تمسّكوا بالحقّ الذي ضُمِن لهم، وطالب الآخرون بأن يُعَدّ السوادُ غنيمةَ حربٍ يُقسَم بالسويّة على الجميع بعد إخراج الخُمس الذي للدولة. وأن يكون أهلُه رقيقًا. وقد كان عمرُ قد قضى للجيش بالمنقول كلِّه وبالكُراع الذي غنموه، على أن يُخرَج منه الخُمسُ الشرعيّ الذي لبيت المال؛ غير أنّ ذلك لم يُرضِ المقاتلة العرب وقد اشتدّ طمعُهم في الغنيمة، فطلبوا الرقيقَ والأرضين.1)
فأمر عمرُ قبل أن يقطع برأيٍ بأن يُستقصى مقدارُ ما فُتِح من الأرض وعددُ من فيها من الناس. وسيأتي بنا الكلامُ على نتيجة هذه المساحة فيما بعد؛ فأمّا عددُ السكّان فقد تبيّن — فيما يُروى — أنّ لكلّ مقاتلٍ عربيٍّ ثلاثةَ فلّاحين. فاستشار الخليفةُ أكابرَ الرجال، وقضى باتّفاقهم بأن يكون السوادُ كلُّه مِلكًا للدولة لا يُباع أبدًا، يُنفَق حاصلُه في مصالح جماعة المسلمين العامّة. وأمّا مقاتلةُ بَجيلة، وقد كانوا في بعض الأخبار قد وضعوا أيديهم على نصيبهم، فقد حملهم على العدول عنه بأن وهب سيّدَهم 400 دينار ورفع عطاء كلّ واحدٍ منهم إلى 2,000 درهم.2) وأمّا أهلُ السواد فأقرّهم في أرضهم، غير أنّه ضرب عليهم الجزيةَ والأرزاقَ العينية بالمقادير التي تقدّم ذكرُها.
ويبدو أنّ الخليفة عزم بهذا القضاء في السواد المفتوح عزمًا نهائيًّا على أن يُحرَم المقاتلةُ المسلمون في البلاد المفتوحة
1) البلاذري p. 266. Geschichte der herrschenden Ideen des Islams p. 460, 461. 2) البلاذري p. 265—268.
76— وليس في جزيرة العرب طبعًا — من كلّ مِلكٍ للأرض.1)
1) نجد في تاريخ ابن عساكر هذه الروايةَ عن ابن عائذ: أجمع عمرُ وأصحابُ النبيّ على أن يُقَرّوا — يعني أهلَ السواد — في أرضهم يعمرونها ويؤدّون عنها الخراج إلى المسلمين؛ فمن أسلم منهم رُفِع عنه الخراج، وانتقل ما بيده من العقار ومسكنُه إلى أهل دينه (السابق) من أهل قريته يؤدّون عنه الخراج كما كان يؤدّيه هو من قبل؛ وعليهم في المقابل أن يسلّموا إليه ماله المنقول ورقيقَه وماشيته، ويُثبَت اسمُه في ديوان أعطية المسلمين، فيكون له ما لهم وعليه ما عليهم. ولم يرَوا له، وإن أسلم، حقًّا في عقاره السابق أكثرَ من حقّ ذوي قرابته، لأنّ ذلك صار في مِلك المسلمين عامّة. وسُمِّي من بقي في قريته منهم أهلَ ذمّةِ المسلمين. ورأوا كذلك أنّه لا يصلح للمسلم أن يشتري شيئًا من الأرضين التي بقيت في أيدي أهلها القدماء، وإنّما تمسّكوا بهذا الأصل حذرًا ممّا كان يحتجّ به أولئك من أنّ مِلك الأرض يشغلهم عن القتال ويضطرّهم إلى التخلّي عن العون على أعداء المسلمين. وهذا هو سببُ امتناع أصحاب النبيّ وأهل الرأي عن قسمة تلك الأرضين بين المسلمين وانتزاعِها ممّن هي في أيديهم. وكرهوا كذلك أن يشتريها المسلمون صُلحًا، لأنّ المسلمين فتحوا الأرض كلَّها بعد أن قهروا كلَّ من قاومهم، ولأنّ أهلها لم يطلبوا الصلح من المسلمين وأهلِ الرأي قبل أن يقهروهم. وقيل أيضًا إنّهم إنّما كرهوا اقتناءَها (بيد المسلمين) صُلحًا لأنّ عمرَ وأصحابه جعلوا هذه الأرضين لا تُباع ولا تُورَث، حبسًا على من يأتي من أجيال المسلمين، عُدّةً لحرب من لم يُقهَر بعدُ من الكفّار. — وقد نشرتُ منذ ذلك الحين هذا الموضعَ من تاريخ ابن عساكر بنصّه الأصليّ. قارن Culturgeschichtliche Streifzüge auf dem Gebiete des Islams p. 60.
77ويتبيّن من هذا مبلغُ عموم التمسّك بهذا الأصل — ألّا يُباع شيءٌ من أرضِ السواد المفتوحة — ومبلغُ إنفاذه.
ولم يُستثنَ من ذلك إلّا ناحيتان أُجيز بيعُهما، ولعلّ ذلك لغير المسلمين فحسب: هما ناحيةُ بني صَلوبا وناحيةُ الحيرة؛ فقد صالح أهلُهما في الوقت المناسب، فلم تُعَدّ أرضُهما من الأرضين المفتوحة عَنوةً.1)
ومما يشهد بشدّة تمسُّك عمرَ بالنهي عن تملُّك المسلم للأرض هذه الحادثة: فقد بنى والي مصر (عمرو بن العاص) دارًا بالقاهرة فوبّخه الخليفةُ على ذلك2)؛ ولم يأذن كذلك بأن يستوطن العربُ مصر3) ولا بأن يشتغلوا بالحرث. وقد نودي رسميًّا بتحريم اشتغال أيّ مسلمٍ بالحرث تحريمًا شديدًا، ومع ذلك جرؤ جنديٌّ فزرع حقلًا؛ ورأى أنّ ذلك أولى به لأنّ العطاء لم يُصرَف منذ زمنٍ طويل.
فرفع الوالي أمرَه إلى الخليفة، فاستقدمه من فوره إلى المدينة ليعاقبه.4)
وننتقل الآن، وثيقَ الصلة بما تقدّم، إلى نُظُم عمرَ العسكرية، وهي بطبيعة الحال
1) قارن كوسان دي برسڤال: Essai sur l'histoire des Arabes etc. III. p. 407، ثم البلاذري p. 245. وفي كتاب الشبهات، وهو كتابٌ قديمٌ جدًّا في مسائل الخلاف الفقهيّ محفوظٌ في الكلّية الأمريكية ببيروت، عن السواد (fol. 154 v°): لا يُباع من السواد شيء إلّا أرضَ بني صَلوبا، ثم «أهل الشرك»، وما أقطعه عثمان. وانظر في السواد: المسعودي IV. p. 204, 262؛ ثم في حدوده Journal Asiat. 1861 XVIII p. 414, 1865 vol. V. p. 242.
2) ﭬايل: Geschichte der Chalifen I. 117.
3) نفسه. 4) Culturgeschichtliche Streifzüge p. 63, 64.
78وثيقةُ الاتّصال بسياسته في الأرضين المفتوحة.
ومن الخطأ أن يُظَنّ أنّ العرب كانوا في مبتدأ الإسلام غيرَ ذوي دُربةٍ بالحرب البتّة. فقد عرفوا فنَّ الحرب عند الروم والفرس منذ زمنٍ بعيد، وجمعوا خبرةً كثيرة في حروبهم هم وأيّامهم التي لا تنقطع بين قبائلهم. ولا شكّ أنّ القبائل التي كانت تدين بالخدمة العسكرية للدولة الرومية، وهي التي سكنت جنوب الشام وشرقه — وهي بهراءُ وكلبٌ والسَّليحُ وتَنوخُ ولخمٌ وجُذامُ وغسّان1) — أخذت شيئًا من فنّ الحرب عند ساداتها. بل يظهر في حروب محمّدٍ مع أهل مكة نظامٌ معيَّن في تدبير القتال، كما يظهر في دفاعه عن المدينة بالسور والخندق. على أنّه لا ينبغي أن يُتصوَّر الجندُ مقسَّمًا إلى أفواجٍ أو فيالقَ وكتائبَ محكمةِ التأليف، فإنّما كان تقسيمُهم على القبائل، ولم يُعرَف إلّا صنفان من السلاح: الخيّالةُ والرَّجّالة.
وكان سلاحُ الراجل تُرسًا ورُمحًا وسيفًا، أو قوسًا أو مِقلاعًا فحسب. وأمّا سلاحُ الوقاية فالتِّرَسَة، منها الكبيرُ من خشبٍ مغشًّى بجلدٍ أو صفائحَ من معدن (التُّرس)، ومنها الصغيرُ المدوَّر (الحَجَفة أو الدَّرَقة)، وهو الذي صار بعدُ سلاحَ الوقاية الوحيد لفرسان العرب، وبقي عند الترك والفرس إلى أواخر العصور الوسطى بل إلى يومنا هذا. وأمّا سلاحُ الفارس الأكبر فالرمحُ، وطولُه نحوُ عشر أذرع.2)
ويذكر أحدُ أهل الصناعة أنّ الرمح لا يجوز بحالٍ أن يزيد طولُه على عشر أذرعٍ أو إحدى عشرة.3) وكان عودُه
1) ابن عساكر fol. 50 v°. 2) الحماسة p. 779. 3) ابن العوّام في كتاب الفلاحة II. p. 690، طبعة مدريد.
79من خشبٍ مَرِن؛ وأحبُّه إليهم قصبُ الخيزران المجلوبُ لهذا الغرض من الهند عبر مرافئ شرق الجزيرة. وكانت أجودُ الرماح تُصنَع في شرق الجزيرة (البحرين)؛ وسِنانُها من حديد، وفي طرفها الآخر زُجٌّ حديديٌّ محدَّدٌ لتُركَز به في الأرض، تمامًا كرماح البدو التي لا شكّ أنّها بقيت على حالها منذ ما قبل الإسلام. وكانت لهم كذلك حِرابٌ أقصرُ تُرمى؛ وبمثل هذا المِزراق قتل الموْلى وحشيٌّ عمَّ محمّدٍ (حمزة) يوم أُحُد، وبه نفسِه قتل بعد ذلك مسيلمةَ المتنبّئ.1)
وأمّا السيوف فقد نوّه الشعرُ العربيُّ القديم بالسيوف الهندية. والسيوفُ الشائعة الاستعمال كانت بلا شكّ من حديدٍ رديءٍ وصنعةٍ متوسّطة. وقد نال النِّصالُ اليمانية تقديرًا كبيرًا، ولعلّها كانت أجودَ منها بكثيرٍ لِما كان في اليمن من صناعةٍ راقية. وكانت السيوفُ تُصنَع أيضًا في مؤتةَ، وهي بُليدةٌ على تخوم الشام. وكانوا يُقدّرون خاصّةً النِّصالَ الدمشقيّة التي يسهل تعرُّفُها بالخطوط المتموّجة في فولاذها. ويُحمَل السيف بحمائلَ فوق الكتف اليمنى. وكان الغِمدُ في الغالب من خشبٍ مصفَّحٍ بالمعدن، ويُحفَظ جيّدُ السيوف في جِرابٍ من جلدٍ يُدخَل فيه الغِمد، كما هو الشائع في المشرق إلى اليوم. وكانت البَيضُ من جلدٍ تارةً ومن معدنٍ تارةً، وفيها كثيرًا ما يكون قناعٌ يستر الوجه وشبكةٌ من حِلَقِ الحديد تستر القفا، وكذلك الدروع، غير أنّها كانت نادرةً ندرةً بالغة لغلاء ثمنها؛ وكانت الحديديةُ منها من حِلَقٍ على هيئة دروع العرب الحلقيّة التي وصلتنا من زمن الحروب الصليبية.
1) النووي: تهذيب p. 344.
80وأمّا الجلديةُ منها فلعلّها كانت كثيرًا ما تُصفَّح بألواحٍ من معدن؛ وأجودُها ما جاء من جنوب الجزيرة.
وكان سلاحا العرب القوميّان على الحقيقة هما القوسُ والرمحُ، ولذلك أحبّوا أن يقولوا: القوسُ العربية والرمحُ العربيّ. وكانت القِسيّ تُصنَع من خشبٍ مَرِنٍ شديدِ التقوُّس، ويُشَدّ عليها الوتَر. وأنواعُها مختلفة. واشتُهِرت قبائلُ بعينها من العرب على الخصوص بأنّها من فُضلاء الرماة. وكانوا يُلبِسون الإصبعَ قطعةً من جلدٍ تقيها ارتدادَ الوتَر. وكانت السهامُ التي يرمون بها طوالًا من قصبٍ مُريَّشِ الأسفل، عريضةَ النَّصل من حديد. وتُحفَظ السهامُ في الجَعبة. ويُذكَر أنّ مدى القوس الجيّدة مئةُ ذراع.1)
وكان تقسيمُ الجيش إلى قلبٍ وجناحين ومقدّمةٍ وساقةٍ معروفًا معمولًا به في عهد محمّد. وكانت الخيّالةُ تحمي الجناحين، وكان الرُّماةُ يومئذٍ فرقةً قائمةً بذاتها.2)
ومن هذا التقسيم الخماسيّ للجيش جاءت تسميتُه: الخميس.
وكانت لكلّ قبيلةٍ رايتُها تجتمع تحتها، وهي ثوبٌ يُشَدّ في رمح. وكانت للمسلمين يوم بدرٍ ثلاثةُ ألوية. وقد حمل المهاجرون رايةَ محمّدٍ الكبرى. وكانت لكلٍّ من القبيلتين المواليتين له، الأوس والخزرج، رايتُها.3) وكذلك كانت لقريشٍ ثلاث. وكان لا يُختار لحمل الرايات إلّا أشرافُ الرجال وأشجعُ المقاتلة.4)
1) ابن العوّام p. 534, cap. 32.
2) قارن وقعة أُحُد: شبرنجر، Das Leben und die Lehre Moh. III. 171.
3) الواقدي p. 53. 4) ابن عساكر fol. 44 v°.
81وكانت رايةُ النبيّ الكبرى تُسمّى «العُقاب»، ولعلّ ذلك لصورة عُقابٍ عليها يُرجَّح أنّها محاكاةٌ لصور الروم التي رآها العربُ في فيالقهم. ويُقال إنّ هذه الرايةَ كانت سوداء، وإنّ خالد بن الوليد أمر بحملها أمامه في غزوه الشام.1)
وقد عرف العربُ آلاتِ الحصار كذلك في وقتٍ مبكّر. ويُرجَّح أنّهم عرفوها عن الفرس واليونان، ثم أدخلوا عليها بعدُ تحسيناتٍ جوهرية.2)
وكانت أوائلُ الفِرَق التي أُنفِذت من المدينة لفتح البلاد المجاورة من دولتَي الروم والفرس من القلّة بحيث يعجب المرءُ لِما أحرزته من نجاح؛ ومع ذلك تتّفق على هذا الرواياتُ على اختلاف مصادرها. غير أنّه لا ينبغي أن يُنسى أنّ الإسلام بثّ في تلك الجموع التي كانت من قبلُ عصيّةً روحَ طاعةٍ لا حدّ لها وضبطًا صارمًا، حتى صاروا بذلك وحده يفوقون جيوشَ المرتزقة اليونانية والفارسية مئةَ مرّة. ثم إنّ العرب وجدوا في الشام والعراق جميعًا أحلافًا سرًّا أو جهرًا في السكّان العرب المتوطّنين في البلدين منذ العصور القديمة، فكانوا يعينونهم في كلّ مكان بدافع العصبية وبُغض الغريب، ويتولّون لهم التجسُّس، ولم يَقِلّ أن انحازوا في القتال المكشوف إلى بني عمّهم. وأدّى القبطُ الساخطون في مصر خدماتٍ شبيهةً بذلك.
ولا شكّ أنّه ممّا يعين على الحكم الصحيح في حروب تلك الأزمنة أن نصف هنا شيئًا من التفصيل أوائلَ الحملات العسكرية على الشام، وقد بدأت في عهد الخليفة الأول
1) ابن عساكر fol. 53 v°.
82وأفضت في سنواتٍ قليلة إلى فتح ذلك البلد.1)
وأوّلُ حملةٍ كبيرة إلى الشمال، وقد جرت عقب ولاية أبي بكرٍ مباشرةً، حملةُ أسامةَ بن زيد. فقد كان النبيُّ نفسُه قد أمر قُبيل موته بالنفير العامّ لكلّ قادرٍ على حمل السلاح في المدينة2) لغزوٍ يعترض به قافلةَ الزيت. فلمّا تُوفّي محمّدٌ وقع التأخير؛ غير أنّ أبا بكرٍ أنفذ أسامةَ رغم نُصح أكابر أهل المدينة بالكفّ، ورغم أنّ أكثر جزيرة العرب كانت في ردّةٍ، وقال إنّ أمرًا أمر به النبيُّ لا بدّ من إنفاذه على كلّ حال. فخرج أسامةُ فعلًا. ولم يكن جندُه إلّا 3,000 رجل، ثلثُهم فرسان.3)
فقطع مُجِدًّا أرضَ جُهينةَ الواقعةَ شماليَّ المدينة، وأرضَ بطونٍ أخرى من قُضاعةَ الكبرى، وقد ثبتوا على الإسلام. فلمّا بلغ وادي القرى قدّم عينًا من بني عُذرة، فمضى وحده على ناقةٍ سريعةٍ إلى أُبنى (يُبنى) يتجسّس خبرَها ويرتاد الطريق. ثم رجع فلقي أسامةَ على مسيرة يومين في البادية. فأخبره أنّ أهل تلك القرية غافلون ليس فيهم مقاتلة،
1) لنا في ذلك مصدرٌ ممتاز، هو تاريخ ابن عساكر لدمشق، وقد أفاد فيه من كلّ ما بلغه من الروايات والتواريخ، واعتمد في فتوح الشام خاصّةً على الواقدي وعلى سيف بن عمر.
2) ابن عساكر fol. 44 v°. 3) نفسه fol. 46 r°، روايةُ الواقدي عن عروة. 4) هذا الموضعُ يقع على الحدّ الشماليّ لجزيرة العرب ممّا يلي الشام.
83وأشار بأن يُبادَروا بالغارة قبل أن يتاح لأهل الريف أن يجتمعوا. فلمّا قارب أسامةُ الموضعَ عبّأ مقاتلته وقال لهم: «أغيروا الآن، وإيّاكم واتّباعَ (الهاربين)، ولا تتفرّقوا، واثبتوا في الحملة، وادعوا الله في قلوبكم؛ ثم جرّدوا السيوفَ واضربوا كلَّ من لقيكم!» ثم أعطى إشارة الهجوم، فحمل المسلمون قبل أن ينبح كلب، وشعارُهم: يا منصورُ أمِتْ! فمن تصدّى لهم من أهل القرية قُتِل، ومن لا سلاح له أُسِر، وأُضرِمت النارُ في المساكن ومخازن الثمار والحقول، حتى ارتفعت أعمدةُ الدخان كأنّها غُبارٌ هائل، وامتلأت الناحيةُ بعويل الجرحى. ولم يتّبع المسلمون الهاربين البتّة، بل أخذوا ما وجدوا. ولم يقيموا في المكان إلّا ذلك اليوم ليفرزوا الغنيمة ويستريحوا. وكان أسامةُ في هذه الحملة يركب فرسًا يُسمّى سَبْحة، وعليه قُتِل أبوه في وقعة مؤتة؛ وعلى هذا الفرس نفسِه أدرك قاتلَ أبيه فقتله. وقسم الغنيمة فجعل للفرس سهمين وللفارس سهمًا، فنال الفارسُ بفرسه ثلاثةَ أمثال ما نال الراجل.1) ثم أمر في مساء ذلك اليوم بالرحيل، فانصرف راجعًا من فوره في الطريق نفسِه يقوده البدويُّ العُذريّ. فساروا مُجِدّين في العودة فبلغوا
1) يروي ياقوتٌ عن كتاب الأموال لأبي عبيدٍ القاسمِ بن سلّام أنّ الفارس نال في قسمة الغنيمة ثلاثةَ أسهم والراجلَ سهمًا واحدًا. المعجم I. p. 47.
84وادي القرى بعد سبع ليالٍ، ومنه المدينة، من غير أن يُجرَح رجلٌ واحد.1)
والصورةُ التي يضعها هذا الخبر أمام أعيننا تُرينا أوائلَ غزوات المسلمين في البلاد الغريبة غاراتٍ بسيطة، يُغار فيها على قرًى عُزَّلَ لا مَنَعةَ لها فتُنهَب ويُقتَّل أهلُها، بزعم إعلاء شأن الله ورسوله.
وكان مقاتلةُ المسلمين في ذلك العهد نَهّابين طامعين في الغنيمة ومتحمّسين أتقياءَ في آنٍ معًا، غير أنّ الثانية فيهم كانت أبدًا أضعفَ من الأولى. أمّا ما يصفه المؤرّخون العربُ، وهم لا يجدون من الكلام ما يكفي للثناء على حماسة أولئك المجاهدين الدينية، فمبالغةٌ إلى حدٍّ بعيد. لقد عملت فيهم شهوةُ الغنيمة والطمعُ في الجنّة معًا عملَ الإغراء المغوي، على أنّ الأولى — في أغلب الظنّ — كانت أشدَّ من الثانية.
والغاراتُ العربية اليوم كغزوة أسامةَ على أُبنى سواءً بسواء؛ لم يتغيّر شيء، ولا حتى المشهدُ وزيُّ الناس. فإذا خرجت قبيلةٌ من قبائل البادية الكبرى مُغيرةً على أرض العمران سارت ليلًا تتحيّن الأودية والمنخفضات بحذر، وأقامت نهارًا في وادٍ قصيٍّ تأمن فيه أن تُكتشَف، ثم انسلّت إلى جوار القرية فأغارت عليها مع أوّل الفجر والناسُ في نومهم العميق. فتُستغَلّ فوضى الصيحة الأولى في نهب أكبر قدرٍ ممكن، ثم تختفي العصابةُ كلُّها بالسرعة التي جاءت بها؛ ولا يبقى من أثر زيارتها إلّا أنقاضٌ تدخّن.
وقد كان موقعُ الحدّ الشاميّ والحدّ الفارسيّ مواتيًا خاصّةً لمثل هذه الغارات: فالباديةُ، وهي الموطن الطبيعيّ للجموع العربية، تمتدّ عميقًا
1) ابن عساكر fol. 46، روايةُ الواقدي عن المنذر بن جَهم.
85في أرض العمران، وتُتيح في كلّ مكانٍ ثُغَرًا مفتوحةً للاقتحام وخطوطًا مواتيةً للانسحاب. أمّا سكّانُ نواحي الحدود، وكانوا يأخذون العطاء من الروم أو الفرس وعليهم حمايةُ الثغر، فقد وجدوا سريعًا أنّ الأنفعَ لهم بكثيرٍ — بدل قتال إخوانهم الشجعان في النسب — أن يشتركوا معهم في الأمر ويُسلِموا ويخرجوا إلى النهب والغنيمة، وأن يكسبوا مع ذلك أعطياتٍ سنوية تُفرَض لهم من المدينة متى أعلنوا إسلامهم. ومن هنا تضخّمت تلك الجيوشُ العربية الضئيلة التي اندفعت إلى الشام والعراق سريعًا تضخُّمَ الجليد المنهال، وطرحت كلَّ ما اعترضها من العقبات.
وأوّلُ فرقةٍ أنفذها أبو بكرٍ إلى الشام بعد حملة أسامة فرقةُ عمرو بن العاص؛ وكانت 3,000 رجل، فيها كثيرٌ من الأنصار والمهاجرين. وأمر الخليفةُ عمرًا أن يسلك طريق أيلةَ (العقبة اليوم) وأن يدعو إلى الانضمام قبائلَ قُضاعةَ المقيمةَ على تلك الطريق، كبني بَلِيٍّ وعُذرة. وولّاه الخليفةُ في الوقت نفسِه هذه القبائل.1) فسلك عمرٌو تنفيذًا لهذه الأوامر الطريقَ المذكورة؛ وأُمِر القادةُ الثلاثة الآخرون — يزيدُ بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجرّاح وشرحبيلُ بن حسنة — أن يسلكوا طريق تبوكَ إلى البلقاء من أرض الشام، ثم يقتحموا منها أرضَ الروم نفسَها.2) وأُفرِدت لكلٍّ من هؤلاء القادة الأربعة كورةٌ من كُوَر الشام: للأول فلسطين، وللثاني دمشق، وللثالث حمص، وللرابع
1) ابن عساكر fol. 49 r°، روايةُ محمّد بن سعد. 2) كانت تبوكُ في عهد القيصر تراجان محطّةَ الحدّ الرومية تجاه جزيرة العرب. Ztschr. d. d. M. G. XXV. p. 562.
86الأردنّ. وكان على الفِرَق الأربع جميعًا أن تجتمع في موضعٍ معيَّن، وهو اليرموك (Hieromax) في أعلى مجرى الأردنّ، حيث خاضوا مع اليونان فعلًا بعد ذلك الوقعةَ الفاصلة الكبرى. وكانت جملةُ الفِرَق الأربع 27,000 رجل، أُضيف إليها 3,000 رجلٍ هم بقايا فرقةٍ هزمها اليونان بقيادة خالد بن سعيد، ويبدو أنّها كانت قد قامت قبل ذلك باستطلاعٍ انتهى نهايةً سيّئة؛ ثم لحق بجند الشام بعد حينٍ 10,000 رجلٍ مددًا من العراق مع خالد بن الوليد، ثم احتياطٌ من 6,000 رجل. فبلغت جملةُ الجند إذًا 46,000 رجل.1) وفي أخبارٍ أخرى أنّ عدد الفِرَق الأربع المنفَذة لاحتلال الشام 24,000 رجل، أي 6,000 رجلٍ لكلّ فرقة.2) ويُقال إنّ خالد بن الوليد لم يَقُد من العراق إلى الشام إلّا 6,000 رجلٍ مددًا. ومع ذلك نجد عدد الجند المحمّديّين الذين قاتلوا في وقعة اليرموك الدامية قد بلغ 70,000 رجل، ثُلثُهم من الأزد وحدها.3) وممّا يدلّ على أنّ الجيش الذي قاتل جيوش الفرس في العراق لم يكن أكثرَ عددًا من ذلك أنّ خالد بن الوليد لمّا سار من هناك إلى الشام بنصف جيشه لم يَقُد معه إلّا 10,000 رجل، وبقي في العراق مثلُهم.4)
ونستفيد ممّا تقدّم أنّ عدد الجند الأوّل تضاعف تقريبًا وزاد زيادةً كبيرة جدًّا؛ ويكفي في تفسير ذلك كلَّ الكفاية المددُ الوارد من جزيرة العرب وانضمامُ
1) ابن عساكر fol. 78، روايةُ سيف بن عمر. 2) ابن عساكر fol. 51 v°، روايةُ ابن عائذ. 3) ابن عساكر fol. 73 v°، ويعلّق بأنّهم كانوا يحملون سيوفهم في حبالٍ من ليف النخل بدل الحمائل. 4) ابن عساكر fol. 54 v°، روايةُ ابن عائذ.
87قبائل عرب الشام. وعلى كلّ حال يمكننا، إذا جعلنا الأرقام المتقدّمة أساسًا للحساب، أن نقدّر عدد الجند العرب في الشام، وكذلك في العراق، بـ60,000 إلى 70,000 رجل؛ على ألّا ننسى أنّ رَكْبًا هائلًا بلا ريب من النساء والأطفال والرقيق والموالي كان يصحبهم، فإنّ أكثر القبائل المشاركة في هذه الحرب خرجت بأهلها إلى الميدان.1)
وقد سعى عمرُ إلى إدخال النظام في هذه الحركة أيضًا. فلمّا صار بيتُ المقدس إلى العرب وكاد فتحُ الشام يتمّ، سار بنفسه إلى هناك لقسمة الغنيمة، فبلغ بيتَ المقدس، أو الجابيةَ في روايةٍ أخرى، وهي قريةٌ على مقربةٍ من دمشق. وكان ذلك سنة 16هـ. فنظّم الجند — كما يروي أقدمُ الإخباريّين — وأنشأ المعسكرات الثابتة2)؛ ومعنى ذلك أنّه قسم الجند العربَ فِرَقًا معيّنة تتألّف كلٌّ منها من قبائلَ عدّة، وأنّه عيّن لكلّ قسمٍ من الجيش مواضعَ ثابتةً للنزول أو مواضعَ للحاميات؛ وكانت في الشام: حمص ودمشق والأردنّ وفلسطين. أمّا المدينتان الأوليان فكانتا هما نفسُهما موضعَي الحامية؛ وكان مقرّ الجند في الأردنّ طبريّة، وفي فلسطين اللُّدّ أوّلًا ثم الرملة بعد ذلك.3) وعلى نحوٍ مماثلٍ نشأت في العراق معسكراتٌ دائمة هي الكوفة والبصرة. وأوّلَ الأمر بنى الجندُ لأنفسهم هناك أخصاصًا من القصب يسكنونها بأهليهم ويهدمونها عند الرحيل،
1) ابن عساكر fol. 47 وما بعدها، وقارن Geschichte d. herrschenden Ideen des Islams p. 458، الحاشية 5.
2) ابن عساكر fol. 80 v°، روايةُ ابن عائذ: فجنّد وَمَصَّر الأمصار.
3) اليعقوبي p. 116.
88غير أنّه سرعان ما قامت مكانَ أخصاص القصب بيوتٌ من اللَّبِن، فنشأت منها المدينتان اللتان بقيتا زمنًا طويلًا موضعَي جندٍ لا غير.1) ولذلك سُمِّيتا «المِصرَين»، أي المعسكرين، فمنهما كان الخلفاء يستخرجون الجموع الكبيرة من الجند عند الحاجة.
وكان الخليفةُ يُقيم القادةَ على تدبير الجند، غير أنّه لم تصلنا في ذلك أخبارٌ مفصّلة عن عهد الخلفاء الأربعة الأُوَل؛ وكلُّ ما نعلمه أنّه أُقيم على كلّ قبيلةٍ رجلٌ من عمّال الحكومة يُلقَّب «العريف»، وإليه النظرُ في شؤون القبيلة كلِّها. جاء في خبرٍ قديم:2) «كان يومئذٍ عريفَ بني مازن، أهلِ الحاضرة منهم وأهلِ البادية».
ثم اتّسع هذا النظام بعد ذلك، فأُقيم في الجيش عريفٌ على كلّ عشرة رجال، فوافق موقعُه موقعَ العُرفاء عند الرومان (decuriones)، ولعلّ ذلك محاكاةٌ للروم في عهد الأمويّين، إذ أخذ العربُ يومئذٍ بنظام الحرب الرومانيّ في تعبئة جيوشهم. ويبدو أنّ مهمّة هؤلاء الضبّاط الصغار كانت مراقبةَ الرجال،
1) انظر في تمصير البصرة البلاذري p. 346؛ مُصِّرت سنة 14هـ. أمّا الكوفة فبعد ذلك، نحو 14 أو 17هـ. البلاذري p. 275، ابن الأثير II 410, 411، المسعودي IV. 225. وكانت البصرة مقسومةً خمسةَ أخماسٍ على القبائل الخمس التي نزلتها، وهي: الأزد وتميم وبكر وعبد القيس وأهل المدينة. ابن الأثير V. 53.
