القسم 9 من 10
VII. المالية
260

ضبطًا. وفي عهد الملك الساسانيّ قُباذ — وعلى الأرجح بعد ذلك العهد الذي كان يجبي فيه من السواد ذلك الدخل العظيم — انفجرت السدود أسفلَ كَسْكَر فغرقت النواحي المحيطة بها. 1) ولم يُعِد السدودَ إلا أنوشِرْوان. وفي سنة 6هـ (627م) ارتفعت مياه الفرات ودجلة ارتفاعًا شديدًا على الخصوص، فخرقت السدود في مواضع شتّى. وأظهر پرويز همّةً عظيمة؛ ويُروى أنّه أصلح في يومٍ واحد ما يبلغ خمسين موضعًا مخروقًا، وأنفق كذلك من مال الدولة مبالغَ كبيرة على إقامة السدود، غير أنّه لم يستطع أن يعيد إلى الكورة رخاءها الأوّل. 2) ولم تمضِ إلا سنون قليلة حتى بدأ العرب حروبهم المخرِّبة التي انتهت بسقوط الحكم الفارسيّ.

ويظهر أنّ هؤلاء، بعد أن فتحوا بابل، لم يعنَوا في أوّل الأمر كبيرَ عناية بإصلاح السدود ولا بإعادة بنائها. وأمّا أهل البلاد من الفرس والآراميّين، وكذلك الدهاقين — أي أصحابُ الضِّياع الكبيرة من أهل البلاد ورؤساءُ الرَّساتيق، وقد كانوا يدخلون في الإسلام شيئًا فشيئًا — فلم يكن عندهم من المال ما يكفي لدفع البلاء. وبعث معاويةُ الأوّل واحدًا من مواليه اسمه عبد الله بن دَرّاج عاملًا على خراج بابل، ويبدو أنّه أوّلُ مَن جفّف بعض النواحي من مياهها. 3) ثم عمِل في هذا الاتّجاه بنجاحٍ أكبر

1) يقول الماوردي في ص 256 عن كسرى بن قُباذ، أي أنوشِرْوان: هو أوّلُ من أمر بمساحة السواد ووضع الخراج، وحدّ الحدود، وأنشأ دواوين الخراج. وأمر بتقدير الغلّة الوسطى لكلّ قطعة أرض، وأخذ عن كلّ جَريب قَفيزًا عينًا ودرهمًا. وكان وزن القَفيز يومئذٍ ثمانية أرطال وقيمته ثلاثة دراهم. — ثم أخذ عمر الأوّل بهذا المقدار نفسه في جانبٍ كبير من أرضين السواد.

2) المسعودي I. p. 225. وقارِن Ritter: Erdkunde X, p. 162 وما بعدها.

3) قارِن الماوردي، القسم الخامس عشر، الفصل الأوّل؛ المسعودي I. p. 225.

261

النبطيُّ حسّان، 1) وكان عاملًا على الخراج ببابل في عهد الخليفة هشام فأبلى في ذلك بلاءً حسنًا. فقد فتح نهرين للتصريف ليُجفّف نواحيَ واسعة. وفي سنة 75هـ (694—95م) كتب الحجّاجُ، والي العراق — وله فضلٌ أيضًا في شقّ نهرٍ يصل بين الفرات ودجلة — بأنّ تجفيف الكورة يكلّف 3 ملايين درهم، وهو مبلغٌ رآه الخليفة مرتفعًا. فتقدّم مَسلَمةُ، وهو أميرٌ أمويّ، بأن يُجفّف جانبًا من الأرض على شرط أن يكون له دخلُ الأرضين المستخلَصة على هذا الوجه. 2) فقبِل الخليفةُ اقتراحه، ففتح مَسلَمة نهرين للتصريف وأقام ما يلزم من السدود، فاستخلص بذلك نواحيَ واسعة لم تلبث أن نزلها فلّاحون كثيرون، وهم في هذه الأرضين المملوكة لأميرٍ من الأسرة الحاكمة في مأمنٍ على الأرجح من عَسف عمّال الخراج.

وبقيت ذرّيّة مَسلَمة مالكةً لهذه النواحي إلى أن سقطت دولة بني أميّة. فأقطعها أوّلُ الخلفاء العبّاسيّين واحدًا من أقاربه هو. وبقي ورثتُه مدّةً أصحابَ هذه الأرضين؛ ثم صارت آخرَ الأمر إلى ضِياع الخاصّة. 3)

وقد رأينا كيف ظهر في حاصل خراج كورة العراق المهمّة نقصانٌ سريع إلى حدٍّ ما. 4) ولا شكّ في أنّ الدخل والجباية نقصا في سائر الكُوَر أيضًا

1) البلاذري يكتب الاسم: حيّان.

2) وهو مَسلَمة نفسه الذي أبى أن يحمل شيئًا من الخراج من ولايته إلى بيت المال المركزيّ فعُزل لذلك. ابن الأثير V، 74؛ Goeje: Fragm. I, 75.

3) شپرِنغِر، Remarks etc. p. 13.

4) ابن خُرْدَاذبه ed. Barbier de Meynard p. 36. البلاذري p. 270، Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 33.

262

نقصانًا بيّنًا عمّا كانا عليه قبلُ، بالنسبة نفسها التي نقصا بها هناك. فإذا تأمّل المرء ما لا بدّ أن تكون قد أحدثته من الخراب أيضًا الفتنُ المتّصلة، والقتالُ مع الخوارج، والحروبُ مع البيزنطيّين ومع قبائل الترك على الثغر الشماليّ الشرقيّ، فليس من المجازفة قطعًا أن يُقدَّر مجموعُ دخل الدولة في عهد الأمويّين — على غزارة الموارد التي فتحتها الشامُ ومصر وإفريقية ثم الأندلس — بما لا يكاد يزيد على نصف الرقم الذي بلغه دخلُ الدولة في عهد الساسانيّين، أي نحو 300 مليون درهم. ومن سوء الحظّ أنّنا نفتقر لذلك العهد إلى أخبارٍ أدقّ، فلا بدّ أن تبقى نظرتنا الجامعة إلى مالية الدولة في عهد الأمويّين ناقصةً إلى الأبد على ما يظهر. والمؤكَّد أنّ الانحلال الماليّ بدأ مع عمر الثاني، فإنّ هذا الخليفة المتزمّت أوقع المالية بتدابيره المقلوبة في أعظم الاضطراب، حتى إنّ كُوَرًا كانت من قبلُ مُغِلّةً أبدًا صارت فجأةً لا تحمل شيئًا إلى بيت المال المركزيّ، بل صارت تطالبه هو بمبالغ كبيرة.

وقد حُفِظ لنا من عهد معاوية الأوّل خبرُ أنّ واليًا على البصرة (عبيد الله بن زياد) قال في خطبةٍ عامّة لأهل هذه المدينة إنّ في بيت مال الحكومة 100 مليون درهم، وإنّ عدد الجند 60,000 رجل، عطاؤهم في السنة 60 مليونًا. 1) وهذا الخبر من مصدرٍ جيّد، ويتيح لنا أن نُقيم حكمًا قريبًا من الصواب على الموارد المادّيّة لنظام الدولة يومئذٍ. ويُقال إنّ هذا الوالي نفسه رفع دخل كورته (البصرة) من 90,000 دينار في أوّل الأمر إلى 140,000 دينار، 2)

1) المسعودي V. 195. 2) ابن الأثير IV. 108.

263

وأنّه لمّا ترك هذه المدينة هاربًا من فتنةٍ كان في بيت مال الكورة 19 مليون درهم، وهبَ بعضها لمواليه واحتجز بعضها لنفسه. 1)

ومثلُ هذه الأخبار المتفرّقة يوجد منه كثير؛ غير أنّ المرء مهما بالغ في مقارنتها ورصفها لا يستخرج منها صورةً تامّة ولا قريبةً من التمام. ولهذا السبب نقطع هنا رسمنا لحال المالية في عهد الأمويّين. وسنعوّض قرّاءنا في الفصل التالي مباشرةً تعويضًا كافيًا بأخبارٍ عن عهد العبّاسيّين أغزرَ وأتمّ.

2. المصادر الوثائقيّة لتاريخ المالية في عهد العبّاسيّين.

نُقلت إلينا عن موارد الدخل في عهد العبّاسيّين أخبارٌ أوسع بكثير ممّا نُقل عن أزمنة الدولة السابقة، على أنّها لا تتناول إلا عهد الازدهار دون عهد الانحلال. وتعليلُ ذلك بيّنٌ بنفسه: فكلّما هبط سلطانُ الحكومة المركزيّة ازداد وُلاةُ الكُوَر استقلالًا، وقلّ ما يحملونه من فضل الدخل إلى بيت مال الخلفاء، وعظُمت مصلحتُهم في كتمان دخل كورتهم. ولهذا السبب لا مندوحة لنا قبل كلّ شيء عن الكلام على مالية الدولة في زمن أوج مجدها. وهذا البحث وحده رفيعُ القيمة، إذ يضعنا في موضعٍ نُقيم منه حكمًا قريبًا من الصواب على الموارد الماليّة لتلك الدولة العالميّة التي بلغت يومئذٍ من

1) ابن الأثير IV. p. 110.

264

الاتّساع ما تجاوزت به اتّساعَ الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة نفسها تجاوزًا بعيدًا.

ولمّا كان الخراج لا يُجبى على نظامٍ عامّ واحد، بل كان في كلّ كورةٍ خصائصُ أعظمَ أو أدنى شأنًا بحسب ما نالته هذه الناحيةُ أو تلك عند الفتح العربيّ من شروطٍ أرفقَ أو أشدّ، أو بحسب ما أُعطيته من امتيازاتٍ خصّها بها بعضُ الخلفاء فحسُنت حالها — لذلك كان لا بدّ قبل كلّ شيء من طوافٍ على الكُوَر كلّها، تُحدَّد فيه طاقتُها الخراجيّة على قدر ما تُغِلّه من الحاصل الطبيعيّ والصناعيّ. ولا يقلّ عن ذلك أهمّيّةً في هذا البحث معرفةُ المبالغ التي حملتها كلُّ كورةٍ على حدة إلى البلاط ببغداد في وقتٍ معلوم.

وعلى قدر ما يبدو حلُّ هذه المسألة عسيرًا في النظرة الأولى، فإنّي أجد رضًى غيرَ قليل في أن أقدر على حلّها على وجهٍ تامّ إلى حدٍّ بعيد. فحالُ الدراسات الشرقيّة اليوم، والمتونُ التي صارت في أكثرها بجدّ العلماء من أهل هذا الفنّ ملكًا مشاعًا للعلم، تتيح لنا أن نرسم عن غنى الكُوَر وطاقتها الخراجيّة، وعن نموّ صناعتها وإنتاجها، صورةً تامّةً إلى حدٍّ بعيد، والأهمُّ من ذلك: صورةً موثوقة أيضًا.

وأمّا من جهة التقسيم الجغرافيّ والإداريّ السياسيّ للبلاد، فعندنا في الجغرافيّ العربيّ الإصطخريّ — وقد نشره في صورةٍ صالحة منذ عهدٍ قريب المستشرقُ الهولنديّ المُجيد دي خويه — كتابٌ يصف أحوال الدولة قُبيل ظهور دولة بني بُوَيه التي ألقت على الخلافة ظلَّها كلَّه، ويرجع في بعض أجزائه — حيث بقيت

265

تحريرةُ البلخيّ الأصليّة على حالها — إلى زمنٍ أقدم من ذلك. 1)

وقد كانت بوادر الانحلال في ذلك الحين ظاهرةً بالفعل، لكنّ عهد الازدهار في أيّام هارون الرشيد والمأمون لم يكن قد مضى عليه مئة سنة. فإذا رسم لنا الإصطخريُّ عن كثيرٍ من النواحي صورةً حسنةً جدًّا لنموّ العمران والرخاء ونشاط أهلها في الصناعة وحركةِ تجارةٍ نشِطة، جاز لنا أن نستنتج من ذلك على وجه اليقين التامّ أنّ الحال في سِنِي مَن تقدّم من الحكّام كانت بلا شكّ أحسنَ من ذلك، وأنّ أحوال العمران العامّة يومئذٍ لا بدّ أن تكون قد كانت أرغدَ بكثير. وهناك كتابٌ جغرافيّ أُلّف سنة 278هـ (891—92م)، هو «كتاب البلدان» لليعقوبيّ — ونشرُه أيضًا من فضل مستشرقٍ هولنديّ، على حين يعود فضلُ العثور عليه في المشرق إلى رجلٍ روسيّ هو مُخْلِنسكي — يصف لنا جانبًا كبيرًا من العالم الإسلاميّ يومئذٍ، ويُفيد أخبارًا كثيرة بالغة القيمة عن حال العمران والصناعة والتجارة والطاقة الخراجيّة في كلّ كورة.

على أنّ ما نظفر به من هذه المصادر من نظرات، مهما كان شائقًا مفيدًا، لا يكاد يمكّننا من استخراج صورةٍ تامّة للحال الماليّة. وقد حفظ لنا حُسنُ الحظّ لذلك وثائقَ أخرى مختلفة كلَّ الاختلاف، نعرف منها الأحوال الماليّة للخلافة في الزمن الذي كان يحكم فيه شارلمان في أوروبا معرفةً أدقّ بكثير ممّا يعلّمنا التاريخُ الأوروبيّ عن حال بلادنا نحن في ذلك العهد. على أنّه

1) على ما بحثه دي خويه في Zeitschrift d. D. M. G. XXV. p. 51 مات البلخيّ سنة 322هـ، وأعدّ الإصطخريُّ على الأرجح نحوَ سنة 340هـ طبعةً جديدة للكتاب بزياداته هو.

266

لا ينبغي أن يُنسى هنا أنّ الحضارة كانت يومئذٍ قد اتّخذت مقرّها في المشرق، ثم رحلت من هناك بعد ذلك وهاجرت إلى الغرب أو إلى الشمال.

وهذه الوثائق ثلاثةُ سِجلّاتٍ للخراج من سنين مختلفة، تُعطي بنود الدخل بالأرقام موزّعةً على كلّ كورة، وقد أُخذت بياناتُها من مصادرَ رسميّة في ديوان الإنشاء ببغداد.

أمّا أوّل هذه السجلّات فقد حفظه لنا فيلسوفُ التاريخ الكبير ابنُ خلدون، وأوّلُ من عرّف بهذه الوثيقة المهمّة يوسفُ فون هامر في رسالته المتوَّجة في إدارة البلاد في عهد الخلافة (برلين، 1835)، وهي رسالةٌ لم يُفَقْ عليها إلى اليوم. وعلى ما يذكره ابنُ خلدون نفسه في ذلك، فقد وجد هذه القائمة لِما يَرِد بيتَ المال في كلّ سنة في كتابٍ عنوانه «جِراب الدولة»، ويمكن أن يُترجَم بـ«محفوظات الدولة». ويضيف ابنُ خلدون أنّ هذه القائمة تمثّل دخل بيت المال ببغداد على ما كان عليه في عهد الخليفة المأمون. وقد ظلّ هذا الخبر إلى الآن غيرَ مُتّهَم، ولم يخطر لأحدٍ أن يتكلّف التحقّق من صحّته. وهنا بالذات يظهر مرّةً أخرى كم هو حسنٌ أن يُوضع أبدًا على مؤلّفي المشرق مِسبارُ نقدٍ رزين للوقائع — لا للألفاظ وحدها كما صارت الموضة — فإنّه يتبيّن عند إمعان النظر في هذه الوثيقة أنّها ليست من عهد المأمون، بل هي من عهدٍ أقدم بكثير. فكُوَرٌ كانت في عهد المأمون شبهَ مستقلّة ولم تعُد تحمل خراجًا منذ زمنٍ طويل، مثل كورة السند، ما زالت تَرِد فيها مُغِلّةً. وكذلك الأمر في إفريقيّة، فهي تظهر في قائمة ابن خلدون وتغيب من السجلّين الآخرين، لأنّ هذه الكورة كانت حين

267

جُمِع السجلّان الأخيران قد استقلّت عن الحكومة ببغداد: فإنّ الأغالبة لم يعترفوا بسيادة الخليفة إلا اعترافًا صوريًّا. فقائمة ابن خلدون — كما يمكن إثباته على وجه اليقين من هذه الأسباب ومن المقارنات التاريخيّة المتّصلة بها — إنّما هي من عهد الخليفتين المهديّ والهادي (775—786م)، ومن عهد الثاني منهما على الأرجح (785—786م). 1)

1) إنّ ورود السند ومُكْران عند ابن خلدون بمقدارٍ كبير من الخراج، وغيابَ الكورتين جميعًا من قوائم قُدامة وابن خُرْدَاذبه، أمرٌ جديرٌ بالنظر جدًّا. ولا تعليل لذلك إلا أنّ هاتين الكورتين لم تعودا مثبَتتين في القوائم حين نسخ الكاتبان الأخيران قوائمَ الخراج من المحفوظات ببغداد، لأنّهما لم تعودا تحملان خراجًا. ويلزم من ذلك أنّ قائمة الخراج التي حفظها ابنُ خلدون هي على كلّ حال من عهدٍ سابق للمأمون؛ فإنّ هذا وإن كان قد ولّى بعدُ واليًا على السند، فقد ولّاه على شرط أن يحمل كلَّ سنة مليون درهم إلى بيت المال ببغداد، وهو ما يُقرّب الظنّ بأنّ الوالي الجديد كان مغامرًا وفّقه الحظّ فاستولى هناك على الأمر، فأقرّه الخليفةُ لا غير، في مقابل أداء إتاوةٍ سنويّة قدرها مليون درهم (ابن الأثير VI. 256). وقد ذُكر بالفعل أنّ المأمون ولّى سنة 213هـ واليًا جديدًا على السند لأنّ السابق لم يعُد يحمل خراجًا (المصدر نفسه p. 288)؛ وقد أعاد الوالي الجديد السابقَ إلى الطاعة (المصدر نفسه 296)، لكنّه على الأرجح لم يحمل الإتاوة بعد ذلك إلا مدّةً يسيرة. ونحبّ أن نضيف هنا بضع ملاحظات على ولاية السند. ففي عهد معاوية كان والي البصرة هو الذي يولّي على السند نائبًا عنه (ابن خلدون. Allg. Gesch. III، 6، 135). وظلّت في الأزمنة المتأخّرة أيضًا تابعةً للعراق (ابن الأثير V. 101). وأمّا العبّاسيّون فولَّوا بأنفسهم وُلاتهم على ثغر الهند، وبعث المنصور واليًا على كرمان والسند (ابن الأثير VI. 6). وولّى هارون الرشيد سنة 174هـ واليًا على السند ومُكْران (ابن تغري بردي I. p. 474)، ثم سنة 184هـ (المصدر نفسه I. p. 518). ثم جاء المأمون فولّى هو أيضًا واليًا كما تقدّم، وآخرُ خبرٍ أعرفه أنّ المعتصم جعل الأفشين واليًا على السند (Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. 388)، وهو ما لا يكاد يكون شيئًا آخر غير تعيينٍ

268

والمصدر التالي هو كتاب ابن خُرْدَاذبه في طرق البريد، وفيه يذكر الخراج الذي كانت تحمله كلُّ كورةٍ في السنة إلى بغداد. وكان مؤلّفه مجوسيًّا في الأصل ثم دخل في الإسلام وارتقى إلى المناصب والمراتب العالية. فقد كان صاحبَ البريد الأعلى وصاحبَ الأخبار السياسيّة لكورة الجبل (العراق العجميّ)، وحظي حظوةً بالغة عند الخليفة المعتمد (256—279هـ، 870—892م)، وكان كثيرَ التردّد على البلاط، ويُقال إنّه تقلّد الوزارة أيضًا. وقد ألّف كتابًا في طرق البريد يظهر أنّه وُضع للاستعمال الرسميّ؛ فإنّ إرسال البُرُد وتسيير الجند إلى الكُوَر المختلفة كان يقتضي قطعًا — وهذا أمرٌ مهمّ ومُدرَك تمام الإدراك — أن تُحدَّد من بغداد نفسها

في بلاد الكفر (in partibus infidelium). ونحن نعلم من ابن حَوْقَل أنّ ثغور الهند ومُكْران كان يحكمها رؤساءُ عرب مستقلّون كلَّ الاستقلال، لا يعترفون بخليفة بغداد إلا رأسًا دينيًّا. وكيفما كان الأمر فالمؤكَّد أنّ السند — حين كانت بعدُ كورةً من كُوَر الدولة على الحقيقة تحمل فضل خراجها إلى بيت المال — كانت أعظمَ دخلًا بكثير. ففي عهد عبد الملك، حين كان يليها الحجّاجُ والي العراق، أغلّت السند — ومُكْران داخلةٌ فيها — 120 مليون درهم، يدخل بيتَ المال منها 60 مليونًا. ويدلّ على أنّها كانت كورةً مهمّة في عهد أوائل العبّاسيّين أيضًا أنّ السند تَرِد أبدًا في جملة ولايات الدولة في عهد السفّاح كما في عهد المنصور. فلا بدّ إذن أن يكون تحرّرُ الكورة شيئًا فشيئًا من سلطان الحكومة المركزيّة قد وقع في الزمن بين المنصور والمأمون، فتقع قائمةُ ابن خلدون في هذا الزمن. غير أنّ أمرًا آخر يحملنا على أن نضعها في زمنٍ سابق لهارون الرشيد: فنحن نعلم أنّ تنظيم مستوطنات المقاتلة وإنشاء ثغرٍ عسكريّ في بلاد الشام الشماليّة لم يقع إلا في عهد هارون الرشيد (ابن الأثير VI. 75، البلاذري p. 132). وقائمةُ ابن خلدون للخراج لا تعرف هذه الثغور العسكريّة بعد، على حين يذكرها قُدامة وابن خُرْدَاذبه صراحةً. فسِجلّ الخراج الذي حفظه ابنُ خلدون يقع إذن في الزمن السابق لهارون الرشيد، والأرجح أنّه من أيّام الخليفتين المهديّ والهادي.

269

… خطَّ السير وعددَ المنازل، وأن يقف كذلك وقوفًا دقيقًا على موارد كلّ ناحيةٍ من النواحي. فالكتاب إذن موضوعٌ لغرضٍ عمليٍّ في المقام الأوّل، وقد جُمع من مصادر الدواوين. غير أنّ قيمته عندنا لا تُقدَّر بثمن، فهو دليلُ طرقٍ ودفترُ إحصاءٍ كاملٌ للمملكة (Itinerarium et Ratiocinarium Imperii). ويقع زمنُ تأليفه فيما بين سنة 240 وسنة 260هـ تقريبًا (854–874م). ولا يمكن أن يكون قد أُلّف قبل سنة 231هـ، لأنّ في الموضع الذي يتناول خراج خراسان استشهادًا بكتابٍ رسميٍّ يحمل هذا التاريخ وهو موجَّهٌ إلى الأمير من بيت الطاهريّين. ولا يمكن كذلك أن يكون قد أُلّف بعد سنة 260هـ، لأنّ نصرًا السامانيّ وَلِيَ ما وراء النهر سنة 261هـ، بينما ابنُ خرداذبه ما زال يذكر نوحَ بنَ أسدٍ عاملًا على تلك البلاد.

والمصدر الثالث الذي بين أيدينا كتابُ الخراج لقدامة. وكان مؤلّفه — وقد توفّي سنة 337هـ (948–949م) — من رجال الدواوين ببغداد، وتقلّد منصبًا رفيعًا في الإدارة. وهو من أسرةٍ نصرانيّةٍ كانت مقيمةً بالبصرة، ثمّ أسلم وأشهد على إسلامه الخليفةَ المكتفي. ويبدو أنّه قصد بتأليف كتابه «كتاب الخراج» أغراضًا عمليّةً في المقام الأوّل كذلك، إذ أراد أن يضع في يد صغار الكتّاب دليلًا في علم المال؛ ولهذا ألحق بالكتاب نفسِه قسمًا ثانيًا عنوانُه الدالّ: «صناعة الكتابة».1)

1) في شأن قدامة قارن مقالة البارون de Slane في Journal Asiat. 1862، ثمّ ابن تغري بردي II. p. 323.

270

وأرقامُ قدامة قديمةٌ إلى حدٍّ بعيد. فقد بحث — فيما يظهر — في دواوين بغداد عن أقدم دفاتر الحساب، غير أنّ حريقًا كبيرًا أتى على الدواوين القديمة سنة 204هـ (819–820م). فاتّخذ لذلك ختوماتِ حساب تلك السنة أساسًا لعمله. ومن سوء الحظّ أنّ رداءة حال النسخة الوحيدة التي عُثر عليها إلى اليوم تُنقص من قيمة ما يُستقى منها من أرقام، فكتابُ قدامة بذلك دون كتاب ابن خرداذبه بمراحل.

فالمصادر الثلاثة التي تكلّمنا عليها الآن تعطينا إذن صورةً لمالية الخلافة في العهود التالية:

I. جدولُ الخراج عند ابن خلدون؛ وهو واقعٌ في المدّة من سنة 158 إلى سنة 170هـ (775 إلى 786م).

II. تقييداتُ قدامة في الخراج؛ وهي — حيث لا يُذكر تاريخ — راجعةٌ إلى سنة 204هـ، وأحدثُ وثائقها مؤرَّخةٌ بسنة 237هـ (851–852م).

III. تقييداتُ ابن خرداذبه في الخراج؛ وهي — في ما يخصّ كورة خراسان — راجعةٌ إلى سنة 221–222هـ (836م)، وسائرُها إلى سنينَ متأخّرة، ويُلحق ببعض الأبواب — كقزوين والبحرين — تاريخُ سنة 237هـ، وبطبرستان تاريخُ سنة 234هـ.

وبهذا الدليل في أيدينا نستطيع أن نكوّن لأنفسنا تصوّرًا دقيقًا عن الموارد الماديّة للدولة الإسلاميّة العالميّة في أوج ازدهارها. وهذا التصوّر يجد تعبيرَه في العرض التالي، على أن نقدّم في الختام إحصاءً ماليًّا مقارنًا للأقاليم إلى القرّاء الراغبين في النفاذ إلى تفاصيل هذا البحث.1)

1) جمع المؤرّخ الفارسيّ وصّاف عددًا من الوثائق البالغة الأهمّية لتاريخ المالية وأدرجها في كتابه.

271

3. الدخل وتشريع الخراج.

في العهد الأوّل (جدولُ الخراج عند ابن خلدون)، أي فيما بين سنة 158 وسنة 170هـ (775–786م)، بلغ

[تتمّة الحاشية:] وكان يوسف فون هامر أوّلَ من أدرك أهمّيتها (Ueber die Länderverwaltung unter dem Chalifate p. VI). غير أنّه لم يستطع الإفادة منها، إذ لم يوفَّق إلى قراءة الخطّ العدديّ الغريب الذي كُتبت به الأرقام. ولم يكن حظُّ أهل الأدب من الأتراك بأحسن من ذلك، ولهذا السبب لا تكاد توجد هذه الجداول العدديّة في أكثر نسخ تاريخ وصّاف، أو لا توجد إلّا في حالٍ من التشويه بالغة.

وقد شغلتُ نفسي الآن بحلّ رموز هذه الوثائق، واستعنتُ في ذلك بنسخةٍ قديمةٍ جدًّا متقنةٍ من المكتبة الملكيّة الإمبراطوريّة بڤيينا. فتبيّن أنّ هذه العلامات العدديّة المُلغِزة ليست بغير صالحةٍ ولا غيرَ مفهومةٍ البتّة، بل هي شديدةُ القرب من ذلك الخطّ العدديّ الذي عرّف به de Sacy في نحوه العربيّ باسم الأرقام الديوانيّة، وهو الذي ما زال شائعَ الاستعمال إلى اليوم في بلاد فارس والهند في حسابات التجّار.

وبعد هذه التمهيدات أُجمل أهمّ ما يخرج من هذه الوثائق، وهي وثائقُ مجموعةٌ ظاهرًا من مصادر الدواوين.

الوثيقةُ الأولى تعطي ميزانيّة الدخل في عهد الخليفة هارون الرشيد. وكانت مؤلَّفةً من النقد ومن الغلال المحمولة عينًا. ورقمُ الأوّل ليس موثوقًا به كلَّ الثقة، ولا سبيل إلى ضبطه إلّا بمقابلة نسخٍ أخرى. أمّا قائمةُ الغلال العينيّة فتجري على نحو قائمة ابن خلدون، غير أنّها مرتَّبةٌ على الحاصلات لا على البلدان.

ثمّ يلي ذلك مختصرٌ وجيزٌ من قدامة، على مقتضاه كان جملةُ دخل البلاد الخاضعة لبغداد (ويبدو أنّ البلاد الشرقيّة غير داخلةٍ فيها)، وذلك بعد حريق دواوين بغداد الواقع سنة 204هـ، كما يلي:

النقد والغلال العينيّة، جميعًا: 200,537,000 درهم.

منها نقدًا: 177,520,700 درهم.

ويُلحق وصّاف بذلك مختصرًا آخر من ميزانيّة دخلٍ وخرجٍ لسنة 306هـ (918–919م) في خلافة المقتدر، وعلى مقتضاها بلغ الدخلُ — دون الغلال العينيّة — 24,529,286 درهمًا.

272

المبلغُ الذي كان يصبّ في بيت مال الخليفة سنويًّا 411 مليون درهم.

[تتمّة الحاشية:] ويختم ذلك قائمةٌ مفصَّلةٌ جدًّا بجميع طساسيج السواد وبما يؤدّيه كلٌّ منها من الخراج في السنة. ويظهر بالموازنة مع جداول الخراج المماثلة تمامًا عند قدامة وابن خرداذبه هبوطٌ لافتٌ في الحاصل؛ وأسوق هنا شيئًا من الموازنات إثباتًا لذلك. وأرمز إلى قائمة وصّاف بـ«و»، وإلى قدامة بـ«ق»، وإلى ابن خرداذبه بـ«خ».

| طسّوج باذوريا ونهر بين وكلواذى | و. 266,288 درهمًا | |---|---| | | ق. 1,330,000 | | | خ. مثلُه |

| طسّوج كوثى ونهر دُرقيط | و. 25,000 | |---|---| | | ق. 550,000 | | | خ. 800,000 |

| طسّوج بادرايا وباكسايا | و. 42,999 | |---|---| | | ق. 23830.000 (كذا في الأصل) | | | خ. مثلُه |

ويلي جدولَ خراج السواد سائرُ أبواب دخل الحكومة المختلفة، مثل: رسوم السفن بالبصرة، ولعلّها رسوم المرسى، 22,570 درهمًا؛ وحاصلُ معابر نهر بين 80,250 درهمًا؛ ودخلُ دور الضرب ودور الطبع ببغداد وسامرّاء وواسط والبصرة والكوفة 60,390 درهمًا؛ ثمّ جوالي اليهود والنصارى ببغداد 26,000 درهم. — وهذا الخبر الأخير طريفٌ جدًّا بوجهٍ خاصّ، لأنّه يقيم لنا الدليل على قلّة عدد النصارى واليهود ببغداد يومئذٍ؛ فإنّ كلَّ واحدٍ منهم كان يؤدّي اثني عشر درهمًا على الأقلّ، فيلزم من ذلك أنّ عددهم لم يكن يزيد كثيرًا على 2,000.

ثمّ تأتي الأقاليم المختلفة، بقدر ما كانت لا تزال للخليفة أو غيرَ مضمونةٍ لأحد. فيُذكر عند خوزستان مباشرةً أنّ خراجها كان مضمونًا لجماعةٍ من الضمناء بمبلغ 1,260,922 درهمًا. وأدلُّ من ذلك ما يُذكر عن كورة فارس: «فارس، بما فيها من الرساتيق التي يُقطعها مؤنسٌ الحاجبُ الأكبر، والنواحي التي في أيدي أفرادٍ من المتغلّبين، تؤدّي في الجملة 2,634,520 درهمًا». وهذه الكورةُ نفسُها كانت تحمل قبل ذلك بمئة عام من 24 إلى 30 مليون درهم في السنة.

وإلى جانب الكورتين المذكورتين تُذكر النواحي التالية على أنّها مؤدّيةٌ للخراج: كرمان، وعُمان (بالمقاطعة)، وحلوان، وأذربيجان وأرمينية، وقم، وقزوين، وأصفهان، وماسبذان، وهمذان، وماه البصرة، وماه الكوفة، والإيغاران،

273

وفي العهد الثاني (تقييداتُ قدامة)، أي في المدّة من سنة 204 إلى سنة 237هـ (819–820م)، كان الدخل 371½ مليونًا.

وفي العهد الثالث (تقييداتُ ابن خرداذبه)، أي فيما بين سنة 231 وسنة 260هـ (845–874م)، بلغ الدخل السنويّ 293 مليونًا.1)

ويُرى من هذه الأرقام في أوضح بيانٍ كيف أخذ انحطاطٌ مطّردٌ من سنةٍ إلى سنةٍ يفرض نفسه، وهو انحطاطٌ يجد تعبيرَه في أرقام دخل الخراج السنويّ. والتاريخُ السياسيّ يقدّم لهذه الظاهرة أقنعَ تعليلٍ لها. فالحروب الأهليّة والفتن الداخليّة، والحروب المتّصلة مع الخارج، وليس أقلَّ من ذلك ترفُ البلاط الذي لا حدّ له وسَرَفُ الأمراء، وقد فاقهما نهمُ الولاة إلى النهب، كلُّ ذلك أخذ يهدم أكثر فأكثر رخاءَ تلك الأقاليم التي كانت تؤلّف قلبَ الدولة. فلم يستطع أيُّ إصلاحٍ في الخراج، ولا أيُّ إصلاحٍ إداريٍّ مهما حسنت نيّتُه، أن يوقف الانحطاط.

وقد ظهر مبكّرًا — كما كان في عهد الأمويّين، فكذلك في عهد العبّاسيّين — أنّ الولاة كانوا ينهبون الأقاليم بسبب ما لهم من سلطةٍ تكاد لا تُحَدّ، بينما كانت الحكومة المركزيّة ترى دخلها

[تتمّة الحاشية:] ويلي هذا الجدولَ دخلُ مصر والشام والثغور الشاميّة والجزيرة (ديار مضر وديار ربيعة) والموصل وطريق الفرات.

ويختم ذلك بيانٌ بدخل الضياع العائليّة والأرضين المحبَّسة وقفًا. وتفاصيلُ هذه القائمة الأخيرة عسيرةُ الفهم.

وعلى ما يفيده توقيعٌ في آخرها فإنّ هذا الجمع مؤرَّخٌ بسنة 303هـ (915–916م).

274

يتضاءل أكثر فأكثر بهبوط الطاقة الخراجيّة. فلجأ ثاني ملوك بني العبّاس إلى وسيلةٍ صارت منذئذٍ مألوفةً أكثر فأكثر في المشرق: عزل والي كورةٍ غنيّةٍ وضرب عليه مصادرةً قدرُها 2,700,000 درهم.1) وسعى كذلك إلى أن يضمن الأقاليم للولاة على وجهٍ ما بأعلى ما يمكن من المبالغ المقطوعة. وبمثل هذه الوسائل ملأ هذا الملكُ بيتَ المال، حتى وُجد فيه عند وفاته 960 مليون درهم.2)

وكان أغنى الأقاليم وأخطرَها — كما أثبتنا من قبل — بلادُ ما بين الفرات ودجلة. فلم يُغفَل لذلك أن تُخصَّ هذه الناحية، وهي تحت إدارة الحكومة المركزيّة مباشرة، بعنايةٍ خاصّة. وقد سعى خلفاءُ شتّى إلى رفع طاقتها الخراجيّة بحفر أنهارٍ جديدةٍ وبتجفيف ما تركه الناسُ من النواحي الغَرِقة. فأمر المهديُّ بحفر نهر صِلة في كورة واسط، فصيّر بذلك مساحاتٍ واسعةً من الأرض الموات صالحةً للزراعة.3) أمّا نهر عيسى — وقد بناه عمٌّ لثاني خلفاء بني العبّاس — فكان يمتدّ من الفرات عند الأنبار نحو بغداد ويصبّ هناك في دجلة في القسم الغربيّ من المدينة. وكان يمكن أن يُسار في هذا النهر بالسفن من الفرات إلى دجلة. وتتشعّب منه شبكةٌ كبيرةٌ من الأنهار جعلت البلاد كلَّها أرضًا مزروعةً لا تنقطع. على أنّه كان ينقطع عن حمل السفن إذا بلغ الفرات أدنى منسوبه، غير أنّ ما لا يُحصى من النواعير والدواليب كان يدور عندئذٍ فتسقي الحقول ممّا بقي من الماء. ويؤكّد الإدريسي

1) ابن الأثير VI. 8.

2) Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 269. وقارن الموضع العجيب عند ابن الأثير VI. 10.

3) قارن البلاذري ص 291.

275

صراحةً أنّ هذا النهر لم يُحفر إلّا في ظلّ الحكم الإسلاميّ. على أنّ الأنهار القديمة التي من قبل الإسلام حُفظت أيضًا في حالٍ حسنة، كنهر صَرصَر الواقع جنوبيَّ الأوّل، ويليه إلى الجنوب نهرُ الملك. أمّا من بغداد صعودًا مع النهر فقد كان أمرُ ذلك العنصر المخصِب للحياة مكفولًا كذلك بنهر دُجيل الكبير. فهو يتشعّب عن النهر الأعظم عند مدينة تكريت ويبلغ ببغداد بشُعبٍ كثيرة. وقد سُمّي جزءٌ من الفروع السفلى «الإسحاقيّ» نسبةً إلى صاحب شرطةٍ للخليفة المتوكّل نال شرف فتح هذا المجرى (Ritter: Erdkunde X. p. 212).

