Part III · Work, City, Mind
الكسب والمدن والعلوم

قيمةُ العمل، وسوسيولوجيا التملّق، والعقلُ بوصفه صنعةً مكتسبة — الأبواب الثلاثة الأخيرة من «المقدمة».

الأبواب المنسيّة

أين نحن من الكتاب

قرأنا في القسم السابق الأبواب الثلاثة الأولى من «المقدمة»: العمران على الجملة، والبداوة والعصبية، والدولة والملك. وهي الأبواب التي بُني عليها مجدُ الرجل، وهي التي تُقتبَس وتُدرَّس ويُختصر إليها الكتاب.

ويبقى أكثرُ من نصف «المقدمة» بعدها: الباب الرابع في البلدان والأمصار (ص٤٢٥–٤٧٠)، والخامس في المعاش ووجوهه (ص٤٧١–٥٤٠)، والسادس في العلوم والتعليم (ص٥٤١–٨٣٨) — وهو وحده يعادل الأبواب الخمسة الباقية مجتمعةً تقريبًا. أي أنّ ثلث الكتاب في السلطة، وثلثيه في المدينة والمال والمعرفة.

وهذه الأبواب هي المنسيّة. تُذكر عرَضًا، ويُقتطع منها فصلٌ أو فصلان يُتداولان بوصفهما طرائف: «فقير فاس»، و«الظلم مؤذنٌ بخراب العمران». والحقيقة أنّ فيها أخطرَ ما كتبه ابن خلدون على الإطلاق — وأكثره كشفًا عنه هو.

الدعوى الجامعة: كلُّ ما نظنّه فطرةً هو صنعة

وأزعم أنّ هذه الأبواب الثلاثة ليست ملحقًا بالنظرية بل هي تطبيقها الأجرأ. فالباب الأول قرّر أنّ الاجتماع ضروريّ. والأبواب الثلاثة الأخيرة تُخرج من هذا التقرير نتيجةً لا تخطر لقارئ الفصول المشهورة:

أنّ الثروة عملٌ متراكم لا رزقٌ مقسوم؛ وأنّ المنزلة الاجتماعية تُشترى بالتذلّل؛ وأنّ العقل نفسه صناعةٌ تُكتسب كما تُكتسب الخياطة والحياكة — لا جوهرًا يُولد به الإنسان.

ومن هذه الدعوى الأخيرة يُفهَم — لأوّل مرّة على وجهه — موقفُ ابن خلدون من الفلسفة، الذي طالما قُرئ على أنّه ارتدادٌ إلى التقليد ونكوصٌ عن العقل. وسنرى أنّه ليس نكوصًا، بل هو علمُ الاجتماع مطبَّقًا على المعرفة نفسها. وهذا أخطر بكثير مما لو كان مجرّد تقوى.

المدينة: أثرٌ لا سبب

قلبُ العلاقة المألوفة

يبدأ الباب الرابع بقلبٍ لبديهيّة: نظنّ أنّ المدن تُنشئ الدول، فيقرّر ابن خلدون العكس. «الدول أقدمُ من المدن والأمصار، وأنّها للدول بالعرَض». فالمُلك يقوم أوّلًا بالعصبية في البادية، ثم يبني المُلكُ المدينةَ ليسكنها، ثم تسقط الدولة فتخرب المدينة أو تُهجَر.

والدليل عنده تجريبيّ محض: المدن العظيمة كلّها اختُطّت بأمر ملكٍ ولحاجة دولة — الكوفة والبصرة والقيروان وبغداد وسامرّاء والقاهرة وفاس. ثم إذا ذهب الملك ذهب عمرانها. وهذا هو نفس منطقه في الباب الثالث، مطبَّقًا على الحجر بدل البشر: المدينة ليست حجارةً، بل هي أثرُ قوّةٍ سياسية على الحجارة.

ومنه يستخرج قاعدةً في اختيار مواضع الأمصار: أن يُتخيَّر لها ما يحفظها من العدوان — جزيرةٌ في نهر، أو جبلٌ مستعصٍ، أو بحرٌ — ثم صحّة الهواء، وقربُ المرعى والحطب والماء والمزارع. وهذا كلام مهندسٍ مدَنيّ لا كلام مؤرّخ.

القاعدة الكبرى: العمل يتضاعف بالاجتماع

ثم يصل إلى الفصل الذي أرى أنّه أعظم فصول الباب الرابع، وهو في تعليل غنى المدن الكبيرة. والجواب في جملةٍ واحدة:

«فالأعمالُ بعد الاجتماع زائدةٌ على حاجات العاملين وضروراتهم».

