نشأة الخلافة وانتقال السيادة
في يوم الاثنين الثامن من حزيران (يونيو) سنة 632، وقد مالت الشمس شيئًا نحو المغرب — وكان ذلك بين الساعة الثانية والثالثة بعد الظهر تقريبًا — بدت في الساحة الكبرى أمام المسجد بالمدينة حركةٌ غير مألوفة. ورغم الحرّ الخانق كنتَ ترى جماعاتٍ جاثمةً في ظلّ جدران الطين أو إلى جانب النخلات المتفرّقة، وبينها ربض أعرابٌ سُمْرٌ أنصافُ عراةٍ مع جمالهم، والنساء والصبيان يروحون ويغدون. بدا كلُّ شيءٍ في انتظار ما هو آتٍ. أمّا أنّ الأمر ليس من الأحداث السارّة فقد عرفه المرء من الوجوه الجادّة ومن أدعية الخشوع، ولو لم يقطع كلَّ شكٍّ فيه صراخُ النساء الذي كان يتصاعد أحيانًا، نائحًا محتدمًا، من مجموعة الأكواخ الملاصقة للمسجد. وكانت هذه المجموعة من البيوت — إن جاز أن تُسمّى كذلك — شأنَ مسجد المدينة نفسِه، بناءً في غاية البساطة أُقيم من لبِن الطين والحجارة الخام، وبدا أنّه نشأ شيئًا فشيئًا بأن أُلحق بكوخٍ كوخٌ آخر ثمّ وُصل أحدهما بالآخر.1) وكانت الجدران بالكاد تزيد على قامة الرجل، والسقف من جريد
1) قارن: Sprenger, Das Leben und die Lehre des Mohammed, III, p. 17. v. Kremer, Culturgoschichte des Urients. . 1
2النخل يعلوه شوكٌ مكوَّم مثقَّلٌ بترابٍ مدكوكٍ وحجارةٍ ليصمد أمام هبّات الريح التي لا تندر في الشتاء. وأمام الباب الواطئ المُفضي إلى الساحة رواقٌ مسقوف صُنع من أغصان الشجر والحُصر، ويستدير عند الجدار مِسطبةٌ من ترابٍ فُرش بعضها بحُصر البردي. وكان رجالٌ يجلسون على هذه الدَّكّة البسيطة كأنّهم ينتظرون الخبر الذي سيخرج إليهم من داخل الدار. ولعلّ ساعةً انقضت على هذا الحال حتى انطلق من مِنصّةٍ أُقيمت على السطح المستوي إلى جانب الباب الأعظم للمسجد، مبنيّةٍ من جذوع النخل مطليّةٍ بالطين، صوتٌ رخيمٌ قويّ يرفع نداء صلاة العصر في نغماتٍ بسيطةٍ تكاد تكون شجيّة. كان ذلك بلالًا، مؤذّنَ محمّد.
نهض الجميع، وفي اللحظة نفسها خرج من باب دار السكنى رجلٌ لا بدّ أن يكون قد جاوز الستّين، وكانت أساريرُ وجهه الطويلة الحادّة تشهد على أصله العربيّ الكريم؛ كان أبيض البشرة، نحيل القامة، ناتئ ملامح الوجه، وقد خضب لحيته على عادة العرب بحمرةٍ فاتحة سترًا للشيب، وجبهته البارزة من تحت العمامة تدلّ على ذكاءٍ غير عاديّ، غير أنّ الرجل كلَّه بدا، في مجموع أثره في العين، شيخًا قبل أوانه: مِشيته متثاقلة وظهره منحنٍ.1) وكانت كسوته شَملةً بيضاء من صوف الضأن ألقاها على منكبه إلقاءً بديعًا كما تُلقى التوغا، فغطّت البدن وتركت اليدين طليقتين، ولبس تحتها قميصًا واسعًا من وبر الإبل ينزل إلى ما دون الركبتين.
1) أسد الغابة، III، ص 223؛ ابن قُتَيبة، ص 84؛ Sprenger, Das Leb. u. d. L. d. Moh., I, p. 409.
