القسم 7 من 10
V. نشأة نظام الدولة
176

من قبل. وأصدر في السنة المذكورة منشورًا في هذا الشأن قُرِئ على الناس جهرًا، منَع فيه أن يؤدّيَ المسلمون الذين حلّوا محلّ المُلّاك السابقين من غير المسلمين شيئًا من الجزية التي كانت عليهم، وقرّر ألّا يؤدّيَ هؤلاء المسلمون إلا العُشر؛ وأعلن في الوقت نفسِه أنّ كلّ شراءٍ لأرضٍ يعقده مسلمٌ بعد سنة 100هـ باطلٌ لاغٍ. وقد نفذ هذا القانون فعلًا وبقي معمولًا به حتى بعد وفاة عمر الثاني إلى أيّام الخليفة هشام. ثم طواه النسيان فيما بعدُ.١)

وقرّر عمرُ الثاني في الوقت نفسِه ألّا يكون لأهل الأديان المُقَرَّ بها حقٌّ في بيع أراضيهم؛ فإن وقع مع ذلك أن اشترى مسلمٌ أرضًا من أحد الرعيّة عوقب الاثنان معًا، المشتري والبائع. ويُؤخَذ الثمنُ غرامةً إلى بيت المال، وتُردّ الأرضُ إلى صاحبها من الرعيّة.٢)

ولا ريب أنّ هذا الأمر الصارم، وقد مسَّ دوائرَ الحياة كلَّها، كان له أثرٌ بالغُ السوء. صحيحٌ أنّ المسلمين الذين كانوا قد امتلكوا أرضًا من قبلُ سُرّوا كثيرًا بألّا يؤدّوا جزيةً بعد ذلك، غير أنّ الكثرةَ الغالبة ممّن وجدوا أنفسهم محرومين من إمكان تملّك الأرض شعروا بأنّ الأمر الجديد قد أزراهم. أمّا في باب المال فقد كان هذا التجديدُ وبالًا، لأنّ العُشر أقلُّ كثيرًا من الجزية، فنقص دخلُ الدولة دفعةً واحدةً نقصًا كبيرًا جدًّا. على أنّ

١) عن ابن عساكر؛ قارن: نُزهاتٌ في التاريخ الحضاريّ p. 62. ٢) ابن عساكر fol. 95 1°.

177

الخليفة مضى في جنونه التقيّ إلى أبعد من ذلك؛ فما كاد يلي الأمر حتى بادر إلى مكاتبة الولاة بأن يردّوا إلى أصحابها كلَّ ما دخل خزائنَ الحكومة على وجهٍ غير مشروع. ومن المشكوك فيه جدًّا أن يكون شيءٌ قد رُدّ فعلًا إلى مستحقّيه. والثابتُ فحسبُ أنّ خزائن الحكومة أصابها جَزْرٌ عميق. فقد خلَت خزينةُ إقليم العراق خلوًّا تامًّا حتى اضطُرّ الناسُ إلى إرسال المال اللازم لنفقات الإدارة إليها من دمشق، بعد أن كان هذا الإقليمُ نفسُه يرفع إلى العاصمة فضولًا كبيرة.١) ومن التدابير الأخرى البالغةِ الضرر ببيت المال أنّه قضى بأن كلّ نصرانيٍّ يُسلِم فليس عليه الخراج، بل عليه العُشرُ فحسبُ شأنَ سائر المسلمين.٢) فأثار بذلك عددًا لا يُحصى من الإسلام المصطنَع، ممّا قلّص دخلَ الدولة تقليصًا محسوسًا، إذ أخذ يجفّ بذلك أغزرُ منابعه: الخراجُ الذي كانت الرعيّةُ تؤدّيه. ورفع كذلك الجزيةَ عن كلّ من دخل في الإسلام.٣)

ومن تمام اتّساقه مع سائر أفكاره أنّه أمر جميعَ الولاة كذلك ألّا يُبقوا أحدًا من أهل الأديان الأخرى في أعمال الحساب والمال، ولا في أيّ عملٍ آخر من أعمال الحكومة.

١) النووي: تهذيب p. 467. ٢) ابن الأثير V. p. 44. ٣) ابن الأثير V. 37، وقارن أيضًا p. 44 و50. وكان عاملُه على اليمن قد أقام هناك الخراج، فلمّا أخبر عمرَ الثاني بذلك أمره بإبطاله من فوره وبألّا يأخذ إلا العُشرَ أو نصفَ العُشر. وفي المقابل كان يستوفي من جماعات النصارى الجزيةَ حتى عمّن مات منهم. المقريزي: الخطط I. 77.

178

ومن الطبيعيّ أن يكون هذا الحاكمُ التقيّ، الذي قوّض أسسَ دولته هو نفسِه في سعيه المضطرب إلى إحياء أوضاعٍ عفا عليها الدهر، مثالًا أعلى عند علماء أهل السنّة وعند الغوغاء. وتحت مثل هذه المؤثّرات زُوِّر كذلك في مواضعَ كثيرةٍ وصفُ شخصيّته، وأُحيط بهالةٍ من عروضٍ متحيّزة، حتى إنّ باحثين أوروبيّين محدَثين حكموا على عمرَ الثاني حكمًا خاطئًا كلَّ الخطأ. وإلى مثل هذه المصادر غير النقيّة تعود على الأرجح الأخبارُ المرويّةُ عن مؤسّساته الخيريّة. فيُقال إنّه أسقط الضرائبَ والرسومَ كلَّها (المكوس)١)، وبنى على طول طريق الجيش إلى خراسان خاناتٍ على مسافاتٍ مقدَّرة، وإنّه أعاد إجراءَ سنّة توزيع العطاء السنويّ على العموم إجراءً صارمًا، بل فرَض للرُّضَّع عطاءً من بيت المال. بل يُقال إنّه أمر ألّا يُقيَّد سجينٌ تقييدًا يمنعه من أداء صلاته.٢)

وفي المقابل بقي لنا أثرٌ جميلٌ من آثار الرحمة في كتابٍ وجّهه إلى قوّاده، ونصُّه: «سمعتُ أبي يُحدِّث أنّ رسول الله كان إذا بعث سريّةً قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا. فقُل ذلك لجندك إن شاء الله. والسلام عليك».٣)

١) هذه المكوس كانت: رسومًا لأداء أجور مسّاحي الأراضي، وهدايا النيروز والمِهرجان، ورسمَ الورق، ورسومَ فتح الأبواب، ورسمَ أجرة الكراء، ودرهمَ النكاح، والخراجَ إذا أُخِذ من الرعيّة الذين أسلموا. ابن الأثير V. 44. ٢) النووي: تهذيب 468، 470. ٣) شرح الموطّأ II. 297. وهذه القواعد تقوم على كلّ حالٍ على أوامرَ مماثلةٍ لعمرَ الأوّل.

179

وأخطرُ ضعفاته على الإطلاق ميلٌ أعلنه ولم يُخفِه إلى ألدّ خصوم الدولة، وهم ذرّيّةُ النبيّ، الذين كانوا يرون أنفسهم وحدَهم ورثةَ الخلافة الشرعيّين، ويرون البيتَ الأمويّ الحاكمَ مغتصِبًا.١) ولعلّ هذه الحماقة كانت أكثرَ من غيرها سببًا في قطيعةٍ تامّةٍ بينه وبين أهله، حتى صار من غير المستبعَد أن يكون موتُه المفاجئ غيرَ طبيعيّ.

ولم يبقَ من مؤسّسات عمرَ الثاني الإداريّة ما يُذكَر إلا أنّه فصل أعالي ما بين النهرين عن ولاية العراق وجعلها إقليمًا خاصًّا هو الجزيرة.٢)

ومن هذا الأمير يمكن أن نُؤرِّخ لبَدء انحطاط الدولة الأمويّة. فقد أفسد بمحاولاته الرجعيّة الحمقاء سيرَ آلة الدولة التي أنشأها من سبَقه وأحكمها بجهدٍ عظيم. ولم يستطع أحدٌ ممّن جاء بعده إصلاحَ هذا الضرر.

وصار البيتُ الأمويّ منذئذٍ فقيرًا فقرًا لافتًا في الرجال البارزين. فخليفةُ عمرَ الثاني المباشر، يزيدُ الثاني، كان سكّيرًا لا يُرجى صلاحُه، وكان بتمامه تحت تأثير حريمه. ولم يكن ذا موهبةٍ أوفرَ إلا هشامٌ ومروانُ الثاني آخرُ ملوك هذا البيت. فقد استطاع الأوّلُ بحسن إدارته لا أن يُمسِك الدولةَ — وقد اهتزّ بناؤها كلُّه بمنازعات القبائل والفتن وبمكايد ذرّيّة النبيّ، أي الهاشميّين، وتحريضاتِهم المتزايدةِ جرأةً ووقاحة — وحسبُ، بل أن يحفظ لها بهاءَها في الظاهر على الأقلّ. وقد بعث إلى العراق واليًا (خالدًا القسريّ) كان هو نفسُه ابنَ

١) ابن الأثير V. 830؛ المسعودي V. 421. ٢) ابن الأثير V. 40.