أي أنّ اجتماع الأيدي لا يجمع الطاقات جمعًا حسابيًّا بل يُنتج فائضًا. فإذا تعاون جماعةٌ على تحصيل قوتهم، حصّلوا أكثرَ مما يحتاجون بأضعاف، فيُنفَق الفائض في الكماليات، فتنشأ الصنائع، فيزداد الفائض. ثم يقرّر الأصل الذي يبني عليه بابه الخامس كلَّه: «فالمكاسبُ إنّما هي قِيَمُ الأعمال».

وهنا يقف المرء ويعيد القراءة. فهذه — بلفظها — نظريةُ القيمة القائمة على العمل، مكتوبةً في القرن الثامن الهجريّ / الرابع عشر الميلاديّ، قبل آدم سميث بأربعمائة سنة، وقبل ريكاردو ومَن بعده.

فقير فاس وفقير تلمسان

ولا يدع القاعدة نظريّة. بل يسوق عليها برهانًا من نوعٍ لا نتوقّعه من فيلسوف: يقيس رفاهيةَ المدن بحال شحّاذيها.

يقول: انظر إلى السائل في فاس، وانظر إلى السائل في تلمسان أو وهران. فالسائل في فاس لا يقنع بالخبز، بل «يسأل الأُدْمَ من اللحم والسمن»، ويسأل الغربال والصحفة والآنية. وأمّا سائل تلمسان فيسأل الكِسرة فحسب.

والاستدلال محكم: إذا كان أفقرُ أهل المدينة يستطيع أن يشحذ اللحمَ والسمنَ ويظفر بهما، فذلك لأنّ الفائض في تلك المدينة بلغ حدًّا يفيض على من لا يعمل. مؤشّر رخاءٍ يُقاس عند القاع لا عند القمّة — وهي فكرةٌ لم يعرفها علم الاقتصاد إلا في القرن العشرين. ولاحظ أيضًا مصدرها: رجلٌ عاش في فاس وتلمسان وبجاية، ورأى شحّاذيها بعينه. علمُه من الطريق لا من الخزانة.

الأسعار: عرضٌ وطلبٌ وكُلفةُ إنتاج

ثم فصلٌ في الأسعار يُحلّل فيه ثلاث آليات مستقلّة:

الأولى — العرض. أقواتُ المدينة الكبيرة رخيصةٌ لأنّ أهلها يزرعون أكثر مما يحتاجون بكثير، فيفيض القوت فيرخُص. والمدينة الصغيرة قليلةُ الزراعة فتغلو أقواتها. وهذا وحده مفاجئ: العادة أن يُظنّ الغلاء في المدن الكبرى، فيفصّل ابن خلدون: القوتُ فيها أرخص، والكماليّ فيها أغلى.

الثانية — الطلب. فأمّا الفواكه والأدُم والصنائع والخدمة فتغلو في المدن الكبيرة، لأنّ الترف كثر فكثر الطالبون. ويلحق بذلك أجورُ الصنّاع.

الثالثة — كُلفة الإنتاج. وهنا الملاحظة الأدقّ. يشرح غلاءَ الأقوات في الأندلس بأنّ النصارى ضيّقوا على المسلمين فألجأوهم إلى أرضٍ رديئة تحتاج إلى تسميدٍ وعلاج، «وللعلاج مؤونةٌ ونفقة» — فترتفع الأسعار لأنّ كلفة إخراج القوت من الأرض ارتفعت. أي أنّه يميّز بين تحرّك السعر لندرةٍ وتحرّكه لكلفة. وهذا تمييزٌ تقنيّ لا يُصنَع بالحدس.

ويضيف المكوس: فالضريبة تدخل في الثمن، لأنّ التجّار «يحتسبون على سلعهم جميع ما ينفقونه حتى في مؤونة أنفسهم، فيكون المكس داخلًا في قيم المبيعات». وهذا هو ما نسمّيه اليوم انتقالَ عبء الضريبة إلى المستهلك.

الحضارة: النهاية لا الغاية

ويُختَم الباب الرابع بأشدّ فصوله سوادًا، وعنوانه بذاته حكم: «في أنّ الحضارة غايةُ العمران ونهايةٌ لعُمره وأنّها مؤذنةٌ بفساده».

والكلمة العربية «غاية» تحمل المعنيين معًا: الهدف، والنهاية. وابن خلدون يستعملهما معًا عن قصد. فالحضارة — أي الترف والتأنّق في المطابخ والملابس والمباني والآنية — هي ما يسعى إليه العمران كلُّه، وهي في الوقت نفسه علامةُ أنّه بلغ حدَّه فلم يبقَ إلا النزول. ويقيسه بعُمر الإنسان: «الأربعين للإنسان غايةٌ في تزايد قواه… ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط».

