... تُؤخَذ عنه الزكاة؛ فكان يُوزَن في كلّ سنة، فإذا بلغ وزنُه قيمةَ أكثرَ من 20 دينارًا طُولِب صاحبُه بأدائها.1)
أمّا العنبر والمسك، وهما من الطِّيب الباهظ الثمن الكثير الاستهلاك، فلم يكن يُؤخَذ عنهما شيء البتّة.
على أنّ التجّار أيضًا كانوا يُؤدّون ضربًا من المكس، غير أنّه لم يدخل في باب الزكاة، بل في باب موارد الدولة العامّة. كتب عمرُ الثاني إلى عامله على أَيلة — وهي العقبة اليوم، وكانت يومئذٍ من أهمّ متاجر الأرض، إذ تمرّ بها قوافلُ شمالِ الجزيرة كلُّها إلى الشام ومصر — بهذا الأمر: «خُذ من المسلمين من كلّ أربعين درهمًا درهمًا، واكتب لهم بذلك براءةً للسنة، وخُذ من التجّار من غير المسلمين من كلّ عشرين درهمًا درهمًا».2) فكان المكس على المسلمين 2.5 بالمئة، وعلى مخالفيهم في الدين ضِعفَ ذلك، أي 5 بالمئة.
ومن استعرض هذه الأخبار لم يبقَ عنده شكٌّ في أنّ أمر الجباية والخراج نال منذ العهود الأولى للحكم المحمّدي عنايةً بالغة، وأنّ موارد الدولة لا بدّ أن تكون قد بلغت مبلغًا عظيمًا.
وقد كان لمحمّدٍ نفسِه حِمًى للدولة تُحفَظ فيه وتُرعى تلك الأعدادُ الكثيرة من الإبل والبقر والغنم الواردةِ أداءً للزكاة.3) فلذلك كانت ولايةُ الحِمى من مواضع الثقة، ولّاها عمرُ الأولُ أحدَ
1) شرح الموطأ II. p. 49.
2) Ibid. p. 51, 52. وكان عمرُ الثاني يستند في كلّ شيء إلى ما جرى عليه الخلفاء الأوّلون، ولا سيّما عمرُ الأول، حتى ليَحسُن الظنُّ بأنّ هذا المكس لم يكن بِدعًا مُحدَثًا.
3) كان مَرعى العهد المحمّدي في النَّقيع؛ وكان لعمر الأول حِمًى بالرَّبَذة والشَّرَف؛ الماوردي p. 322.
58مواليه. وقد بلغ ما في هذه الأحماء من الإبل والخيل في عهد عمر الأول ما لا يقلّ عن 40,000 رأس.1) وميّزوا دوابَّ الدولة هذه بأن كَوَوها بوَسْمٍ خاصّ.
فأمّا مصارفُ هذه الأموال الطائلة من المواشي والنقد المتدفّقة على الحكومة من هذا المورد، فقد كان الأصل — بحكم أمرِ النبيّ — أن يُنفَق حاصلُ الزكاة في الوجوه الآتية: 1. تجهيز المقاتلة لحرب الكفّار، 2. أرزاق العُمّال الموكَّلين بجمع الزكاة وجبايتها، 3. إعانةُ المعوزين من المسلمين2)، على أن يُستثنى دائمًا البيتان القرشيّان الشريفان — بنو المطّلب وبنو هاشم، وهم أقربُ عشيرةِ النبيّ — فقد أُخرِجوا نصًّا من القسمة في أموال الزكاة، لأنّ لهم عطاءً مقرَّرًا من أموال الدولة العامّة.
غير أنّ العادة لم تلبث أن جرت بأن يكون حاصلُ الزكاة كلُّه، شأنَ سائر دخل الدولة، موقوفًا على ما يراه رأسُ الدولة. وقد قرّرت هذا الرأيَ مبكّرًا نظرياتُ مدرسة المدينة في أحكام السلطان، وهي المدرسة المنسوبة إلى مالك.3) أمّا في مبتدأ الإسلام فقد خُصَّت بعضُ الكُوَر بأن تُقسَّم زكاتُها على فقرائها في الكورة نفسها، وكان ذلك في اليمن على الخصوص.4)
1) شرح الموطأ IV. p. 246, 247. 2) Ibid. II. p. 68؛ البخاري 2218.
3) شرح الموطأ II. p. 64.
4) البخاري 946.
