فأكثر عيشُ لذّةٍ مترفٌ استرسل فيه أشرافُ مكّة والمدينة الأغنياء عن طيب نفسٍ رغم القرآن ورغم مواعظ المتعصّبين في الأخلاق. وفقدت العلاقات بالنساء تلك الصرامة التي أراد الإسلام أن يسنّها والتي فرضها بالفعل في زمنٍ لاحق. فكان فتيان مكّة المترفون يمارسون في البلد الحرام، بل في داخل البيت نفسِه، لعبهم الوقح في المغازلة بلا أيّ حياء. بل يظهر تأليهٌ للمرأة يذكّر تمامًا بالقرون الوسطى الأوروبيّة وبمغازلات عصر التروبادور، وتظهر مجاملةٌ فروسيّةٌ كان الإسلامُ المتأخّر — على الصورة التي أعاد بها تشكيلَه الكهنةُ المتعصّبون، أي العلماء، ومتنسّكةُ المدرسة الصوفيّة المتهوّسون — سيرفضها في سخط.
كان الحارث بن خالد، المعروف بالشعر أيضًا، قد ولّاه الخليفةُ عبد الملك على مكّة. وكان يهوى عائشةَ بنتَ طلحة، وهي من أوجه نساء ذلك الزمان وأكرمهنّ. قدِمت مكّة في موسم الحجّ العامّ لتؤدّي فرضها. فأرسلت إلى الوالي يوم المناسك الكبرى في حرم مكّة تقول له: أخّرِ الصلاة العامّة في المسجد حتى أُتمّ ما فُرض عليّ من الطواف بالكعبة سبعًا وما يتبعه من دعاء. فلم يتردّد الوالي العاشق — وهو الذي إليه إدارة مناسك الحجّ كلِّها — لحظةً في تأخير الصلاة على هوى سيّدة قلبه، فأثار ذلك بين المسلمين الأتقياء وبين الحجّاج المجتمعين بالألوف سخطًا عظيمًا، حتى اضطُرّ الخليفة إلى عزل هذا السياسيّ المتظرّف عن منصبه. فلمّا بلغ الحارثَ الخبر قال: «والله! ما أستهين بغضب الخليفة، ولكنْ لو لم تفرغ عائشة إلى الليل
30لأخّرتُ الصلاة العامّة إلى الليل على هواها!»1)
ومن أدلّ نماذج الطباع في ذلك الزمان ما حُفظ لنا من سيرة فتًى مكّيٍّ غنيٍّ من أكرم الأسر، ظفر بمكانٍ بارزٍ في تاريخ حضارة قومه لأنّه لم يكن صاحب لذّةٍ فحسب، بل صنع لنفسه في الوقت نفسه اسمًا في الشعر. كان عمر بن أبي ربيعة — وهو فاحش الثراء، نسيبٌ لبيت الأمويّين الحاكم، ظريفٌ ذكيٌّ ساحر الطلعة — بطلَ الموضة في بلده ومحبوبَ النساء زمنًا طويلًا. وكان أبوه من وجوه رجال مكّة، يكسو الكعبةَ في الجاهليّة كسوةً من ديباجٍ في كلّ عامٍ ثانٍ، بينما تحمل سائرُ قريشٍ مجتمعةً نفقةَ ذلك في العام الآخر. وقد اكتسب ثروته من تجارته مع جنوب الجزيرة؛ ثمّ أسلم آخر الأمر، فولّاه محمّدٌ على كورة الجَنَد باليمن. فنشأ عمر بن أبي ربيعة إذًا في أهنأ الأحوال؛ ولم يكن شأنه أن يكسب، بل أن يتمتّع، وقد فعل ذلك على أتمّ وجه. كان مفتونًا بالنساء عابدًا لهنّ، فشعره مكرَّسٌ لهنّ كلُّه تقريبًا، ودعا إلى قرآنٍ في الحبّ بدا لشيوخ مكّة من الخطورة بحيث منعوا بناتهم منعًا شديدًا من قراءة شعر عمر. بل ظلّ إلى شيخوخته على حاله، فقد كان يقول وقد بلغ من العمر عتيًّا: «كنت في شبابي أُحَبّ كثيرًا ولا أُحِبّ، أمّا الآن وقد شختُ فإنّي أُهدي إلى الحِسان تحيّاتي حتى الموت.»
1) الأغاني، II، ص 103.
31زارت مرّةً سيّدتان شابّتان الكعبةَ لتنسُكا؛ فدنا منهما شيخٌ فكلّمهما وسألهما عن اسميهما. فلمّا سمّتا له نفسيهما قال: «يا صديقتيّ الشابّتين! أنا في خدمة الجمال، وحيثما رأيته اتّبعته؛ وقد أخذني منكما حسنُكما وشبابُكما، فتمتّعا بهما قبل أن تبكيا فقدهما.» — وكان هذا الشيخ عمر.
وهو في شعره يذكر بلا حياءٍ أسماء النساء اللواتي يهديهنّ إعجابه، كما في هذه الأبيات:
أرسلتُ جاريتي وقلت لها: كوني على حذر، وقولي لزينبَ في تملُّق: كوني لعمرك رحيمة! إن أنتِ شفيتِ السقيمَ حتى الموت فمن ذا الذي يلومك؟ — فهزّت رأسها الصغير وسألت: ومن ذا الذي أرسلك في هذا؟ أهذا سحرُك بالنساء؟ نحن هنا نعرفك: يقولون: إذا أطفأ لهيبَه تخلّى عن صاحبته وتركها.
ومن الفريد جدًّا أيضًا ذلك التمجيدُ للمرأة الظاهرُ في شعره في كلّ موضع، على نحوٍ يبيّن أيَّ منزلةٍ رفيعةٍ كانت للمرأة العربيّة يومئذٍ. حتى إنّه أذِن لنفسه في ختام موعدٍ دعاه إليه عددٌ من كريمات النساء، أردن أن يتعرّفن إليه وأن يسمعن شعره منه هو، أن يقول لهنّ: «طالما دفعني الشوق إلى زيارة قبر النبيّ بالمدينة، لكنّي أدع ذلك الآن لئلّا يُضعِف شيءٌ ذكرى زيارتكنّ.»
ولمّا كانت قافلة الحجّ الشاميّة على وشك الوصول إلى مكّة، خرج عمر بن أبي ربيعة في صحبة أشهر مغنّي مكّة يومئذٍ
32واسمه ابنُ سُرَيج، ليستقبلا القافلة راكبَين. فركبا نجيبتين كريمتين مخضوبتين بالحنّاء1) حمرةً كما جرت العادة في المناسبات، بينما كان يلمع العتاد والسرج من ديباجٍ موشًّى بالذهب. فخرج عمر وصاحبه في أجمل ثوبٍ ينتظران القافلة. وقطعا الوقت إلى المساء بالتعرّض للنساء المارّات؛ فلمّا أظلم الليل وطلع القمر صعدا رابيةً قرب طريق القوافل وأخذ ابن سُرَيج يغنّي أحسن ألحانه. فما لبث أن أقبل راكبٌ منفرد على فرسٍ رائع، فوقف عندهما وسأل المغنّي أن يتكرّم بإعادة اللحن. ثمّ قال: «والله! أنت ابن سُرَيج مغنّي مكّة، وصاحبك عمر بن أبي ربيعة.» فأقرّا بذلك، ثمّ سألا المجهول: ومن أنت؟ فأبى أن يُفصح؛ فأغاظهما ذلك حتى قالا له: «لو كنت ابن الخليفة نفسِه ما استطعت أن تزيد على هذا كتمانًا.» فقال الغريب: «فهو ذاك، أنا هو!» فوثبا يعتذران، فخلع هو ثوبه الفاخر التطريز، ونزع خاتمه من إصبعه، ووهبهما لهما. ثمّ همز فرسه وانطلق يلحق بأثقاله.2)
هذه الأخبار المأخوذة من حياة الناس تُرينا على أبدع تصويرٍ كيف كانت الحال في مكّة يومئذٍ. فقد ساد
1) ولا يزال هذا مستعملًا في الشرق إلى اليوم. فالفرس الأشهب الذي ظهر عليه شاه فارس في رحلته إلى أوروبا كان ذنَبه مخضوبًا بالحنّاء حمرة.
2) الأغاني، I، ص 101.