ثم يصف الآليّة وصفًا اقتصاديًّا لا أخلاقيًّا: تعظُم النفقات، فتتضاعف بالمكوس، فتذهب المكاسب كلّها في النفقات، «ويقلّ المُستامون للمَبايع فتكسُد الأسواق ويفسد حال المدينة». ركودٌ تضخّميّ يُوصَف بلغة القرن الثامن.

ويعقبه بوصفٍ لانحلال الأخلاق في المدن: الكذب والقمار والغشّ والخِلابة والربا. والقارئ يظنّه واعظًا، وليس بواعظ: هو يفسّر الرذيلة بالحاجة — «من الكدّ والتعب في حاجات العوائد»، أي أنّ الناس يفسدون لأنّ عاداتهم صارت أغلى من دخلهم. تفسيرٌ ماديّ للانحطاط الخُلُقيّ، لا لومٌ للنفوس.

وفيه جملةٌ يجدر بمن يقرأ الفصول السيّئة الذكر في «العرب» أن يقف عندها: «الناس بشرٌ متماثلون، وإنّما تفاضلوا وتميّزوا بالخُلُق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل». فالتفاضل عنده مكتسَبٌ لا موروث — ولو التزم بهذا في كلّ موضع لسلم من كثير مما أُخِذ عليه.

الكسب: أن تكون الثروةُ عملًا

تفكيك كلمة «الرزق»

يفتتح الباب الخامس بتحرير المصطلحات، وهو تحريرٌ لا يبدو خطيرًا حتى تتأمّله. يفرّق بين الكسب — وهو ما يحصّله الإنسان بسعيه وقوّته — وبين الرزق — وهو ما يُنتفَع به منه فعلًا. وما لم يُنتفَع به فليس برزقٍ لصاحبه.

ولاحظ ما فعله هنا. «الرزق» في اللغة الدينية المتداولة قسمةٌ من الله سابقة على الفعل، تُطلب بالتوكّل. فأخذها ابن خلدون وجعلها مقولةً اقتصادية: الرزق هو الاستهلاك الفعليّ، والكسب هو الدخل. ولم يُنكِر التقدير الإلهيّ — فهو يُثبته في كلّ فصل — لكنّه أزاحه من ميدان التفسير إلى ميدان الإيمان، وترك الميدانَ الأوّل للعمل. وهذا هو تحديدًا ما يفعله العلم بالمقولات الدينية: لا يُنكرها، بل يعزلها عن التعليل.

«المكتسبات كلّها قِيَمُ الأعمال»

ثم تأتي الجملة التي يُبنى عليها الباب:

«فقد تبيّن أنّ المفادات والمكتسبات كلَّها أو أكثرها إنّما هي قِيَمُ الأعمال الإنسانية».

وهو يتتبّع النتيجة إلى منتهاها. فالصانع: قيمة عمله ظاهرة. والتاجر: ربحه من عمل النقل والمرابحة. وحتى صاحب الضيعة — الذي يبدو كسبُه من الأرض لا من العمل — فإنّ قيمة زرعه إنّما هي أجرةُ الحرث والسقي والحصاد. حتى المعادن: قيمةُ الذهب المستخرج هي قيمة عمل الاستخراج.

ثم القضية المقابلة، وهي التي تُثبت أنّه يعني ما يقول: «وإذا فُقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران، تأذّن اللهُ برفع الكسب». أي إذا خرب العمران بطل الكسب — لا لأنّ الأرض بارت، بل لأنّ الأعمال قلّت. فالثروة ليست في الأشياء بل في العمل المتراكم فيها.

ويُقيم عليها برهانًا بالمثال المضادّ: بلادٌ أهلها قليلون وأرضهم خصبة، فهم فقراء. وبلادٌ أهلها كثيرون وأرضهم شحيحة، فهم موسرون. فليست العبرةُ بما تحت الأرض بل بمن فوقها. وهذا هو عكسُ الاقتصاد الرَّيعيّ بالضبط — ولا يخفى ما في هذا من مرارةٍ لقارئٍ عربيّ معاصر.

الجاه: سوسيولوجيا التملّق

«الجاهُ مفيدٌ للمال»

ثم يأتي الفصل الذي أعُدّه أشجعَ ما في «المقدمة»، وأشدَّها كشفًا لصاحبها.

لاحظ ابن خلدون أنّ نظريّته في قيمة العمل لا تفسّر كلَّ الثروات. فثمّة من يغتني ولا يعمل. فكيف؟ والجواب: الجاه. فصاحب المنزلة «مخدومٌ بالأعمال، يُتقرَّب بها إليه في سبيل التزلّف والحاجة إلى جاهه»، فالناس يعملون له بلا عوض، «فتتوفّر قيمُ تلك الأعمال عليه».

