Part V · The Remaining Books
التعريف وشفاء السائل

سيرةٌ ذاتيةٌ بلا داخل، ورسالةٌ في التصوّف تُلغي السؤالَ بدلًا من أن تجيب عنه.

ما بقي

كتابان صغيران

بعد «العِبَر» بمجلّداتها السبعة، لم يبقَ من مؤلّفات ابن خلدون التي وصلتنا كاملةً إلا كتابان — وكلاهما صغير، وكلاهما يُعامَل معاملة الهامش، وكلاهما — كما سأحاول أن أُبيّن — لا يُفهم الرجلُ بدونهما:

«التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا»، نحو ثلاثمئة صفحة، وهو سيرتُه بقلمه.
«شفاء السائل في تهذيب المسائل»، نحو مئةٍ وأربعٍ وثلاثين صفحة، وهو رسالةٌ في التصوّف كتبها جوابًا عن سؤال.

ولنبدأ بملاحظةٍ عن أوّلهما، هي في الحقيقة نتيجةُ القسم السابق: «التعريف» ليس كتابًا مستقلًّا في الأصل. هو الفصل الأخير من «العِبَر». يبدأ في المجلّد السابع عند الصفحة ٥٠٢، ويمضي إلى آخر الكتاب. وإنّما أفردَه الناشرون المحدَثون لأنّ الناس أرادوا سيرته ولم يريدوا تاريخه.

التعريف: سيرةٌ أم مِلَفّ؟

ما الذي فيه، بالأرقام

افتح «التعريف» متوقّعًا اعترافات. لن تجدها. بل تجد ما يشبه مِلَفَّ خدمةٍ مُوثَّقًا:

النسب، ثم سلَفُه بالأندلس، ثم سلَفُه بإفريقية، ثم — وهذا أطولُ فصولِ الكتاب على الإطلاق، نحو ثلاثةٍ وثلاثين ألف حرف — «نشأته ومشيخته وحاله»: قائمةٌ بشيوخه، واحدًا واحدًا، بأسمائهم وكُناهم وأنسابهم ومَن أخذوا عنه وما أجازوه فيه. ثم تتوالى الفصول بعناوين وظيفيّة: «ولاية العلامة بتونس»، «الكتابة عن السلطان أبي سالم في السرّ والإنشاء»، «ولاية الحجابة ببجاية»، «الرحلة إلى المشرق وولاية القضاء بمصر»، «ولاية الدروس والخوانق»، وآخرها: «ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر».

ويتخلّل ذلك كلَّه وثائق: رسائلُ رسميّةٌ بنصّها، وقصائدُ مدحٍ بأكملها، ومراسلاتٌ بينه وبين ابن الخطيب في نثرٍ بديعيّ مسجوع يمتدّ صفحات. حتى ليكاد الكتاب أن يكون أرشيفًا ألحق به صاحبُه سردًا رابطًا.

وما ليس فيه

وليس فيه — ولو مرّةً واحدة — لحظةُ شكّ. ولا وصفُ خوفٍ إلا حين يكون الخوف واقعةً سياسيّة («فأصابنا من ذلك وَجَل» أمام تِمُر). ولا نُدِمَ على قرار. ولا حديثَ عن زوجته: لا اسمَها، ولا متى تزوّجها، ولا كلمةً واحدة عنها بوصفها إنسانًا. ولا وصفَ لبيتٍ أو طعامٍ أو صداقةٍ خارج المجالس. ولا اعتذارَ عن انقلابٍ من سلطانٍ إلى سلطان — وقد فعلها مرارًا.

وقد يُقال: هكذا كان أدبُ السيرة في زمانه، ولم يكن أحدٌ يكتب عن داخله. وهذا صحيحٌ جزئيًّا، لكنّه لا يُنجيه، لسببٍ بسيط: الغزاليُّ كتب «المنقذ من الضلال» قبله بثلاثة قرون، فوصف انهياره العصبيّ ولسانَه الذي جفّ عن التدريس وشكَّه الذي كاد يقتله. فالنموذج كان موجودًا. وابن خلدون لم يختره.

السفينة

ولا شيء يكشف طبيعة هذا الكتاب مثل موضعٍ واحد.