3كان ذلك أبا بكر، صِهر محمّد. حيّا القوم جميعًا بالتحيّة المعتادة: «السلام عليكم!» فردّوا عليه بالصيغة المعروفة كذلك: «وعليك سلام الله وبركاته!» ثمّ مضى على مهلٍ يحفّ به الحاضرون كلُّهم إلى باب المسجد الأعظم القريب، وقد اجتمع فيه خلقٌ كثير لأداء الصلاة المفروضة يؤمّهم أبو بكر خليفةً عن النبيّ.1) هذا هو الحدث الذي هزّ البلدة كلَّها، فإنّ النبيّ لم يتخلّف قطّ عن حضور الصلاة بنفسه رغم مرضٍ لازمه أيّامًا عدّة، بل إنّه ظهر للجماعة صباح ذلك اليوم نفسِه. أمّا الآن فلم يعد يقوى على ذلك. كان راقدًا في جوف مسكنه — وهو أكواخُ طينٍ عدّة بُنيت حول فناء — طريحَ مرضٍ شديد، وذلك في حجرة زوجه عائشة، وهي امرأةٌ لم تكد تبلغ الثامنة عشرة، متوقّدة، كانت بقوامها الممشوق وشعرها الأسود وعينيها المتّقدتين النافذتين، وبثيابها الغَنِجة: سراويلَ حمراء واسعة وقميصٍ رقيقٍ يجذب الأبصار أكثر ممّا يستر مفاتنها، تُعَدّ في مقاييس العرب جمالًا من الطبقة الأولى. كانت تُمسك رأس النبيّ في حِجرها، وهو مضطجعٌ على سريرٍ من جريد النخل، تسكّن روعه من هواجس الحمّى العنيفة وتروِّح عليه.
ها هنا كان يرقد الرجل الذي أنشأ في بضع سنين دينًا جديدًا، وفتح مكّة، وأخضع جزيرة العرب كلَّها لكلمته. كان يصارع عاجزًا حمّى تأكله، حمّى لم يعد بدنُه — وقد أنهكه فرطُ الاحتدام العصبيّ وشظف المطعم
1) شرح الموطّأ للزُّرقاني، I، ص 311.
4وسهرُ الليل ولذّاتُ الحريم بلا حدّ — يكاد يقوى على مقاومتها. ولعلّ صخب الثرثرة من النساء والخدم المقيمين في الفناء كان يذكّره أحيانًا بالعالم من حوله على غير ما يحبّ، لكنّ خواطره كانت تشرد سريعًا من جديد. وأخذت قواه تهبط شيئًا فشيئًا، وصار نفَسُه أعسر وأثقل؛ وكانت عائشة قد رقته لتوّها برُقيةٍ تراها بالغةَ النفع: «اللهمّ ربَّ الناس، أذهِبِ البأس، اشفِ وأنت الشافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا!» وهي في ذلك قابضةٌ على يده بشدّة؛ لكنّها أحسّت بها فجأةً تثقل وتثقل. أرخت عائشة يدها فسقط ذراعه بلا حراك. — مات النبيّ.
يعسر على المرء أن يصف الأثر الذي أحدثه هذا الحدث في أهل المدينة. فعمر، صِهر محمّد وصديقه وأوثق مشيريه، وكان في بيت الوفاة حين ارتفع نُواح النساء الذي كنّ يُعلنّ به موت ربّ البيت على العادة العربيّة القديمة، أبى أن يصدّق أنّ النبيّ يخضع هو أيضًا للناموس الذي يخضع له سائر الفانين، وتوعّد بالقتل كلَّ من يقول إنّ محمّدًا مات. وفي تلك الأثناء أقبل أبو بكر من المسجد القريب فأسرع إلى حجرة ابنته عائشة، وهناك انحنى — كما يروي شهود العيان — انحناءةً عميقة على الجسد الهامد حتى كادت جبهته تمسّ جبهة الميت؛ ثمّ انتصب وأثبت أنّ الروح قد فارقت.1)
على أنّ أكثر أهل المدينة كانوا على رأي عمر المتوقّد. لم يستطيعوا أن يستقرّوا على فكرةٍ مؤدّاها أنّ ذلك الرجل الفذّ، الذي بلغ من نفوسهم
1) أسد الغابة، III، ص 221.
5وقلوبهم سلطانًا لا حدّ له، وأتى من الأفعال ما هو جليلٌ يبدو مستحيلًا بغير عونٍ إلهيّ خاصّ، قد فارقهم الآن إلى الأبد. أمّا أهل الورع منهم، وقد ألِفوا أن يكونوا على اتّصالٍ لا ينقطع في الجملة بالله وبالسماء والنبيُّ فيه الوسيط المستعدّ في كلّ حين، فلعلّه بدا لهم أمرًا لا يُتصوَّر أن يفكّروا الآن لأنفسهم ويعملوا بأنفسهم، دون أن يستطيعوا في كلّ مُشكِلٍ أن يستنزلوا على لسان النبيّ وحيًا سماويًّا يجيء دائمًا على قدر الحال. كان لا بدّ لهم أن يشعروا الآن بأنّ الله قد تخلّى عنهم. وهذا الخاطر الدينيّ هو الذي غلب يومئذٍ في المدينة، مقرِّ أشدّ أتباع دين الإسلام الجديد حماسةً ومُجتمَعِهم.