180

نصرانيّة، فسلَك مع أهل الملل الأخرى مسلكًا في غاية اللين وولّاهم كثيرًا من وظائف الحكومة المهمّة، فأثار ذلك بالطبع حَنَقَ الفريق المتعصّب، ولا سيّما رجالِ الدين (العلماء). وكان خالدٌ القسريّ في كلّ شيءٍ متحرّرًا من الأحكام الدينيّة المسبقة، وتلك خصلةٌ نادرةٌ جدًّا عند رجال الدولة المسلمين في ذلك الزمان. وهو في هذا شبيهٌ بسلَفه العظيم في ولاية العراق، معلّمِ كُتّابِ الطائف. ولذلك أغرق عليه أهلُ العراق سُمًّا ومرارة. ونسبوا إليه أنّه قال إنّه مستعدٌّ بأمر الخليفة أن يهدم حتى بيتَ الله الحرام بمكّة.١) وقال فيه الفرزدقُ الشاعر، وكان لاذعَ اللسان:

لعن اللهُ ظَهرَ البعير الذي حمل خالدًا إلينا من بعيد، كيف يكون للمؤمنين إمامًا في الصلاة وأمُّه تدين بالشِّرك؟

وقال في قصيدةٍ أخرى:

أبلِغْ أميرَ المؤمنين رسالةً: عجِّلْ — هداك اللهُ — بعزل خالد، بنى لأمّه كنيسةً ذاتَ صليب، وهو يهدم المساجد بُغضًا لله.٢)

وبقي التقسيم السياسيّ القديم لدولة الخلافة إلى ولاياتٍ قائمًا كذلك في عهد هشام؛ فكان والي العراق يلي خراسانَ بل والأقاليمَ الهنديّة (السند) التي كان عليه أن يُعيّن عليها العامل.٣)

بيد أنّ أخطرَ المؤثّرات أخذت تعمل في البلاط. فقد وقع منذ عهد يزيدَ الثاني أن مُنِحت ولايةُ العراق المهمّةُ بوساطة جارية الخليفة المفضَّلة.١)

١) الأغاني XIX. 61. ٢) نفسه. ٣) ابن الأثير V. 138.

181

ووقع في عهد هشامٍ مثلُ ذلك، فقد استصدرت امرأتُه، لقاءَ عقدٍ من ذهبٍ أُهدِيَ إليها، أن تُسنَد ولايةُ خراسان إلى من أوصت به.٢) واستشرت كذلك عادةٌ سيّئةٌ أخرى كان لها فيما بعدُ أسوأُ الأثر. فقد صار كبارُ رجال البلاط وأفرادُ البيت الحاكم يطلبون تقليدَهم أقاليمَ نائيةً مهمّة، ثم لا يتولّونها بأنفسهم، بل يبقَون في البلاط ويُنيبون عنهم وكلاءَ يختارونهم ويُفوِّضونهم (النائب، الخليفة)، ولم يكن لهؤلاء على الأرجح غايةٌ سوى ملء جيوب موكّليهم الكبار بدخل الإقليم بأسرع ما يكون، غيرَ ناسين بالطبع أكياسَهم هم أنفسهم.

فعلى هذا النحو ولّى هشامٌ أخاه مَسلمةَ إقليمَي أرمينيةَ وأذربيجانَ مجتمعَين؛ فأناب عنه فيهما وكيلًا يُدبِّرهما.٣) فلمّا تولّى الأميرُ بعد ذلك ولايةً بنفسه فعلًا، كان ينسى بانتظامٍ رفعَ حاصل الخراج منها إلى الحكومة المركزيّة.٤)

على أنّه يبدو أنّ الرخاء قد زاد في عهد هشامٍ في بعض أنحاء الدولة، وزادت تبعًا لذلك القدرةُ على أداء الضريبة، فقد رُوِي أنّ حاصل الجزية بالإسكندريّة ارتفع في عهده من 18,000 دينارٍ إلى 36,000.٥)

وإن لم يقدر هذا الأميرُ، على حسن نيّته، أن يكبح فسادَ الزمان

١) ابن الأثير V. 75. ٢) نفسه V. 115، 116. ٣) ابن الأثير V. 102؛ وقد جُمِعت أقاليمُ أرمينيةَ وأذربيجانَ والجزيرةِ في منطقةٍ إداريّةٍ واحدةٍ منذ عهد يزيدَ الثاني. ابن الأثير V. 52. ٤) ابن الأثير V. 74. ٥) البلاذري 223.

182

ولا أن يُوقف الانحطاط، فإنّه يستحقّ على كلّ حالٍ أن يُذكَر أنّه صرَف عنايته إلى المنشآت العامّة، وأمر بحفر قناةٍ زوّدت مدينة الموصل بماءٍ عذبٍ صالحٍ للشرب، وبلغت نفقاتُها ثمانية ملايين درهم.١)

وظلّ التنظيم الإداريّ للدولة على حاله تقريبًا. غير أنّ منصبَي القضاء في الكوفة والبصرة صار الولاةُ هم الذين يُقلِّدونهما، لا الخليفةُ نفسُه كما كان الأمر من قبل، وذلك ممّا يُستدَلّ به على ضعفٍ متزايدٍ في الحكومة المركزيّة. ونشأت كذلك خُطّةٌ جديدةٌ اقترنت أوّلَ الأمر بقضاء الكوفة، وهي النظرُ في «الأحداث»؛ وكثيرًا ما ضُمّت إليها الشُّرطةُ التي سبق ذكرُها؛ أمّا إمامةُ الصلوات العامّة فكانت في الغالب من حقّ القاضي.٢)

ورفع الوليدُ الثاني، طلبًا للحُظوة عند العامّة، العطاءَ السنويّ عشرةَ دراهم لكلّ واحد (10 في المئة)، وفرَض كذلك للعميان والزَّمنى أرزاقًا، وأقام موائدَ عامّةً للناس.٣) فاضطُرّ من خلَفه أمام هذا الإسراف إلى خفض العطاء ثانيةً، فلُقِّب بذلك «الناقص».

ويكاد لا يكون ثمّة شكٌّ في أنّ في العراق منصبَي قضاءٍ لا غير، هما الكوفةُ والبصرة، إذ ليس في الحوليّات ذكرٌ لسواهما.٤) على أنّ في سائر قواعد الحاميات الكبرى — كدمشقَ وحمصَ وقِنّسرينَ والفسطاطِ وغيرِها — قضاةً مخصوصين. أمّا نظامٌ عامٌّ

١) ابن الأثير V. 99. ٢) نفسه V. 115. وسنتكلّم فيما بعدُ على مدلول لفظ «الأحداث». ٣) دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ، I. p. 123. ٤) ابن الأثير V. 180.

183

يشمل الدولةَ كلَّها فلم يكن القضاءُ قد بلغه بحالٍ في ذلك الزمان. وإنّما جاء ذلك بعد ذلك بزمنٍ طويل. فقد أُنشِئت مناصبُ القضاء في الأصل لفصل الخصومات التي تقع بين المقاتلة العرب وذويهم والإصلاحِ بينهم. ولم يكونوا يُعنَون بغير المسلمين إلا قليلًا، بل تركت لهم الحكومةُ — كما هي الحال إلى اليوم في بعض أنحاء الدولة العثمانيّة — أتمَّ استقلالٍ ذاتيّ، وخلّت بينهم وبين تدبير شؤونهم الداخليّة بأنفسهم؛ فكان رؤساءُ الجماعات الدينيّة من غير المسلمين هم الذين يتولّون القضاءَ بين أهل ملّتهم كلّما اقتضى الأمر.

وبهذا يتبيّن وجهُ تلك الظاهرة التي تبدو في أوّل نظرةٍ غريبةً جدًّا، وهي أنّه لا يُذكَر في مبتدأ الخلافة قضاةٌ إلا في المدن الكبرى. ثم لمّا اتّسعت الدولةُ صار الولاةُ يختارون القضاةَ في أقاليمهم ويعزلونهم كما يشاؤون.١)

سادسًا: مؤسّسات الدولة عند العبّاسيّين.

إنّ الانقلاب نفسَه الذي انتزع الحكمَ من الأمويّين ونقله إلى دولة العبّاسيّين أفضى كذلك إلى أن هبطت دمشقُ إلى مرتبة عاصمةِ إقليم، وإلى أن فقَدت الشامُ — وقد كانت البلدَ صاحبَ الكلمة — رجحانَها، وصار العراقُ مقرَّ الخلفاء؛ فنزلوا أوّلَ الأمر بالكوفة والهاشميّة والأنبار، ثم بنَوا في موضعٍ بالغِ التوفيق في اختياره بغدادَ، فظلّت من ذلك الحين قرونًا متطاولةً

١) ابن الأثير V. 106. وأودّ أن أُضيف هنا ملاحظةً أخرى، وهي أنّه كان بدمشقَ منذ عهد الأمويّين ديوانٌ لحفظ الوثائق (بيت القراطيس). المسعودي V. 239.