سنةَ ستٍّ وثمانين وسبعمئة، وابنُ خلدون في القاهرة قاضيًا، أرسل يستقدم أهله وولدَه من تونس. فمنعهم سلطانُ تونس، فتوسّط له سلطان مصر، فأُذن لهم. فركبوا البحر. وهذا نصُّ ما كتبه:

«فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلّا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندرية، فعصفت بهم الرياحُ وغرق المركبُ بمن فيه وما فيه، وذهب الموجودُ والمولود، فعظُم الأسف، واختلط الفكر — وأعفاني السلطانُ من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغتُ لشأني من الاشتغال بالعلم تدريسًا وتأليفًا».

امرأتُه وأولاده غرقوا في مرسى الإسكندرية. وهو يُخبر بذلك في جملةٍ واحدة، مسجوعة: «ذهب الموجودُ والمولود» — أي ضاع المالُ والأبناء، في تجنيسٍ لفظيّ بديع. ثم — بلا فاصلة — ينتقل إلى أثر الحادث على وظيفته: أُعفيتُ فاسترحت، وتفرّغت للعلم.

والخيول

ثم — وهذا هو الموضع الذي لا أعرف له نظيرًا — يعود إلى السفينة نفسها مرّةً ثانية، بعد صفحات، في سياقٍ آخر تمامًا.

كان قد أشار على سلطان تونس أن يُهدي سلطانَ مصر خيلًا عربيّةً أصيلة. فبُعثت خمسةُ جيادٍ منتقاة. يقول:

«وحملها في البحر في السفين الواصلِ بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في ذلك السفين. وكلُّ شيءٍ بقدر».

فاقرأ الجملة بعنايةٍ. أهلُه وولدُه صاروا هنا صفةً تُعرِّف السفينة — «السفين الواصل بأهلي وولدي» — أي تلك السفينة، لا سفينةً أخرى. والأسى مصروفٌ إلى الخيل: «ونفقت تلك الجياد».

وقفةٌ إنصاف

وهنا يجب أن أقف، لأنّ من السهل أن يُصنع من هذا كاريكاتيرٌ لرجلٍ بلا قلب، وليس ذلك صحيحًا.

ففي موضعٍ ثالث من الكتاب نفسه، وهو يصف تلك السنة، يقول: «ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد… فعظُم المصابُ والجزع، ورجَح الزهدُ، واعتزمتُ على الخروج عن المنصب» — أي أنّ الفاجعة كادت تُخرجه من الدنيا كلّها، ولم يمنعه إلا نصيحةُ من استشارهم خوفًا من غضب السلطان. فالرجل جزِع. والحُزن موجود.

فالمسألة ليست غياب الشعور. المسألةُ شكلُ الكتاب: أنّ الفاجعة تدخل السجلّ بوصفها واقعةً تُغيّر مسار الوظيفة، وتُقيَّد مرّتين، وفي إحداهما تأتي بعد الخيل. وهذه ليست قسوةَ قلب؛ هذه قسوةُ نوعٍ أدبيّ اختاره صاحبُه اختيارًا. أراد سِجِلًّا لا اعترافًا. فكتب سجلًّا. وحين مرّ عليه أفدحُ ما في حياته، قيّده بمِداد السجلّ.

وهذه — بالضبط — هي «برودة الصانع الذي فكّ الآلة بيده» التي وصفناها في القسم الأول. الرجل يعامل حياته كما يعامل الدول: مادّةً تُقيَّد. ولو أنّه رثى، لَما كان ابن خلدون.

ابن الخطيب: خيطٌ يصل مكتبتنا ببعضها

وفي «التعريف» حضورٌ كبيرٌ لرجلٍ سبق أن قرأنا كتابَه في هذه المكتبة: لسان الدين ابن الخطيب، وزيرُ غرناطة وصاحبُ «الإحاطة في أخبار غرناطة».

كانا صديقين. تراسلا نثرًا وشعرًا، وأثبت ابنُ خلدون رسائلَه في كتابه، وأنزله في غرناطة، وسعى له، وسعى به. ثم أُخِذ ابن الخطيب وسُجن بفاس وخُنق في محبسه سنة ٧٧٦هـ، وأُحرقت جثّتُه.

وابن خلدون يمرّ على ذلك مرورًا. فالرجل الذي كان بينه وبينه ما كان، يُقتل — ولا يتوقّف الكتاب. وليس هذا برودةً وحدها؛ هو أيضًا خوف: كان ابنُ خلدون يومئذٍ في بلاط بني مَرين الذي قتَله. وثمّة صمتٌ في «التعريف» أبلغُ من كلام.

ومن أراد أن يرى الوجه الآخر من هذه الصداقة، فليقرأ «الإحاطة» في هذه المكتبة نفسها. الكتابان يُضيء أحدُهما الآخر: أحدهما كتبه رجلٌ قُتل في محبسه، والآخر كتبه صديقُه الذي نجا.