وكانت قبيلتا الأوس والخزرج تؤلّفان هناك أهمّ قسمٍ من السكّان. هم مستوطنو المدينة القدماء، وهم الذين آووا محمّدًا إيواء الإخوة حين فرّ من مكّة، وجعلوا أمره أمرهم، وقاتلوا عنه في كلّ حربٍ ووقعةٍ ونزفوا دماءهم. وبموت محمّد بدا أنّ الرباط الذي وحّد بين هاتين القبيلتين حتى الآن رغم غيرتهما القديمة قد انقطع، وأوشكت خصوماتُهما المتقادمة أن تطلّ من جديدٍ بكلّ حدّتها. أمّا أكثر أولئك المكّيّين الذين لحقوا به عند هجرته من بلده، فصاروا بذلك رفقاءَ هجرته (مهاجرين)، وانضمّ إليهم شيئًا فشيئًا كثيرون غيرهم ممّن انتقلوا هم أيضًا من مكّة إلى المدينة، فإنّهم لم يشعروا إلّا الآن بأنّ موقفهم إزاء أهل المدينة القدماء المقيمين، ولا سيّما الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، قد صار حرجًا جدًّا؛ فقد كان محمّد قبلُ يسعى في المؤاخاة بين
6مهاجريه المكّيّين والمدنيّين، ويسكّن غيرتهم، ويسوّي ما يقع من احتكاك، ويُحسن حفظ الألفة بينهم. أمّا الآن فقد كان لا بدّ لهذا القسم من أهل المدينة أن يشعر بالخطر على أمنه شعورًا أشدّ، إذ انفصمت الحلقةُ المشتركة التي كانت تجمعهم.
فإذا كانت هذه الطبقات صاحبة الكلمة من السكّان — الأنصار والمكّيّون الوافدون، وهم المسمَّون المهاجرين — قد رأت بهذه الوفاة أعزَّ ما تملك في خطرٍ مفاجئ، فإنّ ذلك كان بلا ريب أشدّ وأعظم في الحلقة الأضيق، حلقةِ من كانوا البِطانة المباشرة للنبيّ، من أهل بيته وذوي داره، أو من ارتبطوا به وبأمره أوثقَ ارتباطٍ بأواصر الصداقة والولاء. فقد كان عليهم أن يدركوا في فزعٍ أنّ نفوذهم ومكانتهم في السلطان وما يتّصل بذلك من منافعَ ماديّةٍ ليست باليسيرة قطعًا، توشك أن تفلت من أيديهم دفعةً واحدة.
فغريزةُ حفظ الذات إذًا هي التي أرغمت — بلا شكّ — هذه الجماعةَ التي تتنازعها مساعٍ شتّى على أن تتعاون في أمرٍ واحد: أن تسدّ بأسرع ما يمكن الثُّلمة التي أحدثها موت النبيّ. على أنّ ذلك لم يجرِ من غير صراعٍ حزبيٍّ عنيف. فقد التفّ المهاجرون وسائر النازحين المكّيّين من فورهم حول أهل بيت النبيّ، وأكبرُ من فيهم سنًّا أبو بكر صِهرُ محمّد. وقد كان الناس منذ أيّام الجاهليّة العربيّة القديمة يُجلّون السنّ إجلالًا كبيرًا، فأكبرُ رجالِ أفضلِ بيوت القبيلة وأكرمِها يُعَدّ سيّدها ومُشيرَها وحَكَمَها. فتجمّع إذًا أكثرُ أهل بيت النبيّ وأتباعِه والنازحين المكّيّين حول أبي بكر. أمّا الحزب المقابل فتألّف من أهل المدينة القدماء المقيمين
