كانت غنيّةً قويّة، فانتهزت هي أيضًا الفرصة لتتخلّص من أداء الزكاة (العُشر) الثقيلة التي سنّها محمّد، وكانت تعدّها مذلّةً لها. وأعلن المتنبّئان مسيلمةُ وطُليحةُ، على رأس القبائل الموالية لهما، خروجَهما على أبي بكر جهارًا. وحذا السكّان حذوهما في اليمن وحضرموت ومَهْرة وعُمان، وفي البحرين جزئيًّا كذلك، وطردوا في كلّ مكانٍ عمّالَ محمّدٍ على الصدقات ودعاتَه. غير أنّ مقاومة قبائلَ متفرّقةٍ لا يجمعها اتّفاقٌ ولا تعمل على خطّةٍ واحدة، في وجه إرادة أبي بكر الصلبة التي لا تتزعزع، كان لا بدّ أن تبوء بالفشل.
إنّ أعظم ما صنعه محمّد، وسِرَّ قوّة الإسلام، إنّما هو في ذلك الانضباط الراسخ وفي الطاعة المطلقة التي أحسن أن يبثّها في أصحابه. فالصلاة المشتركة التي تُؤدّى خمس مرّاتٍ في اليوم، حيث يقوم الإمام أمام الجماعة المصطفّة خلفه صفوفًا متلاصقة، وتُحاكي مئاتُ المؤمنين المجتمعين في المسجد كلَّ حركةٍ من حركاته بدقّةٍ عسكريّة — كانت تقوم يومئذٍ عند المسلمين مقامَ ما هو اليوم ميدان التدريب: مدرسةً يتعلّم فيها الشعب أن يجتمع، وأن يتحرّك جماهيرَ، وأن يمتثل الأمر. وكان أبو بكر أهلًا كلَّ الأهليّة لاستثمار هذه الميزة استثمارًا كاملًا. لقد كان منذ القدم متحمّسًا في دينه، مستعدًّا أن يبذل لقناعته الباطنة كلَّ تضحية.1) ويبدو أنّ صلابة الطبع هذه الموروثة فيه اشتدّت مع تقدّم السنّ حتى صارت عنادًا لا يلين. فمهما تكن الأحوال معاكسة والموقف يبدو يائسًا، كان يتمسّك بما رآه صوابًا. لكنّ الثبات في
1) قارن: Geschichte der herrschenden Ideen des Islams, p. 321, 457.
11الحياة السياسيّة، ولو على الخطأ، خيرٌ في كثيرٍ من الأحيان من التذبذب والتردّد في الحقّ.
وقد ضرب مثلًا على هذا العناد فور توليه الأمر. فقد كان محمّد قد أمر قبيل وفاته بغزوةٍ في أرض الروم، وحشد كتيبةً وجهّزها لتخرج نحو الشمال، وولّى عليها أسامةَ بنَ زيدٍ مولاه ومتبنّاه. فلمّا مات النبيّ أشار كثيرون، ومنهم عمر، بأن لا يُخرِج هذه القوّة، إذ قد يُحتاج إليها بسهولةٍ في وجه الأعداء من الداخل. لكنّ أبا بكر أبى أن ينقض أمرًا أمر به النبيّ. فخرجت البعثة، وكان مجموعها 3,000 رجلٍ منهم 1,000 فارس.1) ولم تكن الحملة سوى غزوةِ نهبٍ بسيطة، أفلحت تمام الفلاح: أرهبت قبائل البدو النازلة شمالي المدينة، وعادت بغنيمةٍ وافرةٍ من المواشي، ورفعت من همّة أهل المدينة بقدر ما زلزلت همّة القبائل الخارجة.
ولم يكن الخليفة أقلّ ثباتًا وجرأةً في تصدّيه لقبائل وسط الجزيرة. فقد أرسلوا يقولون له إنّهم يريدون البقاء على الإسلام، لكن بشرط أن يعفيهم من أداء الزكاة. فأجابهم الخليفة، غيرَ ملتفتٍ إلى خطورة الموقف يومئذٍ ولا إلى ما أشار به كثيرٌ من وجوه الرجال من اللين جُبنًا، بأحد أمرين: الاستسلامُ المطلق على غير شرط — أو الحربُ حتى الإفناء.2) وصدّق النجاحُ رأيَه تصديقًا تامًّا، حتى قال أحد أعلام ذلك الزمان (عبد الله بن مسعود)
1) الواقدي عند ابن عساكر، ورقة 47.
2) البلاذري، ص 94.
12قولته: كنّا بعد موت النبيّ في حالٍ لولا أنّ الله أعزّنا بأبي بكرٍ لأوشكنا على الهلاك. فقد آثر الجميعُ حقًّا أن يعقدوا صلحًا فاسدًا، ولم يبقَ على ثباته إلّا أبو بكر وحده.1)
وعلى قدر بساطة الخليفة في حياته الخاصّة كان مظهره العامّ أبويًّا، وحملت مؤسّساته في الدولة الطابع نفسه. فقد كان دخل الدولة في أعظمه من الخُمس الشرعيّ من غنائم الحرب، ثمّ من الزكاة (زكاة أو صدقة) الواجبة على كلّ مسلمٍ ذي يسار، ومن العُشر الواجب أداؤه عن الأرضين، أو بعبارةٍ أدقّ عمّا تُخرجه الأرض. أمّا في عهد محمّدٍ وأبي بكرٍ فلم يكن يُؤخَذ إلّا من الماشية.
ويغلب على الظنّ أنّ هذه الأموال كانت في أقدم العهود تَرِد عينًا في المقام الأوّل، أي إبلًا وخيلًا ومِعزى وتمرًا وحبوبًا ونحو ذلك.