الصفحتان اللتان تُنصفانه

القاهرة: الموضع الوحيد الذي يفقد فيه برودَه

وقبل أن نغادر «التعريف»، ينبغي أن نقف عند موضعين اثنين يُنقِذان الكتاب — وصاحبَه — من التهمة التي قد تُفهم ممّا تقدّم.

أوّلُهما دخولُه القاهرة سنةَ أربعٍ وثمانين، بعد أربعين ليلةً في البحر، آتيًا من المغرب في الخمسين من عمره. وهنا — ومرّةً واحدة في ثلاثمئة صفحة — ينكسر السجلّ وينفجر النثر:

«فرأيتُ حضرةَ الدنيا، وبستانَ العالم، ومَحشرَ الأمم، ومَدرَجَ الذرّ من البشر، وإيوانَ الإسلام، وكرسيَّ المُلك. تلوح القصورُ والأواوينُ في جوّه، وتزهر الخوانقُ والمدارسُ بآفاقه، وتضيء البدورُ والكواكبُ من علمائه… قد مَثَلَ بشاطئ بحر النيل — نهرِ الجنّة ومَدفعِ مياه السماء — يسقيهم النَّهَلَ والعَلَلَ سَيحُه، ويجني إليهم الثمراتِ والخيراتِ ثَجُّه».

رجلٌ لم يكتب سطرًا واحدًا في وصف زوجته، يكتب هذا في وصف مدينة. فليس عاجزًا عن الحبّ ولا عن البلاغة؛ هو يوجّههما إلى ما يراه جديرًا بهما. والقاهرة عنده ليست مكانًا، بل هي العمران في أعلى صورة بلغها — وقد أمضى عمره يكتب في العمران. فهذا، في لغته، إعلانُ عشق.

القضاء: محكمةٌ لا تُشترى

والموضع الثاني أهمّ، وهو الذي يقلب الصورة رأسًا على عقب.

ولّاه الظاهرُ برقوق قضاءَ المالكيّة بمصر. فوجد سوقًا للفتاوى: أربعةُ مذاهبَ ومفتون كثر، فصار الخصمُ يتنقّل بينهم حتى يجد فتوى تُرضيه. يصف ذلك بمرارةٍ بارعة:

«وقلمُ الفُتيا في هذا المصر طَلْقٌ، وعنانُها مُرسَل، يتجاذب كلُّ الخصوم منه رَسَنًا… يَرُمُّ به الفَلَجَ على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيُعطيه المفتي من ذلك مِلْءَ رضاه وكفاءَ أمنيته، متتبّعًا إيّاه في شِعاب الخلاف. فتتعارض الفتاوى وتتناقض… والإنصافُ متعذّر».

ثمّ يذكر صنفًا آخر: مُلتقِطون «سقطوا من المغرب، يُشعوذون بمفترقٍ من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخٍ مشهور، ولا يُعرَف لهم كتابٌ في فنّ».

وقف عند المعيار الذي يزنهم به: لا شيخَ لهم. وهو المعيارُ نفسه الذي أقام عليه نظريّة المَلَكة في «المقدمة»، والذي سيُقيم عليه — بعد قليل — جوابَه في «شفاء السائل». الرجل يستعمل نظريّتَه في المعرفة اختبارًا مهنيًّا في قاعة المحكمة. من لم يجلس إلى شيخٍ فليست له صنعة، ومن ليست له صنعة فلا يُفتي.

يقول: «فصدعتُ في ذلك بالحقّ، وكبحتُ أعِنّةَ أهل الهوى والجهل، ورددتُهم على أعقابهم».

ولماذا سقط

فماذا كانت العاقبة؟ يقولها بلا مواربة:

«فتوسّلوا لأولياء السلطان وعظماء الخاصّة، يُقبِّحون لهم إهمالَ جاهِهم، وردَّ شفاعتهم… ويُنفقون هذا الباطلَ بعظائمَ ينسبونها إليّ… فكثُر الشَّغَبُ عليّ من كلّ جانب، وأظلم الجوُّ بيني وبين أهل الدولة».

وقف عند الكلمة: جاهِهم. سقط ابنُ خلدون من القضاء لأنّه أهمل جاهَ أصحاب الجاه وردّ شفاعتهم.

