ابن البغيث
كان محمد بن البغيث بن الحليس ممتنعا في حصونه بأذربيجان وأعظمها مرند، واستنزل من حصنه أيام المتوكل وحبس بسامراء فهرب من حبسه ولحق بمرند، وقيل إنه في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وشفع فيه بغا الشرابي، فأطلقه إسحاق في كفالة محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وكان يتردد إلى سامرا حتى ٣/٣٤٢
مرض المتوكل ففر ولحق بمرند وشحنها بالأقوات، وجاءه أهل الفتنة من ربيعة وغيرهم فاجتمع له نحو ألفين ومائتي رجل، والوالي بأذربيجان يومئذ محمد بن حاتم ابن هرثمة فلم يقامعه فعزله المتوكل وولى حمدويه بن علي بن الفضل السعدي، فسار إليه وحاصره بمرند مدة وبعث إليه المتوكل بالمدد، وطال الحصار فلم يقن فيه، فبعث بغا الشرابي في ألفى فارس فجاء لحصاره. وبعث إليه عيسى ابن الشيخ بن السلسل بالأمان له ولوجوه أصحابه أن ينزلوا على حكم المتوكل، فنزل الكثير منهم وانفض جمعه ولحق ببغا وخرج هو هاربا، ونهبت منازله وأسرت نساؤه وبناته. ثم أدرك بطريقة وأتي به أسيرا وبأخويه صقر وخالد وأبنائه حليس وصقر والبغيث، وجاء بهم بغا إلى بغداد وحملهم على الحجال يوم قدومه حتى رآهم الناس وحبسوا. ومات البغيث لشهر من وصوله سنة خمس وثلاثين وجعل بنوه في الشاكرية مع عبد الله بن يحيى خاقان.
بيعة العهد
وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين عقد المتوكل البيعة والعهد وكانوا ثلاثة محمدا وطلحة وإبراهيم، ويقال في طلحة ابن الزبير وجعل محمدا أولهم ولقبه المستنصر وأقطعه إفريقية والمغرب وقنسرين والثغور الشامية والخزرية، وديار مضر وديار ربيعة، وهيت والموصل وغانة والخابور، وكور دجلة والسواد والخرمين وحضرموت والحرمين والسند ومكران وقندابيل وكور الأهواز والمستغلات بسامراء وماء الكوفة وماء البصرة. وجعل طلحة ثانيهم ولقبه المعتز وأقطعه أعمال خراسان وطبرستان والري وأرمينية وأذربيجان وأعمال فارس، ثم أضاف إليه سنة أربعين خزن الأموال ودور الضرب في جميع الآفاق وأمر أن يرسم اسمه في السكة. وجعل الثالث إبراهيم وأقطعه حمص ودمشق وفلسطين وسائر الأعمال الشامية وفي هذه السنة أمر الجند بتغيير ٣/٣٤٣
الزي فلبسوا الطيالسة العسلية وشدوا الزنانير في أوساطهم وجعلوا الطراز في لباس المماليك ومنع من لباس المناطق وأمر بهدم البيع المحدثة لأهل الذمة ونهى أن يستغاث بهم في الأعمال وأن يظهروا في شعابهم الصلبان وأمر أن يجعل على أبوابهم صور شياطين من الخشب.
ملك محمد بن إبراهيم
كان محمد بن إبراهيم بن الحسن بن مصعب على بلاد فارس، وهو ابن أخي طاهر وكان أخوه إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد منذ أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وكان ابنه محمد بباب الخليفة بسامراء نائبا عنه. فلما مات إسحاق سنة خمس وثلاثين ولاه المتوكل وضم إليه أعمال أبيه، واستخلفه المعتز على اليمامة والبحرين ومكة وحمل إلى المتوكل وبنيه من الجواهر والذخائر كثيرا، وبلغ ذلك محمد بن إبراهيم فتنكر للخليفة ولمحمد بن أخيه، وشكا ذلك محمد إلى المتوكل فسرحه إلى فارس وولاه مكان عمه محمد، فسار وعزل عمه محمدا وولى مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد فأطعمه ومنعه الشراب فمات.
انتقاض أهل أرمينية
كان على أرمينية يوسف بن محمد فجاءه البطريق بقراط بن أسواط وهو بطريق البطارقة يستأمن فقبض عليه وعلى ابنه وبعث بهما إلى المتوكل، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخيه وصهره موسى بن زرارة وتحالفوا على قتله وحاصروه بمدينة طرون في رمضان سنة سبع وثلاثين، وخرج لقتالهم فقتلوه ومن كان معه. فسرح المتوكل بغا الكبير فسار على الموصل والجزيرة وأناخ على أردن حتى أخذها وحمل موسى وإخوته إلى المتوكل وقتل منهم ثلاثين ألفا وسبى خلقا وسار إلى مدينة دبيل فأقام بها شهرا ثم سار إلى تفليس فحاصرها، وبعث في مقدمته ربزك التركي وكان بتفليس ٣/٣٤٤
إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق مولى بني أمية فخرج وقاتلهم، وكانت المدينة كلها مشيدة من خشب الصنوبر، فأمر بغا أن يرمى عليها بالنفط فاضطرمت النار في الخشب، واحترقت قصور إسحاق وجواريه وخمسون ألف إنسان وأسر الباقون، وأحاطت الأتراك والمغاربة بإسحاق فأسروه وقتله بغا لوقته، ونجا أهل إسحاق بأمواله إلى صعدنيل مدينة حذاء تفليس على نهر الكرمن من شرقيه بناها أنوشروان وحصنها إسحاق وجعل أمواله فيها فاستباحها بغا، ثم بعث الجند إلى قلعة أخرى بين بردعة وتفليس ففتحوها وأسروا بطريقها. ثم سار إلى عيسى بن يوسف في قلعة كيس من كور البيلقان ففتحها وأسره وحمل معه جماعة من البطارقة، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
عزل ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم
وفي سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وقبض ضياعه وحبس أولاده، فحمل أبو الوليد منهم مائة وعشرين ألف دينار وجواهر تساوي عشرين ألفا، ثم صولح عن ستة عشر ألف ألف درهم وأشهد عليهم ببيع أملاكهم وفلح أحمد، فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم وولاه قضاء القضاء، وولى أبا الوليد بن أبي دؤاد المظالم ثم عزله. وولى أبا الربيع محمد بن يعقوب ثم عزله، وولى يحيى بن أكثم على المظالم ثم عزله سنة أربعين، وصادره على خمسة وسبعين ألف دينار وأربعة آلاف حربو ، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي. وتوفي في هذه السنة أحمد بن أبي دؤاد بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يوما وكان معتزليا أخذ مذهبهم عن بشر المريسي وأخذه بشر عن جهم بن صفوان وأخذه جهم عن الجعد بن دهم معلم مروان. ٣/٣٤٥
انتقاض أهل حمص
وفي سنة سبع وثلاثين وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي بسبب أنه قتل بعض رؤسائهم فأخرجوه وقتلوا من أصحابه، فولى مكانه محمد بن عبدويه الأنباري فأساء إليهم وعسف فيهم فوثبوا به، وأمره المتوكل بجند من دمشق والرملة فظفر بهم وقتل منهم جماعة، وأخرج النصارى منها وهدم كنائسهم وأدخل منها بيعة في الجامع كانت تجاوره.
اغارة البجاة على مصر
كانت الهدنة بين أهل مصر والبجاة من لدن الفتح، وكان في بلادهم معادن الذهب يؤدون منها الخمس إلى أهل مصر، فامتنعوا أيام المتوكل وقتلوا من وجدوه من المسلمين بالمعادن، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المتوكل فشاور الناس في غزوهم فأخبروه أنهم أهل إبل وشاء وأن بين بلادهم وبلاد المسلمين مسيرة شهر ولا بد فيها من الزاد، إن فنيت الأزواد هلك العسكر فأمسك عنهم. وخاف أهل الصغد من شرهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي على أسوان وقفط والأقصر وأستا وأرمنت، وأمره بحرب البجاة. وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي عامل مصر بتجهيز العساكر معه وأزاحه عليهم فسار في عشرين ألفا من الجند والمتطوعة، وحملت المراكب من القلزم بالدقيق والتمر والأدم إلى سواحل بلاد البجاة وانتهى إلى حصونهم وقلاعهم. وزحف إليه ملكهم واسمه علي بابا في أضعاف عساكرهم على المهاري ، وطاولهم علي بابا رجاء أن تفنى أزوادهم فجاءت المراكب وفرقها القمي في أصحابه، فناجزهم البجاة الحرب وكانت إبلهم نفورة، فأمر القمي جنده باتخاذ الأجراس بخيلهم. ثم حملوا عليهم فانهزموا وأثخن فيهم قتلا وأسرا حتى استأمنوا على أداء الخراج لما سلف ولما يأتي وأن يرد إلى مملكته، وسار مع القمي إلى المتوكل واستخلف ابنه، فخلع القمي عليه وعلى أصحابه، وكسا أرجلهم الجلال ٣/٣٤٦
المديحة وولاهم طريق ما بين مصر ومكة، وولى عليهم سعدا الإتياخي الخادم فولى سعد محمد القمي فرجع معهم واستقامت ناحيتهم.
الصوائف
وفي سنة ثمان وثلاثين ورد على دمياط اسطول الروم في مائة مركب فكبسوها وكانت المسلحة الذين بها قد ذهبوا إلى مصر باستدعاء صاحب المعونة عنبسة بن إسحاق الضبي فانتهزوا الفرصة في مغيبهم وانتهبوا دمياط وأحرقوا الجامع بها وأوقروا سفنهم سبيا ومتاعا، وذهبوا إلى تنيس ففعلوا فيها مثل ذلك وأقطعوا. وغزا بالصائفة في هذه السنة علي بن يحيى الأرميني صاحب الصوائف. وفي سنة إحدى وأربعين كان الفداء بين الروم وبين المسلمين وكانت تدورة ملكة الروم قد حملت أسرى المسلمين على التنصر فتنصر الكثير منهم. ثم طلبت المفاداة فيمن بقي فبعث المتوكل سيفا الخادم بالفداء ومعه قاضي بغداد جعفر بن عبد الواحد واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب وكان الفداء على نهر اللامس ثم أغارت الروم بعد ذلك على روبة فأسروا من كان هنالك من الزط وسبوا نساءهم وأولادهم ولما رجع علي بن يحيى الأرميني من الصائفة خرجت الروم في ناحية سميساط فانتهوا إلى آمد واكتسحوا نواحي الثغور والخزرية نهبا وأسروا نحوا من عشرة آلاف ورجعوا واتبعهم قرشاس وعمر بن عبد الأقطع وقم من المتطوعة فلم يدركوهم وأمر المتوكل علي بن يحيى أن يدخل بالثانية في تلك السنة ففعل. وفي سنة أربع وأربعين جاء المتوكل من بغداد إلى دمشق وقد اجتمع نزولها ونقل الكرسي إليها فأقام بها شهرين، ثم استوبأها ورجع بعد أن بعث بغا الكبير في العساكر للصائفة فدخل بلاد الروم فدوخها واكتسحها من سائر النواحي ورجع. وفي سنة خمس وأربعين أغارت الروم على ٣/٣٤٧
سميساط فغنموا وغزا علي بن يحيى الأرمني بالصائفة كركرة وانتقض أهلها على بطريقهم فقبضوا عليه وسلموه إلى بعض موالي المتوكل، فأطلق ملك الروم في فداء البطريق ألف أسير من المسلمين وفي سنة ست وأربعين غزا عمر بن عبيد الله الأقطع بالصائفة فجاءوا بأربعة آلاف رأس ، وغزا قرشاس فجاء بخمسة آلاف رأس، وغزا الفضل بن قاران في الاسطول بعشرين مركبا فافتتح حصن أنطاكية وغزا ملكها دورهم وسبى، وغزا علي بن يحيى فجاء بخمسة آلاف رأس ومن الظهر بعشرة آلاف وكان على يده في تلك السنة الفداء في ألفين وثلاثمائة من الأسرى.
الولاية في النواحي
ولى المتوكل سنة اثنتين على بلاد فارس محمد بن إبراهيم بن مصعب وكان على الموصل غانم بن حميد الطوسي، واستوزر لأول خلافته محمد بن عبد الله بن الزيات. وولى على ديوان الخراج يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد وعزل الفضل بن مروان. وولى على ديوان النفقات إبراهيم بن محمد بن حتول. وولى سنة ثلاث وثلاثين على الحرمين واليمن والطائف ابنه المستنصر، وعزل محمد بن عيسى.
وولى على حجابة بابه وصيفا الخادم عند ما سار إتياخ للحج. وفي سنة خمس وثلاثين عهد لأولاده كما مر، وولى على الشرطة ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن الحسين ابن مصعب مكان ابنه إبراهيم عند ما توفي، وكانت وفاته ووفاة الحسن بن سهل في سنة واحدة. وفي سنة ست وثلاثين استكتب عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم استوزره بعد ذلك، وولى على أرمينية وأذربيجان حربا وخراجا يوسف بن أبي سعيد محمد بن يوسف المروذوذي عند ما توفي أبوه فجاءه فسار اليها وضبطها، وأساء إلى البطارقة بالناحية فوثبوا به كما مر وقتلوه. وبعث المتوكل بغا الكبير في العساكر فأخذ ثأره منهم، وولى معادن السواد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم. وفي سنة تسع وثلاثين عزل ابن أبي دؤاد عن القضاء وصادره، وولى مكانه يحيى بن أكثم. وقدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان فولاه الشرطة والجزية وأعمال السواد، وكان على مكة علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور فحج بالناس، ثم ولى مكانه في السنة القابلة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى. وولى على الأحداث بطريق مكة ٣/٣٤٨
والمواسم جعفر بن دينار، وكان على حمص أبو المغيب موسى بن إبراهيم الرافقي وثبوا به سنة تسع وثلاثين، فولى مكانه محمد بن عبدويه. وفي سنة تسع وثلاثين عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان وفي سنة اثنتين وأربعين ولى على مكة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وولى على ديوان النفقات الحسن بن مخلد بن الجراح عند ما توفي إبراهيم بن العباس الصولي وكان خليفته فيها من قبل. وفي سنة خمس وأربعين اختط المتوكل مدينته وأنزلها القواد والأولياء وأنفق عليها ألف ألف دينار، وبنى فيها قصر اللؤلؤة لم ير مثله في علوه وأجرى له الماء في نهر احتفره وسماها المتوكلية وتسمى الجعفري والماخورة وفيها ولى على طريق مكة أبا الساج مكان جعفر بن دينار لوفاته تلك السنة. وولى على ديوان الضياع والتوقيع نجاح بن سلمة وكانت له صولة على العمال، فكان ينام المتوكل فسعى عنده في الحسن بن مخلد وكان معه على ديوان الضياع ولى موسى بن عقبة عبد الملك وكان على ديوان الخراج، وضمن للمتوكل في مصادرتهما أربعين ألفا. وأذن المتوكل وكانا منقطعين إلى عبيد الله بن خاقان، فتلطف عند نجاح وخادعه حتى كتب على الرقعتين، وأشار إليه بأخذ ما فيهما معا وبدأ بنجاح فكتبه وقبض منه مائة وأربعين ألف دينار سوى الغلات والفرش والضياع، ثم ضرب فمات وصودر أولاده في جميع البلاد على أموال جمة.
مقتل المتوكل وبيعة المنتصر ابنه
كان المتوكل قد عهد إلى ابنه المنتصر ثم ندم وأبغضه لما كان يتوهم فيه من استعجاله الأمر لنفسه، وكان يسميه المنتصر والمستعجل لذلك. وكان المنتصر تنكر عليه انحرافه عن سنن سلفه فيما ذهبوا إليه من مذهب الاعتزال والتشيع لعلي، وربما كان الندمان في مجلس المتوكل يفيضون في ثلب علي فينكر المنتصر ذلك ويتهددهم ويقول للمتوكل: إن عليا هو كبير بيننا وشيخ بني هاشم، فإن كنت لا بد ثالبه فتول ذلك بنفسك ولا تجعل لهؤلاء الصفاعين سبيلا إلى ذلك فيستخف به ويشتمه، ويأمر وزيره عبيد الله بصفعه ويتهدده بالقتل ويصرح بخلعه. وربما استخلف ابنه الحبر في الصلاة والخطبة مرارا وتركه فطوى من ذلك على النكث. وكان المتوكل قد ٣/٣٤٩
استفسد إلى بغا ووصيف الكبير ووصيف الصغير ودواجن، فأفسدوا عليه الموالي.
وكان المتوكل قد أخرج بغا الكبير من الدار وأمره بالمقام بسميساط لتعهد الصوائف، فسار لذلك واستخلف مكانه ابنه موسى في الدار وكان ابن خالة المتوكل، واستخلف على الستر بغا الشرابي الصغير. ثم تغير المتوكل لوصيف وقبض ضياعه بأصبهان والجبل وأقطعها الفتح بن خاقان، فتغير وصيف لذلك وداخل المنتصر في قتل المتوكل، وأعد لذلك جماعة من الموالي بعثهم مع ولده صالح وأحمد وعبد الله ونصر، وجاءوا في الليلة اتعدوا فيها. وحضر المنتصر ثم انصرف على عادته، وأخذ زرافة الخادم معه، وأمر بغا الشرابي الندمان بالانصراف حتى لم يبق إلا الفتح وأربعة من الخاصة، وأغلق الأبواب إلا باب دجلة فأدخل منه الرجال وأحس المتوكل وأصحابه بهم فخافوا على أنفسهم، واستماتوا وابتدروا إليه فقتلوه.
والقى الفتح نفسه عليهم ليقيه فقتلوه. وبعث إلى المنتصر وهو ببيت زرافة فأخبره وأوصى بقتل زرافة فمنعه المنتصر، وبايع له زرافة وركب إلى الدار فبايعه من حضر وبعث إلى وصيف إن الفتح قتل أبي فقتلته، فحضر وبايع. وبعث عن أخويه المعتز والمؤيد فحضرا وبايعا له. وانتهى الخبر إلى عبيد الله بن يحيى فركب من ليله وقصد منزل المعتز فلم يجده واجتمع عليه عشرة آلاف من الأزد والأرمن والزواقيل، وأغروه بالحملة على المنتصر وأصحابه فأبى وخام عن ذلك، وأصبح المنتصر فأمر بدفن المتوكل والفتح، وذلك لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين. وشاع الخبر بقتل المتوكل فثار الجند وتبعهم وركب بعضهم بعضا، وقصدوا باب السلطان فخرج إليهم بعض الأولياء فأسمعوه، ورجع فخرج المنتصر بنفسه وبين يديه المغاربة فشردوهم عن الأبواب فتفرقوا بعد أن قتل منهم ستة أنفس. ٣/٣٥٠
الخبر عن الخلفاء من بني العباس أيام الفتنة وتغلب الأولياء وتضايق نطاق الدولة باستبداد الولاة في النواحي من لدن المنتصر إلى أيام المستكفي
كان بنو العباس حين ولوا الخلافة قد امتدت إيالتهم على جميع ممالك الإسلام، كما كان بنو أمية من قبلهم. ثم لحق بالأندلس من فل بني أمية من ولدها هاشم بن عبد الملك حافده عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، ونجا من تلك الهلكة فأجاز البحر ودخل الأندلس فملكها من يد عبد الرحمن بن يوسف الفهري، وخطب للسفاح فيها حولا ثم لحق به أهل بيته من المشرق فعزلوه في ذلك فقطع الدعوة عنهم وبقيت بلاد الأندلس مقتطعة من الدولة الإسلامية عن بني العباس. ثم لما كانت وقعة فتح أيام الهادي علي بن الحسن بن علي سنة تسع وتسعين ومائة، وقتل داعيتهم يومئذ حسين ابن علي بن حسن المثنى وجماعة من أهل بيته ونجا آخرون، وخلص منهم إدريس بن عبد الله بن حسن إلى المغرب الأقصى، وقام بدعوته البرابرة هنالك، فاقتطع المغرب عن بني العباس فاستحدثوا هنالك دولة لأنفسهم. ثم ضعفت الدولة العباسية بعد الاستفحال، وتغلب على الخليفة فيها الأولياء والقرابة والمصطنعون، وصار تحت حجرهم من حين قتل المتوكل وحدثت الفتن ببغداد، وصار العلوية إلى النواحي مظهرين لدعوتهم، فدعا أبو عبد الله الشيعي سنة ست وثمانين ومائتين بإفريقية في طامة لعبيد الله المهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وبايع له، وانتزع إفريقية من يد بني الأغلب استولى عليها وعلى المغرب الأقصى ومصر والشام واقتطعوا سائر هذه الأعمال عن بني العباس واستحدثوا له دولة أقامت مائتين وسبعين سنة كما يذكر في أخبارهم. ثم ظهر بطبرستان من العلوية الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط ويعرف بالداعي، خرج سنة خمسين ومائتين أيام المستعين ولحق بالديلم فأسلموا على يديه وملك طبرستان ونواحيها، وصار هنالك دولة أخذها من يد أخيه سنة إحدى وثلاثمائة الأطروش من بني الحسين، ثم من بني على عمر داعي الطالقان أيام المعتصم وقد مر ٣/٣٥١
خبره واسم هذه الأطروش الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، وكانت لهم دولة وانقرضت أيام الحسين، واستولى عليها الديلم وصارت لهم دولة أخرى. وظهر باليمن الرئيس وهو ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن المثنى فأظهر هنالك دعوة الزيدية، وملك صعدة وصنعاء وبلاد اليمن، وكانت لهم هنالك دولة ولم تزل حتى الآن. وأول من ظهر منهم يحيى بن الحسين بن القاسم سنة تسعين ومائتين، ثم ظهر أيام الفتنة من دعاة العلوية صاحب الزنج ادعى أنه أحمد بن عيسى بن زيد الشهيد وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين أيام المهتدي، وطعن الناس في نسبه فادعى أنه من ولد يحيى بن زيد قتيل الجوزجان، وقيل إنه انتسب إلى طاهر بن الحسين بن علي والذي ثبت عند المحققين أنه علي بن عبد الرحيم بن عبد القيس، فكانت له ولبنيه دولة بنواحي البصرة أيام الفتنة قام بها الزنج إلى أن انقرضت على يد المعتضد أيام السبعين ومائتين. ثم ظهر القرظ بنواحي البحرين وعمان فسار إليها من الكوفة سنة تسع وسبعين أيام المعتضد، وانتسب إلى بني إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق دعوى كاذبة، وكان من أصحابه الحسن الجمالي وزكرونة القاشاني فقاموا من بعده بالدعوة ودعوا لعبد الله المهدي وغلبوا على البصرة والكوفة، ثم انقطعوا عنها إلى البحرين وعمان، وكانت لهم هنالك دولة انقرضت آخر المائة الرابعة، وتغلب عليهم العرب من بني سليم وبني عقيل. وفي خلال ذلك استبد بنو سامان بما وراء النهر آخر الستين ومائتين وأقاموا على الدعوة إلا أنهم لا ينفذون أوامر الخلفاء، وأقامت دولتهم إلى آخر المائة الرابعة. ثم اتصلت دولة أخرى في مواليهم بغزنة إلى منتصف المائة السادسة، وكانت للأغالبة بالقيروان وإفريقية دولة أخرى بمصر والشام بالاستبداد من لدن الخمسين والمائتين أيام الفتنة إلى آخر المائة الثالثة ثم أعقبتها دولة أخرى لمواليهم بني طفج إلى الستين والثلاثمائة. وفي خلال هذا كله تضايق نطاق الدولة العباسية إلى نواحي السواد والجزيرة فقط، إلا أنهم قائمون ببغداد على أمرهم. ثم كانت للديلم دولة أخرى استولوا فيها على النواحي وملكوا الأعمال ثم ساروا إلى بغداد وملكوها وصيروا الخليفة في ملكتهم من لدن المستكفي أعوام الثلاثين والثلاثمائة، وكانت من أعظم الدول. ثم أخذها من أيديهم السلجوقية من الغز إحدى شعوب الترك، فلم تزل دولتهم من لدن القائم سنة أربعين وأربعمائة إلى آخر المائة ٣/٣٥٢
السادسة، وكانت دولتهم من أعظم الدول في العالم. وتشعبت عنها دول هي متصلة إلى عهدنا حسبما يذكر ذلك كله في مكانه ثم استبد الخلفاء من بني العباس آخرا في هذا النطاق الضيق ما بين دجلة والفرات وأعمال السواد وبعض أعمال فارس، إلى أن خرج التتار من مفازة الصين وزحفوا إلى الدولة السلجوقية وهم على دين المجوسية، وزحفوا إلى بغداد فقتلوا الخليفة المعتصم، وانقرض أمر الخلافة وذلك سنة ست وخمسين وستمائة. ثم أسلموا بعد ذلك وكانت لهم دولة عظيمة، وتشعبت عنها دول لهم ولأشياعهم في النواحي وهي باقية لهذا العهد آخذة في الثلاثين كما نذكر ذلك كله في أماكنه.
دولة المنتصر
ولما بويع المنتصر كما ذكرناه ولى على المظالم أبا عمر وأحمد بن سعيد، وعلى دمشق عيسى بن محمد النوشري وكان على وزارته أحمد بن الخصيب، واستقامت أموره وتفاوض وصيف وبغا وأحمد بن الخصيب في شأن المعتز والمؤيد لما توقعوا من سطوتهما بسبب قتل المتوكل، فحملوا المنتصر على خلعهما الأربعين يوما من خلافته وبعث إليهما بذلك فأجاب المؤيد وامتنع المعتز فأغلظوا عليه وأوهموه القتل فخلا به المؤيد وتلطف به حتى أجاب وخلع نفسه وكتبا ذلك بخطهما. ثم دخلا على المنتصر فأجلسهما واعتذر لهما بسمع من الأمراء بأنهم الذين حملوه على خلعهما فأجبتهم إلى ذلك خشية عليكما منهم، فقبلا يده وشكرا له وشهد عليهما القضاة وبنو هاشم والقواد ووجوه الناس، وكتب بذلك المنتصر إلى الآفاق وإلى محمد بن طاهر ببغداد. ثم إن أحمد بن الخصيب أخا المنتصر أمر بإخراج وصيف للصائفة وإبعاده عن الدولة لما بينهما من الشحناء، فأحضره المنتصر وقال له: قد أتانا من طاغية الروم أنه أفسد الثغر فلا بد من مسيرك أو مسيري، فقال بل أنا أشخص يا أمير المؤمنين! فأمر أحمد بن الخصيب أن يجهزه ويزيح علل العسكر معه، وأمره أن يوافي ثغر ملطية فسار وعلى مقدمته مزاحم بن خاقان أخو الفتح، وعلى نفقات العساكر والمغانم والمقاسم أبو الوليد القروالي أن يأتيه رأيه.
وفاة المنتصر وبيعة المستعين
ثم أصابت المنتصر علة الذبحة فهلك لخمس بقين من ربيع الأول من سنة ثمان ٣/٣٥٣
وأربعين ومائتين لستة أشهر من ولايته، وقيل بل أكثر من ذلك فجعل السم في مشرطة الطبيب فاجتمع الموالي في القصر وفيهم بغا الصغير وبغا الكبير وأتامش وغيرهم فاستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسية على الرضا بمن يرضونه لهم، ثم خلصوا للمشورة ومعهم أحمد بن الخصيب فعدلوا عن ولد المتوكل خوفا منهم ونظروا في ولد المعتصم فبايعوه واستكتب أحمد بن الخصيب واستوزر أتامش وغدا على دار العامة في زي الخلافة، وإبراهيم بن إسحاق يحمل بين يديه الحربة، وصفت الممالك والأشروسية صفين بترتيب دواجن ، وحضر أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين، وثار جماعة من الجند وقصدوا الدار يذكرون أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، والغوغاء فشهروا السلاح وهتفوا باسم المعتز وشدوا على أصحاب دواجن فتضعضعوا، ثم جاءت المبيضة والشاكرية، وحمل عليهم المغاربة والأشروسية فنشبت الحرب وانتهبت الدروع والسلاح من الخزائن بدار العامة، وجاء بغا الصغير فدفعهم عنها وقتل منهم عدة وفتقت السجون وتمت بيعة الأتراك للمستعين، ووضع العطاء على البيعة وبعث إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فبايع له هو والناس ببغداد. ثم جاء الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان وهلك عمه الحسين بن طاهر بمرو فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر مكانه وعقد لمحمد بن عبد الله بن طاهر على خراسان سنة ثمان وأربعين ومائتين، وولى عمه طلحة على نيسابور، وابنه منصور بن طلحة على مرو وسرخس وخوارزم، وعمه الحسين بن عبد الله على هراة وأعمالها، وعمه سليمان بن عبد الله على طبرستان، والعباس ابن عمه على الجوزجان والطالقان. ومات بغا الكبير فولى ابنه موسى على أعماله كلها وبعث أناجور من قواد الترك إلى العمرط الثعلبي فقتله . واستأذنه عبد الله بن يحيى بن خان في الحج فأذن له، ثم بعث خلفه من نفاه إلى برقة، وحبس المعتز والمؤيد في حجره بالجوسق بعد أن أراد قواد الأتراك قتلهما فمنعهم أحمد بن الخصيب من ذلك.
ثم قبض على أحمد بن الخصيب فاستصفى ماله ومال ولده ونفاه إلى قرطيش ٣/٣٥٤
واستوزر أتامش وعقد له على مصر والمغرب وعقد لبغا الصغير على حلوان وماسبذان ومهر جا تعرف، وجعل شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخاصة أموره وخادمه، وأشناس على جميع الناس. وعزل علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية وأذربيجان. وكان على حمص كندر فوثب به أهلها فأخرجوه فبعث المستعين الفضل بن قارن وهو أخو مازيار فاستباحهم وحمل أعيانهم إلى سامرا وبعث المستعين إلى وصيف وهو بالثغر الشامي بأن يغزو بالصائفة، فدخل بلاد الروم وافتتح حصن قرورية ثم غزا بالصائفة سنة تسع وأربعين جعفر بن دينار وافتتح مطامير واستأذنه عمر بن عبد الله الأقطع في تدويخ بلاد الروم فأذن له فدخل في جماعة من أهل ملطية ولقي ملك الروم، فخرج الأسقف في خمسين ألفا أحاطوا به وقتل عمر في ألفين من المسلمين. وكان على الثغور الجزرية فأغار عليها الروم وبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قابل من أرمينية إلى ميافارقين ومعه جماعة من أهلها فنفر إليهم وهو في نحو أربعمائة فقتلوا وقتل.
فتنة بغداد وسامرا
ولما اتصل الخبر ببغداد وسامرا بقتل عمر بن عبد الله وعلي بن يحيى شق ذلك على الناس لما كانوا عليه من عظيم الغناء في الجهاد، واشتد نكيرهم على الترك في غفلتهم عن المصالح وتذكروا قتل المتوكل واستيلاءهم على الأمور فاجتمعت العامة وتنادوا بالنفير إلى الجهاد. وانضم إليهم الشاكرية يطلبون أرزاقهم ثم فتقوا السجون وقطعوا الجسور وانتهبوا دور كتاب محمد بن عبد الله بن طاهر. ثم أخرج أهل اليسار من بغداد الأموال ففرقوها في المجاهدين وجاءت العامة من الجبال وفارس والأهواز فنفروا للغزو، ولم يظهر للمستعين ولا لأهل الدولة في ذلك أثر. ثم وثب العامة بسامرا وفتقوا السجون وخرج من كان فيها وجاء جماعة من الموالي في طلبهم فوثب العامة بهم وهزموهم وركب بغا ووصيف وأتامش في الترك فقتلوا من العامة خلقا وانتهبوا منازلهم وسكنت الفتنة.
مقتل أتامش
كان المستعين لما ولي أطلق يد أمه وأتامش وشاهك الخادم في الأموال وما فضل عنهم فلنفقات العباس بن المستعين، وكان في حجر أتامش فبعث ذلك عليه بغا ٣/٣٥٥
ووصيف وضاق حال الأتراك والفراغنة ودسهم عليهم بغا ووصيف فخرج منهم أهل الكرخ والدور وقصدوه في الجوسق مع المستعين وأراد الهرب فلم يطق، واستجار بالمستعين فلم يجره وحاصروه يومين، ثم افتتحوا عليه الجوسق وقتلوه وكاتبه شجاع بن القاسم ونهبت أموالهم واستوزر المستعين مكانه أبا صالح عبد الله بن محمد بن علي على الأهواز ولبغا الصغير على فلسطين. ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح فهرب إلى بغداد واستوزر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجاني وولى على ديوان الرسائل سعيد بن حميد.
ظهور يحيى بن عمر ومقتله
كان على الطالبيين بالكوفة يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد الشهيد ويكنى أبا الحسين وأمه من ولد عبد الله بن جعفر وكان من سراتهم ووجوههم وكان عمر بن فرج يتولى أمر الطالبيين أيام المتوكل، فعرض له أبو الحسين عند مقدمه من خراسان يسأله صلة لدين لزمه فأغلظ له عمر القول وحبسه حتى أخذ عليه الكفلاء وانطلق إلى بغداد. ثم جاء إلى سامرا وقد أملق فتعرض لوصيف في رزق يجرى له، فأساءه عليه وإليها فرجع إلى الكوفة وعاملها يومئذ أيوب بن الحسين بن موسى بن جعفر بن سليمان بن علي من قبل محمد بن عبد الله بن طاهر، فاعتزم على الخروج والتف عليه جمع من الأعراب وأهل الكوفة، ودعا للرضى من آل محمد ففتق السجون ونهبه وطرد العمال، وأخذ من بيت المال ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وكان صاحب البريد قد طير بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فكتب إلى عامله بالسواد عبد الله بن محمود السرخسي أن يصير مددا إلى الكوفة فلقيه وقاتله فهزمهم يحيى وانتهب ما معهم، وخرج إلى سواد الكوفة واتبعه خلق من الزيدية، وانتهى إلى ناحية واسط وكثرت جموعه. وسرح محمد بن عبد الله بن طاهر إلى محاربة الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في العساكر فسار إليه. وقد كان يحيى قصد الكوفة فلقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس فهزمه يحيى إلى ناحية شاهي ودخل الكوفة واجتمعت عليه الزيدية، واشتمل عليه عامة أهل الكوفة وأمداد الزيدية من بغداد، وجاء الحسين بن إسماعيل وانضم إليه عبد الرحمن بن الخطاب وخرج يحيى من الكوفة ليعاجلهم الحرب فأسرى ليلته وصبح العساكر فساروا إليه فهزموه ووضعوا السيف في أصحابه، وأسروا الكثير من اتباعه، كان منهم الهيصم العجلي ٣/٣٥٦
وغيره، وانجلت الحرب عن يحيى بن عمر قتيلا فبعثوا برأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فبعث به إلى المستعين وجعل في صندوق في بيت السلاح وجيء بالأسرى فحبسوا وكان ذلك منتصف رجب سنة خمس ومائتين .
ابتداء الدولة العلوية بطبرستان
لما ظهر محمد بن عبد الله بن طاهر بيحيى بن عمر وكان له من الغناء في حربه ما قدمناه، أقطعه المستعين قطائع من صوافي السلطان بطبرستان كانت منها قطعة بقرب ثغر الديلم تسمى روسالوس وفيها أرض موات ذات غياض وأشجار وكلأ، مباحة لمصالح الناس من الاحتطاب والرعي، وكان عامل طبرستان يومئذ من قبل محمد بن طاهر صاحب خراسان عمه سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أخو محمد صاحب القطائع، وكان سليمان مكفولا لأمه وقد حظي عندها وتقدم وفرق أولاده في أعمال طبرستان وأساءوا السيرة في الرعايا ودخل محمد بن أوس بلاد الديلم وهم مسالمون فسبى منهم وانحرفوا لذلك. وجاء نائب محمد بن عبد الله لقبض القطائع فحاز فيها تلك الأرض الموات المرصدة لمرافق الناس، فنكر ذلك الناظر على تلك الأرض وهما محمد وجعفر ابنا رستم واستنهضا من أطاعهما من أهل تلك الناحية لمنعه من ذلك، فخافهما النائب ولحق بسليمان صاحب طبرستان. وبعث ابنا رستم إلى الديلم يستنجدانهم على حرب سليمان، وبعثا إلى محمد بن إبراهيم من العلويين بطبرستان يدعوانه إلى القيام بأمره، فامتنع ودلهما على كبير العلوية بالري الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط، فشخص إليهما وقد اجتمع أهل كلار وسالوس ومقدمهم ابنا رستم وأهل الريان ومعهم الديلم بأسرهم، فبايعوه جميعا وطردوا عمال سليمان وابن أوس. ثم انضم إليهم جبال طبرستان وزحف الحسن بمن معه إلى مدينة آمد، وخرج ابن أوس من سارية لمدافعته فانهزم ولحق بسليمان في سارية فخرج سليمان لحرب الحسن. ولما التقى الجمعان بعث الحسن بعض قواده خلف سليمان إلى سارية وسمع بذلك سليمان فانهزم، وملك الحسن سارية، وبعث بعيال سليمان وأولاده في البحر إلى جرجان. وقيل إن سليمان انهزم اختيارا لما ٣/٣٥٧
كان بنو طاهر يتهمون به من التشييع ثم بعث الحسن إلى الري ابن عمه وهو القاسم ابن علي بن إسماعيل ويقال محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي بن الحسين بن علي بن زين العابدين فملكها، وبعث المستعين جندا إلى همذان ليمنعها. ولما ملك محمد بن جعفر قائد الحسن بن زيد الري أساء السيرة، وبعث محمد بن طاهر قائد محمد بن ميكال أخو الشاه فغلبه على الري، وانتزعها منه وأسره، فبعث إليه الحسن بن زيد قائده دواجن فهزم ابن ميكال وقتله واسترجع الري ثم رجع سليمان بن طاهر من جرجان إلى طبرستان فملكها ولحق الحسين بالديلم وسار سليمان إلى سارية وآمد، ومعهم أبناء قارن بن شهرزاد فصفح عنهم ونهى أصحابه عن الفتك والأذى. ثم جاء موسى بن بغا بالعساكر فملك الري من يدي أبي دلف وبعث مصلحا إلى طبرستان فحارب الحسن بن زيد وهزمه واستولى على طبرستان ولحق الحسن بالديلم ودخل مفلح آمد وخرب منازل الحسن ورجع إلى موسى بالري.
مقتل باغر
وكان باغر هذا من قواد الترك ومن جملة بغا الصغير، ولما قتل المتوكل زيد في أرزاقه وأقطعوه قرى بسواد الكوفة وضمنها له بعض أهل باروسما بألفي دينار فطلبه ابن مارمة وكيل باغر، وحبسه ثم تخلص وسار إلى سامرا، وكانت له ذمة من نصراني عند بغا الصغير فأجاره النصراني من كيد بغا وأغراه عليه فغضب لذلك باغر وشكى إلى بغا فأغلظ له القول، وقال: إني مستبدل من النصراني وأفعل فيه بعد ذلك ما تريد، ودس إلى النصراني بالحذر من باغر وأظهر عزله، وبقي باغر يتهدده وقد انقطع عن المستعين، وقد منعه بغا في يوم نوبته عن الحضور بدار السلطان فسأل المستعين وصيفا عن أعمال إتياخ وقلدها لباغر، فعذل وصيفا في الشأن فحلف له أنه ما علم قصد الخليفة. وتنكر بغا لباغر فجمع أصحابه الذين بايعوه على المتوكل وجدد عليهم العهد في قتل المستعين وبغا ووصيف، وأن ينصبوا ابن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لهم. ونما الخبر على الترك إلى المستعين فأحضر بغا ووصيفا وأعلمهما بالخبر، فحلفا له على العلم وأمروا بحبس باغر ورجلين معه من الأتراك فسخطوا ذلك، وثاروا فانتهبوا الإصطبل وحضروا الجوثق وأمر بغا ووصيف وشاهك الخادم وكاتبه أحمد بن صالح ٣/٣٥٨
ابن شيزاده ونزل على محمد بن طاهر في بيته في المحرم سنة إحدى وخمسين ولحق به القواد والكتاب والعمال وبنو هاشم وتخلف جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ فندم الأتراك، وركب جماعة من قوادهم إلى المستعين وأصحابه ليردوهم فأبوا ورجعوا آيسين منه وتفاوضوا في بيعة المعتز.
