المجلّدات التي لا يقرؤها أحد
مفارقةُ التلقّي
«المقدمة» ثمانمئةٌ وأربعون صفحة. و«العِبَر» — أي الكتاب الذي كُتبت المقدّمةُ مقدّمةً له — ثلاثةُ آلافٍ وتسعمئةٍ وعشرون صفحة، في ستّة مجلّدات.
ومع ذلك: تُترجَم «المقدمة» إلى عشرين لغة، وتُدرَّس في أقسام علم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ، ويُنسَب صاحبُها إلى مؤسّسي العلوم الإنسانية. أمّا «العِبَر» فلا يقرؤها إلا المتخصّصون في تاريخ المغرب، ولم تُترجَم كاملةً إلى أيّ لغةٍ أوروبية، ويكاد اسمُها لا يُذكر إلا لِيُقال إنّ المقدمة مقدّمةٌ لها.
وهذه مفارقةٌ تستحقّ أن تُؤخذ مأخذ الجدّ، لا أن تُروى بوصفها طُرفة. فالكتابُ الذي أُهمِل هو الكتاب الذي أراده صاحبُه. والمقدمة — بحسب نيّة المؤلّف — أداة. فإذا كانت الأداةُ أثمنَ من الشيء الذي صُنعت لأجله، فذلك حكمٌ على الشيء.
السؤال، مصوغًا بدقّة
وعدَنا ابن خلدون بميزان: «فللعمران طبائعُ في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتُحمَل عليها الرواياتُ والآثار». ثم كتب بعده تاريخَ العالم. فالسؤال ليس «هل العِبَر كتابٌ جيّد؟» بل:
هل استعمل ابن خلدون في «العِبَر» الميزانَ الذي صنعه في «المقدمة»؟ هل ردّ خبرًا لأنّه يخالف قوانين العمران؟ هل فسّر دولةً بعصبيّتها لا بفضائل ملوكها؟ أم أنّه — حين جلس ليكتب التاريخ فعلًا — كتب كما يكتب المؤرّخون؟
وهذا سؤالٌ يقبل الجواب بالدليل، لا بالانطباع. وسنجيب عنه بأربع خطوات: بنيةُ الكتاب، ثم إحصاءُ لغته، ثم اعترافُ مؤلّفه، ثم المواضعُ التي تظهر فيها النظريّة فعلًا — وما تفعله هناك.
أوّلًا: البنية — تاريخٌ مرتَّبٌ بالأجيال لا بالسنين
ما الذي فعله بالشكل
وهنا يستحقّ الرجل إنصافًا يُقدَّم قبل النقد. فالمؤرّخ المسلم الكلاسيكيّ — الطبريّ، وابن الأثير، والذهبيّ — يكتب حَوليّات: «ثم دخلت سنة كذا، وفيها كان كيت وكيت». تُساق الوقائع مرتّبةً بالزمن، فيقع خبرُ ثورةٍ في خراسان إلى جانب خبر وفاة فقيهٍ في قرطبة، ولا رابط إلا التقويم.
وابن خلدون هدم هذا الشكل هدمًا. فرتّب «العِبَر» لا على السنين بل على الأمم والأجيال والطبقات:
الكتاب الثاني (المجلّدات ٢–٥) في العرب، مقسومًا على أربع طبقات: العرب العاربة، والمستعربة، والتابعة للعرب، ثم «المستعجِمة أهلِ الجيل الناشئ لهذا العهد». والكتاب الثالث (المجلّدان ٦–٧) في البربر وأممهم ودولهم. ويصرّح بالقاعدة في متن الكتاب: «على ما اشترطناه في تأليفنا من إفراد الأخبار عن الدول وأهل النِّحَل، دولةً دولة وطائفةً طائفة».
وهذا ليس ترتيبًا للراحة. هو الشكلُ الذي تفرضه النظرية. فإذا كانت الدولة كائنًا له عصبيّةٌ وعُمر وأطوار، وجب أن يُروى خبرُها متّصلًا من نشأتها إلى هرمها، لتُرى الدورةُ كاملة. والحَوليّاتُ تُقطّع الكائن أشلاءً. فترتيبُ «العِبَر» — وحده، قبل كلمةٍ واحدة من متنه — تطبيقٌ للنظرية على مستوى المعمار.
وشجراتُ الأنساب
ويضيف إليها ابتكارًا آخر يُغفَل: يفتتح المجلّد الثاني بـ«المقدمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا»، فيقرّر أن يرسم أنساب أهل الدول على شكل شجرة، ويرقّم الملوك بحروف الأبجد على تعاقبهم، «حتى تتّصل تلك الأنسابُ عمودًا وفروعًا بأصلها الجامع لها، ظاهرةً للعِيان في صفحةٍ واحدة، فتُرسَم في الخيال دَفعة».
وعلّته صريحة: «فإنّ الصورَ الحسّيّة أقربُ إلى الارتسام في الخيال من المعاني المتعلّقة». أي أنّه يختار الرسم البيانيّ لأنّه أنجعُ في نقل بنيةٍ معقّدة من السرد. هذا تفكيرٌ في تصميم المعلومات، في القرن الثامن الهجريّ، من رجلٍ يعرف لماذا يفعل ما يفعل.
ثانيًا: الإحصاء — أين ذهبت العصبية؟
قياسٌ بسيط
البنيةُ إذن تشهد له. فماذا عن المتن؟
ثمّة اختبارٌ فَظّ لكنّه دالّ: أن نعدّ. إن كان ابن خلدون يفسّر التاريخ بقوانينه، فينبغي أن تظهر ألفاظُ تلك القوانين — العصبية، والعمران، والترف، والحضارة، والبداوة — في نصّ التاريخ. فلنَعُدّها في نصّ المقدمة، ثم في نصّ المجلّدات الستّة، ولنُنسِب العددَ إلى حجم النصّ (لكلّ مليون حرف)، ليكون القياس عادلًا. والنتيجة:
العصبية: ١٨٨ في المقدمة ←→ ٦٫٣ في التاريخ.