59على أنّ موارد أعظمَ من هذه بكثير كانت تنساب إلى بيت المال من ينابيعَ أخرى، وهي التي كوّنت دخلَ الدولة العامّ على الحقيقة، أعني الفَيء. فقد فتح العربُ في عهد الخليفة الأول، وفي عهد الثاني خاصّةً، فتوحًا عظيمة؛ وصارت إليهم أغنى البلاد وأجملُها: الشام وبابل ومصر، وتدفّقت من هذه الأقاليم مبالغُ هائلة وقِيَمٌ ضخمة، نقدًا حينًا ونفائسَ من كلّ صنف حينًا، إلى جزيرة العرب وإلى بيت مال الخلفاء، إذ كان على الأمم المغلوبة أن تؤدّي أتاواتٍ حربيةً كبيرة وضرائبَ، بعضَها نقدًا وبعضَها عينًا.
وكانت الديانتان السائدتان في الأقاليم التي انتزعها العربُ من دولتَي الروم والفرس هما النصرانيةَ والمجوسية. وكان الأصلُ في القواعد التي قرّرها محمّدٌ ألّا يُعاهَد إلّا مَن كان عنده كتابٌ منزَّل؛ وقد سمّاهم القرآن «أهل الكتاب»، إذ لم يكن لغيرهم كتبٌ مقدّسة من هذا الجنس، ولا كانوا يؤمنون بأنبياءَ يعترف بهم القرآن. وأهلُ الكتاب على الحقيقة إنّما هم النصارى واليهود ومعهم السامرة؛ غير أنّ عمرَ الأولَ عامَل المجوسَ أيضًا — ويُلحَق بهم المانويّة — معاملةَ أهل الكتاب، مع أنّ الشريعة المحمّدية أشدُّ عليهم منها على الفريقين الأوّلين بكثير؛ ثمّ مدّ عثمانُ هذا التسامحَ نفسَه إلى أهل شمال أفريقيا، أعني البربر.
وكانت الضرائبُ المفروضة على الأمم المغلوبة في مصر والشام والجزيرة وفارس ضربين: 1. الجزية (tributum capitis)، 2. الخراج (tributum soli). ويُرجَّح أنّهما مأخوذان عن ضريبتين قائمتين في الدولة الرومانية بالاسمين نفسيهما؛ أمّا الجزية
60فنعلم أنّها كانت جاريةً في دولة الفرس أيامَ الساسانيّين.1) وقد اشترطت بعضُ المدن والنواحي لنفسها منزلةً مفضَّلةً بعهودِ صلحٍ خاصّة، كان العربُ يلتزمونها بأمانةٍ شديدة. أمّا سوادُ البلاد المفتوحة الأعظمُ فقد أجرى عليه العربُ الجزيةَ والخراج على قواعدَ واحدة.
وأوّلُ من أصدر في ذلك الأحكامَ عمرُ الأول. أمرَ أن يؤدّي كلُّ ذكرٍ بالغ من سكّان البلاد التي تجري فيها العُملة الذهبية — وهي مصر والشام، والعملةُ المعياريّة فيهما الصُّلْدُ الرومي — أربعةَ دنانيرَ جزيةً في السنة؛ وأمّا البلاد التي تجري فيها العملة الفضّية — وهي الجزيرة وشرق جزيرة العرب (البحرين) وفارس، والعملةُ المعياريّة فيها الدرهمُ الساساني — فجعل الجزية فيها 40 درهمًا؛ إذ كان الدينار يومئذ يعدل 10 دراهم.
وكانت الجزيةُ ثلاثَ طبقات: يؤدّي الأغنياءُ أربعةَ دنانير، والطبقةُ الوسطى دينارين، والفقراءُ دينارًا واحدًا.2)
وهذه الأرقام إنّما تصدق على أهل الجزيرة. أمّا في الشام فقُدّرت الجزيةُ على نحوٍ قريبٍ من ذلك، غير أنّنا نفتقر إلى بيانٍ محدَّد؛ وكلُّ ما نعلمه أنّ الجزية هناك ضُربت على كلّ جماعةٍ جُملةً واحدة،
1) قارن كوسان دي برسڤال: Essai sur l'histoire des Arabes III. p. 408؛ والصوابُ هناك «4 دنانير» لا «4 دراهم».
2) البلاذري p. 269. ومالكٌ يحسب الدينار عادةً بعشرة دراهم، لكنّه في موضعين، III. p. 192 وIV. p. 17، يحسبه باثني عشر درهمًا، ثم صار الفقهاءُ بعد ذلك — كأبي حنيفة وأحمدَ بن حنبل — يحسبونه باثني عشر. فالظاهر إذًا أنّ قيمة الذهب ارتفعت أو أنّ عِيار الدرهم ووزنَه نقصا. والنقودُ نفسُها تشهد بذلك حقًّا: فمتوسّطُ وزنِ الدراهم المتأخّرة 2.97 غرام فقط، في مقابل 3.9 للدرهم الساساني الأقدم.
