المجتمعة،1) فأمّا الآن فقد دعت الحاجةُ إلى إدخال النظام والاطّراد في قسمة المال: دعا إليها النموُّ الهائلُ السرعة في جماعة المسلمين، وطابَعُها الحربيُّ في كلّ شيء، ودخولُ أهلِ القارّة العربية الواسعة كلِّهم تقريبًا في الدين أفواجًا؛ وكانت هذه القسمةُ من أقوى محرّكات الدين الجديد، ومن أمتن أعمدة الدولة الجديدة. وقام هذا كلُّه على تلك الفكرة الديمقراطية الاشتراكية الصريحة في الإسلام الأول، وهي التي أكّدناها من قبلُ؛ وهذا المُنشَأُ الدولتيّ، بجِدّته ومداه ونتائجه، من أهمّ ظواهر التاريخ لا الإسلام وحده.
وكان أوّلَ ما دفع عمرَ إلى مشاورة أكابر أصحاب النبيّ في كيفية القسمة حيرتُه فيما يصنع بهذا المال الذي بلغ من الكثرة حدًّا هائلًا؛ إذ لم يختلف اثنان في أنّ دخل الدولة المتاح كلَّه مِلكٌ عامٌّ للمسلمين، وأنّه لا بدّ من قسمته. فأشار المشيرون إلى نُظُم الروم التي عرفها العربُ في حروبهم، ورأوا أن يُصنَع بالمسلمين ما يصنعه اليونان، إذ كانت لهم سجلّاتٌ بأسماء الناس ويؤدّون إلى جندهم أعطياتٍ مقرَّرة: أن يُحصى المسلمون إحصاءً عامًّا ويُفرَض لكلّ واحدٍ منهم نصيبٌ ثابت.
وقد التزموا في وضع هذا الديوان التصوُّرَ العربيَّ الصارم، فبَنَوه على انقسام الأمّة كلِّها إلى قبائلَ وبيوت. فبدأوا بطبيعة الحال ببيت النبيّ، ثم أتبعوه سائرَ القبائل العربية على ترتيبٍ
1) أبو يوسف fol. 25: قد قسم أبو بكرٍ من قبلُ على المسلمين جميعًا (بالمدينة)؛ فنال كلُّ واحدٍ 9.5 درهم، النساءُ والصبيانُ والأحرارُ والموالي على السواء؛ ثم كثُر ما ورد إلى بيت المال في العام التالي فنال كلُّ واحدٍ 20 درهمًا.
67يوافق قُربَها من النبيّ أو بُعدَها في النسب.1)
بدأ عمرُ ديوانَه بأزواج النبيّ: فجعل عائشةَ في الصدارة وفرض لها 12,000 درهمٍ في السنة. ثم أتبعها سائرَ أزواج النبيّ، لكلٍّ منهنّ 10,000 درهم.2) وفرض المقدارَ نفسَه لمن شهد بدرًا من بني هاشم (الهاشميّين والمطّلبيّين).3) ثم أتبعهم بمقاديرَ أقلَّ مَن أسلم منهم متأخّرًا. وبعد قرابة النبيّ جاء الأنصار، فبدأ بسعد بن معاذٍ من الأوس، ثم أتبعه بني قبيلته، وكان يُقدَّم في الصفّ الأوّل أبدًا مَن أسلم أوّلًا وأبلى في حروب النبيّ ومشاهده. وقد خالف عمرُ في هذا الترتيب أبا بكرٍ، فقد كان أبو بكرٍ يُسوّي بين المسلمين جميعًا في العطاء لا يفاضل بينهم في المرتبة.
وانطلاقًا من هذه القواعد، قدّم من الأنصار والمهاجرين مَن قاتل يوم بدر، ففرض لكلّ واحدٍ منهم عطاءً سنويًّا مقدارُه 5,000 درهم، ومثلَه
1) يستطيع المرءُ أن يتصوّر ديوانَ عمر في القبائل تصوُّرًا حسنًا إذا نظر في جداول الأنساب التي جمعها فوستنفلد، ولا سيّما الجدولُ الجامع لقبائل بني إسماعيل؛ فقد كان الترتيب: 1) أزواج محمّد، 2) الهاشميّون: أ) عليٌّ وأهلُ بيته، ب) العباسيّون، ج) أبو بكرٍ وبنو تيم، 3) عمرُ وبنو عديّ وجُمَح وسهم، 4) عثمانُ بن عفّان وبنو أميّة، 5) الأمويّون عامّةً، وهلمّ جرًّا.