العمران: ١٨١ ←→ ٧٫٥.
الترف: ١٣٢ ←→ ٤٫٣.
الحضارة: ١٠٦ ←→ ١٫٤.
البداوة: ٦٠ ←→ ٣٫٠.
(معدّل التكرار لكلّ مليون حرف؛ التاريخ نحو خمسة أمثال المقدمة حجمًا)
وفي المقابل، لفظةٌ واحدة تكاد لا تتزحزح: «المُلك» — ٥٣٩ في المقدمة، و٣٧٣ في التاريخ. وهي اللفظة التي لا تخصّ نظريّته في شيء؛ هي لفظةُ المؤرّخين جميعًا.
ما الذي يعنيه هذا
المعنى صريحٌ ولا مهرب منه: مفرداتُ العلم تتبخّر حين يبدأ السرد. تهبط «الحضارة» إلى واحدٍ من خمسةٍ وسبعين من كثافتها. وتهبط «العصبية» — عمودُ النظرية كلّها — إلى واحدٍ من ثلاثين.
ولنكن منصفين في تأويل الرقم: لا يُنتظَر من سردٍ لوقائع أن يكون مكتوبًا بلغة نظريّةٍ مجرّدة، ولا يعيب المؤرّخَ أن يروي معركةً بلا مصطلح. فليس المطلوب أن تتساوى الكثافتان. لكنّ الفارق هنا ليس فارقَ أسلوب؛ هو فارقُ وظيفة. فبمعدّل ستّةٍ في المليون، لا تكون العصبيةُ مبدأً مفسِّرًا للسرد، بل تكون كلمةً عارضة تمرّ في الطريق.
وبعبارةٍ أوضح: «العِبَر» ليست تاريخًا مكتوبًا بعلم العمران. هي تاريخٌ مكتوبٌ كما تُكتب التواريخ، وقد سبقتْه مقدّمةٌ تقول كيف ينبغي أن يُكتب التاريخ.
ثالثًا: الاعتراف
«لخّصتُها من كتاب الطبريّ»
ولا حاجة بنا إلى الاستنتاج، فالرجل يقولها بنفسه. عند نهاية أخبار الخلافة الراشدة، يقف ابن خلدون وقفةً منهجيّة فيقول:
«وهذا آخرُ الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردّة والفتوحات والحروب… أوردتُها ملخَّصةً عيونَها ومجامعَها من كتاب محمد بن جرير الطبريّ وهو تاريخه الكبير، فإنّه أوثقُ ما رأيناه في ذلك، وأبعدُ من المطاعن عن الشُّبَه في كبار الأمّة».
فاقرأ ما قيل هنا بعين الرجل الذي كتب المقدمة. كان قد أحصى أسبابَ الكذب في الأخبار، وجعل ثانيَها: «الثقةُ بالناقلين». ثم ها هو يبني قرنًا كاملًا من تاريخ الإسلام على ناقلٍ واحد، والعلّةُ التي يعطيها هي عين العلّة التي أدانها: أنّه أوثق ما رأى.
وليس هذا موضعَ تشنيع رخيص. فالرجل صادقٌ مع قارئه، يُسمّي مصدرَه ولا يُخفيه — وهو أدبٌ يفتقده كثيرٌ ممن جاء قبله وبعده. ثم إنّ الطبريّ حقًّا أوثق. ولكنّ المسألة ليست في نزاهة النقل؛ المسألة أنّ صاحب الميزان لم يزِن. فالمقدمة تعِد بأن يُعرَض كلُّ خبرٍ على قوانين العمران فيُقبَل أو يُردّ. ولا نجد شيئًا من ذلك هنا: نجد تلخيصًا لنصٍّ موثوق.
ثم انظر إلى العلّة الثانية التي ساقها: «وأبعدُ من المطاعن عن الشُّبَه في كبار الأمّة… فلا ينبغي أن تُسوَّد بها الصحف». هذا معيارٌ عقديّ لا معيارٌ عمرانيّ. اختار الطبريَّ — جزئيًّا — لأنّه ألطفُ بسمعة الصحابة. وهو ذاته الرجلُ الذي عدّ «التشيّع للآراء والمذاهب» أوّلَ أسباب الكذب في الأخبار.
رابعًا: فأين تظهر النظرية؟
ترتفع كلّما اقترب من نفسه
لكنّ الحكم لا يستقيم إن وقفنا عند العدد الإجمالي. فحين نُوزّع مواضعَ «العصبية» على المجلّدات، يظهر نمطٌ لا يمكن أن يكون مصادفة:
المجلّدات ٢–٥ (تاريخ المشرق والعرب، منقولٌ في جُلّه): بين ٣٫٦ و١٠٫٥ في المليون.
المجلّدان ٦–٧ (البربر، والمغرب، وعصرُه هو): ١٣٫٠ و١٥٫٢ — أي ضعفَ ما قبلهما وأكثر.
أي أنّ ابن خلدون يُفكّر بنظريّته حيث يعرف، ويَنقُل حيث لا يعرف. حين يكتب عن فتوح العراق ينسخ الطبريّ. وحين يكتب عن زَناتة وصِنهاجة والموحّدين وبني مَرين — وهي دولٌ رآها أو خدمها أو حاور شيوخَها — يعود العالِمُ فيه فيشتغل.