33في الأوساط العليا من البلد الحرام عيشٌ صاخبٌ نَهِمٌ إلى اللذّة. وبدا ترفٌ همجيٌّ إلى جانب رقّةٍ بالغةٍ جدًّا في آداب المعاشرة والعادات. وكان الشعر والغناء يجمّلان العشرة، ويقطعان رتابة العيش اليوميّ، ويُدخلان على العلاقة بين الجنسين — وهي علاقةٌ حسّيّةٌ جدًّا لولا ذلك — مسحةً فروسيّة. وكان أغنياء مكّة يقطعون أوقاتهم بالحبّ والخمر والغناء. وقد لُبّيت مبكّرًا كذلك الحاجةُ إلى أماكنَ للاجتماع. فقد أنشأ أحد الأشراف الموسرين في ذلك الزمان دارًا للّعب، أشبهَ ما تكون بالنادي، تُوجد فيها رقعُ الشطرنج والداما، وتُعرَض فيها كذلك كتبٌ للتسلّي بالقراءة. ويضيف الراوي العربيّ القديم — وهو مُسهِبٌ جدًّا، وله نَدين بهذا الخبر — أنّه كانت في جدار الغرفة أوتادٌ من خشبٍ مدقوقة، يعلّق عليها كلُّ داخلٍ رداءه ليخفّ عليه أن يلعب دَورًا، أو يقرأ، أو يسامر معارفه.1) كما يُذكَر في المدينة أيضًا في وقتٍ مبكّرٍ نُزُلٌ للضيافة، وهي مؤسّسةٌ تكاد لا توجد في الإسلام المتأخّر إلّا على صورة الخانات أو المطاعم العامّة المنشأة وقفًا للبرّ.
ولو شئنا لأتممنا صورة الأخلاق هذه في الحياة المدنيّة بلمساتٍ كثيرةٍ أخرى، غير أنّ ما قلناه يكفي لتكوين تصوّرٍ صحيحٍ في الجملة عنها، وهو تصوّرٌ يختلف حقًّا اختلافًا جوهريًّا عن الآراء الشائعة إلى اليوم. ومع ذلك فقد يجد هنا موضعًا مناسبًا، إلى جانب صورةِ طبع عمر بن أبي ربيعة، صورةُ الشاعر العَرْجيّ، فإنّها لا تعرّفنا بمترفٍ شابٍّ آخر من أرفع الأوساط فحسب، بل نتعرّف فيه في الوقت نفسه إلى واحدٍ من أطرف شعراء ذلك الزمان.
34كان العَرْجيُّ الأنيقُ المنتمي إلى أرفع طبقات المجتمع حفيدًا للخليفة عثمان. وكان مقبلًا على الحياة لا يبالي، فاعتاد أن يذكر في شعره بلا أدنى تحرّجٍ أسماءَ الحِسان اللواتي يهيم بهنّ، فكسبه ذلك أعداءً كثيرين. من ذلك أنّ مولاةً لصاحب ضيعةٍ كانت تعيش معه في أهنأ حالٍ في قصره الريفيّ غير بعيدٍ عن المدينة، كانت كلّما سمعت ذكر العرْجيّ وشعره أنكرت وقالت: إنّ الشاعر يُدخل كرائم النساء في سوء القالة، ولم تجرؤ واحدةٌ بعدُ على أن تواجهه بأنّ هذا خِسّة؛ وأضافت كُلابةُ الحسناء: لئن وقع لي في العين لأؤدّبنّه. فبلغ العرْجيَّ قولُها فلم يتوانَ عن التعرّض لها. فلمّا كانت وحدها في الدار مع خدمها جاءها يطلب كلامها، فوفت بما قالت: أغلقت دونه الباب، واستقبلته بقارس القول، فلمّا همّ أن يقتحم الدخول رجمته بالحجارة. فاغتاظ العرْجيُّ من هذه المعاملة، فقال هذه القصيدة، وأشاعها على ألسنة مغنّي مكّة إشاعةً عامّةً ليفضح كُلابة:
بعثت الحِسانُ رسولًا ببشرى تسرّ — فالنساءُ يفطنّ بذكاءٍ لما يعجز عنه فهمُ غيرهنّ — وأرسلن يقلن لي: زُرْنا حين لا يسهر أحد، كي لا تراك عينٌ حاسدة فتجعلنا حديث السخرية! فأقبلتُ أتسلّل غير هيّابٍ للخطر: فاقتحامُ الأخطار في الهوى بشجاعةٍ مفخرةٌ حقًّا!
35وإن غلبني الخوف أحيانًا قلت لنفسي: ما كُتب فوقُ في كتاب القدر فهو واقعٌ هنا! أتسلّل رويدًا في سكونٍ كما تهبّ ريحُ الجنوب في أغصان الآس، وقد اغتسلت بندى الليل الطريّ، في ثوب عيدٍ زاهي الصبغ موشًّى من صُنعِ سُوس، تمحو أهدابُه الطويلةُ أثرَ قدمي، وهناك في الداخل جلست الحسانُ الحلواتُ في مقصورةٍ آنسة، ولا عينَ عدوٍّ تُخشى، ولا حارسَ ساهر. ولمّا وقفت أُصغي عند الباب مستخفيًا في الظلام — ومن رام مثل هذه الغايات أحبّ أن يستره الظلّ — لمعت في وجهي أعينٌ متّقدةٌ مفعمةٌ بسلطانٍ يُشعِل، كأعين الحُجُر الكرائم إذا سمعت صهيلَ الفحل.1) فصاحت كُلابة: من الزائر؟ فقلت غير وَجِل: هو ذاك الذي تبغضينه، كما يقولون. أنا الرجل الذي ألحّ عليه الحبّ إلحاحًا شديدًا حتى ذهبت حواسّي من الألم وأحاط بي السقم.
1) الصورة العربيّة الخالصة تشير إلى فحول الإبل: فمعلومٌ أنّ عين هذا الحيوان السوداء الكبيرة هي الشيء الجميل الوحيد فيه.
3*
36فلا تُسلميني في لؤمٍ إلى تلك العصبة التي لا تنفث إلّا انتقامًا، لَوَدّت لو أكلت لحمي لو أُذن لها، فامنحي كرمًا يا حسناء، وستُجزَين على ذلك جزاءً، فطالما اعتدتُ أن أجد عندكنّ الفضل: إنّ أمتنَ تُرسٍ للعاشقين وملجأً في هذه الدنيا أن يظلّوا نادمين يكفّرون إذا أخطأوا مرّة. هذه يميني رهنًا على أصدق الودّ! فاقبليها واسخري من الحُسّاد في خفّة قلب! فقالت: هيّا، قد رضيت، لكنّ القمر ساطع، فامكث هنا حتى يستركَ سوادُ الليل من الخطر. فمكثت وارتشفت كؤوسًا نفيسة أفرغناها في دأب، من خمرةٍ رائعةٍ شهد لها الشمُّ والذوق بالكرم. حتى أشرق الفجر أخيرًا: فحسبناه نحن الاثنين انعكاسَ حريقٍ ليليٍّ في السماء، كغُرّة فحلٍ كريمٍ لمع ذلك الضوء، فحلٍ مخلوعِ اللجام عارٍ تُكوى في لحمه السِّمة.1)
1) يُكوى الفرسُ الكريم بسِمةٍ على نار الليل، فتلمع غُرّتُه في جبينه في ضوء النار الساطع.
37ثمّ كان لا بدّ لي أن أفارق، فلم يجدن كلمةَ وداع سوى إشارةِ الأصابع والدموعِ لا تنقطع. أردن أن يقلن لي كلامًا كثيرًا: فحبسه فيضُ الدموع المتدفّق يعترض دون الكلام.