2) وعند الماوردي 6,000 درهمٍ فحسب. أمّا عند أبي يوسف فقد نالت أزواجُ النبيّ كلُّهنّ 12,000 درهم، خلا صفيّةَ وجويريةَ فقد فرض لهما 6,000 درهمٍ فقط؛ فاحتجّتا، فأعطاهما ما أعطى سائرهنّ. أبو يوسف fol. 25 v° عن روايةِ أبي معشر.
3) قارن الماوردي Cap. XVIII, I. p. 347.
5*
68لحلفائهم ومواليهم، وفرض لنفسه القدرَ نفسَه.1) وفرض 4,000 درهمٍ لمن أسلم في مثل ذلك الوقت المبكّر، أو هاجر إلى الحبشة فرارًا من أذى أهل مكة ثباتًا على الإسلام2)؛ ولأبناء أهل بدرٍ 2,000 درهم، غير أنّ الحسن والحسين نالا لقرابتهما من النبيّ 5,000 درهمٍ لكلٍّ منهما، ومثلَ ذلك العبّاسُ بن عبد المطّلب. وفرض 3,000 درهمٍ لكلّ من لحق بالنبيّ قبل فتح مكة، و2,000 لمن أسلم عند فتحها، ومثلَها لأبناء الأنصار والمهاجرين. وفرض لابنه هو 3,000 درهم.3) ونال قومٌ اختصّهم النبيُّ بمودّةٍ خاصّة عطاءً أرفعَ على وجه الاستثناء، مقدارُه 4,000 درهم.4)
ثم رتّب بعد هؤلاء جمهورَ العرب كلَّه، كلًّا بحسب موضعه في ديوان القبائل، وبحسب علمه بالقرآن وبلائه في الحرب. وفرض لليمنيّة والقيسيّة، وهي قبائلُ نزلت الشامَ والعراق، أعطياتٍ من 300 و500 إلى 1,000، بل إلى 2,000 درهم.5)
وصار مَن سواهم كلُّهم في طبقةٍ دنيا واحدة. وفرض أعطياتٍ ثابتةً كذلك للنساء اللواتي خرجن من مكة أيضًا بعد هجرة محمّدٍ إلى المدينة،
1) أبو يوسف fol. 25 عن أبي معشر، وقارن أيضًا الماوردي p. 347. 2) أبو يوسف ibid. 3) أبو يوسف ibid.
4) الماوردي Cap. XII. وأخبارُه موافقةٌ في الجوهر لما عند أبي يوسف، حتى لا يكاد يُشَكّ في أنّه أفاد منه.
5) الماوردي.
69حتى بلغ عطاءُ إحداهنّ 6,000 درهم، وسائرُهنّ من 1,000 إلى 3,000 درهم. وفرض للأطفال المفطومين 100 درهمٍ لكلّ واحد، ثم رفعها إذا شبّوا إلى 200 ثم زاد بعد ذلك. بل تعهّد اللقطاءَ على هذا النحو نفسِه وأنفق عليهم من مال الدولة.
ومما يجب التنويهُ به خاصّةً أنّ عمرَ لم يفرّق في العطاء بين العربيّ الصريح والحليف والمولى؛ بل أراد أن يكون المسلمون كلُّهم سواءً تمامَ السواء. وقد كتب إلى عاملٍ أعطى العربَ أعطياتِهم وردّ الموالي كتابًا موجزًا: «كفى بالمرء إثمًا أن يحتقر أخاه المسلم!» — بل فرض العطاءَ حتى لغير العرب ممّن أسلم؛ ففرض لجماعةٍ من دهاقين الفرس بالجزيرة، ولرجلٍ كان نصرانيًّا من الحيرة. وأمّا الأعاجمُ الذين أسلموا ومواليهم فقد كتب إلى أمراء أجناده كتابًا صارمًا أن يعاملوهم معاملة المسلمين تمامًا، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم؛ بل أذن لهم أن يؤلّفوا قبيلةً مستقلّةً يجري عليها في الأعطية السنوية ما يجري على القبائل العربية.
وفرض كذلك لأبناء الجند ونسائهم (ممّن كانوا في الميدان أو قُتلوا) 10 (دنانير) لكلّ واحد، فأقرّ ذلك عثمانُ ومَن بعده من الخلفاء. ولم يُغفِل حتى الأرقّاء المسلمين: فقد فرض لثلاثةٍ منهم شهدوا بدرًا 3,000 درهمٍ في السنة. ويبدو أنّه فرض فوق ذلك لجند المدينة وأهلها أرزاقًا شهريةً معلومة، جعلها لكلّ رجلٍ — ومنهم الأرقّاء — مُدَّين من القمح وقِسطين من الخلّ في الشهر.