2) الأغاني II. 186؛ وشرح الموطأ، وفيه روايةٌ تُذكَر فيها حادثةٌ يتبيّن منها أنّ الخليفة عمرَ استخبر العريفَ عن سيرة رجل. وقد علّق الشارحُ على هذا الموضع: العريفُ هو الذي يعرف أمور الناس فيرفعها إلى من فوقه.
89وإقامةَ الضبط، والإبلاغَ عن كلّ من تخلّف عن واجبه العسكريّ.1)
ولذلك قامت منذ ذلك العهد عقوباتٌ لمن تخلّف عن الخدمة العسكرية. فكان عمرُ وعثمانُ يعاقبان المذنب بأن تُنتزَع عمامتُه ويُشهَّر به. فقد كانت مثلُ هذه العقوبات المُخزية تكفي يومئذٍ. ثم اضطُرّ الولاة شيئًا فشيئًا إلى تشديد الأحكام، وفي ذلك دليلٌ على مبلغ ما ضعف من الشعور بالشرف وما تزايد من النفور من الخدمة العسكرية. فقد كان مصعبٌ ينتزع عمامة المذنب ويشهّر به كذلك، لكنّه زاد على ذلك حَلقَ شعر الرأس واللحية. وشدّد بشرُ بن مروان هذه العقوبة فأمر بتسمير اليدين أيضًا. وأمّا الحجّاجُ، والي عبد الملك الحازم على العراق، فقد اختصر الطريق، إذ اكتفى بضرب أعناقهم.2) ويظهر من المصادر أنّ تعيين القادة الأصاغر لم يكن يصدر عن الخليفة مباشرةً، بل كان الخليفةُ يعيّن القائد الأعلى فحسب، وهو يختار ضبّاطه على ما يرى. ولا سبيل بطبيعة الحال إلى تصوُّر تنظيمٍ صارمٍ منضبطٍ لجيوش ذلك العهد. وكان القائدُ الأعلى نائبَ الخليفة في كلّ شيء، يمارس بالتفويض أخصَّ حقوق السيادة، أعني إمامةَ الصلوات الخمس وتقدُّمَ الناس فيها. ولهذا يُنَصّ بدقّةٍ في كلّ موضعٍ تجتمع فيه فِرَقٌ عدّة على أيّ القادة أَمَّ الناس في الصلاة، فذاك هو القائدُ الأعلى.
ولا حاجة إلى التنويه بأنّ تدبير الحرب وطريقة القتال في هذه الجيوش العربية الأولى كانا بدائيَّين جدًّا.
1) ابن الأثير IV. 18, 19. 2) ابن الأثير IV. 308.
90وكان نظامُ القتال هو الصفّ. ويبدو أنّ محمّدًا أدخل هنا أيضًا ضبطًا صارمًا، كما كان يُقيم جمهور المؤمنين في الصلاة صفوفًا متراصّة؛ فإنّنا نرى في أقدم الأخبار وأجودها أنّه رتّب المسلمين يوم بدرٍ في صفوفٍ محكمة الإغلاق حتى لم يبقَ بينهم أدنى فُرجة. فقد أصاب إذًا في شدّة حرصه على تلاصق الصفوف. وكان المقاتلة يتترّسون، وأمرهم محمّدٌ ألّا يجرّدوا السيوف حتى يدنو العدوّ كلَّ الدنوّ.1) وكانت الوقائعُ تبدأ في الغالب بمبارزاتٍ بين أفرادٍ من فرسان القوم يخرجون من الصفوف فينشدون أراجيز الفخر ويصيحون بأسمائهم وأنسابهم ويدعون إلى البراز كُفئًا لهم. فقد أرسل أهلُ مكة قُبيل وقعة بدرٍ مناديًا يدعو محمّدًا أن يُخرِج إليهم أكفاءً من فرسانه. فأخرج ثلاثةً من أهل بيته الهاشميّين، وهم: عليٌّ وحمزةُ وعبيدةُ بن الحارث. فتقدّموا أمام الصفوف، وخرج إليهم من فورهم ثلاثةٌ من أشراف مكة: عتبةُ وشيبةُ والوليد. ولمّا كان الأوّلون قد استوفوا لَأْمَتهم فستروا وجوههم بالبَيض، ناداهم المكّيّون أن يُعرِّفوا بأنفسهم ليعلموا أهم أكفاءٌ لهم. فقال حمزة: «أنا أسدُ الله وأسدُ رسوله». فأجابه عتبةُ عن أهل مكة: «كُفءٌ كريم، وأنا أسدُ الحَلْفاء؛ فمن الرجلان الآخران معك؟» قال: «عليُّ بن أبي طالبٍ وعبيدةُ بن الحارث». قال عتبة: «وهذان أيضًا كُفءٌ كريم». ثم
1) الواقدي p. 51, 62, 63.
91بدأوا البِراز.1) وقد حُفِظ عددٌ كبير من أراجيز الفخر التي كانت تُنشَد في مثل هذه المواطن، وكثيرٌ منها يستحقّ بلا شكّ وصفَ الصحّة ويمتاز بطابعٍ عتيق. من ذلك ما أنشده عاصمُ بن ثابتٍ يوم أُحُد:
ما أُبالي — فإنّي بطلٌ مجرَّبٌ في الحرب — بالسهم والقوس وما فيهما من وعيد الموت. عن ظهر تُرسي ترتدّ المقذوفات. الموتُ وحده هو اليقين، والحياةُ باطلٌ زائل؛ وكلُّ ما قضاه الربُّ نافذٌ في الإنسان، وإليه يرجع كلُّ أحد؛ فإن لم أقاتلكم فثكلتني أمّي!2)
ولمّا حاصر محمّدٌ خيبرَ، وهي مستوطنةٌ يهودية، خرج مقاتلةُ اليهود على المسلمين بقيادة رجلٍ من خيرة فرسانهم اسمُه مَرحب، وهو ينشد:
خيبرُ تعلم أنّي أُدعى مَرحبًا، شاكيَ السلاح، جريئًا مجرَّبًا في الحرب؛ إذا ضربتُ بالسيف أو طعنتُ بالرمح.3)
ولم تكن الحملةُ العامّة التي تُفضي إلى الاشتباك تقع إلّا بعد سلسلةٍ من هذه المبارزات يشتدّ فيها حَنَقُ الجيشين شيئًا فشيئًا. وكانت الخيّالةُ لا تحمل قطُّ في كتلٍ متراصّة بطبيعة الحال، بل متفرّقة، ثم تنسحب بالسرعة نفسِها. واقتضى هذا الضربُ من القتال أنّ خسائر الطرفين كانت في الغالب ضئيلةً جدًّا ما دامت جيوشُ العرب الأولى تقاتل بعضها بعضًا. ففي وقعة بدرٍ لم يفقد المسلمون من جملة 303 رجلًا إلّا 14. وأمّا أهلُ مكة، وجملتُهم 950 رجلًا، فلم يُقتَل منهم إلّا 70 رجلًا وأُسِر مثلُهم. وفي أُحُدٍ
1) الواقدي p. 68. 2) Ibid. p. 346. 3) Ibid. p. 390.
92حيث انتصر هؤلاء، فقد المسلمون — وكانوا نحو 700 رجل — 75 قتيلًا؛ وأمّا أهلُ مكة، وجيشُهم نحو 3,000 رجل، فلم يُقتَل منهم إلّا 23.
أمّا في حروب الفتح على جند الفرس واليونان فكانت الخسائر أشدَّ بكثير؛ وحيثما انتصر العربُ كانت المذبحة في الجيش المهزوم فظيعة. فقد كان اليونانُ والفرسُ ثِقالَ الحركة، وإذا انخرقت جموعُهم مرّةً لم تثبت بعدها، وكانت خسائرُهم من فوضاهم هم لا تقلّ ضررًا عليهم عن سيوف المنتصرين. وتذكر الأخبار العربية أنّ اليونان في وقعة الواقوصة — وهي نفسُها وقعةُ اليرموك (Hieromax) — جعلوا صفَّهم لا يُخرَق بأن رُبِط الجندُ بعضُهم إلى بعضٍ بالسلاسل.1) ويُروى مثلُ ذلك عن جند الفرس، ومن ثَمّ سُمِّيت وقعةٌ مشهورة بذات السلاسل. ويسهل على المرء أن يتصوّر ما تجرّه الهزيمة في مثل هذه الحال. وكانت جيوشُ الفرس في العراق تسوق معها فِيَلةَ الحرب، ولم تكن تُلحِق بالعرب الخِفافِ الحركةِ ضررًا كبيرًا نسبيًّا، لكنّها إذا نفرت أو جُرِحت أحدثت في جند أصحابها خرابًا مروّعًا.
فقوّةُ الجيوش العربية إذًا إنّما كانت، بعد الأسباب المعنوية، في صبرها وقناعتها وما نشأ عن ذلك من زيادة خفّتها في الحركة. ولم تكن الهزيمة تبلغ منها مبلغًا قاضيًا قطّ. فالباديةُ في هذه الحال مجمعُهم، يستعدّون فيها سريعًا لهجومٍ جديد. وعلى الجملة كانت حربُهم — بحكم طبيعة الأمر — هجوميةً دائمًا، وحربُ خصومهم دفاعيةً بلا خطّة. وبهذا تُفسَّر انتصاراتُهم الكبرى تفسيرًا موضوعيًّا.
1) قارن كريمر: Mittelsyrien und Damascus p. 10.
93ولتأمين ما فُتِح من البلاد وضبطِه أقام المسلمون في كلّ مكانٍ معسكراتٍ ثابتة، تنزل بها جموعُ العرب المرتّبة على القبائل وتكون رهنَ الطلب عند الحاجة. ومن مواضع الحاميات هذه: البصرةُ والكوفة في العراق، ودمشقُ وحمصُ وطبريّةُ واللُّدّ في الشام؛ وأمّا في مصر فقد أنشأ فاتحُها عمرو بن العاص معسكرًا حصينًا عند بابليونَ القديمة، وهي المسمّاة بالحصن الروميّ، وتقع تجاه ممفيس، ويُرجَّح أنّها كانت في زمن الرومان مقرَّ حاميةٍ قويّة. وقد نمت من هذا المعسكر بعدُ مدينةٌ سُمّيت الفسطاط، وظلّت حاضرةَ البلاد كلِّها إلى أن بُنيت القاهرة، ثم بقيت بعد ذلك باسم مصرَ القديمة، واتّصلت شيئًا فشيئًا بالقاهرة الجديدة باتّصال العمران بينهما. وكانت الإسكندريةُ بعد الفسطاط أهمَّ ثغور العرب في مصر، فقد كانت أعظمَ مدنه البحرية، معرَّضةً أبدًا لهجمات الأساطيل اليونانية المتحكّمة في البحر. فأُنزِلت فيها رابطةٌ قويّة. وترك عمرٌو فيها رُبعَ جيشه يستبدله كلَّ ستّة أشهر. والرُّبعُ الثاني يحفظ ساحل البحر، والنصفُ الباقي عنده في الفسطاط. وفي أخبارٍ أخرى أنّه كان يستبدل حاميةَ الإسكندرية كلَّ سنةٍ من المدينة. وأخذ عثمانُ بالنظام نفسِه، فكان يستبدل جند تلك المدينة مرّتين في السنة. ولا تصلنا أخبارٌ في قوّة الحامية إلّا من عهد الأمويّين: فقد رأى معاويةُ عددهم — وهو 12,000 رجل — قليلًا فرفعه إلى 27,000.1)
وكانت حاميةُ الإسكندرية تختلف اختلافًا جوهريًّا عن حاميات المعسكرات الكبرى الأخرى. ففي
1) السيوطي: حسن المحاضرة I. p. 76.
94هذه كان الجندُ ينزلون على قبائلهم بأهليهم في الأخصاص، كلُّ قبيلةٍ في خِطّتها ولها مسجدُها.1)
ولإتمام صورتنا عن أقدم تنظيمٍ عسكريٍّ في الدولة العربية كان ينبغي أن نصف تطوُّر ما أنشأه عمرُ من نُظُمٍ في عهد خليفتيه من بعده، عثمانَ وعليّ. غير أنّ المعطيات تنقصنا في ذلك، ولهذا ننتقل مباشرةً إلى إتمام رسم صورةِ نشاط عمرَ التنظيميّ بعرض نُظُمه الإدارية. فإنّ ما صنعه الخليفتان الأخيران من عهد الخلافة الراشدة في باب التنظيم لا يكاد يُذكَر إزاء ما أبدعه عمرُ من عملٍ سياسيٍّ عظيم. فهو وحده الذي أعطى الإسلام صورتَه الدولتية، ورسم الخطوط الأولى لآلةِ حكمٍ ظلّت إلى أيامنا هذه تقريبًا القانونَ الحاكم للحياة السياسية عند الأمم المحمّدية جميعًا.
وقد عرضنا فيما تقدّم لنظام الجباية، وما تفرّع عنه من العطاء العامّ لكلّ من ينتمي إلى دولة المسلمين، وما قام على ذلك من التنظيم العسكريّ، عرضًا مستقصًى بقدر ما تسمح به المصادر، بل أوفى وأدقّ ممّا صُنِع قبل ذلك قطّ، إذ لم يجمع أحدٌ بعدُ ولا فحص معطياتٍ بهذا التنوّع، آتيةً من مصادر بهذا الاختلاف، على هذا التمام.
وكان تقسيمُ الدولة إداريًّا قد بدأ بعضُه في عهد الخليفة الأول. ففي عهده قامت الولايات الآتية: قُسِمت الشام أربعَ نواحٍ عسكرية (دمشق وحمص والأردنّ وفلسطين)، وكان قائدُ الفرقة النازلة في كلّ ناحيةٍ واليًا عليها في الوقت نفسِه، على أنّها جميعًا — أي الشام كلَّها — كانت تحت
1) المسعودي V. p. 136.
95إمرة القائد الأعلى للجيش كلِّه. وكان قوّادُ الجند يتولّون جبايةَ الخراج؛ أمّا في جزيرة العرب فكان للولاة مقارُّ في المدن الكبرى الآتية: مكةُ والطائف (في شمال الجزيرة)، وصنعاءُ وزَبيدُ والجَنَدُ وجُرَش (في جنوبها)، ثم كان الولاةُ يقيمون في كُوَر خَولانَ ونجرانَ والبحرين، وأخيرًا أُقيم والٍ على دومة الجندل، وهي على طريق التجارة الكبرى إلى الشام والعراق، فكانت نقطةَ مواصلاتٍ مهمّة.1) وترى مبلغ عناية أبي بكرٍ بجنوب الجزيرة: ففي حين اكتُفي بعد ذلك بوالٍ واحدٍ على اليمن كلِّها، كان له ولاةٌ في كلّ المدن الكبرى. وأُقيم فوق ذلك والٍ على تيماءَ وخيبرَ وما إليهما من القرى، وكان النبيُّ قد عيّنه من قبل.2)
ثم اتّسعت في عهد عمرَ دائرةُ الولايات بحكم الفتوح، وأُلغِيت بعضُ الولايات الصغيرة. فوُلِّي على مصرَ فاتحُها؛ وتولّى معاويةُ هذا المنصب في دمشق، وهو الذي صار بعدُ أوّلَ خلفاء الدولة الأموية.
وقامت في الشام فوق ذلك ولايةٌ ثانية في حمص؛ وقُسِم العراق ولايتين،
1) ابن الأثير II. 323.
2) أسد الغابة في مادّة خالد بن سعيد: بعثه النبيُّ إلى اليمن على صدقاتها، وفي روايةٍ أخرى على صدقات مَذْحِج، وولّاه في الوقت نفسِه صنعاء. فلمّا تُوفّي النبيُّ كان خالدٌ لا يزال في هذا المنصب، كما كان أخواه عمرٌو وأَبانُ على ما ولّاهما النبيُّ. فلمّا مات رجعوا عن أعمالهم. فسألهم أبو بكرٍ: لِمَ تركتم أعمالكم؟ ودعاهم إلى العودة إليها. فقالوا: نحن بنو أُحَيحةَ، لا نعمل لأحدٍ بعد النبيّ. وكان خالدٌ واليًا على اليمن، وأَبانُ على البحرين، وعمرٌو على تيماءَ وخيبرَ وما إليهما من قرى العرب.
96مقرُّ إحداهما الكوفةُ والأخرى البصرة؛ وأمّا في جزيرة العرب فقلّ عددُها إلى خمسٍ: مكةُ والطائفُ والجَنَدُ وصنعاءُ والبحرين.1)
على أنّ عمرَ عيّن في مصر واليًا خاصًّا للصعيد.2) وقيّد كذلك سلطةَ والي دمشق؛ فقد كان من قبلُ قائدَ الجند الأعلى، ويمارس فوق ذلك صلاحيات الخليفة الدينية والقضائية كلَّها — كالفصل في الخصومات وإمامة الصلاة الجامعة وسائرِ الشعائر — فعيّن عمرُ لدمشقَ والأردنّ قاضيًا خاصًّا فوّض إليه ممارسةَ الوظائف الدينية وإمامةَ الصلاة، وأقام كذلك قاضيًا لحمصَ وقِنَّسرين.3) وأمّا في المدينة فكان الخليفةُ يتولّى القضاء بنفسه. ومع ذلك لا بدّ أن تكون صلاحياتُ الولاة قد ظلّت غيرَ محدودةٍ تقريبًا، وقد أحسنوا استغلالها لمصلحة جيوبهم. فلمّا ولي عثمانُ بعد موت عمرَ أراد أن يُضعِف سلطة والي مصر فلا يترك له إلّا قيادةَ الجند والإدارةَ السياسية، ويُسنِد الخراجَ إلى عاملٍ خاصّ. فاحتجّ عمرٌو على ذلك أشدَّ الاحتجاج وقال صريحًا: «أكون إذًا كمن يمسك البقرة بقرنيها وغيرُه يحلبها».4)
1) قارن ابن الأثير III. p. 60. وكان والي صنعاءَ يعلى بن مُنية، وقد ولي هذا المنصب نفسَه في خَولانَ أيّام أبي بكر، ولا بدّ أن يكون قد جمع مالًا هائلًا، فقد عُدَّ أغنى أهل زمانه.
2) السيوطي: حسن المحاضرة II. p. 3.
3) كان قاضي دمشقَ أبا الدرداء، وقاضي حمصَ عُبادة. البلاذري p. 141.
4) السيوطي: حسن المحاضرة I. 76.
97وقد كان عمرُ نفسُه مضطرًّا إلى الإلحاح دائمًا في حمل خراج مصر، فقد كان الوالي يتأخّر به على الدوام.1) على أنّه — وهذا طبيعيٌّ جدًّا — كان لا بدّ من مراعاة ذلك القائد الشجاع المنتمي إلى بيتٍ من أشرف بيوت مكة، وقد أنشأ لنفسه بفتح مصرَ مقامًا لا يُمَسّ.
واتّخذ عمرُ تدبيرًا غريبًا في الجزيرة الفراتية التي فُتِحت في أواخر سني حكمه. فقد ولّى عليها واليين: أحدهما على أمر الجُند والأمم المغلوبة، والآخر على العرب.2)
وفرض عمرُ كذلك للولاة وعمّال الحكومة أرزاقًا ثابتة، ضمانًا لأداء الواجب على وجهه وقطعًا للمظالم. فجعل لعمّار بن ياسرٍ حين ولّاه الكوفةَ 600 درهمٍ في الشهر، إلى جانب أرزاق عمّاله، وأرزاقٍ يومية من لحم الضأن والقمح؛ وقد أُنفِذ مع عمّارٍ عاملان، هما عثمانُ بن حُنيفٍ وابنُ مسعود، فنال الأولُ 5 دراهم في اليوم فوق عطائه السنويّ البالغ 5,000 درهم، ثم رزقَه المعلوم من لحم الضأن؛ ونال الثاني 100 درهمٍ في الشهر ورزقَه. وأمّا القاضي شُريحٌ الذي ولّاه قضاء الكوفة فكان يأخذ 100 درهمٍ في الشهر و10 أَجْرِبةٍ من القمح. وكانت أرزاقُ عمّارٍ أرفعَ من غيره لأنّه كُلِّف في الوقت نفسِه إمامةَ الصلاة.3) وعيّن للبصرة قاضيًا كذلك.4) فيبدو إذًا أنّه لم يُقِم القضاة أوّلَ الأمر إلّا في المعسكرات الكبرى، كالبصرة والكوفة ودمشقَ وحمصَ، ويُرجَّح أنّ الفسطاط منها.
98وبفرض الأرزاق للعمّال وتعيينِ القضاة أسّس عمرُ الإدارةَ والقضاء، وإن كان ذلك لا يزال على نقصٍ شديد، إلّا أنّه كان مع ذلك تقدُّمًا كبيرًا.
وقد سبق الكلامُ على واحدٍ من أهمّ تدابير عمرَ الإدارية، وهو مسحُ بابلَ (السواد) لتسوية الجباية؛ وهذا موضعُ بسط الأحكام المتعلّقة بذلك. كلّف عمرُ عثمانَ بن حُنيفٍ المذكورَ آنفًا بمسح البلاد كلِّها. فأنجز ذلك، وقدّر مساحة أرض العمران كلِّها بـ36 مليون جَريب. وهو مقياسُ مساحةٍ بابليٌّ قديم يُقدَّر بـ3,600 ذراعٍ مربّعة. والذراعُ المرادةُ هنا هي الذراعُ العربية المعتادة ذاتُ الأربعة والعشرين إصبعًا، وهي تقابل الذراع الرومانية (cubitus). وحتى نكوّن تصوّرًا تقريبيًّا لهذه النسب العددية، لنفترض أنّ هذه الذراع تعادل القدم الرومانية التي تنقص عنها بالثلث. وعلى هذا الافتراض يكون الجَريبُ مساويًا للكليما الروميّ البالغِ 3,600 قدمٍ رومانية، وهو مقياسُ مساحةٍ رومانيّ قائمٌ ظاهرًا على النظام الاثني عشريّ البابليّ القديم نفسِه الذي يقوم عليه الجَريب. أمّا الذراعُ التي جرى بها المسح فكانت أكبرَ على وجه الاستثناء، ومن ثَمّ أرفقَ بأهل الخراج. وهي ذراعُ اليد العربية المعتادة ذاتُ الأربعة والعشرين إصبعًا، يُزاد عليها قبضةٌ مع إبهامٍ ممدود.1) والذراعُ الرومانية (cubitus)، وفيها كذلك 24 إصبعًا (digiti)، تساوي 0.4436 متر؛ والقبضةُ (palmus باللاتينية) سُدسُ ذلك، أي 0.0739 متر. ولا يبقى إلّا تقديرُ طول الإبهام الممدود، وهو أعسر، فنقدّره
1) البلاذري p. 272.
99بثلاث أصابعَ عرضًا، أي (وعرضُ الإصبع = 0.0184 متر) 0.0552 متر؛ فيكون طولُ الذراع المستعملة في مسح السواد 31 إصبعًا عرضًا، أي نحو 0.57 متر. وكان الجَريبُ 60 ذراعًا من هذه في مربّعه، فمساحتُه إذًا (60 × 60) 3,600 ذراعٍ مربّعة. ولمّا كان طولُ الذراع 0.57 متر، فإنّ 60 ذراعًا تساوي (0.57 × 60) = 34.2 متر، وتكون مساحةُ الجَريب (34.2 × 34.2) 1,169.64 مترًا مربّعًا.
وقد أظهر المسحُ أنّ الصقع كلَّه 36 مليون جَريب، وهو خبرٌ يبدو مريبًا جدًّا لتكرُّر الرقم 36 وحده، فلا تكاد تكون له قيمةٌ عملية. ولم يُفرَض الخراجُ الواجب على الأرضين المختلفة إلّا على أساس هذا المسح، وضُرِب بالمقادير التي تقدّم ذكرُها. فقد كان إذًا سجلًّا عقاريًّا تامًّا يُعمَل، لا تُقيَّد فيه مساحةُ الأرض وحدها، بل جودةُ التربة أيضًا على وجه الدقّة.1)
وقد تقدّم أنّ عمرَ سعى بخفض المكس إلى تشجيع استيراد أصنافٍ من الحبوب لا تُخرِجها جزيرةُ العرب بالقدر الكافي، وهي شديدةُ الحاجة إليها في مكةَ والمدينة، وقد أخذتا يومئذٍ في ازدهارٍ سريع، لإطعام سكّانهما المتزايدين أبدًا. وله في هذا الباب فضلُ إنفاذِ تدبيرٍ أبعدَ أثرًا بكثير، يشهد بعزم هذا السياسيّ العظيم وصفاء رأيه. ذلك أنّه فتح قناة السويس ليُقيم بذلك اتّصالًا مباشرًا بين النيل والبحر الأحمر. ولعلّ الدافع إلى ذلك
1) البلاذري p. 269. وقارن أيضًا الماوردي cap. XIV، الفصل الأخير. وحسابي لمساحة الجَريب في Culturgeschichtl. Streifzüge p. 18 يُصحَّح بما تقدّم.
100كان المجاعةَ الكبرى (عام الرَّمادة) التي عمّت جزيرة العرب سنة 18هـ (639م)، وقارنها وباءٌ مروّع (طاعون عمواس) اجتاح الشام. فورد على والي مصر أمرُ الخليفة أن يُعيد حفر القناة القديمة التي تتفرّع من النيل عند بابليون — وهي مصرُ القديمة اليوم — وتشقّ القاهرة باسم «الخليج»، وتصبّ في البحر الأحمر عند القُلزُم. وقد أُنجِز هذا المجرى المائيّ، ويسمّيه العربُ خليجَ أمير المؤمنين، في أقلَّ من سنة؛ فأبحرت فيه مراكبُ النيل إلى البحر الأحمر حتى ينبعَ وجُدّة، فهبطت أسعارُ الغلال في أسواق مكةَ والمدينة من فورها ولم تكد تزيد على أسعار مصر.1)
على أنّ شعورًا أقلَّ صوابًا قاد الخليفةَ حين أمر بإخراج المخالفين في الدين جميعًا من جزيرة العرب. فقد أراد أن تكون الجزيرةُ من بعدُ أرضًا لا تدنّسها قدمُ كافر. ويُرَدّ هذا التدبير إلى قولٍ منسوبٍ إلى محمّد، صحّتُه موضعُ شكٍّ شديد حتى بمقاييس النقد العربيّ نفسِه، ونصُّه: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب.2) وعلى هذه الرواية يُقال إنّ عمرَ أجلى يهودَ خيبرَ الأغنياءَ أهلَ الصناعة، وكذلك أهلَ نجرانَ وفَدَكَ من النصارى واليهود. فأمّا أهلُ خيبرَ
1) قارن ابن الأثير II. 434، ثم السيوطي: حسن المحاضرة I. 73.
2) ويورد البخاري (1915) روايةً شبيهةً على سند ابن عبّاس: يروي أنّ النبيّ أوصى قُبيل موته ثلاثَ وصايا؛ أولاها: أخرِجوا الكفّار من جزيرة العرب! والثانية: أجيزوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أُجيزهم. أمّا الثالثة فقد نسيها الراوي. ويُضاف تفسيرًا فحسب أنّ المراد بـ«جزيرة العرب» مكةُ والمدينةُ واليمامةُ واليمن. فشرقُ الجزيرة إذًا لم يدخل في الحساب البتّة، مع أنّ كثيرًا من الفرس كانوا يسكنونه.
101فلم يعوّضهم شيئًا البتّة، وأمّا أهلُ الموضع الأخير فقد أمر أن يُدفَع إليهم ثمنُ نصف غَلّتهم وعقارهم بالتقويم.1) ويُقال إنّ الدافع إلى ذلك إنّما كان سوءَ صنيعٍ أتاه أهلُ خيبرَ في حقّ ابنٍ للخليفة.2) وقد أنزل اليهودَ أريحا وتيماء. واضطُرّ النصارى كذلك إلى مغادرة الجزيرة جميعًا.3) وكان أكثرُ نصارى العرب من ناحية نجرانَ التي امتازت بصناعةٍ راقيةٍ جدًّا. وقد أعطاهم محمّدٌ امتيازاتٍ خاصّة4) أقرّها أبو بكر. وكان عليهم إتاوةٌ سنوية يؤدّونها ثيابًا من صنعهم ودروعًا وأمتعةً وخيلًا. وبهذا الشرط تمتّعوا بحقّ إقامة شعائرهم. ومع ما تحرّوه من الدقّة والأمانة في الوفاء بالتزاماتهم، أمرهم عمرُ بالجلاء وأنزلهم منازلَ جديدة قرب الكوفة. وذهب فريقٌ منهم إلى الشام. وأعلن عمرُ أنّ الأرض التي تركها النجرانيّون مِلكٌ للدولة، أي أنّها بقيت — كالسواد — مِلكًا لجماعة المسلمين كلِّها إلى الأبد، فلا تُباع.5)
وترى أنّ عمرَ أجرى هنا أيضًا الأصولَ نفسَها التي تكلّمنا عليها من قبل.
وعلى كلّ حالٍ فمن اللافت أنّه أبطل بحكمٍ سلطانيٍّ حقًّا موثَّقًا كلَّ التوثيق كحقّ نصارى نجران، فقد كانت بأيديهم كتبُ أمانٍ من محمّدٍ ومن أبي بكر. ولا بدّ أن تكون أسبابٌ قويّة قد عملت
1) شرح الموطأ IV. 72, 73؛ البخاري 1698. 2) البخاري 1698؛ ابن الأثير II. 169, 171. 3) البخاري 1459. 4) شبرنجر: Das Leben u. die Lehre des Moh. III. 502. 5) نفسه III. 508.
102في حمله على ذلك. ونستطيع أن نحدسها على وجهٍ راجحٍ جدًّا: هي الفكرةُ نفسُها التي قادته إلى منع المسلمين من كلّ مِلكٍ للأرض أو اشتغالٍ بالحرث، أعني فكرةَ إبقاء أمّته غيرَ مختلطة، مفصولةً فصلًا صارمًا عن المخالفين في الدين، أمّةً من المقاتلة المستعدّين للحرب. أراد أن تكون جزيرةُ العرب حصنَ الإسلام، وألّا يسكنها إلّا من كان على السنّة. ولهذا وجب أن تُوصَف سياسةُ عمر — إن شئنا التعبير بلغة العصر — بأنّها سياسةٌ عربيةٌ قوميةٌ صارمة؛ فليس عنده إلّا أمّةٌ واحدة مدعوّةٌ إلى السيادة: العرب. وعلى من سواهم أن يخضعوا لهم. ومن هذا المنطلق تُفسَّر سائرُ أحكام الخليفة الثاني المتّصلة بهذا الباب: كنهيه المسلمين عن استعمال اللغات الأجنبية،1) ونهيِه النصارى — وهو نهيٌ معاكس — عن تعلُّم قراءة العربية واستعمال الخطّ العربيّ. وتظهر هذه الفكرة أوضحَ ما تكون في الوثيقة التي صاغ فيها النصارى شروط استسلامهم، ثم أقرّها عمرُ إقرارًا صريحًا. ونصُّها: بسم الله الرحمن الرحيم! هذا كتابٌ إلى عمر بن الخطّاب أميرِ المؤمنين من نصارى مدينة كذا. إنّكم لمّا قدمتم هذه البلاد سألناكم الأمان لأنفسنا وأهلينا وأموالنا وأهلِ ملّتنا. وشرطنا لكم ألّا نُحدِث في مدينتنا وما حولها ديرًا ولا كنيسةً ولا صومعةَ راهبٍ ولا مَحبَسة؛ وألّا نُرمّم ما تهدّم من ذلك، ولا نُحيي منه ما كان في خِطط المسلمين؛ وأن
1) ابن خلدون: المقدّمة I. 316.