61لا تتغيّر زيادةً ولا نقصًا، سواء كثر عددُهم أم قلّ.1) وأمّا في مصر فكانت الجزيةُ دينارين على كلّ ذكرٍ بالغٍ قادرٍ على الكسب.2)
وإلى جانب هذه الجزية كان على الأمم المغلوبة أن تُقدّم الأرزاقَ عينًا إلى الجند؛ فقد أوجب عليها عمرُ أن تُخرِج لكلّ مقاتلٍ عربيٍّ في كلّ شهر المقاديرَ الآتية: في الشام والجزيرة مُدَّين من القمح، ثم ثلاثةَ أقساطٍ من الزيت (والقِسط هو المكيال اليوناني ξέστης)، ثم قدرًا معلومًا من الوَدَك والعسل. وأمّا أهل العراق فعليهم 15 صاعًا من القمح، ثم قدرٌ من الوَدَك لم يُحدَّد. وأمّا أهل مصر فعليهم في كلّ شهر إردبٌّ من القمح، مع ما يلزم من الكتّان لكسوة الجند والخليفة.3) ويورد المقريزيُّ، مؤرّخُ مصر،4) عن المحدِّث زيد بن أسلم أخبارًا في نظام عمر الجبائيّ تُتِمّ ما تقدّم وتؤكّده. فقد كتب عمرُ إلى أمراء الأجناد
1) روايةُ ابن عائذ عند ابن عساكر fol. 88 v°. يروي الوليدُ فيقول: حدّثني ابن جابر وغيرُه أنّهم — يعني المسلمين — صالحوهم — يعني أهلَ الشام — على أن يؤدّوا مبلغًا معلومًا جزيةً، لا تُزاد إن كثر عددُهم ولا تُنقَص إن قلّ.
2) أجمع هنا بعضَ الأخبار في جزية مصر. كان على أهل مصر في عهد الخليفة عمر دينارانِ عن كلّ رأس، ثم أن يُخرِجوا مقاديرَ معلومة من القمح والزيت والعسل والخلّ. غير أنّهم في عهد ذلك الأمير نفسِه صالحوه على أن يؤدّوا أربعةَ دنانير عن ذلك كلّه. البلاذري p. 216, 218. وقد ارتفع حاصلُ هذه الضريبة حتى بلغ 14 مليون دينار. السيوطي: حسن المحاضرة I. p. 69, 70. وانظر في الجزية عمومًا الماوردي p. 249.
3) شرح الموطأ II. p. 74.
4) المقريزي: الخطط I. 76.
62ألّا تُؤخَذ الجزيةُ إلّا من الذكور الذين بلغوا الحُلُم (مَن جرت عليهم المواسي)؛ وأن يُؤخَذ من أهل العُملة الفضّية 48 درهمًا (= 4 دنانير)، ومن أهل العُملة الذهبية 4 دنانير؛ وعلى أهل العراق من الأرزاق العينيّة أن يُخرِجوا لكلّ مسلمٍ في الشهر 15 صاعًا (من القمح) وقدرًا من الوَدَك؛ وعلى أهل مصر أن يُخرِجوا في الشهر إردبًّا وقدرًا من الوَدَك والعسل، ثم البَزَّ لكسوة الجند، وأن يُضيفوا كلَّ مسلمٍ ثلاثَ ليالٍ؛ وعلى أهل الشام والجزيرة أن يُخرِجوا (في الشهر) مُدَّين من القمح وثلاثةَ أقساطٍ من الزيت، ثم وَدَكًا وعسلًا. وفُرِض على غير المسلمين جميعًا خواتيمُ من رصاصٍ يعلّقونها في أعناقهم، تكون حجّةً على أنّهم أدّوا الجزية على وجهها.1) وأمّا الجزيةُ التي ضربها عمرو بن العاص على القبط حين فتح مصر فدينارانِ عن كلّ رأس. وكان عددُهم يومئذٍ 8 ملايين.
وأمّا الخراجُ فكان لازمًا للأرض وما تُخرِجه. ويبدو أنّ عمرَ أوّلَ ما عرف هذه الوظيفة عرفها في العراق، إذ كانت قائمةً فيه في أيام الفرس، فأخذ بنظام الجباية الفارسيّ هذا من غير تغيير.