بيعة المعتز وحصار المستعين
كان قواد الأتراك لما جاءوا إلى المستعين ببغداد يعتذرون من فعلهم ويتطارحون في الرضا عنهم والرجوع إلى دار مكة وهو يوبخهم ويعدد عليهم إحسانه وإساءتهم ولم يزالوا به حتى صرح لهم بالرضا، فقال بعضهم: فإن كنت رضيت فقم واركب معنا إلى سامرا فكلمه ابن طاهر لسوء خطابهم، وضحك المستعين لعجمتهم وجهلهم بآداب الخطاب، وأمر باستمرار أرزاقهم ووعدهم بالرجوع، فانصرفوا حاقدين ما كان من ابن طاهر، وأخرجوا المعتز من محبسه وبايعوا له بالخلافة، وأعطى للناس شهرين. وحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد فامتنع منها وقال: قد خلعت نفسك! فقال: أكرهت، فقال: ما علمنا ذلك ولا مخلص لنا في إيماننا فتركه. وولوا على الشرطة إبراهيم البربرح وأضيفت له الكتابة والدواوين وبيت المال، وهرب عتاب ابن عتاب من القواد إلى بغداد وقال محمد بن عبد الله بن طاهر بالاحتشاد واستقدم مالك بن طوق في أهل بيته وجنده، وأمر حوبة بن قيس وهو على الأنبار وبالاحتشاد وكتب إلى سليمان بن عمران صاحب الموصل بمنع الميرة عن سامرا، وشرع في تحصين بغداد وأدار عليها الأسوار والخنادق من الجانبين وجعل على كل باب قائدا، ونصب على الأبواب المجانيق والعدادات ، وشحن الأسوار بالرماة ٣/٣٥٩
والمقاتلة وبلغت النفقة في ذلك ثلاثمائة وثلاثين ألف دينار وفوض للعيارين الرزق واغدق عليهم، وأنفذ كتب المستعين إلى العمال بالنواحي تحمل الخراج إلى بغداد. وكتب المستعين إلى الأتراك يأمرهم بالرجوع عما فعلوا وكتب المعتز إلى محمد يدعوه إلى بيعته، وطالت المراجعات في ذلك وكان موسى بن بغا قد خرج لقتال أهل حمص، فاختلفت إليه وهو بالشام كتب المستعين والمعتز يدعوه كل واحد منهما إلى نفسه، فاختار المعتز ورجع إليه، وهرب إليه عبد الله بن بغا الصغير من بغداد بعد أن هرب عنه فقتله. وهرب الحسن بن الأفشين إلى بغداد فخلع عليه المستعين وضم إليه الأشروسية. ثم عقد المعتز لأخيه إلى أحمد الواثق عن حرب بغداد وضم إليه الجنود مع باكليال من قوادهم، فسار في خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة والمغاربة، وانتهبوا ما بين عكبرا وبغداد من القرى والضياع وخربوها، وهرب إليهم جماعة من أصحاب بغا الصغير ووصلوا إلى باب الشماسية. وولى المستعين على باب الشماسية الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن مصعب، وجعل القواد هنالك تحت يده ووافقت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية فوقفوا بالقرب منه، وأمده ابن طاهر بالشاه بن ميكال وبيدار الطبري . ثم ركب محمد بن عبد الله بن طاهر من الغد ومعه بغا ووصيف والفقهاء والقضاة، وذلك عاشر صفر، وبعث إليهم يدعوهم إلى مراجعة الطاعة على المعتز ولي عهده فلم يجيبوا، فانصرفوا، وبعث إليه القواد من الغد بأنهم زحفوا إلى باب الشماسية فنهاهم عن مناداتهم بالقتال. وقدم ذلك اليوم عبد الله بن سليمان خليفة بغا من مكة في ثلاثمائة رجل. ثم جاء الأتراك من الغد فاقتتلوا مع القواد وانهزم القواد وبلغ ابن طاهر أن جماعة من الأتراك ساروا نحو النهروان، فبعث قائدا من أصحابه إليهم فرجع منهزما، واستولى الأتراك على طريق خراسان وقطعوها عن بغداد. ثم بعث المعتز عسكرا آخر نحو أربعة آلاف فنزلوا في الجانب الغربي، وبعث ابن طاهر إليهم الشاه ابن ميكال فهزمهم وأثخن فيهم، ورجع إلى بغداد فخلع عليه وعلى سائر القواد أربع خلع وطوقا وسوارا من ذهب لكل واحد. ثم أمر ابن طاهر بهدم الدور والحوانيت إلى باب الشماسية ليتسع المجال للحرب، وقدمت عليه أموال فارس والأهواز مع مكحول الأشروسي ٣/٣٦٠
وخرج الأتراك لاعتراضه وبعث ابن طاهر لحفظه فقدموا به بغداد، ولم يظفر به الأتراك، ومضوا نحو النهروان فأحرقوا سفن الجسر. وكان المستعين قد بعث محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد واليا على الثغور الجزرية، وأقام ينتظر الجند والمال، فلما بلغه خبر هذه الفتنة جاء على طريق الرقة إلى بغداد فخلع عليه ابن طاهر وبعثه في جيش كثيف لمحاربتهم، وصار إلى ضبيعة بالسواد فأقام بها فقال ابن طاهر: لن يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به! ثم ذهب الأتراك وقاتلوا واتصل الحصار واشتدت الحرب وانتهبت الأسواق، وورد الخبر من الثغور بأن بلكاجور حمل الناس على بيعة المعتز فقال ابن طاهر: لعله ظن موت المستعين فكان كذلك، ووصل كتابه بأنه جدد البيعة، وكان موسى بن بغا مع الأتراك كما قدمنا، فأراد الرجوع على المستعين فامتنع أصحابه وقاتلوه فلم يتم له أمره وفر القعاطون من البصرة ورموا على الأتراك فأحرقوهم، فبعث ابن طاهر إلى المدائن ليحفظها، وأمده بثلاثة آلاف فارس، وبعث إلى الأنبار حوبة بن قيس فشق الماء إلى خندقها من الفرات، وجاء إلى الإسحاقي من قبل المعتز فسبق المدد الذي جاء من قبل ابن طاهر، وملك الأنبار. ورجع حوبة إلى بغداد فأنفذ ابن طاهر الحسين بن إسماعيل في جماعة من القواد والجند، فاعترضه الأتراك وحاربوه، وعاد الأنبار وتقدم هو لينزل عليهما، وبينما هو يحط الأثقال إذا بالأتراك فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وكانوا قد كمنوا له فخرج الكمين وانهزم الحسين وغرق كثير من أصحابه في الفرات، وأخذ الأتراك عسكره، ووصل إلى الياسرية آخر جمادى الآخرة ومنع ابن طاهر المنهزمين من دخول بغداد وتوعدهم على الرجوع إليه، وأمده بجند آخر، فدخل من الياسرية وبعث على المخاض الحسين بن علي بن يحيى الأرميني في مائتي مقاتل ليمنع الأتراك من العبور إليه من عدوة الفرات، فوافوه وقاتلوه عليها فهزموه، وركب الحسين في زورق منحدرا وترك عسكره وأثقاله، فاستولى عليها الأتراك ووصل المنهزمون إلى بغداد من ليلتهم، ولحق من عسكره جماعة من القواد والكتاب بالمعتز وفيهم علي ومحمد ابنا الواثق، وذلك أول رجب. ثم كانت بينهم عدة وقعات وقتل من الفريقين خلق ودخل الأتراك في كثير من الأيام بغداد وأخرجوا عنها ثم ساروا إلى المدائن وغلبوا عليها ابن أبي السفاح وملكوها. وجاء الأتراك الذين بالأنبار إلى الجانب الغربي وانتهوا إلى ٣/٣٦١
صرصر وقصر ابن هبيرة، واتصل الحصار إلى شهر ذي القعدة وخرج ابن طاهر في بعض أيامه في جميع القواد والعساكر، فقاتلهم وانهزموا وقتل منهم خلق وارتقم الذين كانوا مع بغا ووصيف لذلك فلحقوا بالأتراك. ثم تراجع الأتراك وانهزم أهل بغداد. ثم خرج في ذي الحجة رشيد بن كاووس أخو الأفشين ساعيا في الصلح بين الفريقين، واتهم الناس ابن طاهر بالسعي في خلع المستعين. فلما جاء رشيد وأبلغهم سلام المعتز وأخيه أبي أحمد شتموه وشتموا ابن طاهر وعمدوا إلى دار رشيد ليهدموها، وسأل ابن طاهر من المستعين أن يسكنهم، فخرج إليهم ونهاهم وبرأ ابن طاهر مما اتهموه به، فانصرفوا، وترددت الرسل بين ابن طاهر وبين أبي أحمد فتجدد للعامة والجند سوء الظن، وطلب الجند أرزاقهم فوعدهم بشهرين وأمرهم بالنزول، فأبوا إلا أن يعلمهم الصحيح من رأيه في المستعين. وخاف أن يدخلوا الأتراك كما عمل أهل المدائن والأنبار، فأصعد المستعين على سطح دار العامة حتى رآه الناس وبيده البردة والقضيب، وأقسم عليهم فانصرفوا. واعتزم ابن طاهر على التحول إلى المدائن، فجاءه وجوه الناس واعتذروا له بالغوغاء فأقصروا بنقل المستعين عن دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم بالرصافة. وأمر القواد وبني هاشم بالكون مع ابن طاهر، فركب في تعبية وحلف لهم على المستعين وعلى قصد الإصلاح فدعوا له، وسار إلى المستعين وأغراه به وأمر بغا ووصيفا بقتله فلم يفعلا. وجاءه أحمد بن إسرائيل والحسين بن مخلد بمثل ذلك في المستعين، فتغير له ابن طاهر. فلما كان يوم الأضحى وقد حضر الفقهاء والقضاة طالبه ابن طاهر بإمضاء الصلح، فأجاب وخرج إلى باب الشماسية، فجلس هناك ابن طاهر إلى المستعين وأخبره بأنه عقد الأمر إلى أن يخلع نفسه، ويبتذلوا له خمسين ألف دينار، ويعطوه غلة ثلاثين ألف دينار، ويقيم بالحجاز مترددا بين الحرمين، ويكون بغا واليا على الحجاز، ووصيف على الجبل، ويكون ثلث الجباية لابن طاهر وجند بغداد والثلثان للموالي والأتراك.
فامتنع المستعين أولا من الخلع ظنا منه أن وصيفا وبغا معه. ثم تبين موافقتهما عليه فأجاب وكتب بما أراد من الشروط، وأدخل الفقهاء والقضاة واشهدهم بأنه قد صير أمره إلى ابن طاهر. ثم أحضر القواد وأخبرهم بأنه ما قصد بهذا الإصلاح إلا حقن الدماء، وأخرجهم إلى المعتز ليوافقهم بخطه على كتاب الشرط ويشهدوا على إقراره، فجاءوا بذلك لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ٣/٣٦٢
خلع المستعين ومقتله والفتن خلال ذلك
ولما تم ما عقده ابن طاهر ووافى القواد بخط المعتز على على كتاب الشروط، أخذ البيعة للمعتز على أهل بغداد، وخطب له بها وبايع له المستعين وأشهد على نفسه بذلك، فنقله من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل ومعه عياله وأهله، وأخذ البردة والقضيب والخاتم ومنع من الخروج إلى مكة، فطلب البصرة فمنع منها وبعث إلى واسط. فاستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل ورجع أخوه أبو أحمد إلى سامرا. وفي آخر المحرم انصرف أبو الساج دبواز بن درموسب إلى بغداد فقلده ابن طاهر معاون السواد فبعث معه مؤنه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنها، وسار هو إلى الكوفة. ثم كتب المعتز إلى ابن طاهر بإسقاط بغا ووصيف ومن معهما من الدواوين وكان محمد أبو عون من قواد ابن طاهر قد تكفل لأبى إسحاق بقتلهما، وعقد له المعتز على اليمامة والبحرين والبصرة. ونمى الخبر إليهما بذلك فركبا إلى ابن طاهر وأخبراه الخبر وأن القوم قد نقضوا العهد. ثم بعث وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في حجرها فاستوهن له الرضا من المعتز وكذا فعل أبو أحمد مع بغا وكتب لهما المعتز جميعا بالرضا. ثم رغب الأتراك في إحضارهما بسامرا، فكتب بذلك ودس إلى ابن طاهر بمنعهما. فخرجا فيمن معهما ولم يقدر ابن طاهر على منعهما. وحضرا بسامرا فعقد إليهما المعتز على أعمالهما، ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير. ثم كانت فتنة بين جند بغداد وابن طاهر في شهر رمضان، جاءوا إليه يطلبون أرزاقهم قال: كتبت إلى أمير المؤمنين في ذلك فكتب إلي إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم، وإن كان لنا فلا حاجة لنا فيهم. فشغبوا ففرق فيهم ألفي دينار فسكنوا. ثم اجتمعوا ثانية ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام بباب الشماسية وبنوا البيوت من الأعواد والقصب. وجمع محمد بن إبراهيم أصحابه وشحن داره بالرجال، وأرادوا يوم الجمعة أن يمنعوا الخطيب من الدعاء للمعتز فقعد واعتذر بالمرض، فخرجوا إلى الجسر ليقطعوه فقاتلهم أصحاب ابن طاهر ودفعوهم عنه. ثم دفعوا أصحاب ابن طاهر بإعانة أهل الجانب الشرقي، وجاء العامة فجلس الشرطة فأمر ابن طاهر بإحراق الحوانيت إلى باب الجسر ومات أصحاب تعبية الحرب وجاء من دله على عورة الجند فسرح الشاه ٣/٣٦٣
بن ميكال وعرض القواد فسار إلى ناحيتهم، وافترقوا وقتل بينهم ابن الخليل. وحمل رئيسهم الآخر ابن القاسم عبدون بن الموفق إلى ابن طاهر ومات في خلال ذلك.
وأخرج المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد، وذلك أن العلاء بن أحمد عامل أرمينية بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار فأخذها عيسى بن فرخان شاه، فأغرى المؤيد بعيسى الأتراك والمغاربة فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي أحمد فحبسهما وقتل المؤيد، فأخذ خطه بخلع نفسه. ثم نمي إليه أن الأتراك يرومون إخراجه من الحبس، فسأل عن ذلك موسى بن بغا فأنكر علم ذلك، وأخرج المؤيد من الغد ميتا ودفنته أمه. فيقال غطى على أنفه فمات، وقيل أقعد في الثلج ووضع على رأسه. ثم نقل أخوه ابن أحمد إلى مجلسه. ثم اعتزم المعتز على قتل المستعين فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يسلمه إلى سيما الخادم، وكتب محمد في ذلك إلى الموكلين به بواسط، يقال بل أرسل بذلك أحمد بن طولون، فسار به في القاطون وسلمه إلى سعيد بن صالح، فضربه سعيد حتى مات، وقيل ألقاه في دجلة بحجر في رجله، وكانت معه دابته فقتلت معه وحمل رأسه إلى المعتز فأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة. ثم وقعت فتنة بين الأتراك والمغاربة مستهل رجب، بسبب أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخان شاه فضربوه وأخذوا دابته لما أمرهم المؤيد، فامتعضت المغاربة له ونكروا على الأتراك وغلبوهم على الجوسق، وأخذوا دوابهم وركبوها وملكوا بيت المال. واستجاش الأتراك بمن كان منهم في الكرخ والدور وانضم الغوغاء والشاكرية إلى المغاربة فضعفت الأتراك عن لقائهم وسعى بينهم جعفر بن عبد الواحد في الصلح فتوادعوا أياما ثم اجتمع الأتراك على حين افتراق المغاربة فقصد محمد بن راشد ونصر ابن سعيد منزل محمد بن عون يختفيان عنده حتى تسكن الهيعة، فدس للأتراك بخبرهما وجاءوا فقتلوهما في منزله وبلغ ذلك المعتز فهم بقتل! ابن عون ثم نفاه.
أخبار مساور الخارجي
كان الوالي على الموصل عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن هاني الخزاعي، وكان صاحب الشرطة بالحديثة من أعمالها حسين بن بكير، وكان مساور ٣/٣٦٤
ابن عبد الله بن مساور البجلي من الخوارج يسكن البواريخ . وحبس صاحب الشرطة حسين بن بكير بالحديثة ابنا للمساور هذا يسمى جوثرة وكان جميلا، فكتب إلى أبيه مساور بأن حسين بن بكير نال منه الفاحشة، فغضب لذلك وخرج فقصد الحديثة، فاختفى حسين وأخرج ابنه من الحبس. ثم كثر جمعه من الأكراد والأعراب وقصد الموصل فقاتلها أياما، ثم رجع فكان تحت طريق خراسان، وكانت لنظر بندأر ومظفر بن مشبك فسار إليه بندار في ثلاثمائة مقاتل والخوارج مع مساور في سبعمائة فهزموه وقتلوه، ولم ينج منهم إلا نحو خمسين رجلا وفر مظفر إلى بغداد. وجاء الخوارج إلى جلولاء وكانت فيهم حرب هلك فيها من الجانبين خلق. ثم سار خطرمش في العساكر فلقيهم بجلولاء وهزمه مساور، ثم استولى مساور على أكثر أعمال الموصل، ثم ولى الموصل أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبي سنة أربع وخمسين، فاستخلف عليها ابنه الحسن، فجمع عسكرا كان فيهم حمدون بن الحرث بن لقمان جدا لأمراء من بني حمدان ومحمد بن عبد الله بن السيد بن أنس، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب فتأخر عن موضعه. وسار الحسن في طلبه فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل وقتل محمد بن السيد الأزدي، ونجا الحسن بن أيوب إلى أعمال اربل. ثم كانت الفتنة سنة خمس وخمسين خلع المعتز وبويع للمهتدي وولى على الموصل عبد الله بن سليمان فزحف إليه مساور، وخام عبد الله عن لقائه فملك مساور البلد وأقام بها جمعة وصلى وخطب، ثم خرج منها إلى الحديثة وكانت دار هجرته. ثم انتقض عليه سنة ست وخمسين رجل من الخوارج اسمه عبيدة بن زهير العمري بسبب الخلاف في توبة الخاطئ وقال عبيدة: لا تقبل واجتمع معه جماعة وخرج إليهم مساور من الحديثة واقتتلوا قتالا شديدا ثم قتل عبيدة وانهزم أصحابه وخرج إليه آخر من بني زهر اسمه طوق، فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي جمعا كثيرا وحاربه فقاتله سنة خمس أو سبع، واستولى مساور على أكثر العراق ومنع الأموال، فسار إليه موسى بن بغا بابكيال في العساكر فانتهوا إلى ٣/٣٦٥
وبلغهم خبر الأتراك مع المهتدي فأقاموا ثم زحفوا بخلع المهتدي، فلما ولي المعتمد سير مفلحا إلى قتال مساور في عسكر كبير وخرج مساور عن الحديثة إلى جبلين حذاءها وقاتله مفلح في أتباعه، ولحق الجبل فاعتصم به وأقام مفلح في حصاره، فكانت بينهما وقعات وكثرت الجراحة في أصحاب مساور من لدن حربه مع عبيدة إلى هذه الحروب فسار عن الجبل وتركه وأصبح مفلح وقد فقدهم فسار إلى الموصل ثم إلى ديار ربيعة وسنجار ونصيبين والخابور، فأصلح أمورها وخرج من الموصل إلى الحديثة ففارقها عنه فرجع مساور في اتباعهم يتخطف من أعقابهم ويقاتلهم حتى وصل الحديثة فأقام بها أياما، ثم سار إلى بغداد في رمضان سنة ست وخمسين فرجع مساور الحديثة واستولى على البلاد واشتدت شوكته، ثم أوقع به مسرور البلخي سنة ثمان وخمسين، وجهز العسكر بالحديثة مع جعلان من قواد الترك. ثم قتل سنة إحدى وستين يحيى بن جعفر من ولاة خراسان، وسار مسرور في طلبه وتبعه الموفق فلم يدركاه.
مقتل وصيف ثم بغا
وفي سنة ثلاث وخمسين أيام المعتز اجتمع الجند من الأتراك والفراغنة والأشروسية فطلبوا أرزاقهم منهم لأربعة أشهر وشغبوا، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما الطويل، وكلمهم وصيف واعتذر بعدم المال وقال: خذوا الزاب في أرزاقكم. ونزلوا بدار أشناس يتناظرون في ذلك، ومضى بغا وسيما إلى المعتز يسألانه في أمرهم، وبقي وصيف في أيديهم فوثب عليه بعضهم فقتله وقطعوا رأسه ونصبوه. ثم انقادوا وأهدر لهم ذلك، وجعل المعتز لبغا الشرابي ما كان لوصيف وألبسه التاج والوشاحين، ثم تغير له المعتز لما عليه من الاستبداد على الدولة، وخشي غائلته ومال باطنا إلى بابكيال وداخله في أمره واعتده لذلك. ثم زوج بغا ابنته آمنة من صالح بن وصيف وشغل بجهازها، فركب المعتز في تلك الغفلة ومعه حمدان بن إسرائيل إلى بابكيال في كرخ سامرا وكانت بينه وبين بغا وحشة شديدة وبلغ ذلك بغا فركب في خمسمائة من غلمانه وولده وقواده، وكان أكثرهم منحرفين عنه ولحق بالسن، وأقام المعتز على وجل لا ينام إلا بسلاحه. ثم تعلل أصحاب بغا عليه فأعرض عنهم وركب البحر راجعا إلى بغداد، وجاء الجسر ليلا لئلا يفطن به الموكلون هنالك، وبعثوا إلى المعتز ٣/٣٦٦
بخبره ، فأمر بقتله وحمل إليه رأسه ونصب بسامرا وأحرقت المغاربة شلوه وكان قصد دار صالح بن وصيف ليثبوا على المعتز.
ابتداء دولة الصفار
كان يعقوب بن الليث عمر : الصفر بسجستان وكان صالح بن النضر الكناني من أهل البيت قد ظهر بتلك الناحية وقام يقاتل الخوارج وسمى أصحابه المتطوعة حتى قيل له صالح المطوعي وصحبه جماعة منهم درهم بن الحسن ويعقوب بن الليث هذا وغلبوا على سجستان، ثم أخرجهم عنها طاهر بن عبد الله أمير خراسان. وهلك صالح إثر ذلك وقام بأمر المتطوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث شهما وكان درهم مضعفا، واحتال صاحب خراسان حتى ظفر به وحبس ببغداد، فاجتمعت المتطوعة على يعقوب بن الليث، وقام بقتال السراة وأتيح له الظفر عليهم وأثخن فيهم وخرب قراهم، وكانت له شرية في أصحابه لم تكن لأحد قبله، فحسنت طاعتهم له وعظم أمره وملك سجستان مظهرا طاعة الخليفة وكاتبه وقلده حرب السراة، فأحسن الغناء فيه وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى نواحي خراسان وعليها يومئذ محمد بن عبد الله بن طاهر، وعلى هراة من قبله محمد بن أوس الأنباري، فجمع لمحاربة يعقوب وسار إليهم في التعبية، فاقتتلوا وانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج، وعظم أمره وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف. وكان المعتز قد كتب له بولاية سجستان، فكتب له الآن بولاية كرمان، وكان على فارس علي بن الحسين بن شبل، وأبطأ عامل الخراج واعتذر، فكتب له المعتز بولاية كرمان يريد إعداء كل منهما بصاحبه لأن طاعتهما مهوضة فأرسل علي ٣/٣٦٧
ابن الحسين بفارس طوق بن الغلس خليفة على كرمان، وسار يعقوب الصفار من سجستان فسبقه طوق واستولى عليها وأقام يعقوب بمكانه قريبا منها يترقب خروج طوق إليه. وبعد شهرين ارتحل إلى سجستان فوضع طوق أوزار الحرب وأقبل على اللهو، واتصل ذلك بيعقوب في طريقه، فكر راجعا وأغذ السير فصادفه بعد يومين، وركب أصحابه وقد أحيط بهم ففروا ناجين بأنفسهم، وملك يعقوب كرمان وحبس طوق.
وبلغ الخبر إلى علي بن الحسين وهو على شيراز، فجمع جيشه ونزل على مضيق شيراز، وأقبل عليه يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما، فاقتحم يعقوب النهر بينهما وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا، وأخذ علي أسيرا واستولى على جميع عسكره، ودخل شيراز وملكها وجبى الخراج ورجع إلى سجستان وذلك سنة خمس وخمسين. ويقال بل وقع بينهما بعد عبور النهر حرب شديدة انهزم آخرها علي وكان عسكره نحوا من خمسة عشر ألفا من الموالي والأكراد، ورجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم وازدحموا في الأبواب وافترقوا في نواحي فارس وانتهوا إلى الأهواز، وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف. ولما دخل يعقوب وملك فارس امتحن عليا وأخذ منه ألف بردة ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى هدية جليلة يقال منها عشر بازات بيض وباز أبلق صيني ومائة نافجة من المسك وغير ذلك من الطرف ورجع إلى سجستان، ثم استعاد الخليفة بعد ذلك فارس وبعث عماله إليها.
ابتداء دولة ابن طولون بمصر
كان بابكيال من أكابر قواد الأتراك مع بغا ووصيف وسيما الطويل، ولما حدثت هذه الفتن وتغلبوا على الخلفاء أخذوا الأعمال والنواحي في اقطاعهم، فاقطع المعتز بابكيال هذا أعمال مصر وبها يومئذ ابن مدبر، وكان بابكيال مقيما بالحفيدة فنظر فيمن يستخلفه عليها وكان أحمد بن طولون من أبناء الأتراك وأبوه من سبي فرغانة وربي في دار الخلفاء، ونشأ ابنه أحمد بها على طريقة مستقيمة لبابكيال خاله، وأشير عليه بتوليته فبعثه على مصر فاستولى عليها أولا دون أعمالها والاسكندرية، ثم قتل المعتز بابكيال وصارت مصر في اقطاع بارجوع الترك وكان بينه وبين أحمد بن طولون ٣/٣٦٨
مودة متأكدة فكتب إليه واستخلفه على مصر جميعها، ورسخت قدمه فيها وأصارها تراثا لبنيه فكانت لهم فيها الدولة المعروفة.
استقدام سليمان بن طاهر لولاية بغداد
قد تقدم لنا أن محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين كان على العراق والسواد، وكانت لهم الشرطة وغيرها، وكان مقيما ببغداد وكان في المدافعة عن المستعين لما لجأ إليه. ثم صلح ما بينه وبين المعتز، واستقل المعتز بالخلافة والآثار المذكورة. ثم هلك آخر سنة ثلاث وثمانين أيام المعتز وفوض ما كان بيده من الولاية إلى أخيه عبيد الله، نازعه ابنه طاهر في الصلاة عليه ومالت العامة مع أصحاب طاهر والقواد مع عبيد الله لوصية أخيه. ثم أمضى المعتز عهد أخيه وخلع عليه، وبذل لصاحب الخلع خمسين ألف درهم. ثم بعث المعتز عن سليمان بن عبد الله بن طاهر من خراسان، وولاه على العراق والشرطة وغيرها مكان أخيه محمد، وعزل أخاهما عبيد الله. فلما علم عبيد الله تقدم سليمان أخذ ما في بيت المال وانتقل إلى غربي دجلة، وجاء سليمان وقائده محمد ابن أوس ومعه جند من خراسان فأساءوا السيرة في أهل بغداد فحنق الناس عليهم وأعطى أرزاقهم مما بقي في بيت المال وقدمهم على جند بغداد وشاكريها، فاتفق الجند على الثورة وفتقوا السجون، وعبر ابن أوس إلى الجزيرة واتبعه الجند والعامة، فحاربهم وانهزم وأخرجوه من باب الشماسية، ونهب من منزله قيمة ألفي ألف درهم، ومن الأمتعة ما لا يحصر ونهب منازل جنده. ورأى سليمان أن يسكن الثائرة فأمره بالخروج إلى خراسان، ثم كانت الفتنة في خلع المعتز وولاية المهدي كما يذكر، وبعث المهتدي سلخ رجب من سنة خمس وخمسين إلى سليمان ليأخذ البيعة له ببغداد. وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد قد بعثه إليها المعتز، فنقله سليمان إلى داره ووثب الجند والعامة لذلك واجتمعوا بباب سليمان، وقاتلهم أصحابه مليا، ثم انصرفوا وخطب من الغد للمعتز فسكنوا ثم ساروا ودعوا إلى بيعة أبي أحمد، وطلبوا رؤيته فأظهره لهم ووعدهم بما طلبوا، فافترقوا ووكل بحفظ أبي أحمد ثم بايع للمهتدي في شعبان من تلك السنة. ٣/٣٦٩
خبر كرخ أصبهان وأبي دلف
قد تقدم لنا شأن أبي دلف أيام المأمون وأنه كان مقيما بكرخة وأن المأمون عفا له عما وقع منه في القعود عن نصره، وأقام بتلك الناحية وهلك، فقام ابنه عبد العزيز مكانه. ولما كانت أيام الفتنة تمسك بطاعة المستعين وولى وصيف على الجبل وأصبهان، فكتب إلى عبد العزيز باستخلافه عليها وبعث عليه بالخلع، وعقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في شهر رجب من سنة ثلاث وخمسين على الجبل وأصبهان، فسار لذلك وفي مقدمته مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف في عشرين ألفا خارج همذان، فتحاربا وانهزم عبد العزيز وقتل أصحابه. وسار مفلح إلى الكرخ، فخرج إليه عبد العزيز وقاتله ثانية، فانهزم واستولى مفلح على الكرخ. ومضى عبد العزيز إلى قلعة نهاوند فتحصن بها وأخذ مفلح أهله وأمه. ثم عقد له وصيف سنة اثنين وخمسين على أعمال الجبل، ثم عقد لموسى بن بغا، فسار وفي مقدمته مفلح، فقاتله عبد العزيز فانهزم وملك مفلح الكرخ وأخذ ماله وعياله. ثم ملك عبد العزيز وقام مكانه ابنه دلف وقاتله القاسم بن صبهاه من أهالي أصبهان. ثم قتل القاسم أصحاب أبي دلف وولوا أخاه أحمد بن عبد العزيز سنة خمس وستين. وولاه عمر الصفار من قبله على أصبهان عند ما ولاه عليها المعتمد سنة ست وستين، وحاربه كغليغ التركي سنة تسع وستين، فغلبه أحمد وأخرجه إلى الصميرة، وبعث إليه عمر سنة ثمان وستين في المال فبعث إليه. ثم سار الموفق سنة ست وسبعين يريد أحمد بأصبهان فشاغله أحمد عن البلد وترك داره بفرشها لنزول الموفق. ثم مات أحمد سنة ثمانين وولى أخوه عمر وأخوه بكير يرادفه وقاتلا رافع بن الليث بأمر المعتضد فهزمهما كما يأتي ذكره. ثم قلده المعتضد أصبهان ونهوند والكرخ عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وثمانين ثم راجعا الطاعة.
خلع المعتز وموته وبيعة المهتدي
كان صالح بن وصيف بن بغا متغلبا على المعتز، وكان كاتبه أحمد بن إسرائيل، وكانت أمه قبيحة ووزيرها الحسن بن مخلد، وكان أبو نوح عيسى بن إبراهيم من كبار الكتاب وجباة الأموال. وطلب الأتراك أرزاقهم وشغبوا، فقال صالح للمعتز:
هذه الأموال قد ذهب بها الكتاب والوزراء، وليس في بيت المال شيء فرد عليه ٣/٣٧٠
أحمد بن إسرائيل وأفحش في رده وتفاوضا في الكلام فسقط صالح مغشيا عليه، وتبادر أصحابه بالباب فدخلوا منتضين سيوفهم فدخل إلى قصره، فأمر صالح بالوزراء الثلاثة فقيدوا وشفع المعتز في أمر وزيره فلم يقبل شفاعته، وصادرهم على مال جليل حملوه فلم يسد شيئا، فلما فعلوا بالكتاب ما فعلوا من المصادرة اتهم الجند أنهم حملوا على مال ولم يكن ذلك، فشفعوا في طلب أرزاقهم وضمنوا للمعتز قتل صالح بن وصيف على خمسين ألفا يبذلها لهم. وسألها من أمه فاعتذرت فاتفقت كلمتهم على خلعه. ودخل إليه صالح بن وصيف ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر وبابكيال وطلبوه في الخروج إليهم، فاعتذر لهم وأذن لبعضهم في الدخول فدخلوا، وجروه إلى الباب وضربوه وأقاموه في الشمس في صحن الدار وكلما مر به أحد منهم لطمه. ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب في جماعة فأشهدهم على خلعه، وعلى صالح بن وصيف بأمانه وأمان أمه وأخته وولده . وفرت أمه قبيحة من سرب كانت اتخذته بالدار، ثم عذبوا المعتز ثم جعلوه في سرب وطموا عليه، وأشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وذلك آخر رجب من سنة خمس وخمسين، وبايعوا لمحمد ابن عمه الواثق ولقبوه المهتدي بالله عند ما خلع المعتز نفسه وأقر بالعجز والرغبة في تسليمها إلى المهتدي، بايعه الخاصة والعامة. وكانت قبيحة أم المعتز لما فعل صالح بالكتاب ما فعل قد نفرا منهم على الفتك بذلك بصالح، ونمي ذلك إليه، فجمع الأتراك على الثوران، وأيقنت قبيحة بالهلاك فأودعت ما في الخزائن من الأموال والجواهر، وحفرت سربا في حجرتها هربت منه لما أحيط بالمعتز، ولما قتل خشيت على نفسها فبعثت إلى صالح تستأمنه فأحضرها في رمضان وظفر منها بخمسمائة ألف دينار، وعذبها على خزائن تحت الأرض فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ومقدار مكوك من الزبرجد لم ير مثله، ومقدار مكوك آخر من اللؤلؤ العظيم وجراب من الياقوت الأحمر القليل النظير، وذمها الناس بأنها عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار ومعها هذا المال، ثم سارت إلى مكة فأقامت هنالك، وقبض صالح على أحمد بن إسرائيل وزيد بن المعتز وعذبه وصادره. ثم قبض على ٣/٣٧١
أبي نوح وفعل به مثله، وقبض على الحسن بن مخلد كذلك ولم يمت. وبلغ المهتدي ذلك فنكره وقال: كان الحبس كافيا في العقوبة. ولأول ولاية المهتدي أخرج القيان والمغنين من سامرا ونفاهم عنها، وأمر بقتل السباع التي كانت في دار السلطان وطرد الكلاب ورد المظالم وجلس للعامة، وكانت الفتن قائمة، والدولة مضطربة، فشمر لإصلاحها لو أمهل واستوزر سليمان بن وهب وغلب على أمره صالح بن وصيف وقام بالدولة.
مسير موسى بن بغا إلى سامرا ومقتل صالح بن وصيف
كان موسى بن بغا غائبا بنواحي الري وأصبهان منذ ولاية المعتز عليها سنة ثلاث وخمسين، ومعه مفلح غلام أبي الساج، وكانت قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب أموره كتبت إلى موسى قبل أن يفوت في أمره، فجاءه كتابها، وقد بعث مفلحا لحرب الحسن بن زيد العلوي فحربه بطبرستان فغلبه، وأحرق قصوره بآمد وخرج في اتباعه إلى الديلم، فكتب إلى موسى بالرجوع لمداهمة من شاء وبينما هو في استقدامه وانتظاره قتل المعتز وبويع المهتدي، وبلغ أصحابه ما حواه صالح من أموال المعتز وكتابه وأمه، فشرهوا إلى مثل ذلك، وأغروا موسى بالمسير إلى سامرا، ورجع مفلح من بلاد الديلم إليه وهو بالري، فسار نحو سامرا وسمع المهتدي بذلك فكتب إليه بالمقام ويحذره على ما وراءه من العلويين فلم يصغ لذلك، وأفحش أصحابه في إساءة الرسل الواصلين بالكتب. فكتب بالاعتذار واحتج بما عاينه الرسل وأنه يخشى أن يقتله أصحابه إن عادوا إلى الري وصالح بن وصيف في خلال ذلك يغري به المهتدي وينسبه إلى المعصية والخلاف، إلى أن قدم في المحرم سنة ست وخمسين ودخل في التبعية، فاختفى صالح بن وصيف ومضى موسى إلى الجوسق والمهتدي جالس للمظالم فأعرض له عن الإذن ساعة ارتاب فيها هو وأصحابه وظنوا أنه ينتظر قدوم صالح بالعساكر. ثم أذن لهم فدخلوا وقبضوا على المهتدي وأودعوه دار باجورة وانتهبوا ما كان في الجوسق. واستغاث المهتدي بموسى فعطف عليه ثم ٣/٣٧٢
أخذ عليه العهود والإيمان أن لا يوالي صالحا وأن باطنه وظاهره في موالاتهم سواء، فجددوا له البيعة واستبد موسى بالأمر، وبعث إلى صالح للمطالبة بما احتجبه من الأموال فلم يوقف له على أثر، وأخذوا في البحث عنه. وفي آخر المحرم أحضر المهتدي كتابا رفعه إليه سيما الشرابي، زعم أن امرأة دفعته إليه وغابت فلم يرها، وحضر القواد وقرأه سليمان بن وهب عليهم وهو بخط صالح يذكر ما صار إليه من الأموال، وأنه إنما استتر خشية على نفسه وحسما للفتنة وإبقاء على الموالي. ولما قرأ الكتاب حثهم المهتدي على الصلح والاتفاق، فاتهمه الأتراك بالميل إلى صالح وأنه مطلع على مكانه، وطال الكلام بينهم بذلك ثم اجتمعوا من الغد بدار موسى بن بغا داخل الجوسق واتفقوا على خلع المهتدي، إلا أخا بابكيال فإنه أبى من ذلك وتهددهم بأنه مفارقهم إلى خراسان، واتصل الخبر بالمهتدي فاستدعاه إليه وقد نظف ثيابه وتطيب وتقلد سيفه فأرعد وأبرق وتهددهم بالاستماتة، ثم حلف لا يعلم مكان صالح، وقال لمحمد بن بغا وبابكيال قد حضرتما مع صالح في أمر المعتز وأموال الكتاب وأنتم شركاؤه في ذلك كله. وانتشر الخبر في العامة بأنهم أرهقوه وأرادوا خلعه فطفقوا يحاذرون على الدعاء في المساجد والطرقات ويبغون على القواد بغيهم على الخليفة، ويرمون الرقاع بذلك في الطرقات. ثم إن الموالي بالكرخ والدور دسوا إلى المهتدي أن يبعثوا إليه أخاه أبا القاسم عبد الله بعد أن ركبوا وتحركوا فقالوا لأبي القاسم: بلغنا ما عليه موسى وبابكيال وأصحابهما ونحن شيعة للخليفة فيما يريده، وشكوا مع ذلك تأخر أرزاقهم وما صاروا من الاقطاع والزيادات إلى قوادهم وما أخذه النساء والدخلاء حتى أصحب ذلك كله بالخراج والضياع، وكتبوا بذلك إلى المهتدي، فأجابهم بالثناء على التشيع له والطاعة والوعد الجميل في الرزق، والنظر الجميل في شأن الاقطاعات للقواد والنساء، فأفاضوا في الدعاء وأجمعوا على منع الخليفة من الحجر الاستبداد عليه، وأن ترجع الرسوم إلى عادتها أيام المستعين على كل عشرة عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مائة قائد، وأن تسقط النساء والزيادة في الاقطاع ويوضع العطاء في كل شهرين. وكتبوا بذلك إلى المهتدي وأنهم صائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم، وإن أحد اعترض عليه أخذوا رأسه وإن تعرض له أحد قتلوا موسى بن بغا وبابكيال وماجور. فجاء أبو القاسم بالكتاب وقد قعد المهتدي للمظالم وعنده الفقهاء والقضاة والقواد قائمون في مراتبهم فقرأ كتابهم على ٣/٣٧٣
القواد فاضطربوا وكتب جوابهم بما سألوا، وطلب أبو القاسم من القواد أن يبعثوا معه رسولا بالعذر عنهم ففعلوا، ومضى أبو القاسم إليهم بكتاب الكتاب وبرسل القواد وأعذارهم. فكتبوا إلى المهتدي يطلبون التوقيعات بحط الزيادات ورد الاقطاعات وإخراج الموالي البرانيين من الخاصة، ورد الرسوم إلى عاداتها أيام المستعين، ومحاسبة موسى بن بغا وصالح بن وصيف على ما عندهم من الأموال ووضع العطاء على كل شهرين وصرف النظر في الجيش إلى بعض إخوته أو قرابته وإخراجه من الموالي، وكتبوا بذلك إلى المهتدي والقواد فأجابهم إلى جميع ما سألوه. وكتب إليهم موسى بن بغا بالإجابة في شأن صالح والإذن في ظهوره فقرءوا الكتابين ووعدوا بالجواب، فركب إليهم أبو القاسم واتبعه موسى في ألف وخمسمائة فوقف في طريقهم، وجاءهم أبو القاسم فاضطربوا في الجواب ولم يتفقوا فرجع ورد موسى بن بغا فأمرهم المهتدي بالرجوع وأن يتقدم إليهم محمد بن بغا مع أبي القاسم، ويدفعوا إليهم كتاب الأمان لصالح بن وصيف، وقد كان من طلبتهم أن يكون موسى في مرتبة أبيه وصالح كذلك والجيش في يده، وأن يظهر على الأمان فأجيبوا إلى ذلك. وافترق الناس إلى الكرخ والدور وسامرا، فلما كان من الغد ركب بنو وصيف في جماعة ولبسوا السلاح فنهبوا دواب العامة وعسكروا بسامرا وتعلقوا بأبي القاسم يطلبون صالحا فأنكر المهتدي أن يكون علم بمكانه، وقال: إن كان عندهم فليظهروه. ثم ركب ابن بغا في القواد ومعه أربعة آلاف فارس وعسكر، وافترق الأتراك ولم يظهر للكرخيين ولا لأهل الدور وسامرا في هذا اليوم حركة، وجد موسى في طلب صالح ونادى عليه وعثر عليه بعض الغوغاء فجاء به إلى الجوسق والعامة في اتباعه فضربه بعض أصحاب مفلح فقتله وطيف برأسه على قناة وخرج موسى بن بغا لقتال السراة بناحية السن.