184

مقرَّ الخلافة وعاصمةَ الدولة. ومن هنا حُكِم العالمُ الإسلاميّ. وكان أوّلَ أثرٍ لتبدّل الدولة أن نالت الأقاليمُ الشرقيّة من القوّة والمكانة أكثرَ ممّا كان لها إلى ذلك الحين بكثير.

وكان التقسيمُ السياسيّ للدولة في عهد السفّاح، أوّلِ العبّاسيّين، على النحو التالي: ١. الكوفة والسواد، ٢. البصرة ومعها مِهرجانقُذَق، وكُوَرُ دجلة، ثم البحرين وعُمان، ٣. الحجاز مع اليمامة (وسط جزيرة العرب)، ٤. اليمن، ٥. الأهواز (خوزستان، سوسيانا)، ٦. فارس، ٧. خراسان، ٨. الموصل، ٩. الجزيرة (ما بين النهرين) مع أرمينيةَ وأذربيجان، ١٠. الشام، ١١. مصر مع إفريقية، ١٢. الثغور الهنديّة (السند). ثم جزّأ الولاياتِ الكبرى بعد ذلك، فأفرد ولايةَ فلسطين عن الشام، وفصل أرمينيةَ وأذربيجانَ عن الموصل، وجعل منهما منطقتَين إداريّتَين جديدتَين.١)

أمّا البلاد المفتوحةُ حديثًا فكان يليها ولاةُ أقربِ الأقاليم إليها، وهم الذين يُعيّنون فيها نوّابَهم. فولايةُ صقلّيّة لم يكن يُقلّدها الخليفةُ مباشرةً، بل واليَ إفريقية.٢) وكذلك كان والي مصرَ هو الذي يُقلِّد ولايةَ إفريقيةَ في العهد الأوّل.٣) بل إنّ إسبانيا نفسَها كان يليها في مبتدأ الأمر نائبٌ يُعيّنه والي إفريقية.٤)

أمّا إدارةُ الخراج والمال في الدولة كلِّها فقد عهد بها أوّلُ العبّاسيّين إلى فارسيٍّ أسلم، هو خالدُ بن برمك، وجعله على رأس ديوان الجباية المركزيّ

١) ابن الأثير V. 340، 341، 343، 1348. ابن خلدون: التاريخ العامّ I. 177. ٢) دوزي: ابن عذاري I. 104. ٣) نفسه I. 23. ٤) نفسه I. 33.

185

المنشأ باسم ديوان الخراج.١) وكانت خُطّةُ الوزير بعد هذه الخُطّةِ أهمَّ ما في الدولة. ويبدو أنّ هذه الرتبة فارسيّةُ الأصل، ولم تصل إلى العرب إلا مع العبّاسيّين.٢)

بيد أنّ هذه المؤسّسات كلَّها كانت شديدةَ التقلّب، بحسب شخص الحاكم الذي يترك لوزرائه من الاستقلال والمبادرة قدرًا أكبرَ أو أصغر. على أنّ رتبة الوزارة بقيت حتى أيّام الخليفة الراضي، فحلّ عندئذٍ محلَّ الوزير — بوصفه أعلى عمّال الدولة — نفوذُ كبيرِ رجالِ البلاط (أميرِ الأمراء)،٣) وهو القائدُ الأعلى للجند، وكان دورُه شبيهًا كلَّ الشبه بدور رؤساء القصر (Majores domus) في مملكة الفرنجة. أمّا لقبُ الوزير فقد انتقل إلى الوزير الأوّل للحكّام الجُدُد، لمّا وضع سلاطينُ بني بُوَيهٍ الخلفاءَ تحت وصايتهم بتمامها ولم يُبقوهم إلا رؤساءَ روحيّين للإسلام. ولم يبقَ للخلفاء غيرُ كاتبٍ خاصٍّ يحمل لقب «رئيس الرؤساء». ثم لمّا عاد للخلفاء شيءٌ من القوّة في عهد سلاطين السلاجقة، عادوا فعيّنوا وزراءَهم بأنفسهم كما كان الأمر من قبل.٤)

وقد شغل علماءُ أحكام السلطان عند العرب، ولا سيّما الماوردي، أنفسَهم كثيرًا — مستندين إلى تجارب التاريخ — بالمكانة التي ينبغي أن يشغلها الوزير في بنية الدولة. وهم يُميّزون درجتَين من الوزارة: ١. المطلقة (وزارة التفويض)، ٢. المقيَّدة (وزارة التنفيذ).

فأمّا الوزير المطلق — ويصحّ أن يُسمّى بلفظٍ شاع فيما بعدُ: الوزيرَ الأعظم — فهو صاحبُ القصر ونظيرُ الخليفة، يُمارس فعليًّا

١) ابن الأثير V. 342. ٢) المسعودي VI. p. 133؛ السيوطي: حسن المحاضرة II. 113. ٣) أبو الفرج: تاريخ الدول 302. ٤) السيوطي: حسن المحاضرة II. 114، 115، 117.

186

سلطانَ الحاكم كلَّه، وليس عليه إلا أن يرفع إلى الخليفة خبرَ كلِّ ما يقضي به؛ وللوزير الأعظم أن يتّخذ من غير استئذانٍ سابقٍ كلَّ تدبيرٍ يراه لازمًا، غير أنّه لا يعزل عاملًا ولّاه الخليفة. وفي المقابل له أن يُولّيَ العمّالَ باسم السلطان وأن يفصل في القضايا فصلًا نهائيًّا.

وهذا السلطانُ المطلق للوزراء يظهر ظهورًا بيّنًا في عهد العبّاسيّين — عدا الخليفتَين الأوّلَين — ثم يزداد باطّرادٍ كلّما ازداد ميلُ الأمير إلى التخلّي عن هموم الدولة والعيشِ في ملذّات حريمه، وهو ما وقع من عهد هارونَ الرشيد فصاعدًا إلا في حالاتٍ نادرة. فقد حكم وزراءُ بيت البرامكة دولةَ الخلافة بسلطانٍ مطلقٍ لا يُحدّ، إلى أن أفناهم هارونُ الرشيد.

على أنّ منصب الوزير الأعظم لم يكن يسيرًا خِلوًا من الهمّ بحال. فقد كان عليه أن يملك فنونَ رجل البلاط الكامل جميعًا، وقد كان حكّامُ المشرق دائمًا شديدي المطالبة في هذا الباب؛ فما كان يكفي أن يكون الوزيرُ خبيرًا بالأعمال، بل كان لا بدّ أن يكون حسنَ المنادمة، حاضرَ النكتة، سريعَ الجواب في الخطاب؛ بل يطلب العربُ منه أكثرَ من ذلك: أن يُحسِن الشطرنجَ والصولجانَ والعُود، وأن يكون ذا علمٍ بالرياضيّات والطبّ والتنجيم، ثم بالشعر والنحو والتاريخ، بل أن يكون ماهرًا في إنشاد الأشعار وسرد الأخبار. ولذلك كان أدبُ المشرق غنيًّا بالكتب التي موضوعُها قواعدُ السلوك للوزراء، وهي تنتفخ حتى تصير مجلّداتٍ ضخامًا بأخبارٍ لا تنتهي عن حسن تصرّف الوزراء العظام السابقين في المواقف العسيرة. وأكثرُ من يُستشهَد به في مثل هذه المواقف كلِّها بُزُرجمهرُ القديم، وزيرُ أنوشروانَ ملكِ الفرس. وكثيرٌ من هذه الأخبار

187

بالغُ الإصابة، بل إنّ بعضَها صار مِلكًا مشاعًا في آداب أوروبا، ومن ذلك الخبرُ المشهور حيث يُترجم الوزيرُ العاقل للملك — وهما مستريحان في ظلّ بناءٍ خَرِبٍ في رحلة صيد — حوارَ بومتَين تسكنان الخِربة. قال الوزير: كانت البومتان تتذاكران زواجَ ولدَيهما وتتّفقان على المهر، على أن يكون مئةَ قريةٍ خَرِبة؛ فأضافت البومةُ: أطال اللهُ لنا بقاءَ جلالته الحاكمِ اليوم، فليست القرى المهجورة بقليلةٍ في ظلّ حكمه المجيد، لأنّ الفلّاحين يهربون جميعًا من ثِقَل الخراج.

ويُلحِق كتّابُ المشرق بهذا الخبر، مستفيضين، خبرًا آخرَ هو أنّ أنوشروانَ أدرك معنى هذا الحوار فراجع نفسَه وأسقط من فوره كلَّ خراجٍ جائر، ولم يكن الفضلُ في ذلك إلا للوزير الحاذق.

أمّا صلاحيّاتُ الوزير المقيَّد فأقلُّ من ذلك بكثير. فلم تكن له المبادرةُ الذاتيّة، وإنّما كان عليه تنفيذُ ما يأمره به سيّدُه ومولاه الأعلى فحسب. كان ببساطةٍ الواسطةَ في العلاقة بين الأمير والرعيّة. ومع ذلك ظلّ هذا المنصبُ من النفوذ بحيث يُوقِظ المطامع. فقد كان هذا الوزير كذلك على اتّصالٍ مباشرٍ بالخليفة، وكان أوّلَ من يغترف من مَعين جود الأمير. وكانت أوامرُ السلطان ومراسيمُه كلُّها تمرّ بيده، ولا تكتسب صيغتَها الرسميّةَ وتوثيقَها إلا به، إمّا بوضع الخاتم أو التوقيع، وإمّا برسم الصيغة المقرّرة عليها.