واقترن بهذا النظام الماليّ البالغ البساطة نظامٌ فريد، بدأ العمل به في عهد أبي بكر ثمّ زاده عمرُ إحكامًا، وهو نظام قسمة دخل الدولة كلِّه — بعد حسم نفقات الحرب وتجهيز الجند — على جميع أفراد جماعة الدولة المحمّديّة. ولا يبدو هذا إلّا امتدادًا للاتّجاه الاشتراكيّ الذي سلكه محمّد نفسه. ولعلّ هذه القِسَم، التي سرعان ما صارت عطاءً سنويًّا مقرَّرًا، شملت في أوّل الأمر في المقام الأوّل
1) البخاري 923؛ حديثٌ عن أبي هريرة: قال أبو بكر: إن منعوني عَناقًا (أي عَنزًا لها سنتان) كانوا يؤدّونها (زكاةً) إلى النبيّ لأفتحنّ عليهم الحربَ لأجل هذا المنع. — ويرد بدل «عَناق» ضبطُ «عِقال»، قارن البلاذري ص 94؛ والأولى أرجح على كلّ حال.
13أهلَ المدينتين المقدّستين والقبائلَ المتحالفة معهما، ثمّ اتّسع هذا المبدأ بعد ذلك اتّساعًا عامًّا، ورفعه إلى مرتبة قانونِ دولةٍ خاصّةً الخليفةُ الثاني عمرُ الأوّل، وكان يقصد إلى الغايات نفسها بعينها، وإن كان تطبيقه لم يتمّ يومئذٍ على وجهه الكامل. وكان مقدار العطاء السنويّ في أوّل عهد أبي بكر ضئيلًا جدًّا، فإنّ الفتن في جزيرة العرب — وكلُّها إنّما قامت على الامتناع عن أداء الزكاة — قد قلّصت دخل الدولة. ففي السنة الأولى أصاب الرأسَ 10 دراهم، وفي الثانية 20 درهمًا، وكان الرجالُ والصبيان بل والمماليك يأخذون النصيبَ نفسه.1)
أمّا نفقاته هو فكان الخليفة ينفقها من غلّة ضيعةٍ صغيرة، فلمّا لم تكفِه اقترض من بيت المال 6,000 درهم، وأوصى أهله عند موته وصيّةً خاصّةً بردّها.
وكان بيت المال في الموضع المذكور آنفًا، السُّنْح، في أعلى المدينة، حيث سكن أبو بكر في بادئ الأمر. فلمّا انتقل إلى المدينة نقل المال معه إلى مسكنه الجديد. وبعد إخضاع القبائل الخارجة وردت أموالٌ معتبَرة، وكان أبو بكر يقسم المال جماعاتٍ على كلّ مئة رجل. واشترى كذلك إبلًا وخيلًا وعُدّةَ حربٍ وثيابًا قسمها على الفقراء. ولمّا مات وُجد بيت المال خاليًا. وقدّر وزّانٌ للذهب كان يستعين به جملةَ ما قيل إنّه ورد في مدّة ولايته بـ200,000 درهم.2)
ولم يقوَ الشيخ الممتحَن على احتمال همومِ منصبه الجديد وأنكادِه إلّا زمنًا قصيرًا — أزيدَ قليلًا من سنتين.
1) كلّه عن ابن سعد عند Sprenger: Das Leben und die Lehre des Mohammed, I, p. 409. 2) Sprenger, I, p. 110.
14أمّا اختيار خَلَفه عمرَ فجرى على وجهٍ أهدأ بكثير، فإنّ الخليفة المحتضر عيّنه بنفسه، واستوثق سلفًا من موافقة أصحاب الكلمة وأعظمِ الرجال نفوذًا من الأنصار والمهاجرين، حتى جرت البيعة العامّة والاختيارُ من غير اعتراض.1)
فلم تتعرّض الدولة بذلك لهزّةٍ جديدة، وجرى انتقال السلطة العليا بلا أدنى اعتراض. على أنّنا لا يجوز أن ننسى هنا أنّ مبدأ السنّ هو الذي رجّح الكفّة أيضًا، فقد كان عمر أكبر أهل بيت النبيّ سنًّا بعد أبي بكر، وكان في الوقت نفسه صِهرَه كما كان ذاك.
وظلّ الخليفة الثاني هو أيضًا وفيًّا للعادات الأبويّة وبساطةِ الأخلاق العربيّة القديمة. يروي شاهد عيانٍ ما يلي: «كنت مع عثمانَ في يومٍ شديد الحرّ من الصيف في ضيعةٍ له قرب المدينة، فرأينا على بعدٍ رجلًا مقبلًا يسوق أمامه فَصيلين من الإبل. وكان الحرّ من الشدّة بحيث غطّت الأرضَ قشرةٌ من الغبار. فعجبنا كلّ العجب أن يجرؤ أحدٌ على الخروج إلى العراء في مثل هذا الوهج. فلمّا دنا الرجل عرفنا فيه، ونحن مبهوتون، الخليفةَ عمر. فقام عثمان وأخرج رأسه من موضعه الظليل إلى الشمس، ثمّ سحبه سريعًا، فقد آذته السَّموم. فلمّا وصل عمر سأله عثمانُ: ما الذي يحملك على الخروج إلى العراء في هذا الحرّ المهول؟ فأجاب عمر أنّ الفصيلين من إبل الصدقة، وأنّه يريد أن يسوقهما بنفسه إلى الحِمى لئلّا يضلّا».2) — وفي
1) أسد الغابة، مادّة «عمر»، IV، ص 69. 2) أسد الغابة، IV، ص 71.
15سفر الحجّ من المدينة إلى مكّة ورجوعِه لم ينفق أكثر من 80 درهمًا،1) ومع ذلك كان يلوم نفسه على إفراطه في الأخذ من مال المسلمين.2) بل لم يكن معه خيمة، وإنّما كانوا يبسطون رداءً على شجيرةٍ أو شجرةٍ فيستريح الخليفة في الظلّ.