الصوائف منذ ولاية المنتصر إلى آخر أيام المهتدي
في سنة ثمان وأربعين أيام المستعين خرج بناحية الموصل محمد بن عمر الشاربي وحكم فسرح المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني فأسره في عدة من أصحابه وقتلوا وصلبوا وفي هذه السنة غزا بالصائفة وصيف وأمره المنتصر بالمقام بملطية أربع سنين يغزو في أوقات الغزو إلى أن يأتيه رأيه، وكان مقيما بالثغر الشامي فدخل بلاد الروم وافتتح حصن قدورية. وفي سنة تسع وأربعين غزا بالصائفة جعفر بن دينار فافتتح مطامير واستأذنه ٣/٣٧٤
عمر بن عبد الله الأقطع في الدخول إلى بلاد الروم فأذن له، فدخل في جموع من أهل ملطية، ولقي ملك الروم بمرج الأسقف في خمسين ألفا فأحاطوا به وقيل في ألفين من المسلمين، وخرج الروم إلى الثغور الخزرية فاستباحوها وبلغ ذلك علي ابن يحيى الأرمني وقد كان صرف عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية وأذربيجان. فلما سمع بخبرهم نفر إليهم وقاتلهم فانهزم وقتل في أربعمائة من المسلمين، وفي سنة ثلاث وخمسين أيام المعتز غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية فانهزم وأسر (الولاة) لما ولي المنتصر استوزر أحمد بن الخصيب وولى على المظالم أبا عمر أحمد بن سعيد مولى بني هاشم. ثم ولي المستعين ومات طاهر بن عبد الله بخراسان فولى المستعين مكانه ابنه محمدا وولى محمد بن عبد الله على العراق وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد، واستخلف أخاه سليمان بن عبد الله على طبرستان. وتوفي بغا الكبير فولى ابنه موسى على أعماله وضاف إليه ديوان البريد، وشغب أهل حمص على عاملهم وأخرجوه، فبعث عليهم المستعين الفضل بن قارن أخا مازيار فقتل منهم خلقا وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرا. واستوزر المستعين أتامش بعد أن عزل أحمد بن الخصيب، واستصفى بقي إلى أقريطش، وعقد لأتامش على مصر والمغرب، ولبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهرجا بعده . ثم قتل أتامش فاستوزر المستعين مكانه أبا صالح عبد الله بن محمد بن داود وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج وولاه عيسى بن فرخان شاه، وولى وصيفا على الأهواز وبغا الصغير على فلسطين، ثم غضب بغا على أبي صالح ففر إلى بغداد واستوزر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجاني، وولى ديوان الرسائل سعيد بن حميد وعزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء ونفاه إلى البصرة، وولى جعفر بن محمد بن عمار البرجمي، وفي خمسين عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف بساسان على مكة ووثب أهل حمص على عاملهم الفضل بن قارن فقتلوه فسرح إليهم المستعين موسى بن بغا وحاربوه فهزمهم، وافتتحت حمص وأثخن فيهم وأحرقها، وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن وهرب عبد الله بن إسحاق وفيها كان ظهور العلوية بنواحي طبرستان. وفي سنة إحدى ٣/٣٧٥
وخمسين عقد المعتز لبغا ووصيف على أعمالها، ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير، وعقد محمد بن طاهر لأبي الساج وقدم بين يديه عبد الرحمن كما قلنا، وأظهر أنه إنما جاء لحرب الأعراب وتلطف لأبي أحمد حتى خالطه وقيده وبعث به إلى بغداد في سنة اثنتين وخمسين. وولى المعتز الحسين بن أبي الشوارب على القضاء وبعث محمد ابن عبد الله بن طاهر أبا الساج على طريق مكة، وعقد المعتز لعيسى الشيخ بن السليل الشيباني من ولد جساس بن مرة على الرملة فاستولى على فلسطين وعلى دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام. وكان إبراهيم بن المدبر على مصر فبعث إلى بغداد من المال بسبعمائة ألف دينار فاعترضها عيسى وأخذها، وطولب بالمال فقال:
الفتنة على الجند! فولاه المعتمد على أرمينية يقيم بها دعواه. وبعث المعتمد إلى الشام ما جور على دمشق وأعمالها، وبلغ الخبر إلى عيسى فبعث ابنه منصورا في عشرين ألف مقاتل، فانهزم وقتل وسار عيسى إلى أرمينية على طريق الساحل. وفيها عقد وصيف لعبد العزيز بن أبي دلف العجلي على أعمال الجبل. وفي سنة ثلاث وخمسين عقد لموسى بن بغا على الجبل، فسار وفي مقدمته مفلح مولى بني الساج، وقاتله عبد العزيز بن أبي دلف فانهزم ولجأ إلى قلعة لهادر وملك مفلح الكرخ، وأخذ أهله وعياله، وفيها مات ابن عبد الله بن طاهر ببغداد وولى أخوه عبيد الله بعهده. ثم بعث المعتز عن أخيه سليمان بطبرستان فولاه مكانه، وكان على الموصل سليمان بن عمران الأزدي، وكانت بينه وبين الأزد حروب بنواحي الموصل. وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر. وفيها ملك يعقوب الصفار سجستان وفارس وهراة، وكان ابتداء دولته، وولى بابكيال أحمد بن طولون على بر مصر من قبله فكان ابتداء دولته. ثم أقطعها المعتمد سنة سبع وخمسين ليارجوج فولى عليها أحمد بن طولون من قبله وفي سنة خمس وخمسين أيام المهتدي استولى مساور الخارجي على الموصل وفيها ظهر صاحب الزنج وكان ابتداء فتنته.
أخبار صاحب الزنج وابتداء فتنته
كان أكثر دعاة العلوية الخارجين بالعراق أيام المعتصم وما بعده أكثرهم من ٣/٣٧٦
الزيدية، وكان من أئمتهم علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد الشهير وكان نازلا بالبصرة، ولما وقع البحث عليه من الخلفاء ظفروا بابن عمه علي بن محمد بن الحسين، فقتل بغدك ولأيام من قتله خرج رجل بالري يدعي أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى المطلوب وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين أيام المهتدي. ولما ملك البصرة لقي عليا هذا حيا معروف النسب، فرجع عن ذلك وانتسب إلى يحيى قتيل الجوزجان أخي عيسى المذكور. ونسبه المسعودي إلى طاهر بن الحسين وأظنه الحسين ابن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسين بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي، لأن ابن حزم قال في الحسين السبط أنه لا عقب له إلا من علي بن الحسين، وقال فيه علي بن محمد بن جعفر بن الحسين بن طاهر. وقال الطبري وابن حزم وغيرهم من المحققين أنه من عبد القيس، واسمه علي بن عبد الرحيم من قرية من قرى الري، ورأى كثرة خروج الزيدية فحدثته نفسه بالتوثب فانتحل هذا النسب، ويشهد لذلك أنه كان على رأي الأزارقة من الخوارج، ولا يكون ذلك من أهل البيت.
وسياقة خبره أنه كان اتصل بجماعة من حاشية المنتصر ومدحهم. ثم شخص من سامرا إلى البحرين سنة تسع وأربعين ادعى أنه من ولد العباس بن أبي طالب من ولد الحسن بن عبد الله بن العباس، ودعا الناس إلى طاعته فاتبعه كثير من أهل حجر وغيرها، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه وعظمت فتنته، فتحول عنهم إلى الأحساء ونزل على بني الشماس من سعد بن تميم، وصحبه جماعة من البحرين منهم يحيى بن محمد الأزرق وسليمان بن جامع، فكانا قائدين له، وقاتل أهل البحرين فانهزم وافترقت العرب عنه واتبعه علي بن أبان وسار إلى البصرة ونزل في بني ضبيعة وعاملها يومئذ محمد بن رجاء، والفتنة فيها بين البلالية والسعدية، وطلبه ابن رجاء فهرب وحبس ابنه وزوجته وجماعة من أصحابه، فسار إلى بغداد وأقام بها حولا وانتسب إلى محمد بن أبي أحمد بن عيسى كما قلناه، واستمال بها جماعة منهم جعفر ابن محمد الصوحاني من ولد زيد بن ضوحان ومسروق ورفيق غلامان ليحيى بن عبد الرحمن وسمى مسروقا حمزة وكناه أبا أحمد، وسمى رفيقا جعفرا وكناه أبا الفضل.
ثم وثب رؤساء البلالية والسعدية بالبصرة وأخرجوا العامل محمد بن رجاء، فبلغه ذلك وهو ببغداد، وأن أهله خلعوه فرجع إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع ومسروق ورفيق، فنزل بقصر القرش ٣/٣٧٧
ودعا الغلمان من الزنوج ووعدهم بالعتق فاجتمع له منهم خلق وخطبهم ووعدهم بالملك ورغبهم في الإحسان وحلف لهم وكتب لهم في خرقة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية. واتخذها راية وجاءه موالي الزنوج في عبيدهم فأمر كل عبد أن يضرب مولاه وحبسهم ثم أطلقهم، ولم يزل هذا رأيه والزنوج في متابعته والدخول في أمره وهو يخطبهم في كل وقت ويرغبهم. ثم عبر دجيلا إلى نهر ميمون، فأخرج عند الحميري وملكه وسار إلى الأيلة وبها ابن أبي عون فخرج إليه في أربعة آلاف فهزمهم ونال منهم. ثم سار إلى القادسية فنهبها وكثر سلاحهم، وخرج جماعة من أهل البصرة لقتاله، فبعث إليهم يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فهزمهم وأخذ سلاحهم. ثم طائفة أخرى كذلك وأخرى، وخرج قائدان من البصرة فهزمهما وقتل منهما، وكانت معهما سفن ألقتها الريح إلى الشط فغنموا ما فيها وقتلوا وكثر عيثه وفساده. وجاء أبو هلال من قواد الأتراك في أربعة آلاف مقاتل فلقيه على نهر الريان فهزمه الزنج واستلحموا أكثر أصحابه، ثم خرج أبو منصور أحد موالي الهاشميين في عسكر عظيم من المطوعة والبلالية والسعدية فسرح للقائهم علي بن أبان فلقي طائفة منهم فهزمهم، ثم أرسل طائفة أخرى إلى مرفأ السفن وفيه نحو من ألفي سفينة فهرب عنها أهلها ونهبوها، ثم جاءت عساكر أبي منصور وقعد الزنوج لهم بين النخل وعليهم علي بن أبان، ومحمد بن مسلم، فهزموا العسكر وقتلوا منهم وأخذوا سلاحهم. ثم سار فنهب القرى حتى امتلأت أيديهم بالنهب. ثم سار يريد البصرة ولقيته عساكرها فهزمهم الزنج وأثخنوا فيهم. ثم سار من الغد نحو البصرة وخرج إليه أهلها واحتشدوا وزحفوا إليه برا وبحرا فلقيهم بالسد وانهزموا هزيمة شنعاء كثر فيها القتل. ووهن أهل البصرة وكتبوا إلى الخليفة فبعث إليهم جعلان التركي مددا وولى على الأبلة أبا الأحوص الباهلي وأمه بجند من الأتراك، وقد بث صاحب الزنج أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب. ولما وصل جعلان إلى البصرة، نزل على فرسخ منهم وخندق عليه، وأقام ستة أشهر يسرح لحربهم الزيني مع بني هاشم ومرجف. ثم بيته الزنج فقتلوا جماعة من أصحابه، وتحول عن مكانه ثم انصرف عن حربهم وظفر صاحب الزنج بعده من المراكب غنم فيها أموالا عظيمة، وقتل أهلها وألح بالغارات على الأبلة إلى أن دخلها عنوة آخر رجب سنة ست وخمسين، وقتل عاملها أبا الأخوص عبيد الله ابن حميد الطوسي وخلقا من أهلها واستباحها وأحرقها وبلغ ذلك أهل عبادان ٣/٣٧٨
فاستأمنوا له وملكها، واستولى على ما فيها من الأموال والعبيد والسلاح إلى الأهواز وبها إبراهيم بن المدبر على الخراج، فهرب أهلها ودخلها الزنج ونهبوا وأسروا ابن المدبر فخاف أهل البصرة وافترق كثير منهم من البلدان. وبعث المعتمد سعيد بن صالح الحاجب لحربهم سنة سبع وخمسين فهزمهم وأخذ ما معهم وأثخن فيهم وكان ابن المدبر أسيرا عندهم في بيت يحيى بن محمد البحراني وقد ضمن لهم مالا كثيرا ووكل به رجلين فداخلهم حتى حفر سربا من البيت وخرج منه ولحق بأهله.
خلع المهتدي وقتله وبيعة المعتمد
وفي أول رجب من سنة ست وخمسين شعف الأتراك من الترك والدور بطلب أرزاقهم وبعث المهتدي أخاه أبا القاسم ومعه كفقا وغيره فسكنوهم وعادوا وبلغ محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك أن الأموال عند محمد وموسى ابني بغا، فهرب إلى أخيه بالسند وهو في مقاتلة موسى الشاربي فأمنه المهتدي ورجع ومعه أخوه حنون وكيغلغ فكتب له المهتدي بالأمان ورجع إلى أصحابه وحبسه وصادره على خمسة عشر ألف دينار، ثم قتله وبعث بابكيال بكتابه إلى موسى بن بغا بأن يتسلم العسكر وأوصاه بمحاربة الشاربي وقتل موسى بن بغا ومفلح، فقرأ الكتاب على موسى وتواطئوا على أن يرجع بابكيال فيتدبر على قتل المهتدي، فرجع ومعه يارجوج واساتكين وسيما الطويل، ودخلوا دار الخلافة منتصف رجب فحبس بابكيال من بينهم واجتمع أصحابه ومعهم الأتراك وشغبوا. وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فأشار بقتله ومناجزتهم، فركب في المغاربة والأتراك والفراغنة على التعبية. ومشى والبلخي في الميمنة ويارجوج في الميسرة ووقف هو في القلب ومعه أساتكين وغيره من القواد وبعث برأس بابكيال إليهم مع عتاب بن عتاب، ولحق الأتراك من صفه بإخوانهم الأتراك وانقض الباقون على المهتدي وولى منهزما ينادي بالناس ولا يجيبه أحد وسار إلى السجن فأطلق المحبوسين ودخل دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة، وافتتحوا عليه وحملوه على بغل إلى الجوسق، وحبس عند أحمد ٣/٣٧٩
ابن خاقان، وأرادوه على الخلع فأبى واستمات فأخرجوا رقعة بخطه لموسى بن بغا وبابكيال وجماعة القواد أنه لا يغدر بهم ولا يقاتلهم ولا يهم بذلك، ومتى فعل شيئا من ذلك فقد جعل أمر الخلافة بأيديهم يولون من شاءوا فاستحلوا بذلك أمره وقتلوه.
وقيل في سبب خلعه غير هذا وهو أن أهل الكرخ والدور من الأتراك طلبوا الدخول على المهتدي ليكلموه فأذن لهم وخرج محمد بن بغا إلى المحمدية ودخلوا في أربعة آلاف، فطلبوا أن يعزل عنهم قواده ويصادرهم وكتابهم على الأهواز، ويصير الأمر إلى إخوته فوعدهم بالإجابة وأصبحوا من الغد يطلبون الوفاء بما وعدهم به، فاعتذر لهم بالعجز عن ذلك إلا بسياسة ورفق فأبوا إلا المعاجلة، فاستخلفهم على القيام معه في ذلك بإيمان البيعة فحلفوا، ثم كتبوا إلى محمد بن بغا عن المهتدي وعنهم يعذلونه في غيبته عن مجلسهم مع المهتدي، وأنهم إنما جاءوا بشكوى حالهم ووجدوا الدار خالية فأقاموا ورجع محمد بن بغا فحبسوه في الأموال وكتبوا إلى موسى بن بغا ومفلح بالقدوم وتسليم العسكر إلى من ذكروه لهم، وبعثوا من يقيدهما إن لم يأتمرا ذلك. ولما قرئت الكتب على موسى وأصحابه امتنعوا لذلك وساروا نحو سامرا، وخرج المهتدي لقتالهم على التعبية وترددت الرسل بينهم بطلب موسى أن يولى على ناحية ينصرف إليها، ويطلب أصحاب المهتدي أن يحضر عندهم فيناظرهم على الأموال إلى أن انفض عنهم أصحابه وسار هو ومفلح على طريق خراسان، ورجع بابكيال وجماعة من القواد إلى المهتدي فقتل بابكيال ثم أنف الأتراك من مساواة الفراغنة والمغاربة لهم وأرادوا طردهم فأبى المهتدي ذلك، فخرج الأتراك عن الدار بأجمعهم طالبين ثأر بابكيال فركب المهتدي على التعبية في ستة آلاف من الفراغنة والمغاربة ونحو ألف من الأتراك أصحاب صالح بن وصيف، واجتمع الأتراك للحرب في عشرة آلاف فانهزم المهتدي وكان ما ذكرناه من شأنه. ثم أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وكان محبوسا بالجوسق فبايعه الناس. وكتب الأتراك إلى موسى بن بغا وهو غائب فحضر وكملت البيعة لأحمد بن المتوكل ولقب المعتمد على الله، واستوزر عبيد الله بن خاقان فأصبح المهتدي ثانى يوم البيعة ميتا منتصف رجب من سنة ست وخمسين على رأس سنة من ولايته. ولم يزل ابن خاقان في وزارته إلى أن هلك سنة ثلاث وستين من سقطة بالميدان سال فيها دماغه من منخريه، فاستوزر محمد بن مخلد، ثم سخط عليه موسى بن بغا واختلفا فاستوزر مكانه سليمان بن وهب، ثم عزله وحبسه وولى ٣/٣٨٠
الحسن ابن مخلد وغضب الموفق لحبسه ابن وهب وعسكر بالجانب الغربي وترددت الرسل بينهما فاتفقا وأطلقه وذلك سنة أربع وستين.
ظهور العلوية بمصر والكوفة
وفي سنة ست وخمسين ظهر بمصر إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن الحنفية ويعرف بالصولي يدعو إلى الرضا من آل محمد وملك أشياء من بلاد الصعيد.
وجاءه عسكر أحمد بن طولون من مصر فهزمهم وقتل قائدهم، فجاء جيش آخر فانهزم أمامهم إلى أبو خات وجمع هنالك جموعا وسار إلى الأشمومين فلقيه هنالك أبو عبد الرحمن العمري وهو عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر كان قد أخذ نفسه بحرب البجاة وغزوا بلادهم لما كان منهم في غزو بلاد المسلمين، فاشتد أمره في تلك الناحية وكثر اتباعه، وبعث إليه ابن طولون عسكرا فقال لقائده أنا ألبث هناك لدفع الأذى عن بلاد المسلمين، فشاور أحمد بن طولون فأبى القائد إلا من أجزته فهزمه العمري. ولما سمع ابن طولون خبره أنكر عليهم أن لا يكونوا بذكره، فبقي على حاله من الغارة على البجاة حتى أدوا الجزية. فلما جاء الصولي من الأشمونين لقيه العمري فهزمه، وعاد العمري إلى أسوان واشتد عيثه، فبعث إليه ابن طولون العساكر فهرب إلى عيذاب وأجاز البحر إلى مكة وافترق أصحابه، وقبض عليه والي مكة وبعث به إلى ابن طولون فحبسه مدة ثم أطلقه، فرجع إلى المدينة ومات بها.
وفي هذه السنة ظهر علي بن زيد، وجاءه الشاه بن ميكال من قبل المعتمد في جيش كثيف فهزمه وأثخن في أصحابه. فسرح المعتمد إلى حربه كيجور التركي فخرج علي عن الكوفة إلى القادسية وملك كيجور الكوفة أول شوال، وأقام علي بن زيد ببلاد بني أسد. ثم غزا كيجور آخر ذي الحجة فأوقع به وقتل وأسر من أصحابه ورجع إلى الكوفة، ثم إلى سر من رأى، وبقي علي هنالك إلى أن بعث المعتمد سنة تسع ٣/٣٨١
عسكرا فقتلوه بعكبر وانقطع أمره وقيل سار إلى صاحب الزنج فقتله سنه ستين وفي هذه السنة غلب الحسين بن زيد الطالبي على الري وسار موسى بن بغا إليه.
بقية أخبار الزنج
قد تقدم لنا أن المعتمد بعث سعيد بن صالح الحاجب لحربهم فأوقع بهم، ثم عاودوه فأوقعوا به وقتلوا من أصحابه وأحرقوا عسكره، ورجع إلى سامرا فعقد المعتمد على حربهم لجعفر بن منصور الخياط فقطع عنهم ميرة السفن. ثم سار إليهم في البحر فهزموه إلى البحرين، ثم بعث الخبيث علي بن أبان من قواده إلى اربل لقطع قنطرتها، فلقي إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس، فأوقع بهم إبراهيم وخرج علي بن أبان وسار إبراهيم إلى نهر جي وأمر كاتبه شاهين بن بسطام باتباعه وجاء الخبر إلى علي ابن أبان بإقبال شاهين فسار ولقيه وهزمه أشد من الأول، وانصرف إلى جي. وكان منصور بن جعفر الخياط منذ انهزم في البحر، لم يعد لقتال الزنج واقتصر على حفر الخنادق وإصلاح السفن، فزحف علي بن أبان لحصاره بالبصرة، وضيق على أهل البلد وأشرف على دخولها، وبعث لاحتشاد العرب، فوافاه منهم خلق فدفعهم لقتال أهل البصرة وفرقهم على نواحيها فقاتلهم كذلك يومين، ثم افتتحها علي بن أبان منتصف شوال وأفحش في القتل والتخريب، ورجع ثم عاودهم ثانية وثالثة حتى طلبوا الأمان فأمنهم وأحضرهم في بعض دور الامارة فقتلهم أجمعين، وحرق علي ابن أبان الجامع ومواضع من البصرة واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل وعم النهب وأقام كذلك أياما، ثم نادى بالأمان فلم يظهر أحد وانتهى الخبر إلى الخبيث فصرف علي بن أبان وولى عليها يحيى بن محمد البحراني.
مسير المولد لحربهم
لما دخل الزنج البصرة وخربوها، أمر المعتمد محمدا المعروف بالمولد بالمسير إلى البصرة، وسار إلى الأبلة، ثم نزل البصرة واجتمع إليه أهلها، وأخرج الزنج عنها إلى نهر معقل، ثم بعث الخبيث قائده يحيى بن محمد لحرب المولد فقاتله عشرة أيام ٣/٣٨٢
ووطن المولد نفسه على المقام، وبعث الخبيث إلى يحيى بن محمد أبا الليث الأصبهاني مددا وأمرهم بتبييت المولد، فبيتوه وقاتلوه تلك الليلة والغد إلى المساء، ثم هزموه وغنم الزنج عسكره واتبعه البحراني إلى الجامدة وأوقع بأهلها، ونهب تلك القرى أجمع وعاث فيها ورجع إلى نهر معقل.
مقتل منصور الخياط
كان الزنج لما فرغوا من البصرة سار علي بن أبان إلى جي وعلى الأهواز يومئذ منصور ابن جعفر الخياط قد ولاه عليها المعتمد بعد مواقعته الزنج بالبحرين، فسار إلى الأهواز ونزل جي وسار علي بن أبان قائد الزنج لحربه. وجاء أبو الليث الأصبهاني في البحر مددا له وتقدم إلى منصور من غير أمر علي فظفر منصور وقتل الكثير ممن معه وأفلت منهزما إلى الخبيث. ثم تواقع علي بن أبان مع منصور فهزمه واتبعه الزنج فحمل عليهم وألقى نفسه في النهر ليعبر إليهم فغرق، وقيل تقدم إليه بعض الزنج لما رآه فقتله في الماء. ثم قتل أخوه خلف وغيره من العسكر وولى يارجوج على عمل منصور اصطيخور من قواد الأتراك.
مسير الموفق لحرب الزنج
كان أبو أحمد الموفق وهو أخو المعتمد بمكة، وكان المعتمد قد استقدمه عند ما اشتد أمر الزنج وعقد له على الكوفة والحرمين وطريق مكة واليمن، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز، وأمره أن يعقد ليارجوج على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح. ولما انهزم سعيد بن سعيد بن صالح عقد يارجوج لمنصور بن جعفر مكانه على البصرة وكور دجلة والأهواز ثم قتله كما قلناه فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفق على مصر وقنسرين والعواصم وخلع على مفلح، وذلك في ربيع سنة ثمان وخمسين وسيرهما لحرب الزنج فساروا في عدة كاملة. وخرج المعتمد يشيع أخاه وكان علي بن أبان بجي ويحيى بن محمد البحراني بنهر العباس والخبيث في قلة من الناس، وأصحابه مترددون إلى البصرة لنقل ما نهبوه. فلما نزل الموفق نهر معقل أجفل الزنج إلى صاحبهم مرتاعين، فأمر علي بن أبان بالمسير إليهم ولقي مفلحا في مقدمة الموفق فاقتتلوا وبينما هم يقتتلون إذ أصاب مفلحا ٣/٣٨٣
سهم غرب فقتل، وانهزم أصحابه وأسر الكثير منهم. ثم رحل الموفق نحو الأبلة ليجمع العساكر ونزل نهر أبي الأسد ووقع الموتان في عسكره، فرجع إلى بادرود، وأقام لتجهيز الآلة وإزاحة العلل وإصلاح السفن، ثم عاد إلى عسكر الخبيث فالتقوا واشتد الحرب بينهم على نهر أبي الخصيب وقتل جماعة من الزنج، واستنقذ كثير من النساء المسبيات ورجع إلى عسكره ببادرود فوقع الحريق في عسكره، ورحل إلى واسط وافترق أصحابه فرجع إلى سامرا واستخلف على واسط.
مقتل البحراني قائد الزنج
كان اصطيخور لما ولي الأهواز بعد منصور الخياط بلغه مسير يحيى بن محمد قائد الزنج إلى نهر العباس عند مسير الموفق إليهم، فخرج إليه اصطيخور فقاتله وعبر يحيى النهر وغنم سفن الميرة التي كانت عند اصطيخور، وبعث طلائعه إلى دجلة فلقوا جيش الموفق فرجعوا هاربين، وطلائع الموفق في اتباعهم وعبروا النهر منهزمين. وبقي يحيى فقاتل وانهزم ودخل في بعض السفن جريحا وغنم طلائع الموفق غنائمهم والسفن وأحرقوا بعضها وعبروا الماخورة على يحيى فأنزلوه من سفنهم خشية على أنفسهم، فسعى به طبيب كان يداوي جراحة وقبض عليه وحمل إلى سامرا وقطع ثم قتل. ثم أنفذ الخبيث علي بن أبان وسليمان بن موسى الشعراني من قواده إلى الأهواز، وضم إليهما الجيش الذي كان مع يحيى ومحمد البحراني وذلك سنة تسع وخمسين فلقيهما اصطيخور بدستميسان وانهزم أمامهما وغرق، وهلك من أصحابه خلق وأسر الحسن بن هزيمة والحسن بن جعفر وغيرهما وحبسوا ودخل الزنج الأهواز فأقاموا يفسدون في نواحيها ويغنمون إلى أن قدم موسى بن بغا.
مسير ابن بغا لحرب الزنج
ولما ملك الزنج الأهواز سنة تسع وخمسين سرح المعتمد لحربهم موسى بن بغا وعقد له على الأعمال، فبعث إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح وإلى البصرة إسحاق بن كنداجق وإلى بادرود إبراهيم بن سيما وأمرهم بمحاربة الزنج. فسار عبد الرحمن إلى ٣/٣٨٤
علي بن أبان فهزمه أولا ثم كانت لعبد الرحمن الكرة ثانيا فأثخن فيهم، ورجعوا إلى الخبيث وجاء عبد الرحمن إلى حصن نهدي فعسكر به وزحف إليه علي بن أبان فامتنع عليه، فسار إلى إبراهيم بن سيما ببادرود فواقعه فانهزم أولا إبراهيم، ثم كانت له الكرة ثانيا. وسار ابن أبان في الغياض فاضرموها عليهم نارا ففروا هاربين وأسر منهم جماعة وسار عبد الرحمن إلى علي بن أبان وجاءه المدد من الخبيث في البحر، فبينما عبد الرحمن في حربه إذ بعث علي جماعة من خلفه وشعر بهم، فرجع القهقرى ولم يصب منهم شيء إلا بعض السفن البحرية. ثم راجع حرب علي بن أبان وفي مقدمته طاشتمر فأوقعوا بعلي بن أبان ولحق بالخبيث صاحب الزنج، وأقام عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم يتناوبان حرب الخبيث ويوقعان به، وإسحاق بن كنداجق بالبصرة يقطع عنه المدد، وهو يبعث لكل منهما طائفة يقاتلونهم، وأقاموا على ذلك سبعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حربهم ووليها مسرور البلخي كما نذكر.
استيلاء الصفار على فارس وطبرستان
قد تقدم استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على فارس أيام المعتز من يد علي بن الحسين بن مقبل. ثم عادت فارس إلى الخلفاء، ووليها الحرث بن سيما، وكان بها من رجال العراق محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي فاتفق مع أحمد بن الليث من الأكراد الذين بنواحيها ووثبوا بالحرث بن سيما فقتلوه، واستولى ابن واصل على فارس سنة ست وخمسين، وقام بدعوة المعتمد وبعث عليها المعتمد الحسن بن الفياض، فسار إليه يعقوب بن الليث سنة سبع وخمسين، وبلغ ذلك المعتمد فكتب إليه بالنكير، وبعث إليه الموفق بولاية بلخ وطخارستان فملكهما وقبض على رتبيل، وبعث إلى المعتمد برسله وهداياه. ثم رجع إلى بست، واعتزم على العود إلى سجستان فعجل بعض قواده الرحيل قبله، فغضب وأقام سنة ثم رجع إلى سجستان. ٣/٣٨٥
استيلاء الصفار على خراسان وانقراض أمر بنى طاهر منها ثم استيلاؤه على طبرستان
ثم جاء إلى هراة وحاصر مدينة نيسابور حتى ملكها ثم سار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن علي بن طاهر بن الحسين، وبعث إليه محمد بن طاهر بن عبد الله شافعا فيه فأبى من إطلاقه، ثم ولى على هراة وبوشنج وباذغيس ورجع إلى سجستان وكان بها عبد الله السخري ينازعه. فلما قوي عليه يعقوب فر منه إلى خراسان وحاصر محمد بن طاهر في نيسابور، ورجع إليه الفقهاء فأصلحوا بينه وبين محمد، وولاه الطبسين وقهستان، وأرسل يعقوب في طلبه فأجاره محمد فسار يعقوب إليه بنيسابور فلم يطق لقاءه، ونزل يعقوب بظاهرها، فبعث محمد بعمومته وأهل بيته فتلقوه. ثم خرج إليه فوبخه على التفريط في عمله وقبض عليه وعلى أهل بيته، ودخل نيسابور واستعمل عليها، وأرسل إلى الخليفة بأن أهل خراسان استدعوه لتفريط ابن طاهر في أمره، وغلبه العلوي على طبرستان فبعث إليه المعتمد بالنكير والاقتصار على ما بيده وإلا سلك به سبيل المخالفين وذلك سنة تسع وخمسين. وقيل في ملكه نيسابور غير ذلك وهو أن محمد بن طاهر أصاب دولته العجز والإدبار، فكاتب بعض قرابته يعقوب بن الصفار واستدعوه، فكتب يعقوب إلى محمد بن طاهر بمجيئه إلى ناحية موريا بقصد الحسن ابن زيد في طبرستان، وأن المعتمد أمره بذلك، وأنه لا يعرض شيئا من أعمال خراسان. وبعث بعض قواده عينا عليه يمنعه من البراح عن نيسابور، وجاء بعده وقدم أخاه عمرا إلى محمد بن طاهر فقبض عليه وعنفه على الأعمال والعجز، وقبض على جميع أهل بيته نحو من مائة وستين رجلا، وحملهم جميعا إلى سجستان واستولى على خراسان، ووثب نوابه في سائر أعمالها وذلك لإحدى عشرة سنة وشهرين من ولاية محمد. ولما قبض يعقوب على ابن طاهر واستولى على خراسان هرب منازعة عبد الله السخري إلى الحسن بن زيد صاحب طبرستان فبعث إليه فيه فأجاره، وسار إلى يعقوب سنة ستين وحاربه فانهزم الحسن إلى أرض الديلم، وملك يعقوب سارية وآمل ومضى في اثر الحسين من عسكره نحو من أربعين ألفا من الرجل والظهر ونجا بعد مشقة شديدة، وكتب إلى المعتمد بذلك وكان عبد الله السخري قد هرب بعد هزيمة الحسن ٣/٣٨٦
العلوي إلى الري، فسار يعقوب في طلبه، وكتب إلى عامل الري يؤذنه بالحرب إن لم يدفعه إليه، فبعث به إليه وقتله ورجع إلى سجستان.
استيلاء الحسن بن زيد على جرجان
ولما هرب الحسن بن زيد أمام مفلح من طبرستان، ورجع مفلح اعتزم الحسن على الرجوع إلى جرجان، فبعث محمد بن طاهر إليها العساكر لحفظها فلم يغنوا عنها، وجاء الحسن فملكها وضعف أمر ابن طاهر في خراسان، وانتقض عليه كثير من أعمالها وظهر المتغلبون في نواحيها وعاث السراة من الخوارج في أعمالها ولم يقدر على دفعهم، وآل ذلك إلى تغلب الصفار على ابن طاهر وانتزاع خراسان من يده كما ذكرنا .
فتنة الموصل
كان المعتمد قد ولى على الموصل أساتكين من قواد الأتراك فبعث عليها هو ابنه اذكرتكين وسار إليها في جمادى سنة تسع وخمسين، فأساء السيرة وأظهر المنكر وعسف بالناس في طلب الخوارج، وتعرض بعض الأيام رجل من حاشيته إلى امرأة في الطريق وتخلصها من يده بعض الصالحين، فأحضره أذكوتكين وضربه ضربا شديدا، فاجتمع وجوه البلد وتآمروا في رفع أمرهم إلى المعتمد، فركب إليهم ليوقع بهم فقاتلوه وأخرجوه واجتمعوا على يحيى بن سليمان، وولوه أمرهم، ولما كانت سنة إحدى وستين ولى أستاكين عليها الهيثم بن عبد الله بن العمد الثعلبي العدوي وأمره أن يزحف لحربهم ففعل، وقاتلوه أياما وكثرت القتلى بينهم، ورجع عنهم الهيثم وولى أستاكين مكانه إسحاق بن أيوب الثعلبي جد بني حمدان وغيره، ٣/٣٨٧
وحاصرها مدة ومرض يحيى بن سليمان الأمير وفي أثنائها، فطمع إسحاق في البلد وجد في الحصار، واقتحمها من بعض الجهات فأخرجوه، وحملوا يحيى بن سليمان في قبة وألقوه أمام الصف، واشتد القتال ولم يزل إسحاق يراسلهم ويعدهم حسن السيرة إلى أن أجابوه على أن يقيم بالربض فأقام أسبوعا، ثم حدثت ممن بايعه بعض الفعلات فوثبوا به وأخرجوه، واستقر يحيى بن سليمان بالموصل.
حروب ابن واصل بفارس
قد تقدم لنا وثوب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي بالحرث بن سيما عامل فارس وتغلبه عليها سنة ست وخمسين، فلما بلغ ذلك إلى المعتمد أضاف فارس إلى عبد الرحمن بن مفلح وبعثه إلى الأهواز وأمده بطاشتمر، وزحفوا من الأهواز إلى ابن واصل سنة إحدى وستين، فسار معهم من فارس ومعه أبو داود العلوس ولقيهم برام هرمز فهزمهم وقتل طاشتمر وأسر ابن مفلح وغنم عسكرهم. وبعث إليه المعتمد في إطلاق ابن مفلح فقتله خفية، وسار لحرب موسى بن بغا بواسط، وانتهى إلى الأهواز وبها إبراهيم بن سيما في جموع كثيرة. ولما رأى موسى بن بغا اضطراب هذه الناحية استعفى المعتمد من ولايتها فأعفاه، وكان عند انصراف ابن مفلح عن الأهواز إلى فارس قد ولى مكانه بالساج وأمره بمحاربة الزنج، فبعث صهره عبد الرحمن لذلك، فلقيه علي بن أبان قائد الزنج، فهزمه علي وقتله، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم، وملك الزنج الأهواز فعاثوا فيها. ثم عزل أبو الساج عن ذلك وولى مكانه إبراهيم بن سيما فلم يزل بها حتى انصرف موسى بن بغا عن الأعمال كلها، ولما هزم إبراهيم بن سيما بن واصل عبد الرحمن بن مفلح وقتله طمع يعقوب الصفار في ملك فارس، فسار من سجستان مجدا، ورجع ابن واصل من الأهواز وترك محاربة ابن سيما، وأرسل خاله أبا بلال مرداس إلى الصفار، وراجعه بالكتب والرسل بحبس ابن واصل رسله، ورحل بعد السير ليفجأه على بغتة، وشعر به الصفار فقال لخاله مرداس: إن صاحبك قد غدر بنا! وسار إليهم وقد أعيوا وتعبوا من شدة السير ومات أكثرهم عطشا. فلما تراءى الجمعان انهزم ابن واصل دون قتال، وغنم الصفار ما في عسكره وما كان لابن مفلح، واستولى على بلاد فارس ورتب بها العمال وأوقع بأهل زم لأعانتهم ابن واصل، وطمع في الاستيلاء على الأهواز وغيرها. ٣/٣٨٨
مبدأ دولة بني سامان وراء النهر
كان جدهم أسد بن سامان من أهل خراسان وبيوتها وينتسبون في الفرس تارة وإلى سامة بن لؤي بن غالب أخرى، وكان لأسد أربعة من الولد: نوح وأحمد ويحيى وإلياس. وتقدموا عند المأمون أيام ولايته خراسان واستعملهم، ولما انصرف المأمون إلى العراق ولى على خراسان غسان بن عباد من قرابة الفضل بن سهل، فولى نوحا منهم على سمرقند وأحمد على فرغانة ويحيى على الشاش وأشروسنة وإلياس على هراة. فلما ولي طاهر بن الحسين بعده أقرهم على أعمالهم ثم مات نوح بن أسد فأقر إخوته يحيى وأحمد على عمله، وكان حسن السيرة ومات إلياس بهراة، فولى عبد الله ابن طاهر مكانه ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس، وكان لأحمد بن أسد من البنين سبعة: نصر ويعقوب ويحيى وإسماعيل وإسحاق وأسد وكنيته أبو الأشعث وحميد وكنيته أبو غانم. فلما توفي أحمد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند وما إليها، وأقام إلى انقراض أيام بني طاهر وبعدهم، وكان يلي أعماله من قبل ولاة خراسان إلى حين انقراض أيام بني طاهر. واستولى الصفار على خراسان فعقد المعتمد لنصر هذا على أعماله من قبله سنة إحدى وستين، ولما ملك يعقوب الصفار خراسان كما قلنا بعث نصر جيوشه إلى شط جيحون مسلحة من الصفار، فقتلوا مقدمهم ورجعوا إلى بخارى، وخشيهم واليها على نفسه ففر عنها، فولوا عليهم ثم عزلوا ثم ولوا ثم عزلوا، فبعث نصر أخاه إسماعيل لضبط بخارى. ثم ولي خراسان بعد ذلك رافع بن هرثمة بدعوة بني طاهر، وغلب الصفار عليها، وحصلت بينه وبين إسماعيل صاحب بخارى موالاة اتفقا فيها على التعاون والتعاضد، وطلب منه إسماعيل أعمال خوارزم، فولاه إياها، وفسد ما بين إسماعيل وأخيه نصر، وزحف نصر إليه سنة اثنتين وسبعين، واستجاش إسماعيل برافع بن هرثمة فسار إليه بنفسه مددا، ووصل إلى بخارى، ثم أوقع الصلح بينه وبين أخيه خوفا على نفسه، وانصرف رافع ثم انتقض ما بينهما وتحاربا سنة خمس وسبعين، وظفر إسماعيل بنصر. ولما حضر عنده ترجل له إسماعيل وقبل يده ورده إلى كرسي إمارته بسمرقند، وأقام نائبا عنه ببخارى، وكان إسماعيل خيرا مكرما لأهل العلم والدين. ٣/٣٨٩
مسير الموفق إلى البصرة لحرب الزنج وولاية العهد
ولما استعفى موسى بن بغا من ولاية الناحية الشرقية عزم المعتمد على تجهيز أخيه أبي أحمد الموفق، فجلس في دار العامة وأحضر الناس على طبقاتهم، وذلك في شوال من سنة إحدى وستين وعقد لابنه جعفر العهد من بعده، ولقبه المفوض إلى الله، وضم إليه موسى بن بغا وولاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ونهر تصدق، وعقد لأخيه أبي أحمد العهد بعده ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه المشرق وبغداد وسواد الكوفة وطريق مكة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان والكرخ والدينور والري وزنجان والسند. وعقد لكل واحد منهما لواءين أبيض وأسود، وشرط أنه إن مات وجعفر لم يبلغ بتقدم الموفق عليه، ويكون هو بعده وأخذت البيعة بذلك على الناس، وعقد جعفر لموسى بن بغا على أعمال العرب، واستوزر صاعد بن مخلد، ثم نكبه سنة اثنتين وسبعين، واستصفاه واستكتب مكانه الصفر إسماعيل بن بابل، وأمر المعتمد أخاه الموفق بالمسير لحرب الزنج، فبعثه في مقدمته واعتزم على المسير بعده.
وقعة الصفار والموفق
لما كان يعقوب الصفار ملك فارس من يد واصل وخراسان من يد ابن طاهر وقبض عليه صرح المعتمد بأنه لم يوله ولا فعل ما فعل باذنه، وبعث ذلك مع حاج خراسان وطبرستان. ثم سار إلى الأهواز يريد لقاء المعتمد، وذلك سنة اثنتين وسبعين فأرسل إليه المعتمد إسماعيل بن إسحاق وفهواج من قواد الأتراك ليردوه على ذلك وبعث معهما من كان في حبسه من أصحابه الذين حبسوا عند ما قبض على محمد بن طاهر، وعاد إسماعيل من عند الصفار بعزمه على الموصل، فتأخر الموفق لذلك عن المسير لحرب الزنج. ووصل مع إسماعيل من عند الصفار حاجبه درهم يطلب ولاية طبرستان وخراسان وجرجان والري وفارس، والشرطة ببغداد، فولاه المعتمد ذلك كله مضافا إلى ما بيده من سجستان وكرمان، وأعاد حاجبه إليه بذلك ومعه عمر بن سيما فكتب يقول: لا بد من الحضور بباب المعتمد. وارتحل من عسكر مكرم حاما وسار إليه أبو ٣/٣٩٠
الساج من الأهواز لدخوله تحت ولايته، فأكرمه ووصله وسار إلى بغداد. ونهض المعتمد من بغداد فعسكر بالزعفرانية وأخاه مسرور البلخي، فقاتله منتصف رجب وانهزمت ميسرة الموفق، وقتل فيها إبراهيم بن سيما وغيره من القواد. ثم تراجعوا واشتدت الحرب وجاء إلى الموفق محمد بن أوس والداراني مددا من المعتمد، وفشل أصحاب الصفار لما رأوا مدد الخليفة فانهزموا، وخرج الصفار وأتبعهم أصحاب الموفق وغنموا من عسكره نحوا من عشرة آلاف من الظهر، ومن الأموال ما يؤد حمله. وكان محمد بن طاهر معتقلا معه في العسكر منذ قبض عليه بخراسان، فتخلص ذلك اليوم وجاء إلى الموفق وخلع عليه وولاه الشرطة ببغداد، وسار الصفار إلى خوزستان فنزل جنديسابور، وأرسله صاحب الزنج يحثه على الرجوع ويعده المساعدة، فكتب إليه: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون 109: 1- 2 (السورة) . وكان ابن واصل قد خالف الصفار إلى فارس وملكها، فكتب إليه المعتمد بولايتها، وبعث الصفار إليه جيشا مع عمر بن السري من قواده، فأخرجه عنها وولى على الأهواز محمد بن عبد الله بن طاهر. ثم رجع المعتمد إلى سامرا والموفق إلى واسط واعتزم الموفق على اتباع الصفار، فقعد به المرض عن ذلك، وعاد إلى بغداد ومعه مسرور البلخي سار بعد موسى وأقطعه ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وقدم معه محمد بن طاهر فقام بولاية الشرطة ببغداد.
