وكان الاختيار والبيعة في العهد الأول أن يجتمع أهلُ البيت الحاكم، وأصحابُ أعلى الرتب في الدين والدنيا، وقوّادُ الجند الكبار، حول المرشَّح للعرش فيصافحوه بأيديهم. وبذلك تتمّ البيعة. وكان الخليفة الجديد يخطب بعدها عادةً في المسجد أمام الناس المجتمعين خطبةَ استخلافه. وقد بقيت لنا خطبة من هذا القبيل تُنسب إلى يزيد الثالث؛ وإن لم نستطع أن نعدّها صحيحة النسبة، فهي على كل حال من زمن مبكّر، وهي تشهد على أيّ وجه ديمقراطيّ تامّ كانت تُفهم منزلةُ أمير المؤمنين.
وكان يزيد قد أثار على ابن عمّه الوليد الثاني، ذلك المُترَف الماجن الكبير، ثورةً، فأغار عليه في قصره بالبادية وقتله. فقال في خطبة استخلافه مشيرًا إلى ذلك: «والله! ما قمتُ عليه طلبًا للجاه ولا رغبةً في الدنيا ولا حرصًا على الملك؛ وما أقول هذا تزكيةً لنفسي، فإني لَمُذنبٌ حقًّا إن لم يرحمني الله؛ وإنما حملتُ السلاح غَيرةً لله ولدينه، داعيًا الناس إلى أن يرجعوا إلى الله وإلى وحيه وإلى سنّة نبيّه، بعد أن طُمست معالم الدين، ومُحيت آثار الحقّ، وأُطفئ نور الوحي؛ ولمّا ظهر ظهورًا بيّنًا ذلك الجبّار المعاند، الذي استحلّ كلَّ حرام وانغمس في كل بدعة، فلم يؤمن بيوم الحساب ولا بالقرآن؛ وإن كان ابن عمّي وابن قبيلتي. فلمّا رأيتُ ذلك استخرتُ الله وسألته أن لا يجعل لي ناصرًا سواه، واستعنتُ به. فاستجاب لي كثيرٌ من عباده
25*
388الصالحين؛ فسِرتُ إلى الجبّار حتى خلّص اللهُ عبادَه من ذلك المتسلّط بقوّته وسلطانه، لا بقوّتي وسلطاني. أيها الناس! (اسمعوا): لكم عليّ عهدٌ ألّا أضع حجرًا على حجر، ولا لبنةً على لبنة، ولا أُؤاجِر نهرًا من أنهاركم قطّ، ولا أبني قصرًا، ولا أكنز مالًا، ولا أُغني به زوجةً ولا ولدًا: ولكم عليّ أن أُوفيكم أعطياتكم سنةً بسنة، وأرزاقكم شهرًا بشهر، حتى ينبسط الرخاء بين المسلمين، ويكون البعيد منكم كالقريب في العطاء. فإن وفّيتُ لكم بما وعدتُ فعليكم أن تطيعوني طاعةً عن رضًا، وأن تنصروني وتحموني؛ وإن لم أفِ لكم بما وعدتُ فأنتم في حِلٍّ من خلعي، غير أن عليكم أن تعظوني أولًا، فإن أنا أصلحتُ قبلتم عذري. فإن علمتم رجلًا مشهودًا له بالخير يبذل لكم من نفسه ما بذلتُ لكم، فاختاروه إن شئتم، وأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس! تعلمون أنه لا طاعة لمخلوق إذا أمر بمعصية. هذا قولي، وأستغفر الله لي ولكم!»
وبعد هذه الخطبة دعا الناس إلى اختياره مرّةً ثانية(1). وعلى كل حال يُرى من هذا الخطاب على أيّ وجه ديمقراطيّ تامّ كانوا يفهمون اختيارَ الأمير: فقد كان يمكن خلعُه ببساطة إن لم يقم بما عليه. وكان اختيارُ جماعة المسلمين المجتمعة هو المصدرَ الوحيد الحصريّ للسيادة وحقوق الحكم.
وفي أوقات الهدوء كان الاختيار يجري على وجه منتظم، فيمضي وليّ العهد إلى الجامع،
(1) Goeje: Fragm. Histor. Arab. I. 150.
389وهو عند العرب موضع اجتماعات الناس العامّة، ويقوم عندهم مقام الفوروم عند الرومان، فيرقى المنبر ويخطب خطبة استخلافه أو خطبة الاختيار، ثم يتلقّى الاختيار والبيعة. وعلى هذا جرى الأمر عند تولّي الوليد الأول(1). وكان الخليفة يظهر في هذا المقام عند الأمويين في البياض كله، وعند العباسيين — على خلاف الأولين — في السواد كله، في ثوب يبلغ الركبتين مغلقٍ من أمام بلا خَصر، له أكمام واسعة مُسبَلة (الدُّرّاعة)، وعليه رداء يُلقى على الكتفين، له أيضًا أكمام واسعة غير أنها أقصر (الكِساء)، من القَطع الذي يُسمّى اليوم العباءة؛ ويغطّي الرأس قَلَنسُوة مخروطية بلا حافّة(2). وكان الخليفة يحمل في مثل هذه المناسبة شارات سيادته أيضًا. وهي عند الأمويين خاتم النبي وقضيبه، وهو عصًا قصيرة ذات شَعَب، كما لا يزال الأعراب يحملونه اليوم على العادة؛ وأُضيفت عند العباسيين بُردة النبي. وقد اشترى أولُ خلفاء هذه الدولة هذا الأثر المزعوم بثلاثمائة دينار، فبقيت هذه البُردة، وهي محفوظة اليوم في خزانة القسطنطينية، أقدسَ آثار الدولة من ذلك الحين(3).
وكان الأمويون، بعد أن سلبهم العباسيون العرشَ والمُلك، قد أسّسوا دولة خلافة جديدة زاهرة في إسبانيا البعيدة، ونقلوا إليها عادات وطنهم الشامي ورسومه. وسادت هناك أيضًا الأصولُ نفسها التي تخصّ الأمّة العربية في اختيار الأمير وبيعة الشعب له؛
(1) ابن الأثير IV. p. 415.
(2) في شأن لباس الأمويين الأبيض قارن الأغاني VI. 141، وفي شأن سواد العباسيين: Goeje: Fragm. Hist. Arab. I. p. 199, 338.
(3) Goeje: Frag. Hist. Arab. I. 82, 208, 283؛ الماوردي ص 298، 299.
390ولذلك ليس بعديم الفائدة أن نُدرج هنا الوصفَ الذي يرسمه لنا كاتب إسباني لمراسم بيعة من هذا القبيل في بلاط قرطبة.
«كان أولَ ما فعله الحكم الثاني بعد موت أبيه أن تلقّى بيعة الحرس الإفرنجيّ وقوّادِه، وكان هؤلاء يتولّون أعلى مناصب البلاط. فلمّا بايعوا هم أنفسهم التزموا أن يأخذوا البيعة ويمين الولاء للخليفة الجديد ممّن دونهم. ثم جاء كبار خدم الدار، وقوّاد الجند، والحاشية جميعًا. ثم أمر الحاكم الجديد، بعد أن اعترفت به بطانتُه ورجالُ القصر كلهم أميرًا شرعيًّا، بإحضار أخويه لأبيه وأمّه ليبايعاه هما أيضًا يمين الولاء. فأسرعت فِرَقٌ من الجند من فورها إلى منزلَي الأميرين وساقتهما إلى قصر الإمارة، حيث أُفردت لهما حُجَر مناسبة؛ وكُلِّفت فِرَق أخرى بإحضار سائر إخوة الخليفة لأبيه. فجاؤوا أيضًا، وهم ثمانية، في تلك الليلة نفسها إلى قصر الزهراء بقرطبة. وجلس الخليفة في الغد باكرًا على سرير نُصب في المقصورة الوسطى من الأروقة المذهَّبة المطلّة في الجانب الجنوبي من الطابق الأول على سطح من رخام. فأُدخل أولًا إخوته، فبايعوا ووقّعوا صيغة اليمين المكتوبة. ثم جاء الوزراء وأهلوهم، وتلاهم أصحاب الشرطة وطبقاتُ عمّال الدولة المختلفة. وجلس كلُّ من بايع بحسب رتبته في صفوف طوال على جانبَي القاعة، غير أن واحدًا من كبار خدم البلاط وقف عند مدخل الرواق يأخذ يمين البيعة على كلّ داخل.
391وفي قاعات الاستقبال الكبرى من القصر رُتّب الحاضرون جميعًا بحسب رتبهم: ففي قاعة الأبّهة، حيث جلس الخليفة على سريره، اصطفّ قوّاد الحرس عن يمين السرير وشماله في صفّين طويلين، عليهم أثواب بيض (الظواهر) علامةً للحداد، وفوقها حمائل السيوف؛ ويليهم الحرس في دروع طوال بسيوف فاخرة الحلية؛ وقد وقفوا في صفّين خارج الأروقة على الساحة المكشوفة. وفي الدهاليز المتّصلة بها وقف الخصيان الإفرنج بالحِراب، في أقبية بيض، وسيوفهم مسلولة. ثم جاء بعدهم خصيان القصر البيض من الطبقة الدنيا، ثم الرُّماة بقِسيّهم وجِعابهم معلّقة عليهم؛ واتّصلت بحرس الخصيان الإفرنج هؤلاء صفوفُ العبيد السود، وهم أيضًا في كامل السلاح.
وفي قاعة حرس القصر اجتمعت الرجّالة المؤلَّفة من العبيد السود، عليهم الدروع على الصدور وتحتها أقبية بيض، وعلى رؤوسهم خُوَذ إفرنجية، وفي أذرعهم تِراس ملوَّنة؛ وسلاحهم مزيَّن أبهى زينة، وقد اصطفّوا صفّين وامتدّوا إلى آخر صحن الدار. أما على باب القصر الأعظم فكان البوّابون ورجالهم. وخارجه وقفت خيلُ السودان، وقد ملأت كتائبها المكانَ إلى باب الأروقة. واصطفّت هنا فِرَق أخرى من الفرسان والرجّالة والرُّماة جموعًا متلاحمة، وأخذت الطرق إلى باب المدينة الخارجي المفضي إلى البرّ المكشوف.
فلمّا تمّت البيعة العامّة أذن الخليفة للناس جميعًا بالانصراف، ولم يستبقِ غير إخوته والوزراء وعمّال القصر إلى أن دُفن أبوه الناصر في مقابر الخلفاء بقرطبة.
392وفي الأيام التالية وفدت على البلاط وفودٌ كثيرة من أنحاء إسبانيا كلها للبيعة أو لرفع الحاجات. فاستقبلهم الخليفة بحضرة الوزراء والقاضي، وقُبلت بيعاتهم ووُقّعت المحاضر المتعلّقة بها»(1).
وهذا الوصف المصوَّر المأخوذ من مصادر عربية إسبانية يعوّضنا عن الجفاف المألوف في مؤرّخي المشرق، فهم قلّما يعرضون مثل هذه المراسم عرضًا مفصّلًا، لأنهم يفترضونها معلومة. وعلى كل حال لم تكن هذه الاحتفالات في بلاط دمشق أو بغداد أقلّ ضخامةً وبهاءً، كما سنرى عند وصف الحياة في بلاط العباسيين. ونحن نعلم أن الاختيار والبيعة ظلّا في الأزمنة المتأخّرة أيضًا يقعان دائمًا في مجلس دولة كبير، يشترك فيه الوزراء جميعًا، ثم كبار عمّال الدولة كافّة، وقضاة بغداد، والعلويون، وكذلك العباسيون بقيادة نقيبَي الأشراف منهم، وأخيرًا أعيان العاصمة(2).
وقد جرت العادة مبكّرًا أن يفرّق الخليفة المختار حديثًا عند اختياره أموالًا ضخمة على الجند والعامّة. فكما اضطُرّ أباطرة الرومان المتأخّرون إلى استمالة حرسهم البريتوري بمثل هذه الهبات (donativa)، كذلك اضطُرّ الخلفاء إلى مثلها، إذ كان حرسهم التركي المتغطرس يرفعهم إلى العرش ويُسقطهم عنه بالسهولة نفسها.
نعم، لقد هبط الاختيار والبيعة مرارًا وزمنًا طويلًا إلى مجرّد صورة شكلية، ومع ذلك لا تُعدَم
(1) المقّري I. p. 182, 183؛ Gayangos: History of the Mohammedan Dynasties of Spain. London, 1853. II. p. 156.
(2) ابن خلدون: التاريخ العامّ III 410, 480.
393الأمثلةُ المفردة التي تدلّ على مبلغ تجذّر الفكرة في روح الأمّة العربية من أن الاختيار شرطٌ جوهريّ مسبق لنقل السيادة نقلًا شرعيًّا. فلمّا أُريد اختيارُ المقتدر امتنع القاضي المُثنّى من اختياره وبيعته وقال: لا أختار غلامًا للخلافة! — وقد التزم في ذلك التزامًا صارمًا بالأصل الذي وضعه الفقهاء وعلماء الأحكام السلطانية من أن الصغير لا يجوز اختياره. فكلّفه ثباتُه على اعتقاده حياته(1).
ويُرى ممّا تقدّم أن حقّ الاختيار العربي القديم هذا كان يتحرّك في حدود شديدة الإبهام. فقد كان كله قائمًا على عاداتٍ قديمةٍ متفاوتةِ الثبات، وعلى مأثورات الشعب، وهي أمور تغيّرت على مرّ الأزمنة تغيّرًا محسوسًا. من ذلك أنه كان يُعدّ في عهد أوائل الخلفاء الأمويين أمرًا لم يُسمع به أن يُنادى بابن سُرِّيّة وليًّا للعهد. وقد فعل ذلك الخليفة الوليد الثاني رغم ذلك(2)، وإن لم يُفلح. غير أن مثل هذه الحالات كثرت بعد ذلك. فقد جعل هارون الرشيد ابنيه الأمين والمأمون وليَّي عهد وأخذ لهما البيعة على ذلك؛ وكان الثاني أكبر من الأول بشهر، غير أن الأمين كان ابن زُبيدة، وهي من هاشم من أشرف بيت، بينما كان المأمون ابن جارية فارسية(3). ومع ذلك وُفّق الأخير — وكان أوفر منه بكثير موهبةً في سياسة الدولة — إلى انتزاع الأمر لنفسه وحده.
وإنما اشتدّ سلطان الأمير المطلق بمقدار ما فقدت
(1) ابن الأثير VIII. p. 13.
(2) الأغاني VI. 135.
(3) ابن تغري بردي II. p. 482.
394سلطةُ الرأي العامّ وصوتُ الشعب أثرَها. وكلما تكوّنت الأحزاب السياسية شيئًا فشيئًا، عظُم الاختلاف في الرأي، وذلك في أهمّ مسائل أحكام السلطان بعينها؛ ولا شكّ أن حقّ الاختيار ووراثة العرش من أوّلها. وكان حزب الذين مالوا إلى النظرية المريحة، نظريةِ الأمر الواقع القائم (status quo)، أكثرَها عددًا كما هي العادة دائمًا. وقد سمّوا أنفسهم: حزب السنّة والجماعة. وكانوا مستعدّين دائمًا لأن يراعوا الوقائع المنجَزة ما استطاعوا، وأن يعترفوا بشرعية اختيار ذلك الخليفة الذي يختاره في عاصمة الدولة أصحابُ النفوذ الأكبر ويعترف به أكثرُ جماعة المسلمين. وفي مقابلهم وقف أهلُ الشرعية الصارمة، الذين لا يرون الحقّ في الخلافة إلا لذرّية عليّ، بينما دافع الخوارج — وهم يظهرون ممثّلين للأفكار الديمقراطية، وفي الوقت نفسه متزمّتين متعصّبين — عن الآراء المضادّة: فزعموا أن كل مسلم، إذا كان تقيًّا خائفًا لله، ولو كان فلّاحًا أو نَبَطيًّا، جاز اختياره صاحبَ السيادة على جماعة المسلمين؛ بل ذهب المتقدّمون منهم إلى القول بأن صاحب السيادة أو الخليفة غير ضروريّ أصلًا.
وسعت الأكثريةُ المحافظة، في مواجهة هذه الاتجاهات المتطرّفة، إلى تأصيل آرائها تأصيلًا علميًّا أيضًا، فصارت مسألة الحقّ في الخلافة والسيادة ووراثة العرش مبكّرًا موضوعًا للجدل التأليفي. وفي مواجهة المساعي المتطرّفة التي ازدادت خطرًا على الدوام، سواء من الحزب الديمقراطي (الخوارج) أو من حزب الشرعية (الشيعة)، وضع أهلُ السنّة الأصلَ القائل إن أعلى سلطة في مثل هذه المسائل هي جماعة المسلمين كلها. ففي أحد
395أقدم الرسائل الدينية السياسية (كتاب اللُّمَع للأشعري) يُقال صراحةً: لا يجوز أن يُعتقد أن الأمّة كلها تقع في خطأ («لا يجوز أن تُجمِع الأمّةُ على خطأ»)(1).
فإجماع جماعة المسلمين كلها والاختيار الحرّ هما إذن ما أُعلن مصدرًا شرعيًّا وحيدًا للسيادة(2). نعم، لقد قُيّدت أهليةُ الاختيار في الأزمنة الأولى، إذ لم تُجِز أكثريةُ أهل السنّة وأهلِ القديم اختيارَ أحد إلا من كان من بيت قريش الذي خرج منه محمد نفسه، بينما لم يرَ الشيعة أهليةَ السيادة إلا لذرّية عليّ.
أما الخوارج، فما داموا لم ينكروا ضرورة رأس الدولة إنكارًا تامًّا، فلم يُجيزوا مثل هذا التقييد، وزعموا أن كل مسلم يجوز اختياره رأسًا للدولة. وقد وجدت هذه النظريات كلها تطبيقها العملي أيضًا، إذ إن اتساع الدولة وكثرة الثورات أتاحا لكل حزب، حتى أشدّها تطرّفًا، أن يبلغ الحكم زمنًا قصيرًا أو طويلًا في هذا الإقليم أو ذاك، وأن تُتاح له الفرصة لتحقيق نظرياته السياسية؛ فكان الخوارج يختارون أصحاب السيادة من أدنى الطبقات، أو يأخذون بصور جمهورية، بينما أفرط الشيعة في تقديس ذرّية عليّ تقديسًا يزداد شططًا حتى بلغوا آخر الأمر أن أعلنوا الإمام في كل حين معصومًا عصمةً مطلقة منزَّهًا عن الذنب، وأن يعدّوه تجسّدًا للكلمة الإلهية.
غير أن أكثرية الأمّة تمسّكت هنا أيضًا، كما هي الحال دائمًا في مثل ذلك، بالآراء المعتدلة
(1) مخطوط عندي، ص 139.
(2) الشهرستاني، بالألمانية بترجمة هاربروكر، I. p. 112.
396… ثمّ لمّا عاشت الدولة في عهد أوائل العبّاسيّين حقبةً من أبهى ما يكون البهاء، تُنُووِلت أهمُّ مسائل حقّ الدولة — ولا سيّما مسائل السيادة وولاية العهد واختيار الشعب للأمير — بالبحث العلميّ في حِلَق الفقه والسياسة ببغداد، فصِيغت شيئًا فشيئًا في نظامٍ محكم، وهو الذي حُفظ لنا في كتب الماوردي.
وقبل أن نبسط، معتمدين على هذه الأعمال، أهمَّ ما يتّصل بهذا الباب من المسائل، نريد أن نُدرج كلمةً وجيزةً في حياة رجل الدولة والكاتب هذا، الذي يُعَدّ كتابه في حقّ الدولة من أنفع كتب العربيّة تعليمًا.
كان الماوردي فقيهًا بحكم دراسته، من المذهب المسمّى بالشافعيّ. أخذ الفقه عن شيوخٍ مشهورين بالبصرة وبغداد، ثمّ وَلِيَ القضاء في مدنٍ شتّى. وكان يشتغل في فراغه بالتأليف، وأكثرُه في علمه الذي تخصّص فيه. غير أنّه سرعان ما أُخرج من صفاء الخلوة في حجرة درسه إلى الحياة المضطربة. كان الخليفة يومئذٍ القادرَ، غير أنّه لم يكد يملك أكثر من مقامٍ دينيّ. فقد ضمّ سلاطينُ بني بويه إليهم العراق وفارس، وهما أجملُ أقاليم الدولة، ولم تعد لأمير المؤمنين ببغداد نفسِها سلطةٌ سياسيّةٌ البتّة. ومع ذلك ظلّت هالةُ الخلفاء الدينيّة من العظمة بحيث لم يكن أيٌّ من أولئك السلاطين، وقد اقتسموا أقاليم دولة الخلافة، يشعر بأنّ سلطانه في يده ولا يرى نفسه ذا شرعيّةٍ إلّا إذا منحه إمامُ الإسلام كلِّه في الدين، وهو الخليفة، تقليدَه مع بركته،
397وأثبته في المنصب والرتبة نائبًا عنه وواليًا له في أمور الدنيا كلِّها.
وكان للماوردي عند الخليفة جاهٌ عظيم، واستُعمل غير مرّةٍ سفيرًا في مفاوضاتٍ عسيرةٍ مع ملوك الدنيا.1) فقد كان إذن أعلمَ من كلّ أحدٍ ببواطن سياسة ذلك العصر العليا، ولا شكّ أنّ ما جمعه من التجربة في مثل هذا المقام هو الذي استثمره في كتبه في حقّ الدولة.
وهو يقيم في كتابه الأكبر نظامًا لحقّ الدولة؛ ومع أنّ الظاهر منه في وجوهٍ كثيرةٍ أنّه أحسن أن يحسب حسابَ موازين القوى الواقعة في زمانه كلَّ الحساب، فإنّ أعجب ما في هذا العمل استقلالُه العلميّ، إذ يجمع نتائج فكره في نظامٍ محكم التدبير غير ملتفتٍ إلى رضًا ولا إلى سخط. وكما رسم أرخميدس دوائره والجنديُّ الرومانيُّ الغليظ قد رفع عليه السيف ليهوي به قاتلًا، فكذلك يبحث الماوردي في حقوق الخليفة وواجباته وفي مقامه الدينيّ والدنيويّ من الوجهة النظريّة للفقيه المسلم السنّيّ، غير مبالٍ كأنّ بني بويه الذين كانوا يحكمون بغداد يومئذٍ لم يكونوا عنده موجودين البتّة، وكأنّ الأمر إنّما هو بحثٌ في موضوعٍ علميٍّ ما، لا في أحرق مسائل سياسة اليوم. وفي هذا كان علماء العرب أشباهَ المفكّرين الألمان: يُعرضون عن الواقع كلِّه ويُحسنون الغوص كلَّ الغوص في نظريّاتهم.
يقول الماوردي في السيادة العليا الدينيّة والدنيويّة (الإمامة): إنّ الأمّة كلَّها
1) قارن Geschichte d. herrsch. Ideen des Islams p. 418؛ Hammer-Purgstall Lit. Gesch. VI. 416.
398تنقسم في شأنها قسمين: الأوّل يضمّ كلَّ من له حقّ الاختيار، والآخر من يطلبون الاختيار للسيادة ولهم فيه حقّ. أمّا الشروط اللازمة لأن يقوم المرء ناخبًا أو مرشَّحًا فمتعدّدة. فلا بدّ في الناخب من الخصال التالية: 1. العدالةُ الكاملة التي لا مغمز فيها. 2. العلمُ الذي يُقتدر به على الحكم في أيّ الأشخاص تتوفّر فيه شروطُ رئاسة الدولة. 3. البصرُ وقوّةُ الرأي اللذان يُختار بهما من بين المستحقّين للاختيار من هو أصلحُ لرتبة السيادة (بحسب أحوال الزمان) وأقومُ بتدبير أمور الدولة وأقدر.
ولم يكن لأهل دار الخلافة في ذلك فضلٌ على سائر الناس: وإنّما جرت العادةُ العمليّة — لا النظريّةُ الشرعيّة — بأنّ أهل دار الخلافة، لمّا كانوا يعلمون بموت صاحب السيادة قبل غيرهم، أمكنهم كذلك أن يمضوا إلى اختيار السيّد الجديد قبل غيرهم؛ ويُلاحظ فوق ذلك أنّ من تتوفّر فيهم شروطُ الأهليّة للاختيار يقيمون عادةً في دار الخلافة.
والماوردي — كما ترى — يضع نظريّته، وهي مؤسَّسةٌ تأسيسًا علميًّا منطقيًّا تامًّا، غيرَ ملتفتٍ إلى الأحوال الواقعة البتّة: لا يعنيه أنّ اختيار الخليفة كان يصنعه في كلّ الأحيان تقريبًا غوغاءُ العاصمة وجندُ المرتزقة، وأنّ الأمّة كلَّها لم يكن في وسعها في العادة إلّا أن تُقرّ بما وقع في العاصمة، أو أن ترفع رايةَ العصيان. ولذلك يقرّر عالمُ حقّ الدولة العربيّ، من وجهته النظريّة وفي تمام الاطّراد، مبدأ أنّ المسلمين كلَّهم ممّن لهم حقُّ الاختيار مدعوّون على السواء إلى أن يُسمعوا أصواتهم في الاختيار،
399وإن لم يستطع أن يكتم ملاحظةً مؤدّاها أنّ الأمور تجري في العمل على غير ذلك، وأنّ العاصمة هي التي تقول في مسألة الاختيار الكلمةَ الفاصلة في الأغلب.
وأمّا الشروط التي يجب أن تُشترط في من يطلبون أن يُختاروا للخلافة فهي عند الماوردي ما يلي: 1. العدالةُ الكاملة التي لا مغمز فيها. 2. العلمُ الفقهيّ الكلاميّ الذي يُقتدر به على الاجتهاد في الحكم في النوازل المشكِلة. 3. سلامةُ الحواسّ: السمعِ والبصر واللسان. 4. سلامةُ الأعضاء. 5. الرأيُ اللازم لسياسة الناس وتدبير الأمور. 6. الشجاعةُ والنجدة للذبّ عن دار الإسلام وجهادِ الكفّار. 7. النسبُ الشريف من قريش.1)
وقد أسقط الماوردي من هذه الشروط شرطين أضافهما فقهاءُ متأخّرون، كالقاضي البيضاوي في كتابه «طوالع الأنوار»، والغزّالي في «الإحياء» (I. p. 147)، وهما: سنُّ البلوغ — أو ما نسمّيه نحن الرشد — والذكورة.2)
1) هنا موضعُ التذكير بأنّ العاهات البدنيّة كانت عند العبرانيّين مانعةً من بلوغ رتبة الكهانة. وأصولُ ذلك في سفر اللاويّين، الإصحاح 21، الآية 17 وما بعدها: فالعميانُ والعُرج وذوو العاهات كان عليهم أن يبتعدوا عن المذبح. ولهذا السبب نفسِه كثيرًا ما وقع في عهد خلفاء بني العبّاس المتأخّرين أنّ من خُلع منهم عن العرش بثورةٍ سُملت عيناه ليصير بذلك عاجزًا إلى الأبد عن العودة إلى الحكم. وعلى كلّ حالٍ فإنّ وجود الفكرة نفسِها عند العبرانيّين والعرب يقيم دليلًا جديدًا على عِظَم أثر الأفكار اليهوديّة في الإسلام.
2) ذلك أنّ فرقةً من الخوارج، وهم الشبيبيّة، كانت قد اختارت امرأةً صاحبةً للأمر. قارن Gesch. d. herrsch. Ideen des Islams p. 369.
400واختلفت الآراء في كيفيّة إجراء اختيار الأمير؛ فذهب قومٌ إلى أنّ الاختيار لا يصحّ إلّا إذا أجراه جميعُ أهل الحقّ في الاختيار من الدولة كلِّها — أي اقتراعٌ عامٌّ تامّ (suffrage universel). وذهب آخرون إلى أنّ عددًا أقلَّ يكفي، محتجّين بما جرى في وقائع اختيار أوائل الخلفاء. بل كان ثَمّ فقهاءُ مُماحِكون رأوا أنّ الاختيار الواقع من خمسةٍ من أهل الحلّ والعقد (بإجماعهم) يُعَدّ شرعيًّا؛ بل ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك.
ويُرى من هذا مبلغُ التناقض بين المذاهب المختلفة؛ فبينما رأى قومٌ استفتاءً عامًّا لازمًا، لم يتحرّج آخرون من أن يضعوا حقَّ الجماعة كلِّها في الاختيار في أيدي بضعة أشخاص.
ومن أعجب ما في الأمر فهمُه للصلة بين الشعب وصاحب السيادة. فالماوردي يجعلها صلةَ عقدٍ بين طرفين. فإن ردّ المختارُ لم يُجبَر على القبول. ويلزم من هذا الفهم لزومًا أنّ قبول الاختيار يُلقي كذلك واجباتٍ معيّنة. وهذه واجباتُ صاحب السيادة عند المسلمين، وهو الخليفة، يُجملها الماوردي كما يلي: 1. حفظُ الدين على أصوله المقرَّرة. 2. الفصلُ في الخصومات وقطعُ المنازعات. 3. حمايةُ دار الإسلام وحفظُ الأمن العامّ. 4. إقامةُ الحدود. 5. حفظُ الثغور بالحاميات والعُدّة للحرب. 6. جهادُ من أبى الدخول في الإسلام أو الدخولَ تحت الشروط الموضوعة لغير المسلمين. 7. جبايةُ الخراج والصدقات على ما جاء به الشرع. 8. أداءُ الأرزاق السنويّة والحوالةُ بها على بيت المال. 9.
401اختيارُ الأمناء وتوليةُ النصحاء على تدبير كور الخراج المختلفة. 10. النظرُ بنفسه في أمور الحكم ومراقبةُ أحوال (الإدارة).
فإن قام الخليفة بهذه الواجبات وأدّاها، فعلى الشعب واجبان نحوه: 1. الطاعة، 2. النُّصرة. — أمّا إن لم يقم الأميرُ بواجباته فقد سقط حقُّه في الحكم. والسببان الأكبران اللذان يُفضيان إلى سقوط الحكم هما: الجَور، والآفةُ في العقل أو البدن. وأهمُّ ما يُعتبر من الآفات هنا: زوالُ العقل أو ذهابُ البصر. أمّا الآفاتُ الأدنى التي لا تمنع من حرّيّة الحركة فلا تُفضي إلى سقوط رتبة الحكم.
وفي كلّ هذه الأحوال التي يستتبع فيها سببٌ مُلجئٌ سقوطَ السيادة، كان لا بدّ من إجراء اختيارٍ جديد.
على أنّ فقهاء العرب يجيزون إلى جانب الاختيار وجهًا آخر لانتقال حقوق الحكم، وهو أن يعهد صاحبُ الأمر نفسُه فيُسمّي من يخلفه. ويستند هذا الرأي إلى ما جرى تاريخيًّا في عهد أوائل الخلفاء من مثل هذه الوقائع. بل يُسلَّم بأنّ للخليفة الحيّ أن يسمّي خليفتين أو ثلاثة يلي بعضهم بعضًا في السيادة. فقد قرّر هارون الرشيد أن يتعاقب بنوه الثلاثة — الأمين والمأمون والمؤتمن — على رتبة الخلافة.
ولا حاجة إلى التنبيه على ما يقع من التناقض الظاهر بين هذين الوجهين اللذين بُسط الكلام فيهما آنفًا لانتقال حقوق الحكم: باختيار الشعب، وبعهد الأمير. فحقُّ الاختيار خرج من عادة العرب القديمة في
402اختيار رؤساء القبائل. أمّا نقلُ حقوق السيادة بالعهد فنشأ من مراعاة ما تكرّر تاريخيًّا من هذا النقل غير مرّة، عند أوائل الخلفاء كما عند الأمويّين والعبّاسيّين. على أنّه كان لا بدّ أيضًا — إذا سمّى السلفُ خلفَه — أن يُصدَّق هذا العهد دائمًا بالاختيار العامّ والبيعة، ولم يترك خليفةٌ عيّن ابنًا أو قريبًا خلفًا له أن يُجري البيعة العامّة، وبها يُقرّ الشعبُ ذلك العملَ من أعمال الدولة ويُضفي عليه آخرَ ما يُضفى من التقديس.
ومن أخطر ما في حقّ الاختيار من الوجوه أنّ الشعب هنا أيضًا — كما في كلّ موضعٍ لا تقوم فيه السيادةُ على أسسٍ أثبت — كان يدّعي، لازمًا من لوازم حقّه في الاختيار، أن يُعلن سقوط السيادة عن الأمير المختار وأن يخلعه عن رتبته. وكانت العادة أن يجتمع الناس لذلك في الجامع؛ فيقوم رجلٌ ذو نفوذٍ بمقامه فيخطب في الجماعة المجتمعة خطبةً يرفع فيها الاتّهام على الخليفة الحاكم ويقيم الحجّة على أنّ خلعه واجبٌ لمصلحة الإسلام، ثمّ يختم بأن ينزع خاتمه من إصبعه فيرمي به الأرض، أو يخلع نعله فيقذف به، ويقول: أنا أخلع فلانًا كما أخلع هذا الخاتم أو هذا النعل! فيُبدي كلُّ حاضرٍ موافقته بأن يرمي إحدى نعليه أو عمامته أو غيرَ ذلك من ثيابه. وبذلك يُعَدّ الخلع قد تمّ.1)
1) قارن ابن تغري بردي II. p. 192. Amari: Storia dei Musulmani della Sicilia I. p. 137, 188.
403وما قيل كافٍ لتكوين حكمٍ في دستور دولة الخلافة القديمة. فما كان بأحسن حالًا من دستور المملكة البولنديّة البائدة بما فيه من حقّ النقض المطلق لكلّ نبيلٍ من نبلائها.
على أنّ علماء حقّ الدولة في العصر المتأخّر يُقيمون وجهًا ثالثًا لبلوغ حقوق السيادة، وهو «البيعة القهريّة». وهم يريدون بها ذلك النوع من كسب السلطة العليا حين لا يكون في زمن الفترة أو الفوضى صاحبُ سيادةٍ متّفقٌ عليه، بل يستولي على العرش حزبيٌّ جريءٌ بالقوّة والجند، بغير اختيارٍ من الشعب ولا بيعة، وبغير نقلٍ لحقوق الحكم بالعهد، وتقتضي مصلحةُ جماعة المسلمين العامّةُ طاعتَه اتّقاءً للفوضى والحرب الأهليّة.
يقول ابن جماعة: ولا يضرّ أن يكون هذا الحاكم جاهلًا أو جائرًا أو فاسقًا. فإن قام عليه متغلّبٌ آخر فسلبه الملك، فالغالبُ هو الذي يُعَدّ صاحبَ السيادة الشرعيّ.1)
ويُرى من هذا أنّ القوم قد عقلوا بالتجربة. فقد تعلّموا أن يحسبوا حساب الأمر الواقع، ورأوا خيرَ ما يُصنع أن يُعترَف به. فصار حقُّ الدولة الإسلاميّ في آخر عهوده نظريّةً في الاعتراف المطلق بحقّ الأقوى.
وقد كان ابن جماعة رجلَ دولةٍ عمليًّا، يفهم الحياة كما هي لا كما كان يمكن أو ينبغي أن تكون.2) فكم هو الماوردي أرفعُ منه
1) ابن جماعة: تحرير الأحكام، الورقة 7 و8.
2) وُلد ابن جماعة سنة 639هـ (1238م)، ودرس بدمشق، وكان بالغَ التمكّن في علوم الشرع والفقه من الحديث والفقه وغيرهما.
404بفهمه للسيادة، وهو فهمٌ نظريٌّ لكنّه أنقى من الوجهة الخلقيّة. ففي زمانه كان الخليفة في قبضة سلاطين بني بويه قبضةً تامّة، وكانت الخلافة قد أخذت تستحيل إلى رئاسةٍ دينيّةٍ تُورَّث من الأب إلى الابن. ومع ذلك يُعرض الماوردي عن موازين القوى الواقعة هذه كلَّ الإعراض، ولا يضع شروط اختيار الخليفة إلّا مراعاةً لمبدأ الدولة النظريّ: فإن حضر مرشّحان للخلافة متساويان في الاستحقاق والأهليّة، فالذي يُختار من كانت فيه على درجةٍ أعلى تلك الخصالُ التي تشتدّ الحاجة إليها في أحوال الزمان القائمة: ففي أزمنة الحرب يقع الاختيار على من هو أشدُّ إقدامًا وأخبرُ بأمر الحرب، وفي أزمنة السِّلم على الأعلم بسياسة الملك.1) بل لا يتحرّج من أن ينطق بمذهبٍ لا شكّ أنّه في العمل بالغُ الفساد، وإن كان في نظريّته مؤسَّسًا، وهو أنّ الخليفة الفاسق تسقط عنه حقوق الحكم ويُستبدَل به من هو خيرٌ منه؛ بينما يدافع ابن جماعة — وهو أقربُ إلى العمل لكنّه أقلُّ خُلقًا — عن النظريّة المقابلة تمامًا.
وبعد أن قدّمنا فيما تقدّم ما بسطه العرب أنفسُهم نظريًّا في العنصر الأوّل الأعلى من عناصر حياتهم السياسيّة، وهو رأسُ الدولة في الدنيا والدين، ننتقل إلى الكلام في مقام العناصر الدنيا من بنية الدولة الإسلاميّة، أعني كبارَ عمّال الدولة الذين يلون الخليفة مباشرة: الوزراءَ والولاة.
[تتمّة الحاشية:] وقد وَلِيَ القضاء وأعلى رتب الدولة غير مرّة. ومصنّفاته موضوعُها الحديثُ وحقّ الدولة. وتوفّي سنة 773هـ (1371م). فوات الوفيات II. 217.
1) الماوردي ص 7 وما بعدها.
405كان الخليفة يستعين على تدبير الشؤون السياسية والإدارية بالوزراء وبأمراء البلاد أو الوُلاة. وقد بسطنا القول في منزلة الوزير وخطر هذا المنصب في الفصل الذي عقدناه للنظم الإدارية عند العباسيين، فلم تنشأ هذه الرتبة ولا الاسم الموضوع لها إلّا على أيدي العباسيين. فلم يبقَ إلّا أن نُلمّ بشيء ممّا قرّره العلماء نظريًّا في منزلة الوزير ودائرة عمله.
الشروط اللازمة في الوزير عند الماوردي هي بعينها الشروط التي يجب توافرها في الخليفة، ما خلا النسب في قريش وحده، فإنّه مشترط في الخليفة دون الوزير؛ ويُشترط فيه فوق ذلك أن يكون خبيرًا بأمر الجُند وبأمر المال (شؤون الخراج).
والوزارة تنقسم، كما رأينا من قبل، إلى وزارة تفويض ووزارة تنفيذ. فوزير التفويض يباشر جميع حقوق السلطان، ولا يُستثنى من ذلك إلّا أنّه لا يعقد ولاية العهد.
ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ الفقهاء العرب جعلوا لوزير التفويض من كمال السلطة ما يكاد يعادل سلطة الخليفة نفسه.
كان لوزير التفويض أن يولّي الولاةَ وسائرَ الأعمال الرفيعة من تلقاء نفسه، من غير أن يرجع إلى الخليفة قبل ذلك؛ أمّا وزير التنفيذ فلم يكن له ذلك إلّا بعد أن يستطلع أمر مولاه الأمير. وكان لوزير التفويض أن يُصدر ما يلزم من الأحكام والتعليمات من غير مراجعة، أمّا وزير التنفيذ
406فلم يكن له ذلك إلّا تنفيذًا لما يُؤمَر به. وإذا عزل الخليفةُ وزيرَ التنفيذ بقي الولاة وكبار العمّال في أعمالهم، أمّا إذا عُزل وزير التفويض فإنّ كلّ من ولّاهم من الولاة وأصحاب المراتب يُعَدّون معزولين، ولا بدّ للخليفة أن يُجدّد لهم التقليد صراحةً.
على أنّ الماوردي، وعنه أخذنا هذه الأخبار، يُلحق بآخر كلامه في الوزارة ملاحظةً تُلقي ضوءًا كاشفًا على الأحوال السياسية في ذلك العهد المتأخّر من الخلافة؛ يقول: «إذا فوّض الخليفةُ تدبيرَ الأقاليم إلى الولاة تفويضًا تامًّا، كما هو الحال في أيّامنا، جاز لملك كلّ إقليم أن يستوزر لنفسه وزراءَ تكون منزلتهم منه كمنزلة وزراء الخليفة من الخليفة».
ذلك أنّ ولاة أقاليم دولة الخلافة كانوا قد صاروا في ذلك الزمان أمراء يكادون يكونون مستقلّين، لا يعترفون بسيادة الخليفة إلّا في الصورة، ويدبّرون بلادهم استقلالًا تامًّا، ولهم وزراؤهم. فبهذه الزيادة راعى الماوردي واقع الحال (الماوردي، ص 33—47).
وكان الولاة على الأقاليم، بعد الوزراء، أهمّ أدوات الخليفة التنفيذية. وفيهم أيضًا يُفرَّق بين ذي الولاية العامّة المطلقة وذي الولاية الخاصّة المقيَّدة. فأمّا الوالي ذو الولاية العامّة فيدخل في دائرة عمله ما يلي: 1. رئاسة أمر الجُند في كورته (ما لم يُقلَّد أميرٌ خاصّ على الجيش)، وإنزال الجُند مواضعهم وتفريقهم، وتقدير أرزاقهم (إلّا أن يتولّى
407الخليفةُ ذلك بنفسه فيفرض للجُند أعطياتهم). 2. النظر الأعلى في القضاء وتقليد القضاة. 3. جباية الخراج وسائر الأموال، وتقليد العمّال عليها، وتوظيف الخراج على أهله. 4. حماية الأمن العامّ، وحماية الدين وصونه من البِدَع. 5. إقامة الحِسبة وإنفاذ العقوبات (وكان الوالي يُقلّد لذلك في العادة عمّالًا خاصّين هم المحتسِبون). 6. الإمامة في صلاة الجمعة والأعياد. 7. تجهيز ركب الحاجّ الخارج إلى مكّة كلّ سنة وتيسير أمره. 8. جهاد الكفّار (إن كانت كورته ثغرًا يلي دار الحرب)، وقسمة الغنائم بين الجُند، وقبض الخُمس الواجب منها لبيت المال شرعًا.
وليس للوالي في المقابل أن يزيد في أرزاق الجُند من تلقاء نفسه. فإن ألجأته أسبابٌ قاهرة — كغلاء السعر أو حادثةٍ لم تكن في الحسبان — إلى ذلك، وكانت الزيادة ممّا لا يدوم، جاز له أن يُمضيها من غير أن يستأذن الخليفة. أمّا إن أُريد لها الدوام فلا بدّ من استئذان الخليفة دائمًا. وله في المقابل أن يفرض لأبناء الجُند إذا بلغوا، وأن يُجريَ عليهم الأرزاق، من غير مراجعة.
فإن فضل من دخل الكورة شيءٌ بعد النفقة على أمر الولاية كلّه وبعد أداء أرزاق الجُند، حمل الوالي الفضل إلى الخليفة؛ وإن قصرت الجباية عن أرزاق الجُند طالب بما يتمّها
408408 ثامنًا: بنية الدولة.
