لماذا نبدأ بالسيرة
كتابٌ يشرح كتابًا
جرت العادة أن يُقرأ «التعريف» أخيرًا، بوصفه ذيلًا لـ«العِبَر» وملحقًا من ملاحق المؤرّخ. ونحن نبدأ به عامدين، لأن الترتيب المعتاد يقلب العلاقة رأسًا على عقب. «المقدمة» ليست كتابًا كتبه عالمٌ في مدرسة؛ هي كتابٌ كتبه سياسيٌّ هاربٌ في منفاه، بعد ربع قرنٍ من الخدمة والانقلاب والسجن والوساطة. ومن قرأ النظرية قبل أن يعرف كيف اكتُسبت، قرأ نتائج تجربةٍ وهو يجهل التجربة.
ولنضبط الكلمة من أول الأمر: هارب لا فاشل. فالرجل لم يُخرَج من اللعبة مهزومًا؛ خرج منها بقدميه وهو يُحسنها. بلغ الحجابة ببجاية — وهي، بتعريفه هو، «الاستقلال بالدولة» — وكان أهل البلد يقبّلون يده. وحين استدعاه أبو حمّو إلى سفارةٍ يقدر عليها، «أجبتُه إلى ذلك ظاهرًا» ثم عدل بركابه ذات اليمين واختفى. لم يسقط من البلاط؛ تسلّل منه. وهذا فرقٌ يغيّر معنى الكتاب كلّه: «المقدمة» ليست تعويضًا عن عجز، بل حصيلة رجلٍ عرف اللعبة حتى ملّها، فانسحب ليكتب قوانينها.
وابن خلدون نفسه لا يخفي هذا. يقول في «التعريف» إنه أقام بقلعة ابن سلامة أربعة أعوام «متخلّيًا عن الشواغل كلّها»، وإنه هناك أكمل المقدمة «على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة». والعبارة تستحق الوقوف: النحو الغريب. رجلٌ يعرف أنه أتى بشيءٍ لا سابقة له، ويعرف أنه إنما أتى به في خلوةٍ فُرضت عليه فرضًا بعد أن أُغلقت في وجهه أبواب البلاطات كلّها.
ما هذا الكتاب وما ليس هو
و«التعريف» ليس مذكرات بالمعنى الذي نفهمه اليوم. هو سيرةٌ ديوانية: يعدّد المناصب، ويثبت نصوص العهود والرسائل السلطانية بكاملها، ويورد قصائده في المدح، ويترجم لشيوخه ترجماتٍ تطول حتى تبتلع صاحب السيرة نفسه. وأنت تقرأ عشرات الصفحات عن أساتذته وأقرانه قبل أن تقرأ سطرًا عن زوجته — التي لن تُذكر أصلًا إلّا حين تغرق.
فليكن هذا مفهومًا من البداية: نحن نقرأ رجلًا يكتب ملفّه، لا رجلًا يفتح قلبه. وأثمن ما في الكتاب ليس ما يعترف به، بل ما يُفلت منه.
البيت والنشأة
من إشبيلية إلى تونس: بيتٌ صنعته الهجرة
يبدأ ابن خلدون بنسبه، فيسوقه إلى وائل بن حجر الحضرمي من عرب اليمن، ثم يفعل شيئًا لافتًا: يشكّك في نسب نفسه. يقول إنه لا يحفظ من آبائه إلى خلدون غير عشرة، «ويغلب على الظنّ أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددًا» — ثم يحسبها حسابًا: إن كان خلدون داخلًا مع الفتح فالمدة سبعمائة سنة، «فيكونون زهاء العشرين؛ ثلاثة لكلّ مائة». وهذه ليست فقرة نسبٍ، إنها فقرة منهج. الرجل يطبّق على شجرة عائلته نفسها قاعدة الأجيال التي سيقعّدها في «المقدمة»، ويكتشف بها ثغرةً في نسبه بدل أن يسترها. من أول صفحة، العقل الخلدوني يعمل ضدّ صاحبه.
والبيت بيت رئاسةٍ وثورة: بنو خلدون من كبار ثوّار إشبيلية أيام الأمير عبد الله، منهم كُريب الذي ملك إشبيلية أعوامًا ثم قُتل وبُعث برأسه إلى الأمير. ثم انحسرت عنهم الإمارة، فصاروا وزراء ورجال دولة تحت بني عبّاد، وشهدوا الزلّاقة، واستُلحم منهم طائفةٌ كبيرة ثبتوا مع ابن عبّاد. ثم لمّا أطلّ سقوط الأندلس الغربية، «خشي بنو خلدون سوء العاقبة مع الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة».