وهذه، في تقديري، أعدلُ صياغةٍ للحكم: النظريّة ليست غائبةً عن «العِبَر»، بل هي حاضرةٌ بقدر ما كان المؤلّف شاهدًا لا ناقلًا. وهو بذلك يشهد لنفسه من حيث لا يريد: علمُه ابنُ تجربته، لا ابنُ مكتبته. وقد قال هو في المقدمة إنّ الصنعة مَلَكةٌ لا تُنال إلا بالمباشرة.
لكنّها تُستعمل للتبرير
غير أنّ حضورها — حين تحضُر — يطرح سؤالًا أشدّ إزعاجًا من غيابها: ماذا تفعل النظريّةُ حين تُستعمل؟
خذ أشهر تطبيقاتها في التاريخ كلّه: مسألة معاوية. فالمشكلة الكلاسيكية أنّ الخلافة صارت مُلكًا عضوضًا على يديه. وحلُّها عند ابن خلدون بالعصبية:
«فكان معاويةُ أوّلَ خلفاء المغالبة والعصبية… ومعاويةُ لم يطلب الملكَ ولا أُبَّهتَه للاستكثار من الدنيا، وإنّما ساقه أمرُ العصبية بطبعها لمّا استولى المسلمون على الدول كلّها وكان هو خليفتَهم، فدعاهم بما يدعو الملوكُ إليه قومَهم عند ما تستفحل العصبيةُ وتدعو لطبيعة المُلك».
وهذا تطبيقٌ حقيقيّ للنظرية، لا مِراء. لكن انظر إلى وجهته: يُستعمَل القانونُ لرفع اللوم. لم يطلب معاويةُ الملك؛ ساقته العصبيةُ بطبعها. فالقانون هنا لا يكشف بل يُعذِر — يحوّل الاختيار السياسيّ إلى ضرورةٍ طبيعية، والضرورةُ لا يُلام صاحبُها.
وهذه آفةٌ كامنة في كلّ علمٍ للاجتماع منذ يومئذ: أنّ تفسير الفعل بقانونٍ قد ينقلب إلى إعفاء الفاعل. وابن خلدون أوّلُ من وقع فيها، وأوّلُ من أعطانا الأداة لتشخيصها.
خامسًا: حين يُصحِّح التاريخُ النظريّة
الصفحات التي تنقض حكمنا
ولو أنّ الأمر وقف عند ما تقدّم، لكان الحكم سهلًا. لكنّ في «العِبَر» موضعًا واحدًا يجب أن يُقرأ بتمامه قبل إصدار أيّ حكم — ولولا الإنصاف لأغفلتُه، لأنّه يُتعب الأطروحة.
حين يبلغ ابنُ خلدون «فتنة الناصريّ» — وهي ثورةٌ على الظاهر برقوق شهدها بعينه — لا يبدأ بالسرد. يقف، ويكتب عنوانًا فرعيًّا يقول فيه إنّه سيسوق الخبر «بعد تقديم كلامٍ في أحوال الدول يليق بهذا الموضع، ويُطلعك على أسرارٍ في تنقّل أحوال الدول بالتدريج إلى الضخامة والاستيلاء، ثمّ إلى الضعف والاضمحلال».
ثمّ يكتب — داخل التاريخ، لا في المقدّمة — الدورةَ كاملةً: قومٌ يقومون «بعصبيّة النسب أو الولاء»، فيحوزون الجباية، «وهم على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال البداوة»؛ ثمّ «تنمو الثروةُ فيهم بنموّ الجباية… فيعظُم الترفُ في الملابس والمطاعم والمساكن»؛ ثمّ «يقصُر الدخلُ عن الخرج، وتضيق الجبايةُ عن أرزاق الجند»؛ ثمّ «يقلّ البأسُ من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة».
هذه هي «المقدمة» بحذافيرها. فالنظريّة إذن ليست غائبةً عن السرد بالكلّيّة؛ هي حاضرةٌ حين يبلغ الرجلُ حدثًا رآه بعينيه ويريد أن يفهمه حقًّا.
عصبيّةٌ تُشترى بالمال
ثمّ يفعل ما هو أخطر: يطبّق القانون على نشأة الدولة التي يعيش فيها، فيخرج بتحليلٍ لا نظير له.
يقول: كان صلاحُ الدين «قليلَ العصابة، إنّما كان عشيرُه من الكرد يُعرفون ببني هَذبان، وهم قليلون» — أي أنّ عصبيّته النسبيّة كانت ضعيفةً لا تكفي لدولة. فبمَ قامت دولتُه؟ «وإنّما كثُر منهم جماعةُ المسلمين بهمّة الجهاد الذي كان صلاحُ الدين يدعو إليه، فعظُمت عصابتُه بالمسلمين». أي أنّ الدعوة الدينية عوّضت نقصَ العصبيّة — وهو بالضبط ما قرّره في الباب الثاني: الدينُ مضاعِفٌ للعصبيّة لا بديلٌ عنها.
ثمّ يصل إلى المماليك. فالصالح نجم الدين أيوب «أراد الاستكثار من العصابة لحماية الدولة… وأنّ ذلك يحصل باتّخاذ المماليك والإكثار منهم»، فأخذ التجّار في جلبهم، «فاشترى منهم أعدادًا، وأقام لتربيتهم أساتيذَ معلّمين لحرفة الجنديّة، من الثقافة والرمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخُلُقيّة، إلى أن اجتمع له منهم عددٌ جمٌّ يناهز الألف».
فلنَقُل ما قاله بوضوح: حين عجزت العصبيّةُ الطبيعية، صُنِعت عصبيّةٌ اصطناعيّة — بالشراء والتربية. المملوك يُشترى صبيًّا، فيُقطَع عن نسبه، ثمّ يُربّى في بيت أستاذه على الولاء له — فتُنتَج رابطةٌ تفعل فعلَ النسب وليست نسبًا.