ولا يظنّنّ أحدٌ أنّ هذا المنصب كان سهلَ الشَّغل، فقد كان يقتضي معرفةً شاملةً

188

بالإدارة وبجباية الخراج وبأحوال الأقاليم المحليّة وبالحقّ العامّ والخاصّ. ولا تُعوِزنا الأمثلةُ على وزراءَ فقدوا مناصبهم لِما ظهر من عجزهم، وإن كان ذلك لا ينفي أنّ من هم دونَ الكفاية قد نجحوا غيرَ مرّةٍ في الاحتفاظ بمناصبهم. على أنّ عزل الوزير كان يقترن عادةً بمصادرة ماله، وكثيرًا ما كلّفته سقطتُه حياتَه أيضًا.

وقد أجاز بعضُ فقهاء المسلمين لمنصب الوزير المقيَّد استخدامَ غير المسلمين، وهو ما أثار يومئذٍ عند أهل السنّة من الحنَق تمامَ ما أثاره في أيّامنا تعيينُ أوّلِ يهوديٍّ في منصب وزيرٍ من سُخط أوساطٍ بعينها. وقد جعلت الدولةُ الشيعيّةُ العُبيديّة — وقد ملكت إفريقيةَ ثم امتدّ حكمُها بعد ذلك في مصر — هذا المبدأَ واقعًا، فاتّخذت وزيرًا يهوديًّا. وقد عرّض بذلك شاعرٌ مصريٌّ معاصرٌ في الأبيات التالية، وهي تُبيّن كيف كان نشاطُ اليهود وروحُ المبادرة عندهم يُكسِبانهم منذ ذلك العهد مكانةً لا تقلّ نفوذًا عمّا نراه في أيّامنا:

يهودُ زماننا بلغوا غايةَ ما يشتهون وصاروا إلى السيادة، لهم الجاهُ ولهم المال! ومنهم يُتّخَذ المستشارون والأمراء؛ يا أهلَ مصر! إنّي أُشير عليكم: تهوّدوا، فقد تهوّدت السماءُ نفسُها.١)

وثمّة مسألةٌ أهمُّ من ذلك بكثيرٍ شغلت فقهاءَ أحكام السلطان في الإسلام كثيرًا، وهي: هل يجوز أن يتعدّد الوزراء في وقتٍ واحد؟ فمع كثرة ما تراكم من الأعمال باتّساع الدولة، من الجليّ أنّ الحاجة إلى تقسيم

١) حسن المحاضرة ج ٢ ص ١١٧.

189

السلطة العليا كانت تشتدّ بقدر ما يزداد ملوكُ المشرق تفريطًا. ولذلك لا شكّ أنّه كثيرًا ما وُجِد عدّةُ وزراءَ في وقتٍ واحد. غير أنّ فقهاء أحكام السلطان عند العرب يمنعون من حيث المبدأُ تولية عدّةِ وزراءَ مطلقين في وقتٍ واحد، ولا يُجيزون ذلك إلا إذا حُدِّد لكلٍّ منهم مجالُ عمله واختصاصُه تحديدًا صارمًا، أو مارسوا جميعًا السلطةَ مجتمعين بوصفهم شخصًا اعتباريًّا واحدًا.

وأمّا تعيين الوزير فكان يقع دائمًا من رأس الدولة، إمّا مشافهةً وإمّا كتابةً. وأمّا أنّ العزل لم يكن أقلَّ بساطةً وسرعةً فأمرٌ يسهل تصوّره.١)

ويكاد لا يُشكّ في أنّ الوزارة المقيَّدة هي الأصل، وأنّ الوزارة المطلقة لم تنشأ إلا مع تزايُد انحلال سلطان الخلفاء. وكلّما ازدادت أحوالُ البلاط ببغداد فسادًا، ازدهر الزرعُ ونضج لِصالح أصحاب المطامع والمنافع من المغامرين.

وهذه الملاحظات تكفي على الأرجح لتُعطيَ القارئ تصوّرًا مطابقًا للواقع عن الوزارة العربيّة، وقد بقيت في المشرق عند الترك والمغول والفرس وغيرهم على حالها تقريبًا.

ويُروى عن ثالث حكّام البيت العبّاسيّ أنّه قال: إنّ أهمّ أربع أدواتٍ للأمير: قاضٍ أمين، وصاحبُ شرطةٍ عادل، ووزيرٌ للمال خبيرٌ بالأعمال (صاحبُ الخراج)، وصاحبُ بريدٍ ثقة.٢)

١) قارن في أمر الوزارة البحثَ الممتاز لـ م. إنجر: مجلّة الجمعيّة الشرقيّة الألمانيّة XII. 239، والماوردي ص ٣٣ وما بعدها. ٢) ابن الأثير VI. 16, 17.

190

وبهذا تكون قد سُمّيت تقريبًا تلك الخُطَطُ التي كانوا يرونها يومئذٍ أشدَّ ما يكون ضرورةً. وكان صاحبُ الشرطة في العهد الأوّل هو في الحقيقة قائدَ حرس الأمير، وهو منفّذُ الأوامر ومنفّذُ الأحكام. فيُدرك المرءُ من ثَمّ أهميّته.١) وكان في الولايات المختلفة كذلك أصحابُ شرطةٍ من هذا القبيل، عليهم حفظُ الأمن العامّ وإقامةُ النظام. وكانت هذه الخُطّةُ تُضَمّ حينًا إلى الولاية، وتُفصَل عنها في الأغلب. ولا يُخلَط بها منصبُ المحتسِب، وهو الناظرُ في أمر السوق وضبطِ الآداب، وهي خُطّةٌ قائمةٌ ببغداد منذ عهد ثاني العبّاسيّين.٢)

وأمّا الولاية فيقسمها مؤرّخو أحكام السلطان عند العرب — كما قسموا الوزارة — إلى مقيَّدةٍ ومطلقة. فالولاية المقيَّدة أن يقود الوالي الجندَ ويُدبِّر الإدارة، لكنّه لا يُمارس صلاحيّاتٍ قضائيّةً ولا ينوب عن رأس الدولة في الأمور الدينيّة. وهذه هي الولاية في العهد الطيّب من الخلافة، حين كان سلطانُ الحكومة المركزيّة راسخًا. أمّا في صدر الإسلام فلا بدّ أن تكون الولاية أوسعَ إطلاقًا بكثير، إذ كان الوالي في ذلك الزمان نائبَ الخليفة في كلّ شيءٍ وفي كلّ أمر. ولم يكونوا يومئذٍ يفهمون فصلَ السلطة الدينيّة عن الزمنيّة، حتى إنّ الولاة لم يكونوا يلون الأقاليمَ المعهودةَ إليهم مدبّرين في الإدارة والجند والمال والقضاء وحسب، بل كانوا في الوقت نفسِه ينوبون عن الخليفة، بوصفهم ممثّلي الرئيس الدينيّ، في كلّ

١) صارت الشُّرطة فيما بعدُ خُطّةً كبيرةً في البلاط. ابن خلدون: المقدّمة ج ١ ص ٤٥٢، ج ٢ ص ٣٥. ٢) ابن الأثير V. 440.

191

الشؤون الكنسيّة والدينيّة. فكانوا يخطبون يوم الجمعة في المسجد ويؤمّون الصلاة، فلم يكونوا ولاةً فحسب، بل نوّابًا كذلك عن رئيس الدين. هكذا كانت الولاية في عهد أبي بكرٍ وعمر، وفي بعض عهد عثمانَ الذي بدأ على كلّ حالٍ يُحاول تقليصَ صلاحيّاتها. وزاد على ذلك معاويةُ السياسيُّ المحنّك، فما دامت قوّةُ الخلفاء في تمام ازدهارها كان سلطانُ الولاة محدودًا بدرجةٍ أو بأخرى. وأشدُّ من شدَّ الزمامَ العبّاسيّون. وكانت عادةُ المنصور إذا عزل واليًا أن يُصادر ماله في الحال.١) وعلى العموم كان عزلُ الولاة واستدعاؤهم ونقلُهم يقع كما يشاء الخليفة، وكثيرًا ما بدّلهم بسرعةٍ كبيرةٍ لا لشيءٍ إلا لِما يُملي عليه هواه. غير أنّ ولاةَ بعض الأقاليم لم يلبثوا أن ضمنوا لأنفسهم مراكزَ ممتازة، إمّا لأنّ ما أدَّوه للدولة من خدماتٍ أهّلهم لذلك خاصّةً، وإمّا لأنّ الموارد الغزيرة التي استخرجوها من مناطق إدارتهم أو الأهميّةَ السياسيّة للبلاد التي يُدبّرونها ضمنت لهم مكانةً أرفع. فبيتُ الطاهريّين، ولاةُ خراسان، أحرزوا سريعًا وراثةَ هذه الرتبة، حتى إنّ المأمون أعطى عبدَ الله بنَ طاهرٍ رايةً علامةَ شرفٍ رُقِم عليها بحروفٍ من ذهبٍ اسمُ الوالي مع لقب الشرف الذي خلعه عليه الخليفة: «المنصور».٢) وكلّما ضعُف سلطانُ الحكومة المركزيّة ازداد نفوذُ الولاة واستقلالُهم علوًّا.