70ويبدو أنّ هذا الإحصاء لجماعة المسلمين كلِّها جرى على غاية الدقّة. فقد أُثبِتت كلُّ قبيلةٍ عربية في قائمةٍ خاصّةٍ بأسماء أفرادها جميعًا، وقُيِّد ما يطرأ عليها من موتٍ أو ولادةٍ بعنايةٍ تامّة. حتى رُوي أنّ عمرَ الأولَ خرج مرّةً بنفسه ومعه ديوانُ خزاعةَ فدعا القبيلة كلَّها ليدفع إلى كلّ واحدٍ نصيبه.1) بل أُقيم في عهد معاوية نُظّارٌ خاصّون يقيّدون كلَّ مولودٍ وكلَّ ميّتٍ بالضبط.2)
ومَن استعرض هذه الوقائع لم يتردّد لحظةً في الإقرار بأنّه إزاء ظاهرةٍ من أغرب ظواهر التاريخ. فقد أُجريت الإحصاءاتُ العامّة للناس في الممالك الآسيوية القديمة، وفي الدولة الرومانية كذلك، غير أنّ كلّ إحصاءٍ من ذلك لم يكن غرضُه إلّا فرضَ مزيدٍ من الأثقال والضرائب، والحيلولةَ دون أن تفلت شاةٌ ضالّة من قطيع البشر من جَلَم عمّال المال. أمّا عمرُ الأولُ فأجرى إحصاءه في الجهة المقابلة: ليدفع إلى كلّ من أقرّ بالقرآن نصيبَه من دخل الدولة، وهو نصيبٌ كان حقًّا له في نظر ذلك العصر.
ولا حاجةَ إلى الإطالة في بيان الأثر الذي أحدثته هذه السياسة في الجماهير وقوّةِ الجذب التي بثّتها. لعلّ الحماسة الدينية
1) عن البلاذري p. 448 ff.
2) السيوطي: حسن المحاضرة I. 71. ويُقال إنّ عمرَ أنفذ هذا الإجراءَ البعيدَ الأثر كلَّه — عملَ الدواوين وفرضَ الأعطية — في سنة 20هـ.
3) وعند ثيوفانس أنّ عمرَ أجرى إحصاءً عامًّا سنة 631م، وأمر بإحصاء الناس والمواشي والمزارع جميعًا. غير أنّ التاريخ خطأ، فإنّ عمرَ لم يلِ الأمر إلّا سنة 634م.
71أسهمت في مبتدأ الإسلام إسهامًا كبيرًا في توطيد الدين الجديد، غير أنّ المكسب المضمون من المال والمتاع الذي ساقه عمرُ إلى المؤمنين هو صاحبُ النصيب الأكبر يقينًا في انتشار دين محمّدٍ انتشارًا هائلًا سريعًا لا يُردّ، وفي نموّ الكيان الدولتيّ المحمّدي نموًّا خرافيَّ السرعة. كان على الأمم المستعبَدة أن تزرع وتكدح، وأمّا المسلمون فيحصدون ويتنعّمون ولا يزاولون إلّا حرفة الحرب النبيلة. أولئك يؤدّون الجزية والخراج ويُلزَمون فوق ذلك بالأرزاق العينية؛ وأمّا المسلمون فيؤدّون 2.5 بالمئة ضريبةً على المال (أي الزكاة)، وخراجًا على الأرض مقدارُه العُشر، ثم ينالون من الدولة في مقابل ذلك أعطياتٍ سنويةً ثابتة، فضلًا عن أربعة أخماس الغنيمة. لقد جمعت مصلحةٌ حياتية مشتركةٌ هذه الجماعةَ الدولتية للمسلمين، وقد نمت نموًّا فائق السرعة، وأحيتها فكرةٌ واحدة. وعلى هذا النحو أقاموا مُلكهم العالميّ على أثبتِ أُسس الأمور البشرية وأشدِّها ثباتًا: على المصلحة المادية التي لا يفتر نشاطُها؛ وانضاف إليها مِلاطٌ لا يقلّ عنها أهميةً، هو الشعورُ القوميّ للأمة العربية، وهو ما لم يُنشئه في الحقيقة ويرفعه بيدٍ واثقةٍ إلى أعلى درجات الاقتدار إلّا عمر، ثم الحماسةُ التي لها وزنُها أيضًا لدينٍ جديدٍ بَرّرته نجاحاتٌ عجيبة.