7من قبيلتي الأوس والخزرج، وهم الذين خصّهم محمّد بلقب الأنصار. وقد اجتمع هؤلاء في مكانٍ آخر، في سقيفة بني ساعدة، حيث التفّوا حول سيّدهم وقائدهم سعد بن عُبادة، وكان يطلب لنفسه رئاسة المدينة. فلمّا قصد أبو بكر إلى هناك هو أيضًا ومعه أتباعه، احتدم الكلام حتى كاد يستحيل إلى أيدٍ تُرفع. فأصرّ الأنصار على أن يُختار أميرٌ منهم وأميرٌ آخر من قريش والمهاجرين؛ غير أنّ هؤلاء أبَوا أن يسمعوا بمثل هذا الشطر للسلطان. عند ذلك حسم عمرُ السريعُ المتوقّد مصيرَ اليوم، إذ أخذ يد أبي بكر وصفق عليها بيده، وتلك هي علامة اختيار الخليفة والبيعةِ له، وقد بقيت كذلك إلى أواخر الأزمان. وكان لفعل عمر أثرُ الشرارة، فجرّ معه أكثر الحاضرين، فاقتدوا به واختاروا أبا بكر خليفةً عن النبيّ.1)
ولم تجرِ البيعة العامّة من عموم السكّان إلّا في اليوم التالي.2) على أنّ عددًا غير قليلٍ من ذوي النفوذ، كعليّ صِهرِ محمّد، وسائرِ الهاشميّين، والزبيرِ بن العوّام، وخالدِ بن سعيد (بن العاص)، وسعدِ بن عُبادة سيّدِ الأنصار، تخلّفوا عن البيعة.3)
فتمّ بذلك أوّلُ فعلِ اختيار، وقامت به سابقةٌ بالغة الأهمّيّة لتاريخ الخلافة
1) عن اختيار أبي بكر قارن البخاري 3613، وعن غيرة الأنصار على قريش البخاري 1957، 2214 (7).
2) ابن إسحاق في ترجمة Wüstenfeld، II، ص 352.
3) أسد الغابة، III، ص 222. ورأى عليٌّ، بوصفه صِهر محمّد، أنّه أحقّ من غيره بأن يرث تركته، وشدّت زوجُه فاطمة من عزمه على هذا الرأي (البخاري: كتاب المغازي، غزوة خيبر). ويُراد بالهاشميّين أقربُ ذوي القربى من محمّد، فإنّ هاشمًا كان جدّ محمّد الأعلى.
8كلِّه من بعدُ، إذ أُقيم مبدأً من مبادئ الحقّ العامّ أن يكون الاختيار حرًّا تُجريه الجماعةُ المجتمعة، ويُثبِته تصديقُها ببيعةٍ عامّة. على أنّ القوم في ذلك الزمان كانوا أبعدَ ما يكونون عن التفكير في النظريّات وأصول الحقّ؛ ولم يقصد أحدٌ بذلك أن يضع قاعدةً ثابتةً للأزمان كلِّها. إنّما استسلم الناس ببساطة لهدي ما ورثوه عن القِدَم من تصوّراتٍ وعادات. فقد كانت قبائل العرب حتى قبل محمّد تصدر عن أصولٍ شبيهةٍ بهذه في اختيار سادتها وقادتها. لكن لمّا لم يكن في هذا الأمر شيءٌ ثابتٌ باقٍ، نشأت فيما بعد من تصادم فكرة اختيار الأمير بيد الشعب مع حقّ الوراثة ومبدأِ السنّ — وبه يُعَدّ أكبرُ أهل البيت الحاكم مدعوًّا إلى ولاية العهد — سلسلةٌ لا تنتهي من منازعات التوريث.
وكان أبو بكر، خليفةُ النبيّ ونائبُه في الرئاسة العليا للجماعة المحمّديّة، رجلًا بسيطًا على العادة العربيّة القديمة، ولم يتغيّر منه شيءٌ لمّا اختير خليفةً. سكن كما كان يسكن من قبلُ في قريةٍ صغيرةٍ تُسمّى السُّنْح، خارج المدينة، حيث كان يقيم مع زوجه حبيبة في خيمةٍ من شَعر الإبل، في بساطةٍ وزهادةٍ كشيخٍ من شيوخ البدو. عاش على هذا النحو سبعة أشهرٍ بعد اختياره؛ يقطع في الصباح الطريق إلى المدينة ماشيًا أو راكبًا، فيبلغها قبل انفجار الفجر ليؤمّ الناس في صلاة الصبح، ويعود مساءً على النحو نفسه.1) ثمّ انتقل بعد ذلك إلى المدينة، غير أنّ بيته ظلّ على زهادته تلك: لم يكن له إلّا مملوكٌ واحد، إذا فرغ من عمل البيت أخذ يَسنّ للمؤمنين نصال السيوف، فيَنفعهم صَيقلًا.