ولا سبيل لنا هنا إلى الخوض في وصف مياه السواد، غير أنّ ما قيل يكفي للبرهنة على أنّه لا مبالغة في التأكيد أنّ البلاد بين بغداد والكوفة — وهي اليوم قفرٌ موحش — كانت يومئذٍ بستانًا كبيرًا مليئًا بالمدن والقرى والضياع. على أنّه لا بدّ أن نضيف أنّ الناحية الواقعة بين النهرين لم تكن وحدها بذلك الإحكام في السقي والعمارة، بل إنّ الناحية الواقعة شرقيَّ دجلة كانت تنعم بنظام سقيٍ لا يقلّ عنه إتقانًا، يأتيها الماء من دجلة نفسِها تارةً ومن روافدها — ديالى والعُظيم والزاب — تارةً أخرى. وبقايا السدود والقناطر ومنشآت الأنهار والجسور العظيمةُ الشأن، ومواضعُ الخِرَب المترامية لمستوطناتٍ كانت آهلةً بالناس، كلُّ ذلك يبرهن على أنّ حياةً حضاريّةً في غاية النشاط لا بدّ أن تكون قد سادت هنا يومًا في تمام قوّتها. وإلى الشرق من بغداد، وراء دجلة، يمتدّ نهرُ النهروان الكبير، يتشعّب عن دجلة عند سامرّاء ويعود فيصبّ فيها أسفلَ جرجرايا. وفي ارتباطٍ بأحوال الزراعة المتقدّمة هذه كانت

18*

276

تلك المساعي الجديرةُ بالانتباه في ذلك الزمان إلى تحسين تشريع الخراج.

وقد أُخذ في إصلاح جباية الخراج مبكّرًا. فأبطل ثاني العبّاسيّين، وهو المنصور، جبايةَ الخراج نقدًا عن الحنطة والشعير، وأدخل مكانه نظام المقاسمة، وهو أن يُجبى الخراج عينًا بنسبةٍ معيّنةٍ من حاصل الغلّة. أمّا سائر المزروعات الأدنى شأنًا، ثمّ النخيل وأشجار الثمر، فبقي فيها النظامُ القديم قائمًا: جبايةُ الخراج نقدًا؛ وكان ذلك بالغَ الإرهاق لأنّ الأمر كان بيد عمّال الخراج أن يرفعوه رفعًا كبيرًا عند الجباية، بأن يردّوا الفضّة الموزونة بحجّة نقصان وزنها ويطلبوا معها زيادةً في الصرف.1) ثمّ وقع إصلاحٌ آخرُ ليس بالهيّن في عهد المهديّ. ذلك أنّه كان في كورة السواد نظامُ الأسعار الخراجيّة الثابتة التي لا تتبدّل (التَّسْق، وهو من τάξις)، وعلى مقتضاه كان على كلّ ناحيةٍ من نواحي العمل — وهي التي أبقاها العربُ على حالها كما كانت في عهد سلطان الفرس، على ما نتعلّمه من ابن خرداذبه — أن تحمل إلى الحكومة مبلغًا مقدَّرًا مرّةً واحدةً لكلّ زمان، ومقدارًا معيّنًا من الحاصل عينًا. وكانت لهذا الغرض في كلٍّ من طساسيج كورة السواد الاثني عشر بيادرُ خاصّةٌ مسجَّلةٌ ضبطًا، تُحمل إليها غلّاتُ الحقول، فتُداس هناك وتُنقّى، وتقبض الحكومةُ في الوقت نفسه نصيبَها منها، وقد كان يبتلع في العهد الأوّل — أي إلى إصلاح المهديّ الخراجيّ تقريبًا — نصفَ الحاصل. غير أنّ لهذا النظام عيبًا كبيرًا، وهو أنّ الطساسيج

1) الماوردي ص 136، 137. 2) Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 471.

277

التي نقص فيها السكّان ونقصت العمارة تُثقَل به فوق طاقتها، والتي زاد فيها حاصلُ الأرض يُخفَّف عنها أكثر ممّا ينبغي. فأدخل المهديُّ الخراجَ على الحاصل، إذ قدّره بنسبة الحاصل الحقيقيّ. فأمر أن يُجبى من الأرض المزروعة نصفُ الغلّة خراجًا؛ فإن كان سقيُ الأرض عسيرًا كثيرَ الكلفة لم يُؤخذ إلّا الثلث؛ وإن كانت أحوال السقي أشدَّ عسرًا فالربعُ لا غير. أمّا في خراج الكروم ومغارس النخل وبساتين الثمر ونحوها فكانت قيمةُ الحاصل تُخرَص بالتراضي ثمّ يُقدَّر الخراج على ذلك، وهو نصف القيمة. وسُمّي هذا النظامُ في الخراج — في مقابل الأوّل القائم على المساحة وحدها — نظامَ خراج الحاصل (المقاسمة)، وقد بقيت هذه التسمية إلى يومنا هذا في الهند بالمعنى نفسِه تقريبًا.1)

وفي سنة 204هـ (819–820م) أجرى المأمونُ تخفيفًا آخر في الخراج، إذ أمر أن يُقدَّر خراجُ الحاصل — وقد كان يُجبى إلى ذلك الحين بنصف الغلّة — بخُمسَي الجملة من الآن فصاعدًا. فالفلّاح الذي كان يؤدّي من مئة قفيزٍ من الغلّة نصفَها، أي خمسين قفيزًا، لم يعد ملزَمًا بمقتضى هذا الأمر الجديد إلّا بأداء الخُمسين، أي أربعين قفيزًا. فكان ذلك إذن إنقاصًا للخراج قدرُه 20 في المئة.2) ومع ذلك فقد بقيت ضياعٌ كثيرة، تحميها امتيازاتٌ قديمة، لا تؤدّي الخراج لا على المساحة ولا على نظام خراج الحاصل، بل بمبالغَ لا تتبدّل.

1) Sprenger نقلًا عن قدامة في مقالته عن نشرة Barbier de Meynard لابن خرداذبه؛ وقارن أيضًا الفخري، طبعة Ahlwardt، ص 211، 212.

2) قارن Goeje: Fragm. Hist. Arab, I. p. 359، الفخري ص 260، ابن الأثير VI. p. 254، البلاذري ص 291.

278

… فكان على الأرض إذن خراجٌ على ثلاثة أوجه: 1. على المساحة (مساحة)، بمقدارٍ ثابتٍ يُؤدَّى عينًا ونقدًا؛ 2. على الحاصل، ويُؤدَّى عينًا (مقاسمة)؛ 3. على اتفاقٍ لا يتبدّل، يقوم على مواضعاتٍ قديمة أو على عقود إجارةٍ بين الحكومة والأفراد.

ودخل في الصنف الأخير معظمُ الضياع السلطانية، ثم الإيغارات (’Yghär)، وهي الضياع الحرّة المعفاة من كلّ خراجٍ لقاء مبلغٍ يُقطَع مرّةً واحدة. وبقي نظام المقاسمة في أصوله الكبرى قائمًا إلى أواخر العهود، فلم يُبطله إلا الخليفة المستنجد، وأعاد مكانه الخراجَ القديم (خراج)، وهو تدبيرٌ قوبل بسخطٍ شديد لأنه أفضى إلى زيادةٍ عظيمة في الضريبة. 1)

ونسوق هنا، تتميمًا للصورة، بيانًا بجميع الضرائب القائمة في عهد الخلفاء العبّاسيّين: 1. الخراج بأنواعه الثلاثة: أ) على المساحة (مساحة)، ب) على الحاصل (مقاسمة)، ج) على عقد المقاطعة الثابت (مقاطعة). 2. زكاة المال (عُشر، زكاة، صدقة). 3. عُشر السفن. 4. خُمس ما تُخرجه المعادن والمراعي. 5. جزية الرعايا من أهل الذمّة. 6. رسم دار الضرب. 7. رسوم المراصد (مراصد). 8. رسوم استخراج الملح والانتفاع بالمصايد. 2) 9. ضرائب الانتفاع بالمواضع العامّة (مستغلّات)، كالطرق والساحات في المدن تُبنى عليها الحوانيت. 10. ضريبة الأرحية والمصانع، كمصانع ماء الورد في بلاد فارس مثلًا (الإصطخري ص 158). 11. مكوس الترف والاستهلاك (مكوس).

1) الفخري ص 364. 2) قارن في ضمان المصايد بأرمينية: ابن الأثير IV، ص 294.

279

ويتبيّن من ذلك أنّ رجال المال في تلك العصور لم يكونوا من الغَفَلة كما قد يُظنّ. لقد أحسنوا كلّ الإحسان أن يجدوا الوسائل والسبل لملء بيت المال. وامتاز بعض الحكّام بإسقاطاتٍ رفيقة في الخراج: فألغى الواثق عُشر السفن، وأغلب الظنّ أنه قصد بذلك إنعاش التجارة البحرية، 1) وأخّر المتوكّل يوم النَّيروز الذي تبتدئ به السنة المالية وتحلّ فيه الضرائب، فنقل رأس السنة الخراجية إلى الحادي عشر من ربيع الأوّل. 2) وهذا الخبر الأخير مهمٌّ لوجوهٍ شتّى. فمنه نعلم أنّ إدارة الخراج كلّها لم تكن تجري على السنين القمرية العربية، بل على السنة الشمسية الفارسية القديمة التي يوافق أوّلُ أيامها، وهو النَّيروز، اعتدالَ الربيع حين تدخل الشمس بُرج الحَمَل. 3) وكانت السنة الفارسية القديمة تبتدئ في 21 مارس، أمّا الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة 245هـ فيوافق 17 يونيو 859م. فكان نقل رأس السنة إذن بمنزلة إسقاطٍ من الخراج قدرُه نحو ثلاثة أشهر. 4)

وسعى المهتدي كذلك إلى تقويم أمر الضرائب، فأبطل ما كان باقيًا من قديم الزمان من جباية ضريبة غلّات الزرع نقدًا (ما خلا القمح والشعير)، وكذلك ضريبة النخيل وأشجار الثمر، على الرغم من أنّ دخل

1) ابن الأثير VII، ص 24.

2) ابن الأثير VII، ص 57، 58.

3) Pollak: Persien I. p. 368.

4) نصّ الموضع عند ابن الأثير (VII، 57، 58) هو: نَيروز المتوكّل الذي أعان بتأخيره أهلَ الخراج من السواد كان في الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة 245هـ (أي 17 يونيو)، الموافق 28 أرديبهشت من التقويم الفارسيّ القديم. وقال الشاعر البُحتري في ذلك:

عاد يومُ النَّيروز إلى موضعه حيث وضعه أردشير،

280

بيت المال نقص بذلك — فيما يُقال — اثني عشر مليون درهم، إذ سقط ربح الصَّرف، لأنّ الخراج لم يكن يُقبَل فيه إلا النقدُ الوافي الوزن. 1) واقتدى المعتضد أيضًا بما سنّه سلفُه فأخّر يوم النَّيروز إلى 21 يوليو. 2)

فإذا نظرنا في هذه الأحوال مجتمعةً مترابطة لم تعد أخبارُ المؤرّخين من أهل البلاد، على تفرّقها، في أمر الأموال في ذلك العهد تبدو لنا بعيدةً عن التصديق، وحسُن بنا ألّا نعدّه مجرّد مبالغة حين نقرأ أنّ الخليفة المأمون كان يُنفق على حاشيته وبلاطه ستّة آلاف دينار في اليوم، أي نحو 70,000 فرنك، فيكون في السنة 25 مليون فرنك، 3) أو أنّ هارون الرشيد خلّف في بيت ماله عند وفاته 900 مليون درهم نقدًا. 4)

*

4. عصر الانحطاط.

لم يكد يمضي مئة عام على وفاة المأمون، الذي بلغت الخلافة في عهده أوجَ بهائها، حتى أغمض المكتفي عينيه — وهو الذي أحسن في زمنٍ عسير أن يصون مكانة الدولة، وأحسن أن يُنهي على خيرٍ أخطرَ الحروب مع العدوّ الداخليّ (القرامطة) والعدوّ الخارجيّ (الروم) — فبُويع أخوه المقتدر، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، بالخلافة (908م). وخلّف المكتفي في

1) الماوردي ص 136، 137.

2) صدر المرسوم في ذلك في شهر المحرّم سنة 282هـ. ابن تغري بردي II، ص 93. وقد ابتدأ المحرّم سنة 282هـ في 2 مارس 895م، وكان النَّيروز يقع في 21 مارس؛ فلمّا أخّره الخليفة إلى 21 يوليو كان قد أسقط من الخراج أربعة أشهر.

3) الفخري ص 271.

4) ابن الأثير VI، 146. وعند ابن خلدون: التاريخ العامّ III، 229 خطأٌ إذ جعلها دنانير مكان الدراهم.

281

بيت ماله مبلغًا حسنًا قدرُه 15 مليون دينار. 1) أمّا الخليفة الجديد فامتاز بسَرَفٍ لا حدّ له، وقلّما كان يصحو من سُكره. 2) وفي خلال حكمه الممتدّ خمسًا وعشرين سنة تفكّكت أوصال الدولة في كلّ ناحية، وصارت ضائقة المال دائمة، لأنّ أغنى الأقاليم لم تعد تحمل خراجًا، والحريمُ وخدمُ القصر وعصابةٌ ناهبة من العمّال يلتهمون الدخل كلّه ويمتصّون الأقاليم. وبقدر ذلك كان يزداد سَرَفُ بلاط بغداد. وكان الخليفة يلجأ من حينٍ إلى حين إلى مصادرة كبار عمّاله ووزرائه، فيضطرّون إلى افتداء أنفسهم بأموالٍ هائلة. وانقطعت رواتب صغار العمّال، وبلغ الفساد مبلغًا جعل الوزير نفسه يتّخذ من الضائقة بابًا للمضاربة بالمال، فيشتري صكوك الأرزاق من أصحابها بنصف قيمتها الاسمية ثم يحسبها على بيت المال بقيمتها كاملة. وصارت أرفعُ المناصب العامّة تُعطى على نحوٍ من المزايدة لمن يبذل أحسن العطاء ويلتزم أن يقوم بأقلّ مبلغٍ بأرزاق الجند ونفقات الإدارة. ومع هذا كلّه ظلّ الخليفة معوزًا إلى المال، وفي اللحظة الحاسمة على وجه التحديد. وقد حفظ لنا المؤرّخ الفارسيّ وصّاف وثيقةً رسميّة تُفيد أنّ جملة دخل الدولة نقدًا سنة 303هـ (915–916م) لم تزد على 24 مليون درهم. فاضطرّ الخليفة يومًا، ليُسكِت جندًا ثاروا لتأخّر أرزاقهم، أن يبيع أثاث القصر كلّه، من آنية الفضّة والجواهر وغيرها،

1) ابن تغري بردي II، ص 172. ابن الأثير VIII، 8. 2) قطب السرور I، ص 324، 25.

282

ليدفع إليهم ثمنها. 1) ثم اضطرّتهم الضائقةُ المتزايدة أخيرًا إلى وضع ميزانيةٍ دقيقة للدخل والخرج، فبان فيها عجزٌ قدرُه 700,000 دينار. ولمّا طُلب إليه أن يسدّه من خاصّ ماله ثار ثورةَ غضبٍ لا تُوصَف. 2) فلم يبقَ إذن إلا استيفاء الخراج سَلَفًا. ولم يكن الوزراء والقوّاد أحسن تدبيرًا. فقد ضرب أحد القوّاد على مدينة نهاوند — وقد ساقها ثراؤها إلى شؤم أن تلفت نظره — مصادرةً قدرُها 3 ملايين دينار (30 مليون فرنك). 3) على أنّ أشدّ ما كان فسادًا بدعةٌ أخرى: أن تُقطَع أقاليمُ بأسرها لرؤساءَ أقوياء وثائرين جريئين إجارةً موروثة لقاء إتاوةٍ سنوية ثابتة (مقاطعة). بل عقد الخليفة مع أحد وزرائه اتفاقًا من هذا النوع، إذ التزم الوزير أن يقوم بنفقات الدولة كلّها بمبلغٍ مقطوعٍ ثابت، على أن يوضع سائرُ دخل الدولة تحت تصرّف الخليفة يفعل به ما يشاء. 4) وأُجّرت الأقاليم الغنيّة لمن يزيد؛ فأقطع سنة 310هـ أميرًا من الأمراء أذربيجان والرَّيّ وقزوين وأبهر وزنجان بمبلغ سنويّ قدره 500,000 دينار، على أن يقوم هذا الأمير بنفقات إدارة تلك النواحي وأرزاق الجند. وكانت هذه البلاد نفسها تؤدّي قبل ذلك بمئة عام خراجًا سنويًّا لا يقلّ عن 19–20 مليون درهم. وليمضي في حرب القرامطة أحال قائدَه على غلّة بعض الأقاليم. 5) وإلى جانب ذلك كان

1) حمزة الأصفهاني ص 209.

2) ابن خلدون: التاريخ العامّ III، 376. 3) نفسه III، 383.

4) نفسه III، 370، 371.

5) نفسه III، 372–89.

283

كبارُ عمّال الدولة يرتكبون ألوان المظالم. اعترف أحدهم، حين نُوقش الحساب، أنه اختلس ما لا يقلّ عن مليون دينار. 1) ولم يكن خَلَفُه في المنصب بأحسن منه، فقد ضرب عليه الخليفة غرامةً قدرها مليون دينار، 2) ولكن بعد أن كان قد أفرغ بيت المال إفراغًا تامًّا، إذ أجرى — ليُثبّت مكانه — أرزاقًا سنيّة على جميع أفراد البيت العبّاسيّ الحاكم، وهم يُعدّون بالألوف، وعلى حزب العلويّين القويّ، وعلى قوّاد الجند. 3) أمّا القاهر، وهو الذي خلف المقتدر مباشرة، فقد أحسن أن يستردّ شيئًا من قوّة السلطان. 4) وكان يوم بُويع من الفقر بحيث اضطرّ أن يستعير ثوبًا لائقًا؛ ثم لم يلبث أن أصاب المال الذي يحتاج إليه بسلب العمّال وذوي قرباه. وأنزل بصابئة حرّان — وهم أهل ثراءٍ وصناعة — محنةً في دينهم، ثم تركهم وشأنهم لمّا أدّوا أموالًا جسيمة. وقد أحسن سوى ذلك أن يوطّد هيبة الخلافة بشدّة بأسه. غير أنّ حكمه لم يطُل، فقد أطاحت به ثورةٌ عن العرش. 5) وكان خلَفُه الراضي آخرَ من حفظ، في الظاهر على الأقلّ، السنّةَ القديمة وآدابَ البلاط وسائرَ أبّهة الحكّام الأوّلين، 6) وإن كان أمر المال في عهده أسوأ منه في عهد المقتدر، إذ لم يكد سلطان الخليفة يتجاوز العاصمة، ولم تعد إلا القلّةُ من الأقاليم ترفع

1) ابن خلدون ص 373.

2) نفسه III، ص 374.

3) ابن الأثير VIII، 14.

4) ابن خلدون III، 447. 5) نفسه III، ص 447 وما بعدها.

6) ابن الوردي I، ص 272.

284

أموالها السنوية. 1) واضطرّ أن يعترف بصاحب الأمر في بلاد فارس لقاء إتاوةٍ سنوية قدرها 8 ملايين درهم، بل كان عليه أن يفرح بأنّ ذاك رضي أصلًا أن يؤدّي شيئًا. 2)

ويكفي، لتصوّر حال الدولة، أن يُلقى نظرٌ على موازين القوى يومئذٍ: كانت واسط والبصرة في يد ابن رائق، وهو الذي صار فيما بعد أميرَ الأمراء فملك الخليفة ملكًا تامًّا. وكانت خوزستان للبريديّ، وفارسُ في حكم البويهيّين، والجزيرةُ خاضعةً للحمدانيّين، وفي مصر والشام تحكم الدولة الإخشيدية، وإفريقية في يد الفاطميّين، وطبرستان وجُرجان تطيعان الديلم، أمّا في بلاد العرب نفسها وفي البحرين وعُمان فكان القرامطة هم أصحاب الأمر. 3) ثم لم يلبث الخلفاء أن وقعوا في تبعيّةٍ تامّة للسلاطين البويهيّين الذين استولوا على العاصمة بغداد ذاتها. وبلغ الأمر أن أجرى معزّ الدولة على الخليفة المستكفي — وهو الرابع بعد المقتدر — نفقةً يومية قدرها 5,000 درهم يتدبّر بها معاشه. 4) فلم يعد ثمّة موضعٌ للكلام في تاريخٍ ماليٍّ آخر للخلافة، لأنها ذابت حينًا من الدهر في دولة البويهيّين الجديدة، ولم يبقَ للخلفاء إلا بهاءُ منزلتهم الدينية. — نعم، عاد بعد ذلك زمنٌ استطاعوا فيه أن يستردّوا السلطان الدنيويّ وأن يحفظوه في بعض الأحيان.

على أنّ البويهيّين هم الذين أتمّوا الخرابَ الماليّ لتلك البلاد التي كانت من قبلُ زاهرةً عامرة. فلكي يؤدّي معزّ الدولة أرزاق

1) Weil: Gesch. der islamischen Völker p. 213.

2) ابن تغري بردي II، 263.

3) Weil: Gesch. der islam. Völker p. 213. وابن خلدون: التاريخ العامّ III، 401.

4) Hammer: Gesch. der Ilchane I. 122.

285

جنده لجأ إلى الوسائل المألوفة: الضرائب الاستثنائية ومصادرة الأموال. كما أقطع القوّاد والجند أرضين بدلًا من الأرزاق، إقطاعَ جُندٍ. أمّا تلك الأرضون التي أُقطعها قوّادُ الجند ورجالُ الحكم ذوو النفوذ فكانت تُعمَّر عمارةً حسنة وتُصان صيانةً حريصة، وأمّا ما صار منها إلى آحاد الجند وعامّة الناس فقد خرب وباد، من كثرة العَسْف الذي لا ينقطع، ومن إهمال القناطر والأنهار والسدود ونظام السقي. وبطل كلّ ضبطٍ للخراج، إذ صار قوّاد الجند الأتراك هم الذين يجبونه، ولم يكن لدواوين الحكومة عليهم رقابة. 1)

وجملة القول أنّ إدخال نظام إقطاع الجند — وهو في حقيقته صنعةٌ تركية — قد أهلك بنيةَ الخلافة السياسية كلّها. 2) وصار سلاطين بني بويه هم أصحاب الأمر وحدهم في دار الخلافة، ولم يبقَ للخليفة إلا شاراتُ السيادة الظاهرة: السرير، والسكّة، وذكرُ اسمه في الخطبة والدعاء في المسجد.

فما لبث أن جرى على ألسنة العامّة مثلٌ سائرٌ يُقال لمن اضطُرّ إلى الرضا بأخسّ نصيب: إنه يقنع بالسكّة والخطبة. 3)

ويُروى أنّ عضد الدولة البويهيّ اجتهد أن ينهض بالرخاء الساقط، ويُذكر عنه أنه أمر بحفر النهر العظيم الواصل بين نهر خوزستان ودجلة، 4)

1) ابن خلدون: التاريخ III، 421، 422.

2) ابن خلدون IV، ص 435.

3) الفخري ص 38.

4) Sprenger: Post und Reiserouten p. 66.

286

ولكن يبقى مع ذلك موضعُ شكٍّ كبير في أن تكون الطاقةُ الخراجية قد ارتفعت ارتفاعًا يُعتدّ به، وفي أن يكون دخل الدولة قد بلغ في عهده من جديد 360 مليون درهم كما تُخبر بذلك مصادرُ مشكوكٌ فيها. 1)

هذا الإقليم، الذي فيه تقع دار الخلافة بغداد، كان في الحقيقة قلبَ الدولة. واسم السواد عربيّ، والأغلب أنه كان مستعمَلًا قبل فتح المسلمين. ومعناه: الأرض المحروثة، أو الناحية ذات التربة السوداء الخصبة. ويكاد هذا الإقليم ينطبق تمام الانطباق على ما سُمّي في زمنٍ متأخّرٍ قليلًا باسم العراق، وهو اسمٌ كان معروفًا على كلّ حال في عهد الساسانيّين، إذ ترد هذه التسمية في صورة «إراك» في البُندَهِش. والولاية العثمانية المرسومة في خرائطنا باسم العراق العربيّ تُغطّي تقريبًا السوادَ القديم.

الحدود. عُني أقدمُ فقهاء العرب بتحديد حدود السواد تحديدًا دقيقًا، لِما يتعلّق به من مسائل الأصول المهمّة. وكان امتداده عندهم كما يلي: من سلسلة جبال حلوان، وهي زاغروس عند القدماء، إلى طريق العُذَيب الذي كان يفصل عند القادسية بادية العرب في الجنوب الغربيّ، ومن الموصل شمالًا إلى الطَّفّ في أرض البطائح قرب البصرة. فالسواد إذن يمتدّ طولًا من عبّادان الواقعة أسفل البصرة عند مصبّ دجلة إلى الموصل، ويمتدّ عرضًا من حلوان إلى طريق القادسية

1) Hammer: Gemäldesaal IV. p. 97. ورقمُ 360 وحده كافٍ لإثارة الريبة.

287

عند العُذَيب. ويقدّر جغرافيّو العرب الطول بمئةٍ وخمسةٍ وعشرين فرسخًا، والعرض بخمسةٍ وثمانين. فأحسنُ ما تُحدَّد به حدود السواد على الخريطة أن يقال: أقصى نقطةٍ في الشمال مصبُّ الزاب الأعلى في دجلة حيث كانت الحديثة؛ ومن هناك إلى الجنوب تشكّل الحدَّ الشرقيَّ سلسلةُ زاغروس، وهي اليوم جبال شهرزور، وأطرافُها نزولًا إلى نواحي البطائح حيث يلتقي دجلة والفرات. أمّا الحدّ الغربيّ فكان من مصبّ الزاب نزولًا هو دجلة إلى سدّ نمرود المرسوم في خريطتنا، 1) حيث يصير السوادَ بعدئذٍ كلُّ عَرض حوض الفرات المحدود من الغرب بالبادية الشامية، ممتدًّا إلى البحر، منتهيًا مع مصبّ دجلة عند عبّادان تقريبًا. وعلى هذا النحو نفسه يحدّه الجغرافيّ الإصطخريّ، ولا سيّما في فصله بينه وبين الجزيرة، إذ يقول صراحةً إنّ الحدّ يتبع الفرات صُعُدًا إلى الأنبار ثم يمتدّ من الأنبار عبر ما بين النهرين إلى تكريت. وكانت الأنبار على مسافة اثني عشر فرسخًا غربَ بغداد على الفرات؛ فكلّ ما يقع فوق ذلك شمالًا لم يعد من السواد بل من الجزيرة. 2)

1) قارن في شأن سدّ نمرود: Layard: Discoveries in the ruins of Ninive and Babylon. Second Expedition, Cap. XXV. والأغلب أنّ هذه البقايا، التي يسمّيها العرب اليوم سدّ نمرود، هي بقايا السور الماديّ الذي كان يجري إلى جنوبه النهرُ الملكيّ. وكان هذا السور، على ما ذكر كسينوفون، مئةَ قدمٍ ارتفاعًا وعشرين قدمًا سُمكًا، ويقع على نحو ستّة أميالٍ جغرافية شمالَ بغداد في الموضع الذي يقترب فيه النهران أشدّ الاقتراب. قارن: Ritter: Erdkunde X. p. 19, 144, 213 ff.

2) على ما ذكر ابن خرداذبه، طولُ السواد من الحديثة إلى عبّادان (125 فرسخًا)، وعرضُه من عَقَبة حلوان إلى العُذَيب (85 فرسخًا). وكانت جملة مساحته 36,000,000 جريب (وفي نصّ ابن خرداذبه خطأً: 36000). قارن الماوردي، الباب الرابع عشر، الفصل الأخير.

288

المدن. كانت أهمّ المدن، بعد بغداد عاصمة الدولة التي سنتكلّم عليها بالتفصيل في المجلّد الثاني، ما يلي: البصرة، في سهلٍ فسيح تشقّه قنواتٌ لا تُحصى، تغطّيه غابات النخل الممتدّة إلى غير منتهى حتى ساحل البحر القريب عند الأُبُلّة، بل حتى عبّادان الواقعة على البحر على مسافة خمسين فرسخًا إلى الجنوب. ولمّا كانت البصرة تقع في الداخل قليلًا كان لها مرفأٌ خاصّ في الأُبُلّة، وهي أبولوغوس عند القدماء (والاسم اليونانيّ مطموسٌ في نصّنا). وكانت المستنقعات والمياه الراكدة الكثيرة تجعل الناحية المحيطة بها شديدة الوباء بالحُمّى. — وواسط على الفرات، تمتدّ المدينة على ضفّتيه جميعًا، وتقع في وسط ناحيةٍ عامرةٍ بالزرع؛ ويصل بين شطريها جسرٌ من السفن. — والكوفة، على قناةٍ من الفرات جفّت منذ ذلك الحين، وكانت تكاد تعدل البصرة في الكِبَر. وإلى الغرب من الكوفة، على نحو مسيرة يومٍ في الداخل نحو البادية، تقع المواضع المشهورة في التاريخ: القادسية، ثم الخورنق، وأخيرًا مدينة الحيرة، وهي مواضع قديمة من عهد الحكم الفارسيّ، خرِبت آخرتُها خرابًا تامًّا في زمن الإصطخريّ لانتقال أهلها إلى الكوفة. ومن هذه المدينة الأخيرة إلى بغداد يمتدّ شريطٌ من الأرض حسنِ العمارة تسقيه قنواتٌ كثيرة. وإلى الشمال من الكوفة قليلًا، على بعدٍ من الفرات، تقع كربلاء، مزارُ الشيعة، المعروفة بما وقع فيها من قتال الحسين المفجع مع جند بني أميّة، حيث لقي حتفه.

وإذا سِرنا من بغداد شمالًا شرقًا لقينا أوّلًا بلدةَ النهروان، على أربعة فراسخ من بغداد، على القناة التي تحمل الاسم نفسه. ومن هنا كان الطريق يمضي عبر الدَّسْكَرة إلى حلوان، مدينةِ الحدّ الشماليّ الشرقيّ، الواقعة في سفح جبال زاغروس. 1) وأهميّة هذا الموضع أنّ

1) قارن: Ritter: Erdkunde IX, 470.

289

طريق الجيوش والأمم القديم كان يخرج عنده، وهو الطريق الذي يمضي من آشور عبر سلسلة زاغروس إلى ميديا وعاصمتها القديمة إكباتانا، وهي همذان اليوم. وكان هذا هو الدرب الأعظم لكلّ الحملات العسكرية في العصور القديمة وفي عهد الخلافة سواء، وقد أقامت الخلافة على هذا الطريق من محطّةٍ إلى محطّة بيوتَ البريد ومراكزَ الدوابّ، فوُصلت العاصمة وصلًا سريعًا بأقصى الحدود الشرقية. ومن حلوان كان هذا الطريق يمضي عبر همذان إلى الرَّيّ، ثم إلى الأبواب القزوينية عند دامغان، ومنها إلى بارثيا وهِركانيا، وذلك عبر خُسروجرد وسَرَخس إلى بخارى وسمرقند، مع تفرّعٍ جنوبيّ نحو بلخ.

أمّا المدائن (قطيسفون)، مَشتى ملوك الفرس القديمة الواقعة على بضعة أميال جنوبَ شرقِ بغداد، فكانت في عهد العبّاسيّين ركامَ أطلال يُتّخذ محجرًا لأبنية بغداد. وإلى الشمال، صُعُدًا مع دجلة، تقع سامرّاء التي أنشأها المعتصم، وكانت حينًا دارَ الخلافة. وكانت الناحية كلّها غربَ تكريت بين دجلة والفرات إلى نحو الأنبار أقلَّ عمارةً من القسم الأسفل من السواد، وتغلب عليها البادية في معظمها، فلا يظهر فيها مكان غابات النخل إلا غاباتٌ كثيفة من الطَّرْفاء على أكثر تقدير، وفي السهل الفسيح تعيش قبائل من الأعراب على رعي الماشية، وهي حرفةٌ كانوا يستبدلون بها حرفة اللصوصية أحيانًا. ولم تكن المزارع تمتدّ بضعة أميال إلا حول سامرّاء. 1)

السكّان. سكنَ الإقليمَ أقوامٌ شتّى. فأهل البلاد القدماء كانوا من الأرَميّين، وهم يؤلّفون جمهور الفلّاحين. وفي عهد الحكم الفارسيّ استوطنه كثيرٌ من الفرس أيضًا، وكانت قبائل الأعراب

290

قد هاجرت إليه قبل فتح المسلمين ونزلت خاصّةً في القسم الشماليّ من السواد، من الأنبار صُعُدًا، في السهل العظيم بين النهرين، حيث كانت تحيا حياة البادية. وفي القسم الجنوبيّ حول البصرة وفي ما يُسمّى بالبطائح اتّخذ قومٌ من الهند مساكنَ لهم، هم الجات، ويسمّيهم العرب الزُّطّ. 1) وفي النواحي الشمالية والشرقية يختلط العرب بالفرس والأكراد، ويبدو أنّ حدّ اللغة في الشرق كان يوافق جبال زاغروس، فإنّ سكّان حلوان كانوا في معظمهم من الفرس والأكراد. وكان السهل ساميًّا في الغالب، وكانت الجبال الحابسةُ لإيران الغربية هي في الوقت نفسه حدَّ اللغة. 2)

الصناعة وغلّات الأرض. كانت مدن السواد الكبرى بطبيعة الحال مقرَّ صناعةٍ رفيعة التقدّم. ففي سامرّاء أنشأ المعتصم صناعة الورق، إذ أنزل بها عمّالًا ورؤساءَ صَنعةٍ من مصر، كما استقدم إلى دار ملكه عمّالًا من البصرة حيث كانت صناعة الزجاج قد بلغت شأوًا بعيدًا، وكذلك الخزّافين وصنّاع حُصُر البَرْديّ. 3) وقد بهرت الكوفةُ بصناعة النسيج فيها، والمقانع الحريرية وشِبهُ الحريرية المعروفة باسم «الكوفيّة»، المنتشرة إلى اليوم في الشرق كلّه، صُنعت هنا أوّل ما صُنعت. على أنّ أعظم ما امتاز به هذا الإقليم من الغنى إنّما هو خصب أرضه بالزرع والثمر، وأخصُّ ما يُذكر منه الشعير والقمح والأرزّ والتمر. وكانت شبكةٌ من القنوات تعهّدها العرب بعنايةٍ بالغة وأتمّوها تحيط

1) البلاذري 376. 2) اليعقوبي ص 46. 3) اليعقوبي ص 39.

291

بالناحية كلّها وتضاعف خصبَ الأرض. 1)

حاصل خراج السواد:

ابن خلدون: قدامة: ابن خرداذبه: السواد . . . 27,780,000 درهم 109,457,650 درهم 78,309,340 درهم 14,800,000 » كَسْكَر . . . 11,600,000 » حلوان . . . 4,800,000 » كورة ما بين الكوفة والبصرة . . . 10,700,000 كورة دجلة . . 20,800,000 »

90,480,000 درهم

2. الأهواز (سوسيانا).

هذه الناحية التابعة اليوم لبلاد فارس باسم خوزستان كانت منذ أقدم العصور مقرَّ حضارةٍ ذات شأن. وهنا كان الفاصل بين جنسين مختلفين: الساميّ

1) على ما ذكر ابن خرداذبه، كان السواد قد قُسّم في عهد الحكم الفارسيّ، لأجل إدارة الخراج، اثنتي عشرة ناحية (بالعربية: كورة، وبالفارسية: أستان)، تنقسم كلٌّ منها إلى عددٍ من الطساسيج؛ وكانت هذه الطساسيج ستّين. غير أنه لم يبقَ منها في زمن ابن خرداذبه إلا ثمانيةٌ وأربعون، إذ فُصلت عن السواد كورةُ حلوان كلّها وفيها خمسة طساسيج وضُمّت إلى كورة الجبل. وأمّا كورة دجلة، وفيها أربعة طساسيج، فأُلحقت بولاية البصرة؛ ثم صار طَسّوجٌ آخر بطيحةً فلم يعد يُحسب. وحُوّل طسّوجان إلى ضِياع الخاصّة. وأسماء الكور الاثنتي عشرة هي: 1. أستان شاذ فيروز، 2. أستان شاذ هرمز، 3. أستان شاذ قباذ، 4. أستان شاذَه جان خسرو (خسرو سابور)، 5. أستان سابور، 6. أستان شاذ بهمن، 7. الأستان الأعلى، 8. أستان أردشير بابكان، 9. أستان ديوماسِتان (Dywamäsitän)، 10. أستان بِهقُباذ الأعلى، 11. أستان بِهقُباذ الأوسط، 12. أستان بِهقُباذ الأسفل.

وهذا التقسيم الإداريّ، وهو من عهد الحكم الفارسيّ كما تشهد به أسماؤه الفارسية، بقي على حاله في عهد العرب أيضًا.

