Part II · The Science
المقدمة: علم العمران

ميزانٌ لنقد الأخبار، وإعلانُ علمٍ لم يسبق إليه أحد، والعصبيةُ، والدولةُ التي تهرم في ثلاثة أجيال.

الكتاب داخل الكتاب

«المقدمة» ليست كتابًا

أوّل ما ينبغي تصحيحه: «المقدمة» ليست مؤلَّفًا قائمًا بذاته، ولم يُردها صاحبها كذلك. هي — في طبعة دار الفكر التي نعمل عليها — المجلّد الأول من «كتاب العِبَر»، من الصفحة الخامسة إلى الصفحة الأربعين بعد الثمانمائة، ثم يبدأ «الكتاب الثاني» في الصفحة التالية مباشرةً وكأنّ شيئًا لم يكن.

أي أنّ ابن خلدون كتب تمهيدًا نظريًّا لتاريخٍ في سبعة مجلّدات، فابتلع التمهيدُ الكتابَ. والعالم اليوم يقرأ المقدّمة ويهمل العِبَر. وهذه المفارقة ليست عرَضًا في تلقّي الكتاب، بل هي — كما سنرى في القسم الرابع — حكمٌ على الكتاب نفسه: المقدمة أعظم مما جاء بعدها، ومؤلّفها هو أوّل من عجز عن الوفاء بها.

خريطة الطريق

قسّم ابن خلدون «الكتاب الأول» (وهو المقدمة) ستّة أبواب. ونحن نقرأ في هذا القسم الأبواب الثلاثة الأولى، وهي عمود النظرية: العمران البشري على الجملة، ثم العمران البدويّ والعصبية، ثم الدول والملك. ونؤجّل إلى القسم الثالث الأبواب الثلاثة الأخيرة: المدن، والكسب والصنائع، والعلوم — وهي الأبواب التي يتحوّل فيها ابن خلدون من منظّرٍ للسلطة إلى عالم اجتماعٍ للاقتصاد والمعرفة.

ويسبق هذه الأبواب كلَّها شيئان: خطبة المؤلّف، و«المقدمة في فضل علم التاريخ» — وفيها المنهج. ومنها نبدأ، لأنّ المنهج عنده سابقٌ على النظرية، بل هو الذي وَلَّدها.

الميزان: كيف تُكذَّب روايةٌ صحيحة السند

المشكلة: «الكذب متطرّقٌ للخبر بطبعه»

يبدأ ابن خلدون من ملاحظةٍ لا يبدأ منها مؤرّخ: أنّ الخبر بطبيعته عرضةٌ للكذب، لا لأنّ الرواة أشرار، بل لأسبابٍ بنيوية يُحصيها إحصاءً: التشيّع للرأي والمذهب؛ والثقة العمياء بالناقلين؛ والذهول عن مقاصد ما شُوهد؛ وتوهّم الصدق؛ والجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع؛ والتقرّب إلى أصحاب الجاه بالمدح.

وهذه الأسباب الستّة كلّها معروفةٌ لأهل الحديث. ثم يضيف السابع، ويقول عنه صراحةً إنه «سابقٌ على جميع ما تقدّم»: الجهل بطبائع الأحوال في العمران. وهنا يفارق قومَه.

المعيار: «فللعمران طبائعُ ترجع إليها الأخبار»

القاعدة التي يبني عليها كلّ شيء تُختصر في جملةٍ واحدة من خطبة الكتاب: «فللعمران طبائعُ في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتُحمل عليها الرواياتُ والآثار».

أي: للاجتماع البشريّ قوانين. والخبر الذي يخالف هذه القوانين مردودٌ ولو صحّ سنده. ولكي تعرف أنّ الخبر ممكنٌ أو مستحيل، لا بدّ أن تعرف أوّلًا كيف يشتغل العمران — ومن هذه الحاجة، لا من حبّ الفلسفة، وُلد علم الاجتماع.

التطبيق: كيف يُذبح خبرٌ بالحساب

ولا يترك القاعدة مجرّدة، بل يذبح بها أخبارًا مشهورة، والطريقة في كلّ مرّة واحدة: حسابٌ ولوجستيّات وجغرافيا.

جيش بني إسرائيل. نقل المسعوديّ وغيره أنّ موسى أحصى في التيه ستّمائة ألف مقاتل. فيردّ ابن خلدون بأربع حجج: أنّ مصر والشام لا تحتملان جيشًا بهذا الحجم؛ وأنّ جيشين بهذا العدد لا يمكن أن يقتتلا أصلًا، «لضيق ساحة الأرض عنها»، إذ لو اصطفّا لتجاوزا مدى البصر مرّتين أو ثلاثًا فكيف يعرف طرفٌ ما يجري في الطرف الآخر؛ وأنّ ملك الفرس — وهو أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير — لم تبلغ جيوشه هذا العدد قطّ؛ ثم الحجّة القاضية: حسابٌ ديموغرافيّ. فبين موسى وإسرائيل أربعة آباء فقط، «ويبعُد أن يتشعّب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد».