وهذا — لمن قرأ الباب الخامس معنا — هو مذهبُ المَلَكة مطبَّقًا على السياسة: العصبيّةُ نفسُها صنعة. ولو أنّ ابن خلدون كتب هذا الفصل في «المقدمة» بدل أن يدفنه في السرد، لَعُدّ من أبدع ما فيها.
ودولةٌ تُبعَث من داخلها
ثمّ الأخطر من ذلك كلّه — وهو نقضٌ صريح لأحد أقفال «المقدمة».
ففي «المقدمة» قال إنّ الدولة إذا وقع فيها الهرمُ فـ«لا يرتفع»، ولا شفاء. وهنا، في السرد، يصف آليّةً أخرى تمامًا:
«ثمّ إنّ البأس يقلّ من أهل الدولة… فيتطاول من بقي من رؤساء الدولة إلى الاستبداد بها، غَيرةً عليها من الخلل الواقع بها، ويستعدّ لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ويحملهم على الإقلاع عن الترف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيره أو بمن يدعوه لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع… فتصير كأنّها دولةٌ أخرى».
أي أنّ الدولة يمكن أن تتجدّد من داخلها: يقوم فيها رجلٌ بقيت عنده خشونةُ الأصل، فيستأنف عصبيّةً جديدة، ويُرغم القومَ على ترك الترف، «فيأخذ في دوائها» — دواء، بعد أن كان قد قال إنّه لا دواء. وتصير كأنّها دولةٌ أخرى، وتمرّ عليها الأوقات، وتهرم من جديد، ويقوم فيها آخر — إلى أن تنقرض العصابةُ الأولى بأسرها.
فالدورةُ إذن ليست خطًّا واحدًا هابطًا، بل دوراتٌ متداخلة: هرمٌ وبعثٌ وهرم. وهذا نموذجٌ أدقُّ وأصدقُ ممّا في «المقدمة»، وهو الذي يفسّر لماذا عاشت دولةُ المماليك قرنين ونصفًا ولم تمُت في ثلاثة أجيال.
وأين تعلّمه؟ من السرد. من رؤية برقوق يُخلَع ثمّ يعود. أي أنّ ابن خلدون — حين نظر إلى وقائع عصره نظرةَ عالِم — وجد نظريّته ناقصة، فأتمّها. وهذه أعظم شهادةٍ يمكن أن تُقدَّم لـ«العِبَر»: ليس فيها أنّ التاريخ يخدم النظرية، بل فيها — مرّةً واحدة على الأقلّ — أنّ التاريخ يُصلحها.
ويبقى المأخذ قائمًا في وجهٍ آخر: لم يعُد إلى «المقدمة» ليُصحّحها. تركها كما هي، بقفلها المُحكَم: «ولا شفاء». والتصحيحُ مدفونٌ في المجلّد السابع، حيث لا يقرؤه أحد.
سادسًا: مشهد تِمُر
الحكاية
وفي آخر المجلّد السابع مشهدٌ أراه أهمّ صفحاتٍ في «العِبَر» كلّها، وأشدَّها كشفًا لصاحبها. سنةَ ثلاثٍ وثمانمئة، حاصر تِمُرلَنك دمشق، بعد أن خرّب حلبَ وحماةَ وحمصَ وبعلبكّ. وانسحب سلطانُ مصر ليلًا بجيشه، فأصبح أهلُ دمشق — كما يقول — «متحيّرين قد عَمِيت عليهم الأنباء». وابنُ خلدون بينهم.
فاجتمع القضاةُ والفقهاء وقرّروا طلب الأمان. ثمّ وقع في المسجد الجامع تشاجرٌ في الليل، وأنكر بعضُ الناس التسليم. يقول: «فخشيتُ البادرة على نفسي، وبكّرتُ سَحَرًا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبتُ الخروج أو التدلّي من السور… فأبَوا عليّ أوّلًا، ثمّ أصْخَوا لي، ودلّوني من السور».
وهذه الجملةُ ينبغي أن تُقرأ على وجهها: لم يُرسَل سفيرًا، ولم يخرج في وفد. خرج وحدَه، هاربًا من أهل مدينته إلى معسكر الذي يحاصرها.
ثمّ دخل خيمةَ تِمُر: «فاتحتُ بالسلام، وأوميتُ إيماءةَ الخضوع، فرفع رأسه، ومدّ يده إليّ فقبّلتُها».
ويُخبرنا بصراحةٍ عن السبب: قد رأى قاضيَ القضاة الشافعية أُسِر وحُبس طلبًا للفدية، «فأصابنا من ذلك وَجَل». ثمّ يقول الجملة التي ينبغي أن تُقرأ مرّتين:
«فزوّرتُ في نفسي كلامًا أخاطبه به، وأتلطّفه بتعظيم أحواله ومُلكه».
أي: ألّف في ذهنه خطبةً محسوبةً غرضُها الإطراء. وهذا نصُّ ما قال، بترجمانٍ بينهما:
«أنت سلطانُ العالم وملكُ الدنيا، وما أعتقد أنّه ظهر في الخليقة منذ آدمَ لهذا العهد ملكٌ مثلُك. ولستُ ممّن يقول في الأمور بالجُزاف، فإنّي من أهل العلم، وأُبيّن ذلك فأقول:
إنّ المُلك إنّما يكون بالعصبية، وعلى كثرتها يكون قدرُ المُلك. واتّفق أهلُ العلم من قبلُ ومن بعدُ أنّ أكثر أمم البشر فرقتان: العربُ والتركُ… ولا يساويهم في عصبيّتهم أحدٌ من ملوك الأرض: من كِسرى، أو قيصر، أو الإسكندر، أو بختنصّر… وهذا برهانٌ ظاهرٌ على ما ادّعيتُه في هذا المُلك».