على أنّ عمرَ اتّخذ تدبيرًا آخرَ مهمًّا ليُبقيَ العربَ طبقةً حاكمةً محاربةً غيرَ مختلطةٍ ما أمكن. فقد حرّم على العرب أشدَّ التحريم أن يتملّكوا أرضًا في البلاد المفتوحة خارج جزيرة العرب وأن يشتغلوا بالحراثة. وكان الدافعُ إلى هذا القرار البالغِ الأثر في مناحي الحياة كلِّها فتحَ ذلك الصقعِ الخصيبِ من بلاد الفرات، الذي نسمّيه نحن بابل، ويسمّيه العربُ السواد، ويريدون به الإقليم كلَّه الممتدَّ من
72الحدّ الجنوبيّ الشرقيّ لبادية الشام عند العُذيب والقادسية إلى سلسلة جبال حُلوان — وهي جبال زاغروس عند القدماء — عرضًا من الشرق إلى الغرب، ومن عبّادانَ على الخليج الفارسيّ طولًا من الجنوب إلى الشمال حتى مشارف الموصل. فالسوادُ إذًا لا يشمل بابلَ وأرضَ الكلدان فحسب، بل يشمل أجزاءً من الجزيرة وآشور أيضًا. وقد سقاه النهران، الفراتُ ودجلة، فكان منذ أقدم العصور من أخصب أصقاع آسيا وأبركِها، وأكثفِها سكانًا أيضًا كما تشهد أسطورةُ بناء برج بابل. ومن هنا كان يمرّ أحدُ أنشط طرق التجارة والمواصلات هابطًا من الشام وآسيا الصغرى وفارس إلى البحر، ومن ثَمّ كان يجري بالسفن من أبولوغوس — وهي الأُبُلّة عند جغرافيّي العرب — تبادلٌ تجاريٌّ بالغُ النشاط مع أقاصي آسيا والهند، وكذلك مع شرق جزيرة العرب وساحل شرق أفريقيا وبلاد البحر الأحمر. وفي هذا الإقليم قامت في العصور القديمة مدنُ الملوك الفخمة للدول المتعاقبة التي سادت العالم: بابل ونينوى وسلوقية وطيسفون (المدائن). ولمّا خلف الساسانيّون الفرثيّين وأعادوا عبادة النار الفارسية القديمة إلى نقائها الأول، كانت الحروبُ المخرِّبة بين الروم والفرثيّين قد أسهمت كثيرًا في انحلال ثراء هذه الأقاليم القديم، ثم أقبل زمنُ هدوء، فنهضت من جديدٍ على عجلٍ زراعتُها الراقيةُ التي تعهّدها نظامٌ من القنوات المحفورة.
وقد سكنت قبائلُ عربية هذا الإقليم منذ العصور القديمة، وانتشرت فيهم النصرانية، وكانت الحيرةُ — وهي مدينةٌ عامرةٌ آهلةٌ بكثيرٍ من النصارى تقع قرب مشهد عليٍّ اليوم — مقرَّ دولةٍ من ملوكٍ عربٍ نصارى حكموا هذه الأصقاع نُوّابًا عن ملك الفرس، بينما كان في الأنبار المجاورة
73بيتُ مال الفرس ومخازنُ أَقواتِ الدولة.