إرم ذات العماد. مدينةٌ من ذهب وزبرجد بُنيت في ثلاثمائة سنة ثم أُهلك أهلها. فيسأل: أين هي؟ «لم يُسمع لها خبرٌ من يومئذ في شيء من بقاع الأرض»، وصحارى عدن مأهولةٌ مطروقة.

مدينة النحاس، ومدينة ذات الأبواب. مدينةٌ كلّ بنائها نحاس بصحراء سجلماسة — وقد «نفضها الركابُ والأدلّاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر»؛ ومدينةٌ تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة ولها عشرة آلاف باب — والمدن إنما تُتّخذ للتحصّن، وهذه «خرجت عن أن يُحاط بها فلا يكون فيها حصنٌ ولا معتصم». حجّةٌ وظيفية: البناء الذي لا يؤدّي وظيفة المدينة ليس مدينة.

صندوق الإسكندر الزجاجيّ. وهنا يبلغ الذروة. فبعد أن يفنّد الخبر بالحجج العادية، يقول إنّ «القادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كلّه»: أنّ المنغمس في الماء ولو كان في صندوق «يضيق عليه الهواء للتنفّس الطبيعيّ، وتسخُن روحه بسرعة لقلّته… فيهلك مكانه». ثم يستشهد بموت أهل الحمّامات المُطبَقة، والمتدلّين في الآبار العميقة، وموت الحوت إذا فارق الماء.

وليُقَل بوضوح: ابن خلدون يردّ خبرًا تاريخيًّا بحجّةٍ فسيولوجية — أنّ الهواء المحبوس يفسد بالتنفّس فيقتل صاحبه. رجلٌ في القرن الثامن الهجريّ يستعمل علم وظائف الأعضاء ميزانًا لنقد الرواية.

انقلابٌ في ترتيب علوم الحديث

ثم يقول الجملة التي كان يمكن أن تُقيم عليه الدنيا لو انتُبه لها:

«وهذا سابقٌ على التمحيص بتعديل الرواة. ولا يُرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعلم أنّ ذلك الخبر في نفسه ممكنٌ أو ممتنع؛ وأمّا إذا كان مستحيلًا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح».

هذا قلبٌ لترتيب المحدّثين رأسًا على عقب. عندهم: صحّح السند أوّلًا، ثم انظر في المتن. وعنده: انظر في إمكان المتن أوّلًا، فإن استحال فلا معنى لفحص السند أصلًا. ويحتاط بذكاء فيستثني الأخبار الشرعية، ويعلّل: لأنّ معظمها «تكاليف إنشائية» يُطلب فيها الظنّ، أمّا الأخبار عن الوقائع فيُطلب فيها المطابقة للواقع — ولا مطابقة لمستحيل.

وهذا التمييز — بين الخبر الذي يُنشئ حكمًا والخبر الذي يصف واقعة — تمييزٌ حادّ، وهو الذي أتاح له أن يمارس نقد المتن دون أن يُتّهم في دينه. رجلٌ يعرف أين يضع قدمه.

«فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء»

وتحت هذا كلّه مبدأٌ واحد يقوله في جملةٍ عابرة: «والحاضر يشهد لذلك، فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء».

أي أنّ القوانين التي تحكم البشر اليوم هي نفسها التي حكمتهم أمس. وبهذا المبدأ وحده يصير الحاضر مختبرًا للماضي، ويصير قياس الغائب على الشاهد عمليةً مشروعة لا تخمينًا. ومن غير هذا المبدأ لا يقوم تاريخٌ علميّ ولا علم اجتماع.

إعلان علمٍ جديد

«وكأنّ هذا علمٌ مستقلّ بنفسه»

ثم تأتي اللحظة التي يُؤرَّخ بها. في مطلع «الكتاب الأول» يقول:

«وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا. وكأنّ هذا علمٌ مستقلٌّ بنفسه، فإنه ذو موضوعٍ — وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ — وذو مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدةً بعد أخرى. وهذا شأن كلّ علمٍ من العلوم، وضعيًّا كان أو عقليًّا».

هذا تعريفٌ تقنيّ صارم بمنطق زمانه: العلم يُعرَّف بـموضوعٍ ومسائل. والموضوع هنا: الاجتماع الإنسانيّ. والمسائل: أعراضه الذاتية. فليس هذا ادّعاءً أدبيًّا ولا مجازًا؛ هو مطالبةٌ رسمية بإدراج تخصّصٍ جديد في جدول العلوم.

ثم يحدّده بالسلب، وهو أدقّ ما فعل: ليس من علم الخطابة، لأنّ الخطابة أقوالٌ مقنعة لاستمالة الجمهور. وليس من السياسة المدنية، «إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة». أي: ليس علمًا معياريًّا يقول ما ينبغي؛ هو علمٌ وصفيّ يقول ما يقع. وهذا الفصل بين الوصف والمعيار هو، بعينه، ما يجعل علمًا اجتماعيًّا علمًا.

«ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحدٍ من الخليقة»

ويعرف أنه وحده. ويقولها بلا حياء: «ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحدٍ من الخليقة، ما أدري ألغفلتهم عن ذلك — وليس الظنّ بهم — أو لعلّهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا».

ثم يلتفت إلى من سبقه فيصنّفهم تصنيف رجلٍ واثق: دائرة العدل المنسوبة إلى الموبذان وأنوشروان («المُلك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل») — كلامٌ حكميّ جميل غير مبرهَن؛ وكتاب أرسطو في السياسة — «جزءٌ صالح منه، إلا أنه غير مستوفٍ ولا معطٍ حقّه من البراهين»؛ وابن المقفّع — لا يبرهن، «إنما يجلّيها في الذكر على منحى الخطابة»؛ والطرطوشيّ في «سراج الملوك» — وهذا أقسى ما قال في أحد: «لكنّه لم يصادف فيه الرميّة ولا أصاب الشاكلة… إنما هو نقلٌ وتركيبٌ شبيهٌ بالمواعظ، وكأنّه حوّم على الغرض ولم يصادفه».

«حوّم على الغرض ولم يصادفه» — هذه أدقّ عبارةٍ لوصف الفرق بين الحكمة والعلم. الحكماء طافوا حول المسألة قرونًا؛ ولم ينزل عليها أحد.

العَجَب الأكبر: عالِمٌ يُبخِّس علمه

وهنا الموضع الذي أرى أنه أعجب ما في «المقدمة» كلّها، وأقلّ ما يُلتفت إليه.

يسأل ابن خلدون نفسه: لماذا لم يضع أحدٌ هذا العلم قبلي؟ فيجيب — مبرِّرًا للأقدمين لا مفتخرًا على نفسه:

«لكنّ الحكماء لعلّهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات، وهذا إنما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت. وإن كانت مسائله في ذاتها شريفة، لكنّ ثمرته تصحيح الأخبار، وهي ضعيفة، فلهذا هجروه».

اقرأها مرّةً أخرى. الرجل الذي أسّس علم الاجتماع يقول إنّ فائدة علمه ضعيفة، وإنّ ثمرته الوحيدة تصحيح الأخبار التاريخية، وإنّ الحكماء كانوا محقّين حين أهملوه لضعف ثمرته!

وهذا ليس تواضعًا مصنوعًا؛ هو تصوّرٌ حقيقيّ لموقع العلم من شجرة المعرفة. ابن خلدون لم يرَ أنه أسّس علمًا لدراسة المجتمع؛ رأى أنه صنع أداةً مساعدة لعلم التاريخ — كما يصنع النحويّ آلةً لفهم النصّ. والعلم عنده خادمٌ لا سيّد.

ولهذا وجهان. أمّا الوجه الذي يُحمد عليه فأنه لم يدّعِ ما لم يقصد؛ فقد قال ما أراد بالضبط. وأمّا الوجه الآخر — وهو الأثقل — فأنّ هذا التصوّر القاصر لثمرة العلم هو ذاته سبب موته. علمٌ يُقدَّم إلى الناس بوصفه أداةً ثانوية لتصحيح روايات المؤرّخين، لا يجد من يحمله. ولو أنّ ابن خلدون قال: «هذا علمٌ يفسّر لكم لماذا تسقط دولكم، وكيف تُبنى، وكيف يُفقر الظلمُ الأمم» — لَما احتاج العرب إلى خمسة قرون كي يُعاد اكتشافه من بوّابة المستشرقين. وقد أدّى الرجلُ الحقَّ في وصف بضاعته؛ وأخطأ في تسعيرها.

البداوة والحضارة: ليست عرقًا، بل معاشًا

التعريف بالمعاش لا بالنسب

ينبغي هدم سوء فهمٍ شائع من أوّل خطوة. «البدو» عند ابن خلدون ليسوا العرب، و«الحضر» ليسوا العجم. الفصل الأول من الباب الثاني صريح: «اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش».

أي أنّ التصنيف اقتصاديّ. البدويّ هو من يقتصر معاشه على الضروريّ — زراعةً أو رعيًا — والحضريّ هو من فاض معاشه إلى الحاجيّ والكماليّ. ولذلك يُدخل في «البدو» صراحةً: البربر، والترك، والتركمان، والأكراد، والصقالبة، وزناتة. ويقول عن أهل القرى والجبال: «وهم عامّة البربر والأعاجم». فالبداوة عنده طورٌ في العمران يمرّ به كلّ جيل، لا هويّةٌ لقوم.

ثم يرتّبها: البدو أصل، والحضر فرع. «فخشونة البداوة قبل رِقّة الحضارة». ودليله استقرائيّ لطيف: «إذا فتّشنا أهل مصرٍ من الأمصار وجدنا أوّلية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر».

«الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه»

وفي أثناء كلامه عن شجاعة البدو تسقط منه جملةٌ هي — في تقديري — أخطر جملةٍ في الكتاب، وأبعدها أثرًا لو أُخذت على محملها:

«وأصله أنّ الإنسان ابنُ عوائده ومألوفِه، لا ابنُ طبيعته ومزاجِه. فالذي ألِفه في الأحوال حتى صار خُلقًا ومَلَكةً وعادة، تنزّل منزلة الطبيعة والجِبِلّة».

هذه ضربةٌ في صميم كلّ تفسيرٍ جوهرانيّ للشعوب. الشجاعة والجبن، والبأس والاستكانة، ليست في الدم ولا في المزاج؛ هي مكتسبة بالعادة. ومن هنا يصير كلّ حكمٍ يطلقه ابن خلدون على «العرب» أو «البربر» حكمًا على حالٍ لا على عِرق — وهذا ما ينساه من يقتطع فصوله ويلوّح بها. سنعود إلى ذلك بعد قليل، لأنّ الرجل نفسه لم يلتزم دائمًا بقاعدته.

الثمن: الحكم يُفسد البأس — والتعليم كذلك

وفي الفصل السادس يقرّر ما هو أشدّ إزعاجًا: «معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدةٌ للبأس فيهم، ذاهبةٌ بالمنعة منهم». فالأحكام القاهرة تكسر النفوس، والعقوبة تُورث المذلّة، «لأنّ وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يُكسبه المذلّة التي تكسر من سَورة بأسه».

ثم — وهذا هو المرّ — يعمّم على التعليم: «ونجد أيضًا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات، ينقص ذلك من بأسهم كثيرًا… وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ».

ولنقف: عالِمٌ يقول إنّ طلبة العلم — وهو منهم — قد خُضدت شوكتُهم بالتعليم نفسه. ويستدرك بذكاءٍ خشيةَ اللازم الفاسد، فيقول إنّ الصحابة لم ينقص بأسهم بأخذهم بالدين، لأنّ «الوازع فيه من أنفسهم»، لا بتعليمٍ صناعيّ وتأديب. فالفارق عنده بين وازعٍ داخليّ يبني الرجل، وقهرٍ خارجيّ يهدمه.

ومع ذلك تبقى الأطروحة مقلقة، ويجب أن تُقال بصراحة: هي تقود — إن أُخذت على إطلاقها — إلى أنّ المدنيّة نفسها آلةُ إضعاف، وأنّ كلّ ما يجعل الإنسان متحضّرًا (القانون، الأمن، المدرسة) يجعله في الوقت نفسه أعجز عن الدفاع عن نفسه. وهذه ليست ملاحظةً عابرة عند ابن خلدون؛ هي المحرّك الذي يدير دورته كلّها. وسنرى أنه لا يملك منها مخرجًا.

العصبية

ما هي، ولماذا لا تُترجم

العصبية عند ابن خلدون ليست «القبَليّة»، ولا «التعصّب» بالمعنى المذموم. هي — بلغة اليوم — قدرة جماعةٍ على الفعل الجماعيّ: أن ينصر بعضُهم بعضًا تلقائيًّا، وأن يموت الواحد منهم دون الآخر بلا حساب. وهي عنده شرطٌ ضروريّ لكلّ شيء: «ولا بدّ في القتال من العصبية»، وبها الملك والنبوّة والدعوة والرئاسة.

ومنشؤها النَّعرة: «ما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنَّعرة على ذوي أرحامهم». ويستشهد بقول إخوة يوسف: «لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذًا لخاسرون» — أي أنّ وجود العصبة يمنع أصلًا أن يُتوهَّم العدوان.

القنبلة: «النسب أمرٌ وهميٌّ لا حقيقة له»

ثم يفعل ما لا يُتوقَّع من رجلٍ استفتح كتابه بسرد نسبه إلى وائل بن حجر. يقول:

«إذ النسب أمرٌ وهميٌّ لا حقيقة له، ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والالتحام… وإذا كان إنما يُستفاد من الخبر البعيد ضعُف فيه الوهم وذهبت فائدته، وصار الشغل به مجّانًا، ومن أعمال اللهو المنهيّ عنه».

هذا تفكيكٌ كامل. النسب ليس حقيقةً بيولوجية ذات قيمة؛ هو بناءٌ ذهنيّ، لا تُستمدّ قيمته إلا من الأثر الاجتماعيّ الذي يُحدثه — التناصر. فإذا بَعُد النسب حتى صار علمًا يُتعلَّم من الكتب، «ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس، وانتفت النَّعرة»، فلم يبقَ منه شيء. ويصدّق ذلك بقولهم: «النسب علمٌ لا ينفع وجهالةٌ لا تضرّ».