من بيت مال الحضرة. 1)
وإذا ولّى الخليفةُ الوالي لم يكن موتُ الخليفة عزلًا له؛ أمّا إن ولّاه الوزير فإنّ موت الوزير يُسقط ولاية كلّ من ولّاه، ما لم يُجدَّد لهم التقليد في العمل والرتبة.
وكانت صلاحيات الوالي ذي الولاية الخاصّة أضيق: فليس له إلّا التصرّف في جُند الكورة، وتدبير الإدارة، والنظر في الأمن العامّ. وليس له أن يتعرّض للقضاء ولا لجباية الخراج والأموال. وأمّا في الجنايات فاختصاصه ضيّقٌ جدًّا: فكلّ فعلٍ موجبٍ للعقوبة يُنتهَك فيه حكمٌ من أحكام الدين فمرجعه إلى مجلس القاضي لا إلى الوالي. وفي سائر الجنايات، ممّا يكون انتهاكًا لأحكامٍ وضوابطَ غير دينية، لا ينظر الوالي إلّا إذا رفع إليه المدّعي دعواه. وله في المقابل إقامة الحِسبة. وأمّا الفصل الأخير في المظالم فله ذلك إن كان قد صدر فيها حكمٌ قضائيّ من قبل، ولم يكن ذلك الفصل مفتقرًا إلى إجراءٍ قضائيٍّ يسبقه؛ فإن افتقر إليه ردّ الخصومة إلى القاضي المختصّ (الماوردي، ص 53).
وكذلك كان تجهيز ركب الحاجّ السنويّ إلى مكّة وتيسير أمره من واجبات الوالي ذي الولاية الخاصّة.
1) فإن فضل من الزكاة فضلٌ لم يلزمه حملُه إلى الحضرة (الماوردي، ص 50).
409أمّا الإمامة في صلاة الجمعة فقد اختلف فيها الفقهاء: فعلى مذهب الشافعي القضاةُ أحقّ بها، وعلى مذهب أبي حنيفة الوالي هو صاحبها.
وليس لنا على ملاحظات الماوردي هذه إلّا أن نزيد أنّه كان يُنَصّ في العادة عند تقليد الوالي على أنّ له الإمامة في الصلاة الجامعة أو ليست له. والوالي المقلَّد إمامةَ الصلاة كان يُعَدّ ممثّل الحكومة الحقيقيّ الأعلى.
وإن كانت الكورة ثغرًا يلي دار الحرب لم يكن للوالي ذي الولاية الخاصّة أن يبتدئ الحرب من غير إذنٍ سابقٍ من الخليفة (الماوردي، 53).
وإلى جانب هذين الضربين من الولاية يُثبت أهلُ النظر ضربًا ثالثًا يختلف عنهما اختلافًا جوهريًّا، وهو الولاية بالاستيلاء، وقد تكلّمنا عليها من قبل (ص 192).
ويعلّق علماء أحكام السلطان تقليدَ المستولي إمارةً شرعيةً على البلاد، بتزكيةٍ من رئيس الكهنوت الأعلى، على شروطٍ كان عليه أن يفي بها، تكاد تبدو معاهدةً دينيةً يعقدها مع الراعي الروحيّ الأعلى للإسلام. وهذه الشروط، ممّا كان على المستولي الطالبِ للشرعية أن يلتزم الوفاء الدقيق به، هي:
1. أن يحفظ منصب الخلافة ويُجِلّه بوصفه المرجع الدينيّ الأعلى للأمّة الإسلامية جمعاء. 2. أن يُظهر الطاعة الدينية للخليفة إظهارًا دائمًا لا يستره. 3. أن يبذل في كلّ ما يعمّ أمرَ الإسلام النصرةَ والمعونة عن طيب نفس، إبانةً لوحدة الجماعة الإسلامية في وجه الغرباء. 4. أن يحترم ما يصدر عن الخليفة من تقليد
410410 ثامنًا: بنية الدولة.
أصحاب المناصب الدينية (القاضي والإمام)، وأن يُنفّذ ما يرد في ذلك من أوامر. 5. أن يتعهّد جباية ما فرضه الشرع من الأموال على وجه الحقّ والعدل. 6. أن يراقب إقامة الحدود الشرعية بالعدل. 7. أن يحمل الناس على حفظ الدين حفظًا صادقًا، وأن يكفّهم عمّا حرّم الله. 1)
الغاية الأولى من نظام الجُند، على أصول أحكام السلطان في الإسلام، قتالُ الكفّار، أي حرب الدين. وكما فُرّق في الوزارة والولاية بين المقيَّد والمطلَق، كذلك فُرّق في إمارة الجيش: فليس إلى الأمير في الحالة الأولى إلّا قيادة الجُند وتدبير القتال، وأمّا في الثانية فتُجعل إليه كذلك جميع الصلاحيات المتّصلة بأمر الحرب، كقسمة الغنائم وعقد الصلح.
والجُند صنفان: المرتزقة (المستَرزِقة)، وهم الذين يأخذون أرزاقهم من الدولة وتُثبَت أسماؤهم في ديوان الجيش؛ والمُطَّوِّعة، وهم المتطوّعون. وهؤلاء الآخرون من الأعراب والفلّاحين وأهل الأمصار، يخرجون إلى القتال طوعًا بباعثٍ دينيّ أو وطنيّ، فلا رزق لهم مقرَّرًا ولا تُثبَت أسماؤهم في ديوان الجيش، وإنّما يُعانون بالمال من حاصل
1) الماوردي، 47—57.
411الصدقة؛ ولا يجوز أن يُعطَوا من بيت المال شيئًا، كما لا يجوز أن يأخذ المرتزقةُ شيئًا من مال الصدقة (الماوردي، 59).
حقوق الجنديّ وواجباته.
للمقاتل المسلم أن يقتل خصمه الكافر، سواءٌ غلبه في القتال أم صار في قبضته على وجهٍ آخر. وإنّما اختلف الفقهاء في الشيوخ والرهبان وأهل الصوامع خاصّةً: فمنهم من قال يُقتلون، ومنهم من منع ذلك. 1) وفي المقابل يَحرُم قتلُ الأطفال والنساء والعبيد والخدم. فإن شاركت النساء والأطفال في القتال جاز قتلهم ما داموا يُعينون في القتال إعانةً فعليّة، فإذا ولّوا مُدبِرين لم يجز (الماوردي، 68).
وعلى الجنديّ المسلم أن يتوخّى غاية الأمانة عند تسليم الغنيمة، فلا يَغُلّ منها شيئًا. 2) وليس له أخيرًا أن يتأثّر بقرابةٍ أو صداقةٍ كانت تصله من قبل بأحدٍ من الأعداء.
واجبات أمير الجيش.
واجبات أمير الجيش هي: أن يُعِدّ الجُند للمسير وللقتال،
1) يبدو أنّ الإبقاء على رجال الدين كان هو الغالب في أكثر الأحوال. فقد كان العربيّ ينظر إلى رجل الدين نظرَه إلى الدرويش، بشيءٍ من الهيبة الممزوجة بالتطيّر، فلا تَطيب نفسه بالتعرّض له. قارن الواقعة عند فتح سرقوسة، أماري: Storia dei Musulmani della Sicilia, I. p. 403.
2) وقد أثار التزامُ هذه القاعدة التزامًا صارمًا إعجابَ المؤرّخين النصارى. قارن أماري: Storia dei Musulmani della Sicilia, II. p. 71.
412412 ثامنًا: بنية الدولة.
وأن يُعنى عنايةً خاصّة بحسن حال الخيل والدوابّ، وأن يُقلّد النقباء والعُرفاء، وأن يُخرج كلمة السرّ، وأن يُنقّي الجيش ممّن لا يُوثَق به ومن الجواسيس ونحوهم. وعلى قائد الجيش أن يصبر على قتال الكفّار فلا يكفّ عنه حتى يدخلوا في الإسلام فيصير لهم ما لسائر المسلمين وعليهم ما عليهم، أو حتى يُخضَعوا خضوعًا تامًّا، أو حتى يعقدوا صلحًا فينزلوا على أداء الجزية ويدخلوا تحت الحكم الإسلاميّ في عهد الذمّة. على أنّ لأمير الجيش أيضًا، إذا أذن له الخليفة في ذلك، أن يعقد هدنةً إلى أجلٍ معلوم (الماوردي، ص 59 وما بعدها).
أصول أحكام الحرب.
يُلاحَظ في ابتداء القتال ما يلي: الأعداء صنفان: 1. من بلغتهم الدعوة إلى الدخول في الإسلام أو إلى الخضوع، 2. من لم تبلغهم هذه الدعوة بعد. فالأوّلون يجوز الإغارة عليهم من فورها، وأمّا الآخرون فيُدعَون أوّلًا إلى الدخول في الإسلام أو إلى الخضوع وعقد الصلح، فإن لم تُجدِ الدعوة جاز عندئذٍ أن يُبدأ الهجوم عليهم (الماوردي، ص 61).
وإذا أسلم الكفّار ولو في ساحة المعركة أحرزوا بذلك الأمان التامّ على أنفسهم وأموالهم (الماوردي، ص 81).
فأمّا إذا هُزموا وأُخضعوا بقوّة السلاح فهم ونساؤهم
413وأولادهم أسرى حرب، ويجوز بيعهم رقيقًا؛ 1) وللمسلمين كذلك أن يقتلوهم (أي الرجال منهم وحدهم)، أو أن يُفادوا بهم أسرى المسلمين، أو أن يمنّوا عليهم بالعفو.
وآخر ما تقدّم من الوجوه أن يعقد الكفّار مع المسلمين صلحًا. فعليهم عند عقده أن يؤدّوا مبلغًا معلومًا مرّةً واحدة يُعَدّ من غنيمة الحرب، وعليهم فوق ذلك أداء إتاوةٍ سنويّة يتوقّف على انتظام أدائها بقاءُ حال السلم التي منحهم إيّاها الصلح (الماوردي، 82، 83).
ولا يحلّ للمسلمين قطّ أن يقتلوا الرهائن، ولو نقض الكفّار العهد؛ فإنّ الأولى عند الفقهاء العرب أن يُقابَل نقضُ العهد بالوفاء به، لا أن تُقابَل الخيانةُ بالخيانة (الماوردي، 84). فالرهائن يُحبَسون ما دامت الحرب لم تُفتتح، فإذا بدأت الحرب رُدّوا إلى بلادهم؛ فأمّا النساء اللواتي أسلمن في تلك المدّة فلا يُرَدَدْن، وإنّما يُؤدَّى إلى أزواجهنّ المهر لا غير.
وأمّا وجه القتال فحكمه ما يلي: يجوز استعمال آلات الحرب والمَجانيق والعرّادات، والإغارة على مساكن العدوّ وإحراقها أو هدمها؛ ويجوز كذلك قطع نخيل العدوّ وأشجاره، على أن يكون ذلك ممّا يُرجى منه نفعٌ ظاهر،
1) لئلّا يُظنّ أنّ خصوم العرب من النصارى كانوا أرقى منهم حضارةً، أُلحق هنا فقط أنّ قادة الروم أنفسهم كانوا يبيعون الأسرى بيعًا بسيطًا، ويقتسمونهم كما يقتسمون سائر الغنائم. أماري: Storia dei Musulmani della Sicilia, II. 441.
414414 ثامنًا: بنية الدولة.
لا عبثًا بلا فائدة. ويجوز كذلك تخريب آبار العدوّ وعيون مائه، ولو أصاب ذلك النساءَ والأطفالَ بالضرر، لأنّه أقرب ما يحمل الخصم على الخضوع. ويجوز قتل الأعداء، غير أنّه لا يجوز أن يُحرَق أحدٌ حيًّا كان أو ميتًا، ولا أن يُعذَّب، ولا أن تُمثَّل جثّته. وللجُند المسلمين في أرض العدوّ أن يأخذوا ما يجدونه من الطعام والعلف لأنفسهم ودوابّهم من غير أن يُحاسَبوا عليه، على ألّا يأخذوا شيئًا سواه — كالثياب أو الدوابّ — من غير ضرورةٍ ملجئة. فإن ألجأتهم الضرورة إلى ذلك حُوسبوا عليه عند جمع الغنيمة، وحُسِمت قيمتُه من سهمهم منها (الماوردي، 85 وما بعدها).
وتختلف الأحكام في قتال من ارتدّ عن الإسلام، أو خرج في دار الإسلام على سلطان الدولة وحمل السلاح، عن الأحكام في قتال الكفّار.
فمن ارتدّ عن الإسلام، سواءٌ ارتدّ إلى دينٍ تُقرّه الدولة (كالنصرانية واليهودية) أو إلى دينٍ لا تُقرّه (كعبادة الأوثان والمانوية)، فحكمه القتل. 1)
ومال المرتدّ يُصادَر لمصلحة الدولة. غير أنّ الدولة عند أبي حنيفة لا تُصادر من ماله إلّا ما اكتسبه بعد ردّته؛ فأمّا ماله السابق فيؤول إلى ورثته الشرعيّين. وعند أبي يوسف يؤول ماله كلّه بلا استثناء إلى ورثته (الماوردي، 91).
وهذه الأحكام كلّها في المرتدّين إنّما تتناول ما إذا وقع الارتداد أفرادًا متفرّقين؛ فأمّا إذا
1) وهذا الحكم ما زال قائمًا بتمام قوّته في الدول الشرقية الخالصة: فارس والمغرب. وأمّا في تركيا فقد أُبطل منذ زمنٍ بعيد.
415خرج المرتدّون عن الإسلام جماعاتٍ، وانضوت إليهم ناحيةٌ بأسرها، فإنّهم يُدعَون إلى الرجوع إلى الإسلام، فإن أبَوا غُزوا بالحرب وعُوملوا معاملة الكفّار سواءً بسواء. غير أنّه لا تجوز مع المرتدّين هدنةٌ ولا صلح، ولا يجوز استرقاقهم ولا استرقاق أهليهم كما يُسترقّ أهل الملل الأخرى، ولا يجوز أن تُعَدّ أموالهم غنيمةَ حرب، بل هي للدولة أو لورثتهم الشرعيّين (الماوردي، 92—94).
وأمّا أهل البغي فحكمهم ما يلي (96): إن خرجوا أفرادًا متفرّقين اكتُفي في ردّهم إلى الطاعة بالوسائل الإدارية. فإن صاروا فئةً متميّزة تجتمع في ناحيةٍ من البلاد وتتحصّن فيها، لم يُغزَوا ما داموا في طاعة السلطان مؤدّين ما عليهم له. فإن كان الأمر بخلاف ذلك، فمنعوا السلطان الأموال ونصّبوا لأنفسهم إمامًا منهم، وجب أن يُسار إليهم بالجُند (98). على أنّهم لا يُعامَلون في هذا معاملة الكفّار، بل لهم حقوقٌ يُراعَون بها (الماوردي، 100).
وأمّا قُطّاع الطريق واللصوص فعقوبتهم بنصّ آيةٍ من القرآن أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم أو يُنفَوا من الأرض.
يقوم بالقضاء قضاةٌ يولّيهم الخليفة، أو يولّيهم بإذنه الوزيرُ أو الوالي. وشروط من يتقلّد
416416 ثامنًا: بنية الدولة.
القضاء هي: 1) 1. الذكورة والبلوغ. غير أنّ أبا حنيفة ذهب إلى أنّ المرأة يجوز أن تقضي، لكن فيما تُقبل فيه شهادتها شرعًا لا غير. وأمّا الفقيه أبو جرير الطبري فزعم أنّ المرأة يجوز أن تلي القضاء في كلّ شيء. 2. تمام العقل. 3. الحرّية، فالعبد لا يلي القضاء؛ وأمّا المولى فله أن يليه. على أنّ مجرّد الإفتاء جائزٌ للعبد أيضًا، لأنّ عمل المفتي ليس ولايةً من ولايات السلطان. 4. الإسلام، فلا يجوز أن يُقلَّد كافرٌ القضاءَ بين المسلمين ولا بين الكفّار. غير أنّ أبا حنيفة يُجيز أن يقضي الكافر بين أهل ملّته، على ألّا يكون لأحكامه قوّةٌ نافذة. 5. العدالة. 6. سلامة البصر والسمع (على أنّ مالكًا لا يرى العمى مانعًا). 7. العلم بالأحكام الشرعية أصولًا ونظرًا وفروعًا عملية (الماوردي، 110).
ويقع تقليد القاضي على وجهين: بتقليدٍ مكتوب من السلطان أو بتقليدٍ مشافهةً (الماوردي، 114). ولا بدّ مع ذلك من قبول المُقلَّد ورضاه، ويكون ذلك مشافهةً في الحال أو كتابةً بعد ذلك. ولا بدّ في كلّ تقليدٍ من هذا أن يُعيَّن الموضع أو المدينة التي وُلّي القاضي عليها (الماوردي، 116). ثمّ يُشهَر التقليد على الوجه المناسب. وللأمير أن يعزل
1) الماوردي، ص 107.
417القاضي عن رتبته، كما أنّ للقاضي أن يستعفي من عمله (ص 116). والعزل أو الاستعفاء يُشهَران كما يُشهَر التقليد (ص 117). والسلطة التي تُجعل إلى القاضي عند تقليده إمّا عامّة وإمّا مقيّدة. فإن كانت عامّة كانت صلاحياته وواجباته كما يلي: 1. فصل الخصومات والدعاوى، إمّا بالصلح وإمّا بالحكم القضائيّ. 2. استيفاء الحقوق ممّن يمتنع عن أدائها لأصحابها، بعد ثبوتها بالإقرار أو بالبيّنة. 3. إقامة الأوصياء على من مُنعوا من التصرّف في أموالهم: كالمجانين والقاصرين والمحجور عليهم. 4. النظر في الوقوف وتدبير أمرها. 5. تنفيذ الوصايا (بحسب شروط الموصي فيما يُجيزه الشرع). 6. تزويج الأيامى من الأكفاء الصالحين. 7. إقامة الحدود الشرعية على من استوجبها. فإن كانت المخالفة في حكمٍ من أحكام الدين كان الفصل فيها إلى القاضي وحده، وإن كانت في حكمٍ دنيويّ لم ينظر فيها القاضي إلّا أن يرفع إليه المدّعي دعواه. 8. النظر الأعلى في أمر الطرق والأبنية في عمله، حتى لا يُفسد أحدٌ الطرق والساحات بما يُحدثه من الأجنحة أو الأبنية من تلقاء نفسه. 9. النظر الأعلى في أعوان القضاء: الشهود والأمناء والنائبين، يُقلّدهم ويعزلهم. 10. التسوية في أحكامه بين الشريف والوضيع، والقويّ والضعيف، والنبيل والعامّيّ.
418418 ثامنًا: بنية الدولة.
وإلى القاضي كذلك، إن لم يُقلَّد للزكاة عاملٌ خاصّ، جبايةُ هذا المال (الصدقة) وقسمةُ حاصله على مستحقّيه. وأمّا الإمامة في صلاة الجمعة فلا تكون له إلّا إذا لم يُقلّد السلطان لها صاحبَ رتبةٍ خاصّة (الماوردي، 121—122).
فإن لم يُقلَّد القاضي إلّا قضاءً مقيّدًا باشر صلاحياته في حدود ما قُلِّد: فإن وُلّي الفصل في الدعاوى التي تثبت بالإقرار وحدها، أو في الخصومات في الديون دون مسائل النكاح، لم يكن له أن يفصل فيما سوى ذلك (ص 122).
وليس للقاضي أن يقبل هديّةً من أحد الخصوم ولا من أحد أهل عمله، ولو لم تكن له خصومة. وليس له أن يُماطل في الدعاوى، ولا أن يمنع خصمًا من الوصول إليه في وقت راحته من عمله. وليس له كذلك أن يحكم لوالديه أو ولده في دعوى، وله أن يحكم عليهم؛ ولا أن يشهد لهم، وله أن يشهد عليهم؛ وكذلك يَحرُم عليه أن يشهد على عدوّه، ولا يَحرُم أن يشهد له.
وإذا مات القاضي سقطت أعمال أعوانه كلّهم (النوّاب والكتّاب والشهود). وأمّا إذا مات السلطان فلا يُعزَل بموته من ولّاهم من القضاة. 1) فإن
1) وقد كان الأصل المعمول به في الدولة الإسلامية عمومًا أنّ السلطان لا يولّي إلّا أصحاب المراتب العليا (الوزراء والولاة وقوّاد الجيش والقضاة)، وهؤلاء يختارون مرؤوسيهم اختيارًا مستقلًّا. ففي فارس، حيث بقي نظام الحكم الشرقيّ القديم أقلَّ تغيّرًا منه في سائر البلاد الإسلامية، لا يولّي
419اختار أهلُ مدينةٍ خلا فيها منصب القضاء قاضيًا في زمن فترةٍ بين حكمين، كان اختيارهم شرعيًّا؛ ولا يكون كذلك ما دام السلطان حيًّا (ص 128).
نظر المظالم في الإدارة والقضاء من أخصّ ما تفرّدت به نظم الدولة العربية، وإن كان أثره العمليّ قد لا يكون في كلّ حينٍ بقدر خطره النظريّ.
وكان الغرض من هذه المؤسّسة رفعَ ما يقع من التعدّي على الحقوق في مجال الإدارة أو مجال القضاء، وإيصالَ من يشكو من ذلك إلى حقّه. ومن البيّن أنّ من يتقلّد هذا العمل الخطير لا بدّ أن يكون له من مكانته الشخصية، ومن هيبته، ومن شهرته بالنزاهة والعدل، ما يكفي لنفاذ أحكامه نفاذًا تامًّا. فإن كان صاحب هذا العمل قد تقلّد من قبلُ رتبةَ وزيرٍ أو رتبةَ والٍ ذي ولايةٍ عامّة، لم يحتج إلى تقليدٍ خاصّ لمباشرة النظر في المظالم، لأنّ الإشراف على القضاء داخلٌ في منصبه بطبيعته. فإن كان يباشر عمل وزير تنفيذٍ أو والٍ ذي ولايةٍ خاصّة، فلا بدّ من تقليدٍ خاصّ.
وأوّل أميرٍ مسلم نظر فيما يرفع إليه من التظلّمات والاستئنافات والشكاوى عبدُ الملك. وكان في مشكلات المسائل الشرعية
الشاهُ من ضبّاط الجيش إلّا إلى رتبة العقيد، وأمّا ما دون ذلك من المراتب فيتولّى شغله القائد العامّ لا هو.
1) الماوردي، 128—164.
420420 ثامنًا: بنية الدولة.
يُحيل الشكاوى إلى قاضيه أبي إدريس الأوَدي. 1) وبعد هذا الأمير كان عمر الثاني على الخصوص هو الذي عُني عنايةً شديدة بالنظر فيما يرفع إليه من الشكاوى من جَور الأحكام أو من الظلم. واقتدى به من جاء بعده من الخلفاء؛ وكان من العباسيين المهديّ والهادي وهارون الرشيد والمأمون يقبلون هذه الشكاوى في مجالسَ عامّة. وآخر أميرٍ حافظ على هذه السنّة القديمة المهتدي. 2) على أنّ النظر الأعلى في المظالم بقي بعد ذلك أيضًا يقوم به إمّا أصحاب مراتب تُفرَد لهذا الأمر، وإمّا ذوو النفوذ من أهل البلاط ممّن يوكّله الخليفة به على الخصوص. فوقع في أيّام المقتدر أنّ أمّه، وكانت يومئذٍ هي المتحكّمة في الدولة، أذنت لقهرمانتها أن تقبل رقاع الشكوى والتظلّم؛ وكانت هذه بالفعل تجلس كلّ جمعة في التربة التي بنتها أمّ الخليفة في محلّة الرصافة، وحولها الفقهاء والقضاة والأعيان، فتُخرَج أجوبةُ الرقاع إلى أصحابها في المجلس نفسه، وعليها توقيع القهرمانة. 3)
بل انتقل هذا النظام إلى أرض أوروبا نفسها، فإنّ الملك روجر، صاحب صقلّية النورمانيّ، أخذ فيما أخذ من النظم العربية نظامَ ديوان المظالم. 4)
والقاعدة قبل كلّ شيء أنّ من وُكّل إليه رياسةُ ديوان المظالم عليه أن يعيّن يومًا معلومًا يستقبل فيه أصحاب الشكاوى. 5) وينبغي أن يكون
1) المصدر نفسه، 181. 2) الماوردي، الموضع نفسه. 3) ابن تغري بردي، II. 2038. 4) قارن أماري: Storia dei Musulmani della Sicilia III, 445. 5) الماوردي، 134.
421ديوانه مؤلَّفًا على هذا الوجه: 1. أعوانٌ لإحضار الخصوم وحفظ النظام. 2. قضاةٌ وعمّالٌ للنظر في البيّنات الشرعية وفي إجراءات الدعاوى. 3. فقهاءُ لحلّ ما يُشكل من المسائل الشرعية. 4. كتّابٌ ونسّاخٌ لضبط ما يجري في المحاضر. 5. شهودٌ لإثبات ما يقع من الأحكام والقرارات.
وكانت دائرة عمل من يُوكَّل إليه النظر الأعلى في المظالم عند الماوردي هي في جوهرها ما يلي: النظر في تعدّي عمّال الإدارة على الناس، ولا يقتصر في ذلك على ما يرد إليه من الشكاوى والتظلّمات، بل ينظر فيه ابتداءً من غير شكوى؛ والنظر في عمّال المال والخراج وفي كتّاب دواوين الدولة؛ ثمّ في صحّة أداء أرزاق الجُند؛ وردّ ما أُخذ من الأموال بغير حقّ؛ والنظر الأعلى في الوقوف ومراقبتها؛ وإنفاذ ما عجز القضاة عن إنفاذه من الأحكام لضعف سلطانهم وقلّة حيلة أعوانهم؛ ومراقبة من وُكّلت إليهم الحسبة وحفظ النظام العامّ؛ ورعاية شعائر العبادات العامّة وحمايتها، كصلاة الجمعة والأعياد والحجّ والجهاد، والتحرّز من أيّ تفريطٍ في هذه الواجبات؛ والنظر في الخصومات والفصل فيها، على أن تُلتزَم في ذلك أحكام الشرع التزامًا صارمًا، وألّا يصدر حكمٌ يناقض ما عليه القضاة والحكّام من أصول القضاء. 1)
1) الماوردي، ص 141.
422422 ثامنًا: بنية الدولة.
وتختلف صلاحيات صاحب ديوان المظالم وطريقته في القضاء عن صلاحيات القضاة وطريقتهم في مواضع. فليس عليه، كما على القاضي، أن يفصل في الحال في كلّ خصومةٍ تُرفع إليه، بل له أن يؤخّرها حتى يُحيط بالأمر إحاطةً تامّة. وله أن يردّ المتخاصمين إلى ثقاتٍ أو إلى حَكَمين، وليس ذلك للقاضي. وله أيضًا أن يستحلف الشهود من فوره، أو أن يبدأ فيُحضر شهود الطرفين ويسمعهم، على حين يلزم القاضيَ أن يبدأ بسماع شهود المدّعي، على القاعدة: البيّنة على المدّعي. 1)
وقد تتبّع علماء العرب من أهل المذاهب الفقهية المختلفة هذه النظرية في إجراءات القضاء إلى أدقّ تفاصيلها، وصار باب البيّنات على اختلاف وجوهها — بالإقرار، وبالشهادة شفاهًا أو كتابةً، وباليمين، وبالوثائق — مادّةً لبحوثٍ مطوّلة. 2) وكذلك كانت منزلة صاحب ديوان المظالم من القاضي، بما بينهما من وجوه العلاقة، بابًا واسعًا للكلام. والثابت أنّ منزلة صاحب ديوان المظالم كانت أرفع دائمًا من منزلة القاضي؛ فالقاضي تحت نظره ومنه يتلقّى توجيهاته. وكان لصاحب ديوان المظالم أن يفصل في الخصومات بنفسه، أو أن يُحيلها إلى القاضي ليفصل فيها، أو أن يردّها إلى حَكَمين. ولم يكن مقيّدًا في أحكامه بحرفيّة نصّ الشرع تقييدَ القاضي، فقد كان له أن يسمع
1) الماوردي، ص 142. 2) المصدر نفسه، ص 142—160.
423شهود الطرفين، وأخيرًا — وهذا هو الأهمّ — لم يكن عليه أن يحكم بنصّ القانون، بل بمقتضى الإنصاف. 1)
يقع عمل المحتسِب منزلةً وسطًا بين عمل القاضي وعمل صاحب المظالم. وأخصّ واجبات المحتسِب: 1. أن يراقب ألّا تُستعمل مكاييل ولا موازين غير صحيحة. 2. أن يمنع الغشّ في البيع وتزوير السلع. 3. أن يحمل المدينين المماطلين على الوفاء بما عليهم.
على أنّه ينبغي أن يُلاحَظ هنا أنّه لا يتحرّك إلّا بطلب صاحب الحقّ، وليس له أن يأمر بإجراءات الإكراه، كما أنّه لا يجوز له أصلًا أن يصدر عنه حكمٌ قضائيّ محض.
فليس للمحتسِب أن يفصل في المسائل القضائية فصلَ القاضي؛ وإنّما إذا أقرّ المدّعى عليه وكان واجدًا لما يفي به بالتزامه أو يجبر به الضرر، جاز للمحتسِب أن يُكرهه على ذلك. وليس له في المقابل أن يبتدئ إجراءً قضائيًّا، إلّا أن يكون قد قُلِّد ذلك صراحةً، وعندئذٍ يجمع بين عملَي الحسبة والقضاء. وكانت القاعدة العامّة أنّ ولاية المحتسِب تنتهي في كلّ خصومةٍ يُنكر فيها المدّعى عليه أو المتّهم؛ فمتى صار الأمر إلى سماع الشهود وتوجيه الأيمان والنظر في البيّنات، انقطع عمل المحتسِب وابتدأ عمل القاضي.
1) الماوردي، 160: liwäly-lmazälim an jahkoma bilgäfzi duna-lwägib 2) المصدر نفسه، 404 وما بعدها.
424424 ثامنًا: بنية الدولة.
ويُرى من هذا كم بلغ اجتهادهم في ذلك العهد في تحديد صلاحيات الأعمال المختلفة تحديدًا دقيقًا، اتّقاءً للتنازع في الاختصاص.
وفي المقابل كان لصاحب الحسبة أن يتحرّك ابتداءً من غير دعوى سابقة، على حين لا يفتح القاضي باب النظر القضائيّ إلّا بناءً على دعوى.
ويمكن على العموم أن يُقال إنّ مهمّة المحتسِب مراقبةُ حفظ الآداب العامّة، ومنعُ ارتكاب المحرّمات ما أمكن، والنهيُ عنها. وكان عليه على الخصوص أن ينظر في أمر الشعائر، فتُقام الصلوات على وجهها المشروع وتُجتنَب البِدَع. وعليه كذلك أن يتعهّد كلّ ما تحتاج إليه المصلحة العامّة والأمن العامّ من المرافق.
ويُذكر بوجهٍ خاصّ أنّه كان عليه، حفظًا للأخلاق العامّة، أن يلتمس للأيامى أزواجًا يصلحون لهنّ؛ وأن يراقب ألّا تتزوّج امرأةٌ قبل انقضاء العدّة؛ وكان إليه النظر في دعاوى النسب؛ وعليه أن يحمي المماليك والخدم من إساءة مواليهم، وأن يعاقب أصحاب الدوابّ إذا قصّروا في علفها وحمّلوها فوق طاقتها. وعليه فوق ذلك أن يراقب اللقطاء المدفوعين إلى من يكفلهم، حتى يُحسَن كفالتهم، وما أشبه ذلك.
وكان عليه، لدواعي الأمن والآداب، أن يمنع ارتياد المواضع المشبوهة، وأن يراقب ألّا يظهر الرجال في الطرق ولا في المواضع العامّة مع النساء. وكانت القاعدة على الخصوص أن يُعاقَب من باع الخمر علانيةً، وأن يُؤخَذ السُّكارى
425بالحبس؛ ولا تُضرَب الملاهي في المواضع العامّة. 1)
وإزالةُ كلّ ما كان من هذا الباب من المنكرات كانت مهمّة المحتسِب، لكن إذا وقعت علانيةً لا غير؛ فأمّا التجسّس على أسرار البيوت والمساكن الخاصّة فقد كان محظورًا عليه. ولم يكن له أن يبحث عن الأمر ويستقصيه إلّا إذا بلغته أمارات مؤكَّدة على أنّ فعلًا مُوجِبًا للعقوبة يُقصَد إليه، ممّا لا يُستدرَك إذا وقع. وأمّا في سائر الأحوال ممّا هو دون ذلك خطرًا، فالقاعدة أنّ كلّ تجسّسٍ وكلّ تدخّلٍ بغير حقٍّ في شؤون الناس الخاصّة محظور.
وأمّا المعاملات المحرّمة (كالرِّبا والبيوع الفاسدة وما إليها) فكان على صاحب الحسبة منعها والمعاقبة عليها. ومن هذا الباب تزوير السلع، والمغالاة في الأسعار احتيالًا، ونحو ذلك؛ وأشدّه استيجابًا للعقوبة البخسُ في الوزن، والغشّ في الكيل، وتزوير الموازين. فكان للمحتسِب لذلك أن يفحص أوزان التجّار وموازينهم في الأسواق، وأن يضع عليها خاتم التصديق، وأن يمنع استعمال كلّ وزنٍ وميزانٍ غير مختوم.
وكان من واجبات عمله أيضًا أن يراقب ألّا يتأذّى أحدٌ في داره من نظرات جيرانه المتطفّلين، وألّا يبني النصارى بيوتهم أعلى من بيوت المسلمين، وأن يلبس أولئك الغِيار 2) الذي يتميّزون به من المسلمين؛ ثمّ كان عليه أن
1) قارن ما تقدّم ص 39، 40.
2) الغِيار قطعةٌ من ثوبٍ أصفر كان على النصارى واليهود أن يُلحقوها بثيابهم ليتميّزوا من المسلمين.
426426 ثامنًا: بنية الدولة.
يعاقب المسلمين إذا شتموا أهل الملل الأخرى أو أساؤوا إليهم.
وأمّا الحسبة على السوق والطريق فكان ممّا يُعَدّ بالغ الأهمّية فيها ألّا تُبنى الحوانيت بارزةً في الطريق بروزًا يضيّق على المارّة؛ وكذلك لم يُؤذَن ببناء الأجنحة والشرفات والقنوات والمراحيض إلّا إذا لم تُعسّر المرور في الطريق.
وكان على المحتسِب فوق ذلك أن يمنع خِصاء الناس والدوابّ ويعاقب عليه، وأن يستوفي ما يُطلَب من أرشٍ أو عِوَضٍ عن الألم.
وليس هذا الإحصاء لمختلف الأمور الموكولة إلى نظر المحتسِب ورعايته بتامٍّ على أيّ وجه: فأهل النظر من العرب مُغرَقون في التفصيل، وإنّما انتقينا نحن أجدرَ ما فيه بالنظر وأهمَّه من وجهة تاريخ الحضارة. وفي هذا القدر كفايةٌ تامّة لتكوين تصوّرٍ صحيح عن نشاط الحسبة يومئذٍ وأثرها. فبغداد، وقد جاوز أهلُها في زمن ازدهارها المليون، كانت في حاجةٍ إلى شرطةٍ صالحةٍ حازمة.
ولا نزيد قبل أن نختم إلّا خبرًا واحدًا عن الماوردي: كان على المحتسِب أن يُلقي بصره على الزيّ والهيئة، وأن يعاقب على الخصوص أولئك الرجال الذين يصبغون لحاهم الشِّيبَ بالسواد طلبًا للحظوة عند النساء؛ ولم يكن ذلك جائزًا إلّا لأهل الجُند، المجاهدين؛ وأمّا صبغ اللحية بالحنّاء أو الكَتَم صبغًا محمرًّا فمباحٌ لكلّ أحد. 1)
1) وصبغ اللحية ما زال شائعًا اليوم في المشرق عامّةً. تُصبَغ سوداءَ لامعةً أو حمراءَ فاتحةً بالحنّاء.
427قد عرفنا في الفصل الذي عقدناه لنظم الدولة في العهد الأوّل الأبويّ خطوطَ التشريع الماليّ الكبرى. غير أنّ ما نهضت به الدولة من نهضةٍ هائلة في عهد العباسيين استدعى كذلك إتمام التشريع الماليّ، فنهضت مدرسة بغداد الفقهية بهذا العبء بحماسةٍ عظيمة وحِدّةِ ذهنٍ تدعو إلى الإعجاب. فانطلقوا من نظم الدولة في عهد الخلفاء الأوّلين، وكانت عندهم أساسًا شرعيًّا لا يتبدّل، وبنوا عليها نظامًا واسعًا محسوبًا لأحوال الدولة بعد ما لحقها من تغيّرٍ جوهريّ. وهذا ما نحاول الآن عرضه في خطوطه الكبرى، متّخذين الماوردي إمامًا لنا فيه.
وكان دخل الجماعة الإسلامية يَرِد من هذه الموارد: 1. زكاة المال (الصدقة، الزكاة). 2. موارد الدولة العامّة، من إتاوات الأمم المغلوبة، ومن غنائم الحرب، ومن الجزية، ومن العُشور، ومن الخراج.
1. زكاة المال.
زكاة المال فرضٌ على كلّ مسلم، وهي وحدها المال الشرعيّ الذي يؤدّيه عن ملكه، ولا تجب إلّا فيما كان قابلًا للنماء، بنفسه أو بالاستعمال. 1)
والأموال التي تجب فيها إمّا ظاهرة، كالزروع والدور والثمار والماشية،
1) زكاة المال، وتُسمّى أيضًا ضريبة الفقراء، نظامٌ ساميّ قديم كان قائمًا عند العبرانيين بالاسم نفسه (zedakah). قارن Haneberg: die relig. Alterthümer der Bibel, II. Aufl. p. 583. ثمّ Saalschütz: Mosaisches Recht, IV. Aufl. Bd. I. p. 282, 356، وسفر موسى الخامس 14، 28، 29.
428428 ثامنًا: بنية الدولة.
وإمّا باطنة ممّا يسهل إخفاؤه، كالذهب والفضّة وعروض التجارة ونحوها. وليس على العامل أن يوجّه نظره إلّا إلى الصنف الأوّل، وعليه أن يَكِل الصنف الثاني كلّه إلى أمانة الأفراد في أداء ما عليهم. والامتناع عن أداء هذا المال يُعَدّ خروجًا صريحًا على السلطان، ويُبيح استعمال القوّة، بل السلاح.
وأهمّ أصناف الأموال التي تُجبى منها هذه الزكاة ما يلي:
أ) المواشي، وهي الإبل والبقر والغنم. وقد تقدّم بيان الأصول التي تُجبى عليها الزكاة منها. 1)
ب) حاصل النخيل والأشجار المثمرة. وقد اختلفوا فيه: فالشافعيّ لا يوجب الزكاة إلّا في حاصل النخيل والكروم، وسائر الثمار عنده معفوّة. وأبو حنيفة أوجبها في الجميع. على أنّ الوجوب لا يبدأ إلّا إذا صار الثمر صالحًا للأكل؛ فإن اضطُرّ صاحبه إلى الجَذاذ قبل ذلك فلا زكاة عليه. والقاعدة العامّة أنّ ما نقص وزنه عن خمسة أوسق 2) فلا زكاة فيه. وأبو حنيفة لا يضع مثل هذا الحدّ، بل يوجب الزكاة في القليل والكثير. وكانت جباية زكاة الحاصل تجري في العادة على وجه المخارجة بالتراضي: يُقدَّر المتوقَّع من الغلّة خَرْصًا، فإذا قدّم صاحبها ضمانًا حسنًا بأداء حصّة الزكاة على وجهها، تُرك يتصرّف في غلّته كيف شاء.
1) قارن الفصل الثالث، ص 51 وما بعدها. 2) الوَسْق عند أبي حنيفة ستّون صاعًا، والصاع خمسة أرطالٍ وثلثٌ بالعراقيّ.
429ومقدار هذه الزكاة كما يلي: العُشر (10 في المئة) ممّا سُقي من الأرضين بغير آلة، ونصف العُشر (5 في المئة) ممّا يحتاج إلى سقيٍ بآلة. 1)
فإن اختلف العامل وربّ المال في الصنف الذي تدخل فيه الأرض، فالقول قول ربّ المال، وللعامل أن يستحلفه عليه.
وإذا هلكت الغلّة بعد خَرْص العامل لها وقبل أن يتمكّن من أداء الزكاة منها، سقطت الزكاة.
ج) الزروع. عند أبي حنيفة تجب الزكاة في الزروع كلّها، وعند الشافعيّ لا تجب إلّا فيما يُزرَع للقوت. ولا زكاة عنده كذلك في البقول، ولا فيما لا يُقتات به من النبات كالقطن والكتّان.
وتجب زكاة الزروع متى بلغت تمام نمائها، على ألّا تُجبى إلّا بعد الدَّرْس أو التنقية. وما نقص عن خمسة أوسق فلا زكاة فيه؛ غير أنّ أبا حنيفة لا يُجيز هذا الاستثناء.
د) الفضّة والذهب. والزكاة فيهما ربع العُشر، أي 2.5 في المئة. وما نقص عن مئتي درهم فلا زكاة فيه. فمن المئتي درهم تُؤخَذ خمسة دراهم. وأمّا الذهب فتُؤخَذ الزكاة منه من عشرين مثقالًا فصاعدًا، ومقدارها نصف مثقال. والمضروب والخام سواء.
هـ) المعادن. اختلف الفقهاء فيها. فأبو حنيفة أوجب الزكاة في كلّ ما يُطرَق، كالفضّة والذهب والصُّفر والنحاس، وأمّا ما لا يُطرَق ممّا هو سائلٌ أو هشّ
1) الماوردي، ص 204.
430430 ثامنًا: بنية الدولة.
فلا زكاة فيه عنده. وقال أبو يوسف: كلّ ما يُتّخذ للزينة، كالأحجار الكريمة، ففيه الزكاة. وعند الشافعيّ لا تجب الزكاة إلّا في معادن الفضّة والذهب، ولا تجب إلّا في الخالص منها بعد سبكه أو تخليصه. وأمّا مقدار الزكاة فثلاثة آراء: الأوّل أن يُؤخَذ 2.5 في المئة، والثاني 2 في المئة، والثالث أن يُؤخَذ 2 أو 2.5 في المئة بحسب ما يستغرقه استخراج المعدن من نفقةٍ كثيرةٍ أو قليلة.
وأمّا الكنوز الجاهلية التي تُوجَد مدفونةً في الأرض، فالقاعدة أن يُؤدّى منها 2.5 في المئة.
مصارف حاصل زكاة المال. المال المجموع من الزكاة يُصرَف في هذه الوجوه: 1. الفقراء والمساكين؛ وأقصى ما يجوز أن يُعطاه الواحد منهم عند أبي حنيفة ما دون مئتي درهم أو عشرين دينارًا.
2. العاملون عليها، ولهم من مال الصدقة أجرهم. وهؤلاء العمّال إمّا من يتولّى الجباية، وإمّا من يتولّى القسمة بأمرٍ من فوقه. ولهم على ذلك عوضٌ مناسب من مال الصدقة.
