القسم 8 من 10
VI. أمر الجُند
205

كان قوّاد العرب ينزلون بعد كلّ مرحلةٍ من مراحل السير معسكرًا محصَّنًا بسورٍ وخندق، له بابان أو أربعة، تمامًا كما جرت به عادةُ الحرب عند الرومان.١) ولعلّ هذه العادة انتقلت إلى العرب عن الفرس، وهم قد أخذوها بلا شكٍّ عن الرومان، فإنّ الاسم الذي سمَّوا به حَفير السور لفظٌ فارسيّ (الخندق، بالفارسيّة: كَنْدَك).٢) وقد بقيت هذه المعسكرات المحصَّنة مستعمَلةً طوال عهد الأمويّين، وفي عهد العبّاسيّين إلى أيّام المأمون، ثم طواها النسيان شيئًا فشيئًا فيما بعد.٣) على أنّ قوّاد العرب لم يُحسِنوا وقاية أنفسهم من الغارات بمثل هذه التحصينات في المسير وحدَه — أُسوةً بالرومان — بل أقاموا في كلّ ما فتحوا من البلاد، عند المواضع ذاتِ الأهميّة الحربيّة، معسكراتٍ ثابتةً أنزلوا فيها عددًا مناسبًا من المقاتلة المستوطنين، فسكنوها بأهليهم، وأُجرِيت عليهم من الدولة أرزاقٌ سنويّةٌ، ولعلّهم أخذوا أعطياتٍ عَينيّةً كذلك، على أن يكونوا مستعدّين لأداء الخدمة العسكريّة عند كلّ أمر، وعلى ذرّيّتهم مثلُ ما عليهم. وقد حرّم عمرُ على هؤلاء المقاتلة المستوطنين الزراعةَ أشدَّ التحريم.٤) فنظّم عمرُ في الشام أربعةً من هذه المعسكرات الثابتة، وقسّم على مقتضاها جندَ العرب كلَّهم في هذا الإقليم إلى أربعة أجناد.٥) وتكوّن في مصر على النحو نفسِه تمامًا

١) كما في قتال المهلّب للخوارج: ابن الأثير IV. 162، 163، 280، 325. وقد كانت المعسكرات المحصَّنة معروفةً عند الفرس من قبل. ابن تغري بردي ج ١ ص ٣٤٠. دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ج ١ ص ١٩٤. ٢) في طريقة قتال الفرس تُنظَر ملاحظات قسطنطين بورفيروجينيتوس في كتابه «التكتيكا». ٣) قارن ابن خلدون: المقدّمة ج ٢ ص ٨٣. ٤) قارن: نُزهاتٌ في التاريخ الحضاريّ، ص ٦٤. ٥) البلاذري ص ١٣٢. تاريخ الأفكار السائدة في الإسلام ص ٣٢٩، الحاشية. وقارن ما تقدّم ص ٨٧.

206

المعسكرُ الثابت عند الحصن الرومانيّ ومدينةِ القبط القديمة بابليون، وقد أحاط بفُسطاط القائد فسُمّي لذلك الفسطاط. وزُوِّدت الإسكندريّةُ كذلك، لأهميّتها ثغرًا في وجه الهجوم من البحر، بحاميةٍ قويّة، غير أنّها لم تكن ثابتةً بل كثيرًا ما بُدِّلت.١) على أنّ المحطّتين العسكريّتين الكبيرتين، البصرةَ والكوفةَ في أرض بابل، كانتا أهمَّ بما لا يُقاس من معسكرات الشام ومصرَ الدائمة، وقد اختطّهما العربُ عقب فتح هذا البلد مباشرة. وكان موضعُهما جميعًا مختارًا اختيارًا بديعًا، يشهد بنظرٍ حربيٍّ سديدٍ جدًّا.

نزلت كتيبةٌ من الجند في سنة 14هـ (635م) على أطلال مستوطنةٍ قديمة (الخُرَيبة)؛ وأبرز القائد في كتابه إلى الخليفة ضرورةَ إقامة معسكرٍ يشتو فيه الجند ويستريحون من عناء الغزو، واقترح له الموضعَ الذي هو نازلٌ فيه، لقربه من الماء، ولكثرة القصب فيه وهو حطبٌ جيّد، ولوجود مراعٍ ممتازةٍ فيه كذلك. فأجاز عمرُ الاقتراح، وعلى هذا النحو نشأت أوّلُ مستوطنةٍ عسكريّة، ومنها قامت مدينةُ البصرة. فبنى الجندُ من القصب أخصاصًا للسكنى، كانوا إذا خرجوا إلى العدوّ نقضوها ببساطة، ثم أعادوا نصبها عند عودتهم. وسرعان ما كثُر السكّان، فبُنيت دورٌ أثبتُ، ومبانٍ عامّة، ومسجدٌ، ودارٌ للإمارة، وسجنٌ، وذلك من الطين واللَّبِن.٢)

١) قارن ما تقدّم ص ٩٣. ٢) كان عرضُ الشارع الأعظم بالبصرة، وهو المِربَد (السوق)، ستّين ذراعًا، وسائرُ الشوارع الكبرى (الشارع) عشرين ذراعًا، والأزقّة (الزُّقاق) سبعةَ أذرع. وكان في وسط كلّ خُطّةٍ من خطط المدينة موضعٌ

207

على أنّ واليَ معاويةَ بنى المسجد في عهده بالآجُرّ والجصّ، وجعل سقفه من خشب الساج، وزيّنه بأعمدةٍ حجريّةٍ جميلة.١)

ويُقال إنّ عدد الجند الذين نزلوا هذا الموضع أوّلَ الأمر لم يكن يزيد على ثمان مئة رجل.

وأمّا نشأةُ الكوفة فتُخبِرنا عنها أقدمُ المصادر بما يلي: أمر عمرُ قائدَ الجند بالعراق أن يبنيَ لجنده مجتمَعًا محصَّنًا ومَلجأً لا يفصله عن بلاد العرب ماء. فهمّ أن ينزل بالأنبار، غير أنّ الرجال لقُوا هناك من البعوض شدّةً اضطرّتهم إلى التماس موضعٍ أرفعَ قليلًا وأقربَ إلى البادية. فوقع الاختيارُ على الموضع الذي بُنيت فيه الكوفةُ بعد ذلك. فخطّ القائدُ حدودَ المستوطنة، وأنزل القبائل المختلفة منازلَ مخصوصة، كلًّا بحسب انتمائه إلى الفرع اليمانيّ أو النِّزاريّ. وأقام في الوقت نفسِه مسجدًا ودارًا للإمارة، وترك أمامها ساحةً واسعةً للاجتماع وسوقًا. وكان الذين عمروا أوّلَ النُّزول من اليمانيّة 12,000، ومن النِّزاريّة 8000. وقد سكنت كلُّ قبيلةٍ من هذه القبائل بالطبع خُطّةً خاصّةً بها، ولها مسجدُها الخاصّ ومقبرتُها الخاصّة. ونزل هناك كذلك بضعةُ آلافٍ من المقاتلة الفرس ممّن استأمنوا في وقعة القادسيّة، ففرَض لهم عمرُ أرزاقًا سنويّةً مقدارُها 1000 درهم. وهكذا نشأت الكوفةُ في سنة 17هـ (638م).٢)

تُربَط فيه الخيل، وهو أيضًا موضعُ المقبرة. الماوردي، الباب الخامس عشر. ١) البلاذري ص ٣٤٦. ٢) البلاذري 272، 273، 275، 346 وما بعدها. ابن الأثير III، 411.

208

وتكفي نظرةٌ إلى الخريطة برهانًا على حسن اختيار هذين المعسكرين الثابتين. فالكوفةُ تُسيطر على حركة الفرات، والبصرةُ على الاتّصال بالبحر؛ ولكلتا المدينتين الباديةُ من ورائها، ومنها كان يأتيهما أبدًا المددُ من الجند والعون.

وأمّا ما بلغتاه سريعًا من الشأن فأبينُ ما يظهر من أنّ عدد المقاتلة، على ما في دواوين العطاء، كان بعد ثلاثين سنةً فقط، في عهد الوالي زياد، على النحو التالي:

كان في البصرة 80,000 رجل؛ وبلغ عددُ أهليهم 120,000.١)

وكان في الكوفة في الوقت نفسِه 60,000 رجل، وبلغ عددُ أهليهم 80,000.٢)

ولمّا وَلِيَ زيادُ بنُ أبي سفيانَ خراسانَ سنة 51هـ (671م)، أخذ معه من المدينتين ما لا يقلّ عن 50,000 رجلٍ بأهليهم وأنزلهم هناك.٣)

على أنّه كلّما ازدهرت المدينتان، اشتدّت في أهلهما كذلك الرغبةُ في التخلّص ممّا عليهم من واجب الخدمة العسكريّة، إيثارًا للإقامة الوادعة بين ذويهم والتمتّعِ بمنافع الحياة المدنيّة وانتظامِ الأحوال، بدلًا من مواجهة الأخطار في بلادٍ متوحّشة. فظهرت مِرارًا مخالفةٌ صريحةٌ لأوامر الخليفة، وصارت البصرةُ والكوفةُ بؤرةَ فتنٍ خطيرة؛ فلمّا اشتعل ذلك القتالُ الرهيب الذي شنّته الفرقةُ المتشدّدة المعروفة باسم الأزارقة على حكم الخلفاء الأمويّين، أبَتا

١) البلاذري ص ٣٥٠. ابن الأثير IV. 108. ٢) البلاذري، الموضع نفسه. ٣) البلاذري ص ٤١٠.

209

أن تحملا السلاح. فبعث عبد الملك بالحجّاج الحازمِ الذي لا يلين واليًا على العراق، فأعاد النظامَ بعصًا من حديد، ونفّذ عمومَ الالتزام العسكريّ على كلّ ذكرٍ من أهل المدينتين، الكوفةِ والبصرة، بأشدّ ما يكون من الصرامة.١) ومضى في ذلك بحيث لا هوادةَ فيه، حتى إنّ كلّ من احتجّ بعاهةٍ في بدنه ليُعفى من الخدمة العسكريّة كان لا بدّ أن يخضع لفحصٍ رسميّ.٢) وبهذا ردّ المدينتين إلى غرضهما الأصليّ وجعلهما مستودعَين عظيمَين للجند. فقد أخرج مرّةً من كلٍّ من المدينتين 20,000 رجلٍ لغزوة على ملك سجستانَ المسمّى رُتبيل.٣) ولم يقنع بذلك، بل أنشأ — ليصل الكوفة بالبصرة ويُقيم بذلك سلسلةً من المراكز العسكريّة الكبرى — معسكرًا ثابتًا ثالثًا، سمّاه واسطًا لوقوعه في الوسط بين البصرة والكوفة والأهواز.٤) وقد استند الوالي الحازمُ في هذه الإصلاحات كلِّها — كما هو بديهيّ — إلى فيلقٍ موثوقٍ من جند الشام، وقد أنزلهم كذلك — وهو ما لم يُسمَع بمثله قبلُ — في دور الناس من غير تردّد.٥) وظلّت البصرةُ والكوفةُ من ذلك الحين إلى آخر الدولة الأمويّة المَعينَ الأكبر لقوّة الدولة العسكريّة، ومن المدينتين كانت تُجلَب حاميّاتُ أبعد الأقاليم كذلك. فقد تألّفت حاميةُ خراسانَ في عهد الخليفة سليمانَ من 40,000 بصريٍّ و7000 كوفيٍّ و7000 من الموالي.٦) ولمّا اشتدّ الضغطُ مرّةً على والي خراسان من الترك،

١) الأغاني II. 155. وقارن ص ١٧١. ٢) نفسه. ٣) ابن الأثير IV. 365. ٤) البلاذري 289. ٥) ابن الأثير IV. 386. ٦) البلاذري 423، ابن الأثير V. 9.

210

بعث إليه الخليفة هشامٌ بـ10,000 رجلٍ من الكوفة و10,000 من البصرة نجدةً له.١)

وعندنا كذلك أخبارٌ دقيقةٌ إلى حدٍّ ما عن القبائل ذاتِ الكلمة التي نزلت هذين المعسكرين الكبيرين. ففي الكوفة كانت الغلَبةُ الحاسمة للقبائل اليمانيّة، وعلى رأسها قبيلةُ مُراد، وكان شيخُها في عهد الخليفة يزيدَ الأوّل يقدر على 4000 فارسٍ مدجَّجٍ و8000 راجل؛ بل كان يقدر — إذا استدعى حلفاءَه من كِندةَ وهمدانَ وغيرِهما — على جمع ما يبلغ 30,000 فارس.٢)

وسكنت البصرةَ في خمس خِطَطٍ خاصّةٍ القبائلُ التالية: الأزد، وتميم، وبكر، وعبد القيس، وأهل العالية أي أهل المدينة.٣)

على أنّ التنظيم العسكريّ الأمويّ امتدّ إلى سائر الأقاليم أيضًا. فنحن نعلم أنّ عدد المقاتلة في الجزيرة — وهي الإقليم الأكثرُ تعرّضًا لغارات الروم — كان في عهد يزيدَ بنِ الوليد يزيد على 20,000 رجل؛ وقد كان هذا الإقليمُ يومئذٍ جندًا خاصًّا؛٤) وكان الجيش الذي جمعه آخرُ ملوك هذه الدولة حوله في المعركة الفاصلة التي كلّفته العرشَ والحياة لا يزال 120,000 رجل.٥) وهذه الوقائع أكثرُ من كافيةٍ للبرهنة على أنّ قوى الدولة العسكريّة كانت عظيمةً جدًّا، وأنّها كانت على كلّ حالٍ من التطوّر بحيث تُفسّر وحدَها تمامَ التفسير ما أحرزه السلاحُ العربيّ من نجاحٍ هائل، وإن كان يُضاف إلى ذلك أمرٌ آخرُ عظيمُ الشأن

١) ابن الأثير V. ص 125، ابن خلدون: التاريخ العامّ ج ٢ ص ٩١. ٢) المسعودي V. 140. ٣) ابن الأثير V. 53. ٤) ابن الأثير V. 234، البلاذري 132. ٥) ابن الأثير V. 319.

211

لا بدّ أن نتكلّم عليه بشيءٍ من التفصيل، وهو أرزاقُ الجند. غير أنّا قبل أن نمسّ هذه المسألة نودّ أن نُلاحِظ — إلحاقًا بما تقدّم عن نظام المعسكرات الثابتة الكبرى — أنّ العرب ظلّوا أوفياءَ لهذا النظام في فتوحهم كلِّها في القرون الأولى. فكانوا في كلّ إقليمٍ يفتحونه يختارون مدينةً حسنةَ الموقع ذاتَ أهميّةٍ حربيّة، فإن لم يجدوا مثلَها نزلوا معسكرًا محصَّنًا وأنزلوا فيه عددًا من الجند يسكنون بأهليهم، على أن يكونوا أبدًا مستعدّين لأداء الخدمة العسكريّة عند كلّ أمر.١) وكانت هذه الحاميّاتُ تُعطى في أوّل العهد أرزاقَها من خزينة الإقليم، ثم كثيرًا ما وقع فيما بعدُ أن أُقطِعوا أرضًا بدلًا من الرزق، لا يزرعونها بأنفسهم، لكنّهم يأخذون أرزاقهم من غلّتها. ومن هذه المعسكرات المحصَّنة، وقد نشأت منها مدنٌ في بعض المواضع: عسكرُ مُكرَمٍ في إقليم خوزستان؛ وشيرازُ في إقليم فارس، وكانت في الأصل معسكرًا محصَّنًا ثم بناها الحجّاج؛ والمنصورةُ في إقليم السند؛ ومرو في ما وراء النهر.٢) وأمّا في إقليم أذربيجانَ فكان الجند ينزلون أوّلَ الأمر بمراغة، ثم بأردبيلَ فيما بعد. وأمّا المعسكرات الثابتة بالشام فقد عُرِفت. وكانت قواعدُ الحاميّات في إفريقيا: الفسطاطَ وبرقة٣) والقيروان.

ويُستفاد من هذه المعطيات التي لم يُلتفَت إليها إلى اليوم أنّ العرب حين فتحوا نصف الدنيا

١) لمّا فتح العربُ قزوين بقيت بها حاميةٌ من 500 رجل، أُقطِعوا أرضًا زرعوها. وبقُوا مستقلّين تمامًا شأنَ حامية البصرة، ولهم حقُّ اختيار قوّادهم. باربييه دي مينار: المعجم الجغرافيّ لبلاد فارس، ص ٤٤٢. وتُقارَن كذلك ملاحظاتُ أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة ج ١ ص ١١٢. ٢) الإصطخري ص ٢٦٢. ٣) كان أعقابُ المقاتلة العرب المستوطنين يسكنون ضواحيَ برقةَ إلى عهد اليعقوبيّ. اليعقوبي ص ١٣٢.