وسنعرف فيما بعدُ على وجه الدقّة نشاطَ هذا الرجل العجيب في السياسة والتنظيم. فهو المؤسّس الحقيقيّ لكلّ تلك النُّظُم التي رفعت الخلافة قرونًا طويلةً إلى مرتبة القوّة العالميّة الحاكمة. لكن لا بدّ لنا الآن أن نبحث هنا انتقال حقوق السيادة إلى خلفائه، إن أردنا أن نكوّن تصوّرًا صحيحًا لكيفيّة فهم فكرةِ الدولة في ذلك الزمان، ولكيفيّة انتقال حقوق السيادة، ولمقدار ما كان للشعب من أثرٍ في ذلك. ولعلّه قد اتّضح لكلّ أحدٍ ممّا سبق كم اختلف العرب في هذا أيضًا عن سائر شعوب آسيا، وكم كان حقّ الشعب في تقرير مصيره يسعى في العهود الأولى خاصّةً إلى فرض نفسه بقوّة، وكم كانت فكرة الملك الوراثيّ غريبةً عنهم كلَّ الغربة. لقد كانوا يختارون خلفاءهم كما كانوا من قبلُ يختارون سادة قبائلهم، ولم يتردّدوا قطّ في خلعهم عن منصبهم متى رأوا أنّ لهم إلى ذلك سببًا كافيًا.
وكان عمر قد أُصيب إصابةً قاتلة وهو في الصلاة بالمسجد على يد مملوكٍ فارسيٍّ أراد أن ينتقم من قاهر أمّته. غير أنّ
1) الدرهم يعادل في قيمته الفرنكَ تقريبًا. وكانت 10 دراهم في أوّل الأمر، ثمّ 12، ثمّ 15 فيما بعد، تعادل قطعةً ذهبيّةً واحدة، هي الدينار، وقيمة ذهبه أزيدُ قليلًا من 13 فرنكًا. وعلى هذه النسبة كانت قيمة الدرهم تتبدّل.
2) أسد الغابة، IV، ص 72.
16الموت لم يعاجله، فأمكنه وهو في تمام وعيه أن يعهد بوصاياه الأخيرة. فعيّن شورى تألّفت من أوجه أصحاب النبيّ، وهم: عليٌّ وعثمانُ والزبيرُ وطلحةُ وسعدٌ وعبد الرحمن بن عوف، وضمّ إليهم سابعًا ابنَه عبد الرحمن. غير أنّه نصّ صراحةً على أن لا يشارك هذا إلّا في المشاورة — والأرجح أنّه أراده مرجِّحًا عند تساوي الأصوات — دون أن يكون هو نفسه طالبًا للخلافة الشاغرة. ويتبيّن من هذا بوضوحٍ شديد كم كانت فكرة الملك الوراثيّ بعيدةً عن ذلك الزمان: فقد استثنى عمرُ ابنَه هو من الخلافة. ويبدو أنّ المهمّة الكبرى لهذه الشورى إنّما كانت الاتّفاق على شخص الخليفة الجديد. وقد أفصح عمر مع هذه الأوامر عن الأصول التي ينبغي أن تسير عليها السلطة العليا في الدولة من بعدُ. قال: «أوصي مَن يخلفني بأن يُكرم المهاجرين الأوّلين وأن يحفظ لهم مكانتهم؛ ثمّ أوصيه بالأنصار، الذين اختاروا المدينة والدين؛ فليعترف بفضلهم وليتجاوز عن مسيئهم. وأوصيه خاصّةً بأهل الأمصار، فإنّهم عماد الإسلام، وهم جُباة المال، وهم غيظُ العدوّ، فلا يُؤخذ منهم إلّا ما يسهل عليهم أداؤه ويبذلونه طائعين؛ ثمّ أوصيه بالأعراب، فإنّهم أصلُ العرب ومادّةُ الإسلام؛ فليُؤخذ من مواشيهم (الزكاةُ) بالعدل ولتُقسَم على فقرائهم؛ وأوصيه أخيرًا بالله ورسوله أن يفيَ بالعهود المعقودة مع الكفّار وفاءً دقيقًا، وأن يقاتل من لم يخضع بعدُ،
17وأن لا يكلّفهم فوق طاقتهم» (أي الشعوبَ المغلوبة؟).1)
وقد غلبت الفكرةُ العربيّة القديمة عن ضرورة وجود سيّدٍ للقبيلة على أثَرة أعضاء الشورى، وبعد سلسلةٍ من الصراعات الحزبيّة خرج عثمانُ صِهرُ محمّدٍ من الاختيار خليفةً، بفضل تنازلاتٍ متبادلة. ولا شكّ أنّ فكرة السنّ أسهمت في ذلك إسهامًا كبيرًا، ولا سيّما في حمل عليٍّ الطموح على اللين، وهو الذي كان يستطيع لولا ذلك أن يطالب بالأمر مطالبةً مطلقةً وبحقٍّ، بوصفه أقربَ ذوي قربى النبيّ. فتنحّى أمام عثمانَ الأكبرِ منه سنًّا بكثير. لكن جاء معه إلى السلطان حزبٌ لم يكن قد استطاع حتى ذلك الحين أن يخوض في شؤون الدولة، وهو عشيرة بيوت الأشراف المكّيّين القدماء، الذين لم يبايعوا النبيّ ولم يدخلوا في الإسلام إلّا في آخر لحظة.