3. والصنف الثالث ممّن يستحقّون من مال الصدقة هم الذين جرت العادة أن يُسمَّوا بلفظ القرآن «المؤلَّفة قلوبهم»، أي من استُميلوا إلى الإسلام بالعطايا وغيرها من المنافع. وقد فُهم منهم في العصور المتأخّرة كلّ من يُستعان به في الذبّ عن الدولة، ثمّ من يُراد تحريضه على العمل لمصلحة الدولة الإسلامية، أو استمالتُه ليحمل أهله وعشيرته على الدخول في الإسلام. وكلّ من دخل في صنفٍ من هذه الأصناف
431جاز أن يُعطى من مال الصدقة إن كان مسلمًا؛ فإن كان على دينٍ آخر لم يجز أن يأخذ عوضه من مال الصدقة، بل من بيت المال العامّ.
4. والصنف الرابع الرقيق، يُعطَون من مال الصدقة ما يفتكّون به رقابهم. وعند مالك يُشترى الرقيق أيضًا ليُعتَقوا.
5. والصنف الخامس الغارمون، وهم قسمان: أ) من رَكِبه الدَّين في معاملاته الخاصّة، ب) من رَكِبه الدَّين في مصلحة الدولة والإسلام. وهؤلاء الآخرون تُقضى ديونهم كاملةً.
6. ويدخل في الصنف السادس من يخرجون من المسلمين متطوّعين إلى الجهاد؛ فتُدفَع إليهم نفقة السفر والمعيشة.
7. والصنف السابع أبناء السبيل من الغرباء المعوزين.
وكانت صدقة كلّ مدينةٍ وكلّ كورةٍ تُقسَم دائمًا في موضعها على مستحقّيها، ولا يُنقَل مالها إلى موضعٍ آخر إلّا إذا لم يوجد فيها مستحقّ.
والمحرومون من هذا المال: بنو المطّلب وبنو هاشم من أهل مكّة، لأنّ ذلك لا يليق بمكانتهم، إذ كان النبيّ منهم. وأبو حنيفة يُجيزه لهم مع ذلك. ثمّ لا يُعطى من مال الصدقة كافر، وإن كان أبو حنيفة يُجيز للذمّيّ 1) أن يأخذ منها بقيدٍ معيّن (الماوردي، 214). وكذلك
1) الذمّيّ معناه غير المسلم الداخل في عهد الحماية.
432432 ثامنًا: بنية الدولة.
لا يُعطى منه مملوك، إلّا ما تقدّم من إعانته على فكّ رقبته؛ ثمّ لا حظّ فيه لغنيٍّ ولا لأحدٍ من أقارب العامل الموكَّل بجباية أموال الصدقة وقسمتها.
2. موارد الدولة العامّة (الفيء).
ومن موارد الدولة الأخرى المهمّة ما تؤدّيه الأمم المغلوبة بمقتضى صلحٍ خاصّ أو اتّفاقٍ سلميّ. ويُسمّى هذا الضرب من الأموال: الفيء. ويدخل فيه كذلك ما يشتري به العدوّ من الجُند المسلمين هدنةً، ثمّ الجزية، ثمّ العُشور المأخوذة من بضائع الكفّار إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة، وأخيرًا الخراج.
واختلفوا في وجه صرف هذه الأموال. فذهبوا، بنصّ آيةٍ من القرآن (السورة 59، 7)، إلى أنّ الدخل كلّه يُقسَم خمسة أخماسٍ متساوية، يكون خُمسٌ منها للنبيّ يصرفه كيف شاء.
وهذا الخُمس الموقوف على تصرّف النبيّ (ومن بعده خلفائه) من دخل الدولة العامّ يقسمه أهل النظر من العرب — وهم مُغرَقون في التبويب — خمسة أسهمٍ بحسب مصارفها، على هذا الوجه: أ) للنبيّ نفسه. ب) لذوي قربى النبيّ (بني المطّلب وبني هاشم)، أي لأرزاقهم. ج) لليتامى، د) وهـ) للمساكين وابن السبيل.
433وأمّا الأخماس الأربعة الباقية فكان الرأي الغالب أنّها تُصرَف كلّها في حاجات الجُند وأرزاق الجيش. وعلى رأيٍ آخر تُنفَق منها كذلك سائر نفقات الدولة الإسلامية.
وكانوا يُفرّقون تفريقًا صارمًا بين مستحقّي الصدقة ومستحقّي دخل الدولة العامّ. فالأوّلون هم من لم يكونوا من أهل القتال؛ وأمّا مستحقّو الدخل العامّ فأوّلهم المقاتلة والذابّون عن دار الإسلام.
وكان يجوز أن يتولّى جباية أموال الدولة العامّة رجالٌ من بني المطّلب وبني هاشم، فيلوا أعمال الجباية المُدِرّة، على حين كان ذلك محظورًا عليهم صراحةً في مال الصدقة. ولم يكن لعامل أموال الدولة أن يتولّى قسمتها، لأنّ ذلك إلى الأمير وحده؛ وأمّا عامل الصدقة فكان له أن يتولّى القسمة بنفسه.
وبعد هذه الملاحظات ننتقل إلى أهمّ أبواب دخل الدولة.
أ) الغنيمة.
يدخل في لفظ «الغنيمة»: المأسورون — وهم المقاتلة (الأسرى)، والنساء والأطفال (السبي) — ثمّ الأرضون المفتوحة، وما يُؤخَذ من العدوّ من الأموال.
وأمّا أسرى المقاتلة فالرأي العامّ فيهم أنّ الخليفة هو الذي يقرّر: أيُقتَلون، أم يُباعون رقيقًا، أم يُطلَقون بفداء.
434434 ثامنًا: بنية الدولة.
وأمّا الأسرى من النساء والأطفال فيُلاحَظ فيهم ما يلي: لا يجوز قتلهم إن كانوا على دينٍ منزَّل. وعند الشافعيّ لا يجوز ذلك في الحالة المقابلة أيضًا. وإنّما يُعامَلون معاملة الرقيق ويُقسَمون بين الغالبين، على أنّه يَحرُم التفريق بين الولد وأمّه. ويجوز إطلاقهم بفداء. ولا يجوز للخليفة أن يمنّ عليهم بالحرّية بغير فداء إلّا إذا تنازل الجُند الذين غنموهم عن حقّهم فيهم ورضوا بذلك من قبلُ، أو إذا عوّض الخليفةُ الجُندَ عمّا نقص من سهمهم في الغنيمة بذلك، من بيت المال أو من ماله الخاصّ.
ومن أبى أن يتنازل عن سهمه من الغنيمة لم يُجبَر على ذلك. ولم يكن هذا لازمًا في الأسرى الذكور، لأنّ للخليفة أن يقتلهم، وليس له ذلك في النساء والأطفال. وإذا كان في أسرى الحرب نساءٌ متزوّجات عُدّ النكاح منفسخًا بالأسر؛ إلّا أن يقع أزواجهنّ في الأسر معهنّ، على ما ينفرد به أبو حنيفة.
وإذا استولى الكفّار على مالٍ للمسلمين ظلّ حقّ المِلك للمسلمين قائمًا؛ فإذا استردّه المسلمون بعد ذلك لم يدخل في الغنيمة، بل يُردّ إلى أصحابه الأوّلين.
وإذا أسلم الأبوان الأسيران عُدّ أولادهما الذين لم يبلغوا داخلين في الإسلام تبعًا لهما؛ فإن كانوا قد بلغوا الحُلُم لم يؤثّر ذلك فيهم.
وأمّا الأرضون المفتوحة فحكمها ما يلي: الأرضون المأخوذة من الكفّار ثلاثة أصناف: 1. ما فُتح
435عَنوةً بقوّة السلاح، 2. ما تركه الكفّار فاستولى عليه المسلمون، 3. ما دخل في دار الإسلام بمقتضى صلحٍ أو عهدٍ خاصّ.
فالصنف الأوّل من الأرضين يُقسَم عند الشافعيّ على الجُند كسائر الغنيمة؛ وأمّا مالك فيراه مِلكًا للدولة. وأمّا أبو حنيفة فيقول إنّ الأمر موكولٌ إلى الخليفة، يتصرّف فيه على أيّ الوجهين شاء.
والأرضون المتروكة التي شغلها المسلمون تُعَدّ على رأيٍ أرضَ دولةٍ لا تُباع، وعلى رأيٍ آخر لا تصير كذلك إلّا إذا أعلن الخليفة صراحةً أنّها وقف. على أنّ للأمير كذلك أن يضع على هذه الأرضين خراجًا يؤدّيه أصحابها، مسلمين كانوا أو كفّارًا؛ ويُؤدّى فوق ذلك من الغلّة عُشرُها (10 في المئة).
والصنف الثالث من الأرضين ما دخل تحت السيادة الإسلامية باتّفاقٍ سلميّ، فيُترك أصحابه الأوّلون فيه من غير أن يُتعرَّض لهم، على أن يؤدّوا خراجًا مقرَّرًا عن الأرض، وجزيةً عن رقابهم.
وأمّا سائر ما يُغنَم من الأموال فالقاعدة فيه أن يُقسَم على الجُند بعد أن يُؤخَذ منه الخُمس المجعول للخليفة يتصرّف فيه كيف شاء؛ ويستحقّ منه أيضًا من لم يشهد القتال مباشرةً لكنّه خرج في الغزوة. وللفارس ضِعف سهم الراجل، وعند غيرهم ثلاثةُ أمثاله؛ ويُعَدّ من الفرسان كذلك من ركب البغال أو الحمير أو الإبل أو الفِيَلة. 1)
28*
436436 ثامنًا: بنية الدولة.
ولا يُفرَّق في قسمة الغنيمة بين المرتزقة والمتطوّعة إذا اشترك الفريقان في القتال اشتراكًا فعليًّا. فإن أبلى أحد الجُند بلاءً خاصًّا فسهمه من الغنيمة كسهم غيره، غير أنّه يُكافَأ من بيت المال العامّ.
ب) الجزية.
اختلف الفقهاء في مقدار الجزية. فأبو حنيفة يجعلها ثلاث طبقات: 1. الأغنياء 48 درهمًا، 2. الأوساط 24 درهمًا، 3. الفقراء 12 درهمًا (في السنة؟). وأمّا مالك فجعل للأمير أن يحدّد الأكثر والأقلّ. والشافعيّ لم يحدّد الحدّ الأعلى بل تركه إلى الأمير، وإنّما حدّد الأدنى باثني عشر درهمًا. وكان تقدير أبي حنيفة هو المعمول به في كلّ مكانٍ في القرون الأولى للخلافة.
وإذا تقرّرت الجزية مرّةً بقي مقدارها على حاله لا يتغيّر أبدًا، وليس لأميرٍ متأخّرٍ أن يغيّر هذا الرقم بعد تقريره. وقد أُوصي على الخصوص بالتزام ما عُقد مع أهل الملل الأخرى في ذلك من الشروط التزامًا دقيقًا.
وكان على الأمم المغلوبة كذلك أن تلتزم توقير الإسلام والنبيّ، وألّا تُقدِم على شيءٍ ضدّ الحكم الإسلاميّ. وعليهم أن يتميّزوا في هيئتهم الظاهرة من المسلمين. 2) 3)
1) قارن أبا يوسف: الرسالة، ورقة 11.
2) قارن ما تقدّم ص 60 وما بعدها.
3) وقد أصدر أمراءُ شتّى أوامرَ في زيّ أهل الملل الأخرى. وما زال النصارى واليهود من أهل البلاد في مصر يلبسون إلى اليوم العمامة الزرقاء الداكنة.
437وكانت الجزية تُؤدّى في كلّ سنةٍ بالحساب القمريّ. وإذا دخل الكفّار دار الإسلام في تجارةٍ لم يجز لهم أن يقيموا أكثر من أربعة أشهرٍ من غير أداء الجزية؛ فإن أقاموا أكثر لزمهم أداؤها.
وإذا امتنع أهل الذمّة عن أداء الجزية عُدّ ذلك نقضًا للعهد.
ج) الخراج.
يمكن أن تُقسَم الأرضون في هذا الباب أربعة أصناف: 1. أرضٌ أحياها المسلمون، وهذه فيها العُشر. 2. أرضٌ أسلم أهلها. وهذه أيضًا عند الشافعيّ ليس فيها إلّا العُشر، ولا يجوز أن يُوضَع عليها خراج. وعند أبي حنيفة الأمر موكولٌ إلى رأي الأمير: يجعلها أرضَ عُشرٍ أو أرضَ خراج، وله أن يحوّل أرض الخراج إلى أرض عُشر، وليس له العكس. 3. أرضٌ أُخذت من الكفّار عَنوةً. وهذه عند الشافعيّ تُعَدّ غنيمةً وتُقسَم على الجُند، وعليها العُشر دون الخراج. وعند مالك تكون هذه الأرضون مِلكًا للدولة لا يُباع (وقفًا) ولا يُوضَع عليها خراج. وعند أبي حنيفة القرار إلى الأمير. 4. أرضٌ صالح أهلُها المسلمين على أن يُتركوا في أرضهم على أن يؤدّوا عنها خراجًا.
ويقع في هذا الباب وجهان في العادة: أن يتنازل الأهالي الأقدمون عند عقد الصلح عن حقّ مِلكهم لمصلحة الدولة الإسلامية، ويؤدّوا من ثمّ خراجًا
438438 ثامنًا: بنية الدولة.
مقرَّرًا يجري مجرى أجرةٍ سنوية، يُتركون هم وأعقابهم في مقابلها في أرضهم القديمة. وفي هذه الحالة يبقى عليهم أداء الخراج نفسه ولو أسلموا. وعليهم فوق ذلك أداء الجزية ما داموا على دينهم القديم. وليس لهم أن يبيعوا هذه الأرضين. والوجه الثاني في عقد الصلح أن تُترك الأرضون للأهالي مِلكًا، في مقابل خراجٍ يقوم في الوقت نفسه مقام الجزية. فمتى أسلموا سقط هذا الخراج. ولهم أن يبيعوا أرضهم؛ فإذا صارت بالبيع إلى مِلك مسلم سقط الخراج القديم ولم يبقَ عليه إلّا عُشر الغلّة (10 في المئة).
والمعيار في تقدير الخراج خصوبةُ الأرض والتربة. ويُحسَب في ذلك أيضًا ما تحتاج إليه العمارة والسقي من مشقّةٍ ونفقةٍ قلّت أو كثرت، ثمّ نوعُ الغرس وما يُدِرّه.
وكان توزيع الخراج على الأرضين يقع على ثلاثة أوجه: 1. أن تُمسَح الناحية كلّها ويُقرَّر الخراج على جملة المساحة. 2. أن تُمسَح الأرضون المعمورة ويُقرَّر الخراج على مساحتها. 3. أن يُعمَل بنظام المقاسمة. 1)
ففي الوجهين الأوّلين تكون الجباية بحساب السنة الشمسية. وفي الثالث يكون وقتها عند جمع الغلّة وتنقيتها. وإذا تقرّر الخراج مرّةً على أحد النظامين فلا يجوز أن يُغيَّر
1) قارن في ذلك ما تقدّم ص 278.
439بعد ذلك، بل يبقى كذلك للأبد؛ إلّا أن يطرأ تغيّرٌ في الوقائع الجوهرية التي قُرّر الخراج بحسبها. فإن نقص حاصل الأرض أو زاد بفعل أصحابها وبسببهم، كأن يُهملوا العمارة أو يُحسنوها، بقي الخراج على حاله. فإن نقص الحاصل بغير فعلهم، كأن ينكسر سدٌّ أو تَضحُل قناة، أُزيل المانع من فوره على نفقة الدولة، وخُفّض مقدار الخراج بنسبة ذلك ما دام الضرر قائمًا؛ بل يسقط بتمامه إذا وقع مانعٌ يجعل عمارة الأرض متعذّرةً بالكلّية. وفي المقابل يُجبى الخراج من الأرض الصالحة للزراعة ولو لم تُعمَر أصلًا؛ غير أنّ مالكًا يقول لا يُجبى خراجٌ عن أرضٍ تُركت بغير عمارة، عمدًا كان ذلك أو اضطرارًا. وأبو حنيفة لا يُسقط الخراج إلّا في الحالة الثانية.
وكان يُصار عند تأخّر الخراج إلى الاستيفاء بالتنفيذ الجبريّ: فيُباع على المماطل متاعه أو أرضه، أو تُؤجَّر أرضه ويُؤدّى الخراج من الأجرة. ومن عجز عن عمارة أرضه لزمه أن يؤجّرها أو أن يتخلّى عنها ليعمرها غيره؛ ولا يجوز أن تبقى الأرض بغير عمارة ولو أُدّي عنها الخراج بانتظام.
ورزق العامل الموكَّل بجباية الخراج يُدفَع من حاصل الخراج، كما يُدفَع رزق عامل الصدقة من حاصلها، وكذلك رزق المسّاحين. وأمّا أرزاق القُسّام فقد اختلفوا فيها:
440440 ثامنًا: بنية الدولة.
فعند بعضهم (الشافعيّ وسفيان الثوريّ) تُدفَع من حاصل الخراج أو من الدولة، وعند غيرهم (مالك وأبي حنيفة) نصفها على أهل الخراج ونصفها على الدولة.
أقاليم دولة الخلافة تنقسم من جهة وضعها السياسيّ والإداريّ ثلاثة أصنافٍ: أ) الحرم، وهو مكّة وما حولها، ب) الحجاز، ج) سائر الأقاليم.
أ) يُراد بحرم مكّة ما حولها من الأرض، ممّا يمتدّ من 3 إلى 10 أميالٍ إنكليزية حول المدينة. 1) وهذه الأرض تُعَدّ مقدَّسة.
وهذه على الخصوص هي الأحكام التي تتميّز بها مكّة عن سائر المدن: 1. بيت الله الحرام بمكّة لا يدخله أحدٌ (سوى الخدم) إلّا في الإحرام. 2. أهل مكّة لا يُغزَون، إلّا أن يخرجوا على السلطان الشرعيّ. 3. صيد الحرم لا يُقتَل، ومن قتله خطأً أو جهلًا لزمته الكفّارة المقرَّرة. وفي المقابل يجوز قتل ما يُؤذي من الدوابّ والزواحف والهوامّ. 4. يَحرُم قطع الشجر والشجيرات النابتة من نفسها في أرض الحرم؛ ويجوز في المقابل حصاد زرع المرء وغرسه، كما يجوز ذبح الأنعام والدوابّ. ومن قطع شجرةً تامّة النموّ فكفّارتها بقرة، وفي الشجرة الصغيرة شاة. 5. لا يدخل الحرم
1) الماوردي، 286.
441أحدٌ من أهل الملل الأخرى، ولا يدخله إلّا المسلم الخالص (وأبو حنيفة يُجيز للكافر الإقامة العابرة فيه). فإن دخله واحدٌ منهم عُوقب، ولا يجوز قتله. ودخول بيت الله بمكّة محرَّمٌ على الكفّار (وأمّا سائر المساجد فدخولها مباحٌ لهم؛ وينفرد مالك بتحريمه). 1)
ب) وثمّة أحكام استثنائية شبيهة بهذه، وإن كانت دونها، تسري على إقليم الحجاز كلّه، وفيه المدينتان المقدّستان مكّة والمدينة: 1. لا يتّخذ فيه كافرٌ مسكنًا دائمًا (وأبو حنيفة يُجيزه). ولم يكن له أن يقيم في المكان الواحد أكثر من ثلاثة أيّام. 2. ولا يُدفَن فيه كافر، وإن كان هذا الحكم كثيرًا ما لم يُعمَل به لبُعد المسافات وللصعوبات العملية. 3. ولمدينة النبيّ (المدينة) حرمُها، وهو أصغر من حرم مكّة، تحدّه اللابتان؛ فلا يُقتَل فيه صيدٌ ولا تُقطَع شجرة (وأبو حنيفة يُجيز الأمرين). 4. وأرض الحجاز كلّها تنقسم صنفين: أرضٌ كانت مِلكًا للنبيّ فحبسها وقفًا على وجوه البرّ العامّة؛ وأرضٌ تؤدّي عُشر الغلّة (10 في المئة) لا غير، وهي معفوّة من كلّ خراج. 2)
ج) وسائر الأقاليم، عدا حرم مكّة والحجاز، تنقسم أربعة أصناف: 1. أقاليمُ أسلم أهلها، وهذه ليس عليها إلّا عُشر الغلّة (10 في المئة). 2. أقاليمُ
1) الماوردي، 286. 2) المصدر نفسه، 291.
442442 ثامنًا: بنية الدولة.
أحياها المسلمون، وهذه عليها كذلك عُشر الغلّة (10 في المئة). 3. أقاليمُ صارت إلى مِلك المسلمين بالفتح، وعليها عُشر الغلّة (10 في المئة). 4. أقاليمُ لم يُسلم أهلها بل عقدوا صلحًا وأدّوا الخراج. 1)
1. حقّ السلطان في التصرّف والإقطاع. 2)
للسلطان أن يتصرّف في الأرضين التي لا مالك لها. والأرض التي يُقطعها السلطان على هذا الوجه للأفراد يجب أن تُعمَر وتُزرَع في مدّةٍ معيّنة؛ فإن لم يقع ذلك سقط حقّ صاحبها ورجعت إلى تصرّف السلطان.
والأرض التي للأمير فيها حقّ التصرّف المطلق أنواع. فقد أُخذ عند فتح البلاد كثيرٌ من النواحي إمّا على أنّه خُمس الغنيمة الذي يعود إلى الدولة، وإمّا بأن أُعلن أرضَ دولةٍ برضا الجُند.
وأرض هذا الصنف لا يجوز أن تُقطَع مِلكًا، بل تُؤجَّر لا غير، لأنّها مِلك دولةٍ لا يُباع. وهناك أخيرًا أرضٌ كثيرة انقرض أصحابها فآلت إلى الدولة. وهذه أيضًا للخليفة أن يُقطعها، إمّا في مقابل أجرةٍ سنويةٍ مقرَّرة، وإمّا في مقابل ثمنٍ يُدفَع مرّةً واحدة.
1) الماوردي، 299. 2) الماوردي، 330.
443وكان ثمّة إقطاعُ استغلالٍ أيضًا، وصورته أن يكون للمُقطَع له أن يقبض لحسابه ما كان يجب أن يدخل من هذه الأرضين إلى بيت المال. على أنّه يُلاحَظ هنا أنّ عُشر الغلّة (10 في المئة) لم يجز قطّ أن يُجعَل على هذا الوجه لرجلٍ خاصّ، وإنّما جاز الإقطاع بالخراج وحده. وكان هذا يجري على الخصوص في العسكريين، إذ كان يجوز أن يُجعَل لهم حاصل خراج أرضين بعينها (بدل الأرزاق)، على ألّا يكون ذلك إلّا لعددٍ معيّنٍ من السنين. 1) فإذا مات المُقطَع له قبل انقضاء الأجل المقرَّر بطل الإقطاع ورجع حقّ التصرّف إلى الدولة. فإن خلّف أرامل وأيتامًا أخذوا أرزاقهم، ولم يجز أن يبقوا مثبَتين في ديوان أرزاق الجُند.
وقد وقع ضربٌ آخر من الإقطاع بالخراج، لا يسري في حياة المُقطَع له وحدها بل يسري في عقبه أيضًا؛ غير أنّ الماوردي يُعلن هذا الضرب (من الإقطاع الموروث) مخالفًا للشرع، لأنّه يُخِلّ بحقوق بيت المال.
وأمّا الحوالة بأرزاق موظّفي الدولة المدنيّين على حاصل الخراج فحكمها ما يلي: من لم يكن مستخدَمًا استخدامًا دائمًا ثابتًا بل عابرًا، كجباة الخراج وغيرهم من مستخدَمي الدولة، فلا يجوز إقطاعه بالخراج، وإنّما يُعَدّ ذلك حوالةً بسيطة (بأرزاقهم لمدّةٍ معيّنة) على دخل الدولة من
1) قارن ما تقدّم ص 255، 285.
444444 ثامنًا: بنية الدولة.
الخراج. وأمّا من كان مستخدَمًا استخدامًا ثابتًا فإنّ الحوالة بأرزاقهم على حاصل الخراج لا تُعَدّ إقطاعًا، بل حوالةً بالرزق لا غير، كما هي الحال في الأئمّة والمؤذّنين. وأمّا من كانوا في خدمة الدولة على وجه الثبات لا لمدّةٍ معيّنة، وبتقليدٍ خاصّ، كالقضاة والحكّام وكتّاب الديوان، فقد جاز أن يُحال بأرزاقهم على حاصل الخراج لأكثر من سنة، وكان ذلك في الجيش على الخصوص. وأمّا موظّفو الدولة المدنيّون فقد نصّ أحد علماء أحكام السلطان صراحةً على أنّ ذلك غير جائزٍ فيهم، لأنّ الواحد منهم قد يُعزَل، فليس من الحصافة أن يُحال له بالرزق سلفًا لأكثر من سنة.
2. في المعادن والمناجم. 1)
ما ظهر من كنوز الأرض، كالكُحل والملح والقار والنفط، يجري مجرى الماء الذي هو مشترَكٌ بين الناس جميعًا. فلا يجوز أن تُعَدّ مِلكًا خالصًا لأحد، وللناس كافّةً أن ينتفعوا بها بقدر حاجتهم. وأمّا ما بطن من كنوز الأرض ممّا لا يُستخرَج إلّا بالعمل، كالفضّة والذهب والنحاس (الصُّفر) والحديد، فلا يجوز عند بعض الفقهاء أن يُقطعه السلطان إقطاعًا؛ وأجازه غيرهم.
3. إحياء الموات وحفر القنوات الجديدة. 2)
كانت القاعدة الثابتة في أحكام الإدارة الإسلامية أنّ من أحيا أرضًا مواتًا
1) الماوردي، 341. 2) الماوردي، 308.
445فقد مَلَكها. ولا يُشترَط في ذلك إذنُ السلطان أصلًا. على أنّ أبا حنيفة يقول إنّ هذا الإذن لازمٌ في الإحياء.
ويُراد بلفظ الموات الأرضُ غير المعمورة ولا المسكونة، التي لا سقي لها — يزيد أبو حنيفة هذا القيد.
والأرض المُحياة لا يجوز أن يُوضَع عليها خراج، بل العُشر لا غير.
ولمّا كان السقي بالغ الأهمّية للزراعة، عُني الفقهاء العرب مبكّرًا بأحكامه، اتّقاءً للخصومات أو فصلًا فيها. فالانتفاع بالأنهار الكبيرة الطبيعية حرٌّ للناس كافّةً، كما هو بدهيّ: لكلٍّ أن يسقي حقله بأن يشقّ منها قناة. 1) وكذلك مجاري الماء الصغيرة الطبيعية، إذا كان ماؤها كافيًا، فالانتفاع بها مباحٌ للجميع؛ غير أنّه إذا أُريد شقّ قناةٍ منها وجب أن يُنظَر أوّلًا: هل يلحق أهلَ الجوار من ذلك ضرر؟ وأمّا الأنهار الصغيرة التي لا يكفي ماؤها إلّا للحقول المجاورة، فالقاعدة فيها أن يقع السقي بالتناوب: تُسقى الحقول العليا أوّلًا، فيُحبَس الماء لذلك بسدٍّ ويُساق إلى الحقول، ثمّ يُرسَل إلى الأرض التي تليها، وهكذا على الترتيب نزولًا مع المجرى. 2)
وأمّا الأنهار المشقوقة ومجاري الماء الصناعية فهي مِلكٌ لمن أنشأوها معًا وعلى نفقتهم لسقي أرضهم. ولهؤلاء في هذه الحال أن يمنعوا كلّ من سواهم من الانتفاع
1) الماوردي، ص 313. 2) الماوردي، ص 314.
446446 ثامنًا: بنية الدولة.
بها. ومِلكهم مِلكٌ مشترك، فليس لأحدهم أن يقيم عَبّارةً ولا أن يحبس الماء من غير أن يتّفق مع شركائه قبل ذلك.
وهذه الأحكام نفسها تسري على القنوات المبنيّة.
وأمّا الآبار فقد قُرّرت أحكامها بعنايةٍ لا تقلّ عن ذلك. وكثيرًا ما كانت الآبار تُجعَل، كما هو شائعٌ اليوم في المشرق كلّه، وقفًا لوجوه البرّ، يشرب منها المارّة بغير مقابل. وفي هذه الحال ينتفع بها كلّ أحد. وأمّا البئر يحفرها المرء لنفسه، كما يفعل الأعراب إذا نزلوا مرعًى مدّةً من الزمن، فهي في هذه الحال في تصرّف حافرها ما دام ينتفع بها؛ فمتى كفّ عن الانتفاع بها صارت مباحةً للناس عامّةً. ومن حفر بئرًا في أرضٍ مواتٍ لا مالك لها مَلَكها ومَلَك حريمها. 1)
واختلف الفقهاء في مقدار هذا الحريم. فأبو حنيفة يجعله خمسين ذراعًا حولها؛ وأبو يوسف من أربعين إلى خمسين ذراعًا. وأمّا العيون فأحكامها في الجملة كأحكام الآبار. غير أنّ حريم العين، وهو مِلكٌ لمن وجدها، يُقدَّر عند أبي حنيفة بخمسمئة ذراع، أي عشرة أمثال حريم البئر. ويُرى من هذا أنّهم قصدوا إلى ترغيب الناس في حفر الآبار واكتشاف العيون الجديدة، فجعلوا لذلك جائزةً معلومة،
1) الماوردي، ص 317 وما بعدها.
447إذ ضمنوا لحافر البئر وواجد العين حقّ المِلك على ما حولها من الأرض.
4. حِمى الدولة. 1)
يُراد بحِمى الدولة ناحيةٌ من الموات يخصّها السلطان بغرضٍ معيّن، فلا يجوز إحياؤها ولا عمارتها. وكانت هذه النواحي تُسمّى الحِمى، وأكثر ما كانت تُتّخذ مرعًى لماشية الدولة أو لدوابّ الجُند. غير أنّ هذا الاختصاص بحبس المراعي الواسعة على مثل هذه الأغراض كاد ينقطع في العصور المتأخّرة. فلم تعد الدولة في حاجةٍ إلى أن تُعلن نواحيَ غير معمورةٍ حِمًى، لأنّها كانت تملك منذ الفتوح الأولى أرضينَ واسعة تكفيها لكلّ غرض.
5. المرافق العامّة.
يُراد بالمرافق في أحكام الإدارة العربية انتفاعُ الناس كافّةً انتفاعًا حرًّا بالأسواق العامّة والساحات وحريم المدن المفتوح والخانات العامّة ونحو ذلك.
ويُلاحَظ في البادية والأرضين غير المسكونة أنّ أوّل ما يدخل في الاعتبار هنا الانتفاعُ بالخانات (الكاروانسرايات) والعيون. وهذه ينبغي أن تبقى مباحةً على الدوام لكلّ عابر سبيل، وليس على السلطان إلّا أن يتعهّدها بالصيانة الحسنة.
وضربٌ آخر من الانتفاع هو الانتفاع بالساحات الخالية أمام المباني والمساكن. فإن نشأ عن ذلك ضررٌ للسكّان،
1) الماوردي، ص 312 وما بعدها.
448448 ثامنًا: بنية الدولة.
كان على السلطان أن يمنعه، إلّا أن يرضى به أصحاب الشأن الأقربون أنفسهم. وكذلك الحكم في الانتفاع بحريم المساجد ودور العبادة؛ فلا يُباح إلّا إذا لم يكن فيه ضررٌ ولا تعويقٌ لأصحاب الشأن الأقربين، وهم المصلّون.
والضرب الثالث من الانتفاع هو الانتفاع بالساحات العامّة والطرق؛ والفصل في هذا إلى السلطان وحده.
وأمّا العلماء والفقهاء الذين يتّخذون في المساجد ودور العبادة مجالسَ للتدريس أو للفتوى، فالنظر الأعلى في ذلك إلى السلطان. غير أنّ العُرف هو الذي يقرّر: هل يلزم لمثل هذه الوظائف الدينية في المساجد ولاستعمال داخلها في هذه الأغراض إذنٌ خاصّ من السلطان أم لا؟ 1)
الغرض من نقابة الأشراف ومهمّتها صون أهل بيت النبيّ وأعقابهم من أن يتحكّم فيهم من ليس كفؤًا لهم.
ويُقلَّد النقيبُ إمّا من الخليفة، وإمّا من نائبه: وزيرِ التفويض، أو والي الإقليم، أو نقيبِ النقباء إذا جُعلت له
1) وإنّما يُقلّد السلطان الأئمّة في الغالب لا غير. وكانت حرّية التدريس في المساجد تامّة؛ فمن رأى في نفسه أهليةً لذلك جلس يُلقي دروسه إن وجد من يسمع له.
2) الماوردي، ص 164.
449صلاحيةُ تقليد نقباءَ فرعيّين في المدن. والنقباء صنفان دائمًا: نقيبٌ يُقلَّد على الطالبيّين (العلويّين)، وآخر يُقلَّد على العباسيّين. 1) وكانت هذه الرتبة لا تُجعَل في العادة إلّا لأشرف رجال البيت كلّه وأرفعهم قدرًا. وصلاحياته إمّا مقيَّدة وإمّا مطلقة. فالنقيب ذو الصلاحيات المقيَّدة ليست له سلطة في القضاء المدنيّ ولا في العقوبات، وليس له أن ينظر إلّا في شؤون النقابة، وهي: أن يُمسك سجلّات الأنساب ويصحّحها، ويُثبت فيها الوفيات والمواليد إثباتًا دقيقًا، وأن يراقب أن يعيش أفراد البيت جميعًا على وجهٍ يليق بانتسابهم إلى النبيّ. وعليه أن يُعينهم في حقوقهم ودعاواهم وأن ينوب عنهم فيها، وأن يحرص على ألّا تتزوّج الأرامل منهم بغير كفء، بل بالأكفاء. وعليه أن يَعِظ أفراد بيته ويقوّمهم إذا اقترفوا ذنبًا، من غير أن يعاقبهم بدنيًّا. وعليه أخيرًا أن يراقب ما وُقف عليهم من الأوقاف وتدبيرَها، وأن يتولّى قسمة حاصلها بينهم.
وأمّا النقيب ذو الصلاحيات العامّة فله فوق ما تقدّم: أن يفصل في الخصومات
1) وقد كانت هذه الرتبة الشريفة قائمةً في عهد الأمويّين. فقد قلّد معاويةُ نقيبًا على الهاشميّين. قارن ابن خلدون: التاريخ العامّ III. 134. فالظاهر إذن أنّه لم يكن يومئذٍ إلّا نقيبٌ واحد. وقد بقيت هذه الرتبة إلى أيّامنا في تركيا، غير أنّها فقدت كثيرًا من هيبتها القديمة. فصديقي الشيخ النحّاس ببيروت، وهو صاحب النقابة هناك، يجمع إليها عملًا متواضعًا هو تعليم الصبيان.
450450 ثامنًا: بنية الدولة.
بين أفراد بيته ويحكم فيها، وأن يدبّر أموال القاصرين، وأن يقيم الحدود؛ وعليه أخيرًا أن يحجر على المجانين والمعتوهين وضعاف العقول.
فإن لم تُجعَل للنقيب سلطة القضاء صراحةً بقي الفصل في الخصومات إلى القاضي المختصّ.
وهذه الأصول نفسها التي تقدّم بيانها في النقباء تسري كذلك على من تُقلّدهم الدولة رياسةَ قبائل العرب وفِرَق البدو. فهم يمارسون على أهل قبائلهم من السلطة ما يمارسه النقباء على أهل بيوتهم. 1)
2. الإمامة في الصلاة الجامعة. 2)
الإمامة في الصلاة ثلاثة أضرب: 1. في الصلوات الخمس اليومية. 2. في صلاة الجمعة. 3. في صلاة النَّدْب. 3)
فأمّا الإمامة في الصلوات الخمس اليومية فحكمها بحسب المساجد. ففي مسجد السلطان، أي الجامع الكبير حيث تُقام صلاة الجمعة العامّة في العادة، يُقلّد السلطانُ الأئمّة، ولا يجوز أن يؤمّ غيرُهم
1) كما هي الحال إلى اليوم في تركيا وفارس معًا، حيث تجعل الحكومة إلى رؤساء القبائل الرُّحَّل القضاءَ والرياسة العليا على القبيلة كلّها.
2) الماوردي، ص 171.
3) صلاة النَّدْب، أي الصلوات المندوبة، هي — في مقابل الصلوات الخمس اليومية المفروضة على كلّ مسلم، وفي مقابل صلاة الجمعة — تلك التي لا تُؤدّى إلّا في مناسباتٍ بعينها، وليست فرضًا بل ندبًا.
451ما داموا قادرين على القيام بعملهم. وللإمام المقلَّد على هذا الوجه أن يُقلّد المؤذّنين من جهته. والأئمّة والمؤذّنون معًا يجوز أن يُفرَض لهم رزقٌ من بيت المال، وينفرد أبو حنيفة بالمنع. وأمّا مساجد العامّة التي يبنيها الناس لأنفسهم وعلى نفقتهم في محلّات المدينة أو في القرى، فليس للسلطان أن يُقلّد أئمّتها، بل تختارهم الجماعة بنفسها؛ فإن لم تتّفق على الاختيار عيّن السلطان الإمام.
والأمر في الإمامة في صلاة الجمعة على خلاف ذلك. فأبو حنيفة وأصحاب مدرسة العراق يرون أنّها من الشعائر الواجبة، وأنّها لا تُقام على وجهها إلّا بحضور السلطان أو من يُنيبه عنه. وأمّا الشافعيّ وفقهاء مدرسة الحجاز فيقولون إنّ تقليد إمامٍ خاصّ لها مندوبٌ لا غير، وإنّ حضور السلطان أو نائبه ليس شرطًا لازمًا في صحّة الصلاة.
وأمّا صلوات النَّدْب، كصلوات العيدين الكبيرين الخمس، وصلاة الخسوف والكسوف، وصلاة الاستسقاء ونحوها، فتقليدُ إمامٍ خاصّ لها مندوب.
وكان على الإمام في الصلوات التي يُذكَر فيها السلطان أن يلبس السواد، شعارَ البيت الحاكم (العباسيّين). وليس ذلك واجبًا بحكمٍ دينيٍّ خاصّ، غير أنّ تركه — كما يزيد الماوردي — غير سائغٍ مراعاةً
29*
452452 ثامنًا: بنية الدولة.
للحاكم، لئلّا يتحمّل صاحبه شبهةَ المعارضة للبيت الحاكم. 1)
3) إمارة ركب الحاجّ. 2)
هذا العمل، وكان يُعَدّ من أرفع مناصب الشرف، وكثيرًا ما تولّاه الخلفاء أنفسهم، وإن كان يُجعَل في العادة إلى كبار أصحاب المراتب في الدولة (كوليّ العهد وأمراء البيت الحاكم ونحوهم)، ضربان: 1. تدبير ركب الحاجّ وقيادته إلى مكّة وفي العودة. 2. تدبير الشعائر التي تُؤدّى بعد الوصول إلى مكّة وأثناء الإقامة بها. وكثيرًا ما جُعلت هاتان الوظيفتان إلى شخصين مختلفين، لأنّ القيام بالثانية يستدعي علمًا شرعيًّا ومعرفةً دقيقةً على الخصوص بمناسك الحجّ. فصاحب المرتبة الموكَّل بمجرّد تدبير ركب الحاجّ وقيادته، وكان يُسمّى في العادة أمير الحجّ، كانت مهمّته: أن يدبّر سير الركب، وأن يعيّن المنازل وساعات الرحيل، وأن يتعهّد أمن الركب. وعليه فوق ذلك أن يفصل بين الحجّاج فيما يقع بينهم من الخصومات؛ وأمّا الأحكام القضائية فليس له أن يُصدرها وينفّذها إلّا إذا قُلِّد القضاء على الخصوص. وهو في هذه الحال القاضي المختصّ في كلّ خصومةٍ تقع بين أهل الركب.
وكان يقيم فوق ذلك الحسبة والعقوبات، على أنّه لا يتجاوز التوبيخ إن لم يُؤذَن له صراحةً في إيقاع الحدود والتعزير.
1) الماوردي، 171—185. 2) المصدر نفسه، 185.
453فإن كان الركب في مدينةٍ فيها قاضٍ للجنايات، لم يفصل أمير الحجّ إلّا فيما وقع من الجنايات قبل دخول المدينة؛ وأمّا ما وقع منها في المدينة نفسها فالقاضي المختصّ بتلك المدينة هو صاحبه وحده. وعليه أخيرًا أن يتعهّد وصول الركب إلى مكّة في وقته، فلا يفوته الميقات المقرَّر لأداء المناسك.
فإذا بلغ أمير الحجّ بالركب مكّة سالمًا انقطعت سلطته على من لم يعد يريد الرجوع مع الركب نفسه؛ وأمّا الآخرون فتبقى صلاحياته عليهم على حالها إلى العودة إلى الوطن. وكان الطريق في العودة يُؤخَذ في العادة على المدينة، ليزور الحجّاج قبر النبيّ بها، وإن لم يكن ذلك فرضًا واجبًا كالحجّ.
فإن امتدّت مهمّة أمير الحجّ إلى المناسك في مكّة نفسها، أمّ الناس في الصلوات، وكانت عليه واجبات إمام الصلاة الجامعة نفسها.
حادي عشر: تنظيم ديوان حساب الدولة. 1)
مهمّة دواوين الدولة، عند الماوردي، أربع: 1. إثبات الجُند وأرزاقهم في السجلّات (أي مسك حساب أمر الجُند). 2. إثبات خراج الأقاليم وأموالها. 3. إخراج سجلّات التقليد والعزل لعمّال الدولة. 4. مسك حساب دخل الدولة ونفقاتها.
1) الماوردي، 343.
454454 ثامنًا: بنية الدولة.
وكان على رأس الديوان، وهو الذي يشغل في نظامنا الإداريّ موضع وزارتَي المالية والداخلية معًا، كاتبُ الديوان. وواجبات عمله كما يلي: 1. أن يحفظ الأحكام الشرعية. 2. أن يُثبت جباية أموال الدولة. 3. أن يراقب الدفوع. 4. أن يراجع حسابات عمّال المال. 5. أن يفصل فيما يرد إليه من التظلّمات من الإجراءات المالية. 1)
1. مسك حساب أمر الجُند.
يُثبَت في ديوان الجيش كلّ جنديٍّ بعينه إثباتًا دقيقًا، وتُؤخَذ حِليته اتّقاءً للالتباس، وليمكن نداؤه عند قسمة الأرزاق. ويُلحَق كلّ جنديٍّ بنقيبٍ أو عريفٍ يلتزم إحضاره متى طُلبت خدمته. 2) ويُرتَّب الجُند في ديوان الجيش بحسب قبائلهم وبطونهم. فإن كان الجُند من العرب الخُلّص رُتّبوا بحسب قبائلهم وبحسب قربها من قبيلة النبيّ؛ فإن لم يكونوا عربًا ولم يكن لهم نظام أنسابٍ ثابتٍ كالعرب، أُثبتوا بحسب أجناسهم أو بحسب بلادهم، فيُثبَت الترك والهنود والديالمة أجناسًا متميّزة، ثمّ يُقسَم كلّ جنسٍ منها إلى فروعه.
1) الماوردي، 370.