سياقة أخبار الزنج
قد ذكر أن مسرورا البلخي سار بعد موسى بن بغا لحرب الزنج، ثم سار مسرور للقاء المعتمد وحضر الموفق حرب الصفار، وبلغ صاحب الزنج جاءوا تلك النواحي من العساكر، فبعث سراياه فيها للنهب والحرق والتخريب في بعث سليمان بن جامع إلى البطيحة، وسليمان بن موسى إلى القادسية. وجاء أبو التركي في السفن يريد عسكر الزنج، فأخذ عليه سليمان بن موسى وقاتله شهرا حتى تخلص وانحاز إلى سليمان بن جامع، وبعث إليهما الخبيث بالمدد، وكان مسرور قد بعث قبل مسيره من واسط جندا في البحر إلى سليمان فهزمهم وأوقع بهم وقتل أسراهم، ونزل بقرة مروان قريبا من يعقوب متحصنا بالغياض والأغوار. وزحف إليه قائدان من بغداد وهما أغرتمش وحشيش في العساكر برا وبحرا وأمر سليمان أصحابه بالاختفاء في تلك ٣/٣٩١
الغياض حتى يسمعوا أصوات الطبول. وأقبل أغرتمش ونهض شرذمة من الزنج فواقعوا أصحابه وشاغلوهم، وسار سليمان من خلفهم وضرب طبوله وعبروا إليهم في الماء، فانهزم أصحاب أغرتمش وظهر ما كان مختفيا، وقتل حشيش، واتبعوهم إلى العسكر وغنموا منه، وأخذوا من القطع البحرية، ثم استردها أغرتمش من أيديهم، وعاد سليمان ظافرا وبعث برأس حشيش إلى الخبيث صاحبه، فبعث به إلى علي بن أبان في نواحي الأهواز. وكان مسرور البلخي قد بعث إلى كور الأهواز أحمد بن كيتونة، فنزل السوس وكان صاحب الأهواز من قبل الصفار يكاتب صاحب الزنج ويداريه، ويطلب له الولاية عنه، فشرط عليه أن يكون خليفة لابن أبان، واجتمعا بتستر. ولما رأى أحمد تظافرهما رجع إلى السوس، وكان علي بن أبان يروم خطبة محمد له بعمله، فلما اجتمعا بتستر خطب للمعتضد والصفار ولم يذكر الخبيث، فغضب علي وسار إلى الأهواز. وجاء أحمد بن كيتونة إلى تستر، فأوقع بمحمد بن عبد الله وتحصن منه بتستر. وأقبل علي بن أبان إليه فاقتتلا واشتد القتال بينهما، وانهزم علي بن أبان وقتل جماعة من أصحابه، ونجا بنفسه جريحا في الساريات بالنهر، وعاد إلى الأهواز. وسار منها إلى عسكر الخبيث، واستخلف على عسكره بالأهواز حتى داوى جراحة ورجع. ثم بعث أخاه الخليل إلى أحمد بن كيتونة بعسكر مكرم فقاتله، وقد أكمن لهم فانهزموا، وقتل من الزنج خلق ورجع المنهزمون إلى علي بن أبان، وبعث مسلحة إلى السرقان فاعترضهم جيش من أعيان فارس أصحاب أحمد بن كيتونة، وقتلهم الزنج جميعا فحظي عنده بذلك وبعث في أثر إبراهيم من قتله في سرخس. ولما أراد الصفار العود إلى سجستان ولى على نيسابور عزيز بن السري، وعلى هراة أخاه عمرو بن الليث، فاستخلف عمر وعليها طاهر بن حفص الباذغيسي وسار إلى سجستان سنة إحدى وستين، فجاء الخبيث إلى أخيه علي وزين له أن يقيم نائبا عنه في أموره بخراسان، وطلب ذلك من أخيه يعقوب فأذن له. ولما ارتحلوا جمع جمعا وحارب عليا فأخرجه من بلده. ثم غلب عزيز بن السري على نيسابور وملكها أول اثنتين وستين، وقام بدعوة بني طاهر. واستقدم رافع بن هرثمة من رجالاتهم فجعله صاحب جيشه، وكتب إلى يعمر بن سركب وهو يحاصر بلخ يستقدمه، فلم يثق إليه، وسار إلى هراة فملكها من يد طاهر بن حفص، وقتله وزحف إليه أحمد وكانت بينهما مواساة، ثم داخل بعض قواد أحمد الخجستاني في ٣/٣٩٢
الغدر بيعمر على أن يمكنه من أخيه أبي طلحة، فكلف ذلك القائد به فتم ذلك، وكبسهم أحمد وقبض على يعمر وبعثه إلى نائبة بنيسابور فقتله، وقتل أبا طلحة القائد الذي غدر بأخيه. وسار إلى نيسابور في جماعة، فلقي بها الحسين بن طاهر مردودا من أصبهان طمعا أن يدعو له أحمد الخجستاني كما كان يزعم حين أورد فلم يخطب، فخطب له أبو طلحة وأقام معه بنيسابور، فسار إليهما الخجستاني من هراة في اثني عشر ألفا، وقدم أخاه العباس فخرج إليه أبو طلحة وهزمه، فرجع أحمد إلى هراة ولم يقف على خبر أخيه، وانتدب رافع وهرثمة إلى استعلام خبره واستأمن إلى أبي طلحة فأمنه ووثق إليه، وبعث رافع إلى أحمد بخبر أخيه العباس، ثم أنفذه طاهر إلى بيهق لجباية مالها، وضم معه قائدين لذلك، فجبى المال وقبض على القائدين وانتقض. وسار إلى الخجستاني ونزل في طريقه بقرية وبها علي بن يحي الخارجي، فنزل ناحية عنه، وركب ابن طاهر في أتباعه فأدركه بتلك القرية، فأوقع بالخارجي يظنه رافعا ونجا رافع إلى الخجستاني. وبعث ابن طاهر إسحاق الشاربي إلى جرجان لمحاربة الحسن بن زيد والديلم منتصف ثلاث وستين فأثخن في الديلم ثم انتقض على ابن طاهر، فسار إليه وكبسه إسحاق في طريقه فانهزم إلى نيسابور، واستضعفه أهلها فأخرجوه، فأقام على فرسخ منها وجمع جمعا وحاربهم، ثم كتب على أهل نيسابور إلى إسحاق باستدعائه ومساعدته على ابن طاهر وأبي طلحة، وكتب إلى أهل نيسابور عن إسحاق بالمواعدة. وسار إسحاق أبو محمد في قلة من الجند، فاعترضه أبو طلحة وقتله وحاصر نيسابور، فاستقدموا الخجستاني من هراة وأدخلوه. وسار أبو طلحة إلى الحسن بن زيد مستنجدا فأنجده ولم يظفر، وعاد إلى بلخ وحاصرها سنة خمس وستين، وخرج للخجستاني من نيسابور به، وحاربه الحسن بن زيد لما عدته أبا طلحة. وجاء أهل جرجان مددا للحسن، فهزمهم الخجستاني وأغرمهم أربعة آلاف ألف درهم. ثم جاء عمرو بن الليث إلى هراة بعد وفاة أخيه يعقوب الصفار وعاد الخجستاني من جرجان إلى نيسابور، وسار إليه عمرو من هراة فاقتتلا وانهزم عمرو ورجع إلى هراة، وأقام أحمد بنيسابور. وكانت الفقهاء بنيسابور يميلون إلى عمرو لتولية السلطان إياه، فأوقع الخجستاني بينهم الفتنة ليشغلهم بها، ثم سار إلى هراة سنة سبع وستين وحاصر عمرو بن الليث فلم يظفر منه بشيء، فسار نحو سجستان وترك نائبة بنيسابور، فأساء السيرة وقوي أهل الفساد، فوثب به أهل نيسابور ٣/٣٩٣
واستعانوا بعمرو بن الليث وبعث إليهم جندا يقبض على نائب الخجستاني وأقاموا بها، ورجع من سجستان فأخرجهم وملكها، وأقام إلى تمام سبع وستين، وكاتب عمرو أبا طلحة وهو يحاصر بلخ فقدم عليه وأعطاه أموالا واستخلفه بخراسان، وسار إلى سجستان، وسار أحمد إلى سرخس ولقيه أبو طلحة فهزمه أحمد ولحق بسجستان، وأقام أحمد بطخارستان. ثم جاء أبو طلحة إلى نيسابور فقبض على أهل الخجستاني وعياله، وجاء أحمد من طخارستان إلى نيسابور وأقام بها. ثم تبين لابن طاهر أن الخجستاني إنما يروم لنفسه وليس على ما يدعيه من القيام بأمرهم وكان على خوارزم أحمد بن محمد بن طاهر فبعث قائده أبا العباس النوفلي إلى نيسابور في خمسة آلاف مقاتل، وخرج أحمد أمامهم وأقام قريبا منهم وأفحش النوفلي في القتل والضرب والتشويه، وبعث إليه الخجستاني فنهاه عن مثل ذلك فضرب الرسل، فلحق أهل نيسابور بالخجستاني واستدعوه وجاءوا به وقبض على النوفلي وقتله. ثم بلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله بن طاهر بمرو، فسار إليه من أسورد في يوم وليلة وقبض عليه وولى عليها موسى البلخي، ثم وافاها الحسين بن طاهر فأحسن فيهم السيرة ووصل إليه نحو عشرين ألف درهم، وكان الخجستاني لما بلغه أخذ والدته من نيسابور وهو بطخارستان سار مجدا، فلما بلغ هراة أتاه غلام لأبي طلحة مستأمنا فأمنه وقربه، فغص به وغلامه الخالصة عنده والجنود، وطلب الفرصة في قتل الخجستاني، وكان قد غور ساقية قطلغ، فاتفقا على قتله فقتلاه في شوال سنة ثمان وستين. وأنفذ دامجور خاتمه إلى الإسطبل مع جماعة فركبوا الدواب وساروا بالخبر إلى أبي طلحة ليستقدموه، وأبطأ ظهوره على القواد فدخلوا فوجدوه قتيلا، وأخبرهم صاحب الإسطبل بخبر الخاتم والدواب، وطلبوا دامجور فلم يجدوه، ثم عثروا عليه بعد أيام فقتلوه، واجتمعوا على رافع بن هرثمة وكان من خبره ما نذكره.
استيلاء الصفار على الأهواز
ثم سار يعقوب الصفار من فارس إلى الأهواز وأحمد بن كيتونة قائد مسرور البلخي على الأهواز مقيم على تستر فرحل عنها ونزل يعقوب جنديسابور، ففر كل من كان في تلك النواحي من عساكر السلطان، وبعث إلى الأهواز من أصحابه الخضر بن ٣/٣٩٤
المعير ، فأفرج عنها علي بن أبان والزنج ونزلوا السدرة ودخل خضر الأهواز، وأقام أصحاب الخضر وابن أبان يغير بعضهم على بعض. ثم فر ابن أبان وسار إلى الأهواز فأوقع بالخضر وفتك في أصحابه وغنم، ولحق الخضر بعسكر مكرم، واستخرج ابن أبان ما كان بالأهواز ورجع إلى نهر السدرة. وبعث يعقوب إلى الخضر مددا وأمره بالكف عن قتال الزنج والمقام بالأهواز، فأبى ابن أبان من ذلك إلا أن ينقل طعاما ما كان هناك فنقله وتوادعوا.
استيلاء الزنج على واسط
قد تقدم لنا واقعة أغرتمش مع سليمان بن جامع، وظفر سليمان به فلما انقضى أمره سار سليمان إلى صاحب الخبيث ومر في طريقه بعسكر تكين البخاري وهو ببردود ، فلما حاذاه قريبا أشار عليه الجناني أن يغير على العسكر في البحر ويستطرد لهم لينتهزوا منهم الفرصة ففعل وجاء مستطردا وقد أكمنوا لهم الكمناء حتى أجازوا موضع الكمائن. وركب سليمان إليهم وعطف الجناني على من في النهر وخرجت الكمائن من خلفهم فأثخنوا فيهم إلى معسكرهم، ثم بيتوهم ليلا فنالوا منهم، وانكشف سليمان قليلا، ثم عبر أصحابه وأتاهم من وجوه عديدة برا وبحرا، فانهزم تكين وغنم الزنج عسكره. ثم استخلف سليمان على عسكره الجناني وسار إلى صاحب الخبيث سنة ثلاث وستين. ومضى الجناني بالعسكر لطلب الميرة فاعترضه جعلان من قواد السلطان وهزمه وأخذ سيفه . ثم زحف منجور ومحمد بن علي بن حبيب من القواد وبلغ الحجاجية فرجع سليمان مجدا إلى طهثا يريد جعلان وفي مقدمته الجناني. ثم كر إلى ابن خبيث فهزمه وقتل أخاه وغنم ما معه. ثم سار في شعبان إلى قرية حسان فأوقع بالقائد هناك جيش ابن خمار تكين وهزمه ونهب القرية وأحرقها. ثم بعث العساكر في الجهات للنهب برا وبحرا، واعترض جعلان بعضهم فأوقع بهم، ثم سار سليمان إلى الرصافة فأوقع بالقائد بها واستباحها وغنم ما فيها ورجع إلى منزله بمدينة الخبيث، وجاء مطر إلى الحجاجية فعاث فيها وأسر جماعة منها كان منهم القاضي سليمان، فحمله إلى ٣/٣٩٥
واسط . ثم سار إلى طهثا وكتب الجناني بذلك إلى سليمان فوافاه لاثنتين من ذي الحجة، وجاء أحمد بن كيتونة بعد أن كان سار إلى الكوفة وجبيل ، فعاد إلى البريدية وصرف جعلان وضبط تلك الأعمال، وأوقع تكين بسليمان وقتل جماعة من قواده. ثم ولى الموفق على مدينة واسط محمد بن الوليد وجاءه في العساكر واستمد سليمان صاحبه بالخليل بن أبان في ألف وخمسمائة مقاتل، فزحف إلى ابن المولد وهزمه واقتحم واسط بها منكجور البخاري فقاتله عامة يومه، ثم قتل ونهب البلد وأحرقها وانصرف سليمان إلى جبيل واستدعوه في نواحيها تسعين ليلة.
استيلاء ابن طولون على الشام
كان على دمشق أيام المعتمد ماجور من قواد الأتراك، فتوفي سنة أربع وستين وقام ابنه علي مكانه. وتجهز أحمد بن طولون من مصر إلى دمشق وكتب إلى ابن ماجور بأن المعتمد أقطعه الشام والثغور، فأجاب بالطاعة، وسار أحمد واستخلف على مصر ابنه العباس ولقيه ابن ماجور بالرملة فولاه عليها، وسار إلى دمشق فملكها وأقر القواد على أقطاعهم. ثم سار إلى حمص فملكها ثم حماة ثم حلب، وكان على أنطاكية وطرسوس سيما الطويل من قواد الأتراك، فبعث إليه ابن طولون بالطاعة وأن يقره على ولايته فامتنع، فسار إليه ودلوه على عورة في سور البلد نصب عليها المجانيق، وقاتله فملكها عنوة وقتل سيما في الحرب، فسار ثم قصد طرسوس فدخلها واعتزم على المقام بها ويريد الغزو. وشكا أهلها غلاء السعر وسألوه الرحيل فرحل عنهم إلى الشام، ومضى إلى حران وبها محمد بن أتامش فحاربه وهزمه، واستولى عليها. ثم جاءه الخبر بانتقاض ابنه العباس بمصر وأنه أخذ الأموال وسار إلى برقة فلم يكترث لذلك، وأصلح أحوال الشام وأنزل بحران عسكرا، وولى مولاه لؤلؤا على الرقة وأنزل معه عسكرا، وبلغ موسى بن أتامش خبر أخيه محمد فجمع العساكر وسار نحو ٣/٣٩٦
جرجان وبها أحمد بن جيفونة من قواد ابن طولون فأهمل مسيره وقال له بعض الأعراب واسمه أبو الأعز : لا يهمك أمره فإنه طياش قلق وأنا آتيك به! فقال:
افعل وزاده عشرين رجلا، وسار إلى عسكر موسى بن أتامش، فأكمن بعض أصحابه ودخل العسكر بالباقي على زي الأعراب وقصد الخيل المرتبطة عند خيام ابن موسى فأطلقها وصاحوا فيها فنفرت واهتاج العسكر وركبوا واستطرد لهم أبو الأعز حتى جاوز الكمين وموسى في أوائلهم، فخرج الكمين وانهزم أصحاب موسى من ورائه، وعطف عليه أبو الأعز فأخذه أسيرا وجاء به إلى ابن جيفونة، وبعث به إلى ابن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر وذلك سنة ست وستين.
(ومن أخبار الزنج) أن سليمان احتفر نهرا يمر إلى سواد الكوفة ليتهيأ له الغارة على تلك النواحي وكان أحمد بن كيتونة فكبسهم وهم يعلمون، وقد جمروا عساكرهم لذلك فأوقع بهم وقتل منهم نحوا من أربعين قائدا وأحرق سفنهم، ورجع سليمان مهزوما إلى طهتا. ثم عدت عساكر الزنج النعمانية واستباحوها وصار أهلها الى جرجرايا وأحفل أهل السواد إلى بغداد، وزحف علي بن أبان بعسكر الزنج إلى تستر فحاصرها وأشرف على أخذها. وكان الموفق استعمل على كور الأهواز مسرورا البلخي فولى عليها تكين البخاري فسار إليها ووافاها أهل تستر في تلك الحال فأغزى علي ابن أبان وهزمه وقتل من الزنج خلقا ونزل تستر. وبعث ابن أبان جماعة من قواد الزنج ليقيموا بقنطرة فارس، وجاء عين بخبرهم إلى تكين فكبسهم وهزمهم وقتل منهم جماعة. وسار ابن أبان فانهزم أمامه، وكتب ابن أبان إلى تكين يسأله الموادعة فوادعه بعض الشيء واتهمه مسرور فسار وقبض عليه وحبسه عند عجلان بن أبان، وفر منه أصحابه وطائفة إلى الزنج وطائفة إلى محمد بن عبد الله الكرخي ثم أمن الباقين فرجعوا إليه.
موت يعقوب الصفار وولاية عمر وأخيه
وفي سنة خمس وستين أخريات شوال منها مات يعقوب الصفار وقد كان افتتح ٣/٣٩٧
الرحج وقتل ملكها وأسلم أهلها على يده، وكانت مملكة واسعة الحدود وافتتح زابلستان وهي غزنة، وكان المعتمد قد استماله وقلده أعمال فارس، ولما مات قام أخوه عمرو بن الليث وكتب إلى المعتمد بطاعته، فولاه الموفق من قبله ما كان له من الأعمال، خراسان وأصبهان والسند وسجستان والشرطة ببغداد وسرمن رأى وقبله عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وخلع الموفق عمرو بن الليث وولى على أصبهان من قبله أحمد بن عبد العزيز.
أخبار الزنج مع أغرتمش
قد كان تقدم لنا إيقاع سليمان بن جامع بأغرتمش وحربه بعد ذلك مع تكين وجعلان ومطر ابن جامع وأحمد بن كيتونة واستيلاؤه على مدينة واسط، ثم ولي أغرتمش مكان تكين البخاري ما يتولاه من أعمال الأهواز فدخل تستر في رمضان ومعه مطر بن جامع، وقتل جماعة من أصحاب أبان كانوا مأسورين بها. ثم سار إلى عسكر مكرم، ووافاه هناك علي ابن أبان والزنج، فاقتتلوا ثم تجازوا لكثرة الزنج، ورجع علي إلى الأهواز وسار أغرتمش إلى الخليل بن أبان ليعبروا إليه من قنطرة اربل وجاءه أخوه علي وخاف أصحابه المخلفون بالأهواز، فارتحلوا إلى نهر السروة وتحارب علي وأغرتمش يوما ثم رجع علي إلى الأهواز ولم يجد أصحابه، فبعث من يردهم إليه فلم يرجعوا. وجاء أغرتمش وقتل مطر بن جامع في عدة من القواد.
وجاء المدد لابن أبان من صاحبه الخبيث فوادعه أغرتمش وتركه. ثم بعث محمد بن عبيد الله إلى أبكلاى ابن الخبيث في أن يرفع عنه يد ابن أبان فزاد ذلك في غيظه، وبعث يطالبه محمد بالخراج ودافعه فسار إليه، وهرب محمد من رامهرمز إلى أقصى معاقلة، ودخل علي والزنج رامهرمز وغنموا ما فيها. ثم صالحه محمد على مائتي ألف درهم، وترك أعماله. ثم استنجده محمد بن عبيد الله على الأكراد على أن لعلي غنائمهم، فاستخلف علي على ذلك مجلز وطلب منه الرهن فمطل وبعث إليه الجيش فزحف بهم إلى الأكراد. فلما نشب القتال انهزم أصحاب محمد فانهزم الزنج ٣/٣٩٨
وأثخن الأكراد فيهم، وبعث علي من يعترضهم فاستلبوهم وكتب علي إلى محمد يتهدده فاعتذر ورد عليهم كثيرا من أسلابهم، وخشي من الخبيث وبعث إلى أصحابه مالا ليسألوه في الرضا عنه، فأجابهم إلى ذلك على أن يقيم دعوته في أعماله ففعل كذلك. ثم سار ابن أبان لحصار موتة واستكثر من آلات الحصار، وعلم بذلك مسرور البلخي وهو بكور الأهواز، فسار إليه ووافاه عليها، فانهزم ابن أبان وترك ما كان حمله هناك، وقتل من الزنج خلق وجاء الخبر بمسير الموفق إليهم.
استرجاع ابن الموفق ما غلب عليه الزنج من أعمال دجلة
لما دخل الزنج واسط وعاثوا فيها كما ذكرناه بعث الموفق ابنه أبا العباس، وهو الذي ولي الخلافة بعد المعتمد ولقب المعتضد، فبعثه أبوه بين يديه في ربيع سنة ست وستين في عشرة آلاف من الخيل والرجال. وركب لتشييعه وبعث معه السفن في النهر عليها أبو حمزة نصر، فسار حتى وافى الخيل والرجل والسفن النهرية، وعلى مقدمته الجناني وانهم نزلوا الجزيرة قريبا من بردرويا، وجاءهم سليمان بن موسى الشعراني مددا بمثل ذلك وأن الزنج اختلفوا في الاحتشاد، ونزلوا من السفح إلى أسفل واسط ينتهزون الفرصة في ابن الموفق لما يظنون من قلة دراسيته بالحرب، فركب أبو العباس لاستعلام أمرهم ووافى نصيرا، فلقيهم جماعة من الزنج فاستطرد لهم أولا، ثم كر في وجوههم وصاح بنصير فرجع، وركب أبو العباس السفن النهرية فهزم الزنج وأثخن فيهم واتبعهم ستة فراسخ، وغنم من سعيهم وكان ذلك أول الفتح. ورجع سليمان بن جامع إلى نهر الأمين وسليمان بن موسى الشعراني إلى سوق الخميس، وأبو العباس على فرسخ من واسط يغاديهم القتال ويراوحهم. ثم احتشد سليمان وجاء من ثلاثة وجوه، وركب في السفن النهرية وبرز إليه نصير في سفنه، وركب معه أبو العباس في خاصته، وأمر الجند بمحاذاته من الشط، ونشب الحرب فوقعت الهزيمة على الزنج وغنمت سفنهم، وأفلت سليمان والجناني من ٣/٣٩٩
الهلكة، وبلغوا طهتا، ورجع أبو العباس إلى معسكره وأمر بإصلاح السفن المغنومة، وحفر الزنج في طريق الجبل الآبار وغطوها، فوقع بعض الفرسان فيها، فعدل جند السلطان عن ذلك الطريق. وأمر الخبيث أصحابه بالسفن في النهر وأغاروا على سفن أبي العباس وغنموا بعضها، وركب في اتباعهم واستنقذ سفنهم وغنم من سفنهم نحوا من ثلاثين، وجد في قتالهم وتحصن ابن جامع بطهتا، وسمى مدينته المنصورة. والشعراني بسوق الخميس وسمى مدينته المنيعة. وكان أبو العباس يغير على الميرة التي تأتيهم من سائر النواحي، وركب في بعض الأيام إلى مدينة الشعراني التي سماها المنيعة، وركب نصير في النهر، وافترقوا في مسيرهم واعترضت أبا العباس جماعة من الزنج فمنعوه من طريق المدينة وقاتلوه مقدار نهاره، وأشاعوا قتل نصير، وخالفهم نصير إلى المدينة فأثخن فيها وأضرموا النار في بيوتها. وجاء الخبر بذلك إلى أبي العباس بسبرة. ثم جاء نصير ومعه أسرى كثيرون فقاتلوا الزنج وهزموهم، ورجع أبو العباس إلى عسكره وبعث الخبيث إلى ابن أبان وابن جامع فأمرهما بالاجتماع على حرب أبي العباس.
وصول الموفق لحرب الزنج وفتح المنيعة والمنصورة
كان الموفق لما بعث ابنه أبا العباس لحرب الزنج تأخر لإمداده بالحشود والعدد وإزاحة علله ومسارقة أحواله، فلما بلغه اجتماع ابن أبان وابن جامع لحربه سار من بغداد إليه فوصل إلى واسط في ربيع الأول من سنة سبع وستين، ولقيه ابنه وأخبره بالأحوال، ورجع إلى عسكره. ونزل الموفق على نهر شداد ونزل ابنه شرقي دجلة على موهة بن مساور فأقام يومين ثم رحل إلى المنيعة بسوق الخميس، سار إليها في النهر ونادى بالمقامة، ولقيه الزنج فحاربوه، ثم جاء الموفق فانهزموا واتبعهم أصحاب أبي العباس فاقتحموا عليهم المنيعة وقتلوا خلقا وأسروا آخرين، وهرب الشعراني، واختفى في الآجام آخرون. ورجع الموفق إلى عسكره وقد استنقذ من المسلمات نحو خمس عشرة امرأة ، ثم غدا على المنيعة فأمر بنهبها وهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما بقي من ٣/٤٠٠
السفن فيها، وببعث الأقوات التي أخذت، فكانت لا حد لها، فصرفت في الجند.
وكتب الخبيث إلى ابن جامع يحذره مثل ما نزل بالشعراني، وجاءت العيون إلى الموفق أن ابن جامع بالحوانيت، فسار إلى الضبية وأمر ابنه بالسير في النهر إلى الحوانيت، فلم يلق ابن جامع بها، ووجد قائدين من الزنج استخلفهم عليها بحفظ الغلات، ولحق بمدينته المنصورة بطهتا، فقاتل ذلك الجند ورجع إلى أبيه بالخبر فأمره بالمسير إليه، وسار على أثره برا وبحرا حتى نزلوا على ميلين من طهتا. وركب لبيوني مقاعد القتال على المنصور فلقيه الزنج وقاتلوه وأسروا جماعة من غلمانه.
ورمى أبو العباس بن الموفق أحمد بن مهدي الجناني فمات وأوهن موته ، ثم ركب يوم السبت آخر ربيع من سنة سبع وعبى عسكره وبعث السفن في البحر الذي يصل إلى المنصورة، ثم صلى وابتهل بالدعاء، وقدم ابنه أبا العباس إلى السور، واعترضه الجند فقاتلهم عليه واقتحموا وولوا منهزمين إلى الخنادق وراءه، فقاتلوه عندها واقتحمها عليهم كلها، ودخلت السفن المدينة من النهر فقتلوا وأسروا، وأجلوهم عن المدينة وما اتصل بها، وهو مقدار فرسخ وملكه الموفق، وأفلت ابن جامع في نفر من أصحابه، وبلغ الطلاب في أثره إلى دجلة، وكثر القتل في الزنج والأسر، واستنقذ العباس من نساء الكوفة وواسط وصبيانهم أكثر من عشرة آلاف وأعطى ما وجد في المنصورة من الذخائر والأموال للأجناد، وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة. ولما جاء جماعة من الزنج إلى الآجام اختفوا، فأمر بطلبهم وهدم سور المدينة وطم خنادقها وأقام سبعة عشر يوما في ذلك ثم رجع إلى واسط.
حصار مدينة الخبيث المختارة وفتحها
ثم إن الموفق عرض عساكره وأزاح عللهم، وسار ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة ٣/٤٠١
الخبيث، فأشرف عليها ورأى من حصانتها بالأسوار والخنادق ووعر الطرق، وما أعد من الآلات للحصار ومن كثرة المقاتلة ما استعظمه، ولما عاين الزنج عساكر الموفق دهشوا. وقدم ابنه العباس في السفن حتى ألصقها بالأسوار فرموه بالحجارة في المجانيق والمقاليع والأيدي، ورأوا من صبره وأصحابه ما لم يحتسبوه، ثم رجعوا وتبعهم مستأمنة من المقاتلة والملاحين نزعوا إلى الموفق، فقبلهم وأحسن إليهم، فتتابع المستأمنون في النهر فوكل الخبيث بفوهة النهر من معهم، وتعبى أهل السفن للحرب مع بهبود قائد الخبيث، فزحف إليه أبو العباس في السفن وهزمه، وقتل الكثير من أصحابه ورجع فاستأمن إليه بعض تلك السفن النهرية وكثير من المقاتلة فأمنهم وأقام شهرا لم يقاتلهم. ثم عبى عساكره منتصف شعبان في البر والبحر وكانوا نحوا من خمسين ألفا، وكان الزنج في نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، فأشرف عليهم ونادى بالأمان إلا للخبيث، ورمى بالرقاع في السهام بالأمان، فجاء كثير منهم ولم يكن حرب. ثم رحل من مكانه ونزل قريبا من المختارة، ورتب المنازل من إنشاء السفن، وشرع في اختطاط مدينة لنزله سماها الموفقية. فأكمل بناءها وشيد جامعها وكتب بحمل الأموال والميرة إليها وأغب الحرب شهرا فتتابعت الميرة إلى المدينة، ورحل إليها التجار بصنوف البضائع، واستجر فيها العمران ونفقت الأسواق وجلبت صنوف الأشياء.
ثم أمر الموفق ابنه أبا العباس بقتال من كان من الزنج خارج المختارة فقاتلهم وأثخن فيهم، فاستأمن إليه كثير منهم فأمنهم ووصلهم، وأقام الموفق أياما يحاصر المحاربين ويصل المستأمنين، واعترض الزنج بعض الوفاد الجائية بالميرة، فأمر بترتيب السفن على مخارج الأنهار، ووكل ابنه أبا العباس بحفظها، وجاءت طائفة من الزنج بعض الأيام إلى عسكر نصير يريدون الإيقاع به، فأوقع بهم وظفر ببعض القواد منهم، فقتل رشقا بالسهام، وتتابع المستأمنة فبلغوا إلى آخر رمضان خمسين ألفا. ثم بعث الخبيث عسكرا من الزنج مع علي بن أبان ليأتوا من وراء الموفق إذا ناشبهم الحرب، ونمي إليه الخبر بذلك فبعث ابنه أبا العباس فأوقع بهم، وحملت الأسرى والرءوس في السفن النهرية ليراها الخبيث وأصحابه، وظنوا أن ذلك تمويه فرميت الرءوس في المجانيق حتى عرفوها، فظهر منهم الجزع وتكررت الحرب في السفن بين أبي العباس وبين الزنج، وهو يظهر عليهم في جميعها حتى انقطعت الميرة عنهم، فاشتد الحصار عليهم وخرج كثير من وجوه أصحابه مستأمنين، مثل محمد بن الحرث ٣/٤٠٢
القمي وأحمد اليربوعي. وكان من أشجع رجاله القمي منهم موكلا بحفظ السور فأمنهم الموفق ووصلهم، وبعث الخبيث قائدين من أصحابه في عشرة آلاف ليأتوا البطيحة من ثلاثة وجوه، فيعبروا من تلك النواحي ويقطعوا الميرة عن الموفق. وبلغ الموفق خبرهم فبعث إليهم عسكرا مع مولاه، ونزل فأوقع بهم وقتل وأسر، وأخذ منهم أربعمائة سفينة. ولما تتابع خروج المستأمنة وكل الخبيث من يحفظها، وجهدهم الحصار فبعث جماعة من قواده إلى الموفق يستأمنون وان يناشبهم الحرب ليجدوا السبيل إليه، فأرسل ابنه أبا العباس إلى نهر الغربي وبه علي بن أبان فاشتد الحرب وظهر أبو العباس على بن أبان، وأمده الخبيث بابن جامع ودامت الحرب عامة يومهم، وكان الظفر لأبي العباس، وسار إليه المستأمنة الذين وأعدوه. وانصرف أبو العباس إلى مدينة الخبيث وقاتل بعض الزنج طمعا فيهم فتكاثروا عليه، ثم جاءه المدد من قبل أبيه فظهر عليهم. وكان ابن جامع قد صعد في النهر وأتى أبا العباس من ورائه، وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع منهزمة الزنج فأجبت جماعة من غلمان الموفق وعده من أعلامهم، وحامي أبو العباس عن أصحابه حتى خلصوا، وقوي الزنج بهذه الواقعة، فأجمع الموفق العبور إلى مدينتهم بعسكره. فعبى الناس لذلك من الغداة آخر ذي الحجة واستكثر من المعابر والسفن وقصدوا حصن أو كان بالمدينة وفيها أنكلاي بن الخبيث وابن جامع وابن أبان وعليه المجانيق والآلات، فأمر غلمانه بالدنو منه فخاموا لاعتراض نهر الأتراك بينهم وبينه، فصاح بهم فقطعوا النهر سبحا، وتناولوا الركن بالسلاح يهدمونه، ثم صعدوا عليه وملكوه ونصبوا به علم الموفق، وأحرقوا ما كان عليه من الآلات وقتلوا من الزنج خلقا عظيما، وكان أبو العباس يقاتلهم من الناحية الأخرى وابن أبان قبالته فهزمه، ووصل أصحاب أبي العباس إلى السور فثلموه ودخلوا، ولقيهم ابن جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواقفهم. ثم توافي الفعلة فثلموا السور في مواضع، ونصبوا على الخندق جسرا عبر عليه المقاتلة، فانهزم الزنج عن السور واتبعهم أصحاب الموفق يقتلونهم إلى دير ابن سمعان، فملكه أصحاب الموفق وأحرقوه، وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا فبلغوا ميدان الخبيث، فركب من هنالك وانهزم عنه أصحابه، وأظلم الليل ورجع الموفق بالناس، وتأخر أبو العباس لحمل بعض المستأمنين في السفن، واتبعه بعض الزنج ونالوا من آخر السفن. وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي فنال من أصحابه واستأمن ٣/٤٠٣
بعض المنهزمين من الزنج والأعراب بعثوا بذلك من عبادان والبصرة، وكان منهم قائده ريحان أبو صالح المعري فأمنهم الموفق وأحسن إليهم وضم ريحان إلى أبي العباس. وخرج في المحرم إلى الموفق من قواد الخبيث وثقاته جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان فأحسن إليه الموفق وحمله في بعض السفن إلى قصر الخبيث، فوقف وكلم الزنج في ذلك، وأقام الموفق أياما استجم فيها أصحابه، فلما كان منتصف ربيع الثاني قصد مدينة، وفرق القواد على جهاتها ومعهم النقابون للسور ومن ورائهم الرماة يحمونهم. وتقدم إليهم أن لا يدخلوا بعد الهزم إلا بإذنه، فوصلوا إلى السور وثلموه وحاربوا الزنج من ورائه وهزموهم، وبلغوا أبعد مما وصلوا إليه بالأمس. ثم تراجع الزنج وحاربوا من المكامن فرجع أصحاب الموفق نحو دجلة بعد أن نال منهم الزنج، ورجع الموفق إلى مدينته، ولام أصحابه على تقدمهم بغير إذنه، ثم بلغ الموفق أن بعض الأعراب من بني تميم يجلبون الميرة إلى الزنج فبعث إليهم عسكرا أثخنوا فيهم قتلا وأسرا، وجيء بالأسرى فقتلهم، وأوعز إلى البصرة بقطع الميرة فانقطعت عن الزنج بالكلية، وجهدهم الحصار وكثر المستأمنة وافترق كثير من الزنج في القرى والأمصار البعيدة، وبث الموفق دعاته فيهم ومن أبى قتلوه وعرض المستأمنين وأحسن إليهم ليستميل غيرهم وتابع الموفق وابنه قتال الزنج، وقتل بهبود بن عبد الواحد من قواد الخبيث في تلك الحروب، فكان قتله من أعظم الفتوح، وكان قتله في السفن البحرية ينصب فيها أعلاما كأعلام الموفق ويخايل أطراف العسكر فيصيب منهم.
وأفلت في بعض الأيام من يد أبي العباس بعد أن كان حصل في قبضته، ثم خيل أخرى لبعض السفن طامعا فيها فحاربوه وطعنه بعض الغلمان منها فسقط في الماء، وأخذه أصحابه فمات بين أيديهم. وخلع الموفق على الغلام الذي طعنه وعلى أهل السفينة. ولما هلك بهبود قبض الخبيث على بعض أصحابه وضربهم على ماله، فاستفسد قلوبهم، وهرب كثير منهم إلى الموفق، فوصلهم ونادى بالأمان لبقيتهم. ثم اعتزم على العبور إلى الزنج من الجانب الغربي وكانت طرقه ملتفة بالنخيل فأمر بقطعها، وأدار الخنادق على معسكره حذرا من البيات. ثم صعب على الموفق القتال من الجانب الغربي لكثرة أوعاره وصعوبة مسالكه وما يتوجه فيها على أصحابه من خيل الزنج لقلة خبرتهم بها، فصرف قصده إلى هدم أسوارهم وتوسعت الطرق فهدم طائفة من السور من ناحية نهر سلمى، وباشر الحرب بنفسه، واشتد القتال وكثرت ٣/٤٠٤
القتلى في الجانبين وفشت الجراح، وكانت في النهر قنطرتان يعبر منهما الزنج عند القتال، ويأتون أصحاب الموفق من ورائهم فأمر بهدمهما فهدمتا، ثم هدم طائفة من السور ودخلوا المدينة وانتهوا إلى دار ابن سمعان من خزائن الخبيث ودواوينه. ثم تقدموا إلى الجامع فخربوه وجاءوا بمنبره إلى الموفق بعد أن استمات الزنج دونه، فلم يغنوا به. ثم أكثروا من هدم السور وظهرت علامات الفتح، ثم أصاب الموفق في ذلك اليوم سهم في صدره وذلك لخمس بقين من جمادى سنة تسع وستين، فعاد إلى عسكره. ثم صابح الحرب تقوية لقلوب الناس. ثم لزم الفراش واضطرب العسكر، وأشير عليه بالذهاب إلى بغداد فأبى فاحتجب عن الناس ثلاثة أشهر حتى اندمل جرحه. ثم ركب إلى الحرب فوجد الزنج قد سددوا ما تثلم من الأسوار، فامر بهدمها كلها، واتصل القتال مما يلي نهر سلمى كما كان، والزنج يظنون أنهم لا يأتون إلا منها، فركب يوما لقتالهم وبعث السفن أسفل نهر أبي الخصيب، فانتهوا إلى قصر من قصور الزنج فأحرقوه وانتهبوا ما فيه واستنقذوا كثيرا من الساكن فيه. ورجع الموفق آخر يومه ظافرا. ثم بكر لحربهم فوصلت المقدمات دار أنكلاي بن الخبيث وهي متصلة بدار أبيه، وأشار ابن أبان بإجراء المياه على الساج وحفر الخنادق بين يدي العساكر، وأمر الموفق بطم الخنادق والأنهار، ورام إحراق قصره وقصده من دجلة فمنع من ذلك كثرة الحماة عنه، فأمر أن تسقف السفن بالأخشاب، وتطلى بالأدوية المانعة من الإحراق. ورتب فيها أنجاد أصحابه، وباتوا على أهبة الزحف من الغد. وجاء كاتب الخبيث وهو محمد بن سمعان عشاء ذلك اليوم مستأمنا، وبكروا إلى الحرب وأمر الموفق ابنه أبا العباس بإحراق منازل القواد المتصلة بقصر الخبيث ليشغلهم عن حمايته، وقصدت السفن المطلية قصر الخبيث فأحرقوا الرواشن والأبنية الخارجة وعلت النار فيه ورموا بالنار على السفن فلم تؤثر فيها. ثم حصر الماء من النهر فزحفت السفن، فلما جاء الدعاة إلى القصر أحرقوا بيوتا كانت تشرع على دجلة، واشتعلت النار فيها وقويت وهرب الخبيث وأصحابه وتركوها وما فيها. واستولى أصحاب الموفق على ذلك كله واستنقذوا جماعة من النساء، وأحرق قصر أنكلاي ابنه، وجرحا، وعاد الموفق عشاء يومه مظفرا، ثم بكر من الغد للقتال وأمر نصيرا قائد السفن بقصد القنطرة التي كان الخبيث عملها في نهر أبي الخصيب دون القنطرة التي كان اتخذها، وفرق العسكر في الجهات فدخل نصير في أول المد ولصق ٣/٤٠٥
بالقنطرة، واتصل الشد من ورائه فلم يقدر على الرجوع حتى حسر الماء عنها، وفطن لها الزنج فقصدوها فألقى الملاحون أنفسهم في الماء وألقى نصير نفسه وقاتل ابن جامع ذلك اليوم أشد قتال. ثم انهزم وسقط في الحريق فاحترق، ثم خلص بعد الجهد.