103لا نمنع المسلمين أن ينزلوا في كنائسنا ثلاثَ ليالٍ وأن نُطعِمهم؛ وألّا نؤويَ في كنائسنا ولا مساكننا جاسوسًا ولا نُخفيَ عدوًّا للمسلمين؛ وألّا نعلّم أولادنا القراءة؛ وألّا نُظهِر عبادة الأوثان ولا ندعوَ إليها أحدًا؛ وألّا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا أن يدخل في الإسلام إن أراد؛ وأن نُوقّر المسلمين ونقوم لهم عن مجالسنا إن أرادوا الجلوس؛ وألّا نتشبّه بهم في زيٍّ، لا في القلنسوة ولا العمامة ولا النعال ولا فَرْق الشعر؛ وألّا نتكلّم بلسانهم؛ وألّا نتسمّى بأسمائهم؛ وألّا نركب على سروج، ولا نتقلّد سيوفًا، ولا نبتاع سلاحًا ولا نحمله معنا؛ وألّا ننقش على خواتيمنا بالعربية؛ وألّا نبيع خمرًا؛ وأن نقصّ مقادم شعورنا؛ وأن نلزم زيّنا حيثما كنّا؛ وأن نشدّ الزنانير على أوساطنا؛ وألّا نُظهِر صليبًا على كنائسنا؛ وألّا نحمل كتبنا في شوارع المسلمين ولا أسواقهم؛ وألّا نضرب النواقيس في كنائسنا إلّا ضربًا خفيفًا؛ وألّا نرفع أصواتنا بالقراءة في بِيَعنا ما دام مسلمٌ بالقرب؛ وألّا نُخرِج بسَعَفنا (في عيد الفصح) وطاغوتنا1) مواكبَ ظاهرة؛ وألّا نرفع أصواتنا في جنائز موتانا، ولا نحمل عندها الشموع في شوارع المسلمين وأسواقهم؛ وألّا نتّخذ رقيقًا
1) في النصّ «bä'una»، وهي كلمةٌ لا تجدها المعاجم العربية. ويمكن أن تُعَدّ اللفظةَ السريانية الآرامية «bä'uta»، وقد شوّه خطأٌ في النسخ التاءَ فجعلها نونًا. وفي النصّ الذي اعتمده أماري: «tägutinä»، أي «طاغوتنا» (ولعلّه الصليب)، وهذه القراءة أرجحُ عندي.
104كان في مِلك المسلمين؛ وألّا نتجسّس على المسلمين في مساكنهم. فلمّا قرأ عمرُ هذه الوثيقة زاد فيها بخطّ يده: «وألّا نضرب مسلمًا؛ وهذا كلُّه نلتزمه عن أنفسنا وأهلِ ملّتنا، ونأخذ عليه الأمان (على الدم والمال)؛ فإن خالفنا شيئًا ممّا شرطناه لكم والتزمناه فلا ذمّةَ لنا، وحلّ لكم أن تصنعوا بنا ما تصنعون بأهل العناد والشقاق».1)
وهذه الوثيقة تمثّل عقد استسلام نصارى الشام، كما أملاه عمرُ بطبيعة الحال إملاءً، ولعلّ أبا بكرٍ صاغه قبله: فما كان من الخليفة إلّا أن أقرّه، فقام بذلك إلزامُ العقد للطرفين. ويتبيّن من ذلك بوضوحٍ شديد أنّ المسلمين المنتصرين لم يقصدوا إلى استيعاب الأمم المستعبَدة في كيانهم، بل أرادوا على العكس أن يكون الحاجز بين المؤمن والكافر مرسومًا على أشدّ ما يكون وضوحًا، ومحفوظًا حفظًا صارمًا. ومن صميم تصوُّر عمرَ السياسيّ الكبير أن قرّر أصلًا عامًّا: ألّا يكون عربيٌّ مملوكًا بعد اليوم، سواء اشتُري مملوكًا أو أُخِذ أسيرَ حرب.2) فالعربيُّ عند عمرَ حرٌّ بحكم الواقع، ولا يكون الرقيقُ إلّا من الأعاجم. والعربُ في نظره هم الأمّة المختارة السائدة؛ ولذلك لم يستطع أن يحتمل بقاء أيّ جزءٍ من الأمة العربية، وإن دقّ، تحت سلطانٍ أجنبيّ. فقد لجأت قبيلةٌ صغيرة
1) ابن عساكر fol. 87, 88. وقارن الوثيقة الشبيهة كلَّ الشبه عند أماري: Storia dei Musulmani della Sicilia I. p. 477، الحاشية. 2) الأغاني XI. 79, 80.
105نحو 4,000 نفسٍ تدين بالنصرانية إلى أرض الروم حين فتح المسلمون أعالي الجزيرة. فكتب عمرُ إلى ملك الروم: «قد خرجت قبيلةٌ عربية من أرضي ولجأت إلى أرضك: والله لئن لم تردّهم إليّ لأُخرِجنّ نصارى أرضي كلَّهم إليك».
فلم يتردّد اليونان في ردّ اللاجئين، فوزّعهم عمرُ في أقرب نواحي الجزيرة والشام.1) وبلغ الخليفةُ في هذه العناية بالقومية العربية أن أعطى القبائل النصرانية — ما دامت عربيةً خالصة — شروطًا في الجباية أرفقَ ممّا أعطاه للأعاجم. فلمّا فُتِح العراق أبت قبيلةُ تغلبَ النصرانية العربية، وهي كبيرةُ العدد، أن تدخل في الإسلام، ولم تُطاوِعها كبرياؤها العربية الأصيلة كذلك على أن تؤدّي الجزية كالأعاجم. وهدّدوا بأن يهاجروا إلى أرض الروم بدلًا من احتمال معاملةٍ مُذِلّة. فأذن لهم عمرُ باستثناء، إذ اكتفى بأن يأخذ منهم ضِعف الزكاة المفروضة على المسلمين، غير أنّه اشترط عليهم في الوقت نفسِه ألّا يعمّدوا أبناءهم بعد اليوم.2) على أنّ ربيعة كلَّها — والتغلبيّون بطنٌ منها — ظلّت على النصرانية إلى القرن الثاني للتقويم المحمّديّ.3)
1) ابن الأثير II. 415. 2) قارن ما تقدّم p. 63، ثم البلاذري 182.
3) في نصارى بني ربيعة من الأعراب انظر الأغاني XX. 127 و«العقد» لابن عبد ربّه II. fol. 229 من نسخة ﭬيينا، وفيه: على نهر الخابور منازلُ بني ربيعة، وأكثرُهم نصارى أو خوارج. — وكانت أقلَّ ثباتًا من هؤلاء بكثيرٍ قبائلُ جنوب الشام وشرقه التي انحازت أوّلَ الأمر إلى الروم:
106على أنّ قبائلَ عربيةً نصرانية انضمّت كذلك إلى المسلمين في حروبهم على الفرس؛ ولعلّ طمعَ الغنيمة كان في ذلك حاسمًا كوحدة القومية، وقد عملت هنا في الجمع والجذب أقوى ممّا عمل اختلافُ الدين في التفريق والتنفير.1)
ولمّا ولي عثمانُ الخلافةَ ثالثًا، صار الأمرُ إلى حزبٍ يبتغي غاياتٍ أخرى بالكلّية. فالحاكمُ الجديد، الذي لم يَدِن باختياره لشيءٍ سوى سنّه — إذ كان بعد عمرَ أكبرَ قرابة النبيّ سنًّا وهو صهرُه — كان له فوق ذلك امتيازٌ ليس بالقليل، هو انتماؤه إلى بني أميّة، وقد كانوا في الجاهلية بيتًا رفيع القدر من البيوت المتصدّرة. ومن الممكن جدًّا أنّ محمّدًا سُرّ به صهرًا لهذا السبب أيضًا، فقد صاهر بذلك بيتًا من بيوت الأشراف القديمة في بلده. وقد تبع عثمانُ حَماه إلى المنفى بالمدينة، غير أنّه كان ضعيفًا مزهوًّا مولعًا بالأبّهة، خاضعًا فوق كلّ حدٍّ لنفوذ أقاربه المكّيّين، وهم — وإن أسلموا آخرَ الأمر مُكرَهين — مخلصون في بواطنهم كلَّ الإخلاص لأفكار الجاهلية العربية وتقاليدها. ولهذا كان أحبَّ إلى قريشٍ وإلى الحزب المكّيّ عامّةً من سلفه الصارم المتزمّت. وكان عثمانُ يتغاضى عن أقاربه راضيًا، ويُغنيهم بكلّ وجه، ويولّيهم من بينهم جُلَّ المناصب
من لَخْمٍ وجُذامَ وبَلْقَينَ وبَلِيٍّ وعامِلةَ وغسّان، وهم من قضاعة، وقد قاتل بعضُهم المسلمين أوّلَ الأمر، ثم أسلموا بعد أن أحرز المسلمون انتصاراتهم الكبرى الأولى.
1) ابن الأثير I. 339؛ وهذه القبيلةُ العربية النصرانية هي بنو النَّمِر.
107النافذةَ المُدِرّة، ولا سيّما الولايات. فقد وهب مروانَ خُمسَ غنائم مصر الذي كان حقًّا لبيت المال. وتصرّف في المال العامّ تصرُّفًا محضَ الهوى، وفرض لأقاربه أعطياتٍ سنويةً ضخمةً على قدر الحظوة والمزاج، وهو ما استاء منه عليٌّ خاصّةً استياءً شديدًا.1)
وبهذا عطّل آلةَ الدولة التي بناها عمرُ ببصرٍ نافذ؛ صحيحٌ أنّه لم يغيّر النظام القائم من فوره، لكنّ ما يجري دائمًا في حكومةٍ لا يقودها إلّا الاعتبارُ الشخصيّ جرى هنا: فقد كثُرت الاستثناءاتُ لصالح الأفراد حتى انهار الكيانُ الدولتيّ شيئًا فشيئًا تحت وطأة الاستثناءات من غير أن يُغيَّر رسميًّا. لقد تفتّت من تلقاء نفسه.
فأمّا نظامُ الأعطية السنوية فقد قوّضه — كما ذكرنا آنفًا — بأن أجاز لأقاربه أعطياتٍ استثنائيةَ الارتفاع، تبعد كلَّ البعد عن المقادير التي قرّرها عمر. وبهذا سلك طريقًا بالغَ الخطر، فإنّ إجراءً كهذا لا بدّ أن يثير في أمّةٍ بهذا الشَّرَه إلى المال أشدَّ السخط. وكذلك أكثرَ من الاستثناءات من ذلك القانون الذي رفعه عمرُ بعزمٍ شديد إلى مرتبة الأصل الحاكم: منعِ المسلمين من مِلك الأرض في البلاد المفتوحة. فقد كان ابنُ عمّه معاويةُ قد وُلِّي دمشقَ قبل ولايته هو. فلمّا تولّى الخليفةُ الجديد الحكمَ بادر معاويةُ يسأله أن يُقطِعه ضياعَ الدولة التي في الشام، وقد كانت في عهد عمرَ تُعَدّ مِلكًا قوميًّا لجميع المسلمين، ويؤجّرها الوالي القائمُ
1) Geschichte der herrsch. Ideen p. 337؛ شبرنجر: D. Leben u. d. Lehre d. Moh. I. 416.
108ثم يحمل بدل الإجارة إلى بيت المال. وحجّةُ معاوية في طلبه أنّ عليه نفقاتٍ كبيرة في إطعام كثيرٍ من قوّاد الجند وإنزالهم، وكذلك رسلِ الروم الذين يكثر قدومُهم عليه.1) فلم يتردّد عثمانُ في إجابة ابن عمّه إلى سؤله، فخرجت بذلك ضياعُ الدولة في الشام كلُّها من المِلك القوميّ إلى الأبد، إذ ورّثها معاويةُ لعقبه؛ ويبدو أنّه لم يخطر ببال أحدٍ يومئذٍ البتّةَ أن يُدبَّر رجوعُ تلك الأرضين إلى الدولة بعد موت المنتفع. أمّا في ضياع الدولة ببابل (السواد) فقد كان عثمانُ أحكمَ تدبيرًا. والمرادُ بها تلك الأرضون التي كانت من قبلُ مِلكًا خاصًّا لملوك الفرس، وكذلك الأرضون التي لا صاحب لها ممّا تركه أهلُه. فقد جعل عثمانُ يديرها لحساب بيت المال، فحصّل منها دخلًا سنويًّا مقدارُه 50 مليون درهم.2)
على أنّ استثناءاتٍ فرديةً وقعت هنا كذلك لصالح المقرَّبين. فقد أقرّ مبيعاتِ الأرض التي كان عمرُ قد أبطلها. وأصدقُ ما يشهد بمبلغ ما بلغه صَلَفُ البيوت المتصدّرة من الأشراف أنّهم ادّعوا بابلَ مِلكًا خالصًا لهم، وقرّروا أنّها لهم لا لجماعة المسلمين عامّةً كما قضى عمر. وهذا الإقليمُ الذي أرادت البيوتُ الحاكمة أن تستأثر به إضرارًا بالدولة كان يُدِرّ على بيت المال في السنة 84–90 مليون درهم
1) Geschichte der herrsch. Ideen p. 336؛ Culturgeschichtl. Streifzüge p. 61.
2) الماوردي p. 334، وينصّ المؤلّف نفسُه على أنّ الأمر لم يكن في ذلك إقطاعَ تمليك، بل إقطاعَ إجارةٍ فحسب.
109وفيه من السكّان مليونان على الأقلّ.1)
على أنّ الخليفة لا يبدو أنّه سلّم في هذه المسألة، اللهمّ إلّا أن تكون نهايتُه السريعة وحدها هي التي حالت دون أن يتنازل لأقاربه هنا أيضًا.
وقد ذهب ذاهبون إلى أنّ عثمانَ هو الذي أدخل نظام منح الأرض إقطاعًا، وأنّ هذا النظام مأخوذٌ عن الفرس، إذ كان الإقطاعُ بالأرض جاريًا في الدولة الساسانية. ومع صحّة هذا الأخير، فمن السهل إثباتُ أنّ الفرضيتين الأوليين لا أساس لهما. فإقطاعاتُ عثمانَ بالأرض كانت استثناءً من القاعدة القاضية بألّا يتملّك المسلمون في البلاد المفتوحة عقارًا؛ وما مُلِك من الأرض في الشام ظلّ — كما نعلم من أخبار ابن عساكر — موضعَ إنكارٍ إلى أيّام عمرَ الثاني. وقد أمر خلفاءُ أمويّون مختلفون بالاستقصاء في ذلك، وأصدر عمرُ الثاني — وقد أراد الرجوع في كلّ شيءٍ إلى أصول حكم عمرَ الأول — قانونًا يُقيّد تملُّك الأرض، وسيأتي بنا الكلامُ عليه مفصَّلًا فيما بعد.2) غير أنّه تحطّم على صخرة الأمر الواقع. وأمّا الرأي القائل بأنّ العرب أخذوا نظام الإقطاع عن الفرس، كما يزعم بعضُهم، فلا أساس له البتّة. فالإقطاعُ نظامٌ ينشأ من تلقاء نفسه عند أشدّ الأمم اختلافًا. نجده عند الفرس كما نجده عند الجرمان وغيرِهم من الأمم، لا الآريّة وحدها،
1) المسعودي IV. p. 262؛ الأغاني XI. 30. 2) وقد نشرتُ نصّ هذا الموضع المهمّ في Culturgeschichtlichen Streifzügen p. 60 وما بعدها.
110من غير أن يجوز لذلك تصوُّرُ أخذِ بعضهم عن بعض. فإنّما هو ظاهرةٌ من ظواهر التطوّر الاجتماعيّ للدول، تبرز من تلقاء نفسها في أحوالٍ بعينها. وأمّا الخبر القائل بأنّ عثمانَ أوّلُ من أقطع الجندَ أرضًا بدل العطاء الثابت فيقوم على مصادر مشكوكٍ فيها جدًّا.1)
وإتمامًا لصورة عثمانَ الشخصية نذكر فقط أنّ الخليفة كان يقبل الهدايا من ولاته. فقد أهدى إليه والي البصرة جاريةً حسناء، فأعجبت الأميرَ وقد بلغ من العمر عتيًّا.2) ولمّا كان لا شكّ في حاجته إلى مالٍ كثيرٍ يُرضي به ميله إلى الأبّهة والنعمة ويفي بمطالب أقاربه المتزايدة أبدًا، فقد حاول أن يستزيد الموارد من الأقاليم التي كان ولاتُها الشَّرِهون إلى المال يبتلعون دخلَها كلَّه، وذلك بأن يفصل جبايةَ الخراج عن الإدارة السياسية. فأخفقت المحاولة في مصر — كما تقدّم آنفًا — إذ أعلن الوالي صريحًا أنّه لن يقبل أبدًا أن يحلب غيرُه البقرة وهو ممسكٌ بقرنيها. أمّا في أقاليمَ أخرى، كالكوفة مثلًا، فقد وُفِّق إلى إنفاذ هذا الإجراء وفصلِ أمر الخراج عن الإدارة السياسية، غير أنّ النتيجة المباشرة
1) يستقي تيشندورف هذا الخبر في بحثه المجتهد عن نظام الإقطاع (Leipzig 1872 p. 27) عن «إدارة الدولة العثمانية» لهامر، عن الكاتب التركيّ علي دده، وقد أفاد من السيوطي. ومع ما عرفتُه من حُسن اطّلاع هذا الأخير، فإنّي أشكّ في حجّية الأول، ولا سيّما أنّه لا يوجد في سائر الكتّاب العرب ما يؤيّد هذا الزعم. أمّا إقطاعُ الجند أرضين يكون دخلُها عطاءً لهم فلم يقع إلّا بعد ذلك بزمنٍ طويل.
2) شرح الموطأ II. p. 101.
111ثالثًا. نظم الدولة في العصر الراشدي. 111
... وكان من ذلك أنّ والي الكوفة (عمّار بن ياسر)، وقد لحقته من ذلك إهانةٌ شديدة، انحاز إلى جماعة الساخطين وأعان على إثارة الفتنة التي أفضت إلى مقتل عثمان. ١)
وقد كثر عدد الولايات بما اتّصل من الفتوح العظيمة التي لم تنقطع للجيوش العربيّة. فكانت الشام أولى الكور وأهمَّها، يتولّاها معاوية، ويستقلّ بتولية عمّاله على حمص وقنّسرين والأردنّ وفلسطين والساحل، ويغلب على الظنّ أنّه كان يولّي قاضي دمشق أيضًا. وتليها في الأهميّة ولاية الكوفة، على أنّ تدبير السياسة فيها كان قد انفصل عن جباية خراج السواد، وعن أمر الجُند كذلك. وسائر الولايات: البصرة، وقرقيسياء، وأذربيجان، وحلوان، وماه دينار (نهاوند)، وهمذان، والرَّي، وأصفهان، وماسبذان. وكانت في جزيرة العرب نفسها هذه الأعمال: مكّة، والطائف، والجَنَد، وصنعاء. ٢) أمّا ما فُتح من بلاد إفريقية فلم يكن بعدُ كورًا قائمةً بنفسها، بل كانت مصر تلي تدبيره. ويغلب على الظنّ أنّ وسط الجزيرة كان تابعًا للطائف، أمّا شرقها والبحرين وعُمان فلا شكّ أنّها كانت أجزاءً لا تنفصل عن ولاية البصرة، كما كان الأمر في عهد الأمويّين.
ولا يبدو أنّ أمر القضاء نال في عهد هذا الخليفة تغييرًا ذا بال. فقد كان الخليفة في أوّل الأمر يتولّى بنفسه ما على القاضي من عمل، كما فعل من سبقه، وقد حُفظت عنه أقضيةٌ شتّى؛ ثمّ أحدث بعد ذلك أن أفرد للمدينة قاضيًا خاصًّا. ٣) ولا سبيل إلى القول بأنّ القضاة وُلّوا عامّةً في كلّ موضع ذي شأن، لا في عهد عثمان ولا في عهد عمر. وإنّما كان القضاة (القاضي) في الأمصار وحدها، حيث نزلت الجموع الكبيرة من الجند العرب، ونشأت حولها ومنها شيئًا فشيئًا مستقرّاتٌ إسلاميّة: أي في الكوفة والبصرة ودمشق وحمص، وفي قنّسرين على الأرجح، ثمّ في الفسطاط (القاهرة القديمة) والقيروان.
١) Geschichte der herrsch. Ideen d. Islams p. 340؛ المسعودي IV. 284. ٢) ابن الأثير III. 149. ٣) ابن الأثير III. 150.
112112 ثالثًا. نظم الدولة في العصر الراشدي.
ولا يبعد أن يكون هؤلاء يستقلّون بتولية خلفائهم ونوّابهم في الكور المفردة. غير أنّه لم يصلنا في ذلك خبرٌ جازم.
وانتهى حكم عثمان بالدم؛ فقد ثارت فتنةٌ لم يكن أعظمُ الأنصار والمهاجرين نفوذًا ببعيدين عنها، ولا عليٌّ فيها بريئًا من التبعة بحال، وقُتل الخليفة الشيخ في داره بعد حصارٍ طال. وتلقّى ضربة الموت وهو يقرأ القرآن. فبايع الناس عليًّا بالخلافة، ولم يُقرّ ببيعته إلّا شطرٌ من تلك الدولة الواسعة. ونشبت بينه وبين معاوية، زعيمِ الحزب الأمويّ المكّيّ، حربٌ أهليّة اقتُتل فيها بمرارةٍ مروّعة، استغرقت من عليٍّ جهده كلَّه، حتى لا عجب أن لم يجد وقتًا يشتغل فيه بإحداثٍ في أمر الإدارة. على أنّه أبطل بعض أفحش ما استشرى من المفاسد في عهد سلفه؛ فانتزع ضياعًا بالعراق كان عثمان قد وهبها لخاصّته، وعزل أكثر من ولّاهم عثمان من الولاة. ١)
وفي سيول الدم التي أراقها الصراع المشتعل بين الأمويّين المحتشدين حول معاوية وبين أنصار النظام القديم، حزبِ
١) المسعودي IV. 299—303.
113ثالثًا. نظم الدولة في العصر الراشدي. 113
المدينة الذي سلّ سيفه في نصرة عليّ، انقضى العصر الأبويّ من الإسلام. ١) وكانت قوّة الشعور القوميّ العربيّ — وإنشاؤه من أعظم ما يُحمد لعمر — لا تزال من العِظم بحيث لم تنهدم دولة الخلافة، وبحيث استطاعت على الفتن الداخليّة أن تمضي في غزوها للأمم الغريبة؛ فلمّا انتهى آخر الأمر النزاعُ على عرش الخلافة بمقتل عليّ، وملك معاوية الدولة الإسلاميّة كلَّها مطلق اليد في السلطان، ونُودي باسمه خليفةً وأميرًا للمؤمنين على منابر تلك المملكة الواسعة جميعًا من غير معارض، بعد أن بُويع له في الكور كلّها — تبيّن يومئذ أنّ طابع العصر وطابع نظام الدولة الناشئ من جديد قد اختلفا اختلافًا جوهريًّا عمّا كان عليه العصر الأبويّ للخلفاء الأربعة الأوّلين.
١) كان السواد الأعظم من الأنصار والمهاجرين، أي قدماء أصحاب محمّد في الحرب، مع عليّ. وقد كان تحت راياته في وقعة صفّين 2,800 من أصحاب النبيّ جملةً. المسعودي IV. 295.
114رابعًا.
دمشق وبلاط الأمويّين.
يرجع نشوء دمشق إلى أزمان ما قبل التاريخ. وقد ذاع صيتها في أقدم العصور في آسية الأماميّة كلّها، وملك فيها ملوكٌ كثيرًا ما جابت جيوشُهم الشام. وموقع المدينة من المواتاة بحيث لا شكّ أنّها صارت في وقت مبكّر جدًّا عقدةً مهمّة لتنقّل الأمم وتبادل السلع، ومهدًا كذلك للحياة السياسيّة والاجتماعيّة في تلك النواحي. فهي تقوم على حافّة لبنان الشرقيّ، في وسط سهل خصيب يمتدّ حوله أميالًا عدّة، بورك له بثروةٍ عظيمة من المياه الجارية أبدًا، ينحدر رويدًا من سفح الجبل نحو هضبة البادية الشاميّة الكبرى؛ فكانت من أقدم الزمان العاصمةَ الطبيعيّة لذلك الإقليم الفسيح المحيط بها. وكان يسير من الساحل الفينيقيّ عبر منخفضات سورية الجوفاء الخصيبة تيّارٌ كبير من السلع إلى دمشق، ثمّ يمضي منها شرقًا على تدمر إلى الفرات؛ وعلى الطريق نفسه كانت نفائسُ منتجات بابل وأشور وميديا وفارس تبلغ شواطئ البحر المتوسّط. وكذلك كان يمتدّ من شمال الشام، من حلب — بيرويا القديمة — على حماة (إبيفانيا) وحمص (إمِسّا) طريقٌ تجاريّ لا يزال يُسلك بعضه إلى اليوم،
115رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 115
تدلّ على اتّجاهه سلسلةٌ من الخانات، إلى القسم الجنوبيّ من الشام، إلى البلاد القديمة: إيطورية، وهي اليوم الجَيْدور، وتراخونيتِس (اللَّجاة)، وحورانيتِس، وهي اليوم حوران؛ ثمّ يتشعّب من جهةٍ على الجولان (جولانيتِس) إلى فلسطين، ومن جهةٍ أخرى على بُسترى، واسمها اليوم بُصرى، إلى شمال الجزيرة العربيّة.
ولهذا كانت دمشق منذ أقدم العصور قصبةَ هذا الشريط السوريّ الشرقيّ كلِّه، يأتي أهلُ ريفه فيبادلون هنا غلّات أرضهم وصنائع بيوتهم بمنتجات الحِرَف في المدينة. أمّا القبائل الرُّحَّل في تلك الهضبة التي لا يبلغ البصرُ مداها، الممتدّةِ شرقًا إلى ضفاف الفرات، فكانت تعيش في القديم — كما تعيش اليوم بالدرجة الأولى — من نتاج الماشية، ومن كسبها بوساطتها في نقل السلع، وقيادةِ القوافل، وسَوقِ الإبل، وتربية المواشي. وكانوا يتزوّدون يومئذ، كما يفعلون اليوم، من أسواق دمشق العامرة بكلّ ما تحتاج إليه الحياة، فيأخذون الثياب والسلاح وأمتعة البيت وما يبتغون من قليل أسباب الترف، ويصرّفون في مقابل ذلك سلعهم: صوف الضأن ووبر الإبل قبل كلّ شيء، والجلود، ثمّ الصودا والقِلْي والفُوَّة والكبريت والملح ونبات البادية، ويبيعون فضلات قطعانهم الكثيرة من الغنم والمعز والإبل والخيل، ويسوقون إلى المدينة الكبيرة ما يلزم أهلها من دوابّ الذبح. وكلّ تلك البلدات الريفيّة الصغيرة والقرى — التي يكثر أن يلقى المرءُ أطلالَها في شرقيّ وسط الشام، وبعضُها يشهد بحالٍ متقدّمة من الحضارة — من بُصرى في الجنوب إلى تدمر في الشرق وحمص في الشمال، كانت على تفاوتٍ بينها تابعةً لدمشق تجاريًّا، وسياسيًّا في كثير من الأحيان.
وكانت هذه النواحي في العصور القديمة السعيدة أكثر عمرانًا بالسكّان بكثير ممّا هي عليه
116116 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
اليوم، إذ لم يكن الطاعون والمجاعة — وهما ممّا كثر وقوعه مع انحطاط دولة الخلافة — قد أظهرا بعدُ آثارهما المدمّرة. أمّا البادية نفسها فلم تكن، كما هي اليوم، قفرًا خاليًا من الناس بالمرّة.
فقبائل الأعراب نفسها التي لا تزال تسكنها كانت لها فيها منذ القديم مراعيها ومنازلها، بل كان بعضها يحمل يومئذ الأسماءَ القبَليّة نفسها التي يحملها اليوم. وفي الآبار — وهي قليلة حقًّا لكنّ الرُّحَّل يعرفونها حقّ المعرفة — كانوا يجدون الماء لأنفسهم ولمواشيهم حتّى في أشدّ حرّ الصيف؛ فإذا جاء الخريف والشتاء والربيع بأمطارها المُنعِشة اكتسى وجهُ البادية فجأةً نبتًا شحيحًا، غير أنّه في ذلك الامتداد الهائل — حيث يستطيع المرء إذا رُعي موضعٌ أن يطلب غيره — يفي للقطعان بعلفٍ وافر. وكانت بعض الواحات التي فيها عيونٌ دائمة مستقرًّا لمنازل كبيرة في العصور القديمة (أَراك، وتدمر). وأخيرًا لا يجوز أن نغفل أنّ الأرض المعمورة كانت في تلك الأزمنة تمتدّ شرقًا أبعد كثيرًا ممّا امتدّت في القرون المتأخّرة. ومن جال في تخوم البادية الشاميّة نازلًا من حمص نحو بُصرى وجد في كلّ مكان — كما أثبت بيرتون حديثًا — آثارَ مساكن قديمة، وأنقاضَ حصونٍ رومانيّة على الثغور، وصهاريجَ ماءٍ سالفة، وغيرَ ذلك من الدلائل البيّنة على تجمّعٍ بشريّ سابق في مواضع صارت اليوم خرابًا محضًا.
وهكذا وقعت دمشق على حدّ إقليمين متساويين في الأهميّة. فإلى الغرب دخل في سلطانها السهل الخصيب الكثيف السكّان الذي سمّاه القدماء «كويلي سورية»، أي سورية الجوفاء، لوقوعه بين سلسلتي جبل لبنان ولبنان الشرقيّ؛ وإلى الشرق ملكت ذلك المدى الذي لا يُحدّ من بحر الرمل السوريّ العربيّ. ولم تستطع أن تحتكر تجارة العبور بين الغرب والشرق حينًا من الدهر إلّا تدمر، ملكةُ
117رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 117
البادية، ومدينةُ زنوبيا العجيبة.