١) ابن الأثير VI. 19. وكان المنصور يمضي في ذلك بتحكّمٍ شديد. فقد ألزم خالدَ بنَ برمك، لمّا ولّاه الموصل، بأداء ثلاثة ملايين درهمٍ في ثلاثة أيّام. ابن الأثير VI. 8. ٢) ابن تغري بردي ج ١ ص ٥٩٣.

192

ثم ما لبثت هذه الولايةُ المطلقة أن تحوّلت إلى تلك التي يُسمّيها فقهاءُ أحكام السلطان عند العرب: «إمارةَ الاستيلاء». وذلك في حقبةٍ صارت الخلافةُ فيها في انحلالٍ ظاهر. فأميرُ الاستيلاء هو كلُّ مغامرٍ سياسيٍّ استولى بقوّة السلاح على إقليمٍ من غير إذن السلطان، بل على خلاف إرادته، ثم يُقَرّ على ذلك بعهدٍ من الخليفة يعقد معه ضربًا من المعاهدة، يلتزم بمقتضاه الخارجُ أن يحترم امتيازات الخليفة الدينيّةَ بوصفه الكاهنَ الأعظمَ للمسلمين، وأن يُبايعه حاكمًا أعلى للإسلام، ويعترف له الخليفةُ في المقابل بما في يده من البلاد ويُقِرّه عليه رسميًّا.١)

وبقي علينا الآن أن نتكلّم بشيءٍ من التفصيل على مؤسّسةٍ هي من خصائص الخلافة وحدَها، وهي مؤسّسةُ أصحاب البريد. والاسمُ في الحقيقة أبعدُ ما يكون عن الدلالة، فقد كانت هذه الخُطّةُ شيئًا غيرَ ما نفهمه من اللفظ تمامًا. والأصوبُ أن تُسمّى: المخبِرَ العامّ أو رئيسَ شرطة الدولة. ويُقابل هذه المؤسّسةَ منصبٌ أُحدِث في تركيا منذ سنواتٍ بلقب «المفتّش»، غير أنّه لم يُثبِت في جملته إلا قليلًا من الفائدة. ففي كلٍّ من دوائر الإدارة الكبرى في الدولة العثمانيّة — وهي التي تُسمّى اليوم ولايات، ويتطابق بعضُها جغرافيًّا مع ولايات دولة الخلافة — يُلحَق بالوالي العامّ مفتّشٌ عليه أن يُراقب عملَ الحكومة كلَّه، وأن يُوثّق أعمالًا بعينها بتوقيعه، وأن يرفع إلى الحكومة المركزيّة من حينٍ إلى حينٍ

١) تاريخ الأفكار السائدة في الإسلام ص ٤٢١. وسيأتي مزيدُ بيانٍ لذلك في الباب السابع.

193

تقريرًا عن سير الإدارة. فهو إذن يُراقب الواليَ العامّ نفسَه. غير أنّ هذا النظام كاد لا يُثمِر شيئًا، لأنّ المفتّش يُؤثِر أن يُحسِن علاقته بالوالي العامّ ويدع الأمور تمضي على ما تمضي عليه، بدلًا من أن يُعاديَه بتقاريرَ صادقة. فرِضا الوالي عنده أثمنُ من ذلك التقدير المشكوك فيه الذي عساه أن يكسبه بتقاريره في القسطنطينيّة لو كانت أمينة. ولذلك أنشأ البابُ العالي في الآونة الأخيرة جهازَ رقابةٍ آخر، فأرسل إلى الأقاليم مخبِرين خاصّين للحكومة بلقب «جورنالجي». ونتيجةُ هذا التدبير مشكوكٌ فيها كذلك على الأرجح، فالرقابةُ والرقابةُ على الرقابة تبقيان بلا جدوى حيث لا يكون حسُّ الواجب والشرف عند الموظّف قويًّا. على أنّ الحكومات المنحلّة لم تُحسِن قطُّ الاحتفاظ بموظّفين شرفاءَ مؤدّين لواجبهم. ومن دون هذا الشرط تبقى الرقابةُ كلُّها عديمةَ الأثر.

وثمّة منصبُ ثقةٍ شبيهٌ بذلك بل أهمُّ منه، هو منصبُ صاحب البريد الأكبر. ففي كلّ إقليمٍ من الأقاليم الكبرى التي انقسمت إليها هذه الدولةُ الهائلة صاحبُ بريدٍ في قاعدة الإقليم، مهمّتُه أن يرفع إلى الخليفة على الدوام تقاريرَ بكلّ ما يقع من الأمور المهمّة. وكان على صاحب البريد أن يرقب الواليَ نفسَه وسلوكَه، فهو إذن عميلٌ سرّيٌّ تُقيمه الحكومةُ المركزيّة مباشرةً. وقد بقي لنا تقريرٌ من صاحب بريد بغداد إلى الخليفة المتوكّل. وكان واليَ بغدادَ قد اشترى في حجّه إلى مكّةَ والمدينة جاريةً فائقةَ الجمال — ولعلّه أراد أن يُعوِّض نفسَه عمّا لقي في الحجّ من مشقّة — فهام بها هيامًا جنونيًّا. ومهما اجتهد في كتمان الأمر

194

فقد بلغ صاحبَ بريد بغداد، فبعث بالتقرير التالي إلى الخليفة، وكان مقيمًا في ضيعةٍ على أربعة فراسخَ من العاصمة:

«بسم الله الرحمن الرحيم! يا أميرَ المؤمنين! إنّ محمّدَ بنَ عبد الله قد اشترى بمئة ألف درهمٍ جاريةً يُضيّع معها وقتَه كلَّه من الصباح إلى المساء، حتى شغلته عن أعمال الدولة وعن النظر في الرقاع. ولا يغيبنّ عن أمير المؤمنين أنّ بغدادَ يسهل أن يُصيبها ضرر، لكثرة غوغائها، فيَعسُر عندئذٍ على أمير المؤمنين إعادةُ النظام. — بهذا يُخبِر العبدُ الأذلُّ أميرَ المؤمنين، أيّده الله، وهو صاحبُ الأمر (في ذلك). والسلام عليه ورحمة الله وبركاته!»١)

وعندنا كذلك خبرُ صاحب بريد خراسانَ في عهد الخليفة المأمون، يروي كيف حضر تلك الخطبةَ المشهودة التي تعمّد فيها طاهرٌ الواليُ القويُّ على ذلك البلد أن يترك في خطبة الجمعة بالجامع الكبير أمام الناس المجتمعين اسمَ الخليفة الحاكم والدعاءَ الواجبَ له، وذلك بمنزلة إعلان الاستقلال. وأدرك صاحبُ البريد ما الأمر، ولم يشكّ لحظةً في أنّ طاهرًا سيُبادر قبل كلّ شيءٍ إلى القبض عليه وقتلِه ليمنعه من إنفاذ خبره إلى بغداد. فأسرع من فوره من المسجد إلى داره وكتب تقريره وأنفذه مع بريدٍ مستعجل. ولم يمضِ طويلُ وقتٍ حتى أرسل الوالي في طلبه، فأيقن بالموت؛ غير أنّ

١) «إعلام الناس بما جرى للبرامكة مع بني العبّاس» ص ٢٥٢، ٢٥٣.

195

نوبةً مفاجئةً غيرَ متوقّعةٍ أودت بحياة طاهر، فنجا العميلُ الأمينُ لواجبه.١)

ونعرف كذلك صيغةَ عهد التولية لصاحب البريد: يُكلّفه فيه الخليفةُ أن يرفع من حينٍ إلى حينٍ تقريرًا عن سلوك عمّال المال ووكلاءِ ضياع الدولة، وعن حال الزراعة، وعن أحوال الفلّاحين، وعن سيرة أصحاب السلطة السياسيّة، وعن دار الضرب وكم يُضرَب من ذهبٍ وفضّة؛ وكان عليه كذلك أن يحضر عَرْضَ الجند وأداءَ أرزاقهم. فترى أنّ أمر البريد بالمعنى الذي نفهمه كان أمرًا ثانويًّا. ومن اللافت — وهو دليلٌ على أنّ تدبير الأعمال بلغ يومئذٍ شوطًا لا بأس به من الإحكام — أنّ صاحب البريد يُؤمَر في العهد نفسِه ألّا يجمع في تقاريره بين موضوعاتٍ شتّى، على ما يقول الاصطلاح الديوانيّ، بل يُفرِد كلَّ بابٍ ببحثه، لتُرسَل التقاريرُ إلى الجهات المختصّة بها. فيبدو إذن — كما لاحظ الدكتور شبرنجر — أنّ الخليفة كان يُوزّع التقاريرَ الواردة على الدواوين المختلفة.