فالبيت الذي وُلد فيه ابن خلدون بيتٌ يعرف من تجربته المباشرة أن الدول تقوم وتسقط، وأن العاقل يقرأ العلامات ويرحل قبل الانهيار. هذه ليست خلفيةً للنظرية؛ هذه هي النظرية، متوارثةً في صورة عادةٍ عائلية.
أبٌ ترك السيف إلى العلم
وفي الجيل الأخير قبله يحدث تحوّلٌ دالّ. جدّه محمد كان رجل دولةٍ من الطراز الأول: حاجبًا ورديفًا للحُجّاب، دُعي إلى الحجابة مرارًا فامتنع، حتى إنّ السلطان أبا يحيى «أراده على الحجابة وأن يفوّض إليه في أمره، فأبى واستعفى». رجلٌ رأى ما يكفي ليعرف أن قمّة الخدمة هي أقرب نقطةٍ إلى الحتف — وقد قُتل قبله جدٌّ آخر خنقًا في محبسه بعد مصادرة.
ثم «نزع ابنه، وهو والدي محمد أبو بكر، عن طريقة السيف والخدمة إلى طريقة العلم والرباط». أي أن أباه انسحب من اللعبة كلّها. فابن خلدون وُلد في بيتٍ خرج لتوّه من السلطة إلى العلم — ثم قضى حياته يعود إلى السلطة التي هرب منها أبوه، ويُنكب فيها مرّةً بعد مرّة، حتى انتهى إلى العلم من جديد. دورةٌ كاملة في جيلين.
التكوين: القراءات، ثم الآبلي
وُلد بتونس غرّة رمضان 732هـ. ويسرد تعليمه سردًا فخورًا دقيقًا: حفظ القرآن وقرأه بالقراءات السبع «إفرادًا وجمعًا في إحدى وعشرين ختمة»، ثم العربية والفقه المالكي والحديث. وهذا كلّه تعليمٌ تقليديّ لا يُنتج مؤلّف «المقدمة».
الذي أنتجه رجلٌ واحد: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، «شيخ العلوم العقلية». وترجمة ابن خلدون له من أطول ما في الكتاب وأحفله بالتفاصيل الشخصية — بل يروي عنه أخبارًا حميمة غريبة، منها أنه اشتدّت به الغُلمة في البحر فشرب الكافور فاختلط عقله. ولا يفعل ابن خلدون هذا مع أحدٍ غيره.
وعلى الآبلي أخذ المنطق والأصلين و«سائر الفنون الحكمية والتعليمية». والصلة هنا حاسمة: الآبلي تلميذ ابن البنّاء المراكشي، عالم الرياضيات والفلك. فالسلسلة التي أوصلت العلوم العقلية إلى ابن خلدون سلسلةٌ رياضية برهانية، لا فقهية. ومن هنا — لا من الفقه — جاءت عادته في طلب العلّة والقانون المطّرد.
الطاعون الجارف: أن تفقد أبويك وأساتذتك كلّهم في سنة
سنة 749هـ يجتاح الطاعون تونس. يقول ببساطةٍ مفزعة: «ثم درجوا كلّهم في الطاعون الجارف». مشايخه جميعًا. وأبواه. وعبد المهيمن الحضرمي الذي كان يختبئ في دارهم. وابن الإمام، والسطّي، وابن الصبّاغ. جيلٌ علميّ كامل يُمحى.
وابن خلدون يومئذ في السابعة عشرة. ولا يقف عند مصابه وقفة راثٍ؛ يمرّ عليه في سطر. لكنّ أثره يظهر بعد قليل في اعترافٍ نادر: «وقد كنت منطويًا على مفارقتهم، لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي، وعطلتي عن طلب العلم». أي أن الوباء هو الذي دفعه إلى الخدمة السلطانية أصلًا — لم يعد في تونس أحدٌ يتعلّم منه. مساره كلّه، من الوظيفة إلى النكبة إلى المنفى إلى «المقدمة»، بدأ بجائحة.
ومن هنا وجب أن نقول شيئًا صريحًا: الرجل الذي سيكتب أعمق تحليلٍ لدورة الحضارات كان قد شهد، وهو صبيّ، انهيار عالمه المعرفيّ في موسمٍ واحد. من رأى مدينةً تُفرَّغ من علمائها في أشهر، لا يحتاج إلى إقناعٍ بأن العمران يهرم ويموت.