ويترتّب على ذلك نتيجةٌ عملية هائلة: إذا كان النسب وهمًا، فالعصبية تُصنَع صناعة. ولهذا يقرّر أنّ الولاء والحِلف يُنتجان عصبيةً كعصبية النسب: «مولى القوم منهم». وأنّ الأنساب تختلط وتُنسى ويلتحم قومٌ بآخرين، ويضرب المثل بعَرفجة بن هرثمة الذي دخل في بجيلة حتى كاد يترأّسهم.

ثم — وهذا من ألذّ ما في الكتاب — يسخر من أدعياء الأنساب الشريفة من ملوك عصره: زناتة يدّعون أنهم عرب، وبنو عبد القوي يدّعون أنهم من ولد العبّاس، وبنو زيان ملوك تلمسان يدّعون النسب الإدريسيّ. ويقول لهم إنهم «غير محتاجين لذلك، فإنّ منالهم للملك والعزّة إنما كان بعصبيتهم». ثم يروي عن يغمراسن بن زيان — مؤسّس دولتهم، وكان أعجميًّا لا يُحسن العربية — أنه لمّا قيل له ذلك أنكره وقال بلسانه الزناتيّ ما معناه: «أمّا الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب؛ وأمّا نفعهما في الآخرة فمردودٌ إلى الله».

وابن خلدون يورد كلام الملك الأعجميّ مقرًّا مغتبطًا. فالبدويّ الأمّيّ أفقهُ بقانون التاريخ من الفقهاء الذين يزوّرون له الأنساب.

قانون الأجيال الأربعة

ثم يضع قانونه الأشهر: «نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء». والآلية دقيقةٌ ونفسية:

الأول: بانٍ — «عالمٌ بما عاناه في بنائه، محافظٌ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه». الثاني: مباشِر — سمع من أبيه وأخذ عنه، «إلا أنه مقصّرٌ في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له». الثالث: مقلِّد — «كان حظّه الاقتفاء والتقليد خاصّة، فقصّر عن الثاني تقصير المقلّد عن المجتهد». الرابع: هادم — «قصّر عن طريقتهم جملةً، وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها، وتوهّم أنّ ذلك البنيان لم يكن بمعاناةٍ ولا تكلّف، وإنما هو أمرٌ وجب لهم منذ أوّل النشأة بمجرّد انتسابهم».

وهذه هي الآفة بعينها: الوارث الذي يظنّ أنّ ما وَرِثه استحقاقٌ لا صنيعة. فيحتقر قومه، فينفضّون عنه، فينهدم البيت. أربع كلماتٍ تلخّص القانون: بانٍ، ومباشرٌ، ومقلِّد، وهادم.

الدين: مضاعِفٌ لا بديل

ويأتي إلى مسألةٍ حسّاسة بميزانٍ بارد. فالدعوة الدينية عنده تضاعف قوّة العصبية: تُذهب التنافس والتحاسد من أهلها، وتوحّد وجهتهم، «فيستقيم أمرهم ويستولون». ولهذا كانت الدول العظيمة الاستيلاء أصلها الدين.

ولكنه يقفل الباب بإحكامٍ في الفصل السادس: «الدعوة الدينية من غير عصبيةٍ لا تتمّ». أي أنّ الدين — مهما عظم — لا يخلق سلطةً من عدم؛ يحتاج إلى حاملٍ اجتماعيّ. فهو مضاعِف للقوّة، لا مولّد لها. والمُصلح الذي يقوم بلا عصبيةٍ يهلك، مهما كان محقًّا.

وهذا — لمن يتأمّل — أخطر ما قاله ابن خلدون في السياسة والدين معًا. وسنرى بعد قليل كيف حوّله سيفًا.

خصومةٌ مع ابن رشد

وفي وسط هذا يستوقفنا مشهدٌ نادر: ابن خلدون يخطّئ ابن رشد. فقد عرّف ابن رشد «الحسب» في تلخيصه لخطابة أرسطو بأنه «أن يكون من قومٍ قديمٍ نُزُلهم بالمدينة». فيردّ ابن خلدون: «وليتَ شعري، ما الذي ينفعه قِدَمُ نُزُلهم بالمدينة إن لم تكن له عصابةٌ يُرهب بها جانبه؟»

ثم يشخّص سبب الخطأ تشخيصًا سوسيولوجيًّا لاذعًا: «إلا أنّ ابن رشد ربا في جبلٍ وبلد، ولم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها».

أي: الفيلسوف أخطأ لأنه ابن مدينة. لم يعش بين القبائل فلم يفهم القوّة الحقيقية. وهذه، إن شئت، هي دعوى ابن خلدون كلّها في سطر: أنا أعرف ما لا يعرفه الفلاسفة، لأني كنت هناك. وقد رأينا في القسم الأول أنه كان هناك فعلًا — يجبي الضرائب من قبائل الجبال بالرهائن.