ومن المؤكَّد تقريبًا أنّ البريد لم يكن يسير في أيّامٍ وساعاتٍ مقرّرة، بل كان يسير إذا كانت ثَمّ كتبٌ للحكومة تُنقَل؛ وأنّه كان يحمل معه المراسلاتِ الخاصّةَ أمرٌ محتمَل، لكنّ بريد ذلك العهد لم يكن قطعًا مؤسّسةً لنفع الجمهور، بل كان يخدم أغراضَ الحكومة وحدَها.٢) وكانت الخيلُ والسُّعاةُ جميعًا تُستخدَم في نقل الكتب. ويبدو أنّ السُّعاة كانوا هم المستعمَلين في فارس، إذ إنّ مراكز البريد هناك — كما يذكرها قدامةُ —

١) دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ، 453. ٢) على ما في المسعودي VI. 93 كان البريد ينقل الرسائلَ الخاصّةَ أيضًا. قارن شبرنجر: طرق البريد والسفر في المشرق، ص ١٥٩.

196

أقصرُ بكثيرٍ منها في الشام وبلاد العرب، وفي هذين البلدين كان سُعاةُ البريد يركبون الإبل.١) ولا بدّ أنّ مراكز التبديل كانت مجهَّزةً تجهيزًا قويًّا جدًّا، فقد كانوا يستعملونها كذلك في نقل الأشخاص. فوالٍ يمضي هو ومَن معه إلى الإقليم الذي أُسنِد إليه بالبريد، ونقلُ الجند كان يقع كذلك على النحو نفسِه كما بيّنّا من قبل (ص ١٧١).

وكانت مراكزُ البريد مقامةً في دولة الخلافة كلِّها، على طول طرق البريد الواصلة من الأقاليم إلى العاصمة، على مسافاتٍ مقدَّرة. وقد أنشأ المهديُّ في سنة 165هـ (781–782م) خطًّا من هذا القبيل من اليمن إلى مكّة، ومن هذه المدينة إلى بغداد.٢) وللتمييز بين خيل البريد — وهي مِلكُ الحكومة — وبين خيل الخاصّة، كانوا يجُزّون أذنابها على هيئةٍ مخصوصة.٣) ويقول ابن خرداذبه، وقد تولّى بنفسه خُطّةَ صاحب البريد العامّ في عهد الخليفة المعتمد، إنّ في الدولة كلِّها تسعَ مئةٍ وثلاثين محطّةَ بريد. وقد بلغت في عهده نفقةُ الدوابّ، بما في ذلك ثمنُ ما يُشترى منها جديدًا، وأرزاقُ السُّعاة وأهلِ البريد، 154,100 دينارٍ في السنة (أي نحوَ مليونَين ونصفِ مليونٍ من الفرنكات).٤) على أنّ الإنفاق على البريد في ولاية العراق وحدَها بلغ في عهد الخليفة الأمويّ هشامٍ أربعةَ ملايين درهم، ممّا يتبيّن منه أنّ خبر ابن خرداذبه المذكور لا يتناول إلا نفقاتِ إقليمٍ واحدٍ، ولعلّه العراق،

١) كانت مراكز البريد في فارس على مسافة فرسخَين فرسخَين (ستّة أميالٍ عربيّةٍ أو ساعتَي طريق)، وفي الشام وبلاد العرب على مسافة أربعة فراسخَ أربعةِ فراسخ (اثني عشر ميلًا عربيًّا أو أربعِ ساعات طريق). شبرنجر: طرق البريد ص ٢. ٢) ابن الأثير VI. 49. ابن تغري بردي ج ١ ص ٤٤٣. ٣) البلاذري ص ٣٧٥. ٤) ابن خرداذبه في الترجمة الفرنسيّة ص ٥١٢.

197

لا غير.١) وكان في دار الخلافة ديوانٌ خاصٌّ بالبريد. وكانت الكتبُ الواردةُ من الأقاليم كلُّها لا بدّ أن تمرّ بيد صاحب هذا الديوان. وعليه أن يعرض على الخليفة تقاريرَ أصحاب البريد وسائرِ المراسلين، أو أن يُلخّصها له قبل ذلك. وإليه كان يرجع الإشرافُ على كبار عمّال البريد وصغارِهم وعلى المستخدَمين في محطّاته، وعلى صرف الأرزاق، وتعيينُ أصحاب البريد في جميع قواعد الأقاليم.٢) وكان في بغدادَ دفاترُ دقيقةٌ جدًّا لمسالك البريد في الدولة كلِّها، تُثبَت فيها المحطّةُ بعد المحطّة وتُذكَر المسافةُ بين كلٍّ منها والأخرى بالضبط. ومن كتب مسالك البريد هذه نشأت أقدمُ كتب الجغرافية عند العرب.

وأمّا السرعةُ التي كان سُعاةُ البريد يومئذٍ يقطعون بها المسافاتِ الكبرى فلم تكن تدع مجالًا لمزيد. وقد بقي لنا خبرٌ مبالَغٌ فيه بيّنًا، وهو أنّ ساعيًا قطع في ثلاثة أيّامٍ مسافةَ مئتين وخمسين فرسخًا، أي نحوَ سبع مئةٍ وخمسين ميلًا إنجليزيًّا، وذلك عشرةُ أميالٍ إنجليزيّةٍ في الساعة.٣) وكان ساعي البريد يقطع الطريق من جُرجانَ إلى بغدادَ في عشرين يومًا.٤)

١) بلغ الإنفاق على البريد في العراق في عهد الوالي الأمويّ يوسفَ بنِ عمرَ أربعةَ ملايين درهم. الماوردي، الباب الرابع عشر، القسم الأخير ص ٣٠٦. ٢) شبرنجر: طرق البريد والسفر ص ١–٦. ٣) الفخري ص ٢٥٧، دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ج ١ ص ٣٢٥. ٤) ابن تغري بردي ج ١ ص ٤٥٢. والساعي الروسيّ الذي حمل خبر وفاة محمّد شاه إلى وليّ العهد — وهو ناصر الدين شاه الحاكمُ اليوم — إلى تبريز، قطع المسافة من طهرانَ إلى تبريزَ، وهي أربعةٌ وتسعون فرسخًا، في ثمانٍ وأربعين ساعة. بولاك: فارس ج ٢ ص ٥. ويقطع السُّعاةُ بخيل البريد عادةً عشرين ميلًا ألمانيًّا في اليوم. ومن طهرانَ إلى طرابزون، وهي مسافةُ نحوِ سبعٍ وثلاثين مرحلة، يركب الساعي عشرة أيّام؛ ومن طهرانَ إلى شيرازَ، وهي مسافةُ ثلاثٍ وعشرين مرحلة، في خمسة أيّام. بولاك: فارس ج ١ ص ٦١.

198

وقد استُعمِل بريدُ الحمام كذلك في وقتٍ مبكّر؛١) واستُعمِل في الأزمنة المتأخّرة، ولا سيّما في عهد الخليفة الناصر، على نطاقٍ واسع.٢)

وأمّا التنظيماتُ الإداريّة في عهد العبّاسيّين فينبغي أن نذكر منها بخاصّةٍ إحداثَ دواوين الحساب (دواوين الأزِمّة) لدى الدواوين المركزيّة الكبرى، وهو تدبيرٌ اتّخذه الخليفة المهديّ،٣) على أنّه ليس لدينا عن مداه أخبارٌ مفصّلة، فلا ندري أكان الأمرُ رقابةً على تصريف الأعمال عمومًا أم مجرّدَ مسكٍ منتظمٍ للدفاتر. وكما كان الشأن في عهد الأمويّين، ظلّ ديوانُ الخراج المركزيّ في عهد العبّاسيّين كذلك أعظمَ الدواوين شأنًا، إذ كانت مهمّتُه أن يجبيَ خراجَ العراق كلِّه — أغنى أقاليم الدولة — جبايةً مباشرة، وأن يُمسِك الدفاتر بما يُرفَع من خراج سائر الأقاليم. ولذلك كثيرًا ما ضُمّ إلى جباية الخراج ديوانٌ آخر، هو ديوان المعاون (ما يُجبى عَينًا).٤)

وكان ثاني الدواوين أهميّةً ديوانَ التوقيع، وهو يُقابل تمامًا ما نُسمّيه الديوانَ الملكيَّ الخاصّ. وقد كان هذا الديوان يُسمّى في عهد الأمويّين ديوانَ الخاتم، وإليه إخراجُ الأوامر الصادرة عن الأمير كلِّها، وإثباتُها في السجلّات، ورسمُ العلامة السلطانيّة عليها على الوجه المعتاد، وطبعُ الخاتم، وكتابةُ شعار الخليفة عليها — وهو في العادة آيةٌ من القرآن — ثم إنفاذُ المرسوم. ولا شكّ أنّ التقارير والرقاع المرفوعة إلى الخليفة كانت ترد

١) في عهد الخليفة المعتصم. المسعودي VII. 127. ٢) المجلّة الآسيويّة، السلسلة V، المجلّد VI، ص ٢٨٤. ٣) ابن تغري بردي ج ١ ص ٤٣٥. ٤) ابن الأثير IV. 379.