212

وأحسنوا كذلك أن يحفظوا لأنفسهم زمنًا طويلًا مكانَهم أمّةً حاكمة، لم يفعلوا ذلك على غير تدبير، بل يبدو نظامُهم العسكريّ متفوّقًا تفوّقًا لا يُقاس على نظام خصومهم. ويظهر ذلك أشدَّ ظهورًا وأبلغَ إقناعًا من النظر في الحال المادّيّة للجنديّ العربيّ، ولا سيّما رزقِه بالقياس إلى رزق خصمه. فليست بنا حاجةٌ إلى برهانٍ على أنّه ما من جيشٍ في ذلك العهد قاتل بدافع الواجب أو حبّ الوطن وحدَه. فحسُّ الواجب خصلةٌ لا تظهر عاملًا حاسمًا إلا عند الأمم البالغةِ الرقيّ، وحبُّ الوطن فكرةٌ من المرونة بحيث فُهِمت وأُدرِكت على أنحاءٍ شديدةِ الاختلاف عند الشعوب المختلفة، وفي الأزمنة المختلفة، بل عند الأحزاب المختلفة في الشعب الواحد. وفي الدول الآخذةِ في الانحدار يتبدّد الشعورُ الوطنيّ وحسُّ الواجب بسرعةٍ كبيرة، وأمّا أنّ البيزنطيّين قد فقدوهما جميعًا منذ زمنٍ بعيدٍ فلا يكاد يحتاج إلى مزيد إثبات. وأمّا الفرس فقد أوهنت المنازعاتُ الداخليّةُ مملكتَهم، ويصعب افتراضُ أنّ هذا الشعور أثّر فيهم تأثيرًا قويًّا. وجيوشُهم تُعطي، على ما في الأخبار العربيّة، انطباعَ جموعٍ حُشِدت على عجل، سيّئةِ التنظيم، لا تُحرّكها فكرةٌ جامعةٌ كبرى. أمّا العرب فقد وقفوا أمام هؤلاء الخصوم دائمًا أمّةً محكمةَ البناء، موحّدةَ القيادة، تسري فيها روحُ انضباطٍ من حديد، تدفعها في آنٍ واحدٍ أقوى الروافع: الحماسةُ الدينيّة، مع نَهَمٍ لا حدَّ له إلى الغنيمة وشَرَهٍ إلى السلب. وبالقياس إلى المرتزق البيزنطيّ البائسِ الرزق، لم يكن الجنديُّ العربيّ مرزوقًا رزقَ الملوك وحسبُ، بل كان نصيبُه من الغنيمة المكفولُ له شرعًا بنصّ القرآن يفتح أمامه أبهى الآمال. فكانت الخدمةُ العسكريّة عند العربيّ ليست أشرفَ الحِرَف وأرضاها لله فحسب، بل أربحَها كذلك.

213

قد عرفنا من قبلُ أنّ الأرزاق السنويّة التي فرَضها عمرُ الأوّل لكلّ مسلمٍ كانت في الطبقة الأخيرة 600 و400 و300–200 درهم.١) والأرقامُ الأخيرة تخصّ النساء والصبيان؛ فيمكننا إذن أن نفترض أنّ أدنى ما كان يأخذه المقاتلُ العربيّ رزقًا سنويًّا 500–600 درهم. ولمّا كان الدينارُ في ذلك العهد يساوي 10–12 درهمًا، وقيمةُ الدينار ذهبًا تزيد على 13 فرنكًا، أمكننا أن نُقدّر الدرهم بفرنكٍ على الأقلّ. فكان جنديُّ العهد الأوّل يأخذ إذن نقدًا 50–60 فرنكًا في الشهر، وهو رزقٌ أعلى في ذاته بكثيرٍ ممّا كان يقدر إمبراطورُ بيزنطة على أدائه لمرتزقته في ذلك العهد. ويبدو فوق ذلك أنّ الجند كانوا يأخذون أعطياتٍ عَينيّةً كذلك إذا كانوا في الميدان. على أنّه قد ساد في بيت المال بالمدينة، منذ عهد عمر، فيضٌ من المال، ويبدو أنّ قيمة النقد هبطت كذلك بما جُلِب من غنائم الحرب الهائلة من المعادن النفيسة، حتى أمكن رفعُ الأرزاق رفعًا كبيرًا.

وقد بلغ عددُ الجيش العربيّ الدائم في عهد أوائل الخلفاء من بني أميّةَ نحوَ 60,000 رجل، وتُضيف أقدمُ المصادر صراحةً أنّ النفقة السنويّة على ذلك بلغت ستّين مليونًا. وذلك يُعطي في المتوسّط 1000 درهمٍ للرجل.٢)

وكانت القبائل اليمانيّة بالشام، وقد كان لها في فتح هذا البلد النصيبُ الحاسم، كتلةً سياسيّةً مهمّة. وهذه القبائل، التي يُسمّونها باسم جدّها التوراتيّ

١) وعلى ما في ابن خرداذبه كذلك، كان رزق جند الروم 8–12 دينارًا في السنة، لكنّ الأداء كان مضطرِبًا جدًّا. ٢) المسعودي V. 195.

214

قحطانَ (يُقطان) القحطانيّةَ أو القحطانيّين، قد أحسن معاويةُ مؤسّسُ الدولة الأمويّة أن يستميلها إليه بأن قدّم لها تنازلاتٍ كبيرة. فالتزمت له بأداء الخدمة العسكريّة بفيلقٍ من ألفَي رجل (من الفرسان)، لقاءَ رزقٍ مقدارُه 1000 درهمٍ للرجل؛ وفوق ذلك يكون لها حقُّ تدبير شؤون قبائلها باستقلالٍ تامٍّ من غير تدخّلٍ ما من أجهزة الحكومة، ويكون لشيخها في مجالس المشورة في شؤون الدولة مكانُ شرفٍ خاصّ، وما إلى ذلك.١)

وقد وجد من خلَف معاويةَ أنفسهم مضطرّين دائمًا إلى تثبيت هذه الامتيازات، فلم تكن القبيلةُ تُبايع الأميرَ الجديد إلا حينئذٍ. فلمّا وَلِيَ مروانُ الأوّل اضطُرّ هو الآخر إلى تثبيت هذه القبيلة القويّة على حقوقها القديمة، ولم يُعترَف به إلا بعد أن فعل؛ غير أنّ شيخ القبيلة أعلن في هذه المناسبة بكلّ صراحةٍ أنّه لا يرى نفسه مرتبطًا بالخليفة بمقتضى البيعة ارتباطًا أبديًّا بحال، وقال: «إنّما نُقاتِل من أجل الكسب، فإن أعطيتَنا مثلَ ما أعطانا من قبلك ثبتنا معك، وإلّا فلا شأنَ لنا بك».٢)

وأبينُ ما يظهر الطبعُ الساميّ الخالص في هذه الأمّة في أمر المال. فالطمعُ في المال من أثبت جوانب طبعها القوميّ. فلا شكّ إذن أنّ الجند لم يدعوا فرصةً تمرّ من غير أن ينتهزوها لرفع أرزاقهم. وسرعان ما بلغ الأمرُ أن صار للمال في الخصومات

١) المسعودي V. ص 200، 201. كان معاويةُ في أوّل الأمر يُعطي القبائلَ اليمانيّةَ وحدَها، الأغاني XVIII 69، ثم أعطى القيسيّةَ كذلك فيما بعد. ٢) المسعودي V. 201.

215

على ولاية العهد أثرٌ حاسم. فقد رفع الوليدُ الثاني عند توليته الأرزاقَ عشرةَ دراهمَ لكلّ واحد (ولعلّها ١٠٪)، وللشاميّين أكثرَ من ذلك.١) على أنّه كلّما عظُم ما يُطلَب من بيت المال، اشتدّ عجزُه عن إرضاء الجميع. ويبدو أنّه قد وقعت في هذا الباب صعوباتٌ منذ عهد عبد الملك، لم يُخفِّف وقعَها إلا أنّ خصمه، الخليفةَ المنازِعَ بمكّة، لم يكن هو الآخرُ قادرًا على أداء أرزاق جنده بانتظام. فقد كان قد ولّى أخاه مصعبًا البصرة، فترك هذا جندَه أطولَ مدّةٍ بلا رزق، ولم يستحِ مع ذلك أن يُصدِق امرأةً بالغةَ الجمال من أشرف بيتٍ مليونَ درهمٍ حين تزوّجها. فحمل ذلك قوّادَ الجند على أن يبعثوا بشكوى منظومةٍ إلى مكّة، جاء فيها هذان البيتان:

يُعطي العروسَ الغادةَ ألفَ ألفٍ، والجندُ جياعٌ ينتظرون العطاء!٢)

ومع أنّ عبد الملك ظفر آخرَ الأمر في قتاله لمنازعه على العرش، فيبدو أنّ ذلك كلّفه تضحياتٍ ماليّةً كبيرة؛ فقد التزم لإمبراطور بيزنطةَ، حمايةً لظهره وتفرّغًا لسحق منافسه بكلّ قوّته، أن يؤدّيَ إليه 52,000 دينارٍ في السنة، وذلك بشرطٍ مُذِلٍّ هو أن يُرفَع في كلّ يوم جمعةٍ 1000 دينار، على أن يَعِد البيزنطيّون بألّا يُغيروا بجندهم على أرض المسلمين.٣)

ومن عهد عمرَ الثاني، وقد أوقع الماليّة في اختلالٍ تامّ، لا شكّ أنّ الخللَ في أداء أرزاق الجند أخذ يزداد. ولم تكن الأرزاق

١) ابن الوردي ج ١ ص ١٨٦٥. ٢) الأغاني XIV. 170، هامر-بورجشتال: تاريخ الأدب ج ٢ ص ٦٧. ٣) ابن خلدون: التاريخ العامّ ج ٣ ص ٧٠، ابن الأثير IV. 251.

216

وحدَها هي التي تبتلع المبالغ الهائلة، بل العُدّةُ أكثرُ منها، ولم تكن رخيصةً بحالٍ كما قد يُظنّ. صحيحٌ أنّ الجيوش لم تكن يومئذٍ تملك بنادقَ ولا مدافعَ باهظة، وأنّ عُدّة الجنديّ العربيّ في ذلك الزمان كانت سيفًا ورمحًا وتُرسًا وقوسًا وجَعبة،١) غير أنّ آلات الحصار — وهي، كما سنرى فيما بعدُ، محاكيةٌ للرومانيّة محاكاةً تامّة — ثم الدروعَ والجواشنَ التي كثُر استعمالها شيئًا فشيئًا، قد ابتلعت قطعًا مبالغَ كبيرة. ثم إنّ نقل الجموع الكبيرة من الناس وتموينَها كان يقتضي، مع قلّة الطرق العسكريّة الجيّدة، نفقاتٍ عظيمةً جدًّا. فلا ينبغي أن يُدهشنا أن نقرأ أنّ الحجّاجَ واليَ العراق في عهد عبد الملك لمّا أنفذ حملةً من 40,000 رجلٍ إلى سجستان، كلّفت عُدّةُ هذا الجيش، من غير أرزاق الجند، مليونَي درهم.٢)

وفي أواخر الدولة الأمويّة أخذت الأحوالُ تسوء باطّراد، واضطُرّ الخليفةُ يزيدُ الثالث إلى خفض الأرزاق كلِّها عشرةَ دراهم (ولعلّها ١٠٪)، ولا شكّ أنّ رزق الجند نقص بذلك كذلك.٣) ومع هذا يُقال إنّ الجيش كان في عهد مروانَ الثاني لا يزال 120,000 رجل.٤) غير أنّه، على ما لهذه القوّة العسكريّة من شأن، وعلى ما أدخله هذا الأميرُ من تغييرٍ جذريٍّ في التعبئة وطريقةِ القتال، وهو تغييرٌ مصيبٌ جدًّا في تصوّره، لم يُوفَّق مع ذلك إلى أن يشدّ النصر إلى راياته.

١) ابن الأثير V. 127. وكان جندُ الوليد بن عبد الملك في عرضٍ لهم بمكّة مسلَّحين بالرماح والدَّبابيس الحديديّة. دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ج ١ ص ٧. ٢) ابن الأثير IV. 365. ٣) قارن ما تقدّم ص ١٨٢. ٤) ابن الأثير ص 319. دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ج ١ ص ٢٠٢.

217

وكانت أقدمُ صيغة قتالٍ عربيّةٍ — كما ذكرنا من قبل — الاصطفافَ على خطّ؛ فيُرتَّب الجندُ في خطٍّ واحدٍ أو خطوطٍ متعدّدةٍ متلاحمةٍ يهجمون على تلك الهيئة أو يتلقّون على تلك الهيئة هجومَ العدوّ. وكانوا يقسمون الجيش نفسَه منذ أقدم الأزمنة خمسةَ أقسام: الأوسطُ هو القلب، والقسمان على جانبَيه هما الميمنةُ والميسرة، وأمام القلب المقدّمة، ووراءه الساقة. وكان مكانُ القائد الأعلى عند القلب، لا يبرحه إلا في الحالات النادرة جدًّا. وكانوا يُسمّون هذا الترتيبَ للجيش تعبئتَه للقتال، وعلى هذه الهيئة كانت الجيوش تسير في مسيرها كذلك. ولا شكّ أنّ نظام المسير هذا، وهو مطابقٌ كلَّ المطابقة للنظام الرومانيّ، محاكاةٌ من العرب — كما في أشياءَ كثيرةٍ أخرى — للرومان، أو بالأحرى للبيزنطيّين؛ فلا ينبغي أن ننسى أنّ في أوائل الجيوش العربيّة، أيّامَ محمّدٍ ومن خلَفه، جنودًا كثيرين خدموا في جيش الروم والفرس وعرفوا نظامَهم وتعبئتهم معرفةً دقيقةً بلا ريب.

وكان العربُ يُميّزون، على ما ذكر ابن خلدون، بين نوعَين من القتال: يُسمّون الأوّلَ القتالَ بالكرّ والفرّ، والثاني القتالَ بالزحف صفوفًا. وكانت الأممُ التي تُقاتل بالنوع الأوّل تُقيم لنفسها من وراء الجيش ضربًا من الحِصن بتكديس الأثقال والدوابّ ونحوِها، ليكون لها موضعُ اعتصامٍ تنحاز إليه خيّالتُها وتجتمع فيه ثم تعود إلى الهجوم. وكان من أثر هذا النوع من القتال أن تظلّ الوقائعُ زمنًا طويلًا من غير حسم. على أنّ الأمم التي تهجم بالزحف صفوفًا كانت هي الأخرى

218

تُقيم أحيانًا مثلَ هذه الحصون من وراء الجيش.

وكان الفرس يُقدِّمون في قتالهم للعرب الفِيَلةَ إلى المعركة، تحمل على ظهورها أبراجًا مزيَّنةً بالرايات، مملوءةً بالجند والرُّماة. وكانوا في أثناء الوقعة يُبقون فِيَلةَ الحرب مصفوفةً وراء صفّ القتال في العادة، ولا يُدخِلونها المعركة إلا عند شدّة الضرورة. غير أنّ الفِيَلة لم تُغنِ في وقعة القادسيّة التي كلّفت الفرسَ إقليمَ العراق الجميل، فإنّهم لمّا أخرجوها من الاحتياط إلى القتال في اليوم الثالث، استطاع العربُ بجرح خراطيمها أن يُنفِّروها، فارتدّت وأحدثت في جيش الفرس أعظمَ الاضطراب.

وكان لليونان والقوط جميعًا، على ما ذكر ابن خلدون، عرشٌ يكون مجتمَعَ الجيش، يجلس عليه الملكُ أو القائدُ الأعلى في أثناء الوقعة يُراقب مجراها. وحوله يقف الخدمُ والحاشيةُ وحرسُ الجسد. وكانوا يغرِزون الأعلامَ في جوانب العرش الأربعة، ويُحيط به من كلّ جانبٍ حلقةٌ من صفوةٍ من الرماة وحملةِ الرماح. وكانت هذه العروش، وقد بلغت أحيانًا حجمًا هائلًا، مجتمَعًا لأقسام الجيش. وفي وقعة القادسيّة كان قائدُ الفرس جالسًا على واحدٍ منها؛ فلمّا رأى العربَ يخترقون صفَّ جيشه ولّى هاربًا نحوَ الفرات، فقُتِل هناك.١)

وأعرابُ البادية، شأنُ أكثر أمم الرُّحَّل ممّن يُقاتلون بالكرّ والفرّ،

١) كان للإمبراطور أوتّو الرابع في وقعة بوﭬين عربةُ رايةٍ رُكِّب فوق ساريتها نسرٌ راقدٌ على تنّينٍ ذهبيٍّ مقهور. راومر: تاريخ آل هوهنشتاوفن ج ٥ ص ٥٠٠.

219

يُقيمون لأنفسهم موضعَ تجمّعٍ من وراء الجيش بأن يُنيخوا هناك الإبل ويجمعوا سائرَ دوابّ الركوب والحمل مع النساء والصبيان.

وكانت عادةُ الجيوش العربيّة في العهود الأولى أن تهجم بالزحف صفوفًا. لا أنّ النوع الآخرَ من القتال كان مجهولًا عندهم، فهو موافقٌ تمامًا لعادات باديتهم، لكنّ أمرَين حملاهم — على ما ذكر ابن خلدون، ونحن نتّبعه في ذلك — على تفضيل النوع الأوّل. أوّلهما أنّه كان نوعَ قتال خصومهم كذلك، فاضطرّهم ذلك إلى أن يُقاتلوا على النحو نفسِه؛ وثانيهما أنّهم أرادوا كذلك أن يُقيموا الدليل على شجاعتهم بمهاجمة أعدائهم، وهم على يقينٍ من أنّ الموت في ميدان القتال يضمن لهم دخول الجنّة.