وارجع الآن إلى الباب الخامس من «المقدمة»، ذلك الفصل الذي قرأناه في القسم الثالث: «الجاهُ مفيدٌ للمال»، و«السعادةُ والكسبُ إنّما يحصل لأهل الخضوع والتملّق»، و«الكاملُ في المعرفة محرومٌ من الحظّ».

ثمّ تأمّل ما فعله الرجل حين جلس على كرسيّ الحكم: لم يعمل بقانونه. رفض أن يُنفِّذ الجاه، فأُسقِط — بالضبط كما تنبّأ قانونُه أن يحدث لمن يفعل ذلك. عُزل خمس مرّات، وأُعيد خمس مرّات، ومات في الولاية الخامسة.

وهذا يُغيّر كلَّ شيء في قراءة الرجل. فقد كنّا رأيناه يتملّق تِمُر لينجو، ورأيناه يكتب أنّ التملّق طريقُ السعادة. فبقي سؤالٌ معلّق: أكان يصف الناس، أم يصف نفسه ويعتذر؟

والجواب هنا: لا هذا ولا ذاك. الرجل الذي انحنى لسيفٍ مسلولٍ على رقبته، لم ينحنِ لأميرٍ يطلب منه حكمًا في قضيّة. خضع حين كان الثمنُ حياتَه، وأبى حين كان الثمنُ منصبَه. وبين الاثنين مسافةُ رجلٍ لا قدّيسٍ ولا وغد.

وأمرٌ أخير في التوقيت لا ينبغي أن يفوت: خصومُه كانوا يُضيّقون عليه في تلك الأشهر بعينها التي غرقت فيها سفينةُ أهله. يقول: «فكثُر الشَّغَبُ عليّ من كلّ جانب، وأظلم الجوُّ بيني وبين أهل الدولة — ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد». فالفاجعتان وقعتا معًا: أن يُحاصَر في مهنته، وأن يفقد أهله في البحر. وفي تلك السنة نفسها كتب: «ورجَح الزهدُ، واعتزمتُ على الخروج عن المنصب». ولم يخرج.

وميراثٌ رفَضه

وثمّة موضعٌ ثالث يستحقّ سطرًا. حين كان بغرناطة، أرسله ابنُ الأحمر سفيرًا إلى بُطرُش ملك قشتالة — «الطاغية» في لغة الكتاب — بإشبيلية. وكان أهلُ ابن خلدون قد خرجوا من إشبيلية قبل قرن، وتركوا فيها دُورَهم.

فعرض عليه ملكُ قشتالة أن يُقيم عنده، «وأن يردّ عليّ تُراثَ سلفي بإشبيلية» — أي أن يُعيد إليه أملاكَ أجداده، وكانت بيد زعماء دولته.

«فتفادَيتُ من ذلك بما قَبِله» — أي اعتذر اعتذارًا قَبِله الملك. ثمّ عاد إلى غرناطة ببغلةٍ فارهةٍ بلجامٍ من ذهب، فأهداها إلى ابن الأحمر، فأقطعه قريةَ إلبيرة.

ولا يعلّق ابنُ خلدون بحرف. لكنّ الواقعة تتكلّم: عُرِضت عليه إشبيليةُ أجداده — بيتُ العائلة الذي ابتدأ به «التعريف» — فرفضها ومضى. ثمّ باع البغلة، في المعنى، بقريةٍ في مرج غرناطة. وهي المعاملة نفسها التي سيعقدها بعد أربعين سنة مع تِمُر: بغلةٌ تُدفَع، وحياةٌ تُشترى.

شفاء السائل: كيف تُبطِل سؤالًا

المناسبة

أمّا الكتاب الأخير فقصّتُه هذه: نشب في الأندلس نزاعٌ بين المتصوّفة والفقهاء حول مسألةٍ عمليّة، فكتب فيها أبو إسحاق الشاطبيّ — نعم، صاحبُ «الموافقات»، أعظمُ أصوليّي المغرب — من غرناطة إلى علماء فاس يستفتيهم. والسؤال:

هل يصحّ سلوكُ طريق الصوفية بغير شيخ؟ هل يكفي المريدَ أن يقرأ الكتب الموضوعة في ذلك — كـ«الإحياء» للغزاليّ — ويقتديَ بأقوال القوم، فيبلغ المعرفةَ الذوقيّة ويُرفَع عنه الحجاب؟ أم لا بدّ له من شيخٍ حيٍّ يأخذ عنه؟

وهذا سؤالٌ يبدو تقنيًّا ضيّقًا. وهو في الحقيقة سؤالٌ عن طبيعة المعرفة نفسها: هل تُنقَل بالنصّ أم بالمخالطة؟ وقارئُ القسم الثالث من عملنا هذا يعرف أنّ ابن خلدون أمضى بابًا كاملًا في الإجابة عنه — وإن كان قد أجاب عنه في الخياطة والنجارة والكتابة، لا في السلوك إلى الله.