ماذا حدث هنا بالضبط
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها. ابن خلدون يستشهد بنظريّته في العصبية — أعظم ما أنتجه عقلُه — ليقول لسفّاحٍ مغوليّ إنّه أعظمُ ملكٍ منذ آدم. ويُقدّم ذلك بجملة «فإنّي من أهل العلم» — أي يُشهِر صفتَه العلمية ضمانًا لصدق المديح. والعلمُ هنا لم يُستعمل ليفسّر؛ استُعمل ليُقايض: علمٌ في مقابل أمان.
وأخطر ما في الأمر أنّه لم يُخفِه. لم يحذف المشهد، ولم يُجمّله. سجّل الخوف، وسجّل أنّ الكلام «مزوَّرٌ» في نفسه — أي مصنوعٌ مُعَدّ — ثمّ أثبت الخطبة بحرفها في كتابه. وهذا ليس سذاجة؛ هذا رجلٌ يعرف تمامًا ما يفعل، ويختار أن يُثبته.
«وما علينا من الطبريّ؟»
ثمّ يقع في الخيمة نفسها ما لو اختلقه روائيٌّ لاتُّهم بالإسراف.
يتناقش الرجلان في نسب بُختنصّر: أمِن ملوك بابل هو أم من الفرس؟ فيرجّح ابنُ خلدون أنّه من عَقِب ملوك بابل، ويرجّح تِمُر القولَ الآخر. فيقول ابنُ خلدون محتجًّا:
«يُعكِّر علينا رأيُ الطبريّ، فإنّه مؤرّخُ الأمّة ومحدِّثُهم، ولا يُرجَّح غيرُه».
فقال تِمُر: «وما علينا من الطبريّ؟ نُحضِر كتبَ التاريخ للعرب والعجم، ونُناظرك».
«فقلتُ: وأنا أيضًا أُناظِر على رأي الطبريّ».
فتأمّل ما جرى. الفاتحُ المغوليّ يقول: لا تحتجّ عليّ بسلطة مؤرّخ — أَحضِر المصادر ونقارن. والعالِمُ الذي أسّس نقدَ الرواية يتشبّث بالسلطة ويأبى.
وليس هذا زلّةَ لسانٍ في مجلسٍ متوتّر. هو نفسُ الموقف الذي رأيناه في اعترافه: «أوردتُها ملخّصةً من كتاب الطبريّ، فإنّه أوثقُ ما رأيناه». الطبريّ عند ابن خلدون حُجّةٌ، لا مادّةٌ تُوزَن. وقد وقف تِمُر — من حيث لا يدري — موقفَ صاحب «المقدمة»، ووقف صاحبُ «المقدمة» موقفَ المقلِّد.
وصفُ المغرب لمن يفتحه
ثمّ سأله تِمُر عن بلاد المغرب: أين طنجة؟ وأين سبتة؟ وأين فاس؟ وأين سِجِلماسة؟ فأجاب ابنُ خلدون. فقال تِمُر:
«لا يُقنعني هذا. وأُحبّ أن تكتب لي بلادَ المغرب كلَّها: أقاصيَها وأدانيَها، وجبالَها وأنهارَها وقُراها وأمصارَها — حتى كأنّي أشاهدُه».
فقال ابنُ خلدون: «يحصُل ذلك بسعادتك». ثمّ انصرف فكتب. ويقول: «فكتبتُه في أيّامٍ قليلة، ورفعتُه إليه، فأخذه من يدي، وأمر فوَقَّعه بترجمته إلى اللسان المغُليّ» — في نحو اثنتَي عشرة كرّاسة.
وأين كتبه؟ يقول: «وأقمتُ في كِسر البيت، واشتغلتُ بما طُلب منّي في وصف بلاد المغرب» — بينما تِمُر ينصب على قلعة دمشق «ستّين منجنيقًا»، ثمّ «أطلق أيديَ النَّهّابة على بيوت أهل المدينة»، حتى «اتّصلت النارُ بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصُه».
فليُقَل بلا تلطيف: بينما كان جامعُ دمشق يحترق، كان ابنُ خلدون في بيته يكتب لمن أحرقه دليلًا جغرافيًّا مفصّلًا لوطنه. ولا نعرف ماذا كان ينوي تِمُر بالمغرب، ولا أنّه قصده. لكنّ الكرّاسات كُتبت وتُرجمت إلى المغوليّة، ولم تصلنا — وهي، على الأرجح، الكتابُ المفقود الوحيد من كتب ابن خلدون الذي نعرف موضوعَه وقارئه ومصيره.
ويجب أن يُقال ما يُنصفه أيضًا: إنّه وصف ما جرى بدمشق بأنّه «أمرٌ بلغ مبالغَه في الشناعة والقُبح» — فلم يُجمّل الفظاعة. ثمّ أعقبها فورًا بـ«وتصاريفُ الأمور بيد الله، يفعل في خلقه ما يريد». وبين الجملتين تسكن المسافةُ كلُّها بين الرجل وضميره.
وحديثٌ لم يصحّ
وفي المعسكر مشهدٌ ثالث يستحقّ الوقوف. جاء تِمُرَ رجلٌ من ذرّيّة الخلفاء العبّاسيين بمصر، يطلب أن يُنصَّب خليفةً، محتجًّا بحديث: «الأمرُ لبني العبّاس ما بقيت الدنيا». فجمع تِمُر القضاةَ والفقهاء — وفيهم ابنُ خلدون — وقال: «هذا مجلسُ النَّصَفة، فتكلّم».
فقال ابنُ مُفلح الحنبليّ: «الحديثُ ليس بصحيح». واستُدعي رأيُ ابن خلدون فقال: «الأمرُ كما قلتم من أنّه غيرُ صحيح».