أطوار الخدمة: صعودٌ ونكبةٌ وتكرار
العلامة بتونس، والهروب في أول فرصة
أول وظيفةٍ ناله «العلامة» عن السلطان أبي إسحاق بتونس، وهو دون العشرين. ويصفها بدقّةٍ فنية: «وضع الحمد لله والشكر لله، بالقلم الغليظ». ثم يعترف بلا مواربة أنه قبِلها لغرضٍ آخر تمامًا: «فلمّا دُعيت إلى هذه الوظيفة سارعتُ إلى الإجابة، لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب». أي أنه أخذ منصبًا في دولةٍ لينشقّ عنها. ثم انهزم الجيش الذي خرج فيه، فنجا وحده — وسار إلى المغرب كما أراد.
وهذه أول مرة نرى فيها النمط الذي سيحكم حياته: الوظيفة عنده وسيلة انتقال، لا غاية. وهو لا يعتذر عن ذلك ولا يشعر بحرج.
أبو عنان: سجن سنتين، وقصيدةٌ تفتح الباب
في فاس بلغ مجلس السلطان أبي عنان العلميّ ثم كتابته. ثم وقعت النكبة الأولى: اتُّهم بمداخلة الأمير محمد صاحب بجاية في الفرار، فسُجن في صفر 758هـ، وبقي في الاعتقال «إلى أن هلك» السلطان — نحو سنتين.
وما فعله في السجن يكشف عن الرجل: نظم قصيدةً في نحو مئتَي بيت يستعطف بها سجّانه، مطلعها «على أيّ حالٍ لليالي أعاتب». ويقول عنها ببرودٍ عجيب: «فكان لها منه موقع، وهشّ لها». ثم مات السلطان قبل أن ينفّذ وعده بالإفراج، فأفرج عنه الوزير.
ولنسمّ الأشياء بأسمائها: ابن خلدون تعلّم مبكرًا أن الكلمة سلاحٌ للنجاة، وأن مدح مَن سجنك ليس عارًا بل صنعة. وسيستعمل هذه الصنعة نفسها، بعد أربعين سنة، أمام تِمُر.
أبو سالم: كاتب السرّ، وكبرياء الأسلوب
ثم صنع ملكًا. لمّا أجاز أبو سالم من الأندلس طالبًا عرشه، كان ابن خلدون من أهمّ من مهّد له: «فحملتُ الكثير منهم على ذلك» — أي حمل مشايخ بني مرين على خلع سلطانهم ومبايعة القادم الجديد. ونجح الانقلاب، فنال كتابة السرّ والإنشاء.
وهنا تظهر نبرة الاعتداد صافية: يقول إن أكثر مخاطباته صدرت «بالكلام المرسل»، لا يشاركه أحد من كتّاب عصره في الأسجاع «لضعف انتحالها، وخفاء العالي منها على أكثر الناس، بخلاف المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربًا عندهم». رجلٌ يفخر بأنه ترك الزخرف الذي يجيده الجميع، وكتب نثرًا مرسلًا لم يفهم الناس قيمته. وهذه، في جوهرها، هي دعوى «المقدمة» نفسها قبل أن تُكتب: أنا أفعل ما لا يحسنه غيري، وستتأخّرون في إدراكه.
ثم وليَ خطّة المظالم. ثم دبّ الحسد، وغلب ابن مرزوق على هوى السلطان، «فانقبضتُ، وقصرتُ الخطو». وسقط أبو سالم وقُتل. ودارت الدورة.
بجاية: الرجل الذي حكم فعلًا
أهمّ فصلٍ سياسيّ في حياته، وأكثر ما يُغفل عنه. سنة 766هـ استدعاه السلطان أبو عبد الله إلى بجاية ووّلاه الحِجابة. ويشرح ابن خلدون معناها بنفسه شرحًا لا لبس فيه: «ومعنى الحجابة — في دولنا بالمغرب — الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد».
أي أنه حكم. لم يكن مستشارًا ولا كاتبًا؛ كان الرجل الثاني الذي يدير الدولة. وهو يصف اليوم وصف رجلٍ بلغ ذروته: «وتهافت أهل البلد عليّ من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبّلون يدي، وكان يومًا مشهودًا».