وأوّلُ حاكمٍ عربيٍّ ترك هذا النوع القديم من التعبئة — الصفَّ والأقسامَ الخمسة — مروانُ الثاني، آخرُ الأمويّين. فقد ترك التعبئة على خطٍّ والزحفَ صفوفًا، وأقام مكانها التعبئةَ في كتلٍ صغيرةٍ متراصّةٍ من الجند (الكردوس؛ cohors، κοόρτις).١)

وقد حفظ لنا ابن الأثير (IV. 341) وصفًا جيّدًا للتعبئة القديمة. كان على القائد الأمويّ عتّابٍ أن يُقاتل شبيبًا، القائدَ المرهوب لفرقة الخوارج المعروفة باسم الأزارقة. وكان جيشُه 40,000 رجلٍ من الجند النظاميّ (المقاتلة) و10,000 من الأحداث والتُّبّاع. فقسم جيشه ميمنةً وميسرة، وأخذ هو مكانه في القلب. ورتّب الرَّجّالة هناك في ثلاثة صفوف:

١) ابن خلدون: المقدّمة ج ٢ ص ٨١. ابن الأثير V. 267. ابن خلدون: التاريخ العامّ ج ٢ ص ١٦٥، ١٩٥.

220

في الصفّ الأوّل أصحابُ السيوف، وفي الصفّ الثاني أصحابُ الرماح، وفي الثالث الرُّماة.

وكان أصحابُ الرماح في مثل هذه الحالات يجثون على الرُّكَب ويُشرِعون الرماح.١)

ولنا مثالٌ على التعبئة الأحدث في الوقعة التي أوقعها طاهرٌ قائدُ المأمون بقائد جند الخليفة المنازِع الأمين. فقد عبّأ هذا جيشه على النحو التالي: قلبٌ وميمنةٌ وميسرة؛ ثم جعل عشرَ راياتٍ في كلّ رايةٍ 100 رجل، وصفّها في القلب بعضَها خلف بعضٍ بحيث تفصل بين الواحدة والأخرى مسافةُ رميةِ سهم (60–80 خطوة). وأمر أن تدخل المعركةَ واحدةً بعد أخرى، بحيث إذا أعيت الرايةُ الأولى حلّت الثانية محلَّها وأراحتها. وجعل أصحابَ الدروع في الصفّ الأوّل. أمّا طاهرٌ فقسم جيشه كراديس، وكانت له الغلبة،٢) إذ هجم على القلب فدفع الرايةَ الأولى إلى الوراء، فاختلّ بذلك سائرُها.

وقد وصف مسلمٌ إسبانيٌّ من القرن السادس، هو الطرطوشيُّ المعروف، صاحبُ كتاب «سراج الملوك»، وصفَ شاهدِ عِيانٍ طريقةَ قتال المسلمين في إسبانيا في مواجهة الجند الإسبان النصارى، فقال: الصفُّ الأوّل الرَّجّالة، مسلَّحين بتِرَسةٍ كاملةٍ (أي كبيرة) ورماحٍ طوال، ومعهم فوق ذلك مزاريق. فيأخذون مواضعهم في صفوفٍ متلاحمة. وقد غرَزوا الرماحَ في الأرض خلفهم، بينما يتهيّأون لتلقّي

١) ابن الأثير IV. 344. ٢) نفسه VI 168.

221

العدوّ بالمزاريق. ويجثو كلُّ جنديٍّ على رُكبته اليسرى ويُمسِك التُّرسَ أمامه مستندًا إلى الأرض؛ وخلف هذا الصفّ الأوّل يقف الرُّماة، وخلفهم تُصَفّ الخيّالة. فإذا وقع هجومُ العدوّ لم يجُز لأحدٍ من الجاثين أن ينهض أو يبرح موضعه؛ فإذا بلغ العدوُّ مدى الرمي رمى الرُّماةُ وقذف الرَّجّالة بمزاريقهم، ثم أشرعوا الرماح. وأمّا الخيّالة فتندفع من بين الفُرَج وتحمل على جند العدوّ.١)

وفي ختام هذا العرض لبنية الجيش العربيّ لم يبقَ علينا إلا أن نُضيف أنّ الأثقال والميرةَ والتُّبّاع، وكذلك الآلاتِ الثقيلةَ وآلاتِ الحصار، كانت تُنقَل في الساقة.٢) وقد تعلّم العربُ في هذا كذلك من البيزنطيّين. فكان لهم مثلُهم المجانيقُ والعرّادات (المنجنيق، العرّادة) يقذفون بها الكتلَ الحجريّةَ أو الجذوعَ على المدينة المحاصَرة. وكان لهدم الأسوار — كما في العصور القديمة — الكبشُ (aries)، ولنقب الجدران الدبّابةُ (testudo). وكانوا يُحسِنون صنع آلات القذف على قوّةٍ بحيث لا تطير الكتلُ الصخريّةُ التي تقذفها في قوسٍ فتخرق الجدرانَ والأقبيةَ عند سقوطها، بل ينطلق المقذوفُ في خطٍّ مستقيمٍ إلى الجدران فيخرقها. ولتحصيل هذا الأثر العظيم كان لا بدّ من إطالة أذرع الرافعة إطالةً كبيرة، حتى بلغت الآلاتُ أبعادًا هائلة. وأوّلُ ما تظهر هذه الأدواتُ الحربيّةُ المحسَّنة — وهي التي زعزعت فيما بعدُ في القرن الثاني عشر أسوارَ رافيللو قرب أمالفي، وأفزعت اليونان

١) «سراج الملوك»، ورقة ١٨٠ من نسختي، الباب ٥٨. ٢) دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ ج ٢ ص ٤٨٥، ٤٨٦.

222

في سالونيك — في حصار ساليرنو سنة 861 للميلاد وحصارِ سرقوسةَ سنة 877: فيبدو إذن أنّ الفضل في تحسين هذه الآلات الحربيّة إنّما يرجع على كلّ حالٍ إلى عرب إفريقيةَ أو صقلّيّةَ في عهد الأغالبة.١)

وعندنا، إلى جانب المصادر الشرقيّة، وصفٌ بالغُ الفائدة لطريقة الحرب عند العرب، وضعه إمبراطورُ بيزنطةَ ليونُ السادس الملقَّبُ بالحكيم في كتابه في أمر الجند: «التكتيكا». وهو لم يُقاتِل السَّرَاقِنةَ بنفسه، غير أنّ أباه باسيليوس — وهو يستند إلى تعاليمه وتجاربه — قد حاربهم بشيءٍ من التوفيق. ثم كانت تقاريرُ قوّاد الثغور والولاةِ متاحةً للإمبراطور على أوسع نطاق. وقد حكم ليونُ من سنة 886، وهي سنةُ وفاة أبيه، إلى وفاته سنة 912؛ فهو إذن معاصرٌ للخلفاء المعتمدِ والمعتضدِ والمكتفي والمقتدر، وقد كان نظامُ الدولة العربيّة يومئذٍ في انحطاطٍ بالفعل، غير أنّ المؤسّسات القديمة كانت مع ذلك لا تزال قائمةً تمامًا؛ ولا سيّما في عهد أوّلِهم، فقد أنهض الموفَّقُ أخو الخليفة الشجاعُ أمرَ الجند عند العرب نهوضًا كبيرًا بحروبٍ موفَّقةٍ على الخوارج، واستطاع في الوقت نفسِه أن يُزيح جندَ الترك الخاصّةَ، ولو إلى حينٍ قصير. وفي هذا العهد تقع أوصافُ ليونَ الحكيم، وقد اشتغل بالتأليف أكثرَ ممّا يحسن بأميرٍ ويُجدي، لكنّه اكتسب بذلك لقبَ الحكيم، وليس في حياته العامّة ولا الخاصّة أدنى ما يُسوِّغ له هذا اللقب. وهو يتناول في كتابٍ علميٍّ في أمر الحرب لا مبادئَ فنّ الحرب عند الرومان واليونان وحسب، بل يصف كذلك طريقةَ القتال عند الأمم المجاورة الكثيرةِ النزاع مع الدولة البيزنطيّة، وأوّلُها العرب

١) قارن أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة ج ١ ص ٣٩٦، ج ٢ ص ٥٣٨.

223

مكانةً، على أنّ أهل بيزنطة لم يكن عندهم يومئذٍ أدنى حَدْسٍ بالخطر الذي كان يتهدّد كِيان دولتهم من جهة الإسلام.

ولم يفترق الجنديّ العربيّ عن الجنديّ اليونانيّ افتراقًا ذا بال في السلاح والعُدّة، بل كانت عُدّتهما واحدةً في جملتها: القِسِيّ والنَّبل، والرماح والمزاريق، والسيوف وفؤوس القتال؛ يقي الرأسَ البَيضةُ، ويقي البدنَ قَباءٌ مُدرَّع، ويشدّ المقاتل على ذراعيه وساقيه صفائحَ الحديد. وكان السَّراسنة يُحسِنون تحلية المناطق والأعِنّة والسيوف بالفضّة، وسُروج خيلهم كسُروج البيزنطيّين لا تختلف عنها، وهي تطابق ما يجري به العمل في المشرق إلى يومنا هذا مطابقةً دقيقة (Tactica, Cap. XVII. 116) 1)

وأمّا نقل الأثقال وعتاد الحرب والميرة فلم يجرِ عندهم على ما جرى عليه اليونان من العَجَل ودوابّ الحمل من الخيل والبغال والحمير، بل كانوا ينقلون ذلك كلّه على الإبل. وفي المعركة لم يستعمل العرب

1) كانت عُدّة الجنديّ البيزنطيّ على هذا النحو: القوس والنَّبل والجَعبة، وتِراسٌ كبار، ودَرَقٌ صغار لمشاة الهجوم، أو تِراسٌ مستديرة من الحديد المصقول لها في وسطها نُتوءٌ أو شوكة، ورماحٌ طولها ثماني أذرع، ومزاريق، وفؤوسٌ ودَبابيس لها من جانبٍ سِنانٌ حديديّ على هيئة الإسفين ومن الجانب الآخر هلالٌ قاطع — وهي هيئةٌ لا تزال شائعةً جدًّا في تركيا إلى اليوم (بوزدوغان)، وقد بقيت أيضًا في هنغاريا مستعملةً على العموم باسم «فوكوش» — وسيوفٌ عريضة ذات حدّين تُحمل على الخاصرة، وأقبيةٌ مُغشّاةٌ بحَرَشَف المعدن أو متّخذةٌ من جلد الجاموس مصفّحة الصدر بالحديد، وصفائح حديد على الذراعين والساقين، وبَيضاتٌ من حديد، ومقلاعٌ وسِيفونٌ يُحمل باليد يُقذف به النار اليونانيّة. وأمّا الرامي الفارس فكان ينبغي أن يكون له درعٌ سابغة تبلغ الرُّكبة، ويحمل سيفه — وهو طويلٌ مستقيمٌ عريض — في حِمالة، وكانت الخيل مغطّاة الصدور والجِباه بصفائح الحديد، والسَّرْج هو بعينه السَّرْج الجاري به العمل في المشرق اليوم.

وقد وصف الإمبراطور قسطنطين البورفيروجينيتوس المقاتلة العرب في كتابه De administrando imperio في الباب العشرين فقال: هم أقوياءُ أهلُ حرب، حتى لو لم يشغل منهم معسكرًا إلا ألف رجل لتعذّر أخذه. ولا يركبون الخيل بل الإبل، ولا يلبسون في الحرب دروعًا من حديد

224

الأبواقَ ولا إشاراتِ القرون، بل طبولًا صغارًا كان لصوتها الأجشّ غير المألوف — ومثلُه منظر الإبل الغريب — أثرٌ بالغ في تنفير خيل الفرسان البيزنطيّين، على ما يؤكّده ليون (الباب XVII. 113). وكانت أعدادٌ هائلة من الإبل تصحب الجيوش العربيّة، ويجعلونها في القلب عند المسير. وجرت عادتهم أن يزيّنوا أقتابها بالرايات الصغار والخِرَق الملوّنة، كما لا يزال ذلك معمولًا به في القوافل، ويضيف الإمبراطور ليون أنّ هذا كان يزيد في هَوْل المنظر جملةً عند تكاثر الأعداد (الباب XVIII، 115). وكانوا يشدّون أزر المشاة برماةٍ من أهل إفريقية لا يحملون سلاحًا ثقيلًا، وهم يتقدّمون الفرسان مقدّمةً لهم (115). وكان الفارس يُردف الراجل خلفه على فرسه، فيحمل كلُّ فارسٍ راجلًا. غير أنّ هذا إنّما كان يقع في الغزوات القريبة؛ فأمّا في الحملات البعيدة فكانوا يُركبون المشاة أيضًا (116). وتجنّب السَّراسنة القتال ليلًا؛ ولذلك جرت عادتهم — متى صاروا في أرض العدوّ — أن ينزلوا بعد كلّ مرحلةٍ في مواضع حصينة يبيتون فيها، أو أن يُحكِموا تحصين معسكراتهم بعناية، حتى لا يخافوا بَياتًا من العدوّ (119).

وكان مصافُّهم أبدًا على هيئة مربَّعٍ مستطيل، ولذلك عَسُر الهجوم عليهم عُسرًا شديدًا، وكانت لهم في الدفاع أعظم الفوائد. 1)

من حديد (θώρακας) ولا دروعًا سابغة (κλιβάνια)، بل أقبيةً ذات ثنايا (وهي على الأرجح من جلدٍ مغشّى بحَرَشَف المعدن). وسلاحهم رماحٌ طوال، وتِراسٌ كبار تكاد تستر البدن كلّه، وقِسِيٌّ من عودٍ مَرِن هي من الكِبَر بحيث يكاد قِصار القامة يعجزون عن وَتْرِها.

1) لا بدّ أن يكون هذا هو الترتيب على هيئة الكراديس (karädys) الذي يتحدّث عنه أصحاب الحوليّات العرب.

225

ولزموا هذا المصافّ لزومًا شديدًا في المسير وفي المعركة وفي الملحمة جميعًا (119). ويضيف ليون أنّهم إنّما يحتذون في ذلك الرومان، فيقاتلونهم — هنا كما في غير ذلك — بالطريقة نفسها التي تعلّموها منهم بالتجربة (120). وكان السَّراسنة في هذا المصافّ يثبتون ثباتًا لا يتزعزع، فلا يستخفّهم التعجيل بالحملة، ولا يستخفّهم قطعُ القتال بعد ابتدائه. وكانوا في الغالب يؤثِرون انتظار الهجوم؛ فإذا رأوا أنّ الحملة الأولى قد رُدّت، أخذوا هم في الحملة بكلّ قوّتهم. ولزموا هذه الطريقة في القتال برًّا وبحرًا سواء. يرمون العدوّ أوّلًا بالمزاريق والنَّبل، ثم يُلصِقون التِّراس بعضها ببعض ويتقدّمون للحملة صفوفًا متراصّة (121، 122، 123).

ويمتاز السَّراسنة في الحرب على سائر الأمم بعظيم التبصّر وحُسن التدبير (124).

وهم لا يخرجون إلى الحرب مُكرَهين بالتجنيد، بل طَوْعًا. يشترك الأغنياء ليقاتلوا عن الوطن ويموتوا دونه، ويشترك الفقراء طلبًا للغنيمة. وأهل بلادهم هم الذين يمدّونهم بالسلاح، ويتسابق في ذلك الرجال والنساء جميعًا، فيجهّزون الفقراء والمعدَمين بالسلاح على نفقتهم (129). 1)

هذه في جوهرها هي المشاهدات التي ينقلها إلينا ليون الحكيم عن طريقة العرب في الحرب. وهو لا يَحدِس أنّ أولئك السَّراسنة الذين يسمّيهم بَرابرةً وكفّارًا كانوا يومئذٍ يفوقون البيزنطيّين المتعفّنين في الحضارة فَوْقًا بعيدًا، وأنّهم كانوا في ذلك العهد

1) قارِن المواضع الموافقة في Constantini Imperatoris Romani filii Tactica، وهي منقولةٌ عنه.

226

يمثّلون التقدّم والمدنيّة في مقابل بيزنطة، على حين كان الرومان الشرقيّون المنحطّون يحملون في أنفسهم بذرة الانحلال. غير أنّ أشياءَ كثيرة تقيم لنا الدليل على أنّ البيزنطيّين أنفسهم كانوا أحقَّ باسم البربريّة الذي رَمَوا به أولئك. من ذلك ما نتعلّمه من ليون: أنّهم كانوا يرمون السَّراسنة — ولا سيّما فرسانهم — بالنَّبل المسموم، لأنّ هؤلاء كانوا يعنَون بخيلهم عنايةً تكاد تفوق عنايتهم بأنفسهم، وكثيرًا ما آثروا الانسحاب على أن تُقتَل خيلهم بالنَّبل المسموم (136). وتخريب قرى العدوّ وإحراقها قاعدةٌ من قواعد الحرب عند البيزنطيّين (الباب IX)، بينما لا يُبيح ذلك حكمُ الحرب عند العرب إلا بقيودٍ معلومة، وإن كانت هذه القيود قد أُهملت كثيرًا في العمل. وأمّا بيعُ الأسرى أرِقّاءَ فكان قاعدةً عند العرب والبيزنطيّين جميعًا؛ ولم يكن الفرق إلا في قِسمة الغنيمة، فلم تكن عند البيزنطيّين فيها أحكام، على حين رسم الشرعُ للمسلمين فيها أصولًا ثابتة لا تتبدّل، وقد كانوا يلتزمونها في العادة التزامًا صارمًا ما دام النظام القديم لم يتراخَ بعد.