فالجاه — في تحليله — آلةٌ لالتقاط عملِ الآخرين بغير أجر. والغنيّ ذو الجاه إنّما يستولي على قيمةِ عملٍ لم يبذله. وهذا ليس انحرافًا عن نظرية العمل بل إتمامٌ لها: لأنّ الثروة كلّها قيمُ أعمال، فالثروة غيرُ المكسوبة بالعمل لا يمكن أن تكون إلا عملَ غيرك محوَّلًا إليك.

ثم يضرب المثل بمن لا نتوقّعهم: الفقهاء وأهل الدين والعبادة. فإنّهم إذا اشتهروا وحسُن ظنّ الناس بهم، «أخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم… وأسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مالٍ مقتنى». ثم يزيد الصورة قسوةً: «وفي البدو يسعى لهم الناس في الفَلح والتجر، وكلٌّ هو قاعدٌ بمنزله لا يبرح من مكانه». ورجلُ الدين هنا ليس مستثنًى من القانون؛ هو مثالٌ عليه.

«السعادةُ لأهل الخضوع والتملّق»

ثم الفصل التالي، وعنوانه وحده يكفي: «في أنّ السعادة والكسب إنّما يحصل غالبًا لأهل الخضوع والتملّق، وأنّ هذا الخُلُق من أسباب السعادة».

والمنطق متسلسل لا فكاك منه: الكسبُ من الجاه. والجاه لا يُبذَل إلا من أعلى إلى أدنى. فطالبُه محتاجٌ إلى «خضوعٍ وتملّق… وإلّا فيتعذّر حصوله». ومن ثَمّ: التملّق شرطٌ من شروط النجاح المادّيّ — لا رذيلةٌ عارضة، بل آليّةٌ في بنية المجتمع.

ثم يقلب الصورة على وجهها الآخر، وهنا تتغيّر نبرةُ النصّ فجأةً وتصير شخصيّة إلى حدّ الإيلام. فمن كان خُلُقه الترفّعَ والشمم — كالعالم المتبحّر في علمه، والكاتب المجيد في كتابته، وصاحب النسب الذي كان في آبائه ملكٌ أو عالمٌ مشهور، وصاحب التجارب والبصر بالأمور — فإنّ هؤلاء «مترفّعون لا يخضعون لصاحب جاهٍ ولا يتملّقون لمن هو أعلى منهم»، فيمقتهم الناس، فيُحرمون الجاه، فيصيرون إلى الفقر والخصاصة. ثم يختم:

«ومن هذا اشتُهر بين الناس أنّ الكامل في المعرفة محرومٌ من الحظّ، وأنّه قد حُوسب بما رُزق من المعرفة واقتُطع له ذلك من الحظّ. وهذا معناه».

مَن يصف مَن؟

واقرأ الأوصاف مرّةً أخرى: العالم المتبحّر. الكاتب المجيد. صاحبُ البيت الذي كان في آبائه ملكٌ وعلم. صاحبُ التجارب والحيلة والبصر بالأمور. هذه سيرةُ ابن خلدون، بندًا بندًا، كما قرأناها في القسم الأول من عملنا هذا.

ولا نقول إنّه كتب الفصل ليشكو. الرجل لم يكن يشكو قطّ؛ نبرتُه في «التعريف» وفي «المقدمة» واحدةٌ: برودةُ الصانع الذي فكّ الآلة بيده. لكنّ اختيار الأمثلة ليس بريئًا، والقانون الذي يستخرجه ينطبق عليه هو أوّلًا. وهذا هو موضع الالتباس الذي ينبغي أن يُواجَه بلا تجميل:

ابن خلدون كان من أهل الجاه. خدم ثمانية سلاطين، وتقلّد الحجابة والقضاء وكتابة السرّ. فهو لم يكن الرجلَ المترفّع الذي فاته الحظّ؛ كان في البلاط عشرين سنة. لكنّه — وهذا هو المفتاح — كان يعرف بأيّ عملةٍ اشترى ما اشترى. الرجل الذي يكتب «السعادة لأهل الخضوع والتملّق» ليس رجلًا حُرم الجاه؛ هو رجلٌ ناله ثم كتب فاتورته. وفرقٌ بين من يشتم البلاطَ من خارجه، ومن يخرج منه فيصف تشريحه.

وهذا يُتمّ ما قرّرناه في القسم الأول: أنّه سياسيٌّ هاربٌ في منفاه، لا سياسيٌّ فاشل. ولو كان فاشلًا لكتب هذا الفصل هجاءً. لكنّه كتبه قانونًا. والفارق بين الهجاء والقانون هو الفارق بين الضحيّة والعالم.