1) أسد الغابة، III، ص 219.
9ولم يكن الخليفة يأخذ عطاءً من مال الدولة، بل كان دخل الدولة نفسه في أوّل عهد ولايته صفرًا. فما إن شاع خبر موت محمّد حتى وقعت فتنةٌ عامّة، فارتدّ أكثر قبائل العرب، ونفضت الأقاليم النائية النِّير عن أعناقها، وتحرّك في مكّة نفسها حزبُ الجاهليّة القديم. لكن في هذا الموقف البالغ الخطر وحده تبيّن كم كان محمّد حكيمًا في تدبيره حين أغدق الهدايا إغداقًا على ذوي النفوذ من عشيرته، وعلى وجوه قريش الذين لم يُسلموا إلّا ليحفظوا أرواحهم، «فألّف قلوبهم» على حدّ التعبير القرآنيّ الرسميّ. والعربُ قومٌ نَهِمون إلى المال؛ فبإغنائه أصحابَ الكلمة من أهل مكّة أفهمهم أنجعَ إفهامٍ ما لهم من نفعٍ في أن يكون لهم ابنُ عمٍّ نبيّ. فكان أن غاضت الحركةُ المناوئة للإسلام في مكّة في الرمال. ولعلّ أبا قُحافة الشيخَ، والدَ الخليفة، وكان له في مكّة نفوذٌ كبيرٌ بلا شكّ، قد أسهم هو أيضًا إسهامًا غير قليلٍ في أن يبلغ سلطان ابنه الاعترافَ التامّ، وفي أن يُفهم أهلَ بلده المكّيّين ما لا بدّ أن ينشأ لهم من منافعَ من ذلك.1) وهكذا يُفهم كيف أخفقت الحركة في مكّة وبلغ سلطان الخليفة هنا أيضًا الاعترافَ التامَّ سريعًا. أمّا قبائل البدو في المنطقة المحيطة بمكّة والمدينة فكانت، شأنَ قبائل الحجاز كلِّها، فقيرةً معدِمةً أبدًا بسبب جدب الأرض، فكانت لذلك شديدة التبعيّة للمدينتين المقدّستين. ولم يكن إلّا القبائلُ الكبرى المقيمة المشتغلة بالزراعة في وسط جزيرة العرب، والقبائلُ الساكنة في الشريط الشرقيّ والجنوبيّ من شبه الجزيرة العربيّة
1) أسد الغابة، II، ص 222.
1. رُقية عائشة: يوردها كريمر (Zauberformel) ترجمةً ألمانيّةً مسجوعة من نظمه هو؛ والنصّ العربيّ المثبَت أعلاه هو الصيغة المرويّة المعروفة التي كان يترجم عنها، لا إعادةَ صياغةٍ منّي. وكذلك «السلام عليكم» و«عليك سلام الله وبركاته» و«المؤلَّفة قلوبهم» — استُعيدت الصيغ العربيّة التي ترجمها كريمر إلى الألمانيّة.
2. أرقام الحواشي في الأصل المصوَّر مشوّشة بأخطاء القراءة الآليّة: ترد علامة الحاشية الأولى في كلّ صفحة تارةً «1)» وتارةً «')» أو «ı)» أو «’)»، كما وردت الثانية في ص 7 «2?)». وقد أُثبتت الأرقام هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة (1، 2، 3).
3. «سقيفة بني ساعدة»: يكتب كريمر Sprechhalle der Banu Sä‘ida، أي «قاعة الكلام»، وهي ترجمته لِـ«السقيفة»، فأُعيد المصطلح إلى أصله.
4. عمر «صِهر محمّد»: كذا في الأصل، وهو صحيح بحفصة بنت عمر. وأُثبت وصف كريمر لأبي بكر بأنّه «Stellvertreter des Propheten» بـ«خليفة النبيّ / نائبه» على ما يقتضيه السياق.
5. أحكام كريمر في طباع العرب («قومٌ نَهِمون إلى المال»، ووصف عائشة، ووصف «لذّات الحريم») منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو، من مستشرقٍ نمساويٍّ من القرن التاسع عشر.
6. السطر «v. Kremer, Culturgoschichte des Urients. . 1» ليس من المتن، بل هو سطر توقيع الملزمة في أسفل الصفحة، وقد أُبقي كما هو مع خطأي القراءة الآليّة فيه (Culturgoschichte, Urients).
7. المراجع الأوروبيّة (Sprenger, Wüstenfeld) تُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.