292

الغالب في بابل، والآريّ الغالب في بلاد فارس. ففي خوزستان التقى هذان الضدّان ووجدا ما يوفّق بينهما؛ بل كانت أيضًا، من الوجهة الجغرافية، حلقةَ الوصل بين سهل بابل المنخفض الحارّ ومنخفضاته المستنقعة التي يندفع فيها دجلةُ متّحدًا بالفرات إلى البحر، وبين هضبة إيران الباردة الجافّة.

الحدود وطبيعة الأرض. يشكّل نهر طاب (Tsab في خريطة Kiepert) في الشرق الحدَّ مع فارس، ثم جبالُ بختياري الفاصلة بين خوزستان وبين كورة أصفهان التي كانت مستقلّةً في عهد أوائل الخلفاء العبّاسيّين. وبين دَوْرَق ومَهْروبان يمضي خطّ الحدّ إلى البحر. وإلى الغرب تقع كورة واسط (واسط الحيّ) التابعة للسواد، وإلى الشمال السِّيمَرة (Seimarra في الخريطة) وكَرخى واللُّر (أي لُرستان)، وقد كان الأخير يُعدّ فيما مضى من خوزستان ثم أُلحق بكورة الجبال. أمّا الحدّ الجنوبيّ فيمضي من البحر صُعُدًا فوق عبّادان إلى كورة واسط. والشريط الساحليّ التابع لخوزستان ضيّقٌ فحسب، ويمتدّ من بَيان (Rian في الخريطة) ومَهْروبان إلى عبّادان.

وتُظهر البلاد في طبيعة أرضها وتكوينها الجغرافيّ أشدَّ التناقض. ففي المنخفضات الساحلية التي لا تكاد ترتفع عن سطح البحر يمتدّ طابعُ سهل بابل المنخفض. وهي فيافٍ رمليّة واسعة لا يستطيع النبات أن ينبسط فيها، تحت لهيب أشعّة الشمس المحرقة، إلا حيث يمنح السقيُ الصناعيّ أو الطبيعيّ الأرضَ الظامئة عنصرَ

وقد ذكر ابن حوقل (طبعة de Goeje ص 169) أنّ مبلغ خراج العراق، على ما ضُمن به سنة 358هـ (968م)، ثلاثون مليون درهم، يُضاف إليها اثنا عشر مليونًا من واسط والكوفة اللتين ضُمنتا على حدة.

293

الحياة. ولم تكن المياه الطبيعية القليلة الضعيفة — كارون وديزفول وجرّاحي وكرخة وزُهرَك (طاب) — تكفي لذلك، فمن ثمّ عُني كدُّ أقدم السكّان بإنشاء شبكةٍ محكمة من القنوات وأعمالِ سقيٍ صناعية. والسهل الجنوبيّ متّصلٌ بسهل بابل اتّصالًا مباشرًا، غير أنه محدودٌ من الشمال والشرق بالكتل الجبلية التي تتّصل، على ارتفاع 8 إلى 10 آلاف قدم، بجبال زاغروس من جهة وبهضبة فارس من جهة أخرى. ومن هنا تتبيّن طبيعةُ المناخ من نفسها: بارد صحّيّ في المرتفعات، شديدُ الحرّ ضارٌّ بالصحّة في السهول.

المدن والتقسيم السياسيّ. حملت أكثرُ الكور أسماءها عن أهمّ مدن البلاد؛ فكانت المدن: الأهواز (هرمزشهر)، وعسكر مُكرَم، وتُستر (شوشتر في الخرائط)، وجُندَيسابور، والسوس (سوسة القديمة)، ورامهرمز، هي قواعدَ الكور المسمّاة بها؛ وحدها الكورة السابعة سُرَّق كانت قاعدتُها مدينة دَوْرَق. وتوجد في مواضع كثيرة آثارٌ عجيبة من عهد الأخمينيّين والدول الفارسية القديمة المتأخّرة، تشهد بعلوّ الحضارة القديمة. 1)

السكّان. كان عمادَ السكّان أهلُ البلاد الأقدمون، ولهم لغتهم الخاصّة، وهي الخوزية، غير أنّ العربية والفارسية كانتا شائعتين شيوعًا عامًّا. ولم يكن يكاد يُميَّز أهلُ خوزستان في اللباس عن أهل

1) على ما ذكر قدامة كان التقسيم كما يلي: 1. سوق (الأهواز)، 2. نهر تيرى، 3. تُستر، 4. السوس، 5. جُندَيسابور، 6. رامهرمز، 7. السوق العتيق. — وعلى ما ذكر ابن خرداذبه: 1. جُندَيسابور، 2. سوق الأهواز، 3. مناذر الكبرى والصغرى، 4. نهر تيرى، 5. رامهرمز ودَوْرَق، 6. السوس.

294

العراق. 1) ولا شكّ أنّ الجنس الساميّ كان الغالب في السهول، بينما بقي الأصل القديم أنقى في القسم الجبليّ.

الصناعة وغلّات الأرض. كانت خوزستان من الأقاليم التي بلغت فيها الصناعة في عهد الخلفاء أرفعَ درجاتها. ففي تُستر كان يُصنع الديباج الفاخر ويُصدَّر إلى كلّ الجهات: ومن هذا القماش كانت تُصنع كسوةُ الكعبة بمكّة، وكان يُعدّ أرفعَها. وفي السوس كانت تُصنع أقمشة الحرير المشهورة، ولا سيّما الخزّ، وتُرسل في كلّ اتّجاه. وكانت فُرُش السوسنجرد الذائعة الصيت الغالية الثمن، وتُصنع في قُرقوب، سلعةً تجارية كبيرة. وكان في السوس وفي تُستر جميعًا، في زمن الإصطخريّ، دورُ طرازٍ سلطانية للتطريز بالذهب. وفي بَسِنّك (Basinnka) كانت تُنسج ستورٌ بلغ من رغبة الناس فيها أن قُلّدت في مواضع أخرى تقليدًا كثيرًا وزُوّرت عليها علاماتُ المصانع. بل لم تخفَ على صنّاع خوزستان حِيَلُ المنافسة الحديثة كلّ الحداثة: ففي نهر تيرى كانوا يقلّدون بنجاحٍ كبير أقمشةَ الثياب البغدادية المرغوبة، ثم يرسلونها إلى بغداد فتُصقَل هناك وتُباع على أنها من صنع بغداد الأصيل. وفي طِيب كانت تُنتَج تِكَكٌ من الحرير ممتازة تشبه التِّكَك الأرمنية ولا تقصر عنها جودةً. 2) وكانت البلاد كذلك غنيّةً بالمواد الخام، ولا سيّما التمر وأصناف الفواكه الحارّة كلّها، ثم الشعير والقمح والأرزّ الذي كان قوتَ السكّان الأوّل، يصنعون منه الخبز. ونجح القطن أيضًا، غير أنّ زراعة قصب السكّر كانت أشيعَ ما يكون. وقد بلغت مدينة الأهواز خاصّةً، وهي في العصور الإسلامية قاعدةُ الإقليم

1) الإصطخري ص 91. وقارن في الأحوال الإثنوغرافية: Spiegel: Erän p. 10 ff. 2) الإصطخري 88–96.

295

كلّه، بمزارع قصب السكّر فيها وصناعة السكّر مكانةً عالمية حقًّا. وقامت فيها معاملُ تكرير ومصانع كثيرة تمدّ جانبًا عظيمًا من آسيا بحاجته من السكّر. وهنا تظهر لأوّل مرّة زراعةُ المزارع الكبرى على وجه التجارة مقرونةً بصناعةٍ على أصولها، ومن هنا شقّت طريقها إلى الغرب. 1) وكانت جُندَيسابور في ذلك العهد مقرَّ مدرسةٍ عليا في العلوم الطبيعية اشتهرت في التاريخ عن جدارة، تخرّج فيها أعلمُ الأطبّاء، ولا ريب أنّ ما جرى فيها من الدرس أسهم إسهامًا كبيرًا في نهضة الصناعة والتجارة. ومن هناك خرجت أوّل معرفةٍ بتكرير السكّر، ووجدت أقدمَ تطبيقٍ لها واستثمارٍ صناعيّ على أرض خوزستان. 2)

ما يُحمل من الخراج:

ابن خلدون: قدامة: ابن خرداذبه: نقدًا: 25,000,000 درهم 3) 23,000,000 درهم 30,000,000 درهم

عينًا: 30,000 رطل سكّر.

وقد بلغت الجزية، على خبرٍ منفرد، في عهد الخليفة الأمويّ عبد الملك ثمانية عشر مليون درهم (Barbier de Meynard: Dictionnaire geographique de la Perse, p. 412). وعلى ما ذكر ابن حوقل (طبعة de Goeje ص 178) كان جملةُ دخل الإقليم من الخراج ثلاثين مليون درهم.

1) قارن: Ritter: Erdkunde Bd. IX. p. 229 ff. 284 ff. Lassen: Indische Alterthumskunde II. Aufl. I. p. 321. ويبدو أنّ التكرير بمعناه الدقيق من ابتكار أطبّاء العرب في الأهواز وجُندَيسابور، حيث أُدخل قصبُ السكّر منذ القرن الخامس.

2) Ritter: Erdkunde Bd. IX. p. 287.

3) في النصّ 25,000؛ ولا يكاد يُشكّ في أنّ لفظ «ألف ألف» سقط بسهوٍ يسهل على كلّ عارفٍ بالعربية أن يفهمه.

296

3. فارس (فارسستان، بلاد فارس).

هذا هو الموطن الأصليّ للسلطان الفارسيّ؛ هنا كانت برسبوليس، دارُ ملك الأخمينيّين القديمة، التي لا تزال أطلالُها العظيمة تبعث أشدَّ الإعجاب، وهنا كان مركزُ نظام الدولة الفارسية الأقدم في الحقيقة. وقد خلّفت حضارةٌ محلّية موغلة في القدم آثارًا كثيرة، وبقي هذا الإقليم — على الرغم مما لا بدّ أن يكون قد أحدثه اقتحام العرب وغزواتُهم المدفوعة بشهوة الغنيمة الوحشية من خراب — من أغنى الأقاليم وأهمّها إلى أواخر عهد الخلافة.

الحدود وطبيعة الأرض. لم تكد حدود فارسستان تتزحزح منذ العصر القديم؛ فلم يكن لآلاف السنين على تشكّل هذه البلاد السياسيّ أثرٌ يكاد يُلحَظ، وهذا الثباتُ في معظمه نتيجةٌ لأحوال الأرض التي لا تتبدّل. تحدّها كرمان شرقًا، وخوزستان غربًا حيث يشكّل نهرُ طاب الحدّ، وتقع في الشمال البادية الكبرى الفاصلة بين فارسستان وخراسان، وأجزاءٌ من كورة أصفهان التي لم تكن في عهد الخلفاء من فارسستان بل كانت ناحيةً قائمة بذاتها. وفي الجنوب كان البحر هو الحدّ، تمتدّ على شاطئه تلك السهول الرملية المحيطة بجنوب إيران كلّه. وتربةُ هذه المنخفضات المِلحيّة الرملية قليلةُ الصلاحية للزرع، والمجاري المائية الطبيعية شديدةُ القلّة، ولا تسمح إلا الأمطارُ الموسمية بعمارةٍ ضئيلة. وليس في فارسستان اليوم نهرٌ تجري فيه السفن، وأكبرُ أنهارها الداخلية لا تبلغ البحر بل تصبّ في بحيرة الملح دريا-ي-نيريز (بختكان). ويبدو أنّ الماء كان فيما مضى أوفر، فقد ذكر ابن حوقل عدّة أنهارٍ صالحة للملاحة، وكذلك

297

فعل صاحب «المعجم». أمّا الداخل الجبليّ فأحسنُ موضعًا بكثير. ترتفع السهول بين سلاسل الجبال ارتفاعَ المدرّجات؛ وهي لا تتّسع في بعض المواضع إلا بضع ساعات، ثم تتّسع في الداخل؛ وبينما لا ترتفع منخفضات الساحل عن سطح البحر إلا بضع مئاتٍ من الأقدام، تبلغ هذه المسطّحات في الداخل ارتفاع 3,000 إلى 5,000 قدم. فلهذه الناحية إذن مناخان: حرٌّ خانق في المنخفضات (جروم)، ومعتدل في الجبال (صرود).

المدن والتقسيم السياسيّ. تنقسم فارسستان خمسَ كور: 1. إصطخر وقاعدتُها المسمّاة باسمها (برسبوليس). 2. أردشير خُرّه وقاعدتُها جُور ومدينةُ قُباذ خُرّه. 3. دارابجرد وقاعدتاها دارابجرد وفَسا. 4. أرَّجان وقاعدتُها المسمّاة باسمها. 5. سابور وقواعدها سابور وكازرون ونوبندجان وغيرها. 1) أمّا قاعدة الإقليم كلّه فكانت شيراز، حيث دارُ الولاة العرب ودواوينُ الحكومة. وهي من إنشاء الإسلام.

وإلى جانب هذا التقسيم إلى خمس كور كانت في فارسستان خمسُ نواحٍ، كبيرة وصغيرة، تكاد تكون مستقلّةً كلّ الاستقلال، تُعرف باسم «الرَّمّ»، وقد سكنها منذ القدم مستوطنون من الأكراد. 2) وكانت تنعم بنظامٍ إقليميّ يكاد يكون مستقلًّا استقلالًا تامًّا، يمنحها من الحكم الذاتيّ ما بلغ أن يؤدّي كلُّ رَمٍّ خراجَه إلى الحكومة على يد رجل ثقةٍ منه يختاره المستوطنون من بينهم، فيكون بذلك خارجًا عن نظام الخراج العامّ

1) وعلى وفاقه قدامةُ أيضًا؛ أمّا ابن خرداذبه فيضيف كورة فَسا.

2) قارن: Spiegel: Erän p. 79. ويبدو أنّ هذا النظام القبَليّ الجرمانيّ القديم كلَّ القِدَم لم يمسّه الفتح العربيّ.

298

مستثنًى منه، إذ كان أهل كلّ ناحية (رَمّ) يؤدّون خراجهم مباشرةً، وقد رُفع كلُّ تدخّلٍ لعمّال الحكومة. فكانت كلُّ ناحية دويلةً صغيرة داخل الدولة. ولم يكن عليهم من واجبٍ إلا أن يحرسوا القوافل وأن ينفروا مع السلطان في الحرب. 1) وكان رئيسُ كلّ رَمٍّ أو ناحية «كونتَ ناحية» (Gaugraf) بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وكان حوله دائمًا قوّةٌ مسلّحة من ألفٍ إلى ثلاثة آلاف رجل. 2) وكان في فارسستان جمهورٌ كبير من الأكراد، يعيشون كذلك خارج نواحي الرَّمّ في الخيام على رعي الماشية. ويقدّر الإصطخريّ عددهم بخمسين ألف بيتِ شَعر، ويضيف أنه يُحسب على البيت الواحد من رجلٍ إلى عشرة رجال. ولم يكن الحاضرُ منهم إلا قليلًا، وهم القبائل التي على تخوم الجبل (صرود) والسهل المنخفض (جروم)، وسائرُهم بادية، شديدو المِراس في الحرب، عسيرٌ ضبطُهم. ولم يكن على هذه القبائل الكردية الرحّالة إلا أداءُ الصدقة، وهم مثبَتون لذلك في سجلّات الدواوين. 3)

ويُرى ممّا تقدّم أنّ هذه البلاد، التي كانت فيما مضى لبَّ مملكة الفرس القديمة وقلبَها، قد أحسنت أن تحفظ من العصور الموغلة في القدم قسطًا كبيرًا من نظمها الزراعية والاجتماعية القديمة، وأن تحفظه إلى أيام الخلفاء، إذ بقيت — على انقسامها إلى خمس كورٍ إدارية كبرى — طائفةٌ لا يُستهان بعددها من المدن

1) قارن: Barbier de Meynard: Dict. Géogr. de la Perse p. 263, 64.

2) الإصطخري ص 144، ابن حوقل ص 180. وابن خرداذبه يذكر أربعة رُموم: 1. رَمّ الحسين بن جيلويه، ويُسمّى ميانجان، على أربعة عشر فرسخًا من شيراز. 2. رَمّ القاسم بن شهريار، ويُسمّى كوريان (وعند ياقوت والإدريسي: بَرِنجان)، على ثلاثين فرسخًا من شيراز. 3. رَمّ أردمراي (Ardamräy)، جواماه، على ستّة وعشرين فرسخًا من شيراز. 4. رَمّ الحسين بن صالح، ويُسمّى ريزان، على سبعة فراسخ من شيراز.

3) الإصطخري ص 99.

299

والقرى بأراضيها على وضعٍ إداريّ قائم بذاته، حتى صارت كورًا مفردةً للخراج والإدارة، وأُفرد لها بهذه الصفة موضعُها الخاصّ في سجلّات الحساب. 1) وكان بعضُ هذه «الكونتيّات» — وهي تسميةٌ تصحّ عليها في الحقيقة — واسعَ الرقعة، مثل كونتيّة يزد وهي أكبرها، ثم كونتيّة رودان التي الأولى أن تُعدّ من كرمان وإن أُلحقت فيما بعد بفارسستان، وكانت رقعتها ستّين فرسخًا. وكانت كورةُ أردشير خُرّه تضمّ ثلاث عشرة كونتيّةً من هذا القبيل، لكلٍّ منها عملُها الخراجيّ الخاصّ. 2) وكان كثيرٌ من حصونها وقلاعها العديدة مساكنَ للبيوت القديمة الشريفة في البلاد. ومع بقايا هذا النظام القديم بقي كثيرٌ من الدين الزرادشتيّ أيضًا، وكانت يومئذٍ بيوتُ نارٍ كثيرة لا تزال قائمة. وقد أحسن غيرُ بيتٍ من بيوت الفرس القديمة أن يحفظ في ظلّ الإسلام أيضًا جاهَه وسلطانه وثروته، وكان رؤساؤهم يحكمون في ضياعهم الموروثة حكمَ الملوك الصغار. وكان على رأس بعض نواحي الرَّمّ أيضًا أعقابٌ من هذه البيوت الشريفة. 3) فلم يكسر الإسلامُ النظامَ الإقطاعيّ الفارسيّ القديم، وبقيت أشرافُ البلاد القديمة في حيازة الضياع الواسعة.

المدن. فارسستان غنيّةٌ بالمدن الكبيرة القديمة. وأوّلُها منزلةً إصطخر (برسبوليس)، دارُ الملوك الأقدمين؛ ثم تأتي سابور ودارابجرد وجُور. وأبنيةُ هذه المدن الفارسية وأسوارُها من الطين غير المشويّ في الأغلب، وبعضُها من الحجر. أمّا شيراز فإسلاميةُ النشأة، بُنيت في عهد الخليفة عبد الملك؛

1) الإصطخري ص 100. 2) نفسه ص 104. 3) الإصطخري ص 141.

300

وكانت في أوّل أمرها معسكرًا محصّنًا تنزله حاميةُ الإقليم، ثم نشأت منه المدينة. وبها كان مقرُّ الوالي وصاحبِ الجند الأعلى ودواوينِ الحكومة. ثم تُذكر كَثَه، قاعدةُ كونتيّة يزد، ثم أبَرقوه ورودان. وفي كورة إصطخر كانت البيضاء أكبرَ المدن بعد إصطخر، وهي أيضًا معسكرٌ عربيّ محصّن قديم. 1) وفي كورة سابور كانت أهمّ المدن كازرون وخُرّه ونوبندجان، والأبنيةُ من اللَّبِن، وبعضُها من الجصّ والحجارة. وفي كورة دارابجرد كانت أكبرَ المدن فَسا. وأمّا مدن كورة أردشير خُرّه فقد ذكرناها (جُور وشيراز). على أنّ أهمّ مدن فارسستان كلّها بعد شيراز كانت سيراف على ساحل البحر، أعظمَ مرافئ التجارة في بحر فارس في ذلك الزمان. وكان الرخاء فيها عظيمًا، والبيوت من عدّة طبقات، ويُستعمل في البناء خشبُ الساج الثمين المجلوب من الساحل الإفريقيّ. وكان أهلُها، وقد أثروا بتجارتهم، يعيشون في ترفٍ عظيم، حتى إنّ من التجّار من كان يُنفق على مسكنه ثلاثين ألف دينار. 2) وكان أهل سيراف يُعدّون من جسورِ ركّاب البحر وأهلِ التجارة، يقيمون في أسفارهم التجارية في البحر سنين. 3) وقد اجتمعت على هذا النحو ثرواتٌ طائلة، ويحكي الإصطخريّ أنّ من التجّار هناك من كان يملك أكثر من ستّين مليون درهم. 4)

السكّان. كان جمهور أهل فارسستان من الأصل الإيرانيّ، وأمّا سكّان نواحي الرَّمّ المسمَّون أكرادًا

1) الإصطخري ص 126.

2) نفسه ص 127.

3) نفسه ص 138.

4) وكانت المدن على هذا الترتيب في الكِبَر: شيراز، فَسا، سيراف، أرَّجان، توّج، سابور، إصطخر، كَثَه، دارابجرد، جُور، جنّابة، نوبندجان، غُندِجان.

301

فلم يُسمّهم جغرافيّو العرب بهذا الاسم إلا لأنهم — على الأرجح — كانوا يتكلّمون لهجةً فارسية قديمة فبدوا غرباء، وما كانوا كذلك قطعًا. ومن جهة الغرب لا يزال اللُّر الوافدون من سوسيانا يتوغّلون إلى فارسستان إلى يومنا هذا، وهذه القبائل اللُّرية هي على الأرجح عينُ القبائل التي يسمّيها الإصطخريّ أكرادًا. 1) وعلى ساحل البحر نزل وافدون من العرب جاؤوا من البحرين. وقد أنشؤوا في بعض الأمر — كما هو الحال إلى اليوم — إماراتٍ عربية صغيرة نصف مستقلّة في النواحي الساحلية، بل توغّلوا في بعض المواضع إلى داخل البلاد: فصارت إصطخر مقرًّا لأحد هؤلاء الرؤساء العرب؛ وكان البيت الشريف الذي ينتمي إليه يؤدّي عمّا في يده من الضياع خراجًا قدره عشرة ملايين درهم. 2)

الصناعة وغلّات الأرض. 3) كانت تُصدَّر من مدينة جُور الأدهانُ الطيّبة والعطور تصديرًا قويًّا إلى بلاد العرب والشام وغيرها من البلدان، كماء الورد، وعِطر طَلْع النخل، وماء الزعفران المخلوط بالسوسن، وعُصارة القيصوم، ودُهن الخِلاف، وماء الخِلاف وغيرها. 4) ومن سابور كانت تُرسَل المراهم الطيّبة الرائحة ودهن البنفسج وغيرهما، ولم يكن يُصنع أرفعُ منها جودةً إلا في الكوفة. وكذلك كان يُصدَّر منها مربّى الأنبج تصديرًا قويًّا. وكانت دارابجرد تُخرج مرهمَ الرازقيّ المشهور. على أنّ صناعة النسيج كانت ممثَّلةً أحسنَ تمثيل: فمن شينيز وجنّابة وكازرون وتوّج تُصدَّر أقمشة الكتّان، وكان في هذه

1) Spiegel: Erän p. 78.

2) الإصطخري ص 142.

3) نفسه ص 152.

4) يقول Pollak في ذلك (Ueber die Betheiligung Persiens an der Wiener Weltausstellung p. 27): الماء المقطَّر من نَوْر شجر الخِلاف (Salix zygostomon) شديد الإنعاش لطيف الأريج.

302

المدن، ما خلا الثانية منها، دورُ طرازٍ حكومية للتطريز بالذهب. ومن فَسا أيضًا كانت تُصدَّر المنسوجات، ثم الديباج، وأقمشةُ وبر الإبل وشعر المعز، وفُرُش السوسنجرد؛ وكان بها كذلك دارُ طرازٍ سلطانية للديباج وأقمشة الشعر وفُرُش السوسنجرد. ومن القَزّ كانت تُصنَع الستور المطرَّزة للسلطان، وكذلك ثيابُ الحرير الخام وأقمشةُ الثياب من نسج الشعر (وبر الإبل أو شعر المعز)، ولها نفاقٌ كبير في الخارج. وكانت تُصنَع فيها أيضًا فُرُشُ السوسنجرد، وهي أجودُ من فُرُش قُرقوب (بخوزستان) وتوّج وتارم. وكانت الأردية (العباءات) المرغوبة جدًّا تُصنَع من القَزّ. ومن جهرم كان يأتي الوشي والفُرُش وأنطاعُ اللبد، ومن يزد وأبَرقوه ثيابُ القطن. ومن غُندِجان كانت تُباع الفُرُش والستور وأغطية الوسائد ونحوها، وهي في جودة الأرمنيّ سواءً بسواء، وكانت بها أيضًا دارُ طرازٍ سلطانية. وكانت فُرُش السوسنجرد الفَسَوية من صوف الغنم، وأمّا التي من قُرقوب فمن الإبريسم، غير أنّ صوف الغنم أصلحُ للعمل من الحرير. وكانوا يُحسنون كذلك صنع المِداد الجيّد، ويُرسَل إلى البلاد البعيدة. وفي شيراز كانت تُصنَع الأردية المخطّطة، وفي جانات (Gänät) ضربٌ من أقمشة القطن الرفيعة المرغوبة جدًّا.

وكان يُحمَل في السفن من سيراف كثيرٌ من السلع النفيسة، بعضُها وارد وبعضُها صادر، كالأفاويه والبَخور، من عود وعنبر وكافور وفلفل وصندل، وضروبٍ شتّى من العقاقير والأدوية، ثم الأحجار الكريمة والحُليّ، وأخيرًا الخيزران والآبنوس والعاج. ويُرى من هذا التعداد أنّ سيراف كانت يومئذٍ موضعَ تبادل حاصلات الهند وشمال آسيا وإفريقية جميعًا. ومن أرَّجان كانت تجري تجارةٌ نشيطة في دِبس العنب (دوشاب)، وهو أجودُ بكثير من دِبس العراق. وكانت هذه المدينة نفسها تُخرج زيتًا ممتازًا. وكان التمر الأرفعُ

303

جودةً، المعروف باسم «جيلاندار»، يُرسَل بكثرة إلى العراق. وكانت أقمشةُ الكتّان الكازرونية معروفةً في العالم كلّه. ومن دارابجرد كان يُجلَب المومياء (القار الأرضيّ) الذي يُوجد هناك في كهف؛ وكلُّ ما سواه ممّا كان يجري في التجارة يومئذٍ من المومياء فمعدودٌ مغشوشًا.

وفارسستان غنيّةٌ أيضًا بالمعادن؛ ففي مواضع عدّة مناجمُ ملح، ثم فيها معادنُ للفضّة والحديد والرصاص (آنُك) والكبريت والنِّفط. ولم توجد الفضّة إلا نزرًا في ناحية يزد، وعُدم الذهب؛ في مقابل ذلك كان يُستخرج النحاس في سردان ويُنقل إلى البصرة وغيرها حيث يُعالَج. 1) ويوجد الحديد في جبال إصطخر، وفي تلك الناحية كذلك معدنُ زئبق.

الخراج. كانت الضرائب التي تجبيها الحكومة من الناس ومن نواحي الرَّمّ هذه: 1. الخراج، 2. الصدقة (زكاة المال)، 3. أعشار السفن، 4. خُمس المعادن والمراعي، 5. الجزية، 6. رسوم دار الضرب، والمراصد (maräsid؟)، والضياع، وحاصلات الإجارة (المستغلّات)، ورسم الماء، 7. رسوم مَملَحات الملح والبطائح.

وكانت جباية الخراج على ثلاثة أوجه: 1. تقديرٌ بالنسبة على المساحة ومقدار الأرض، 2. على حاصل الزرع (مقاسمة)، 3. على مقاديرَ ثابتة ومبالغِ إجارةٍ لا تتبدّل (مقاطعة) يجب أداؤها سواءٌ عُمرت الأرض أم لم تُعمر.

وكان الخراج في فارسستان كلّها، ما خلا نواحي الرَّمّ، على المساحة ومقدار الأرض؛ ولم تكن نواحي الرَّمّ تؤدّي إلا

1) وعلى ما ذكر ابن حوقل (طبعة de Goeje ص 215) وُجد الذهب أيضًا. 2) وأنّ هذا هو معنى اللفظة يتبيّن من ابن حوقل ص 253. وقارن أيضًا ص 279، حيث يرد مكانها لفظُ «أرصاد».

304

مقاديرَ سنوية ثابتة، ما خلا أرضين قليلة كان خراجُها على الحاصل (مقاسمة). وكانت مقادير الخراج شديدة التفاوت في النواحي المختلفة، وأثقلُها في شيراز؛ فكان يُؤدّى فيها عن الجريب الكبير ما يلي:

عن القمح أو الشعير . . . . . . 190 درهمًا عن أشجار الثمر . . . . . . . 192 » عن البِرسيم والعلف الأخضر والمقاثي . 237½ » عن القطن . . . . . . . . . 256½ » عن الكروم . . . . . . . . . 1225 »

وهذه المقادير تسري على الأرضين التي لا بدّ من سقيها صناعيًّا مرّتين (سَيح). والجريبُ الكبير المذكور هنا مساحتُه 22 جريبًا صغيرًا؛ والصغيرُ ستّون ذراعًا ملكيّةً في ستّين، أي 3600. وفي كلّ ذراعٍ ملكيّة تسعُ قبضاتٍ كلُّ قبضةٍ أربع أصابع، فذلك ستٌّ وثلاثون أصبعًا جملةً.

وكان خراج جُور 1) أقلَّ بالثلث، لأنّ الخليفة هارون الرشيد أجاز هذا التعديل. ولم تكن الأرضون التي لا تُسقى صناعيًّا تؤدّي إلا ثلثَ المقادير المتقدّمة. وكان خراج كور دارابجرد وأرَّجان وسابور على وجهٍ آخر.

وكان خراج الحاصل (مقاسمة) على ضربين: أحدهما لأرضي الرَّمّ، والآخر لتلك الأرضين التي نال أصحابُها من الخلفاء الأوّلين عهودًا خاصّة، فكانوا يؤدّون من الحاصل العُشر أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك. وكان ثمّة خراجُ حاصلٍ آخر للضياع التي يعمرها الأفراد. أمّا ضِياع الخاصّة فلم يكن خراجُها على المساحة ومقدار الأرض، بل على الحاصل (مقاسمة) أو بمبلغِ إجارةٍ ثابت (مقاطعة). وكان على الفلّاحين وسكّان هذه الضياع ضرائبُ مقرَّرة يؤدّونها نقدًا.

1) على ما ذكر ابن حوقل (طبعة de Goeje ص 216) الصواب: كَوار.

305

أمّا الصدقات، وأعشار السفن، وخُمس المعادن، والجزية، ورسمُ الضرب والدمغ، ورسومُ المراصد، والضريبةُ على الانتفاع بالبطائح وعيون الملح والمراعي والمياه، فكانت شبيهةً بما يُجبى في سائر أنحاء الدولة. وكانت دارُ ضرب فارسستان في شيراز. 1) وأمّا سائر الرسوم (المستغلّات) فكانت تلك المبالغَ والرسوم التي تُؤدّى عن الأسواق العامّة والطرق في شيراز أو في غيرها من المدن، إذنًا في أن تُقام فيها الحوانيتُ والمخازن أو غيرها من الأبنية. وهذا في الجملة أجرٌ يُؤدّى إلى الحكومة عن الانتفاع بالأرض العامّة؛ وكذلك كان على الأرحية أن تؤدّي مقدارًا سنويًّا ثابتًا؛ ومثلُه في مصانع ماء الورد.

وقد جرت العادة في فارسستان منذ القديم ألّا يُؤخذ خراجٌ على غِراس الأشجار والكروم. ولم يفرض الخراج على كلّ شيء إلا عليّ بن عيسى الوزير سنة 302هـ (914–915م). على أنه كان في فارسستان ضياعٌ عمد أصحابها إلى تسجيلها بأسماء أكابر بلاط بغداد فنالوا حمايتهم، وأمكنهم بذلك أن يُنقصوا ما عليهم من الرسوم بمقدار الربع. 2)

وبعد فتح العرب قُدّر الخراج بثلاثةٍ وثلاثين مليونًا، ثم رُفع هذا الرقم في عهد الخليفة المتوكّل إلى خمسةٍ وثلاثين مليون درهم. وقدّر الحجّاجُ الجزية بثمانية عشر مليون درهم، كما فعل في خوزستان. 3)

وحاصلُ خراج هذا الإقليم على ما في مصادرنا كما يلي:

1) وكانت دارُ الضرب من قبلُ في إصطخر.

2) الإصطخري ص 158، ابن حوقل ص 317.

306

ابن خلدون قدامة ابن خرداذبه 27,000,000 درهم 24,000,000 درهم 80,000,000 درهم

عينًا: 30,000 قارورة ماء ورد، 1) و20,000 رطل زبيب.

ويجعل ابن حوقل مبلغ الخراج في زمنه 1,500,200 دينار، أي 22,503,000 درهم، غير أنه لا يحسب في ذلك كورة أرَّجان التي كانت يومئذٍ مفصولةً عن فارس. وكانت هذه الكورة تؤدّي نحو 510,000 دينار، أي 7,650,000 درهم.

4. كرمان (كرامانيا).

يحدّ هذا الإقليمَ من الجنوب الشرقيّ مُكران، ويفصله عنها جبلُ باشكرد، ومن الشرق بلوشستان وسجستان، ومن الشمال البادية، ومن الغرب فارسستان، ومن الجنوب أجزاءٌ من مُكران والخليجُ الفارسيّ.

وهو ينقسم، كفارسستان، إلى مرتفعاتٍ باردة صحّية ومنخفضاتٍ حارّة شديدة الوباء. وهي بلادٌ وعرة تخترقها سلاسلُ جبال متقاطعة على وجوهٍ شتّى، لم تنشأ في أوديتها الضيّقة إلا عمارةٌ ضئيلة. ليس فيها أنهارٌ كبيرة ولا بحيرات، وهي في جملتها تعاني قلّة الماء. ويزيد الجفافَ العامَّ ندرةُ الأمطار وقِصَرُ مدّتها. وقممُ جبالها العالية مكسوّةٌ بالثلج، بينما يسود الأودية حرٌّ محرق. وحافّةُ كرمان الجنوبية نحو البحر رمليّةٌ تكاد لا تُنبت شيئًا، كشأن الساحل الفارسيّ كلّه؛ والشيءُ الوحيد الذي ينبت هناك تمرٌ رديء الجودة جدًّا. وأهمّ سلاسل هذه البلاد الوعرة

1) لا يزال ماءُ الورد الفارسيّ من مصانع شيراز وخُنسار قرب كاشان سلعةَ تصديرٍ قوية إلى الهند. قارن: Pollak: Ueber die Betheiligung Persiens an der Weltausstellung. Wien 1873 p. 27.

307

ثلاثٌ: جبل القُفْص، وجبل البارِز، وجبال الفضّة. فأوّلها يقع في الجنوب ويشكّل ساحل البحر، وهو الأرضُ الجبلية المسمّاة اليوم باشكرد، وإلى الشمال منه تقع مدينتا جيرفت ورودبار وكورةُ قُهستان (أبي غانم)، وهي مرسومةٌ اليوم في خرائطنا، مع جبل باشكرد، على أنها من مُكران. أمّا جبال الفضّة فتمتدّ في الشمال في وسط كرمان، وامتدادُها الغربيّ الذي يشكّل الحدّ مع فارسستان يُسمّى جبال بلوص. وأمّا موضع سلسلة البارِز فلم يُتحقَّق. وتفوق المنخفضاتُ الحارّة المرتفعاتِ في الرقعة، إذ لا تبلغ المرتفعاتُ إلا نحو ربعها.

المدن. أكبرُ مدن الإقليم كلّه اليوم كرمان، وكانت من قبلُ سيرجان؛ وكانت الأبنية كلُّها تقريبًا مُقبَّبةً لقلّة الخشب. وأهمُّ مدن الساحل هرمز، ثم غلبها بندر عبّاس أو جمبرون، ثم تقدّمت عليها منذئذٍ أبوشهر. وفي الداخل تقع بَمّ، وهي قاعدةُ التجارة مع خراسان وسجستان، وأخيرًا جيرفت على مسيرة يومٍ من ولاشجرد.