وبلغت القصيدةُ سيّدَ كُلابةَ بطبيعة الحال، فارتاب في وفائها الزوجيّ، وليستوثق من الأمر عزم على إرسالها إلى مكّة لتحلف في الحرم يمين التبرئة فتُثبت بذلك براءتها. فحملها على العادة المتّبعة في البلاد على جملٍ بين عِدلين محشوّين بالبعر إلى المدينة، لتحلف هناك في الحرم عند الموضع المقدّس، بين ركن الكعبة ومقام إبراهيم، يمينَ التبرئة. فحلفت كُلابة هذه اليمين سبعين مرّةً بلا تردّد، فبرئت براءةً تامّة. فاستقبلها سيّدها بأحضانٍ مفتوحة، وكان كلّما سمع البيت من قصيدة العرْجيّ:
فطالما اعتدتُ أن أجد عندكنّ الفضل —
يقول: «لا والله! كذب، ما نال من ذلك شيئًا قطّ.» —
على أنّ المغامرة الغزليّة التالية تنتهي نهايةً مختلفة تمامًا. كان العرْجيّ قد صرف عنايته زمنًا طويلًا إلى امرأةٍ حسناء، لكنّها كانت تردّه دائمًا وتتنقّب كلّما لمحته من بعيد. فرآها العرْجيُّ مرّةً من بعيدٍ جالسةً بين نساءٍ أخرياتٍ في العراء. فاحتال حيلةً ليدنو من موضع هواه: استوقف أعرابيًّا كان يحمل على جمله قِربتين مملوءتين لبنًا
38يبيعه في البلد. فأعطاه العرْجيُّ فرسه وثيابه الأنيقة وأخذ منه الجمل وزيّ الأعراب. فأقبل في هذا الزيّ على مجلس النساء يعرض لبنه للبيع. فأخذت النسوة اللبن فرحاتٍ، والعرْجيُّ جالسٌ على الأرض في هدوءٍ مطرقٌ ببصره إلى الأرض، لا ينظر إلى موضع إعجابه إلّا خِلسةً بين الحين والحين. فسألته إحدى الفتيات مازحة: ماذا أضعتَ يا ابن البادية حتى تُطرِق أبدًا إلى الأرض؟ — فقال: قلبي! — فصاحت السيّدة: يا إلهي العظيم! إنّه العرْجيّ! ووثبت فتنقّبت.
على أنّ العرْجيّ تمادى في حماقاته اتّكالًا على قرابته من البيت الحاكم. كان له نخلٌ في أرض بني نصر، وكثيرًا ما ضلّت إبلُهم وغنمُهم إلى حِماه؛ فكان يقتل كلّ ما دخل منها على أولئك المساكين. وكان بصيرًا بفنون الفروسيّة، يُحسن الرمي بالقوس، وكثيرًا ما صرع بسهامه مئةَ رأسٍ في يومٍ واحد.
ثمّ عادى آخر الأمر واليَ مكّة، إذ ذكر زوجه في أبياتٍ وقحة. فلم يلبث الوالي أن وجد الفرصة التي يبتغيها للانتقام. فقد وقعت بين العرْجيّ ومولًى لأبيه خصومة، وتشاتما في المشادّة. فطلبًا للثأر هجم العرْجيُّ في عددٍ من خدمه ليلًا على المولى في داره، وأمر فنُكّل بامرأته أقبح تنكيل، وقتل الرجل. فلمّا شكت الأرملةُ أمر الوالي بالقبض عليه، فجلده بالسياط، وأوقفه للتشهير، ثمّ ألقاه في السجن، فمات فيه.1)
1) قارن الأغاني، I، 153—163، وVII، 145.
39تُرينا صورتا الطبع هاتان، صورةُ عمر بن أبي ربيعة وصورةُ العَرْجيّ، كيف كان الناس يعيشون يومئذٍ في الأوساط العليا بمكّة، وكم كانوا يتصرّفون فيها بلا قيد. فقد كانت هذه المدينة يومئذٍ حاضرة الإسلام الحقيقيّة التي لها الكلمة، وعاصمةَ الدولة الروحيّة والفكريّة، على اتّصالٍ دائبٍ بأقصى الأقاليم بقوافل الحجّ السنويّة. ولذلك كانت تلك الروح — روحُ اللذّة والخلوّ من الهمّ، وعدمِ الاكتراث التامّ تقريبًا في أمور الدين خاصّةً، وهي الروح الغالبة على حياة الطبقة المكّيّة الرفيعة ومجالسها — هي المألوفة كذلك في دمشق، دار خلافة الأمويّين؛ ومن هنا نشأ في مكّة يومئذٍ فنٌّ ناهضه الحزبُ المتديّن منذ البداية دائمًا على أنّه بالغُ الخطر والفساد، ثمّ انتشر في الدولة كلِّها. ذلك هو فنّ الغناء والموسيقى المرح، وهو يسير في كلّ مكانٍ جنبًا إلى جنبٍ مع اغتنام اللحظة العابرة بلا همٍّ بغدٍ مجهول. ولهذا ظلّ أبدًا موضعَ أشدّ العداء من المتنسّكين والمتعصّبين، وهم يحبّون أن يتاجروا بالرعب من الآخرة المظلمة ويودّون أن ينفوا من النفوس كلَّ نزوعٍ إلى الفرح. وقد كان تحريم الغناء وإتلاف آلات الموسيقى منذ القديم شعارًا محبَّبًا لدى رجال الدين عند المسلمين، أعني طائفة الفقهاء الذين لا يستقون مادّة مواعظهم الأخلاقيّة إلّا من أهوال النار وغضب الله وإثم الدنيا، والذين سعَوا في إلقاء الناس كافّةً في متاهات التأمّل الزهديّ المظلمة، ثمّ في هُوّةٍ لا تقلّ خطرًا هي هُوّة تصوّفٍ متطرّف. ولذلك كانت قاعدةً ثابتةً في الحسبة عند المسلمين أن يُمنَع الغناء والموسيقى منعًا شديدًا. غير أنّ الأمر جرى كما يجري دائمًا حيث يُطلَب المستحيل: بقي الحكم قائمًا ليُحتال عليه دائمًا،
40وظلّ فنّ الغناء بمصاحبة الموسيقى، الذي رُقّي أوّل ما رُقّي في مكّة، يؤلّف من حين نشأته إلى أواخر القرون — إلى جانب الشعر — الاتّجاه الفنّيّ الوحيد الذي ظهر فيه شغفٌ فنّيٌّ حقيقيّ، أسهم في أزهى عصور الحضارة العربيّة إسهامًا غير قليلٍ في تهذيب النفوس وترقيق الحياة الاجتماعيّة والعلاقة بين الجنسين.
على أنّ الدفعة الأولى جاءت العربَ من الخارج. فقد تدرّب أقدم المغنّين على نماذجَ فارسيّة. ويبدو أنّ أسرى الحرب من الفرس، وقد قدِموا مكّة بأعدادٍ كبيرة، هم أوّل من تعلّم الناس منهم الغناءَ بمصاحبة الآلات الموسيقيّة المستعملة يومئذٍ: الدُّفّ (doff)، والطُّنبور (tanbur)، والناي (nai’)، والعود (‘ud)، ونحوها. ويُذكَر ابنُ مِسْجَح أوّلَ من أدخل الألحان الفارسيّة في العربيّة. فقد سمع الصنّاع الفرس المشتغلين ببناء الكعبة وهم يغنّون في أثناء العمل ألحان بلادهم، فحاكاها. وبلغ من نجاحه أن هام به فتيان أفضل الأسر وبدّدوا عليه أموالًا طائلة، حتى لفتوا بذلك نظر الوالي نفسِه، فكتب إلى الخليفة بدمشق أنّ فتيان أشراف مكّة يُهلكون أنفسهم حقًّا في سبيل هذا المغنّي. فجاء الأمر من دمشق على أثر هذا الكتاب بإرسال المغنّي إلى العاصمة، فغنّى في البلاط ولقي من الاستحسان ما جعل الخليفة يردّه إلى مكّة موفورَ الجائزة، ويأمر الوالي في الوقت نفسه بأن يكفّ عن التعرّض له.1) ويُقال إنّه هو الذي خرّج أشهر مغنّيَي ذلك الزمان: مَعبَدًا والغَريض. أمّا الأوّل
1) الأغاني، II، 84، 86، 87.