أمّا صحابة محمّدٍ القدماء، وأهلُ المدينة كلُّهم ممّن هم تحت نفوذهم، فلم يشعروا بذلك بالإهانة وحدها، بل خشوا أيضًا أن يفقدوا مكانتهم في السلطان فقدانًا تامًّا. وارتكب عثمانُ أيضًا أخطاءً أخرى، فتصاعد السخط حتى أفضت مؤامرةٌ رعاها الأنصار إلى ثورةٍ وإلى قتل الخليفة الشيخ. فاختير عليٌّ حينئذٍ، فبلغ أخيرًا غاية طموحه. لكنّ أصحابَ الكلمة من الأنصار أنفسِهم، ولا سيّما جميعَ أعضاء الشورى التي عيّنها عمر، وكان عددٌ منهم يطلب الخلافة لنفسه، خابت آمالهم بذلك؛ فأثارت غيرةُ أشراف مكّة من هيمنة الأنصار والمهاجرين — أو بعبارةٍ أوجز: منافسةُ مكّةَ، مقرِّ أفكار الجاهليّة القديمة،
18للمدينةِ المتزمّتة التي رفعها محمّد إلى مرتبة عاصمة دولة الخلافة بعد أن كانت قبلُ بليدةً ريفيّةً لا شأن لها — انتفاضاتٍ بُعيد اختيار عليٍّ، أفضت إلى حربٍ أهليّةٍ داميةٍ دامت سنين طوالًا.
وقد نودي بعليٍّ خليفةً من جمهور الناس عقب مقتل عثمانَ مباشرة. ويُقال إنّه امتنع في أوّل الأمر واحتجّ بأنّ حقّ اختيار الخليفة إنّما هو لقدماء المسلمين الذين شهدوا وقعة بدر قبل كلّ أحد، وأنّه لا يُعَدّ مختارًا على وجهٍ شرعيٍّ إلّا من اختاروه هم؛ غير أنّ الجميع ألحّوا عليه أن يبسط يده ليتلقّى الصفقة التي هي علامة الاختيار والبيعة. وأمام هذا الإلحاح العامّ لم يستطع المنافسون أنفسُهم، ولا سيّما طلحةُ والزبير، أن يقاوموا؛ فلمّا قصد عليٌّ المسجد ليخطب في الناس من المنبر خطبةَ التولية، كما كان لا بدّ للخليفة الجديد أن يفعل، بايعا هما أيضًا، ثمّ بايع سائر الأنصار.1) غير أنّ الرجلين المذكورين أوّلًا أسرعا إلى مغادرة المدينة في أقرب وقتٍ ممكن، فالتقيا في مكّة بغيرهما من الساخطين — وفي مقدّمتهم عائشةُ أرملةُ محمّدٍ الشديدةُ العداوة لعليّ — وأثاروا على الأمير الجديد، الذي اتّهموه بالمشاركة في قتل عثمان، حركةً صارت بالغة الخطر لانضمام معاوية والي الشام إليها، إذ خلع طاعة الحكومة في المدينة بدعوى الأخذ بثأر عثمان، وأعلن اختيارَ عليٍّ باطلًا.
وفي الحرب الدامية التي أعقبت ذلك ظلّت الغلبة لمعاوية، إذ سقط عليٌّ على يد مغتال
1) حديث الزهري: أسد الغابة، IV، ص 31، 32.
19صريعًا، أمّا ابنه الحسن — وقد اختاره أتباعه خليفةً — فتنازل ضعيفًا خائرًا عن العرش والسلطان ونقل السيادة إلى معاوية، فعاد أمر الخلافة إلى يدٍ واحدة؛ غير أنّ مقرّها وعاصمتها لم يعودا المدينة بل دمشق. وبهذا تنتهي الخلافة الأبويّة بمعناها الحقيقيّ، ويبدأ العصر الثاني، وفيه ينتزع أشراف مكّة السلطةَ العليا ويحكمون المملكة الواسعة كما كان شيخٌ عربيٌّ قديمٌ لقبيلةٍ قويّةٍ يَنهض بمثل هذه المهمّة. ومع سقوط الدولة الأمويّة وانتقال قيادة الدولة العليا من دمشق إلى بغداد ينتهي العصر العربيّ الخالص من الخلافة، ويحلّ محلَّه العصرُ الأخير: عصرُ النفوذ الأجنبيّ المتنامي، وهو فارسيٌّ في المقام الأوّل، وينتهي بإسقاط المغول للخلافة.
ولمّا كنّا قد أطنبنا هنا في وصف نشأة السيادة وانتقالها عند العرب، رأينا أنّ علينا أن نقول كلماتٍ في تسويغ صنيعنا. فليس من مؤسّسةٍ أعظمُ شأنًا في تطوّر البشريّة وتقدّم الحضارة من مؤسّسة السيادة: أي سلطةِ الدولة متجسّدةً في شخص مدبِّرها الأعلى.
وعند العرب يتبيّن على أوضح ما يكون كم ترتبط فكرة السيادة في تصوّر الشرق ارتباطًا وثيقًا لا انفصام له بفكرة أرفع المراتب الدينيّة، أي مرتبةِ رئاسة الكهانة. فقد كان الرأي السائد عمومًا منذ القِدَم أنّ الملك ليس ذا طابعٍ دنيويٍّ فحسب، بل ذو طابعٍ دينيٍّ في جوهره. فعند الرومان واليونان كان على الملك أن يؤدّي أعمالًا كهنوتيّة. بل حتى حيث حرست كهانةٌ قويّةٌ متطوّرةٌ حقوقَها في غيرة، كان
2*
20الملك ينال إقرارًا أعلى إمّا باعتراف خاصٍّ من طبقة الكهنة، كما في الهند، أو بالتكريس الكهنوتيّ والمسح بالزيت المقدّس، كما في إسرائيل ومصر.
وكذلك حملت مرتبةُ الخلافة، في مبتدئها على الأقلّ، طابعًا دينيًّا أكثر منه دنيويًّا بكثير. فاللقب الذي تسمّى به الخليفة الأوّل كان «خليفة رسول الله». وكانت الدولة والدين، بمقتضى الروح الساميّة الخالصة عند العرب، مفهومين متطابقين، حتى إنّهم لم يستطيعوا أن يتصوّروا أميرًا لا يتقلّد أرفعَ سلطانٍ كهنوتيّ. ولهذا سمّى خلفاءُ محمّدٍ الأوّلون أنفسهم خلفاءَ، ثمّ شاع فيما بعدُ اللقب الذي يعبّر هو أيضًا عن المعنى الدينيّ: «أمير المؤمنين».