أمّا ما جرى لدمشق تحت الحكم الأشوريّ والكلدانيّ البابليّ والفارسيّ القديم فالأخبار عنه معدومة. غير أنّه يُستفاد من حزقيال على الأقلّ أنّها ظلّت بالتجارة عظيمة الشأن دائمًا. كانت في أوّل أمرها مستقلّة، ثمّ قهرها داود، فاستعادت حرّيّتها في عهد سليمان نفسِه، وصارت خطرًا على من جاء بعدُ من ملوك يهوذا وإسرائيل. وأخضعها تغلث فلاسر للأشوريّين، ثمّ انتقلت إلى الفرس، ثمّ سُلّمت غدرًا بعد وقعة إسّوس إلى الإسكندر الأكبر، فغنم فيها خزائن دارا وحريمه. واتّخذ السلوقيّون أنطاكية مقرًّا لهم، على حين وقعت دمشق مع فلسطين وسورية الجوفاء مرارًا تحت سلطان مصر. ولم ينل أنطيوخس التاسع فينيقية والشام إلّا نحو سنة 111 ق.م، فاختار دمشق دارًا لملكه. ونحو سنة 84 ق.م أضاعها أنطيوخس ديونيسوس، فصارت إلى الأمير العربيّ الحارث (أريتاس). وبعد عشرين سنة (64 ق.م) احتلّ المدينةَ الرومانُ بقيادة ميتلّوس، إثر هزيمة الملك تيغرانس، وتلقّى فيها بومبيوس وفودَ ملوك النواحي المجاورة وهداياهم. وصارت الشام يومئذ ولايةً رومانيّة، وكان نوّاب القناصل يقيمون عادةً بأنطاكية، فلا يقدمون دمشق إلّا نادرًا.
وكانت أيّام الرسول بولس في يد الملك العربيّ الحارث، وهو من أتباع الرومان، وله فيها والٍ (إثنارخُس). وكان كثير من اليهود قد نزلوها منذ العصر السلوقيّ، حتى إنّ نساءها كلَّهنّ تقريبًا كنّ على دين اليهود، كما يخبر يوسيفوس. ووجد بولسُ، حين قام في مجامع دمشق، نفرًا من تلاميذ المسيح، فقد ضربت النصرانيّة في هذه الأرض
118118 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
بجذورها مبكّرًا، ولم يلبث أن قام فيها كرسيٌّ أسقفيّ. وجعلها الإمبراطور فيليبّوس مستعمرةً رومانيّة. وجدّد دقلديانوس تحصيناتها القديمة، إذ أراد أن يجعل منها حصنًا رومانيًّا كبيرًا على الثغر. وأنشأ فيها كذلك مصانع السلاح المشهورة، وقد بقي لها زمنًا طويلًا صيتٌ عالٍ.
وكان تيودوسيوس قد حوّل المعبد الوثنيّ كنيسةً نصرانيّة ١) ووهبها للنصارى. وبنى يوستنيانوس كنيسةً نصرانيّة جديدة. غير أنّ الفرس لمّا تكرّرت غاراتهم ونهبهم، ولا سيّما سنة 605م في عهد الإمبراطور هرقل، خرّبوا المدينة تخريبًا مروّعًا، وساقوا شطرًا كبيرًا من أهلها أسرى ورقيقًا، ولا شكّ أنّهم هدموا كذلك أكثر مبانيها العامّة.
وأمّا مبلغ ما كان لدمشق من شأنٍ فيتبيّن — على صمت الكتّاب القدماء — من رسالة الإمبراطور يوليانوس إلى سيرابيون، إذ يسمّيها «عين المشرق كلِّه»؛ ولعلّ الوجه في فهم ذلك أنّها كانت أهمّ ثغرٍ ومرصدٍ في وجه الشرق. وكانت هنا أيضًا مقرُّ دراساتٍ لاهوتيّة نشِطة، بلغت ذروتها وخاتمتها في يوحنّا الدمشقيّ وتلميذه تيودوروس أبي قرّة، وقد وافق عصرُهما وعملُهما مبتدأ الحكم العربيّ.
وموقعها البديع الذي أخذ بمجامع قلوب العرب حتى عدّوا الغوطة، أي سهل دمشق، جنّةً أرضيّة، قد أثار هو نفسه
١) Procop, de Aedif. Justin., ed. G. Dindorf, Bonn 1838, Lib. V, vol. III, p. 328. — كانت دمشق من قديم الزمان سوقًا تجاريّة كبرى؛ وقد ذُكرت تجارتها مع صور في حزقيال 27، 18. وكانت المنسوجات المتقنة التي تُصنع فيها موضع تقديرٍ منذ القدم. واشتهرت دمشق في التاريخ المسيحيّ الأوّل باهتداء بولس (أعمال 9، 3 وما بعده) وبأوّل خطبةٍ ألقاها (أعمال 9، 20 وما بعده). وانظر عن دمشق: Ersch u. Gruber, Encyclop.، ثمّ: Ritter, Erdk. و Winer: Bibl. Realwörterb.
119رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 119
إعجابَ البيزنطيّين على بلادتهم وجفاف طبعهم، وسمّى جورجيوسُ باخيميريس هذه المدينة «الأجمل» (καλλίστη).
ومنذ صار الناس يقصدون دمشق في عربة البريد على طريق البريد الجديدة، فقد المنظرُ الأوّل كثيرًا من فتنته. ذلك أنّ الطريق يمضي من خان ديماس في شعاب لبنان الشرقيّ، ثمّ يخرج إلى السهل عند مضيق الربوة الصخريّ. ويختلف المشهد اختلافًا تامًّا إذا سلك المرءُ طريق القوافل القديمة الممتدّة من خان ديماس على ظهر لبنان الشرقيّ، حتى يبلغ حافّة العُرف الصخريّ الذي ينحدر فجأةً شديدَ الانحدار نحو الغوطة، ويسمّيه أهل دمشق جبل قاسيون (وفي لهجة دمشق: آسون). فينفتح هناك بغتةً مدًى واسعٌ رائع فوق السهل الأخضر بنباته الغزير المتكاثف؛ وتغيب الخطوط القصوى في الأفق البعيد في ضبابٍ أزرق وفي وميضٍ لامعٍ من ضوء الشمس الحادّ ينعكس عن رمل البادية الأصفر. وتمتدّ نحو الشمال والشمال الشرقيّ حوافُّ لبنان الشرقيّ الصخريّة المزوّاة في أشكالٍ بديعة، تنبسط رويدًا نحو البادية حتى لكأنّها تغرق في بحر الرمل؛ وينهض في الجنوب جِرمُ جبل الشيخ الداكن، وهو حرمون، وقد اعتمّت هامتُه التي حفرتها الأنواء في العادة عمامةً من ثلجٍ أبيض يبهر البصر؛ على حين ترتسم في الجنوب الشرقيّ والشرق سلاسلُ اللجاة وحوران المنخفضة بلونٍ بنفسجيّ غامق على زُرقة السماء الداكنة. أمّا تحت أقدامنا فتربض مدينةُ الخلافة القديمة البهيّة في وسط نطاقٍ زُمُرُّديّ من البساتين والمغارس — بحرٌ أصفر من البيوت تنهض منه قبّةُ الجامع الكبرى ومآذنُه الأربع الرشيقة وقبابٌ ومنائرُ أخرى لا تُحصى.
ولمّا بلغت الجيوش العربيّة الأولى هذا الموضع لم تكن المدينة قد اتّسعت اتّساعها
120120 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
اليوم، لكنّ ما حولها كان أغنى عمارةً وأدقّ عنايةً ممّا هو عليه الآن. ويتبيّن محيطُها يومئذ بجلاءٍ من بقايا أسوار المدينة القديمة، وهي شهودٌ خُرْسٌ على ذلك الماضي العظيم، لا تزال قائمةً اليوم في موضعها القديم على حالها تقريبًا. وهي تحيط بمستطيلٍ ممتدّ من الشرق إلى الغرب، زاويتُه الشماليّة الغربيّة مقطوعةٌ بعض القطع، إذ يغلب على الظنّ أنّه كان هناك حصنٌ أكبر، في الموضع نفسه الذي تقوم فيه القلعة اليوم. وكان ارتفاع الأسوار نحو 20 قدمًا وسُمكها 15 قدمًا، بُنيت من الحجر المنحوت، وقام بعضها على أساسٍ أقدم منه بكثير، يرتقي إلى ما قبل العصر اليونانيّ، ويسهل تعرّفه بضخامة كتل الحجر المنحوتة بعناية، المركّبة بغير مِلاط. وكانت أبراجٌ مربّعة ناتئة تعلوها الشُّرَف، يتلو بعضها بعضًا على نحو 50 خطوة، يقوم عليها الرُّماة وأصحاب المقاليع ليمنعوا تسلّق الأسوار؛ ويزيد الهجومَ عسرًا خندقٌ عرضه 10–15 قدمًا يملؤه ماءُ بردى. وقد بُنيت فوق بعض الأسوار مساكنُ ترتفع عنها طبقةً أو طبقتين، على النحو الذي لا يزال يُرى اليوم، ولا سيّما في المسافة الممتدّة من باب توما إلى باب الفرج. وكانت أبوابٌ عدّة، لها مصاريعُ مزدوجة ثقيلة مصفّحة بالحديد، وعليها حرسٌ كثير، تصل المدينة بالبلد المكشوف. والبابُ الذي يغلب على الظنّ أنّه أوّل ما وقعت عليه عيون العرب المقبلين من الجنوب الشرقيّ هو البابُ الشرقيّ. وكان أمامه معبدٌ كبير من العهد الرومانيّ، ١) بقيت بوّابته إلى
١) انظر Kremer: Topographie von Damascus I, p. 11.
121رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين 121
سنة 602هـ، أي 1205–1206م. وقد اختفى هذا البناء منذئذ فلم يبقَ له أثر، أمّا البابُ الشرقيّ نفسه فقد بقي على حاله لم يتغيّر البتّة، كما كان في العهد الرومانيّ حين اجتازه الرسول بولس، إلّا أنّ بوّابته الوسطى الكبرى مسدودةٌ بالبناء اليوم. وهو يتألّف من بوّابةٍ وسطى كبيرة، رومانيّة البناء وثيقته، من حجرٍ رمليّ مُحمَرّ صُلبٍ جميل الصقل، معقودةٍ بقوسٍ نصف دائريّ؛ وعلى جانبي البوّابة الرئيسة بابان أصغر منها، معقودان هما أيضًا بقوسٍ نصف دائريّ. وكان البابُ الأوسط الكبير، وهو اليوم مسدود، للفرسان والإبل ودوابّ الحمل، وأمّا البابان الجانبيّان فكان أحدهما للخارجين والآخر للداخلين من زحام الناس. وقد كانت أبوابٌ من هذا الطراز في مواضع أخرى عدّة. ففي الجهة الشماليّة يُذكر البابُ الذي يُسمّى اليوم باب القراديس (وصوابه باب الفراديس)، وهو كلُّه من كتل الحجر، غير معقود، بل مغطّى بعتبةٍ حجريّة كبيرة، وهي طريقةٌ في البناء لا شكّ أنّها من أقدم العصور. وفي الجهة الغربيّة كان بابٌ آخر لم يبقَ اليوم على صورته الأولى، وكان قائمًا في موضع باب الجابية الحاليّ. وفي الجهة الشماليّة بابٌ رومانيّ لا يزال مستعملًا لم يتغيّر منه شيء، واسمه باب الشاغور؛ وهو من حجرٍ محكم النحت على طراز الباب الشرقيّ، بقوسٍ نصف دائريّ واسع وإفريزٍ جيّد الصنعة يدور به.
هكذا كانت دمشق في منظرها الخارجيّ تبدو للمحاربين العرب النازلين أمام أبوابها من العظمة بما يكفي، وكان باطن المدينة على وفاقٍ تامّ مع ظاهرها. فمن الباب الشرقيّ يمتدّ الشارع المستقيم (via recta) المذكور في «أعمال الرسل»، وعرضه نحو 15 قدمًا، وهو ساحةُ المدينة الحقيقيّة، طولًا يبلغ ربع ميلٍ جيّدًا حتى الباب الغربيّ، وهو اليوم باب الجابية. وفي منتصف الطريق بين البابين، أي في
122122 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
وسط المدينة تقريبًا، قامت كنيسة المطرانيّة، وكانت لِيوحنّا المعمدان، ويُقال إنّها سُمّيت باسمه. وقد أُقيمت في موضع معبدٍ وثنيّ قديم، وعلى أساساته الهائلة تقوم جدرانها. وكانت بواباتٌ كبيرة تحملها أعمدةٌ كورنثيّة، وقد زُيّنت عوارضها العليا بنقوشٍ غنيّة من طراز النهضة الرومانيّة المتأخّرة، تزيّن المدخل؛ وقد بقي من إحدى بوّابات المعبد القديمة هذه — وهي تذكّر بقوّة، في طرازها وفخامة نسبها، ببعلبك — أثرٌ كبير، في الجهة الغربيّة من الجامع الحاليّ، أمام باب البريد؛ كما بقيت في الجهة الجنوبيّة بوّابةٌ ثلاثيّة أصغر منها سليمةً تمامًا، لكنّها ليست من المعبد الوثنيّ القديم بل من الكنيسة البيزنطيّة النصرانيّة. وقد سدّها العربُ بالبناء وكفى، لكنّهم تركوا النقش الدالّ الذي فوق البوّابة الرئيسة سالمًا لم يمسّوه بسوء. ونصّه كما يلي:
H . BACIAEIA . COY XE BACIJMAEILA . IIANTQN . TQON AIONQN . KAI.H. AECIIOTIA . COY . EN. NACH . TENEAI KAT TENEAI
«مُلكُك، أيّها المسيح، مُلكٌ لكلّ الدهور، وسلطانُك (قائمٌ) من جيلٍ إلى جيل.» ١)
ولا بدّ أنّ باطن الكنيسة كان في غاية الفخامة؛ فالصحنُ الأوسط، وتعلوه قبّةٌ ضخمة يسمّيها العربُ قبّة النسر، بيزنطيّ الأصل بلا شكّ؛ وكانت الجدران من خارجٍ ومن داخلٍ مكسوّةً بفسيفساء رائعة، لا تزال منها اليوم بقايا كبيرة، فيها على أرضيّةٍ من ذهبٍ صورُ نباتاتٍ وأزهارٍ وبيوتِ ريف،
١) أنا أوّل من نسخ هذا النقش ونشره، وذلك منذ سنة 1854.
123رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 123
وهي تذكّر بقوّة، في الطراز كما في الصنعة، بفسيفساء كنيسة مرقس في البندقيّة. أمّا الخليفة الوليد الأوّل، الذي يسمّيه الكتّاب العربُ بانيَ الجامع الكبير، فإنّما أضاف الأروقةَ والممرّات ذواتِ الأعمدة الممتدّة عن يمين الكنيسة ويسارها، وبنى العُقود البديعة المحيطة بصحن الجامع كلِّه، وبنى المآذن.
وحول كنيسة يوحنّا، وهي قلب المدينة الحقيقيّ فعلًا، كانت تتفرّع في كلّ اتّجاه شوارعُ عريضة، فيها أرصفةٌ مبلّطة للمشاة، وأروقةٌ ذاتُ أعمدة لا تزال بقاياها تُتَتبَّع اليوم، تقي في الصيف من الشمس، وفي الشتاء من المطر وقايةً محمودة. وكانت قناةٌ ترجع إلى أقدم العصور تحمل على عقودٍ ضخمة من حجرٍ هائل ماءَ الخريسوروّاس (بردى) العذبَ إلى المدينة. ونحوُ ثلاث عشرة كنيسة أخرى، سوى الكاتدرائيّة، كانت تشهد بغنى أهلها وتقواهم. ولمّا كان كثيرٌ من عظماء البيزنطيّين وأصحاب المراتب، وكذلك حاميةٌ قويّة، يتّخذون فيها مقامهم، فلم تُعدَم المدينةُ مبانيَ فخمةً أخرى عامّةً وخاصّة، وإن كان لم يبقَ منها اليوم أثرٌ يُذكر.
هكذا وجد الفاتحون العربُ دمشق حين صارت في أيديهم. وتقول الرواية المحلّيّة إنّ النصف الشرقيّ من المدينة دخل في يد المسلمين عَنوةً بالسلاح، وإنّ النصف الغربيّ دخل صُلحًا؛ وإنّ كنيسة يوحنّا نفسها اقتُسمت، فكان نصفها مسجدًا، على حين ظلّ النصارى في النصف الآخر يقيمون عبادتهم كما كانوا، حتى كان المرء يسمع في المكان الواحد تلاوةَ القرآن وترتيلَ القدّاس المسيحيّ. ولم يستوعبها كلَّها إلّا الخليفةُ الوليد الأوّل، إذ حمل النصارى — بالتهديد تارةً وبوعد التعويض تارةً — على
124124 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
التخلّي عن حصّتهم. فحوّلها كلَّها مسجدًا بديعًا يلمع بأغنى ما في الذوق البيزنطيّ من زخرف الذهب، وذاع صيته في المشرق كلِّه باسم الجامع الأمويّ، وهو أثرٌ باقٍ يشهد بذوق هذه الدولة الفنّيّ وتقواها. ويُعدّ جامعُ دمشق، بعد مساجد مكّة والمدينة وبيت المقدس، رابعَ أقدس المساجد في العالم الإسلاميّ كلِّه.
وفي هذه الأروقة جرت أحداثٌ كثيرة ذاتُ شأنٍ في تاريخ المشرق. هنا خطب معاوية، مؤسّس الدولة الأمويّة، فرفع يد الخليفة المقتول عثمان المقطوعة، وقميصَه المخضّب، والمصحفَ المصبوغ بدمه، وحرّض على الأخذ بثأره من قتلته، فأثار بذلك أوّل حربٍ أهليّة في الإسلام. وهنا نطق الناسُ المجتمعون بخلع خلفاء كثيرين، وهنا جرت البيعاتُ العامّة لمن اختير حديثًا من الحكّام.
ونزل العربُ أوّل ما نزلوا في القسم الغربيّ من المدينة، حول القلعة القائمة هناك، ويغلب على الظنّ أنّ سكّانها النصارى اضطُرّوا إلى إخلاء هذا القسم. وكان مَرْجُ بَرَدى خاصّةً — وهو المسمّى اليوم الميدان الأخضر — حيث حلّوا؛ ثمّ امتدّت المدينة الإسلاميّة شيئًا فشيئًا فاتّسعت، وانحصر النصارى واليهود أكثر فأكثر في الأحياء الشرقيّة، حيث لا يزالون يسكنون وحدهم إلى اليوم: أولئك في شماليّ الشارع المستقيم (الدرب المستقيم) وهؤلاء في جنوبيّه.
وحمل العربُ إلى هنا أيضًا عاداتِهم ونُظُمَهم الخاصّة، وقد تمسّكوا بها في كلّ ما فتحوا من البلدان. فهم على ما عُرفوا به من
125رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 125
سهولةٍ عظيمة في الأخذ الكثير عن الأمم المتحضّرة الغريبة، كانوا دائمًا يطبعون البلدانَ التي أخضعوها وحكموها بطابعهم القوميّ الأصيل. فمنذ اللحظة التي صارت فيها دمشق في يد العرب تبدّل طابعُها، وكفّت عن أن تكون مدينةً يونانيّة سوريّة، وصارت سريعًا مدينةً عربيّةً خالصة. ولمّا صارت دار الخلافة تكاثر أهلُها المسلمون — بالهجرة من جهة، وبالدخول الجماعيّ في الإسلام من جهةٍ أخرى — حتى لا شكّ أنّ أهل البلاد الأقدمين صاروا سريعًا أقلّيّة.
وأمّا مبلغ كثرة المسلمين يومئذ فيمكن أن نقدّره من الخبر المحفوظ ١) أنّ عدد من كانوا يأخذون في دمشق أُعطياتٍ سنويّة من بيت المال قد بلغ منذ عهد الوليد الأوّل (705–715م) 45,000 نفس. فإذا ذكرنا أنّ الأُعطيات السنويّة لم تكن تُمنح في ذلك الوقت إلّا لمن يقدر على الخدمة في الحرب أو يلي عملًا من أعمال الدولة، أمكننا أن نقدّر جملة سكّانها المسلمين حينئذ بضعف ذلك على أقلّ تقدير، إن لم يكن بثلاثة أضعافه.
فيكاد لا يكون ثمّة شكّ في أنّ طابع دمشق، والنمط العامّ لحياة الناس فيها، لم يكن منذ أواسط عهد الدولة الأمويّة يختلف اختلافًا شديدًا عمّا هو عليه اليوم، إلّا بما كان من زيادة الحركة والحيويّة في المعاملات؛ فقد كانت يومئذ مقرَّ بلاطٍ غنيّ مُسرِف ومعه حاشيتُه كلُّها من كبار عمّال الدولة، وكانت مقرَّ الدواوين، ثمّ مقرَّ جندٍ كثيف، ومجتمعَ الغرباء والتجّار والقوافل الوافدة أبدًا من أطراف المشرق كلِّها. وذلك الزحامُ البشريّ
١) Goeje: Fragmenta Historicorum Arabicorum I. p. 5.
126126 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
الذي لا نزال نعجب له اليوم في أسواق دمشق لا بدّ أنّه كان يومئذ يملأ الأسواق والشوارع حركةً أعظم من هذا بكثير. ولا شكّ أنّ ذلك النظام نفسه من الفصل الصارم بين الحِرَف والأصناف المختلفة، وهو قائمٌ في المشرق كلِّه ويُضفي على قيساريّاته الكبرى فتنةً غريبة، كان سائدًا في الأسواق منذ ذلك العهد. وقد امتازت دمشق بذلك دائمًا؛ فلم تكن حوانيتُها عامرةً بمصنوعات ثلاث قارّاتٍ وثمراتها الطبيعيّة فحسب، بل كان يملأ هذه الأرجاء ويُحييها أيضًا أشدُّ ما يكون من زحام الناس تنوّعًا في الألوان وأدعاه إلى التصوير. فهناك تُقبل جماعاتٌ من أهل الريف السوريّ في أقبيتهم القرمزيّة المزخرفة على الظهر برسومٍ عربيّة من ذوقٍ آسيويّ قديم أصيل، بسراويلَ واسعة فضفاضة، وأخفافٍ حمراء معقوفة الأنف، وعمائمَ كبيرة بيضاء أو زرقاء، يسوقون أمامهم حميرَهم وبغالَهم وجمالَهم محمّلةً بغلّات الأرض؛ وهناك يمشي أعرابٌ لوّحتهم الشمس في عباءاتهم المخطّطة بالبنّيّ والأبيض من وبر الإبل، وقد لفّوا رؤوسهم بكوفيّةٍ وسخة مخطّطة بالأحمر والأصفر، دهشين ضائعين في الزحام؛ وبينهم يمرّ على جوادٍ عربيّ جميل، وفي يده رمحٌ طويل زُيّن رأسُه بخُصلةٍ من ريش النعام الأسود، شيخُ قبيلةٍ من الأعراب. ويمضي من ذرّيّة النبيّ ذوو الوجوه الدقيقة المستطيلة والعيون السود الثاقبة واللحى الخفيفة، بخطًى موزونة في قفاطينَ طويلة، يُسبّحون بالمسبحة في صمت، إلى الجامع. وجماعاتُ النساء في مُلاءاتهنّ البيض التي تُخفي القامة كلَّها يُساومن عند الحوانيت. والصبيانُ والعبيدُ السود والسائلون يتدافعون في الزحام، وباعةُ الحلوى الجوّالون يعرضون سلعتهم؛ والسقّاؤون يبيعون شرابَ الليمون بالثلج وغيره من الشرابات، فيَقرعون بقدحَي النحاس
127رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 127
المصنوعَين على هيئة الصدفة؛ ويسري في الهواء بين ذلك كلِّه دويٌّ وطنينٌ لا يوصف من الأصوات الصاعدة من مئة حَلْقٍ مختلف، وقد أطلقتها آلاتُ النطق بالحيويّة العربيّة. وتتخلّل ذلك صيحاتُ الباعة الجوّالين والسائلين وصائحي السوق الحادّة: «رغيف يا شباب!»، أي: خبزًا يا فتيان! ينادي بائع الخبز؛ «مال حلبون!»، أي: بضاعة من حَلْبون، يصيح الفلّاح بعنبه البديع وتينه ورمّانه؛ «سبيل يا عطشان!»، أي: شربةً في سبيل الله يا ظمآن! يزعق بائع الشراب؛ «سلطاني يا كعك، مال الغدا!»، أي: كعكٌ سلطانيّ لطعام الظهر! تلك عبارة بائع الكعك؛ «الدائم الله!»، أي: الله هو الباقي! ذلك نداءُ بائع الخضرة، يمدح به بقاءَ الله في مقابل سرعة ذبول سلعته، فيجعل بضاعته على هذا الوجه محبَّبةً إلى النفوس التقيّة على وجهٍ خاصّ.
وهذا الصخب كلُّه، وهذا الزحام والضجيج، محصورٌ داخل الأرجاء الضيّقة للقيساريّات المغطّاة من فوق اتّقاءً لأشعّة الشمس المحرقة، إمّا بعقودٍ حجريّة متينة وإمّا بجذوعٍ خشبيّة تُبسط فوقها حُصُرُ الأسل؛ وهي محدودةٌ من الجانبين بالحوانيت وبما ينهض خلفها من جدران البيوت الخاصّة أو المباني العامّة والمساجد والخانات.
ولا شكّ أنّ بعض هذه الأسواق كان يشغل الموضع نفسه بعينه قبل الفتح العربيّ، وأنّه احتفظ كذلك بملامحه دون تغيير، ومن ذلك مثلًا سوقُ الأروام وأسواقٌ أخرى عدّة.
وثمّة خصلةٌ شرقيّة أخرى لعلّ العرب هم أوّل من أدخلها. وهي فصلُ الأحياء بعضِها عن بعض، بل فصلُ الشوارع الكبيرة المفردة وما بينها من جُزُر البيوت، بأبوابٍ خاصّة (بوّابة)، تُغلق ليلًا أو عند خوف الفتنة فتَحجز الأحياء بعضها عن بعض. وقد امتاز العربُ دائمًا بنفورهم من كلّ
128128 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
نظامٍ في الحكم يجنح إلى المركزيّة. ففي المعسكرات الثابتة التي نزلتها الجيوش العربيّة فصارت منازل، ثمّ خرجت منها المدن فيما بعد (البصرة، والكوفة، والفسطاط، والقيروان، وغيرها) كانوا يسكنون متفرّقين على قبائلهم. لكلّ قبيلةٍ حيُّها الخاصّ، وخِطّتها، ومسجدها، وسوقها، بل ومقبرتها الخاصّة؛ فقد أرادوا حتى في الموت أن يبقوا مجتمعين مع بني قبيلتهم، لا يخالطهم غريب. ١) وكان كلُّ حيّ من هذه الأحياء مدينةً صغيرة قائمة بذاتها، منقطعةً عن سائرها بأنْ كان في آخر شارعها الرئيس بابٌ يُغلَق عند الحاجة فيقطع كلَّ صلةٍ ببقيّة المدينة. ولا يزال المرء يجد هذا النظام العتيق في دمشق، وفي القاهرة وحلب وسائر المدن العربيّة.
وكثيرًا ما كنت، إذا رجعت مساءً في دمشق من زيارةٍ إلى بيتي، أجتاز أربعة أبواب من هذه أو خمسة. لكلّ بابٍ حارسه، لا يفتح حتى يُجاب سؤالُه: «مِن؟» ٢) أي: من هناك؟ بالجواب المعتاد: «افتح يا حارس!»؛ ثمّ يأخذ أجرًا يسيرًا على الفتح — وكان يومئذ 5 بارات.
وبناءُ المساكن في عاصمة الشام غريبٌ جدًّا. فهي كلُّها تقريبًا من الطين، ولا تُبنى بالحجر إلّا المباني العامّة. ولا يخالج المرءَ شكٌّ في أنّ الأمر كان كذلك في العصور القديمة أيضًا، وإلّا لبقي من البناء أثرٌ أكثر ممّا بقي.
ولمّا فتح العربُ الشام لم يكونوا قد وجدوا بعدُ من الوقت ما يُنشئون به طرازًا خاصًّا بهم في البناء. فأخذوا بالطراز البيزنطيّ، وبنَوا بيوتهم على العادة القديمة في العهد الرومانيّ المتأخّر تمامًا.
١) انظر Culturgeschichtliche Streifzüge p. 63. ٢) «مِن» هي النطق العامّيّ لـ«مَن».
129رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 129
جدرانٌ سميكة من الطين، كثيرًا ما تُترك غير مطليّة من جهة الشارع، تحجب البيتَ الدمشقيّ عن العالم الخارجيّ. ولا نوافذ تُطلّ على الشارع إلّا من غرف الطابق الأوّل، وهذه محميّةٌ جيّدًا بمشبّكاتٍ من خشب.
وأمّا تخطيط مثل هذا البيت من داخل وتقسيمه فهو تخطيطُ البيت الرومانيّ بعينه. وكما أخذ العربُ في الشام بطراز البناء الرومانيّ، فقد أخذوا في كورٍ أخرى بنماذجَ أخرى؛ فبيوتُ العرب في مدن العراق، ولا سيّما في بغداد، يتبيّن فيها بوضوح الطرازُ الفارسيّ والذوق الفارسيّ.
والمدخل إلى البيت الدمشقيّ ممرٌّ مسقوف، يفضي عادةً إلى الداخل على زاويةٍ قائمة، حتى إذا فُتح الباب لم تنفذ عينٌ فضوليّة إلى الأرجاء الداخليّة. وتحت المدخل، وهو يقابل الـostium الرومانيّ، يجلس على مصطبةٍ خشبيّة عالية أو على دكّةٍ من طين أو حجر البوّابُ، ولا يخلو منه بيتٌ كبير، ومهمّتُه أن يستأذن للزوّار. والباب من خشب، وقد زُيّن في بيوت الأغنياء عادةً بألوانٍ صارخة ورسومٍ زيتيّة، وعليه غالبًا كلمةٌ من كلام التقوى. وهو ينفتح دائمًا إلى الداخل، لكنّه لا يدور على مفاصلَ من حديد، بل يتحرّك على محاورَ إسفينيّة مركّبة في العتبة العليا والسفلى، على نحو ما كان في البيت الرومانيّ. ويُغلق الباب من داخل بعارضةٍ خشبيّة (دِرباس، وهي بالّلاتينيّة sera)؛ على أنّ المفتاح الحديديّ الأوروبيّ صار يحلّ محلّها أكثر فأكثر اليوم، إلّا أنّه إذا كان من صنع الأقفاليّة المحلّيّين جاء فجًّا غليظًا إلى حدٍّ مفرط.