41فكان في الأصل مملوكًا ثمّ صار مولًى. وكان في صباه يرعى الغنم، وقد روى هو كيف جاءه أوّل إلهامٍ موسيقيّ، قال: «كنت مملوكًا لآل قَطَن أرعى الغنم في الحَرّة خارج المدينة. فكنت أقصد في الليل صخرةً أنزل تحتها لأستريح، فما إن يأخذني النعاس حتى أسمع في أذنيّ ألحانًا غريبة، فإذا استيقظت أعدتُها.» ثمّ ذاع صيت معبدٍ سريعًا وأثرى، ويبدو أنّه صار يشتري الجواري الصغار ويعلّمهنّ الغناء والموسيقى على وجه المضاربة، ليبيعهنّ بعد أن يُحكم تخريجهنّ بأثمانٍ عالية. وقد حُفظت لنا في ذلك هذه الحكاية الطريفة:
خرّج معبدٌ جاريةً اسمها ظَبْية، ثمّ باعها من رجلٍ غنيٍّ من خوزستان، فعلِق بها الرجل حتى لم يجد عزاءً لمّا اختطفها منه موتٌ مبكّر. وكانت جاريةٌ أخرى معها قد أخذت عن ظبية كثيرًا من أغانيها، فكانت تغنّي بها سيّدها كثيرًا. فهام هذا بأستاذ ظبيتَه العزيزة هيامًا بلغ معبدًا، فعزم على أن يزوره من غير أن يُعلمه. وفعل ما عزم عليه. فسافر من مكّة إلى البصرة، والتمس فيها سفينةً إلى خوزستان. فاتّفق أنّ ذلك الغنيّ نفسَه، وكان قد قدِم البصرة لتجارة، أراد الرجوع إلى بلده في سفينةٍ استأجرها لنفسه. فسأل معبدٌ أن يُحمَل في السفينة — وهو لا يعرفه — فأُذن له، وأُنزل في موضعٍ على ظهرها. وسارت السفينة. فلمّا بلغوا فم نهر الأُبُلّة قُدِّم طعام الظهيرة فأكلوا، ثمّ دارت الخمر، وأمر السيّد الغنيّ في أطيب حالٍ
42جاريتَه أن تغنّي. وكان معبدٌ في زاويته صامتًا، رثَّ الهيئة على زيّ أهل الحجاز، في عباءة سفرٍ باليةٍ ونعلٍ غليظٍ وفروٍ عتيق. فأخذت الجارية العود وغنّت بلحن معبدٍ أغنيةً مطلعها:
مضت سعادُ وانبتّ حبلُ وصالها! حلّت بالغَور وبرمل العَدْماء؛
لكنّها أخطأت في نغماتٍ عدّة؛ فلم يملك معبدٌ نفسه فصاح بها إنّها تخطئ. فساء ذلك القوم كثيرًا فاستقبلوه بقارس القول. ثمّ أخذت الجارية العود ثانيةً وغنّت:
يا بنت الأزديّ! قلبي حفره الهمّ: آهِ! لا يبرّده منها عزاء! كلٌّ يلومني، لكنْ: اسكتوا! أصيح، فالتي تمنعونيها إيّاها أخطب. يحرق الحبّ جسدي شبرًا شبرًا: أجل، إنّ سلطان الحبّ لعجيب. أيّها اللائم الذي يعيّرني بشوقي، ستكون أوّل ضحيّةٍ لمن سخرتَ منه.
لكنّها أخطأت مرّةً أخرى في مواضع، فلم يستطع معبدٌ السكوت، فنال على ذلك زجرًا أشدّ. ثمّ غنّت المغنّية أغانيَ أخرى وهو ساكتٌ يسمع، حتى بلغت هذا اللحن:
يا صاحبيّ! أمهلاني ساعةً واحدة هنا في هذا المكان المفعم بالذكرى. لا تعجلاني وأنا واقفٌ على مربع عزّة، وقد صار في البيداء خلاءً لا أنيس به، قولا لهذا القلب الذي كاد يبرأ: عُدْ فأحبِبْ، — وقولا للعين: صُبّي سيول الدمع! آهِ، لن يعود ذلك الزمن الجميل الذي قضيناه في نعيم الربيع وفي ليالي صيفٍ حسان!
وأخطأت في الغناء من جديد. فلم يعد معبدٌ يطيق، فصاح بها: أما تستطيعين أن تغنّي لحنًا واحدًا بلا خطأ؟
43فغضب السيّد الكبير لذلك غضبًا شديدًا حتى هدّد بأن يُلقيَ معبدًا في البحر من فوره إن هو عاد إلى مثل هذه الجرأة. فسكت معبدٌ حتى أتمّت الجارية غناءها، فلمّا سكتت رفع صوته وغنّى اللحن الأوّل الذي أنكره، ثمّ الثاني، وهكذا. فانقلب المشهد فجأةً: أحاط به الجميع إعجابًا، واعتذروا إليه وأغدقوا عليه اللطف. عندئذٍ عرّفهم بنفسه؛ فقبّل الغنيُّ الخوزستانيّ وجاريتُه يديه وقدميه وسألاه الصفح. ثمّ ساروا معًا إلى الأهواز، حيث نزل معبدٌ في بيت راعيه ضيفًا كريمًا كأنّه أمير، ثمّ رجع أخيرًا إلى مكّة محمَّلًا بالهدايا الوافرة.1)
وأخذ الشغف بالغناء والموسيقى يزداد من ذلك الحين سريعًا جدًّا، وصارت مكّة والمدينة منبتَي هذا الفنّ؛ ومن هناك كان بلاط دمشق يستقدم حاجته من أهل الموسيقى. وكان الولع بالموسيقى غالبًا خاصّةً على فتيان أشراف مكّة. وكان حجّارٌ اسمه الهُذَليّ ذا موهبةٍ فطريّةٍ عظيمة. فإذا اشتغل في المقالع قصده الفتيان يحملون إليه الطعام والشراب والمال ويسألونه أن يغنّي لهم. فكان الهُذَليّ يطلب أجره أوّلًا، ثمّ يسألهم أن يعينوه في عمله. فيستجيب الفتيان لذلك أيضًا، فيشمّرون أقبيتهم ويشدّونها على أوساطهم وينقلون إليه الحجارة. ثمّ يصعد هو على صخرةٍ فيجلس ويأخذ في الغناء، وهم أسفلَ منه ينزلون على الرمل الليّن، ويُخرجون الكؤوس والجرار ويشربون إلى مغيب الشمس. ويضيف شاهد عيانٍ له ندين بهذا الخبر
1) الأغاني، I، 19—26.
44أنّ التلّ كلَّه كان يصير سريعًا، إذا غنّى الهُذَليّ، أصفرَ وأحمرَ كقُرص التمر، من ألوان أردية الناس الذين يريدون سماعه.1)
ولم يكن الرجال وحدهم يتفرّغون لهذا الفنّ المرح، بل النساء أيضًا؛ وجرت العادة مبكّرًا جدًّا أن يتودّد كبار القوم إلى المغنّيات وأن يتحمّسوا للفنّ — tout comme chez nous. وكانت المغنّية جميلةُ قد تخرّجت على السائب خاثِر، أحد أوائل أهل الموسيقى بالمدينة، ثمّ فاقت أستاذها سريعًا حتى صارت هي تعلّم الغناء والضرب بالعود. وكان زوجها مولًى. وكانت تجعل لها أيّامًا مفتوحةً لاستقبال العامّة، تظهر فيها هي في كامل زينتها، وتزيّن جواريها كذلك: تعقد لهنّ ضفائرَ مصنوعةً تتدلّى على الظهر خُصَلًا، وتكسوهنّ ثيابًا ملوّنة، وتضع على رؤوسهنّ التيجان، وتستقبل الزوّار على هذه الحال. ولمّا أرسلت مرّةً تدعو رجلًا من وجوه البلد، من العَلَويّين، لبّى دعوتها وحضر في بيتها، فأكرمته بأن غنّت أغنيةً في مدح بيته.2)
على أنّ هذا الاتّجاه الفنّيّ كانت له جوانبه المظلمة أيضًا، وقد برزت في ذلك الزمان وعند ذلك الشعب بروزًا أشدّ لانعدام أيّ ترياقٍ آخر. فلم يكن يومئذٍ، عدا التأمّلات الدينيّة في القرآن والحديث — وهي علومٌ لم يشتغل بها إلّا
1) الأغاني، IV، 152.
2) الأغاني، VII، 144. ولا نعرف عن السائب خاثِر إلّا أنّه مولًى فارسيّ الأصل، ويُقال إنّه أوّل من حاكى الغناء الفارسيّ في العربيّة، وأوّل من أسّس الغناءَ العربيّ المتقن أصلًا. وهو أوّل من صنع الأعواد بالمدينة. وكان لحسن أدبه وجمال صوته مرحَّبًا به في مجالس وجوه الناس. الأغاني، VII، 188.