على أنّ من الدالّ على كلّ حالٍ أنّ العرب، للتعبير عن مفهوم «صاحب السيادة» أو «رئيس الدولة»، يستعملون الكلمة نفسها (إمام) التي وُضعت أصلًا لتسمية من يؤمّ الناس في العبادة العامّة في المسجد.
هكذا نشأت السيادة، أي مرتبة الحكم — وكانت من قبلُ غريبةً كلَّ الغربة عن قبائل شمال الجزيرة — من الفكرة الدينيّة، وبدت الدولة العربيّة طبعةً مجدَّدةً من حكم الله العبرانيّ القديم. والحقّ أنّه يكاد لا يُتصوّر كيف كان يمكن للسيادة الشخصيّة، أي للمبدأ الملكيّ، أن تنشأ وترسخ على وجهٍ آخر عند شعبٍ بالغِ الاضطراب نافرٍ من كلّ حكم. فالضرورة الداخليّة هي التي جعلت من التحالف الرخو بين قبائل شمال الجزيرة هيئةً منغلقةً على الخارج انغلاقًا حادًّا، منضبطةً في الداخل انضباطًا صارمًا. وكانت القمّة الملكيّة في هذا أمرًا يمليه حفظُ الذات على دولة الإسلام الناشئة حديثًا وهي في صراعٍ مع الشعوب المجاورة كلِّها. غير أنّ ممّا يستحقّ الانتباه الشديد أنّ أولئك المفكّرين العرب
21الذين بحثوا في نشأة الملك بحثًا فلسفيًّا يصفونه جميعًا بأنّه مؤسّسةٌ لا غنى عنها البتّة لحفظ النظام في الاجتماع. فالملك في رأيهم شرطٌ سابقٌ لا تقوم الحضارة بدونه، وهم لا يتحرّجون — وهم على حقٍّ تامٍّ في ذلك — من التصريح بأنّ مُلكًا جائرًا غاشمًا خيرٌ من حرّيّةٍ لا زمام لها؛ فإنّ «مُلكًا جائرًا أربعين سنةً خيرٌ من ساعةٍ من الفوضى».1)
وضلالةٌ واحدةٌ حرمت العربَ كلَّ منافع تصوّرهم الملكيّ الراسخ هذا. فقد عجزوا عن التوفيق بين حقّ الشعب في تقرير مصيره وبين الملكيّة، وتمسّكوا بحقّ اختيارٍ عامٍّ لا ينظّمه شيء. فوقفوا لذلك عند مملكةٍ اختياريّة، سرعان ما أظهرت هنا، كما في كلّ مكان، أشدَّ آثارها فسادًا.
1) الطُّرطوشي: سراج الملوك، ورقة 50.
22كلّما بدت الأحوال السياسيّة في تلك الأزمان أشدَّ بدائيّةً بحسب ما وصفناه آنفًا، كان أوجبَ أن ننبّه من الآن إلى أنّه من الخطأ الشديد أن نحكم بالمقياس نفسه على درجة الحضارة عند سكّان المدينتين الشماليّتين اللتين كانت لهما الكلمة. فقد كانت مكّة منذ عهدٍ موغلٍ في القِدَم مقرَّ حَرَمٍ مشتركٍ لقبائل شمال الجزيرة، تلتقي فيه عند البيت الحرام في حجٍّ سنويّ. وقد اكتسبت أُسَرٌ مكّيّةٌ بعينها، بما لها من امتيازاتٍ متوارثةٍ متّصلةٍ بخدمة البيت ومناسك الحجّ، لا الجاهَ وحده بل الثروةَ أيضًا، فنشأ شيئًا فشيئًا ما يشبه نظامَ الأشراف، وأقام مجتمعًا سياسيًّا ثابتًا، وأعطى هذه المدينةَ رجحانًا سياسيًّا كبيرًا على القبائل المجاورة. وكان طريقٌ من طرق التجارة الكبرى يصعد من جنوب الجزيرة مارًّا بمكّة والمدينة إلى الشام ومصر. والتجارة نهرٌ يحمل الذهب، وحيث تدافعت أمواجُه تخلّف من هذا المعدن النفيس رواسبُ متفاوتةُ الغزارة، إذا أُحسن استثمارها بعمل الناس وهمّتهم أثمرت سريعًا عشرةَ أضعافٍ ومئةَ ضعف. وهذا ما أحسنه أهل مكّة، وهم قومٌ حريصون على الكسب دأبون،
23إحسانًا تامًّا. فاجتماع خلقٍ كثيرٍ في مقامٍ ثابت، ووجودُ نظامٍ للجماعة ولو كان بسيطًا، كان يوفّر دائمًا نعمةً لا تُقدَّر في تلك الأزمان: أمنَ النفوس والأموال. وكان سادةُ أوجه الأسر النازلة بمكّة يضمنون ذلك جميعًا. ويُروى أنّ شيوخ المدينة عقدوا حِلفًا مشهودًا — بسبب مظلمةٍ نزلت بتاجرٍ من جنوب الجزيرة قدِم مكّة — على أن ينصروا كلّ مظلومٍ ويحموه. ومن حين قام هذا الحلف صار الغريب أيضًا يتمتّع في أرض مكّة بأمنٍ تامٍّ على نفسه وماله. وليس من العسير أن يقدّر المرء شأن إجراءٍ كهذا في زمانٍ وبلدٍ لم يكن فيهما حقٌّ نافذٌ سوى حقّ الأقوى، وكان نهبُ القوافل يُعَدّ فيهما كسبًا مشرّفًا.