السكّان. كان الأهالي إيرانيّين خُلَّصًا، ما خلا آحادًا من المستوطنين العرب أو الهنود على الساحل. وقد بقي أهل البلاد القدماء شبهَ مستقلّين خاصّةً في الجبال الوعرة المسالك. وكانت الفارسية هي اللغة السائدة عامّةً، غير أنّ أهل الجبال — جبل القُفْص وجبل البارِز وسلسلة بلوص — كانت لهم إلى جانب الفارسية لغتُهم الخاصّة، والأرجح أنها لهجةٌ فارسية قديمة. 1) وأهلُ جبال القُفْص

1) قد تنبّه Spiegel إلى أنّ قبائل جبال القُفْص هذه هي عينُ الشعب الذي يُسمّى اليوم البلوش، وإليهم يشير اسمُ بلوص أيضًا. ويبدو أنّ سكّان الجبال المحاربين هؤلاء لم يتقدّموا شرقًا إلى بلوشستان

308

كانوا خلقًا جسورين مستقلّين، تجري لهم الحكومة في كلّ سنة مبلغًا من المال لتكفّ أذاهم، ولم يمنعهم ذلك من أن يُخيفوا طريق القوافل كلَّه إلى داخل سجستان. ولم يكن يغلبهم إلا قبائلُ بلوص. وهؤلاء يعيشون على رعي الماشية وفي الخيام كالبادية، غير أنهم يمتنعون عن كلّ نهبٍ أو اعتداء. وكان أهل سلسلة البارِز شبيهين بهم في ذلك، يعيشون في هدوءٍ في جبالهم الوعرة المسالك لا يؤذون أحدًا. وفي موطنهم الجبليّ، الذي يُوصف بغزارة غلّاته، تنبت أشجار المنطقة الحارّة أيضًا. وقد بقي هذا الشعب على دين زرادشت إلى عهد العبّاسيّين. وكانت الناحية التي يسكنونها تُعدّ أخصبَ نواحي جبل القُفْص. 1)

الصناعة وغلّات الأرض. كان يُزرع، فضلًا عن أشدّ النبات ضرورةً للقوت، كثيرٌ من النيلة والكمّون، من مُغون (Moghun) وولاشجرد إلى ناحية هرمز، 2) ويُصدَّر تصديرًا قويًّا؛ وكذلك كان شأن قصب السكّر، وكان السكّر المكرَّر سلعةَ تصديرٍ لها ذكر. وكان قوتُ الأهالي «دُراب» (Durab) في الأغلب، وفيها كذلك مزارعُ نخلٍ كثيرة حتى إنّ ثمن مئة مَنٍّ من التمر كان درهمًا واحدًا. ووُجد الحديد في جبال القُفْص، وكانت الفضّة تُستخرج من السلسلة الممتدّة فوق جيرفت. 3) ومن سلع الصناعة كانت بَمّ تُصدّر أقمشة القطن، وزَرَند أنطاعَ الصوف المعروفة.

... إلى بلوشستان الحاليّة إلا فيما بعد. قارن: Spiegel: Erän, p. 219 und Eränische Alterthumskunde I, 334.

1) الإصطخري ص 164، 65.

2) لا يزال كمّون كرمان مشهورًا إلى اليوم بلطف أريجه. قارن: Pollak: Die Betheiligung Persiens an der Weltausstellung Wien 1878 p. 20.

3) الإصطخري ص 165.

309

الخراج. لم تكن مزارع النخل في جيرفت تؤدّي إلا العُشر، كما جرت العادة في البصرة. 1) وكان جملةُ حاصل خراج كرمان:

ابن خلدون قدامة ابن خرداذبه 2) 4,000,000 درهم 6,000,000 درهم 5,000,000 درهم

عينًا: 500 ثوبٍ من أقمشة اليمن، و20,000 رطل تمر، و1000 رطل كمّون.

ويجعل ابن حوقل خراج الإقليم 500,000 دينار، أي 7,500,000 درهم.

5. السند.

بهذا الاسم يُسمّي المؤلّفون الشرقيّون ذلك المجموع الكبير من البلاد، غيرَ المحدود الحدود ولا الثابتِها، الذي يشمل مع حوض نهر السند نفسه ما يجاوره من النواحي، ولا سيّما أفغانستان وبلوشستان، وينتهي حدُّه في الشمال إلى سلسلة سليمان وفي الجنوب إلى ساحل مُكران. وفي عهد أوائل العبّاسيّين كانت كورة مُكران تُعدّ أيضًا من السند، وكانتا ولايةً واحدة. وكان يُحسب من السند كذلك بلادُ بُذهة وناحيةُ طُوران، وهما يوافقان بلوشستان اليوم، وعلى وجه الدقّة ناحيتَي جهلاوان وسراوان على السفح الغربيّ لسلسلة براهو. وننتقل الآن إلى وصفٍ موجز لهذه النواحي، مبتدئين بمُكران.

أ) مُكران (جدروسيا). أرضُ باشكرد الجبلية، ويعدّها قومٌ من كرمان وقومٌ من مُكران، تشكّل الحدَّ الغربيّ. وهي بلادٌ جبلية وعرة ترعى فيها قبائلُ البلوش قطعانَها،

1) الإصطخري ص 167.

2) وهو يعدّها من ولاية خراسان. ويُقال إنّ الإقليم كان يؤدّي في عهد الساسانيّين 60,000,000 درهم خراجًا. ابن خرداذبه.

310

وتنخفض الجبال ارتفاعًا كلّما اتّجهنا شرقًا، وتستحيل الناحيةُ أكثرَ فأكثر إلى سهلٍ منخفض حارّ. وفي الشمال تفصل سلسلةُ واشتي أو ماتش (Washati oder Matsch) بلوشستانَ عن البادية، وفي الجنوب البحرُ هو الحدّ، وفي الشرق يفصل ظهرُ جبلٍ بلوشستانَ نفسها عن تلك الناحية التي يسمّيها جغرافيّو العرب الأقدمون بلاد بُذهة وطُوران، وتُسمّى اليوم جهلاوان (وعند ابن حوقل: كلوان) وسراوان، وتُعدّ من بلوشستان. ومعظم مُكران قاحلٌ خرِب. والماء معدومٌ في كلّ مكان. والأرض صخريّةٌ في أغلبها. وكانوا يتكلّمون الفارسية ولهجةً خاصّةً بهم (مُكرانية).

المدن. كانت أهمّ المدن في عهد العبّاسيّين تيز وكيز وقَنَّزبور ودَرَك (ديزك) وراسك. فأولاها تقع على البحر ولا تزال قائمة، غير أنها فقدت شأنها، وانتقل إلى جوادر (Gwuttur) الواقعة إلى الشرق منها قليلًا. والثانية هي عينُ الموضع المسمّى اليوم كيج، وهي القاعدة في الحقيقة، وقد امتازت بمزارع النخل الواسعة المحيطة بها. وفي زمن الإصطخريّ كان يحكم مُكران أميرٌ مستقلّ يُسمّي نفسه «مهراجا» ويقيم في كيز. 1)

وكان معظم إنتاج مُكران السكّرَ، يُكرَّر فيها ويُصدَّر بكمّياتٍ كبيرة.

ب) ناحية بُذهة تقابل كورة جهلاوان اليوم؛ وقاعدتُها القديمة قندابيل، على خمسة فراسخ من قُصدار. 2)

وكان أهل بلاد بُذهة، ويُسمَّون اليوم براهوي، شعبًا غيرَ مسلم، طورانيَّ الأصل فيما يبدو،

1) الإصطخري ص 170، 177. Barbier de Meynard: Dict. géogr. de la Perse p. 540. 2) قارن في شأن قُصدار: Spiegel: Erän. Alterthumskunde I. p. 20.

311

مساكنُهم بين المُلتان وطُوران ومُكران وناحية المنصورة، غربيَّ نهر السند؛ وكانوا يربّون الإبل ويبيعون الجِمالَ ذواتِ السنامين المشهورة إلى خراسان وفارسستان: ومدينةُ شعب بُذهة، التي كانوا يتّجرون إليها خاصّةً، هي قندابيل؛ وهي على ثمانية أيّام من المنصورة وعشرةٍ من المُلتان (Barbier de Meynard: Dictionaire géograph. de la Perse). وثمّة شعبٌ آخر يسمّيه العرب «الميد»، كان يسكن الجانب الشرقيّ من نهر السند من المُلتان نزولًا إلى البحر (ابن حوقل ص 231).

ج) ناحية طُوران تلي التي قبلها؛ وأهمّ مواضعها قُصدار، ولا تزال قائمة، ثم مَهالي (Mahäly) وقيزكانان وسورة (Sura). وكان يحكم هنا في زمن الإصطخريّ 1) أميرٌ عربيّ مستقلّ داره في قيزكانان، تحت سيادةٍ اسمية للخلفاء العبّاسيّين (ابن حوقل 232).

د) السند نفسها. وقاعدتُها المنصورة، وهي — كما يدلّ اسمها — مستعمرةٌ أنشأها الفاتحون العرب. وقد خضعت في أوّل أمرها للخلفاء، ثم لم يلبث الولاة أن استقلّوا، غير أنّ الخطبة كانت لا تزال تُقام للخليفة العبّاسيّ في زمن ابن حوقل (القرن الرابع الهجريّ). وكانت المنصورة تقع في جزيرةٍ يصنعها خليجٌ من نهر السند، وتُوصف بأنها مدينةٌ كبيرة زاهرة، طولُها ميلٌ وعرضُها مثله. وثاني المدن أهمّيةً المُلتان. وقد حكم فيها في زمن الإصطخريّ أميرٌ عربيّ مستقلّ يعترف اسمًا بسيادة العبّاسيّين، وكان يقيم في معسكرٍ محصّن خارج المدينة. وهي على نحو فرسخٍ من نهر السند. وأهمُّ مرافئ كورة السند في عهد العبّاسيّين الدَّيبُل، ويرى Ritter أنها هي وثَتَّه موضعٌ واحد، وهي عند Reinaud كراتشي الحديثة. وكان يُتكلَّم في المنصورة والمُلتان

1) الإصطخري ص 177.

312

بالعربية والسِّندية جميعًا، 1) وكان أهمّ غلّات السند الأرزّ.

وبين المنصورة ومُكران منخفضاتٌ مستنقعة على نهر السند، يسكنها الشعب الذي مرّ ذكرُه، ويسمّيه العرب الزُّطّ ويسمّيه الهنود الجات: يعيشون على صيد السمك وصيد طير الماء.

حاصل الخراج:

ابن خلدون قدامة ابن خرداذبه من السند 11,500,000 درهم » مُكران 2) 400,000 » 1,000,000 درهم 3)

6. سجستان (درانجيانا).

عرفنا في السند أقصى الحدّ الشرقيّ لدولة الخلافة. ورأينا كيف ثبت الفاتحون العرب هناك، على تضاؤل عددهم، بين أقوامٍ غرباء عنهم كلّ الغربة، وارتفعوا إلى أن صاروا أصحاب الأمر في البلاد. وعلمنا في الوقت نفسه كم بكّر قيامُ أمراءَ عربٍ صغار مستقلّين في أقصى أطراف دائرة النفوذ الإسلاميّ، لا يعترفون للخليفة إلا بأنه الرئيس الدينيّ الأعلى للعالم الإسلاميّ، ويتصرّفون فيما عدا ذلك في بلادهم تصرّفًا مستقلًّا كلّ الاستقلال. على أنّ العرب لم يستطيعوا أن يستقرّوا إلا في المدن، أمّا في داخل البلاد فقد بقي السكّان غيرَ مختلطين وبقي معظمهم كذلك على دينه القديم. وكان اليونان

1) الإصطخري ص 175، 177؛ ابن حوقل ص 228؛ وهو يذكر من ثمار هذه المدينة الخاصّة بها الليمونةَ، فهي إذن لم تكن قد انتشرت في غربيّ آسيا في منتصف القرن الرابع الهجريّ.

2) مُكران، وهي تُعدّ عادةً من السند، ملحقةٌ عند ابن خرداذبه بكرمان. ويضيف جدولُ ابن خلدون أنّ على السند، فضلًا عن الخراج المذكور، أن تحمل عينًا 150 رطلًا من العود.

3) وكان هذا الخراج يُؤدّى مبلغَ إجارةٍ ثابتًا (مقاطعة).

313

قد ملكوا العالم في زمانهم بأن أنشأوا مستعمراتهم التجارية في كلّ مكان، وبلغ العربُ الغايةَ نفسها ولكن من طريقٍ أخرى، فإنّ مستعمراتهم الأولى كانت دائمًا مستوطناتٍ عسكرية خالصة.

وكانت أحوالٌ شبيهة بأحوال السند سائدةً في كورة سجستان أيضًا، وكانت يومئذٍ أوسعَ رقعةً بكثير ممّا هي في خرائطنا اليوم، إذ كانت تمتدّ من البادية الفارسية الوسطى في الغرب إلى حوض نهر السند، فتشمل ناحية سيوستان وأجزاءً من أفغانستان اليوم. وكان يحدّ سجستان من الجنوب باديةُ بلوشستان وجبلُ سراوان؛ أمّا في الشمال الشرقيّ فكانت تمتدّ مع مجرى الهِلمَند إلى نحو غزنة وكابل، وفي الشمال تشكّل الحدَّ بلادُ الغور التي تسكنها قبائلُ جبليّة وحشيّة مستقلّة.

ولا تحيا سجستان في الحقيقة إلا بالأنهار القليلة المنحدرة من سفوح ذلك الجدار الجبليّ العريض المشرف على شمال البلاد وشرقها، وهو الهندوكش (بارُوبَميسوس)، قوقازُ الهند. وينبع الهِلمَند قرب كابل، وتصلح الملاحةُ فيه للزوارق من بُست (Abbeste) فصاعدًا عند فيض الماء، ثم يصبّ في بحيرة زَرَه. وكثيرًا ما تدنو البادية من النهر، ولكن حيثما نفذ ماؤه نبت نباتٌ وارف. فأشجار اللوز والتين والجوز البرّية، وكذلك الدُّلْب، تشكّل كتلًا كثيفة من الورق، وتنجح كذلك أشجارُ التوت وأكثرُ أصناف الفواكه الأوروبية. وأهمّ روافد الهِلمَند أرغنداب. ومن الجانب الأيمن أحدُ روافده الرئيسة خاشرود، ينبع جنوبَ هراة، ويلتقي بالأوّل بعد جريانِ مئةٍ وخمسين ميلًا إنجليزيًّا. ويأتي في المرتبة الثانية بين أنهار هذه البلاد نهرُ فَرَه (Furrah في الخريطة). وتفرغ هذه الأنهار كلُّها مياهها في المنخفض الكبير الذي عرفه القدماء باسم بحيرة آريا،

314

ويُسمّى اليوم هامون وكان يُسمّى من قبلُ زَرَه. وكانوا يوزّعون الماء بشبكةٍ من القنوات — اختفى معظمُها اليوم بلا أثر، وكان يُتعهَّد بعنايةٍ في أوائل عهد الحكم العربيّ — على مساحاتٍ واسعة فيكسبونها للزراعة.

وقُسّمت سجستان نواحيَ شتّى. فناحية الداوَر، الواقعة على أعلى مجرى الهِلمَند، أي المقابلة لناحية كابل اليوم، كانت الفاصلَ بين البلاد الإسلامية الخالصة والبلاد المختلَطة التي يسكنها المسلمون والوثنيّون معًا. وكان هؤلاء يلزمون النواحي الجبلية خاصّةً، بينما ينتشر المسلمون في الأودية. وتتاخم أرضَ الداوَر ناحيةُ الرُّخَّج، وهي أراخوسيا عند القدماء، وقاعدتُها بَنجَواي، وفيها ضياعٌ واسعة جدًّا من ضِياع الخاصّة. 1) ويلي هذه الكورةَ في الجنوب ناحيةُ بالِش (Bälysh) وقاعدتُها سيوي.

المدن. يجعل الإصطخريُّ القاعدةَ موضعَ زَرَنج، وعنه أخذت البلادُ كلُّها اسمها في العصور القديمة كما يدلّ اسم درانجيانا. وكانت يومئذٍ مدينةً كبيرة غنيّة حصينةً بسورٍ وخندقٍ وقلعة. وكانت أبنيتُها كلُّها مُقبَّبة لأنّ خشب البناء لا يبقى هناك. وكان يزيّنها جامعٌ فيه بيمارستان، ودارُ إمارة، وقصورٌ شتّى من عهد الأمراء الصفّاريّين، وأسواقُها ملأى بسلع البلاد المجاورة كلّها. وكان رسم الحكومة على السوق ألفَ درهمٍ في اليوم. وكانت قنواتٌ كثيرة تمدّ الأهالي بالماء العذب. 2) وتليها في الكِبَر بُست على الهِلمَند، وعليه جسرٌ حسن من السفن

1) الإصطخري ص 244. وقد عدّ الجغرافيّون المتأخّرون الرُّخَّجَ من كابل. وكان الهِلمَند يشكّل الحدَّ بين أرض الداوَر والرُّخَّج، الإصطخري ص 242.

2) الإصطخري ص 241.

315

ومن هنا فصاعدًا يصير النهر صالحًا للملاحة عند فيض الماء. ومن مدن سجستان نفسها المذكورة فَرَه، في وسط البساتين ومزارع النخل والحقول، وهي قاعدةُ كورةٍ تضمّ نحو ستّين قرية (الإصطخري ص 247).

ثم تُذكر سيوي، وكانت قاعدة الناحية التي تُسمّى اليوم في الخرائط سيوستان. وكذلك كانت سراوان، وهي لا تزال في الخرائط، من سجستان يومئذٍ.

السكّان. كان الأهالي من الجنس الإيرانيّ القديم الصميم، وإلى هنا تنقل الأسطورة الفارسية القديمة كثيرًا من أشيق حكاياتها. غير أنّ الإيرانيّين إذ كانوا يسكنون السهول، بقيت في الجبال أقوامٌ غريبة أيضًا، إمّا من قديم وإمّا استيطانًا جديدًا. فالإصطخريّ يذكر «الخَلَج» قبيلةً تركية وفدت منذ القِدَم وسكنت ناحية الغور. 1)

الصناعة وغلّات الأرض. يُرى ممّا تقدّم أنّ هذا الإقليم كان يومئذٍ زاهرًا غنيًّا كثيرَ السكّان. وكانت مزارعُ النخل تحيط بالمدن دائمًا تقريبًا، ويُجنى التمر الممتاز بوفرةٍ عظيمة؛ غير أنّ النخلة لم تكن تنجح في زَرَنج نفسها، حيث يقع الثلج في الشتاء. والبلادُ غزيرةُ الثمر والفاكهة، والسكّان في رخاء. وأخصُّ غلّات البلاد الحِلتيت، ينبت برّيًّا في البادية بين سجستان ومُكران، وكان مَورِدًا رئيسًا من موارد الدخل.

وكان حاصل الخراج:

ابن خلدون قدامة ابن خرداذبه 4,000,000 درهم 1,000,000 درهم 6,776,000 درهم 2)

عينًا: 800 ثوبٍ من أقمشة الحرير المخطَّطة، و20,000 رطل سكّرٍ مكرَّر.

1) الإصطخري ص 245. ابن حوقل ص 302. 2) بعد حَسْم بقايا خراج فِراوان والرُّخَّج، وبإدخال أرض الداوَر وزابلستان.

316

ويجعل اليعقوبيُّ حاصلَ الخراج عشرة ملايين درهم (ص 64). غير أنّ قدامة يعدّ سجستان من خراسان، وكان هذا الإقليم كلّه بجميع ما يتبعه في يد عبد الله بن طاهر يومئذٍ، وقد حمل عنه، بحسب جدول خراجه المعقود سنة 221هـ (836م)، جملةَ ثمانيةٍ وثلاثين مليون درهم (Slane: Auszüge aus Kodäma p. 169). ويعدّ ابنُ خرداذبه سجستانَ من خراسان أيضًا، ويقول إنها كانت تؤدّي مع زابلستان وناحية الداوَر 6,776,000 درهم، وذلك بحسب جدول خراج عبد الله بن طاهر لسنة 211–222هـ. أمّا في الزمن الذي منه جدولُ ابن خلدون فقد كانت سجستان بلا شكّ كورةً قائمةً بذاتها من كور الدولة (ابن خرداذبه، الترجمة ص 245). ويُفسَّر انخفاضُ الرقم عند قدامة بأنه لا يريد بمبلغ المليون درهم إلا ما تؤدّيه القاعدة زَرَنج وحدها (وفي مختصرات Slane خطأً: بوزنج)، إذ كانت هذه المدينة تُسمّى «سجستان» أيضًا كالإقليم نفسه. وهو لا يعدّ كورة الرُّخَّج من سجستان بل يراها من خراسان. وفي الزمن الذي كتب فيه ابنُ حوقل كانت سجستان قد خرجت من يد الخلفاء خروجًا تامًّا، وصار معظمُها للسامانيّين أصحابِ خراسان، وبقيّتُها في يد آحادٍ من الأمراء الصغار أنصافِ المستقلّين، كأصحاب بُست وغزنة وغيرهما. ويجعل ما يُحمل من خراج سجستان، أي زَرَنج والرُّخَّج وبُست وما يتبعها، 100,000 دينار و300,000 درهم، أي 1,800,000 درهم جملةً. ويقدّر ما يُحمل من خراج غزنة وكابل وما يتبعهما بـ100,000 دينار و600,000 درهم، أي 2,100,000 درهم (ابن حوقل ص 308).

317

7. خراسان وما وراء النهر.

أ) خراسان.

كان هذا الإقليم، وهو أكبر أقاليم الدولة، يحدّه من الشرق سجستان والغور وكابل والنواحي الجبلية من قوقاز الهند، ويمتدّ إلى قرب التِّبت؛ ومن الشمال يتاخم ما وراء النهر وبلادَ الترك المستقلّين؛ ومن الغرب باديةَ الملح لقبائل الترك (التركمان) وجُرجان؛ ومن الجنوب البادية الفارسية الوسطى الكبرى وناحية قُومِس (كوميسينا). ولاختلاف التكوين الجغرافيّ لهذه البلاد الواسعة واختلافِ الأقوام الساكنة فيها لا بدّ لنا أن نعدل عن جمع الحقائق الجغرافية والإثنوغرافية هنا في صورةٍ واحدة جامعة كما صنعنا إلى الآن.

وقد تبدّلت حدود خراسان السياسية تبدّلًا كثيرًا. فالبلاذريُّ، وهو أقدم من أخبر عنها، يقسمها أربع كور، كلُّها تحت والي خراسان. أمّا الأولى فتشمل هذه النواحي: نيسابور، وقُهستان، والطَّبَسَين، وهراة، وبادغيس، وطوس (طابران). وأمّا الثانية فتشمل: مرو (الشاهجان)، وسرخس، ونَسا، وأبيورد، ومرو الرُّوذ، والطالقان، وخوارزم، وآمُل. وأمّا الثالثة فتمتدّ وراء جيحون وتتألّف من: فارياب، وجوزجان، وطُخارستان، وبدخشان، وترمذ، والصغانيان، وخُلْم، وسِمِنجان. وأمّا الرابعة فتشمل سائر البلاد وراء جيحون: بخارى، والشاش، والصغد، ونَسَف، وأُسروشنة، وفرغانة، وسمرقند. 1)

وننتقل الآن إلى تعداد أهمّ المدن والنواحي. ذلك أنّ التنظيم السياسيّ لهذا الإقليم المترامي الأطراف المسكون بأقوامٍ شتّى كان قائمًا على أنّ كلّ مدينةٍ كبيرة

1) Barbier de Meynard: Dict. Géogr. de la Perse p. 198, 199.

318

مع ما حولها من الأرض تؤلّف دويلةً صغيرة داخل الدولة؛ فللمدينة إدارتُها الخاصّة، وصلتُها بوالي الإقليم رخوةٌ جدًّا، وصلتُها بالحكومة المركزية تكاد تكون معدومة. وكان مبلغ الخراج الذي تؤدّيه كلُّ مدينة شديدَ التفاوت، ويقوم في الغالب على عقد الصلح المبرَم عند فتح المسلمين. وعلى هذا النحو كان الإقليم يتألّف من عددٍ كبير من الواحات المدنية، تُدبّر كلُّ واحدةٍ منها أمرَها بمعزلٍ عن الأخرى، ولا تضطرّ إلى الرجوع إلى الوالي إلا نادرًا في الأمور ذات الشأن العامّ، وفي المنازعات، وفي التظلّم من الخراج ونحوه. وكان بعضُ هذه المدن محاطًا بناحيةٍ تابعة له تبلغ سَعةَ مملكةٍ صغيرة. فناحيةُ بلخ كانت عشرة فراسخ، ويحميها سورٌ من تراب مضروبٌ حولها. 1) ولم تكن ناحية الصغد وسمرقند وكثيرٍ من المدن الكبرى بأقلّ سَعةً. وهذا النظام البلديّ في مدن الفرس، الذي يمنحها أثرًا عظيمًا في الحياة الحضارية للأمّة، لا يسري على خراسان وحدها بل على بلاد فارس كلّها، وهو بلا ريب بقيّةٌ من نظام النواحي الإيرانيّ القديم. وهذه المؤسّسة على كلّ حال من العصور الموغلة في القدم، وقد بقيت في بعضها إلى يومنا هذا. ولم يكن للحكومة المركزية من تدخّلٍ إلا أن تولّي نوّابَ الوُلاة — وهي بطبيعة الحال إنّما تختارهم في العادة من بيوت الأشراف في المدن — ثم أن تُقيم القضاة وكبار أرباب المناصب أو تُقرّهم. ولحسن الحظّ لم يعرف الشرقُ الإسلاميُّ قطّ بيروقراطيةً بالمعنى الصحيح، بما فيها من كثرة تدخّلٍ نشيطٍ بالغِ الضرر. وكانت الإدارة

1) اليعقوبي 67.

319

في غاية البساطة الممكنة، وتُترك للجماعات المحلّية؛ والشيءُ الوحيد الذي يعني سلطانَ الدولة هو أداء الخراج على وجهه.

1. ناحية نيسابور (نَيسابور). قاعدتُها المسمّاة باسمها، وهي شديدة التحصين، قُطرُها فرسخ، وتُصدّر أقمشة القطن والحرير الخام (إبريسم). 1) وكانت ناحية نيسابور واسعةً جدًّا، تشمل الطَّبَسَين وقُهستان ونَسا وأبيورد وأبَرشهر وغيرها. ويُعدّ طوس (مشهد) كذلك من نيسابور، ويجعل ابنُ خرداذبه خراج المدينة المذكورة قبلَ الأخيرة 740,860 درهمًا. وحاصلُ خراج الناحية كلّها على ما ذكر ابن خرداذبه 4,108,700 درهم. ويجعله اليعقوبيُّ أربعة ملايين على وجه التقريب. 2)

2. وثاني نواحي خراسان كِبَرًا مرو (الشاهجان). تقع في سهلٍ فسيح لا يُدرَك مداه، وامتازت المدينة وما حولها من الأرض بنظام سقيٍ بالغِ الإحكام واسعِ الامتداد. وكان لمرو، كنيسابور، قلعةٌ قديمة، وكانت محصّنة. والأبنيةُ من اللَّبِن. وفي المدينة ثلاثة جوامع وأبنيةٌ عامّة وقصورٌ كثيرة. وكان بها في أوّل الإسلام معسكرٌ للعرب. 3)

وقد عُنيت مرو بتربية دود الحرير عنايةً قوية، فأخرجت حريرًا خامًا وقَزًّا كثيرًا. وكان بزر القزّ يُصدَّر بكثرة من مرو إلى طبرستان، وإن كان يُقال إنّ تربية دود الحرير إنّما جاءت إلى مرو من هذه البلاد الأخيرة ومن كورة جُرجان. وكان القطن

1) الإصطخري 254.

2) اليعقوبي 55. وكان مقرّ والي خراسان إلى عهد الطاهريّين في مرو أو بلخ، وهؤلاء أوّلُ من نقل دارَه إلى نيسابور. ويبدو أنّ العربية كانت اللغة السائدة هناك. الثعالبي: لطائف 39.

3) الإصطخري 262.

320

يُزرع فيها كثيرًا كذلك، وتُصنع بها أقمشةُ القطن المشهورة التي تُصدَّر إلى البلاد كلّها. وينبت في الفيافي المحيطة بها ذلك النوعُ من الشوك المعروف باسم «شوك الجمل» (أُشترخار)، وهو علفٌ ممتاز للإبل ويُحمَل إلى البعيد، 1) إذ يُستعمل هذا النبات أيضًا في نَدف الصوف.

وكان السكّان فارسيّين في الأغلب، ومقرُّ كثيرٍ من أقدم البيوت الشريفة هنا، غير أنه اجتمعت بها كذلك جاليةٌ عربية من الأزد وتميم وغيرهما. 2)

وكان حاصل خراج مرو على ما ذكر ابن خرداذبه 1,147,000 درهم.

3. هراة. كانت ناحيتُها الواسعة نسبيًّا تضمّ عدّة مواضعَ ذات شأن. ويحيط بالمدينة سورٌ وخندق، وأبنيتُها من اللَّبِن. ويزيّنها دارُ إمارة وجامعٌ وأبنيةٌ عامّة أخرى. وكانت الحركة في الجامع شديدة النشاط، إذ كانت به أكثرُ مدارس تلك النواحي رَوّادًا. وكانت هراة مركزَ التجارة بين فارسستان وخراسان وسجستان. وفي زمن الإصطخريّ كان بالقرب منها بيتُ نارٍ وكنيسةٌ نصرانية. وفي المدينة نفسها وأمام أبوابها ماءٌ غزير وبساتينُ حسنة ممتدّة. وتنحدر من جبال الغور المياهُ التي تُخصب الناحية وتشقّها في كلّ اتّجاه. ولا يدنو الجبل إلا من جهة الشمال الشرقيّ إلى مسافة نصف فرسخ، وهناك تُقطع أحجارُ الأرحية والرصف. وكانت البساتين والمزارع تمتدّ من هراة على الطريق إلى سجستان، أي جنوبًا، مسيرةَ يومٍ كامل بلا انقطاع.

1) الإصطخري 263. 2) اليعقوبي 57.

321

وكذلك كانت المدن والقرى الصغيرة الكثيرة الواقعة في هذه الناحية محاطةً في معظمها بالبساتين والمزارع الحسنة.

وكانت هذه الناحية تُخرج ثمرًا كثيرًا، ولا سيّما العنبَ الممتاز الذي يُجفَّف ويُصدَّر بكمّياتٍ كبيرة، ثم الأرزَّ والحريرَ والقطنَ من الطبقة الأولى. وكان حاصل الخراج على ما ذكر ابن خرداذبه، مع خراج أُستُوا وإسفيدنج، 1,159,000 درهم، وعلى ما ذكر ابن حوقل 1,900,000 درهم. 1)

4. بوشنج. تقع في المنخفض نفسه الذي فيه هراة مدينةُ بوشنج (Fuschendj في خرائطنا)، وهي على نصف حجم التي قبلها؛ والجبلُ نفسه الذي يدنو من هراة من جهة الشمال الشرقيّ إلى نصف فرسخ يمرّ فوق بوشنج على مسافة فرسخين. وطريقةُ البناء هنا كهي هناك. ونهرُ هراة يمرّ ببوشنج أيضًا ثم ينعطف نحو سرخس. وبوشنج محاطةٌ بسورٍ وخندق. وأهمّ صادرات البلاد خشبُ العَرْعَر، ولا يوجد إلا هنا في الجبال، وليس في خراسان في موضعٍ سواه.

ويتبع الناحية عددٌ من المواضع الصغيرة، تُزرع فيها البساتين وتُربّى الماشية. وكان السكّان فارسيّين في الأغلب، وإن كان بها كذلك وافدون من العرب. 2) وكان حاصل الخراج على ما ذكر ابن خرداذبه 559,350 درهمًا.

5. بادغيس. لم تكن هذه المدينة إلا على نصف حجم التي قبلها. وطريقة بناء البيوت هي هي، أي من الطين. وتقع على مرتفع وتعاني قلّة الماء الجاري. ويتبع الناحية عددٌ من القرى يعيش أهلُها على تربية الماشية وحرث الأرض. وفي الكورة معادنُ فضّة، غير أنه لم يكن في الوسع

322

استخراجُها لقلّة الوقود. 1) وكان حاصل الخراج 124,000 درهم.

6. كَنْج رُستاق. كانت قاعدتُها بابَن أكبرَ قليلًا من بوشنج. وتقع بابَن وسائرُ قرى هذه الناحية على الطريق الذي يمضي (من بادغيس) إلى مرو الرُّوذ. 2)

7. مرو الرُّوذ. قاعدتُها تحمل الاسم نفسه، وهي أصغرُ قليلًا من بوشنج. وتقع على المرغاب في وادٍ عرضُه خمسة فراسخ. ومن قرى هذه الناحية الأخرى تُذكر الطالقان وفارياب. — وكان حاصل خراج مرو الرُّوذ 420,400 درهم، وخراجُ الطالقان 21,400 درهم.

8. ناحية جوزجان. قاعدتُها الأنبار. ومن مدن هذه الناحية الأخرى شبورقان (وهي اليوم شيبورقان) وأنْخُذ (وهي اليوم أندخُو). وكان بعضُ أهلها على ما ذكر الإصطخريّ أكرادًا (ولعلّهم تركمان). وأهمّ الصادرات صوفُ الغنم، يذهب إلى مرو حيث يُعالَج. 3) وكانت جلودُ الغنم تُصدَّر كذلك بكثرة بعد دباغتها. 4) والكورةُ جبليّةٌ غزيرة الماء.

9. ناحية غَرْج (غَرْجِستان). هذه الناحية، وكانت تحت رئيسٍ مستقلّ، تشمل الكورة الجبلية بين مرو الرُّوذ وهراة والغور وغزنة. وأكبر موضعين فيها نِشِين (أنشين) وسُرمين (شورمين). ودارُ رئيسها تُسمّى بالقيان (بيلكان). ويسقي الناحيةَ المرغابُ، وتُصدّر الأرزّ والزبيب. وكان حاصل الخراج على ما ذكر ابن خرداذبه 100,000 درهم وألفَي شاة.

10. ناحية الغور. وهي امتداد غَرْجِستان جنوبًا. وكان أهلُها في معظمهم وثنيّين،

1) الإصطخري 269.

2) ولعلّها هي عينُ «طَبَب» التي يذكرها ابن خرداذبه ويجعل حاصل خراجها 20,000 درهم.

3) الإصطخري 271.

4) ابن حوقل 322.

323

يعيشون في براريهم الجبلية الوعرة المسالك مستقلّين استقلالًا يكاد يكون تامًّا. 1)

11. ناحية سرخس. قاعدتُها المسمّاة باسمها تقع في السهل بين نيسابور ومرو، وهي مستودعُ تجارة هذه الناحية وخراسان. وكانت تُصنَع بها ثيابُ نساءٍ حسنة، وأشرطةٌ منسوجة بالذهب، وما إلى ذلك من سلع الترف. 2) وكانت تربية الإبل فيها قوية جدًّا. وثاني مدنها أهمّيةً نَسا. وكان حاصل الخراج 307,440 درهمًا (وعلى ما ذكر اليعقوبي ص 56: مليون).

12. قُهستان، في جنوب غربيّ خراسان، نحو البادية الفارسية الكبرى. وقاعدتُها قايِن، ومن مواضعها الأخرى التي تُذكر الطَّبَسان وخور وطَبَس. وقايِن محصّنةٌ بسورٍ من تراب وخندق، ولها قلعة. والقرى يفصل بينها فيافٍ خربة يسكنها أكرادٌ بقطعانهم من الإبل والغنم. والسقيُ لا بدّ أن يكون صناعيًّا بالقنوات والآبار. وكانت تُصنع بها أقمشةُ الخيام من القطن (كَرابيس)، وأقمشةُ الصوف الغليظة، والفُرُش. وعلى مسيرة يومين من قايِن يُوجد ضربٌ من الطين يُؤكَل ويُحمَل بكثرة. وكان حاصل خراج الناحية 787,000 درهم، وأدّى الطَّبَسان وحدهما 113,880 درهمًا. 3)

13. بلخ. عُدّ من هذه الناحية جميعُ تخوم الدولة الشرقية، مثل: طُخارستان، وخُتَّل، وبنجهير، وبدخشان، وباميان.

وتقع بلخ في السهل على نحو أربعة فراسخ من الجبل، ورقعةُ المدينة نصفُ فرسخ، وتحصّنها سورٌ من تراب. والأبنيةُ من اللَّبِن. وتُعرف ناحيةُ بلخ بالإبل البُخْتية، تُباع منها إلى

1) قارن: Spiegel: Eran. Alterthumskunde, I. 25, 348. 2) Barbier de Meynard: Dict. Géogr. 308.

3) ابن خرداذبه.

324

البلاد الغريبة، وتنجح بها أصنافُ الثمر كلّها وقصبُ السكّر أيضًا؛ ولا تنبت فيها النخلة وحدها، لأنّ الثلج يقع في الشتاء. 1)

14. وكانت قاعدة طُخارستان طايَكان. وأهمّ المدن بعدها ورواليز وأندراب، ثم خُلْم وسِمِنجان.

15. وناحية خُتَّل بلادٌ جبلية كلُّها تقريبًا، كثيرة الشجر غزيرة الماء. ولا سهل فيها إلا ناحية وَخْش. والأنهار تجري كلُّها من هنا إلى جيحون. وكانت الخيل الجياد تُباع بكثرة إلى الخارج. وقاعدتُها مُنْك (Mungan في الخريطة)، محصّنةٌ بسورٍ من حجر، وتتاخم بلاد وخّان وكَرّان اللتين لم يكن يسكنهما يومئذٍ إلا الوثنيّون. 2) وكان حاصل الخراج على ما ذكر ابن خرداذبه: 193,300 درهم.

وبنجهير مدينةٌ واقعة في الجبل، عدد أهلها نحو 10,000 رجل، وبها وفي جارياباه معادنُ فضّة. ويشقّ المدينتين نهرٌ يأخذ مجراه نازلًا إلى الهند.

16. وبدخشان تضمّ قرًى كثيرة، وقاعدتُها تُسمّى بدخشان أيضًا، وكانت مقرَّ أميرٍ مسلمٍ مستقلّ. 3) والكورةُ في رخاءٍ وحسنةُ العمارة بالسكّان. ومن بدخشان يأتي البِجادِيّ وغيرُه من الأحجار الكريمة (ابن حوقل ص 327).