ثم يذكر ما هو أثمن من ذلك: أنه كان يخطب بجامع القصبة، ويدرّس العلم أثناء النهار، بعد فراغه من تدبير الملك غدوةً — «لا أنفكّ عن ذلك». وأنه لمّا أعوزت السلطانَ النفقة بعد الهزيمة، خرج بنفسه إلى قبائل البربر الممتنعة في جبال بجاية: «فدخلتُ بلادهم واستبحتُ حماهم، وأخذتُ رهنهم على الطاعة، حتى استوفيتُ منهم الجباية».
قف عند هذه الجملة. مؤلّف «المقدمة» جبى الضرائب بنفسه من قبائل جبليةٍ ممتنعة، بالقوّة والرهائن. الرجل الذي سيكتب عن البداوة والحضارة، وعن امتناع أهل الجبال، وعن الجباية وأثرها في الدولة — كتب ذلك كلّه وقد فعله بيده. وهذا ما يفصل «المقدمة» عن كلّ فلسفةٍ سياسية كُتبت في المدارس: صاحبها كان في الميدان.
ثم قُتل سلطانه، ودخل ابن العمّ المنتصر، فسلّم ابن خلدون المدينة إليه ونجا. ثم اعتُقل أخوه، وكُبست بيوتهم «يظنّ بها ذخيرةً وأموالًا، فأخفق ظنّه». وخرج فقيرًا.
وسيط القبائل: صناعةٌ ثالثة
وفي السنوات التالية يمارس مهنةً غريبة لم يمارسها فيلسوفٌ قطّ: سمسار العصبيات. يستعمله أبو حمّو صاحب تلمسان لاستئلاف قبائل رياح والدواودة، فيقول: «فقمتُ له في ذلك أحسن مقام، وشايعتُه أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان». ثم ينقلب فيُجلب العرب على أبي حمّو نفسه. ويقيم في أحياء يعقوب بن عليّ، وينزل عند ابن مزني ببسكرة، ويعرف شيوخ زغبة ورياح ومعقل بأسمائهم وأنسابهم وأثمانهم.
ومن هنا — لا من الكتب — جاء أخطر ما في «المقدمة»: العصبية. الرجل الذي كتب أنّ الملك لا يقوم إلا بالعصبية، أمضى سنواتٍ يشتري العصبيات ويبيعها لحساب الملوك. هو لا ينظّر في القبيلة؛ هو يعرف كم تساوي.
قلعة ابن سلامة: أربعة أعوام صنعت «المقدمة»
كيف يصل رجلٌ إلى الخلوة
سنة 776هـ استدعاه أبو حمّو مرّةً أخرى ليسفر إلى الدواودة. وهنا ينكسر شيءٌ في الرجل. يقول: «فاستوحشتُ منه، ونكرتُه على نفسي، لما آثرتُه من التخلّي والانقطاع، وأجبتُه إلى ذلك ظاهرًا» — ثم خرج من تلمسان كأنه ذاهبٌ في المهمّة، فلمّا بلغ البطحاء «عدلتُ ذات اليمين» ولحق بأولاد عريف، وأنزلوه بأهله في قلعة ابن سلامة.
لاحظ الآلية: لم يستقل، ولم يعتذر، ولم يواجه. كذب على السلطان وهرب في منتصف الطريق. الرجل الذي سيكتب أنّ الدولة تفسد حين يفسد أهل الحلّ والعقد، خرج من الدولة بحيلة.
«ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه»
أقام أربعة أعوام (776–780هـ) في قصر أبي بكر بن عريف، «متخلّيًا عن الشواغل كلّها». وفي هذه الخلوة كتب «المقدمة». وعبارته في وصف ما جرى له من أدقّ ما وصف به مؤلّفٌ لحظة الإلهام:
«وشرعتُ في تأليف هذا الكتاب وأنا مقيمٌ بها، وأكملتُ المقدمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديتُ إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضتْ زبدتُها، وتألّفت نتائجها».
«سالت شآبيب الكلام… حتى امتُخضت زبدتها». هو يصف انفجارًا. أربعة وعشرون عامًا من الخدمة والخيانة والسجن والجباية والوساطة، تُمخَض في أربع سنواتٍ من الصمت، فيطفو الزبد: قوانين العمران.
ويقول إنه أملى الكثير من حفظه، بلا كتب. وهذا يفسّر خاصّيتين في «المقدمة» معًا: قوّتها النظرية المذهلة، وضعفها في التوثيق والتفاصيل. رجلٌ يبني نظامًا من رأسه، معتمدًا على ما رآه لا على ما قرأه.