الصنائع: العقل شيءٌ يُصنَع

الصنعة مَلَكةٌ في النفس لا مهارةٌ في اليد

يمضي الباب الخامس إلى الصنائع، فيعرّفها تعريفًا يُفاجئ: الصنعة ليست معرفةً بالكيفية، بل مَلَكة — أي هيئةٌ راسخةٌ تحصل في النفس بتكرار الفعل، لا بالسماع ولا بالقراءة. ولذلك «الصنائع لا تحصل إلا بالتعليم والمباشرة»، ولا تُنقَل بالكتب. والصنائع تكثر وتجوّد بكثرة العمران، لأنّ الفائض هو الذي يسمح بتخصّص الناس.

ويستخرج منها قاعدةً في التاريخ: أنّ الصنائع إذا رسخت في بلدٍ بقيت فيه بعد ذهاب دولته، «كما بقيت الصنائع بالأندلس بعد ذهاب مُلك العرب». فالمَلَكة أطولُ عمرًا من الدولة — وهذا استثناءٌ نادرٌ في كتابٍ كلُّه سقوط.

«الصنائع تُكسِب صاحبَها عقلًا»

ثم يأتي الفصل الذي أراه مفتاحَ القسم كلِّه، وعنوانه: «في أنّ الصنائع تُكسِب صاحبَها عقلًا، وخصوصًا الكتابة والحساب».

والدعوى بحرفها: العقل ليس معطًى؛ هو ناتج. «فلهذا كانت الحُنكة في التجربة تفيد عقلًا، والحضارة الكاملة تفيد عقلًا». والكتابة أكثرها إفادةً، لأنّ الكاتب «ينتقل أبدًا من دليلٍ إلى دليل» — من الحرف المرسوم إلى اللفظ المتخيَّل إلى المعنى في النفس — «فتحصل له مَلَكة الانتقال من الأدلّة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقليّ». ويلحق بها الحساب، لما فيه من الاستدلال بالضمّ والتفريق.

فقف عند ما قيل هنا: التفكير المجرّد أثرٌ جانبيّ لصناعةٍ يدويّة. من كتب كثيرًا صار يستدلّ. ومن حسب كثيرًا صار ينظر. والعقل — بهذا المعنى — عضلةٌ اجتماعية، تنمو حيث نمت الصنائع وتضمر حيث ضمرت.

وهذه دعوى ماديّة في نظرية المعرفة، تسبق فيكو وماركس ودوركايم. وهي أيضًا — بغير مبالغة — ما يقوله علم النفس المعرفيّ المعاصر حين يتحدّث عن أثر التمدرس ومحو الأميّة في التفكير الصوريّ.

الثمن: «العربُ أبعدُ الناس عن الصنائع»

ولهذه الدعوى ثمنٌ يدفعه في فصلٍ لا يُقرأ اليوم بارتياح: «العرب أبعدُ الناس عن الصنائع» — لأنّهم أعرقُ في البدو، والصنائع من منتحَل الحَضَر.

وقد نبّهنا في القسم السابق إلى أنّ «العرب» في اصطلاحه هم أهل البداوة الرحّل، ويدخل فيهم بصريح عبارته البربرُ وزَناتة والأكرادُ والتركمانُ والترك. فالحكم على نمط معاش لا على عِرق. لكنّه — وهذا الاعتراف واجبٌ ولا يُجمَّل — عنوَنَ به «العرب»، فوقعت المصيبة اللفظية التي ما زلنا ندفع ثمنها.

والمفارقة أنّ الفصل نفسه، إذا قُرئ بمنطق صاحبه، حجّةٌ ضدّ العنصرية لا لها: فالبدويّ ليس أقلَّ عقلًا بطبعه، بل هو أقلُّ صنائعَ بمعاشه؛ ولو حضَر لصار حضريًّا. «الإنسان ابنُ عوائده لا ابنُ طبيعته» — وهي قاعدتُه هو.

العلوم: خريطةُ معرفةٍ ومسحٌ اجتماعيّ

أضخم أبواب الكتاب

الباب السادس وحده ثلاثمائة صفحة، ويمسح كلَّ ما كان يُدرَّس في عالم الإسلام: التفسير والقراءات والحديث والفقه والأصول والكلام والتصوّف وتعبير الرؤيا، ثم العلوم العقلية: العدد والهندسة والهيئة والموسيقى والمنطق والطبيعيّات والطبّ والفلاحة والإلهيات، ثم السحر والطلسمات والكيمياء والزايرجة، ثم علوم اللسان الأربعة، ثم فصولٌ في التعليم وطرقه.