2) وهذا يتعلّق بالإجازات، وكان الجُند يعودون فيها إلى قراهم ولا يبقى إلّا إثباتهم في السجلّ ليُستدعَوا عند الحاجة.
455وأمّا الأرزاق فالقاعدة فيها أن تُقدَّر تقديرًا يكفي لما لا بدّ منه من المعيشة، ويُراعى في ذلك على الخصوص: كم من أهله يعول الجنديّ، وكم يمسك من الخيل والدوابّ، وهل الغلاء غالبٌ في الموضع الذي رُتّب فيه أم الرخص. ويقع دفع الرزق مرّةً أو مرّتين في السنة، بحسب ما إذا كانت الدولة تجبي خراجها في السنة مرّةً أو مرّتين.
وإذا سِيرَ بالجُند إلى العدوّ فامتنعوا عن القتال سقط حقّهم في الرزق. وإذا هلكت دابّة الجنديّ في الميدان عُوّض عنها، وكذلك إذا تلف سلاحه في القتال؛ إلّا أن يكون قد أُلزم عند تقدير رزقه أن يتكفّل بسلاحه وعُدّته بنفسه. وهذا الأصل نفسه يجري في نفقات السفر: فإن لم تُراعَ في تقدير رزقه استحقّ العوض، وإلّا فلا.
وإذا مات الجنديّ أو قُتل في القتال استحقّ ورثته ما بقي له من الرزق. واختلف الفقهاء: هل لأهله الذين خلّفهم حقٌّ في استمرار الرزق أم لا؟ فعلى رأيٍ يستحقّون استمرار الرزق ويبقَون مثبَتين في ديوان الجيش؛ وعلى رأيٍ آخر يُعانون من حاصل العُشر ومن زكاة المال (الصدقة).
واختلفوا كذلك: هل يستمرّ رزق من صار من الجُند عاجزًا عن القتال أم لا؟ فمنعه قوم، لأنّ الجنديّ لم يعد يُقدّم للدولة خدمةً فلا حقّ له في الرزق. وقال آخرون
456456 ثامنًا: بنية الدولة.
إنّ رزقه يستمرّ، تحريضًا لسائرهم.
2. مسك الحساب فيما لبيت المال من الحقوق والأموال في مختلف نواحي البلاد.
يقول الماوردي في ذلك ما يلي: يُفرَد في السجلّات كلّ عملٍ إداريٍّ على حدة، وتُقيَّد كُوَرُه وفروعه بدقّة، مع ما يجري عليها من الأحكام المختلفة؛ فإن جرت على أرضين مختلفةٍ من الكورة أحكامٌ ماليةٌ مختلفة أُفردت كلّ واحدةٍ منها.
ويُذكَر فوق ذلك عند كلّ مدينةٍ: هل دخلت صلحًا بعقدٍ خاصّ بها، أم فُتحت عَنوةً؛ ثمّ هل على أرضيها خراجٌ أم عُشرٌ لا غير، وهل تجري كلّها على حكمٍ واحدٍ في ذلك أم على أحكامٍ مختلفة. 1)
وتُقيَّد أرض العُشر في دواوين العُشر، وأرض الخراج في دواوين الخراج. فالصنف الأوّل لا تلزم فيه المساحة، لأنّ أهله يؤدّون من الغلّة؛ وأمّا الصنف الثاني فالمساحة فيه لازمة، لأنّ أهله يؤدّون بحسب مساحة الأرض. ويُحقَّق فوق ذلك في أرض الخراج: هل يُجبى الخراج عينًا أم نقدًا؟ ففي الحالة الأولى يُذكَر، بعد وقوع المساحة، مقدارُ المقاسمة الواجب أداؤه خراجًا: الربع أو الثلث أو النصف من الغلّة ونحو ذلك.
1) ولا شكّ أنّ هذه السجلّات الرسمية استُعين بها في وضع أقدم الكتب الجغرافية.
457ويجب أن يُذكَر في السجلّ فوق ذلك كم عدد أهل الذمّة المقيمين في كلّ كورة، كما تُقيَّد الأموال الموضوعة عليهم.
ثمّ تُعيَّن، عند وصف الأقاليم التي فيها معادن، تلك المعادنُ، لتتمكّن الدولة من استيفاء ما يحقّ لها من حاصلها.
وأمّا النواحي المتاخمة لدار الحرب فيُقيَّد في سجلّات الديوان بدقّة: ما الذي يُجبى على الحدّ عند إدخال البضائع من الأرض الأجنبية، ويُثبَت في السجلّات عهدُ الصلح المتعلّق بذلك، ومقدارُ المكس على الوارد؛ فإن اختلف باختلاف أنواع البضائع قُيّد هذا أيضًا.
ويُمنع منعًا شديدًا أن تُجبى مكوسٌ داخلية على انتقال البضائع بين أقاليم دار الإسلام ونواحيها.
3. مسك الحساب في تقليد عمّال الدولة وعزلهم.
يقع تقليد العمّال إمّا من السلطان مباشرةً، وإمّا من الوزير ذي التفويض المطلق، وإمّا من والٍ جُعل له حقّ التقليد.
ويُراعى في تقليد العمّال ذوي التفويض المطلق وذوي الصلاحيات القضائية (الاجتهاد) شرطان: أ) الحرّية، ب) الإسلام. وأمّا الأعمال التي لا يرتبط بها اجتهاد فيسقط فيها هذان الشرطان (فيجوز أن يُستعمَل فيها غير الأحرار وأهل الملل الأخرى). ويُعيَّن في كلّ تقليدٍ من هذا دائرةُ العمل بدقّة، ثمّ مدّة الخدمة. ويُفرَّق في هذا الأخير
458458 ثامنًا: بنية الدولة.
بين الأعمال المؤقّتة والأعمال الدائمة. ويجوز عزل العامل عن عمله في كلّ وقت. وفي المقابل، إذا استُعمل برزقٍ مقرَّرٍ لمدّةٍ معيّنة، لم يجز له أن يستعفي قبل انقضاء الأجل. فإن استُعمل بغير رزقٍ مقرَّر جاز له أن يكفّ عن العمل بعد إعلامٍ سابق. وإذا استُعمل إلى أجلٍ معلوم انتهى عمله بانقضائه. وإذا وقع الاستعمال بغير تحديد مدّة، بقي على عمله ما لم يعزله من ولّاه.
4. مسك حساب دخل الدولة ونفقاتها.
كلّ دخلٍ يعود إلى الجماعة الإسلامية ولا حقّ لمسلمٍ بعينه فيه فهو لبيت المال؛ وكلّ نفقةٍ تجب في مصلحة المسلمين العامّة فهي على بيت المال.
وأمّا ما يلزم خزانة الدولة من الحقوق، فكلّ التزامٍ ليس جوهريًّا للمصلحة العامّة يسقط إذا خلت الخزانة. وأمّا الالتزامات التي تُنشئ حقًّا تامًّا في ذمّة بيت المال، كأرزاق الجُند وثمن السلاح والخيل والدوابّ، فتبقى نافذةً شرعًا ولو لم يكن عند بيت المال في حينه ما يؤدّي به المستحقّ في الحال، بل تُعَدّ هذه الحقوق ديونًا يجب قضاؤها متى وجد بيت المال لها سبيلًا. وأمّا الأموال التي لا تُنفَق إلّا في وجهٍ من وجوه البرّ أو المنفعة العامّة فتسقط بنفسها متى فُقدت الوسيلة إليها. فإن كان على بيت المال أداءاتٌ يترتّب على تركها ضررٌ كبير بالدولة، جاز أن يُستقرَض
459على حساب بيت المال؛ وعلى كلّ من يخلف الأمير الذي عقد القرض أن يقضي هذا الدَّين متى وُجد في بيت المال ما يقضيه.
فإن بقي في بيت المال فضلٌ بعد حساب النفقات كلّها، حُفظ عند أبي حنيفة احتياطًا للطوارئ. وأمّا الشافعيّ فيرى أن يُقسَم هذا الفضل لمصلحة جماعة المسلمين، وأن يتحمّل المسلمون كافّةً نفقات ما يطرأ من الحوادث.
ثاني عشر: أحكام الشرطة والجنايات. 1)
الأفعال الموجِبة للعقوبة تُعاقَب، بحسب ما إذا كانت مخالفةً للشرع (القرآن والسنّة) أو مخالفةً لضوابط الحسبة لا غير، إمّا بالحدود التي قرّرها الشرع، وإمّا بالتعزير.
والقاعدة العامّة أنّه لا يجوز حبس أحدٍ لمجرّد التهمة بفعلٍ موجِبٍ للعقوبة، كما لا يجوز إكراه أحدٍ بالقوّة على الإقرار. 2)
وتثبت إدانة المتّهم إمّا بالإقرار وإمّا بالبيّنة. فإذا قامت البيّنة قُدّرت
1) الماوردي، 375 وما بعدها.
2) هذا الأصل الشرعيّ قلّما عُمل به في المشرق، غير أنّ قدرة الفقهاء المسلمين في القرن الحادي عشر من تاريخنا على وضع مثل هذه النظريات تقيم الدليل على مبلغ ما سبقت به حضارةُ المشرق يومئذٍ حضارةَ أوروبا.
460460 ثامنًا: بنية الدولة.
العقوبة؛ وهي تُقضى على ارتكاب فعلٍ محرَّم كما تُقضى على ترك فعلٍ واجب.
ونبدأ بالنظر في الأفعال الموجِبة للعقوبة من جهة الدين.
1. الأفعال الموجِبة للعقوبة من جهة الدين.
أشدّ جرائم هذا الباب الردّة، أي الخروج عن الإسلام. وعقوبة من لا يتوب حتى آخر لحظةٍ القتل.
ومن لم يصم الصوم المفروض حُبس لا غير، ومُنع الطعام والشراب مدّة الصوم.
ومن امتنع عن أداء زكاة المال المفروضة أُخذت منه جبرًا.
وأمّا ترك الحجّ المفروض فلا عقوبة عليه بحال.
2. الأفعال الموجِبة للعقوبة من غير جهة الدين.
الزنا. وعقوبته المقرَّرة كما يلي: أ) إذا وقع بين شخصين لم يتزوّجا: مئة جلدة. ويزيد بعض الفقهاء على الرجل منهما النفيَ سنةً. والشافعيّ يمدّ هذا الحكم إلى المرأة أيضًا، على أن يكون النفي إلى مسافة أربعٍ وعشرين ساعةً من السير عن موضع سكناها على الأقلّ. ب) وإذا وقع بين من سبق لهما الزواج فترمّلا، فالعقوبة مئة جلدةٍ والرجم. — وعقوبة المملوك نصف عقوبة الحرّ، أي خمسون جلدة. ج) والمتزوّج إذا زنى فعقوبته الرجم حتى الموت. وهذا في المسلم والكافر سواء. غير أنّ أبا
461حنيفة يخالف في ذلك ويقول: لا يُعاقَب الكافر إلّا بمئة جلدة. وكذلك المملوك لا يُرجَم، وإنّما يُعاقَب بالجلد.
ولا تثبت البيّنة على الزنا إلّا بالإقرار أو بأربعة شهود عِيانٍ متّفقين على الأقلّ. ومن أقرّ ثمّ رجع عن إقراره قبل إقامة الحدّ سقط الحدّ.
فإذا وقع الرجم بمقتضى بيّنةٍ قائمة كان ذلك على هذا الوجه: تُحفَر للمذنب حفرةٌ تبلغ نصف قامته وتمنعه من الفرار؛ فإن أفلح في الفرار مع ذلك جاز أن يُتبَع ويُرجَم.
وأمّا إذا وقع الرجم بناءً على إقراره هو فلا تُحفَر حفرة، فإن ولّى هاربًا لم يجز أن يُتبَع.
السرقة. إذا سرق بالغٌ تامّ العقل مالًا لغيره محرَزًا له قيمةٌ معلومة، قُطعت يده اليمنى من المفصل؛ فإن سرق ثانيةً قُطعت رجله اليسرى من المفصل؛ فإن سرق ثالثةً فعند أبي حنيفة لا يُقطَع منه عضوٌ آخر، وعند الشافعيّ تُقطَع يده اليسرى، وفي السرقة الرابعة رجلُه اليمنى. واختلفوا في المقدار الذي تُقطَع فيه اليد. فالشافعيّ يذهب إلى أنّ كلّ ما جاوز قيمة ربع دينارٍ فهو سرقةٌ موجِبة. وأبو حنيفة يجعل الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه عشرة دراهم (أو دينارًا واحدًا)، فلا تُقام عقوبة القطع فيما دون ذلك. وقدّر آخرون هذا
462462 ثامنًا: بنية الدولة.
المقدار، بحسب ميلهم إلى التشديد أو التخفيف، بأربعين درهمًا (أربعة دنانير)، أو بخمسة دراهم، أو حتى بثلاثة دراهم.
وكانت العقوبة تختلف كذلك باختلاف نوع الشيء المسروق. فالشافعيّ يقول إنّ القطع يقع في كلّ سرقة، وأمّا أبو حنيفة فيقول إنّ ما كان في أصله مباحًا لا مالك له، كالحطب والحشيش وصيد البرّ، لا يقع فيه القطع. وقال بذلك أيضًا في الأطعمة الطريّة كلّها ونحوها. والشرط الأساسيّ في أن يُعَدّ الفعل سرقةً أن يكون المسروق في مِلكٍ وحِرز. فإن لم يكن كذلك لم يُعَدّ أخذُه سرقةً ولم تُقَم عقوبة القطع.
شرب الخمر. كان ينبغي في الحقيقة أن يدخل جرم شرب الخمر في باب الجرائم المخالفة للشرع، لأنّ القرآن حرّمها. فكلّ شرابٍ مسكر، خمرًا كان أو غيره، حرام، ويُعاقَب شاربه. 1) وأبو حنيفة يُفرّق بين الخمر والنبيذ، فلا يعاقب إلّا على شرب الأولى. والعقوبة أربعون جلدة، وقد تُضاعَف. ومن تناول الخمر دواءً لم يُعاقَب؛ وكذلك السكران لا يُعاقَب ما لم يُقرّ هو بنفسه، أو تقم عليه شهادة رجلين بأنّه شرب الخمر عالمًا قاصدًا.
القذف واللِّعان. 2) عقوبة من رمى غيره بالزنا بغير بيّنةٍ ثمانون جلدة. فإن
1) قارن رسالة عمر الثاني الرعوية في النهي عن شرب الخمر، في Culturgeschichtl. Streifzügen، ص 68. 2) الماوردي، 390.
463كان القاذف مملوكًا فعقوبته النصف. وهذه العقوبة نفسها تجري على المسلم وعلى غيره من أهل الملل، وعلى الرجال كما تجري على النساء. ولا تُقبَل شهادة من ثبت عليه القذف، إلّا أن يتوب ويُصلح.
ومن رمى امرأته بالزنا عوقب كذلك، إلّا أن يلجأ إلى صيغة اللِّعان؛ وهي أن يقول في المسجد من على المنبر، أو قائمًا إلى جانبه، بحضرة القاضي وأربعة شهود، ما يلي: «أُشهِد الله أنّي صادقٌ فيما أرمي به امرأتي من الزنا بفلانٍ، وأنّ هذا الولد من زنًا وليس منّي!» — يكرّر هذه الصيغة أربع مرّات، ثمّ يزيد: «لعنة الله عليّ إن كنتُ كاذبًا فيما رميتُها به من الزنا بفلان، ومن أنّ هذا الولد من زنًا وليس منّي». — فإذا قال هذه الصيغة سقطت عنه عقوبة القاذف، وعوقبت امرأته إن لم تُبدِ استعدادها لدرء ذلك عن نفسها؛ وصورته أن تقول: «أُشهِد الله أنّ زوجي كاذبٌ فيما رماني به من الزنا بفلان، وأنّ هذا الولد منه وليس من زنًا». تكرّر هذه الصيغة أربع مرّات، ثمّ تزيد: «عليّ غضب الله إن كان زوجي هذا صادقًا فيما رماني به من الزنا بفلان». فإذا قالت المرأة هذه الصيغة خرجت بغير عقوبة، وعُدّ النكاح مفسوخًا إلى الأبد.
464464 ثامنًا: بنية الدولة.
وأمّا إذا رمت المرأة زوجها بالزنا فإنّها تُعاقَب، وليس لها أن تستعمل صيغة اللِّعان في وجهه.
3. الدِّيَة وجبر الضرر في الأفعال الموجِبة للعقوبة.
الجنايات على النفس ثلاثة أضرب: 1. العمد، 2. الخطأ، 3. شبه العمد.
فالجناية على النفس عمدٌ إذا وقع القتل قصدًا بآلةٍ قاطعة أو بآلةٍ تقتل بثقلها. وعقوبته إمّا قتل القاتل على يد أولياء المقتول، وإمّا أداء الدِّيَة إن رضي بها أولياء المقتول وتنازلوا عن القصاص. ويكفي أن يقول وليٌّ واحدٌ منهم بقبول الدِّيَة. ويُفرَّق عند الشافعيّ تفريقًا جوهريًّا بين أن يكون القاتل أو المقتول مسلمًا أو كافرًا، حرًّا أو مملوكًا؛ فإذا قتل مسلمٌ كافرًا، أو حرٌّ مملوكًا، لم يُقَم القصاص. وأمّا أبو حنيفة فقال بخلاف ذلك، وذهب إلى أنّ المسلم إذا قتل كافرًا، والحرّ إذا قتل مملوكًا، أُقيم على القاتل حكم القصاص. 1) ونفس المرأة كنفس الرجل، ونفس البالغ ليست بأكثر من نفس الطفل، ونفس العاقل المكلَّف كنفس غير المكلَّف. غير أنّ
1) الماوردي، 392، 393. وهذه — على حدّ علمي — أوّل مرّةٍ يُنطَق فيها في المشرق بمساواة الناس جميعًا أمام القانون.
465الفصل الثامن: بنية الدولة. 465
ولا يجري القصاص في جريمة القتل التي يرتكبها الأبُ في حقّ ولده، أو الأخُ في حقّ أخيه.
أمّا القتل الخطأ المحض فلا يوجب قصاصًا، كمن يرمي إلى الهدف فيصيب إنسانًا وما أشبه ذلك. غير أنّ الدية تلزم في مثل هذه الحالات، ويؤدّيها أقربُ أهلِ عشيرة الجاني، أي عاقلتُه (1)، وتُؤدّى الدية أقساطًا في ثلاث سنين تُحسَب من يوم الوفاة. ويشترك القاتل في الأداء بالنسبة نفسها التي يشترك بها أهلُ عشيرته. والحصّةُ التي يلزم كلَّ موسِرٍ أداؤها في مثل هذه الحال نصفُ دينار، أو ما يعادلها من قيمة بعير؛ ومن كان في ماله من الطبقة الوسطى أدّى في السنة ربعَ دينار. وأمّا الفقير فلا شيء عليه بطبيعة الحال.
والديةُ عن القتل الذي يقع على مسلمٍ حرٍّ، إذا كان مَن تلزمهم موسِرين،
Nota 1. يُراد بلفظ «العاقلة» جميعُ الأشخاص المقيَّدين في الديوان نفسه من دواوين الجباية، إمّا لانتسابهم إلى طبقة المقاتلة، وإمّا لأنّهم يأخذون عطاءً من بيت المال؛ وإلّا فعاقلةُ الرجل هم أهلُ قبيلته أو أهلُ بيته، ثمّ مواليه من أعلى ومن أسفل. فإن كان الرجل ساكنًا في مدينةٍ أو قرية، كان جميعُ سكّان تلك المدينة أو القرية المقيَّدين في الديوان عاقلتَه. Ibn Khallikan’s Bibliographical Dictionary, translated by Baron Mac Guckin de Slane, II. p. X. وعلى ما ذكره Querry: Droit musulman, II. 673 يُراد بلفظ «العاقلة» الأقاربُ الذكور من جهة الأب. — وهذه المسؤوليةُ العامّة التي تحملها القبيلةُ كلُّها عن كلِّ فردٍ من أفرادها بقيّةٌ لافتة من نظام القبيلة الموغل في القدم، وهو النظام الذي سبق طورَ تكوين الدول، وقد بقي في المشرق إلى يومنا هذا تامًّا أو قريبًا من التمام.
466466 الفصل الثامن: بنية الدولة.
ألفُ دينارٍ من الذهب، أي 12,000 درهم (وعند أبي حنيفة، وهو يحسب الدينار بعشرة دراهم، 10,000 درهم)، أو مئةُ بعيرٍ من الإبل ذواتِ الخمس سنين؛ إذ كان تقديرُ الدية في الأصل بالإبل (1). وديةُ المرأة نصفُ ذلك. وقد اختلفت آراءُ الفقهاء في دية النصرانيّ أو اليهوديّ: فهي عند أبي حنيفة كدية المسلم، وعند مالكٍ النصف، وعند الشافعيّ الثلث. وديةُ المجوسيّ ثلثا عُشرِ دية المسلم، أي 800 درهم. وديةُ المملوك قيمتُه، على أن تنقص أبدًا عن دية الحرّ بعشرة دراهم على الأقلّ.
ولم تكن الديةُ تجري في القتل العمد إلّا في حالٍ واحدة: أن يرضى بها أقربُ أولياء المقتول ويتنازلوا عن طلب الثأر (2). وكانت ديةُ العمد في أقدم العهود خمسًا وعشرين من بنات المخاض، أي إناث الفصلان التي جاوزت السنة الأولى، ثمّ خمسًا وعشرين من بنات اللبون، أي إناث الإبل التي دخلت في السنة الثالثة، ثمّ خمسًا وعشرين حِقّة، أي من الإبل ذوات الأربع سنين، ثمّ خمسًا وعشرين جَذَعة، أي من الإبل ذوات الخمس.
أمّا القتلُ الذي يحمل ظاهرَ الخطأ فبيانه كما يلي: يقصد المرءُ فعلًا من غير أن يريد قتلَ صاحبه، ثمّ يفضي فعلُه إلى موته، كأن يرمي رجلٌ رجلًا بحجرٍ فيصيبه إصابةً يموت منها.
Nota 1. عند القُدوري يجوز أن تُبدَّل المئةُ بعيرٍ بعشرة آلاف درهم، أو مئتَي بقرة، أو ألفَي شاة، أو مئتَي حُلّة. ومن هذا يمكن استخراجُ مقارناتٍ طريفة في نسب القيم.
Nota 2. أمّا العملُ الجاري اليوم في المحاكم التركية فقوامه أنّه متى أعلن واحدٌ فقط من أقرب أولياء المقتول قبولَه الديةَ وتنازلَه عن القصاص (talio)، امتنع إيقاعُ القصاص. وقد بلغني حكمٌ من هذا الضرب في أثناء آخر مقامٍ لي في الشام (1870).
467الفصل الثامن: بنية الدولة. 467
ففي مثل هذه الحالات لا يجري القصاص، وإنّما تؤدّي عاقلتُه الديةَ لا غير، وهي الديةُ المغلَّظة، أي الزائدة نقدًا بمقدار الثلث على غيرها (الماوردي، 394، 395).
وديةُ القتل الذي يقع عن عمدٍ مغلَّظةٌ كذلك.
وأمّا الجناياتُ على الأطراف فيجري فيها القصاصُ تامًّا: فاليدُ باليد، والرجلُ بالرجل، والإصبعُ بالإصبع. فإن تنازل المجنيُّ عليه عن حقّه في القصاص وجبت الدية، وقد وُضع لذلك جدولٌ خاصٌّ في التعويض: فاليدان تجب فيهما الديةُ كاملةً (مئةُ بعير)، واليدُ الواحدة نصفُ الدية (خمسون بعيرًا)، وكلُّ إصبعٍ عُشرُ الدية، أي عشرةُ أبعرة؛ وكلُّ مفصلٍ من الإصبع ثلاثةُ أبعرةٍ وثلثٌ أو ما يعادلها من المال، إلّا الإبهام فتجب فيه خمسةُ أبعرة.
وحُسبت الرجلان بمثل ما حُسبت به اليدان؛ ولكلّ إصبعٍ من أصابع الرجل خمسةُ أبعرة.
وفي العينين تجب الديةُ كاملةً (مئةُ بعير، أو 10,000 درهم)، وفي كلٍّ منهما النصفُ وهلمَّ جرًّا.
وثمّة أحكامٌ نظيرةٌ تقدّر الديةَ في عددٍ كبيرٍ من الجنايات الأخرى على البدن، ممّا قلَّ شأنُه أو عظُم (1). على أنّ من لزمته تبعةُ دمٍ — سواءٌ أزهق نفسًا عن عمدٍ أم عن مصادفة — عليه فوق أداء الدية
Nota 1. انظر Querry: Droit musulman II. p. 541. والفقهُ الشيعيّ لا يختلف في هذا الباب اختلافًا جوهريًّا عن الفقه السنّيّ.
*30
468468 الفصل الثامن: بنية الدولة.
أن يؤدّي كفّارةً دينية. ولم يوجبها أبو حنيفة إلّا في القتل الخطأ. وهذه الكفّارةُ الدينية عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ سليمةٍ من العيب. فإن عجز عن ذلك صام شهرين، فإن لم يستطع أطعم فقيرًا سنتين.
وإذا انتهى الأمرُ إلى إيقاع القصاص، فليس لوليّ المقتول أو الجريح ولا لأقرب أوليائه أن ينفرد بتنفيذه إلّا بإذنٍ خاصٍّ من السلطان؛ وفي القصاص من الطرف لا يجوز أن يتولّى المجنيُّ عليه بنفسه إجراءَ القطع في الجاني. أمّا إذا كان القصاصُ عن قتلٍ فللسلطان أن يأذن لوليّ المقتول أو أقربِ أوليائه أن يتولّى بنفسه قتلَ الجاني، إن كان فيه من الثبات ما يحتاج إليه ذلك؛ ويكون القتلُ بسيفٍ حادّ. وفي غير هذه الحال يُجري السلطانُ التنفيذَ (على يد السيّاف) (1).
وأمّا عقوباتُ التعزير فيقال فيها ما يلي: يقع التأديبُ في الجرائم التي لم يقرّر لها الشرعُ المنزَّل عقوباتٍ مخصوصة. ولذلك تشتدّ عقوباتُ التعزير وتخفّ بحسب منازل الأشخاص. وكان أكثرُها وقوعًا عقوبةَ الحبس.
وذهب عبد الله الزُّبَيري، وهو من أصحاب مذهب الشافعيّ، إلى أنّ أطولَ مدّةٍ للحبس على وجه الاستبراء شهرٌ واحد، وعلى وجه العقوبة ستّةُ أشهر. ومن استحقّ عقوبةً أشدَّ نُفي من البلد، إن كان قد أغرى غيرَه بالجريمة نفسها. على أنّ هذا النفي لا ينبغي أن يستغرق سنةً كاملة، ولذلك جرت العادةُ أن يُجعل سنةً إلّا يومًا،
Nota 1. الماوردي p. 399.
469الفصل الثامن: بنية الدولة. 469
والعلّةُ في ذلك ألّا تلتقي هذه العقوبةُ بعقوبة الزنا، وهي التغريبُ سنةً كاملة. وعند مالكٍ يجوز أن يتجاوز الحبسُ السنة. ومن كان من سَفِلة الناس جاز ضربُه أيضًا. وعند الشافعيّ لا يجوز أن تزيد الجَلَداتُ في حقّ الحرّ على تسعٍ وثلاثين، حتّى تكون عقوبةُ التعزير هذه دون العقوبة الشرعية في شرب الخمر، وهي أربعون جَلدة. وعند أبي حنيفة لا تزيد الجَلَدات (في التعزير) على تسعٍ وثلاثين، في الحرّ والمملوك سواءً بسواء، وعند أبي يوسف لا تزيد على خمسٍ وثلاثين. وبحسب عِظَم الجُرم أو صِغَره يُحكم إمّا بأعلى عدد الجَلَدات وإمّا بما دونه، على ألّا ينزل عن العشر. وصفةُ العقوبة أن يقع الضربُ بعصًا أو بسَوطٍ تُكسَر ثمرتُه. ويجوز في عقوبات التعزير هذه أن يُصلَب المرءُ حيًّا؛ على ألّا تزيد هذه العقوبةُ بحالٍ على ثلاثة أيام، ويُباح للمعاقَب في أثنائها الطعامُ والشراب. ويجوز كذلك في الجرائم التعزيرية أن يُشهَّر بالمعاقَب ويُنادى على جرمه، إذا عاد إليه ولم يتب.
وعُدّ جائزًا كذلك أن يُحلَق شعرُ الجاني، دون لحيته. وأكثرُ الفقهاء على أنّه يجوز تسويدُ وجوه المعاقَبين، وأنكر آخرون هذا الضربَ من العقوبة وعدّوه غير جائز.
وبهذا نختم عرضَنا لنظريات القوم المحمّديين في أحكام الدولة والإدارة، ولا يبقى علينا إلّا أن ننبّه إلى أنّ الأمور كثيرًا ما جرت في العمل على غير ذلك تمامًا، إذ:
رماديةٌ، يا صديقي العزيز، كلُّ نظريةٍ وخضراءُ شجرةُ الحياة الذهبية.
470التاسع. الشريعة والفقه.
1. نشأة الفقه.
كما أحسنت الدولةُ الناشئة أن تهتدي إلى صور كيانها السياسيّ بسرعةٍ تُدهش، كذلك وُفّقت لا أقلَّ من ذلك إلى تنظيم أحوالها الحقوقية. والعربُ هم الشعب الوحيد في مطلع القرون الوسطى الذي قدّم في تطوير فكرة الحقّ وتحريرها تحريرًا علميًّا أعمالًا تدنو في عظمتها ممّا أنشأه الرومان، مشترعو العالم.
وقد تعلّق بالشؤون الحقوقية جانبٌ غيرُ يسيرٍ من ذلك الوحي المزعوم أنّه إلهيّ، الذي ألقاه محمّدٌ إلقاءً مرتجَلًا في لحظات الهياج الشعريّ، أو في تقلّب أحوال نفسه على امتداد سيرةٍ حافلةٍ بالحوادث، وأكثرُه بلا ترابطٍ داخليّ. وكانت الأحكامُ الواردة في كتابهم المقدّس في هذا الباب أعلى مصادر القضاء عند المؤمنين، وأمنعَها في نظرهم عن الطعن. فكان القرآنُ إذن أوّلَ أسس الحقّ كلِّه في الدولة المحمّدية وأقدسَها.
وكلّما نهضت من الأحوال الأبوية في العهود الأولى دولةٌ ضخمة، اشتدّ الإحساسُ بضرورة استنباط الصيغ الفقهية والحدود المناسبة لأحوالٍ جديدةٍ كلَّ الجدّة. وكان محمّدٌ قد اتّخذ مقامَه الدائم في المدينة،
471الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 471
تلك البُليدة الصغيرة في شمال الجزيرة، التي آوته مكرِمةً وهو لاجئٌ فقيرٌ طردته مدينتُه واضطهدته. وهنا، في أيام ظفره، لم يتولَّ الأمرَ نبيًّا فحسب — أو رسولًا لله كما كان يسمّيه أصحابه — بل مارس أيضًا جميعَ واجبات الأمير الدنيويّ المطلق وصلاحياته.
وكان القضاءُ يومئذٍ مقرونًا بذلك، تمامًا كما كان في الأزمنة الكتابية. فأحكامُه التي أصدرها في تلك المناسبات عُدّت سوابقَ قاطعة، وسدّت تلك الثُّغَر الكثيرة التي يُظهرها القرآنُ من الوجهة التشريعية. ولم تكن أقضيتُه وحدها هي النموذج، بل كان سلوكُه كلُّه في حياته العامّة والبيتية قاعدةً حرص المؤمنون على تقويم سيرتهم بها. بل إنّ سكوتَ المشرِّع، وإقرارَه الضمنيّ في وقائعَ بعينها، رُوعيا بعنايةٍ وصارا للمسلمين الأتقياء ميزانًا في نظائر تلك المناسبات.
وهكذا صارت حياةُ رسول الله وأقوالُه وأحكامُه وأفعالُه وإقرارُه الضمنيّ، بل حتى موقفُه السلبيّ، ثانيَ مصادر الحقّ أهميةً بعد القرآن في الدولة العربية الإسلامية الفتيّة.
فانضمّ إذن إلى الشرع المكتوب، وهو ماثلٌ في القرآن المعدود وحيًا إلهيًّا مباشرًا، مصدرٌ آخر مكمِّلٌ للحقّ لم يُنقَل إلّا مشافهةً: هو الروايةُ عن أقضية رسول الله، وعن أقواله وأفعاله، وعن ردّه أو إقراره أو سكوته في مواضعَ بعينها. وجملةُ هذه الرواية سُمّيت
472472 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
باسم السنّة، في حين سُمّي كلُّ خبرٍ منها على انفراده حديثًا، أي رواية.
ولمّا مضى محمّدٌ لسبيله، تولّى خلفاؤه من بعده مهامَّ القضاء كما تولّاها هو، طوالَ ذلك العصر الذي أطلقنا عليه اسمَ العصر «الأبويّ»؛ وحيثما أعوزهم القرآنُ أو السنّة التمسوا أن يقضوا بما يحسبون أنّ النبيّ كان يقضي به في مثل تلك الواقعة (1). ولعلّهم أصابوا في أكثر الحالات إصابةً قريبةً من الصواب، فإنّ الخلفاء الأربعة الأوّلين كانوا أقربَ الناس إلى محمّدٍ رحمًا وألصقَهم به صحبةً، وقد أورثتهم مخالطتُه سنينَ طوالًا معرفةً حميمةً بأفكاره كلِّها وبمذهبه في التفكير جملةً، وبتصوّره لأشدّ أحوال الحياة تباينًا. وبعد هؤلاء الرجال الذين تعاقبوا على قيادة الجماعة العربية التي صارت في سنواتٍ قلائلَ دولةً عالمية، كان ثمّة عددٌ غيرُ قليلٍ من أشدّ أنصار الإسلام نفوذًا وحماسة، انفردوا بوصفهم تلاميذَ النبيّ باحتكار رواية السوابق من سيرة سيّدهم وأستاذهم في المعضلات. وعلى ضمان أسمائهم أدرجت الجماعةُ المؤمنة هذه الروايات أيضًا لَبِناتٍ جديدةً في بناء السنّة وسيرة النبيّ، وهو بناءٌ ما لبث أن بلغ أبعادًا هائلة. بل إنّ أزواج النبيّ أنفسهنّ، وقد حظين بعد وفاته بتوقيرٍ عظيم، وكثيرًا ما سُئلن بوصفهنّ «أمّهاتِ المؤمنين» عن أحوال حياة سيّدهنّ الراحل، أسهمن بأوفر نصيبٍ في ذلك.
Nota 1. أمّا الرواياتُ عن أقضية الخلفاء الأوّلين فقد سُمّيت باسم «الآثار». وقد عُدّت هي أيضًا مصدرًا من مصادر الحقّ.
473الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 473
حتّى الصحابةُ الأقلُّ شأنًا — وهو اسمٌ أُدرج فيه كلُّ من لقي النبيَّ ولو مرّةً واحدة، وعددُ هؤلاء يجاوز ألوفًا كثيرة — رَوى كلٌّ منهم لنفسه ما جرى له مع رسول الله، وساقوا كلماتٍ مفردةً زعموا أنّهم سمعوها منه، فأثروا بذلك عددَ الأخبار الدائرة إثراءً لا حدَّ له. ولا ينبغي أن يُنسى أنّ شخص محمّدٍ أحاطت به عقب وفاته مباشرةً هالةٌ من القداسة زاخرةٌ بالأساطير، فنال كلُّ مسلمٍ عاش معه زمنًا طال أو قصر نصيبَه من هذا التوقير الخُرافيّ. وكانت حروبُ الفتح في العقود الأولى من الإسلام قد بدّدت أتباعَه في أقاصي البلاد. فمنهم من صار من ذوي الثراء الفاحش بفضل الظفر، ومنهم من خدم في الجُند: فكان لفارس وبابل والشام ومصر وإفريقية نصيبُها من «صحابة النبيّ»، وكانوا بهذه الصفة يزدادون جاهًا كلّما تخلخلت صفوفُهم. غير أنّ كلًّا منهم كان يحرص على أن يُعِدّ لنفسه طائفةً من الذكريات عن النبيّ تقلّ أو تكثر، يصونها كأنفس ما يملك ويحدّث بها إخوانَه في الدين من الأصاغر، وهم يُصغون إلى هذه الأخبار بآذانٍ نَهِمة، ويحفظونها في صدورهم بخشوعٍ تقيّ.
فلمّا مات آخر أولئك الرجال ممّن كان يفخر بأنّه رأى محمّدًا بعينيه وسمع كلامَه بأذنيه (أي نحو سنة 100هـ، 718م)، قامت مقامَهم طبقةٌ أكثرُ منهم عددًا: أولئك الذين خالطوا واحدًا أو أكثر من صحابة النبيّ وتلقّوا عنهم الحديث. وسُمّيت هذه الطبقةُ الثانية: تابعيّ، أي
474474 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
التابع، وأسهمت إسهامًا أوفرَ في تضخيم ما كان قائمًا من ذخيرة الأحاديث تضخيمًا هائلًا.
فحيثما لم يقدّم القرآنُ مستندًا كافيًا لحكمٍ قضائيّ، ولم يوفّر سلوكُ الخلفاء الأوّلين والصحابة (الآثار) سابقةً يُرجَع إليها، فلعلّ السنّة أوقعت في الحيرة بفرط غناها لا بقلّة ما فيها من الأمثلة.
2. جمع الأحاديث.
جرى نقلُ أقوال النبيّ وأفعاله مشافهةً حينًا وكتابةً حينًا، ولم يستقرّ في ذلك نظامٌ معلومٌ متّبَعٌ عند الجميع إلّا شيئًا فشيئًا. ففي العهود الأولى كانت الروايةُ تنتقل بالكلمة الحيّة قبل كلّ شيء وتُحفَظ في الصدور، إذ ساد الرأيُ أنّ الكتابة إنّما وُضعت لنسخ القرآن، ولمكاتبات المعاملات، ولتحرير الوثائق. وقد رُويت عن صحابة محمّدٍ أقوالٌ شتّى تنهى صراحةً عن استعمال الكتابة لتقييد الحديث تقييدًا علميًّا. غير أنّ النصوص البالغة الأهمية، التي يعسر حفظُها بالذاكرة وحدها لطولها، كُتبت في وقتٍ مبكّر.
من ذلك أنّ الخطيب البغداديّ حفظ لنا خبرًا يقول فيه شاهدُ عيان: رأيتُ عليًّا على المنبر وهو يقول: «ما عندي كتابٌ أعرضه عليكم إلّا القرآنَ وهذه الصحيفة.» وكانت الصحيفةُ معلَّقةً بحلقةٍ من حديدٍ في قائم سيفه، وفيها أحكامُ الزكاة، وأسنانُ الإبل وأعدادُها (ممّا يُؤدّى ديةً
475الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 475
في القتل أو الجرح)، وأحكامٌ في العقوبات (1).
ويُستفاد من هذا الموضع أنّ أحكامًا مهمّةً بعينها كانت تُحفَظ كتابةً منذ أقدم العهود إلى جانب القرآن، لطول نصّها أو لما فيها من الأعداد ممّا لا يُؤمَن نقلُه بالذاكرة وحدها؛ وهي الأحكامُ في الزكاة وفي العقوبات عند العرب، وهذا البابُ الأخير كان في تلك الأزمنة بالغَ الأهمية في العمل لما كان يقع كلّ يومٍ من جراحٍ وقتل، والأغلبُ أنّ عمر هو الذي ثبّته تثبيتًا نهائيًّا على أساس أعراف العرب القديمة في الحقّ. فالمواضعُ المكتوبة من السنّة المتعلّقة بهذه الشؤون هي إذن، بعد القرآن، أقدمُ ما بقي من الأدب العربيّ موثَّقًا. أمّا الأحاديثُ العامّة، وهي تجيء في الغالب في جملٍ قصارٍ أشبهَ بالنوادر، فقد غلبت فيها الروايةُ الشفوية والحفظُ في الصدور، وإن لم يأنف القومُ منذ وقتٍ مبكّرٍ من إعانة الذاكرة بتقييد أحاديثَ مفردة. غير أنّ ذلك لم يقع إلّا في صورة أوراقٍ مبعثرة، ولم يخطر لأحدٍ في العهد الأوّل أن يؤلّف منها كتبًا.
على أنّ كثيرًا من العلماء ممّن اشتدّ ورعُهم كتبوا ما جمعوه من الحديث، ثمّ أتلفوا مجاميعهم متى أحكموا حفظ ما فيها. وضاعت بهذه الطريقة مجاميعُ ضخمة بُنيت بجهد سنين، بل إنّ نفوسًا أقلقها التزمّتُ التقيّ
Nota 1. Sprenger: On the origin and progress of writing down historical facts p. 16, im Journal of the Asiatic Society of Bengal 1856. وانظر أيضًا البخاري 3846 في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة 6.
476476 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
أوصت بأن تُدفَن كتاباتُها كلُّها في التراب بعد موت أصحابها، وبقيت هذه العادةُ إلى القرن الثالث للهجرة.
بيد أنّ العقول الأقلَّ تعكيرًا بالأوهام المتعصّبة لم تمتنع مع ذلك عن كتابة الكثير وحفظه. وكما بيّنّا آنفًا في بعض الأحكام الشرعية، فلا شكّ أنّ الأمر جرى كذلك في طائفةٍ كبيرةٍ من الأحاديث. غير أنّ هذه التقاييد لم تكن تُستعمل إلّا استعمالًا خاصًّا؛ فلكي يُعَدّ الحديثُ صحيحَ النقل جديرًا بالتصديق كان لا بدّ من أدائه مشافهةً دائمًا، مقرونًا أبدًا بسلسلةٍ متّصلةٍ من الرجال، من آخر الرواة نزولًا إلى من أكّد أنّه سمعه من النبيّ نفسه.
وبينما كانت تقاييدُ العهد الأقدم أوراقًا متفرّقةً غيرَ مرتّبة، شرع القومُ سريعًا — لا في منتصف القرن الثاني بعد محمّدٍ بل في مطلعه، ولعلّ ذلك كان قبله — في ترتيب هذه المواد المخزونة وغربلتها وتأليفها تأليفًا منهجيًّا. ففي نحو سنة 131هـ (748م) كتب Ibn Monaggim تاريخَه، وبعضُه باقٍ إلى اليوم. ولمّا كان هذا لا يكاد يكون أوّلَ كتابٍ منهجيّ الوضع أُلِّف بالعربية، فلا ريب أنّ تأليف أقدم أعمال العرب العلمية وقع قبل ما ظُنّ حتى الآن بزمنٍ بعيد (1).
ولا شكّ أنّ الموضع الذي فاض فيه الحديثُ من أصفى ينابيعه في ديار الإسلام كلِّها، وحيث بقي أكثرُ الذكريات الصحيحة حيًّا في ذاكرة الناس، وحيث لا بدّ أن تكون العاداتُ والأعرافُ الشعبية نفسُها
Nota 1. انظر الزرقاني: شرح الموطّأ I. p. 10. Sprenger: Das Leben und die Lehre des Mohammed III. LXXXVII حاشية. والذي دفع إلى جمع الحديث هو عمر الثاني.
477الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 477
أقربَ ما تكون إلى أفكار عصر النبوّة وعوائده، إنّما هو المدينة. فهي مهدُ الإسلام، ومدينةُ محمّدٍ بالتبنّي، ومستقرُّ أشدّ أتباعه حماسةً وإخلاصًا؛ وفيها أيضًا جمع عالمٌ بارزٌ أوّلَ مرّةٍ جملةَ ما اعتُرف بصحّته وحسن ثبوته من الأحاديث في مدوّنةٍ كبرى للحقّ الإلهيّ والبشريّ، فدوّنه بذلك تدوينًا نهائيًّا لأبعد العصور.
ومالك بن أنس، وهو مدنيُّ المولد، هو الرجل الذي نهض بهذا العمل وأتمّه. به تُفتَح سلسلةُ المصنّفات الكبرى في هذا الميدان، ولذلك بقيت مجموعتُه إلى اليوم أغنى مصادر المعرفة الصحيحة بأحوال ذلك العصر الدينية والاجتماعية.
وُلد في مطلع القرن الثاني بعد الهجرة، فأوقف قوّةَ عملٍ امتدّت عمرًا طويلًا على الدرس، وعلى الإملاء في المسجد، وعلى القضاء في الخصومات الدينية والدنيوية (1). وابتدأ يعقد مجالسه العامّة وهو ابنُ سبع عشرة سنة، فما لبثت أن أكسبته صيتًا حتى صار الازدحامُ عليها أشدَّ من الازدحام على بلاط أمير.
وعاش كذلك في أرفع منزلةٍ من التوقير، وتبوّأ في مدينته المكانَ الأبرز، حتى يذكر المرءُ بلا اختيارٍ قولَ شيشرون: Est enim domus jurisconsulti totius oraculum civitatis.
Nota 1. مولدُه عند ابن قتيبة (p. 251) سنة 112 للهجرة، وعند ابن عبد البرّ سنة 93 (الزرقاني: شرح الموطّأ)؛ ووفاتُه عند ابن سعد سنة 179 للهجرة، وعند غيره سنة 197 (812—13م).
478478 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
ويبدو أنّه أوّلُ من أعمل في الحديث أصولَ نقدٍ أشدَّ صرامة: فكان يطرح كلَّ خبرٍ يقع له فيه شكّ. وكان يقبل على هذا العمل بشعورٍ دينيّ عظيم، حتى إنّه كان لا يفتتح مجلسه في الحديث إلّا بعد أن يتوضّأ الوضوءَ المشروع ليكون على تمام الطهارة، ثمّ يلبس ثيابًا جُددًا، ويتطيّب، ويسوّي عمامته، ثمّ يجلس في وقارٍ تامّ، والمجلسُ يُبخَّر بالعود. وشيخُه وأستاذُه هو الزهريّ، وهو من أوائل من ذُكروا في جمع الحديث مكتوبًا (1).
وكانت طريقتُه في الإلقاء على وجهين: فتارةً يملي هو مجموعتَه في الحديث مشافهةً والتلاميذُ يكتبون عنه، وتارةً يقرأ أحدُ التلاميذ النصَّ ومالكٌ وسائرُ الحاضرين يستمعون، وهو لا يصنع إلّا تصحيحَ ما زلّ من القراءات أو إيضاحَ المواضع المشكلة. ويبدو فوق ذلك أنّه كان يوزّع نسخًا راجعها بنفسه، ويأذن بروايتها عنه (2).
والعنوانُ الذي سمّى مالكٌ به مجموعتَه عنوانٌ لافت؛ سمّاها «الموطّأ»، ومعناه: المذلَّل الممهَّد، أي ما أُزيلت منه المشكلات (3). وفيها نحو 1,700 حديثٍ مرتّبةٍ على أبوابها.
وله على كلّ حالٍ فضلُ السبق إلى جمع الرأي الجاري يومئذٍ في المدينة في الحقوق المدنية والعقوبات، فوضع بذلك أساسَ نظام الفقه المحمّديّ
Nota 1. كذا عن الدارقطنيّ عند الزرقاني I. p. 6.
Nota 2. يُسمّى هذا الضربُ من الأداء باصطلاحٍ خاصّ: «المناولة». انظر Sprenger: Zeitschrift der D. M. Ges. X. p. 13.
Nota 3. الزرقاني I. p. 8.
479الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 479
الذي طُوِّر بعد ذلك بمحبّةٍ شديدةٍ وإغراقٍ في التدقيق، إذ دوّن في كتابه فقهَ أهل المدينة العامّ، فحمل بذلك على مواصلة الدرس الفقهيّ.
وفي نحو الوقت الذي مات فيه مالكٌ وُلد البخاريّ في الطرف الآخر من العالم المحمّديّ (194هـ، 810م).
وكانت ثمرةُ أعماله الممتدّة سنينَ طوالًا مجموعةً عظيمة، إذ أنفق عليها ستّ عشرة سنةً كاملة. وفيها نحو 7,000 حديثٍ يُقال إنّه انتقاها من ستّمئة ألف. ولم يُدخل في كتابه إلّا ما وافق تمامَ الموافقة أصولَ النقد التاريخيّ الجارية يومئذٍ، وهو علمٌ نشأ في ذلك الأوان بعينه. ولا يزال كتابُ البخاريّ يُعَدّ من أقدس الكتب، ومن أنفس ما ورّثته الأجيالُ الأولى من العلم وحرارة الإيمان، ويُعظَّم اليوم في العالم الإسلاميّ كلِّه من بخارى إلى مراكش، وهو بعد الموطّأ أهمُّ مصادر العقيدة وعلم الفقه في الإسلام.
ومن ذلك الحين تصاعدت الحماسةُ لجمع الحديث وشرحه، وتتابعت مجاميعُ ضخمة يستغرق كلٌّ منها وحده عملَ عمرٍ كامل.
ومع هذا النشاط في التجميع بدأ الاشتغالُ بنقد المصادر. فلمّا عظُمت قيمةُ الحديث عند الناس واشتدّ الطلبُ عليه، لم يكن بدٌّ من أن يزيد العرضُ بالقدر نفسه. غير أنّ الصحيح لم يكن يفي بذلك، فصُنعت أحاديثُ كاذبةٌ وأُشيعت على أنّها صحيحة. فما لبث علماءُ المحمّديين — وأغلبُ الظنّ أنّ ذلك كان في زمن مالك —
480480 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
أن وضعوا قواعدَ محدَّدةً لتمييز الموضوع من الصحيح. وحتى نتصوّر ذلك تصوّرًا صحيحًا، فلنختر حديثًا ولنبيّن عليه كيف كان يُختبر ثبوتُه.
الحديثُ الثالث في الموطّأ نصُّه: «مالكٌ عن يحيى بن سعيد عن عَمرةَ بنتِ عبد الرحمن عن عائشةَ زوجِ النبيّ أنّها قالت: إن كان رسولُ الله ﷺ ليصلّي الصبحَ فينصرف النساءُ متلفّعاتٍ بمروطهنّ ما يُعرَفن من الغَلَس.»
هذا الحديثُ يُساق ليُستدلَّ به على أنّ محمّدًا كان يصلّي صلاةَ الصبح في الغَلَس قبل طلوع الشمس، وهو مضمونٌ بسلسلةٍ متّصلةٍ من الرواة آخرُهم مالك. وكلُّ راوٍ ذُكر ضامنًا لصحّة الحديث معروفٌ بالثقة، ويقوم في أوّل هذه السلسلة زوجُ النبيّ نفسُها. ومثلُ هذا الحديث يُعَدّ حسنًا لا مطعنَ فيه (صحيح)؛ فإن سقطت حلقةٌ من السلسلة كان مقطوعًا أو معضلًا؛ وإن سقط اسمُ الراوي الأوّل، أي اسمُ عائشة في المثال المتقدّم، سُمّي الحديثُ مُرسلًا.
ولم تكن العيوبُ الظاهرة وحدها هي ما يجعل الحديث غيرَ موثوق. بل مضى القومُ إلى أبعد من ذلك، ففحصوا سلسلةَ الرواة كلَّها: ثقتَهم، ودقّتهم في أداء النصّ، وسائرَ أحوال حياتهم. وبحسب نتيجة هذا البحث حُكم على الرواة أفرادًا بأنّهم ثقاتٌ أو ضعفاءُ أو ساقطون بالكلّية. ومن هذه الاستقصاءات عن الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الرواية نشأت أوّلُ الكتب في التراجم. وقد أُلّفت منذ وقتٍ مبكّرٍ فهارسُ جامعةٌ أُدرجت فيها أسماءُ
481الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 481
كلِّ من لقي محمّدًا، وهي أسماءٌ تبلغ الألوف، وبُحثت فيها أحوالُ حياتهم وقُدِّر ما يستحقّونه من درجة الوثاقة رواةً للحديث. ثمّ خطا القومُ خطوةً أخرى، فمدّوا البحث نفسه إلى تابعي الصحابة ومعاصري محمّد، ثمّ أخيرًا إلى أجيال رواة الحديث المتعاقبة.
وقد أتاح هذا بلا شكّ غربلةَ ما دار من روايات لا تُحصى تدفّقت من أشدّ المصادر تباينًا؛ غير أنّه لا يحتاج إلى برهانٍ أنّ هذا المعيار مختلٌّ في جملته. فكيف يُتصوَّر أن تكون بين أيدينا أخبارٌ موثوقةٌ حقًّا عن كلّ تلك الألوف من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في أحاديثَ تبلغ الملايين؟ ومن ذا يضمن أنّ ما رُوي عن أحوال حياتهم وأمانتهم وحبّهم للصدق وما إلى ذلك صحيحُ الثبوت حقًّا؟ لقد دار في مطلع الإسلام كمٌّ كبيرٌ من الأحاديث المزوَّرة المختلَقة. ثمّ لم يزد الوضعُ في العصور المتأخّرة إلّا كثرةً، ومُورس على نطاقٍ واسع. ولهذا السبب يزداد حجمُ مجاميع الحديث كلّما تأخّر زمنُها.
وحتى يتكوّن لدينا تصوّرٌ عن مبلغ ما استفحل به الوضعُ، يكفي مثالُ ابن أبي العوجاء، فقد أقرّ قبل قتله سنة 155هـ (772م) بأنّه أشاع أربعةَ آلاف حديثٍ كاذبٍ من صنعته (1). وكانت مدرسةُ الكوفة على وجه الخصوص سيّئةَ السمعة بهذا الوضع، حتى صار الحديثُ الكوفيّ يعادل في نظر الناس الوضعَ المتعمَّد
Nota 1. ابن الأثير VI. p. 3.
482482 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
(1). ولا يكاد يحتاج إلى تنبيهٍ أنّ الوضّاعين في مثل هذه الروايات لم يفتعلوا المتن وحده بل افتعلوا الإسنادَ أيضًا، وركّبوه من أسماءٍ ذوات رنينٍ رفيع. ولذلك عرف الأدبُ العربيّ في وقتٍ مبكّرٍ مصنّفاتٍ في الأحاديث الكاذبة، وفي المدلِّسين، وفي الضعفاء.
ومع ذلك كلِّه ظلّ نقدُ الرواية هذا نقدًا ثقيلَ الحركة، سلاحًا كليلًا؛ إذ كان مذهبُ أهل السنّة يقتضي أن يُعَدّ صحيحًا كلُّ حديثٍ ينطق بشيءٍ في مدح النبيّ والإسلام، أو يوافق الآراءَ الدينية السائدة، وبهذه الطريقة أُدخل في السنّة كثيرٌ ممّا لا شكّ في أنّه مصنوعٌ صنعًا. أمّا فرقةُ العقليين (المعتزلة)، وهي في صراعٍ مع أهل السنّة، فقد أقدمت بجرأةٍ أكبر ومارست نقدًا للمتون أشدَّ حدّةً بكثير.
فلم يتحرّج النظّامُ العقليُّ من أن يرمي صحابيًّا من صحابة النبيّ، هو أبو هريرة، الذي يظهر شاهدًا على روايات لا تُحصى، بأنّه كاذب (2)؛ وقال النظّامُ هذا نفسُه قولًا يُستغرب في فم مسلم: «أوّلُ الواجبات المطلقة (في المعرفة) هو الشكّ» (3). غير أنّ هذه المحاولات انقطعت من تلقاء نفسها بانتصار حزب أهل السنّة، وبقيت صورةُ الحديث الظاهرة الصحيحة، ومتنُه، هما وحدهما الفيصلَ في الحكم على ثبوته.
كذلك صار القومُ في طريقة نقل الرواية بعد ذلك أشدَّ سطحيةً وأقلَّ ضميرًا. فقد كانت الإجازةُ بالرواية فيما مضى لا تُمنَح إلّا لمن
Nota 1. الزرقاني II. p. 7؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، مخطوط fol. 5. v°.
Nota 2. المقريزي: الخطط II. p. 346.
Nota 3. الطرسوسي: أنموذج العلوم، مخطوط المكتبة الملكية fol. 53 v°.
483الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 483
حفظ كتابًا من كتب الحديث حفظًا محكمًا تحت إشراف شيخه، أو نسخ منه على الأقلّ نسخةً عارضها الشيخُ وأجازها، ثمّ روى الكتاب عنها؛ ثمّ استشرى بعد ذلك فسادٌ قوامه شراءُ الإجازة شراءً مجرّدًا، كما كان المرءُ يستطيع إلى عهدٍ قريبٍ في بعض الجامعات أن يحصّل شهادةَ الدكتوراه لقاء رسمٍ معلوم. واستفحل الأمرُ حتى صار الأستاذُ يبيع الإجازات لطلّابٍ لم يرَهم قطّ. وقد شاع هذا الفسادُ منذ القرن الثالث (1). ثمّ صار من العادة الغالبة أن يتباهى المرءُ بشهاداتٍ تُثبت أنّه حضر دروسَ عددٍ كذا وكذا من الأساتذة العلماء، وكانت هذه الشهاداتُ تُكتَب بأتمّ استعداد، حتى قال فيها الغزاليُّ أشدَّ الكلام لذعًا (2).
3. مدرسة المدينة في الفقه.
في المدينة — وقد رأينا ممّا تقدّم أنّها مولدُ الحديث وما تفرّع عنه من علم الفقه — تكوّنت منذ عهد الخلفاء الأوّلين مدرسةٌ في الحديث والفقه، ما زال شأنُها يعظُم على أيدي سلسلةٍ من الرجال البارزين.
ويُذكَر في مؤسّسيها رجلان: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عبّاس. أمّا الأوّل فكان من أوائل أتباع محمّدٍ وأشدّهم حماسةً، وكان عنده بمنزلة صديق البيت وقيّمِه. وقد روى كثيرٌ من معاصري النبيّ البارزين طائفةً من أحاديثهم على اسمه. وعُدّ من أعلم الناس، لا بالقرآن وحده
Nota 1. Sprenger: Zeitschrift d. D. M. Gesch. X. p. 10.
Nota 2. إحياء علوم الدين III. p. 482.
*31
484484 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
بل بمذهب أستاذه وصديقه في التفكير ووجهته العقلية كلِّها. ولذلك بعثه عمرُ الأوّل إلى الكوفة معلّمًا للدين وراعيًا للنفوس. ثمّ وقع بينه وبين عثمان خلافٌ فيما يبدو بسبب المصحف الرسميّ الذي جمعه عثمان، إذ دافع ابنُ مسعودٍ عن مصحفه هو. ومات سنة 32هـ (652—53م) بالمدينة (1).
ويلي ذكرُه عبدُ الله بن عبّاس، وهو ابنُ عمّ محمّد. برز في معرفة الحديث والفقه، وبخاصّةٍ في تفسير القرآن، وهو مؤسّسه، ويُنوَّه بأنّه عُدّ من أدقّ العارفين بـ«الآثار»، أي أقضية الخلفاء الثلاثة الأوّلين. ومات سنة 68هـ (687—88م) بالطائف. وهو، بوصفه ابنَ عمّ النبيّ، من أنشط من شارك في نسج الأساطير المعظِّمة له بلا شكّ. أمّا أنّه كان عنده كثيرٌ من الذكريات عن مخالطته إيّاه شخصيًّا فأمرٌ يحقّ الشكُّ فيه، فقد كان يوم مات محمّدٌ غلامًا ابنَ ثلاث عشرة سنة، أو خمسَ عشرة على روايةٍ أخرى. ويكاد يكون مؤكّدًا أنّه دسّ أحاديثَ كثيرة ad majorem Dei gloriam. غير أنّه نال بوصفه تلميذًا لعبد الله بن مسعود أعظمَ جاهٍ وعُدّ حجّةً من الطبقة الأولى في كلّ ما يتّصل بتفسير القرآن ومسائل الفقه (2).
Nota 1. انظر في ترجمته: Sprenger: Das Leben und die Lehre des Mohammed I. p. 440. وعرضي المتقدّم مأخوذٌ من «أسد الغابة».
Nota 2. كذلك عن «أسد الغابة». وانظر Sprenger: D. Leb. u. d. L. d. Moh. III. CVI.
485الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 485
وتلا هذين الرجلين نفرٌ من الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين عُرفوا باسم فقهاء المدينة السبعة. وكانوا جميعًا بلا استثناء شديدي القرب من محمّدٍ نفسه أو من أهل بيته؛ غربلوا المادّة المفرطة الغزارة ورتّبوها، وأضفوا على جانبٍ كبيرٍ من الحديث صورتَه المدرسية في الأسلوب، وجمعوا إلى ذلك أقضيةَ الخلفاء الأوّلين واتّخذوها مصدرًا من مصادر الأحكام، وأنشأوا علمَ تفسير القرآن.
وفقهاء المدينة السبعة هؤلاء هم: ١. عتبة بن مسعود، أخو عبد الله بن مسعود المتقدّم ذكرُه. ٢. سعيد بن المسيّب، اشتهر بأنّه أرفعُ فقهاء المدينة منزلةً، وكانت فتاواه تُعَدّ فاصلة (1). ٣. عروة بن الزبير، ابنُ الزبير بن العوّام، وهو قريبُ خديجةَ زوجِ محمّدٍ الأولى. وكان عنده أحاديثُ كثيرةٌ عن أبيه، وهو من أبرز «الصحابة»، ثمّ عن أخيه عبد الله، وعن خالته عائشة (2). ٤. أبو بكر بن عبد الرحمن المخزوميّ، لُقِّب «راهبَ قريش» لنزعته الزاهدة. وكان أخذ أحاديثه على الأخصّ عن عائشة وأبي هريرة وأمّ سلمة، وهذه الأخيرة زوجٌ لمحمّدٍ أيضًا. ومات في أواخر القرن الأوّل (3). ٥. خارجة بن زيد، ولا يُعرَف من تفصيل أمره شيء. مات سنة 100هـ (718—19م) وله سبعون سنة. ٦. القاسم بن محمّد، حفيدُ الخليفة أبي بكر. أخذ أحاديثه عن عبد الله بن عبّاس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. وعُدّ على الخصوص أعلمَ الناس بما رُوي عن الأخيرة. ومات في مطلع القرن الثاني (4).
Nota 1. وفاتُه في سنة 93 أو 94 للهجرة (711—13م). النووي: التهذيب.
Nota 2. مات سنة 94 أو 99 للهجرة. النووي: التهذيب.
Nota 3. سنة 93 أو 94 للهجرة. المصدر نفسه.
Nota 4. سنة 108 أو 112 للهجرة (730—731م). المصدر نفسه.
486486 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
٧. سليمان بن يسار، مولى ميمونةَ زوجِ النبيّ. أخذ أحاديثه عن عبد الله بن عبّاس وأبي هريرة وأمّ سلمة. ومات نحو سنة 109هـ، وقيل سنة 103 (721—22م) (1).
وإذا نحن استعرضنا هذه السلسلة من الأسماء، تبيّن كم كانت ضيّقةً حلقةُ الأشخاص الذين أعطوا الدفعةَ الأولى لرواية الحديث وصياغته. فجميعُ العاملين في هذا المصنع الأقدم من مصانع الإسلام — حيث صُهرت الأفكارُ والآراءُ والعقائد وهي بعدُ سائلة، ولُحمت، وأُفرغت في قوالبَ ثابتة — كانوا على أوثق صلةٍ بالنبيّ، وبعضُهم على قرابةٍ منه. فلذلك عملوا جميعًا في الاتّجاه نفسه وسلكوا الوجهةَ نفسها.
على أنّ اللافت هو نصيبُ النساء الكبير في نشأة الحديث وما اشتُقّ منه من الفقه. فلا يقلّ عن ثلاثٍ من أرامل النبيّ عددُ من يُذكَرن في جملة من أخذ عنهم «السبعةُ» أحاديثهم. ومن أرامل النبيّ هؤلاء تبرز عائشة على وجه الخصوص، فهي لم تُظهر أبرزَ نشاطٍ سياسيّ فحسب، بل أحسنت أيضًا أن تلتقط عن زوجها الراحل صنعةَ النبوّة، وأن تكتسب من الجاه ما جعلها في عهد الخلفاء الثلاثة الأوّلين تُستفتى في معضلات المسائل، وجعل أحكامها في الشؤون الفقهية والدينية تحظى أبدًا بأرفع التقدير (2). على أنّه لا ينبغي أن ننسى ههنا أنّ الأمر في مثل هذه المسائل كان يدور دائمًا على قضايا بالغة البساطة تناسب أحوالًا شديدةَ البدائية: في مالي ومالك، وفيما لي وما عليّ.
Nota 1. النووي: التهذيب. ويضع بعضُهم مكانه رجلًا آخر. انظر التهذيب p. 223.
Nota 2. النووي، 507.
487الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 487
والفصلُ في مسائل من هذا القبيل لم يكن ليصعُب على ذي عقلٍ صافٍ وتجربةٍ في الحياة وفطنةٍ سليمة، وقد وُفّرت لعائشة هذه الأدوات؛ فإذا لم تكفِ هذه الوسائل كان عندها من صيدلية النبوّة دواءٌ مجرَّبٌ لا يُخفق أبدًا: تحتجّ بقولٍ لمحمّد، حقيقيٍّ أو مصنوعٍ للمناسبة، فتقطع بذلك كلَّ معارضة. فتُحسَم الخصومةُ وتزداد جماعةُ المسلمين حديثًا جديدًا. ولم يكن لأحدٍ أن يشكّ، إذ من ذا يستطيع أن يزعم أنّه عرف النبيَّ أحسنَ ممّا عرفته عائشة، وهي زوجُه؟ (1)
وقد سلك فقهاء المدينة السبعة في أقضيتهم مسلكًا شبيهًا، إلّا أنّه كان عليهم أن يكتفوا في كلّ الأحوال بما بلغهم من عائشةَ وغيرها من ذخيرة الحديث، ولم يكادوا يجرؤون على وضع الجديد. غير أنّ غيرهم تكفّل بذلك، ولا شكّ أنّ ما تدفّق إليهم من الحديث من كلّ جهةٍ كان قد بلغ من الكثرة ما يكفي لكلّ الحالات تقريبًا. ولم تكن قواعدُ النقد التاريخيّ يومئذٍ من الرسوخ بحيث تضيق بالاختيار ضيقًا محسوسًا، حتى إنّ سعيد بن المسيّب المشهور نفسَه روى أحاديثَ كثيرةً مرسلةَ الإسناد (2). ونعلم من ترجمة هذا العالم أنّه كان يعيش من ريع تجارته في الزيت؛ ففي ذلك العصر — وإلى اليوم في بعض المشرق — كان كلُّ امرئٍ يعتمد في كسبه على حرفةٍ أو تجارة، ولم تكن الوظائفُ الثابتة في الدولة إلّا قليلةً جدًّا، وظلّ الاستقلالُ المتواضع
Nota 1. كانت امرأةً في خِلقة الرجال، ويقول فيها مثلٌ قديم: كانت رَجُلةً من جهة العقل. Lane: Arabic Lexicon مادّة رجل.
Nota 2. النووي: التهذيب p. 285.
488488 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
الذي تمنحه الحرفةُ أو التجارة أشرفَ نصيب. أمّا اشتغالُ سعيدٍ بالحديث والفقه فكان محضَ ميلٍ وشعورٍ دينيّ. ويبدو أنّ الأمر كذلك عند سائر فقهاء عصره. فلم يكونوا قضاةً عاملين ولا محامين، بل عكفوا على دراستهم بلا غرضٍ دنيويّ، ولم يفتوا إلّا إذا سألهم الخصوم. فكان فقهُ تلك الأزمنة إذن غالبًا، بل يكاد يكون خالصًا، فقهَ نوازل. ومن هذا استُخرجت النظريةُ فيما بعد، بالصعود من الجزئيّ إلى الكلّيّ.
وكان مالكٌ أوّلَ من أقدم على هذه المحاولة. ولا شكّ أنّه اتّكأ فيها على ما مهّده «السبعة». فمدوّنتُه الفقهية خلاصةُ الآراء التي بلغت في المدينة نفسها مبلغَ القبول العامّ في القرن الأوّل للهجرة.
وكان الفقهُ السائد في المدينة عند مالكٍ هو الأساس وحده، وقد نازع بحزمٍ شديدٍ ما واجهه به فقهاءُ الأمصار الأخرى من القول بإجماع جماعة المسلمين، وهم يعترفون به قاعدةً عليا عند الاشتباه. أمّا هو فلم يكن الفيصلُ عنده إلّا روايةَ أهل المدينة (1). فهو إذن ممثّلُ المدرسة التاريخية الصارمة في الفقه.
بيد أنّ فضله الأكبر أنّه لم يقتصر على رواية أفعال النبيّ وأقواله، بل رتّب هذه على الأبواب ترتيبًا منهجيًّا — فجمع مثلًا كلَّ ما يتّصل من مواضع الرواية بالمواريث والنكاح والعقود وما إلى ذلك —
Nota 1. Ibn Khaldoun: Proleg. III. 6, 7.
489الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 489
وارتقى فوق ذلك إلى صياغة قواعدَ فقهيةٍ مستقلّة، متّخذًا أبدًا عملَ أهل المدينة منطلقًا له. وهو يعلّق على هذا العمل أهميةً تبلغ به أن يعتمد عليه وحده كثيرًا من غير شواهدَ أخرى من الحديث. فليس كتابُه إذن جمعًا بلا روح، بل يبرز من مواضع كثيرة فيه سعيٌ إلى تهذيب الكتلة المشوّشة من المادّة المجموعة وصوغِها نظامًا لفقه أهل المدينة. فهو يفتتح بابه في المواريث بقوله: «الأمرُ المجتمَع عليه عندنا (بالمدينة)، الذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا، في قسمة المواريث كذا وكذا.»
على أنّ مالكًا أفاد من الأحكام الشرعية للخلفاء الأوّلين (الآثار) ومن الأقضية السابقة عمومًا كما أفاد من الرواية سواءً بسواء؛ فقد أدخل في كتابه، قاعدةً عامّةً مطّردة، حكمَ عمرَ الأوّلِ الرحيمَ القاضيَ بأنّ الأمةَ التي تلد لسيّدها ولدًا لا يجوز بيعُها بعد ذلك، بل تُعتَق بموت سيّدها (1)؛ وقد صار هذا الحكمُ منذ ذلك التاريخ قاعدةً من قواعد فقهاء الإسلام.
4. المدارس الفقهية ومذاهبها.
في الوقت الذي كانت تتكوّن فيه بالمدينة مدرسةٌ للدرس الفقهيّ الكلاميّ تقوم في جوهرها على الرواية، فأساسُها إذن تاريخيٌّ في الغالب، كانت قد نشأت في كورةٍ أخرى من كور الدولة — أي في مدن حوض الفرات الموسِرة العامرة، حيث اشتدّت الحاجةُ إلى أساسٍ حقوقيٍّ مأمون لا أقلَّ ممّا اشتدّت في
Nota 1. شرح الموطّأ III. p. 251.
490490 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
جزيرة العرب نفسها، بفعل ازدياد الرخاء والحياة المدنية ونموّ حركة التجارة — مدرسةٌ أخرى في علم الشرع، سلكت طرقًا أخرى، وانطلقت من أصولٍ أخرى، فأقامت لذلك نظامًا مختلفًا اختلافًا جوهريًّا.
فبينما كان أهلُ المدينة يستندون أبدًا إلى الرواية أو إلى أقضيةٍ سابقةٍ لأئمّة القضاء، سلك فقهاءُ العراق مسلكًا آخر. فقد اشتغلوا فيما يبدو بجمع الروايات وتقعيد ما يُستخرج منها من أحكامٍ اشتغالًا أقلّ، وإنّما كان عملُهم عملَ قضاةٍ عاملين عليهم أن يفصلوا في خصوماتٍ لا تُحصى ترتفع إلى مجالسهم في مدن العراق الكبرى. وقد أكثروا في ذلك من استعمال القياس والمنهج الاستنباطيّ، يفصلون به فيما لا سابقةَ له في القرآن والسنّة والآثار. ولذلك حملت هذه المدرسةُ منذ وقتٍ مبكّرٍ اسمَ مدرسة أصحاب الرأي، في مقابل مدرسة المدينة، وهي التي سُمّيت مدرسةَ الأثر، أي التاريخية. فانضاف إذن إلى القرآن والسنّة النظرُ الفقهيّ والمنهجُ الاستنباطيّ (القياس)، ثمّ لحق بها بعد ذلك إجماعُ الأمّة مصدرًا آخر من مصادر الأحكام.
وأوّلُ فقيهٍ ذي شأنٍ من تلك المدرسة يعرف تاريخُ الأدب العربيّ اسمَه هو ابن أبي ليلى، تولّى القضاء بالعراق ومات نحو سنة 148هـ (765—66م). وكان في آخر أمره قاضيًا في عهد الخليفة المنصور. وكان يقيم أحكامه على طريق
491الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 491
النظر (1). ويُذكَر من فقهاء ذلك العصر آخرون كثيرون كلُّهم على هذا المذهب.
غير أنّ أبا حنيفة (ت 150هـ، 767م) طمس أسلافه جميعًا، وهو أعظمُ فقهاء أمّته، ولم يتبيّن قدرُه كلُّه إلّا الآن، إذ صارت أندرُ آثار الأدب العربيّ وأقدمُها في متناول اليد شيئًا فشيئًا في مكتبات أوروبا، وأتاحت لنا أن نطّلع اطّلاعًا يدهش ويشوّق معًا على الحركة الفكرية في تلك العصور الأولى، حين كان العربُ أوّلَ أمّةٍ متحضّرة، وحين كان نشاطٌ فتيٌّ يبعث الأمّةَ كلَّها في مساعيها المختلفة.
ومن العجيب أنّ مدرسة العراق لم تخلّف أعمالًا ذاتَ شأنٍ لا في ميدان نقد الحديث ولا في ميدان التصنيف الفقهيّ. فأبو حنيفة، وهو بلا ريب أعظمُ فقيهٍ لا في عصره وحده بل في الإسلام كلِّه، لم يبقَ له شيءٌ سوى عناوينِ رسائلَ صغيرة (2).
ولم يشأ قطّ أن يلي القضاء، ويبدو أنّه اقتصر طولَ عمره، على طريقة الأئمّة الأقدمين، على أن يبثّ مذهبه في حلقة سامعيه إملاءً شفويًّا. وأغلبُ الظنّ أنّه فعل ذلك شعورًا بأنّه يؤدّي بذلك واجبًا دينيًّا، لا رغبةً في أن يصنع لنفسه اسمًا أو يلمع في دنيا العلماء؛ فالطموحُ الأدبيّ، وهو الذي استيقظ عند العرب فيما بعد استيقاظًا شديدًا،
Nota 1. الفهرست p. 203، ابن قتيبة p. 248.
Nota 2. أمّا الرأيُ القائل بأنّ رسالة «الفقه الأكبر» ليست له، فما زلتُ أتمسّك به إلى اليوم، وإن ورد هذا العنوانُ في جملة مصنّفاته في الفهرست. ويسجّل مؤرّخو الأدب العربيّ له كتابًا آخر، هو «مسند». ولعلّ الفيصل في عدم صحّة نسبة هذا الكتاب أنّ صاحب الفهرست لا يذكر لأبي حنيفة هذا الكتابَ ولا غيره في الحديث. الفهرست p. 202.
492492 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
لا يكاد يكون له في ذلك العصر وجود. وكان أبو حنيفة يعيش من كسبه المتواضع تاجرًا، إذ كان يدير متجرًا في أقمشة الثياب (خزّاز) (1).
وكان يعسر علينا الآن أن نكوّن تصوّرًا صحيحًا عن نشاطه، لولا أن شاءت المصادفةُ السعيدة أن يُحفَظ لنا كتابُ واحدٍ من أشدّ أتباعه حماسةً وتلاميذه المباشرين، هو القاضي أبو يوسف (ت 182هـ، 798م)، وهو كتابٌ ينقل بحرفه آراءَ أستاذه في واحدٍ من أهمّ الميادين بعينه: أحكامُ الدولة والإدارة في الإسلام (2). على أنّه لا يجوز أن يُستنتج من ذلك أنّه لم يبلغ في سائر أبواب الفقه مبلغًا مثله في الأهمية؛ بل على العكس — فقد أقام هنا أيضًا نظامًا للشرع الدينيّ والدنيويّ، عمل عليه تلاميذُه ونمّوه، وبقي إلى اليوم هو السائد في معظم المشرق (3). غير أنّه يبدو أوّلَ من أسّس أحكام الدولة والإدارة، وأعطاها صورَها
Nota 1. عن ابن قتيبة. وانظر النووي: التهذيب p. 699.
Nota 2. يحمل كتابُ أبي يوسف عنوان: «مذكّرة إلى الخليفة هارون الرشيد»، وقد أُلِّف بأمره. وهو يجمع فيه القواعد الموجّهة للإدارة والسياسة، مرتّبةً على نسق الأسئلة وجّهها إليه الخليفة. وتوجد نسخةٌ من هذا الكتاب البالغ الطرافة، وهي الوحيدة المعروفة في أوروبا، في مجموعة Sprenger، وقد ضُمّت معها إلى المكتبة الملكية في برلين، وقد أذنت لي بالإفادة منها. — وقد تبوّأ أبو يوسف في بلاط بغداد منزلةً بالغة النفوذ. وقائمةُ مصنّفاته الكثيرة، وفيها المذكّرةُ المذكورة أعلاه، محفوظةٌ في الفهرست p. 203. وأتقدّم بخالص شكري إلى صديقي المكرَّم الدكتور A. Sprenger، وهو أوّلُ من نبّهني إلى هذا الكتاب المهمّ.
Nota 3. أحسنُ عرضٍ لمذهب أبي حنيفة يوجد في مختصر القدوري (ت 428هـ، 1036—7م).
493الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 493
الباقية على العصور كلِّها. ومن اليسير كذلك بيانُ أسباب نشوء التشريع السياسيّ والإداريّ في العراق. فقد صارت هذه الكورةُ بقيام دولة العبّاسيّين مركزَ الدولة ومقرَّ الحكومة، ومنها كان يُحكَم أكثرُ العالم المعروف يومئذٍ. ولزم من هذا الوضع لزومًا ضروريًّا أن وجد القومُ أنفسهم مضطرّين في بغداد منذ وقتٍ مبكّرٍ إلى بحث أهمّ مسائل أحكام الدولة والإدارة، والسياسة الخارجية، والصلات بالأمم الغريبة، منها ما دان ومنها ما بقي مستقلًّا، وإلى وضع قواعدَ موجِّهةٍ في ذلك. فكان أبو حنيفة وتلميذُه أبو يوسف أوّلَ من عالج هذا الميدان الجديد معالجةً علمية.
وأمّا معتقدُه الدينيّ فكان أبو حنيفة على مذهب تلك الفرقة المعتدلة المتسامحة المقبلة على الحياة، وهي التي تُعرَف باسم المرجئة. ومن أدلّ ما يدلّ على خُلقه وسعة صدره هذا الخبرُ من سيرته. كان له بالكوفة جارٌ منهمكٌ في الشراب، يجلس كلَّ مساءٍ في رواق داره فيسكر، ويرفع صوته كعادته بهذه الأنشودة، وكانت يومئذٍ شائعةً جدًّا:
لقد أضاعوني إضاعةَ خِزيٍ؛ وأيَّ رجلٍ أضاعوا! بطلًا يومَ الوغى، وحافظًا للثغر بالوفاء! عظيمَ الهمّة، بطوليَّ النفس، في ساحة أهوال الموت، حيث أسنّةُ رماح الأعداء تلعق صدري. إلخ.
فأمسى مساءٌ وسكن كلُّ شيءٍ في دار الجار، إذ كان العسسُ قد قبضوا على المغنّي الطروب وحبسوه بتهمة السكر. فنهض
494494 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
أبو حنيفة وقصد الوالي يسأله إطلاقَ جاره. فكان له ذلك على الفور. فلمّا أُخلي سبيلُ الشِّرّيب قال له أبو حنيفة: أما كنتَ أنت الذي يغنّي كلَّ ليلة:
لقد أضاعوني إضاعةَ خِزيٍ وأيَّ رجلٍ أضاعوا!
فهل أضعتُك أنا حقًّا؟ — قال: معاذ الله! — قال: فأكرِمني إذن وعُد إلى الغناء كما كنت. فقد ألِفتُه ولا أرى فيه بأسًا (1).
ويطابق هذا الخبرُ تمامَ المطابقة ما يسري في أحكامه الفقهية من روحٍ إنسانيةٍ متسامحةٍ محبّةٍ للناس؛ والمعرفةُ الدقيقة بوجهته العقلية، وبروحه العادلة أبدًا غيرِ المتحيّزة، وهي روحٌ بالغةُ التسامح لا سيّما مع المخالفين في الدين، تُرينا فيه رجلًا سبق بقرونٍ عاداتِ عصره وقومِه الضيّقةَ الغليظة. وسنجمع هنا شيئًا من الشواهد على ما قلناه الآن، وهو ما ظلّ مُهمَلًا إهمالًا تامًّا حتى اليوم.
ومن المعلوم أنّ علماء المحمّديين ينظرون إلى المخالف في الدين على أنّه خَلقٌ يقع دون المسلم المستقيم العقيدة بمراحل، وأنّ الأحكام الشرعية تعبّر عن هذا التصوّر أتمَّ تعبير. فقد كانت حياةُ الكافر ودمُه عندهم أبدًا أدنى قيمةً بما لا يُقاس من حياة المسلم ودمه. ومن المعلوم أنّ القصاص جارٍ في الشرع المحمّديّ كما هو جارٍ عند العبرانيّين. غير أنّ الفقهاء لم يجيزوه إلّا بين المسلمين أو بين الأحرار، لا بين المسلمين والمخالفين في الدين أو العبيد. فكان أبو حنيفة أوّلَ من أخذ الإنسان إنسانًا وقرّر أنّ حياة المخالف في الدين أو العبد تساوي حياةَ المسلم، إذ نصّ على القاعدة: إذا
Nota 1. الأغاني I. 166.
495الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 495
جرى القصاصُ في تبعة دمٍ، وجب تنفيذُ عقوبة الموت في الحرّ يقتل عبدًا كما تجب في المسلم يقتل مخالفًا في الدين (1).
والشرعُ المحمّديّ بالغُ الشدّة في السرقة، وقد سعى أبو حنيفة إلى تخفيفه ما استطاع (2).
وأضاف فوق ذلك حكمًا مؤدّاه أنّ السرقة من بيت المال، أو من الوالدين والأولاد والأخوات والإخوة أو سائر ذوي القربى، تحلّ فيها عقوبةٌ أخرى أقلُّ قسوةً محلَّ عقوبة القطع الشديدة. والعلّةُ في ذلك بيّنة. فكما كان بيتُ المال عند العرب في تصوّرهم ملكًا مشتركًا لجميع المسلمين، كذلك عدّ أبو حنيفة مالَ الأسرة مالًا مشتركًا. فلم يجز أن تُسوَّى السرقةُ منه بالسرقة العامّة تسويةً تامّة، إذ للسارق فيه حقُّ شركةٍ ما (3).
وعلّم كذلك أنّ من واقع الجريمة نفسها مرارًا ولم يُؤخَذ بها إلّا في المرّة الأخيرة، لم يلزمه إلّا حدٌّ واحدٌ عن جميع تلك المرّات (4).
ولم يكن أقلَّ رفقًا في فهم سائر مسائل العقوبات. ومن المعلوم أنّ تعظيم النبيّ تصاعد منذ
Nota 1. الماوردي، 392.
Nota 2. الماوردي، 385.
Nota 3. مختصر القدوري: كتاب السرقة، أبو يوسف fol. 93 v°، حيث يُضاف الحكمُ بأنّ العبد يسرق سيّده لا يجوز أن يُعاقَب بالقطع. — وكذلك كانت السرقةُ بين الزوجين عند الرومان لا تُعَدّ للسبب نفسه سرقةً عادية (furtum)؛ Puchta: Cursus der Institutionen 4. Aufl. Bd. III. §. 294, p. 196.
Nota 4. أبو يوسف fol. 92 v°.
496496 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
القرون الأولى حتى بلغ تأليهًا حقيقيًّا: فسبُّه والطعنُ في اسمه عُدّا تجديفًا وشتمًا لله؛ وكما كانت محاكمُ التفتيش الإسبانية تُسلم المتّهم بهذه الجريمة إلى النار، كذلك أجمع علماءُ الإسلام على الحكم فيها بالقتل. غير أنّ أبا حنيفة استثنى النساءَ على الأقلّ، فعلّم أنّ المرأة التي تشتم النبيَّ لا تُقتَل بل تُعزَّر تعزيرًا لإصلاحها وردِّها إلى حِجر الإسلام (أبو يوسف fol. 99 v°). ومن أحكام الفقه الحنفيّ الأخرى البالغةِ التسامح إجازةُ شهادة المخالفين في الدين عند عقد النكاح بين مسلمٍ وامرأةٍ مخالفةٍ في الدين. فأبو حنيفة وأبو يوسف كلاهما يأذن صراحةً في هذه الحال بأن يُستشهَد نصرانيّان أو يهوديّان، على حين لا يجيز سائرُ الفقهاء، حتى من أهل المذهب الحنفيّ، إلّا شهادةَ المسلمين.
كذلك سوّى بين المخالفين في الدين والمحمّديين تسويةً تامّةً في حقّ الشُّفعة (1). ومن ترك أداء الصلوات المفروضة عُدّ ذلك جريمةً في حقّ الدين. وقد علّم أحمد بن حنبل أنّ ذلك بمنزلة الردّة ويجب أن يُعاقَب عليه بالقتل؛ أمّا أبو حنيفة فيمثّل في هذه المسألة أيضًا الرأيَ الأرفق ويعلّم أنّ غاية ما يجوز عقوبةٌ بدنية (2).
وأمّا الأممُ الداخلة في الطاعة، وهي في عهدٍ مع الحكومة، فكانت في رأي كثيرٍ من الفقهاء تُعامَل معاملةَ الكفّار إذا لم تفِ بشروط عهد الذمّة، أي:
Nota 1. القدوري في كتاب الشفعة.
Nota 2. الماوردي cap. 19.
497الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 497
تُغزى بالحرب؛ فإن أبت الدخول في الإسلام قُتل الرجالُ البالغون وسُبيت النساءُ والأطفال. أمّا أبو حنيفة فيمثّل هنا أيضًا الرأيَ الأرحم، وهو أن يُخرَجوا من دار الإسلام لا غير (1).