وانصرف الموفق سالما وأصابه مرض المفاصل واتصل به إلى شعبان من سنته فأمسك في هذه المدة عن الحرب حتى أبلى فأعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير وزاد فيها وأحكمها، وجعل أمامها سكرا من الحجارة ليضيق المدخل على السفن، فبعث الموفق طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب، وطائفة من بحريه ومعهم الفعلة لقطع القنطرة، وجعل أمامها سفنا مملوءة من القصب لتصيبها النار بالنفط فيحترق الجسر، وفرق جنده على القتال وساروا لما أمرهم عاشر شوال، وتقدموا إلى الجسر ولقيهم أنكلاي بن الخبيث وابن أبان وابن جامع وحاموا عن القنطرة لعلمهم بما في قطعها من المضرة عليهم، ودامت الحرب عليها إلى العشي ثم غلبهم أصحاب الموفق عليها، ونقضها النجارون ونقضوا الأثقال التي دونها وأدخلوا السفن بالقصب، وأضرموها نارا ووافت القنطرة فأحرقتها ووصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا. وسهل سبيل السفن في النهر وقتل من الزنج خلق واستأمن آخرون، وانتقل الخبيث بعد حرق قصوره ومساكن أصحابه إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، ونقل أسواقه إليه وتبين ضعفه فانقطعت عنه الميرة وفقدت الأقوات وغلت حتى أكل بعضهم بعضا، وأجمع الموفق أن يحرق الجانب الشرقي كما أحرق الغربي فقصد دار الهمذان وكان حصينا وعليه الآلات فلما انتهى إليها تعذر الصعود لعلو السور فرموا بالكلاليب ونشبت في أعلام الخبيث وجذبوها فتساقطت، فانهزم المقاتلة وصعد النفاطون فأحرقوا ما كان عليها من الآلة، ونهبوا الأثاث والمتاع. واتصل الحريق بما حولها من الدور واستأمن للموفق جماعة من خاصة الخبيث فأمنهم ودلوه على سوق عظيمة متصلة بالجسر الأول تسمى المباركة، وبها التجار الذين بهم قوامهم، فقصدها لإحراقها وحاربه الزنج عندها، واضرم أصحابه النار فيها فاتصلت وبقي التحريق عامة اليوم. ثم رجع الموفق ثم انتقل التجار بأمتعتهم وأموالهم إلى أعلى المدينة، ثم فعل الخبيث في الجانب الشرقي بعد هذه من حفر الخنادق وتغوير الطرق مثل ما كان فعل في الجانب الغربي، واحتفر خندقا عريضا حصن به منازل أصحابه على النهر الغربي. ثم خرق الموفق باقي السور إلى النهر الغربي بعد حرب شديدة كانت ٣/٤٠٦
عليه، وكان للخبيث جمع من الزنج وهم أشجع أصحابه، قد تحصنوا بحصن منيع يخرجون على أصحاب الموفق عند الحرب فيعوقونهم فأجمع على تخريبه وجمع المقاتلة عليه برا وبحرا وفرقهم على سائر جهاته وجهات الخبيث، وأمد الخبيث الحصن بالمهلبي وابن جامع، فلم يغنوا عنه وانهزموا، وتركوا الحصن في يدي أصحاب الموفق وهزموه وقتلوا من الزنج خلقا، وخلصوا من الحصن كثيرا من النساء والصبيان، ورجع الموفق إلى عسكره ظافرا.
استيلاء الموفق على الجهة الغربية
ولما هدم الموفق سور دار الخبيث أمر بتوسعة الطرق للحرب، وأحرق الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب ليمنع من مدد بعضهم بعضا، فكان في إحراقه حرب عظيمة. وأعدت لذلك سفينة ملئت قصبا وجعل فيها النفط، وأرسلت في قوة المدد فتبادر الزنج إليها وغرقوها فركب الموفق إلى فوهة نهر أبي الخصيب وقصدهم من غربي النهر وشرقيه إلى أن انتهوا إلى الجسر من غربيه وعليه أنكلاي بن الخبيث وابن جامع فأحرقوه، وفعل مثل ذلك من الجانب الشرقي، فاحترق الجسر والحظيرة التي كانت لإنشاء السفن، وسجن كان هناك للخبيث. وانحاز هو وأصحابه من الجانب الغربي واستأمن كثير من قواده فأمنهم وأخرجوا أرسالا وخرج قاضيه هاربا، ووكل بالجسر الثاني من يحفظه وأمر الموفق ابنه أبا العباس بأن يتجهز لإحراقه فزحف في أنجاد غلمانه ومعه الفعلة والآلات. وكان في الجانب الغربي قبالة أبي العباس أنكلاي وابن جامع، وفي الجانب الغربي قبالة أسد مولى الموفق الخبيث نفسه والمهلبي، وجاءت السفن في النهر وقاتلوا حامية الجسر فانهزم ابن جامع وأنكلاي وأضرمت النار في الجسر، ولما وافياه وهو مضطرم نارا ألقيا أنفسهما في النهر فخلصا بعد أن غرق من أصحابهما خلق، واحترق الجسر واتصل الحريق بدورهم وقصورهم وأسواقهم، وافترق الجيش في الجانبين ونهبت دار الخبيث واستنفذ من كان في حبسه من النسوة والرجال. وأخرج ما كان في نهر أبي الخصيب من أصناف السفن إلى دجلة ونهبها أصحاب الموفق واستأمن أنكلاي بن الخبيث وعلم أبوه فثناه عن ذلك. واستأمن سليمان بن موسى الشعراني من رؤساء قواده فأجيب بعد توقف. ولما خرج تبعه أصحاب الخبيث فقاتلهم، ووصل إلى الموفق فأحسن إليه واقتفى أثره في ذلك شبل ابن سالم من قواده، وعظم على الخبيث وأوليائه استئمان هؤلاء، وصار شبل بن سالم يخرج في السرايا إلى عسكر الخبيث ويكثر النكاية فيهم. ٣/٤٠٧
استيلاء الموفق على الجهة الشرقية
وفي خلال هذه الحروب واتصالها مرن أصحاب الموفق على تخلل تلك المسالك والشعاب مع تضايقها ووعرها، وأجمع الموفق على قصد الجانب الشرقي في نهر أبي الخصيب، وندب لذلك قواد المستأمنة لخبرتهم بذلك دون غيرهم، ووعدهم بالإحسان والزيادة فأبوا وسألوه الإقالة فأبى لتتميز مناصحتهم. وجمع سفن دجلة من كل جانب، وكان فيها عشرة آلاف ملاح من المرتزقة. وأمر ابنه أبا العباس بقصد مدينة الخبيث الشرقية من جهاتها، فسار إلى دار المهلبي وهو في مائة وخمسين قطعة من السفن قد شحنها بأنجاد غلمانه، وانتخب عشرة آلاف مقاتل وأمرهم بالمسير حفا في النهر يشاهد أحوالهم. وبكر الموفق لثمان خلون من ذي القعدة زاحفا للحرب، فاقتتلوا مليا وصبروا. ثم انهزم الزنج وقتل منهم خلق، وأسر آخرون فقتلوا، وقصد الموفق بجمعه دار الخبيث، وقد جمع الخبيث أصحابه للمدافعة فلم يغنوا عنه وانهزموا وأسلموها فنهبها أصحاب الموفق، وسبوا حريمه وبنيه وكانوا عشرين. ونجا إلى دار المهلبي ونهبها واشتغل أصحابهم جميعا بنقل الغنائم إلى السفن، فأطمع ذلك الزنج فيهم وتراجعوا وردوا الناس إلى مواقفهم. ثم صدق الموفق الحملة عشي النهار فهزم الزنج إلى دار الخبيث ورجع الناس إلى عسكره، ووصله كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون يستأذنه في القدوم عليه فأخر القتال إلى حضوره.
مقتل صاحب الزنج
ولما وصل غلام ابن طولون في ثالث المحرم من سنة سبعين جاء في جيش عظيم، فأحسن إليهم الموفق وأجرى لهم الأرزاق على مراتبهم، وأمره بالتأهب لقتال الخبيث. وقد كان لما غلب على نهر أبي الخصيب وقطعت القناطر والجسور التي عليه، أحدث فيه سكرا وضيق جرية الماء ليمنع السفن من دخوله إذا حضر، ويتعذر خروجها أمامه. وبقي جريه لا يتهيأ إلا بإزالة ذلك السكر، فحاول ذلك مدة والزنج يدافعون عنه، ودفع الموفق لذلك لؤلؤا في أصحابه ليتمرنوا على حرب الزنج في تلك المسالك والطرق فأحسنوا البلاء فيها ووصلهم، وألح على العسكر، وهو كل يوم يقتل مقاتلهم ويحرق مساكنهم ويقتل المستأمنة منهم. وقد كان بقي بالجهة الغربية بقية من أبنية ومزارع وبها جماعة يحفظونها، فسار إليهم أبو العباس وأوقع بهم، ولم ٣/٤٠٨
يسلم منهم إلا الشريد. ثم غلبهم على السكر وأحرقه واعتزم على لقاء الخبيث وقدم ابنه أبا العباس إلى دار المهلب وأضاف المستأمنة إلى شبل بن سالم وأمرهم أن ينتظروا بالقتال نفخ البوق، ونصب علمه الأسود على دار الكرماني. ثم صمد إليهم وزحف الناس في البر والنهر، ونفخت الأبواق وذلك لثلاث بقين من المحرم سنة سبعين. واشتد القتال وانهزم الزنج ومات منهم قتلا وغرقا ما لا يحصى، واستولى الموفق على المدينة واستنقذوا الأسرى وأسروا الخليل وابن أبان وأولادهما وعيال أخيهما، ومضى الخبيث ومعه ابنه أنكلاي وابن جامع وقواد من الزنج إلى موضع بنهر السفياني كانوا أعدوه ملجأ إذا غلب على المدينة، واتبعه الموفق في السفن ولؤلؤ في البر. ثم اقتحم النهر بفرسه واتبعه أصحابه فأوقعوا بالخبيث ومن معه حتى عبروا نهر السامان واعتصموا بجبل وراءه، ورجع لؤلؤ عنهم وشكر له الموفق ورفع منزلته واستبشر الناس بالفتح. وجمع الموفق أصحابه فوبخهم على انقطاعهم عنه فاستعذروا بأنهم ظنوا انصرافه. ثم تحالفوا على الإقدام والثبات حتى يظفروا وسألوه أن ترد المعابر التي يعبرون فيها ليستميت الناس في حرب عدوهم، فوعدهم بذلك وأصبح ثالث صفر فعبى المراكب وبعثهم إلى المراكز ورد المعابر التي عبروا فيها وتقدم سرعان العسكر فأوقعوا بالخبيث وأصحابه ففضوا جماعة وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا، وافترقوا كل ناحية. وثبت مع الخبيث لمة من أصحابه فيهم المهلبي وذهب ابنه أنكلاي وابن جامع واتبع كلا منهم طائفة من العسكر بأمر أبي العباس ابن الموفق. ثم أسر إبراهيم بن جعفر الهمذاني فاستوثقوا منه. ثم كر الخبيث والمنهزمون معه على من اتبعهم من أهل العسكر فأزالوهم عن مواقفهم. ثم رجعوا ومضى الموفق في اتباع الخبيث إلى آخر نهر أبي الخصيب فلقيه غلام من أصحاب لؤلؤ برأس الخبيث وسار أنكلاي نحو الديناري ومعه المهلبى وبعث الموفق أصحابه في طلبهم فظفر بهم وبمن معهم، وكانوا زهاء خمسة آلاف، فاستوثق منهم ثم استأمن إليه ورمونة وكان عند البطيحة قد اعتصم بمغايض وآجام هنالك يخيف السابلة، ويغير على تلك النواحي وعلى الواردين إلى مدينة الموفق. فلما علم بموت الخبيث سقط في يده وبعث يستأمن فأمنه الموفق فحسنت توبته ورد الغصوبات إلى أهلها ظاهرا، ٣/٤٠٩
وأمر الموفق بالنداء برجوع الزنج إلى موطنهم فرجعوا وأقام الموفق بمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه، وولى على البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد فدخلها منتصف جمادى من سنة سبعين وكان خروج صاحب الزنج آخر رمضان سنة خمس وخمسين وقتله أول صفر سنة سبعين لأربع عشرة سنة وأربعة أشهر من دولته.
ولاية ابن كنداج على الموصل
لما سار أحمد بن موسى بن بغا إلى الجزيرة وولى موسى بن أتامش على ديار ربيعة فتغير لذلك إسحاق بن كنداج وفارق عسكره وأوقع بالأكراد اليعقوبية وانتهب أموالهم ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على مال، وكان عليهم علي بن داود قائدا، فدفعه وسار ابن كنداج إليه، فخرج علي بن داود واجتمع حمدان بن حمدون الثعلبي وإسحاق بن عمر بن أيوب بن الخطاب الثعلبي العدوي، فكانوا خمسة عشر، وجاءهم علي بن داود فلقيهم إسحاق في ثلاثة آلاف فهزمهم بدسيسة من أهل مسيرتهم، وسار حمدان وعلي بن داود إلى نيسابور، وابن أيوب إلى نصيبين، وابن كنداج في اتباعه، فسار عنها واستجار بعيسى ابن الشيخ الشيباني وهو بآمد، وأبي العز موسى بن زرارة وهو عامل أردن، فأنجداه وبعث المعتمد إلى إسحاق بن كنداج بولاية الموصل فدخلها، وأرسل إليه ابن الشيخ وابن زرارة مائة ألف دينار على أن يقرهم على أعمالهم فأبى، فاجتمعوا على حربه، فرجع إلى إجابتهم. ثم حاربوه سنة سبع وستين. واجتمع لحربه إسحاق بن أيوب وعيسى ابن الشيخ وأبو العز بن حمدان بن حمدون في ربيعة وثعلب وبكر واليمن فهزمهم ابن كنداج إلى نصيبين، ثم إلى آمد وحمر عسكرا لحصار ابن الشيخ بآمد وكانت بينهم حروب.
حروب الخوارج بالموصل
كان مساور الخارجي قد هلك في حروبه مع العساكر سنة ثلاث وستين بالبوارسح ٣/٤١٠
وأراد أصحابه ولاية محمد بن حرداد بشهرزور فامتنع، وبايعوا أيوب بن حيان المعروف بالغلام فقتل، فبايعوا هارون بن عبد الله البجلي وكثر أتباعه واستولى على بلد الموصل، وخرج عليه من أصحابه محمد بن حرداد، وكان كثير العبادة والزهد يجلس على الأرض ويلبس الصوف الغليظ ويركب البقر لئلا يفر في الحرب، فنزل واسط وجاء وجوه أهل الموصل، فسار إليهم وهارون غائب في الأحشاد، فبادر إليه واقتتلا، وانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتين، وقصد بني ثعلب مستنجدا بهم فأنجدوه وسار معه حمدان بن حمدون ودخل معه الموصل، ودخل ابن حرداد، واستمال هارون أصحابه، ورجع إلى الحديثة، ولم يبق مع ابن حرداد إلا قليل من الأكراد فمالوا إلى هارون بالموصل، فخرج وأوقع بابن حرداد فقتله وأوقع بالأكراد الجلالية وكثر أتباعه، وغلب على القرى والرساتيق، وجعل على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المصعدة والمنحدرة، ووضع في الرساتيق من يقبض اعتبار الغلات، واستقام أمره. ثم جاء بنو ساسان لقتاله سنة ست وسبعين واستنجد بحمدان بن حمدون فجاءه بنفسه، وسار إلى نهر الخازن وانهزمت طليعتهم، وانهزموا بانهزامها، وجاء بنو شيبان إلى فسا فانجفل أهلها وأقام هارون وأصحابه بالحديثة.
أخبار رافع بن هرثمة من بعد الخجستاني
لما قتل أحمد الخجستاني سنة ثمان وستين كما قدمناه اجتمع أصحابه على رافع بن هرثمة من قواد محمد بن طاهر، وكان رافع هذا لما استولى يعقوب الصفار على نيسابور، وزال بنو طاهر، صار رافع في جملته، وصحبه إلى سجستان. ثم أقصاه عن خدمته وعاد إلى منزله بنواحي جي حتى استخدمه الخجستاني وجعله صاحب جيشه. فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش عليه بهراة وأمروه وسار إلى نيسابور فحاصر بها أبا طلحة بن شركب وقد كان وصل إليها من جرجان، فضيق عليه المخنق ففارقها أبو طلحة إلى مرو، وولى على هراة ابن المهدي وخطب لمحمد بن طاهر بمرو وهراة وزحف إليه عمرو بن الليث فهزمه وغلبه على ما بيده. واستخلف على ٣/٤١١
مرو محمد بن سهل بن هاشم، وخرج أبو طلحة إلى مكمد واستعان بإسماعيل بن أحمد الساماني، فأمده بعسكر وأخرج محمد بن سهل، وخطب بها لعمرو بن الليث سنة إحدى وسبعين. ثم قلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان لمحمد ابن طاهر، وهو ببغداد، فاستخلف عليها رافع بن الليث وأقر على ما وراء النهر نصر بن أحمد. ووردت كتب الموفق بعزل عمرو بن الليث ولعنه، فسار رافع إلى هراة وقد كان بها محمد بن المهدي خليفة أبي طلحة، فثار عليه يوسف بن معبد. فلما جاء رافع استأمن إليه فأمنه واستعمل على هراة مهدي بن محسن. ثم سار رافع إلى أبي طلحة بمرو بعد أن استمد إسماعيل بن أحمد وأمده بنفسه في أربعة آلاف فارس، واستقدم علي بن محسن المروروذي فقدم عليه في عسكره، وساروا جميعا إلى أبي طلحة بمرو سنة اثنتين وسبعين، فهزموه وعاد إسماعيل إلى بخارى ولحق بأبي طلحة وبها مهدي، فاجتمع معه على مخالفة رافع فهزمهما رافع، ولحق أبو طلحة بعمرو بن الليث وقبض على مهدي سنة اثنتين وسبعين ثم خلى سبيله وسار رافع إلى خوارزم فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور.
مغاضبة المعتمد للموفق ومسيرة ابن طولون وما نشأ من الفتنة لأجل ذلك
كان الموفق حدثت بينه وبين ابن طولون وحشة وأراد عزله، وبعث موسى بن بغا في العساكر إليه سنة اثنتين وستين فأقام بالرقة عشرة أشهر، واختلف عليه العسكر فرجع، وكان الموفق مستبدا على أخيه المعتمد منذ قيامه بأمر دولته مع ما كان من الكفاية والغناء، إلا أنه كان المعتمد يتأفف من الحجر، وكتب إلى أحمد بن طولون في السر يشكو ذلك وأشار عليه باللحاق إليه بمصر لينصره، وبعث عسكرا إلى الرقة في انتظاره، وكان الموفق مشغولا بحرب الزنج، فسار المعتمد منتصف سنة تسع وستين في القواد مظهرا أنه يتصيد، ثم سار إلى أعمال الموصل وعليها يومئذ وعلى سائر الجزيرة أصحاب كنداج وكتب صاعد بن مخلد وزير الموفق عن الموفق إلى ٣/٤١٢
إسحاق برده عن طريقه، والقبض على من معه من القواد. فلما وصل المعتمد إلى عمله أظهر إسحاق طاعته، فارتحل في خدمته إلى أول عمل ابن طولون. ثم اجتمع بالمعتمد والقواد وفيهم نيزك وأحمد بن خاقان وغيرهم فعذلهم في المسير إلى ابن طولون والمقام تحت يده، وطال الكلام بينهم مليا ثم دعاهم إلى خيمته للمناظرة في ذلك أدبا مع المعتمد، وقيدهم وجاء إلى المعتمد فعذله في المسير عن دار خلافته ومغاضبة أخيه، وهو في دفاع عدوه ومن يريد خراب ملكه، وحمل الجميع إلى سامرا. وقطع ابن طولون الدعاء للموفق على منابره وأسقط اسمه من الطرز وغضب الموفق بسبب ذلك على أحمد بن طولون، وحمل المعتمد على أن يشار بلعنه على المنابر. وولى إسحاق بن كنداج على أعماله وفوض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وكان لؤلؤ مولى ابن طولون عاملا على حمص وحلب وقنسرين وديار مصر من الجزيرة. وكان منزله بالرقة فانتقض عليه في هذه السنة، وسار إلى بالس فنهبها، وكتب إلى الموفق فمر بقرقيسياء وبها ابن صفوان العقيلي فحاربه وغلبه عليها وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. ووصل إلى الموفق في عسكر عظيم وهو يقاتل صاحب الزنج فأكرمه الموفق وأحسن هو الغناء في تلك الحرب. ثم بعث ابن طولون في تلك السنة جيشه إلى مكة لإقامة الموسم، وعامل مكة هارون بن محمد ففارقها خوفا منهم، وبعث الموفق جعفرا في عسكر فقوي بهم هارون ولقوا أصحاب ابن طولون فهزموهم وصادروا القائد على ألف دينار. وقرئ الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون وانقلب أهل مصر إلى بلدهم آمنين. ولم يزل لؤلؤ في خدمة الموفق إلى أن قبض عليه سنة ثلاث وسبعين وصادره على أربعمائة ألف وأدبر أمره ثم، ثم عاد إلى مصر آخر أيام هارون بن حماديه .
وفاة ابن طولون ومسير ابن كنداج إلى الشام
وفي سنة سبعين انتقض بازمان الخادم بطرسوس وقبض على نائبة، وسار إليه أحمد بن طولون في العساكر وحاصروه فامتنع عليه، فرجع إلى أنطاكية فمرض هنالك ومات لست وعشرين سنة من ولايته على مصر وولي بعده ابنه خمارويه، ٣/٤١٣
وانتقضت عليه دمشق فبعث إليها العساكر وعادت إلى طاعته. وكان يومئذ بالموصل والجزيرة إسحاق بن كنداج وعلى الأنبار والرحبة وطريق الفرات محمد بن أبي الساج، فكاتبا الموفق في المسير إلى الشام واستمداه، فأذن لهما ووعدهما بالمدد، فسارا وملكا ما يجاورهما من بلاده، واستولى إسحاق على أنطاكية وحلب وحمص، وكاتبه نائب دمشق واجتمع الخلاف على خمارويه فسار إليه فهرب إلى شيزر وهي في طاعة خمارويه، ودمشق. وجاء أبو العباس بن الموفق وهو المعتضد من بغداد بالعساكر فكبس شيزر وقتل من جند ابن طولون مقتله عظيمة، ولحق فلهم بدمشق وأبو العباس في اتباعهم، فجلوا عنها، وملكها في شعبان سنة إحدى وسبعين.
ورجعت عساكر خمارويه إلى الرملة فأقاموا بها. وزحف إسحاق بن كنداج إلى الرقة وعليها وعلى الثغور والعواصم ابن دعاص من قبل خمارويه فقاتله وكان الظهور لإسحاق. ثم زحف أبو العباس المعتضد من دمشق إلى الرملة، وسار خمارويه من مصر واجتمع بعساكره في الرملة على ماء الطواحين، وكان المعتضد قد استفسد لابن كنداج وابن أبي الساج ونسبهما إلى الجبن في انتظارهما إياه في محاربة خمارويه. وعبى المعتضد عساكره ولقي خمارويه وقد أكمن له، فانهزم خمارويه أولا وملك المعتضد خيامه، وشغل أصحابه بالنهب فخرج عليهم الكمين فانهزم المعتضد إلى دمشق، فلم يفتح له أهلها، فراح إلى طرسوس وأقام العسكران يقتتلان دون أمير، وأقام أصحاب خمارويه عليهم أخاه سعدا مكانه، وذهبوا إلى الشام فملكوه أجمع، وأذهبوا منه دعوة الموفق وابنه. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسر وأطلق الأسرى الذين كانوا معه. ثم ثار أهل طرسوس بأبي العباس فأخرجوه، وسار إلى بغداد وولوا عليهم مازيار، فاستبد بها ثم دعا لخمارويه بعد أن وصله بمال جليل يقال أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا، فدعا له ثم بعث إليه بخمسين ألف دينار.
وفاة صاحب طبرستان وولاية أخيه
ثم توفي الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب سنة سبعين لعشرين سنة من ولايته وولي مكانه أخوه وكان على قزوين أتكوتكين فسار إلى الري في أربعة ٣/٤١٤
آلاف فارس، وسار إليه محمد بن زيد في عالم كثير من الديلم والخراسانية، والتقوا فانهزم محمد بن زيد وقتل من عسكره نحو من ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم أتكوتكين عسكرا وملك الري وأغرم أهلها مائة ألف دينار، وفرق عماله عليها، وسار محمد بن زيد إلى جرجان، ثم عزل عمرو بن الليث عن خراسان وولى عليها محمد بن طاهر، واستخلف محمد بن رافع بن هرثمة، وسار سنة خمس وسبعين إلى جرجان وهرب عنها ليلا إلى استرياد فحاصره رافع فيها سنتين حتى أجهده الحصار، ففر عنها ليلا إلى سارية، فاتبعه فهرب عن طبرستان سنة سبع وسبعين، واستأمن رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان فأمنه، وبعث إلى سالوس محمد بن هارون نائبا عنه وأتاه بها علي ابن كاني مستأمنا. ثم جاءه محمد وحاصرهما بسالوس، وانقطعت أخبارهما عن نافع.
ثم جاءه الخبر بحصارهما فسار إليهما فارتحل محمد بن زيد إلى أرض الديلم، فدخل رافع خلفه وأثخن فيها نهبا وتخريبا إلى حدود قزوين، وعاد إلى الري إلى أن توفي المعتمد سنة تسع وتسعين.
فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج وابن طولون
كان ابن أبي الساج في أعماله بقنسرين والفرات والرحبة ينافس إسحاق وهو على الجزيرة، ويريد التقدم عليه، فحدثت لذلك منهما فتنة. فخطب ابن أبي الساج لخمارويه بن طولون . وبعث ابنه ديواداد رهينة إليه، فبعث إليه خمارويه أموالا جمة وسار إلى الشام، واجتمع بابن أبي الساج ببالس، ثم عبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة، وهزم إسحاق بن كنداج، واستولى على أعماله. وعبر خمارويه ونزل الرقة ومضى إسحاق إلى قلعة ماردين وحاصره ابن أبي الساج بها، ثم أفرج عنها وسار إلى سنجار لقتال بعض الأعراب فسار ابن كنداج من ماردين إلى الموصل، فاعترضه ابن أبي الساج، وهزمه فعاد إلى ماردين، واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب فيهما لخمارويه ثم لنفسه بعد، وبعث غلامه فتحا إلى أعمال الموصل لجباية الخراج. وكان اليعقوبية من السراة قريبا منه، فهادنهم، ثم ٣/٤١٥
غدر بهم فكسبهم، وجاءهم أصحابهم من غير شعور بالواقعة، فحملوا على أصحاب فتح فاستلحموهم. ثم انتقض ابن أبي الساج واستبيح عسكره. وكان له بحمص مخلف من أثقاله، فقدم خمارويه طائفة من العسكر إليها، فاستولوا على ما فيها، ومنعوا ابن أبي الساج من دخولها، فسار إلى حلب، ثم إلى الرقة وخمارويه في اتباعه، فعبر الفرات إلى الموصل، وجاء خمارويه إلى بلد وأقام بها وسار ابن أبي الساج إلى الحديثة وكان إسحاق بن كنداج قد لحق بخمارويه من ماردين فبعث معه جيشا وجماعة من القواد، وسار في طلب ابن أبي الساج، وقد عبر دجلة فجمع ابن كنداج السفن ليوطئ جسرا للعبور. وبينما هو في ذلك أسرى ابن أبي الساج من تكريت إلى الموصل، فوصلها لرابعة وسار ابن كنداج في اتباعه، فاقتتلوا بظاهر الموصل وابن أبي الساج في ألفين، فصبر واشتد القتال، وانهزم ابن كنداج وهو في عشرين ألفا. فخلص إلى الرقة ومحمد بن أبي الساج في اتباعه. وكتب إلى الموفق يستأذنه في عبور الفرات إلى بلاد خمارويه بالشام، فأمره بالتوقف إلى وصول المدد من عنده، ومضى ابن كنداج إلى خمارويه فجاء بجيوشه إلى الفرات، وتوافق مع ابن أبي الساج والفرات بينهما. ثم عبرت طائفة من عسكر ابن كنداج فأوقعوا بطائفة من عسكر ابن أبي الساج فانهزموا إلى الرقة، فسار ابن أبي الساج عن الرقة إلى بغداد سنة ست وسبعين في ربيع منها، فأكرمه الموفق ووصله واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة من أعمال الجزيرة، وأقام بها وولى الموفق محمد بن أبي الساج على أذربيجان، فسار إليها فخرج إليه عبد الله بن الحسين الهمذاني عامل مراغة ليصده فهزمه ابن أبي الساج فحاصره وأخذ منه مراغة سنة ثمان وسبعين وقتله. واستقر ابن أبي الساج في عمله بأذربيجان.
أخبار عمرو بن الليث
كان عمرو بن الليث بعد مهلك أخيه يعقوب قد ولاه الموفق خراسان وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد كما كان أخوه، وقد ذكرنا ذلك قبل.
وكان عامله على فارس ابن الليث فانتقض عليه سنة ثمان وستين فسار عمر ولحربه فهزمه واستباح عسكره ونهب إصطخر ثم ظفرت جيوشه بمحمد وأسره وحبسه بكرمان، فأقام بها ثم بعث إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وهو بأصبهان يطلبه ٣/٤١٦
بالمال. فبعث إليه بالأموال، وبعث عمرو إلى الموفق بثلاثمائة ألف دينار، وبخمسين منا من المسك ومثلها من العنبر ومائتين من العود، وثلاثمائة ثوب من الوشي ومن آنية الذهب والفضة والدواب والغلمان قيمة مائة ألف دينار. واستأذنه في غزو محمد ابن عبيد الكردي في رامهرمز فأذن له، فبعث قائدا من جيشه إليه فأسره وجاء به إلى عمرو، ثم عزل المعتمد سنة إحدى وستين عمرو بن الليث عما كان قلده من الأعمال، وأدخل إليه الحاج من أهلها عند منصرفهم من مكة، فأعلمهم بعزله، وأنه قد ولى على خراسان محمد بن طاهر، وأمر بلعن عمرو على المنابر. وجهز مخلد ابن صاعد إلى فارس لحرب عمرو، واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة، وكتب المعتمد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بقتاله، وبعث إليه الجيوش فاقتتلوا مع عمرو، وكان في خمسة عشر ألف مقاتل، فانهزم عمرو وخرج قائده الديلمي وقتل مائة من أعيانهم وأسر ثلاثة آلاف، فاستأمن منهم وغنموا من عسكره ما لا يحصى. ثم زحف الموفق سنة أربع وسبعين إلى فارس لحرب عمرو فأنفذ عمرو ابنه محمدا إلى أرجان في العساكر، وعلى مقدمته أبو طلحة بن شركب وعباس بن إسحاق إلى سيراف، واستأمن أبو طلحة إلى الموفق ففت ذلك في عضد عمرو، وعاد إلى كرمان واستراب الموفق بأبي طلحة فقبض عليه قريبا من شيراز، وجعل ماله لابنه أبي العباس المعتضد، وسار في طلب عمرو، فخرج من كرمان إلى سجستان ومات ابنه محمد بالمفازة، ورجع عنه الموفق وسار رافع بن الليث من خراسان وغلب محمد بن زيد على طبرستان كما قدمناه، (وقدم عليه هنالك علي بن الليث هو وابناه المعدل والليث بن حسن أخيه علي بكرمان ثم قتله رافع سنة ثمان وستين) .
مسير الموفق إلى أصبهان والجبل
كان كاتب أتوتكين أنهى إلى المعتضد أن له مالا عظيما ببلاد الجبل فتوجه لذلك فلم يجد شيئا ثم سار إلى الكرخ ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف ٣/٤١٧
فتنحى أحمد عن البلد بعسكره، وترك داره بفرشها لنزل الموفق عند قدومه، ثم رجع الموفق إلى بغداد.
قبض الموفق على ابنه أبي العباس المعتضد ثم وفاته وقيام ابنه أبي العباس بالأمر بعده
كان الموفق بعد رجوعه من أصبهان نزل واسط، ثم عاد إلى بغداد وترك المعتمد بالمدائن، وأمر ابنه أبا العباس وهو المعتضد بالمسير إلى بعض الوجوه فأبى، فأمر بحبسه، ووكل به. وركب القواد من أصحابه واضطربت بغداد فركب الموفق إلى الميدان وسكن الناس، وقال: إني احتجت إلى تقويم ابني فقومته، فانصرف الناس وذلك سنة ست وسبعين. وكان عند منصرفه من الجبل قد اشتد به وجع النقرس ولم يقدر على الركوب، فكان يحمل في المحفة، ووصل إلى داره في صفر من سنة سبع، وطال مرضه وبعث كاتبه أبا الصقر ابن بلبل إلى الميدان، فجاء بالمعتمد وأولاده وأنزله بداره، ولم يأت دار الموفق، فارتاب الأولياء لذلك، وعمد غلمان أبي العباس فكسروا الأقفال المغلقة عليه وأخرجوه وأقعدوه عند رأس أبيه وهو يجود بنفسه، فلما فتح عينه قربه وأدناه وجمع أبو الصقر عنده القواد والجند. ثم تسامع الناس أن الموفق حي، فتسللوا عن أبي الصقر وأولهم محمد بن أبي الساج، فلم يسع أبا الصقر إلا الحضور بدار الموفق، فحضر هو وابنه وأشاع أعداء أبي الصقر أنه هرب بمال الموفق إلى المعتمد، فنهبوا داره، وأخرجت نساؤه حفاة عراة، ونهب ما يجاوره من الدور، وفتقت السجون، ثم خلع الموفق على ابنه أبي العباس وأبي الصقر، وركب إلى منزلهما وولى أبو العباس غلامه بدار الشرطة. ثم مات لثمان بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ودفن بالرصافة. واجتمع القواد فبايعوا ابنه أبا العباس المعتضد بالله، واجتمع عليه أصحاب أبيه، ثم قبض المعتضد على أبي الصقر ابن بلبل وأصحابه، وانتهبت منازلهم، وولى عبد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، وبعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداد فأبى وصيف وسار إلى السوس فأقام بها. ٣/٤١٨
ابتداء أمر القرامطة
كان ابتداء أمرهم فيما زعموا أن رجلا ظهر بسواد الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين يتسم بالزهد، وكان يدعى قرمط يقال لركوبه على ثور كان صاحبه يدعى كرميطة فعرب وقيل بل اسمه حمدان ولقبه قرمط. يقال وزعم أنه داعية لأهل البيت للمنتظر منهم واتبعه العباس فقبض عليه الهيصم عامل الكوفة وحبسه، ففر من حبسه وزعم أن الإغلاق لا يمنعه. ثم زعم أنه الذي بشر به أحمد بن محمد ابن الحنفية، وجاء بكتاب تناقله القرامطة فيه بعد البسملة: يقول الفرح بن عثمان من قرية نصرانه أنه داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل. وإن المسيح تصور له في جسم إنسان فقال له إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس، وعرفه أن الصلاة أربع ركعات قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان بالتكبير في افتتاحه وشهادة التوحيد مرتين، ثم شهادة بالرسالة لآدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم عيسى ثم محمد صلوات الله عليهم، ثم لأحمد بن محمد بن الحنفية ويقرأ الاستفتاح في كل ركعة وهو من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة بيت المقدس والجمعة يوم الإثنين، ولا يعمل فيه شيء. والسورة التي تقرأ فيها: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي، اتقوني يا أولى الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وفي نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت على ألسنة رسلي. فأنا الذي لم يعل جبار إلا وضعته وأذللته، فبئس الذي أصر على أمره، ودام على جهالته. وقال: لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: مرتين سبحان ربي ورب العزة وتعالى عما يصف الظالمون، وفي سجوده الله أعلى مرتين، الله أعظم مرة، والصوم مشروع يوم المهرجان، والنيروز. والنبيذ حرام والخمر حلال، والغسل من الجنابة كالوضوء. ولا يؤكل ذو ناب ولا ذو مخالب، ومن خالفهم ٣/٤١٩
وحارب وجب قتله، وإن لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوى شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا، وتشهد عليهم بالكذب، وهذا الفرح ابن يحيى الذي ذكر هذا أول الكتاب أنه داعية القرامطة يلقب عندهم ذكرويه بن مهرويه. ويقال إن ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج، وإنه سار إليه على الأمان، وقال له: إن ورائي مائة سيف، فتعال نتناظر فلعلنا نتفق ونتعاون. ثم تناظرا فاختلفا وانصرف قرمط عنه، وكان يسمي نفسه القائم بالحق. وزعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج.
فتنة طرسوس
قد تقدم لنا انتقاض بازمان بطرسوس على مولاه أحمد بن طولون، وأنه حاصره فامتنع عليه، وأنه راجع بعد طاعة ابنه خمارويه مما حمل إليه من الأموال والأمتعة والسلاح، فاستقام أمره بطرسوس مدة، وغزا سنة ثمان وسبعين بالصائفة مع أحمد الجعفي وحاصروا اسكندا فأصيب بحجر منجنيق، فرجع وهلك في طريقه ودفن بطرسوس. وكان استخلف ابن عجيف فأقره خمارويه وأمده بالخيل والسلاح والمال، ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه ابن محمد بن موسى بن طولون. ولما توفي الموفق نزع خادم من خواصه اسمه راغب إلى الشك، وطلب المقام بالثغر للجهاد، فأذن له المعتضد، فسار إلى طرسوس وحط أثقاله بها وسار إلى لقاء خمارويه بدمشق فأكرمه واستجلب أنسه، فطال مقامه وألهم أصحابه بطرسوس أنه قبض عليه، فأوصلوا أهل البلد في ذلك، فوثبوا بأميرهم محمد بن موسى حتى يطلق لهم راغب، وبلغ الخبر إلى خمارويه فأطلقه فجاء إليهم ووبخهم على فعلهم، فأطلقوا محمد بن موسى وسار عنهم إلى بيت المقدس فأعادوا ابن عجيف إلى ولايته.
فتنة أهل الموصل مع الخوارج
قد تقدم لنا أن هارون بن سليمان كان على الشراة من الخوارج، وكان بنو شيبان يقاتلونهم ويغيرون على الموصل. فلما كانت سنة تسع وسبعين جاء بنو شيبان لذلك وأغاروا على نينوى وغيرها من الأعمال، فاجتمع هارون الشاربي في الخوارج وحمدان ٣/٤٢٠
ابن حمدون الثعلبي على مدافعتهم. وكان مع بني شيبان هارون بن سيما مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيباني، بعثه محمد بن إسحاق بن كنداجق واليا على الموصل عند ما مات أبوه إسحاق، وولى مكانه على أعماله بالموصل وديار ربيعة فلم يرضه أهل الموصل وطردوه، فسار إلى بني شيبان مستنجدا بهم، فلما التقى الجمعان انهزم بنو شيبان أولا واشتغل أصحاب حمدان والخوارج بالنهب، فكر عليهم بنو شيبان وظفروا بهم. وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن إسحاق بن كنداجق يستمده فسار بنفسه، وخشيه أهل الموصل فسار بعضهم إلى بغداد يطلبون عاملا يكفيهم أمر ابن كنداجق، ومروا في طريقهم بمحمد بن يحيى المجروح الموكل بحفظ الطريق فألفوه وقد وصل إليه بولاية العهد الموصل، فبادر وملكها، وتواثق ابن كنداجق في مكانه، وبعث إلى خمارويه بالهدية، ويسأل إمارة الموصل كما كان من قبل، فلم يجبه إلى ذلك، ثم عزل المجروح وولى بعده علي بن داود الكردي.