ويمكن أن يُستفاد من الموضع الأخير المذكور — حيث الكلام على اشتراك السَّراسنة في الحرب طَوْعًا على العموم — كيف كان حال التفوّق الخُلُقيّ للعرب على اليونان. ويقرأ المرء بين السطور كم آلَمَ الإمبراطورَ هذا التقابلُ بين ذلك وبين أحوال بلاده هو.

على أنّ ما يستحقّ عنايةً خاصّة هو ملاحظة ليون في الأعداد الهائلة من إبل النقل في الجيوش العربيّة؛ فبينما لم يكن البيزنطيّون يستعملون إلا الخيل والبغال والحمير أو العَجَل تجرّها الثيران، كان العرب ينقلون رجالهم وأثقالهم على الإبل نقلًا أسرع وأأمنَ بكثير، حتى عبر أرضٍ

227

لا ماء فيها لم يكن جيشٌ يونانيّ يقدر على اجتيازها؛ وهي مزيّةٌ لا يُبالَغ في تقديرها مهما بولغ. ولا أحسبني أقول أكثر ممّا ينبغي إذا زعمتُ أنّ العرب — بالبعير وحده — كان لا بدّ أن يخرجوا ظافرين من أكثر حروبهم مع اليونان. لقد فتح لهم هذا الحيوانُ الصَّبور الشامَ ومصر. ويظهر أنّ البعير لم يكن منتشرًا في آسيا الصغرى قبل الحكم الإسلاميّ، وإنّما تبع انتصارات الإسلام. وقد قدِم بغزوات الأتراك إلى أرض أوروبا مرّةً أخرى لأوّل عهدٍ به منذ اجتياح الفرس لبلاد اليونان، كما حمله العرب إلى الأندلس 1) — ومن هناك أخذ يختفي شيئًا فشيئًا بانقضاء حكم المسلمين. أمّا أعجب مثالٍ أعرفه على مصاحبة البعير لهجرات شعوب آسيا فهو في هجرة التتار الأخيرة من القِرْم إلى الدُّبروجة بعد حرب القِرْم؛ فقد جلبوا معهم إبلهم، فتأقلمت سريعًا وصارت تُستعمل للحمل وللحرث والجرّ. وقد رأيت في غالاتس عَجَلًا تتاريّةً تجرّها الإبل تعبر الدانوب المتجمّد.

ولا بدّ أن يكون منظر هذه الجيوش العربيّة عظيمًا مُبهِرًا حين كانت تجتاز أرض العدوّ في أرتالٍ لا يبلغها البصر. تتقدّم المقدّمةَ جماعاتٌ من الفرسان الخِفاف في دروعٍ لامعة وبَيضاتٍ من الفولاذ برّاقة، بأيديهم رماحٌ طوالٌ يزيّن أعاليَها خُصلةٌ من ريش النَّعام الأسود، وقد ضُمّت إليهم فِرَقُ الرُّماة: فتيانٌ سُمْرٌ عُصْبُ الأبدان أنصاف عُراة، يَعْدُون في سرعة ركض أولئك. وكذلك كان

1) في وقعة غرناطة سنة 1212م كان في جيش العرب 300 بعير. La Fuente: Historia de Grenada. Granada 1844, Tom II. p. 275.

228

الجناحان تحميهما سرايا الطلائع من الغارات. وفي القلب يتحرّك المشاة كُتَلًا متراصّة بالمزاريق والسيوف والتِّراس، وفي وسطهم تسير في صفوفٍ طوال ألوفُ الإبل تحمل الميرة والخيام وذخيرة السلاح، بينما تتلوها في الساقة المحفّاتُ لنقل المرضى والجرحى، ثم آلاتُ الحرب مفكَّكةً قِطَعًا معبَّأةً على الإبل والبغال ودوابّ الحمل. فإذا كان الخليفة نفسه أو أحد الأمراء مع الجيش، زادت روعةُ المشهد بأقبية الحرس الخاصّ الملوّنة المزيَّنة بالذهب: هناك ترى الحرس الفارسيّ بقلانسه السود العالية من جلد الحُملان، وحرسَ القصر التركيّ بعمائمَ ناصعة البياض، وعلى الرايات والأعلام يتلألأ اسمُ السلطان مطرَّزًا بالذهب، وهو يسير في وسط حاشيته محفوفًا بكبار القوّاد على بِرذَونٍ يتوهّج بالذهب والجواهر. ويتبعه على القُرب الخِصيان يُعرَفون بسهولةٍ من ملامحهم المشوَّهة، وسلسلةٌ من الهوادج مُسبَلة الستور فيها مختاراتُ نساء الحرم. ويرتفع من حينٍ إلى حين صوتُ الطبل الصغير المزدوج، أجشُّ نافذ، فيعلو ضجيجَ المسير ولَغَطَه. فإذا انتُهي أخيرًا بعد مرحلةٍ قصيرة إلى موضع النزول المعيَّن سلفًا، وقد أقام فيه الطليعةُ المتاريس والخنادق، نشأت فجأةً — كأنّما بإشارة عصا ساحر — مدينةٌ عظيمة من الخيام لها شوارع وأسواق ورِحاب؛ ولا تلبث نيران المعسكر أن تشتعل والقدور أن تغلي، فإذا فُرِغ من العَشاء البسيط أخذت الحِلَق تنعقد، يُسمَع فيها من يروي أخبار الحروب أو يُنشِد الشعر العربيّ القديم على صوت الناي أو الرَّباب. ولا يهدأ الأمر رويدًا رويدًا

229

إلا حين تنحدر النجوم في سماء الليل، فيسري سكونُ الليل على المعسكر وأهله على اختلاف أجناسهم.

وبهذا نكون قد ظفرنا بنظرةٍ جامعة على طريقة القتال وفنّ الحرب عند الجيوش العربيّة، تتيح لنا أن نتصوّر الأحوال العسكريّة في ذلك العهد تصوّرًا قريبًا من الصواب.

ولم يبقَ الآن إلا أن نستأنف خيط بحثنا من حيث تركناه، فنتكلّم على مسألة أعطية الجند في عهد العبّاسيّين أيضًا، بقدر ما حُفِظ من الأخبار في ذلك.

وقد رأينا فيما تقدّم أنّ عطاء الجنديّ العاديّ في عهد الأمويّين كان في المتوسّط 1,000 درهم في السنة. فلمّا نهضت دولة العبّاسيّين حدث في هذا الباب نقصان. فقد بلغ عطاء الجنديّ العاديّ في عهد الخليفة السفّاح، أوّل العبّاسيّين، ثمانين درهمًا في الشهر لا غير، أي 960 درهمًا في السنة؛ وكان الفارس يأخذ ضِعف ذلك تقريبًا. 1) وكان العطاء في أوّل الأمر أدنى من ذلك، ولم يأمر لكلّ جنديٍّ بجائزة 500 درهم ويرفع عطاء الراجل إلى ثمانين درهمًا إلا حين بلغه خبرُ الظفر في الوقعة على آخر الأمويّين. 2)

وعبد الله بن الأغلب، الذي وُلِّي إفريقية سنة 184هـ (800م) بعد أن كان من قبلُ عاملًا على كورة الزاب، أعطى سنة 196هـ (811—12م) كلَّ فارسٍ أربعة دراهم في اليوم، أي 120 درهمًا في الشهر و1,440 درهمًا في السنة، وأعطى كلَّ راجلٍ نصف ذلك. 3) ويظهر أنّ هذا العطاء عُدّ مرتفعًا على الخصوص،

1) ابن الأثير V. 322.

2) المصدر نفسه. ويُقال إنّ هذا الأمير زاد أيضًا في العطاء السنويّ 100 درهم. Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. 200.

3) ابن الأثير VI. 187.

230

إذ يُضاف إلى ذلك أنّ كثيرًا من البربر انتظموا كذلك تحت رايته. وأخيرًا عندنا من عهد أزهى ما بلغته الخلافة، أيّام المأمون، خبرُ أنّ الجيش الذي كان بالعراق وأقام على ضبط هذا الإقليم سنة 201هـ (816—17م) كان 125,000 رجل، وأنّ عطاء الراجل كان عشرين درهمًا في الشهر وعطاء الفارس ضِعف ذلك. 1) فلم يكن عطاء الفارس نفسه في السنة إلا 480 درهمًا. وأعطى المأمون مقاتلةَ جُندِ دمشق: لكلّ فارسٍ مئة درهم في الشهر، ولكلّ راجلٍ أربعين درهمًا. 2) فالنقصان إذن — بالقياس إلى مقدار العطاء في صدر عهد الأمويّين — يزيد على النصف.

وليس تعليل هذه الظاهرة بعسير. ففي مبتدأ الخلافة كانت الجيوش العربيّة قائمةً على العرب الخُلَّص وحدهم، ينتظمون في قبائلهم ويشتركون في الحرب لقاء المال الجزيل ورجاء الغنيمة الوافرة. وعلى هذه القبائل وحدها كان قِوام سلطان الحكومة. غير أنّ نهم العرب إلى المال لم يعرف حدًّا، فكانوا يطلبون ما لا حدّ له فيُجاب طلبهم، وفي مقابل ذلك كانوا يُحسِنون القتال. على أنّ الفتوح الإسلاميّة لمّا بلغت من الاتّساع الهائل ما بلغته في عهد الخلفاء الأوّلين، انتشر العنصر العربيّ انتشارًا اضطرّ الفاتحين اضطرارًا إلى أن يستكثروا من أنفسهم بأسرع ما يمكن. ولم يكن تعدّد الزوجات — وقد استُعمل إلى أقصى مدًى في تكثير الجنس العربيّ — يوفّر ما يُحتاج إليه من الرجال بالسرعة الكافية. وفي مقابل ذلك أفاد نشرُ الإسلام بالقوّة

1) ابن الأثير VI. 228. 2) Goeje: Fragm. Hist. Arab. 464. وقارِن أيضًا في الموضع نفسه ص 423 وص 433.

231

العربَ مددًا غزيرًا من القوى الجديدة، أدخلت — على كلّ حال — في نظام دولتهم عنصرًا غريبًا لا يُحسَب حسابه، ولم تظهر آثاره المفسِدة إلا بعد زمنٍ طويل. ففي تلك البلاد المختلفة التي صارت غنيمةً للسلاح الإسلاميّ، انضمّت إلى الغالبين جموعٌ كبيرة من أهل البلاد، بعضُهم عن اقتناعٍ بصدق دينٍ أحرز مثل هذه النجاحات الهائلة، وبعضُهم لدواعي المنفعة. وقد أعان على مثل هذا الدخول الجماعيّ في الدين ما في أحكام الدولة الإسلاميّة الأولى من نزعةٍ ديمقراطيّة خالصة، إذ كان الأصل المعمول به أنّ كلّ غريبٍ يدخل في الإسلام ينال بذلك جميع حقوق المسلم. صحيحٌ أنّه كان يفقد بمقتضى الأصول التي جرى عليها العمل في خلافة عمر مِلكَه للأرض والعَقار، لكن يبقى له مالُه المنقول، ويُكتَب في ديوان العطاء مع المسلمين، ويأخذ عطاءه في كلّ سنة. فهو من ذلك الحين من الجنس الحاكم، وما يتّصل بذلك من الفوائد ليس بالقليل قطعًا. ثم إنّ الداخل في الإسلام كان يقع له في العادة أن ينال بذلك في الوقت نفسه الانتظامَ في حِلف قبيلةٍ من كبريات قبائل العرب، أو ولاءَ قائدٍ من كبار القوّاد ورجال الدولة، بل ولاءَ الأسرة الحاكمة نفسها ربّما. وكان ذلك في تلك الأزمنة أوثق ضمانٍ لأمن النفس والمال. فيصير الداخلُ في الإسلام مَولًى، وتكون بينه وبين مَولاه — بحكم أصول الولاء — صِلةٌ كصلة النسب المباشر. 1)

فكان من ذلك أنّ جموعًا كبيرة من أهل البلاد المفتوحة، في الشام ومصر وإفريقية، وكذلك في العراق وفارس وما وراء النهر، انضمّت إلى الفاتحين

1) Gesch. der herrsch. Ideen d. Islams p. 372؛ Culturgeschichtl. Streifzüge p. 11 و15، وقارِن البلاذري 873.

232

بأن دخلوا في الإسلام ودخلوا في ولاء أُسَرٍ عربيّة أو قبائل عربيّة. ولا شكّ أنّ أكثر هؤلاء المُسلِمة الجُدد اختاروا حِرفة الحرب لِما فيها من الكسب، فانتظموا في الجيش. من ذلك ما ورد من أنّ طارقًا — وهو الذي فتح الأندلس والذي تحمل اسمَه جزيرةُ جبل طارق (Gabal Tärik)، وقد كان هو نفسه مَولًى — قوّى جيشه بالبربر الذين دخلوا في الإسلام حتى صاروا أكثر مَن فيه؛ على أنّ إسلام هؤلاء كان من السطحيّة بحيث اضطُرّ الأمر إلى إقامة معلِّمين للدين يعلّمون المُسلِمة الجُدد القرآن وأحكام الدين ويربّونهم على ذلك حتى يصيروا مسلمين. 1) وبهذا الجيش — وهو، كما ترى، لم يكن العربُ الخُلَّص فيه إلا الأقلّ — فُتحت الأندلس بعد قليل.

وعلى هذا النحو نفسه وقع في سائر البلاد اختلاطٌ عميق بين الأمّة الحاكمة وأهل البلاد المغلوبين. فنحن نجد في أخبار أوّل غزوات خُراسان روايةً مفادها أنّ الجيش الإسلاميّ الذي عبَر جيحون وحاصر الصَّغانيان كان خمسة آلاف رجل، خُمسهم مع ذلك من الفرس الذين أسلموا وصاروا يدًا واحدة مع العرب. 2)

فكان من ذلك أنّ الخلفاء لم يعودوا البتّة — كما كان شأنهم قبلُ — مُحتاجين إلى خدمة القبائل العربيّة الكبرى وحدها، بل صاروا يجدون في الشعوب الداخلة في الإسلام من الرجال ما شاؤوا. وكثُرت الجيوش كثرةً بيّنة، حتى بلغت في عهد أوائل العبّاسيّين مئاتِ الألوف، كما تدلّ الأرقام التي أوردناها آنفًا،

1) ابن الأثير IV، 428. 2) البلاذري ص 407.

233

غير أنّه كان لا بدّ من العناية بتنقيص العطاء بالقدر نفسه. ثم لا ينبغي أن يُنسى أنّ قيمة الذهب كانت قد ارتفعت منذ ذلك الحين نحوَ الثلث. فالدينار الذي كان يساوي في عهد عمر عشرة دراهم صار في عهد المأمون يساوي خمسة عشر درهمًا.

ولم يهزم العبّاسيّون الدولةَ التي سبقتهم بجندٍ عرب، بل الذي أعانهم على الظفر جيشٌ أكثره من أهل خراسان يقوده أبو مسلم. ولذلك يصحّ القول — وهو ما تُبرزه كتب أهل البلاد أنفسهم إبرازًا كافيًا — إنّ العنصر العربيّ كفّ عن أن يكون هو المسيطر في نظام الدولة منذ ابتداء حكم العبّاسيّين، إذ صارت الكلمة الفاصلة من ذلك الحين للفرس. 1)

وفي عهد الخليفة المنصور — وقد كان فيما يبدو كثير العناية بأمور الحرب، حتى إنّه كان يتولّى بنفسه العرض على جنده، فيجلس على سريره لابسًا الدرع والبَيضة ويُمِرّ الجندَ بين يديه — كان الجيش ثلاثَ فِرَقٍ كبار: 1) قبائل عرب الشمال (مُضَر)، 2) قبائل عرب الجنوب (اليمانية)، 3) أهل خراسان. 2) وهؤلاء الأخيرون هم حرسُ الأسرة الحاكمة على الحقيقة، وقد أحسنت الأسرةُ بهم أن تقي نفسها فتنَ الجند، بأن كانت تُغذّي الشِّقاق بين الفِرقتين الأوليين — وهما أبدًا متحاسدتان — فتضبط شطرًا من الجيش بشطره الآخر. 3) وقد مضى على هذه السياسة — سياسةِ تقسيم الجيش أقسامًا قوميّة مختلفة اتّقاءً لخطر فتنةٍ عامّة للجند — الخلفاءُ

1) نُزهات في التاريخ الحضاريّ ص 31. 2) ابن الأثير V. 462. 3) ابن الأثير V. 462. 463.

234

المتأخّرون، وإن كانوا بذلك قد جرّوا على أنفسهم الخطرَ الذي أرادوا اتّقاءه على أتمّ وجه.