وقد شرع المسلمون منذ عهد أبي بكرٍ يغزون هذه الأصقاعَ الغنية، وقد عزّزهم قبائلُ من وسط الجزيرة واليمن، لعلّ أكثرهم إنّما دفعه إلى ذلك العَوَزُ والفاقة. ونظّم أبو بكرٍ ثم عمرُ من بعده هذه الحركة، وتولّى القيادةَ على تلك الجموع الجافية أصحابُ محمّدٍ القدماءُ وبنو قبيلته؛ فما لبثت الجموعُ العربية أن غمرت الإقليم كلَّه. ووضعت وقعةُ القادسية في أيدي قادة العرب السوادَ كلَّه، أو العراقَ كما عاد يُسمّى بعدُ باسمه الفارسيّ القديم، وهو اسمُه عند الأتراك إلى اليوم. واستُرِدّت الحيرةُ فنزلها العربُ بعد أن أُخرِجوا منها مرّة، وأُخِذت الأنبار، وفُتِحت الأُبُلّةُ أهمُّ مرافئ الخليج الفارسيّ، وأُنشِئت البصرةُ أوّلَ ما أُنشِئت معسكرًا دائمًا للجند.1)
ووقعت في أيدي المنتصرين غنائمُ لا تُحصى، وكانوا — خلا القادةِ ومَن تفرّق في الجموع من أهل مكة والمدينة — من السذاجة وقلّةِ الخبرة بحيث لا يكادون يتصوّرون مقاديرَ تلك القِيَم. فقد وقعت في سهم أحد المقاتلة العرب يومَ أُخِذت الحيرةُ ابنةُ رجلٍ من أشراف تلك المدينة. فلمّا جاء أهلُها ليفدوها بادر إلى قبول ما عرضوه، لا سيّما وأنّ المرأة لم تكن من الجمال والشباب في شيء. فرضِيَ بفديةٍ مقدارُها 1,000 درهم. فلمّا سمع بذلك رفاقُه في السلاح لاموه على أن سلّم أسيرته بهذا الثمن البخس، فقد كان في وسعه أن يأخذ من أهل الحيرة
1) البلاذري p. 246, 256.
74عشرةَ أضعاف ذلك بيُسر. فأجابهم: والله ما علمتُ أنّ في العدد ما هو أكثرُ من عشر مئة!1) أمّا الذهبُ والحُليّ والبُسُط وثيابُ الحرير والأمتعةُ النفيسة وألوفُ ألوان الترف التي تَغلو وتَعزّ على أمّةٍ متقدّمةٍ في الحضارة، فلم تكن في نظر جمهور المقاتلة العرب بشيء. وإنّما الذي كانوا يُحسِنون تقديرَه، والذي كانت قبائلُ وسط الجزيرة المعتادةُ على الزرع والماشية تُثمّنه خاصّةً، هو الأرضُ والقُطعان من الإبل والغنم والخيلُ الكرام. فلمّا اجتهد عمرُ في تنظيم القبائل العربية وحشدِ أوفر ما يمكن من الجند لإرساله إلى بابل، كان الطُّعمُ الذي يشوّقهم به هو الأملَ في الغنيمة الوافرة.2) فجاءه سيّدٌ من سادات بَجيلةَ، وهي قبيلةٌ كبيرة، فعرض أن يسير بقومه إلى العراق لقتال الفرس إن جعل الخليفةُ لقبيلته رُبعَ ما يُفتَح من تلك الأصقاع مِلكًا لها. فأعطاه عمرُ ذلك بالفعل.3)
فلمّا فُتِح العراق كلُّه حقًّا وقع الخليفةُ في حَرَجٍ غيرِ يسير: فقد قدّمت بَجيلةُ نحوَ ربع المقاتلة الذين تألّف منهم الجيشُ الذي كسر شوكةَ الفرس في وقعة القادسية الفاصلة الكبرى. بل في روايةٍ أخرى أنّ سيّد بَجيلةَ ضُمِن له ثلثُ الإقليم كلِّه.4) وكيفما كان الأمر، فقد ثارت الخصوماتُ الشديدة بين القادة وسادات القبائل حين فُتِح السوادُ كلُّه (العراق العربيّ) حقًّا بسلاح المسلمين؛ فمقاتلةُ بَجيلةَ
1) البلاذري p. 244. 2) Ibid. p. 250, 253. 3) Ibid. 4) Ibid.
1. كتابُ عمرَ إلى عامله: أورده كريمر بالألمانية، ولفظُه يوافق حديثًا مشهورًا؛ فأثبتُّه في العربية بصيغةٍ مجرّدة من غير أن أزعم أنّها لفظُ الكتاب الأصليّ الذي كان بين يدي كريمر.
2. في الحاشية 1 من ص 66 رقمٌ مصحَّفٌ في الأصل المصوَّر («9!/,»)، وأرجحُ قراءةٍ له تسعةٌ ونصف، وعليه أثبتُّ 9.5.
3. الحاشيةُ 3 من ص 70 (خبر ثيوفانس) ليس لها في المتن رقمُ إحالة في الأصل؛ أبقيتُها في موضعها وبرقمها كما هي.
4. «demokratisch-socialistische Idee des ersten Islams»: حكمٌ لكريمر هو، من مقولات القرن التاسع عشر، نقلتُه على وجهه.
5. ينتهي القسمُ في الأصل عند جملةٍ مبتورة («فمقاتلةُ بَجيلةَ...») ويستأنفها القسمُ التالي.