الصوائف أيام المعتمد
وصل الخبر في سنة سبع وخمسين بأن ملك الروم بالقسطنطينية ميخاييل بن روفيل وثب عليه قريبه مسك، ويعرف بالصقلي فقتله لأربع وعشرين سنة من ملكه، وملك مكانه. وفي سنة تسع وخمسين خرجت عساكر الروم فنازلوا سميساط ثم نازلوا مليطة وقاتلهم أهلها فانهزموا، وقتل بطريق من بطارقتهم. وفي سنة ثلاث وستين استولى الروم على قلعة الصقالبة، وكانت ثغرا لطرسوس وتسمى قلعة كركرة فرد المعتمد ولاية ثغر طرسوس لابن طولون، وكان أحمد بن طولون قد خطب ولايتها من الموفق يريد أن يجعلها ركابا لجهاده لخبرته بأحوالها. وكان يردد الغزو من طرسوس إلى بلاد الروم قبل ولاية مصر، فلم يجبه الموفق، وولى عليها الموفق محمد بن هارون الثعلبي، واعترضه الشراة أصحاب مساور وهو مسافر في دجلة فقتلوه، فولى مكانه أماجور بن أولغ بن طرخان من الترك، فسار إليها وكان غرا جاهلا، فأساء السيرة ومنع أقران أهل كركرة ميرتهم، وكتبوا إلى أهل طرسوس يشكون فجمعوا لهم خمسة عشر ألف دينار فأخذها أماجور لنفسه، وأبطأ على أهل القلعة شأنها. فنزلوا ٣/٤٢١
عنها وأعطوها الروم، وكثر أسف أهل طرسوس لذلك بما كانت ثغرهم وعينا لهم على العدو، وبلغ ذلك المعتمد، فكتب لأحمد بن طولون بولايتها وفوض إليه أمر الثغور، فوليها واستعمل فيها من يحفظ الثغر ويقيم الجهاد، وقارن ذلك وفاة أماجور عامل دمشق، وملك ابن طولون الشام جميعها كما ذكرناه قبل. وفي سنة أربع وستين غزا بالصائفة عبد الله بن رشيد بن كاوس في أربعين ألفا من أهل الثغور الشامية، فأثخن فيهم وغنم ورجع، فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية، وقرة كوكب وحرسيه ، وأحاطوا بالمسلمين فاستمات المسلمون واستلحمهم الروم بالقتل، ونجا فلهم إلى الثغر، وأسر عبد الله بن كاوس وحمل إلى القسطنطينية وفي سنة خمس وستين خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا والي الثغور أوخرد فعزل عنها وأقام مرابطا، وبعث ملك الروم بعبد الله بن كاوس ومن معه من الأسرى إلى أحمد بن طولون، وأهدى إليه عدة مصاحف. وفي سنة ست وستين لقي أسطول المسلمين أسطول الروم عند صقيلة فظفر الروم بهم، ولحق من سلم منهم بصقيلة، وفيها خرجت الروم على ديار ربيعة، واستنفر الناس ففروا ولم يطيقوا دخول الدرب لشدة البرد فيها. وغزا عامل ابن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة من أهل طرسوس واعترضهم أربعة آلاف من الروم من بلاد هرقل، فنال المسلمون منهم أعظم النيل. وفي سنة ثمان وستين خرج ملك الروم، وفيها غزا بالصائفة خلف الفرغاني عامل ابن طولون على الثغور الشامية فأثخن ورجع. وفي سنة سبعين زحف الروم في مائة ألف ونزلوا قلمية على ستة أميال من طرسوس، فخرج إليهم بازيار فهزمهم وقتل منهم سبعين ألفا وجماعة من البطارقة، وقتل مقدمهم بطريق البطارقة، وغنم منهم سبع صلبان ذهبا وفضة، وكان أعظمها مكللا بالجواهر. وغنم خمسة عشر ألف دابة، ومن السروج والسيوف مثل ذلك، وأربع كراسي من ذهب، ومائتين من فضة وعشرين علما من الديباج وآنية كثيرة. وفي سنة ثلاث وسبعين غزا بالصائفة بازيار وتوغل في أرض الروم وقتل وغنم وأسر وسبى وعاد إلى طرسوس. وفي سنة ثمان وسبعين دخل أحمد الجعفي طرسوس وغزا مع بازيار ٣/٤٢٢
بالصائفة ونازلوا إسكندا فأصيب بازيار عليها بحجر منجنيق فرجع ومات في طريقه ودفن بطرسوس.
الولايات بالنواحي أيام المعتز
كانت الفتنة قد ملأت نواحي الدولة من أطرافها وأوساطها واستولى بنو سامان على ما وراء النهر، والصفار على سجستان وكرمان وملك فارس من يد عمال الخليفة، وانتزع خراسان من بني طاهر وكلهم مع ذلك يقيمون دعوة الخليفة. وغلب الحسن بن زيد على طبرستان وجرجان منازعا بالدعوة ومحاربا بالديلم لابن سامان والصفار، وعساكر الخليفة بأصبهان، واستولى صاحب الزنج على البصرة والأبلة إلى واسط وكور دجلة منازعا للدعوة ومشاققا، وأضرم تلك النواحي فتنة. ولم يزل الموفق في محاربته حتى حسم علته وقطع أثره واضطرمت بلاد الموصل والجزيرة فتنة بخوارج السراة وبالقرب من بني شيبان وتغلب بالأكراد، واستولى ابن طولون على مصر والشام مقيما لدعوة الخلافة العباسية، وابن الأغلب بإفريقية كذلك. وأما المغرب الأقصى والأندلس فاقتطعا عن المملكة العباسية منذ أزمان كما قلنا، ولم يكن للمعتمد مدة خلافته كلها حكم ولا أمر ونهي، إنما كان مغلبا لأخيه الموفق وتحت استبداده، ولم يكن لهما جميعا كبير ولاية في النواحي باستيلاء من استولى عليها ممن ذكرناه إلا بعض الأجناس، فلنذكر ما وصل إلينا من هذه الولايات أيام المعتمد، فلأول ولايته استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان وبعث جعلان لحرب الزنج بالبصرة فكان أمره معهم كما مر. ثم ولى عيسى بن الشيخ من بني شيبان على دمشق فاستأثر بها ومنع الخراج، وجاءه حسين الخادم من بغداد يطلب المال فاعتذر بأنه أنفقه على الجند، فكتب له المعتمد عهده في أرمينية ليقيم بها دعوته وقلد أماجور دمشق وأعمالها فسار إليها، وأنفذ عيسى بن الشيخ ابنه منصورا لقتال أماجور في عشرين ألفا، فانهزموا وقتل منصور وسار عيسى إلى أرمينية على طريق الساحل ودخل أماجور دمشق. وفي سنة ست وخمسين سار موسى بن بغا لحرب مساور الخارجي فلقيه (ساحة جائعين) فنال الخوارج منهم. وفيها كان وثوب محمد بن واصل بن ٣/٤٢٣
إبراهيم التميمي على الحرث بن سيما عامل فارس، فقتله وغلب عليها كما مر. وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري فسار إليها موسى بن بغا وغلب على عساكر الحسن، وظهر علي بن زيد بالكوفة وملكها، وبعث المعتمد لمحاربته كيجور التركي فخرج عنها إلى القادسية، ثم إلى ختان ثم إلى بلاد بني أسد. وغزاه كيجور من الكوفة فأوقع به وعاد إلى الكوفة، ثم إلى سر من رأى. وفي سنة سبع وخمسين عقد المعتمد لأخيه الموفق على الكوفة والحرمين واليمن ثم على بغداد والسواد إلى البصرة والأهواز وأمره أن يعقد ليارجوج على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد الحاجب. وعقد يارجوج على ذلك لمنصور بن جعفر الخياط ونزل الأهواز ثم عقد المعتمد حرب الزنج بالبصرة لأحمد بن المولد، فسار إليها وقاتل الزنج. وكان بالبطائح سعيد بن أحمد الباهلي متغلبا عليها فأخذه ابن المولد وبعث به إلى سامرا.
وفيها تغلب يعقوب الصفار على فارس وبعض أعمال خراسان، وولاه المعتمد ما غلب عليها وفيها غلب الحسن بن زيد على خراسان، وانتقضت على ابن طاهر أعمال خراسان، وفيها اقتطع المعتمد مصر وأعمالها ليارجوج التركي فولى عليها أحمد بن طولون، ومات يارجوج لسنة بعدها فاستبد ابن طولون بها، وكان عبد العزيز بن أبي دلف على الري، فخرج عليها خوفا من جيوش ابن زيد صاحب طبرستان، فبعث الحسن من قرابته القاسم بن علي القاسم، فأساء فيها السيرة. وفي سنة ثمان وخمسين قتل منصور بن جعفر الخياط في حرب الزنج، وولي يارجوج على أعمال منصور، فولى عليها أصطيخور، وهلك في حرب الزنج، وعقد المعتمد للموفق على ديار مصر وقنسرين والعواصم. وبعثه لحرب الزنج ومعه مفلح فهلك في تلك الحرب. وعقد المعتمد على الموصل والجزيرة لمسرور البلخي فكانت بينه وبين مساور الشيباني حروب وكذلك بين الأكراد واليعقوبية، وأوقع بهم كما مر. وفيها رجع أحمد بن واصل إلى طاعة السلطان وسلم فارس للحسن بن الفياض. وفي سنة تسع وخمسين كان مهلك أصطيخور بالأهواز، فأمر المعتمد موسى بن بغا بالمسير ٣/٤٢٤
لحرب الزنج كما مر. وفيها ملك يعقوب الصفار خراسان وقبض على محمد بن طاهر، وكان لمنكجور على الكوفة، فسار عنها إلى سامرا بغير إذن، وأمر بالرجوع فأبى، فبعث المعتمد عدة من القواد فلقوه بعكبر فقتلوه وحملوا رأسه. وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس وملكها، وكانت وقعة بين محمد بن الفضل بن نيسان وبين دهشودان ابن حسان الديلي فهزمه محمد، وفيها غلب شركب الحمال على مرو ونواحيها. وفي سنة ستين أقام يعقوب بن الصفار الحسن بن زيد فهزمه وملك طبرستان كما مر.
وأخرج أهل الموصل عاملهم أتكوتكين بن أساتكين، فبعث عليهم أساتكين إسحاق ابن أيوب في عشرين ألفا ومعه حمدان بن حمدون الثعلبي فامتنع أهل الموصل منهم وولوا عليهم يحيى بن سليمان، فاستولى عليها، وفيها قتلت الأعراب منجور وإلى حمص فولى بكتر، وولى على أذربيجان الرذيني عمر بن علي لما بلغه أن عاملها العلاء بن أحمد الأزدي فلج، فلما أتى الرذيني حاربه العلاء فانهزم وقتل، واستولى الرذيني على مخلفه قريبا من ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم. وفيها سار علي بن زيد القائد بالكوفة إلى صاحب الزنج فقتله. وفي سنة إحدى وستين عقد المعتمد لموسى بن بغا على الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، مضافا لما بيده. فولاها موسى عبد الرحمن بن مفلح وبعثه لحرب ابن واصل، فهزمه ابن واصل وأسره كما مر، ورأى موسى بن بغا اضطراب تلك الناحية، فاستعفى منها ووليها أبو الساج، وملك الزنج الأهواز من يده، فصرف عن ولايتها ووليها إبراهيم بن سيما وولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. ثم جاء الصفار إلى فارس، فغلب عليها ابن واصل كما مر، فجهز المعتمد أخاه الموفق إلى البصرة بعد أن ولاه المعتمد عهده بعد ابنه جعفر كما ذكرناه. وبعث الموفق ابنه أبا العباس لحرب الزنج فتقدما بين يديه، وفيها فارق محمد بن زيد ولاية يعقوب الصفار، وسار ابن أبي الساج إلى الأهواز وطلب أن يوجه الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى خراسان، وفيها استبد نصر بن أحمد بن سامان بسمرقند وما وراء النهر، وولى أخاه إسماعيل بخارى وفيها ولى المعتمد على الموصل الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب، وفيها رجع الحسين بن زيد إلى طبرستان وأخرج منها أصحاب الصفار، وأحرق سالوس لممالأة أهلها الصفار وأقطع ضياعهم للديلم، وفيها نادى المعتمد في حاج خراسان والري وطبرستان وجرجان بالنكير على ما فعله الصفار في خراسان وابن طاهر، وانه لم يكن عن أمره ولا ولاه. ٣/٤٢٥
وفيها قتل مساور الشاربي يحيى ابن جعفر من ولاة خراسان، فسار مسرور البلخي في طلبه والموفق من ورائه. وفي سنة اثنتين وستين كانت الحرب بين الموفق والصفار، واستولى الزنج على البطيحة ودسيميسان وولى على الأهواز كما ذكرنا، وبعث مسرور البلخي أحمد بن ليتونة لحربهم كما مر. وفيها ثار أحمد بن عبد الله الخجستاني في خراسان بدعوة بني طاهر، وغلب عليها الصفار إلى أن قتل كما مر ذكره. وفيها وقعت مغاضبة بين الموفق وابن طولون فبعث إليه الموفق موسى بن بغا فأقام بالرقة حولا، وعجز عن المسير لقلة الأموال فرجع إلى العراق. وفيها انصرف عامل الموصل وهو القطان صاحب مفلح فقتله الأعراب بالبرية. وفي سنة ثلاث وستين استولى الصفار على الأهواز، ومات مساور الشاربي وهو قاصد لقاء العساكر السلطانية بالتواريخ . فولى الخوارج مكانه هارون بن عبد الله البلخي، فاستولى على الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفار بابن واصل. وفيها هزم ابن أوس من طريق خراسان وعاد إلى الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفار بابن واصل وأسروه، ومات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد فاستوزر مكانه الحسن بن مخلد، وكان موسى بن بغا غائبا في غزو العرب، فلما قدم خافه الحسين وتغيب، فاستوزر مكانه سليمان بن وهب وفيها غلب أخو شركب الحمال على نيسابور وخرج عنها الحسين بن طاهر إلى مرو وبها خوارزم شاه يدعو لأخيه محمد.
وفيها ملك صاحب الزنج مدينة واسط وقاتله دونها محمد بن المولد فهزمه ودخلها واستباحها. وفيها قبض المعتمد على وزيره سليمان بن وهب وولى مكانه الحسن بن مخلد، وجاء الموفق مع عبد الله بن سليمان شفيعا فلم يشفعه، فتحول إلى الجانب الغربي مغاضبا واختلفت الرسل بينه وبين المعتمد، وكان مع الموفق مسرور كيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا. ثم أطلق سليمان ودعا إلى الجوسق وهرب محمد بن صالح ابن شيرزاده والقواد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفق، فوصلوا إلى الموصل وكتب الموفق لأحمد بن أبي الأصبغ في قبض أموالهم. وفيها مات أماجور ٣/٤٢٦
عامل دمشق وملك ابن طولون الشام وطرسوس وقتل عاملها سيما. وفي سنة خمس وستين ولي مسرور البلخي على الأهواز، وهزم الزنج. وفيها مات يعقوب الصفار وقام بأمره أخوه عمر، ولاه الموفق مكان أخيه بخراسان وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد. وفيها وثب القاسم بن مهان بدلف ابن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان، فوثب جماعة من أصحاب دلف بالقاسم فقتلوه. فولي أصبهان أحمد بن عبد العزيز أخو دلف، وفيها لحق محمد بن المولد بيعقوب الصفار وقبضت أمواله وعقاره ببغداد. وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وصادرهما على تسعمائة ألف دينار، وفيها ذهب موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا مغاضبين، وبعث الموفق في أثرهم صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وفيها استوزر الموفق أبا الصقر إسماعيل بن بلبل. وفي سنة ست وستين ملك الزنج رامهرمز وغلب أساتكين على الري وأخرج عنها عاملها فطلقت . ثم مضى إلى قزوين وبها أخوه كيغلغ فصالحه ملكها. وفيها ولى علي بن الليث على الشرطة ببغداد عبيد الله بن عبد الله طاهر، وعلى أصبهان أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وعلى الحرمين وطريق مكة محمد بن أبي الساج، وولى الموفق على الجزيرة أحمد بن موسى بن بغا فولى من قبله على ديار ربيعة موسى بن أتامش، فغضب لذلك إسحاق ابن كنداجق وفارق عسكر موسى، وسار إلى بلد، وأوقع بالأكراد اليعقوبية، ثم لقي ابن مساور الخارجي فقاتله وسار إلى الموصل، وطلب من أهلها المال، وخرج على ابن داود لقتاله مع إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون، وكانت بينهم حروب أخرها المعتمد لإسحاق بن كنداجق على الموصل، وقد مر ذلك من قبل، وفيها قتل أهل حمص عاملها عيسى الكرخي. وفيها كانت بين لؤلؤ غلام ابن طولون وبين موسى بن أتامش وقعة برأس عين، وأسره لؤلؤ وبعث به إلى الرقة، ثم لقيه أحمد بن موسى فاقتتلوا، وغلب أحمد أولا ثم كر لؤلؤ فغلبهم وانتهوا إلى قرقيسيا. ثم ساروا إلى بغداد وسامرا. وفيها أوقع أحمد بن عبد العزيز ببكتم فانهزم ولحق ببغداد وأوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان فلحق بآمد، وملك الخجستاني جرجان وأقطعه من طبرستان واستخلف على سارية الحسن ابن محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي بن ٣/٤٢٧
حسين الأصفر بن زين العابدين، فلما انهزم الحسن بن زيد أظهر الحسن بن محمد أنه قتل، ودعا لنفسه وحاربه الحسن بن زيد فظفر به وقتله. وفيها ملك الخجستاني نيسابور من يد عامل ابن عمرو بن الليث، وفيها في صفر زحف الموفق لقتال صاحب الزنج، فلم يزل يحاصره حتى اقتحم عليه مدينته وقتله منتصف سنة سبعين.
وفيها كانت الحرب بالمدينة بين بني حسن وبني جعفر. وفي سنة سبع وستين كانت الفتنة بالموصل بين الخوارج. وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وجماعة من بيته، اتهمه عمرو بن الليث بممالأة الخجستاني والحسين بن طاهر أخيه، فكتب إلى المعتمد وحبسه. وفيها كانت بين كيقلغ التركي وأحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وانهزم أحمد وملك كيقلغ همذان، فزحف إليه أحمد بن عبد العزيز فهزمه، وملك همذان. وسار كيقلغ إلى الصحيرة . وفيها أزال الخجستاني ذكر محمد بن طاهر من المنابر ودعا لنفسه بعد المعتمد، وضرب السكة باسمه، وجاء يريد العراق فانتهى إلى الري. ثم رجع وفيها أوقع أصحاب أبي الساج بالهيثم العجلي صاحب الكوفة، وغنموا عسكره. وفيها أوقع أبو العباس بن الموفق بالأعراب الذين كانوا يجلبون الميرة بالزنج من بين تميم وغيرهم. وفي سنة ثمان وستين كان مقتل الخجستاني و أصحابه بعده على رافع بن هرثمة من قواد بني طاهر وملك بلاد خراسان وخوارزم، وفيها انتقض محمد بن الليث بفارس على أخيه عمرو، فسار إليه وهزمه واستباح عسكره، وملك أصطيخور وشيراز وظفر به، فحبسه كما مر. وفيها كانت وقعة بين أتكوتكين بن أساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز ابن أبي دلف فهزمه اتكوتكين وغلبه على قم. وفيها بعث عمرو بن الليث عسكرا إلى محمد بن عبد الله الكردي. وفيها انتقض لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون، وسار إلى الموفق وقاتل معه الزنج. وفيها سار المعتمد إلى ابن طولون بمصر مغاضبا لأخيه الموفق، وكتب الموفق إلى إسحاق بن كنداجق بالموصل برده، فسار معه إلى آخر عمله، ثم ٣/٤٢٨
قبض على القواد الذين معه، ورده إلى سامرا. وفيها وثب العامة ببغداد بأميرهم الخلنجي وكان كاتب عبيد الله بن طاهر، وقتل غلام له امرأة بسهم، فلم يعدهم عليه، فوثبوا به وقتلوا من أصحابه ونهبوا منزله وخرج هاربا، فركب محمد بن عبد الله واسترد من العامة ما نهبوه. وفيها وثب بطرسوس خلق من أصحاب ابن طولون وعامله على الثغور الشامية، فاستنقذه أهل طرسوس من يده، وزحف إليهم ابن طولون فامتنعوا عليه، ورجع إلى حمص، ثم إلى دمشق، وفيها كانت وقعة بين العلويين والجعفريين بالحجاز، فقتل ثمانية من الجعفريين وخلصوا عامل المدينة من أيديهم. وفيها عقد هارون بن الموفق لأبي الساج على الأنبار والرحبة وطريق الفرات، وولى محمد بن أحمد على الكوفة وسوادها ودافعه عنها محمد بن الهيثم فهزمه محمد ودخلها. وفيها مات عيسى بن الشيخ الشيباني عامل أرمينية وديار بكر.
وفيها عظمت الفتنة بين الموفق وابن طولون، فحمل المعتمد على لعنه وعزله، وولى إسحاق بن كنداجق على أعماله إلى إفريقية، وعلى شرطة الخاصة. وقطع ابن طولون الخطبة للموفق واسمه من الطرر وفيها ملك ابن طولون الرحبة بعد مقاتلة أهلها، وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام، ثم سار إلى ابن الشماخ بقرقيسياء. وفي سنة سبعين كان مقتل صاحب الزنج وانقراض دعوته، ووفاة الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، وقيام أخيه محمد بأمره، ووفاة أحمد بن طولون صاحب مصر وولاية ابنه خمارويه ومسير إسحاق بن كنداجق بابن دعامس عامل الرقة والثغور والعواصم لابن طولون. وفي سنة إحدى وسبعين ثار بالمدينة محمد وعلي ابنا الحسن بن جعفر بن موسى الكاظم وقتلا جماعة من أهلها، ونهبا أموال الناس، ومنعا الجمعة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا. وفيها عزل المعتمد عمرو بن الليث من خراسان فقاتله أحمد بن عبد الله بن أبي دلف بأصبهان وهزمه. وفيها استعاد خمارويه الشام من يد أبي العباس بن الموفق، وفر إلى طرسوس كما تقدم. وفيها عقد المعتمد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة وطريق مكة، وكان يوسف بن أبي الساج والي مكة. وجاء بدر غلام الطائي أميرا على الحاج فحاربه يوسف على باب المسجد الحرام وأسره، فسار الجند والحاج بيوسف وأطلقوا بدرا من يده وحملوا يوسف أميرا إلى بغداد. وفي منتصف سنة اثنتين وسبعين غلب أتكوتكين على الري من يد محمد بن ٣/٤٢٩
زيد العلوي. سار هو من قزوين في أربعة آلاف، ومحمد بن زيد من طبرستان في الديلم، وأهل خراسان، فانهزموا وقتل منهم ستة آلاف. وفيها ثار أهل طرسوس بأبي العباس بن الموفق وأخرجوه إلى بغداد وولوا عليهم بازيار . وفيها توفي سليمان ابن وهب في حبس الموفق. وفيها دخل حمدان بن حمدون وهارون مدينة الموصل. وفيها قدم صاعد بن مخلد الوزير من فارس، وقد كان بعثه الموفق إليها لحرب فرجع إلى واسط وركب القواد لاستقباله فترجلوا إليه وقبلوا يده، ولم يكلمهم. ثم قبض الموفق على جميع أصحابه وأهله ونهب منازلهم، وكتب إلى بغداد بقبض ابنه أبي عيسى وصالح وأخيه عبدون، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، واقتصر به على الكتابة. وفيها جاء بنو شيبان إلى الموصل فعاثوا في نواحيها وأجمع هارون الشاربي وأصحابه على قصدهم، وكتب إلى أحمد بن حمدون الثعلبي فجاءه وساروا إلى الموصل وعبروا الجانب الشرقي من دجلة، ثم ساروا إلى نهر الحادر فلما تراءى الجمعان انهزم هارون وأصحابه وانجلى سوى عنها. وفي سنة ثلاث وسبعين وقعت الفتنة بين ابن كنداجق وبين ابن أبي الساج وسار ابن أبي الساج إلى ابن طولون واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب له فيها. وقاتل الشراة كما ذكرنا.
وفيها قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون وصادره على أربعمائة ألف دينار وبقي في إدبار إلى أن عاد إلى مصر أيام هارون بن خمارويه. وفي سنة أربع وسبعين سار الموفق إلى فارس فاستولى عليها من يد عمرو بن الليث ورجع عمرو إلى كرمان وسجستان، وعاد الموفق إلى بغداد. وفي سنة خمس وسبعين نقض ابن أبي الساج طاعة خمارويه وقاتله خمارويه فهزمه، وملك الشام من يده وسار إلى الموصل، وخمارويه في اتباعه إلى بغداد. ولحق ابن أبي الساج بالحديثة فأقام بها إلى أن رجع خمارويه. وكان إسحاق ابن كنداج قد جاء إلى خمارويه فبعث معه جيشا وقواد في طلب ابن أبي الساج.
واشتغل بعمل السفن للعبور إليه فسار ابن أبي الساج عنها إلى الموصل، وأتبعه ابن ٣/٤٣٠
كنداج وسار إلى الرقة فاتبعه ابن أبي الساج، وكتب إلى الموفق يستأذنه في اتباعه إلى الشام. وجاء ابن كنداج بالعساكر من عند خمارويه وأقام على حدود الشام ثم هزم ابن أبي الساج فسار إلى الموفق وملك ابن كنداج ديار ربيعة وديار مضر، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها خرج أحمد بن محمد الطائي من الكوفة لحرب فارس العبدي وكان يخيف السابلة فهزمه العبدي، وكان الطائي على الكوفة وسوادها وطريق خراسان وسامرا وشرطة بغداد، وخراج بادر دباد قطربل وفيها قبض الموفق على ابنه أبي العباس وحبسه. وفيها ملك رافع بن هرثمة جرجان من يد محمد بن زيد وحاصره في أستراباذ نحوا من سنتين، ثم فارقها الجيش لحربه فسار عن سارية وعن طبرستان سنة سبع وسبعين. واستأمن رستم بن قارن إلى رافع وقدم عليه علي بن الليث من حبس أخيه بكرمان هو وابناه العدل والليث. رافع على سالوس محمد بن هارون وجاء إليه علي بن كاني مستأمنا فحصرهما محمد بن زيد، وسار إليه رافع ففر إلى أرض الديلم ورافع في اتباعه إلى حدود قزوين فسار فيها وأحرقها وعاد إلى الري. وفي سنة ست وسبعين رضي المعتمد عن عمرو بن الليث وولاه وكتب اسمه على الأعلام، وولى على الشرطة ببغداد من قبله عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر. ثم انتقض فأزيل. وفيها كان مسير الموفق إلى الجبل لأتكوتكين ومحاربة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وقد تقدم ذلك. وفيها ولى الموفق ابن أبي الساج على أذربيجان فسار إليها ودافعه عبد الله ابن حسن الهمذاني صاحب مراغة فهزمه ابن أبي الساج، واستقر في عمله. وفيها زحف هارون الشاري من الحديثة إلى الموصل يريد حربها، ثم صانعه أهل الموصل ورحل عنهم. وفي سنة سبع وسبعين دعا مازيار بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون، وكان أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا. وبعث إليه بعد الدعاء بخمسين ألف دينار. وفي سنة ثمان وسبعين كانت وفاة الموفق وبيعة المعتضد بالعهد كما مر. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة وقد تقدم. وفي سنة تسع وسبعين خلع جعفر بن المعتمد وقدم عليه المعتضد وكانت الحرب بين الخوارج وأهل الموصل، وبين بني شيبان وعلى بني شيبان هارون بن سيما من قبل محمد ابن إسحاق بن كنداج، ولاه عليها فطرده أهلها، فزحف إليهم مع بني شيبان ودافع عن أهل الموصل هارون الشاري وحمدان بن حمدون فهزمهم بنو شيبان، وخاف أهل ٣/٤٣١
الموصل من ابن سيما وبعثوا إلى بغداد يطلبون واليا، فولى المعتمد عليهم محمد بن يحيى المجروح الموكل بحفظ الطريق، وكان ينزل الحديثة فأقام بها أياما ثم استبدل منه بعلي بن داود الكردي.
وفاة المعتمد وبيعة المعتضد
توفى المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين لثلاث وعشرين سنة من ولايته، ودفن بسامرا، وهو أول من انتقل إلى بغداد وكان في خلافته مغلبا عاجزا وكان أخوه الموفق مستبدا عليه، ولم يكن له معه حكم في شيء. ولما مات الموفق سنة ثمان وسبعين كما قدمناه أقام مكانه ابنه أبا العباس أحمد المعتضد وحجر المعتمد كما كان أبوه يحجره، وولاه عهده كما كان أبوه.
ثم قدمه في العهد على ابنه جعفر، ثم هلك فبايع الناس للمعتضد بالخلافة صبيحة موته، فولى غلامه بدرا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، ومحمد بن الشاري بن ملك الحرس. ووفد عليه لأول خلافته رسول عمرو بن الليث بالهدايا وسأل ولاية خراسان فعقد له عليها، وبعث إليه بالخلع واللواء، ولأول خلافته مات نصر بن أحمد الساماني ملك ما وراء النهر، وقام مكانه أخوه إسماعيل.
مقتل رافع بن الليث
كان رافع بن الليث قد وضع يده على قرى السلطان بالري، وكتب إليه المعتضد برفع يده عنها، فكتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بإخراجه عن الري فقاتله وأخرجه، وسار إلى جرجان ودخل نيسابور سنة ثلاث وثمانين، فوقعت بينه وبين عمرو حرب وانهزم رافع إلى أبيورد وخلص عمرو ابني أخيه من حبسه، وهما العدل والليث ابنا علي بن الليث، وقد تقدم خبرهما. ثم سار رافع إلى هراة ورصده عمرو بسرخس فشعر به ورجع إلى نيسابور في مسالك صعبة، وطرق ضيقة، واتبعه عمرو فحاصره في نيسابور. ثم تلاقيا وهرب عن رافع بعض قواده إلى عمرو فانهزم رافع، وبعث أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده كما شرط له فلم يفعل.
وافترق عن رافع أصحابه وغلمانه، وفارقه محمد بن هارون إلى أحمد بن إسماعيل في ٣/٤٣٢
بخارى، ولحق رافع بخوارزم في فل من العسكر ومعه بقية أمواله وآلته، ومر في طريقه بأبي سعيد الدرعاني ببلد فاستغفله وغدر به وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث بنيسابور وذلك في شوال سنة ثلاث وثمانين.
خبر الخوارج بالموصل
قد تقدم لنا أن خوارج الموصل من الشراة استفدر عليهم بعد مساور هارون الشاري وذكرنا شيئا من أخبارهم. ثم خرج عليه سنة ثمانين محمد بن عبادة ويعرف بأبي جوزة من بني زهير من البقعاء، وكان فقيرا ومعاشه ومعاش بنيه في التقاط الكمأة وغيرها وأمثال ذلك، وكان يتدين ويظهر الزهد، ثم جمع الجموع وحكم واستجمع إليه الأعراب من تلك النواحي، وقبض الزكوات والأعشار من تلك الأعمال، وبنى عند سنجار حصنا ووضع فيه أمتعته وما عونه، وأنزل به ابنه أبا هلال في مائة وخمسين، فجمع هارون الشاري أصحابه وبدأ بحصار الحصن فأحاط به ومحمد بن عبادة في داخله. وجد في حصاره حتى أشرف على فتحه وقيد أبا هلال ابنه ونفرا معه وبعث بنو ثعلب وهم مع هارون إلى من كان بالحصن من بني زهير فأمنوهم، وملك هارون الحصن. ثم ساروا إلى محمد فلقيهم وهزمهم أولا ثم كروا عليه مستميتين فهزموه، وقتلوا من أصحابه ألفا وأربعمائة، وقسم هارون ماله ولحق محمد بآمد، فحاربه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ فظفر به وبعثه إلى المعتضد فسلخه حيا.
إيقاع المعتضد ببني شيبان واستيلاؤه على ماردين
وفي سنة ثمانين سار المعتضد إلى بني شيبان بأرض الجزيرة ففروا أمامه، وأثار على طوائف من العرب عند السند فاستباحهم، وسار إلى الموصل فجاءه بنو شيبان وأعطوه رهنهم على الطاعة، فغلبهم وعاد إلى بغداد. وبعث إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ في أموال ابن كنداج التي أخذها بأحمد، فبعث بها وبهل أياما كثيرة معها . ثم بلغه أن أحمد بن حمدون ممالئ لهارون الشاري، وداخل في دعوته، فسار المعتضد إليه سنة إحدى وثمانين واجتمع الأعراب من بني ثعلب وغيرهم للقائه، وقتل منهم ٣/٤٣٣
وغرق في الزاب كثيرا، وسار إلى الموصل. ثم بلغه أن أحمد هرب عن ماردين وخلف بها ابنه، فسار المعتضد إليه ونازلة وقاتله يوما، ثم صعد من الغد إلى باب القلعة، وصاح بابن حمدان واستفتح الباب ففتح له دهشا وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها، وبعث في طلب حمدان وأخذ أمواله.
الولاية على الجبل وأصبهان
عقد المعتضد سنة إحدى وثمانين لابنه علي وهو المكتفي على الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور فاستأمن إليه عامل الري لرافع بن الليث، وهو الحسن بن علي كورة فأمنه وبعث به إلى أبيه.
عود حمدان إلى الطاعة
وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد إلى الموصل واستقدم إسحاق بن أيوب وحمدان ابن حمدون، فبادر إسحاق بقلاعه وأودع حرمه وأمواله، فبعث إليه المعتضد العساكر مع وصيف ونصر القسوري ، فمروا بذيل الزعفران من أرض الموصل وبه الحسن ابن علي كورة، ومعه الحسين بن حمدان. فاستأمن الحسين وبعثوا له إلى المعتضد فأمر بهدم القلعة. وسار وصيف في اتباع حمدان. فواقعه وهزمه وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة وسار في ديار ربيعة، وعبرت إليه العساكر وحبسوه فأخذوا ماله، وهرب وضاقت عليه الأرض فقصد خيمة إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد مستجيرا به فأحضره عند المعتضد فوكل به وحبسه.
هزيمة هارون الشاري ومهلكه
كان المعتضد قد ترك بالموصل نصر القسروي لإعادته العمال على الجباية، وخرج بعض العمال لذلك فأغارت عليهم طائفة من أصحاب هارون الشاري وقتل بعضهم، فكثر عيث الخوارج. وكتب نصر القسروي إلى هارون يهدده، فأجابه وأساء في الرد وعرض بذكر الخليفة فبعث نصر بالكتاب إلى المعتضد فأمره بالجد في طلب هارون، وكان على الموصل يكتم طاتشمر من مواليهم فقبض عليه وقيده، وولى على الموصل الحسن كورة، وأمر ولاة الأعمال بطاعته، فجمعهم وعسكر بالموصل، ٣/٤٣٤
وخندق على عسكره إلى أن أوقع بالناس غلاتهم. ثم سار إلى الخوارج وعبر الزاب إليهم فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم وقتل منهم وافترقوا، وسار الكثير منهم إلى أذربيجان ودخل هارون البرية واستأمن وجوه أصحابه إلى المعتضد فأمنهم. ثم سار المعتضد سنة ثلاث وثمانين في طلب هارون فانتهى إلى تكريت، وبعث الحسين بن حمدون في عسكر نحو من ثلاثمائة فارس، واشترط إن جاء به إطلاق ابنه حمدان! وسار معه وصيف وانتهى إلى بعض مخايض دجلة فأرصد بها وصيفا وقال: لا تفارقوها حتى تروني! ومضى في طلبه فواقعه وهزمه، وقتل من أصحابه. وأقام وصيف ثلاثة أيام فأبطأ عليه الأمر فسار في اتباع ابن حمدان، وجاء هارون منهزما إلى تلك المخاضة فعبر، وابن حمدان في أثره إلى حي من أحياء العرب قد اجتاز بهم هارون، فدلوا ابن حمدان عليه فلحقه وأسره وجاء به إلى المعتضد. فرجع المعتضد آخر ربيع الأول وخلع على الحسين وإخوته وطوقه، وأدخل هارون على الفيل وهو ينادي: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، وكان صغديا . ثم أمر المعتضد بحل القيود عن حمدان ابن حمدون والإحسان إليه وبإطلاقه. وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد من الموصل إلى الجبل فبلغ الكرخ فهرب عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بين يديه فأخذ أمواله وبعث إليه في طلب جد كان عنده فوجهه إليه. ثم بعث المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه بالري ليسير من هناك إلى عمر بن عبد العزيز بالأمان، فسار وأمنه ورجع إلى الطاعة فخلع عليه وعلى أهل بيته، وكان أخوه بكر بن عبد العزيز قد استأمن قبل ذلك إلى عبيد الله بن سليمان وبدر فولاه عمله، على أن يسير إلى حربه.
فلما وصل عمر في الأمان قال لبكر: إنما وليناك وأخوك عاص فامضيا إلى أمير المؤمنين المعتضد وولى عيسى النوشري على أصبهان من قبل عمرو هرب بكر إلى الأهواز وسار عبيد الله بن سليمان الوزير إلى علي بن المعتضد بالري. ولما بلغ الخبر إلى المعتضد بعث وصيفا موسكين إلى بكر بن عبد العزيز بالأهواز فلحقه بحدود فارس، فمضى بكر إلى أصبهان ليلا ورجع وصيف إلى بغداد، وكتب المعتضد إلى بدر مولاه بطلب بكر بن عبد العزيز وحربه، فأمر بذلك عيسى النوشري فقام به ولقي بكرا بنواحي أصبهان فهزمه بكر، ثم عاد النوشري لقتاله سنة أربع وثمانين فهزمه بنواحي أصبهان ٣/٤٣٥
واستباح عسكره ولجأ بكر إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان وهلك بها سنة خمس وثمانين، وكان عمر لما مات أبوه قبض على أخيه الحرث ويكنى أبا ليلى، وحبسه في قلعة رد، ووكل به شفيعا الخادم. فلما جاء المعتضد واستأمن عمر وهرب بكر وبقيت القلعة بيد شفيع بأموالها، رغب إليه الحرث في إطلاقه فلم يفعل، وكان شفيع يسامره كل ليلة وينصرف فحادثه ليلة ونادمه وقام شفيع لبعض حاجته فجعل الحرث في فراشه تمثالا وغطاه وقال لجاريته: قولي لشفيع إذا عاد هو نائم، ومضى فاختفى في الدار وفك القيد عن رجله بمبرد أدخل إليه وبرد به مسماره. ولما أخبر شفيع بنومه مضى إلى مرقده وقصده أبو ليلى على فراشه فقتله، وأمر أهل الدار واجتمع عليه الناس فاستحلفهم ووعدهم، وجمع الأكراد وغيرهم وخرج من القلعة ناقضا للطاعة. فسار إلى عيسى النوشري وحاربه فأصاب أبا ليلى سهم فمات، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد.
خبر ابن الشيخ بآمد
وفي سنة خمس وثمانين توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ وقام بأمره في آمد وأعمالها ابنه محمد فسار المعتضد إليه في العساكر ومعه ابنه أبو محمد علي المكتفي، ومر بالموصل وحاصر المعتمد إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق حتى استأمن لنفسه ولأهل آمد، وخرج إلى المعتمد فخلع عليه وهدم سورها ثم بلغه أنه يروم الهرب فقبض عليه وعلى أهله.
خبر ابن أبي الساج
قد تقدم لنا ولاية محمد بن أبي الساج على أذربيجان ومدافعة الحسين إياه عن مراغة، ثم فتحها واستيلاؤه على أعمال أذربيجان، وبعث المعتضد سنة اثنتين وثمانين أخاه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مددا لفتح القلانسي غلام الموفق، فخرج يوسف فيمن أطاعه فولاه المعتضد على أعماله، وبعث إليه بالخلع وأعطاه الرهن بما ضمن من الطاعة والمناصحة وبعث بالهدايا. ٣/٤٣٦
ابتداء أمر القرامطة بالبحرين والشام
كان في سنة احدى وثمانين قد جاء إلى القطيف بالبحرين رجل تسمى بيحيى بن المهدي وزعم أنه رسول من المهدي، وأنه قد قرب خروجه، وقصد من أهل القطيف علي بن المعلى بن حمدان الرباديني، وكان متغاليا في التشيع، فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي ليشيع الخبر في سائر قرى البحرين، فأجابوا كلهم وفيهم أبو سعيد الجنابي وكان من عظمائهم. ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة ورجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم وأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير وثلاثين عن كل رجل منهم ففعلوا. ثم غاب وجاء بكتاب آخر بأن يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا، وأقام يتردد في قبائل قيس، ثم أظهر أبو سعيد الجنابي الدعوة بالبحرين سنة ست وثمانين واجتمع إليه القرامطة والأعراب، وقتل واستباح وسار إلى القطيف طالبا البصرة، وبلغت النفقة فيه أربعة عشر ألف دينار. ثم قرب أبو سعيد من نواحي البصرة، وبعث المعتضد إليهم المدد مع عباس بن عمر الغنوي وعزله عن فارس وأقطعه اليمامة والبحرين، وضم إليه ألفين من المقاتلة، وسار إلى البصرة وأكثر من الحشد جندا ومتطوعة. فسار ولقي أبا سعيد الجنابي، ورجع من كان معه بني ضبة إلى البصرة. ثم كان اللقاء فهزمه الجنابي وأسره واحتوى على معسكره وحرق الأسرى بالنار وذلك في شعبان من هذه السنة. وسار إلى هجر فملكها وأمن أهلها ورجع إلى أهل البصرة، وبعثوا إليهم بالرواحل عليها الطعام والماء، فاعترضهم بنو أسد وأخذوا الرواحل وقتلوا الفل، واضطربت البصرة وتشوف أهلها إلى الانتقال فمنعهم الواثقي. ثم أطلق الجنابي العباس الغنوي فركب إلى الأبلة وسار منها إلى بغداد، فخلع عليه المعتضد. وأما ظهورهم بالشام فان داعيتهم ذكرويه بن مهرويه الذي جاء بكتاب المهدي إلى العراق لما رأى الجيوش متتابعة إلى القرامطة بالسواد، وأبادهم القتل، لحق بأعراب أسد وطيئ، فلم يجبه فبعث أولاده في كلب بن وبرة فلم يجبه منهم إلا بنو القليظي بن ضمضم بن عدي بن جناب، فبايعوا ذكرويه ويسمى بيحيى ويكنى بأبي القاسم، ولقبوه الشيخ، وأنه من ولد إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق. وأنه يحيى بن عبد الله بن يحيى بن إسماعيل، وزعم أن له مائة ألف تابع، وان ناقته التي يركبها مأمورة فمن تبعها كان منصورا. فقصدهم شبل مولى ٣/٤٣٧
المعتضد في العساكر من ناحية الرصافة فقتلوه. فسار إليهم شبل مولى أحمد بن محمد الطائي فأوقع بهم. وجاء ببعض رؤسائهم أسيرا فأحضره المعتضد وقال له هل تزعمون أن روح الله وأنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل، وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا أرأيت إن حلت روح إبليس فما ينفعك؟ فاترك ما لا يعنيك إلى ما يعنيك. قال له: فقل فيما يعنيني! فقال له: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوكم العباس حي فلم يطلب الأمر ولا بايعه. ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى العباس ولم يعهد إليه عمر ولا جعله من أهل الشورى، وكانوا ستة وفيهم الأقرب والأبعد، وهذا إجماع منهم على دفع جدك عنها. فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه، ثم قطع مرتين ثم قتل. ولما أوقع شبل بالقرامطة بسواد الكوفة ساروا إلى الشام فانتهوا إلى دمشق وعليها طغج بن جف مولى أحمد بن طولون من قبل ابنه هارون، فخرج إليهم فقاتلهم مرارا، هزموه في كلها. هذه أخبار بدايتهم ونقبض العنان عنها إلى أن نذكر سياقتها عند ما نعدد أخبارهم على شريطتنا في هذا الكتاب كما تقدم.