وهذه الوقائعُ خليقةٌ بأن تكفي في بيان أنّ أبا حنيفة، في زمنٍ ساد فيه أعتى التعصّب، وأتمُّ إنكارٍ لحقوق الإنسان كلِّها متى تعلّق الأمرُ بغير المحمّديين، وأحكامُ العقوبات الدراكونية بلا أثرٍ مخفِّفٍ البتّة، مثّل وجهةً في الإنسانية والتسامح والرفق لم تكد تتجلّى في الإسلام مرّةً أخرى على مثل هذا النحو. وهو جديرٌ — ولو لم نعلم من مذهبه شيئًا سوى ما تقدّم — بأن يُعَدّ من أنبل عقول أمّته. ويمثّل مذهبُه أرفعَ أطوار التطوّر وأجدرَها بكرامة الإنسان، ممّا يقدر عليه نظامٌ دينيّ وسياسيّ محكمُ الانغلاق كالإسلام.
أمّا مدرسةُ الكلام والفقه التي دانت بمذهب أبي حنيفة، وصارت بعد وفاته بقليلٍ هي السائدة في بغداد وفي بلاط الخلفاء، ثمّ عُدّت عمّا قريبٍ المذهبَ الرسميّ في الدولة كلِّها، فتحمل باسم مؤسّسها اسمَ الحنفية. وعليها إلى اليوم العثمانيّون وبلاطُ القسطنطينية، وكذلك معظمُ سكّان البلاد التركية الشرقية.
ويبدو أنّ النشاط العلميّ انصرف بظهور أبي حنيفة ومالكٍ إلى الميدان الفقهيّ الكلاميّ على الأخصّ، فقد صار هذا الفنُّ منذ ذلك الحين أشدَّ
Nota 1. الماوردي cap. 13.
498498 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
ميادين الأدب العلميّ العربيّ استئثارًا بالهمّة وأوسعَها معالجة.
ويُذكَر من تلاميذ أبي حنيفة اثنان على الخصوص. أوّلُهما أبو يوسف، وقد تكرّر ذكرُه (113—182هـ، 731—799م)، وكان في عهد هارون الرشيد، معاصرِ شارلمان، قاضيَ القضاة ببغداد، حيث نال أرفعَ جاهٍ ونفوذ، حتى صار الخليفةُ يستشيره في أخطر شؤون الدولة، فكان ذلك سببَ تأليف الكتاب المتقدّم ذكرُه. — وبلغ مثلَ شهرته بمصنّفاته العلمية محمّدٌ الشيبانيّ، وهو تلميذٌ آخر لأبي حنيفة ولأبي يوسف أيضًا. وقد ألّف بطلبٍ من هذا الأخير كتابه الرفيعَ القدر الباقيَ إلى اليوم: «الجامع الصغير»، وهو أمُّ كتب الفقه الحنفيّ، وقد بلغ من المكانة أن ظلّ زمنًا طويلًا يجري الحكمُ بألّا يُولّى القضاءَ من لم يُحسن امتحانه في هذا الكتاب (1).
وأثمرت هذه الحركةُ الفكرية النشطة أن ظلّت المذاهبُ الجديدة تُوضَع؛ إذ كانت عناصرُ هذه الحركة العقلية يومئذٍ كلُّها في تمام السيلان، تلتمس أن تتبلور في صورٍ شتّى. فبعد وفاة أبي حنيفة بنحو خمسين سنة (نحو 195هـ، 810—11م) قدم بغدادَ عالمٌ وُلد في عسقلان أو غزّة على الساحل الفينيقيّ. هو الشافعيّ؛ وقد درس بمكّة وسمع بها دروسَ مالك، ثمّ لم يلبث أن ابتدأ يدرّس ببغداد. فسرعان ما نال من الشهرة ما بلغ بعدد تلاميذه الألوف، وما جعل النظامَ الذي وضعه للفقه كلِّه يُنشئ مدرسةً جديدةً
Nota 1. انظر في أبي يوسف: Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. d. Araber IX. 173، ابن قتيبة p. 251؛ وفي محمّد الشيباني: Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. d. Araber III. p. 113 والنووي: التهذيب p. 103.
499الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 499
تكافئ مدرستَي مالكٍ وأبي حنيفة السابقتين، فنالت القبولَ العامّ ثالثةً للمذاهب المستقيمة، وحملت باسم مؤسّسها اسمَ الشافعية. وقد نشأ نظامُه من التوسّط بين أفكار مالكٍ وأبي حنيفة، على أنّه يميل إلى المدرسة التاريخية الصارمة عند الأوّل أكثر، في مقابل نزعة النظر عند الثاني. وانتشر سريعًا في البلاد العربية، ولا سيّما في الشام ومصر والعراق، حيث يسود اليوم أيضًا، بل بلغ الهند، وما زال قائمًا معمولًا به في جاوة، وفيها وجد حدَّه الشرقيَّ الأقصى (1).
وصار تلميذٌ من تلاميذ الشافعيّ مؤسِّسَ المذهب الرابع من المذاهب المستقيمة. اسمُه أحمد بن حنبل. ويبدو أنّه جعل مهمّته أن يطهّر الإسلامَ المتأخّر، وقد حاد في رأيه في كثيرٍ عن بساطته الأولى، وأن يعيده إلى تمام أصالته. وقد بلغ في ذلك بالإيمان الجامد بحرفية نصّ الحديث أقصى مبلغ، وجمع في الحديث كتابًا كبيرًا، ودافع بحماسةٍ خاصّةٍ عن تصوّر أهل الاستقامة الأقدمين المشبِّه لله. فصار مؤسِّسَ أشدّ الفرق تزمّتًا وتعصّبًا، وهي فرقةٌ لم تنتشر انتشارًا واسعًا جدًّا لتشدّدها، لكنّها كثيرًا ما أثارت الفتن ببغداد. وهي اليوم لا تسود إلّا في وسط
Nota 1. كان الشافعيُّ أوّلَ من جعل موضوعًا لدروسه العلمية ذلك العلمَ الذي يسمّيه العربُ «علم الأصول»، أي علم المبادئ. وهو يعطي القواعد في تنزيل مواضع القرآن والحديث على الأقضية، وفي تأويلها، وفي طرائق استخراج النتائج والفروع منها. ويقال إنّ الشافعيّ كان في رأيه السياسيّ شديدَ الميل إلى الشيعة. ومات سنة 204هـ (819—20م). Hammer-Purgstall: Liter. Gesch. der Araber III., p. 103 ff. النووي: التهذيب, p. 56.
*32
500500 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
جزيرة العرب، ومنها نشأت الحركةُ الوهّابية الرجعيّة (1).
وبينما أنشأ هؤلاء الرجال الأربعة أربعةَ مذاهب، كلُّها قائمٌ على أرض الإسلام المستقيم، تُحرِّر أنظمةً خاصّةً في الكلام وما يتّصل به من الفقه اتّصالًا وثيقًا، نشأت بين هذه المذاهب الأربعة الكبرى مذاهبُ فرعية، سعت بنجاحٍ متفاوتٍ إلى إنفاذ آرائها الخاصّة، من غير أن تفارق أرضَ الاستقامة مفارقةً كبيرة. وأوّلُ من يُذكَر هنا الأوزاعيّ. عاش منذ أواخر القرن الأوّل (88—157هـ، 707—74م) بالشام، وبالتحديد بدمشق وبيروت، ونال شهرةً عظيمة، غير أنّه لم يبقَ من مصنّفاته شيء (2)، وأتباعُه، وقد سادوا بالشام، اختفوا بعد ذلك اختفاءً تامًّا. وما زال قبرُه قرب بيروت، على الكثبان الرملية التي تمتدّ غربيّ المدينة على البحر، يُعَدّ موضعًا مقدّسًا. تعلوه قبّةٌ نصفُ مهدَّمة اليوم، تظلّلها شجرةٌ عتيقةٌ تُرى من بعيد. وأنشأ أبو ثور (ت 240هـ، 854—55م) نظامًا مستقلًّا آخر، دان به أهلُ أذربيجان وأرمينية. (انظر الفهرست p. 211.) على أنّ أهمَّ من هؤلاء بكثيرٍ مدرسةُ داود بن عليّ (ت 270هـ، 883—4م) (3)، وقد قرّر قاعدةً
Nota 1. انظر في أحواله: Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. III. p. 110؛ ثمّ النووي: التهذيب, p. 142، الفهرست p. 229.
Nota 2. الفهرست p. 227، النووي: التهذيب, p. 382. Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. III, p. 111.
Nota 3. كان داود بن عليّ فارسيَّ الأصل، وُلد بالكوفة سنة 202هـ (817—8م)، واستقرّ ببغداد ومات بها سنة 270هـ. وكان يحظى عند الشافعيّ بمكانةٍ خاصّة. وقد تمسّك داود بشدّةٍ بالرأي القائل، خلافًا لأبي حنيفة، بأنّ
501الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 501
مؤدّاها أنّ الحديث والسنّة، بل القرآن أيضًا، تُؤخَذ على معناها الحرفيّ الظاهر، وأنّه لا يجوز أن يُلتفَت في الأقضية إلى غير ذلك. وقد وقع بهذا المذهب في خلافٍ مع الحنفية، ودنا فيما يبدو من الحنابلة. وقد انتشر الفهمُ الفقهيّ الذي أنشأه حتى بلغ إسبانيا (1).
وإلى جانب هذه الفرق القائمة كلَّ القيام على أرض الاستقامة، لم تتوانَ الأحزابُ المنشقّة كذلك، ولا سيّما الشيعة، عن أن تصوغ لنفسها أنظمةً فقهيةً كلاميةً خاصّةً تلائم آراءها الدينية والسياسية، وتبتعد قليلًا أو كثيرًا عن أنظمة المذاهب المستقيمة؛ وجرى عند الشيعة وضعُ الأحاديث الكاذبة على نطاقٍ واسع، تأييدًا لمذهب عصمة أئمّتهم من ولد عليّ، ولعقائدهم المخالفة كثيرًا لتعاليم أهل السنّة مخالفةً على طرفَي نقيض. وقد أضرّ هذا الاستخفافُ بالضمير بقيمة أعمالهم إضرارًا شديدًا. فحماستُهم المتعصّبة لعليّ وذرّيّته، وبغضُهم للخليفتين الأوّلين، ولعمرَ الأوّل خاصّةً، جعلا كلَّ وسيلةٍ حسنةً في سبيل بلوغ مساعيهم السياسية، وهي مساعٍ ترمي إلى قلب الدولة الحاكمة. وما زال المذهبُ الفقهيّ الشيعيّ سائدًا اليوم في بلاد فارس، غير أنّه يوافق في الجملة مذهبَ أهل السنّة موافقةً كبيرة (2).
Nota 3 (تتمّة). القياس والاستنباط مردودان، وأنّه يجب الوقوفُ عند المعنى الحرفيّ الظاهر وحده. النووي: التهذيب p. 236. وتوجد قائمةُ مصنّفاته الكثيرة في الفهرست p. 216.
Nota 1. انظر Geschichte der herrsch. Ideen des Islams p. 124، Ibn Khaldoun: Proleg. II. p. 5.
Nota 2. التفصيلُ في ذلك في كتاب Tornauw عن الشرع المحمّديّ، وبخاصّةٍ في Querry: Droit musulman. Paris 1871. وانفصالُ الفرع الشيعيّ عن الأصل المستقيم لم يقع إلّا في القرن الثالث للهجرة،
502502 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
كذلك لم يتوانَ الحزبُ المتطرّف الآخر، حزبُ ديمقراطيّي الإسلام في الدين والسياسة، عن أن يصوغ لنفسه قناعاته الكلامية والفقهية.
هذه، في اختصار، هي السبلُ التي سلكها الشرعُ المحمّديّ من بداياته إلى تمام تكوّن المذاهب المختلفة واستقرارها. وكلّما اتّخذ صورًا لا تتبدّل، وكلّما وجد العملُ الفكريّ في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام تعبيرَه وخاتمتَه في المصنّفات، صار الفتورُ التدريجيّ في النشاط الذهنيّ أشدَّ ظهورًا في هذه الميادين؛ فبعد الشغف الجامح بالعمل والقدرة على الإبداع جاء عصرُ الترتيب والغربلة والموازنة والشرح؛ فقُورنت الأنظمةُ المختلفة، وخيضت المجادلاتُ العلمية، وكُتبت الشروحُ في مجلّداتٍ على كتب الأئمّة الأقدمين. وسرعان ما اعتاد القومُ أن ينظروا إلى كبار علماء القرون الأولى على أنّهم رجالٌ لن يُتاح لأحدٍ من المتأخّرين أن يبلغ ما بلغوه. فقرّروا أنّ أولئك وحدهم أُوتوا الموهبة والإذن الإلهيّ بشرح الوحي والسنّة (الاجتهاد في الشرع)، وأنّهم وحدهم علموا كلَّ ما يستحقّ أن يُعلَم وعلّموه، وأنّ طلب المزيد على ما علموه شرّ. ولم يُذكَر من هؤلاء الأئمّة الذين لا يُلحَقون في العلم والمعرفة، سوى مؤسّسي المذاهب الأربعة المذكورين آنفًا — مالكٌ وأبو حنيفة والشافعيّ
Nota 2 (تتمّة). حين كان الإسلامُ المستقيم قد أتمّ نظامه الفقهيّ. ومن هنا تُفسَّر ظاهرةُ أنّ الفقه الشيعيّ لا يخالف الأوّل إلّا في التفاصيل، على حين أنّ النظام القائم في أساسهما واحدٌ لكليهما. انظر Querry: Droit musulman I., p. IV. وفي خصائص الفقه الشيعيّ انظر v. Tornauw: Moslimisches Recht p. 12 وغيرَه من المواضع. —
503الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 503
وأحمد بن حنبل — ثمّ سفيان الثوريّ وداود بن عليّ، إلى جانب صحابة النبيّ والتابعين (1).
فهؤلاء هم أئمّةُ الطبقة الأولى، ولهم بلا منازعٍ حقُّ الاجتهاد المستقلّ في أمور الشرع.
وكان لتلاميذ هؤلاء الأئمّة الكبار مرتبةٌ دون ذلك. فلم يُعترَف لهم بحقّ تغيير شيءٍ من أصول المذهب، غير أنّهم كانوا يستطيعون في مسائلَ لا تمسّ الأصول أن يقضوا بأحكامٍ مستقلّة ويقولوا بآرائهم الخاصّة: وهذا ما سُمّي حقَّ النظر داخل المذهب (الاجتهاد في المذهب).
وأدنى منهم منزلةً جمهورُ الفقهاء، وكان في وسعهم بحسب انتماء كلٍّ منهم إلى هذا المذهب أو ذاك أن يفصلوا في مسائلَ مفردة على أصوله (الاجتهاد في المسائل)، وتُعَدّ هذه الأحكام صحيحةً نافذةً إذا وافقت أصولَ المذهب وأئمّتَه الكبار؛ فمهمّةُ القاضي في الشرع الإسلاميّ أن يقيم حكمه بحيث يوافق ما صدر في السوابق من أحكامٍ عند أئمّة الفقه المتقدّمين والمتأخّرين؛ وهذه الحُجَجُ في المرتبة الأولى هي الوحي، ثمّ السنّة، وأخيرًا أقوالُ الأئمّة الكبار، أي من يُسمَّون أمراءَ العلم،
Nota 1. كان سفيان الثوريّ عالمًا مشهورًا بورعه وبعلمه بالحديث والفقه. وكثيرًا ما يُستشهَد به في المعضلات، غير أنّه لم يبقَ شيءٌ من مصنّفاته، فقد أوصى بأن تُحرَق كتبُه كلُّها بعد وفاته. ومات سنة 161هـ (777—8م). ابن قتيبة p. 250. وقد عُدّ، كداود بن عليّ، مؤسّسًا لمذهبٍ مستقيم، فيرتفع بذلك عددُها إلى ستّة. النووي: التهذيب p. 288. وقد روى كتبَه تلاميذُه، وكانوا قد حفظوها عن ظهر قلب. الفهرست p. 225.
504504 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
وهي أقوالٌ اكتسبت قوّةً قانونيةً لا تُنازَع بقبول جمهور المسلمين المستقيمي العقيدة لها قبولًا عامًّا (إجماع الأمّة) (1).
٥. نظام الفقه الحنفيّ.
مضى تلاميذُ أبي حنيفة في البناء الذي أقامه فوسّعوه، ووجد على مرّ الزمان شرّاحًا لا يُحصَون، وأتباعًا ومعجبين متحمّسين. وسرعان ما نما الأدبُ الفقهيّ نموًّا هائلًا. ومن أرفع كتب العهد الأوّل قدرًا وأوسعها انتشارًا مختصرُ القدوري، وهو إلى اليوم حجّةٌ في مدارس الفقه بالمشرق. وهذا الكتابُ هو الذي أستعمله
Nota 1. أمّا مشروعيةُ الاجتهاد، أي البحث الحرّ في ميدان الشرع الدينيّ والدنيويّ، فقد جرى فيها الخلافُ الشديد من قديم. فقومٌ، وهم أهلُ الاستقامة القدماء المتشدّدون، لا يريدون منه شيئًا وتمسّكوا بحرف القرآن والسنّة: وعلى هذه الوجهة كان أحمدُ بن حنبل والشافعيّ وداودُ بن عليّ خاصّةً. وأمّا أبو حنيفة فهو المؤسّسُ الحقيقيّ للبحث الحرّ، ولتأويل الشرع بعون العقل والاستنباط المنطقيّ. وهذا الرأيُ الأخير هو الذي صار سائدًا. وقد أصاب عالمٌ كبيرٌ إذ قال: «أكثرُ الشرع بما لا يُقاس نتاجُ البحث الحرّ، فإنّ النصوص نفسَها (من القرآن والسنّة) لا تبلغ منه جزءًا من مئة.» النووي p. 237. — والأحكامُ الشرعية التي ينطق بها كبارُ العلماء (المجتهدون) المعترَف لهم بالإمامة عامّةً، ويقبلها إجماعُ جماعة المسلمين كلِّها، تكتسب قوّةَ القانون كاملةً وتصير من ذلك الحين جزءًا لا يتجزّأ من الشرع الإسلاميّ. وبهذه الطريقة صار إجماعُ الأمّة أيضًا مصدرًا من مصادر الحقّ يعترف به المتأخّرون من الفقهاء ويُكثرون الاحتجاجَ به. غير أنّ الشافعيّ أبى الاعترافَ به. النووي: التهذيب p. 237. ثمّ قرّر القومُ بعد ذلك قاعدةً مؤدّاها أنّ جماعة أهل الاستقامة معصومةٌ بما هي جماعة، وأنّ كلَّ ما تجتمع عليه ملزِمٌ للجميع. Ibn Khaldoun: Proleg. III. p. 26—28.
505الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 505
هنا الآن لأحاول جمعَ أهمّ ما في نظام الفقه الحنفيّ.
وأقتصر في ذلك على إشاراتٍ في معالجة مادّة الفقه كلِّها وفي ترتيبها وتقسيمها، ثمّ أُتبعها بعرضٍ موجزٍ لأهمّ أحكام الفقه الوضعيّ من وجهة تاريخ الحضارة.
أمّا الترتيبُ المنهجيّ الصارم المنطق، ممّا اعتدنا أن نجده عند فقهاء أوروبا، فلا يكاد يُلحَظ في المدوّنة الفقهية العربية كما لا يُلحَظ في «البندكت» الرومانية ولا في «البازيليكا»؛ غير أنّ فقهاء العرب أحسنوا مع ذلك، بتوزيعٍ بارعٍ للمادّة كلِّها على أبواب أهمّ مسائل الشرع الدينيّ والمدنيّ والقضاء والعقوبات، أن يبلغوا تقسيمًا نافعًا جدًّا لهذه المادّة الهائلة. بل إنّ المرء متى ألِف التقسيم المنهجيّ للكتب الفقهية لم يعسر عليه البتّة أن يقع فورًا على المواضع المتّصلة بأيّ مسألةٍ من مسائل الفقه في النصّ. وهم يضعون في المقدّمة أبدًا الشرعَ الدينيّ، فيعالجون بتفصيلٍ شديدٍ أحكامَ الطهارة وأحكامَ الصلاة، ثمّ زكاةَ المال، وهي معدودةٌ في الفرائض الدينية على حين أنّها في تصوّرنا من القانون الإداريّ؛ ويلي ذلك أحكامُ الصوم، والحجّ إلى مكّة، والحرب الدينية على الكفّار، والأضاحي، والصيد، وذكاةُ ما يُصاد على الوجه المشروع ليَحِلّ أكلُه. ويلي هذا القسمَ الدينيّ — وسنبحثه في موضعٍ آخر — أحكامُ المعاملات المدنية، بلا فصلٍ صارمٍ بين ما يتعلّق منها بالأشخاص وما يتعلّق بالأعيان،
506506 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
على أنّ كلَّ مسألةٍ تُعالَج مع ذلك على استقلالٍ في بابٍ خاصّ: فأحكامُ النكاح، ثمّ ما يتّصل بها من أحكام الطلاق وأنواعه، وحقوقُ المطلَّقة في النفقة، ثمّ أحكامُ الرقيق. وأحكامُ الولاء، وأنواعُ العتق، والمكاتبة، ثمّ الحَجْر (capitis diminutio)، وحكمُ اللقيط والمفقود وما إلى ذلك.
وأُتبع هذا الجمعَ المتعلّقَ في الأكثر بأحكام الأشخاص بعدّ أبواب الفقه المتّصلة في جوهرها بالأعيان، وهو ميدانٌ عالجه العربُ بأعجب ما يكون من الدأب وحدّة الذهن. ويُذكَر في المقام الأوّل على الخصوص، لأهمّيتها في الحياة العملية، أحكامُ البيوع وسائرِ ضروب العقود، كعقود الرهن والقرض والإجارة، وعقودِ المضاربة والوديعة، ثمّ العقودِ التي يترتّب عليها نقلُ الحقوق أو إسقاطُها، كالوكالة والكفالة والحوالة والصلح والهبة. ويُعالَج بتفصيلٍ خاصٍّ بابُ المواريث، وأحكامُ الوصايا وحسابُ الفرائض. ويلي ذلك أحكامُ القضاء، والشهادات، والأيمان، والإقرار، وأدبُ القاضي. وأخيرًا يؤلّف بابًا مهمًّا من أبواب كلّ كتابٍ فقهيّ عربيٍّ أحكامُ العقوبات، والجرائمُ والجنح، وما شُرع لها من حدود، وديةُ القتل، وأحكامُ السرقة والزنا وما إليها؛ ثمّ الجنحُ الأخفّ في حقّ أمن الأشخاص (1).
Nota 1. وقد بحثنا أحكامَ العقوبات في الفصل السابق.
507الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 507
ويُلحَق بهذه الأبواب الكبرى من البناء الفقهيّ مباحثُ شتّى في مسائلَ مختلطة، بعضُها ممّا لا شكّ في أنّه يدخل في القانون الإداريّ، كإحياء الموات وما يترتّب عليه من تملّك، والوقفِ (على وجوه البرّ والنفع العامّ)، وأخيرًا أحكامٌ ضبطيةٌ في اللقطة، وفي الحظر والإباحة، وفي غصب مال الغير، وفي استعمال القوّة والتخويف بالتهديد (الإكراه) وما أشبه ذلك.
ولعلّ هذا العدَّ وحده يكفي في تكوين فكرةٍ عن غنى مضمون المدوّنة الفقهية العربية، وهي لو ضاعت آثارُ الكتابة الأخرى كلُّها لأدّت وحدها شهادةً كاملةَ الحجّية على ما بلغه العربُ من ارتفاع حالهم الحضاريّ في ذلك العصر يوم كانوا الأمّةَ الأولى. وليس بعد الرومان أمّةٌ استطاعت أن تنسب إلى نفسها في وقتٍ بهذا التبكير نظامًا للحقّ بلغ هذا المبلغ من العناية.
وبعد أن أدرنا فيما تقدّم نظرةً عامّةً على ترتيب الفقه العربيّ وتقسيمه، ننتقل الآن إلى النظر عن كثبٍ في المضمون الوضعيّ لأهمّ أحكامه. ونصرف النظر ههنا صرفًا تامًّا عن التشريع الدينيّ الذي يبسطه أبو حنيفة وسائرُ الفقهاء أبدًا في المقام الأوّل بتفصيلٍ شديد، ونمضي رأسًا إلى العقود والمعاملات التجارية، فهي خيرُ ما يُطلعنا على روح العصر وعلى طريقة المعالجة والتصوّر العلميّ لفكرة الحقّ (1).
Nota 1. في عقود البيع والشراء يُقرأ: De contractu do ut des, von Van den Berg, Leyden 1868.
508508 الفصل التاسع: الشريعة والفقه.
أ) عقود البيع والشراء.
يحتلّ عقدُ البيع والشراء أبرزَ المواضع. يقول أبو حنيفة: ينعقد البيعُ بالإيجاب والقبول، وينبغي أن يقع القبولُ صريحًا لا لبس فيه. ولا يجوز الرجوعُ إلّا لعيبٍ ثابتٍ في السلعة أو لعدم رؤيتها من قبل. ولا يُشترَط شرعًا أن يكون قدرُ المبيع وكيلُه ووزنُه معلومًا على التحديد، غير أنّ الثمن يجب أن يكون معلومًا على التحديد أبدًا. ويجوز البيعُ بالنقد الحاضر أو بالتقسيط، وفي الحال الثانية يجب تعيينُ آجال الأداء على التحديد. فإن ذُكر الثمنُ على وجه الإطلاق حُمل شرعًا على نقد البلد؛ فإن جرت في البلد نقودٌ باسمٍ واحدٍ وعيارٍ مختلف (كالدراهم الفضّية ودراهم Weisssud) بطل البيعُ من غير تعيين النقد.
ويجوز أن تدخل في عقود البيع شروطٌ فاسخةٌ شتّى: ١. للمشتري وللبائع كليهما أن يشترط عند العقد حقَّ الرجوع في ثلاثة أيام. ٢. ويجوز اشتراطُ ألّا يتمّ البيعُ إلّا بعد رؤية السلعة. ٣. فإن وجد المشتري في السلعة عيبًا كان له الرجوع (1). ولا يجوز له شرعًا أن يمسك السلعة ويحطّ من الثمن.
وبيعُ السلَم، وهو البيعُ بالتسليم إلى أجلٍ معلوم، جائزٌ فيما يُوزَن أو يُكال أو يُعَدّ. ويُمنَع إن كان المبيعُ غيرَ موجودٍ بعد. ويجب تعيينُ أجل التسليم على التحديد أبدًا. ويشترط أبو حنيفة لصحّة هذا البيع شروطًا
Nota 1. انظر judicium redhibitorium في الحقّ الرومانيّ. Puchta: Cursus der Institutionen. 4. Aufl, B. III. §. 275 p. 107.
509الفصل التاسع: الشريعة والفقه. 509
لا يجوز أن تخلوَ منها صيغةُ العقد: ١. بيانُ جنس السلعة. ٢. بيانُ النوع. ٣ و٤. تعيينُ الصفة والقدر، ٥. وأجلِ التسليم، ٦. والثمن، ٧. ومكانِ التسليم.
ويبطل كلُّ بيعٍ يكون المبيعُ فيه من الأعيان المحرَّمة شرعًا.
وفسخُ البيع برضا الطرفين (الإقالة) جائزٌ أبدًا، ويُردّ فيه المبيعُ بالثمن الأوّل؛ وبيعُ المرابحة والتولية جائزان. ففي الأوّل يبيع المرءُ السلعةَ التي اشتراها إلى ثالثٍ بربح؛ وأمّا التولية فأن يسلّمها إلى ثالثٍ بالثمن الذي اشتراها به. وكلا الوجهين في النقل مشروع، على أن يكون الأمرُ في سلعٍ متداولةٍ في السوق. أمّا الأعيانُ التي لا يوجد منها إلّا واحد، فلا يجوز فيها هذا العقد.
ب) نقل الحقوق بوجوهٍ أخرى.
نُلحق هنا بعقود البيع والشراء سائرَ ضروب نقل الحقوق. وأهمُّها الحوالةُ والهبة.
الحوالة. إنّ الأحكام الشرعية في هذا الباب تقيم الدليلَ على كلّ حالٍ على أنّ حركة التجارة كانت قد بلغت مبلغًا متقدّمًا جدًّا، فالحوالةُ وُضعت في الظاهر لتقوم مقام السَّفتَجة. وليس من قليل الفضل لأبي حنيفة أنّه ثبّت هذا الأقدمَ من أحكام السَّفاتج تثبيتًا فقهيًّا. والحوالةُ عنده جائزةٌ في
510510 تاسعًا: الشريعة والفقه.
… الديون (أو الحقوق). وتقع الحوالة باتّفاقٍ بين المحيل والمحتال والمحتال عليه. ففي هذه الحال يُحيل المدينُ (المحيل) دائنَه (المحتال) على شخصٍ ثالث (المحتال عليه) له هو (المحيل) عنده حقّ. ولا يبقى للمحتال في هذه الحال حقٌّ قِبَل مدينه الأوّل (المحيل)، إلّا أن يُخلّ الذي حلّ محلّه (المحتال عليه) بواجباته، أو يمنعه إفلاسٌ أو موتٌ من الوفاء بالحوالة. فإن وقع مثلُ ذلك رجع المحتال على من أنشأ الحوالة أوّلًا (المحيل).
وإلى هذه الأحكام — ولا تخفى أهمّيتها لعلائق التجارة يومئذٍ — يضيف فقهاء العرب دائمًا في الوقت نفسه ما يتّصل بها من الأصول المعتبَرة في القضاء. فيُنَصّ في هذه المسألة صراحةً على ما يلي: إذا ادّعى المحتال عليه على المحيل بمقدار الحوالة فدفع هذا بأنّه لم يُحِل عليه إلّا بقدر ما له عنده، لم يُقبل هذا الدفع. وإن ادّعى المحيلُ على المحتال بمقدار الحوالة زاعمًا أنّه إنّما كتب له الحوالة ليقبض المبلغ لحسابه هو، فأنكر الآخر، فالقولُ قول المحيل مع يمينه.
ثمّ إنّه يبدو أنّ هذا الضرب من الحوالة بالمال كان يُفهم على أنّه لا يجري في الغالب من مدينةٍ إلى أخرى، بل داخل المدينة الواحدة أو ما حولها من المواضع لا غير: فأمّا الحوالات الحقيقيّة على البلاد الأخرى (السفاتج)، وبها كان يُتّقى خطرُ حمل النقد،
511فليست ممنوعةً شرعًا، غير أنّها موصوفةٌ بالكراهة في الفقه.
الهبة. والوجه الثاني لنقل الحقوق هو الهبة. وتقع الهبة بالإيجاب والقبول، وتلزم بالقبض. ولا تجوز هبةُ ما يقبل القسمة إلّا أن يكون الواهبُ مالكًا للشيء كلِّه وقد وقعت القسمةُ عند الهبة. أمّا هبةُ ما لا يقبل القسمة لجماعةٍ على الشيوع فجائزة. ويجوز الرجوع في الهبة للأجنبيّ (وخالف في ذلك الشافعيّ)، إلّا أن يكون الموهوب له قد عوّض عنها، أو مات أحد الطرفين، أو خرج الموهوب إلى ملك ثالث. أمّا في الهبة بين ذوي الأرحام فلا يجوز الرجوع، وكذلك بين الزوجين.1) ولا يجوز الرجوع كذلك في الهبة للأجنبيّ إذا عوّض عنها وقبِل الواهبُ العوض. وما عدا ذلك فلا تُفسخ الهبة إلّا بالتراضي أو بحكم القاضي.
فإن وقعت الهبة بشرط عوض، دخل هذا العقد في عقود المبادلة أو البيع وجرت عليه قواعدُها الموضوعة.
والعُمرى: أن يجعل الرجل لغيره شيئًا بشرط أن يعود بعد موته إلى مالكه الأوّل.
والرُّقبى: أن يُضمَن للرجل مِلكُ شيءٍ عند موت المالك.
1) في القانون الروماني تُمنَع الهبةُ بين الزوجين منعًا تامًّا.
512512 تاسعًا: الشريعة والفقه.
وهذه الهبةُ لا تجوز عند أبي حنيفة والشيبانيّ، غير أنّ أبا يوسف يجيزها. وهي ممنوعةٌ كذلك في المذهب المالكيّ.
والوكالة ضربٌ من العقود عُني فقهاء العرب ببسطه عنايةً بالغة. وهم يقرّرون الأصل العامّ: كلُّ عقدٍ ملَك المرءُ أن يعقده بنفسه، ملَك أن يُوكِّل فيه وكيلًا. ويجوز كذلك أن ينوب عن المرء وكيلٌ في الخصومات المدنيّة كلِّها، دون الجنايات. ويتمسّك أبو حنيفة برأيه أنّ إقامة الوكيل في الخصومة لا تجوز إلّا برضا الخصم، إلّا أن يكون الطرف ممنوعًا من الحضور بمرضٍ أو بغَيبةٍ عن موضع القضاء (وذلك على مسافة ثلاثة أيّام على الأقلّ)، فيُضطرّ إلى إقامة وكيل.
ونرى الآن أن نصل بهذا بيان سائر الأحكام المهمّة، فنبدأ بعقود الشركة.
ج) عقود الشركة.
ينقسم عقدُ الشركة في المذهب الحنفيّ قسمين: 1. شركةُ الأموال. 2. شركةُ العقود (وما يترتّب عليها من الحقوق).
فشركةُ الأموال تقع إذا اكتسب شخصان (أو أكثر) شيئًا معًا؛ ولا يملك أحدُهما في هذه الحال التصرّف في نصيب شريكه. وأمّا شركة العقود فتنقسم الأقسام التالية: 1. الشركة المطلقة (societas omnium bonorum، شركة المفاوضة)، والشركاء فيها متضامنون. ولا تنعقد مثلُ هذه الشركة
513إلّا بين اثنين فأكثر، أحرارٍ مسلمين راشدين، كاملَي العقل. 2. الشركة المقيَّدة (شركة العِنان)؛ ولا تستلزم تضامنًا، بل كلُّ شريكٍ وكيلُ الآخر لا كفيلُه. ولكلٍّ أن يدخل بحصّةٍ مساويةٍ أو مخالفة، وأن يشترط لنفسه من الربح نصيبًا مساويًا أو مخالفًا. وكذلك الأمر في الخسارة. 3. الشركة الشخصيّة البسيطة (societas quaestus et lucri، شركة الوجوه)، وهي أن يشترك شخصان بغير رأس مالٍ ليتّجرا. ولهما في قسمة الربح ما يتّفقان عليه.
وينفسخ عقدُ الشركة بموت أحد الطرفين أو بردّته عن الإسلام إلى دينٍ آخر، وقد كانت الردّةُ في الفقه الإسلاميّ تستتبع الموتَ المدنيّ.
وعقدُ المضاربة: أن يقدّم أحدهما المال والآخرُ العمل. ومن شرطه اللازم أن يكون الربح مشتركًا، وألّا يُعيَّن لأحدهما نصيبٌ ثابتٌ منه؛ ثمّ لا بدّ من تسليم رأس المال إلى الشريك تسليمًا فعليًّا. ويجوز أن يُقيَّد العقد بمدّةٍ معلومة، أو بنوعٍ معلوم، أو بصنفٍ معيَّن من التجارات. —
وقد خصّ فقهاء العرب أحوال الزراعة دائمًا بعنايةٍ خاصّة. ولذلك يسهل أن يُفهم أنّ العقودَ المتّصلة بها قد بُسطت وحُدّت بدقّة.
عقدُ المزارعة. كثيرًا ما وقع أن يشترك اثنان لغرض الزراعة، فسُمّيت مثلُ هذه العقود عقودَ مزارعة. ويرى أبو حنيفة أنّ عقدًا يشترط فيه أحدُ الطرفين الثلثَ أو
514514 تاسعًا: الشريعة والفقه.
الربعَ من الغلّة عقدٌ غيرُ مشروع. غير أنّ أبا يوسف والشيبانيّ يُجيزانه. وكان الأغلب أن ينعقد على أن يبذل أحدهما الأرض والبذر ويقوم الآخر بالعمل. وكان العقد غير مشروعٍ إذا بذل أحدهما الأرض ودوابّ العمل وبذل الآخر البذر وقام بالعمل اليدويّ. وسائرُ الأحكام تمضي في التفصيل مضيًّا بعيدًا، وهذا وحده أحسنُ برهانٍ على الأهمّية التي كانت تُعطى بحقٍّ لهذا الضرب من العقود.
وعقدُ المساقاة عقدٌ شبيهٌ به يدخل في هذا الباب، وهو أن يُضمَن للعامل نصيبٌ معلومٌ من الحاصل لقاء رعاية أشجار الثمر والكروم وبساتين البقول ونحوها والقيام عليها. وهذا الضرب من العقود جائزٌ عند أبي يوسف والشيبانيّ، أمّا أبو حنيفة فقد صرّح بمنعه. وسببُ ذلك يسيرُ التبيّن، وهو ما في غلّة الحصاد من الاحتمال، إذ استبعد أبو حنيفة في اطّرادٍ شديدٍ كلَّ عقدٍ يكون الربح فيه من باب المصادفة، ويمكن أن يُحابى فيه أحدُ الطرفين أو يتضرّر على غير تناسب.
ومن الأحكام البالغة الأثر في الزراعة وفي أحوال الملك العقاريّ حكمٌ آخر، هو حقّ الشُّفعة. وهو أن يكون للشريك في الأرض أو لجارها حقُّ الأولويّة في تملّكها عند بيعها. وحقُّ الشفعة هذا (praeemptio، προτίμησις) لم يكن غريبًا عن القانون الروماني نفسِه. وكان بالغَ الأهمّية عمليًّا، إذ أتاح تجميع القطع المتفرّقة في مِلكٍ متّصل.
والمسلم وغيرُ المسلم سواءٌ في حقّ الشفعة. والمنازعاتُ في استعماله
515وجوازه يفصل فيها القاضي في مجلس القضاء.1)
د) عقودٌ أخرى شتّى.
عقدُ الإجارة هو في حدّ العرب العقدُ الذي تُملَك به المنافع لقاء مبلغٍ معلومٍ من المال. ويوافق ذلك موافقةً تامّةً حدُّ هذا العقد نفسِه في القانون الروماني. ولا يصحّ العقد إلّا أن تكون المنفعة معلومةً والعِوض معيَّنًا. وبهذا العقد يمكن كذلك استئجارُ الأرضين مدّةً معلومة. وعلى العموم يمكن تقييدُ عقد الإجارة بمدّةٍ معيّنة أو بإتمام عملٍ معيَّن. فإن مات أحدُ العاقدين انفسخ العقد؛ وكذلك ينفسخ بطروء أحوالٍ لم تكن في الحسبان، كمن استأجر حانوتًا ليفتح فيه تجارةً فأفلس أو ذهبت بضاعته.
وعقدُ الرهن يُلحق هنا مباشرةً، لكثرة وقوعه جدًّا في المعاملات اليوميّة وفي أعمال التجّار. وينعقد الرهن في المذهب الحنفيّ بالإيجاب والقبول، ويلزم بالقبض. فما لم يقبضه المرتهن فالراهنُ حرٌّ في أن يعدل عن عزمه. فإذا قبضه ضمِنه. ولا يصحّ الرهن إلّا في دَينٍ مضمون، حيث يكون رهنًا بدَينٍ أقلَّ من قيمته. فإن هلك الرهنُ في يد المرتهن وكانت قيمته مساويةً لمبلغ الدَّين سقط الدَّين.
1) في المذهب الشافعيّ عند أبي شجاع لا يوجد النصّ على استواء المسلم وغير المسلم. *33
516516 تاسعًا: الشريعة والفقه.
فإن كانت قيمته أعلى ضمِن المرتهن الزيادة. وفي الحال المقابلة كان للدائن أن يطلب الفرق لنفسه. ويُمنع رهنُ ما يملكه جماعةٌ من الملّاك، ثمّ رهنُ الثمر على النخل دون النخل نفسِه، والزرعِ في الحقول دون الحقول نفسِها، وكذلك النخلِ أو الحقول دون الثمر. ويُمنع رهنُ الودائع وعقود الشركة وكذلك أموالِ الشركة.
وممّا يستحقّ التنبيه أنّا نجد عند أبي شجاع، أقدمِ الفقهاء الشافعيّين المتاحين لنا، حدًّا لعقد الرهن يطابق حدَّ القانون الروماني حرفًا بحرف: quod emtionem venditionemque recipit, etiam pignerationem recipere potest. (L. 9 §. 1. D. d. pigner, 20, 1.) والحدُّ العربيّ هو نفسُه حرفيًّا تقريبًا: «كلُّ ما جاز بيعُه جاز رهنُه».1)
ومثلُ هذه النظائر مع القانون الروماني خليقةٌ حقًّا بأن تُدهشنا. وأستبقي لنفسي الكلام في هذه النقطة بتفصيلٍ أوفى فيما بعد.
وأوّلُ ما يستحقّ النظر عن قربٍ بعد ذلك مضمونُ الحكم الحنفيّ في الوصاية والقوامة.
هـ) الوصاية والقوامة.
ما نسمّيه نحن الوصاية والقوامة يعبّر عنه فقهاء العرب بلفظٍ اصطلاحيٍّ واحد (الحَجْر)، ومعناه: تقييدُ (الحقوق)، على نحو الـ capitis diminutio في القانون الروماني.
1) أبو شجاع: Precis de jurisprudence musulmane par Abou Chodja، طبعة Keijzer، ليدن 1859، ص 20.
517والأسبابُ الموجبة للحَجْر ثلاثة: 1. الصِّغَر. 2. الرِّقّ. 3. اختلالُ العقل. فلا يتصرّف الصغير بغير إذن وليّه، ولا المملوك بغير رضا سيّده، ولا يُباح ذلك للمجنون كذلك. فإن عقد أحدُ هؤلاء بيعًا أو شراءً، فللوصيّ أن يُجيزه إن رآه نافعًا، أو يمتنع عن إجازته في الحال المقابلة. وفي القانون الروماني أحكامٌ مماثلةٌ تمامًا: فكلُّ تصرّفٍ يترتّب عليه نقصٌ في مال المحجور عليه يلزم فيه رضا الوصيّ.1) ولا يملك المجنون ولا الصغير أن يعقد عقودًا لازمة، ولا أن يُقرّ إقرارًا صحيحًا أمام القضاء، ولا أن يُعتق مملوكًا، وما إلى ذلك. فإن أحدثوا بمثل هذا التصرّف ضررًا ضمِنه الوصيّ. ويقول أبو حنيفة: السفيهُ العاقل له التصرّفُ المطلق في ماله وإن بذّره. أمّا الفتى إذا شبّ ولم يظهر منه ما يكفي من الرشد فلا يُدفع إليه ماله قبل بلوغه الخامسة والعشرين.
وهنا نجد مرّةً أخرى توافقًا جديرًا بالانتباه مع القانون الروماني، فهو أيضًا يجعل الخامسة والعشرين نهايةَ الـ cura minorum.