الطريقة: لا تُجِب — بل هذِّب السؤال

وجواب ابن خلدون ليس «نعم» ولا «لا». وعنوان الكتاب يُفصح عن طريقته إفصاحًا تامًّا: «شفاء السائل في تهذيب المسائل» — أي أنّ شفاء السائل يكون بتنقيح سؤاله، لا بالإجابة عليه كما طرحه.

ويقول في آخر الرسالة إنّ ما فعله هو «الفصلُ بين المتناظرين» — القضاءُ بين المتخاصمين. وحُكمُه أنّ الفريقين تنازعا لأنّهما لم يميّزا بين أشياءَ مختلفة سمّياها باسمٍ واحد.

وهذه هي حركةُ عقله بعينها التي رأيناها في «المقدمة»: هناك قال إنّ المؤرّخين اختلفوا في الأخبار لأنّهم جهلوا طبائع العمران، فردّهم إلى تشريح الظاهرة قبل الحكم عليها. وهنا يقول إنّ الفقهاء والصوفية اختلفوا لأنّهم جهلوا أقسام المجاهدة، فيردّهم إلى تشريحها. الرجل لا يعرف إلا طريقةً واحدة في التفكير، ويستعملها في كلّ شيء.

التشريح: ثلاث مجاهدات

فيقسم «المجاهدة» — وهي جِماع الطريق الصوفيّ — ثلاثةَ أنواع، متفاوتةٍ يتقدّم بعضُها بعضًا:

الأولى: مجاهدة التقوى. وهي «الوقوف عند حدود الله»، والنزوع عن المخالفات. باعثُها النجاة من العقاب. وهي فرضُ كلّ مسلم، وهي — كما يقول — «المخصوصةُ باسم التصوّف» في أصل الاصطلاح.

الثانية: مجاهدة الاستقامة. وهي «تقويم النفس وحملُها على التوسّط في جميع أخلاقها، حتى تتهذّب بذلك وتتحقّق به، فتحسُن أخلاقُها وتصدر عنها أفعالُ الخير بسهولة، وتصير لها آدابُ القرآن والنبوّة بالرياضة والتهذيب خُلُقًا». باعثُها السعادةُ بعد الموت. وحكمُه فيها صريح: «والحقّ أنّ التصوّف… هو التخلّق بمجاهدة الاستقامة».

الثالثة: مجاهدة الكشف والاطّلاع. وهي «مَحوُ الصفات البشرية وتعطيلُ القوى البدنية بالرياضة والمجاهدة، حتى يحصل للروح ما سيقع بعد الموت» — أي طلبُ رفع الحجاب في هذه الحياة. وطريقها الخلوةُ في مكانٍ مظلم، والصمتُ المطبق، والجوعُ بمواصلة الصيام، والسهرُ بقيام الليل، حتى «يكون ميتَ البدن حيَّ الروح».

الجملةُ الحاسمة

وقد فرّق فرقًا دقيقًا: فما كان مطلوبًا في مجاهدة الاستقامة هو اعتدالُ هذه الأمور؛ وأمّا هنا «فيُطلب تركُها بالكلّية، وإخمادُ سائر القوى البشرية وإماتتُها حتى الفكر».

ثم يحكم:

«وأمّا المجاهدة الثالثة، وهي مجاهدة الكشف، فالذي نراه أنّها محظورةٌ حظرَ الكراهية أو تزيد».

ويحتجّ بآية «ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم» — أي أنّها رهبانيّةٌ مُبتدَعة. ثم يقول: «فلو اقتصر على الاستقامة، وأخّر المشاهدة إلى محلّها بوعد الصدق — وهو دارُ الجزاء — سلِم من هذه الأخطار المهلكة».

فالجواب إذن على سؤال الشاطبيّ، مُهذَّبًا:

أ. التقوى والاستقامة — وهما التصوّفُ الحقّ — يُنالان بالكتب والاقتداء، والشيخُ فيهما نافعٌ لا مُتعيّن.
ب. والكشف — الذي وقع النزاعُ عليه — لا يُنال بغير شيخٍ ألبتّة، «لا بدّ من الشيخ»، لأنّه دخولٌ في أخطارٍ مهلكة لا يهتدي فيها المرءُ وحده.
ج. ولكنّه، على كلّ حال، لا ينبغي أن يُطلَب أصلًا.