استيلاء ابن ماسان على خراسان من يد عمرو بن الليث وأسره ثم مقتله
لما تغلب عمرو بن الليث الصفار على خراسان من يد رافع بن الليث، وقتله وبعث برأسه إلى المعتضد، وطلب منه أن يوليه ما وراء النهر مضافا إلى ولاية خراسان، كتب له بذلك فجهز الجيوش لمحاربة إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر، وجعل عليهم محمد بن بشير من أخص أصحابه. وبعث معه القواد فانتهوا إلى آمد من شط جيحون، وعبر إليهم إسماعيل فهزمهم وقتل محمد بن بشير في ستة آلاف، ولحق الفل بعمرو في نيسابور، فتجهز وسار إلى بلخ، وكتب إليه إسماعيل يستعطفه ويقول: أنا في ثغر وأنت في دنيا عريضة فاتركني واستفد ألفتي فأبى. وصعب على أصحابه عبور النهر لشدته فعبر إسماعيل وأخذ الطرق على بلخ وصار عمرو محصورا. واقتتلوا فانهزم عمرو وتسرب من بعض المسالك عن أصحابه فوجد في أجمة وأخذ أسيرا، وبعث به إسماعيل إلى سمرقند ومن هناك إلى المعتضد سنة ثمان وثمانين، فحبسه إلى أن مات المعتضد سنة تسع بعدها فقتله ابنه المكتفي وعقد لإسماعيل على ٣/٤٣٨
خراسان كما كانت لعمرو، وكان عمرو عظيم السياسة، وكان يستكثر من المماليك ويجرى علي الأرزاق ويفرقهم على قواد ليطالعوه بأخبارهم. وكان شديد الهيبة، ولم يكن أحد يتجاسر أن يعاقب غلاما ولا خادما إلا أن يرفعه إلى حجابه.
استيلاء ابن سامان على طبرستان من يد العلوي ومقتله
ولما بلغ محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم ما وقع بعمر وبن الليث وأنه أسر طمع هو في خراسان وظن أن ابن إسماعيل لا يتجاوز عمله، فسار إلى جرجان وبعث إليه إسماعيل بالكف فأبى، فجهز لحربه محمد بن هارون، وكان من قواد رافع بن الليث. واستأمن إلى عمرو ثم إلى إسماعيل فنظمه في قواده وندبه الآن لحرب محمد بن زيد، فسار لذلك. ولقيه على باب خراسان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم محمد بن هارون أولا وافترقت عساكر محمد بن زيد على النهب ثم رجع هو وأصحابه، وانهزم محمد بن زيد وجرح جراحات فاحشة هلك منها لأيام، وأسر ابنه زيد، وبعث به إسماعيل إلى بخارى واجترأ عليه وغنم ابن هارون معسكرهم، ثم سار إلى طبرستان فملكها وصار خراسان وطبرستان لبني سامان، واتصلت لهم دولة نذكر سياقة أخبارها عند إفراد دولتهم بالذكر كما شرطناه في تأليفنا.
ولاية علي بن المعتضد على الجزيرة والثغور
ولما ملك المعتضد آمد من يد ابن الشيخ كما قدمناه، سار إلى الرقة وتسلم قنسرين والعواصم من يد عمال هارون بن خمارويه لأنه كان كتب إليه أن يقاطعه على الشام ومصر ويسلم إليه أعمال قنسرين، ويحمل إليه أربعمائة ألف دينار وخمسين ألفا فأجابوه وسار من آمد إلى الرقة فأنزل ابنه عليا الذي لقبه بعد ذلك بالمكتفي وعقد له على الجزيرة وقنسرين والعواصم سنة ست وثمانين. واستكتب له الحسن بن عمر النصراني واستقدم وهو بالرقة راغبا مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وحبسه وحبس ملنون غلامه، واستصفى أموالهما، ومات راغب لأيام من حبسه وقد كان راغب استبد بطرسوس وترك الدعاء لهارون بن خمارويه، ودعا لبدر مولى المعتضد. ولما جاء أحمد بن طبان للغز سنة ثلاث وثمانين تنازع معه راغب، فركب أحمد البحر في ٣/٤٣٩
رجوعه ولم يعرج على طرسوس وترك بها دميانة غلام بازيار وأمده فقوي وأنكر على راغب أفعاله بحمل دميانة إلى بغداد، واستبد راغب إلى استدعاء المعتضد ونكبه كما قلناه، وولى ابن الأخشاء على طرسوس فمات لسنة. واستخلف أبا ثابت وخرج سنة سبع وثمانين غازيا فأسر وولى الناس عليهم مكانه علي بن الأعرابي، ولحق بملطية في هذه السنة وصيف مولى محمد بن أبي الساج صاحب بردعة، وكتب إلى المعتمد يسأله ولاية الثغور وقد وطأ صاحبه أن يسير إليه إذا وليها فيقصدان ابن طولون ويملكان مصر من يده، وظهر المعتضد على ذلك فسار لاعتراضه، وقدم العساكر بين يديه، فأخذوه بعين زربة وجاءوا به إلى المعتضد فحبسه، وأمن عسكره ورحل إلى قرب طرسوس، واستدعى رؤساءها وقبض عليهم بمكاتبتهم وصيفا، وأمر بإحراق مراكب طرسوس بإشارة دميانة، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة وسار إلى أنطاكية وحلب ورجع منها إلى بغداد وقتل وصيفا وصلبه. واستقدم المكتفي بعد وفاة المعتضد الحسن بن علي، وولى على الثغور مظفر بن حاج. ثم شكا أهل الثغر منه فعزله وولى أبا العشائر بن أحمد بن نصر سنة تسعين.
حرب الأعراب
وفي سنة ست وثمانين اعترضت طيئ ركب الحاج بالاجيعر، وقاتلوه ونهبوا أموال التجار ما قيمته ألف ألف دينار، ثم اعترضوا الحاج كذلك سنة تسع وثمانين بالقرن فهزمهم الحاج وسلموا.
تغلب ابن الليث على فارس وإخراج بدر إياه
وفي فاتح ثمان وثمانين جاء طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث في العساكر إلى بلاد فارس، وأخرج منها عامل المعتضد وهو عيسى النوشري كان على أصبهان فولاه المعتضد فارس، فسار إليها فجاءه طاهر وملكها. وكتب إليه إسماعيل صاحب ما وراء النهر بأن المعتضد ولاه سجستان لذلك، وعقد المعتضد لبدر مولاه على فارس، وهرب عمال طاهر عنها وملكها بدر وجبى خراجها. ثم مات المعتضد وسار مغربا عن فارس فقتل بواسط وقاطع طاهر بلاد فارس على مال يحمله، فقلده المكتفي ولايتها سنة تسعين. ٣/٤٤٠
الولايات في النواحي
كان أكثر النواحي في دولة المعتضد مغلبا عليها كخراسان وما وراء النهر لابن سامان، والبحرين للقرامطة ومصر لابن طولون وإفريقية لابن الأغلب، وقد ذكرنا من ولي الموصل. وفي سنة خمس وثمانين ولى المعتضد عليها وعلى الجزيرة والثغور الشامية مولاه، ثم ملك آمد من يد ابن الشيخ وجعلها لابنه علي المكتفي وأنزله الرقة كما ذكرناه وعقد له على الثغور. ثم عقد بعده للحسن بن علي كورة وولى على فارس بدرا مولاه. ومات إسحاق بن أيوب بن عمر بن الخطاب الثعلبي العدوي أمير ديار ربيعة، فولى المعتضد مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعمر.
وفي سنة ثمان وثمانين ظهر باليمن بعض العلويين وتغلب على صنعاء، فجمع له بنو يعفر وقاتلوه فهزموه وأسروا ابنه، وتجافى نحو خمسين فارسا، وملك بنو يعفر صنعاء وخطبوا فيها للمعتضد، وهلك ابن أبي الساج في هذه السنة، فولى أصحابه ابنه ديوداد. ونازعه عمه يوسف بن رافع بابن أخيه وهزمه ومضى إلى بغداد على طريق الموصل، واستقل يوسف بملك أذربيجان، وعرض على ابن أخيه المقام عنده فأبى، وقلد المعتضد لأول خلافته ديوان المشرق لمحمد بن داود بن الجراح، عوضا عن أحمد بن محمد بن الفرات، وديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، ومات وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب فولى ابنه أبا القاسم مكانه.
الصوائف
وفي سنة خمس وثمانين غزا راغب مولى الموفق من طرسوس في البحر، فغنم مراكب الروم، قتل فيها نحوا من ثلاثة آلاف وأحرقها. وخرج الروم سنة سبع وثمانين ونازلوا طرسوس فقاتلهم أميرها واتبعهم إلى نهر الرحال فأسروه. وفي سنة ثمان وثمانين بعث الحسن بن علي كورة صاحب الثغور بالصائفة، فغزا وفتح حصونا كثيرة وعاد بالأسرى، فخرج الروم في أثره برا وبحرا إلى كيسوم من نواحي حلب فأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا ورجعوا. ٣/٤٤١
وفاة المعتضد وبيعة ابنه
كان بدر مولى المعتضد عظيم دولته، وكان القاسم بن عبيد الله الوزير يروم نقل الخلافة في غير بني المعتضد، وفاوض في ذلك بدرا أيام المعتضد فأبى، ولم يمكن القاسم مخالفته. فلما مات المعتضد كان بدر بفارس بعثه إليها المعتضد لما بلغه أن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث غلب عليها فبعث بدرا وولاه. فلما مات عقد الوزير البيعة لابنه المكتفي وخشي من بدر فيما اطلع عليه منه، فأعمل الحيلة في أمره. وكان المكتفي أيضا يحقد لبدر كثيرا من منازعة معه أيام أبيه، فدس الوزير إلى القواد الذين مع بدر بمفارقته، ففارقه العباس بن عمر الغنوي ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخاقان العلجى وغيرهم، فأحسن الملتقى إليهم وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره وقبض على أصحابه وأمر بمحو اسمه من الفراش والأعلام وبعث الحسن بن علي كورة في جيش إلى واسط، وعرض على بدر ما شاء من النواحي، فقال: لا بد لي أن أشافه مولاي بالقول! فخوف الوزير المكتفي خائنته ومنعه من ذلك، وشعر أن بدرا بعث عن ابنه هلال فوكل به. ثم بعث الوزير عن القاضي أبي عمر المالكي وحمله الأمان إلى بدر، فجاء بأمانه وبعث الوزير من اعترضه بالطريق فقتله لست خلون من رمضان، وحمل أهله شلوه إلى مكة فدفن بها لوصيته بذلك، وحزن القاضي أبو عمر لاخفار ذمته.
استيلاء محمد بن هارون على الري ثم أسره وقتله
قد تقدم لنا ذكر محمد بن هارون وأنه كان من قواد رافع بن هرثمة، ونظمه إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر في قواده وبعثه لحرب محمد بن زيد فهزمه واستولى على طبرستان، وولاه إسماعيل عليها. ثم انتقض ودعا بدعوة العلوية وبيض وساعده ابن حسان الديلمي. وبعث إسماعيل العساكر لقتال ابن حسان فهزموه. وكان على الري من قبل المكتفي أغرتمش التركي، فأساء السيرة فبعث أهل الري إلى محمد بن هارون أن يسير إليهم ويولوه، فسار وحارب أغرتمش فهزمه وقتله، وقتل ابنيه وأخاه ٣/٤٤٢
كيغلغ من القواد واستولى على الري وبعث المكتفي مولاه خاقان المفلحي لولاية الري في جيش كثيف فلم يصلها، وبعث المكتفي إلى إسماعيل بولايته ومحاربة محمد بن هارون فسار إسماعيل إليه وهزمه، فخرج عن الري إلى قزوين وزنجان. ثم لحق بطبرستان واستقر مع ابنه مستجيزا، ولما ملك إسماعيل الري ولى على جرجان مولاه نارس الكبير ، والزمه إحضار محمد بن هارون فكاتبه نارس وضمن له صلاح الحال، فقبل وانصرف عن الديلم إلى بخارى، فبعث إسماعيل من اعترضه وحمل إلى بخارى مقيدا فمات في الحبس بعد شهر وذلك في شعبان سنة تسعين.
استيلاء المكتفي على مصر وانقراض دولة ابن طولون
كان محمد بن سليمان من قواد بني طولون وكاتب جيشهم واستوحش منهم، فلحق بالمعتضد وصرفوه في الخدم، وكانت القرامطة عاثوا في بلاد الشام وحاصروا عامل بني طولون بدمشق وهو طغج بن جف، وقتلوا قواده. وسار المكتفي إليهم فنزل الرقة وبعث محمد بن سليمان لحربهم ومعه الحسن بن حمدان والعساكر وبنو شيبان، فلقيهم قرب حماة فهزمهم واتبعهم إلى الكوفة، وقبض في طريقه على أميرهم صاحب الشامة فبعث به إلى المكتفي، فرجع إلى بغداد وخلف محمد بن سليمان في العساكر فتبعهم وأسر جماعة منهم. وبينما هو يروم العود إلى بغداد جاءه كتاب بدر الحمامي مولى هارون بن خمارويه ومحمد فائق صاحب دمشق يستقدمانه إلى البلاد لعجز هارون عنها، فأنهى ذلك محمد بن سليمان عند عوده إلى المكتفي فأعاده وأمده بالجنود والأموال، وبعث دميانة غلام بازيار في الأسطول ليدخل من فوهة النيل ويحاصر مصر، ولما وصل ودنا من مصر كاتب القواد، وخرج إليه رئيسهم بدر الحمامي وتتابع منهم جماعة، وبرز هارون لقتاله فحاربه أياما. ثم وقعت بعض الأيام في عسكره هيعة ركب لها ليسكنها فأصابته حربة مات منها، واجتمع أصحابه على عمه شيبان وبذل الأموال فقاتلوا معه. ثم جاءهم كتاب محمد بن سليمان بالأمان فأجابوه، وخالف شيبان إلى مصر فاستولى عليها واستأمن إليه شيبان سرا فأمنه ولحق به. ثم قبض على بني طولون وحبسهم واستصفى أموالهم وذلك في صفر سنة اثنتين وتسعين، وأمره المكتفي بإزالة آل طولون وأشياعهم من مصر والشام ففعل. ٣/٤٤٣
وسار بهم إلى بغداد وولى المكتفي على مصر عيسى النوشري وخرج عليه إبراهيم الخليجي من قواد بني طولون يخلف عن محمد بن سليمان، فخلفه وكثر جمعه وسار النوشري إلى الإسكندرية عجزا عن مدافعته، واستولى الخليجي على مصر وبعث المكتفي بالجنود مع فاتك مولى المعتضد وأحمد بن كيغلغ وبدر الحمامي من قواد بني طولون، فوصلوا سنة ثلاث وتسعين، وتقدم أحمد بن كيغلغ وجماعة من القواد، فلقيهم قرب العريش فهزمهم وقوي الأمر، وبلغ الخبر إلى المكتفي فعسكر ظاهر بغداد، وانتهى مده إلى تكريت فلقيه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنهم هزموا الخليجي بعد حروب متصلة، وغنموا عسكره. ثم هرب واختفى بفسطاط مصر وجاء من دل عليه فأمر المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد فبعثوا بهم وحبسوا.
ابتداء دولة بني حمدان
وفي سنة اثنتين وتسعين عقد المكتفي على الموصل وأعمالها لأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون العدوي الثعلبي فقدمها أول المحرم وجاء الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهدبانية ومقدمهم محمد بن سلال قد أغاروا على البلاد وعانوا، فخرج في العساكر وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، ولقيهم على الحارد فقاتلهم وقتل من قواد سليمان الحمداني ورجع عنهم، وبعث إلى الخليفة يستمده، فأبطأ عليه المدد إلى ربيع من سنة أربع ، فلما جاءه المدد سار إلى الهدبانية وهم مجتمعون في خمسة آلاف بيت، فارتحلوا أمامه واعتصموا بجبل السلق المشرف على الزاب، فحاصرهم وعرفوا حقه فخذله أميرهم محمد بن سلال بالمراسلة في الطاعة والرهن، وحث أصحابه خلال ذلك في المسير إلى أذربيجان، واتبعهم أبو الهيجاء فلحقهم صاعدا إلى جبل القنديل فنال منهم، وامتنعوا بذروته. ورجع أبو الهيجاء عنهم فلحقوا بأذربيجان، ووفد أبو الهيجاء على المكتفي فأنجده بالعسكر وعاد إلى الموصل. ثم سار إلى الأكراد بجبل السلق فدخله وحاصرهم بقنته، وطال حصارهم واشتد البرد وعدمت الأقوات، وطلب محمد بن سلال النجاة بأهله ٣/٤٤٤
وولده، فنجا واستولى ابن حمدان على أموالهم وأهليهم وأمنهم. ثم استأمن محمد بن سلال فأمنه وحضر عنده وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميدية مستأمنين، واستقام أمر أبي الهيجاء بالموصل. ثم انتقض سنة إحدى وثلاثمائة فبعث إليه المقتدر مؤنسا الخادم فجاء بنفسه مستأمنا ورجع إلى بغداد، فقبله المقتدر وأكرمه. وبقي ببغداد إلى أن انتقض أخوه الحسين بديار ربيعة سنة ثلاث وثلاثمائة. وسارت العساكر فجاءوا به أسيرا. فحبس المقتدر عند ذلك أبا الهيجاء وأولاده، وجمع إخوته بداره ثم أطلقهم سنة خمس وثلاثمائة.
أخبار ابن الليث بفارس
قد تقدم لنا استقلال طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث ببلاد فارس وأن المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، ثم أنه تشاغل باللهو والصيد، وأعرض عن أمور ملكه.
ومضى في بعض الأيام إلى سجستان فوثب على فارس الليث بن علي بن الليث، وسيكرى مولى عمرو بن الليث، فاستوحش منها بعض قوادهما يعرف بأبي قابوس، وفارقهما إلى بغداد وأحسن المكتفي إليه. ثم كتب إليه طاهر في رد أبي قابوس إليه، ويحتسب له ما معه من أموال الجباية فأعرض الخليفة عن ذلك.
الصوائف
وفي سنة إحدى وتسعين خرج الروم إلى الثغور في مائة ألف، وقصد جماعة منهم الحدث. ثم غزا بالصائفة من طرسوس القائد المعروف غلام زرافة، ففتح مدينة أنطاكية وفتحها عنوة فقتل خمسة آلاف من مقاتلتهم وأسر مثلها. واستنقذ من أسرى المسلمين مثلها، وغنم ستين من مراكب الروم بما فيها من المال والمتاع والرقيق، فقسمها مع غنائم أنطاكية، فكان السهم ألف دينار. وفي سنة اثنتين وتسعين أغار الروم على مرعش ونواحيها، فخرج أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب منهم جماعة، فعزل المكتفي أبا العشائر عن الثغور وولى رستم بن برد، فكان على يديه الفداء، وفودي ألف من المسلمين. ثم أغارت الروم سنة ثلاث وتسعين على موارس من أعمال حلب، وقاتلهم أهلها فانهزموا وقتل منهم خلق، ودخلها الروم فأحرقوا جامعها وأخذوا من بقي فيها. وفي سنة أربع وتسعين غزا ابن كيغلغ من طرسوس فأصاب من الروم أربعة آلاف سبيا، واستأمن بطريق من الروم فأسلم. ثم عاود ابن ٣/٤٤٥
كيغلغ الغزو وبلغ سكند وافتتحها، وسار إلى الليس فبلغ خمسين ألف رأس.
وقتل من الروم خلقا ثم استأمن البطريق المتولي الثغور من جهة الروم إلى المكتفي، وخرج بمائتي أسير من المسلمين. وكان ملك الروم قد شعر بأمره وبعث من يقبض عليه، فقتل الأسرى المسلمون من جاء للقبض عليه وغنموا عسكرهم. واجتمع الروم على محاربة البطريق انذوقس وزحف المسلمون لخلاصه وخلاص من معه من الأسرى، فبلغوا قونية وخربوها وانصرف الروم، ومر المسلمون في طريقهم بحصن أندوس فخرج معهم بأهله وسار إلى بغداد. وفي سنة إحدى وتسعين خرج الترك إلى ما وراء النهر في خلق لا يحصون، فبعث إليهم إسماعيل عسكرا عظيما من الجند والمطوعة فكبسوهم واستباحوهم. وفي سنة ثلاث وتسعين افتتح إسماعيل مدائن كثيرة من بلاد الترك والديلم.
الولايات بالنواحي
قد ذكرنا ولايات خاقان المفلحي على الري، ثم إسماعيل بن أحمد بن سامان بعده، وولاية عيسى النوشري على مصر بعد انتزاعها من بني طولون، وولاية أبي العشائر أحمد بن نصر على طرسوس وعزل مظفر بن حاج عنها سنة تسعين، ثم عزل أبي العشائر وولاية رستم بن برد، وسنة اثنتين وتسعين. وانتزاع الليث بن علي بن الليث بلاد فارس من يد طاهر بن محمد سنة ثلاث وتسعين بعد أن كان المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل سنة ثلاث وتسعين.
وفي هذه السنة ثار داعية القرامطة باليمن إلى صنعاء فملكها واستباحها وتغلب على كثير من مدن اليمن وبعث المكتفي المظفر بن الحاج في شوال من هذه السنة إلى عمله باليمن فأقام به وفي سنة إحدى وتسعين توفي الوزير أبو القاسم بن عبيد الله واستوزر مكانه العباس بن الحسن.
وفاة المكتفي وبيعة المقتدر
ثم توفي المكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد في شهر جمادى سنة خمس وتسعين لست سنين ونصف من ولايته، ودفن بدار محمد بن طاهر من بغداد بعد أن عهد ٣/٤٤٦
بالأمر إلى أخيه جعفر. وكان الوزير العباس بن الحسن قد استشار أصحابه فيمن يوليه، فأشار محمد بن داود بن الجراح بعبد الله بن المعتز، ووصفه بالعقل والرأي والأدب، وأشار أبو الحسين بن محمد بن الفرات بجعفر بن المعتضد بعد أن أطال في مفاوضته وقال له: اتق الله ولا توال إلا من خبرته ولا تول البخيل فيضيق على الناس في الأرزاق، ولا الطماع فيشره إلى أموال الناس، ولا المتهاون بالدين فلا يجتنب المآثم ولا يطلب الثواب. ولا تول من خبر الناس وعاملهم واطلع على أحوالهم، فيستكثر على الناس نعمهم، وأصلح الموجودين مع ذلك جعفر بن المعتضد. قال: ويحك وهو صبي! فقال: وما حاجتنا بمن لا يحتاج إلينا ويستبد علينا؟ ثم استشار علي بن عيسى فقال: اتق الله وانظر من يصلح. فمالت نفس الوزير إلى جعفر كما أشار ابن الفرات، وكما أوصى أخوه، فبعث صائفا الخدمي فأتى به من داره بالجانب الغربي، ثم خشي عليه غائلة الوزير فتركه في الحراقة، وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحراقة وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحراقة وأقعده على الأريكة وجاء الوزير والقواد فبايعوه، ولقب المقتدر بالله وأطلق يد الوزير في المال وكان خمسة عشر ألف ألف دينار فأخرج منه حق البيعة واستقام الأمر.
خلع المقتدر بابن المعتز وإعادته
ولما بويع المقتدر وكان عمره ثلاث عشرة سنة استصغره الناس وأجمع الوزير خلعه والبيعة لأبي عبد الله محمد بن المعتز وراسله في ذلك، فأجاب وانتظر قدوم نارس حاجب إسماعيل بن سامان، كان قد انتقض إلى مولاه وسار عنه، فاستأذن في القدوم إلى بغداد وأذن له. وقصد الاستعانة به على موالي المعتضد. وأبطأ نارس عليه، وهلك أبو عبد الله بن المقتدر خلال ذلك فصرف الوزير وجهة لأبي الحسين بن الموكل فمات، فأقر المقتدر، ثم بدا له وأجمع عزله، واجتمع لذلك مع القواد والقضاة والكتاب وراسلوا عبد الله بن المعتز فأجابهم على أن لا يكون قتال. فأخبروه باتفاقهم وأن لا منازع لهم. وكان المتولون لذلك الوزير العباس بن الحسين ومحمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، ومن القواد الحسين بن حمدان ٣/٤٤٧
وبدر الأعجمي ووصيف بن صوارتكين. ثم رأى الوزير أمره صالحا المقتدر فبدا له في ذلك فأجمع الآخرون أمرهم، واعترضه الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف في طريق لستانة فقتلوه لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين، وخلعوا المقتدر من الغد وبايعوا لابن المعتز، وكان المقتدر في الحلبة يلعب الأكرة، فلما بلغه قتل الوزير دخل الدار وأغلق الأبواب، وجاء الحسين بن حمدان إلى الحلبة ليفتك به فلم يجده، فقدم وأحضروا ابن المعتز فبايعوه، وحضر الناس والقواد وأرباب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات وخواص المقتدر فلم يحضروا. ولقب ابن المعتز المرتضى بالله، واستوزر محمد بن داود بن الجراح، وقلد علي بن موسى الدواوين، وبعث إلى المقتدر بالخروج من دار الخلافة، فطلب الإمهال إلى الليل، وقال مؤنس الخادم ومؤنس الخازن: وعربت الحال وسائر الحاشية لا بد أن يبدي عذرا فيما أصابنا. وباكر الحسين بن حمدان من الغد دار الخلافة فقاتله الغلمان والخدم من وراء السور وانصرف. فلما جاء الليل سار إلى الموصل بأهله، وأجمع رأي أصحاب المقتدر على قصد ابن المعتز في داره فتسلحوا وركبوا في دجلة، فلما رآهم أصحاب ابن المعتز اضطربوا وهربوا واتهموا الحسين بن حمدان أنه قد واطأ المقتدر عليهم، وركب ابن المعتز ووزيره محمد بن داود بن الجراح وخرجوا إلى الصحراء ظنا منهم أن الجند الذين بايعوهم يخرجون معهم، وأنهم يلحقون بسامرا فيمتنعون، فلما تفردوا بالصحراء رجعوا إلى البلد وتسربوا في الدور، واختفى ابن الجراح في داره، ودخل ابن المعتز ومولاه دار أبي عبد الله بن الجصاص مستجيرا به. وثار العيارون والسفل ينتهبون. وفشا القتل وركب ابن عمرويه صاحب الشرطة، وكان ممن بايع ابن المعتز، فنادى بثأر المقتدر مغالطا، فقاتله فهرب واستتر، وأمر المقتدر مؤنسا الخازن فزحف في العسكر وقبض على وصيف بن صوارتكين فقتله، وقبض على القاضي أبي عمر علي بن عيسى والقاضي محمد بن خلف، ثم أطلقهم وقبض على القاضي أبي المثنى أحمد بن يعقوب، قال له: بايع المقتدر! قال: هو صبي! فقتله وبعث المقتدر إلى أبي الحسن بن الفرات كان مختفيا فأحضره واستوزره. وجاء سوسن خادم ابن الجصاص فأخبر صافيا الخرمي مولى المقتدر بمكانه عندهم، فكبست الدار وأخذ ابن المعتز وحبس إلى الليل، ثم خصيت خصيتاه فمات وسلم إلى أهله وأخذ ٣/٤٤٨
ابن الجصاص وصودر على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز وكان مستترا فقتل. ونفى علي بن عيسى بن علي إلى واسط، واستأذن من ابن الفرات في المسير إلى مكة فسار إليها على طريق البصرة واقام بها، وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسارت العساكر في طلب الحسين بن حمدان إلى الموصل فلم يظفروا به، وشفع الوزير ابن الفرات في ابن عمرويه صاحب الشرطة وإبراهيم بن كيغلغ وغيرهم. وبسط ابن الفرات الإحسان وأدر الأرزاق للعباسيين والطالبيين وأرضى القواد بالأموال، ففرق معظم ما كان في بيت المال، وبعث المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان، فبلغوا قرقيسيا والرحبة ولم يظفروا به، وكتب المقتدر إلى أخيه أبي الهيجاء وهو عامل الموصل بطلبه، فسار مع القاسم بن سيما والقواد ولقوة عند تكريت فهزموه، وبعث مع أخيه إبراهيم يستأمن فأمنوه وجاءوا به إلى بغداد، فخلع عليه المقتدر وعقد له على قم وقاشان، وعزل عنها العباس بن عمر الغنوي فسار إليها الحسين، ووصل نارس مولى إسماعيل بن سامان فقلده المقتدر ديار ربيعة.
ابتداء دولة العبيديين من الشيعة بإفريقية
نسبة هؤلاء العبيديين إلى أول خلفائهم، وهو عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، ولا يلتفت لإنكار هذا النسب، فكتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة يغريهم بالقبض عليه لما سار إلى المغرب شاهد بصحة نسبهم وشعر الشريف الرضي في قوله:
ألبس الذل في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بعرقه سيدا لناس ... جميعا، محمد وعلي
وأما المحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالقدح في نسبهم، وشذ فيه أعلام الأئمة مثل القدوري والصهيري وأبي العباس الأبيوردي وأبي حامد الأسفرايني وأبي الفضل النسوي وأبي جعفر النسفي، ومن العلوية المرتضى وابن ٣/٤٤٩
البطحاوي، وابن الأزرق، وزعيم الشيعة أبو عبد الله بن النعمان، فهي شهادة على السماع. وكان ذلك متصلا في دولة العباسية منذ مائتين من السنين فاشيا في أمصارهم وأعصارهم. والشهادة على السماع في مثله جائزة على أنها شهادة نفي، ولا تعارض ما ثبت في كتاب المعتضد مع أن طبيعة الوجود في الانقياد لهم، وظهور كلمتهم أدل شيء على صدق نسبهم. وأما من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانية لميمون القداح أو غيره فكفاه إثما تعرضه لذلك. وأما دعوتهم التي كانوا يدعون لها فقد تقدم ذكرها في مذاهب الشيعة من مقدمة الكتاب، وانقسمت مذاهب الشيعة مع اتفاقهم على تفضيل علي على جميع الصحابة إلى الزيدية القائلين بصحة إمامة الشيخين مع فضل علي، ويجوزون إمامة المفضول وهو مذهب زيد الشهيد وأتباعه، والرافضة ويدعون بالإمامية المتبرءين من الشيخين بإهمالهما وصية النبي صلى الله عليه وسلم بخلافة علي. مع أن هذه الوصية لم تنقل من طريق صحيح، قال بها أحد من السلف الذين يقتض بهم، وإنما هي من أوضاع الرافضة. وانقسم الرافضة بعد ذلك إلى اثني عشرية نقلوا الخلافة من جعفر بعد الحسن والحسين وعلي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وولده على سلسلة واحدة إلى تمام الاثني عشر، وهو محمد المهدي وزعموا أنه دخل سردابا وهم في انتظاره إلى الآن. وإلى الإسماعيلية نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل، ثم ساقوها في عقبة فمنهم من انتهى بها إلى عبيد الله هذا المهدي، وهم العبيديون، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبيد الله بن محمد المكتوم. وهؤلاء طائفة من القرامطة وهي من كذباتهم، ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبيد الله. وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وإفريقية. وسار بها إلى إفريقية رجلان يعرف أحدهما بالحلواني والآخر بالسفياني أنفذهما الشيعة إلى هنالك وقالوا لهما: إن العرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر، وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة، أحدهما ببلد يسمى سوق حمار. وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصا في كتامة، وكانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بالخلافة بالنصوص الجلية وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها. ثم أوصى علي إلى ابنه الحسن ثم الحسن إلى أخيه الحسين، ثم الحسين إلى ابنه علي زين العابدين، ثم زين العابدين إلى ابنه محمد الباقر، ثم محمد ٣/٤٥٠
الباقر إلى ابنه جعفر الصادق، ثم جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل الإمام، ومنه إلى ابنه محمد، ويسمونه المكتوم لأنهم كانوا يكتمون اسمه حذرا عليه. ثم اوصى محمد المكتوم إلى ابنه جعفر المصدق، وجعفر المصدق إلى ابنه محمد الحبيب، ومحمد الحبيب إلى ابنه عبيد الله المهدي الذي دعا له أبو عبد الله الشيعي. وكانت شيعهم منتشرين في الأرض من اليمن إلى الحجاز والبحرين والطرق وخراسان والكوفة والبصرة والطالقان. وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان عادتهم في كل ناحية يدعون للرضا من آل محمد، ويرومون إظهار الدعوة بحسب ما عليهم.
وكان الشيعة من النواحي يعملون مكيهم في أكبر الأوقات لزيارة قبر الحسين، ثم يعرجون على سلمية لزيارة الأئمة من ولد إسماعيل وكان باليمن من شيعتهم. ثم بعده لأئمة قوم يعرفون ببني موسى ورجل آخر يعرف بمحمد بن الفضل أصله من جند.
وجاء محمد إلى زيارة الإمام محمد الحبيب، فبعث معه أصحابه رستم بن الحسين بن حوشب بن داود النجار، وهو كوفي الأصل وأمره بإقامة الدعوة، وأن المهدي خارج في هذا الوقت، فسار إلى اليمن ونزل على بني موسى وأظهر الدعوة هنالك للمهدي من آل محمد الذي ينعتونه بالنعوت المعروفة عندهم، فاتبعه واستولى على كثير من نواحي اليمن. وكان أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسبا بالبصرة. وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله يعرف بالعلم. لأنه كان يعرف مذهب الإمامية الباطنية، قد اتصل بالإمام محمد الحبيب وخبر أهليته، فأرسله إلى أبي حوشب، ولزم مجالسته وأفاد علمه. ثم بعثه مع الحاج اليمني إلى مكة، وبعث معه عبد الله بن أبي ملا، فأتى الموسم ولقي به رجالات كتامة مثل حريث الحميلي وموسى بن مكاد، فاختلط بهم وعكفوا عليه لما رأوا عنده من العبادة والزهد، ووجه إليهم بدرا من ذلك المذهب، فاغتبط واغتبطوا وارتحل معهم إلى بلدهم ونزل بها منتصف ربيع سنة ثمان وثلاثين، وعين لهم مكان منزله بفتح الأحار وأن النص عنده من المهدي بذلك، ولجهره المهدي وأن أنصاره الأخيار من أهل زمانه، وأن اسم أنصاره مشتق من الكتمان ولم يعينه، واجتمع لمناظرته كثير من أهل كتامة فأبى، ثم أطاعوه بعد فتن وحروب. واجتمعوا على دعوته وكانوا يسمونه أبا عبد الله المشرفي والشيعي، ولما اختلف كتامة عليه واجتمع كثير منهم على قتله قام بنصرته الحسن بن هارون، وسار به ٣/٤٥١
إلى جبل إيكجان وأنزله مدينة تاصروت من بلد زرارة، وقاتل من لم يتبعه بمن تبعه حتى استقاموا جميعا على طاعته. وبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب عامل إفريقية بالقيروان، فأرسل إلى عامل ميلة يسأله عن أمره فحقره وذكر أنه رجل يلبس الخشن، ويأمر بالعبادة والخير فأعرض عنه حتى إذا اجتمع لأبي عبد الله أمره، زحف في قبائل كتامة إلى بلد ميلة فملكها على الأمان بعد الحصار، فبعث إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ابنه الأحوال في عسكرهم يجاوز عشرين ألفا، فهزم كتامة وامتنع أبو عبد الله بجبل إيكجان، وأحرق الأحول مدينة تاصروت ومدينة ميلة، وعاد إلى إفريقية، وبنى أبو عبد الله بجبل إيكجان مدينة سماها دار الهجرة.
ثم توفي إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية وولى ابنه أبو العباس، وقتل واستقر الأمر لزيادة الله، وكان الأحول حمل العساكر لحضوره فاستقدمه زيادة الله وقتله.
وفاة الحبيب وايصاؤه لابنه عبيد الله
ولما توفي محمد الحبيب وأوصى لابنه عبيد الله، وقال له: أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بعيدة، وترى محنا شديدة. فقام عبيد الله بالأمر وانتشرت دعوته وأرسل إليه أبو عبد الله الشيعي رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم، وأنهم في انتظاره.
وشاع خبره وطلبه المكتفي فهرب هو وولده نزار الذي ولي بعده وتلقب بالقائم.
وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب. وانتهى إلى مصر وعليها يومئذ عيسى النوشري، فلبس عبيد الله زي التجار يتستر به. وجاء كتاب المكتفي للنوشري بالقبض عليه، وفيه صفته وحليته، فبعث العيون في طلبه. ونمي الخبر بذلك إلى عبيد الله من بعض خواص النوشري فخرج في رفقة، ورآه النوشري وأحضره ودعاه للمؤاكلة فاعتذر بالصوم، ثم امتحنه فلم تشهد له أحواله بشيء مما ذكر له عنه. وقارن ذلك رجوع ابنه أبي القاسم يسأل عن كلب للصيد ضاع له، فلما رآه النوشري وأخبر أنه ولد عبد الله علم أن هذه الدالة في طلب الضائع منافية للرقبة والخوف، فخلى سبيله. وجد المهدي في السير وكان له كتب من الملاحم ورثها منقولة عن أبيه سرقت من رحله في تلك الطريق، ويقال إن ابنه أبا القاسم لما زحف إلى مصر أخذها من بلاد برقة. ولما انتهى المهدي وابنه إلى طرابلس وفارقه التجار أهل الرفقة، قدم أبا ٣/٤٥٢
العباس أخا أبي عبيد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة، ومر بالقيروان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله وهو يسأل عنهم، فقبض على أبي العباس وسأله فأنكر فحبسه، وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسطنطينية فعدل عنها خشية على أبي العباس أخي الشيعي المعتقل بالقيروان، وذهب إلى سجلماسة وبها أليشع بن مدرار فأكرمه. ثم جاءه كتاب زيادة الله ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيه في كتامة فحبسه، وبعث زيادة الله العساكر، الى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حيش ، وكانوا أربعين ألفا، فانتهى إلى قسطنطينية فأقام بها وهم متحصنون بخيلهم ستة أشهر. ثم زحف إليهم ودافعهم عند مدينة بلزمة فانهزم إلى القيروان. وكتب أبو عبد الله بالفتح إلى المهدي وهو في محبسه. ثم زحف إلى مدينة طبنة فحاصرها وملكها بالأمان، ثم إلى مدينة بلزمة فملكها عنوة، فبعث زيادة الله العساكر مع هارون الطبني فانتهوا إلى مدينة دار ملوك، وكانوا قد أطاعوا الشيعي فهدمها هارون، وقتل أهلها، وسار إلى الشيعي فانهزم من غير قتال وقتل.
وفتح الشيعي مدينة عيسى فزحف زيادة الله في العساكر سنة خمس وتسعين ونزل الأربس ثم أشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان ليكون ردءا للعساكر، فبعث الجيوش مع إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته ورجع، وزحف أبو عبد الله إلى باغاية فهرب عاملها وملكها. ثم إلى مدينة مرماجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها ثم إلى مدينة تيفاش فملكها على الأمان، واستأمن إليه القبائل من كل جهة فأمنهم وسار بنفسه إلى مسلبابة ثم إلى تبسة ثم إلى مجانة ففتحها على الأمان، ثم سار إلى القصرين من قمودة وأمن أهلها وسار يريد قادة وبلغ الخبر إلى إبراهيم بن أبي الأغلب وهو بالأربس أميرا على الجيش، فخشي على زيادة الله برقادة لقلة عسكره، وارتحل ذاهبا إليه، وسار أبو عبد الله إلى قسطنطينية فحاصرها وافتتحها على الأمان ورجع إلى باغاية فأنزل بها عسكرا وعاد الى ايكجان فسار إبراهيم بن أبي الأغلب إلى باغاية وحاصر أصحاب أبي عبد الله بها، فبعث أبو عبد الله عساكره إلى مج العرعار فألفوا ٣/٤٥٣
إبراهيم قد عاد عنها إلى الأربس. ثم زحف أبو عبد الله إلى إبراهيم سنة ست وتسعين في مائة ألف مقاتل وبعث من عسكره من يأتي إبراهيم من خلفه، وسار إليه فانهزم وأثخن فيهم أبو عبد الله بالقتل والأسر، وغنم أموالهم وخيلهم وظهرهم. ودخل الأربس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة، وبلغ الخبر إلى زيادة الله فهرب إلى مصر.
وافترق أهل مدينة رقادة إلى القيروان وسوسة ونهب قصور بني الأغلب ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان، فنزل قصر الإمارة وجمع الناس ووعدهم الحماية، وطلب المساعدة بطاعتهم وأموالهم، فاعتذروا وخرجوا إلى الناس فأخبروهم، فثاروا به وأخرجوه. وبلغ أبا عبد الله الشيعي هرب زيادة الله وهو يشبه فدخل إلى رقادة وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا وأمنوا الناس. وخرج أهل القيروان للقاء أبي عبد الله فأكرمهم وأمنهم، ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين، ونزل قصورها وفرق دورها على كتامة ونادى بالأمان. وتراجع الناس فأخرج العمال وطلب أهل الشر فهربوا، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه وأمر بحفظها وبحفظ جواريه، واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعين لهم أحدا. ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله، ومن الآخر تفرق أعداء الله، وعلى السلاح عدة في سبيل الله، ورسم أفخاذ الخيل بالملك لله.