وكانت دارٌ للندوة قائمةً إلى جانب البيت مباشرةً تُتَّخَذ قبل محمّدٍ بزمنٍ طويل مَجمَعًا لرؤوس المدينة؛ فيها كان يُستقبَل الضيوف الغرباء والرسل والحلفاء ويُقرى لهم على نفقة العامّة، ومنها كانت قوافل التجارة تخرج إلى السفر، وعندها كانت تحطّ إذا رجعت من الغربة إلى بلدها. وفي هذه الدار كانت تُعقَد الأنكحة وتجري أهمّ أعمال الحياة العامّة والمدنيّة. وفيها كان يجري التشاور في شؤون المدينة، وهي مجالسُ شعبيّةٌ حقيقيّةٌ على معنى دساتير المدن القديمة، يشترك فيها كلُّ أفراد بيوت الأشراف متى بلغوا سنًّا معلومة.1) هكذا كانت مكّة يومئذٍ تعرض صورة جمهوريّةٍ تجاريّةٍ صغيرة،
1) Caussin de Perceval: Essai sur l'histoire des Arabes, I, p. 237.
24على رأسها عددٌ من البيوت الكريمة تزيد جاهها وثروتها، إلى جانب تجارتها، وخاصّةً باستثمار خدمة البيت والحجّ استثمارًا عمليًّا. وكانت المناصب الشرفيّة المقسومة على عدّةٍ من أبرز الأسر مختلفةَ الأنواع؛ وأرفعها مرتبةً الحجابة، وصاحبها يشرف على البناء كلّه، وإليه أيضًا سحبُ الأزلام إذا استُقسم بها في البيت على العادة العربيّة القديمة؛ واقترنت بها الرِّفادة، وعلى صاحبها إطعام الحاجّ، وكذلك كانت السقاية منصبًا شرفيًّا آخر لسقيهم؛ وتعلّقت بذلك امتيازاتٌ أخرى ذاتُ طابعٍ نُسُكيّ، منها مثلًا حقّ إعارة الثياب للحاجّ، إذ كان عليهم على العادة العربيّة القديمة أن يتجرّدوا من ثيابهم كلّها في الطواف بالكعبة سبعًا، وهو امتيازٌ لقريشٍ وحدها،1) ثمّ الإجازةُ، أي الإفاضةُ بموكب الحجيج من عرفات إلى مِنى وقيادتُه، وما إلى ذلك.
ولا بدّ أنّ التجارة التي كانت مكّة تتعاطاها بوصفها محطّةً بين الشام وجنوب الجزيرة، وما كانت تتوسّط فيه من تبادل السلع، كانت عظيمة الشأن، وهي تسوّغ لنا على كلّ حالٍ أن نفترض أنّ رخاءً معتبَرًا قد نشأ فيها. وكان أهل البلد جميعًا يشاركون في هذه التجارة، يسهم كلٌّ فيها بشيءٍ من مالٍ أو سلعة. فكان يُجلَب من الشام الأقمشة والمنسوجات الشاميّة من الصوف والحرير من معامل صور ودمشق. وقد بقيت هذه الصناعة الأهليّة القديمة إلى اليوم في بعض نواحي الشام، ولا تزال تُصنَع هناك أقمشةُ الصوف الأرجوانيّة البديعة والدِّمَقس الثقيل، بالنقوش العتيقة نفسِها
1) قارن: Culturgeschichtl. Streifzüge auf d. Gebiete des Islams, p. VIII.
25التي كانت أيّام كان الفينيقيّون يمدّون العالم القديم كلَّه بهذه الكماليّات من صيدا وصور. وكانت هذه السلع تجد في جزيرة العرب، وخاصّةً في اليمن الغنيّة، رواجًا حسنًا. أمّا الذي كان يُصدَّر من جزيرة العرب إلى الشمال فالزبيب والتمر بل والمعادن النفيسة، ثمّ منتجات اليمن الثمينة التي كانت موضعَ تقديرٍ بالغٍ في العالم القديم كلِّه: اللبان والمُرّ والأبازير وعود الألوّة والصندل والقرفة والسليخة ونحوها، ثمّ — على الأرجح — بعض ما كان يُفرَغ في مرافئ جنوب الجزيرة من بضائعَ هنديّةٍ أو إفريقيّة. وكان الجلد من أهمّ صادرات اليمن، وقد أحسنوا هناك دباغته على وجهٍ ممتاز. ولنكوّن فكرةً عن القيمة النقديّة التي تمثّلها قافلةٌ كبيرة — وكان يمضي منها في السنة عدّةٌ بين مكّة والشمال — تكفينا الإشارة إلى أنّ قافلةً خرجت في شباط (فبراير) سنة 624م من غزّة بالشام إلى مكّة كانت قيمتها 50,000 مثقال، أي نصفَ مليون فرنك.1)
على أنّ الربح في تجارةٍ برّيّةٍ بمثل هذه البدائيّة يبلغ عادةً 50 إلى 100 في المئة. بل إنّ نسبة الربح المعتادة التي تُباع بها السلعة في تجارة القاهرة مع الخرطوم تُقدَّر إلى اليوم بمئةٍ في المئة. فلو افترضنا أنّ صافي ربح المكّيّين لم يبلغ إلّا 50 في المئة، لكانوا قد حقّقوا بهذه الرسالة الواحدة ربحًا صافيًا قدره 25,000 مثقال، أي 250,000 فرنك. وعلى هذا النحو استغنت مكّة، حتى إنّ محمّدًا لمّا أسر في وقعة بدرٍ عددًا من وجوه المكّيّين لم يتردّد أهل بلدهم في فداء كلّ واحدٍ منهم بـ4,000 درهم (4,000 فرنك)، وهو مبلغٌ يعادل تقريبًا، لارتفاع قيمة المعادن النفيسة يومئذٍ،
1) Sprenger: D. Leben u. d. L. d. Moh., XII, p. 96؛ الواقدي 198. والمقصود هنا مثاقيلُ ذهبٍ يساوي المثقال منها نحو 10 دراهم.