وليس هذا فهرسةً. هو مسحٌ اجتماعيّ للمعرفة: كلّ علمٍ يُذكر بمن حمله، وأين نشأ، ولماذا نشأ حين نشأ، وهل هو الآن حيٌّ أو ميت. أي أنّه يُطبّق على العلوم ما طبّقه على الدول: يؤرّخها بوصفها ظواهر اجتماعية لها أعمار.

«حملةُ العلم أكثرُهم العجم»

وأصفى مثالٍ على ذلك فصلُه: «في أنّ حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم». والملاحظة صادمةٌ في زمنه: أنّ جمهور علماء الملّة — في الشرع والعقل جميعًا — ليسوا عربًا، «وإن كان منهم العربيّ في نسبته فهو أعجميّ في لغته ومَرباه ومشيخته، مع أنّ الملّة عربية وصاحبَ شريعتها عربيّ».

ثم يفسّرها بسلسلةٍ سببية بديعة: العلوم صارت صنائعَ ذات مَلَكات تحتاج إلى تعليمٍ وتدوين؛ والصنائع من شأن الحضر؛ والحضر يومئذٍ هم العجم؛ فصارت العلوم لذلك حضريّة، وبعُد عنها العرب.

ولاحظ البنية: مقدّمةٌ من الباب الخامس (الصنائع حضريّة) تُنتج نتيجةً في الباب السادس (العلماء عجم). هذا هو الاستنتاج الذي وعد به: قانونٌ عامّ يُفسّر واقعةً مفردة. وهو أيضًا الجواب على من ظنّ الفصلَ تحقيرًا للعرب: ليس حُكمًا على دمٍ، بل نتيجةٌ تلزم عن نمط عيش. ولو تحضّر العرب لحملوا العلم — وهو ما وقع.

إبطال الفلسفة: النكوص الذي ليس نكوصًا

ما الذي أبطله بالضبط

ثم نبلغ الفصول التي أربكت قرّاءَ ابن خلدون منذ اكتُشف: «في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها» (ص٧٠٦)، وما يليه في إبطال أحكام النجوم، وإنكار ثمرة الكيمياء.

وهو يعرض مذهب الفلاسفة عرضًا أمينًا — المعقولات الأُوَل والثواني، والمنطق، والعقول العشرة، والسعادة في إدراك الموجودات — ثم يقول: «واعلم أنّ هذا الرأي الذي ذهبوا إليه باطلٌ بجميع وجوهه».

والاعتراض في جوهره اعتراضٌ معرفيّ لا عقديّ، ويجري في مسارين:

في الطبيعيّات: أنّ المطابقة بين النتائج الذهنية والموجودات الخارجية «غيرُ يقينية، لأنّ تلك أحكامٌ ذهنية كلّية عامّة، والموجوداتُ الخارجية متشخّصةٌ بموادّها». أي أنّ الكلّيّ لا يضمن مطابقة الجزئيّ؛ ولعلّ في المادّة ما يمنع انطباقه. ثم يسأل سؤالًا حادًّا: «فأين اليقينُ الذي يجدونه فيها؟» — والدليل الحقيقيّ عنده هو الشهود الحسّيّ لا القياس.

في الإلهيات: أنّ الروحانيّات لا تُدرَك أصلًا، فلا يمكن تجريدُ معقولاتٍ منها، فلا يقوم عليها برهان. ويحتجّ عليهم بأنفسهم: فمحقّقوهم قالوا إنّ ما لا مادّة له لا يُبرهَن عليه؛ وأفلاطون قال إنّ الإلهيات لا يُوصَل فيها إلى يقينٍ وإنما يُقال فيها بالأولى والأخلق — أي بالظنّ. فيردّ: «وإذا كنّا إنّما نحصل بعد التعب والنَّصَب على الظنّ فقط، فيكفينا الظنُّ الذي كان أوّلًا».

القراءة المألوفة، ولماذا هي ناقصة

القراءة الشائعة تقول: هنا انقلب ابن خلدون على نفسه. الرجل الذي أسّس علمًا عقليًّا للاجتماع يُغلق باب العقل. تناقضٌ، أو مجاملةٌ لفقهاء عصره، أو خوفٌ من التكفير.

وأرى أنّ هذه القراءة ناقصة، لسببٍ نصّيّ: لأنّه لم يُبطل العقل، بل أبطل مدى معيّنًا لعمله. اقرأ ما نجا في يده: العلمُ الطبيعيّ فيه نتائج تُقبَل حيث يشهد الحسّ. والمنطق آلةٌ نافعة في التمييز، وقد قال في أرسطو «ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء». وإنما موضع الردّ: أن يُدّعى اليقينُ فيما وراء الحسّ، وأن تُبنى العقائدُ على القياس، وأن تُجعَل السعادةُ في إدراكٍ نظريّ يستغني عن الشرع.