لماذا خرج: النظرية تطلب مادّتها
ولم يبقَ. يقول: «وقد فرغتُ من مقدّمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوّقتُ إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا تُوجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليتُ الكثير من حفظي، وأردتُ التنقيح والتصحيح». ثم مرض مرضًا كاد يُهلكه، فحنّ إلى تونس «حيث قرار آبائي ومساكنهم وآثارهم وقبورهم».
وهذه لحظةٌ منهجيّة نفيسة: النظرية اكتملت في العزلة، ثم طلبت الامتحان في الأرشيف. خرج ابن خلدون من قلعته لا ليعود إلى السياسة، بل ليتحقّق من كلامه. وسيقضي بقيّة عمره يحشو «العِبَر» بالمادّة التي تُثبت المقدمة أو تكذّبها — وهي مسألةٌ سنعود إليها في القسم الرابع، فإنّ الجواب ليس في صالحه دائمًا.
ابن الخطيب: الصديق، والمرآة، والصمت
وزيران يتكاتبان
يحتلّ لسان الدين بن الخطيب — وزير غرناطة، وصاحب «الإحاطة» — موقعًا خاصًّا في «التعريف». يثبت ابن خلدون رسائله إليه بنصّها، وهي من أبدع ما في الكتاب وأشدّه حرارة: يخاطبه بـ«يا سيدي إجلالًا واعتدادًا، وأخي ودًّا واعتقادًا، ومحلّ ولدي شفقة»، ويكتب إليه وهو في بسكرة رسالةً تفيض شوقًا وسجعًا، ويلاعبه بالجناس على اسمه: «وخلّد الشوق بعدك يا بن خلدون في الصميم من الخُلد».
وابن الخطيب هو الذي هيّأ له نزوله بغرناطة سنة 764هـ، وأنزله السلطان ابن الأحمر في قصوره، وأقطعه قرية إلبيرة. ثم سفّره إلى بُطرة ملك قشتالة، فرأى ابن خلدون إشبيلية — بلد أجداده — ووقف على «آثار سلفي بها»، وعرض عليه الملك النصرانيّ أن يردّ عليه تراث أهله ويقيم عنده، فاعتذر.
ثم يعترف بالحقيقة المرّة: «ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيّلوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان… فتنكّر. وشممتُ منه رائحة الانقباض». صداقة الوزيرَين لم تحتمل قرب أحدهما من السلطان. فرحل ابن خلدون عن غرناطة، وأخفى عن ابن الأحمر السبب الحقيقيّ «إبقاءً لمودّته».
ثم قُتل ابن الخطيب — وسطرٌ واحد
وهنا نبلغ أشدّ مواضع الكتاب دلالةً، وأقلّها كلامًا. لمّا نُكب ابن الخطيب وسُجن بفاس، سعى ابن خلدون في أمره: «وعوّلتُ فيه منهم على ونزمار وابن ماساي، فلم تنجح تلك السعاية، وقُتل ابن الخطيب بمحبسه».
هذا كلّ شيء. سطرٌ واحد. الرجل الذي أفرد لشيوخه عشرات الصفحات، ونقل رسائل ابن الخطيب إليه بطولها الفاحش، يخبرنا بمقتل أعزّ أصدقائه — خنقًا في سجنه ثم إحراق جثّته — في جملةٍ اعتراضية، ثم يمضي فورًا إلى ما جرى له هو: أنّ السلطان ابن الأحمر استوحش منه لأجل سعايته، فأجازه إلى العدوة.
ولا نملك إلا أن نقولها: هذه ليست قسوة، وليست جبنًا بالضرورة. هذه صنعة رجلٍ تعلّم أن لا يُثبت في ملفّه ما يُدينه. فمن دوّن في كتابه أنه حزن على مقتول السلطان، فقد كتب بيده تهمته. وابن خلدون، بعد سجنَين ونكبتين، صار يكتب كما يكتب من يعرف أن أوراقه ستُقرأ.
وقارئ «الإحاطة» على هذا الموقع يعرف نهاية القصّة من الجهة الأخرى: ابن الخطيب كتب موسوعته ليخلّد غرناطة ونفسه، فأُحرقت كتبه وأُحرقت جثّته. وصديقه نجا، وكتب «المقدمة». والفرق بين المصيرين ليس فرق موهبةٍ ولا فرق فضل — بل فرق مسافة: أحدهما بقي في البلاط حتى ابتلعه، والآخر هرب منه في منتصف الطريق إلى قلعةٍ في الصحراء.