فمن كلّ 3,600 ذراعٍ مربّعة — وهي الجَريب — قفيزٌ ودرهم.2) ولمّا فُتِحت بابلُ أمر عمرُ بمساحة الأرض كلِّها، وقرّر الخراج على هذا النحو: من كلّ جَريبٍ يبلغه فيضُ النهر الموسميّ، عُمِر أم لم يُعمَر، يأخذ
1) قارن رسالة أبي يوسف، وهي موافقة لهذا. 2) الماوردي p. 256.
63خراجًا قفيزًا عينًا ودرهمًا نقدًا.1)
ومن كلّ جَريبِ مَرْجٍ خمسةَ أقفزةٍ عينًا وخمسةَ دراهمَ نقدًا. ومن كلّ جَريبِ أرضٍ مغروسةٍ بالشجر عشرةَ أقفزةٍ عينًا وعشرةَ دراهم. وكذلك من كلّ جَريبِ نخلٍ أو كَرْم؛ وقيل بل ثمانيةَ دراهم فحسب.2)
ومن كلّ جَريبِ قصبِ سُكَّرٍ ستّةُ دراهم؛ ومن أرض القمح أربعةٌ، ومن أرض الشعير درهمان.3)
ولا ينبغي أن يُستغرَب اختلافُ الروايات في التفاصيل؛ فإنّ المبدأ الذي قام عليه نظامُ الجباية هذا يتبيّن مع ذلك تمامَ التبيُّن، وهو مبدأٌ صائبٌ كلَّ الصواب، إذ قدّر الضريبة بحسب جودة التربة ونوع ما يُزرَع فيها.
ولا ينبغي أن نُغفِل هنا حكمًا استثنائيًّا أصدره عمرُ الأول لصالح قبيلة تغلبَ العربية، وكانت منازلُها في الجزيرة وهي تفلح أرضَها هناك. فقد أبى أن يُسوّيَ بين بني هذه القبيلة، وهم عربٌ خُلَّص، وبين الأمم المغلوبة، مع أنّهم أصرّوا على رفض الإسلام وثبتوا على دين آبائهم، أي النصرانية. فأمرَ عمرُ أن يؤدّي التغلبيّون الزكاةَ مضاعفةً، ويُعفَوا في مقابل ذلك من الجزية والخراج.4)
وأمّا في الشام ومصر فقد جرت في جباية الأرض تفاوتاتٌ في بعض المواضع،
1) وهذا موافقٌ كلَّ الموافقة لما عند أبي يوسف، الرسالة fol. 21, 22.
2) أبو يوسف fol. 21.
3) البلاذري p. 269, 270. وعند أبي يوسف fol. 22 و23 أنّ النخل كان معفًى؛ وأنّه أخذ من جَريب السمسم خمسةَ دراهم، ومن البقول ثلاثةَ دراهم، ومن القطن خمسةَ دراهم عن الجَريب. وفي موضعٍ آخر fol. 21 أنّه أُخِذ من غروس النخل والكروم خراجُ ثمانيةِ دراهم.
4) ابن الأثير II. p. 410؛ الماوردي p. 249.
64إذ كان مقدارُ الخراج أو طريقةُ جبايته وأدائه يجريان على اختلاف أحوال الزراعة والقِيَم. وأمّا في الأندلس فإنّ القائد العربيّ قسّم بعد الفتح على مقاتليه كلَّ الأراضي التي صارت إلى المسلمين عَنوةً لا صُلحًا؛ وأمّا الخُمس فجُعل مِلكًا للدولة وأرضًا للتاج، وأُقِرَّ النصارى المقيمون في تلك الأرضين مكانَهم، وأُذِن لهم أن يفلحوها كما كانوا، على أن يؤدّوا ثلثَ الغَلّة إلى بيت المال. وأمّا الأرضون التي أُخِذت صُلحًا، وهي كلُّها في الأقاليم الشمالية، فبقيت في أيدي أصحابها الأوّلين في مقابل أداء الجزية.1)
وإلى جانب هذه الموارد، كانت غنائمُ الحرب — وللدولة خُمسُها — من أعظمها بلا شكّ، وهو مَورِدٌ لا بدّ أن يكون قد أفاض أموالًا هائلة في حروب الفتح التي كادت لا تنقطع طَوالَ القرن الأول.
ثم إنّ تزايُدَ الموارد سرعان ما أشعر بالحاجة إلى تدوين ذلك وضبطِ حسابه، دَخلًا وخرجًا. فأخذ عمرُ الأولُ لذلك بما كان قائمًا في دولة الفرس من دواوين الحساب، وهو المعروف باسم «الديوان»، ثم انتقلت هذه التسمية بعدُ إلى سائر دواوين الحكومة.2)
ولمّا قدم عاملُ البحرين المدينةَ يومًا أخبر الخليفةَ عمرَ أنّه جاء بنصف مليون درهمٍ من دخل الكورة. فظنّ الخليفةُ أنّه يمزح،
1) دوزي: Recherches sur l'histoire et la littérature de l'Espagne etc. I. p. 79، الطبعة II.