17. وباميان قاعدةُ الناحية المسمّاة باسمها، يسقيها نهرٌ يأخذ مجراه نحو غَرْجِستان. على أنّ أغنى مدن تلك الناحية كانت غزنة، وهي مركزٌ تجاريّ مهمّ لقوافل الهند. وكان حاصل الخراج 5,000 درهم. ثم تُذكر كابل، ولها قلعةٌ منيعة؛ وكان يسكنها المسلمون في بعضها والهنود في بعضها.

1) الإصطخري 280. 2) الإصطخري 279. ابن حوقل 327. 3) الإصطخري 278.

325

ويجعل ابنُ خرداذبه حاصل خراج كابل 2,000,500 درهم، يُضاف إليها ألفا مملوكٍ قيمتُهم 600,000، فيكون الجميع 2,600,500 درهم. غير أنّ هذا الخبر لا يمكن أن ينصرف إلى المدينة، بل إلى الكورة كلّها. وكانت كابل السوقَ الرئيسة لتجارة النِّيلة، وكانت تُصنع بها كذلك أقمشةُ قطنٍ حسنة تُرسَل إلى الصين والهند. (ابن حوقل ص 328.)

18. وآمُل (وهي اليوم آمويه) وزَمّ تقعان على جيحون. فأولاهما ملتقى الطرق المؤدّية من خراسان إلى ما وراء النهر. وعبر زَمّ يمضي كذلك طريقٌ إلى البلاد وراء جيحون. والمدينتان جميعًا تحيط بهما البادية الممتدّة من حدود ناحية بلخ إلى بحر الخزر. ويجعل ابنُ خرداذبه حاصل خراج آمُل 293,400 درهم.

وأمّا منتجات خراسان في الجملة، فقد كانت الإبلُ تُربَّى خاصّةً في سرخس وبلخ. والغنمُ يأتي من بلاد قبائل الترك الرحّالة في السهوب، أو من أرض الغور الجبلية. وأنفسُ الخيل توجد في بلخ، وأثمنُ الرقيق يُجلَب من بلاد الترك، وأرفعُ أقمشة القطن والحرير من نيسابور ومرو، وأجودُ أقمشة الكتّان (بَزّ) من هذه الأخيرة كذلك، وقد كانت تُعدّ أوفرَ مدن خراسان كلّها رخاءً. 1)

ب) ما وراء النهر.

كان هذا الإقليم في عهد أوائل الخلفاء العبّاسيّين من خراسان، ولم يستقلّ إلا فيما بعد. حدودُه: من الشرق هضبةُ بامير وجبلُ بولور وتخومُ خُتَّل؛ ومن الغرب السهوبُ التي تسكنها قبائل الترك والتركمان

1) الإصطخري 282.

326

(الغُزّ) والممتدّة إلى نحو بحر الخزر؛ ومن الجنوب جيحون؛ ومن الشمال بحرُ خوارزم وتُركستان نفسها وراء سيحون.

ويضمّ ما وراء النهر هذه النواحي والمدن:

1. أوّلُها من بلخ على جيحون ترمذ، مدينةٌ محصّنة، وكانت في تلك الأزمنة كثيرةَ الأهل زاهرة. حاصل خراجها على ما ذكر ابن خرداذبه 47,100 درهم.

2. كَوادِيان (قُباذيان)، مدينةٌ لها ناحيةٌ حولها، غير أنها أصغر من ترمذ.

3. واشجرد وشومان، وأولاهما تكاد تعدل ترمذ؛ وكانتا تُخرجان الزعفران والفُوَّة، وهما سلعتان تُصدَّران بكثرة.

4. الصغانيان تتاخم كورتُها كورةَ ترمذ. وقاعدتُها المسمّاة باسمها أكبرُ من المدينة الأخيرة. حاصل الخراج 48,500 درهم على ما ذكر ابن خرداذبه.

5. أخسيسك، موضعٌ صغير على الضفّة اليمنى من جيحون، بينما تقع زَمّ التي مرّ ذكرها على الضفّة اليسرى مقابلَه؛ وكانتا في الحقيقة مدينةً واحدة؛ وكانت تُربّى هنا الإبل والغنم خاصّةً. 1)

6. بخارى وقاعدتُها المسمّاة باسمها. وكانت هذه الناحية اثني عشر فرسخًا طولًا وعرضًا، والكورةُ كلُّها محاطة بسورٍ من تراب. وكانت بخارى نفسها شديدة التحصين بسورين وقلعةٍ ينزلها الولاة في العادة. وكانت يومئذٍ من أكبر مدن العالم الإسلاميّ. وإن كانت البيوت في معظمها من اللَّبِن والخشب، فقد كان بها عددٌ كبير من مساكن الأغنياء الفاخرة. وامتدّت الأرباض والبساتين حولها من كلّ جهة يسقيها نهرُ زرفشان. وكانت ما حولها مبثوثةً بالقرى والمزارع؛ وبلغ من كثرة سكّان الناحية كلّها

1) الإصطخري 298.

327

أنّ إنتاجها الخاصّ لم يكفِ لقوتها فاضطُرّت إلى استيراد الطعام من الخارج، بينما كانت تُصدّر من صناعتها الخاصّة أقمشةَ القطن والفُرُشَ وأقمشةَ الصوف بكثرة.

وكانت لبخارى إلى آخر حكم الطاهريّين إدارةٌ مستقلّة عن خراسان ووالٍ خاصّ بها. 1) ويتبع ناحيةَ بخارى مدنٌ شتّى تقع خارج السور، مثل: بيكند، وفِرَبْر، وكَرْمينية، وغيرها. وكان حاصل الخراج على ما ذكر ابن خرداذبه 1,189,200 درهم طاطَريّ (Tätary). وعلى ما ذكر اليعقوبيّ (ص 73) كانت تؤدّي مليونًا.

وكان الأهالي يتكلّمون اللغة الصغدية (تركية شرقية)، وكذلك الدَّرِيّة (الفارسية). وهذا الخبر الذي يذكره الإصطخريّ يثبت 2) أنّ العنصر التركيّ كان غالبًا منذ ذلك العهد؛ والأرجح أنّ الفارسية كان يتكلّمها الطاجيكُ كما هو الحال اليوم.

7. الصغد (سُغديانا). تقع هذه الناحية شرقيَّ بخارى، وقاعدتُها سمرقند، وهي ثاني مدن ما وراء النهر كِبَرًا بعد بخارى، لها سورٌ من تراب مع خندقٍ عميق وقلعةٌ منيعة. وقد جعلها النباتُ البديع وغزارةُ الماء من أجمل بقاع الأرض. وفي سمرقند كانت مصانع ذلك الصنف المرغوب من الورق الذي أخرج البَرْديَّ والرِّقَّ شيئًا فشيئًا من الاستعمال في غربيّ آسيا كلّه. وكانت كذلك من أهمّ مراكز التجارة في ما وراء النهر كلّه. على أنّ أعظم ما كان يُتّجر فيه هنا الرقيق.

وتضمّ الناحية التابعة لها مدنًا وقرًى كثيرة؛ وكان حاصل خراج الصغد على ما ذكر ابن خرداذبه 326,400 درهمٍ طاطَريّ.

1) الإصطخري 315. 2) نفسه 314.

328

وكانت في ناحية الصغد إلى زمن الإصطخري أيضًا أقصى مستعمرةٍ عربيّة: قومٌ من بكر بن وائل نزلوها فصاروا ذوي يسارٍ ونفوذ.1)

8. وممّا يُذكر من النواحي الخاصّة:

أ) مدينة إشتيخن، وقد أقطعها الخليفةُ المعتمد حفيدَ عبد الله بن طاهر.

ب) كِشّ، وهي اليوم شهر سبز، على مسيرة يومين إلى الجنوب الشرقيّ من سمرقند. وعلى ما يذكره ابن خرداذبه كانت تؤدّي من الخراج 111,500 درهم.

ج) نَسَف، على مسيرة ثلاثة أيّام إلى الجنوب الغربيّ من كِشّ، ولها ناحيةٌ كبيرةٌ تتبعها.2)

9. أُشْروسَنة. كورةٌ كبيرة، أكثرها جبال، إلى الشرق من سمرقند؛ يحدّها من الشمال الشاش وأجزاءٌ من فرغانة (خوقند)، ومن الجنوب نواحي كِشّ والصغانيان وشومان وواشجرد، ومن الشرق أجزاءٌ من فرغانة. وقصبتها بُنجِيكث؛ ثمّ يُذكر بعدها ديزك (وهي Dschisak في الخرائط).

10. الشاش وإيلاق. وسَعةُ هاتين الناحيتين نحو مسيرة يومين عرضًا وثلاثةٍ طولًا. وكانتا حسنتَي العمارة كثيرتَي السكّان. وقصبتهما بِنكث؛ أمّا أمّهات مدن إيلاق فتونكث — وقد خرّبها تيمور — ونوكث؛ وفي هذه الأخيرة دارُ ضربٍ كما في سمرقند. والناحيتان متّصلتان تؤلّفان كورةً واحدة؛ وفي إيلاق معادنُ الذهب والفضّة. وعلى ما يذكره ابن خرداذبه كان الشاش يؤدّي في السنة 607,100 درهم.

11. إسبيجاب. وهذه المدينة، وقدرُها نحو ثلث تونكث، كانت متجرًا عظيمَ الشأن، والناحيةُ التابعة لها تُعَدّ في غاية الخِصب. وكانت

1) الإصطخري 323. 2) نفسه 325.

329

المدينةَ الوحيدة في ما وراء النهر المعفاة من الخراج.1)

12. خُجَنْدة (Chodschend في خرائطنا) على سيحون، وهي متجرٌ مهمّ في التعامل مع الأمم التركيّة المستقلّة الساكنة وراء النهر. وحاصلُ خراجها على ما يذكره ابن خرداذبه 100,000 درهم (Sysy).

13. فرغانة، وتوافق كورة أنديجان في خرائطنا اليوم؛ وقصبتها أخسيكث. وكانت أُزكند يومئذٍ أقصى ثغور دار الإسلام إلى المشرق. وما تؤدّيه فرغانة من الخراج على ما يذكره ابن خرداذبه 280,000 درهم.

وكانت ناحية فرغانة كثيرة القرى، حسنة العمارة، تُخرج الذهب والفضّة والزئبق والنفط وحجر السراج (چراغ سنگ) والحديد والنحاس والرصاص والفيروزج، ثمّ — وهو الأهمّ — فحمًا حجريًّا ممتازًا لم يكن أهلُ ذلك الزمان يُحسنون الانتفاع به.2)

وبهذا نكون قد بلغنا أقصى مشرق العالم الإسلاميّ في ذلك العهد المبكّر. وقد امتدّ الإسلام منذئذٍ إلى المشرق امتدادًا كبيرًا، وما زال إلى اليوم يواصل فتوحه. ونعود الآن إلى جهة المغرب، فننتقل إلى القسم الغربيّ من ما وراء النهر، وهو الذي يسمّيه أهل المشرق خوارزم، وقد صار معروفًا إلى حدٍّ بعيدٍ اليوم باسم خيوة.

14. خوارزم. إلى الغرب من خانيّة بخارى تقع ناحيةُ خوارزم، وهي اليوم خيوة، على ضفّتَي مجرى جيحون الأسفل، وتستند غربًا إلى بحر الخزر، بينما يحدّها من الشمال بحرُ آرال وسيحون. وقصبتها

1) الإصطخري 333. ويذكر ابن خرداذبه أنّ خراج هذه المدينة ومدينتين تابعتين لها 106,500 درهم. 2) الإصطخري 334. ويُرى من ذلك أنّ الروس يعلمون علمًا حسنًا لماذا يضمّون هذه البلاد إليهم شيئًا فشيئًا.

330

كاث، وفيها كان مقام السلاطين.1) ثمّ تُذكر الجُرجانيّة، وهي اليوم أورغنج، وأخيرًا مدينةُ خوارزم، وهي اليوم خيوة.2) وكان يُصدَّر من هناك أنسجةُ القطن والصوف على الخصوص. ووُصف أهلها بأنّهم في يسارٍ عظيم. وكانت لهم على ما يذكره الإصطخري لغتُهم الخاصّة (التركيّة الشرقيّة). ولم تكن البلاد تُخرج فضّةً ولا ذهبًا، وإنّما قام يسارُها كلُّه على التجارة مع القبائل التركيّة؛ وكان الرقيق أنشطَ ما يُتَّجر فيه، ويليه في الأهمّية الفراء. وكانت مدينتا خوارزم وكاث تؤدّيان في السنة من الخراج 487,000 درهم (ابن خرداذبه). — —

ويصف الجغرافيّون العربُ الأقدمون ما وراء النهر بأنّه من أبرك بلاد الأرض؛ فيه سائمةٌ كثيرة، وخيلٌ فائقة، وبغالٌ وحمير.

وكانت الصناعة الأهليّة — وقد بقيت منها إلى يومنا هذا في تركستان بقايا كثيرة — بالغةَ التقدّم، فتُصنع بها أنسجةُ القطن الممتازة التي كانت تُصدَّر إلى البلاد البعيدة، ومنسوجاتُ صوف الضأن ووبر الإبل. وكانت تجارة الفراء رابحة؛ ويُستخرج من المناجم الحديدُ والفضّة والزئبق، بل الذهبُ أيضًا؛ ووُجد بها النوشادر كذلك، والفحمُ الحجريّ الذي كان يُتّخذ وقودًا. على أنّ ما وراء النهر اشتُهر بوجهٍ خاصٍّ بمصانع الورق التي كان يخرج منها ورقُ كتابةٍ رقيقٌ رفيعُ القدر يُحمل إلى غربيّ آسيا كلِّه. ومن ما وراء النهر كان يُجلب المسكُ الوارد من التِّبت على أيدي القِرغيز. وكان يُصدَّر منها كذلك صقورُ الصيد؛ وكان يأتي من ما وراء النهر — وهو أنفس ما يُستطرَف — قرنُ

1) الإصطخري 300. وهي ما زالت مثبتةً في خرائطنا، وإن لم تعد إلّا كومةَ أنقاضٍ خاليةً من الناس. 2) ابن حوقل 350 هو أوّل من يذكر خيوة مدينةً.

331

الخُتُوّ، وكان يُشترى بمبالغَ عالية ويحمله الأمراء والأغنياء تميمةً لا تُخطئ من السمّ.1) وأخيرًا كانت تجارة الرقيق — كما هي إلى اليوم — بابًا من أهمّ أبواب التجارة. غير أنّ الأدوار انقلبت منذ تلك العصور: فاليوم يُباع في سوق بخارى أسرى الفرس رقيقًا، أمّا يومئذٍ فكان الرقيقُ من أسرى الحرب الذين يُؤخذون من سكّان السهوب أو البلاد المجاورة من الأتراك ممّن لم يدخلوا الإسلام بعد.2) وكان الصبيان والجواري من الترك الحسانُ يُباعون ببخارى أو سمرقند، حيث الطلبُ على هذه السلعة كبيرٌ أبدًا، فإنّ بغداد دار الخلافة وحدها كانت تجلب منهم في السنة ألوفًا كثيرة. ومن هؤلاء الصبيان الترك المخطوفين في سهوب آسيا العليا كوّن الخلفاءُ حرسَهم الخاصّ، ومن بينهم خرج أولئك الخواصُّ الذين لا يُغلَبون، فتحكّموا في الدولة وأسّسوا الدُّوَل، وصاروا آخر الأمر بمنزلة البريتوريّين الأشرين يخلعون الخلفاء أو يرفعونهم إلى العرش كيف شاؤوا.

جملةُ حاصل الخراج من خراسان وما وراء النهر:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 28,000,000 درهم | 38,000,000 درهم | 10,729,200 درهم | | بإدخال الغلال العينيّة في الحساب. | | بعد إسقاط الرَّيّ وجُرجان وقُومِس وكرمان وسجستان. |

وعلى ما يذكره ابن حوقل كان جملةُ دخل خراسان وما وراء النهر في زمانه 40 مليون درهم (ابن حوقل، طبعة Goeje، ص 341). — وأرقامُ ما تؤدّيه كلُّ مدينةٍ من الخراج، على ما يذكرها ابن حوقل، تخالف أرقام ابن خرداذبه. (قارن ابن حوقل ص 342، 343.)

1) قارن برهان قاطع، مادّة «ختو»، ثمّ الثعالبي: اللطائف، طبعة de Jong، ص 128.

2) وقد استحقّت روسيا منذئذٍ شرفَ حمل تلك النواحي على إلغاء الرقّ، وإن يكن الإلغاءُ إلى الآن اسميًّا في الأغلب.

332

8. جُرجان (Hyrcania).

كلّما اتّجهنا غربًا أمكننا أن نوجز أكثر، فإنّ البلاد الشرقيّة من الدولة تكاد تكون أرضًا مجهولةً عند القارئ الأوروبيّ، أمّا في النواحي التي بقي علينا الكلام فيها فهو على أرضٍ يعرفها أكثر من ذلك بكثير. ثمّ إنّ تفتّت هذه البلاد إلى أعمالٍ إداريّةٍ صغيرةٍ يُعسّر النظرَ الجامع، وهو نظرٌ لا يمكن أن يُعطى إلّا في صورةٍ كلّيّةٍ لإيران، على نحو ما قدّمه منذئذٍ Spiegel (Eranische Alterthumskunde).

فنتّجه الآن إذن إلى ناحية جُرجان الواقعة جنوبيَّ بادية التركمان على الحافّة الجنوبيّة لبحر الخزر. ويحدّ هذه الكورةَ من الشمال نهرُ أترك، وتتّصل من الجنوب الشرقيّ بناحية نيسابور، ومن الجنوب الغربيّ والغرب بقُومِس (Komisene) وطبرستان ومازندران.

وكانت قصبتها جُرجان تُصدّر الحرير تصديرًا قويًّا، وتُمِدّ طبرستان كلَّها ببزر القزّ.1) وأستراباذ مرفأ هذه الناحية، ومنه تجري تجارةُ الحرير الصادرة تجارةً نشِطة.

حاصلُ الخراج: دفع الفضلُ بنُ سهل، وزيرُ الخليفة المأمون، خراجَ جُرجان ضمانًا بمبلغ 50 مليون درهم. وكان دخل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 12,000,000 درهم | 4,000,000 درهم | 10,170,800 درهم |

وعلى ما يذكره اليعقوبي: 10,000,000 درهم. والمقدسي: 10,196,800 درهم.

أمّا ابن حوقل فلا يجعل حاصل الخراج إلّا مليونَ درهم.

1) الإصطخري ص 213. قارن Ritter: Erdkunde VIII. 341–372.

333

9. قُومِس (Komisene).

تتّصل بجُرجان كورةُ قُومِس، جنوبيَّ جبال قارن التي تؤلّف الحدّ نحو طبرستان، وشماليَّ الصحراء المِلحيّة الكبرى. وقصبتها دامغان، وهي مدينةٌ متوسّطة القدر. وأطلالٌ مترامية من زمن الحكم العربيّ تشهد على ازدهارها القديم. ومن سائر مدن هذه الناحية تُذكر سِمنان وبِسطام. ويُصدَّر من دامغان أثوابٌ حسنة. وناحيةُ قُومِس فيها عددٌ كبيرٌ من القرى، وكانت حسنة العمارة.1)

حاصلُ الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 1,500,000 درهم | 1,050,000 درهم | 2,170,000 درهم |

| اليعقوبي، ص 53: | المقدسي: | |---|---| | 1,500,000 درهم | 1,196,000 درهم |

10. طبرستان.2)

بهذا الاسم كانت تُعرف الكورةُ الممتدّة على الحافّة الجنوبيّة لبحر الخزر، ولم تأخذ اسم مازندران إلّا في العصور المتأخّرة.

وكانت أكبر مدنها ودارُ الإمارة آمُلَ، وكانت قبلُ ساريةَ. وكما كانت آمُل قصبةَ السهل، فقد كانت رويان قصبةَ الجبل، وكثيرًا ما تُذكر هذه الأخيرة قصبةً لناحيةٍ قائمةٍ برأسها. وفي جداول الخراج عند ابن خلدون تُذكر طبرستان مع رويان ودُنباوند (ووقع في النصّ خطأً: نهاوند). وعلى ما يذكره ياقوت لم يأمر بضرب الخراج على رويان إلّا الخليفةُ هارون الرشيد، وكان 450,000 درهم. ويذكر هذا الكاتب نفسُه أنّ الناحية كانت تستطيع أن تُخرج نحو 5,000 مقاتل.

1) Ritter: Erdkunde VII. 118, 341. قارن Spiegel: Eran. Alterthumskunde I. 62, 282. 2) Ritter: Erdkunde VIII. 126, 540.

334

وطبرستان رطبةٌ كثيرةُ المستنقعات، ولذلك هي أيضًا بالغةُ الخصب. وتربيةُ القزّ فيها قويّة، ويُصدَّر منها حريرٌ كثير، وكذلك ثيابُ الحرير ومنسوجاتُ صوف الضأن والبُسط والأثواب.

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 6,300,000 درهم | 1,1638.070 درهم (كذا في الأصل) | ……1) | | (بإدخال رويان ودُنباوند). | | |

| اليعقوبي (ص 54): | |---| | 4,000,000 درهم |

11. الرَّيّ ودَماوند.2)

إلى الغرب من قُومِس وإلى الجنوب من طبرستان تلي ناحيةُ الرَّيّ ودماوند الغنيّة. وكانت الرَّيّ — وهي قرب طهران اليوم، في موضع راغا (Rhagae) دارِ ملوك ماد القديمة — أكبرَ مدن غربيّ آسيا وأزهرَها بعد بغداد في عهد بني العبّاس. ولمّا فتحها العرب كانت تؤدّي خراجًا سنويًّا قدرُه 12 مليون درهم. غير أنّ الخليفة المأمون، لمّا مرّ بها قادمًا من خراسان، أجاب أهلها إلى إلحاحهم فوضع عنهم مليونين من الخراج، وكتب لهم بذلك كتابًا.3) ولم تُخرَّب تخريبًا تامًّا إلّا على أيدي المغول في عهد غازان سنة 1220م. ويُحسب في ناحية هذه المدينة أيضًا رستاقُ دماوند الجبليّ، وقد سُمّي باسم الجبل نفسِه: وفيها معادنُ الإثمد والمُرتَك والرصاص والزاج. وكان يُصدَّر من الرَّيّ

1) يبدو أنّ ابن خرداذبه يذكر هذه الكورة مضمومةً إلى الرَّيّ.

2) Ritter: Erdkunde VIII. 550 ff. 595.

3) قارن الإصطخري و Goeje: Fragm. Hist. Arab. 444, 461. Barbier de Meynard: Dict. Géogr. etc. p. 277.

335

إلى بغداد وأذربيجان القطنُ والأثوابُ المزهَّرة والأردية والأقبية.1)

وعلى ما يذكره الإصطخري كان دماوند هو الحدّ.

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 12,000,000 درهم | 20,200,000 درهم | 10,000,000 درهم | | | (للرَّيّ وحدها). | (للرَّيّ وحدها). |

| اليعقوبي (ص 53): | المقدسي: | |---|---| | 10,000,000 درهم | 10,000,000 درهم للرَّيّ، | | (للرَّيّ وحدها) | 10,000,000 درهم لدماوند. |

ملحوظة. الخبرُ المتقدّم عن وضع المأمون شيئًا من الخراج بالغُ الأهمّية: فهو يقيم دليلًا آخر على أنّ قائمة ابن خلدون واقعةٌ في الزمن السابق للمأمون، إذ يرد فيها خراجُ الرَّيّ بـ12 مليونًا، بينما القوائمُ المتأخّرة — موافقةً لما جرى من الإنقاص — لا تضع إلّا 10 ملايين.

12. قزوين.

كانت ناحيةُ قزوين، وهي مذكورةٌ في دفاتر الخراج قائمةً برأسها، تشمل ناحيتَي زنجان وقزوين اليوم. يحدّها من الجنوب ناحيةُ همذان، ومن الشرق ناحيةُ الرَّيّ، ومن الشمال تؤلّف جبالُ البُرز الحاجزَ نحو طبرستان. وأهمُّ مدنها قزوين وأبهر وزنجان وطالقان.2)

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | …… | 1,628,000 درهم | ……3) |

| اليعقوبي (ص 47): | |---| | 1,500,000 درهم (لقزوين وزنجان). |

1) الإصطخري 210؛ ابن حوقل 270، Ritter: Erdkunde VIII. 595 ff. 2) الإصطخري 211. قارن Ritter: Erdkunde VIII. 589.

3) يقول ابن خرداذبه ص 278 إنّ خراج قزوين وزنجان لم يكن قائمًا على أساسٍ ثابت، وإنّما ذكره هو على وجه التقريب. غير أنّ هذا الرقم لا يوجد في الكتاب. وقد أسقط هارونُ الرشيد الجزية، ووضع ما تؤدّيه مدينة قزوين — لا الناحيةُ — في السنة بـ10,000 درهم. Barbier de Meynard: Dict. géog. p. 444.

336

13. همذان (Ekbatana).

تقع هذه الناحية جنوبيَّ ناحية قزوين. وقصبتها همذان، وهي دارُ المصيف القديمة لملوك الفرس ثمّ للملوك الأشكانيّين، مدينةٌ كبيرة، وكانت يومئذٍ غنيّةً حسنةَ العمارة كثيرةَ السكّان. وكانت الناحيةُ مقسومةً على أربعة وعشرين رستاقًا؛ وقد ضُمّ بعد ذلك إلى قزوين رساتيقُ نسا وخَرّود السفلى وخَرَّقان.

وأدّت المدينة من الخراج سنة 284هـ (897م) إلى بيت المال 170,000 دينار، وأُعفيت لقاء ذلك من سائر الأداءات؛1) أمّا الكورةُ فأدّت على ما يذكره:

| ابن خلدون: | قدامة: | اليعقوبي (ص 48): | |---|---|---| | 11,800,000 درهم | 1,700,000 درهم | 6,000,000 درهم |

ويعدّها ابن خرداذبه من كورة الجبل، غير أنّه لا يذكر رقم الخراج.2)

14. قم وكاشان.

موضعُ هذه الناحية جنوبيَّ همذان. وكانت مدينة قم في الأصل من كورة أصفهان، ففُصلت عنها في عهد الرشيد، وكذلك ناحيةُ الكَرَج. وهي على اثني عشر فرسخًا من كاشان. وكان أهلها من العرب في الأغلب. وكاشان معروفةٌ بما يُصنع فيها من القِرميد المطليّ (الفَيَنس)، وقد جرت العادة في بلاد فارس أن تُزيَّن به لا المبانيَ العامّة وحدها بل المساكنُ الخاصّة أيضًا.3)

1) نفسه ص 605. وقارن في شأن همذان Ritter: Erdkunde IX. 74.

2) ابن خرداذبه ص 254. ويجمع قدامة تحت اسم كورة الجبل النواحيَ التالية: الدينور، ونهاوند، وهمذان، والإيغاران، وقم، وماسبذان، ومهرجانقذق.

3) وفي الرَّيّ كانت الدور كلُّها تقريبًا مكسوّةً بمثل هذا القرميد حتى من خارج: Barbier de Meynard: Dict. géogr. p. 274. وقارن في شأن المدينتين Ritter: Erdkunde IX. 31, 34. Spiegel: Eranische Alterthumskunde p. 102.

337

وكان حاصل الخراج كما يلي، على ما يذكره:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | ……1) | 3,000,000 | 3,800,000 (مع الدينور).2) |

| اليعقوبي (ص 50): | |---| | 4,500,000 درهم |

15. أصفهان.

قصبةُ هذه الناحية المسمّاةُ باسمها مبنيّةٌ في موضع مدينة جَيّ القديمة، وكثيرًا ما كانت تُحسب على فارسستان، ولذلك لا يذكرها ابن خلدون في قائمته. وكانت الناحيةُ مقسومةً على ستّة عشر رستاقًا، وفيها عدّةُ مئاتٍ من القرى.

وكان يُحمل من أصفهان — وكانت مقرَّ صناعةٍ بالغة النشاط — الأطلسُ الثقيل (العَتّابي)، ثمّ الوَشْيُ وأصنافُ منسوجات الحرير والقطن كلُّها إلى العراق وفارسستان وخراسان. وكان ما تُخرجه الحقول والبساتين، وكذلك الزعفران، يذهب إلى العراق على الخصوص.3)

وكان حاصل الخراج كما يلي:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | اليعقوبي (ص 51): | |---|---|---|---| | …… | 10,500,000 | 7,000,000 | 10,000,000 درهم |

16. الدينور ونهاوند.4)

هاتان الناحيتان، الواقعتان إلى الجنوب الغربيّ من همذان، سُمّيتا باسمَي قصبتَيهما

1) لمّا كانت قائمةُ ابن خلدون من الزمن السابق لهارون الرشيد، ولم تُرفع قم كورةً قائمةً برأسها إلّا في عهد هذا الخليفة، فقد تبيّن بذلك سببُ غيابها عند ابن خلدون. وكانت قبل ذلك من كورة أصفهان (ابن خرداذبه ص 254). على أنّ أصفهان لا تظهر هي أيضًا في قائمة ابن خلدون، ولا بدّ أن تكون داخلةً فيها تحت فارسستان. وقد أدّت قم في عهد المأمون مليونين، غير أنّه رفع هذا المبلغ إلى سبعة ملايين بعد ثورةٍ أخفقت. قارن ابن الأثير VI. p. 282. Goeje, Fragm. Hist. Arab. p. 461. ابن تغري بردي I. p. 604.

2) وأدّت قم وحدها 2,000,000 درهم.

3) الإصطخري 199. ابن حوقل 261. قارن Ritter: Erdkunde IX. 40. Spiegel: Eranische Alterthumskunde p. 100.

338

ووردتا في جداول الخراج تحت التسمية الرسمية الموروثة عن الفرس: ماه الكوفة وماه البصرة.

وكان حاصل الخراج:

| | ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---|---| | | | 5,000,000 | 3,800,000 درهم | | ماه الكوفة | ⎫ 10,700,000 | 4,800,000 | (وذُكرت مرة ثانية | | ماه البصرة | ⎭ 9,800,000 | | بـ 1,000,000 درهم) |

ملحوظة: على ما يذكره اليعقوبي (ص 48) كان خراج نهاوند، دون القرى الملكية، 2,000,000 درهم؛ وحاصل خراج الدينور، دون الضياع السلطانية، 5,700,000 درهم. ويعلّق قدامة على ذلك فيقول (ص 170): كانت كورة حلوان في أول الأمر ملحقة بإقليم العراق، ثم أُضيفت بعد ذلك إلى الجبل، وانقسم هذا الإقليم إلى الكور التالية: ماه الكوفة (الدينور)، وماه البصرة (نهاوند)، وأذربيجان، وهمذان، والإيغاران، وقم، وماسبذان، ومهرجانقذق. وحدود ماه الكوفة: من الغرب كورة حلوان، ومن الجنوب كورة ماسبذان، ومن الشرق عمل همذان، ومن الشمال أذربيجان. ويقول اليعقوبي (ص 46) إن الدينور سُمّيت أيضًا ماه الكوفة، لأن دخلها كان مرصودًا لأعطيات جند الكوفة. وكان أهل الدينور خليطًا من العرب والفرس.

17. مهرجانقذق وماسبذان (Messabatene).

تقع إلى الجنوب الغربي من بلاد الدينور ونهاوند كورةُ مهرجانقذق وقصبتها الصَّيمَرة، والاسمان كلاهما لا يزالان في خرائطنا إلى اليوم. وتقع هذه الكورة في الجبال، عن يمين الجادّة السلطانية العظمى الماضية على حلوان إلى همذان. أما كورة ماسبذان فتقع إلى الشمال منها، وقصبتها مدينة سيروان المثبتة في خرائطنا (وهي على خريطة كيپرت: Sirirun). وأخيرًا تجدر مع هاتين الناحيتين الإشارةُ إلى كورة حلوان، وكانت تُحسب قديمًا على العراق ثم أُلحقت بعد ذلك بإقليم الجبل؛ وهي في جداول الخراج الثلاثة التي بين أيدينا محسوبة على العراق، وهناك أُثبت دخلها.

339

أداء الخراج من مهرجانقذق وماسبذان:

| | ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---|---| | عن مهرجانقذق | | 2,200,000 | | | | 8,500,000 درهم(1) | | | | « ماسبذان والرَّيان | 4,000,000 | 1,100,000 | |

18. شهرزور وسامغان ودراباذ(2).

إلى الشمال من كورتَي مهرجانقذق وماسبذان، أي عن يسار الطريق الماضية على حلوان إلى همذان، تقع كور شهرزور وسامغان ودراباذ، في وسط جبال الأكراد. وأطلال المدينة الأولى مثبتة في خرائطنا، على أميال قليلة جنوبيَّ السليمانية. وكان أهل ما حول شهرزور في زمن الإصطخري أكرادًا في الأغلب، وكثيرًا ما كان يُرى في الشتاء 60,000 خيمة لقبائل الأكراد المختلفة ضاربةً حول المدينة.

وكانت هذه الكورة في الأصل تابعة لإقليم الموصل، ثم فُصلت عنه بعد ذلك واستقلّت بولايتها(3).

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | ... | 2,750,000 | 2,750,000 درهم |

19. الإيغاران.

تحت هذا الاسم، ومعناه الضيعتان المحرَّرتان من الخراج، تُذكر كورتان كانتا تؤلّفان معًا كورةً واحدة معفاةً من سائر مغارم السلطان

(1) أما حاصل خراج الصَّيمَرة فيجعله اليعقوبي (ص 45) 2,500,000 درهم، والمراد بذلك جملةُ خراج كورة مهرجانقذق كلها. وكان أهلها خليطًا من العرب والفرس والأكراد. قارن في شأن هذه الكورة ريتر: Erdkunde IX. 897. 407.

(2) قارن في شأن هذا الموضع البلاذري، طبعة دي خويه، ص 333؛ ثم المراصد.

(3) لا ترد أسماء هذه المواضع الثلاثة عند ابن خلدون، غير أن حاصل الموصل عنده أعلى بمقدارها؛ ويتبيّن من ذلك أن إقليم الموصل كان يومئذ أوسع من ذلك بكثير. وعلى ما يذكره قدامة كانت كورة شهرزور مؤلَّفة من الرستاقين: سامغان ودراباذ.

22*

340

لقاء أداء مقاطعة سنوية ثابتة. وقد احتفظت هاتان الكورتان بامتيازاتهما زمنًا غير قصير.

وكانت قصبتاهما الكَرَج والبُرج. أما الأولى فمعروفة الموضع، وكانت على منتصف الطريق بين همذان وأصفهان(1).

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 800,000 (اقرأ: 3,800,000) | 3,100,000 درهم | ...(2) |

20. أذربيجان (Atropatene).

إلى الشمال من الكور التي تقدّم الكلام عليها آنفًا — شهرزور وهمذان وقزوين — يمتدّ ذلك الإقليم الذي ما زال يحمل إلى اليوم، كما كان في العصور القديمة، اسم

(1) كثيرًا ما يُكتب في كتب الجغرافيا «مرج» بدل «برج»؛ غير أن صحة القراءة الثانية تتبيّن من الأختام الرصاصية التي نشرها الدكتور شتيكل، وهي أيضًا متعلقة بالإيغارين (Z. d. D. M. Gs. XX. 336)، فإن فيها جميعًا «برج» بلا شكّ. إلا أن الدكتور شتيكل لم يفهم لفظة: جالية، فإنها لا تعني شيئًا سوى الجزية التي يؤدّيها غير المسلمين. فيبدو إذن أن الختم الرصاصي كان علامةَ ضبطٍ يعلّقها النصارى واليهود، وربما المجوس أيضًا، في أعناقهم، دليلًا على أنهم أدّوا الجزية على وجهها. وكانت هذه العلامات تُبدَّل كل سنة. قارن ما تقدّم، ص 62. — ومنذ كتبتُ هذه الحاشية فحص الدكتور كارابچك، وكنت قد أطلعته على هذه الملاحظات، ختمًا رصاصيًا شبيهًا به في مجموعة الكونت پروكش، فوجد ظنّي مؤيَّدًا، إذ كان مقدار الجزية عن أدنى الطبقات مثبتًا عليه بـ 12 درهمًا. فهذا الختم الرصاصي أيضًا كان إذن واحدًا من علامات التسامح تلك التي كانت تُوزَّع على المخالفين في الدين.

(2) وهو يعدّها من الجبل. يقول الإصطخري (ص 199): الكَرَج مدينة متوسطة القدر، وكانت منزل أبي دُلَف وعقبه، ولذلك يُرى فيها إلى اليوم قصور ملكية كثيرة. ويذكر اليعقوبي (ص 49) أن مقدار خراج الكَرَج (مقاطعة) كان 3,400,000 درهم. غير أن الحاصل هبط في أيام الواثق إلى 1,300,000 درهم. وكان أهلها من الفرس في الأغلب، ومعهم عدد قليل من المستوطنين العرب.

341

أذربيجان. وهو ينقسم إلى الرساتيق التالية: أردبيل، ومرند، وجابروان، وورثان.