45أهلُ الطبقات الدنيا، ولا سيّما الموالي — أيُّ درسٍ علميٍّ جادٍّ آخر. فكان أن أفضت معاشرة المغنّين والمغنّيات بشباب حاضرة شمال الجزيرة الأنيق سريعًا إلى أخطر السُّبل. فما من أحدٍ ينعم يومًا بعد يومٍ بأغاني الحبّ وأشعار الخمر ثمّ لا ينتهي مستهترًا بالنساء مسرفًا في اللذّة. وسرعان ما صار المغنّون — وهمّهم قبل كلّ شيءٍ أن يكسبوا مالًا وفيرًا بأسرع ما يمكن — وسطاء في علاقات الحبّ الآثمة. وطلب الشبابُ الذي أرخته اللذّة المبكّرة المفرطة ألعابًا داعرةً وصنائعَ فاجرةً تُدفئه. وعلى هذا النحو نشأ صنفٌ من المغنّين جعلوا همّهم أن يوقظوا صناعةً أهواءَ شبابٍ فاسدٍ من أصله وأن يُشبعوها بلا حياء. وقد سُمّي هذا الصنف من المغنّين، وحوله أبدًا حشدٌ من أفسد الفتيان المترفين، باسمٍ خاصٍّ هو «المخنَّث»، وهو يقابل تقريبًا ما كان القدماء يسمّونه Cinaedi. وكانوا يخدمون الجنسين كليهما، ويفسدون سلام البيوت حيث تسلّلوا. ولهذا السبب تصدّت لهم السلطات مرارًا بأشدّ الصرامة، في مكّة كما في المدينة.1)
وكان هؤلاء المخنَّثون يحاكون النساء في زيّهم وهيئتهم، فيخضّبون أيديهم بالحنّاء، ويلبسون ثياب النساء الواسعة الصارخة الألوان، ويسرّحون شعورهم ويضفرونها، ويغنّون على الدفّ، ولعلّهم على الصنوج أيضًا، ويؤدّون على ذلك — على الأرجح — تلك الرقصات
1) في عهد الخليفة سليمانَ خُصي جميع مخنّثي المدينة. الأغاني، IV، 60. وكان منهم المغنّي المشهور ابن دَلّال، وكان يعمل إلى جانب ذلك قوّادًا. قارن الأغاني، II، 171، 172 وما بعدها.
46الفاجرة المعروفة التي لا تزال مألوفةً في الشرق إلى اليوم.1) وبفعلهم هذا سقطت طائفة المغنّين وأهل الموسيقى سقوطًا تامًّا في سوء السمعة، وقد كان الحزب المتديّن ناقمًا عليها منذ البداية، فطبّق عليها لذلك عددٌ من أصحاب السلطان مرارًا أقسى الإجراءات. من ذلك أنّ واليًا للعراق (خالدًا القَسْريّ) حرّم الموسيقى والغناء تحت طائلة العقوبة الشديدة، ولم يستثنِ إلّا حُنَينًا مغنّيَ الحيرة المشهور.2)
وكما تتحوّل في الشرق كلُّ حرفة، حتى أقذرها وأدناها، بطريق التجمّع الضمنيّ إلى صِنفٍ منظَّم — فاللصوص والنقّابون والقوّادون مثلًا كانوا يؤلّفون، ولا يزال بعضهم يؤلّف، طائفتهم الخاصّة — فكذلك يكاد لا يُشكّ في أنّ عشيرة المخنَّثين القذرة ألّفت صِنفها الخاصّ وبقيت كذلك رغم كلّ اضطهاد. فليس بعجيبٍ إذًا أنّهم بقوا إلى اليوم في بعض بلاد الشرق. وذلك في مصر خاصّة. فلا يزال من العادة هناك أن يظهر في بعض أفراح الأسرة، وفي الأعراس خاصّةً، راقصون (الخَوَل) إلى جانب الراقصات. وهم يرقصون تمامًا كما ترقص المسمَّيات العوالم، يضربون الإيقاع بالصنوج، ويلبسون ثياب النساء، ويتكلّفون في المشية والوقفة والحركة عاداتِ النساء، وقد سُوِّدت أجفانهم بالكحل ورُسمت حواجبهم واستُؤصلت لحاهم، ويطيلون شعورهم ويضفرونها على هيئة النساء، بضفائرَ مصنوعةٍ معلَّقٍ بها قطعُ الذهب،
1) الأغاني، IV، 39. وقد كان مثل هؤلاء المخنَّثين موجودين في زمن محمّدٍ أيضًا، غير أنّه يبدو أنّهم كانوا يومئذٍ قوّادين فحسب، من غير أن يظهروا في الوقت نفسه مغنّين. قارن البخاري 2779، 8149.
2) الأغاني، II، 123. وقد جعل أحد ولاة مكّة على كلّ مخنَّثٍ ثمنًا قدره 300 درهم، ونفى كلّ من أُتي به على هذا الوجه. الأغاني، IV، ص 39.
47وأيديهم مخضوبةٌ بالحنّاء كأيدي النساء، ويظهرون في الشوارع عادةً وقد سُتر نصف وجوههم، لا حياءً بل تدلُّلًا. وهؤلاء الخَوَل، الذين لا يزال المرء يلقاهم في شوارع القاهرة، هم أعقاب المخنَّثين العرب القدماء (Cinaedi) في العصر الحديث. ولم ألقَهم في غير ذلك من مدن الشرق، كدمشق وحلب ونحوهما. ولعلّ المرء يجدهم أيضًا في مكّة، البلدِ الحرام، حيث الفجور — كما هو معلوم — أعظم في زماننا أيضًا منه في أيّ بقعةٍ أخرى من العالم الإسلاميّ.1)
1) عن الخَوَل قارن: Lane: Modern Egyptians, II, cp. VI.
48نُظُم الدولة في العصر الأبويّ
كان محمّد ثائرًا بأتمّ معاني الكلمة، ولم يكن يمكن أن يكون غير ذلك بوصفه نبيًّا لقومه ومصلحًا لهم؛ فإنّ مساعيه الدينيّة كان لا بدّ لها بالضرورة أن تعيد تشكيل أحوال الدولة كلَّها، بل كانت لها نتيجةٌ لا تقلّ أهمّيّةً وهي أنّ الأوضاع الاجتماعيّة أيضًا دخلت في غليانٍ تامّ.
فليضع المرء نفسه في موضع الجماعة المحمّديّة الأولى، وهي تتجمّع شيئًا فشيئًا في المدينة بعد أن اضطُرّ محمّدٌ إلى الفرار من مكّة. لقد عاشت في أوّل الأمر، وقد جُرّدت من كلّ شيء، على كرم أهل اليسار من أهل المدينة وحسنِ قِراهم كلَّه تقريبًا، وهم الذين انضمّوا إلى النبيّ وإلى مصيره بدخولهم في الدين الجديد. ثمّ أحسن أن ينهض بأصحابه سريعًا بالإغارة على قوافل مكّة وبقهر اليهود الأغنياء المستوطنين في المدينة وحولها؛ ولمنع كلّ نزاعٍ تولّى بنفسه قسمةَ الغنيمة. لقد كان لأصحابه كلَّ شيء. إن جاع جاعوا معه. وعلى هذا النحو نشأت منذ عهد النبيّ عادةُ أن تُجرى من دخل الدولة — إن جاز أن يُسمّى بذلك ما كان يومئذٍ من مواردَ بالغةِ الاضطراب، كالغنيمة والزكاة والتبرّعات — قِسَمٌ عامّةٌ
49على الشعب، على الجماعة كلِّها. وكان محمّدٌ يؤثر أقربَ ذوي قرباه عن طيب نفسٍ، ولم يكن عربيٌّ يرى في ذلك جَورًا، فإنّ في القرآن نفسه موضعًا (سورة 8، الآية 42) يُقرّ فيه صراحةً لذوي قربى النبيّ بحقٍّ في العطاء من بيت المال، وكان سلطان أواصر القربى عند عرب الزمان القديم عظيمًا إلى أبعد حدّ. فما نسمّيه نحن بلساننا الحديث محاباةَ الأقارب، وهو ما يُنكَر عليه كثيرًا وإن كان مغروسًا في الطبع البشريّ، كان عند العرب أبدًا أمرًا بديهيًّا تمامًا، بل واجبًا أخلاقيًّا تفرضه حرمةُ أواصر الأسرة.