وانضمّ إلى فِرَق عرب الجنوب وعرب الشمال وأهل خراسان في عهد المعتصم فيلقٌ رابع صار في وقتٍ قصير أخطرَها جميعًا: فيلقُ «الفراغنة» (faräghinah) أو الأتراك. وإنّما سُمّوا بالاسم الأوّل نسبةً إلى مدينة فَرْغانة وإقليمها، ومنها كان أكثرهم. وكانت تَرِد كلَّ سنة أعدادٌ كبيرة من الرقيق الترك إلى سوق بغداد، فتُباع للأغنياء من الخاصّة، ولا سيّما للبلاط، الذي كان يصله فوق ذلك عددٌ غير قليل من هذا الرقيق التركيّ في جملة ما تؤدّيه بعض كُوَر آسيا الوسطى من الأداء العينيّ السنويّ. وقد أدخل هذا الوِرْدُ المنتظم من الرقيق ألوفًا منهم في جيش الخلافة. ولمّا كان أكثرهم من إقليم فَرْغانة — وهو خانيّة خوقند التي فتح الروس اليومَ شطرًا منها — غلب عليهم اسمُ الفراغنة، ثم صاروا يُسمَّون بعد ذلك بلا قيد: الأتراك (aträk). وكما كان أقصى المشرق يؤدّي إتاوته من البشر إلى البلاط ببغداد، فكذلك كان شأن الكُوَر الواقعة في أقصى غرب الدولة: إفريقية والمغرب (موريتانيا). وقد كان الرقيق السُّود منذ القديم موضعَ تقديرٍ كبير في بلاطات المشرق، يُلتمَسون لوفائهم وطاعتهم ليكونوا أدواتٍ عُمْيًا حتى لأشدّ أوامر السلطان قسوة. وكان يخرج من داخل إفريقية، أي من السودان على الحقيقة، تصديرٌ قويّ للرقيق إلى مدن الساحل المتوسّطيّ التي في أيدي العرب. وكذلك كانت قبائل البربر المختلفة — وهي تثور في كلّ لحظة، ولا يعترف بعضها بسلطان وُلاة الخلفاء أصلًا — تُقدّم مددًا وافرًا. والبربر معروفون بجمال الخِلقة، فكانت الجواري منهم تدخل حرمَ الخليفة، وأمّا الغِلمان فكان ينتظمهم في حرسه الخاصّ.

235

وهكذا نشأ فيلقٌ خامس، قوميّ غيرُ عربيّ، سُمّي بالأفارقة (afärikah) أو المغاربة (maghäribah).

وهذا الفيلق — وقد كان أبدًا معروفًا بتوحّشه — أنشأه المعتصم، وألّفه أوّل الأمر من أعراب مصر، ثم كثّره بالسُّود والبربر.

غير أنّ هذه الأجناد الغريبة التي تقدّم الكلام عليها، والتي كان الخلفاء يميلون إلى الاعتماد عليها، لم تُثِر بما نالته من التفضيل وبتعدّيها وعَسفها سخطَ أهل بغداد وحدهم، بل سخطَ الأجناد المرتزقة من العرب أيضًا. 1)

وكان للمعتصم نُفورٌ ظاهر من العرب وإيثارٌ للغرباء؛ فقد محا العربَ جميعًا من دواوين الجند بمصر وقطع عنهم أعطياتهم السنويّة. 2) وركِب يومًا في عيدٍ من الأعياد محفوفًا بحرسه التركيّ في أسواق بغداد، فتعلّق بلجامه شيخٌ كبير يصيح: يا سيّدي! يا سيّدي! فأراد الحرسُ التركيّ أن يدفعه بالضرب، فنهاهم الخليفة وسأله: ما حاجتك؟ فأجاب الشيخ: لا جزاك الله خيرًا؛ جئتَنا بمثل هؤلاء القوم إلى المدينة، وأنزلتَ هذا الحرسَ التركيّ الغريب بين ظَهرانينا، فيتّمتَ بذلك أولادنا، ورمّلتَ نساءنا، وقتلتَ رجالنا! فسمعها المعتصم؛ ومن تلك اللحظة فقدت مدينةُ بغداد الطيّبة حُظوتَها عند سيّدها. فلم يعُد إليها، وانتقل إلى القاطول، وبنى لنفسه دارَ مُلكٍ جديدة بسامرّاء (سنة 221هـ، 836م) وانحاز إليها بجنده. 3)

1) ابن الأثير VI. 319.

2) ابن تغري بردي I. 642.

3) ابن الأثير VI، 319. دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ 478.

236

ولم يلبث هؤلاء المرتزقة الأتراك أن صاروا كالحرس البريتوريّ، يخلع قوّادُهم الخلفاءَ عن العرش ويعيدونهم إليه كما يشاؤون. وأدّى عَسفُ هذه العسكريّة المتزايدة القوّة وفَظاظتُها إلى نُفور الشعب من حكّامه نُفورًا تامًّا. ولمّا مات المعتصم وبويع الواثق قال الشاعر دِعْبِل هذه الأبيات:

إلى الله المُشتكى! لا الشجاعةُ تنفع ولا القوّة، ولا الصبرُ، إذا كان الشعبُ راقدًا: مات خليفةٌ فلم يحزنْ عليه أحد، وجاء آخرُ فلم يفرحْ به أحد. 1)

ولا بدّ لنا هنا من نظرةٍ راجعة إلى تنظيم الجيش في عهد أوائل العبّاسيّين.

ففي عهد الخليفة المهديّ نجد الجيش مقسومًا على هذا الوجه: الجُند، أي العسكر المُرتزِق، وأكثره من الغرباء؛ ثم الحَرْبيّة، أي المشاة العرب أصحابُ الرماح، حاملو الرماح من العرب؛ وأخيرًا المُطَّوِّعة، أي المتطوّعون. 2) وهؤلاء الأخيرون كانوا يشتركون بدافع الحميّة الدينيّة في حروب الغرباء على الخصوص، ولا سيّما في الصوائف على البيزنطيّين، وقد أخذت هذه الصوائف — شيئًا فشيئًا، ومن عهد المهديّ خاصّةً — تتّخذ أكثر فأكثر طابعَ تمرينٍ دينيّ عسكريّ يتكرّر في كلّ سنة بانتظام. وأمّا الطبقتان الأوليان — النظاميّون من غير العرب، وأصحابُ الرماح من العرب — فكانتا تُجمعان تحت اسم: المُرتزِقة (mortazikah)، في مقابل المتطوّعة الذين لا عطاء لهم. وقد ذُكر أنّ هارون الرشيد خرج في صائفةٍ على اليونان بـ135,000 من المرتزقة، سوى المتطوّعة والأتباع. ولم تكن الصائفة في حقيقتها إلا غارةً على نطاقٍ

1) الأغاني XVIII. 41.

2) ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 209, 238, 245, 260. وقارِن ابن تغري بردي I. p. 397. وكان في بغداد أيضًا مَحَلّةٌ تُسمّى باب حرب، ولعلّ اسم الحَرْبيّة مشتقٌّ منها.

237

أوسع: يدخلون أرض العدوّ فيخرّبونها ثم يعودون بأكثر ما يستطيعون من النَّهب والسبي.

وكان الاسم العامّ «المرتزقة» يشمل صنوف السلاح كلّها، أي الفرسان كما يشمل المشاة. وقد كان للخلفاء منذ ذلك العهد فيلقٌ خاصّ للرُّماة (النَّاشِبة، näshibah)، وآخرُ للنفّاطين (naffätyn) الذين كانوا يرمون العدوّ في الحصون بالنِّفط أو بالنار اليونانيّة. 1) وقد حُفِظ لنا خبرٌ يتبيّن منه أنّ هؤلاء النفّاطين كانت لهم ثيابٌ خاصّة يُزعَم أنّها لا تحترق، يستطيعون بها أن يقتحموا الحصون على العدوّ من خلال الأنقاض المشتعلة. 2)

وأمّا تركيب هذه الأجناد فلا نعلم منه إلا أنّه كان — على المثال الرومانيّ فيما يظهر — على كلّ عشرة رجالٍ عريف (‘aryf، decurio)، وعلى كلّ خمسين خليفة (chalyfah)، وعلى كلّ مئة قائد (käid). 3) وفي روايةٍ أخرى: على كلّ عشرة عرفاء، أي مئة رجل، نقيب (nakyb، centurio)، وعلى كلّ عشرة نقباء، أي 1,000 رجل، قائد، وعلى كلّ عشرة قوّاد، أي 10,000 رجل، أمير. 4) وقد رأينا من قبل أنّ الجماعة من مئة رجل تؤلّف رايةً، وأنّ عدّة رايات منها كانت تؤلّف على الأرجح كُردوسًا (Kardus). بل إنّ بداية توحيد لباس الجند، أي الزيّ الموحَّد، تظهر مبكّرةً إلى حدٍّ ما. فقد جرت عادة المعتصم أن يكسو حرسه الخاصّ (المماليك) ثيابَ الدِّيباج ومناطق الذهب. 5) ورسَم المتوكّل أن يغيّر المرتزقة جميعًا (الجُند) زِيَّهم القديم، وأن يلبسوا من ذلك الحين الطيالسة (tailasän) الضاربة إلى السُّمرة الفاتحة، وأن لا يعلّقوا

1) ابن خلدون: التاريخ العامّ III، 260. 2) الأغاني XVII. 45. 3) ابن خلدون: التاريخ العامّ III 299. 4) المسعودي VI. 452. 5) ابن تغري بردي I. p. 654.

238

السيوفَ بعد ذلك في حِمالةٍ على الكتف اليمنى كما جرى عليه العرب قديمًا، بل يشدّوها في المِنطقة على العادة الفارسيّة. 1)

ويُذكر بعد ذلك صنوفٌ أخرى من الجند لا نكاد نعرف منها غير الأسماء. فالشاكريّة اسمُ المرتزقة العرب في عهد المهتدي، 2) وهم الذين أثاروا في عهد هذا الخليفة — كما أثاروا قبله في عهد المستعين — فتنًا خطيرة، إذ نهضوا على المرتزقة الأتراك وما لهم من النفوذ الغالب. ولمّا أراد الحزب التركيّ إكراه الخليفة المهتدي على خلع نفسه، وقف أهلُ بغداد مع الأجناد العرب إلى جانبه، وطلبوا أن يُبعِد المرتزقة الغرباء عن حضرته، وأن يُعاد نظام الجيش القديم كما كان في عهد المستعين، وأن يُدفع العطاء في كلّ شهرين، وأن تُستردّ لبيت المال الإقطاعاتُ والضِّياع التي أُقطعها الضبّاط الأتراك بغير حقّ. وطلبوا أخيرًا أن يُسنِد الخليفة قيادة الجيش العليا إلى واحدٍ من أقرب ذوي رحِمه (أي إلى عربيّ)، وأن ينزعها من موالي الأتراك ومرتزقتهم. 3)

ونلقى بعد ذلك بقليل حرسًا خاصًّا للقصر يحمل اسم «غِلمان الحُجَر» (alghilmän alhogarijjah)، بينما صارت جمهرةُ المشاة العرب تُسمّى «الرجال المَصافّيّة» (alrigäl almasäffijjah). 4) ثم يُضاف إلى ذلك بعد حينٍ قسمٌ من الجيش يحمل اسم الساجيّة (Sägijjah)، ولعلّه نسبةً إلى أبي الساج، وقد كان له في ذلك العهد دورٌ سياسيّ كبير. 5)

1) ابن خلدون: Allgem. Gesch. III. 275. 2) المصدر نفسه III، 283، 295. 3) المصدر نفسه III. 299. 4) المصدر نفسه III. 379، 380. 5) المصدر نفسه III. 373.

239

وبهذا نكون قد تتبّعنا الأطوار المختلفة التي كان لا بدّ لأمر الجُند عند العرب أن يمرّ بها، حتى بلغنا تلك النقطة التي تراجع فيها العنصر العربيّ في أمر الجُند أيضًا — بنهوض أجناد الحرس التركيّ التي صار قوّادها يحكمون الدولة — تراجعًا كفّ معه عن أن تكون له مكانةٌ قائمة بذاتها. وقد طرأ على نظام الحرب كلِّه، تحت تأثير حكم السيف التركيّ، تحوّلٌ تامّ كان له أثرٌ بعيد في أحوال الدولة الماليّة والسياسيّة أيضًا. وقبل أن نحاول عرض هذا الطور الأخير من أطوار تاريخ الحضارة، نريد أن نُلقي بإيجاز ضوءًا على بعض نواحي النُّظُم العسكريّة العربيّة في زمن ازدهار الدولة تحت العبّاسيّين، ممّا لم يُلتفت إليه إلى الآن.

فما إن فتح العربُ الشامَ حتى أخذوا يحصّنون بأقصى ما يمكن كُوَر الثغور الشماليّة من هذه البلاد ممّا يلي آسيا الصغرى، ليأمنوا غارات البيزنطيّين الذين عدّوهم من ذلك الحين ألدَّ خصومهم. وقد حاولت الدولتان المتعاديتان في أوّل الأمر أن تحتجز كلٌّ منهما عن الأخرى بتحويل كُوَر الثغور إلى قفارٍ خالية. فترك اليونان الأرضَ الواقعة شمالَ أنطاكية وحلب، وخرّبوا ما فيها من العُمران، وفعل العربُ من جانبهم مثل ذلك. غير أنّ هؤلاء رسخت أقدامهم شيئًا فشيئًا، فأخذوا — وقد أحسّوا قوّتهم — لا يبنون ويحصّنون بعض ما تركه البيزنطيّون من القرى فحسب، بل أنشأوا كذلك المَحارس، ومدّوا فتوحهم رويدًا رويدًا إلى أرضٍ بيزنطيّة خالصة. وكانت المواضع ذات الأهمّيّة الحربيّة طَرَسوسَ وأَذَنة والمصّيصة ومَرْعَش ومَلَطية، وهي واقعةٌ على مُلتقى الطرق العسكريّة أو عند مخارج الدروب الجبليّة التي لا تستطيع الجموعُ الكبيرة من الجند أن تنفُذ من غيرها. وقد كان الأمويّون

240

قد صرفوا عنايتهم إلى تحصين الثغر. ففي كَفَربَيّا، ربَض المصّيصة، أي موبسويستة القديمة، بُني مَحرَسٌ إسلاميّ وأُنزلت فيه الجند. ولم يُهمِل عمرُ الثاني — وقد عرفنا مذهبه في التديّن — العنايةَ بخلاص أرواح الجند المرابطين هناك، فبنى لهم مسجدًا. وأمّا القلعة الحصينة فقد بناها قبله سَلَفُه عبد الملك. 1) وأمر هارون الرشيد بأن يُعاد بناء سُور المدينة بعد أن تداعت، وأتمّ المعتصم البناء. ولم تخرج موبسويستة من يد المسلمين إلى اليونان إلا سنة 384هـ (994م) حين فتحها الإمبراطور نقفور، ثم صارت بعد ذلك إلى ملوك الأرمن، فلمّا سقطت مملكة الأرمن عادت غنيمةً للمسلمين.

وأمّا مَرْعَش — وهي جِرمانيكية القديمة — ففتحها أوّلُ الأمويّين وأنزل فيها حاميةً، ثم عادت إلى البيزنطيّين، فانتُزعت منهم مرّةً أخرى في عهد الوليد الأوّل. عند ذلك حصّنها العربُ وأنزلوا فيها حاميةً تُستبدَل كلَّ سنة وتُنتدَب إليها من جُند قِنَّسْرين (خالكيس القديمة). ثم أخذها البيزنطيّون ثانيةً في عهد مروان الثاني، فأجلاهم عنها المنصور من جديد. وأخيرًا صارت المدينة إلى دولة بني حمدان بحلب، ومنهم انتقلت إلى ملوك الأرمن.

ولم تكن أطوارُ مَلَطية (مليتينة) أقلّ تقلّبًا. فُتحت في عهد معاوية ثم لم تلبث أن ضاعت. وظفر بها عمر الثاني مدّةً قصيرة لا غير. وخرّبها البيزنطيّون سنة 133هـ (750—51م). 2) وبعد ست سنين أمر المنصور ببنائها من

1) البلاذري 165.

2) وعلى ما عند البيزنطيّين فتحها الإمبراطور قسطنطين كوپرونيموس سنة 755م، وساق أهلها الأرمن والكرج إلى القسطنطينيّة.

241

جديد وبتحصينها، وأنزل فيها حاميةً من 4,000 رجل. وأمر أن تُبنى للجند دُورٌ خاصّة، لكلّ عشرةٍ إلى خمسة عشر رجلًا غرفتان وإسطبل. وكان كلُّ جنديٍّ يأخذ فوق عطائه المعتاد زيادةً قدرها عشرة دنانير، وأرزاقًا عينيّة بمئة دينار. وأُنشئت هناك أيضًا مخازنُ للسلاح، وحُصّنت النواحي بحصونٍ أخرى. 1) ثم عادت مَلَطية فسقطت في يد اليونان نحوَ سنة 1068 في عهد الإمبراطور رومانوس ديوجينيس، ولم ترجع إلى المسلمين إلا في عهد سلاطين قونية.

وأمّا طَرَسوس، المدينة العتيقة على نهر قِيدنوس، فقد كان البيزنطيّون قد أخلَوها فبقيت خرابًا. فأمر هارون الرشيد بشحنها بالجند وحوّلها إلى معسكرٍ عظيم دائم، وزاد جندَ حاميتها عشرة دنانير على عطائهم. وأمر بتحصين أَذَنة وأنزل فيها حاميةً، وأسكن عينَ زَرْبة — الواقعة على أحد عشر ميلًا إلى الشمال الشرقيّ من موبسويستة — مقاتلةً مستوطنين. وبنى بقرب مَرْعَش الحصنَ المسمّى باسمه: الهارونيّة. وأمّا الإسكندرونة فأعادت بناءها من الخراب زوجُه اللبيبة، زُبيدة المشهورة.