الدولة: كائنٌ حيٌّ يهرم

ثلاث طبائع قاتلة

الملك عنده ليس مؤسّسة؛ هو كائنٌ عضويّ له طبائع تقتله من داخله. وهي ثلاث، يفرد لكلٍّ منها فصلًا:

الانفراد بالمجد. لأنّ رئيس العصبية «يأنف من المساهمة والمشاركة»، فيقصي أهل عصبيته الذين حملوه، «فتُجدَع أنوف العصبيات». الترف. فتكثر العوائد وتزيد النفقات على الأعطيات. الدعة. فينسون خُلق التوحّش الذي به نالوا الملك.

ثم يجمعها في الفصل الثالث عشر ويشرح الآلية شرحًا يكاد يكون حسابيًّا: إذا انفرد الملك بالمجد، صار قومه أُجراء لا شركاء — «ويحسبون ما ينالهم من العطاء أجرًا من السلطان لهم عن الحماية»، و«قلّ أن يستأجر أحدٌ نفسَه على الموت». وهذه الجملة وحدها تُغني عن مجلّد في نظرية الجيوش المرتزقة.

ثم الحلقة المالية: الترف يرفع الأعطيات، والجباية محدودة، فإذا وزّعت الجباية الثابتة على أعطياتٍ متضخّمة، نقص عدد الجند بالضرورة. ثم يزيد الترف فينقص العدد ثانيةً وثالثة، «إلى أن يعود العسكر إلى أقلّ الأعداد، فتضعف الحماية». معادلةٌ باردة: الترف يأكل الجيش عددًا، لا شجاعةً فقط.

ثلاثة أجيالٍ ومئةٌ وعشرون سنة

ومن هذا يستخرج قانونه المشهور: «الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال»، والجيل أربعون سنة، فالمجموع مئةٌ وعشرون.

الجيل الأول: على خُلق البداوة وخشونتها، «فحدّهم مُرهَف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون». الجيل الثاني: تحوّل بالملك من البداوة إلى الحضارة، «ومن عزّ الاستطالة إلى ذلّ الاستكانة»، فتنكسر سَورة العصبية — لكن يبقى فيه شيء، لأنه أدرك الجيل الأول ورأى بعينه كيف بُني المجد. الجيل الثالث: «ينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن»، ويصيرون عيالًا على الدولة. ثم تأتي الجملة القاتلة: «ويلبسون على الناس في الشارة والزيّ وركوب الخيل وحسن الثقافة يموّهون بها، وهم في الأكثر أجبنُ من النسوان على ظهورها».

مظهرُ فروسيةٍ بلا فروسية. الشكل بقي والمضمون ذهب. وهذا وصفٌ لكلّ نخبةٍ متأخّرة في كلّ زمان.

الأطوار الخمسة

ثم يفصّل مسار الدولة في خمسة أطوار: طور الظفر (والملك فيه أسوةُ قومه، لا ينفرد بشيء)؛ طور الاستبداد على قومه (وفيه يصطنع الموالي «لجدع أنوف أهل عصبيته»، ويقول ابن خلدون بذكاء إنّ هذا الطور أصعب من الأول، لأنّ الأول دافع الأجانب بمعونة قومه، وهذا يدافع قومَه وحده)؛ طور الفراغ والدعة (الجباية والعمران والمباني والمصانع — وهو طور الازدهار الظاهر، وآخر أطوار الاستقلال بالرأي)؛ طور القنوع (مقلّدٌ للماضين «حذو النعل بالنعل»)؛ ثم طور الإسراف والتبذير (متلفٌ لما جمع أولوه، «مخرّبًا لما كان سلفه يؤسّسون، وهادمًا لما كانوا يبنون»).

ولاحظ أنّ ذروة العمران — المباني والمصانع والأمصار المتّسعة — تقع في الطور الثالث، أي بعد أن يكون الاستبداد قد تمّ والعصبية قد كُسرت. أجمل ما تنتجه الحضارة يُنتَج بعد أن تكون قد بدأت تموت. وهذه مفارقةٌ لا يبدو أنّ ابن خلدون انتبه إلى قسوتها.

الجباية: «قليلة الوزائع كثيرة الجملة»

وفي الفصل الثامن والثلاثين يضع قاعدةً في المالية العامة تُدهش بدقّتها:

«الجباية أوّل الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة».

أي: النسب الضريبية المنخفضة تُنتج حصيلةً كبيرة، والنسب المرتفعة تُنتج حصيلةً صغيرة. والآلية التي يشرحها ليست شعارًا بل سلسلة سببية: قلّة الوظائف → نشاط الرعايا في العمل → كثرة الاعتمار → كثرة وعاء الضريبة → كثرة الحصيلة. ثم في آخر الدولة: كثرة الحاجات → رفع الوظائف → «ذهاب الأمل من نفوسهم بقلّة النفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه» → انقباض الأيدي عن الاعتمار → نقص الحصيلة → فترفع الدولة الضرائب أكثر ظنًّا أنها «جبرٌ لما نقص» → فتزداد الحصيلة نقصًا.