وكذلك يجعل أبو يوسف والشيبانيّ الخامسة والعشرين أجلَ انتهاء الـ cura minorum، غير أنّهما يضيفان أنّ من بلغ الخامسة والعشرين وهو غير راشد لا يُدفع إليه ماله، بل يبقى تحت الحَجْر.
1) Puchta: Cursus der Institutionen IV. Aufl. B. 3. §. 300. p. 211.
518518 تاسعًا: الشريعة والفقه.
والبلوغ يقع عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشيبانيّ في الخامسة عشرة للغلمان والجواري، أمّا الرشد فلا يقع — كما تقدّم — إلّا في الخامسة والعشرين.
وإذا خاصم الدائنون مدينهم أمام القضاء وطلبوا حبسه والحَجْرَ عليه، فعلى القاضي عند أبي حنيفة أن يحبسه حتى يصرف ماله في وفاء دائنيه، غير أنّه لا يُحجر عليه؛ فإن كانت له ديونٌ نقديّةٌ عند الناس، فللقاضي أن يصرفها في وفاء ديونه من غير أن يستأذنه. ويقول أبو يوسف والشيبانيّ: إذا طلب الدائنون الحَجْر على المدين، فعلى القاضي أن يحجر عليه ويمنعه من التصرّف في ماله ومن تحميله ديونًا بإقراره هو، كيلا يضرّ بدائنيه. أمّا المال فيقسمه القاضي على الدائنين بنسبة ديونهم. فإن ذكر المدين أنّه لا مال له، حبسه القاضي عن كلّ دَينٍ ادُّعي عليه به. فإذا مضى على حبسه شهران إلى ثلاثة ولم يُثبَت له مالٌ أُطلق. وكذلك الأمر إن أقام البيّنة أمام القضاء على أنّه لا مال له. غير أنّ للدائنين بعد إطلاقه من حبس الدَّين أن يخاصموه أمام القضاء، فيأخذوا فاضل كسبه ويقتسموه بينهم بنسبة ديونهم.
وهنا أيضًا نجد بعض وجوه المقارنة مع القانون الروماني. فالحكمُ بألّا يتجاوز حبسُ الدَّين شهرين إلى ثلاثة يذكّر بنصّ القانون الروماني في حبس الدَّين ستّين يومًا …
519… الحبس.(1) ولم تكن في وجه المدين المماطل وسيلةُ إكراهٍ سوى الحبس بالدَّين؛ فالقانون لم يمنح الدائن وسيلةَ استيفاءٍ أخرى مستقلّةً عن إرادة المدين، ما لم يكن قد احتاط لنفسه برهن. وأنّ الأمر جرى على هذا في الفقه العربي أيضًا يظهر ممّا تقدّم بيانه.
f) أحكام النكاح.
ننتقل الآن إلى بابٍ من أبواب الفقه الإسلامي بالغِ الأهمّية من الوجهة الاجتماعية ومن وجهة تاريخ الحضارة، وهو أحكام النكاح.
لا ينعقد النكاح صحيحًا إلا بحضرة شاهدَين حُرَّين بالغَين مسلمَين. فإن تزوّج المسلم نصرانيةً أو يهودية جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يكون الشاهدان نصرانيَّين أو يهوديَّين؛ أمّا الشيباني فلم يُجِز في عقد النكاح شهادةَ غير المسلمين. ويحرم نكاح الأمّ والجدّات من جهة الأب أو الأمّ، والبنت وبنت الابن، والأخت وفروعها، والعمّة والخالة، وبنات الأخ والأخت،(2) وأمّ الزوجة الحقيقية، والرَّبيبة، وامرأة الأب أو امرأة الجدّ، وزوجة الابن، وبنات البنين، والمُرضِعة (الظِّئر)، والأخت من الرضاعة؛ ولا يجوز الجمع بين أختين في النكاح، كما لا يجوز الجمع بين أختين مملوكتين في الوطء؛ ويحرم كذلك أن يجمع الرجل بين المرأة وعمّتها
(1) Puchta: Cursus der Institutionen، الطبعة الرابعة، المجلّد الثاني، §. 179، ص 233.
(2) بل إنّ الزواج بين العمّ وبنت أخيه يُعَدّ في الفقه التلمودي عملًا مأجورًا عليه. انظر: Frankel: Das mos. talmud. Eherecht، لايبزغ 1860، ص XVII. Jebamot. 62. Maimonid. Isure Bia. 14.
520520 تاسعًا: الشريعة والفقه.
أو خالتها، أو بنت أختها أو بنت أخيها. وكذلك لا يحلّ الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لحُرِّم عليه نكاح الأخرى؛ ويجوز في المقابل الجمع بين المرأة وبنت زوجها الأوّل (وقد جعل زُفَر ذلك غير جائز). ومن أتى امرأةً حرامًا لم يحلّ له نكاح أمّها ولا نكاح بنتها؛ وإذا طلّق الرجل امرأته لم يجز له نكاح أختها قبل انقضاء عدّة(1) امرأته الأولى. ولا يتزوّج السيّد أمَتَه، ولا تتّخذ امرأةٌ عبدَها زوجًا.(2) ويحلّ نكاح النساء من غير أهل ملّته إذا كنّ من أمّةٍ لها كتابٌ منزَّل، ويحرم النكاح بنساء المجوس وعبدة الأوثان؛ أمّا الصابئات فيحلّ نكاحهنّ إن آمنّ بنبيّ وأقررن بكتابٍ منزَّل، فإن عبدن الكواكب ولم يكن لهنّ كتابٌ حرُم عقد النكاح بهنّ جملةً (القُدوري: كتاب النكاح).
ولا ينعقد نكاح المرأة الحرّة البالغة العاقلة صحيحًا إلا برضاها
(1) العِدّة هي الأجل المفروض شرعًا الذي لا يجوز للمطلَّقة ولا للأرملة أن تعقد فيه نكاحًا جديدًا، وهو في الحالة الأولى ثلاثة أشهر، وفي الثانية أربعة أشهر وعشرة أيّام؛ فإن كانت حاملًا انتهت عدّتها بعد أربعين يومًا من الوضع. — وهذا الحكم مأخوذ من فقه النكاح التلمودي. فقد كانت الأرملة والمطلَّقة كلتاهما لا تعقد نكاحًا جديدًا إلا بعد تسعين يومًا. Frankel ص XXIII. Jebamot. 41.
(2) والحظر نفسه قائم في فقه النكاح الموسوي التلمودي. وذهب بعض الجاؤونيم إلى أنّ السيّد إذا وطئ أمَتَه فُرِض أنّه كان قد وهبها الحرّية من قبلُ. Frankel: Das mos. talmud. Eherecht ص XXI.
521وموافقة وليّها (waly). وليس للوليّ (curator) أن يُكرِه البكر البالغة على النكاح رغمًا عنها.
ويُعتبَر في عقود النكاح أمرُ الكفاءة على الخصوص: فإن تزوّجت المرأة رجلًا غير كُفءٍ لها كان لأوليائها (aulijä’) من قرابتها الذكور، القائمين عليها، أن يفسخوا النكاح. والكفاءة تكون في النسب وفي الدين وفي المال، وعلى الأخصّ في قدرة الزوج على أداء المهر (الصداق) والقيام بنفقة المرأة. ويعتبر أبو يوسف في الكفاءة الحِرفةَ أيضًا. وعلى أقرب القرابة أن يتعهّدوا ألّا يُخَلّ بمبدأ الكفاءة، وألّا تعقد المرأة نكاحها على مهرٍ (mahr) دون ما يليق بمنزلتها. وأدنى المهر عشرة دراهم (عشرة فرنكات).
ولا ينكح العبد ولا الأمة إلا بإذن سيّدهما.
والشروط التي تشترطها المرأة عند عقد النكاح يجب الوفاء بها على وجهها؛ وإلا وجب لها المهر المسمّى. فلو اشترطت العروس مثلًا ألّا يُخرجها زوجها المقبل من مسقط رأسها إلى غربة، أو ألّا يتزوّج عليها امرأةً ثانية، ثمّ أخلّ بالشرط، استحقّت المهر المقابل لذلك.
ولابن العمّ أن ينكح بنت عمّه (bint ‘amm) من غير توسّط الأقارب.(1) وكذلك لكلّ رجل أن ينكح امرأةً بالغةً بغير وساطة أهلها،
(1) كان الزواج بين ابن العمّ وبنت عمّه يُعَدّ مستحبًّا على وجه الخصوص. انظر: ألف ليلة وليلة، 139.
522522 تاسعًا: الشريعة والفقه.
إذا صرّحت برغبتها في أن تكون زوجةً له: وهذا العقد، إذا انعقد بحضرة شاهدَين، صحيح.
ويحلّ للمسلم أن ينكح أمَةً مسلمة أو نصرانية أو يهودية (كتابيّة). غير أنّه لا يجوز له، وتحته حرّة، أن ينكح عليها أمَة. أمّا إن كانت تحته حرّة فله أن ينكح عليها حرّةً ثانية.
وللمسلم الحرّ أن يتزوّج أربع نسوة على وجهٍ شرعيّ، حرائرَ كنّ أو إماءً، وليس للعبد إلا امرأتان.
وللمرأة أن تطلب فسخ النكاح لعيبٍ في بدن الزوج، فإذا ثبت ما ادّعته قضى القاضي بالتفريق البائن؛ ولها في هذه الحال المهر كاملًا.
أمّا الطلاق فقد وُسِّع فيه للزوج توسيعًا عظيمًا. فكان له متى شاء أن يوقع الطلاق ويُعلن انفساخ النكاح، على أن يؤدّي إلى المرأة مهرها بالطبع إن كان قد دخل بها أصلًا. فإن لم يتحقّق هذا الشرط الأخير لم يلزمه سوى المتعة (mot‘ah) المقرَّرة شرعًا. وهي ثلاثة أثواب: دِرعٌ وخِمارٌ ومِلحفة.
أمّا المرأة، إن أرادت هي فسخ النكاح، فلم يكن لها ذلك إلا لعيبٍ بدنيّ ثابتٍ في الزوج، والقاضي هو الذي يفصل. فإن ثبتت دعواها استحقّت المهر كاملًا. وإن أرادت التفريق لغير ذلك، من أجل شقاقٍ بينهما في البيت، لم يكن لها إلا الافتداء: تبذل للزوج عوضًا معلومًا، أو تتنازل عن مهرها، على أن يُخرجها من عصمته
523(القُدوري: باب الخُلع).
وإن رمى الرجل امرأته بالزنى وحلف على دعواه أمام القاضي بصيغة اللِّعان،(1) فللمرأة إمّا أن تُقرّ بذنبها، وإمّا أن تدرأ عن نفسها بأن تحلف بصيغة اللِّعان نفسها على نقيض ما قال. فإن فعلت قضى القاضي بالفُرقة البائنة التي لا رجعة فيها. ولا يحلّ له أن ينكحها ثانيةً إلا أن يُكذّب نفسه بعد ذلك، وعليه حينئذٍ أن يحتمل أوّلًا العقوبة المقرّرة على القذف جزاءَ رميه إيّاها بالباطل (القُدوري).
وعلى المرأة المبتوتة من زوجها أو المتوفّى عنها زوجها، إذا كانت بالغةً مسلمة، أن تُحِدّ، فتجتنب الطِّيب وأدوات الزينة والثياب الزاهية (الخُضر أو الحُمر). وإحداد الحرّة على زوجها المتوفّى أربعة أشهر وعشرة أيّام، وللأمة نصف ذلك. وأمّا عِدّة الطلاق فمقدَّرة بثلاثة أشهر للحرّة وبنصفها للأمة.
وعلى الرجل أن يقوم بما تحتاج إليه امرأته من المعاش، مسلمةً كانت أو غير مسلمة: من طعامٍ وكسوةٍ وما يلزم لغسل ثيابها. وعليه أن يفي بهذا الواجب كذلك، من نفقةٍ وسُكنى، مدّة العدّة إذا طلّق امرأته (tilak). فإن كانت هي التي جلبت الفُرقة بنشوزها سقط حقّها فيما ذُكر من هذه الحقوق.
(1) عن هذه الصيغة انظر ما تقدّم ص 463، ثمّ: Précis de jurisprudence musulmane par Abou Chodjä’، نشرة Keijzer، ليدن 1859، وغيرها من كتب الفقه.
524524 تاسعًا: الشريعة والفقه.
وعلى الزوج، إن كان من أهل اليَسار، أن يُقيم لامرأته خادمًا واحدًا على الأقلّ، وأن يُفرد لها مسكنًا مستقلًّا لا تُشارِك فيه أحدًا إلا برضاها.
ويُلحِق فقهاء العرب بأحكام النكاح أحكامَ الرضاع، على ترتيبٍ لا مسوّغ له البتّة. ولمّا كنت قد عالجت هذا الباب في موضعٍ آخر،(1) ولعلّي أجد فيما يأتي من هذا الكتاب مناسبةً للعودة إلى الموضوع، فإنّي أُمسك هنا عن التفصيل وأمضي رأسًا إلى أحكام الرقيق، وهي التالية لأحكام النكاح في استحقاق العناية من وجهة تاريخ الحضارة. غير أنّي ألتمس هنا أيضًا أن أجمع ما يستحقّ المعرفة في صورةٍ موجزةٍ محكمةٍ جامعة.
g) مركز الرقيق في الشرع.
لا يصحّ العتق إلا من مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ حرّ. ويكفي في ذلك أن يتلفّظ سيّد العبد أو الأمة بلفظٍ يدلّ في معناه على العتق. ويصير حرًّا بنفس الأمر كلُّ عبدٍ يفرّ من دار الحرب إلى أرض الإسلام ويدخل في الإسلام. وكذلك ولدُ الأمة من سيّدها حرّ، وولد الحرّة من عبدها حرّ.
ويصحّ من العتق أيضًا أن يجعل السيّد حرّية عبده معلّقةً بموته، وهو التدبير (tadbyr). ومثل هذا العبد لا يُباع بعد ذلك ولا يُوهَب.
(1) Geschichte der herrschenden Ideen des Islams، ص 350.
525وإذا ولدت الأمة من سيّدها لم يجز بيعها بعد ذلك. ولا يثبت نسب الولد من سيّد الأمة شرعًا إلا أن يُقرّ هو بأنّ الولد ولده. فإذا مات السيّد عتقت هذه الأمة.
والوجه الثالث من وجوه العتق أن يعقد العبد مع سيّده عقدًا يضمن له فيه العتق في مقابلة أداء مبلغٍ معلوم، وهي المكاتبة (mokätabah). ويستفيد العبد بذلك حقَّ السعي في كسبه ليُحصّل المال اللازم لفكّ رقبته. غير أنّه ما دام لم يعتق عتقًا تامًّا فليس له أن ينكح إلا بإذن سيّده. فإن عجز عن أداء بدل الكتابة في وقته سقط بذلك حقّه في الحرّية جملةً. وأولاد المكاتَب الذي يفتدي نفسه يعتقون.
والمالك أو المالكة إذا وهبا العبد حرّيته فأعتقاه ظلّا مولى النعمة له وظلّ هو مولاهما. ويقوم ورثةُ المولى المُعتِق مقامه في حقوق الولاء على مواليه.(1)
ولا حاجة بنا إلى تنبيه القارئ على عِظَم ما بين الفقه العربي والقانون الروماني من توافقٍ في شأن صلة المولى المُعتِق بمولاه. فبمقتضى الأوّل أيضًا يثبت بينهما، عند فقد الورثة الشرعيّين،
(1) يبدو أنّه لا شكّ في أنّ كثيرًا من الأحكام المتعلّقة بحال الرقيق مأخوذٌ من الفقه التلمودي. فالافتداء الذاتي جائزٌ في الفقه الحاخامي أيضًا. Kiduschin 14. b. Maimon. Abad. II. 8. 8. وانظر: Die Verhältnisse der Sklaven bei den alten Hebräern للدكتور M. Mielziner، كوبنهاغن 1859، ص 26. وكان العتق المجرَّد معروفًا عند العبرانيين أيضًا.
526526 تاسعًا: الشريعة والفقه.
توارثٌ متبادل. فالعرب مُصيبون كلَّ الإصابة حين يسمّون هذه الصلة قرابةً ثابتة (وهي servilis cognatio في القانون الروماني). وفعلُ العتق يطابق manumissio الرومانية مطابقةً تامّة. وكذلك العتق بالوصية هو هو (libertus orcinus).(1) وفي الفقه العربي أحكامٌ دقيقة في عتق العبد المشترك بين مالكَين أو أكثر. يقول أبو حنيفة في ذلك:(2) إذا كان العبد بين مالكَين فأعتق أحدهما نصيبه، فللشريك أن يُعتق نصيبه هو أيضًا، أو أن يُطالب شريكه بضمان قيمة نصيبه من العبد، أو أن يستسعي العبد في العمل حتى يُحصّل ما يفتكّ به النصيب الباقي.(3)
على أنّ الموازنة بين التشريعَين، الروماني والعربي، في حقوق الرقيق تُظهر أنّ الثاني تسري فيه روحٌ أرفق بالإنسان بكثير. فالعبد في الفقه العربي إنسان، وهو في القانون الروماني شيء. ويظهر في كلّ موضعٍ ظهورًا بيّنًا قصدُ الشارع إلى تيسير العتق ما استطاع، وإلى تصوير هذا الفعل عملًا يُثاب عليه في الدين، وهو معنًى يخلو منه القانون الروماني. ولهذا جعل شرعُ الإسلام عتقَ الرقبة كفّارةً عن الذنوب المقترَفة في مواضع كثيرة، وبقيت هذه الروح الرفيقة بالإنسان في الإسلام من أوائل عهوده إلى
(1) والعتق بالوصية موجودٌ من قبلُ في الفقه الحاخامي أيضًا. Maimon. Abad. VI. 4 و Sechija umathana IX. 11.
(2) القُدوري ص 106.
(3) انظر: Puchta: Cursus d. Institut.، الطبعة الرابعة، المجلّد الثاني، §. 2138، ص 447. أمّا حقّ الولاء الذي كان السيّد السابق يمارسه على معتوقه عند الرومان واليونان وكذلك عند العرب، فمجهولٌ في الفقه الحاخامي التلمودي. Mielziner ص 67.
527أواخر الأزمان. ولم يكن حظّ الرقيق في مكانٍ أسعد نسبيًّا منه في البلاد المحمّدية. فمن نصوص الشرع الإسلامي الصريحة أنّ المال المتحصّل من زكاة المال يُصرف، فيما يُصرف فيه من الوجوه، في إعانة الأرقّاء بالمال ليفتكّوا رقابهم. بل ينبغي عند الماوردي أن يُشترى من هذا المال رقيقٌ فيُعتقوا رأسًا. (انظر ما تقدّم ص 431.) ومن أحكام الإدارة في الفقه العربي كذلك أن يتعهّد صاحبُ الشُّرطة في كلّ مدينة ألّا يُحمّل سيّدٌ عبدَه من العمل فوق طاقته.(1)
ولم يبقَ الآن، لإتمام هذا العرض المجمل، إلا أن نبسط أحكام المواريث على مذهب أبي حنيفة.
h) أحكام المواريث.
يقوم علم المواريث على ما ورد في القرآن من أحكامٍ في هذا الباب، تُكمّلها السنّة والنظر الفقهي المتأخّر (القياس)، وقد صاغ منها فقهاء العرب نظامًا بالغ الاتّساع، أفضى، لعُسر تطبيقه في العمل، إلى تفريعٍ للمسائل لا آخر له، ملأ به علماء المسلمين ألوف المجلّدات.
والوارثون من الذكور شرعًا هؤلاء العشرة: 1. الابن، 2. ابن الابن وفروعه، 3. الأب، 4. الجدّ (أبو الأب) وأصوله، 5. الأخ، 6. ابن الأخ، 7. العمّ، 8. ابن العمّ، 9. الزوج، 10. المولى المُعتِق.
والوارثات من الإناث هؤلاء السبع: 1. البنت، 2. بنت الابن، 3. …
(1) الماوردي: الباب في ولاية الشُّرطة.
528528 تاسعًا: الشريعة والفقه.
الأمّ، 4. الجدّة، 5. الأخت، 6. الزوجة، 7. مولاة النعمة.
وأربعةٌ ممنوعون من الميراث: 1. العبد، 2. القاتل (من ميراث من قتله)، 3. المرتدّ، 4. أتباع الملل الأجنبية.
والفروض المقدَّرة في القرآن ستّة: 1. النصف، 2. الرُّبع، 3. الثُّمن، 4. الثُّلثان، 5. الثُّلث، 6. السُّدس.
ويستحقّ النصف (من التركة) هؤلاء الورثة: 1. البنت، 2. بنت الابن إذا لم تكن بنتٌ صُلبية، 3. الأخت الشقيقة، 4. الأخت لأبٍ إذا لم تكن أختٌ شقيقة، 5. الزوج الباقي بعد امرأته إذا لم يترك الميّت ولدًا ولا ولدَ ابن.
ويستحقّ الرُّبع هؤلاء الورثة: 1. الزوج الباقي إذا كان فرعٌ وارثٌ مباشرٌ على قيد الحياة، 2. الزوجة إذا لم يكن فرعٌ وارثٌ مباشرٌ على قيد الحياة.
ويستحقّ الثُّمن: الزوجات الباقيات إذا وُجد فروعٌ وارثون مباشرون.
ويستحقّ الثُّلثين: كلُّ اثنين أو أكثر (مجتمعين) ممّن يستحقّون النصف (إذا انفردوا)، ما عدا الزوج.
ويستحقّ الثُّلث: الأمّ إذا لم يترك الميّت فروعًا وارثين مباشرين، أو لم يترك اثنين أو أكثر من الإخوة والأخوات.
ويصير السُّدس إلى هؤلاء: 1. كلُّ من بقي حيًّا من الأصول في الدرجة الأولى إذا كان أولاد الميّت أحياءً، 2. الأمّ إذا كان إخوة المورِّث أحياءً، 3 و4. الجدّة والجدّ إذا كان أولاد
529المورِّث أحياءً، 5. بنات الابن إذا كانت للمورِّث بنتٌ حيّة، 6. الأخوات لأبٍ إذا كانت للمورِّث أختٌ شقيقة حيّة، 7. كلُّ واحدٍ من أولاد الأمّ على انفراده (من أبٍ آخر، أي الإخوة لأمّ).
وتُحجَب الجدّةُ عن الميراث بالأمّ؛ ويُحجَب الجدّ والإخوة بالأب؛ ويُحجَب كذلك ولدُ الأمّ (من أبٍ آخر، أي الأخ لأمّ) بأربعة: الأولادِ الصُّلبيّين، وأولادِ الابن، والأبِ، والجدّ. — وإذا استوفت البناتُ الثُّلثين (من الميراث) سقط ميراث بنات الابن، إلا أن يوجد ابنُ ابنٍ يكون عصبةً فتَرِث به أخواتُه. وأقربُ العصبة: البنون وبنوهم، ثمّ الأب، ثمّ الجدّ، ثمّ بنو الأب (أي الإخوة)، ثمّ بنو الجدّ (الأعمام)، ثمّ بنو الجدّ الأعلى.(1) ويتقدّم من البنين في الرتبة من كان من الأمّ نفسها والأب نفسه، ثمّ يأتي الابن، ثمّ ابن الابن؛ ويقتسم الإخوةُ أنصباءهم من الميراث مع الأخوات على أن ينال كلُّ أخٍ ضِعفَ نصيب الأخت؛ وأمّا العصبةُ الأبعدون (من القرابة) فلا يرث منهم
530530 تاسعًا: الشريعة والفقه.
إلا الرجال وحدهم دون النساء. فإن لم يبقَ أحدٌ من قرابة النسب انتقل حقّ الميراث إلى عصبة المولى المُعتِق، فإن لم يكن فإلى عصبة المولى المُعتَق.
ولا يرث القاتلُ المقتولَ، ولا يرث المسلمُ الكافرَ. والكفّار يتوارثون فيما بينهم. أمّا تركة المرتدّ فتُقسَم بين ورثته.(1)
فإن لم يكن للمورِّث قرابةٌ من العصبة ولا وارثٌ آخر من ذوي السهام، دخل في الميراث القرابةُ من النساء أو القرابةُ من الرجال من جهة النساء (ذوو الأرحام)، وهم هؤلاء العشرة: 1. ابن البنت، 2. ابن الأخت، 3. بنت الأخ، 4. بنت العمّ، 5. الخال، 6. الخالة، 7. أبو الأمّ، 8. عمّ الأمّ، 9. العمّة، 10. ابن أخي الأمّ. ثمّ يتلوهم الأقاربُ الأبعدون.
فإذا استوت درجةُ فروع أبي المورِّث كان أحقَّهم بالميراث أقربُهم إلى وارثٍ ذكرٍ صاحبِ فرضٍ مقدَّر، والأقربُ أولى من الأبعد. فأبو أمّ المورِّث أولى من ابن الأخ أو ابن الأخت. والمولى المُعتِق أولى (في ميراث مولاه) بما يفضل بعد أداء الفروض المقدَّرة من الأقارب الأبعدين (ذوي الأرحام)، إذا لم يوجد سواهم من العصبة. وللمولى المُعتَق أن يرث (من مولاه المُعتِق). فإن مات المولى المُعتِق ولم يترك وارثًا سوى أبي
(1) كان الخروج من الإسلام إلى دينٍ آخر يستتبع الموتَ المدنيّ.
531مولاه وابنِه، ورثه الابن. ويرى أبو يوسف أنّ لأبي المولى في هذه الحال السُّدس، وللابن ما بقي.(1)
وبهذا نختم ما اقتطفناه من أحكام المواريث، وننبّه إلى أنّها أعظم ما بلغه الإسلام في ميدان الشرع. ولا سبيل إلى إنكار أنّها تتّصل بالخطوط الكبرى لميراث الساميّين القدماء، كما بدت في الشريعة الموسوية، وهي خطوطٌ زِيد في تفصيلها بعد ذلك في التلمود ولم تخلُ من أثرٍ في تقرير أحكام الميراث الإسلامية؛ ومع ذلك فمن الظاهر أنّ هذه الأخيرة في جملتها خلقٌ مبتكر، وأنّها تُظهر تقدّمًا ملموسًا على الفقه الموسوي والتلمودي السابق لها. وليس لمحمّدٍ في ذلك من الفضل إلا أنّه أودع الخطوطَ الكبرى قرآنَه؛ فقرّر الفروض المقدَّرة، لكنّه أعلن المبدأ القائل بأنّ للنساء حقًّا في الميراث أيضًا، على حين كانت الجاهلية العربية تُخرج النساء من الميراث. وهذه الأصول الشرعية، وقد أعلنها النبيّ مقرونةً بقداسة الوحي الإلهي، أُكمِلت من السنّة، وقد أدرج مالكٌ بالفعل في مجموعه الفقهي كلَّ ما يتّصل بالمواريث من الأحاديث التي صحّت عنده.
ومع ذلك بقيت ثغراتٌ كثيرة تحتاج إلى سدّ. فبالاستعانة بالنظر الفقهي (القياس)، الذي أنشأه أبو حنيفة، أُكمِلت أحكامُ المواريث ونمت حتى صارت نظامًا واسعًا، مطّردًا على منطقٍ صارم، محكمَ الصنعة، لا يزال إلى اليوم قائمًا بتمام قوّته في جميع البلاد
(1) لمزيدٍ من التفصيل في أحكام المواريث انظر «الهداية» و Droit musulman لـ Querry II. 326. والفقه الشيعي موافقٌ لهذا في جوهره. *34
532532 | تاسعًا: الشريعة والفقه.
المحمّدية، بل حتى حيث فتحت الدولُ الأوروبية أرضًا إسلامية وأنشأت فيها مستوطنات، في الجزائر كما في القوقاز وتركستان، وفي الهند الشرقية وجاوة.
وعلى حين نبّهنا فيما تقدّم مرّاتٍ إلى أوجه الشبه والتوافق مع القانون الروماني، فلا نجد شيئًا من نقاط الموازنة هذه في أحكام المواريث. فقد نشأت مستقلّةً تمامًا عن المؤثّرات الأجنبية، على أرضٍ ساميّةٍ خالصة، ولم يشارك فيها إلا التشريع العبري، وهو، كالعربي، راجعٌ إلى تصوّرٍ حقوقيّ ساميّ قديمٍ مشترك.
ولكن، أتُرى تلك القواعد الأخرى من الفقه العربي، التي تُذكّر تذكيرًا لافتًا بأحكامٍ بعينها من القانون الروماني، نشأت حقًّا عن مؤثّراتٍ خارجية؟ أتُرى العربَ عرفوا القانونَ الروماني وأفادوا منه في أعمالهم التشريعية؟
هذا سؤالٌ نريد أن نبسط القول فيه في الفصل التالي عند البحث في مصادر الفقه العربي.
6. مصادر الفقه الإسلامي.
ولعلّ من أظهر أحكام الفقه العربي التي تدعو إلى الموازنة بالقانون الروماني ذلك الحكم القاضي بأنّ الوصاية أو القِوامة (cura minorum) لا تنتهي إلا ببلوغ الخامسة والعشرين. على أنّ السنّ المقرَّرة للبلوغ في الفقه العربي في غير هذا الموضع هي الخامسة عشرة، ولم يكن ثمّة ما يدعو إلى الخروج عن هذه العادة، لا سيّما أنّ النموّ في المشرق أسرع كثيرًا في الجنسين، فالزواج في الخامسة عشرة بل قبلها ليس
533بالنادر، حتى إنّ المرأة في الخامسة والعشرين تكون قد أوشكت أن تذوي، بل يحفّ بها في الغالب نسلٌ كثيرٌ ناشئٌ قد قارب مبلغ الرجال. فتحديدُ الخامسة والعشرين موعدًا لسنّ الرشد يفتقر إذًا إلى علّةٍ داخلية، على حين تتوافر هذه العلّة من تلقاء نفسها في مناخٍ شماليّ يبطؤ فيه النموّ. فيغلب على الظنّ أنّنا هنا بإزاء اقتباسٍ أخذه العربُ عن نظامٍ قانونيّ أجنبي. ونحن نلقى في القانون الروماني حكمًا بأنّ cura minorum لا تنقضي إلا ببلوغ الخامسة والعشرين. فلا بدّ أن ننتهي إلى أنّ نقلًا قد وقع.(1) وإنّما السؤال: على أيّ وجهٍ وقع؟ أفكان مؤسّسو الفقه العربي قد رجعوا إلى «البندكت» أو «البازيليكا» أو غيرِهما من الكتب القانونية الرومانية البيزنطية؟ وقد احتُجَّ لهذا الزعم بأنّ في القرن السادس الميلادي كانت ببيروت والإسكندرية مدارسُ قانونية مشهورة، وأنّ الأولى بقيت على الأرجح إلى النصف الأوّل من القرن السابع. ومن هنا، فيما زُعم، كان في وسع العرب أن يُحصّلوا شيئًا من العلم بالقوانين الرومانية. غير أنّ في ذلك جهلًا تامًّا بروح الإسلام في أوّل عهده: أن يُفترض أنّ فقهاء العرب وعلماء دينهم رضوا يومئذٍ بدرس كتب الكفّار والتتلمذ عليهم. لم يكن عندهم إلا كتابٌ واحد — القرآن — وكلّ ما عداه بدا لهم فضلًا
(1) ولئلّا يُظنّ أنّ الاقتباس هنا من الفقه الحاخامي، أكتفي بالتنبيه على أنّ هذا الفقه نفسه أخذ الوصايةَ عن الرومان — وهي مجهولةٌ بالمرّة في الشريعة الموسوية — ولم يكن له فيها حتى لفظٌ خاصّ، بل كان يسمّي الوصيَّ باسمه اليوناني ἐπίτροπος.
534534 تاسعًا: الشريعة والفقه.
لا حاجة إليه، بل مرذولًا صراحةً إن جاء من عند الكفّار.
إنّما عرف العربُ القانونَ الروماني من طرقٍ أخرى بالكلّية. فقد كان مستقرًّا في الشام وفلسطين ومصر منذ قرون، ومتغلغلًا في كلّ شؤون الحياة حتى إنّ آثاره تُستبان في التلمود نفسه، على ما في اليهود من انغلاقٍ عنيد.(1) ولعلّ التجارة النشطة جدًّا بين بلاد العرب والولايات الرومانية المتاخمة جعلت بعض الأعراف القانونية الرومانية معروفةً في مدن شمال الجزيرة التجارية قبل ظهور محمّد. وأرى أنّ جانبًا كبيرًا من الأبواب المتعلّقة بالبيوع في مجموعة مالكٍ لفقه أهل المدينة العامّ نشأ على هذا النحو. ثمّ لمّا فتحت الجيوشُ الإسلامية الشامَ وفلسطين رأت كلّ يومٍ محاكمَ البلاد المفتوحة الأهليةَ تُصدر أحكامها على مقتضى القانون الروماني اليوناني؛ فقد امتاز العربُ في فتوحهم الأولى بتسامحٍ بالغ الحكمة: فأهلُ المدن التي استسلمت بصلح تُركت لهم، لقاء أداء الجزية المقرَّرة في العهد، سيادتُهم التامّة على شؤون جماعاتهم وأمور دينهم وتولّي القضاء بينهم، وبقيت كلّ مؤسّساتهم القديمة وأحكامهم على حالها نافذةً،
(1) انظر: Van den Berg: De contractu do ut des، ليدن 1868، ص 18، الحاشية. فمذهب الوصايا، وهو معدومٌ بالمرّة في الشريعة الموسوية القديمة، يوجد في «المِشناه» متطوّرًا إلى حدٍّ لا بأس به، واللفظ الدالّ على الوصية هو اليوناني διαθήκη من غير تغيير، وهذا أوضح ما يدلّ على المنبع الذي عرف منه الحاخامون الوصيةَ بهذا المعنى. انظر: Saalschütz: Das mosaische Recht، الطبعة الثانية، II، ص 827. أمّا عقد الإجارة والكراء فكان مجهولًا في الشريعة الموسوية إلى عهد سيادة الرومان، وعندئذٍ فقط عُولج في الشريعة (التلمود). Van den Berg ص 10.
535ولم يكن القاضي يفصل إلا في الخصومات التي يكون فيها مسلمٌ طرفًا، أو في دعاوى المسلمين بعضهم على بعض. أمّا الدعاوى بين غير المسلمين فكانت تُفصل بلا عائق، كما كان الشأن قبل الفتح، على مقتضى قانون البلاد القديم، وعلى أيدي قضاتهم أنفسهم: رؤساءِ طوائفهم أو رؤسائهم الدينيّين من أساقفة وقسّيسين، كما لا يزال الأمر في بعضه إلى اليوم في الدولة العثمانية.(1)
وإلى جانب هذا الوجه من انتقال الأفكار القانونية الرومانية بالمخالطة اليومية، بلغ العربَ العلمُ بها بوساطةٍ يهودية. فكثيرٌ من القواعد القانونية الرومانية، ولا سيّما ما يتّصل منها بالوصاية والوصايا ونحوها، أثّر تأثيرًا متفاوت القوّة في الفقه اليهودي المتأخّر، المسمّى بالحاخامي، وترك فيه آثارًا بيّنةً جدًّا. وقد أمدّت الآدابُ اليهودية الحاخامية نشأةَ الإسلام نفسها بمادّةٍ غزيرة؛ فمحمّدٌ نفسه كان على معرفةٍ ببعض ما في الكتب اليهودية، وعبد الله بن عبّاس، وقد عرفناه من أكبر مؤسّسي علم الحديث، كان واسع الاطّلاع في الآداب اليهودية.
ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ العربَ تلقّوا تلك التصوّرات الأجنبية، التي نستطيع إثباتها في الفقه الإسلامي، من طريقين: إمّا بالمخالطة اليومية للشعوب المغلوبة، ولم تكن تخلو بطبيعة الحال من المناظرات والمجادلات في نقاطٍ بعينها من الشرع الديني والقانون الدنيوي، وإمّا بوساطة الآداب الحاخامية.
(1) ولم يُقرَّر العملُ بأحكام الميراث الإسلامية في تركات النصارى أيضًا إلا في ولاية حفص بن الوليد (124—26هـ، 741 إلى 744م). Ibn Taghrybardy I. p. 326. ومع ذلك لم يدُم هذا المُحدَث طويلًا.
536536 تاسعًا: الشريعة والفقه.
وفي شأن الوجه الأوّل من الاقتباس ينبغي أن ننبّه هنا على الخصوص إلى الفقيهين الأوزاعي والشافعي، وقد وُلد كلاهما بالشام، فلا شكّ أنّهما عرفا هناك كثيرًا من الأحكام الرومانية البيزنطية الباقية بوصفها عُرفًا معمولًا به. وإلى هذين الفقيهين نَنسب تلك البديهيّات العامّة التي نُقلت من القانون الروماني إلى الفقه العربي من غير تغييرٍ يُذكر، مثل القاعدة القائلة إنّ البيّنة على المدّعي دائمًا، ثمّ النصّ الذي أوردناه من قبلُ في أحكام الرهن، أو القاعدة: confessus pro judicato est، وهي التي وجدت تعبيرها في مذهب العرب في الإقرار أمام القضاء.
وأظهر ما تكون هذه التأثيرات الرومانية في أحكام التجارة، وهذا نفسه دليلٌ آخر على صحّة ما قدّمناه من الظنّ: أنّ العرب، فضلًا عن الاقتباس بطريق الكتابة وبالوساطة اليهودية، اكتسبوا كثيرًا من القواعد الحاكمة شيئًا فشيئًا، وعلى غير وعيٍ منهم إلى حدٍّ ما، بحكم مخالطتهم اليومية لشعوبٍ كان القانون الروماني البيزنطي ساريًا عندها. على أنّه لا يمكن القطع دائمًا بأنّ الاقتباس جرى من هذا الطريق أو ذاك. فلا شكّ مثلًا في أنّ المسألة الخلافية: أيصحّ بيع ما لا يملكه البائع أم لا يصحّ؟ منقولةٌ من القانون الروماني إلى الفقه العربي، فمثل هذا البيع كان في التصوّر السامي القديم غير مشروع. والأمر كذلك في التفريق الفقهي بين البيع والمقايضة، فمثلُ هذا التفريق غريبٌ كلَّ الغرابة في الحقيقة عن الفقه السامي القديم، الذي كان يحكم في عقود «أُعطيك لتُعطيني» (do ut des) جميعِها بقواعدَ واحدة، ولم يأتِ هذا الفصلُ الأدقّ بين المفهومين، فيما يظهر، إلا بالاحتكاك بالحضارة الرومانية
537إلى العرب. وإنّما يبقى الشكّ في الطريق الذي جرى عليه هذا النقل. أمّا الأحكام المقرَّرة في عقد الإجارة والكراء (locatio et conductio)، وهو عقدٌ وُضعت له في الفقه العربي قواعدُ تكاد تطابق قواعدَه في القانون الروماني، فيمكن أن نتبيّنها بشيءٍ غير قليلٍ من اليقين اقتباساتٍ جاءت عن طريق الكتب اليهودية.(1)
والأمر مختلفٌ كلَّ الاختلاف في أحكام النكاح وأحكام المواريث؛ فكلتاهما قائمةٌ على تصوّراتٍ ساميّة قديمة، غير أنّ محمّدًا من جهةٍ وخلفاءه من جهةٍ أخرى صاغوها أو أعادوا تشكيلها على وجهٍ مستقلٍّ تمام الاستقلال، حتى إنّ الموازنة بينها وبين النظائر نفسها في اليهودية تُثبت تقدّمًا عظيمًا لا سبيل إلى دفعه. ونريد أن نبدأ هنا بأحكام النكاح.
لم تكن قبل محمّد في هذا الباب أحكامٌ مقرَّرة، بل عاداتٌ متوارثة وأعرافٌ شعبية. وكان الزواج في عادة العرب القديمة يجري على وجهٍ بالغ البساطة. يخطب الخاطبُ الفتاةَ إلى أبيها أو أقربِ أوليائها، فما إن يأذن حتى يُعدّ الزواج منعقدًا، وجرت العادة أن تُقام لذلك وليمةُ عُرس. ويبدو أنّه كان من المعتاد دائمًا أن تأخذ العروسُ مهرًا (mahr)، وأنّ هذه عادةٌ ساميّة موغلة في القدم يدلّ عليه اتّحادُ اللفظ في العبرية (mohar) على المعنى نفسه. ولا شكّ في أنّ رضا الأب أو سائر الأولياء كان يُشترى غير مرّةٍ بالهدايا، غير أنّ من الخطأ المحض أن يُظنّ أنّ العريس كان لا بدّ له من شراء عروسه. فذلك مناقضٌ كلَّ المناقضة للمنزلة الرفيعة التي كانت
(1) وقد أخذ التلمود ما يتّصل بهذا عن الرومان. انظر: Van den Berg: De contractu do ut des، ليدن 1868، ص 18، الحاشية.
538538 تاسعًا: الشريعة والفقه.
للمرأة الحرّة في جاهلية العرب وفي القرن الأوّل من الإسلام أيضًا.
وقد كانت قبل محمّد حدودٌ رسمتها العادةُ والعُرف في درجات القرابة المحرَّمة: فكان الجمع بين المرأة وبنتها محظورًا، وكذلك لا يُجمَع بين أختين، وكانوا يعيبون على من يتزوّج امرأة أبيه المتوفّى (زوجة الأب)، وإن لم يكن ذلك محرَّمًا. على أنّ حال القبائل العربية في الحضارة كانت شديدة التفاوت: فمنها من بلغ في القديم درجةً عالية جدًّا من المدنيّة (السبئيّون والحِمْيَريّون)، ومنها من عاش في حالٍ بدائية جدًّا. وكان هذا الأخير شأنَ قبائل الرعاة والبدو الرُّحّل، على حين كان سكّان المدن والمستقرّات الثابتة في جنوب الجزيرة وشمالها في المتوسّط على قدرٍ لا بأس به من التقدّم الحضاري. ومع هذا التباين كان ما يُحاط به عقدُ النكاح من احتفال، قلّةً وكثرة، شديدَ الاختلاف على الأرجح باختلاف المواضع. وكان المهر عامًّا عند العرب عمومَه عند العبرانيين، فتبيّن بذلك أنّه شِرعةٌ ساميّة من أقدم العصور. ولم تكن بين الزوجين شركةٌ في المال، بل كان للمرأة أن يكون لها مالُها الخاصّ.
وكان قبل محمّد ضربٌ من النكاح لا يكاد يستحقّ هذا الاسم، وليس بالنادر، يسمّيه العرب «نكاح المتعة». يُعقد هذا الاقتران إلى أجلٍ معلوم، في مقابل أجرٍ يُتّفق عليه سلفًا ويُدفع إلى المرأة. وقد أبطل محمّدٌ هذا المنكر. وتمسّك أهلُ السنّة بهذا التحريم تمسّكًا شديدًا، على حين أجاز المذهب الشيعي نكاح المتعة.