ويذكر قدامة أن قصبته مراغة القريبة من بحيرة أُرمية. أما الإصطخري فيجعل أكبر مدنه أردبيل، وكانت في زمانه معسكر الجند ودار الإمارة. ويذكر الإصطخري مراغة على أنها ثاني المدن كِبَرًا، ويضيف أن معسكر الجند ودار الإمارة كانا فيها فيما مضى. ثم تأتي أُرمِيّة، وهي اليوم Urumia، على البحيرة المسمّاة باسمها. وكانت جابروان ومرند وورثان مدنًا أصغر، وكذلك تبريز التي لم يكن لها يومئذ شأن يُذكر.

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه:(1) | اليعقوبي (ص 48): | |---|---|---|---| | 4,000,000 | 4,500,000 | ... | 4,900,000 درهم |

وإلى الشمال من أذربيجان تقع بلاد القوقاز، وهي التي يسمّيها الجغرافيون العرب أرّان (الرّان). غير أن سلطان العرب لم يتجاوز قطُّ تفليس وبَرْدَعة. ولا تُذكر هذه الناحية في جداول الخراج البتة، وفي ذلك دليل على أنه لم يكن يُحمل منها مال إلى بغداد. وكان الوالي في أيام الأمويين يقيم ببردعة، وفيها كان أيضًا بيت مال الإقليم. (قارن ابن حوقل، طبعة دي خويه، ص 241.)(2)

21. جيلان.

إلى الشرق من أذربيجان، على شاطئ بحر الخزر الذي تؤلّف ركنه الجنوبي الغربي، تقع كورة جيلان، غير أنها لا تظهر معدودةً إلا في أقدم جداول الخراج، ولا ترد في جدولَي قدامة وابن خرداذبه المتأخّرين عنه، والأرجح أنها كانت قد صارت في ذلك الحين إلى أيدي العلويين فلم تعد تؤدّي خراجًا.

(1) وهو لا يذكر حاصل الخراج، ويضمّها إلى أرمينية. (2) قارن في شأن هذا الإقليم ريتر: Erdkunde VIII. 124 ff. IX. 764 ff.

342

وكان حاصل الخراج على ما يذكره ابن خلدون: 5,000,000 درهم(1).

22. أرمينية.

وقد بلغنا بهذا أقصى الحدّ الشمالي لدولة الإسلام، فننتقل الآن إلى أرمينية الممتدّة غربيَّ أذربيجان في اتجاه آسيا الصغرى. وكانت دَبيل على ما يذكره الإصطخري قصبتَها ودار الإمارة بها؛ وكان فيها من النصارى خلق كثير، وكان الجامع إلى جانب كنيسة النصارى. وكان يُصنع فيها أثواب الصوف الفاخرة، والبُسط، وأغشية المخادّ، وأنماط المجالس، والتِّكَك، وما أشبه ذلك. وكانوا يستعملون في صبغ الصوف صِبغًا يُسمّى القِرمِز. وكان يُصنع فيها أيضًا كثير من البُزْيون، وهو ثوب حرير مُوَشَّى ملوَّن ثقيل. وكانت المدينة في زمان الإصطخري، على ما يرويه، في يد أمراء من النصارى يعترفون بسيادة الخلفاء ويؤدّون الإتاوة. أما في زمن ابن حوقل فقد كان هؤلاء الأمراء القدماء قد سقطوا وسُلبوا مُلكهم، إذ استولى على البلاد الوالي العربي يوسف بن أبي الساج(2). وحدود أرمينية: عمل بَرْدَعة، ثم أذربيجان، والجزيرة، وقاليقلا هي المدينة الحدّية في اتجاه دولة الروم. وكانت أرمينية تصل ما بينها وبين بيزنطة عن طريق طرابزون، وكانت يومئذ لا تزال في يد ملك الروم، وهي المرفأ الأعظم وأهمّ مدن التجارة في تلك البلاد، إليها يجتمع التجار للمضيّ إلى بلاد الروم، وليصرّفوا فيها أفخر ما تُصدّره أرمينية: الديباج (البُزْيون) وأثواب الكِسوة.

(1) قارن ريتر: Erdkunde VIII. 656—671. (2) قارن ابن حوقل، ص 245.

343

ومن مدنها الصغرى: خِلاط، ومَنازجِرد، وبِدليس، وقاليقلا، وأرزن (Erzerum)، وميّافارقين. وكثيرون يعدّون هذا الرستاق الأخير من الجزيرة(1).

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 13,000,000 درهم | 4,000,000 درهم | 4,000,000 درهم |

ملحوظة: ويذكر قدامة فوق ذلك أرزن وميّافارقين بـ 4,100,000 درهم، وكذلك كورة تارون بأرمينية، وكانت تؤدّي مقاطعة سنوية قدرها 1,000,000 درهم. فيكون جملة حاصل أرمينية على ما يذكره قدامة كما يلي:

| | | |---|---| | | 4,000,000 | | أرزن وميّافارقين: | 4,100,000 | | تارون: | 1,000,000 | | | 9,100,000 |

وفي الزمن الذي كتب فيه ابن حوقل كانت أرمينية مقسومة بين عدة رؤساء مستقلّين، لا يعترفون للخليفة إلا بسيادة اسمية، ولم يعودوا يحملون مالًا إلى بغداد.

23. الجزيرة (Mesopotamien).

من أرمينية، وهي أقصى أقاليم دولة الخلافة في الشمال الغربي، نتّجه الآن جنوبًا مرة أخرى إلى العمل الذي يليها مباشرة: الجزيرة (Mesopotamien). وكان العرب يسمّون بهذا الاسم البلاد كلها من سلسلة جبال الأكراد، حيث يخرج منها الفرات ودجلة، نزولًا إلى ناحية الأنبار وتكريت. فالجزيرة إذن هي بلاد ما بين النهرين القديمة وأشور.

وقد انقسم هذا الإقليم بحسب تقسيمه الإداري، كما يتبيّن من جداول الخراج، إلى كور الخراج التالية:

1. الموصل ورساتيقها: جزيرة ابن عمر، والمرج على الجانب الغربي، والحديثة وحَزّة وغيرهما على الجانب الشرقي من دجلة.

2. تكريت ومعها السِّنّ وبَوازيج وطَبَرْهان (طيرهان).

(1) قارن في شأن أرمينية ريتر: Erdkunde IX. 115, 285 ff. X. 559, 604.

344

3. ديار ربيعة وقصباتها نصيبين، وماردين، وكفرتوثا، وسِنجار، ورأس العين، والخابور.

وابتداءً من مدخل دجلة إلى السهل تُذكر المدن التالية: جزيرة ابن عمر، وهي بليدة صغيرة، قصبة العمل المسمّى باسمها. وتليها في الأهمية مدينة الموصل، المعروفة بمصانعها التي كانت تخرج منها تلك الأثواب المحبوبة التي ما زال اسم Mousseline يدلّ على أصلها إلى اليوم(1). وقد صارت بعد ذلك قصبة الجزيرة كلها، وكان بها مقام الوالي. ومن المواضع الصغرى الحديثة على الجانب الشرقي والمرج على الجانب الغربي من النهر. ويلي عملَ الموصل، نزولًا مع النهر، عملُ تكريت، والأرجح أن حدّه الشمالي في مواجهة رستاق الموصل عند مصبّ الزاب الأعلى في دجلة، حيث تقع اليوم أطلال السِّنّ، وكانت هي وبَوازيج تُعدّان من كورة تكريت. وتقع هذه المدينة على الجانب الغربي من دجلة، وكان أكثر أهلها في زمن الإصطخري نصارى. وأسفلَ تكريت مصبّ دُجَيل (دجلة الصغرى)، وكان يتشعّب هنا من النهر الأعظم ويسقي جانبًا عظيمًا من أرض بغداد المعمورة.

وكانت أعظم مدن البلاد الواقعة بين النهرين، أعني السهل الكبير بين دجلة والفرات الذي سمّاه الجغرافيون العرب ديار ربيعة نسبةً إلى قبيلة ربيعة العربية النازلة به، مدينةَ نصيبين، وهي في وسط ناحية حسنة العمارة؛ وكان فيما حولها أديرة كثيرة للنصارى وصوامع(2). ثم تُذكر سِنجار، وهي تقع

(1) قارن ريتر: Erdkunde XI. 171.

(2) على ما يذكره ابن حوقل، ص 142، كان جملة دخل مدينة نصيبين وكورتها في سنة 358هـ (969م) من مختلف الخراج والمغارم 5 ملايين درهم و32,000 دينار.

345

في وسط بلاد ربيعة تقريبًا، جنوبيَّ سلسلة المرتفعات القاطعة للجزيرة هنا من الشرق إلى الغرب، والحاملة في خرائطنا اسم جبل سِنجار. وهي أقصى نقطة في الشمال تُثمر فيها النخلة بالجزيرة. أما من سِنجار جنوبًا، نزولًا إلى عرض تكريت، فكان كله غير معمور تسكنه الرُّحّل. وكان الشمال على العكس من ذلك غنيًّا بمدن أخرى ذات شأن. فإلى الشمال الغربي من سِنجار تقع رأس العين، وهي اليوم أطلال لا غير، وكانت يومئذ موضعًا مهمًّا، مشهورًا باتّساع زراعة القطن بها؛ وإلى الغرب من هذه المدينة، على مسيرة أيام قلائل، تقع حرّان، مقام جماعات الصابئة، وكان لهم فيها هيكلهم إلى زمن الإصطخري؛ وكانت مقرَّ صناعة عظيمة. وعلى مسيرة يوم من حرّان تقع سَروج، وهي مدينة موسرة ذات رستاق واسع تابع لها. وإلى الشمال من حرّان تقريبًا تقع الرُّها، وتُسمّى اليوم Orfa، وهي إديسّا القديمة، وكان بها في ذلك الزمان خلق كثير من النصارى، وكانت تُحصى فيها عدة مئات من الأديرة(1).

أما الناحية الواقعة في شمال الجزيرة، التي يكتنفها من الجنوب على هيئة الهلال جبلا قره‌جه داغ وطور عبدين، وفي وسطها مدينة ماردين، وفي طرفها الشمالي الغربي ديار بكر(2)، فيبدو أنها لم تكن تُعدّ في ذلك الزمان من الجزيرة إلا في بعضها، والأرجح أن أكثرها كان يُحسب على كورة ميّافارقين، وكانت تُعدّ من توابع أرمينية؛ وقصبتها ميّافارقين.

(1) قارن ريتر: Erdkunde XI. 315.

(2) هذه المدينة، وتحمل في كتب الجغرافيا القديمة اسم آمِد، كانت قصبة الكورة التي سُمّيت ديار بكر نسبةً إلى قبيلة بكر النازلة بها.

346

وكان حدّ الجزيرة الغربي هو الفرات من مخرجه من جبال أرمينية. وكانت المدينة الحدّية في مواجهة الشام وأرمينية شِمْشاط (Arsamosata)، وهي بليدة صغيرة محصَّنة قريبة من خرتبرت، وهي Charput في خرائطنا. وقد كانت Arsamosata حصنًا منيعًا منذ العصور القديمة. وتقع في بقعة حسنة، في منتصف المسافة تمامًا بين الفرات ومنابع دجلة، غير بعيدة من دروب طوروس التي يسمّيها بروكوپيوس Kleisurä(1). ثم تأتي نزولًا مع النهر مَلَطية، وهي Melita القديمة(2)، ثم سُمَيساط (Samosata) قصبة كورة Commagene القديمة، وكلا الموضعين كان يُعدّ من الشام، ثم البِيرة، واسمها اليوم Biredjik، وأهميتها في كونها معبرًا للقوافل على الفرات، ثم مَنبِج، وهي Hierapolis القديمة، ثم بالِس، وهي Barbalissus القديمة، ثم الرقّة (Callinicum)، أجلّ مدن تلك الناحية وقصبة الكورة المحيطة بها كلها، وهي المسمّاة ديار مُضَر، أي منازل قبائل مُضَر، سُمّيت كذلك بالقبائل العربية التي نزلت هنا وأخذت البرّ شرقيَّ الفرات إلى مسافة بعيدة في الداخل. وكانت الرقّة مع الرافقة مدينة واحدة على الجانب الشرقي من النهر. وأسفلَ منها تقع عند مصبّ الخابور قَرقيسيا، وهي Circesium القديمة، وليست اليوم غير كومة أنقاض، وعلى أميال قليلة نزولًا مع النهر الرحبة (رحبة مالك بن طوق) على الضفة الغربية من الفرات، ثم تليها عانة، وهِيت، وأخيرًا الأنبار، ولا تبعد عن بغداد غير أميال قليلة، وهي دار المملكة القديمة لخلفاء بني العباس، وكانت قصورهم في زمن الإصطخري لا تزال قائمة في بعضها.

(1) كثيرًا ما خلط الجغرافيون العرب، وكذلك الباحثون الأوروبيون، بين شِمْشاط (Arsamosata) وسُمَيساط (Samosata). وقد وقع ريتر أيضًا في هذا الخطأ.

(2) وقد سُمّيت الكورة بذلك Melitene، غير أن هذا الاسم انتقل بعد ذلك إلى المدينة.

347

وكانت تسكن الجزيرة قبائل كثيرة من أعراب ربيعة ومُضَر، تربّي الخيل والإبل والغنم، غير أن أقلّهم كانوا يعيشون عيشة الرُّحّل في البادية، بل كانوا قد تركوا في ذلك الحين حياة التنقّل وأقاموا كلهم تقريبًا في مستقرّات ثابتة.

وكان حاصل خراج الجزيرة:

| ابن خلدون: | | ابن خرداذبه: | | |---|---|---|---| | من الموصل | 24,000,000 درهم | من الجزيرة | 4,000,000 درهم | | من الجزيرة وبلاد الفرات | 34,000,000 | من الموصل | 4,000,000 » | | المجموع | 58,000,000 درهم | من ديار ربيعة | 7,700,000 » | | | | المجموع | 15,700,000 درهم |

قدامة:

| | | |---|---| | من تكريت والسِّنّ وبَوازيج | 1,700,000 درهم | | من الموصل، أي الرساتيق الواقعة على الجانب الغربي من دجلة: الحديثة وحَزّة والحِلّة والحَنّانة وغيرها | 6,300,000 » | | آمِد، وقدامة وحده يذكرها كورة إدارية على حدة | 2,000,000 »(1) | | الرستاق الشمالي من الموصل وقصبتاه جزيرة ابن عمر وباسُرين | 3,200,000 » | | ديار ربيعة: نصيبين، ودارا، وماردين، وكفرتوثا، وسِنجار، ورأس العين، والخابور | 4,635,000 » | | ديار مُضَر | 6,000,000 »(2) | | رساتيق طريق الفرات | 2,700,000 » | | المجموع | 26,535,000 درهم(3) |

24. الشام وفلسطين.

يحدّها من الشرق، على الخطّ الممتدّ من أيلة (العقبة) إلى الفرات، بادية الشام الكبرى،

(1) لا يرد ذلك عند قدامة إلا في جدول الخاتمة، وهو غير موثوق به.

(2) على ما يذكره الأصفهاني كان حاصل خراج ديار مُضَر 9,500,000 دينار (اقرأ: درهم).

(3) ويجعل ابن حوقل جملة دخل الجزيرة 16,290,000 درهم. قارن في شأن الجزيرة: ريتر، Erdkunde IX. 709؛ X. 1142؛ XI. 925.

348

ثم الفرات؛ ويحدّها غربًا إلى خليج الإسكندرونة آسيا الصغرى، وكانت يومئذ في يد الروم؛ ومن الجنوب بلاد العرب الحجرية وجزيرة العرب نفسها؛ ومن الغرب البحر. فلم يكن الشام أحد أغنى الأقاليم وأجملها فحسب، بل كان أيضًا بحكم موقعه الجغرافي أحد أهمّها من الوجهة السياسية. ويجعل الإصطخري الموضع الحدّي في مواجهة مصر رفح؛ أما في مواجهة بلاد الروم بآسيا الصغرى فكانت المواضع التالية تُعدّ علامات للحدّ: ملطية، والحدث، ومرعش، والهارونية، وكنيسة، وعين زربة، والمصّيصة، وأذنة، وطرسوس.

وكانوا يعدّون من الشام أيضًا رساتيق الثغور الشامية والجزرية. فأما الأولى فكانوا يحسبون عليها كل الأعمال الحدّية الواقعة غربيَّ الفرات، وأما رساتيق ما بين ملطية ومرعش فسُمّيت الثغور الجزرية لأن متطوّعة الجزيرة كانوا يرابطون بها ومنها يغزون الروم.

وكان تقسيم الشام السياسي كما يلي: 1. جند فلسطين؛ 2. جند الأردنّ؛ 3. جند حمص؛ 4. جند دمشق؛ 5. جند قنّسرين؛ 6. العواصم والثغور.

1. جند فلسطين. ويمتدّ طولًا مسيرة يومين من حدّ مصر عند رفح إلى اللَّجّون (Legio) على سهل Esdrelon، وعرضًا مثل ذلك من يافا إلى أريحا. وكان يتبعه أيضًا زُغَر، أي رستاق البحر الميت، ثم الشراة، وهي الأرض الحجرية المرتفعة التي تكتنف الشامَ في اتجاه جزيرة العرب، وتقابل ما يُسمّى اليوم البلقاء وعمّان. وكانت قصبة الجند الرملةَ، ثم تليها في الكِبَر

349

بيت المقدس. وكانت قصبة رستاق الشراة أذرُح، وقصبة رستاق الجبال Rowät. وفي مواجهة جزيرة العرب يمكن أن تُعدّ معان الموضعَ الحدّي لرستاق الشراة؛ وكانت موضعًا صغيرًا يسكنه في زمن الإصطخري الأمويون ومواليهم.

2. جند الأردنّ. وقصبته طبرية. وكان الغور بعضه من الأردنّ وبعضه من فلسطين؛ فما وراء بيسان يُعدّ من فلسطين، وما دونها يُعدّ من الأردنّ. وكانت صور تُحسب على الأردنّ.

3. جند دمشق. وكان يتبع رستاق دمشق بعلبك (Heliopolis)، وطرابلس، وبيروت (Berytos)، ثم كورتا حوران (Auranitis) والبَثَنِيّة (Batanaea).

4. جند حمص (Emessa). وأهمّ المواضع التابعة لهذا الرستاق: أنطرطوس، وسلمية (Salaminias)، وشيزر، وحماة.

5. جند قنّسرين. وكانت قصبته أولًا قنّسرين ثم حلب. ومن مواضعه الأخرى المذكورة معرّة النعمان وخُناصِرة.

العواصم. وهي تلك الناحية على حدّ الروم، وقصبتها أنطاكية؛ وكانوا يعدّون منها أيضًا المدن التالية: بالِس (Barbalissus)، وهي مدينة صغيرة ذات مرفأ على الفرات، وأول مدن الشام يدخلها القادم من العراق. وكانت محطّةً وسطى لتجارة العبور بين الشام والعراق. ثم تُذكر مَنبِج، وهي في البادية غير أن حولها عملًا حسن العمارة؛ ثم سُمَيساط (Samosata) صعودًا مع الفرات، وكذلك جسر منبج. ومن الحصون الحدّية في مواجهة الروم تُذكر: حصن منصور، وهو قلعة صغيرة، ثم ملطية والحدث ومرعش، وأخيرًا حصن زِبَطرة (Zapetron أو Sozopetron). وكانت الهارونية إلى الغرب من جبل اللُّكّام، وهو الامتداد الشرقي لجبل

350

Amanus، في شِعب؛ وكانت حصنًا بناه هارون الرشيد. والإسكندرونة هي Alexandrette اليوم. وعلى مقربة منها على الخليج نفسه تقع بليدة بيّاس (Baiae). ومن المواضع الحدّية الأخرى الأقلّ شأنًا تُذكر: تِينات، وهي حصن على شاطئ البحر، وكنيسة، وهي حصن في الداخل على الحدّ، والمُثَقَّب، وليس ببعيد من الموضع المذكور آنفًا، وهو حصن بناه عمر بن عبد العزيز؛ ثم عين زربة (Anazarba) وبها النخل والبساتين الغنية والمزارع. والمصّيصة على نهر Pyramus (جيحان)، وهي Mopsuestia القديمة، وقد امتدّت على ضفّتيه كلتيهما. وإلى الغرب منها تقع أذنة، قريبةً من نهر سيحان (Sarus)؛ ثم تليها طرسوس، وكانت يومئذ أهمّ المحطّات الحدّية؛ ولها سوران وحامية قوية من الرجّالة والفرسان جميعًا؛ وما حولها حسن العمارة، والمدينة موفورة كل ما يُحتاج إليه من أسباب المعاش؛ ويفصلها عن بلاد الروم سلسلة جبال. ولم تكن في دولة الخلافة كلها مدينة إلا ولها هنا دارٌ خاصة بأهلها ينزلون بها إذا قدموا طرسوس متطوّعين للاشتراك في حرب الدين. وكذلك كانت في بَغْراس، وهي Pagrae القديمة، دارٌ يُنفَق على نزلائها، وقفتها زُبيدة زوج الخليفة هارون الرشيد.

وعلى شاطئ البحر تقع أولاس، وهي Eleusa القديمة، وهي حصن صغير سكنه بعض النسّاك؛ وكانت آخر موضع يسكنه المسلمون.

وكان حاصل خراج الشام:

| الجند | ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---|---| | قنّسرين | 420,000 دينار | | 400,000 دينار | | قنّسرين والعواصم | | 360,000 دينار | | | دمشق | 420,000 » | 120,000 » | 400,000 » | | الأردنّ | 96,000 » | 109,000 » | 350,000 » | | فلسطين | 310,000 » | 195,000 » | 500,000 » | | حمص | ... | 118,000 » | 340,000 » | | المجموع | 1,246,000 دينار | 902,000 دينار | 1,990,000 دينار |

351

| الجند | اليعقوبي: | الأصفهاني:(1) | |---|---|---| | حمص | 220,000 دينار | 180,000 دينار | | دمشق | 300,000 » | 140,000 » | | الأردنّ | 100,000 » | 175,000 » | | فلسطين | 300,000 » | 175,000 » | | المجموع | 920,000 دينار | 670,000 دينار |

25. جزيرة العرب.

كان التقسيم الإداري لجزيرة العرب كما يلي: 1. الحجاز، وبه الحرمان مكة والمدينة؛ 2. اليمامة، أي وسط الجزيرة وما يليها من البلاد؛ 3. نجد، وهي مرتفعات شمال الجزيرة، وما يتبعها من البادية الممتدّة بين الشام وبلاد الفرات صعودًا في اتجاه الجزيرة الفراتية؛ 4. اليمن بنجده وتهامته؛ 5. عُمان ومهرة وحضرموت؛ 6. البحرين وما يتبعها من ساحل الخليج الفارسي.

وكانت أجلّ المدن، عدا مكة والمدينة: اليمامة، قصبة الإقليم المسمّى باسمها، وهي أصغر قليلًا من المدينة؛ وهَجَر، قصبة البحرين؛ وصنعاء، قصبة اليمن، وفي هذا الإقليم مدن نجران وجُرَش وصعدة، وقد اشتهرت بصناعة الأدَم النشيطة. وكانت قصبات الحجاز بعد المدينة: وادي القرى، والطائف الذي يكاد يعادلها شأنًا. وأهمّ المرافئ جُدّة، وهي على مسيرة يومين من مكة، ويَنبُع، وهو مرفأ المدينة؛ والجار، وقد نُسي منذ زمن طويل، وكان على مسافة ثلاثة أيام من المدينة؛ ومَدين،

(1) قارن ابن خرداذبه: Journal Asiat. 1865, V. 451. — وعلى ما جاء في خبر عند ابن خرداذبه، ص 72 من المتن، كان ما يُحمل من خراج الأردنّ وكذلك فلسطين أقلّ من نصف المبلغ المذكور. وعلى ما يذكره ابن حوقل، ص 128، بلغ دخل الشام كله في سنتَي 296هـ (908—9م) و306هـ (918—19م)، بعد إسقاط أرزاق العمّال، 39 مليون درهم.

352

وهي أيضًا مدينة تجارة لم تعد قائمة، وتكاد تكون على عرض تبوك، وتبعد عنها مسيرة ستة أيام. وكان الموضع الأخير يُعدّ حصنًا حدّيًّا في الشمال، وكذلك معان. وإلى الجنوب قليلًا في اتجاه الشرق تقع تيماء.

وفي الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة كانت عدن يومئذ مرفأً مهمًّا؛ وكانت بالقرب منها مغاصات اللؤلؤ؛ وعلى ساحل حضرموت تقع قصبة هذا الإقليم المسمّاة باسمه، وتُعرف عادةً بظَفار، ثم الشِّحر، أهمّ مدن ساحل مهرة. وكانت قصبة عُمان صُحار، وهي سوق تجارة عظيمة.

وكان حاصل خراج جزيرة العرب:

| ابن خلدون: | | ابن خرداذبه: | | |---|---|---|---| | اليمن | 370,000 دينار | اليمن | 600,000 دينار | | الحجاز | 300,000 » | الحجاز ونجد | ... | | | | البحرين واليمامة | ... | | المجموع | 670,000 دينار | المجموع | 600,000 دينار(1) |

قدامة:

| | | |---|---| | اليمن مع حضرموت وخولان والشِّحر | 600,000 دينار | | الحجاز مع نجد والحرمين | 100,000 » | | البحرين واليمامة (وذلك في سنة 237هـ) | 520,000 » | | عُمان | 300,000 » | | المجموع | 1,520,000 دينار |

26. مصر.

حدودها معروفة بما فيه الكفاية، غير أنه ينبغي أن يُلاحَظ أن النوبة في زمن العباسيين لم تكن

(1) لا يذكر ابن خرداذبه أرقامًا لسائر أقاليم جزيرة العرب، وإنما يذكر لحاصل زكاة المال (الصدقة) من قبيلة بكر بن وائل رقم 3,000 درهم. ابن خرد. ص 498. — أما ابن خلدون فلا يذكر البحرين وعُمان والساحل الجنوبي، لأنها كانت في زمانه تابعة لولاية البصرة، كما كان الشأن في أيام الأمويين وأوائل العباسيين.

353

قد فُتحت بعدُ على أيدي المسلمين. فكانت أرض مصر تنتهي إذن عند أسوان. وكانت دار الإمارة في عهد العباسيين الفسطاطَ، وهي تشغل من المساحة ثلث بغداد. وكانت أهمّ مدن المرافئ يومئذ، كما هي اليوم، الإسكندرية. وكانت الأشمونين في صعيد مصر مقرّ صناعة عظيمة في أثواب الكسوة. وكانت صناعة البردي أيضًا موردًا وافرًا للدخل، إذ كانت هذه الصناعة يومئذ حكرًا لمصر، ولم يكن الكاغد الشرقي المجلوب من سمرقند قد أخرج البرديَّ القديم من الاستعمال (قارن ما تقدّم، ص 322). ومن الصناعات الخاصة أيضًا النسج والتطريز بالذهب في تِنّيس والإسكندرية ودمياط وشَطا، وكان يُصنع بها الديباج والأثواب المنسوجة بالذهب (الدبيقي، والقصب، والوشي)، ثم في الفيوم، وكان يُصنع بها الخيش الغليظ لتغليف الأمتعة؛ وفي أسيوط كانت تُعمل بُسط حسنة لا تنزل عن الأرمينية؛ وفي أخميم كانوا يضفرون حُصر القشّ ويعملون في الأدَم؛ وفي طَهَا كانت تُصنع تلك الأواني الخزفية الحسنة التي تُوجد اليوم في قِنا. وهذا الفرع الأخير من الصناعة هو الوحيد الذي بقي إلى اليوم (اليعقوبي ص 119، 120، 126).

وكانت أسوان، وهي Syene القديمة، تُعدّ أكبر مدن الصعيد. ومن المدن الصغرى تُذكر أخميم وإسنا. وكانت الفَرَما الموضع الحدّي في مواجهة الشام، وتقع على نحو فرسخين من تِنّيس على البحر، وتُوصف بأنها مدينة صغيرة موسرة. وعلى مسافة نحو خمس عشرة مرحلة من أسوان تلك الأرض الحاملة للذهب، حيث يُوجد الذهب في الرمل والحصى: واسم الموضع العلّاقي. وكان أهمّ ما تُصدّره مصر في ذلك الزمان الحبوبَ، تُحمل إلى جزيرة العرب، وخاصة إلى الحجاز، حيث لم يكن الإنتاج المحلي يكفي لإطعام أهله الذين تكاثروا سريعًا.

وقد دخل بذلك مال كثير إلى البلاد. وكانت مصر دائمًا

354

هُريَ الغلال لما وراءها من البلدان. وما يُعثر عليه هناك بكثرة إلى اليوم من قطع التترادراخما الأثينية يثبت أيضًا، ولو سكت الكتّاب القدماء، أن اليونان كانت تتموّن من مصر. ثم جاءت روما بعد ذلك مستهلكةً، وكان كل تأخّر في وصول سفن المِيرة المصرية يثير في روما مخافة المجاعة. أما القطن فلم يصر سلعةً للتصدير بمثل تلك الأهمية إلا في العهد الأخير؛ ولم تكن شجيرة القطن تُغرس هناك في العصور القديمة. غير أن تصدير الحبوب وحده كان يكفي لجعل مصر أغنى بلاد الدنيا. ولذلك فرقم حاصل الخراج أدنى مما ينبغي لا أعلى.

وكان حاصل الخراج:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه: | |---|---|---| | 2,920,000 دينار | 2,500,000 دينار | 2,180,000 دينار(1) |

27. برقة وإفريقية والمغرب.

كل ما امتدّ غربيَّ مصر إلى المحيط الأطلسي قسّمه العرب ثلاث كُتَل كبرى من البلاد سمّوها برقة وإفريقية والمغرب. فبرقة تقابل كورة Pentapolis القديمة. ومن طرابلس تبدأ كورة إفريقية (Africa propria)، وكانت تمتدّ إلى وسط ولاية الجزائر الحالية، وكل ما وقع غربيَّ ذلك فهو من المغرب.

وكانت قصبة برقة المدينة المسمّاة باسمها. أما عاصمة إفريقية الحقيقية فكانت القيروان، وبها

(1) ويوافق ذلك أيضًا ما ذُكر من أن حاصل خراج مصر المحمول إلى بغداد في سنة 143هـ (760—761م) كان 2,884,500 دينار. Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 230. قارن ابن حوقل 88، 108.

355

كان مقام الولاة؛ ولم تُبْنَ المهدية على يد العبيديين إلا بعد ذلك، وعظم شأن تونس. أما في الغرب، أي المغرب الحقيقي، فكانت أهمّ المواضع: تاهَرت، وهي تُقُّرت اليوم، وكان بعضهم يعدّها من إفريقية، غير أنها أُثبتت في سجلّات الدواوين مستقلّةً(1)، ثم سِجِلماسة، وتلمسان، وأخيرًا فاس.

وكان أهمّ ما يُصدَّر الرقيقَ الأسود والأبيض، وكان الأبيض يأتي كله من إسبانيا، ويُباع الرأس منه بألف دينار؛ ثم كان يُصدَّر من المغرب أيضًا اللُّبود، وجِلال السروج، والمَرجان، والعنبر، والذهب، والعسل، والزيت، والحرير، وثياب الصوف، والحديد، والنحاس، والزئبق، والفِراء، والسفن(2).

وكان حاصل الخراج على ما يذكره:

| ابن خلدون: | قدامة: | ابن خرداذبه:(3) | |---|---|---| | برقة: 1,000,000 درهم | ساقط | ساقط | | إفريقية: 13,000,000 » | | | | المجموع: 14,000,000 درهم | | |

(1) ابن حوقل، طبعة دي خويه، ص 68.

(2) ابن حوقل ص 70. — وعلى ما يذكره فايل: Gesch. d. Chal. II. p. 153، كانت ولاية إفريقية عاجزة، وتكلّف بيت المال 100,000 دينار في السنة. — ولا يذكر قدامة وابن خرداذبه دخل إفريقية، لأن هذا الإقليم كان في زمانهما قد استقلّ عن بغداد. وكان الأغالبة يحكمون يومئذ حكمًا يكاد يكون سيادةً تامة. فجداول ابن خلدون تقع إذن، بحسب هذه العلامة أيضًا، في زمن أسبق. ففي عهد أول العباسيين، السفّاح، كانت إفريقية في ثورة عامّة، ولم يُعِد سلطان الخلافة إليها إلا الثاني، المنصور، وذلك في سنة 155هـ. (قارن «المؤنس في أخبار إفريقية وتونس» ص 45، ثم ابن عِذاري، I. p. 61 ff. 68.) وقد مضت بضع سنين قبل أن تبلغ إفريقية من التعافي من الفتن حدًّا يمكّنها من أداء الخراج. غير أن المنصور مات سنة 158هـ. فجدول ابن خلدون يقع إذن إما في زمن الخليفة المهدي، وفي عهده أُعيد للسلطان هيبته بالمغرب من جديد، وإما في زمن خَلَفه الهادي (169—170هـ).

(3) ولا تظهر إسبانيا في جدول الأقاليم هذا، بطبيعة الحال، لأنها كانت في زمن العباسيين قد استقلّت.

23°

356

ثالثًا. جداول الخراج الثلاثة.

وقد أفدنا من العرض المتقدّم لأقاليم الدولة جميعًا نظرةً عامة على سَعتها ومواردها ودخلها، فنُتبع ذلك هنا بجداول الخراج الثلاثة التي تمثّل دخل الحكومة المركزية ببغداد في السنة، على النحو الذي كان يتدفّق به على بيت المال في زمن أوج ازدهار الخلافة.

1. جدول خراج ابن خلدون (من زمن سنة 158—170هـ).

| اسم الإقليم | المحمول نقدًا | المحمول عينًا | |---|---|---| | السواد | 27,780,000 درهم | 1,200 رداءً من أردية نجران، و240 رطلًا من الطين المختوم الأرميني (bolus). (وجدول الخراج المحفوظ عند وصّاف يذكر الرقم نفسه.) | | | ثم في مغارم مختلفة 14,800,000 » | | | كَسْكَر | 11,600,000 » | | | كورة دجلة | 20,800,000 » | | | حلوان | 4,800,000 » | | | الرساتيق التي بين البصرة والكوفة(1) | 10,700,000 » | | | خوزستان | 25,000,000 »(2) | 30,000 رطل من السكر. |

(1) هذه الرساتيق كلها يعدّها قدامة وابن خرداذبه من السواد، فيصير جملة حاصله عند ابن خلدون 90,480,000 درهم.

(2) في المتن 25,000. غير أنه لا شكّ في أن هذا خطأ من الناسخ، إذ كُتب «ألف» مرة واحدة بدل «ألف ألف» (مليون). وهذا التصحيح من اليقين بحيث أُثبته في المتن.

357

| اسم الإقليم | المحمول نقدًا | المحمول عينًا | |---|---|---| | فارسستان | 27,000,000 درهم | 30,000 قارورة ماء ورد، و20,000 رطل زبيب (وعند وصّاف: 1,000). | | كِرمان | 4,200,000 » | 1,500 ثوبًا من الثياب اليمانية، و20,000 رطل تمر، و1,000 رطل كمّون (وعند وصّاف: 100 رطل). | | مُكران | 400,000 » | | | السند وما يليها من البلاد | 11,500,000 » | 1,150 رطلًا من العود (وكذلك عند وصّاف). | | سِجِستان | 4,000,000 » | 130 ثوبًا من الحرير المخطَّط، و2,000 رطل سكّر مكرَّر. | | خراسان | 28,000,000 » | 1,000 نُقرة فضة(1)، و4,000 دابّة حمل، و27,000 ثوب من الثياب الداخلية، و3,000 رطل إهليلج. | | جُرجان | 12,000,000 » | 1,000 ثوب حرير. | | قُومِس | 1,500,000 » | 1,000 نُقرة فضة. | | طبرستان والرُّويان ودُنباوند(2) | 6,300,000 » | 600 بساط طبريّ، و200 ثوب، و500 ثوب داخلي، و300 منديل، و300 قدح فضة. |

(1) وفي رواية أخرى: 2,000 نُقرة فضة. (2) في المتن خطأً: نهاوند.

358

| اسم الإقليم | المحمول نقدًا | المحمول عينًا | |---|---|---| | الرَّيّ | 12,000,000 درهم | 20,000 رطل عسل(1). | | همذان | 11,800,000 » | 1,000 رطل من مربّى الرمّان، و1,200 رطل عسل. | | ماسبذان والرَّيان | 4,000,000 » | | | أذربيجان | 4,000,000 » | | | شهرزور | 6,000,000 » | | | الموصل وتوابعها | 24,000,000 » | 20,000 رطل عسل أبيض. | | الجزيرة وما يتبعها من رساتيق الفرات | 34,000,000 » | | | الكَرَج | 300,000 » | | | جيلان | 5,000,000 » | 1,000 مملوك، و12,000 زقّ عسل، و10 بُزاة(2)، و20 ثوبًا، و120 بساطًا، و580 رطلًا من الرَّقْم (؟)، و10,000 رطل من ماهي سرماهي (؟)، و10,000 سمكة بحرية، و200 بغل، و30 بازيًا(3). | | أرمينية | 13,000,000 » | |

(1) وعند وصّاف أيضًا 100,000 رمّانة.

(2) وكذلك عند وصّاف.

(3) وكذلك عند وصّاف، غير أن ذلك في البُزاة فحسب؛ وبدل «ماتِح» يكتب وصّاف: «مالِح»، أي السمك المملَّح والبَيض (طِرّيخ) 20 رطلًا، والبُسط 20.