26ضِعفَ ذلك المقدار بحسب نِسَب القيمة عندنا اليوم.1)
ولمّا دخل محمّدٌ أخيرًا، في مساء مسيرته، بلدَه ظافرًا — وهو البلد الذي قاتله طويلًا في حَنَقٍ — أخذ بلينٍ فاجأ خصومَه أنفسَهم وأسخط أتباعه سخطًا شديدًا. لكنّه كان يعنيه أن يستميل قلوب بني عمومته بأسرع ما يمكن، والوسيلة إلى ذلك من النوع الذي يفعل فعله دائمًا عند العرب، بل عند أكثر الناس: أذاقهم أوّلًا تمام قوّته عليهم، ثمّ استمالهم بالإحسان. وقلّما يخطئ هذا طريقه إلى الغاية. وعند ذلك دخل المكّيّون في الإسلام بيسرٍ ومن غير امتناعٍ يُذكَر، فقد أعطاهم أكثر ممّا كان لهم؛ فصلاتُهم التجاريّة السابقة، التي عسُرت عليهم كثيرًا بل استحال بعضها استحالةً تامّة ما داموا في حربٍ مع النبيّ، رجَوا الآن أن يستعيدوها؛ وامتيازات مكّة الدينيّة بقيت غير منقوصة، بل زاد الإسلام بهاء المدينة؛ وأخيرًا — وهو الأهمّ — تدفّقت عليهم من محمّدٍ ومن خلفائه هباتٌ ماليّةٌ غزيرة. وعلى قدر قلّة اكتراثهم بالإسلام في حقيقة الأمر كان لهم كلُّ سببٍ ليرضَوا بالحال الجديدة. ومع فتوحات الجيوش العربيّة ومسيرات نصرها الهائلة تدفّقت على المدينتين المقدّستين ثرواتٌ طائلة، تزيد بما لا يُقاس على كلّ ما كانت تدرّه عليهما تجارتُهما القديمة. ومع الخليفة عثمانَ ظفر حزبُ الأشراف المكّيّين بالغلبة حتى في المدينة، وقد كانت إلى ذلك الحين مقرَّ أقصى التشدّد الدينيّ؛ فاستولى
1) الواقدي، ص 138، 198.
27على الحكم، وصارت جميع مناصب الولاية المهمّة — وهي مناصبُ تدرّ مالًا كثيرًا جدًّا — إلى أيدي أشراف مكّة، لغيظ الحزب المتديّن، أعني رفاق النبيّ في حروبه، غيظًا شديدًا؛ فأحسن هؤلاء الأشراف بذلك أن يستغنوا في زمنٍ قصيرٍ لا يكاد يُصدَّق. وسار مع ذلك جنبًا إلى جنبٍ نشوءُ حياةٍ من اللذّة والترف لا تكاد تلتفت إلى الإسلام وأحكامه الأخلاقيّة الصارمة.
وقد جرت العادة منذ الجاهليّة العربيّة أن يستقدموا المغنّيات في الولائم والأعياد. فكان تجّار مكّة الأغنياء يشترون لذلك جواريَ خاصّة. وقد بقيت «الجرادتان» — وهما جاريتان مغنّيتان لأحد أغنياء مكّة، لُقّبتا بذلك لحسن صوتيهما — مضربَ المثل في الشهرة. وكان أهل اليسار يقتنون جواريَ عالماتٍ بالموسيقى والغناء يُجلَبن بمالٍ غالٍ من الأقاليم البيزنطيّة أو الفارسيّة المتاخمة، ولا سيّما من الحيرة. وفي الولائم ومجالس الشراب كان الضيوف يجلسون في ثياب عيدٍ صارخةِ الحمرة أو الصفرة أو الخضرة على أسرّةٍ منثورٍ عليها الآس والياسمين وغيرهما من الرياحين والزهور العطرة، ويُحرَق في آنيةٍ من فضّةٍ وذهبٍ المسكُ أو العنبر أو عود الألوّة فتنقل رائحتُه الضيوف إلى نشوةٍ عالية، بينما تدور كؤوس الخمر من المعدن النفيس أو الزجاج المسحوب وتؤدّي المغنّيات أجملَ ألحانهنّ.1) ولا يبدو فيه شكٌّ أنّ هؤلاء المغنّيات كنّ يغنّين في أوّل الأمر بلغتهنّ، أي باليونانيّة أو الفارسيّة لا بالعربيّة، ولم تنشأ مدرسةٌ عربيّةٌ خالصةٌ في الغناء بمكّة إلّا نحو منتصف القرن الأوّل من التاريخ المحمّديّ، وبعد ذلك بقليلٍ
1) Caussin de Perceval: Essai, II, p. 2566؛ قارن الحماسة ص 562، ومعلّقة عنترة، البيت 38.