بيعة المهدي بسجلماسة
ولما ملك أبو عبد الله إفريقية لقيه أخوه أبو العباس منطلقا من اعتقاله، فاستخلفه عليها وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك من قواد كتامة. وسار إلى المغرب ففرق القبائل من طريقه، وخافته زناتة فدخلوا في طاعته. ولما قرب من سجلماسة أرسل إلى المهدي بمحبسه يسأله عن حاله فأنكر، ثم سأل ولده كذلك فأنكر، وضرب رجاله فأنكروا، ونمي الخبر إلى أبي عبد الله فخشي عليهم وأرسل إلى أليسع يتلطفه فقتل الرسل فأغذ أبو عبد الله السير وحاصره يوما وهرب أليسع من الليل هو وأصحابه وبنو عمه. وخرج أهل البلد إلى أبي عبد الله فجاء إلى مجلس المهدي ٣/٤٥٤
فأخرجه هو وابنه أبا القاسم، وأركبهما ومشى مع رؤساء القبائل بين يديها وهو يقول:
هذا مولاكم ويبكي من شدة الفرح، ثم أنزله بالمخيم وبعث في أثر أليسع فجيء به فجلد، ثم قتل، وأقام بسجلماسة أربعين يوما ورجع إلى إفريقية، ووصل إلى رقادة في ربيع من سنة ست وتسعين وجدد البيعة للمهدي واستولى على ملك بني الأغلب بإفريقية. وملك مدرار سجلماسة ونزل برقادة وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين وبعث دعاته في الناس فحملوهم على مذهبهم فأجابوا إلا قليلا عرض عليهم السيف، وقسم الأموال والجواري في رجال كتامة، وأقطعهم الأموال والأعمال، ودون الدواوين وجبى الأموال وبعث العمال على البلاد. فبعث على صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير فوصل إلى مازر في عيد الأضحى من سنة تسع وتسعين، فاستقضى بها إسحاق بن المنهال، وأجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى بسط قلورية فأثخن فيها وعاد وثار به أهل صقلية سنة تسع وتسعين فحبسوه واعتذروا إلى المهدي لسوء سيرته، فعذرهم وولى عليهم علي بن عمر البلوي فوصل إليهم خاتمة السنة المذكورة.
أخبار ابن الليث بفارس
قد ذكرنا من قبل استيلاء الليث بن علي بن الليث وسيكرى مولى عمر بن الليث على فارس من يد طاهر بن محمد. ثم أخرج سيكرى بعد ذلك الليث وانفرد بها، وسار إليه طاهر بن محمد بن عمرو، فواقعه وانهزم طاهر وأسر سيكرى وأسر أخاه يعقوب، وبعث بهما إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي، وقد أمره على ما يحمله وذلك سنة ست وتسعين، ثم سار إليه الليث بن علي من سجستان سنة سبع وتسعين، فغلبه وملك فارس، وهرب سيكرى إلى أرجان وأمده المقتدر بمؤنس الخادم في العساكر، فجاء إلى أرجان وجاء الحسين بن حمدان من قم إلى البيضاء في إعانته، فسار لملاقاته وأضل الطريق إلى مسالك صعبة أشرف على عسكر مؤنس. وكان سيكرى قد بعث أخاه إلى شيراز ليحفظها، فلما أشرف على العسكر ظنه عسكر أخيه فثاروا إليه واقتتلوا وانهزم عسكر الليث وأخذ أسيرا. وأشار عليه ٣/٤٥٥
أصحابه أن يقبض على سيكرى ويطلب من المقتدر ولاية فارس مكانه فوافقهم طاهر ودس إليه، فلحق بشيراز وعاد مؤنس إلى بغداد بالليث أسيرا، والحسين بن حمدان إلى عمله بقم. ثم إن عبد الرحمن بن جعفر كاتب سيكرى استولى على أمره، وحسده أصحابه وأكثروا السعاية فيه عند سيكرى فحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل ابن إبراهيم اليمن ، فحمله على العصيان ومنع الحمل ودس عبد الرحمن بن جعفر من محبسه إلى الوزير ابن الفرات بذلك، فكتب إلى مؤنس وهو بواسط يأمره بالعود إلى فارس، فسار وأرسله سيكرى وأنسه وسأل منه الوساطة في أمره، وشعر ابن الفرات بميل مؤنس إلى بغداد، وسار محمد بن جعفر فهزم سيكرى على شيراز فخلص إلى قم وتحصن بها، وحاصره محمد بن جعفر ثم خرج إليه فهزمه ثانية، ودخل مغارة خراسان فلقيته عساكر، إسماعيل إلى بغداد، فحبسا هنالك واستولى محمد بن جعفر من القواد على فارس وولى عليها قبيجا خادم الأفشين، ثم صارت ولايتها لبدر ابن عبد الله الحمامي وفي آخر سنة تسع وتسعين ومائتين قبض حرمه وقامت الهيعة ببغداد ثلاثة أيام، ثم سكنت وذلك لثلاث سنين وثلاثة أشهر من وزارته. فاستوزر مكانه أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى، فرتب الأمور على الدواوين. ثم زاد قرفه لضيق صدره وطيشه وعدوله عن مذاهب الرئاسة إلى الوضاعة ومراجعة أصحاب الحاجات والحقوق إلى ما يريد قضاءه منها، وكثرة التولية والعزل وتبجح أصحابه عليه في إطلاق الأموال وانبساط الجاه بإفساد الأحوال. واعتزم المقتدر على عزله بأبي الحسين بن أبي الفضل، فاستدعاه من أصبهان، ثم قبض عليه وعلى أبي الحسن ببغداد، وأهمل رأي الوزراء وصار يرجع إلى قول النساء والخدم، فطمع العمال في الأطراف، ثم أخرج ابن الفرات من محبسه وجعله في بعض الحجر، وأحسن إليه وصار يعرض عليه مطالعات العمال، وأراد أن يستوزره ثم بدا له واستدعى علي بن عيسى من مكة فاستوزره لأول سنة إحدى وثلاثمائة، وقبض على الخاقاني وحبسه وعين حرسيا عليه. وقام علي بن عيسى بالوزارة وأصلح ما أفسده الخاقاني واستقامت الأمور. ٣/٤٥٦
قيام أهل صقلية بدعوة المقتدر ثم رجوعهم إلى طاعة المهدي
قد ذكرنا ولاية علي بن عمر على صقلية من عبد الله المهدي سنة تسع وتسعين. ثم إن أهل صقلية انتقضوا عليه وولوا عليهم أحمد بن موهب ثم انتقضوا عليه وأرادوا قتله فدعا إلى طاعة المقتدر وخطب له بصقلية، وقطع خطبة المهدي وبعث أسطولا إلى ناحية ساحل إفريقية، فلقوا أسطول المهدي، وعليه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوه وقتلوا الحسن ووصلت خلع السواد وألويته لابن موهب من بغداد ثم جاءت أساطيل المهدي في البحر وفسد أمر ابن موهب ثم ثارت أهل صقلية به سنة ثلاثمائة وأسروه وبعثوا به إلى المهدي مع جماعة من أصحابه فأمرهم بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير.
ولاية العهد
وفي سنة إحدى وثلاثمائة ولى المقتدر ابنه أبا العباس العهد وهو الذي ولي الخلافة بعد القاهر وسمي بالرافضي فولاه أبو المقتدر العهد وهو ابن سنين وقلده مصر والمغرب، واستخلف له عليها مؤنسا الخادم وولى ابنه الآخر عليا على الري ودنباوند وقزوين وأذربيجان وأبهر.
ظهور الأطروش وملكه خراسان
كان هذا الأطروش من ولد عمر بن علي زين العابدين وهو الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن عمر وكان قد دخل إلى الديلم بعد قتل محمد بن زيد، ولبث فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العشر، ويدافع عنهم ملكهم ابن حسان، فأسلم على يديه منهم خلق كثير وبنى لهم المساجد، وزحف بهم إلى ثغور المسلمين، أراهم مثل قزوين وسالوس فأطاعوه، وهدم حصن سالوس. ثم ٣/٤٥٧
دعاهم إلى غزو طبرستان وهي في طاعة ابن سامان، وكان إسماعيل بن أحمد لما انتقض بها محمد بن هارون، وقبض عليه إسماعيل وولى عليها أبا العباس عبد الله بن محمد بن نوح، فأحسن السيرة وأظهر العدل، وبالغ في الإحسان إلى العلوية الذين بها، واستمال الديلم بالمهاداة والإحسان، فاشتمل الناس عليه. فلما دعاهم الحسن إلى غزو طبرستان، لم يجيبوه من أجل ابن نوح. ثم إن أحمد بن إسماعيل عزل ابن نوح عنها، وولى عليها سلاما فأساء السيرة ولم يحسن سياسة الديلم، فهاجوا عليه فقاتلهم وهزمهم، واستعفى من ولايتها فعاد إليها ابن نوح وصلحت الحال كما كانت إلى أن مات، فولى عليها محمد بن إبراهيم بن صعلوك، فأساء السيرة وتنكر للديلم فصادف الحسن منها الغرة ودعاهم إلى غزو طبرستان فأجابوه، وسار إليه ابن صعلوك على من يرحله من سالوس بشاطئ البحر، فانهزم وقتل من أصحابه أربعة آلاف، ولجأ الباقون إلى سالوس، فحاصرهم الأطروش حتى استأمنوا، ورجع عنهم إلى آمد. ثم جاء الحسن بن القاسم العلوي الداعي صهر الأطروش إلى أولئك المستأمنين فقتلهم، واستولى الأطروش على طبرستان، ولحق ابن صعلوك بالري سنة إحدى وثلاثمائة، وسار منها إلى بغداد وكان الأطروش زيدي المذهب، وجميع الذين أسلموا على يده فيما وراء أسعيدولى إلى آمد كلهم على مذهب الشيعة. ثم إن الأطروش العلوي تنحى عن آمد إلى سالوس بعد أن غلب عليها، فبعث إليه صعلوك الري من قبل ابن سامان جيشا فهزمهم وعاد إلى آمد. ثم زحفت إليه عساكر السعيد صاحب خراسان سنة أربع وثلاثمائة فقتلوه. وكان هذا الأطروش عادلا حسن السيرة لم ير مثله في أيامه وأصابه الصمم من ضربة في رأسه بالسيف في الحرب. وقال ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم ويقال فيه الحسن بن علي الداعي وليس به، وإنما الداعي الحسن بن القاسم صهره، وسنذكره فيما بعد. وكان له من الولد أبو الحسن، وكان قواده من الديلم جماعة منهم ابن النعمان وكانت له ولاية جرجان، وما كان بن كالي وكان على أستراباذ ومعرا. ثم كان من قواد ولده من الديلم جماعة آخرون منهم أسفار بن شيرويه من أصحاب ما كان بن كالي ومرداويج بن ٣/٤٥٨
زياد من أصحاب أسفار، واسكرى من أصحابه أيضا، وبنو بويه من أصحاب مرداويج، وسيأتي الخبر عن جميعهم إن شاء الله تعالى.
غلب المهدي على الاسكندرية ومسير مؤنس إلى مصر
وفي سنة اثنتين وثلاثمائة بعث عبد الله المهدي عساكره من إفريقية إلى الإسكندرية مع قائده خفاشة الكتابي فغلب عليها وسار إلى مصر، وبلغ المقتدر فبعث مؤنسا الخادم في العساكر لمحاربته، وأمده بالأموال والسلاح. وسار إليهم وقاتلهم فهزمهم بعد وقائع متعددة، قتل فيها من الفريقين، وبلغ القتل والأسر من المغاربة سبعة آلاف ورجعوا إلى المغرب.
انتقاض الحسين على ابن حمدان بديار ربيعة وأسره
كان الحسين بن حمدان واليا على ديار ربيعة وطالبه الوزير علي بن عيسى بالمال، فدافعه وأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان، فامتنع وكان مؤنس الخادم بمصر في محاربة عساكر المهدي صاحب إفريقية، فجهز الوزير إلى ابن حمدان رائقا الكبير في عسكر سنة ثلاث وثلاثمائة، وكتب إلى مؤنس أن يسير إلى الجزيرة لقتاله بعد فراغه من أصحاب العلوي بمصر، فسار رائق أولا هزمه الحسين، ولحق بمؤنس فأمره بالمقام بالموصل. وسار نحو الحسين وتبعه أحمد بن كيغلغ، وانتهى إلى جزيرة ابن عمر والحسين بأرمينية. ورجع الكثير من عسكره إلى مؤنس. ثم بعث مؤنس عسكرا في أثره عليهم بليق ومعه سيما الجزري. وجاء الصفواني واتبعوه فأدركوه، وقاتلوه فهزموه، وجاءوا به أسيرا ومعه ابنه عبد الوهاب وأهله وكثير من أصحابه. وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل، فحبسه المقتدر وأغار على أبي الهيجاء بن حمدان وجميع إخوته وحبسهم. ثم أطلق أبا الهيجاء سنة خمس وقتل الحسين سنة ست تقريبا كما نذكر إن شاء الله تعالى.
وزارة ابن الفرات الثانية
كان الوزير أبو الحسن بن الفرات محبوسا كما ذكرنا وكان المقتدر يشاوره ويرجع إلى رأيه، ويبغي بعض أصحاب المقتدر إعادته. وبلغ ذلك الوزير علي بن عيسى فاستعفى ومنعه المقتدر. ثم جاءت في بعض الأيام قهرمانة القصر تناظره في نفقات ٣/٤٥٩
الحرم والحاشية وكسوتهم، فألفته نائما فلم يوقظه لها أحده. فرجعت وشكت إلى المقتدر وأمه فقبض عليه في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثمائة، وأعاد ابن الفرات على أن يحمل إلى بيت المال ألف دينار وخمسمائة دينار في كل يوم. وقبض على الوزير من قبله علي بن عيسى والخاقاني وأصحابهما، وصادرهم أبو علي بن مقلة وكان مختفيا منذ قبض على ابن الفرات فقدمه الآن واستخلصه.
خبر ابن أبي الساج بأذربيجان
قد ذكرنا استقرار يوسف بن أبي الساج على أرمينية وأذربيجان منذ مهلك أخيه محمد سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان على الحرب والصلاة والأحكام، وكان عليه مال يؤديه. فلما ولي الخاقاني وعلي بن عيسى الوزارة، والتأمت أمور يوسف في الاستبداد، وأخر بعض المال واجتمع له ما يريده لذلك، وبلغته نكبة الوزير علي ابن عيسى، فأظهر أن العهد وصل إليه بولاية الري على يد علي بن عيسى. وكان حميد بن صعلوك من قواد ابن سامان قد بعث على الري وما يليها، وقاطع عليها بمال يحمله فسار إليه يوسف سنة أربع وثلاثمائة، فهرب إلى خراسان واستولى يوسف على الري وقزوين وزنجان، وكتب إلى الوزير ابن الفرات بالفتح ويعتذر بأنه طرد المتغلبين، ويذكر كثرة ما أنفق من ذلك، وأنه كان بأمر الوزير علي بن عيسى وعهده إليه بذلك، فأستعظم المقتدر ذلك، وسئل علي بن عيسى فأنكر وقال:
سلوا الكتاب والحاشية والعهد واللواء اللذين كان يسير بهما مع بعض القواد والخدام.
فكتب ابن الفرات بالنكير على يوسف، وجهز العساكر لحربه مع خاقان المفلحي، ومعه أحمد بن مسرور البلخي، وسيما الجزري، ونحرير الصغير، وساروا سنة خمس وثلاثمائة فهزمهم يوسف وأسر منهم جماعة، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في جيش كثيف لمحاربته وعزل خاقان المفلحي عن أعمال الجبل، وولاها نحريرا الصغير. وسار مؤنس واستأمن له أحمد بن علي أخو صعلوك فأمنه وأكرمه، وبعث ابن أبي الساج في المقاطعة على أعمال الري بسبعمائة ألف دينار سوى أرزاق الجند والخدم، فأبى له المقتدر من ذلك عقوبة على ما أقدم عليه، وولى على ذلك العمل وصيفا البكتمري، وطلب ابن أبي الساج أن يقاطعه على ما كان بيده قبل الري من أذربيجان وأرمينية، فأبى المقتدر إلا أن يحضر في خدمته. فلما يئس ٣/٤٦٠
ابن أبي الساج زحف إلى مؤنس وقاتله، فانهزم مؤنس إلى زنجان وقتل من قواده جماعة، وأسر هلال بن بدر وغيره فحبسهم يوسف في أردبيل، وأقام مؤنس بزنجان بجميع العساكر يستمد من المقتدر وابن أبي الساج يراسله في الصلح، والمقتدر لا يجيب إلى ذلك. ثم قاتله مؤنس في فاتح سنة سبع وثلاثمائة عند أردبيل فهزمه وأسره وعاد به إلى بغداد أسيرا، فحبسه المقتدر وولى مؤنس على الري ودنبوند وقزوين وأبهر وزنجان علي بن وهشودان وجعل أموالها لرجاله، وولى مؤنس على أصبهان وقم وقاشان أحمد بن علي بن صعلوك، وسار عن أذربيجان فوثب سبك مولى يوسف بن أبي الساح فملكها واجتمع عليه عسكر فولى مؤنس بن محمد بن عبيد الفارقي وسار بمحاربة سبك فانهزم وعاد إلى بغداد. وتمكن سبك في أذربيجان وسأل المقاطعة على مائتي ألف وعشرين ألف دينار في كل سنة. فأجيب وعقد له عليها، وكان مقيما بقزوين فقتله على مراسة ولحق ببلده، فولى المقتدر وصيفا البكتمري مكانه على أعمال الري، وولى محمد بن سليمان صاحب الجيش على الخوارج بها، ثم وثب أحمد بن علي بن صعلوك صاحب أصبهان وقم على الري، فملكها وكتب إليه المقتدر بالنكير، وأن يعود إلى قم، فعاد ثم أظهر الخلاف وأجمع المسير إلى الري، وسار وصيف البكتمري لحربه. وأمر نحريرا الصغير أن يسير مددا لبكتمري، فسبقهم أحمد بن صعلوك إلى الري وملكها، وقتل محمد بن سليمان صاحب الخوارج، وبعث إلى نصر الحاجب ليصلح أمره بالمقاطعة على أعمال الري بمائة وستين ألف دينار، وينزل عن قم فكتب له بذلك وولى غيره على قم.
خبر سجستان وكرمان
كانت سجستان قد صارت لابن سامان منذ سنة ثمان وتسعين ومائتين، ثم تغلب عليها كثير بن أحمد بن صهفود من يده، فكتب المقتدر إلى عامل فارس وهو بدر ابن عبد الله الحمامي أن يرسل العساكر لمحاربته، ويؤمر عليهم دركا، ويجعل على الخراج بها زيد بن إبراهيم. فسارت العساكر وحاربوا أهل سجستان فهزموهم وأسروا زيد بن إبراهيم، وكتب كثير إلى المقتدر بالبراءة من ذلك، وطوية أهل سجستان. وأرسل المقتدر أن يسير لقتاله بنفسه، فخاف كثير وطلب المقاطعة على خمسمائة ألف دينار في كل سنة، فأجيب وقررت البلاد عليه، وذلك سنة اربع وثلاثمائة. وانتقض في هذه السنة بكرمان صاحب الخوارج بها أبو زيد خالد بن محمد ٣/٤٦١
المارداني، وسار منها إلى شيراز يروم التغلب على فارس فسار إليه بدر الحمامي العامل، وحاربه فقتله وحمل رأسه إلى بغداد.
وزارة حامد بن العباس
وفي سنة ست وثلاثمائة قبض المقتدر على وزيره أبي الحسن بن الفرات بسبب شكوى الجند بمطله أرزاقهم، واعتذر بضيق الأموال للنفقة في حروب ابن أبي الساج، ونقص الارتياع بخروج الري عن ملكه. فشغب الجند وركبوا، وطلب ابن الفرات من الخليفة إطلاق مائتي ألف دينار من خاصته يستعين بها، فنكر ذلك عليه لأنه كان ضمن القيام بأرزاق الأحشاد وجميع النفقات المرتبة، فاحتج بنقص الارتياع وبالنفقة في الحرب كما تقدم، فلم يقبل. ويقال سعى فيه عند المقتدر بأنه يروم إرسال الحسين بن حمدان إلى أبي الساج فيحاربه، وإذا سار عنده اتفقا على المقتدر، فقتل المقتدر ابن حمدان وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة، وكان حامد بن العباس على الأعمال بواسط، وكان منافرا لابن الفرات، وسعى به عنده بزيادة ارتياعه على ضمانه، فخشيه حامد على نفسه. وكتب إلى نصر الحاجب والي والده المقتدر سعة نفسه وكثرة أتباعه، وذلك عند استيحاشه من ابن الفرات، فاستقدمه من واسط، وقبض على ابن الفرات وابنه المحسن وأتباعهما، واستوزر حامدا فلم يوف حقوق الوزارة ولا سياستها، وتحاشى عليه الدواوين فأطلق المقتدر علي ابن عيسى وأقامه على الدواوين كالنائب عن حامد. فكان يزاحمه واستبد بالأمور دونه ولم يبق لحامد أمر عليه فأجابه ابن الفرات بأسفه منه وقال لشفيع اللؤلؤي: قل لأمير المؤمنين حامد إنما حمله على طلب الوزارة، أني طالبته بأكثر من ألفي ألف دينار من فضل ضمانه، فاستشاط حامد وزاد في السفه، فأنفذ المقتدر من رد ابن الفرات إلى محبسه، ثم صودر وضرب ابنه الحسن وأصحابه وأخذت منهم الأموال. ثم إن حامدا لما رأى استطالة علي بن عيسى عليه وكثرت تصرفه في الوزارة دونه، ضمن للمقتدر أعمال الخوارج والضياع الخاصة والمستحدثة والقرارية، بسواد بغداد والكوفة وواسط والبصرة والأهواز وأصبهان، واستأذنه في الانحدار إلى واسط لاستخراج ذلك فانحدر واسم الوزارة له وأقام علي بن عيسى يدبر الأمور، فأظهر حامد سوء تصرف في الأموال، وبسط المقتدر يده حتى خافه علي بن عيسى. ثم ٣/٤٦٢
تحرك السعر ببغداد فشغبت العامة ونهبوا الغلال، لأن حامدا وغيره من القواد كانوا يخزنون الغلال. وأحضر حامد لمنعهم فحضر فقاتلوه، وفتقوا السجون ونهبوا دار الشرطة. وأنفذ المقتدر غريب الحال في العسكر، فسكن الفتنة وعاقب المتصدين للشر، وأمر بفتح المخازن التي للحنطة وببيعها، فرخص السعر وسكن إلى منع الناس من بيع الغلال في البيادر وخزنها فرفع الضمان عن حامد، وصرف عماله عن السواد ورد ذلك لعلي بن عيسى وسكن الناس.
وصول ابن المهدي وهو أبو القاسم إلى ابنه
وفي سنة سبع وثلاثمائة بعث المهدي صاحب إفريقية أبا القاسم في العساكر إلى مصر فوصل إلى الإسكندرية في ربيع الآخر وملكها، ثم سار إلى مصر ونزل بالجيزة واستولى على الصعيد، وكتب إلى أهل مكة في طاعته فلم يجيبوا. وبعث المقتدر مؤنسا الخادم إلى مصر لمدافعته، فكانت بينهم حروب كثر فيها القتلى من الجانبين، وكان الظهور لمؤنس ولقب يومئذ بالمظفر. ووصل من إفريقية أسطول من ثمانين مركبا مددا للقائهم، وعليهم سليمان الخادم ويعقوب الكتامي، وأمر المقتدر بأن يسير إليهم أسطول طرسوس فسار في خمسة وعشرين مركبا وعليهم أبو اليمن، ومعهم العدد والأنفاط، فغلبوا أسطول إفريقية وأحرقوا أكثر مراكبه. وأسر سليمان الخادم ويعقوب الكتامي في جماعة قتل أكثرهم، وحبس سليمان بمصر، وحمل يعقوب إلى بغداد. ثم هرب وعاد إلى إفريقية وانقطع المدد عن عسكر المغاربة، فوقع الغلاء عندهم وكثر الموتان في الناس والخيل فارتحلوا راجعين إلى بلادهم وسار عساكر مصر في أثرهم حتى أبعدوا.
بقية خبر ابن أبي الساج
قد تقدم لنا أن مؤنسا حارب يوسف بن أبي الساج عامل أذربيجان فأسره وحمله إلى بغداد فحبس بها، واستقر بعده في عمله سبك مولاه. ثم إن مؤنسا شفع فيه سنة عشر. فأطلقه المقتدر وخلع عليه ثم عقد له أذربيجان وعلى الري وقزوين أبهر وزنجان وعلى خمسمائة ألف دينار في كل سنة سوى أرزاق العساكر. وسار يوسف إلى أذربيجان ومعه وصيف البكتمري في العساكر، ومر بالموصل فنظر في ٣/٤٦٣
أعمالها وأعمال ديار ربيعة. وقد كان المقتدر تقدم إليه بذلك. ثم سار إلى أذربيجان وقد مات مولاه سبك، فاستولى عليها وسار سنة إحدى عشرة إلى الري وكان عليها أحمد بن علي أخو صعلوك، وقد اقتطعها كما قدمنا، ثم انتقض على المقتدر وهادن ما كان بن كالي من قواد الديلم القائم بدعوة أولاد الأطروش في طبرستان وجرجان.
فلما جاء يوسف إلى الري حاربه أحمد فقتله يوسف، وأنفذ رأسه إلى بغداد، واستولى على الري في ذي الحجة وأقام بها مدة، ثم سار عنها إلى همذان فاتح ثلاث عشرة، واستخلف بها مولاه مفلحا وأخرجه أهل الري عنهم، فعاد يوسف إليهم في جمادى من سنته، واستولى عليها ثانية. ثم قلده المقتدر سنة أربع عشرة نواحي المشرق وأذن له في صرف أموالها في قواده وأجناده وأمره بالمسير إلى واسط، ثم منها إلى هجر لمحاربة أبي طاهر القرمطي، فسار يوسف إلى طاهر وكان بها مؤنس المظفر، فرجع إلى بغداد وجعل له أموال الخراج بنواحي همذان وساوة وقم وقاشان وماه البصرة وماه الكوفة وماسبذان لينفقها في عسكره، ويستعين بها على حرب القرامطة، ولما سار من الري كتب المقتدر إلى السعيد نصر بن سامان بولاية الري وأمره بالمسير إليها وأخذها من فاتك مولى يوسف، فسار إليها فاتح أربع عشرة، فلما انتهى إلى جبل قارن منعه أبو نصر الطبري من العبور، وبذل له ثلاثين ألف دينار فترك سبيله وسار إلى الري فملكها من يد فاتك وأقام بها شهرين، وولى عليها سيمجور الدواني وعاد إلى بخارى. ثم استعمل على الري محمد بن أبي صعلوك فأقام بها إلى شعبان سنة ست عشرة وأصابه مرض، وكان الحسن بن القاسم الداعي وما كان ابن كالي أميري الديلم في تسليم الري إليهما، فقدما وسار عنها ومات في طريقه، واستولى الداعي والديلم عليها.
بقية الخبر عن وزراء المقتدر
قد تقدم الكلام في وزارة حامد بن العباس وأن علي بن عيسى كان مستبدا عليه في وزارته، وكان كثيرا ما يطرح جانبه ويسيء في توقعاته على عماله. وإذا اشتكى إليه أحد من نوابه يوقع على القصة: إنما عقد الضمان على الحقوق الواجبة فليكف ٣/٤٦٤
الظلم عن الرعية. فأنف حامد من ذلك واستأذن في المسير إلى واسط للنظر في ضمانه، فأذن له ثم كثرت استغاثة الخدم والحاشية من تأخر أرزاقهم وفسادها، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها وإذا اجتمعت عدة شهور أسقطوا بعضها، وكثرت السعاية واستغاث العمال وجميع أصحاب الأرزاق بأنه حط من أرزاقهم شهرين من كل سنة، فكثرت الفتنة على حامد، وكان الحسن ابن الوزير ابن الفرات متعلقا بمفلح الأسود خالصة الخليفة المقتدر وكان شقيقه لأبيه، وجرى بينه وبين حامد يوما كلام، فأساء عليه حامد وحقد له. وكتب ابن الفرات إلى المقتدر وضمن له أموالا فأطلقه واستوزره، وقبض على علي بن عيسى وحبسه في مكانه، وذلك سنة إحدى عشرة، وجاء حامد من واسط فبعث ابن الفرات من يقبض عليه، فهرب من طريقه واختفى ببغداد. ثم مضى إلى نصر بن الحاجب سرا وسأل إيصاله إلى المقتدر، وأن يحبسه بدار الخلافة، ولا يمكن ابن الفرات منه. فاستدعى نصر الحاجب مفلحا الخادم حتى وقفه على أمره وشفع له في رفع المؤاخذة بما كان منه، فمضى إلى المقتدر وفاوضه بما أحب، وأمر المقتدر بإسلامه لابن الفرات فحبسه مدة ثم أحضره وأحضر له القضاة والعمال، وناظره فيما وصل إليه من الجهات فأقر بنحو ألف ألف دينار. وضمنه المحسن بن الفرات بخمسمائة ألف دينار فسلم إليه وعذبه أنواعا من العذاب، وبعثه إلى واسط ليبيع أمواله هناك فهلك في طريقه بإسهال أصابه. ثم صودر علي بن عيسى على ثلاثمائة ألف دينار وعذبه المحسن بعد ذلك عليها فلم يستخرج منه شيئا وسيره ابن الفرات أيام عطلته وحبسه بعد أن كان رباه وأحسن إليه، فقبض عليه مدة ثم أطلقه، وقبض على ابن الجوزي وسلمه إلى ابنه المحسن، فعذبه ثم بعثه إلى الأهواز لاستخراج الأموال، فضربه الموكل به حتى مات. وقبض أيضا على الحسين بن أحمد، وكان تولى مصر والشام وعلى محمد بن علي المارداني وصادرهما على ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وصادر جماعة من الكتاب سواهم ونكبهم. وجاء مؤنس من غزاته فأنهى إليه أفعال ابن الفرات وما هو يعتمد من المصادرات والنكايات وتعذيب ابنه للناس، فخافه ابن الفرات وخوف المقتدر منه. وأشار بسيره إلى الشام ليقيم هنالك بالثغر، فبعثه ٣/٤٦٥
المقتدر وأبعده. ثم سعى ابن الفرات بنصر الحاجب وأغراه به وأطمعه في ماله وكان مكثرا واستجار نصر بأم المقتدر. ثم كثر الإرجاف بابن الفرات، فخاف وانهى إلى المقتدر بأن الناس عادوه لنصحه للسلطان واستيفاء حقوقه، وركب هو وابنه المحسن إلى المقتدر فأوصلهما إليه وأسهمهما، وخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب، ودخل مفلح على المقتدر وأشار إليه بعزله، فأسر إليه وفاقه على ذلك، وأمر بتخلية سبيلهما.
واختفى المحسن من يومه. وجاء نازوك وبليق من الغد في جماعة من الجند إلى دار ابن الفرات فأخرجوه حافيا حاسرا، وحمل إلى مؤنس المظفر ومعه هلال بن بدر، ثم سلم إلى شفيع اللؤلؤي فحبس عنده وصودر على ألف ألف دينار، وذلك سنة اثنتي عشرة. وكان عبد الله أبو القاسم بن علي بن محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما تغير حال ابن الفرات سعى في الوزارة، وضمن في ابن الفرات وأصحابه ألفي ألف دينار على يد مؤنس الخادم وهارون بن غريب الحال ونصر الحاجب، فاستوزره المقتدر على كراهية فيه، ومات أبوه علي على وزارته. وشفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى من صنعاء، فكتب له في العود وبمشارفة أعمال مصر والشام، وأقام المحسن بن الفرات مختفيا مدة. ثم جاءت امرأة إلى دار المقتدر تنادي بالنصيحة، فأحضرها نصر الحاجب فدلت على المحسن، فأحضره نازوك صاحب الشرطة، فسلم للوزير وعذب بأنواع العذاب، فلم يستخرج منه شيء فأمر المقتدر بحمله إلى أبيه بدار الخلافة، وجاء الوزير أبو القاسم الخاقاني إلى مؤنس وهارون ونصر فحذرهم شأن ابن الفرات وغائلته بدار الخلافة، وأغراهم به، فوضعوا القواد والجند وقالوا: لا بد من قتل ابن الفرات وولده، ووافق هؤلاء على ذلك فأمر نازوك بقتلهما فذبحهما. وجاء هارون إلى الوزير الخاقاني يهنئه بذلك فأغمي عليه، ثم أفاق وأخذ منه ألفي دينار وشفع مؤنس المظفر في ابنيه عبد الله وأبي نصر فأطلقهما ووصلهما بعشرين ألف دينار. ثم عزل الخاقاني سنة ثلاث عشرة لأنه أصابه المرض وطال به، وشغب الجند في طلب أرزاقهم فوقفت به الأحوال، وعزله المقتدر وولى مكانه أبا العباس الخصي وكان كاتبا لأمه فقام بالأمر، وأقر علي بن عيسى على أعمال مصر والشام، فكان يتردد إليهما من مكة، ثم أن الخصي اضطربت أموره وضاقت الجباية، وكان مدمنا للسكر مهملا للأمور، ووكل من يقوم عنه فآثروا مصالحهم ٣/٤٦٦
وأضاعوا مصلحته. وأشار مؤنس المظفر بعزله وولاية ابن عيسى، فعزل لسنة وشهرين. واستقدم علي بن عيسى من دمشق وأبو القاسم عبد الله بن محمد الكلواذي بالنيابة عنه إلى أن يحضر، فحضر أول سنة خمس عشرة واستقل بأمر الوزارة، وطلب كفالات المصادرين والعمال، وما ضمن من الأموال بالسواد والأهواز وفارس والمغرب، فاستحضرها شيئا بعد شيء وأدر الأرزاق وبسط العطاء وأسقط أرزاق المغنين والمسامرة والندمان والصفاعنة، وأسقط من الجند أصاغر الأولاد ومن ليس له سلاح والهرمي والزمنى، وباشر الأمور بنفسه واستعمل الكفاة وطلب أبا العباس الخصي في المناظرة، وأحضر له الفقهاء والقضاة والكتاب، وسأله عن أموال الخوارج والنواحي والمصادرات وكفالاتها، وما حصل من ذلك وما الواصل والبواقي، فقال لا أعلم فسأله عن المال الذي سلمه لابن أبي الساج كيف سلمه بلا مصرف ولا منفق، وكيف سلم إليه أعمال المشرق، وكيف بعثه لبلاد الصحراء بهجر هو وأصحابه من أهل الغلول والخصب، فقال: ظننت منهم القدرة على ذلك. وامتنع ابن أبي الساج من المنفق فقال: وكيف استجزت ضرب حرم المصادرين؟ فسكت، ثم سئل عن الخراج فخلط فقال: أنت غررت أمير المؤمنين من نفسك فهلا استعذرت بعدم المعرفة. ثم أعيد إلى محبسه واستمر علي بن عيسى في ولايته. ثم اضطربت عليه الأحوال واختلفت الأعمال، ونقص الارتياع نقصا فاحشا، وزادت النفقات، وزاد المقتدر تلك الأيام في نفقات الخدم والحرم ما لا يحصى، وعاد الجند من الأنبار فزادهم في أرزاقهم مائتين وأربعين ألف دينار. فلما رأى ذلك علي بن عيسى ويئس من انقطاعه أو توقفه، وخشي من نصر الحاجب، فقد كان انحرف عنه لميل مؤنس إليه وما بينهما من المنافرة في الدولة، فاستعفى من الوزارة وألح في ذلك وسكنه مؤنس فقال له: أنت سائر إلى الرقة، وأخشى على نفسي بعدك. ثم فاوض المقتدر نصر الحاجب بعد مسير مؤنس فأشار بوزارة أبي علي ابن مقلة، فاستوزره المقتدر سنة ست عشرة وقبض على علي بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وأقام ابن مقلة بالوزارة وأعانه فيها أبو عبد الله البريدي لمودة كانت بينهما واستمرت حاله على ذلك. ثم عزله المقتدر ونكبه بعد سنتين وأربعة أشهر حين استوحش من مؤنس كما نذكره، وكان ابن مقلة متهما بالميل إليه فاتفق مغيبه في بعض الوجوه فيقبض عليه المقتدر. فلما جاء مؤنس سأل في إعادته فلم يجبه المقتدر ٣/٤٦٧
وأراد قتله فمنعه، واستوزر المقتدر سليمان بن الحسن وأمر علي بن عيسى بمشاركته في الاطلاع على الدواوين، وصودر ابن مقلة على مائتي ألف دينار، وأقام سليمان في وزارته سنة وشهرين وعلي بن عيسى يشاركه في الدواوين، وضاقت عليه الأحوال إضاقة شديدة، وكثرت المطالبات ووقفت وظائف السلطان. ثم أفرد السواد بالولاية فانقطعت مواد الوزير لأنه كان يقيم من قبله من يشتري توقعات الأرزاق ممن لا يقدر على السعي في تحصيلها من العمال والفقهاء وأرباب البيوت، فيشتريها بنصف المبلغ فتعرض بعض من كان ينتمى لمفلح الخادم لتحصيل ذلك للخليفة، وتوسط له مفلح فدافع لذلك وجاهر في تحصيله من العمال، فاختلت الأحوال بذلك وفضح الديوان ودفعت الأحوال لقطع منافع الوزراء والعمال التي كانوا يرتفقون بها، وإهمالهم أمور الناس بسبب ذلك. وعاد الخلل على الدولة وتحرك المرشحون للوزارة في السعاية وضمان القيام بالوظائف وأرزاق الجند. وأشار مؤنس بوزارة أبي القاسم الكلواذي فاستوزره المقتدر في رجب من سنة تسع عشرة وأقام في وزارته شهرين.
وكان ببغداد رجل من المخرفين يسمى الدانيالي، وكان وراقا ذكيا محتالا يكتب الخطوط في الورق ويداويها حتى تتم بالبلى. وقد أودعها ذكر من يراه من أهل الدولة برموز وإشارات، ويقسم له فيها من حظوظ الملك والجاه والتمكين قسمة من عالم الغيب، يوهم أنها من الحدثان القديم المأثور عن دانيال وغيره، وأنها من الملاحم المتوارثة عن آبائه، ففعل مثل ذلك بمفلح. وكتب له في الأوراق م م م بأن يكون له كذا وكذا، وسأله مفلح عن الميم فقال: هو كناية عنك لأنك مفلح مولى المقتدر. وناسب بينه وبين علامات مذكورة في تلك الأوراق حتى طبقها عليه، فشغف به مؤنس وأغناه. وكان يداخل الحسين بن القاسم بن عبد الله بن وهب، فرمز اسمه في كتاب وذكر بعض علاماته المنطبقة عليه، وذكر أنه يستوزره الخليفة الثامن عشر من بني العباس، وتستقيم الأمور على يديه، ويقهر الأعادي وتعمر الدنيا في أيامه وخلط ذلك في الكتاب بحدثان كثير وقع بعضه ولم يقع الآخر.
وقرأ الكتاب على مفلح فأعجبه، وجاء بالكتاب إلى المقتدر فأعجب به الآخر، وقال لمفلح: من تعلم بهذه القصة؟ فقال لا أراه إلا الحسين بن القاسم. قال:
صدقت وإني لأميل إليه، وقد كان المقتدر أراد ولايته قبل ابن مقلة وقبل الكلواذي، فامتنع مؤنس. ثم قال المقتدر لمفلح: إن جاءتك رقعة منه بالسعي في ٣/٤٦٨
الوزارة فأعرضها علي. ثم سأل مفلح الدانيالي من أين لك الكتاب؟ قال: وراثة من آبائي وهو من ملاحم دانيال. فأنهى ذلك إلى المقتدر واغتبطوا بالحسين وبلغ الخبر إليه، فكتب إلى مفلح بالسعي في الوزارة، فعرض كتابه على المقتدر فأمره بإصلاح مؤنس. واتفق أن الكلواذي عمل حسابا بما يحتاج إليه من النفقات الزائدة على الحاصل، فكاتب سبعمائة ألف دينار وكتب عليه أهل الديوان خطوطهم، وقال ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين. فعظم ذلك على المقتدر، وأمر الحسين بن القاسم أن يضمن جميع النفقات وزيادة ألف ألف دينار لبيت المال. وعرض كتابه على الكلواذي فاستقال، وأذن للكلواذي لشهرين من وزارته، وولى الحسين بن القاسم واشترط أن لا يشاركه علي بن عيسى في شيء من أموره، وإخراجه الصافية. واختص به الحسين بن اليزيدي وابن الفرات. ولما ولي واطلع على نقصان الارتياع وكثرة الإنفاق وضاق عليه الأمر فتعجل الجباية المستقبلة، وصرفها في الماضية. وبلغ ذلك هارون بن غريب الحال فأنهاه إلى المقتدر، فرتب معه الخصي واطلع على حسابه، فألقى له حسبة ليس فيها رمزه. فأظهر ذلك للمقتدر وجميع الكتاب واطلعوا عليها وقابلوا الوزير بتصديق الخصي فيما قاله، وقبض على الحسين ابن القاسم في شهر ربيع من سنة عشرين لسبعة أشهر من ولايته. واستوزر أبا الفتح الفضل بن جعفر وسلم إليه الحسين فلم يؤاخذه بإساءته ولم يزل على وزارته.