الأهمّ في هذا ليس التنبّؤ بمنحنًى ضريبيّ سيُنسب بعد ستّة قرون إلى غيره؛ الأهمّ أنه يعلّل بالحافز: الناس يعملون بقدر ما يتوقّعون أن يبقى لهم. وهذا تفكيرٌ في الدوافع الاقتصادية لا في الأخلاق. ثم يخلص إلى حكمٍ في السياسة المالية صريح: «فأقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما أمكن».

«الظلم مؤذنٌ بخراب العمران»

ثم الفصل الذي هو تاج الكتاب. والحجّة فيه اقتصادية بحتة، لا وعظية:

العدوان على أموال الناس «ذاهبٌ بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم». فإذا ذهب الأمل، «انقبضت أيديهم عن السعي». فإذا قعد الناس عن الكسب، «كسدت أسواق العمران»، وهاجر الناس، «فخفّ ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره». ثم النتيجة: «واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان، لما أنها صورةٌ للعمران، تفسد بفساد مادّتها ضرورة».

الدولة صورة، والعمران مادّة. والصورة لا تبقى إذا فسدت مادّتها. فالظالم لا يظلم رعيّته فحسب؛ هو يأكل الأساس الذي يقف عليه.

ثم يوسّع تعريف الظلم توسيعًا لا يترك لأحدٍ مهربًا:

«ولا تحسبنّ الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوضٍ ولا سبب، كما هو المشهور؛ بل الظلم أعمّ من ذلك. وكلّ من أخذ مِلك أحد، أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حقّ، أو فرض عليه حقًّا لم يفرضه الشرع، فقد ظلمه. فجُباة الأموال بغير حقّها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة».

ثم يبلغ منتهاه فيجعل تحريم الظلم في الشريعة معلّلًا بهذا بعينه: «واعلم أنّ هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم: وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه، وذلك مؤذنٌ بانقطاع النوع البشريّ». أي أنّ مقاصد الشريعة نفسها تُردّ إلى حفظ العمران. الفقيه المالكيّ يقرأ الشريعة بعين عالم الاجتماع.

ويلتفت أخيرًا إلى لماذا لم تُوضع للظلم عقوبةٌ حدّية كالزنا والقتل، فيجيب بجملةٍ فيها كلّ مرارة رجلٍ خدم الملوك ربع قرن: «إلا أنّ الظلم لا يقدر عليه إلا من يقدر عليه، لأنه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان».

ولا شفاء: «الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع»

وهنا يُغلق النظام على نفسه. فالدولة إذا بلغت الهرم فلا علاج. «الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع» — لأنه هرمٌ طبيعيّ كهرم البدن، والأمراض المزمنة «لا يكون لها معه بُرء». وأمّا محاولات الإصلاح فتُطيل الاحتضار ولا تردّه؛ حتى استجلاب الجند الأجانب من أهل الخشونة ليس إلا «دواءً للدولة من الهرم» يُكسبها «عمرًا آخر» — ثم تعود إلى مصيرها.

حين يُشهر النظرية سيفًا

هدم انتظار المهديّ

ويصل ابن خلدون في الفصل الثالث والخمسين إلى مسألة «الفاطميّ» المنتظَر، ويفرد لها أطول فصولٍ الباب — نحوًا من ثلاثٍ وعشرين صفحة. ويفعل شيئين معًا:

أولًا: يسوق أحاديث المهديّ حديثًا حديثًا، ويطبّق عليها علم الرجال بلا رحمة: هذا فيه ابن لَهيعة وهو ضعيف، وهذا شيخه أضعف منه، وهذا تفرّد به فلان «ولا نعلم أنه تابعه عليه أحد»، وهذا فيه مدلّسان عنعنا ولم يصرّحا بالسماع، وهذا فيه من رُمي بالتشيّع ثم عمي فخلّط. صفحاتٌ متّصلة من التجريح المنهجيّ، حتى لا يكاد يسلم من روايات المهديّ شيء.

ثانيًا: يضمّ إلى ذلك حجّته الخاصّة — قانون العصبية. فالدعوة لا تتمّ من غير عصبية. والمهديّ المنتظَر يُفترض أن يخرج من أهل البيت، وأهل البيت اليوم متفرّقون في الأقطار، ذاهبةٌ عصبيّتهم. فلا يمكن أن يقوم لهم أمر.

وهكذا يجتمع على المسألة سلاحان: نقدُ المحدّث، وقانونُ عالم الاجتماع. والرجل يهدم بهما، في القرن الثامن، أخطر انتظارٍ سياسيّ في تاريخ المسلمين — وقد رأى بعينه ما فعلته الدعوات المهدوية بالمغرب.

ما معنى هذا

وينبغي أن نُقدّر جسارة هذا حقّ قدرها. رجلٌ يأخذ علمه الذي وضعه بيده، ويشهره في وجه عقيدةٍ شعبية راسخة، فيقول: هذا لا يمكن أن يقع — لا لأنّ الشرع منعه، بل لأنّ قوانين الاجتماع تمنعه. هذا هو أوّل تطبيقٍ في تاريخنا لعلم الاجتماع على مسألةٍ عقدية سياسية. وهو تطبيقٌ مزعج، ومقصودٌ إزعاجه.