على أنّ النبيّ — ولا بدّ أن يُعَدّ من أحسن خصاله كرمٌ عربيٌّ خالص — لم يقف عند أهله وحدهم، بل طبّق الأصول نفسها على الناس كافّةً وفاءً للمبدأ الذي أرساه، مبدأِ المساواة والمؤاخاة الوثيقة بين المسلمين جميعًا: فكان الوكيل العامّ على أموال المؤمنين كلِّهم. فإن مات أحدٌ وعليه دَين تولّى هو قضاءه. وقد حُفظ لنا عن البخاري حديثٌ نصّه: «كان النبيّ إذا مات المسلم سأل: هل ترك ما يقضي به دَينه؟ فإن قيل نعم صلّى عليه بنفسه، وإلّا تركها للجماعة. فلمّا تمّت له الفتوح قال: أنا أولى بالمسلمين من أنفسهم؛ فمن مات منهم وترك دَينًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته.»1)
1) البخاري 1426. والحديث نفسه عند البلاذري ص 458، لكن بإسنادٍ مختلف؛ على أنّ الرواية عندهما ترتدّ
50ولكي نطّلع الآن على أحوال الدولة والمجتمع في ذلك الزمان، نبدأ بالنظر في موارد دخل الدولة، وأوّلًا في الضرائب.
في القرآن نفسه يُؤمَر بعد الصلاة بأداء ضريبةٍ يُعبَّر عنها بلفظ «الزكاة»، وهو لفظٌ مأخوذٌ من المعجم العبريّ المتأخّر ومعناه التطهير، ويفسّره العرب بأنّ المؤمن يطهّر بأداء هذه الفريضة نفسه وماله من كلّ إثم.
وفي القرآن نفسه يأتي الأمر بالزكاة بعد الأمر بالصلاة مباشرةً: «وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاة!» (سورة 2، الآية 40).
وكان لهذه الفريضة صبغةٌ شيوعيّةٌ قويّة، ويوضّح ذلك الحديث التالي: «بعث النبيّ معاذًا إلى اليمن وقال له: ادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله؛ فإن أطاعوك فأعلِمهم أنّ الله فرض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم؛ فإن هم أذعنوا لذلك أيضًا فأعلِمهم أنّ الله فرض عليهم صدقةً (صدقة — زكاة) في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم.»
وقد أُوليت هذه الزكاة مبكّرًا من الشأن ما جُعلت به شرطًا في المسلم الحقّ لا غنى عنه كالصلاة نفسها.1) ولئلّا تقع الضريبة على الفقراء وُضعت لها حدودٌ معلومة. ونجمع فيما يلي
على أبي هريرة أوّلَ ضامنٍ للصحّة، ومعلومٌ أنّ أبا هريرة لا يجوز بحالٍ أن يُعَدّ راويًا محايدًا.
1) البخاري 882.
51أهمّ الأحكام الشرعيّة في ذلك.
كتب أبو بكرٍ إلى عامله على الصدقات بالبحرين ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم! هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بها نبيَّه. فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليؤدِّها، ومن سُئل فوقها فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرين من الإبل فما دونها من كلّ خمسٍ شاة؛ وفي 25 إلى 35 بنتُ مَخاضٍ أنثى (أي فصيلٌ في السنة الثانية)، وفي 36 إلى 45 بنتُ لَبونٍ أنثى (أي في السنة الثالثة)، وفي 46 إلى 60 حِقّةٌ تامّة (أي بعيرٌ في الرابعة)، وفي 61 إلى 75 جَذَعة (أي في الخامسة)، وفي 76 إلى 90 بنتا لَبون (أي من ذوات اللبن)، وفي 91 إلى 120 حِقّتان تامّتان؛ فإذا زادت على 120 ففي كلّ 40 بنتُ لبون، وفي كلّ 50 حِقّة؛ ومن لم يكن له غير أربعٍ من الإبل فلا زكاة عليه إلّا أن يتطوّع؛ فإن لم يكن لأحدٍ غير خمسٍ فعليه شاة؛ ومن الغنم إذا بلغ عددها 40 إلى 120 ففيها شاة؛ وفي 121 إلى 200 شاتان، وفي 201 إلى 300 ثلاث شياه، وفي كلّ مئةٍ بعدها شاة. فإن كانت الغنم 39 رأسًا أو أقلّ فلا زكاة فيها إلّا تطوّعًا. وفي المال ربع العُشر؛ فإن لم يزد على 190 درهمًا فلا شيء فيه إلّا عن طيب نفسٍ من صاحبه.1) ولم تكن تُقبل المعيبة ولا الهَرِمة من الحيوان.
1) البخاري 921. قارن الماوردي ص 199. وكان المعز يُحسب مع الغنم، والإبل ذواتُ السنامين، أي التتاريّة (البُخْت)، مع الإبل. المصدر نفسه.
4*
52وأصدر الخليفة الأوّل إلى جانب ذلك أمرًا آخر حُدّدت به قيمة الإبل قياسًا إلى قيمة الغنم: «من وجبت عليه في إبله جَذَعةٌ زكاةً وليست عنده، فله أن يؤدّي حِقّةً وشاتين أو قيمتهما، وهي 20 درهمًا. ومن وجبت عليه حِقّةٌ وليست عنده وعنده جَذَعة، فله أن يؤدّيها ويردّ عليه العامل شاتين أو 20 درهمًا؛ ومن وجبت عليه حِقّةٌ وليس عنده إلّا بنت لَبون، فله أن يؤدّيها ويأخذ شاتين أو 20 درهمًا. ومن وجبت عليه بنت لَبونٍ وليست عنده وعنده حِقّة، أُخذت منه الحِقّة وردّ عليه المصدِّق شاتين أو 20 درهمًا، وهكذا.»1)
ويُرى من ذلك أنّه قد ظهر يومئذٍ لزومُ وضع تعرفةٍ للأسعار في كيفيّة قبول الإبل — وبها كان يُؤدّى أعظم الزكاة — في خزائن الحكومة. وكانت الغنم تقوم مقام النقد الصغير، وثمن الشاة في عهد أبي بكرٍ 10 دراهم (10 فرنكات)، وهو ثمنٌ مرتفعٌ جدًّا نسبيًّا.
وأقرّ عمرُ الأوّلُ خَلَفُه أحكام أبي بكر وأتمّها. وقد بقيت لنا نسخةُ كتابٍ أصدره في ذلك. ونصّ هذه الوثيقة العجيبة: «بسم الله الرحمن الرحيم! هذا كتاب الصدقة: في أربعٍ وعشرين من الإبل فما دونها من كلّ خمسٍ شاة؛ فإن زادت إلى 35 فبنتُ مَخاض، فإن لم تكن فابنُ لَبونٍ ذكر؛ فإن زادت إلى 45 فبنتُ لبونٍ أنثى، فإن زادت إلى 60 فحِقّة، فإن زادت إلى 75 فجَذَعة؛ فإن زادت إلى 90
1) البخاري 920.
53فبنتا لَبونٍ أنثيان؛ فإن زادت إلى 120 فحِقّتان، وفيما زاد على ذلك في كلّ 40 بنتُ لبونٍ أنثى وفي كلّ 50 حِقّة.»1)
«وفي الغنم: من 40 إلى 120 شاة، وفيما زاد إلى 200 شاتان، وفيما زاد إلى 300 ثلاث شياه، وفيما زاد ففي كلّ مئةٍ شاة. ولا يُؤخذ في الصدقة تيسٌ ولا هَرِمةٌ ولا ذاتُ عيبٍ إلّا أن يأذن المصدِّق نفسه. ولا يُجمَع بين مُتفرِّقٍ ولا يُفرَّق بين مجتمعٍ عند أخذ الزكاة، مراعاةً لصحّة الجباية. وما كان بين خليطين فإنّهما يتراجعان بينهما بالسويّة. ومن النقد نفسه (الفضّة)، إذا بلغ خمسَ أواقٍ، ربعُ العُشر (أي من 200 درهمٍ خمسة، وهو 2½ في المئة).»2)
وكان العمل في جباية هذه الزكاة بالغَ اللين، على ما يوافق الطابع الأبويّ لذلك الزمان. فقد كان أبو بكر إذا قسم على كلّ فردٍ من الجماعة عطاءه من بيت المال سأل كلَّ واحدٍ: هل عنده ما تجب فيه الزكاة؟ فإن قال لا دفع إليه العطاء كاملًا، وإلّا حسم منه مقدار الزكاة.3) وكان من الأصول كذلك أن لا تجب الزكاة إلّا فيما حال عليه
1) قارن الماوردي ص 197، ثمّ أبو يوسف: كتاب الخراج، ورقة 43.