ثمّ ألقى على تِمُر درسًا كاملًا في نظريّة الإمامة: اختلافُ المسلمين في وجوب نصب الإمام، ومذهبُ الخوارج، ومستندُ الشيعة في الوصيّة، وإجماعُ أهل السنّة على إنكارها وأنّ المستند «إنّما هو الاجتهاد». فصرف تِمُر الرجلَ: «قد سمعتَ مقالَ القضاة وأهل الفتيا، وظهر أنّه ليس لك حقٌّ تطلبه عندي».
ولنُقدّر ما وقع: عِلمُ الحديث، ونظريّةُ الخلافة، يُستعملان في خيمة قائدٍ مغوليّ لنزع آخر دعوى شرعيّة بقيت للعبّاسيين.
وهو — على منطقه هو — مُحِقّ: الحديثُ ضعيف، والخلافةُ لصاحب العصبيّة، وقد قرّر ذلك في «المقدمة» قبل ثلاثين سنة. فالعلمُ صادقٌ في نفسه. ولكنّه أُدِّي في مكانٍ يُغيّر معناه. وهذا هو بالضبط ما لم يُعلّمنا ابنُ خلدون أن نزنه: لم يضع في ميزانه بابًا لسؤال «مَن المستفيدُ من هذا الخبر الصحيح؟» — وقد كان هو أوّلَ من كان يحتاج ذلك الباب.
وارجع إلى الباب الخامس
وهنا تُغلَق الدائرةُ إغلاقًا يكاد يكون قاسيًا. فقد قرأنا في القسم الثالث فصلًا كتبه ابن خلدون بيده، عنوانه:
«في أنّ السعادة والكسبَ إنّما يحصُل غالبًا لأهل الخضوع والتملّق، وأنّ هذا الخُلُق من أسباب السعادة».
ثمّ نجده في المجلّد السابع من كتابه نفسه، يدخل على تِمُر فيُومئ — بلفظه هو — «إيماءةَ الخضوع»، ويتملّقه ببضاعته الوحيدة. الرجل الذي اكتشف قانونَ التملّق طبّقه على نفسه، وأثبت التطبيق في الكتاب. فلم يعُد الفصلُ نظريّةً في سلوك الآخرين؛ صار اعترافًا مؤجَّلًا.
وهذا هو الفرق الذي أصررنا عليه منذ القسم الأوّل: سياسيٌّ هاربٌ في منفاه، لا سياسيٌّ فاشل. الفاشل لا يرى الآلة التي سحقته. وابن خلدون رأى الآلة، وفكّكها، وكتب دليلَ تشغيلها — ثمّ شغّلها لينجو. ولا يُقلّل ذلك من علمه؛ بل هو — على وجهٍ مُرّ — أقوى برهانٍ على صدقه: لقد اختبر قانونَه على نفسه فوجده صحيحًا.
وما يُحسَب له
ثمّ لا يجوز أن نُغلق المشهد على الإدانة وحدها، لأنّ في النصّ ما يُنصفه.
فقد استعمل قربَه من تِمُر ليطلب شيئين. أوّلُهما لنفسه — الإقامة في معسكره. وثانيهما لغيره: قال لتِمُر إنّ من تخلّف بدمشق من كُتّاب سلطان مصر وموقّعيه ودواوينه وعمّاله صاروا في قبضته، «فسلطانُكم كبير، وعمالاتُكم متّسعة، وحاجةُ مُلككم إلى المتصرّفين في صنوف الخدم أشدُّ من حاجة غيركم». فقال تِمُر: «وما تريد لهم؟» فقال: «مكتوبُ أمانٍ يستنيمون إليه». فأمر تِمُر كاتبَه فكتبه، وخُتم بخاتم السلطان.
فنجا بذلك جمعٌ من الموظّفين المتروكين. ولم يكن ذلك واجبًا عليه. ولاحظ حجّته: لم يستعطف، بل أقنع الفاتحَ بأنّ هؤلاء الرجال أصلٌ من أصول المُلك. وهي حجّةٌ خلدونيّةٌ خالصة — الدولةُ لا تقوم بغير كتّابٍ وصنائع — استُعملت هذه المرّة لإنقاذ أرواح. وهذا أنبلُ استعمالٍ لعلمه في حياته كلّها، وقد جاء في المكان نفسه الذي استعمله فيه أخسَّ استعمال.
ثمّ البغلة. أراد تِمُر شراء بغلته، فقال ابنُ خلدون: «مثلي لا يبيع من مثلك، إنّما أنا أخدمك بها». فأخذها تِمُر — «ولم أرَها بعد»، بهذه الجملة الجافّة الساخرة. ثمّ — وهذا أعجب — بعث إليه تِمُر بثمنها إلى القاهرة مع رسولٍ مصريّ، فأبى ابنُ خلدون أن يقبضه إلا بإذن سلطان مصر، لئلّا يُقال إنّه قبض من عدوّ. ووصله المبلغُ ناقصًا، «واعتذر الحاملُ عن نقصه بأنّه أُعطيه كذلك». ويختم بأصدق جملةٍ في الفصل كلّه:
«وحمدتُ الله على الخلاص من وَرَطات الدنيا».
ثمّ خرج من دمشق قاصدًا صفد، «فاعترضَتْنا جماعةٌ من العشير، قطعوا علينا الطريق، ونهبوا ما معنا، ونجونا إلى قريةٍ هنالك عُرايا».
الرجل الذي كتب فصولًا في أنّ الرحّل «إذا مرّوا بأرضٍ خرّبوها»، وأنّ معاشهم في الرمح — سُلب على قارعة الطريق حتى ثيابه، على يد الذين كتب فيهم. ويقيّد ذلك في سطرٍ واحد، ويمضي.