28في المدينة. ويُذكَر طُوَيسٌ أوّلَ من غنّى بالعربيّة، وكان غناؤه على الدفّ.1) على أنّه لا يجوز أن يُفهَم هذا كأنّ كلّ إنشادٍ موقّعٍ للشعر كان مجهولًا من قبل. فالذي وفد على العرب جديدًا، من فارس خاصّةً، هو ضمُّ الصوت إلى آلات الموسيقى ضمًّا لحنيًّا في أداءٍ موسيقيٍّ متقن. أمّا الغناء الصوتيّ البسيط، وهو ضربٌ من الترتيل الرتيب، فيرتدّ عند الشعوب الساميّة إلى أقدم العصور، وكان لا ينفصل عن الشعر؛ فإنّ ما نسمّيه نحن إلقاء القصيدة إلقاءً خطابيًّا إنّما هو عند العرب ترتيلٌ شبيهٌ بالغناء، بتنغيمٍ اصطلاحيٍّ معلوم، ملازمٍ للوزن ملازمةً دائمة. وهذا الضرب من الغناء — وهكذا لا بدّ أن نسمّيه، وإن كان للعرب له تسميةُ «الإنشاد»، أي الإلقاء الخطابيّ — كان شعبيًّا منذ القديم، وأحسنُ ما بقي منه إلى اليوم طريقةُ أداء القرآن المتوارثة. فهكذا كان يغنّي السائر الوحيد في البادية، والحادي الذي يريد أن يستحثّ إبله المتعبة إلى إسراع الخطو، وهكذا كان يغنّي المقاتلون في الغزو جماعةً؛ وهذا الضرب من الإنشاد الموقّع يمكننا أن ندرسه إلى اليوم في حياة العامّة في البلاد العربيّة كلِّها، حيث لا يزال مستعملًا في رواية سيرة عنترة وما شابهها من الكتب.2)
وسار مع ازدياد الترف والمرح الاجتماعيّ جنبًا إلى جنبٍ نموُّ الشعر وترقُّقه. وبساطةُ الأخلاق القديمة يزيحها أكثر
1) الأغاني، II، 170، 173.
2) لم يكن الغناء العربيّ معروفًا بعدُ في زمن عمرَ الأوّل. ولم يكن العرب يعرفون إلّا حُداء الإبل، وهو ترتيلٌ بسيط. الأغاني، VIII، 149.
1. «Regentschaftsrath» (مجلس الوصاية) هو تعبير كريمر عن «الشورى» التي عيّنها عمر، فأُعيد إلى المصطلح العربيّ. وكذلك «Bewohner der militärischen Standlager» = أهل الأمصار، و«Staatsweidegründe» = الحِمى، و«Armentaxe (Zehent)» = الزكاة (العُشر).
2. ابن عمر: يسمّيه كريمر «Abdalrahman» ويجعله سابعَ أهل الشورى، والمعروف في المصادر أنّه عبد الله بن عمر. وقد أُثبت اسمُ كريمر كما هو ولم يُصحَّح في المتن.
3. وصيّة عمر (ص 16–17) يوردها كريمر ترجمةً ألمانيّةً عن البخاري 2082، وقد نُقلت هنا عن ترجمته الألمانيّة لا عن النصّ العربيّ في البخاري، لئلّا يُنسَب إلى عمرَ لفظٌ لم يترجمه كريمر بعينه. وعلامة الاستفهام في «(أي الشعوبَ المغلوبة؟)» من كريمر نفسه.
4. حديث «العَناق»: أبقيتُ مناقشة كريمر للضبطين «عَناق» و«عِقال» كما هي، مع إثبات الكلمتين بالعربيّة، لأنّ الحاشية كلَّها بحثٌ في لفظٍ عربيّ.
5. رواية شاهد العيان عن عمر وعثمان (ص 14) وردت في الأصل بين علامتَي اقتباس ألمانيّتين، ونُقلت من الألمانيّة.
6. «الاتّجاه الاشتراكيّ» (socialistische Richtung) و«المدينة المتزمّتة» (das puritanische Medyna) و«أشراف مكّة» (Patriciergeschlechter) ألفاظُ كريمر ومقولاتُه هو، منقولةٌ بلا تلطيف؛ وهي إسقاطٌ لمقولاتٍ أوروبيّة على التاريخ الإسلاميّ.
7. أرقام الحواشي في الأصل مضطربة بأخطاء القراءة الآليّة («')» و«ı)»)، وقد أُثبتت هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة. وسطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Urients. 2» سطرُ توقيعِ ملزمةٍ لا من المتن، أُبقي كما هو.
1. مصطلحاتٌ استُعيدت إلى أصلها العربيّ الذي كان كريمر يترجم عنه: «Rathhaus / Stadthalle» = دار الندوة؛ «Tempelhüter» = الحجابة؛ «Säckelmeister» = الرِّفادة؛ «Wasserversorgung» = السقاية؛ «die Pfeile zum Loosen» = الأزلام؛ «Eröffnung und Anführung der Pilgerprocession von ‘Arafät nach Minä» = الإجازة (الإفاضة)؛ «Vorbeter» = الإمام؛ «Gesang der Kameeltreiber» = الحُداء.
2. «حِلف الفُضول»: يصف كريمر الحادثة (مظلمة التاجر اليمنيّ ثمّ عقد الشيوخ حلفًا لنصرة كلّ مظلوم) دون أن يسمّيها، فأُبقي الوصف على حاله ولم يُقحَم الاسم في المتن؛ وهو حلف الفضول المعروف.
3. «Die beiden Cicaden» (الزيزان/الصرصوران) هي ترجمة كريمر لـ«الجرادتين»، وهو اللقب المشهور للجاريتين المغنّيتين، فأُعيد اللفظ العربيّ.
4. أرقام الصفحات في إحالات كريمر أُبقيت كما هي دون تصحيح، ومنها «Caussin de Perceval: Essai II. p. 2566» — والرقم على هذا النحو في الأصل، ولعلّه خطأ طباعةٍ عن 256؛ لم يُغيَّر، صونًا لجهاز الإحالات.
5. إحالة ص 24 وردت في الأصل بغير رقمٍ ظاهر (سقط الرقم في القراءة الآليّة)، وقد رُقّمت هنا «1)» على موضعها.
6. عنوان الفصل الثاني ورد في الأصل المقروء آليًّا «N.» وهو تحريفٌ عن «II.».
7. أحكام كريمر — «قومٌ حريصون على الكسب»، ووصفه المدينةَ بـ«أقصى التشدّد الدينيّ» (Rigorismus) و«الجمهوريّة التجاريّة» و«نظام الأشراف» (Patricierverfassung) — نُقلت كما هي بلا تلطيف؛ وهي إسقاطُ مقولاتٍ يونانيّةٍ ورومانيّةٍ على مكّة، من مستشرقٍ من القرن التاسع عشر.