مصر: القضاء، والغرق، والزهد
القاهرة: «من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام»
سنة 784هـ ركب البحر إلى الإسكندرية، وترك المغرب فلم يعد إليه أبدًا. ووصف القاهرة وصفًا هو من أجمل نثره: «فرأيتُ حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذرّ من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسيّ الملك». ثم — وهو المؤرّخ — لا يكتفي بانطباعه، فيجمع شهادات من سبقه إليها: قال المقّري «من لم يرَها لم يعرف عزّ الإسلام»؛ وقال البرجي إنّ كل ما يتخيّله الإنسان يراه دون خياله، «إلا القاهرة، فإنها أوسع من كل ما يُتخيّل فيها».
ولمن قرأ «المقدمة» فهذا ليس سياحة. هذا رجلٌ أمضى عمره بين دويلاتٍ مغربية متناحرة عمر الواحدة منها ثلاثة أجيال، ثم رأى فجأةً عمرانًا من طبقةٍ أخرى. القاهرة عنده برهانٌ حسّي على أطروحته في ضخامة العمران وأثر الدولة الكبرى.
قاضي المالكية: النزاهة بوصفها فشلًا سياسيًّا
ولّاه الظاهر برقوق قضاء المالكية. وسيرته في القضاء واضحة من روايته: صرامةٌ لا تلين، ورفضٌ للشفاعات، وإبطالٌ لحيلٍ جارية. يقول إنه أمضى الحكم «إرغامًا لهم»، فثار عليه أرباب الجاه، «وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إليّ». والتهمة التي رُمي بها لطيفة الدلالة: جهل المصطلح — أي أنه مغربيّ لا يعرف أعراف القضاء المصري.
وعُزل. ثم وُلّي وعُزل. خمس مرّات — بل ستّ — يدخل المنصب ويخرج منه، حتى آخر سطرٍ في الكتاب.
«وذهب الموجود والسكن والمولود»
وفي ذروة الحملة عليه وقعت الفاجعة. كانت زوجته وأولاده قد حُبسوا في تونس، فلمّا أُذن لهم ركبوا البحر إلى الإسكندرية، «فأصابها قاصفٌ من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظُم المصاب والجزع، ورجح الزهد».
ثماني كلماتٍ لموت أسرته. «الموجود» ماله وكتبه، «السكن» زوجته، «المولود» بناته. ثم يعود في السطر التالي إلى شؤون المنصب.
ولسنا نحاكمه على قلّة الكلام؛ فربما كان الصمت هنا أبلغ ما يملكه رجلٌ من القرن الثامن. لكننا نسجّل ما ترتّب عليه، لأنه هو الذي قاله: «ورجح الزهد». من هذه اللحظة يتغيّر ابن خلدون. يحجّ، ويتفرّغ للتدريس والتأليف، ويردّد أنه يؤمّل «قطع صبابة العمر في العبادة». الرجل الذي دخل التاريخ ساعيًا بين البلاطات، خرج منه وقد أخذ البحرُ كلَّ ما كان يسعى لأجله.
تِمُر: أعظم مشاهد الكتاب
التدلّي من سور دمشق
سنة 803هـ خرج مع السلطان الناصر فرج إلى الشام لملاقاة تِمُرلنك. ثم تسلّل السلطان وجيشه ليلًا عائدين إلى مصر، «وأصبح أهل دمشق متحيّرين قد عميت عليهم الأنباء». وبقي ابن خلدون في المدينة المحاصرة، في المدرسة العادلية، وهو ابن إحدى وسبعين.
واجتمع القضاة على طلب الأمان. وبلغ ابن خلدون من جوف الليل خبرُ شغبٍ في الجامع «فخشيتُ البادرة على نفسي»، فبكّر إلى الباب يطلب الخروج، «فأبوا عليّ أولًا، ثم أصْخوا لي، ودلّوني من السور».
شيخٌ في السبعين يُدلّى بالحبال من سور دمشق ليلًا، ليسلّم نفسه إلى الرجل الذي يحرق المدن. هذه صورة تلخّص حياته كلّها: النجاة بالمبادرة، والذهاب إلى القوّة قبل أن تأتيك.
أن تشرح نظريّتك للفاتح
ثم يجري الحوار الذي لا نظير له في التراث. سأله تِمُر عن المغرب فأجاب، ثم طلب منه أن يكتب له وصف بلاد المغرب «حتى كأني أشاهده».