سابعًا: روايتان لمشهدٍ واحد
الرسالة
ويبقى في المشهد شيءٌ أخير، هو — في تقديري — أثمنُ ما في «العِبَر» كلّها من حيث المنهج.
فبعد أن رجع ابنُ خلدون إلى مصر، كتب رسالةً إلى سلطان المغرب يُخبره بما جرى. وأثبت نصَّ الرسالة في كتابه، إلى جانب السرد التفصيليّ — فصار بين أيدينا روايتان للواقعة نفسها، بقلم الشاهد نفسه، في الكتاب نفسه. وهذا نصُّ الرسالة:
«وسمعتُ أنّ سلطانَهم تِمُر سأل عنّي، فلم يسَعْ إلا لقاؤه، فخرجتُ إليه من دمشق، وحضرتُ مجلسه، وقابلني بخير، واقتضيتُ منه الأمانَ لأهل دمشق، وأقمتُ عنده خمسةً وثلاثين يومًا، أُباكِره وأُراوِحه، ثمّ صرفني، وودّعني على أحسن حال».
فلنَزِنْها بميزانه
والآن لنفعل بابن خلدون ما علّمنا أن نفعله بالطبريّ: نعرِض الخبر على ما تسمح به الأحوال.
أوّلًا: «سمعتُ أنّه سأل عنّي، فلم يسَعْ إلّا لقاؤه». والسردُ التفصيليّ يقول غير ذلك: خرج خوفًا على نفسه من أهل دمشق أنفسهم، وطلب أن يُدلَّى من السور، فأبَوا عليه أوّلًا. فالخروجُ في الرسالة استجابةٌ لدعوةٍ ملكيّة لم يسَعْه ردُّها؛ وفي السرد هروبٌ سَحَريّ من فوق السور.
ثانيًا — وهي الكبرى: «واقتضيتُ منه الأمانَ لأهل دمشق». وهذه لا يسندها السردُ في شيء. فالأمانُ لأهل دمشق طلبه القضاةُ قبل نزوله، وحمله إليهم ابنُ مُفلح الحنبليّ. وأمّا الأمانُ الذي طلبه ابنُ خلدون فكان — بنصّ كلامه — لكُتّاب سلطان مصر وعمّاله. ثمّ إنّ دمشق نُهبت وأُحرقت وسال رصاصُ جامعها — وهو يصف ذلك بنفسه بعد سطور. فأيُّ أمانٍ هذا الذي «اقتضاه»، وأيُّ أهلِ دمشق نجوا به؟
ثالثًا: «وقابلني بخير… وودّعني على أحسن حال». وهو صحيحٌ في ظاهره؛ لكنّه يحذف: الوَجَل، والكلامَ المزوَّر، وإيماءةَ الخضوع، وتقبيلَ اليد، والبغلةَ المأخوذة، والطريقَ الذي عاد فيه عُريانًا.
والخلاصة: ابنُ خلدون يكتب الخبر في صيغتين — واحدةٍ للسلطان، وواحدةٍ للسجلّ. ويضع الصيغتين في الكتاب نفسه.
ماذا يعني هذا
ويمكن أن يُقرأ هذا إدانةً محضة: الرجلُ الذي عدّ «التقرّبَ إلى أصحاب الجاه بالمدح» سببًا من أسباب الكذب في الأخبار، يُمارسه في رسالته إلى سلطان.
وأراه — مع ذلك — أعظمَ درسٍ في الكتاب. لأنّه لم يُخفِ إحدى الروايتين. أثبت الرسالةَ والسردَ معًا، متجاورَين، لمن أراد أن يقابل. وربّما لم يشعر بالتناقض؛ وربّما شعر ولم يبالِ. لكنّ النتيجة واحدة: قدّم لنا، بيده، الوثيقةَ التي تُدينه، والوثيقةَ التي تُصحّحها.
وهذا هو ما يعنيه أن يكون المرءُ مؤرّخًا حقًّا: أن يترك خلفه ما يكفي لأن يُحاكَم به. وما فعلناه في هذه الصفحات لا نملك أن نفعله بأحدٍ من معاصريه — لأنّهم لم يتركوا لنا إلا روايةً واحدة.
ثامنًا: ما الذي يبقى؟
البربر: حيث لا غنى عنه
وبعد هذا كلّه، لا يجوز أن نُغلق «العِبَر» بوصفها فشلًا. ففي المجلّدين السادس والسابع كتابٌ آخر تمامًا.
هنالك يكتب ابن خلدون تاريخَ البربر: أنسابَهم وبطونَهم ومواطنَهم ودولَهم — زَناتة وصِنهاجة ومَصمودة، والمرابطين والموحّدين وبني حفص وبني مَرين وبني عبد الواد — ودخولَ بني هلال وسُليم إلى المغرب. ويكتبه من معرفةٍ مباشرة: من سفراتٍ إلى قبائلهم، ومن جبايةٍ منهم، ومن حلفٍ معهم، ومن سماعٍ من شيوخهم.
وهذه المجلّدات ليست منقولةً عن أحد، لأنّه لم يكن ثمّة أحدٌ يُنقَل عنه. هي المصدر. ومؤرّخو المغرب — إلى اليوم — لا يستطيعون كتابةَ سطرٍ في تاريخ البربر دون العودة إليها. فحيثما كانت «العِبَر» تلخيصًا، صارت مستغنًى عنها. وحيثما كانت شهادةً، صارت لا بديل لها.
ولاحظ أنّ هذا هو نفسه الموضعُ الذي كثُرت فيه «العصبية»، كما رأينا في الإحصاء. الشهادةُ والنظريّةُ ترتفعان معًا وتهبطان معًا. وهو أدقّ ما يمكن أن يُقال في هذا الكتاب.