2) شرح الموطّأ، II، ص 55، 56، وكذلك عند الترمذي وأبي داود؛ ويُذكر مع ذلك أنّ محمّدًا نفسه أمر بكتابة قانون الزكاة هذا دون أن يبلّغه عمّالَه على الصدقات. وكان يحمل الرَّقّ المكتوب فيه معلَّقًا بسيفه. وفعل أبو بكرٍ مثل ذلك، ويُقال إنّ عمرَ هو أوّل من نشره، وأدخله مالكٌ في مجموع حديثه.
3) شرح الموطّأ، II، ص 44.
54الحولُ في ملك صاحبه. فكان على كلّ امرئٍ أن يُقرّ بحال ماله. وأوصى عمرُ الأوّلُ عمّالَه فوق ذلك وصيّةً خاصّةً بأن لا يعنتوا الناس ولا يأخذوا خيار أموالهم من مواشيهم. بل يشهد مالكٌ بعد ذلك أيضًا بأنّ العادة جرت بأن لا تُردّ بهيمةٌ تُقدَّم في هذه الزكاة بحجّة أنّها لا تصلح.1)
ويُرى من هذا كم كانت عادات ذلك الزمان بسيطة، وكم كانت الحكومة بعيدةً عن التفكير في التعنّت الماليّ.
على أنّ الزكاة كانت تُؤدّى من البقر أيضًا. فما دون 30 بقرةً لا زكاة فيه. وفي 30 بقرةً تَبيعٌ (أي عِجلٌ فُطم في السنة الأولى)، وفي 40 بقرةً مُسِنّةٌ (أي بقرةٌ لها ثلاث سنين على الأقلّ)، وهكذا.
ولم تكن تُؤخذ في أقدم العهود زكاةٌ من سائر الدوابّ النافعة، فإنّ القاعدة العامّة: «الصدقةُ في الحَرْث والعَين والماشية»، ويضيف الشرّاح صراحةً أنّ المراد بذلك الإبلُ والبقر والغنم (والمعز).2) ويُقال إنّ النبيّ نفسه هو الذي حكم بأن لا زكاة في الخيل والرقيق، إذ نُسب إليه قوله: «عفوتُ لكم عن الخيل والرقيق، فهاتوا زكاة المال».3) وأمّا الأقوات، ولا سيّما الحبوب والخُضَر، ففيها الزكاة. وسائر الثمار كلُّها معفاةٌ خلا التمر
1) شرح الموطّأ، II، ص 63.
2) المصدر نفسه، ص 43.
3) حديثٌ لأبي داود منقولٌ في شرح الموطّأ، II، ص 73. وبحسب موضعٍ في كتاب الخراج لأبي يوسف، ورقة 43، يُقال إنّ أبا حنيفة أفتى بأنّ في كلّ فرسٍ دينارًا. والحديث المذكور آنفًا نقلًا عن أبي داود موجودٌ أيضًا في كتاب الخراج لأبي يوسف، ورقة 43.
55والزبيبَ والزيتون. على أنّ الوجوب لا يبدأ إلّا فيما زاد على أربعة أوسُقٍ (أحمالِ إبل). وكان تقدير المقدار في التمر والعنب يجري على نسبة الغلّة؛ يتّفقون على ما يُظنّ أنّ النخل أو الكَرْم يؤدّيه من الثمر، ثمّ يحدّدون على ذلك القدر الواجب زكاةً. فإذا تمّ الخَرْص تُرك لصاحب المال أن يتصرّف فيه كما يشاء.1) وأمّا العسل فلا زكاة فيه أصلًا.
على أنّه كان يُفرَّق في تقدير زكاة الأرضين بحسب جودة التربة. فبحسب مالك2) قال النبيّ نفسه إنّ كلّ ما نبت في أرضٍ تسقيها السماء أو العيون الطبيعيّة أو الماء الجوفيّ (البَعْل) ففيه العُشر؛ وأمّا ما احتاج إلى سقيٍ بالكلفة فليس فيه إلّا نصف العُشر.
والحبوب التي يجب فيها العُشر هي: الشعير (sha‘yr, hordeum)، والذُّرة (dorrah, sorghum vulgare)، والحِنطة (hintah, triticum turgidum)، واللُّوبياء (dolichos lubia Forsk.)، والجُلبان (gilbän, pisum)، والعدس (‘adas, ervum lens Lin.)، والأرُزّ (orozz, oryza sativa)، والدُّخْن (sorghum saccharatum)، والسُّلْت، وهو ضربٌ من الشعير بلا قشر (hordeum nudum)، والجُلْجُلان أي السمسم (golgolän).3)
وخفّض عمرُ الأوّل الزكاة في الحبوب إلى نصف العُشر ترويجًا لاستيرادها إلى المدينة، فقد كانت جزيرة العرب مضطرّةً يومئذٍ — كما هي إلى اليوم — إلى استيراد كميّاتٍ كبيرة. وكذلك لم يأخذ عمرُ الأوّل من الأنباط، أي سكّان العربيّة الحجريّة الآراميّين، من الحَبّ والزيت إلّا نصف العُشر.4) أمّا سائر
1) شرح الموطّأ، II، ص 65. 2) المصدر نفسه. 3) المصدر نفسه، ص 68. 4) المصدر نفسه، ص 76.
56النباتات الغذائيّة، وهي التي يجمعها فقهاء العرب تحت اسم «القَطْنِيّة»، ونحن نسمّيها ذواتِ القرون، مثل: البِسِلّة (pisum arvense, arab. bisyllah)، والتُّرمُس (lupinus termis, arab. tirmis)، والحِمَّص (cicer arietinum, arab. himmas)، والفول (vicia fava, arab. ful) — فقد أبقى فيها العُشر.1) وسائر الثمار والخُضَر كلُّها معفاة.2)
وثالثُ ما تجب فيه الزكاة النقدُ والمعادن النفيسة (العَين). ولم يحدّد النبيّ نفسه في القرآن شيئًا في زكاة النقد. ولا يُعرف إلّا قولٌ يُنسب إلى عليّ: «أدّوا زكاة المال: من كلّ 20 دينارًا نصفَ دينار.» غير أنّ هذا الحديث ليس بجيّد الثبوت، وإن كان فقهاء العرب المتأخّرون كلُّهم يردّدونه. والزكاة في المال بحسب مالك على هذا الوجه: ما دون 20 دينارًا لا زكاة فيه، وما فوقها ففيه الزكاة.3) والزكاة نصفُ دينارٍ من 20، أي 2½ في المئة.4) على أنّ الشرط قائمٌ أبدًا بأن يكون رأس المال الذي تجب فيه الزكاة قد بقي حَولًا كاملًا في اليد نفسها. وكانت هذه الفريضة بعينها تُؤخذ من غلّة إجارة الرقيق والدور ونحوها.5) وكذلك جرت الزكاة نفسها في المعادن والمناجم، إلّا أنّها في هذه الحال لا تجب بعد حَولٍ بل تجب — كما في غلّة الأرض — عقب الاستخراج مباشرةً، إذا بلغ المقدار النصاب المعتاد وهو 20 دينارًا.6) وأمّا الكنوز القديمة الموجودة في الأرض (الرِّكاز) فتأخذ الدولة منها الخُمس. وأمّا حليّ الذهب فكانت
1) شرح الموطّأ، II، ص 70.
2) المصدر نفسه، ص 71.
3) المصدر نفسه، ص 45.
4) كان الدينار يُحسب أوّلًا بـ10 دراهم، ثمّ بـ12 درهمًا منذ عهد أبي حنيفة.
5) شرح الموطّأ، II، ص 45.
6) المصدر نفسه، ص 47.
1. القصيدتان (مقطوعة عمر بن أبي ربيعة في «زينب»، وقصيدة العَرْجيّ الطويلة في «كُلابة»)، وكذلك البيت المعاد في ص 37، مترجَمةٌ هنا عن ترجمة كريمر الألمانيّة المنظومة، لا عن أصلها العربيّ. ولم أُعِد بناء أيّ بيتٍ عربيٍّ ولم أنسب إلى الشاعرين لفظًا بعينه؛ فما هنا نثرٌ مقطّع يحكي معنى الألمانيّة وترتيبَ صورها فحسب. ومن أراد الأصل فمظانّه «الأغاني» في المواضع التي يحيل عليها كريمر.