ثم يقول ابن خلدون بصراحةٍ مذهلة إنه شعر بالخوف — بسبب أَسْر قاضي القضاة الشافعية — «فزوّرتُ في نفسي كلامًا أخاطبه به، وأتلطّفه بتعظيم أحواله وملكه». أي أنه لفّق خطابًا للتزلّف. ثم ماذا قال؟ قال له، بلسانه هو:
«إنّ الملك إنما يكون بالعصبيّة، وعلى كثرتها يكون قدر الملك… ولا يساويهم في عصبيّتهم أحدٌ من ملوك الأرض، من كسرى أو قيصر أو الإسكندر أو بختنصّر».
لِنُدرك ما يحدث هنا. ابن خلدون يشرح الأطروحة المركزية لـ«المقدمة» — أنّ الملك ابن العصبية — لا في مجلس علم، بل في خيمة غازٍ، مستعملًا إياها للبرهنة على أنّ هذا الغازي أعظم ملوك الأرض منذ آدم. النظرية التي تفسّر لماذا يسقط العمران، تُستخدم مادحةً للرجل الذي يُسقطه.
ثم يجري بينهما نقاشٌ في نسب بختنصّر، فيعترض تِمُر على ابن خلدون، ويحتكم ابن خلدون إلى الطبري، فيردّ تِمُر: «وما علينا من الطبري؟ نُحضر كتب التاريخ للعرب والعجم ونناظرك». وهو ردٌّ يكشف أنّ الفاتح لم يكن أُمّيًّا يُخدع بالإطراء.
وصف المغرب لتِمُر: ماذا نسمّي هذا؟
ثم كتب له ما طلب: «فكتبتُه في أيام قليلة، ورفعتُه إليه فأخذه من يدي، وأمر فوقّعه بترجمته إلى اللسان المغُليّ». اثنتا عشرة كرّاسة في جغرافية المغرب: جباله وأنهاره وقراه وأمصاره، مترجمةً إلى المغولية، بين يدَي رجلٍ لم يفتح بلدًا إلا خرّبه.
ويجب أن نُسمّي هذا بغير تجميل: هذه مادّةٌ استخباريّة تُقدَّم إلى غازٍ. ولا يذكر ابن خلدون تردّدًا واحدًا، ولا يعتذر، ولا يشرح. يذكرها في سياق ما ناله من الحظوة.
ودفاعه الممكن — وهو دفاعٌ لا يقوله هو — أنّ الرجل كان أسيرًا في معسكرٍ محاصِر، وأنّ رفضه كان يعني موته، وأنّ تِمُر لم يكن ذاهبًا إلى المغرب أصلًا. وهذا كلّه صحيح. لكن يبقى أنّ ابن خلدون، بعد أن نال الأمان لنفسه ولأصحابه واستخلص إفراج الفقهاء، انصرف إلى بيته — وفي الصفحة نفسها تحترق دمشق. يصف النهب، والحريق يتّصل بالجامع الأعظم، «وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدّمت سقفه وحوائطه». ثم يعقّب: «وكان أمرًا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح. وتصاريف الأمور بيد الله».
رصاص سقف الجامع الأمويّ يسيل مذابًا، والمؤرّخ يسجّل ذلك بدقّة العالم، ثم يُحيل الأمر إلى القدر. هذه هي المسافة الخلدونية في أنقى صورها: أن ترى، وتصف، ولا تحكم. وهي مصدر عظمته ومصدر بروده معًا.
صورة تِمُر: شهادة شاهد عيان
ثم يترك لنا أثمن ما في الفصل: وصفًا مباشرًا لتِمُر، من رجلٍ جالسه أيامًا. ينفي عنه ما يقوله الناس — «ينسبونه إلى العلم، وآخرون إلى اعتقاد الرفض… وآخرون إلى انتحال السحر، وليس من ذلك كلّه في شيء» — ثم يعطي التشخيص: «إنما هو شديد الفطنة والذكاء، كثير البحث والفَجاج بما يعلم وبما لا يعلم». وعمره «بين الستين والسبعين»، «وركبته اليمنى عاطلة من سهمٍ أصابه في الغارة أيام صباه، فيجرّها في قريب المشي، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة».
هذه هي شهادة العيان الوحيدة الموثوقة عن تِمُر الأعرج من عالمٍ عربيّ جالسه. وهي أيضًا نموذجٌ لما يُحسنه ابن خلدون حين يكون على طبيعته: يُسقط الأساطير، ويردّ الرجل إلى بشريّته، ويصف العرَج.