359

| اسم الإقليم | المحمول نقدًا | المحمول عينًا | |---|---|---| | الشام: | | | | أ) قنّسرين | 420,000 دينار | 1,000 حِمل زبيب(1) | | ب) دمشق | 420,000 » | | | ج) الأردنّ | 96,000 »(2) | | | د) فلسطين | 310,000 » | 300,000 رطل زيت. | | المجموع | 1,246,000 دينار = 18,690,000 درهم | | | مصر | 2,920,000 دينار = 43,800,000 درهم | | | برقة | 1,000,000 درهم(3) | | | إفريقية | 13,000,000 درهم | 120 بساطًا. | | اليمن | 370,000 دينار = 5,550,000 درهم | | | الحجاز | 300,000 دينار = 4,500,000 درهم | |

فبلغ جملة الدخل إذن 411,020,000 درهم.

(1) وعلى ما يذكره وصّاف أدّى الشام كله 300,000 رطل زبيب.

(2) كان خراج الأردنّ في عهد الخليفة عبد الملك 180,000 دينار. قارن الماوردي 349.

(3) خراج برقة نظّمه هارون الرشيد، فأرسل إليها واحدًا من مواليه. فكان الخراج 24,000 دينار، وكانت الصدقة والجزية والعُشور 15,000 دينار. قارن اليعقوبي ص 134.

360

2. جدول خراج قدامة (عن مصادر رسمية من سنة 204—237هـ)

| اسم الكورة | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | نقدًا | |---|---|---|---| | السواد(1)، الرساتيق الواقعة على الجانب الشرقي من دجلة؛ الأنبار ونهر عيسى | 11,800 | 6,400 | 400,000 | | مَسْكِن | 3,000 | 1,000 | 150,000 | | قُطْرَبُّل | 2,000 | 1,000 | 300,000 | | بادُوريا | 3,500 | 1,000 | 1,000,000 | | نهر شير(2) | 1,700 | 1,700 | 150,000 | | رُومَقان | 3,300 | 3,300 | 250,000 | | نهر دَرْقِيط | 2,000 | 2,000 | 200,000 | | نهر جَوْبَر | 1,500 | 6,000 | 150,000 | | بارُوسْما ونهر المَلِك | 3,500 | 4,000 | 122,000 | | طساسيج الزوابي الثلاثة | 1,400 | 7,200 | 250,000 | | بابل و(خُطَرْنِيَة) | 3,000 | 5,000 | 350,000 | | الفلّوجة العليا(3) | 500 | 500 | 70,000 | | الفلّوجة السفلى | 2,000 | 3,000 | 280,000 | | النَّهْرَين | 300 | 400 | 45,000 | | عين التمر | 300 | 400 | 45,000 | | الجُبّة(4) | 1,500 | 1,600 | 150,000 |

(1) على ما جاء في جدول الخراج المحفوظ عند وصّاف، وهو من زمن الخليفة المقتدر، كان دخل السواد 1,547,734 دينارًا، أي 23,216,010 دراهم.

(2) والصواب: بَهُرَسير.

(3) قارن معجم ياقوت في مادّته.

(4) هكذا تُقرأ، لا «جند».

361

| اسم الكورة | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | نقدًا | |---|---|---|---| | سُورا(1) وبَرْبِيسما (بَرْنِيما) | 1,500 | 4,500 | 250,000 | | بُرْس العليا والسفلى(2) | 500 | 5,500 | 150,000 | | فُرات بادَقْلى | 2,000 | 2,500 | 62,000 | | السَّيلَحين(3) | 1,000 | 1,500 | 44,000 | | دَبَردَماسان (Dabardamäsän) وهَرود (Harud) | 500 | 500 | 20,000 | | ياسِر (Jasyr) | 2,200 | 2,000 | 300,000 | | إيغار يَقْطين | 2,500 | 2,000 | 204,800 | | رساتيق كَسْكَر(4) | 30,000 | 20,000 | 270,000 | | الرساتيق الواقعة على الجانب الشرقي من دجلة نزولًا مع النهر | | | | | بُزُرْج سابور(5) | 2,500 | 2,200 | 300,000 | | الرَّاذانان(6) | 4,800 | 4,800 | 300,000 | | نهر بُوق | 200 | 1,000 | 100,000 | | كَلْواذَى(7) ونهر بِين | 1,600 | 1,500 | 330,000 | | جازِر والمدينة العتيقة | 1,000 | 1,500 | 240,000 | | رُسْتُقُباذ | 1,000 | 1,400 | 246,000 |

(1) قريبة من بغداد، ريتر: Erdkunde X, 267. وبَرْبِيسما: المعجم في مادّته.

(2) المعجم في مادّته. ريتر: Erdkunde X. 36. XI, 875.

(3) المعجم.

(4) كانت هذه الرساتيق تؤدّي في الأزمنة القديمة 90,000 درهم.

(5) المعجم.

(6) المصدر نفسه.

(7) ريتر: Erdkunde X, 201.

362

| اسم الكورة | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | نقدًا | |---|---|---|---| | جَلُولاء وحَلُولاء | 1,000 | 1,000 | 100,000 | | زَبانَين (Zabanain) | 1,900 | 1,300 | 40,000 | | الدَّسْكَرة | 1,800 | 1,400 | 60,000 | | البَنْدَنيجين(1) | 600 | 500 | 35,000 | | بَراز الرُّوز(2) | 3,000 | 5,100 | 120,000 | | النهروان الأعلى | 1,700 | 1,800 | 350,000 | | النهروان الأوسط | 1,000 | 500 | 100,000 | | بادَرايا(3) وباكُسايا | 4,700 | 5,000 | 330,000 | | طسّوج دجلة | 900 | 4,000 | 430,000 | | نهر صِلَة | 1,000 | 3,120 | 59,000 | | النهروان الأسفل | 1,700 | 1,300 | 53,000 | | المجموع | 114,900 | 122,420 | 8,368,800 |

غير أن قدامة يعطي المجاميع الكلية على وجه مخالف، وذلك كما يلي:

| كُرّ حنطة: | كُرّ شعير: | الأداء نقدًا: | |---|---|---| | 117,200 | 99,721 | 8,095,800 درهم |

وهذه الأرقام أجدر بالثقة من المجاميع الحاصلة من جمع المفردات، إذ الأرجح كثيرًا أنّ النسّاخ هم الذين أدخلوا الخطأ في تلك المفردات. ويلاحظ قدامة فوق ذلك أن كُرَّ الشعير وكُرَّ الحنطة معًا قيمتهما في المتوسط 60 دينارًا، والدينار محسوبًا بخمسة عشر درهمًا. وجملة قيمة

(1) المعجم.

(2) المصدر نفسه.

(3) بادَرايا عند المدائن. قارن ريتر: Erdkunde X, 167.

363

الأداءات العينية على هذا الحساب يقدّرها قدامة بـ 100,361,850 درهمًا. فيكون حاصل خراج السواد كله إذن كما يلي:

| | | |---|---| | جملة قيمة الأداءات العينية | 100,361,850 درهمًا | | الأداء نقدًا | 8,095,800 » | | حاصل الصدقة من البصرة | 1,000,000 » | | المجموع: | 109,457,650 درهمًا(1) |

خوزستان.

يؤدّي هذا الإقليم الخراج بالدراهم، ورقمه المتوسط: 18,000,000 درهم.

فارسستان.

الأداء: 24,000,000 درهم.

كِرمان.

الأداء: 6,000,000 درهم.

مُكران.

يُعدّ هذا الإقليم من بلاد السند، وكان يؤدّي في السنة مقاطعة ثابتة قدرها 1,000,000 درهم.

(1) عند قدامة يخرج من جمع المفردات للأداءات العينية 114,900 كُرّ شعير و122,420 كُرّ حنطة، أي 237,320 كُرًّا جملةً. ويقدّر قيمتها نقدًا بـ 100,361,850 درهمًا. فيكون متوسط سعر الكُرّ الواحد من الشعير أو الحنطة إذن (100,361,850 ÷ 237,320) = 420. غير أن هذا لا يوافق ما ذُكر من أن كل كُرَّين من الشعير والحنطة قيمتهما 60 دينارًا، أي 900 درهم. فلو صحّ ذلك للزم أن يكون رقم الأداءات العينية 237,320 كُرًّا وقيمتها نقدًا 106,794,000. والذي يخرج بالفعل من جمع المفردات هو 114,900 كُرّ حنطة و122,420 كُرّ شعير، أي 237,320 كُرًّا جملةً، لا بدّ أن تبلغ قيمتها 106,794,000 درهم، لأن: 106,794,000 ÷ 237,320 = 450. فيبدو إذن أن قدامة قدّر القيمة النقدية أدنى مما ينبغي بنحو ستة ملايين ونصف، وهو يعطي بالفعل عند إعادة تلخيص جملة حاصل خراج السواد رقم 114,457,650 درهمًا؛ ومع ذلك نتمسّك نحن بالرقم الأدنى لئلا نُتَّهم بالمبالغة. على أن حاصل الصدقة لم يكن يدخل خزانة الحكومة أصلًا، بل كان يُوزَّع من فوره على مستحقّيه.

364

أصفهان.

كانت كورة خراج مستقلّة، وتؤدّي في السنة 10,500,000 درهم.

سِجِستان.

بحسب كتاب الصلح كانت هذه المدينة (أو بالأحرى قصبتها زَرَنْج) تؤدّي في السنة مبلغ 1,000,000 درهم. أما جملة حاصل خراج الإقليم، وكان يُنفَق على الإدارة وأعطيات الحامية، فقد بلغ على ما يذكره اليعقوبي (ص 64) عشرة ملايين درهم.

خراسان.

الخراج الذي وجب على خراسان أداؤه في سنة 221هـ (836م) بمقتضى الاتفاق المعقود مع عبد الله بن طاهر، بما في ذلك الخراج المستحقّ على بيع الأسرى والغنائم، ثم الأداءات العينية من قماش الخيام (الكرابيس)، أي الدخل كله المحمول من هذا الإقليم إلى بيت المال، بلغ:

38,000,000 درهم(1).

إقليم الجبل.

كانت كورة حلوان في أول الأمر من العراق، ثم أُضيفت بعد ذلك إلى إقليم الجبل، وهو يضمّ الكور التالية: ماه الكوفة (أي الدينور)،

(1) يعدّ قدامة من خراسان ما وراء النهر كله أيضًا. وعلى ما يذكره اليعقوبي كان مقدار خراج خراسان أربعين مليون درهم، غير أنه يلاحظ على ذلك (ص 92) أن ثلاثة عشر مليونًا كانت تُرسَل من العراق إلى خراسان كل سنة، وهو خبر لا يبدو واضحًا كل الوضوح، إذ لا شكّ في أن الطاهريين الأوائل كانوا يورّدون في كل سنة إلى بيت مال بغداد المبلغَ الموافق للاتفاق المذكور. ومع ذلك يبدو أن أموالًا كانت تُرسَل من بغداد إلى الإقليم مرة أخرى في حالات مفردة ولأغراض بعينها. فقد كان المعتصم يرسل في كل سنة إلى عبد الله بن طاهر مبلغًا لأداء أعطيات الجند. Goeje: Fragm. Hist. Arab. p. 517.

365

وماه البصرة (أي نهاوند)، وهمذان، والإيغاران، وقم، وماسبذان، ومهرجانقذق.

أ) ماه الكوفة، وتتألف من كورتين: 1. الدينور بالرساتيق العليا، 2. قِرْمِيسِين بالرساتيق السفلى.

ويحدّ كورة ماه الكوفة من الغرب حلوان، ومن الجنوب ماسبذان، ومن الشرق همذان، ومن الشمال أذربيجان.

وقد بلغ حاصل الخراج في المتوسط مبلغ

5,000,000 درهم.

ب) ماه البصرة (نهاوند وبُروجِرد). ويبلغ حاصل خراج هذا الإقليم في المتوسط مبلغ:

4,800,000 درهم.

ج) همذان، حاصل الخراج:

1,700,000 درهم.

د) ماسبذان (وقصبتها سيروان)، متوسط حاصل الخراج:

1,100,000 درهم.

هـ) مهرجانقذق (وقصبتها الصَّيمَرة)، متوسط حاصل الخراج:

2,200,000 درهم.

و) الإيغاران، وهما ضياع محرَّرة تقع في رساتيق مختلفة؛ وقصبتاهما: الكَرَج والبُرج. متوسط حاصل الخراج:

3,100,000 درهم.

366

ز) قم وكاشان؛ متوسط حاصل الخراج:

3,000,000 درهم.

جملة ما يُحمل من خراج إقليم الجبل:

20,900,000 درهم.

أذربيجان.

متوسط حاصل الخراج:

4,500,000 درهم.

الرَّيّ.

بضمّ كورة دُنباوند إليها يكون حاصل الخراج:

20,200,000 درهم.

قزوين.

تؤدّي بحسب مقدار الخراج المضروب سنة 237هـ (851—852م) مبلغ:

1,628,000 درهم.

قُومِس.

حاصل الخراج: 1,150,000 درهم.

جُرجان.

حاصل الخراج: 4,000,000 درهم.

طبرستان.

تؤدّي بحسب جدول الخراج لسنة 234هـ (848—849م):

1,163,070 درهمًا(1).

(1) بعد أن فرغ قدامة بهذا من تعداد الأقاليم الشرقية عاد إلى الغرب مرة أخرى، وبدأ بالجزيرة.

367

تكريت.

بإدخال رساتيق السِّنّ وبَوازيج وطَبَرْهان في الحساب، متوسط حاصل الخراج:

1,700,000 درهم.

شهرزور.

كانت من قبلُ تابعة لإقليم الموصل، ثم فُصلت عنه بعد ذلك؛ وتنقسم هذه الكورة رستاقين: سامغان ودراباذ. والخراج الثابت (الوظيفة) هو:

2,750,000 درهم.

الموصل.

ويتبعها من الكور الواقعة على الجانب الغربي من دجلة: الجزيرة، ونينوى، والمرج وغيرها؛ ثم على الجانب الشرقي من النهر: الحديثة، وحَزّة، والمَحَلّة وغيرها. وكان حاصل الخراج:

6,300,000 درهم.

إقليم جزيرة ابن عمر وباسُرين.

حاصل الخراج في المتوسط:

3,200,000 درهم(1).

ديار ربيعة.

حاصل الخراج بما في ذلك الاحتسابات:

4,635,000 درهم.

(1) اسم الإقليم عند قدامة «فَريدي» و«بَريدي»، وهو خطأ ظاهر. غير أنه لا يمكن أن يقع شكّ في موقعه، ما دامت قصبتاه — جزيرة ابن عمر وباسُرين — معروفتين. وعلى ما يذهب إليه بربييه دي مينار (ترجمة ابن خرداذبه، ص 465) تُقرأ: كِردي وبازَبْدى، أو أحسن من ذلك: باكِردى وبازَبْدى، المسعودي I. 227 والمراصد. وبازَبْدى هي Castrum Zabdaeum القديمة، وسُمّيت بعد ذلك Zebedaeum. ريتر: Erdkunde X. p. 253، وفي شأن باكِردا، ريتر: IX, 712.

368

أرزن وميّافارقين.

متوسط حاصل الخراج:

4,100,000 درهم.

تارون.

وهي بعدُ من أرمينية، ورئيس هذا العمل يؤدّي في السنة مبلغًا ثابتًا (مقاطعة) قدره:

1,000,000 درهم.

أرمينية.

متوسط حاصل الخراج:

4,000,000 درهم.

ديار مُضَر.

متوسط حاصل الخراج:

6,000,000 درهم.

رساتيق طريق الفرات.

هِيت، وعانة، والرحبة، وقَرقيسيا وغيرها. حاصل الخراج:

2,700,000 درهم.

الشام.

أ) قنّسرين والعواصم. حاصل الخراج بالدنانير: 360,000، أي:

5,400,000 درهم.

ب) حمص. حاصل الخراج بالدنانير: 118,000، أي:

1,770,000 درهم.

ج) دمشق. حاصل الخراج بالدنانير: 120,000، أي:

1,800,000 درهم.

د) الأردنّ. حاصل الخراج بالدنانير: 109,000، أي:

1,635,000 درهم.

هـ) فلسطين. حاصل الخراج بالدنانير: 195,000، أي:

2,925,000 درهم.

369

مصر.

حاصل الخراج بالدنانير: 2,500,000، أي:

37,500,000 درهم(1).

جزيرة العرب.

أ) الحجاز وعمل الحرمين 100,000 دينار، أي:

1,500,000 درهم.

ب) اليمن، حاصل الخراج: 600,000 دينار، أي:

9,000,000 درهم.

ج) البحرين مع اليمامة؛ بحسب جدول خراج ابن المدبّر لسنة 237هـ (851—852م) بلغ المحمول من الخراج رقم 520,000 دينار، أي:

7,800,000 درهم.

د) عُمان كانت تؤدّي مبلغًا سنويًّا ثابتًا (مقاطعة) قدره 300,000 دينار، أي:

4,500,000 درهم.

فيكون جملة حاصل جزيرة العرب إذن:

22,800,000 درهم.

فبلغ جملة دخل بيت مال بغداد في السنة، بحسب جدول خراج قدامة، رقم:

371,713,720 درهمًا(2).

(1) يُقال إن دخل مصر في عهد معاوية، وذلك من الجزية، كان خمسة ملايين دينار، وكان في عهد الرشيد لا يزال أربعة ملايين دينار، ثم صار بعد ذلك ثلاثة ملايين دينار. (اليعقوبي ص 128.) وفي عهد أحمد بن طولون بلغ حاصل الخراج مرة أخرى رقم 4,300,000 دينار. (قارن ابن تغري بردي II. p. 11.) وبعد إسقاط النفقات كلها بقي فضل صافٍ قدره مليون دينار. ابن تغري بردي II. p. 22.

(2) قد أخذنا في هذا الحساب حاصلَ خراج إقليم السواد بـ 109,457,650 درهمًا (بإدخال مليون للصدقة من البصرة). ولمّا كان قدامة يجعل في موضع آخر جملة دخل هذا الإقليم 114,457,650 درهمًا، فإن الرقم المتقدّم يرتفع على ذلك بمقدار الزيادة، وهي خمسة ملايين، أي إلى 376,713,720. غير أن الصدقة من البصرة يجب إسقاطها على كل حال، إذ لم تكن تدخل الخزانة المركزية، بل كانت تُوزَّع في مواضعها.

370

3. جدول خراج ابن خرداذبه

أ) جدول خراج إقليم السواد، عن مصادر رسمية من سنة 231—260هـ.

| اسم الرستاق | عدد القرى | عدد الأهراء | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | الأداء نقدًا | |---|---|---|---|---|---| | الأنبار | 5 | 250 | 2,300 | 1,400 | 150,000 | | قُطْرَبُّل | 10 | 220 | 1,000 | 1,000 | 300,000 | | مَسْكِن | 6 | 105 | 3,000 | 1,000 | 300,000 | | بادُوريا | 14 | 420 | 3,500 | 1,000 | 1,000,000 | | بَهُرَسير | 10 | 240 | 1,700 | 1,700 | ....(1) | | رُومَقان | 10 | 220 | 3,300 | 3,050 | 350,000 | | كُوثَى | 9 | 220 | 3,000 | 2,000 | 150,000 | | نهر دَرْقِيط | 9 | 125 | 2,000 | 2,000 | 150,000 | | نهر جَوْبَر | 10 | 227 | 1,700 | 6,000 | 150,000 | | الزوابي | 12 | 244 | 1,700 | 7,200 | 250,000 | | بابل وخُطَرْنِيَة | 16 | 378 | .... | ....(2) | 350,000 | | الفلّوجة العليا | 15 | 240 | 1,150 | 500 | 70,000 | | الفلّوجة السفلى | 6 | 72 | 1,000 | 3,000 | 280,000 | | النهران | 3 | 81 | 300 | 400 | 75,000 | | عين التمر | 3 | 14 | 300 | 400 | 51,000 | | الجُبّة والبُداة | 8 | 71 | 1,200 | 1,600 | 150,000 | | سُورا وبَرْبِيسِيّة | 10 | 265 | 700 | 2,400(3) | 100,000 | | بارُوسْما ونهر الملك | 10 | 664 | 1,500 | 4,500 | 250,000 | | سِنّين(4) وأراضي الوقف | ... | ...(5) | 500 | 5,500 | 250,000 |

(1) خَرْم في المتن. (2) خَرْم في المتن. (3) أرزّ.

(4) يلاحظ المؤلف على ذلك أن هذا الاسم كان يشمل ضياعًا مختلفة. وكان الخراج، عينًا ونقدًا جميعًا، يُجبى بوصفه عُشرًا.

(5) خَرْم في المتن.

371

| اسم الرستاق | عدد القرى | عدد الأهراء | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | الأداء نقدًا | |---|---|---|---|---|---| | فُرات بادَقْلى | 10 | 271 | 2,000(1) | 2,500 | 900,000 | | السَّيلَحون | ...(2) | 34 | 1,000 | 1,500 | 140,000 | | رُومِستان وهُرمُزْجِرد | ... | ...(3) | 500 | 500 | 10,000 | | نِسْتَر (Nistar) | 7 | 163 | 1,250 | 2,000 | 300,000 | | الإيغار(4) | ... | ... | ... | ... | 200,840 | | كَسْكَر، ونهر صِلَة، والرقّة، والرَّيان | ... | ... | 3,000 | 2,000 | 70,000 | | بُزُرْج سابور | 9 | 260 | 2,500 | 2,200 | 300,000 | | الرَّاذان | 19 | 302 | 4,800 | .... | 120,000 | | نهر بُوق | ... | ... | 200 | 1,000 | 100,000 | | كَلْواذَى ونهر بِين | 3 | 34 | 1,600 | 1,500 | 330,000 | | جازِر والمدينة العتيقة | 7 | 116 | 1,000 | 1,700 | 250,000 | | جَلُولاء وحَلُولاء | 5 | 66 | 1,000 | 1,000 | 100,000 | | داسِن (Dasyn) | 4 | 230 | 700 | 1,300 | 40,000 | | الدَّسْكَرة | 7 | 44 | 1,000 | 1,000 | 70,000 | | بَراز الرُّوز | 6 | 26 | 3,000 | 2,000 | 120,000 |

(1) شعير وأرزّ.

(2) خَرْم. وفي رستاق السَّيلَحون كان موضعا تِيزَناباذ والخَوَرْنَق.

(3) خَرْم في المتن.

(4) الإيغار: الضيعة المحرَّرة التي تتمتّع بالإعفاء من الخراج العامّ.

24*

372

| اسم الرستاق | عدد القرى | عدد الأهراء | كُرّ حنطة | كُرّ شعير | الأداء نقدًا | |---|---|---|---|---|---| | النهروان الأعلى | ... | ... | 2,700 | 1,300 | .... | | النهروان الأوسط | 1 | 380 | 1,000 | 500 | 100,000 | | النهروان الأسفل | ... | ... | ... | ... | 150,000 | | بادَرايا وباكُسايا | 7 | ... | 4,700 | 5,000 | 330,000 | | المجموع | 206 | 6,036 | 63,400 | 91,850 | 5,450,540 |

ويجدر أن يُلاحَظ ما يلي: يجعل ابن خرداذبه في موضع آخر من كتابه مقدار الخراج المؤدّى نقدًا من إقليم السواد 8,500,000 درهم. فيظهر إذن بالمقارنة بالرقم المتقدّم فرقٌ قدره 43,160 درهمًا، ولعلّ تفسيره أن الخبر الأول أراد أن يعطي مقدار الخراج بالجملة المستديرة.

ولم يبقَ علينا الآن إلا أن نحسب القيمة النقدية الموافقة للرقمين المتقدّمين: 63,400 كُرّ حنطة و91,850 كُرّ شعير. ولإجراء هذا الحساب لا بدّ أن نعتمد على خبر قدامة الذي تقدّم ذكره، وهو يفيد أن كُرَّ الحنطة وكُرَّ الشعير معًا كانت قيمتهما في زمانه 60 دينارًا. فمتوسط سعر الكُرّ الواحد من الشعير أو الحنطة إذن 450 درهمًا للكُرّ(1).

فيخرج من ذلك أن القيمة النقدية لجملة الأداءات العينية مبلغ 69,852,500 درهمًا.

(1) ويوافق ذلك تقريبًا خبر ابن حوقل أيضًا، وهو يجعل للكُرّ سعرًا متوسطًا قدره 500 درهم. ابن حوقل، طبعة دي خويه، ص 146، 147.

373

ويُضاف إلى ذلك مقدار الخراج المؤدّى نقدًا، أي 8,456,840 درهمًا. وبذلك يبلغ جملة حاصل خراج إقليم السواد رقم:

78,309,340 درهمًا.

كورة حلوان. (كورة أُسْتان شاذ فيروز).

كانت هذه الكورة تؤدّي، بما في ذلك المبالغ التي وجب على قبائل الأكراد والكَتارِكة(1) أداؤها، مبلغًا سنويًّا قدره:

1,800,000 درهم.

بيان مقادير الخراج الذي أدّاه أبو عبد الله بن طاهر في سنتَي 221 و222هـ (835 و836م) عن الأقاليم المفوّضة إليه إلى بيت مال الخليفة.

خراسان.

| اسم المدينة أو البلد | المقدار بالدراهم | |---|---| | 1. الرَّيّ | 10,000,000 | | 2. قُومِس (Komisene) | 2,170,000 | | 3. جُرجان | 10,170,800 | | 4. كِرمان | 5,000,000 | | 5. سِجِستان (بعد إسقاط بقايا الخراج من فِراوان ورُخَّج) بما في ذلك زابُلستان | 6,776,000 | | 6. الطبسَين | 113,880 | | 7. قُهِستان | 787,080 | | 8. نيسابور | 4,108,700 | | 9. طُوس | 740,860 | | 10. أبيوَرد | 700,000 | | 11. سَرَخْس | 307,440 |

(1) يترجم بربييه دي مينار لفظة «كَتارِكة» بـ«الكاثوليك»، وهو عندي مشكوك فيه جدًّا.

374

| اسم المدينة أو البلد | المقدار بالدراهم | |---|---| | 12. مرو الشاهجان | 1,147,000 | | 13. مرو الرُّوذ | 420,400 | | 14. الطالقان | 21,400 | | 15. غَرْجِستان، تؤدّي عينًا 2,000 كبش، ونقدًا | 100,000 | | 16. بالغيس (Bälghys) | 124,000 | | 17. هراة وأُسْتُواه وإسفيدنج (Isfydang) | 1,159,000 | | 18. بُوشَنج | 559,350 | | 19. طُخارستان | 106,000 | | 20. كُرْكان (Kurkän) | 154,000 | | 21. خُلْم | 12,300 | | 22. خُتَّلان مع الجبال | 193,300 | | 23. فَتْرُغَس (؟) (Fatrughas) | 4,000 | | 24. تَرْمِتا (؟) (Termetä) | 2,000 | | 25. دُر وسِنجان (سِمِنجان؟) | 12,600 | | 26. أنديشاران (Andyshärän) | 10,000 | | 27. باميان | 5,000 | | 28. شَرْمَقان وجَومَرْس وإسفيجاب | 106,500 | | 29. غاذان ورامان (Ghädän und Ramän) | 12,000 | | 30. كابُل: 2,000 مملوك من الترك قيمتهم 600,000 درهم(1)، ونقدًا | 2,000,500 | | 31. بُسْت | 90,000 | | 32. كِشّ | 111,500 | | 33. نِيم (نِيمروز) | 5,000 | | 34. باذَكين (Bädekyn) | 6,200 | | 35. رِشتان وجاوان (Rishtän und Gäwän) | 9,000 | | 36. زُبان (Zubän) | 2,220 | | 37. تِرمِذ | 47,100 | | 38. صُغدان | 3,500 | | 39. صَغْيان (Saghnän؟) | 4,000 |

(1) في متن طبعة بربييه دي مينار ص 39 تُقرأ «الغُزّية» بدل «الفدية».

375

| اسم المدينة أو البلد | المقدار بالدراهم | |---|---| | 40. خان (Chän) | 10,000 | | 41. ميذَجان (Mydagän) | 2,000 | | 42. أخازون (Achazun) | 10,000 | | 43. تَبَب (بابَن) | 20,000 | | 44. بَهام(1) | 20,000 | | 45. صَغانيان | 48,500 | | 46. باسارا (Bäsärä) | 7,300 | | 47. زَغَرسان (زَغَرتان؟) | 1,000 | | 48. أكت (Akt) | 48,000 | | 49. خُوارزم وكاث (دراهم خوارزمية) | 487,000 | | 50. آمُل | 293,400 |

ما وراء النهر.

| اسم المدينة أو البلد | المقدار بالدراهم | |---|---| | 51. بُخارى | 1,189,200 | | 52. الصُّغد (Sogdiana) وسائر الرساتيق التابعة لولاية نوح بن أسد: 326,400 درهم تَتَرية. ويدخل في ذلك فرغانة بـ 280,000 درهم (محمدية)؛ وتؤدّي مدن الترك 46,400 درهم (خوارزمية وسِيسية)؛ ثم كان على هذه الأقاليم أن تؤدّي من قماش الخيام (الكرابيس) 1,187 ثوبًا، وكذلك 1,300 قطعة حديد في صورة آنية وألواح. والجملة التي يؤدّيها ما وراء النهر بالدراهم المحمدية | 2,072,000 | | ومن ذلك على الصُّغد وسمرقند ومعدن الملح وكِشّ ونَسَف ونِيم وسائر كور الصُّغد 1,089,000 درهم محمدية | |

(1) هو Bahim عند شپرنگر: Post- und Reiserouten ص 21.

376

| اسم المدينة أو البلد | المقدار بالدراهم | |---|---| | و2,000 درهم (سِيسية)، ثم على الشاش ومعدن الفضة 607,100 درهم(1) | | | 53. خُجَنْدة | 100,000 درهم (سِيسية) |

فيخرج إذن لدخل خراسان من الخراج مبلغ 50,611,030 درهمًا. غير أن ابن خرداذبه يذكر صراحةً لحاصل خراج خراسان كلها مع ما وراء النهر رقم 44,846,000 درهم، وهو المبلغ الذي آخذ به لأنه الأصحّ. فيبلغ إذن جملة حاصل خراج خراسان وما وراء النهر مبلغ:

44,846,000 درهم(2).

خوزستان.

حاصل الخراج: 30,000,000 درهم.

فارسستان.

حاصل الخراج: 30,000,000 درهم.

(1) الرقم المتقدّم، وهو الذي يُراد به التعبير عن جملة حاصل خراج ما وراء النهر، غير دقيق؛ فإنك إذا جمعت المبالغ الجزئية التالية: الصُّغد 326,400، ومدن الترك 46,400، والصُّغد 1,089,000، ثم 2,000 درهم، ثم الشاش ومعدن الفضة 607,100، خرج لك رقم 2,070,900، وهو أدنى قليلًا من الرقم المذكور في المتن على أنه جملة ما وراء النهر. وعلى كل حال ندع الرقم الأدنى على حاله لئلا نقدّر الدخل بأعلى مما ينبغي بحال. — ويعطي المقدسي الأخبار التالية عن ما وراء النهر، وهي راجعة إلى سنة 375هـ (888—89م): حاصل خراج فرغانة 280,000 درهم (محمدية)، والشاش 180,000 درهم (مسيّبية)، وخُجَنْدة 100,000 درهم (محمدية)، وإسفيجاب 4,000 درهم (مسيّبية) وكسر، وبُخارى 1,166,897 درهمًا (تَتَرية)، وصَغانيان 48,529 درهمًا، ودَخان (اقرأ: وَخّان) 40,000، وخُوارزم 420,120 درهمًا (خوارزمية)، والصُّغد وكِشّ ونَسَف وأُشروسنة 1,039,031 درهمًا.

(2) ولم يمكن في هذا مراعاةُ الفرق بين الدراهم العادية والدراهم التَّتَرية والخوارزمية والسِّيسية. وكان الدرهم التَّتَري يعادل درهمًا عاديًّا ونصفًا. ابن حوقل، طبعة دي خويه، ص 228. — وعلى ما يذكره الإصطخري، ص 173، وزنه درهم وثُلثان.

377

أصفهان.

حاصل الخراج: 7,000,000 درهم.

إقليم الجبل:

1. كورة الدينور. حاصل الخراج:

3,800,000 درهم،

أو بحسب خبر آخر لابن خرداذبه ص 97 (المتن):

1,000,000 درهم.

2. ماسبذان ومهرجانقذق. حاصل الخراج:

3,500,000 درهم.

3. قم. حاصل الخراج:

2,000,000 درهم.

4. شهرزور وسامغان ودراباذ. حاصل الخراج:

2,750,000 درهم.

جملة حاصل خراج إقليم الجبل:

12,050,000 درهم(1).

إقليم الجزيرة.

حاصل الخراج: 4,000,000 دينار، والأصحّ: 4,000,000 درهم(2).

إقليم الموصل.

حاصل الخراج: 4,000,000 درهم.

إقليم ديار ربيعة.

حاصل الخراج: 7,700,000 درهم.

إقليم أرمينية.

حاصل الخراج: 4,000,000 درهم.

(1) لا يذكر ابن خرداذبه جملة مبلغ الجبل.

(2) تدلّ المقارنة بابن خلدون وقدامة على أن هذا الخبر فاسد، والأرجح أن الناسخ كتب «دينار» بدل «درهم». وهذا أقرب إلى الاحتمال، لأن الجزيرة كانت تؤدّي الخراج فضّةً لا ذهبًا.

378

إقليم العواصم وقنّسرين.

حاصل الخراج: 400,000 دينار، أي 6,000,000 درهم.

إقليم حمص.

حاصل الخراج: 340,000 دينار، أي 5,100,000 درهم.

إقليم دمشق.

حاصل الخراج: 400,000 دينار، أي 6,000,000 درهم(1).

إقليم الأردنّ.

حاصل الخراج: 350,000 دينار، أي 3,250,000 درهم.

إقليم فلسطين.

حاصل الخراج: 500,000 دينار، أي 7,500,000 درهم.

إقليم مصر.

بحسب مقدار الخراج المضروب عند قيام دولة العباسيين: 2,180,000 دينار، أي 32,700,000 درهم.

البلاد الإفريقية.

ويعدّ ابن خرداذبه فوق ذلك البلاد الإفريقية التالية في ملحق مصر، غير أنها كانت في زمانه قد استقلّت ولم تعد تحمل خراجًا إلى بغداد: 1. دولة الأغالبة؛ وكانت تتبعها في زمن ابن خرداذبه المدن التالية: القيروان، وغَدامِس، ومَرْمَجَنّة، وقَفْصة، وقَسْطِيلية، وبَنْزَرت، ووَدّان، وتونس. 2. دولة الأدارسة في أقصى الغرب؛ ومدنها: طنجة، وفاس مع إقليم السوس وجبل أوراس. 3. دولة الرستميين وقصبتها تاهَرت. 4. دولة الأمويين في إسبانيا.

(1) يلاحظ الأصفهاني على ذلك: هذا المقدار من الخراج قدّره ابن المدبّر بأعلى مما ينبغي، وهو يبلغ بإدخال العُشور والجزية (الجوالي) 140,000 دينار.

379

إقليم اليمن.

أعلى رقم لحاصل الخراج في عهد العباسيين كان:

600,000 دينار، أي 9,000,000 درهم(1).

جملة مقادير الخراج على ما يذكره ابن خرداذبه:

293,255,340 درهمًا.

(1) لا يذكر ابن خرداذبه الخراج لسائر أنحاء جزيرة العرب. فقد كان شرق الجزيرة في يد الخوارج، وكان الحجاز مرارًا في أيام المعتمد — وفي عهده وضع ابن خرداذبه مجاميعه — محتلًّا من الجند المصري التابع للطولونيين.

وأنتهز هذا الموضع لتصويب: لفظة «طِرّيخ» التي ترجمتُها في ص 358 الحاشية 3 بـ«بيض السمك» إنما تعني في الحقيقة ضربًا من السمك الصغير كان يُصدَّر مجفَّفًا بكثرة.

380

بنية الدولة.

قد عرفنا فيما تقدّم نشأة الجماعة الدينية السياسية في الإسلام، وأصل السيادة، والنظم الإدارية، والتنظيم العسكري لهذه الدولة التي لا تُحَدّ، ومواردها المالية؛ كما عرفنا بلاط الخلفاء الأمويين المنغمسين في اللذّات بدمشق الفاتنة. وقد تسمّعنا إليهم في حياتهم العامّة والخاصة، وفي مجالس شرابهم وسَمَرهم، وسنرى بعد ذلك بلاط بغداد وهو أشدّ بهاءً من ذلك بكثير، وما في تلك المدينة العالمية يومئذ من العجائب. غير أنا نرى الآن، إتمامًا للصورة التي حصلت لنا على هذا النحو، أن نصف أيضًا بنية الدولة الإسلامية في مجموعها، مع عناية خاصة بالنظريات التي وضعها علماء الأحكام السلطانية من العرب، وهي نظريات كثيرًا ما سبقت الواقع في الحقيقة؛ فنُخضع لبحث مستفيض منزلةَ رأس الدولة، والنظريات في السيادة وحقوق الحاكم، ودائرةَ اختصاص أعلى مناصب الدولة، والأفكار الموجِّهة للقضاء والإدارة. ونحن نعتمد في ذلك دائمًا على آراء أعلى الكتّاب من أهل البلاد منزلةً، فيحصل لنا بهذا الطريق تصوّر واضح لما كان ينبغي أن تكونه الدولة الإسلامية في أعين رجال الدولة من العرب. ويتمّ بذلك ما قلناه في الفصول السابقة من هذا الكتاب عن أحوال

381

الخلافة كما كانت في الواقع؛ ولا شكّ أنا سنُضطرّ هنا أيضًا، كما في كل أمور البشر، إلى ملاحظة كم بقي المثال بعيدًا من تحقّقه الفعلي. غير أنا إذا شملنا بنظرة واحدة ميدانَ ظواهر الحياة السياسية في تلك الأزمنة والبلاد كلَّه، وكانت في أيدينا دائمًا مؤلفاتُ أعظم مفكّري الأمّة العربية دليلًا هاديًا، أمكننا أن نُثبت على وجه اليقين حكمَنا الأخير في كثير من أعجب ظواهر ذلك العصر العظيم من حياة الدولة العربية في تاريخ الحضارة. وبهذا الطريق وحده نعرف على وجهه الصحيح روحَ ذلك الزمان وما أبدعه، ولا سيّما في الميدان السياسي. فتُصحَّح بذلك أغلاط كثيرة قديمة، وتُفتح لنا على هذا الطريق مذاهبُ جديدة في النظر.