ومن المدخل يصل المرءُ إلى فناءٍ مكشوف مستطيل الشكل (حَوْش، وهو الـatrium الرومانيّ)؛ وكثيرًا ما تحفّ به في المباني الكبيرة أروقةٌ ذات أعمدة
130130 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
تدور به، وفي جهته الجنوبيّة قاعةٌ مفتوحة نحو الشمال، تحمل واجهتَها قوسٌ مدبّبة واسعة الفتح. وتُسمّى هذه القاعة «الليوان» (مختصرًا من «الإيوان» في العربيّة القديمة)، ولا يجوز أن يخلو منها بيت. وهي في أيّام الصيف الحارّة أطيبُ مقام، ينعم المرءُ فيها مساءً بنسيم الشمال البارد. وأرضُها أعلى من أرض الفناء بنحو قدم.
وهنا تُستقبل الزيارات في فصل الحرّ. وفي وسط الفناء ينهض بمقدار قدمٍ أو قدمٍ ونصف فوق الأرض حوضُ ماءٍ مبنيّ من الحجر مكسوٌّ بالرخام. وأرضُ الفناء والليوان مفروشةٌ بالرخام وبأحجارٍ ملوّنة. ويصنعون الزخارفَ العربيّة الجميلة بالحجر البركانيّ الأسود الذي يأتي من بلاد اللجاة، وبالحجر الرمليّ الأحمر من لبنان الشرقيّ. وتقوم في الفناء عادةً شجرتا نارنجٍ أو ليمون، وقد يجد المرءُ أحيانًا نخلةً منفردة، وإن كانت هذه الشجرة الجميلة قد صارت في دمشق نادرةً حقًّا ولم تعد تأنس بها: فالشتاء بعواصفه الشماليّة الباردة وأمطاره الغزيرة وزوابع ثلجه أقسى عليها ممّا تحتمل. وتصطفّ حول الفناء غرفُ السكن في الطابق الأرضيّ، ونوافذُها ذاتُ المشبّكات الخشبيّة المحفورة كبيرةٌ عريضة غير معقودة، مستطيلةُ الشكل. ومن ممرٍّ ثانٍ ضيّق يصل المرءُ، في بيوت الأسر الكبيرة، إلى فناءٍ ثانٍ، وربّما تلاه ثالث، فيه كلُّ شيءٍ كما في الأوّل، إلّا أنّه أوسعُ قياسًا وأكثرُ ترفًا؛ ففسيفساءُ الرخام في الأرض أدقُّ صنعةً، وأحواضُ الماء أكبر ولها شلّالاتٌ مصطنعة. وينهض فوق الطابق الأرضيّ عادةً طابقٌ آخر. وتصعد سلالمُ مستقيمة شديدةُ الانحدار ضيّقةٌ إلى حدٍّ ما، لها درابزينٌ خشبيّ مدهون، إلى سطح الغرف السفلى المستوي، وعليه
131رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 131
في الأغلب رواقٌ مكشوف له درابزينٌ مدهون بالأخضر أو الأحمر، يدور بعضَ الدوران حول الفناء، ومنه يدخل المرءُ غرف الطابق الأعلى. ويتسلّق من الفناء صاعدًا الكرمُ البرّيّ وعنبُ الثعلب وغيرهما من المتسلّقات الدائمة الخضرة الحسنة الزهر، فتُخفي تحت سقف أوراقها الكثيف الجدارَ المدهون على العادة الدمشقيّة الطريفة بخطوطٍ أفقيّة عرضُها قدم، تتناوب بين الأبيض والأزرق والأبيض والأحمر، يُضفي تضادُّ ألوانها الصارخ على باطن المسكن طابعًا حيًّا مرحًا غريبًا. أمّا الجدران الداخليّة لليوان القائم في جنوبيّ الفناء فمزيّنةٌ كلُّها تقريبًا برسومٍ بيزنطيّة المظهر تمامًا، تمثّل مناظرَ طبيعيّة وقصورًا وشلّالات. وعن يمين الليوان ويساره تُفتح أبوابُ غرف الاستقبال المستعملة في فصل البرد، على حين يكون الليوان في الصيف مقامًا دائمًا. وهذه الغرف، وتُسمّى القاعة، لكلٍّ منها كذلك حوضُ ماءٍ صغير بنافورةٍ لا ينقطع جريانها. وأنابيبُها النحاسيّة على هيئة أسودٍ أو تنانينَ مصوّرة تصويرًا عجيبًا، تقذف من أفواهها عمودَ الماء. وأرضُ الغرفة أعلى بقدمٍ واحدة، ونوافذها تُطلّ على الفناء. وأثاثُها الوحيد عادةً ديوانٌ كبير يمتدّ على ثلاثة من جدرانها. وفي مقابل باب الدخول، أو في الجدار الجانبيّ من الغرفة، صُفّةٌ صغيرة في الجدار، مزيّنةٌ بأعمدةٍ من رخام ونقوشٍ رخاميّة. وهنا، على لوح الرخام المثبَّت في وسط ارتفاعها، موضعُ الإبريق والطشت، ممّا يستعمله المسلمون في وضوئهم. وحول الصُّفّة يُزيَّن الجدار في البيوت الأحسن حالًا بخشبٍ غنيّ الدهان ومرايا صغيرة مطعّمة فيه.
وبقيّةُ الغرفة، كما ذُكر، مرتفعةٌ
132132 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
قدمًا فوق أرض المدخل (العتبة)، وعلى هذا المرتفع تدور الدواوين على جدران الغرفة الثلاثة. ودفعًا لكلّ التباس، ولئلّا يتصوّر المرءُ هذه الدواوين كالكَنَبات الأوروبيّة، نُنبّه إلى أنّها ليست إلّا فراشًا مستطيلًا عرضُه نحو ثلاث أو أربع أقدام، مكسوًّا بقماشٍ ملوّن من ديباج الحرير الدمشقيّ، أو مفروشًا بسجّادٍ فارسيّ، وعوضًا عن المسند تُوضع له وسائد.
وعلى ارتفاع قامة الرجل يدور بالجدار رفٌّ خشبيّ ناتئ (الرفّ)، يُستعمل لوضع الأشياء الصغيرة والأواني ونحوها عليه. وفي الجدران الجانبيّة، في عمق البناء، خزائنُ حائطيّة (خِرِستان)، أبوابُها من خشبٍ مقسَّم حقولًا، مدهونةٍ بألوان، مطعّمةٍ بمرايا صغيرة. وكذلك ليس نادرًا أن تُكسى جدرانُ الغرف، ولا سيّما ما يُتّخذ منها للمقام في الشتاء، بألواح الخشب إلى نصف ارتفاعها، وهو مدهونٌ بالألوان أيضًا. وفوق الخزائن الحائطيّة يرى المرءُ على ألواحٍ خشبيّة مركّبة في الجدار كتاباتٍ ذهبيّة، على أرضيّةٍ لازورديّة في الأغلب، فيها أقوالٌ تقيّة وأبياتٌ للتذكير. وفي صدر الغرفة عادةً خزانةٌ حائطيّة هائلة لها مصراعان عريضان، تكاد تشغل جدار هذه الجهة كلَّه. ويُسمّونها الخزنة أو الدولاب، والغرضُ منها قبل كلّ شيء أن تُوضع فيها نهارًا فرشُ النوم التي تُبسط ليلًا على الأرض، فالمعروف أنّ أهل المشرق لا يستعملون الأسِرّة.
ولمّا كانت صنعةُ صقل الخشب لا تُمارَس في دمشق، فإنّ هذا الحاجز الخشبيّ يُزخرف هو أيضًا بكلّ ما في خيال الفنّان الشرقيّ من سعة، بالرسوم الزيتيّة، ويُزيَّن بالمرايا الصغيرة المطعّمة وبالتذهيب. وأرضُ القاعة مفروشةٌ في الشتاء بالسجّاد، وفي الصيف بحُصُر الأسل من الصنعة الدمشقيّة الجميلة المعروفة. وللنوافذ مصاريعُ خشبيّة
133رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 133
مدهونة، تُغلق في الشتاء ليلًا؛ أمّا الأبواب فتبقى مفتوحةً عادةً حتّى في فصل البرد، ولا تُسدّ إلّا بستائرَ (بردايه، ستارة) من قماشٍ ثقيل أو من نسيج السجّاد، خِيطت عليها للزينة كتاباتٌ أو زخارفُ عربيّة بحروفٍ كبيرة من قماشٍ أبيض أو أحمر. وللتدفئة في الشتاء — إذ لا يعرفون المدفأة — يُستعمل الكانونُ النحاسيّ أو المنقل، أي وعاءُ الجمر، يُوضع في وسط القاعة أمام الديوان، فيُدفئ المرءُ عنده يديه وقدميه.
وسقوفُ الغرف، في الطابق الأعلى كما في الأسفل، من جذوع الحَور الفضّيّ الطويلة، وهو يؤلّف في الأرض الغزيرة الماء حول دمشق غاباتٍ كثيفة بأكملها. وفوق هذه العوارض، وبينها نحو قدم، تُوضع ألواحٌ تُكسى فراغاتُها بشرائحَ خشبيّة مسمَّرة. فالسقف إذن كلُّه من خشب، غير أنّهم يأتون في زخرفته بالعجب. فكلُّ شيءٍ يُدهن بالأصباغ الزيتيّة الملوّنة، ويُزيَّن بالزخارف العربيّة، ويُغطّى بالتذهيب. وفي زوايا السقف يُحاكون في بيوت الأغنياء بالخشب تلك المقرنصات الجميلة الشبيهة بالصخور المتدلّية، التي يُعجَب بها منفَّذةً في الحجر في كلّ بوّابات المساجد تقريبًا. وهذه الرسوم السقفيّة كلُّها منفَّذةٌ في بهاءٍ غنيّ من الألوان على الطراز المغربيّ، في ذوقٍ رفيع جدًّا، تذكّر بقوّة بالزخارف البديعة في سقوف الحمراء وأفاريزها وجدرانها.
ولا يخالجني شكٌّ في أنّ هذه الزخرفة الخاصّة، التي تميّز دمشق تمييزًا تامًّا، وتمتاز خصوصًا بغلبة استعمال الدهان الزيتيّ وبتوظيف تضادّ الألوان الصارخة، بيزنطيّةُ الأصل. فالمناظر الطبيعيّة التي نجدها في بقايا فسيفساء
134134 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
كنيسة يوحنّا تقترب في الرسم والتنفيذ اقترابًا تامًّا من الرسوم الزخرفيّة في بيوت دمشق الحديثة، حيث تؤدّي مثلُ هذه المناظر دورًا رئيسًا، بالجهل نفسه بقواعد المنظور، وبالميل نفسه إلى البيوت الصغيرة الشبيهة بمعابد الشرق الأقصى، والأشجارِ الجامدة، والطيورِ الكبيرة على غير نسبة، والصخورِ والشلّالات المتكرّرة أبدًا. والألوانُ الصارخة سِمةٌ لهذا الطراز الغريب من الزخرفة: يغلب عليه لونُ السماء والأخضر الفاتح والبنفسجيّ. وأرى في هذا أيضًا ميراثًا من الفنّ البيزنطيّ. فقد أخذ الوافدون العربُ هذا الذوق الفنّيّ ومضَوا به، وقد بدّلوا فيه على تفاوت، وهذّبوه وطوّروه على وجهٍ خاصّ من الناحية المعماريّة، على أنّ النمط البيزنطيّ الأساس يبقى بيّنًا إلى حدٍّ ما، ولا سيّما في التصوير. غير أنّهم أضافوا كذلك ما ابتكروه استقلالًا. فبينما لم يكن التصوير الزخرفيّ للمناظر الطبيعيّة تقدّمًا على الفنّ السابق، طوّر العربُ اتّجاهين زخرفيّين هما خاصّتهما تمامًا، وبلغوا بهما كمالًا لا يُبارى: الزخرفةَ العربيّة (الأرابيسك)، وتوظيفَ الخطّ في زخرفة العمائر. ولذلك أعدّه شبهَ مقطوعٍ به أنّه كما يحمل جامعُ دمشق الكبير طابعًا بيزنطيًّا لا تخطئه العين، كذلك كانت عمائرُ العصر الأمويّ كلُّها — ولم يبقَ لنا منها للأسف بقايا أخرى — منفَّذةً على هذا الطراز نفسه بعينه، لا تختلف اختلافًا جوهريًّا عن منجزات العمارة الدمشقيّة الحديثة.
وبعد ما ذكرناه الآن يمكننا أيضًا أن نُكوِّن صورةً قريبةً من الدقّة لباطن قصر الخلافة القديم. فقد بنى معاويةُ نفسُه، مؤسّسُ الدولة، قصرًا لسكناه عُرف باسم «الخضراء»، أي القصر الأخضر، ١)
١) Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 146.
135رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 135
ويغلب على الظنّ أنّه سُمّي كذلك لدهانه الأخضر. وقامت في عهد خلفائه مبانٍ فخمة كثيرة، للخلفاء ولأفراد البيت الحاكم وعظماء الدولة، زيّنت باطن المدينة وذلك السهل البديع الشبيه بالمنتزه المحيط بها من كلّ جانب. ومن سقف الأوراق الكثيف في غابات الدُّلْب والحَور الفضّيّ والجوز والمشمش، ومن مغارس التين والزيتون، وقد تسلّق بينها الكرمُ وسائرُ المتسلّقات حتى بلغ ارتفاع البيوت، كانت تنهض في كلّ مكان القبابُ البيض والمنائرُ الصغيرة لقصور اللهو والأكشاك والمنازل الريفيّة الأنيقة والمساجد والقبور.
وكان الوليد الأوّل بخاصّة هو الذي زيّن دمشق وما حولها بالعمائر الجميلة، وأقام لنفسه أثرًا باقيًا بإتمام بناء الجامع الكبير. ١)
ويصف لنا راوٍ قديم زار دمشق في حاشية الخليفة المعتصم أحدَ قصور الأمويّين، فيقول: «لمّا قدمنا دمشق تفرّجنا على قصور بني أميّة. فدخلنا قصرًا عظيمًا مفروشًا كلُّه برخامٍ أخضر (verde antico)؛ وفي وسط صحنه حوضُ ماءٍ كبير لا ينقطع عنه الجريان، يسقي ما يفيض منه بستانًا فيه من أجمل النبات والشجر كلُّ صنف، وتُحييه طيورٌ مغرّدة لا تُحصى، غناؤها يُغني عن أحسن الموسيقى.» ٢)
وقد ذاع في العالم العربيّ كذلك صيتُ عمائر دمشق وقصورها البديعة، حتى إنّ الشاعر الفرزدق، لمّا خرج قائدٌ بالعراق على الخليفة وتوعّد بألّا يترك في دمشق حجرًا على حجر، قال في بعض شعره مُعرِّضًا بذلك:
١) Goeje: Fragm. Histor. Arab. I. p. 11. ٢) Ghorar fol. 68.
136136 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
تُنبِئُك الكُهّانُ أنّك مُخرِّبٌ دمشقَ، المدينةَ التي بنتها الجِنّ، جاءت بحجارتها المنحوتة من جبل الثلج، صخورًا رصفت بعضَها فوق بعض؛ لكنْ قد دنت خيلُ الشام، تخفق على رماحها الراياتُ كالنسور تستشرف الفريسة، يقود جيادَها بطلٌ ميمون؛ ما من كتيبةٍ يحمل عليها تُطيق له ثباتًا. ١)
وإنّه لفضلٌ باقٍ لخلفاء بني أميّة أنّهم أمدّوا المدينة بهذه الوفرة من الماء، ولا تزال إلى اليوم لا تُبارى في المشرق كلِّه. فقد كان بردى — وهو خريسوروّاسُ القدماء — يجلب لها ماءَ شربٍ غزيرًا في العصور القديمة أيضًا، غير أنّ الفضل في إتقان نظام السقاية إتقانًا بلغ به أنّ أفقر بيتٍ فيها له إلى يومنا هذا نافورتُه التي لا ينقطع جريانها، إنّما يرجع إلى خلفاء الدولة الأولى وحدهم. ولذلك لا تزال إحدى القنوات السبع الكبرى تحمل اسم الخليفة يزيد الذي شقّها (نهر يزيد). ٢)
وهكذا عرف حكّامُ دمشق كيف يُهيّئون لأنفسهم هنا وفي هذا المحيط الفاتن مقامًا لا يُتصوّر أبهى منه. فقد كان قصرُ الخلافة يتلألأ بالذهب والرخام، وزيّنت الفسيفساءُ البديعة جدرانَه وأرضَه، ونشرت النافوراتُ والشلّالات التي لا ينقطع ماؤها أطيبَ البرد، ودعا خريرُها إلى نومةٍ منعشة. وكانت تأوي إلى المتسلّقات البديعة والأشجار الظليلة طيورٌ مغرّدة لا تُحصى. وكانت سقوفُ الغرف تلمع بزينة الذهب والألوان وتخشيبِها الملوّن، ويملأ الأرجاءَ مماليكُ في ثيابٍ غنيّة من حريرٍ ثقيل صارخ اللون، على تلك النقوش المخطّطة التي لا تزال متداولةً في دمشق؛ وفي الغرف الداخليّة أجملُ نساء الدنيا. وكان أكثرُ حكّام
١) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 68. ٢) انظر كتابي Topographie von Damascus.
137رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 137
دمشق هؤلاء أهلَ لهوٍ ومجونٍ وشرّابين لا يرتوون، ولعلّ ما لا مفرّ منه من هموم الحكم قد ثقل عليهم كثيرًا. ومع ذلك كانت هناك واجباتٌ لم يستطيعوا التخلّص منها حتى في تلك الأزمنة من السلطان المطلق. فأوّلًا — وهذا لعلّه أثقلها — كان على الخليفة أن يصلّي الصلوات الخمس علانيةً في المسجد، وأن يؤمّ الجماعة. وكان عليه يوم الجمعة أن يخطب فوق ذلك.
وفي مثل هذه المناسبات، ولا سيّما في الأعياد الكبرى، كان الخليفة يظهر في المسجد وعليه البياضُ كلُّه، ١) في دُرّاعةٍ بيضاء، وعلى رأسه قلنسوةٌ مدبّبة، ٢) فيصعد المنبر ويخطب من فوقه في الجماعة المجتمعة؛ وهو ما كان لا بدّ لكلّ خليفةٍ بلا استثناء أن يفعله كذلك بعد أن يُختار للخلافة ويتلقّى البيعة. ولم يكن لعلوّ منصبه من شارةٍ سوى خاتمِه والقضيب الشبيه بالصولجان. ٣)
على أنّ بعضهم، إذا أحسّ في العرش أمنًا كافيًا، لم يتشدّد في هذه الواجبات. فكان يزيد الثاني يُنيب عنه في الصلاة العامّة رئيسَ حرسه (صاحب الشرطة)، ٤) وأمّا الوليد الثالث، وهو من أشدّ أمراء هذه الدولة المحبّة للحياة المولعة باللذّة طيشًا، فقد سمح
١) الأغاني VI. 141. ٢) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 7. ٣) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 82. وفي عهد العبّاسيّين فُرض اللون الأسود، وكان على الخطيب في الجامع أن يظهر لخطبة الجمعة في ثوبٍ أسود، وقد غطّى رأسه بالقلنسوة السوداء. وفي مخطوطٍ لمقامات الحريري مزوّد برسومٍ مائيّة بديعة، محفوظٍ في مكتبة البلاط بفيينا، صُوّر الخطيب على هذه الهيئة، فهو يشبه راهبًا فرنسيسكانيًّا شبهًا يُلبِس، إذ هؤلاء أيضًا يسحبون القلنسوة على رؤوسهم عند الوعظ. ٤) أبو المحاسن ابن تغري بردي: Annales ed. Juynboll I. p. 283.
138138 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
لنفسه — إن صحّت القصّة — أن يمزح ذات صباح، لمّا نُودي للصلاة، فأرسل إلى المسجد جاريةً جميلة من حريمه كان يسامرها، وقد لفّها في بُرنُسه، لتؤمّ الجماعة المجتمعة في الصلاة مكانه.
وإلى جانب هذه الوظائف الدينيّة كان على الخليفة — وقد كان في العهد الأوّل، حين كانت العادات لا تزال شديدة الأبويّة، يُعدّ كذلك القاضيَ الأعلى في الخصومات على اختلافها — أن يعقد المجالس للناس. وقد كانوا يفرّقون يومئذ بين المجالس الكبرى العامّة والمجالس الصغرى الخاصّة (مجلس عامّ، مجلس خاصّ). ففي الأولى كان الأمير يجلس في قاعة الاستقبال الكبرى على عرشه، وهو ما لا يشبه من قريبٍ ولا بعيد ما نتصوّره نحن بمفاهيمنا الأوروبيّة عن العرش: فعرشُ الأمير في المشرق ليس إلّا مقعدًا مرتفعًا، مربّع الشكل عادةً، مكسوًّا بوسائدَ من أغنى نسيج الذهب، يجلس عليه الأميرُ متربّعًا. وكان يقف في المجالس عن يمين الخليفة صفًّا على طول القاعة أعمامُه، وعن يساره كذلك مصطفّين أخوالُه. وإلى جانبه مباشرةً إخوتُه وبنوه، ويصطفّ دونهم أصحابُ الرتب في البلاط وأهلُ المراتب، ثمّ موالي البلاط والشعراءُ وأصحابُ الحاجات وذلك الذيلُ الطويل كلُّه من صغار الناس. وفي مثل هذه المناسبات كان بعض الشعراء يتقدّمون فيُنشدون القصائد في مدح الأمير. أمّا في المجالس الصغرى فكان أقربُ ذوي القربى يجلسون على كراسيَّ منخفضة بغير مساند، وأمّا الأباعد فكان عليهم أن يقنعوا بالوسائد. وكان لباس الخليفة في مثل هذه المناسبات غنيًّا غايةَ الغنى، وقد وجد عظماءُ العرب مبكّرًا في فخامة اللباس متعةً كبيرة، على ما ورد من نهي
١) الأغاني IV. 80, 81.
139رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 139
القرآن عن ذلك. فلمّا خطب عمرٌو، والي مصر، في جامع الفسطاط (القاهرة القديمة) الكبير، كان عليه ثيابٌ داخليّة من ديباجٍ مُذهَّب، وفوقها حُلّة، وجُبّة، وقد غطّى رأسه بعمامة. ١) وكان الوليد الثاني يلبس قلائدَ من ذهبٍ مرصّعةً بالجوهر، يبدّلها كلّ يوم، ٢) وكان عليه يوم قُتل في قصره الريفيّ نَجْرا دُرّاعةٌ من قَصَبٍ مُذهَّب وسراويلُ واسعة من وشيٍ ثقيل. ٣) وكان الخليفة سليمان مولعًا بالوشي حتى صار هذا النسيجُ الثمين — وكان يُصنع يومئذ بخاصّةٍ في اليمن والكوفة والإسكندريّة — زِيًّا عامًّا، فلبس الناسُ من الوشي الثيابَ الداخليّة والقفاطينَ والسراويلَ والعمائمَ والقلانس. وما كان أحدٌ من خدم البلاط ليجرؤ أن يمثل بين يدي الخليفة في غير ذلك. حتى الطبّاخُ إذا مَثَل بين يديه كانت سترتُه وقلنسوتُه من الوشي. وكان هو نفسه يلبس دائمًا من هذا النسيج، في بيته وفي المسجد وفي خرجاته على ظهر الخيل. وقد دُفن كذلك في الوشي بناءً على وصيّته. ٤)
ولا شكّ أنّ تدبير أمور الحكم استغرق شيئًا من الوقت. أمّا المساء فكان في أكثره للسمر ولحلقة الأهل الأضيق، وهي على كلّ حال بالغةُ الكثرة بسبب نظام الحريم. وفي هذه المجالس المسائيّة، التي كانت تطول جدًّا في ليالي الصيف الجميلة على عادةٍ لا تزال قائمة في المشرق، كانوا يقطعون الوقت بضروبٍ شتّى. فمنذ عهد أوائل حكّام البيت الأمويّ
١) ابن تغري بردي I. p. 81 عن ابن عبد الحكم. ٢) Culturgeschichtl. Streifzüge p. 29. ٣) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 143. ٤) المسعودي V. 400.
140140 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
كان من أحبّ ما يُصنع في البلاط أن يُقصِّر القُصّاصُ عليهم لياليَهم. وكان البيتُ الحاكم يستند بخاصّة إلى قبائل الجنوب العربيّ، وقد شاركت بأعدادٍ كبيرة في الفتوح الأولى ثمّ نزلت الشام. ولهذا السبب — على الأرجح — يخبر الكتّابُ العربُ أنّ مادّة أسمار بلاط دمشق كانت تُؤخذ بالتفضيل من أخبار الجنوب العربيّ القديمة وأساطيره. فاليمن هو الشريط الوحيد من جزيرة العرب الذي كانت له حضارةٌ مبكّرة ترتقي إلى قِدَمٍ سحيق، وتاريخٌ عجيب، وروايةٌ شعبيّة له، وأساطيرُ محلّيّة كثيرة عن قوّة الملوك الأقدمين وبهائهم، وعن غزواتهم ومغامراتهم وبطولاتهم. فكانت الحكايات عن ذلك، وقد زُيّنت بالشعر، أحبَّ موضوعات هذه المجالس في العهد الأوّل، ممّا يُقصَّر به الليل. ١) وكذلك كان إنشادُ الشعر — الجديدِ ممّا ينظمه المنشدون أنفسُهم، أو شعرِ فحول الشعراء القدماء قبل محمّد — يُحيي هذه الأسمار. ولم يطل الأمر حتى بدأ الناس، على نهي القرآن، ينصرفون إلى شرب الخمر؛ واستُقدم إلى البلاط المغنّون من مكّة والمدينة، حيث كان يومئذ المقرُّ الحقيقيّ لصناعة الغناء العربيّ والعزف؛ وتحوّلت المجالسُ المسائيّة في عهد بعض الحكّام إلى مجالسِ سُكرٍ خالصة وعربدةٍ صريحة.
ويصف الرواةُ المحلّيّون الخليفةَ الثاني يزيد الأوّل بأشدّ الألوان صراخًا. غير أنّ
١) من هؤلاء القُصّاص عَبيد بن شَريَة، وقد نشرتُ من كلامه قِطعًا. انظر كتابي «Südarab. Sage» ص 49، ثمّ وهب بن مُنبّه، وعَوانة، ويزيد بن مُفرِّغ؛ وHammer-Purgstall: Lit.-Geschichte II. p. 222—226؛ وكذلك Sprenger: D. Leb. u. d. Lehre d. Moh. II, p. 516.
141رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 141
بعض ذلك يبدو قائمًا على المبالغة. إذ لا يجوز أن ننسى أنّ المؤرّخين الذين وصلتنا كتبُهم هم جميعًا من عصر العبّاسيّين، حيث كان قولُ الخير عن الدولة السابقة خطرًا. ومع ذلك فإنّ راويًا بريئًا من الهوى في سائر أمره ١) يعرف عنه كثيرًا ممّا يُستقبح. يقولون إنّه أوّلُ من أدمن الشراب من أهل بيته. وكان يستجلب خمره من الطائف، وهي بليدةٌ جبليّة على مسيرة يومين من مكّة، لا يزال عنبُها الممتاز محبّبًا جدًّا إلى النفوس. وكانت خمرُه تُخلط بالمسك — على الأرجح ليشتدّ أثرُها المُخدِّر — («ويُفتَق له بالمسك»). وكان له قردٌ يحبّه لا يفارق جانبه، وقد كنّاه «أبا قيس». وكان يزعم مازحًا أنّ القرد يهوديٌّ قديم مسخه اللهُ بذنوبه. وكثيرًا ما كان يثب على كتفيه ويشرب من كأسه، ولم يكن يتخلّف عن مجلس شرابٍ قطّ. وإذا احتشد أمام باب القصر جمعٌ كثير ليروا الخليفة يركب، أركب القردَ مكانه. بل شارك أبو قيس في السباق أيضًا، في ثيابٍ فاخرة من حريرٍ ثقيل، وعلى رأسه قلنسوةٌ ملوّنة، راكبًا أتانًا وحشيّة رُوّضت لذلك. ٢) وفي ذلك كانت نهايتُه أيضًا، إذ رمت به الأتان مرّةً فاندقّت عنقه. فلم يجد الخليفةُ عزاءً، وأمر بتجهيزه ودفنه كما يُدفن المسلمُ من أهل السنّة، ثمّ تلقّى واجبَ العزاء على العادة. بل يُروى بيتٌ من قصيدةٍ يقولون إنّه نظمها في حبيبه:
١) صاحب كتاب «قطب السرور». ٢) المسعودي V. p. 157.
142142 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
نديمي أبو قيسٍ، فإنّ له ظَرْفًا وفَهمًا، متى ما وقف ظَرْفُ الندامى. ١)
وكيفما كان الأمر — وإنّا لنرتاب ارتيابًا شديدًا في صحّة هذه النوادر المرويّة على حساب يزيد الأوّل، ولعلّها من مصدرٍ شيعيّ — فالثابت أنّهم في البلاط كانوا يُحسنون العيش في مرح. ومن ألعابهم يومئذ الشطرنجُ، وقد كان معروفًا وإن كان مع ذلك لا يزال لا يُعدّ لائقًا كلَّ اللياقة، ٢) وكانوا يحبّون كذلك لعبة الكرة الفارسيّة على الخيل (الصولجان). ٣) وعرفوا أيضًا مُهارشة الديكة، وقد نهى عنها غيرُ خليفةٍ نهيًا شديدًا؛ وكان السباقُ بخاصّة محبّبًا إليهم عامّةً حتى شاركت فيه بنفسها أميرةٌ (بنتُ الخليفة هشام). ٤) وكانت منزلة النساء يومئذ أوسع حرّيّةً وأقلَّ تقيّدًا بكثير ممّا يميل المرءُ إلى تقديره من حال الجنس اللطيف اليوم في البلاد الإسلاميّة. فقد أقام شعراءُ ومغنّون خاملون علاقات حبٍّ بأميراتٍ أمويّات، وتحدّثوا عنها في أشعارهم بلا تستّرٍ البتّة، دون أن يلحقهم من ذلك سوء.
كان أبو دَهْبَل، ٥) من أسرةٍ مكّيّة شريفة، معروفًا بجماله الرجوليّ؛ وكانت جُمّتُه الطويلة تغطّي كتفيه. وكانت له موهبةٌ شعريّة نادرة. فلمّا حجّت عاتكةُ بنتُ الخليفة معاوية إلى مكّة نزلت بذي طُوى، وهو موضعٌ خارج مكّة على طريق القوافل من المدينة. فاتّفق أن أمرت جواريَها في يومٍ صائف حارّ
١) قطب السرور I. fol. 114—115. ٢) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 102. ٣) Ibid. p. 114. ٤) في سباقٍ أقامه الوليد الثاني بالرُّصافة لم يدخل الحَلْبةَ أقلُّ من 1,000 فرس. المسعودي VI. p. 14. ٥) الأغاني VI. 155.
143رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 143
أن يرفعن ستر القاعة التي كانت جالسةً فيها، وذلك حين مرّ أبو دهبل؛ وكانت الأميرة في ثوبٍ خفيف تنظر إلى الطريق، ولم تنتبه إلى الناظر غير المأذون له إلّا حين وقف يتأمّلها ملآنَ إعجابًا. فأسرعت تتحجّب وأنزلت الستر لساعتها. لكنْ كان قد قُضي على أبي دهبل المسكين. فأخذ ينظم في عاتكة أشعارًا شاعت شيوعًا كبيرًا حتى بلغت مسامعها عن قريب. فنشأت بين ابنة الأمير والشاعر علاقةُ حبّ. وتبعها إلى دمشق، لكنّ الشهور تلت الشهور هنا في همٍّ وقلق، ما كانت لحظاتُ السعادة القصيرة تعوّض عنها بما يكافئها؛ فقال في ذلك من قصيدة:
يا صاحِ! بارك اللهُ في الدُّورِ وأهلِها عند باب جَيْرونَ حيث خريرُ الماء، عن الشمال إذا اجتزتَ الباب، عن اليمين لمن عكس الوجهة. لذلك أقمتُ ههنا بدمشق حتى يئس منّي أهلي: هي كدُرّة الغوّاص ملأى بهاءً، جوهرةٌ بين الجواهر. وإن عددتَ كرامَ آبائها وجدتَها في الشرف مثلي. لا يُحرَق على كانونها إلّا المسكُ والعودُ وشجرُ اللُّبان. مشيتُ إلى جانبها حتى الخيمةِ الخضراء على ممرّاتٍ من رخام، عبر أروقةٍ وقاعاتٍ مضاءة، زُيّنت بالزهر وعناقيدِ الكرم؛
١) بابُ جَيْرون هو الباب الشرقيّ للجامع الكبير، ويُسمّى اليوم باب النوفرة لِما أمامه من نافورةٍ ضخمة (نوفرة). وهذه النافورة هي التي يُلمِّح إليها الشاعر. ولا بدّ أنّ قصر الخلافة كان قريبًا منها. انظر Topographie von Damascus I. p. 36.
144144 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
خيمةٍ من أقمشة اليمن، نُصبت في الغرفة اتّقاءً لبرد الشتاء. ١) وكان فراقُها من الوُدّ والحنوّ كما تُودِّع الحبيبةُ حبيبَها.
فلمّا بلغ الخليفةَ خبرُ علاقة الحبّ هذه بابنته ساءه الأمرُ جدًّا، وطلب أن يُنهي القصّة، وهي شديدةُ الإزعاج له، بأسرع ما يمكن. غير أنّه خشي إن لجأ إلى الشدّة أن يجعل ابنته حديثَ الناس أكثر. فدبّر الأمر على أن ينصرف الحاضرون كلُّهم في مجلسٍ عامّ حتى يخلو آخرَ الأمر بأبي دهبل. فأخبره في هيئة أعظم ما يكون من الودّ أنّ ابنه يزيد، وليَّ العهد، شديدُ الغيظ عليه من أجل شعره، وأنّه لذلك أراد أن يُحذّره وينصح له أن يغادر دمشق بأسرع ما يمكن. ففهم أبو دهبل الإشارة وسافر من غير تأخير. غير أنّه مضى يبعث من مكّة بالرسائل والأشعار إلى الأميرة. فحجّ معاوية إلى مكّة لهذا الغرض بعينه، ودعا الشاعر، وسأله أيَّ فتاةٍ بمكّة يودّ أن يتزوّج، فلمّا سمّى له واحدة تولّى هو الخِطبة، وجهّز الفتاة بـ1,000 دينار، وأجرى عليه رزقًا سنويًّا. فتزوّجها أبو دهبل، وكفّ عمّا سوى ذلك من فيض الغزل. ٢)
وترى كم اختلفت عاداتُ تلك الأزمنة وطرائقُ التفكير فيها عن مشرق اليوم. فسلطانٌ شرقيّ من العهود المتأخّرة كان يضع رأس شاعرٍ تجرّأ على مغازلة ابنته تحت قدميه
١) لا يزال متّبعًا في فارس إلى اليوم أن يُنصب في الشتاء فوق منقل الجمر خيمةٌ صغيرة ويُنام تحتها، وهي عادةٌ شديدةُ الضرر بالصحّة كما يلاحظ Pollak في كتابه عن فارس. ٢) انظر الأغاني VI. 161, XIII. 150.
145رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 145
بلا أكثر من ذلك. على أنّه لم تُعدَم في بلاط بني أميّة أيضًا علاقاتُ حبٍّ لم تكن خاتمتُها بهذا المرح بحال. وسأروي مثالًا شديدَ الدلالة.
كان بمكّة شابٌّ اسمه وَضّاح، يعيش في حلقةٍ كبيرة من الشعراء والمغنّين والموسيقيّين، مشهورًا محبوبًا بحُسن طلعته كما بموهبته الشعريّة. وقد زادته مغامراتُه الغراميّة الكثيرة إثارةً للاهتمام، ولم يُقصّر في الافتخار بها في شعره. ولن أورد هنا إلّا واحدةً، لكنّها من أجمل ما قيل في هذا الباب:
يا رَوْضَ! خاطبُكِ استيقظ باكرًا، قلبُه ثقيلٌ عليه، وصبرُه واهٍ. — قالت: لا تدخل حِمى الدار، فأبي يحرس العِرض حراسةَ المقدّس. — قلتُ: سأترقّب الفرصة: وسيفي الماضي لي بذلك ضامن. — قالت: يفصل بيننا القُفل والجدران! — قلتُ: سأجد الطريق ولا بدّ. — قالت: يفصل بيننا مَوجُ البحر. — قلتُ: هيّا، إنّي لسبّاحٌ ماهر! — قالت: إخوتي السبعةُ يَسهرون! — قلتُ: أنا بطلٌ ملآنُ جرأة. — قالت: بيننا أسد. — وأنا أيضًا ليثٌ ساعةَ الغضب! — قالت: تذكّر أنّ الله يرانا! — قلتُ: اللهُ يغفر ويصفح. قالت: حذّرتُ فما أجدى، فهيّا: كن مستعدًّا إذا نام الحرس! انسلَّ داخلًا كنَدى الليل، حين لا يمنعك أحدٌ ولا يسهر. ١)
فلمّا حجّ الوليد الأوّل مع زوجه إلى مكّة رأت وَضّاحًا، الشاعرَ الجريء
146146 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
الفاتكَ بالنساء، فعشقته. فبادلها وضّاحٌ هذا الهوى ونظم فيها بعض أجمل أغانيه. فلمّا رجعت إلى دمشق تبعها، فأذنت له في الدخول إلى غرفها. وإذا خشيت أن يُداهَما أخفته في صندوق ثيابٍ كبير، من تلك التي لا يخلو منها بيتٌ دمشقيّ، وهي مطعّمةٌ تطعيمًا جميلًا بالصدف والعظم، فتُعدّ زينةً لغرف السكن.
ويبدو أنّ الخليفة تلقّى آخر الأمر تلميحاتٍ إلى هذا الأمر فارتاب. فدخل يومًا على امرأته على غير موعد وعندها وضّاح. فما كادت تجد وقتًا لتُخفيه في الصندوق كعادتها. وفي مجرى الحديث ساق الخليفةُ الكلام إلى أثاث غرفها، ثمّ رجاها أخيرًا أن تأذن له في اختيار قطعةٍ منه، فلمّا أذنت أشار إلى الصندوق الذي فيه وضّاح. فحفظت الأميرة رباطة جأشها كاملةً، ولم تُظهر في قسمات وجهها من اضطرابها شيئًا. أمّا الوليد فأمر بالصندوق فحُمل من فوره إلى غرفته، وأمر فحُفرت هناك حفرةٌ عميقة أنزله فيها، وهو يصيح بأعلى صوته: بلغني شيء؛ فإن كان حقًّا فإنّي أدفن بهذا موضعَ ريبتي إلى الأبد وأُذهبه إلى غير رجعة، وإن كان ما نُقل إليّ باطلًا فإنّما نُوارِي صندوقًا من خشب. ١) ثمّ أمر فمُلئت الحفرة ترابًا وبُسط فوقها السجّاد. ولم يذكر لزوجه هذه الواقعة قطّ. ولم يُسمع لوضّاح خبرٌ بعدها أبدًا.
ثمّ حجّت زوجُ الخليفة مرّةً ثانية إلى مكّة، لكنْ على غير ما كانت أوّلًا؛ فلم تُبدِ نفسها لعينٍ غريبة، والتزمت
١) الأغاني VI. 32, XI. 49.
147رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 147
أشدّ الاحتجاب، ورجعت إلى دمشق على تلك الحال. ١)
ويتبيّن من هذا أنّ منزلة النساء في بلاط الخلافة يومئذ كانت تختلف اختلافًا بعيدًا كلَّ البعد عن ذلك الإذلال العميق الذي سقط إليه الجنسُ اللطيف بعدُ في البلاد الإسلاميّة. فكثيرًا ما كانت الكلمةُ الفاصلة للنساء حتّى في أمور الدولة، وكثيرًا ما كانت زوجُ الخليفة هي الحاكمَ الحقيقيّ في الواقع. فقد كان عبد الملك خاضعًا كلَّ الخضوع لنفوذ زوجه عاتكة، وكانت من الجمال بمقدار ما كانت من قوّة الإرادة، وهي حفيدةُ الخليفة معاوية. فغضبت عليه مرّةً وأبت أن تسمع بصلح، وأغلقت دونه الباب ومنعته الدخول إباءً شديدًا. فأشقى ذلك زوجَها كلَّ الشقاء، وأعمل الفكر عبثًا في حيلةٍ يستعطفها بها. فتقدّم أحدُ الحاشية بأن يُصلح الأمر، وضمن له عبد الملك جائزةً ملكيّة إن هو أفلح. فمضى الرجلُ إلى عاتكة وروى لها، وهو يبكي بكاءً مُرًّا، قصّةَ مصيبةٍ في ولديه: قتل أحدُهما الآخر، فأمر الخليفةُ الآن بقتل الباقي وحده؛ ولا يُنقذه إلّا شفاعتُها العاجلة، فقد صدر حكمُ الإعدام. فرقّ قلبُ عاتكة الرحيم لذلك رقّةً حملتها، على ما بينها وبين زوجها من خصام، على أن تعزم على المضيّ إليه لتطلب منه العفو. فأحسن الأميرُ أداء دوره، فتمنّع أوّل الأمر تمنّعًا شديدًا، ثمّ انتهى إلى أن أجاب إلى كلّ شيءٍ حبًّا لعينيها الجميلتين. وبهذا تمّ الصلح بين الزوجين. أمّا رجلُ الحاشية الداهية، وقصّتُه المُبكية مختلقةٌ بالطبع من أوّلها إلى آخرها، فأعطاه الخليفة ضيعةً بكامل عتادها (fundus instructus)، ومعها
١) الأغاني VI. 32, XI. 49.
148148 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
1,000 دينار، ثمّ أرزاقٌ سنويّة لبنيه وأهل بيته. ١)
ولم يبدأ نظامُ الحريم بمعناه الحقيقيّ إلّا بعد ذلك، في عهد الخليفة الوليد الثاني، إذ أدخل في بيته — محاكاةً للعادة البيزنطيّة — الخِصيانَ، وقد صار لهم منذئذ ولكلّ العصور شأنٌ عظيم في بلاطات المشرق، حرّاسًا لشرف النساء وخَدَمًا مؤتمنين على أمر البيت. ٢) وكانوا يُجلبون أوّل الأمر من الروم، وهم الذين احترفوا تلك الحرفة المنكرة: الخِصاءَ والاتّجارَ بضحايا جشعهم؛ وقد تكلّم في ذلك بأشدّ السخط، منذ القرن الثالث الهجريّ، عالمٌ عربيّ هو الجاحظ، صاحبُ النزعة العقليّة المعروف (المعتزليّ).
وكما استعار الخلفاءُ من بلاط بيزنطة تلك البِدعة القبيحة، بِدعةَ استخدام الخِصيان في خدمة قصر الخلافة من داخل، ولا سيّما الحريم، فقد حاكوا كذلك في أشياء عادةَ ملوك الفرس العظام وآدابَ بلاطهم، وقد صارت معروفةً للعرب حقّ المعرفة منذ فتحوا العراق وسائر أجزاء مملكة الساسانيّين القديمة. فأوّلُ ذلك شربُ الخمر، فقد استوطن بلاط دمشق أكثر فأكثر على نهي القرآن. وكانوا يشربون في البداية الطِّلاء، وهو العصير المطبوخ، أو شرابًا مستعارًا من الروم بريئًا في الحقّ كلَّ البراءة، سُمّي باسمه اليونانيّ (ῥοδάτον) «روساتون»، ولا يزال إلى اليوم في بيروت ودمشق شرابًا محبّبًا جدًّا باسم شراب سكّر الورد، يُصنع بإذابة سكّر الورد في الماء وتبريده في الصيف بالثلج. ويبدو أنّ نساء البيت المالك بخاصّةٍ كنّ يُقبِلن عليه إقبالًا شديدًا،
١) الأغاني II. 140. ٢) أوّلُ ذكرٍ للخصيّ عند الوليد بن يزيد، حين كان لا يزال وليَّ العهد. الأغاني IV. 78.
149رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين 149
فقد كان يُعرض في بيت المال ببغداد في عصورٍ متأخّرة قدحٌ من بلّور مُطوَّق بالذهب هائلُ الحجم، كانت أمُّ حكيم، زوجُ الخليفة هشام، تشرب فيه روساتونها.
ثمّ لم يلبثوا أن مضَوا إلى ما هو أبعد. ويُقال إنّ ملوك الفرس القدماء كانوا يشربون الخمر مرّةً كلّ ثلاثة أيّام، إلّا بهرام جور (بهرام الخامس) وأرطبان (الأحمر) وسابور، ١) فهؤلاء كانوا يشربونها كلّ يوم. وقد حاكى هذا المثالَ من خلفاء الدولة الأمويّة الخليفةُ الثاني يزيد الأوّل، فكان يسكر كلّ يوم؛ ويُقال إنّه لم يكد يصحو قطّ. أمّا عبد الملك فكان يبيح لنفسه هذه اللذّة مرّةً في الشهر، ثمّ يُفرغ معدته باستعمال مُقيِّئ، كما كان يفعل مُترَفو الرومان، حتى يُصبح في الغد نشيطًا مُعافًى لا يرى فيه أحدٌ شيئًا. وكان ابنه الوليد الأوّل يشرب يومًا بعد يوم. أمّا هشام ٢) فكان يعقد مجلس شرابه كلّ جمعةٍ بعد الصلاة. ٣)
وقد اقترنت بمجالس الشراب هذه، وقد صارت في البلاط مألوفةً أكثر فأكثر، حفلاتُ الغناء والعزف. فكان المغنّون والموسيقيّون يُستحضرون فيُعينون على تقصير الوقت. وكان من العادات المحاكية لملوك الفرس أيضًا أن يُفصَل الخليفةُ في مثل هذه الأسمار بسترٍ رقيق يُسدَل في وسط القاعة عن ندمائه المسامرين له وعن المغنّين والعازفين. ٤) ثمّ لم يلبث الشغفُ بالغناء والموسيقى أن استحال هوسًا فنّيًّا تامًّا. فبذّروا المبالغَ الهائلة على مشاهير المغنّين والعازفين
١) عن أرطبان انظر Hamza Isfahanensis p. 123. ٢) في الأغاني V. 167 أنّه كان يجتنب الخمر ويذمّ شربها. ٣) قطب السرور I, fol. 114. ٤) قطب السرور I. fol. 105 vo وما بعده.
150150 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
ممّن استُقدموا إلى البلاط من أقاصي الكور. وكانت مكّة بخاصّة مقرَّ المدرسة الأولى في الغناء العربيّ وصناعة النغم. واشتَروا بمبالغَ خرافيّة عبيدًا وجواريَ لهم في صناعة الغناء والموسيقى موهبةٌ خاصّة، وبلغ بعضُ الخلفاء بشغفهم حدَّ الجنون التامّ.
استدعى يزيدُ الثاني أشهرَ مغنّي ذلك الزمان، واسمه مَعْبد، من مكّة إلى البلاط ليسمعه. فلمّا فرغ من أغنيته الأولى بلغ الخليفةَ من الطرب أن وثب فأخذ يرقص في القاعة حتى سقط لا يعي. فأسرعت الجواري فحملنه إلى مَخدعه. ١) وقد ملكت عليه أمرَه مغنّيتان حاذقتان جميلتان، حَبابة وسَلّامة، ملكًا تامًّا حتى إنّه لمّا ماتت الأولى قتله الحزنُ عليها. ٢)
على أنّ الوليد الثاني فاق أسلافه جميعًا في الفجور وفي حماقاتٍ لا تخلو من عبقريّة. ويُقال إنّ مؤدّبه كان زنديقًا حمله على شرب الخمر واحتقارِ الدين. ٣) ولم يكن يصحو إلّا في الأحوال النادرة، وقد ركب أشدّ الحماقات وهو لا يزال وليَّ عهد. فكان يُغازل بنات أشراف الرجال علانيةً ويتغزّل بهنّ في أشعارٍ أثارت — لمكان قائلها بالطبع — ضجّةً كبيرة وشاعت شيوعًا عامًّا، فأوقعت أولئك النساءَ وأهلَهنّ في أشدّ الحرج. ومرّةً خطر له، ليدخل الأرجاء الداخليّة من الدار التي تسكنها معشوقته — وكانت بنت رجلٍ رفيع
١) الأغاني I. 33. ٢) Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 76—81، وانظر قطب السرور I. fol. 143 وما بعده. ٣) الأغاني II. 78.
151رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 151
المنزلة جدًّا — أن يُبادل الثياب فلّاحًا يسوق إلى المدينة حماره وعليه جرّتا زيت. فأُدخل الدارَ على أنّه بائع زيت، فاجتمعت الجواري حوله وجئن بأوانيهنّ ليملأها. فنظرت إحدى الوصائف في وجهه ونادت سيّدتها سلمى فَزِعة: انظري إليه، ما أشبهه بالوليد! فصاحت سلمى وهي تُسرع بالتحجّب: والله إنّه هو بعينه! — انصرف بزيتك، صاحت الجواري، لا نشتري منه شيئًا! —
وكان عمُّه هشام كثيرًا ما ينهاه عن هذه الحماقات، وأنّها لا تليق به وهو خليفةُ الغد، لكنّ ذلك كلَّه ذهب باطلًا. وفي سنة 110هـ ولّاه إمارة الحجّ، أي قيادةَ ركب الحاجّ إلى مكّة. وهي وظيفةُ شرف لا تكاد تُسند إلّا إلى أعلى أهل المراتب. فسار الوليد إلى مكّة في حاشيةٍ كبيرة وأبّهةٍ ملكيّة، لكنّه حمل معه كلابه، بل أراد أن يُنصب له فوق سطح الكعبة خيمةٌ يشرب فيها مع ندمائه. وكان من قلّة وفائه بواجباته الدينيّة أن أقام مولًى له في المسجد يؤمّ الناس في الصلاة العامّة مكانه. ١) وأثار سلوكُه من الاستنكار ما حمل هشامًا — ولعلّه كان يقصد إلى إسقاطه — على أن يعزم على خلعه من ولاية العهد ونقلِها إلى ابنه مَسلمة. ٢) وقطع عنه أيضًا عطاءه، فانعزل الوليد مغتاظًا في البادية، تحفّ به حلقةٌ مؤتمنة من ندمائه وأتباعه، حيث يستطيع أن يعيش كما يشاء بلا حياء. غير أنّه كان يصل من هناك إلى دمشق غير مرّة فيضٌ من الشعر ملآنُ غضبًا وبغضًا لعمّه
١) قطب السرور I. fol. 167. ٢) الأغاني VI. 102.
152152 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
هشام، الخليفةِ الحاكم. فلمّا قُطع عطاؤه بأمر الخليفة قال هذه القطعة:
أراك تبني بالقوّة في مرعايَ، ولو كنتَ حكيمًا لهدمتَ ما بنيت؛ لا تُورِث أهلك إلّا مرارةً وسُمًّا: فإن متَّ أدّوا عنك ثمنَ فعالك!
وقال لأفراد البيت الحاكم، ذوي قرابته:
دعوا لي سُلَيمى والشرابَ والمغنّية والكأسَ، فهذا كلُّ ما أبتغي؛ ما دمتُ أُبدّد أيّامي في وادي رمل عالِج، وأعانق سلمى، فلستُ أطلب مزيدًا. خذوا عرشكم، لا ثبّته الله! لا أبذل فيه فلسًا واحدًا.
ومات هشامٌ على غير انتظار، فاعتلى الوليدُ العرش. غير أنّ العاصمة لم ترُقه، فانعزل ثانيةً في قصره الباديّ (نَجْرا) قرب قرية القريتين الحاليّة، فعاش هناك للّهو وحده. وكان ندماءُ الشراب والعازفون والمغنّون هم حاشيةَ بلاطه.
وقد بقي لنا خبرُ شاهد عيانٍ كان يدخل عليه هناك. يقول: «وجدتُ الخليفة على سريرِ مُلكٍ وثير الوسائد؛ وعليه قباءان أصفران، وعلى وسطه منطقة، وعلى كتفيه بُرنُسٌ زعفرانيّ اللون. ١) وعنده مَعْبد مغنّي
١) من اللافت جدًّا أنّ اللون الأصفر، وقد كان محبّبًا جدًّا إلى العرب، كان عند الهنود لونَ اللباس الملكيّ وحده. فلم يكن يلبس الثياب الصفر إلّا الملك وأهلُ بيته، وكان اللباس دائمًا من حرير كما عند الخلفاء. أمّا الأحمر فكان عند الهنود لونَ الموت؛ ولهذا السبب نفسه نقرأ في حكايات «ألف ليلة وليلة» أنّ الملك إذا ظهر في ثوبٍ أحمر كلِّه عُلم منه أنّه عازمٌ على إنفاذ عقوبة. ولذلك كان الجلّاد أيضًا يلبس الأحمر. وانظر عن ألوان اللباس عند الهنود: Ausland 1873, p. 387.
153رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 153
مكّة، ومالكُ بن أبي السَّمْح، ومولاه أبو كامل. فتركني قائمًا حينًا لا يلتفت إليّ حتى سكن بعضُ ما بي من رهبة، ثمّ أمرني أن أُنشد القصيدة التي مطلعها:
أهو الموتُ ووعيدُه، ما ملأني بالألم؟
فأطعتُ، فلمّا فرغتُ قال لساقيه سَبْرة: اسقه! فأدارني على ثلاثة أقداح أحرقتني من قِمّة الرأس إلى أخمص القدم. ثمّ اشتهى الخليفة أن يسمع من مالكٍ أغنية، ثمّ ثانية، ثمّ ثالثة؛ حتى بلغ آخرَ الأمر من طيب النفس أن صاح: سَبْرة، سَبْرة! اسقني كيسَ فرعون! فجاءوا بقدحٍ معقوف كقرن التيس، فأفرغه عشرين مرّة.
ثمّ دخل الحاجبُ الأكبر فقال: الرجل الذي دعاه أميرُ المؤمنين بالباب. فأمر الخليفة من فوره بإدخاله، فدخل فتًى بديعُ القسمات، ليس فيه عيبٌ إلّا أنّ إحدى قدميه تميل إلى الداخل قليلًا. فصاح الوليد: سَبْرة! اسقه قدحًا. فأسرع الساقي يمتثل. ثمّ أمر الخليفةُ أن يُنشده أغنية، ثمّ ثانيةً مطلعها:
جاء الطيفُ، طُوبى له ألفَ مرّة، خيالُ زينبي.
فنفد صبرُ مَعْبد فصاح: يا أمير المؤمنين، رحلتُ على كِبَر سنّي من مكّة إلى ههنا إلى بلاطك، ثمّ تدعني واقفًا كالكلب المطرود، وليس لك أذنٌ ولا عينٌ إلّا لهذا الغلام! فأجابه الخليفة: والله ما جهلتُ، يا معبد، سنَّك ولا فضلك، لكنّ غناء هذا الفتى أخذني حتى نسيتُ معه كلَّ شيء.
وهذا الغلامُ الذي أحدث هذا الأثر هو ابن عائشة المكّيّ، وقد فاق مَعْبدًا عن قريب، وعُدّ أوّلَ مغنّي زمانه. ١)
١) الأغاني II. p. 65.
154154 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
وكان ذات مرّة عند الوليد فغنّى:
رأيتُ صبيحةَ الحجّ فتياتٍ مِلاحًا سرعان ما طرَدْن عنّي خواطرَ الزهد، مُشرِقاتٍ كالنجوم عند إقبال الليل، تُحدِق بالقمر في دارةٍ واسعة. خرجتُ ألتمس أجرًا صالحًا، ورجعتُ بذنوبٍ ثقُلت عليّ.
فطرب الوليد لذلك، وسبّ وجدّف تجديفًا مروّعًا، وصاح: يا ساقي! اسقني «السماء الرابعة». فأفرغ القدح جرعةً واحدة، وأمر المغنّي أن يعيد الأغنية، وأقسم عليه بجدّه الأعلى عبد شمس. ثمّ عاد فأقسم عليه بجدّه أن يعيدها، ولم يزل كذلك حتى بلغ من الطرب حالًا هي أشدّ فأشدّ. فوثب آخرَ الأمر فعانق المغنّي وقبّله، ونزع ثيابه عن نفسه فألقاها عليه خِلعةً. وبقي الخليفة نصفَ عارٍ حتى ألبسه المماليك ثوبًا آخر. ثمّ أعطى المغنّيَ فوق ذلك 1,000 دينار وبغلةً يركبها إلى بيته. ١)
وكان من أوّل ما اهتمّ به حين وَلي الأمر أن يستقدم إلى دمشق، إلى البلاط، ذلك المغنّيَ المذكور آنفًا، مَعْبدًا المكّيّ؛ ونحن نُتبع ذلك هنا بوصف أوّل مجلسٍ له، فهو يُعطي صورةً طريفة حقًّا عن الحياة السائدة يومئذ في قصر الخلافة. والخبرُ عن شاهد عيان.
لمّا قدم مَعْبد أُدخل من فوره إلى القصر. فوجد الخليفةَ جالسًا في قاعةٍ كبيرة، في وسطها بِركةٌ من رخام نصفُها ماءٌ ونصفُها خمر. وسترٌ رقيق شفّاف يجلس خلفه الخليفة يقسم القاعة نصفين
١) الأغاني II. 72.
155رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 155
غير متساويين. فأُمر مَعْبد أن يجلس في الجانب الآخر من البِركة ويُغنّي. فبدأ بأغنيةٍ حزينةِ المعنى. فوقعت من الأمير موقعًا حمله على أن شقّ الستر، وألقى عنه ثوبه المُعطَّر، ورمى بنفسه في البِركة فشرب منها جرعة. وأسرع المماليكُ في تلك الأثناء بثيابٍ جديدة، وضمّخوه بالبخور والأدهان، فجلس ثانيةً وأمر معبدًا أن يمضي في الغناء. فأخذ العود وأنشأ:
يا أيّتها الخيمةُ المُقفِرة، رُدّي جوابًا على مُدنَفٍ بالحبّ، تَرَينه اليوم يترنّح نحوكِ حاجًّا عليلًا. سقتكِ كلُّ سحابةِ ربيعٍ غيثًا باردًا: حتى أراكِ بالزهر من كلّ جانبٍ مُثقلة.
فأمر الخليفةُ حينئذ بكيسٍ فيه 1,500 قطعةٍ من الذهب فصُبّ في حِجر مَعْبد، وقال له: ارجع إلى أهلك، واسكت عمّا رأيت. ١)
ولم يكن الوليد مُحبًّا للموسيقى محبّةَ المتعصّب فحسب، بل كان يُغنّي بنفسه، وكان موسيقيًّا أيضًا؛ فقد لحّن أغانيَ شاعت شيوعًا كبيرًا، وضرب عليها بالعود، وأوقع بالدفّ، وذلك من إتقانٍ لم يكن عازفٌ محترف ليُحسن أكثر منه. ٢) وفاجأ الموتُ ذلك الأميرَ الطائشَ الذي لم يعش إلّا للّهو بنَجْرا. فقد استمال أميرٌ أمويّ في الخفاء أنصارًا كثيرين، ثمّ ملك دمشق بضربةٍ جريئة، وباغت الثائرون الخليفة في منزله الريفيّ.
١) الأغاني I. 27. ٢) الأغاني VIII. 161, 162.
156156 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
فسقط تحت ضرباتهم، ومات بشجاعةٍ أكثر ممّا كان يُنتظر من حياته الخفيفة.
وسعى خليفتُه إلى استرضاء الحزب المتزمّت، وكان مُتنسِّكًا صريحًا. غير أنّ العصر السعيد لهذه الدولة انتهى هو أيضًا بمقتل الوليد الثاني. فقد نفت الفتنُ والحروبُ الداميةُ عيشَ اللهو الآمن عن بلاط بني أميّة إلى أن قرُبت نهايتهم. وبسقوطهم كفّت دمشق عن أن تكون عاصمة العالم الإسلاميّ. وانهارت قصورُ الخلفاء اللامعةُ بالذهب والرخام أنقاضًا وترابًا، ولم تسلم قبورُهم أنفسُها؛ فالعبّاسيّون لمّا ظفروا بالمُلك لم يحترموا حتى هذه المضاجعَ الأخيرة الأبديّة، بل أمروا بهدمها جميعًا. ولا يُعرف اليوم في دمشق قبرٌ لخليفةٍ أمويّ. ولا يبقى إلّا قبّةُ قبرٍ بسيطة، حديثةُ المظهر إلى حدٍّ ما، تقوم في الضاحية التي تُسمّى اليوم في لهجة دمشق الرديئة ’Abr-atki، يُقال إنّها قبرُ ابنة الخليفة عاتكة (قبر عاتكة). ١) ويُقال إنّ معاوية دُفن عند الجدار الجنوبيّ للجامع الكبير، غير أنّ كلّ أثرٍ لذلك اختفى منذ زمنٍ بعيد. وأمّا موضع دفن يزيد الأوّل — الذي يلاحقه الشيعةُ ببغضٍ لا ينطفئ لِما جرى بأمره من قتل الحسين، حفيدِ النبيّ — فلا يزال إلى اليوم يدلّ عليه ركامٌ هائل من الحجارة، إذ يرى الفرسُ جميعًا أنّ من الواجب المقدّس أن يرمي المرءُ بحجرٍ على قبر ذلك المُجدِّف قاتلِ آل النبيّ. ٢)
١) Topographie von Damascus II, 22. ٢) Topographie von Damascus II. p. 20. على أنّه يبدو أنّ هذا القبر، الذي يُقال اليوم إنّه قبر يزيد الأوّل، إنّما هو في الحقيقة قبرُ يزيد الثالث. كذلك يُستفاد من موضعٍ عند المسعودي VI. p. 19، اللهمّ إلّا أن يكون كلا يزيدَ قد دُفن في المقبرة نفسها عند الباب الصغير.
157رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين. 157
ولم يلُح لدمشق بعد ذلك إلّا مرّةً واحدةً أنّ عهدًا أسعدَ يوشك أن يفتتح لها، حين أراد المتوكّل، عاشرُ خلفاء بني العبّاس، أن ينقل إليها دار الخلافة؛ غير أنّ الهواء لم يوافقه، فما أقام إلّا شهرين حتى غادرها راجعًا إلى العراق.1) وبقيت دمشق منذئذٍ مدينةً من مدن الأقاليم ليس غير، فيها مقامُ ولاة العبّاسيّين. فلمّا نهضت دولةُ الطولونيّين بمصر، ثمّ دولةُ الإخشيديّين من بعدها، صارت إليهم؛ ثمّ انتقلت إلى الفاطميّين لمّا فتح مصرَ ملوكُ شمال إفريقية الشيعةُ؛ ثمّ آلت أخيرًا إلى السلاجقة. ولمّا تفكّكت دولتُهم إلى دويلاتٍ صغيرةٍ كثيرة، ملَكها القائدُ السلجوقيّ تُتُش، وسرعان ما صار عقبُه أدواتٍ لا إرادة لها في أيدي كبار حُجّابهم (الأتابكة)، وهؤلاء أنشأوا بدمشق دولةً مستقلّة. ثمّ أزاحهم الأيّوبيّون، وأبهى صورةٍ فروسيّةٍ فيهم صلاحُ الدين المعروف من تاريخ الحروب الصليبيّة، خصمُ الدوق ليوپولد النمساويّ وريتشارد قلب الأسد. وبعد انقراض الدولة الأيّوبيّة صارت دمشق مع الشام كلِّه — بعد أن فتحها المغول زمنًا قصيرًا وضمّوها إلى ملكهم — إلى سلاطين مصر، فبقيت في أيديهم حتى أخضعها العثمانيّون.
على أنّ ذكرى ما كان لبلده من قوّةٍ ومجدٍ قديمٍ ما زالت حيّةً في وعي الدمشقيّ إلى اليوم، وقد أعطى هذه الذكرى تعبيرَها الصادق في ذلك النقش الفخور الذي يتلألأ بحروفٍ كبيرةٍ على السقف الداخليّ لقبّة السوق القائم أمام الباب الغربيّ للجامع الكبير، وهو موجَّهٌ إلى فاتحٍ غريب، يُنذره على نحوٍ ما ألّا يمدّ يده إلى دمشق؛ ونصّه:
1) Weil: Geschichte der Chalifen II. p. 364
158158 رابعًا. دمشق وبلاط الأمويّين.
اضربْ خاصرتَيْ جوادِك مُبعِدًا عن دمشق،
فإنّ الأسودَ تُذعِنُ طائعةً لأمرها!
وإنْ غاب قمرٌ بين أبوابها،
فألفُ قمرٍ يطلعُ مكانه!
وكلُّ من تراه سائرًا في الطريق يشكو ويقول:
آهِ، ليتني أعلمُ مَن يملك هذي البلادَ المُتْرَعةَ نورًا!1)
1) قارن: Topographie von Damascus II. p. 8، وفيه النصّ العربيّ لهذه الأبيات.
159خامسًا
نشأة نظام الدولة
أوّلًا. الإدارة في عهد الأمويّين.
كان مؤسّس الدولة الأمويّة — وهو الذي سمّاه محمّدٌ مسكينًا لا يملك في جيبه فلسًا1) — قد ولّاه عمرُ دمشقَ، على أنّ ولايته كانت مقيَّدةً بحدودٍ ضيّقةٍ جدًّا، إذ أُرسل معه إلى هذه المدينة قاضٍ كُلّف بأن يؤمّ الناس في الصلوات، فكان بهذه الصفة نائبًا عن الخليفة بوصفه رأسَ الإسلام في الدين، وذلك ممّا لا شكّ أنّه غضّ من هيبة الوالي غضًّا غير قليل.2) ومع ذلك أحسن أن يبلغ ولاية الشام كلِّه، وأقطعه عثمانُ الضعيفُ بناءً على سؤاله — كما تقدّم ذكره — ضياعًا واسعة. فلمّا قُتل عثمان رفع صوته أوّل ما رفعه على عليّ، الخليفةِ الشرعيّ؛ ولمّا صرع عليًّا سيفُ غادرٍ، وثب هو إلى عرشٍ لم يبقَ له فيه منازع.
وكان معاوية، على عادة العرب الأصلاء، طامعًا في المال، غير أنّه بوصفه رجلَ دولةٍ داهيةً أحسن أن يبذل المال في وقته بملء يديه. فقد أحسن في حروبه أن
1) شرح الموطّأ II. 66. 2) البلاذري 141.
160160 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
يستميل إليه فاتحَ مصر بأن ضمن له حاصل خراج تلك البلاد كلَّه.1) فصار عمرٌو بذلك في منزلةٍ أنفعَ بكثيرٍ من منزلة خديوي مصر اليوم إزاء الباب العالي. وما دام لمعاوية خصومٌ يغلبهم فقد بذل المال بملء يده لغير عمرٍو أيضًا من ذوي النفوذ.2) فلمّا استقرّ له السلطان في هدوءٍ فكّر في أن يملأ بأسرع ما يمكن بيتَ المال الذي كان تحت تصرّفه بلا قيد. فأصدر أمرًا جديرًا بأشدّ الانتباه، وهو يقيم الدليل على مبلغ ما كان يشعر به من أمنٍ على نفسه: ذلك أنّه أخضع للزكاة حتى الأعطياتِ السنويّةَ الثابتة التي كان ينبغي، على أصول عمر، أن تُقسم على جميع أعضاء الجماعة الدينيّة المحمّديّة، فأخذها حسمًا من العطاء نفسه.3) وكان هذا التدبير — وفيه شبهٌ ما بضريبة القسائم في زماننا — بمنزلة إنقاصٍ للأعطيات قدرُه اثنان ونصف في المئة.
وكان جملةُ دخل الدولة، على قواعد الجباية التي وضعها عمر، يشمل الأبواب التالية: 1. جزية الأمم المغلوبة، 2. الخراج، 3. الزكاة، 4. عُشر الأرضين التي في أيدي المسلمين، 5. مكوس التجارة وعشور البضائع، 6. ما تحمله الأمم المغلوبة عينًا من الغلال، 7. الإتاوات التي تؤدّيها المدن والنواحي التي فُتحت صلحًا على أداء إتاوةٍ معلومة، وكذلك البلاد الأجنبيّة المُكرَهة على مثل هذه الأداءات، 8. خُمس جملة الغنائم الراجع إلى بيت المال.4)
1) المقريزي: الخطط III. 337. وكان حاصل خراج مصر يومئذٍ 12 مليون دينار. السيوطي: حسن المحاضرة I. 69، 70. وعلى ما يذكره البلاذري 218 كان الخراج وحده مليونًا في أوّل الأمر، ثمّ صار 4 ملايين دينار.
2) فقد اشترى من الحسن بن عليّ تنازلَه عن الخلافة، البخاري 1679، وأدّى في أثناء حروبه على عليّ إتاوةً لقيصر الروم. المسعودي IV. 350.
3) شرح الموطّأ II. 44.
161خامسًا. نشأة نظام الدولة. 161
وكانت الجبايةُ تجري في العهد الأوّل على أيدي قوّاد الجند، وهم الذين كانوا يباشرون في البلاد المفتوحة أعلى صلاحيّات الحكم. أمّا الزكاة فقد جرت عادةُ محمّدٍ وأوائلِ خلفائه أن يبعثوا لها عمّالًا خاصّين بجبايتها، ويبدو أنّ وظائف هؤلاء كانت منذ ذلك الحين شديدةَ الشبه بوظائف الوالي. ومضى معاويةُ، بوصفه مدبّرًا داهية، في الطريق التي سلكها عثمان من قبلُ، فسعى في فصل أمر المال عن الإدارة السياسيّة. فولّى على الكوفة واليًا للإدارة السياسيّة وأمرِ الجند وإمامةِ الصلاة؛ أمّا جبايةُ الضرائب، ولا سيّما الخراج، فتولّاها مستقلًّا عاملٌ آخر لا سلطان للوالي عليه، وإليه نُسب اسمه (صاحب الخراج).
على أنّه لا يجوز أن نغفل عن التنبيه هنا إلى أنّ مبدأ اللامركزيّة التامّة كان سائدًا في أمر المال منذ فجر الخلافة. فكلّ كورةٍ أو ولايةٍ تؤلّف بنفسها منطقةً خراجيّةً قائمةً برأسها. ولم يكن ثَمّ صندوقٌ مركزيّ. فجبايةُ الكورة كلُّها تصبّ في بيت مال الوالي أو العامل المكلّف بالجباية.
162162 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
على أنّه كان يجب أن يُنفق منه على مؤن الإدارة كلِّها، وعلى الأعطيات السنويّة وأرزاق الجند وما إلى ذلك، ولا يُحمل إلى بيت مال المسلمين العامّ إلّا الفاضل، أو يُحمل — في العصور المتأخّرة حين صار بيت المال خزانةً خاصّةً بالخليفة — إليه هو.1) وكان الأمر في هذا الباب في عهد معاوية موكولًا كلَّ الوكول إلى مشيئة رأس الدولة بلا قيد، يتصرّف في دخل أقاليم الدولة الواسعة كيف شاء. فقد سمعنا آنفًا أنّه ترك جملةَ دخل مصر لواليها مدى حياته، على أن يقوم هذا الوالي بمؤن الإدارة والجند. أمّا مع والي العراق فيُقال إنّه عقد اتّفاقًا آخر: خيّره بين أن يُعفى من عمله، وبين أن يلتزم — بعد حسم جميع نفقات الجند والإدارة — أن يحمل إلى بيت المال 100 مليون درهم نقدًا في السنة.2)
وكانت الدولة يومئذٍ مقسومةً على الأقاليم التالية: 1. الشام، وأقسامه: دمشق وقنّسرين والأردنّ وفلسطين. 2. الكوفة مع العراق كلِّه (حتى عاملُ الرَّيّ كان يُولّى من الكوفة). 3. البصرة مع فارس وسجستان وخراسان والبحرين وعُمان، وعلى الأرجح نجد واليمامة أيضًا. 4. أرمينية.
1) لعلّ مبالغَ كبيرةً جدًّا كانت تتجمّع في بيوت المال بالأقاليم المهمّة. فلمّا فتح المختارُ الكوفةَ وجد في بيت مال الحكومة 9 ملايين درهم، ابن الأثير IV. 187. وكان في بيت مال البصرة، حين خرج عبيد الله بن زياد منها هاربًا، 19 مليونًا. ابن الأثير IV. 110. — ولمّا استولى يزيد بن المهلّب على مدينة البصرة وجد في بيوت مال الحكومة بها 10 ملايين درهم. Goeje: Fragm. Histor. Arabic, I. p. 59.
2) ابن الأثير IV. 116.
163خامسًا. نشأة نظام الدولة. 163
5. مكّة. 6. المدينة. 7. ثغور الهند (كرمان والسند وغزنة وكابل وما إلى ذلك). 8. إفريقية. 9. مصر. ويُضاف إلى ذلك 10. بلادُ الجنوب العربيّ، ويبدو أنّها لم تسقط من القائمة إلّا سهوًا.1)
وقد فصل ولاية إفريقية عن ولاية مصر، ولعلّه ما فعل ذلك إلّا لأسبابٍ سياسيّة، كيلا يضطرّ إلى أن يترك لوالي مصر تلك البلاد أيضًا بغير رقيب. ثمّ فصل خراسان عن البصرة، وألّف بعد ذلك من عملَي البصرة والكوفة ولايةً واحدةً كبيرةً هي ولاية العراق.2) وأضاف إلى والي البصرة صاحبَ شرطةٍ يولّيه الخليفةُ نفسُه، وكذلك قاضيًا، ولعلّه جرت عادته أن يصنع مثل ذلك في سائر الأقاليم. غير أنّ ضمّ البصرة إلى الكوفة لم يدم طويلًا، فسرعان ما رُدّت البصرة عملًا قائمًا برأسه، وكانت بهذه الصفة أهمَّ أقاليم الدولة، إذ كان يتبعها فارس (فارسستان) والأهواز (خوزستان، سوسيانا) وعُمان والبحرين وخراسان وقندابيل.3)
وكانت صلاحيّات الولاة واسعةً جدًّا. فلم يكن الخليفة يولّي عاملًا خاصًّا إلّا للأقضية (القاضي)، وكان يُوكل إلى صاحب رتبةٍ خاصّةٍ في العادة أن ينوب عن رأس الدولة في الصلوات الجامعة بوصفه أعلى أئمّة الإسلام. وكذلك كثيرًا ما كانت إدارةُ المال تُسنَد إلى عاملٍ يُبعث لها خاصّة.
ومع سَعة أكثر الأقاليم كان لا بدّ من تولية عمّالٍ دونَ الوالي ليكونوا أدوات الحكومة التنفيذيّة في
1) ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 10، 15، 17، 134. 2) نفسه ص 10. 3) Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 59.
164164 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
كلّ ناحيةٍ من النواحي. وكانت تولية هؤلاء تجري بغير أمرٍ آخر من صاحب الأمر، بل يتولّاها الوالي، فيختار عمّال رساتيقه ويولّيهم، ولعلّه لم يكن يصنع أكثر من إعلام الخليفة بذلك. فوالي الكوفة هو الذي يولّي عاملَ الرَّيّ،1) ووالي البصرة يولّي عاملَ سجستان وثغور الهند (السند)، على أنّ أخبارًا أخرى تذكر أنّ هذا الأخير كان يختاره الخليفةُ نفسُه مباشرة.2) ولمّا صار زيادٌ واليًا على البصرة قسم خراسان من فوره على أربع نواحٍ وأقام على كلّ ناحيةٍ عاملًا.3)
وكانت العادة أن تُقسم سلطةُ الحكم العليا ثلاثةَ أقسام، فيقوم بالإدارة السياسيّة وأمرِ الخراج وإمامةِ الشعائر الدينيّة العامّة ثلاثةٌ من أصحاب الرتب على انفراد. على أنّه وقعت حالاتٌ جمع فيها صاحبُ الأمر الولاياتِ الثلاثَ لرجلٍ واحدٍ برهانًا على ثقته الخاصّة به؛ فقد ولّى الخليفة سليمانُ يزيدَ بنَ المهلّب ولايةَ العراق العامّة، وأسند إليه أمر الجند وإمامةَ الصلاة وجبايةَ الخراج جميعًا. غير أنّ رجل الدولة الداهية هذا وجد سريعًا أنّه لم يبقَ هناك ما يُجتنى كثيرًا، فردّ هذا التشريف، إذ رأى مقدَّمًا أنّه إن حمل من الخراج أقلَّ ممّا حمل سلفُه فالسخط لاحقٌ به لا محالة. فطلب مكان ذلك ولاية خراسان فنالها، وأُذن له أن يخلّف بالعراق عاملًا من قِبَله. غير أنّ هذا الرجل «الصالح» بلغ في خراسان من الاعتساف والاختلاس
1) ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 4. 2) نفسه III. 6. 3) نفسه III. 9.
165خامسًا. نشأة نظام الدولة. 165
مبلغًا حمل ذلك الخليفةَ نفسَه على مساءلته. أمّا الذي أرغمه على ردّ جانبٍ كبيرٍ من تلك الأموال السيّئة المكسب فهو الخليفةُ الذي جاء بعده.1)
وظلّ العراق دائمًا يُعَدّ أهمَّ المناصب، ولم تكن خراسان وحدها تُضمّ إليه، بل كثيرًا ما ضُمّت إليه أيضًا سائرُ البلاد الشرقيّة إلى حدود الهند، وأجزاءٌ واسعةٌ من شرقيّ جزيرة العرب ووسطها.
وفي عهد الحجّاج لم تكن خراسان وحدها تابعةً لولاية العراق، بل كرمان وسجستان أيضًا، وكان والي هذا الإقليم يبعث عمّاله إلى تلك البلاد.2) ثمّ لمّا صار لوالي خراسان مقامٌ مستقلّ، تولّى هو تعيين العمّال في سمرقند وطخارستان وما وراء النهر.3) ولتيسير المكاتبة بين صاحب الأمر وولاته — وهي مكاتبةٌ لا بدّ أنّها كانت عظيمةَ الشأن على سَعة الدولة، مهما كانت الأحوال بسيطة — أنشأ معاويةُ ديوانَ إنشاءٍ للدولة عُرف باسم «ديوان الخاتم». فكان كلُّ كتابٍ يخرج عن الخليفة يُنسخ هناك في السجلّ، ثمّ يُختم الأصل ويُنفَذ. وكانت الكتب تُحمل من قبلُ غيرَ مختومة، حتى وقع أنّ رجلًا كتب له الخليفةُ بـ1,000 درهم على بيت مال الإقليم فقرأ الكتاب وزوّر الرقم فرفعه إلى مبلغٍ أعلى. ولم ينكشف التزوير إلّا حين رفع الوالي الحساب.4)
ويُقال إنّ معاوية هو الذي أنشأ البريد كذلك، محاكيًا فيه الرومَ أو الفرس.
1) ابن الأثير V. 15، 16، 17، 36. ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 69، Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. 19، 20، 21.
2) ابن الأثير IV. 362.
3) ابن الأثير V. 260، 261.
4) ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 19. الفخري 130.
166166 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
وعلى كلّ حالٍ فقد كان البريد قائمًا في زمنٍ مبكّرٍ جدًّا.1) وسيأتي لنا في هذا كلامٌ مفصَّل.
على هذا النحو صاغ أوّلُ الأمويّين دولتَه وإدارتَه، ويكاد لا يُشكّ في أنّ المؤسّسات التي أنشأها بقيت على حالها زمنًا غير قصيرٍ بعده؛ فإنّ ابنه الذي خلفه في الملك، يزيدَ الأوّل، كان رجلًا لاهيًا مرحًا كبيرَ الشرب، لا يتحرّى كثيرًا في واجبات الملك، ويدع الأمور تمضي. ثمّ إنّه لم يملك إلّا زمنًا قصيرًا. ومات خلفُه معاويةُ الثاني بعده بأشهرٍ قليلة، وكان ملكُ مروانَ الأوّل — وهو غير طويل — مشحونًا بالحروب والفتن حتى ليصعب أن يكون قد وجد وقتًا يشتغل فيه بأعمال الإدارة الوادعة. ولم تصر أعنّةُ الحكم إلى يد أميرٍ موهوبٍ حقًّا إلّا مع عبد الملك. ولقد صدق كلَّ الصدق مؤرّخٌ من أهل البلاد بالغُ الإصابة في الحكم، إذ قال إنّه لم يكن في الدولة الأمويّة إلّا ثلاثةُ رجالٍ كبارٍ في السياسة والإدارة: معاويةُ الأوّل، وعبدُ الملك، وهشام.2) وقد تكلّمنا على عمل الأوّل في السياسة. وننتقل الآن إلى عبد الملك.
تذكر أخبارُ أهل المشرق أنّه كان عالمًا كبيرًا بالحديث، وذلك ممّا يُفترض معه أنّه نال تربيةً أدقّ ممّن سبقه. غير أنّ ما كان العرب يفهمونه يومئذٍ من الثقافة لا بدّ أن يبدو في مقاييسنا قاصرًا كلَّ القصور. فمهما بلغ علمُه بما رُوي عن النبيّ من الحديث، وبالقرآن، بل بالشعر العربيّ القديم، فإنّ ما في هذه الدراسات من عنصرٍ يثقّف العقلَ عامّةً ويهذّب النفس قليلٌ جدًّا. ومع ذلك فإنّ أصحاب المواهب
1) يدلّ على ذلك الحديثُ عند البخاري: كتاب الوضوء 166. 2) المسعودي V. 479. VI. 161.
167خامسًا. نشأة نظام الدولة. 167
من الطبائع يشقّون لأنفسهم طريقًا حتى في أشدّ الأحوال الظاهرة مناوأةً؛ والملوكُ يُغني عندهم صفاءُ الحكم وثباتُ العزم وجِدُّ المسعى عن كلّ ثقافةٍ مستمَدّةٍ من الكتب. وأمّا أنّ عبد الملك ملَك هذه الخصال فيشهد به ذلك العزمُ الذي أعاد به سلطانَ الحكومة إلى الإقليم الذي كان بعد الشام أهمَّ الأقاليم، وقد ألفاه يوم وَلِيَ الأمرَ في أشدّ ما يكون من الاختلال. كان العراق في هيَجانٍ تامّ، وكانت بلادُ العرب في يد الخليفة المنازِع عبد الله بن الزبير. فأخضع عبد الملك العراقَ أوّلًا لسلطانه، ثم انصرف إلى بلاد العرب، فإنّ امتلاك المدينتين المقدّستين كان مسألةَ حياةٍ في توطيد ملكه. والملوكُ العظام يُرزَقون موهبةَ العثور على الأداة الصالحة. وقد أبصر عبد الملك أداةً من هذا الطراز في رجلٍ يُقال إنه علّم الصبيانَ القراءةَ والكتابةَ زمنًا في بُلَيدةٍ عربيّةٍ جبليّةٍ صغيرةٍ هي الطائف، معلِّمًا في كُتّابها. وهو الحجّاج، ويحقّ أن يُعَدّ من أكبر رجال الدولة في قومه. فأُسنِدت إليه ولايةُ العراق البالغةُ الصعوبة؛ ولمّا أقام فيها النظام سار بأمر الخليفة بجيشٍ إلى مكّة، ففتح المدينةَ المقدّسة بعد حصارٍ عنيد، وسقط الخليفةُ المنازِع في القتال. عندئذٍ حانت الساعةُ التي يمكن أن يبدأ فيها عملُ الإصلاح في ظلّ السِّلم. وقد وجّه عبد الملك أوّلَ عنايته إلى أن يُعطيَ البلادَ التي جمعها صولجانُه من جديدٍ مؤسّساتٍ مشتركة. وأهمُّ إجراءٍ يتّصل بذلك إقصاءُ الفرس والنصارى عن وظائف الحكومة، وإحلالُ عُمّالٍ عربٍ محلَّهم.١) وبهذا سلَب الأجانبَ أعظمَ ما كان لهم من نفوذٍ في أعمال الدولة، وسدَّ عليهم منبعًا من أغزر منابع
١) قارن الماوردي cap. XVIII. 1. البلاذري p. 193.
168168 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
الكسب: فإنّ الجباية، وقد كانت في الشام بجملتها في أيدي النصارى، وفي فارس والعراق في أيدي الفرس، كانت تُدِرّ مالًا كثيرًا.١) على أنّ هذا التدبير لم يدُم أثرُه طويلًا، إذ لم يكن في العرب من العُمّال المقتدرين المتزوّدين بما يلزم من المعرفة عددٌ كافٍ؛ فما لبث النصارى والفرسُ أن عادوا إلى أربح مناصب المال. غير أنّ اللسان العربيّ والخطّ العربيّ ظلّا مع ذلك وحدَهما سائدَين منذئذٍ في جميع دواوين الحكومة، ولعلّ عددًا معتبرًا من العُمّال العرب قد اجتُذِب إلى الخدمة ودُرِّب عليها.
وثمّة تدبيرٌ آخر لا يقلّ أهميّةً عن ذاك، هو إحداثُ السكّة العربيّة الخاصّة وإخراجُ الضرب الأجنبيّ من التعامل. فقد كانت تجري في الأقاليم المختلفة، إلى عهد عبد الملك، نقودُ الدول السالفة: ففي مصر والشام قِطَعٌ رومانيّةٌ بيزنطيّةٌ من الذهب والفضّة والنحاس، وأمّا في البلاد التي كانت من مملكة الفرس القديمة فدراخمُ ساسانيّةٌ بالدرجة الأولى. وكان النقد الذهبيّ هو السائد في البلاد الأولى على أساس الصولدوس الرومانيّ، والنقد الفضّيّ — درهمُ الساسانيّين — في البلاد الأخرى. وكانت هذه الأصناف من النقد تجري جنبًا إلى جنبٍ ومختلطةً بعضها ببعض، غير أنّ ردَّ أحد النقدين إلى الآخر، وهو ما كان يلزم مِرارًا، لا بدّ أن يُورث ضروبًا من العنَت والغلَط. نعم، قد بدأ العرب يضربون النقد في وقتٍ مبكّر: كانوا يضربون الصولدوس الرومانيّ بطابعٍ بيزنطيّ وكتابةٍ عربيّةٍ أو لاتينيّة — وهي التي تُسمّى الدنانيرَ الهِرَقليّة — أو قِطَعًا فضّيّةً على الطراز الساسانيّ بكتابةٍ بهلويّة، لكنّهم لم يخطر لهم أن يجعلوا هذا العِيارَ نقدًا وحيدًا مُعتمَدًا. ولم تكن الدولة تُمارس على الإصدار رقابةً ما، بل كان الولاة يضربون كلٌّ منهم في
١) على ما ذكر ثيوفانيس، وقع إقصاءٌ جديدٌ للنصارى في سنة 751 للميلاد.
169خامسًا. نشأة نظام الدولة. 169
استقلالٍ تامّ، ويكتفون بأن يضعوا على الطابع أسماءَهم وحدَها دون اسم الخليفة. وكان الضربُ وعِيارُ القيمة كذلك في غاية الاضطراب، وقد فُتح لِلغِشّ بابٌ واسع.
وقد كانت تجري في مكّة، منذ عهد محمّدٍ نفسِه، قِطَعٌ ذهبيّةٌ رومانيّةٌ ودراخمُ فارسيّة، غير أنّها كانت تُقوَّم في التعامل بالوزن. وتقول الأخبار العربيّة إنّ أوّل من ضرب النقد مُصعبٌ أخو عبد الله بن الزبير الخليفةِ المنازِع بمكّة، ويوجد كذلك من هذا الأخير قطعٌ فضّيّةٌ عليها اسمُه، لكن بالخطّ البهلويّ. فلمّا ظفر به عبد الملك تولّى بنفسه تنظيمَ أمر السكّة.١)
ولا شكّ أنّ الحاجة إلى عِيارٍ نقديٍّ ثابتٍ كانت ماسّةً جدًّا. فامتدادُ الدولة على أقاصي بلاد آسيا وإفريقية، وعقدُ الصلات التجاريّة القديمة وإحياؤها، وتزايُدُ تبادل الغلّات والسلع في رقعةٍ واسعة — كلّ ذلك كان يقتضي واسطةَ تعاملٍ عامّةَ النفاذ معترَفًا بها. وانضافت إلى ذلك دواعٍ من طبيعةٍ سياسيّة. فقد كان ضربُ السكّة منذ القِدَم في آسيا حقًّا من حقوق السيادة موقوفًا على الحاكم أو الدولة، وقد أراد عبد الملك أن يستعمله. ثم إنّ أداءَ الضرائب على النحو الذي نظّمه عمرُ الأوّل كان لا بدّ أن يُظهر ضرورةَ نظامٍ نقديٍّ شرعيٍّ موحَّد؛ فاستعمالُ الشاة نقدًا صغيرًا للصرف، وأداءُ المبالغ الكبيرة
١) البلاذري I. p. 466. ولا حاجة بي إلى التنبيه على أنّ العرب ضربوا النقد قبل هذا الخليفة. فعند الدكتور كاراباتشيك دينارٌ لمُسيلمة النبيّ المنازِع؛ وقد تكلّم سُولسي في Journal Asiatique على قطعةٍ نحاسيّةٍ لخالد بن الوليد. وأمسك عن مزيد التعليق، لأنّ الدكتور كاراباتشيك، وهو من أقدر الباحثين في علم النقود الإسلاميّة، يعتزم نشرَ عملٍ مستفيضٍ عن قريب.
170170 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
بالإبل — كما كان الأمر أيّامَ أبي بكرٍ في أداء زكاة المال — قد صار عسيرًا مع أحوال العيش التي تبدّلت تبدّلًا تامًّا منذئذٍ، ومع نموّ المدن السريع الذي أفضى إلى تسارُعِ دوران القيم.
هذه الأسبابُ لعلّها هي التي حملت الخليفةَ على إصلاح السكّة، وقد اكتمل هذا الإصلاح في سنة 77هـ (696م). ومن المدهش ذلك الضبطُ الذي أُخرِج به هذا الضربُ العربيّ الأوّل من الذهب: فوزنُه 4.25 غرامًا. وكانت نسبةُ وزن القطعة الذهبيّة إلى القطعة الفضّيّة (الدرهم) كنسبة 10 : 7، وقد بلغ وزنُ هذه الأخيرة في الواقع 2.97 غرامًا.
ويقوم إصلاحُ عبد الملك النقديُّ على الجمع بين فِئاتٍ رومانيّةٍ وأخرى ساسانيّة. فقد اقتصر على الأخذ بفئاتٍ بعينها من النظام النقديّ الرومانيّ، مع الإبقاء على الدرهم الشرعيّ الذي أدخله عمرُ والذي انحدر من الضرب الفضّيّ الفارسيّ. فكان الصولدوس الرومانيّ أساسًا للنقود الذهبيّة المعتادة، والدرهمُ الشرعيّ أساسًا للنقد الفضّيّ. وعِيارُ هذه النقود عالٍ جدًّا (0.87 في المئة).١)
أمّا نسبةُ قيمة الفضّة إلى الذهب فكانت في العهد الأوّل 10 : 1، ثم صارت بعد حينٍ 12 : 1؛ ثم ساءت هذه النسبةُ فيما بعدُ بفساد الفضّة، حتى صار الدينار يُحسَب بخمسة عشر درهمًا بل بعشرين.
ويبدو أنّ عبد الملك أصلح كذلك أمرَ البريد إصلاحًا كبيرًا. ويُقال إنّ معاوية هو الذي أنشأه قبلَه، ومع أنّ هذا الخبر معقولٌ في ظاهره فمصدرُه مصدرٌ مشكوكٌ فيه.٢) وقد كان
١) على ما في بحث فون برجمان الممتاز: فئات إصلاح عبد الملك النقديّ. في تقارير جلسات أكاديميّة فيينا 1870. ٢) الفخري p. 129.
171خامسًا. نشأة نظام الدولة. 171
أمرُ البريد في عهد عبد الملك من الإحكام بحيث أُقيمت مراكزُ تبديلٍ على الطرق الكبرى الواصلة بين أهمّ مدن الدولة، ولم تكن تُنقَل عليها رسائلُ الحكومة وحدَها، بل كان المسافرون أنفسهم يُنقَلون بسرعةٍ كبيرة. فوالٍ حديثُ التعيين على خراسان يمضي إليها ببريدٍ هو ومَن معه. بل إنّ إرسال الجند كان يقع في الحالات الملحّة بالبريد.١) وكانوا ينقلون في المرّة الواحدة خمسين إلى مئة رجل. وفي عهد يوسف بن عمر واليِ العراق الأمويّ بلغت نفقةُ إدارة البريد في هذا الإقليم أربعة ملايين درهمٍ في السنة.٢) وسنجد فرصةً بعدُ، عند وصف الأحوال الإداريّة في دولة الخلافة أيّام العبّاسيّين، للعودة مرّةً أخرى إلى هذا الموضوع الذي كانوا يومئذٍ يُدرِكون تمامَ الإدراك عظيمَ شأنه.