فما الذي أبقاه؟ أبقى العلمَ القائم على المشاهدة والاستقراء والتعليل بالأسباب القريبة — أي بالضبط ما فعله هو في المقدمة. الرجل لم يهدم البيت الذي يسكنه؛ هدم الطابقَ الذي يعتقد أنّ لا سلّم إليه.

ولماذا هذا أخطر من مجرّد تقوى

ثم ثمّة قراءةٌ أعمق، تربط الفصل بالباب الذي قبله. إذا كان العقلُ صنعةً تُكتسب — والصنائع نتاجُ حضارةٍ وفائضٍ وعمران، وهي تنشأ وتزدهر وتموت مع دولها — فماذا يبقى من دعوى الفلاسفة أنّ العقل سُلّمٌ كونيّ يصعد به الإنسان إلى الحقيقة الأخيرة؟

لا شيء. لأنّ الأداة التي يُراد الصعودُ بها هي نفسها ابنةُ زمانها ومكانها ومعاشها. والعقل الذي يتشكّل بالكتابة والحساب وعوائدِ المدن لا يمكن أن يكون ميزانًا مطلقًا للوجود؛ هو ميزانٌ صنعه العمران، فلا يصلح لقياس ما خرج عن العمران.

وهذا هو المعنى الذي أزعم أنّه مقصودُ ابن خلدون، وإن لم يصرّح به في جملةٍ واحدة: إبطالُ الفلسفة عنده هو علمُ الاجتماع مطبَّقًا على المعرفة نفسها. وهو موقفٌ أقربُ إلى نقد العقل الخالص منه إلى الغزاليّ — وإن كان قد كتب في التصنيف نفسه فصلًا يُشبه «تهافت الفلاسفة».

وأقول هذا مع تسجيل تحفّظين: الأوّل أنّه لم يقُلها هكذا، وهذه قراءةٌ لا نقل. والثاني أنّ في الفصل نبرةَ تحذيرٍ دينيّ صريحة («وضررُها في الدين كثير») ودعوةً إلى الإعراض عن الطبيعيات لأنّها «لا تهمّنا في ديننا ولا معاشنا» — وهذه جملةٌ لا يمكن الدفاع عنها، ولا يُنجّيها منطقُه هو، بل هي التي أغلقت البابَ الذي كان يمكن أن يُفتَح.

اعترافٌ ثانٍ: «العلماء أبعدُ الناس عن السياسة»

وقبل أن نغادر الباب السادس، فصلٌ صغيرٌ لا ينبغي أن يمرّ: «في أنّ العلماء من بين البشر أبعدُ عن السياسة ومذاهبها».

والحجّة: أنّ العالم متعوّدٌ التجريدَ والقياس وتعميم الأحكام، والسياسةُ تحتاج إلى مراعاة الجزئيّ الخارجيّ الخفيّ، «ولا يُقاس شيءٌ من أحوال العمران على الآخر». فالعالم يصبّ الواقعة في قالب أنظاره «فيقع في الغلط كثيرًا ولا يُؤمَن عليه». والعامّيّ السليم الطبع أسلمُ منه في تدبير أمره، لأنّه لا يبرح المحسوس — «كالسابح لا يفارق البرّ عند الموج».

وهذا الفصل، في كتابٍ ألّفه رجلٌ جمع بين العلم والسياسة فأخفق في الثانية مرارًا، يقرأ نفسَه. هو يقول لنا: احذروا من عالمٍ يحكم — وقد كنتُ عالمًا حكم. ثم انظر إلى ما فيه من نقضٍ ذاتيّ خفيّ: إن كانت أحوال العمران لا يُقاس بعضها على بعض، فما قيمةُ علمٍ كلّه قوانينُ كلّية تُطبَّق على الوقائع؟ الرجل يضع سكّينًا تحت مقعده هو، ثم يمضي.

التعليم: أرحمُ فصولِ الكتاب

في الرفق بالمتعلّم

وأخيرًا، وبعد ثمانمئة صفحةٍ من العصبيّات والجباية والهرم والسقوط، يكتب ابن خلدون فصولًا في التعليم هي أدفأُ ما في الكتاب، وأشدُّه بقاءً.

«الشدّةُ على المتعلّمين مضرّةٌ بهم». ومن رُبّي بالعسف والقهر «سطا به القهرُ وضيّق عن النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمَلَ على الكذب والخبث — وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه — وعلّمه المكرَ والخديعة». ثم يجعلها قانونًا يتجاوز الطفل: «وهكذا وقع لكلّ أمّةٍ حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف».

وهذه — بلا مبالغة — نظريةٌ في أثر الاستبداد على الشخصية، مكتوبةٌ في فصلٍ عن ضرب الصبيان في الكتاتيب. والخيط واحد: الاستبدادُ يصنع الكاذبين، في البيت وفي المملكة سواء.