وأمّا حصن الحَدَث بقيليقية، وزِبَطْرة — وهي زاپِترون عند البيزنطيّين — والمدينةُ القديمة لاودكية على نهر ليكوس بفريجية، واسمُها اليوم إسكي حصار، وأخيرًا حصن منصور غربيَّ الفرات، فقد رمّم الخليفةُ المنصور بعضها وبنى بعضها بناءً جديدًا. وأمّا المعتصم — وقد صرف عنايته إلى هذه النواحي خاصّةً، وقاد جيوشه بنفسه إلى آسيا الصغرى — فأسكن المدينة القديمة طُوانة، مولدَ أبولّونيوس الطُّوانيّ، مقاتلةً مستوطنين من العرب؛ وكانت لها أهمّيّةٌ حربيّة خاصّة لوقوعها في سفح طوروس بقرب دروب قيليقية. وفرض لكلّ فارسٍ مئة درهم في الشهر، ولكلّ راجل

1) البلاذري 187.

242

أربعين درهمًا. ونقل هو نفسه إلى عين زَرْبة جماعةً كثيفة من أولئك الجات، وهم قومٌ من أهل الهند سمّاهم العربُ الزُّطّ. 1)

وهكذا يعرض علينا تاريخُ مدن الثغر هذه عرضًا واضحًا أطوارَ القوّة والوَهَن المتقلّبة عند القوّتين اللتين ظلّتا هنا قرونًا في صراعٍ قاتل. فكلّما ملكت إحداهما قدرًا أكبر من القوى، تراجع الطرفُ الأضعف ودفع الآخرُ حدودَه إلى الأمام. ولعلّه ليس على وجه الأرض بقعةٌ — ولا نستثني ضِفاف الراين ولا سهول لومبارديا — سُمِّدت فيها كلُّ حَفنة ترابٍ بالدم، وتُنوزِع على كلّ شبرٍ من أرضها هذا التنازعَ المتكرّر الضاري، كما وقع في هذه الثغور بين الشام وآسيا الصغرى. وقد بلغ العربُ في دور فتوحهم الأوّل تحت الأمويّين بسلطانهم إلى داخل قيليقية وكَبَّدوكية القديمتين. لكن قوّة الدولة لم تلبث أن وهنت بالمنازعات الداخليّة، فاستردّ البيزنطيّون جميع مدن الثغر المهمّة تقريبًا، وأخذوا ينتزعون قطعةً بعد قطعة من الأرض على مَهَل. فلمّا جاء العبّاسيّون وجدت الدولةُ قوّةً جديدة، فاستردّ المنصور مدن الثغر وأقام في كلّ مكان تحصيناتٍ جديدة. وفي عهد هارون الرشيد اتُّخذ تدبيرٌ بالغ الأهمّيّة، إذ أنشأ هذا الخليفة من كُوَر الثغر التي كانت إلى ذلك الحين تابعةً لجُند قِنَّسْرين كورةً قائمة بذاتها، تشمل أنطاكية ومَنبِج (هيرابوليس) ودُلوك (دوليخة) ورَعبان وقُورُس (كِيرُّس) وتِيزين، ونظّمها تنظيمًا حربيًّا خالصًا، إذ وُزّعت في جميع المواضع المهمّة حامياتٌ دائمة، وأُنشئت حصونُ ثغرٍ ومَحارسُ جديدة كثيرة. 2)

وصار لهذه الناحية كلّها من ذلك الحين اسمٌ خاصّ (العواصم، ‘awäsim)، وأقربُ ما يُؤدّى به هو تعبير «الثغر العسكريّ». وكانت الحاميات

1) ابن الأثير VI. 311، وقارِن أيضًا دي خويه: شذرات من التاريخ العربيّ II. 473. 2) البلاذري 132.

243

الموزَّعة هناك تأخذ عطاءها الثابت مع زيادةٍ معتبرة، وأرزاقًا عينيّة فوق ذلك، في مقابل أن يُبقوا سلاحهم ودوابّهم في حالٍ صالحة؛ وأُقطعوا كذلك أرضين يزرعونها لأنفسهم ولأهليهم. وسار على النظام نفسه مَن خلَف هارون الرشيد بعده مباشرةً. ونُقلت إلى هنا أيضًا قبائلُ بأسرها من كُوَر الدولة النائية، إحياءً للنواحي التي خرّبتها الغارات المتّصلة وأخلَتها من أهلها، وتقويةً للسكّان المسلمين. على أنّ ما أظهرته الخلافة العبّاسيّة من القوّة لم يدُم طويلًا، بل انتهى بتولّي الواثق، وعاد البيزنطيّون يدفعون العربَ إلى الوراء. ولم يتيسّر الدفاع عن كُوَر الثغر دفاعًا ناجحًا إلا حين رسخت بحلب دولةُ بني حمدان شبهِ المستقلّة. ثم نشأت بعد ذلك — عند الانحلال التامّ للخلافة، وبعون الصليبيّين — إمارةٌ نصرانيّة بأنطاكية، ومدّ ملوكُ الأرمن المقيمون بسيواس سلطانهم إلى هذه النواحي، إلى أن قويت دولة التركمان، سلاطينُ قونية، وجاء على آثارهم سلاطينُ المغول من ذرّيّة هولاكو، فزالت من هذه الأرض آخرُ بقايا الحكم النصرانيّ.

على أنّ آثار هذه الزلازل البشريّة لا تزال بيّنةً في تلك النواحي إلى اليوم. فأنت تجد على الطريق من حلب إلى الإسكندرونة وحدها في كلّ مكان أطلالَ كنائسَ قديمة وحصونِ فرسانٍ وعُمرانٍ مهجور.

وممّا اتّصل بالتنظيم العسكريّ لهذه الأرض الثغريّة الذي شرع فيه أوّلُ العبّاسيّين، ما كان يجري في ذلك العهد نفسه بانتظامٍ تامّ من عادة الصوائف. ففي كلّ صيف كان العرب يخرجون من ثغورهم بجيشٍ مناسب فيدخلون أرض اليونان، ثم يعودون بالغنيمة والسبي. وربّما

244

حُرّكت في ذلك جيوشٌ ضخمة: كما وقع في عهد المهديّ، فقد بعث جيشًا من 80,000 من المرتزقة ومعهم متطوّعةٌ كثيرون. 1) وقاد هارون الرشيد بنفسه عدّة صوائف من هذا القبيل، أوّلَها وهو بعدُ وليُّ عهد، بـ95,000 رجل. وقد أمر هذا الأميرُ — الذي أُثني عليه بغير حقّ — فضُرِبت أعناقُ ألفين من الأسرى. 2) وفي صائفةٍ أخرى لهذا الأمير بلغ الجيشُ 135,000 رجل سوى المتطوّعة، فتوغّل حتى طُوانة وفتح هِرَقلة. 3) وإنّما كانت المدينة الأولى موضعًا مهمًّا لوقوعها عند مخرج تلك المضايق التي لا يمكن الدخولُ إلى ما وراءها إلا منها. 4)

ومن البديهيّ أنّ البلدين، على مثل هذه العلاقة، كان كلٌّ منهما يرقب الآخر رقابةً شديدة، ويطلب العلم بكلّ ما يجري وراء الحدّ. ونحن نعلم عن الخلفاء علمًا يقينًا أنّهم كانوا أبدًا يُبقون في البلاد المجاورة من جهة الشمال أصحابَ أخبارٍ سرّيّين لهم، يُختارون من الجنسين جميعًا، يسافرون في أزياءٍ شتّى — في هيئة تجّارٍ أو أطبّاء في الغالب — ويرفعون أخبارهم السرّيّة إلى بغداد. من ذلك أنّ رجلًا اسمه عبد الله، يُعرف بسيدي غازي، خدم في عهد هارون الرشيد نحوَ عشرين سنة عينًا في بلاد اليونان.

ولا شكّ أنّ من مثل هذه الأخبار نشأ ذلك الوصفُ لدولة اليونان ووسائل

1) Weil: Gesch. d. Chal. II. 98, 100؛ ابن الأثير VI. 41. 2) ابن الأثير VI. 44, 45. 3) ابن الأثير VI. 134؛ Weil: Gesch. d. Chal. II. 160. 4) يمكن على ما عند الإصطخريّ تحديد الحدّ يومئذٍ مع آسيا الصغرى تحديدًا جيّدًا. فقد كان يمتدّ من شِمْشاط على مَلَطية وحصن منصور والحَدَث ومَرْعَش وزِبَطْرة والهارونيّة والمصّيصة إلى أَذَنة وطَرَسوس. ومن هنا يمتدّ خطُّ الحدّ إلى البحر، حيث كان حصنُ أولاس (إلايوسة القديمة) آخرَ مركزٍ عربيّ على الثغر. الإصطخري، نشرة دي خويه، ص 64.

245

دفاعها الذي حفظه لنا ابن خُرْدَاذبه. فقد ذُكر فيه بعنايةٍ عند كلّ كورةٍ من كُوَر الدولة البيزنطيّة عددُ المدن المحصَّنة والقلاع، ثم وُصفت في آخره قوّةُ البلاد الحربيّة. ولمّا كانت هذه الأخبار التي نقلها أصحابُ الأخبار العرب عن الأحوال العسكريّة لدولة اليونان في أواخر القرن الثامن ليست عديمةَ القيمة، فإنّي أُثبتها هنا، إذ يتيسّر بها كذلك مقارنتها بالتنظيم العسكريّ العربيّ.

كان في دواوين الجند البيزنطيّة قوّةٌ قِوامها 120,000 رجل. يقود الپاتريكيُّ الواحد 10,000 رجل، وتحت أمره تُرمارخيّان (τουρμάρχαι) يقود كلٌّ منهما 5,000 رجل. ثم خمسة درونغاريّين أو خيليارخيّين يقود كلٌّ منهم 1,000 رجل، 1) وخمسة تريبونيّين (comes) على كلٍّ منهم مئتا رجل، وخمسة هيكاتونتارخيّين (centuriones) على كلٍّ منهم مئة رجل، وعشرة ديمارخيّين (decuriones) على كلٍّ منهم عشرة رجال. 2)

وكما طلب الخلفاء العلمَ الدقيق بالبيزنطيّين، طلبوه كذلك بسائر شعوب الثغر الشماليّة. وقد بقي بعضُ تقرير عميلٍ بعثه الخليفة الواثق إلى النواحي الشماليّة ليستطلع أخبار الشعوب الصقلبيّة والتتاريّة النازلة على الفولغا وعلى سيحون. 3) وقد نُفِّذ في سائر الكُوَر كذلك نظامُ تحصين الثغور

1) الكلمة محرَّفة في طبعة ابن خُرْدَاذبه، غير أنّه يتبيّن بيقينٍ تامّ أنّ الصواب قراءة «الطُّرُنغَريّة»، وهي مطابقةٌ تمامَ المطابقة للفظ البيزنطيّ drungarii. قارِن «التكتيكا» للإمبراطور ليون، الباب IV من المتن.

2) وهناك مؤلّفٌ قديم، اليعقوبيّ، كتب سنة 278هـ (891—92م)، يُفيد هو أيضًا أخبارًا نافعة عن نظام الدفاع في الدولة البيزنطيّة. وممّا يُؤسَف له أنّ هذا الجزء بعينه من كتابه لم يبقَ منه إلا شذرات. والذي يتبيّن منه — كما نتعلّمه أيضًا من كتب البيزنطيّين — أنّ الجيش كان يتألّف، إلى جانب المرتزقة، من مِيليشيات إقليميّة، على كلّ مدينةٍ أو كورةٍ أن تجهّز منها عددًا معيّنًا وتقدّمه. اليعقوبي ص 110.

3) الإدريسي: Trad. par Jaubert p. 416.

246

الذي عرفناه قبلُ في ثغور الشام. فأُقيمت في كلّ مكانٍ المَحارسُ ومراكزُ الحراسة المحصّنة (الرِّباط، ribät)، تتعهّدها الحكومةُ أو يُجري عليها أهلُ الصلاح من المسلمين أوقافًا غنيّة؛ حتى إذا سقطت أهمّيّتها الحربيّة بتغيّر الأحوال صارت زوايا للدراويش ومَعابدَ لزُهّادٍ متنسّكين، يقضون فيها أيّامهم في تأمّلٍ كسول ينعمون بغلّة الأوقاف. ويتبيّن مبلغُ كثرة هذه الرُّبُط من أنّه قيل إنّ في ما وراء النهر منها بضعة آلاف. 1)

ولم يبقَ الآن إلا أن نتكلّم — قبل أن ننتقل إلى وصف الطور الأخير من أمر الجُند عند العرب — على الحروب البحريّة وأمر الأساطيل.

كان العرب في أوّل الأمر يمتنعون من كلّ سفرٍ بحريّ كبير، ويُقال إنّ عمر نهى عن البعوث الحربيّة في البحر نهيًا صريحًا. غير أنّ حملاتٍ كبيرة عبر البحر جرت منذ عهد أوائل الأمويّين. 2) على أنّه لا يكاد يُشكّ في أنّ الأسطول الذي استُعمل في ذلك كان في رجاله وعُدّته يونانيًّا شاميًّا أكثر منه عربيًّا بكثير. فبفتح الشام لم يخضع للخلفاء ساحلٌ ممتدّ فحسب، بل وجدوا في أهل المدن الفينيقيّة — المشهورة في القديم بجرأة أهلها في ركوب البحر — خيرَ بحّارة الدنيا. ويُقال إنّ العربَ نزلوا قبرص منذ سنة 28هـ

1) ابن خِلِّكان، بترجمة سلان، I. p. 159، الحاشية 3.

2) على ما عند قسطنطين البورفيروجينيتوس: De administrando imperio الباب XX، أخذ معاويةُ رودس وهدم تمثالها الشهير وحمل نحاسه. قارِن Theophanes ed. Bonn. p. 527. غير أنّ العرب لم يلبثوا أن فقدوا الجزيرة.

247

(648—49م). 1) وفي سنة 34هـ خرج والي مصر في غزوةٍ بحريّة كبيرة من الإسكندريّة، وكان الأسطول نحوَ مئتي سفينة. 2)

وبينما هم راسون على الساحل الليكيّ، في موضعٍ يسمّيه المؤرّخون العرب «الصواري»، هاجمهم قنسطانز بأسطوله وهو نحو 600 سفينة. 3) فقبِل المسلمون القتال غيرَ هيّابين. ثم لم يلبثوا أن أيقنوا أنّهم مغلوبون لا محالة إن هم اقتتلوا من سفينةٍ إلى سفينة. فبادروا إلى الالتحام ليقاتلوا رجلًا لرجل: أمسكوا سفن العدوّ بكلاليبَ من حديد وجذبوها إليهم وتسوّروها، واقتحموا على رجال اليونان بالرمح والسيف. فكان صراعٌ دامٍ خرج منه العربُ ظافرين. أمّا قنسطانز فقد تأخّر منذ بدأت السهام الأولى تُصفِّر، ثم لم يلبث أن ولّى هاربًا ونجا بشقّ الأنفس. 4)

وحضرت المعركة كذلك متفرّجةً Bosaisa، زوجُ القائد العربيّ، وكانت جميلةً جريئة. فسألها زوجها بعد المعركة: مَن تَعُدّين أشجعَ المقاتلة العرب؟ قالت: «صاحبَ السلسلة». وكان ذلك فتًى من المقاتلة، لمّا أمسكت سفينةٌ يونانيّة سفينةَ القيادة العربيّة بسلسلةٍ في أثناء الالتحام وخِيف أن تُجرّ بها، ألقى بنفسه على السلسلة غيرَ مبالٍ بالموت ولا بما يرميه به العدوّ، فقطعها. واسم هذا الشجاع علقمة، وكان يحبّ Bosaisa وقد خطبها

1) ابن تغري بردي I. 95. قارِن أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة I. 81.

2) ابن تغري بردي I. 90؛ ابن الأثير III. 90.

3) لعلّ كلّ سفينةٍ من هذه السفن كانت تحمل نحوَ مئة رجل. قارِن أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة I. p. 288.

4) على ما عند Theophanes ed. Bonn, 1839, I. p. 528 وقعت المعركة سنة 646م.

248

من قبلُ فلم يُجَب، إذ كان لا بدّ أن يتنحّى لخاطبٍ أرفعَ منه قدرًا، وهو الذي صار الآن قائدَ الأسطول الأعلى. فلمّا مات هذا بعد وقعة الصواري بسنين نالها زوجةً. 1)

وفي نحو سنة 668 أو 669م خرج من الإسكندريّة أسطولٌ من 200 سفينة فأغار على صقلّيّة، ثم عاد منها سالمًا موقَرًا بالغنيمة. 2) وفي عهد هارون الرشيد فُتحت رودس مرّةً ثانية.