2. «كُلابة» (Koläba عند كريمر): الاسم ليس في المسرد، ولم أتحقّق من ضبطه في المصادر العربيّة؛ وقد كُتب هنا «كُلابة» نقلًا لحروف كريمر لا ترجيحًا لضبط، ويحتمل «قُلابة» وغيره.
3. «الجَنَد» (Ganad): كورةٌ باليمن، وهي المقصودة بقول كريمر «Provinz Ganad in Jemen»؛ وقد رُدّت «Provinz» إلى «الكورة» لا إلى «الإقليم» لأنّ السياق ولايةُ عملٍ لا تقسيمٌ جغرافيّ.
4. مصطلحاتٌ مستعادة: «Reinigungseid» = يمين التبرئة؛ «Standplatz Abrahams» = مقام إبراهيم؛ «Ecke der Kaaba» = ركن الكعبة؛ «Freigelassene(r)» = المولى/المولاة؛ «Statthalter» = الوالي؛ «Karawanenserais» = الخانات؛ «als fromme Stiftung errichtete Speisehäuser» = المطاعم الموقوفة. وأمّا «Damenbrett» فلعبةٌ أوروبيّة (الداما) استعملها كريمر ترجمةً لما في «الأغاني»، وقد أُبقيت على لفظه ولم تُردّ إلى «النرد» لعدم التحقّق.
5. عيبٌ في الأصل المصوَّر: في ص 33 من الطبعة (السطر الذي يقدّم العَرْجيّ) اختلطت بالنصّ كتاباتٌ هامشيّةٌ بخطّ اليد التقطتها القراءة الآليّة («hier Ara (11,» و«37%, weh )» و«7»)؛ وهي ليست من نصّ كريمر، فأُسقطت وتُرجمت الجملة على وجهها. وكذلك «aus dem Gedichte ArBy 8» تحريفٌ عن «aus dem Gedichte ‘Argy’s».
6. أحكام كريمر — وصفُه فقهاءَ الإسلام المتأخّر بالتعصّب، والمتصوّفةَ بالتهوّس، والترفَ المكّيّ بأنّه «همجيّ» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف، وهي رأيه هو.
1. المقطوعات الثلاث المغنّاة (مطلع «مضت سعاد…»، و«يا بنت الأزديّ…»، و«يا صاحبيّ! أمهلاني…») مترجَمةٌ عن نظم كريمر الألمانيّ، لا عن أصلها العربيّ. لم أُعِد بناء أيّ بيتٍ عربيٍّ ولم أنسب لفظًا بعينه إلى قائل؛ ومظانّ الأصول «الأغاني» في المواضع التي يحيل عليها كريمر.
2. أسماءٌ لم أتحقّق من ضبطها، وقد نُقلت عن صورة كريمر لا ترجيحًا لضبط: «الهُذَليّ» (Hodaly) الحجّار؛ و«آل قَطَن» (Familie Katan) الذين كان معبدٌ مملوكًا لهم؛ و«رمل العَدْماء» (’Admä-Grund) في البيت الأوّل؛ و«ابن دَلّال» (Ibn Dalläl). ومَن أراد التحقيق فمظانّها «الأغاني».
3. مصطلحاتٌ مستعادة إلى أصلها العربيّ: «Client / Clienten» = المولى/الموالي (يستعملها كريمر بالمعنى الرومانيّ)؛ «mohammedanische Sittenpolizei» = الحسبة؛ «Zunft / Gilde» = الصِّنف / الطائفة؛ «Alyide» = العَلَويّ؛ «Tradition» = الحديث. وأسماء الآلات أثبتها كريمر منقولةً عن العربيّة (doff, tanbur, nai’, ‘ud)، فرُدّت إلى رسمها العربيّ وأُبقيت صورتُه بين قوسين.
4. «Cinaedi / Cinaeden» لفظٌ لاتينيٌّ يقابل به كريمر «المخنَّثين»، وقد أُبقي بحروفه اللاتينيّة عند أوّل وروده لأنّه مقابلةٌ اصطلاحيّةٌ يعقدها المؤلّف، وتُرجم فيما بعدُ بـ«المخنَّثين».
5. «tout comme chez nous» جملةٌ فرنسيّةٌ في الأصل الألمانيّ («تمامًا كما هو الحال عندنا»)، وهي غمزةٌ من كريمر إلى قرائه الأوروبيّين، فأُبقيت بلغتها.
6. أحكام كريمر في هذا الموضع — عن «الفقهاء» و«المتنسّكين» و«التصوّف المتطرّف»، وعن «الشرق» و«أقذر الحِرَف»، ووصفُه المخنَّثين بـ«العشيرة القذرة» — منقولةٌ كما هي بلا تلطيف ولا تهذيب؛ وهي أحكامه هو.
7. «Bochäry 8149» كذا في الأصل، ولعلّه 3149؛ لم يُغيَّر صونًا لجهاز الإحالات.
1. استعادةُ المصطلح هي عمل هذا الفصل كلِّه. أسنانُ الإبل التي ينقلها كريمر منقولةً عن العربيّة رُدّت إلى رسمها: Machäd = بنت مَخاض، Labun = بنت لَبون / ابن لَبون، Hikkah = حِقّة، Gada‘ah = جَذَعة، Taby‘ = تَبيع، Mosinnah = مُسِنّة، Wask = وَسْق، ba‘l = البَعْل، ‘ain = العَين، rikäz = الرِّكاز، Kitnijjah = القَطْنِيّة، bochty = البُخْت. وكذلك Steuereinnehmer / Steuerbeamter = العامل على الصدقات / المصدِّق، Zehent = العُشر، Armentaxe = الزكاة، Staatsschatz = بيت المال.
2. كتابا الصدقة (كتاب أبي بكرٍ إلى عامله بالبحرين، وكتاب عمر) نُقلا هنا عن ترجمة كريمر الألمانيّة، لا عن نصّهما في البخاري وشرح الموطّأ، مع ردّ المصطلحات الفنّيّة وحدها إلى ألفاظها العربيّة المعروفة. فما هنا ترجمةٌ، لا إعادةُ إنشاءٍ للوثيقة الأصليّة.
3. الآيات والصيغ المستعادة: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» (البقرة 40 في عدّ كريمر)، والبسملة، وشهادةُ التوحيد في حديث معاذ — كلُّها صيغٌ ثابتةٌ كان كريمر يترجم عنها، فأُعيدت إلى لفظها. أمّا متونُ الأحاديث الباقية (حديث الدَّين، وقاعدةُ «الصدقة في الحرث والعين والماشية»، وحديثُ العفو عن الخيل والرقيق) فتُرجمت من الألمانيّة.
4. اشتقاق «الزكاة» من العبريّة المتأخّرة، وقولُه إنّ للفريضة «صبغةً شيوعيّةً قويّة»، والطعنُ في أبي هريرة، وقولُه في مكّة إنّ «الفجور فيها أعظم منه في أيّ بقعةٍ أخرى من العالم الإسلاميّ» — كلُّها أحكام كريمر ودعاواه، نُقلت كما هي بلا تلطيف ولا تعقيب في المتن.
5. عيوبُ الأصل المصوَّر: (أ) عنوان الفصل ورد «II.» في ص 48 بينما تقول ترويسات الصفحات «III.»، وهو الصواب، فأُثبت III. (ب) حاشيةُ ص 49 مقطوعةٌ عبر انتقال الصفحة، وعَجُزُها مطبوعٌ في أسفل ص 50، فأُثبت في موضعه هناك مرّةً واحدة. (ج) «2½ في المئة» وردت في الأصل مرّةً «21/,» ومرّةً «21»، والمراد اثنان ونصف. (د) «Bochäry 8149» في الملزمة السابقة، و«Mais (dorrah, sorghum vulgare)» — والذُّرة ليست الذرة الأمريكيّة (Mais)، وقد أُثبت اللفظ العربيّ الذي يترجم عنه كريمر ولم يُصحَّح تعريفه النباتيّ.
6. «Denkschrift des Abu Jusof» هو «كتاب الخراج» لأبي يوسف، يسمّيه كريمر «المذكّرة»؛ وقد أُثبت بعنوانه العربيّ المعروف مع الإبقاء على ترقيم الأوراق كما هو.
7. الأسماء اللاتينيّة للنباتات أُبقيت بحروفها اللاتينيّة، ومعها صورةُ كريمر لنقل اللفظ العربيّ، صونًا لجهاز الكتاب.