ويجب أن نقول ما فيه أيضًا: يسوق في هذا السياق حكمًا جماعيًّا على اليهود يعزو إليهم «التخابث والكيد» بسبب طول القهر. وهو — على منطقه — قولٌ بأنّ الطبع نتيجةُ الظرف لا العكس، أي أنّه يُحمّل القاهرَ لا المقهور. لكنّ العبارة تبقى تعميمًا مقيتًا في نصٍّ عن الرفق، ولا يُعتذر عنه.

في كثرة التآليف

«كثرةُ التآليف في العلوم عائقةٌ عن التحصيل». والشكوى مألوفةٌ لكلّ من دخل تخصّصًا معاصرًا: المتعلّم يُطالَب بحفظ الشروح والحواشي وطرق المدارس — القيروانية والقرطبية والبغدادية والمصرية — «وهي كلُّها متكرّرة، والمعنى واحد. والعمرُ ينقضي في واحدٍ منها». ثم يقرّر يائسًا: «ولكنّه داءٌ لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه».

ويلحق به: أنّ الاختصارات المخِلّة تفسد التعليم لأنّها تحشو المعاني في ألفاظٍ عسيرة فتشغل الحفظ عن الفهم؛ وأنّ التدرّج واجب، فيُلقى على المتعلّم أصولُ الفنّ ثلاث مرّاتٍ متصاعدة لا مرّةً واحدة؛ وأنّ الرحلة في طلب العلم ولقاء المشايخ مزيدُ كمال، «لأنّ حصول المَلَكات عن المباشرة والتلقين أشدُّ استحكامًا».

وكلُّه متّسقٌ مع دعواه الكبرى: العلمُ مَلَكة، والمَلَكةُ لا تُنقَل بالورق، بل تُلتقَط من إنسانٍ حيّ. ومن هنا نصيحتُه العمليّة: لا تحفظ الكتب، بل الزم الرجال.

ماذا بقي، وماذا سقط

حصادُ الأبواب الثلاثة

إذا جُمِع ما في هذه الأبواب، خرجنا بابن خلدون آخرَ غير الذي في الكتب المدرسيّة. لا صاحب «العصبية» و«الأجيال الثلاثة» فحسب، بل:

رجلٌ قال إنّ الثروة عملٌ متراكم، لا رزقٌ مقسوم ولا معدنٌ في الأرض. ورجلٌ قال إنّ المنزلة تُشترى بالتذلّل، وإنّ الغنى بغير عملٍ هو التقاطٌ لعمل الآخرين. ورجلٌ قال إنّ العقل صنعة تنمو بالكتابة والحساب وتضمر بضمور العمران. ورجلٌ قال إنّ القهر يصنع الكاذبين، في الكُتّاب وفي الدولة.

وهذه أربعُ دعاوى، لو لم يكتب سواها لكفَت.

وحدودُها

ويبقى ما لا يُدفع. أوّلًا، أنّه لم يستنتج من «قيم الأعمال» أيَّ نقدٍ للاستغلال: وصف التقاط الجاه لعمل الناس وصفًا باردًا، ثم سمّاه «حكمةً إلهية» في تراتب الطبقات، واستشهد بآية «ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات». رأى الآليّة ولم يُدِنها. وهذا حدُّ العالِم الذي لا يريد أن يكون مصلحًا.

ثانيًا، أنّه أغلق باب الطبيعيّات بجملةٍ واحدة («لا تهمّنا في ديننا ولا معاشنا») بعد أن فتح باب الاجتماع. ولو أنّ عقلًا كعقله وُجّه إلى الطبيعة لكان لنا تاريخٌ آخر.

ثالثًا، ويبقى المأخذ الذي حملناه من القسم السابق ولم يُقضَ: أنّ ابن خلدون يستدلّ من الطبائع أكثر مما يستقرئ من الوقائع. وقد رأيناه في هذا القسم يستقرئ حقًّا — من فاس وتلمسان والأندلس ومصر، بعينَي رجلٍ سافر — وهو أفضل حالًا هنا منه في أبواب السلطة.

وأمامنا الآن الامتحانُ الحقيقيّ. فقد أنهينا «المقدمة» بأبوابها الستّة. وبقي ستةُ مجلّداتٍ من التاريخ الفعليّ — نحو ثلاثة آلافٍ وتسعمئة صفحة كتبها الرجل نفسه بعد أن وضع الميزان. فهل يزن بميزانه؟ أم يكتب كما كتب الطبريّ وابن الأثير، وتبقى «المقدمة» وعدًا معلّقًا في أوّل الكتاب؟

هذا هو سؤال القسم الرابع.