وأشياءُ لا يقولها غيرُه
ثمّ في «العِبَر» موادُّ لا تكاد تجدها عند مؤرّخٍ مسلمٍ آخر، وتستحقّ الذكر:
تاريخُ الممالك النصرانيّة. يعقد فصلًا في «ملوك بني أدفونش من الجلالقة» — أي ملوك قشتالة — فيسوق أخبارهم وأنسابهم كما يسوق أخبار المسلمين. مؤرّخٌ مسلمٌ يؤرّخ لعدوّه بوصفه دولةً لها قوانينُ الدول، لا بوصفه كفرًا يُلعَن. وهذا وحده يستحقّ أن يُدرَّس.
ملوكُ السودان. ويعقد فصلًا في «ملوك السودان المجاورين للمغرب من وراء هؤلاء الملثَّمين» — أي ممالك غربِ إفريقية جنوبَ الصحراء. وهي من أقدم ما كُتب عنها بالعربية عن خبرٍ لا عن أسطورة.
أنسابُ الأمم عن التوراة. ويفتتح الكتاب الثاني بأنساب الأمم من ولد نوح — سام وحام ويافث — ناقلًا عن «الإسرائيليّين» وعن «أهروشيوش مؤرّخ الروم». وهو هنا ناقلٌ لا محقّق. لكنّه لا يسكت: يمرّ على أقوالٍ فيقول «وهي كلُّها مزاعمُ بعيدةٌ عن الصواب»، ويردّ ما يراه غلطًا بالنصّ. فالميزانُ يشتغل — متقطّعًا، على استحياء.
وامرأةٌ في السجلّ. ويروي، في سياق قيام دولة المماليك، أنّ زوجة الصالح أيوب — شجرةَ الدرّ — نُصِّبت للمُلك، «فكانت تحكم بين الجند، وتكتب على المراسيم، وركبت يومَ لقاء الفرنج تحت الصناجق، والجندُ محدِقون بها». يقيّدها في جملةٍ واحدة، بلا استنكارٍ ولا تعجّب — واقعةً من وقائع المُلك.
الحكم
فلنُصدر الحكم بلا تخفيفٍ ولا تشفٍّ:
«العِبَر» لا تفي بوعد «المقدمة». ابن خلدون لم يردّ خبرًا واحدًا مشهورًا لأنّه يخالف قوانين العمران — وقد فعل ذلك عشرَ مرّاتٍ في المقدّمة نفسها. ولم يبنِ سردَه على العصبيّة إلا في مواضعَ معدودة، أحصيناها بالعدّ. ولخّص قرونًا من ناقلٍ واحد بعلّةٍ لا تصمد أمام معاييره هو — ثمّ دافع عن ذلك الناقل في وجه تِمُر حين طُلب منه أن يُقارن المصادر.
وفي الوقت نفسه: هذا أوّلُ تاريخٍ في العالم رُتِّب على الأمم لا على السنين؛ وأوّلُ من رسم شجراتِ الأنساب مخطّطاتٍ بصريّة لتُدرَك دفعةً واحدة؛ وأوّلُ — وآخر — من دوّن تاريخَ البربر عن معرفة؛ وفيه — مرّةً على الأقلّ — عالِمٌ ينظر إلى وقائع عصره فيجد نظريّته ناقصةً فيُتمّها، حين اكتشف أنّ الدولة تُبعَث من داخلها، وأنّ العصبيّة تُصنَع بالشراء والتربية.
فالحكم إذن: ليست «العِبَر» تطبيقًا للمقدّمة، بل هي المادّةُ الخام التي وُلدت منها المقدّمة — والمَعمَلُ الذي كان يمكن أن تُنقَّح فيه، لو أنّ صاحبَها عاد إليها. جمع الرجلُ تاريخَ الدول فرأى فيه نمطًا يتكرّر، فكتب النمطَ في مقدّمةٍ للكتاب. لكنّه لم يعُد ليُعيد كتابةَ التاريخ على مقتضى النمط. والحقيقةُ التي يهرب منها كثيرٌ من محبّي ابن خلدون هي أنّ هذا العمل لم يقُم به أحد، لا هو ولا من بعده.
وخاتمةٌ لا يمكن أن تكون مصادفة
وأخيرًا، تأمّل كيف ينتهي هذا الكتاب.
تاريخُ العالم، من خلق آدم إلى دول عصره، في سبعة مجلّدات. فما آخر فصولها؟ «التعريف بابن خلدون مؤلّف هذا الكتاب» — سيرتُه الذاتية، اثنتان وأربعون ألف حرف، تُذيَّل بها الحوليّةُ الكونية. ثمّ تتوالى الفصول: رحلته إلى المشرق، وولايته القضاء، ولقاؤه تِمُر… حتى يكون آخرُ ما في تاريخ العالم فصلًا عنوانه: «ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر».
سبعةُ مجلّداتٍ في مصائر الأمم، تُختَم بسِجِلّ تعييناتِ رجلٍ في وظيفة.
ويمكن أن يُقرأ هذا غرورًا. وأراه أصدقَ من ذلك وأشدّ إيلامًا: الرجل الذي أثبت أنّ الدولَ تسقط بقوانين، والأنسابَ أوهام، والمجدَ لا يعبُر ثلاثة أجيال — ختم تاريخَ العالم بنفسه، لأنّه لم يبقَ له غيرها. لا وطنَ، ولا بيت، ولا سلطانَ يخدمه، ولا ولدَ يرثه. فألحق سيرتَه بالتاريخ لأنّها الشيءُ الوحيد الذي بقي في يده.
وإلى تلك السيرة — «التعريف»، وما بقي من مؤلّفاته — يمضي القسم التالي.