199

إلى هذا الديوان كذلك، وكان الوزيرُ الأعظمُ في العادة هو صاحبَ الإشراف الأعلى عليه. ومن أهميّة هذه الخُطّة يسهل أن يُفهَم أنّها كثيرًا ما مارست الإشرافَ الأعلى على الإدارة السياسيّة وراقبت الولاة، ولذلك كثيرًا ما يُذكَر هذا الديوانُ باعتباره جهازَ الرقابة الأعلى على ولايات الأقاليم جميعًا.١)

وكان ثَمّ ديوانٌ آخر لإدارة ضياع الخاصّة، ويحمل عنوان: ديوان الضياع.

على أنّه من العسير — بل يكاد يكون من المحال — أن يُتوصَّل إلى يقينٍ تامٍّ في حال جهاز الإدارة كلِّه في لحظةٍ بعينها، مع شُحّ أخبار المصادر، لأنّ الحكّام المختلفين كانوا يُحدِثون التغييرات مِرارًا وعلى هواهم. ففي عهد المتوكّل — أي في وقتٍ كان البيتُ العبّاسيّ فيه لا يزال في تمام قوّته القديمة تقريبًا — كانت الدواوين العليا كما يلي: ١. ديوان الخراج المركزيّ (ديوان الخراج، أي وزارة الماليّة)، ٢. ديوان الضياع، ٣. ديوان الزِّمام (أي ديوان المحاسبة الأعلى)، ٤. ديوان الجند والشاكريّة (وزارة الحرب)، ٥. ديوان الموالي والغلمان (أي موالي البيت الحاكم وغلمانِه)، وهو ديوانٌ لا نظيرَ له في أوروبا كما هو بيّن. وكان بالغَ الأهميّة، إذ كانت تُمسَك فيه سجلّاتُ آلافٍ مؤلّفةٍ من موالي الخلفاء ومماليكِهم، ومنه تُخرَج صكوكُ أرزاقهم. ٦. ديوان البريد،٢) ٧. ديوان زِمام النفقات.٣)

١) «ديوان التوقيع والتتبّع على العمّال»: دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ص ٥٥٢. ٢) قارن اليعقوبي: كتاب البلدان ص ٤٢. ٣) ابن الأثير VII. ص 27.

200

ويُعدّد قدامةُ الدواوينَ العليا القائمةَ في عهده على النحو التالي: ١. وزارة الحرب، ٢. ديوان النفقات، ٣. ديوان بيت المال، ٤. ديوان الرسائل، ٥. ديوان التوقيع، ٦. ديوان الخاتم، وفيه تُختَم الكتبُ وتُنفَذ، ٧. ديوانُ فضّ الكتب الواردة، ٨. دارُ الضرب وديوانُ عيار الأوزان، ٩. ديوانُ النظر الأعلى في الإدارة والقضاء (النظر في المظالم)، ١٠. ديوانُ إثبات الشُّرَط والمجنَّدين،١) ١١. ديوانُ البريد.

وكان دون هذه الدواوين المركزيّة العليا عددٌ محدودٌ من الدواوين الفرعيّة، إداريّةً وسياسيّةً وقضائيّة. ولم تعرف دولةُ الخلافة جهازًا إداريًّا ضخمًا على نحو ما كان في الدولة البيزنطيّة، وكانت الجماعاتُ المحليّة تتمتّع في شؤونها الخاصّة باستقلالٍ ذاتيٍّ من السَّعة بحيث كثيرًا ما عانت منه قوّةُ الحكومة المركزيّة. ولم يكن شيءٌ أغربَ على الروح الآسيويّة من إدارةٍ حكوميّةٍ مركزيّةٍ صارمة. فكلُّ قريةٍ وكلُّ مدينةٍ كانت في الحقيقة تحكم نفسَها،

١) العبارةُ التي ترجمتُها هكذا مشكوكٌ فيها جدًّا، فـ«شُرطة» تعني عادةً خُطّةَ صاحب الشرطة، و«أحداث» تُستعمَل في عهد الحروب الصليبيّة للدلالة على الجند المجنَّدين حديثًا. ونقرأ عند ابن الأثير في حوادث سنة 257هـ أنّ عاملًا أُقيم في البصرة على: الأحداث، وجزيةِ النصارى واليهود (الجوالي)، وأمورِ الشُّرطة (الشُّرَط). وقد كانت خُطّةُ الناظر في الجوالي تُضَمّ عادةً إلى الأحداث، فلعلّ هذا الأخير يُفهَم منه كذلك ضريبةٌ أو موردُ دخل. قارن المجلّة الآسيويّة 1862، آب، ص ١٦٠. ثم ابن الأثير VI. 6, 27. وقد ظهرت خُطّةُ «ولاية الأحداث» منذ عهد المهديّ، ابن خلدون: التاريخ العامّ ج ٣ ص ٢٠٧، ٢٠٨. وعلى ما في ابن خلدون: التاريخ العامّ ج ٣ ص ٤٥٣، كانت موارد الجوالي جزءًا من الدخل الذي يؤول إلى الخليفة وحدَه. وقد يُفهَم من لفظ «الأحداث» كذلك الموارد العارضةُ غيرُ المنتظمة.

201

ولم تكن الحكومة تتدخّل إلا إذا وقع اختلالٌ أو لم يُرفَع الخراج. ويبدو أنّ الحكومة لم تستثنِ من مذهبها في عدم التدخّل إلا المسائلَ المتّصلةَ بالزراعة، أي الإشرافَ على أمر الريّ وبناءِ السدود، إذ كان حاصلُ الغلّة ودخلُ الدولة موقوفَين على صيانتها. ولذلك عُدَّ إنشاءُ القنوات وصيانتُها من أهمّ ما على الحكومة، ويُشدّد أبو يوسفَ في رسالته إلى الرشيد على أنّ من أوّل ما يلزم حكومةَ الدولة أن تُنشئ على نفقتها القنواتِ الجديدةَ اللازمةَ للنهوض بالزراعة، وأنّ عليها كذلك أن تُنقّيَ وتصون القنواتِ الكبرى التي توزّع ماء الفرات ودجلة على الأراضي، ونفقةُ ذلك على الدولة من جهةٍ وعلى أصحاب المصلحة من جهةٍ أخرى. ويُنَبَّه كذلك صراحةً إلى أنّ نفقات البُتوق والمنشآت المائيّة والسدود على دجلة والفرات تُحمَّل على بيت المال وحدَه لعِظَم شأنها وعمومِ نفعها.١) وينبغي أن يمتدّ عملُ الحكومة إلى ضبط الأنهار كذلك، وقد عُدّ رفعُ كلّ ما يعوق الملاحةَ في الأنهار الكبرى — ولا سيّما الفراتِ ودجلة — من صميم ما على الحكومة.٢)

وفي الختام لا يسعنا أن نُغفِل أنّه، بينما كان أصحابُ البريد الكبار يتولّون شرطةَ الدولة العليا، كان ثَمّ منذ عهد المنصور شرطةٌ سرّيّةٌ كثيرةُ العدد جدًّا، تُوجّه انتباهها إلى أحوال حياة الناس كلِّها. وكانوا يختارون للتجسّس

١) أبو يوسف، الرسالة، ورقة ٦١ وما بعدها. ٢) نفسه، ورقة ٥٣.

202

رجالًا من طبقات السكّان جميعًا، ولا سيّما التجّارَ والباعةَ الجوّالين وأمثالَهم، فكانت تقاريرُهم تُبقي الخليفةَ على علمٍ دائمٍ بكلّ ما يُلاحَظ ويقع من الأمور المهمّة.١)

ولا حاجة إلى التنبيه على أنّ نظام التجسّس هذا — وهو من طبيعة الحكم المستبدّ — قد بقي إلى أزمنةٍ متأخّرة. وقد ازدهر في عهد الرشيد، وظلّ الخلفاء فيما بعدُ يصطحبون معهم إلى المعسكر، حتى حين يخرجون للغزو، عمّالَهم على الشرطة السرّيّة.٢) ولا يبدو أنّ نشاط الشرطة لحِقه مقتٌ خاصّ؛ فقد كان الناسُ قد ألِفوه أشدَّ الإلف.

١) قارن الأغاني XV. 36. دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ص ٢٣٤. ٢) دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ص ٤٦٦، ٤٩٨، ٥١٢، ٥١٤، ٥٦٧.

203

أمر الجُند

إنّ ما أحرزته جيوشُ المسلمين من نجاحٍ عظيمٍ إزاء جيوش الفرس واليونان، بل إزاء القوط أنفسِهم في إسبانيا بعد ذلك، يكفي وحدَه لرفع كلّ شكٍّ في أنّ العرب كانوا يومئذٍ أرقى من تلك الأمم في تنظيم جيوشهم. غير أنّ ما عُرِف إلى اليوم عن نظمهم العسكريّة، وعن نظم خصومهم كذلك، قليلٌ من الدقّة، حتى إنّ هذا وحدَه يُبرِّر بحثَ هذا الموضوع بحثًا أدقّ.