ولا شكّ أنّ هذه الأساطيل العربيّة الأولى إنّما أخذت بحّارتها من مدن السواحل الشاميّة والمصريّة؛ والبحّارةُ والرَّبابنة جميعًا كانوا قطعًا في أكثرهم نصارى أو مُرتدّين عن النصرانيّة، يخدمون العربَ لقاء المال والغنيمة، وهم أوّل مَن علّمهم الملاحة. ثم كُسِب أهلُ الساحل الشاميّ والمصريّ للإسلام شيئًا فشيئًا، وألِف العربُ أمر البحر، فنشأت بذلك قوّةٌ بحريّة عربيّة على الحقيقة. واليوم صار ملّاحو الساحل الشاميّ وبحّارتُه مسلمين لا غير. وكانوا يبنون في دُور الصناعة بالمدن الساحليّة الشاميّة والمصريّة السفنَ ذوات الثلاثة صفوف من المجاذيف والغِلْيونات. ونعلم من كتاب الإمبراطور ليون أنّ هذه السفن العربيّة كانت تُبنى في عهده كبيرةً جدًّا، غير أنّها لثِقَلها لم تكن سريعة الجَرْي (Tactica Cap. XIX. 70). ولا شكّ أنّها كانت محتذيةً على السفن البيزنطيّة الثلاثيّة؛ وكان لهذه خمسةٌ وعشرون مَقعدَ مجذافٍ على الأقلّ في كلّ طبقةٍ من طبقتيها، وعدد المجذّفين مئة رجل، إذ كان على كلّ مقعدٍ رجلان. فكان على كلّ جانبٍ من السفينة خمسةٌ وعشرون رجلًا في صفّين أحدهما فوق الآخر. وكان المجذّفون مسلَّحين في الوقت نفسه كالجند. وعند مقدَّم السفينة سِيفونٌ مبطَّنٌ بالنحاس يُقذف به

1) أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة I. 92. 2) المصدر نفسه I. 99.

249

النارُ اليونانيّة، 1) ويعلوه «الپسِفدوپلاتيون»، وهو ضربٌ من الحصن من عوارضَ غليظة، فيه موضعُ الجند، يقاتلون منه مَن يتصدّى لهم من الأعداء ويرمون سفينتهم (الباب XIX. 6). وبُنيت أيضًا سفنٌ ثلاثيّة أكبر تسع مئتي رجل، خمسون منهم موزّعون على مقاعد المجاذيف، ومئةٌ وخمسون في الأعلى يقاتلون العدوّ (الباب XIX. 9). وأمّا السفن الأصغر، وهي المعدّة للجَرْي السريع خاصّةً، فكانت تسمّى الغِلْيونات (γαλέαι، XIX. 10).

ولا شكّ أنّ سفن الحرب العربيّة التي كانت تسمّى Kumbaria بُنيت على نحوٍ شبيه بذلك. 2)

ونهض أمرُ البحر نهضةً سريعة في ممتلكات العرب بإفريقية والأندلس على الخصوص. وكان مقرّ قائد الأسطول العربيّ الأندلسيّ الأعلى في العادة ببَجّانة (وهي اليوم پِتشينة، قريةٌ قرب المريّة) وبالمريّة، وفي هذين المرسَيَين كان الأسطول يرسو. ويظهر أنّه لم يكن مقصورًا على السفن التي كانت الحكومةُ نفسها تأمر ببنائها لحاجات الحرب، بل كان على كلّ كورةٍ أو مدينةٍ ساحليّة أن تقدّم عددًا معيّنًا

1) لم تكن هذه الأداةُ المهلِكة معروفةً عند العرب، ولا يَرِد استعمالهم لها إلا في مطلع القرن الثاني عشر. أماري: تاريخ مسلمي صقلّيّة II. 367.

2) لا يمكن إثبات هذه الكلمة في العربيّة على وجه اليقين، والأرجح أنّها محرَّفة؛ اللهمّ إلا أن تُؤخذ على أنّها العربيّة «كُبّار»، أي الكبار، أُلحقت بها علامةُ الجمع اليونانيّة. ثم إنّ اليونان في لغتهم الحديثة يستعملون للتعبير عن الباء الشديدة التي لا توجد عندهم تركيبَ μπ. وقد وردت عند المؤلّفين البيزنطيّين بالفعل صورةُ: κουμβάριον, κουρκούριον. Ducange: Gloss. inf. graec. — أمّا تفوّق البحريّة العربيّة على اليونانيّة فتعليلُه على الخصوص أنّ بحّارة العرب كان لهم بحكم القرآن أربعةُ أخماس الغنيمة، وليس ذلك لبحّارة اليونان؛ فالأوّلون إذن أصحابُ حظٍّ مباشر في نجاح سلاحهم. ابن حَوْقَل ص 132.

250

منها إذا استنفرتها الحكومة، كما كان الأمر جاريًا كذلك في عهد الفاطميّين بمصر؛ 1) فابن خلدون يذكر أنّ أسطول الخلفاء الأمويّين بالأندلس كان يُجمع من جميع مراسي الدولة، على أنّ يقدّم كلُّ مرسًى عددًا معيّنًا من السفن. 2) وكانت كلُّ سفينةٍ من أسطول الحرب تحت أمر قائد (Käid)، وهو الذي لا يشتغل إلا بالشؤون الحربيّة والعُدّة وتدريب جند البحر وشحن السفينة بالرجال، بينما يتولّى ضابطٌ ثانٍ يُسمّى الرَّيِّس (Rais) الملاحةَ وحدها وتدبير الشُّرُع والمجاذيف؛ وهو ترتيبٌ جرى به العمل في القرون الوسطى عند الأساطيل النصرانيّة أيضًا، ولا يزال قائمًا إلى اليوم في البحريّة الإنجليزيّة، حيث يُضمّ إلى قائد كلّ سفينةِ حربٍ ضابطٌ خاصّ (master) للملاحة. وكان رجالُ السفن من البحّارة والمجذّفين، ثم من جند البرّ الذين يُركَبون بهم البحرَ عند الغزو.

ولم يسِر تكوّن أمر البحريّة في البلاد الساحليّة الشرقيّة من البحر المتوسّط سيرًا موفَّقًا كما سار في الغرب. صحيحٌ أنّ البحريّة التجاريّة بدأت تنهض نهضةً كبيرة منذ عهد الأمويّين، وأنّ تجّار العرب صاروا بعد ذلك بقليل يَرِدون بحار الهند والصين نفسها. لكنّ المشرق بقي في بحريّة الحرب متأخّرًا كثيرًا عمّا بلغته الدول الصغيرة بإفريقية والأندلس في البحر. ومعلومٌ أنّ دول شمال إفريقية ظلّت — حتى بعد أن عادت الأندلس نصرانيّةً بأسرها — مالكةً أبدًا لقوّةٍ بحريّة معتبرة، حتى إنّ دول أوروبا كانت تؤدّي الإتاوة إلى قُرب أواخر القرن الماضي لتأمن على سفنها التجاريّة من القراصنة المغاربة.

1) المقريزي: الخِطط I. 482, 483.

2) ابن خلدون: Proleg. II. p. 40. وقارِن أيضًا Amari: Storia dei Musulmani etc. II. 1, 339.

251

على أنّ هذه الأساطيل العربيّة الأولى كانت في وجوهٍ كثيرة مثالًا احتذته أساطيلُ البلاد النصرانيّة، والدليل على ذلك ما بقي في لغات جنوب أوروبا من ألفاظ البحّارة العربيّة، مثل câble، وهو حبل المِرساة، وأصله العربيّ «حبل»؛ وArsenal، وبالإيطاليّة darsena، وأصله العربيّ «دار الصناعة»؛ وCorvette، وهو من الاسم العربيّ «غُراب»، 1) وغير ذلك كثير.

وننتقل الآن إلى النظر في آخر تحوّلٍ كبير طرأ على أمر الجُند في دولة الخلفاء، إذ حلّ محلَّ دفع العطاء المنتظم من بيت المال أن تُحال دخولُ كُوَرٍ بأسرها على قوّاد الجند ليدفعوا منها أعطية جندهم. وكما سنرى عند عرض التاريخ الماليّ، كان عهدُ المقتدر هو الذي بلغ فيه العجزُ ما لم يبلغه قبلُ قطّ. فقد خلا بيتُ المال، وصارت أكثرُ الكُوَر لا تحمل إلى بغداد شيئًا من الخراج، أو تحمل مقادير لا وزن لها بالقياس إلى ما مضى، وشُلّ سلطانُ الحكومة المركزيّة شللًا تامًّا، حتى اضطُرّ

1) إنّما سُمّي هذا الضربُ من السفن بذلك لسواد طلائه، ولهيئة بنائه الخاصّة على الأرجح. وتوجد الكلمة في اليونانيّة المتأخّرة على الصور: Golafros وGolabros وGolafos (قارِن Ducange: Glossarium infimae graecitatis وMuratori: Rerum Italicarum etc. VI. 112). والكلمة العربيّة «غُراب» اسمًا لضربٍ من السفن ترد بالفعل في كتاب Vocabulista in Arabico الذي نشره شياپارِلّي، تحت مادّة galea؛ غير أنّها نُسيت منذ ذلك الحين في العربيّة نفسها. — ومن هذا الباب أيضًا كلمة «حرّاقة»، أي سفينة الإحراق، وبها كان العرب يسمّون تلك السفن اليونانيّة التي تقذف النار اليونانيّة. وبين أواخر القرن الثامن ومطلع القرن التاسع أخذ العربُ كذلك يبنون مثل هذه الحرّاقات، ثم اتّسع معنى الاسم بعد قليل. وقد بقي في كلمة «carraca» أو «caracca» الواردة في حوليّات جنوة والبندقيّة. Amari: Storia dei Musulmani della Sicilia I. p. 302. وكلمة Admiral مأخوذةٌ من العربيّة أيضًا، لكن لا من «أمير البحر» بل من «أمير عليّ»، كما بيّن أماري: Storia dei Musulmani III. p. 351, 352.

252

الخليفةُ — طلبًا لموردٍ منتظم ولو على وجهٍ ما — إلى أن يُقطِع كُوَرًا بأسرها للولاة الذين كادوا يستقلّون، على شرط أن يلتزموا حملَ مبلغٍ مقطوع معلوم كلَّ سنةٍ إتاوةً إلى بيت المال ببغداد. فأقطع بعضَ الكبراء نواحيَ من الأرض على أن يجبوا الدخل كلَّه لحسابهم، ويدفعوا منه نفقات الإدارة وأعطية الجند، ويحملوا كلَّ سنةٍ مبلغًا معلومًا إلى البلاط ببغداد. وقد سُمّي هذا الإقطاعُ للكورة: المقاطعة (Mokätaah)، أي التضمين. وقد بقي هذا النظام سائدًا في فارس إلى أيّامنا هذه، على حين أُزيل أكثرُه في تركيا منذ مطلع هذا القرن وحلّ محلَّه تركيزُ إدارة الخراج كلّها في القسطنطينيّة.

وقد استولى قائدٌ تركيّ اسمه سُبُك على كورة أذربيجان الكبيرة، وطلب من الخليفة المقتدر أن يُقطَعها في مقابل إتاوةٍ سنويّة قدرها 220,000 دينار، فكان له ذلك. 1) وفي سِجِستان وكرمان تخلّص ثائرٌ من أصحاب هذه البلاد السابقين، أي السامانيّين، وسأل الخليفة أن يوليّه إيّاها في مقابل إتاوةٍ سنويّة قدرها 500,000 درهم، فأقرّه بالفعل (سنة 304هـ، 916—17م). 2) وأقطع أميرَ الديلم مَرْداويج أصفهانَ وماهَ الكوفة (الدِّينَوَر) وخوزستان في مقابل مبلغٍ سنويّ قدره 200,000 دينار، 3) وأقرّه الخليفةُ الراضي على جميع ما فتحه من البلاد والكُوَر في مقابل مبلغٍ سنويّ قدره مليون درهم. 4)

1) ابن خلدون: Allgem. Gesch. III. p. 370. 2) المصدر نفسه p. 370. 3) المصدر نفسه p. 384, 390. 4) المصدر نفسه p. 396.

253

ولا حاجة إلى التنبيه على أنّ الدولة انقسمت بذلك دولًا عدّة شبهَ مستقلّة، تحتفظ كلٌّ منها بجيوشها الخاصّة، إذ كان أمرُ الجُند نفسُه قد كفّ عن أن يُعدّ شأنًا مشتركًا للدولة كلّها. ولم يبقَ للخليفة إلا كُوَرٌ قليلة وحاضرةُ المُلك. ولمّا كان دخلُه قد ضاق هذا الضِّيق، ثم أراد مع ذلك أن يُبقي هيبتَه وأُبّهةَ بلاطه، اضطُرّ إلى تلك الوسائل من العَسف والمصادرة التي سنصفها عند الكلام على التاريخ الماليّ. واضطُرّ كذلك — ليشدّ إليه قوّادَ الأجناد الغرباء ويربطهم بأمره — إلى أن يهبهم ضِياع الخاصّة وتلك الأرضين التي آلت إلى الدولة بالمصادرات الكثيرة يومئذٍ. فلمّا استولى أخيرًا حكّامُ الديلم — المعروفون ببني بُوَيه — على بغداد وعلى شخص الخليفة استيلاءً تامًّا، وزّعوا على الجند أرضين إقطاعاتٍ عسكريّة بدل العطاء. وكانت هذه الإقطاعات معفاةً من كلّ خراج، وغلّتُها لأصحاب الإقطاع، أي للضبّاط والجند. فكان من ذلك أن تراجع العمران، ولم تلبث أخصبُ الكُوَر وأغناها أن افتقرت وخلت من أهلها. 1)

وهكذا أخذ الغرباءُ يُخرجون الأمّة العربيّة شيئًا فشيئًا من مِلك الأرض. فصار قوّادُ الجند الأتراك — وهم يومئذٍ يحكمون دولة الخلافة حكمَ الفاتحين — إلى ملك الأرضين المنتزَعة من العرب، وأقطعهم الخليفةُ إيّاها؛ فنشأت بذلك طبقةُ أشرافٍ إقطاعيّة عسكريّة من غير العرب، خرج منها — مع ازدياد ضعف الحكومة المركزيّة — عددٌ من صغار أمراء الإقطاع ومن الحكّام شبهِ المستقلّين، يتصرّفون في ضِياعهم تصرّفًا مطلقًا

1) ابن خلدون: Allgem. Gesch. III. 421, 435.

254

لا حدّ له، ويضربون السكّة بأسمائهم، وغايةُ ما يصنعون أن يُلحقوا بها اسمَ الخليفة القائم. — وقُبيل ابتداء الحروب الصليبيّة كان المشرق في بنائه السياسيّ والاجتماعيّ شبيهًا كلَّ الشبه بالمغرب في ذلك العهد: مقسومًا دولًا وإماراتِ إقطاعٍ كبيرةً وصغيرة، يعلوها رأسٌ دينيّ مشترك، هو الخليفة هنا كما هو البابا هناك. أمّا أمر الجُند فقد كفّ عن أن يكون عربيًّا منذ نهضة بني بُوَيه، وصار كلَّه إلى أيدي الأتراك أو الفرس، فأعادوا تشكيله من أساسه على نظام الإقطاع العسكريّ.

وفي عهد السلاجقة، الذين ورثوا بني بُوَيه في الوصاية على الخلفاء، كان نظام الإقطاع العسكريّ قد اكتمل اكتمالًا نجده — في أزمنةٍ متأخّرة عن ذلك بكثير — قائمًا في تركيا، ونجد بعضه معمولًا به في فارس إلى اليوم. فكلُّ فردٍ من الأسرة الحاكمة، وكلُّ أمير، كان يُقطَع مدينةً أو ناحية، يأمر فيها أمرًا مطلقًا ويباشر جميع صلاحيّات صاحب الإقطاع؛ له القضاء في أهل ضَيعته، وعلى الفلّاحين أن يؤدّوا له السُّخْرة. ويؤدّي صاحبُ الإقطاع إلى السلطان إتاوةً سنويّة، وعليه أن يخرج في الحرب بعددٍ معلوم من الجند يجهّزهم ويقوم بمؤنتهم على نفقته، ليؤدّي الخدمة الحربيّة لصاحب الإقطاع الأعلى، أي السلطان. ولم يُحسِن البقاء بين أمراء الإقطاع هؤلاء — وقد كان بالعراق وحده نحوٌ من أربعين منهم في عهد السلطان السلجوقيّ ملكشاه — إلا أُسرٌ عربيّة قليلة، مثل أسرة دُبَيس الصغيرة بالحِلّة، وكان عليها أن تؤدّي إتاوةً سنويّة قدرها 40,000 دينار. 1)

1) Defrémery: Journal Asiat. 1853, Avril-Mai, p. 429؛ Hammer-Purgstall: Gemäldesaal V. 83.

255

وقد نقل الأتراكُ والتتار — وهم من ذلك الحين يظهرون في آسيا الأماميّة كلّها أمّةً فاتحةً حاكمة — نظامَ الإقطاع العسكريّ هذا إلى كلّ موضعٍ نشروا فيه راياتهم الظافرة: إلى مصر وغرب إفريقية كما إلى فارس والهند، بل عبر البوسفور أخيرًا إلى تراقية وبلاد اليونان، إلى أرض أوروبا، حيث لم يسقط إلا منذ إصلاحات السلطان محمود وإنشاء الجيش النظاميّ.

256

المالية.

أوّلًا: نظرة عامّة.

1. عهد الأمويّين.

يقوم النظام الماليّ في الدولة العربيّة كلَّ القيام على نُظُم تلك الدول التي كانت تملك من قبلُ البلادَ التي فتحها العرب، أي الدولة البيزنطيّة في البلاد الغربيّة والدولة الفارسيّة في البلاد الشرقيّة. فقد أخذ العرب عنهما أهمّ نُظُمهما: من ذلك نظامُ المكاييل والموازين مع أمر السكّة. بل إنّ أحكام الخراج التي وضعها عمر الأوّل كانت تستند — كما يذكر المؤرّخون العرب — إلى قانون الخراج الفارسيّ على الوجه الذي رتّبه به كسرى أنوشِرْوان.