وقد بسَط معلّمُ كُتّابِ الطائف السابق في أهمّ أقاليم الدولة نشاطًا لا يقلّ أثرًا عن نشاط الحاكم نفسِه. فقد كان قد استشرى شيئًا فشيئًا في المِصرَين الجُنديَّين، الكوفةِ والبصرة، اللذَين كان أهلُهما جميعًا مُلزَمين بالخدمة العسكريّة، أشدُّ ما يكون من العصيان؛ وكانت فرقةُ الخوارج السياسيّةُ الدينيّة، وهي تُدافع عن آراءٍ ديمقراطيّةٍ ولا تعترف بصاحب دمشق، وتذهب بمبدأ الاختيار الشعبيّ العربيّ القديم الصارم إلى أقصى غايته، تُخرِّب الإقليم وتهزم مرّةً بعد مرّةٍ الجيوشَ التي تُساق إليها. فلمّا تولّى الحجّاج الولاية بدأ بأن أرغم أهلَ الكوفة المتمرّدين على الطاعة بشدّةٍ مروِّعة، وأعاد النظام في الكوفة والبصرة جميعًا في سيولٍ من الدم، ونفّذ المبدأ القديم في عموم الالتزام العسكريّ على كلّ مسلمٍ
١) ابن الأثير IV. 352, 362, 374. ٢) الماوردي cap. XIV. القسم الأخير.
172172 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
عربيّ النسب.١) وبهذا استطاع أن يبعث بجندٍ كافٍ مددًا للجيش المحارب للخوارج، حتى هُزِموا آخرَ الأمر.
وكان أمرُ الخراج قد اختلّ اختلالًا تامًّا: فالعراقُ الذي كان يُغِلّ أيّامَ عمرَ ما بين مئةٍ ومئةٍ وعشرين مليونَ درهم، لم يعد يُدخِل غير أربعين مليونًا.٢) والسببُ الأكبر لهذا النقص، بعد ما أحدثته الحروب والفتن من خراب، هو دخولُ جماهيرَ كبيرةٍ من أهل البلاد في الإسلام، فسقطت بذلك عن بيت المال الجزيةُ التي كانوا يؤدّونها من قبل. فاتّخذ الحجّاج في هذا الباب تدابيرَ بالغةَ الأثر. فلكي يُنهِض الثروةَ الحيوانيّة في إقليمه ويُشجّع الزراعة، حرّم أكلَ لحوم البقر، وأسلف أهلَ الرِّيف مليونَي درهم،٣) ثم شقّ نهرًا (نيلًا) يصل الفراتَ بدجلة؛٤) ثم أمر بأن يؤدّيَ الداخلون في الإسلام — أي تلك الطبقةُ العريضةُ كلُّها من المسلمين الجُدُد — الجزيةَ كما كانوا يؤدّونها قبل إسلامهم: وهو تدبيرٌ أفضى إلى ثورةٍ هائلةٍ من المُسلِمة الجدد ومواليهم؛ وشارك فيها بخاصّةٍ كثيرٌ من أهل البصرة، من قدماء المقاتلة والموالي والقرّاء. وثمّة خبرٌ يذكر أنّ مئةَ ألفٍ من هؤلاء الثائرين كانوا مثبَتين في ديوان العطاء السنويّ، أي أنّهم — بلغة عصرنا — كانوا من جملة الاحتياط الوطنيّ، وأنّ مِثلَهم غيرَهم انضمّ إليهم. فأنزل الحجّاج بالثائرين بعد قتالٍ شديدٍ هزيمةً منكَرة، ولكي يُبدِّد طبقةَ المسلمين الجدد والموالي تبديدًا لا رجعةَ فيه
١) الأغاني XII. 42. ٢) البلاذري p. 270. ٣) الأغاني XV. 98. ابن خرداذبه: Journal Asiatique 1865, V. 36. ٤) الدمشقي: كتاب الكونيّات p. 280.
173خامسًا. نشأة نظام الدولة. 173
حبَسهم في قُراهم؛ ولئلّا يبرحَها أحدٌ منهم كُوِيَ في يد كلٍّ منهم اسمُ قريته.١) وكما جرى في سائر الأقاليم، أُبدِلت في عهد إدارة هذا الرجل الحازم لغةُ الفرس وخطُّهم — وكانا هما المعمولَ بهما من قبلُ في مسك دواوين الخراج ودواوين الحكومة — باللغة العربيّة والخطّ العربيّ.٢) ونختم بأعظم ما أنشأ: فقد بنى مدينة واسط مِصرًا جُنديًّا ومعسكرًا ثابتًا، ليُقرِّب ما بين قاعدتَي الحاميتَين الكبيرتَين القائمتَين من قبلُ: الكوفة والبصرة.
وبهذا استطاع لا أن يُوطِّد الحكمَ الأمويّ في العراق وحسب، بل أن يُعيد التنظيمَ العسكريّ للسكّان العرب إلى درجةٍ مكّنته من أن يُرسِل جيشًا من ستّة آلاف رجلٍ لفتح الثغور الهنديّة (السند)، وقد غطّى دخلُ الإقليم المفتوح حديثًا نفقاتِ إعالته وزيادة، إذ كان يُغِلّ في السنة مئةً وعشرين مليونَ درهم، بينما بلغت النفقاتُ ستّين مليونًا.٣)
أمّا الأميران اللذان خلَفا عبد الملك، الوليدُ وسليمان، فليس في باب الإدارة عنهما كبيرُ خبر. ويبدو أنّ الأوّلَ منهما آثر المقاصدَ الدينيّة والخيريّة. فمسجدُ دمشق، وهو كنيسة يوحنّا قديمًا، وكان نصفُه قد بقي في يد النصارى، انتزعه منهم وبناه بناءً فخمًا بصنّاعٍ يونانيّين استقدمهم خصّيصًا من بيزنطة. وأمر كذلك بتوسعة المساجد في كلّ مكانٍ بالزيادة فيها. وأفرد للمجذومين مأوًى منعزلةً وأجرى عليهم أرزاقًا،٤)
١) نُزهاتٌ في التاريخ الحضاريّ في ميدان الإسلام p. 24. ٢) البلاذري 300. ٣) ابن الأثير IV. 425—427. ٤) نفسه IV. 423.
174174 خامسًا. نشأة نظام الدولة.
وتعهّد كذلك الفقراءَ والعميان، وأقام البيمارستانات.١)
وكان جهازُ الإدارة في جملته بسيطًا جدًّا إلى ذلك العهد. وكانت الدواوينُ المركزيّة كما يلي: ١. ديوان الخراج، وهو الجهاز الذي كان يصحّ يومئذٍ أن يُعَدّ تقريبًا وزارةَ الماليّة. ٢. ديوان الخاتم، وفيه يُختَم بخاتم الحاكم كلُّ كتابٍ يصدر عنه، إذ المعروف أنّ الكتب والرسائل في المشرق — كما هي الحال إلى اليوم — لا تُوثَّق بالتوقيع، بل يُطبَع عليها الخاتمُ بالحبر أو المِداد لا غير. ٣. ديوان الرسائل، وفيه تُحرَّر جميعُ كتب الحكومة. ٤. ديوان المستغلّات، وفيه تُسجَّل وتُحاسَب سائرُ الأموال التي تجبيها الدولةُ أُجرةً على الانتفاع بالأراضي والعقارات العامّة وما إلى ذلك.٢)
ويُعطينا مؤرّخو البلاد حكمًا بالغَ الدلالة على هذين الخليفتين الأخيرين: كان حديثُ الناس في العاصمة أيّامَ الوليد — كما يقولون — في البناء والقصور، وكانوا في عهد سليمان يتحدّثون عادةً في لطيف المآكل وجميلِ النساء، تمامًا كما ساد في عهد الحاكم الذي تلاهما، عمرَ الثاني، الاتّجاهُ الدينيّ الصارم من جديد، فصارت آياتُ القرآن أو الأحاديثُ المرويّة عن النبيّ موضوعَ المجالس.
والحقُّ أنّ خلافة عمرَ الثاني القصيرة تُعدّ منعطفًا في التطوّر الداخليّ. كان رجلًا متحمّسًا في دينه، أراد أن يعود بأيّ ثمنٍ إلى نظام الحكم الأبويّ الذي كان عليه عمرُ الأوّل.
١) شذرات من التاريخ العربيّ، نشر دي خويه، I. 4. ٢) قارن في مصطلح «المستغلّات» ومدلوله: الإصطخري، نشر دي خويه، p. 158. وفي الدواوين المذكورة: دي خويه، شذرات من التاريخ العربيّ، I. p. 14.
175خامسًا. نشأة نظام الدولة. 175
وكان في كلّ شيءٍ تحت تأثير الفريق المتعصّب، فاستدرجه هذا إلى خطواتٍ في غاية السخف، بل خطواتٍ موجَّهةٍ ضدّ بقاء دولته هو نفسِه. ومن أوائل ما أمر به في حكمه أن شوّه مسجدَ دمشق الكبير الذي بناه الوليدُ بناءً فخمًا. فقد كانت جدرانُه من داخلٍ ومن خارجٍ مزيَّنةً بفُسيفساءَ بديعةٍ تُمثّل على أرضيّةٍ من ذهبٍ صُوَرَ مناظرَ طبيعيّةٍ وحيوانات، وهي باقيةٌ إلى اليوم في مواضعَ منه. ولمّا زرتُ هذا المسجد آخرَ مرّة (في أوائل أيّار 1871) أدهشني شبهُه بكسوة الفُسيفساء في كنيسة القدّيس مرقس بالبندقيّة. وقد أمر عمرُ الثاني بستر الجدران بمُسوح الخِيام، بل أمر بإنزال السلاسل المذهَّبة للقناديل — وكانت مئاتٌ منها تُضيء المسجد — وبغَليها حتى يذهب بريقُها، لأنّه رأى أنّ ذلك كلَّه يُشتِّت القلب ويحول دون جمعه على الخشوع.١)
ومن هذه الأفكار الدينيّة المغالية انطلق فتجرّأ كذلك على أن يُنظِّم بالقانون مسألةً كان لا بدّ أن تنفُذ إلى صميم أحوال الحياة كلِّها. فقد أراد أن يعود إلى نظام عمرَ الأوّل وأن يمنع المسلمين من مِلك الأرض. ففي السنة الأولى من ولايته، أي سنة 100هـ (718–719م)، أصدر أمرًا أبقى فيه ما انتقل إلى مِلك المسلمين من الأرض قبل ذلك التاريخ وبإذن الخلفاء السابقين على حاله، وأقرّهم عليه، إذ لم يعد في الوسع الطعنُ في حقّ الملكيّة دون أن تُصبح الأحوالُ كلُّها موضعَ شكّ؛ على أنّ كلّ مسلمٍ في يده أرضٌ من هذا القبيل يؤدّي عنها العُشرَ لا الجزيةَ التي كان يؤدّيها ملّاكُها السابقون من غير المسلمين
١) قارن: نُزهاتٌ في التاريخ الحضاريّ في ميدان الإسلام p. 72.
1. «Krondomäne»: يستعمل كريمر مصطلحَ «أرض التاج» الأوروبيّ لِما جعله عمرُ من أرض السواد فَيئًا موقوفًا على المسلمين لا يُباع ولا يُورَث؛ ترجمتُه بمعناه («مِلكًا للدولة لا يُباع») ولم أنقل المصطلح الإقطاعيَّ الأوروبيَّ حرفيًّا.
2. «Ahl alshark» في الحاشية 1 من ص 77: هكذا رسمها كريمر نقلًا عن «كتاب الشبهات» المخطوط، ولم أتبيّن ضبطها على وجه اليقين (أهل الشِّرك؟ أهل الشَّرَق؟)؛ أثبتُّها بين علامتي تنصيص ولم أُصلِحها.
3. أقوالُ أسامةَ بن زيدٍ وشعارُ القتال وردت عند كريمر بالألمانية نقلًا عن ابن عساكر؛ ترجمتُها عن الألمانية ولم أزعم أنّها لفظُ الرواية العربية الأصليّ، خلا الشعارَ «يا منصورُ أمِتْ» فقد أثبته كريمر معرَّبًا في متنه.
4. «Kairo» في خبر دار عمرو بن العاص: مفارقةٌ تاريخية عند كريمر، فالقاهرة لم تُبنَ بعدُ زمنَ عمر؛ والمقصود الفسطاط. أبقيتُ لفظه ولم أُصلِحه في المتن.
5. الإحالاتُ إلى الأوراق (fol.) وإلى الصفحات (p.) وأرقامُ المجلّدات بالأرقام الرومانية مواضعُ استشهادٍ أبقيتُها على صورتها في الأصل.
1. الأبياتُ المنسوبة إلى عاصم بن ثابتٍ وإلى مَرحبٍ اليهوديّ أوردها كريمر ترجمةً ألمانيةً منظومة عن الواقدي؛ ونقلتُها هنا عن الألمانية. وهي ليست نصَّ الرجز العربيّ الأصليّ ولا يجوز أن تُقرأ على أنّها هو.
2. «Löwe der Halyfe»: أبقى كريمر لفظَ «الحَلْفاء» على صورته من غير ترجمة، والمرادُ أَجَمةُ القصب التي تأوي إليها الأُسْد. ترجمتُ العبارة «أسدُ الحَلْفاء» على ما تقتضيه صورةُ الأصل.
3. أحكامُ كريمر في هذا القسم على مقاتلة المسلمين الأوائل («نَهّابون طامعون في الغنيمة») وعلى مبالغة المؤرّخين العرب أحكامُه هو، نقلتُها على وجهها من غير تخفيف.
4. أرقامُ الأعداد الكبيرة كُتِبت في الأصل على الطريقة الأوروبية بلا فاصلة (27000، 46000)؛ أثبتُّها بفاصلة الآلاف، وأبقيتُ التواريخَ الهجرية بلا فاصلة (سنة 16هـ).
1. «Täif (in Nordarabien)»: هكذا في الأصل، والطائفُ في الحجاز لا في شمال الجزيرة. نبّهتُ عليه هنا وأبقيتُ عبارة كريمر في المتن على وجهها.
2. الحديثُ «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» وثلاثُ الوصايا في الحاشية أوردها كريمر بالألمانية؛ نقلتُها عن الألمانية بصيغةٍ مجرّدة، ولا تُقرأ على أنّها ألفاظُ الرواية العربية بأعيانها. وشكُّ كريمر في صحّة الخبر شكُّه هو، أثبتُّه كما هو.
3. المقاديرُ العشرية (0.4436، 0.0739، 1,169.64) على صورتها في الأصل بالنقطة العشرية؛ وأدخلتُ فاصلة الآلاف في الكمّيات (3,600 و1,169.64) دون التواريخ (سنة 18هـ).
4. «Kataster»: مصطلحٌ أوروبيّ للسجلّ العقاريّ الجبائيّ، ترجمتُه بمعناه لا بلفظه.
5. «Zoll / digitus»: ترجمتُه «إصبعًا» لأنّ المقصود القياسُ القديم لا البوصة الحديثة.
1. وثيقةُ الشروط (المعروفة عند المتأخّرين بـ«الشروط العُمَرية») أوردها كريمر بالألمانية نقلًا عن ابن عساكر؛ ونقلتُها هنا عن الألمانية. وهي ترجمةٌ عن ترجمة، فلا تُعَدّ نصَّ الوثيقة العربيّ ولا يجوز الاستشهاد بها على أنّها هو.
2. «bä'una / tägutinä»: أبقيتُ مناقشة كريمر النصّية في الحاشية كما هي، وأثبتُّ في المتن القراءةَ التي رجّحها هو («طاغوتنا»).
3. أحكامُ كريمر في شخص عثمان («ضعيف، مزهوّ، مولعٌ بالأبّهة») وفي بني أميّة، ووصفُه هجرةَ النبيّ وصهرِه بـ«المنفى»، أحكامُه هو وتعبيرُه هو، نقلتُها من غير تعديل.
4. «Verwandtschaft des Propheten ... dessen Schwiegersohn»: عبارةُ كريمر تجعل عثمانَ أكبرَ قرابة النبيّ سنًّا بعد عمر؛ أثبتُّها كما وردت.
5. المبالغُ الكبيرة (50 مليون درهم، 84–90 مليون درهم) وردت في الأصل بلفظ Millionen فأبقيتُها بلفظ «مليون»، ولم أحوّلها إلى أرقامٍ كاملة كي لا أُحدِث في النصّ دقّةً ليست فيه.
١) «العصر الأبويّ» (patriarchalische Zeit / Epoche): هذه تسمية كريمر نفسه، وهي وصفٌ أوروبيّ لعهد الخلفاء الأربعة الأوّلين، لا ترجمةٌ عن مصطلحٍ عربيّ. وترويسةُ الباب أُجريت على ما جرى عليه سائرُ أقسامه، أي «نظم الدولة في العصر الراشدي»؛ وأمّا في المتن حيث يكون حكمُ المؤلّف ووجهةُ نظره هي المقصودة فأُبقي لفظُه «العصر الأبويّ» على وجهه، لأنّ إحلال المصطلح الإسلاميّ محلّه هناك يمحو حكمه.
٢) قوله «سنة 605م في عهد الإمبراطور هرقل»: في التاريخ خللٌ ظاهر، فهرقل لم يتولّ العرش إلّا سنة 610م، والغزو الفارسيّ لدمشق كان سنة 613م. أُبقي النصّ كما هو ونُبِّه على الخلل هنا.
٣) الأسماء الجغرافيّة القديمة (إيطورية، تراخونيتِس، حورانيتِس، جولانيتِس، بيرويا، إبيفانيا، إمِسّا، بُسترى) نُقلت كما هي عند كريمر مع ما ألحقه بها من مقابلها المحلّيّ في زمانه (الجيدور، اللجاة، حوران، الجولان، حلب، حماة، حمص، بُصرى).
٤) «كويلي سورية» / «سورية الجوفاء»: كريمر يورد الاسم اليونانيّ ثمّ يشرحه بالألمانيّة (das hohle Syrien)، فنُقل الأمران معًا حفظًا لبنية الجملة عنده.
٥) اللفظة اليونانيّة عند باخيميريس وردت في أصل النسخة المصوَّرة مشوّهةً بخطأ القراءة الآليّة (xahlom)، وقراءتها الظاهرة καλλίστη أي «الأجمل»، وهو ما يوافق الترجمة الألمانيّة عند كريمر (die schönste). أُثبتت هنا على هذا الوجه مع التنبيه.
٦) الإحالات المصدريّة (Procop, Ersch u. Gruber, Ritter, Winer, Topographie von Damascus) تُركت على صورتها اللاتينيّة، وأرقام الأجزاء والصفحات على حالها، لأنّها جهازُ التوثيق لا أعدادًا.
١) النقش اليونانيّ فوق باب الجامع تُرك بحروفه كما طبعه كريمر (وفيه تحريفٌ ظاهر من قراءة النصّ الآليّة)، ونُقل إلى العربيّة عن ترجمته الألمانيّة لا عن اليونانيّة، لأنّ ما بين يدي المترجم هو صورة النصّ عند كريمر لا أصلُه السليم.
٢) نداءات الباعة في السوق («رغيف يا شباب»، «مال حلبون»، «سبيل يا عطشان»، «سلطاني يا كعك مال الغدا»، «الدائم الله») أوردها كريمر بحروفٍ لاتينيّة ثمّ ترجمها إلى الألمانيّة؛ فرُدَّت هنا إلى صيغتها العربيّة العامّيّة الدمشقيّة كما ينقلها، وأُتبعت بشرحه هو، حفظًا لبنية الجملة عنده. وكذلك «مِن؟ / افتح يا حارس»، و«بوّابة»، و«حارس»، و«بوّاب»، و«دِرباس»، و«حوش».
٣) «الميدان الأخضر» (maidän alachdar): كريمر يجعله اسمَ مرج بردى في زمانه ويصفه بأنّه ميدان سباق؛ نُقل الاسم كما أثبته.
٤) الإحالات (Goeje: Fragmenta Historicorum Arabicorum، Culturgeschichtliche Streifzüge) تُركت بصورتها اللاتينيّة وأرقامُها على حالها، لأنّها جهازُ توثيق.
٥) «يد الخليفة المقتول عثمان المقطوعة»: هكذا عند كريمر (die abgehauene Hand des ermordeten Chalifen 'Osmän)، ونُقل على وجهه؛ والمعروف في المصادر العربيّة أنّ الذي رُفع مع القميص إنّما هو أصابع نائلة بنت الفرافصة زوجِ عثمان، لا يدُ عثمان نفسِه.
١) أبياتُ الفرزدق: كريمر لا يورد الأصل العربيّ، بل ترجمةً ألمانيّة منظومة. فما هنا مُترجَمٌ عن الألمانيّة، وليس نصَّ الفرزدق. ولم يُحاول ردُّه إلى بيتٍ عربيّ ونسبتُه إليه، لأنّ ذلك اختلاق.
٢) ألفاظُ العمارة والأثاث الدمشقيّة أوردها كريمر بحروفٍ لاتينيّة مع شرحها بالألمانيّة، فرُدّت إلى صورتها العربيّة: lywän/alaiwän = الليوان/الإيوان، Kä'ah = القاعة، soffah = الصُّفّة، riff = الرفّ، cheristän = الخِرِستان، Chazneh/Doläb = الخزنة/الدولاب، 'atabah = العتبة، berdäjah/sitärah = البردايه/الستارة، Känun/Mankal = الكانون/المنقل، Ibryk/Tosht = الإبريق/الطشت، Dywän = الديوان (بمعنى الفراش الممتدّ على الجدار لا الدائرة الحكوميّة). ولفظ «خِرِستان» أُبقي على ما نطق به كريمر إذ لم يُتحقّق من صورته المحلّيّة.
٣) sähib alshortah رُدّ إلى «صاحب الشرطة» كما في المسرد، وكريمر يفسّره هنا بـ«رئيس الحرس الخاصّ».
٤) قوله في الوليد الثالث إنّه أرسل جاريةً لتؤمّ الجماعة: كريمر نفسه يعلّقه على شرط «إن صحّت القصّة»، وقد نُقل تحفّظه كما هو.
٥) الإحالات (Goeje: Fragm. Hist. Arab.، Ghorar، Topographie von Damascus، Annales ed. Juynboll) تُركت بصورتها اللاتينيّة وأرقامُها على حالها؛ ورُدّت أسماءُ الأعلام العربيّة (الأغاني، ابن تغري بردي) إلى صورها المعروفة.
١) الأشعار الثلاثة في هذا القسم (بيتُ يزيد الأوّل في قرده، وقصيدةُ أبي دَهْبَل في عاتكة، وقصيدةُ وَضّاح في «رَوْضة») لم يُورد كريمر أصولها العربيّة، بل ترجماتٍ ألمانيّة منظومة. فما هنا مترجَمٌ عن الألمانيّة، لا عن الأصل العربيّ؛ ولم يُحاول ردُّه إلى أبياتٍ عربيّة تُنسب إلى أصحابها، لأنّ ذلك اختلاق.
٢) «نَجْرا» (Nagrä): القصر الباديّ الذي قُتل فيه الوليد الثاني. لم يتيسّر تعيينُ صورته العربيّة المؤكّدة، فأُبقيت صورةُ كريمر ولم تُخترع لها صورةٌ أخرى.
٣) «ويُفتَق له بالمسك» (wa joftako laho bilmiski): جملةٌ عربيّة نقلها كريمر بحروفٍ لاتينيّة، فرُدّت إلى صورتها العربيّة كما هي عنده.
٣ مكرّر) Damast: يستعمله كريمر لفظًا واحدًا ويفسّره بنفسه بأنّه الوشي (washj)، فرُدّ في المواضع كلّها إلى «الوشي» حفظًا لوحدة المصطلح عنده.
٤) «قطب السرور» (Kotb alsorur): أُبقي الاسم على صورته التي يذكرها كريمر دون إثبات مؤلّفه، لأنّه هو نفسه يشير إليه بـ«صاحب كتاب قطب السرور» ولا يسمّيه.
٥) أحكامُ كريمر على «الجنس اللطيف» في «البلاد الإسلاميّة» و«الإذلال العميق» الذي سقط إليه، وكذلك وصفُه الرواياتِ الشيعيّة، نُقلت كما هي، فهي رأيُه هو، رأيُ مستشرقٍ من القرن التاسع عشر، ولا يجوز تلطيفُها.
٦) الإحالات اللاتينيّة (Goeje، Hammer-Purgstall، Sprenger، Pollak، Topographie von Damascus، Culturgeschichtl. Streifzüge، Südarab. Sage) تُركت على صورتها وأرقامُها على حالها؛ ورُدّت أسماءُ الأعلام والمصادر العربيّة (الأغاني، المسعودي، ابن تغري بردي، ابن عبد الحكم) إلى صورها المعروفة.
١) الأشعارُ الستّة في هذا القسم (قطعتا الوليد الثاني في هشام وفي أهله، ومطلعُ «أهو الموت ووعيده»، وبيتُ الطيف، وأغنيةُ ابن عائشة، وأغنيةُ مَعْبد) لم يُورد كريمر أصولها العربيّة، بل ترجماتٍ ألمانيّة منظومة. فما هنا مترجَمٌ عن الألمانيّة لا عن الأصل، ولم يُحاول ردُّه إلى أبياتٍ عربيّة تُنسب إلى قائليها، لأنّ ذلك اختلاق.
٢) ’Abr-atki: أُبقيت صورةُ كريمر بحروفها اللاتينيّة كما أثبتها، لأنّه يصفها صراحةً بأنّها نطقٌ عامّيّ دمشقيّ مُفسَد؛ والأرجحُ عنده نفسِه — بدليل ما يُتبعه به — أنّها «قبر عاتكة». ولم يُقطع بذلك في المتن.
٣) «نَجْرا» (Nagrä): قصرُ الوليد الثاني الباديّ. لم تُعيَّن صورتُه العربيّة المؤكّدة، فأُبقيت صورةُ كريمر كما في القسم السابق.
٤) «كيس فرعون» و«السماء الرابعة»: اسما قدحين عند الوليد الثاني، نقلهما كريمر بالألمانيّة (Pharaosbeutel، der vierte Himmel)، فرُدّا إلى العربيّة على المعنى؛ ولا يُعلم أهما ترجمةٌ لاسمين عربيّين معروفين أم لا.
٥) «روساتون» (Rosaton / ῥοδάτον): أُبقي اللفظُ اليونانيّ كما شرحه كريمر، وهو يُطابقه بـ«شراب سكّر الورد» في زمانه.
٦) وصفُ كريمر الخِصاء بـ«الحرفة المنكرة» و«الموضة القبيحة»، ونسبتُه ذلك إلى «الروم»، وحكمُه على «العصر السعيد» للأمويّين — كلُّها أحكامُه هو، نُقلت من غير تلطيف.
٧) الإحالات اللاتينيّة (Goeje، Hamza Isfahanensis، Ausland، Topographie von Damascus) تُركت على صورتها وأرقامُها على حالها؛ ورُدّت أسماءُ المصادر العربيّة (الأغاني، المسعودي، قطب السرور) إلى صورها المعروفة.
1. أبياتُ النقش الدمشقيّ (ص 158) مترجمةٌ هنا عن الصيغة الألمانيّة المنظومة التي أثبتها كريمر، لا عن الأصل العربيّ. وكريمر نفسه يحيل في حاشيته على «Topographie von Damascus II. p. 8» لمن أراد النصّ العربيّ. ولم أُعِد بناء الأبيات العربيّة ولم أنسبها إلى قائل، لأنّ ذلك يكون افتراءً على نصٍّ لم أرَه.
2. Armentaxe / Einkommensteuer في كلام كريمر (ص 160) هي الزكاة، وقد رُدّ المصطلح إلى أصله كما تقتضيه قائمةُ المصطلحات؛ وقولُه «إنقاصٌ قدرُه اثنان ونصف في المئة» هو نصابُ الزكاة المعروف، ورقمُ الأصل مشوّشٌ في القراءة الآليّة («2!»).
3. أرقامُ الحواشي في الأصل المصوَّر مضطربةٌ بأخطاء القراءة الآليّة (’) و!) و?) و(U)، وقد أُثبتت هنا على ترتيبها الصحيح في كلّ صفحة.
4. عناوينُ الصفحات الجارية في الأصل فيها أخطاءُ طبعٍ وقراءةٍ آليّة (Staatswosens، Stantwesens، Stantawesens، Pinanzen)، وقد أُثبتت على وجهها في الترجمة.
5. كريمر يسمّي الأتابكة «Obersthofmeister» أي كبارَ حُجّاب البلاط، وهي ترجمتُه هو لمنصب الأتابك، فأُبقي اللفظُ العربيّ وأُلحق به شرحُه.
6. قولُه في يزيد بن المهلّب «هذا الرجل الصالح» (der Biedermann) تهكّمٌ صريحٌ في الألمانيّة، وقد حُفظ بوضع اللفظ بين علامتَي تنصيص.
7. أحكامُ كريمر في العرب («على عادة العرب الأصلاء طامعًا في المال»، وحكمُه على ثقافة العرب بأنّها «قاصرةٌ كلَّ القصور» في مقاييس الأوروبيّين) منقولةٌ كما هي بلا تلطيف؛ هي رأيه هو.
8. السطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. 11» وعلامةُ الملزمة «*11» ليسا من المتن، بل من أسفل الصفحة، وقد أُبقيا.
9. المراجعُ الأوروبيّة (Weil, Goeje) تُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات، وكذلك عبارةُ flotsam and jetsam التي أوردها كريمر بالإنكليزيّة.
- «Neumuselmänner / die zum Islam Uebergetretenen»: ترجمتُها «المسلمين الجُدُد» و«المُسلِمة الجدد»؛ وكريمر يقصد بها من دخل في الإسلام من أهل الذمّة، وهم في المصادر العربيّة «الموالي» في أحد وجوه الكلمة، وقد ميّزتُ بينهم وبين «الموالي» (Clienten) حيث فرّق بينهما في النصّ. - «Der Feingehalt dieser Münzen ist sehr bedeutend (0:87 Percent)»: العبارة في الأصل مضطربة، فالعِيار 0.87 (أي 87٪) لا «0.87 في المئة»؛ أثبتُّها كما هي عند كريمر ولم أُصحِّحها في المتن، ونبّهتُ عليها هنا. - «Dimishky: Cosmographie»: هو الدمشقيّ (شمس الدين الأنصاري) وكتابه «نخبة الدهر في عجائب البرّ والبحر»، وقد اشتهر في المطبوعات الأوروبيّة باسم Cosmographie؛ أثبتُّ الترجمة الحرفيّة للعنوان الأوروبيّ لأنّ كريمر يُحيل على الطبعة الأوروبيّة لا على العنوان العربيّ. - «Culturgeschichtliche Streifzüge auf dem Gebiete des Islams» و«Geschichte der herrschenden Ideen des Islams» كتابان لكريمر نفسِه؛ أثبتُّ عنوانَيهما مترجمَين. - أجهزةُ التوثيق (أرقام الأجزاء والصفحات و«cap.» و«p.» وعناوينُ الدوريّات) أُبقِيت على صورتها عند كريمر ولم تُحوَّل إلى الأرقام العربيّة ولا إلى «ص» و«الباب»، لأنّها مواضعُ استشهادٍ لا كمّيّات؛ ولم يُنقَل إلى العربيّة من العناوين إلّا كتابا كريمر نفسِه وعنوانُ الدمشقيّ الأوروبيّ، على ما تقدّم.