وبهذا يكون قد أجاب الفريقين معًا وخذلهما معًا. قال للفقهاء: نعم، يصحّ السلوك بالكتب — في التصوّف الذي يُعتدّ به. وقال للصوفية: نعم، لا بدّ من الشيخ — في الطريق الذي لا ينبغي لكم أن تسلكوه.

وهو نفسُه صاحبُ «المقدمة»

وليس في هذا انفصالٌ عن مشروعه، بل هو أنقى تجلّياته.

فقد قرّر في الباب الخامس من «المقدمة» أنّ الصنعة مَلَكة — هيئةٌ راسخةٌ في النفس تحصل بتكرار الفعل لا بمطالعة الكتاب — وأنّ «الصنائع لا تحصل إلا بالتعليم والمباشرة»، وأنّ «حصول المَلَكات عن المباشرة والتلقين أشدُّ استحكامًا».

وانظر الآن إلى عبارته في «الشفاء» عن مجاهدة الاستقامة: تصير آدابُ القرآن «خُلُقًا»، وتصدر أفعالُ الخير «بسهولة». هذا هو تعريفُ المَلَكة بلفظه ومعناه، منقولًا من ميدان الصنائع إلى ميدان السلوك. التصوّفُ عند ابن خلدون صنعة — والصنعةُ تُلتقَط من إنسانٍ حيّ.

ولذلك كان جوابه متّسقًا تمامًا: كلّما ارتفع الطلبُ درجةً، ازدادت الحاجةُ إلى المعلّم، حتى إذا بلغ الكشفَ صار الشيخُ ضرورةً لا يُستغنى عنها. وهي القاعدة نفسها التي بها قال: لا يتعلّم أحدٌ النحوَ من سيبويه وحده، ولا الطبَّ من الكتاب.

عِلمان لا علمٌ واحد

ويترتّب على القسمة الثلاثيّة تقسيمٌ ثانٍ في المعرفة نفسها، هو من أدقّ ما في الرسالة. يقول إنّ التصوّف انقسم علمَين:

عِلمُ المعاملة — وهو أحكامُ المجاهدات والرياضة وشروطها. وهذا علمٌ بالمعنى الكامل: يُدرَّس، ويُكتَب، وتُضبَط قواعده، ويُحاسَب صاحبُه عليها.

وعِلمُ المكاشفة — وهو ما يقع في الوجدان من الأحوال والمواجيد. وهذا لا يُدرَّس ولا يُكتَب، لأنّ متعلَّقه ذوقيٌّ لا يُدرَك إلا بالوجدان. ولذلك — وهذه هي النتيجة الخطيرة — لا يجوز لأحدٍ من خارج الطريق أن يحكم فيه، ولا لأحدٍ من داخله أن يحتجّ به على من هو خارجَه. فأحكامُ الشرع «إنّما تتعلّق بمداركهم بعد وُجدانها وذَوقها».

وهذه قسمةٌ ذكيّة تصنع الصلح: يُعطي الفقهاءَ سلطانَ العلم كلَّه، ويُعطي الصوفيةَ خصوصيّةَ تجربةٍ لا سلطانَ لها على أحد. ومن يتأمّلها يجدها الحدّ نفسه الذي رسمه في «إبطال الفلسفة»: العقلُ سلطانٌ فيما يشهد به الحسّ، ولا يقين له فيما وراءه — فلا تبنِ عليه دينًا، ولا تُخاصم به أحدًا.

وحدُّه الذي لا يتجاوزه

ويبقى أن نُسجّل موقفه من التصوّف الفلسفيّ. فهو في «الشفاء» — كما في «المقدمة» — يفرّق بين تصوّف الأخلاق والمعاملة (الجُنيد، والقُشيريّ، والغزاليّ — وهم عمدتُه، ويُكثر النقل عنهم؛ والقشيريّ وحده يتكرّر في الرسالة نحوَ ثلاثين مرّة) وبين تصوّف الحلول ووحدة الوجود، فيردّه ويشتدّ فيه، ويَعرِض للحلّاج بالإنكار.

وموقفُه هذا يستقيم مع كلّ ما عرفناه عنه: رجلٌ يقبل من المعرفة ما يُبنى بالممارسة وتشهد له التجربة، ويرفض ما يُدّعى فيه اتّصالٌ بالمطلق. وهو الموقف نفسه الذي أبطل به الفلسفة. الحلّاجُ عنده وابنُ سينا في كفّةٍ واحدة: كلاهما زعم أنّه بلغ ما لا يُبلَغ — هذا بالبرهان، وذاك بالذوق. والدعوى واحدة.