حدود العلم: قراءةٌ نقدية

دورةٌ بلا مخرج

أوّل ما يؤخذ على النظام أنّه مغلق. فكلّ ما يصعد يهرم، وكلّ ما يهرم لا يبرأ، والحضارة نفسها هي «نهاية العمران وخروجه إلى الفساد». ليس في المنظومة الخلدونية مكانٌ لدولةٍ تتعلّم، ولا لمؤسّسةٍ تُصحّح نفسها، ولا لتراكمٍ يبقى بعد ذهاب من أنشأه.

ولا يُلام الرجل على ما لم يرَه؛ فالذي رآه في المغرب دولٌ تقوم بعصبيةٍ وتسقط في ثلاثة أجيال. لكن يجب أن يُقال: هذا وصفٌ دقيقٌ لعالمٍ بلا مؤسّسات. حين تكون الدولة هي شخص السلطان وعصبيّته، فإنّ عمرها هو عمر العصبية بالضرورة. وحين تنشأ مؤسّساتٌ تحمل الدولة بعد موت مؤسّسيها — قانونٌ مكتوب، وديوانٌ مستقلّ، وجيشٌ محترف، وتوريثٌ منظّم — ينكسر القانون الخلدونيّ. والدولة العثمانية عاشت ستّة قرون، وبيزنطة أكثر. فقانون الأجيال الثلاثة ليس قانونًا للتاريخ؛ هو قانونٌ لنوعٍ من الدول — وهو النوع الذي عرفه ابن خلدون وحده.

فصولٌ في العرب لا يصحّ السكوت عنها

وفي الباب الثاني فصولٌ قاسية، تُقتطع اليوم وتُلوَّح بها: «في أنّ العرب إذا تغلّبوا على أوطانٍ أسرع إليها الخراب»، و«في أنّ العرب أبعد الأمم عن سياسة المُلك»، و«في أنّ العرب لا يتغلّبون إلا على البسائط»، و«في أنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغةٍ دينية من نبوّةٍ أو ولاية».

ولنقل ما ينبغي أن يُقال، بلا تبرير ولا تهويل:

أولًا، الرجل عربيّ حضرميّ، يفخر بنسبه في أول كتابه؛ فليست المسألة عداءً لقوم.

ثانيًا، «العرب» في هذه الفصول تعني — بمقتضى تعريفه هو — أهل البداوة الرحّل أصحاب الإبل، لا الناطقين بالضاد. وقد صرّح بأنّ في معناهم «ظعون البربر وزناتة بالمغرب، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق». فالحكم على نمط معاشٍ لا على عِرق.

ثالثًا، وهذا هو الاعتراف الواجب: رغم ذلك، عنوَنَ الفصول بـ«العرب»، لا بـ«أهل البداوة». ولو التزم بقاعدته «الإنسان ابن عوائده لا ابن طبيعته» لَما جعل اسم قومٍ عنوانًا لحالٍ اجتماعية. وهذا خطأٌ في التسمية أورث ستّة قرونٍ من سوء الاستعمال — استعمله المستعمرون لتحقير من استعمروهم، واستعمله خصوم العروبة، واستعمله من لم يقرأ الكتاب أصلًا. والذنب في التسمية ذنبه، ولو كان المضمون بريئًا.

رابعًا، ويبقى في الفصول ما لا يُدفع بالتأويل: نبرةُ ازدراءٍ حقيقيّ لأهل البادية، من رجلٍ عاش بينهم وجبى منهم وتحالف معهم — واحتقرهم. وهي نبرة حضريٍّ في نهاية المطاف.

أين البرهان؟

ويبقى مأخذٌ منهجيّ. ابن خلدون يعد بـ«وجوهٍ برهانية»، ويلحّ على أنه يبرهن حيث اكتفى غيره بالخطابة. لكنّ برهانه في الغالب استدلالٌ من الطبائع، لا استقراءٌ من الوقائع. وكثيرًا ما يختم الفصل بقوله: «واعتبر ذلك في الدول التي أخبارها في الصحف لديك تجد ما قلته لك صحيحًا من غير ريبة» — وهي دعوةٌ للقارئ أن يتحقّق، لا تحقّقٌ يقدّمه هو.

وهذا يفتح البابَ للسؤال الذي يحكم القسم الرابع من عملنا هذا: لقد كتب ابن خلدون سبعة مجلّداتٍ من التاريخ بعد المقدمة. فهل تشهد له؟ هل طبّق قوانينه على وقائعه، فامتحنها ونقّحها وردّ ما كذّبته؟ أم أنّ «العِبَر» تاريخٌ يُروى على العادة، والمقدمة تظلّ وعدًا لم يُنجَز؟

لقد أعطانا الرجل الميزان. ويبقى أن نزنه به.