ومن البديهي الذي لا يحتاج إلى تعليل أن نبدأ بحثنا بتحصيل الوضوح التامّ في المنزلة الشرعية لرأس الدولة، أعني حاملَ سلطان الحكم الأعلى في الأمور الدنيوية والدينية، الخليفةَ، صاحبَ السيادة (الإمام)، وفي حقوقه وواجباته وصلاته بالأمّة جمعاء. فتكون منزلة رأس الدولة ونقلُ حقوق السيادة أولَ موضوع لبحثنا؛ ولا بدّ لنا هنا من معرفة آراء الكتّاب العرب الذين جعلوا أحكام السلطان موضوعًا لبحوثهم العلمية، فإن العرب كانوا أمّةً أشدّ أصالةً وأعرقَ في الطبع من أن لا يُخرجوا في هذا الباب أيضًا أفكارًا مستقلّة كل الاستقلال وآراء لا تكون إلا لهم. وإن كان مجرى الحوادث التاريخية كثيرًا ما كذّب

382

نظرياتهم، فليس ذلك بمانع من أن تكون معرفة تلك المذاهب المُحكَمة التفكير، وهي غير قليلة الجرأة والصراحة أحيانًا على وجه يدهش، معرفةً مفيدة، تلك المذاهب التي أرادوا أن يقيموا عليها دولتهم وحكومتها.

ويلي رأسَ الدولة أعوانُه المنفّذون، أعني أصحاب أعلى الرتب، وأصحاب أعلى مناصب الدولة، وحقوقهم وصلاحياتهم ودائرة اختصاصهم تقتضي عرضًا دقيقًا. فالوزارة، والولاية، وأمر الجند، هي أول ما يجب أن يستوقف انتباهنا في هذا الباب. ويتّصل بذلك وظيفة من أهمّ وظائف جهاز الدولة، أعني القضاء؛ ثم لا يجوز أن نتجاوز أمرَ الشرطة، وإدارةَ المال والخراج، وشؤونَ الأرض والمِلك على ما لها من أهمية بالغة وما يحكمها من أصول الإدارة، وأخيرًا الشؤونَ الدينية، وهي في الدولة الإسلامية أبعدُ عن أن تنفصل عن الحياة السياسية مما هي في الدولة الأوروبية الحديثة، ثم النظمَ الإدارية؛ ويكون الختام نظرةً في أصول أحكام العقوبات، وهي التي يُدرجها العرب في علم الإدارة.

وعلى هذه الخطة نمضي أولًا إلى الكلام في المنزلة السياسية لرأس الدولة، الخليفةِ، بوصفه صاحبَ السيادة الدنيوية والدينية على المؤمنين كافّة.

لقد أحسنت الأمّة العربية في ميدان حياة الدولة أن تحفظ لما أبدعته أتمَّ خصوصية، على كثرة ما استعارته في هذه الأمور أيضًا من الأمم السابقة عليها في الحضارة. ولهذا نفسه يختلف تصوّر العرب لماهية الدولة وغايتها، ولطبيعة سلطان الحاكم وحدوده، أي السيادة، عن كل ما كان قبل ذلك. فالدولة الإسلامية في العصر الأبويّ، على النحو الذي عرفناه

383

في نظم الخلفاء الأربعة الأُول، لم تكن شيئًا سوى حلف ديني سياسي كبير بين قبائل العرب على غزوات النهب المشتركة وحروب الفتح، تحت راية الإسلام الدينية وشعار: لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله! فقد غمر العربُ البلادَ المجاورة الغنيّة بدعوى نشر الدين الحقّ وحده، وأصابوا مع ذلك تجارةً رابحة لحسابهم الدنيوي الخاصّ. وعلى رأس هذه الكتلة من القبائل التي جمعتها المصالح المشتركة ونمت فجأةً حتى صارت قوةً عالمية، وقف الخليفةُ، وكان في أول الأمر يُعدّ ببساطة نائبًا عن النبي الراحل. فهو يأمر — بمشورة أعلى أصحاب النبي منزلةً — بما يُعتزَم من الغزوات، وهو ينظّم الأمور العسكرية ويقودها، وهو يتولّى دخل الدولة ويدير المال، وهو يتصرّف في «بيت مال المسلمين»، وهو الاسم الذي لا يزال يُطلق إلى اليوم على مال الدولة. وكان الخليفة يتولّى القضاء أيضًا في الخصومات، فيفصل في الدعاوى وقضايا الجنايات، وأخيرًا — ولعلّ هذا أهمّ صلاحياته — كان يتولّى العبادة كلها، وكان الرأس الديني لجماعة المسلمين كلها. وقد بيّنّا من قبلُ على أيّ وجه من التواضع نهض النائبان الأولان عن النبي بهذه المهمّة: فلم يُحِط بهما تَرَفُ الملوك، ولم يسُد بيوتَهما زِيّ البلاط؛ عاشا كما يعيش كل رجل من عامّة الناس، ولم يدّعيا شيئًا من مراسم التعظيم، وكان كل عربي حُرّ في نظرهما مساويًا لهما تمامًا. وإنما حكما، بسحر ما وقع لهما من الحُرمة الدينية، بوصفهما رأسَي الإسلام والنائبَين عن النبي، مُلكًا لا يُحَدّ وقلوبَ

384

شعبٍ شديد الاضطراب نافرٍ من كل سلطان بالطبع، كما كان العرب من قديم. فلم يستطيعوا قطُّ أن يألفوا طاعةَ رؤساء غير رؤساء قبائلهم العابرين، يختارونهم كما يشاؤون ويعزلونهم كما يشاؤون، حتى إن بقاء الرئاسة في قبيلة من قبائل العرب في بيت واحد أكثر من أربعة أجيال كان يُعدّ نادرة. أما تصوّر توارث الملك، أو ما للأمراء من حُرمة إلهية وتثبيتٍ كهنوتي، وهو ما ظهر عند العبرانيين بأثر الفكرة الثيوقراطية، فكان غريبًا عن العرب. فالأمير عندهم يخرج من الاختيار العامّ، وكان هذا يُعدّ المصدرَ الوحيد للسيادة.

ولعلّ الإسلامَ في سنيه الأولى قد دفع أفكار العرب القديمة هذه بعضَ الدفع إلى الوراء، ما دام مجدُ محمد النبويّ يُلقي على خُلَفائه شعاعًا ساطعًا، وما دامت الفتوح الكبرى وغزوات الغنيمة في القرون الأولى تشغل القلوب شغلًا تامًّا. غير أن هذا العهد من الخضوع لسلطان الخليفة بلا منازع انتهى بمقتل عثمان.

فلمّا اعترف العالم الإسلامي كله، طوعًا أو كرهًا، بأول الأمويين خليفةً، ورث أسلافَه في الأمور الروحية والدينية جميعًا، فأمّ الناسَ في الصلاة، وفصل في مسائل القضاء والدين، ومع ذلك كان مجموع سَمْته ومنزعِه دنيويًّا على وجه قاطع. وظلّت هذه الروح من ذلك الحين هي الغالبة على هذه الدولة إلا في حالات قليلة؛ بل حتى في عهد العباسيين لم يبرز الجانب الديني بروزًا أحدّ إلا حين وجد الخلفاء، وقد ضاقت منزلتُهم من السلطان الدنيوي شيئًا فشيئًا، أن من مصلحتهم أن يُظهروا ما استطاعوا مكانتَهم الكهنوتية بوصفهم رعاةَ

385

العالم الإسلامي كله في الدين.

وفي الأزمنة الطيبة من الخلافة، ولا سيّما أيام الأمويين، كان أمراء المؤمنين يعيشون كرؤساء القبيلة الحاكمة أكثر مما يعيشون ككهنة الإسلام الكبار. على أن الشعب أيضًا تمسّك بعناد بأفكاره العربية القديمة في جواز اختيار الأمراء وعزلهم. فلم تكن هناك وراثة منظَّمة للعرش بحقّ الإرث، بل كان اختيار الشعب وبيعتُه وحدهما يُعطيان وليَّ العهد حقَّ الحكم. صحيح أن معاوية وُفّق إلى تأمين الخلافة لابنه، إذ كسب في حياته أصواتَ أشدّ زعماء الأحزاب نفوذًا، وحمل هؤلاء وأهلَ العاصمة على اختيار ابنه؛ غير أن هذا نفسه يوضّح أن الوراثة لم تكن تُعدّ البتة السندَ الشرعي الوحيد للعرش. والحقّ أنه لم يكن من حكّام هذه الدولة الأربعة عشر إلا أربعة خَلَفهم أبناؤهم. وكانت فكرة العرب القديمة في تقديم الأسنّ في صراع دائم مع نقل الملك إلى الأبناء، وهو ما كان الآباء يسعون إليه بحماسة دائمًا بطبيعة الحال(1). وأما مبلغُ تجذّر الوعي بحقّ الاختيار العربي القديم في نفوس الشعب فتشهد به وقائع مفردة كثيرة. من ذلك أن عبد الملك أمر بأخذ الاختيار والبيعة لابنيه في الدولة كلها؛ وصدر الأمر إلى الولاة في الأقاليم كلها بأن يستعملوا كلَّ ثقل النفوذ الرسمي لإزالة كل معارضة. فجمع والي مكة الناس؛ غير أن رجلًا من أجلّ الرجال قدرًا، وهو سعيد بن المسيّب، الشيخ الكبير، أشهرُ فقهاء زمانه،

(1) قارن Geschichte der herrschenden Ideen des Islams ص 407 وما بعدها. ويُذكر فيه قول لعمر الأول نصّه: إذا وقع اختيارُ خليفة من غير أن يُدلي المسلمون كلهم برأيهم فيه، فهذا الاختيار باطل لاغٍ. Dozy: Hist. des Musulmans d'Espagne I. p. 121.

386

امتنع امتناعًا قاطعًا وقال: لا أختار ما دام الخليفة حيًّا. فأراد الوالي أن يُرهبه بالتهديد والإيذاء، فثبت الشيخ. فلمّا رفع الوالي الخبر إلى عبد الملك عاب عليه صنيعه وكتب إليه: كان ينبغي لك إمّا أن تضرب عنق الرجل من فورك، وإمّا أن تدعه وشأنه لا تعرض له. — وهذا الأخير هو الذي وقع بالفعل، فلم يُلتفت بعد ذلك إلى الشيخ العنيد(1).

على أن الاختيار متى وقع عُدّ من القداسة والإلزام بحيث لا ينقطع أثره المُلزِم إلا إذا حلّل المختارُ نفسُه مَن اختاره منه. وكانوا يرون أن الاختيار يشدّ المختارَ إلى من اختاره كالسلسلة التي لا تُفكّ؛ ولذلك يقول العرب في كلامهم المألوف جدًّا: بيعتُه في عنقي(2). ولم يكن يحمل المختار على التنازل عن الاختيار إلا أشدُّ الخوف على حياته؛ وكان ذلك يقع علانيةً أيضًا. فقد أخذ الخليفة الهادي البيعة لابنه جعفر، فلمّا مات مال الأكثرون إلى هارون الرشيد. فأسرع أحد قوّاد هارون إلى جعفر وهدّده بأن يقتله في الحال إن لم يتنازل عن البيعة. فأذعن، وخرج إلى سطح القصر ونادى: يا أهل المدينة! من كانت بيعتي في عنقه فقد حلّلته منها؛ فالأمر لعمّي الرشيد، ولا حقّ لي فيه(3).

(1) ابن الأثير IV. p. 410. — ابن قتيبة ص 223.

(2) Goeje: Fragm. Histor. Arab. p. 9.

(3) المصدر نفسه I, p. 291.

ملاحظات المترجم

1) اسمُ عامل الخراج على السواد في عهد هشام يكتبه كريمر Hassän ويثبت في الحاشية أنّ البلاذريّ يكتبه Hajjän؛ أثبتُّ «حسّان» في المتن و«حيّان» في الحاشية على وجه ما صنع، ولم أرجّح بينهما. 2) «Abdallah Ibn Daräb» في تصوير النصّ («Daräab»)، وقد أثبتُّه «عبد الله بن دَرّاج» وهو الوجه المعروف لهذا الاسم؛ والرسم في الأصل مضطرب. 3) «Giräb aldaulah» = «جِراب الدولة»، وترجمةُ العنوان بـ«محفوظات الدولة» ترجمةُ كريمر هو لا تسميةٌ عربيّة للكتاب. 4) «bigotte Chalife» وصفٌ من كريمر لعمر بن عبد العزيز؛ نقلتُه كما هو («الخليفة المتزمّت») ولم ألطّفه، فهو حكمُ المؤلّف لا حكمي. 5) العبارة اللاتينيّة in partibus infidelium أبقيتُها بلفظها مع ترجمتها، لأنّها اصطلاحٌ كنسيّ يستعمله كريمر تهكّمًا.

1. أرقامُ الأموال عند كريمر مكتوبةٌ على العادة الأوروبيّة (200,537.000)، فالفاصلةُ عنده للملايين والنقطةُ للآلاف. وقد رُدّت كلُّها إلى العادة العربيّة بالفاصلة وحدها: 200,537,000 و177,520,700 و24,529,286 وهكذا. أمّا السنون فبلا فاصلٍ البتّة على القاعدة.

2. رقمُ طسّوج بادرايا وباكسايا عند قدامة ورد في الأصل المصوَّر «23830.000»، وهو رقمٌ لا يستقيم على أيّ وجهٍ من أوجه الترقيم عند كريمر (ولعلّ صوابه 2,830,000 أو 2,330,000). ولم أُصلحه ولم أُعِد ترقيمه، بل أثبتُّه كما هو مع التنبيه، لأنّ إصلاح رقمٍ بالحدس إفسادٌ للجهاز.

3. رقمُ العهد الثاني ورد في الأصل «371?/,» أي 371 وكسرًا لم تُبِنه القراءةُ الآليّة (نصفًا أو ثلاثةَ أرباعٍ أو ربعًا). وأُثبت هنا «371½» لأنّه أقربُ الاحتمالات إلى سياق النزول من 411 إلى 293، مع التنبيه على أنّ الكسر غيرُ مقطوعٍ به.

4. «التَّسْق» (task): هو نفسُه لفظُ كريمر، وقد ردّه هو إلى اليونانيّة τάξις، وأُبقيت إحالتُه كما هي. وكذلك «البيادر» (bajädir) و«الجوالي» (gawäly) و«المقاسمة» و«المساحة» — كلُّها مصطلحاتٌ عربيّةٌ نطق بها كريمر منقولةً، فرُدّت إلى رسمها.

5. أسماءُ طساسيج السواد (باذوريا، نهر بين، كلواذى، كوثى، نهر دُرقيط، بادرايا، باكسايا) رُدّت إلى صورها المثبتة في كتب الخراج والجغرافيا العربيّة، لا إلى نقلٍ حرفيٍّ عن رسم كريمر.

6. «Adlem» في ذكر روافد دجلة هو نهرُ العُظيم (Adhem)، وقد أُثبت باسمه العربيّ؛ والرسمُ الذي في الأصل خطأُ قراءةٍ آليّة.

7. جدولُ الموازنة بين وصّاف وقدامة وابن خرداذبه جاء في الأصل في صورة أقواسٍ كبيرةٍ تجمع ثلاثة أسطر لكلّ طسّوج، وقد أُعيد رسمُه هنا في صورة جداولَ حفظًا للمقابلة نفسِها.

8. الفقراتُ الطويلة المعلَّمة بـ«تتمّة الحاشية» هي حاشيةُ كريمر عن وثائق وصّاف، وقد جاءت في الأصل موزَّعةً على أسفل الصفحات 270 و271 و272 و273؛ وأُبقيت في مواضعها من الصفحات كما هي حفظًا للمقابلة الصفحيّة.

9. المراجعُ الأوروبيّة (de Slane, Goeje, Sprenger, Barbier de Meynard, Ahlwardt, Ritter, Hammer, de Sacy) والعبارةُ اللاتينيّة Itinerarium et Ratiocinarium Imperii تُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.

1) «Grundsteuer» رُدّت في كلّ موضع إلى «الخراج»، و«Kopfsteuer» إلى «الجزية»، و«Vermögenssteuer» إلى «زكاة المال»، وهي المصطلحات التي كان كريمر يترجم عنها.

2) «’Yghär» عند كريمر: أثبتُّها «الإيغار»، وهو المصطلح المالي المعروف للضيعة المُخرَجة من ولاية الخراج لقاء مالٍ مقطوع. أثبتُّ صورة كريمر بين قوسين عند أوّل ورودها.

3) البيتان المنسوبان إلى البُحتري في الحاشية 4 (ص 279) مترجمان عن صياغة كريمر الألمانية، لا عن الأصل العربيّ؛ ولم أُعِد بناء البيت العربيّ ولم أنسب إليه لفظًا بعينه. والنصّ مقطوعٌ في الأصل عند انتهاء الصفحة.

4) أسماء المستشرقين والمؤلَّفات الأوروبية (Weil، Hammer، Ritter، Layard، Sprenger، Pollak) تُركت بحروفها اللاتينية صيانةً لسلامة الإحالات؛ وكذلك تُركت أرقام الأجزاء الرومانية في الإحالات إلى المصادر العربية كما هي عند كريمر.

5) أسقطتُ من النقل بقايا التصوير الضوئي التي لا معنى لها (علامات الملازم مثل «7a.» وحروفٍ متناثرة)، ولم أُسقط شيئًا من المتن.

1) الاسم اليونانيّ للأُبُلّة («Ἀπολόγου ἐμπόριον») مطموسٌ طمسًا تامًّا في التصوير الضوئيّ لأصلنا، فأثبتُّ ذلك ولم أستدركه من عندي.

2) «Basinnka» (ص 294) لم أستطع ردَّه إلى صورةٍ عربية موثوقة، فأثبتُّ نقلًا حرفيًّا وأتبعتُه صورةَ كريمر بين قوسين. وكذلك «Dywamäsitän» في حاشية ص 291. وهذه القاعدة مطّردة في الترجمة: كلُّ اسمٍ تتبعه صورةٌ لاتينية بين قوسين فهو نقلٌ حرفيّ غير محقَّق، لا ردٌّ إلى صورةٍ عربية ثابتة.

3) جدول خراج السواد (ص 291) مضطربُ الأعمدة في الأصل المطبوع: فالأرقام الخمسة التي تحت السطر الأوّل لا يتبيّن من الصفّ إلى أيّ عمودٍ تنتمي، ومجموعها 90,480,000 لا يوافق أيًّا من مجاميع الأعمدة الثلاثة. أثبتُّ الجدول كما هو ولم أُصلحه.

4) أعداد الكميّات نُقلت بالفاصلة (27,780,000)، وأُبقيت السنون بلا فاصل (سنة 358هـ)، وأُبقيت أرقامُ الأجزاء الرومانية في الإحالات كما هي.

1) كريمر يصف نظام «الرَّمّ» بمصطلحات الإقطاع الجرمانيّ (Gaugraf، Comitat)، وهي مقارنتُه هو لا مقارنةَ المصادر العربية؛ أبقيتُها كما هي وأثبتُّ اللفظ الألمانيّ بين قوسين عند أوّل ورودٍ حتى لا يُظنّ أنّ في العربية مصطلحًا يقابله.

2) في مقادير خراج شيراز (ص 304): صورةُ العدد الأخير في التصوير الضوئيّ «1225»، وهي مضطربة، إذ لا يستقيم قفزُها عن 256½ إلا بتكلّف؛ ويُحتمل أن يكون الأصل «122½» على قياس ما قبله. أثبتُّه كما هو ولم أُصلحه. ومثلُه «22 جريبًا صغيرًا» في السطر نفسه، وقد تكون في الأصل «2½».

3) «Gänät» و«Ardamräy» لم أستطع ردَّهما إلى صورةٍ عربية موثوقة، فأثبتُّ نقلًا حرفيًّا مع صورة كريمر بين قوسين.

4) «Kopfsteuer» = الجزية، و«Grundsteuer» = الخراج، و«Armentaxe / sadakah» = الصدقة (زكاة المال)، و«mostaghillät» = المستغلّات، و«maräsid» = المراصد — كلُّها ردٌّ للمصطلح الذي كان كريمر يترجم عنه.

1) «Durab» (ص 308)، الذي يجعله كريمر قوت أهل كرمان، لم أستطع ردَّه إلى صورةٍ عربية أو فارسية موثوقة؛ أثبتُّ نقلًا حرفيًّا مع صورة كريمر بين قوسين. ومثلُه: Moghun، Washati/Matsch، Bälysh، Mahäly، Sura، Gwuttur.

2) «Mann» في «مئة مَنّ من التمر» وحدةُ وزنٍ (المَنّ)، لا اسمَ عددٍ من الرجال.

3) في الحاشية 2 من ص 316 أثبتُّ ما عند كريمر: «جدول خراج عبد الله بن طاهر لسنة 211–222هـ»، وهو مدًى غريبٌ بإزاء ما ذكره قبلَه من سنة 221هـ؛ لم أُصلحه.

4) أسماء المستشرقين والمؤلَّفات الأوروبية (Ritter، Reinaud، Spiegel، Slane، Barbier de Meynard، Pollak) تُركت بحروفها اللاتينية صيانةً لسلامة الإحالات.

1) قوله في اللغة الصغدية إنها «تركية شرقية» (ص 327) خطأٌ في الأصل: الصغدية لغةٌ إيرانية شرقية لا تركية. أثبتُّ قول كريمر كما هو ولم أُصلح النصّ.

2) «Tätary-Dirham» أثبتُّه «درهمًا طاطَريًّا» مع صورة كريمر بين قوسين عند أوّل ورودٍ، إذ لم أتحقّق من الصورة العربية لهذه الصفة النقدية.

3) «Gärjäbah» (جارياباه، ص 324)، و«Baban» (بابَن)، و«Balkijän/Bylkän» (بالقيان/بيلكان)، و«Nishyn/Anshyn» و«Surmyn/Shurmyn»: نقلٌ حرفيّ عن صورة كريمر، لا ردٌّ إلى صورةٍ عربية محقَّقة.

4) «Marienglas» (ص 329 وما يليه في القسم التالي) وغيرُه من أسماء المعادن الأوروبية تُترجَم بمقابلها المعروف؛ وما لم أجد له مقابلًا موثوقًا أثبتُّ لفظ كريمر.

5) الأرقام: الكمّيات بالفاصلة (1,189,200)، والسنون بلا فاصل، وأرقامُ الصفحات في الإحالات كما هي عند كريمر بلا فاصلة.

1. أرقامُ الخراج مكتوبةٌ عند كريمر على العادة الأوروبيّة (10,729.200)، فالفاصلةُ للملايين والنقطةُ للآلاف، وقد رُدّت كلُّها إلى الفاصلة وحدها (10,729,200). أمّا السنون — 284هـ، 897م، 1220م — فبلا فاصلٍ على القاعدة. وأرقامُ صفحات الإحالة (الإصطخري 323، ابن حوقل 350) إحالاتٌ لا كمّيّات، فلم تُمَسّ.

2. رقمُ خراج طبرستان عند قدامة ورد في الأصل «1,1638.070»، وهو رقمٌ لا يستقيم (ولعلّ صوابه 1,163,070). وقد أُثبت كما هو مع التنبيه، ولم يُصلَح بالحدس.

3. مواضعُ النقط «……» في الجداول هي مواضعُ النقط نفسِها في الأصل، حيث لا يذكر المصدرُ رقمًا (وقد شوّشت القراءةُ الآليّة بعضها إلى «SA» و«0000049» و«.2..»).

4. قولُ كريمر إنّ المغول خرّبوا الرَّيّ «في عهد غازان سنة 1220م» فيه خطأٌ تاريخيّ: خرابُ الرَّيّ الكبير كان سنة 617هـ/1220م على أيدي جيوش جنكيزخان، وغازان إنّما مَلَك بعد ذلك بنحو قرن (694–703هـ). وقد أُثبت النصّ كما هو ونُبّه على الخطأ هنا دون تصحيحه في المتن.

5. أسماءُ رساتيق همذان الثلاثة («Nasä, Charud-Sofla, Charrakän») أُثبتت: نسا، وخَرّود السفلى، وخَرَّقان؛ والثالثُ منها معروفٌ مقطوعٌ به، أمّا «خَرّود السفلى» فقراءةٌ مرجَّحةٌ لرسم كريمر لا غير.

6. «Sysy» الواردة بين قوسين عند خُجندة رسمٌ مشوّشٌ في الأصل لم أستطع ردّه إلى شيء، فأُبقي كما هو.

7. عبارتا كريمر عن روسيا في الحاشيتين (ص 329 و331) — أنّ الروس «يعلمون علمًا حسنًا لماذا يضمّون هذه البلاد إليهم»، وأنّها «استحقّت شرفَ إلغاء الرقّ» — رأيٌ سياسيٌّ لمستشرقٍ نمساويٍّ من سنة 1875، نُقل كما هو بلا تلطيف، وكذلك تشبيهُه حرسَ الخلفاء الترك بالبريتوريّين.

8. «حجر السراج» ترجمةُ Marienglas التي شرحها كريمر بالفارسيّة (چراغ سنگ)، وقد أُبقي اللفظُ الفارسيّ إلى جانبها كما أورده.

9. المراجعُ الأوروبيّة (Ritter, Spiegel, Goeje, Barbier de Meynard, de Jong) وأسماءُ المواضع في الخرائط الأوروبيّة (Chodschend, Dschisak, Rhagae, Hyrcania, Komisene, Ekbatana) تُركت بحروفها اللاتينيّة كما أوردها كريمر.

1. جداول الخراج في هذا القسم (ماه الكوفة/ماه البصرة، ومهرجانقذق/ماسبذان، والإيغاران) وصلت في النسخة المصوَّرة مشوَّشة الأعمدة: تُقرأ الأرقام ولا يُقرأ موضعها من العمود على وجه اليقين. وقد أثبتُّ الأرقام كما وردت وفي مواضعها من الطبعة، ولم أُعِد توزيعها على الأعمدة بالحدس. وممّا يعين القارئ أن رقم 9,800,000 هو حاصل جمع رقمَي قدامة (5,000,000 + 4,800,000)، وأن أرقام قدامة هنا توافق ما يورده كريمر نفسه في جدول قدامة الكامل بعد صفحات. 2. أرقام الكميات نُقلت إلى الفاصلة العربية المعتمدة (10,700,000 بدل 10,700.000 في الأصل الألماني)، والسنون بلا فاصل. أما إحالات المصادر (اليعقوبي ص 45، ابن حوقل ص 241، ريتر: Erdkunde IX. 897) فتُركت على حالها بأرقامها اللاتينية، فهي إحالات لا كميات. 3. عبارة كريمر Freigüter (الضياع المحرَّرة) ترجمة لمصطلح «الإيغار»، وهو الضيعة المُعفاة من الخراج لقاء مقاطعة مقطوعة؛ ولذلك أعدتُ 'Yghärain إلى «الإيغاران». وكذلك Kopftaxe/Kopfsteuer = الجزية، وقد فسّرها كريمر نفسه في الحاشية بلفظة «جالية» وهو محقّ. 4. أسماء المواضع الأوروبية والقديمة (Arsamosata, Circesium, Melitene, Mousseline) والعناوين الغربية (Erdkunde) تُركت بالحرف اللاتيني كما هي في الأصل، لأن كريمر يستعملها للتعريف بالموضع لا لتسميته العربية. 5. تصحيح كريمر لرقم ابن خلدون في جدول الإيغاران ورد في النسخة المصوَّرة «lies 38,000.000»، والنقطة فيه في غير موضعها؛ وقد أثبتُّه «3,800,000» لأنه الوجه الذي يستقيم به التصحيح ويوافق رقم قدامة (3,100,000)، ونبّهتُ على صورة الأصل هنا ولم أُبدّلها في المتن حدسًا. 6. «طَبَرْهان (طيرهان)» و«جابروان» و«دراباذ» و«سامغان»: أثبتُّها على الصورة التي يُعرف بها الموضع في كتب البلدان العربية؛ وحيث بقي في اللفظ تردّد أبقيتُ صورة كريمر بين قوسين.

1. جدول خراج الشام (ص 350) وجدول جزيرة العرب (ص 352) وردا في النسخة المصوَّرة مختلطَي الأعمدة. وقد أعدتُ توزيعهما على الأعمدة اعتمادًا على المجاميع المطبوعة نفسها، لا على الحدس: مجموع ابن خلدون 1,246,000 = 420 + 420 + 96 + 310 ألفًا؛ ومجموع قدامة 902,000 = 360 + 120 + 109 + 195 + 118 ألفًا (فقنّسرين والعواصم عنده 360,000)؛ ومجموع ابن خرداذبه 1,990,000 = 400 + 400 + 350 + 500 + 340 ألفًا. 2. في جدول جزيرة العرب قرأ الماسح الضوئي «870.000» لليمن و«800.000» للحجاز عند ابن خلدون، و«800.000» لعُمان عند قدامة. وهذه قراءات فاسدة قطعًا: فمجموع ابن خلدون المطبوع 670,000 = 370 + 300 ألفًا، وهما الرقمان اللذان يعيدهما كريمر نفسه في جدول ابن خلدون الكامل (ص 359)؛ ومجموع قدامة 1,520,000 = 600 + 100 + 520 + 300 ألفًا، وهو ما يعيده كريمر في جدول قدامة (ص 369). فأثبتُّ الأرقام الصحيحة ونبّهتُ عليها هنا، ولم أُصلح شيئًا من كلام كريمر نفسه. 3. رقم «34,00.0000» في جدول الجزيرة (ص 347) خطأ طباعي/مسحي عن 34,000,000، ويؤكّده المجموع المطبوع 58,000,000. 4. «Rowät» قصبةُ رستاق الجبال: لم أقف لها على صورة عربية أثق بها، فأبقيتُها على صورة كريمر ولم أخترع لها اسمًا. وكذلك «الحِلّة» و«الحَنّانة» من رساتيق الموصل الصغيرة، أثبتُّهما على صورة كريمر لتعذّر التحقّق. أما «Där£» فقرأتُها «دارا»، وهي المدينة المعروفة قرب نصيبين، وموقعها في سياق ديار ربيعة قاطع. 5. أسماء المواضع القديمة والأوروبية (Legio, Esdrelon, Barbalissus, Pyramus, Pentapolis, Africa propria, Syene) والعناوين الغربية تُركت بالحرف اللاتيني كما هي في الأصل. 6. «Vermögenssteuer (sadakah)» أُعيدت إلى «زكاة المال (الصدقة)» على ما تقتضيه المسرَدة.

1. أرقام الكميات نُقلت إلى الفاصلة (114,900 بدل 114.900 في الأصل)، والسنون بلا فاصل. أما إحالات المصادر (ابن حوقل ص 146، ابن تغري بردي II. p. 11، ريتر: Erdkunde X, 267) فتُركت على حالها ولم تُمَسّ أرقامها. 2. المجموع النقدي المطبوع في جدول ابن خرداذبه للسواد (ص 372) قرأه الماسح «5,450,540»، وهو فاسد قطعًا: فكريمر نفسه يبني على 8,456,840 درهمًا بعد سطور، ويشتقّ منها الفرق 43,160 عن 8,500,000، ثم المجموع 78,309,340. أثبتُّ الرقم كما وقع في المسح ونبّهتُ عليه هنا، ولم أُصلحه في المتن. 3. عمود «الموقع الجغرافي» في جدول ابن خرداذبه (الرساتيق غربيَّ دجلة / شرقيَّها) مكتوب في الأصل عموديًّا على حافة الجدول، وقد ضاع في المسح ضياعًا تامًّا فلم يبقَ منه حرف مقروء؛ فأسقطتُه ولم أختلق له مضمونًا. 4. أسماء الطساسيج والمواضع الصغرى التي وقفتُ لها على صورة مُثبَتة في كتب البلدان العربية أعدتُها إليها (قُطْرَبُّل، بادُوريا، بَهُرَسير، كَلْواذَى، بادَرايا وباكُسايا، بَراز الرُّوز، البَنْدَنيجين، الدَّسْكَرة، الرَّاذانان…). وما لم أقف له على صورة أثق بها نقلتُه نقلًا صوتيًّا وأتبعتُه صورةَ كريمر بين قوسين (Dabardamäsän, Harud, Jasyr, Zabanain, Nistar, Dasyn, Bälghys, Isfydang, Kurkän, Fatrughas, Termetä, Andyshärän, Ghädän und Ramän, Bädekyn, Rishtän und Gäwän, Zubän). ولم أنسب أيًّا منها إلى ضبط عربي مُدّعًى. و«بالغيس» (رقم 16) يوافق رقمُها 124,000 رقمَ «بادغيس» المتقدّم (ص 322) موافقةً تامّة، والأرجح أنهما موضع واحد؛ غير أنّ الصورتين صورتا كريمر فأثبتُّ كلًّا منهما في موضعها. 5. «الجُبّة» في جدول قدامة: أثبتُّها كذلك لأن ابن خرداذبه يجمعها إلى «البُداة»، وهما طسّوجا «الجُبّة والبُداة» المعروفان؛ وهذا يؤيّد تصحيح كريمر نفسه («هكذا تُقرأ، لا Gand»). 6. «Katärikah»: تركتُ اللفظة على حالها معرَّبةً «الكَتارِكة» كما ينقلها كريمر، مع تحفّظه على ترجمة بربييه دي مينار لها بـ«الكاثوليك». 7. حاشية الأداءات العينية (ص 363) فيها عند كريمر تبادلٌ بين الحنطة والشعير: يقول في المتن 114,900 حنطة و122,420 شعيرًا، ويقول في الحاشية 114,900 شعيرًا و122,420 حنطة. نقلتُ الموضعين كما هما، فالمجموع واحد (237,320 كُرًّا) والحساب لا يتأثّر.

1. أنواع الدراهم التي يذكرها ابن خرداذبه (Tätary, Mohammady, Chwärizmy, Sysy, Mosaiby): أعدتُ منها ما هو معروف الصورة العربية — المحمدية، والمسيّبية، والخوارزمية — ونقلتُ «Tätary» و«Sysy» نقلًا صوتيًّا («تَتَرية»، «سِيسية») لأني لم أقف لهما على صورة عربية أثق بها في كتب البلدان؛ ولم أنسب إليهما ضبطًا. 2. أسماء بلدان خراسان وما وراء النهر التي لم أتحقّقها أثبتُّ صورةَ كريمر إلى جانبها بين قوسين (Chän, Mydagän, Achazun, Bäsärä, Akt…)، ولم أخترع لها اسمًا عربيًّا. 3. تصويب كريمر لنفسه في آخر الفصل السابع («طِرّيخ») نقلتُه في موضعه من الحاشية كما هو، ولم أُدخله في الموضع الذي يصحّحه (ص 358)؛ فتصويب المؤلف جزء من نصّه. 4. عنوان الباب الثامن Der Organismus des Staates أُعيد إلى «بنية الدولة» على ما تقضي به المسرَدة، وعنوان فصله الأول Der Fürst der Gläubigen إلى «أمير المؤمنين»، وهو المصطلح الذي يترجمه كريمر. 5. كريمر مستشرق من القرن التاسع عشر، وأحكامه على طبائع العرب («أمّة أشدّ أصالةً وأعرق في الطبع»، «شعب شديد الاضطراب نافر من كل سلطان بالطبع»، «الخلفاء المنغمسون في اللذّات») نُقلت كما هي، بلا تلطيف ولا تحسين؛ فهي حكمه هو. 6. موضعان في الأصل لا يستقيم فيهما الحساب أو التاريخ، أثبتُّهما كما هما ونبّهتُ عليهما هنا ولم أُصلحهما في المتن: (أ) خراج الأردنّ 350,000 دينار، وكريمر يقلبه إلى 3,250,000 درهم، والدينار عنده بخمسة عشر درهمًا، فالوجه 5,250,000؛ (ب) أخبار المقدسي عن ما وراء النهر مؤرَّخة «سنة 375هـ (888—89م)»، والتاريخان لا يتوافقان: 275هـ هي 888—889م، و375هـ هي 985—986م. 7. قولُ عمر الأول في الحاشية، وقولُ سعيد بن المسيّب، وخطابُ جعفر بن الهادي: كلها منقولة عن الألمانية، لا عن نصّ عربي بعينه، فلم أُعِدها إلى صيغة عربية مأثورة ولم أنسب إليها لفظًا بعينه.