ولم تكن، فيما يظهر، أحكامٌ خاصّة مقرَّرة في عدد النساء ولا في درجات القرابة المحرَّمة ونحو ذلك. ومحمّدٌ هو أوّل من نظّم هذا
539كلَّه: فحدّد عدد الزوجات الشرعيّات بأربع، وقرّر درجات القرابة المحرَّمة، ملتزمًا في جملة ذلك أحكامَ الشريعة الموسوية. ولم يفارقها إلا في الطلاق، فأجاز استئناف النكاح بعد الطلاق مرّتين في مقابل كفّارةٍ دينية، على حين تحرّم الشريعةُ الموسوية أشدَّ التحريم كلَّ عودةٍ إلى نكاح المطلَّقة. بل كانت العودة إلى النكاح ممكنةً حتى بعد الطلاق ثلاثًا، على أن تكون المطلَّقة قد تزوّجت قبل ذلك رجلًا آخر ثمّ فارقها هذا. والقصد من هذا الحكم بيّنٌ لا يخفى: منعُ الطلاق المتكرّر المتسرّع. وعلى كلّ حال كانت أحكام محمّد، مع ما فيها من تساهلٍ في تصوّر الطلاق، تقدّمًا أخلاقيًّا كبيرًا على ما كان في جاهلية العرب من انحلال رباط النكاح. ولا سبيل جملةً إلى إنكار أنّ تشريع النبيّ العربي في هذا الاتّجاه تسري فيه على طوله روحٌ رفيقة بالإنسان، وأنّه أقام لمركز المرأة في الشرع أساسًا ثابتًا. ويظهر ذلك ظهورًا بيّنًا من الحكم بما يجب للنساء من نفقةٍ عند الطلاق، وأداءِ المهر إليهنّ، وإبقاءِ ما كان قد قُدّم لهنّ من هدايا، وغير ذلك.
وأمّا أحكام المواريث، وهي ما ننتقل إليه الآن، فلا تُنكر أصلها السامي الخالص كما لا تُنكره أحكامُ النكاح، غير أنّها تحمل بدرجةٍ أعلى بكثير طابعَ التطوّر الذاتيّ المستقلّ استقلالًا تامًّا. وكانت النساء في عهد محمّد مُخرَجاتٍ من الميراث بالكلّية، حتى أمُّ الميّت وبناتُه كنّ يخرجن صِفر اليدين،(1) وعند فقد الابن أو
(1) وكانت البناتُ في الشريعة الموسوية أيضًا مُخرَجاتٍ من الميراث على العموم. ولم يكن لهنّ أن يستقلِلن بميراث الأب إلا حين لا يكون ثمّة بنون. انظر: سفر العدد 27: 8—11.
540540 تاسعًا: الشريعة والفقه.
الأخِ أو الأب يرث بنو الأخ، أي بنو إخوة الميّت (سورة 4: 8. البيضاوي). ثمّ أبطل محمّدٌ هذه العادات القديمة شيئًا فشيئًا وأحلّ محلّها أخرى جديدة حسّنت حظّ النساء تحسينًا ملموسًا وضمنت لهنّ مركزهنّ في الشرع. على أنّه اضطرّ إلى مجاراة التصوّر السامي القديم في أنّه جعل للوارث الذكر أبدًا، من حيث المبدأ، ضِعفَ نصيب الوارثة الأنثى.
ومن الوجوه المهمّة الأخرى في أحكام المواريث الإسلامية الوصيةُ، والقواعد الموضوعة لها بالغةُ النموّ إذا قِيست بمذهب الوصايا الناقص في الشريعة الحاخامية؛ وأحكامُها في جانبٍ كبير منها ممّا اختصّ به الإسلام. غير أنّه من الثابت أنّ الإسلام تلقّى هذا المفهوم من المنبع نفسه بوساطةٍ يهودية، كما أنّ الفقه الحاخامي لم يعرف الوصية إلا عن طريق التشريع الروماني. وقد شُدِّد في القرآن نفسه على حُرمة الوصية وقوّتها المُلزِمة (سورة 2: 176).
ويلي ذلك نظامُ الوصاية للقيام بشؤون القاصرين، وقد انتقل إلى الفقه العربي على الأرجح من المنبع اليهودي نفسه، وهو على كلّ حال مصوغٌ على مثال الرومان؛ كما أنّ العناية الحانية باليتامى والقاصرين من أجمل وجوه التشريع الإسلامي جملةً (سورة 4: 5، 6).
وأعسر ما يكون الأمرُ في غربلة أبواب أحكام العقوبات المختلفة وبيانِ ما هو منها عربيّ الأصل حقًّا وما هو مقتبَسٌ من الغير. فالأساس هو ذلك العُرف السامي الموغل في القدم نفسه،
541وقد وجد تعبيره في الكتاب المقدّس من قبل، غير أنّ الشرع العربي يُظهر خصائصَ متنوّعة. والقصاص عادةٌ مشتركة بين الساميّين جميعًا وبين غيرهم من أمم العصور القديمة.(1) والقرآن يستند صراحةً إلى الشرائع الموسوية (سورة 5: 49). غير أنّ الأحكام المقرَّرة في الدية، وهي ما كان يُؤدَّى في القتل عمدًا أو خطأً اتّقاءً لقصاص أقرب أولياء القتيل، خفّفت من قسوة هذا الأصل السامي القديم الرهيبة تخفيفًا ملموسًا. ومع أنّ القرآن لم يزد على الإشارة، فلا شكّ أنّ جدول الديات نفسه، الذي عرفناه من قبل،(2) كان قد دُوّن في وقتٍ مبكّرٍ جدًّا، وقبل محمّد على الأرجح، حتى إنّه، إذ افترضه معلومًا للكافّة، لم يرَ حاجةً إلى قول شيءٍ عنه في القرآن.
وأحكام العقوبات العربية في جملتها أرفقُ من العبرية القديمة، فتلك تحرّم قبولَ الدية في القتل.(3) وهي في غير ذلك من الحالات جائزة، إلا أنّ تقدير الدية في كلّ حالةٍ على حِدَة لم يكن عند العبرانيين بذلك الضبط؛ وإن شئنا أن نردّ كثيرًا من ذلك إلى ما وَلِع به علماء العرب مبكّرًا من تفريع المسائل، فلا شكّ مع ذلك في أنّ الأحكام الأساسية في الدية كانت قد سادت في بلاد العرب
(1) وكان إحلال الفدية (ποινή، poena) محلّ الثأر مشتركًا بين اليونان والرومان، ولعلّه راجعٌ إلى زمنٍ لم يكن الشعبان قد افترقا فيه بعد، وإن كان تخفيف شدّة قانون القصاص القديم لا بدّ أن يقع من تلقاء نفسه مع تقدّم الحضارة. انظر: Ausland 1873، ص 510.
(2) الصفحة 467.
(3) سفر العدد 35: 31.
542542 _ تاسعًا: الشريعة والفقه.
قبل محمّد بزمنٍ طويل؛ فنحن نعلم من أخبار العرب القديمة وأشعارهم أنّ دية الرجل كانت قبل محمّد مئة بعير.(1) ويُقال إنّ عشرة من الإبل كانت تكفي في الأزمنة الأقدم. ولعلّ ذلك كان يختلف باختلاف القبائل وبقيمة الحيوان ارتفاعًا وانخفاضًا. وكانوا في بعض الحالات يقبلون التمر أيضًا.(2) على أنّه كان يُعدّ دائمًا دناءةً ومنقصةً في الشرف أن يقبل المرء الدية ويبيع ثأره جبنًا بالمال والمتاع، بدل أن يأخذ بالثأر ويُنفذ القصاص في إقدامٍ ورجولة. وكانوا ربّما التمسوا الوقاية من اللوم بأن يفزعوا إلى الاستقسام بالأزلام. يرمون بسهمٍ إلى السماء، فإن عاد نظيفًا — وكان ذلك يقع دائمًا فيما يظهر متى أرادوه — عُدّ ذلك قضاءً بقَبول الدية؛ وإن سقط إلى الأرض ملطَّخًا بالدم عُدّ ذلك علامةً على وجوب القصاص.(3)
ولا سبيل إلى إنكار أنّ في الشرع العربي، هنا كما في مواضع أخرى، نزعةً أرفق بالإنسان منها في الشرع العبري.(4) وقد خفّف الحاخامون المتأخّرون، لا شكّ، من شدّة الشريعة الموسوية القديمة فلم يُجيزوا القصاص في الجراح، بل ألزموا الجاني، كما عند العرب، أن يدفع مبلغًا معلومًا من المال أَرشًا؛ فإن عجز عن ذلك بِيع رقيقًا.
(1) الحماسة ص 450.
(2) الحماسة ص 389.
(3) Freytag: Einleitung in das Studium d. arab. Sprache ص 193.
(4) وإلى هذه النتيجة ينتهي Freytag نفسه: Einleitung إلخ، ص 194. أمّا العرض الذي يقدّمه Saalschütz في كتابه «الشريعة الموسوية» فيَعيبه أنّه يريد في كلّ موضعٍ أن يُظهر الشريعة الموسوية أسمحَ وأرفقَ بالإنسان ممّا هي عليه في الحقيقة.
543وسعى محمّدٌ إلى تضييق الثأر ما استطاع، وإن لم يقدر على إزالته بالكلّية، فقد كان أشدَّ التحامًا بعادات القوم وبطرائق تفكيرهم جميعًا. فأعلن أنّ المسلمين جميعًا إخوة؛ وأراد أن يُقيم بين جميع أفراد جماعة الإسلام الدينية سِلمًا إلهيًّا أبديًّا. وبذلك كان يُراد أن ينتهي الثأر شيئًا فشيئًا. وبهذا المعنى قال في خطبته الأخيرة بمكّة أمام الناس المجتمعين، وقد أحسّ بدنوّ أجله: «احذروا أن تعودوا بعد موتي وثنيّين يقتل بعضكم بعضًا».(1) — وضروب العقوبات كانت في جانبٍ كبير منها هي نفسها التي قرّرتها الشريعة الموسوية من قبل. فعقوبة الرجم في الزنى مأخوذة من الشرع العبري. غير أنّ العمل عند العرب كان هنا أيضًا أرفقَ بكثير: فلا يُقام الرجم إلا بعد إقرار الجاني نفسِه طوعًا ثلاث مرّات، ولا يُوضع في طريقه عائقٌ إن أراد أن ينجو بالفرار. ولا يشتدّ الشرع الإسلامي اشتدادًا فوق العادة إلا في السرقة: فتُقطع يد السارق اليمنى في أوّل مرّةٍ يستحقّ فيها العقوبة، ورجلُه اليسرى في العَود. ولا يوجد هذا الحكم في الشريعة الموسوية ولا في القانون الروماني، والأرجح أنّه مأخوذ عن الفرس، فقد كانوا قبل محمّد يملكون أجزاءً واسعة من بلاد العرب وجلبوا إليها عقوباتهم القاسية.(2)
(1) البخاري (2235): الصحيح، كتاب المغازي رقم 78 (3591)، كتاب الحدود رقم 9، (3631) كتاب الديات رقم 2، (3750) كتاب الفتن رقم 8، (3893) كتاب التوحيد رقم 24 (12). وكلّ هذه الروايات تُعيد الموضع نفسه مع بعض الاختلاف. وفي ذلك دليلٌ على ما أُوليَ هذا القول من عظيم الشأن في وقتٍ مبكّر.
(2) عن القطع من خلاف انظر: دانيال 2: 5؛ سورة 5: 37، 7: 121، 20: 74، 26: 49؛ ثمّ Ewald: die Alterthümer d. Volkes Israel، الطبعة الرابعة، ص 221. وقد ساد
544544 تاسعًا: الشريعة والفقه.
وأمّا عقوبات الحبس فالشرع العربي موافقٌ فيها للموسوي، إذ لم يُقرَّر فيه حبس، وإن كان قد كثُر العمل به جدًّا من الناحية العملية، وفي صورٍ بالغة القسوة في عهد الخلفاء العبّاسيّين. ولم يُجز الشرع العربي الحبس إلا في الدَّين، ويبدو أنّ التشريع الروماني البيزنطي كان مصدره في ذلك، فإجراءات الإفلاس كلّها مأخوذة من هناك. أمّا النفي فكان ضربًا شائعًا من العقوبة. فقد نفى عمر الأوّل (ابن الخطّاب) من سخط عليهم إلى الشام، ثمّ لمّا صارت هذه الولاية مقرَّ الحكم اختِيرت جزيرة دَهْلَك في البحر الأحمر مكانًا للنفي، ولا سيّما في الجرائم السياسية.
وكانت العقوبات البدنية جلدًا بالسياط، كما في الشرع العبري، وهو يجعل أقصاها أربعين جلدة، على حين أنّ أحكام العقوبات العربية، وإن كان لها هذا المقدار المقرَّر نفسه، أجازت مضاعفته في حالاتٍ بعينها.
ولا تُطبَّق عقوبة القتل، على ما جرى عليه العمل الشرعي في أوّل الإسلام، إلا في الزنى، أو سبِّ النبيّ أو الخروج عليه، أو الانتقال من الإسلام إلى دينٍ أجنبي، أو قصاصًا في القتل.(1)
في العمل بأحكام العقوبات العربية عمّا قريبٍ مبدأُ أنّ عقوبة القطع لا تُقام إلا إذا ثبتت إدانةُ الجاني بإقراره هو. بل كان الإقرار لازمًا حتى إذا وُجد المتاع المسروق عنده. (انظر: ألف ليلة وليلة I. ص 80 من طبعة بولاق.) وبذلك فقدت هذه العقوبة الشديدة أيضًا كلَّ معنًى عمليّ، إذ صار في مقدور الجاني من ذلك الحين أن يتخلّص منها.
(1) انظر القرآن: 5: 37، حيث يُذكر عقوبةً للجرائم الكبرى: القتلُ أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل.
01أوّلًا. العبادات.
1. حرم مكّة.
إنّ عقيدة الشعب الدينية وشعائره التعبّدية على صلةٍ من التلاحم بحضارته كلّها، حتى إنّ هذا الوجه من نموّه الروحي لا بدّ أن يؤثّر أعمقَ الأثر وأبعدَه عاقبةً في أشدّ اتّجاهات حياته وإنتاجه تنوّعًا. فالعبادات تطبع نظامَ الدولة كلَّه بطابعٍ لا يُمحى، وهي في الوقت نفسه الفيصلُ في تكوين حياة الأسرة والعلاقات الاجتماعية: فالعبادات تنشأ وتنمو مع الشعب ومع الدولة، وكلاهما، بوصفهما خلقًا متجانسًا، خاضعان لقوانين النموّ والانحلال نفسها.
1. خطبة يزيد الثالث (ص 387—388) وردت عند كريمر بالألمانية، لا بنصّها العربي. وقد ترجمتُها عن الألمانية، ولم أُعِدها إلى صيغة عربية مأثورة ولم أنسب إلى يزيد لفظًا بعينه؛ فما هنا معنى الخطبة كما نقلها كريمر عن Goeje: Fragm. Histor. Arab. I. 150، لا نصّها. وكذلك القول المنسوب إلى القاضي المُثنّى («لا أختار غلامًا للخلافة»). 2. العبارة التي ينقلها كريمر بحروف لاتينية عن كتاب اللُّمَع للأشعري («la jaguzo an jogmi'a-lommata 'alä chatä'in») أعدتُها إلى صورتها العربية «لا يجوز أن تُجمِع الأمّةُ على خطأ»، لأن كريمر نفسه يُثبت اللفظ العربي منقولًا بالحروف اللاتينية؛ فليس هذا إعادةَ إنشاء، بل فكُّ نقلٍ صوتيّ. 3. مصطلحات كريمر أُعيدت إلى أصولها: Wahl = الاختيار، Huldigung = البيعة، Thronfolger = وليّ العهد، Kanzel = المنبر، Hauptmoschee = الجامع، alhab alshortah = أصحاب الشرطة، nakyb alashräf = نقيب الأشراف، Rechtsgelehrter = الفقيه، Staatsrechtslehrer = علماء الأحكام السلطانية. وأسماء اللباس التي ينقلها بنفسه (dorrä'ah, kisä', Abäjah, kalansowah, Kadyb, bordah) أُعيدت إلى الدُّرّاعة والكِساء والعباءة والقَلَنسُوة والقضيب والبُردة. 4. «القاضي المُثنّى»: أبقيتُ صورة كريمر ولم أُعيّن الرجل، إذ لم أتحقّق أيَّ قضاة بغداد أراد؛ وهو يُحيل على ابن الأثير VIII. p. 13. 5. أحكام كريمر على الخوارج («متزمّتين متعصّبين») وعلى الشيعة («إفراط في التقديس يزداد شططًا») وعلى الحرس التركي («المتغطرس») نُقلت كما هي؛ فهي حكمه هو، لا تقريرًا محايدًا. 6. عناوين المصادر الغربية (Gayangos, Goeje, Dozy) والإحالات بأرقامها اللاتينية تُركت على حالها ولم تُمَسّ.
1. Recht في هذا الفصل ليس «الفقه» على إطلاقه: Staatsrecht عند كريمر هو «حقّ الدولة» أي الأحكام السلطانيّة، وقد أُثبت «حقّ الدولة» حفظًا لاصطلاحه هو، مع ردّ ما يترجمه من المصطلحات الفقهيّة إلى أصوله العربيّة: Imämah = الإمامة، ‘akd = العقد، albai‘at alkahrijjah = البيعة القهريّة، Kädy = القاضي، Rechtsgelehrter = الفقيه.
2. شروطُ الإمامة والخلافة والواجباتُ العشرة مترجمةٌ عن صياغة كريمر الألمانيّة، لا منقولةٌ من نصّ «الأحكام السلطانيّة» نفسِه؛ فمن أراد ألفاظ الماوردي فليرجع إلى الكتاب. وقد رُدّت المصطلحاتُ التي لا يُشكّ فيها (إقامة الحدود، أهل الحلّ والعقد، سملُ العينين) إلى صورها المعروفة.
3. تاريخُ وفاة ابن جماعة عند كريمر «773هـ (1371م)»: والمعروف في ترجمة بدر الدين ابن جماعة (وهو صاحب «تحرير الأحكام») أنّه وُلد سنة 639هـ وتوفّي سنة 733هـ. فرقمُ الوفاة عند كريمر مخالفٌ لذلك. وقد أُثبت كما هو ونُبّه عليه هنا دون تصحيحه في المتن.
4. «Shabybijjah» فرقةٌ من الخوارج نسبةً إلى شبيب بن يزيد الشيباني، وقد أُثبتت «الشبيبيّة» على نقل كريمر؛ ولم أُسمِّ المرأة التي يشير إليها لأنّه لم يُسمِّها.
5. عباراتُ كريمر التقويميّة — تشبيهُه علماء العرب بالمفكّرين الألمان، ومقارنتُه دستور الخلافة بدستور بولندا و«حقّ النقض المطلق»، وقولُه إنّ فكرة سلامة الأعضاء دليلٌ على «عِظَم أثر الأفكار اليهوديّة في الإسلام» — نُقلت كما هي بلا تلطيف ولا تعقيب؛ هي أحكامه هو.
6. الفقرةُ المعلَّمة بـ«تتمّة الحاشية» في آخر الصفحة 404 هي تتمّةُ حاشية ابن جماعة المبتدئة في أسفل الصفحة 403، وقد أُبقيت في موضعها من الصفحة حفظًا للمقابلة.
7. عناوينُ كتب كريمر ومراجعه الأوروبيّة (Geschichte d. herrsch. Ideen des Islams، Hammer-Purgstall، Amari) وعبارةُ suffrage universel الفرنسيّة تُركت بحروفها اللاتينيّة كما أوردها.
1) عنوان القسم الأوّل في الأصل المصوَّر مقروءٌ آليًّا «MN.»، وهو تحريفٌ لرقمٍ رومانيّ لا يقوم منه معنى. وعنوان قسم الجُند مطبوعٌ «II.»، مع أنّ ما يليه في الفصل نفسه: «IV. القضاء»، ثمّ «V.»، ثمّ «VI.»، ثمّ «VII.». فرقّمتُ القسمين «ثانيًا» و«ثالثًا» استنادًا إلى هذا التسلسل، وأثبتّ هنا صورة الأصل كما هي حتى لا يُظنّ الترقيم من عندي.
2) «Armentaxe» (ضريبة الفقراء) في حاشية ص 408 رُدّت إلى «الزكاة»، و«Sadakah» أُبقيت «الصدقة» حيث كتبها كريمر منقولةً عن العربية.
3) رَمْز الإحالة عند كريمر «p.» نقلتُه «ص»، والأرقام والمجلّدات كما هي بلا تغيير. وإحالات أماري (Amari) أُبقيت بلغتها الأصلية لأنّها عنوان كتابٍ إيطاليّ.
4) في فقرة الولاية بالاستيلاء يستعمل كريمر مفرداتٍ كنسيّة صريحة: «تزكية رئيس الكهنوت الأعلى» و«معاهدة دينية (Concordat)» و«الراعي الروحيّ الأعلى للإسلام». وهي صياغته هو، لا اصطلاح الفقهاء، فنقلتُها كما هي ولم أستبدل بها اصطلاح «البيعة» ونحوه.
5) حاشية ص 414 وحاشيتا ص 411 و413 تحمل أحكامًا لكريمر على «الدول الشرقية الخالصة» وعلى تفوّق حضارة العرب على خصومهم النصارى؛ نُقلت على وجهها من غير تلطيف.
6) المقطع ينتهي في الأصل في منتصف الجملة، ويتّصل بأوّل المقطع التالي؛ أبقيتُ الانقطاع على حاله.
1) «Abu Garyr Tabary» هكذا في الأصل، وهو الفقيه المؤرّخ محمّد بن جرير الطبري؛ نقلتُه «أبو جرير الطبري» على صورة كريمر ولم أصحّح الكنية إلى «أبي جعفر»، اكتفاءً بالتنبيه هنا.
2) «Obersthofmeisterin» في خبر أمّ المقتدر رُدّت إلى «القهرمانة»، وهو اللفظ الذي كان كريمر يترجمه؛ والخبر عنده من ابن تغري بردي.
3) في حاشية ص 423 يورد كريمر عبارةً عربية بالحروف اللاتينية عن الماوردي (ص 160)، ونصّها المنقول مشوّشٌ لا يستقيم منه لفظٌ مؤكَّد، فأبقيتُه بحروفه كما طبعه ولم أُعِد بناء العبارة العربية، تجنّبًا لنسبة لفظٍ إلى الماوردي لم يثبت. ومعناها بحسب شرح كريمر الألمانيّ: أنّ لوالي المظالم أن يحكم بالإنصاف لا بحرفيّة النصّ، وقد أثبتُّ هذا المعنى في المتن.
4) في فقرة «وفي المقابل كان لصاحب الحسبة…» يكتب كريمر «Polizeichef» بعد أن ظلّ يكتب «Polizeivogt» (المحتسِب)؛ وظاهر السياق أنّه يعني المحتسِب نفسه، فأثبتُّ «صاحب الحسبة» حفظًا لتنويعه في اللفظ من غير أن أُقحم عمل الشرطة، وهو غير الحسبة.
5) حاشية ص 418 تتضمّن مقارنةً من كريمر بأحوال فارس في زمنه؛ نُقلت على وجهها.
6) المقطع يبدأ وينتهي في منتصف جملةٍ في الأصل، ويتّصل بما قبله وبما بعده؛ أبقيتُ الانقطاع على حاله.
1) «Last» في تقدير النصاب رُدّت إلى «الوَسْق»، وذلك بيّنٌ من حاشية كريمر نفسها: الوسق ستّون صاعًا، والصاع خمسة أرطالٍ وثلثٌ بالعراقيّ. وكذلك رُدّت «Mitkäl» إلى «المثقال»، و«mawäshy» إلى «المواشي»، و«zoru‘» إلى «الزروع»، و«bokul» إلى «البقول».
2) في باب المعادن يجعل كريمر «sofr» تعريبًا لـ«Messing» (الصُّفر/النحاس الأصفر)، ثمّ يجعلها في موضعٍ لاحق (ص 444) تعريبًا لـ«Kupfer» (النحاس). نقلتُ كلًّا منهما في موضعه ولم أوحّد بينهما.
3) يقرّر كريمر في الكنوز الجاهلية المدفونة (الرِّكاز) أنّ الواجب فيها 2.5 في المئة. والمعروف في كتب الأحكام أنّ في الرِّكاز الخُمس. أثبتُّ نصّه كما هو ولم أصحّحه، وهذا تنبيهٌ عليه لا غير.
4) العبارات المئوية عند كريمر (10%، 5%، 2½%) نُقلت بلفظها، ووُضع إلى جانبها الاصطلاح الشرعيّ الذي كان يترجمه: العُشر، ونصف العُشر، وربع العُشر.
5) «die Herzbesänftigten» رُدّت إلى «المؤلَّفة قلوبهم» لأنّ كريمر يصرّح بأنّها عبارة القرآن، و«abnä’-alsabyl» إلى «أبناء السبيل».
1) «Belehnung / iktä‘» رُدّت إلى «الإقطاع»، و«harym» إلى «الحريم»، و«himä» إلى «الحمى»، و«maräfik» إلى «المرافق»، و«kossäm» إلى «القُسّام»، و«Mokäsamah» إلى «المقاسمة». وهذه كلّها ألفاظٌ يُثبتها كريمر منقولةً عن العربية بين قوسين.
2) «Sofjän Taury» هو سفيان الثوريّ، و«Abu Jusof: Denkschrift Fol. 11» أُبقيت إحالةً إلى رسالة أبي يوسف بورقتها كما أثبتها كريمر.
3) «Weichbild» في كلامه على مكّة والمدينة رُدّت إلى «الحرم»، و«läbatäni» إلى «اللابتين».
4) في باب المعادن يترجم كريمر «sofr» هنا بـ«Kupfer» (النحاس)، وقد ترجمها في ص 429 بـ«Messing» (الصُّفر)؛ نقلتُ كلًّا منهما في موضعه ونبّهتُ على الاختلاف.
5) حاشية ص 436 تتضمّن ملاحظةً من كريمر عن زيّ نصارى مصر ويهودها في زمنه؛ نُقلت على وجهها.
1) الاصطلاحات التي يُثبتها كريمر منقولةً عن العربية رُدّت إلى أصولها: «‘abbärah» عَبّارة، «kanawät» القنوات، «anhär» الأنهار، «harym» الحريم، «himä» الحِمى، «maräfik» المرافق، «nikäbat alashräf» نقابة الأشراف، «salät alnadb» صلاة النَّدْب، «sawäd» السواد، «Amyr alhagg» أمير الحجّ، «nakyb» النقيب، «‘aryf» العريف، «dofu‘» الدفوع، «Kätib aldywän» كاتب الديوان.
2) «Adelsmarschall» (مارشال النبلاء) اصطلاحٌ أوروبيّ استعاره كريمر لمنصب النقيب؛ ردّه إلى «النقيب» و«نقيب النقباء» هو المراد، وقد صرّح هو نفسه بالأصل العربيّ في عنوان الفقرة.
3) «Karawanserais (Chane)» نُقلت «الخانات (الكاروانسرايات)»، وهي عند كريمر لفظٌ فارسيّ-تركيّ لا عربيّ.
4) حاشية ص 449 عن صديقه الشيخ النحّاس ببيروت، وحاشية ص 450 عن تركيا وفارس في زمنه: أحكامٌ لكريمر نُقلت على وجهها.
5) إحالة ابن خلدون «Allgem. Geschichte III. 134» أُبقيت بمجلّدها وصفحتها كما هي، ولم أستبدل بها عنوان «العِبَر» لأنّ كريمر يُحيل إلى طبعةٍ بعينها.
6) المقطع يبدأ في منتصف جملةٍ في الأصل ويتّصل بما قبله؛ أبقيتُ الانقطاع على حاله.
1) ترقيم القسم الأخير: يقرأ الأصل «XI.» في العنوانين معًا، «تنظيم ديوان حساب الدولة» و«أحكام الشرطة والجنايات»، وهو تكرارٌ لا يستقيم. فأثبتُّ الثاني «ثاني عشر» استنادًا إلى التسلسل، ونبّهتُ عليه هنا حتى لا يُظنّ الترقيم من عندي.
2) صيغتا اللِّعان في هذا المقطع مترجَمتان عن صياغة كريمر الألمانية، لا منقولتان عن نصٍّ عربيّ. فلم أضع مكانهما الصيغة المتداولة في كتب الفقه ولا ألفاظ الآيات، لأنّ ذلك يكون نسبةَ لفظٍ إلى مصدرٍ لم يُثبته كريمر. و«N. N.» عنده كنايةٌ عن اسمٍ مبهم، نقلتُها «فلان».
3) الاصطلاحات المنقولة عن العربية عند كريمر رُدّت إلى أصولها: «hadd» الحدّ، «ta‘zyr» التعزير، «li‘än» اللِّعان، «chamr» الخمر، «nabyd» النبيذ، «igtihäd» الاجتهاد، «‘oshr» العُشر، «charäg» الخراج، «Mokäsamah» المقاسمة، «sadakah» الصدقة. و«Aerar» نُقلت «بيت المال».
4) «Omar’s II. Hirtenbrief» في حاشية ص 462: المراد رسالة عمر بن عبد العزيز (عمر الثاني عند كريمر)، وقد أحال إلى كتابه هو Culturgeschichtliche Streifzüge؛ أبقيتُ عنوان الكتاب بلغته.
5) حاشيتا ص 459 وص 464 تتضمّنان حكمين صريحين لكريمر: أنّ حضارة المشرق في القرن الحادي عشر الميلاديّ سبقت حضارة أوروبا، وأنّ قول أبي حنيفة أوّل نطقٍ في المشرق بالمساواة أمام القانون. نُقلتا على وجههما من غير تلطيفٍ ولا تعقيب.
6) المقطع ينتهي في منتصف جملةٍ في الأصل ويتّصل بما بعده؛ أبقيتُ الانقطاع على حاله.
— «القصاص لا يجري في قتل الأخِ أخاه»: هذا نصُّ كريمر ونُقل كما هو. والمعروف في المذاهب السنّية أنّ سقوط القصاص إنّما هو في قتل الوالد ولده، لا الأخ أخاه؛ فالأرجح أنّ في العبارة خطأً من المؤلّف، ولم يُصحَّح في المتن. — «فإن لم يستطع أطعم فقيرًا سنتين»: كذا في الأصل الألمانيّ. والمقرَّر في كفّارة القتل إطعامُ ستّين مسكينًا؛ نُقل كلامُ كريمر كما هو ولم يُعدَّل. — البيتان في ختم الفصل الثامن («رماديةٌ… كلُّ نظرية») نُقلا عن الألمانية لا عن أصلٍ عربيّ: هما من «فاوست» لغوته على لسان مِفِستوفيليس، أوردهما كريمر بلا عزو. — «Nota» أُبقيت بلفظها ورقمها كما في الأصل، وأُبقيت الإحالاتُ الأوروبية (Querry، de Slane، صفحات الماوردي) على صورتها من غير إعادة تنسيق.
— «Ibn Monaggim»: لم أستطع تعيينَ صاحب هذا الاسم على وجه اليقين، ولا يرد في المعجم الملزِم، فأُبقيت صورةُ كريمر كما هي ولم يُخترع لها مقابلٌ عربيّ. وخبرُ تأليف تاريخٍ سنة 131هـ يحتاج إلى تحقيق. — نصُّ الحديث المنقول عن الموطّأ أُثبت بلفظه العربيّ الثابت («إن كان رسول الله ﷺ ليصلّي الصبح فينصرف النساء متلفّعات بمروطهنّ ما يُعرفن من الغلس»)، لا مترجَمًا عن ألمانية كريمر؛ وقد قُوبل اللفظُ على المصادر (شرح السنّة للبغوي، والمقدّمات الممهّدات لابن رشد الجدّ، والإيماء إلى أطراف الموطّأ) فوافقها. — «Kitäb al’i’tisäm bilkitab walsonnah» رُدّ إلى «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» من صحيح البخاري، وأُبقي رقمُ الإحالة (3846) وأرقامُ الأجزاء والصفحات في المصادر الأوروبية على حالها من غير إعادة تنسيق. — أحكامُ كريمر على الحديث وأهله (الوضع، «سلاح كليل») نُقلت كما هي من غير تلطيف، وهي رأيُه لا تقريرٌ منّي. ولفظُه «Orthodoxie» رُدّ إلى «أهل السنّة»، وهو مراده في مقابلته بالمعتزلة؛ ونقلُه «أرثوذكسية» يُوهم الكنيسةَ الشرقية ولا يفيد معناه.
— «كانت رَجُلةً من جهة العقل»: ترجمةٌ عن ألمانية كريمر. والمثلُ العربيّ الذي يحيل عليه عبر معجم لِين (مادّة رجل) هو قولُ الجوهريّ في «الصحاح»: «ويقال: كانت عائشة رضي الله عنها رَجُلةَ الرأي»، وقد آثرتُ نقلَ صيغة كريمر في المتن وإثباتَ اللفظ العربيّ الثابت هنا. — نصُّ افتتاح مالكٍ لكتاب المواريث أُثبت على الصيغة المطّردة في الموطّأ («الأمرُ المجتمَع عليه عندنا… الذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا»)، وهي عبارةُ مالكٍ المعروفة التي كان كريمر يترجمها. — أحكامُ كريمر (دسُّ ابن عبّاس للأحاديث، «صنعةُ النبوّة» عند عائشة، وصفُ الفقه المبكّر بأنّه فقهُ نوازل) نُقلت كما هي بلا تلطيف.
— الأبياتُ التي يغنّيها جارُ أبي حنيفة نُقلت عن ألمانية كريمر لا عن أصلٍ عربيّ، على ما تقتضيه قاعدةُ هذه الترجمة. وأصلُها المرجَّح قولُ العَرْجيّ: «أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا / ليومِ كريهةٍ وسِدادِ ثغرِ // وخلّوني لمعتركِ المنايا / وقد شرعت أسنّتُها بنحري»، وهو مثبتٌ في «تاريخ دمشق» لابن عساكر و«شمس العلوم» لنشوان الحميريّ؛ وأثبتُّه هنا تعريفًا بالأصل لا إحلالًا له محلَّ ترجمة كريمر. — «مذكّرة إلى الخليفة هارون الرشيد»: هكذا يصف كريمر عنوانَ كتاب أبي يوسف. والكتابُ المقصود هو «كتاب الخراج»، وقد أُبقي وصفُ كريمر في المتن ولم يُستبدل به الاسمُ المعروف. — «Hammer-Purgstall: Lit. Gesch. d. Araber IX. 173»: كذا في الأصل، والأرجح أنّه خطأٌ مطبعيّ عن III كما في سائر إحالات الكتاب نفسه؛ أُبقيت الإحالةُ كما هي. — أحكامُ كريمر على الحنابلة («أشدّ الفرق تزمّتًا وتعصّبًا») وعلى الشرع المحمّديّ في المخالفين في الدين نُقلت كما هي بلا تلطيف؛ وهي رأيُه لا تقريرٌ منّي.
— «دراهم Weisssud»: كذا في مطبوعة كريمر، ولم أستطع تعيين المصطلح ولا الوثوق بأنّه سليمٌ من تحريف الطباعة أو القراءة الآلية؛ أُبقيت صورتُه ولم يُخترَع له مقابلٌ عربيّ. — «حزب ديمقراطيّي الإسلام»: تعبيرُ كريمر، ويريد به الخوارج فيما يظهر من السياق (الحزبُ المتطرّف الآخر في مقابل الشيعة). نُقل تعبيرُه كما هو ولم يُستبدل به الاسمُ الاصطلاحيّ. — حواشي الصفحتين 500 و501 و502 يمتدّ بعضُها من صفحةٍ إلى ما بعدها في الأصل؛ أُثبتت التتمّاتُ برقمها الأصليّ مع كلمة «تتمّة» حفاظًا على الترقيم. — «Vermögensteuer» رُدّت إلى «زكاة المال»، و«Zeugnisse/Eide/Eingeständniss» إلى «الشهادات والأيمان والإقرار»، و«hagr» إلى «الحَجْر»؛ وهي ردودٌ يقتضيها المعجم الملزِم، إذ يترجم كريمر المصطلحات ولا ينقلها.
1. مصطلحاتُ العقود مردودةٌ كلُّها إلى أصولها العربيّة التي كان كريمر يترجم عنها، لا منقولةٌ نقلًا حرفيًّا عن ألفاظه الألمانيّة أو اللاتينيّة: Assignation = الحوالة (المحيل، المحتال، المحتال عليه)، Schenkung = الهبة، Bevollmächtigung = الوكالة، Commanditvertrag = المضاربة، Ackerbauvertrag = المزارعة، Gärtnereivertrag = المساقاة، Vorkaufsrecht = الشُّفعة، Miethvertrag = الإجارة، Pfandvertrag = الرهن، Vormundschaft und Curatel = الوصاية والحَجْر. وقد أثبت كريمر نفسُه أكثرها منقولةً بالحروف اللاتينيّة (hibah، wakälah، modärabah، hagr) فوافقت.
2. النصّان اللاتينيّان (نصّ الـ Digesta في الرهن، والـ capitis diminutio والـ cura minorum) والمصطلح اليونانيّ προτίμησις أُبقيت بحروفها كما أوردها كريمر، لأنّ الحجّة كلَّها قائمةٌ على المطابقة اللفظيّة بين الحدَّين.
3. «كلُّ ما جاز بيعُه جاز رهنُه»: هذه هي العبارة التي نقلها كريمر بالحروف اللاتينيّة عن أبي شجاع (kollo mä gäza bai‘oho gäza rahnoho)، فرُدّت إلى رسمها العربيّ؛ وهي نقلٌ عن نصٍّ أثبته هو، لا إعادةَ بناءٍ منّي.
4. Shaibäny هو محمّد بن الحسن الشيبانيّ صاحبُ أبي حنيفة، وقد أُثبت «الشيبانيّ» على ما يقتضيه سياقُ ذكره دائمًا مقرونًا بأبي يوسف. وAbu Jusof هو أبو يوسف الفقيه الحنفيّ، لا غيرُه.
5. قولُ كريمر إنّ الردّة «كانت تستتبع الموت المدنيّ» تعبيرٌ من تعبيرات القانون الأوروبيّ (bürgerlicher Tod) استعمله في وصف حكمٍ فقهيّ، وقد نُقل كما هو ولم يُستبدل به مصطلحٌ فقهيّ عربيّ، لأنّه اصطلاحُه هو لا اصطلاحُ الفقهاء.
6. عبارةُ «societas omnium bonorum» و«societas quaestus et lucri» موازناتٌ لاتينيّةٌ من عند كريمر لشركة المفاوضة وشركة الوجوه، أُبقيت إلى جانب المصطلحين العربيّين كما وضعها.
7. المراجعُ الأوروبيّة (Keijzer, Puchta) وعنوانُ ترجمة أبي شجاع الفرنسيّ تُركت بحروفها اللاتينيّة صونًا لجهاز الإحالات.
8. السطر «v. Kremer, Culturgeschichte des Orients. 33» وعلامةُ الملزمة «*33» من أسفل الصفحة لا من المتن، وقد أُبقيا.
1. «Kodury» هو أبو الحسين القُدوري صاحب «المختصر»، وهو أحد مصادر كريمر الفقهية الحنفية الرئيسة؛ و«Shaibäny» هو محمد بن الحسن الشيباني، و«Zofar» هو زُفَر بن الهذيل. أثبتُّ الأسماء على صورها العربية المعروفة. 2. المصطلحات التي يترجمها كريمر إلى مجرَّدات ألمانية أُعيدت إلى أصلها العربي: Heirathsgut = المهر/الصداق، ‘Iddahzeit = العدّة، Ebenbürtigkeit = الكفاءة، Loskauf = الخلع، Polizeivogt = صاحب الشُّرطة، Vermögenssteuer (Armentaxe) = زكاة المال، kijäs = القياس. 3. «10 Dirham (10 fres)» — التقدير بالفرنكات من كريمر نفسه، أبقيتُه كما هو. 4. تنتهي هذه القطعة عند الرقم 3 من تعداد الوارثات من الإناث؛ التعداد مقطوعٌ في الأصل عند حدّ الصفحة ويستأنف في القسم التالي. 5. «Mäwardy: Capitel über die Polizeivogtei» — كريمر يحيل إلى باب الشرطة من «الأحكام السلطانية»؛ أبقيتُ إحالته على وجهها ولم أُصحّحها.
1. تنتهي هذه القطعة في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («… بالاحتكاك بالحضارة الرومانية»)، وتمامها في مطلع القسم التالي: «إلى العرب». 2. «du sahm» عند كريمر = ذوو السهام، وهم أصحاب الفروض المقدَّرة؛ و«dawu ’arhäm» = ذوو الأرحام؛ و«’Asabah» = العصبة. أعدتُ هذه إلى ألفاظها العربية. 3. «Mälik’s Sammlung des medynensischen Gemeinrechtes» و«sein corpus juris» — يعني كريمر مجموعة مالك في فقه أهل المدينة؛ لم أُسمِّها في المتن كي لا أضيف إلى الأصل ما ليس فيه. 4. يقول كريمر إنّ الأوزاعي والشافعي «وُلد كلاهما في الشام»؛ والمعروف أنّ الشافعي وُلد بغزّة، وهي داخلة في «سوريا» بالمعنى الجغرافي الواسع الذي يستعمله كريمر. أثبتُّ قوله على وجهه ولم أُصحّحه. 5. «alitbät ‘ala-l-modda‘y» — هي صيغة كريمر للقاعدة، ونصُّها المشهور «البيّنة على المدّعي»، وهو المثبَت في المتن. 6. أرقام الأجزاء والصفحات في الإحالات (Querry II. 326، Ibn Taghrybardy I. p. 326 …) إحالاتٌ لا أرقامَ كمّية، فتُركت على صورتها من غير فواصل. 7. حيث كتب كريمر المصطلح العربي بالحروف اللاتينية (bolugh، ikrär، kijäs) أُثبت المصطلحُ العربي وحده، إذ لا معنى لإعادة نقله الصوتيّ إلى قارئٍ عربيّ؛ أمّا اللاتينيّ واليونانيّ (cura minorum، confessus pro judicato est، do ut des، ἐπίτροπος، διαθήκη) فأُبقي بحروفه لأنّ الحجّة قائمةٌ عليه.
1. تنتهي هذه القطعة في وسط الجملة عند حدّ الصفحة («… أو إن شئتَ،»)، وتمامها في مطلع القسم التالي: «الكهرباء الموجبة والسالبة». 2. الخطبة الأخيرة بمكّة: كريمر يورد الحديث بصيغةٍ ألمانية، فترجمتُه عن ألمانيته لا عن نصٍّ عربيّ، ولم أُثبت له لفظًا عربيًّا مأثورًا؛ وإحالاته إلى «صحيح البخاري» مثبتةٌ كما هي في الحاشية. 3. المصطلحات المُعادة إلى أصلها: Sühngeld (dijah) = الدية، Wiedervergeltung = القصاص، Blutrache = الثأر، Genussehe (nikäh almot‘ah) = نكاح المتعة، Heirathsgut = المهر، Der orthodoxe Islam = أهل السنّة، Der Cultus = العبادات. 4. «Omar I.» — ترقيمُ كريمر للخلفاء المسمَّين عمر؛ أثبتُّه وأضفتُ بين قوسين ما يُعيّنه. 5. «Loosen mit Pfeilen» — الاستقسام بالأزلام؛ وصفُ كريمر للسهم يعود «نظيفًا» أو «ملطَّخًا بالدم» أثبتُّه على وجهه من غير تعقيب.