مقصدُ الكتاب، مقروءًا من عنوانه

ويحسُن أن نُغلق الرسالة بما فتحناها به: «شفاءُ السائل في تهذيب المسائل».

فليس الشفاءُ في الجواب؛ الشفاءُ في تهذيب السؤال. والداءُ الذي عالجه ليس جهلَ السائل بالحكم، بل خلطُه بين أشياءَ مختلفة سمّاها الناسُ باسمٍ واحد — فسمَّوا التقوى تصوّفًا، والاستقامةَ تصوّفًا، وطلبَ الكشف تصوّفًا؛ ثمّ تخاصموا في حكمٍ واحد لثلاثة أشياء.

وهذه — إن شئتَ اختصارَ ابن خلدون كلِّه في جملة — هي صنعتُه الوحيدة: أن يأخذ اسمًا جامعًا يتخاصم الناسُ تحته، فيفكّه إلى ما تحته من أشياء، فيسقط الخصام. فعل ذلك بـ«الخبر» فوَلَد علمُ العمران. وفعله بـ«الرزق» فوَلَدت نظريّةُ القيمة. وفعله بـ«العقل» فوَلَد مذهبُ المَلَكة. وفعله هنا بـ«التصوّف».

كتابٌ لا نملكه

اثنتا عشرة كرّاسة، بالمغوليّة

وينبغي أن يُذكر، في سياق الحديث عن مؤلّفاته، كتابٌ كتبه ولا نملكه.

فقد رأينا في القسم السابق أنّ تِمُر طلب منه أن يكتب له «بلادَ المغرب كلَّها: أقاصيَها وأدانيَها، وجبالَها وأنهارَها وقُراها وأمصارَها — حتى كأنّي أشاهده». وأنّ ابن خلدون كتبه في أيّامٍ قليلة، في نحو اثنتَي عشرة كرّاسة، ورفعه إليه، فأمر تِمُر بترجمته إلى المغوليّة.

فهذا مؤلَّفٌ لابن خلدون نعرف موضوعَه ومناسبتَه وقارئَه ومترجِمَه ولغتَه الثانية — ولا نملك منه حرفًا. ولا نعرف هل بقي في خزائن سمرقند، أم ضاع مع ما ضاع.

وهو، على كلّ حال، الكتابُ الذي يُلخّص مأزقَ صاحبه: أدقُّ ما كتبه عن وطنه، كتبه لمن قد يغزوه.

ملاحظةٌ على النصّ

تحفّظٌ واجب

ويلزمني أن أقول للقارئ ما هو أهون من إخفائه. النسخة الرقمية المتاحة من «شفاء السائل» رديئةُ التحويل الضوئيّ (OCR): تسقط منها حروفُ أوائل الكلمات كثيرًا، فيصير «قال» → «ال»، و«فلا» → «قلا»، وتضطرب أرقامُ الحواشي وأسماءُ الأعلام.

وقد اعتمدتُ في هذا القسم على ما كان المعنى فيه بيّنًا لا يحتمل غيرَه — وهي المواضعُ التي نقلتُها بين علامات الاقتباس أعلاه، وقد راجعتُ كلَّ واحدةٍ منها في سياقها مرّتين. لكنّ من أراد التحقيق فليرجع إلى الطبعة المحقَّقة المطبوعة، ولا يتّكل على هذا التلخيص وحده. وسائرُ ما في هذا العمل — «المقدمة» و«العِبَر» و«التعريف» — مأخوذٌ من نصوصٍ سليمةِ التحويل، لا يَرِد عليها هذا التحفّظ.

ونصيحةُ ابن خلدون نفسِه أَولى ما يُختَم به: لا تثق بالناقل. اعرض عليه ميزانك.

وهو نفسُه ابنُ عوائده

ضبطُ اسمٍ، وسطَ سيرة

ويبقى في «التعريف» موضعٌ واحد أَختِم به، لأنّه — في نظري — أصدقُ ما في الكتاب عن صاحبه، وإن لم يقصد.

في وسط سيرته، وفي فصل «ولاية الدروس والخوانق»، يتوقّف ابنُ خلدون عن الكلام عن نفسه فجأةً، ويُدرج بحثًا كاملًا في «الموطّأ»: منزلةُ مالكٍ في الحديث، ورواياتُ الكتاب وطرقُه، ولماذا اقتصر الناسُ على رواية يحيى بن يحيى، ثمّ أسانيدُه هو فيها.