ابن خلدون كما يرى نفسه
ما يسكت عنه «التعريف»
ولنقل ما يقوله الكتاب لا ما نودّ سماعه. «التعريف» صامتٌ صمتًا مطبقًا عن أشياء:
عن النساء: لا اسم لزوجته، ولا ذكر لأمّه، ولا كلمة عن بناته إلا في خبر غرقهنّ. عن الأبناء: يذكر ولدًا له كاتبًا بالمغرب، عرضًا، في حواره مع تِمُر. عن «المقدمة» نفسها: لا يناقش فكرةً واحدةً من أفكارها، ولا يدافع عنها، ولا يذكر أنّ أحدًا عارضه فيها. يذكر أنه كتبها، وأنه أهداها، ولا شيء بعد ذلك.
وعن انقلاباته: لا اعتذار ولا تبرير. خدم بني حفص وبني مرين وبني عبد الواد وبني الأحمر والمماليك؛ وأعان أبا سالم على خلع سلطانه، وأجلب العرب على أبي حمّو بعد أن جلبهم له. ولا يعرض في الكتاب كلّه أنه يرى في ذلك مسألة. وهذا الصمت أفصح من أيّ اعتراف: الرجل لا يرى في تنقّله خيانةً أصلًا، لأنّ عالَمه — عالَم الدول التي تدور — لا يعرف ولاءً دائمًا لدولةٍ زائلة. من فهم «المقدمة» فهم لماذا لا يعتذر صاحبها.
النهاية: بابٌ دوّار
وينتهي «التعريف» نهايةً لا يستطيع روائيٌّ أن يخترع أفضل منها. الفصل الأخير عنوانه «ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر»، ويسرد فيه: وُلّي، فعُزل، فأُعيد، فعُزل، فأُعيد، فعُزل — ويختم الكتاب بجملة:
«ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع، ثم أدالوا به منّي أواخر ذي القعدة من السنة. وبيد الله تصاريف الأمور».
هكذا. لا خاتمة، ولا حكمة، ولا وداع. الرجل الذي شرح للبشرية لماذا تصعد الدول وتهرم وتسقط في ثلاثة أجيال، ختم سيرته وهو يُعزل من منصبٍ للمرة الخامسة. ومات بعدها بقليل (808هـ) وهو يشغله للمرّة السادسة.
المفارقة التي يقوم عليها كلّ شيء
وإذا أردنا أن نلخّص «التعريف» في جملة، فهي هذه: «المقدمة» كتبها رجلٌ انسحب.
ولنميّز بين أمرين يخلط بينهما أكثر من كتب عنه. فقد نزلت به فواجعُ لم يخترها: مات أبواه وأساتذته في الطاعون، وسُجن سنتين عند أبي عنان، وخُنق صديقه ابن الخطيب في محبسه، وابتلع البحر زوجته وبناته وكتبه. هذه مصائب، ولا يملك أحدٌ دفعها.
أمّا موقعه من السلطة فلم يكن مصيبةً نزلت به، بل قرارًا اتّخذه. لم يُطرد من الحجابة؛ ترك بجاية وسلّمها. ولم يُنفَ إلى قلعة ابن سلامة؛ ذهب إليها هاربًا من سفارةٍ كُلّف بها. ولم يعتزل القاهرة؛ ظلّ يعود إلى القضاء كلّما أعادوه. رجلٌ يعرف أبواب الخروج ويعرف متى يستعملها — وهذه هي بعينها كفاءة السياسيّ لا عجزه.
ولذلك فإنّ العصبية والدولة وأطوارها والبداوة والحضارة ليست عنده مقولاتٍ مجرّدة؛ إنها تشريحٌ لآلةٍ اشتغل فيها ربع قرن، وأتقن تشغيلها، ثم نزل عنها وهي دائرة. ومن هنا تأتي البرودة العجيبة في «المقدمة»: ليست برودة الضحيّة، بل برودة الصانع الذي فكّ الآلة بيده وهو يعرف كل تُرسٍ فيها. وهي أيضًا مصدر أكبر عيوبها، كما سنرى: رجلٌ يفسّر السقوط بهذه القوّة، يصعب عليه أن يتصوّر أنّ شيئًا قد يُبنى ويدوم.
وإلى ذلك ننتقل: إلى الخلوة، وإلى ما خرج منها.