2) قارن البلاذري p. 193, 453؛ السيوطي: حسن المحاضرة I. p. 71. على أنّ لفظ «ديوان» ليس فارسيَّ الأصل بل آراميُّه. قارن Culturgesch. Streifzüge p. XI الحاشية.
65فقد جاوز المبلغُ كلَّ ما سمع به إلى ذلك اليوم. فلمّا استيقن صِدقَ الأمر قام على المنبر بعد أن اجتمع الناسُ في المسجد للصلاة فقال: «قد جاءني من البحرين مالٌ كثير، فإن شئتم كِلتُه لكم كيلًا، وإن شئتم عددناه عدًّا».1)
ويُفهَم من هذا أنّه كان لا يزال على مذهب العصر الأبويّ، يريد أن يقسم المال الوارد إلى بيت المال على الجماعة من فوره. ويُروى أنّ رجلًا من العامّة قال يومئذٍ إنّه رأى الفرسَ يضبطون مالهم بديوانٍ — أي دارِ حساب، ومنه اشتُقّ مسكُ الدفاتر — وأشار بأن يؤخَذ بهذا النظام نفسِه. فقَبِل عمرُ ذلك وأمر بإنشاء سجلّاتٍ للحساب يُثبَت فيها الدخلُ والخرج جميعًا. وكان هذا في المدينة أمرًا مُحدَثًا. أمّا في الأقاليم المفتوحة من دولتَي الروم والفرس، في مصر والشام، فقد ترك العربُ مسكَ الدفاتر لنصارى أهل البلاد باليونانية، وفي بابلَ والجزيرة للفرس بالفارسية. ولم يعمَّ العملُ بالدفاتر العربية إلّا في عهد الخلفاء الأمويّين، فأُقصِيت اليونانيةُ والفارسية عن مقام اللغة الرسمية، وأُخرِجتا من دفاتر الحساب وسجلّات الخراج ودواوين الإنشاء.2)
ثم أمر عمرُ بأن تُعمَل في المدينة نفسِها سجلّاتٌ للدخل والخرج، وقرن بذلك تنظيمَ نظامِ عطاءٍ لجميع المسلمين على قواعدَ ثابتةٍ معلومة. فقد كان أبو بكرٍ من قبلُ، ثم عمرُ نفسُه — كما رأينا آنفًا — يقسمان موارد الدولة من فورهما على الجماعة
1) أبو يوسف: الرسالة fol. 27 r°.
1. «Die Staatseinrichtungen der patriarchalischen Zeit»: يقصد كريمر بـ«العصر الأبويّ» (patriarchalische Zeit) عهدَ الخلفاء الأربعة الأُوَل، ومن هنا ترجمتُه «العصر الراشدي» في عنوان الباب الجاري، وأبقيتُ اللفظ الأصليَّ «الأبويّ» حيث استعمله كريمر داخل النصّ وصفًا لطبيعة الحكم.
2. «mohammedanisch»: يستعمل كريمر «المحمّدي» و«المحمّديّون» في مواضع نقول نحن فيها «الإسلامي» و«المسلمون»، وهو اصطلاح مستشرقي القرن التاسع عشر. أبقيتُه على وجهه ولم أُحدِّثه.
3. مطلع القسم مبتورٌ في الأصل: يبدأ الملزَم في منتصف جملةٍ عن زكاة الحُليّ. وقراءةُ «2U Dynar» في الصورة تصحيفٌ ظاهر عن «20 Dynar»، وعليه ترجمتُ.
4. «eine Art Zoll»: الوظيفةُ التي يصفها كريمر بمقدار ربع العُشر عن المسلم ونصف العُشر عن غيره هي ما تسمّيه المصادر العربية «العُشور»، وأبقيتُ لفظ «المكس» التزامًا بالمسرد، مع التنبيه هنا.
5. «Abu Jusofs Denkschrift»: يعني كتاب الخراج لأبي يوسف، ويستشهد به كريمر من مخطوطةٍ بأرقام الأوراق (fol.)، فأبقيتُ الإحالات كما هي ولم أُحوِّلها إلى صفحات المطبوع.
6. أرقامُ الإحالات والمجلّدات وأرقامُ أحاديث البخاري (2218، 946) مواضعُ استشهادٍ لا كمّيّات، فلم أُدخِل عليها فاصلة الآلاف ولا غيّرت صيغتها.