ثمّ يفعل ما لا يُصدَّق. يذكر جدّ مالكٍ الأعلى، فيقف عند اسمه ليضبطه بالحركات:

«ابنُ جُثَيل — بجيمٍ مضمومة، وثاءٍ مثلّثة مفتوحة، وياءٍ تحتانيّة ساكنة — ويقال حُثَيل أو خُثَيل، بحاءٍ مضمومة مهملة أو معجمة عوضَ الجيم، ويقال حِسْل، بحاءٍ مهملةٍ مكسورة وسينٍ مهملةٍ ساكنة».

أربعُ قراءاتٍ لاسم رجلٍ مات قبل ألف سنة، مضبوطةٌ حرفًا حرفًا، في كتابٍ عنوانُه «التعريف بابن خلدون».

حيث تسكن الدقّة

وضَعْ هذا إلى جانب ما رأيناه:

غرقُ زوجته وأولاده: جملةٌ واحدة، مسجوعة. ومقتلُ ابن الخطيب — صديقِه ومُضيفه: بضعُ كلمات. وحريقُ جامع دمشق: سطران. أمّا اسمُ جدّ مالكٍ الأعلى: أربعُ روايات، بالحركات.

ومن السهل أن يُقال: هذه قسوةُ قلب. وليست كذلك. هذه خريطةُ ما تعلّم أن يعتبره جديرًا بالدقّة. فالثقافةُ التي رُبّي فيها صرفت طاقتها كلَّها على ضبط الإسناد وتحرير الرواية، ولم تُنشئ لغةً لدقّةٍ من نوعٍ آخر. فحين جاء الموتُ إلى بيته، لم يكن عنده ما يُقاس به.

وهذا هو معنى قوله في «المقدمة»: «الإنسانُ ابنُ عوائده لا ابنُ طبيعته».

وهي القاعدة التي استخرجها هو. ثمّ صار — من حيث لا يدري — أوضحَ برهانٍ عليها. الرجلُ الذي سخر من «كثرة التآليف» وقال إنّها «داءٌ لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه» — كان هو نفسُه ابنَ تلك العوائد، ولم يرتفع عنه الداء.

ولا ينقص هذا من قدره؛ بل يزيده. لأنّ الرجل الذي يستطيع أن يرى القفصَ من داخله، ويرسم قضبانه رسمًا محكمًا، ثمّ يبقى فيه — أصدقُ من الذي يزعم أنّه خرج.

الكتب الأربعة، رجلٌ واحد

خيطٌ واحد يشدّها

وإذا وُضعت مؤلّفاتُه إلى جانب بعضها — «المقدمة»، و«العِبَر»، و«التعريف»، و«الشفاء» — بان أنّها كتبٌ في موضوعاتٍ لا تجتمع، كتبها رجلٌ لا يملك إلا فكرةً واحدة:

أنّ الأشياء التي نحسبها ثابتةً — الدولة، والنسب، والثروة، والعقل، والولاية — كلُّها أشياءُ تُصنَع، فتُعرَف بشروط صناعتها، لا بما تدّعيه عن نفسها.

فالدولة تُصنَع بالعصبيّة فتهرم بالترف. والثروةُ تُصنَع بالعمل، فمن ناله بغير عملٍ فقد التقط عمل غيره. والعقلُ يُصنع بالصنائع، فلا يُدّعى له ما لا يقدر عليه. والولايةُ تُصنع بمجاهدةٍ لها شروطٌ ومراتب، فلا يزعمها من لم يستوفِها. وحياةُ الرجل نفسِها تُقيَّد كما تُقيَّد الدول: وقائعَ ومناصبَ ونكبات، بلا رثاء.

وهذا هو ابن خلدون. لم يكن مؤرّخًا صار عالمَ اجتماعٍ بالمصادفة. كان رجلًا لا يستطيع أن ينظر إلى شيءٍ إلا وهو يسأله: ممّ صُنعتَ، وكم تعيش؟ — ثم وجّه السؤال إلى الدول، وإلى المال، وإلى المعرفة، وإلى الله في قلوب العارفين، وإلى نفسه. ولم يستثنِ نفسه.

وقد مات بالقاهرة سنة ٨٠٨هـ، قاضيًا للمالكيّة للمرّة الخامسة، ودُفن في مقبرة الصوفية خارج باب النصر. ولا يُعرف قبرُه اليوم.