أمّا التدابير العسكريّة التي وضعها عمر، وقد عرفناها من قبل، فقد بقيت في عهد أقرب من خلَفه على حالها في الجوهر، أو على الأقلّ لم يبقَ من تلك الأزمنة خبرٌ يُمكِّننا من إعطاء بيانٍ أدقّ في هذا الباب. فقد كانت خلافةُ عثمانَ أقصرَ، وكان تنظيمُ الجيش القائمُ قد أثبت صلاحَه في حروب الفتح المتّصلة إثباتًا أتمَّ، من أن يخطر لأحدٍ إدخالُ تغييرٍ جذريٍّ ما. ثم إنّ الحرب الأهليّة التي ابتدأت باختيار عليٍّ للخلافة ولم تنتهِ إلا بموته، شغلت العقولَ شغلًا تامًّا، وقاتل الفريقان كلاهما بالوسائل نفسِها وعلى الطريقة نفسِها. غير أنّ النفوس زادت توحّشًا بالقتال المتّصل، وصارت الوقائعُ بين الجيوش العربيّة المتقابلة

204

أشدَّ دمويّةً وحقدًا بما لا يُقاس. ففي ما يُسمّى وقعةَ الجمل بين عليٍّ وبين رؤساء الفريق الذي لم يعترف باختياره للخلافة، سقط من هؤلاء الأخيرين 13,000 رجل، وفقَد الأوّلُ 5000، مع أنّ الوقعة لم تدُم غير يومٍ واحد، وقُوتِل فيها بأسلحةٍ قديمةٍ ناقصةٍ جدًّا. وفي وقائع صفّينَ التي لم تقع إلا بعد ذلك بستّة أشهر، وإن كانت قد دامت عشرة أيّام، سقط ما لا يقلّ عن 70,000 رجل.١) وكان ترتيبُ الجند في هذه الوقعة كذلك على الطريقة القديمة نفسِها، أي على القبائل. وكان السلاحُ سيفًا وتُرسًا، وقوسًا ونبلًا، ورمحًا ومِزراقًا. ومع ذلك يظهر شيءٌ من التقدّم في التنظيم العسكريّ، فقد ذُكِرت جماعةٌ من الجند عدّتُها 4000 رجلٍ تميّزوا عن غيرهم بعمائمَ خُضرٍ موحَّدة، فسُمُّوا لذلك كتيبةَ الخُضر.٢) وبلغ الجيشُ الشاميّ كذلك درجةً أعلى من إحكام البناء، إذ قاتل على القبائل هو أيضًا، لكنّه أبقى مع ذلك على التقسيم إلى أجنادٍ الذي أدخله عمر، فقد ذُكِر جندُ حمصَ وجندُ قِنّسرينَ صراحةً. أمّا نمطُ القتال وطريقتُه فكانا عربيَّين قديمَين خالصَين. فيبدأ الأمرُ بالمبارزات الفرديّة، ولا يقع الالتحامُ إلا بعد سلسلةٍ من هذه المناوشات، وعندئذٍ تتدخّل الخيّالةُ من الجانبين.

ثم وقع في ذلك تغييرٌ مهمٌّ بسرعةٍ لا بأس بها مع تولّي الدولة الأمويّة. ويبدو أنّ العرب أدركوا في حروبهم مع البيزنطيّين مزايا فنّ الحرب الرومانيّ إدراكًا متزايدًا، فبادروا إلى الأخذ به. فنجد أنّه منذ عهد الأمويّين

١) المسعودي IV. ص 293، 387. ٢) المسعودي IV. ص 356.

ملاحظات المترجم

- بيتا الفرزدق في خالدٍ القسريّ: أثبتُّهما مترجمَين عن الألمانيّة، لأنّ كريمر يورد ترجمةً ألمانيّةً للبيتين لا نصَّهما العربيّ؛ ولم أُعِد بناءَ نصٍّ عربيٍّ وأنسبه إلى الفرزدق، فذلك افتراء. والقارئ يجدهما في «الأغاني» في الموضع الذي أحال عليه كريمر. - «Rajah» (جمعُها عند كريمر Rajahs): يستعملها للذمّيّ من أهل الأرض المؤدّي للخراج، وهي في أصلها لفظةٌ عثمانيّةٌ («رعايا»)؛ ترجمتُها «الرعيّة» مع بيان السياق، ولم أُقحِم لفظ «الذمّيّ» إلا حيث اقتضاه المعنى. - «Majores domus»: أبقيتُها باللاتينيّة بين قوسين كما فعل كريمر، وترجمتُها «رؤساء القصر». - «Der Knicker» لقبُ خليفةٍ نبَزه به الناسُ لخفضه العطاء: هو «الناقص»، وهو اللقب المعروف ليزيدَ الثالث في المصادر العربيّة؛ أثبتُّه لأنّه المُعادِل المتّفَق عليه لا ترجمةً حرفيّةً للفظ الألمانيّ. - الرقم «1348» في إحالة ابن الأثير (V. 340, 341, 343, 1348) مضطربٌ في الأصل ولعلّه «348»؛ أبقيتُه كما هو، فإصلاح الإحالات ليس من عمل المترجم. وكذلك «fol. 95 1°» في إحالة ابن عساكر: «1°» تصحيفٌ ظاهر عن «r°» أو «v°»، وأبقيتُه على حاله ولم أُرجِّح.

- كتابُ عمرَ الثاني إلى قوّاده: أورده كريمر بالألمانيّة، ولفظُه يوافق حديثًا مشهورًا في السنّة؛ فأثبتُّه في العربيّة بصيغته المعروفة، ولم أزعم أنّه لفظُ الكتاب الذي كان بين يدي كريمر. وقد أسقطتُ من المتن شرحَه هو «(من الغنيمة)» بعد «لا تَغُلّوا»، فهو شرحٌ للقارئ الألمانيّ يُغني عنه اللفظُ العربيّ.

- أبياتُ الشاعر المصريّ في الوزير اليهوديّ: نقلتُها عن الترجمة الألمانيّة التي أوردها كريمر، ولم أُعِد صياغةَ نصٍّ عربيٍّ منسوبٍ إلى قائلٍ بعينه، فالمؤلّف لم يُسمِّ الشاعرَ ولم يُثبِت الأصل. - تعليقُ كريمر المقارِن («تعيينُ أوّلِ يهوديٍّ في منصب وزير… سُخط أوساطٍ بعينها») حكمٌ من أحكام عصره؛ نقلتُه على وجهه من غير تلطيفٍ ولا تعليق، على ما تقتضيه أمانةُ النقل. - «Gornälgy»: لفظٌ عثمانيٌّ («ژورنالجي» / جورنالجي)، أي كاتبُ التقارير السرّيّة؛ أثبتُّه معرَّبًا كما نطقه كريمر. - «Der Weizen schoss üppig in die Blüthe» صورةٌ ألمانيّةٌ ساخرة (ازدهار الزرع لِصالح المغامرين)؛ أبقيتُ الصورةَ على غرابتها لأنّها من سخرية المؤلّف. - «Oberpriester der Moslimen»: أثبتُّها «الكاهن الأعظم للمسلمين» على وجهها، وهي من ألفاظ كريمر الكنسيّة التي يصف بها الخلافة (ومثلها «الشؤون الكنسيّة» أعلاه)؛ ولم أُبدِلها بـ«إمام المسلمين» لئلّا يذهب أثرُ نظرته. - «Bozorgimihr» و«Nushyrwän»: بُزُرجمهر وأنوشروان، مثبَتان بصورتَيهما العربيّتَين المعروفتَين. - خبرُ الوزير والبومتين: ترجمتُه عن الألمانيّة؛ وهو خبرٌ سائرٌ في كتب الآداب السلطانيّة، ولم أنقله عن نصٍّ عربيٍّ بعينه.

- «Dywän altauky‘… der ganz dem entspricht, was wir die Cabinetskanzlei nennen»: ترجمتُ Cabinetskanzlei بـ«الديوان الملكيّ الخاصّ» طلبًا للمعنى الذي أراده كريمر (الديوانُ الخاصّ بالحاكم)؛ ولا مقابلَ عربيًّا تراثيًّا مضبوطًا للّفظ الألمانيّ. - «maäwin»: أثبتُّها «ديوان المعاون» مع بيانٍ مختصرٍ لمعناها عند كريمر (ما يُجبى عَينًا)، إذ لم يُفسِّرها هو إلا بـ«Naturallieferungen». - «botuk»: البُتوق (مفردُها بَتْق)، وهي في كتاب الخراج ما يُسدّ به الشقّ في السدّ؛ أبقيتُ اللفظ كما ورد عند كريمر مُعرَّبًا. - الحاشيةُ الطويلة على «الأحداث» و«الجوالي» و«الشُّرَط» هي حاشيةُ كريمر نفسِه وشكُّه هو في المصطلح؛ نقلتُها بتمامها ولم أحسم ما تركه معلَّقًا. - «Nachdem930 Poststationen»: كتبتُ العددَ بالحروف («تسعَ مئةٍ وثلاثين») لأنّه في الأصل دون فاصلة؛ وأبقيتُ 154,100 بالفاصلة لأنّه كمّيّة. - إحالةُ ابن الأثير «VIL p. 27» في الأصل: قرأتُها VII وأثبتُّها كذلك، فالحرف L تصحيفُ طباعةٍ عن I.