ويمكننا على كلّ حال أن نفترض أنّ مقدار الخراج الذي جباه الفاتحون في الكُوَر التي كانت من قبلُ من الدولة الفارسيّة لم يكن البتّة أقلّ ممّا كانت هذه البلاد تؤدّيه في عهد ملوك ساسان. وعندنا أخبارٌ موثوقة إلى حدٍّ بعيد عن جباية ملوك الفرس. فابن خُرْدَاذبه — وهو مجوسيٌّ دخل في الإسلام، وقد كان قطعًا حسنَ المعرفة بتاريخ قومه وبلاده، وعاش في النصف الثاني من القرن التاسع الميلاديّ ببغداد وتقلّد فيها منصبًا رفيعًا — يذكر ما يلي: «جبى الملك پرويز في السنة الثامنة عشرة من مُلكه من

257

خراج مملكته جملةَ 420 مليون مثقال، وذلك — إذا حُسب المثقال بوزن السبعة، أي 10 دراهم = 7 مثاقيل — يبلغ 195 مليون درهم؛ ثم صار دخلُ المملكة بعد ذلك 600 مليون مثقال». 1)

وأمّا قُدامة — وقد تقلّد منزلةً رفيعة في البلاط ومات سنة 337هـ (948—49م) — فيورد في كتابه في الخراج هذا الخبر: «يُزعم، قال، أنّ كسرى پرويز (كسرى الثاني) أمر بإحصاء مقدار خراج مملكته، وذلك في السنة السابعة عشرة من مُلكه (619م). وكانت في يده جميعُ تلك الكُوَر التي سمّيناها إلا الغربيّة منها، إذ كان حدُّ مملكته عند هِيت. وكانت جميعُ بلاد الغرب التي ذكرناها لليونان؛ وبلغ مقدار حاصل خراج مملكته 720 مليون مثقال، وذلك في الفضّة 600 مليون درهم».

وهذان الخبران متّفقان في الرقم 600، غير أنّ ابن خُرْدَاذبه أخطأ في الحساب، إذ عدَّ المثقال نقدًا ذهبيًّا وحسبه بثلاثة وثلاثين درهمًا وكسر، بينما لم يجعل قُدامة المثقال المذكور هنا نقدًا ذهبيًّا بل نقدًا فضّيًّا — وهو الصواب بلا شكّ، إذ لم يكن التعاملُ بالذهب جاريًا في دولة ساسان، ولم يُضرب الذهبُ إلا على وجه الاستثناء. 2) فيتبيّن إذن — على شدّة فساد الموضع عند ابن خُرْدَاذبه — بمقارنته بقُدامة أنّ جملة خراج الدولة الفارسيّة في ذلك العهد كانت بين 420 و600 مليون درهم، على أنّه لا ينبغي أن ننسى أنّ قيمة النقد كانت يومئذٍ أعلى كثيرًا ممّا هي الآن على كلّ حال. 3)

1) ابن خُرْدَاذبه ed. Barbier de Meynard p. 42. 2) Mommsen, Geschichte des römischen Münzwesens, p. 749. 3) لا بدّ لي هنا من تصحيح طبعة باربييه دُ مينار لابن خُرْدَاذبه وترجمته له. فكما يتبيّن بالمقارنة بـ«نزهة القلوب»، حيث يَرِد الموضعُ نفسه من ابن خُرْدَاذبه بترجمةٍ فارسيّة، ينبغي أن يُقرأ في المتن العربيّ «أربعمائة ألف ألف» بدل «أربعة آلاف ألف»؛ وفي المتن الفارسيّ من «النزهة» ينبغي أن يُقرأ «بيست هزار هزار» بدل «بيست هزار دينار». ثم لا يجوز أن يُترجَم: «بوزن الدرهم 795 مليونًا»، بل: «بوزن الدرهم بسبعة مثاقيل (أي كلُّ 10 دراهم = 7 مثاقيل) 195 مليونًا». قارِن الماوردي p. 268, 302. فقد كان التعامل في دولة ساسان بالفضّة، ولم يكن هناك دينارٌ ذهبيّ بثلاثة وثلاثين درهمًا. ومع ذلك فقد اعتمد السيّد توماس في Numismatical Chronicle 1873 III. p. 246 على هذه الأرقام الفاسدة كلَّ الفساد، فأقام حسابًا يبلغ به دخلُ فارس في عهد پرويز 13,200,660,000 درهم (!). ولا حاجة إلى الردّ.

258

وكورة السواد (بابل) وحدها — وهي على كلّ حال أغناها — كانت تُغِلّ في عهد قُباذ بن فيروز 150 مليون مثقال فضّة، أي 214 مليون درهم.

فلمّا فتحها العربُ لم يجبِ عمرُ الأوّل من هذه الكورة نفسها إلا 120 مليونًا؛ فنقص الحاصلُ إذن بمقدار النصف، وهي ظاهرةٌ يسهل جدًّا تعليلها بضعف الطاقة الخراجيّة، وذلك أثرُ ما نال أهل البلاد من نهب الجند العرب وإتاواتهم، وأثرُ انحطاط الزراعة. 1) وفي عهد معاوية هبط دخلُ العراق (أي السواد) هبوطًا أشدّ فلم يعُد يزيد على 100 مليون درهم، بل إنّ هذا المقدار نفسه لم يكن يُستخرج إلا بمشقّة، حتى اضطُرّ هذا الأميرُ أن يخيّر واليه بين أن يضمن الجباية على وجهها وبين أن يعتزل. 2) وتدلّنا سائرُ الأخبار التي عندنا عن أحوال كورة العراق

1) قارِن مقالة شپرِنغِر: Remarks on Barbier de Meynard's edition of Ibn Khordâdbeh p. 11. وعلى ما عند الماوردي p. 302 بلغ خراجُ كورة السواد في عهد ابن قُباذ 287 مليون درهم. وكانت مساحةُ الأرض العامرة — وهي وحدها التي يُجبى منها الخراج (درهمٌ نقدًا وقَفيزٌ عينًا عن كلّ جَريب) — 150 مليون جَريب، على حين نقصت مساحةُ الأرض العامرة في عهد عمر الأوّل إلى 32—36 مليون جَريب.

2) ابن الأثير IV. 116.

259

على أنّ الطاقة الخراجيّة لم تعُد تزيد في عهد الأمويّين، بل هبطت بعد ذلك هبوطًا بيّنًا. فالوالي عبيد الله بن زياد جبى في عهد الأمويّين الثلاثة الأوّلين 135 مليونًا، لكنّه لم يبلغ ذلك إلا بأشدّ تدابير العنف. وجبى الحجّاجُ، والي الكورة نفسها في عهد عبد الملك، 18 مليونًا؛ ثم ارتفع الحاصل فيما يُزعم في عهد عمر الثاني إلى 120 مليونًا؛ وكان ابن هُبَيرة في عهد الخليفة يزيد الثاني يستخرج كلَّ سنة 100 مليون بعد حسم نفقات مؤنة الجند؛ وحصّل يوسفُ بن عمر، الوالي في عهد الخليفتين هشام والوليد الثاني، جبايةً سنويّة بين 60 و70 مليونًا، يُنفَق منها عطاءُ جنده الشاميّين وقدره 16 مليونًا، ونفقاتُ ديوان البريد وقدرها 4 ملايين درهم، ومليونان للنفقات الطارئة، وعشرة ملايين لإيواء المجنَّدين والزَّمنى والقيام بأمرهم. 1)

وبابل، أو السواد، شبيهةٌ كثيرًا — كما يلاحظ الدكتور شپرِنغِر — بهولندا. فهي دلتا دجلة والفرات. غير أنّ النهرين اللذين يسقيانها يخرّبان بدل أن يُخصِبا متى أُهمل نظامُ السدود والقنوات. وقد جرت في عهد الفرس أعمالُ تجفيفٍ وحفرِ قنوات على نطاقٍ واسع. فأُقيمت السدود وحُفرت القنوات لضبط الفيضانات الدوريّة؛ فلمّا أُهملت هذه الأعمال أفسد الماءُ وخرّب، وحوّل الأرض الزراعيّة الخصبة آجامًا وبطائح. ونحن نجد مثل هذه البطائح مثبَتةً في خرائط بطلميوس. ولمّا كان دجلة كثيرًا ما يُغرق أسفلَ البصرة الأرضَ المحيطة به — وهي في بعضها تكاد تكون في مستوى سطح الماء — فقد سُيِّجت الضِّفافُ بسدودٍ واقية وضُبط مجرى النهر

1) الماوردي p. 301 وما بعدها.

ملاحظات المترجم

- «Choraibah»: الخُرَيبة، موضعُ البصرة الأوّل، أثبتُّها بصورتها المعروفة في المصادر. - «Ahl allijah d. i. Medynenser»: أهلُ العالية؛ وتفسيرُ كريمر لهم بأنّهم أهلُ المدينة تفسيرُه هو، أثبتُّه على وجهه ولم أُصحِّحه. - «gond»: الجُند بالمعنى الإداريّ الشاميّ (المنطقة العسكريّة)، وقد وضعه كريمر بين قوسين مستفهمًا؛ أثبتُّه «جندًا خاصًّا». - إحالة «Baladory p. 846» في الأصل تصحيفٌ ظاهرٌ عن 346، بدليل تكرارها في الحاشية التالية؛ أثبتُّها ٣٤٦ وأُنبِّه هنا على الاختلاف، ولم أُبدِّل شيئًا في سائر الإحالات. - إحالة «Ibn Atyr MO, 411» في حاشية نشأة الكوفة: قرأتُها III، فالحروفُ مطموسةٌ في الأصل. - في صفحة 209 من الأصل أثرُ مسحٍ ضوئيٍّ فاسدٌ («Y{. % pr») مقحَمٌ بين السطور، ولا نصَّ تحته؛ أهملتُه. - «13 Fres.» و«50—60 Fres.»: الفرنك الفرنسيّ، وهو المقياسُ الذي يردّ إليه كريمر القيَم؛ أبقيتُ الأرقام كما هي.

- البيتان في مصعبٍ وصداقِ زوجه: كريمر يورد ترجمةً ألمانيّةً منظومةً للبيتين لا نصَّهما العربيّ؛ فترجمتُهما عن الألمانيّة ولم أُعِد بناءَ بيتٍ عربيٍّ وأنسبه إلى قائل. والأصلُ في «الأغاني» في الموضع الذي أحال عليه. - «Der echt semitische Charakter dieses VolkesGeldgier ist eine der constantesten Seiten seines Nationalcharakters»: حكمٌ من أحكام كريمر على طبائع الأمم، على عادة مستشرقي القرن التاسع عشر؛ نقلتُه على وجهه من غير تلطيف. - «Saracenen»: السَّرَاقِنة، وهو عند البيزنطيّين اسمٌ للعرب عامّة؛ ولا صلةَ للّفظ بسرقسطة. - «kardus, cohors, xoöptıs»: الكردوس، ومقابلاه اللاتينيّ cohors واليونانيّ κοόρτις؛ أثبتُّهما كما أثبتهما كريمر. - «Ibn Wardy I, p. 1865»: الرقمُ في الأصل كذلك، ولعلّه تصحيفٌ عن ١٨٦ أو ١٦٥؛ أبقيتُه كما هو، فالإحالاتُ لا تُصلَح. - «Walyd MI.» في الأصل تصحيفٌ عن Walyd II.، بدليل موافقة الخبر لما مرّ في ص ١٨٢ عن رفع الوليد الثاني العطاءَ عشرةَ دراهم؛ أثبتُّ «الوليد الثاني». - «10,000 Mann jungen Mannschaften und Tross»: ترجمتُها «الأحداث والتُّبّاع»؛ وكريمر يُقابِل بها «المقاتلة» النظاميّة الواردةَ بلفظها العربيّ في نصّه. - «Der Gegenchalife» في هذا الموضع هو عبد الله بن الزبير، ومصعبٌ أخوه؛ نقلتُ تعبير كريمر «الخليفة المنازِع» على حاله.

1) «Saracenen» في نصّ كريمر هي التسمية البيزنطيّة للعرب، وقد أبقيتُها «السَّراسنة» لأنّها مصطلح المصادر اليونانيّة التي ينقل عنها المؤلّف، لا وصفًا من عنده. 2) الكلمتان اليونانيّتان في حاشية ص 224 مشوّهتان في تصوير النصّ (وردتا «0wupaxas» و«x\ıßavıa»)؛ وقد أثبتُّهما على وجههما θώρακας وκλιβάνια لأنّ السياق قاطعٌ فيهما، وهما المصطلحان المعروفان في «التكتيكا». 3) «karädys» في حاشية ص 224 هي «الكراديس» في كتب الحوليّات العربيّة، وقد أبقيتُ رسم كريمر إلى جانب اللفظ العربيّ. 4) «Streifcorps» في وصف الجناحين لا مقابل اصطلاحيّ عربيّ ثابت له؛ ترجمتُها «سرايا الطلائع» بحسب المعنى العسكريّ لا باللفظ. 5) وقعة سنة 1212م التي يذكرها كريمر في حاشية ص 227 هي وقعة العُقاب (Las Navas de Tolosa)، وقد سمّاها هو «وقعة غرناطة» نقلًا عن لافوينتِه؛ أثبتُّ تسميته كما هي ولم أصحّحها.

1) الأبيات المنسوبة إلى دِعْبِل في ص 236 مترجَمةٌ عن الصياغة الألمانيّة التي أوردها كريمر، لا عن أصلٍ عربيّ. ولم أُثبت لها نصًّا عربيًّا منظومًا لئلّا يُنسب إلى الشاعر ما لم يقُله بهذا اللفظ. 2) يقول كريمر عن جبل طارق إنّه «جزيرة» (die Insel Gibraltar)؛ أثبتُّ عبارته على وجهها ولم أصحّحها، وهو وَهَمٌ جغرافيّ ظاهر. 3) تاريخ خروج المصّيصة (موبسويستة) إلى الروم عند كريمر «384هـ (994م)»؛ والمعروف أنّ نقفور فوقاس فتحها سنة 354هـ (965م). أبقيتُ رقمه كما هو ونبّهت عليه هنا. 4) «Blockhaus» عند كريمر بناءٌ حصين صغير يُرابَط فيه على الثغر؛ ترجمتُه «مَحرَس» (ج. مَحارس) وهو الأقرب إلى اصطلاح المصادر العربيّة في الثغور، وسيأتي عند المؤلّف نفسه ما يقابله من لفظ «الرِّباط». 5) أبقيتُ رسمَ كريمر اللاتينيّ للمصطلحات العسكريّة (näshibah, mortazikah, tailasän …) إلى جانب اللفظ العربيّ المستعاد، لأنّها هي الصورة التي يُحيل عليها في الحواشي.

1) اسمُ زوج القائد العربيّ في وقعة الصواري يكتبه كريمر Bosaisa؛ ولم أجد له صورةً عربيّة أَثِق بها، فأبقيتُ رسمه كما هو ولم أضع له وجهًا عربيًّا مُفترَضًا. أمّا «علقمة» فاسمٌ لا إشكال فيه. 2) موضع المعركة الذي يقول كريمر إنّ المؤرّخين العرب يسمّونه «الصواري» (die Masten) هو وقعة ذات الصواري المعروفة؛ أثبتُّ اللفظ العربيّ المستعاد لأنّ المؤلّف نفسه يصرّح بأنّه ينقل تسمية العرب. 3) الألفاظ اليونانيّة في هذا القسم مشوّهة في تصوير النصّ (τουρμάρχαι وγαλέαι وκουμβάριον وκουρκούριον وμπ)؛ أثبتُّها على وجهها لأنّ كريمر يذكر مقابلاتها اللاتينيّة صراحةً، فلا لَبْس في المقصود. 4) «Kumbaria» تركتُها على رسم كريمر لأنّه هو نفسه يقرّر في الحاشية أنّ الكلمة لا تثبت في العربيّة على وجه اليقين. 5) «Galeeren» ترجمتُها «الغِلْيونات» على المصطلح المتداول في العربيّة لسفن هذا النوع، لا ترجمةً حرفيّة. 6) «Triremen» ترجمتُها بالوصف («السفن ذوات الثلاثة صفوف من المجاذيف») لأنّ المصطلح العربيّ القديم في هذا الباب غير مستقرّ.

1) «Mokätaah» شرحها كريمر بـ«Verpachtung» أي التضمين؛ أثبتُّ اللفظ العربيّ «المقاطعة» وأتبعتُه بشرحه هو، لأنّ الشرح جزءٌ من كلامه لا من الاصطلاح. 2) «Rais» في وصف السفينة أثبتُّها «الرَّيِّس» على ما جرى عليه اصطلاح البحر عند العرب، لا «الرئيس» بالمعنى العامّ. 3) اشتقاق Corvette من «غُراب» وAdmiral من «أمير عليّ» رأيُ كريمر نقلًا عن أماري؛ نقلتُه كما هو ولم أتعقّبه. 4) الرقم «214 مليون درهم» مقابلًا لـ150 مليون مثقال فضّة كما هو في الأصل؛ والحساب على نسبة 10 دراهم = 7 مثاقيل يقتضي كسرًا (نحو 214 وسُبعين)، وقد أسقطه المؤلّف أو أسقطته الطباعة. أثبتُّ رقمه ولم أعدّله. 5) «Kobäd, dem Sohne des Fyruz» = قُباذ بن فيروز؛ وفي حاشية ص 258 يقول «ابن قُباذ» ويعني به أنوشِرْوان كما صرّح في موضعٍ آخر. أبقيتُ العبارتين على وجههما.